######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0001464 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: القاضي محمد بن عبد الله أبو بكر بن العربي المعافري الاشبيلي المالكي (المتوفى: 543هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 543 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: أحكام القرآن #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: علوم القرآن #META# 022.BookVOLS :: 4 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0001464 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-1464 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/1464 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الثالثة، 1424 هـ - 2003 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | [مقدمة الكتاب] # . . . . الطبري شيخ الدين فجاء فيه بالعجب العجاب، ونثر فيه ألباب ~~الألباب، وفتح فيه لكل من جاء بعده إلى معارفه الباب؛ فكل أحد غرف منه على ~~قدر إنائه، وما نقصت قطرة من مائه، وأعظم من انتقى منه الأحكام بصيرة: ~~القاضي أبو إسحاق، فاستخرج دررها، واستحلب دررها، وإن كان قد غير أسانيدها ~~لقد ربط معاقدها، ولم يأت بعدهما من يلحق بهما. # ولما من الله سبحانه بالاستبصار في استثارة العلوم من الكتاب العزيز حسب ~~ما مهدته لنا المشيخة الذين لقينا، نظرناها من ذلك المطرح، ثم عرضناها على ~~ما جلبه العلماء، وسبرناها بعيار الأشياخ. # فما اتفق عليه النظر أثبتناه، وما تعارض فيه شجرناه، وشحذناه حتى خلص ~~نضاره وورق عراره. # فنذكر الآية، ثم نعطف # PageV01P003 # على كلماتها بل حروفها، فنأخذ بمعرفتها مفردة، ثم نركبها على أخواتها ~~مضافة، ونحفظ في ذلك قسم البلاغة، ونتحرز عن المناقضة في الأحكام ~~والمعارضة، ونحتاط على جانب اللغة، ونقابلها في القرآن بما جاء في السنة ~~الصحيحة، ونتحرى وجه الجميع؛ إذ الكل من عند الله، وإنما بعث محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - ليبين للناس ما نزل إليهم، ونعقب على ذلك بتوابع لا بد من ~~تحصيل العلم بها منها، حرصا على أن يأتي القول مستقلا بنفسه، إلا أن يخرج ~~عن الباب فنحيل عليه في موضوعه مجانبين للتقصير والإكثار، وبمشيئة الله ~~نستهدي، فمن يهد الله فهو المهتدي لا رب غيره. # PageV01P004 ### | [سورة الفاتحة فيها خمس آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم] ### | الآية الأولى [قوله تعالى]: # {بسم الله الرحمن الرحيم} # [الفاتحة: 1] فيها مسألتان: المسألة الأولى: قوله تعالى: {بسم الله ~~الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1]. # اتفق الناس على أنها آية من كتاب الله تعالى في سورة النمل، واختلفوا في ~~كونها في أول كل سورة، فقال مالك وأبو حنيفة: ليست في أوائل السور بآية، ~~وإنما هي استفتاح ليعلم بها مبتدؤها. # وقال الشافعي: هي آية في أول الفاتحة، قولا واحدا؛ وهل تكون آية في أول ~~كل سورة؟ اختلف قوله في ذلك؛ فأما القدر الذي يتعلق بالخلاف من ms0001 قسم التوحيد ~~والنظر في القرآن وطريق إثباته قرآنا، ووجه اختلاف المسلمين في هذه الآية ~~منه، فقد استوفيناه في كتب الأصول، وأشرنا إلى بيانه في مسائل الخلاف، ~~ووددنا أن الشافعي لم يتكلم في هذه المسألة، فكل مسألة له ففيها إشكال ~~عظيم. # ونرجو أن الناظر في كلامنا فيها سيمحي عن قلبه ما عسى أن يكون قد سدل من ~~إشكال به. # PageV01P005 # فائدة الخلاف: وفائدة الخلاف في ذلك الذي يتعلق بالأحكام أن قراءة ~~الفاتحة شرط في صحة الصلاة عندنا، وعند الشافعي، خلافا لأبي حنيفة حيث ~~يقول: إنها مستحبة، فتدخل {بسم الله الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] في الوجوب ~~عند من يراه، أو في الاستحباب [كذلك]. # ويكفيك أنها ليست بقرآن للاختلاف فيها، والقرآن لا يختلف فيه، فإن إنكار ~~القرآن كفر. # فإن قيل: ولو لم تكن قرآنا لكان مدخلها في القرآن كافرا؛ قلنا: الاختلاف ~~فيها يمنع من أن تكون آية، ويمنع من تكفير من يعدها من القرآن؛ فإن الكفر ~~لا يكون إلا بمخالفة النص والإجماع في أبواب العقائد. # فإن قيل: فهل تجب قراءتها في الصلاة؟ قلنا: لا تجب، فإن أنس بن مالك - ~~رضي الله عنه - روى «أنه صلى خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي ~~بكر وعمر، فلم يكن أحد منهم يقرأ: {بسم الله الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] ~~ونحوه عن عبد الله بن مغفل». # فإن قيل: الصحيح من حديث أنس: فكانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب ~~العالمين، وقد قال الشافعي: معناه أنهم كانوا لا يقرءون شيئا قبل الفاتحة. # قلنا: وهذا يكون تأويلا لا يليق بالشافعي لعظيم فقهه، وأنس وابن مغفل ~~إنما قالا هذا ردا على من يرى قراءة: {بسم الله الرحمن الرحيم} [الفاتحة: ~~1] فإن قيل: فقد روى جماعة قراءتها، وقد تولى الدارقطني جميع ذلك في جزء ~~صححه. # قلنا: لسنا ننكر الرواية، لكن مذهبنا يترجح بأن أحاديثنا؛ وإن كانت أقل ~~فإنها أصح، وبوجه عظيم وهو المعقول في مسائل كثيرة من الشريعة، وذلك أن ~~مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P006 # بالمدينة انقضت عليه العصور، ومرت عليه الأزمنة من لدن ms0002 زمان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إلى زمان مالك، ولم يقرأ أحد [قط] # فيه {بسم الله الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] اتباعا للسنة. # بيد أن أصحابنا استحبوا قراءتها في النفل، وعليه تحمل الآثار الواردة في ~~قراءتها. ### | [مسألة لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب] # المسألة الثانية: ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «قال ~~الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ~~ولعبدي ما سأل يقول العبد: الحمد لله رب العالمين يقول الله تعالى: حمدني ~~عبدي يقول العبد: الرحمن الرحيم يقول الله تعالى: أثنى علي عبدي يقول ~~العبد: مالك يوم الدين يقول تعالى: مجدني عبدي يقول العبد: إياك نعبد وإياك ~~نستعين يقول الله تعالى فهذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل يقول ~~العبد: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ~~ولا الضالين يقول الله: فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل». # فقد تولى سبحانه قسمة القرآن بينه وبين العبد بهذه الصفة، فلا صلاة لمن ~~لم يقرأ بفاتحة الكتاب، وهذا دليل قوي، مع أنه ثبت في الصحيح عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». # PageV01P007 # وثبت عنه أنه قال: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج ~~ثلاثا غير تمام». ### | [الآية الثانية الحمد لله رب العالمين والثالثة إياك نعبد وإياك نستعين] # الآية الثانية قوله تعالى: {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] اعلموا ~~علمكم الله المشكلات أن البارئ تعالى حمد نفسه، وافتتح بحمده كتابه، ولم ~~يأذن في ذلك لأحد من خلقه، بل نهاهم في محكم كتابه، فقال: {فلا تزكوا ~~أنفسكم} [النجم: 32] ومنع بعض الناس من أن يسمع مدح بعض له، أو يركن إليه، ~~وأمرهم برد ذلك، وقال: «احثوا في وجوه المداحين التراب» رواه المقداد ~~وغيره. # PageV01P008 # وكأن في مدح الله لنفسه وحمده لها وجوها منها ثلاث أمهات: الأول: أنه ~~علمنا كيف نحمده، وكلفنا حمده والثناء عليه؛ إذ لم يكن لنا سبيل إليه إلا ~~به. # الثاني: أنه قال بعض ms0003 الناس معناه: قولوا: الحمد لله، فيكون فائدة ذلك ~~التكليف لنا، وعلى هذا تخرج قراءة من قرأ بنصب الدال في الشاذ. # الثالث: أن مدح النفس إنما نهي عنه لما يدخل عليها من العجب بها، والتكثر ~~على الخلق من أجلها، فاقتضى ذلك الاختصاص بمن يلحقه التغير، ولا يجوز منه ~~التكثر، وهو المخلوق، ووجب ذلك للخالق؛ لأنه أهل الحمد. # وهذا هو الجواب الصحيح، والفائدة المقصودة. # الآية الثالثة قوله تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5] فيها ~~مسألتان: # المسألة الأولى: يقول الله تعالى: فهذه الآية بيني وبين عبدي، وقد روينا ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأسندنا لكم، «أنه قال: قال الله تعالى: ~~يا ابن آدم، أنزلت عليك سبعا، ثلاثا لي وثلاثا لك، وواحدة بيني وبينك؛ فأما ~~الثلاث التي لي: ف {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] {الرحمن الرحيم} ~~[الفاتحة: 3] {مالك يوم الدين} [الفاتحة: 4] وأما الثلاث التي لك ف {اهدنا ~~الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6] {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ~~ولا الضالين} [الفاتحة: 7] وأما الواحدة التي بيني وبينك ف {إياك نعبد ~~وإياك نستعين} [الفاتحة: 5]» يعني: من العبد العبادة، ومن الله سبحانه ~~العون. # PageV01P009 ### | [مسألة أقوال العلماء في قراءة المأموم الفاتحة] # المسألة الثانية: أقوال العلماء في قراءة المأموم الفاتحة: قال أصحاب ~~الشافعي: هذا يدل على أن المأموم يقرؤها، وإن لم يقرأها فليس له حظ في ~~الصلاة لظاهر هذا الحديث. # ولعلمائنا في ذلك ثلاثة أقوال: الأول: يقرؤها إذا أسر خاصة قاله ابن ~~القاسم. # الثاني: قال ابن وهب وأشهب في كتاب محمد: لا يقرأ. # الثالث: قال محمد بن عبد الحكم: يقرؤها خلف الإمام، فإن لم يفعل أجزأه، ~~كأنه رأى ذلك مستحبا، والمسألة عظيمة الخطر، وقد أمضينا القول في مسائل ~~الخلاف في دلائلها بما فيه غنية. # والصحيح عندي وجوب قراءتها فيما يسر وتحريمها فيما جهر إذا سمع قراءة ~~الإمام، لما عليه من فرض الإنصات له، والاستماع لقراءته؛ فإن كان عنه في ~~مقام بعيد فهو بمنزلة صلاة السر؛ لأن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بقراءتها عام في كل صلاة وحالة، وخص ms0004 من ذلك حالة الجهر بوجوب فرض الإنصات، ~~وبقي العموم في غير ذلك على ظاهره، وهذه نهاية التحقيق في الباب، والله ~~أعلم. ### | [الآية الرابعة والخامسة قوله تعالى اهدنا الصراط المستقيم إلخ] # الآية الرابعة والخامسة قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: ~~6] {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} [الفاتحة: 7] ~~فيها سبع مسائل: # المسألة الأولى: في عدد آياتها: لا خلاف أن الفاتحة سبع آيات، فإذا عددت ~~فيها {بسم الله الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 1] آية اطرد العدد، وإذا أسقطتها ~~تبين تفصيل العدد فيها. # قلنا: إنما الاختلاف بين أهل العدد في قوله: {أنعمت عليهم} [الفاتحة: 7] ~~هل هو خاتمة # PageV01P010 # آية أو نصف آية؟ ويركب هذا الخلاف في عد {بسم الله الرحمن الرحيم} ~~[الفاتحة: 1] # والصحيح أن قوله: {أنعمت عليهم} [الفاتحة: 7] خاتمة آية؛ لأنه كلام تام ~~مستوفى، فإن قيل: فليس بمقفى على نحو الآيات [قبله] # قلنا: هذا غير لازم في تعداد الآي، واعتبره بجميع سور القرآن وآياته تجده ~~صحيحا إن شاء الله تعالى كما قلنا ### | [مسألة التأمين خلف الإمام] # المسألة الثانية: التأمين خلف الإمام: ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: «إذا قال الإمام: {غير المغضوب عليهم ولا الضالين} [الفاتحة: 7] ~~فقولوا: آمين؛ فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر الله له ما تقدم من ~~ذنبه». # وثبت عنه أنه قال: «إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق قوله قول ~~الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه». # فترتيب المغفرة للذنب على أربع مقدمات ذكر منها ثلاثا، وأمسك عن واحدة؛ ~~لأن ما بعدها يدل عليها: # PageV01P011 # المقدمة الأولى: تأمين الإمام. # الثانية: تأمين من خلفه. # الثالثة: تأمين الملائكة. # الرابعة: موافقة التأمين. # فعلى هذه المقدمات الأربع تترتب المغفرة. # وإنما أمسك عن الثالثة # اختصارا لاقتضاء الرابعة لها فصاحة؛ وذلك يكون في البيان للاسترشاد ~~والإرشاد، ولا يصح ذلك مع جدل أهل العناد، وقد بيناه في أصول الفقه. ### | [مسألة الخلاف في قول آمين بعد الفاتحة] # المسألة الثالثة: اختلف في قوله: (آمين)، فقيل: هو على وزن فاعيل، كقوله: ~~يا مين، وقيل فيه: أمين على وزن ms0005 يمين؛ الأولى ممدودة، والثانية مقصورة، ~~وكلاهما لغة، والقصر أفصح وأخصر، وعليها من الخلق الأكثر. ### | [مسألة معنى لفظ آمين] # المسألة الرابعة: معنى لفظ آمين: في تفسير هذه اللفظة: وفي ذلك ثلاثة ~~أقوال: قيل: إنها اسم من أسماء الله تعالى، ولا يصح نقله ولا ثبت قوله. # الثاني: قيل معناه اللهم استجب، وضعت موضع الدعاء اختصارا. # الثالث: قيل معناه كذلك يكون، والأوسط أصح وأوسط. ### | [مسألة ما حسدكم أهل الكتاب على شيء كما حسدوكم على قولكم آمين] # المسألة الخامسة: هذه كلمة لم تكن لمن قبلنا، خصنا الله سبحانه بها، في ~~الأثر عن ابن عباس، أنه قال: " ما حسدكم أهل الكتاب على شيء كما حسدوكم على ~~قولكم: آمين ". # PageV01P012 ### | [مسألة تأمين المصلي] # المسألة السادسة: تأمين المصلي: في تأمين المصلي، ولا يخلو أن يكون إماما ~~أو مأموما أو منفردا، فأما المنفرد فإنه يؤمن # اتفاقا. # وأما المأموم فإنه يؤمن في صلاة السر لنفسه إذا أكمل قراءته، وفي صلاة ~~الجهر إذا أكمل القراءة إمامه يؤمن. # وأما الإمام فقال مالك: لا يؤمن، ومعنى قوله عنده إذا أمن الإمام: إذا ~~بلغ مكان التأمين، كقولهم: أنجد الرجل إذا بلغ نجدا، وقال ابن حبيب: يؤمن. # قال ابن بكير: هو بالخيار، فإذا أمن الإمام فإن الشافعي قال: يؤمن ~~المأموم جهرا، وأبو حنيفة وابن حبيب يقولان: يؤمن سرا. # والصحيح عندي تأمين الإمام جهرا؛ فإن ابن شهاب قال: «وكان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول آمين»، خرجه البخاري ومسلم وغيرهما. # وفي البخاري: «حتى إن للمسجد للجة من قول الناس آمين». # وفي كتاب الترمذي: «وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول آمين، ~~حتى يسمع من الصف»، وكذلك رواه أبو داود. # وروي عن وائل بن الأوزاعي: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما فرغ من ~~قراءة الفاتحة قال: آمين، يرفع بها صوته». # PageV01P013 ### | [مسألة فضل الفاتحة] # المسألة السابعة: فضل الفاتحة: ليس في أم القرآن حديث يدل على فضلها إلا ~~حديثان: أحدهما: حديث: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين». # الثاني: حديث أبي بن كعب: «لأعلمنك سورة ما أنزل ms0006 في التوراة ولا في ~~الإنجيل ولا في الفرقان مثلها». # وليس في القرآن حديث صحيح في فضل سورة إلا قليل سنشير إليه، وباقيها لا ~~ينبغي لأحد منكم أن يلتفت إليها. # PageV01P014 ### | [سورة البقرة وفيها تسعون آية] ### | [الآية الأولى الذين يؤمنون بالغيب] # سورة البقرة اعلموا وفقكم الله أن علماءنا قالوا: إن هذه السورة من أعظم ~~سور القرآن؛ سمعت بعض أشياخي يقول: فيها ألف أمر، وألف نهي، وألف حكم، وألف ~~خبر، ولعظيم فقهها أقام عبد الله بن عمر ثماني سنين في تعلمها، وقد أوردنا ~~ذلك عليكم مشروحا في الكتاب الكبير في أعوام، وليس في فضلها حديث صحيح إلا ~~من طريق أبي هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تجعلوا ~~بيوتكم مقابر وإن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا يدخله شيطان» خرجه ~~الترمذي. # وعدم الهدى وضعف القوى وكلب الزمان على الخلق بتعطيلهم وصرفهم عن الحق، ~~والذي حضر الآن من أحكامها في هذا المجموع تسعون آية: الآية الأولى: قوله ~~تعالى: {الذين يؤمنون بالغيب} [البقرة: 3] فيها مسألتان: المسألة الأولى: ~~{يؤمنون} [البقرة: 3]: قد بينا حقيقة الإيمان في كتب الأصول، ومنها تؤخذ ~~المسألة الثانية: حقيقة الغيب واختلاف العلماء فيه: قوله: {بالغيب} ~~[البقرة: 3]. # وحقيقته ما غاب عن الحواس مما لا يوصل إليه إلا بالخبر دون النظر، ~~فافهموه. # PageV01P015 # وقد اختلف العلماء فيه على أربعة أقوال: الأول: ما ذكرناه كوجوب البعث، ~~ووجود الجنة ونعيمها وعذابها والحساب. # الثاني: بالقدر. # الثالث: بالله تعالى. # الرابع: يؤمنون بقلوبهم الغائبة عن الخلق لا بألسنتهم التي يشاهدها ~~الناس، معناه: ليسوا بمنافقين، وكلها قوية إلا الثاني والثالث فإنه يدرك ~~بصحيح النظر، فلا يكون غيبا حقيقة، وهذا الأوسط، وإن كان عاما فإن مخرجه ~~على الخصوص. # والأقوى هو الأول؛ أنه الغيب الذي أخبر به الرسول - عليه السلام - مما لا ~~تهتدي إليه العقول، والإيمان بالقلوب الغائبة عن الخلق، ويكون موضع المجرور ~~على هذا رفعا، وعلى التقدير الأول يكون نصبا، كقولك: مررت بزيد، ويجوز أن ~~يكون الأول مقدرا نصبا، كأنه يقول: جعلت قلبي محلا للإيمان، وذلك الإيمان ~~بالغيب عن ms0007 الخلق. # وكل هذه المعاني صحيحة لا يحكم له بالإيمان ولا بحمى الذمار، ولا يوجب له ~~الاحترام، إلا باجتماع هذه الثلاث؛ فإن أخل بشيء منها لم يكن له حرمة ولا ~~يستحق عصمة. ### | [الآية الثانية قوله تعالى ويقيمون الصلاة] # } [البقرة: 3] فيها مسألتان: # المسألة الأولى: قال علماؤنا: في ذكر الصلاة في هذه الآية قولان: # PageV01P016 # أحدهما: أنها مجملة، وأن الصلاة لم تكن معروفة عندهم حتى بينها النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -. الثاني: أنها عامة في متناول الصلاة حتى خصها النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - بفعله المعلوم في الشريعة. # وقد استوفينا القول في ذلك عند ذكر أصول الفقه، والصحيح عندي أن كل لفظ ~~عربي يرد مورد التكليف في كتاب الله عز وجل مجمل موقوف بيانه على رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - إلا أن يكون معناه محدودا لا يتطرق إليه اشتراك؛ ~~فإن تطرق إليه اشتراك، واستأثر الله عز وجل برسوله - صلى الله عليه وسلم - ~~قبل بيانه، فإنه يجب طلب ذلك في الشريعة على مجمله، فلا بد أن يوجد، ولو ~~فرضنا عدمه لارتفع التكليف به، وذلك تحقق في موضعه. # وقد قال عمر - رضي الله عنه - في دون هذا أو مثله: " ثلاث وددت أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - كان عهد إلينا فيها عهدا ننتهي إليه: الجد، ~~والكلالة، وأبواب من أبواب الربا ". # فتبين من هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أسري به، وفرض عليه ~~الصلاة، ونزل سحرا جاءه جبريل - عليه السلام - عند صلاة الظهر فصلى به ~~وعلمه، ثم وردت الآيات بالأمر بها والحث عليها؛ فكانت واردة بمعلوم على ~~معلوم، وسقط ما ظنه هؤلاء من الموهوم. # المسألة الثانية {ويقيمون} [البقرة: 3]: فيه قولان: الأول: يديمون فعلها ~~في أوقاتها، من قولك: شيء قائم، أي دائم. # والثاني: معناه يقيمونها بإتمام أركانها واستيفاء أقوالها وأفعالها، وإلى ~~هذا المعنى أشار عمر بقوله: " من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها ~~فهو لما سواها أضيع ". ### | [الآية الثالثة قوله تعالى ومما رزقناهم ينفقون] # } [البقرة: 3] # PageV01P017 # فيها مسألتان: المسألة الأولى: في اشتقاق النفقة: وهي ms0008 عبارة عن الإتلاف، ~~ولتأليف " نفق " في لسان العرب معان، أصحها الإتلاف، وهو المراد هاهنا، ~~يقال نفق الزاد ينفق إذا فني، وأنفقه صاحبه: أفناه، وأنفق القوم: فني ~~زادهم، ومنه قوله تعالى: {إذا لأمسكتم خشية الإنفاق} [الإسراء: 100] # المسألة الثانية: في وجه هذا الإتلاف: وذلك يختلف، إلا أنه لما اتصل ~~بالمدح تخصص من إجماله جملة. # وبعد ذلك التخصيص اختلف العلماء فيه على خمسة أقوال: الأول: أنه الزكاة ~~المفروضة، عن ابن عباس. # الثاني: أنه نفقة الرجل على أهله قاله ابن مسعود. # الثالث: صدقة التطوع قاله الضحاك. # الرابع: أنه وفاء الحقوق الواجبة العارضة في المال باختلاف الأحوال ما ~~عدا الزكاة. # الخامس: أن ذلك منسوخ بالزكاة. # التوجيه: أما وجه من قال: " إنه الزكاة " فنظر إلى أنه قرن بالصلاة، ~~والنفقة المقترنة [في كتاب الله تعالى] بالصلاة هي الزكاة. # وأما من قال: إنه النفقة على عياله فلأنه أفضل النفقة. # روي «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال له رجل: عندي دينار: قال: ~~أنفقه على نفسك قال: عندي آخر، قال: أنفقه على أهلك»، وذكر الحديث، فبدأ ~~بالأهل بعد النفس. # PageV01P018 # وفي الصحيح «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الصدقة على القرابة ~~صدقة وصلة» # وأما من قال: إنه صدقة التطوع فنظر إلى أن الزكاة لا تأتي إلا بلفظها ~~المختص بها، وهو الزكاة، فإذا جاءت بلفظ الصدقة احتملت الفرض والتطوع، وإذا ~~جاءت بلفظ الإنفاق لم يكن إلا التطوع. # وأما من قال: إنه في الحقوق العارضة في الأموال ما عدا الزكاة فنظر إلى ~~أن الله تعالى لما قرنه بالصلاة كان فرضا، ولما عدل عن لفظها كان فرضا ~~سواها. # وأما من قال: إنه منسوخ فنظر إلى أنه لما كان بهذا الوجه فرضا سوى ~~الزكاة، وجاءت الزكاة المفروضة فنسخت كل صدقة جاءت في القرآن، كما نسخ صوم ~~رمضان كل صوم، ونسخت الصلاة كل صلاة. # ونحو هذا جاء في الأثر التنقيح: إذا تأمل اللبيب المنصف هذه التوجيهات ~~تحقق أن الصحيح المراد بقوله: {يؤمنون بالغيب} [البقرة: 3]: كل غيب أخبر به ~~الرسول - صلى الله عليه وسلم ms0009 - أنه كائن، وقوله: {ويقيمون الصلاة} [البقرة: ~~3]: عام في كل صلاة فرضا كانت أو نفلا. # وقوله: {ومما رزقناهم ينفقون} [البقرة: 3] عام في كل نفقة، وليس في قوة ~~هذا الكلام القضاء بفرضية ذلك كله، وإنما علمنا الفرضية في الإيمان والصلاة ~~والنفقة من دليل آخر، وهذا القول بمطلقه يقتضي مدح ذلك كله خاصة كيفما كانت ~~صفته. # PageV01P019 ### | [الآية الرابعة قوله تعالى ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين] # } [البقرة: 8]. # المراد بهذه الآية: المراد بهذه الآية وما بعدها المنافقون الذين أظهروا ~~الإيمان، وأسروا الكفر، واعتقدوا أنهم يخدعون الله تعالى، وهو منزه عن ذلك ~~فإنه لا يخفى عليه شيء. # وهذا دليل على أنهم لم يعرفوه، ولو عرفوه لعرفوا أنه لا يخدع، وقد تكلمنا ~~عليه في موضعه. # والحكم المستفاد هاهنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقتل ~~المنافقين مع علمه بهم وقيام الشهادة عليهم أو على أكثرهم. # اختلاف العلماء في سبب عدم قتل المنافقين: واختلف العلماء في ذلك على ~~ثلاثة أقوال: الأول: أنه لم يقتلهم؛ لأنه لم يعلم حالهم سواه، وقد اتفق ~~العلماء عن بكرة أبيهم على أن القاضي لا يقتل بعلمه، وإن اختلفوا في سائر ~~الأحكام هل يحكم بعلمه أم لا؟. # الثاني: أنه لم يقتلهم لمصلحة وتألف القلوب عليه لئلا تنفر عنه. # وقد أشار هو - صلى الله عليه وسلم - إلى هذا المعنى، فقال: «أخاف أن ~~يتحدث الناس أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - يقتل أصحابه». # الثالث: قال أصحاب الشافعي: إنما لم يقتلهم لأن الزنديق وهو الذي يسر ~~الكفر # PageV01P020 # ويظهر الإيمان يستتاب ولا يقتل. # وهذا وهم من علماء أصحابه؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستتبهم، ~~ولا يقول أحد: إن استتابة الزنديق غير واجبة. # وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - معرضا عنهم، مع علمه بهم، فهذا ~~المتأخر من أصحاب الشافعي الذي قال: إن استتابة الزنديق جائزة # قال ما لم يصح قولا واحدا. # وأما قول من قال: إنه لم يقتلهم؛ لأن الحاكم لا يقضي بعلمه في الحدود، ~~فقد قتل بالمجذر بن زياد ms0010 بعلمه الحارث بن سويد بن الصامت؛ لأن المجذر قتل ~~أباه سويدا يوم بعاث، فأسلم الحارث، وأغفله يوم أحد الحارث فقتله، فأخبر به ~~جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقتله به؛ لأن قتله كان غيلة، وقتل ~~الغيلة حد من حدود الله عز وجل. # القول الصحيح: والصحيح: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أعرض عنهم ~~تألفا ومخافة من سوء المقالة الموجبة للتنفير، كما سبق من قوله. # وهذا كما كان يعطي الصدقة للمؤلفة قلوبهم مع علمه بسوء اعتقادهم تألفا ~~لهم، أجرى الله سبحانه أحكامه على الفائدة التي سنها إمضاء لقضاياه بالسنة ~~التي لا تبديل لها. # PageV01P021 ### | [الآية الخامسة قوله تعالى الذي جعل لكم الأرض فراشا] # } [البقرة: 22]. # قال أصحاب الشافعي: لو حلف رجل لا يبيت على فراش، ولا يستسرج سراجا، فبات ~~على الأرض، وجلس في الشمس لم يحنث؛ لأن اللفظ لا يرجع إليهما عرفا. # وأما علماؤنا فبنوه على أصلهم في الأيمان أنها محمولة على النية، أو ~~السبب، أو البساط، التي جرت عليه اليمين، فإن عدم ذلك فالعرف، وبعد أن لم ~~يكن ذلك على مطلق اللفظ في اللغة، وذلك محقق في مسائل الخلاف. # والأصل في ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الأعمال بالنية، ولكل ~~امرئ ما نوى». # وهذا عام في العبادات والمعاملات، وهذا حديث غريب اجتمعت فيه فائدتان: # PageV01P022 # إحداهما: تأسيس القاعدة. # والثانية: عموم اللفظ، في كل حكم منوي. # والذي يقول إنه إن حلف ألا يفترش فراشا وقصد بيمينه الاضطجاع، أو حلف ألا ~~يستصبح، ونوى ألا ينضاف إلى نور عينيه نور يعضده، فإنه يحنث بافتراش الأرض، ~~والتنور بالشمس، وهذا حكم جار على الأصل. ### | [الآية السادسة قوله تعالى هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا] # } [البقرة: 29]. # لم تزل هذه الآية مخبوءة تحت أستار المعرفة حتى هتكها الله عز وجل بفضله ~~لنا، وقد تعلق كثير من الناس بها في أن أصل الأشياء الإباحة، إلا ما قام ~~عليه دليل بالحظر، واغتر به بعض المحققين # وتابعهم عليه. # وقد حققناها في أصول الفقه بما الإشارة إليه أن الناس اختلفوا ms0011 في هذه ~~الآية على ثلاثة أقوال: الأول: أن الأشياء كلها على الحظر حتى يأتي دليل ~~الإباحة. # الثاني: أنها كلها على الإباحة حتى يأتي دليل الحظر. # الثالث: أن لا حكم لها حتى يأتي الدليل بأي حكم اقتضي فيها. # والذي يقول بأن أصلها إباحة أو حظر اختلف منزعه في دليل ذلك؛ فبعضهم تعلق ~~فيه بدليل العقل، ومنهم من تعلق بالشرع. # والذي يقول: إن طريق ذلك الشرع قال: الدليل على الحكم بالإباحة قوله ~~تعالى: # PageV01P023 # {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} [البقرة: 29] فهذا سياق القول في ~~المسألة إلى الآية. # فأما سائر الأقسام المقدمة فقد أوضحناها في أصول الفقه، وبينا أنه لا حكم ~~للعقل، وأن الحكم للشرع؛ ولكن ليس لهذه الآية في الإباحة ودليلها مدخل ولا ~~يتعلق بها محصل. # وتحقيق ذلك أن الله تعالى إنما ذكر هذه الآية في معرض الدلالة، والتنبيه ~~على طريق العلم والقدرة وتصريف المخلوقات بمقتضى التقدير والإتقان بالعلم ~~وجريانها في التقديم والتأخير بحكم الإرادة. # وعاتب الله تعالى الكفار على جهالتهم بها، فقال: {أئنكم لتكفرون بالذي ~~خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين} [فصلت: 9] {وجعل ~~فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء ~~للسائلين} [فصلت: 10]. # فخلقه سبحانه وتعالى الأرض، وإرساؤها بالجبال، ووضع البركة فيها، وتقدير ~~الأقوات بأنواع الثمرات وأصناف النبات إنما كان لبني آدم؛ تقدمة لمصالحهم، ~~وأهبة لسد مفاقرهم، فكان قوله تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} ~~[البقرة: 29] مقابلة الجملة بالجملة؛ للتنبيه على القدرة المهيئة لها ~~للمنفعة والمصلحة، وأن جميع ما في الأرض إنما هو لحاجة الخلق؛ والبارئ ~~تعالى غني عنه متفضل به. # وليس في الإخبار بهذه العبارة عن هذه الجملة ما يقتضي حكم الإباحة، ولا ~~جواز التصرف؛ فإنه لو أبيح جميعه جميعهم جملة منثورة النظام لأدى ذلك إلى ~~قطع الوصائل والأرحام، والتهارش في الحطام. # PageV01P024 # وقد بين لهم طريق الملك، وشرح لهم مورد الاختصاص، وقد اقتتلوا وتهارشوا ~~وتقاطعوا؛ فكيف لو شملهم التسلط وعمهم الاسترسال؛ وإنما يجب على الخلق إذا ms0012 ~~سمعوا هذا النداء أن يخروا سجدا؛ شكرا لله تعالى لهذه الحرمة لحق ما ذلك من ~~نعمه، ثم يتوكفوا بعد ذلك سؤال وجه الاختصاص لكل واحد بتلك المنفعة. # ونظير هذا من المتعارف بين الخلق على سبيل التقريب لتفهيم الحق ما قال ~~حكيم لبنيه: قد أعددت لكم ما عندي من كراع وسلاح ومتاع وعرض وقرض لما كان ~~ذلك مقتضيا لتسليطهم عليه كيف شاءوا حتى يكون منه بيان كيفية اختصاصهم. # وقد قال الله سبحانه: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن ~~سمعت، ولا خطر على قلب بشر» # يعني في الجنة، فلا يصل أحد منهم إليه إلا بتبيان حظه منه وتعيين اختصاصه ~~به. ### | [الآية السابعة قوله تعالى وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات] # } [البقرة: 25]. # قال علماؤنا: البشارة هي: الإخبار عن المحبوب، والنذارة هي: الإخبار ~~بالمكروه، وذلك في البشارة يقتضي أول مخبر بالمحبوب، ويقتضي في النذارة كل ~~مخبر. # PageV01P025 # وترتب على هذا مسألة من الأحكام، وذلك كقول المكلف: من بشرني من عبيدي ~~بكذا فهو حر. # فاتفق العلماء على أن أول مخبر له به يكون عتيقا دون الثاني. # ولو قال: من أخبرني من عبيدي بكذا فهو حر، فهل يكون الثاني مثل الأول أم ~~لا؟ اختلف الناس فيه؛ فقال أصحاب الشافعي: يكون حرا؛ لأن كل واحد منهم ~~مخبر. # وعند علمائنا لا يكون به حرا؛ لأن الحالف إنما قصد خبرا يكون بشارة، وذلك ~~يختص بالأول، وهذا معلوم عرفا، فوجب صرف اللفظ إليه. # فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {فبشرهم بعذاب أليم} [آل عمران: 21] ~~فاستعمل البشارة في المكروه. # فالجواب: أنهم كانوا يعتقدون أنهم يحسنون، وبحسب ذلك كان نظرهم للبشرى، ~~فقيل لهم: بشارتكم على مقتضى اعتقادكم عذاب أليم. # فخرج اللفظ على ما كانوا يعتقدون أنهم محسنون، وبحسب ذلك كان نظر له على ~~الحقيقة، كقوله تعالى: {أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا} ~~[الفرقان: 24] ### | [الآية الثامنة قوله تعالى الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه] # } [البقرة: 27] # العهد على قسمين: # PageV01P026 # أحدهما: فيه الكفارة، والآخر لا كفارة فيه، فأما الذي فيه الكفارة فهو ms0013 ~~الذي يقصد به اليمين على الامتناع عن الشيء أو الإقدام عليه. # وأما العهد الثاني: فهو العقد الذي يرتبط به المتعاقدان على وجه يجوز في ~~الشريعة، ويلزم في الحكم، إما على الخصوص بينهما، وإما على العموم على ~~الخلق، فهذا لا يجوز حله، ولا يحل نقضه، ولا تدخله كفارة، وهو الذي يحشر ~~ناكثه غادرا، ينصب له لواء بقدر غدرته، يقال: هذه غدرة فلان. # وأما مالك فيقول: العهد باليمين، لم يجز حله؛ لأجل العقد، وهو المراد ~~بقوله تعالى: {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا} ~~[النحل: 91] وهذا ما لا اختلاف فيه. ### | [الآية التاسعة قوله تعالى وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس] # } [البقرة: 34] # اتفقت الأمة على أن السجود لآدم لم يكن سجود عبادة، وإنما كان على أحد ~~وجهين: إما سلام الأعاجم بالتكفي والانحناء والتعظيم، وإما وضعه قبلة ~~كالسجود للكعبة وبيت المقدس، وهو الأقوى؛ لقوله في الآية الأخرى: {فقعوا له ~~ساجدين} [الحجر: 29]. # ولم يكن على معنى التعظيم؛ وإنما صدر على وجه الإلزام للعبادة، واتخاذه ~~قبلة، وقد نسخ الله تعالى جميع ذلك في هذه الملة. ### | [الآية العاشرة قوله تعالى ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين] # } [البقرة: 35]. # فيها مسألتان: # PageV01P027 # المسألة الأولى: جاء في كتاب التفسير أن إبليس حاول آدم على أكلها، فلم ~~يقدر عليه، وحاول حواء، فخدعها فأكلت فلم يصبها مكروه، فجاءت آدم فقالت له: ~~إن الذي تكره من الأكل قد أتيته فما نالني مكروه. # فلما عاين ذلك آدم اغتر فأكل، فحلت بهما النقمة والعقوبة، وذلك لقول الله ~~سبحانه: {ولا تقربا هذه الشجرة} [البقرة: 35] فجمعهما في النهي، فلذلك لم ~~تنزل بهما العقوبة حتى وجد المنهي عنه منهما جميعا. # واستدل بهذا بعض العلماء على أن من قال لزوجتيه أو أمتيه: إن دخلتما علي ~~الدار فأنتما طالقتان أو حرتان أن الطلاق والعتق لا يقع بدخول إحداهما. # وقد اختلف علماؤنا رحمة الله عليهم في ذلك على ثلاثة أقوال: # فقال ابن القاسم: لا تطلقان ولا تعتقان إلا باجتماعهما في الدار في ~~الدخول، حملا على هذا ms0014 الأصل، وأخذا بمقتضى مطلق اللفظ. # وقال مرة أخرى: تعتقان جميعا، وتطلقان جميعا بوجود الدخول من إحداهما؛ ~~لأن بعض الحنث حنث، كما لو حلف ألا يأكل هذين الرغيفين، فإنه يحنث بأكل ~~أحدهما، بل بأكل لقمة منهما حسبما بيناه في أصول المسائل. # وقال أشهب: تعتق وتطلق التي دخلت وحدها؛ لأن دخول كل واحدة منهما شرط في ~~طلاقها أو عتقها. # وقد قال مالك في كتاب محمد بن المواز فيمن قال لزوجته: إن وضعت فأنت طالق # PageV01P028 # وهي حامل، فوضعت ولدا، وبقي في بطنها آخر: إنها لا تطلق حتى تضع الآخر. # وقال مرة أخرى: تطلق بوضع الأول. # والصحيح أن اليمين إن لم يكن لها نية وبساط يقتضي ذلك من الجمع بينهما أو ~~بساط أو نية، فإن القول قول أشهب، ويشبه أن يكون هذا من علمائنا اختلاف حال ~~لا اختلاف قول؛ فأما الحكم بطلاقهما أو عتقهما معا بدخول واحدة منهما ~~فبعيد؛ لأن بعض الشرط لا يكون شرطا إجماعا، وأما [الحكم] بالحنث بأكل بعض ~~الرغيفين؛ فلأنه محلوف عليه، وبعض الحنث حنث حقيقة؛ لأن الاجتناب الذي عقده ~~لا يوجد منه. ### | [مسألة كيف أكل آدم من الشجرة] # المسألة الثانية: قوله تعالى: {هذه الشجرة} [البقرة: 35]: اختلف الناس ~~كيف أكل آدم من الشجرة على خمسة أقوال: الأول: أنه أكلها سكران # قاله سعيد بن المسيب. # الثاني: أنه أكل من جنس الشجرة لا من عينها، كأن إبليس غره بالأخذ ~~بالظاهر، وهي أول معصية عصى الله بها على هذا القول فاجتنبوه؛ فإن في اتباع ~~الظاهر على وجهه هدم الشريعة حسبما بيناه في غير ما موضع، وخصوصا في كتاب ~~النواهي عن الدواهي. # PageV01P029 # الثالث: أنه حمل النهي على التنزيه دون التحريم. # الرابع: أنه أكل متأولا؛ لرغبة الخلد، ولا يجوز تأويل ما يعود على ~~المتأول بالإسقاط. # الخامس: أنه أكل ناسيا. # فأما القول الأول بأنه أكلها سكران: فتعلق به بعض الناس في أن أفعال ~~السكران معتبرة في الأحكام والعقوبات، وأنه لا يعذر في فعل؛ بل يلزمه حكم ~~كل فعل، كما يلزم الصاحي، كما ألزم الله تعالى آدم حكم ms0015 الخلاف في المعصية ~~مع السكر. # وقد اختلف علماؤنا في أفعال السكران على ثلاثة أقوال: أحدهما: أنها ~~معتبرة. # الثاني: أنها لغو. # الثالث: أن العقود غير معتبرة كالنكاح، وأن الحل معتبر كالطلاق، ولذا إذا ~~أكل من جنسها فدليل على أنه إذا حلف ألا يأكل من هذا الخبز فأكل من جنسه ~~حنث. # وتحقيق المذاهب فيه أن أكثر العلماء قالوا: لا حنث عليه. # وقال مالك وأصحابه: إن اقتضى بساط اليمين تعيين المشار إليه لم يحنث بأكل ~~جنسه، وإن اقتضى بساط اليمين أو سببها أو نيتها الجنس حمل عليه، وحنث بأكل ~~غيره، وعليه حملت قصة آدم؛ فإنه نهي عن شجرة عينت له، وأريد به جنسها، فحمل ~~القول على اللفظ دون المعنى كما تقدم. # وقد اختلف علماؤنا في فرع من هذا، وهو أنه إذا حلف ألا يأكل هذه الحنطة ~~فأكل خبزا منها على قولين: فقال في الكتاب: إنه يحنث؛ لأنها هكذا تؤكل. # PageV01P030 # وقال ابن المواز: لا شيء عليه؛ لأنه لم يأكل حنطة، وإنما أكل خبزا، فراعى ~~الاسم والصفة. # ولو قال في يمينه: لا آكل من هذه الحنطة لحنث بأكل الخبز المعمول منها. # وأما حمل النهي على التنزيه فهي وإن كانت مسألة من أصول الفقه وقد بيناها ~~في موضعها، فقد سقط ذلك هاهنا فيها لقوله تعالى: {فتكونا من الظالمين} ~~[البقرة: 35] فقرن النهي بالوعيد؛ ولا خلاف مع ذلك فيه. # وكيف يصح أن يقال له لا تأكلها فتكون من الظالمين، ويرجو أن يكون من ~~الخالدين؟ وأما قوله: إنه أكلها ناسيا فسيأتي في سورة طه إن شاء الله ~~تعالى. # التنقيح: أما القول بأن آدم أكلها سكران ففاسد نقلا وعقلا: أما النقل ~~فلأن هذا لم يصح بحال، وقد نقل عن ابن عباس: " أن الشجرة التي نهي عنها ~~الكرم "، فكيف ينهى عنها ويوقعه الشيطان فيها، وقد وصف الله خمر الجنة ~~بأنها لا غول فيها، فكيف توصف بغير صفتها التي أخبر الله تعالى بها عنها في ~~القرآن. # وأما العقل؛ فلأن الأنبياء بعد النبوة منزهون عما يؤدي إلى الإخلال ~~بالفرائض واقتحام الجرائم. # وأما سائر ms0016 التوجيهات فمحتملة، وأظهرها الثاني، والله أعلم. ### | [الآية الحادية عشرة قوله تعالى وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة] # } [الأعراف: 22] # PageV01P031 # روي أنه لما أكل آدم من الشجرة سلخ عن كسوته، وخلع من ولايته، وحط عن ~~مرتبته، فلما نظر إلى سوأته منكشفة قطع الورق من الثمار وسترها، وهذا هو نص ~~القرآن. # وفي ذلك مسألتان: [المسألة الأولى بأي شيء سترها؟]: # فقالت طائفة: سترها بعقله حين رأى ذلك من نفسه منكشفا، منهم: القدرية، ~~وبه قال أقضى القضاة الماوردي. # ومنهم من قال: إنه سترها استمرارا على عادته، ومنهم من قال: إنما سترها ~~بأمر الله. # فأما من قال: إنه سترها بعقله فإنه بناها على أن العقل يوجب ويحظر ويحسن # PageV01P032 # ويقبح، وهو جهل عظيم بيناه في أصول الفقه، وقد وهي أقضى القضاة في ذلك، ~~إلا أنه يحتمل أنه سترها من ذات نفسه من غير أن يوجب ذلك عليه شيء، فيرجع ~~ذلك إلى القول الثاني أنه سترها عادة. # وأما من قال: إنه سترها بأمر الله، فذلك صحيح لا شك فيه؛ لأن الله تعالى ~~لما خلق آدم - عليه السلام - علمه الأسماء وعرفه الأحكام فيها، وأسجل له ~~بالنبوة، ومن جملة الأحكام ستر العورة. # المسألة الثانية: ممن سترها؟ ولم يكن معه إلا أهله الذين ينكشف عليهم ~~وينكشفون عليه. # ؟ وقد قدمنا في مسائل الفقه وشرح الحديث وجوب ستر العورة وأحكامها ~~[ومحلها]، ويحتمل أن يكون آدم سترها من زوجه بأمر جازم في شرعه، أو بأمر ~~ندب، كما هو عندنا. # ويحتمل أن يكون ما رأى سترها إلا لعدم الحاجة إلى كشفها؛ لأنه كان من ~~شرعه أنه لا يكشفها إلا للحاجة. # ويجوز أنه كان مأمورا بسترها في الخلوة، «وقد أمر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بسترها في الخلوة، وقال: الله أحق أن يستحى منه». وذلك مبين في ~~موضعه. # وبالجملة فإن آدم لم يأت من ذلك شيئا إلا بأمر من الله لا بمجرد عقل، إذ ~~قد بينا فساد اقتضاء العقل لحكم شرعي. # PageV01P033 ### | [الآية الثانية عشرة قوله تعالى وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين] # } [البقرة: 43] # كان من ms0017 أمر الله سبحانه بالصلاة والزكاة والركوع أمر بمعلوم متحقق سابق ~~للفعل بالبيان، وخص الركوع؛ لأنه كان أثقل عليهم من كل فعل. وقيل: إنه ~~الانحناء لغة، وذلك يعم الركوع والسجود # ، وقد كان الركوع أثقل شيء على القوم في الجاهلية، حتى قال بعض من أسلم ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم -: على ألا أخر إلا قائما، فمن تأوله: على ألا ~~أركع، فلما تمكن الإسلام من قلبه اطمأنت بذلك نفسه. # ويحتمل أن يكونوا أمروا بالزكاة؛ لأنها معلومة في كل دين من الأديان، فقد ~~قال الله تعالى مخبرا عن إسماعيل - عليه السلام -: {وكان يأمر أهله بالصلاة ~~والزكاة وكان عند ربه مرضيا} [مريم: 55] ثم بين لهم مقدار الجزء الذي يلزم ~~بذله من المال. # والزكاة مأخوذة من النماء، يقال: زكاة الزرع إذا نما، ومأخوذة من ~~الطهارة، يقال: زكاة الرجل، إذا تطهر عن الدناءات. ### | [الآية الثالثة عشرة قوله تعالى فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم] # } [البقرة: 59] # قال بعض علمائنا: قيل لهم قولوا حطة، فقالوا: سقماثاه أزه هذبا، معناه ~~حبة مقلوة في شعرة مربوطة، استخفافا منهم بالدين ومعاندة للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - والحق. # وقد قال بعض من تكلم في القرآن: إن هذا الذم يدل على أن تبديل الأقوال ~~المنصوص عليها لا يجوز. # PageV01P034 # وهذا الإطلاق فيه نظر؛ وسبيل التحقيق فيه أن نقول: إن الأقوال المنصوص ~~عليها في الشريعة لا يخلو أن يقع التعبد بلفظها، أو يقع التعبد بمعناها، ~~فإن كان التعبد وقع بلفظها فلا يجوز تبديلها. # وإن وقع التعبد بمعناها جاز تبديلها بما يؤدي ذلك المعنى، ولا يجوز ~~تبديلها بما يخرج عنه، ولكن لا تبديل إلا باجتهاد. # ومن المستقل بالمعنى # المستوفي لذلك العالم بأن اللفظين الأول والثاني المحمول عليه طبق ~~المعنى. # وبنو إسرائيل قيل لهم قولوا: حطة، أي اللهم احطط عنا ذنوبنا. # فقالوا استخفافا: حبة مقلوة في شعرة [فبدلوه بما لا يعطي معناه]. # ولو بدلوه بما لا يعطى معناه جدا لم يجز؛ فهذا أعظم في الباطل وهو ~~الممنوع المذموم منهم. ويتعلق بهذا المعنى نقل الحديث بغير لفظه ms0018 إذا أدى ~~معناه. # وقد اختلف الناس في ذلك؛ فالمروي عن واثلة بن الأسقع جوازه؛ قال: ليس كل ~~ما أخبرنا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ننقله بلفظه؛ حسبكم المعنى. # وقد بينا في أصول الفقه؛ وأذكر لكم فيه فصلا بديعا؛ وهو أن هذا الخلاف ~~إنما يكون في عصر الصحابة ومنهم، وأما من سواهم فلا يجوز لهم تبديل اللفظ ~~بالمعنى، وإن استوفى ذلك المعنى؛ فإنا لو جوزناه لكل أحد لما كنا على ثقة ~~من الأخذ بالحديث؛ إذ كل أحد إلى زماننا هذا قد بدل ما نقل، وجعل الحرف بدل ~~الحرف فيما رواه؛ فيكون خروجا من الإخبار بالجملة. # والصحابة بخلاف ذلك فإنهم اجتمع فيهم أمران عظيمان: أحدهما: الفصاحة ~~والبلاغة؛ إذ جبلتهم عربية، ولغتهم سليقة. # PageV01P035 # والثاني: أنهم شاهدوا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وفعله، فأفادتهم ~~المشاهدة عقل المعنى جملة، واستيفاء المقصد كله؛ وليس من أخبر كمن عاين. # ألا تراهم يقولون في كل حديث: أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بكذا، ونهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كذا، ولا يذكرون لفظه، ~~وكان ذلك خبرا صحيحا ونقلا لازما؛ وهذا لا ينبغي أن يستريب فيه منصف ~~لبيانه. ### | [الآية الرابعة عشرة قوله تعالى إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة] # الآية الرابعة عشرة قوله سبحانه: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا ~~أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} [البقرة: 67] # هذه الآية عظيمة الموقع، مشكلة في النظر؛ لتعلقها بالأصول ومن الفروع ~~بالكلام في الدم، وفي كل فصل إشكال، وذلك ينحصر في خمس مسائل: # المسألة الأولى: في سبب ذلك: روي عن بني إسرائيل أنه كان فيها من قتل ~~رجلا غيلة بسبب مختلف فيه؛ وطرحه بين قوم، وكان قريبه، فادعى به عليهم، ~~ترافعوا إلى موسى - عليه السلام - فقال له القاتل: قتل قريبي هذا هؤلاء ~~القوم، وقد وجدته بين أظهرهم، فانتفوا من ذلك، وسألوا موسى - عليه السلام - ~~أن يحكم بينهم برغبة إلى الله تعالى في تبيين الحق لهم؛ فدعا موسى - عليه ~~السلام - ربه تعالى؛ فأمرهم ms0019 بذبح بقرة وأخذ عضو من أعضائها يضرب به الميت ~~فيحيا فيخبرهم بقاتله؛ فسألوا عن أوصافها وشددوا فشدد الله سبحانه عليهم ~~حتى انتهوا إلى صفتها المذكورة في القرآن، فطلبوا تلك البقرة فلم يجدوها ~~إلا عند رجل بر بأبويه أو بأحدهما؛ فطلب منهم فيها مسكها مملوءا ذهبا، ~~فبذلوه فيها، فاستغنى ذلك الرجل بعد فقره، وذبحوها فضربوه ببعضها، فقال: ~~فلان قتلني، لقاتله. # PageV01P036 ### | [مسألة الحديث عن بني إسرائيل] # المسألة الثانية: في الحديث عن بني إسرائيل: # كثر استرسال العلماء في الحديث عنهم في كل طريق، وقد ثبت عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج». # ومعنى هذا [الخبر] الحديث عنهم بما يخبرون [به] عن أنفسهم وقصصهم لا بما ~~يخبرون به عن غيرهم؛ لأن أخبارهم عن غيرهم مفتقرة إلى العدالة والثبوت إلى ~~منتهى الخبر، وما يخبرون به عن أنفسهم، فيكون من باب إقرار المرء على نفسه ~~أو قومه؛ فهو أعلم بذلك. # وإذا أخبروا عن شرع لم يلزم قوله؛ ففي رواية مالك، عن «عمر - رضي الله ~~عنه - أنه قال: رآني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا أمسك مصحفا قد ~~تشرمت حواشيه، فقال: ما هذا؟ قلت: جزء من التوراة؛ فغضب وقال: والله لو كان ~~موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي». ### | [مسألة هل شرع من قبلنا من الأنبياء شرع لنا حتى يثبت نسخه أم لا] # المسألة الثالثة: # أخبرهم سبحانه في هذه القصة عن حكم جرى في زمن موسى - عليه السلام - هل ~~يلزمنا حكمه أم لا؟: # PageV01P037 # اختلف الناس في ذلك، والمسألة تلقب بأن شرع من قبلنا من الأنبياء هل هو ~~شرع لنا حتى يثبت نسخه أم لا؟ في ذلك خمسة أقوال: الأول: أنه شرع لنا ~~ولنبينا؛ لأنه كان متعبدا بالشريعة معنا، وبه قال طوائف من المتكلمين، وقوم ~~من الفقهاء؛ واختاره الكرخي # ونص عليه ابن بكير القاضي من علمائنا. # وقال القاضي عبد الوهاب: هو الذي تقتضيه أصول مالك ومنازعه في كتبه، ~~وإليه ميل الشافعي - رحمه الله -. # الثاني: أن التعبد وقع بشرع إبراهيم - عليه السلام ms0020 - واختاره جماعة من ~~أصحاب الشافعي. # الثالث: أنا تعبدنا بشرع موسى - عليه السلام -. # الرابع: أنا تعبدنا بشرع عيسى - عليه السلام -. # الخامس: أنا لم نتعبد بشرع أحد، ولا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بملة بشر، وهذا الذي اختاره القاضي أبو بكر. # وما من قول من هذه الأقوال إلا وقد نزع فيه بآية، وتلا فيها من القرآن ~~حرفا؛ وقد مهدنا ذلك في أصول الفقه، وبينا أن الصحيح القول بلزوم شرع من ~~قبلنا لنا مما أخبرنا به نبينا - صلى الله عليه وسلم - عنهم دون ما وصل ~~إلينا من غيره؛ لفساد الطرق إليهم؛ وهذا هو # PageV01P038 # صريح مذهب مالك في أصوله # كلها، وستراها مورودة بالتبيين حيث تصفحت المسائل من كتابنا هذا أو غيره. # ونكتة ذلك أن الله تعالى أخبرنا عن قصص النبيين، فما كان من آيات ~~الازدجار وذكر الاعتبار ففائدته الوعظ، وما كان من آيات الأحكام فالمراد به ~~الامتثال له والاقتداء به. # قال ابن عباس - رضي الله عنه -: قال الله تعالى: {أولئك الذين هدى الله ~~فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90] # فنبينا - صلى الله عليه وسلم - ممن أمر أن يقتدي بهم، وبهذا يقع الرد على ~~ابن الجويني حيث قال: إن نبينا لم يسمع قط أنه رجع إلى أحد منهم، ولا ~~باحثهم عن حكم، ولا استفهمهم؛ فإن ذلك لفساد ما عندهم. # أما الذي نزل به عليه الملك فهو الحق المفيد للوجه الذي ذكرناه، ولا معنى ~~له غيره. ### | [مسألة القول بالقسامة] # المسألة الرابعة: لما ضرب بنو إسرائيل الميت بتلك القطعة من البقرة قال: ~~دمي عند فلان؛ فتعين قتله، وقد استدل مالك في رواية ابن القاسم وابن وهب ~~عنه على صحة القول بالقسامة بقول المقتول: دمي عند فلان بهذا، وقال مالك: ~~هذا مما يبين أن قول الميت: دمي عند فلان مقبول ويقسم عليه. # فإن قيل: كان هذا آية ومعجزة على يدي موسى - صلى الله عليه وسلم - لبني ~~إسرائيل # PageV01P039 # قلنا: الآية والمعجزة إنما كانت في إحياء الميت، فلما صار حيا كان كلامه ~~كسائر كلام الآدميين # كلهم في القبول والرد، وهذا فن دقيق ms0021 من العلم لا يتفطن له إلا مالك. # ولقد حققناه في كتاب المقسط في ذكر المعجزات وشروطها، فإن قيل: فإنما ~~قتله موسى - صلى الله عليه وسلم - بالآية. # قلنا: ليس في القرآن أنه إذا أخبر وجب صدقه، فلما أمرهم بالقسامة معه، أو ~~صدقه جبريل فقتله موسى بعلمه، كما قتل النبي - صلى الله عليه وسلم - الحارث ~~بن سويد، بالمجذر بن زياد بإخبار جبريل - عليه السلام - له بذلك حسبما ~~تقدم، وهي مسألة خلاف كبرى قد بيناها في موضعها. # وروى مسلم، وفي الموطإ، وغيره، «حديث حويصة ومحيصة قال فيه: فتكلم محيصة ~~فقال: يا رسول الله، وذكره إلى قوله: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- لحويصة ومحيصة، وعبد الرحمن: أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم». # وفي مسلم: «يحلف خمسون رجلا منكم على رجل منهم فيدفع إليكم برمته». # وروى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قتل رجلا بالقسامة من ~~بني نصر بن مالك. وقال الدارقطني: نسخة عمرو بن شعيب عن # PageV01P040 # أبيه عن جده صحيحة، وقد بينا ذلك في أصول الفقه، واستبعد ذلك البخاري ~~والشافعي وجماعة من العلماء، قالوا: كيف يقبل قوله في الدم، وهو لا يقبل ~~قوله في درهم. # وإنما تستحق بالقسامة الدية، وقد أحكمنا الجواب والاستدلال في موضعه، ~~ونشير إليه الآن بوجهين: أحدهما: أن السنة هي التي تمضي وترد لا اعتراض ~~عليها، ولا تناقض فيها، وقد تلونا أحاديثها. # الثاني: أنه مع أن قوله: لا يقبل في درهم قد قلتم: إن قتيل المحلة يقسم ~~فيه على الدية، وليس هنالك قول لأحد، وإنما هي حالة محتملة للتأويل والحق ~~والباطل، إذ يجوز أن يقتله رجل ويجعله عند دار آخر؛ بل هذا هو الغالب من ~~أفعالهم، وباقي النظر في مسائل الخلاف وشرح الحديث مستطر. ### | [مسألة شددوا فشدد الله عليهم] # المسألة الخامسة: # في هذه الآية دليل على حصر الحيوان [في المعين] بالصفة خلافا لأبي حنيفة ~~حيث يقول: لا يحصر الحيوان بصفة ولا يتعين بحلية. # قال ابن عباس: لو أن بني إسرائيل لما قيل لهم: اذبحوا بقرة بادروا ms0022 إلى أي ~~بقرة كانت فذبحوها لأجزأ ذلك عنهم، وامتثلوا ما طلب، ولكنهم شددوا فشدد ~~الله عليهم، فما زالوا يسألون ويوصف لهم حتى تعينت. وهذا كلام صحيح، ودليل ~~مليح، والله أعلم. # PageV01P041 ### | [الآية الخامسة عشرة قوله تعالى واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان] # الآية الخامسة عشرة # قوله تعالى: {واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ~~ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت ~~وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ~~ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ~~ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم} [البقرة: 102] # فيها تسع مسائل: المسألة الأولى: ذكر الطبري وغيره في قصص هذه الآية: أن ~~سليمان - صلى الله عليه وسلم - كانت له امرأة يقال لها: الجرادة، تكرم عليه ~~ويهواها، فاختصم أهلها مع قوم فكان صغو سليمان - عليه السلام - إلى أن يكون ~~الحكم لأهل الجرادة، فعوقب، وكان إذا أراد أن يدخل الخلاء أو يخلو بإحدى ~~نسائه أعطاها خاتمه، ففعل ذلك يوما فألقى الله تعالى صورته على شيطان، ~~فجاءها فأخذ الخاتم فلبسه، ودانت الجن والإنس له، وجاء سليمان - عليه ~~السلام - بعد ذلك يطلبه، فقالت: ألم تأخذه؟ فعلم أنه ابتلي، وعلمت الشياطين ~~أن ذلك لا يدوم لها؛ فاغتنمت الفرصة فوضعت أوضاعا من السحر والكفر وفنونا ~~من النيرجات وسطروها في مهارق، وقالوا: هذا ما كتب آصف بن برخيا كاتب نبي # PageV01P042 # الله سليمان، فدفنوها تحت كرسيه: وعاد سليمان إلى حاله، واستأثر الله ~~تعالى به، فقالت الشياطين للناس: إنما كان سليمان يملككم بأمور أكثرها تحت ~~كرسيه، فيها علوم غريبة؛ فدونكم فاحتفروا عليها، ففعلوا واستثاروها، فنفذ ~~عليهم القضاء فصار في أيديهم، وتناقلته الكفرة والفلاسفة عنهم حتى وصل ذلك ~~إلى يهود الحجاز، فكانوا يعملونه ويعلمونه ويصرفونه في حوائجهم ومعايشهم؛ ~~وكانوا بين جاهلية جهلاء وأمة عمياء؛ فلما بعث الله تعالى محمدا - صلى الله ~~عليه وسلم - بالحق، ونور القلوب، وكشف قناع الألباب، لجأت اليهود إلى أن ~~تعلق ما ms0023 كان عندها من ذلك لسليمان - عليه السلام - وتزعم أنه مما نزل به ~~جبريل وميكائيل - عليهما السلام - على سليمان - صلى الله عليه وسلم - وكان ~~ذلك قد حمل قوما قبل البعث على أن يتبرءوا من سليمان - عليه السلام - فأنزل ~~الله تعالى الآية. # المسألة الثانية: هذا الذي ذكرنا آنفا مما فيه الحرج في ذكره عن بني ~~إسرائيل لما قدمناه من أنه إنما أذن لنا أن نتحدث عنهم في حديث يعود إليهم، ~~وما كنا لنذكر هذا لولا أن الدواوين قد شحنت به. # أما قولهم: إن سليمان كان صغوه صحة الحكم لقوم الجرادة، فباطل قطعا؛ لأن ~~الأنبياء - صلوات الله عليهم - لا يجوز ذلك عليهم إجماعا فإنهم معصومون عن ~~الكبائر باتفاق. # وأما قولهم بأن شيطانا تصور في صورة ملك أو نبي، فأخذ الخاتم، فباطل ~~قطعا؛ لأن الشياطين لا تتصور على صور الأنبياء؛ وقد بينا ذلك مبسوطا في " ~~كتاب النبي ". # وأما دفنها تحت كرسي سليمان - عليه السلام - فيمكن ألا يعلم بذلك وتبقى ~~حتى يفتتن بها الخلق بعده. # وقد روي أن سليمان - عليه الصلاة والسلام - أخذها ودفنها تحت كرسيه، وذلك ~~مما # PageV01P043 # لا يجوز عليه وأنه لم يكن سحرا، أما لو علم أنها سحر فحقها أن تحرق أو ~~تغرق، ولا تبقى عرضة للنقل والعمل. # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {واتبعوا} [البقرة: 102]: قيل: يهود زمان ~~سليمان، وقيل يهود زماننا، واللفظ فيهم عام، ولجميعهم محتمل، وقد كان الكل ~~منهم متبعا لهذا الباطل. # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {ما تتلو الشياطين} [البقرة: 102] # اختلف الناس في حرف " ما ": فمنهم من قال: إنه نفي، ومنهم من قال: إنه ~~مفعول، وهو الصحيح. # ولا وجه لقول من يقول: إنه نفي، لا في نظام الكلام، ولا في صحة المعنى، ~~ولا يتعلق من كونه مفعولا سياق الكلام بمحال عقلا، ولا يمتنع شرعا. # وتقريره: واتبع اليهود ما تلته الشياطين من السحر على ملك سليمان، أي ~~نسبته إليه وأخبرت به عنه، كقوله تعالى {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا ~~نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته} [الحج: 52] أي إذا تلا ms0024 ألقى ~~الشيطان في تلاوته ما لم يلقه النبي، يحاكيه ويلبس على السامعين به حسبما ~~بيناه. # وما كفر سليمان قط ولا سحر، ولكن الشياطين كفروا بسحرهم، وأنهم يعلمونه ~~الناس؛ ومعتقد الكفر كافر، وقائله كافر، ومعلمه كافر، ويعلمون الناس ما ~~أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت، وما كان الملكان يعلمان أحدا حتى ~~يقولا: {إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء ~~وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ~~ينفعهم} [البقرة: 102] # PageV01P044 ### | [مسألة كيف أنزل الله تعالى الباطل والكفر] # فإن قيل: وهي المسألة الخامسة: كيف أنزل الله تعالى الباطل والكفر؟ قلنا: ~~كل خير أو شر أو طاعة أو معصية أو إيمان أو كفر منزل من عند الله تعالى؛ ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح: «ماذا فتح الليلة من الخزائن؟ ~~ماذا أنزل الله تعالى من الفتن؟ أيقظوا صواحب الحجر، رب كاسية في الدنيا ~~عارية يوم القيامة» فأخبر - عليه السلام - عن نزول الفتن على الخلق. ### | [مسألة كيف نزل الكفر على الملكين وهم يفعلون ما يؤمرون] # المسألة السادسة: فإن قيل: وكيف نزل الكفر على الملكين وهم يفعلون ما ~~يؤمرون، ويسبحون الليل والنهار لا يفترون، فأنى يصح أن يتكلموا بالكفر ~~ويعلموه؟ قلنا: هذا الذي أشكل على بعضهم حتى روي عن الحسن أنه قرأ الملكين ~~بكسر اللام، وروي أنه كان ببابل علجان، وقد بلغ التغافل أو الغفلة ببعضهم ~~حتى قال: إنما هما داود وسليمان، وتأول الآية: {وما أنزل على الملكين} ~~[البقرة: 102] أي في أيامهما. # وقوله تعالى: {وما يعلمان من أحد} [البقرة: 102] يعني: الشياطين. # وقد روى المفسرون عن نافع قال: قال لي ابن عمر: أطلعت الحمراء؟ قلت: ~~طلعت. قال: لا مرحبا بها ولا أهلا، وأراه لعنها. # قلت: سبحان الله، نجم مسخر مطيع تلعنه؟ قال: ما قلت لك إلا ما سمعت من ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«إن الملائكة عجت من معاصي بني آدم في الأرض، فقالت: يا رب، كيف ms0025 # PageV01P045 # صبرك على بني آدم في الخطايا والذنوب؟ فأعلمهم الله سبحانه أنهم لو كانوا ~~مكانهم، ويحل الشيطان من قلوبهم محله من بني آدم لعملوا بعملهم، وقد أعطيت ~~بني آدم عشرا من الشهوات فبها يعصونني. قالت الملائكة: ربنا لو أعطيتنا تلك ~~الشهوات، وابتليتنا، لحكمنا بالعدل، وما عصيناك. فأمرهم سبحانه أن يختاروا ~~منهم ملكين من أفضلهم، فتعرض لذلك هاروت وماروت وقالا: نحن ننزل؛ وأعطنا ~~الشهوات، وكلفنا الحكم بالعدل. فنزلا ببابل، فكانا يحكمان حتى إذا أمسيا ~~عرجا إلى مكانهما، ففتنا بامرأة حاكمت زوجها اسمها بالعربية الزهرة ~~وبالنبطية بيرخت وبالفارسية أقاهيد فقال أحدهما لصاحبه: إنها لتعجبني. قال ~~له الآخر: لقد أردت أن أقول لك ذلك، فهل لك في أن تعرض لها؟ قال له الآخر: ~~كيف بعذاب الله. قال: إنا لنرجو رحمة الله. فطلباها في نفسها قالت: لا حتى ~~تقضيا لي على زوجي؛ فقضيا لها وقصداها وأرادا مواقعتها، فقالت لهما: لا ~~أجيبكما لذلك حتى تعلماني كلاما أصعد به إلى السماء، وأنزل به منها؛ ~~فأخبراها، فتكلمت فصعدت إلى السماء فمسخها الله تعالى كوكبا، فلما أرادا أن ~~يصعدا، لم يطيقا فأيقنا بالهلكة؛ فخيرا بين عذاب الدنيا والآخرة، فاختارا ~~عذاب الدنيا، فعلقا ببابل فجعلا يكلمان الناس كلامهما، وهو السحر. ويقال: ~~كانت الملائكة قبل ذلك يستغفرون للذين آمنوا، فلما وقعا في الخطيئة ~~استغفروا لمن في الأرض». # قال القاضي: وإنما سقنا هذا الخبر؛ لأن العلماء رووه ودونوه فخشينا أن ~~يقع لمن يضل به. # وتحقيق القول فيه أنه لم يصح سنده، ولكنه جائز كله في العقل لو صح في ~~النقل، وليس بممتنع أن تقع المعصية من الملائكة، ويوجد منهم خلاف ما كلفوه، ~~وتخلق فيهم الشهوات؛ فإن هذا لا ينكره إلا رجلان: أحدهما: جاهل لا يدري ~~الجائز من المستحيل، والثاني: من شم ورد الفلاسفة، فرآهم يقولون: إن ~~الملائكة روحانيون، وإنهم لا تركيب فيهم، وإنما هم بسائط، وشهوات الطعام ~~والشراب والجماع لا تكون # PageV01P046 # إلا في المركبات من الطبائع الأربع، وهذا تحكم في القولين من وجهين: ~~أحدهما: أنهم أخبروا عن الملائكة وكيفيتهم بما لم يعاينوه، ms0026 ولا نقل إليهم، ~~ولا دل دليل العقل عليه. # والثاني: أنهم أحالوا على البسيط أن يتركب، وذلك عندنا جائز؛ بل يجوز ~~عندنا بلا خلاف أن يأكل البسيط ويشرب ويطأ، ولا يوجد من المركب شيء من ذلك. # وهذا الذي اطرد في البسيط من عدم الغذاء، وفي المركب من وجود الغذاء عادة ~~إلا أنه غاية القدرة، وقد مكنا القول في ذلك ومهدناه في الأصول، وخبر الله ~~تعالى عنهم بأنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون، ويفعلون ما يؤمرون، صدق ~~لا خلاف فيه، لكنه خبر عن حالهم، وهي ما يجوز أن تتغير فيكون الخبر عنها ~~بذلك أيضا، وكل حق صدق لا خلاف فيه. # وقد قال علماؤنا: إنه خبر عام يجوز أن يدخله التخصيص، وهذا صحيح أيضا. # وقد روى سنيد في تفسيره أنه دخل إليهما في مغارهما وكلما، وتعلم منهما في ~~زمن الإسلام، وليس التعلم منهما إلا سماع كلامهما، وهما إذا تكلما إنما ~~يقولان: إنما نحن فتنة فلا تكفر أي لا تجعل ما تسمع منا سببا للكفر، كما ~~جعل السامري ما اطلع عليه من أثر فرس جبريل سببا لاتخاذ العجل إلها من دون ~~الله. # وفي هذا من العبرة: الخشية من سوء العاقبة والخاتمة، وعدم الثقة بظاهر ~~الحالة، والخوف من مكر الله تعالى، فهذا بلعام في الآدميين كهاروت وماروت ~~في الملائكة المقربين، فأنزلوا كل فن في مرتبته، وتحققوا مقداره في درجته ~~حسبما رويناه، ولا تذهلوا عن بعض فتجهلوا جميعه. # PageV01P047 ### | [مسألة القول في السحر وحقيقته] # المسألة السابعة: قوله تعالى: {فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء ~~وزوجه} [البقرة: 102] وقد أوردنا في كتاب " المشكلين " القول في السحر ~~وحقيقته ومنتهى العمل به على وجه يشفي الغليل، وبينا أن من أقسامه فعل ما ~~يفرق به بين المرء وزوجه، ومنه ما يجمع بين المرء وزوجه، ويسمى التولة، ~~وكلاهما كفر، والكل حرام، كفر قاله مالك. # وقال الشافعي: السحر معصية إن قتل بها الساحر قتل، وإن أضر بها أدب على ~~قدر الضرر. # وهذا باطل من وجهين: أحدهما: أنه لم يعلم السحر، وحقيقته أنه كلام ms0027 مؤلف ~~يعظم به غير الله تعالى، وتنسب إليه فيه المقادير والكائنات. # والثاني: أن الله سبحانه قد صرح في كتابه بأنه كفر؛ لأنه تعالى قال: ~~{واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان} [البقرة: 102] من السحر وما كفر ~~سليمان بقول السحر ولكن الشياطين كفروا به وبتعليمه، وهاروت وماروت يقولان: ~~إنما نحن فتنة فلا تكفر، وهذا تأكيد للبيان. # المسألة الثامنة: قوله تعالى: {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله} ~~[البقرة: 102] # PageV01P048 # يعني: بحكمه وقضائه لا بأمره؛ لأن الله تعالى لا يأمر بالفحشاء، ويقضي ~~على الخلق بها، وقد مهدنا ذلك في موضعه. # المسألة التاسعة: قوله تعالى: {ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم} [البقرة: ~~102] # هم يعتقدون أنه نفع لما يتعجلون به من بلوغ الغرض، وحقيقته مضرة، لما فيه ~~من عظيم سوء العاقبة؛ وحقيقة الضرر عند أهل السنة كل ألم لا نفع يوازيه، ~~وحقيقة النفع كل لذة لا يتعقبها عقاب، ولا تلحق فيه ندامة. # والضرر وعدم المنفعة في السحر متحقق ### | [الآية السادسة عشرة قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا] # وقولوا انظرنا واسمعوا} [البقرة: 104] # كانت اليهود تأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - فتقول: يا أبا القاسم، ~~راعنا، توهم أنها تريد الدعاء، من المراعاة، وهي تقصد به فاعلا من الرعونة. # وروي أن المسلمين كانوا يقولون: راعنا، من الرعي، فسمعتهم اليهود، ~~فقالوا: يا راعنا كما تقدم، فنهى الله تعالى المسلمين عن ذلك، لئلا يقتدي ~~بهم اليهود في اللفظ ويقصدوا المعنى الفاسد منه. # وهذا دليل على تجنب الألفاظ المحتملة التي فيها التعرض للتنقيص والغض، ~~ويخرج منه فهم التعريض بالقذف وغيره. # وقال علماؤنا: بأنه ملزم للحد، خلافا للشافعي وأبي حنيفة حيث قالا: إنه ~~قول محتمل للقذف وغيره، والحد مما يسقط بالشبهة. # PageV01P049 # ودليلنا أنه قول يفهم منه القذف، فوجب فيه الحد كالتصريح. # وقد يكون في بعض المواضع أبلغ من التصريح في الدلالة على المراد، وإنكار ~~ذلك عناد، وقد مهدنا ذلك في مسائل الخلاف. ### | [الآية السابعة عشرة قوله تعالى ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه] # وسعى ms0028 في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا ~~خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم} [البقرة: 114] # فيها خمس مسائل: المسألة الأولى: فيمن نزلت؟ فيه أربعة أقوال: الأول: أنه ~~بخت نصر. # الثاني: أنهم مانعو بيت المقدس من النصارى اتخذوه كظامة. # والثالث: أنه المسجد الحرام عام الحديبية. # الرابع: أنه كل مسجد؛ وهو الصحيح؛ لأن اللفظ عام ورد بصيغة الجمع؛ ~~فتخصيصه ببعض المساجد أو بعض الأزمنة محال، فإن كان فأمثلها الثالث. ### | [مسألة تعظيم أمر الصلاة] # المسألة الثانية: فائدة الآية: فائدة هذه الآية تعظيم أمر الصلاة فإنها ~~لما كانت أفضل الأعمال وأعظمها أجرا # PageV01P050 # كان منعها أعظم إثما، وإخراب المساجد تعطيل لها وقطع بالمسلمين في إظهار ~~شعائرهم وتأليف كلمتهم. ### | [مسألة مفادة قوله تعالى مساجد الله] # المسألة الثالثة: إن قوله تعالى: {مساجد الله} [البقرة: 114] يقتضي أنها ~~لجميع المسلمين عامة، الذين يعظمون الله تعالى، وذلك حكمها بإجماع الأمة؛ ~~على أن البقعة إذا عينت للصلاة خرجت عن جملة الأملاك المختصة بربها، فصارت ~~عامة لجميع المسلمين بمنفعتها ومسجديتها، فلو بنى الرجل في داره مسجدا ~~وحجزه عن الناس، واختص به لنفسه لبقي على ملكه، ولم يخرج إلى حد المسجدية، ~~ولو أباحه للناس كلهم لكان حكمه حكم سائر المساجد العامة، وخرج عن اختصاص ~~الأملاك. ### | [مسألة دخول الكافر المسجد] # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين} ~~[البقرة: 114] # يعني إذا استولى عليها المسلمون، وحصلت تحت سلطانهم فلا يتمكن الكافر ~~حينئذ من دخولها يعني إن دخلوها فعلى خوف من إخراج المسلمين لهم منها ~~وأذيتهم على دخولها؛ وهذا يدل على أنه ليس للكافر دخول المسجد بحال، وسيأتي ~~ذلك إن شاء الله تعالى. ### | [الآية الثامنة عشرة قوله تعالى ولله المشرق والمغرب] # فأينما تولوا فثم وجه الله} [البقرة: 115] # PageV01P051 # فيها أربع مسائل: المسألة الأولى: في سبب نزولها: وفي ذلك سبعة أقوال: ~~الأول: أنها نزلت في صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل بيت المقدس، ثم ~~عاد فصلى إلى الكعبة؛ فاعترضت عليه اليهود، فأنزلها الله تعالى له كرامة ~~وعليهم حجة ms0029 قاله ابن عباس. # الثاني: أنها نزلت في تخيير النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ليصلوا ~~حيث شاءوا من النواحي، قاله قتادة. # الثالث: أنها نزلت في صلاة التطوع، يتوجه المصلي في السفر إلى حيث شاء ~~فيها راكبا قاله ابن عمر. # الرابع: أنها نزلت فيمن صلى الفريضة إلى غير القبلة في ليلة مظلمة قاله ~~عامر بن ربيعة. # الخامس: أنها نزلت في النجاشي، آمن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ولم ~~يصل إلى قبلتنا قاله قتادة. # السادس: أنها نزلت في الدعاء. # السابع: أن معناها أينما كنتم وحيثما كنتم من مشرق أو مغرب فلكم قبلة ~~واحدة تستقبلونها. # قال القاضي: هذه الأقوال السبعة لقائليها تحتمل الآية جميعها. # فأما قول ابن عباس فيشهد له قوله سبحانه وتعالى: {سيقول السفهاء من الناس ~~ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب} [البقرة: 142] # PageV01P052 # وأما قول ابن عمر، فسند صحيح، وهو قوي في النظر، وقد روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «أنه كان يحرم في السفر على الراحلة، مستقبل القبلة، ثم ~~يصلي حيث توجهت به بقية الصلاة»، وهو صحيح. # وأما قول عامر بن ربيعة، فقد أسند إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم ~~يصح عنه، وإن كان المصنفون قد رووه. # وقد اختلف العلماء في ذلك؛ فقال أبو حنيفة ومالك: تجزئه، بيد أن مالكا ~~رأى عليه الإعادة في الوقت استحبابا. # وقال المغيرة والشافعي: لا يجزئه؛ لأن القبلة شرط من شروط الصلاة، فلا ~~ينتصب الخطأ عذرا في تركها، كالماء الطاهر والوقت. # وما قاله مالك أصح؛ لأن جهة القبلة تبيح الضرورة تركها في المسايفة، ~~وتبيحها أيضا الرخصة حالة السفر، فكانت حالة عذر أشبه بها؛ لأن الماء ~~الطاهر لا يبيح تركه إلى الماء النجس ضرورة فلا يبيحه خطأ. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ولله المشرق والمغرب] # المسألة الثانية: معنى قوله تعالى: {ولله المشرق والمغرب} [البقرة: 115] ~~أي: ذلك له ملك وخلق لجواز الصلاة إليه وإضافته إليه تشريفا وتخصيصا. ### | [مسألة نفي الجهة والمكان عنه تعالى] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {فثم وجه الله} [البقرة: 115] # قيل: ms0030 معناه فثم الله، هذا يدل على نفي الجهة والمكان عنه تعالى، لاستحالة ~~ذلك عليه، وأنه في كل مكان بعلمه وقدرته. # وقيل: معناه فثم قبلة الله، ويكون الوجه اسما للتوجه. # PageV01P053 # وتحقيق القول فيه: أن الله تعالى أمر بالصلاة عبادة، وفرض فيها الخشوع ~~استكمالا للعبادة، وألزم الجوارح السكون، واللسان الصمت إلا عن ذكر الله ~~تعالى، ونصب البدن إلى جهة واحدة؛ ليكون ذلك أنفى للحركات، وأقعد للخواطر، ~~وعينت له جهة الكعبة تشريفا له. # وقيل له: إن الله سبحانه قبل وجهك، معناه أنك قصدت التوجه إلى الله ~~تعالى، وقد عين لك هذا الصوب، فهنالك تجد ثوابك، وتحمد إيابك. ### | [مسألة التوجه إلى جهة بيت المقدس] # المسألة الرابعة: في تنزيل الآية على الأقوال المتقدمة: لا يخفى أن عموم ~~الآية يقتضي بمطلقه جواز التوجه إلى جهتي المشرق والمغرب بكل حال، لكن الله ~~سبحانه خص من ذلك جواز التوجه إلى جهة بيت المقدس في وقت، وإلى جهة الكعبة ~~في حال الاختيار في الفرض والحضر فيها أيضا، وبقيت على النافلة في السفر، ~~وقد تقدم بيان ذلك في القسم الثاني من " الناسخ والمنسوخ ". ### | [الآية التاسعة عشرة قوله تعالى وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن] # قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين} ~~[البقرة: 124] # الآية فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى: ابتلى معناه اختبر، وقد تقدم ~~بيانه في كتاب المشكلين، وبينا أن معناه أمر ليعلم من الامتثال أو التقصير ~~مشاهدة ما علم غيبا، وهو عالم الغيب والشهادة، تختلف الأحوال على ~~المعلومات، وعلمه لا يختلف، بل يتعلق بالكل تعلقا واحدا. # المسألة الثانية: قوله تعالى: {بكلمات} [البقرة: 124] هي: جمع كلمة، ~~ويرجع تحقيقها إلى كلام الباري سبحانه، لكنه تعالى عبر بها عن # PageV01P054 # الوظائف التي كلفها إبراهيم - عليه السلام -، ولما كان تكليفها بالكلام ~~سميت به، كما يسمى عيسى - عليه السلام - كلمة؛ لأنه صدر عن الكلمة، وهي: ~~كن، وتسمية الشيء بمقدمته أحد قسمي المجاز الذي بيناه في موضعه. # المسألة الثالثة: ما تلك الكلمات؟ وقد اختلف العلماء فيها اختلافا كثيرا، ~~لبابه قولان: أحدهما: ms0031 أنها شريعة الإسلام، فأكملها إبراهيم - عليه السلام ~~-. # قال ابن عباس: وما قام أحد بوظائف الدين مثله يعني والله أعلم قبله؛ فقد ~~قام بها بعده كثير من الأنبياء، وخصوصا محمدا - صلى الله عليه وسلم - ~~وعليهم. # الثاني: أنها الفطرة التي أوعز الله تعالى بها إليه، ورتبها عليه، وروت ~~عائشة - رضي الله عنها - في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال «عشر من الفطرة: قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص ~~الأظفار وغسل البراجم وحلق العانة ونتف الإبط وانتقاص الماء ونسيت العاشرة ~~إلا أن تكون المضمضة». # وروى عمار بن ياسر الحديث، وقال: «المضمضة والاستنشاق»، وزاد: «الختان»، ~~وذكر «الانتضاح» بدل «انتقاص الماء». # وقد قال بعض علمائنا: إن معنى قوله هنا: «من الفطرة» يعني من السنة، وأنا ~~أقول: إنها من الملة، وقد روي أن إبراهيم ابتلي بها فرضا، وهي لنا سنة، ~~والذي # PageV01P055 # يصح أن إبراهيم - عليه السلام - ابتلي بها تكليفا غير معين من الفرض أو ~~الندب في جميعها أو انقسام الحال فيها. # وقد اتفقت الأمة على أنها من الملة، واختلفوا في مراتبها؛ فأما قص الشارب ~~وإعفاء اللحية فمخالفة للأعاجم فإنهم يقصون لحاهم، ويوفرون شواربهم، أو ~~يوفرونهما معا، وذلك عكس الجمال والنظافة. # وأما السواك والمضمضة والاستنشاق فلتنظيف الفم من الطعام والقلح. # وأما قص الأظفار فلتنزيه الطعام عما يلتئم من الوسخ فيها والأقذار. # وأما غسل البراجم فلما يجتمع من الأوساخ في غضونها. # وحلق العانة ونتف الإبط تنظيفا عما يتلبد من الوسخ فيهما على شعرهما ومما ~~يجتمع من الرمص فيهما، والاستنجاء لتنظيف ذلك المحل وتطبيبه عن الأذى ~~والأدواء. # وأما الختان فلنظافة القلفة عما يجتمع من أذى البول فيها، ولم يختتن أحد ~~قبل إبراهيم - عليه السلام -؛ ثبت في الصحيح: «أنه اختتن بالقدوم وهو ابن ~~مائة وعشرين سنة». وقد اختلف العلماء فيه، فرأى الشافعي أنه سنة لما قرن به ~~من إخوته في هذا الحديث، ورأى مالك أنه فرض؛ لأنه تكشف له العورة ولا يباح ~~الحرام إلا للواجب، وقد مهدناه في مسائل الخلاف، فلما أتم إبراهيم - عليه ~~السلام ms0032 - هذه الوظائف أثنى الله سبحانه عليه، فقال: {وإبراهيم الذي وفى} ~~[النجم: 37]. # PageV01P056 # سمعت بعض العلماء يقول: وإبراهيم الذي وفى بماله للضيفان، وببدنه ~~للنيران، وبقلبه للرحمن. ### | [الآية الموفية عشرين قوله تعالى وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا] # } [البقرة: 125] # هذا تنبيه من الله تعالى لعباده على فضله، وتعديد لنعمه التي منها جعل ~~البيت الحرام للعرب عموما ولقريش خصوصا مثابة للناس أي معادا في كل عام لا ~~يخلو منهم، يقال: ثاب إلى كذا أي: رجع وعاد إليه، فإن قيل: ليس كل من جاءه ~~عاد إليه. # قلنا: لا يختص ذلك بمن ورد عليه، وإنما المعنى أنه لا يخلو من الجملة، ~~ولم يعدم قاصدا من الناس؛ وكذلك جعله تبارك وتعالى أمنا يلقى الرجل فيه ~~قاتل وليه فلا يروعه. # وهذا كقوله تعالى: {ومن دخله كان آمنا} [آل عمران: 97] # وكذلك: {أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم} ~~[العنكبوت: 67] # وهذا لما كان الله تعالى قد ركب في قلوبهم من تعظيم البقعة وتفضيل الموضع ~~على غيره من الأرض المشابهة له في الصفة، بهذه الخصيصى المعظمة. # وقد سمعت أن الكلب الخارج من الحرم لا يروع الصيد بها، وهذا من آيات الله ~~تعالى فيها؛ وهذا اللفظ وإن كان ورد بالبيت، فإن المراد به الحرم كله؛ لأن ~~الفائدة فيه كانت وعليه دامت. # وقد اختلف العلماء في تفسير الأمن على أربعة أقوال: الأول: أنه أمن من ~~عذاب الله تعالى في الآخرة، والمعنى أن من دخله معظما له # PageV01P057 # وقصده محتسبا فيه لمن تقدم إليه. # ويعضده ما روي في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من ~~حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه». # الثاني: معناه من دخله كان آمنا من التشفي والانتقام، كما كانت العرب ~~تفعله فيمن أناب إليه من تركها لحق يكون لها عليه. # الثالث: أنه أمن من حد يقام عليه، فلا يقتل به الكافر، ولا يقتص فيه من ~~القاتل، ولا يقام الحد على المحصن والسارق؛ قاله جماعة من فقهاء الأمصار، ~~ومنهم أبو حنيفة، وسيأتي عليه الكلام. ms0033 # الرابع: أنه أمن من القتال؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث ~~الصحيح: «إن الله حبس عن مكة الفيل أو القتل وسلط عليها رسوله والمؤمنين، ~~لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار». # والصحيح فيه القول الثاني، وهذا إخبار من الله تعالى عن منته على عباده، ~~حيث قرر في قلوب العرب تعظيم هذا البيت، وتأمين من لجأ إليه؛ إجابة لدعوة ~~إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - حين أنزل به أهله وولده، فتوقع عليهم ~~الاستطالة، فدعا أن يكون أمنا لهم فاستجيب دعاؤه. # PageV01P058 # وأما من قاله: إنه أمن من عذاب الله تعالى، فإن الله تعالى نبه بجعله ~~مثابة للناس وأمنا على حجته على خلقه، والأمن في الآخرة لا تقام به حجة. # وأما امتناع الحد فيه فقول ساقط؛ لأن الإسلام الذي هو الأصل، وبه اعتصم ~~الحرم، لا يمنع من إقامة الحدود والقصاص؛ وأمر لا يقتضيه الأصل أحرى ألا ~~يقتضيه الفرع. # وأما الأمن عن القتل والقتال [فقول لا يصح؛ لأنه قد كان فيه القتل ~~والقتال] بعد ذلك ويكون إلى يوم القيامة، وإنما أخبر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - عن التحليل للقتال، فلا جرم لم يكن فيها تحليل قبل ذلك اليوم، ولا ~~يكون لعدم النبوة إلى يوم القيامة، وإنما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- عن امتناع تحليل القتال شرعا لا عن منع وجوده حسا. ### | [الآية الحادية والعشرون قوله تعالى واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى] # } [البقرة: 125] # فيها مسألتان: المسألة الأولى: في تحقيق المقام: هو مفعل بفتح العين، من ~~قام، كمضرب بفتح العين أيضا، من ضرب؛ فمن الناس من حمله على عمومه في مناسك ~~الحج؛ والتقدير: " واتخذوا من مناسك إبراهيم في الحج عبادة وقدوة ". # والأكثر حمله على الخصوص في بعضها، واختلفوا فيه: فقال قوم: هو الحجر ~~الذي جعل إبراهيم عليه رجله حين غسلت زوج إسماعيل - عليهما السلام - رأسه. # وقد رأيت بمكة صندوقا فيه حجر، عليه أثر قدم قد انمحى واخلولق، فقالوا ~~كلهم: هذا أثر قدم إبراهيم - عليه السلام - وهو موضوع بإزاء ms0034 الكعبة. # PageV01P059 # وقال آخرون: هو الموضع الذي دعا إبراهيم - عليه السلام - فيه ربه تعالى ~~حين استودع ذريته. # فمن حمله على العموم قال: معناه كما قدمنا مصلى: مدعى أي موضعا للدعاء. # ومن خصصه قال: معناه موضعا للصلاة المعهودة؛ وهو الصحيح؛ ثبت من كل طريق ~~«أن عمر - رضي الله عنه - قال: وافقت ربي في ثلاث: قلت: يا رسول الله؛ لو ~~اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فنزلت: واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى». # الحديث، «فلما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - طوافه مشى إلى المقام ~~المعروف اليوم، وقرأ: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} [البقرة: 125] وصلى ~~فيه ركعتين»، وبين بذلك أربعة أمور: الأول: أن ذلك الموضع هو المقام المراد ~~في الآية. # الثاني: أنه بين الصلاة وأنها المتضمنة للركوع والسجود لا مطلق الدعاء. # الثالث: أنه عرف وقت الصلاة فيه، وهو عقب الطواف، وغيره من الأوقات مأخوذ ~~من دليل آخر. # الرابع: أنه أوضح أن ركعتي الطواف واجبتان، فمن تركهما فعليه دم. ### | [الآية الثانية والعشرون قوله تعالى سيقول السفهاء من الناس] # ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها} [البقرة: 142] # قال علماؤنا: المراد بذلك اليهود، عابوا على المسلمين رجوعهم إلى الكعبة ~~عن بيت المقدس، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحب أولا أن يتوجه إلى ~~بيت المقدس، حتى إذا دانى اليهود في قبلتهم كان أقرب إلى إجابتهم، فإنه - ~~عليه السلام - كان حريصا على تأليف الكلمة، وجمع الناس على الدين، فقابلت ~~اليهود هذه النعمة بالكفران، فأعلمهم الله تعالى أن الجهات كلها له، وأن ~~المقصود وجهه، وامتثال أمره، فحيثما أمر بالتوجه إليه توجه # PageV01P060 # إليه؛ وصح ذلك فيه. # وتمام الكلام في القسم الثاني، وهو قريب من الذي تقدم من قبل. ### | [الآية الثالثة والعشرون قوله تعالى وكذلك جعلناكم أمة وسطا] # } [البقرة: 143] # الوسط في اللغة: الخيار، وهو العدل. وقال بعضهم: هو من وسط الشيء. # ، وليس للوسط الذي هو بمعنى ملتقى الطرفين ههنا دخول؛ لأن هذه الأمة آخر ~~الأمم؛ وإنما أراد به الخيار العدل، يدل عليه قوله تعالى بعده: {لتكونوا ~~شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم ms0035 شهيدا} [البقرة: 143] # فأنبأنا ربنا تعالى بما أنعم به علينا من تفضيله لنا باسم العدالة، ~~وتوليته خطة الشهادة على جميع الخليقة، فجعلنا أولا مكانا، وإن كنا آخرا ~~زمانا، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «نحن الآخرون السابقون». # وهذا دليل على أنه لا يشهد إلا العدول، ولا ينفذ على الغير قول الغير إلا ~~أن يكون عدلا، وذلك فيما يأتي بعد إن شاء الله تعالى. ### | [الآية الرابعة والعشرون قوله تعالى وما كان الله ليضيع إيمانكم] # } [البقرة: 143] # PageV01P061 # اتفق العلماء على أنها نزلت فيمن مات وهو يصلي إلى البيت المقدس، ~~واختلفوا في تأويلها؛ فمنهم من قال: وما كان الله ليضيع إيمانكم بالتوجه ~~إلى القبلة وتصديقكم لنبيكم قاله محمد بن إسحاق، وتابعه عليه معظم ~~المتكلمين، والأصوليون. # وقد روى ابن وهب، وابن القاسم، وابن عبد الحكم، وأشهب عن مالك: أن المراد ~~به صلاتكم، زاد أشهب، وابن عبد الحكم: قال مالك: " أقام الناس يصلون نحو ~~بيت المقدس ستة عشر شهرا؛ ثم أمروا بالبيت، فقال الله سبحانه وتعالى: وما ~~كان الله ليضيع إيمانكم أي: في صلاتكم إلى البيت المقدس ". # قال: وإني لأذكر بهذه الآية قول المرجئة: إن الصلاة ليست من الإيمان. # فإن قيل: فإن كانت الصلاة من الإيمان فلم قال مالك: إن تاركها غير كافر. # وهذا تناقض، فحققوا وجه التقصي عنه. # فالجواب: إنا وإن قلنا إن الصلاة من الإيمان لم يبعد ذلك تسمية، وقد جاء ~~ذلك في القرآن؛ قال الله تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم} [الأنفال: 2] إلى قوله تعالى: {الذين يقيمون الصلاة} [الأنفال: 3] ~~إلى قوله تعالى: {أولئك هم المؤمنون} [الأنفال: 4] وكذلك لا يبعد أن يسمى ~~تاركها كافرا. # قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة». # وقد قال علماؤنا الأصوليون: في ذلك وجهان: # PageV01P062 # أحدهما: أن تكون تسمية الصلاة إيمانا وتركها كفرا مجازا. # الثاني: أن يرجع ذلك إلى اعتقاد وجوب الصلاة أو اعتقاد نفي وجوبها؛ وهذا ~~لا يحتاج إليه؛ بل يقول علماؤنا من الفقهاء: إنها تسمى إيمانا، وهي من ~~أركان الإيمان وعهد ms0036 الإسلام. # ولكن الفرق بين علماء الأصول والمرجئة أن المرجئة قالت: ليست من الإيمان ~~وتاركها في الجنة، وهؤلاء قالوا: ليست من الإيمان وتاركها في المشيئة، ~~وعلماؤنا الفقهاء قالوا: هي من الإيمان وتاركها في المشيئة، قضت بذلك آي ~~القرآن وأحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال الله تعالى: {إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} [النساء: 48] # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «خمس صلوات كتبهن الله على عباده في ~~اليوم والليلة من جاء بهن لم يضيع شيئا منهن استخفافا بحقهن كان له عند ~~الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه ~~وإن شاء غفر له». # فقضت هذه الآية وهذا الحديث ونظائرهما على كل متشابه جاء معارضا في ~~الظاهر لهما؛ ولم يمتنع أن تسمى الصلاة إيمانا في إطلاق اللفظ، ويحكم ~~لتاركها بالمغفرة تخفيفا ورحمة. # PageV01P063 # ويحمل ما جاء من الألفاظ المكفرة؛ كقوله - عليه السلام -: «من ترك الصلاة ~~فقد كفر» ونحوه على ثلاثة أوجه: الأول: على التغليظ. # الثاني: أنه قد فعل فعل الكافر. # الثالث: أنه قد أباح دمه، كما أباحه في الكافر؛ والله أعلم. ### | [الآية الخامسة والعشرون قوله تعالى فول وجهك شطر المسجد الحرام] # وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} [البقرة: 144] # الشطر في اللغة يقال على النصف من الشيء، ويقال على القصد، وهذا خطاب ~~لجميع المسلمين، من كان منهم معاينا للبيت، ومن كان غائبا عنه. # وذكر الباري سبحانه المسجد الحرام، والمراد به البيت، كما ذكر في قوله ~~تعالى: {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا} [البقرة: 125] # الكعبة، والمراد به الحرم، لأنه تعالى خاطبنا بلغة العرب، وهي تعبر عن ~~الشيء بما يجاوره أو بما يشتمل عليه؛ وإنما أراد سبحانه أن يعرف أن من بعد ~~عن البيت فإنه يقصد الناحية لا عين البيت، فإنه يعسر [نظره و] قصده؛ بل لا ~~يمكن أبدا إلا للمعاين، وربما التفت المعاين يمينا أو شمالا فإذا به قد زهق ~~عنه، فاستأنف الصلاة؛ وأضيق ما تكون القبلة عند معاينة ms0037 القبلة. # وقد اختلف العلماء: هل فرض الغائب عن الكعبة استقبال العين؟ أو # PageV01P064 # استقبال الجهة؟ فمنهم من قال: [فرضه استقبال العين]؛ وهذا ضعيف؛ لأنه ~~تكليف لما لا يصل إليه. # ومنهم من قال الجهة؛ وهو الصحيح لثلاثة أمور: أحدها: أنه الممكن الذي ~~يرتبط به التكليف. # الثاني: أنه المأمور به في القرآن، إذ قال: {فول وجهك شطر المسجد الحرام ~~وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره} [البقرة: 144] فلا يلتفت إلى غير ذلك. # الثالث: أن العلماء احتجوا بالصف الطويل الذي يعلم قطعا أنه أضعاف عرض ~~البيت، ويجب أن يعول على ما تقدم؛ فإن الصف الطويل إذا بعد عن البيت أو طال ~~وعرض أضعافا مضاعفة لكان ممكنا أن يقابل [جميع] البيت. ### | [الآية السادسة والعشرون قوله تعالى ولكل وجهة هو موليها] # } [البقرة: 148] # وهي مشكلة، لباب الكلام فيها في مسألتين: المسألة الأولى: أن الوجهة هي ~~هيئة التوجه كالقعدة بكسر القاف: هيئة القعود، والجلسة: هيئة الجلوس، وفي ~~المراد بها ثلاثة أقوال: الأول: أن المراد بذلك أهل الأديان؛ المعنى لأهل ~~كل ملة حالة في التوجه إلى القبلة؛ روي عن ابن عباس. # الثاني: أن المعنى لكل وجهة في الصلاة إلى بيت المقدس، وفي الصلاة إلى ~~الكعبة؛ قاله قتادة. # الثالث: أن المراد به جميع المسلمين، أي لأهل كل جهة من الآفاق وجهة ممن # PageV01P065 # بمكة وممن بعد، ليس بعضها مقدما على البعض في الصواب؛ لأن الله تعالى هو ~~الذي ولى جميعها وشرع جملتها، وهي وإن كانت متعارضة في الظاهر والمعاينة، ~~فإنها متفقة في القصد وامتثال الأمر. # وقرئ: هو مولاها، يعني المصلي؛ التقدير: المصلي هو موجه نحوها، وكذلك قبل ~~في قراءة من قرأ هو موليها؛ إن المعنى أيضا أن المصلي هو متوجه نحوها؛ ~~والأول أصح في النظر، وأشهر في القراءة والخبر. ### | [مسألة المبادرة والاستعجال إلى الطاعات] # المسألة الثانية: قوله تعالى: {فاستبقوا الخيرات} [البقرة: 148] # معناه، افعلوا الخيرات، من السبق، وهو المبادرة إلى الأولية، وذلك حث على ~~المبادرة والاستعجال إلى الطاعات، ولا خلاف فيه بين الأمة في الجملة. # وفي التفضيل اختلاف؛ وأعظم مهم اختلفوا في تفضيله ms0038 الصلاة؛ فقال الشافعي: ~~أول الوقت فيها أفضل من غير تفصيل؛ لظاهر هذه وغيرها، كقوله تعالى: ~~{وسارعوا إلى مغفرة من ربكم} [آل عمران: 133] # وقال أبو حنيفة: آخر الوقت أفضل؛ لأنه عنده وقت الوجوب حسبما مهدناه في ~~مسائل الخلاف. # وأما مالك ففصل القول؛ فأما الصبح والمغرب فأول الوقت فيهما أفضل عنده من ~~غير خلاف. # وأما الظهر والعصر فلم يختلف قوله: إن أول الوقت أفضل للفذ، وإن الجماعة ~~تؤخر " على ما في حديث عمر - رضي الله عنه -. # والمشهور في العشاء أن تأخيرها أفضل لمن قدر عليه، ففي صحيح الحديث «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أخرها ليلة حتى رقد الناس # PageV01P066 # واستيقظوا، ثم قال: لولا أن أشق على أمتي لأخرتها هكذا». # وأما الظهر فإنها تأتي الناس على غفلة فيستحب تأخيرها قليلا حتى يتأهبوا ~~ويجتمعوا. # وأما العصر فتقديمها أفضل. # ولا خلاف في مذهبنا أن تأخير الصلاة لأجل الجماعة أفضل من تقديمها؛ فإن ~~فضل الجماعة مقدر معلوم، وفضل أول الوقت مجهول، وتحصيل المعلوم أولى. # وأما الصبح فتقديمها أفضل، لحديث عائشة - رضي الله عنها - في الصبح: «كان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي الصبح فتنصرف النساء متلفعات بمروطهن ما ~~يعرفن من الغلس». # ولحديث جابر - رضي الله عنه -[في الصبح أيضا]: «كان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إذا رآهم في صلاة العشاء قد اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطئوا ~~أخر». # والصبح كانوا أو «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصليها بغلس»؛ معناه ~~كانوا مجتمعين أو لم يكونوا مجتمعين كان يغلس بها. # وأما المغرب فلمواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها على الصلاة عند ~~غروب الشمس اقتدي به في ذلك أو امتثل أمره، وبالجملة فلا يعادل المبادرة ~~إلى أول الوقت شيء. # قال الله تعالى مخبرا عن موسى - صلى الله عليه وسلم -: {وعجلت إليك رب ~~لترضى} [طه: 84] # PageV01P067 # وروى الدارقطني عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أنه لما سمع قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله». # قال: رضوان الله أحب إلينا من عفوه؛ فإن رضوانه ms0039 للمحسنين، وعفوه ~~للمقصرين. # وفي الصحيح عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يصلي الظهر إذا زالت الشمس». # ولعله في السفر إذا اجتمع أصحابه، إذ قد صح عنه أنه قال: «أبردوا حتى ~~رأينا فيء التلول». ### | [الآية السابعة والعشرون قوله تعالى ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء] # } [البقرة: 154] # وفي السورة التي بعدها: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا} [آل ~~عمران: 169] # تعلق بعضهم في أن الشهيد لا يغسل، ولا يصلى عليه بهذه الآية؛ لأن الميت ~~هو الذي يفعل ذلك به، والشهيد حي، وبه قال مالك والشافعي. # وقال أبو حنيفة: لا يصلى عليه، وكما أن الشهيد في حكم الحي فلا يغسل، ~~فكذلك لا يصلى عليه؛ لأن الغسل تطهير، وقد طهر بالقتل، فكذلك الصلاة شفاعة ~~وقد أغنته عنها الشهادة، يؤكده أن الطهارة إذا سقطت مع القدرة عليها سقطت # PageV01P068 # الصلاة؛ لأنها شرطها، وسقوط الشرط دليل على سقوط المشروط. # وما روي " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى عليهم، لا يصح فيه طريق ~~ابن عباس ولا سواه، وقد استوفيناها في مسائل الخلاف. ### | [الآية الثامنة والعشرون قوله تعالى إن الصفا والمروة من شعائر الله] # } [البقرة: 158] # فيها ست مسائل: المسألة الأولى: في سبب نزولها: روى شعبة عن عاصم قال: ~~سألت أنس بن مالك عن الصفا والمروة، فقال: كانا من شعائر الجاهلية، فلما ~~كان الإسلام أمسكوا عنهما، فنزلت الآية. # المسألة الثانية: قال علماء اللغة: قوله تعالى: {من شعائر الله} [البقرة: ~~158] يعني من معالم الله في الحج، واحدتها شعيرة، ومنه إشعار الهدي أي ~~إعلامه بالجرح وما يصدق عليه، والمعنى فيه عندي: ما حصل به العلم لإبراهيم ~~- عليه السلام - وأشعر به إبراهيم، أي أعلم. # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {فلا جناح عليه} [البقرة: 158] # الجناح في اللغة عبارة عن الميل كيفما تصرف، ولكنه خص بالميل إلى الإثم، ~~ثم عبر به عن الإثم في الشريعة، وقد استعملته العرب في الهم والأذى، وجاء ~~في أشعارها وأمثالها. ### | [مسألة معنى قوله تعالى فلا جناح عليه ms0040 أن يطوف بهما] # المسألة الرابعة: قوله تعالى {أن يطوف بهما} [البقرة: 158] # PageV01P069 # وهي معارضة الآية، وروى ابن شهاب عن «عروة قلت لعائشة - رضي الله عنها -: ~~أرأيت قول الله تبارك وتعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} [البقرة: ~~158] الآية فوالله ما على أحد جناح ألا يطوف بهما قالت عائشة - رضي الله ~~عنها -: بئس ما قلت يا ابن أختي، إنها لو كانت على ما تأولتها لكان فلا ~~جناح عليه ألا يطوف بهما، إنما كان هذا الحي من الأنصار قبل أن يسلموا ~~يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدون عند المشلل، فكان من أهل لمناة ~~يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن ذلك، فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا ~~والمروة، فأنزل الله تعالى: {الصفا والمروة} [البقرة: 158] ثم سن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - الطواف بينهما»، فليس ينبغي لأحد أن يدع الطواف ~~بينهما. # قال ابن شهاب: فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن، فقال: إن هذا العلم، أي ~~ما سمعت به. # تحقيق هذا الحديث وتفهيمه: اعلموا وفقكم الله تعالى أن قول القائل: لا ~~جناح عليك أن تفعل، إباحة للفعل، وقوله: (فلا جناح عليك ألا تفعل) إباحة ~~لترك الفعل؛ فلما سمع عروة - رضي الله عنه - قول الله سبحانه: {فلا جناح ~~عليه أن يطوف بهما} [البقرة: 158] قال: هذا دليل على أن ترك الطواف جائز، ~~ثم رأى الشريعة مطبقة على أن الطواف لا رخصة في تركه، فطلب الجمع بين هذين ~~المتعارضين، فقالت له عائشة - رضي الله عنها -: ليس قوله تعالى: {فلا جناح ~~عليه أن يطوف بهما} [البقرة: 158] دليلا على ترك الطواف؛ إنما يكون دليلا ~~على تركه لو كان: (فلا جناح عليه ألا يطوف). # فلم يأت هذا اللفظ لإباحة ترك الطواف، ولا فيه دليل عليه، وإنما جاء ~~لإفادة إباحة الطواف لمن كان # PageV01P070 # يتحرج منه في الجاهلية، أو لمن كان يطوف به في الجاهلية قصدا للأصنام ~~التي كانت فيه؛ فأعلمهم الله تعالى أن الطواف ليس بمحظور إذا لم ms0041 يقصد ~~الطائف قصدا باطلا. # فأدت الآية إباحة الطواف بينهما، وسل سخيمة الحرج التي كانت في صدور ~~المسلمين منها قبل الإسلام وبعده، وقال الله تعالى: {الصفا والمروة من ~~شعائر الله} [البقرة: 158] أي من معالم الحج ومناسكه ومشروعاته، لا من ~~مواضع الكفر، وموضوعاته؛ فمن جاء البيت حاجا أو معتمرا فلا يجد في نفسه ~~شيئا من الطواف بهما. # وهم وتنبيه: [قال الفراء]: معنى قوله: (لا جناح عليه ألا يطوف بهما) ~~معناه أن يطوف، وحرف " لا " زائدة، وهذا ضعيف من وجهين: أحدهما: أنا قد ~~بينا في مواضع أنه يبعد أن تكون " لا " زائدة. # الثاني: أنه لا لغوي ولا فقيه يعادل عائشة - رضي الله عنها - وقد قررتها ~~غير زائدة، وقد بينت معناها، فلا رأي للفراء ولا غيره. # المسألة الخامسة: اختلف الناس في السعي بين الصفا والمروة: فقال الشافعي: ~~إنه ركن، وقال أبو حنيفة: ليس بركن. # ومشهور مذهب مالك أنه ركن، وفي العتبية: يجزئ تاركه الدم. # PageV01P071 # ومعول من نفى وجوبه وركنيته أن الله تعالى إنما ذكره في رفع الحرج خاصة ~~كما تقدم بيانه. # ودليلنا ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الله كتب ~~عليكم السعي فاسعوا». صححه الدارقطني ويعضده المعنى فإنه شعار لا يخلو عنه ~~الحج والعمرة، فكان ركنا كالطواف، وما ذكروه من رفع الحرج أو تركه فقد تقدم ~~القول فيه. # المسألة السادسة: قوله تعالى: {ومن تطوع خيرا} [البقرة: 158] # تعلق به من ينفي ركنية السعي كأبي حنيفة وغيره قال: إن الله تعالى رفع ~~الحرج عن تركه، وقال تعالى بعد ذلك: ومن تطوع خيرا بفعله فإن الله يأجره. # والتطوع هو ما يأتيه المرء من قبل نفسه، وهذا ليس يصح؛ لأنا قد بينا إلى ~~أي معنى يعود رفع الجناح. # وقوله تعالى: {ومن تطوع} [البقرة: 158] إشارة إلى السعي واجب، فمن تطوع ~~بالزيادة عليه فإن الله تعالى يشكر ذلك له. ### | [الآية التاسعة والعشرون قوله تعالى إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى] # من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} ~~[البقرة: ms0042 159] # استدل بها علماؤنا على وجوب تبليغ الحق وبيان العلم على الجملة. # وللآية تحقيق هو أن العالم إذا قصد الكتمان عصى، وإذا لم يقصده لم يلزمه ~~التبليغ إذا عرف أن معه غيره. # قال عثمان - رضي الله عنه -: لأحدثنكم حديثا لولا آية في كتاب الله عز ~~وجل ما حدثتكموه: # PageV01P072 # قال عروة: الآية {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما ~~بيناه للناس في الكتاب} [البقرة: 159] # قال أبو هريرة: إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة، والله لولا آية في كتاب ~~الله ما حدثت شيئا، ثم تلا هذه الآية، وكان أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما ~~- لا يحدثان بكل ما سمعا من النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا عند الحاجة ~~إليه. # وكان الزبير أقلهم حديثا مخافة أن يواقع الكذب؛ ولكنهم رأوا أن العلم عم ~~جميعهم فسيبلغ واحد إن ترك آخر. # فإن قيل: فالتبليغ فضيلة أو فرض، فإن كان فرضا فكيف قصر فيه هؤلاء الجلة ~~كأبي بكر، وعمر، والزبير، وأمثالهم، وإن كان فضيلة فلم قعدوا عنها؟ ~~فالجواب: أن من سئل فقد وجب عليه التبليغ لهذه الآية؛ ولما روى أبو هريرة ~~وعمرو بن العاص أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من سئل عن علم فكتمه ~~ألجم بلجام من نار» وأما من لم يسأل فلا يلزمه التبليغ إلا في القرآن وحده. # وقد قال سحنون: إن حديث أبي هريرة وعمرو هذا إنما جاء في الشهادة. # PageV01P073 # والصحيح عندي ما أشرنا إليه من أنه إن كان هناك من يبلغ اكتفي به، وإن ~~تعين عليه لزمه، وسكت الخلفاء عن الإشارة بالتبليغ؛ لأنهم كانوا في المنصب ~~من يرد ما يسمع أو يمضيه مع علمهم بعموم التبليغ فيه، حتى إن عمر كره كثرة ~~التبليغ، وسجن من كان يكثر الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ~~وقد بينا تحقيقه في شرح الحديث الصحيح. # وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في فضيلة التبليغ أنه قال: «نضر ~~الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها». والله أعلم. ### | [الآية الموفية ms0043 ثلاثين قوله تعالى إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار] # أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين} [البقرة: 161]. # فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى: قال لي كثير من أشياخي: إن الكافر ~~المعين لا يجوز لعنه؛ لأن عند الموافاة لا تعلم، وقد شرط الله تعالى في هذه ~~الآية في إطلاق اللعنة الموافاة على الكفر، وقد روي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لعن أقوام بأعيانهم من الكفار. # وفي صحيح مسلم عن عائشة - رضي الله عنها -: «دخل على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - رجلان فكلماه بشيء فأغضباه فلعنهما»؛ وإنما كان ذلك لعلمه ~~بمآلهما. # والصحيح عندي جواز لعنه لظاهر حاله، كجواز قتاله وقتله. # PageV01P074 # وقد روي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «اللهم إن عمرو بن العاص هجاني، ~~قد علم أني لست بشاعر فالعنه، اللهم واهجه عدد ما هجاني» فلعنه. # وقد كان إلى الإسلام والدين والإيمان مآله، وانتصف بقوله: «عدد ما ~~هجاني». ولم يزد ليعلم العدل والإنصاف والانتصاف، وأضاف الهجو إلى الباري ~~سبحانه وتعالى في باب الجزاء دون الابتداء بالوصف له بذلك، كما يضاف إليه ~~الاستهزاء والمكر والكيد، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # وفي صحيح مسلم: «لعن المؤمن كقتله»، وكذلك إن كان ذميا يجوز إصغاره فكذلك ~~لعنه. ### | [مسألة لعن العاصي] # (تركيب) وهي المسألة الثانية: فأما العاصي المعين، فلا يجوز لعنه اتفاقا، ~~لما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جيء إليه بشارب خمر مرارا، فقال ~~بعض من حضره: ما له لعنه الله، ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: لا تكونوا أعوانا للشيطان على أخيكم»؛ فجعل له حرمة الأخوة، ~~وهذا يوجب الشفقة، وهذا حديث صحيح. # وأما لعن العاصي مطلقا، وهي المسألة الثالثة: فيجوز إجماعا، لما روي في ~~الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لعن الله السارق يسرق ~~البيضة فتقطع يده». # PageV01P075 # وقد قال بعض علمائنا في تأويل هذه الآية: إن معناه عليهم اللعنة يوم ~~القيامة، كما قال تعالى: {ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم ~~بعضا} [العنكبوت: ms0044 25]. # والذي عندي صحة لعنه في الدنيا لمن وافى كافرا بظاهر الحال، وما ذكر الله ~~تعالى عن الكفرة من لعنتهم وكفرهم فيما بينهم حالة أخرى، وبيان لحكم آخر ~~وحالة واقعة تعضد جواز اللعن في الدنيا؛ وتكون هذه الآية لجواز اللعن في ~~الدنيا، فيكون للآيتين معنيان. # فإن قيل: فهل تحكمون بجواز لعنة الله لمن كان على ظاهر الكفر، وقد علم ~~الله تعالى موافاته مؤمنا؟ قلنا: كذلك نقول، ولكن لعنة الله له حكمه بجواز ~~لعنه لعباده المؤمنين أخذا بظاهر حاله، والله أعلم بمآله. ### | [الآية الحادية والثلاثون قوله تعالى إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير] # وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله ~~غفور رحيم} [البقرة: 173]. # فيها خمس عشرة مسألة: المسألة الأولى: قوله تعالى: إنما: وهي كلمة موضوعة ~~للحصر تتضمن النفي والإثبات؛ فتثبت ما تناوله الخطاب وتنفي ما عداه؛ وقد ~~بينا ذلك في ملجئة المتفقهين ومسائل الخلاف. # وقد حصرت هاهنا المحرم لا سيما وقد جاءت عقب المحلل؛ فقال تعالى: {يا ~~أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم} [البقرة: 172]. # فأدت هذه الآية الإباحة على الإطلاق، ثم عقبها بالمحرم بكلمة " إنما " ~~الحاصرة؛ فاقتضى ذلك الإيعاب # PageV01P076 # للقسمين؛ فلا محرم يخرج عن هذه الآية، وهي مدنية، وأكدتها الآية الأخرى ~~التي روي أنها نزلت بعرفة: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما} [الأنعام: ~~145] إلى آخرها فاستوى البيان أولا وآخرا. ### | [مسألة ما مات من الحيوان حتف أنفه من غير قتل بذكاة] # المسألة الثانية: قوله تعالى: {الميتة} [البقرة: 173]. # وهي الإطلاق عرفا، والمراد بالآيات حكما ما مات من الحيوان حتف أنفه من ~~غير قتل بذكاة، أو مقتولا بغير ذكاة، وكانت الجاهلية تستبيحه فحرمه الله ~~تعالى؛ فجادلوا فيه فرد الله تعالى عليهم على ما يأتي بيانه في الأنعام إن ~~شاء الله تعالى. # المسألة الثالثة: في شعرها وصوفها وقرنها: ويأتي في سورة النحل إن شاء ~~الله تعالى. # المسألة الرابعة: في عموم هذه الآية وخصوصها: روي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: ms0045 «أحلت لنا ميتتان ودمان، فالميتتان السمك والجراد ~~والدمان الكبد والطحال». ذكره الدارقطني وغيره # ، واختلف العلماء في تخصيص ذلك: # فمنهم من خصصه في الجراد والسمك، وأجاز أكلهما من غير معالجة ولا ذكاة ~~قاله الشافعي وغيره. # ومنهم من منعه في السمك وأجازه في الجراد، وهو أبو حنيفة. # ومع اختلاف الناس في جواز تخصيص عموم الكتاب بالسنة فقد اتفقوا على أنه # PageV01P077 # لا يجوز تخصيصه بحديث ضعيف، وهذا الحديث يروى عن ابن عمر وغيره مما لا ~~يصح سنده. ولكنه ورد في السمك حديث صحيح جدا: في الصحيحين «عن جابر بن عبد ~~الله أنه خرج مع أبي عبيدة بن الجراح يتلقى عيرا لقريش، وزودنا جرابا من ~~تمر، فانطلقنا على ساحل البحر، فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب ~~الضخم، فأتيناه فإذا هي دابة تدعى العنبر قال أبو عبيدة: ميتة، ثم قال: بل ~~نحن رسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد اضطررتم فكلوا. قال: فأقمنا ~~عليه شهرا حتى سمنا، وذكر الحديث قال: فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فذكرنا ذلك له، فقال: هو رزق أخرجه الله لكم، فهل ~~معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟ قال: فأرسلنا إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - منه، فأكله». # وروي عن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «هو الطهور ماؤه ~~الحل ميتته». # فهذا الحديث يخصص بصحة سنده عموم القرآن في تحريم الميتة على قول من يرى ~~ذلك، وهو نص في المسألة. # PageV01P078 # ويعضده قول الله تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه} [المائدة: 96]. # فصيده ما صيد وتكلف أخذه، وطعامه ما طفا عليه، أو جزر عنه. # ومنهم من خصصه في السمك خاصة، ورأى أكل ميتته، ومنع من أكل الجراد إلا ~~بذكاة؛ قاله مالك وغيره؛ وذلك لأن عموم الآية يجري على حاله حتى يخصصه ~~الحديث الصحيح، أو الآية الظاهرة، وقد وجد كلاهما في السمك، وليس في الجراد ~~حديث يعول عليه في أكل ميتته. # أما أكل الجراد فجائز بالإجماع، وفيه أخبار منها حديث ابن أبي أوفى: ~~«غزونا مع ms0046 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبع غزوات نأكل الجراد معه». # وروى سلمان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «هو أكثر جنود الله، لا ~~آكله ولا أحرمه»، ولم يصح. بيد أن الخلفاء أكلته، وهو من صيد البر فلا بد ~~فيه من ذكاة على ما يأتي في سورة المائدة إن شاء الله تعالى. # فإن قيل: قد قال كعب: إنه نترة حوت. قلنا: لا ينبني على قول كعب حكم؛ ~~لأنه يحدث عما يلزمنا تصديقه، ولا يجوز لنا تكذيبه، وقد بيناه فيما تقدم. ### | [مسألة اتفاق العلماء على أن الدم حرام نجس لا يؤكل ولا ينتفع به] # المسألة الخامسة: قوله تعالى: {والدم} [البقرة: 173]: اتفق العلماء على ~~أن الدم حرام نجس لا يؤكل ولا ينتفع به، وقد عينه الله تعالى هاهنا مطلقا، ~~وعينه في سورة الأنعام مقيدا بالمسفوح، وحمل العلماء هاهنا المطلق على ~~المقيد إجماعا. # وروي عن عائشة أنها قالت: لولا أن الله تعالى قال: أو دما مسفوحا لتتبع ~~الناس ما في العروق؛ فلا تلتفتوا في ذلك إلى ما يعزى إلى ابن مسعود في ~~الدم. # PageV01P079 # ثم اختلف الناس في تخصيص هذا العموم في الكبد والطحال: فمنهم من قال: إنه ~~لا تخصيص في شيء من ذلك؛ قاله مالك، ومنهم من قال: هو مخصوص في الكبد ~~والطحال قاله الشافعي. # والصحيح أنه لم يخصص، وأن الكبد والطحال لحم، يشهد بذلك العيان الذي لا ~~يعارضه بيان ولا يفتقر إلى برهان. ### | [مسألة لحم الخنزير] # المسألة السادسة: قوله تعالى: {ولحم الخنزير} [البقرة: 173]. # اتفقت الأمة على أن [لحم] الخنزير حرام بجميع أجزائه. # والفائدة في ذكر اللحم أنه حيوان يذبح للقصد إلى لحمه، وقد شغفت المبتدعة ~~بأن تقول: فما بال شحمه، بأي شيء حرم؟ وهم أعاجم لا يعلمون أنه من قال لحما ~~فقد قال شحما، ومن قال شحما فلم يقل لحما؛ إذ كل شحم لحم، وليس كل لحم شحما ~~من جهة اختصاص اللفظ؛ وهو لحم من جهة حقيقة اللحمية، كما أن كل حمد شكر، ~~وليس كل شكر حمدا من جهة ذكر النعم، ms0047 وهو حمد من جهة ذكر فضائل المنعم. # ثم اختلفوا في نجاسته: فقال جمهور العلماء: إنه نجس، وقال مالك: إنه ~~طاهر، وكذلك كل حيوان عنده؛ لأن علة الطهارة عنده هي الحياة. # وقد قررنا ذلك عند مسائل الخلاف بما فيه كفاية، وبيناه طردا وعكسا، ~~وحققنا ما فيه من الإحالة [والملاءمة] والمناسبة على مذهب من يرى ذلك ومن # PageV01P080 # لا يراه بما لا مطعن فيه، وهذا يشير بك إليه، فأما شعره فسيأتي ذكره في ~~سورة النحل إن شاء الله تعالى. # المسألة السابعة: قوله تعالى: {وما أهل به لغير الله} [البقرة: 173] ~~وموضعها سورة الأنعام. ### | [مسألة حقيقة الضرر والمضطر] # المسألة الثامنة: قوله تعالى: {فمن اضطر} [البقرة: 173]. # وتصريفه افتعل من الضرر، كقوله: افتتن من الفتنة، أي: أدركه ضرر، ووجد ~~به، وقد تكلمنا في حقيقة الضرر والمضطر في كتاب " المشكلين " بما فيه ~~كفاية. # بيانه: أن الضرر هو الألم الذي لا نفع فيه يوازيه أو يربي عليه، وهو نقيض ~~النفع، وهو الذي لا ضرر فيه؛ ولهذا لم يوصف شرب الأدوية الكريهة والعبادات ~~الشاقة بالضرر، لما في ذلك من النفع الموازي له أو المربي عليه، وحققنا أن ~~المضطر هو المكلف بالشيء الملجأ إليه، المكره عليه، ولا يتحقق اسم المكره ~~إلا لمن قدر على الشيء، ومن خلق الله فيه فعلا لم يكن له عليه قدرة، ~~كالمرتعش والمحموم، لا يسمى مضطرا ولا ملجأ، وأشرنا إلى أنه قد يكون عند ~~علمائنا المضطر، وقد يكون [المضطر] المحتاج، ولكن الملجأ مضطر حقيقة، ~~والمحتاج مضطر مجازا. # وقال الجبائي وابنه: إن المضطر هو الذي فعل فيه غيره فعلا، وهذا تنازع # PageV01P081 # يرجع إلى اللفظ وما ذهبنا إليه هو اللغة، وهو المعروف عند العرب، والمراد ~~في كتاب الله تعالى بقوله: {فمن اضطر} [البقرة: 173]: أي خاف التلف، فسماه ~~مضطرا، وهو قادر على التناول. # ويرد المضطر في اللغة على معنيين: أحدهما: مكتسب الضرر، والثاني مكتسب ~~دفعه، كالإعجام يرد بمعنى الإفهام وبمعنى نفيه، فالسلطان يضطره أي يلجئه ~~للضرر، والمضطر يبيع منزله، أي يدفع الضرر الذي يلحقه بامتناعه من بيع ~~ماله. # وكلا المعنيين ms0048 موجود في مسألتنا فإنه مضطر بما أدركه من ألم الجوع، مضطر ~~بدفعه ذلك عن نفسه بتناول الميتة؛ وهو بالمعنى الأول مشروط، وبالمعنى ~~الثاني مأمور. ### | [مسألة من يقع منه الضرر] # المسألة التاسعة: هذا الضرر الذي بيناه يلحق إما بإكراه من ظالم، أو بجوع ~~في مخمصة، أو بفقر لا يجد فيه غيره؛ فإن التحريم يرتفع عن ذلك بحكم ~~الاستثناء، ويكون مباحا، فأما الإكراه فيبيح ذلك كله إلى آخر الإكراه. # وأما المخمصة فلا يخلو أن تكون دائمة فلا خلاف في جواز الشبع منها، وإن ~~كانت نادرة فاختلف العلماء في ذلك على قولين: أحدهما: يأكل حتى يشبع ويتضلع ~~قاله مالك. # وقال غيره: يأكل على قدر سد الرمق، وبه قال ابن حبيب وابن الماجشون؛ لأن ~~الإباحة ضرورة فتتقدر بقدر الضرورة. # وقد قال مالك في موطئه الذي ألفه بيده، وأملاه على أصحابه، وأقرأه وقرأه # PageV01P082 # عمره كله: " يأكل حتى يشبع ". # ودليله أن الضرورة ترفع التحريم فيعود مباحا، ومقدار الضرورة إنما هو من ~~حالة عدم القوت إلى حالة وجوده حتى يجد، وغير ذلك ضعيف. ### | [مسألة الاضطرار إلى الخمر] # المسألة العاشرة: من اضطر إلى خمر، فإن كان بإكراه شرب بلا خلاف، وإن كان ~~لجوع أو عطش فلا يشرب، وبه قال مالك في العتبية، وقال: لا تزيده الخمر إلا ~~عطشا، وحجته أن الله تعالى حرم الخمر مطلقا، وحرم الميتة بشرط عدم الضرورة، ~~ومنهم من حمله على الميتة. # وقال أبو بكر الأبهري: إن ردت الخمر عنه جوعا أو عطشا شربها. # وقد قال الله تعالى في الخنزير: {فإنه رجس} [الأنعام: 145] ثم أباحه ~~للضرورة، وقال تعالى أيضا في الخمر: إنها رجس، فتدخل في إباحة ضرورة ~~الخنزير؛ فالمعنى الجلي الذي هو أقوى من القياس؛ ولا بد أن تروي ولو ساعة ~~وترد الجوع ولو مدة. # المسألة الحادية عشرة: إذا غص بلقمة فهل يجيزها [بخمر] أم لا؟ قيل: لا ~~يسيغها بالخمر مخافة أن يدعي ذلك # PageV01P083 # وقال ابن حبيب: يسيغها؛ لأنها حالة ضرورة. # وقد قال العلماء: من اضطر إلى أكل الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يأكل ~~دخل ms0049 النار، إلا أن يعفو الله تعالى عنه. # والصحيح أنه سبحانه حرم الميتة والدم ولحم الخنزير أعيانا مخصوصة في ~~أوقات مطلقة، ثم دخل التخصيص بالدليل في بعض الأعيان، وتطرق التخصيص بالنص ~~إلى بعض الأوقات والأحوال، فقال تعالى: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد} ~~[البقرة: 173]؛ فرفعت الضرورة التحريم، ودخل التخصيص أيضا بحال الضرورة إلى ~~حال تحريم الخمر لوجهين: أحدهما: حملا على هذا بالدليل كما تقدم من أنه ~~محرم، فأباحته الضرورة كالميتة. # والثاني: أن من يقول: إن تحريم الخمر لا يحل بالضرورة ذكر أنها لا تزيده ~~إلا عطشا، ولا تدفع عنه شبعا؛ فإن صح ما ذكره كانت حراما، وإن لم يصح وهو ~~الظاهر أباحتها الضرورة كسائر المحرمات. # وأما الغاص بلقمة فإنه يجوز له فيما بينه وبين الله تعالى، وأما فيما ~~بيننا فإن شهدناه فلا يخفى بقرائن الحال صورة الغصة من غيرها، فيصدق إذا ~~ظهر ذلك، وإن لم يظهر حددناه ظاهرا وسلم من العقوبة عند الله تعالى باطنا. ### | [مسألة الباغي والعادي] # المسألة الثانية عشرة: قوله تعالى: {غير باغ ولا عاد} [البقرة: 173]. # فيها أقوال كثيرة نخبتها اثنان: الأول: أن الباغي في اللغة، وهو الطالب ~~لخير كان أو لشر، إلا أنه خص هاهنا بطالب الشر، ومن طالب الشر الخارج على ~~الإمام المفارق للجماعة. وهو المراد بقوله تعالى: {فإن بغت إحداهما على ~~الأخرى} [الحجرات: 9]. والعادي، وهو: المجاوز ما يجوز إلى ما لا يجوز، وخص ~~هاهنا بقاطع السبيل، وقد قاله مجاهد، وابن جبير # PageV01P084 # الثاني: أن الباغي آكل الميتة فوق الحاجة، والعادي آكلها مع وجود غيرها ~~قاله جماعة: منهم قتادة، والحسن، وعكرمة. # وتحقيق القول في ذلك أن العادي باغ، فلما أفرد الله تعالى كل واحد منهما ~~بالذكر تعين له معنى غير معنى الآخر، لئلا يكون تكرارا يخرج عن الفصاحة ~~الواجبة للقرآن. والأصح، والحالة هذه أن معناه غير طالب شرا، ولا متجاوز ~~حدا، فأما قوله: " غير طالب شرا " فيدخل تحته كل خارج على الإمام، وقاطع ~~للطريق، وما في معناه. وأما " غير متجاوز حدا " فمعناه غير متجاوز حد ~~الضرورة إلى حد ms0050 الاختيار. ويحتمل أن تدخل تحته الزيادة على قدر الشبع، كما ~~قاله قتادة وغيره، ولكن مع الندور لا مع التمادي؛ «فإن أبا عبيدة وأصحابه ~~قد أكلوا حتى شبعوا مما اعتقدوا أنه ميتة حتى أخبرهم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بأنه حلال»؛ لكن وجه الحجة أنهم لما أخبروه بحالهم جوز لهم أكلهم ~~شبعا وتضلعا مع اعتقادهم لضرورتهم. ### | [مسألة رخص السفر للعاصي بسفره] # المسألة الثالثة عشرة: ولأجل ذلك لا يستبيح العاصي بسفره رخص السفر؛ وقد ~~اختلف العلماء في ذلك؛ والصحيح أنها لا تباح له بحال؛ لأن الله تعالى أباح ~~ذلك عونا، والعاصي لا يحل أن يعان، فإن أراد الأكل فليتب ويأكل، وعجبا ممن ~~يبيح ذلك له مع التمادي على المعصية، وما أظن أحدا يقوله؛ فإن قاله أحد فهو ~~مخطئ قطعا. ### | [مسألة وجد المضطر المحرم ميتة ودما ولحم خنزير وخمرا وصيدا] # المسألة الرابعة عشرة: إذا وجد المضطر ميتة ودما ولحم خنزير وخمرا وصيدا ~~حرميا أو صيدا وهو محرم، فهذه صورتان: # PageV01P085 # الأولى: الحلال يجدها، والثاني الحرام؛ فإن وجد ميتة وخمرا قال ابن ~~القاسم: يأكل الميتة حلالا بيقين، والخمر محتملة للنظر؛ وإن وجد ميتة ~~وبعيرا ضالا أكل الميتة قاله ابن وهب. # فإن وجد ميتة وكنزا أو ما في معناه أكل الكنز قاله ابن حبيب. # فإن وجد ذلك تحت حرز أكل الميتة؛ ولو وجد ميتة وخنزيرا قال علماؤنا: يأكل ~~الميتة، فإن وجد لحم بني آدم والميتة أكل الميتة؛ فإنها حلال في حال، ~~والخنزير وابن آدم لا يحل بحال، ولا يأكل ابن آدم ولو مات قاله علماؤنا. ~~وقال الشافعي: يأكل لحم ابن آدم. # الصورة الثانية: إذا وجد المحرم صيدا، وميتة؛ قال علماؤنا: يأكل الميتة ~~ولا يأكل الصيد. # والضابط لهذه الأحكام أنه إذا وجد ميتة ولحم خنزير قدم الميتة؛ لأنها تحل ~~حية والخنزير لا يحل، والتحريم المخفف أولى أن يقتحم من التحريم المثقل، ~~كما لو أكره أن يطأ أخته أو أجنبية وطئ الأجنبية؛ لأنها تحل له بحال، وإذا ~~وجد ميتة وخمرا فقد تقدم، وإذا وجد ميتة ومال الغير، فإن ms0051 أمن الضرر في بدنه ~~أكل مال الغير، ولم يحل له أكل الميتة، وإن لم يأمن أكل الميتة، وأمنه إذا ~~كان مال الغير في الثمار أكثر من أمنه إذا كان في الجرين؛ وقد تقدم القول ~~في الميتة والآدمي. # والصحيح عندي ألا يأكل الآدمي إلا إذا تحقق أن ذلك ينجيه ويحييه. # وإذا وجد المحرم صيدا وميتة أكل الصيد، لأن تحريمه مؤقت، فهو أخف وتقبل ~~الفدية في حال الاختيار، ولا فدية لآكل الميتة. ### | [مسألة التداوي بالميتة] # المسألة الخامسة عشرة: إذا احتاج إلى التداوي بالميتة، فلا يخلو أن يحتاج ~~إلى استعمالها قائمة بعينها، أو يستعملها محرقة؛ فإن تغيرت بالإحراق، فقد ~~قال ابن حبيب: يجوز التداوي بها والصلاة، وخففه ابن الماجشون بناء على أن ~~الحرق تطهير لتغير الصفات. # PageV01P086 # وفي العتبية من رواية مالك في المرتك يصنع من عظام الميتة إذا جعله في ~~جرحه لا يصلي به حتى يغسله. # وإن كانت الميتة بعينها فقد قال سحنون: لا يتداوى بها بحال ولا بالخنزير. # والصحيح عندي أنه لا يتداوى بشيء من ذلك؛ لأن منه عوضا حلالا، ولا يوجد ~~في المجاعة من هذه الأعيان عوض، حتى لو وجد منها في المجاعة عوضا لم ~~يأكلها، كما لا يجوز التداوي بها؛ لوجود العوض، ولو أحرقت لبقيت نجسة؛ لأن ~~العين النجسة لا تطهر إلا بالماء الذي جعله الشرع مطهرا للأعيان النجسة. # وقد روى مسلم «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الخمر أيتداوى ~~بها؟ قال: ليست بدواء، ولكنها داء». ### | [الآية الثانية والثلاثون قوله تعالى وآتى المال على حبه] # ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام ~~الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء ~~والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} [البقرة: 177]. # فيها أربع مسائل: المسألة الأولى: قد قدمنا فيما قبل أنه ليس في المال حق ~~سوى الزكاة، وقد كان الشعبي فيما يؤثر عنه يقول: في المال حق سوى الزكاة، ~~ويحتج بحديث يروى عن فاطمة بنت قيس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«في ms0052 المال حق سوى الزكاة». وهذا ضعيف لا يثبت عن # PageV01P087 # الشعبي، ولا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وليس في المال حق سوى ~~الزكاة، وإذا وقع أداء الزكاة ونزلت بعد ذلك حاجة فإنه يجب صرف المال إليها ~~باتفاق من العلماء. # وقد قال مالك: يجب على كافة المسلمين فداء أسراهم، وإن استغرق ذلك ~~أموالهم، وكذا إذا منع الوالي الزكاة، فهل يجب على الأغنياء إغناء الفقراء؟ ~~مسألة فيها نظر، أصحها عندي وجوب ذلك عليهم. ### | [مسألة قوله تعالى والمساكين] # المسألة الثانية: قوله تعالى: {والمساكين} [البقرة: 177]: يعني: الذين لا ~~يسألون، والسائلين يعني الذين كشفوا وجوههم، وقد صح عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان والتمرة ~~والتمرتان ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له فيتصدق عليه». ### | [مسألة قوله تعالى وفي الرقاب] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {وفي الرقاب} [البقرة: 177]: هم عبيد ~~يعتقون قربة قاله مالك والشافعي. # وقال أبو حنيفة: والقول الآخر للشافعي: أنهم المكاتبون يعانون في فك ~~رقابهم، وذلك محتمل، والصحيح عندي أنه عام. ### | [مسألة قوله تعالى وآتى الزكاة] # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {وآتى الزكاة} [البقرة: 177]. قيل المراد ~~بإيتاء المال في أولها التطوع أو غيره مما قدرناه، وبالزكاة هاهنا الزكاة ~~المعروفة. # PageV01P088 # وقيل: المراد بإيتاء الزكاة هاهنا تفسير لقوله تعالى: {وآتى المال على ~~حبه} [البقرة: 177]؛ فبين المال المؤتى ووجه الإيتاء فيه، وهو الزكاة. # والصحيح عندي أنهما فائدتان: الإيتاء الأول في وجوهه، فتارة يكون ندبا، ~~وتارة يكون فرضا؛ والإيتاء الثاني هو الزكاة المفروضة. ### | [الآية الثالثة والثلاثون قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى] # الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع ~~بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله ~~عذاب أليم} [البقرة: 178]. # فيها إحدى عشرة مسألة: المسألة الأولى: في سبب نزولها: قالها الشعبي ~~وقتادة في جماعة من التابعين: إنها نزلت فيمن كان من العرب لا يرضى أن يأخذ ~~بعبد إلا حرا، وبوضيع إلا شريفا، ms0053 وبامرأة إلا رجلا ذكرا، ويقولون: القتل ~~أنفى للقتل، فردهم الله عز وجل عن ذلك إلى القصاص، وهو المساواة مع استيفاء ~~الحق، فقال: {كتب عليكم القصاص في القتلى} [البقرة: 178]. وقال تعالى: ~~{ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب} [البقرة: 179] وبين الكلامين في ~~الفصاحة والعدل بون عظيم. ### | [مسألة معنى قوله كتب] # المسألة الثانية: قال علماؤنا: معنى {كتب} [البقرة: 178]: فرض وألزم، ~~وكيف يكون هذا والقصاص غير واجب، وإنما هو لخيرة الولي؛ ومعنى ذلك كتب وفرض ~~إذا أردتم [استيفاء] # PageV01P089 # القصاص فقد كتب عليكم، كما يقال كتب عليك إذا أردت التنفل الوضوء؛ وإذا ~~أردت الصيام النية. ### | [مسألة الاختلاف في قوله تعالى كتب عليكم القصاص في القتلى] # المسألة الثالثة: # اختلف الناس في: {كتب عليكم القصاص في القتلى} [البقرة: 178]؛ فقيل: هو ~~كلام عام مستقل بنفسه؛ وهو قول أبي حنيفة. # وقال سائرهم: لا يتم الكلام هاهنا؛ وإنما ينقضي عند قوله تعالى: {والأنثى ~~بالأنثى} [البقرة: 178] وهو تفسير له، وتتميم لمعناه، منهم مالك والشافعي. # فائدة ورد علينا بالمسجد الأقصى سنة سبع وثمانين وأربعمائة فقيه من عظماء ~~أصحاب أبي حنيفة يعرف بالزوزني زائرا للخليل صلوات الله عليه فحضرنا في حرم ~~الصخرة المقدسة طهرها الله معه، وشهد علماء البلد، فسئل على العادة عن قتل ~~المسلم بالكافر، فقال: يقتل به قصاصا؛ فطولب بالدليل، فقال: الدليل عليه ~~قوله تعالى {كتب عليكم القصاص في القتلى} [البقرة: 178]. وهذا عام في كل ~~قتيل. # فانتدب معه للكلام فقيه الشافعية بها وإمامهم عطاء المقدسي، وقال: ما ~~استدل به الشيخ الإمام لا حجة له فيه من ثلاثة أوجه: أحدها: أن الله سبحانه ~~قال: {كتب عليكم القصاص} [البقرة: 178] فشرط المساواة في المجازاة، ولا ~~مساواة بين المسلم والكافر؛ فإن الكفر حط منزلته ووضع مرتبته. # PageV01P090 # الثاني: أن الله سبحانه ربط آخر الآية بأولها، وجعل بيانها عند تمامها، ~~فقال: {كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى ~~بالأنثى} [البقرة: 178] فإذا نقص العبد عن الحر بالرق، وهو من آثار الكفر ~~فأحرى وأولى أن ينقص عنه الكافر. # الثالث أن الله سبحانه وتعالى قال: {فمن ms0054 عفي له من أخيه شيء فاتباع ~~بالمعروف} [البقرة: 178]؛ ولا مؤاخاة بين المسلم والكافر؛ فدل على عدم ~~دخوله في هذا القول. # فقال الزوزني: بل ذلك دليل صحيح، وما اعترضت به لا يلزمني منه شيء. # أما قولك: إن الله تعالى شرط المساواة في المجازاة فكذلك أقول. # وأما دعواك أن المساواة بين الكافر والمسلم في القصاص غير معروفة فغير ~~صحيح فإنهما متساويان في الحرمة التي تكفي في القصاص، وهي حرمة الدم ~~الثابتة على التأبيد؛ فإن الذمي محقون الدم على التأبيد، والمسلم محقون ~~الدم على التأبيد، وكلاهما قد صار من أهل دار الإسلام، والذي يحقق ذلك أن ~~المسلم يقطع بسرقة مال الذمي؛ وهذا يدل على أن مال الذمي قد ساوى مال ~~المسلم؛ فدل على مساواته لدمه؛ إذ المال إنما يحرم بحرمة مالكه. # وأما قولك: إن الله تعالى ربط آخر الآية بأولها فغير مسلم؛ فإن أول الآية ~~عام وآخرها خاص، وخصوص آخرها لا يمنع من عموم أولها؛ بل يجري كل على حكمه ~~من عموم أو خصوص. # وأما قولك: إن الحر لا يقتل بالعبد، فلا أسلم به؛ بل يقتل به عندي قصاصا، ~~فتعلقت بدعوى لا تصح لك. # وأما قولك: فمن عفي له من أخيه شيء يعني المسلم، فكذلك أقول، ولكن هذا ~~خصوص في العفو؛ فلا يمنع من عموم ورود القصاص، فإنهما قضيتان متباينتان؛ ~~فعموم إحداهما لا يمنع من خصوص الأخرى، ولا خصوص هذه يناقض عموم # PageV01P091 # تلك. # وجرت في ذلك مناظرة عظيمة حصلنا منها فوائد جمة أثبتناها في " نزهة ~~الناظر "، وهذا المقدار يكفي هنا منها. ### | [مسألة الحر لا يقتل بالعبد] # المسألة الرابعة قوله تعالى: {الحر بالحر} [البقرة: 178] تعلق أصحابنا ~~على أصحاب أبي حنيفة بهذا التنويع والتقسيم على أن الحر لا يقتل بالعبد؛ ~~لأن الله تعالى بين نظير الحر ومساويه وهو الحر، وبين العبد ومساويه، وهو ~~العبد، ويعضده ما ناقض فيه أبو حنيفة من أنه لا مساواة بين طرف الحر وطرف ~~العبد، ولا يجري القصاص منهما في الأطراف، فكذلك لا يجب أن يجري في الأنفس، ~~ولقد بلغت الجهالة ms0055 بأقوام أن قالوا: يقتل الحر بعبد نفسه، ورووا في ذلك ~~حديثا عن الحسن عن سمرة قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من قتل عبده ~~قتلناه» وهذا حديث ضعيف. # ودليلنا قوله تعالى: {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في ~~القتل} [الإسراء: 33] الولي هاهنا السيد، فكيف يجعل له سلطان على نفسه، فإن ~~قيل: جعله إلى الإمام، قيل: إنما يكون للإمام إذا ثبت للمسلمين ميراثا، ~~فيأخذه الإمام نيابة عنهم؛ لأنه وكيلهم، ونيابته هاهنا عن السيد محال فلا ~~يقاد به. ### | [مسألة قتل الذكر بالأنثى] # فإن قيل: وهي المسألة الخامسة فقد قال تعالى: {والأنثى بالأنثى} [البقرة: ~~178] [فلم يقتل الذكر بالأنثى]. # قلنا: ذلك ثابت بالإجماع، وهو دليل آخر، ولو تركنا هذا التقسيم لقلنا: لا ~~يقتل الذكر بالأنثى. # PageV01P092 # فإن قيل: إذا قتل الرجل زوجه لم لم تقولوا: ينتصب النكاح شبهة في درء ~~القصاص عن الزوج كما انتصب النسب الذي هو فرعه شبهة في درء القصاص عن ~~النسب؛ إذ النكاح ضرب من الرق، فكان يجب أن ينتصب شبهة في درء القصاص. # قلنا: النكاح ينعقد لها عليه كما ينعقد له عليها، بدليل أنه لا يتزوج ~~أختها ولا أربعا سواها، ويحل لها منه ما يحل له منها، وتطالبه من الوطء بما ~~يطالبها، ولكن له عليها فضل القوامية التي جعلها الله له عليها بما أنفق من ~~ماله، أي بما وجب عليه من صداق ونفقة، فلو أورث شبهة لأورثها من الجانبين. # فإن قيل: فقولوا كما قال عثمان البتي: إن الرجل إذا قتل امرأته فقتله ~~وليها لم يكن هنالك شيء زائد. ولو قتلت امرأة رجلا قتلت، وأخذ من مالها نصف ~~العقل. قلنا: هو مسبوق بإجماع الأمة محجوج بالعموميات الواردة في القصاص ~~دون اعتبار شيء من الدية فيهما. وقد قال مالك في هذه الآية: أحسن ما سمعت ~~في هذه الآية: أن الحرة تقتل بالحرة، كما يقتل الحر بالحر، والأمة تقتل ~~بالأمة كما يقتل العبد بالعبد، والقصاص أيضا يكون بين الرجال والنساء ~~الأحرار والعبيد في النفس والطرف بقوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها ms0056 أن النفس ~~بالنفس والعين بالعين} [المائدة: 45] وهذا بين، وسنزيده بيانا إن شاء الله ~~تعالى في سورة المائدة. ### | [مسألة القصاص بين الحر والعبد] # وهذه هي المسألة السادسة: لأن الآية بعمومها تقتضي الجملة بالجملة والبعض ~~بالبعض وقد قال أبو حنيفة: لا يؤخذ طرف الحر بطرف العبد، وتؤخذ نفسه بنفسه، ~~فيقول: شخصان لا يجري بينهما القصاص في الأطراف مع الاستواء في السلامة ~~والخلقة فلا يجري بينهما في الأنفس. # PageV01P093 # وقال الليث: يؤخذ طرف العبد بطرف الحر، ولا يؤخذ طرف الحر بطرف العبد، ~~وهذا ينعكس عليه، ويلزمه مثله في النفس. # وقال ابن أبي ليلى: القصاص جار بينهما في الطرف والنفس، والتمهيد الذي ~~قدمناه في صدر الآية يبطله، وقد حققنا في مسائل الخلاف أن الله سبحانه ~~وتعالى شرط المساواة في القتلى، ولا مساواة بين الحر والعبد؛ لأن الرق الذي ~~هو من آثار الكفر يدخله تحت ذل الرق، ويسلط عليه أيدي المالكين تسليطا ~~يمنعه من المطاولة، ويصده عن تعاطي المصاولة الموجبة للعداوة الباعثة على ~~الإتلاف، كدخول الكافر تحت ذل العهد، وإن كانت فيه الحياة التي هي معنى ~~الآدمية، فإن مذلة العبودية ترهقه كمذلة الكفر المرهقة للذمي. ### | [مسألة قتل الأب بولده] # المسألة السابعة هل يقتل الأب بولده مع عموم آيات القصاص؟ قال مالك: يقتل ~~به إذا تبين قصده إلى قتله بأن أضجعه وذبحه، فإن رماه بالسلاح أدبا وحنقا ~~لم يقتل به، ويقتل الأجنبي بمثل هذا، وخالفه سائر الفقهاء، وقالوا: لا يقتل ~~به. # سمعت شيخنا فخر الإسلام أبا بكر الشاشي يقول في النظر: لا يقتل الأب ~~بابنه؛ لأن الأب كان سبب وجوده، فكيف يكون هو سبب عدمه، وهذا يبطل بما إذا ~~زنى بابنته فإنه يرجم وكان سبب وجودها، وتكون هي سبب عدمه؛ ثم أي فقه تحت ~~هذا؟ ولم لا يكون سبب عدمه إذا عصى الله تعالى في ذلك، وقد أثر عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا يقاد والد بولده». وهو حديث # PageV01P094 # باطل، ومتعلقهم أن عمر - رضي الله عنه - قضى بالدية مغلظة في قاتل ابنه، ~~ولم ms0057 ينكر أحد من الصحابة عليه، فأخذ سائر الفقهاء المسألة مسجلة، وقالوا: ~~لا يقتل الوالد بولده، وأخذها مالك محكمة مفصلة، فقال: إنه لو حذفه بسيف، ~~وهذه حالة محتملة لقصد القتل وغيره، وشفقة الأبوة شبهة منتصبة شاهدة بعدم ~~القصد [إلى القتل] تسقط القود، فإذا أضجعه كشف الغطاء عن قصده فالتحق ~~بأصله. ### | [مسألة قتل الجماعة بالواحد] # المسألة الثامنة [قتل الجماعة بالواحد]: احتج علماؤنا رحمة الله عليهم ~~بهذه الآية، وهي قوله تعالى: {كتب عليكم القصاص في القتلى} [البقرة: 178] ~~على أحمد بن حنبل في قوله: لا تقتل الجماعة بالواحد قال: لأن الله تعالى ~~شرط في القصاص المساواة، ولا مساواة بين الواحد والجماعة، لا سيما، وقد قال ~~تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} [المائدة: 45] الجواب: أن ~~مراعاة القاعدة أولى من مراعاة الألفاظ، ولو علم الجماعة أنهم إذا قتلوا ~~واحدا لم يقتلوا لتعاون الأعداء على قتل أعدائهم بالاشتراك في قتلهم، ~~وبلغوا الأمل من التشفي منهم. # جواب آخر: وذلك أن المراد بالقصاص قتل من قتل، كائنا من كان، ردا على ~~العرب التي كانت تريد أن تقتل بمن قتل من لم يقتل، وتقتل في مقابلة الواحد ~~مائة افتخارا، واستظهارا بالجاه والمقدرة؛ فأمر الله تعالى بالمساواة ~~والعدل، وذلك بأن يقتل من قتل. # جواب ثالث: أما قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} ~~[المائدة: 45] فالمقصود هناك بيانا للمقابلة في الاستيفاء أن النفس تؤخذ ~~بالنفس، والأطراف بالأطراف، ردا على من تبلغ به الحمية إلى أن يأخذ نفس جان ~~عن طرف مجني عليه، والشريعة تبطل الحمية وتعضد الحماية. # PageV01P095 ### | [مسألة قوله تعالى فمن عفي له من أخيه شيء] # المسألة التاسعة: # قوله تعالى: {فمن عفي له من أخيه شيء} [البقرة: 178] إلى آخرها: قال ~~القاضي - رضي الله عنه -: هذا قول مشكل تبلدت فيه ألباب العلماء، واختلفوا ~~في مقتضاه. فقال مالك في رواية ابن القاسم: موجب العمد القود خاصة، ولا ~~سبيل إلى الدية إلا برضا من القاتل، وبه قال أبو حنيفة # وروى أشهب عنه أن الولي مخير بين أحد أمرين إن شاء قتل، وإن شاء ms0058 أخذ ~~الدية، وبه قال الشافعي. # وكاختلافهم اختلف من مضى من السلف قبلهم وروي عن ابن عباس: " العفو أن ~~تقبل الدية في العمد، فيتبع بمعروف وتؤدى إليه بإحسان " يعني يحسن في الطلب ~~من غير تضييق، ولا تعنيف، ويحسن في الأداء من غير مطل ولا تسويف. # ونحوه عن قتادة ومجاهد وعطاء والسدي زاد قتادة: بلغنا أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «من زاد أو ازداد بعيرا يعني في إبل الدية، فمن أمر ~~الجاهلية»، وكأنه يعني فاتباع بالمعروف لا يزاد على الدية المعروفة في ~~الشرع. # وقال مالك: تفسيره من أعطي من أخيه شيئا من العقل فليتبعه بالمعروف؛ فعلى ~~هذا الخطاب للولي، قيل له: إن أعطاك أخوك القاتل الدية المعروفة فاقبل ذلك ~~منه واتبعه. # وقال أصحاب الشافعي: تفسيره إذا أسقط الولي القصاص، وعين له من الواجبين ~~له الدية فاتبعه على ذلك أيها الجاني على هذا المعروف، وأد إليه بإحسان. # وهذا يدور على حرف، وهو معرفة تفسير العفو، وله في اللغة خمسة موارد: ~~الأول: العطاء، يقال: جاد بالمال عفوا صفوا، أي مبذولا من غير عوض. الثاني: ~~الإسقاط، ونحوه: {واعف عنا} [البقرة: 286] «وعفوت لكم عن صدقة الخيل ~~والرقيق». # PageV01P096 # الثالث: الكثرة، ومنه قوله تعالى {حتى عفوا} [الأعراف: 95] أي كثروا، ~~ويقال: عفا الزرع، أي طال. الرابع: الذهاب، ومنه قوله: عفت الديار. الخامس: ~~الطلب، يقال: عفيته وأعفيته، ومنه قوله: ما أكلت العافية فهو صدقة، ومنه ~~قول الشاعر: # تطوف العفاة بأبوابه ... كطوف النصارى ببيت الوثن # وإذا كان مشتركا بين هذه المعاني المتعددة وجب عرضها على مساق الآية، ~~ومقتضى الأدلة؛ فالذي يليق بذلك منها العطاء أو الإسقاط؛ فرجح الشافعي ~~الإسقاط؛ لأنه ذكر قبله القصاص، وإذا ذكر العفو بعد العقوبة كان في الإسقاط ~~أظهر. # ورجح مالك وأصحابه العطاء؛ لأن العفو إذا كان بمعنى الإسقاط وصل بكلمة " ~~عن " كقوله تعالى: {واعف عنا} [البقرة: 286] وكقوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «عفوت لكم عن صدقة الخيل»، وإذا كانت بمعنى العطاء كانت صلته له؛ فترجح ~~ذلك بهذا؛ وبوجه ثان، وهو أن تأويل مالك هو اختيار خبر ms0059 القرآن، ومن تابعه ~~كما تقدم؛ وبوجه ثالث، وهو أن الظاهر في الجزاء أن يعود على ما كان عليه ~~الشرط، والجزاء عائد إلى الولي، فليعد إليه الشرط، ويكون المراد بمن، من ~~كان المراد بالأمر بالاتباع. # الرابع: أنه تعالى قال: {شيء} [البقرة: 178] فنكر، ولو كان المراد القصاص ~~لما نكره، لأنه معرف؛ وإنما يتحقق التنكير في جانب الدية وما دونه. وينفصل ~~أصحاب الشافعي عن ترجيح المالكية بأن العلة تتحقق إذا كان معنى عفا أسقط؛ ~~لأن تفسيره " ترك " وكلمة " له " تتصل بترك، كما تتصل بأخذ # PageV01P097 # وأما قول ابن عباس فقد اختلف في ذلك؛ فروي عنه أنه قال بمثل قولنا، وأما ~~الجزاء فقد يعود على من لا يعود عليه الشرط، فتقول: من دخل من عبيدي الدار ~~فصاحبه حر، وإن دخل عمرو الدار فعبدي حر، وأما فصل النكرة فغير لازم؛ فإن ~~القصاص قد يكون نكرة وهو إذا عفا أحد الأولياء فتبعض القصاص فيعود البعض ~~منكرا. # وهذا كما ترون تعارض عظيم، وإشكال بين، وترجيح من الوجهين ظاهر، إلا أن ~~رواية أشهب أظهر لوجهين: أحدهما الأثر، والآخر النظر؛ أما الأثر فقوله - ~~عليه السلام -: «فمن قتل له قتيل فهو بخير النظرين؛ إما أن يفدي وإما أن ~~يقتل». # وقد ذكرنا في شرح الصحيح كيفية الروايات واستيفاء ما يتعلق بالحديث. # ولبابه هاهنا أن الحرف الأول فيه روايتان: إحداهما: «فمن قتل له قتيل فهو ~~بخير النظرين». # والرواية الثانية: «فمن قتل فهو مخير». # وفي الحرف الثاني ست روايات: الأولى: «إما أن يعقل وإما أن يقاد». # الثانية: «أن يعقل أو يقاد». # الثالثة: «إما أن يفدي وإما أن يقتل». # الرابعة: «إما أن يعطي الدية أو يقاد أهل القتيل». # الخامسة: «إما أن يعفو أو يقتل». # السادسة: «إما أن يقتل أو يقاد». # وإذا نزلت الرواية الأخرى على الأولى جاء منها اثنا عشر تنزيلا: # PageV01P098 # الأول: «فمن قتل له قتيل فهو بخير النظرين؛ إما أن يعقل أو يقاد»، ويكون ~~معناه: إما أن يأخذ الدية، وإما أن يتفق مع صاحبه على مفاداة معلومة. # التنزيل الثاني: في قوله: «يعقل أو يقاد»، ms0060 ويكون معناه: إما أن يأخذ ~~الدية أو يأخذ القود. # التنزيل الثالث: في قوله: «يفدي أو يقتل مثله». # التنزيل الرابع: في قوله: «إما أن يعطي الدية أو يقاد أهل القتيل»، يكون ~~معناه إما أن يعطي الدية له أو يقاد: يمكن من القود، وكذا أهل القتيل؛ لأنه ~~الحقيقة، وما تقدم من العبارة عنه إنما كان مجازا في الإخبار به عن وليه. # التنزيل الخامس: في قوله: «إما أن يعفو أو يقتل»، وهي رواية الترمذي، وهي ~~صحيحة متقنة مضبوطة مفهومة جلية، وتكون العبارة عنه بأنه يفعل ذلك إن كان ~~جريحا حقيقة، أو يعبر عن وليه به مجازا؛ لأنه سلطان الأمر. # قال الله سبحانه: {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا} [الإسراء: ~~33]. # التنزيل السادس: في قوله: «يقتل أو يقاد»، تقديره إما أن يقاد به القاتل ~~برضاه أو يقتل، وكذلك تتنزل التقديرات الستة على الرواية الثانية بإسقاط ~~قوله: له قتيل، ويكون قوله: من قتل عبارة عن فعله في حال جرحه قبل موته، أو ~~يعبر عن وليه به، فهذا وجه الادكار من الأثر بالنظر. # وأما طريق المعنى والنظر، فإن الولي أو القاتل إذا وقع العفو منهما ~~بالدية، فإنه واجب على القاتل قبوله دون اعتبار رضا القاتل؛ لأنه عرض عليه ~~بقاء نفسه بثمن مثله، كما لو عرض عليه بقاء نفسه في المخمصة بقيمة الطعام ~~للزمه، يؤكده أنه يلزمه إبقاء نفسه بمال الغير إذا وجده في المخمصة فأولى ~~أن يلزمه إبقاء نفسه بماله. ### | [مسألة التراضي على الدية] # المسألة العاشرة: # قال الطبري: في قوله تعالى: {فاتباع بالمعروف} [البقرة: 178] دليل على ~~عموم الوجوب ممن وقع، يريد أن من ذكر الدية وجب قبولها على الآخر من ولي أو ~~جان، ثم رأى أن # PageV01P099 # هذا لا يستمر فعقبه بعده بما يدل على أن الدية إن عرضها الجاني استحب ~~قبولها، وإن عرضها المجني عليه أو وليه وجب على الجاني قبولها، ولما رجع ~~إليه استغنينا عن الاعتناء به، وفي الآية فصول وأقوال لم نتفرغ لها. ### | [مسألة قوله تعالى فمن اعتدى بعد ذلك] # المسألة الحادية عشرة قوله ms0061 تعالى: {فمن اعتدى بعد ذلك} [البقرة: 178]: ~~المعنى أن الله سبحانه عفا عما كان في الجاهلية لمن أسلم الآن، وقد بين له ~~وحدت الحدود، فإن تجاوزها بعد بيانها فله عذاب أليم، بالقتل في الدنيا ~~وبالعذاب في الآخرة. ### | [الآية الرابعة والثلاثون قوله تعالى كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت] # الآية الرابعة والثلاثون # قوله تعالى: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين ~~والأقربين بالمعروف حقا على المتقين} [البقرة: 180] {فمن بدله بعدما سمعه ~~فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم} [البقرة: 181] {فمن خاف ~~من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم} [البقرة: ~~182] # فيها أربع عشرة مسألة: المسألة الأولى: قوله تعالى: {كتب عليكم} [البقرة: ~~178]: وقد تقدم، وبديع الإشارة فيه ما أشرنا إليه في كتاب " المشكلين " ~~المحفوظ المعنى: ثبت عليكم في اللوح الأول الذي لا يدخله نسخ ولا يلحقه ~~تبديل؛ وقد بينا قبل أن الفروض على قسمين: فرض مبتدأ، وفرض يترتب على ~~الإرادة، وقد بينا أن هذا فرض مبتدأ. # PageV01P100 ### | [مسألة قوله تعالى إذا حضر أحدكم الموت] # المسألة الثانية: قوله تعالى: {إذا حضر أحدكم الموت} [البقرة: 180]: قال ~~علماؤنا: ليس يريد حضور الموت حقيقة؛ لأن ذلك الوقت لا تقبل له توبة، ولا ~~له في الدنيا حصة، ولا يمكن أن ننظم من كلامها لفظة، ولو كان الأمر محمولا ~~عليه لكان تكليف محال لا يتصور؛ ولكن يرجع ذلك إلى معنيين: أحدهما: إذا قرب ~~حضور الموت، وأمارة ذلك كبره في السن؛ أو سفر فإنه غرر أو توقع أمر طارئ ~~غير ذلك؛ أو تحقق النفس له بأنها سبيل هو آتيها لا محالة [إذ الموت ربما ~~طرأ عليه اتفاقا]. # الثاني: أن معناه إذا مرض؛ فإن المرض سبب الموت، ومتى حضر السبب كنت به ~~العرب عن المسبب قال شاعرهم: # وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا ... قولا يبرئكم إني أنا الموت ### | [مسألة الوصية] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {الوصية} [البقرة: 180]: هي القول المبين ~~لما يستأنف عمله والقيام به، وهي هاهنا مخصوصة بما بعد الموت، وكذلك ms0062 في ~~الإطلاق والعرف. ### | [مسألة تأخير الوصية إلى المرض] # المسألة الرابعة تأخير الوصية إلى المرض مذموم شرعا، روى مسلم والأئمة ~~«أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل: أي الصدقة أفضل؟ قال: أن تتصدق وأنت ~~صحيح حريص تأمل الغنى وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: ~~لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان كذا». # PageV01P101 ### | [مسألة حكم الوصية] # المسألة الخامسة في حكمها وقد اختلف الناس في ذلك على قولين: قال بعضهم: ~~إنها واجبة لما رواه مسلم وغيره، عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين وفي رواية ثلاث ~~ليال إلا ووصيته مكتوبة عنده». # وقال آخرون: هي منسوخة؛ واختلفوا في نسخها؛ فمنهم من قال: نسخ جميعها، ~~ومنهم من قال: نسخ بعضها، وهي الوصية للوالدين؛ والصحيح نسخها، وأنها ~~مستحبة إلا فيما يجب على المكلف بيانه أو الخروج بأداء عنه، وعليه يدل ~~اللفظ بظاهره، وذكر حديث ابن عمر بلفظ الحق الذي يقتضي الحث، ويشمل الواجب ~~والندب. ### | [مسألة قوله تعالى إن ترك خيرا] # المسألة السادسة قوله تعالى: {إن ترك خيرا} [البقرة: 180]: يعني مالا، ~~وقد اختلف الصحابة - رضوان الله عليهم - في تقديره، وذكر المفسرون ~~والأحكاميون أقوالا كلها دعاوى لا برهان عليها، والصحيح أن الحكم لم يختلف ~~ولا يختلف بقلة المال وكثرته، بل يوصي من القليل قليلا، ومن الكثير كثيرا، ~~وحيث ورد ذكر المال في القرآن فهو يسمى بالخير، وكذلك في الحديث. # روى أبو سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن أخوف ما ~~أخاف عليكم ما يفتح الله تعالى عليكم من بركة الدنيا فقال الرجل: يا رسول ~~الله أويأتي الخير بالشر؟ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا # PageV01P102 # يأتي الخير إلا بالخير، وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم إلا ~~آكلة الخضر أكلت حتى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلت الشمس فثلطت وبالت ثم ~~عادت فأكلت». ### | [مسألة كيفية الوصية للوالدين والأقربين] # المسألة السابعة في كيفية الوصية للوالدين والأقربين: وقد اختلف الناس ms0063 في ~~ذلك اختلافا كثيرا، لبابه: ما صح عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه قال: ~~كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله تعالى من ذلك ما أحب، ~~فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للوالدين لكل واحد منهما السدس، وفرض ~~للزوج وللزوجة فرضيهما؛ وهذا نص لا معدل لأحد عنه، فمن كان من القرابة ~~وارثا دخل مدخل الأبوين، ومن لم يكن وارثا قيل له: إن قطعك من الميراث ~~الواجب إخراج لك عن الوصية الواجبة، ويبقى الاستحباب لسائر القرابة. ### | [مسألة قوله تعالى بالمعروف] # المسألة الثامنة: # قوله تعالى: {بالمعروف} [البقرة: 180]: يعني: بالعدل الذي لا وكس فيه ولا ~~شطط وقد كان ذلك موكولا إلى اجتهاد الميت ونظر الموصي، ثم تولى الله تعالى ~~تقدير ذلك على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لسعد بن مالك: ~~«الثلث والثلث كثير»؛ فصار ذلك مقدارا شرعيا مبينا حكمه # PageV01P103 # بقوله - عليه السلام -: «إن الله أعطاكم ثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في ~~أعمالكم». # وقد أخبرنا ابن يوسف من كتابه عن أبي ذر، أخبرنا أحمد بن الحسن بن أحمد ~~بن محمد بن حفص القاضي الحيري بشاغور قراءة عليه: أنبأنا أبو العباس محمد ~~بن يعقوب بن يوسف، حدثنا محمد بن عبد الملك، أخبرنا عبد الله بن يوسف، سمعت ~~طلحة بن عمر المكي، سمعت عطاء بن أبي رباح، سمعت أبا هريرة يقول: «إن الله ~~أعطاكم ثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في أعمالكم». ### | [مسألة قوله تعالى حقا على المتقين] # المسألة التاسعة: {حقا} [البقرة: 180]: يعني ثابتا ثبوت نظر وتخصيص، لا ~~ثبوت فرض ووجوب، وهكذا ورد عن علمائنا حيث جاء في كتاب الله تعالى أو في ~~سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وتحقيقه أن الحق في اللغة هو الثابت، وقد ثبت المعنى في الشريعة ندبا، ~~وقد ثبت فرضا، وكلاهما صحيح في المعنى. # المسألة العاشرة: # قوله تعالى: {على المتقين} [البقرة: 180]: فهذا يدل على كونه ندبا؛ لأنه ~~لو كان فرضا لكان على جميع المسلمين، فلما خص الله تعالى من يتقي، أي يخاف ~~تقصيرا، دل على أنه ms0064 غير لازم، وقد بينا أنه يتصور أن تكون الوصية واجبة على ~~المسلمين إذا كان عليه دين وما يتوقع تلفه إن مات فتلزمه فرضا المبادرة ~~بكتبه، ولكن ليس من هذه الآية، وإنما هو من حديث ابن عمر، ومما صح من ~~النظر، وأنه إن سكت عنه كان تضييعا له. ### | [مسألة قوله تعالى فمن بدله بعد ما سمعه] # المسألة الحادية عشرة قوله تعالى: {فمن بدله بعدما سمعه} [البقرة: 181]: ~~يعني: سمعه من الموصي، أو سمعه ممن ثبت به عنده، وذلك عدلان. # PageV01P104 # المسألة الثانية عشرة: قوله تعالى: {فإنما إثمه على الذين يبدلونه} ~~[البقرة: 181]: المعنى: أن الموصي بالوصية خرج عن اللوم وتوجه على الوارث ~~أو الولي. # قال بعض علمائنا: وهذا يدل على أن الدين إذا أوصى به الميت خرج عن ذمته ~~وصار الولي مطلوبا به، له الأجر في قضائه، وعليه الوزر في تأخيره؛ وهذا ~~إنما يصح إذا كان الميت لم يفرط في أدائه، وأما إذا قدر عليه وتركه، ثم وصى ~~به فإنه لا يزيله عن ذمته تفريط الولي فيه. ### | [مسألة قوله تعالى فمن خاف من موص جنفا أو إثما] # المسألة الثالثة عشرة قوله تعالى: {فمن خاف من موص جنفا أو إثما} ~~[البقرة: 182]: الخطاب بقوله تعالى: {فمن خاف} [البقرة: 182] لجميع ~~المسلمين، قيل لهم: إن خفتم من موص ميلا في الوصية، وعدولا عن الحق، ووقوعا ~~في إثم، ولم يخرجها بالمعروف، فبادروا إلى السعي في الإصلاح بينهم؛ فإذا ~~وقع الصلح سقط الإثم على المصلح؛ لأن إصلاح الفساد فرض على الكفاية، فإذا ~~قام به أحدهم سقط عن الباقين، وإن لم يفعلوا أثم الكل. # قال علماؤنا وهي: المسألة الرابعة عشرة: وفي هذا دليل على الحكم بالظن؛ ~~لأنه إذا ظن قصد الفساد وجب السعي في الصلاح، وإذا تحقق الفساد لم يكن صلح، ~~إنما يكون حكم بالدفع وإبطال للفساد وحسم له. ### | [الآية الخامسة والثلاثون قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام] # الآية الخامسة والثلاثون # PageV01P105 # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من ~~قبلكم لعلكم تتقون ms0065 - أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من ~~أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن ~~تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون} [البقرة: 183 - 184] فيها ست عشرة مسألة: ### | [مسألة قوله تعالى كتب عليكم الصيام] # المسألة الأولى: قوله تعالى {كتب عليكم} [البقرة: 183]: وقد تقدم. # المسألة الثانية قوله تعالى: {الصيام} [البقرة: 183]: وهو في اللغة عبارة ~~عن الإمساك المطلق لا خلاف فيه ولا معنى له غيره، ولو كان القول هكذا خاصة ~~لكان فيه كلام في العموم والإجمال، كما سبق ذكره في الصلاة، فلما قال ~~تعالى: {كما كتب على الذين من قبلكم} [البقرة: 183] كان تفسيرا له وتمثيلا ~~به. # المسألة الثالثة قوله تعالى: {كما كتب على الذين من قبلكم} [البقرة: ~~183]: فيه ثلاثة أقوال: قيل: هم أهل الكتاب وقيل: هم النصارى. وقيل: هم ~~جميع الناس. # وهذا القول الأخير ساقط؛ لأنه قد كان الصوم على من قبلنا بإمساك اللسان ~~عن الكلام، ولم يكن في شرعنا؛ فصار ظاهر القول راجعا إلى النصارى لأمرين: ~~أحدهما: أنهم الأدنون إلينا. # الثاني: أن الصوم في صدر الإسلام كان إذا نام الرجل لم يفطر، وهو الأشبه ~~بصومهم. ### | [مسألة التشبيه في قوله تعالى كما كتب] # المسألة الرابعة: # قوله تعالى: {كما كتب} [البقرة: 183] # PageV01P106 # وجه التشبيه فيه محتمل لثلاثة أوجه الزمان، والقدر، والوصف، ومحتمل ~~لجميعها، ومحتمل لاثنين منها؛ فإن رجع إلى الزمان فقد روي أن النصارى كانوا ~~يصومون رمضان، ثم اختلف عليهم الزمان فكان يأتي في الحر يوما طويلا، وفي ~~البرد يوما قصيرا؛ فارتأوا برأيهم أن يردوه في الزمان المعتدل. # وإن رجع إلى العدد ففيه ثلاثة أقوال: الأول: أنه ثلاثة أيام، وقد روي أنه ~~كان ذلك في صدر الإسلام. # الثاني: أنه يوم عاشوراء، روي في " الصحيح «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لما قدم المدينة وجد الناس يصومون عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: ~~هذا يوم أنجى الله فيه موسى - عليه السلام - وأغرق فيه فرعون؛ فقال: نحن ~~أحق بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه»، فكان هو الفريضة، حتى ms0066 نزل رمضان؛ فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم ~~صيامه، من شاء صامه ومن شاء أفطره». # الثالث: أنه ثلاثون يوما، كما فرض على النصارى في أول الأمر، ثم غيروه ~~لأسباب مروية. # وإن رجع إلى الوصف، فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» وقد ~~كان شرع من قبلنا # PageV01P107 # يصومون عن الكلام كله، وفي شرعنا الأمر بالصيام عن قول الزور متأكد على ~~الأمر به في غير الصيام. # والمقطوع به أنه التشبيه في الفرضية خاصة؛ وسائره محتمل، والله أعلم. ### | [مسألة قوله تعالى لعلكم تتقون] # المسألة الخامسة: # قوله تعالى: " لعلكم تتقون ": فيه ثلاثة أقوال الأول: لعلكم تتقون ما حرم ~~عليكم فعله. # الثاني: لعلكم تضعفون فتتقون؛ فإنه كلما قل الأكل ضعفت الشهوة، وكلما ~~ضعفت الشهوة قلت المعاصي. # الثالث: لعلكم تتقون ما فعل من كان قبلكم. # روي أن النصارى بدلته إلى الزمان المعتدل، وزادت فيه كفارة عشرة أيام؛ ~~وكلها صحيحة، ومرادة بالآية، إلا أن الأول [حقيقة، والثاني مجاز حسن، ~~والأول والثاني معصية]، والثالث كفر. # وقد حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صيام يوم الشك على معنى ~~الاحتياط للعبادة؛ وذلك لأن العبادة إنما يحتاط لها إذا وجبت، وقبل ألا تجب ~~لا احتياط شرعا، وإنما تكون بدعة ومكروها. # وقد قال - صلى الله عليه وسلم - منبها على ذلك: «لا تقدموا الشهر بيوم ~~ولا بيومين خوفا أن يقول القائل: أتلقى رمضان بالعبادة». # وقد رويت عنه - صلى الله عليه وسلم - فيه عدم الزيادة فقال: «إذا # PageV01P108 # انتصف شعبان فلا يصم أحد حتى يدخل رمضان». # وقد شنع أهل الجهالة بأن يقولوا نشيع رمضان؛ ولا تتلقى العبادة ولا تشيع، ~~إنما تحفظ في نفسها وتحرس من زيادة فيها أو نقصان منها. # ولذلك كره علماء الدين أن تصام الأيام الستة التي قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فيها: «من صام رمضان وستا من شوال، فكأنما صام الدهر كله» ~~متصلة برمضان ms0067 مخافة أن يعتقد أهل الجهالة أنها من رمضان، ورأوا أن صومها من ~~ذي القعدة إلى شعبان أفضل؛ لأن المقصود منها حاصل بتضعيف الحسنة بعشرة ~~أمثالها متى فعلت؛ بل صومها في الأشهر الحرم وفي شعبان أفضل، ومن اعتقد أن ~~صومها مخصوص بثاني يوم العيد فهو مبتدع سالك سنن أهل الكتاب في الزيادات، ~~داخل في وعيد الشرع حيث قال: «لتركبن سنن من كان قبلكم» الحديث. ### | [مسألة قوله تعالى أياما معدودات] # المسألة السادسة: # قوله تعالى: {أياما معدودات} [البقرة: 184]: وهذا يدل على أن المراد به ~~رمضان، لا يوم عاشوراء، ومن قال: إنه صوم ثلاثة أيام في كل شهر فقد أبعد؛ ~~لأنه حديث لا أصل له في الصحة. # PageV01P109 ### | [مسألة الوصال في الصيام] # المسألة السابعة: ظن قوم أن هذا بظاهره يقتضي الوصال، وهذا لا يصح ~~لوجهين: أحدهما: أن فيه تكليف ما لا يطاق. # الثاني: أنه لو اقتضى وصالا غير محدود لما تحصل لأحد تقديره، لاختلاف ~~أحوالهم فيه. # والصحيح أنه خرج على العرف، أي أن تصوموا الأيام وتفطروا منها زمنا ~~مخصوصا، وكان عندهم متعينا إما بالعرف المتقدم، فيكون الخطاب نصا، وإما ~~ببيان من النبي - عليه السلام - فيكون الخطاب مجملا، حتى بينه الشارع - صلى ~~الله عليه وسلم -. ### | [مسألة قوله تعالى فمن كان منكم مريضا أو على سفر] # المسألة الثامنة: # قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر} [البقرة: 184]: للمريض ~~ثلاثة أحوال: أحدها: ألا يطيق الصوم بحال، فعليه الفطر واجبا. # الثاني أنه يقدر على الصوم بضرر ومشقة؛ فهذا يستحب له الفطر، ولا يصوم ~~إلا جاهل. # وقد أنبأنا أبو الحسن الأزدي، أنبأنا الشيخ أبو مسلم عمر بن علي الليثي ~~الحارثي قال: أخبرنا الحيري، أخبرنا أبو عبد ربه محمد بن عبد الله الحاكم، ~~حدثني أبو سعيد النسوي أحمد بن محمد، حدثني أبو حسان صهيب بن سليم قال: ~~سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: اعتللت بنيسابور علة خفيفة، وذلك في ~~شهر رمضان، فعادني إسحاق بن راهويه في نفر من أصحابه، فقال لي: أفطرت يا ~~أبا عبد الله، فقلت: نعم فقال: خشيت ms0068 أن أضعف عن قبول الرخصة قلت: أنبأنا ~~عبدان عن ابن المبارك عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: من أي المرض أفطر؟ قال: ~~من أي مرض كان، كما قال الله تعالى: {فمن كان منكم مريضا} [البقرة: 184] # PageV01P110 # قال البخاري: ولم يكن هكذا الحديث عند إسحاق، وهو الثالث. # الثالث: المسافر: والسفر في اللغة مأخوذ من الانكشاف والخروج من حال إلى ~~حال؛ وهو في عرف اللغة عبارة عن خروج يتكلف فيه مؤنة، ويفصل فيه بعد في ~~المسافة، ولم يرد فيه من الشارع نص، ولكن ورد فيه تنبيه، وهو قوله - عليه ~~السلام - في الصحيح: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة ~~يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم منها». وفي تقديره اختلاف كثير بيناه في ~~المسائل. # والعمدة فيه أن العبادة تثبت في الذمية بيقين، فلا براءة لها إلا بيقين ~~مسقط؛ وقدر السفر مشكوك فيه حتى يكون سفرا ظاهرا، فيسقط الأصل على ما بيناه ~~في أصول الفقه، وبحثه فيما يتعلق بمسألتنا أن الله تعالى لما علق الحكم ~~بالسفر علمت العرب ذلك بفضل علمها بلسانها، وجري عادتها في أعمالها؛ فلما ~~جاء الأمر اقتصرنا فيه على العربية، وعلى هذا الأمر مبنى الخلاف؛ فقال مالك ~~والشافعي: أقل السفر يوم وليلة. # وقال أبو حنيفة: أقله ثلاثة أيام، وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفر يوم وليلة». # وفي حديث: «وسفر ثلاثة أيام» وفي آخر وذكر تمامه؛ فرأى أبو حنيفة أن ~~السفر يتحقق في ثلاثة أيام: يوم يتحمل فيه عن أهله، ويوم ينزل فيه في ~~مستقره، واليوم الأوسط هو الذي يتحقق فيه السير المجرد، بتحمل لا عن موضع ~~الإقامة، ونزول لا في موضع الإقامة. # وقلنا له: إذا كان السفر متحققا في اليوم الثاني كما سردت فاليوم الأول ~~مثله، ولا عبرة # PageV01P111 # بالتحمل عن الأهل والوطن، وإنما المعول في تحقيق السفر على المبيت في غير ~~المنزل، ثم التحديد بستة وثلاثين ميلا، أو ثمانية وأربعين ميلا مراحل لا ~~تدرك بتحقيق أبدا، وإنما ms0069 هي ظنون؛ فرجل احتاط وزاد، ورجل ترخص، ورجل تقصر، ~~والله أعلم. ### | [مسألة قوله تعالى فعدة من أيام أخر] # المسألة العاشرة: # قوله تعالى: {فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184]: قال علماؤنا: هذا القول ~~من لطيف الفصاحة، لأن تقريره: فأفطر فعدة من أيام أخر، كما قال تعالى: {فمن ~~كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية} [البقرة: 196] تقديره فحلق ففدية. # وقد عزي إلى قوم: إن سافر في رمضان قضاه، صامه أو أفطره، وهذا لا يقول به ~~إلا ضعفاء الأعاجم؛ فإن جزالة القول وقوة الفصاحة تقتضي " فأفطر " وقد ثبت ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الصوم في السفر» قولا وفعلا. وقد بينا ~~ذلك في شرح الصحيح وغيره. # المسألة الحادية عشرة قوله تعالى: {فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184]: ~~يعطي بظاهره قضاء الصوم متفرقا، وقد روي ذلك عن جماعة من السلف، منهم أبو ~~هريرة. # وإنما وجب التتابع في الشهر لكونه معينا، وقد عدم التعيين في القضاء فجاز ~~بكل حال. # PageV01P112 # المسألة الثانية عشرة: قوله تعالى: {فعدة من أيام أخر} [البقرة: 184]: ~~يقتضي وجوب القضاء من غير تعيين لزمان، وذلك لا ينافي التراخي، فإن اللفظ ~~مسترسل على الأزمنة لا يختص ببعضها دون بعض. # وقد ثبت عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: إن كان ليكون علي الصوم ~~من رمضان فما أستطيع قضاءه إلا في شعبان للشغل برسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ فكانت تصوم بصيامه؛ إذ كان صومه - صلى الله عليه وسلم - أكثر ما ~~كان في شعبان ". ### | [مسألة قوله تعالى وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين] # المسألة الثالثة عشرة: قوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} ~~[البقرة: 184]: وفي هذه الآيات قراءات وتأويلات واختلافات وهي بيضة العقر. # قرئ يطيقونه بكسر الطاء وإسكان الياء، وقرئ بفتح الطاء والياء وتشديدهما، ~~وقرئ كذلك بتشديد الياء الثانية، لكن الأولى مضمومة، وقرئ يطوقونه، ~~والقراءة هي القراءة الأولى، وما وراءها وإن روي وأسند فهي شواذ، والقراءة ~~الشاذة لا ينبني عليها حكم؛ لأنه لم يثبت لها أصل، وقد بينا ذلك في القسم ~~الثاني من علوم ms0070 القرآن بيانا شافيا المسألة الرابعة عشرة أن الآية منسوخة ~~كذلك، روي عن ابن عمر وسلمة، وثبت ذلك عنهما. # وتحقيق القول أن الله تعالى قال: من كان صحيحا مقيما لزمه الصوم، ومن كان ~~مسافرا أو مريضا فلا صوم عليه، ومن كان صحيحا مقيما ولزمه الصوم، وأراد ~~تركه، فعليه فدية طعام مسكين، ثم نسخ الله تعالى ذلك بقوله: {شهر رمضان ~~الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم ~~الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} [البقرة: 185] ~~مطلقا. # PageV01P113 # ولهذا المعنى كرره، ولولا تجديد الفرض فيه وتحديده وتأكيده ما كان لتكرار ~~ذلك فائدة مقصودة، وهذا منتزع عن الناسخ والمنسوخ فلينظر فيه. ### | [مسألة قوله تعالى فمن تطوع خيرا فهو خير له] # المسألة الخامسة عشرة قوله تعالى: {فمن تطوع خيرا فهو خير له} [البقرة: ~~184]: فيه قولان: أحدهما من زاد على طعام مسكين، وقيل: من صام؛ وهذا ضعيف ~~لقوله تعالى بعد ذلك: {وأن تصوموا خير لكم} [البقرة: 184] معناه الصوم خير ~~من الفطر في السفر، وخير من الإطعام. # وتحقيق ذلك أن الصوم الفرض خير من الإطعام النفل، والصدقة النفل خير من ~~الصوم النفل. # فإن قيل: بل معناه أن الصوم الفرض خير من الإطعام الذي هو بدله، وهو فرض؛ ~~لأنه خير بين شيئين. # قلنا قوله تعالى: {وأن تصوموا خير لكم} [البقرة: 184] مرتبط بما قبله من ~~الأقوال والتأويلات، فيحتمل أن يكون معناه: وصومكم خير من إطعامكم الفرض ~~وتطوعه الزائد عليه، ويحتمل أن يكون معناه: وصومكم خير من إطعامكم البدل ~~له. # ويحتمل أن يكون معناه: وصومكم خير لكم من تطوعكم الزائد عليه وبدله. # ويحتمل أن يكون معناه: وصومكم خير لكم من الزائد عليه، فربما رغب في ~~تكثير الإطعام، وترك الصيام، فأعلم أن الصوم خير له. # فإن قيل: كيف يقال: الفرض خير من التطوع، ولا يستويان في أصل الوضع، وحكم ~~التخيير بين الشيئين أن يستويا في أصل التخيير، ثم يتفاضلا فيه؟ قلنا: ~~الصوم خير من الفطر، وهو مخير بين فعله وتركه، فصار ms0071 فيه وصف من النفل، ~~فكأنه قيل: تقديمه أو فعله خير من الإطعام. ### | [مسألة الصوم في السفر] # المسألة السادسة عشرة: الصوم خير من الفطر في السفر قاله مالك وأبو ~~حنيفة. وقال الشافعي: الفطر # PageV01P114 # أفضل، ولعلمائنا مثله، ولهم قول ثالث: إن الفطر في الغزو أفضل؛ وتعلق ~~الشافعي بالحديث الصحيح: «ليس من البر الصوم في السفر». وصح أنه كان آخر ~~الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الفطر في السفر قال ابن شهاب: ~~وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وتعلق أصحابنا في أن الفطر في الغزو أفضل بالحديث الصحيح: «إنكم مصبحو ~~عدوكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا» ". # والصحيح أن الصوم أفضل، لعموم قوله تعالى {وأن تصوموا خير لكم} [البقرة: ~~184]؛ وأما فطر النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه روي في الصحيح " أنه قيل ~~له: «إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينتظرون فطرك، فأفطر». ولا خلاف ~~في أن من شق عليه الصوم فله الفطر. # وقد روى أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - أنه قال: «كنا نغزو مع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر، من وجد قوة ~~فصام فذلك حسن، ومن # PageV01P115 # وجد ضعفا فأفطر فذلك حسن». # فأما عند القرب من العدو فلا ينبغي أن يكون في استحباب الفطر اختلاف، ~~قاله ابن حبيب، وبه أقول. ### | [الآية السادسة والثلاثون قوله تعالى شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن] # الآية السادسة والثلاثون: # قوله تعالى {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى ~~والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام ~~أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله ~~على ما هداكم ولعلكم تشكرون} [البقرة: 185] فيها تسع مسائل: المسألة ~~الأولى: قوله تعالى: {شهر رمضان} [البقرة: 185]: تفسير لقوله تعالى: {كتب ~~عليكم الصيام} [البقرة: 183]. # ثبت في الصحيح عن طلحة «أن رجلا أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ~~أهل نجد ثائر الرأس يسمع دوي ms0072 صوته ولا يفقه ما يقول، فإذا هو يسأل عن ~~الإسلام، فقال: أخبرني بما فرض الله علي من الصلاة؛ فقال: خمس صلوات في ~~اليوم والليلة. قال: هل علي غيرهن؟ قال: لا، إلا أن تطوع وذكر شهر رمضان ~~قال: هل علي غيره؟ قال: لا، إلا أن تطوع». الحديث، فجاء هذا تفسيرا للمفروض ~~وبيانا له. # PageV01P116 ### | [مسألة قوله تعالى شهر رمضان] # المسألة الثانية: # قوله تعالى: {شهر رمضان} [البقرة: 185]: يعني: هلال رمضان، وإنما سمي ~~[الشهر] شهرا لشهرته، ففرض الله علينا الصوم عند رؤية الهلال، وهذا قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم ~~فأكملوا عدة شعبان ثلاثين». # ففرض علينا عند غمة الهلال إكمال عدة شعبان ثلاثين يوما، وإكمال عدة ~~رمضان ثلاثين يوما عند غمة هلال شوال، حتى يدخل في العبادة بيقين، ويخرج ~~عنها بيقين. # وكذلك ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مصرحا به أنه قال: «لا تصوموا ~~حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه». # وقد روى الترمذي عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«احصوا هلال شعبان لرمضان». # PageV01P117 # المسألة الثالثة: # قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} [البقرة: 185]: محمول على ~~العادة بمشاهدة الشهر، وهي رؤية الهلال، وكذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: ~~«صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته». # وقد زل بعض المتقدمين فقال: يعول على الحساب بتقدير المنازل، حتى يدل ما ~~يجتمع حسابه على أنه لو كان صحو لرئي؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «فإن ~~غم عليكم فاقدروا له». معناه عند المحققين فأكملوا المقدار، ولذلك قال: ~~«فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما». وفي رواية: «فإن غم عليكم ~~فأكملوا صوم ثلاثين ثم أفطروا» رواه البخاري ومسلم، وقد زل أيضا بعض ~~أصحابنا فحكى عن الشافعي أنه قال: يعول على الحساب وهي عثرة لا لعا لها. ### | [مسألة قوله تعالى فمن شهد منكم الشهر] # المسألة الرابعة: # قوله تعالى: {فمن شهد منكم الشهر} [البقرة: 185] فيه قولان: الأول: من ~~شهد منكم الشهر، وهو مقيم، ثم سافر لزمه الصوم في بقيته قاله ms0073 ابن عباس، ~~وعائشة. # PageV01P118 # الثاني: من شهد منكم الشهر فليصم منه ما شهد وليفطر ما سافر وقد سقط ~~القول الأول بالإجماع من المسلمين كلهم على الثاني، وكيف يصح أن يقول ربنا ~~سبحانه: فمن شهد منكم الشهر فليصم منه ما لم يشهد وقد روي «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - سافر في رمضان فصام حتى بلغ الكديد، فأفطر وأفطر ~~المسلمون». ### | [مسألة صام في المصر ثم سافر في أثناء اليوم] # المسألة الخامسة: # إذا صام في المصر، ثم سافر في أثناء اليوم لزمه إكمال الصوم، فلو أفطر ~~قال مالك: لا كفارة عليه؛ لأن السفر عذر طرأ، فكان كالمرض يطرأ عليه. # وقال غيره: عليه الكفارة، وبه أقول؛ لأن العذر طرأ بعد لزوم العبادة، ~~ويخالف المرض والحيض، لأن المرض يبيح له الفطر يحرم عليه الصوم، والسفر لا ~~يبيح له ذلك؛ فوجبت عليه الكفارة لهتك حرمته. ### | [مسألة ميعاد لزوم الصوم] # المسألة السادسة: لا خلاف أنه يصومه من رآه، فأما من أخبر به فيلزمه ~~الصوم؛ لأن رؤيته قد تكون لمحة، فلو وقف صوم كل واحد على رؤيته لكان ذلك ~~سببا لإسقاطه، إذ لا يمكن كل أحد أن يراه وقت طلوعه، وإن وقت الصلاة الذي ~~يشترك في دركه كل أحد ويمتد أمده يعلم بخبر المؤذن، فكيف الهلال الذي يخفى ~~أمره ويقصر أمده،. # وقد اختلف العلماء في وجه الخبر عنه؛ فمنهم من قال: يجزي فيه خبر الواحد ~~كالصلاة قاله أبو ثور؛ ومنهم من أجراه مجرى الشهادة في سائر الحقوق قاله ~~مالك؛ ومنهم من أجرى أوله مجرى الإخبار وأجرى آخره مجرى الشهادة، وهو ~~الشافعي؛ وهذا تحكم ولا عذر له في الاحتياط للعبادة، فإنه يحتاط لدخولها ~~كما يحتاط لخروجها، والاحتياط لدخولها ألا تلزم إلا بيقين. # وأما أبو ثور فاستظهر بما روي عن ابن عباس قال: «جاء أعرابي إلى رسول ~~الله # PageV01P119 # - صلى الله عليه وسلم - فقال: أبصرت الهلال الليلة، فقال: أتشهد أن لا ~~إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله؟ قال: نعم. قال: يا بلال؛ أذن في الناس ~~فليصوموا غدا». خرجه النسائي والترمذي ms0074 وأبو داود. # وقال أبو داود: قال ابن عمر - رضي الله عنه -: «أخبرت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أني رأيت الهلال، فصام وأمر الناس بالصيام»، واعترض بعضهم ~~على خبر ابن عباس أنه روي مرسلا تارة وتارة مسندا؛ وهذا مما لا يقدح عندنا ~~في الإخبار، وبه قال النظام؛ لأن الراوي يسنده تارة ويرسله تارة أخرى، ~~ويسنده رجل ويرسله آخر. # وقيل: يحتمل حديث ابن عمر أن يكون رآه غيره قبله، وهذا تحكم وزيادة على ~~السبب، ولو كان هذا جائزا لبطل كل خبر بتقدير الزيادة فيه. # فإن قيل: نؤيده بالأدلة، قلنا: لا دليل، إنما الصحيح فيه قبول الخبر من ~~العدل ولزوم العمل به. ### | [مسألة أخبر مخبر عن رؤية بلد هلال رمضان] # المسألة السابعة: إذا أخبر مخبر عن رؤية بلد فلا يخلو أن يقرب أو يبعد؛ ~~فإن قرب فالحكم واحد، وإن بعد فقد قال قوم: لأهل كل بلد رؤيتهم، وقيل: ~~يلزمهم ذلك. # وفي الصحيح عن كريب، «أن أم الفضل بعثته إلى معاوية بن أبي سفيان بالشام ~~قال: فقدمت الشام فقضيت حاجتها، واستهل علي هلال رمضان وأنا بالشام، فرأيت # PageV01P120 # الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني ابن عباس، ثم ~~ذكر الهلال فقال: متى رأيته؟ فقلت: ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ قلت: ~~نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية قال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فقلت له: ~~أولا تكتفي برؤية معاوية؟ قال: لا؛ هكذا أمرنا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -». # واختلف في تأويل قول ابن عباس هذا، فقيل: رده؛ لأنه خبر واحد، وقيل: رده؛ ~~لأن الأقطار مختلفة في المطالع، وهو الصحيح؛ لأن كريبا لم يشهد، وإنما أخبر ~~عن حكم ثبت بشهادة؛ ولا خلاف في أن الحكم الثابت بالشهادة يجزى فيه خبر ~~الواحد؛ ونظير ما لو ثبت أنه أهل ليلة الجمعة بأغمات، وأهل بإشبيلية ليلة ~~السبت، فيكون لأهل كل بلد رؤيتهم؛ لأن سهيلا يكشف من أغمات ولا يكشف من ~~إشبيلية، وهذا يدل على اختلاف المطالع. ### | [مسألة قوله تعالى ولتكملوا العدة] # المسألة الثامنة قوله تعالى: {ولتكملوا ms0075 العدة} [البقرة: 185]: معناه عدة ~~الهلال، كان تسعة وعشرين أو ثلاثين، قال ابن عمر: سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول: «الشهر تسع وعشرون، فإذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا ~~رأيتموه فأفطروا» أخرجه مسلم. # PageV01P121 ### | [مسألة قوله تعالى ولتكبروا الله على ما هداكم] # المسألة التاسعة قوله تعالى: {ولتكبروا الله على ما هداكم} [البقرة: 185] ~~قال علماؤنا: معناه تكبروا إذا رأيتم الهلال، ولا يزال التكبير مشروعا حتى ~~تصلى صلاة العيد، وقد «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكبر إذا رأى ~~الهلال، ويكبر في العيد»، فأما تكبيره إذا رأى الهلال فلم يثبت، أما إنه ~~روى أبو داود وغيره عن قتادة بلاغا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثين ~~متعارضين: أحدهما: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رأى الهلال ~~أعرض عنه». الثاني: «أنه كان إذا رآه قال: هلال خير ورشد، آمنت بالذي خلقك ~~ثلاث مرات ثم يقول: الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا». قال ~~القاضي: ولقد لكته فما وجدت له طعما. # وقد أخبرنا المبارك بن عبد الجبار، أخبرنا ابن زوج الحرة [أنبأنا النجي]، ~~أنبأنا ابن محبوب، أنبأنا ابن سورة، أنبأنا محمد بن بشار، أنبأنا أبو عامر ~~العقدي، أنبأنا سليمان بن سفيان المدني، أنبأنا بلال بن يحيى بن طلحة بن ~~عبيد الله عن أبيه عن جده طلحة بن عبيد الله «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان إذا رأى الهلال قال: اللهم أهله علينا باليمن والإيمان والسلامة ~~والإسلام». # PageV01P122 # قال ابن سورة: حسن غريب. قال القاضي: وهو أثبت من المتقدم. # وأما تكبيره - عليه السلام - في العيد فهي مسألة مشكلة ما وجدت فيها شفاء ~~عند أحد، ومقدار الذي تحصل بعد البحث أن للتكبير ثلاث أحوال: حال في وقت ~~البروز إلى صلاة العيد، وحال الصلاة، وحال بعد الصلاة. # فأما تكبير البروز، فأخبرنا أبو الحسن المبارك بن عبد الجبار الأزدي، ~~أنبأنا أبو الطيب الطبري أنبأنا أبو الحسن علي بن عمر، أخبرنا أبو عبد الله ~~الأملي، حدثنا علي بن محمد بن إسماعيل، حدثنا عبيد الله بن محمد ms0076 بن حبيش، ~~حدثنا موسى بن محمد عن عطاء، حدثنا الوليد بن محمد، حدثنا الزهري، أخبرني ~~سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر أخبره: «أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يكبر يوم الفطر من حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلى». # وذكر عن ابن عمر مثله، وعن علي - رضي الله عنه - «أنه كان يكبر حتى يأتي ~~الجبانة»، يريد حين يبرز. # وروي عن أبي عبد الرحمن السلمي أنهم كانوا في التكبير في الفطر أشد منهم ~~في الأضحى. # وأما تكبيره في صلاة العيد فقد اختلف في ذلك العلماء سلفا وخلفا، وروينا ~~في ذلك الأحاديث والأخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخبارا عن ~~السلف. # فأما الأحاديث، فروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وابن لهيعة عن أبي ~~الزبير عن جابر، وأبو الأسود محمد بن عبد الرحمن، ومحمد بن مسلم بن شهاب عن ~~عروة عن عائشة، وعمار بن ياسر، وكثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه ~~عن جده، وعبد الله بن عامر الأسلمي، وغيره عن نافع عن ابن عمر، واللفظ ~~واحد: # PageV01P123 # «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يكبر في الفطر سبعا في الأولى ~~وخمسا في الثانية». # وأما أخبار السلف فروي عن علي - رضي الله عنه -: يكبر إحدى عشرة تكبيرة، ~~ستا في الأولى، وخمسا في الآخرة، ويكبر في الأضحى خمس تكبيرات، ثلاثا في ~~الأولى وثنتين في الثانية ". # وروى أيوب عن نافع، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه كان يكبر اثنتي ~~عشرة تكبيرة، سبعا في الأولى، وخمسا في الثانية، سوى تكبيرة الإحرام ~~وتكبيرة الركوع ". # وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: " ثنتي عشرة تكبيرة مثله " وروي عن ~~ابن عباس - رضي الله عنه -: ثلاث عشرة تكبيرة؛ سبعا في الأولى وستا في ~~الثانية ". # وروي عنه: " إن شئت سبعا، أو إحدى عشرة، أو ثلاث عشرة " وروي عن ابن ~~مسعود: " يكبر تسعا: خمسا في الأولى، وأربعا في الثانية " ومثله عن حذيفة ~~وأبي موسى؛ وروي عنهما: " يكبر في ms0077 العيدين أربعا كتكبير الجنائز ". # وقد أرسل سعيد بن العاص أمير المدينة إلى أربعة من أصحاب الشجرة، سألهم ~~عن التكبير في العيدين، فقالوا: ثماني تكبيرات، فذكره لابن سيرين، فقال: ~~صدق، ولكنه أغفل تكبيرة فاتحة الصلاة. # واختلف رأي الفقهاء؛ فقال مالك والشافعي والليث وأحمد بن حنبل وأبو ثور: ~~سبعا في الأولى، وخمسا في الثانية. # إلا أن مالكا قال: سبعا في الأولى بتكبيرة الإحرام، وقال الشافعي: سوى ~~تكبيرة الإحرام. # PageV01P124 # قال أحمد وأبو ثور: سوى تكبيرة القيام، وقال الثوري وأبو حنيفة: يكبر ~~خمسا في الأولى، وأربعا في الثانية، ست فيها زوائد، وثلاث أصليات بتكبيرة ~~الافتتاح وتكبيرتي الركوع، لكن يوالي بين القراءتين، ويقدم التكبير في ~~الأولى قبل القراءة، ويقدم القراءة في الثانية قبل التكبير. # وروى أصحاب أبي حنيفة أن عمر - رضي الله عنه - جمع الصحابة فاتفقوا على ~~مذهبهم. # وظن قوم أن هذا كأعداد الوضوء وركعات صلاة الليل، وهو وهم من قائله ليس ~~في الوضوء أعداد، وقد بيناها، ولا في قيام الليل ركعات مقدرة؛ وإنما هو ~~اختلاف روايات في صلاة جماعات، فهي كاختلاف الروايات في صلاة الخوف؛ وإنما ~~يترجح فيها عند النظر إليها: أحدها: أن يقال: إن المرء مخير في كل رواية، ~~فمن فعل منها شيئا تم له المراد منها؛ لأن الفرض نفس التكبير لا قدره. # وإما أن يقال: إن رواية أهل المدينة أرجح؛ لأجل أنهم بالدين أقعد فإنهم ~~شاهدوها، فصار نقلهم كالتواتر لها. # ويترجح قول مالك على قول الشافعي؛ لأن مالكا رأى تكبيرا يتألف من مجموعه ~~وتر، والله وتر يحب الوتر [وإليه أميل]. # وقد يمكن تلخيص بعض هذه الروايات بأن يقال: إنه يحتمل أن يكون الراوي عد ~~الأصول والزوائد مرة وأخبر عنها، فيأتي من مجموعها ثلاث عشرة، أو يقتصر على ~~الزوائد في الذكر ويحذف الأصليات الثلاث فيظهر هاهنا التباين أكثر، ولكن ~~يفضل الكل ما قدمنا من الرجوع إلى أعمال أهل المدينة، والله أعلم. # وأما تكبيره من بعد الصلاة، فروى أبو الطفيل عن علي، وعمار: «أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - كان يكبر في دبر الصلوات ms0078 المكتوبة من صلاة الفجر غداة ~~عرفة إلى صلاة العصر آخر # PageV01P125 # أيام التشريق يوم دفعة الناس العظمى». # ومن حديث أبي جعفر، عن جابر: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ~~صلى الصبح من غداة عرفة، وأقبل على أصحابه يقول: على مكانكم، ويقول: الله ~~أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد». # وروي عن نافع، عن ابن عمر: " أنهم كانوا يكبرون في صلاة الظهر، ولا ~~يكبرون في صلاة الصبح " كذلك فعل عثمان - رضي الله عنه - وهو محصور. # وروى ربيعة بن عثمان عن سعيد بن أبي هند، عن جابر بن عبد الله: سمعته ~~يكبر في الصلوات أيام التشريق: الله أكبر ثلاثا. # واختار الشافعي رواية أبي جعفر [عن جابر]، أن يجمع بين التهليل والتكبير ~~والتحميد، وذكرها ابن الجلاب من أصحابنا. # واختار علماؤنا التكبير المطلق، وهو ظاهر القرآن، وإليه أميل. والله ~~أعلم. # وكانت الحكمة في ذلك على ما ذكره علماؤنا رحمة الله عليهم الإقبال على ~~التكبير والتهليل، وذكر الله تعالى عند انقضاء المناسك شكرا على ما أولى من ~~الهداية وأنقذ به من الغواية، وبدلا عما كانت الجاهلية تفعله من التفاخر ~~بالآباء، والتظاهر بالأحساب، وتعديد المناقب، على ما يأتي تبيانه في موضعه ~~إن شاء الله تعالى. ### | [الآية السابعة والثلاثون قوله تعالى أحل لكم ليلة الصيام] # الآية السابعة والثلاثون # قوله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم ~~لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن ~~باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ~~من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم ~~عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس ~~لعلهم يتقون} [البقرة: 187]. # PageV01P126 # فيها تسع عشرة مسألة: المسألة الأولى: في سبب نزولها: روى الأئمة: ~~البخاري وغيره عن البراء: «أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~كانوا إذا حضر الإفطار فنام الرجل منهم قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ms0079 ولا يومه ~~حتى يمسي، وأن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما، فلما حضر الإفطار أتى ~~امرأته، فقال: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكني أنطلق فأطلب، وكان يعمل يومه، ~~فغلبته عيناه، فجاءته امرأته، فلما رأته قد نام قالت: خيبة لك؛ فلما انتصف ~~النهار غشي عليه، فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -»، فنزلت هذه ~~الآية. # وروى الطبري نحوه، «وأن عمر - رضي الله عنه - رجع من عند النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وقد سمر عنده ليلة، فوجد امرأته قد نامت فأرادها فقالت: ~~قد نمت، فقال: ما نمت، ثم وقع عليها، وصنع كعب بن مالك مثله. فغدا عمر على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أعتذر إلى الله وإليك؟ فإن نفسي زينت ~~لي مواقعة أهلي، فهل تجد لي من رخصة؟ فقال له: لم تكن بذلك حقيقا يا عمر، ~~فلما بلغ بيته أرسل إليه فأنبأه بعذره في آية من القرآن». # وقد روى أبو داود في أبواب الأذان قال: " جاء عمر - رضي الله عنه - فأراد ~~أهله، فقالت: إني قد نمت: فظن أنها تعتل، فأتاها، فلما أصبح نزلت هذه الآية ~~". # PageV01P127 ### | [مسألة الرفث] # المسألة الثانية: # في " الرفث ": الرفث يكون الإفحاش في المنطق، ويكون حديث النساء، ويكون ~~مباشرتهن، والمراد به هاهنا المباشرة. # وقد روي عن ابن عباس أنه قال: المباشرة الجمع، ولكن الله تعالى كريم ~~يكني، وهذا يعضد قول من قال: إن معنى قوله تعالى: {كما كتب على الذين من ~~قبلكم} [البقرة: 183] أنهم أهل الكتاب فإنهم كذلك يصومون، ثم نسخ الله ~~تعالى ذلك بهذه الآية. ### | [مسألة قوله تعالى هن لباس لكم] # المسألة الثالثة قوله تعالى: {هن لباس لكم} [البقرة: 187]: المعنى هن ~~[ستر] لكم بمنزلة الثوب ويفضي كل واحد منكم إلى صاحبه، ويستتر به ويسكن ~~إليه. # والفقه فيه أن كل واحد منكم لا يقدر على الاحتراز من صاحبه لمخالطته إياه ~~ومباشرته له. # وقيل: المعنى أن كل واحد منكم متعفف بصاحبه مستتر به عما لا يحل له من ~~التعري مع غيره. ### | [مسألة قوله تعالى علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم] # المسألة ms0080 الرابعة: # قوله تعالى {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم} [البقرة: 187]: وهذا يدل ~~على قوة رواية عمر وكعب - رضي الله عنهما - فإنه سبحانه أخبر أنه علم ~~الخيانة، ولا بد من وجود ما علم موجودا، وإن كان على حديث قيس بن صرمة الذي ~~رواه البخاري فتقديره: علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فرخص لكم. # PageV01P128 ### | [مسألة قوله تعالى فتاب عليكم] # المسألة الخامسة: # قوله تعالى: {فتاب عليكم} [البقرة: 187] قد بينا في كتاب الأمر توبة الله ~~تعالى على عباده ومعنى وصفه بأنه التواب، وقد تاب علينا ربنا هاهنا بوجهين: ~~أحدهما: قبوله توبة من اختان نفسه. # والثاني: تخفيف ما ثقل، كما قال تعالى: {علم أن لن تحصوه فتاب عليكم} ~~[المزمل: 20] أي رجع إلى التخفيف. # قال علماء الزهد: وكذا فلتكن العناية وشرف المنزلة، خان نفسه عمر فجعلها ~~الله تعالى شريعة، وخفف لأجله عن الأمة فرضي الله عنه وأرضاه. ### | [مسألة قوله تعالى فالآن باشروهن] # المسألة السادسة # قوله تعالى: {فالآن باشروهن} [البقرة: 187]: معناه: قد أحل الله لكم ما ~~حرم عليكم، وهذا يدل على أن سبب الآية جماع عمر - رضي الله عنه - لا جوع ~~قيس؛ لأنه لو كان السبب جوع قيس لقال: فالآن كلوا، ابتدأ به؛ لأنه المهم ~~الذي نزلت الآية لأجله. ### | [مسألة قوله تعالى وابتغوا ما كتب الله لكم] # المسألة السابعة قوله تعالى: {وابتغوا ما كتب الله لكم} [البقرة: 187]: ~~فيه ثلاثة أقوال: الأول: ما كتب الله لكم من الحلال. # الثاني: ما كتب الله لكم من الولد. # الثالث: ليلة القدر. # فالقول الأول عام يشهد له حديث قيس، والثاني خاص يشهد له حديث عمر، ~~والثالث عام في الثواب والأجر. # PageV01P129 ### | [مسألة قوله تعالى وكلوا واشربوا] # المسألة الثامنة: # قوله تعالى: {وكلوا واشربوا} [البقرة: 187]: هذا جواب نازلة قيس بن صرمة، ~~والأول جواب نازلة عمر - رضي الله عنه -؛ وبدأ بنازلة عمر؛ لأنه المهم فهو ~~المقدم. ### | [مسألة قوله تعالى حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر] # المسألة التاسعة قوله تعالى: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط ~~الأسود من الفجر} [البقرة: 187]: روى الأئمة ms0081 بأجمعهم: «قال عدي بن حاتم: ~~لما نزلت هذه الآية عمدت إلى عقالين لي أسود وأبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، ~~وجعلت أنظر في الليل إليهما فلا يستبين لي فعمدت إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فذكرت ذلك، فقال: إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار ونزل قوله ~~تعالى: {من الفجر} [البقرة: 187]». # وروى الأئمة: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يمنعنكم أذان بلال ~~من سحوركم، فإنه يؤذن بليل، ليرجع قائمكم، ويوقظ نائمكم، وليس أن يقول هكذا ~~وصوب يده ورفعها حتى يقول: هكذا وضرب بين أصابعه». ### | [مسألة قوله تعالى ثم أتموا الصيام إلى الليل] # المسألة العاشرة: # قوله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} [البقرة: 187]: فشرط ربنا تعالى ~~إتمام الصوم حتى يتبين الليل، كما جوز الأكل حتى يتبين النهار، ولكن إذا ~~تبين الليل فالسنة تعجيل الفطر. # وقد روى الأئمة منهم البخاري عن عبد الله بن أبي أوفى قال: «كنا مع النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - # PageV01P130 # في سفر؛ فصام حتى أمسى، فقال لرجل: انزل فاجدح لي. قال: لو انتظرت حتى ~~تمسي. قال: انزل فاجدح لي إذا رأيت الليل قد أقبل من هاهنا وأدبر من هاهنا ~~فقد أفطر الصائم». ### | [مسألة تعجيل الفطر وتقديم الإمساك في الصيام] # المسألة الحادية عشرة كما أن السنة تعجيل الفطر مخالفة لأهل الكتاب كذلك ~~السنة تقديم الإمساك إذا قرب الفجر عن محظورات الصيام. # ومن العلماء من جوز الأكل مع الشك في الفجر حتى يتبين؛ منهم ابن عباس ~~والشافعي، لقوله تعالى: {حتى يتبين} [البقرة: 187] ولأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «وكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم»، وكان ابن أم ~~مكتوم رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت. # وتأوله علماؤنا: قاربت الصباح، وقاربت تبين الخيط، وهو الأشبه بوضع ~~الشريعة وحرمة العبادة، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «يوشك من يرعى حول ~~الحمى أن يقع فيه». # وإذا جاء الليل فأكلت لم تخف مواقعة محظور، وإذا دنا الصباح لم يحل لك ~~الأكل؛ لأنه ربما أوقعك في المحظور غالبا. ### | [مسألة إيصال الصوم يوم بيوم] ms0082 # المسألة الثانية عشرة إذا تبين الليل سن الفطر شرعا، أكل أو لم يأكل؛ فإن ~~ترك الأكل لعذر أو # PageV01P131 # لشغل جاز، وإن تركه قصدا لموالاة الصيام قربة اختلف العلماء؛ فممن رآه ~~جائزا عبد الله بن الزبير، كان يصوم الأسبوع ويفطر على الصبر، ورآه الأكثر ~~حراما لما فيه من مخالفة الظاهر والتشبه بأهل الكتاب. # والصحيح أنه مكروه؛ لأن علة تحريمه معروفة، وهي ضعف القوى وإنهاك ~~الأبدان. # وروى الأئمة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الوصال، فقال رجل ~~من المسلمين: فإنك تواصل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: وأيكم ~~مثلي؟ إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني. فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل ~~بهم يوما ويوما، ثم رأوا الهلال، فقال: لو تأخر الهلال لزدتكم»، كالمنكل ~~لهم حين أبوا أن ينتهوا وهذا يدل على أن ذلك لم يكن محرما، وإنما كان شفقة ~~عليهم، فلذلك لم يقبلوه، ولو كان حراما ما فعلوه. # وروى البخاري عن أبي سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«لا تواصلوا؛ فأيكم أراد الوصال فليواصل، حتى السحر»، وهذه إباحة لتأخير ~~الفطر، ومنع من إيصال يوم بيوم. ### | [مسألة محظورات الصيام] # المسألة الثالثة عشرة لما قال الله تعالى: {فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب ~~الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من ~~الفجر} [البقرة: 187]: # PageV01P132 # بين بذلك محظورات الصيام؛ وهي الأكل، والشرب، والجماع. فأما ظاهر ~~المباشرة التي هي اتصال البشرة بالبشرة فاختلف العلماء فيها على أربعة ~~أقوال: الأول: أنها حرام. # الثاني: أنها مباحة. # الثالث: أنها مكروهة. # الرابع: أنها منقسمة بين من يخاف على نفسه التعرض لفساد الصوم وبين من ~~يأمن ذلك على نفسه. # وتحقيق القول فيها: أنها سبب وداعية إلى الجماع، وذريعة داعية إليه، ~~فيختلف في حكمها كاختلافهم في تحريم الذرائع التي تدعو إلى المحظورات؛ فأما ~~علماء المالكية فاعتبروا حال الرجل وخوفه على صومه وأمنه عليه من نفسه، وقد ~~ثبت: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقبل أزواجه عائشة وغيرها، وهو ~~صائم، ويأمر بالإخبار بذلك»؛ ms0083 لكن النبي كان أملكنا لإربه. # وقد خرج مسلم: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أفتى عمر بن أبي سلمة ~~بجوازها وهو شاب»، فدل أن المعول فيها ما اعتبر علماؤنا من حال المقبل، لكن ~~منهم من تجاوز في التفصيل حد الفتيا، ونحن نضبط بحول الله تعالى. # PageV01P133 # فنقول: أما إن أفضى التقبيل والمباشرة إلى المذي فلا شيء فيه؛ لأن تأثيره ~~في الطهارة الصغرى، وأما إن خيف إفضاؤه إلى المني فذلك الممنوع، والله ~~أعلم. ### | [مسألة المراد بقوله تعالى الخيط الأبيض] # المسألة الرابعة عشرة إن قيل: كيف يجوز أن يكون المراد بقوله تعالى: ~~{الخيط الأبيض} [البقرة: 187] الفجر ويتأخر البيان مع الحاجة إليه؟ وتأخير ~~البيان عن وقت الحاجة إليه مع بقاء التكليف حتى يقع الخطأ عن المقصود لا ~~يجوز. # فالجواب: أن البيان كان موجودا فيه، لكن على وجه لا يدركه جميع الناس؛ ~~وإنما كان على وجه يختص به بعضهم أو أكثرهم، وليس يلزم أن يكون البيان ~~مكشوفا في درجة يطلع عليها كل أحد؛ ألا ترى أنه لم يقع فيه إلا عدي وحده، ~~وأيضا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعنف عديا، وأنزل الله تعالى ~~البيان فيه جليا. # وقد روي في حديث عدي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: «إنك لعريض ~~القفا»، وضحك؛ ولا يضحك إلا على جائز، وليس فيما ذكر له إلا تعريضه ~~للغباوة. ### | [مسألة طلوع الفجر على الصائم وهو جنب] # المسألة الخامسة عشرة إذا جوزنا له الوطء قبل الفجر ففي ذلك دليل على ~~جواز طلوع الفجر عليه، وهو جنب؛ وذلك جائز إجماعا؛ وقد كان وقع فيه بين ~~الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - كلام، ثم استقر الأمر على أنه من أصبح ~~جنبا فإن صومه صحيح، وبهذا احتج ابن عباس عليه، ومن هاهنا أخذه باستنباطه، ~~وغوصه، والله أعلم. ### | [مسألة قوله تعالى ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد] # المسألة السادسة عشرة: قوله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في ~~المساجد} [البقرة: 187]: الاعتكاف في اللغة هو اللبث، وهو غير مقدر عند ~~الشافعي وأقله لحظة، ولا حد ms0084 # PageV01P134 # لأكثره. # وقال مالك وأبو حنيفة: هو مقدر بيوم وليلة، لأن الصوم عندهما من شرطه. ~~قال علماؤنا: لأن الله تعالى خاطب الصائمين، وهذا لا يلزم في الوجهين: # أما اشتراط الصوم فيه بخطابه تعالى لمن صام فلا يلزم بظاهره ولا باطنه؛ ~~لأنها حال واقعة لا مشترطة. # وأما تقديره بيوم وليلة؛ لأن الصوم من شرطه فضعيف؛ فإن العبادة لا تكون ~~مقدرة بشرطها؛ ألا ترى أن الطهارة شرط في الصلاة، وتنقضي الصلاة وتبقى ~~الطهارة، وقد حققنا في مسائل الخلاف دليل وجوب الصوم فيه، ويغني الآن لكم ~~عن ذلك ما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعمر: اعتكف وصم». # وكان شيخنا فخر الإسلام أبو بكر محمد بن أحمد الشاشي إذا دخلنا معه مسجدا ~~بمدينة السلام لإقامة ساعة يقول: انووا الاعتكاف تربحوه. # وعول مالك على أن الاعتكاف اسم لغوي شرعي، فجاء الشرع في حديث عمر - رضي ~~الله عنه - بتقدير يوم وليلة، فكان ذلك أقله، وجاء فعل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - باعتكاف عشرة أيام، فكان ذلك المستحب فيه. ### | [مسألة الاعتكاف في أكثر من مسجد في رمضان واحد] # المسألة السابعة عشرة: قوله تعالى: {في المساجد} [البقرة: 187]: مذهب ~~مالك الصريح الذي لا مذهب له سواه جواز الاعتكاف في كل مسجد؛ لأنه تعالى ~~قال: {وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة: 187] فعم المساجد كلها؛ لكنه # PageV01P135 # إذا اعتكف في مسجد لا جمعة فيه للجمعة، فمن علمائنا من قال: يبطل ~~اعتكافه، ولا نقول به؛ بل يشرف الاعتكاف ويعظم. # ولو خرج من الاعتكاف من مسجد إلى مسجد لجاز له؛ لأنه يخرج لحاجة الإنسان ~~إجماعا، فأي فرق بين أن يرجع إلى ذلك المسجد أو إلى سواه؟. ### | [مسألة معنى المباشرة للصائم] # المسألة الثامنة عشرة: # وهي بديعة: فإن قيل: قلتم في قوله تعالى: {فالآن باشروهن} [البقرة: 187]: ~~إن المراد به الجماع، وقلتم في قوله تعالى: {ولا تباشروهن} [البقرة: 187]: ~~إنه اللمس والقبلة، فكيف هذا التناقض؟ قلنا: كذلك نقول في قوله تعالى: ~~{فالآن باشروهن} [البقرة: 187]: إنها المباشرة بأسرها صغيرها وكبيرها؛ ~~ولولا أن السنة قضت على عمومها ما روت ms0085 عائشة وأم سلمة في جواز القبلة ~~للصائم من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وقوله، وبإذن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لعمر بن أبي سلمة في القبلة وهو صائم فخصصناها. # فأما قوله تعالى: {ولا تباشروهن} [البقرة: 187] فقد بقيت على عمومها ~~وعضدتها أدلة سواها؛ وهي أن الاعتكاف مبني على ركنين: أحدهما: ترك الأعمال ~~المباحة بإجماع. # الثاني: ترك سائر العبادات سواه مما يقطعه ويخرج به عن بابه، فإذا كانت ~~العبادات تؤثر فيه، والمباحات لا تجوز معه فالشهوات أحرى أن تمنع فيه. ### | [مسألة قوله تعالى ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد] # المسألة التاسعة عشرة قوله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في ~~المساجد} [البقرة: 187]: فحرم الله تعالى المباشرة في المسجد، وذلك يحرم ~~خارج المسجد؛ لأن معنى الآية: ولا تباشروهن وأنتم ملتزمون الاعتكاف في ~~المسجد معتقدون له، فهو إذا خرج لحاجة الإنسان، وهو ملتزم للاعتكاف في ~~المسجد معتقد له رخص له في حاجة الإنسان للضرورة الداعية إليه، وبقي سائر ~~أفعال الاعتكاف كلها على أصل المنع. # PageV01P136 ### | [الآية الثامنة والثلاثون قوله تعالى ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل] # الآية الثامنة والثلاثون: # قوله تعالى {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام ~~لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون} [البقرة: 188] فيها تسع ~~مسائل: # المسألة الأولى: هذه الآية، من قواعد المعاملات، وأساس المعاوضات ينبني ~~عليها، وهي أربعة: هذه الآية، وقوله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا} ~~[البقرة: 275] وأحاديث الغرر، واعتبار المقاصد والمصالح، وقد نبهنا على ذلك ~~في مسائل الفروع. # المسألة الثانية اعلموا علمكم الله أن هذه الآية متعلق كل مؤالف ومخالف ~~في كل حكم يدعونه لأنفسهم بأنه لا يجوز، فيستدل عليه بقوله تعالى: {ولا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [البقرة: 188] # فجوابه أن يقال له: لا نسلم أنه باطل حتى تبينه بالدليل، وحينئذ يدخل في ~~هذا العموم؛ فهي دليل على أن الباطل في المعاملات لا يجوز، وليس فيها تعيين ~~الباطل. ### | ### | [مسألة قوله تعالى ولا تأكلوا # أموالكم] # المسألة الثالثة: # قوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم} [البقرة: 188]: المعنى: لا يأكل بعضكم ~~مال بعض، ms0086 كما قال تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29] وكقوله تعالى: ~~{فسلموا على أنفسكم} [النور: 61]: المعنى: لا يقتل بعضكم بعضا. وليسلم ~~بعضكم على بعض. # ووجه هذا الامتزاج أن أخا المسلم كنفسه في الحرمة؛ والدليل عليه الأثر ~~والنظر؛ أما الأثر فقوله - عليه السلام -: «مثل المسلمين في تراحمهم ~~وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو منه تداعى سائره بالحمى ~~والسهر». # PageV01P137 # وأما النظر فلأن رقة الجنسية تقتضيه وشفقة الآدمية تستدعيه. ### | [مسألة قوله تعالى ولا تأكلوا] # المسألة الرابعة قوله تعالى: {ولا تأكلوا} [البقرة: 188]: معناه: ولا ~~تأخذوا ولا تتعاطوا. # ولما كان المقصود من أخذ المال التمتع به في شهوتي البطن والفرج قال ~~تعالى: {ولا تأكلوا} [البقرة: 188] فخص شهوة البطن؛ لأنها الأولى المثيرة ~~لشهوة الفرج. ### | [مسألة قوله تعالى بالباطل] # المسألة الخامسة: # قوله تعالى: {بالباطل} [البقرة: 188]: يعني: بما لا يحل شرعا ولا يفيد ~~مقصودا؛ لأن الشرع نهى عنه، ومنع منه، وحرم تعاطيه، كالربا والغرر ونحوهما، ~~والباطل ما لا فائدة فيه، ففي المعقول هو عبارة عن المعدوم، وفي المشروع ~~عبارة عما لا يفيد مقصودا. ### | [مسألة قوله تعالى وتدلوا بها إلى الحكام] # المسألة السادسة: # قوله تعالى: {وتدلوا بها إلى الحكام} [البقرة: 188]: أي: توردون كلامكم ~~فيها: ضرب للكلام المورود على السامع مثلا بالدلو المورودة على الماء، ~~ليأخذ الماء وحقيقة اللفظ: وتدلوا كلامكم. # أو يكون الكلام ممثلا بالحبل، والمال المذكور ممثلا بالدلو؛ لتقطعوا قطعة ~~من أموال غيركم، وذلك الغير هو المخاصم. # {بالإثم} [البقرة: 188]: أي مقرونة بالإثم {وأنتم تعلمون} [البقرة: 188]: ~~تحريم ذلك. # PageV01P138 ### | [مسألة مدار حكم الحاكم] # المسألة السابعة: قال علماؤنا: هذا النهي محمول على التحريم قطعا غير ~~جائز إجماعا، وقد ثبت عن أم سلمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض ~~فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه، ~~فإنما أقطع له قطعة من النار». # المسألة الثامنة: # إذا ثبت هذا فإن مدار حكم الحاكم [هو في الظاهر] على كلام الخصمين لا ms0087 حظ ~~له في الباطن؛ لأنه لا يبلغه علمه، فلا ينفذ فيه حكمه؛ وإنما يحكم في ~~الظاهر والباطن الظاهر الباطن سبحانه وهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- المصطفى للاطلاع على الغيب يتبرأ من الباطن، ويتنصل من تعدي حكمه إليه، ~~فكيف بغيره من الخلق؟. # المسألة التاسعة: هذا يدل على أن الحاكم مصيب في حكمه في الظاهر وإن أخطأ ~~الصواب عند الله تعالى في الباطن؛ لأنه سبحانه قال: {وتدلوا بها إلى الحكام ~~لتأكلوا} [البقرة: 188] بحكمهم {وأنتم تعلمون} [البقرة: 188] بطلان ذلك، ~~والحاكم في عفو الله وثوابه، والظالم في سخط الله تعالى وعقابه. ### | [الآية التاسعة والثلاثون قوله تعالى يسألونك عن الأهلة] # الآية التاسعة والثلاثون: # قوله تعالى {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن ~~تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا ~~الله لعلكم تفلحون} [البقرة: 189]. # PageV01P139 # فيها اثنتا عشرة مسألة: المسألة الأولى: في سبب نزولها: وفيه قولان: ~~أحدهما: أن ناسا سألوا عن زيادة الأهلة ونقصانها فنزلت هذه الآية. # الثاني: روي عن قتادة: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل لم جعلت ~~الأهلة؟ فأنزل الله تعالى الآية». والحكمة فيه أن الله تعالى خلق الشمس ~~والقمر آيتين. # وفي الأثر أنه وكل بهما ملكين؛ ورتب لهما مطلعين، وصرفهما بينهما ~~لمصلحتين: إحداهما دنيوية وهي مقرونة بالشمس، والأخرى دينية وهي مبنية على ~~القمر؛ ولهذه الحكمة جعل أهل تأويل الرؤيا الشمس ملكا أعجميا والقمر ملكا ~~عربيا. # المسألة الثانية: قوله تعالى {قل هي مواقيت للناس} [البقرة: 189]: يعني: ~~في صومهم وإفطارهم وآجالهم في تصرفاتهم ومنافع كثيرة لهم. ### | [مسألة فائدة تخصيص الحج آخرا مع دخوله في عموم اللفظ الأول في قوله تعالى يسألونك عن الأهلة] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {والحج} [البقرة: 189]: ما فائدة تخصيص ~~الحج آخرا مع دخوله في عموم اللفظ الأول؟ وهي أن العرب كانت تحج بالعدد ~~وتبدل الشهور؛ فأبطل الله تعالى فعلهم وقولهم، وجعله مقرونا بالرؤية. # المسألة الرابعة: إذا ثبت أنه ميقات فعليه يعول؛ لقوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته»، ms0088 فإن لم ير فليرجع إلى العدد المرتب ~~عليه، وإن جهل أول الشهر عول على عدد الهلال # PageV01P140 # قبله، وإن علم أوله بالرؤية بني آخره على العدد المرتب على رؤيته، لقوله ~~- صلى الله عليه وسلم -: «فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين». # وروي: «فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ثم أفطروا». ### | [مسألة إذا رئي الهلال كبيرا] # المسألة الخامسة: إذا رأى أحد الهلال كبيرا: قال علماؤنا: لا يعول على ~~كبره ولا على صغره، وإنما هو من ليلته، لما روي عن عمر - رضي الله عنه - ~~أنه قال: " إن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتموه بعد ما تزول الشمس ~~فهو لليلة المستقبلة ". # وقد روى مالك: أن هلال شوال رئي بعشي فلم يفطر عثمان - رضي الله عنه - ~~حتى أمسى. # وروي عن أبي البختري قال: قدمنا حجاجا حتى إذا كنا بالصفاح رأينا هلال ذي ~~الحجة كأنه ابن خمس ليال، فلما قدمنا على ابن عباس سألناه فقال: جعل الله ~~الأهلة مواقيت يصام لرؤيتها ويفطر لرؤيتها. # المسألة السادسة: إذا رئي قبل الزوال فهو لليلة المستقبلة: وقال ابن ~~حبيب، وابن وهب، وغيرهما: هو للماضية. # وروي في ذلك أثر ضعيف عن عمر، والصحيح عن عمر: " أن الأهلة بعضها أكبر من ~~بعض، فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ". ### | [مسألة المناسك من صوم وحج تنبني على حساب منازل القمر] # المسألة السابعة: قال قوم: إن المناسك من صوم وحج تنبني على حساب منازل ~~القمر، وقد تقدم الرد عليهم. ### | [مسألة الإحرام بالحج قبل أشهر الحج] # المسألة الثامنة: عند علمائنا أنه يجوز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج، وبه ~~قال أبو حنيفة. # وقال الشافعي: لا يجوز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج # PageV01P141 # وتعلق بعض علمائنا بقوله تعالى {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس ~~والحج} [البقرة: 189] فجعل جميعها ميقاتا للحج، وذلك لا يجوز؛ لأن هذه ~~الآية أفادت بيان حكمة الأهلة في الجملة، فأما تخصيص الفوائد بالأهلة ~~وتعيينها فإنما تؤخذ من دليل آخر؛ ألا ترى أنه لا يصام لجميعها، فكذلك لا ~~يحج لجميعها. # وقد بين الله تعالى ذلك في آية أخرى، ms0089 فقال: {الحج أشهر معلومات} [البقرة: ~~197] فبين أن أهلته معلومة مخصوصة من بين جميع الأهلة. # وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف. ### | [مسألة قوله تعالى وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها] # المسألة التاسعة: قوله تعالى {وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها} ~~[البقرة: 189]: كان سبب نزولها فيما روى الزهري: «أن أناسا من الأنصار ~~كانوا إذا أهلوا بالعمرة لم يحل بينهم وبين السماء شيء، فإذا خرج الرجل ~~منهم بعد ذلك من بيته فرجع لحاجة لا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف البيت ~~أن يحول بينه وبين السماء؛ فيقتحم الجدار من ورائه؛ ثم يقوم في حجرته فيأمر ~~بحاجته، فتخرج إليه من بيته، حتى بلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أهل بالعمرة زمن الحديبية فدخل حجرته، فدخل رجل من الأنصار على أثره كان من ~~بني سلمة، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: إني أحمسي. قال الزهري: ~~وكانت الحمس لا يبالون ذلك قال الأنصاري: وأنا أحمسي يعني على دينك فأنزل ~~الله تعالى الآية». # المسألة العاشرة: في تأويلها ثلاثة أقوال: الأول: أنها بيوت المنازل. # PageV01P142 # الثاني: أنها النساء أمرنا بإتيانهن من القبل لا من الدبر. # الثالث: أنها مثل؛ أمر الناس أن يأتوا الأمور من وجوهها. # المسألة الحادية عشرة: في تحقيق هذه الأقوال: أما القول إن المراد بها ~~النساء: فهو تأويل بعيد لا يصار إليه إلا بدليل، فلم يوجد ولا دعت إليه ~~حاجة. # وأما كونه مثلا في إتيان الأمور من وجوهها: فذلك جائز في كل آية؛ فإن لكل ~~حقيقة مثلا منها ما يقرب ومنها ما يبعد. # وحقيقة هذه الآية البيوت المعروفة، بدليل ما روي في سبب نزولها من طرق ~~متعددة ذكرنا أوعبها عن الزهري، فحقق أنها المراد بالآية، ثم ركب من ~~الأمثال ما يحمله اللفظ ويقرب، ولا يعارضه شيء. ### | [مسألة تعلق النذر] # المسألة الثانية عشرة: قال علماؤنا: هذا دليل على مسألة من الفقه، وهي أن ~~الفعل بنية العبادة لا يكون إلا في المندوبات خاصة دون المباح ودون المنهي ~~عنه. # واقتحام البيوت من ظهورها عند التلبس ms0090 بالعمرة لم يكن ندبا فيقصد به وجه ~~القربة؛ ولذلك لا يتعلق النذر بمباح ولا منهي عنه، وإنما يتعلق بكل مندوب؛ ~~وهذا أصل حسن. ### | [الآية الموفية أربعين قوله تعالى وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم] # الآية الموفية أربعين # قوله تعالى {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا ~~يحب المعتدين} [البقرة: 190]. # فيها خمس مسائل: المسألة الأولى: في مقدمة لها: إن الله سبحانه بعث نبيه ~~- صلى الله عليه وسلم - بالبيان والحجة، وأوعز إلى عباده على لسانه ~~بالمعجزة والتذكرة، وفسح لهم في المهل، وأرخى لهم في الطيل ما شاء من المدة ~~بما # PageV01P143 # اقتضته المقادير التي أنفذها، واستمرت به الحكمة، والكفار يقابلونه ~~بالجحود والإنكار، ويتعمدونه وأصحابه بالعداوة والإذاية، والبارئ سبحانه ~~يأمر نبيه - عليه السلام - وأصحابه باحتمال الأذى والصبر على المكروه، ~~ويأمرهم بالإعراض تارة وبالعفو والصفح أخرى، حتى يأتي الله بأمره، إلى أن ~~أذن الله تعالى لهم في القتال. # فقيل: إنه أنزل على رسوله: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} [الحج: 39] ~~وهي أول آية نزلت، وإن لم يكن أحد قاتل، ولكن معناه أذن للذين يعلمون أن ~~الكفار يعتقدون قتالهم وقتلهم بأن يقاتلوهم على اختلاف القراءتين، ثم صار ~~بعد ذلك فرضا، فقال تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} ~~[البقرة: 190]. ثم أمر بقتال الكل، فقال: {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] ~~الآية، وقيل: إن هذه الآية أول آية نزلت. والصحيح ما رتبناه؛ لأن آية الإذن ~~في القتال مكية، وهذه الآية مدنية متأخرة. ### | [مسألة سبب نزول آية وقاتلوا في سبيل الله] # المسألة الثانية: في سبب نزولها: روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لما سار إلى العمرة زمن الحديبية فصده المشركون عنها، فأمر بقتالهم، فبايع ~~على ذلك، ثم أذن له في الصلح إلى أمر ربك أعلم به». ### | [مسألة الجهاد بعد فتح مكة] # المسألة الثالثة: # قال جماعة: إن هذه الآية منسوخة بآية براءة، وهذا لا يصح؛ لأنه أمر هاهنا ~~بقتال من قاتل، وكذلك أمر بذا بعده، فقال تعالى {وقاتلوا المشركين كافة كما ~~يقاتلونكم كافة} [التوبة: 36] بيد أن أشهب روى ms0091 عن مالك أن المراد هاهنا أهل ~~المدينة، أمروا بقتال من قاتلهم. # وقال غيره: هو خطاب للجميع، وهو الأصح؛ أمر كل أحد أن يقاتل من قاتله، إذ ~~لا يمكن سواه؛ ألا تراه كيف بينها تعالى في سورة براءة بقوله # PageV01P144 # {قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} [التوبة: 123]؛ وذلك لأن المقصود أولا ~~كان أهل مكة فتعينت البداية بهم، وبكل من دونهم أو عاونهم؛ فلما فتح الله ~~تعالى مكة كان القتال لمن يلي ممن كان يؤذي، حتى تعم الدعوة وتبلغ الكلمة ~~جميع الآفاق، ولا يبقى أحد من الكفرة، وذلك متماد إلى يوم القيامة، ممتد ~~إلى غاية هي قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الخيل معقود في نواصيها ~~الخير إلى يوم القيامة: الأجر والغنيمة». # وذلك لبقاء القتال؛ وذلك لقوله تعالى {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون ~~الدين لله} [البقرة: 193] وقيل غايته نزول عيسى ابن مريم - عليه السلام - ~~قال - صلى الله عليه وسلم -: «ينزل فيكم ابن مريم # PageV01P145 # حكما مقسطا يكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية». # وذلك موافق للحديث قبله؛ لأن نزول عيسى - عليه السلام - من أشراط الساعة، ~~وسيقاتل الدجال، ويأجوج ومأجوج، وهو آخر الأمر. # وقال جماعة من الفقهاء: إن الجهاد بعد فتح مكة ليس بفرض إلا أن يستنفر ~~الإمام أحدا منهم قاله سفيان الثوري: ومال إليه سحنون، وظنه قوم بابن عمر ~~حين رأوه مواظبا على الحج تاركا للجهاد، وقد قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا». ثبت ~~ذلك عنه. # وهذا هو دليلنا؛ لأنه أخبر أن الجهاد باق بعد الفتح، وإنما رفع الفتح ~~الهجرة، وذلك لقوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} [البقرة: 193]؛ ~~يعني كفرا {ويكون الدين لله} [البقرة: 193]. # ومواظبة ابن عمر - رضي الله عنه - على الحج؛ لأنه اعتقد الحق، وهو أن ~~الجهاد فرض # PageV01P146 # على الكفاية إذا قام به بعض المسلمين سقط عن الباقين، ويحتمل أن يكون رأى ~~أنه لا يجاهد مع ولاة الجور. # والأول أصح؛ لأنه قد كان في زمانه عدول وجائرون، وهو في ذلك كله مؤثر ~~للحج ms0092 مواظب عليه. ### | [مسألة سقوط فرض الدعوة] # المسألة الرابعة: لما أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو عشرة أعوام ~~أو ثلاثة عشر عاما أو خمسة عشر عاما على اختلاف الروايات في مدة مقامه ~~بمكة، ثم تعين القتال بعد ذلك، سقط فرض الدعوة إلا على الذين لم تبلغهم، ~~وبقيت مستحبة. فأما الآن فقد بلغت الدعوة وعمت، وظهر العناد، ولكن ~~الاستحباب لا ينقطع. # روى مسلم، وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ادعهم إلى ثلاث ~~خصال، فإن أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم»، فذكر الدعاء إلى الشهادة، ثم ~~إلى الهجرة أو إلى الجزية، وهذا إنما كان بعد نزول آية الجزية، وذلك بعد ~~الفتح. # وصح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أغار على بني المصطلق من خزاعة وهم ~~غارون فقتل وسبى، فعلم - صلى الله عليه وسلم - الجائز والمستحب. ### | [مسألة مفاد قوله تعالى ولا تعتدوا] # المسألة الخامسة: قوله تعالى {ولا تعتدوا} [البقرة: 190]: فيها ثلاثة ~~أوجه: أحدها: لا تقتلوا من لم يقاتل، وعلى هذا تكون الآية منسوخة بقوله ~~تعالى: {وقاتلوا المشركين كافة} [التوبة: 36] و {فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم} [التوبة: 5]. # الثاني: أن معنى قوله تعالى {ولا تعتدوا} [البقرة: 190] أي لا تقاتلوا ~~على غير الدين، كما # PageV01P147 # قال تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} [البقرة: 190] يعني ~~دينا. # الثالث: ألا يقاتل إلا من قاتل، وهم الرجال البالغون؛ فأما النساء ~~والولدان والرهبان فلا يقتلون؛ وبذلك أمر أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - ~~يزيد بن أبي سفيان حين أرسله إلى الشام إلا أن يكون لهؤلاء إذاية. # وفيه ست صور: الأولى: النساء: قال علماؤنا: لا تقتلوا النساء إلا أن ~~يقاتلن؛ لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن قتلهن؛ خرجه البخاري ومسلم ~~والأئمة، وهذا ما لم يقاتلن، فإن قاتلن قتلن. # قال سحنون: في حالة المقاتلة. # والصحيح جواز قتلهن، إذا قاتلن على الإطلاق في حالة المقاتلة وبعدها ~~لعموم قوله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} [البقرة: 190] ~~وقوله تعالى {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} [البقرة: 191] وللمرأة آثار عظيمة في ~~القتال؛ منها الإمداد بالأموال، ومنها التحريض ms0093 على القتال، فقد كن يخرجن ~~ناشرات شعورهن، نادبات، مثيرات للثأر، معيرات بالفرار، وذلك يبيح قتلهن. # PageV01P148 # الثانية: الصبيان؛ فلا يقتل الصبي لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ~~قتل الذرية، خرجه الأئمة كلهم، فإن قاتل قتل حالة القتال، فإذا زال القتال ~~ففي سماع يحيى في العتبية يقتل، وكذلك المرأة. # والصحيح أنه لا يقتل، فإنه لا تكليف عليه، وفي ثمانية أبي زيد: لا تقتل ~~المرأة ولا الصبي إذا قاتلا، وأخذا بعد ذلك أسيرين إلا أن يكونا قتلا، وهذا ~~لا يصح؛ لأن القتل هاهنا ليس قصاصا، وإنما هو ابتداء وحد، والذي يقوي عندي ~~قتل المرأة لما فيها من المنة، والعفو عن الصبي لعفو الله سبحانه عنه في ~~مسائل الذنوب. # الثالثة: الرهبان: قال علماؤنا: لا يقتلون ولا يسترقون؛ بل يترك لهم ما ~~يعيشون به من أموالهم، وهذا إذا انفردوا عن أهل الكفر، لقول أبي بكر - رضي ~~الله عنه - ليزيد بن أبي سفيان: " وستجد أقواما حبسوا أنفسهم فذرهم وما ~~حبسوا أنفسهم له، فإن كانوا مع الكفار في الكنائس قتلوا ". # ولو ترهبت المرأة روى أشهب عنه أنها لا تهاج، وقال سحنون: لا يغير الترهب ~~حكمها. # والصحيح عندي رواية أشهب؛ لأنها داخلة تحت قوله: فذرهم وما حبسوا أنفسهم ~~له. # الرابعة: الزمنى: قال سحنون: يقتلون، وقال ابن حبيب: لا يقتلون. # والصحيح عندي أن تعتبر أحوالهم؛ فإن كان فيهم إذاية قتلوا، وإلا تركوا ~~وما هم بسبيله من الزمانة، وصاروا مالا على حالهم. # PageV01P149 # الخامسة: الشيوخ: قال مالك في كتاب محمد: لا يقتلون، ورأيي قتلهم؛ لما ~~روى النسائي عن سمرة بن جندب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اقتلوا ~~الشيوخ المشركين واستحيوا شرخهم». # وهذا نص، ويعضده عموم القرآن ووجود المعنى فيهم من المحاربة والقتال، إلا ~~أن يدخلهم التشيخ والكبر في حد الهرم والفند، فتعود زمانة، ويلحقون بالصورة ~~الرابعة وهي الزمنى، إلا أن يكون في الكل إذاية بالرأي، ونكاية بالتدبير ~~فيقتلون أجمعون، والله أعلم. # السادسة: العسفاء: وهم الأجراء والفلاحون، وكل من هؤلاء حشوة. # وقد اختلف فيهم؛ فقال مالك في كتاب محمد: ms0094 لا يقتلون، وفي وصية أبي بكر ~~الصديق - رضي الله عنه - ليزيد بن أبي سفيان: " لا تقتلن عسيفا ". # والصحيح عندي قتلهم؛ لأنهم إن لم يقاتلوا فهم ردء للمقاتلين، وقد اتفق ~~أكثر العلماء على أن الردء يحكم فيه بحكم المقاتل، وخالفهم أبو حنيفة؛ وقد ~~مهدنا الدليل في المسألة، وأوضحنا وجوب قتله في مسائل الخلاف بما فيه غنية، ~~والله أعلم. # PageV01P150 ### | [الآية الحادية والأربعون قوله تعالى واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم] # والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه ~~فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين} [البقرة: 191] {فإن انتهوا فإن ~~الله غفور رحيم} [البقرة: 192]. # فيها أربع مسائل: المسألة الأولى: المعنى حيث أخذتموهم، وفي هذا دليل ~~ظاهر على قتل الأسير، وقد روى الترمذي عن علي «أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - هبط عليه جبريل - عليه السلام - فقال: خيرهم يعني أصحابك في ~~أسرى بدر: القتل أو الفداء على أن تقتل منهم قاتلا مثلهم. قالوا: الفداء، ~~ويقتل منا». # وقد ثبت عن أنس «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة عام الفتح وعلى ~~رأسه المغفر؛ فقيل له: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: اقتلوه». ### | [مسألة قوله تعالى ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه] # المسألة الثانية: قوله تعالى {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى ~~يقاتلوكم فيه} [البقرة: 191]: فيه قولان: أحدهما: أنه محكم قاله مجاهد وأبو ~~حنيفة. # الثاني: أنه منسوخ بقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} ~~[التوبة: 5] وقال قتادة: هو منسوخ بقوله تعالى {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} ~~[البقرة: 193]. # PageV01P151 # قال القاضي أبو بكر بن العربي: وقد حضرت في بيت المقدس طهره الله بمدرسة ~~أبي عتبة الحنفي والقاضي الريحاني يلقي علينا الدرس في يوم جمعة، فبينما ~~نحن كذلك إذ دخل علينا رجل بهي المنظر على ظهره أطمار، فسلم سلام العلماء، ~~وتصدر في صدر المجلس بمدارع الرعاء، فقال له الريحاني: من السيد؟ فقال له: ~~رجل سلبه الشطار أمس، وكان مقصدي هذا الحرم المقدس، وأنا رجل من أهل صاغان ~~من طلبة العلم فقال ms0095 القاضي مبادرا: سلوه، على العادة في إكرام العلماء ~~بمبادرة سؤالهم. # ووقعت القرعة على مسألة الكافر إذا التجأ إلى الحرم، هل يقتل فيه أم لا؟ ~~فأفتى بأنه لا يقتل، فسئل عن الدليل، فقال: قوله تعالى {ولا تقاتلوهم عند ~~المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه} [البقرة: 191]. # قرئ: ولا تقتلوهم ولا تقاتلوهم، فإن قرئ ولا تقتلوهم فالمسألة نص، وإن ~~قرئ ولا تقاتلوهم فهو تنبيه؛ لأنه إذا نهى عن القتال الذي هو سبب القتل كان ~~دليلا بينا ظاهرا على النهي عن القتل. # فاعترض عليه القاضي الريحاني منتصرا للشافعي ومالك وإن لم ير مذهبهما على ~~العادة، فقال: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى {فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم} [التوبة: 5]. # فقال له الصاغاني: هذا لا يليق بمنصب القاضي وعلمه، فإن هذه الآية التي ~~اعترضت بها علي عامة في الأماكن، والآية التي احتججت بها خاصة، ولا يجوز ~~لأحد أن يقول إن العام ينسخ الخاص، فأبهت القاضي الريحاني، وهذا من بديع ~~الكلام. # وقد سأل بعض المتأخرين من أصحابنا أهل بلادنا، فقال لهم: إن العام عند ~~أبي حنيفة # PageV01P152 # ينسخ الخاص، وهذا البائس ليته سكت عما لا يعلم، وأمسك عما لا يفهم، وأقبل ~~على مسائل مجردة. # وقد روى الأئمة عن ابن عباس «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم ~~فتح مكة: إن هذا البلد حرمه الله تعالى يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام ~~بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي وإنما ~~أحلت لي ساعة من نهار». # فقد ثبت النهي عن القتال فيها قرآنا وسنة؛ فإن لجأ إليها كافر فلا سبيل ~~إليه، وأما الزاني والقاتل فلا بد من إقامة الحد عليه؛ إلا أن يبتدئ الكافر ~~بالقتال فيها فيقتل بنص القرآن. ### | [مسألة قوله تعالى فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين] # المسألة الثالثة: قوله تعالى {فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين} ~~[البقرة: 191]: هذا يبين أن الكافر إذا قاتل قتل بكل حال، بخلاف الباغي ~~المسلم فإنه إذا قاتل يقاتل بنية الدفع، ولا يتبع مدبر، ولا يجهز على جريح؛ ~~وهذا بين. ms0096 ### | [مسألة قوله تعالى فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم] # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم} [البقرة: ~~192]: يعني انتهوا بالإيمان فإن الله يغفر لهم جميع ما تقدم، ويرحم كلا ~~منهم بالعفو عما اجترم. # وهذا ما لم يؤسر، فإن أسر منعه الإسلام عن القتل وبقي عليه الرق، لما روى ~~مسلم وغيره عن عمران بن حصين، «أن ثقيفا كانت حلفاء لبني عقيل في الجاهلية، ~~فأصاب المسلمون رجلا من بني عقيل ومعه ناقة له، فأتوا به النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: يا محمد؛ بم أخذتني وأخذت سابقة الحاج؟ قال: أخذتك ~~بجريرة حلفائك ثقيف وقد كانوا أسروا رجلين من المسلمين، فكان النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يمر به وهو محبوس، فيقول: # PageV01P153 # يا محمد، إني مسلم. قال: لو كنت قلت ذلك وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح ~~ففداه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برجلين من المسلمين، وأمسك الناقة ~~لنفسه». ### | [الآية الثانية والأربعون قوله تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله] # فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين} [البقرة: 193]. # فيها أربع مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى {وقاتلوهم حتى لا تكون ~~فتنة} [البقرة: 193]: يعني كفر، بدليل قوله تعالى {والفتنة أشد من القتل} ~~[البقرة: 191] يعني الكفر، فإذا كفروا في المسجد الحرام، وعبدوا فيه ~~الأصنام، وعذبوا فيه أهل الإسلام ليردوهم عن دينهم، فكل ذلك فتنة؛ فإن ~~الفتنة في أصل اللغة الابتلاء والاختبار، وإنما سمي الكفر فتنة؛ لأن مآل ~~الابتلاء كان إليه، فلا تنكروا قتلهم وقتالهم؛ فما فعلوا من الكفر أشد مما ~~عابوه. ### | [مسألة قوله تعالى ويكون الدين لله] # المسألة الثانية: قوله تعالى {ويكون الدين لله} [البقرة: 193]: قال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ~~فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله فإن لم ~~يفعلوا قوتلوا وهم الظالمون لا عدوان إلا عليهم». # PageV01P154 # المسألة الثالثة: أن سبب القتل هو الكفر بهذه الآية؛ لأنه تعالى قال {حتى ~~لا تكون فتنة} [البقرة: 193]؛ فجعل الغاية ms0097 عدم الكفر نصا، وأبان فيها أن ~~سبب القتل المبيح للقتال الكفر. # وقد ضل أصحاب أبي حنيفة عن هذا، وزعموا أن سبب القتل المبيح للقتال هي ~~الخربة، وتعلقوا بقول الله تعالى {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} ~~[البقرة: 190] وهذه الآية تقضي عليها التي بعدها؛ لأنه أمر أولا بقتال من ~~قاتل، ثم بين أن سبب قتاله وقتله كفره الباعث له على القتال، وأمر بقتاله ~~مطلقا من غير تخصيص بابتداء قتال منه. # فإن قيل: لو كان المبيح للقتل هو الكفر لقتل كل كافر وأنت تترك منهم ~~النساء والرهبان ومن تقدم ذكره معهم. # فالجواب: أنا إنما تركناهم مع قيام المبيح بهم لأجل ما عارض الأمر من ~~منفعة أو مصلحة: أما المنفعة فالاسترقاق فيمن يسترق؛ فيكون مالا وخدما، وهي ~~الغنيمة التي أحلها الله تعالى لنا من بين الأمم. # وأما المصلحة فإن في استبقاء الرهبان باعثا على تخلي رجالهم عن القتال ~~فيضعف حربهم ويقل حزبهم فينتشر الاستيلاء عليهم. # PageV01P155 ### | [مسألة قوله تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة] # المسألة الرابعة: قوله تعالى {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} [البقرة: 193]: ~~إباحة لقتالهم وقتلهم إلى غاية هي الإيمان؛ فلذلك قال ابن الماجشون وابن ~~وهب: لا تقبل من مشركي العرب جزية. # وقال سائر علمائنا: تؤخذ الجزية من كل كافر؛ وهو الصحيح، وسمعت الشيخ ~~الإمام أبا علي الوفاء بن عقيل الحنبلي إمامهم ببغداد يقول في قوله تعالى ~~{قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ~~ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد ~~وهم صاغرون} [التوبة: 29]. # إن قوله تعالى {قاتلوا} [التوبة: 29] أمر بالقتل. # وقوله تعالى {الذين لا يؤمنون بالله} [التوبة: 29] سبب للقتال وقوله ~~تعالى {ولا باليوم الآخر} [التوبة: 29] إلزام للإيمان بالبعث الثابت ~~بالدليل. # وقوله تعالى: {ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله} [التوبة: 29] بيان أن فروع ~~الشريعة كأصولها وأحكامها كعقائدها. # وقوله تعالى {ولا يدينون دين الحق} [التوبة: 29] أمر بخلع الأديان كلها ~~إلا دين الإسلام. # وقوله تعالى: {من الذين أوتوا الكتاب} [التوبة: 29] تأكيد للحجة، ms0098 ثم بين ~~الغاية وبين إعطاء الجزية، وثبت «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ ~~الجزية من مجوس هجر». خرجه البخاري وغيره. # «وقال المغيرة بن شعبة في قتاله لفارس: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أمرنا أن نقاتلكم حتى # PageV01P156 # تعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا أو تؤدوا الجزية». «وقال النبي - ~~عليه السلام - لبريدة: ادعهم إلى ثلاث خصال، وذكر الجزية»، وذلك كله صحيح. # فإن قيل: فهل يكون هذا نسخا أو تخصيصا؟ فلنا: هو تخصيص؛ لأنه سبحانه أباح ~~قتالهم وأمر به حتى لا يكون كفر، ثم قال تعالى: [{حتى يعطوا الجزية عن يد} ~~[التوبة: 29]]؛ فخصص من الحالة العامة حالة أخرى خاصة، وزاد إلى الغاية ~~الأولى غاية أخرى، وهذا كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله». # وقال في حديث آخر: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ~~ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة». # ثم ذكر في حديث آخر الصوم والحج، ولم يكن ذلك نسخا، وإنما كان بيانا ~~وكمالا. # وكذلك: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد ~~إحصان، أو قتل نفس بغير حق»، ثم بين القتل في مواضع لعشرة أسباب سنبينها في ~~موضعها إن شاء الله تعالى. ### | [الآية الثالثة والأربعون قوله تعالى الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص] # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا ~~أن الله مع المتقين} [البقرة: 194]. # PageV01P157 # فيها أربع مسائل: المسألة الأولى: في سبب نزولها: قيل: إنها نزلت سنة سبع ~~حين قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - عمرته في ذي القعدة عن التي صده عنها ~~كفار قريش سنة ست في الحديبية في ذي القعدة، فدخل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - مكة، وقد أخلتها قريش، وقضى نسكه، ونزلت هذه الآية. # المعنى: شهر بشهر وحرمة بحرمة، وصار ذلك أصلا في كل مكلف قطع به عذر أو ~~عدو عن عبادة ثم قضاها أن الحرمة واحدة والمثوبة سواء. # وقيل: إن المشركين قالوا: أنهيت يا ms0099 محمد عن القتال في شهر الحرام؟ قال: ~~نعم، فأرادوا قتاله فيه، فنزلت الآية. # المعنى إن استحلوا ذلك فيه فقاتلهم عليه، فإن الحرمة بالحرمة قصاص. # قال علماؤنا: وهذا دليل على أن لك أن تبيح دم من أباح دمك، وتحل مال من ~~استحل مالك، ومن أخذ عرضك فخذ عرضه بمقدار ما قال فيك، ولذلك كله تفصيل: ~~أما من أباح دمك فمباح دمه لك، لكن بحكم الحاكم لا باستطالتك وأخذ لثأرك ~~بيدك، ولا خلاف فيه. # وأما من أخذ مالك فخذ ماله إذا تمكنت منه، إذا كان من جنس مالك: طعاما ~~بطعام، وذهبا بذهب، وقد أمنت من أن تعد سارقا. # وأما إن تمكنت من ماله بما ليس من جنس مالك فاختلف العلماء؛ فمنهم من ~~قال: # PageV01P158 # لا يؤخذ إلا بحكم حاكم، ومنهم من قال: يتحرى قيمته ويأخذ مقدار ذلك، وهو ~~الصحيح عندي. # وأما إن أخذ عرضك فخذ عرضه لا تتعداه إلى أبويه ولا إلى ابنه أو قريبه. # لكن ليس لك أن تكذب عليه، وإن كذب عليك، فإن المعصية لا تقابل بالمعصية؛ ~~فلو قال لك مثلا: يا كافر، جاز لك أن تقول له: أنت الكافر؛ وإن قال لك: يا ~~زان، فقصاصك أن تقول: يا كذاب، يا شاهد زور. # ولو قلت له: يا زان، كنت كاذبا فأثمت في الكذب، وأخذت فيما نسب إليك من ~~ذلك، فلم تربح شيئا، وربما خسرت. # وإن مطلك وهو غني دون عذر قل: يا ظالم، يا آكل أموال الناس. # قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح: «لي الواجد يحل عرضه ~~وعقوبته». أما عرضه فبما فسرناه، وأما عقوبته فبالسجن حتى يؤدي. # وعندي أن العقوبة هي أخذ المال كما أخذ ماله، وأما إن جحدك وديعة وقد ~~استودعك أخرى فاختلف العلماء فيه؛ فمنهم من قال: اصبر على ظلمه، وأد إليه ~~أمانته؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ~~ولا تخن من خانك». # PageV01P159 # ومنهم من قال: اجحده، كما جحدك؛ لكن هذا لم يصح سنده، ولو صح فله معنى ~~صحيح، وهو إذا أودعك ms0100 مائة وأودعته خمسين فجحد الخمسين فاجحده خمسين مثلها، ~~فإن جحدت المائة كنت قد خنت من خانك فيما لم يخنك فيه، وهو المنهي عنه، ~~وبهذا الأخير أقول، والله أعلم. # المسألة الثانية: قوله تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما ~~اعتدى عليكم} [البقرة: 194]: هذه الآية عموم متفق عليه وعمدة فيما تقدم ~~بيانه وفيما جانسه. # PageV01P160 ### | [مسألة قوله تعالى فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم] # المسألة الثالثة: # قوله تعالى: {فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} [البقرة: 194]: هذه ~~مسألة بكر. قال علماؤنا رحمة الله عليهم: إنما سمي الفعل الثاني اعتداء، ~~وهو مفعول بحق، حملا للثاني على الأول على عادة العرب. # قالوا: وعلى هذا جاء قوله تعالى: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى: 40]. ~~والذي أقول فيه: إن الثاني كالأول في المعنى واللفظ؛ لأن معنى الاعتداء في ~~اللغة مجاوزة الحد، وكلا المعنيين موجود في الأول والثاني؛ وإنما اختلف ~~المتعلق من الأمر والنهي؛ فالأول منهي عنه، والثاني مأمور به، وتعلق الأمر ~~والنهي لا يغير الحقائق ولا يقلب المعاني؛ بل إنه يكسب ما تعلق به الأمر ~~وصف الطاعة والحسن، ويكسب ما تعلق به النهي وصف المعصية والقبح؛ وكلا ~~الفعلين مجاوزة الحد، وكلا الفعلين يسوء الواقع به: وأحدهما حق والآخر ~~باطل. ### | [مسألة المماثلة في القصاص] # المسألة الرابعة: تعلق علماؤنا بهذه الآية في مسألة من مسائل الخلاف؛ وهي ~~المماثلة في القصاص، وهو متعلق صحيح وعموم صريح؛ وقد اختلف العلماء فيها ~~على ثلاثة أقوال: الأول: أنه لا قود إلا بحديدة؛ قاله أبو حنيفة وغيره، ~~واحتجوا بالحديث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا قود إلا بحديدة ~~ولا قود إلا بالسيف». # الثاني: أنه يقتص منه بكل ما قتل، إلا الخمر وآلة اللواط قاله الشافعي. # الثالث: قال علماؤنا: يقتل بكل ما قتل إلا في وجهين وصفتين: أما الوجه ~~الأول: فالمعصية كالخمر واللواط. # PageV01P161 # وأما الوجه الثاني: فالسم والنار لا يقتل بهما. # قال علماؤنا: لأنه من المثل؛ ولست أقوله؛ وإنما العلة فيه أنه من العذاب. # وقد بلغ ابن عباس أن عليا حرق ناسا ارتدوا عن ms0101 الإسلام؛ فقال ابن عباس: لم ~~أكن لأحرقهم بالنار؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تعذبوا ~~بعذاب الله»، ولقتلتهم لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من بدل دينه ~~فاقتلوه»، وهو الصحيح. # والسم نار باطنة نعوذ بالله من النارين، ونسأل الله تعالى الشهادة في ~~سبيله. # وأما الوصفان فروى ابن نافع عن مالك: إن كانت الضربة بالحجر مجهزة قتل ~~بها، وإن كانت ضربات فلا، وقال مالك أيضا: ذلك إلى الولي. # وروى ابن وهب يضرب بالعصا حتى يموت، ولا يطول عليه. وقاله ابن القاسم. # PageV01P162 # وقال أشهب: إن رجي أن يموت بالضرب ضرب، وإلا أقيد منه بالسيف. وقال عبد ~~الملك: لا يقتل بالنبل ولا بالرمي بالحجارة؛ لأنه من التعذيب. واتفق ~~علماؤنا على أنه إذا قطع يده ورجله وفقأ عينه قصد التعذيب فعل ذلك به، كما ~~فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتله الرعاء حسبما روي في الصحيح، وإن ~~كان في مدافعة ومضاربة قتل بالسيف. # والصحيح من أقوال علمائنا أن المماثلة واجبة، إلا أن تدخل في حد التعذيب ~~فلتترك إلى السيف، وإلى هذا يرجع جميع الأقوال. # وأما حديث أبي حنيفة، فهو عن الحسن عن أبي بكر عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ ولا يصح لوجهين بيناهما في شرح الحديث الصحيح، وكذلك حديث عبد الله ~~بن عمر - رضي الله عنه - في شبه العمد بالسوط والعصا لا يصح أيضا. # والذي يصح ما رواه مسلم، وغيره، «عن علقمة بن وائل عن أبيه قال: إني ~~لقاعد عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا رجل يقود آخر بنسعة. فقال: يا ~~رسول الله؛ هذا قتل أخي. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أقتلته؟ ~~فقال: إنه لو لم يعترف لأقمت عليه البينة. قال: نعم، قتلته. قال: كيف ~~قتلته؟ قال: كنت أنا وهو نحتطب من شجرة فسبني فأغضبني فضربته بالفأس على ~~قرنه فقتلته.» # وروى أبو داود: «ولم أرد قتله. فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: هل ~~لك من شيء تؤدي عن نفسك؟ فقال: ما لي مال إلا كسائي وفأسي. قال: ms0102 فترى قومك ~~يشترونك؟ قال: أنا أهون على قومي من هذا. قال: فرمى إليه بنسعته، وقال: ~~دونك صاحبك، فانطلق به الرجل؛ فلما ولى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: إن قتله فهو مثله فرجع، فقال: يا رسول الله، بلغني أنك قلت كذا وأخذته ~~بأمرك قال: أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك؟ قال: لعله. قال: بلى. قال: ~~فإن ذاك كذلك. قال: فرمى بنسعته وخلى سبيله». # PageV01P163 # والحديث مشكل وقد بيناه في شرح الحديث الصحيح، والذي يتعلق به من مسألتنا ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوجب عليه القتل، وقد قتل بالفأس. # وروى الأئمة «أن يهوديا رضخ رأس جارية على أوضاح لها، فأمر به النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فاعترف فرض رأسه بين حجرين» اعتمادا للمماثلة وحكما ~~بها. ### | [الآية الرابعة والأربعون قوله تعالى وأنفقوا في سبيل] # الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} ~~[البقرة: 195]. # فيها أربع مسائل: المسألة الأولى: في سبب نزولها: روى الترمذي وصححه عن ~~يزيد بن أبي حبيب عن أسلم أبي عمران التجيبي قال: كنا بمدينة الروم، ~~فأخرجوا إلينا صفا عظيما من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، ~~وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عبيد، فحمل رجلا من ~~المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله، يلقي ~~بيده إلى التهلكة، فقام أبو أيوب فقال: يأيها الناس، إنكم لتتأولون هذه ~~الآية هذا التأويل، وإنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله ~~الإسلام وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سرا دون رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه فلو ~~أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله تعالى على نبيه يرد ~~علينا ما قلنا: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} ~~[البقرة: 195] # PageV01P164 # وكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها، وتركنا الغزو؛ فما زال أبو ~~أيوب شاخصا في سبيل الله حتى دفن بأرض الروم. ### | [مسألة تفسير ms0103 النفقة في سبيل الله] # المسألة الثانية: في تفسير النفقة: فيها ثلاثة أقوال: الأول: أنه ندبهم ~~إلى النفقة في سبيل الله. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أنفق ~~زوجين في سبيل الله نودي من أبواب الجنة الثمانية أي هلم». # الثاني: أنها واجبة لقوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} ~~[البقرة: 195]. # الثالث: أن معناه لا تخرجوا بغير زاد توكلا واتكالا. # وحقيقة التوكل قد بيناها في موضعها، والاتكال على أموال الناس لا يجوز. # والقول الأول صحيح؛ لأنه دائم، والثاني: قد يتصور إذا وجب الجهاد، ~~والثالث صحيح لأن إعداد الزاد فرض. ### | [مسألة تفسير التهلكة في قوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم] # المسألة الثالثة: في تفسير التهلكة: فيه ستة أقوال: الأول: لا تتركوا ~~النفقة. # الثاني: لا تخرجوا بغير زاد، يشهد له قوله تعالى: {وتزودوا فإن خير الزاد ~~التقوى} [البقرة: 197]. # PageV01P165 # الثالث: لا تتركوا الجهاد. # الرابع: لا تدخلوا على العساكر التي لا طاقة لكم بها. # الخامس: لا تيأسوا من المغفرة؛ قاله البراء بن عازب. قال الطبري: هو عام ~~في جميعها لا تناقض فيه، وقد أصاب إلا في اقتحام العساكر؛ فإن العلماء ~~اختلفوا في ذلك. # فقال القاسم بن مخيمرة، والقاسم بن محمد، وعبد الملك من علمائنا: لا بأس ~~أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم إذا كان فيه قوة وكان لله بنية خالصة؛ ~~فإن لم تكن فيه قوة فذلك من التهلكة. # وقيل: إذا طلب الشهادة وخلصت النية فليحمل؛ لأن مقصده واحد منهم، وذلك ~~بين في قوله تعالى: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} [البقرة: ~~207]. # والصحيح عندي جوازه؛ لأن فيه أربعة أوجه: الأول: طلب الشهادة. # الثاني: وجود النكاية. # الثالث: تجرية المسلمين عليهم. # الرابع: ضعف نفوسهم ليروا أن هذا صنع واحد، فما ظنك بالجميع، والفرض لقاء ~~واحد اثنين، وغير ذلك جائز؛ وسيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة قوله تعالى وأحسنوا] # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {وأحسنوا} [البقرة: 195]. # فيه ثلاثة أقوال: # PageV01P166 # الأول: أحسنوا الظن بالله؛ قاله عكرمة. # الثاني: في أداء الفرائض، قاله الضحاك. # الثالث: أحسنوا إلى من ms0104 ليس عنده شيء. # قال القاضي: الإحسان مأخوذ من الحسن، وهو كل ما مدح فاعله. وليس الحسن ~~صفة للشيء؛ وإنما الحسن خبر من الله تعالى عنه بمدح فاعله. وقد بين جبريل - ~~عليه السلام - أصله للنبي - صلى الله عليه وسلم - حين قال له: «ما الإحسان؟ ~~قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». ### | [الآية الخامسة والأربعون قوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله] # فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله ~~فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا ~~أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ~~ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله ~~حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب} [البقرة: ~~196]. # فيها اثنتان وثلاثون مسألة: المسألة الأولى: قوله تعالى {وأتموا} ~~[البقرة: 196]: فيه سبعة أقوال: الأول: أحرموا بهما من دياركم؛ قاله عمر، ~~وعلي، وسفيان. # الثاني: أتموهما إلى البيت [قاله ابن مسعود]. # PageV01P167 # الثالث: بحدودهما وسننهما؛ قاله مجاهد. # الرابع: ألا يجمع بينهما؛ قاله ابن جبير. # الخامس: ألا يحرم بالعمرة في أشهر الحج؛ قاله قتادة. # السادس: إتمامهما إذا دخل فيهما؛ قاله مسروق. # السابع: ألا يتجر معهما. # قال القاضي - رضي الله عنه -: حقيقة الإتمام للشيء استيفاؤه بجميع أجزائه ~~وشروطه، وحفظه من مفسداته ومنقصاته، وكل الأقوال محتمل في معنى الآية؛ إلا ~~أن بعضها مختلف فيه. # أما قوله: أحرم بها من دويرة أهلك، فإنها مشقة رفعها الشرع وهدمتها السنة ~~بما وقت النبي - صلى الله عليه وسلم - من المواقيت. # وأما قول ابن مسعود إلى البيت، فذلك واجب، وفيه تفصيل، وله شروط بيانها ~~في موضعها. وأما قول مجاهد فصحيح. # وأما ألا يجمع بينهما فالسنة الجمع بينهما، كذلك فعل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وقد بيناه في مسائل الخلاف. وأما ألا يحرم بالعمرة في أشهر ~~الحج فهو التمتع. # وأما إتمامهما إذا دخل فيهما فلا خلاف بين الأمة ms0105 فيهما حتى بالغوا ~~فقالوا: يلزمه إتمامهما، وإن أفسدهما. وأما ألا يتجر فيهما فهو مذهب ~~الفقراء ألا تمتزج الدنيا بالآخرة، وهو أخلص في النية وأعظم للأجر، وليس ~~ذلك بحرام؛ والكل يبين في موضعه بحول الله وعونه. # PageV01P168 ### | [مسألة معنى الحج] # المسألة الثانية: الحج: وهو في اللغة عبارة عن القصد، وخصه الشرع بوقت ~~مخصوص وبموضع مخصوص على وجه معين على الوجه المشروع، وقد كان الحج معلوما ~~عند العرب، لكنها غيرته، فبين النبي - صلى الله عليه وسلم - حقيقته، وأعاد ~~على ملة إبراهيم - عليه السلام - صفته، وحث على تعلمه، فقال: «خذوا عني ~~مناسككم». ### | [مسألة العمرة] # المسألة الثالثة: العمرة: وهي في اللغة عبارة عن الزيارة، وهي في الشريعة ~~عبارة عن زيارة البيت، خصصته الشريعة ببعض موارده، وقصرته على معنى من ~~مطلقه، على عادتها في ألفاظها على سيرة العرب في لغاتها، وقد بينها النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بيان الحج. # المسألة الرابعة: وجوب العمرة: اختلف العلماء في وجوب العمرة، فقال ~~الشافعي: هي واجبة، ويؤثر ذلك عن ابن عباس. # وقال جابر بن عبد الله: هي تطوع، وإليه مال مالك وأبو حنيفة. # وليس في هذه الآية حجة للوجوب؛ لأن الله سبحانه إنما قرنها بالحج في وجوب ~~الإتمام لا في الابتداء، فإنه ابتدأ إيجاب الصلاة والزكاة، فقال تعالى: ~~{وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [البقرة: 43]. # وابتدأ بإيجاب الحج فقال تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا} [آل عمران: 97]. # ولما ذكر العمرة أمر بإتمامها لا بابتدائها، فلو حج عشر حجج أو اعتمر عشر ~~عمر لزمه الإتمام في جميعها، وإنما جاءت الآية لإلزام الإتمام لا لإلزام ~~الابتداء، وقد مهدنا القول فيها في مسائل الخلاف. # PageV01P169 ### | [مسألة قوله تعالى لله] # المسألة الخامسة: قوله تعالى: لله: الأعمال كلها لله، خلق وتقدير، وعلم ~~وإرادة، ومصدر ومورد، وتصريف وتكليف؛ وفائدة هذا التخصيص أن العرب كانت ~~تقصد الحج للاجتماع والتظاهر، والتناضل والتنافر، والتفاخر وقضاء الحوائج، ~~وحضور الأسواق؛ وليس لله فيه حظ يقصد، ولا قربة تعتقد؛ فأمر الله سبحانه ~~بالقصد إليه لأداء فرضه وقضاء حقه، ثم سامح في ms0106 التجارة على ما يأتي بيانه ~~إن شاء الله. ### | [مسألة قراءة قوله تعالى الحج والعمرة] # المسألة السادسة: # قوله: {الحج والعمرة} [البقرة: 196]: روي عن ابن عباس أنه قرأ " والعمرة ~~" بالرفع للهاء، وحكى قوم أنه إنما فر من فرض العمرة؛ وهذا لا يصح من ~~وجهين: أحدهما: أن القراءة ينبني عليها المذهب، ولا يقرأ بحكم المذهب. # الثاني: أنا قد بينا أن النصب لا يقتضي ابتداء الفرض، فلا معنى لقراءة ~~الرفع إلا على رأي من يقول: يقرأ بكل لغة، وقد بينا ذلك في موضعه من القسم ~~الأول من علوم القرآن. ### | [مسألة قوله تعالى فإن أحصرتم] # المسألة السابعة: قوله تعالى: {فإن أحصرتم} [البقرة: 196]: هذه آية مشكلة ~~عضلة من العضل، فيها قولان: أحدهما: منعتم بأي عذر كان؛ قاله مجاهد، ~~وقتادة، وأبو حنيفة. # الثاني: [منعتم] بالعدو خاصة؛ قاله ابن عمر، وابن عباس، وأنس، والشافعي؛ ~~وهو اختيار علمائنا، ورأي أكثر أهل اللغة ومحصليها على أن أحصر عرض للمرض، ~~وحصر نزل به الحصر. # PageV01P170 # وقد اتفق علماء الإسلام على أن الآية نزلت سنة ست في عمرة الحديبية حين ~~صد المشركون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن مكة، وما كانوا حبسوه ~~ولكن حبسوا البيت ومنعوه، وقد ذكر الله تعالى القصة في سورة الفتح فقال: ~~{والهدي معكوفا أن يبلغ محله} [الفتح: 25]. # وقد تأتي أفعال يكون فيها فعل وأفعل بمعنى واحد، والمراد بالآية رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، ومعناها: فإن منعتم. ويقال: منع ~~الرجل عن كذا؟ فإن المنع مضاف إليه أو إلى الممنوع عنه. # وحقيقة المنع عندنا العجز الذي يتعذر معه الفعل، وقد بيناه في كتب ~~الأصول، والذي يصح أن الآية نزلت في الممنوع بعذر، وأن لفظها في كل ممنوع، ~~ومعناها يأتي إن شاء الله. ### | [مسألة تحقيق جواب الشرط من قوله تعالى فإن أحصرتم] # المسألة الثامنة: في تحقيق جواب الشرط من قوله تعالى: {فإن أحصرتم} ~~[البقرة: 196] وظاهره قوله: {فما استيسر من الهدي} [البقرة: 196] وبهذا قال ~~أشهب في كتاب محمد عن مالك، وروى ابن القاسم أنه لا هدي عليه؛ لأنه لم يكن ms0107 ~~منه تفريط؛ وإنما الهدي على ذي التفريط؛ وهذا ضعيف من وجهين: أحدهما: أن ~~الله تعالى قال: {فما استيسر من الهدي} [البقرة: 196]؛ فهو ترك لظاهر ~~القرآن، وتعلق بالمعنى. # الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهدى عن نفسه وعن أصحابه البدنة ~~عن سبعة، والبقرة عن سبعة. # ولهم أن يقولوا: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - حمل الهدي تطوعا، وكذلك ~~كان؛ فأما ظاهر القرآن فلا كلام فيه. # وأما المعنى فلا يمتنع أن يجعل الباري تعالى الهدي واجبا مع التفريط ومع ~~عدمه عبادة منه لسبب ولغير سبب في الوجهين جميعا. # ومن علمائنا من قال، وهو ابن القاسم: إن الذي عليه الهدي من أحصر بمرض ~~فإنه يتحلل بالعمرة ويهدي. # PageV01P171 # وقال أبو حنيفة: يتحلل بالمرض في موضعه. # وهذا ضعيف من الوجهين: أحدهما: لا معنى للآية إلا حصر العدو، أو الحصر ~~مطلقا، فكيف يرجع الجواب إلى مقتضى الشرط، أما أنه إن رجع إلى بعضه كان ~~جائزا لدليل، كما تقدم من أقوال علمائنا. ### | [مسألة قوله تعالى ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله] # المسألة التاسعة: قوله تعالى: {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} ~~[البقرة: 196]: قال ابن عمر - رضي الله عنهما -: «خرجنا معتمرين مع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فحال كفار قريش بيننا وبين البيت، فنحر رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بدنة وحلق رأسه». # المسألة العاشرة: إن قدم الحلق على النحر لم يكن مسيئا؛ لما روى الأئمة ~~«أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأله رجل فقال: حلقت قبل أن أنحر. قال: ~~انحر ولا حرج». ### | [مسألة الحلق والتقصير في الحج] # المسألة الحادية عشرة: الحلاق نسك مقصود. # وقال الشافعي: هو إلقاء تفث، وما قلناه أصح؛ لأن الله تعالى ذكره ورتبه ~~على نسك. وأيضا فإنه في الصحيح ممدوح. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «يرحم الله المحلقين. قيل: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: يرحم الله ~~المحلقين. قيل: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: يرحم الله المحلقين. قيل: ~~والمقصرين يا رسول الله؟ قال: والمقصرين». # PageV01P172 ### | [مسألة معنى قوله تعالى فإن ms0108 أحصرتم] # المسألة الثانية عشرة: في تأكيد معنى قوله تعالى: {فإن أحصرتم} [البقرة: ~~196] وتتميمه: وقد بينا أن معنى قوله تعالى: {أحصرتم} [البقرة: 196] منعتم؛ ~~فإن كان المنع بعدو ففيه نزلت الآية كما تقدم، وهو يحل في موضعه، ويحلق ~~رأسه، وينحر هديا إن كان معه، أو يستأنف هديا كما تقدم. # وإن كان المنع بمرض لم يحله عند علمائنا إلا البيت، فخلافا لأبي حنيفة، ~~حيث أجرى الآية على عمومها أخذا بمطلق المنع. # وزاد أصحابه ومن قال بقوله عن أهل اللغة أنه يقال: حصره العدو وأحصره ~~المرض؛ قاله أبو عبيدة، والكسائي. # قلنا: قال غيرهما عكسه، وقد بيناها في ملجئة المتفقهين. # وحقيقته هاهنا منع العدو؛ فإنه منعهم، ولم يحبسهم، والمنع كان مضافا إلى ~~البيت، فلذلك حل في موضعه، وهذا المريض المنع مضاف إليه، فكان عليه أن يصبر ~~حتى يصير إلى موضع الحل. # وللقوم أحاديث ضعيفة، وآثار عن السلف أكثرها معنعن؛ وقد بينا ذلك في ~~مسائل الخلاف. ### | [مسألة الإحصار في الحج والعمرة] # المسألة الثالثة عشرة: لا خلاف بين علماء الأمصار أن الإحصار عام في الحج ~~والعمرة، وقال ابن سيرين: لا إحصار في العمرة؛ لأنها غير مؤقتة. # PageV01P173 # قلنا: وإن كانت غير مؤقتة، لكن في الصبر إلى زوال العدو ضرر؛ وفي ذلك ~~نزلت الآية، وبه جاءت السنة فلا معدل عنها. ### | [مسألة إذا منع المحرم الإحصار في الحج] # المسألة الرابعة عشرة: إذا منعه العدو يحل في موضعه، ولا قضاء عليه؛ وبه ~~قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة: عليه القضاء؛ لأن الله سبحانه أوجب عليه ما استيسر من ~~الهدي خاصة، ولم يذكر قضاء. # ومتعلقهم أمران: أحدهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى عمرة ~~الحديبية في العام الآخر. قلنا: إنما قضاها؛ لأن الصلح وقع على ذلك إرغاما ~~للمشركين، وإتماما للرؤيا، وتحقيقا للموعد، وهي في الحقيقة ابتداء عمرة ~~أخرى؛ وسميت عمرة القضية، من المقاضاة لا من القضاء. # الثاني: المعنى قالوا: تحلل من نسكه قبل تمامه؛ فلم يكن بد من قضائه ~~كالفائت والمفسد. قلنا: الفاسد هو فيه ملوم، والفائت هو فيه منسوب إلى ~~التقصير؛ ms0109 وهذا مغلوب، ولا فائدة في اتباع المعنى مع ما قلناه من ظاهر ~~الآية. ### | [مسألة لا يخلو أن يكون الحاصر كافرا أو مسلما] # المسألة الخامسة عشرة: لا يخلو أن يكون الحاصر كافرا أو مسلما؛ فإن كان ~~كافرا لم يجز قتاله، ولو وثق بالظهور؛ ويتحلل في موضعه، ولو سأل الكافر ~~جعلا لم يجز؛ لأن ذلك وهن في الإسلام، وإن كان الحاصر مسلما لم يجز قتاله ~~بحال، ووجب التحلل، فإن طلب شيئا ويتخلى عن الطريق جاز دفعه، ولم يحل ~~القتال؛ لما فيه من إتلاف المهج، وذلك لا يلزم في أداء العبادات، فإن الدين ~~أسمح. # وأما بذل الجعل فلما فيه من دفع أعظم الضررين بأهونهما؛ ولأن الحج مما ~~ينفق فيه المال، فيعد هذا من النفقة. # PageV01P174 ### | [مسألة إذا حل المحصر] # المسألة السادسة عشرة: إذا حل المحصر نحر هديه حيث حل؛ كما فعل النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بالحديبية؛ لأن الهدي تابع للمهدي، والمهدي حل ~~بموضعه، فالهدي أيضا يحل معه. # فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة: 196] ومحله ~~البيت العتيق. # وقال الله تعالى في قصة الحديبية: {والهدي معكوفا أن يبلغ محله} [الفتح: ~~25]. قلنا: كذلك كان صاحب الهدي، وهو المهدي معكوفا أن يبلغ منسكه، ولكن حل ~~في موضعه، كذلك هديه يجب أن يحل معه. # فإن قيل: فقد روي «أن ناجية بن جندب صاحب بدن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - ابعث معي الهدي أنحره في الحرم. قال: ~~فكيف تصنع به؟ قال: أخرجه في أودية لا يقدرون عليه؛ فانطلق به حتى نحره في ~~الحرم». قلنا هذا حديث لم يصح. ### | [مسألة عقد الإحرام فصده العدو] # المسألة السابعة عشرة: إذا عقد الإحرام فصده العدو، فلا يخلو أن يعلم ~~أنهم يمنعونه أو لا يعلم، فإن تحقق أنه لا يصل إلى البيت فإحرامه ملزم له ~~ألا يحل إلا بالبيت أبدا، وإن لم يعلم حل بمنعهم له، فإن شك لم يحل إلا أن ~~يشترط ذلك. # وقد أحرم ابن عمر بالحج، ثم قيل له: إنه ms0110 كائن هذا العام بين الناس قتال، ~~فقال: إن صددنا عن البيت صنعنا كما صنعنا مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فأحرم النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو لا يعلم، فحل حين منع، ~~وأحرم ابن عمر على الشك، ولكنه لم يمنع. # PageV01P175 # المسألة الثامنة عشرة: إن منع من الطريق خاصة فليأخذ في أخرى إن كانت ~~آمنة، وكان المنع متطاولا، وإن كان قريبا صبر حتى ينجلي، وإن كان حاجا فلا ~~يحل حتى يعلم أن الحج قد فات. # وقال أشهب: يحل يوم النحر، وهذا فيمن كان في المناسك، وأما اليائس فيحل ~~إذا تحقق يأسه. ### | [مسألة صد عن عرفة أو البيت في الحج أو أحدهما ومكن من الآخر] # المسألة التاسعة عشرة: إذا صد عن عرفة في الحج لزمه أن يصل إلى البيت ~~ويتحلل بعمرة، ولو صد عن البيت ومكن من عرفة فإنه يجزئه، وعليه عمرة وهدي ~~في مشهور القولين. # وقيل: الحج باطل، وهذا إذا كانت حجة الإسلام أو كان الحج مضمونا، فأما إن ~~كان التطوع فلا شيء عليه في الحالين، وقد تقدم. ### | [مسألة أحصر عن الحج ومعه هدي] # المسألة الموفية عشرين: إذا كان الإحصار عن الحج ومعه هدي نحره في موضعه ~~حينئذ كما تقدم، وقال أبو يوسف، ومحمد، وسفيان: لا ينحر إلا يوم النحر ~~مراعاة لظاهر قوله تعالى: {حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة: 196] بكسر الحاء، ~~وهو وقت الحل. # ونحن نقول: إن وقته وقت حل المهدي، وقد حل باليأس عن البلوغ. # ألا ترى أنه تعالى قال: {ثم محلها إلى البيت العتيق} [الحج: 33] وأنتم ~~تقولون يوم النحر، وإذا سقط المنصوص عليه فسقوط الاستقراء أولى. ### | [مسألة قوله تعالى فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية] # المسألة الحادية والعشرون: قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من ~~رأسه ففدية} [البقرة: 196]: هذه الآية نزلت في كعب بن عجرة قال: «مر بي ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - زمن الحديبية وأنا أوقد تحت قدر لي والقمل ~~يتناثر من رأسي فقال: أيؤذيك هوامك؟ قلت: نعم. # PageV01P176 # فأمره النبي ms0111 - صلى الله عليه وسلم - أن يحلق ولم يأمر غيره»، وهم على طمع ~~من دخول مكة، فأنزل الله سبحانه وتعالى الآية. # فكل من كان مريضا واحتاج إلى فعل محظور من محظورات الإحرام فعله وافتدى، ~~كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لكعب بن عجرة؛ وهو حديث صحيح متفق ~~عليه من أوله إلى آخره: «أطعم فرقا بين ستة مساكين، أو اهد شاة، أو صم ~~ثلاثة أيام»، وفي الحديث خلاف وكلام بيناه في شرح الصحيح. # المسألة الثانية والعشرون قال الحسن وعكرمة: هو صوم عشرة أيام. قالوا: ~~لأن الله تعالى ذكر الصيام هاهنا مطلقا، وقيده في التمتع بعشرة أيام، فيحمل ~~المطلق على المقيد. قلنا: هذا فاسد من وجهين: # أحدهما: أن المطلق لا يحمل على المقيد إلا بدليل في نازلة واحدة حسبما ~~بيناه في أصول الفقه؛ وهاتان نازلتان. # الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد بين في الحديث الصحيح قدر ~~الصيام، وذلك ثلاثة أيام. ### | [مسألة جعل الهدي نسكا] # المسألة الثالثة والعشرون: قال علماؤنا: يجزئ [الطعام] في كل موضع. # وقيل: لا يختص منها بمكة إلا الهدي، وبه قال أبو حنيفة. # وقال الشافعي: الطعام كالهدي؛ لأن منفعة الهدي لمساكين مكة؛ فالطعام الذي ~~هو عوضه كذلك. # وإذا قلنا: إنه على الفور فيختص بمكة، وإن قلنا: إنه على التراخي فيأتي ~~بهما حيث شاء؛ وهو الصحيح. # وأما الهدي فإنما جاء القرآن فيه بلفظ النسك، وهذا يقتضي أن يذبح حيث ~~شاء؛ فإن لفظ النسك عام في كل موضع. # PageV01P177 # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأثر: «من ولد له فأحب أن ~~ينسك عنه فليفعل». # وفي الصحيح «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لكعب بن عجرة: أو انسك ~~بشاة»، فحمل هذا اللفظ هاهنا وهو الهدي على أنه إن شاء أن يجعل هذا النسك ~~هديا جعله؛ وذلك لأن الهدي لا يجوز أن يجعل نسكا، والنسك يجوز أن يجعل ~~هديا. ### | [مسألة قوله تعالى فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج] # المسألة الرابعة والعشرون: قوله تعالى: {فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة ms0112 إلى ~~الحج} [البقرة: 196]: قال كثير من علمائنا: هذا يدل على أن قوله تعالى في ~~أول الآية: {فإن أحصرتم} [البقرة: 196] إنه إحصار العدو؛ لأن الأمن يكون من ~~خوف العدو، والبرء يكون من المرض، وإليه مال من احتج عن ابن القاسم بأن لا ~~هدي عليه كما تقدم. # ولا نقول هكذا، بل زوال كل ألم من مرض، وهو أمن، وجاء بلفظ الأمن، وهو ~~عام، كما جاء بلفظ " أحصر " وهو عام في العدو والمرض؛ ليكون آخر الكلام على ~~نظام أوله. ### | [مسألة قوله تعالى فمن تمتع بالعمرة إلى الحج] # المسألة الخامسة والعشرون: قوله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج} ~~[البقرة: 196]: المعنى أكملوا ما بدأتم به من عبادة، من حج أو عمرة، إلا أن ~~يمنعكم مانع؛ فإن كان مانع حللتم حيث حبستم وتركتم ما منعتم منه، ويجزيكم ~~ما استيسر من الهدي بعد حلق رءوسكم؛ فإذا أمنتم أي زال المانع، وقد كنتم ~~حللتم عن عمرة فحججتم، فعليكم ما استيسر من الهدي. # والتمتع يكون بشروط ثمانية: الأول: أن يجمع بين العمرة والحج. # الثاني: في سفر واحد. # الثالث: في عام واحد. # الرابع: في أشهر الحج. # PageV01P178 # الخامس: تقديم العمرة. # السادس: ألا يجمعهما؛ بل يكون إحرام الحج بعد الفراغ من العمرة. # السابع: أن تكون العمرة والحج عن شخص واحد. # الثامن: أن يكون من غير أهل مكة. # ومن هذه الشروط ما هو بظاهر القرآن، ومنها مستنبط؛ وذلك أن قوله تعالى: ~~{فمن تمتع} [البقرة: 196] يعني: من انتفع بضم العمرة إلى الحج؛ وذلك أن ~~عليه أن يأتي مكة للحج والعمرة مرتين بقصدين متغايرين، فإذا انتفع ~~باتحادهما، وذلك في سفر واحد؛ وهذه الشروط كلها انتفاع إلا قوله تعالى: ~~{ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} [البقرة: 196] فإنه نص. ### | [مسألة خلاف الناس فيما استيسر من الهدي] # المسألة السادسة والعشرون: اختلف الناس فيما استيسر من الهدي فقال قوم: ~~هو بدنة، منهم عائشة، وابن عمر، ومجاهد، وعروة. ومنهم من قال: هو شاة، وهو ~~قول أكثر الفقهاء، ومالك، والشافعي. ومنهم من قال: هو شاة أو بدنة أو شرك ms0113 ~~في دم، وبه قال ابن عباس، والشافعي. # فأما من قال: إنه بدنة فاحتج بأن الهدي اسم في اللغة للإبل، تقول العرب: ~~كم هدي فلان، أي إبله. # ويقال في وصف السنة: هلك الهدي وجف الوادي. فيقال له: إن كنت تجعل أيسر ~~الهدي بدنة وأكثره ما زاد من العدد عليه من غير حد فيلزمك ألا يجوز هدي ~~بشاة. # وقد أهدى النبي - صلى الله عليه وسلم - الغنم، وأهدى أصحابه، ولو كان ~~أيسره بدنة ما جازت شاة. # وما ذكروه عن العرب فإنما سمت الإبل هديا؛ لأن الهدي يكون منها في الأغلب ~~أو لأنها أعلاه. # وأما من قال: إن أيسر الهدي شرك في دم، فاحتج «بأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - نحر عام # PageV01P179 # الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة». رواه جابر. # وروى مسلم عن جابر قال: «خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - مهلين ~~بالحج، فأمرنا أن نشترك في الإبل والبقرة، كل سبعة منا في بدنة»، وهذا لا ~~غبار عليه ولا مطمع فيه. ### | [مسألة قوله تعالى فمن تمتع بالعمرة] # المسألة السابعة والعشرون: قوله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة} [البقرة: ~~196]: يعني انتفع، وقد رويت متعتان: إحداهما: ما كان من فسخ الحج في ~~العمرة. # والثانية: ما كان من الجمع بين الحج والعمرة في إحرام أو سفر واحد. # فأما فسخ الحج إلى العمرة فروى الأئمة عن ابن عباس قال: كانوا يرون ~~العمرة في أشهر الحرم من أفجر الفجور، ويقولون: إذا برأ الدبر، وعفا الأثر، ~~وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر. # «فلما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - صبح رابعة مهلين بالحج أمرهم أن ~~يجعلوها عمرة؛ فتعاظم ذلك عندهم، وقالوا: يا رسول الله، أي الحل؟ قال: الحل ~~كله». # وهذه المتعة قد انعقد الإجماع على تركها بعد خلاف يسير كان في الصدر ~~الأول ثم زال. # وأما متعة القران فقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان عليها في ~~حجه وكثير من أصحابه. # وقال أبو حنيفة: هي السنة، وقال مالك والشافعي: لم يكن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إلا مفردا، ms0114 وهو الأفضل؛ لأنه لا دم فيه ولا انتفاع بإسقاط عمل ~~ولا سفر. # وتعلق أصحاب أبي حنيفة بأدلة منها: أن عليا شاهد عثمان - رضي الله عنهما ~~- ينهى عن المتعة، وأن يجمع بينهما، فلما رأى ذلك علي أهل بهما، وقال: ما ~~كنت أدع سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - لقول أحد. # PageV01P180 # وقال له علي: ما تريد أن تنهى عن أمر فعله رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. رواه الأئمة كلهم. # وتعلق مالك والشافعي بحديث جابر وعائشة - رضي الله عنهما - «أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أفرد الحج». ومعنى ما روي عن علي أن النبي - عليه ~~السلام - فعله، أي أمر بفعله، وقد حققنا المسألة في كتب شرح الحديث. # وأما المسألة الثالثة، وهي الجمع بين الحج والعمرة في سفر واحد فقال ~~أحمد: إنها الأفضل؛ لقوله - عليه السلام -: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ~~ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة». رواه الأئمة. # وقال علماؤنا: إنما أشفق النبي - صلى الله عليه وسلم - على ترك الأرفق لا ~~على ترك الأولى، والأرفق؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لما أمرهم أن ~~يجعلوها عمرة شق عليهم خلافهم له في الفعل، فقال: «إني لبدت رأسي، وقلدت ~~هديي، فلا أحل حتى أنحر الهدي»؛ معتذرا إليهم مبينا عندهم. # PageV01P181 # وقال، لما رأى من شفقتهم ولما رجاه من امتثالهم واقتدائهم، وسل سخيمة ~~الجاهلية عن أهوائهم: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ~~ولجعلتها عمرة كما أمرتكم به». # والذي يقتضيه لفظ الآية من هذه الأقسام إضافة العمرة إلى الحج بقوله ~~تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج} [البقرة: 196] ولا يصلح هذا اللفظ لفسخ ~~الحج إلى العمرة، وإذا امتنع هذا في الآية لم يبق إلا الجمع بين الحج ~~والعمرة، فالآية بعد محتملة للقران، والجمع بينهما إما في لفظ واحد أو في ~~سفر واحد؛ لأنهم كانوا معتمرين فصدهم العدو فحلوا؛ وذلك في أشهر الحج التي ~~من اعتمر فيها، ثم حج من عامه في سفره ذلك على ما بيناه من الشروط؛ فيكون ~~متمتعا؛ فبين الله تعالى ذلك له. # وكأن ms0115 المعنى أنتم قد اعتمرتم في أشهر الحج، فلو حججتم في هذا العام لكنتم ~~متمتعين، وإن كنتم قد صددتم؛ لأن عمرتكم مع حلكم قبل البلوغ إلى البيت عمرة ~~صحيحة كاملة تكون إضافة الحج إليها متعة. ### | [مسألة لا يلزم المكي دم متعة] # المسألة الثامنة والعشرون: قال علماؤنا: لا يلزم المكي دم متعة؛ لأنه لم ~~يترفه بإسقاط أحد السفرين، فإن ذلك بلده. # وقال أبو حنيفة: لا يتمتع ولا يقرن من كان من حاضري المسجد الحرام، فإن ~~تمتع أو قرن فهو مخطئ وعليه دم لا يأكل منه. # واحتج أصحابه بقوله تعالى: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} ~~[البقرة: 196]: المعنى: أن جمع الحج والعمرة ليس لأهل المسجد الحرام، ولو ~~كان المراد به الدم لقال تعالى: ذلك على من لم يكن أهله حاضري المسجد ~~الحرام، وهذا ليس بصحيح لما قدمناه. # [ومعنى الآية: أن ذلك الحكم مشروع لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام]. # PageV01P182 ### | [مسألة المتمتع إذا رمى جمرة العقبة] # المسألة التاسعة والعشرون: قال علماؤنا: يجب على المتمتع الهدي إذا رمى ~~جمرة العقبة؛ لأن الحج حينئذ يتم ويصح منه وصف التمتع، وما لم يتم الحج لا ~~يكون متمتعا؛ لأنه لا يعلم هل يخلص به أو يقطع دونه قاطع. # وقال أبو حنيفة والشافعي: يجب عليه الهدي إذا أحرم بالحج؛ لأن الهدي وجب ~~عليه بضم الحج إلى العمرة، وإذا أحرم بالحج فأول الحج كآخره، وهذه دعوى لا ~~برهان عليها، وقد قدمنا فسادها، ولو ذبحه قبل النحر لم يجزه، وبه قال أبو ~~حنيفة. # وقال الشافعي: يجزيه بناء على ما تقدم، وقد قال تعالى: {ولا تحلقوا ~~رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة: 196] ولا يجوز الحلق قبل يوم النحر. # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ~~ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة». # ولو كان ذبح الهدي جائزا قبل يوم النحر لذبحه وجعلها حينئذ عمرة. وقال: ~~«إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر». ### | [مسألة قوله تعالى فصيام ثلاثة أيام في الحج] # المسألة الموفية ثلاثين: ms0116 إذا لم يجد الهدي فصيام ثلاثة أيام في الحج. # قال علماؤنا: وذلك بأن يصوم من إحرامه بالحج إلى يوم عرفة، هذه حقيقته، ~~وقال أبو حنيفة: يصومه في إحرامه بالعمرة؛ لأنه أحد إحرامي المتمتع، فجاز ~~صوم الأيام فيه كإحرامه بالحج. # ودليلنا {فصيام ثلاثة أيام في الحج} [البقرة: 196] فإذا صامه في العمرة ~~فقد أداه قبل وقته فلم يجزه. # قال القاضي: إذا ثبت هذا قال علماؤنا: يصومها قبل يوم عرفة ليكون يوم ~~عرفة # PageV01P183 # مفطرا، فذلك اتباع للسنة وأقوى على العبادة. # ولا يخلو المتمتع أن يجد الهدي أو لا يجده، فإن لم يجده وعلم استمرار ~~العدم إلى آخر الحج صام من أوله؛ وإن رجاه آخره إلى مقدار ثلاثة أيام قبل ~~عرفة فيصومه حينئذ لتقع الأيام مصومة في الحج، ويخلو يوم عرفة عن الصوم. # وهذه المسألة تنبني عندي على أصل؛ وهو ما المراد بقوله تعالى: {في الحج} ~~[البقرة: 196] فإنه يحتمل أيام الحج، ويحتمل موضع الحج؛ فإن كان المراد به ~~أيام الحج فهذا القول صحيح؛ لأن آخر أيام الحج يوم النحر، ويحتمل أن يكون ~~آخر أيام الحج أيام الرمي؛ لأن الرمي من عمل الحج خالصا، وإن لم يكن من ~~أركانه. # وإن كان المراد به موضع الحج صامه ما دام بمكة في أيام منى، وهو قول ~~عروة، ويقوى جدا، وقد روى هشام بن عروة قال: أخبرني أبي قال: " كانت عائشة ~~تصوم أيام منى، وكان أبي يصومها "، وروى الزهري عن عروة عن عائشة، وعن سالم ~~عن ابن عمر قالا: " لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي ~~". خرجه البخاري. # والمعنى في ذلك، والله أعلم؛ لأنه لم يبق من إقامته إلا بمقدارها؛ يؤكده ~~قوله تعالى: {وسبعة إذا رجعتم} [البقرة: 196] لو كان المراد به أيام الحج ~~لقال: إذا أحللتم أو فرغتم، فكان معنى قوله تعالى: {إذا رجعتم} [البقرة: ~~196] أي: عن موضع الحج بإتمام أفعاله. وبذلك يتحقق وجوب الصوم لعدم الهدي ~~كما بيناه من قبل. # فإن قيل: فقد روي في الصحيح «أن رسول الله - صلى الله عليه ms0117 وسلم - بعث ~~مناديا ينادي أن أيام منى أيام أكل وشرب». قلنا: إن ثبت النهي عاما فقد جاء ~~الخبر الصحيح بالتخصيص للمتمتع كما قدمناه. # PageV01P184 ### | [مسألة قوله تعالى إذا رجعتم] # المسألة الحادية والثلاثون: قوله تعالى: {إذا رجعتم} [البقرة: 196]: يعني ~~إلى بلادكم في قول مالك في كتاب محمد، وبه قال الشافعي، وقال مالك في ~~الكتاب: إذا رجع من منى. # قال القاضي: وتحقيق المسألة أن قوله تعالى: {إذا رجعتم} [البقرة: 196] إن ~~كان تخفيفا ورخصة فيجوز تقديم الرخص وترك الرفق فيها إلى العزيمة إجماعا، ~~وإن كان ذلك توقيتا فليس فيه نص ولا ظاهر أنه أراد البلاد، وإنما المراد في ~~الأغلب والأظهر فيه أنه الحج. ### | [مسألة حاضرو المسجد الحرام] # المسألة الثانية والثلاثون: من حاضرو المسجد الحرام؟ فيه خمسة أقوال: ~~الأول: أهل الحرم. # الثاني: مكة وما قرب منها كذي طوى. # الثالث: أهل عرفة؛ قاله الزهري. # الرابع: من دون الميقات قاله أبو حنيفة. # الخامس: من هو في مسافة لا تقصر الصلاة فيها؛ قاله الشافعي. # ولكل وجه سردناه في مسائل الخلاف والفروع. # والصحيح فيه من تلزمه الجمعة فهو من حاضري المسجد الحرام، والله أعلم. ### | [الآية السادسة والأربعون قوله تعالى الحج أشهر معلومات] # فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير ~~يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب} [البقرة: ~~197]. # فيها إحدى عشرة مسألة: # PageV01P185 # المسألة الأولى: في تعديد أشهر الحج: وفي ذلك أربعة أقوال: أحدها: شوال، ~~وذو القعدة، وذو الحجة كله؛ قاله ابن عمر، وقتادة، وطاوس، ومالك. # الثاني: وعشرة أيام من ذي الحجة؛ قاله مالك أيضا، وأبو حنيفة. # الثالث: وعشر ليال من ذي الحجة، قاله ابن عباس، والشافعي. # الرابع: إلى آخر أيام التشريق؛ قاله مالك أيضا. # فمن قال: إنه ذو الحجة كله أخذ بظاهر الآية والتعديد للثلاثة. # ومن قال: إنه عشرة أيام قال: إن الطواف والرمي في العقبة ركنان يفعلان في ~~اليوم العاشر. # ومن قال: عشر ليال قال: إن الحج يكمل بطلوع الفجر يوم النحر لصحة الوقوف ~~بعرفة وهو ms0118 الحج كله. # ومن قال: آخر أيام التشريق رأى أن الرمي من أفعال الحج وشعائره، وبعض ~~الشهر يسمى شهرا لغة. # المسألة الثانية: فائدة من جعله ذا الحجة كله أنه إذا أخر طواف الإفاضة ~~إلى آخره لم يكن عليه دم؛ لأنه جاء به في أيام الحج. # المسألة الثالثة: لا خلاف في أن أشهر الحج شوال وذو القعدة وذو الحجة على ~~التفصيل المتقدم. # والفائدة في ذكر الله تعالى لها وتنصيصه عليها أمران: أحدهما: أن الله ~~تعالى وضعها كذلك في ملة إبراهيم - عليه السلام - واستمرت عليه الحال إلى ~~أيام الجاهلية، فبقيت كذلك حتى كانت العرب ترى أن العمرة فيها من # PageV01P186 # أفجر الفجور، ولكنها كانت تغيرها فتنسئها وتقدمها حتى عادت يوم حجة ~~الوداع إلى حدها. # قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المأثور المنتقى: «إن الزمان قد ~~استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا» الحديث. # الثاني: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر التمتع، وهو ضم العمرة إلى الحج ~~في أشهر الحج بين أن أشهر الحج ليست جميع الشهور في العام، وإنما هي ~~المعلومات من لدن إبراهيم - عليه السلام - وبين قوله تعالى: {يسألونك عن ~~الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} [البقرة: 189]. # أن جميعها ليس الحج تفصيلا لهذه الجملة تخصيصا لبعضها بذلك، وهي شوال وذو ~~القعدة وجميع ذي الحجة، وهو اختيار عمر - رضي الله عنه -، وصحيح قول ~~علمائنا؛ فلا يكون متمتعا من أحرم بالعمرة في أشهر العام، وإنما يكون ~~متمتعا من أتى بالعمرة في هذه الأشهر المخصوصة. ### | [مسألة تقدير قوله تعالى الحج أشهر معلومات] # المسألة الرابعة: اختلفوا في تقديرها؛ فقال الشافعي وسواه: تقديرها الحج ~~حج أشهر معلومات، وهذا التقدير من الشافعي؛ لأنه لا يرى الإحرام في غير ~~أشهر الحج كما لا يرى أحد الإحرام قبل وقت الصلاة بها. # [وقال مالك وغيره: أشهر الحج أشهر معلومات]، وقد بينا ذلك لغة في ملجئة ~~المتفقهين وعيناه فقها [في مسائل الخلاف أن النية تكفي باطنا في التزامه]. # PageV01P187 ### | [مسألة قوله تعالى فمن فرض فيهن الحج] # المسألة الخامسة: ms0119 قوله تعالى: {فمن فرض فيهن الحج} [البقرة: 197]: المعنى ~~التزمه بالشروع فيه؛ لأنه فرض عليه بالنية قصدا باطنا، وبالإحرام فعلا ~~ظاهرا، وبالتلبية نطقا مسموعا؛ قاله ابن حبيب، وأبو حنيفة في التلبية. # وقد بينا في مسائل الخلاف أن النية تكفي باطنا في التزامه عن فعل أو نطق، ~~وقد قال جماعة كما قدمنا منهم الشافعي: إن هذا القول يقتضي اختصاص الإحرام ~~بهذه الأشهر، فلا يقدم عليها، وأباه أبو حنيفة ومالك. والمسألة مشكلة ~~معضلة، وقد استوفينا البيان فيها، وأوضحنا لبابه في كتاب التلخيص، وأن ~~القول فيها دائر من قبل الشافعي على أن الإحرام ركن من الحج مختص بزمانه، ~~ومعولنا على أنه شرط فيقدم عليه، وهناك تبين الترجيح بين النظرين، وظهر ~~أولى التأويلين في الآية من القولين. ### | [مسألة قوله تعالى فلا رفث ولا فسوق] # المسألة السادسة: قوله تعالى: {فلا رفث ولا فسوق} [البقرة: 197]: الرفث: ~~كل قول يتعلق بذكر النساء؛ يقال: رفث يرفث بكسر الفاء وضمها. وقد يطلق على ~~الفعل من الجماع والمباشرة؛ قال الله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث ~~إلى نسائكم} [البقرة: 187]. وكان ابن عمر وابن عباس يريان أن ذلك لا يمتنع ~~إلا إذا روجع به النساء، وأما إذا ذكره الرجل مفردا عنهن لم يدخل في النهي. # وفيه نظر؛ فإن الحج منع فيه من التلفظ بالنكاح، وهي كلمة واحدة، فكيف ~~بالاسترسال على القول يذكر كله، وهذه بديعة. # المسألة السابعة: قوله تعالى: {فلا رفث ولا فسوق} [البقرة: 197]: أراد ~~نفيه مشروعا لا موجودا، فإنا نجد الرفث فيه ونشاهده. # وخبر الله سبحانه وتعالى لا يجوز أن يقع بخلاف مخبره، فإنما يرجع النفي ~~إلى وجوده مشروعا لا إلى وجوده محسوسا، كقوله تعالى: {والمطلقات يتربصن ~~بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: 228]. # PageV01P188 # معناه شرعا لا حسا، فإنا نجد المطلقات لا يتربصن، فعاد النفي إلى الحكم ~~الشرعي، لا إلى الوجود الحسي. # وهذا كقوله تعالى: {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة: 79] إذا قلنا: إنه ~~وارد في الآدميين، وهو الصحيح أن معناه لا يمسه أحد منهم بشرع؛ فإن وجد ~~المس فعلى خلاف حكم الشرع، وهذه الدقيقة ms0120 هي التي فاتت العلماء فقالوا: إن ~~الخبر قد يكون بمعنى النهي، وما وجد ذلك قط، ولا يصح أن يوجد فإنهما ~~يختلفان حقيقة ويتضادان وصفا. ### | [مسألة حصول الوطء في الحج] # المسألة الثامنة: إذا وقع الوطء في الحج أفسده؛ لأنه محظور كالأكل في ~~الصوم أو الكلام في الصلاة؛ فإن وقعت المباشرة لم تفسده؛ لأن تحريمها ~~لكونها داعية إلى الجماع، كما حرم الطيب والنكاح، حتى قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب»، ولو وجد الطيب والنكاح ~~لم يفسد الحج، فكذلك بالمباشرة. ### | [مسألة قوله تعالى ولا فسوق] # المسألة التاسعة: قوله تعالى: {ولا فسوق} [البقرة: 197]: فيه أقوال ~~كثيرة؛ أمهاتها ثلاث: الأول: جميع المعاصي قال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر». # PageV01P189 # الثاني: أنه قتل الصيد. # الثالث: أنه الذبح لغير الله تعالى؛ لأن الحج لا يخلو عن ذبح، وكان أهل ~~الجاهلية يذبحونه لغير الله فسقا، فشرعه الله تعالى لوجهه نسكا. # والصحيح أن المراد بالآية جميعها قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~الصحيح: «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه». # وقال: «الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة». # فقال الفقهاء: الحج المبرور، هو الذي لم يعص الله في أثناء أدائه، وقال ~~الفراء: الحج المبرور هو الذي لم يعص الله بعده. # وقد روينا في الحديث المذكور من طريق أبي ذر: «من حج ثم لم يرفث ولم ~~يفسق» بقوله: ثم، والله أعلم. # PageV01P190 ### | [مسألة قوله تعالى ولا جدال في الحج] # المسألة العاشرة: قوله تعالى: {ولا جدال في الحج} [البقرة: 197]: أراد لا ~~جدال في وقته؛ فإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، ~~فعاد بذلك إلى يومه ووقته. # وقيل: لا جدال في موضعه؛ فإن الوقوف بعرفة لكل أحد من الناس كان من الحمس ~~أو من غيرهم، وكلا القولين صحيح. # وقد رفع الله تعالى الجدال في الوجهين بين الخلق، فلا يكون إلى القيامة؛ ~~ولهذا قرأه العامة وحده بنصب اللام على التبرئة دون الكلمتين اللتين قبله. # وقد بينا ms0121 ذلك في كتاب " ملجئة المتفقهين إلى معرفة غوامض النحويين ". ### | [مسألة قوله تعالى وتزودوا فإن خير الزاد التقوى] # المسألة الحادية عشرة: قوله تعالى: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} ~~[البقرة: 197]. # أمر الله تعالى بالتزود من كان له مال، ومن لم يكن له مال؛ فإن كان ذا ~~حرفة تنفق في الطريق، أو سائلا فلا خطاب عليه، وإنما خاطب الله تعالى أهل ~~الأموال الذين كانوا يتركون أموالهم ويخرجون بغير زاد، ويقولون: نحن ~~المتوكلون؛ والتوكل له شروط بيانها في موضعها يخرج من قام بها بغير زاد ولا ~~يدخل في الخطاب. # [ومن لم يكن له مال] فإنه خرج على الأغلب من الخلق وهم المقصرون عن درجة ~~التوكل الغافلون عن حقائقه، والله أعلم. ### | [الآية السابعة والأربعون قوله تعالى ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم] # فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم ~~وإن كنتم من قبله لمن الضالين} [البقرة: 198]. # فيها عشر مسائل: # PageV01P191 # المسألة الأولى: في سبب نزولها: ثبت في الصحيح، عن ابن عباس - رضي الله ~~عنه - أنه قال: " كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية فتأثموا ~~في الإسلام أن يتجروا فيها، فنزلت الآية: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا ~~من ربكم} [البقرة: 198] يعني: في مواسم الحج. # المسألة الثانية: قال علماؤنا: في هذا دليل على جواز التجارة في الحج ~~للحاج مع أداء العبادة، وأن القصد إلى ذلك لا يكون شركا، ولا يخرج به ~~المكلف عن رسم الإخلاص المفترض عليه، خلافا للفقراء أن الحج دون تجارة أفضل ~~أجرا. ### | [مسألة قوله تعالى فإذا أفضتم من عرفات] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {فإذا أفضتم من عرفات} [البقرة: 198]: ~~الإفاضة: السرعة بالدفع، هذا أصله في اللغة، لكن المراد به هاهنا دفع، وهي ~~حقيقة الإفاضة، والإسراع هيئة في الإفاضة لا حقيقة لها، ثبت عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه «كان إذا دفع يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص». # وروي «عنه - عليه السلام - أنه دفع من عرفة فسمع وراءه زجرا شديدا، فقال: ~~يا أيها الناس إن البر ليس ms0122 بالإبضاع، عليكم بالسكينة». ### | [مسألة قوله تعالى من عرفات] # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {من عرفات} [البقرة: 198]: موضع معلوم ~~الحدود، مشهور عظيم القدر. روى الترمذي، والنسائي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «الحج عرفة ثلاثا، من أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد ~~أدرك». ورويا ومعهما أبو داود أن عروة بن مضرس الطائي قال: «أتيت النبي # PageV01P192 # - صلى الله عليه وسلم - بالموقف يعني بجمع فقلت: جئت يا رسول الله من جبل ~~طيئ، أكللت مطيتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل إلا وقفت عليه، فهل ~~لي من حج؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من أدرك معنا هذه ~~الصلاة، وأتى عرفة قبل ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه، وقضى تفثه». # وهذا صحيح يلزم البخاري ومسلما إخراجه حسبما بيناه في شرح الصحيح، ~~وسترونه هنالك إن شاء الله تعالى. # المسألة الخامسة: هذا القول بظاهر القرآن والسنة يقتضي جواز عموم الوقوف ~~بعرفة كلها وإجزاءه، وقد «قال - صلى الله عليه وسلم -: وقفت هاهنا وعرفة ~~كلها موقف. ونحرت هاهنا ومنى كلها منحر، ووقفت هاهنا وجمع كلها موقف» خرجه ~~مسلم. # وروى النسائي، والترمذي عن علي - رضي الله عنه - «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وقف على قزح، فقال: هذا قزح، وهذا الموقف، وجمع، كلها موقف». # وروى مسلم «أن قبة النبي - صلى الله عليه وسلم - ضربت له بنمرة، فنزل بها ~~حتى إذا زاغت الشمس خرج، فرحلت له، فأتى بطن الوادي فخطب الناس. الحديث». # وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «عرفة كلها موقف وارتفعوا عن ~~بطن عرنة». # PageV01P193 ### | [مسألة وقت الإفاضة] # المسألة السادسة: لم يبين الله سبحانه «وقت الإفاضة، وبينها النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بفعله، فإنه وقف حتى غربت الشمس قليلا، وذهبت الصفرة، ~~وغاب القرص». خرجه الأئمة واللفظ لمسلم؛ فكان بيانا لقول الله سبحانه، ~~فقالت المالكية: الفرض الوقوف بالليل. وقال الشافعي وأبو حنيفة: الوقوف ~~بالنهار. وقال ابن حنبل: ليلا أو نهارا على حديث عروة. وقد مهدناه في مسائل ~~الخلاف وغيرها. # المسألة السابعة: قوله تعالى: {فاذكروا ms0123 الله} [البقرة: 198]: روى جابر بن ~~عبد الله في الصحيح، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف بعرفة حتى غابت ~~الشمس، ثم دفع فأتى المزدلفة فصلى فيها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ~~لم يسبح بينهما، ثم اضطجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى طلع الفجر، ~~فصلى الفجر حين تبين الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر ~~الحرام فاستقبل القبلة ودعا وكبر وهلل ووحد، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا، ~~ثم دفع قبل أن تطلع الشمس» خرجه مسلم. ### | [مسألة قوله تعالى فاذكروا الله عند المشعر الحرام] # المسألة الثامنة: قال قوم: قوله تعالى: {فاذكروا الله عند المشعر الحرام} ~~[البقرة: 198]: إشارة إلى الصلاة به دون أن تفعل في الطريق؛ فإن الوقت أخذه ~~بعرفة وتمادى عليه الوجوب في الطريق، فكان من حقه أن يصلي، وكذلك «قال ~~أسامة: الصلاة يا رسول الله. قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: الصلاة ~~أمامك حتى نزل المزدلفة فجمع بين الصلاتين فيها»، خرجه الأئمة، حتى قال ~~علماؤنا وأبو حنيفة: إن صلاها قبل ذلك لم تجز لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «الصلاة أمامك»، فجعله لها حدا. # PageV01P194 ### | [مسألة المبيت بالمزدلفة] # المسألة التاسعة: قال علماؤنا: ليس المبيت بالمزدلفة ركنا في الحج. # وقال الشعبي والنخعي: هو ركن لقوله تعالى: {فاذكروا الله عند المشعر ~~الحرام} [البقرة: 198]؛ وهذا لا يصلح لوجهين: # أحدهما: أنه ليس فيه ذكر المبيت، وإنما فيه مجرد الذكر. # الثاني: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بين لعروة بن مضرس في الحديث ~~المتقدم إجزاء الحج مع الوقوف بعرفة دون المبيت بالمزدلفة». ### | [مسألة مكان الوقوف في المشعر الحرام] # المسألة العاشرة: المشعر الحرام كله موقف إلا بطن محسر، لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «جمع كلها موقف، وارتفعوا عن بطن محسر». رواه مالك ~~بلاغا، وأسنده جماعة منهم عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن محمد بن المنكدر ~~عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «عرفة كلها موقف، ~~وارتفعوا عن بطن عرنة، ومزدلفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن محسر، ومنى ms0124 كلها ~~منحر وفجاج مكة كلها منحر». ### | [الآية الثامنة والأربعون قوله تعالى ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس] # قوله تعالى: {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} [البقرة: 199] فيها مسألتان: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: روى الأئمة عن جابر، قال: «فلما كان يوم ~~التروية توجهوا إلى منى، فأهلوا بالحج، وركب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، ثم # PageV01P195 # مكث قليلا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة، فسار رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام ~~كما كانت قريش تصنع في الجاهلية، فأجاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها. .» وذكر الحديث. # المسألة الثانية: اختلف الناس في المراد بهذه الإفاضة على قولين: # أحدهما: أن المراد به من عرفات مخالفة لقريش؛ قاله الجماعة. # الثاني: المراد به من المزدلفة إلى منى؛ قاله الضحاك. # وإنما صار إلى ذلك لأنه رأى الله تعالى ذكر هذه الإفاضة بعد ذكره الوقوف ~~بالمشعر الحرام، والإفاضة التي بعد الوقوف بالمشعر الحرام هي الإفاضة إلى ~~منى. # وأجاب عن ذلك علماؤنا بأربعة أجوبة: الأول: أن في الكلام تقديما وتأخيرا، ~~التقدير ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، فإذا أفضتم من عرفات مع الناس ~~فاذكروا الله عند المشعر الحرام. والتقديم والتأخير كثير في القرآن؛ قاله ~~الطبري. # الثاني: أن ثم بمعنى الواو، كما قال تعالى: {ثم كان من الذين آمنوا ~~وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة} [البلد: 17]. # الثالث: أن معناه: ثم ذكرنا لكم أفيضوا من حيث أفاض الناس، فيرجع التعقيب ~~إلى ذكر وجود الشيء لا إلى نفس وجوده، كقوله تعالى: {ثم آتينا موسى الكتاب ~~تماما على الذي أحسن} [الأنعام: 154]. المعنى: ثم أخبرناكم آتينا موسى ~~الكتاب؛ فيكون التعقيب في الإخبار لا في الإيتاء. # الرابع: وهو التحقيق أن المعنى فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند ~~المشعر الحرام: يا معشر من حل بالمشعر الحرام أفيضوا من حيث أفاض الناس. ~~وأخر الله تعالى الخطاب ms0125 إلى المشعر الحرام ليعم من وقف بعرفة ومن لم يقف ~~حتى يمتثله مع من وقف. # PageV01P196 ### | [الآية التاسعة والأربعون قوله تعالى فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله] # كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له ~~في الآخرة من خلاق} [البقرة: 200]. فيها مسألتان: # المسألة الأولى: قد بينا في غير موضع حقيقة القضاء والأداء، وخصوصا في ~~رسالة نزول الوافد، وقد يستعمل في الأداء؛ وهو ما كان من العبادات في ~~وقتها، وهي حقيقته التي خفيت على الناس. # المسألة الثانية: اختلف العلماء في المراد بالمناسك هاهنا على قولين: # أحدهما: أنه الذبح. # الثاني: أنها شعائر الحج. # والأظهر عندي أنها الرمي أو جميع معاني الحج، «لقوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: خذوا عني مناسككم». # والمعنى بالآية كلها: إذا فعلتم منسكا من مناسك الحج فاذكروا الله تعالى: ~~كالتلبية عند الإحرام، والتكبير عند الرمي، والتسمية عند الذبح. ### | [الآية الموفية خمسين قوله تعالى واذكروا الله في أيام معدودات] # } [البقرة: 203] فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: لا خلاف أن المراد بالذكر هاهنا التكبير. وأما التلبية ~~فاعلموا أنها مشروعة إلى رمي الجمرة بالعقبة؛ لأنه ثبت «عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة». # PageV01P197 # المسألة الثانية: في تحديد هذه الأيام وتعيينها، وهي مسألة غريبة: قال ~~علماؤنا: أيام الرمي معدودات، وأيام النحر معلومات؛ فاليوم الأول معلوم غير ~~معدود، واليومان بعد يوم النحر معلومان معدودان، واليوم الرابع معدود غير ~~معلوم؛ والذي أصارهم إلى ذلك أنهم قالوا: المراد بقوله تعالى: {واذكروا ~~الله في أيام معدودات} [البقرة: 203] بعد قوله تعالى: {ثم أفيضوا من حيث ~~أفاض الناس} [البقرة: 199] أنها أيام منى، وأن المراد بالذكر التكبير عند ~~الرمي فيها. # واعلموا أن أيام منى ثلاثة، روى الترمذي والنسائي عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «من أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك. أيام منى ~~ثلاثة، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه»، فلما قال ~~الله تعالى: {فإذا أفضتم من عرفات} [البقرة: 198] وذلك ms0126 بعد غروب الشمس من ~~يوم عرفة، فاذكروا الله عند المشعر الحرام، وذلك الغد من يوم النحر، كما ~~فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - حسبما تقدم، ثم أفيضوا يعني: إلى منى على ~~التقدير المتقدم في المسألة الثانية من الآية قبل هذه الآية، فصار ذلك ~~اليوم أوله للمشعر الحرام وآخره لمنى، فلما لم يختص بمنى لم يعد فيها، ~~وصارت أيام منى ثلاثة سوى يوم النحر؛ لأنه أقل الجمع في الأظهر عند الإطلاق ~~حسبما بيناه في كتب الأصول، وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك بالعمل ~~الذي يرفع الإشكال قال حينئذ علماؤنا: اليوم الأول غير معدود، لأنه ليس من ~~الأيام التي تختص بمنى في قوله تعالى: {واذكروا الله في أيام معدودات} ~~[البقرة: 203] ولا من التي عنى النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «أيام ~~منى ثلاثة»، وكان معلوما لأن الله تعالى قال: {ويذكروا اسم الله في أيام ~~معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} [الحج: 28]. ولا خلاف أن المراد به ~~النحر، وكان النحر في اليوم الأول وهو يوم الأضحى والثاني والثالث، ولم يكن ~~في الرابع نحر؛ فكان الرابع غير مراد في قوله تعالى: {معلومات} [الحج: 28]؛ ~~لأنه لا ينحر فيه، وقد بينا ذلك في موضعه، وكان مما يرمى فيه؛ فصار معدودا ~~في ذلك لأجل الرمي، غير معلوم لعدم النحر فيه. # PageV01P198 # والحقيقة أن يوم النحر معدود بالرمي معلوم بالذبح، لكنه عند علمائنا ليس ~~مرادا في قوله تعالى: {واذكروا الله في أيام معدودات} [البقرة: 203]. # فإن قيل: فلم لا يكون كما قلتم يوم النحر مرادا في المعدودات وتكون ~~المعدودات أربعة والمعلومات ثلاثة؟ وكما يعطي ذكر الأيام ثلاثة كذلك يقتضي ~~أربعة. # فالجواب: أنا لا نمنع أن يسمى بمعدود ولا بمعلوم؛ لأن كل معدود معلوم، ~~وكل معلوم معدود، لكن يمنع أن يكون مرادا بذكر المعدودات هاهنا من وجهين: ~~أحدهما أن يوم النحر كما قدمنا قد استحق أوله الوقوف بالمشعر الحرام، ومنه ~~تكون الإفاضة إلى منى؛ فصار ذلك اليوم يوم الإفاضة، وبعده قال الله تعالى: ~~{واذكروا الله في أيام معدودات} [البقرة: ms0127 203] الثاني: أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «أيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه». # ولو كان يوم النحر معدودا منها لاقتضى مطلق هذا القول لمن نفر في يوم ~~ثاني النحر أن ذلك جائز، ولا خلاف أن ذلك ليس له، فتبين أنه غير معدود فيها ~~لا قرآنا ولا سنة، وهذا منتهى بديع. # وقال أبو حنيفة والشافعي: الأيام المعلومات أيام العشر، ورووا ذلك عن ابن ~~عباس، وظاهر الآية يدفعه؛ فلا معنى للاشتغال به. # المسألة الثالثة: في المراد بهذا الذكر: لا خلاف أن المخاطب به هو الحاج، ~~خوطب بالتكبير عند رمي الجمار، فأما غير الحاج فهل يدخل فيه أم لا؟ وهل هو ~~أيضا خطاب للحاج بغير التكبير عند الرمي؟ فنقول: أجمع فقهاء الأمصار ~~والمشاهير من الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - على أن المراد به ~~التكبير لكل أحد، وخصوصا في أوقات الصلوات؛ فيكبر عند انقضاء كل صلاة، كان ~~المصلي في جماعة أو وحده يكبر تكبيرا ظاهرا في هذه الأيام. لكن اختلفوا في ~~ذلك على أربعة أقوال: # PageV01P199 # الأول: أنه يكبر من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام ~~التشريق؛ قاله علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، وأبو يوسف ومحمد صاحبه ~~[والمزني]. # والثاني: مثله في الأول، ويقطع العصر من يوم النحر؛ قاله ابن مسعود، وأبو ~~حنيفة. # الثالث: يكبر من ظهر يوم النحر إلى عصر آخر أيام التشريق؛ قاله زيد بن ~~ثابت. # الرابع: يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى بعد صلاة الصبح من آخر أيام ~~التشريق؛ قاله ابن عمر، وابن عباس، ومالك، والشافعي. # فأما من قال: إنه يكبر عرفة ويقطع العصر يوم النحر فقد خرج عن الظاهر؛ ~~لأن الله تعالى قال: {في أيام معدودات} [البقرة: 203] وأقلها ثلاثة، وقد ~~قال هؤلاء: يكبر في يومين؛ فتركوا الظاهر لغير دليل ظاهر. # وأما من قال يوم عرفة وأيام التشريق فقال: إنه تعالى قال: {فإذا أفضتم من ~~عرفات فاذكروا الله} [البقرة: 198] فذكر عرفات داخل في ذكر الأيام، وهذا ~~كان يصح لو قال يكبر ms0128 من المغرب يوم عرفة، لأن وقت الإفاضة حينئذ، فأما قبل ~~ذلك فلا يقتضيه ظاهر اللفظ. # وأما من قال: يكبر يوم عرفة من الظهر، فهو ظاهر في متعلق قوله تعالى: {في ~~أيام معدودات} [البقرة: 203] لكن يلزمه أن يكون من يوم التروية عند الحلول ~~بمنى. # ومن قصره على صلاة الصبح من اليوم الرابع فقد بينا مأخذه في مسائل ~~الخلاف. # والتحقيق أن التحديد بثلاثة أيام ظاهر، وأن تعينها ظاهر أيضا بالرمي، وأن ~~سائر أهل الآفاق تبع للحاج فيها، ولولا الاقتداء بالسلف لضعف متابعة الحاج ~~من بين سائر أهل الآفاق إلا في التكبير عند الذبح، والله عز وجل أعلم. # PageV01P200 ### | [الآية الحادية والخمسون قوله تعالى ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا] # ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام} [البقرة: 204] فيها ثلاث ~~مسائل: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: قال قوم: نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي ~~حليف بني زهرة: وفد على النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، وأظهر ~~الإسلام، ثم خرج، وقال: الله يعلم إني لصادق، ثم خرج ومر بزرع لقوم وحمر، ~~فأحرق الزرع وعقر الحمر، فنزلت هذه الآية فيه. # وقال آخرون: هي صفة المنافق، وهو أقوى. ### | [مسألة الحاكم لا يعمل على ظاهر أحوال الناس] # المسألة الثانية: في هذه الآية عند علمائنا دليل على أن الحاكم لا يعمل ~~على ظاهر أحوال الناس، وما يبدو من إيمانهم وصلاحهم حتى يبحث عن باطنهم؛ ~~لأن الله تعالى بين أن من الخلق من يظهر قولا جميلا وهو ينوي قبيحا. # وأنا أقول: إنه يخاطب بذلك كل أحد من حاكم وغيره، وإن المراد بالآية ألا ~~يقبل أحد على ظاهر قول أحد حتى يتحقق بالتجربة، ويختبر بالمخالطة أمره. # فإن قيل: هذا يعارضه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن أقاتل الناس ~~حتى يقولوا: لا إله إلا الله». # وفي رواية: «إنما أمرت بالظاهر والله يتولى السرائر». # PageV01P201 # فالجواب: أن هذا الحديث إنما هو في حق الكف عنه وعصمته، فإنه يكتفى ~~بالظاهر منه في حالته، كما قال في آخر الحديث: «فإذا قالوها ms0129 عصموا مني ~~دماءهم وأموالهم إلا بحقها». # وأما في [حديث] حق ثبوت المنزلة بإمضاء قوله على الغير فلا يكتفى بظاهره ~~حتى يقع البحث عنه، ويختبر في تقلباته وأحواله. # جواب آخر: وذلك أنه يحتمل أن هذا كان في صدر الإسلام حيث كان إسلامهم ~~سلامتهم؛ فأما وقد عم الناس الفساد فلا. ### | [مسألة قوله تعالى وهو ألد الخصام] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {وهو ألد الخصام} [البقرة: 204]: يعني: ذا ~~جدال إذا كلمك وراجعك رأيت لكلامه طلاوة وباطنه باطل؛ وهذا يدل على أن ~~الجدال لا يجوز إلا بما ظاهره وباطنه سواء. # وقد روى البخاري وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أبغض ~~الرجال إلى الله الألد الخصم». ### | [الآية الثانية والخمسون قوله تعالى ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله] # الآية الثانية والخمسون: قوله تعالى: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء ~~مرضات الله والله رءوف بالعباد} [البقرة: 207] فيها مسألتان: # المسألة الأولى: في سبب نزولها أربعة أقوال: # الأول: نزلت في الجهاد. # الثاني: فيمن يقتحم القتال؛ أرسل عمر - رضي الله عنه - جيشا فحاصروا حصنا # PageV01P202 # فتقدم رجل عليه فقاتل فقتل، فقال الناس: ألقى بيده للتهلكة، فبلغ ذلك عمر ~~فقال: كذبوا؛ أو ليس الله تعالى يقول: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء ~~مرضات الله} [البقرة: 207] وحمل هشام بن عامر على الصف حتى شقه، فقال أبو ~~هريرة: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} [البقرة: 207]. # الثالث: نزلت في الهجرة وترك المال والديار لأجلها؛ روي أن صهيبا أخذه ~~أهله وهو قاصد النبي - صلى الله عليه وسلم - فافتدى منهم بماله، ثم أدركه ~~آخر فافتدى منه ببقية ماله، وغيره عمل عمله فأثنى عليهم. # الرابع: أنها نزلت في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ قاله عمر، وقرأ ~~هذه الآية واسترجع، وقال: قام رجل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فقتل. # ويروى أن عمر - رضي الله عنه - كان إذا صلى الصبح دخل مربدا له، فأرسل ~~إلى فتيان قد قرءوا القرآن، منهم ابن عباس وابن أخي عنبسة فقرءوا القرآن، ~~فإذا كانت القائلة انصرفوا. قال: فمروا بهذه الآية: ms0130 {وإذا قيل له اتق الله ~~أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد - ومن الناس من يشري نفسه ~~ابتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد} [البقرة: 206 - 207] فقال ابن عباس ~~لبعض من كان إلى جانبه: اقتتل الرجلان. فسمع عمر - رضي الله عنه - ما قال، ~~فقال: أي شيء قلت؟ قال: لا شيء. قال: ماذا قلت؟ قال: فلما رأى ذلك ابن عباس ~~قال: أرى هذا أخذته العزة بالإثم من أمره بتقوى الله، فيقول هذا: وأنا أشري ~~نفسي ابتغاء مرضاة الله فيقاتله، فاقتتل الرجلان. فقال عمر: لله تلادك يا ~~ابن عباس. ### | [مسألة تعريض النفس للإذاية أو الهلكة في سبيل الله] # المسألة الثانية: هذا كله من الأقوال، لا امتناع في أن يكون مرادا ~~بالآية، داخلا في عمومها، إلا أن منه متفقا عليه، ومنه مختلف فيه؛ أما ~~القول: إنها في الجهاد والهجرة فلا خلاف فيه. # PageV01P203 # وأما اقتحام القتال فمختلف فيه تقدم أن الصحيح جوازه، وكذلك الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر إذا خاف منه المرء على نفسه سقط فرضه بغير خلاف، ~~وهل يستحب له اقتحام الغرر فيه وتعريض النفس للإذاية أو الهلكة؟ مختلف فيه. ~~وعموم هذه الآية دليل عليه، وسيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى. ### | [الآية الثالثة والخمسون قوله تعالى يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين] # والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به ~~عليم} [البقرة: 215] فيها قولان: # أحدهما: أنها منسوخة بآية الزكاة كما تقدم في غيرها؛ فإن الزكاة [كانت] ~~موضوعة أولا في الأقربين، ثم بين الله مصرفها في الأصناف الثمانية. # الثاني: أنها مبينة مصارف صدقة التطوع، وهو الأولى؛ لأن النسخ دعوى، ~~وشروطه معدومة هنا؛ وصدقة التطوع في الأقربين أفضل منها في غيرهم، يدل عليه ~~ما روى الأئمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يا معشر النساء؛ ~~تصدقن ولو من حليكن. فقالت زينب امرأة عبد الله لزوجها: أراك خفيف ذات ~~اليد، فإن أجزأت عني فيك صرفتها إليك. فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فسألته، فقالت: أتجزئ الصدقة ms0131 مني على زوجي وأيتام في حجري؟ فقال لها النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: لك أجران: أجر الصدقة، وأجر القرابة». # وفي رواية: «زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم». # وروى النسائي وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يد المعطي ~~العليا: أمك وأباك، وأختك وأخاك، وأدناك أدناك». # PageV01P204 # وروى مسلم عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ابدأ بنفسك ~~فتصدق عليها» ولا شك أن الحنو على القرابة أبلغ، ومراعاة ذي الرحم الكاشح ~~أوقع في الإخلاص. وتمام المسألة يأتي بعد هذا إن شاء الله تعالى. ### | [الآية الرابعة والخمسون قوله تعالى كتب عليكم القتال وهو كره لكم] # وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله ~~يعلم وأنتم لا تعلمون} [البقرة: 216] اختلف الناس في هذه الآية: فمنهم من ~~قال: إنها نزلت في الصحابة وهم المخاطبون والمكتوب عليهم القتال؛ قاله ~~عطاء، والأوزاعي. # الثاني: أنه مكتوب على جميع الخلق، لكن يختلف الحال فيه؛ فإن كان الإسلام ~~ظاهرا فهو فرض على الكفاية، وإن كان العدو ظاهرا على موضع؛ كان القتال فرضا ~~على الأعيان، حتى يكشف الله تعالى ما بهم؛ وهذا هو الصحيح، روى البخاري ~~وغيره عن مجاشع قال: «أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - أنا وأخي فقلت: ~~بايعني على الهجرة. فقال: مضت الهجرة لأهلها. قلت: علام تبايعنا؟ قال: على ~~الإسلام والجهاد». # PageV01P205 # وروى الأئمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا هجرة بعد الفتح، ~~ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا»، وهذه الآية كانت في الدرجة ~~الثانية من إباحة القتال والإذن فيه، كما تقدم. ### | [الآية الخامسة والخمسون قوله تعالى يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه] # قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله ~~منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم ~~عن دينكم إن استطاعوا} [البقرة: 217] اختلف الناس في نسخ هذه الآية؛ فكان ~~عطاء يحلف أنها ثابتة؛ لأن الآيات التي بعدها عامة في الأزمنة وهذا خاص؛ ~~والعام لا ينسخ ms0132 بالخاص باتفاق. # وقال سائر العلماء: هي منسوخة؛ واختلفوا في الناسخ؛ فقال الزهري: نسخها ~~قوله تعالى: {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} [التوبة: 36] وقال ~~غيره: نسختها: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} [التوبة: ~~29] وقال غيره: نسخها «غزو النبي - صلى الله عليه وسلم - ثقيفا في الشهر ~~الحرام وإغزاؤه أبا عامر إلى أوطاس في الشهر الحرام»؛ وهذه أخبار ضعيفة. # وقال غيره: نسختها بيعة الرضوان على القتال في ذي القعدة، وهذا لا حجة ~~فيه؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بلغه أن عثمان قتل بمكة، وأنهم ~~عازمون على حربه، فبايع على دفعهم لا على الابتداء. # وقال المحققون: نسخها قوله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] # PageV01P206 # يعني أشهر التسيير، فلم يجعل حرمة إلا لزمان التسيير. # والصحيح أن هذه الآية رد على المشركين حين أعظموا على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - القتال والحماية في الشهر الحرام؛ فقال الله تعالى: {وصد عن ~~سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة} ~~[البقرة: 217] وهي الكفر في الشهر الحرام أشد من القتل؛ فإذا فعلتم ذلك كله ~~في الشهر الحرام تعين قتالكم فيه. ### | [الآية السادسة والخمسون قوله تعالى ومن يرتدد منكم عن دينه] # فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار ~~هم فيها خالدون} [البقرة: 217] اختلف العلماء رحمة الله عليهم في المرتد، ~~هل يحبط عمله نفس الردة أم لا يحبط إلا على الموافاة على الكفر؟ فقال ~~الشافعي: لا يحبط له عمل إلا بالموافاة كافرا. # وقال مالك: يحبط بنفس الردة. # ويظهر الخلاف في المسلم إذا حج ثم ارتد ثم أسلم، فقال مالك: يلزمه الحج ~~لأن الأول قد حبط بالردة. # وقال الشافعي: لا إعادة عليه لأن عمله باق. # واستظهر عليه علماؤنا بقول الله تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك} [الزمر: ~~65] وقالوا هو خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمراد به أمته لأنه - ~~صلى الله عليه وسلم - يستحيل منه الردة شرعا. # وقال أصحاب الشافعي: بل هو خطاب للنبي - صلى الله ms0133 عليه وسلم - على طريق ~~التغليظ على الأمة، وبيان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - على شرف منزلته ~~لو أشرك لحبط عمله، فكيف أنتم؟ لكنه لا يشرك لفضل مرتبته، كما قال الله ~~تعالى: {يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين} ~~[الأحزاب: 30]؛ وذلك لشرف منزلتهن # PageV01P207 # وإلا فلا يتصور إتيان فاحشة منهن، صيانة لصاحبهن المكرم المعظم. # قال ابن عباس، حين قرأ: {ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط ~~كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما} [التحريم: 10]؛ والله ما بغت ~~امرأة نبي قط، ولكنهما كفرتا. # وقال علماؤنا: إنما ذكر الموافاة شرطا هاهنا، لأنه علق عليها الخلود في ~~النار جزاء، فمن وافى كافرا خلده الله في النار بهذه الآية، ومن أشرك حبط ~~عمله بالآية الأخرى، فهما آيتان مفيدتان لمعنيين مختلفين وحكمين متغايرين، ~~وما خوطب به النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو لأمته حتى يثبت اختصاصه به، ~~وما ورد في أزواجه - صلى الله عليه وسلم - فإنما قيل ذلك فيهن ليبين أنه لو ~~تصور لكان هتكا لحرمة الدين وحرمة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكل هتك ~~حرمة عقاب، وينزل ذلك منزلة من عصى في شهر حرام، أو في البلد الحرام، أو في ~~المسجد الحرام، فإن العذاب يضاعف عليه بعدد ما هتك من الحرمات، والله ~~الواقي لا رب غيره. ### | [الآية السابعة والخمسون قوله تعالى يسألونك عن الخمر والميسر] # قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} [البقرة: 219] ~~فيها تسع مسائل: # المسألة الأولى: في سبب نزولها أقوال: # الأول: ما رواه الترمذي عن أبي ميسرة عن عمرو بن شرحبيل عن عمر والصحيح ~~مرسل دون ذكر " عن " وقال بدلها: عمر - رضي الله عنه - قال: " اللهم بين ~~لنا في الخمر بيان شفاء " فنزلت الآية التي في البقرة: {يسألونك عن الخمر ~~والميسر} [البقرة: 219] فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: " اللهم بين لنا في ~~الخمر بيان شفاء " فنزلت الآية التي في النساء: {يا أيها الذين آمنوا لا ~~تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} [النساء: 43] # PageV01P208 # فدعي عمر - رضي الله ms0134 عنه - فقرئت عليه، فقال: " اللهم بين لنا في الخمر ~~بيان شفاء " فنزلت الآية التي في المائدة: {إنما يريد الشيطان أن يوقع ~~بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر} [المائدة: 91] فدعي عمر - رضي ~~الله عنه - فقرئت عليه، فقال: انتهينا. ### | [مسألة تحقيق اسم الخمر ومعناه] # المسألة الثانية: في تحقيق اسم الخمر ومعناه: وقد اختلف العلماء في ذلك ~~على قولين: # أحدهما: أن الخمر شراب يعتصر من العنب خاصة، وما اعتصر من غير العنب ~~كالزبيب والتمر وغيرهما يقال لهما نبيذ؛ قاله أبو حنيفة، وأهل الكوفة. # الثاني: أن الخمر كل شراب ملذ مطرب، قاله أهل المدينة وأهل مكة؛ وتعلق ~~أبو حنيفة بأحاديث ليس لها خطم ولا أزمة ذكرناها في شرح الحديث، ومسائل ~~الخلاف فلا يلتفت إليها. # والصحيح ما روى الأئمة أن أنسا قال: " حرمت الخمر يوم حرمت وما بالمدينة ~~خمر الأعناب إلا قليل، وعامة خمرها البسر والتمر ". خرجه البخاري، واتفق ~~الأئمة على رواية أن الصحابة إذ حرمت الخمر لم يكن عندهم يومئذ خمر عنب؛ ~~وإنما كانوا يشربون خمر النبيذ، فكسروا دنانهم، وبادروا الامتثال لاعتقادهم ~~أن ذلك كله خمر. وصح عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال على المنبر: " إن ~~تحريم الخمر نزل، وهي من خمسة: العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير ". ~~والخمر ما خامر العقل، وقد استوفينا القول في المسألة في مسائل الخلاف ~~اشتقاقا وأصولا وقرآنا وأخبارا. # المسألة الثالثة: الميسر: ما كنا نشتغل به بعد أن حرمه الله تعالى، فما ~~حرم الله فعله وجهلناه حمدنا الله تعالى عليه وشكرناه. # PageV01P209 # المسألة الرابعة: هل حرمت الخمر بهذه الآية أم لا؟ قال الحسن: حرمت الخمر ~~بهذه الآية. وقالت الجماعة: حرمت بآية المائدة. والصحيح أن آية المائدة ~~حرمتها. ### | [مسألة قوله تعالى قل فيهما إثم كبير] # المسألة الخامسة: قوله تعالى: {قل فيهما إثم كبير} [البقرة: 219]: وقد ~~احتج بعض علمائنا بهذه الآية على تحريم الخمر؛ لأن الله تعالى قال: {فيهما ~~إثم كبير} [البقرة: 219] وقال في سورة الأعراف: {قل إنما حرم ربي الفواحش ~~ما ظهر منها وما بطن والإثم} [الأعراف: 33] فلما تناول التحريم الإثم، ms0135 وكان ~~الإثم من صفات الخمر وجب تحريمها. وهذا إنما كان يصح التعلق به لو كان نزول ~~قوله تعالى: {قل إنما حرم ربي الفواحش} [الأعراف: 33] فلا يقضى عليه من ذلك ~~بتحريم. ### | [مسألة الإثم في شرب الخمر] # المسألة السادسة: ما هذا الإثم؟ فيه قولان: # أحدهما: أن الإثم ما بعد التحريم، والمنفعة قبل التحريم. # الثاني: أن إثمها كانوا إذا شربوا سكروا فسبوا وجرحوا وقتلوا. والصحيح ~~أنها إثم في الوجهين، وتمامها فيما بعد إن شاء الله. # المسألة السابعة: قوله تعالى: {ومنافع للناس} [البقرة: 219]: في ذلك ~~ثلاثة مذاهب: # الأول: أنها ربح التجارة. # والثاني: السرور واللذة. # والثالث: قال قوم من المبتدعة: ما فيها من منفعة البدن؛ لحفظ الصحة ~~القائمة أو جلب الصحة الفانية بما تفعله من تقوية المعدة وسريانها في ~~الأعصاب والعروق، # PageV01P210 # وتوصلها إلى الأعضاء الباطنة الرئيسية، وتجفيف الرطوبة، وهضم الأطعمة ~~الثقال وتلطيفها. # والصحيح أن المنفعة هي الربح؛ لأنهم كانوا يجلبونها من الشام برخص ~~فيبيعونها في الحجاز بربح كثير. # وأما اللذة: فهي مضرة عند العقلاء؛ لأن ما تجلبه من اللذة لا يفي بما ~~تذهبه من التحصيل والعقل، حتى إن العبيد الأدنياء وأهل النقص كانوا يتنزهون ~~عن شربها لما فيها من إذهاب شريف العقل، وإعدامها فائدة التحصيل والتمييز. # وأما منفعة إصلاح البدن: فقد بالغ فيها الأطباء حتى إني تكلمت يوما مع ~~بعضهم في ذلك، فقال لي: لو جمع سبعون عقارا ما وفى بالخمر في منافعها، ولا ~~قام في إصلاح البدن مقامها. وهذا مما لا نشتغل به لوجهين: # أحدهما: أن الذين نزل تحريم الخمر عليهم لم يكونوا يقصدون به التداوي حتى ~~نعتذر عن ذلك لهم. # الثاني: أن البلاد التي نزل أصل تحريم الخمر فيها كانت بلاد جفوف وحر؛ ~~وضرر الخمر فيها أكثر من منفعتها؛ وإنما يصلح الخمر عند الأطباء للأرياف ~~والبطاح والمواضع الرطبة، وإن كانت فيها منفعة من طريق البدن ففيها مضرة من ~~طريق الدين، والباري تعالى قد حرمها مع علمه بها فقدرها كيف شئت، فإن ~~خالقها ومصرفها قد حرمها. # وقد روى مسلم عن «طارق بن سويد الجعفي ms0136 أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن الخمر فنهاه وكره أن يصنعها. قال: إنما أصنعها للدواء. قال: ليس ~~بدواء، ولكنه داء». # وروي أيضا عن أنس «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل عن الخمر: أتتخذ ~~خلا؟ قال: لا.» وروي ذلك عن جماعة. # PageV01P211 # فإن قيل: وكيف يجوز أن يرد الشرع بتحريم ما لا غنى عنه ولا عوض منه؟ هذا ~~مناقض للحكمة. فالجواب عنه من ثلاثة أوجه: # أحدها: أنا لا نقول إنه لا غنى عنها ولا عوض منها؛ بل للمريض عنها ألف ~~غنى، وللصحيح والمريض منها عوض من الخل ونحوه. # الثاني: أن نقول: لو كانت لا غنى عنها ولا عوض منها لامتنع تحريمها، ولا ~~استحال أن يمنع الباري تعالى الخلق منها لثلاثة أدلة: # الأول: أن للباري تعالى أن يمنع المرافق كلها أو بعضها، وأن يبيحها، وقد ~~آلم الحيوان وأمرض الإنسان. # الثاني: أن التطبب غير واجب بإجماع من الأمة، ثبت عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - من طرق أنه قال: «يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا من غير حساب، ~~وهم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون». # الثالث: أنه لو كان فيها صلاح بدن لكانت فيها ضراوة وذريعة إلى فساد ~~العقل، فتقابل الأمران، فغلب المنع لما لنا في ذلك من المصلحة المنبه عليها ~~في سورة المائدة. ### | [مسألة استعمال طعام أو دواء استهلكت الخمر فيه] # المسألة الثامنة: اختلف العلماء فيما لو استهلكت في الأطعمة والأدوية؛ هل ~~يجوز استعمال ذلك الطعام أو ذلك الدواء أم لا؟ فأجازه ابن شهاب، ومنعه ~~غيره، وتردد علماؤنا في ذلك. # PageV01P212 # والصحيح أنه لا يجوز، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنها ليست بدواء، ~~ولكنها داء». ### | [مسألة قوله تعالى وإثمهما أكبر من نفعهما] # المسألة التاسعة: قوله تعالى {وإثمهما أكبر من نفعهما} [البقرة: 219]: ~~وفي تأويل ذلك قولان: # أحدهما: أن الإثم بعد التحريم أكبر من المنفعة قبل التحريم؛ قاله ابن ~~عباس. # الثاني: أن الإثم فيما يكون عنها من فساد العمل عند ذهاب العقل أكثر من ~~منفعة اللذة والربح؛ قاله ms0137 سعيد بن جبير، وزاد بأن ذلك لما نزل تورع عنها ~~قوم من المسلمين وشربها آخرون للمنفعة يعني لأجل المنفعة المذكورة فيها لا ~~لمنفعة البدن كما قدمنا، حتى نزلت: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} ~~[النساء: 43] فإن قيل: كيف شربت بعد قول الله تعالى: {فيهما إثم كبير} ~~[البقرة: 219] وبعد قوله: {وإثمهما أكبر من نفعهما} [البقرة: 219] وكيف ~~تعاطى مسلم ما فيه مأثم؟ فالجواب من وجهين: # أحدهما: أن الله تعالى إنما أراد بالإثم في هذه الآية ما يؤول إليه شربها ~~لا نفس شربها. فمن فعل حينئذ ذلك الذي يؤول إليه فقد أثم بما فعل من ذلك لا ~~بنفس الشرب، وإن لم يفعل ذلك الذي يؤول إليه لما كان عليه حينئذ إثم؛ فكان ~~هذا مقصد القول على وجه الورع لا على وجه التحريم؛ فقبله قوم فتورعوا، ~~وأقدم آخرون على الشرب حتى حقق الله تعالى التحريم، فامتنع الكل، ولو أراد ~~ربك التحريم لقال لعمر أولا ما قال له آخرا حتى قال: انتهينا. # الثاني: أن الله سبحانه لما ذكر ما فيها من الإثم الموجب للامتناع وقرنه ~~بما فيها من المنفعة المقتضية للإقدام فهم قوم من ذلك التخيير بين الحالين، ~~ولو تدبروا قوله تعالى: {وإثمهما أكبر من نفعهما} [البقرة: 219] لغلب ~~الورع؛ فأقدم من أقدم، وتورع من تورع، حتى نزلت آية التحريم الباحثة ~~الكاشفة لتحقيقه، ففهمها الناس، وقال عمر - رضي الله عنه -: انتهينا، «وأمر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - مناديه فنادى بتحريم الخمر». # PageV01P213 ### | [الآية الثامنة والخمسون قوله تعالى ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو] # } [البقرة: 219] اختلف العلماء فيها على ستة أقوال: # الأول: أنه ما فضل عن الأهل؛ قاله ابن عباس. # الثاني: الوسط من غير تبذير ولا إسراف؛ قاله الحسن. # الثالث: ما سمحت به النفس؛ قاله ابن عباس أيضا. # الرابع: الصدقة عن ظهر غنى؛ قاله مجاهد. # الخامس: صدقة الفرض؛ قاله مجاهد أيضا. # السادس: أنها منسوخة بآية الزكاة؛ قاله ابن عباس أيضا. # التنقيح: قد بينا أقسام العفو في مورد اللغة عندما فسرنا قوله تعالى: ~~{فمن عفي له من أخيه شيء} [البقرة: 178] فلينظر ms0138 هنالك. # وأسعد هذه الأقوال [بالتحقيق] وبالصحة ما عضدته اللغة، وأقواها عندي ~~الفضل، للأثر المتقدم. # [وللنظر]، وهو أن الرجل إذا تصدق بالكثير ندم واحتاج، فكلاهما مكروه ~~شرعا، فإعطاء اليسير حالة بعد حالة أوقع في الدين وأنفع في المال؛ وقد «جاء ~~أبو لبابة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بجميع ماله، وكذلك كعب، فقال ~~لهما: الثلث». ### | [الآية التاسعة والخمسون ويسألونك عن اليتامى] # الآية التاسعة والخمسون # {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم ~~المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم} [البقرة: 220] # PageV01P214 # فيها ست مسائل: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: روي أنه لما نزلت: {إن الذين يأكلون ~~أموال اليتامى ظلما} [النساء: 10] الآية تحرج الناس عن مخالطتهم في الأموال ~~واعتزلوهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم ~~خير} [البقرة: 220] يعني: قصد إصلاح أموالهم خير من اعتزالهم: فكان إذنا في ~~ذلك مع صحة القصد في أن يكون المقصد رفق اليتيم لا أن يقصد رفق نفسه. ### | [مسألة حقيقة اليتيم] # المسألة الثانية: في البحث عن اليتيم: هو في اللغة عبارة عن المنفرد من ~~أبيه، وقد يطلق فيها على المنفرد من أمه. والأول: أظهر لغة، وعليه وردت ~~الأخبار والآثار، ولأن الذي فقد أباه عدم النصرة، والذي فقد أمه عدم ~~الحضانة، وقد تنصر الأم لكن نصرة الأب أكثر، وقد يحضن الأب لكن الأم أرفق ~~حضانة. # المسألة الثالثة: إذا بلغ اليتيم زال عنه اسم اليتم لغة، وبقي على حكم ~~اليتم في عدم الاستبداد بالتصرف حتى يؤنس منه الرشد؛ ويأتي بيانه في سورة ~~النساء. ### | [مسألة التصرف في مال اليتيم] # المسألة الرابعة: لما أذن الله تعالى للناس في مخالطة الأيتام مع قصد ~~الإصلاح بالنظر لهم وفيهم كان ذلك دليلا على جواز التصرف للأيتام كما يتصرف ~~للأبناء، وفي الأثر: " ما كنت تؤدب منه ولدك فأدب منه يتيمك " ولأجل ذلك ~~قال بعض علمائنا: إنه يجوز للحاضن أن يتصرف في مال اليتيم تصرف الوصي في ~~البيع والقسمة وغير ذلك، وقد بيناه في مسائل ms0139 الفروع، وبه أقول وأحكم، فينفذ ~~بنفوذ فعله له في القليل والكثير على الإطلاق لهذه الآية. والله أعلم. # PageV01P215 ### | [مسألة كفل الرجل اليتيم ولم يقدمه وال عليه] # المسألة الخامسة: إذا كفل الرجل اليتيم وحازه وكان في نظره، جاز عليه ~~فعله، كما قدمناه، وإن لم يقدمه وال عليه؛ لأن الآية مطلقة، ولأن الكفالة ~~ولاية عامة. # واعلموا أنه لم يؤثر على أحد من الخلفاء أنه قدم أحدا على يتيم مع وجودهم ~~في أزمنتهم؛ وإنما كانوا يقتصرون على كونهم عندهم. # وقد روي عن عمر - رضي الله عنه - أنه قال في اللقيط هو حر، لك ولاؤه، ~~وعلينا نفقته " يعني بالولاء الولاية، ليس الميراث، كما توهمه قوم. ### | [مسألة ولاية النكاح بالكفالة والحضانة] # المسألة السادسة: فإن قيل: فإذا جعلتم للولي أن يتصرف في مال اليتيم ~~تصرفه في مال ابنه بولاية الكفالة كما قدمتم بيانه إن كان بتقديم وال عليه، ~~فهل ينكح نفسه من يتيمته أو يشتري من مال يتيمته؟ قلنا: إن مالكا جعل ولاية ~~النكاح بالكفالة والحضانة أقوى منها بالقرابة، حتى قال في الأعراب الذين ~~يسلمون أولادهم في أعوام المجاعة إلى الكفلة: إنهم ينكحونهم إنكاحهم. # فأما إنكاح الكافل من نفسه فسيأتي في تفسير سورة النساء إن شاء الله ~~تعالى. وأما الشراء منه فقال مالك وأبو حنيفة: يشتري في مشهور الأقوال إذا ~~كان نظرا له، وهو صحيح؛ لأنه من باب الإصلاح المنصوص عليه في الآية. وقال ~~الشافعي: لا يجوز ذلك في النكاح ولا في البيع؛ وقد مهدناه في مسائل الخلاف. ~~فأما ما نزعه الشافعي من منع النكاح فله فيها طرق بيانها في موضعها هنالك؛ ~~وأما الشراء فطريقه فيها ضعيف جدا إلا أن يدخل معنا في مراعاة الذرائع ~~والتهم فينقض أصله في تركها. # فإن قيل: فلم ترك مالك أصله في التهمة والذرائع، وجوز له ذلك من نفسه مع ~~يتيمته؟ قلنا: إنما نقول يكون ذريعة لما يؤدي من الأفعال المباحة إلى محظور ~~منصوص # PageV01P216 # عليه، وأما هاهنا فقد أذن الله سبحانه في صورة المخالطة، ووكل الحاضنين ~~في ذلك إلى أمانتهم بقوله تعالى: ms0140 {والله يعلم المفسد من المصلح} [البقرة: ~~220] وكل أمر مخوف وكل الله تعالى فيه المكلف إلى أمانته لا يقال فيه إنه ~~يتذرع إلى محظور فيمنع منه، كما جعل الله سبحانه النساء مؤتمنات على ~~فروجهن، مع عظم ما يتركب على قولهن في ذلك من الأحكام، ويرتبط به من الحل ~~والحرمة والأنساب، وإن جاز أن يكذبن. # وهذا فن بديع فتأملوه واتخذوه دستورا في الأحكام وأملوه، والله الموفق ~~للصواب برحمته. ### | [الآية الموفية ستين قوله تعالى ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن] # ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ~~ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى ~~الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون} [البقرة: 221] فيها ~~ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: اختلف الناس فيها على ثلاثة أقوال: # الأول: لا يجوز العقد بنكاح على مشركة كانت كتابية أو غير كتابية؛ قاله ~~عمر في إحدى روايتيه، وهو اختيار مالك والشافعي إذا كانت أمة. # الثاني: أن المراد به وطء من لا كتاب له من المجوس والعرب؛ قاله قتادة. # الثالث: أنه منسوخ بقوله تعالى: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من ~~قبلكم} [المائدة: 5]. # قال القاضي: ودرسنا الشيخ الإمام فخر الإسلام أبو بكر محمد بن أحمد بن ~~الحسن الشاشي بمدينة السلام قال: احتج أبو حنيفة على جواز نكاح الأمة ~~الكتابية بقوله # PageV01P217 # تعالى: {ولأمة مؤمنة خير من مشركة} [البقرة: 221]؛ ووجه الدليل من الآية ~~أن الله تعالى خاير بين نكاح الأمة المؤمنة والمشركة، فلولا أن نكاح الأمة ~~المشركة جائز لما خاير الله تعالى بينهما؛ لأن المخايرة إنما هي بين ~~الجائزين، لا بين الجائز والممتنع، ولا بين المتضادين؛ ألا ترى أنك لا ~~تقول: العسل أحلى من الخل. والجواب عنه من ثلاثة أوجه: # الأول: أنه تجوز المخايرة بين المتضادين لغة وقرآنا؛ لأن الله تعالى قال: ~~{أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا} [الفرقان: 24] ولا خير عند أهل ~~النار. وقال عمر - رضي الله عنه - في رسالته إلى أبي موسى: " الرجوع إلى ~~الحق خير من التمادي في ms0141 الباطل ". # الثاني: أنه تعالى قال: {ولعبد مؤمن خير من مشرك} [البقرة: 221] ثم لما ~~لم يجز نكاح العبد المشرك للمؤمنة كذلك لا يجوز نكاح المسلم للمشركة؛ إذ لو ~~دل أحد القسمين على المراد لدل الآخر على مثله؛ لأنهما إنما سيقتا في ~~البيان مساقا واحدا. # الثالث: قوله تعالى: {ولأمة} [البقرة: 221] لم يرد به الرقيق المملوك؛ ~~وإنما أراد به: الآدمية والآدميات، والآدميون بأجمعهم عبيد الله وإماؤه؛ ~~قاله القاضي بالبصرة أبو العباس الجرجاني. # التنقيح: كل كافر بالحقيقة مشرك؛ ولذلك يروى عن ابن عمر - رضي الله عنهما ~~- أنه كره نكاح اليهودية والنصرانية، وقال: أي شرك أعظم ممن يقول: عيسى هو ~~الله أو ولده، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # فإن حملنا اللفظ على الحقيقة فهو عام خصصته آية سورة النساء ولم تنسخه؛ ~~وإن حملناه على العرف فالعرف إنما ينطلق فيه لفظ المشرك على من ليس له كتاب ~~من # PageV01P218 # المجوس والوثنيين من العرب، وقد قال الله تعالى: {ما يود الذين كفروا من ~~أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم} [البقرة: 105] ~~وقال: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين} [البينة: 1] ~~فلفظ الكفر يجمعهم، ويخصهم ذلك التقسيم. # فإن قيل: إن كان اللفظ خاصا كما قلتم فالعلة تجمعهم، وهي معنى قوله ~~تعالى: {أولئك يدعون إلى النار} [البقرة: 221]؛ وهذا عام في الكتابي ~~والوثني والمجوسي. # قلنا: لا نمنع في الشرع أن تكون العلة عامة والحكم خاصا أو أزيد من ~~العلة؛ لأنها دليل في الشرع وأمارات، وليست بموجبات. # ويحتمل أن يكون معنى قوله تعالى: {أولئك يدعون إلى النار} [البقرة: 221] ~~يرجع إلى الرجال في قوله تعالى: {ولعبد مؤمن خير من مشرك} [البقرة: 221] لا ~~إلى النساء؛ لأن المرأة المسلمة لو تزوجت كافرا حكم عليها حكم الزوج على ~~الزوجة، وتمكن منها ودعاها إلى الكفر، ولا حكم للمرأة على الزوج؛ فلا يدخل ~~هذا فيها، والله أعلم. ### | [مسألة قوله تعالى ولو أعجبكم] # المسألة الثانية: قوله تعالى: {ولو أعجبكم} [البقرة: 221]: قال بعضهم: ~~معناه وإن أعجبكم، وإنما أوقعه في ذلك علمه بأن ms0142 " لو " تفتقر إلى جواب، ~~ونسي أن " إن " أيضا تفتقر إلى جزاء. # وتأويل الكلام: لا تنكحوا المشركات ابتداء ولو أعجبكم حسنهن، كما تقول، ~~لا تكلم زيدا وإن أعجبك منطقه. ### | [مسألة النكاح بولي] # المسألة الثالثة: قال محمد بن علي بن حسين: النكاح بولي في كتاب الله ~~تعالى؛ ثم قرأ: ولا تنكحوا المشركين بضم التاء، وهي مسألة بديعة ودلالة ~~صحيحة. ### | [الآية الحادية والستون قوله تعالى ويسألونك عن المحيض] # قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن ~~فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} [البقرة: ~~222] # PageV01P219 # فيها اثنتان وعشرون مسألة: # المسألة الأولى: سبب السؤال: وقد اختلف العلماء فيه على قولين: فروى أنس ~~بن مالك: «كانت اليهود إذا حاضت المرأة منهم لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم ~~يجامعوها في البيوت، فسئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فأنزل الله ~~تعالى: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى} [البقرة: 222] فأمرهم رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أن يؤاكلوهن ويشاربوهن، وأن يكونوا في البيت معهن، ~~وأن يفعلوا كل شيء ما خلا النكاح. فقالت اليهود: ما يريد محمد أن يدع من ~~أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه، فجاء أسيد بن الحضير، وعباد بن بشر، فقالا: يا ~~رسول الله؛ ألا نخالف اليهود فنطأ النساء في المحيض فتغير وجه رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - حتى ظننا أنه قد وجد عليهما. قال: فقاما فخرجا عنه ~~فاستقبلتهم اهدية من لبن إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فبعث في آثارهما ~~فسقاهما، فعلما أنه لم يجد عليهما.» وهذا حديث صحيح متفق عليه من الأئمة. # المسألة الثانية: كان غضب النبي - صلى الله عليه وسلم - عليهما لأحد ~~أمرين؛ إما كراهية من كثرة الأسئلة، ولذلك كان - عليه السلام - يقول: ~~«ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على ~~أنبيائهم». # PageV01P220 # وإما أن يكون كره الأطماع المتعلقة بالرذائل، وإن كانت مقترنة باللذات؛ ~~والوطء في حالة الحيض رذيلة يستدعي عزوف النفس. وعلو الهمة الانكفاف عنه لو ~~كان مباحا، كيف وقد ms0143 وقع النهي عنه لا سيما ممن تحقق في الدين علمه، وثبت في ~~المروءة قدمه كأسيد وعباد. # وقد روي عن مجاهد قال: «كانوا يأتون النساء في أدبارهن في المحيض فسألوا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله تعالى الآية» وهذا ضعيف يأتي ~~القول فيه إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة المحيض] # المسألة الثالثة: في تفسير المحيض وهو مفعل، من حاض يحيض إذا سال حيضا، ~~تقول العرب: حاضت الشجرة والسمرة: إذا سالت رطوبتها، وحاض السيل: إذا سال ~~قال الشاعر: # أجالت حصاهن الذواري وحيضت ... عليهن حيضات السيول الطواحم # وهو عبارة عن الدم الذي يرخيه الرحم فيفيض، ولها ثمانية أسماء: الأول: ~~حائض. الثاني: عارك. الثالث: فارك. الرابع: طامس. الخامس: دارس. السادس: ~~كابر. السابع: ضاحك. الثامن: طامث. # قال مجاهد في قوله تعالى: {فضحكت} [هود: 71] يعني حاضت. وقال الشاعر: # ويهجرها يوما إذا هي ضاحك # وقال أهل التفسير: {فلما رأينه أكبرنه} [يوسف: 31] يعني حضن، وأنشدوا في ~~ذلك: # PageV01P221 # يأتي النساء على أطهارهن ولا ... يأتي النساء إذا أكبرن إكبارا # . المسألة الرابعة: المحيض، مفعل، من حاض، فعن أي شيء كون. عبارة عن ~~الزمان أم عن المكان أم عن المصدر حقيقة أم مجاز؟ وقد قيل: إنه عبارة عن ~~زمان الحيض وعن مكانه، وعن الحيض نفسه. وتحقيقه عند مشيخة الصنعة قالوا: إن ~~الاسم المبني من فعل يفعل للموضع مفعل بكسر العين كالمبيت والمقيل، والاسم ~~المبني منه على مفعل بفتح العين يعبر به عن المصدر كالمضرب، تقول: إن في ~~ألف درهم لمضربا، أي ضربا ومنه قوله تعالى: {وجعلنا النهار معاشا} [النبأ: ~~11] أي عيشا. # وقد يأتي المفعل بكسر العين للزمان، كقولنا: مضرب الناقة أي زمان ضرابها. # وقد يبنى المصدر أيضا عليه، إلا أن الأصل ما تقدم. وذلك لقوله تعالى: ~~{إلى الله مرجعكم} [المائدة: 48] أي رجوعكم، ولقوله تعالى: {ويسألونك عن ~~المحيض} [البقرة: 222] أي عن الحيض. # وإذا علمت هذا من قولهم، فالصحيح عندي أن كل فعل لا بد لكل متعلق من ~~متعلقاته من بناء يختص به قصدا للتمييز بين المعاني بالألفاظ المختصة بها، ~~وهي سبعة: الفاعل، ms0144 والمفعول، والزمان، والمكان، وأحوال الفعل الثلاثة من ~~ماض، ومستقبل، وحال، ويتداخلان، ثم يتفرع إلى عشرة وإلى أكثر منها بحسب ~~تزايد المتعلقات. # وكل واحد من هذه الأبنية يتميز بخصصيته اللفظية عن غيره تميزه بمعناه، ~~وقد يتميز ببنائه في حركاته وتردداته المتصلة وتردداته المنفصلة، كقولك: ~~معه، وله، وبه، وغير ذلك. # فإذا وضع العربي أحدهما موضع الآخر جاز، وهذا على جهة الاستعارة، وهذا ~~بين للمنصف استقصيناه من كتاب ملجئة المتفقهين إلى معرفة غوامض النحويين "؛ ~~فإذا ثبت هذا وقلت معنى قوله تعالى: {ويسألونك عن المحيض} [البقرة: 222] # PageV01P222 # زمان الحيض صح، ويكون حينئذ مجازا على تقدير محذوف دل عليه السبب الذي ~~كان السؤال بسببه، تقديره: ويسألونك عن الوطء في زمان الحيض. # وإن قلت: إن معناه موضع الحيض كان مجازا في مجاز على تقدير محذوفين ~~تقديره: {ويسألونك عن المحيض} [البقرة: 222] أي: عن الوطء في موضع الحيض ~~حالة الحيض؛ لأن أصل اسم الموضع يبقى عليه وإن زال الذي لأجله سمي به؛ فلا ~~بد من تقدير تحقيق في هذا الاحتمال، لظهور المجاز فيه. # وإن قلت معناه: ويسألونك عن الحيض، كان مجازا على تقدير محذوف واحد، ~~تقديره: ويسألونك عن منع الحيض؛ وهذا كله متصور متقرر على رواية مجاهد ~~وثابت بن الدحداحة، وحديث أنس متقدر عليها كلها تقديرا صحيحا؛ فيتبين عند ~~التنزيل فلا يحتاج إلى بسطه بتطويل. ### | [مسألة الدماء التي ترخيها الرحم] # المسألة الخامسة: في اعتباره شرعا الدماء التي ترخيها الرحم دم عادة، وهو ~~المعتبر، ودم علة يعتبر غالبا عند علمائنا، وفيه خلاف؛ وكلاهما معروف؛ ~~والأرحام التي ترخيها ثنتان: حامل، وحائل [والحائل] تنقسم إلى أربعة: ~~مبتدأة، ومعتادة، ومختلطة، ومستحاضة، ثم تتفرع بالأحوال والزمان إلى ثلاثين ~~قسما، بيانها في كتاب المسائل، ولكل حال منها حكم. ### | [مسألة قوله تعالى قل هو أذى] # المسألة السادسة: قوله تعالى: {قل هو أذى} [البقرة: 222]: فيه أربعة ~~أقوال: # الأول: قذر؛ قاله قتادة، والسدي. # الثاني: دم؛ قاله مجاهد. # الثالث: نجس. # الرابع: مكروه يتأذى بريحه وضرره أو نجاسته. # PageV01P223 # والصحيح هذا الرابع، بدليلين: أحدهما: أنه يعمها. # الثاني: قوله تعالى: {إن كان ms0145 بكم أذى من مطر} [النساء: 102] ويصح رجوعه ~~إلى الاحتمالات الثلاثة المتقدمة، وتقديره: يسألونك عن موضع الحيض، قل: هو ~~أذى؛ فيكون رجوعه إلى حقيقة المحيض مجازا، ويكون رجوعه إلى مجازه حقيقة، ~~وهذا من بديع التقدير. ### | [مسألة دم الحيض] # المسألة السابعة: اختلف علماؤنا في دم الحيض؛ فقال بعضهم: هو كسائر ~~الدماء يعفى عن قليله. # ومنهم من قال: قليله وكثيره سواء في التحريم، رواه أبو ثابت عن ابن ~~القاسم وابن وهب وابن سيرين عن مالك، وجه الأول عموم قوله تعالى: {أو دما ~~مسفوحا} [الأنعام: 145] وهذا يتناول الكثير دون القليل. # ووجه الثاني قوله تعالى: {قل هو أذى} [البقرة: 222] وهذا يعم القليل ~~والكثير، ويترجح هذا العموم على الآخر بأنه عموم في خصوص عين. # وذلك الأول هو عموم في خصوص حال، وحال المعين أرجح من حال الحال، وهذا من ~~غريب فنون الترجيح، وقد بيناه في أصول الفقه، وهو مما لم نسبق إليه ولم ~~نزاحم عليه. ### | [مسألة ما يمنع منه الحيض] # المسألة الثامنة: جملة ما يمنع منه الحيض ويترتب عليه من أحكام الشرع: ~~وجملة ذلك خمسة: # الأول: أنه يمنع من كل فعل يشترط لجوازه الطهارة. # الثاني: دخول المسجد. # الثالث: الصوم. # الرابع: الوطء. # الخامس: إيقاع الطلاق. # PageV01P224 # وينتهي بالتفصيل إلى ستة عشر حكما تفسيرها في كتب الفروع. ### | [مسألة قوله تعالى فاعتزلوا النساء في المحيض] # المسألة التاسعة: قوله تعالى: {فاعتزلوا النساء في المحيض} [البقرة: ~~222]: معناه افعلوا العزل أي اكتسبوه، وهو الفصل بين المجتمعين عارضا لا ~~أصلا. # المسألة العاشرة: اختلف العلماء في مورد العزل ومتعلقه على أربعة أقوال: # الأول: جميع بدنها. فلا يباشره بشيء من بدنه؛ قاله ابن عباس، وعائشة في ~~قول، وعبيدة السلماني. # الثالث: الفرج؛ قالته حفصة، وعكرمة، وقتادة، والشعبي، والثوري، وأصبغ. # الرابع: الدبر؛ قاله مجاهد، وروي عن عائشة معناه. # فأما من قال: إنه جميع بدنها فتعلق بظاهر قوله تعالى: {النساء} [البقرة: ~~222]؛ وهذا عام فيهن في جميع أبدانهن، والمروي في الصحيح عن عائشة - رضي ~~الله عنها - قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضطجع معي وأنا ~~حائض وبيني وبينه ms0146 ثوب». # وقالت أيضا: «كانت إحدانا إذا كانت حائضا، أمرها رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أن تأتزر في فور حيضتها ثم يباشرها». # قالت: «وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يملك ~~إربه»؟ وهذا يقتضي خصوص النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذه الحالة. # وقد روي عن «بدرة مولاة ابن عباس قالت: بعثتني ميمونة بنت الحارث وحفصة ~~بنت عمر إلى امرأة ابن عباس - رضي الله عنهم -، وكانت بينهما قرابة من جهة ~~النساء. فوجدت فراشه معتزلا فراشها، فظننت أن ذلك عن الهجران، فسألتها ~~فقالت: إذا طمثت اعتزل فراشي؛ فرجعت فأخبرتها بذلك فردتني إلى ابن عباس ~~وقالت: تقول لك أمك: أرغبت عن سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لقد ~~كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينام مع المرأة # PageV01P225 # من نسائه وإنها حائض، وما بينها وبينه إلا ثوب ما يجاوز الركبتين». # وهذا إن صح عن ابن عباس فإنما كان ذلك على معنى الراحة من مضاجعة المرأة ~~في هذه الحالة. # وأما من قال: ما بين السرة إلى الركبة فهو الصحيح، ودليله «قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - في جواب السائل عما يحل من الحائض. فقال: لتشد عليها ~~إزارها ثم شأنه بأعلاها». # وأما من قال: إنه الفرج خاصة فقوله في الصحيح: «افعلوا كل شيء إلا ~~النكاح». وأيضا فإنه حمل الآية على حماية الذرائع، وخص الحكم وهو التحريم ~~بموضع العلة وهو الفرج؛ ليكون الحكم طبقا للعلة يتقرر بتقرر العلة إذا ~~أوجبته خاصة، فإذا أثارت العلة نطقا تعلق الحكم بالنطق وسقط اعتبار العلة، ~~كما بينا في السعي من قبل؛ فإنه كان الرمل فيه لعلة إظهار الجلد للمشركين؛ ~~ثم زالت، ولكن شرعه النبي - صلى الله عليه وسلم - دائبا يثبت بالقول والفعل ~~مستمرا، ولذلك أمثلة في الفروع وأدلة في الأصول. # وأما من قال: الدبر، فروى المقصرون الغافلون عن عائشة - رضي الله عنها -: ~~" إذا حاضت المرأة حرم حجرها "، وهذا باطل ذكرناه لنبين حاله. # وأما من قال: «افعلوا كل شيء إلا النكاح»، فمعناه الإذن في الجماع؛ ولم ~~يبين ms0147 محله، وقوله: «شأنك بأعلاها»، بيان لمحله. ### | [مسألة قوله تعالى النساء] # المسألة الحادية عشرة: قوله تعالى: {النساء} [البقرة: 222]: فذكرهن ~~بالألف واللام المحتملة للجنس والعهد، وقد بينا حكمها في أصول الفقه، فإن ~~حملتها على العهد صح؛ لأن السؤال وقع عن معهود من الأزواج، فعاد # PageV01P226 # الجواب عليه طبقا، وإن حملتها على الجنس جاز ويكون الجواب أعم من السؤال، ~~فيكون قوله تعالى: {فاعتزلوا النساء} [البقرة: 222] عاما في كل امرأة زوجا ~~أو غير زوج، خاصا في حال الحيض، وتكون الزوجة محرمة في حال الحيض بالحيض، ~~وتكون الأجنبيات محرمات في حال الحيض بالأجنبية وبالحيض جميعا، ويتعلق ~~التحريم بالعلتين، وقد بينا في أصول الفقه ومسائل الخلاف جواز تعلق الحكم ~~الشرعي بعلتين. # المسألة الثانية عشرة: {في المحيض} [البقرة: 222]: وهو مرتب على الأول في ~~جميع وجوهه، فاعتبره بما فيه. ### | [مسألة قوله تعالى ولا تقربوهن] # المسألة الثالثة عشرة: قوله تعالى: {ولا تقربوهن} [البقرة: 222]: سمعت ~~فخر الإسلام أبا بكر محمد بن أحمد الشاشي في مجلس النظر يقول: إذا قيل لا ~~تقرب بفتح الراء كان معناه لا تلبس بالفعل، وإذا كان بضم الراء كان معناه ~~لا تدن منه. # وأما مورده فهو مورد {فاعتزلوا النساء} [البقرة: 222] وهو محمول عليه في ~~جميع وجوهه، لكن بإضمار بعد إضمار، كقولك مثلا: فاعتزلوا النساء في المحيض، ~~أي في مكان الحيض، ولا تقربوهن فيه، وركبوا عليها باقيها. ### | [مسألة قوله تعالى حتى يطهرن] # المسألة الرابعة عشرة: قوله تعالى: {حتى يطهرن} [البقرة: 222]: حتى بمعنى ~~الغاية، وهو انتهاء الشيء وتمامه، وفرق بينهما وبين القاطع للشيء قبل تمامه ~~كثير، مثاله أن الليل ينتهي بإقباله الصوم، وبالسلام تنتهي الصلاة، وبوطء ~~الزوج الثاني ينتهي تحريم النكاح على الزوج الأول كما تقدم بيانه في سورة ~~البقرة، وتحقيقه في مسائل الخلاف. # المسألة الخامسة عشرة: في حكم الغاية: وهو أن يكون ما بعدها مخالفا لما ~~قبلها، وقد تردد في ذلك علماؤنا، والمسألة مشكلة جدا، وقد بيناها في موضعها ~~من أصول الفقه، والله أعلم. ### | [مسألة قوله تعالى حتى يطهرن] # المسألة السادسة عشرة: قوله تعالى: {حتى يطهرن} [البقرة: 222]: # PageV01P227 # والمسألة ms0148 السابعة عشرة: قوله تعالى: {فإذا تطهرن} [البقرة: 222]: وهما ~~ملتزمتان، وقد اختلف الناس فيه اختلافا متباينا نطيل النفس فيه قليلا؛ وفيه ~~ثلاثة أقوال: # الأول: أن معنى قوله تعالى: {حتى يطهرن} [البقرة: 222]؛ حتى ينقطع دمهن؛ ~~قاله أبو حنيفة، ولكنه ناقض في موضعين؛ قال: إذا انقطع دمها لأكثر الحيض ~~حينئذ تحل، وإن انقطع دمها لأقل الحيض لم تحل حتى يمضي وقت صلاة كامل. # الثاني: لا يطؤها حتى تغتسل بالماء غسل الجنابة؛ قاله الزهري وربيعة ~~والليث ومالك وإسحاق وأحمد وأبو ثور. # الثالث: تتوضأ للصلاة؛ قاله طاوس ومجاهد. # فأما أبو حنيفة فينقض قوله بما ناقض فيه فإنه تعلق بأن الدم إذا انقطع ~~لأقل الحيض لم يؤمن عودته. قلنا: ولا تؤمن عودته إذا مضى وقت صلاة، فبطل ما ~~قلته. # والتعلق بالآية يدفع من وجهين: # أحدهما: أن الله تعالى قال: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} [البقرة: 222] ~~مخففا. وقرئ " حتى يطهرن " مشددا. والتخفيف وإن كان ظاهرا في استعمال الماء ~~فإن التشديد فيه أظهر لقوله تعالى: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة: 6]؛ ~~فجعل ذلك شرطا في الإباحة وغاية للتحريم. # فإن قيل: المراد بقوله تعالى: {حتى يطهرن} [البقرة: 222] حتى ينقطع عنهن ~~الدم؛ وقد يستعمل التشديد موضع التخفيف، فيقال: تطهر بمعنى طهر، كما يقال: ~~قطع وقطع، ويكون هذا أولى، لأنه لا يفتقر إلى إضمار، ومذهبكم يفتقر إلى ~~إضمار قولك بالماء. # قلنا: لا يقال اطهرت المرأة بمعنى انقطع دمها، ولا يقال قطع مشددا بمعنى ~~قطع مخففا، وإنما التشديد [بمعنى] تكثير التخفيف. # PageV01P228 # جواب آخر: وهو أنه قد ذكر بعده ما يدل على المراد، فقال: " فإذا تطهرن " ~~والمراد بالماء. # والظاهر أن ما بعد الغاية في الشرط هو المذكور في الغاية قبلها، فيكون ~~قوله تعالى: {حتى يطهرن} [البقرة: 222] مخففا، وهو معنى قوله " يطهرن " ~~مشددا بعينه، ولكنه جمع بين اللغتين في الآية، كما قال تعالى: {فيه رجال ~~يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين} [التوبة: 108] وقال الكميت: # وما كانت الأبصار فيها أذلة ... ولا غيبا فيها إذا الناس غيب # وقيل: إن قوله تعالى: {فإذا تطهرن} [البقرة: 222] ابتداء كلام لا إعادة ms0149 ~~لما تقدم، ولو كان إعادة لاقتصر على الأول فقال: حتى يطهرن فأتوهن من حيث ~~أمركم الله خاصة، فلما زاد عليه دل على أنه استئناف حكم آخر. # فالجواب: أن هذا خلاف الظاهر؛ فإن المعاد في الشرط هو المذكور في الغاية، ~~بدليل ذكره بالفاء، ولو كان غيره لذكره بالواو. # وأما الزيادة عليه فلا تخرجه عن أن يكون بعينه؛ ألا ترى أنه لو قال: لا ~~تعط هذا الثوب زيدا حتى يدخل الدار، فإذا دخل فأعطه الثوب ومائة درهم، لكان ~~هو بعينه، ولو أراد غيره لقال: لا تعطه حتى يدخل الدار، فإذا دخل وجلس ~~فافعل كذا وكذا؛ هذا طريق النظم في اللسان. # جواب آخر: وذلك أن قولهم: إنا لا نفتقر في تأويلنا إلى إضمار؛ وأنتم ~~تفتقرون إلى إضمار. # قلنا: لا يقع بمثل هذا ترجيح؛ فإن هذا الإضمار من ضرورة الكلام، فهذا ~~كالمنطوق به. # جواب ثالث: وهو المتعلق الثاني من الآية: إنا نقول: نسلم أن قوله تعالى: ~~{حتى يطهرن} [البقرة: 222] أن معناه حتى ينقطع دمهن، لكنه لما قال بعد ذلك: ~~فإذا تطهرن، معناه فإذا اغتسلن بالماء تعلق الحكم على شرطين: # أحدهما: انقطاع الدم. # PageV01P229 # الثاني: الاغتسال بالماء. # فوقف الحكم وهو جواز الوطء على الشرطين، وصار ذلك لقوله تعالى: {وابتلوا ~~اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم} ~~[النساء: 6] فعلق الحكم وهو جواز دفع المال على شرطين: # أحدهما: بلوغ النكاح، والثاني: إيناس الرشد. # فوقف عليهما ولم يصح ثبوته بأحدهما، وكذلك قوله تعالى في المطلقة ثلاثا: ~~{فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] ثم جاءت السنة ~~باشتراط الوطء؛ فوقف التحليل على الأمرين جميعا، وهما انعقاد النكاح، ووقوع ~~الوطء، وعلى هذا عول الجويني. # فإن قيل: هذا حجة عليكم فإنه مد التحريم إلى غاية، وهي انقطاع الدم، وما ~~بعد الغاية مخالف لما قبلها، فوجب أن يحصل الجواز بعد انقطاع الدم لسبب حكم ~~الغاية. # قلنا: إنما يكون حكم الغاية مخالفا لما قبلها إذا كانت مطلقة، فأما إذا ~~انضم إليها شرط آخر فإنما يرتبط الحكم ms0150 بما وقع القول عليه من الشرط لقوله ~~تعالى: {حتى إذا بلغوا النكاح} [النساء: 6]؛ ولقوله تعالى: {حتى تنكح زوجا ~~غيره} [البقرة: 230] وكما بيناه. # فإن قيل: ليس هذا تجديد شرط زائد، وإنما هو إعادة للكلام، كما تقول: لا ~~تعط زيدا شيئا حتى يدخل الدار، فإذا دخل فأعطه؛ وحمله على هذا أولى من ~~وجهين: # أحدهما: أنه يحفظ حكم الغاية ويقرها على أصلها. # والثاني: أن الظاهر من لفظ الشرط أنه المذكور في الغاية. # فالجواب عنه من تسعة أوجه: # أحدها: أنا نقول: روى عطية، عن ابن عباس أنه قال: " فإذا تطهرن بالماء "، ~~وهو قول مجاهد وعكرمة. # PageV01P230 # الثاني: أن تطهر لا يستعمل إلا فيما يكتسبه الإنسان وهو الاغتسال بالماء، ~~فأما انقطاع الدم فليس بمكتسب. # فإن قيل: بل يستعمل تفعل في غير الاكتساب، كما يقال: تقطع الحبل، وكما ~~يقال في صفات الله سبحانه: تجبر وتكبر، وليس في ذلك اكتساب ولا تكلف. # فالجواب عنه من أوجه: أحدها: أن الظاهر من اللغة ما قلناه، وقوله: تقطع ~~الحبل نادر، فلا يقاس عليه حكم. # جواب آخر: هبكم سلمنا لكم أنه مستعمل، ففي مسألتنا لا يستعمل، فلا يقال ~~تطهرت المرأة بمعنى انقطع دمها. # وإذا لم يجز استعماله في مسألتنا لم يقع استعماله في غيرها، وهذه نكتة ~~بديعة من المجاز؛ وذلك أنه إنما يحمل اللفظ على الشيء إذا كان مستعملا على ~~سبيل المجاز. # وأما مجاز استعمل في موضع آخر فلا يجوز أن يجعل طريقا إلى تأويل اللفظ ~~فيما لم يستعمل فيه؛ وفي ذلك الموضع إنما حملناه على ذلك للضرورة، وهو أن ~~الجمادات لا توصف بالاكتساب للأفعال وتكلفها، ولذلك يستحيل في صفات الله ~~تعالى وفي أفعاله التكلف، فحمل اللفظ على ما وضع له من أجل الضرورة، وهذا ~~لا يوجب خروجه عن مقتضاه لغير ضرورة. وهذا جواب القاضي أبي الطيب الطبري. # جواب ثالث: قال تعالى في آخر الآية: {ويحب المتطهرين} [البقرة: 222] ~~فمدحهن وأثنى عليهن، فلو كان المراد به انقطاع الدم ما كان فيه مدح؛ لأنه ~~من غير عملهن، والباري سبحانه قد ذم على مثل هذا ms0151 فقال: {ويحبون أن يحمدوا ~~بما لم يفعلوا} [آل عمران: 188]. # فإن قيل: هذا ابتداء كلام، وليس براجع إلى ما تقدم، بدليل قوله تعالى: ~~{يحب التوابين} [البقرة: 222]؛ ولم يجر للتوبة ذكر. قلنا: سيأتي الجواب عنه ~~إن شاء الله. # PageV01P231 # جواب رابع عن أصل السؤال: وهو قولهم: إنما حملنا الآية على هذا كما قد ~~حفظنا موجب الغاية ومقتضاها، فهذا لو اقتصر على الغاية، فأما إذا قرن بها ~~الشرط فذلك لا يلزم كما تقدم. # جواب خامس: وهو أنا نقول: إن كنا نحن قد تركنا موجب الغاية فقد حملتم ~~أنتم اللفظ على التكرار، فتركتم فائدة عوده، وإذا أمكن حمل اللفظ على فائدة ~~مجددة لم يحمل على التكرار في كلام الناس، فكيف كلام العليم الحكيم؟ # جواب سادس: ليس حملكم قوله تعالى: {فإذا تطهرن} [البقرة: 222] على قوله: ~~{حتى يطهرن} [البقرة: 222] بأولى من حملنا قوله تعالى: {حتى يطهرن} ~~[البقرة: 222] على قوله: {فإذا تطهرن} [البقرة: 222]؛ فوجب أن يقرن كل لفظ ~~منه على مقتضاه؛ هذا جواب أبي إسحاق الشيرازي. # جواب سابع: وذلك أنا إذا حملنا اللفظ على الطهارة بالماء كنا قد حفظنا ~~الآية من التخصيص والأدلة من التناقض؛ وإذا حملنا {تطهرن} [البقرة: 222] ~~على انقطاع الدم كنا قد خصصنا الآية وتحكمنا على معنى لفظها بما لا يقتضيه ~~ولا يشهد له فرق فيه، وتناقضنا في الأدلة؛ والذي قلناه أولى. هذا جواب ~~الإمام أبي بكر بن العربي. # وجواب ثامن: وهو أن المفسرين اتفقوا على أن المراد بالآية التطهر بالماء؛ ~~فالمعول عليه هنا جواب الطوسي وهو أضعفها؛ وقد كانت المسألة عنده ضعيفة عند ~~لقائنا له، وقد حصلنا فيها القوة والنصرة بحمد الله تعالى من كل إمام وفي ~~كل طريق. # جواب تاسع: قولهم: إن الظاهر من اللفظ المعاد في الشرط أن يكون بمعنى ~~الغاية إنما ذلك إذا كان معادا بلفظ الأول؛ أما إذا كان معادا بغير لفظه ~~فلا، وهو قد قال هاهنا: حتى " يطهرن " مخففا، ثم قال في الذي بعده: " فإذا ~~تطهرن " مشددا، وعلى هذه القراءة كان كلامنا، فوجب أن يكون غيره كما في آية ~~التيمم. ms0152 # PageV01P232 # فإن قيل وهو آخر أسئلة القوم، وأعمدها: القراءتان كالآيتين، فيجب أن يعمل ~~بهما، ونحن نحمل كل واحدة منهما على معنى فتحمل المشددة على ما إذا انقطع ~~دمها للأقل، فإنا لا نجوز وطأها حتى تغتسل، وتحمل القراءة الأخرى على ما ~~إذا انقطع دمها للأكثر، فنجوز وطأها وإن لم تغتسل. # قلنا: قد جعلنا القراءتين حجة لنا، وبينا وجه الدليل من كل واحدة منهما؛ ~~فإن قراءة التشديد تقتضي التطهر بالماء، وقراءة التخفيف أيضا موجبة لذلك ~~كما بيناه. # جواب ثان: وذلك أن إحدى القراءتين أوجبت انقطاع الدم، والأخرى أوجبت ~~الاغتسال بالماء، كما أن القرآن اقتضى تحليل المطلقة ثلاثا للزوج الأول ~~بالنكاح، واقتضت السنة التحليل بالوطء، فجمعنا بينهما. # فإن قيل: إذا اعتبرتم القراءتين هكذا كنتم قد حملتموها على فائدة واحدة، ~~وإذا اعتبرناها نحن كما قلنا حملناها على فائدتين متجددتين، وهي اعتبار ~~انقطاع الدم في قوله تعالى: {تطهرن} [البقرة: 222] في أكثر الحيض، واعتبار ~~قوله: يطهر في الأقل. # قلنا: نحن وإن كنا قد حملناهما على معنى واحد فقد وجدنا لذلك مثالا في ~~القرآن والسنة، وحفظنا نطق الآية ولم نخصه، وحفظنا الأدلة فلم ننقضها؛ فكان ~~تأويلنا يترتب على هذه الأصول الثلاثة؛ فهو أولى من تأويل آخر يخرج عنها. # جواب آخر: وذلك أن ما ذكرتموه من الجمع يقتضي إباحة الوطء عند انقطاع ~~الدم للأكثر، وما قلنا يقتضي الحظر؛ وإذا تعارض باعث الحظر وباعث الإباحة ~~غلب باعث الحظر، كما قال عثمان وعلي - رضي الله عنهما - في الجمع بين ~~الأختين بملك اليمين: " أحلتهما آية وحرمتهما آية، والتحريم أولى ". # فإن قيل: قوله تعالى: {ويسألونك عن المحيض} [البقرة: 222] ثم قال: ~~{فاعتزلوا النساء في المحيض} [البقرة: 222] وهو زمان الحيض، ومتى انقطع ~~الدم لدون أكثر الحيض فالزمان باق، فبقي النهي، وهذا اعتراض أبي الحسن ~~القدوري. # PageV01P233 # أجاب القاضي أبو الطيب الطبري فقال: [المحيض] هو الحيض بعينه، بدليل أنه ~~يقال: حاضت المرأة تحيض حيضا ومحيضا، فلا يكون لهم فيه حجة. # وأجاب عنه أبو إسحاق الشيرازي بأن قال: أراد بقوله: " المحيض " نفس ~~الحيض، بدليل قوله تعالى: {قل هو ms0153 أذى} [البقرة: 222] فإن قيل: بهذا نحتج ~~فإنه إذا زال الدم زال الأذى؛ فجاز الوطء؛ فإن الحكم إذا ثبت لعلة زال ~~بزوالها. # قلنا: هذا ينتقض بما إذا انقطع الدم لأقل الحيض؛ فإن زالت العلة ولم يزل ~~الحكم؛ وذلك لفقه؛ وهو أن الله تعالى بين علة التحريم، وهو وجود الأذى، ثم ~~لم يربط زوال الحكم بزوال العلة حتى ضم إليه شرطا آخر، وهو الغسل بالماء؛ ~~وذلك في الشرع كثير. # وأما طاوس ومجاهد فالكلام معهما سهل؛ لأنه خلاف لظاهر القرآن على القولين ~~جميعا، وهما تفسير الطهر بالانقطاع أو الاغتسال؛ ولذلك حملنا قوله تعالى: ~~{فاطهروا} [المائدة: 6] على الاغتسال في الجملة؛ فأي فرق بين اللفظين أو ~~المسألتين؟ ويدل عليهما من طريق المعنى أن نقول: الحيض معنى يمنع الصوم؛ ~~فكان الطهر الوارد فيه محمولا على جميع الجسد أصله الجنابة. # وأما داود فإنا لم نراع خلافه؛ لأنه إن كان يقول بخلق القرآن ويضلل أصحاب ~~محمد في استعمالهم القياس كفرناه؛ فإن راعينا إشكال سؤاله، قلنا: هذا ~~الكلام هو عكس الظاهر؛ لأن الله تعالى قال: {حتى يطهرن} [البقرة: 222] وهذا ~~ضمير النساء؛ فكيف يصح أن يسمع الله تعالى يقول: {حتى يطهرن} [البقرة: 222] ~~فيقول: إن وطأها جائز، مع أن الطهارة عليها واجبة؛ فيبيح الوطء قبل وجود ~~غايته التي علق جواز الوطء عليها. # واعتبر ذلك بعطف قوله تعالى: {ولا تقربوهن} [البقرة: 222]؛ على قوله ~~تعالى # PageV01P234 # {فاعتزلوا النساء} [البقرة: 222] تجده صحيحا؛ فإن كان المراد اعتزلوا ~~جملة المرأة كان قوله تعالى: {ولا تقربوهن} [البقرة: 222] عاما فيها، فيكون ~~قوله تعالى: {حتى يطهرن} [البقرة: 222] راجعا إلى جملتها، وإن كان المراد ~~بقوله تعالى: {فاعتزلوا} [البقرة: 222] أسفلها من السرة إلى الركبة وجب ~~عليه أن يقول: حتى يطهر ذلك الموضع كله؛ ولا يصح له؛ لأنه كان نظام الكلام ~~لو أراد ذلك حتى يطهرنه، وكذلك لو كان المراد فاعتزلوا الفرج سواء بسواء. # فإن قيل: قال الله تعالى: {قل هو أذى} [البقرة: 222] فإذا زال الأذى جاز ~~الوطء. قلنا: عنه جوابان: # أحدهما: أنه لو كان الاعتبار بزوال الأذى ما وجب غسل الفرج عندك، ms0154 لأن ~~الأذى قد زال بالجفوف أو القصة البيضاء، فغسل الفرج إذ ذاك يكون وقد زالت ~~العلة ولم يبق له أثر، فلا فائدة فيه، فدل أن الاعتبار بحكم الحيض لا ~~بوجوده. # الثاني: أنه علل بكونه أذى، ثم منع القربان حتى تكون الطهارة من الأذى، ~~وهذا بين. ### | [مسألة قوله تعالى فأتوهن] # المسألة الثامنة عشرة: قوله تعالى: {فأتوهن} [البقرة: 222]: معناه ~~فجيئوهن، أو يكون ذلك كناية عن الوطء، كما كنى عنه بالملامسة في قول ابن ~~عباس: " إن الله حيي كريم يعفو ويكني، كنى باللمس عن الجماع ". # وأما مورده فقد كان يتركب على قوله تعالى: {فاعتزلوا} [البقرة: 222] لولا ~~قوله: " من حيث أمركم الله " فإنه خصصه وهي: # المسألة التاسعة عشرة: وفيها ستة أقوال: # الأول: من حيث نهوا عنهن. # الثاني: القبل؛ قاله ابن عباس ومجاهد في أحد قوليه. # الثالث: من جميع بدنها؛ قاله ابن عباس أيضا. # PageV01P235 # الرابع: من قبل طهرهن؛ قاله عكرمة وقتادة. # الخامس: من قبل النكاح؛ قاله ابن الحنفية. # السادس: من حيث أحل الله تعالى لكم الإتيان، لا صائمات ولا محرمات ولا ~~معتكفات؛ قاله الأصم. # أما الأول: فهو قول مجمل؛ لأن النهي عنه مختلف فيه، فكيفما كان النهي ~~جاءت الإباحة عليه؛ فبقي تحقيق مورد النهي. # وأما قوله: القبل، فهو مذهب أصبغ وغيره؛ ويشهد له قوله تعالى: {قل هو ~~أذى} [البقرة: 222] وقد تقدم بيانه. # وأما الثالث: وهو جميع بدنها فالشاهد له قوله تعالى: {فاعتزلوا النساء} ~~[البقرة: 222]؛ وقد تقدم. # وأما الرابع: وهو قوله: من قبل طهرهن؛ فيعني به إذا طهرن؛ وهو قول من قال ~~بالفرج؛ لأن اشتراط الطهارة لا يكون إلا بالفرج على ما تقدم من صحيح ~~الأقوال، وإن شئت فركبه على الأقوال كلها يتركب؛ فما صح فيها صح فيه. # وأما الخامس: وهو النكاح، فضعيف لما قدمناه من أن قوله تعالى: {النساء} ~~[البقرة: 222] إنما يريد به الأزواج اللواتي يختص التحريم فيهن بحالة ~~الحيض. # وأما السادس: فصحيح في الجملة، لأن كل من ذكر نهى الله تعالى عن وطئه، ~~ولكن علم ذلك من غير هذه الآية بأدلتها؛ وإنما اختصت الآية ms0155 بحال الطهر، كما ~~اختص قوله تعالى: {ولا تباشروهن} [البقرة: 187] يعني: في حالة الصوم ~~والاعتكاف، ولا يقال: إن هذا كله يخرج من هذه الآية، وإنها مرادة به، وإن ~~كان محتملا له؛ فليس كل محتمل في اللفظ مرادا به فيه، وهذا من نفيس علم ~~الأصول، فافهمه. ### | [مسألة قوله تعالى يحب أي محبة الله] # المسألة الموفية عشرين: قوله تعالى: {يحب} [البقرة: 222]: محبة الله هي ~~إرادته ثواب العبد، وقد تقدم في كتب الأصول بيانه. # PageV01P236 # المسألة الحادية والعشرون: قوله تعالى: {التوابين} [البقرة: 222]: ~~التوبة: هي رجوع العبد عن حالة المعصية إلى حالة الطاعة؛ وقد بيناها في كتب ~~الأصول بشروطها. ### | [مسألة قوله تعالى المتطهرين] # المسألة الثانية والعشرون: قوله تعالى: {المتطهرين} [البقرة: 222]: وفيها ~~ثلاثة أقوال: # الأول: المتطهرين بالماء للصلاة. # الثاني: الذين لا يأتون النساء في أدبارهن؛ قاله مجاهد. # الثالث: الذين لا ينقضون التوبة، طهروا أنفسهم عن العود إلى ما رجعوا عنه ~~من الباطل الذي كانوا فيه؛ قاله مجاهد. # واللفظ وإن كان يحتمل جميع ما ذكر فالأول به أخص، وهو فيه أظهر، وعليه ~~حمله أهل التأويل، وهو المنعطف على سابق الآية المنتظم معها، والله أعلم. ### | [الآية الثانية والستون قوله تعالى نساؤكم حرث لكم] # الآية الثانية والستون # قوله تعالى: {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا ~~الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين} [البقرة: 223] فيها مسألتان: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: وفي ذلك روايات: قال جابر: " كانت اليهود ~~تقول: من أتى امرأته في قبلها من دبرها جاء الولد أحول، فنزلت الآية ". ~~وهذا حديث صحيح خرجه الأئمة. # PageV01P237 # الثانية: قالت أم سلمة، «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله تعالى: ~~{نساؤكم حرث لكم} [البقرة: 223] قال: يأتيها مقبلة ومدبرة إذا كانت في صمام ~~واحد». أخرجه مسلم وغيره. # الثالثة: روى الترمذي، «أن عمر - رضي الله عنه - جاء إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال له: هلكت. قال: وما أهلكك؟ قال: حولت رحلي البارحة. ~~فلم يرد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا حتى نزلت: {نساؤكم حرث ~~لكم} [البقرة: 223]: فقال: أقبل وأدبر، ms0156 واتق الدبر». ### | [مسألة نكاح المرأة في دبرها] # المسألة الثانية: اختلف العلماء في جواز نكاح المرأة في دبرها؛ فجوزه ~~طائفة كثيرة، وقد جمع ذلك ابن شعبان في كتاب جماع النسوان وأحكام القرآن " ~~وأسند جوازه إلى زمرة كريمة من الصحابة والتابعين وإلى مالك من روايات ~~كثيرة، وقد ذكر البخاري عن ابن عون عن نافع قال: " كان ابن عمر - رضي الله ~~عنه - إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه، فأخذت عليه يوما فقرأ سورة ~~البقرة حتى انتهى إلى مكان قال: أتدري فيم نزلت؟ قلت: لا. قال: أنزلت في ~~كذا وكذا، ثم مضى، ثم أتبعه بحديث أيوب عن نافع عن ابن عمر: {فأتوا حرثكم ~~أنى شئتم} [البقرة: 223]. قال: يأتيها في. . ولم يذكر بعده شيئا. # ويروى عن الزهري أنه قال: " وهل العبد " فيما روي عن ابن عمر في ذلك. ~~وقال النسائي، عن أبي النضر أنه قال لنافع مولى ابن عمر: " قد أكثر عليك ~~القول، إنك تقول عن ابن عمر إنه أفتى بأن يأتوا النساء في أدبارهن. قال ~~نافع: لقد # PageV01P238 # كذبوا علي، ولكن سأخبرك كيف كان الأمر؛ إن ابن عمر عرض المصحف يوما وأنا ~~عنده حتى بلغ {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} [البقرة: 223] قال: يا ~~نافع، هل تعلم ما أمر هذه الآية؟ قلت: لا. قال لنا: كنا معشر قريش نجيء ~~النساء، فلما دخلنا المدينة ونكحنا نساء الأنصار أردنا منهن ما كنا نريد من ~~نسائنا وإذا هن قد كرهن ذلك وأعظمنه، وكانت نساء الأنصار إنما يؤتين على ~~جنوبهن، فأنزل الله تعالى: {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} [البقرة: ~~223]. # قال القاضي: وسألت الإمام القاضي الطوسي عن المسألة فقال: لا يجوز وطء ~~المرأة في دبرها بحال؛ لأن الله تعالى حرم الفرج حال الحيض لأجل النجاسة ~~العارضة، فأولى أن يحرم الدبر بالنجاسة اللازمة. ### | [الآية الثالثة والستون قوله تعالى ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم] # أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم} [البقرة: 224] فيها ~~ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: في شرح العرضة: اعلموا وفقكم الله تعالى أن ms0157 " عرض " في ~~كلام العرب يتصرف على معان، مرجعها إلى المنع؛ لأن كل شيء اعترض فقد منع، ~~ويقال لما عرض في السماء من السحاب عارض؛ لأنه منع من رؤيتها، ومن رؤية ~~البدرين والكواكب. وقد يقال هذا عرضة لك أي عدة تبتذله في كل ما يعن لك. ~~قال عبد الله بن الزبير: " الصمد لأيام الحروب، وهذه للهوى، وهذه عرضة ~~لارتحالنا ". ### | [مسألة الحلف بالله] # المسألة الثانية: في المعنى: قال علماؤنا: في ذلك ثلاثة أجوبة: # الأول: لا تجعلوا الحلف بالله علة يعتل بها الحالف في بر أو حنث؛ وفي ~~الصحيح أن # PageV01P239 # النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم ~~عند الله تعالى من أن يعطي عنها كفارة» قال ذلك قتادة وسعيد بن جبير وطاوس. # الثاني: لا يمتنع من فعل خير بأن يقول: علي يمين أن لا يكون. # الثالث: لا تكثروا من ذكر الله تعالى في كل عرض يعرض؛ قال تعالى: {ولا ~~تطع كل حلاف مهين} [القلم: 10] فذم كثرة الحلف. ### | [مسألة قوله تعالى أن تبروا] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {أن تبروا} [البقرة: 224]: وقال بعضهم: لا ~~تجعلوا اليمين مانعا من البر، وهو معنى الحديث: «لأن يلج أحدكم بيمينه في ~~أهله آثم عند الله تعالى من أن يعطي كفارة عنها» وتحقيق المعنى أنه إن حلف ~~أولا كان المعنى أن تبروا باليمين، وإن لم يحلف كان المعنى أن تصلحوا ~~وتتقوا، ويدخل أحد المعنيين على الآخر فيجتمعان، وبيان ذلك يأتي في سورة ~~النور عند قوله تعالى: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة} [النور: 22] إن ~~شاء الله. # وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها ~~فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه». # PageV01P240 # وعلى الوجه الثالث يكون المعنى أن تبروا، أي إن الله ينهاكم عن كثرة ~~الحلف بالله لما في ذلك من البر والتقوى. ### | [الآية الرابعة والستون قوله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم] # ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم} [البقرة: 225] فيها ثلاث ~~مسائل: # المسألة الأولى: اللغو ms0158 في كلام العرب مخصوص بكل كلام لا يفيد، وقد ينطلق ~~على ما لا يضر. # المسألة الثانية: في المراد بذلك: وفيه سبعة أقوال: # الأول: ما يجري على اللسان من غير قصد، كقوله: لا والله، وبلى والله؛ ~~قالته عائشة، والشافعي. # الثاني: ما يحلف فيه على الظن، فيكون بخلافه قاله مالك. # الثالث: يمين الغضب. # الرابع: يمين المعصية. # الخامس: دعاء الإنسان على نفسه، كقوله: إن لم أفعل كذا فيلحق بي كذا ~~ونحوه. # والسادس: اليمين المكفر. # السابع: يمين الناسي. # المسألة الثانية في تنقيح هذه الأقوال: اعلموا أن جميع هذه السبعة ~~الأقوال لا تخلو من قسمي اللغو اللذين بيناهما، وحمل الآية على جميعها ~~ممتنع، لأن الدليل قد قام على المؤاخذة ببعضها، وفي ذلك آيات وأخبار وآثار ~~لو تتبعناها لخرجنا عن مقصود الاختصار بما لا فائدة فيه من الإكثار # PageV01P241 # والذي يقطع به اللبيب أنه لا يصح أن يكون تقدير الآية: لا يؤاخذكم الله ~~بما لا مضرة فيه عليكم، إذ قد قصد هو الإضرار بنفسه، وقد بين المؤاخذة ~~بالقصد، وهو كسب القلب، فدل على أن اللغو ما لا فائدة فيه، وخرج من اللفظ ~~يمين الغضب ويمين المعصية، وانتظمت الآية قسمين: قسم كسبه القلب، فهو ~~المؤاخذ به، وقسم لا يكسبه القلب، فهو الذي لا يؤاخذ به، وخرج من قسم الكسب ~~يمين الحالف ناسيا، فأما الحانث ناسيا فهو باب آخر يأتي في موضعه إن شاء ~~الله، كما خرج من قسم الكسب أيضا اليمين على شيء يظنه، فخرج بخلافه، لأنه ~~مما لم يقصده، وفي ذلك نظر طويل بيانه في المسائل. ### | [الآية الخامسة والستون قوله تعالى للذين يؤلون من نسائهم] # الآية الخامسة والستون: # قوله تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله ~~غفور رحيم} [البقرة: 226] {وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم} [البقرة: ~~227] فيها ست عشرة مسألة: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: وهي آية عظيمة الموقع جدا يترتب عليها ~~حكم كبير اختلف فيه الصحابة والتابعون وفقهاء الأمصار، ودقت مداركها حسبما ~~ترونها من جملتها إن شاء الله. # قال عبد ms0159 الله بن عباس: " كان إيلاء أهل الجاهلية السنة والسنتين وأكثر من ~~ذلك، فوفت لهم أربعة أشهر "؛ فمن آلى أقل من أربعة أشهر فليس بإيلاء حكمي. # المسألة الثانية: الإيلاء في لسان العرب هو الحلف، والفيء هو الرجوع، ~~والعزم هو تجريد القلب عن الخواطر المتعارضة فيه إلى واحد منها. # PageV01P242 # المسألة الثالثة: نظم الآية: # للذين يعتزلون من نسائهم بالألية، فكان من عظيم الفصاحة أن اختصر، وحمل ~~آلى معنى اعتزل النساء بالألية حتى ساغ لغة أن يتصل آلى بقولك من، ونظمه في ~~الإطلاق أن يتصل بآلى قولك على، تقول العرب: اعتزلت من كذا وعن كذا، وآليت ~~وحلفت على كذا، وكذلك عادة العرب أن تحمل معاني الأفعال على الأفعال لما ~~بينهما من الارتباط والاتصال، وجهلت النحوية هذا فقال كثير منهم: إن حروف ~~الجر يبدل بعضها من بعض، ويحمل بعضها معاني البعض، فخفي عليهم وضع فعل مكان ~~فعل، وهو أوسع وأقيس، ولجوا بجهلهم إلى الحروف التي يضيق فيها نطاق ~~[الكلام] والاحتمال. ### | [مسألة ما يقع به الإيلاء] # المسألة الرابعة: فيما يقع به الإيلاء: قال قوم: لا يقع الإيلاء إلا ~~باليمين بالله وحده، وبه يقول الشافعي في أحد قوليه. # الثاني: أن الإيلاء يقع بكل يمين عقد الحالف بها قوله، وذلك بالتزام ما ~~لم يكن لازما قبل ذلك. # وأصحاب القول الأول بنوه على الحديث: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ~~ليصمت» وقد بينا في مسائل الفقه أن الحديث إنما جاء لبيان الأولى، لا ~~لإسقاط سواه من الأيمان؛ بل في هذا الحديث من نص كلامنا ما يوجب أنها كلها ~~أيمان؛ لقوله - عليه السلام -: «من كان حالفا». ثم إذا كان حالفا وجب أن ~~تنعقد يمينه. # PageV01P243 # وأما أصحاب القول الثاني، وهو الصحيح، فيقولون: كل يمين ألزمها نفسه مما ~~لم تكن قبل ذلك لازمة له على فعل أو ترك، فهو بها مول؛ لأنه حالف، وذلك ~~لازم صحيح شريعة ولغة. ### | [مسألة ما يقع عليه الإيلاء] # المسألة الخامسة: فيما يقع عليه الإيلاء وذلك هو ترك الوطء، سواء كان في ~~حال الرضا أو الغضب عند الجمهور. ms0160 # وقال الليث والشعبي: لا يكون إلا عند الغضب؛ والقرآن عام في كل حال، ~~فتخصيصه دون دليل لا يجوز. # وهذا الخلاف انبنى على أصل، وهو أن مفهوم الآية قصد المضارة بالزوجة ~~وإسقاط حقها من الوطء، فلذلك قال علماؤنا: إذا امتنع من الوطء قصدا للإضرار ~~من غير عذر: مرض أو رضاع وإن لم يحلف كان حكمه حكم المولي، وترفعه إلى ~~الحاكم إن شاءت، ويضرب له الأجل من يوم رفعه، لوجود معنى الإيلاء في ذلك؛ ~~فإن الإيلاء لم يرد لعينه، وإنما ورد لمعناه؛ وهو المضارة وترك الوطء، حتى ~~قال علي وابن عباس: لو حلف ألا يقربها لأجل الرضاع لم يكن موليا، لأنه قصد ~~صحيح لا إضرار فيه. ### | [مسألة حلف على منع الكلام أو الإنفاق إيلاءا] # المسألة السادسة: إذا حلف على منع الكلام أو الإنفاق، اختلف العلماء فيه. # والصحيح أنه مول؛ لوجود المعنى السابق بيانه من المضارة، وقد قال تعالى: ~~{وعاشروهن بالمعروف} [النساء: 19]. ### | [مسألة حلف بالله ألا يطأها إن شاء الله] # المسألة السابعة: إذا حلف بالله ألا يطأها إن شاء الله قال ابن القاسم: ~~يكون موليا. # وقال عبد الملك بن الماجشون: ليس بمول. # وهذا الخلاف ينبني على أصل، وهو معرفة فائدة الاستثناء؛ فرأى ابن القاسم ~~أن # PageV01P244 # الاستثناء لا يحل اليمين، وإنما هو بدل من الكفارة، ورأى ابن الماجشون ~~أنه يحلها، وهو مذهب فقهاء الأمصار، وهو الصحيح؛ لأنه يتبين به أنه غير ~~عازم على الفعل، ولهذه النكتة قال مالك: إنه إذا أراد بقوله: " إن شاء الله ~~" معنى قوله: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا} [الكهف: 23] {إلا أن يشاء ~~الله} [الكهف: 24] ومورد الأشياء كلها إلى مشيئة الله تعالى فلا ثنيا له، ~~لأن الحال في الحقيقة كذلك، وإن أراد وقصد بهذا القول حل اليمين فإنها تنحل ~~عنه. ### | [مسألة مدة الإيلاء] # المسألة الثامنة: في مدة الإيلاء: اختلف العلماء فيها على قولين: # أحدهما: قال الأكثر: الأربعة الأشهر فسحة للزوج، لا حرج عليه فيها ولا ~~كلام معه لأجلها؛ فإن زاد عليها حينئذ يكون عليه الحكم، ويوقت له الأمد، ~~وتعتبر ms0161 حاله عند انقضائه. # وقال آخرون: يمين أربعة أشهر موجب الحكم. # وظاهر الآية يقتضي أنها لمن آلى أكثر من أربعة أشهر؛ لأنها لا تخلو من ~~ثلاثة تقديرات: # الأول: للذين يؤلون من نسائهم أكثر من أربعة أشهر؛ تربص أربعة أشهر. # الثاني: للذين يؤلون من نسائهم أربعة أشهر تربص أربعة أشهر. # الثالث: للذين يؤلون من نسائهم أقل من أربعة أشهر تربص أربعة أشهر. # فالثالث باطل قطعا، والأول مراد قطعا، والثاني محتمل للمراد احتمالا ~~بعيدا؛ والأصل عدم الحكم فيه؛ فلا يقضى به بغير دليل يدل عليه، وللزوج أن ~~يقول: حلفت على مدة هي لي، فلا كلام معي، وليس عن هذا جواب. ### | [مسألة قوله تعالى فإن فاءوا] # المسألة التاسعة: قوله تعالى: {فإن فاءوا} [البقرة: 226]: والمعنى: إن ~~رجعوا، والرجوع لا يكون إلا عن مرجوع عنه، وقد كان تقدم منه يمين واعتقاد؛ ~~فأما اليمين فيكون الرجوع عنها بالكفارة، لأنها تحلها، وأما الاعتقاد فيكون ~~الرجوع عنه بالفعل؛ لأن اعتقاده مستتر لا يظهر إلا بما يكشف عنه من فعل # PageV01P245 # يتبين به؛ كحل اليمين بالكفارة أو إتيان ما امتنع منه؛ فأما مجرد قوله: ~~رجعت فلا يعد فيئا؛ وإذا ثبت هذا التحقيق فلا معنى بعده لقول إبراهيم وأبي ~~قلابة: إن الفيء قوله رجعت. # أما أنه تبقى هنا نكتة وهي أن يحلف فيقول: والله لقد رجعت فهل تنحل ~~اليمين التي قبلها أم لا؟ قلنا: لا يكون فيئا، لأن هذه اليمين توجب كفارة ~~أخرى في الذمة، وتجتمع مع اليمين الأول، ولا يرفع الشيء إلا بما يضاده وهذا ~~تحقيق بالغ. # المسألة العاشرة: إذا كان ذا عذر من مرض أو مغيب فقوله: رجعت فيء؛ قاله ~~الحسن وعكرمة. # وقال مالك: يقال له كفر أو أوقع ما حلفت عليه؛ فإن فعل، وإلا طلقت عليه. # وعن ابن القاسم أنه يكفي في اليمين بالله قوله: رجعت، ثم إذا أمكنه ~~الوطء، فلم يطأ طلق عليه، ولو كفر ثم أمكنه الوطء لزوال العذر لم تطلق ~~عليه. # وقال أبو حنيفة: تستأنف له المدة إذا انقضت، وهو مغيب أو مريض ثم زال ~~عذره. ms0162 # قلنا لأبي حنيفة: لا تستأنف له مدة؛ لأن هذا العذر لا يمنعه عن الكفارة؛ ~~فإن كان فعلا لا يقدر عليه إلا بالخروج فيفعله عند خروجه. وقد بيناها في ~~كتاب " المسائل " مستوفاة الحجج. # المسألة الحادية عشرة: إذا ترك الوطء مضارا بغير يمين فلا تظهر فيئته ~~عندنا إلا بالفعل، لأن اعتقاد الكراهة قد ظهر بالامتناع، فلا يظهر اعتقاده ~~للإرادة إلا بالإقدام؛ وهذا تحقيق بالغ. ### | [مسألة قوله تعالى وإن عزموا الطلاق] # المسألة الثانية عشرة: قوله تعالى: {وإن عزموا الطلاق} [البقرة: 227]: ~~اختلف الصحابة والتابعون في وقوع الطلاق بمضي المدة، هذا وهم القدوة ~~الفصحاء اللسن البلغاء من العرب العرب، فإذا أشكلت عليهم فمن ذا الذي تتضح ~~له منا بالأفهام المختلفة واللغة المعتلة، ولكن إن ألقينا الدلو في الدلاء ~~لم نعدم بعون الله الدواء، ولم نحرم الاهتداء في الاقتداء. # PageV01P246 # قال علماؤنا: قوله تعالى: {وإن عزموا الطلاق} [البقرة: 227] دليل على أن ~~مضي المدة لا يوقع فرقة؛ إذ لا بد من مراعاة قصده واعتبار عزمه. # وقال المخالف، وهو أبو حنيفة وأصحابه: إن عزيمة الطلاق تعلم منه بترك ~~الفيئة مدى التربص. # أجاب علماؤنا بأن العزم على الماضي محال، وحكم الله تعالى الواقع بمضي ~~المدة لا يصح أن يتعلق به عزيمة منا. # وتحقيق الأمر أن تقرير الآية عندنا: " للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة ~~أشهر، فإن فاءوا بعد انقضائها فإن الله غفور رحيم، وإن عزموا الطلاق فإن ~~الله سميع عليم ". # وتقريرها عندهم: " للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر، فإن فاءوا ~~فيها فإن الله غفور رحيم، وإن عزموا الطلاق بترك الفيئة فيها فإن الله سميع ~~عليم ". # وهذا احتمال متساو، ولأجل تساويه توقفت الصحابة فيه، فوجب والحالة هذه ~~اعتبار المسألة من غيره، وهو بحر متلاطم الأمواج، ولقد كنت أقمت بالمدرسة ~~التاجية مدة لكشف هذه المسألة بالمناظرة، ثم ترددت في المدرسة النظامية ~~آخرا لأجلها. # فالذي انتهى إليه النظر بين الأئمة أن أصحاب أبي حنيفة قالوا: كان ~~الإيلاء طلاقا في الجاهلية، فزاد فيه الشرع المدة والمهلة، فأقره طلاقا بعد ~~انقضائها. # قلنا: هذه دعوى. ms0163 # قالوا: وتغييرها دعوى. # قلنا: أما شرع من قبلنا فربما قلنا إنه شرع لنا معكم أو وحدنا وأما أحكام ~~الجاهلية فليست بمعتبرة، وهذا موقف مشكل جدا، وعليه اعتراض عظيم بيانه في ~~كتب المسائل، الاعتراض حديث عائشة: «كان النكاح على أربعة أنحاء، فأقر ~~الإسلام واحدا». # وأما علماؤنا فرأوا أن اليمين على ترك الوطء ضرر حادث بالزوجة؛ فضربت له ~~في # PageV01P247 # رفعه مدة، فإن رفع الضرر وإلا رفعه الشرع عنها؛ وذلك يكون بالطلاق كما ~~يحكم في كل ضرر يتعلق بالوطء كالجب والعنة وغيرهما، وهذا غاية ما وقف عليه ~~البيان هاهنا؛ واستيفاؤه في المسائل، والله أعلم. ### | [مسألة إيلاء الكافر] # المسألة الثالثة عشرة: قال أصحاب الشافعي: هذه الآية بعمومها دليل على ~~صحة إيلاء الكافر. # قلنا: نحن نقول بأن الكفار مخاطبون بفروع الشرع بلا خلاف فيه عند ~~المالكية، ولكن لا عبرة به عندنا بفعل الكافر حتى يقدم على فعله شرط اعتبار ~~الأفعال، وهو الإيمان، كما لا ينظر في صلاته حتى يقدم شرطها؛ لأن زوجته إن ~~قدرت مسلمة لم يصح بحال، وإن قدرت كافرة فما لنا ولهم؟ وكيف ننظر في ~~أنكحتهم؟ ولعل المولى فيها هي الخامسة أو بنت أخيه أو أخته؛ فهذا لغو من ~~قول الشافعي ولا يلتفت إليه. ### | [مسألة إذا كفر المولي] # المسألة الرابعة عشرة: قال علماؤنا: إذا كفر المولي سقط عنه الإيلاء، وفي ~~ذلك دليل على تقديم الكفارة على الحنث في المذهب، وذلك إجماع في مسألة ~~الإيلاء، ودليل على أبي حنيفة في غير مسألة الإيلاء؛ إذ لا يرى جواز تقديم ~~الكفارة على الحنث. ### | [مسألة إيلاء النبي صلى الله عليه وسلم من نسائه] # المسألة الخامسة عشرة: ثبت في الصحيح «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~آلى من نسائه شهرا، وصار في مشربة له، فلما أكمل تسعا وعشرين نزل على ~~أزواجه صبيحة تسع وعشرين، فقالت له عائشة - رضي الله عنها -: إنك آليت ~~شهرا. فقال: إن الشهر تسع وعشرون» # أخبرني محمد بن قاسم العثماني غير مرة: وصلت الفسطاط مرة، فجئت مجلس ~~الشيخ أبي الفضل الجوهري، وحضرت كلامه على الناس، ms0164 فكان مما قال في أول # PageV01P248 # مجلس جلست إليه: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - طلق وظاهر وآلى، فلما ~~خرج تبعته حتى بلغت معه إلى منزله في جماعة، فجلس معنا في الدهليز، وعرفهم ~~أمري، فإنه رأى إشارة الغربة ولم يعرف الشخص قبل ذلك في الواردين عليه، ~~فلما انفض عنه أكثرهم قال لي: أراك غريبا، هل لك من كلام؟ قلت: نعم. قال ~~لجلسائه: أفرجوا له عن كلامه. فقاموا وبقيت وحدي معه. فقلت له: حضرت المجلس ~~اليوم متبركا بك، وسمعتك تقول: آلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وصدقت، وطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصدقت. # وقلت: وظاهر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا لم يكن، ولا يصح أن ~~يكون؛ لأن الظهار منكر من القول وزور؛ وذلك لا يجوز أن يقع من النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -. فضمني إلى نفسه وقبل رأسي، وقال لي: أنا تائب من ذلك، ~~جزاك الله عني من معلم خيرا. ثم انقلبت عنه، وبكرت إلى مجلسه في اليوم ~~الثاني، فألفيته قد سبقني إلى الجامع، وجلس على المنبر، فلما دخلت من باب ~~الجامع ورآني نادى بأعلى صوته: مرحبا بمعلمي؛ أفسحوا لمعلمي، فتطاولت ~~الأعناق إلي، وحدقت الأبصار نحوي، وتعرفني: يا أبا بكر يشير إلى عظيم ~~حيائه، فإنه كان إذا سلم عليه أحد أو فاجأه خجل لعظيم حيائه، واحمر حتى كأن ~~وجهه طلي بجلنار قال: وتبادر الناس إلي يرفعونني على الأيدي ويتدافعوني حتى ~~بلغت المنبر، وأنا لعظم الحياء لا أعرف في أي بقعة أنا من الأرض، والجامع ~~غاص بأهله، وأسال الحياء بدني عرقا، وأقبل الشيخ على الخلق، فقال لهم: أنا ~~معلمكم، وهذا معلمي؛ لما كان بالأمس قلت لكم: آلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وطلق، وظاهر؛ فما كان أحد منكم فقه عني ولا رد علي، فاتبعني ~~إلى منزلي، وقال لي كذا وكذا؛ وأعاد ما جرى بيني وبينه، وأنا تائب عن قولي ~~بالأمس، وراجع عنه إلى الحق؛ فمن سمعه ممن حضر فلا يعول عليه. ومن غاب ~~فليبلغه من حضر؛ فجزاه ms0165 الله خيرا؛ وجعل يحفل في الدعاء، والخلق يؤمنون. # فانظروا رحمكم الله إلى هذا الدين المتين، والاعتراف بالعلم لأهله على ~~رءوس الملإ من رجل ظهرت رياسته، واشتهرت نفاسته، لغريب مجهول العين لا يعرف ~~من ولا من أين، فاقتدوا به ترشدوا. # PageV01P249 # المسألة السادسة عشرة: قوله تعالى: {فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم} ~~[البقرة: 226]: يقتضي أنه قد تقدم ذنب، وهو الإضرار بالمرأة في المنع من ~~الوطء، ولأجل هذا قلنا: إن المضارة دون يمين توجب من الحكم ما يوجب اليمين ~~إلا في أحكام المرأة. والله أعلم. ### | [الآية السادسة والستون قوله تعالى والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء] # ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم ~~الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن ~~بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم} [البقرة: 228] هذه الآية من ~~أشكل آية في كتاب الله تعالى من الأحكام، تردد فيها علماء الإسلام، واختلف ~~فيها الصحابة قديما وحديثا، ولو شاء ربك لبين طريقها وأوضح تحقيقها، ولكنه ~~وكل درك البيان إلى اجتهاد العلماء ليظهر فضل المعرفة في الدرجات الموعود ~~بالرفع فيها؛ وقد أطال الخلق فيها النفس، فما استضاءوا بقبس، ولا حلوا عقدة ~~الجلس؛ والضابط لأطرافها ينحصر في إحدى عشرة مسألة: # المسألة الأولى: ينظمها ثلاثة فصول: # الفصل الأول: كلمة القرء كلمة محتملة للطهر والحيض احتمالا واحدا، وبه ~~تشاغل الناس قديما وحديثا من فقهاء ولغويين في تقديم أحدهما على الآخر؛ ~~وأوصيكم ألا تشتغلوا الآن بذلك لوجوه؛ أقربها أن أهل اللغة قد اتفقوا على ~~أن القرء الوقت، يكفيك هذا فيصلا بين المتشعبين وحسما لداء المختلفين؛ فإذا ~~أرحت نفسك من هذا وقلت: المعنى: والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة أوقات، ~~صارت الآية مفسرة في العدد محتملة في المعدود، فوجب طلب بيان المعدود من ~~غيرها، وقد اختلفنا فيها؛ ولنا أدلة ولهم # PageV01P250 # أدلة استوفيناها في تلخيص الطريقتين على وجه بديع، وخلصنا بالسبك منها في ~~تخليص التلخيص ما يغني عن جمعه اللبيب؛ وأقربها الآن إلى الغرض أن تعرض عن ~~المعاني ms0166 لأنها بحار تتقامس أمواجها، وتقبل على الأخبار فإنها أول وأولى، ~~ولهم خبر ولنا خبر. # فأما خبرهم، فقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح المشهور: «لا ~~توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض». # والمطلوب من الحرة في استبراء الرحم هو المطلوب من الأمة بعينه؛ فنص ~~الشارع - صلى الله عليه وسلم - على أن براءة الرحم الحيض، وبه يقع ~~الاستبراء بالواحد في الأمة، فكذلك فليكن بالثلاثة في الحرة. # وأما خبرنا فالصحيح الثابت في كل أمر «أن ابن عمر - رضي الله عنهما - طلق ~~امرأته وهي حائض، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يراجعها، ثم ~~يمسكها حتى تحيض وتطهر، ثم تحيض وتطهر، ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق، فتلك ~~العدة التي أمر الله تعالى بها أن يطلق لها النساء»، وهذا يدل على أن ~~ابتداء العدة طهر فمجموعها أطهار. # [والتنقيح] والترجيح: خبرنا أولى من خبرهم؛ لأن خبرنا ظاهر قوي في أن ~~الطهر قبل العدة واحد أعدادها لا غبار عليه، فأما إشكال خبرهم فيرفعه أن ~~المراد هنالك أيضا هو الطهر، لكن الطهر لا يظهر إلا بالحيض؛ ولذلك قال ~~علماؤنا: إنها تحل بالدم من الحيضة الثالثة. # PageV01P251 # الفصل الثاني: من علمائنا من زاحم على الآية بعدد، واستند فيها إلى ركن، ~~وتعلق منها بسبب متين؛ قالوا: يصح التعلق بهذه الآية من أربعة أوجه: # الأول: أن القرء اسم يقع على الحيض والطهر جميعا، والمراد أحدهما، فيجب ~~إذا قعدت ثلاثة قروء ينطلق عليها هذا الاسم أن يصح لها قضاء التربص. # الثاني: أن الحكم يتعلق بأوائل الأسماء كما قلنا في الشفقين واللمسين ~~والأبوين: إن الحكم يتعلق بالشفق الأول، والوضوء يجب باللمس الأول قبل ~~الوطء، وإن الحجب يكون للأب الأول دون الثاني وهو الجد؛ وهم مخالفون في ذلك ~~كله، وقد دللنا عليه أجمعه في موضعه. # الثالث: أنه تعالى قال: {ثلاثة قروء} [البقرة: 228] فذكره وأثبت الهاء في ~~العدد، فدل على أنه أراد الطهر المذكر، ولو أراد الحيضة المؤنثة لأسقط ~~الهاء، وقال: ثلاث قروء؛ فإن الهاء تثبت في عدد المذكر من الثلاثة ms0167 إلى ~~العشرة وتسقط في عدد المؤنث. # الرابع: أن مطلق الأمر عندنا وعند أصحاب أبي حنيفة محمول على الفور، ولا ~~يكون ذلك إلا على رأينا في أن القرء الطهر؛ لأنه إنما يطلق في الطهر لا في ~~الحيض، فلو طلق في الطهر ولم تعتد إلا بالحيض الآتي بعده لكان ذلك تراخيا ~~عن الامتثال للأمر؛ وهذه الوجوه وإن كانت قوية فإنها تفتح من الأسئلة ~~أبوابا ربما عسر إغلاقها، فأولى لكم التمسك بما تقدم. # الفصل الثالث: قالوا: إذا جعلتم الأقراء الأطهار فقد تركتم نص الآية في ~~جعلها ثلاثة، لأنه لو طلق في طهر لم يمسها فيه قبل الحيض بليلة لكان عندكم ~~قرءا معتدا به وليس بعدد. # قلنا له: أما إذا بلغنا لهذا المنتهى فالمسألة لنا، ومأخذ القول في ~~المسألة سهل؛ لأن البعض في لسان العرب يطلق على الكل في إطلاق العدد وغيره ~~لغة مشهورة عند العرب، وقرآنا: قال الله تعالى: {الحج أشهر معلومات} ~~[البقرة: 197] وهي عندنا وعندهم شوال وذو القعدة وبعض ذي الحجة، فالمخالف ~~إن راعى ظاهر العدد # PageV01P252 # فمراعاة ظاهر حديث ابن عمر أولى. # المسألة الثانية: هذه الآية عامة في كل مطلقة، لكن القرآن خص منها الآيسة ~~والصغيرة في سورة الطلاق بالأشهر، وخص منها التي لم يدخل بها لقوله تعالى ~~{فما لكم عليهن من عدة تعتدونها} [الأحزاب: 49] وعرضت هاهنا مسألة رابعة ~~وهي الأمة، فإن عدتها حيضتان، خرجت بالإجماع. # المسألة الثالثة: قال جماعة: قوله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ~~ثلاثة قروء} [البقرة: 228]: خبر معناه الأمر، وهذا باطل؛ بل هو خبر عن حكم ~~الشرع؛ فإن وجدت مطلقة لا تتربص فليس من الشرع، فلا يلزم من ذلك وقوع خبر ~~الله تعالى خلاف مخبره، وقد بيناه بيانا شافيا. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن] # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في ~~أرحامهن} [البقرة: 228]: فيها ثلاثة أقوال: # الأول: الحيض. # الثاني: الحمل. # الثالث: مجموعهما. # وهو الصحيح؛ لأن الله تعالى جعلها أمينة على رحمها، فقولها فيه مقبول؛ إذ ms0168 ~~لا سبيل إلى علمه إلا بخبرها، وقد شك في ذلك بعض الناس لقصور فهمه، ولا ~~خلاف بين الأمة أن العمل على قولها في دعوى الشغل للرحم أو البراءة، ما لم ~~يظهر كذبها، وقد اختلفوا فيمن قال لامرأته: إذا حضت أو حملت فأنت طالق؛ ~~فقالت: حضت أو حملت، هل يعتبر قولها في ذلك أم لا؟ فمن قال من علمائنا ~~بوقوف الطلاق عليه اختلف قوله: هل يعتبر قولها في ذلك أم لا؟ والعدة لا ~~خلاف فيها، وهو المراد هاهنا. # PageV01P253 # المسألة الخامسة قوله تعالى: {إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر} [البقرة: ~~228]: هذا وعيد عظيم شديد لتأكيد تحريم الكتمان وإيجاب أداء الأمانة في ~~الإخبار عن الرحم بحقيقة ما فيه، وخرج مخرج قوله تعالى: {ولا تأخذكم بهما ~~رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} [النور: 2]؛ وقد بينا ~~ذلك في تفسير قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من كان يؤمن بالله واليوم ~~الآخر فليكرم جاره» في شرح الحديث. # وفائدة تأكيد الوعيد هاهنا أمران: # أحدهما: حق الزوج في الرجعة بوجوب ذلك له في العدة أو سقوطه عند ~~انقضائها. # [الثاني:] مراعاة حق الفراش بصيانة الأنساب عن اختلاط المياه. ### | [مسألة قوله تعالى وبعولتهن أحق بردهن فيه ثلاث فوائد] # المسألة السادسة: قوله تعالى {وبعولتهن أحق بردهن} [البقرة: 228] فيه ~~ثلاث فوائد: # الفائدة الأولى: أن: {والمطلقات} [البقرة: 228] عام في كل مطلقة فيها ~~رجعة أو لا رجعة فيها. # الثانية: أن قوله تعالى: {وبعولتهن} [البقرة: 228] يقتضي أنهن أزواج بعد ~~الطلاق. وقوله تعالى: {بردهن} [البقرة: 228] يقتضي زوال الزوجية، والجمع ~~بينهما عسير، إلا أن علماءنا قالوا: إن الرجعية محرمة للوطء، فيكون الرد ~~عائدا إلى الحل. # وأما الليث بن سعد وأبو حنيفة ومن يقول بقولهما في أن الرجعية محللة ~~الوطء # PageV01P254 # فيرون أن وقوع الطلاق فائدته تنقيص العدد الذي جعل له، وهو الثلاثة خاصة، ~~وأن أحكام الزوجية لم ينحل منها شيء ولا اختل، فيعسر عليه بيان فائدة الرد؛ ~~لكونهم قالوا: إن أحكام الزوجية وإن كانت باقية فإن المرأة ما دامت في ~~العدة سائرة في سبيل الرد، ms0169 ولكن بانقضاء العدة فالرجعة رد عن هذه السبيل ~~التي أخذت في سلوكها وهو رد مجازي، والرد الذي حكمنا به رد حقيقي؛ إذ لا بد ~~أن يكون هناك زوال منجز يقع الرد عنه حقيقة. # الفائدة الثالثة: قوله تعالى {في ذلك} [البقرة: 228]: يعني في وقت ~~التربص، وهو أمد العدة. ### | [مسألة ادعاء المرأة المطلقة انقضاء العدة] # المسألة السابعة: يتركب عليه إذا قالت المرأة: انقضت عدتي قبل قولها في ~~مدة تنقضي في مثلها العدة عادة من غير خلاف. # فإن أخبرت بانقضائها في مدة تقع نادرا فقولان: قال في المدونة: إذا قالت: ~~حضت ثلاث حيض في شهر صدقت إذا صدقها النساء. # وقال في كتاب محمد: لا تصدق في شهر ولا في شهر ونصف، وكذلك إن طولت؛ فقال ~~في كتاب محمد، في المطلقة تقيم سنة لتقول لم أحض إلا حيضة: لم تصدق وإن لم ~~تكن ذكرت ذلك وكانت غير مرضع. # قال ابن مزين: إذا ادعت تأخر حيضها بعد الفطام سنة حلفت بالله ما حاضت، ~~وهذا إذا لم تعلم لها عادة. # قال القاضي: وعادة النساء عندنا مرة واحدة في الشهر، وقد قلت الأديان في ~~الذكران فكيف بالنسوان؟، فلا أرى أن تمكن المطلقة من الزواج إلا بعد ثلاثة ~~أشهر من يوم الطلاق، ولا يسأل عن الطلاق كان في أول الطهر أو آخره. # PageV01P255 ### | [مسألة قال أخبرتني بانقضاء عدتها فكذبته] # المسألة الثامنة: إذا قال: أخبرتني بانقضاء عدتها فكذبته حلفت وبقيت ~~العدة، فإن قال: راجعتها فقالت: قد انقضت عدتي لم يقبل ذلك منها بعد القول. ~~وقيل قبل ذلك، وهذا تفسير علمائنا. ### | [مسألة معنى قوله تعالى إن أرادوا إصلاحا] # المسألة التاسعة: قوله تعالى: {إن أرادوا إصلاحا} [البقرة: 228]: المعنى ~~إن قصد بالرجعة إصلاح حاله معها، وإزالة الوحشة بينهما، لا على وجه الإضرار ~~والقطع بها عن الخلاص من ربقة النكاح، فذلك له حلال، وإلا لم تحل له. # ولما كان هذا أمرا باطنا جعل الله تعالى الثلاث علما عليه، ولو تحققنا ~~نحن ذلك المقصد منه لطلقنا عليه. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ولهن مثل الذي عليهن ms0170 بالمعروف] # المسألة العاشرة: قوله تعالى: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف} [البقرة: ~~228]: يعني: من قصد الإصلاح ومعاشرة النكاح. # المعنى: أن بعولتهن لما كان لهم عليهن حق الرد كان لهن عليهم إجمال ~~الصحبة، كما قال تعالى بعد ذلك في الآية الأخرى: {فإمساك بمعروف أو تسريح ~~بإحسان} [البقرة: 229] بذلك تفسير لهذا المجمل. # المسألة الحادية عشرة: قوله تعالى: {وللرجال عليهن درجة} [البقرة: 228]: ~~هذا نص في أنه مفضل عليها مقدم في حقوق النكاح فوقها، لكن الدرجة هاهنا ~~مجملة غير مبين ما المراد بها منها؟ وإنما أخذت من أدلة أخرى سوى هذه ~~الآية، وأعلم الله تعالى النساء هاهنا أن الرجال فوقهن، ثم بين على لسان ~~رسوله ذلك. # وقد اختلف العلماء في المراد بهذه الدرجة على أقوال كثيرة؛ فقيل: هو ~~الميراث، وقيل: هو الجهاد، # وقيل: هو اللحية؛ فطوبى لعبد أمسك عما لا يعلم، وخصوصا في كتاب الله ~~العظيم. # ولا يخفى على لبيب فضل الرجال على النساء، ولو لم يكن إلا أن المرأة خلقت ~~من الرجل فهو أصلها. # لكن الآية لم تأت لبيان درجة مطلقة حتى # PageV01P256 # يتصرف فيها بتعديد فضائل الرجال على النساء؛ فتعين أن يطلب ذلك بالحق في ~~تقدمهن في النكاح؛ فوجدناها على سبعة أوجه: # الأول: وجوب الطاعة، وهو حق عام. # الثاني: حق الخدمة، وهو حق خاص، وله تفصيل، بيانه في مسائل الفروع. # الثالث: حجر التصرف إلا بإذنه. # الرابع: أن تقدم طاعته على طاعة الله تعالى في النوافل، فلا تصوم إلا ~~بإذنه، ولا تحج إلا معه. # الخامس: بذل الصداق. # السادس: إدرار الإنفاق. # السابع: جواز الأدب له فيها. # وهذا مبين في قوله تعالى: {الرجال قوامون على النساء} [النساء: 34] إن ~~شاء الله تعالى. ### | [الآية السابعة والستون قوله تعالى الطلاق مرتان] # فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا ~~إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح ~~عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك ~~هم الظالمون} [البقرة: 229] فيها ثماني عشرة مسألة: ms0171 # المسألة الأولى: في سببها: ثبت أن أهل الجاهلية لم يكن عندهم للطلاق عدد، ~~وكانت عندهم العدة معلومة مقدرة، فروى عروة قال: «كان الرجل يطلق امرأته ثم ~~يراجعها قبل أن تنقضي عدتها، فغضب رجل من الأنصار على امرأته، فقال: لا ~~أقربك ولا تحلين مني. قالت له: كيف؟ قال: أطلقك حتى إذا جاء أجلك راجعتك، ~~فشكت ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P257 # فأنزل الله تعالى: {الطلاق مرتان} [البقرة: 229]» المسألة الثانية: في ~~مقصود الآية: قال البخاري: باب جواز الثلاث لقوله تعالى: {الطلاق مرتان} ~~[البقرة: 229] إشارة إلى أن هذا التعديد إنما هو فسحة لهم، فمن ضيق على ~~نفسه لزمه. ### | [مسألة عدد الطلاق] # المسألة الثالثة: قال بعضهم: جاءت هذه الآية لبيان عدد الطلاق؛ وقيل: ~~جاءت لبيان سنة الطلاق. # والقولان صحيحان؛ فإن بيان العدد بيان السنة في الرد، وبيان سنة الوقوع ~~بيان العدد. # وتحقيق هذا القول أن الطلاق كان في الجاهلية فعلا مهملا كسائر أفعالها، ~~فشرع الله تعالى أمده، وبين حده، وأوضح في كتابه حكمه، وعلى لسان رسوله ~~تمامه وشرحه، فقال علماؤنا [رحمة الله عليهم]: طلاق السنة ما اجتمعت فيه ~~ثمانية شروط، بيانها في كتب الفروع: # أحدها: تفريق الإيقاع ومنع الاجتماع، تولى الله سبحانه بيانه في هذه ~~الآية، وهذا يقتضي أن تكون طلقتين متفرقتين؛ لأنهما إن كانتا مجتمعتين لم ~~يكن مرتين. # ورأى الشافعي أن جمع الثلاثة مباح، وذلك يدل عليه قوله تعالى: {لا تدري ~~لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} [الطلاق: 1]. # وكذلك يقتضي حديث ابن عمر المتقدم سياقه أمرين: # أحدهما: تفريق الإيقاع. # والثاني: كيفية الاستدراك بالارتجاع، وهي أيضا تفسير المراد بالكتاب ~~لقوله: فتلك العدة التي أمر الله تعالى أن يطلق لها النساء. # PageV01P258 # المسألة الرابعة: إن هذه الآية عرف فيها الطلاق بالألف واللام؛ واختلف ~~الناس في تأويل التعريف على أربعة أقوال: # الأول: معناه الطلاق المشروع [مرتان]، فما جاء على غير هذا فليس بمشروع؛ ~~يروى عن الحجاج بن أرطاة والرافضة قالوا: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إنما بعث لبيان الشرع، فما جاء على غيره فليس بمشروع. ms0172 # الثاني: معناه الطلاق الذي فيه الرجعة مرتان؛ وذلك لأن الجاهلية كانت ~~تطلق وترد أبدا، فبين الله سبحانه أن الرد إنما يكون في طلقتين، بدليل قوله ~~تعالى: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة: 229]. # الثالث: أن معناه الطلاق المسنون مرتان؛ قاله مالك. # الرابع: معناه الطلاق الجائز مرتان؛ قاله أبو حنيفة. # فأما من قال: إن معناه الطلاق المشروع فصحيح؛ لكن الشرع يتضمن الفرض ~~والسنة والجائز والحرام، فيكون المعنى بكونه مشروعا أحد أقسام المشروع ~~الثلاثة المتقدمة، وهو المسنون؛ وقد كنا نقول بأن غيره ليس بمشروع، لولا ~~تظاهر الأخبار والآثار وانعقاد الإجماع من الأمة بأن من طلق طلقتين أو ~~ثلاثا أن ذلك لازم له، ولا احتفال بالحجاج وإخوانه من الرافضة، فالحق كائن ~~قبلهم. # فأما مذهب أبي حنيفة في أنه حرام فلا معنى للاشتغال به هاهنا فإنه متفق ~~معنا على لزومه إذا وقع. وقد حققنا ذلك في مسائل الخلاف. ### | [مسألة تحقيق القول في قوله مرة] # المسألة الخامسة: في تحقيق القول في قوله: (مرة): وهي عبارة في اللغة عن ~~الفعلة الواحدة في الأصل، لكن غلب عليها الاستعمال # PageV01P259 # فصارت ظرفا، وقد بينا ذلك في كتاب " ملجئة المتفقهين إلى معرفة غوامض ~~النحويين ". ### | [مسألة قوله تعالى فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان] # المسألة السادسة: قوله تعالى: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة: ~~229]: قيل: الإمساك بالمعروف الرجعة الثانية بعد الطلقة الثانية، والتسريح ~~الطلقة الثالثة. # وقيل: التسريح بإحسان الإمساك حتى تنقضي العدة، وكلاهما ممكن مراد قال ~~الله تعالى: {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف} [الطلاق: ~~2] يعني: إذا قاربن انقضاء العدة فراجعوهن أو فارقوهن. وقد يكون الفراق ~~بإيقاع الطلاق الذي قاله حينئذ. وقد يكون إذا راجعها وقال بعد ذلك، وقد ~~يكون بالسكوت عن الرجعة حتى تنقضي العدة؛ فليس في ذلك تناقض. # وقد قال قوم: إن التسريح بإحسان هي الطلقة الثالثة، وورد في ذلك حديث أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «التسريح بإحسان هي الطلقة الثالثة» ولم ~~يصح. ### | [مسألة طلاق الرقيق] # المسألة السابعة: هذه الآية عامة في أن الطلاق ثلاث في كل ms0173 زوجين، إلا أن ~~الزوجين إن كانا مملوكين فذلك من هذه الآية مخصوص، ولا خلاف في أن طلاق ~~الرقيق طلقتان؛ فالأولى في حقه مرة، والثانية تسريح بإحسان، لكن قال مالك ~~والشافعي: يعتبر عدده برق الزوج. # وقال أبو حنيفة: يعتبر عدده برق الزوجة. # وقد قال الدارقطني: ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الطلاق ~~بالرجال والعدة بالنساء». # والتقدير: الطلاق معتبر بالرجال، ولا يجوز أن يكون معناه الطلاق موجود ~~بالرجال، لأن ذلك مشاهد، لا يجوز أن يعتمده النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بالبيان. # فإن قيل: فقد روى الترمذي، وأبو داود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «طلاق الأمة # PageV01P260 # طلقتان، وعدتها حيضتان.» قلنا: يرويه مظاهر بن أسلم، وهو ضعيف؛ ألا ترى ~~أنه جعل فيه اعتبار العدة والطلاق بالنساء جميعا، ولا يقول السلف بهذا؛ فقد ~~روى النسائي، وأبو داود عن «ابن عباس أنه سئل عن مملوك كانت تحته مملوكة ~~فطلقها طلقتين ثم أعتقا: أيصلح له أن يتزوجها؟ قال: نعم، قضى بذلك رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -». ولأن كل ملك إنما يعتبر بحال المالك لا بحال ~~المملوك. وبيانه في مسائل الخلاف. ### | [مسألة موقع السراح من ألفاظ الطلاق] # المسألة الثامنة: قال الشافعي: يؤخذ من هذه الآية أن السراح من صريح ~~ألفاظ الطلاق الذي لا يفتقر إلى نية، وليس مأخوذا من هذه الآية، وإنما يؤخذ ~~من الآية التي بعدها. ويأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. # ولا يمتنع أن يكون المراد بقوله تعالى: {أو تسريح بإحسان} [البقرة: 229] ~~الطلقة الثالثة كما بينا، ويكون قوله تعالى بعد ذلك: {فإن طلقها} [البقرة: ~~230] بيانا لحكم [الحرة] الواقع عليها، وهو الشرط الأول بعينه كما قال الله ~~تعالى في تفسيرنا وتفسير الشافعي من أن الأول هو الثاني. ### | [مسألة قوله تعالى فإمساك بمعروف] # المسألة التاسعة: قوله تعالى: {فإمساك بمعروف} [البقرة: 229]: ظن جهلة من ~~الناس أن الفاء هنا للتعقيب، وفسر أن الذي يعقب الطلاق من الإمساك الرجعة؛ ~~وهذا جهل بالمعنى واللسان: # PageV01P261 # أما جهل المعنى فليست الرجعة عقيب الطلقتين، وإنما هي عقيب الواحدة كما ms0174 ~~هي عقيب الثانية، ولو لزمت حكم التعقيب في الآية لاختصت بالطلقتين. # وأما الإعراب فليست الفاء للتعقيب هنا، ولكن ذكر أهل الصناعة فيها معاني، ~~أمهاتها ثلاثة: # أحدها: أنها للتعقيب، وذلك في العطف، تقول: خرج زيد فعمرو. # الثاني: السبب، وذلك في الجزاء، تقول: إن تفعل خيرا فالله يجزيك؛ فهو ~~بعده؛ لكن ليس معقبا عليه. # الثالثة: زائدة، كقولك: زيد فمنطلق، كما قال الشاعر: # وقائلة خولان فانكح فتاتهم ... وأكرومة الحيين خلو كما هيا # وهذا لم يصححه سيبويه. # والذي قاله صحيح من أن الفاء هاهنا ليست بزائدة، وإنما هي في معنى الجواب ~~للجملة، كأنه قال: هذه خولان فانكح فتاتهم. كما تقول: هذا زيد فقم إليه، ~~ويرجع عندي إلى معنى التسبب، فيكون معنيين. # المسألة العاشرة: قال علماؤنا: إذا وطئ بنية الرجعة جاز، وكان من الإمساك ~~بالمعروف؛ لأنه إذا قال: قد راجعتك كان معروفا جائزا، فالوطء أجوز. # فإن قيل: هي محرمة بالطلاق، فكيف يباح له الوطء؟ قلنا: الإباحة تحصل بنية ~~الرجعة، كما تحصل بقولها. # فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2]؛ ~~والإشهاد يتصور على القول ولا يتصور على الوطء. قلنا: بتصور الإشهاد على ~~الإقرار بالوطء. # PageV01P262 # فإن قيل: إنما يشهد على الإقرار بفعله بعد فعله، وظاهر الآية أن الوطء لا ~~يحل إلا بعد الإشهاد. قلنا: ليس في الآية إيقاف الحل على الإشهاد، إنما فيه ~~إلزام الإشهاد، وذلك يتبين عند ذكر الآية إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة قوله تعالى ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا] # المسألة الحادية عشرة: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا} ~~[البقرة: 229]: قال قوم: يعني من الصداق؛ وعندي أنه من كل شيء أعطاها؛ فإن ~~الصداق وإن كان نحلة شرطية فما نحلها بعده مثله؛ لكونه نحلة عن نية، عام في ~~كل حالة من نكاح أو طلاق، عام في كل وجه من ابتداء أخذ الزوج له أو إعطائها ~~هي إياه له على الخلاص من نكاحه. # المسألة الثانية عشرة: قوله تعالى: {إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله} ~~[البقرة: 229] وفي ذلك ms0175 تأويلات كلها أباطيل، وإنما المراد به أن يظن كل ~~واحد منهما بنفسه ألا يقيم حق النكاح لصاحبه حسبما يجب عليه فيه لكراهية ~~يعتقدها، فلا حرج على المرأة أن تفتدي ولا على الزوج أن يأخذ. # وقد أكد الله تعالى المنع حالة الفراق بقوله تعالى: {وإن أردتم استبدال ~~زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا ~~وإثما مبينا} [النساء: 20] وذلك لأنها حالة تشره النفوس فيها إلى أن يأخذ ~~الزوج ما نحله الزوجة في حالة النكاح؛ إذ يخطر له أنك إنما كنت أعطيت على ~~النكاح، وقد فارقت فأنت معذور في أخذك؛ فمنع الله تعالى ذلك بقوله: {ولا ~~تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن} [النساء: 19] وجوزه عند مسامحة المرأة ~~به فقال تعالى: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه} [النساء: 4] وحلل أخذ ~~النصف بوقوع الفراق قبل الدخول بقوله تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن ~~تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم} [البقرة: 237] وطيبه عند عفوها ~~أو عفو صاحب العقدة عن جميعه، فقال تعالى: {إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده ~~عقدة النكاح} [البقرة: 237] # PageV01P263 # على ما يأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة أحوال الخلع] # المسألة الثالثة عشرة: تعلق من رأى اختصاص الخلع بحالة الشقاق بقوله ~~تعالى: {فإن خفتم ألا يقيما حدود الله} [البقرة: 229] فشرط ذلك، ولا حجة ~~لهم فيه؛ لأن الله تعالى لم يذكره على جهة الشرط؛ وإنما ذكره لأنه الغالب ~~من أحوال الخلع؛ فخرج القول على الغالب ولحق النادر به، كالعدة وضعت لبراءة ~~الرحم، ثم لحق بها البرية الرحم وهي الصغيرة واليائسة، والذي يقطع العذر ~~ويوجب العلم قوله: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا} ~~[النساء: 4] فإذا أعطتك مالها برضاها من صداق وغيره فخذه. # المسألة الرابعة عشرة: هذا يدل على أن الخلع طلاق، خلافا لقول الشافعي في ~~القديم إنه فسخ. وفائدة الخلاف أنه إن كان فسخا لم يعد طلقة. # قال الشافعي: لأن الله تعالى ذكر الطلاق مرتين، وذكر الخلع بعده، وذكر ~~الثالث بقوله ms0176 تعالى: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره} ~~[البقرة: 230] وهذا غير صحيح، لأنه لو كان كل مذكور في معرض هذه الآيات لا ~~يعد طلاقا لوقوع الزيادة على الثلاث لما كان قوله تعالى: {أو تسريح بإحسان} ~~[البقرة: 229] طلاقا، لأنه يزيد به على الثلاث، ولا يفهم هذا إلا غبي أو ~~متغاب؛ لأن الله تعالى قال: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} ~~[البقرة: 229] فإن وقع شيء من هذا الطلاق بعوض كان ذلك راجعا إلى الأولى ~~والثانية دون الثالثة التي هي {أو تسريح بإحسان} [البقرة: 229] حسبما تقدم؛ ~~فلا جناح عليه فيه، فإن طلقها ثالثة فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ~~كان بفدية أو بغير فدية، وقد بينا فساد قولهم: إن الخلع فسخ في مسائل ~~الخلاف. # المسألة الخامسة عشرة: {تلك حدود الله فلا تعتدوها} [البقرة: 229] فيه ~~قولان: # الأول: قيل: هي في النكاح خاصة، وهو قول الأكثر. # PageV01P264 # الثاني: أنها الطاعة، يروى عن ابن عباس وغيره. وهو الأصح؛ لأنه إذا كان ~~أحد الزوجين لا يطيع الله تعالى ولا يطيع صاحبه في الله فلا خير لهما في ~~الاجتماع، وبه أقول. ### | [مسألة الخلع بجميع ما أعطاها] # المسألة السادسة عشرة: قال مالك: المبارئة المخالعة بمالها قبل الدخول، ~~والمخالعة إذا فعلت ذلك بعد الدخول، والمفتدية المخالعة ببعض مالها، وهذا ~~اصطلاح يدخل بعضه على بعض. # وقد اختلف الناس في ذلك؛ فالأكثر أنه يجوز الخلع بالبعض من مالها، وبالكل ~~بأن تزيده على ما لها عليه من مالها المختص بها ما شاءت إذا كان الضرر من ~~جهتها. # وقال قوم: لا يجوز أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، منهم الشعبي وابن ~~المسيب، ويروى عن علي مثله، ونص الحديث في قصة ثابت بن قيس يدل على جواز ~~الخلع بجميع ما أعطاها، وعموم القرآن يدل على جوازه بأكثر من ذلك لقوله ~~تعالى: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} [البقرة: 229] فكل ما كان فداء ~~فجائز على الإطلاق. # المسألة السابعة عشرة: قوله تعالى: {فلا تعتدوها} [البقرة: 229] بين ~~تعالى أحكام النكاح والفراق، ms0177 ثم قال تعالى: تلك حدودي التي أمرت بامتثالها ~~فلا تعتدوها، كما بين تحريمات الصيام في الآية الأخرى، ثم قال: تلك حدودي ~~فلا تقربوها، فقسم الحدود قسمين: منها حدود الأمر بالامتثال، وحدود النهي ~~بالاجتناب. # المسألة الثامنة عشرة: احتج مشيخة خراسان من الحنفية على أن المختلعة ~~يلحقها الطلاق بقوله تعالى: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا ~~غيره} [البقرة: 230] # قالوا: فشرع الله سبحانه وتعالى صريح الطلاق بعد المفاداة بالطلاق؛ وإنما ~~قلنا بعدها لأن الفاء حرف تعقيب. # PageV01P265 # قلنا: معناه فإن طلقها ولم تعتد، لأنه شرع قبل الابتداء بطلاقين فيكون ~~الابتداء ثالثة، ولا طلاق بعدها ليكون مرتبا عليها، ويكون معقبا به، ~~فالصريح المذكور على سبيل المعاقبة معناه إن لم يكن فداء ولكن كان صريحا، ~~ودليله أن الله تعالى شرع طلقتين صريحتين، ثم ذكر بعدهما إمساكا بمعروف أو ~~تسريحا بإحسان، إما بالترك لتبين، وإما بالطلقة الثالثة، فيكون تمليكا ~~للثالثة؛ فإن افتدت فلا جناح عليها فيه، وإن لم تفتد وطلقها كان كذا، كما ~~أخبر به، فيكون بيانا لكيفية التصرف فيما بقي من ملك الثالثة. # فإن قيل: حرف الفاء يقتضي الترتيب وقد رتب الصريح على الفداء فلا يعدل ~~عنه، وذلك أنه تعالى قال: {الطلاق مرتان} [البقرة: 229] ثم قال: {فلا جناح ~~عليهما فيما افتدت به} [البقرة: 229] أي فيما فدت به نفسها من نكاحها ~~بمالها، ولا بد في ذلك من طلاق فتكون المفاداة طلاقا بمال، وذلك هو المذكور ~~في قوله تعالى: {الطلاق مرتان} [البقرة: 229] حتى لا يلزمنا ترك القول ~~بالترتيب الذي يقتضيه حرف الفاء، وعليه يدل مساق الآية، لأنها سيقت لبيان ~~عدد الطلاق وأحكام الواقع منه؛ فبين تعالى أن العدد ثلاث، وأن الصريح لا ~~يمنع وقوع آخر لقوله تعالى {مرتان} [البقرة: 229] وبين أنه لا يقطع الرجعة ~~بقوله تعالى: {فإمساك بمعروف} [البقرة: 229] ولا إيقاع الثالثة، لقوله ~~تعالى بعده: {أو تسريح بإحسان} [البقرة: 229] لو لم يذكر الوقوع ببدل ولا ~~حكم ما بعده، فتبين بقوله تعالى: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} [البقرة: ~~229] أن الافتداء بالمال عن النكاح جائز، ms0178 وطلاق في الجملة، وأنه لا رجعة ~~بعده، فإنه لم يذكر بعده رجعة؛ فالآية سيقت لبيان جملة، فيكون الترك بيانا. ~~ثم قال تعالى: {فإن طلقها} [البقرة: 230] فبين أن الصريح يقع بعد الطلاق ~~بمال. # قلنا: هذا تطويل ليس وراءه تحصيل؛ إنما قال الله تعالى: {فإمساك بمعروف} ~~[البقرة: 229] بما قد تردد في كلامنا. جملته أن الطلاق محصور في ثلاث، وأن ~~للزوج فيما دون الثلاثة الرجعة، وأن الثالثة تحرمها إلى غاية، وتبين مع ذلك ~~كله تحريم أخذ الصداق # PageV01P266 # إلا بعد رضا المرأة لما قد استوفى منها واستحل من فرجها، وأحكم أنه لا ~~حجة له في أن يقول: تأخذ بمقدار متعتي، وآخذ بما بقي لي، وأوضح أن للمرأة ~~أن تفك نفسها من رق النكاح بمالها منه ومن غيره، وسواء أخذه في الأولى أو ~~الثانية؛ أو الثالثة، لقوله تعالى بعد ذكر أعداد الطلاق الثلاث والمرتين ~~والتسريح: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} [البقرة: 229] كيفما كان ~~الفداء؛ فكان بيانا لجواز الفداء في الجملة كلها لا في محل مخصوص منها ~~بأولى أو ثانية أو ثالثة. # جواب آخر: وأما تحريم الرجعة في طلاق الخلع فليس من هذه الآية، إنما ~~اقتضت الآية تحريمها بالثالثة، أو بالثلاث، فأما سقوط الرجعة في المفاداة ~~فمأخوذ من دليل آخر، وهو حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - في شأن ثابت بن ~~قيس فمعناه وفرقه. # جواب ثالث: أما قولهم: إن الصريح يقع بعد الطلاق، فنقول: نعم، ولكن في ~~محله؛ ألا ترى أن العدة لو انقضت لم يقع طلاق ثان، ولا يقع إذا خالعها في ~~الأولى ولا في الثانية. # جواب رابع: قد بينا قبل هذا تقدير الآية ونظم مساقها بما يقتضيه لفظها، ~~لا بما لا يقتضيه ولا يدل عليه كما فعلوا؛ فقارنوا بين الأمرين تجدوا البون ~~بينا إن شاء الله تعالى. ### | [الآية الثامنة والستون قوله تعالى فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره] # فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك ~~حدود الله يبينها لقوم يعلمون} [البقرة: ms0179 230] وفيها مسألتان: # المسألة الأولى: قوله تعالى: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد} [البقرة: ~~230] قال سعيد بن المسيب: تحل المطلقة ثلاثا للأول بمجرد العقد من الثاني ~~وإن لم يطأها الثاني؛ لظاهر قوله تعالى: {فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا ~~غيره} [البقرة: 230] والنكاح العقد. # PageV01P267 # قال: وهذا لا يصح من وجهين: أحدهما أن يقال له: بل هو الوطء، ولفظ النكاح ~~قد ورد بهما في كتاب الله تعالى جميعا، فما باله خصصه هاهنا بالعقد. # فإن قيل: فأنتم لا تقولون به؛ لأنه شرط الإنزال وأنتم لا تشترطونه إنما ~~شرط ذوق العسيلة، وذلك يكون بالتقاء الختانين، هذا لباب كلام علمائنا. قال ~~القاضي: ما مر بي في الفقه مسألة أعسر منها؛ وذلك أن من أصول الفقه أن ~~الحكم هل يتعلق بأوائل الأسماء أو بأواخرها؟ وقد بينا ذلك في أصول الفقه، ~~وفي بعض ما تقدم. # فإنا قلنا: إن الحكم يتعلق بأوائل الأسماء لزمنا مذهب سعيد بن المسيب. # وإن قلنا: إن الحكم يتعلق بأواخر الأسماء لزمنا أن نشترط الإنزال مع مغيب ~~الحشفة في الإحلال، لأنه آخر ذوق العسيلة، ولأجل ذلك لا يجوز له أن يعزل عن ~~الحرة إلا بإذنها؛ فصارت المسألة في هذا الحد من الإشكال، وأصحابنا يهملون ~~ذلك ويمحون القول عليه، وقد حققناها في مسائل الخلاف. ### | [مسألة المرأة تزوج نفسها] # المسألة الثانية: قوله تعالى: {حتى تنكح زوجا غيره} [البقرة: 230] دليل ~~على أن المرأة تزوج نفسها؛ لأنه أضاف العقد إليها، ولنا لو كان سعيد بن ~~المسيب يرى هذا مع قوله: إن النكاح العقد لجاز له؛ وأما نحن وأنتم الذين ~~نرى أن النكاح هاهنا هو الوطء فلا يصح الاستدلال لكم معنا بهذه الآية. # فإن قيل: القرآن اقتضى تحريمها إلى العقد، والسنة لم تبدل لفظ النكاح ولا ~~نقلته عن العقد إلى الوطء، إنما زادت شرطا آخر وهو الوطء. قلنا: إذا احتمل ~~اللفظ في القرآن معنيين فأثبتت السنة أن المراد أحدهما فلا يقال إن القرآن ~~اقتضى أحدهما وزادت السنة الثاني؛ إنما يقال: إن السنة أثبتت المراد منهما، ~~والعدول عن ms0180 هذا جهل بالدليل أو مراغمة وعناد في التأويل. # PageV01P268 ### | [الآية التاسعة والستون وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف] # قوله تعالى: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن ~~بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا ~~آيات الله هزوا} [البقرة: 231] # فيها ست مسائل: # المسألة الأولى: قوله تعالى: بلغن: معناه قاربن البلوغ؛ لأن من بلغ أجله ~~بانت منه امرأته وانقطعت رجعته؛ فلهذه الضرورة جعل لفظ بلغ بمعنى قارب، كما ~~يقال: إذا بلغت مكة فاغتسل. # المسألة الثانية: قوله تعالى: {فأمسكوهن بمعروف} [البقرة: 231]: هو ~~الرجعة مع المعروف محافظة على حدود الله تبارك وتعالى في القيام بحقوق ~~النكاح. ### | [مسألة معنى قوله تعالى أو سرحوهن بمعروف] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {أو سرحوهن بمعروف} [البقرة: 231]: يعني ~~طلقوهن. قال الشافعي: هذا من ألفاظ التصريح في الطلاق، وهي ثلاثة: طلاق، ~~وسراح، وفراق. وفائدتها عنده أنها لا تفتقر إلى النية؛ بل يقع الطلاق ~~بذكرها مجردة عن النية. # وعندنا أن صريح الطلاق الذي لا يفتقر إلى النية نيف على عشرة ألفاظ، ولم ~~يذكر الله تعالى هذه الألفاظ ليبين بها عدد الصريح؛ وإنما دخلت لبيان أحكام ~~علقت على الطلاق، فلا تستفاد منه، ما لم يذكر لأجله ولا في موضعه. # وقد بينا ذلك في المسائل، ولا يصح أن يجعل قوله هاهنا: {أو سرحوهن} ~~[البقرة: 231] صريحا في الطلاق قطعا؛ لأن الله تعالى إنما أراد بقوله: ~~{فأمسكوهن بمعروف} [البقرة: 231] أي أرجعوهن قولا أو فعلا على ما يأتي ~~بيانه في سورة الطلاق، إن شاء الله تعالى. # ومعنى {أو سرحوهن} [البقرة: 231] أي اتركوا الارتجاع، فستسرح عند انقضاء ~~العدة # PageV01P269 # بالطلاق الأول، وليس إحداث طلاق بحال، وقد يكون الطلاق الذي كانت عنه ~~العدة مكانه، فلا يكون لقوله تعالى: {سرحوهن} [البقرة: 231] معنى. ### | [مسألة حكم الإمساك بالمعروف] # المسألة الرابعة: حكم الإمساك بالمعروف: أن للزوج إذا لم يجد ما ينفق على ~~الزوجة أن يطلقها؛ فإن لم يفعل خرج عن حد المعروف، فيطلقها عليه الحاكم من ~~أجل الضرر اللاحق لها في بقائها عند من لا يقدر ms0181 على نفقتها. # فإن قيل: فإذا كان هذا العاجز عن النفقة لا يمسك بالمعروف، فكيف تكلفونه ~~أنتم غير المعروف، وهو الإنفاق، ولا يجوز تكليف ما لا يطاق؟ قلنا: إذا لم ~~يطق الإنفاق بالمعروف أطاق الإحسان بالطلاق، وإلا فالإمساك مع عدم الإنفاق ~~ضرار. # وفي الحديث الصحيح للبخاري: «تقول لك زوجك: أنفق علي وإلا طلقني. ويقول ~~لك عبدك: أنفق علي وإلا بعني. ويقول لك ابنك: أنفق علي، إلى من تكلني.» ### | [مسألة الرجعة لا تكون إلا بقصد الرغبة] # المسألة الخامسة: هذا يدل على أن الرجعة لا تكون إلا بقصد الرغبة، فإن ~~قصد أن يمنعها النكاح ويقطع بها في أملها من غير رغبة اعتداء عليها فهو ~~ظالم لنفسه، فلو عرفنا ذلك نقضنا رجعته، وإذا لم نعرف نفذت، والله حسيبه. # المسألة السادسة: قوله تعالى: {ولا تتخذوا آيات الله هزوا} [البقرة: 231] ~~قال علماؤنا: معناه لا تأخذوا أحكام الله في طريق الهزء، فإنها جد كلها، ~~فمن هزأ بها لزمته. # PageV01P270 # وهذا اللفظ لا يستعمل إلا بطريق القصد إلى اتخاذها هزوا؛ فأما لزومها عند ~~اتخاذها هزوا فليست من قوة اللفظ؛ وإنما هو مأخوذ من جهة المعنى على ما ~~بيناه في مسائل الخلاف. # ومن اتخاذ آيات الله هزوا ما روي عن ابن عباس أنه سئل عن رجل قال ~~لامرأته: أنت طالق مائة. فقال: يكفيك منها ثلاث، والسبعة والتسعون اتخذت ~~بها آيات الله هزوا. # فمن اتخاذها هزوا على هذا مخالفة حدودها فيعاقب بإلزامها، وعلى هذا يتركب ~~طلاق الهازل؛ ولست أعلم خلافا في المذهب في لزومه؛ وإنما اختلف قول مالك في ~~نكاح الهازل؛ فقال عنه علي بن زياد: لا يلزم، ومن أراد أن يخرج على هذا ~~طلاق الهازل فهو ضعيف النظر؛ لأن إبطال نكاح الهازل يوجب إلزام طلاقه؛ لأن ~~فيه تغليب التحريم في البضع على التحليل في الوجهين جميعا، وهو مقدم على ~~الإباحة فيه إذا عارضته. ### | [الآية الموفية سبعين قوله تعالى وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن] # أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف} [البقرة: 232] فيها ثلاث ~~مسائل: # المسألة الأولى: قوله تعالى: ms0182 {فبلغن أجلهن} [البقرة: 232] والبلوغ هاهنا ~~حقيقة لا مجاز فيها؛ لأنه لو كان معناه قاربن البلوغ كما في الآية قبلها ~~لما خرجت به الزوجة عن حكم الزوج في الرجعة، فلما قال تعالى: {فلا تعضلوهن} ~~[البقرة: 232] تبين أن البلوغ قد وقع في انقضاء العدة، وأن الزوج قد سقط ~~حقه من الرجعة. # المسألة الثانية: قوله تعالى: {فلا تعضلوهن} [البقرة: 232] العضل يتصرف ~~على وجوه مرجعها إلى المنع، وهو المراد هاهنا؛ فنهى الله تعالى أولياء ~~المرأة من منعها عن نكاح من ترضاه. # وهذا دليل قاطع على أن المرأة لا حق لها # PageV01P271 # في مباشرة النكاح، وإنما هو حق الولي، خلافا لأبي حنيفة، ولولا ذلك لما ~~نهاه الله عن منعها. # وقد صح أن معقل بن يسار كانت له أخت فطلقها زوجها، فلما انقضت عدتها ~~خطبها، فأبى معقل، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ولو لم يكن له حق لقال الله ~~تعالى لنبيه - عليه السلام -: لا كلام لمعقل في ذلك. وفي الآية أسئلة كثيرة ~~يقطعها هذا الحديث الصحيح، خرجه البخاري. فإن قيل: السبب الذي رويتم يبطل ~~نظم الآية؛ لأن الولي إذا كان هو المنكح فكيف يقال له: لا تمتنع من فعل ~~نفسك، وهذا محال. قلنا: ليس كما ذكرتم، للمرأة حق الطلب للنكاح، وللولي حق ~~المباشرة للعقد؛ فإذا أرادت من يرضى حاله، وأبى الولي من العقد فقد منعها ~~مرادها، وهذا بين. # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {إذا تراضوا بينهم بالمعروف} [البقرة: 232] ~~يعني إذا كان لها كفؤا، لأن الصداق في الثيب المالكة أمر نفسها لا حق للولي ~~فيه، والآية نزلت في ثيب مالكة أمر نفسها، فدل على أن المعروف المراد ~~بالآية هو الكفاءة، وفيها حق عظيم للأولياء، لما في تركها من إدخال العار ~~عليهم؛ وذلك إجماع من الأمة. ### | [الآية الحادية والسبعون قوله تعالى والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين] # لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف ~~نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ~~ذلك فإن أرادا فصالا عن تراض منهما ms0183 وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن ~~تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف} [البقرة: ~~233] # PageV01P272 # هذه الآية عضلة ولا يتخلص منها إلا بجريعة الذقن مع الغصص بها برهة من ~~الدهر؛ وفيها خمس عشرة مسألة: # المسألة الأولى: قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: أقل الحمل ستة ~~أشهر؛ لأن الله تعالى قال: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} [الأحقاف: 15] ثم ~~قال تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم ~~الرضاعة} [البقرة: 233] فإذا أسقطت حولين من ثلاثين شهرا بقيت منه ستة ~~أشهر؛ وهي مدة الحمل؛ وهذا من بديع الاستنباط. # المسألة الثانية: قال الله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين ~~كاملين} [البقرة: 233] واختلف الناس في فائدة هذا التقدير على قولين: فمنهم ~~من قال: معناه إذا ولدت لستة أشهر أرضعت حولين، وإن ولدت لتسعة أشهر أرضعت ~~واحدا وعشرين شهرا، وهكذا تتداخل مدة الحمل ومدة الرضاع، ويأخذ الواحد من ~~الآخر. # ومنهم من قال: إذا اختلف الأبوان في مدة الرضاع فالفصل في فصاله من ~~الحاكم حولان. # والصحيح أنه لا حد لأقله، وأكثره محدود بحولين مع التراضي بنص القرآن. ### | [مسألة زادت المرأة في رضاعها على مدة الحولين] # المسألة الثالثة: إذا زادت المرأة في رضاعها على مدة الحولين؛ وقع الرضاع ~~موقعه إلى أن يستقل الولد. # وقال الشافعي وغيره: لو زادت لحظة ما اعتبر ذلك في حكم، ولو كان هذا حدا ~~مؤقتا لا تجوز الزيادة عليه، ولا تعتبر إن وجدت لما أوقفه الله تعالى على ~~الإرادة كسائر الأعداد المؤقتة في الشريعة. # PageV01P273 # وقال أبو حنيفة: يريد ستة أشهر. # وقال زفر: ثلاث سنين؛ وهذا كله تحكم. # والصحيح أن ما قرب من أمد الفطام عرفا لحق به وما بعد منه خرج عنه من غير ~~تقدير؛ وفي مسائل الفروع تتمة ذلك. ### | [مسألة نفقة الولد] # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} ~~[البقرة: 233] دليل على وجوب نفقة الولد على الوالد لعجزه وضعفه؛ فجعل الله ~~تعالى ذلك على يدي أبيه لقرابته منه وشفقته عليه؛ وسمى الله تعالى الأم لأن ms0184 ~~الغذاء يصل إليه بوساطتها في الرضاعة، كما قال تعالى: {وإن كن أولات حمل ~~فأنفقوا عليهن} [الطلاق: 6] لأن الغذاء لا يصل إلى الحمل إلا بوساطتهن في ~~الرضاعة؛ وهذا باب من أصول الفقه، وهو أن ما لا يتم الواجب إلا به واجب ~~مثله. # المسألة الخامسة: قوله تعالى: {بالمعروف} [البقرة: 233] يعني على قدر حال ~~الأب من السعة والضيق، كما قال تعالى في سورة الطلاق: {لينفق ذو سعة من ~~سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله} [الطلاق: 7] ومن هذه النكتة ~~أخذ علماؤنا جواز إجارة الظئر بالنفقة والكسوة، وبه قال أبو حنيفة، وأنكره ~~صاحباه، لأنها إجارة مجهولة فلم تجز، كما لو كانت الإجارة به على عمل ~~الآخر، وذلك عند أبي حنيفة استحسان، وهو عند مالك والشافعي أصل في ~~الارتضاع، وفي كل عمل، وحمل على العرف والعادة في مثل ذلك العمل. ولولا أنه ~~معروف ما أدخله الله تعالى في المعروف. # فإن قيل: الذي يدل على أنه مخصوص أنه قدر بحال الأب من عسر ويسر، ولو كان ~~على رسم الأجرة لم يختلف كبدل سائر الأعواض. قلنا: قدروه بالمعروف أصلا في ~~الإجارات، ونوعه باليسار والإقتار رفقا؛ فانتظم الحكمان، واطردت الحكمتان. ~~وفي مسائل الخلاف ترى تمام ذلك إن شاء الله تعالى. # PageV01P274 ### | [مسألة الرضاع هل هو حق للأم أم هو حق عليها] # المسألة السادسة: في قوله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن} [البقرة: ~~233] اختلف الناس هل هو حق لها أم هو حق عليها؟ واللفظ محتمل؛ لأنه لو أراد ~~التصريح بقوله (عليها) لقال: وعلى الوالدات إرضاع أولادهن حولين كاملين كما ~~قال تعالى: {وعلى المولود له رزقهن} [البقرة: 233] لكن هو عليها في حال ~~الزوجية، وهو عليها إن لم يقبل غيرها، وهو عليها إذا عدم الأب لاختصاصها ~~به. # وقد قدمنا أن في صحيح البخاري عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «تقول لك ~~المرأة: أنفق علي وإلا طلقني، ويقول لك العبد: أطعمني واستعملني، ويقول لك ~~ابنك: أنفق علي، إلى من تكلني». # ولمالك في الشريفة رأي خصص به الآية فقال: إنها لا ترضع إذا كانت ms0185 شريفة. ~~وهذا من باب # المصلحة # التي مهدناها في أصول الفقه. # المسألة السابعة: قال علماؤنا: الحضانة بدليل هذه الآية للأم والنصرة ~~للأب، لأن الحضانة مع الرضاع، ومسائل الباب تأتي في سورة الطلاق إن شاء ~~الله تعالى. ### | [مسألة معنى قوله تعالى لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده] # المسألة الثامنة: قوله تعالى: {لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده} ~~[البقرة: 233] المعنى لا تأبى الأم أن ترضعه إضرارا بأبيه، ولا يحل للأب أن ~~يمنع الأم من ذلك؛ وذلك كله عند الطلاق؛ لوجهين: # أحدهما: أن ذكر ذلك جاء عند ذكر الطلاق، فكان بيانا لبعض أحكامه المتعلقة ~~به. # الثاني: أن النكاح إذا كان باقيا ثابتا فالنفقة واجبة لأجله، ولا تستوجب ~~الأم زيادة عليها لأجل رضاعه. ### | [مسألة أراد الأب أن يرضع الابن غير الأم وهي في العصمة لتتفرغ له] # المسألة التاسعة: إذا أراد الأب أن يرضع الابن غير الأم وهي في العصمة ~~لتتفرغ له جاز ذلك # PageV01P275 # ولم يجز لها أن تختص به إذا كان يقبل غيرها، لما في ذلك من الإضرار ~~بالأب؛ بل لما في ذلك من غيال الابن، فاجتماع الفائدتين يوجب على الأم ~~إسلام الولد إلى غيرها، ولما في الآية من الاحتمال في أنه حق لها أو عليها. ### | [مسألة قوله تعالى وعلى الوارث مثل ذلك هل هي منسوخة] # المسألة العاشرة: قوله: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة: 233] قال ابن ~~القاسم عن مالك: هي منسوخة، وهذا كلام تشمئز منه قلوب الغافلين، وتحار فيه ~~ألباب الشادين، والأمر فيه قريب؛ لأنا نقول: لو ثبتت ما نسخها إلا ما كان ~~في مرتبتها، ولكن وجهه أن علماء المتقدمين من الفقهاء والمفسرين كانوا ~~يسمون التخصيص نسخا؛ لأنه رفع لبعض ما يتناوله العموم ومسامحة، وجرى ذلك في ~~ألسنتهم حتى أشكل ذلك على من بعدهم، وهذا يظهر عند من ارتاض بكلام ~~المتقدمين كثيرا. # وتحقيق القول فيه أن قوله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة: 233] ~~إشارة إلى ما تقدم؛ فمن الناس من رده إلى جميعه من إيجاب النفقة وتحريم ~~الإضرار، منهم أبو حنيفة ms0186 من الفقهاء، ومن السلف قتادة والحسن، ويسند إلى ~~عمر - رضي الله عنه - فأوجبوا على قرابة المولود الذين يرثونه نفقته إذا ~~عدم أبوه في تفصيل طويل لا معنى له. # وقالت طائفة من العلماء: إن قوله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} [البقرة: ~~233] لا يرجع إلى جميع ما تقدم كله؛ وإنما يرجع إلى تحريم الإضرار. المعنى: ~~وعلى الوارث من تحريم الإضرار بالأم ما على الأب. # وهذا هو الأصل؛ فمن ادعى أنه يرجع العطف فيه إلى جميع ما تقدم فعليه ~~الدليل؛ وهو يدعي على اللغة العربية ما ليس منها، ولا يوجد له نظير فيها. ### | [مسألة معنى قوله تعالى فإن أرادا فصالا عن تراض منهما] # المسألة الحادية عشرة: قوله تعالى: {فإن أرادا فصالا عن تراض منهما} ~~[البقرة: 233] المعنى أن الله تعالى لما جعل مدة الرضاع حولين بين أن ~~فطامها هو الفطام، # PageV01P276 # وفصالها هو الفصال، ليس لأحد عنه منزع، إلا أن يتفق الأبوان على أقل من ~~ذلك العدد من غير مضارة بالولد؛ فذلك جائز بهذا البيان. # المسألة الثانية عشرة: هذا يدل على جواز الاجتهاد في أحكام الشريعة؛ لأن ~~الله تعالى جعل للوالدين التشاور والتراضي في الفطام فيعملان على موجب ~~اجتهادهما فيه، وتترتب الأحكام عليه. # المسألة الثالثة عشرة: قوله تعالى: {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم} ~~[البقرة: 233] هذا عند خيفة الضيعة على الولد عند الأم والتقصير أو الإضرار ~~بالولد في اشتغال الأم عن حقه بولدها، أو الإضرار بالولد في الاغتيال ~~ونحوه؛ فإن اختلفوا نظر للصبي، فإن أوجب النظر أن يسترضع له استرضع، إذا ~~أعطى المرضع حقه من أم أو ظئر. ### | [مسألة مدة الحضانة للأم في الولد] # المسألة الرابعة عشرة: قال علماؤنا: إذا كانت الحضانة للأم في الولد ~~تمادت إلى البلوغ في الغلام وإلى النكاح في الجارية؛ وذلك حق لها، وبه قال ~~أبو حنيفة. # وقال الشافعي: إذا عقل ميز وخير بين أبويه، لما روى النسائي وغيره عن أبي ~~هريرة «أن امرأة جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت له: زوجي ~~يريد أن يذهب بابني، وقد نفعني وسقاني من ms0187 بئر أبي عنبة. فجاء زوجها فقال: ~~من يحاقني في ابني؟ فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: يا غلام؛ هذا ~~أبوك، وهذه أمك؛ فخذ بيد أيهما شئت. فأخذ بيد أمه». # وعند أبي داود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «استهما عليه. فلما ~~قال زوجها: من يحاقني عليه؟ خيره النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فاختار ~~أمه.» # PageV01P277 # وروى أبو داود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «قالت له المرأة: إن ابني ~~كان ثديي له سقاء، وحجري له حواء؛ وإن أباه طلقني، وأراد أن ينتزعه مني. ~~فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنت أحق به ما لم تنكحي.» # وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى في ابنة حمزة للخالة من غير ~~تخيير، والأم أحق به منها. والمعنى يعضده؛ فإن الابن قد أنس بها فنقله عنها ~~إضرار به. والله أعلم. ### | [مسألة من لا يلزمها رضاع ولدها] # المسألة الخامسة عشرة: معضلة قال مالك: كل أم يلزمها رضاع ولدها بما أخبر ~~الله تعالى من حكم الشريعة فيها، إلا أن مالكا دون فقهاء الأمصار استثنى ~~الحسيبة، فقال: لا يلزمها إرضاعه، فأخرجها من الآية، وخصها فيها بأصل من ~~أصول الفقه، وهو العمل # بالمصلحة # ، وهذا فن لم يتفطن له مالكي. وقد حققناه في أصول الفقه. # والأصل البديع فيه هو أن هذا أمر كان في الجاهلية في ذوي الحسب، وجاء ~~الإسلام عليه فلم يغيره؛ وتمادى ذوو الثروة والأحساب على تفريغ الأمهات ~~للمتعة بدفع الرضعاء إلى المراضع إلى زمانه، فقال به، وإلى زماننا؛ فحققناه ~~شرعا. ### | [الآية الثانية والسبعون قوله تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا] # يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما ~~فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير} [البقرة: 234] فيها اثنتا ~~عشرة مسألة: # PageV01P278 # المسألة الأولى: في نسخها قولان: # أحدهما: أنها ناسخة لقوله تعالى: {متاعا إلى الحول غير إخراج} [البقرة: ~~240] وكانت عدة الوفاة في صدر الإسلام حولا، كما كانت في الجاهلية، ثم نسخ ~~الله تعالى ذلك بأربعة أشهر وعشر؛ قاله الأكثر. ms0188 # الثاني: أنها منسوخة بقوله تعالى: {متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن ~~فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف} [البقرة: 240] تعتد حيث ~~شاءت؛ روي عن ابن عباس وعطاء. والأصح هو القول الأول كما حققناه في القسم ~~الثاني من " الناسخ والمنسوخ " على وجه نكتته على ما روى الأئمة في الصحيح ~~أن ابن الزبير قال لعثمان - رضي الله عنه -: قوله تعالى: {والذين يتوفون ~~منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم} [البقرة: 240] نسختها الآية الأخرى فلم ~~تكتبها؟ قال: يا ابن أخي؛ لا أغير منه شيئا عن مكانه، وقد قال الأئمة إن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «قال للفريعة بنت مالك بن سنان حين قتل ~~زوجها: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله» فتقرر من هذا أن المتوفى عنها ~~زوجها كانت بالخيار بين أن تخرج من بيتها وبين أن تبقى بآية الإخراج، ثم ~~نسخها الله تعالى بالآية التي فيها التربص، ثم أكد ذلك رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بأمره للفريعة بالمكث في بيتها؛ فكان ذلك بيانا للسكنى ~~للمتوفى عنها زوجها قرآنا وسنة. ### | [مسألة مدة التربص] # المسألة الثانية: هذا لفظه لفظ الخبر، ومعناه أيضا معنى الخبر كما تقدم. # المعنى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر ~~وعشرا} [البقرة: 234] يعني شرعا؛ فما وجد من # PageV01P279 # متوفى عنها زوجها لم تتربص فليس ذلك من الشرع " فجرى الخبر على لفظه، ~~وثبت كلام الله سبحانه على صدقه، كما تقدم في التربص بالقرء. والله أعلم. # المسألة الثالثة: التربص: هو الانتظار، ومتعلقه ثلاثة أشياء: النكاح، ~~والطيب والتنظف، والتصرف والخروج. # أما النكاح، فإذا وضعت المتوفى عنها زوجها ولو بعد وفاته بلحظة اختلف ~~الناس فيها على ثلاثة أقوال: # الأول: أنها قد حلت. # الثاني: أنها لا تحل إلا بانقضاء الأشهر؛ قاله ابن عباس. # الثالث: أنها لا تحل إلا بعد الطهر من النفاس؛ قاله الحسن وحماد بن أبي ~~سليمان والأوزاعي. # وقد كان قول ابن عباس ظاهرا لولا حديث «سبيعة الأسلمية أنها وضعت بعد ~~وفاة زوجها بليال، فقال لها النبي - صلى الله عليه ms0189 وسلم -: قد حللت، فانكحي ~~من شئت» صحت رواية الأئمة له والذي عندي أن هذا الحديث لو لم يكن لما صح ~~رأي ابن عباس في آخر الأجلين؛ لأن الحمل إذا وضع فقد سقط الأجل بقوله ~~تعالى: {أجلهن أن يضعن حملهن} [الطلاق: 4] وسقط المعنى الموضوع لأجله ~~الأجل، وهو مخافة شغل الرحم؛ فأي فائدة في الأشهر؟ وإذا تمت الأشهر وبقي ~~الحمل فليس يقول أحد: إنها تحل؛ وهذا يدلك على أن حديث سبيعة جلاء لكل غمة، ~~وعلا على كل رأي وهمة. # وأما قول الأوزاعي فيرده قوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن ~~حملهن} [الطلاق: 4] ولم يشترط الطهارة. # فإن قيل: المراد بقوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} ~~[الطلاق: 4] # PageV01P280 # المطلقات؛ لأنه فيهن ورد، وعلى ذكرهن انعطف. قلنا: عطفه على المطلقة لا ~~يسقط عمومه، ويشهد له ما بيناه من الحكمة في إيجاب العدة من براءة الرحم، ~~وأنها قد وجدت قطعا. ### | [مسألة كون العدة أقصى الأجلين] # المسألة الرابعة: قد يزدحم على الرحم وطآن فتكون العدة فيهما أقصى ~~الأجلين في مسائل: منها المنعي لها يقدم ثم يموت وهي حامل من الثاني؛ فلا ~~بد من أقصى الأجلين، وكذلك لو قدم وهي حامل فطلقها الأول فلا يبرئها الوضع، ~~ولتأتنف ثلاث حيض بعده، وهو أمر بين. ### | [مسألة الطيب والزينة في فترة الإحداد] # المسألة الخامسة: أما الطيب والزينة: فقد روي عن الحسن أنه جوز ذلك لها ~~احتجاجا بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «قال لأسماء بنت عميس حين ~~مات جعفر: أمسكي ثلاثا، ثم افعلي ما بدا لك» وهذا حديث باطل. # روى الأئمة بأجمعهم عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «أن امرأة جاءت إليه فقالت له: إن ابنتي توفي عنها زوجها، وقد ~~اشتكت عينيها أفتكحلهما؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا، مرتين ~~أو ثلاثا ثم قال: إنما هي أربعة أشهر وعشر وقد كانت إحداكن ترمي بالبعرة ~~على رأس الحول». # قالت زينب: وكانت المرأة إذا توفي عنها زوجها لبست شر ثيابها، ms0190 ودخلت حفشا ~~فلم تمس طيبا حتى تمر بها سنة، ثم تؤتى بدابة، حمار أو شاة أو طير فتفتض ~~به، فقل ما تفتض بشيء إلا مات، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها، ثم تراجع بعد ~~ما شاءت من طيب وغيره. # PageV01P281 # ولو صح حديث أسماء فقد قال علماؤنا: إن التسلب هو لباس الحزن، وهو معنى ~~غير الإحداد. # وأما الخروج فعلى ثلاثة أوجه: # الأول: خروج انتقال، ولا سبيل إليه عند عامة العلماء إلا ما روي عن ابن ~~عباس وعطاء وسفيان الثوري؛ لاعتقادهم أن آية الإخراج لم تنسخ، وقد تقدم ~~بيان ذلك. # الثاني: خروج العبادة، كالحج والعمرة قال ابن عباس وعطاء: يحججن لأداء ~~الفرض عليهن، وقد قال عمر وابن عمر: لا يحججن؛ وقد كان عمر - رضي الله عنه ~~- يرد المعتدات من البيداء يمنعهن الحج؛ فرأي عمر في الخلفاء ورأي مالك في ~~العلماء وغيرهم أن عموم فرض التربص في زمن العدة مقدم على عموم زمان فرض ~~الحج، لا سيما إن قلنا إنه على التراخي. وإن قلنا على الفور فحق التربص آكد ~~من حق الحج؛ لأن حق العدة لله تعالى ثم للآدمي في صيانة مائه وتحرير نسبه؛ ~~وحق الحج خاص لله سبحانه. # الثالث: خروجها بالنهار للتصرف ورجوعها بالليل؛ قاله ابن عمر وغيره، ~~ويكون خروجها في السحر ورجوعها عند النوم، فراعوا المبيت الذي هو عمدة ~~السكنى ومقصوده، وإليه ترجع حقيقة المأوى. # فإن قيل، وهي: المسألة السادسة: لم ير أحد مبيت ليلة أو ثلاث سكنى للبائت ~~حيث بات، ولا خروجا عن السكنى، فما بالهم في العدة قالوا: خروج ليلة خروج؟ ~~قلنا: المعنى فيه والله أعلم أن حق الخروج متعلق المبيت فاحتيط له، والحي ~~يحمي شوله معقولا، فلم يعتبر ذلك فيه. # PageV01P282 # المسألة السابعة: الآية عامة في كل متزوجة، مدخول بها أو غير مدخول بها، ~~صغيرة أو كبيرة، أمة أو حرة، حامل أو غير حامل كما تقدم. # وهي خاصة في المدة؛ فإن كانت أمة فتعتد نصف عدة الحرة إجماعا، وإلا ما ~~يحكى عن الأصم فإنه سوى فيه بين الحرة والأمة، ms0191 وقد سبقه الإجماع، لكن لصممه ~~لم يسمع به، وإذا انتصف فمن العلماء من قال: إنها شهران وخمس ليال، وهو ~~مالك، ورأيت لغيره ما لم أرض أن أحكيه. ### | [مسألة مات الزوج ولم تعلم المرأة بذلك إلا بعد مضي مدة العدة] # المسألة الثامنة: إذا مات الزوج ولم تعلم المرأة بذلك إلا بعد مضي مدة ~~العدة فمذهب الجماعة أن العدة قد انقضت، ويروى عن علي أن العدة من يوم ~~علمت، وبه قال الحسن. # وقال نحوا منه عمر بن عبد العزيز والشعبي إن ثبت الموت ببينة. # ووجهه أن العدة عبادة بترك الزينة، وذلك لا يصح إلا بقصد، والقصد لا يكون ~~إلا بعد العلم، يؤكده أنها لو علمت بموته فتركت الإحداد لانقضت العدة؛ فإذا ~~تركت الإحداد مع عدم العلم فهو أهون؛ ألا ترى أن الصغير تنقضي عدتها ولا ~~إحداد عليها. ### | [مسألة لم تحض في الأربعة الأشهر بعد موت الزوج] # المسألة التاسعة: إن لم تحض في الأربعة الأشهر فلا عدة لها عندنا في أشهر ~~الأقوال. # وقال أبو حنيفة والشافعي وغيرهما: لا تفتقر إلى الحيض. # ودليلنا أن تأخير الحيض ريبة توجب أن تستظهر له، إلا أن علماءنا قالوا: ~~إذا لم يكن لها عادة بتأخير الحيض ولم تخش ريبة بقيت تسعة أشهر من يوم ~~وفاته. وكيفية الاستظهار عندنا تكون بحيضة واحدة على ما بيناه في مسائل ~~الفروع. ### | [مسألة اعتداد الزوجة الكتابية] # المسألة العاشرة: إن كانت الزوجة كتابية فلمالك فيها قولان: # أحدهما: أنها كالمسلمة. # PageV01P283 # الثاني: أنها تعتد بثلاث حيض؛ إذ بها يبرأ الرحم؛ وهذا منه فاسد جدا؛ ~~لأنه أخرجها من عموم آية الوفاة، وهي منها، وأدخلها في عموم آية الطلاق، ~~وليست منها. ### | [مسألة المقصود من العدة] # المسألة الحادية عشرة: في تنزيل هذه الأحكام: اعلموا وفقكم الله أن ~~المقصود بهذه العدة براءة الرحم من ماء الزوج؛ فامتناع النكاح إنما هو لأجل ~~الماء الواجب صيانته أولا. وامتناع عقد النكاح إنما هو لاستحالة وجوده شرعا ~~على محل لا يفيد مقصوده فيه وهو الحل. وامتناع الطيب والزينة لأنه من ~~دواعيه، فقطعت الذريعة إليه ms0192 بمنع ما يحرص عليه. وامتناع الخطبة لأن القول ~~في ذلك والتصريح به أقوى ذريعة وأشد داعية من الطيب والزينة، فحرم من طريق ~~الأولى. وامتناع الخروج لبقاء الرقبة الموجب غاية الحفيظة والعصمة. وحق أمر ~~السكنى لكونه في الدرجة الخامسة من الحرمة، فأسقط وجوبه أحبار من الأمة، ثم ~~رخص الله تعالى في التعريض على ما يأتي بيانه إن شاء الله. ### | [مسألة قوله تعالى فإذا بلغن أجلهن] # المسألة الثانية عشرة: قوله تعالى: {فإذا بلغن أجلهن} [البقرة: 234] يعني ~~انقضت العدة فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن. هذا خطاب للأولياء، وبيان ~~أن الحق في التزويج لهن فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف أي من جائز شرعا، ~~يريد من اختيار أعيان الأزواج، وتقدير الصداق دون مباشرة العقد، لأنه حق ~~للأولياء، كما تقدم دون وضع نفسها في غير كفء، لأنه ليس من المعروف، وفيه ~~الضرر وإدخال العار. ### | [الآية الثالثة والسبعون قوله تعالى ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء] # أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا ~~أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله} ~~[البقرة: 235] # PageV01P284 # فيها عشر مسائل: # المسألة الأولى: حرم الله تعالى النكاح في العدة، وأوجب التربص على ~~الزوجة، وقد علم سبحانه أن الخلق لا يستطيعون الصبر عن ذكر النكاح والتكلم ~~فيه، فأذن في التصريح بذلك مع جميع الخلق، وأذن في ذكر ذلك بالتعريض مع ~~العاقد له، وهو المرأة أو الولي؛ وهو في المرأة آكد. # والتعريض هو القول المفهم لمقصود الشيء، وليس بنص فيه. والتصريح هو ~~التنصيص عليه والإفصاح بذكره، مأخوذ من عرض الشيء وهو ناحيته، كأنه يحوم ~~على النكاح ولا يسف عليه ويمشي حوله ولا ينزل به. # المسألة الثانية: في تفسير التعريض: وقد روي عن السلف فيه كثير، جماعه ~~عندي يرجع إلى قسمين: # الأول: أن يذكرها للولي؛ يقول لا تسبقني بها. # الثاني: أن يشير بذلك إليها دون واسطة. فإن ذكر ذلك لها بنفسه ففيه سبعة ~~ألفاظ: # الأول: أن يقول لها: إني أريد التزويج. ms0193 # الثاني: أن يقول لها: لا تسبقيني بنفسك؛ قاله ابن عباس. # الثالث: أن يقول لها: إنك لجميلة، وإن حاجتي في النساء، وإن الله لسائق ~~إليك خيرا. # الرابع: أن يقول لها: إنك لنافقة؛ قاله ابن القاسم. # PageV01P285 # الخامس: إن لي حاجة، وأبشري فإنك نافقة، وتقول هي: قد أسمع ما تقول؛ ولا ~~تزيد شيئا؛ قاله عطاء. # السادس: أن يهدي لها. # قال إبراهيم: إذا كان من شأنه. وقال الشعبي مثله في: # السابع: ولا يأخذ ميثاقها. # قالت سكينة بنت حنظلة بن عبد الله بن حنظلة: دخل علي أبو جعفر وأنا في ~~عدتي فقال: يا بنت حنظلة، قد علمت قرابتي من رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وحق جدي علي. فقلت: غفر الله لك أبا جعفر، تخطبني في عدتي وأنت يؤخذ ~~عنك؟ فقال: أوقد فعلت، إنما أخبرتك بقرابتي من رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وموضعي. # وقد «دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أم سلمة وكانت عند ابن ~~عمها أبي سلمة فتوفي عنها، فلم يزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر ~~لها منزلته من الله»، وهو متحامل على يده حتى أثر الحصير في يده من شدة ~~تحامله، فما كانت تلك خطبة. # فانتحل من هذا فصلان: # أحدهما: أن يذكرها لنفسها. # الثاني: أن يذكرها لوليها أو يفعل فعلا يقوم مقام الذكر كأن يهدي لها. # والذي مال إليه مالك أن يقول: إني بك لمعجب، ولك محب، وفيك راغب. وهذا ~~عندي أقوى التعريض، وأقرب إلى التصريح. # والذي أراه أن يقول لها: إن الله تعالى سائق إليك خيرا، وأبشري وأنت ~~نافقة. فإن قال لها أكثر فهو إلى التصريح أقرب. # ألا ترى إلى ما قال أبو جعفر الباقر، وإلى ما روي عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -. # وأما إذا ذكرها لأجنبي فلا حرج عليه ولا حرج على الأجنبي في أن يقول: إن ~~فلانا يريد أن يتزوجك إذا لم يكن ذلك بواسطة. # PageV01P286 # وهذا التعريض ونحوه من الذرائع المباحة؛ إذ ليس كل ذريعة محظورا، وإنما ~~يختص بالحظر الذريعة في باب الربا، ms0194 لقول عمر - رضي الله عنه -: فدعوا الربا ~~والريبة وكل ذريعة ريبة؛ وذلك لعظيم حرمة الربا وشدة الوعيد فيه من الله ~~تعالى. ### | [مسألة التصريح في النكاح بالخطبة] # المسألة الثالثة: لما رفع الله تعالى الحرج في التعريض في النكاح قال ~~علماء الشافعية: هذا دليل على أن التعريض بالقذف لا يوجب الحد؛ لأن الله ~~تعالى لم يجعل التعريض في النكاح مقام التصريح؛ فأولى ألا يكون هاهنا؛ لأن ~~الحد يسقط بالشبهة. # وهذا ساقط؛ فإن الله تعالى لم يأذن في التصريح في النكاح بالخطبة، وأذن ~~في التعريض الذي يفهم منه النكاح؛ فهذا دليل على أن التعريض به يفهم منه ~~القذف، والأعراض يجب صيانتها كما تجب صيانة الأموال والدماء، وذلك يوجب حد ~~المعرض، لئلا يتطرق الفسقة إلى أخذ الأعراض بالتعريض الذي يفهم منه ما يفهم ~~بالتصريح. ### | [مسألة معنى قوله تعالى أو أكننتم في أنفسكم] # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {أو أكننتم في أنفسكم} [البقرة: 235] يعني: ~~سترتم وأخفيتم في قلوبكم من ذكرهن، والعزيمة على نكاحهن؛ فرفع الله تعالى ~~الحرج في ذلك؛ لعلمه بأنه لا بد منه تفضلا منه حين علم أنه لا بد من ذكرهن، ~~ثم قال تعالى وهي: # المسألة الخامسة: {ولكن لا تواعدوهن سرا} [البقرة: 235] المعنى قد منعتم ~~التصريح بالنكاح وعقده، وأذن لكم في التعريض؛ فإياكم أن يقع بينكم مواعدة ~~في النكاح، حين منعتم العقد فيه. # وقد اختلف العلماء في السر المراد هاهنا على ثلاثة أقوال: # الأول: أنه الزنا. # الثاني: الجماع. # الثالث: التصريح. # واختار الطبري أنه الزنا؛ لقول الأعشى: # PageV01P287 # فلا تقربن جارة إن سرها ... عليك حرام فانكحن أو تأبدا # والسر في اللغة يتصرف على معان: # أحدها: ما تكلم به في سره وأخفى منه ما أضمر. # الثاني: سر الوادي أي شطه. # الثالث: سر الشيء: خياره. # الرابع: أنه الزنا. # الخامس: أنه الجماع. # السادس: أنه فرج المرأة. # السابع: سرر الشهر: ما استسر الهلال فيه من لياليه. # وهذه الإطلاقات يدخل بعضها على بعض، ويرجع المعنى إلى الخفاء، فيعم به ~~تارة ويخص أخرى، وترى سر الشيء خياره إنما هو لأنه يخفى ويضن ms0195 به، وترى أن ~~سر الوادي شطه؛ لأنه أشرفه؛ لأن حسن الوادي إنما يكون بالجلوس عليه لا فيه، ~~ومنه سميت السرية لأنها تتخذ للوطء، إذ الخدم يتخذون للتصرف والوطء، فسميت ~~المتخذة للوطء سرية من السرور، ومنه سمي فرج المرأة سرا لأنه موضعه. # فالمعنى هاهنا: لا تواعدوهن نكاحا ولا وطئا، فهو الذي حرم عليكم في ~~العدة، لأنه حرم عليهن النكاح في العدة إلى وقت محرم عليهن ضرب الوعد فيه؛ ~~وهذا بين لمن تأمله. ### | [مسألة الوعد في العدة بالنكاح] # المسألة السادسة: قال علماؤنا: إذا حرم الوعد في العدة بالنكاح لأنه لا ~~يجوز كان ذلك دليلا على تحريم الوعد في التقابض في الصرف في وقت لا يجوز ~~إلى وقت يجوز فيه التقابض. # ومنه قول عمر - رضي الله عنه -: وإن استنظرك إلى أن يلج بيته فلا تنظره؛ ~~وهذا # PageV01P288 # بين، فإن الربا مثل الفرج في التحريم، وهذا بين عند التأمل. # المسألة السابعة: قوله تعالى: {إلا أن تقولوا قولا معروفا} [البقرة: 235] ~~وهو التعريض الجائز. # المسألة الثامنة: قوله تعالى: {ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب ~~أجله} [البقرة: 235] فهذه عامة للبيان أي لا تواعدوا نكاحا، ولا تعقدوه، ~~حتى تنقضي العدة. ### | [مسألة واعد في العدة بالنكاح ونكح بعدها] # د المسألة التاسعة: لو واعد في العدة ونكح بعدها استحب له مالك الفراق ~~بطلقة تورعا، ثم يستأنف خطبتها، وأوجب عليه أشهب الفراق؛ وهو الأصح. ### | [مسألة نكح في العدة وبنى] # المسألة العاشرة: إذا نكح في العدة وبنى فسخ ولم ينكحها أبدا [قاله مالك ~~وأحمد والشعبي]، وبه قضى عمر؛ لأنه استحل ما لا يحل له فحرمه، كالقاتل في ~~حرمان الميراث. # وقد استوفيناها في مسائل الخلاف دليلا، وفي كتب الفروع تفريعا. ### | [الآية الرابعة والسبعون قوله تعالى لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن] # قوله تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن ~~فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على ~~المحسنين} [البقرة: 236] # فيها مسألة واحدة: اختلف الناس في تقديرها؛ فمنهم من قال: معناها ms0196 لا جناح ~~عليكم إن طلقتم النساء المفروض لهن الصداق من قبل الدخول ما لم تمسوهن وغير ~~المفروض لهن قبل الفرض؛ قاله الطبري واختاره. # PageV01P289 # ومنهم من قال: معناها إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن ~~فريضة، وتكون أو بمعنى الواو. # الثالث: أن يكون في الكلام حذف، تقديره لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ~~فرضتم أو لم تفرضوا، وهذه الأقوال ترجع إلى معنيين: أحدهما: أن تكون أو ~~بمعنى الواو. # الثاني: أن يكون في الكلام حذف تقدر به الآية، وتبقى أو على بابها، وتكون ~~بمعنى التفصيل والتقسيم والبيان، ولا ترجع إلى معنى الواو، كقوله تعالى: ~~{ولا تطع منهم آثما أو كفورا} [الإنسان: 24] فإنها للتفصيل. # واحتج من قال: إنها بمعنى الواو بأنه عطف عليها بعد ذلك المفروض لهن، ~~فقال تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما ~~فرضتم} [البقرة: 237] فلو كان الأول لبيان طلاق المفروض لهن قبل المسيس لما ~~كرره، وهذا ظاهر. # وقد بينا في كتاب " ملجئة المتفقهين " ذلك. # ولا فرق في قانون العربية بين تقدير حذف، أو تكون أو بمعنى الواو؛ لأن ~~المعاني تتميز بذلك، والأحكام تتفصل، فإن المطلقة التي لم تمس، ولم يفرض ~~لها لا تخلو من أربعة أقسام: # الأول: مطلقة قبل المس وبعد الفرض. # الثاني: مطلقة بعد المسيس والفرض. # الثالث: مطلقة قبل المسيس وبعد الفرض. # الرابع: مطلقة بعد المس، وقبل الفرض. # وقد اختلف الناس في المتعة على أربعة أقوال دائرة مع الأربعة الأقسام. # والصحيح أن الله تعالى لم يذكر في هذا الحكم إلا قسمين: مطلقة قبل المس ~~وقبل الفرض، ومطلقة قبل المس وبعد الفرض؛ فجعل للأولى المتعة، وجعل للثانية ~~نصف # PageV01P290 # الصداق، وآلت الحال إلى أن المتعة لم يبين الله سبحانه وتعالى وجوبها إلا ~~لمطلقة قبل المسيس والفرض. # وأما من طلقت وقد فرض لها فلها قبل المسيس نصف الفرض، ولها بعد المسيس ~~جميع الفرض أو مهر مثلها. # والحكمة في ذلك أن الله سبحانه وتعالى قابل المسيس بالمهر الواجب ونصفه ~~بالطلاق قبل المسيس، لما لحق الزوجة ms0197 من رحض العقد، ووصم الحل الحاصل للزوج ~~بالعقد، فإذا طلقها قبل المسيس والفرض ألزمه الله المتعة كفؤا لهذا المعنى؛ ~~ولهذا اختلف العلماء في وجوب المتعة، فمنهم من رآها واجبة لظاهر الأمر بها، ~~وللمعنى الذي أبرزناه من الحكمة فيها. # وقال علماؤنا: ليست بواجبة لوجهين: أحدها: أن الله تعالى لم يقدرها، ~~وإنما وكلها إلى اجتهاد المقدر، وهذا ضعيف؛ فإن الله تعالى قد وكل التقدير ~~في النفقة إلى الاجتهاد، وهي واجبة، فقال: {على الموسع قدره وعلى المقتر ~~قدره} [البقرة: 236] # الثاني: أن الله تعالى قال فيها: {حقا على المحسنين} [البقرة: 236] حقا ~~على المتقين، ولو كانت واجبة لأطلقها على الخلق أجمعين؛ فتعليقها بالإحسان، ~~وليس بواجب، وبالتقوي وهو معنى خفي دل على أنها استحباب، يؤكده أنه قال ~~تعالى في العفو عن الصداق: {وأن تعفوا أقرب للتقوى} [البقرة: 237] فأضافه ~~إلى التقوى وليس بواجب؛ وذلك أن للتقوى أقساما بيناها في كتب الفقراء؛ ~~ومنها واجب، و [منها] ما ليس بواجب؛ فلينظر هنالك. # فإن قيل: فقد قال تعالى: {وللمطلقات متاع بالمعروف} [البقرة: 241] فذكرها ~~لكل مطلقة؟ قلنا: عنه جوابان: أحدهما: أن المتاع هو كل ما ينتفع به، فمن ~~كان لها مهر فمتاعها مهرها، ومن لم يكن لها مهر فمتاعها ما تقدم. # PageV01P291 # الثاني: أن إحدى الآيتين حقيقة دون الأخرى، وذلك بين في مسائل الخلاف، ~~فلينظر هنالك إن شاء الله تعالى. ### | [الآية الخامسة والسبعون قوله تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن] # وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة ~~النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم} [البقرة: 237] # فيها ثماني مسائل: المسألة الأولى: هذا القسم هو أحد الأقسام المتقدمة، ~~وهو مطلقة قبل المسيس وبعد الفرض، فلها نصف المفروض واجبا، كما أن للمتقدمة ~~المتعة مستحبة. ### | [مسألة المطلقة قبل المسيس] # المسألة الثانية: # إن المطلقة قبل المسيس لها نصف المهر، وإن خلا بها، ولا تضر الخلوة ~~بالمهر، إلا أن يقترن بها مسيس في مشهور المذهب، وبه قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة: يتقرر المهر بالخلوة؛ وظاهر القرآن يدل ms0198 على ما قلناه. # فإن قيل: الآية حجة عليكم؛ لأنه لو خلا وقبل ولمس قلتم لا يتقرر المهر. ~~قلنا: المسيس هاهنا كناية عن الوطء بإجماع؛ لأن عندكم أنه لو خلا ولم يلمس ~~ولا قبل يتقرر المهر، ولم يوجد هنا مس ولا وطء؛ وهذا خلاف الآية ومراغمة ~~الظاهر. ### | [مسألة عقد النكاح من غير ذكر الصداق] # المسألة الثالثة: لما قسم الله تعالى حال المطلقة إلى قسمين؛ مطلقة سمي ~~لها فرض، ومطلقة لم يسم لها فرض دل على أن نكاح التفويض جائز، وهو كل نكاح ~~عقد من غير ذكر الصداق؛ ولا خلاف فيه؛ ويفرض بعد ذلك الصداق. # فإن فرض التحق بالعقد وجاز، وإن لم يفرض لها وكان الطلاق لم يجب صداق ~~إجماعا، وإن فرض بعد عقد النكاح، وقبل وقوع الطلاق، فقال أبو حنيفة: لا ~~يتنصف بالطلاق؛ لأنه لم يجب بالعقد، وهذا # PageV01P292 # خلاف الظاهر من قوله تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم ~~لهن فريضة فنصف ما فرضتم} [البقرة: 237] # وخلاف القياس أيضا؛ فإن الفرض بعد العقد يلحق بالعقد؛ فوجب أن يتنصف ~~بالطلاق أصله الفرض المقترن بالعقد. ### | [مسألة مات زوجها قبل أن يفرض لها صداقا] # المسألة الرابعة: فإن وقع الموت قبل الفرض فقال مالك: لها الميراث دون ~~الصداق، وخالف في ذلك الشافعي وأبو حنيفة، فقالوا: يجب لها الصداق ~~والميراث، واحتجوا بما روى جماعة منهم النسائي، وأبو داود «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قضى في بروع بنت واشق وقد مات زوجها قبل أن يفرض لها ~~بالمهر والميراث والعدة»، والحديث ضعيف " لأن راويه مجهول؛ ودليلنا أنه ~~فراق في نكاح قبل الفرض فلم يجب فيه صداق أصله الطلاق، وقد خرج الحديث ~~المتقدم أبو عيسى، وقال: حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح، وقد روي عنه من غير ~~وجه. ### | [الواجب لهن من الصداق أذن الله تعالى لهن في إسقاطه بعد وجوبه] # المسألة الخامسة: قوله تعالى: {إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة ~~النكاح} [البقرة: 237] الواجب لهن من الصداق أذن الله تعالى لهن في إسقاطه ~~بعد وجوبه؛ إذ ms0199 جعله خالص حقهن يتصرفن بالإمضاء والإسقاط كيف شئن إذا ملكن ~~أمر أنفسهن في الأموال ورشدن. ### | [مسألة من بيده عقدة النكاح] # المسألة السادسة: {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} [البقرة: 237] وهي ~~معضلة اختلف العلماء فيها: فقيل: هو الزوج؛ قاله علي وشريح وسعيد بن المسيب ~~وجبير بن مطعم ومجاهد والثوري، واختاره أبو حنيفة والشافعي في أصح قوليه. # PageV01P293 # ومنهم من قال: إنه الولي؛ قاله ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وطاوس، وعطاء، ~~وأبو الزناد، وزيد بن أسلم، وربيعة، وعلقمة، ومحمد بن كعب، وابن شهاب، ~~وأسود بن يزيد، وشريح الكندي، والشعبي، وقتادة. # واحتج من قال: إنه الزوج بوجوه كثيرة، لبابها ثلاثة: الأول: أن الله ~~تعالى ذكر الصداق في هذه الآية ذكرا مجملا من الزوجين، فحمل على المفسر في ~~غيرها، وقد قال الله تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء ~~منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا} [النساء: 4] فأذن الله تعالى للزوج في قبول ~~الصداق إذا طابت نفس المرأة بتركه. # وقال أيضا: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا ~~تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا} [النساء: 20] # فنهى الله تعالى الزوج أن يأخذ مما أتى المرأة إن أراد طلاقها. # الثاني: قوله تعالى: {إلا أن يعفون} [البقرة: 237] يعني النساء، أو يعفو ~~الذي بيده عقدة النكاح: يعني الزوج، معناه يبذل جميع الصداق، يقال: عفا ~~بمعنى بذل، كما يقال: عفا بمعنى أسقط. # ومعنى ذلك وحكمته: أن المرأة إذا أسقطت ما وجب لها من نصف الصداق تقول ~~هي: لم ينل مني شيئا ولا أدرك ما بذل فيه هذا المال بإسقاطه، وقد وجب إبقاء ~~للمروءة واتقاء في الديانة. ويقول الزوج: أنا أترك المال لها لأني قد نلت ~~الحل وابتذلتها بالطلاق فتركه أقرب للتقوى، وأخلص من اللائمة. # الثالث: أنه تعالى قال: {ولا تنسوا الفضل بينكم} [البقرة: 237] وليس لأحد ~~في هبة مال لآخر فضل؛ وإنما ذلك فيما يهبه المفضل من مال نفسه، وليس للولي ~~حق في الصداق. # واحتج من قال: إنه الولي بوجوه كثيرة؛ نخبتها أربعة: الأول: قالوا الذي ~~بيده ms0200 عقدة النكاح الولي؛ لأن الزوج قد طلق؛ فليس بيده # PageV01P294 # عقدة، ومنه قوله تعالى: {ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله} ~~[البقرة: 235] وهذا يستمر مع الشافعي دون أبي حنيفة الذي لا يرى عقدة ~~النكاح للولي. # الثاني: أنه لو أراد الأزواج لقال: إلا أن تعفوا أو تعفون، فلما عدل من ~~مخاطبة الحاضر المبدوء به في أول الكلام إلى لفظ الغائب دل على أن المراد ~~به غيره. # الثالث: أنه تعالى قال: {إلا أن يعفون} [البقرة: 237] يعني يسقطن. # وقوله تعالى: {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} [البقرة: 237] لا يتصور ~~الإسقاط فيه إلا من الولي؛ فيكون معنى اللفظ الثاني هو معنى اللفظ الأول ~~بعينه، وذلك أنظم للكلام. # الرابع: أنه تعالى قال: {إلا أن يعفون} [البقرة: 237] يعني يسقطن، أو ~~يعفو الذي بيده عقدة النكاح يعني يسقط؛ فيرجع القول إلى النصف الواجب ~~بالطلاق الذي تسقطه المرأة، فأما النصف الذي لم يجب فلم يجر له ذكر. # المسألة السابعة: في المختار: والذي تحقق عندي بعد البحث والسبر أن ~~الأظهر هو الولي لثلاثة أوجه: أحدها: أن الله تعالى قال في أول الآية: {ثم ~~طلقتموهن} [الأحزاب: 49] إلى قوله تعالى: {وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما ~~فرضتم} [البقرة: 237] فذكر الأزواج وخاطبهم بهذا الخطاب، ثم قال: {إلا أن ~~يعفون} [البقرة: 237] فذكر النسوان {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} ~~[البقرة: 237] فهذا ثالث؛ فلا يرد إلى الزوج المتقدم إلا لو لم يكن لغيره ~~وجود، وقد وجد وهو الولي، فلا يجوز بعد هذا إسقاط التقدير بجعل الثلاث ~~اثنين من غير ضرورة. # الثاني: أن الله تعالى قال: {أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} [البقرة: ~~237] ولا إشكال في أن الزوج بيده عقدة النكاح لنفسه، والولي بيده عقدة ~~النكاح لوليته، على القول بأن الذي يباشر العقد الولي؛ فهذه المسألة هي ~~أصول العفو مع أبي حنيفة، وقد بيناها قبل، وشرحناها في مسائل الخلاف. # فقد ثبت بهذا أن الولي بيده عقدة النكاح، فهو المراد؛ لأن الزوجين ~~يتراضيان فلا # PageV01P295 # ينعقد لهما أمر إلا بالولي، بخلاف سائر العقود، فإن المتعاقدين يستقلان ~~بعقدهما. ms0201 # الثالث: إن ما قلنا أنظم في الكلام، وأقرب إلى المرام؛ لأن الله تعالى ~~قال: {إلا أن يعفون} [البقرة: 237] ومعلوم أنه ليس كل امرأة تعفو، فإن ~~الصغيرة أو المحجورة لا عفو لها، فبين الله تعالى القسمين، وقال: {إلا أن ~~يعفون} [البقرة: 237] إن كن لذلك أهلا، أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح؛ لأن ~~الأمر فيه إليه. # وكذلك روى ابن وهب، وابن عبد الحكم، وابن القاسم عن مالك أنه الأب في ~~ابنته البكر، والسيد في أمته؛ لأن هذين هما اللذان يتصرفان في المال وينفذ ~~لهما القول. # فإن قيل: إنما يتصرف الولي في المال بما يكون حظا لابنته، فأما الإسقاط ~~فليس بحظ ولا نظر. # قلنا: إذا رآه كان؛ فإنا أجمعنا على أنه لو عقد نكاحها بأقل من مهرها ~~نفذ؛ وهذا إسقاط محض، لكنه لما كان نظرا مضى. # فإن قيل: فهو عام في كل ولي، فلم خصصتموه بهذين؟ قلنا: كما هو عام في كل ~~زوجة وخص في الصغيرة والمحجورة. # وأما متعلق من قال: إنه الزوج فضعيف، أما قولهم: إن الله سبحانه ذكر ~~الأزواج في الآيتين اللتين استشهدوا بهما فقد ذكر الولي في هذه الآية، ~~فجاءت الأحكام كلها مبينة والفوائد الثلاثة معتبرة، وعلى قولهم يسقط بعض ~~البيان. # وأما قولهم الثاني فلا حجة فيه؛ لأن مجيء العفو بمعنى واحد من الجهتين ~~أبلغ في الفصاحة وأوفى في المعنى من مجيئه بمعنيين؛ لأن فيه إسقاط أحد ~~العافيين، وهو الولي المستفاد إذا كان العفو بمعنى الإسقاط. # وأما ندب الزوج إلى إعطاء الصداق كله في الآيتين اللتين ذكروا فذلك معلوم ~~من دليل آخر. # وأما الثالث فلا حجة لهم فيه؛ لأن الله تعالى أراد أن يميز الولي عن ~~الزوج والزوجة بمعنى يخصه، فكنى عنه بقوله تعالى: {الذي بيده عقدة النكاح} ~~[البقرة: 237] بكناية مستحسنة، فكان ذلك أبلغ في الفصاحة، وأتم في المعنى، ~~وأجمع للفوائد. # PageV01P296 # وأما الرابع وهو قوله تعالى: {ولا تنسوا الفضل بينكم} [البقرة: 237] ~~وتعلقهم بأن الإفضال لا يكون بمال أحد، وإنما الإفضال يكون بأحد وجهين: ~~أحدهما يكون ببذل ما تملكه يده. # والثاني ms0202 بإسقاط ما يملك إسقاطه، كما يتفضل عليه بأن يزوجه بأقل من مهر ~~المثل. ### | [مسألة هبة المشاع في الصداق] # المسألة الثامنة: # هذه الآية حجة على صحة المشاع؛ لأن الله تعالى أوجب للمرأة بالطلاق نصف ~~الصداق، فعفوها للرجل عن جميعه كعفو الرجل، ولم يفصل بين مشاع ومقسوم. # وقال أبو حنيفة: لا تصح هبة المشاع إلا بعد القسمة، والذي انفصل به المهر ~~عن عموم الآية أن الله سبحانه إنما بين تكميلا ثبت بنفس العفو دون شرط قبض ~~ذلك في عفو المرأة، والمهر دين؛ أو في عفو الرجل، والمهر مقبوض دين على ~~المرأة. # فأما المعين فلا يكمل العفو فيه إلا بقبض متصل به، أو قبض قائم ينوب عن ~~قبض الهبة، ولئن حملت الآية على عفو بشرط زيادة القبض، فنحن لا نشترط إلا ~~تمامه، وتمامه بالقسمة، فآل الاختلاف إلى كيفية القبض. # قال القاضي ابن العربي: هذا الانفصال إنما يستمر بظاهره على أصحاب ~~الشافعي الذين يشترطون في الهبة القبض. # فأما نحن فلا نرى ذلك؛ فلا يصح لهم هذا الانفصال معنا، فإن نفس العفو ممن ~~عفا يخلص ملكا لمن عفي له. # وأما أصحاب الشافعي فلا يصح لهم هذا معهم من طريق أخرى، وهي أن الآية ~~بمطلقها تفيد صحة هبة المشاع، مع كونه مشاعا، وافتقار الهبة إلى القبض نظر ~~يؤخذ من دليل يخص تلك النازلة، فمشترط القسمة مفتقر إلى دليل، ولما يجدوه ~~إلا من طريق المعنى ينبني على اشتراط القبض؛ ونحن لا نسلمه، وليس التمييز ~~من القبض أصلا في ورد ولا صدر، فصح تعلقنا بالآية وعمومها وسلمت من ~~تشغيبهم. ### | [الآية السادسة والسبعون قوله تعالى حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى] # وقوموا لله قانتين} [البقرة: 238] # PageV01P297 # فيها سبع مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى {حافظوا} [البقرة: 238] ~~المحافظة: هي المداومة على الشيء والمواظبة، وذلك بالتمادي على فعلها، ~~والاحتراس من تضييعها، أو تضييع بعضها. وحفظ الشيء في نفسه مراعاة أجزائه ~~وصفاته، ومنه كتاب عمر: من حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، فيجب أولا حفظها ثم ~~المحافظة عليها، بذلك يتم الدين. ### | [مسألة تخصيص الصلاة الوسطى] # المسألة ms0203 الثانية: لا شك في انتظام قوله تعالى " الصلوات " للصلاة الوسطى ~~لكنه خصصها بعد ذلك بالذكر تنبيها على شرفها في جنسها ومقدارها في أخواتها. # كما قال الله تعالى: {من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال} ~~[البقرة: 98] تنبيها على شرف الملكين، وكما قال تعالى: {فيهما فاكهة ونخل ~~ورمان} [الرحمن: 68] تنبيها على وجه الزيادة في مقدارهما بين الفاكهة. ### | [مسألة معنى تسميتها بالصلاة الوسطى] # المسألة الثالثة: في معنى تسميتها وسطى: وفي ذلك احتمالات: الأول: أنها ~~وسطى من الوسط، وهو العدل والخيار والفضل، كما قال تعالى: {وكذلك جعلناكم ~~أمة وسطا} [البقرة: 143] وقوله تعالى: {قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا ~~تسبحون} [القلم: 28] يعني: الأفضل في الآيتين. # الثاني: أنها وسط في العدد؛ لأنها خمس صلوات تكتنفها اثنتان من كل جهة. # الثالث: أنها وسط من الوقت. # قال ابن القاسم: قال مالك: الصبح هي الوسطى؛ لأن الظهر والعصر في النهار، ~~والمغرب والعشاء في الليل، والصبح فيما بين ذلك، وهي أقل الصلوات قدرا. ~~والظهر والعصر تجمعان، والمغرب والعشاء تجمعان، ولا تجمع الصبح مع شيء من ~~الصلوات، وهي كثيرا ما تفوت الناس وينامون عنها، وقال نحوه زيد بن أسلم في ~~توسط الوقت. # PageV01P298 # وروي عن ابن عباس أنها الوسطى؛ لأنها تصلى في سواد من الليل وبياض من ~~النهار، وكثيرا ما تفوت الناس. # قال ابن عباس أيضا: وقد قنت في الصبح: هذه هي الصلاة الوسطى؛ قال الله ~~تعالى: {وقوموا لله قانتين} [البقرة: 238] ### | [مسألة تحقيق الصلاة الوسطى] # المسألة الرابعة: في تحقيقها: يبعد في الشريعة أن تسمى وسطى بعدد أو وقت ~~وما العدد والزمان من الحظ في الوسط والتخصيص عليه، وقد كان اللبيب يمكنه ~~أن يبدئ في ذلك ويعيد، إلا أنه تكلف، والحق أحق أن يتبع. # قال الله تعالى: {حافظوا على الصلوات} [البقرة: 238] معناه لفضلهن، وخصوا ~~الفضلى منهن بزيادة محافظة أي الزائدة الفضل، وتعيينها متعذر. # وقد اختلف العلماء فيها على سبعة أقوال: الأول: أنها الظهر؛ قاله زيد بن ~~ثابت. # الثاني: أنها العصر قال علي في إحدى روايتيه. # الثالث: المغرب؛ قاله البراء. # الرابع: أنها العشاء ms0204 الآخرة. # الخامس: أنها الصبح؛ قال ابن عباس، وابن عمر، وأبو أمامة، والرواية ~~الصحيحة عن علي. # السادس: أنها الجمعة. # السابع: أنها غير معينة. # وكل قول من هذه الأقوال مستند إلى ما لا يستقل بالدليل: أما من قال: إنها ~~الظهر، فلأنها أول صلاة فرضت. # وأما من قال: إنها العصر، فتعلق بحديث علي - رضي الله عنه -: «شغلونا عن ~~الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا». # PageV01P299 # وأما من قال: إنها المغرب؛ فلأنها وتر بين أشفاع. # وأما من قال: العشاء؛ فلأنها وسطى صلاة الليل بين المغرب والصبح. # وأما من قال: إنها الصبح؛ فلأنها في وقت متوسط بين الليل والنهار؛ قاله ~~مالك وابن عباس. # وقال غيرهما: هي مشهودة، والعصر وإن كانت مثلها فتزيد الصبح عليها ~~بوجهين: أحدهما: أنها أثقل الصلوات على المنافقين. # والثاني: أن في الموطأ عن عائشة: «حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ~~وصلاة العصر وقوموا لله قانتين». # وهذا يدل على أن الصلاة الوسطى غير صلاة العصر، ويعارض حديث علي - رضي ~~الله عنه - ويبين أن المراد به أنها كانت وسطى بين ما فات وبقي. # وأما من قال: الجمعة: فلأنها تختص بشروط زائدة؛ وهذا يدل على شرفها ~~وفضلها. # وأما من قال: إنها غير معينة، فلتعارض الأدلة وعدم الترجيح، وهذا هو ~~الصحيح؛ فإن الله خبأها في الصلوات كما خبأ ليلة القدر في رمضان، وخبأ ~~الساعة في يوم الجمعة، وخبأ الكبائر في السيئات؛ ليحافظ الخلق على الصلوات، ~~ويقوموا جميع شهر رمضان، ويلزموا الذكر في يوم الجمعة كله، ويجتنبوا جميع ~~الكبائر والسيئات. # PageV01P300 ### | [مسألة القول بأن الوتر واجب] # المسألة الخامسة: # قال بعض علمائنا: في هذه الآية فائدة؛ وهي الرد على أبي حنيفة في قوله: ~~إن الوتر واجب؛ لأن الوسط إنما يعد في عدد وتر؛ ليكون الوسط شفعا يحيط به ~~من جانبيه؛ وإذا عدت الصلوات الواجبات ستا لم تكن الواحدة وسطا؛ لأنها بين ~~صلاتين من جهة، وبين ثلاث صلوات من أخرى، وهذا مبني على أن الوسط معتبر ~~بالعدد أو بالوقت؛ وقد بينا أن ذلك محتمل لا يدل على تعيينه دليل. ms0205 ### | [مسألة معنى قوله تعالى وقوموا لله قانتين] # المسألة السادسة: قوله تعالى: {وقوموا لله قانتين} [البقرة: 238] اعلموا ~~وفقكم الله تعالى أن القنوت يرد على معان، أمهاتها أربع: الأول: الطاعة ~~قاله ابن عباس. # الثاني: القيام قاله ابن عمر، وقرأ: {أمن هو قانت آناء الليل ساجدا ~~وقائما} [الزمر: 9] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أفضل الصلاة طول ~~القنوت». # الثالث: إنه السكوت قاله مجاهد. وفي الصحيح قال زيد: " كنا نتكلم في ~~الصلاة حتى نزلت: {وقوموا لله قانتين} [البقرة: 238] فأمرنا بالسكوت ". # الرابع: أن القنوت الخشوع. # وهذه المعاني كلها يصح أن يكون جميعها مرادا؛ لأنه لا تنافر فيه إلا ~~القيام، فإنه يبعد أن يكون معنى الآية: وقوموا لله قائمين، إلا على تكلف. # وقد صلى ابن عباس الصبح وقنت فيها، فلما فرغ منها قال: هذه هي الصلاة ~~الوسطى، وقرأ الآية إلى قوله تعالى: {قانتين} [البقرة: 238] # PageV01P301 # والصحيح رواية زيد بن أرقم؛ لأنها نص ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فلا يلتفت إلى محتمل سواها. ### | [مسألة الكلام في الصلاة] # المسألة السابعة: إذا ثبت أن المراد بالقنوت هاهنا السكوت، فإذا تكلم ~~المصلي فلا يخلو أن يتكلمها ساهيا أو عامدا، فإن تكلم ساهيا لم يخرج عن ~~الصلاة ولا زال عن امتثال الأمر؛ لأن السهو لا يدخل تحت التكليف؛ وهذا قوي ~~جدا. # وقد عارضه بعض العلماء بأن الفطر المنهي عنه في الصوم إذا وقع سهوا ~~أبطله، فينتقض هذا الأصل. # فأجابوا عنه بأن الفطر ضد الصوم، وإذا وجد ضد العبادة أبطلها، كان سهوا ~~أو عمدا كالحدث في الصلاة، بخلاف مسألتنا؛ فإن الكلام في الصلاة محظور غير ~~مضاد، فكان ذلك معلقا بالقصد، وقد حققنا ذلك في كتاب " تلخيص مسائل الخلاف ~~". # وأما من تكلم عامدا، فإن كان عابثا أبطل الصلاة، وإن كان لإصلاحها كتنبيه ~~الإمام جاز عند علمائنا، وقال الشافعي: لا يجوز. # ودليلنا حديث ذي اليدين المشهور الصحيح: «تكلموا فيه لإصلاح الصلاة فلم ~~تبطل صلاتهم». # وقد حققناه في مسائل الخلاف وكتب الحديث، فلينظر هنالك ففيه الشفاء إن ~~شاء الله. ### | [الآية السابعة والسبعون قوله تعالى ms0206 فإن خفتم فرجالا أو ركبانا] # فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون} [البقرة: 239] # أمر الله سبحانه بالمحافظة على الصلوات في كل حال من صحة ومرض، وحضر ~~وسفر، وقدرة وعجز، وخوف وأمن، لا تسقط عن المكلف بحال، ولا يتطرق إلى ~~فرضيتها اختلال. # PageV01P302 # وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم ~~تستطع فعلى جنب». # وقال في الصحيح من رواية ابن عمر في حال الخوف: «فإن كان خوف أكثر من ذلك ~~صلوا قياما وركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها». # «وقد صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف مرارا متعددة ~~بصفات مختلفة»، وقد مهدناها في كتب الحديث. # والمقصود من ذلك أن تفعل الصلاة كيفما أمكن، ولا تسقط بحال حتى لو لم ~~يتفق فعلها إلا بالإشارة بالعين للزم فعلها؛ كذلك إذا لم يقدر على حركة ~~سائر الجوارح، وبهذا المعنى تميزت عن سائر العبادات؛ فإن العبادات كلها ~~تسقط بالأعذار، ويترخص فيها بالرخص الضعيفة، ولذلك قال علماؤنا، وهي مسألة ~~عظمى: إن تارك الصلاة يقتل؛ لأنها أشبهت الإيمان الذي لا يسقط بحال. # وقالوا فيها: إحدى دعائم الإسلام، لا تجوز النيابة فيها ببدن ولا مال، ~~يقتل تاركها، وأصله الشهادتان. # وقد قال أبو حنيفة: إن القتال يفسد الصلاة، وقد قدمنا من طريق ابن عمر ~~الرد عليه، وظاهر الآية أقوى دليل عليه. ### | [الآية الثامنة والسبعون قوله تعالى ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم] # وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على ~~الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون} [البقرة: 243] # PageV01P303 # فيها مسألتان: المسألة الأولى: في سبب نزولها: فيه قولان: أحدهما: أن بني ~~إسرائيل لما سلط عليهم رجز الطاعون، ومات منهم عدد كثير، خرجوا هاربين من ~~الموت، فأماتهم الله تعالى مدة، ثم أحياهم آية، وميتة العقوبة بعدها حياة، ~~وميتة الأجل لا حياة بعدها. # الثاني: روي أنه كتب عليهم القتال فتركوه وخرجوا فارين منه ### | [مسألة الفرار من الطاعون] # المسألة الثانية: # الأصح والأشهر أن خروجهم إنما كان فرارا ms0207 من الطاعون، وهذا حكم باق في ~~ملتنا لم يتغير. # قال عبد الرحمن بن عوف: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ~~«إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا ~~فرارا منه». # واختلف العلماء في وجه الحكم في ذلك: أما الدخول ففيه الخلاف على أربعة ~~أقوال: الأول: ما فيه من التعرض للبلاء؛ وذلك لا يجوز في حكم الله تعالى ~~فإن صيانة النفس عن كل مكروه مخوف واجب. # الثاني: إنما نهى عن دخوله لئلا يشتغل عن مهمات دينه بما يكون فيه من ~~الكرب # PageV01P304 # والخوف، بما يرى من عموم الآلام وشمول الأسقام. # الثالث: ما يخاف من السخط عند نزول البلاء به، وذهاب الصبر على ما ينزل ~~من القضاء. # الرابع: ما يخاف عليه من سوء الاعتقاد، كأن يقول: لولا دخولي في هذا ~~البلد لما نزل بي مكروه. # وأما الخروج فإنما نهي عنه لما فيه من ترك المرضى مهملين مع ما ينتظم به ~~مما تقدم. والله أعلم. ### | [الآية التاسعة والسبعون قوله تعالى وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم] # } [البقرة: 244] # قال قوم من علمائنا: هذه الآية مجملة وهو خطأ؛ بل هي عامة. # قال مالك: سبل الله كثيرة. # قال القاضي: ما من سبيل من سبل الله تعالى إلا يقاتل عليها وفيها، وأولها ~~وأعظمها دين الإسلام قال الله سبحانه: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على ~~بصيرة} [يوسف: 108] وزاد - صلى الله عليه وسلم - تماما فقال: «من قاتل ~~لتكون كلمة الله العليا فهو في سبيل الله». # وبعد هذا فليس شيء من الشريعة إلا يجوز القتال عليه وعنه، فقد صح العموم ~~وظهر تأكيد التخصيص. # PageV01P305 # فإن قيل: فمن قاتل دون ماله؟ قلنا: هو في سبيل الله، لقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «من قتل دون ماله فهو شهيد». ### | [الآية الموفية ثمانين قوله تعالى من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا] # فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبسط وإليه ترجعون} [البقرة: 245] # فيها خمس مسائل: المسألة الأولى: القرض في اللغة: القطع، والمعنى من يقطع ms0208 ~~الله جزءا من ماله فيضاعف له ثوابه أضعافا كثيرة، إلا أنه في الشرع مخصوص ~~بالسلف على عادة الشرع في أن يجري على أسلوب اللغة في تخصيص الاسم ببعض ~~محتملاته، كما أن القراض مخصوص بالمضاربة؛ كأن هذا سلف ماله، وهذا سلف عمله ~~فصارا متسالفين، فسمي قراضا، وقيل متقارضان. ### | [مسألة المراد بقوله تعالى يقرض الله] # المسألة الثانية: جاء هذا الكلام في معرض الندب والتحضيض على إنفاق المال ~~في ذات الله تعالى # PageV01P306 # على الفقراء المحتاجين، وفي سبيل الله بنصرة الدين، وكنى الله سبحانه عن ~~الفقير بنفسه العلية المنزهة عن الحاجات ترغيبا في الصدقة، كما كنى عن ~~المريض والجائع والعاطش بنفسه المقدسة عن النقائص والآلام، فقال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: «يقول الله تعالى عبدي مرضت فلم تعدني، يقول: وكيف ~~تمرض وأنت رب العالمين؟ فيقول: مرض عبدي فلان ولو عدته لوجدتني عنده، ~~ويقول: جاع عبدي فلان ولو أطعمته لوجدتني عنده، ويقول: عطش عبدي فلان ولو ~~سقيته لوجدتني عنده». وهذا كله خرج مخرج التشريف لمن كنى عنه ترغيبا لمن ~~خوطب به. # المسألة الثالثة: قال قوم: المراد بالآية الإنفاق في سبيل الله تعالى؛ ~~لأنه قال قبلها: {وقاتلوا في سبيل الله} [البقرة: 190] فهذا الجهاد بالبدن، ~~ثم قال بعده: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} [البقرة: 245] فهذا الجهاد ~~بالمال. # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من جهز غازيا فقد غزا، ومن خلفه ~~في أهله بخير فقد غزا». # والصحيح عندي ما قاله الحسن من أنه في أبواب البر كلها ولا يرد عمومه ما ~~تقدمه من ذكر الجهاد. ### | [مسألة انقسام الناس بعد نزول قوله تعالى من ذا الذي يقرض الله] # المسألة الرابعة: انقسم الخلق بحكم الخالق وحكمته وإرادته ومشيئته وقضائه ~~وقدره حين سمعوا هذه الآية أقساما وتفرقوا فرقا ثلاثة: # PageV01P307 # الفرقة الأولى: الرذلى، قالوا: إن رب محمد فقير محتاج إلينا، ونحن ~~أغنياء؛ وهذه جهالة لا تخفى على ذي لب، وقد رد الله تعالى عليهم بقوله: ~~{لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما ms0209 قالوا} ~~[آل عمران: 181] والعجب من معاندتهم مع خذلانهم؛ وفي التوراة نظير هذه ~~الألفاظ. # الفرقة الثانية: لما سمعت هذا القول آثرت الشح والبخل، وقدمت الرغبة في ~~المال؛ فما أنفقت في سبيل الله، ولا فكت أسيرا، ولا أغاثت أحدا، تكاسلا عن ~~الطاعة وركونا إلى هذه الدار. # الفرقة الثالثة: لما سمعت بادرت إلى امتثاله، وآثر المجيب منهم بسرعة ~~بماله، أولهم أبو الدحداح لما سمع هذا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: يا نبي الله؛ ألا أرى ربنا يستقرض مما أعطانا لأنفسنا، ولي أرضان: ~~أرض بالعالية وأرض بالسافلة، وقد جعلت خيرهما صدقة. فقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «كم عذق مذلل لأبي الدحداح في الجنة». # فانظروا إلى حسن فهمه في قوله: يستقرض مما أعطانا لأنفسنا، وجوده بخير ~~ماله وأفضله؛ فطوبى له، طوبى له، ثم طوبى له، ثم طوبى له، ### | [مسألة مما يكون القرض] # المسألة الخامسة: القرض يكون من المال ويكون من العرض قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في مشهور الآثار: «أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم، كان ~~إذا خرج من بيته قال: اللهم إني قد تصدقت بعرضي على عبادك». # وروي عن ابن عمر: أقرض من عرضك ليوم فقرك يعني من سبك فلا تأخذ منه حقا، ~~ولا تقم عليه حدا، حتى تأتي يوم القيامة موفر الأجر. # وقال أبو حنيفة: لا يجوز التصدق بالعرض؛ لأنه حق لله تعالى، وهذا فاسد، ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم ~~عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا». # PageV01P308 # وهذا يقتضي أن هذه المحرمات الثلاث تجري مجرى واحدا في كونها باحترامها ~~حقا للآدمي، وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف، فلينظر هنالك. ### | [الآية الحادية والثمانون قوله تعالى ومن لم يطعمه فإنه مني] # } [البقرة: 249] # فيها مسألتان: المسألة الأولى: إن الماء طعام بقوله تعالى: {ومن لم ~~يطعمه} [البقرة: 249] وإذا كان طعاما كان قوتا لبقائه واقتيات البدن به؛ ~~فوجب أن يجري فيه الربا، وهو الصحيح من المذهب؛ ولم لا يجري فيه الربا وهو ms0210 ~~أجل الأقوات، وإنما هان لعموم وجوده، وإنما عمم الله تعالى وجوده بفضله؛ ~~لعظيم الحاجة إليه، ومن شرفه على سائر الأطعمة أنه مهيأ مخلوق على صفة لا ~~صنعة لأحد فيها لا أولا ولا آخرا. ### | [مسألة الفرق بين الكرع في النهر وبين الشرب باليد] # المسألة الثانية: قال أبو حنيفة: من قال: إن شرب عبدي من الفرات فهو حر؛ ~~فلا يعتق إلا أن يكرع فيه؛ فإن شرب بيده أو اغترف بإناء منه لم يعتق؛ لأن ~~الله تعالى فرق بين الكرع في النهر وبين الشرب باليد. # وهذا فاسد؛ فإذا أجرينا الأيمان على الألفاظ، وقلنا به معهم؛ لأن شرب ~~الماء ينطلق على كل هيئة وصفة في لسان العرب من غرف باليد أو كرع بالفم ~~انطلاقا واحدا، فإذا وجد الشرب المحلوف عليه لغة وحقيقة حنث فاعله. # PageV01P309 # وأما هذه الآية فلا حجة فيها؛ فإن الله تعالى جعل ما لزمهم من هذه القصة ~~معيارا لعزائمهم وإظهار صبرهم في اللقاء؛ فكان من كسر شهوته عن الماء، وغلب ~~نفسه على الإمعان فيه إلا غرفة واحدة يطفئ بها سورته، ويسكن غليله، موثوقا ~~به في الثبات عند اللقاء في الحرب وكسر النفس عن الفرار عن القتال، وبالعكس ~~من كرع في النهر واستوفى الشرب منه، وهذا منزع معلوم ليس من اليمين في ورد ~~ولا صدر. ### | [الآية الثانية والثمانون قوله تعالى لا إكراه في الدين] # قوله تعالى: {لا إكراه في الدين} [البقرة: 256] # فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى: قيل: إنها منسوخة بآية القتال؛ وهو قول ~~ابن زيد. # الثاني: أنها مخصوصة في أهل الكتاب الذين يقرون على الجزية؛ وعلى هذا فكل ~~من رأى قبول الجزية من جنس تحمل الآية عليه. # الثالث: أنها نزلت في الأنصار؛ كانت المرأة منهم إذا لم يعش لها ولد تجعل ~~على نفسها إن عاش أن تهوده ترجو به طول عمره، فلما أجلى الله تعالى بني ~~النضير قالوا: كيف نصنع بأبنائنا؟ فأنزل الله تعالى الآية: {لا إكراه في ~~الدين} [البقرة: 256] ### | [مسألة معنى قوله تعالى لا إكراه] # المسألة الثانية: قوله تعالى: (لا إكراه): عموم ms0211 في نفي إكراه الباطل؛ ~~فأما الإكراه بالحق فإنه من الدين؛ وهل يقتل الكافر إلا على الدين؛ قال - ~~صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله». # وهو مأخوذ من قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله} ~~[البقرة: 193] # PageV01P310 # وبهذا يستدل على ضعف قول من قال: إنها منسوخة، فإن قيل: فكيف جاز الإكراه ~~بالدين على الحق، والظاهر من حال المكره أنه لا يعتقد ما أظهر؟. # الجواب: أن الله سبحانه بعث رسوله محمدا - صلى الله عليه وسلم - يدعو ~~الخلق إليه، ويوضح لهم السبيل، ويبصرهم الدليل، ويحتمل الإذاية والهوان في ~~طريق الدعوة والتبيين، حتى قامت حجة الله، واصطفى الله أولياءه، وشرح ~~صدورهم لقبول الحق؛ فالتفت كتيبة الإسلام، وائتلفت قلوب أهل الإيمان، ثم ~~نقله من حال الإذاية إلى العصمة، وعن الهوان إلى العزة، وجعل له أنصارا ~~بالقوة، وأمره بالدعاء بالسيف؛ إذ مضى من المدة ما تقوم به الحجة، وكان من ~~الإنذار ما حصل به الإعذار. # جواب ثان: وذلك أنهم يؤخذون أولا كرها، فإذا ظهر الدين وحصل في جملة ~~المسلمين، وعمت الدعوة في العالمين حصلت لهم بمثافنتهم وإقامة الطاعة معهم ~~النية؛ فقوي اعتقاده، وصح في الدين وداده، إن سبق لهم من الله تعالى توفيق، ~~وإلا أخذنا بظاهره وحسابه على الله. ### | [مسألة الإكراه بغير حق] # المسألة الثالثة: إذا كان الإكراه بغير حق لم يثبت حكما، وكان وجوده ~~كعدمه، وفي ذلك تفريع كثير قد بيناه في كتاب " الإكراه من المسائل "، ~~وستأتي منها مسألة إكراه الطلاق والكفر في قوله تعالى: {إلا من أكره وقلبه ~~مطمئن بالإيمان} [النحل: 106] إن شاء الله تعالى. ### | [الآية الثالثة والثمانون قوله تعالى يأيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم] # الآية الثالثة والثمانون قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من ~~طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ~~ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد} [البقرة: 267] # PageV01P311 # فيها ست مسائل: المسألة الأولى: في سبب نزولها: لا خلاف بين ms0212 أهل التفسير ~~أنها نزلت فيما روى أبو داود وغيره أن الرجل كان يأتي بالقنو من الحشف ~~فيعلقه في المسجد يأكل منه الفقراء، فنزلت: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} ~~[البقرة: 267] ### | [مسألة المراد بالنفقة] # المسألة الثانية: في المراد بالنفقة: وفيه قولان: أحدهما: أنها صدقة ~~الفرض؛ قاله عبيدة السلماني وغيره. # الثاني: أنها عامة في كل صدقة؛ فمن قال: إنها في الفرض تعلق بأنها مأمور ~~بها، والأمر على الوجوب، وبأنه نهي عن الرديء، وذلك مخصوص بالفرض. # والصحيح أنها عامة في الفرض والنفل؛ والدليل عليه أن سبب نزول الآية كان ~~في التطوع. # الثاني: أن لفظ (أفعل) صالح للندب صلاحيته للفرض، والرديء منهي عنه في ~~النفل، كما هو منهي عنه في الفرض، إلا أنه في التطوع ندب في " (أفعل) مكروه ~~في " لا تفعل " وفي الفرض واجب في " (أفعل) حرام في " لا تفعل ". ### | [مسألة قوله تعالى ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه] # المسألة الثالثة: # قوله تعالى: {ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه} [البقرة: 267] قال بعض ~~علمائنا: هذا دليل على أن الآية في الفرض؛ لأن قوله تعالى: {بآخذيه إلا أن ~~تغمضوا} [البقرة: 267] لفظ يختص بالديون التي لا يتسامح في اقتضاء الرديء ~~فيها عن الجيد، ولا في أخذ المعيب عن السليم، إلا بإغماض، وهذه غفلة، فإنها ~~لو كانت نازلة في الفرض لما قال: {ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه} ~~[البقرة: 267] لأن الرديء والمعيب لا يجوز أخذه في الفرض بحال، لا مع تقدير ~~الإغماض ولا مع عدمه، وإنما يؤخذ بإغماض في النفل. # PageV01P312 ### | [مسألة قوله تعالى من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم] # المسألة الرابعة: # قوله تعالى: {من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض} [البقرة: 267] ~~قال علماؤنا: قوله تعالى: {ما كسبتم} [البقرة: 267] يعني: التجارة {ومما ~~أخرجنا لكم من الأرض} [البقرة: 267] يعني النبات. # وتحقيق هذا أن الاكتساب على قسمين: منها ما يكون من بطن الأرض وهو ~~النباتات كلها، ومنها ما يكون من المحاولة على الأرض كالتجارة والنتاج ~~والمغاورة في بلاد العدو، والاصطياد؛ فأمر الله تعالى الأغنياء من عباده ~~بأن يؤتوا ms0213 الفقراء مما آتاهم على الوجه الذي فعله رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -. ### | [مسألة الزكاة في النبات] # المسألة الخامسة: # قال أصحاب أبي حنيفة: هذا يدل على وجوب الزكاة في كل نبات من غير تقدير ~~نصاب ولا تخصيص بقوت، وعضدوه بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «فيما سقت ~~السماء العشر، وفيما سقي بنضح أو دالية نصف العشر». # وهذا لا متعلق فيه من الآية؛ لأنها إنما جاءت لبيان محل الزكاة لا لبيان ~~نصابها، أو مقدارها، وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - النصاب بقوله: ~~«ليس فيما دون خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة، وليس ~~فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة». # PageV01P313 # وقد حققنا ذلك في موضعه من مسائل الخلاف، وتقصينا القول على الحديث. ### | [مسألة معنى الخبيث] # المسألة السادسة: # في هذه الآية فائدة؛ وهي معرفة معنى الخبيث، فإن جماعة قالوا: إن الخبيث ~~هو الحرام، وزل فيه صاحب العين فقال: الخبيث كل شيء فاسد، وأخذه والله أعلم ~~من تسمية الرجيع خبيثا. وقال يعقوب: الخبيث: الحرام، وهذا تفسير منه للغة ~~بالشرع، وهو جهل عظيم. والصحيح أن الخبيث ينطلق على معنيين: أحدهما: ما لا ~~منفعة فيه، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «كما ينفي الكير خبث الحديد». ~~الثاني: ما تنكره النفس، كقوله تعالى: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} ~~[البقرة: 267] ### | [الآية الرابعة والثمانون قوله تعالى إن تبدوا الصدقات فنعما هي] # وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما ~~تعملون خبير} [البقرة: 271] # فيها مسألتان: المسألة الأولى: اختلف الناس في الآية على قولين: أحدهما: ~~أنها صدقة الفرض. # الثاني: أنها صدقة التطوع. # قال ابن عباس في الآية: جعل الله تعالى صدقة السر في التطوع تفضل صدقة ~~العلانية بسبعين ضعفا، وجعل صدقة العلانية في الفرض تفضل صدقة السر بخمسة ~~وعشرين ضعفا. # PageV01P314 # المسألة الثانية: أما صدقة الفرض فلا خلاف أن إظهارها أفضل، كصلاة الفرض ~~وسائر فرائض الشريعة؛ لأن المرء يحرز بها إسلامه، ويعصم ماله. # وليس في تفضيل صدقة العلانية على السر ولا في تفضيل ms0214 صدقة السر على ~~العلانية حديث صحيح يعول عليه، ولكنه الإجماع الثابت. # فأما صدقة النفل فالقرآن صرح بأنها في السر أفضل منها في الجهر؛ بيد أن ~~علماءنا قالوا: إن هذا على الغالب مخرجه. # والتحقيق فيه أن الحال في الصدقة تختلف بحال المعطي لها، والمعطى إياها، ~~والناس الشاهدين لها. # أما المعطي فله فائدة إظهار السنة وثواب القدرة، وآفتها الرياء والمن ~~والأذى. # وأما المعطى إياها فإن السر أسلم له من احتقار الناس له أو نسبته إلى أنه ~~أخذها مع الغنى عنها وترك التعفف. # وأما حال الناس فالسر عنهم أفضل من العلانية لهم، من جهة أنهم ربما طعنوا ~~على المعطي لها بالرياء، وعلى الآخذ لها بالاستثناء؛ ولهم فيها تحريك ~~القلوب إلى الصدقة، لكن هذا اليوم قليل. ### | [الآية الخامسة والثمانون قوله تعالى ليس عليك هداهم] # ولكن الله يهدي من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ~~ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون} [البقرة: ~~272] # فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى: في سبب نزولها: وفي ذلك قولان: # PageV01P315 # أحدهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تصدقوا إلا على أهل ~~دينكم»، فنزلت: {ليس عليك هداهم} [البقرة: 272] # الثاني: قال ابن عباس: كانوا لا يرضخون لقراباتهم من المشركين، فنزلت ~~الآية. # وهذا هو الصحيح لوجهين: أحدهما: أن الأول حديث باطل. # الثاني: «أن أسماء سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: يا رسول ~~الله: إن أمي قدمت علي راغبة وهي مشركة أفأصلها؟ قال: صلي أمك»؛ فإنما شكوا ~~في جواز الموالاة لهم والصدقة عليهم فسألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فأذن لهم. ### | [مسألة صرف صدقة الفرض إلى الكفار] # المسألة الثانية: # قال علماؤنا رحمة الله عليهم: لا تصرف إليهم صدقة الفرض؛ وإنما ذلك في ~~التطوع؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم ~~وأردها على فقرائكم». # وقال أبو حنيفة: تصرف إليهم صدقة الفطر؛ لحديث يروى عن ابن مسعود أنه كان ~~يعطي الرهبان من صدقة الفطر؛ وهذا حديث ضعيف لا أصل له. # ودليلنا أنها ms0215 صدقة طهر واجبة، فلا تصرف إلى الكافر كصدقة الماشية والعين. # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أغنوهم عن سؤال هذا اليوم يعني ~~يوم الفطر». # PageV01P316 ### | [مسألة صرف صدقة الفرض إلى المسلم العاصي] # المسألة الثالثة: إذا كان مسلما عاصيا فلا خلاف أن صدقة الفرض تصرف إليه، ~~إلا أنه إذا كان يترك أركان الإسلام من الصلاة والصيام فلا تصرف إليه ~~الصدقة حتى يتوب، وسائر المعاصي تصرف الصدقة إلى مرتكبها لدخولهم في اسم ~~المسلمين. # وفي الحديث الصحيح: «أن رجلا خرج بصدقته فدفعها، فقيل تصدق على سارق؟ ~~فقال: على سارق فأوحى الله تعالى: لعله يستعف عن سرقته» الحديث. ### | [الآية السادسة والثمانون قوله تعالى للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله] # لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم ~~بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم} ~~[البقرة: 273] # فيها سبع مسائل: المسألة الأولى: {للفقراء الذين أحصروا} [البقرة: 273] ~~سيأتي تحقيق الفقر في آية الصدقة. # المسألة الثانية: من هم؟ قيل: هم فقراء المهاجرين، والصحيح أنهم فقراء ~~المسلمين. # المسألة الثالثة: لا خلاف في هذه الآية وغيرها أن الصدقة على فقراء ~~المسلمين أفضل من غيرهم. # ويحكى عن جابر بن زيد أن الصدقة لا تعطى لكافر، ومعناه صدقة الفرض. ### | [مسألة معنى قوله تعالى تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس] # المسألة الرابعة: # قوله تعالى: {تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس} [البقرة: 273] قيل: هو ~~الخشوع. وقيل: الخصاصة؛ وهو الصحيح؛ لأن الخشوع قد يكون على الغنى # PageV01P317 # قال تعالى: {سيماهم في وجوههم من أثر السجود} [الفتح: 29] فعم الفقير ~~والغني. ### | [مسألة قوله تعالى لا يسألون الناس إلحافا] # المسألة الخامسة: {لا يسألون الناس إلحافا} [البقرة: 273] ثبت عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان ~~والتمرة والتمرتان، وإنما المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له ~~فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس». ### | [مسألة الواجب على معطي الصدقة] # المسألة السادسة: الواجب على معطي الصدقة كان إماما أو مالكا أن يراعي ~~أحوال الناس، فمن علم فيه صبرا ms0216 على الخصاصة وتحليا بالقناعة آثر عليه من لا ~~يستطيع الصبر، فربما وقع في التسخط قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~الصحيح: «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه مخافة أن يكبه الله في النار ~~على وجهه». ### | [مسألة الإلحاف في المسألة] # المسألة السابعة: {إلحافا} [البقرة: 273] معناه الشمول بالمسألة إما ~~للناس، وإما في الأموال؛ فيسأل من الناس جماعة، ويسأل من المال أكثر مما ~~يحتاج إليه وبناء " لحف " للشمول، ومنه اللحاف؛ وهو الثوب الذي يشتمل به، ~~ونحوه الإلحاح؛ يقال: ألحف في المسألة إذا شمل رجالا أو مالا، وألح فيها ~~إذا كررها. # وروى المفسرون عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «إن الله يحب الحليم الحيي الغني النفس المتعفف، ويبغض الغني الفاحش ~~البذي السائل الملحف». ولم يصح لهذا الحديث أصل، ولا عرف له سند، لكن روى ~~مسلم عن معاوية قال: # PageV01P318 # قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تلحفوا في المسألة، فوالله لا ~~يسألني أحد منكم شيئا فتخرج له مسألته مني شيئا وأنا كاره فيبارك الله له ~~فيما أعطيته». # وروى مالك عن الأسدي أنه قال: «نزلت أنا وأهلي ببقيع الغرقد، فقال لي ~~أهلي: اذهب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسله لنا شيئا نأكله، ~~وجعلوا يذكرون من حاجتهم فذهبت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجدت ~~عنده رجلا يسأله، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: لا أجد ما ~~أعطيك. فولى الرجل عنه وهو مغضب، وهو يقول: لعمرك إنك لتعطي من شئت، فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنه ليغضب علي ألا أجد ما أعطيه، من سأل ~~منكم وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا. فقال الأسدي: للقحة لنا خير من ~~أوقية». # وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «من سأل وله أوقية فهو ملحف». فتبين بهذا أن الملحف هو الذي يسأل ~~الرجل بعدما رده عن نفسه، أو يسأل وعنده ما يغنيه عن السؤال، إلا ms0217 أن يسأل ~~زائدا على ما عنده، ويغنيه وهو محتاج إليه؛ فذلك جائز. # وسمعت بجامع الخليفة ببغداد رجلا يقول: هذا أخوكم يحضر الجمعة معكم، وليس ~~له ثياب يقيم بها سنة الجمعة، فلما كان في الجمعة الأخرى رأيت عليه ثيابا ~~جددا، فقيل لي: كساه إياها فلان لأخذ الثناء بها. ويكرر المسألة إذا رده ~~المسئول والسائل يعلم أنه قادر على ما سأله إياه أو جاهل # PageV01P319 # بحاله، فيعيد عليه السؤال إعذارا أو إنذارا ثلاثا لا يزيد عليه، وذلك ~~جائز، والأفضل تركه. والله أعلم. ### | [الآية السابعة والثمانون قوله تعالى الذين يأكلون الربا] # } [البقرة: 275] # هذه الآية من أركان الدين، وفيها خمس مسائل: المسألة الأولى: في سبب ~~نزولها: ذكر من فسر أن الله تعالى لما حرم الربا قالت ثقيف: وكيف ننتهي عن ~~الربا، وهو مثل البيع، فنزلت فيهم الآية. ### | [مسألة تفسير قوله تعالى الذين يأكلون الربا] # المسألة الثانية: قال علماؤنا قوله تعالى: {الذين يأكلون الربا} [البقرة: ~~275] كناية عن استجابة في البيع وقبضه باليد؛ لأن ذلك إنما يفعله المربي ~~قصدا لما يأكله، فعبر بالأكل عنه، وهو مجاز من باب التعبير عن الشيء ~~بفائدته وثمرته، وهو أحد قسمي المجاز كما بيناه في غير موضع. ### | [مسألة كل زيادة لم يقابلها عوض] # المسألة الثالثة: قال علماؤنا: الربا في اللغة هو الزيادة، ولا بد في ~~الزيادة من مزيد عليه تظهر الزيادة به؛ فلأجل ذلك اختلفوا هل هي عامة في ~~تحريم كل ربا، أو مجملة لا بيان لها إلا من غيرها؟ والصحيح أنها عامة؛ ~~لأنهم كانوا يتبايعون ويربون، وكان الربا عندهم معروفا، يبايع الرجل الرجل ~~إلى أجل، فإذا حل الأجل قال: أتقضي أم تربي؟ يعني أم تزيدني على مالي عليك ~~وأصبر أجلا آخر. فحرم الله تعالى الربا، وهو الزيادة؛ ولكن لما كان كما ~~قلنا لا تظهر الزيادة إلا على مزيد عليه، ومتى قابل الشيء غير جنسه في ~~المعاملة لم تظهر الزيادة، وإذا قابل جنسه لم تظهر الزيادة أيضا إلا بإظهار ~~الشرع، ولأجل هذا صارت الآية مشكلة على الأكثر، معلومة لمن أيده الله تعالى ms0218 ~~بالنور الأظهر. # PageV01P320 # وقد فاوضت فيها علماء، وباحثت رفعاء، فكل منهم أعطى ما عنده حتى انتظم ~~فيها سلك المعرفة بدرره وجوهرته العليا. # إن من زعم أن هذه الآية مجملة فلم يفهم مقاطع الشريعة؛ فإن الله تعالى ~~أرسل رسوله - صلى الله عليه وسلم - إلى قوم هو منهم بلغتهم، وأنزل عليهم ~~كتابه تيسيرا منه بلسانه ولسانهم؛ وقد كانت التجارة والبيع عندهم من ~~المعاني المعلومة، فأنزل عليهم مبينا لهم ما يلزمهم فيهما ويعقدونهما عليه، ~~فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن ~~تكون تجارة عن تراض منكم} [النساء: 29] # والباطل كما بيناه في كتب الأصول، هو الذي لا يفيد وقع التعبير به عن ~~تناول المال بغير عوض في صورة العوض. # والتجارة هي مقابلة الأموال بعضها ببعض، وهو البيع؛ وأنواعه في متعلقاته ~~بالمال كالأعيان المملوكة، أو ما في معنى المال كالمنافع، وهي ثلاثة أنواع: ~~عين بعين، وهو بيع النقد؛ أو بدين مؤجل وهو السلم، أو حال وهو يكون في ~~التمر أو على رسم الاستصناع، أو بيع عين بمنفعة وهو الإجارة. # والربا في اللغة هو الزيادة، والمراد به في الآية كل زيادة لم يقابلها ~~عوض؛ فإن الزيادة ليست بحرام لعينها، بدليل جواز العقد عليها على وجهه، ولو ~~كانت حراما ما صح أن يقابلها عوض، ولا يرد عليها عقد كالخمر والميتة ~~وغيرها. # وتبين أن معنى الآية: " وأحل الله البيع المطلق الذي يقع فيه العوض على ~~صحة القصد والعمل، وحرم منه ما وقع على وجه الباطل ". # وقد كانت الجاهلية تفعله كما تقدم، فتزيد زيادة لم يقابلها عوض، وكانت ~~تقول: إنما البيع مثل الربا أي: إنما الزيادة عند حلول الأجل آخرا مثل أصل ~~الثمن في أول العقد؛ فرد الله تعالى عليهم قولهم، وحرم ما اعتقدوه حلالا ~~عليهم، وأوضح أن الأجل إذا حل ولم يكن عنده ما يؤدي أنظر إلى الميسرة ~~تخفيفا، يحققه أن الزيادة إنما تظهر بعد تقدير العوضين فيه، وذلك على ~~قسمين: # PageV01P321 # أحدهما: تولى الشرع تقدير العوض فيه، وهو الأموال الربوية، فلا تحل ~~الزيادة ms0219 فيه. # وأما الذي وكله إلى المتعاقدين فالزيادة فيه على قدر مالية العوضين عند ~~التقابل على قسمين: أحدهما: ما يتغابن الناس بمثله فهو حلال بإجماع. # ومنه ما يخرج عن العادة؛ واختلف علماؤنا فيه، فأمضاه المتقدمون وعدوه من ~~فن التجارة، ورده المتأخرون ببغداد ونظرائها وحدوا المردود بالثلث. # والذي أراه أنه إذا وقع عن علم المتعاقدين فإنه حلال ماض؛ لأنهما يفتقران ~~إلى ذلك في الأوقات، وهو داخل تحت قوله تعالى: {إلا أن تكون تجارة عن تراض ~~منكم} [النساء: 29] # وإن وقع عن جهل من أحدهما فإن الآخر بالخيار، وفي مثله ورد الحديث «أن ~~رجلا كان يخدع في البيوع فذكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فقال له ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إذا بايعت فقل: لا خلابة». زاد ~~الدارقطني وغيره: «ولك الخيار ثلاثا» # ، وقد مهدناه في شرح الحديث ومسائل الخلاف؛ فهذا أصل علم هذا الباب. # فإن قيل: أنكرتم الإجمال في الآية، وما أوردتموه من البيان والشروط هو ~~بيان ما لم يكن في الآية مبينا، ولا يوجد عنها من القول ظاهرا. # قلنا: هذا سؤال من لم يحضر ما مضى من القول، ولا ألقى إليه السمع وهو ~~شهيد، وقد توضح في مسائل الكلام أن جميع ما أحل الله لهم أو حرم عليهم كان ~~معلوما عندهم؛ لأن الخطاب جاء فيه بلسانهم، فقد أطلق لهم حل ما كانوا ~~يفعلونه من بيع وتجارة ويعلمونه، وحرم عليهم الربا وكانوا يفعلونه، وحرم ~~عليهم أكل المال بالباطل # PageV01P322 # وقد كانوا يفعلونه ويعلمونه ويتسامحون فيه؛ ثم إن الله سبحانه وتعالى ~~أوحى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يلقي إليهم زيادة فيما كان ~~عندهم من عقد أو عوض لم يكن عندهم جائزا، فألقى إليهم وجوه الربا المحرمة ~~في كل مقتات، وثمن الأشياء مع الجنس متفاضلا، وألحق به بيع الرطب بالتمر، ~~والعنب بالزبيب، والبيع والسلف، وبين وجوه أكل المال بالباطل في بيع الغرر ~~كله أو ما لا قيمة له شرعا فيما كانوا يعتقدونه متقوما كالخمر والميتة ~~والدم وبيع الغش، ولم يبق في الشريعة ms0220 بعد هاتين الآيتين بيان يفتقر إليه في ~~الباب، وبقي ما وراءهما على الجواز؛ إلا أنه صح عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «ما لا يصح ستة وخمسون معنى نهى عنها». # الأول والثاني: ثمن الأشياء جنسا بجنس، والثالث والرابع والخامس والسادس ~~والسابع: بيع المقتات أو ثمن الأشياء جنسا بجنس متفاضلا، أو جنسا بغير جنسه ~~نسيئة، أو بيع الرطب بالتمر، أو العنب بالزبيب، أو بيع المزابنة على أحد ~~القولين، أو عن بيع وسلف؛ وهذا كله داخل في بيع الربا، وهو مما تولى الشرع ~~تقدير العوض فيه، فلا تجوز الزيادة عليه. # الثامن بيعتان في بيعة. التاسع بيع الغرر، ورد بيع الملامسة والمنابذة ~~والحصاة، وبيع الثنيا، وبيع العربان وما ليس عندك، والمضامين، والملاقيح، ~~وحبل حبلة. # ويتركب عليهما من وجه بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها وبيع السنبل حتى ~~يشتد، والعنب حتى يسود، وهو مما قبله، وبيع المحاقلة والمعاومة والمخابرة ~~والمحاصرة، وبيع ما لم يقبض، وربح ما لم يضمن، وبيع الطعام قبل أن يستوفي ~~من بعض ما تقدم، والخمر والميتة وشحومها، وثمن الدم، وبيع الأصنام، وعسب ~~الفحل، والكلب والسنور، وكسب الحجام، ومهر البغي، وحلوان الكاهن، وبيع ~~المضطر، وبيع الولاء، وبيع الولد أو الأم فردين، أو الأخ والأخ فردين، ~~وكراء الأرض والماء والكلأ والنجش، وبيع الرجل على بيع أخيه، وخطبته على ~~خطبة أخيه، وحاضر لباد، وتلقي السلع والقينات. # فهذه ستة وخمسون معنى حضرت الخاطر مما نهى عنه أوردناها حسب نسقها في # PageV01P323 # الذكر. # وهي ترجع في التقسيم الصحيح الذي أوردناه في المسائل إلى سبعة أقسام: ما ~~يرجع إلى صفة العقد، وما يرجع إلى صفة المتعاقدين، وما يرجع إلى العوضين، ~~وإلى حال العقد، والسابع وقت العقد كالبيع وقت نداء يوم الجمعة، أو في آخر ~~جزء من الوقت المعين للصلاة. # ولا تخرج عن ثلاثة أقسام؛ وهي الربا، والباطل، والغرر. # ويرجع الغرر بالتحقيق إلى الباطل فيكون قسمين على الآيتين، وهذه المناهي ~~تتداخل ويفصلها المعنى. # ومنها أيضا ما يدخل في الربا والتجارة ظاهرا، ومنها ما يخرج عنها ظاهرا؛ ~~ومنها ما يدخل ms0221 فيها باحتمال، ومنها ما ينهى عنها # مصلحة # للخلق وتألفا بينهم لما في التدابر من المفسدة. ### | [مسألة الربا في هبة الثواب] # المسألة الرابعة: قد بينا أن الربا على قسمين: زيادة في الأموال المقتاتة ~~والأثمان، والزيادة في سائرها؛ وذكرنا حدودها؛ وبينا أن الربا فيما جعل ~~التقدير فيه للمتعاقدين جائز بعلمهما؛ ولا خلاف فيه، وكذلك يجوز الربا في ~~هبة الثواب. # وقد قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: " أيما رجل وهب هبة يرى أنها ~~للثواب فهو على هبته، حتى يرضى منها "؛ فهو مستثنى من الممنوع الداخل في ~~عموم التحريم، وقد انتهى القول في هذا الغرض هاهنا وشرحه في تفسير الحديث ~~ومسائل الخلاف، ومنه ما تيسر على آيات القرآن في هذا القسم من الأحكام. ### | [مسألة خالط المال الحلال حرام ثم أخرج منه مقدار الحرام المختلط به] # المسألة الخامسة: # من معنى هذه الآية: وهي في التي بعدها قوله تعالى: {وإن تبتم فلكم رءوس ~~أموالكم} [البقرة: 279] # ذهب بعض الغلاة من أرباب الورع إلى أن المال الحلال إذا خالطه حرام حتى ~~لم يتميز، ثم أخرج منه مقدار الحرام المختلط به لم يحل، ولم يطب؛ لأنه يمكن ~~أن يكون الذي أخرج هو الحلال، والذي بقي هو الحرام، وهو غلو في الدين؛ فإن ~~كل ما لم # PageV01P324 # يتميز فالمقصود منه ماليته لا عينه، ولو تلف لقام المثل مقامه، والاختلاط ~~إتلاف لتميزه، كما أن الإهلاك إتلاف لعينه، والمثل قائم مقام الذاهب، وهذا ~~بين حسا بين معنى، والله أعلم. ### | [الآية الثامنة والثمانون قوله تعالى وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة] # وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون} [البقرة: 280] # فيها خمس مسائل: المسألة الأولى: في سبب نزولها: قد تقدم أنها نزلت في ~~الربا عند ذكر الآية قبلها. ### | [مسألة المعنى المقصود من قوله تعالى وإن كان ذو عسرة إلخ] # المسألة الثانية: في المعنى المقصود بها: فيها ثلاثة أقوال: الأول: أن ~~المقصود بها ربا الدين خاصة، وفيه يكون الإنظار؛ قاله ابن عباس وشريح ~~القاضي والنخعي. # الثاني: أنه عام في كل دين، وهو قول العامة. ms0222 # الثالث: قال متأخرو علمائنا: هو نص في دين الربا، وغيره من الديون مقيس ~~عليه. # المسألة الثالثة: في التنقيح: أما من قال: إنه في دين الربا فضعيف، ولا ~~يصح عن ابن عباس؛ فإن الآية، وإن كان أولها خاصا، فإن آخرها عام، وخصوص ~~أولها لا يمنع من عموم آخرها، لا سيما إذا كان العام مستقلا بنفسه. # ومن قال: إنه نص في الربا، وغيره مقيس عليه فهو ضعيف؛ لأن العموم قد ~~يتناول الكل فلا مدخل للقياس فيه. # PageV01P325 # فإن قيل: فقد قال في غيره من الديون: {لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه ~~قائما} [آل عمران: 75] # قلنا: سنتكلم على الآية في موضعها إن شاء الله تعالى. # فإن قيل: وبم تعلم العسرة؟ قلنا: بأن لا نجد له مالا؛ فإن قال الطالب: ~~خبأ مالا. قلنا للمطلوب: أثبت عدمك ظاهرا ويحلف باطنا، والله يتولى ~~السرائر. ### | [مسألة الميسرة التي يؤدى بها الدين] # المسألة الرابعة: # ما الميسرة التي يؤدى بها الدين؟: وقد اختلف الناس فيها اختلافا متباينا ~~بيناه في مسائل الفقه. # تحرير قول علمائنا: أنه يترك له ما يعيش به الأيام وكسوة لباسه ورقاده، ~~ولا تباع ثياب جمعته، ويباع خاتمه، وتفصيل الفروع في المسائل. ### | [مسألة الصدقة على المعسر] # المسألة الخامسة: # قوله تعالى: {وأن تصدقوا خير لكم} [البقرة: 280] قال علماؤنا: الصدقة على ~~المعسر قربة؛ وذلك أفضل عند الله من إنظاره إلى الميسرة، بدليل ما روى ~~حذيفة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «تلقت الملائكة روح رجل ممن ~~كان قبلكم، قالوا: عملت من الخير شيئا؟ قال: كنت آمر فتياني أن ينظروا ~~الموسر ويتجاوزوا عن المعسر. قال الله عز وجل: تجاوزوا عنه». # وقد روي عن أبي اليسر: كعب بن عمرو أنه قال: «من أنظر معسرا أو وضع عنه، ~~أظله الله في ظله»؛ وهذا مما لا خلاف فيه. # PageV01P326 ### | [الآية التاسعة والثمانون قوله تعالى يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين] # الآية التاسعة والثمانون قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم ~~بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب ms0223 أن يكتب ~~كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه ~~شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل ~~وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ~~ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء ~~إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند ~~الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها ~~بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا ~~شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء ~~عليم} [البقرة: 282] # هي آية عظمى في الأحكام، مبينة جملا من الحلال والحرام، وهي أصل في مسائل ~~البيوع، وكثير من الفروع، جماعها على اختصار مع استيفاء الغرض دون الإكثار ~~في الثنتين وخمسين مسألة: # المسألة الأولى: في حقيقة الدين: هو عبارة عن كل معاملة كان أحد العوضين ~~فيها نقدا والآخر في الذمة نسيئة، فإن العين عند العرب ما كان حاضرا، ~~والدين ما كان غائبا قال الشاعر: # وعدتنا بدرهمينا طلاء ... وشواء معجلا غير دين # والمداينة مفاعلة منه؛ لأن أحدهما يرضاه والآخر يلتزمه، وقد بينه الله ~~تعالى بقوله: {إلى أجل مسمى} [البقرة: 282] ### | [مسألة ما يتناوله عموم قوله تعالى إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى] # المسألة الثانية: قال أصحاب أبي حنيفة: عموم قوله تعالى: {إذا تداينتم ~~بدين إلى أجل مسمى} [البقرة: 282] يدخل تحته المهر إلى أجل والصلح عن دم ~~العمد، ويجوز فيه شهادة # PageV01P327 # النساء؛ وهذا وهم، فإن هذه الشهادة إنما هي على النكاح المشتمل على المهر ~~وعلى الدم المفضي إلى الصلح، والمهر في النكاح، والمال في الدم بيع؛ وإنما ~~جاءت الآية لبيان حكم حال دين مجرد ومال مفرد؛ فعليه يحمل عموم الشهادة ~~وإليه يرجع. ### | [مسألة معنى قوله تعالى فاكتبوه] # المسألة الثالثة: # قوله تعالى {فاكتبوه} [البقرة: 282] يريد يكون صكا ليستذكر به عند أجله؛ ~~لما يتوقع من ms0224 الغفلة في المدة التي بين المعاملة وبين حلول الأجل، والنسيان ~~موكل بالإنسان، والشيطان ربما حمل على الإنكار، والعوارض من موت وغيره ~~تطرأ؛ فشرع الكتاب والإشهاد، وكان ذلك في الزمان الأول. # وروى أحمد بن حنبل وغيره عن ابن عباس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «أول من جحد آدم قالها ثلاث مرات: إن الله تعالى لما خلقه مسح ظهره، ~~فأخرج ذريته فعرضهم عليه، فرأى فيهم رجلا يزهر، فقال: أي رب من هذا؟ قال: ~~هذا ابنك داود. قال: كم عمره؟ قال: ستون سنة. قال: رب زد في عمره. قال: لا ~~إلا أن تزيده أنت من عمرك فزاده أربعين من عمره، فكتب الله تعالى عليه ~~كتابا وأشهد عليه الملائكة، فلما أراد أن يقبض روحه قال: بقي من أجلي ~~أربعون سنة. فقيل له: إنك قد جعلتها لابنك داود. قال: فجحد آدم. قال: فأخرج ~~إليه الكتاب، فأقام عليه البينة، وأتم لداود مائة سنة ولآدم عمره ألف سنة». # المسألة الرابعة: في قوله تعالى: {فاكتبوه} [البقرة: 282] إشارة ظاهرة ~~إلى أنه يكتبه بجميع صفاته المبينة له المعربة عنه المعرفة للحاكم بما يحكم ~~عند ارتفاعهما إليه. ### | [مسألة قوله تعالى وليكتب بينكم كاتب بالعدل] # المسألة الخامسة: قوله تعالى: {وليكتب بينكم كاتب بالعدل} [البقرة: 282] ~~فيه وجهان # PageV01P328 # أحدهما: أن الناس لما كانوا يتعاملون حتى لا يشذ أحد منهم عن المعاملة، ~~وكان منهم من يكتب ومن لا يكتب، أمر سبحانه أن يكتب بينهم كاتب بالعدل. # الثاني: أنه لما كان الذي له الدين يتهم في الكتابة للذي عليه، وكذلك ~~بالعكس، شرع الله سبحانه كاتبا يكتب بالعدل، لا يكون في قلبه ولا في قلمه ~~هوادة لأحدهما على الآخر. ### | [مسألة قوله تعالى ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله] # المسألة السادسة: قوله تعالى: {ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله} ~~[البقرة: 282] فيها أربعة أقوال: الأول: أنه فرض على الكفاية كالجهاد ~~والصلاة على الجنائز؛ قاله الشعبي. # الثاني: أنه فرض على الكاتب في حال فراغه؛ قاله بعض أهل الكوفة. # الثالث: أنه ندب؛ قاله مجاهد وعطاء. ms0225 # الرابع: أنه منسوخ؛ قاله الضحاك. # والصحيح أنه أمر إرشاد؛ فلا يكتب حتى يأخذ حقه. ### | [مسألة قوله تعالى وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه] # المسألة السابعة: قوله تعالى: {وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا ~~يبخس منه شيئا} [البقرة: 282] قال علماؤنا: إنما أملى الذي عليه الحق؛ لأنه ~~المقر به الملتزم له، فلو قال الذي له الحق: لي كذا وكذا لم ينفع حتى يقر ~~له الذي عليه الحق، فلأجل ذلك كانت البداءة به؛ لأن القول قوله، وإلى هذه ~~النكتة وقعت الإشارة بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «البينة على من ادعى ~~واليمين على من أنكر»، على نحو ما تقدم في قوله تعالى: {ولا يحل لهن أن ~~يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} [البقرة: 228] # PageV01P329 # وفي هذه الآية أيضا نحو منه، وهو قوله تعالى: {ولا تكتموا الشهادة} ~~[البقرة: 283] لما كان القول قولهن في الذي تشتمل عليه أرحامهن، وقول ~~الشاهد أيضا فيما وعاه قلبه من علم ما عنده مما بينهما من التنازع. ### | [مسألة قوله تعالى فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا] # المسألة الثامنة: # قوله تعالى: {فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا} [البقرة: 282] أما ~~السفيه ففيه أربعة أقوال: الأول: أنه الجاهل؛ قاله مجاهد. الثاني: أنه ~~الصبي. الثالث: أنه المرأة والصبي؛ قاله الحسن. الرابع: المبذر لماله ~~المفسد لدينه؛ قاله الشافعي. # وأما الضعيف فقيل: هو الأحمق، وقيل: هو الأخرس أو الغبي، واختاره الطبري. # وأما الذي لا يستطيع أن يمل، ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الغبي؛ قاله ~~ابن عباس. الثاني: أنه الممنوع بحبسة أو عي. الثالث: أنه المجنون. # وهذا فيه نظر طويل نخبته: أن الله سبحانه جعل الذي عليه الحق أربعة ~~أصناف: مستقل بنفسه يمل، وثلاثة أصناف لا يملون، ولا يصح أن تكون هذه ~~الأصناف الثلاثة صنفا واحدا أو صنفين؛ لأن تعديد الباري سبحانه كأنه يخلو ~~عن الفائدة، ويكون من فن المثبج [من] القول الركيك من الكلام، ولا ينبغي ~~هذا في كلام حكيم، فكيف في كلام أحكم الحاكمين. # فتعين والحالة هذه أن يكون لكل ms0226 صنف من هذه الأصناف الثلاثة معنى ليس ~~لصاحبه حتى تتم البلاغة، وتكمل الفائدة، ويرتفع التداخل الموجب للتقصير؛ ~~وذلك # PageV01P330 # بأن يكون السفيه والضعيف والذي لا يستطيع، قريبا بعضه من بعض في المعنى؛ ~~فإن العرب تطلق السفيه على ضعيف العقل تارة وعلى ضعيف البدن أخرى، وأنشدوا: # مشين كما اهتزت رماح تسفهت ... أعاليها مر الرياح النواسم # أي: استضعفتها واستلانتها فحركتها. وكذلك يطلق الضعيف على ضعيف العقل، ~~وعلى ضعيف البدن، وقد قالوا: الضعف بضم الضاد في البدن، وفتحها في الرأي، ~~وقيل هما لغتان، وكل ضعيف لا يستطيع ما يستطيعه القوي؛ فثبت التداخل في ~~معنى هذه الألفاظ. وتحريرها الذي يستقيم به الكلام ويصح معه النظام أن ~~السفيه هو المتناهي في ضعف العقل وفساده، كالمجنون والمحجور عليه، نظيره ~~الشاهد له قوله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم ~~قياما} [النساء: 5] على ما سيأتي في سورة النساء إن شاء الله تعالى. وأما ~~الضعيف فهو الذي يغلبه قلة النظر لنفسه كالطفل نظيره، ويشهد له قوله تعالى: ~~{وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم} [النساء: 9] وأما ~~الذي لا يستطيع أن يمل فهو الغبي الذي يفهم منفعته لكن لا يلفق العبارة ~~عنها. # والأخرس الذي لا يتبين منطقه عن غرضه؛ ويشهد لذلك أنه لم ينف عنه أنه لا ~~يستطيع أن يمل خاصة. ### | [مسألة قوله تعالى فليملل وليه بالعدل] # المسألة التاسعة: قوله تعالى: {فليملل وليه بالعدل} [البقرة: 282] اختلف ~~الناس على ما يعود ضمير وليه على قولين: الأول: قيل يعود على الحق؛ التقدير ~~فليملل ولي الحق. # الثاني: أنه يعود على الذي عليه الحق؛ التقدير فليملل ولي الذي عليه الحق ~~الممنوع من الإملاء بالسفه والضعف والعجز. # PageV01P331 # والظاهر أنه يعود على الذي عليه الحق؛ لأنه صاحب الولي في الإطلاق، يقال: ~~ولي السفيه وولي الضعيف، ولا يقال ولي الحق، إنما يقال صاحب الحق. # وهذا يدل على أن إقرار الوصي جائز على يتيمه؛ لأنه إذا أملى فقد نفذ قوله ~~فيما أملاه. ### | [مسألة تصرف السفيه المحجور دون ولي] # المسألة العاشرة: إذا ثبت هذا ms0227 فإن تصرف السفيه المحجور دون ولي فإن ~~التصرف فاسد إجماعا مفسوخ أبدا، لا يوجب حكما ولا يؤثر شيئا. # وإن تصرف سفيه لا حجر عليه فاختلف علماؤنا فيه؛ فابن القاسم يجوز فعله، ~~وعامة أصحابنا يسقطونه. # والذي أراه من ذلك أنه إن تصرف بسداد نفذ، وإن تصرف بغير سداد بطل. # وأما الضعيف فربما بخس في البيع وخدع، ولكنه تحت النظر كائن، وعلى ~~الاعتبار موقوف. # وأما الذي لا يستطيع أن يمل فلا خلاف في جواز تصرفه، وظاهر الآية يقتضي ~~أن من احتاج منهم إلى المعاملة عامل، فمن كان من أهل الإملاء أملى عن نفسه، ~~ومن لم يكن أملى عنه وليه؛ وذلك كله بين في مسائل الفروع. ### | [مسألة قوله تعالى واستشهدوا] # المسألة الحادية عشرة: قوله تعالى: {واستشهدوا} [البقرة: 282] اختلف ~~الناس هل هو فرض أو ندب؟ والصحيح أنه ندب كما يأتي إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة قوله تعالى شهيدين] # المسألة الثانية عشرة: قوله تعالى: {شهيدين} [البقرة: 282] رتب الله ~~الشهادات بحكمته في الحقوق المالية والبدنية والحدود، فجعلها في كل فن ~~شهيدين، إلا في الزنا فإنه قرن ثبوتها بأربعة شهداء، تأكيدا في الستر، على ~~ما يأتي بيانه في سورة النور إن شاء الله. ### | [مسألة معنى قوله تعالى من رجالكم] # المسألة الثالثة عشرة: قوله تعالى: {من رجالكم} [البقرة: 282] قال مجاهد: ~~أراد من الأحرار، واختاره القاضي أبو إسحاق وأطنب فيه. # PageV01P332 # وقيل المراد: من المسلمين؛ لأن قوله تعالى: (من الرجال) كان يغني عنه، ~~فلا بد لهذه الإضافة من خصيصة، وهي إما أحراركم وإما مؤمنوكم، والمؤمنون به ~~أخص من الأحرار؛ لأن هذه الإضافة هي إضافة الجماعة، وإلا فمن هو الذي يجمع ~~الشتات، وينظم الشمل النظم الذي يصح منه الإضافة. # والصحيح عندي أن المراد به البالغون من ذكوركم المسلمون؛ لأن الطفل لا ~~يقال له رجل، وكذا المرأة لا يقال لها رجل أيضا. # وقد بين الله تعالى بعد ذلك شهادة المرأة، وعين بالإضافة في قوله تعالى: ~~{من رجالكم} [البقرة: 282] المسلم ولأن الكافر لا قول له؛ وعنى الكبير ~~أيضا؛ لأن الصغير لا محصول له. ms0228 # وإنما أمر الله تعالى بإشهاد البالغ؛ لأنه الذي يصح أن يؤدي الشهادة؛ ~~فأما الصغير فيحفظ الشهادة؛ فإذا أداها وهو رجل جازت؛ ولا خلاف فيه. # وليس للآية أثر في شهادة العبد يرد، وسيأتي القول فيها في تفسير قوله ~~تعالى: {كونوا قوامين بالقسط شهداء لله} [النساء: 135] إن شاء الله. ### | [مسألة مفاد عموم قوله تعالى من رجالكم] # المسألة الرابعة عشرة: عموم قوله تعالى: {من رجالكم} [البقرة: 282] يقتضي ~~جواز شهادة الأعمى على ما يتحققه ويعلمه، فإن السمع في الأصوات طريق للعلم ~~كالبصر للألوان، فما علمه أداه، كما يطأ زوجته باللمس والشم، ويأكل بالذوق، ~~فلم لا يشهد على طعام اختلف فيه قد ذاقه. ### | [مسألة شهادة البدوي على القروي] # المسألة الخامسة عشرة: قال علماؤنا: أخذ بعض الناس من عموم هذه الآية في ~~قوله تعالى: {من رجالكم} [البقرة: 282] جواز شهادة البدوي على القروي، وقد ~~منعها أحمد بن حنبل ومالك في مشهور قوله. # وقد بينا الوجوه التي منعها أشياخنا من أجلها في كتب الخلاف، والصحيح ~~جوازها مع العدالة كشهادة القروي على القروي. # وقد ثبت «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شهد عنده أعرابي على هلال ~~رمضان؛ فأمر بالصيام». # PageV01P333 ### | [مسألة شهادة النساء] # المسألة السادسة عشرة: قال علماؤنا قوله تعالى: {فإن لم يكونا رجلين فرجل ~~وامرأتان} [البقرة: 282] من ألفاظ الإبدال، فكان ظاهره يقتضي ألا تجوز ~~شهادة النساء إلا عند عدم شهادة الرجال، كحكم سائر إبدال الشريعة مع ~~مبدلاتها؛ وهذا ليس كما زعمه، ولو أراد ربنا ذلك لقال: فإن لم يوجد رجلان ~~فرجل: فأما وقد قال: فإن لم يكونا فهذا قول يتناول حالة الوجود والعدم، ~~والله أعلم. ### | [مسألة شهادة امرأتين بدل شهادة الرجل] # المسألة السابعة عشرة: قال أصحابنا: لما جعل الله تعالى شهادة امرأتين ~~بدل شهادة الرجل وجب أن يكون حكمها حكمه، فكما يحلف مع الشاهد واليمين ~~عندنا وعند الشافعي، كذلك يجب أن يحلف مع شهادة امرأتين بمطلق هذه العوضية، ~~وقد بيناه في مسائل الخلاف. ### | [مسألة الشاهد واليمين] # المسألة الثامنة عشرة: قال أصحاب أبي حنيفة: لما قال الله تعالى: ~~{واستشهدوا شهيدين ms0229 من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان} [البقرة: ~~282] فقسم الله تعالى أنواع الشهادة وعددها، ولم يذكر الشاهد واليمين فلا ~~يجوز القضاء به؛ لأنه يكون قسما ثالثا فيما قد قسمه الله تعالى قسمين. # وسلك علماؤنا في الرد عليهم مسلكين: أحدهما: أن هذا ليس من قسم الشهادة، ~~وإنما الحكم هنالك باليمين، وحط الشاهد ترجيح جنبة المدعي، وهو الذي اختاره ~~أهل خراسان. # وقال آخرون: وهو الذي عول عليه مالك إن القوم قد قالوا يقضى بالنكول، وهو ~~قسم ثالث ليس له في القرآن ذكر، كذلك يحكم بالشهادة واليمين وإن لم يجر له ~~ذكر لقيام الدليل. # والمسلك الأول أسلوب الشرع، والمسلك الثاني يتعلق بمناقضة الخصم، والمسلك ~~الأول أقوى وأولى. # PageV01P334 ### | [مسألة فضل الله تعالى الذكر على الأنثى من ستة أوجه] # المسألة التاسعة عشرة: فضل الله تعالى الذكر على الأنثى من ستة أوجه: ~~الأول: أنه جعل أصلها وجعلت فرعه؛ لأنها خلقت منه، كما ذكر الله تعالى في ~~كتابه. # الثاني: أنها خلقت من ضلعه العوجاء، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«إن المرأة خلقت من ضلع أعوج، فإن ذهبت تقيمها كسرتها، وإن استمتعت بها ~~استمتعت بها على عوج، وقال: وكسرها طلاقها». # الثالث: أنه نقص دينها. # الرابع: أنه نقص عقلها، وفي الحديث: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب ~~للب الرجل الحازم منكن. قلن: يا رسول الله؛ وما نقصان ديننا وعقلنا؟ قال: ~~أليس تمكث إحداكن الليالي لا تصوم ولا تصلي، وشهادة إحداكن على نصف شهادة ~~الرجل؟». # الخامس: أنه نقص حظها في الميراث. قال الله تعالى: {للذكر مثل حظ ~~الأنثيين} [النساء: 11] # السادس: أنها نقصت قوتها؛ فلا تقاتل ولا يسهم لها، وهذه كلها معان حكمية. # فإن قيل: كيف نسب النقص إليهن وليس من فعلهن؟ قلنا: هذا من عدل الله يحط ~~ما شاء ويرفع ما شاء، ويقضي ما أراد، ويمدح ويلوم # PageV01P335 # ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون؛ وهذا لأنه خلق المخلوقات منازل، ورتبها ~~مراتب؛ فبين ذلك لنا فعلمنا وآمنا به وسلمناه. ### | [مسألة الاسترسال على كل شاهد وقصر الشهادة على الرضا خاصة] ms0230 # المسألة الموفية عشرين: قوله تعالى: {ترضون من الشهداء} [البقرة: 282] ~~هذا تقييد من الله سبحانه على الاسترسال على كل شاهد، وقصر الشهادة على ~~الرضا خاصة؛ لأنها ولاية عظيمة؛ إذ هي تنفيذ قول الغير على الغير؛ فمن حكمه ~~أن يكون له شمائل ينفرد بها، وفضائل يتحلى بها حتى يكون له مزية على غيره ~~توجب له تلك المزية رتبة الاختصاص بقبول قوله على غيره، ويقضى له بحسن ~~الظن، ويحكم بشغل ذمة المطلوب بالحق بشهادته عليه، ويغلب قول الطالب على ~~قوله بتصديقه له في دعواه. ### | [مسألة تفويض قبول الشهادة إلى الحاكم] # المسألة الحادية والعشرون: # قوله: {ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: 282] دليل على تفويض القبول في ~~الشهادة إلى الحاكم؛ لأن الرضا معنى يكون في النفس بما يظهر إليها من ~~الأمارات عليه، ويقوم من الدلائل المبينة له، ولا يكون غير هذا؛ فإنا لو ~~جعلناه لغيره لما وصل إليه إلا بالاجتهاد، واجتهاده أولى من اجتهاد غيره. ### | [مسألة الاجتهاد والاستدلال بالأمارات والعلامات على ما خفي من المعاني والأحكام] # المسألة الثانية والعشرون: قال علماؤنا: هذا دليل على جواز الاجتهاد ~~والاستدلال بالأمارات والعلامات على ما خفي من المعاني والأحكام. ### | [مسألة الإسلام في الشهادة هل يكفي فيه الظاهر] # المسألة الثالثة والعشرون: هذا دليل على أنه لا يكتفى بظاهر الإسلام في ~~الشهادة حتى يقع البحث عن العدالة؛ وبه قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة: يكتفى بظاهر الإسلام في الأموال دون الحدود؛ وهذه مناقضة ~~تسقط كلامه وتفسد عليه مرامه، فيقول: حق من الحقوق، فلا يكتفى في الشهادة ~~عليه بظاهر الدين كالحدود، وقد مهدت المسألة في مسائل الخلاف. ### | [مسألة شهادة ولد لأبيه والأب لولده] # المسألة الرابعة والعشرون: هذا القول يقتضي ألا تقبل شهادة ولد لأبيه، ~~ولا أب لولده. # قال مالك: ولا كل # PageV01P336 # ذي نسب أو سبب يفضي إلى وصلة تقع بها التهمة، كالصداقة والملاطفة ~~والقرابة الثابتة. # وفي كل ذلك بين العلماء تفصيل واختلاف، بيانه في إيضاح دلائل مسائل ~~الخلاف، بيانه في إلزام وصف الرضا المشاهد في هذه الآية الذي أكده بالعدالة ~~في الآية الأخرى، فقال ms0231 تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] ولا ~~يجتمع الوصفان حتى تنتفي التهمة، والله أعلم. ### | [مسألة الرضا والعدالة في النكاح] # المسألة الخامسة والعشرون: إذا شرط الرضا والعدالة في المداينة فاشتراطها ~~في النكاح أولى، خلافا لأبي حنيفة حيث قال: إن النكاح ينعقد بشهادة فاسقين، ~~فنفى الاحتياط المأمور به في الأموال عن النكاح، وهو أولى لما يتعلق به من ~~الحل والحرم والجد والنسب. ### | [مسألة معنى قوله تعالى فتذكر إحداهما الأخرى] # المسألة السادسة والعشرون: قوله تعالى: {فتذكر إحداهما الأخرى} [البقرة: ~~282] فيه تأويلان وقراءتان: # إحداهما: أن تجعلها ذكرا، وهذه قراءة التخفيف. # الثاني: أن تنبهها إذا غفلت وهي قراءة التثقيل؛ وهو التأويل الصحيح، لأنه ~~يعضده قوله تعالى: {أن تضل إحداهما} [البقرة: 282] والذي يصح أن يعقب ~~الضلال والغفلة الذكر، ويدخل التأويل الثاني في معناه. # فإن قيل: فهلا كانت امرأة واحدة مع رجل فيذكرها الرجل الذي معها إذا ~~نسيت؛ فما الحكمة فيه؟ فالجواب فيه أن الله سبحانه شرع ما أراد، وهو أعلم ~~بالحكمة وأوفى بالمصلحة، وليس يلزم أن يعلم الخلق وجوه الحكمة وأنواع ~~المصالح في الأحكام، وقد أشار علماؤنا أنه لو ذكرها إذا نسيت لكانت شهادة ~~واحدة، فإذا كانت امرأتين وذكرت إحداهما الأخرى كانت شهادتهما شهادة رجل ~~واحد، كالرجل يستذكر في نفسه فيتذكر. # PageV01P337 ### | [مسألة الحكمة من تكرار قوله تعالى إحداهما] # المسألة السابعة والعشرون: قوله تعالى: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما ~~الأخرى} [البقرة: 282] فكرر قوله: " إحداهما " وكانت الحكمة فيه أنه لو ~~قال: أن تضل إحداهما فتذكر الأخرى، لكانت شهادة واحدة، وكذلك لو قال: ~~فتذكرها الأخرى لكان البيان من جهة واحدة لتذكرة الذاكرة الناسية، فلما كرر ~~إحداهما أفاد تذكرة الذاكرة للغافلة وتذكرة الغافلة للذاكرة أيضا لو انقلبت ~~الحال فيهما بأن تذكر الغافلة وتغفل الذاكرة؛ وذلك غاية في البيان. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا] # المسألة الثامنة والعشرون: # قوله تعالى: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [البقرة: 282] اختلف الناس ~~فيه على ثلاثة أقوال: أحدها: لا يأب الشهداء عن تحمل الشهادة إذا تحملوا. # الثاني: لا يأب الشهداء عن ms0232 الأداء. # الثالث: لا يأب الشهداء عنهما جميعا، لا يأب الشهداء عن التحمل إذا حملوا ~~ولا يأبوا عن الأداء إذا تحملوا. # وكذلك اختلفوا في حكم هذا النهي عن ثلاثة أقوال: أحدها: أن فعل ذلك ندب. # الثاني: أن ذلك فرض على الكفاية. # الثالث: أنها فرض على الأعيان مطلقا؛ قاله الشافعي. # والصحيح عندي أن المراد هاهنا حالة التحمل للشهادة؛ لأن حالة الأداء ~~مبينة بقوله تعالى: {ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} [البقرة: 283] # وإذا كانت حالة التحمل فهي فرض على الكافية إذا قام به البعض سقط عن ~~البعض؛ لأن إباية الناس كلهم عنها إضاعة للحقوق، وإجابة جميعهم إليها تضييع ~~للأشغال؛ فصارت كذلك فرضا على الكفاية؛ ولهذا المعنى جعلها أهل تلك الديار ~~ولاية فيقيمون للناس شهودا يعينهم الخليفة ونائبه، ويقيمهم للناس ويبرزهم ~~لهم، ويجعل لهم من بيت المال كفايتهم، فلا يكون لهم شغل إلا تحمل حقوق ~~الناس حفظا، وإحياؤها لهم أداء. # PageV01P338 # فإن قيل: فهذه شهادة بالأجرة. قلنا: إنما هي شهادة خالصة من قوم استوفوا ~~حقوقهم من بيت المال، وقد بيناه في شرح الحديث ومسائل الخلاف. ### | [مسألة الشاهد هو الذي يمشي إلى الحاكم] # المسألة التاسعة والعشرون: قال علماؤنا: قوله تعالى: {ولا يأب الشهداء ~~إذا ما دعوا} [البقرة: 282] دليل على أن الشاهد هو الذي يمشي إلى الحاكم، ~~وهذا أمر انبنى عليه الشرع، وعمل به في كل زمن، وفهمته كل أمة، ومن أمثال ~~العرب: " في بيته يؤتى الحكم ". ### | [مسألة خروج العبد من جملة الشهداء] # المسألة الموفية ثلاثين: كيفما ترددت الحال بالأقوال فهذا دليل على خروج ~~العبد من جملة الشهداء؛ لأنه لا يمكنه أن يجيب، ولا يصح له أن يأبى؛ لأنه ~~لا استقلال له بنفسه؛ وإنما يتصرف بإذن غيره، فانحط عن منصب الشهادة كما ~~انحط عن منصب الولاية، نعم وكما انحط عنه فرض الجمعة، وقد بيناه في مسائل ~~الخلاف. ### | [مسألة عنده شهادة لم يعلم بها مستحقها] # المسألة الحادية والثلاثون: قال علماؤنا: هذا في حالة الدعاء إلى ~~الشهادة، فأما من كانت عنده شهادة لرجل لم يعلم بها مستحقها الذي ينتفع بها ms0233 ~~فقال قوم: أداؤها ندب؛ لقوله تعالى: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} ~~[البقرة: 282] ففرض الله تعالى عليه الأداء عند الدعاء، وإذا لم يدع كان ~~ندبا؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «خير الشهود الذي يأتي بشهادته قبل أن ~~يسألها». # والصحيح عندي أن أداءها فرض؛ لما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما». # فقد تعين نصره بأداء الشهادة التي هي عنده؛ إحياء لحقه الذي أماته ~~الإنكار. # PageV01P339 ### | [مسألة الإشهاد بالدين] # المسألة الثانية والثلاثون: قوله تعالى: {ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو ~~كبيرا إلى أجله} [البقرة: 282] هذا تأكيد من الله تعالى في الإشهاد بالدين، ~~تنبيها لمن كسل، فقال: هذا قليل لا أحتاج إلى كتبه والإشهاد عليه؛ لأن أمر ~~الله تعالى فيه والتخصيص عليه واحد، والقليل والكثير في ذلك سواء. # قال علماؤنا: إلا ما كان من قيراط ونحوه لنزارته وعدم تشوف النفوس إليه ~~إقرارا أو إنكارا. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ذلكم أقسط عند الله] # المسألة الثالثة والثلاثون: قوله تعالى: {ذلكم أقسط عند الله} [البقرة: ~~282] يريد أعدل يعني أن يكتب القليل والكثير ويشهد عليه بالعدل عموم ذلك ~~فيه. ### | [مسألة معنى قوله تعالى أقوم للشهادة] # المسألة الرابعة والثلاثون: قوله تعالى: {وأقوم للشهادة} [البقرة: 282] ~~يعني أدعى إلى ثبوتها؛ لأنه إذا أشهد ولم يكتب ربما نسي الشاهد. ### | [مسألة الشاهد إذا نسي أو قال خلاف ما عند المتداينين] # المسألة الخامسة والثلاثون: قوله تعالى: {وأدنى ألا ترتابوا} [البقرة: ~~282] بالشاهد إذا نسي أو قال خلاف ما عند المتداينين. ### | [مسألة الشاهد إذا رأى الكتاب فلم يذكر الشهادة] # المسألة السادسة والثلاثون: قوله تعالى: {وأقوم للشهادة} [البقرة: 282] ~~دليل على أن الشاهد إذا رأى الكتاب فلم يذكر الشهادة لا يؤديها؛ لما دخل ~~عليه من الريبة فيها ولا يؤدي إلا ما يعلم، لكنه يقول خذا خطي، ولا أذكر ~~الآن ما كتبت فيه. # PageV01P340 # وقد اختلف فيه علماؤنا على ثلاثة أقوال: الأول: قال في " المدونة ": ~~يؤديها ولا ينفع ذلك في الدين والطلاق. # الثاني: قال في " كتاب محمد ": لا يؤديها. # الثالث: قال مطرف: يؤديها ms0234 وينفع إذا لم يشك في كتاب، وهو الذي عليه ~~الناس؛ وهو اختيار ابن الماجشون والمغيرة. # وقد قررناه في كتب المسائل، وبينا تعلق من قال: إنه لا يجوز؛ لأن خطه فرع ~~عن علمه، فإذا ذهب علمه ذهب نفع خطه، وأجبنا بأن خطه بدل الذكرى، فإن حصلت ~~وإلا قام مقامها. ### | [مسألة باع بنقد أشهد وإذا باع بنسيئة كتب وأشهد] # المسألة السابعة والثلاثون: قوله تعالى: {إلا أن تكون تجارة حاضرة ~~تديرونها بينكم} [البقرة: 282] # قال الشعبي: البيوع ثلاثة: بيع بكتاب وشهود، وبيع برهان، وبيع بأمانة؛ ~~وقرأ هذه الآية؛ وكان ابن عمر إذا باع بنقد أشهد، وإذا باع بنسيئة كتب ~~وأشهد، وكان كأبيه وقافا عند كتاب الله تعالى مقتديا برسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -. ### | [مسألة سقوط الإشهاد في النقد] # المسألة الثامنة والثلاثون: ظن من رأى الإشهاد في الدين واجبا أن سقوطه ~~في بيع النقد رفع للمشقة لكثرة تردده. # والظاهر الصحيح أن الإشهاد ليس واجبا، وإنما الأمر به أمر إرشاد للتوثق ~~والمصلحة، وهو في النسيئة محتاج إليه؛ لكون العلاقة بين المتعاقدين باقية؛ ~~توثقا لما عسى أن يطرأ من اختلاف الأحوال وتغير القلوب، فأما إذا تفاصلا في ~~المعاملة وتقابضا، وبان كل واحد منهما من صاحبه فيقل في العادة خوف التنازع ~~إلا بأسباب عارضة، ونبه الشرع على هذه المصالح في حالتي النسيئة والنقد. # المسألة التاسعة والثلاثون: قوله تعالى: {فليس عليكم جناح ألا تكتبوها} ~~[البقرة: 282] يدل على سقوط الإشهاد في النقد، وأن قوله تعالى: {وأشهدوا ~~إذا تبايعتم} [البقرة: 282] أمر إرشاد، ويدل على أن عليه جناحا في ترك ~~الإشهاد في الدين من دليل الخطاب # PageV01P341 # ونحن لا نقول به في هذا النوع، وقد بيناه في أصول الفقه ومسائل الخلاف. # والجناح هاهنا ليس الإثم، إنما هو الضرر الطارئ بترك الإشهاد من التنازع. ### | [مسألة لفظ أفعل في قوله تعالى وأشهدوا إذا تبايعتم] # المسألة الموفية أربعين: اختلف الناس في لفظ (أفعل) في قوله تعالى: ~~{وأشهدوا إذا تبايعتم} [البقرة: 282] على قولين: أحدهما: أنه فرض؛ قاله ~~الضحاك. # الثاني: أنه ندب؛ قاله الكافة؛ وهو الصحيح؛ فقد ms0235 باع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وكتب ونسخة كتابه: «بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما اشترى ~~العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اشترى ~~منه عبدا أو أمة لأداء ولا غائلة ولا خبثة، بيع المسلم للمسلم». # وقد باع ولم يشهد، واشترى ورهن درعه عند يهودي ولم يشهد، ولو كان الإشهاد ~~أمرا واجبا لوجب مع الرهن لخوف المنازعة. ### | [مسألة يكتب الكاتب ما لم يمل عليه ويشهد الشاهد بما لم يشهد عليه] # المسألة الحادية والأربعون: قوله تعالى: {ولا يضار كاتب ولا شهيد} ~~[البقرة: 282] فيه ثلاثة أقوال: الأول: أن يكتب الكاتب ما لم يمل عليه، ~~ويشهد الشاهد بما لم يشهد عليه قاله قتادة والحسن وطاوس. # الثاني: يمتنع الكاتب أن يكتب، والشاهد أن يشهد؛ قاله ابن عباس ومجاهد ~~وعطاء. # الثالث: أن يدعى الكاتب والشهيد وهما مشغولان معذوران؛ قاله عكرمة ~~وجماعة. # وتحقيقه أن يضار تفاعل من الضرر. قوله تعالى " يضار " يحتمل أن يكون ~~تفاعل بكسر العين، ويحتمل أن يكون بفتحها، فإن كان بكسر العين فالكاتب # PageV01P342 # والشاهد فاعلان، فيكون المراد نهيهما عن الضرر بما يكتبان به أو بما ~~يشهدان عليه، وإن كان بفتح العين فالكاتب والشاهد مفعول بهما، فيرجع النهي ~~إلى المتعاملين ألا يضرا بكاتب ولا شهيد في دعائه في وقت شغل ولا بأدائه ~~وكتابته ما سمع؛ فكثير من الكتاب الشهداء يفسقون بتحويل الكتابة والشهادة ~~أو كتمها، وإما متعامل يطلب من الكاتب والشاهد أن يدع شغله لحاجته أو يبدل ~~له كتابته أو شهادته؛ قال الله سبحانه: {وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم} ~~[البقرة: 282] ### | [مسألة معنى قوله تعالى وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا] # المسألة الثانية والأربعون: قوله تعالى: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا ~~كاتبا فرهان مقبوضة} [البقرة: 283] # اختلف الناس في هذه الآية على قولين: فمنهم من حملها على ظاهرها ولم يجوز ~~الرهن إلا في السفر؛ قاله مجاهد. # وكافة العلماء على رد ذلك؛ لأن هذا الكلام؛ وإن كان خرج مخرج الشرط، ~~فالمراد به غالب الأحوال، والدليل عليه أن النبي - صلى ms0236 الله عليه وسلم - ~~ابتاع في الحضر ورهن ولم يكتب. # وهذا الفقه صحيح؛ وذلك لأن الكاتب إنما يعدم في السفر غالبا، فأما في ~~الحضر فلا يكون ذلك بحال. ### | [مسألة رهنه قولا ولم يقبضه فعلا] # المسألة الثالثة والأربعون: قوله تعالى: {فرهان مقبوضة} [البقرة: 283] ~~دليل على أن الرهن لا يحكم له في الوثيقة إلا بعد القبض، فلو رهنه قولا ولم ~~يقبضه فعلا لم يوجب ذلك له حكما. # قال الشافعي: لم يجعل الله الحكم إلا لرهن موصوف بالقبض، فإذا عدمت الصفة ~~وجب أن يعدم الحكم. # وهذا ظاهر جدا، لكن عندنا إذا رهنه قولا وأبى عن الإقباض أجبر عليه، وقد ~~بينا ذلك في مسائل الخلاف. # PageV01P343 ### | [مسألة الرهن إذا خرج عن يد صاحبه] # المسألة الرابعة والأربعون: قوله تعالى: {فرهان مقبوضة} [البقرة: 283] ~~يقتضي بظاهره ومطلقه أن الرهن إذا خرج عن يد صاحبه فإنه مقبوض صحيح يوجب ~~الحكم ويختص بما ارتهن به دون الغرماء عند كافة العلماء. # وقال عطاء وغيره: لا يكون مقبوضا إلا إن كان عند المرتهن، وإذا صار عند ~~العدل فهو مقبوض لغة مقبوض حقيقة؛ لأن العدل نائب عن صاحب الحق وبمنزلة ~~الوكيل له، وهذا ظاهر. ### | [مسألة رهن المشاع] # المسألة الخامسة والأربعون: قوله تعالى: {فرهان مقبوضة} [البقرة: 283] ~~يقتضي بظاهره ومطلقه جواز رهن المشاع، خلافا لأبي حنيفة؛ لأنه لو لم يصح ~~رهنه لم يصح بيعه؛ لأن البيع يفتقر إلى القبض افتقار الرهن بل أشد منه، ~~وهذا بين، والله أعلم. ### | [مسألة انتزاع الرهن بعد قبضه] # المسألة السادسة والأربعون: إذا قبض الرهن لم يجز انتزاعه من يده خلافا ~~لبعض أصحاب الشافعي؛ لأنه إذا انتزعه من يده فقد خرج عن الصفة التي وجبت له ~~من القبض، وترتب عليها الحكم، وهذا بين ظاهر. ### | [مسألة رهن الدين] # المسألة السابعة والأربعون: كما يجوز رهن العين كذلك يجوز رهن الدين، ~~وذلك عندنا إذا تعامل رجلان لأحدهما على الآخر دين فرهنه دينه الذي له ~~عليه، وكان قبضه قبضا. # وقال غيرنا من العلماء: لا يكون قبضا، وكذلك إذا وهبت المرأة كالئها ~~لزوجها جاز، ويكون قبوله قبضا، ms0237 وخالفنا فيه أيضا غيرنا من العلماء؛ وما ~~قلناه أصح؛ لأن الذي في الذمة آكد قبضا من المعين؛ وهذا لا يخفى. # PageV01P344 ### | [مسألة اختلاف الراهن والمرتهن] # المسألة الثامنة والأربعون: إن الله سبحانه قال: {ولم تجدوا كاتبا فرهان ~~مقبوضة} [البقرة: 283] فجعل الله تعالى الرهن قائما مقام الشاهد؛ فقال ~~علماؤنا: إذا اختلف الراهن والمرتهن فالقول قول المرتهن ما بينه وبين قيمة ~~الرهن، وخالفنا أبو حنيفة والشافعي وقالا: القول قول الراهن، وما قلناه ~~يشهد له ظاهر القرآن كما قدمناه. # وعادة الناس في ارتهانهم ما يكون قدر الدين في معاملتهم، فإذا قال ~~المرتهن: ديني مائة، وقال الراهن: خمسون، صار الرهن شاهدا يحلف المدعي معه ~~كما يحلف مع الشاهد، وإن قال المرتهن: ديني مائة وخمسون صار مدعيا في ~~الخمسين. # ولو هلك الرهن فقد قال أصحاب الشافعي: لا يسقط الدين؛ لأن الرهن وثيقة، ~~وظنوا بنا أن الدين يسقط بهلاك الرهن، ونحن نقول: إنما نستوفي به إذا هلك، ~~وكان مما يعاب عليه، وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف. ### | [مسألة أسقط الكتاب والإشهاد والرهن] # المسألة التاسعة والأربعون: قوله تعالى: {فإن أمن بعضكم بعضا} [البقرة: ~~283] معناه إن أسقط الكتاب والإشهاد والرهن، وعول على أمانة المعامل، فليؤد ~~الذي ائتمن الأمانة وليتق الله ربه. # وقد اختلف العلماء في ذلك كما بيناه، ولو كان الإشهاد واجبا لما جاز ~~إسقاطه، وبهذا يتبين أنه وثيقة، وكذلك هو عندنا في النكاح، وقال المخالفون: ~~هو واجب في النكاح، وسيأتي في سورة الطلاق إن شاء الله تعالى. # وقد قال بعض الناس: إن هذا ناسخ للأمر بالإشهاد، وتابعهم جماعة؛ ولا ~~منازعة عندنا في ذلك، بل هو جائز، وحبذا الموافقة في المذهب، ولا نبالي من ~~الاختلاف في الدليل. # وجملة الأمر أن الإشهاد حزم، والائتمان وثيقة بالله من المداين، ومروءة ~~من # PageV01P345 # المدين، وفي الحديث الثابت الصحيح عن أبي هريرة قول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «ذكر أن رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ~~ألف دينار، فقال: ائتني بالشهداء أشهدهم، فقال: كفى بالله شهيدا قال: فأتني ~~بالكفيل. قال: كفى ms0238 بالله كفيلا. قال: صدقت. فدفعها إليه إلى أجل مسمى. فخرج ~~الرجل في البحر فقضى حاجته ثم التمس مركبا يركبها يقدم عليه للأجل الذي ~~أجله فلم يجد مركبا، فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى ~~صاحبه، ثم زجج موضعها، ثم أتى بها إلى البحر، فقال: اللهم إنك تعلم أني ~~تسلفت فلانا ألف دينار، فسألني كفيلا فقلت: كفى بالله كفيلا فرضي بذلك ~~وسألني شهيدا فقلت: كفى بالله شهيدا فرضي بذلك وإني جهدت أن أجد مركبا أبعث ~~إليه الذي له فلم أقدر. وإني استودعتكها. فرمى بها في البحر حتى ولجت فيه ~~ثم انصرف وهو في ذلك يلتمس مركبا يخرج إلى بلده. فخرج الرجل الذي كان أسلفه ~~ينظر لعل مركبا قد جاء بماله فإذا بالخشبة التي فيها المال فأخذها لأهله ~~حطبا فلما نشرها وجد المال والصحيفة ثم قدم الذي كان أسلفه فأتى بالألف ~~دينار، وقال: والله ما زلت جاهدا في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدت مركبا ~~قبل الذي أتيت فيه قال: هل كنت بعثت إلي شيئا؟ قال: أخبرك أني لم أجد مركبا ~~قبل الذي جئت به. قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثت في الخشبة فانصرف ~~بالألف دينار راشدا». # وقد روي، عن سعيد الخدري أنه قرأ هذه الآية فقال: نسخ لكل ما تقدم يعني ~~من الأمر بالكتاب والإشهاد والرهن. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ولا تكتموا الشهادة] # المسألة الموفية خمسين: قوله تعالى: {ولا تكتموا الشهادة} [البقرة: 283] ~~هذا تفسير لقوله تعالى: {ولا يضار كاتب ولا شهيد} [البقرة: 282] بكسر ~~العين؛ نهيه الشاهد عن أن يضر بكتمان الشهادة، فإن ذلك إثم بالقلب كما لو ~~حولها وبدلها لكان كذبا، وهو إثم باللسان. # PageV01P346 ### | [مسألة تعين الشهادة] # المسألة الحادية والخمسون: إذا كان على الحق شهود تعين عليهم أداؤها على ~~الكفاية، فإن أداها اثنان واجتزأ بهما الحاكم سقط الفرض عن الباقين، وإن لم ~~يجتزئ بهما تعين المشي إليه حتى يقع الإثبات، وهذا يعلم بدعاء صاحبها، فإذا ~~قال له: أحي حقي بأداء ما عندك لي من شهادة تعين ms0239 ذلك عليه. ### | [مسألة التوثيق بالشهادة على الحقوق] # المسألة الثانية والخمسون: قال علماؤنا رحمة الله عليهم: لما أمر الله ~~سبحانه بالتوثيق بالشهادة على الحقوق كان ذلك دليلا على المحافظة في مراعاة ~~المال وحفظه، ويعتضد بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «نهى عن قيل وقال ~~وكثرة السؤال وإضاعة المال». ### | [الآية الموفية تسعين قوله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها] # لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ~~ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا} [البقرة: 286] فيها ~~ثلاث مسائل: # المسألة الأولى قوله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 286] ~~هذا أصل عظيم في الدين، وركن من أركان شريعة المسلمين شرفنا الله سبحانه ~~على الأمم بها، فلم يحملنا إصرا ولا كلفنا في مشقة أمرا، وقد كان من سلف من ~~بني إسرائيل إذا أصاب البول ثوب أحدهم قرضه بالمقراض، فخفف الله تعالى ذلك ~~إلى وظائف على الأمم حملوها، ورفعها الله تعالى عن هذه الأمة، وقد قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا ~~نهيتكم عن شيء فاجتنبوه». # PageV01P347 ### | [مسألة القود واجب على شريك الأب] # المسألة الثانية قوله تعالى: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: ~~286] ذكر علماؤنا هذه الآية في أن القود واجب على شريك الأب، خلافا لأبي ~~حنيفة، وعلى شريك الخاطئ خلافا للشافعي وأبي حنيفة، لأن كل واحد منهما قد ~~اكتسب القتل؛ وقالوا: إن اشتراك من لا يجب عليه القصاص مع من يجب عليه ~~القصاص شبهة في درء ما يدرأ بالشبهة. وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف. ### | [مسألة الفعل الواقع خطأ أو نسيانا] # المسألة الثالثة قوله تعالى: {لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} [البقرة: ~~286] تعلق بذلك جماعة من العلماء في أن الفعل الواقع خطأ أو نسيانا لغو في ~~الأحكام، كما جعله الله تعالى لغوا في الآثام، وبين النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - عندهم بقوله: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه». ~~وهذا لا حجة فيه؛ لأن الحديث ms0240 لم يصح، والآية إنما جاءت لرفع الإثم الثابت ~~في قوله تعالى: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} ~~[البقرة: 284] فأما أحكام العباد وحقوق الناس فثابتة حسب ما يبين في سورة ~~النساء إن شاء الله تعالى. والله أعلم. # PageV01P348 ### | [سورة آل عمران فيها ست وعشرون آية] ### | [الآية الأولى إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق] # الآية الأولى قوله تعالى: {إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين ~~بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم} [آل ~~عمران: 21] قال بعض علمائنا: هذه الآية دليل على الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، وإن أدى إلى قتل الآمر به. وقد بينا في كتاب " المشكلين " الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر وآياته وأخباره وشروطه وفائدته. وسنشير إلى بعضه ~~هاهنا فنقول: المسلم البالغ القادر يلزمه تغيير المنكر؛ والآيات في ذلك ~~كثيرة، والأخبار متظاهرة، وهي فائدة الرسالة وخلافة النبوة، وهي ولاية ~~الإلهية لمن اجتمعت فيه الشروط المتقدمة. # وليس من شرطه أن يكون عدلا عند أهل السنة. وقالت المبتدعة: لا يغير ~~المنكر إلا عدل، وهذا ساقط؛ فإن العدالة محصورة في قليل من الخلق، والنهي ~~عن المنكر عام في جميع الناس. فإن استدلوا بقوله تعالى: {أتأمرون الناس ~~بالبر} [البقرة: 44] وقوله تعالى {كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا ~~تفعلون} [الصف: 3] ونحوه. قلنا: إنما وقع الذم هاهنا على ارتكاب ما نهي ~~عنه، لا عن نهيه عن المنكر # PageV01P349 # وكذلك ما روي في الحديث من «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى قوما ~~تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقيل له: هم الذين ينهون عن المنكر ويأتونه، ~~إنما عوقبوا على إتيانهم». ولا شك في أن النهي عنه ممن يأتيه أقبح ممن لا ~~يأتيه عند فاعله فيبعد قبوله منه. # وأما القدرة فهي أصل، وتكون منه في النفس وتكون في البدن إن احتاج إلى ~~النهي عنه بيده، فإن خاف على نفسه من تغييره الضرب أو القتل، فإن رجا زواله ~~جاز عند أكثر العلماء الاقتحام عند هذا الغرر، وإن لم يرج ms0241 زواله فأي فائدة ~~فيه؟ والذي عنده: أن النية إذا خلصت فليقتحم كيفما كان ولا يبالي. # فإن قيل: هذا إلقاء بيده إلى التهلكة. قلنا: قد بينا معنى الآية في ~~موضعها، وتمامها في شرح المشكلين، والله أعلم. فإن قيل: فهل يستوي في ذلك ~~المنكر الذي يتعلق به حق الله تعالى مع الذي يتعلق به حق الآدمي؟ قلنا: لم ~~نر لعلمائنا في ذلك نصا. وعندي أن تخليص الآدمي أوجب من تخليص حق الله ~~تعالى؛ وذلك ممهد في موضعه. . ### | [الآية الثانية قوله تعالى ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب] # يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون} [آل ~~عمران: 23] قال علماؤنا: في هذا دليل على وجوب ارتفاع المدعو إلى الحاكم؛ ~~لأنه دعي إلى كتاب الله، فإن لم يفعل كان مخالفا يتعين عليه الزجر بالأدب ~~على قدر المخالف والمخالف. # PageV01P350 # ومثله قوله تعالى: {وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم ~~معرضون} [النور: 48] ### | [الآية الثالثة قوله تعالى لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين] # ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء} [آل عمران: 28] هذا عموم في أن المؤمن ~~لا يتخذ الكافر وليا في نصره على عدوه ولا في أمانة ولا بطانة. من دونكم: ~~يعني من غيركم وسواكم، كما قال تعالى: {ألا تتخذوا من دوني وكيلا} ~~[الإسراء: 2] وقد نهى عمر بن الخطاب أبا موسى الأشعري عن ذمي كان استكتبه ~~باليمن وأمره بعزله، وقد قال جماعة من العلماء: يقاتل المشرك في معسكر ~~المسلمين معهم لعدوهم، واختلف في ذلك علماؤنا المالكية. والصحيح منعه لقوله ~~- عليه السلام -: «إنا لا نستعين بمشرك». وأقول: إن كانت في ذلك فائدة ~~محققة فلا بأس به. ### | [الآية الرابعة قوله تعالى إلا أن تتقوا منهم تقاة] # } [آل عمران: 28] فيه قولان: # أحدهما: إلا أن تخافوا منهم، فإن خفتم منهم فساعدوهم ووالوهم وقولوا ما ~~يصرف عنكم من شرهم وأذاهم بظاهر منكم لا باعتقاد؛ يبين ذلك قوله تعالى: ~~{إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} [النحل: 106] على ما يأتي بيانه ms0242 إن شاء ~~الله. # الثاني: أن المراد به إلا أن يكون بينكم وبينه قرابة فصلوها بالعطية، كما ~~روي «أن # PageV01P351 # أسماء قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إن أمي قدمت علي وهي مشركة وهي ~~راغبة أفأصلها؟ قال: نعم. صلي أمك». وهذا وإن كان جائزا في الدين فليس بقوي ~~في معنى الآية وإنما فائدتها ما تقدم في القول الأول. والله أعلم. ### | [الآية الخامسة قوله تعالى إذ قالت امرأة عمران] # الآية الخامسة قوله تعالى: {إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في ~~بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم} [آل عمران: 35] {فلما وضعتها ~~قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني ~~سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} [آل عمران: 36] ~~فيها عشر مسائل: # المسألة الأولى في حقيقة النذر: وهو التزام الفعل بالقول مما يكون طاعة ~~لله عز وجل، من الأعمال قربة. ولا يلزم نذر المباح. والدليل عليه ما روي في ~~الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى أبا إسرائيل قائما: فسأل عنه ~~فقالوا: نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ويصوم، فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «مروه فليصم وليقعد وليستظل»؛ فأخبره بإتمام العبادة ونهاه عن فعل ~~المباح. وأما المعصية فهي ساقطة إجماعا؛ ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أنه قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه». # PageV01P352 ### | [مسألة تعليق النذر بالحمل] # المسألة الثانية في تعليق النذر بالحمل: اعلموا علمكم الله أن الحمل في ~~حيز العدم؛ لأن القضاء بوجوده غير معلوم لاحتمال أن يكون نفخ في البطن لعلة ~~وحركة خلط يضطرب، وريح ينبعث، ويحتمل أن يكون لولد؛ وقد يغلب على البطن كل ~~واحد منهما في حالة، وقد يشكل الحال؛ فإن فرضنا غلبة الظن في كونه حملا فقد ~~اتفق العلماء على أن العقود التي ترد عليه وتتعلق به على ضربين: أحدهما: ~~عقد معاوضة. والثاني: عقد مطلق لا عوضية فيه. فأما الأول وهو عقد المعاوضة ~~فإنه ساقط فيه ms0243 إجماعا، بدليل ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه ~~نهى عن بيع حبل الحبلة». والحكمة فيه أن العقد إذا تضمن العوض وجب تنزيهه ~~عن الجهالة والغرر في حصول الفائدة التي بذل المرء فيها ماله، فإذا لم ~~يتحقق حصول تلك الفائدة كان من أكل المال بالباطل. # وأما الثاني: وهو العقد المطلق المجرد من العوض كالوصية والهبة والنذر ~~فإنه يرد على الحمل؛ لأن الغرر فيه منتف إذ هو تبرع مجرد؛ فإن اتفق فبها ~~ونعمت، وإن تعذر لم يستضر أحد. # PageV01P353 ### | [مسألة معنى قوله تعالى إذ قالت امرأة عمران إلخ] # المسألة الثالثة في معنى الآية: قال علماؤنا: كان لعمران بن ماثان ~~ابنتان: إحداهما حنة والأخرى يملشقع وبنو ماثان من ملوك بني إسرائيل من نسل ~~داود - عليه السلام - وكان في ذلك الزمان لا يحرر إلا الغلمان، فلما نذرت ~~قال لها زوجها عمران: أرأيتك إن كان ما في بطنك أنثى كيف نفعل؟ فاهتمت لذلك ~~فقالت: إني نذرت لك ما في بطني محررا، فتقبل مني إنك أنت السميع العليم. ~~وذلك لأنها كانت لا ولد لها، فلما حملت نذرت إن الله أكمل لها الحمل ووضعته ~~فإنه حبس على بيت المقدس. # المسألة الرابعة: قال أشهب عن مالك: جعلته نذرا تفي به. قالوا: فلما ~~وضعتها ربتها حتى ترعرعت، وحينئذ أرسلتها. وقيل: لفتها في خرقها وقالت: رب ~~إني وضعتها أنثى، وليس الذكر كالأنثى، وقد سميتها مريم، وإني أعيذها بك ~~وذريتها من الشيطان الرجيم، وأرسلتها إلى المسجد وفاء بنذرها، كما أشار ~~إليه مالك، وتبريا منها حين حررتها لله، أي خلصتها. والمحرر والحر: هو ~~الخالص من كل شيء. # المسألة الخامسة: لا خلاف أن امرأة عمران لا يتطرق إلى حملها نذر لكونها ~~حرة، فلو كانت امرأته أمة فلا خلاف أن المرء لا يصح له نذر ولده كيف ما ~~تصرفت حاله فإنه إن كان الناذر عبدا لم يتقرر له قول في ذلك، وإن كان ~~الناذر حرا فولده لا يصح أن يكون مملوكا له؛ وكذلك المرأة مثله؛ وأي وجه ~~للنذر فيه؟ وإنما معناه والله ms0244 أعلم أن المرء إنما يريد ولده للأنس به ~~والاستبصار والتسلي والمؤازرة؛ فطلبت المرأة الولد أنسا به وسكونا إليه، ~~فلما من الله تعالى عليها به نذرت أن حظها من الأنس به متروك فيه؛ وهو على ~~خدمة الله تعالى موقوف. وهذا نذر الأحرار من الأبرار، وأرادت به محررا من ~~جهتي، محررا من رق الدنيا وأشغالها. فتقبله مني. # PageV01P354 # وقد قال رجل من الصوفية لأمه: يا أماه؛ ذريني لله أتعبد له وأتعلم العلم. ~~فقالت: نعم، فسار حتى تبصر ثم عاد إليها فدق الباب، فقالت: من؟ قال: ابنك ~~فلان. قالت: قد تركناك لله ولا نعود فيك. ### | [مسألة قوله تعالى وليس الذكر كالأنثى] # المسألة السادسة قوله: {وليس الذكر كالأنثى} [آل عمران: 36] يحتمل أن ~~تريد به في كونها تحيض ولا تصلح في تلك الأيام للمسجد، ويحتمل أن تريد بها ~~أنها امرأة فلا تصلح لمخالطة الرجال؛ وعلى كل تقدير فقد تبرأت منها، ولعل ~~الحجاب لم يكن عندهم كما كان في صدر الإسلام. وفي صحيح الحديث: «أن امرأة ~~سوداء كانت تقم المسجد على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -». وفيه ~~اختلاف في الرواية كثير. المسألة السابعة رواية أشهب عن مالك تدل على أن ~~مذهبه التعلق بشرائع الماضين في الأحكام والآداب؛ وقد بيناه في أصول الفقه. ### | [مسألة حق الحضانة] # المسألة الثامنة لو صح أنها أسلمتها في خرقها إلى المسجد فكفلها زكريا ~~لكان ذلك في أن الحضانة حق للأم أصلا. وقد اختلفت فيه رواية علمائنا على ~~ثلاثة أقوال: أحدها: أن الحضانة حق لله سبحانه. # الثاني: أنها حق للأم. الثالث: أنها حق للولد. وقد بيناه في مسائل الفروع ~~بواضح الدليل. ### | [مسألة النذر في الحمل] # المسألة التاسعة على أي حال كان القول والتأويل فإن الآية دليل على جواز ~~النذر في الحمل، وكل عقد لا يتعلق به عوض بدليل إجماعهم على نفوذ العتق ~~فيه، والنذر مثله. # PageV01P355 ### | [مسألة المطاوعة في نهار رمضان لزوجها على الوطء] # المسألة العاشرة قال بعض الشافعية: الدليل على أن المطاوعة في نهار رمضان ~~لزوجها على الوطء لا تساويه في وجوب ms0245 الكفارة عليهم قوله تعالى: {وليس الذكر ~~كالأنثى} [آل عمران: 36]. قال القاضي ابن العربي: وعجبا لغفلته وغفلة ~~القاضي عبد الوهاب عنه حين تكلم عليه وحاجه فيه، وهذا خبر عن شرع من قبلنا؛ ~~ولا خلاف بين الشافعية عن بكرة أبيهم أن شرع من قبلنا ليس شرعا لنا، فاسكت ~~واصمت. ثم نقول لأنفسنا: نحن نعلم من أصول الفقه الفرق بين الأقوال التي ~~جاءت بلفظ العموم وهي على قصد العموم، والتي جاءت بلفظ العموم وهي على قصد ~~الخصوص. # وهذه الصالحة إنما قصدت بكلامها ما تشهد له بينة حالها ومقطع كلامها ~~فإنها نذرت خدمة المسجد في ولدها، ورأته أنثى لا تصلح أن تكون برزة، وإنما ~~هي عورة؛ فاعتذرت إلى ربها من وجودها لها على خلاف ما قصدته فيها، وقد بينا ~~في أصول الفقه العموم المقصود به العموم وغيره، وساعدنا عليه ابن الجويني، ~~وحققناه؛ فلينظر هنالك. ### | [مسألة الذرية قد تقع على الولد خاصة] # المسألة الحادية عشرة: قالت: إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم، ~~فكانت المعاذة هي وابنها عيسى، فبهما وقع القبول من جملة الذرية، وهذا يدل ~~على أن الذرية قد تقع على الولد خاصة، وقد بينا ذلك في مسألة العقب من ~~الأحكام. وفي سورة الأنعام. والله أعلم. ### | [الآية السادسة قوله تعالى فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب] # أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من ~~الصالحين} [آل عمران: 39] اختلف العلماء في ذلك على قولين: أحدهما: أن ~~الحصور هو العنين وهم الأكثر، ومنهم ابن عباس. # PageV01P356 # ومنهم من قال: هو الذي يكف عن النساء ولا يأتيهن مع القدرة، منهم سعيد بن ~~المسيب؛ وهو الأصح لوجهين: أحدهما: أنه مدح وثناء عليه، والمدح والثناء ~~إنما يكون على الفضل المكتسب دون الجبلة في الغالب. # الثاني: أن حصورا فعولا؛ وبناء فعول في اللغة من صيغ الفاعلين. قال ~~علماؤنا: الحصور: البخيل، والهيوب الذي يحجم عن الشيء؛ والكاتم السر؛ وهذا ~~بناء فاعل. والحصور عندهم: الناقة التي لا يخرج لبنها من ضيق إحليلها. وهذا ~~فيه نظر. # وقد جاء فعول ms0246 بمعنى مفعل، تقول: رسول بمعنى مرسل، ولكن الغالب ما تقدم ~~وإذا ثبت هذا فيحيى كان كافا عن النساء عن قدرة في شرعه، فأما شرعنا ~~فالنكاح. # روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عثمان بن مظعون عن التبتل قال ~~الراوي: ولو أذن له لاختصينا»، ولهذا بالغ قوم فقالوا: النكاح واجب، وقصر ~~آخرون فقالوا مباح، وتوسط علماؤنا فقالوا: مندوب. والصحيح أنه يختلف ~~باختلاف حال الناكح والزمان، وقد بينا ذلك في سورة النساء، وسترونه إن شاء ~~الله. ### | [الآية السابعة قوله تعالى ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك] # وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ ~~يختصمون} [آل عمران: 44] فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: في كيفية فعلهم: واختلف فيه نقل المفسرين على روايتين: # PageV01P357 # الأولى: روي أن زكريا قال: أنا أحق بها، خالتها عندي. وقال بنو إسرائيل: ~~نحن أحق بها، بنت عالمنا، فاقترعوا عليها بالأقلام، وجاء كل واحد بقلمه، ~~واتفقوا أن يجعلوا الأقلام في الماء الجاري، فمن وقف قلمه ولم يجر في الماء ~~فهو صاحبها. قال النبي - عليه السلام -: «فجرت الأقلام وعال قلم زكريا» ~~كانت آية؛ لأنه نبي تجري الآيات على يده. # الثاني: أن زكريا كان يكفلها حتى كان عام مجاعة فعجز وأراد منهم أن ~~يقترعوا، فاقترعوا، فوقعت القرعة عليهم لما أراد الله من تخصيصه بها. ~~ويحتمل أن تكون أنها لما نذرتها لله تخلت عنها حين بلغت السعي، واستقلت ~~بنفسها، فلم يكن لها بد من قيم، إذ لا يمكن انفرادها بنفسها، فاختلفوا فيه ~~فكان ما كان. ### | [مسألة مشروعية القرعة] # المسألة الثانية: القرعة أصل في شريعتنا؛ ثبت «أن النبي - عليه السلام - ~~كان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها»، وهذا مما لم ~~يره مالك شرعا. # والصحيح أنه دين ومنهاج لا يتعدى، وثبت عنه أيضا - صلى الله عليه وسلم -: ~~«أن رجلا أعتق عبيدا له ستة في مرضه لا مال له غيرهم فأقرع النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بينهم، فأعتق اثنين وأرق أربعة». # PageV01P358 # وهذا مما رآه مالك والشافعي، ms0247 وأباه أبو حنيفة؛ واحتج بأن القرعة في شأن ~~زكريا وأزواج النبي - عليه السلام - كانت مما لو تراضوا عليه دون قرعة ~~لجاز. # وأما حديث الأعبد فلا يصح التراضي في الحرية ولا الرضا؛ لأن العبودية ~~والرق إنما ثبتت بالحكم دون قرعة فجازت، ولا طريق للتراضي فيها، وهذا ضعيف؛ ~~فإن القرعة إنما فائدتها استخراج الحكم الخفي عند التشاح فأما ما يخرجه ~~التراضي فيه فباب آخر، ولا يصح لأحد أن يقول: إن القرعة تجري في موضع ~~التراضي، وإنها لا تكون أبدا مع التراضي فكيف يستحيل اجتماعها مع التراضي؟ ~~ثم يقال: إنها لا تجري إلا على حكمه ولا تكون إلا في محله؛ وهذا بعيد. ### | [مسألة أحق الناس الحضانة بعد الجدة] # المسألة الثالثة: قد روي أن مريم كانت بنت أخت زوج زكريا، ويروى أنها ~~كانت بنت عمه، وقيل من قرابته؛ فأما القرابة فمقطوع بها، وتعيينها مما لم ~~يصح. # وهذا جرى في الشريعة التي قبلنا، فأما إذا وقع في شريعتنا فالخالة أحق ~~بالحضانة بعد الجدة من سائر القرابة والناس؛ لما روي أن النبي - عليه ~~السلام - قضى بها للخالة، ونص الحديث خرجه أبو داود قال: «خرج زيد بن حارثة ~~إلى مكة فقدم بابنة حمزة قال ابن العربي: واسمها أمة الله، وأمها سلمى بنت ~~عميس أخت أسماء بنت عميس فقال جعفر: أنا أحق بها؛ ابنة عمي، وعندي خالتها، ~~وإنما الخالة أم. وقال علي: أنا أحق بها وعندي ابنة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -؛ فأنا أحق بها. وقال زيد: أنا أحق بها، خرجت إليها وسافرت ~~وقدمت بها، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر شيئا، وقال: أما ~~الجارية فأقضي بها لجعفر تكون مع خالتها، وإنما الخالة بمنزلة الأم». # المسألة الرابعة: هذا إذا كانت الخالة أيما، فأما إن تزوجت، وكان زوجها ~~أجنبيا فلا حضانة لها؛ لأن الأم تسقط حضانتها بالزوج الأجنبي، فكيف بأختها ~~وبأمها والبدل عنها. # PageV01P359 # فإن كان وليا لم تسقط حضانتها كما لم تسقط حضانة زوج جعفر؛ لكون جعفر ~~وليا لابنة حمزة وهي بنوة العم. وذكر ابن أبي ms0248 خيثمة أن زيد بن حارثة كان ~~وصي حمزة فتكون الخالة على هذا أحق من الوصي، ويكون ابن العم إذا كان زوجا ~~غير قاطع للخالة في الحضانة وإن لم يكن محرما لها. وقد بينا في شرح الحديث ~~اسم الكل ووصف قرابته. ### | [الآية الثامنة قوله تعالى فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم] # فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم ~~نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين} [آل عمران: 61] فيها مسألتان: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: روى المفسرون أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ناظر أهل نجران حتى ظهر عليهم بالدليل والحجة، فأبوا الانقياد ~~والإسلام؛ فأنزل الله عز وجل هذه الآية، فدعا حينئذ فاطمة والحسن والحسين، ~~ثم دعا النصارى إلى المباهلة. ### | [مسألة دخول ابن البنت في الوصية والحبس] # المسألة الثانية: هذا يدل على أن الحسن والحسين ابناه، وقد ثبت عنه - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال في الحسن: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح ~~به بين فئتين عظيمتين من المسلمين». # PageV01P360 # فتعلق بهذا من قال: إن الابن من البنت يدخل في الوصية والحبس، ويأتي ذلك ~~في موضعه إن شاء الله. وليس فيها حجة، فإنه يقال: إن هذا الإطلاق مجاز، ~~وبيانه هنالك. ### | [الآية التاسعة قوله تعالى ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك] # ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم ~~قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} [آل ~~عمران: 75] فيها إحدى عشرة مسألة: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: قيل: نزلت في نصارى نجران. وقال ابن ~~جريج: نزلت في قوم من اليهود تابعهم جماعة من العرب، فلما أسلموا قال لهم ~~اليهود: تركتم دينكم، فليس لكم عندنا حق. # المسألة الثانية: الدينار أربعة وعشرون قيراطا، والقيراط ثلاث حبات من ~~شعير، والقنطار أربعة أرباع، والربع ثلاثون رطلا، والرطل اثنتا عشرة أوقية، ~~والأوقية ستة عشر درهما، والدرهم ست وثلاثون حبة من شعير، وقد بينا ذلك ~~مشروحا في مسائل ms0249 الفقه. ### | [مسألة ائتمان أهل الكتاب على مال] # المسألة الثالثة: فائدتها النهي عن ائتمانهم على مال. وقال شيخنا أبو عبد ~~الله العربي: فائدتها ألا يؤتمنوا على دين؛ يدل عليه ما بعده من قوله: {وإن ~~منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب} [آل عمران: 78] ~~فأراد ألا يؤتمنوا على نقل شيء من التوراة والإنجيل. قال القاضي: والصحيح ~~عندي أنها في المال نص، وفي الدين سنة؛ فأفادت المعنيين بهذين الوجهين. # PageV01P361 ### | [مسألة أداء الأمانة] # المسألة الرابعة: في قوله تعالى: {من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك} [آل ~~عمران: 75] هذا يدل على أن أداء الأمانة في الدينار بالنص أو بالسنة أو ~~بالقياس، وقد بيناه في أصول الفقه. والصحيح أنه قياس جلي، وهو أعلى مراتبه، ~~وهناك تجدونه. # المسألة الخامسة: قوله تعالى: {إلا ما دمت عليه قائما} [آل عمران: 75] ~~تعلق به أبو حنيفة في ملازمة الغريم للمفلس؛ وأباه سائر العلماء؛ ولا حجة ~~لأبي حنيفة فيه؛ لأن ملازمة الغريم المحكوم بعدمه لا فائدة فيها؛ إذ لا ~~يرجى ما عنده. وقد بيناه في مسائل الخلاف هناك. وقد قال جماعة من الناس: إن ~~معنى {لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما} [آل عمران: 75] أي حافظا ~~بالشهادة، فلينظر هنالك. # المسألة السادسة: أقسام هذه الحال ثلاثة: قسم يؤدى، وقسم لا يؤدى إلا ما ~~دمت عليه قائما، وقسم لا يؤدى وإن دمت عليه قائما، إلا أن الله سبحانه ذكر ~~القسمين، لأنه الغالب المعتاد، والثالث نادر؛ فخرج الكلام على الغالب ### | [مسألة معنى قوله تعالى ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل] # المسألة السابعة: قوله تعالى: {ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين ~~سبيل} [آل عمران: 75] المعنى فعلوا ذلك لاعتقادهم أن ظلمهم لأهل الإسلام ~~جائز، تقدير كلامهم ليس علينا في ظلم الأميين سبيل أي إثم. وقولهم هذا كذب ~~صادر عن اعتقاد باطل مركب على كفر، فإنهم أخبروا عن التوراة بما ليس فيها، ~~وذلك قوله تعالى: {ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} [آل عمران: 75]. ### | [مسألة قدر الأمانة في الدين] # المسألة الثامنة: الأمانة عظيمة القدر في ms0250 الدين، ومن عظيم قدرها أنها تقف ~~على جنبتي الصراط # PageV01P362 # ولا يمكن من الجواز إلا من حفظها، وقد بيناه في شرح الحديث وكتاب شرح ~~المشكلين؛ ولهذا وجب عليك أن تؤديها إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك؛ فتقابل ~~معصية فيك بمعصية فيه، على اختلاف بيناه في مسائل الخلاف. # ولذلك لم يجز لك أن تغدر بمن غدر بك. قال البخاري: " باب إثم الغادر البر ~~والفاجر ". فإن قيل: فقد قال الشعبي: من حل بك فاحلل به قال إبراهيم ~~النخعي: يعني أن المحرم لا يقتل، ولكن من عرض لك فاقتله وحل أنت به أيضا، ~~من خانك فخنه. قلنا: تحريم المحرم كان بشرط ألا يعرض له في أصل العقد، ~~والأمانة يلزم الوفاء بها من غير شرط. ### | [مسألة الأكل من أموال أهل الذمة في الغزو] # المسألة التاسعة: قال رجل لابن عباس: إنا نصيب في الغزو من أموال أهل ~~الذمة الدجاجة والشاة ونقول: ليس بذلك علينا بأس. فقال له: هذا كما قال أهل ~~الكتاب: ليس علينا في الأميين سبيل؛ إنهم إذا أدوا الجزية لم تحل لكم ~~أموالهم إلا عن طيب أنفسهم. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون] # المسألة العاشرة: قوله تعالى: {ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون} [آل ~~عمران: 75] هذه الآية رد على الكفرة الذين يحلون ويحرمون من غير تحليل الله ~~وتحريمه، ويجعلون ذلك من الشرع، ومن هذا يخرج الرد على من يحكم بالاستحسان ~~من غير دليل، ولست أعلم أحدا من أهل القبلة قاله. ### | [الآية العاشرة قوله تعالى إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا] # أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ~~ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم} [آل عمران: 77] فيها مسألتان: # PageV01P363 # المسألة الأولى: في سبب نزولها: قال قوم: نزلت في اليهود؛ كتبوا كتابا ~~وحلفوا أنه من عند الله. وقيل: نزلت في رجل حلف يمينا فاجرة لتنفق سلعته في ~~البيع؛ قاله مجاهد وغيره. # والذي يصح أن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله ms0251 عليه وسلم ~~-: «من حلف على يمين صبر ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه ~~غضبان» فأنزل الله تعالى تصديق ذلك: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ~~ثمنا قليلا} [آل عمران: 77] الآية. قال: فجاء الأشعث بن قيس فقال: في نزلت، ~~كان لي بئر في أرض ابن عمر، وفي رواية: كان بيني وبين رجل من اليهود أرض ~~فجحدني. قال النبي - عليه السلام -: «بينتك أو يمينه». فقلت: إذا يحلف يا ~~رسول الله. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - وذكر الحديث. وذلك يحتمل ما ~~صح في الحديث وما روي عن اليهود. ### | [مسألة قضاء الظاهر إذا علم المحكوم له بطلانه] # المسألة الثانية: قال علماؤنا: هذا دليل على أن حكم الحاكم لا يحل المال ~~في الباطن بقضاء الظاهر، إذا علم المحكوم له بطلانه. وقد روت أم سلمة في ~~الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنما أنا بشر، وأنتم تختصمون ~~إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، ~~فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من النار» # PageV01P364 # وهذا لا خلاف فيه بين الأمة، وإنما ناقض أبو حنيفة وغلا، فقال: إن حكم ~~الحاكم المبني على الشهادة الباطلة يحل الفرج لمن كان محرما عليه، وسيأتي ~~بطلان قوله في آية اللعان إن شاء الله تعالى. ### | [الآية الحادية عشرة قوله تعالى ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة] # ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم ~~تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} [آل عمران: 79] {ولا يأمركم أن تتخذوا ~~الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} [آل عمران: ~~80] فيها ست مسائل: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: قيل: إنها نزلت في نصارى نجران، وكذلك ~~روي أن السورة كلها إلى قوله: {وإذ غدوت من أهلك} [آل عمران: 121] كان سبب ~~نزولها نصارى نجران، ولكن مزج معهم اليهود؛ لأنهم فعلوا من الجحد والعناد ~~مثل فعلهم. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ms0252 ربانيين] # المسألة الثانية: في قوله تعالى: {ربانيين} [آل عمران: 79] وهو منسوب إلى ~~الرب، وقد بينا تفاصيل معنى اسم الرب في " الأمد الأقصى "، وهو هاهنا عبارة ~~عن الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، وكأنه يقتدي بالرب سبحانه ~~وتعالى في تيسير الأمور المجملة في العبد على مقدار بدنه من غذاء وبلاء. ### | [مسألة معنى قوله تعالى بما كنتم تعلمون الكتاب] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} ~~[آل عمران: 79] المعنى: وإن علمهم بالكتاب، ودرسهم له يوجب ذلك عليهم؛ لأن ~~هذا من المعاني التي شرحت فيه لهم. # PageV01P365 ### | [مسألة معنى قوله تعالى ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا] # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين ~~أربابا} [آل عمران: 80] المعنى: ولا آمر الخلق أن يتخذوا الملائكة والنبيين ~~أربابا يعبدونهم؛ لأن الله سبحانه لا يأمر بالكفر من أسلم فعلا، ولا يأمر ~~بالكفر ابتداء؛ لأنه محال عقلا، فلما لم يتقدر ولا تصور لم يتعلق به أمر. ### | [مسألة حرم الله تعالى على الأنبياء أن يتخذوا الناس عبادا يتألهون لهم] # المسألة الخامسة: حرم الله تعالى على الأنبياء أن يتخذوا الناس عبادا ~~يتألهون لهم، ولكن ألزم الخلق طاعتهم. وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي، وليقل فتاي وفتاتي، ولا يقل ~~أحدكم ربي وليقل سيدي». وقد قال الله تعالى مخبرا عن يوسف: {اذكرني عند ~~ربك} [يوسف: 42] وقال: {والصالحين من عبادكم وإمائكم} [النور: 32] وقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أعتق شركا له في عبد» فتعارضت. # فلو تحققنا التاريخ لكان الآخر رافعا للأول أو مبينا له على اختلاف الناس ~~في النسخ. وإذا جهلنا التاريخ وجب النظر في دلالة الترجيح. وقد مهدنا ذلك ~~في شرح الحديث بما الكافي منه الآن لكم ترجيح الجواز؛ لأن النهي إنما كان ~~لتخليص الاعتقاد من أن يعتقد لغير الله عبودية أو في سواه ربوبية، فلما ~~حصلت العقائد كان الجواز. ### | [مسألة معنى قوله تعالى بما كنتم تعلمون الكتاب] # المسألة السادسة: قوله تعالى: {بما ms0253 كنتم تعلمون الكتاب} [آل عمران: 79] ~~قرأ ابن عامر وأهل الكوفة بضم التاء، وكأن معناه لا تتخذوهم عبادا بحق # PageV01P366 # تعليمكم، فإنه فرض عليكم أو إشراك في نيتكم، أو استعجال لأجركم، أو تبديل ~~لأمر الآخرة بأمر الدنيا؛ واختاره الطبري على قراءة فتح التاء. قال شيخنا ~~أبو عبد الله العربي: كذلك يقتضي صفة العلم وقراءته؛ لأن العلم إنما هو ~~للتعليم لتحريم كتمان العلم، والأمر في ذلك قريب؛ وليس هذا موضع تحريره. ### | [الآية الثانية عشرة قوله تعالى لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون] # وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم} [آل عمران: 92] فيها خمس مسائل: ~~المسألة الأولى: قوله تعالى: {لن تنالوا البر} [آل عمران: 92] معناه ~~تصيبوا، يقال: نالني خير ينولني، وأنالني خيرا؛ ويقال: نلته أنوله معروفا ~~ونولته قال الله تعالى: {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها} [الحج: 37] أي لا ~~يصل إلى الله شيء من ذلك لتقديسه عن الاتصال والانفصال. # المسألة الثانية: {البر} [آل عمران: 92] وقد بيناه في كتاب " الأمد ~~الأقصى " وشفينا النفس من إشكاله. قيل: إنه ثواب الله، وقيل: إنه الجنة؛ ~~وذلك يصل البر إليه لكونه على الصفات المأمور بها. # المسألة الثالثة: {حتى تنفقوا} [آل عمران: 92] المعنى حتى تهلكوا، يقال: ~~نفق إذا هلك. المعنى حتى تقدموا من أموالكم في سبيل الله ما تتعلق به ~~قلوبكم. ### | [مسألة تفسير النفقة في قوله تعالى حتى تنفقوا مما تحبون] # المسألة الرابعة: في تفسير هذه النفقة: قال ابن عمر: وهي صدقة الفرض ~~والتطوع. وقيل: هي سبل الخير كلها، وهو الصحيح لعموم الآية. # PageV01P367 # وقد روى الأئمة كلهم أن أبا طلحة قال: يا رسول الله، إني أسمع الله تعالى ~~يقول: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} [آل عمران: 92] وإن أحب ~~أموالي إلي بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا ~~رسول الله حيث أراك الله قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «بخ، بخ، ~~ذلك مال رابح. ذلك مال رابح، وقد سمعت ما قلت فيها، وإني أرى أن تجعلها في ~~الأقربين» فقسمها أبو طلحة في ms0254 أقاربه وبني عمه. # وروى الطبري: أن زيد بن حارثة جاء بفرس له يقال له سبل إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال: تصدق بهذا يا رسول الله، فأعطاه رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أسامة بن زيد بن حارثة، فقال: يا رسول الله؛ إنما ~~أردت أن أتصدق به. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «قد قبلت ~~صدقتك». # المسألة الخامسة: قال العلماء: إنما تصدق به النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- على قرابة المصدق لوجهين: أحدهما: أن الصدقة في القرابة أفضل؛ لأنها كما ~~قال في غير هذا الحديث صدقة وصلة. الثاني: أن نفس المتصدق تكون بذلك أطيب ~~وأسلم عن تطرق الندم إليها. ### | [الآية الثالثة عشرة قوله تعالى كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل] # إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة ~~فاتلوها إن كنتم صادقين} [آل عمران: 93] # PageV01P368 # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: سبب نزولها، وفيه ثلاثة أقوال: الأول: روي أن اليهود ~~أنكروا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحليل لحوم الإبل، فأخبر الله ~~بتحليلها لهم حتى حرمها إسرائيل على نفسه. # المعنى: إني لم أحرمها عليكم، وإنما كان إسرائيل هو الذي حرمها على نفسه. # الثاني: أن عصابة من اليهود جاءوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقالوا له: يا أبا القاسم؛ أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل ~~أن تنزل التوراة؟ فقال: «أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هل ~~تعلمون أن إسرائيل مرض مرضا شديدا طال سقمه فيه فنذر لئن عافاه الله من ~~سقمه ليحرمن الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام والشراب إليه لحوم الإبل ~~وألبانها؟» فقالوا: اللهم نعم: قال: «فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم ~~صادقين في دعواكم أن الله سبحانه أنزل تحريم ذلك فيها». رواه الطبري. # الثالث: أنها نزلت في نفر من اليهود جاءوا إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - برجل وامرأة زنيا، فرجمهما النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما ~~يأتي بيانه في سورة المائدة إن شاء الله تعالى. ms0255 فأما نزولها في رجم اليهود ~~فيأباه ظاهر اللفظ، وأما سائرها فمحتمل، والله أعلم. ### | [مسألة تحريم إسرائيل الطعام على نفسه] # المسألة الثانية: اختلفوا في تحريم إسرائيل على نفسه؛ فقيل: كان بإذن ~~الله تعالى. وقيل: كان باجتهاد، وذلك مبني على جواز اجتهاد الأنبياء؛ وقد ~~بيناه في موضعه. # PageV01P369 # واختلف في تحريم اليهود ذلك. فقيل: إن إسرائيل حرمها على نفسه وعليهم. ~~وقيل: اقتدوا به في تحريم ذلك، فحرم الله تعالى عليهم بغيهم، ونزلت به ~~التوراة، وذلك في قوله تعالى: {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم} [النساء: 160] # والصحيح أن للنبي أن يجتهد؛ وإذا أداه اجتهاده إلى شيء كان دينا يلزم ~~اتباعه لتقرير الله سبحانه إياه على ذلك، وكما يوحى إليه ويلزم اتباعه، ~~كذلك يؤذن له ويجتهد، ويتعين موجب اجتهاده إذا قدر عليه. والظاهر من الآية ~~مع أن الله سبحانه أضاف التحريم إليه بقوله إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من ~~قبل أن تنزل التوراة أن الله سبحانه أذن له في تحريم ما شاء، ولولا تقدم ~~الإذن له ما تسور على التحليل والتحريم، وتقدم ما يقتضي ذلك على القول ~~بجواز الاجتهاد فحرمه مجتهدا فأقره الله سبحانه عليه. وقد حرم النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - العسل على الرواية الصحيحة أو جاريته مارية فلم يقر الله ~~تحريمه، ونزل قوله تعالى: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} ~~[التحريم: 1] وكان ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - اجتهادا أو بأمر ~~على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة حقيقة التحريم] # المسألة الثالثة: حقيقة التحريم المنع؛ فكل من امتنع من شيء مع اعتقاده ~~الامتناع منه فقد حرمه، وذلك يكون بأسباب؛ إما بنذر كما فعل يعقوب في تحريم ~~الإبل وألبانها؛ وإما بيمين كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~العسل، أو في جاريته؛ فإن كان بنذر فإنه غير منعقد في شرعنا. # ولسنا نتحقق كيفية تحريم يعقوب؛ هل كان بنذر أو بيمين؛ فإن كان بيمين فقد ~~أحل الله لنا اليمين بالكفارة أو بالاستثناء المتصل رخصة ms0256 منه لنا، ولم يكن ~~ذلك لغيرنا من الأمم. فلو قال رجل: حرمت الخبز على نفسي أو اللحم لم يحرم ~~ولم ينعقد يمينا؛ فإن قال: حرمت أهلي فقد اختلف العلماء فيه اختلافا كثيرا ~~يأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى. # PageV01P370 # والصحيح أنه يلزمه تحريم الأهل إذا ابتدأ بتحريمها كما يحرمها بالطلاق، ~~ولا يلزمه تحريم فيما عدا ذلك؛ لقوله سبحانه: {لا تحرموا طيبات ما أحل الله ~~لكم ولا تعتدوا} [المائدة: 87]. ### | [الآية الرابعة عشرة قوله تعالى إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة] # مباركا وهدى للعالمين} [آل عمران: 96] {فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن ~~دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن ~~الله غني عن العالمين} [آل عمران: 97] فيها ست مسائل: # المسألة الأولى: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قيل له: أي المسجدين ~~وضع في الأرض أول؟ المسجد الحرام أو المسجد الأقصى؟ قال: «المسجد الحرام». ~~وذكر أنه كان بينهما أربعون عاما؛ وهذا رد على من يقول: كان في الأرض بيت ~~قبله تحجه الملائكة. # المسألة الثانية: في بركته: قيل: ثواب الأعمال. وقيل: ثواب القاصد إليه. ~~وقيل: أمن الوحش فيه. وقيل: عزوف النفس عن الدنيا عند رؤيته. والصحيح أنه ~~مبارك من كل وجه من وجوه الدنيا والآخرة، وذلك بجميعه موجود فيه. # PageV01P371 ### | [مسألة معنى قوله تعالى ببكة] # المسألة الثالثة: فأما قوله: {ببكة} [آل عمران: 96] ففيها ثلاثة أقوال: ~~الأول: بكة: مكة. الثاني: بكة: المسجد، ومكة سائر الحرم. وإنما سميت بكة ~~لأنها تبك أعناق الجبابرة، أي تقطعها. # وقال أبو جعفر وقتادة: إن الله سبحانه بك بها الناس؛ فتصلي النساء بين ~~يدي الرجال، ولا يكون في بلد غيرها، وصورة هذا أن الناس يستديرون بالبيت ~~فيكون وجوه البعض إلى البعض فلا بد من استقبال النساء من حيث صلوا. ### | [مسألة قوله تعالى مقام إبراهيم] # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {مقام إبراهيم} [آل عمران: 97] فيه قولان: ~~أحدهما: أنه الحجر المعهود، وإنما جعل آية للناس؛ لأنه جماد صلد وقف عليه ~~إبراهيم، فأظهر الله فيه أثر قدمه ms0257 آية باقية إلى يوم القيامة. # الثاني: قال ابن عباس: {مقام إبراهيم} [آل عمران: 97] هو الحج كله؛ وهذا ~~بين، فإن إبراهيم قام بأمر الله سبحانه، ونادى بالحج عباد الله، فجمع الله ~~العباد على قصده، وكانت شرعة من عهده، وحجة على العرب الذين اقتدوا به من ~~بعده. # PageV01P372 # وفيه من الآيات أن من دخله خائفا عاد آمنا؛ فإن الله سبحانه قد كان صرف ~~القلوب عن القصد إلى معارضته، وصرف الأيدي عن إذايته، وجمعها على تعظيم ~~الله تعالى وحرمته. وهذا خبر عما كان، وليس فيه إثبات حكم، وإنما هو تنبيه ~~على آيات، وتقرير نعم متعددات، مقصودها وفائدتها وتمام النعمة فيه بعثه ~~محمدا - صلى الله عليه وسلم -؛ فمن لم يشهد هذه الآيات ويرى ما فيها من شرف ~~المقدمات لحرمة من ظهر من تلك البقعة فهو من الأموات. ### | [مسألة استوجب حدا ثم لجأ إلى الحرم] # المسألة الخامسة: قال أبو حنيفة: إن من اقترف ذنبا واستوجب به حدا، ثم ~~لجأ إلى الحرم عصمه لقوله تعالى {ومن دخله كان آمنا} [آل عمران: 97] فأوجب ~~الله سبحانه الأمن لمن دخله، وروي ذلك عن جماعة من السلف، منهم ابن عباس ~~وغيره من الناس. # وكل من قال هذا فقد وهم من وجهين: أحدهما: أنه لم يفهم معنى الآية أنه ~~خبر عما مضى، ولم يقصد بها إثبات حكم مستقبل. الثاني: أنه لم يعلم أن ذلك ~~الأمن قد ذهب، وأن القتل والقتال قد وقع بعد ذلك فيها، وخبر الله سبحانه لا ~~يقع بخلاف مخبره؛ فدل على أنه في القاضي. # هذا وقد ناقض أبو حنيفة فقال: إنه لا يطعم ولا يسقى ولا يعامل ولا يكلم ~~حتى يخرج، فاضطراره إلى الخروج ليس يصح معه أمن. وروي عنه أنه قال: يقع ~~القصاص في الأطراف في الحرم، ولا أمن أيضا مع هذا، وقد مهدناه في مسائل ~~الخلاف. ### | [مسألة أمان من دخل الحرم] # المسألة السادسة: قال بعضهم: من دخله كان آمنا من النار؛ ولا يصح هذا على ~~عمومه، ولكنه «من # PageV01P373 # حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ms0258 ولدته أمه»، «والحج المبرور ليس ~~له جزاء إلا الجنة». قال ذلك كله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فيكون ~~تفسيرا للمقصود، وبيانا لخصوص العموم، إن كان هذا القصد صحيحا. هذا، ~~والصحيح ما قدمناه من أنه قصد به تعديد النعم على من كان بها جاهلا ولها ~~منكرا من العرب، كما قال تعالى: {أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف ~~الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون} [العنكبوت: 67]. ### | [الآية الخامسة عشرة قوله تعالى ولله على الناس حج البيت] # من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} [آل عمران: 97] ~~فيها إحدى عشرة مسألة: # المسألة الأولى: قال علماؤنا: هذا من أوكد ألفاظ الوجوب عند العرب، إذا ~~قال العربي: لفلان علي كذا فقد وكده وأوجبه. قال علماؤنا: فذكر الله سبحانه ~~الحج بأبلغ ألفاظ الوجوب؛ تأكيدا لحقه، وتعظيما لحرمته، وتقوية لفرضه. ### | [مسألة الحج عند العرب قبل الإسلام] # المسألة الثانية: كان الحج معلوما عند العرب مشروعا لديهم، فخوطبوا بما ~~علموا وألزموا ما عرفوا، وقد حج النبي - صلى الله عليه وسلم - معهم قبل فرض ~~الحج؛ فوقف بعرفة ولم يغير من شرع إبراهيم ما غيروا حيث كانت قريش تقف ~~بالمزدلفة، ويقولون: نحن أهل الحرم فلا نخرج منه ونحن الحمس. # PageV01P374 ### | [مسألة ركن الحج] # المسألة الثالثة: هذا يدل على أن ركن الحج القصد إلى البيت. وللحج ركنان: ~~أحدهما: الطواف بالبيت. # والثاني: الوقوف بعرفة: لا خلاف في ذلك، وكل ما وراءه نازل عنه مختلف ~~فيه. فإن قيل: فأين الإحرام، وهو متفق عليه؟ قلنا: هو النية التي تلزم كل ~~عبادة، وتتعين في كل طاعة، وكل عمل خلافها لم يكن به اعتداد؛ فهي شرط لا ~~ركن. ### | [مسألة توجه الخطاب على المكلفين بفرض] # المسألة الرابعة: قال علماؤنا: إذا توجه الخطاب على المكلفين بفرض، هل ~~يكفي فيه فعله مرة واحدة، أو يحمل على التكرار؟ وقد بيناه في أصول الفقه ~~دليلا ومذهبا. # والمختار أنه يقتضي فعله مرة واحدة، وقد ثبت «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال له أصحابه: يا رسول الله؛ أحجنا ms0259 هذا لعامنا أم للأبد؟ فقال: لا، ~~بل لأبد الأبد». رواه جماعة منهم علي؛ قال: لما نزلت: ولله على الناس حج ~~البيت قالوا: «يا رسول الله؛ أوفي كل عام؟ قال: لا ولو قلت: نعم، لوجبت». # وروى محمد بن زياد، عن أبي هريرة: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فقال: «إن الله سبحانه كتب عليكم الحج». فقال محصن الأسدي: أفي كل عام يا ~~رسول الله؟ قال: «أما إني لو قلت نعم لوجبت، ثم لو تركتم لضللتم؟ اسكتوا ~~عني ما سكت عنكم، إنما # PageV01P375 # هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم» فأنزل الله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} ~~[المائدة: 101] # المسألة الخامسة: إذا ثبت أنه لا يتعين لامتثال الخطاب إلا فعلة واحدة من ~~الفعل المأمور به فقد اختلف العلماء؛ هل هي على الفور أم هي مسترسلة على ~~الزمان إلى خوف الفوت؟ ذهب جمهور البغداديين إلى حملها على الفور. ويضعف ~~عندي. واضطربت الروايات عن مالك في مطلقات ذلك. والصحيح عندي من مذهبه أنه ~~لا يحكم فيه بفور ولا تراخ كما تراه؛ وهو الحق، وقد بيناه في أصول الفقه. ### | [مسألة قوله تعالى على الناس] # المسألة السادسة: قوله تعالى: {على الناس} [آل عمران: 97] عام في جميعهم، ~~مسترسل على جميعهم من غير خلاف بين الأمة في هذه الآية، وإن كان الناس قد ~~اختلفوا في مطلق العمومات، بيد أنهم اتفقوا على حمل هذه الآية على جميع ~~الناس ذكرهم وأنثاهم، خلا الصغير فإنه خارج بالإجماع عن أصول التكليف، فلا ~~يقال فيه: إن الآية مخصوصة فيه، وكذا العبد لم يدخل فيها؛ لأنه أخرجه عن ~~مطلق العموم الأول قوله سبحانه في تمام الآية: {من استطاع إليه سبيلا} [آل ~~عمران: 97] والعبد غير مستطيع؛ لأن السيد يمنعه بشغله بحقوقه عن هذه ~~العبادة؛ وقد قدم الله سبحانه حق السيد على حقه رفقا بالعباد ومصلحة لهم. ~~ولا خلاف فيه بين الأمة ولا بين الأئمة، ولا نهرف بما لا نعرف، ولا دليل ~~عليه إلا الإجماع. # PageV01P376 # توجيه وتعليم ms0260 تساهل بعض علمائنا فقال: إنما لم يثبت الحج على العبد وإن ~~أذن له السيد لأنه كان كافرا في الأصل، ولم يكن حج الكافر معتدا به، فلما ~~ضرب عليه الرق ضربا مؤبدا لم يخاطب بالحج، وهذا فاسد فاعلموه من ثلاثة ~~أوجه: أحدها: أن الكفار عندنا مخاطبون بفروع الشريعة، ولا خلاف فيه في قول ~~مالك وإن خفي ذلك على الأصحاب. # الثاني: أن الكفر قد ارتفع بالإسلام فوجب ارتفاع حكمه. # الثالث: أن سائر العبادات تلزمه من صلاة وصوم مع كونه رقيقا، ولو فعلها ~~في حال الكفر لم يعتد بها، فوجب أن يكون الحج مثله؛ فتبين أن المعتمد ما ~~ذكرنا من تقدم حقوق السيد. ### | [مسألة السبيل في الحج] # المسألة السابعة: قال جماعة من فقهاء الأمصار، منهم أبو حنيفة والشافعي ~~وعبد العزيز بن أبي سلمة: السبيل: الزاد والراحلة، ورفعوا في ذلك حديثا إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يصح إسناده، وقد بيناه في مسائل الخلاف. ~~وهو أيضا يبعد معنى فإنه لو قال: الاستطالة الزاد والراحلة لكان أولى في ~~النفس، فإن السبيل في اللغة هي الطريق، والاستطاعة ما يكسب سلوكها، وهي صحة ~~البدن ووجود القوت لمن يقدر على المشي، ومن لم يقدر على المشي فالركوب ~~زيادة على صحة البدن ووجود القوت. # وقد روى ابن القاسم، وأشهب، وابن وهب عن مالك أنه سئل عن هذه الآية فقال: ~~" الناس في ذلك على طاقتهم ويسرهم وجلدهم ". قال أشهب: أهو الزاد والراحلة؟ ~~قال: لا والله، وما ذلك إلا قدر طاقة الناس، وقد يجد الزاد والراحلة ولا ~~يقدر على السير، وآخر يقدر أن يمشي على رجليه، ولا صفة في ذلك أبين مما ~~أنزل الله، وهذا بالغ في البيان منه. # PageV01P377 # وقال علماؤنا: لو صح حديث الخوزي: الزاد والراحلة لحملناه على عموم ~~الناس، والغالب منهم في الأقطار البعيدة، وخروج مطلق الكلام على غالب ~~الأحوال كثير في الشريعة، وفي كلام العرب وأشعارها. ### | [مسألة الاستطاعة في الحج] # المسألة الثامنة: إذا وجدت الاستطاعة توجه فرض الحج بلا خلاف إلا أن تعرض ~~له آفة، والآفات أنواع: ms0261 منها الغريم يمنعه من الخروج حتى يؤدي الدين، ولا ~~خلاف فيه. ومن كان له أبوان، أو من كان لها من النساء زوج، فاختلف العلماء ~~فيهم. # واختلف قول مالك كاختلافهم. والصحيح في الزوج أنه يمنعها لا سيما إذا ~~قلنا: إن الحج لا يلزم على الفور، وإن قلنا إنه على الفور فحق الزوج مقدم، ~~وأما الأبوان فإن كانا منعاه لأجل الشوق والوحشة فلا يلتفت إليه، وإن كان ~~خوف الضيعة وعدم العوض في التلطف فلا سبيل له إلى الحج؛ وذلك مبين في مسائل ~~الفقه. ### | [مسألة حج المريض والمغصوب] # المسألة التاسعة: إن كان مريضا أو مغصوبا لم يتوجه عليه المسير إلى الحج ~~بإجماع من الأمة؛ فإن الحج إنما فرضه الله على المستطيع إجماعا؛ والمريض ~~والمغصوب لا استطاعة لهما؛ فإن رووا أن الصحيح قد تضمن عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله على عباده في ~~الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: ~~نعم، حجي عنه. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أرأيت لو كان على أبيك ~~دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم قال: فدين الله أحق أن يقضى». # PageV01P378 # وقد قال بهذا الحديث جماعة من المتقدمين، واختاره الشافعي من المتأخرين، ~~وأبى ذلك الحنفية والمالكية، وهم فيه أعدل قضية؛ فإن مقصود الحديث الحث على ~~بر الوالدين والنظر في مصالحهم دينا ودنيا، وجلب المنفعة إليهما جبلة وشرعا ~~فإنه رأى من المرأة انفعالا بينا، وطواعية ظاهرة، ورغبة صادقة في بر أبيها، ~~وتأسفت أن تفوته بركة الحج، ويكون عن ثواب هذه العبادة بمعزل، وطاعت بأن ~~تحج عنه؛ فأذن لها النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه. # وكأن في هذا الحديث جواز حج الغير عن الغير؛ لأنها عبادة بدنية مالية، ~~والبدن وإن كان لا يحتمل النيابة فإن المال يحتملها فروعي في هذه العبادة ~~جهة المال، وجازت فيه النيابة. وقد صرح النبي - صلى الله عليه وسلم - بجواز ~~النيابة في غير هذا الموضع، وضرب المثل بأنه لو كان على أبيها ms0262 دين عبد لسعت ~~في قضائه، فدين الله أحق بالقضاء، إن كان لا يلزمها تخليصه من مأثم الدين ~~وعار الاقتضاء، فدين الله أحق بالقضاء؛ وهذه الكلمة أقوى ما في الحديث، ~~فإنه جعله دينا، ولكن لم يرد به هذا الشخص المخصوص، فإنما أراد به دين الله ~~إذا وجب فهو أحق بالقضاء، والتطوع به أولى من الابتداء. # والدليل على أن الحج في هذا الحديث ليس بفرض ما صرحت به المرأة في قولها: ~~" إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت ~~على الراحلة " وهذا تصريح بنفي الوجوب ومنع الفريضة، ولا يجوز ما انتفى في ~~أول الحديث قطعا أن يثبت في آخره ظنا. يحققه أن دين الله أحق أن يقضى ليس ~~على ظاهره بإجماع؛ فإن دين العبد أولى بالقضاء، وبه يبدأ إجماعا لفقر ~~الآدمي واستغناء الله تعالى، فيتعين الغرض الذي أشرنا إليه، وهو تأكيد ما ~~ثبت في النفس من البر حياة وموتا وقدرة وعجزا، والله أعلم. # PageV01P379 ### | [مسألة وهب أباه أو أجنبيا مالا للحج] # المسألة العاشرة: إذا لم يكن للمكلف قوت يتزوده في الطريق لم يلزمه الحج ~~إجماعا، وإن وهب له أجنبي مالا يحج به لم يلزمه قبوله إجماعا، ولو كان رجل ~~وهب أباه مالا قال الشافعي: يلزمه قبوله؛ لأن ابن الرجل من كسبه ولا منة ~~عليه في ذلك منه، لأن الولد يجازي الوالد عن نعمه لا يبتدئه بعطية. قال ~~مالك وأبو حنيفة: لا يلزمه قبوله؛ لأن هبة الولد لو كانت جزاء لقضي بها ~~عليه قبل أن يتطوع بها، ثم إن لم تكن فيه منة ففيه سقوط الحرمة وحق الأبوة؛ ~~لأنه نوع منه؛ لأنه لا يقال قد جزاه وقد وفاه. ### | [مسألة حج الأعمى] # المسألة الحادية عشرة: لا يسقط فرض الحج عن الأعمى لإمكان وصوله إلى ~~البيت محمولا؛ فيحصل له وصف الاستطاعة، كما يحصل له فرض الجمعة بوجود قائد ~~إليها، ويلزم السعي لقضائها. ### | [الآية السادسة عشرة قوله تعالى واعتصموا بحبل الله جميعا] # ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم ms0263 أعداء فألف بين قلوبكم ~~فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين ~~الله لكم آياته لعلكم تهتدون} [آل عمران: 103] فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: الحبل: لفظ لغوي ينطلق على معان كثيرة؛ أعظمها السبب ~~الواصل بين شيئين. وهو هاهنا مما اختلف العلماء فيه؛ فمنهم من قال: هو عهد ~~الله، وقيل: كتابه، وقيل: دينه. # وقد روى الأئمة في الصحيح أن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فذكر له حديث رؤيا الظلة التي تنطف عسلا وسمنا، وفيه قال: «ورأيت شيئا ~~واصلا من السماء # PageV01P380 # إلى الأرض» الحديث إلى آخره، وعبر الصديق بحضرته - عليه السلام - فقال: ~~وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فهو الحق الذي أنت عليه، فضرب الله ~~تعالى على يدي ملك الرؤيا مثلا للحق الذي بعث به الأنبياء بالحبل الواصل ~~بين السماء والأرض، وهذا لأنهما جميعا ينيران بمشكاة واحدة. # المسألة الثانية: إذا ثبت هذا فالأظهر أنه كتاب الله، فإنه يتضمن عهده ~~ودينه. ### | [مسألة الاختلاف والتفرق المنهي عنه] # المسألة الثالثة: التفرق المنهي عنه يحتمل ثلاثة أوجه: الأول: التفرق في ~~العقائد لقوله تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك ~~وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} ~~[الشورى: 13] # الثاني: قوله - عليه السلام -: «لا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا ~~وكونوا عباد الله إخوانا»، ويعضده قوله تعالى: {واذكروا نعمت الله عليكم إذ ~~كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا} [آل عمران: 103] # الثالث: ترك التخطئة في الفروع والتبري فيها، وليمض كل أحد على اجتهاده؛ ~~فإن الكل بحبل الله معتصم، وبدليله عامل؛ وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: ~~«لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة»؛ فمنهم من حضرت العصر فأخرها ~~حتى بلغ بني قريظة أخذا بظاهر قول النبي - صلى الله عليه وسلم -. ومنهم من ~~قال: لم يرد هذا منا يعني وإنما أراد الاستعجال فلم يعنف النبي - عليه ~~السلام - أحدا منهم. # PageV01P381 # والحكمة في ذلك أن الاختلاف والتفرق المنهي عنه إنما ms0264 هو المؤدي إلى ~~الفتنة والتعصب وتشتيت الجماعة؛ فأما الاختلاف في الفروع فهو من محاسن ~~الشريعة. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله ~~أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد». وروي أن له إن أصاب عشرة أجور. ### | [مسألة صلاة المتنفل خلف المفترض والعكس] # المسألة الرابعة: قال بعض علمائنا: قوله {ولا تفرقوا} [آل عمران: 103] ~~دليل على أنه لا يصلي المفترض خلف المتنفل؛ لأن نيتهم قد تفرقت، ولو كان ~~هذا متعلقا لما جازت صلاة المتنفل خلف المفترض؛ لأن النية أيضا قد تفرقت؛ ~~وفي الإجماع على جواز ذلك دليل على أن منزع الآية ما قدمناه لا ما تعلق به ~~هذا العالم. ### | [الآية السابعة عشرة قوله تعالى ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير] # ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} [آل عمران: 104] ~~فيها ست مسائل: # المسألة الأولى: قوله تعالى: أمة كلمة ذكر لها علماء اللسان خمسة عشر ~~معنى، وقد رأيت من بلغها إلى أربعين، منها أن الأمة بمعنى الجماعة، ومنها ~~أن الأمة الرجل الواحد الداعي إلى الحق. # PageV01P382 ### | [مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] # المسألة الثانية: في هذه الآية وفي التي بعدها وهي قوله: {كنتم خير أمة ~~أخرجت للناس} [آل عمران: 110] دليل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~فرض كفاية، ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نصرة الدين بإقامة الحجة ~~على المخالفين، وقد يكون فرض عين إذا عرف المرء من نفسه صلاحية النظر ~~والاستقلال بالجدال، أو عرف ذلك منه. # المسألة الثالثة: في مطلق قوله تعالى: {ولتكن منكم أمة} [آل عمران: 104] ~~دليل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض يقوم به المسلم، وإن لم ~~يكن عدلا، خلافا للمبتدعة الذين يشترطون في الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر العدالة. وقد بينا في كتب الأصول أن شروط الطاعات لا تثبت إلا ~~بالأدلة، وكل أحد عليه فرض في نفسه أن يطيع، وعليه فرض في دينه أن ينبه ~~غيره على ما يجهله من طاعة أو معصية، وينهاه عما يكون عليه من ذنب. وقد ~~بيناه في ms0265 الآية الأولى قبلها. ### | [مسألة ترتيب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] # المسألة الرابعة: في ترتيب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ثبت عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، ~~فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». # وفي هذا الحديث من غريب الفقه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بدأ في ~~البيان بالأخير في الفعل، وهو تغيير المنكر باليد، وإنما يبدأ باللسان ~~والبيان، فإن لم يكن فباليد. يعني أن يحول بين المنكر وبين متعاطيه بنزعه ~~وبجذبه منه، فإن لم يقدر إلا بمقاتلة وسلاح فليتركه، وذلك إنما هو إلى ~~السلطان؛ لأن شهر السلاح بين الناس قد يكون مخرجا إلى الفتنة، وآيلا إلى ~~فساد أكثر من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا أن # PageV01P383 # يقوى المنكر؛ مثل أن يرى عدوا يقتل عدوا فينزعه عنه ولا يستطيع ألا ~~يدفعه، ويتحقق أنه لو تركه قتله، وهو قادر على نزعه ولا يسلمه بحال، وليخرج ~~السلاح. وقد بيناه في موضعه. ويعني بقوله: «وذلك أضعف الإيمان» أنه ليس ~~وراءه في التغيير درجة. ### | [مسألة قتل الصائل] # المسألة الخامسة: في هذه الآية دليل على مسألة اختلف فيها العلماء؛ وهي ~~إذا رأى مسلم فحلا يصول على مسلم فإنه يلزمه أن يدفعه عنه، وإن أدى إلى ~~قتله، ولا ضمان على قاتله حينئذ؛ سواء كان القاتل له هو الذي صال عليه ~~الفحل، أو معينا له من الخلق؛ وذلك أنه إذا دفعه عنه فقد قام بفرض يلزم ~~جميع المسلمين؛ فناب عنهم فيه؛ ومن جملتهم مالك الفحل؛ فكيف يكون نائبا عنه ~~في قتل الصائل ويلزمه ضمانه؟ وقال أبو حنيفة: يلزمه الضمان؛ وقد بيناها في ~~مسائل الخلاف. ### | [مسألة تعظيم الأمة الإسلامية] # المسألة السادسة: في هذه الآية دليل على تعظيم هذه الأمة؛ وكذلك في قوله ~~سبحانه: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} [آل عمران: 110] وإشارة لتقديمها على ~~سائر الأمم. وفي الأثر ينمى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنكم تتمون ~~سبعين أمة أنتم خيرها». ### | [الآية الثامنة عشرة قوله تعالى يوم ms0266 تبيض وجوه وتسود وجوه] # } [آل عمران: 106] أورد العلماء فيه خمسة أقوال: الأول: أنهم المنافقون؛ ~~قاله الحسن. # الثاني: أنهم المرتدون؛ قاله مجاهد. # PageV01P384 # الثالث: أهل الكتاب؛ قاله الزجاج. # الرابع: أنهم جميع الكفار؛ أقروا بالتوحيد في صلب آدم ثم كفروا بعد ذلك؛ ~~قاله أبي بن كعب. # الخامس: رواه ابن القاسم عن مالك أنهم أهل الأهواء. # قال مالك: وأي كلام أبين من هذا؟ وهذا الذي قاله ممكن في معنى الآية، لكن ~~لا يتعين واحد منها إلا بدليل. والصحيح أنه عام في الجميع؛ وعلى هذا فإن ~~المبتدعة وأهل الأهواء كفار، وقد اختلف العلماء في تكفيرهم. والصحيح عندي ~~ترتيبهم، فأما القدرية فلا شك في كفرهم، وأما من عداهم فنستقرئ فيهم ~~الأدلة، ونحكم بما تقتضيه، وقد مهدنا ذلك في كتب الأصول، ففيهم نظر طويل؛. # وإذا حكمنا بكفرهم فقد قال مالك: لا يصلى على موتاهم، ولا تعاد مرضاهم. ~~قال سحنون: أدبا لهم. قال بعض الناس: وهذه إشارة من سحنون إلى أنه لا ~~يكفرهم، وليس كما زعم؛ فإن الكافر من أهل الأهواء يجب قتله؛ فإذا لم تستطع ~~قتله وجب عليك هجرته، فلا تسلم عليه، ولا تعده في مرضه، ولا تصل عليه إذا ~~مات حتى تلجئه إلى اعتقاد الحق، ويتأدب بذلك غيره من الخلق؛ فكأن سحنون ~~قال: إذا لم تقدر على قتله فأدبه. وقد سئل مالك: هل تزوج القدرية؟ فقال: قد ~~قال الله تعالى: {ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم} [البقرة: 221] ### | [الآية التاسعة عشرة قوله تعالى ليسوا سواء من أهل الكتاب] # أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون} [آل عمران: 113] # PageV01P385 # قال ابن وهب: قال مالك: يعني: قائمة بالحق، يريد قولا وفعلا؛ فيعود ~~الكلام إلى الآية المتقدمة: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير} [آل عمران: ~~104]. # وقد اتفق المفسرون أنها نزلت فيمن أسلم من أهل الكتاب، وعليه يدل ظاهر ~~القرآن؛ ومفتتح الكلام نفي المساواة بين من أسلم منهم وبين من بقي منهم على ~~الكفر، إلا أنه روي عن ابن مسعود أن معناه نفي المساواة بين أهل الكتاب ~~وأمة محمد ms0267 - صلى الله عليه وسلم -. وقد روي عن ابن عباس أنها نزلت في عبد ~~الله بن سلام ومن أسلم معه من أهل الكتاب. # وقوله: {ليسوا سواء} [آل عمران: 113] تمام كلام، ثم ابتدأ الكلام بوصف ~~المؤمنين بالإيمان والقرآن والصلاة؛ وهذه الخصال هي من شعائر الإسلام، لا ~~سيما الصلاة وخاصة في الليل وقت الراحة. وقيل: إنها الصلاة مطلقا. وقيل: ~~إنها صلاة المغرب والعشاء الآخرة. # قال ابن مسعود: خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة وقد أخر الصلاة ~~فمنا المضطجع. ومنا المصلي؛ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنه لا ~~يصلي أحد من أهل الأرض هذه الصلاة غيركم». والصحيح أنه في الصلاة مطلقا. ~~وعن أبي موسى عنه - عليه السلام -: «ما من أحد من الناس يصلي هذه الساعة ~~غيركم». وهذه في العتمة تأكيد للتخصيص وتبيين للتفضيل. # PageV01P386 ### | [الآية الموفية عشرين قوله تعالى يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم] # الآية الموفية عشرين قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة ~~من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما ~~تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون} [آل عمران: 118] قد ~~تقدم بيانها في قوله تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون ~~المؤمنين} [آل عمران: 28] فيها مسألتان: # المسألة الأولى: لا خلاف بين علمائنا أن المراد به النهي عن مصاحبة ~~الكفار من أهل الكتاب، حتى نهى عن التشبه بهم. قال أنس: قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لا تستضيئوا بنار أهل الشرك، ولا تنقشوا في خواتيمكم ~~عربيا». فلم ندر ما قال حتى جاء الحسن فقال: لا تستضيئوا: لا تشاوروهم في ~~شيء من أموركم. ومعنى لا تنقشوا عربيا: لا تنقشوا: محمد رسول الله. قال ~~الحسن: وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~بطانة من دونكم} [آل عمران: 118] الآية. وقد صح عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - النهي عن التشبه بالأعاجم. ### | [مسألة شهادة العدو على عدوه] # المسألة الثانية: حسنة، وهي أن شهادة العدو على عدوه ms0268 لا تجوز، لقوله ~~تعالى: {قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر} [آل عمران: 118] # PageV01P387 # وبذلك قال أهل المدينة وأهل الحجاز. وقال أبو حنيفة: تجوز شهادة العدو ~~على عدوه، والاعتراضات والانفصالات قد مهدناها في مسائل الخلاف. ### | [الآية الحادية والعشرون قوله تعالى بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم] # هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين} [آل عمران: 125] فيها ~~خمس مسائل: # المسألة الأولى: قيل نزلت يوم أحد، وقيل يوم بدر، والصحيح يوم بدر، وعليه ~~يدل ظاهر الآية. ### | [مسألة أول أمر الصوف يوم بدر] # المسألة الثانية: قال علماؤنا: أول أمر الصوف يوم بدر قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «تسوموا فإن الملائكة قد تسومت»، وكان على الزبير ذلك ~~اليوم عمامة صفراء، فنزلت الملائكة ذلك اليوم على صفته؛ نزلوا عليهم عمائم ~~صفر، وقد طرحوها بين أكتافهم. وقال ابن عباس: نزلت الملائكة مسومين بالصوف؛ ~~فأمر محمد - صلى الله عليه وسلم - أصحابه فسوموا أنفسهم وخيلهم بالصوف. ~~وقال مجاهد: جاءت الملائكة مجزوزة أذناب خيلهم ونواصيها. ### | [مسألة الاشتهار بالعلامة في الحرب] # المسألة الثالثة: الاشتهار بالعلامة في الحرب سنة ماضية، وهي هيئة باهية ~~قصد بها الهيبة على العدو، والإغلاظ على الكفار، والتحريض للمؤمنين. ~~والأعمال بالنيات. وهذا من باب الجليات لا يفتقر إلى برهان. # PageV01P388 ### | [مسألة لباس الثوب الأصفر] # المسألة الرابعة: هذا يدل على لباس الثوب الأصفر وحسنه، ولولا ذلك لما ~~نزلت الملائكة به. وقد قال ابن عباس: من لبس نعلا أصفر قضيت حاجته. ولم يصح ~~عندي فانظر فيه، غير أن المفسرين قالوا: إن الله قضى حاجة بني إسرائيل على ~~بقرة صفراء. ### | [مسألة جز النواصي والأذناب للخيل في الغزو] # المسألة الخامسة: أما قول مجاهد في جز النواصي والأذناب فضعيف لم يصح؛ ~~كيف وقد قال النبي - عليه السلام - في الخبر الصحيح: «الخيل معقود بنواصيها ~~الخير إلى يوم القيامة الأجر والمغنم». وهذا إن صح تعضده المشاهدة فيها. ~~والله أعلم. ### | [الآية الثانية والعشرون قوله تعالى وشاورهم في الأمر] # } [آل عمران: 159] فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: أن المشاورة هي الاجتماع على الأمر ليستشير ms0269 كل واحد منهم ~~صاحبه ويستخرج ما عنده، من قولهم: شرت الدابة أشورها إذا رضتها لتستخرج ~~أخلافها. ### | [مسألة في ماذا تقع الاستشارة] # المسألة الثانية: في ماذا تقع الإشارة؟: قال علماؤنا: المراد به ~~الاستشارة في الحرب، ولا شك في ذلك؛ لأن الأحكام لم يكن لهم فيها رأي بقول، ~~وإنما هي بوحي مطلق من الله عز وجل، أو باجتهاد من النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - على من يجوز له الاجتهاد. # وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في حديث الإفك حين خطب: ~~«أشيروا علي في أناس أبنوا أهلي، والله ما علمت على أهلي إلا خيرا» يعني ~~بقوله " أبنوهم " عيروهم. # PageV01P389 # ولم يكن هذا من النبي - صلى الله عليه وسلم - سؤالا لهم عن الواجب، وإنما ~~أراد أن يستخرج ما عندهم من التعصب لهم وإسلامهم إلى الحق الواجب عليهم؛ ~~«فقال له رجل من الأنصار، من الأوس: يا رسول الله؛ أنا أعذرك منه إن كان من ~~الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا فيه بأمرك. فقام ~~سعد بن عبادة سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن اجتهلته الحمية، ~~فقال لذلك الأوسي: كذبت، لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله. فقام أسيد ~~بن حضير، وهو ابن عم الأوسي المتكلم أولا، فقال لسعد بن عبادة: كذبت، لعمر ~~الله لنقتلنه؛ فإنك رجل منافق تجادل عن المنافقين، فتثاور الحيان الأوس ~~والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم على ~~المنبر؛ فلم يزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخفضهم حتى سكتوا». ~~وكانت هذه فائدة لمن بعده ليستن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~المشاورة. # وقد روى أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: «لما كان يوم بدر ~~جيء بالأسارى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما تقولون في هؤلاء ~~الأسارى؟ فذكر في الحديث قصة طويلة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: لا ينفلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضرب عنق. قال عبد الله بن ms0270 مسعود: فقلت: ~~يا رسول الله، إلا سهيل ابن بيضاء فإني قد سمعته يذكر الإسلام، فسكت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: فما رأيتني في يوم أخوف أن يقع علي حجارة ~~من السماء مني في ذلك اليوم، حتى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~إلا سهيل ابن بيضاء. قال: ونزل القرآن بقول عمر: {ما كان لنبي أن يكون له ~~أسرى} [الأنفال: 67]» # PageV01P390 # قال القاضي: وهذا حديث صحيح، وهو على النحو الأول أراد أن يختبر ما عندهم ~~في قرابتهم وحال أنفسهم فيما يفعل بهم. ### | [مسألة المراد بقوله تعالى وشاورهم في الأمر] # المسألة الثالثة: المراد بقوله: {وشاورهم في الأمر} [آل عمران: 159] جميع ~~أصحابه؛ ورأيت بعضهم قال: المراد به أبو بكر وعمر. ولعمر الله إنهم أهل ~~لذلك وأحق به، ولكن لا يقصر ذلك عليهم، فقصره عليهم دعوى. وقد ثبت في السير ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه: «أشيروا علي في المنزل. ~~فقال الحباب بن المنذر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أرأيت هذا ~~المنزل، أمنزل أنزلكه الله؟ فليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخره أم هو الرأي ~~والحرب والمكيدة؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: بل هو الرأي ~~والحرب والمكيدة. قال: فإن هذا ليس بمنزل؛ انطلق بنا إلى أدنى ماء القوم» ~~إلى آخره. ### | [الآية الثالثة والعشرون قوله تعالى وما كان لنبي أن يغل] # ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} [آل عمران: 161] فيها ثماني مسائل: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: وفيها ثلاث أقوال: الأول: روي أن قوما من ~~المنافقين اتهموا النبي - صلى الله عليه وسلم - بشيء من المغانم، وروي أن ~~قطيفة حمراء فقدت، فقال قوم: لعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذها، ~~وأكثروا في ذلك، فأنزل الله سبحانه الآية. # PageV01P391 # الثاني: أن قوما غلوا من المغنم أو هموا فأنزل الله الآية فيما هموا ~~ونهاهم عن ذلك، رواه الترمذي. # الثالث: نهى الله أن يكتم شيئا من الوحي. والصحيح هو القول الثاني. ### | [مسألة حقيقة الغلول] # المسألة الثانية: في حقيقة الغلول: اعلموا وفقكم ms0271 الله أن غل ينصرف في ~~اللغة على ثلاثة معان: الأول: خيانة مطلقة. # الثاني: في الحقد، يقال في الأول تغل بضم الغين، وفي الثاني يغل بكسر ~~الغين. # الثالث: أنه خيانة الغنيمة؛ وسمي بذلك لوجهين: أحدهما لأنه جرى على خفاء. ~~الثاني: قال ابن قتيبة: كان أصله من خان فيه إذا أدخله في متاعه فستره فيه. ~~ومنه الحديث: «لا إغلال ولا إسلال». وفيه تفسيران: أحدهما: أن الإغلال ~~خيانة المغنم، والإسلال: السرقة مطلقة. الثاني: أن الإغلال والإسلال ~~السرقة. والصحيح عندي أن الإغلال خيانة المغنم والإسلال سرقة الخطف من حيث ~~لا تشعر، كما يفعل سودان مكة اليوم. # المسألة الثالثة: في القراءات: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم يغل بضم ~~الغين، وفتحها الباقون، وهما صحيحتان قراءة ومعنى. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وما كان لنبي أن يغل] # المسألة الرابعة: في معنى الآية: فأما من قرأها بضم الغين فمعناه: ما كان ~~لنبي أن يخون في مغنم فإنه ليس بمتهم. ولا في وحي، فإنه ليس بظنين ولا ~~ضنين، أي ليس بمتهم عليه ولا بخيل فيه، فإنه إذا # PageV01P392 # كان أمينا حريصا على المؤمنين فكيف يخون وهو يأخذ ما أحب من رأس الغنيمة ~~ويكون له فيه سهم الصفي؛ إذا كان له أن يصطفي من رأس الغنيمة ما أراد، ثم ~~يأخذ الخمس وتكون القسمة بعد ذلك؟ فما كان ليفعل ذلك كرامة أخلاق وطهارة ~~أعراق، فكيف مع مرتبة النبوة وعصمة الرسالة. ومن قرأ يغل بنصب الغين فله ~~أربعة معان: الأول: يوجد غالا، كما تقول: أحمدت فلانا. # الثاني: ما كان لنبي أن يخونه أحد، وقد روي أن هذا تلي على ابن عباس، ~~وفسر بهذا علي وابن مسعود. فقال: نعم ويقتل. وهذا لا يصح عندنا؛ فإن باعه ~~في العلم والتفسير لا يبوعه أحد من الخلق، فإنه ليس المعنى بقوله: وما كان ~~لنبي أن يغل بفتح الغين، أن يخونه أحد وجودا، إنما المراد به أن يخونه أحد ~~شرعا، نعم يكون ذلك فيهم فجورا وتعديا، وخص النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بالذكر تعظيما لقدره، وإن كان غيره ms0272 أيضا لا يجوز أن يخون، ولكن هو أعظم ~~حرمة. # الثالث: ما كان لنبي أن يتهم فإنه مبرأ من ذلك، وهذا يدل على بطلان قول ~~من قال: إن شيطانا لبس على النبي - صلى الله عليه وسلم - الوحي وجاءه في ~~صورة ملك، وهذا باطل قطعا. وقد بيناه في المشكلين، وخصصناه برسالة سميناها ~~بكتاب " تنبيه الغبي على مقدار النبي " وسنذكرها في سورة الحج إن شاء الله ~~تعالى. # الرابع: ما كان لنبي أن يغل بفتح الغين، ولا يعلم، وإنما يتصور ذلك في ~~غير النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ أما النبي - صلى الله عليه وسلم - فإذا ~~خانه أحد أطلعه الله سبحانه عليه. وهذا أقوى وجوه هذه الآية؛ فقد ثبت في ~~الصحيح «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان على ثقله رجل يقال له كركرة ~~فمات، فقال النبي - عليه السلام -: هو في النار» فذهبوا ينظرون إليه فوجدوه ~~قد غل عباءة. # PageV01P393 # وقد روى أبو داود وغيره، في الموطأ أن رجلا أصيب يوم خيبر فذكروه لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «صلوا على صاحبكم» فتغيرت وجوه القوم. ~~فقال - صلى الله عليه وسلم -: «والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم ~~خيبر لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا». وفي رواية فقال: «إن صاحبكم قد ~~غل في سبيل الله ففتشنا متاعه فوجدنا خرزا من خرز يهود ما يساوي درهمين». ### | [مسألة قوله تعالى ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة] # المسألة الخامسة: قوله تعالى {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} [آل ~~عمران: 161] روى البخاري وغيره عن أبي هريرة قال: قام فينا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - خطيبا فذكر الغلول وعظمه، وقال: «لا ألفين أحدكم يوم ~~القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، وعلى رقبته فرس لها حمحمة يقول: يا رسول ~~الله، أغثني. فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد بلغت» الحديث. ### | [مسألة إذا وجد المغلول] # المسألة السادسة: إذا غل الرجل في المغنم فوجدناه أخذناه منه وأدبناه ~~خلافا للأوزاعي وأحمد وإسحاق من الفقهاء، وللحسين من التابعين، حيث قالوا: ~~يحرق ms0273 رحله إلا الحيوان والسلاح. قال الأوزاعي: إلا السرج، والإكاف؛ لحديث ~~أبي داود عن ابن عمر، عن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ قال: «إذا ~~وجدتم الرجل قد غل فأحرقوا متاعه واضربوه». رواه أبو داود عن عبد العزيز بن ~~محمد بن أبي زائدة عن سالم عن أبيه عن عمر. ورواه # PageV01P394 # ابن الجارود والدارقطني نحوه. قال ابن الجارود عن الذهلي عن علي بن بحر ~~القطان عن الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده ~~فذكره. وذكر البخاري حديث كركرة المتقدم عن عبد الله بن عمر قال: ولم يذكر ~~عبد الله عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أحرق متاعه. وهذا أصح. # ويحتمل أن يكون النبي إنما لم يحرق رحل كركرة؛ لأن كركرة قد فات بالموت؛ ~~والتحريق إنما هو زجر وردع، ولا يردع من مات. والجواب أنه يردع به من بقي، ~~ويحتمل أنه كان ثم ترك، ويعضده أنه لا عقوبة في الأموال، ولكنه يؤدب ~~بجنايته لخيانته بالإجماع. ### | [مسألة اشتراك الغانمين في الغنيمة] # المسألة السابعة: قال علماؤنا: تحريم الغلول دليل على اشتراك الغانمين في ~~الغنيمة، فلا يحل لأحد أن يستأثر بشيء منها دون الآخر لثلاثة أوجه: أحدها: ~~كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - سهم الصفي. # الثاني: أن الولي يجوز له أن يأخذ من المغنم ما شاء، وهذا ركن عظيم وأمر ~~مشكل، بيانه في سورة الأنفال إن شاء الله. # الثالث: في الصحيح، واللفظ لمسلم عن عبد الله بن مغفل قال: «أصبت جرابا ~~من شحم يوم خيبر فالتزمته، وقلت: والله لا أعطي اليوم أحدا شيئا من هذا، ~~فالتفت فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتبسم». قال علماؤنا: تبسم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - دليل على أنه رأى حقا من أخذ الجراب وحقا من ~~الاستبداد به دون الناس، ولو كان ذلك لا يجوز لم يتبسم منه ولا أقره عليه، ~~لأنه لا يقر على الباطل إجماعا كما قررناه في الأصول. # PageV01P395 ### | [مسألة وطئ جارية أو سرق نصابا من الغنيمة] # المسألة ms0274 الثامنة: إذا ثبت الاشتراك في الغنيمة، فمن غصب منها شيئا أدب، ~~فإن وطئ جارية أو سرق نصابا فاختلف العلماء في إقامة الحد عليه، فرأى جماعة ~~أنه لا قطع عليه، منهم عبد الملك من أصحابنا، لأن له فيه حقا وكان سهمه ~~كالمشترك المعين. قلنا: الفرق بين المطلق والمعين ظاهر، والدليل عليه بيت ~~المال، وقد منع بيت المال، وقال: لا يقطع من سرق منه، وقد قال يقطع، وفرق ~~بينهما، فقال: إن حظه في المغنم يورث عنه وحظه في بيت المال لا يورث عنه، ~~وهي مشكلة بيناها في الإنصاف. ### | [الآية الرابعة والعشرون قوله تعالى ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله] # هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث ~~السماوات والأرض والله بما تعملون خبير} [آل عمران: 180] فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: اختلف الناس في المراد بهذه الآية على قولين: أحدهما: ~~أنهم مانعو الزكاة. الثاني: أنهم أهل الكتاب، بخلوا بما عندهم من خبر النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - وصفته؛ يروى عن ابن عباس. ### | [مسألة حقيقة البخل والشح] # المسألة الثانية: قال علماؤنا: البخل منع الواجب، والشح منع المستحب. ~~والدليل عليه الكتاب والسنة؛ أما الكتاب فقوله تعالى: {ويؤثرون على أنفسهم ~~ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} [الحشر: 9] ~~والإيثار مستحب، وسمي منعه شحا. # PageV01P396 # وأما السنة فثبت برواية الأئمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد؛ فإذا أراد المتصدق ~~أن يتصدق سبغت ووفرت حتى تجن بنانه وتعفي أثره، وإذا أراد البخيل أن يتصدق ~~تقلصت ولزمت كل حلقة مكانها، فهو يوسع ولا توسع». وهذا من الأمثال البديعة، ~~بيانه في شرح الحديث. ### | [مسألة مفاد آية ولا يحسبن الذين يبخلون] # المسألة الثالثة في المختار الصحيح: أن هذه الآية دليل على وجوب الزكاة؛ ~~لأن هذا وعيد لمانعها، والوعيد المقترن بالفعل المأمور به والمنهي عنه على ~~حسب اقتضاء الوجوب أو التحريم؛ وهذا الوعيد بالعقاب مفسر في الحديث الصحيح ms0275 ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ روى الأئمة عنه أنه قال: «ما من مال لا ~~يؤدى زكاته إلا جاء يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يأخذه بشدقيه يقول: ~~أنا مالك، أنا كنزك» ثم تلا هذه الآية: {ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم ~~الله من فضله} [آل عمران: 180] إلى آخرها. وهذا نص لا يعدل عنه إلى غيره. # أما أن القول الثاني يدخل في الآية بطريق الأولى؛ لأنه إذا منع واجبا مما ~~أخبر به صاحب الشريعة فاستحق العقاب فمنعه وقطعه لموجب الشريعة ومبلغها، ~~وشارحها أولى بوجوب العقاب وتضعيفه. ### | [الآية الخامسة والعشرون الذين يذكرون الله قياما وقعودا] # وعلى جنوبهم} [آل عمران: 191] فيها ثلاث مسائل: # PageV01P397 # المسألة الأولى: فيها أربعة أقوال: الأول: الذين يذكرون الله في الصلاة ~~المشتملة على قيام وقعود ومضطجعين على جنوبهم. # الثاني: أنها في المريض الذي تختلف أحواله بحسب استطاعته؛ قاله ابن ~~مسعود. # الثالث: أنه الذكر المطلق. # الرابع: قاله ابن فورك: المعنى قياما بحق الذكر وقعودا عن الدعوى فيه. # المسألة الثانية: في الأحاديث المناسبة لهذا المعنى، وهي خمسة: الأول: ~~روى الأئمة عن ابن عباس قال: «بت عند خالتي ميمونة وذكر الحديث إلى قوله: ~~فاستيقظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجعل يمسح النوم عن وجهه، ويقرأ: ~~{إن في خلق السماوات والأرض} [آل عمران: 190] العشر الآيات». # الثاني: روى البخاري وأبو داود والنسائي وغيرهم «عن عمران بن حصين أنه ~~كان به باسور، فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: صل قائما، فإن لم ~~تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب». # الثالث: روى الأئمة منهم مسلم «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يذكر ~~الله على كل أحيانه.» # الرابع: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يحجزه عن قراءة القرآن ~~شيء ليس الجنابة». # الخامس: روى أبو داود «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أسن وحمل ~~اللحم اتخذ عمودا في مصلاه يعتمد عليه». # PageV01P398 # المسألة الثالثة: الصحيح أن الآية عامة في كل ذكر، وقد روي عن مالك: من ~~قدر صلى قائما، فإن لم يقدر صلى ms0276 معتمدا على عصا، فإن لم يقدر صلى جالسا، ~~فإن لم يقدر صلى نائما على جنبه الأيمن، فإن لم يقدر صلى على جنبه الأيسر ~~وروي على ظهره. والصحيح الجنب، واختلف قول مالك فيه، وما وافق الحديث فيه ~~أولى، وهو مبين في المسائل. ### | [الآية السادسة والعشرون قوله تعالى يأيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا] # الآية السادسة والعشرون قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ~~ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون} [آل عمران: 200] فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: في شرح ألفاظها: الصبر: عبارة عن حبس النفس عن شهواتها، ~~والمصابرة: إدامة مخالفتها في ذلك؛ فهي تدعو وهو ينزع. والمرابطة: العقد ~~على الشيء حتى لا يبخل فيعود إلى ما كان صبر عنه. # المسألة الثانية: في الأقوال: فيها ثلاثة أقوال: # الأول: اصبروا على دينكم، وصابروا وعدي لكم، ورابطوا أعداءكم. # الثاني: اصبروا على الجهاد، وصابروا العدو، ورابطوا الخيل. # الثالث: مثله إلا قوله: رابطوا فإنه أراد بذلك رابطوا الصلوات. # المسألة الثالثة: في حقيقة ذلك: وهو أن الصبر: حبس النفس عن مكروهها ~~المختص بها والمصابرة: حمل مكروه يكون بها وبغيرها؛ الأول كالمرض، والثاني ~~كالجهاد. # PageV01P399 # والرباط: حمل النفس على النية الحسنة والجسم على فعل الطاعة، ومن أعظمه ~~ارتباط الخيل في سبيل الله، وارتباط النفس على الصلوات، على ما جاء في ~~الحديث الصحيح قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الخيل ثلاثة: لرجل ~~أجر ولرجل ستر وعلى رجل وزر؛ فأما الذي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله ~~فأطال لها في مرج أو روضة، فما أصابت في طيلها ذلك من المرج أو الروضة كانت ~~له حسنات. ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقيها كان ذلك حسنات ~~فهي له أجر». وذكر الحديث. وقال - عليه السلام -: «ألا أدلكم على ما يمحو ~~الله به الخطايا ويرفع به الدرجات: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا ~~إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، ~~فذلكم الرباط ثلاثا». فبين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أولاه وأفضله ~~في نوعي الطاعة المتعدي ms0277 بالمنفعة إلى الغير وهو الأفضل، وإلزام المختص ~~بالفاعل وهو دونه، وبعد ذلك تتفاضل العقائد والأعمال بحسب متعلقاتها، وليس ~~ذلك من الأحكام فنفيض منه. # PageV01P400 ### | [سورة النساء فيها إحدى وستون آية] ### | [الآية الأولى واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام] # الآية الأولى قوله تعالى: {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام} ~~[النساء: 1] المعنى: اتقوا الله أن تعصوه، واتقوا الأرحام أن تقطعوها. ومن ~~قرأ والأرحام فقد أكدها حتى قرنها بنفسه. # وقد اتفقت الملة أن صلة ذوي الأرحام واجبة وأن قطيعتها محرمة، وثبت «أن ~~أسماء بنت أبي بكر قالت: إن أمي قدمت علي راغبة وهي مشركة أفأصلها؟ قال: ~~نعم، صلي أمك». فلتأكيدها دخل الفضل في صلة الرحم الكافرة، فانتهى الحال ~~بأبي حنيفة وأصحابه إلى أن يقولوا: إن ذوي الأرحام يتوارثون، ويعتقون على ~~من اشتراهم من ذوي رحمهم، لحرمة الرحم وتأكيدا للبعضية، وعضد ذلك بما رواه ~~أبو هريرة وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من ملك ذا رحم محرم ~~فهو حر». # PageV01P401 # قال علماؤنا: وما بينهم من تعصبة وما يجب للرحم عليهم من صلة معلوم عقلا ~~مؤكد شرعا، لكن قضاء الميراث قد أحكمته السنة والشريعة، وبينت أعيان ~~الوارثين، ولو كان لهم في الميراث حظ لفصل لهم، أما الحكم بالعتق فقد ~~نقضوه، فإنهم لم يعلقوه بالرحم المطلقة حسبما قضى ظاهر القرآن، وإنما ~~أناطوه برحم المحرمية؛ وذلك خروج عن ظاهر القرآن وتعلق بإشارة الحديث. وقد ~~تكلمنا على ذلك في مسائل الخلاف بما نكتته أنه عموم خصصناه في الآباء ~~والأولاد والإخوة على أحد القولين، بدليل المعنى المقرر هنالك. ### | [الآية الثانية قوله تعالى وآتوا اليتامى أموالهم] # ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا ~~كبيرا} [النساء: 2] فيها ست مسائل: # المسألة الأولى: قوله تعالى: {وآتوا} [النساء: 2] معناه وأعطوا، أي ~~مكنوهم منها، واجعلوها في أيديهم، وذلك لوجهين: أحدهما: إجراء الطعام ~~والكسوة؛ إذ لا يمكن إلا ذلك لمن لا يستحق الأخذ الكلي والاستبداد. الثاني ~~رفع اليد عنها بالكلية، وذلك عند الابتلاء والإرشاد. # المسألة الثانية: قوله اليتامى: وهو عند العرب ms0278 اسم لكل من لا أب له من ~~الآدميين حتى يبلغ الحلم، فإذا بلغه خرج عن هذا الاسم، وصار في جملة ~~الرجال. وحقيقة اليتم الانفراد؛ فإن رشد عند البلوغ واستقل بنفسه في النظر ~~لها، والمعرفة بمصالحها، والنظر بوجود الأخذ والإعطاء منها زال عنه اسم ~~اليتم ومعناه من الحجر، وإن بلغ الحلم وهو مستمر في غرارته وسفهه متماد على ~~جهالته زال عنه اسم اليتم حقيقة، وبقي عليه حكم الحجر، وتمادى عليه الاسم ~~مجازا لبقاء الحكم عليه. # PageV01P402 # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب} [النساء: 2] ~~كانوا في الجاهلية لعدم الدين لا يتحرجون عن أموال اليتامى، فيأخذون أموال ~~اليتامى ويبدلونها بأموالهم، ويقولون: اسم باسم ورأس برأس، مثل أن يكون ~~لليتيم مائة شاة جياد فيبدلونها بمائة شاة هزلى لهم، ويقولون: مائة بمائة؛ ~~فنهاهم الله عنها. # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} [النساء: ~~2] قال علماؤنا: معنى تأكلوا تجمعوا وتضموا أموالهم إلى أموالكم، ولأجل ذلك ~~قال بعض الناس: معناه مع أموالكم. والمعنى الذي يسلم معه اللفظ ما قلنا: ~~نهوا أن يعتقدوا أن أموال اليتامى كأموالهم ويتسلطون عليها بالأكل ~~والانتفاع. # المسألة الخامسة: روي أن هذه الآية لما نزلت اعتزل كل ولي يتيمه، وأزال ~~ملكه عن ملكه حتى آلت الحال أن يصنع لليتيم معاشه فيأكله، فإن بقي له شيء ~~فسد ولم يقربه أحد، فعاد ذلك بالضرر عليهم، فأرخص الله سبحانه في المخالطة ~~قصدا للإصلاح، ونزلت هذه: {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن ~~تخالطوهم فإخوانكم} [البقرة: 220] # المسألة السادسة: إن كان المعنى بالآية الإنفاق فذلك يكون ما دامت ~~الولاية، ويكون اسم اليتم حقيقة كما قدمناه. وإن كان الإيتاء هو التمكين ~~وإسلام المال إليه فذلك عند الرشد، ويكون تسميته يتيما مجازا؛ المعنى الذي ~~كان يتيما. وقال أبو حنيفة: إذا بلغ خمسا وعشرين سنة أعطي ماله على أي حال ~~كان. وهذا باطل؛ فإن الآية المطلقة مردودة إلى المقيدة عندنا. # والمعنى الجامع بينهما أن العلة التي لأجلها منع اليتيم من ماله هي خوف ~~التلف عليه بغرارته وسفهه؛ فما ms0279 دامت العلة مستمرة لا يرتفع الحكم، وإذا ~~زالت العلة زال الحكم # PageV01P403 # وهذا هو المعني بقوله سبحانه: {فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم ~~أموالهم} [النساء: 6] وقد بينا وجوب حمل المطلق على المقيد، وتحقيقه في ~~أصول الفقه والمسائل، وهبكم أنا لا نحمل المطلق على المقيد فالحكم بخمس ~~وعشرين سنة لا وجه له، لا سيما وأبو حنيفة يرى المقدرات لا تثبت قياسا، ~~وإنما تؤخذ من جهة النص، وليس في هذه المسألة نص ولا قول من جميع وجوهه، ~~ولا يشهد له المعنى. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى] # فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا ~~فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا} [النساء: 3] فيها اثنتا ~~عشرة مسألة: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: ثبت في الصحيح أن عروة سأل عائشة عن هذه ~~الآية، فقالت: " هي اليتيمة تكون في حجر الرجل تشركه في ماله، ويعجبه مالها ~~وجمالها، ويريد أن يتزوجها، ولا يقسط لها في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها ~~غيره، فنهوا عن أن ينكحوهن حتى يقسطوا لهن، ويعطوهن أعلى سنتهن في الصداق، ~~وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. قال عروة: قالت عائشة: «وإن ~~الناس استفتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذه الآية، فأنزل الله ~~تبارك وتعالى: {ويستفتونك في النساء} [النساء: 127]» قالت عائشة - رضي الله ~~عنها -: وقول الله سبحانه في آية أخرى: {وترغبون أن تنكحوهن} [النساء: 127] ~~هي رغبة أحدهم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال، فنهوا عن أن ينكحوا ~~من رغبوا في ماله وجماله من يتامى النساء إلا بالقسط # PageV01P404 # من أجل رغبتهم عنهن إن كن قليلات المال والجمال "، وهذا نص كتابي البخاري ~~والترمذي، وفي ذلك من الحشو روايات لا فائدة في ذكرها هاهنا، يرجع معناها ~~إلى قول عائشة - رضي الله عنها -. # المسألة الثانية: قوله تعالى: {وإن خفتم} [النساء: 3] قال جماعة من ~~المفسرين: معناه أيقنتم وعلمتم؛ والخوف وإن كان في اللغة بمعنى الظن الذي ~~يترجح وجوده على عدمه فإنه قد ms0280 يأتي بمعنى اليقين والعلم. والصحيح عندي أنه ~~على بابه من الظن لا من اليقين؛ التقدير من غلب على ظنه التقصير في القسط ~~لليتيمة فليعدل عنها. # المسألة الثالثة: دليل الخطاب: وإن اختلف العلماء في القول به؛ فإن دليل ~~خطاب هذه الآية ساقط بالإجماع، فإن كل من علم أنه يقسط لليتيمة جاز له أن ~~يتزوج سواها، كما يجوز ذلك له إذا خاف ألا يقسط. ### | [مسألة نكاح اليتيمة قبل البلوغ] # المسألة الرابعة: تعلق أبو حنيفة بقوله {في اليتامى} [النساء: 3] في ~~تجويز نكاح اليتيمة قبل البلوغ. وقال مالك والشافعي: لا يجوز ذلك حتى تبلغ ~~وتستأمر ويصح إذنها. وفي بعض روايتنا إذا افتقرت أو عدمت الصيانة جاز ~~إنكاحها قبل البلوغ. والمختار لأبي حنيفة أنها إنما تكون يتيمة قبل البلوغ، ~~وبعد البلوغ هي امرأة مطلقة لا يتيمة. قلنا: المراد به يتيمة بالغة، بدليل ~~قوله: {ويستفتونك في النساء} [النساء: 127] وهو اسم إنما ينطلق على الكبار، ~~وكذلك قال: {في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن} [النساء: 127] ~~فراعى لفظ النساء، ويحمل اليتم على الاستصحاب للاسم. # PageV01P405 # فإن قيل: لو أراد البالغة لما نهى عن حطها عن صداق مثلها؛ لأنها تختار ~~ذلك، فيجوز إجماعا. قلنا: إنما هو محمول على وجهين: أحدهما: أن تكون ذات ~~وصي. والثاني: أن يكون محمولا على استظهار الولي عليها بالرجولية والولاية، ~~فيستضعفها لأجل ذلك، ويتزوجها بما شاء، ولا يمكنها خلافه؛ فنهوا عن ذلك إلا ~~بالحق الوافر. وقد وفرنا الكلام في هذه المسألة في التلخيص، وروينا في ذلك ~~حديث الموطأ: «الثيب أحق بنفسها من وليها». # وقد روي عن مالك - رضي الله عنه -: واليتيمة تستأمر في نفسها ولا إذن لمن ~~لم يبلغ. وروى الدارقطني وغيره، وقال: «زوج قدامة بن مظعون بنت أخيه عثمان ~~بن مظعون، فجاء المغيرة إلى أمها فرغبها في المال فرغبت، فقال قدامة: أنا ~~عمها ووصي أبيها، زوجتها ممن أعرف فضله. فترافعوا إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: إنها يتيمة لا تنكح إلا بإذنها». قال أصحاب أبي حنيفة: ~~تحمل هذه الألفاظ على البالغة بدليل ms0281 قوله: إلا بإذنها، وليس للصغيرة إذن. ~~وقد أطنبنا في الجواب في مسائل الخلاف، أقواه أنه لو كان كما قالوا لم يكن ~~لذكر اليتم معنى؛ لأن البالغة لا يزوجها أحد إلا بإذنها. . # PageV01P406 ### | [مسألة ثبوت مهر المثل] # المسألة الخامسة: قال علماؤنا: في هذه الآية دليل على أن مهر المثل واجب ~~في النكاح لا يسقط إلا بإسقاط الزوجة أو من يملك ذلك منها من أب؛ فأما ~~الوصي فمن دونه فلا يزوجها إلا بمهر مثلها وسنتها. وسئل مالك - رضي الله ~~عنه - عن رجل زوج ابنته غنية من ابن أخ له فقير؛ فاعترضت أمها؛ فقال: إني ~~لأرى لها في ذلك متكلما، فسوغ لها في ذلك الكلام حتى يظهر هو في نظره ما ~~يسقط اعتراض الأم عليه. وروي: ما أرى لها في ذلك متكلما، بزيادة الألف على ~~النفي، والأول أصح. ### | [مسألة تولى واحد طرفي العقد في النكاح] # المسألة السادسة: قال علماؤنا: إذا بلغت اليتيمة وأقسط الولي في الصداق ~~جاز له أن يتزوجها ويكون هو الناكح والمنكح؛ وبه قال أبو حنيفة. وقال ~~الشافعي: لا يجوز له أن يتولى طرفي العقد بنفسه، فيكون ناكحا منكحا حتى ~~يقدم الولي من ينكحها. ومال الشافعي إلى أن تعديد الناكح والمنكح والولي ~~تعبد، فإذا اتحد اثنان منهم سقط واحد من المذكورين في الحديث حين قال: «لا ~~نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» الحديث. # PageV01P407 # الجواب: إنا لا نقول: إن للتعبد مدخلا في هذا، وإنما أعلم الله عز وجل ~~الخلق ارتباط العقد بالولي، فأما التعدد والتعبد فلا مدخل له، ولا دليل ~~عليه، ولا نظر له؛ وقد مهدنا ذلك في مسائل الخلاف. ### | [مسألة معنى قوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء] # المسألة السابعة: قوله تعالى {فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3] ~~اختلف الناس فيه؛ فمنهم من رده إلى العقد، ومنهم من رده إلى المعقود عليه؛ ~~والصحيح رجوعه إلى المعقود عليه. التقدير: انكحوا من حل لكم من النساء، ~~وهذا يدفع قول من قال: إنه يرجع إلى العقد، ويكون التقدير: انكحوا نكاحا ~~طيبا. # المسألة الثامنة: قوله ms0282 تعالى: {مثنى وثلاث ورباع} [النساء: 3] قد توهم ~~قوم من الجهال أن هذه الآية تبيح للرجل تسع نسوة، ولم يعلموا أن مثنى عند ~~العرب عبارة عن اثنين مرتين، وثلاث عبارة عن ثلاث مرتين، ورباع عبارة عن ~~أربع مرتين، فيخرج من ظاهره على مقتضى اللغة إباحة ثماني عشرة امرأة: لأن ~~مجموع اثنين وثلاثة وأربعة تسعة، وعضدوا جهالتهم بأن النبي - عليه السلام - ~~كان تحته تسع نسوة، وقد كان تحت النبي - صلى الله عليه وسلم - أكثر من تسع، ~~وإنما مات عن تسع، وله في النكاح وفي غيره خصائص ليست لأحد، بيانها في سورة ~~الأحزاب. # ولو قال ربنا تبارك وتعالى: فانكحوا ما طاب لكم من النساء اثنتين وثلاثا ~~وأربعا لما خرج من ذلك جواز نكاح التسع؛ لأن مقصود الكلام ونظام المعنى ~~فيه: فلكم نكاح أربع، فإن لم تعدلوا فثلاثة، فإن لم تعدلوا فاثنتين؛ فإن لم ~~تعدلوا فواحدة؛ فنقل العاجز عن هذه الرتب إلى منتهى قدرته، وهي الواحدة من ~~ابتداء الحل، وهي الأربع، ولو كان المراد تسع نسوة لكان تقدير الكلام: ~~فانكحوا تسع نسوة، فإن لم تعدلوا # PageV01P408 # فواحدة، وهذا من ركيك البيان الذي لا يليق بالقرآن، لا سيما وقد ثبت من ~~رواية أبي داود، والدارقطني وغيرهما «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ~~لغيلان الثقفي حين أسلم، وتحته عشر نسوة: اختر منهن أربعا وفارق سائرهن». # المسألة التاسعة: من البين على من رزقه الله تعالى فهما في كتاب الله أن ~~العبد لا مدخل له في هذه الآية في نكاح أربع؛ لأنها خطاب لمن ولي وملك ~~وتولى وتوصى، وليس للعبد شيء من ذلك؛ لأن هذه صفات الأحرار المالكين الذين ~~يلون الأيتام تحت نظرهم؛ ينكح إذا رأى، ويتوقف إذا أراد. ثم قال الشافعي: ~~لا ينكح إلا اثنتين، وبه قال مالك في إحدى روايتيه، وفي مشهور قوليه إنه ~~يتزوج أربعا من دليل آخر، وذلك مبين في مسائل الخلاف ### | [مسألة قوله تعالى فإن خفتم ألا تعدلوا] # المسألة العاشرة: قوله تعالى: {فإن خفتم ألا تعدلوا} [النساء: 3] قال ~~علماؤنا: معناه في القسم بين ms0283 الزوجات والتسوية في حقوق النكاح، وهو فرض، ~~وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعتمده ويقدر عليه ويقول، إذا فعل ~~الظاهر من ذلك في الأفعال ووجد قلبه الكريم السليم يميل إلى عائشة: «اللهم ~~هذه قدرتي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك» يعني قلبه؛ لأن الله ~~سبحانه وتعالى لم يكلف أحدا صرف قلبه عن ذلك، لما فيه من المشقة، وربما فات ~~القدرة؛ وأخذ الخلق باعتداد الظاهر لتيسره على العاقل، فإذا قدر الرجل من ~~ماله ومن بنيته على نكاح أربع فليفعل، وإذا لم يحتمل ماله ولا بنيته في ~~الباءة ذلك فليقتصر على ما يقدر عليه، ومعلوم أن كل من كانت عنده واحدة أنه ~~إن نالها فحسن وإن قعد عنها هان ذلك عليها، بخلاف أن تكون # PageV01P409 # عنده أخرى فإنه إذا أمسك عنها اعتقدت أنه يتوفر للأخرى، فيقع النزاع ~~وتذهب الألفة. ### | [مسألة قوله تعالى أو ما ملكت أيمانكم] # المسألة الحادية عشرة: قوله: {أو ما ملكت أيمانكم} [النساء: 3] قال ~~علماؤنا: هذا دليل على أن ملك اليمين لا حق للوطء فيه ولا للقسم؛ لأن ~~المعنى فإن خفتم ألا تعدلوا في القسم فواحدة أو ما ملكت أيمانكم، فجعل ملك ~~اليمين كله بمنزلة الواحدة؛ فانتفى بذلك أن يكون لملكه حق في الوطء. أو في ~~القسم، وحق ملك اليمين في العدل قائم بوجوب حسن الملكية والرفق بالرقيق. ### | [مسألة قوله تعالى ذلك أدنى ألا تعولوا] # المسألة الثانية عشرة: قوله تعالى: {ذلك أدنى ألا تعولوا} [النساء: 3] ~~اختلف الناس في تأويله على ثلاثة أقوال: # الأول: ألا يكثر عيالكم؛ قاله الشافعي. # الثاني: ألا تضلوا؛ قاله مجاهد. # الثالث: ألا تميلوا؛ قاله ابن عباس والناس. وقد تكلمنا عليه في رسالة " ~~ملجئة المتفقهين " بشيء لم نر أن نختصره هاهنا: قلنا: أعجب أصحاب الشافعي ~~بكلامه هذا، وقالوا: هو حجة لمنزلة الشافعي في اللغة، وشهرته في العربية، ~~والاعتراف له بالفصاحة حتى لقد قال الجويني: هو أفصح من نطق بالضاد، مع ~~غوصه على المعاني، ومعرفته بالأصول؛ واعتقدوا أن معنى الآية: فانكحوا واحدة ~~إن خفتم أن يكثر عيالكم، ms0284 فذلك أقرب إلى أن تنتفي عنكم كثرة العيال. قال ~~الشافعي: وهذا يدل على أن نفقة المرأة على الزوج. وقال أصحابه: لو كان ~~المراد بالعول هاهنا الميل لم تكن فيه فائدة؛ لأن الميل لا يختلف بكثرة عدد ~~النساء وقلتهن، وإنما يختلف بالقيام بحقوق النساء فإنهن إذا كثرن تكاثرت ~~الحقوق. قال ابن العربي: كل ما قال الشافعي أو قيل عنه أو وصف به فهو كله ~~جزء من # PageV01P410 # مالك، ونغبة من بحره؛ ومالك أوعى سمعا، وأثقب فهما، وأفصح لسانا، وأبرع ~~بيانا، وأبدع وصفا، ويدلك على ذلك مقابلة قول بقول في كل مسألة وفصل. # والذي يكشف لك ذلك في هذه المسألة البحث عن معاني قولك " عال " لغة حتى ~~إذا عرفته ركبت عليه معنى الآية، وحكمت بما يصح به لفظا ومعنى. # وقد قال علماؤنا فيه سبعة معان: الأول: الميل؛ قال يعقوب: عال الرجل إذا ~~مال، قال الله تعالى: {ذلك أدنى ألا تعولوا} [النساء: 3] وفي العين: العول: ~~الميل في الحكم إلى الجور، وعال السهم عن الهدف: مال عنه، وقال ابن عمر: ~~إنه لعائل الكيل والوزن، وينشد لأبي طالب: # بميزان قسط لا يغل شعيرة ... له شاهد من نفسه غير عائل # الثاني: عال: زاد. الثالث عال: جار في الحكم. قالت الخنساء: # وليس بأولى ولكنه ... ويكفي العشيرة ما عالها # الرابع: عال: افتقر. قال الله تعالى: {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من ~~فضله} [التوبة: 28] الخامس: عال: أثقل؛ قاله ابن دريد، وربما كان ذلك معنى ~~بيت الخنساء، وكان به أقعد. السادس: قام بمؤونة العائل، ومنه قوله - عليه ~~السلام -: «ابدأ بمن تعول». # PageV01P411 # السابع: عال: غلب، ومنه عيل صبره، أي غلب. هذه معانيه السبعة ليس لها ~~ثامن، ويقال: أعال الرجل كثر عياله، وبناء " عال " يتعدى ويلزم، ويدخل بعضه ~~على بعض، وقد بينا تفصيل ذلك في " ملجئة المتفقهين "، كما قدمنا في مسألة ~~مثنى وثلاث ورباع مفصلا بجميع وجوهه. # فإذا ثبت هذا فقد شهد لك اللفظ والمعنى بما قاله مالك؛ أما اللفظ فلأن ~~قوله تعالى: {تعولوا} [النساء: 3] فعل ثلاثي يستعمل في الميل الذي ترجع ms0285 ~~إليه معاني " عول " كلها، والفعل في كثرة العيال رباعي لا مدخل له في ~~الآية، فقد ذهبت الفصاحة ولم تنفع الضاد المنطوق بها على الاختصاص. # وأما المعنى فلأن الله تعالى قال: ذلك أدنى، أقرب إلى أن ينتفي العول ~~يعني الميل، فإنه إذا كانت واحدة عدم الميل، وإذا كانت ثلاثا فالميل أقل، ~~وهكذا في اثنتين؛ فأرشد الله الخلق إذا خافوا عدم القسط والعدل بالوقوع في ~~الميل مع اليتامى أن يأخذوا من الأجانب أربعا إلى واحدة؛ فذلك أقرب إلى أن ~~يقل الميل في اليتامى وفي الأعداد المأذون فيها، أو ينتفي؛ وذلك هو المراد، ~~فأما كثرة العيال فلا يصح أن يقال: ذلك أقرب إلى ألا يكثر عيالكم. ### | [الآية الرابعة قوله تعالى وآتوا النساء صدقاتهن نحلة] # فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا} [النساء: 4] # PageV01P412 # فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: من المخاطب بالإيتاء؟: وقد اختلف الناس في ذلك على ~~قولين: أحدهما: أن المراد بذلك الأزواج. # الثاني: أن المراد به الأولياء؛ قاله أبو صالح. واتفق الناس على الأول؛ ~~وهو الصحيح؛ لأن الضمائر واحدة؛ إذ هي معطوفة بعضها على بعض في نسق واحد، ~~وهي فيما تقدم بجملته الأزواج؛ فهم المراد هاهنا؛ لأنه تعالى قال: {وإن ~~خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ~~فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا} ~~[النساء: 3] {وآتوا النساء صدقاتهن} [النساء: 4] فوجب تناسق الضمائر، وأن ~~يكون الأول هو الآخر فيها أو منها. # المسألة الثانية: قوله تعالى: {نحلة} [النساء: 4] وهي في اللغة عبارة عن ~~العطية الخالية عن العوض، واختلف في المراد بها هاهنا على ثلاثة أقوال: # الأول: معناه: طيبوا نفسا بالصداق، كما تطيبون بسائر النحل والهبات. # الثاني: معناه " نحلة " من الله تعالى للنساء؛ فإن الأولياء كانوا ~~يأخذونها في الجاهلية، فانتزعها الله سبحانه منهم ونحلها النساء. # الثالث: أن معناه " عطية " من الله؛ فإن الناس كانوا يتناكحون في ~~الجاهلية بالشغار ويخلون النكاح من الصداق؛ ففرضه الله تعالى للنساء ونحله ~~إياهن. # PageV01P413 # المسألة الثالثة: ms0286 قال أصحاب الشافعي: النكاح عقد معاوضة انعقد بين ~~الزوجين، فكل واحد منهما بدل عن صاحبه، ومنفعة كل واحد منهما لصاحبه عوض عن ~~منفعة الآخر، والصداق زيادة فرضه الله تعالى على الزواج لما جعل له في ~~النكاح من الدرجة، ولأجل خروجه عن رسم العوضية جاز إخلاء النكاح عنه، ~~والسكوت عن ذكره، ثم يفرض بعد ذلك بالقول، أو يجب بالوطء. # وكذلك أيضا قالوا: لو فسد الصداق لما تعدى فساده إلى النكاح، ولا يفسخ ~~النكاح بفسخه لما كان معنى زائدا على عقده وصلة في حقه، فإن طابت المرأة ~~نفسا بعد وجوبه بهبته للزوج وحطه فهو حلال له، وإن أبت فهي على حقها فيه، ~~كانت بكرا أو ثيبا حسبما اقتضاه عموم القرآن في ذلك. # وقال علماؤنا: إن الله سبحانه جعل الصداق عوضا، وأجراه مجرى سائر أعواض ~~المعاملات المتقابلات، بدليل قوله تعالى: {فما استمتعتم به منهن فآتوهن ~~أجورهن فريضة} [النساء: 24] فسماه أجرا، فوجب أن يخرج به عن حكم النحل إلى ~~حكم المعاوضات. وأما تعلقهم بأن كل واحد من الزوجين يتمتع بصاحبه ويقابله ~~في عقد النكاح، وأن الصداق زيادة فيه فليس كذلك؛ بل وجب الصداق على الزوج ~~ليملك به السلطنة على المرأة، وينزل معها منزلة المالك مع المملوك فيما بذل ~~من العوض فيه، فتكون منفعتها بذلك له فلا تصوم إلا بإذنه، ولا تحج إلا ~~بإذنه، ولا تفارق منزلها إلا بإذنه، ويتعلق حكمه بمالها كله حتى لا يكون ~~لها منه إلا ثلثه، فما ظنك ببدنها. وقد روي عن مالك أنه قال: يفسد النكاح ~~لفساده، فيفسخ قبل وبعد. والمشهور أنه يفسخ قبل الدخول، ويثبت بعده، لما ~~فات من الانتفاع ومضى من الاستمتاع. وروي أنه لا يفسخ لا قبله ولا بعده، ~~على ما تقرر في المسائل الخلافية. وأما طيب نفس المرأة به إن كانت مالكة ~~فصحيح داخل تحت العموم. # PageV01P414 # وأما البكر فلم تدخل تحت العموم؛ لأنها لا تملك ما لها، كما لم تدخل فيه ~~الصغيرة عندهم والمجنونة والأمة. وإن كن من الأزواج، ولكن راعى قيام الرشد، ~~ودليل التملك للمال ms0287 دون ظاهر العموم في الزوجات، كذلك فعلنا نحن في البكر؛ ~~وقد بينا أدلة قصورها عن النظر لنفسها في المسائل الخلافية، وهذه مسألة ~~عظيمة الموقع، وفي الذي أشرنا إليه من النكت كفاية للبيب المنصف. ### | [مسألة وهبت صداقها لزوجها وأرادت الرجوع فيه] # المسألة الرابعة: اتفق العلماء على أن المرأة المالكة لأمر نفسها إذا ~~وهبت صداقها لزوجها نفذ ذلك عليها ولا رجوع لها فيه، إلا أن شريحا رأى ~~الرجوع لها فيه، واحتج بقوله تعالى: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا} ~~[النساء: 4] وإذا قامت طالبة له لم تطب به نفسا، وهذا باطل؛ لأنها قد طابت ~~وقد أكل، فلا كلام لها؛ إذ ليس المراد صورة الأكل، وإنما هو كناية عن ~~الإحلال والاستحلال؛ وهذا بين. ### | [الآية الخامسة قوله تعالى ولا تؤتوا السفهاء أموالكم] # التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا} ~~[النساء: 5] فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: في السفه: وقد تقدم بيانه في آية الدين في سورة البقرة، ~~والمراد به هاهنا الصغيرة والمرأة التي لم تجرب. وقد قال بعض الناس: إن ~~السفه صفة ذم، والصغيرة والمرأة لا تستحقان ذما. وهذا ضعيف؛ فإن النبي - ~~عليه السلام - قد وصف المرأة بنقصان الدين والعقل، وكذلك الصغير موصوف ~~بالغرارة والنقص، وإن كانا لم يفعلا ذلك بأنفسهما، لكنهما # PageV01P415 # لا يلامان على ذلك، فنهى الله سبحانه عن إيتاء المال إليهم، وتمكينهم ~~منه، وجعله في أيديهم؛ ويجوز هبة ذلك لهم، فيكون للسفهاء ملكا ولكن لا يكون ~~لهم عليه يد. # المسألة الثانية: قوله تعالى: {أموالكم} [النساء: 5] اختلف في هذه ~~الإضافة على قولين: أحدهما: أنها حقيقة، والمراد نهي الرجل أو المكلف أن ~~يؤتي ماله سفهاء أولاده؛ فيضيعونه ويرجعون عيالا عليه. والثاني: أن المراد ~~به نهي الأولياء عن إيتاء السفهاء من أموالهم وإضافتها إلى الأولياء؛ لأن ~~الأموال مشتركة بين الخلق، تنتقل من يد إلى يد، وتخرج عن ملك إلى ملك، وهذا ~~كقوله تعالى: {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29] معناه: لا يقتل بعضكم بعضا؛ ~~فيقتل القاتل فيكون قد قتل نفسه، وكذلك إذا أعطي ms0288 المال سفيها فأفسده رجع ~~النقصان إلى الكل. والصحيح أن المراد به الجميع، لقوله تعالى: {التي جعل ~~الله لكم قياما} [النساء: 5] وهذا عام في كل حال. # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {وارزقوهم فيها واكسوهم} [النساء: 5] لا ~~يخلو أن يكون المراد بذلك ولي اليتيم؛ فهو مخاطب بالتقدير المتقدم من ~~اشتراك الخلق في الأموال، وإن كان المخاطب به الآباء، فهذا دليل على وجوب ~~نفقة الولد على الوالد. # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {وقولوا لهم قولا معروفا} [النساء: 5] ~~المعنى: لا تجمعوا بين الحرمان وجفاء القول لهم، ولكن حسنوا لهم الكلام؛ ~~مثل أن يقول الرجل لوليه: أنا أنظر إليك، وهذا الاحتياط يرجع نفعه إليك. ~~ويقول الأب لابنه: مالي إليك مصيره، وأنت إن شاء الله صاحبه إذا ملكتم ~~رشدكم وعرفتم تصرفكم. # PageV01P416 ### | [الآية السادسة قوله تعالى وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح] # فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن ~~يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم ~~إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا} [النساء: 6] فيها خمس عشرة ~~مسألة: # المسألة الأولى: الابتلاء هنا الاختبار، لتحصل معرفة ما غاب من علم ~~العاقبة أو الباطن عن الطالب لذلك. # المسألة الثانية: قوله تعالى: {اليتامى} [النساء: 6] قد تقدم بيانه. # المسألة الثالثة: في وجه تخصيص اليتامى: وهو أن الضعيف العاجز عن النظر ~~لنفسه ومصلحته لا يخلو أن يكون له أب يحوطه، أو لا أب له؛ فإن كان له أب ~~فما عنده من غلبة الحنو وعظيم الشفقة يغني عن الوصية به والاهتبال بأمره. ~~فأما الذي لا أب له فخص بالتنبيه على أمره لذلك والوصية به، وإلا فكذلك ~~يفعل الأب بولده الصغار أو الضعفاء فإنه يبتليهم ويختبر أحوالهم. # المسألة الرابعة: في كيفية الابتلاء: وهو بوجهين: أحدهما: يتأمل أخلاق ~~يتيمه، ويستمع إلى أغراضه، فيحصل له العلم بنجابته # PageV01P417 # والمعرفة بالسعي في مصالحه، وضبط ماله، أو الإهمال لذلك؛ فإذا توسم الخير ~~قال علماؤنا: لا بأس أن يدفع إليه شيئا من ماله، وهو الثاني، ويكون يسيرا، ~~ويبيح له التصرف فيه؛ فإن ms0289 نماه وأحسن النظر فيه فقد وقع الاختيار، فليسلم ~~إليه ماله جميعه، وإن أساء النظر فيه وجب عليه إمساك ماله عنه. # المسألة الخامسة: قوله تعالى: {حتى إذا بلغوا النكاح} [النساء: 6] يعني: ~~القدرة على الوطء، وذلك في الذكور بالاحتلام، فإن عدم فالسن، وذلك خمس عشرة ~~سنة في رواية، وثماني عشرة في أخرى. وقد ثبت في الصحيح «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - رد ابن عمر في أحد ابن أربع عشرة سنة، وجوزه في الخندق ~~ابن خمس عشرة سنة»، وقضى بذلك عمر بن عبد العزيز، واختاره الشافعي وغيره. # قال علماؤنا: إنما كان ذلك نظرا إلى إطاقة القتال لا إلى الاحتلام، فإن ~~لم يكن هذا دليلا فكل عدد من السنين يذكر فإنه دعوى، والسن التي اعتبرها ~~النبي - عليه السلام - أولى من سن لم يعتبرها، ولا قام في الشرع دليل ~~عليها. وكذلك اعتبر النبي - صلى الله عليه وسلم - الإنبات في بني قريظة؛ ~~فمن عذيري ممن يترك أمرين اعتبرهما النبي - صلى الله عليه وسلم - فيتأوله ~~ويعتبر ما لم يعتبره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لفظا، ولا جعل له في ~~الشريعة نظرا. وأما الإناث فلا بد في شرط اختيارهن من وجود نفس الوطء عند ~~علمائنا، وحينئذ يقع الابتلاء في الرشد. # وقال الشافعي وأبو حنيفة: وجه اختيار الرشد في الذكور والإناث واحد، وهو ~~البلوغ إلى القدرة على النكاح؛ والحكمة في الفرق بينهما حسبما رآه مالك قد ~~قررناها في مسائل الخلاف؛ نكتته أن الذكر بتصرفه وملاقاته للناس من أول ~~نشأته إلى بلوغه يحصل به الاختبار، ويكمل عقله بالبلوغ فيحصل له الغرض. # PageV01P418 # وأما المرأة فبكونها محجوبة لا تعاني الأمور، ولا تخالط، ولا تبرز لأجل ~~حياء البكارة وقف فيها على وجود النكاح، فبه تفهم المقاصد كلها. قال مالك: ~~إذا احتلم الغلام ذهب حيث شاء إلا أن يخاف عليه فيقتصر حتى يؤمن أمره، ~~ولأبيه تجديد الحجر عليه إن رأى خللا منه. # وأما الأنثى فلا بد بعد دخول زوجها من مضي مدة من الزمان عليها تمارس ~~فيها الأحوال، وليس في تحديد المدة ms0290 دليل. # وذكر علماؤنا في تحديده أقوالا عديدة؛ منها الخمسة الأعوام والستة ~~والسبعة في ذات الأب، وجعلوه في اليتيمة التي لا أب لها ولا وصي عليها عاما ~~واحدا بعد الدخول، وجعلوه في المولى عليها مؤبدا حتى يثبت رشدها. # وتحديد الأعوام في ذات الأب عسير، وأعسر منه تحديد العام في اليتيمة، ~~وأما تمادي الحجر في المولى عليها حتى يتبين رشدها فيخرجها الوصي منه أو ~~يخرجها الحكم منه فهو ظاهر القرآن، وأما سكوت الأب عن ابنته فدليل على ~~إمضائه لفعلها، فتخرج دون حكم بمرور مدة من الزمان يحصل فيه الاختبار؛ ~~وتقديره موكول إلى اجتهاد الولي، وفي ذلك تفصيل طويل، واختلاف كثير موضعه ~~كتب المسائل. والمقصود منه أن ذلك كله دخل تحت قوله سبحانه: {فإن آنستم ~~منهم رشدا} [النساء: 6] فتعين اعتبار إيناس الرشد؛ ولكن يختلف إيناسه بحسب ~~اختلاف حال الراشد فاعرفه، وركبه عليه، واجتنب التحكم الذي لا دليل عليه. ### | [مسألة دفع مال اليتيم إليه] # المسألة السادسة: قوله تعالى: {فادفعوا} [النساء: 6] دفع المال إلى ~~اليتيم يكون بوجهين: أحدهما: إيناس الرشد. والثاني: بلوغ الحلم. فإن وجد ~~أحدهما دون الآخر لم يجز تسليم المال إليه، كذلك نص الآية؛ وهي رواية ابن ~~القاسم وأشهب وابن وهب عن مالك في الآية أنه إذا احتلم الغلام أو حاضت # PageV01P419 # الجارية ولم يؤنس منه الرشد فإنه لا يدفع إليه ماله، ولا يجوز له فيه بيع ~~ولا شراء ولا هبة ولا عتق حتى يؤنس منه الرشد، ولو فعل شيئا من ذلك قبل أن ~~يدفع إليه ماله ثم دفع إليه ماله لم ينفذ عليه شيء منه. ### | [مسألة حقيقة الرشد] # المسألة السابعة: حقيقة الرشد: فيه ثلاثة أقوال: # الأول: صلاح الدين والدنيا، والطاعة لله، وضبط المال؛ وبه قال الحسن ~~والشافعي. # الثاني: إصلاح الدنيا والمعرفة بوجوه أخذ المال والإعطاء والحفظ له عن ~~التبذير؛ قاله مالك. # الثالث: بلوغ خمس وعشرين سنة؛ قاله أبو حنيفة. وعول الشافعي على أنه لا ~~يوثق على دينه فكيف يؤتمن على ماله، كما أن الفاسق لما لم يوثق على صدق ~~مقالته لم تجز شهادته. ms0291 قلنا له: العيان يرد هذا، فإنا نشاهد المتهتك في ~~المعاصي حافظا لماله، فإن غرض الحفظين مختلف؛ أما غرض الدين فخوف الله ~~سبحانه، وأما غرض الدنيا فخوف فوات الحوائج والمقاصد وحرمان اللذات التي ~~تنال به؛ ويخالف هذا الفاسق؛ فإن قبول الشهادة مرتبة والفاسق محطوط المنزلة ~~شرعا. وعول أبو حنيفة على أن من بلغ خمسا وعشرين سنة صلح أن يكون جدا فيقبح ~~أن يحجر عليه في ماله. قلنا: هذا ضعيف لأنه إذا كان جدا ولم يكن ذا جد ~~فماذا ينفعه جد النسب وجد البخت فائت؟ وقد قال ابن عباس: إن الرجل ليبلغ ~~خمسا وعشرين سنة لتنبت لحيته ليشيب وهو ضعيف الأخذ لنفسه ضعيف الإعطاء. وقد ~~قال الشافعي: رأيت جدة لها إحدى وعشرون سنة، ولعل ذلك في النساء أقرب منه ~~في الرجال. # المسألة الثامنة: إذا سلم المال إليه بوجه الرشد، ثم عاد إلى السفه بظهور ~~تبذير وقلة تدبير عاد عليه الحجر. # PageV01P420 # وقال أبو حنيفة: لا يعود؛ لأنه بالغ عاقل بدليل جواز إقراره في الحد ~~والقصاص. ودليلنا قوله تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله ~~لكم قياما} [النساء: 5] وقال: {فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو ~~لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل} [البقرة: 282] ولم يفرق بين أن ~~يكون محجورا سفيها أو يطرأ ذلك عليه بعد الإطلاق. # ويعضد هذا ما روي أن عبد الله بن جعفر اشترى ضيعة بستين ألفا، فقال ~~عثمان: ما يسرني أنها لي بنعلي، وقال لعلي: ألا تأخذ على ابن أخيك وتحجر ~~عليه فعل كذا. فجاء علي إلى عثمان ليحجر عليه، فقال الزبير: أنا شريكه، ~~فقال عثمان: كيف أحجر على رجل شريكه الزبير، رواه الدارقطني. فهذان خليفتان ~~قد نظرا في هذا وعزما على فعله لولا ظهور السداد بعد ذلك فيه. ### | [مسألة محجورة أرادت نحلة ابنتها بمال لا تنكح إلا به] # المسألة التاسعة: قوله تعالى: {ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا} ~~[النساء: 6] إسرافا: يعني مجاوزة من أموالكم التي تنبغي لكم إلى ما لا يحل ~~لكم من أموالهم. والإسراف: ms0292 مجاوزة الحد المباح إلى المحظور. وبدارا: يعني ~~مبادرة أن يكبروا، واستباقا لمعرفتهم لمصالحهم، واستئثارا عليهم بأموالهم. # المسألة العاشرة: قال علماؤنا: لما لم يكن لهم عمل في أموالهم وقبضت عنها ~~أيديهم لم يكن لهم فيها قول، ولا نفذ لهم فيها عقد ولا عهد، فلا يجوز فيها ~~بيعهم ولا نذرهم؛ لأن العلة التي لأجلها قبضت أيديهم عنها الصيانة لها عن ~~تبذيرهم والحفظ لها إلى وقت معرفتهم وتبصرهم؛ فلو جاز لهم فيها بيع أو هبة ~~أو عهد لبطلت فائدة المنع لهم عنها، وسقط مقصود حفظها عليهم. # PageV01P421 # فأما ما كان في أيديهم من زوجة أو أم ولد تمكنوا منهما فكلامهم نافذ ~~فيهما، وينفذ طلاق الزوجة وعتق أم الولد عليهم؛ لأنهم تمكنوا من ذلك فعلا ~~فينفذ القول فيهما شرعا. وهذه نكتة بديعة في الحجة لإنفاذ الطلاق والعتق. # المسألة الحادية عشرة: إذا كان الاختبار إلى بلوغ النكاح في الحرة، ~~وقلنا: إنه في ذات الأب ستة أو سبعة، وفي اليتيمة ستة فما عملنا في أثناء ~~الستة أو السبعة محمول على الرد وما كان من العمل بعده محمول على الجواز. # وقال بعض علمائنا: ما عملت في الستة والسبعة محمول على الرد، إلا أن ~~يتبين فيه السداد، وما عملت بعد ذلك محمول على الإمضاء حتى يتبين فيه ~~السفه. ولقد وقعت هذه المسألة في زماننا في محجورة أرادت نحلة ابنتها بمال ~~لا تنكح إلا به، فقال بعضهم: لا يجوز فعل المحجور، وقلنا نحن: يجوز؛ لأن ~~إيناس الرشد إنما يكون بمثل هذا؛ ومن نظر لولده واهتبل به فهو في غاية ~~السداد والرشد له ولنفسه، فوفق الله متولي الحكم يومئذ وأمضى النحلة على ما ~~أفتيناه. # المسألة الثانية عشرة: قوله تعالى {ومن كان غنيا فليستعفف} [النساء: 6] ~~اختلف العلماء في هذه المسألة على أربعة أقوال: # الأول: أنه لا يأكل من مال اليتيم شيئا بحال، وهذه الرخصة في قوله ~~سبحانه: {فليأكل بالمعروف} [النساء: 6] منسوخة بقوله تعالى: {إن الذين ~~يأكلون أموال اليتامى ظلما} [النساء: 10] واختاره زيد بن أسلم، واحتج به. # الثاني: أن المراد به اليتيم، وإذا ms0293 كان فقيرا أنفق عليه وإليه بقدر فقره ~~من مال اليتيم، وإن كان غنيا أنفق عليه بقدر غناه، ولم يكن للولي فيه شيء. # الثالث: أن المراد به الولي إن كان غنيا عف، وإن كان فقيرا أكل بالمعروف. # PageV01P422 # الرابع: أن المعروف شربه اللبن وركوبه الظهر غير مضر بنسل ولا ناهك في ~~حلب. قال ابن العربي: أما من قال: إنه منسوخ فهو بعيد، لا أرضاه؛ لأن الله ~~تعالى يقول: {فليأكل بالمعروف} [النساء: 6] وهو الجائز الحسن؛ وقال: {إن ~~الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} [النساء: 10] فكيف ينسخ الظلم المعروف؟ ~~بل هو تأكيد له في التجويز؛ لأنه خارج عنه مغاير له؛ وإذا كان المباح غير ~~المحظور لم يصح دعوى نسخ فيه؛ وهذا أبين من الإطناب. وأما من قال: إن ~~المراد به اليتيم فلا يصح لوجهين: أحدهما أن الخطاب لا يصلح أن يكون له؛ ~~لأنه غير مكلف ولا مأمور بشيء من ذلك. # الثاني: أنه إن كان غنيا أو فقيرا إنما يأكل بالمعروف؛ فسقط هذا. وأما من ~~قال: إن الولي إن كان غنيا عف وإن كان فقيرا أكل فهو قول عمر؛ روي عنه أنه ~~قال: إنما أنا في بيت المال كولي اليتيم إن استغنيت تركت، وإن احتجت أكلت؛ ~~وبه أقول. وأما استثناء اللبن، ومثله التمر، فهو على قول مالك؛ لقول ابن ~~عباس: اشرب غير مضر بنسل ولا ناهك للحلب؛ ولأن شرب اللبن من الضرع؛ وأكل ~~التمر من الجذوع أمر متعارف بين الخلق متسامح فيه. فإن أكل هل يقضي؟ اختلف ~~الناس فيه؛ فروي عن عمر أنه قال: إن أكلت قضيت. # واختلف في ذلك قول عكرمة؛ وهو قول عبيدة السلماني وأبي العالية، وهو أحد ~~قولي ابن عباس. فأما من نفى القضاء فاحتج بأن الأكل له، كما أن النظر عليه؛ ~~فجرى مجرى الأجرة. # وأما من يرى القضاء فاحتج بقوله سبحانه: {ومن كان غنيا فليستعفف} ~~[النساء: 6] # PageV01P423 # فمنع منه، فإن فعل قضى. ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف، أي بقدر الحاجة، ~~ويقضي كما يقضي المضطر إلى المال في المخمصة. قال عبيدة السلماني، في قول ms0294 ~~الله سبحانه: {فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم} [النساء: 6] ذلك ~~دليل على وجوب القضاء على من أكل. المعنى: فإذا رددتم ما أكلتم فأشهدوا إذا ~~غرمتم، وسيأتي الكلام على هذا إن شاء الله. # والصحيح أنه لا يقتضي؛ لأن النظر له؛ فيتعين به الأكل بالمعروف، والمعروف ~~هو حق النظر؛ وقد قال أبو حنيفة: يقارض في مال اليتيم ويأكل حظه من الربح، ~~فكذلك يأخذ من صميم المال بمقدار النظر؛ هذا إذا كان فقيرا؛ أما إذا كان ~~غنيا فلا يأخذ شيئا؛ لأن الله سبحانه أمره بالعفة والكف عنه. فإن قيل: فقول ~~عمر: " أنا كولي اليتيم إن استغنيت تركت " أليس يجوز للغني الأكل من بيت ~~المال؟ كذلك يجوز للوصي إن كان غنيا الأكل من مال اليتيم؟ قلنا عنه جوابان: ~~أحدهما: أن قول عمر: " أنا كولي اليتيم إن استغنيت " دليل على أن الخليفة ~~ليس كالوصي، ولكن عمر بورعه جعل نفسه كالوصي. # الثاني: أن الذي يأكله الخلفاء والولاة والفقهاء ليس بأجرة، وإنما هو حق ~~جعله الله لهم لنازلهم ومنتابهم؛ وإلا فالذي يفعلونه فرض عليهم، فكيف تجب ~~الأجرة لهم؛ وهو فرض عليهم، والفرضية تنفي الأجرة، لا سيما إذا كان عملا ~~غير معين كعمل الخلفاء والقضاة والمفتين والسعاة والمعلمين، والله أعلم. # المسألة الثالثة عشرة: من هو المخاطب بهذا كله؟: قال علماؤنا: كان ~~الأيتام في ذلك الزمان على قسمين: [الأول]: يتيم معهود به، كقول سعد: هو ~~ابن أخي عهد إلي فيه. # PageV01P424 # الثاني: مكفول بقرابة أو جوار. وعند المالكية أن الكافل له ناظر كما لو ~~وصى إليه الأب، إلا أن الكافل ناظر في حفظ الموجود، والمعهود إليه قائم ~~مقام الأب في التصرف المطلق؛ فإن كان اليتيم عريا عن كافل ووصي فالمخاطب ~~ولي الأولياء، وهو السلطان؛ فهو ولي من لا ولي له، وهو ولي على الأولياء، ~~فصار تقدير الآية: يا من إليه يتيم بكفالة أو عهد أو ولاية عامة، افعل كذا. ### | [مسألة للوصي والكافل أن يحفظ الصبي في بدنه وماله] # المسألة الرابعة عشرة: قال علماؤنا: في قوله تعالى: {وابتلوا اليتامى} ~~[النساء: 6] دليل ms0295 على أن للوصي والكافل أن يحفظ الصبي في بدنه وماله؛ إذ لا ~~يصح الابتلاء إلا بذلك، فالمال يحفظه بضبطه والبدن يحفظه بأدبه. وروي «أن ~~رجلا قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إن في حجري يتيما أآكل من ماله؟ ~~قال: نعم، غير متأثل مالا ولا واق مالك بماله. قال: يا رسول الله، أفأضربه؟ ~~قال: ما كنت ضاربا منه ولدك». وهذا وإن لم يثبت مسندا فليس يجد عنه أحد ~~ملتحدا؛ لأن المقصود الإصلاح، وإصلاح البدن أوكد من إصلاح المال؛ والدليل ~~عليه أنه يعلمه الصلاة، ويضربه عليها، ويكفه عن الحرام بالكهر والقهر. ### | [مسألة كل مال قبض على وجه الأمانة بإشهاد لا يبرأ منه إلا بإشهاد على دفعه] # المسألة الخامسة عشرة: قوله تعالى {فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا ~~عليهم} [النساء: 6] قال علماؤنا: أمر الله تعالى بالإشهاد تنبيها على ~~التحصين وإرشادا إلى نكتة بديعة؛ وهي أن كل مال قبض على وجه الأمانة بإشهاد ~~لا يبرأ منه إلا بإشهاد على دفعه؛ لقوله تعالى: {فأشهدوا عليهم} [النساء: ~~6] وهو عنده أمانة، فلو ضاع قبل قوله، فإذا قال دفعت لم يقبل إلا بالإشهاد؛ ~~لأن الضياع لا يمكنه إقامة البينة عليه وقت ضياعه، فلا # PageV01P425 # يكلف ما لا سبيل إليه؛ والبينة يقدر أن يقيمها حال الدفع فتفريطه فيها ~~موجب عليه الضمان. وقال علماؤنا في الوديعة مثله، وهي عندنا محمولة ونظيرة ~~له. وخالف في ذلك أبو حنيفة والشافعي وقالا: إنها أمانة؛ فكان القول قوله. ~~قلنا: لو رضي أمانته بالرد ما كتب عليه الشهادة بالعقد. ### | [الآية السابعة قوله تعالى للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون] # وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا ~~مفروضا} [النساء: 7] فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: قال قتادة: كان أهل الجاهلية يمنعون ~~النساء الميراث ويخصون به الرجال، حتى كان الرجل منهم إذا مات وترك ذرية ~~ضعافا وقرابة كبارا استبد بالمال القرابة الكبار. وقد روي أن «رجلا من ~~الأنصار مات وترك ولدا أصاغر وأخا كبيرا، فاستبد بماله، فرفع أمره إلى ~~النبي - صلى الله ms0296 عليه وسلم - فقال له العم: يا رسول الله، إن الولد صغير ~~لا يركب ولا يكسب، فنزلت الآية». وكان هذا من الجاهلية تصرفا بجهل عظيم؛ ~~فإن الورثة الصغار الضعاف كانوا أحق بالمال من القوي؛ فعكسوا الحكم وأبطلوا ~~الحكمة؛ فضلوا بأهوائهم وأخطئوا في آرائهم. # المسألة الثانية: في هذه الآية ثلاث فوائد: إحداها: بيان علة الميراث، ~~وهي القرابة. # الثاني: عموم القرابة كيفما تصرفت من قرب أو بعد. # PageV01P426 # الثالث: إجمال النصيب المفروض فبين الله سبحانه وتعالى في آية المواريث ~~خصوص القرابة ومقدار النصيب، وكان نزول هذه الآية توطئة للحكم وإبطالا لذلك ~~الرأي الفاسد، حتى وقع البيان الشافي بعد ذلك على سيرة الله وسنته في إبطال ~~آرائهم وسنتهم. ### | [مسألة قسمة المتروك على الفرائض إذا كان فيه تغيير عن حاله] # المسألة الثالثة: قوله سبحانه وتعالى: {مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا} ~~[النساء: 7] كان أشياخنا قد اختلفوا عن مالك في قسمة المتروك على الفرائض ~~إذا كان فيه تغيير عن حاله كالحمام وبدء الزيتون والدار التي تبطل منافعها ~~بإبراز أقل السهام منها؛ فكان ابن كنانة يرى ذلك؛ لقوله تعالى: {مما قل منه ~~أو كثر نصيبا مفروضا} [النساء: 7] وكان ابن القاسم يروي عنه أن ذلك لا ~~يجوز؛ لما فيه من المضارة؛ وقد نفى الله سبحانه وتعالى المضارة بقوله ~~سبحانه: {غير مضار} [النساء: 12] وأكد النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك ~~بقوله: «لا ضرر ولا ضرار». # وهذا بعيد فإنه ليس في الآية تعرض للقسمة؛ وإنما اقتضت الآية وجوب الحظ ~~والنصيب في التركة قليلا كان أو كثيرا؛ فقال سبحانه وتعالى: {للرجال نصيب ~~مما ترك الوالدان والأقربون} [النساء: 7] وهذا ظاهر جدا؛ فأما إبراز ذلك ~~النصيب فإنما يؤخذ من دليل آخر؛ وذلك أن الوارث يقول: قد وجب لي نصيب بقول ~~الله سبحانه فمكنوني منه. فيقول له شريكه: أما تمكينك على الاختصاص فلا ~~يمكن؛ لأنه يؤدي إلى ضرر بيني وبينك من إفساد المال وتغيير الهيئة وتنقيص ~~القيمة، فيقع الترجيح. # PageV01P427 # والأظهر سقوط القسمة فيما يبطل المنفعة وينقص القيمة. ### | [الآية الثامنة قوله تعالى وإذا حضر القسمة ms0297 أولو القربى] # الآية الثامنة: {وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين ~~فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا} [النساء: 8] في هذه الآية ثلاثة ~~أقوال: الأول: أنها منسوخة؛ قاله سعيد وقتادة، وهو أحد قولي ابن عباس. # الثاني: أنها محكمة، والمعنى فيها الإرضاخ للقرابة الذين لا يرثون إذا ~~كان المال وافرا، والاعتذار إليهم إن كان المال قليلا، ويكون هذا على هذا ~~الترتيب بيانا لتخصيص قوله تعالى: {للرجال نصيب} [النساء: 7] وأنه في بعض ~~الورثة غير معين؛ فيكون تخصيصا غير معين، ثم يتعين في آية المواريث. وهذا ~~ترتيب بديع؛ لأنه عموم ثم تخصيص ثم تعيين. الثالث: أنها نازلة في الوصية، ~~يوصي الميت لهؤلاء على اختلاف في نقل الوصية لا معنى لها. وأكثر أقوال ~~المفسرين أضغاث وآثار ضعاف. والصحيح أنها مبينة استحقاق الورثة لنصيبهم، ~~واستحباب المشاركة لمن لا نصيب له منهم بأن يسهم لهم من التركة ويذكر لهم ~~من القول ما يؤنسهم وتطيب به نفوسهم. وهذا محمول على الندب من وجهين: ~~أحدهما: أنه لو كان فرضا لكان ذلك استحقاقا في التركة ومشاركة في الميراث ~~لأحد الجهتين معلوم وللآخر مجهول؛ وذلك مناقض للحكمة وإفساد لوجه التكليف. # PageV01P428 # الثاني: أن المقصود من ذلك الصلة، ولو كان فرضا يستحقونه لتنازعوا منازعة ~~القطيعة ### | [الآية التاسعة قوله تعالى وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم] # فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا} [النساء: 9] # اختلف علماؤنا فيها على أربعة أقوال: الأول: أنه نهي لمن حضر عند الموت ~~عن الترغيب له بالوصية حتى يخرج إلى الإسراف المضر بالورثة. # الثاني: أنه نهي للميت عن الإعطاء في الوصية للمساكين والضعفاء. # الثالث: أنه نهي لمن حضر عند الميت عن ترغيبه في الزيادة على الثلث. # الرابع: أن الآية راجعة إلى ما سبق من ذكر اليتامى وأموالهم وأوليائهم، ~~فذكروا بالنظر في مصلحتهم والعمل بما كان يرضيهم أن يعمل مع ذرياتهم ~~الضعفاء وورثتهم. والصحيح أن الآية عامة في كل ضرر يعود عليهم بأي وجه كان ~~على ذرية المتكلم، فلا يقول إلا ما يريد أن يقال فيه وله. ### | [الآية العاشرة ms0298 قوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم] # الآية العاشرة قوله قوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ ~~الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها ~~النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ~~ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي ~~بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن ~~الله كان عليما حكيما} [النساء: 11] اعلموا علمكم الله أن هذه الآية ركن من ~~أركان الدين، وعمدة من عمد # PageV01P429 # الأحكام، وأم من أمهات الآيات: فإن الفرائض عظيمة القدر حتى إنها ثلث ~~العلم، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «العلم ثلاث: آية محكمة، أو سنة ~~قائمة، أو فريضة عادلة». # وكان جل علم الصحابة وعظم مناظرتهم، ولكن الخلق ضيعوه، وانتقلوا منه إلى ~~الإجارات والسلم والبيوع الفاسدة والتدليس، إما لدين ناقص، أو علم قاصر، أو ~~غرض في طلب الدنيا ظاهر {وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون} [القصص: 69] ~~ولو لم يكن من فضل الفرائض والكلام عليها إلا أنها تبهت منكري القياس وتخزي ~~مبطلي النظر في إلحاق النظير بالنظير، فإن عامة مسائلها إنما هي مبنية على ~~ذلك؛ إذ النصوص لم تستوف فيها، ولا أحاطت بنوازلها، وسترى ذلك فيها إن شاء ~~الله. وقد روى مطرف عن مالك قال: قال عبد الله بن مسعود: من لم يتعلم ~~الفرائض والحج والطلاق فبم يفضل أهل البادية؟ وقال وهب عن مالك: كنت أسمع ~~ربيعة يقول: من تعلم الفرائض من غير علم بها من القرآن ما أسرع ما ينساها. ~~قال مالك: وصدق. # وقد أطلنا فيها النفس في مسائل الخلاف؛ فأما الآن فإنا نشير إلى نكت ~~تتعلق بألفاظ الكتاب، وفيها ست عشرة مسألة: # المسألة الأولى: في المخاطب بها، وعلى من يعود الضمير؟: وبيانه أن الخطاب ~~عام في الموتى الموروثين، والخلفاء الحاكمين، وجميع المسلمين؛ أما تناولها ~~للموتى فليعلموا المستحقين لميراثهم بعدهم فلا يخالفوه بعقد ولا ms0299 عهد؛ وفي ~~ذلك آثار كثيرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمهاتها ثلاثة أحاديث: # الحديث الأول: حديث سعد في الصحيح: «عادني رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عام حجة الوداع في مرض اشتد بي، فقلت: يا رسول الله؛ أنا ذو مال ولا ~~يرثني إلا ابنة لي؛ أفأتصدق بمالي كله؟ قال: لا. قلت: فالثلثان؟ قال: لا. ~~قلت: فالشطر؟ قال: # PageV01P430 # لا. الثلث، والثلث كثير؛ إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة ~~يتكففون الناس». # الثاني: ما ثبت في الصحيح قال أبو هريرة: «قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وقد سئل: أي الصدقة أفضل؟ قال: أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى ~~وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، ~~وقد كان لفلان كذا». # الثالث: ما روى مالك، عن عائشة أن أبا بكر الصديق قال لها في مرض موته: " ~~إني كنت نحلتك جاد عشرين وسقا من تمر، فلو كنت جددته لكان لك، وإنما هو ~~اليوم مال الوارث ". فبين الله سبحانه أن المرء أحق بماله في حياته، فإذا ~~وجد أحد سببي زواله وهو المرض قبل وجود الثاني، وهو الموت منع من ثلثي ~~ماله، وحجر عليه تفويته لتعلق حق الوارث به، فعهد الله سبحانه بذلك إليه، ~~ووصى به ليعلمه فيعمل به؛ ووجوب الحكم المعلق على سببين بأحد سببيه ثابت ~~معلوم في الفقه؛ لجواز إخراج # PageV01P431 # الكفارة بعد اليمين، وقبل الحنث، وبعد الخروج، وقبل الموت في القتل، ~~وكذلك صح سقوط الشفعة بوجود الاشتراك في المال قبل البيع. وأما تناوله ~~للخلفاء الحاكمين فليقضوا به على من نازع في ذلك من المتخاصمين. وأما ~~تناوله لكافة المسلمين فليكونوا به عالمين، ولمن جهله مبينين، وعلى من ~~خالفه منكرين، وهذا فرض يعم الخلق أجمعين، وهو فن غريب من تناول الخطاب ~~للمخاطبين، فافهموه واعملوا به وحافظوا عليه واحفظوه، والله المستعان. # المسألة الثانية: في سبب نزولها: وفي ذلك ثلاثة أقوال: الأول: أن أهل ~~الجاهلية كانوا لا يورثون الضعفاء من الغلمان ولا الجواري، فأنزل الله ~~تعالى ذلك، ms0300 وبين حكمه ورد قولهم. الثاني: قال ابن عباس: كان الميراث للولد، ~~وكانت الوصية للوالدين والأقرباء؛ فرد الله ذلك وبين المواريث، رواه في ~~الصحيح. # الثالث: أن عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو مقارب الحديث عندهم، روى عن ~~«جابر بن عبد الله قال: خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى جئنا ~~امرأة من الأنصار في الأسواق، وهي جدة خارجة بن زيد بن ثابت، فزرناها ذلك ~~اليوم، فعرشت لنا صورا فقعدنا تحته، وذبحت لنا شاة وعلقت لنا قربة، فبينما ~~نحن نتحدث إذ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الآن يأتيكم رجل من ~~أهل الجنة فطلع علينا أبو بكر الصديق فتحدثنا، ثم قال لنا: الآن يأتيكم رجل ~~من أهل الجنة فطلع علينا عمر بن الخطاب فتحدثنا، فقال: الآن يأتيكم رجل من ~~أهل الجنة. قال: فرأيته يطأطئ رأسه من سعف الصور يقول: اللهم إن شئت جعلته ~~علي بن أبي طالب، فجاء حتى دخل علينا، فهنيئا لهم بما قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فيهم، فجاءت المرأة بطعامها فتغدينا، ثم قام رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - لصلاة الظهر، فقمنا معه ما توضأ ولا أحد منا، غير أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ بكفه جرعا من # PageV01P432 # الماء فتمضمض بهن من غمر الطعام؛ فجاءت المرأة بابنتين لها إلى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله؛ هاتان بنتا سعد بن الربيع قتل ~~معك يوم أحد، وقد استفاء عمهما مالهما وميراثهما كله، فلم يدع لهما مالا ~~إلا أخذه؛ فما ترى يا رسول الله؟ فوالله لا تنكحان أبدا إلا ولهما مال. قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يقضي الله في ذلك فنزلت: {يوصيكم الله ~~في أولادكم} [النساء: 11] الآية، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~ادع لي المرأة وصاحبها فقال لعمهما: أعطهما الثلثين، وأعط أمهما الثمن، ولك ~~الباقي». فقال محمد بن عبد الله بن محمد بن عطاء مقارب الحديث قال الإمام ~~أبو بكر: هو مقبول لهذا الإسناد. # الثالث: ما روى ms0301 البخاري عن جابر «قلت: يا رسول الله؛ ما ترى أن أصنع في ~~مالي؟ فنزلت: {يوصيكم الله في أولادكم} [النساء: 11]» رد لكل عمل من تلك ~~الأعمال وإبطال لجميع الأقوال المتقدمة، إلا أن في حديث جابر الأول فائدة؛ ~~وهو أن ما كانت الجاهلية تفعل في صدر الإسلام لم يكن شرعا مسكوتا عنه؛ مقرا ~~عليه؛ لأنه لو كان شرعا مقرا عليه لما حكم النبي - عليه السلام - على عم ~~الصبيتين برد ما أخذ من مالهما؛ لأن الأحكام إذا مضت وجاء النسخ بعدها إنما ~~تؤثر في المستقبل، ولا ينقض به ما تقدم، وإنما كانت ظلامة وقعت، أما أن ~~الذي وقعت الوصية به للوالدين والأقربين فأخرجت عنها أهل المواريث. # المسألة الثالثة: قوله: {في أولادكم} [النساء: 11] يتناول كل ولد كان ~~موجودا من صلب الرجل دنيا أو بعيدا؛ قال الله تعالى: {يا بني آدم} ~~[الأعراف: 31] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنا سيد ولد أدم». وقال ~~تعالى: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد} [النساء: 12] # PageV01P433 # فدخل فيه كل من كان لصلب الميت دنيا أو بعيدا. ويقال بنو تميم؛ فيعم ~~الجميع؛ فمن علمائنا من قال: ذلك حقيقة في الأدنين مجاز في الأبعدين. ومنهم ~~من قال: هو حقيقة في الجميع؛ لأنه من التولد، فإن كان الصحيح أن ذلك حقيقة ~~في الجميع فقد غلب مجاز الاستعمال في إطلاقه على الأعيان في الأدنين على ~~تلك الحقيقة. والصحيح عندي أنه مجاز في البعداء بدليل أنه ينفي عنه؛ فيقال ~~ليس بولد، ولو كان حقيقة لما ساغ نفيه، ألا ترى أنه يسمي ولد الولد ولدا، ~~ولا يسمي به ولد الأعيان، وكيفما دارت الحال فقد اجتمعت الأمة هاهنا على ~~أنه ينطلق على الجميع. وقد قال مالك: لو حبس رجل على ولده لانتقل إلى ~~أبنائهم، ولو قال صدقة فاختلف قول علمائنا؛ هل تنقل إلى أولاد الأولاد على ~~قولين، وكذلك في الوصية. واتفقوا على أنه لو حلف لا ولد له وله حفدة لم ~~يحنث. وإنما اختلف ذلك في أقوال المخلوقين في هذه المسائل لوجهين: أحدهما: ms0302 ~~أن الناس اختلفوا في عموم كلام المخلوقين هل يحمل على العموم كما يحمل كلام ~~الباري؟ فإذا قلنا بذلك فيه على قولين: أحدهما أنه لا يحمل كلام الناس على ~~العموم بحال، وإن حمل كلام الله سبحانه عليه. # الثاني: أن كلام الناس يرتبط بالأغراض والمقاصد، والمقصود من الحبس ~~التعقيب، فدخل فيه ولد الولد، والمقصود من الصدقة التمليك؛ فدخل فيه الأدنى ~~خاصة ولم يدخل فيه من بعد إلا بدليل. # PageV01P434 # والذي يحقق ذلك أنه قال بعده: {ولأبويه لكل واحد منهما السدس} [النساء: ~~11] فدخل فيه آباء الآباء، وكذلك يدخل فيه أولاد الأولاد. ### | [مسألة مفاد قوله تعالى للذكر مثل حظ الأنثيين] # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 11] هذا ~~القول يفيد أن الذكر إذا اجتمع مع الأنثى أخذ مثلي ما تأخذه الأنثى، وأخذت ~~هي نصف ما يأخذ الذكر؛ وليس هذا بنص على الإحاطة بجميع المال، ولكنه تنبيه ~~قوي؛ لأنه لولا أنهم يحيطون بجميع المال إذا انفردوا لما كان بيانا لسهم ~~واحد منهم، فاقتضى الاضطرار إلى بيان سهامهم الإحاطة بجميع المال إذا ~~انفردوا؛ فإذا انضاف إليهم غيرهم من ذوي السهام فأخذ سهمه كان الباقي أيضا ~~معلوما؛ فيتعين سهم كل واحد منهم فيه، ووجب حمل هذا القول على العموم، إلا ~~أنه خص منه الأبوين بالسدس لكل واحد منهما، والزوجين بالربع والثمن لهما ~~على تفصيلهما، وبقي العموم والبيان بعد ذلك على أصله. # المسألة الخامسة: قوله تعالى: {في أولادكم} [النساء: 11] عام في الأعلى ~~منهم والأسفل؛ فإن استووا في الرتبة أخذوه بهذه القسمة، وإن تفاوتوا فكان ~~بعضهم أعلى من بعض حجب الأعلى الأسفل؛ لأن الأعلى يقول: أنا ابن الميت، ~~والأسفل يقول: أنا ابن ابن الميت، فلما استفلت درجته انقطعت حجته؛ لأن الذي ~~يدلي به يقطع به، فإن كان الولد الأعلى ذكرا سقط الأسفل، وإن كان الولد ~~الأعلى أنثى أخذت الأنثى حقها، وبقي الباقي لولد الولد إن كان ذكرا، وإن ~~كان ولد الولد أنثى أعطيت العليا النصف، وأعطيت السفلى السدس تكملة ~~الثلثين؛ لأنا نقدرهما بنتين متفاوتتين في الرتبة، فاشتركتا في ms0303 الثلث بحكم ~~البنتية، وتفاوتتا في القسمة بتفاوت الدرجة؛ وبهذه الحكمة جاءت السنة. وإن ~~كان الولد الأعلى بنتين أخذتا الثلثين، فإن كان الولد الأسفل أنثى لم يكن ~~لها شيء إلا أن يكون بإزائها أو أسفل منها ذكر فإنها تأخذ معه ما بقي للذكر ~~مثل حظ الأنثيين بإجماع الصحابة، إلا ما يروى عن ابن مسعود أنه قال: " إن ~~كان الذكر من ولد الولد بإزائها رد عليها، وإن كان أسفل منها لم يرد عليها ~~شيئا "، مراعيا في ذلك. # PageV01P435 # ظاهر قوله تعالى: {فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك} [النساء: ~~11] فلم يجعل للبنات وإن كثرن شيئا إلا الثلثين؛ وهذا ساقط، فإن الموضع ~~الذي قضينا فيه باشتراك بنت الابن مع ابن أخيها واشتراك ابن الابن مع عمته ~~ليس حكما بالسهم الذي اقتضاه قوله تعالى: {فلهن ثلثا ما ترك} [النساء: 11] ~~وإنما هو قضاء بالتعصيب. # والدليل عليه اشتراكهما معه إذا كانتا بإزائه، وإن كان ذلك زيادة على ~~الثلثين، وهذا قاطع جدا. ولو قال قائل: إنه لو وازاها ما رد عليها، ولا ~~شاركته مراعاة لهذا الظاهر لقيل له: لا حجة لك في هذا الظاهر؛ لأن هذا حق ~~أخذ بالسهم، وهذا حق أخذ بالتعصيب؛ وما يؤخذ بالتعصيب يجوز أن يزيد على ~~الثلثين بخلاف السهم المفروض المعين؛ ألا ترى أن رجلا لو ترك عشر بنات ~~وابنا واحدا، لأخذت البنات أكثر من الثلثين، ولكن ذلك لما كان بالتعصيب لم ~~يقدح في الذي يجب بالسهم؛ وفي ذلك تفصيل طويل بيانه في الفرائض. ### | [مسألة قوله تعالى فإن كن نساء فوق اثنتين] # المسألة السادسة: قوله تعالى: {فإن كن نساء فوق اثنتين} [النساء: 11] وهي ~~معضلة عظيمة فإنه تعالى لو قال: فإن كن اثنتين فما فوقهما فلهن ثلثا ما ترك ~~لانقطع النزاع، فلما جاء القول هكذا مشكلا وبين حكم الواحدة بالنصف وحكم ما ~~زاد على الاثنتين بالثلثين، وسكت عن حكم البنتين أشكلت الحال، فروي عن ابن ~~عباس أنه قال: تعطى البنات النصف، كما تعطى الواحدة؛ إلحاقا للبنتين ~~بالواحدة من طريق النظر؛ لأن الأصل عدم ms0304 الزيادة على النصف، وأن ذلك لما زاد ~~على البنتين فتختص الزيادة بتلك الحال. الجواب: أن الله سبحانه وتعالى لو ~~كان مبينا حال البنتين بيانه لحال الواحدة وما فوق البنتين لكان ذلك قاطعا، ~~ولكنه ساق الأمر مساق الإشكال؛ لتتبين درجة العالمين، وترتفع منزلة ~~المجتهدين في أي المرتبتين [في] إلحاق البنتين أحق؟ # PageV01P436 # وإلحاقهما بما فوق الاثنتين أولى من ستة أوجه: الأول: أن الله سبحانه ~~وتعالى لما قال: {للذكر مثل حظ الأنثيين} [النساء: 11] نبه على أنه إذا وجب ~~لها مع أخيها الثلث فأولى وأحرى أن يجب لها ذلك مع أختها. # الثاني: أنه روي عن ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~الصحيح: «أنه قضى في بنت وبنت ابن وأخت بالسدس لبنت الابن، والنصف للبنت ~~تكملة الثلثين، وما بقي فللأخت»، فإذا كان لبنت الابن مع البنت الثلثان ~~فأحرى وأولى أن يكون لها ذلك مع أختها. # الثالث: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى بالثلثين لابنتي سعد بن ~~الربيع» كما قدمنا، وهو نص. # الرابع: أن المعنى فيه: فإن كن نساء اثنتين فما فوقهما، كما قال تعالى: ~~{فاضربوا فوق الأعناق} [الأنفال: 12] أي اضربوا الأعناق فما فوقها. # الخامس: أن النصف سهم لم يجعل فيه اشتراك؛ بل شرع مخلصا للواحدة، بخلاف ~~الثلثين فإنه سهم الاشتراك بدليل دخول الثلاث فيه فما فوقهن؛ فدخلت فيه ~~الاثنتان مع الثلث دخول الثلاث مع ما فوقهن. # السادس: أن الله سبحانه قال في الأخوات: {وله أخت فلها نصف ما ترك} ~~[النساء: 176] وقال: {فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان} [النساء: 176] فلحقت ~~الابنتان بالأختين في الاشتراك في الثلثين، وحملتا عليهما، ولحقت الأخوات ~~إذا زدن على اثنتين بالبنات في الاشتراك في الثلثين وحملتا عليهن. قال بعض ~~علمائنا: كما حملنا الابن في الإحاطة بالمال بطريق التعصيب على الأخ، بدليل ~~قوله تعالى: {وهو يرثها إن لم يكن لها ولد} [النساء: 176] وهذا كله ليتبين ~~به العلماء أن القياس مشروع، والنص قليل. وهذه الأوجه الستة بينة المعنى، ~~وإن كان بعضها أجلى من بعض؛ لكن مجموعها يبين المقصود. # PageV01P437 ### | [مسألة معنى قوله ms0305 تعالى ولأبويه لكل واحد منهما السدس] # المسألة السابعة: قوله تعالى: {ولأبويه لكل واحد منهما السدس} [النساء: ~~11] هذا قول لم يدخل فيه من علا من الآباء دخول من سفل من الأبناء في قوله: ~~{أولادكم} [النساء: 11] لثلاثة أوجه: الأول: أن القول هاهنا مثنى، والمثنى ~~لا يحتمل العموم والجمع. # الثاني: أنه قال: فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث، والأم ~~العليا هي الجدة، ولا يفرض لها الثلث بإجماع؛ فخروج الجدة من هذا اللفظ ~~مقطوع به، وتناوله للأب مختلف فيه. # الثالث: أنه إنما قصد في قوله: {أولادكم} [النساء: 11] بيان العموم، وقصد ~~هاهنا بيان النوعين من الآباء وهما الذكر والأنثى، وتفصيل فرضهما دون ~~العموم؛ فأما الجد فقد اختلف فيه الصحابة؛ فروي عن أبي بكر الصديق أنه جعله ~~أبا، وحجب به الإخوة أخذا بقوله تعالى: {ملة أبيكم إبراهيم} [الحج: 78] ~~وبقوله تعالى: {يا بني آدم} [الأعراف: 31] وقد بينا أن هذا اللفظ مساقه ~~بيان التنويع لا بيان العموم، ومقاصد الألفاظ أصل يرجع إليه. والذي نحققه ~~من طريق النظر والمعنى أن الأخ أقوى سببا من الجد؛ فإن الأخ يقول: أنا ابن ~~أبي الميت، والجد يقول: أنا أبو أبي الميت، وسبب البنوة أقوى من سبب ~~الأبوة؛ فكيف يسقط الأضعف الأقوى؛ وهذا بعيد، والمسألة مشهورة طيولية في ~~مسائل الخلاف، والغرض من هذا البيان إيضاح أن المسألة قياسية لا مدخل لها ~~في هذه الألفاظ؛ فأما الجدة فقد صح أن الجدة أم الأم جاءت أبا بكر الصديق ~~فقال لها: لا أجد لك في كتاب الله شيئا، وما أنا بزائد في الفرائض شيئا؛ ~~فإن وجد الأب والأم لم يكن للجد والجدة شيء؛ لأن الأدنى يحجب الأبعد كما ~~تقدم في الأولاد، وإن عدما ينزل الأبعد منزلة من كان قبله. # المسألة الثامنة: قال بعض الناس: معناه إن كان له ولد ذكر، وأما إن كان ~~الولد أنثى أخذت النصف، وأخذت الأم السدس، وأخذ الأب الثلث؛ وهذا ضعيف، بل ~~يأخذ الأب # PageV01P438 # السدس سهما والسدس الآخر تعصيبا، وهو معنى آخر لم يقع عليه نص في الآية، ~~إنما ms0306 هو تنبيه ظاهر، على ما يأتي بيانه إن شاء الله. # المسألة التاسعة: قوله تعالى: {ولأبويه لكل واحد منهما السدس} [النساء: ~~11] إلى قوله سبحانه وتعالى: {الثلث} [النساء: 11] قال علماؤنا: سوى الله ~~سبحانه وتعالى بين الأبوين مع وجود الولد، وفاضل بينهما مع عدمه في أن جعل ~~سهميهما للذكر مثل حظ الأنثيين، والمعنى فيه أنهما يدليان بقرابة واحدة وهي ~~الأبوة، فاستويا مع وجود الولد؛ فإن عدم الولد فضل الأب الأم بالذكورة ~~والنصرة ووجوب المؤنة عليه، وثبتت الأم على سهم لأجل القرابة. # المسألة العاشرة: إذا اجتمع الآباء والأولاد قدم الله الأولاد؛ لأن الأب ~~كان يقدم ولده على نفسه، ويود أنه يراه فوقه ويكتسب له؛ فقيل له: حال حفيدك ~~مع ولدك كحالك مع ولدك. # المسألة الحادية عشرة: قوله تعالى: {فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه} ~~[النساء: 11] يقتضي أنه لا وارث له، مع عدم الأولاد إلا الأبوان؛ فكان ظاهر ~~الكلام أن يقول: فإن لم يكن له ولد ورثه أبواه فلأمه الثلث، ولكنه أراد ~~زيادة الواو ليبين أنه أمر مستقر خبر عن ثبوته واستقراره؛ لأن الأولاد ~~أسقطوا الإخوة، وشاركهم الأب، وأخذ حظه من أيديهم؛ فوجب أن يسقط من أسقطوا، ~~بل أولى، وأيضا فإن الأخ بالأب يدلي فيقول: أنا ابن أبيه، فلما كان واسطته ~~وسببه الذي يريد أن يأخذ به هو الأب كان سببه أولى منه ومانعا له؛ فيكون ~~حال الوالدين عند انفرادهما كحال الوالدين للذكر مثل حظ الأنثيين كما تقدم ~~بيانه، ويجتمع بذلك للأب فرضان: السهم، والتعصيب، وهذا عدل في الحكم ظاهر ~~في الحكمة. # المسألة الثانية عشرة: قوله تعالى: {فإن كان له إخوة فلأمه السدس} ~~[النساء: 11] المعنى إن وجد له إخوة فلأمه السدس، وإن لم يكن لهم شيء من ~~الميراث فهم يحجبون ولا يرثون بظاهر هذا اللفظ، بخلاف الابن الكافر، على ما ~~يأتي بيانه إن شاء # PageV01P439 # الله تعالى، وكان دليل ذلك، وعاضده، وبسطه أن قوله تعالى: {فإن كان له ~~إخوة} [النساء: 11] معطوف على ما سبق، فصار تقدير الكلام: فإن لم يكن له ~~ولد وورثه أبواه فلأمه ms0307 الثلث، والباقي للأب، وإن كان له إخوة فلأمه السدس، ~~والباقي للأب، وهكذا يزدوج الكلام ويصح الاشتراك الذي يقتضيه العطف. فإن ~~قيل: إنما تقدير الكلام فإن كان له إخوة ولا أب له فلأمه السدس. قلنا: هذا ~~ساقط من أربعة أوجه: أحدها: أنه تبطل فائدة العطف. # الثاني: أنه إبطال لفائدة الكلام من البيان، فإنا كنا نعطي بذلك الأم ~~السدس، وما ندري ما نصنع بباقي المال؟ فإن قيل: يعطي للإخوة. قلنا: وهم من؟ ~~أو كيف يعطي لهم؟ فيكون القول مشكلا غير مبين ولا مبين، وهذا لا يجوز. # الثالث: أنه كان يبقى قسم من الأقسام غير مبين، وهو إن كان له إخوة وله ~~أب وأم فاعتباره بالبيان أولى، وما صوروه من أم وإخوة قد بين في قوله: {وإن ~~كان رجل يورث كلالة أو امرأة} [النساء: 12] وهذا من نفيس الكلام، فتأملوه. # الرابع: أنه تبين هاهنا فائدتان: إحداهما: حجب الأم بالإسقاط لهم. ~~الثاني: حجب النقصان للأم. # المسألة الثالثة عشرة: قوله تعالى {فإن كان له إخوة فلأمه السدس} ~~[النساء: 11] هذا قول يقتضي بظاهره أنه إذا كان له ثلاثة إخوة أنهم ~~يحجبونها حجب نقصان بلا خلاف، وإن كانا أخوين فروي عن ابن عباس أنهما لا ~~يحجبانها؛ وغرضه ظاهر؛ فإن الجمع خلاف التثنية لفظا وصيغة، وهذه صيغة الجمع ~~فلا مدخل لها في التثنية. # PageV01P440 # ومن يعجب فعجب أن يخفى على حبر الأمة وترجمان القرآن ودليل التأويل عبد ~~الله بن عباس مسألتان: إحداهما هذه المسألة، والأخرى مسألة العول؛ وعضد هذا ~~الظاهر بأن قال: إن الأم أخذت الثلث بالنص، فكيف يسقط النص بمحتمل. وهذا ~~المنحى مائل عن سنن الصواب. ولعلمائنا في ذلك سبيل مسلوكة نذكرها ونبين ~~الحق فيها إن شاء الله، وذلك من ثلاثة أوجه: الأول: أنه ينطلق لفظ الإخوة ~~على الأخوين؛ بل قد ينطلق لفظ الجماعة على الواحد، تقول العرب: نحن فعلنا، ~~وتريد القائل لنفسه خاصة. # وقد قال تعالى: {هذان خصمان اختصموا في ربهم} [الحج: 19] وقال: {وهل أتاك ~~نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب} [ص: 21] ثم قال: {خصمان بغى بعضنا على بعض} ms0308 ~~[ص: 22] وقال: {فقد صغت قلوبكما} [التحريم: 4] وقال: {وكنا لحكمهم شاهدين} ~~[الأنبياء: 78] وقال: {بم يرجع المرسلون} [النمل: 35] والرسول واحد. وقال ~~تعالى: {أولئك مبرءون مما يقولون} [النور: 26] يعني عائشة، وقيل عائشة ~~وصفوان. وقال: {وألقى الألواح} [الأعراف: 150] وكانا اثنين كما نقل في ~~التفسير. وقال: {وأطراف النهار} [طه: 130] وهما طرفان. وقال: {إنا معكم ~~مستمعون} [الشعراء: 15] وقال: {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون} ~~[السجدة: 18] وقال: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم} ~~[آل عمران: 173] وكان واحدا. وهذا كله صحيح في اللغة سائغ، لكن إذا قام ~~عليه دليل؛ فأين الدليل؟. # الثاني: أن الله تعالى قال في ميراث الأخوات: {فإن كانتا اثنتين فلهما ~~الثلثان مما ترك} [النساء: 176] فحمل العلماء البنتين على الأختين في ~~الاشتراك في الثلثين، وحملوا الأخوات على البنات في الاشتراك في الثلثين، ~~وكان هذا نظرا دقيقا # PageV01P441 # وأصلا عظيما في الاعتبار، وعليه المعول، وأراد الباري بذلك أن يبين لنا ~~دخول القياس في الأحكام. # الثالث: أن الكلام في ذلك لما وقع بين عثمان وابن عباس؛ قال له عثمان: إن ~~قومك حجبوها يعني بذلك قريشا، وهم أهل الفصاحة والبلاغة وهم المخاطبون، ~~والقائمون لذلك؛ والعاملون به؛ فإذا ثبت هذا فلا يبقى لنظر ابن عباس وجه؛ ~~لأنه إن عول على اللغة فغيره من نظائره ومن فوقه من الصحابة أعرف بها، وإن ~~عول على المعنى فهو لنا؛ لأن الأختين كالبنتين كما بينا، وليس في الحكم ~~بمذهبنا خروج عن ظاهر الكلام؛ لأنا بينا أن في اللغة واردا لفظ الاثنين على ~~الجميع. ### | [مسألة معنى قوله تعالى من بعد وصية يوصي بها أو دين] # المسألة الرابعة عشرة: قوله تعالى: {من بعد وصية يوصي بها أو دين} ~~[النساء: 11] قال علماؤنا: هذا فصل عظيم من فصول الفرائض، وأصل عظيم من ~~أصول الشريعة؛ وذلك أن الله سبحانه جعل المال قواما للخلق؛ ويسر لهم السبب ~~إلى جمعه بوجوه متعبة، ومعان عسيرة، وركب في جبلاتهم الإكثار منه والزيادة ~~على القوت الكافي المبلغ إلى المقصود، وهو تاركه بالموت يقينا، ومخلفه ~~لغيره، فمن رفق الخالق بالخلق ms0309 صرفه عند فراق الدنيا؛ إبقاء على العبد ~~وتخفيفا من حسرته على أربعة أوجه: الأول: ما يحتاج إليه من كفنه وجهازه إلى ~~قبره. الثاني: ما تبرأ به ذمته من دينه. الثالث: ما يتقرب به إلى الله من ~~خير ليستدرك به ما فات في أيام مهلته. الرابع: ما يصير إلى ذوي قرابته ~~الدانية وأنسابه المشتبكة المشتركة. فأما الأول فإنما قدم؛ لأنه أولى بماله ~~من غيره، ولأن حاجته الماسة في الحال متقدمة على دينه، وقد كان في حياته لا ~~سبيل لقرابته إلى قوته ولباسه، وكذلك في كفنه. # وأما تقديم الدين فلأن ذمته مرتهنة بدينه، وفرض الدين أولى من فعل الخير ~~الذي يتقرب به. # PageV01P442 # فأما تقديم الصدقة على الميراث في بعض المال ففيه مصلحة شرعية وإيالة ~~دينية؛ لأنه لو منع جميعه لفاته باب من البر عظيم، ولو سلط عليه لما أبقى ~~لورثته بالصدقة منه شيئا لأكثر الوارثين أو بعضهم؛ فقسم الله سبحانه بحكمته ~~المال وأعطى الخلق ثلث أموالهم في آخر أعمارهم، وأبقى سائر المال للورثة، ~~كما قال - عليه السلام -: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة ~~يتكففون الناس». مع أنه كلالة منه بعيد عنه. وأراد بقوله: " خير " هاهنا ~~وجوها معظمها أن ذلك سبب إلى ذكره بالجميل، وإحياء ذكره هو إحدى الحياتين، ~~ومعنى مقصود عند العقلاء، وقد أثنى الله سبحانه على الأنبياء في طريقه ~~فقال: {وتركنا عليه في الآخرين} [الصافات: 78] وأخبر عن رغبته فيه فقال: ~~{واجعل لي لسان صدق في الآخرين} [الشعراء: 84] # وإذا كان ورثته أغنياء عظم قدرهم، وشرف ذكرهم في الطاعة وذكره. وقد ذكر ~~الله تعالى الأوجه الثلاثة وترك الأول؛ لأنه ليس بمتروك، وإنما يكون متروكا ~~ما فضل عن حاجته ومصلحته؛ ولما جعل الله في القسم الثالث الوصية مشروعة ~~مسوغة له، وكلها إلى نظره لنفسه في أعيان الموصي لهم، وبمقدار ما يصلح لهم. ~~وقد كانت قبل ذلك مفروضة للوالدين والأقربين غير مقدرة ثم نسخ ذلك، فروى ~~أبو داود والترمذي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله أعطى لكل ~~ذي ms0310 حق حقه؛ لا وصية لوارث». # PageV01P443 # وقد روى البخاري عن «خباب قال: هاجرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وذكر الحديث، ثم قال: ومنهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد، فلم نجد له ما ~~نكفنه فيه إلا نمرة كنا إذا غطينا بها رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا بها ~~رجليه بدا رأسه. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: غطوا بها رأسه واجعلوا ~~عليه من الإذخر»؛ فبدأ بالكفن على كل شيء. # وروى الأئمة، «عن جابر أن أباه استشهد يوم أحد، وترك ست بنات، وترك دينا، ~~فلما حضر جداد النخل أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول ~~الله؛ قد علمت أن والدي استشهد يوم أحد، وترك عليه دينا، وإني أحب أن يراك ~~الغرماء. قال: اذهب فبيدر كل تمرة على حدة ففعلت: فلما دعوته وحضر عندي ~~ونظروا إليه كأنما أغروا بي تلك الساعة، فلما رأى ما يصنعون طاف حول أعظمها ~~بيدرا فجلس عليه، وقال: ادع أصحابك؛ فما زال يكيل لهم حتى أدى الله أمانة ~~والدي». فقدم الدين على الميراث. وروى البخاري، عن سلمة بن الأكوع قال: ~~«كنا جلوسا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ أتي بجنازة فقالوا: صل ~~عليها، فقال: هل عليه دين؟ قالوا: لا، فصلى عليه، ثم أتي بجنازة أخرى ~~فقالوا: يا رسول الله، صل عليها. فقال: هل عليه دين؟ قالوا: نعم. قال: فهل ~~ترك شيئا؟ قالوا: ثلاثة دنانير، فصلى عليه. ثم أتي بالثالثة فقالوا: صل ~~عليها. فقال: هل ترك شيئا؟ قالوا: لا، قال: أعليه دين؟ قالوا: ثلاثة ~~دنانير. # PageV01P444 # قال: صلوا على صاحبكم. قال أبو قتادة: صل عليه يا رسول الله وعلي دينه، ~~فصلى عليه»، فجعل الوفاء بمقابلة الدين. # ولهذه الآثار والمعاني السالفة قال علي بن أبي طالب رواه الترمذي وغيره: ~~إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى بالدين قبل الوصية، وأنتم تقدمون ~~الوصية قبل الدين. فإن قيل: فما الحكمة في تقديم ذكر الوصية على ذكر الدين، ~~والدين مقدم عليها؟ قلنا؛ في ذلك خمسة أوجه: # الأول: أن " أو " لا ms0311 توجب ترتيبا، إنما توجب تفصيلا، فكأنه قال: من بعد ~~أحدهما أو من بعدهما، ولو ذكرهما بحرف الواو لأوهم الجمع والتشريك؛ فكان ~~ذكرهما بحرف " أو " المقتضي التفصيل أولى. # الثاني: أنه قدم الوصية؛ لأن تسببها من قبل نفسه، والدين ثابت مؤدى ذكره ~~أم لم يذكره. # الثالث: أن وجود الوصية أكثر من وجود الدين؛ فقدم في الذكر ما يقع غالبا ~~في الوجود. # الرابع: أنه ذكر الوصية، لأنه أمر مشكل، هل يقصد ذلك ويلزم امتثاله أم ~~لا؟ لأن الدين كان ابتداء تاما مشهورا أنه لا بد منه، فقدم المشكل؛ لأنه ~~أهم في البيان. # الخامس: أن الوصية كانت مشروعة ثم نسخت في بعض الصور، فلما ضعفها النسخ ~~قويت بتقديم الذكر؛ وذكرهما معا كان يقتضي أن تتعلق الوصية بجميع المال ~~تعلق الدين. لكن الوصية خصصت ببعض المال؛ لأنها لو جازت في جميع المال ~~لاستغرقته ولم # PageV01P445 # يوجد ميراث؛ فخصصها الشرع ببعض المال؛ بخلاف الدين، فإنه أمر ينشئه ~~بمقاصد صحيحة في الصحة والمرض، بينة المناحي في كل حال؛ يعم تعلقها بالمال ~~كله. ولما قام الدليل وظهر المعنى في تخصيص الوصية ببعض المال قدرت ذلك ~~الشريعة بالثلث، وبينت المعنى المشار إليه على لسان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في حديث سعد؛ «قال سعد للنبي - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله، ~~لي مال ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بثلثي مالي الحديث، إلى أن قال له ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: الثلث والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء ~~خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس». فظهرت المسألة قولا ومعنى وتبينت ~~حكمة وحكما. ### | [مسألة تقديم دين الزكاة والحج على الميراث] # المسألة الخامسة عشرة: لما ذكر الله تقديم الدين على الوصية تعلق بذلك ~~الشافعي في تقديم دين الزكاة والحج على الميراث، فقال: إن الرجل إذا فرط في ~~زكاته وحجه أخذ ذلك من رأس ماله. وقال أبو حنيفة ومالك: إن أوصى بها أديت ~~من ثلثه، وإن سكت عنها لم يخرج عنه شيء. وتعلق الشافعي ظاهر ببادئ الرأي، ~~لأنه حق من الحقوق؛ ms0312 فلزم أداؤه عنه بعد الموت كحقوق الآدميين، لا سيما ~~والزكاة مصرفها إلى الآدمي ومتعلق مالك أن ذلك موجب إسقاط الزكاة أو ترك ~~الورثة فقراء، لأنه يعتمد ترك الكل، حتى إذا مات استغرق ذلك جميع ماله؛ فلا ~~يبقى للورثة حق؛ فكان هذا قصدا باطلا في حق عباداته وحق ورثته؛ وكل من قصد ~~باطلا في الشريعة نقض عليه قصده، تحقق ذلك منه أو اتهم به إذا ظهرت علامته، ~~كما قضينا بحرمان الميراث للقاتل، وقد مهدناه في مسائل الخلاف. # PageV01P446 ### | [مسألة معنى قوله تعالى آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا] # المسألة السادسة عشرة: قوله تعالى: {آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب ~~لكم نفعا} [النساء: 11] اختلف العلماء في معناه على قولين: أحدهما: لا ~~تدرون في الدنيا أنهم أقرب لكم نفعا في الآخرة؛ لأن كل واحد من الجنسين ~~يشفع في الآخرة يوم القيامة. # الثاني: لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا؛ أيهم أرفع درجة في الدنيا؛ روي عن ~~ابن عباس. # والمعنى فيه أنه لو ترك الأمر على ما كان في أول الإسلام: الوصية ~~للوالدين والأقربين لم يؤمن إذا قسم التركة في الوصية، حيف أحدكم، لتفضيل ~~ابن على بنت، أو أب على أم، أو ولد على ولد، أو أحد من هؤلاء أو غيرهم على ~~أحد، فتولى الله سبحانه قسمها بعلمه، وأنفذ فيها حكمته بحكمه، وكشف لكل ذي ~~حق حقه، وعبر لكم ربكم عن ولاية ما جهلتم، وتولى لكم بيان ما فيه نفعكم ~~ومصلحتكم، والله أعلم. ### | [الآية الحادية عشرة قوله تعالى وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة] # وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في ~~الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم} ~~[النساء: 12] # فيها عشر مسائل: المسألة الأولى: في قراءتها: قرئ بفتح الراء وكسرها، ~~وقرئ بتشديدها مكسورة، فإن كان بالفتح فذلك عائد للميت، ويكون قوله: ~~{كلالة} [النساء: 12] حالا من الضمير في يورث. # PageV01P447 # وإذا قرئت بالكسر فمعناه عائد إلى الورثة، ms0313 ويكون قوله " كلالة " مفعولا ~~يتعدى الفعل إليه. وكذلك بالتشديد؛ وإنما فائدته تضعيف الفعل إليه. # المسألة الثانية: في لغتها: اختلف أهل اللغة وغيرهم في ذلك على ستة ~~أقوال: قال صاحب العين: # الكلالة: الذي لا ولد له ولا والد. # الثاني: قال أبو عمرو: ما لم يكن لحا من القرابة فهو كلالة، يقال: هو ابن ~~عمي لحا، وهو ابن عمي كلالة. # الثالث: وهو في معنى الثاني: أن الكلالة من بعد، يقال: كلت الرحم إذا بعد ~~من خرج منها. # الرابع: أن الكلالة من لا ولد له ولا والد ولا أخ. # الخامس: أن الكلالة هو الميت بعينه، كما يقال رجل عقيم ورجل أمي. # السادس: أن الكلالة هم الورثة، والوراث الذين يحيطون بالميراث. # المسألة الثالثة: في التوجيه: أما القول الأول والثاني والثالث فيعضده ~~الاشتقاق الذي بيناه في القول الثالث، ويقرب منه توجيه الرابع؛ لأن الأخ ~~قريب جدا حين جمعه مع أخيه صلب واحد وارتكضا في رحم واحدة، والتقما من ثدي ~~واحدة، وقد قال الشاعر: # فإن أبا المرء أحمى له ... ومولى الكلالة لا يغضب # وأما من قال: إنه الميت نفسه فقد نزع بقول الشاعر: # ورثتم قناة المجد لا عن كلالة ... عن ابني مناف عبد شمس وهاشم # ومن قال: إنهم المحيطون بالميراث نزع بأن العرب تقول: كلله النسب: أحاط ~~به، ومنه سمي التاج إكليلا؛ لأنه يحيط بجوانب الرأس. # وقال أبو عبيدة: هو الذي لا والد له ولا ولد، مأخوذ من تكلله النسب، أي ~~أحاط به؛ كأنه سماه بضده كالمفازة والسليم على أحد الأقوال. # PageV01P448 # المسألة الرابعة: في المختار: دعنا من ترتان، وما لنا ولاختلاف اللغة ~~وتتبع الاشتقاق؟ ولسان العرب واسع، ومعنى القرآن ظاهر، وظاهر القرآن أن ~~الكلالة من فقد أباه وابنه والزوجات وترك الإخوة [والدليل عليه أن الله ~~تعالى ترك سهام الفرائض مع الآباء والأبناء والزوجات وترك الإخوة]؛ فجعل ~~هذه آيتهم وجعلهم كلالة اسما موضوعا لغة بأحد معاني الكلالة مستعملا شرعا، ~~وكذلك ذكره في آخر السورة في آية الصيف سماه كلالة، وذكر فريضة لا أب فيها ~~ولا ابن، فتحققنا ms0314 بذلك مراد الله عز وجل في الكلالة. تبقى هاهنا نكتة تفطن ~~لها أبو عمرو، وهي إلحاق فقد الأخ للعين أو لعلة بالكلالة؛ لأنها نازلة ~~الآية في سورة النساء الأولى، وهي هذه؛ وفي الآية الأخرى آية الصيف: ~~الكلالة فقد الأب والابن؛ فدل على أن الاشتقاق يقتضي ذلك كله؛ ومطلق اللغة ~~يقتضيه؛ لأن القرآن جاء بها فاستعمله الشرع في كل موضع قصدا لبيان الأحكام ~~بحسب الأدلة والمصالح، فهذا جريان الأمر على الاشتقاق وتصريف اللغة، فأما ~~اعتبار المعنى على رسم الفتوى، وهي ### | [مسألة المراد بالكلالة] # المسألة الخامسة: واختلف العلماء في المراد بالكلالة على ثلاثة أقوال: # الأول: أن قوما اختاروا أن الكلالة من لا ولد له ولا والد؛ وهو قول أبي ~~بكر الصديق، وإحدى الروايتين عن عمر. # الثاني: من لا ولد له وإن كان له أب أو إخوة. الثالث: قول طريف لم يذكر ~~في التقسيم الأول؛ وهو أن الكلالة المال. فأما من قال: إنه المال، فلا وجه ~~له. وأما من قال: إنه الذي ذهب طرفاه الأسفل فمشكل تحقيق القول فيه؛ وذلك ~~أن عمر أشكلت عليه هذه الآية حتى ألحف على # PageV01P449 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيانها؛ فقال له: «ألا تكفيك آية ~~الصيف» يعني الآية التي أنزلت في آخر النساء. # وروى معدان بن أبي طلحة قال: خطب عمر بن الخطاب يوم الجمعة فقال: إني لا ~~أدع بعدي شيئا هو أهم عندي من الكلالة. وفي رواية: أهم عندي من الجد ~~والكلالة وما راجعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شيء ما راجعته في ~~الكلالة، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيها حتى طعن بإصبعه في صدري، ~~وقال: «يا عمر؛ أما تكفيك آية الصيف» يعني الآية التي في آخر سورة النساء. ~~قال وإن أعش أقض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن. ~~فإذا كان هذا أمرا وقف في وجه عمر فمتى يسفر لنا عنه وجه النظر؟ لكن الآن ~~نرد في اقتحام هذا الوعر بنية وعلم، فنقول فيهما والله ms0315 الموفق المنعم: إن ~~الكلالة وإن كانت معروفة لغة متواردة على معان متماثلة ومتضادة فعلينا أن ~~نتبصر مواردها في الشريعة فنقول: وردت في آيتين: إحداهما هذه، والأخرى التي ~~في آخر سورة النساء كما تقدم، فأما هذه فهي التي لا ولد فيها ولا والد ~~وفيها إخوة لأم. وأما التي في آخر سورة النساء فهي التي لا ولد ذكرا فيها، ~~وهم إخوة لأب وأم أو إخوة لأب أو أخوات لأب وأم وجد، فجاءت هذه الآية لبيان ~~حال الإخوة من الأم، وجاءت في آخر سورة النساء لبيان إخوة الأعيان والعلات ~~حتى يقع البيان بجميع الأقسام، ولو شاء ربك لجمعه وشرحه. # وكان عمر يطلب من النبي - صلى الله عليه وسلم - النص القاطع للعذر، وهو - ~~عليه السلام - يحمله على البيان الواقع مع الإطلاق الذي وكل فيه إلى ~~الاجتهاد بالأخذ من اللغة ومقاطع القول ومرابط البيان ومفاصله. # PageV01P450 # وهذا نص في جواز الاجتهاد ونص في التكلم بالرأي المستفاد عند النظر ~~الصائب. وإذا ثبت فيه النظر فإنه يصح في ذلك أن معنى الكلالة من " كل " أي ~~بعد، ومن " تكلل " أي أحاط على معنيين: أحدهما: أن يكون على معنى السلب، ~~كما يقال فاز في المفازة أي انتفى له الفوز. # والثاني: أن الإحاطة وجدت مع فقد السبب الذي يقتضي الإحاطة وهو قرب ~~النسب. # المسألة السادسة: إنما قلنا: إن الكلالة في هذه الآية فقد الابن والأب؛ ~~لأن الإخوة للأم يحجبون بالجد، وهم المرادون في الآية بالإخوة إجماعا، ودخل ~~فيها الجد الخارج عن الكلالة؛ لأنه أصل النسب كالأب المتولد عنه الابن. # وأما الآية التي في آخر سورة النساء فقد قال المحققون من علمائنا: إن ~~الجد أيضا خارج عنها؛ لأن الأخت مع الجد لا تأخذ نصفا؛ إنما هي مقاسمة، ~~وكذلك الأخ مقاسم لها. فإن قيل: فلم أخرجتم الجد عنها؟ قلنا: لأن الاشتقاق ~~يقتضي خروجه عنها؛ إذ حقيقة الكلالة ذهاب الطرفين، وعليه مبنى اللغة، وغير ~~ذلك من الأقوال بعيد ضعيف. وأفسدها قول من قال: إنه المال، فإنه غير مسموع ~~لغة ولا مقيس معنى. # الثاني: أن ms0316 الجد يرث مع ذكور ولد المتوفى في السدس، والإخوة لا يرثون ~~معهم، فكيف يشارك من يسقط الإخوة كلهم ويكون كأحدهم. ولهذه العلة قال حبر ~~الأمة مالك بن أنس: إن امرأة لو ماتت وتركت زوجها وأمها وإخوتها لأبيها ~~وإخوتها لأمها وجدها: إن النصف للزوج، والسدس للأم فريضة، وللجد ما بقي؛ ~~قال: لأن الجد يقول: لو لم أكن كان للإخوة للأم ما بقي، ولا يأخذ الإخوة ~~للأب شيئا، فلما حجبت إخوة الأم عنه كنت أنا أحق به. # PageV01P451 # وقد روي عن مالك أنه جعل للجد السدس، وللإخوة للأب السدس كهيئة المقاسمة، ~~وذلك محقق في الفرائض. ### | [مسألة معنى التشريك في قوله تعالى فهم شركاء في الثلث] # المسألة السابعة: قوله: {فهم شركاء في الثلث} [النساء: 12] اتفق العلماء ~~على أن التشريك يقتضي التسوية بين الذكر والأنثى؛ لأن مطلق اللفظ يدل عليه، ~~كما أن الآية التي في سورة النساء في آخرها ما يقتضي التعصيب؛ ولذلك قلنا ~~في مسألة الزوج والأم والأخ من الأم والإخوة من الأب والأم: إن للزوج ~~النصف، وللأم السدس، وللأخ للأم السدس، وللإخوة للأب والأم السدس بحكم ~~التعصيب. ### | [مسألة الأخوات عصبة للبنات] # المسألة الثامنة: الأخوات عصبة للبنات، وإذا ترك بنتا وأختا أو ابنتين ~~وأختا فالنصف للابنة، وللأخت ما بقي، وهما ذواتا فرض، لكن إذا اجتمعا سقط ~~فرض الأخوات وعاد سهمهن إلى التعصيب بقضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فيما رواه ابن مسعود كما تقدم. # وقال ابن عباس وابن الزبير: الابنة تسقط الأخت؛ لأن الله تعالى يقول: {إن ~~امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت} [النساء: 176] فتأخذ البنت النصف وما بقي ~~للعصبة، وقد سبق قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي رواه ابن ~~مسعود. وفي البخاري «أن معاذا قضى باليمن على عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بأن للابنة النصف، وللأخت النصف»؛ وبهذا الحديث رجع ابن الزبير ~~عن قوله؛ فصار فرض الأخت والأخوات بالنص إن لم يكن ولد، وصار فرضهن التعصيب ~~إن كان بنتا، وسقطن بالذكر بظاهر القرآن، فخصت السنة برواية ابن ms0317 مسعود عموم ~~قوله: {ليس له ولد} [النساء: 176]. ### | [مسألة كان الورثة أخوين للأم أحدهما ابن عم أو ابنا عم أحدهما أخ لأم] # المسألة التاسعة: لو كان الورثة أخوين للأم أحدهما ابن عم، أو ابنا عم ~~أحدهما أخ لأم؛ فأما الصورة الأولى فاتفق الناس فيها أن الثلث لهما بسبب ~~الأم، ويأخذ الثاني ما بقي من الميراث بالتعصيب. # PageV01P452 # وأما الثانية: فاختلفوا فيها؛ فقال الجمهور: لمن اجتمعت فيه القرابتان ~~السدس بحكم الأمومة، والباقي بينه وبين الآخر. وقال عمر، وابن مسعود: المال ~~للأخ للأم، وبه قال شريح والحسن وأبو ثور، واحتجوا بأنه ساواه في التعصيب، ~~وفضله بقرابة الأم؛ فكان مقدما عليه في التعصيب كالأخ من الأب والأم مع ~~الأخ من الأب. # ودليلنا أن الإخوة من الأم سبب يفرض به في السهام، فلا يرجح به في ~~التعصيب، كما لو كان زوجها، وبهذا فارق الأخ الشقيق فإنه لا يفرض له بقرابة ~~الأم. فإن قيل: فقد فرضتم له في مسألة المشتركة. قلنا: إنما يفرض فيها لولد ~~الأم، لا لولد الأب والأم، ثم يدخل معهم فيه ولد الأب والأم. ### | [مسألة أوصى إلى وارث] # المسألة العاشرة: قوله تعالى: {غير مضار} [النساء: 12] وذلك راجع إلى ~~الوصية والدين. أما رجوعه إلى الوصية فبوجهين: أحدهما: بأن يزيد على الثلث. # الثاني: بأن يوصي لوارث. فأما إن زاد على الثلث فإنه يرد إلا أن يجيز ~~الورثة؛ لأن المنع لحقوقهم لا لحق الله. وأما إن أوصى إلى وارث فإن الورثة ~~المبدنة به أهل الوصايا في وصاياهم، ويرجع ميراثا. وقال أبو حنيفة ~~والشافعي: تبطل، ولا يقع به تحاص، ونظرهما بين في إسقاط ما زاد على الثلث ~~لبطلانه. ومطلع نظر مالك أعلى؛ لأنا نتبين بوصيته للوارث مع سائر الوصايا ~~أنه أراد تنقيص حظ الوصايا وتخصيص وارثه، فإن بطل أحد # PageV01P453 # القصدين، لأن الشرع لم يجوزه، لم يبطل الآخر؛ لأن الشرع لم يمنع منه. # وقد بيناه في مسائل الخلاف، فيرد ما أبطل الشرع ويمضي ما لم يعترض فيه. ~~وأما رجوع المضارة إلى الدين فبالإقرار في حالة لا يجوز فيها لشخص ms0318 الإقرار ~~له به، كما لو أقر في مرضه لوارثه بدين أو لصديق ملاطف له، فإن ذلك لا يجوز ~~عندنا إذا تحققنا المضارة بقوة التهمة، أو غلب على ظننا. وقال أبو حنيفة: ~~يبطل الإقرار رأسا. وقال الشافعي: يصح. # ومطلع النظر أنا لمحنا أن الموروث لما علم أن هبته لوارثه في هذه الحالة ~~أو وصيته له لا تجوز، وقد فاته نفعه في حال الصحة عمد إلى الهبة فألقاها ~~بصورة الإقرار لتجوزها؛ ويعضد هذه التهمة صورة القرابة وعادة الناس بقلة ~~الديانة. ومطلع نظر أبي حنيفة نحو منه؛ لكنه ربط الأمر بصفة القرابة حين ~~تعذر عليه الوقوف على التهمة، كما علقت رخص السفر بصورة السفر حين تعذر ~~الوقوف على تحرير المشقة ووجودها. # وراعى الشافعي في نظره أن هذه حالة إخبار عن حق واجب يضاف إلى سبب جائز ~~في حالة يؤمن فيها الكافر، ويتقي فيها الفاجر، ويتوب فيها العاصي، فأمضاه ~~عليهم، وجوزه. فإن قال: الإقرار حجة شرعية فلا يؤثر فيها المرض. قلنا: وإن ~~كان الإقرار حجة شرعية [فإن الهبة صلة شرعية]، ولكن حجرها المرض. كذلك تحجر ~~التهمة الإقرار، وكما ردت التهمة الشهادة أيضا. # وأما نظر أبي حنيفة إلى صورة القرابة ففيه إلغاء العلة في غير محلها وقصر ~~لها على موردها. وينبغي أن تطرد العلة حيث وجدت ما لم يقف دونها دليل ~~تخصيص، فعلى هذا إذا وجدنا التهمة في غير القريب من صديق ملاطف حكمنا ~~ببطلان الإقرار، وكم من صديق ألصق من قريب وأحكم عقدة في المودة. # PageV01P454 # تكملة: لما ذكر الله تعالى في هذه الآية فائض السهام، وبقيت بعد ذلك من ~~الأموال بقية مسكوت عنها في كتاب الله عز وجل بينها رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال في الحديث الصحيح: «ألحقوا الفرائض بأهلها فما أبقته ~~الفرائض فلأولى عصبة ذكر»؛ فلأجل ذلك قدم الأقرب في العصبة على الأبعد، ~~كالأخ من الأب والأم يقدم على الأخ للأب، وابن الأخ من الأب والأم على ابن ~~الأخ للأب ويقدم الأخ للأب على ابن الأخ للأب والأم، هكذا أبدا. ### | [لا ms0319 يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم] # تخصيص: قال الله سبحانه: {يوصيكم الله في أولادكم} [النساء: 11] الفرائض ~~إلى آخرها بسهامها ومستحقيها، ثم ثبت في الصحيح المتفق عليه أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم». فخرج من ~~هذا العموم توارث الكفار والمسلمين، فلا يرث كافر مسلما، ولا يحجبه. وقال ~~ابن مسعود: هو وإن كان لا يرث فإنه يحجب، وهذا ضعيف؛ فإن المذكور في قوله: ~~{ولأبويه} [النساء: 11] هو المذكور في: {إن كان له ولد} [النساء: 11] # PageV01P455 # فكما أن قوله: {ولأبويه} [النساء: 11] لم يدخل فيه الكفار؛ كذلك قوله: ~~{إن كان له ولد} [النساء: 11] لا يدخل فيه الكافر. # تحقيقه أن الشريعة جعلته في باب الإرث وإن كان موجودا كالمعدوم، كذلك في ~~باب الحجب فإنه أحد حكمي الميراث؛ فلا يؤثر فيه الكافر، أو لا يتعلق ~~بالكافر أصله الميراث، والتعليل بالحجب معضد لهذه الأقسام في الأبواب. قال ~~علماؤنا: الأسباب التي يستحق بها الميراث ثلاثة أسباب: نكاح، ونسب، وولاء. ~~فأما النكاح والنسب فهو نص القرآن، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يستحق ~~الميراث زائدا على هذا بالحلف والمعاقدة والاتحاد في الديوان. # وحقيقة المسألة في المذهب أن الميراث عندنا يستحق بأربعة معان: نكاح، ~~ونسب، وولاء، وإسلام، ومعنى قولنا: " وإسلام " أن بيت المال عندنا وارث. ~~وقال أبو حنيفة: ليس بوارث. وقد حققناه في مسائل الخلاف، وعول أبو حنيفة ~~على قوله تعالى {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} [النساء: 33] وهي آية ~~نبينها في موضعها إن شاء الله تعالى. ### | [فصل زيادة الفروض على مقدار المال المورث] # فصل لما قدر الله سبحانه الفرائض مقاديرها، وقررها مقاريرها، واستمرت على ~~ذلك زمانا نزلت في خلافة عمر عارضة، وهي ازدحام أرباب الفرائض على الفرائض، ~~وزيادة فروضهم على مقدار المال، مثال ذلك امرأة تركت زوجها وأختها وأمها. ~~قال ابن عباس: فلما ألقيت عند عمر، وكان امرأ ورعا، ودفع بعضهم بعضا قال: ~~والله ما أدري أيكم قدم الله ولا أيكم أخر، فلا أجد ما هو أوسع من أن أقسم ~~عليكم هذا المال بالحصص، ms0320 فأدخل على كل ذي سهم ما دخل عليه من عول. # وقال ابن عباس: سبحان الله العزيز، إن الذي أحصى رمل عالج عددا ما جعل في ~~المال نصفا ونصفا وثلثا، فهذان النصفان قد ذهبا بالمال، فأين الثلث؟ ~~فليجيئوا فلنضع أيدينا على الركن فلنبتهل. قال زفر بن الحارث البصري: يا ~~ابن عباس؛ وأيهما قدم الله؟ وأيهما أخر؟ قال: # PageV01P456 # كل فريضة لم يهبطها الله إلا إلى فريضة، فهي المقدم، وكل فرض إذا زال رجع ~~إلى ما بقي فهو المؤخر. قال القاضي: اجتمعت الأمة على ما قال عمر، ولم ~~يلتفت أحد إلى ما قال ابن عباس؛ وذلك أن الورثة استووا في سبب الاستحقاق، ~~وإن اختلفوا في قدره، فأعطوا عند التضايق حكم الحصة، أصله الغرماء إذا ضاق ~~مال الغريم عن حقوقهم، فإنهم يتحاصون بمقدار رءوس أموالهم في رأس مال ~~الغريم. ### | [الآية الثانية عشرة قوله تعالى واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم] # فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن ~~الموت أو يجعل الله لهن سبيلا} [النساء: 15] قال القاضي: هذه معضلة في ~~الآيات لم أجد من يعرفها، ولعل الله أن يعين على علمها، وفيها ثماني عشرة ~~مسألة: # المسألة الأولى: اجتمعت الأمة على أن هذه الآية ليست منسوخة، لأن النسخ ~~إنما يكون في القولين المتعارضين من كل وجه، اللذين لا يمكن الجمع بينهما ~~بحال، وأما إذا كان الحكم ممدودا إلى غاية، ثم وقع بيان الغاية بعد ذلك ~~فليس بنسخ؛ لأنه كلام منتظم متصل لم يرفع ما بعده ما قبله، ولا اعتراض ~~عليه. ### | [مسألة معنى قوله تعالى اللاتي] # المسألة الثانية: اللاتي هو جمع التي؛ كلمة يخبر بها عن المؤنث خاصة، كما ~~أن قوله: " الذي " يخبر به عن المذكر خاصة، وجمعه الذين، وقد تحذف التاء ~~فتبقى الياء الساكنة فتجري بحركتها، قال سبحانه: {واللائي يئسن من المحيض ~~من نسائكم} [الطلاق: 4]، فجاء باللغتين في القرآن، وقد قال الشاعر ~~المخزومي: # PageV01P457 # من اللاء لم يحججن يبغين حسبة ... ولكن ليقتلن البريء المغفلا ### | [مسألة معنى قوله تعالى الفاحشة] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {الفاحشة} ms0321 [النساء: 15] هي في اللغة عبارة ~~عن كل فعل تعظم كراهيته في النفوس، ويقبح ذكره في الألسنة حتى يبلغ الغاية ~~في جنسه، وذلك مخصوص بشهوة الفرج إذا اقتضيت على الوجه الممنوع شرعا أو ~~المجتنب عادة، وذلك يكون في الزنا إجماعا، وفي اللواط باختلاف. والصحيح أن ~~اللواط فاحشة؛ لأن الله سبحانه سماه به على ما يأتي ذكره في سورة الأعراف ~~إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة معنى قوله تعالى يأتين الفاحشة] # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {يأتين الفاحشة} [النساء: 15] يقال: أتيت ~~مقصورا؛ أي جئت، وعبر عن الفعل والعمل بالمجيء؛ لأن المجيء إليه يكون، وهذا ~~من بديع الاستعارة. ### | [مسألة معنى قوله تعالى من نسائكم] # المسألة الخامسة: قوله تعالى: {من نسائكم} [النساء: 15] اختلف الناس في ~~ذلك؛ فقال الأكثر من الصحابة: إن المراد بذلك الأزواج. # وقال آخرون: المراد الجنس من النساء، وتعلق من قال: إنهن الأزواج بقوله ~~تعالى: {للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر} [البقرة: 226] وقوله: ~~{الذين يظاهرون منكم من نسائهم} [المجادلة: 2] وأراد الأزواج في الآيتين، ~~فكذلك في هذه الآية الثالثة، وإذا كان إضافة زوجية فلا فائدة فيها إلا ~~اعتبار الثيوبة؛ قالوا: ولأن الله سبحانه ذكر عقوبتين: إحداهما أكبر من ~~الأخرى، وكانت الأكبر للثيب، والأصغر للبكر. والصحيح عندي أنه أراد جميع ~~النساء؛ لأنه مطلق اللفظ الذي يقتضي ذلك وعمومه، فأما الذي تعلقوا به من ~~آية الإيلاء والظهار فإنما أوقفناه على الأزواج؛ لأن الظهار والإيلاء من ~~أحكام النكاح؛ ألا ترى أن الإيلاء لما كان مجردا عن النكاح بأن يحلف ألا ~~يطأ امرأة أجنبية فوطئها يحنث إذا وطئها إذا تزوجها، وإنما وقف على الأجل ~~في الزوجة # رفعا للضرر. # PageV01P458 # وأما قولهم: إنه ذكر عقوبتين فاقتضى أن يكون الأغلظ للأعظم والأقل ~~للأصغر، بناء منهم على أن الآيتين في النساء جميعا: إحداهما في الثيب، ~~والأخرى في البكر، وهذا لا يصح، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وقد قال ~~المحققون من علمائنا: إن الحكمة في قوله تعالى: {من نسائكم} [النساء: 15] ~~بيان حال المؤمنات، كما قال تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: ~~282] يعني ms0322 من المؤمنين. وقال تعالى: {ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] ويفيد ذلك ~~أن الحاكم لا يحد الكافرة إذا زنت، وذلك يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة معنى قوله تعالى فاستشهدوا عليهن أربعة منكم] # المسألة السادسة: قوله تعالى: {فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} [النساء: 15] ~~وهذا حكم ثابت بإجماع من الأمة، قال تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم ~~يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم} [النور: 4] فشرط غاية الشهادة في غاية ~~المعصية لأعظم الحقوق حرمة، وتعديد الشهود بأربعة حكم ثابت في التوراة ~~والإنجيل والقرآن؛ روى أبو داود عن جابر بن عبد الله قال: «جاءت اليهود ~~برجل وامرأة قد زنيا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ائتوني بأعلم ~~رجلين منكم فأتوه بابني صوريا، فنشدهما الله كيف تجدان أمر هذين في ~~التوراة؟ قالا: نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل ~~الميل في المكحلة رجما. قال: فما يمنعكما أن ترجموهما؟ قالا: ذهب سلطاننا ~~وكرهنا القتل. فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشهود فجاءوا ~~وشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة، فأمر رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فرجمهما». # المسألة السابعة: ولا بد أن يكون الشهود عدولا؛ لأن الله عز وجل شرط ~~العدالة في البيوع والرجعة، فهذا أعظم، وهو بذلك أولى، وهو من باب حمل ~~المطلق على المقيد بالدليل، حسبما بيناه في أصول الفقه. # PageV01P459 # المسألة الثامنة: ولا يكونوا ذمة، وإن كان الحكم على ذمة، وسيأتي ذلك في ~~سورة المائدة إن شاء الله تعالى. # المسألة التاسعة: فإن قيل: أليس القتل أعظم حرمة من الزنا؟ وقد ثبت في ~~الشرع بشاهدين، فما هذا؟. قال علماؤنا: في ذلك حكمة بديعة، وهو أن الحكمة ~~الإلهية والإيالة الربانية اقتضت الستر في الزنا بكثرة الشهود؛ ليكون أبلغ ~~في الستر، وجعل ثبوت القتل بشاهدين، بل بلوث وقسامة صيانة للدماء. # المسألة العاشرة: قوله تعالى: {منكم} [النساء: 15] المراد به هاهنا ~~الذكور دون الإناث؛ لأنه سبحانه ذكر أولا {من نسائكم} [النساء: 15] ثم قال: ~~{منكم} [النساء: 15] فاقتضى ذلك أن يكون الشاهد غير المشهود عليه، ms0323 ولا خلاف ~~في ذلك بين الأمة. ### | [مسألة معنى قوله تعالى فإن شهدوا] # المسألة الحادية عشرة: قوله تعالى: {فإن شهدوا} [النساء: 15] المعنى: ~~فاطلبوا عليهن الشهداء، فإن شهدوا. وليس هذا بأمر وجوب لطلب الشهادة، وإنما ~~هو أمر تعليم كيف يكون الحكم بالشهادة، وصفة الشهادة التي يشهد بها الشاهد ~~ما ورد في الحديث من شأن ماعز بن مالك الأسلمي على ما رواه أبو داود ~~والنسائي عن أبي هريرة «أن رجلا من أسلم جاء إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فشهد على نفسه أنه أصاب امرأة حراما أربع مرات، كل ذلك يعرض عنه ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأقبل عليه في الخامسة، فقال: أنكتها؟ ~~قال نعم قال: حتى غاب ذلك منك فيها؟ قال: نعم قال: كما يغيب المرود في ~~المكحلة والرشاء في البئر؟ قال: نعم قال: هل تدري ما الزنا؟ قال: نعم قال: ~~أتيت منها حراما مثل ما يأتي الرجل من أهله # PageV01P460 # حلالا؟ قال: نعم قال: فما تريد مني بهذا القول؟ قال: أريد أن تطهرني، ~~فأمر به فرجم.» ### | [مسألة معنى قوله تعالى فأمسكوهن في البيوت] # المسألة الثانية عشرة: قوله تعالى: {فأمسكوهن في البيوت} [النساء: 15] ~~أمر الله تعالى بإمساكهن في البيوت وحبسهن فيها في صدر الإسلام قبل أن تكثر ~~الجناة، فلما كثر الجناة وخشي فوتهم اتخذ لهم سجن. واختلف في هذا السجن، هل ~~هو حد أو توعد بالحد على قولين: أحدهما: أنه توعد بالحد. والثاني: أنه حد. ~~قال ابن عباس والحسن: زاد ابن زيد أنهم منعوا من النكاح حتى يموتوا يعني ~~عقوبة لهم حيث طلبوا النكاح من غير وجهه. ثم نسخ ذلك بالحد. وقال ابن عباس: ~~أنزل الله سبحانه بعد ذلك: {الزانية والزاني} [النور: 2] فمن كان محصنا ~~رجم، ومن كان بكرا جلد. والصحيح أنه حد جعله الله عقوبة ممدودة إلى غاية ~~مؤذنة بأخرى هي النهاية. وإنما قلنا: إنه حد، لأنه إيذاء، وإيلام، ومن ~~الناس من يرى أنه أشد من الجلد، وكل إيذاء وإيلام حد، لأنه منع وزجر. وإنما ~~قلنا: إنه ممدود إلى غاية ms0324 إبطالا لقول من رأى من المتقدمين والمتأخرين: إنه ~~نسخ. وقد تقدم بيانه. ### | [مسألة معنى قوله تعالى أو يجعل الله لهن سبيلا] # المسألة الثالثة عشرة: قوله تعالى: {أو يجعل الله لهن سبيلا} [النساء: ~~15] روى مسلم، وغيره عن عبادة بن الصامت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «خذوا عني، قد # PageV01P461 # جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد ~~مائة والرجم». وروى مسلم، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أنزل ~~عليه الوحي كرب لذلك وتربد، فأنزل الله عليه ذات يوم فلقي لذلك، فلما سري ~~عنه قال: قد جعل الله لهن سبيلا، الثيب بالثيب، والبكر بالبكر، الثيب جلد ~~مائة ورجم بالحجارة، والبكر جلد مائة ونفي سنة». . وروى مسلم في بعض طرقه: ~~«البكر تجلد وتنفى، والثيب تجلد وترجم». . فبين - صلى الله عليه وسلم - ~~ثلاثة أحوال: بكر تزني ببكر، وثيب تزني بثيب. الثالث بكر تزني بثيب، أو ثيب ~~تزني ببكر، لقوله: «البكر تجلد وتنفى، والثيب ترجم». ### | [مسألة لا يقضى بالنفي حدا للزنا إلا أن يراه الحاكم] # المسألة الرابعة عشرة: البكر يجلد ويغرب، وبه قال الشافعي وأحمد. # وقال أبو حنيفة وحماد: لا يقضى بالنفي حدا إلا أن يراه الحاكم [تعزيرا]، ~~واحتجا بقوله تعالى: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة} ~~[النور: 2] ولم يذكر تغريبا، والزيادة على النص نسخ. قلنا: لا نسلم أن ~~الزيادة على النص نسخ، وقد بيناه في غير موضع. # PageV01P462 # جواب ثان: قد رددتم البينة بخبر لا يصح على الماء والتراب. جواب ثالث: ~~وذلك أن الله تعالى ذكر الجلد، ولم يذكر الرجم، وهو زيادة عليه. جواب رابع: ~~وذلك أن الله تعالى لم يذكر الإحصان ولا الحرية، فتبين أن المقصود من الآية ~~بيان جنس الحد، والفرق بين المحصن وغير المحصن. # المسألة الخامسة عشرة: المرأة لا تغرب خلافا للشافعي وغيره حين تعلقوا ~~بعموم الحديث، والمعنى يخصه؛ فإن المرأة تحتاج من الصيانة والحفظ والقصر عن ~~الخروج والتبرز اللذين يذهبان بالعفة إلى ما لا يحتاج إليه الرجل. # المسألة السادسة عشرة: العبد ms0325 لا يغرب خلافا للشافعي حيث يقول بعموم ~~الخبر، ويخصه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها، ~~ثم إن زنت فليجلدها، ثم قال في الثالثة أو الرابعة فليبعها، ولو بضفير». ~~فكرر ذكر الجلد، ولم يذكر التغريب، ولو كان واجبا لكرره أو ذكره. وأيضا، ~~فإن المعنى يخصه؛ لأن المقصود من تغريب الحر إيذاؤه بالحيلولة له بينه وبين ~~أهله، والإهانة له؛ ولا يتصور ذلك في العبد. # المسألة السابعة عشرة: في أصل التغريب: وهو أنه أجمع رأي خيار بني ~~إسماعيل على أن من أحدث في الحرم حدثا غرب منه، وكان ذلك مما بينه لهم ~~أولهم، فصارت سنة لهم فيه يدينون بها، فلأجل ذلك استن الناس إذا أحدث أحد ~~حدثا غرب عن بلده؛ وتمادى ذلك إلى الجاهلية إلى أن جاء الإسلام فأقره في ~~الزنا خاصة؛ لأن المظالم يمكن كف الظالم عنها جهرا، فلا # PageV01P463 # يقدر عليها سرا، والزنا ليس الكف عنه بكامل حتى يغرب عن موضعه، فلا تكون ~~له حيلة في السر يتوصل بها إلى العودة إليه أو إلى مثله. ### | [مسألة الجمع بين الجلد والرجم في الزنا] # المسألة الثامنة عشرة: لا يجمع بين الجلد والرجم خلافا لأحمد وغيره، ~~ومتعلقهم بقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفعل علي ذلك أيام خلافته. # وقولنا أصح، لأن كل من رجمه النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يجلده، ~~فتركه له - عليه السلام - فعلا في كل من رجم، وقولا في قوله في حديث ~~العسيف: «واغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها» مسقط له. ### | [الآية الثالثة عشرة قوله تعالى واللذان يأتيانها منكم فآذوهما] # قوله تعالى: {واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا ~~عنهما إن الله كان توابا رحيما} [النساء: 16] فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: فيها ثلاثة أقوال: الأول: أن الإذاية في الأبكار قاله ~~قتادة والسدي وابن زيد. # الثاني: أنها عامة في الرجال والنساء. # الثالث: أنها عامة في أبكار الرجال وثيبهم قاله مجاهد؛ واحتج بأن لفظ ~~الآية الأولى مؤنث؛ فاقتضى النساء؛ وهذا لفظ مذكر، فاقتضى الرجال. # PageV01P464 # ورد ms0326 عليه الطبري وأبو عبد الله النحوي وغيرهما وقالوا: إن لفظ الآية ~~الثانية يصلح للذكر والأنثى. قال ابن العربي: والصواب مع مجاهد؛ وبيانه أن ~~الآية الأولى نص في النساء بمقتضى التأنيث والتصريح باسمهن المخصوص لهن، ~~فلا سبيل لدخول الرجال فيه، ولفظ الثانية يحتمل الرجال والنساء، وكان يصح ~~دخول النساء معهم فيها لولا أن حكم النساء تقدم، والآية الثانية لو استقلت ~~لكانت حكما آخر معارضا له، فينظر فيه، ولكن لما جاءت منوطة بها، مرتبطة ~~معها، محالة بالضمير عليها فقال: {يأتيانها منكم} [النساء: 16] علم أنه ~~أراد الرجال ضرورة. وإذا ثبت هذا قلنا وهي: # المسألة الثانية: إن قوله: {واللذان يأتيانها منكم فآذوهما} [النساء: 16] ~~عام في البكر والثيب، فاقتضى مساق الآيتين أن الله تعالى جعل في زنا النساء ~~عقوبة الإمساك في البيوت، وجعل في زنا الرجال على الإطلاق فيهما جميعا ~~الإيذاء، فاحتمل وهي: # المسألة الثالثة: أن يكون الإيذاء الذي جعل الله عقوبة لهم [عقوبة] دون ~~الإمساك، واحتمل الإيذاء والإمساك حملا على النساء، والأول أظهر. وإذا ثبت ~~هذا فهاهنا نكتة حسنة وهي: # المسألة الرابعة: أن الجلد بالآية والرجم بالحديث نسخ هذا الإيذاء في ~~الرجال؛ لأنه لم يكن ممدودا إلى غاية، وقد حصل التعارض؛ وعلم التاريخ، ولم ~~يمكن الجمع، فوجب القضاء بالنسخ؛ وأما الجلد فقرآن نسخ قرآنا، وأما الرجم ~~فخبر متواتر نسخ قرآنا، ولا خلاف فيه بين المحققين، وقد بيناه في أصول ~~الفقه، وأوعبنا القول في القسم الثاني قبل هذا فيه. # PageV01P465 ### | [الآية الرابعة عشرة قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها] # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا ~~تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن ~~بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا} ~~[النساء: 19] فيه تسع مسائل: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: وفي ذلك أقوال: # الأول: قال ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية إذا مات كان أولياؤه أحق ~~بزوجته من وليها، يتزوجها أو ينكحها لغيره، وربما ms0327 ألقى أحد من أوليائه ~~عليها ثوبا، فكان أولى بها، حتى مات ابن عامر، فأنزل الله سبحانه وتعالى ~~الآية، ونحوه عن زيد بن أسلم. # المسألة الثانية: قوله تعالى: {ولا تعضلوهن} [النساء: 19] القول في العضل ~~قد تقدم في سورة البقرة؛ قيل فيها أمروا بتخلية سبيلهن إذا لم يرثوهن. ~~وقيل: هذا خطاب للجاهلية الذين كانوا يمنع الرجل [منهم] امرأة أبيه أن ~~تتزوج حتى تموت فيرثها؛ رواه ابن وهب عن مالك. # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {ما آتيتموهن} [النساء: 19] قيل: هو خطاب ~~للأزواج إذا لم يتفقوا مع أزواجهن، نهوا أن يمسكوهن على غير عشرة جميلة حتى ~~يأخذوا ما أعطوهن. وقيل: هو خطاب للأزواج كما تقدم. والجاهلية نهوا أن ~~يمنعوا النساء من النكاح # PageV01P466 # لمن أردن إذا مات أزواجهن، ولا يحبسوهن ليرثوا منهن ما ورثوا من مورثهم، ~~عبر عن ذلك بقوله تعالى: " آتيتموهن " لأنه إعطاء في الحقيقة على وجه ~~الميراث، وهم يريدون أن يأخذوه على وجه الغصب ميراثا أيضا. ### | [مسألة معنى قوله تعالى إلا أن يأتين بفاحشة مبينة] # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} [النساء: 19] ~~وفي ذلك أربعة أقوال: الأول: قيل: الفاحشة الزنا. الثاني: قيل: النشوز. ~~الثالث: قال عطاء: كان الرجل من الجاهلية إذا زنت امرأته أخذ جميع مالها ~~الذي ساقه لها، ثم نسخ الله سبحانه ذلك بالحدود. الرابع: قيل: إنه كان في ~~الزنا ثلاثة وجوه، قيل لهم: {ولا تقربوا الزنا} [الإسراء: 32] الآية، ثم ~~قيل لهم: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم} [النساء: 15] فجاز له عضلها عن ~~حقها وأخذ مالها. ثم نزلت: {واللذان يأتيانها منكم فآذوهما} [النساء: 16] ~~فهذا البكران. # المسألة الخامسة: في تحقيق ما تقدم من الأقوال: أما من قال إنه الزنا ~~والنشوز فقد بينا أحكام جواز الخلع وأخذ مال المرأة في سورة البقرة. وأما ~~قول عطاء فمحتمل صحيح تتناوله الآية، لكن لا يقال في مثل هذا إنه نسخ، وإن ~~كان في التحقيق نسخا؛ لأن محمدا - صلى الله عليه وسلم - نسخ الباطل، ولكن ~~اللفظ مجمل ينطلق عليه، وشرط يرتبط به معلوم عند العلماء مبين في ms0328 موضعه. ~~وأما من قال: كان في الزنا ثلاثة أنحاء فتحكم محض، ونقل لم يصح، وتقدير ~~يفتقر إلى نقل ثابت، ولم يكن، فلا معنى للاشتغال به. # PageV01P467 # المسألة السادسة: في تقدير الآية على الصحيح من الأقوال: وهو أن المعنى ~~لا يحل لرجل أن يحبس امرأة كرها حتى يأخذ مالها إذا ماتت كانت غير زوجة أو ~~زوجة قد سقط غرضه فيها، وسقطت عشرته الجميلة معها، ولا يحل عضلها عن النكاح ~~لغيرهم حتى يأخذ الزوج ما أعطاها صداقا، أو ليأخذ الغاصب ما كان أخذ من مال ~~مورثه؛ إلا أن يكون منهن ذنب بزنا أو نشوز لا تحسن معه عشرة، فجائز عند ذلك ~~أن يتمسك بنكاحها حتى يأخذ منها مالا، فأول الآية عام في الأزواج وغيرهم؛ ~~وآخرها عند الاستثناء مخصوص بالأزواج. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وعاشروهن بالمعروف] # المسألة السابعة: قوله تعالى: {وعاشروهن بالمعروف} [النساء: 19] وحقيقة " ~~عشر " في العربية الكمال والتمام، ومنه العشيرة، فإنه بذلك كمل أمرهم وصح ~~استبدادهم عن غيرهم. وعشرة تمام العقد في العدد، ويعشر المال لكماله نصابا. ~~فأمر الله سبحانه الأزواج إذا عقدوا على النساء أن يكون أدمة ما بينهم ~~وصحبتهم على التمام والكمال، فإنه أهدأ للنفس، وأقر للعين، وأهنأ للعيش، ~~وهذا واجب على الزوج، ولا يلزمه ذلك في القضاء إلا أن يجري الناس في ذلك ~~على سوء عادتهم فيشترطونه ويربطونه بيمين، ومن سقوط العشرة تنشأ المخالعة، ~~وبها يقع الشقاق، فيصير الزوج في شق، وهو سبب الخلع على ما يأتي بيانه إن ~~شاء الله تعالى. ### | [وجد الرجل في زوجته كراهية من غير فاحشة ولا نشوز] # المسألة الثامنة: قوله تعالى: {فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل ~~الله فيه خيرا كثيرا} [النساء: 19] المعنى: إن وجد الرجل في زوجته كراهية، ~~وعنها رغبة، ومنها نفرة من غير فاحشة ولا نشوز فليصبر على أذاها وقلة ~~إنصافها، فربما كان ذلك خيرا له. # أخبرني أبو القاسم بن أبي حبيب بالمهدية، عن أبي القاسم السيوري عن أبي ~~بكر بن عبد الرحمن قال: كان الشيخ أبو محمد بن أبي زيد من ms0329 العلم والدين في ~~المنزلة المعروفة، وكانت له زوجة سيئة العشرة، وكانت تقصر في حقوقه، وتؤذيه ~~بلسانها # PageV01P468 # فيقال له في أمرها فيسدل بالصبر عليها، وكان يقول: أنا رجل قد أكمل الله ~~علي النعمة في صحة بدني ومعرفتي، وما ملكت يميني، فلعلها بعثت عقوبة على ~~ديني، فأخاف إذا فارقتها أن تنزل بي عقوبة هي أشد منها. # المسألة التاسعة: قال علماؤنا: في هذا دليل على كراهية الطلاق، وقد تقدم ~~ذكره قبل هذا ### | [الآية الخامسة عشرة قوله تعالى وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج] # وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا} ~~[النساء: 20] فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: لما أباح الله الفراق للأزواج والانتقال بالنكاح من ~~امرأة إلى امرأة أخبر عن دينه القويم وصراطه المستقيم في توفية حقوقهن ~~إليهن عند فراقهن؛ فوطأة واحدة حلالا تقاوم مال الدنيا كله، نهى الأزواج عن ~~أن يعترضوهن في صدقاتهن، إذ قد وجب ذلك لهن وصار مالا من أموالهن. # المسألة الثانية: قوله تعالى {وآتيتم إحداهن قنطارا} [النساء: 20] فيه ~~جواز كثرة الصداق، وإن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كانوا ~~يقللونه. وقد قال عمر بن الخطاب على المنبر: " ألا لا تغالوا في صدقات ~~النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا وتقوى عند الله لكان أولاكم بها ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ما أصدق قط امرأة من نسائه ولا من بناته ~~فوق اثنتي عشرة أوقية " فقامت إليه امرأة فقالت: يا عمر، يعطينا الله ~~وتحرمنا أنت؟ أليس الله سبحانه يقول: {وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه ~~شيئا} [النساء: 20] فقال عمر: " امرأة أصابت وأمير أخطأ ". وفي الرواية ~~المشهورة عنه مثله إلى قوله اثنتي عشرة أوقية، زاد: فإن الرجل يغلي بالمرأة ~~في صداقها. فتكون حسرة في صدره فيقول: كلفت إليك عرق القربة. قال: # PageV01P469 # فكنت غلاما مولودا لم أدر ما هذا؛ قال: وأخرى يقولون لمن قتل في مغازيكم ~~هذه: قتل فلان شهيدا أو مات فلان شهيدا، ولعله أن يكون خرج وأفرد دون ~~راحلته أو أعجزها بطلب النجاة، ولكن قولوا كما ms0330 قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «من قتل في سبيل الله أو مات فله الجنة». # وهذا لم يقله عمر على طريق التحريم، وإنما أراد به الندب إلى التعليم؛ ~~وقد تناهى الناس في الصدقات حتى بلغ صداق امرأة ألف ألف، وهذا قل أن يوجد ~~من حلال. # وقد سئل عطاء عن رجل غالى في صداق امرأة أيرده السلطان؟ قال: لا. # وقد روي عن عمر أنه خطب إلى علي أم كلثوم ابنته من فاطمة، فقال: إنها ~~صغيرة، فقال عمر: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن كل نسب ~~وصهر منقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري»، فلذلك رغبت في مثل هذا ". فقال ~~علي: إني أرسلها حتى تنظر إلى صغرها، فأرسلها فجاءت، فقالت: إن أبي يقول: ~~هل رضيت الحلة؟ فقال عمر: قد رضيتها. فأنكحها علي فأصدقها أربعين ألف درهم. ~~وقد روي أن «صداق النبي - صلى الله عليه وسلم - لأم حبيبة كان أربعمائة ~~دينار»، وروي ثمانمائة دينار. وروي عن عقبة بن عامر أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «خير النكاح أيسره». «وقال لرجل: أترضى أن أزوجك فلانة؟ ~~قال: نعم. وقال للمرأة: أترضين أن أزوجك فلانا؟ قالت: نعم. فزوجها فدخل ~~عليها فلم يكتب لها صداقا ولا أعطاها شيئا، وكان ممن شهد الحديبية وله سهم ~~بخيبر، فلما حضرته الوفاة قال: إن رسول الله # PageV01P470 # - صلى الله عليه وسلم - زوجني فلانة، فلم أعين لها صداقا، ولم أعطها ~~شيئا، وإني أعطيها من صداقها سهمي بخيبر، فأخذت سهمه ذلك فباعته بمائة ~~ألف». وزوج عروة البارقي بنت هانئ بن قبيصة على أربعين ألف درهم. # وعن غيلان بن جرير أن مطرفا تزوج امرأة على عشرة آلاف أوقية. وقد ثبت في ~~الصحيح أن عبد الرحمن بن عوف تزوج امرأة بنواة من ذهب، يقال هي خمسة دراهم. ~~«وزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - امرأة بخاتم من حديد». وعن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - «أن رجلا تزوج امرأة على نعلين، فقال لها النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: أرضيت عن مالك بهاتين النعلين؟ قالت: ms0331 نعم، فأجازه النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -». وقال سعيد بن المسيب: لو أصدقها سوطا جاز. وقال ~~إبراهيم: يستحب في الصداق الرطل من الذهب، وكانوا يكرهون أن يكون سهم ~~الحرائر مثل أجور البغايا: الدرهم والدرهمين، ويحبون أن يكون عشرين درهما، ~~وشيء من هذا لم يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن غيره، خلاف ~~حديث عبد الرحمن بن عوف وخاتم الحديد، وسيأتي تقدير المهر بعد هذا إن شاء ~~الله تعالى. # المسألة الثالثة: قوله سبحانه: {قنطارا} [النساء: 20] قال علماؤنا: اختلف ~~في القنطار على عشرة أقوال: # الأول: أنه اثنا عشر ألف درهم؛ روي عن الحسن وابن عباس. # الثاني: أنه ألف ومائتا دينار؛ قاله الحسن. وهو الأولى للصواب. # الثالث: أنه دية أحدكم؛ روي عن ابن عباس. # PageV01P471 # الرابع: أنه ألف ومائتا أوقية؛ روي عن أبي هريرة. # الخامس: أنه اثنا عشر ألف أوقية؛ قاله أبو هريرة أيضا. # السادس: أنه ثمانون ألف درهم؛ روي عن ابن عباس وابن المسيب. # السابع: أنه مائة رطل؛ قاله قتادة. # الثامن: أنه سبعون ألف دينار؛ قاله مجاهد. # التاسع: قال أبو سعيد الخدري: وهو ملء مسك ثور من ذهب. # العاشر: أنه المال الكثير من غير تحديد. # المسألة الرابعة: هذه الأقوال كلها تحكم في الأكثر، # وقد روي بعضها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يصح في هذا الباب ~~شيء. والذي يصح في ذلك أنه المال الكثير الوزن، هذا عرف عربي، أما أن الناس ~~لهم في القنطار عرف معتاد، وهو أن القنطار أربعة أرباع، والربع ثلاثون ~~رطلا، والرطل اثنتا عشرة أوقية، والأوقية ستة عشر درهما، والدرهم ست ~~وثلاثون حبة، وهي ستة دوانيق، فما زاد أو نقص فبحسب اتفاقهم أو بحكم ~~الولاة، وقد ردوا الدرهم من سبعة، والأصل أنه من ستة دوانيق، وركبوا الدرهم ~~الأكبر من ثمانية دوانيق على الدرهم الأصغر، وهو أربعة دوانيق، فحملت بنو ~~أمية زيادة الأكبر على نقصان الأصغر، فجعلوهما درهمين متساويين، كل واحد ~~منهما ستة دوانيق، وجعلوا الدينار درهمين، وذلك أربعة وعشرون قيراطا، ~~والقيراط ثلاث حبات. وقد روى شريك عن ms0332 سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة عن ~~«علي بن أبي طالب؛ قال: زوجني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاطمة على ~~أربعمائة وثمانين درهما بوزن ستة»؛ وهذا ضعيف، إنما زوجه إياها في الصحيح ~~على درعه الحطمية. ### | [الآية السادسة عشرة قوله تعالى وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض] # وأخذن منكم ميثاقا غليظا} [النساء: 21] # PageV01P472 # فيه ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: قوله تعالى: {أفضى} [النساء: 21] أفعل من الفضاء، وهو كل ~~موضع خال، فقال: وكيف تأخذونه، وقد كانت الخلوة بينكم وبينهن؟ وهذا دليل ~~على وجوب المهر بالخلوة، وقد بينا ذلك في سورة البقرة ومسائل الخلاف. ~~ولمالك في ذلك ثلاث روايات: إحداهن: يستقر المهر بالخلوة. الثاني: لا يستقر ~~إلا بالوطء. الثالث: يستقر بالخلوة في بيت الإهداء. والأصح استقراره ~~بالخلوة مطلقا، ويليه في بيت الإهداء. وأما وقوفه على الوطء فضعيف. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وأخذن منكم ميثاقا غليظا] # المسألة الثانية: قوله تعالى: {وأخذن منكم ميثاقا غليظا} [النساء: 21] ~~فيه قولان: الأول قاله مجاهد وقتادة وغيرهما قوله: {فإمساك بمعروف أو تسريح ~~بإحسان} [البقرة: 229]. الثاني: كلمة النكاح؛ قاله مجاهد، وهي قوله: ~~(نكحت). وعن محمد بن كعب نحوه. وقد ثبت عن جابر بن عبد الله، عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن ~~بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله». وقد تقدم ذلك في سورة البقرة. # PageV01P473 # المسألة الثالثة: قال بكر بن عبد الله المزني: لا يأخذ الزوج من المختلعة ~~شيئا لقوله: {فلا تأخذوا منه شيئا} [النساء: 20] إلى قوله: {ميثاقا غليظا} ~~[النساء: 21]. قال ابن زيد: رخص بعد ذلك فقال: {فإن خفتم ألا يقيما حدود ~~الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به} [البقرة: 229]، فنسخ ذلك. قال الطبري: ~~بل هي محكمة. ولا معنى لقول بكر إن أرادت هي العطاء، فقد «جوز النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لثابت أن يأخذ من زوجته ما ساق إليها وصدق» إنما يكون ~~النسخ عند تعذر الجمع والجمع ممكن، وبه يتم البيان، وتستمر في سبلها ~~الأحكام. ### | [الآية السابعة عشرة قوله تعالى ولا تنكحوا ms0333 ما نكح آباؤكم من النساء] # إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا} [النساء: 22] # فيها تسع مسائل: # المسألة الأولى: قد بينا في غير موضع أن النكاح أصله الضم والجمع، فتجتمع ~~الأقوال في الانعقاد والربط كما تجتمع الأفعال في الاتصال والضم، لكن العرب ~~على عادتها خصصت اسم النكاح ببعض أحوال الجمع وبعض محاله، وما تعلق ~~بالنساء، واقتضى تعاطي اللذة فيها، واستيفاء الوطر منها، وعلى ذلك من ~~المعنيين جاءت الآثار والآيات. # المسألة الثانية: قوله تعالى: {ما نكح} [النساء: 22] اختلف العلماء في ~~كلمة " ما " هل يخبر بها عما يعقل أم لا؟ وقد بينا في رسالة ملجئة ~~المتفقهين أن ذلك مستعمل في اللغة شائع فيها، وفي الشريعة. # PageV01P474 # وجهل المفسرون هذا المقدار، واختلفت عباراتهم في ذلك، فقالت طائفة: ~~المعنى ولا تنكحوا نكاح آبائكم يعني النكاح الفاسد المخالف لدين الله؛ إذ ~~الله سبحانه قد أحكم وجه النكاح، وفصل شروطه. والمعنى الصحيح: ولا تنكحوا ~~نساء آبائكم، ولا تكون (ما) هنا بمعنى المصدر؛ لاتصالها بالفعل، وإنما هي ~~بمعنى الذي، وبمعنى من، والدليل عليه أمران: أحدهما: أن الصحابة إنما تلقت ~~الآية على هذا المعنى، ومنه استدلت على منع نكاح الأبناء حلائل الآباء. # الثاني: أن قوله: {إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا} [النساء: 22] تعقب ~~النهي بالذم البالغ المتتابع؛ وهذا دليل على أنه انتهاء من القبح إلى ~~الغاية، وذلك هو خلف الأبناء على حلائل الآباء؛ إذ كانوا في الجاهلية ~~يستقبحونه ويستهجنون فاعله ويسمونه المقتي؛ نسبوه إلى المقت. فأما النكاح ~~الفاسد فلم يكن عندهم ولا يبلغ إلى هذا الحد. ### | [مسألة مفاد قوله تعالى ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء] # المسألة الثالثة: روي عن الحسن وقتادة أنهما قالا: ثلاث آيات مبهمات: ~~{وحلائل أبنائكم} [النساء: 23]، و {ما نكح آباؤكم} [النساء: 22]، {وأمهات ~~نسائكم} [النساء: 23]. وقد بينا أن هذه الآية ليست مبهمة، وإنما النهي ~~يتناول العقد والوطء، فلا يجوز للابن أن يتزوج امرأة عقد عليها أبوه أو ~~وطئها لاحتمال اللفظ عليهما معا. وقد بينا ذلك في أصول الفقه وفيما تقدم. # المسألة الرابعة: قوله ms0334 تعالى: {إلا ما قد سلف} [النساء: 22]. يعني من فعل ~~الأعراب في الجاهلية؛ فإن بعضهم كانت الحمية تغلب عليه، فيكره أن يعمر فراش ~~أبيه غيره، فيعلو هو عليه، ومنهم من كان يستمر على العادة وهو الأكثر، فعطف ~~الله تعالى بالعفو عما مضى. # PageV01P475 # المسألة الخامسة: قال علماؤنا: هو استثناء منقطع، وصدقوا فإنه ليس بإباحة ~~المحظور، وإنما هو خبر عن عفو سحب ذيله عما مضى من عملهم القبيح؛ فصار ~~تقديره إلا ما قد سلف فإنكم غير مؤاخذين به. # المسألة السادسة: قال علماؤنا: معنى قوله: {كان} [النساء: 22] أنه صفة ~~للمقت والفحش، دليله القاطع: {وكان الله عزيزا حكيما} [النساء: 158]، وهو ~~يكون كذلك، وإنما أخبر عن صفته التي هو كائن عليها، كذلك فسر هذا كله الحبر ~~والبحر - رضي الله عنه - وقد وهم القاضي أبو إسحاق والمبرد فقالا: إن (كان) ~~زائدة هنا، وإنما المعنى في زيادتها كما قال الشاعر: # فكيف إذا مررت بدار قوم ... وجيران لنا كانوا كرام # وهذا جهل عظيم باللغة والشعر؛ بل لا يجوز زيادة كان هاهنا، وإنما المعنى ~~وجيران كرام كانوا لنا مجاورين، فأبادهم الزمان وانقطع عنهم ما كان، وقد ~~بسطنا القول في ملجئة المتفقهين، وذكرنا من قالها قبلهما وبعدهما، ~~واستوفينا القول في ذلك. ### | [مسألة النكاح الفاسد يحرم ما يحرمه الصحيح] # المسألة السابعة: إذا نكح الأب والابن نكاحا فاسدا حرم على كل واحد منهما ~~من انعقد لصاحبه عقد فاسد عليه من النساء، كما يحرم بالصحيح. وتحقيقه أن ~~النكاح الفاسد لا يخلو أن يكون متفقا على فساده أو مختلفا فيه؛ فإن كان ~~متفقا على فساده لم يوجب حكما ولا تحريما، وكان وجوده كعدمه، وإن كان ~~مختلفا فيه تعلق به إلى الحرمة ما يتعلق بالصحيح، لاحتمال أن يكون نكاحا، ~~فيدخل تحت مطلق اللفظ؛ والفروج إذا تعارض فيها التحليل والتحريم غلب ~~التحريم، والله أعلم. # PageV01P476 ### | [مسألة اللمس في النكاح الفاسد هل يتعلق به تحريم] # المسألة الثامنة: إذا لمسها الأب أو الابن فإن ذلك عندنا في التحريم ~~كالوطء. وقد اختلف الناس في ذلك؛ هل يتعلق باللمس من التحريم ما ms0335 يتعلق ~~بالوطء على قولين؛ فعندنا وعند أبي حنيفة هو مثله؛ وتفصيل بيانه في ~~المسائل. وقد قال الشافعي: لا يتعلق باللمس ما يتعلق بالوطء؛ لأن النكاح ~~اسم مختص بالجماع أو العقد؛ وليس ينطلق على المباشرة لغة ولا حقيقة. وهذا ~~فاسد؛ فإنا قد بينا أن النكاح هو الاجتماع، وإذا قبل أو عانق فقد وجد ~~المعنى من اللفظ حقيقة، فوجب إطلاقه عليه. فإن قيل النكاح في عرف الشرع ~~عبارة عن العقد. قلنا: لا نسلم ذلك، بل هما سواء، يتصرف المعنى فيهما تحت ~~اللفظ في كل موضع بحسب أدلته واحتمالاته، وانتظام المعنى والحكم معه. # المسألة التاسعة: إذا نظر إليها بلذة هو وأبوه حرمت عليهما عندنا؛ نص ~~عليه مالك في كتاب محمد؛ لأنه استمتاع، فجرى مجرى النكاح في التحريم؛ إذ ~~الأحكام إنما تتعلق بالمعاني لا بالألفاظ. وقد يحتمل أن يقال: إنه من ~~الاجتماع بالاستمتاع؛ فإن النظر اجتماع ولقاء، وفيه بين المحبين استمتاع؛ ~~وقد بالغ في ذلك الشعراء فقالوا: # أليس الليل يجمع أم عمرو ... وإيانا فذاك بنا تداني # نعم وترى الهلال كما أراه ... ويعلوها النهار كما علاني # فكيف بالنظر والمجالسة واللذة؟ وهذا بين. ### | [الآية الثامنة عشرة قوله تعالى حرمت عليكم أمهاتكم] # وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم ~~اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في ~~حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ~~وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن ~~الله كان غفورا رحيما} [النساء: 23] # PageV01P477 # فيها ثلاث عشرة مسألة: # المسألة الأولى: قوله تعالى: {حرمت عليكم} [النساء: 23] قد بينا بين الله ~~لكم وبلغكم في العلم أملكم أن التحريم ليس بصفات للأعيان، وأن الأعيان ليست ~~موردا للتحليل والتحريم ولا مصدرا، وإنما يتعلق التكليف بالأمر والنهي ~~بأفعال المكلفين من حركة وسكون، لكن الأعيان لما كانت موردا للأفعال أضيف ~~الأمر والنهي والحكم إليها وعلق بها مجازا بديعا على معنى الكناية بالمحل ~~عن الفعل الذي يحل به من باب قسم التسبيب في المجاز، ms0336 وقد بينا ذلك في أصول ~~الفقه. ### | [مسألة أصل المحرمات] # المسألة الثانية: قال ابن عباس: حرم الله تعالى في هذه الآية من النسب ~~سبعا ومن الصهر سبعا، وهذا صحيح؛ وهو أصل المحرمات، ووردت من جهة مبينة ~~لجميعها بأخصر لفظ وأدل معنى فهمته الصحابة وخبرته العلماء. # ونحن نفصل ذلك بالبيان فنقول: الأم: عبارة عن كل امرأة لها عليك ولادة، ~~ويرتفع نسبك إليها بالبنوة، كانت منك على عمود الأب أو على عمود الأم، ~~وكذلك من فوقك. والبنت: عبارة عن كل امرأة لك عليها ولادة تنتسب إليك ~~بواسطة أو بغير واسطة إذا كان مرجعها إليك. والأخت: عبارة عن كل امرأة ~~شاركتك في أصليك: أبيك وأمك، ولا تحرم أخت الأخت إذا لم تكن لك أختا؛ فقد ~~يتزوج الرجل المرأة ولكل واحد منهما ولد ثم يقدر بينهما ولد. # PageV01P478 # سحنون: هو أن يزوج الرجل ولده من غيرها بنتها من غيره. وتفسيرها أن يكون ~~لرجل اسمه زيد زوجتان عمرة وخالدة، وله من عمرة ولد اسمه عمرو، ومن خالدة ~~بنت اسمها سعادة، ولخالدة زوج اسمه عمرو، وله منها بنت اسمها حسناء، فزوج ~~زيد ولده عمرا من حسناء، وهي أخت أخت عمرو، وهذه صورتها لتكون أثبت في ~~النفوس. العمة: هي عبارة عن كل امرأة شاركت أباك ما علا في أصليه. الخالة: ~~هي كل امرأة شاركت أمك ما علت في أصليها، أو في أحدهما على تقدير تعلق ~~الأمومة كما تقدم، ومن تفصيله تحريم عمة الأب وخالته؛ لأن عمة الأب أخت ~~الجد، والجد أب، وأخته عمة، وخالة الأب أخت جدته لأمه، والجدة أم، فأختها ~~خالة، وكذلك عمة الأم أخت جدها لأبيها، وجدها أب وأخته عمة، وخالة أمها ~~جدته. والجدة أم وأختها خالة؛ وتتركب عليه عمة العمة؛ لأنها عمة الأب كذلك، ~~وخالة العمة خالة الأم كذلك، وخالة الخالة خالة الأم، وكذلك عمة الخالة عمة ~~الأم؛ فتضمن هذا كله قوله تعالى: {وعماتكم وخالاتكم} [النساء: 23] ~~بالاعتلاء في الاحترام، ولم يتضمنه آية الفرائض بالاشتراك في المواريث، ~~لسعة الحجر في التحريم وضيق الاشتراك في الأموال. فعرق التحريم ms0337 يسري حيث ~~اطرد، وسبب الميراث يقف أين ورد، ولا تحرم أم العمة ولا أخت الخالة؛ وصورة ~~ذلك كما قررنا لك في الأخت. بنت الأخ، وبنت الأخت: عبارة عن كل امرأة لأخيك ~~أو لأختك عليها ولادة، وترجع إليها بنسبة؛ فهذه الأصناف النسبية السبعة. ~~وأما الأصناف الصهرية السبعة: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من ~~الرضاعة} [النساء: 23] وهما محرمتان بالقرآن، ولم يذكر من المحرم بالرضاعة ~~في القرآن سواهما. والأم أصل والأخت فرع؛ فنبه بذلك على جميع الأصول ~~والفروع، وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يحرم من الرضاع ~~ما يحرم من الولادة». # PageV01P479 # وثبت في الصحاح عن علي أنه قال: «قلت: يا رسول الله؛ مالك تنوق في قريش ~~وتدعنا؟ قال: وعندكم شيء؟ قلت: نعم، ابنة حمزة، فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: إنها ابنة أخي من الرضاعة». ومثله في الصحة والمعنى حديث «أم ~~حبيبة قالت: يا رسول الله؛ إني لست لك بمخلية، وأحب من شركني في خير أختي. ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن ذلك لا يحل لي قلت: فإنا نتحدث أنك ~~تنكح ابنة أبي سلمة. قال: ابنة أم سلمة؟ قلت: نعم. قال: إنها لو لم تكن ~~ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها ابنة أخي، أرضعتني أنا وأبا سلمة ثويبة، ~~فلا تعرضن علي بناتكم ولا أخواتكن». قال ابن العربي: وثويبة هي التي أرضعت ~~حمزة أيضا، فروي أن هذا الرضاع كان في وقت واحد. وروي أنه كان في وقتين ~~لاتفاق أهل السير على أن حمزة كان أكبر من النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بعامين، وقيل بأربع. # PageV01P480 ### | [مسألة مقدار الرضاعة المحرم] # المسألة الثالثة: روى مسلم وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«لا تحرم المصة ولا المصتان ولا الإملاجة ولا الإملاجتان وهي المصة». وروى ~~مالك وغيره عن عائشة قالت: كان فيما أنزل الله من القرآن عشر رضعات معلومات ~~فنسخت بخمس معلومات، فتوفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهن مما يقرأ ~~من القرآن. فقال بها جماعة منهم الشافعي. ورأى مالك وأبو ms0338 حنيفة الأخذ بمطلق ~~القرآن، وهو الصحيح؛ لأنه عمل بعموم القرآن وتعلق به، وقد قوي ذلك بأنه من ~~باب التحريم في الأبضاع والحوطة على الفروج؛ فقد وجب القول به لمن يرى ~~العموم ومن لا يراه. وقد رام بعض حذاق الشافعية وهو الإمام الجويني أن يبطل ~~التعلق بهذا العموم؛ قال: لأنه سيق ليتبين به وجه التحريم في المحرمات، ولم ~~يقصد به التعميم، وإنما يصح القول بالعموم إذا سيق قصدا للعموم؛ وذلك يعلم ~~من لسان العرب. قال القاضي: يا لله وللمحققين من رأس التحقيق الجويني، يأتي ~~بهذا الكلام في غير موضعه، وقد علم كل ناظر في الفقه شاد أو منته أن ~~المحرمات كلها في الآية جاءت مجيئا واحدا في البيان في مقصود واحد، فلو جاز ~~لقائل أن يقول: إنه لا يحمل على العموم قوله: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم} ~~[النساء: 23] لما حمل أيضا على العموم قوله: {أمهاتكم} [النساء: 23] فيرتقى ~~بهن إلى الجدات، ولا بناتكم فيحط بهن إلى بنات البنات، وقد رأى أنهن لم ~~يعمهن في الميراث وعمهن هاهنا في التحريم، وكذلك قوله تعالى: # PageV01P481 # {وأمهات نسائكم} [النساء: 23] كان ينبغي ألا يحمل على العموم أيضا؛ لأنه ~~لم يقصد به كما قال سياق العموم، وكان ذلك لو قلنا به سببا لخرم قاعدة ~~الآية. وقد بينت ذلك في التلخيص والتمحيص. وأما الأحاديث المتقدمة فلا ~~متعلق فيها. أما حديث عائشة فهو أضعف الأدلة؛ لأنها قالت: كان مما نزل من ~~القرآن ولم يثبت أصله فكيف يثبت فرعه؟. وأما حديث الإملاجة فمعناه كان من ~~المص والجذب مما لم يدر معه لبن ويصل إلى الجوف. ويتحقق وصول اللبن إلى ~~الجوف، فقليله وكثيره سواء، بنص القرآن وبنص الحديث في قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «أرضعتني وأبا سلمة ثويبة»، فإذا مص لبنها وحصل في جوفه فهي ~~مرضعة، وهي أمه، وهي داخلة بالآية بلا مرية. والله أعلم. # المسألة الرابعة: كان قوله تعالى: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم} [النساء: ~~23] يقتضي بمطلقه تحريم الرضاع في أي وقت وجد من صغر أو كبر، إلا أن الله ~~سبحانه وتعالى بين وقته بقوله: ms0339 {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن ~~أراد أن يتم الرضاعة} [البقرة: 233]، فبين زمانه الكامل؛ فوجب ألا يعتبر ما ~~زاد عليه. وقد رأت عائشة أن رضاع الكبير محرم؛ للحديث الصحيح عنها، قالت: ~~«جاءت سهلة بنت سهيل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول ~~الله؛ إنا كنا نرى سالما ولدا، وكان يأوي معي ومع أبي حذيفة في بيت واحد، ~~ويراني فضلا، وقد أنزل الله سبحانه وتعالى فيهم ما علمت، فكيف ترى يا رسول ~~الله فيه؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أرضعيه خمس رضعات يحرم ~~بلبنها». # PageV01P482 # فكانت تراه ابنا من الرضاعة، فبذلك كانت عائشة تأخذ، وأباه سائر أزواج ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وقلن: والله ما نرى ذلك إلا رخصة من رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لسهلة؛ لأنهم لم يروه حكما عاما ولا قضية ~~مطلقة لكل أحد، لا سيما وقد رده عمر، وأمر بأدب من أرضع من النساء كبيرا. ~~وقد روى الترمذي والنسائي عن أبي سلمة؛ قالت عائشة: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء من الثدي، وكان ~~قبل الفطام». نظام نشر: اعلموا وفقكم الله أن كل شخصين التقما ثديا واحدا ~~في زمان واحد أو في زمانين فهما أخوان، والأصول منهما والفروع بمنزلة أصول ~~الأنساب وفروعها في التحريم. ### | [مسألة ثبوت التحريم بلبن الفحل] # المسألة الخامسة: في لبن الفحل: ثبت «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من ~~كل طريق وفي كل فريق عن عائشة أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن على عائشة ~~بعد أن نزل الحجاب، فقالت عائشة: والله لا آذن لأفلح حتى أسأل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فإن أبا القعيس ليس هو الذي أرضعني، إنما أرضعتني ~~المرأة. قالت عائشة: فلما دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلت: يا ~~رسول الله، إن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن علي فأبيت أن آذن له حتى ~~أستأذنك، فقال: إنه عمك فليلج عليك». وهو مذهب أكثر الأئمة وأعيان العلماء. # PageV01P483 # ورأى ms0340 سعيد بن المسيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن وإبراهيم النخعي: أن لبن ~~الفحل لا يحرم؛ وصورته أن يكون رجل له امرأتان أرضعت إحداهما صبيا والأخرى ~~صبية، فيحرم كل واحد منهما على صاحبه؛ لأنهما أخوان لأب من لبن؛ فيحرمان ~~كما يحرمان لو كانا أخوين لأب من نسب، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة». وهذا ظاهر، وحديث عائشة نص، فقد ~~تعاضدا فوجب القضاء به. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وأمهات نسائكم] # المسألة السادسة: قوله تعالى: {وأمهات نسائكم} [النساء: 23] اختلف الناس ~~فيها في الصدر الأول؛ فروي عن علي وجابر وابن الزبير وزيد بن ثابت ومجاهد ~~أن العقد على البنت لا يحرم الأم حتى يدخل بها. كما أن العقد على الأم لا ~~يحرم البنت حتى يدخل بها. وقال سائر العلماء والصحابة: إن العقد على البنت ~~يحرم الأم ولا تحرم البنت حتى يدخل بالأم. # واختلف النحاة في الوصف في قوله: {اللاتي دخلتم بهن} [النساء: 23] فقيل: ~~يرجع إلى الربائب والأمهات، وهو اختيار أهل الكوفة. وقيل يرجع إلى الربائب ~~خاصة، وهو اختيار أهل البصرة، وجعلوا رجوع الوصف إلى الموصوفين المختلفي ~~العامل ممنوعا كالعطف على عاملين. وجوز ذلك كله أهل الكوفة، ورأوا أن عامل ~~الإضافة غير عامل الخفض بحرف الجر. وقد مهدنا القول في ذلك في كتاب " ملجئة ~~المتفقهين إلى معرفة غوامض النحويين " وقد رد القاضي أبو إسحاق الرواية عن ~~زيد بن ثابت، والذي استقر أنه مذهب علي خاصة، كما قد استقر اليوم في ~~الأمصار والأقطار أن الربائب والأمهات في هذا الحكم مختلفات، وأن الشرط ~~إنما هو في الربائب. # واعلموا أن هذه المسألة من غوامض العلم وأخذها من طريق النحو يضعف؛ فإن # PageV01P484 # الصحابة العرب القرشيين الذين نزل القرآن بلغتهم أعرف من غيرهم بمقطع ~~المقصود منهم؛ وقد اختلفوا فيه وخصوصا عليا مع مقداره في العلمين، ولو لم ~~يسمع ذلك في اللغة العربية لكان فصاحتها بالأعجمية، فإنما ينبغي أن يحاول ~~ذلك بغير هذا القصد. والمأخذ فيه يرجع إلى خمسة أوجه: الأول: أن يقال: إنه ms0341 ~~يحتمل أن يرجع الوصف إلى الربائب خاصة. # ويحتمل أن يرجع إليها جميعا؛ فيرد إلى أقرب مذكور تغليبا للتحريم على ~~التحليل في الفروج، وهكذا هو مقطوع السلف فيها عند تعارض الأدلة بالتحريم ~~والتحليل عليها. # الثاني: روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أيما رجل نكح امرأة فدخل بها ~~أو لم يدخل فلا يحل له نكاح أمها، وأيما رجل نكح امرأة فدخل بها فلا يحل له ~~نكاح ابنتها، فإن لم يدخل بها فلينكحها. وهذا إن صح حجة ظاهرة، لكن رواية ~~المثنى بن الصباح تضعف. # الثالث: أن قوله: {من نسائكم} [النساء: 23] لفظة عربية؛ لأنه جمع لا واحد ~~له من لفظه، والواحد منه امرأة. وقولك: امرؤ وامرأة، كقولك: آدمي وآدمية، ~~فقوله: وامرأتك كقوله: وآدميتك، فأضيفت إليك، ولا بد من البحث عن وجه هذه ~~الإضافة؛ فيحتمل أن يكون معناه التي تشبهك أو تجاورك أو تملكها أو تملكك، ~~أو تحل لها أو تحل لك. والإضافة على معنى الشبه والجوار محال، وكذلك لو ~~قسمت ما قسمت لم تجد وجها إلا باب التحليل والتحريم الذي نحن فيه وله مساق ~~الآية، وهو المقصود بالبيان؛ فإذا حلت له أو ملكها فقد تحققت الإضافة ~~المقصودة فوجب ثبوت الحكم على الإطلاق. وكذلك كنا نقول في الربائب، لولا ~~التقييد بشرط الدخول. فإن قيل: فاحملوا الأمهات على البنات. قلنا: لو كنا ~~نطلب الرخص لفعلنا، ولكن إذا تعارض الدليل في التحليل والتحريم في الفروج ~~غلبنا التحريم، وكذلك فعل علي في الأختين من ملك اليمين لما تعارض فيهما ~~التحليل والتحريم غلب التحريم. # PageV01P485 # الرابع: أنه قد قيل: إن المراد بالدخول هاهنا النكاح، فعلى هذا الربائب ~~والأمهات سواء؛ لكن الإجماع غلب على الربائب باشتراط الوطء في أمهاتهن ~~لتحريمهن. # الخامس: أن كل واحد من الموصوفين قد انقطع عن صاحبه، وخرج منه بوصفه؛ ~~فإنه قال: {وأمهات نسائكم} [النساء: 23]، ثم قال بعده: {وربائبكم اللاتي في ~~حجوركم من نسائكم} [النساء: 23]، فوصف وكرر، وذلك الوصف لا يصح أن يرجع إلى ~~الأمهات، وهو قوله: {اللاتي في حجوركم} [النساء: 23]، فالوصف الذي يتلوه ~~يتبعه، ولا ms0342 يرجع إلى الأول لبعده منه وانقطاعه عنه. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وربائبكم] # المسألة السابعة: قوله تعالى: {وربائبكم} [النساء: 23] واحدتها ربيبة، ~~فعيلة بمعنى مفعولة، من قولك: ربها يربها، إذا تولى أمرها، وهي محرمة ~~بإجماع الأمة، كانت في حجر الرجل أو في حجر حاضنتها غير أمها، وتبين بهذا ~~أن قوله تعالى: {اللاتي في حجوركم} [النساء: 23] تأكيد للوصف، وليس بشرط في ~~الحكم. فإن قيل: فقد روى مالك بن أوس عن علي أنها لا تحرم حتى تكون في ~~حجره. قلنا هذا باطل. ### | [مسألة معنى الدخول في قوله تعالى اللاتي دخلتم بهن] # المسألة الثامنة: قوله تعالى: {اللاتي دخلتم بهن} [النساء: 23] اختلف فيه ~~على ثلاثة أقوال: الأول: أن الدخول هو الجماع؛ قاله الطبري والشافعي. وقالت ~~طائفة أخرى: هو التمتع من اللمس أو القبل؛ قاله مالك وأبو حنيفة. والثالث: ~~أنه النظر إليها بشهوة؛ قاله عطاء وعبد الملك بن مروان، وهي مسألة خلاف قد ~~ذكرناها. وجملة القول فيها أن الجماع هو الأصل، ويحتمل عليه اللمس لأنه ~~استمتاع مثله، يحل بحله، ويحرم بحرمته، ويدخل تحت عمومه، كما بيناه قبل ~~هذا. # PageV01P486 # وأما النظر فعند ابن القاسم أنه يحرم. وقال غيره: لا يحرم؛ لأنه في ~~الدرجة الثالثة شبهة في الزنا ذريعة الذريعة، لكن الأموال تارة يغلب فيها ~~التحليل وتارة يغلب فيها التحريم، فأما الفروج فقد اتفقت الأمة فيها على ~~تغليب التحريم، كما أن النظر لا يحل إلا بعقد نكاح أو شراء فكذلك يحرم إذا ~~حل، أصله اللمس والوطء. ### | [مسألة نكاح أزواج الأبناء] # المسألة التاسعة: قوله تعالى: {وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم} ~~[النساء: 23]: واحدتها حليلة، وهي فعيلة بمعنى مفعلة، أي محللة. حرم الله ~~على الآباء نكاح أزواج أبنائهم، كما حرم على الأبناء نكاح أزواج آبائهم في ~~قوله تعالى: {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف} [النساء: ~~22] فكل فرج حل للابن حرم على الأب أبدا. # المسألة العاشرة: الأبناء ثلاثة: ابن نسب، وابن رضاع، وابن تبن. فأما ابن ~~النسب فمعلوم، ومعلوم حكمه. وأما ابن الرضاع فيجري مجرى الابن في جملة ms0343 من ~~الأحكام معظمها التحريم؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «يحرم من الرضاعة ~~ما يحرم من النسب». وأما ابن التبني فكان ذلك في صدر الإسلام؛ إذ تبنى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - زيد بن حارثة، ثم نسخ الله تبارك وتعالى ذلك ~~بقوله: {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله} [الأحزاب: 5]. # وفي الصحيح أن ابن عمر قال: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد ~~حتى نزلت: {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله} [الأحزاب: 5]؛ وهذه هي ~~الفائدة في قوله تعالى: {من أصلابكم} [النساء: 23] ليسقط ولد التبني، ويذهب ~~اعتراض الجاهل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نكاح زينب زوج زيد، ~~وقد كان يدعى له، فنهج الله سبحانه ذلك ببيانه. # PageV01P487 ### | [مسألة الجمع بين الأختين] # المسألة الحادية عشرة: قوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد ~~سلف} [النساء: 23] حرم الله سبحانه الجمع بين الأختين، كما حرم نكاح الأخت، ~~والنهي يتناول الوطء، فهو عام في عقد النكاح وملك اليمين، وقد كان توقف ~~فيها من توقف في أول وقوعها، ثم اطرد البيان عندهم، واستقر التحريم؛ وهو ~~الحق. # المسألة الثانية عشرة: قوله تعالى: {وأن تجمعوا بين الأختين} [النساء: ~~23] تعلق أبو حنيفة به في تحريم نكاح الأخت في عدة الأخت، والخامسة في عدة ~~الرابعة، وقال: إن هذا محرم بعموم القرآن؛ لأنه إن لم يكن جمعا في حل فهو ~~جمع في حبس بحكم من أحكام الفرج، وهو إذا تزوج أختها فقد حبس المتزوجة بحكم ~~من أحكام النكاح، وهو الحل والوطء، وقد حبس أختها بحكم من أحكام النكاح، ~~وهو استبراء الرحم لحفظ النسب، فحرم ذلك بالعموم؛ وهي من مسائل الخلاف ~~الطويلة، وقد مهدنا القول فيها هنالك. والذي نجتزئ به الآن أن الله سبحانه ~~نهاه عن أن يجمع؛ وهذا ليس بجمع منه، لأن النكاح اكتسبه، والعدة ألزمته، ~~فالجامع بينهما هو الله سبحانه بخلقه، وليس للعبد في هذا الجمع كسب يرجع ~~النهي بالخطاب إليه. # المسألة الثالثة عشرة: قوله تعالى {إلا ما قد سلف} [النساء: 23] ليس هذا ~~من مثل ms0344 [قوله]: {إلا ما قد سلف} [النساء: 23] في نكاح منكوحات الآباء؛ لأن ~~ذلك لم يكن قط بشرع؛ وإنما كانت جاهلية جهلاء وفاحشة شائعة؛ ونكاح الأختين ~~كان شرعا لمن قبلنا فنسخه الله عز وجل فينا. # PageV01P488 ### | [الآية التاسعة عشرة معنى قوله تعالى والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم] # الآية التاسعة عشرة # قوله تعالى: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم ~~وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم ~~به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد ~~الفريضة إن الله كان عليما حكيما} [النساء: 24] # فيها إحدى وعشرون مسألة: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: روى أبو الخليل صالح بن أبي مريم الضبعي ~~عن أبي سعيد الخدري قال: «أصبنا سبايا يوم أوطاس لهن أزواج في قومهن، ~~فكرهتهن رجال، فذكروا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فأنزل ~~الله تعالى: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24]». وقد ~~خرج عن أبي الخليل مسلم والبخاري. # المسألة الثانية: قوله: {والمحصنات} [النساء: 24]: بناء " ح ص ن " على ~~المنع، ومنه الحصن؛ لكن يتصرف بحسب متعلقاته وأسبابه؛ فالإسلام حصن، ~~والحرية حصن، والنكاح حصن، والتعفف حصن؛ قال الله تعالى: {فإذا أحصن فإن ~~أتين بفاحشة} [النساء: 25]؛ وهو الإسلام. وقال تعالى: {والمحصنات من ~~المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة: 5]، فهن ~~الحرائر. وقال تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} ~~[النور: 4] هن العفائف. # «وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أحصنت؟ يعني تزوجت؟ قال: نعم». وقال ~~- صلى الله عليه وسلم -: «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم، من أحصن منهم ~~ومن لم يحصن». خرجه مسلم. # PageV01P489 # وتصريفه غريب؛ يقال: أحصن الرجل فهو محصن بفتح العين في اسم الفاعل، ~~وأسهب في الكلام فهو مسهب إذا أطال القول فيه، وألفج فهو ملفج إذ كان ~~عديما، ولا رابع لها. والله أعلم. # المسألة الثالثة: في إشكالها: قال سعيد بن جبير: كان ابن عباس لا يعلمها. ~~وقال مجاهد: لو أعلم أحدا يفسر هذه ms0345 الآية لضربت إليه أكباد الإبل، وذلك لا ~~يدريه إلا من ابتلي بالقرآن ومعانيه، وتصدى لضم منتشر الكلام، وترتيب وضعه، ~~وحفظ معناه من لفظه. # المسألة الرابعة: في سرد الأقوال: الذي تحصل عندي فيه ستة أقوال: # الأول: أن المحصنات ذوات الأزواج؛ قاله ابن عباس، وابن مسعود، وابن ~~المسيب وغيرهم. وقاله مالك واختاره. # الثاني: ذوات الأزواج من المشركين؛ قاله علي وأنس وغيرهما. # الثالث: من جميع النساء الأربع اللواتي حللن له؛ قاله عبيدة. # الرابع: أنهن جميع النساء على الإطلاق؛ قاله طاوس وغيره. # الخامس: المعنى لا تنكح المرأة زوجين. # السادس: أن المحصنات الحرائر؛ قاله عروة وابن شهاب # المسألة الخامسة: في سرد الأقوال في قوله: {إلا ما ملكت أيمانكم} ~~[النساء: 24]: فيه ثلاثة أقوال: الأول: قالوا: بيع الأمة طلاقها؛ ذكره ابن ~~عباس، وأبي، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وابن مسعود. # PageV01P490 # وعن عكرمة عن ابن عباس: طلاق الأمة ستة: بيعها وعتقها وهبتها وميراثها ~~وطلاق زوجها، زاد أنس بن مالك: وانتزاع سيدها لها من ملك زوجها عبده. ~~الثاني: يعني به المرأة الحربية إذا سبيت؛ فإن السباء يفسخ النكاح. الثالث: ~~قوله: {إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] إلا الإماء والأزواج، وهو اختيار ~~طاوس؛ وقال: زوجك ما ملكت يمينك. # المسألة السادسة: في تنزيل الأقوال وتقديرها: أما من قال: إنهن ذوات ~~الأزواج؛ فذوات الأزواج على قسمين: مسلمات وكافرات، والمسلمات على قسمين: ~~حرائر وإماء، فيعمهن التحريم على هذا التأويل، ويرجع الاستثناء في قوله: ~~{إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] إلى بعضهن وهن الإماء، أو إلى بعض ~~البعض وهن المسبيات؛ فإن رجع إلى الإماء جملة فعليه يتركب أن بيع الأمة ~~المزوجة فراق بينها وبين زوجها، وإن رجع إلى المسبيات وفيه وردت الآية ~~فيكون التقدير: حرمنا عليكم كل ذات زوج، إلا من سبيتم. وعلى أنهن جميع ~~الإماء يكون التقدير: حرمنا عليكم كل ذات زوج إلا ما ملكتم. # وأما من قال: إنهن جميع النساء فيكون تنزيل الآية عنده: حرمنا عليكم من ~~تقدم تحريما مدبرا، وحرمنا عليكم جميع النساء إلا بملك نكاح أو شراء، وكلهن ~~ما ملكت ms0346 أيمانكم. وأما من قال: إنهن جميع النساء إلا أربع فدعوى أن هذه ~~الآية نزلت بعد الآية الأولى في ابتداء السورة في الأربع؛ فإن ثبت ذلك تعذر ~~ذلك له لفظا وبطل معنى، على ما نبينه إن شاء الله تعالى. وقول مجاهد مقدر ~~بنوع ونحو مما تقدم. وأما من قال: إنهن الحرائر فيكون تقدير الآية: وحرمنا ~~عليكم الحرائر من النساء، وأحللنا لكم ما ملكت أيمانكم. # PageV01P491 # المسألة السابعة: في الاعتراض على الأقوال: أما من خصصها في بعض النساء ~~فيعترض عليه أن البعض يبقى حلا، والآية إنما جاءت لبيان المحرمات والمحللات ~~منهن، فإن بقي من الأزواج له من الحرائر أو من المسلمات، أو كل تأويل يقتضي ~~بقاء بعضهن فذلك بعيد في التأويل مفسر للتنزيل. وأما من عمم جميع المسائل ~~إلا الأربع فمبني على دعوى لا برهان عليها. وأما من عمم في الكل فهو ~~الصحيح، ويقع الاستثناء بقوله: {إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] في ~~الإماء أو في الزوجة والأمة؛ وهذا موضع الإشكال العظيم. # المسألة الثامنة: في المختار: وهذا المشكل هو الذي ملنا إليه قديما ~~وحديثا، وذلك أن من قال: إن قوله: {إلا ما ملكت أيمانكم} [النساء: 24] راجع ~~إلى الشراء والنكاح فيعترض عليه بقوله تعالى: {إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم فإنهم غير ملومين} [المؤمنون: 6]، فقد ميز بينهما، ولم يطلق قط أحد ~~من أرباب الشريعة على الحرة في ملك النكاح بأنها ملك اليمين فإنها تملك منه ~~ما يملك منها، أما إنه له عليها درجة، ولكن نقول: إن قوله: {إلا ما ملكت ~~أيمانكم} [النساء: 24] يرجع إلى الإماء، وقوله: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} ~~[النساء: 24] يرجع إلى من عدا المنصوص على تحريمهن. # وأما من قال: إنها في الإماء كلهن، فإن ملك الأمة المتجدد على النكاح ~~يبطله، فموضع إشكال عظيم، ولأجله تردد فيه أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم ~~- بيد أن الظاهر أن ملكا متجددا لا يبطل نكاحا متأكدا، ولو أنه ملك منفعة ~~رقبتها لرجل بالإجارة ثم يبيعها ما أبطل الملك المتجدد ملك منفعة الرقبة؛ ~~فملك منفعة البضع ms0347 أولى أن يبقى، فإن أحق الشروط أن يوفى به ما استحلت به ~~الفروج، فعقد الفرج نفسه أحق بالوفاء به من عقد منفعة الرقبة. # PageV01P492 # والذي يقطع العذر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خير بريرة ولم يجعل ما ~~طرأ من العتق عليها، ولا ما ملكت من نفسها، مبطلا لنكاح زوجها، وعليه يحمل ~~كل ملك متجدد. وقد بيناه في مسائل الخلاف وفيما أشرنا إليه هاهنا من الأثر ~~والمعنى كفاية لمن سدد النظر، فوضح أن المراد بالمحصنات الجميع، وأن المراد ~~بملك اليمين السبي الذي نزلت الآية في بيانه. # وأما تحريم الأربع فيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وأحل لكم ما وراء ذلكم] # المسألة التاسعة: قوله: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24]: هذا عموم ~~متفق عليه ممن نفاه وممن أثبته؛ وذلك أن الله تعالى عدد المحرمات، ثم قال: ~~{وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24]؛ فاختلف الناس في المراد به على ~~ثلاثة أقوال: الأول: المراد به من عدا القرابة من المحرمات المذكورات. ~~الثاني: ما دون الأربع. الثالث: ما ملكت أيمانكم. # المسألة العاشرة: عجبا للأوائل كلفوا فهرفوا؛ نظروا إلى السدي يقول: ~~{وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24] يعني ما دون الأربع، وكم حرام بعد ~~هذا، وكأنه يشير إلى أن هذا العموم مخصوص فيما زاد على الأربع، وكذلك قول ~~عطاء: إنه فيما زاد على القرابة، وبقي الأجانب غير مبينات، ومثله قول ~~قتادة؛ بل أضعف؛ لأنه رد التحليل إلى الإماء خاصة. # المسألة الحادية عشرة: اعلموا وفقكم الله تعالى أنا قد بينا أن الشرع لم ~~يأت دفعة، ولا وقع البيان في # PageV01P493 # تفصيله في حالة واحدة؛ وإنما جاء نجوما وشذر شذورا لمصلحة عامة وحكمة ~~بالغة؛ فلو شاء ربك لذكر المحرمات معدودات مشروحات في حالة واحدة، ولكنه ~~فرقها على السور والآيات، وقسمها على الحالات والأوقات؛ فاجتمعت العلماء ~~وكملت في الدين، كما كمل جميعه واستوثق وانتظم واتسق، وقد قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث». # وقد بلغ العلماء الأسباب المبيحة للدم ms0348 إلى عشرة يأتي ذكرها في موضعها إن ~~شاء الله تعالى. وعدد المحرمات في الشريعة عندنا حسبما رتبنا من الأدلة في ~~هذا الكتاب وغيره من النساء أربعون امرأة، منهن أربع وعشرون حرمن تحريما ~~مؤبدا، ومنهن ست عشرة تحريمهن لعارض. فأما الأربع والعشرون فهن: الأم، ~~البنت، الأخت، العمة، الخالة، بنت الأخ، بنت الأخت، فهؤلاء سبع. ومن الرضاع ~~مثلهن بالسنة وإجماع الأمة، كملن أربع عشرة، وحليلة الأب، وحليلة الابن، ~~وأم الزوجة، وربيبة الزوجة، المدخول بها. ومن الجمع ثلاث؛ وهن الأختان بنص ~~القرآن، والمرأة وعمتها، والمرأة وخالتها، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- وبيانه، وكذلك الملاعنة سنة، والمنكوحة في العدة بإجماع الصحابة في قضاء ~~عمر بن الخطاب، وزوجات النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد سقط هذا الوجه ~~بموتهن. # وأما المحرمات لعارض فهن: الخامسة، والمزوجة، والمعتدة، والمستبرأة، ~~والحامل، والمطلقة ثلاثا، والمشركة، والأمة الكافرة، والأمة المسلمة لواجد ~~الطول؛ وسيأتي بيانها إن شاء الله تعالى، وأمة الابن، والمحرمة، والمريضة، ~~ومن كان ذا محرم من زوجه # PageV01P494 # اللاتي لا يجوز الجمع بينهن وبينها، واليتيمة الصغيرة، والمنكوحة عند ~~النداء يوم الجمعة؛ والمنكوحة عند الخطبة بعد التراكن. فأما السبع عشرة ~~منهن فدليلهن ظاهر. وأما الملاعنة فمختلف فيها؛ قال أبو حنيفة: ليس تحريمها ~~مؤبدا فإنه إذا أكذب نفسه حل له رجعتها، وبناء على أن فرقة اللعان طلاق؛ ~~لأجل أنها متعلقة بلفظ الزوج كالطلاق، مفتقرة إلى الحاكم كطلاق العنين، ~~ولأنه سبب أوجبه اللعان، فزال بالتكذيب؛ فنفي بلعانه ويعود بتكذيبه. ~~والنكتة العظمى لهم أنهم قالوا: أوجب حرمة لأوجد محرمية كالرضاع. # وبالجملة فالمعاني لهم، والنظائر والأصول معهم، وليس لنا نحن إلا حديث ~~ابن عمر في صحيح مسلم وغيره قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«حسابكما على الله، أحدكما كاذب. لا سبيل لك عليها. قال: يا رسول الله، ~~مالي؟ قال: لا مال لك. إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها، وإن ~~كنت كذبت عليها فذلك أبعد لك منها». وأما المنكوحة في العدة فهو النظر ~~الصحيح؛ لأنه استعجل محرما قبل حله فحرمه أبدا؛ ms0349 كالقاتل لا يمكن من ~~الميراث، والمستبرأة معتدة، العلة واحدة، والمحل واحد، والسبب واحد؛ فلما ~~اتحدا اتحد الحكم والحامل أوقع، والدليل فيها الجمع، والمطلقة ثلاثا ~~قرآنية، وكذلك المشركة، والأمتان تأتيان مبينتين إن شاء الله. وأما أمة ~~الابن فكل محرم في كتاب الله مما تقدم بيانه فإن لفظه ومعناه عام في النكاح ~~وملك اليمين، فدخل فيه تحريم ملك اليمين، وأمة الابن من حلائل الابن لفظا، ~~أو معنى ولفظا، أو معنى من غير لفظ، والكل في اقتضاء التحريم درجات، وله ~~مقتضيات؛ وكذلك تحريم الجمع دخل فيه الجمع بملك اليمين لما بيناه. # PageV01P495 # وأما المحرمة فقال أبو حنيفة والبخاري وجماعة: نكاح المحرم جائز بالعقد ~~دون الوطء. وقال مالك والشافعي: لا يجوز، ولا عمدة لهما فيه إلا حديث نبيه ~~بن وهب، خرجه مالك: «لا ينكح المحرم، ولا ينكح». وضعف البخاري نبيه بن وهب، ~~وتعديل مالك وعلمه به أقوى من علم كل بخاري وحجازي، فلا يلتفت لغيره. وأما ~~حديث البخاري في «ميمونة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوجها محرما»، ~~فعجبا للبخاري يدخله مع عظيم الخلاف فيه ويترك أمثاله، ولا يعارض حديث نبيه ~~المتفق عليه بحديث ميمونة المختلف فيه. والمسألة عظيمة قد بيناها في مسائل ~~الخلاف. # وأما نكاح المريض فمن مسائل الخلاف؛ ومنعه مالك وجوزه أبو حنيفة ~~والشافعي؛ وقد بيناه في موضعه؛ وكذلك اليتيمة الصغيرة لا تزوج بحال عندنا ~~وعند الشافعي، وقال أبو حنيفة: يزوجها وليها، ولها الخيار إذا بلغت؛ فأفسد ~~ما بنى وجعل حلا مترقبا، وهي طيولية قد ذكرناها في التلخيص وغيره. فهذه جمل ~~من المحرمات ثبتت في الشريعة بأدلتها وخصت من قوله: {وأحل لكم ما وراء ~~ذلكم} [النساء: 24]. وتركب على هذا ما إذا زنى بامرأة، هل يثبت زناه حرمة ~~في فروعها وأصولها؟ عن مالك في ذلك روايتان ودع من روى، وما روي. أقام مالك ~~عمره كله يقرأ عليه الموطأ ويقرأه لم يختلف قوله فيه: إن الحرام لا يحرم ~~الحلال، ولا شك في ذلك، وقد بيناها في مسائل الخلاف، والله أعلم. ### | [مسألة معنى قوله تعالى أن ms0350 تبتغوا بأموالكم] # المسألة الثانية عشرة: قوله تعالى: {أن تبتغوا بأموالكم} [النساء: 24]: ~~يعني بالنكاح أو بالشراء، فأباح الله الحكيم الفروج بالأموال والإحصان دون # PageV01P496 # السفاح وهو الزنا؛ وهذا يدل على وجوب الصداق في النكاح، لكن رخص في جواز ~~السكوت عنه عند العقد كما تقدم في التفويض في سورة البقرة، وقد حققناه ~~هنالك في مسائل الخلاف. # المسألة الثالثة عشرة: قال الله سبحانه: {أن تبتغوا بأموالكم} [النساء: ~~24] مطلقا، فتعلق الشافعي بهذا الإطلاق في جواز الصداق بكل قليل وكثير، ~~وعضد ذلك بحديث الموهوبة في الصحيح في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «التمس ~~ولو خاتما من حديد». # ولنا فيه طرق؛ أقواها أن الله تبارك وتعالى لما حرم استباحة هذا العضو ~~وهو البضع إلا ببدل وجب أن يتقرر ذلك البدل؛ بيانا لخطره وتحقيقا لشرفه، لا ~~سيما وهو حق الله تعالى؛ وحقوق الله مقدرة كالشهادات والكفارات والزكاة و ~~[نصب] السرقة والديات. وقد مهدنا ذلك في مسائل الخلاف؛ فوجب أن يتخصص هذا ~~الإطلاق بهذه الأدلة، لا سيما ومساق هذا اللفظ إيجاب البدل، وليس المقصود ~~الإشارة بعمومه. فأما حديث خاتم الحديد فخاتم في العرف يتزين به، قيمته ~~أكثر من ربع دينار، وهذا ظاهر؛ فتأمل تحقيقه في موضعه. # المسألة الرابعة عشرة: لما أمر الله تعالى بالنكاح بالأموال لم يجز أن ~~يبذل فيه ما ليس بمال، وتحقيق المال ما تتعلق به الأطماع، ويعتد للانتفاع، ~~هذا رسمه في الجملة، وفيه تفصيل. وتحقيق بيانه في كتب المسائل يترتب عليه ~~أن منفعة الرقبة في الإجارة مال، وأن # PageV01P497 # منفعة التعليم للعلم كله مال، وفي جواز كونه صادقا كلام يأتي بيانه في ~~سورة القصص إن شاء الله تعالى. وأما عتق الأمة فليس بمال. وقال أحمد بن ~~حنبل: هو مال يجوز النكاح بمثله، لأن «النبي - صلى الله عليه وسلم - جعله ~~صداقا في نكاحه لصفية بنت حيي بن أخطب فإنه أعتقها بتزوجها وجعل عتقها ~~صداقها»، رواه أنس في الصحيح. وقال علماؤنا: كان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - مخصوصا في النكاح وغيره بخصائص، ومن جملتها أنه كان ينكح بغير ولي ms0351 ~~ولا صداق، فإنه كان أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وقد أراد زينب فحرمت على ~~زيد، فلا يجوز أن يستدل بمثل هذا. وقد حققنا خصائصه في سورة الأحزاب، وقد ~~عضد ذلك علماؤنا بأن قالوا: إن قوله: {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه ~~هنيئا مريئا} [النساء: 4]؛ وذلك لا يتصور في العتق، وقد مهدناه في مسائل ~~الخلاف. ### | [مسالة معنى قوله تعالى محصنين] # المسألة الخامسة عشرة: قوله تعالى: {محصنين} [النساء: 24]: قال بعض ~~الغافلين: إن قوله: {محصنين} [النساء: 24] يجوز أن يكون حالا من النساء، ~~كأنه يريد ابتغوهن غير زانيات، ولو أراد كونها حالا للنساء لقال: محصنات ~~غير مسافحات كما في الآية بعدها؛ وإنما المراد بقوله: {محصنين} [النساء: ~~24] حث الرجال على حظهم المحمود فيما أبيح لهم من الإحصان دون السفاح؛ قيل ~~لهم: ابتغوا بأموالكم نكاحا لا سفاحا، والسفاح اسم الزنا. # المسألة السادسة عشرة: قوله تعالى: {غير مسافحين} [النساء: 24]: يعني غير ~~زانين، والسفاح اسم للزنا، سمي به لأنه يسفح الماء أي يصبه، والسفح الصب، ~~والنكاح سفاح اشتقاقا؛ لأن في كل واحد منهما الجمع والضم، وصب الماء؛ ولكن ~~الشريعة واللغة خصصت كل واحد باسم من معنى مطلقه؛ للتعريف به على عادتها ~~فيما تطلقه من بعض ألفاظها على المعاني المشتركة فيها. # PageV01P498 ### | [مسألة الصداق إذا لم يسم في العقد وجب بالدخول] # المسألة السابعة عشرة: قوله تعالى: {فما استمتعتم به منهن} [النساء: 24]: ~~فيه قولان: # أحدهما: أنه أراد استمتاع النكاح المطلق؛ قال جماعة منهم الحسن ومجاهد ~~وإحدى روايتي ابن عباس. # الثاني: أنه متعة النساء بنكاحهن إلى أجل؛ روي عن ابن عباس أنه سئل عن ~~المتعة فقرأ: فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى. قال ابن عباس: والله ~~لأنزلها الله كذلك. # وروي عن حبيب بن أبي ثابت قال: أعطاني ابن عباس مصحفا، وقال: هذا قراءة ~~أبي، وفيه مثل ما تقدم، ولم يصح ذلك عنهما؛ فلا تلتفتوا إليه، وقول الله ~~تعالى: فما استمتعتم به منهن يعني بالنكاح الصحيح. أما إنه يقتضي بظاهره أن ~~الصداق إذا لم يسم في العقد وجب بالدخول، وقد تقدم ms0352 بيانه في التفويض، وأما ~~متعة النساء فهي من غرائب الشريعة؛ لأنها أبيحت في صدر الإسلام ثم حرمت يوم ~~خيبر، ثم أبيحت في غزوة أوطاس، ثم حرمت بعد ذلك، واستقر الأمر على التحريم، ~~وقد بينا ذلك في شرح الحديث بيانا يشفي الصدور. ### | [مسألة معنى قوله تعالى فآتوهن أجورهن] # المسألة الثامنة عشرة: قوله تعالى: {فآتوهن أجورهن} [النساء: 24]: سماه ~~في هذه الآية أجرا، وسماه في الآية الأولى في أول السورة نحلة، وقد تكلمنا ~~على تلك الآية، وكانت الفائدة بهذا والله أعلم البيان لحال الصداق، وأنه من ~~وجه نحلة ومن وجه عوض. والصحيح أنه عوض، ولذلك قال مالك: النكاح أشبه شيء ~~بالبيوع، لما فيه من أحكام البيوع، وهو وجوب العوض وتعريفه وإبقاؤه ورده ~~بالعيب والقيام فيه بالشفعة إلى غير ذلك من أحكامه. # المسألة التاسعة عشرة: قوله تعالى: {فريضة} [النساء: 24]: يحتمل أن يكون ~~صفة للإتيان ليخلص الأمر للوجوب. ويحتمل أن يكون صفة # PageV01P499 # للأجر، فيقتضي التقدير؛ معناه أعطوها صداقها كاملا، ولا تأخذوا منه شيئا، ~~كما قال: {وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا} [النساء: 20]. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة] # المسألة الموفية عشرين: قوله تعالى: {ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من ~~بعد الفريضة} [النساء: 24]: إذا وجب المهر وعلم فلا بأس أن يقع فيه التراضي ~~بعد ذلك بين الرجال والنساء في تركه كله أو بعضه، أو الزيادة عليه، فإن كان ~~ذلك بين المرأة والرجل وهما مالكان أمرهما فذلك مستمر على ظاهر الآية، وإن ~~كان منهما من لا يملك أمر نفسه فذلك إلى الولي الذي أوجبه كما تقدم في ~~قوله: {إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} [البقرة: 237]، وكما ~~توجب امرأة لنفسها صداقها ثم تسقطه، كذلك يوجبه وليها لها ثم يسقطه إذا رأى ~~ذلك مصلحة لها، وقد تقدم بيان ذلك في موضعه. وأما الزيادة فيه وهي: # المسألة الحادية والعشرون: فقد قال مالك: إن الزيادة بالثمن في البيع ~~وبالصداق في النكاح تلحقهما ويجري مجراهما في أحد القولين، وبه قال ms0353 أبو ~~حنيفة. وفي القول الثاني يجري مجرى الهبات، وبه قال الشافعي؛ وهي في مسائل ~~الخلاف مذكورة. ونكتة المسألة أنهما يملكان فسخ العقد وتجديده صريحا فملكاه ~~عنهما، ولهما أن يتصرفا فيه كيف شاءا. ### | [الآية الموفية عشرين قوله تعالى ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات] # فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من ~~بعض} [النساء: 25] فيها اثنتا عشرة مسألة: # PageV01P500 # المسألة الأولى: في حكمة الآية: انظروا رحمكم الله إلى مراعاة الباري ~~سبحانه لمصالحنا وحسن تقديره في تدبيره لأحكامنا؛ وذلك أنه لما ضرب الرق ~~على الخلق عقوبة للجاني وخدمة للمعصوم، وعلم أن العلاقة قد تنتظم بالرق في ~~باب الشهوة التي رتبها جبلة، ورتب النكاح عليها في اتحاد القرون وترتيب ~~النظر، وشرفه لشرف فائدته ومقصوده من وجود الآدمي عليه صان عنه محل ~~المملوكية لثلاثة أوجه: أحدها: أن فيها سبب الحل وطريق التحريم، والاستمتاع ~~يكفي. # الثاني: وهو المقصود صيانة النطفة عن التصوير بصورة الإرقاق. # الثالث: صيانة لعقد النكاح حين كثر شروطه، وأعلى درجته، وكمل صفته؛ وقد ~~كان سبق في علمه أن أحوال الخلق ستستقيم بقسمته إلى ضيق وسعة وضرورة أذن في ~~حال الضرورة للحر في تعريض نطفته للإرقاق، لئلا يكون مراعاة أمر موهوم يؤدي ~~إلى فساد حال متوقعة، حتى قال بعض العلماء: إن الهوى يجيز نكاح الإماء، ~~وهذا منتهى نظر المحققين في مطالعة الأحكام من بحر الشرع وساحل العقل؛ ~~فاتخذوها مقدمة لكل مسألة تتعلق بها. # المسألة الثانية: في فهم سياق الآية: اعلموا وفقكم الله تعالى أن العلماء ~~اختلفوا في سياق هذه الآية؛ فمنهم من قال: إنها سيقت مساق الرخص، كقوله: ~~{فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين} [النساء: 92] وقوله: {فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا} [النساء: 43] ونحوه. فإذا كانت كذلك وجب أن تلحق بالرخص التي تكون ~~مقرونة بأحوال الحاجة وأوقاتها، ولا يسترسل في الجواز استرسال العزائم؛ ~~وإلى هذا مال جماعة من الصحابة، واختاره مالك؛ ومنهم من جعلها أصلا، وجوز ~~نكاح الأمة مطلقا، ومال إليه أبو حنيفة. # PageV01P501 # وقد جهل مساق الآية من ظن ms0354 هذا فقد قال الله تعالى ما يدل على أنه لم يبح ~~نكاح الأمة إلا بشرطين: أحدهما عدم الطول، والثاني خوف العنت؛ فجاء به شرطا ~~على شرط، ثم ذكر الحرائر من المؤمنات والحرائر من أهل الكتاب ذكرا مطلقا؛ ~~فلما ذكر الإماء المؤمنات ذكرها ذكرا مشروطا مؤكدا مربوطا. # فإن قيل: حلقتم على دليل الخطاب بألفاظ هائلة، وليس في هذه الآية إلا أن ~~الله تعالى ذكر في نكاح الأمة وصفا أو وصفين فأردتم أن يكون الآخر بخلافه، ~~وهذا دليل الخطاب الذي نازعناكم فيه مذ كنا وكنتم. # فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنا نقول: دليل الخطاب أصل من أصولنا، وقد ~~دللنا عليه في أصول الفقه وحققناه تحقيقا لا قبل لكم به، ومن أراد دراه. # الثاني: أن هذه الآية ليست مسوقة مساق دليل الخطاب كما بينا؛ وإنما هي ~~مسوقة مساق الإبدال، وإنما كانت تكون مسوقة مساق شبه دليل الخطاب لو قلنا: ~~انكحوا المحصنات المؤمنات بطول وعند خوف عنت، فأما وقد قال: {ومن لم يستطع ~~منكم} [النساء: 25]؛ فقرنه بالقدرة التي رتب عليها الإبدال في الشريعة ~~وأدخلها في بابها بعبارتها ومعناها لم يقدر أحد أن يخرجها عنها، فليس لرجل ~~حكمه الله واضع. # ومن غريب دليل الخطاب أن الباري تعالى قد يخص الوصف بالذكر للتنبيه، وقد ~~يخصه بالعرف، وقد يخصه باتفاق الحال، فالأول كقوله تعالى: {فلا تقل لهما ~~أف} [الإسراء: 23]، وقد قال تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} ~~[الإسراء: 31] فإنه تنبيه على حالة الإثراء، وخص حالة الإملاق بالنهي؛ ~~لأنها هي التي يمكن أن يتعرض الأب لقتل الابن فيها. وكذلك قوله تعالى: # PageV01P502 # {لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة} [آل عمران: 130] خص حالة الإكثار ~~والإثراء التي تتعلق بها النفوس بالنهي؛ فأما إذا وقع شرط بقدرة فهو نص في ~~البدلية والرخصة، وإن وقع بتنبيه مقرونا بحالة أو عادة كان ظاهرا، كقوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «من باع نخلا قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترطها ~~المبتاع». وقد مهدنا ذلك في مسائل الخلاف، وبينا أن خمسة من الأدلة تقتضي ~~في المعنى أن نكاح ms0355 الأمة رخصة، فلما انتهى النظر إلى هذا المقام، ورأى ~~المحققون من أصحاب أبي حنيفة أن نكاح الأمة رخصة، وأنه مشروط بعد الطول ~~تحكم في الطول، وهي: # المسألة الثالثة: فقال: إن الطول هو وجود الحرة تحته، فإذا كانت تحته حرة ~~فهو ذو طول، فلا يجوز له نكاح الأمة، هذا تأويل أبي يوسف. وتحقيقه عندهم أن ~~الطول في لسان العرب هو القدرة، والنكاح هو الوطء حقيقة، فمعناه من لم يقدر ~~أن يطأ حرة فليتزوج أمة، وهذا هو حقيقة في الذي تحته حرة فلا ينقل إلى ~~المجاز إلا بدليل. أجاب علماؤنا بأن قالوا: الطول هو الغنى والسعة، بدليل ~~قوله: {استأذنك أولو الطول منهم} [التوبة: 86]. # والنكاح هو العقد، فمعناه من لم يكن عنده صداق حرة فليتزوج أمة، وكذلك ~~فسره جماعة من الصحابة والتابعين، ويعضده قوله تعالى: {ذلك لمن خشي العنت ~~منكم} [النساء: 25]، وهذا أقوى ألفاظ الحصر، كقوله في شروط المتعة في الحج: ~~{ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام} [البقرة: 196]. وأبو حنيفة لا ~~يشترط خوف العنت. # PageV01P503 ### | [مسألة قدر على طول كتابية هل يتزوج الأمة] # فإن قيل، وهي: # المسألة الرابعة: فإن قدر على طول كتابية هل يتزوج الأمة؟ قلنا: نعم، ~~يتزوجها. # فإن قيل: كيف هذا، وهي مثل المسلمة الحرة؟ والقدرة على مثل الشيء قدرة ~~عليه في الحكم. قلنا: ليسا مثلين بأدلة لا تحصى كثرة وقوة، منها أن إماءهم ~~لم تستو فكيف حرائرهم؟ وما لم يشترطه الله سبحانه لا نشترطه نحن، ولا نلحق ~~مسلمة بكافرة، فأمة مؤمنة خير من حرة مشركة بلا كلام. # فإن قيل، وهي: المسألة الخامسة: قال أبو بكر الرازي إمام الحنفية في كتاب ~~" أحكام القرآن " له: ليس نكاح الأمة ضرورة؛ لأن الضرورة ما يخاف منه تلف ~~النفس أو تلف عضو، وليس في مسألتنا شيء من ذلك. قلنا: هذا كلام جاهل بمنهاج ~~الشرع أو متهكم لا يبالي بما يرد القول. نحن لم نقل إنه حكم نيط بالضرورة، ~~إنما قلنا: إنه حكم علق بالرخصة المقرونة بالحاجة، ولكل واحد منهما حكم ~~يختص به، وحالة يعتبر ms0356 فيها، ومن لم يفرق بين الضرورة والحاجة التي تكون ~~معها الرخصة فلا يعنى بالكلام معه، فإنه معاند أو جاهل، وتقدير ذلك إتعاب ~~للنفس عند من لا ينتفع به. # PageV01P504 ### | [مسألة كانت تحته حرة هل يتزوج الأمة أم لا] # فإن قيل، وهي: المسألة السادسة: فإذا كانت تحته حرة، هل يتزوج الأمة أم ~~لا؟ قلنا: اختلف في ذلك علماؤنا؛ فقال مالك: إذا خشي العنت مع حرة واحتاج ~~إلى أخرى، ولم يقدر على صداقها فإنه يجوز له أن يتزوج الأمة؛ وهكذا مع كل ~~حرة وكل أمة حتى ينتهي إلى الأربع بظاهر القرآن. وقال مرة أخرى: إذا تزوج ~~الأمة على الحرة رد نكاحه؛ رواه ابن القاسم. ورواية ابن وهب الأولى أصح في ~~الدليل وأولى؛ لأن الله تعالى أباح بشرط قد وجد وكمل على الأمر. فإن قيل، ~~وهي: # المسألة السابعة: فهل تكون الحرة بالخيار في البقاء معها أو الفراق؟ ~~قلنا: كذلك قال مالك على الرواية الواحدة، ويجيء على مذهبه أن من رضي ~~بالسبب المحقق رضي بالمسبب المرتب عليه، وألا يكون لها خيار؛ لأنها قد علمت ~~أن له نكاح الأربع، وعلمت أنه إن لم يقدر على نكاح حرة تزوج أمة، وما شرط ~~الله تعالى عليها كما شرطت على نفسها، ولا يعتبر في شروط الله علمها، وهذا ~~غاية التحقيق في الباب والإنصاف فيه. ### | [مسألة نكاح الأمة الكافرة] # المسألة الثامنة: قوله تعالى: {من فتياتكم المؤمنات} [النساء: 25]. بهذا ~~استدل مالك على أن نكاح الأمة الكافرة لا يحل؛ لأن الله تعالى أباح نكاح ~~المؤمنة، فكان شرطا في نكاح الإماء الإيمان. فإن قيل: هذا استدلال بدليل ~~الخطاب ونحن لا نقول به. قلنا: ليس هذا استدلالا بدليل الخطاب من أربعة ~~أوجه: # الأول: أن هذا استدلال بالتعليل؛ فإن الله تعالى ذكر الإيمان في نكاحهن، ~~وذكر الصفة في الحكم تعليل، كما لو قال: أكرموا العالم واحفظوا الغريب لكان ~~تنصيصا على # PageV01P505 # الحكم وعلى علته، وهي العلم والغربة فيتعدى الإكرام [والحفظ] لكل عالم ~~وغريب، ولا يتعدى إلى سواهما. # الثاني: أن الله تعالى قال: {والمحصنات من الذين أوتوا ms0357 الكتاب} [المائدة: ~~5]؛ فكان هذا تعليلا يمنع من النكاح في المشركات. # الثالث: أن الله تعالى قال: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب} [المائدة: ~~5]، فإذا لم يكن الإيمان شرطا في الإحلال ولا العفة تبين أن المراد ~~بالإحصان هاهنا الحرية. # الرابع: أن الله تعالى قال في هذه الآية: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ~~ينكح المحصنات المؤمنات} [النساء: 25] فلينكح الفتيات المؤمنات، فالإحصان ~~هاهنا في الحرية قطعا، فنقلناه من حرة مؤمنة إلى أمة مؤمنة، وقال في آية ~~أخرى: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم} [المائدة: 5]. ثم ~~قال: {والمحصنات من المؤمنات} [المائدة: 5] يعني حل لكم، {والمحصنات من ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة: 5] حل لكم أيضا، يريد بذلك الحرائر ~~لا معنى له سواه، فأفادت الآية حل الكتابية، وبقيت الأمة الكافرة تحت ~~التحريم. فإن قيل: فقد قال: {ولأمة مؤمنة خير من مشركة} [البقرة: 221]، ~~فخاير بينهما، والمخايرة لا تكون بين ضدين، وقد تقدم الجواب عنه في سورة ~~البقرة. # المسألة التاسعة: لما أكمل الله تعالى بيان المحرمات الحاضرات في ذلك ~~الوقت للتكليف، وقال بعده: {وأحل لكم ما وراء ذلكم} [النساء: 24]، فلو وقع ~~هذا الإحلال بنص لكان ما يأتي بعده من المحرمات التي عددناها نسخا، ولكنه ~~كان عموما، فجرى على عمومه إلا ما خصه الدليل في ست عشرة مسألة، ولو كانت ~~ألفا ما أثر في العموم، فكيف وهي على هذا المقدار؟ ألا ترى إلى قوله تعالى: ~~{فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] # PageV01P506 # وهو عموم خرج منه عشرة أصناف وبقي تحته صنف واحد، وهم المحاربون، ولم ~~يؤثر ذلك فيه لا فصاحة ولا حكمة ولا دينا ولا شريعة. # المسألة العاشرة: قوله تعالى: {والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض} ~~[النساء: 25]: المعنى أن الله لما شرط الإيمان، وعلم أنه مخفي لا يطلع عليه ~~سواه أحال على الظاهر فيه، وقال: {والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض} ~~[النساء: 25] فيما أضمرتم من الإيمان، كلكم فيه مقبول، وبظاهره معصوم، حتى ~~يحكم فيه الحكيم؛ ولذلك لما «جاء الأنصاري فقال له: علي رقبة وأريد أن أعتق ~~هذه الجارية. قال لها ms0358 النبي - صلى الله عليه وسلم -: أين الله؟ قالت: في ~~السماء. قال: من أنا؟ قالت: رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة» حملا على ~~الظاهر من الإيمان، نعم وعلى الظاهر من الألفاظ، وقد بينا ذلك في كتاب ~~المشكلين. ### | [مسألة التسوية بين الحر والعبد في الشرف] # المسألة الحادية عشرة: قوله تعالى: {بعضكم من بعض} [النساء: 25]. قيل: ~~معناه أنتم بنو آدم، وقيل: معناه أنتم المؤمنون إخوة. وفي هذا دليل على ~~التسوية بين الحر والعبد في الشرف، ورد على العرب التي كانت تسمي ولد الأمة ~~هجينا تعبيرا له بنقصان مرتبة أمه، وهذا أمر أدخلته اليمنية على المضرية من ~~حيث لم تشعر بجهل العرب وغفلتها؛ فإن إسماعيل ابن أمة، فلو كانت على بصيرة ~~ما قبلت هذا التعبير، وإليها يرجع. ### | [مسألة تزوج أمة ثم قدر بعد ذلك على حرة فتزوجها] # المسألة الثانية عشرة: إذا تزوج أمة، ثم قدر بعد ذلك على حرة فتزوجها ثبت ~~نكاح الأمة ولم ينفسخ. # PageV01P507 # وقال مسروق: ينفسخ؛ لأنه أمر أبيح للضرورة، فإذا ارتفعت الضرورة ارتفعت ~~الإباحة، وهذا لا يصح؛ لأنه شرط في ابتداء العقد فلا يشترط في استدامته، ~~كالعدة والإحرام وخوف العنت. وهذا لا جواب عنه. # وأما الميتة في الضرورة فتفارق هذا من وجهين: أحدهما: أن هذا عقد لازم، ~~وتلك إباحة مجردة. # الثاني: أن هذا عقد بشروط، فيعتبر بشروطه، بخلاف الإباحة في الميتة، ~~والله أعلم. ### | [الآية الحادية والعشرون قوله تعالى فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف] # محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان} [النساء: 25]. فيها عشر مسائل: # المسألة الأولى: قال إسماعيل القاضي: زعم بعض أهل العراق أن السيد إذا ~~زوج عبده من أمته أنه لا يجب فيه صداق، وكيف يجوز هذا ونكاح بغير صداق ~~سفاح؟ وبالغ في الرد، وبين أن الله ذكر نكاح كل امرأة، فقرنه بذكر الصداق ~~فقال في الإماء: {فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف} [النساء: ~~25]. وقال تعالى: {والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ~~من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن} [المائدة: 5]. وقال أيضا: {ولا جناح عليكم ~~أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن} ms0359 [الممتحنة: 10]؛ فكيف يخلو عنه عقد حكم ~~الشرع فيه بأن يجب في كل نوع منه، حتى أنه لو سكت في العقد عنه لوجب ~~بالوطء. قال ابن العربي: وهذا الذي ذكره القاضي إسماعيل هو مذهب الشافعي ~~وأبي حنيفة، وقد تعرض الحنفيون والشافعيون للرد على إسماعيل، فرد عليه أبو ~~بكر الرازي في كتاب # PageV01P508 # " أحكام القرآن " له، ورد عليه علي بن محمد الطبري الهراس في كتاب " ~~أحكام القرآن "، فتعرضوا للارتقاء في صفوفه بغير تمييز. قال الرازي: يجب ~~المهر ويسقط؛ لئلا تكون استباحة البضع بغير بدل، ويسقط في الثاني حين ~~يستحقه المولى، لأنها لا تملكه، والمولى هو الذي يملك مالها ولا يثبت ~~للمولى على عبده دين. # وقال الطبري: إن المهر لو وجب لوجب لشخص على شخص، فمن الذي أوجبه؟ وعلى ~~من وجب؟ فإن قلت: وجب للسيد على العبد فهذا محال أن يثبت له دين على عبده، ~~ووجوبه لا على أحد محال، وكما أن العقد يقتضي الإيجاب كذلك الملك يقتضي ~~الإسقاط، وليس إيجابه ضرورة الإسقاط، كما يقال إن إثبات الملك للابن ضرورة ~~العتق؛ فإن العتق لا يتصور بدون الملك، فأما إسقاط المهر فلا يقتضي إثباته، ~~فوجب ألا يجب بحال. وقد دل الدليل على أن العبد لا يملك بالتمليك أصلا، ~~وإذا لم يملك ولا بد من مالك، واستحال أن يكون السيد مالكا؛ فامتنع لذلك، ~~وعاد الكلام إلى أصل آخر؛ وهو أن العبد هل يملك أم لا؟ قال القاضي أبو بكر: ~~أما قول الرازي: إنه يجب ويسقط فكلام له في الشرع أمثلة، منها متفق عليها ~~ومنها مختلف فيها؛ فمن المتفق عليه بيننا وبين الشافعية والحنفية هو فيما ~~إذا قال لرجل: أعتق عبدك عني على ألف. فقال سيده: هو حر. فإن هذا القول وهو ~~كلمة " هو حر " يتضمن عقد البيع، ووجوب الثمن على المبتاع، ثم وجوب الثمن ~~للبائع، ووجوب الملك للمبتاع، وخروجه عن يد البائع وملكه والعتق، ويجب ~~الملك ثم يسقط. كل ذلك بصحة البيع والعتق. كذلك يلزم أن يقول: يجب الصداق ~~هاهنا لحل الوطء، ثم يكون ما كان. ms0360 # ومما اتفقنا عليه نحن والشافعية إذا اشترى الابن أباه فإنه يصح عقد ~~الشراء ويحصل الملك للابن، ثم يسقط الملك ويعتق، ويجب الثمن للبائع. # PageV01P509 # وقد قال بعض أصحاب الشافعي: إذا قتل الأب ابنه يجب القصاص ويسقط، فوجوبه ~~لوجود علة القصاص من العدوان وشرطه من المكافآت، ويسقط لعدم المستحق؛ إذ ~~يستحيل أن يجب للمرء على نفسه. # ونحن نقول: ينتقل القصاص إلى غير الأب من الورثة، كما لو كان الأب كافرا ~~لانتقل الميراث عنه إلى غيره من الورثة. وكذلك قال أصحاب أبي حنيفة: لو قتل ~~حر عبدا قتل به، ولو قتل مكاتبا لم يترك وفاء قتل به، ولو قتل مكاتبا ترك ~~وفاء لم يقتل به؛ لأن الصحابة اختلفوا فيه؛ فمنهم من قال: مات عبدا والقصاص ~~لسيده. ومنهم من قال: مات حرا ويدفع من ماله كتابته لسيده، ويرث ماله بقية ~~ورثته، ويرثون قصاصه، فانتصب اختلافهم في المستحق شبهة في درك القصاص. وهذا ~~الفقه صحيح؛ وذلك أن الإيجاب حكم، والاستيفاء حكم آخر مغاير له، وأسبابهما ~~تختلف؛ وإذا اختلفا سببا واختلفا ذاتا كيف يصح لمحق أن ينكر انفراد أحدهما ~~عن الآخر؟ بل هنالك أغرب من هذا؛ وهو أن الوجوب حكم والاستقرار حكم آخر؛ ~~فإن الصداق يجب بالعقد، ولا يستقر بالوطء؛ إذ يتطرق السقوط إلى جميعه قبل ~~الوطء بالردة، وإلى نصفه بالطلاق. # وقد انبنى على هذا الأصل أحكام كثيرة من الزكاة، إذا كان الصداق ماشية ~~وغيرها؛ فإذا كان الاستقرار وهو وصف الوجوب حكما انفرد عن الوجوب بانفراد ~~الاستيفاء منه وهو غيره أصلا وصفة فذلك أولى. # وأما قول الطبري: من الذي أوجب عليه؟ ولمن وجب؟ فيقال له: نقصك قسم ثالث ~~عدلت عنه أو تعمدت تركه تلبيسا: وهو أن يجب للأمة وهي الزوج على العبد الذي ~~تزوجها، كما تجب عليه النفقة لها. فإن قال: ليست الأمة أهلا للملك ولا ~~للتمليك. قلنا: لا نسلم؛ بل العبد أهل للملك والتمليك. # PageV01P510 # وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف تخليصا وتلخيصا وإنصافا، وحققنا في الكتب ~~الثلاثة أن علة الملك الحياة والآدمية، وإنما انغمر وصف ms0361 العبد بالرق للسيد، ~~ولكن العلة باقية، والحكم قد يتركب عليها مع وجود الغامر لها. وكيف لا تملك ~~الأمة والله تعالى يقول في الإماء: {فآتوهن أجورهن} [النساء: 24]. فأضاف ~~الأجور إليهن إضافة تمليك؟ وأما قوله: إن العقد كما يقتضي الإيجاب كذلك ~~[الملك] يقتضي الإسقاط. قلنا له: فذكر على كل واحد مقتضاه أوجب بالعقد ~~وأسقط بالملك ووفر على كل سبب حكمه كما فعلنا في شراء القريب. وأما قوله: ~~إن إيجابه ليس ضرورة للإسقاط بخلاف عتق القريب فإن إيجابه هناك ضرورة ~~العتق. قلنا: وإيجابه الصداق هاهنا ضرورة الحل؛ إذ جعله الله علما على ~~الفرق بين النكاح والسفاح، ونص على إيجابه في كل نكاح على اختلاف أنواع ~~الناكحين من ملك أو مملوك؛ فيجب للأمة، ثم يجب للسيد منها، وليس يستحيل أن ~~يجب للسيد على العبد حق، فلا تغر غرورا بما لا تحصيل فيه ولا منفعة له. ~~وهلا قلتم: يجب للأمة على العبد، ثم يجب للسيد من الأمة، ثم يسقط؛ وسقوط ~~الحق بانتقاله من محل إلى محل ليس غريبا في مسائل القصاص والشفعة والديون. # وأما قوله: إن العتق لا يتصور بدون الملك، فكذلك لا يتصور الحل في النكاح ~~بغير صداق. وأما قولك: إن القول عاد إلى أن العبد لا يملك فيا حبذا عوده ~~إلى هذا الأصل الذي ظهرنا فيه عليكم، والحمد لله. ### | [مسألة المملوكة لا تنكح إلا بإذن أهلها وكذلك العبد لا ينكح إلا بإذن أهله وسيده] # المسألة الثانية: قوله تعالى: {بإذن أهلهن} [النساء: 25]: دليل على أن ~~المملوكة لا تنكح إلا بإذن أهلها، وكذلك العبد لا ينكح إلا بإذن أهله ~~وسيده. # PageV01P511 # وذلك لأن العبد مملوك لا أمر له، وبدنه كله مستغرق بحق السيد؛ لكن الفرق ~~بينهما أن الأمة إذا تزوجت بغير إذن أهلها فسخ النكاح ولم يجز بإجازة ~~السيد، وإذا جوز السيد نكاح العبد جاز لأن نقصان الأنوثة في الأمة يمنع من ~~انعقاد النكاح ألبتة على ما بيناه في سورة البقرة. فإن قيل: فهل يجوز ~~نكاحها بإذن أهلها وإن لم يباشر السيد العقد. قلنا: نعم، يجوز؛ ms0362 ولكن لا ~~تباشره هي، بل يتولاه من تولاه. # وقد روى ابن جريج وغيره عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد الله ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو ~~عاهر». خرجه الترمذي. وقال: هو حسن. وحديث يرويه ابن جريج عن ابن عقيل عن ~~جابر ينبغي أن يكون صحيحا. ### | [مسألة المهر في النكاح] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {وآتوهن أجورهن} [النساء: 25]: هذا يدل على ~~وجوب المهر في النكاح، وقد تقدم. # المسألة الرابعة: هذا نص على أنه يسمى أجرة، ودليل هذا أنه في مقابلة ~~المنفعة البضعية؛ لأن ما يقابل المنفعة يسمى أجرة. وقد اختلف الناس في ~~المعقود عليه النكاح ما هو؟ بدن المرأة، أو منفعة البضع، أو الحل؟ وقد ~~مهدناه في مسائل الخلاف عند ذكرنا ما ترد به الزوجة من العيوب. # PageV01P512 # المسألة الخامسة: هذا يدل على وجوب المهر للأمة، وقد أنكر ذلك الشافعي ~~وقال: إنه عوض منفعة لا يكون للأمة، أصله إجازة المنفعة في الرقبة. وقال ~~علماؤنا: إن السيد إذا زوج أمته فقد ملك منها ما لم يكن يملك؛ لأن السيد لم ~~يكن يملك غشيانها بالتزويج، وإنما كان يملكه بملك اليمين، فهذا العقد لها ~~لا له، فعوضه لها بخلاف منافع الرقبة فإنها والعقد عليها للسيد، وهذا ظاهر ~~لا يفتقر إلى إطناب. ### | [مسألة ما يعني بالمعروف] # المسألة السادسة: ما يعني بالمعروف؟ يعني الواجب، وهو ضد المنكر، وليس ~~يريد به المعروف الذي هو العرف والعادة؛ وستراه مبينا في سورة الأعراف إن ~~شاء الله تعالى. ### | [مسألة معنى قوله تعالى محصنات غير مسافحات] # المسألة السابعة: قوله تعالى: {محصنات غير مسافحات} [النساء: 25]: يعني ~~عفائف غير زانيات. وقد استدل بها من حرم نكاح الزانية، وهو الحسن البصري، ~~وقال إنه شرط في النكاح الإحصان وهو العفة، وأيضا فإن الله تعالى قال في ~~سورة النور: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا ~~زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين} [النور: 3]. وقالت طائفة: معنى قوله: ~~محصنات، أي بنكاح ms0363 لا بزنى، وهذا ضعيف جدا؛ لأن الله تعالى قد قال قبل هذا: ~~{فانكحوهن بإذن أهلهن} [النساء: 25]، فكيف يقول بعد ذلك منكوحات، فيكون ~~تكرارا في الكلام قبيحا في النظام، وإنما شرط الله ذلك صيانة للماء الحلال ~~عن الماء الحرام؛ فإن الزانية لا يجوز عندنا نكاحها حتى تستبرأ. # وقال أبو حنيفة والشافعي: يجوز نكاحها اليوم لمن زنى بها البارحة، ولمن ~~لم يزن بها مع شغل رحمها بالماء، فهذه هي الزانية التي حرم الله نكاحها؛ ~~فقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P513 # أنه قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسق ماءه زرع غيره». وثبت ~~عنه أنه قال: «لا توطأ حامل حتى تضع»، ولا حائل حتى تحيض في وطء ونسب لهما ~~حرمة. # وذلك في وطء الكفار؛ لكن إن لم يكن للماء المستقر في الرحم حرمة فللماء ~~الوارد عليه حرمة، فكيف يمتزج ماء بماء غير محترم، وفي ذلك خلط الأنساب ~~الصحيحة بالمياه الفاسدة. وأما قوله: {الزاني لا ينكح إلا زانية} [النور: ~~3]، فهي آية مشكلة، اختلف فيها السلف قديما وحديثا، والمتحصل فيها أربعة ~~أقوال: الأول: أنه روي عن عبد الله بن عمر «أن رجلا من المسلمين استأذن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نكاح امرأة كانت تسافح وتشترط له أن ~~تنفق عليه، وكذلك كن نساء معلومات يفعلن ذلك فيتزوجن الرجل من فقراء ~~المسلمين لتنفق المرأة منهن عليه، فنهاهم الله عن ذلك». # الثاني: قال ابن عباس ونحوه عن قتادة ومجاهد عن بغايا كن ينصبن على ~~أبوابهن كراية البيطار، وكانت بيوتهن تسمى المواخير، لا يدخل إليهن إلا زان ~~من أهل القبلة أو مشرك، فحرم الله ذلك على المؤمنين. # الثالث: قال سعيد بن جبير: لا يزني الزاني إلا بزانية مثله أو مشركة، ~~ونحوه عن عكرمة. # الرابع: قال سعيد بن المسيب: نسخها قوله: {وأنكحوا الأيامى منكم ~~والصالحين من عبادكم وإمائكم} [النور: 32]. وقال أنس: من أيامى المسلمين. # وقد أكد رواية ابن عمر ما رواه الترمذي عن عمر بن شعيب عن أبيه عن جده ~~قال: «كان رجل يقال ms0364 له مرثد بن أبي مرثد، وكان رجل يحمل الأسرى من مكة # PageV01P514 # حتى يأتي بهم المدينة. قال: وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها عناق، وكان ~~صديقا لها، وإنه واعد رجلا من أسرى مكة يحمله. قال: فجئت حتى انتهيت إلى ظل ~~حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة قال: فجاءت عناق فأبصرت سواد ظلي بجنب ~~الحائط، فلما انتهت إلي عرفتني، فقالت: مرثد، فقلت: مرثد. فقالت: مرحبا ~~وأهلا، هلم فبت عندنا الليلة. قال: قلت: يا عناق، حرم الله الزنا قالت: يا ~~أهل الخيام، هذا الرجل يحمل أسراكم وذكر الحديث. قال: حتى قدمت المدينة ~~فقلت: يا رسول الله، أأنكح عناق؟ فأمسك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فلم يرد علي شيئا، فنزلت: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} [النور: 3]. ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا مرثد، الزاني لا ينكح وقرأها ~~إلى آخرها، وقال له: فلا تنكحها». فأما من قال: إنها نزلت في بغايا معلومات ~~فكلام صحيح. وأما من قال: إن معناه الزاني لا يزاني إلا زانية فما أصاب فيه ~~غيره، وهي من علوم القرآن المأثورة عن معلمه المعظم ابن عباس. # وأما من قال: لا ينكح المحدود إلا محدودة، وهو الحسن، يريد أن معنى ~~الآية: الزانية التي تبين زناها، ويصح أن يخبر عنها به؛ وذلك لا يكون إلا ~~فيمن نفذ عليه الحد؛ وقبل نفوذ الحد هي محصنة يحد قاذفها، وهو الذي منع من ~~نكاحها ومعه نتكلم وعليه نحتج. # وإذا قال القائل: إن معناه إذا زنى بامرأة فلا يتزوجها فيشبه أن يكون ~~قولا، لكن مخرجه ما قدمناه من أن تحريم ذلك إنما يكون قبل الاستبراء، وتكون ~~الآية مسوقة لبيان أنه لا يسترسل على المياه الفاسدة بالنكاح إلا زان أو ~~مشرك كما سبق، أو يكون معناه ما اختاره عالم القرآن؛ قال: المراد بالنكاح ~~الوطء، والآية نزلت في البغايا المشركات؛ والدليل عليه أن الزانية من ~~المسلمات حرام على المشرك، وأن الزاني من المسلمين حرام عليه المشركات، ~~فمعنى الآية أن الزاني لا يزني إلا بزانية # PageV01P515 # لا ms0365 تستحل الزنا أو بمشركة تستحله، والزانية لا يزني بها إلا زان لا يستحل ~~الزنا أو مشرك يستحله. وأما من قال: إن الآية منسوخة فما فهم النسخ؛ إذ ~~بينا أنه لا يكون إلا بين الآيتين المتعارضتين من كل وجه؛ بل الآية التي ~~احتج بها عاضدة لهذه الآية وموافقة لها؛ لأن الله تعالى حرم نكاح الزناة ~~والزواني، وأمر بنكاح الصالحات والصالحين. # المسألة الثامنة: هذه الآية وإن كانت بصيغة الخبر فكذلك هو معناها، وهي ~~خبر عن حكم الشرع، فإن وجد خلاف المخبر فليس من الشرع على ما تقدم بيانه في ~~سورة البقرة. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ولا متخذات أخدان] # المسألة التاسعة: قوله تعالى: {ولا متخذات أخدان} [النساء: 25]: كانت ~~البغايا في الجاهلية على قسمين: مشهورات ومتخذات أخدان، وكانوا بعقولهم ~~يحرمون ما ظهر من الزنا ويحلون ما بطن؛ فنهى الله سبحانه عن الجميع. ### | [مسألة لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي وليقل فتاي وفتاتي] # المسألة العاشرة: قوله تعالى: {من فتياتكم المؤمنات} [النساء: 25]. يدل ~~على أن فتى وفتاة وصف للعبيد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقولن ~~أحدكم عبدي وأمتي وليقل فتاي وفتاتي». ومن هاهنا قال بعضهم: إن يوشع بن نون ~~كان عبدا لموسى - عليه السلام - لقوله تعالى: {وإذ قال موسى لفتاه} [الكهف: ~~60]؛ والله أعلم. ### | [الآية الثانية والعشرون قوله تعالى فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة] # فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا ~~خير لكم والله غفور رحيم} [النساء: 25]. فيها سبع مسائل: # PageV01P516 # المسألة الأولى: معنى الإحصان هاهنا مما اختلف فيه؛ فقال قوم: هو ~~الإسلام؛ قائله ابن مسعود والشعبي والزهري وغيرهم. وقال آخرون: أحصن: ~~تزوجن؛ قاله ابن عباس وسعيد بن جبير. وقال مجاهد: هو أن يتزوج العبد حرة ~~والأمة حرا، ويروى عن ابن عباس. وقال الشافعي: تحد الكافرة على الزنا، ولا ~~يشترط الإسلام ولا النكاح. وقرئ أحصن بفتح الهمزة وأحصن بضمها، فمن قرأ ~~بالفتح قال معناه: أسلمن، والإسلام أحد معاني الإحصان. ومن قرأ أحصن بالضم ~~قال معناه: زوجن. # وقد يحتمل أن يكون ms0366 أحصن بفتح الهمزة زوجن، فيضاف الفعل إليهن لما وجد ~~بهن. وقد يحتمل أن يكون أحصن بضم الهمزة: أسلمن: معناه منعن بالإسلام من ~~أحكام الكفر. والظاهر في الإطلاق هو الأول. ومن شرط نكاح الحر والحرة لا ~~معنى له ولا دليل عليه. والإحصان هو الإسلام من غير شك؛ لأنه أول درجات ~~الإحصان، فلا ينزل عنه إلا بدليل، ويكون تقدير الآية: ومن لم يستطع أن ينكح ~~الحرائر المؤمنات فلينكح المملوكات المؤمنات، فإذا أسلمن فعليهن نصف ما على ~~الحرائر من الحد. ولا يتنصف الرجم، فليسقط اعتباره. ويكون المراد ما يتشطر ~~وهو الجلد، وعلى قول الآخرين يكون التقدير: فإذا تزوجن فعليهن نصف ما على ~~الأبكار من العذاب، وهو الجلد. ونحن أسد تأويلا لوجهين: أحدهما: أن قوله: ~~المؤمنات، يقتضي الإسلام. فقوله: {فإذا أحصن} [النساء: 25] يجب أن يحمل على ~~فائدة مجردة. # الثاني: أن المسلمة داخلة تحت قوله: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد ~~منهما مائة جلدة} [النور: 2]، فتناولها عموم هذا الخطاب. فإن قيل: فخذوا ~~الكافر بهذا العموم. # PageV01P517 # قلنا: الكافر له عهد ألا نعترض عليه. فإن قيل: فالرقيق لا عهد له. قلنا: ~~الرق عهد إذا ضرب عليه لم يكن بعده سبيل إليه إلا بطريق التأديب والمصلحة ~~لتظاهره بالفاحشة إن أظهرها. ### | [مسألة الأمة إذا زنت ولم تحصن] # المسألة الثانية: روى الأئمة بأجمعهم عن أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني ~~«أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن. قال: إن ~~زنت فاجلدوها ثلاثا ثم بيعوها ولو بضفير». قال ابن شهاب: لا أدري بعد ~~الثالثة أو الرابعة. وروى مسلم وأبو داود والنسائي عن علي بن أبي طالب: قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم من أحصن ~~منهم ومن لم يحصن». وهذا نص عموم في جلد من تزوج ومن لم يتزوج. # المسألة الثالثة: قال مالك والشافعي: يقيم السيد الحد على مملوكه دون رأي ~~الإمام. وقال أبو حنيفة: لا يقيمه إلا نائب الله وهو الإمام؛ لأنه حق الله ~~تعالى. ودليلنا قوله تعالى: {فعليهن نصف ms0367 ما على المحصنات} [النساء: 25] ولم ~~يعين من يقيمه؛ فبينه النبي - صلى الله عليه وسلم - وجعل ذلك إلى السادات، ~~وهم نواب الله في ذلك، كما ينوب آحاد الناس في الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر. فإن قيل: وكيف يتفق للسيد أن يقيم حد الزنا؛ أيقيمه بعلمه أم ~~بالشهود فيتصدى منصب قاض وتؤدى عنده الشهادة؟ # PageV01P518 # قلنا: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها ~~فليجلدها الحد ولا يثرب عليها». وهو حديث صحيح عند الأئمة. # والزنا يتبين بالشهادة، وذلك يكون عند الحاكم؛ أو بالحمل، ولا يحتاج فيه ~~السيد إلى الإمام، ولكنه يقيمه عليها بما ظهر من حملها إذا وضعته وفصلت من ~~نفاسها؛ لقول علي في الصحيح: «إن أمة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~زنت فأمرني أن أجلدها الحد، فوجدتها حديثة عهد بنفاس، فخفت إن أنا جلدتها ~~أن أقتلها فتركتها فأخبرته. فقال: أحسنت». ولهذا خاطب السادات بذكر الإماء ~~اللاتي يتبين زناهن بالحمل، وسكت عن العبيد الذين لا يظهر زناهم إلا ~~بالشهادة. ### | [مسألة دخول الذكور تحت الإناث في قوله تعالى فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب] # المسألة الرابعة: دخل الذكور تحت الإناث في قوله: {فعليهن نصف ما على ~~المحصنات من العذاب} [النساء: 25] بعلة المملوكية، كما دخل الإماء تحت ~~قوله: «من أعتق شركا له في عبد»؛ بعلة سراية العتق وتغليب حق الله تعالى ~~فيه على حق الملك. وأبين من هذا أنه فهم من قوله: {والذين يرمون المحصنات ~~ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} [النور: 4] دخول المحصنين فيه. والله أعلم. ### | [مسألة اختلاف الناس في قوله تعالى ذلك لمن خشي العنت] # المسألة الخامسة: قوله تعالى: {ذلك لمن خشي العنت منكم} [النساء: 25]: ~~اختلف الناس في العنت على خمسة أقوال: # الأول: أنه الزنا؛ قاله ابن عباس. # الثاني: أنه الإثم. # PageV01P519 # الثالث: العقوبة. # الرابع: الهلاك. # الخامس: قال الطبري: كل ما يعنت المرء عنت، وهذه كلها تعنته، وهذا صحيح؛ ~~فمن خاف شيئا من ذلك فقد وجد شرطه، وأصله الزنا كما قال ابن عباس فعليه ~~عول. ### | [مسألة نكاح الأمة] # المسألة ms0368 السادسة: قوله تعالى: {وأن تصبروا خير لكم} [النساء: 25]: يدل ~~على كراهية نكاح الأمة؛ لما فيه من خوف إرقاق الولد وجواز خوف هلاك المرء؛ ~~فاجتمعت فيه مضرتان دفعت الأعلى بالأدنى، فقدم المتحقق على المتوهم. والله ~~أعلم. # المسألة السابعة: هذا يدل على أن العزل حق المرأة؛ لأنه لو كان حقا للرجل ~~لكان له أن يتزوج ويعزل، فينقطع خوف إرقاق الولد في الغالب، وبه قال مالك. ~~وقال الشافعي وأبو حنيفة: ليس للمرأة حق إلا في الإيلاج، وهذا ضعيف؛ فإن ~~النكاح إنما عقد للوطء، وكل واحد من الزوجين له فيه حق، وكما أن للرجل فيه ~~حق الغاية وهو الإيلاج والتكرار فللمرأة فيه غاية الإنزال وتمام ذوق ~~العسيلة، فبه تتم اللذة للفريقين؛ فإن أراد الرجل إسقاط حقه والوقوف دون ~~هذه الغاية فللمرأة حق بلوغها. ### | [الآية الثالثة والعشرون قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل] # إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم ~~رحيما} [النساء: 29] {ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك ~~على الله يسيرا} [النساء: 30] الآية فيها إحدى عشرة مسألة: # PageV01P520 # المسألة الأولى: القول في صدر هذه الآية: وهو أكل المال بالباطل، قد تقدم ~~في سورة البقرة. # المسألة الثانية: قوله: {إلا أن تكون تجارة} [النساء: 29]: التجارة في ~~اللغة عبارة عن المعاوضة، ومنه الأجر الذي يعطيه الباري عوضا عن الأعمال ~~الصالحة التي هي بعض من فضله، فكل معاوضة تجارة على أي وجه كان العوض، إلا ~~أن قوله: {بالباطل} [النساء: 29] أخرج منها كل عوض لا يجوز شرعا من ربا أو ~~جهالة أو تقدير عوض فاسد كالخمر والخنزير ووجوه الربا، حسبما تقدم بيانه. ~~فإذا ثبت هذا فكل معاوض إنما يطلب الربح إما في وصف العوض أو في قدره؛ وهو ~~أمر يقتضيه القصد من التاجر لا لفظ التجارة. ### | [مسألة بيع العربان] # المسألة الثالثة: من جملة أكل المال بالباطل بيع العربان، وهو أن يأخذ ~~منك السلعة ويعطيك درهما على أنه إن اشتراها تمم الثمن، وإن لم يشترها ~~فالدرهم ms0369 لك، وقد روى مالك في الموطأ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن بيع العربان». # المسألة الرابعة: لما شرط العوض في أكل المال وصارت تجارة خرج عنها كل ~~عقد لا عوض فيه يرد على المال، كالهبة والصدقة، فلا يتناوله مطلق اللفظ، ~~وجازت عقود البيوعات بأدلة أخر من القرآن والسنة على ما عرف، ويأتي ذلك في ~~موضعه إن شاء الله تعالى. # المسألة الخامسة: الربح هو ما يكتسبه المرء زائدا على قيمة معوضه فيأذن ~~له فيه إذا كان معه أصل العوض في المعاملة، ويكون ذلك الربح بحسب حاجة ~~المشتري والبائع إلى عقد الصفقة # PageV01P521 # فالزيادة أبدا تكون من جهة المحتاج؛ إن احتاج البائع أعطى زائدا على ~~الثمن من قيمة سلعته، وإن احتاج المشتري أعطى زائدا من الثمن، وذلك يكون ~~يسيرا في الغالب، فإن كان الربح متفاوتا فاختلف فيه العلماء؛ فأجازه ~~جميعهم، ورده مالك في إحدى روايتيه إذا كان المغبون لا بصر له بتلك السلعة، ~~ولذا جوزه فراعى أن المغبون مفرط؛ إذ كان من حقه أن يشتري لنفسه ويشاور من ~~يعلم أو يوكله، وإذا رددناه فلأنه من أكل المال بالباطل؛ إذ ليس تبرعا ولا ~~معاوضة؛ فإن المعاوضة عند الناس لا تخرج إلى هذا التفاوت، وإنما هو من باب ~~الخلابة، والخلابة ممنوعة شرعا مع ضعفها كالغلابة وهو الغصب، ممنوعة شرعا ~~مع قوتها، وتدخل تحت قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ضرر ولا ضرار». ألا ~~ترى أن تلقي الركبان يتعلق به الخيار عند تبين الحال، وهو من هذا الباب، ~~وقد قررناه قبل هذا في موضعين، فلنجمع الكلام على الآية فيها كلها. # المسألة السادسة: قال عكرمة والحسن البصري وغيرهما: خرج عن هذه الآية ~~التبرعات كلها، وإنما جوز الشرع التجارة وبقي غيرها على مقتضى النهي حتى ~~نسخها قوله: {ليس عليكم جناح أن تأكلوا} [النور: 61]؛ وهذا ضعيف جدا؛ فإن ~~الآية لم تقتض تحريم التبرعات؛ وإنما اقتضت تحريم المعاوضة الفاسدة؛ وقد ~~بينا ذلك في القسم الثاني من الناسخ والمنسوخ. # المسألة السابعة: ms0370 قوله تعالى: {عن تراض منكم} [النساء: 29]: وهو حرف أشكل ~~على العلماء حتى اضطربت فيه آراؤهم: قال بعضهم: التراضي هو التخاير بعد عقد ~~البيع قبل الافتراق من المجلس، وبه قال ابن عمر، وأبو هريرة، وشريح، ~~والشعبي، وابن سيرين، والشافعي، وتعلقوا بحديث ابن عمر وغيره: «المتبايعان ~~بالخيار ما لم يفترقا إلا بيع الخيار» # PageV01P522 # وقال آخرون: إذا تواجبا بالقول فقد تراضيا، يروى عن عمر وغيره، وبه قال ~~أبو حنيفة ومالك والصحابة. واختار الطبري أن يكون تأويل الآية: إلا تجارة ~~تعاقدتموها وافترقتم بأبدانكم عن تراض منكم فيها؛ وهذه دعوى إنما يدل مطلق ~~الآية على التجارة على الرضا، وذلك ينقضي بالعقد، وينقطع بالتواجب، وبقاء ~~التخاير في المجلس لا تشهد له الآية لا نطقا ولا تنبيها، وكل آية وردت في ~~ذكر البيع والشراء والمداينة والمعاملة إنما هي مطلقة لا ذكر للمجلس فيها ~~ولا لافتراق الأبدان منها؛ كقوله: {أوفوا بالعقود} [المائدة: 1]؛ فإذا عقد ~~ولم يبرم لم يكن وفاء، وإذا عقد ورجع عن عقده لم يكن بين الكلام والسكوت ~~فرق، بل السكوت خير منه، لأنه تعب ولا التزم ولا أخبر عن شيء، فتبين الأمر، ~~وتقدم العذر، وإذا عقد وحل بعد ذلك كان كلامه تعبا ولغوا، وما الإنسان لولا ~~اللسان، وقد أخبر بلسانه عن عقده ورضاه، فأي شيء بقي بعد هذا؟ وكذلك قوله ~~في آية الدين: {وليملل الذي عليه الحق} [البقرة: 282]، فإذا أملى وكتب ~~وأعطى الأجرة ثم عاد ومحا ما كتب كان تلاعبا وفسخا لعقد آخر قد تقرر. وكذلك ~~قال: {ولا يبخس منه شيئا} [البقرة: 282]، وإذا حله فقد بخسه كله. # وكذلك قال: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282]، وعلى أي شيء ~~يشهدون؟ ولم يلزم عقد ولا انبرم أمر. وكذلك قوله: {ولا تسأموا أن تكتبوه ~~صغيرا أو كبيرا إلى أجله} [البقرة: 282] يلزم منه ما لزم من قوله: {وليملل ~~الذي عليه الحق} [البقرة: 282]. وكذلك قوله: {فرهان مقبوضة} [البقرة: 283] ~~فيضيف عقدا إلى غير عقد، ويرتهن إلى غير واجب # PageV01P523 # واعتبار خيار المجلس وحده مبطل لهذا كله، فأي الأمرين أولى أن يراعى؟ وأي ~~الحالين أقوى ms0371 أن يعتبر؟ فإن قيل: أمر الله تعالى بالكتابة والإشهاد محمول ~~على الغالب في أن المتبايعين لا يفترقان حتى ينقضي ذلك كله. قلنا: الغالب ~~ضده، وكيف يتصور بقاء الشهود حتى يقوم المتعاقدان؟ هذا لم يعهد ولم يتفق. ~~فإن تعلقوا بخبر ابن عمر وغيره في خيار المجلس فهذا خروج عن القرآن إلى ~~الأخبار وقد تكلمنا على ذلك في مسائل الخلاف بما يجب، فلا ندخله في غير ~~موضعه. # المسألة الثامنة: هذا نص على إبطال بيع المكره لفوات الرضا فيه، وتنبيه ~~على إبطال أفعاله كلها حملا عليه. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم] # المسألة التاسعة: قوله: {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29]: فيه ثلاثة ~~أقوال: الأول: لا تقتلوا أهل ملتكم. الثاني: لا يقتل بعضكم بعضا. الثالث: ~~لا تقتلوا أنفسكم بفعل ما نهيتم عنه؛ قاله الطبري والأكثر من العلماء. # وكلها صحيح وإن كان بعضها أقعد من بعض في الدين من اللفظ واستيفاء ~~المعنى. والذي يصح عندي أن معناه: ولا تقتلوا أنفسكم بفعل ما نهيتم عنه، ~~فكل ذلك داخل تحته، ولكن هاهنا دقيقة من النظر؛ وهي أن هذا الذي اخترناه ~~يستوفي المعنى، ولكنه مجاز في لفظ القتل، وعلى حمل الآية على صريح القتل ~~يكون قوله: {أنفسكم} [النساء: 29] مجازا أيضا، فإذا لم يكن بد من المجاز ~~فمجاز يستوفي المعنى ويقوم بالكل أولى؛ وهذا كقوله تعالى: {ولا تلمزوا ~~أنفسكم} [الحجرات: 11]، فتدبروه عليه. # PageV01P524 ### | [مسألة فعل الناسي والخاطئ والمكره] # المسألة العاشرة: قوله تعالى: {ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما} [النساء: 30]: ~~دليل على أن فعل الناسي والخاطئ والمكره لا يدخل في ذلك؛ لأن هذه الأفعال ~~لا تتصف بالعدوان والظلم، إلا فرع واحد منها وهو المكره على القتل، فإن ~~فعله يتصف إجماعا بالعدوان؛ فلا جرم يقتل عندنا بمن قتله، ولا ينتصب ~~الإكراه عذرا، وقد بيناه في مسائل الخلاف. # المسألة الحادية عشرة: قوله تعالى: {ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما} [النساء: ~~30]: اختلف في مرجعه؛ فقيل إلى ما نهى عنه من قوله: {يا أيها الذين آمنوا ~~لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها} [النساء: 19] إلى هاهنا؛ لأن ms0372 ما تقدم ~~قبله من أول السورة وعيده فيه. وقيل: إنه يرجع إلى الكل؛ لأن كون وعيده جاء ~~معه مخصوصا لا يمنع أن يدخل في العموم أيضا؛ إذ لا تناقض فيه؛ بل فيه تأكيد ~~[له]. # قال ابن العربي: هاهنا دقيقة أغفلها العلماء؛ وذلك أنها إذا نزلت لا نعلم ~~هل كان ذلك بعد استقرار ما سبقها من أول السورة إلى هنا منزلا مكتوبا، أم ~~نزل جميعه بعد نزولها؟ وإذا علمنا أن ذلك كله تقدم نزولا وكتابة لا يقتضي ~~قوله ذلك إشارة إلى جميع ما تقدم من أول السورة دون ما تقدم من أول القرآن ~~دون جميع ما فيه من ممنوع محرم. فالأصح أن قوله: {ذلك} [النساء: 30] يرجع ~~إلى قوله: {ولا تقتلوا أنفسكم} [النساء: 29] يقينا؛ وغيره محتمل موقوف على ~~الدليل، والله أعلم. ### | [الآية الرابعة والعشرون قوله تعالى تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض] # الآية الرابعة والعشرون قوله تعالى: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم ~~على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من ~~فضله إن الله كان بكل شيء عليما} [النساء: 32]. # PageV01P525 # فيها خمس مسائل: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: يروى «أن أم سلمة قالت: يا رسول الله، ~~تغزو الرجال ولا نغزو؟ ويذكر الرجال ولا نذكر؟ ولنا نصف الميراث، فأنزل ~~الله سبحانه هذه الآية: {ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض} ~~[النساء: 32]». ### | [مسألة حقيقة التمني] # المسألة الثانية: في حقيقة التمني: وهو نوع من الإرادة يتعلق بالمستقبل، ~~كالتلهف نوع منها يتعلق بالماضي. # المسألة الثالثة: نهى الله سبحانه عن التمني؛ لأن فيه تعلق البال بالماضي ~~ونسيان الآجل، ولأجل ما فيه من ذلك وقع النهي عنه، وتفطن البخاري له فعقد ~~له في جامعه كتابا فقال: كتاب التمني، وأدخل فيه أبوابا ومسائل هناك ترى ~~مستوفاة بالغة إن شاء الله تعالى. # المسألة الرابعة: المراد هاهنا النهي عن التمني الذي تستحسنه عند الغير ~~حتى ينتقل إليك، وهو الحسد المنهي عنه مطلقا في غير هذا الموضع. أما أنه ~~يجوز تمني مثله وهي ms0373 الغبطة، فيستحب الغبط في الخير؛ وهو المراد بقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل يتلو القرآن، وآخر يعمل ~~الحكمة ويعلمها». هذا معناه. قال: اعملوا ولا تتمنوا، فليتكم قمتم بما ~~أوتيتم، واستطعتم ما عندكم. وأحسن عبارة في ذلك قول الصوفية: كن طالب حقوق ~~مولاك ولا تتبع متعلقات هواك. # PageV01P526 # وقال الحسن: لا يتمنين أحد المال وما يدريه لعل هلاكه فيه. وهذا إنما يصح ~~إذا تمناه للدنيا، وأما إذا تمناه للخير فقد جوزه الشرع كما تقدم؛ فيتمناه ~~العبد ليصل به إلى الرب ويفعل الله ما يشاء. ### | [مسألة معنى قوله تعالى للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن] # المسألة الخامسة: قوله تعالى: {للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما ~~اكتسبن} [النساء: 32]: قال علماؤنا: أما نصيبهم في الأجر فسواء؛ كل حسنة ~~بعشر أمثالها، للرجل والمرأة كذلك، واسألوا الله من فضله. وأما نصيبهم في ~~مال الدنيا فبحسب ما علمه الله من المصالح، وركب الخلق عليه من التقدير ~~والتدبير رتب أنصباءهم، فلا تتمنوا ما حكم الله به وأحكم بما علم ودبر ~~حكمه. ### | [الآية الخامسة والعشرون قوله تعالى ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون] # والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدا} ~~[النساء: 33]. فيها خمس مسائل: # المسألة الأولى: المولى في لسان العرب ينطلق على ثمانية معان، قد بيناها ~~في كتاب " الأمد " وغيره، وأصله من الولي وهو القرب، وتختلف درجات القرب ~~وأسبابه. # المسألة الثانية: معناه مولى العصبة؛ قاله مجاهد وابن عباس، وهذا صحيح ~~لقوله بعد ذلك: {مما ترك الوالدان والأقربون} [النساء: 33]. وليس بعد ~~الوالدين والأقربين إلا العصبة، ويفسره ويعضده حديث النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما أبقت الفرائض فلأولى عصبة ذكر». # PageV01P527 # المسألة الثالثة: المولى المنعم بالعتق في حكم القريب؛ لقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «للولاء لحمة كلحمة النسب». وليس المنعم عليه بالعتق نسيبا ~~ولا وارثا؛ وإنما ثبت حكم النسب من إحدى الجهتين، فكأن الولاء أبوة لأنه ~~أوجده بالعتق حكما، كما أوجد الأب ابنه بالاكتساب للوطء حسا. ms0374 # قال طاوس والحسن بن زياد: هو وارث؛ لأن حكم النسب إذا ثبت من إحدى ~~الجهتين وجب أن يثبت من الأخرى، لا سيما وقد قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «مولى القوم منهم». واستهان العلماء بهذا الكلام، وهي في غاية ~~الإشكال، وقد أجابوا عنه بأن الميراث إنما هو في مقابلة الإنعام بالعتق؛ ~~وهذا فاسد من وجهين: # أحدهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعله لحمة كلحمة النسب. # الثاني: أن الإنعام بالعتق لا مقابل له إلا العتق من النار حسبما قابله ~~[به] النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قال: «أعتق الله بكل عضو منه عضوا ~~منه من النار». وليس في المسألة عندي متعلق إلا الإجماع السابق لطاوس فيه ~~ولمن قاله بعده. # PageV01P528 ### | [مسألة اختلاف الناس في قوله تعالى والذين عقدت أيمانكم] # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {والذين عقدت أيمانكم} [النساء: 33]: اختلف ~~الناس فيه وابن عباس، فتارة قال: كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه ~~الآخر، فأنزل الله تعالى: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من ~~المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا} [الأحزاب: 6] يعني ~~تؤتوهم من الوصية جميلا وإحسانا في الثلث المأذون فيه. وتارة قال: كان ~~المهاجرون لما قدموا المدينة حالف النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهم، ~~فكان الأنصاري يرث المهاجري، والمهاجري يرث الأنصاري؛ فنزلت هذه الآية، ثم ~~انقطع ذلك فلا تواخي بين أحد اليوم. وقال ابن المسيب: نزلت في الذين كانوا ~~يتبنون الأبناء، فرد الله الميراث إلى ذوي الأرحام والعصبة، وجعل لهم نصيبا ~~في الوصية. # وقد أحكم ذلك ابن عباس في الصحيح بيانا بما رواه عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - برهانا قال البخاري عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في الصحيح: ~~{ولكل جعلنا موالي} [النساء: 33] قال: ورثة، {والذين عقدت أيمانكم} ~~[النساء: 33] فكان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ~~ذي رحمه للأخوة التي آخى بها النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهم، فلما ~~نزلت: {ولكل جعلنا موالي} [النساء: 33] نسخت. ثم قال: والذين عقدت أيمانكم ~~من النصر والرفادة ms0375 والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصى له، وهذا غاية ليس لها ~~مطلب. # المسألة الخامسة: قال أبو حنيفة: حكم الآية باق من يرث به وبالاشتراك في ~~الديون لاشتراكهما عنده في العقد، وهذا باب قد استوفيناه في مسائل الخلاف، ~~وقد بينا هاهنا معنى الآية، وحققنا أنه ليس وراءها معنى. # PageV01P529 ### | [الآية السادسة والعشرون قوله تعالى الرجال قوامون على النساء] # بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات ~~حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في ~~المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا ~~كبيرا} [النساء: 34]. فيها أربع عشرة مسألة: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: ثبت عن الحسن أنه قال: «جاءت امرأة إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إن زوجي لطم وجهي. قال: بينكما ~~القصاص. فأنزل الله عز وجل: {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه} ~~[طه: 114]. قال حجاج في الحديث عنه: فأمسك النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~حتى أنزل الله تعالى: {الرجال قوامون على النساء} [النساء: 34]». قال جرير ~~بن حازم: سمعت الحسن يقرؤها: من قبل أن نقضي إليك وحيه، بالنون ونصب الياء ~~من " وحيه ". # المسألة الثانية: قوله: {قوامون} [النساء: 34]: يقال قوام وقيم، وهو فعال ~~وفيعل من قام، المعنى هو أمين عليها يتولى أمرها، ويصلحها في حالها؛ قاله ~~ابن عباس، وعليها له الطاعة وهي. # المسألة الثالثة: الزوجان مشتركان في الحقوق، كما قدمنا في سورة البقرة: ~~{وللرجال عليهن درجة} [البقرة: 228] بفضل القوامية؛ فعليه أن يبذل المهر ~~والنفقة، ويحسن العشرة ويحجبها، ويأمرها بطاعة الله، وينهي إليها شعائر ~~الإسلام من صلاة وصيام إذا وجبا على المسلمين، وعليها الحفظ لماله، ~~والإحسان إلى أهله، والالتزام لأمره في الحجبة وغيرها إلا بإذنه، وقبول ~~قوله في الطاعات. # PageV01P530 # المسألة الرابعة: قوله: {بما فضل الله بعضهم على بعض} [النساء: 34]: ~~المعنى إني جعلت القوامية على المرأة للرجل لأجل تفضيلي له عليها، وذلك ~~لثلاثة أشياء: # الأول: كمال العقل والتمييز. # الثاني: كمال الدين والطاعة في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~على العموم، ms0376 وغير ذلك. وهذا الذي بين النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~الحديث الصحيح: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أسلب للب الرجل الحازم منكن. ~~قلن: وما ذلك يا رسول الله؟ قال: أليس إحداكن تمكث الليالي لا تصلي ولا ~~تصوم؛ فذلك من نقصان دينها. وشهادة إحداكن على النصف من شهادة الرجل، فذلك ~~من نقصان عقلها». وقد نص الله سبحانه على ذلك بالنقص، فقال: {أن تضل ~~إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} [البقرة: 282]. # الثالث: بذله المال من الصداق والنفقة، وقد نص الله عليها هاهنا. ### | [مسألة معنى قوله تعالى فالصالحات قانتات حافظات] # المسألة الخامسة: قوله: {فالصالحات قانتات حافظات} [النساء: 34]: يعني ~~مطيعات، وهو أحد أنواع القنوت. # المسألة السادسة: قوله تعالى: {حافظات للغيب} [النساء: 34]: يعني غيبة ~~زوجها، لا تأتي في مغيبه بما يكره أن يراه منها في حضوره؛ وقد قال الشعبي: ~~إن شريحا تزوج امرأة من بني تميم يقال لها زينب. قال: فلما تزوجتها ندمت ~~حتى أردت أن أرسل إليها بطلاقها. فقلت: لا أعجل حتى يجاء بها. قال: فلما ~~جيء بها تشهدت ثم قالت: أما بعد فقد نزلنا منزلا لا ندري متى نظعن منه، ~~فانظر الذي تكره، هل تكره زيارة الأختان؟ فقلت: أما بعد فإني شيخ كبير، لا ~~أكره المرافقة، وإني لأكره ملال الأختان قال: فما شرطت شيئا إلا وفت به ~~قال: فأقامت سنة ثم # PageV01P531 # جئت يوما ومعها في الحجلة إنس، فقلت: إنا لله. فقالت: أبا أمية، إنها ~~أمي، فسلم عليها. فقالت: انظر فإن رابك شيء منها فأوجع رأسها. قال: فصحبتني ~~ثم هلكت قبلي. قال: فوددت أني قاسمتها عمري أو مت أنا وهي في يوم واحد. ~~وقال شريح: # رأيت رجالا يضربون نساءهم ... فشلت يميني يوم أضرب زينبا # المسألة السابعة: قوله تعالى: {بما حفظ الله} [النساء: 34]: يعني بحفظ ~~الله، وهو ما يخلقه للعبد من القدرة على الطاعة؛ فإنه إذا شاء أن يحفظ عبده ~~لم يخلق له إلا قدرة الطاعة، فإن توالت كانت له عصمة ولا تكون إلا ~~للأنبياء. ### | [مسألة معنى قوله تعالى واللاتي تخافون نشوزهن] # المسألة الثامنة: قوله ms0377 تعالى: {واللاتي تخافون نشوزهن} [النساء: 34]: قيل ~~فيه: تظنون، وقيل تتيقنون؛ ولكل وجه معنى يأتي بيانه في تركيب ما بعده عليه ~~إن شاء الله تعالى. # المسألة التاسعة: قوله: {نشوزهن} [النساء: 34]: يعني امتناعهن منكم؛ عبر ~~عنه بالنشوز، وهو من النشز: المرتفع من الأرض، وإن كل ما امتنع عليك فقد ~~نشز عنك حتى ماء البئر. # المسألة العاشرة: قوله تعالى: {فعظوهن} [النساء: 34]: وهو التذكير بالله ~~في الترغيب لما عنده من ثواب، والتخويف لما لديه من عقاب، إلى ما يتبع ذلك ~~مما يعرفها به من حسن الأدب في إجمال العشرة، والوفاء بذمام الصحبة، ~~والقيام بحقوق الطاعة للزوج، والاعتراف بالدرجة التي له عليها؛ فإن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «لو أمرت أحدا أن يسجد إلى أحد لأمرت المرأة أن ~~تسجد لزوجها». # PageV01P532 ### | [مسألة معنى قوله تعالى واهجروهن في المضاجع] # المسألة الحادية عشرة: قوله تعالى: {واهجروهن في المضاجع} [النساء: 34]: ~~فيه أربعة أقوال: # الأول: يوليها ظهره في فراشه؛ قاله ابن عباس. # الثاني: لا يكلمها، وإن وطئها؛ قاله عكرمة وأبو الضحى. # الثالث: لا يجمعها وإياه فراش ولا وطء حتى ترجع إلى الذي يريد؛ قاله ~~إبراهيم والشعبي وقتادة والحسن البصري، ورواه ابن وهب وابن القاسم عن مالك ~~وغيرهم. # الرابع: يكلمها ويجامعها، ولكن بقول فيه غلظ وشدة إذا قال لها تعالي؛ ~~قاله سفيان. قال الطبري: ما ذكره من تقدم معترض، وذكر ذلك، واختار أن معناه ~~يربطن بالهجار وهو الحبل في البيوت، وهي المراد بالمضاجع، إذ ليس لكلمة ~~اهجروهن إلا أحد ثلاثة معان. فلا يصح أن يكون من الهجر الذي هو الهذيان، ~~فإن المرأة لا تداوى بذلك، ولا من الهجر الذي هو مستفحش من القول، لأن الله ~~لا يأمر به؛ فليس له وجه إلا أن تربطوهن بالهجار. قال ابن العربي: يا لها ~~هفوة من عالم بالقرآن والسنة، وإني لأعجبكم من ذلك؛ إن الذي أجرأه على هذا ~~التأويل، ولم يرد أن يصرح بأنه أخذه منه، هو حديث غريب رواه ابن وهب عن ~~مالك أن أسماء بنت أبي بكر الصديق امرأة الزبير بن العوام ms0378 كانت تخرج حتى ~~عوتب في ذلك. قال: وعتب عليها وعلى ضرتها، فعقد شعر واحدة بالأخرى، وضربهما ~~ضربا شديدا، وكانت الضرة أحسن اتقاء، وكانت أسماء لا تتقي؛ فكان الضرب بها ~~أكثر وآثر؛ فشكته إلى أبيها أبي بكر؛ فقال لها: أي بنية اصبري؛ فإن الزبير ~~رجل صالح، ولعله أن يكون زوجك في الجنة، ولقد بلغني أن الرجل إذا # PageV01P533 # ابتكر بالمرأة تزوجها في الجنة. # فرأى الربط والعقد مع احتمال اللفظ مع فعل الزبير، فأقدم على هذا التفسير ~~لذلك. وعجبا له مع تبحره في العلوم وفي لغة العرب كيف بعد عليه صواب القول، ~~وحاد عن سداد النظر؛ فلم يكن بد والحالة هذه من أخذ المسألتين من طريق ~~الاجتهاد المفضية بسالكها إلى السداد؛ فنظرنا في موارد " ه ج ر " في لسان ~~العرب على هذا النظام فوجدناها سبعة: ضد الوصل. ما لا ينبغي من القول. ~~مجانبة الشيء، ومنه الهجرة. هذيان المريض. انتصاف النهار. الشاب الحسن. ~~الحبل الذي يشد في حقو البعير ثم يشد في أحد رسغيه. ونظرنا في هذه الموارد ~~فألفيناها تدور على حرف واحد وهو البعد عن الشيء فالهجر قد بعد عن الوصل ~~الذي ينبغي من الألفة وجميل الصحبة، وما لا ينبغي من القول قد بعد عن ~~الصواب، ومجانبة الشيء بعد منه وأخذ في جانب آخر عنه، وهذيان المريض قد بعد ~~عن نظام الكلام، وانتصاف النهار قد بعد عن طرفيه المحمودين في اعتدال ~~الهواء وإمكان التصرف. والشاب الحسن قد بعد عن العاب، والحبل الذي يشد به ~~البعير قد أبعده عن استرساله في تصرفه واسترسال ما ربط عن تقلقله وتحركه. # وإذا ثبت هذا، وكان مرجع الجميع إلى البعد فمعنى الآية: أبعدوهن في ~~المضاجع. ولا يحتاج إلى هذا التكلف الذي ذكره العالم، وهو لا ينبغي لمثل ~~السدي والكلبي فكيف أن يختاره الطبري، فالذي قال: يوليها ظهره جعل المضجع ~~ظرفا للهجر، وأخذ القول على أظهر الظاهر، وهو حبر الأمة، وهو حمل الأمر على ~~الأقل، وهي مسألة عظيمة من الأصول. والذي قال يهجرها في الكلام حمل الأمر ~~على الأكثر ms0379 الموفي، فقال: لا يكلمها ولا يضاجعها، ويكون هذا القول كما ~~يقول: اهجره في الله، وهذا هو أصل مالك. # وقد روى ابن وهب عن مالك أنه قال في تفسير الآية: بلغنا أن عمر بن عبد ~~العزيز كان له نساء فكان يغاضب بعضهن، فإذا كانت ليلتها يفرش في حجرتها ~~وتبيت هي في بيتها # PageV01P534 # فقلت لمالك: وذلك له واسع؟ قال: نعم، وذلك في كتاب الله تعالى: {واهجروهن ~~في المضاجع} [النساء: 34] والذي قال: لا يكلمها وإن وطئها فصرفه نظره إلى ~~أن جعل الأقل في الكلام، وإذا وقع الجماع فترك الكلام سخافة، هذا وهو ~~الراوي عن ابن عباس ما تقدم من قوله. والذي قال: يكلمها بكلام فيه غلظ إذا ~~دعاها إلى المضجع جعله من باب ما لا ينبغي من القول. وهذا ضعيف من القول في ~~الرأي؛ فإن الله سبحانه رفع التثريب عن الأمة إذا زنت وهو العقاب بالقول، ~~فكيف يأمر مع ذلك بالغلظة على الحرة. ### | [مسألة معنى قوله تعالى واضربوهن] # المسألة الثانية عشرة: قوله تعالى: {واضربوهن} [النساء: 34] ثبت عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أيها الناس، إن لكم على نسائكم حقا، ~~ولنسائكم عليكم حقا؛ لكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، وعليهن ألا ~~يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فإن الله تعالى قد أذن لكم أن تهجروهن في ~~المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح، فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف». ~~وفي هذا دليل على أن الناشز لا نفقة لها ولا كسوة، وأن الفاحشة هي البذاء ~~ليس الزنا كما قال العلماء، ففسر النبي - صلى الله عليه وسلم - الضرب، وبين ~~أنه لا يكون مبرحا، أي لا يظهر له أثر على البدن يعني من جرح أو كسر. # المسألة الثالثة عشرة: من أحسن ما سمعت في تفسير هذه الآية قول سعيد بن ~~جبير؛ قال: يعظها فإن هي قبلت وإلا هجرها، فإن قبلت وإلا ضربها، فإن هي ~~قبلت وإلا بعث حكما من أهله وحكما من أهلها، فينظران ممن الضرر، وعند ذلك ~~يكون الخلع. # PageV01P535 # المسألة الرابعة عشرة: قال عطاء: لا يضربها ms0380 وإن أمرها ونهاها فلم تطعه، ~~ولكن يغضب عليها. قال القاضي: هذا من فقه عطاء، فإنه من فهمه بالشريعة ~~ووقوفه على مظان الاجتهاد علم أن الأمر بالضرب هاهنا أمر إباحة، ووقف على ~~الكراهية من طريق أخرى في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث عبد ~~الله بن زمعة: «إني لأكره للرجل يضرب أمته عند غضبه، ولعله أن يضاجعها من ~~يومه». # وروى ابن نافع عن مالك عن يحيى بن سعيد «أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - استؤذن في ضرب النساء، فقال: اضربوا، ولن يضرب خياركم». فأباح وندب ~~إلى الترك. وإن في الهجر لغاية الأدب. والذي عندي أن الرجال والنساء لا ~~يستوون في ذلك؛ فإن العبد يقرع بالعصا والحر تكفيه الإشارة؛ ومن النساء، بل ~~من الرجال من لا يقيمه إلا الأدب، فإذا علم ذلك الرجل فله أن يؤدب، وإن ترك ~~فهو أفضل. قال بعضهم وقد قيل له ما أسوأ أدب ولدك فقال: ما أحب استقامة ~~ولدي في فساد ديني. ويقال: من حسن خلق السيد سوء أدب عبده. وإذا لم يبعث ~~الله سبحانه للرجل زوجة صالحة وعبدا مستقيما فإنه لا يستقيم أمره معهما إلا ~~بذهاب جزء من دينه، وذلك مشاهد معلوم بالتجربة. فإن أطعنكم بعد الهجر ~~والأدب فلا تبغوا عليهن سبيلا. # PageV01P536 ### | [الآية السابعة والعشرون قوله تعالى وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها] # الآية السابعة والعشرون قوله تعالى: # {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا ~~إصلاحا يوفق الله بينهما} [النساء: 35] وفيها خمس عشرة مسألة: وهي من ~~الآيات الأصول في الشريعة، ولم نجد لها في بلادنا أثرا؛ بل ليتهم يرسلون ~~إلى الأمينة، فلا بكتاب الله تعالى ائتمروا، ولا بالأقيسة اجتزوا، وقد ندبت ~~إلى ذلك فما أجابني إلى بعث الحكمين عند الشقاق إلا قاض واحد، ولا إلى ~~القضاء باليمين مع الشاهد إلا قاض آخر، فلما ولاني الله الأمر أجريت السنة ~~كما ينبغي، وأرسلت الحكمين، وقمت في مسائل الشريعة كما علمني الله سبحانه ~~من الحكمة ms0381 والأدب لأهل بلدنا لما غمرهم من الجهالة؛ ولكن أعجب لأبي حنيفة ~~ليس للحكمين عنده خبر، وهو كثيرا ما يترك الظواهر والنصوص للأقيسة؛ بل أعجب ~~أيضا من الشافعي فإنه قال ما نصه: الذي يشبه ظاهر الآية أنه فيما عم ~~الزوجين معا حتى يشتبه فيه حالاهما، وذلك أني وجدت الله سبحانه أذن في نشوز ~~الزوج بأن يصالحا، وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك، وبين في ~~نشوز المرأة بالضرب، وأذن في خوفهما ألا يقيما حدود الله بالخلع، وذلك يشبه ~~أن يكون برضاء المرأة، وحظر أن يأخذ الرجل مما أعطى شيئا إن أراد استبدال ~~زوج مكان زوج، فلما أمر فيمن خفنا الشقاق بينهما بالحكمين دل ذلك على أن ~~حكمهما غير حكم الأزواج، فلما كان كذلك بعث حكما من أهله وحكما من أهلها، ~~ولا يبعث الحكمين إلا مأمونين برضا الزوجين وتوكيلهما للحكمين بأن يجمعا أو ~~يفرقا إذا رأيا ذلك. # ووجدنا حديثا بإسناد يدل على أن الحكمين وكيلان للزوجين. قال القاضي أبو ~~بكر: هذا منتهى كلام الشافعي، وأصحابه يفرحون به، وليس فيه ما يلتفت إليه ~~ولا يشبه نصابه في العلم، وقد تولى القاضي أبو إسحاق الرد عليه ولم ينصفه ~~في الأكثر. والذي يقتضي الرد عليه بالإنصاف والتحقيق أن نقول: أما قوله ~~الذي يشبه ظاهر # PageV01P537 # الآية أنه فيما عم الزوجين فليس بصحيح؛ بل هو نصه، وهي من أبين آيات ~~القرآن وأوضحها جلاء؛ فإن الله تعالى قال: {الرجال قوامون على النساء} ~~[النساء: 34]. ومن خاف من امرأته نشوزا وعظها؛ فإن أنابت وإلا هجرها في ~~المضجع؛ فإن ارعوت وإلا ضربها، فإن استمرت في غلوائها مشى الحكمان إليهما؛ ~~وهذا إن لم يكن نصا، وإلا فليس في القرآن بيان. # ودعه لا يكون نصا يكون ظاهرا، فأما أن يقول الشافعي يشبه الظاهر فلا ندري ~~ما الذي يشبه الظاهر؟ وكيف يقول الله: {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما ~~من أهله وحكما من أهلها} [النساء: 35]؛ فنص عليهما جميعا، ويقول هو: يشبه ~~أن يكون فيما عمهما وأذن في خوفهما ألا يقيما حدود الله بالخلع، ms0382 وذلك يشبه ~~أن يكون برضا المرأة، بل يجب أن يكون كذلك، وهو نصه. # ثم قال: فلما أمر بالحكمين علمنا أن حكمهما غير حكم الأزواج، ويجب أن ~~يكون غيره بأن ينفذ عليهما بغير اختيارهما، فتتحقق الغيرية. وأما قوله: لا ~~يبعث الحكمين إلا مأمونين فصحيح، ولا خلاف فيه. # وأما قوله: برضا الزوجين بتوكيلهما فخطأ صراح؛ فإن الله خاطب غير الزوجين ~~إذا خافا الشقاق بين الزوجين بإرسال الحكمين، وإذا كان المخاطب غيرهما فكيف ~~يكون ذلك بتوكيلهما، ولا يصح لهما حكم إلا بما اجتمعا عليه، والتوكيل من كل ~~واحد لا يكون إلا فيما يخالف الآخر، وذلك لا يمكن هاهنا. # المسألة الأولى: قوله: {وإن خفتم} [النساء: 35]: قال السدي: يخاطب الرجل ~~والمرأة إذا ضربها فشاقته، تقول المرأة لحكمها: قد وليتك أمري وحالي كذا؛ ~~ويبعث الرجل حكما من أهله ويقول له: حالي كذا؛ قاله ابن عباس، ومال إليه ~~الشافعي. وقال سعيد بن جبير: المخاطب السلطان، ولم ينته رفع أمرهما إلى ~~السلطان، فأرسل الحكمين. وقال مالك: قد يكون السلطان، وقد يكون الوليين إذا ~~كان الزوجان محجورين. # PageV01P538 # فأما من قال: إن المخاطب الزوجان فلا يفهم كتاب الله كما قدمنا. وأما من ~~قال: إنه السلطان فهو الحق. وأما قول مالك: إنه قد يكون الوليين فصحيح، ~~ويفيده لفظ الجمع، فيفعله السلطان تارة، ويفعله الوصي أخرى. وإذا أنفذ ~~الوصيان حكمين فهما نائبان عنهما، فما أنفذاه نفذ، كما لو أنفذه الوصيان. # وقد روى محمد بن سيرين، وأيوب عن عبيدة، عن علي؛ قال: جاء إليه رجل ~~وامرأة ومعهما فئام من الناس، فأمرهم فبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، ~~ثم قال للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتما ~~أن تفرقا فرقتما. فقالت المرأة: رضيت بما في كتاب الله لي وعلي. وقال ~~الزوج، أما الفرقة فلا. فقال: لا تنقلب حتى تقر بمثل الذي أقرت. قال القاضي ~~أبو إسحاق: فبني على أن الأمر إلى الحكمين اللذين بعثا من غير أن يكون ~~للزوج والزوجة أمر في ذلك ولا نهي. فقالت المرأة بعد ما ms0383 مضيا من عند علي: ~~رضيت بما في كتاب الله تعالى لي وعلي. وقال الزوج: لا أرضى. فرد عليه علي ~~تركه الرضا بما في كتاب الله، وأمره أن يرجع كما يجب على كل مسلم، أو ينفذ ~~ما فيه بما يجب من الأدب، فلو كانا وكيلين لم يقل لها: أتدريان ما عليكما؟ ~~إنما كان يقول: أتدريان بما وكلتما، ويسأل الزوجين ما قالا لهما. ### | [مسألة معنى قوله تعالى حكما من أهله وحكما من أهلها] # المسألة الثانية: قوله تعالى: {حكما من أهله وحكما من أهلها} [النساء: ~~35]: هذا نص من الله سبحانه في أنهما قاضيان لا وكيلان، وللوكيل اسم في ~~الشريعة ومعنى، وللحكم اسم في الشريعة ومعنى، فإذا بين الله سبحانه كل واحد ~~منهما فلا ينبغي لشاذ فكيف لعالم أن يركب معنى أحدهما على الآخر، فذلك ~~تلبيس وإفساد للأحكام، وإنما يسيران بإذن الله، ويخلصان النية لوجه الله، ~~وينظران فيما عند الزوجين بالتثبت، فإن رأيا للجمع وجها جمعا، وإن وجداهما ~~قد أنابا تركاهما، كما روي أن عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة بنت عتبة بن ~~ربيعة، فقالت: اصبر لي # PageV01P539 # وأنفق عليك، وكان إذا دخل عليها قالت: يا بني هاشم، لا يحبكم قلبي أبدا، ~~أين الذين أعناقهم كأباريق الفضة، ترد أنوفهم قبل شفاههم، أين عتبة بن ~~ربيعة؟ أين شيبة بن ربيعة؟ فيسكت حتى دخل عليها يوما وهو برم. فقالت له: ~~أين عتبة بن ربيعة؟ فقال: على يسارك في النار إذا دخلت، فنشرت عليها ~~ثيابها. فجاءت عثمان، فذكرت له ذلك؛ فأرسل ابن عباس ومعاوية. فقال ابن ~~عباس: لأفرقن بينهما. وقال معاوية: ما كنت لأفرق بين شيخين من بني عبد ~~مناف. فأتياهما فوجداهما قد سدا عليهما أبوابهما، وأصلحا أمرهما. وفي رواية ~~أنها لما أتيا اشتما رائحة طيبة وهدوا من الصوت فقال له معاوية: ارجع فإني ~~أرجو أن يكونا قد اصطلحا. وقال ابن عباس: أفلا نمضي فننظر أمرهما؟ فقال ~~معاوية: فنفعل ماذا؟ فقال ابن عباس: أقسم بالله لئن دخلت عليهما فرأيت الذي ~~أخاف عليهما منه لأحكمن عليهما ثم لأفرقن بينهما. ms0384 # فإن وجداهما قد اختلفا سعيا في الألفة، وذكر بالله تعالى وبالصحبة؛ فإن ~~أنابا وخافا أن يتمادى ذلك في المستقبل بما ظهر في الماضي، فإن يكن ما طلعا ~~عليه في الماضي يخاف منه التمادي في المستقبل فرقا بينهما. وقال جماعة منهم ~~علي وابن عباس والشعبي ومالك وهي: # المسألة الثالثة: وقال الحسن وابن زيد: هما شاهدان يرفعان الأمر إلى ~~السلطان، ويشهدان بما ظهر إليهما. وروي ذلك عن ابن عباس، وبه قال أبو حنيفة ~~والشافعي. # والذي صح عن ابن عباس ما قدمنا من أنهما حكمان لا شاهدان. فإذا فرقا ~~بينهما وهي: # PageV01P540 # المسألة الرابعة: تكون الفرقة كما قال علماؤنا لوقوع الخلل في مقصود ~~النكاح من الألفة وحسن العشرة. فإن قيل: إذا ظهر الظلم من الزوج أو الزوجة ~~فظهور الظلم لا ينافي النكاح، بل يؤخذ من الظالم حق المظلوم ويبقى العقد. ~~قلنا: هذا نظر قاصر، يتصور في عقود الأموال؛ فأما عقود الأبدان فلا تتم إلا ~~بالاتفاق والتآلف وحسن التعاشر؛ فإذا فقد ذلك لم يكن لبقاء العقد وجه، ~~وكانت المصلحة في الفرقة. ### | [مسألة لا يؤخذ من مال المحكوم عليه شيء إلا برضاه] # وبأي وجه رأياها من المتاركة أو أخذ شيء من الزوج أو الزوجة، وهي: # المسألة الخامسة: جاز ونفذ عند علمائنا. قال الطبري والشافعي: لا يؤخذ من ~~مال المحكوم عليه شيء إلا برضاه، وبه قال كل من جعلهما شاهدين، وقد بينا ~~أنهما حكمان لا شاهدان، وأن فعلهما ينفذ كما ينفذ فعل الحاكم في الأقضية، ~~وكما ينفذ فعل الحكمين في جزاء الصيد، وهي أختها. والحكمة عندي في ذلك وهي: # المسألة السادسة: أن القاضي لا يقضي بعلمه، فخص الشرع هاتين الواقعتين ~~بحكمين؛ لينفذ حكمهما بعلمهما، وترتفع بالتعديد التهمة عنهما. ### | [مسألة كانت الإساءة من قبل الزوج] # المسألة السابعة: قال علماؤنا: إذا كانت الإساءة من قبل الزوج فرق ~~بينهما، وإن كانت من قبل المرأة ائتمناه عليها، وإن كانت منهما فرقا بينهما ~~على بعض ما أصدقها، ولا يستوعبانه له، وعنده بعض الظلم، رواه محمد عن أشهب، ~~وهو معنى قوله تعالى: {فإن ms0385 خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما ~~افتدت به} [البقرة: 229]. # PageV01P541 ### | [مسألة معنى قوله تعالى إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما] # المسألة الثامنة: قوله تعالى: {إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما} ~~[النساء: 35]: قال ابن عباس ومجاهد: هما الحكمان إذا أرادا الإصلاح وفق ~~الله بينهما، وذلك إذا أمرهما الله سبحانه بتوفيقه فقد صلح أمرهما وأمر ~~الزوجين، فكل ما كان بعد ذلك فهو خير، والأصل هي النية، فإذا صلحت صلحت ~~الحال كلها، واستقامت الأفعال وقبلت. # المسألة التاسعة: الأصل في الحكمين أن يكونا من الأهل؛ والحكمة في ذلك أن ~~الأهل أعرف بأحوال الزوجين، وأقرب إلى أن يرجع الزوجان إليهما؛ فأحكم الله ~~سبحانه الأمر بأهله. # قال علماؤنا: فإن لم يكن لهما أهل، أو كان ولم يكن فيهم من يصلح لذلك ~~لعدم العدالة أو غير ذلك من المعاني فإن الحاكم يختار حكمين عدلين من ~~المسلمين لهما أو لأحدهما كيفما كان عدم الحكمين منهما أو من أحدهما، ~~ويستحب أن يكونا جارين؛ وهذا لأن الغرض من الحكمين معلوم، والذي فات ~~بكونهما من أهلهما يسير، فيكون الأجنبي المختار قائما مقامهما، وربما كان ~~أوفى منهما. ### | [مسألة الحكمان حكما بالفراق بين الزوجين] # المسألة العاشرة: إذا حكما بالفراق فإنه بائن لوجهين: # أحدهما كلي، والآخر معنوي. أما الكلي فكل طلاق ينفذه الحاكم فإنه بائن. # الثاني: أن المعنى الذي لأجله وقع الطلاق هو الشقاق، ولو شرعت فيه الرجعة ~~لعاد الشقاق، كما كان أول دفعة، فلم يكن ذلك يفيد شيئا؛ فامتنعت الرجعة ~~لأجله. فإن أوقعا أكثر من واحدة؛ قال ابن القاسم وأصبغ: ينفذ. # وقال مطرف وابن الماجشون: لا يكون إلا واحدة. وجه القول الأول بأنه ينفذ ~~أنهما حكما فينفذ ما حكما به. ووجه الثاني أن حكمهما لا يكون فوق حكم ~~الحاكم لا يطلق أكثر من واحدة، كذلك الحكمان. # PageV01P542 # وبالجملة فرده المسألة إلى مسألة خيار الأمة حزم، والأصل واحد، والأدلة ~~متداخلة ومتقاربة فليطلب في مسائل الخلاف. # المسألة الحادية عشرة: فإن حكم أحدهما بواحدة، والآخر بثلاث قال عبد ~~الملك: ينفذ الواجب، وهي الواحدة التي اتفقا ms0386 عليها ويلغو ما زاد. وقال ابن ~~حبيب: لا ينفذ شيء، لأنهما اختلفا. وقال محمد: لا ينفذ شيء مثل قول ابن ~~حبيب. ولو طلق أحدهما طلقة والآخر طلقتين فعلى قول ابن القاسم تلزمه ~~طلقتان. وقول عبد الملك أصح، كالشاهدين إذا اختلفا في العدد قضي بالأقل. ### | [مسألة الحكمان بين الزوجين حكم أحدهما بمال والآخر بغير مال] # المسألة الثانية عشرة: إذا حكم أحدهما بمال والآخر بغير مال لم يكن شيء، ~~لأنه اختلاف محض. كالشاهدين إذا شهد أحدهما ببيع والآخر بهبة فإنه لا ينفذ ~~اتفاقا. ### | [مسألة علم الإمام من حال الزوجين الشقاق] # المسألة الثالثة عشرة: إذا علم الإمام من حال الزوجين الشقاق لزمه أن ~~يبعث إليهما حكمين ولا ينتظر ارتفاعهما؛ لأن ما يضيع من حقوق الله أثناء ما ~~ينتظر رفعهما إليه لا جبر له. # المسألة الرابعة عشرة: يجزئ إرسال الواحد؛ لأن الله سبحانه حكم في الزنا ~~بأربعة شهود، ثم قد «أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المرأة الزانية ~~أنيسا، وقال له: إن اعترفت فارجمها»، وكذلك قال عبد الملك في المدونة. ### | [مسألة أرسل الزوجان حكمين وحكما فيما بينهم] # المسألة الخامسة عشرة: لو أرسل الزوجان حكمين، وحكما نفذ حكمهما؛ لأن ~~التحكيم عندنا جائز، وينفذ فعل الحكم في كل مسألة. هذا إذا كان كل واحد ~~منهما عدلا، ولو كان غير عدل # PageV01P543 # قال عبد الملك: حكمه منقوض؛ لأنهما تخاطرا بما لا ينبغي من الغرر. ~~والصحيح نفوذه لأنه إن كان توكيلا ففعل الوكيل نافذ، وإن كان تحكيما فقد ~~قدماه على أنفسهما، وليس الغرر بمؤثر فيه، كما لم يؤثر في التوكيل، وباب ~~القضاء مبني على الغرر كله، وليس يلزم فيه معرفة المحكوم عليه بما يئول ~~إليه الحكم. ### | [الآية الثامنة والعشرون قوله تعالى واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا] # وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب ~~بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا} ~~[النساء: 36] فيها عشر مسائل: # المسألة الأولى: كما قال الله سبحانه: {ولا تشركوا به شيئا} [النساء: ms0387 36] ~~قال بعض علمائنا: لو نوى تبردا أو تنظفا مع نية الحدث أو مجما لمعدته مع ~~التقرب لله أو قضاء الصوم، فإنه لا يجزيه، لأنه مزج في نيته التقرب بنية ~~دنياوية وليس لله إلا الدين الخالص. وهذا ضعيف؛ فإن التبرد لله، والتنظيف ~~وإجمام المعدة لله؛ فإن كل ذلك مندوب إليه أو مباح في موضع، ولا تناقض ~~الإباحة الشريعة. ### | [مسألة أحس الإمام وهو راكع بداخل عليه في الصلاة] # المسألة الثانية: وليس من هذا الباب ما لو أحس الإمام وهو راكع بداخل ~~عليه في الصلاة فإنه لا ينتظره، وليس لأمر يعود إلى نية الصلاة؛ ولكن لأن ~~فيه إضرارا بمن عقد الصلاة معه؛ ومراعاته أولى. ### | [مسألة بر الوالدين] # المسألة الثالثة: قوله تعالى {وبالوالدين إحسانا} [النساء: 36]: بر ~~الوالدين ركن من أركان الدين في المفروضات كما تقدم، وبرهما يكون في # PageV01P544 # الأقوال والأعمال؛ فأما في الأقوال فكما قال الله تعالى: {فلا تقل لهما ~~أف ولا تنهرهما} [الإسراء: 23] فإن لها حق الرحم المطلقة، وحق القرابة ~~الخاصة؛ إذ أنت جزء منه، وهو أصلك الذي أوجدك، وهو القائم بك حال ضعفك ~~وعجزك عن نفسك. # وقد «عرض رجل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض أسفاره، فقال: يا ~~رسول الله، إن كنت تريد النساء البيض والنوق الأدم فعليك ببني مدلج. فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن الله سبحانه منع مني سبي بني مدلج لصلتهم ~~الرحم». وفي الإسرائيليات: أن يوسف لما دخل عليه أبواه فلم يقم لهما قال ~~الله عز وجل: وعزتي لا أخرجت من صلبك نبيا، فلا نبي فيهم من عقبه. وفي ~~الحديث: «إن من أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه»؛ ومن حقه أن يرجع في ~~هبته، وأن يأكل من مال ولده؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن أطيب ~~ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه». وقد بيناه في مسائل الخلاف. # فإن قيل: إذا أخذ الوالد الهبة من الولد أغضبه فعقه، وما أدى إلى المعصية ~~فمعصية. قلنا: أما إذا عصى أخذ بالشرع فلا لعا ms0388 له ولا عذر، إنما يكون العذر ~~لمن أطاع الله أو عصى الله فيه. # PageV01P545 # فإن قيل: هل من بر الرجل بوالده المشرك ألا يقتله؟ قلنا: من بره بنفسه أن ~~يتولى قتله. «قال عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول مستأذنا في قتل ~~أبيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن أذنت لي في قتله قتلته»: وهكذا ~~فعل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. وللرحم حق، ولكن لما جاء حق الله ~~تعالى بطل حق الرحم. # المسألة الرابعة، والخامسة: اليتامى والمساكين: وقد تقدمتا. ### | [مسألة حرمة الجار] # المسألة السادسة: قوله تعالى: {والجار ذي القربى والجار الجنب} [النساء: ~~36]: حرمة الجار عظيمة في الجاهلية والإسلام معقولة مشروعة مروءة وديانة؛ ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت ~~أنه سيورثه». # وقال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره». # " والجيران ثلاثة: جار له حق واحد، وهو المشرك، وجار له حقان: الجار ~~المسلم، وجار له ثلاثة حقوق: الجار المسلم له الرحم ". # PageV01P546 # وهما صنفان قريب وبعيد، وأبعده في قول الزهري من بينك وبينه أربعون دارا. # وقيل: البعيد من يليك بحائط، والقريب من يليك ببابه؛ لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لرجل قال له: «إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ قال: إلى ~~أقربهما منك بابا». وحقوقه عشرة يجمعها الإكرام، وكف الأذى. # ومن العشرة الحديث الصحيح: «لا يمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره». ~~وقد رأى جميع العلماء أن يكون ذلك ندبا لا فرضا، وأن يكون منعه مكروها لا ~~محرما؛ لأن كل أحد أحق بماله. والحائط يحتاجه صاحبه؛ فإن أعطاه نقص ماله، ~~وإن أعاره تكلف حفظه بالإشهاد، وأضر بنفسه؛ فإن شاء أن يحتمل له ذلك فله ~~الأجر، وإن أبى فليس عليه وزر. ### | [مسألة الصاحب بالجنب] # المسألة السابعة: الصاحب بالجنب: قيل: إنه الجار الملاصق، والذي قال هذا ~~جعل قوله: {والجار ذي القربى} [النساء: 36] الجار الذي له الرحم. وقيل: إنه ~~الذي يجمعك معه رفاقة السفر، فهو ذمام عظيم، فإنه يلفه معه الأنس والأمن ~~والمأكل والمضجع، ms0389 وبعضها يكفي للحرمة، فكيف إذا اجتمعت؟. # PageV01P547 ### | [مسألة شفعة الجوار] # المسألة الثامنة: ليس من حق الجوار الشفعة كما قال أبو حنيفة، وقد بينا ~~ذلك في مسائل الخلاف. قال علماؤنا: لأن الله تعالى في هذه الآية لم يتعرض ~~للمفروضات، وإنما ذكر الإحسان، والمفروض لهم يؤخذ من دليل آخر. وليس كما ~~زعم؛ لأن الإحسان يعم الفرض والنفل، ولم يبق شرع ولا حق إلا دخل فيه؛ فعمت ~~الوصية فيه، وتفصلت منازله بالأدلة؛ وإنما قطعنا شفعة الجوار بعلة أن ~~الشفعة متعلقة بالشركة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الشفعة فيما ~~لم يقسم». فإن قيل: فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الجار أحق ~~بصقبه». قلنا: أراد به الشريك، وهو أخص جوار بدليل ما تقدم. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ابن السبيل] # المسألة التاسعة: ابن السبيل: قيل: هو الضيف ينزل بك. وقد قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ~~جائزته يوم وليلة وما زاد عليه صدقة، ولا يحل أن يثوي عنده حتى يحرجه». # PageV01P548 # وقد كان قوم منهم الليث بن سعد يرى أن الضيافة حق. وقول رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «فليكرم ضيفه»، دليل على أنها كرامة، وليست بحق، وبذلك ~~يفسر أن الإحسان هاهنا مستحب وإن كان ابن السبيل الفقير فقد تقدم بيانه. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ما ملكت أيمانكم] # المسألة العاشرة: {وما ملكت أيمانكم} [النساء: 36]: أمر الله تعالى ~~بالرفق بهم والإحسان إليهم. # وفي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إخوانكم خولكم، ~~ملككم الله رقابهم، فأطعموهم مما تأكلون، واكسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم ~~من العمل ما لا يطيقون، فإن كلفتموهم فأعينوهم». وقال أبو مسعود: «كنت أضرب ~~غلاما لي فسمعت صوتا من خلفي: اعلم أبا مسعود مرتين، فالتفت فإذا رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فألقيت السوط، فقال: والله لله أقدر عليك منك على ~~هذا». ### | [الآية التاسعة والعشرون قوله تعالى الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل] # ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا} [النساء: ~~37] فيها ثلاث ms0390 مسائل: # PageV01P549 # المسألة الأولى: روي عن ابن عباس أن جماعة من اليهود كانوا يأتون أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يزهدونهم في نفقة أموالهم في الدين، ~~ويخوفونهم الفقر، ويقولون لهم: لا تدرون ما يكون؛ فأنزل الله تعالى فيهم: ~~{الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل} [النساء: 37] الآية كلها. # وقد قدمنا في سورة آل عمران بيان البخل قال جماعة من العلماء: المعنى ~~أنهم بخلوا بأموالهم، وأمروا غيرهم بالبخل. وقيل: بخلوا بعلم النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في التوراة، وتواصوا مع أحبارهم بكتمه، فذلك قوله تعالى: ~~{ويكتمون ما آتاهم الله من فضله} [النساء: 37]، وهي # المسألة الثانية. # وقيل وهي # المسألة الثالثة: يكتمون الغنى ويتفاقرون للناس، ليس عندنا وعندهم، ليس ~~معنا ومعهم، وذلك حرام. وقد قال الله تعالى: {وأما بنعمة ربك فحدث} [الضحى: ~~11]. وإن الله تعالى إذا أنعم على عبد نعمة أحب أن يرى أثر نعمته عليه. ### | [الآية الموفية ثلاثين قوله تعالى والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس] # ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا} ~~[النساء: 38] قيل هم اليهود، وقيل هم المنافقون، وقد تقدم شرحه في سورة ~~البقرة، وبيانها من # PageV01P550 # تمام ما قبلها؛ لأن الذي ينفق ماله رئاء الناس شر من الذي يبخل بالواجب ~~عليه، ونفقة الرياء تدخل في الأحكام من جهة أن ذلك لا يجزي. ### | [الآية الحادية والثلاثون قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى] # حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى ~~أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا} ~~[النساء: 43] فيها ثمان وثلاثون مسألة: # المسألة الأولى: خطاب الله سبحانه وتعالى بالصلاة وإقامتها عام في المسلم ~~والكافر حسبما بيناه في أصول الفقه؛ وإنما خص الله سبحانه وتعالى هاهنا ~~المؤمنين بالخطاب لأنهم كانوا يقيمون الصلاة وقد أخذوا من الخمر، وتلفت ~~عليهم أذهانهم؛ فخصوا بهذا الخطاب؛ إذ كان الكفار لا يفعلونها صحاة ولا ms0391 ~~سكارى. ### | [مسألة سبب نزول قوله تعالى لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى] # المسألة الثانية: في سبب نزولها: روى عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن ~~عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن [علي] (*) أنه صلى بعبد ~~الرحمن بن عوف ورجل آخر فقرأ: {قل يا أيها الكافرون} [الكافرون: 1] فخلط ~~فيها، وكانوا يشربون من الخمر؛ فنزلت: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} ~~[النساء: 43]. # وقال [علي بن أبي طالب] (*): صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما، فدعانا ~~وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرت الصلاة، فقدموني فقرأت: قل يا ~~أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون. قال: فأنزل الله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} [النساء: 43] ~~الآية. خرجه الترمذي وصححه. PageV01P551 # وقد رويت هذه القصة بأبين من هذا، لكنا لا نفتقر إليها هاهنا، وهذا حديث ~~صحيح من رواية العدل عن العدل. ### | [مسألة معنى قوله تعالى لا تقربوا الصلاة] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {لا تقربوا الصلاة} [النساء: 43]: سمعت ~~الشيخ الإمام فخر الإسلام أبا بكر محمد بن أحمد الشاشي وهو ينتصر لمذهب أبي ~~حنيفة ومالك في مجلس النظر؛ قال: يقال في اللغة العربية: لا تقرب كذا بفتح ~~الراء أي لا تلبس بالفعل، وإذا كان بضم الراء كان معناه لا تدن من الموضع، ~~وهذا الذي قاله صحيح مسموع. # المسألة الرابعة: قوله: {الصلاة} [النساء: 43]: وهي في نفسها معلومة ~~اللفظ مفهومة المعنى، لكن اختلفوا فيها قديما وحديثا في المراد بها هاهنا ~~على قولين: أحدهما: أن المراد بها النهي عن قربان الصلاة نفسها؛ قاله علي، ~~وابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، ومالك، وجماعة. # الثاني: أن المراد بذلك موضع الصلاة وهو المسجد؛ قاله ابن عباس، في قوله ~~الثاني، وعبد الله بن مسعود، وعطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار، وعكرمة ~~وغيرهم. سمعت فخر الإسلام يقول في الدرس: المراد بذلك لا تقربوا مواضع ~~الصلاة، وحذف المضاف وإقامته مقام المضاف إليه أكثر في اللغة من رمل يبرين ~~وهي فلسطين في الأرض، ويكون فيه تنبيه على المنع ms0392 من قربان الصلاة نفسها؛ ~~لأنه إذا نهي عن دخول موضعها كرامة فهي بالمنع أولى. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وأنتم سكارى] # المسألة الخامسة: قوله تعالى: {وأنتم سكارى} [النساء: 43]: السكر: عبارة ~~عن حبس العقل عن التصرف على القانون الذي خلق عليه في الأصل من النظام ~~والاستقامة، ومنه قوله تعالى: {إنما سكرت أبصارنا} [الحجر: 15] # PageV01P552 # أي حبست عن تصرفها المعتاد لها، ومنه سكر الأنهار؛ وهو محبس مائها، فكل ~~ما حبس العقل عن التصرف فهو سكر، وقد يكون من الخمر، وقد يكون من النوم، ~~وقد يكون من الفرح والجزع. # وقد اتفق العلماء عن بكرة أبيهم على أن المراد بهذا السكر سكر الخمر، وأن ~~ذلك إبان كانت الخمر حلالا، خلا الضحاك فإنه قال: معناه سكارى من النوم، ~~فإن كان أراد أن النهي عن سكر الخمر نهي عن سكر النوم فقد أصاب، ولا معنى ~~له سواه؛ ويكون من باب «لا يقضي القاضي وهو غضبان»: دل على أنه منهي عن كل ~~قضاء في حال شغل البال بنوم أو جوع أو حقن أو حزق، فلا يفهم معه كلام ~~الخصوم، كما لا يعلم ما يقرأ، ولا يعقل في الصلاة إذا دافعه الأخبثان، أو ~~كان بحضرة طعام، كما رواه مسلم، ولذلك قال: {حتى تعلموا ما تقولون} ~~[النساء: 43] وهي: # المسألة السادسة: العلة في النهي: فبين العلة في النهي، فحيثما وجدت، بأي ~~سبب وجدت، يترتب عليها الحكم، وقد أغنى هذا اللفظ عن علم سبب الآية، لأنه ~~مستقل بنفسه. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح: «لا يصلي ~~أحدكم وهو نائم؛ لعله يذهب يستغفر، فيسب نفسه»، فهذا أيضا مستقل بنفسه، ~~والحق يعضد بعضه بعضا. فإن قيل، وهي: # المسألة السابعة: وكيف يصح تقدير هذا النفي؟ أتقولون: إن المراد به ~~السكر؟ قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح: «لا يصلي أحدكم وهو ~~نائم، لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه»؛ فهذا أيضا الذي لا يعقل معه معنى، وكيف ~~يتوجه على هذا خطاب؟ # PageV01P553 # فإن قلتم: نهى عن التعرض للسكر إذا كان عليهم فرض الصلاة قيل لكم: ms0393 إن ~~السكر إذا نافى ابتداء الخطاب نافى استدامته. # وإن قلتم: إن المراد به المنتشي الذي ليس بسكران نهي أن يصير نفسه سكران ~~والله تعالى يقول: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} [النساء: 43] أي: في حال ~~سكركم؛ ولما كان الاضطراب في الآية هكذا قال الشافعي: المراد به موضع ~~الصلاة. هذا نص كلام بعض من يدعى له التحقيق من أئمة الشافعية، وهذه منه ~~غفلة؛ فإن كل ما لزمه في تقدير الصلاة من توجيه الخطاب يلزمه في تقدير موضع ~~الصلاة. # والذي يعتقد أنه يصح أن يكون خطابا للصاحي، يقال له: لا تشرب الخمر بحال؛ ~~فإن ذلك يؤدي إلى أن تصلي وأنت لا تعلم فتخلط كما فعل من تقدم ذكره، وهذه ~~إشارة إلى التحريم، فلم يقنع بها عمر. والنهي عن التعرض للمحرمات معقول؛ ~~وهذا الخطاب يتوجه عليه وهو صاح، فإذا شرب وعصى وسكر توجه عليه اللوم ~~والعقاب، ويصح أن يخاطب المنتشي وهو يعقل النهي، لكن استمرار الأفعال ~~والكلام وانتظامه ربما يفوته؛ فقيل له: لا تفعل وأنت منتش أمرا لا تقدر على ~~نظامه كله، وحاشا لله أن يكون الشافعي يأخذ بهذا من كلام هذا الرجل، وإنما ~~ينسج الشافعي على منوال الصحابة، وما في الآية احتمال يأتي بيانه بعد هذا ~~إن شاء الله تعالى، وهو الإسكار. فإن قيل، وهي # المسألة الثامنة: فقد نرى الإنسان يصلي ولا يحسن صلاته لشغل باله، فلا ~~يشعر بالقراءة حتى تكمل، ولا بالركوع ولا بالسجود حتى لا يعلم ما كان عدده، ~~حتى روي عن عمر أنه قال: " إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة ". قلنا: إنما ~~أخذ على العبد الاستشعار وإحضار النية في حال التكبير، فإن ذهل بعد ذلك فقد ~~سومح فيه ما لم يكثر؛ لتعذر الاحتراز منه، وأنه لا يمكن تكليف العباد به؛ ~~وليس حال عمر من هذا، فإن ذلك نظر في عبادة لعبادة مثلها أو أعظم في بعض ~~الأحوال منها، ومع هذا فإنما يكون ذلك لحظة مع الغلبة ثم يصحو إلى نفسه، ~~بخلاف # PageV01P554 # السكران والنائم والغاضب ومدافع الأخبثين، فإنه لا يمكنه إحضار ms0394 ذهنه ~~لغلبة الحال عليه. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ولا جنبا إلا عابري سبيل] # المسألة التاسعة: قوله تعالى: {ولا جنبا إلا عابري سبيل} [النساء: 43]: ~~الجنب في اللغة: البعيد، بعد بخروج الماء الدافق عن حال الصلاة، وقد كان ~~عندهم الجنب معروفا، وهو الذي غشي النساء، والحديث عندهم معروفا. وهو ما ~~خرج من السبيلين على الوجه المعتاد، ثم أثبتت الشريعة بعد ذلك زياداته ~~وتفضيله، وهو إيلاج في قبل أو دبر بشرط مغيب الحشفة دون إنزال، أو إنزال ~~الماء دون مغيب الحشفة، أو مجموعهما على حسب ما بينا في كتب الحديث ~~والمسائل، فلينظر هناك. ### | [مسألة معنى قوله تعالى إلا عابري سبيل] # المسألة العاشرة: قوله تعالى: {إلا عابري سبيل} [النساء: 43]: أما من ~~قال: إن المراد بقوله: {لا تقربوا الصلاة} [النساء: 43] لا تقربوا مواضع ~~الصلاة، فتقدير الآية عندهم: لا تقربوا المساجد وأنتم سكارى حتى تعلموا ما ~~تقولون، ولا تقربوها جنبا حتى تغتسلوا، إلا عابري سبيل أي مجتازين غير ~~لابثين؛ فجوزوا العبور في المسجد من غير لبث فيه. # وأما من قال: إن المراد بذلك نفس الصلاة فإن تقدير الآية: لا تصلوا وأنتم ~~سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا لها، أو ~~تكونوا مسافرين، فتيمموا وتصلوا وأنتم جنب حتى تغتسلوا إذا وجدتم الماء. # ورجح أهل القول الأول مذهبهم بما روي عن جابر بن عبد الله وابن مسعود أنه ~~كان أحدنا يمر بالمسجد وهو جنب مجتازا. # ورجح الآخرون بما روى أفلت بن خليفة عن جسرة بنت دجاجة عن عائشة أن ~~«النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر برد الأبواب الشارعة إلى المسجد، وقال: ~~لا أحل المسجد لحائض ولا جنب». خرجه أبو داود وغيره. # PageV01P555 # والمسألة تفتقر إلى تفصيل وتنقيح، وقد أحكمناها في مسائل الخلاف بما نشير ~~إليه هاهنا فنقول: لا إشكال في أن الآية محتملة، ولذلك اختلف فيها الصحابة؛ ~~فإن أردنا أن نعلم المراد منها رجحنا احتمالاتها حتى نرى الفضل لمن هو ~~فيها؛ فأما أصحاب الشافعي فظهر لهم أن العبور لا يمكن في نفس الصلاة فلا ms0395 بد ~~من تأويل؛ وأحسنه حذف المضاف وهو الموضع، وإقامة المضاف إليه مقامه، وهو ~~الصلاة؛ وذلك كثير في اللغة، ولا يحتاج بعد ذلك إلى حذف كثير وتأويل طويل ~~في قوله تعالى: {ولا جنبا إلا عابري سبيل} [النساء: 43]. # قالوا: وأيضا فإن ما تأولتم في قوله: {إلا عابري سبيل} [النساء: 43] يفهم ~~من الآية التي بعدها في قوله: {فتيمموا صعيدا طيبا} [النساء: 43]. # وأما علماؤنا فقالوا: إن أول ما يحفظ سبب الآية التي نزلت عليه في ~~الصحيح، وتحفظ فاتحتها فتحمل على ظاهرها، حتى نرى ما يردنا عنها ويحفظ ~~لغتها، فإنه تعالى قال: لا تقربوها بفتح الراء، وذلك يكون في الفعل لا في ~~المكان، فكيف يضمر المكان ويوصل بغير فعله؟ هذا محال. وتقدير الآية أنه قال ~~سبحانه: لا تصلوا سكارى ولا جنبا إلا عابري سبيل. فإن قيل: كيف يكون العبور ~~في نفس الصلاة؟ قلنا: بأن يكون مسافرا، فلم يجد ماء فيصلي حينئذ بالتيمم ~~جنبا، لأن التيمم لا يرفع حدث الجنابة. # فإن قيل: لا يسمى المسافر عابري سبيل. قلنا: لا نسلم، بل يقال له عابر ~~سبيل حقيقة واسما، والدنيا كلها سبيل تعبر. وفي الآثار: " الدنيا قنطرة ~~فاعبروها ولا تعمروها ". وقد اتفقوا معنا على أن التيمم لا يرفع الجنابة. # PageV01P556 # وأما قولهم: إن ما قلتم يفتقر إلى الإضمار الكثير. قلنا: إنما يفتقر إليه ~~في تفهيم من لا يفهم مثلك، وأما مع من يفهم فالحال تعرب عن نفسها كما أعربت ~~الصحابة. وأما قولهم: إن هذا يفهم من الآية التي بعدها في قوله تعالى: {وإن ~~كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم ~~تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا} [النساء: 43]. فليس يفهم من هذا إلا جواز ~~التيمم عند عدم الماء؛ فأما أن يكون التيمم لا يرفع الحدث مع إباحة الصلاة ~~فليس يفهم إلا من هذا الموضع قبله؛ وهي فائدة حسنة جدا. # المسألة الحادية عشرة: ثبت عن عطاء بن يسار أنه قال: «كان رجال من أصحاب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - تصيبهم الجنابة فيتوضئون، ويأتون المسجد ms0396 ~~فيتحدثون فيه»، وربما اغتر بهذا جاهل فظن أن اللبث للجنب في المسجد جائز. ~~وهذا لا حجة فيه؛ فإن كل موضع وضع للعبادة وأكرم عن النجاسة الظاهرة كيف ~~يدخله من لا يرضى لتلك العبادة، ولا يصح له أن يتلبس بها؟ فإن قيل: يبطل ~~بالحدث، فإنه لا يحل فعل الصلاة ويدخل المسجد. قلنا: ذلك يكثر وقوعه ` فيشق ~~الوضوء له، والشريعة لا حرج فيها، بخلاف الغسل، فإنه لا مشقة في أن يمنع من ~~المسجد حتى يغتسل، لأنها تقع نادرا بالإضافة إلى حدث الوضوء. فإن قيل: هذا ~~قياس؟ قلنا: نعم؛ هو قياس؛ ونحن إنما نتكلم مع أصحاب محمد الذين يرونه ~~دليلا؛ فإن وجدنا مبتدعا ينكره أخذنا معه غير هذا المسلك كما قد رأيتمونا ~~مرارا نفعله # PageV01P557 # فنخصمهم ونبهتهم؛ وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «لم يكن ~~أذن لأحد أن يمر فيه ولا يجلس فيه إلا علي بن أبي طالب». ### | [مسألة المقصود بقوله تعالى حتى تغتسلوا] # المسألة الثانية عشرة قوله تعالى: {حتى تغتسلوا} [النساء: 43]: وهو لفظ ~~معلوم عند العرب يعبرون به عن إمرار الماء على المغسول باليد حتى يزول عنه ~~ما كان منع منه؛ عبادة أو عادة. وظن أصحاب الشافعي أن الغسل عبارة عن صب ~~الماء خاصة لا سيما وقد فرقت العرب بين الغسل بالماء والغمس فيه. وفي ~~الحديث الصحيح أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - أتي بصبي لم يأكل الطعام ~~فبال على ثوبه فأتبعه بماء ولم يغسله». وهذا نص. # المسألة الثالثة عشرة: لما قال: {حتى تغتسلوا} [النساء: 43] اقتضى هذا ~~عموم إمرار الماء على البدن كله باتفاق؛ وهذا لا يتأتى إلا بالدلك، وأعجب ~~لأبي الفرج الذي رأى وحكى عن صاحب المذهب أن الغسل دون ذلك يجزي؛ وما قال ~~مالك قط نصا ولا تخريجا، وإنما هي من أوهامه؛ فإن اللفظ إذا كان غريبا لم ~~يخرج عند مالك أو كان احتياطا لم يعدل عنه، ولو صببت على نفسك الماء كثيرا ~~ما عم حتى تمشي يدك؛ لأن البدن بما فيه من دهنية يدفع الماء عن نفسه. ms0397 # المسألة الرابعة عشرة: إذا عم المرء نفسه بالماء أجزأه إجماعا، إلا أن ~~الأفضل له أن يمتثل فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقد ثبت عنه من طرق ~~في دواوين صحاح على السنة عدول قالوا: روت عائشة: # PageV01P558 # «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل ~~يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم ~~يأخذ الماء فيدخل فيه أصابعه وفي أصول الشعر، حتى إذا رأى أن قد أروى بشرته ~~حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه». وفي رواية ~~ميمونة «ثم غسل جسده». وروى أبو داود والترمذي عن أبي هريرة أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر، وأنقوا البشرة». ~~قال أبو داود: لم أدخل في كتابي إلا الحديث الصحيح، أو ما يقرب من الصحيح. # المسألة الخامسة عشرة: لما قال الله سبحانه: {حتى تغتسلوا} [النساء: 43] ~~وفهم الكل منه عموم البدن بالماء والغسل بالغ قوم منهم أبو حنيفة فقال: إن ~~المضمضة والاستنشاق واجبان في غسل الجنابة؛ لأنهما من جملة الوجه، وحكمهما ~~حكم ظاهر الوجه بدليل غسلهما من النجاسة، كما يغسل الخد والجبين؛ وهي مسألة ~~خلاف كبيرة، وقد بينا ما فيها. واللباب منها أن الفم والأنف باطنان حقيقة ~~وحكما؛ أما الحقيقة فإنك تشاهد بطونهما في أصل الخلقة؛ وأما الحكم فمن ~~وجهين: أحدهما: أن الصائم إذا بلع ما اجتمع من الريق في فمه فلا يفطر، ولو ~~ابتلعه من يده لأفطر. # PageV01P559 # الثاني: أنهما لا يجبان في غسل الميت مع أنه يعم جميع البدن، والمسألة ~~هناك مستوفاة، فمن أرادها وجدها. # المسألة السادسة عشرة: إن اسم الجنابة باق عليه حتى يغتسل؛ لأنه حكم مدة ~~إلى غاية هي الاغتسال، والحكم المعلق بالغاية يمتد إلى غايته، وقد تكلمنا ~~عليه في كتب المسائل. ### | [مسألة الطهارة لا تفتقر إلى نية] # المسألة السابعة عشرة: قوله تعالى: {حتى تغتسلوا} [النساء: 43]: يقتضي ~~النية، خلافا لما رواه الوليد بن مسلم عن مالك، ولما ذهب إليه الأوزاعي ms0398 ~~وأبو حنيفة من أن الطهارة لا تفتقر إلى نية؛ ولفظ " اغتسل " يقتضي اكتساب ~~الفعل، ولا يكون مكتسبا له إلا بالقصد إليه حقيقة، فمن أخرجه إلى المجاز ~~فعليه البينة. # وقد استوفيناها في كتب الخلاف بالإنصاف والتلخيص؛ أعظمها أن الوضوء عبادة ~~اشترطت فيها النية كالصلاة. والدليل على أن الوضوء عبادة قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «الوضوء شطر الإيمان». ولا يكون شطر الشيء إلا من جنسه. قال: ~~والوضوء نور على نور، ولا تستنير الجوارح بالمباحات، وإنما تستنير بالطاعات ~~والعبادات. وقال: «إذا توضأ العبد المؤمن خرجت خطاياه» الحديث، ولا ينفي ~~الأوزار إلا العبادات، والقرآن يقتضي وجوب النية في الوضوء في آية المائدة ~~على ما سترونه مشروحا إن شاء الله. ### | [مسألة التيمم للمريض] # المسألة الثامنة عشرة: قوله تعالى: {وإن كنتم مرضى} [النساء: 43]: المرض ~~عبارة عن خروج البدن عن الاعتدال والاعتياد إلى الاعوجاج والشذوذ؛ وهو على ~~ضربين: يسير وكثير، وقد يخاف المريض من استعماله، وقد يعدم من يناوله # PageV01P560 # إياه وهو يعجز عن تناوله، ومطلق اللفظ يبيح التيمم لكل مريض إذا خاف من ~~استعماله وتأذيه بالماء وروي عن الشافعي أنه قال: يباح التيمم للمريض إذا ~~خاف التلف؛ ونظر إلى أن زيادة المرض غير متحققة، لأنها قد تكون وقد لا ~~تكون، ولا يجوز ترك الفرض المتيقن للخوف المشكوك فيه. # قلنا: ظاهر الآية يجوز له التيمم؛ فليس لك في هذا القول أصل ترد إليه ~~كلامك؛ بل قد ناقضت؛ فإنك قلت: إذا خاف التلف من البرد يتيمم، فكما يبيح ~~التيمم خوف التلف كذلك يبيحه له خوف المرض؛ فإن المرض محذور، كما أن التلف ~~محذور، وكذلك يقول: إذا خاف المريض من البرد يتيمم فكيف بزيادة المرض.، # وقد روى «جابر بن عبد الله قال: خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر في رأسه ~~فشجه ثم احتلم، فقال لأصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد ~~لك رخصة وأنت تقدر على الماء؛ فاغتسل، فمات؛ فلما قدمنا على النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أخبر بذلك، فقال: قتلوه، قتلهم الله. ألا سألوا إذا ms0399 لم ~~يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال؛ إنما كان يكفيه أن يتيمم، أو يعصب على ~~جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده». خرجه أبو داود وغيره. وعجبا ~~للشافعي يقول: لو زاد الماء على قيمته حبة لم يلزم شراؤه صيانة للمال؛ ~~ويلزمه التيمم، وهو يخاف على بدنه المرض، وليس لهم عليه كلام يساوي سماعه. ### | [مسألة سبب نزول قوله تعالى أو على سفر] # المسألة التاسعة عشرة: قوله تعالى: {أو على سفر} [النساء: 43]: روي أن ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصابتهم جراحة ففشت فيهم، ثم ~~ابتلوا بالجنابة فشكوا ذلك، فنزلت هذه الآية. «وقالت عائشة: كنت في مسير مع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا كنت بذات الجيش ضل عقد لي» ~~الحديث إلى آخره. قال: فنزلت آية التيمم، وهي معضلة ما # PageV01P561 # وجدت لدائها من دواء عند أحد، هما آيتان فيهما ذكر التيمم: إحداهما في ~~النساء، والأخرى في المائدة، فلا نعلم أية آية عنت عائشة. # وآية التيمم المذكورة في حديث عائشة النازلة عند فقد العقد كانت في غزوة ~~المريسيع قال خليفة بن خياط، سنة ست من الهجرة. وقال غيره: سنة خمس، وليس ~~بصحيح. وحديثها يدل على أن التيمم قبل ذلك لم يكن معلوما ولا مفعولا لهم. ~~فالله أعلم كيف كانت حال من عدم الماء، وحانت عليه الصلاة. فإحدى الآيتين ~~مبينة والأخرى زائدة عليها، وإحداهما سفرية والأخرى حضرية، ولما كان أمرا ~~لا يتعلق به حكم خبأه الله ولم يتيسر بيانه على يدي أحد، ولقد عجبت من ~~البخاري بوب في كتاب التفسير في سورة النساء على الآية التي ذكر فيها ~~التيمم، وأدخل حديث عائشة فقال: وإن كنتم مرضى أو على سفر. وبوب في سورة ~~المائدة فقال: باب " فلم تجدوا ماء " وأدخل حديث عائشة بعينه، وإنما أراد ~~أن يدل على أن الآيتين تحتمل كل واحدة منهما قصة عائشة، وأراد فائدة أشار ~~إليها هي أن قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى ~~تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى ms0400 تغتسلوا} [النساء: 43] إلى ~~هذا الحد نزل في قصة علي، وأن ما وراءها قصة أخرى وحكم آخر لم يتعلق بها ~~شيء منه، فلما نزلت في وقت آخر قرنت بها. # والذي يقتضيه هذا الظاهر عندي أن آية الوضوء يذكر التيمم فيها في ~~المائدة، وهي النازلة في قصة عائشة، وكان الوضوء مفعولا غير متلو، فكمل ~~ذكره وعقب بذكر بدله واستوفيت النواقض فيه، ثم أعيدت من قوله: {وإن كنتم ~~مرضى} [النساء: 43] إلى آخر الآية في سورة النساء مركبة على قوله تعالى: ~~{ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} [النساء: 43] حتى تكمل تلك الآية في ~~سورة النساء جاء بأعيان مسائلها كمال هذه، ويتكرر البيان، وليس لها نظير في ~~القرآن. والذي يدل على أن آية عائشة هي آية المائدة أن المفسرين بالمدينة ~~اتفقوا على أن المراد بقوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة} [المائدة: 6] ~~يعني من النوم، وكان ذلك في قصة عائشة؛ والله أعلم. # PageV01P562 ### | [مسألة الصيام في السفر] # المسألة الموفية عشرين قوله تعالى: {أو على سفر} [النساء: 43] هاهنا خلاف ~~قوله: {أو على سفر} [النساء: 43] في الصيام؛ لأن السفر هناك شرط في ~~الإفطار، فاعتبرناه وتكلمنا عليه، وحددناه، فأما هاهنا فإن التيمم في حالة ~~الحضر جائز، وإنما نص الله سبحانه على السفر، لأنه الغالب من عدم الماء؛ ~~فأما عدم الماء في الحضر فنادر؛ فإن وقع فالتيمم جائز عند علمائنا ~~والشافعية. وفي المدونة: يعيد إذا وجد الماء، وإنما ذلك حيث وقع اتهام له ~~بالتقصير كما استقصر فيما إذا نسي الماء في رحله وتيمم، والناس لا خطاب ~~عليهم إجماعا. # وقال أبو حنيفة: لا يتيمم في الحضر إلا مريض أو محبوس، يقال له، أو طليق ~~طلب الماء فلم يجده حتى خاف خروج الوقت فإنه يتيمم؛ لأن معنى المرض والحبس ~~عنده هو عدم المقدرة، على ما يأتي بيانه شريفا بديعا إن شاء الله تعالى. ~~وفي الصحيح أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - سلم عليه رجل فلم يرد عليه ~~السلام حتى تيمم في الحائط». وهذا نص في التيمم في الحضر. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ms0401 أو جاء أحد منكم من الغائط] # المسألة الحادية والعشرون: قوله تعالى: {أو جاء أحد منكم من الغائط} ~~[النساء: 43]: وهو المطمئن من الأرض، كانوا إذا أرادوا قضاء الحاجة أتوه ~~رغبة في التستر، فكني به عما يخرج من السبيلين، وشرط الوضوء به شرعا وكأن ~~معنى ذلك: أو كنتم محدثين حدثا معتادا، ضرب لهم به المثل، وصار تقدير ~~الآية: وإلا إذا كنتم جنبا أو محدثين حتى تغتسلوا، ولكل شيء بيان صفة غسله، ~~ولذلك قال علماؤنا: إن الخارج إذا كان على غير المعتاد لم يتعلق به نقض ~~الوضوء وصار داء، والدليل عليه سقوط اعتبار دم المستحاضة لأجل أنه دم علة، ~~وقد مهدنا ذلك بتفصيله في كتب المسائل. ### | [مسألة آراء العلماء في قوله تعالى أو لامستم النساء] # المسألة الثانية والعشرون: قوله تعالى: {أو لامستم النساء} [النساء: 43]: ~~فيها خلاف كثير، وأقوال متعددة للعلماء، ومتعلقات مختلفات، وهي من مسائل ~~الخلاف الطويلة؛ وقد استوفينا ما فيه بطرقه البديعة، وخذوا الآن معنى ~~قرآنيا بديعا؛ وذلك أنا نقول: # PageV01P563 # حقيقة اللمس إلصاق الجارحة بالشيء، وهو عرف في اليد؛ لأنها آلته الغالبة؛ ~~وقد يستعمل كناية عن الجماع. # وقد قالت طائفة: اللمس هنا الجماع. وقالت أخرى: هو اللمس المطلق لغة أو ~~شرعا؛ فأما اللغة فقد قال المبرد: لمستم: وطئتم، ولامستم: قبلتم؛ لأنها لا ~~تكون إلا من اثنين، والذي يكون بقصد وفعل من المرأة هو التقبيل، فأما الوطء ~~فلا عمل لها فيه. قال أبو عمرو: الملامسة الجماع، واللمس لسائر الجسد، وهذا ~~كله استقراء لا نقل فيه عن العرب. # وحقيقة النقل أنه كله سواء؛ (وإن لمستم) محتمل للمعنيين جميعا، كقوله: ~~لامستم، ولذلك لا يشترط لفعل الرجل شيء من المرأة. # وقد قال ابن عباس: إن الله تعالى حيي كريم يعف: كنى باللمس عن الجماع. ~~وقال ابن عمر: قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة، وكذلك قال ابن ~~مسعود، وهو كوفي، فما بال أبي حنيفة خالفه، ولو كان معنى القراءتين مختلفين ~~لجعلنا لكل قراءة حكمها، وجعلناهما بمنزلة الآيتين، ولم يتناقض ذلك ولا ~~تعارض؛ وهذا تمهيد المسألة. ويكمله ms0402 ويؤكده ويوضحه أن قوله: {ولا جنبا} ~~[النساء: 43] أفاد الجماع، وأن قوله تعالى: {أو جاء أحد منكم من الغائط} ~~[النساء: 43] أفاد الحدث، وأن قوله: {أو لامستم} [النساء: 43] أفاد اللمس ~~والقبل؛ فصارت ثلاث جمل لثلاثة أحكام، وهذا غاية في العلم والإعلام، ولو ~~كان المراد باللمس الجماع لكان تكرارا، وكلام الحكيم يتنزه عنه، والله ~~أعلم. # فإن قيل: ذكر الله سبحانه الجنابة ولم يذكر سببها، فلما ذكر سبب الحدث ~~وهو المجيء من الغائط ذكر سبب الجنابة، وهو الملامسة للجماع؛ ليفيد أيضا ~~بيان حكم الحدث والجنابة عند عدم الماء، كما أفاد بيان حكمها عند وجود ~~الماء. قلنا: لا يمنع حمل اللفظ على الجماع واللمس، ويفيد الحكمين، وقد ~~حققنا ذلك في أصول الفقه. # PageV01P564 # المسألة الثالثة والعشرون: راعى مالك في اللمس القصد، وجعله الشافعي ~~ناقضا للطهارة بصورته كسائر النواقض، وهو الأصل؛ والذي يدعي انضمام القصد ~~إلى اللمس في اعتبار الحكم هو الذي يلزمه الدليل؛ فإن الله تعالى أنزل ~~اللمس المفضي إلى خروج المذي منزلة التقاء الختانين المفضي إلى خروج المني. ~~فأما اللمس المطلق فلا معنى له، وذلك مقرر في مسائل الخلاف. ### | [مسألة لمس صغيرة] # المسألة الرابعة والعشرون: قوله تعالى: {النساء} [النساء: 43]: وهذا عام ~~في كل امرأة بحلال أو حرام كالجنابة، حتى قال الشافعي: إنه لو لمس صغيرة ~~ينتقض طهره في أحد قوليه. وهذا ضعيف؛ فإن لمس الصغيرة كلمس الحائض. واختلف ~~قوله في ذوات المحارم لأجل أنه لا يعتبر اللذة، وإن أخرج ذوات المحارم عنها ~~فقد انتقض عليه جميع مذهبه في ذلك. ونحن اعتبرنا اللذة، فحيث وجدت وجد ~~حكمها، وهو وجوب الوضوء. # المسألة الخامسة والعشرون: يدخل في حكم اللمس الرجال والنساء كما دخلوا ~~في قوله: {وإن كنتم جنبا} [المائدة: 6] سواء؛ لأنه لا اعتبار عندنا بالاسم، ~~وإنما الاعتبار بالمعنى؛ وذلك بين. ### | [مسألة معنى قوله تعالى فلم تجدوا ماء] # المسألة السادسة والعشرون: قوله تعالى: {فلم تجدوا ماء} [النساء: 43]: ~~لما ذكر الله سبحانه اغتسلوا واطهروا اقتضى ذلك الماء اقتضاء قطعيا، إذ هو ~~الغاسول والطهور؛ فلذلك قال: فلم تجدوا ماء، فصرح بالمقتضي، ms0403 وكان عنده سواء ~~التصريح والاقتضاء؛ وهذا في اللغة كثير. # المسألة السابعة والعشرون: قوله تعالى: {فلم تجدوا ماء} [النساء: 43]: ~~قال علماؤنا رحمة الله عليهم: فائدة الوجود الاستعمال والانتقاع بالقدرة ~~عليهما، فمعنى قوله: {فلم تجدوا ماء} [النساء: 43]، فلم تقدروا؛ ليتضمن ذلك ~~الوجوه المتقدمة المذكورة فيها، وهي المرض والسفر؛ فإن المريض واجد للماء ~~صورة، ولكنه لما لم يتمكن من # PageV01P565 # استعماله لضرورة صار معدوما حكما؛ فالمعنى الذي يجمع نشر الكلام (فلم ~~تقدروا على استعمال الماء). وهذا يعم المرض والصحة إذا إذا خاف من أخذ ~~الماء لصا أو سبعا، ويجمع الحضر والسفر؛ وهذا هو العلم الصريح، والفقه ~~الصحيح، والأصوب بالتصحيح؛ ألا ترى أنه لو وجده بزائد على قيمته جعله ~~معدوما حكما، وقيل له تيمم. ويتبين أن المراد الوجود الحكمي، ليس الوجود ~~الحسي. ### | [مسألة وجد الماء في أثناء الصلاة] # وعلى هذا قلنا: إن من وجد الماء في أثناء الصلاة، إنه يتمادى ولا يقطع ~~الصلاة، خلافا لأبي حنيفة حيث يقول: يبطل تيممه؛ لأن الوجود لعينه لا يبطل ~~التيمم، كما لو رأى الماء وعليه لص أو سبع، أو رآه بأكثر من قيمته لم يبطل ~~تيممه، وإنما يبطل التيمم بوجود مقرون بالقدرة؛ وإذا كان في الصلاة فلا ~~قدرة له إلا بعد إبطالها، ولا تبطل إلا بعد اقتران القدرة بالماء، فلا ~~بطلان لها؛ وهي مسألة دورية، وقد حققناها في " كتاب التلخيص " فلتنظر فيه؛ ~~وعلى هذا تنبني مسألة؛ هي إذا نسي الماء في رحله، وقد اجتهد في طلبه، فإن ~~الناسي لا يعد واجدا ولا يخاطب في حال نسيانه؛ فلذلك قلنا في أصح الأقوال: ~~إنه يجزئه. ### | [مسألة الوضوء بالماء المتغير وغير المتغير] # المسألة الثامنة والعشرون: قوله تعالى: {ماء} [النساء: 43]: قال أبو ~~حنيفة: هذا نفي في نكرة، وهو يعم لغة؛ فيكون مفيدا جواز الوضوء بالماء ~~المتغير وغير المتغير؛ لانطلاق اسم الماء عليه. قلنا: استنوق الجمل، الآن ~~يستدل أصحاب أبي حنيفة باللغات، ويقولون على ألسنة العرب، وهم ينبذونها في ~~أكثر المسائل بالعراء، واعلموا أن النفي في النكرة يعم كما قلتم، ولكن في ~~الجنس؛ فهو ms0404 عام في كل ما كان من سماء أو بئر أو عين أو نهر أو بحر عذب أو ~~ملح؛ فأما غير الجنس فهو المتغير، فلا يدخل فيه، كما لم يدخل فيه ماء ~~الباقلاء. # PageV01P566 # وقد مهدنا ذلك في الكلام على منع الوضوء بالماء المتغير بالزعفران في " ~~كتاب التلخيص ". ومن هاهنا وهم الشافعي في قوله: إنه إذا وجد من الماء ما ~~لا يكفيه لأعضاء الوضوء كلها أنه يستعمله فيما كفاه ويتيمم لباقيه؛ فخالف ~~مقتضى اللغة وأصول الشريعة. # أما مقتضى اللغة فإن الله سبحانه قال: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم ~~جنبا فاطهروا} [المائدة: 6] وأراد في جميع البدن، ثم قال {فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا} [المائدة: 6] فاقتضى ذلك الماء الذي يقوم له بحق ما تقدم الأمر ~~فيه والتكليف له؛ فإن آخر الكلام مرتبط بأوله. وأما مخالفته للأصول فليس في ~~الشريعة موضع يجمع فيه بين الأصل والبدل، وقد مهدنا ذلك في مسائل الخلاف، ~~وبهذا تعلق الأئمة في الوضوء بماء البحر، وهي: # المسألة التاسعة والعشرون: قال ابن عمر - رضي الله عنه -: إنه لا يجوز ~~الوضوء به؛ لأنه ماء النار أو لأنه طين جهنم، وكأنهم يشيرون إلى أنه ماء ~~عذاب فلا يكون ماء قربة. وقد «منع النبي - صلى الله عليه وسلم - حين نزلوا ~~به بديار ثمود ألا يشرب ولا يتوضأ من آبارهم إلا من بئر الناقة، وأوقفهم ~~عليه»؛ وهي إحدى معجزاته - صلى الله عليه وسلم -. قلنا: قد قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في ماء البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته». # PageV01P567 # وقد روي عن ابن عباس أن ماء البحر هو طهور الملائكة، إذا نزلوا توضئوا، ~~وإذا صعدوا توضئوا، فيقابل حديث ابن عمر بحديث ابن عباس ويبقى لنا مطلق ~~الآية، وحديث النبي - صلى الله عليه وسلم -. ### | [مسألة النية في التيمم] # المسألة الموفية ثلاثين: قوله تعالى: {فتيمموا صعيدا} [المائدة: 6]: ~~معناه فاقصدوا. وقد روي عن عبد الله أنه قرأها فائتموا، والأولى أفصح ~~وأملح؛ فإن " اقصدوا " أملح من اتخذوه إماما، ومن هاهنا ms0405 قال أبو حنيفة: ~~تلزم النية في التيمم؛ لأنه القصد لفظا ومعنى. قلنا: ليس القصد إليه ~~للاستعمال بدل الماء هو النية، إنما معناه اجعلوه بدلا، فأما قصد التقرب ~~فهو غيره. جواب آخر: وذلك أن قوله: {فتيمموا} [المائدة: 6] إن كان يقتضي ~~بلفظه النية فقوله: تطهروا واغتسلوا يقتضي بلفظه النية، كما تقدم. فإن قيل: ~~الماء مطهر بنفسه، فلم يفتقر إلى قصد إذا وجدت النظافة به على أي وجه كانت. ~~قلنا: وكذلك التراب ملوث بنفسه، فلم يفتقر إلى قصد إذا وجد التلوث به. ### | [مسألة معنى قوله صعيدا] # المسألة الحادية والثلاثون: قوله تعالى: {صعيدا} [المائدة: 6]: فيه أربعة ~~أقوال: الأول: وجه الأرض؛ قاله مالك. # الثاني: الأرض المستوية؛ قاله ابن زيد. # PageV01P568 # الثالث: الأرض الملساء. # الرابع: التراب؛ قاله ابن عباس. # واختاره الشافعي. والذي يعضده الاشتقاق وهو صريح اللغة أنه وجه الأرض على ~~أي وجه كان من رمل أو حجر أو مدر أو تراب. ### | [مسألة معنى قوله طيبا] # المسألة الثانية والثلاثون: قوله: {طيبا} [المائدة: 6]: قيل: إنه منبت، ~~وعزي إلى ابن عباس، واختاره الشافعي، وعضده بالمعنى فقال: إنه ينتقل من ~~الماء الذي هو أصل الإحياء إلى التراب الذي هو أصل الإنبات. وقيل: إنه ~~النظيف. وقيل: إنه الحلال. وقيل: هو الطاهر؛ فهذه خمسة أقوال أصحها الطاهر. ~~فإن قيل: فقد قال مالك: إذا تيمم على بقعة نجسة جاهلا أعاد في الوقت، ولو ~~توضأ بماء نجس أعاد أبدا. قلنا: هما عندنا سواء في أحد القولين الذي ننصره ~~الآن، وكلام القول الثاني في كتب المسائل. فأما قول الشافعي: إنه نقل من ~~أصل الإحياء إلى أصل الإنبات فهو دعوى لا برهان عليها؛ على أنا نقول: نقلنا ~~من الماء إلى الأرض، ومنها خلقنا. ### | [مسألة معنى قوله تعالى فامسحوا] # المسألة الثالثة والثلاثون: قوله تعالى: {فامسحوا} [المائدة: 6]: والمسح ~~في اللغة عبارة عن جر اليد على الممسوح خاصة، فإن كان بآلة فهو عبارة عن ~~نقل الآلة إلى اليد وجرها على الممسوح بخلاف الغسل، وسيأتي تحقيق ذلك كله ~~في موضعه إن شاء الله. # المسألة الرابعة والثلاثون: والخامسة والثلاثون: شرح الوجه ms0406 واليد: ~~والسادسة والثلاثون: دخول الباء على الوجه: # PageV01P569 # والسابعة والثلاثون: سقوط قوله {منه} [المائدة: 6] هاهنا وثبوتها في سورة ~~المائدة، وسيأتي بيان ذلك كله في سورة المائدة إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة عفو الله تبارك وتعالى إسقاطه لحقوقه أو بذله لفضله] # المسألة الثامنة والثلاثون: دخول العفو والغفران على ما تقدم من الأحكام ~~وانتظامها بهما. ووجه ذلك أن عفو الله تبارك وتعالى إسقاطه لحقوقه أو بذله ~~لفضله، ومغفرته ستره على عباده؛ فوجه الإسقاط هاهنا تخفيف التكليف، ولو رد ~~بأكثر للزم، ووجه بدله إعطاؤه الأجر الكثير على الفعل اليسير، ورفعه عن هذه ~~الأمة في العبادات الإصر الذي كان وضعه على سائر الأمم قبلها، ومغفرته ستره ~~على المقصرين في الطاعات؛ وذلك مستقصى في آيات الذكر، ومنه نبذة في " شرح ~~المشكلين " فلتنظر هنالك إن شاء الله تعالى. ### | [الآية الثانية والثلاثون قوله تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها] # وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله ~~كان سميعا بصيرا} [النساء: 58] فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: اختلف الناس في الأمانات؛ فقال قوم: هي كل ما أخذته بإذن ~~صاحبه. وقال آخرون: هي ما أخذته بإذن صاحبه لمنفعته. الصحيح أن كليهما ~~أمانة؛ ومعنى الأمانة في الاشتقاق أنها أمنت من الإفساد. # PageV01P570 # المسألة الثانية: أمر الله تعالى: بأدائها إلى أربابها، وكان سبب نزولها ~~أمر السرايا؛ قاله علي ومكحول. وقيل: نزلت في «عثمان بن أبي طلحة أخذ النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - منه المفتاح يوم الفتح ودخل الكعبة، فنزل عليه ~~جبريل بهذه الآية، وخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - يتلوها، فدعا عثمان، ~~فدفع إليه المفتاح»، فكانت ولاية من الله تعالى بغير واسطة إلى يوم ~~القيامة، وناهيك بهذا فخرا. وروي أن العباس عم النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- سأل النبي - عليه السلام - أن تجمع له السدانة والسقاية، ونازعه في ذلك ~~شيبة؛ فأنزل الله تبارك وتعالى على النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه ~~الآية. ### | [مسألة في أحكام كلا من الوديعة اللقطة والرهن والإجارة والعارية] # المسألة الثالثة: ms0407 لو فرضناها نزلت في سبب فهي عامة بقولها، شاملة بنظمها ~~لكل أمانة؛ وهي أعداد كثيرة، أمهاتها في الأحكام: الوديعة، واللقطة، ~~والرهن، والإجارة، والعارية. أما الوديعة: فلا يلزم أداؤها حتى تطلب، وأما ~~اللقطة فحكمها التعريف سنة في مظان الاجتماعات، وحيث ترجى الإجابة لها، ~~وبعد ذلك يأكلها حافظها، فإن جاء صاحبها غرمها، والأفضل أن يتصدق بها. وأما ~~الرهن: فلا يلزم فيه أداء حتى يؤدي إليه دينه. وأما الإجارة والعارية: إذا ~~انقضى عمله فيها يلزمه ردها إلى صاحبها قبل أن يطلبها، ولا يحوجه إلى تكليف ~~للطلب ومؤنة الرد. وقال بعض علمائنا في الإجارة: يردها أين أخذها إن كان ~~موضع ذلك فيها. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل] # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} ~~[النساء: 58] # PageV01P571 # قال ابن زيد: قال أبي: هم السلاطين، بدأ الله سبحانه بهم؛ فأمرهم بأداء ~~الأمانة فيما لديهم من الفيء، وكل ما يدخل إلى بيت المال حتى يوصلوه إلى ~~أربابه، وأمرهم بالحكم بين الناس بالعدل، وأمرنا بعد ذلك بطاعتهم، فقال: ~~{يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} ~~[النساء: 59]. قال القاضي: هذه الآية في أداء الأمانة والحكم عامة في ~~الولاية والخلق؛ لأن كل مسلم عالم، بل كل مسلم حاكم ووال. وقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «المقسطون يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن، ~~وكلتا يديه يمين وهم الذين يعدلون في أنفسهم وأهليهم وما ولوا». # وقال - صلى الله عليه وسلم -: «كلكم راع، وكلكم مسئول عن رعيته، فالإمام ~~راع على الناس وهو مسئول عنهم، والرجل راع في أهل بيته وهو مسئول عنهم، ~~والعبد راع في مال سيده وهو مسئول عنه: ألا كلكم راع ومسئول عن رعيته». ~~فجعل - صلى الله عليه وسلم - في هذه الأحاديث الصحيحة كل هؤلاء رعاة وحكاما ~~على مراتبهم، وكذلك العالم الحاكم فإنه إذا أفتى يكون قضى، وفصل بين الحلال ~~والحرام، والفرض والندب، والصحة والفساد؛ فجميع ذلك فيمن ذكرنا أمانة تؤدى ~~وحكم يقضى، والله عز ms0408 وجل أعلم. # PageV01P572 ### | [الآية الثالثة والثلاثون قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول] # وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} [النساء: 59] فيها ثلاث ~~مسائل: # المسألة الأولى: في حقيقة الطاعة: وهي امتثال الأمر، كما أن المعصية ~~ضدها، وهي مخالفة الأمر. والطاعة مأخوذة من طاع إذا انقاد، والمعصية مأخوذة ~~من عصى وهو اشتد، فمعنى ذلك امتثلوا أمر الله تعالى وأمر رسوله - صلى الله ~~عليه وسلم -. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أطاع أميري فقد ~~أطاعني، ومن أطاعني فقد أطاع الله تعالى، ومن عصى أميري فقد عصاني، ومن ~~عصاني فقد عصى الله تعالى» ### | [مسألة معنى قوله تعالى وأولي الأمر منكم] # المسألة الثانية: قوله تعالى: {وأولي الأمر منكم} [النساء: 59]: فيها ~~قولان: الأول: قال ميمون بن مهران: هم أصحاب السرايا، وروي في ذلك حديثا، ~~وهو اختيار البخاري، وروي عن ابن عباس أنها نزلت في عبد الله بن حذافة، إذ ~~بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - في سرية. # الثاني: قال جابر: هم العلماء، وبه قال أكثر التابعين، واختاره مالك؛ قال ~~مطرف # PageV01P573 # وابن مسلمة: سمعنا مالكا يقول: هم العلماء. # وقال خالد بن نزار، وقفت على مالك فقلت: يا أبا عبد الله؛ ما ترى في قوله ~~تعالى: {وأولي الأمر منكم} [النساء: 59]؟ قال: وكان محتبيا فحل حبوته، وكان ~~عنده أصحاب الحديث ففتح عينيه في وجهي، وعلمت ما أراد، وإنما عنى أهل ~~العلم؛ واختاره الطبري واحتج له بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من أطاع ~~أميري فقد أطاعني» الحديث. # والصحيح عندي أنهم الأمراء والعلماء جميعا، أما الأمراء فلأن أصل الأمر ~~منهم والحكم إليهم. وأما العلماء فلأن سؤالهم واجب متعين على الخلق، ~~وجوابهم لازم، وامتثال فتواهم واجب، يدخل فيه الزوج للزوجة، لا سيما وقد ~~قدمنا أن كل هؤلاء حاكم، وقد سماهم الله تعالى بذلك فقال: {يحكم بها ~~النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار} [المائدة: 44]. ~~فأخبر تعالى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حاكم ms0409 [والرباني حاكم]، والحبر ~~حاكم، والأمر كله يرجع إلى العلماء؛ لأن الأمر قد أفضى إلى الجهال، وتعين ~~عليهم سؤال العلماء؛ ولذلك نظر مالك إلى خالد بن نزار نظرة منكرة، كأنه ~~يشير بها إلى أن الأمر قد وقف في ذلك على العلماء، وزال عن الأمراء لجهلهم ~~واعتدائهم، والعادل منهم مفتقر إلى العالم كافتقار الجاهل. ### | [مسألة معنى قوله تعالى فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ~~والرسول} [النساء: 59]: قال علماؤنا: ردوه إلى كتاب الله، فإذا لم تجدوه ~~فإلى سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن لم تجدوه فكما قال علي: ما ~~عندنا إلا ما في كتاب الله تعالى أو ما في هذه الصحيفة، أو فهم أوتيه رجل ~~مسلم، وكما «قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ: بم تحكم؟ قال: بكتاب ~~الله. قال: فإن لم تجد. قال: بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال: ~~فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي، ولا آلو. قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول ~~الله». # PageV01P574 # فإن قيل: هذا لا يصح. قلنا: قد بينا في كتاب " شرح الحديث الصحيح " وكتاب ~~" نواهي الدواهي " صحته # ، وأخذ الخلفاء كلهم بذلك؛ ولذلك قال أبو بكر الصديق للأنصار: إن الله ~~جعلكم المفلحين، وسمانا الصادقين؛ فقال: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا ~~من ديارهم} [الحشر: 8] إلى قوله تعالى: {أولئك هم الصادقون} [الحجرات: 15]. ~~ثم قال: {والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم} [الحشر: 9] إلى قوله: ~~{فأولئك هم المفلحون} [الحشر: 9]. وقد أمركم الله سبحانه وتعالى أن تكونوا ~~معنا حيث كنا، فقال: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} ~~[التوبة: 119]. «وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أوصيكم بالأنصار ~~خيرا». ولو كان لكم من الأمر شيء ما أوصى بكم ". وقال له عمر حين ارتد ~~مانعوا الزكاة: خذ منهم الصلاة ودع الزكاة. فقال: لا أفعل؛ فإن الزكاة حق ~~المال والصلاة حق البدن. وقال عمر بن الخطاب: نرضى لدنيانا من رضيه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لديننا. وجاءت ms0410 الجدة الأخرى إليه فقال لها: لا ~~أجد لك في كتاب الله شيئا ولا في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو ~~السدس؛ فأيتكما خلت به فهو لها، فإن اجتمعتما فهو بينكما. وذلك أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - «قضى بالسدس للجدة غير معينة»؛ فوجب أن يشتركا ~~فيه عند الاجتماع. وكذلك لما جمع الصحابة في أمر الوباء بالشام فتكلموا معه ~~بأجمعهم وهم متوافرون، ما ذكروا في طلبهم الحق في مسألتهم لله كلمة ولا ~~لرسوله - صلى الله عليه وسلم - حرفا؛ لأنه لم يكن عندهم، وأفتوا وحكم عمر، ~~ونازعه أبو عبيدة، فقال له: أرأيت لو # PageV01P575 # كان لك إبل فهبطت بها واديا له عدوتان: إحداها خصبة والأخرى جدبة؛ أليس ~~إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله، فضرب ~~المثل لنفسه بالرعي والناس بالإبل، والأرض الوبئة بالعدوة الجدبة، والأرض ~~السليمة بالعدوة الخصبة، ولاختيار السلامة باختيار الخصب؛ فأين كتاب الله ~~تعالى وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هذا كله؟ أيقال: قال الله ~~تعالى: وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما لم يقولا، فذلك كفر، أم ~~يقال: دع هذا فليس لله فيه حكم، فذلك كفر، ولكن تضرب الأمثال ويطلب المثال ~~حتى يخرج الصواب. قال أبو العالية: وذلك قوله تعالى: {ولو ردوه إلى الرسول ~~وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} [النساء: 83]. # وقال عثمان بن عفان وأصحابه حين جمعوا القرآن: إن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - توفي ولم يبين لنا موضع براءة، وإن قصتها لتشبه قصة الأنفال، ~~فنرى أن نكتبها معها ولا نكتب بينها سطر {بسم الله الرحمن الرحيم} ~~[الفاتحة: 1]. فأثبتوا موضع القرآن بقياس الشبه. وقال علي: نرى أن مدة ~~الحمل ستة أشهر؛ لأن الله تعالى يقول: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} ~~[الأحقاف: 15]. وقال: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين} [البقرة: ~~233]. فإذا فصلتهما من ثلاثين شهرا بقيت ستة أشهر. ولذلك قال ابن عباس: صوم ~~الجنب صحيح؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: {فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب ~~الله لكم وكلوا ms0411 واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من ~~الفجر} [البقرة: 187] فيقع الاغتسال بعد الفجر، وقد انعقد جزء من الصوم وهو ~~فاتحته مع الجنابة، ولو سردنا نبط الصحابة لتبين خطأ الجهالة، وفي هذا ~~كفاية للعلماء؛ فإن عارضكم السفهاء فالعجلة العجلة إلى كتاب نواهي الدواهي، ~~ففيه الشفاء إن شاء الله تعالى. # PageV01P576 ### | [الآية الرابعة والثلاثون قوله تعالى ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك] # وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ~~ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا} [النساء: 60] فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: يروى أنها نزلت في «رجل من المنافقين ~~نازع رجلا من اليهود، فقال اليهودي: بيني وبينك أبو القاسم، وقال المنافق: ~~بيني وبينك الكاهن. وقيل: قال المنافق: بيني وبينك كعب بن الأشرف، يفر ~~اليهودي ممن يقبل الرشوة ويريد المنافق من يقبلها. ويروى أن اليهودي قال ~~له: بيني وبينك أبو القاسم. وقال المنافق: بيني وبينك الكاهن، حتى ترافعا ~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فحكم لليهودي على المنافق، فقال المنافق: ~~لا أرضى، بيني وبينك أبو بكر؛ فأتيا أبا بكر فحكم أبو بكر لليهودي. فقال ~~المنافق: لا أرضى، بيني وبينك عمر. فأتيا عمر فأخبره اليهودي بما جرى؛ ~~فقال: أمهلا حتى أدخل بيتي في حاجة، فدخل فأخرج سيفه ثم خرج، فقتل المنافق؛ ~~فشكا أهله ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال عمر: يا رسول الله؛ ~~إنه رد حكمك. فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنت الفاروق»، وفي ذلك ~~نزلت الآية كلها إلى قوله: {ويسلموا تسليما} [النساء: 65]. ويروى في الصحيح ~~أن «رجلا من الأنصار خاصم الزبير في شراج الحرة؛ فقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: اسق يا زبير، وأرسل الماء إلى جارك الأنصاري. فقال الأنصاري: ~~آن كان ابن عمتك، فتلون وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قال للزبير: ~~أمسك الماء حتى يبلغ الجدر، ثم أرسله». # PageV01P577 # قال ابن الزبير عن أبيه: وأحسب أن الآية نزلت في ذلك: {فلا وربك ms0412 لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} [النساء: 65] إلى آخره. # قال مالك: الطاغوت كل ما عبد من دون الله من صنم أو كاهن أو ساحر أو ~~كيفما تصرف الشرك فيه. وقوله: {آمنوا بما أنزل إليك} [النساء: 60]: يعني ~~المنافقين، أظهروا الإيمان. وبقوله: {وما أنزل من قبلك} [النساء: 60]: يعني ~~اليهود؛ آمنوا بموسى، وذلك قوله: {رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} ~~[النساء: 61] ويذهبون إلى الطاغوت. # المسألة الثانية: اختار الطبري أن يكون نزول الآية في المنافق واليهودي ~~ثم تتناول بعمومها قصة الزبير، وهو الصحيح. وكل من اتهم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في الحكم فهو كافر، لكن الأنصاري زل زلة فأعرض عنه النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - وأقال عثرته لعلمه بصحة يقينه وأنها كانت فلتة، ~~وليس ذلك لأحد بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - وكل من لم يرض بحكم الحاكم ~~بعده فهو عاص آثم. # المسألة الثالثة: فيها أن يتحاكم اليهودي مع المسلم عند حاكم الإسلام، ~~وسيأتي في سورة المائدة إن شاء الله تعالى. ### | [الآية الخامسة والثلاثون قوله تعالى ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم] # الآية الخامسة والثلاثون: # قوله تعالى: {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ~~ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد ~~تثبيتا} [النساء: 66] # PageV01P578 # فيها مسألتان: المسألة الأولى: روي أنه «تفاخر ثابت بن قيس بن شماس ~~ويهودي، فقال اليهودي: والله، لقد كتب الله علينا أن نقتل أنفسنا. فقال ~~ثابت: والله لو كتب الله سبحانه علينا لفعلنا. قال أبو إسحاق السبيعي: قال ~~رجل من الصحابة لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا. فبلغ ذلك النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال: إن من أمتي لرجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من ~~الجبال الرواسي». قال ابن وهب: قال مالك: القائل ذلك أبو بكر الصديق. # المسألة الثانية: حرف " لو " تدل على امتناع الشيء لامتناع غيره، فأخبر ~~الله سبحانه أنه لم يكتب ذلك علينا لعلمه بأن الأكثر ما كان يمتثل ذلك ~~فتركه ms0413 رفقا بنا؛ لئلا تظهر معصيتنا، فكم من أمر قصرنا عنه مع خفته، فكيف ~~بهذا الأمر مع ثقله؟ أما والله لقد ترك المهاجرون مساكنهم خاوية وخرجوا ~~يطلبون بها عيشة راضية، والحمد لله. ### | [الآية السادسة والثلاثون قوله تعالى ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم] # الآية السادسة والثلاثون: # قوله تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا} [النساء: 69] ~~الآية فيها مسألتان: # PageV01P579 # المسألة الأولى: في سبب نزولها: وفي ذلك روايات أشبهها ما روى سعيد بن ~~جبير أن «رجلا من الأنصار جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو محزون، ~~فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما لي أراك محزونا؟ فقال: يا نبي ~~الله، نحن نغدو عليك ونروح ننظر في وجهك ونجالسك، وغدا ترفع مع النبيين، ~~فلا نصل إليك؛ فلم يرد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا، فأتاه ~~جبريل بهذه الآية؛ فبعث إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - يبشره». ### | [مسألة المدينة وفضلها] # المسألة الثانية: قال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: قال ذلك الرجل، وهو يصف ~~المدينة وفضلها، يبعث منها أشراف هذه الأمة يوم القيامة، وحولها الشهداء ~~أهل بدر وأحد والخندق، ثم تلا مالك هذه الآية: {فأولئك مع الذين أنعم الله ~~عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا - ذلك ~~الفضل من الله وكفى بالله عليما} [النساء: 69 - 70]؛ يريد مالك في قوله: ~~{ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم} [النساء: 69] هم ~~هؤلاء الذين بالمدينة ومن حولها، فبين بذلك فضلهم، وفضل المدينة على غيرها ~~من البقاع: مكة وسواها، وهذا فضل مختص بها، ولها فضائل سواها بيناها في قبس ~~الموطأ، وفي الإنصاف على الاستيفاء؛ فلينظر في الكتابين. ### | [الآية السابعة والثلاثون قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات] # أو انفروا جميعا} [النساء: 71] فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: الثبة: الجماعة، والجمع فيها ثبون أو ثبين أو ثبات، كما ~~تقول: عضة وعضون وعضاه، واللغتان في القرآن، وتصغير ms0414 الثبة ثبية، ويقال في ~~وسط الحوض ثبة؛ لأن الماء # PageV01P580 # يثوب إليه، أي يرجع؛ وتصغير هذه ثويبة؛ لأن هذا محذوف الواو، وثبة ~~الجماعة إنما اشتقت من ثبيت على الرجل إذا أثنيت عليه في حياته وجمعت محاسن ~~ذكره، فيعود إلى الاجتماع. ### | [مسألة معنى قوله تعالى خذوا حذركم] # المسألة الثانية: قوله تعالى: {خذوا حذركم} [النساء: 71]: أمر الله ~~سبحانه المؤمنين ألا يقتحموا على عدوهم على جهالة حتى يتحسسوا إلى ما ~~عندهم، ويعلموا كيف يردون عليهم؛ فذلك أثبت للنفوس، وهذا معلوم بالتجربة. ### | [مسألة أمر الله سبحانه الناس بالجهاد سرايا متفرقة أو مجتمعين] # المسألة الثالثة: أمر الله سبحانه الناس بالجهاد سرايا متفرقة أو مجتمعين ~~على الأمير، فإن خرجت السرايا فلا تخرج إلا بإذن الإمام؛ ليكون متحسسا ~~إليهم وعضدا من ورائهم، وربما احتاجوا إلى درئه. ### | [الآية الثامنة والثلاثون قوله تعالى فليقاتل في سبيل الله] # الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب ~~فسوف نؤتيه أجرا عظيما} [النساء: 74] سوى الله سبحانه في ظاهر هذه الآية ~~بين من قتل شهيدا أو انقلب غانما، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «تكفل الله لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في ~~سبيله، وتصديق كلمته، أن يدخله الجنة، أو يرده إلى مسكنه الذي خرج منه مع ~~ما نال من أجر أو غنيمة». فغاير بينهما، وجعل الأجر في محل والغنيمة في محل ~~آخر. # وثبت عنه أيضا أنه قال: «أيما سرية أخفقت كمل لها الأجر، وأيما سرية غنمت ~~ذهب ثلثا أجرها». # PageV01P581 # فأما هذا الحديث فقد تكلمنا عليه في شروحات الحديث بما فيه كفاية، وليس ~~يعارض الآية كل المعارضة؛ لأن فيه ثلث الأجر، وهذا عظيم؛ وإذا لم يعارضها ~~فليؤخذ تمامه من غير هذا الكتاب. # وأما الحديث الأول فقد قيل فيه: إن " أو " بمعنى الواو؛ لأن الله سبحانه ~~يجمع له الأجر والغنيمة، فما أعطى الله الغنائم لهذه الأمة محاسبا لها بها ~~من ثوابها، وإنما خصها بها تشريفا وتكريما لها؛ لحرمة نبيها. قال النبي - ~~صلى ms0415 الله عليه وسلم -: «جعل رزقي تحت ظل رمحي». فاختار الله لنبيه ولأمته ~~فيما يرتزقون أفضل وجوه الكسب وأكرمها، وهو أخذ القهر والغلبة. وقيل: إن ~~معناه الذي يغنم قد أصاب [الحظين، والذي يخفق له] الحظ الواحد وهو الأجر، ~~فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقول: مع ما نال من أجر وحده أو ~~غنيمة مع الأجر، والله عز وجل أعلم. ### | [الآية التاسعة والثلاثون قوله تعالى وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله] # الآية التاسعة والثلاثون: # قوله تعالى: {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال ~~والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ~~واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا} [النساء: 75] الآية فيها ~~[ثلاث] مسائل المسألة الأولى: قال علماؤنا: أوجب الله سبحانه في هذه الآية ~~القتال؛ لاستنقاذ الأسرى من يد # PageV01P582 # العدو مع ما في القتال من تلف النفس، فكان بذل المال في فدائهم أوجب، ~~لكونه دون النفس وأهون منها. وقد روى الأئمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «أطعموا الجائع وعودوا المريض وفكوا العاني». وقد قال مالك على ~~الناس أن يفدوا الأسارى بجميع أموالهم؛ ولذلك قالوا: عليهم أن يواسوهم، فإن ~~المواساة دون المفاداة، فإن كان الأسير غنيا فهل يرجع عليه الفادي أم لا؟ ~~في ذلك لعلمائنا قولان؛ أصحهما الرجوع. # المسألة الثانية: فإن امتنع من عنده مال من ذلك؟. قال علماؤنا: يقاتله إن ~~كان قادرا على قتاله، وهو قول مالك في كتاب محمد. فإن قتل المانع الممنوع ~~كان عليه القصاص، فإن لم يكن قادرا على قتال فتركه حتى مات جوعا؛ فإن كان ~~المانع جاهلا بوجوب المواساة كان في الميت الدية على عاقلة المانع، وإن كان ~~عالما بوجوب المواساة ففي المسألة ثلاثة أقوال: # الأول: عليه القصاص. # الثاني: عليه الدية في ماله. # الثالث: الدية على عاقلته. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الأشعريين إذا ~~أرملوا في الغزو أو قل طعامهم جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، واقتسموه ~~بينهم في ms0416 إناء واحد بالسوية فهم مني وأنا منهم». # PageV01P583 # المسألة الثالثة: في تنقيح هذه المسألة: قال بعض علماؤنا: روى طلحة بن ~~عبد الله أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - لما علم السائل معالم الدين ~~وأركان الإسلام قال له: والزكاة؟ قال: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن ~~تطوع». وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أفلح إن صدق. دخل الجنة إن ~~صدق». وهذا نص في أنه لا يتعلق بالمال حق سوى الزكاة. # والصحيح أن هذا الحديث لا يمنع من وجوب حق في المال غير الزكاة لثلاثة ~~أوجه: أحدها: أن المراد بهذا الحديث لا فرض ابتداء في المال والبدن إلا ~~الصلاة والزكاة والصيام، فأما العوارض فقد يتوجه فيها فرض من جنس هذه ~~الفروض بالنذر وغيره. الثاني: أن أركان الإسلام من الصلاة والصيام عبادات ~~لا تتعدى المتعبد بها. وأما المال فالأغراض به متعلقة، والعوارض عليه ~~مختلفة. # فإن قيل: إنما فرض الله سبحانه الزكاة ليقوم بحق الفقراء أو يسد خلتهم، ~~وإلا فتكون الحكمة قاصرة. فالجواب أن نقول: هذا لا يلزم لثلاثة أوجه: ~~أحدها: أن من الممكن أن يفرض الباري سبحانه الزكاة قائمة لسد خلة الفقراء، ~~ويحتمل أن يكون فرضها قائمة بالأكثر، وترك الأقل ليسدها بنذر العبد الذي ~~يسوقه القدر إليه. # الثاني: أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أخذ الزكاة في زمنه» فلم ~~تقم الخلة المذكورة بالفقراء حتى كان يندب إلى الصدقة، ويحث عليها. # PageV01P584 # الثالث: للفضلين: إن الزكاة إذا أخذها الولاة، ومنعوها من مستحقيها، فبقي ~~المحاويج فوضى؛ هل يتعلق إثمهم بالناس أم يكون على الوالي خاصة؟ فيه نظر؛ ~~فإن علم أحد بخلة مسكين تعين عليه سدها دون غيره إلا أن يعلم بها سواه، ~~فيتعلق الفرض بجميع من علمها، وقد بينا ذلك في التفسير. ### | [الآية الموفية أربعين قوله تعالى أينما تكونوا يدرككم الموت] # ولو كنتم في بروج مشيدة} [النساء: 78] قال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول: ~~{بروج مشيدة} [النساء: 78] هي قصور السماء، ألا تسمع قول الله سبحانه: ~~{والسماء ذات البروج} [البروج: 1]. قال علماؤنا: والبروج التي في السماء ~~اثنا ms0417 عشر برجا عند العرب، وعند جميع الأمم: الحمل، الثور، الجوزاء، ~~السرطان، الأسد، السنبلة، الميزان، العقرب، القوس، الجدي، الدلو، الحوت. ~~وقد يسمون الحمل الكبش، والجوزاء التوأمين، والسنبلة العذراء، والعقرب ~~الصورة، والقوس الرامي، والحوت السمكة. وتسمى أيضا الدلو الرشا. قال القاضي ~~أبو بكر: خلق الله هذه البروج منازل للشمس والقمر، وقدر فيها، ورتب الأزمنة ~~عليها، وجعلها جنوبية وشمالية، دليلا على المصالح، وعلما على القبلة، ~~وطريقا إلى تحصيل آناء الليل والنهار، لمعرفة أوقات التهجد، وغير ذلك من ~~أحوال المعاش والتعبد، وسنستوفي ذلك بيانا في موضعه إن شاء الله تعالى. وفي ~~هذا دليل على أن ما في السموات والأرض فان ذاهب كله؛ والله أعلم. ### | [الآية الحادية والأربعون قوله تعالى فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك] # الآية الحادية والأربعون: # قوله تعالى: {فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى ~~الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا} [النساء: 84] # PageV01P585 # فيها مسألتان: المسألة الأولى: ظن قوم أن القتال فرض على النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أولا وحده، وندب المؤمنين إليه؛ وليس الأمر كذلك؛ ولكن ~~المسلمين كانوا سراعا إلى القتال قبل أن يفرض القتال، فلما أمر الله سبحانه ~~بالقتال كاع عنه قوم، ففيهم نزلت: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم ~~وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [النساء: 77] قبل أن يفرض القتال؛ {فلما كتب ~~عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية} [النساء: ~~77]، فقال الله تعالى لنبيه: قد بلغت: قاتل وحدك، {لا تكلف إلا نفسك وحرض ~~المؤمنين} [النساء: 84] فسيكون منهم ما كتب الله من فعلهم؛ لأن الله سبحانه ~~كان وعده بالنصر، فلو لم يقاتل معه أحد من الخلق لنصره الله سبحانه دونهم، ~~وهل نصره مع قتالهم إلا بجنده الذي لا يهزم. # وفي الحديث الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله تعالى ~~أمرني أن أحرق قريشا. قلت: أي رب؛ إذا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة. قال: ~~استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم نعنك، وأنفق فسننفق عليك، وابعث جيشا ms0418 نبعث ~~خمسة مثله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك». وقد قال أبو بكر الصديق في الردة: ~~أقاتلهم وحدي حتى تنفرد سالفتي. وفي رواية ثانية: والله لو خالفتني شمالي ~~لقاتلتها بيميني. # المسألة الثانية: قوله تعالى: {وحرض المؤمنين} [النساء: 84] أي على ~~القتال: التحريض والتحضيض هو ندب المرء إلى الفعل، وقد يندب المرء إلى ~~الفعل ابتداء، وقد يندب إلى امتثال ما أمر الله سبحانه تذكرة به له. # PageV01P586 ### | [الآية الثانية والأربعون قوله تعالى من يشفع شفاعة حسنة] # الآية الثانية والأربعون: # قوله تعالى: {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة ~~يكن له كفل منها وكان الله على كل شيء مقيتا} [النساء: 85] الآية فيها ~~مسألتان: # المسألة الأولى: اختلف في قوله: {من يشفع شفاعة} [النساء: 85] على ثلاثة ~~أقوال: # الأول: من يزيد عملا إلى عمل. # الثاني: من يعين أخاه بكلمة عند غيره في قضاء حاجة. قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «اشفعوا تؤجروا، وليقض الله سبحانه على لسان رسوله ما شاء». # الثالث: قال الطبري في معناه: من يكن يا محمد شفيعا لوتر أصحابك في ~~الجهاد للعدو يكن له نصيب في الآخرة من الأجر. ومن يشفع وترا من الكفار في ~~جهادك يكن له كفل في الآخرة من الإثم. # والصحيح عندي أنها عامة في كل ذلك، وقد تكون الشفاعة غير جائزة، وذلك ~~فيما كان سعيا في إثم أو في إسقاط حد بعد وجوبه، فيكون حينئذ شفاعة سيئة. # وروت عائشة «أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من ~~يكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها؟ فقالوا: ومن يجترئ إلا أسامة ~~بن زيد حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV01P587 # فكلمه أسامة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أتشفع في حد من ~~حدود الله؟ وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» مختصرا. وهذا ~~حديث صحيح. وروى أبو داود وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب». ### | [الآية الثالثة والأربعون قوله تعالى ms0419 وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها] # الآية الثالثة والأربعون: # قوله تعالى: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان ~~على كل شيء حسيبا} [النساء: 86]. فيها سبع مسائل: المسألة الأولى: التحية ~~تفعلة من حي، وكان الأصل فيها ما روي في الصحيح: «أن الله تعالى خلق آدم ~~على صورته طوله ستون ذراعا، ثم قال له: اذهب فسلم على أولئك النفر من ~~الملائكة، فاستمع ما يحيونك به، فإنها تحيتك وتحية ذريتك؛ فقال: السلام ~~عليكم. فقالت له: وعليك السلام ورحمة الله» إلا أن الناس قالوا: إن كل من ~~كان # PageV01P588 # يلقى أحدا في الجاهلية يقول له: اسلم، عش ألف عام، أبيت اللعن. فهذا دعاء ~~في طول الحياة أو طيبها بالسلامة من الذام أو الذم، فجعلت هذه اللفظة ~~والعطية الشريفة بدلا من تلك، وأعلمنا أن أصلها آدم. # المسألة الثانية: قوله تعالى: {وإذا حييتم} [النساء: 86]: فيها ثلاثة ~~أقوال: # الأول: روى ابن وهب وابن القاسم عن مالك أن قوله تعالى: {وإذا حييتم} ~~[النساء: 86] أنه في العطاس والرد على المشمت. # الثاني: إذا دعي لأحدكم بطول البقاء فردوا عليه أو بأحسن منه. # الثالث: إذا قيل: سلام عليكم، وهو الأكثر. # وقد روى عبد الله بن عبد الحكم عن أبي بكر بن عبد العزيز، عن مالك بن أنس ~~أنه كتب إلى هارون الرشيد جواب كتاب، فقال فيه: بسم الله الرحمن الرحيم ~~والسلام لهذه الآية: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها} ~~[النساء: 86]. فاستشهد مالك في هذا بقول ابن عباس في رد الجواب إذا رجع ~~الجواب على حق. كما روي رجع المسلم. # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {فحيوا بأحسن منها أو ردوها} [النساء: 86]: ~~فيها قولان: # أحدهما: أحسن منها أي الصفة، إذا دعا لك بالبقاء فقل: سلام عليكم، فإنها ~~أحسن منها فإنها سنة الآدمية، وشريعة الحنيفية. # الثاني: إذا قال لك سلام عليك فقل: وعليك السلام ورحمة الله. ### | [مسألة معنى قوله تعالى أو ردوها] # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {أو ردوها} [النساء: 86]: اختلفوا فيها على ~~قولين: # PageV01P589 # أحدهما: حيوا بأحسن منها أو ردوها في ms0420 السلام. # الثاني: أن أحسن منها هو في المسلم، وأن ردها بعينها هو في الكافر؛ ~~واختاره الطبري. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن أهل ~~الكتاب إذا سلموا عليك قالوا: السام عليكم فقولوا عليكم». كذلك كان سفيان ~~يقولها. والمحدثون يقولون بالواو، والصواب سقوط الواو؛ لأن قولنا لهم: ~~عليكم رد، وقولنا وعليكم مشاركة، ونعوذ بالله من ذلك. «وكانت عائشة مع ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت اليهود للنبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~عليك السام. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: عليكم ففهمت عائشة قولهم؛ ~~فقالت عائشة: عليكم السام واللعنة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - مهلا ~~يا عائشة فقالت: أولم تسمع ما قالوا يا رسول الله؟ قال: أو لم تسمعي ما قلت ~~عليكم؟ إنه يستجاب لنا فيهم ولا يستجاب لهم في». # المسألة الخامسة: قال أصحاب أبي حنيفة: التحية هاهنا الهدية، أراد ~~الكرامة بالمال والهبة قال الشاعر: # إذ تحيي بضيمران وآس # وقال آخر: والمراد بهذا والله أعلم الكرامة بالمال؛ لأنه قال: أو ردوها ~~بأحسن منها، ولا يمكن رد السلام بعينه. # PageV01P590 # وظاهر الآية يقتضي رد التحية بعينها، وهي الهدية، فإما بالتعويض أو الرد ~~بعينه، وهذا لا يمكن في السلام، ولا يصح في العارية؟ لأن رد العين هاهنا ~~واجب من غير تخيير. قلنا: التحية تفعلة من الحياة، وهي تنطلق في لسان العرب ~~على وجوه؛ منها البقاء قال زهير بن جناب: # من كل ما نال الفتى ... قد نلته إلا التحية # ومنها الملك، وقيل: إنه المراد هاهنا في بيت زهير. # ومنها السلام، وهو أشهرها قال الله تعالى: {وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك ~~به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول} [المجادلة: 8]. وقد ~~أجمع العلماء والمفسرون أن المراد هاهنا بالتحية السلام حتى ادعى هذا ~~القائل تأويله هذا، ونزع بما لا دليل عليه. وإن العرب عبرت بالتحية عن ~~الهدية فإن ذلك لمجاز؛ لأنها تجلب التحية كما يجلبها السلام، والسلام أول ~~أسباب التحية، ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ألا أدلكم على شيء ms0421 إذا ~~فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» وقال: «أفشوا السلام، وأطعموا ~~الطعام». # PageV01P591 # فعلى هذا يصح أن تسمى الهدية بها مجازا كأنها حياة للمحبة، ولا يصح حمل ~~اللفظ على المجاز، وإسقاط الحقيقة بغير دليل. # فإن قيل: نحمله عليهما جميعا. قلنا لهم: أنتم لا ترون ذلك؛ فلا يصح لكم ~~بالقول به، وإذا ثبت هذا بقيت الآية على ظاهرها، وإن حملوه على الهدية على ~~مذهبنا في هبة الثواب فنستثني منها الولد مع والده بما قررناه من الأدلة في ~~مسائل الخلاف، فليطلب هنالك، فصحت لنا الآية على الوجهين جميعا، والحمد ~~لله. وبقية الكلام ينظر في مسائل الخلاف فليطلب هنا لك. وقد اختلف في معنى ~~السلام عليكم، فقيل: هو مصدر سلم يسلم سلامة وسلاما، كلذاذة ولذاذا، وقيل ~~للجنة دار السلام؛ لأنها دار السلامة من الفناء والتغير والآفات. # وقيل: السلام اسم من أسماء الله تعالى؛ لأنه لا يلحقه نقص، ولا يدركه ~~آفات الخلق. فإذا قلت: السلام عليكم فيحتمل الله رقيب عليكم. وإن أردت بيني ~~وبينكم عقد السلامة وذمام النجاة. حدثنا الحضرمي، أخبرنا ابن منير، أخبرنا ~~النيسابوري [أنبأنا قليله]، أنبأنا محمد بن علي، سمعت أبي يقول: قال ابن ~~عيينة: أتدري ما السلام؟ تقول: أنت مني آمن. ### | [مسألة السلام سنة ورده فرض] # المسألة السادسة: قال علماؤنا: أكثر المسلمين على أن السلام سنة ورده فرض ~~لهذه الآية. وقال عبد الوهاب منهم: السلام ورده فرض على الكفاية إن كانت ~~جماعة، وإن كان واحدا كفى واحد. فالسلام فرض مع المعرفة، سنة مع الجهالة؛ ~~لأن المعرفة إن لم تسلم عليه تغيرت # PageV01P592 # نفسه، ثم يترتب السلام على حسب ما بيناه في كتب الحديث: من قائم على ~~قاعد، ومار على جالس، وقليل على كثير، وصغير على كبير، إلى غير ذلك من ~~شروطه. # المسألة السابعة: إذا كان الرد فرضا بلا خلاف فقد استدل علماؤنا على أن ~~هذه الآية دليل على وجوب الثواب في الهبة للعين، وكما يلزمه أن يرد مثل ~~التحية يلزمه أن يرد مثل الهبة. وقال الشافعي في هبة الأجنبي ثواب، وهذا ~~فاسد؛ لأن المرء ms0422 ما أعطى إلا ليعطى؛ وهذا هو الأصل فيها، وإنا لا نعمل عملا ~~لمولانا إلا ليعطينا، فكيف بعضنا لبعض، وسيأتي بيان ذلك في موضعه في سورة ~~الروم إن شاء الله تعالى. ### | [الآية الرابعة والأربعون قوله تعالى فما لكم في المنافقين فئتين] # قوله تعالى: {فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون ~~أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا} [النساء: 88] {ودوا ~~لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في ~~سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ~~ولا نصيرا - إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاءوكم حصرت ~~صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم ~~فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم ~~سبيلا} [النساء: 89 - 90]. فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: وفيه خمسة أقوال: # الأول: روى عبد الله بن يزيد الأنصاري عن زيد بن ثابت صاحب عن صاحب «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لما خرج إلى أحد رجعت طائفة ممن كان معه، ~~فكان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهم فرقتين، فرقة تقول: نقتلهم، ~~وفرقة تقول: لا نقتلهم»، فنزلت، وهو اختيار البخاري والترمذي. # PageV01P593 # الثاني: قال مجاهد: نزلت في قوم خرجوا من [أهل] مكة حتى أتوا المدينة، ~~يزعمون أنهم مهاجرون فارتدوا واستأذنوا النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~الرجوع إلى مكة ليأتوا ببضائع، فاختلف فيهم المؤمنون، ففرقة تقول إنهم ~~منافقون، وفرقة تقول هم مؤمنون؛ فبين الله سبحانه وتعالى نفاقهم. # الثالث: قال ابن عباس: نزلت في قوم كانوا بمكة فتكلموا بالإسلام، وكانوا ~~يظاهرون المشركين، فخرجوا من مكة يطلبون حاجة، وإن المؤمنين لما أخبروا بهم ~~قالت فئة: اخرجوا إلى هؤلاء الجبناء فاقتلوهم. وقالت أخرى: قد تكلموا بمثل ~~ما تكلمتم به. # الرابع: قال السدي: كان ناس من المنافقين إذا أرادوا أن يخرجوا من ~~المدينة قالوا: أصابتنا أوجاع بالمدينة، فلعلنا نخرج إلى الطهر حتى نتماثل ~~ونرجع؛ ms0423 فانطلقوا فاختلف فيهم أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت ~~طائقة: أعداء الله منافقون. وقال آخرون: بل إخواننا غمتهم المدينة ~~فاجتووها، فإذا برئوا رجعوا؛ فنزلت فيهم الآية. # الخامس: قال ابن زيد: نزلت في ابن أبي حين تكلم في عائشة. واختار الطبري ~~من هذه الأقوال قول من قال: إنها نزلت في أهل مكة لقوله تعالى: {فلا تتخذوا ~~منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله} [النساء: 89]. والصحيح ما رواه زيد. ~~وقوله: {حتى يهاجروا في سبيل الله} [النساء: 89] يعني حتى يهجروا الأهل ~~والولد والمال، ويجاهدوا في سبيل الله. # المسألة الثانية: أخبر الله سبحانه وتعالى أن الله رد المنافقين إلى ~~الكفر، وهو الإركاس، وهو عبارة عن الرجوع إلى الحالة المكروهة، كما قال في ~~الروثة إنها رجس، أي رجعت إلى حالة مكروهة؛ فنهى الله سبحانه وتعالى أصحاب ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يتعلقوا فيهم بظاهر # PageV01P594 # الإيمان، إذا كان أمرهم في الباطن على الكفر، وأمرهم بقتلهم حيث وجدوهم، ~~وأينما ثقفوهم؛ وفي هذا دليل على أن الزنديق يقتل، ولا يستتاب لقوله تعالى: ~~{ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا} [النساء: 89]. فإن قيل: معناه ما داموا ~~على حالهم. قلنا: كذلك نقول وهذه حالة دائمة، لا تذهب عنهم أبدا؛ لأن من ~~أسر الكفر، وأظهر الإيمان، فعثر عليه، كيف تصح توبته؟ # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ~~ميثاق} [النساء: 90]: المعنى إلا من انضاف منهم إلى طائفة بينكم وبينهم ~~عهد، فلا تعرضوا لهم فإنهم على عهدهم، ثم نسخت العهود فانتسخ هذا، وقد ~~بيناه في القسم الثاني بإيضاحه وبسطه. # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو ~~يقاتلوا قومهم} [النساء: 90]: هؤلاء قوم جاءوا وقالوا: لا نريد أن نقاتل ~~معكم ولا نقاتل عليكم. ويحتمل أن يكونوا معاهدين على ذلك، وهو نوع من ~~العهد، وقالوا: لا نسلم ولا نقاتل، فيحتمل أن يقبل ذلك منهم في أول الإسلام ~~تألفا حتى يفتح الله قلوبهم للتقوى ويشرحها للإسلام. والأول أظهر. ومثله ~~الآية التي بعدها، وقد بسطناها بسطا عظيما في ms0424 " كتاب أنوار الفجر " ~~بأخبارها ومتعلقاتها في نحو من مائة ورقة. ### | [الآية الخامسة والأربعون قوله تعالى وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ] # الآية الخامسة والأربعون: # قوله تعالى: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ ~~فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو ~~لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية ~~مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من ~~الله وكان الله عليما حكيما} [النساء: 92] {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه ~~جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} [النساء: 93] ~~فيها تسع عشرة مسألة: # المسألة الأولى: قوله تعالى: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ} ~~[النساء: 92] # PageV01P595 # : معناه: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا قتلا جائزا. # أما أنه يوجد ذلك منه غير جائز فنفى الله سبحانه جوازه لا وجوده؛ لأن ~~الأنبياء - صلوات الله عليهم - لم يبعثوا لبيان الحسيات وجودا وعدما، إنما ~~بعثوا لبيان الأحكام الشرعية إثباتا ونفيا. فإن قيل: فهل هو جائز للكافر؟ ~~فإن قلتم: نعم، فقد أحللتم. وإن قلتم: لا، فقد أبطلتم فائدة التخصيص ~~بالمؤمن بذلك، والكافر فيه مثله. قلنا: معناه أن المؤمنين أبعد من ذلك ~~بحنانهم وأخوتهم وشفقتهم وعقيدتهم؛ فلذلك خص المؤمن بالتأكيد، ولما يترتب ~~عليه من الأحكام أيضا حسبما نبين ذلك بعد. ### | [مسألة معنى قوله تعالى إلا خطأ] # المسألة الثانية: قوله تعالى: {إلا خطأ} [النساء: 92]: قال علماؤنا: هذا ~~استثناء من غير الجنس، وله يقول النحاة الاستثناء المنقطع إذا لم يكن من ~~جنس الأول؛ وذلك كثير في لسان العرب؛ وقد بينا حقيقته في رسالة الملجئة. ~~ومعناه أن يأتي الاستثناء على معنى ما تقدم من اللفظ، لا على نفس اللفظ، ~~كما قال الشاعر: # وقفت بها أصيلانا أسائلها ... عيت جوابا وما بالربع من أحد # إلا الأواري لأيا ما أبينها ... والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد # فلم تدخل الأواري في لفظ أحد، ولكن دخلت في معناه. أراد: ms0425 وما بالربع أحد # PageV01P596 # أي [غير] ما كان فيه، أو أثر كله ذاهب، إلا الأواري، وكذلك قوله: {وما ~~كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا} [النساء: 92]؛ المعنى ما كان لمؤمن أن يفوت نفس ~~مؤمن بكسبه إلا أن يكون بغير قصده إلى وصفه؛ فافهمه وركبه تجده بديعا. # المسألة الثالثة: أراد بعض أصحاب الشافعي أن يخرج هذا من الاستثناء ~~المنقطع؛ ويجعله متصلا لجهله باللغة وكونه أعجميا في السلف؛ فقال: هو ~~استثناء صحيح. وفائدته أن له أن يقتله خطأ في بعض الأحوال، فيا لله، ويا ~~للعالمين من هذا الكلام، كيف يصح في عقل عاقل أن يقول: أبيح له أن يقتله ~~خطأ، ومن شرط الإذن والإباحة المكلف وقصده، وذلك ضد الخطأ، فالكلام لا ~~يتحصل معقولا. ثم قال: وهو أن يرى عليه لبسة المشركين والانحياز إليهم كقصة ~~حذيفة مع أبيه يوم أحد. قلنا له: هذا هو الاستثناء المنقطع؛ لأن القتل وقع ~~خلاف القصد، وهو قصد إلى مشرك، فتبين أنه مسلم؛ فهذا لا يدخل تحت التكليف ~~أمرا ولا نهيا. ثم قال: وقول الله سبحانه: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا ~~إلا خطأ} [النساء: 92] يقتضي أن يقال: إنما يباح له إذا وجد شرط الإباحة، ~~وشرط الإباحة أن يكون خطأ، وفي هذا القول من التهافت لمن تأمله ما يغني عن ~~رده. وكيف يتصور أن يقال: شرط إباحة القتل أن لا يقصد، لاهم إلا أن كون ~~المقلد ألم بقول المبتدعة: إن المأمور لا يعلم كونه مأمورا إلا بعد تقضي ~~الامتثال ومضائه؛ فالاختلال في المقال واحد والرد واحد، فلتلحظه في أصوله ~~التي صنف؛ فإنه من جنسه؛ ثم أبطل هو هذا وكان في غنى عن ذكره وإبطاله. ثم ~~قال: إن أقرب قول فيه أن يقال: إن قوله سبحانه: {إلا خطأ} [النساء: 92] ~~اقتضى تأثيم قاتله لاقتضاء النهي ذلك، فقوله تعالى: {إلا خطأ} [النساء: 92] ~~رفع للتأثيم عن قاتله؛ وإنما # PageV01P597 # دخل الاستثناء على ما تضمنه اللفظ من استحقاق المآثم، فأخرج منه قاتل ~~الخطأ، وجاء الاستثناء على حقيقته؛ وهذا كلام من لا يعلم اللغة ولا يفهم ~~مقاطع الشريعة، ms0426 بل قوله: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا} [النساء: 92] معناه ~~كما قلنا جائز ضرورة لا وجودا؛ فنفى الله سبحانه جواز ذلك لا وجوده، فقول ~~هذا الرجل: إن ذلك يقتضي تأثيم قاتله لا يصح؛ لأنه ليس ضد الجواز التحريم ~~وحده؛ بل ضد الندب والكراهية على قول، والوجوب والتحريم على آخر، فلم عين ~~هذا الرجل من نفي الجواز التحريم المؤثم. # أما إن ذلك علم من دليل آخر لا من نفس هذا اللفظ. ثم نقول: هبك أنا ~~أوجبنا عليه بهذا اللفظ، وقلنا له: إن معناه الصريح أنت آثم إن قتلته، إلا ~~أن تقتله خطأ، فإنه يكون استثناء من غير الجنس؛ لأن الإثم أيضا إنما يرتبط ~~بالعمد، فإذا قال بعده: إلا خطأ، فهو ضده، فصار منقطعا عنه حقيقة وصفة ~~ورفعا للمأثم. # وقوله: فإنما دخل الاستثناء على ما يتضمنه اللفظ من استحقاق المأثم فقد ~~بينا أن اللفظ ليس فيه لذلك ذكر حقيقة ولا مجازا؛ وإنما يؤخذ الإثم من دليل ~~آخر، وقد أشرنا نحن إلى حقيقته في أول الأمر. وقد قال بعض النحارير: إن ~~الآية نزلت في سبب؛ «وذلك أن أسامة لقي رجلا من المشركين في غزاة فعلاه ~~بالسيف، فقال: لا إله إلا الله؛ فقتله؛ فلما بلغ ذلك النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟ فقال: يا رسول الله، إنما ~~قالها متعوذا. فجعل يكرر عليه: بعد أن قال: لا إله إلا الله؟». قال: فلقد ~~تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم. # فهذا قتل متعمدا مخطئا في اجتهاده. وهذا نفيس. ومثله قتل أبي حذيفة يوم ~~أحد، فمتعلق الخطأ غير متعلق العمد، ومحله غير محله # PageV01P598 # وهو استثناء منقطع أيضا منه؛ ولذلك قالت جماعة: إن الآيتين نزلت في شأن ~~مقيس بن صبابة، فإنه أسلم هو وأخوه هشام فأصاب هشاما رجل من الأنصار من رهط ~~عبادة بن الصامت، وهو يرى أنه من العدو، فقتله خطأ في هزيمة بني المصطلق من ~~خزاعة، وكان أخوه مقيس بمكة، فقدم مسلما فيما يظهر. # وقيل: لم يبرح ms0427 من المدينة فطلب دية أخيه، فبعث معه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - رجلا من فهر إلى بني النجار في ديته، فدفعوا إليه الدية مائة من ~~الإبل، فلما انصرف مقيس والفهري راجعين إلى المدينة قتل مقيس الفهري، وارتد ~~عن الإسلام، وركب جملا منها، وساق معه البقية، ولحق كافرا بمكة، وقال: # شفى النفس أن قد مات بالقاع مسندا ... يضرج في ثوبيه دماء الأخادع # وكانت هموم النفس من قبل قتله ... تلم فتحميني وطاء المضاجع # ثأرت به فهرا وحملت عقله ... سراة بني النجار أرباب فارع # حللت به وتري وأدركت ثؤرتي ... وكنت إلى الأوثان أول راجع # فدخل قتل الأنصاري في قوله تعالى: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ} ~~[النساء: 92] ودخل قتل مقيس في قوله تعالى: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه ~~جهنم} [النساء: 93]، وكل واحد بصفته في الآيتين بصفتهما، والله أعلم. ### | [مسألة كفارة القتل الخطأ] # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة} ~~[النساء: 92]: أوجب الله سبحانه في قتل الخطأ تحرير الرقبة، وسكت في قتل ~~العمد عنها. # واختلف العلماء في ذلك اختلافا كثيرا قديما وحديثا، مآله أن أبا حنيفة ~~ومالكا قالا: لا كفارة في قتل العمد. وقال الشافعي: فيه الكفارة؛ لأنها إذا ~~وجبت في قتل الخطأ ولا إثم فيه ففي العمد أولى. قلنا: هذا يبعدها عن العمد؛ ~~لأن الله سبحانه لم يوجبها في مقابلة الإثم، وإنما أوجبها عبادة، أو في ~~مقابلة التقصير، وترك الحذر والتوقي، والعمد ليس من ذلك. # المسألة الخامسة: قوله: (مؤمنة) وهذا يقتضي كما لها في صفات الدين، فتكمل ~~في صفات المالية حتى لا تكون معيبة، لا سيما وقد أتلف شخصا في عبادة الله ~~سبحانه، فعليه أن يخلص آخر لعبادة ربه # PageV01P599 # عن شغل غيره، وأيضا فإنما يعتق بكل عضو منه عضو منها من النار حتى الفرج ~~بالفرج، فمتى نقص عضو منها لم تكمل شروطها. وهذا بديع. # المسألة السادسة: سواء كانت الرقبة صغيرة أو كبيرة إذا كانت بين المسلمين ~~أو لمسلم فإنه يجوز خلافا لابن عباس وجماعة من التابعين؛ إذ ms0428 قالوا: لا يجزئ ~~إلا من صام وصلى وعقل الإسلام. قال الطبري: من ولد بين المسلمين فحكمه حكم ~~المسلمين في العتق، كما أن حكمه حكم المسلمين في الجناية والإرث والصلاة ~~عليه وجميع أحكامه. ### | [مسألة الدية في القتل الخطأ] # المسألة السابعة: قوله تعالى: {ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا} ~~[النساء: 92]: أوجب الله تعالى الدية في قتل الخطأ جبرا. كما أوجب القصاص ~~في قتل العمد زجرا، وجعل الدية على العاقلة رفقا؛ وهذا يدل على أن قاتل ~~الخطأ لم يكتسب إثما ولا محرما، والكفارة وجبت زجرا عن التقصير والحذر في ~~جميع الأمور. # المسألة الثامنة: الدية مائة من الإبل في تقدير الشريعة، وبإجماع الأمة؛ ~~فإن عدمت الإبل فاختلف العلماء: # فقال مالك: من الدراهم على أهل الورق اثنا عشر ألف درهم، ومن الذهب ألف ~~دينار، وليست في غيرهما. # وقال أبو حنيفة: عشرة آلاف درهم. # وقال الشافعي: الواجب منه الإبل كيف تصرفت، فإنما الأصل؛ فإذا عدمت وقت ~~الوجوب فحينئذ ينظر في بدلها وهو القيمة بحساب الوقت، كما في كل واجب في ~~الذمة يتعذر أداؤه. # ودليلنا أن عمر بن الخطاب قومها بمحضر من الصحابة ذهبا وورقا، وكتب به ~~إلى الآفاق؛ ولا مخالف؛ ولا ينبغي أن يكون؛ فإن بلدا لم يكن قط به إبل لا ~~سبيل إلى تقويمها فيه، فعلمت الصحابة ذلك فقدرت نصيبها، واعتبرتها في كل ~~بلد بالذهب والفضة؛ إذ لا يخلو بلد منهما. # PageV01P600 # وقال أبو حنيفة، في تقديرها: عشرة آلاف درهم، فبناها على نصاب الزكاة، ~~وعمر مع الصحابة قد علموا نصاب الزكاة حين قدروها باثني عشرة ألف درهم، وقد ~~بينا المعنى في نصاب الزكاة في مسائل الخلاف، وهو بديع، فلينظر فيه من أراد ~~تمام العلم به. ### | [مسألة الدية في القتل الخطأ أخماسا] # المسألة التاسعة: هي في الإبل أخماس: بنات مخاض، وبنات لبون، وبنو لبون، ~~وحقاق، وجذاع. وقال أبو حنيفة: هي أخماس، إلا أن منها بني مخاض دون بني ~~لبون. ودليلنا «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر دية الخطأ أخماسا، ~~فقال: عشرون بني لبون»، ولم يذكر ms0429 بني مخاض، أخرجه أبو داود كوفيا من طريق ~~ابن مسعود؛ فلا كلام لهم عليه، ولا معنى معهم؛ لأن ما ذكروه شيء لا يجب في ~~الزكاة فلم يجب في الدية كالثنايا. # المسألة العاشرة: وهي مؤجلة في ثلاثة أعوام، كذلك قضى عمر وعلي، وهي ~~ضرورة؛ لأن الإبل قد تكون في وقت الوجوب حوامل فيضر به، ولا يجوز العدول ~~إلى غير ما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -. وفيه تكون في السنة الثانية ~~لوابن، ووجبت مواساة ورفقا، فتؤخذ منها بذلك،. «وكان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يعطيها دفعة واحدة لأغراض»: منها أنه كان يعطيها صلحا وتسديدا. ~~ومنها أنه كان يعجلها تأليفا، فلما وجد الإسلام قررتها الصحابة على هذا ~~النظام. # المسألة الحادية عشرة: ولا مدخل فيها لغير الذهب والفضة من ثياب أو طعام ~~أو بقر خلافا لأبي يوسف ومحمد وغيرهما؛ لأنها قد تمهدت في عصر الصحابة على ~~هذا، وما كان من غيره فقد # PageV01P601 # سقط بالإجماع على هذا؛ فأما بقية أحكام الدية فهي كثيرة لا يفي بها إلا ~~كتب المسائل، فلا نطول بذكرها، فنخرج عن المقصود بها. ### | [مسألة الدية لأولياء القتيل] # المسألة الثانية عشرة: قوله: {إلا أن يصدقوا} [النساء: 92]: أوجب الله ~~تعالى الدية لأولياء القتيل إلا أن يصدقوا بها على القاتل؛ والاستثناء إذا ~~تعقب جملا عاد إلى جميعها إذا صلح ذلك فيها، وإلا عاد إلى ما يصلح له ذلك ~~منها. والذي تقدم الكفارة والدية، والكفارة حق الله سبحانه، ولا تقبل ~~الصدقة من الأولياء؛ لأن الصدقة من المتصدق عليه لا تنفذ إلا فيما يملكه. # المسألة الثالثة عشرة: قوله تعالى: {فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن ~~فتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92]: أوجب الله سبحانه الكفارة في قتل المؤمن ~~بين أهل الحرب إذا كان خطأ، ولم يذكر الدية. وقد اختلف العلماء في ذلك؛ ~~فقال أبو حنيفة: لا دية في ذلك، وهو مذهب ابن عباس وعكرمة وقتادة وجماعة من ~~التابعين، وفيه الكفارة: أما وجوب الكفارة فلأنه أتلف نفسا مؤمنة. وأما ~~امتناع الدية عندهم فاختلفوا في ذلك؛ فقال بعضهم: ms0430 إنما لم تجب الدية لهم ~~لئلا يستعينوا بها على حرب المسلمين. وقال آخرون: إنما لم تجب لهم دية؛ ~~لأنه ليس بينهم وبين الله عز وجل عهد ولا ميثاق. # وأما أبو حنيفة فعول على أن العاصم للعبد في ذمته " لا إله إلا الله "، ~~وأن العاصم له في ماله الدار؛ فإذا أسلم وبقي في دار الحرب فقد اعتصم عصمة ~~قويمة يجب بها على قاتله الكفارة، وليس له عصمة مقومة؛ فدمه وماله هدر، ولو ~~أنه هاجر إلى أرض الإسلام وترك أهله في دار الحرب فلا حرمة لهم. وهذا هو ~~قطعة من مذهب مالك؛ فإن الدار عند مالك العاصمة للأهل والمال. وقد مهدنا ~~ذلك في مسائل الخلاف. # PageV01P602 # وقال الشافعي: الإسلام يعصم مال المسلم وأهله ودمه حيث كانوا. والمسألة ~~في نهاية الإشكال، ومذهب الشافعي فيها أسلم، وعلى هذا عند هؤلاء لم يذكر ~~أنه الدية؛ لأنها لم تجب، وعلى المذهب المالكي لم يذكرها الله سبحانه؛ ~~لأنها لم يكن لها مستحق؛ فلو كان لها مستحق لوجبت؛ لأن سبب الوجوب موجود ~~وهو الإسلام، وجل أن يكون الله لم يذكر الدية؛ لأن الهجرة كانت على من آمن ~~فرضا، ومن أسلم ولم يهاجر فلا إسلام له ولا ولاية، فأما مذ سقط فرض الهجرة ~~بعصمة الإسلام فوجب له الدية والكفارة أينما كان. ### | [مسألة المقتول الكافر من أهل العهد] # المسألة الرابعة عشرة: قوله تعالى: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ~~فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة} [النساء: 92]: والميثاق هو العهد ~~المؤكد الذي قد ارتبط وانتظم، ومنه الوثيقة ففيه الدية. قال ابن عباس: هذا ~~هو الكافر الذي له ولقومه العهد، فعلى قاتله الدية لأهله والكفارة لله ~~سبحانه، وبه قال جماعة من التابعين والشافعي. وقال مالك وابن زيد والحسن: ~~المراد به، وهو مؤمن. # واختار الطبري أن يكون المراد به المقتول الكافر من أهل العهد لأن الله ~~سبحانه أهمله ولم يقل وهو مؤمن، كما قال في القتيل من المؤمنين ومن أهل ~~الحرب، وإطلاقه ما قيد قبل ذلك دليل أنه خلافه. # وهذا عند علمائنا ms0431 محمول على ما قبله من وجهين: أحدهما: أن هذه الجملة ~~نسقت على ما قبلها وربطت بها؛ فوجب أن يكون حكمها حكمه. # الثاني: أن الله سبحانه قال: {فدية مسلمة} [النساء: 92] وقد اختلف الناس ~~في دية الكافر، فمنهم من جعلها كدية المسلم، وهو أبو حنيفة وجماعة؛ ومنهم ~~من جعلها على النصف، وهو مالك وجماعة، ومنهم من جعلها ثلث دية المسلم، وهو ~~الشافعي وجماعة. والدية المسلمة هي الموفرة. # PageV01P603 # قال القاضي: والذي عندي أن هذه الجملة محمولة على ما قبلها حمل المطلق ~~على المقيد، وهو أصل من أصول الفقه اختلف الناس فيه، وقد أتينا فيه بالعجب ~~في المحصول، وهو عندي لا يلحق إلا بالقياس عليه. # والدليل على حمل هذه الجملة على التي قبلها أمران: # أحدهما: أن الكفارة إنما هي لأنه أتلف شخصا عن عبادة الله؛ فيلزمه أن ~~يخلص آخر لها. # والثاني: أن الكفارة إنما هي زجر عن الاسترسال وتقاة للحذر، وحمل على ~~التثبت عند الرمي؛ وهذا إنما هو في حق المسلم. وأما في حق الكافر فلا يلزم ~~فيه مثل هذا. # ونحرر هذا قياسا فنقول: كل كافر لا كفارة في قتله [كالمستأمن وقد اتفقنا ~~على أنه لا كفارة في قتله]، ولا عذر لهم عنه به احتفال. # المسألة الخامسة عشرة: إذا ثبت أن المذكور في هذه الجملة هو المؤمن، فمن ~~قتل كافرا خطأ، وله عهد ففيه الدية إجماعا. وقد اختلفوا فيه كما تقدم، وهو ~~أصل بديع في رفع الدماء. ونحن نمهد فيه قاعدة قوية فنقول: مبنى الديات في ~~الشريعة على التفاضل في الحرمة والتفاوت في المرتبة؛ لأنه حق مالي يتفاوت ~~بالصفات، بخلاف القتل، لأنه لما شرع زجرا لم يعتبر فيه ذلك التفاوت، فإذا ~~ثبت هذا نظرنا إلى الدية فوجدنا الأنثى تنقص فيه عن الذكر؛ ولا بد أن يكون ~~للمسلم مزية على الكافر؛ فوجب ألا يساويه في ديته. وزاد الشافعي نظرا، ~~فقال: إن الأنثى المسلمة فوق الكافر الذكر، فوجب أن تنقص ديته عن ديتها، ~~فتكون ديته ثلث دية المسلم. # PageV01P604 # وقال مالك بقضاء عمر وهو النصف؛ إذ لم ms0432 يراع الصحابة التفاوت بينهما إلا ~~في درجة واحدة، ولم يتبع ذلك إلى أقصاه، وليس بعد قضاء عمر بمحضر من ~~الصحابة نظر. # وما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه أعطى في ذي العهد مثل دية ~~المسلم» فإنما كان على معنى الاستئلاف لقومهم؛ إذ كان يؤديه من قبل نفسه ~~ولا يرتبها على العاقلة، وإلا فقد استقر ما استقر على يد عمر، حتى جعل في ~~المجوسي ثمانمائة درهم لنقصه عن أهل الكتاب، وهذا يدل على مراعاة التفاوت ~~واعتبار نقص المرتبة. ### | [مسألة معنى قوله تعالى فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين] # المسألة السادسة عشرة: قوله تعالى: {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين} ~~[النساء: 92]: ظن قوم أولهم مسروق أن الصيام بدل عن الدية والرقبة، وساعده ~~عليه جماعة. وهو وهم؛ لأن الصيام يلزم القاتل فهو بدل عما كان يلزمه من ~~الرقبة، والدية لم تكن تلزمه، فليس عليه بدل عنها. وهذا أظهر من إطناب فيه. # المسألة السابعة عشرة: لما قال الله سبحانه: {ومن قتل مؤمنا خطأ} ~~[النساء: 92] {ومن يقتل مؤمنا متعمدا} [النساء: 93] انحصر القتل في خطأ ~~وعمد عند أكثر العلماء، ومنهم من زاد ثالثا؛ وهو شبه العمد، وجعلوه عمدا ~~خطأ، كأنهم يريدون به أنه عمد من وجه خطأ من وجه. # والذي أشاروا به من ذلك قد جاء في الحديث؛ فروى عبد الله بن عمر «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في خطبته: ألا إن في قتيل عمد الخطأ قتيل ~~السوط والعصا مائة من الإبل منها أربعون خلفة في بطونها أولادها» رواه أبو ~~داود والترمذي. قال ابن العربي: هذا حديث لم يصح # ، وقد [روي] شبه العمد عن الصحابة # PageV01P605 # والفقهاء كأبي حنيفة والشافعي، وحكى العلماء عن مالك القول بشبه العمد، ~~وأن القتل ثلاثة أقسام، ولكن جعل شبه العمد في مثل قصة المدلجي في نظر من ~~أثبته أن الضرب مقصود والقتل غير مقصود؛ وإنما وقع بغير القصد فيسقط القود، ~~وتغلظ الدية. وبالغ أبو حنيفة مبالغة أفسدت القاعدة، فقال: إن القاتل ~~بالعصا والحجر شبه العمد فيه دية مغلظة ms0433 ولا قود فيه، وهذا باطل قطعا، وقد ~~مهدناه في مسائل الخلاف. ### | [الآية السادسة والأربعون قوله تعالى يأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا] # الآية السادسة والأربعون: # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا ~~تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند ~~الله مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما ~~تعملون خبيرا} [النساء: 94]. فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى: في سبب ~~نزولها: وفيه خمسة أقوال: # الأول: قال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول: «إن رجلا من المسلمين في مغازي ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - حمل على رجل من المشركين؛ فلما علاه بالسيف ~~قال المشرك: لا إله إلا الله. فقال الرجل: إنما يتعوذ بها من القتل؛ فأتى ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبره. فقال له النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: كيف لك بلا إله إلا الله؟ قال: يا رسول الله، إنما يتعوذ. فما ~~زال يعيدها عليه: كيف لك بلا إله إلا الله؟» فقال الرجل: وددت أني أسلمت ~~ذلك اليوم، وأنه يبطل ما كان لي من عمل قبل ذلك، وأني استأنفت العمل من ذلك ~~اليوم. قال القاضي: هذا الذي ذكره مالك مطلقا هو أسامة بن زيد، والحديث ~~صحيح، رواه الأئمة من كل طريق، أصله أبو ظبيان عن أسامة، رواه عنه الأعمش، ~~وحصين بن عبد الرحمن # PageV01P606 # والحديث مشهور وذكر الطبري أن اسم الذي قتله أسامة مرداس بن نهيك. # الثاني: قال عبد الله بن عمر: «بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - محلم بن ~~جثامة، فلقيهم عامر بن الأضبط، فحياهم بتحية الإسلام، وكان بينهما إحنة في ~~الجاهلية، فرماه محلم بن جثامة بسهم فقتله، وجاء محلم بن جثامة فجلس بين ~~يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليستغفر الله، فقال: لا غفر الله لك، ~~فقام وهو يتلقى دموعه ببردته، فما مضت سابعة حتى دفنوه ولفظته الأرض، فذكر ~~ذلك له فقال: إن الأرض لتقبل من هو شر منه، ولكن ms0434 الله أراد أن يعظم من ~~حرمتكم فرموه بين جبلين وألقوا عليه من الحجارة، وأنزل الله سبحانه الآية». # الثالث: قال ابن عباس: لقي ناس رجلا في غنيمة له فقال: السلام عليكم، ~~فقتلوه، وأخذوا تلك الغنيمة، فنزلت الآية. # الرابع: قال قتادة: أغار رجل من المسلمين على رجل من المشركين، فقال ~~المشرك: إني مسلم، لا إله إلا الله، فقتله بعد أن قالها. وعن سعيد بن جبير ~~أن الذي قتله هو المقداد، وذكر نحو ما تقدم وهو الخامس. # قال القاضي: قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنه حمل ديته، ورد ~~على أهله غنيمته»، ويشبه أن يكون هذا صحيحا على طريق الائتلاف وهي المسألة ~~الثانية؛ فإن هذا المقتول الذي نزلت فيه الآية لا يخلو أن يكون الذي قال: ~~سلام عليكم، أو يكون الذي قال: لا إله إلا الله، أو يكون عامر بن الأضبط ~~الذي قال علم إسلامه: فأما كونه عامر بن الأضبط فبعيد؛ لأن قصة عامر قد ~~اختلفت اختلافا كثيرا لا نطول بذكره، تبين أن قتل محلم إنما كان لإحنة وحقد ~~بعد العلم بحال، وكيفما تصور الأمر ففي واحدة من هذه نزلت، وغيرها يدخل ~~فيها بمعناها. # PageV01P607 # وجملة الأمر أن المسلم إذا لقي الكافر لا عهد له جاز له قتله؛ فإن قال له ~~الكافر: " لا إله إلا الله " لم يجز قتله؛ فقد اعتصم بعصام الإسلام المانع ~~من دمه وماله وأهله. فإن قتله بعد ذلك قتل به. وإنما سقط القتل عن هؤلاء ~~لأجل أنهم كانوا في صدر الإسلام، وتأولوا أنه قالها متعوذا، وأن العاصم ~~قولها مطمئنا، فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح أنه ~~عاصم كيفما قالها. # وأما إن قال له: سلام عليكم فلا ينبغي أن يقتل حتى يعلم ما وراء هذا؛ ~~لأنه موضع إشكال. وقد قال مالك في الكافر يوجد عند الدرب فيقول: جئت ~~مستأمنا أطلب الأمان: هذه أمور مشكلة، وأرى أن يرد إلى مأمنه، ولا يحكم له ~~بحكم الإسلام؛ لأن الكفر قد ثبت له، فلا بد أن يظهر منه ما يدل ms0435 على أن ~~الاعتقاد الفاسد الذي كان يدل عليه قوله الفاسد قد تبدل باعتقاد صحيح يدل ~~عليه قوله الصحيح، ولا يكفي فيه أن يقول: أنا مسلم، ولا أنا مؤمن، ولا أن ~~يصلي حتى يتكلم بالكلمة العاصمة التي علق النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~الحكم بها عليه في قوله: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ~~فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله». فإن ~~صلى أو فعل فعلا من خصائص الإسلام وهي: # المسألة الثالثة: فقد اختلف فيه علماؤنا، وتباينت الفرق في إسلامه، وقد ~~حررناها في مسائل الخلاف. ونرى أنه لا يكون مسلما بذلك، أما أنه يقال له: ~~ما وراء هذه الصلاة؟ فإن قال: صلاة مسلم قيل له قل: لا إله إلا الله محمد ~~رسول الله. فإن قالها تبين صدقه، وإن أبى # PageV01P608 # علمنا أن ذلك تلاعب، وكانت عند من يرى إسلامه ردة ويقتل على كفره الأصلي، ~~وذلك محرر في مسائل الخلاف، مقرر أنه كفر أصلي ليس بردة. # وكذلك هذا الذي قال: سلام عليكم يكلف الكلمة، فإن قالها تحقق رشاده، وإن ~~أبي تبين عناده وقتل. وهذا معنى قوله: {فتبينوا} [النساء: 94] أي الأمر ~~المشكل، أو تثبتوا ولا تعجلوا، المعنيان سواء؟ فإن قتله أحد فقد أتى منهيا ~~عنه، لا يبلغ فدية ولا كفارة ولا قصاصا. وقال الشافعي: له أحكام الإسلام، ~~وهذا فاسد؛ لأن أصل كفره قد تيقناه، فلا يزال اليقين بالشك. فإن قيل: ~~فتغليظ النبي - صلى الله عليه وسلم - على محلم كيف مخرجه؟ قلنا: لأنه علم ~~من نيته أنه لم يبال بإسلامه، ولم يحققه؛ فغضب على هذه النية، والله أعلم. ### | [الآية السابعة والأربعون قوله تعالى وإذا ضربتم في الأرض] # الآية السابعة والأربعون: # قوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ~~إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا} [النساء: ~~101]. فيها ثماني مسائل: # المسألة الأولى: قوله تعالى: {وإذا ضربتم} [النساء: 101]: اعلموا وفقكم ~~الله أن بناء " ضرب " يتصرف في اللغة على معان ms0436 كثيرة؛ منها السفر، وما أظنه ~~سمي به إلا لأن الرجل إذا سافر ضرب بعصاه دابته، ليصرفها في السير على ~~حكمه، ثم سمي به كل مسافر، ولم يجتمع لي في هذا الباب، ولا أمكنني في هذا ~~الوقت ضبط فرأيته تكلفا، فتركته إلى أوبة تأتيه إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة معنى قوله تعالى مراغما كثيرا] # المسألة الثانية: قوله: (مراغما كثيرا) هذه لفظة وردت في الآية التي ~~قبلها، وهي مرتبطة بها سنذكرها معها، فأردنا أن # PageV01P609 # نقدم شرح اللفظة، لتكون إلى جانب أختها. وفيه اختلاف وإشكال، وللعلماء ~~فيه ثلاثة أقوال: # الأول: المراغم: المذهب قال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول: المراغم الذهاب ~~في الأرض. # الثاني: المراغم: المتحول، يعزى إلى ابن عباس. # الثالث: المراغم: المندوحة. قال مجاهد: وهذه الأقوال تتقارب. # واختلف في اشتقاقها، فقالت طائفة: هو مأخوذ من الرغام بفتح الراء والغين ~~المعجمة، وهو التراب. # وقالت أخرى: هو مأخوذ منه بضم الراء، وهو ما يسيل من أنف الشاة. والرغام ~~بضم الراء يرجع إلى الرغام بفتحها؛ لأن من كره رجلا قصد ذله، وأن يكبه الله ~~على وجهه، حتى يقع أنفه على الرغام، وهو التراب، فضرب المثل به، حتى يقال: ~~أرغم الله أنفه، وأفعل كذا وإن رغم أنفه، ثم سمي بعد ذلك الأنف وما يسيل ~~منه به. وتحقيقه أن اللفظة ترجع إلى الرغام بفتح الراء. المعنى: ومن يهاجر ~~في سبيل الله يجد في الأرض مكانا للذهاب، وضرب التراب له مثلا؛ لأنه أسهل ~~أنواع الأرض. ### | [مسألة السفر في الأرض] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} ~~[النساء: 101]: وقد تقدم بيانه في سورة البقرة. # المسألة الرابعة: في السفر في الأرض: تتعدد أقسامه من جهات مختلفات، ~~فتنقسم من جهة المقصود به إلى هرب أو طلب. وتنقسم من جهة الأحكام إلى خمسة ~~أقسام، وهي من أحكام أفعال المكلفين الشرعية: واجب، ومندوب، ومباح، ومكروه، ~~وحرام. وينقسم من جهة التنويع في المقاصد إلى أقسام: # PageV01P610 # الأول: الهجرة، وهي تنقسم إلى ستة أقسام: الأول: الخروج من دار الحرب إلى ~~دار الإسلام؛ وكانت ms0437 فرضا في أيام النبي - صلى الله عليه وسلم - مع غيرها من ~~أنواعها بيناها في شرح الحديث، وهذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم القيامة، ~~والتي انقطعت بالفتح هي القصد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث كان، ~~فمن أسلم في دار الحرب وجب عليه الخروج إلى دار الإسلام، فإن بقي فقد عصى، ~~ويختلف في حاله كما تقدم بيانه. # الثاني: الخروج من أرض البدعة. قال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول: لا يحل ~~لأحد أن يقيم ببلد سب فيها السلف. وهذا صحيح؛ فإن المنكر إذا لم يقدر على ~~تغييره نزل عنه قال الله تعالى: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض ~~عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع ~~القوم الظالمين} [الأنعام: 68]. وقد كنت قلت لشيخنا الإمام الزاهد أبي بكر ~~الفهري: ارحل عن أرض مصر إلى بلادك. فيقول: لا أحب أن أدخل بلادا غلب عليها ~~كثرة الجهل، وقلة العقل، فأقول له: فارتحل إلى مكة أقم في جوار الله وجوار ~~رسوله؛ فقد علمت أن الخروج عن هذه الأرض فرض لما فيها من البدعة والحرام، ~~فيقول: وعلى يدي فيها هدى كثير، وإرشاد للخلق، وتوحيد، وصد عن العقائد ~~السيئة، ودعاء إلى الله عز وجل وتعالى الكلام بيني وبينه فيها إلى حد ~~شرحناه في ترتيب [لباب] الرحلة واستوفيناه. # الثالث: الخروج عن أرض غلب عليها الحرام؛ فإن طلب الحلال فرض على كل ~~مسلم. # PageV01P611 # الرابع: الفرار من الإذاية في البدن؛ وذلك فضل من الله عز وجل أرخص فيه، ~~فإذا خشي المرء على نفسه في موضع فقد أذن الله سبحانه له في الخروج عنه، ~~والفرار بنفسه؛ ليخلصها من ذلك المحذور. وأول من حفظناه فيه الخليل إبراهيم ~~- عليه السلام - لما خاف من قومه قال: {إني مهاجر إلى ربي} [العنكبوت: 26]. # وقال: {إني ذاهب إلى ربي سيهدين} [الصافات: 99] وموسى قال الله سبحانه ~~فيه: {فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين} [القصص: 21]. ~~وذلك يكثر تعداده. ويلحق به، وهو: # الخامس: خوف المرض في البلاد الوخمة، والخروج ms0438 منها إلى الأرض النزهة. وقد ~~أذن النبي - صلى الله عليه وسلم - للرعاء حين استوخموا المدينة أن يتنزهوا ~~إلى المسرح، فيكونوا فيه حتى يصحوا، وقد استثنى من ذلك الخروج من الطاعون؛ ~~فمنع الله سبحانه منه بالحديث الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بيد ~~أني رأيت علماءنا قالوا هو مكروه. وقد استوفيناه في شرح الصحيح عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -. # السادس: الفرار خوف الإذاية في المال؛ فإن حرمة مال المسلم كحرمة دمه، ~~والأهل مثله أو آكد، فهذه أمهات قسم الهرب. وأما قسم الطلب فينقسم إلى ~~قسمين: طلب دين وطلب دنيا؛ فأما طلب الدين فيتعدد بتعدد أنواعه، ولكن ~~أمهاته الحاضرة عندي الآن تسعة: # الأول: سفر العبرة قال الله تعالى: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف ~~كان عاقبة الذين من قبلهم} [يوسف: 109]. وهذا كثير في كتاب الله عز وجل. ~~ويقال: إن ذا القرنين إنما طاف الأرض ليرى عجائبها. وقيل: لينفذ الحق فيها. # PageV01P612 # الثاني: سفر الحج. والأول وإن كان ندبا فهذا فرض، وقد بيناه في موضعه. # الثالث: سفر الجهاد، وله أحكامه. # الرابع: سفر المعاش؛ فقد يتعذر على الرجل معاشه مع الإقامة، فيخرج في ~~طلبه لا يزيد عليه ولا ينقص من صيد أو احتطاب أو احتشاش أو استئجار، وهو ~~فرض عليه. # الخامس: سفر التجارة والكسب الكثير الزائد على القوت؛ وذلك جائز بفضل ~~الله سبحانه. قال الله سبحانه: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} ~~[البقرة: 198] يعني: التجارة. وهذه نعمة من بها في سفر الحج، فكيف إذا ~~انفردت. # السادس: في طلب العلم، وهو مشهور. # السابع: قصد البقاع الكريمة، وذلك لا يكون إلا في نوعين: أحدهما المساجد ~~الإلهية قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تشد الرحال إلا إلى ~~ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى». # الثاني: الثغور للرباط بها، وتكثير سوادها للذب عنها؛ ففي ذلك فضل كثير. # الثامن: زيارة الإخوان في الله، وقد استوفينا ذلك في شرح الحديث. # التاسع: السفر إلى دار الحرب،. # وسيأتي بعد إن شاء الله تعالى؛ وبعد هذا فالنية ms0439 تقلب الواجب من هذا حراما ~~والحرام حلالا بحسب حسن القصد وإخلاص السر عن الشوائب. # PageV01P613 # وقد تتنوع هذه الأنواع إلى تفصيل؛ هذا أصلها التي تتركب عليه. فإذا ثبت ~~هذا فقد اختلف الناس في السفر الذي تقصر فيه الصلاة المذكورة هاهنا على ستة ~~أقوال: # الأول: أنها لا تقصر إلا في سفر واجب؛ لأن الصلاة فرض، ولا يسقط الفرض ~~إلا فرض. # الثاني: أنها لا تقصر إلا في سفر قربة، وبه قال جماعة، منهم ابن حنبل. ~~وتعلقوا بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وبحديث عمران بن حصين قال: «إن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يقصر إلا في حج أو عمرة أو جهاد». # الثالث: أنه يجوز القصر في كل سفر مباح، كما قد بينا أنواعه، لعموم قوله ~~سبحانه: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} ~~[النساء: 101] ولم يفرق بين سفر وسفر. # الخامس: أنه يقصر في كل سفر، حتى في سفر المعصية، وهو قول أبي حنيفة ~~وجماعة، بنوه على أن القصر فرض الصلاة في السفر بعينه. وتعلقوا بحديث ~~عائشة: «فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فزيدت في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر ~~على أصلها». # السادس: أن القصر لا يجوز إلا مع الخوف قال به جماعة منهم عائشة قالت: ~~أتموا، فقالوا لها: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقصر. قالت: ~~إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان في حرب، وكان يخاف؛ فهل تخافون ~~أنتم؟ # أما القول الأول ففاسد؛ لأن عموم القرآن لم يخص منها واجبا من ندب، «وقد ~~قصر النبي - صلى الله عليه وسلم - في غير الواجب، كالعمرة في الحديبية ~~وغيرها». # وأما من قال: لا تقصر إلا في سفر قربة فعموم القرآن أيضا يقضي عليه؛ لأنه ~~عم ولم يخص قربة من مباح، وهو القول الثالث: الصحيح. # PageV01P614 # وأما من قال: إنه يقصر في سفر المعصية فلأنها فرض معين للسفر. وقد اختلف ~~في ذلك قول علماء المذهب، وهي مسألة تعلقت لهم من أقوال العراقيين. وقد ~~بينا في كتاب " التلخيص " وغيره فسادها. وقد ms0440 تكلمنا على هذا الحديث في شرح ~~مسائل الخلاف والحديث، وبينا أنه خبر واحد، يعارضه نص القرآن والأخبار ~~المتواترة؛ فإن الله سبحانه جعل في كتابه القصر تخفيفا، والتمام أصلا، ~~ويعارض أيضا الأصول المعقولة فإنه جعل الإقامة في القرآن أصلا، وهو الواجب ~~وقلبها في الحديث الراوي؛ وأقواه «أن عائشة قالت: سافرنا مع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فقصر وأتممت، وأفطر وصمت، ولم ينكر ذلك علي، وكانت ~~تتم في السفر». وأما سفر المعصية فأشكل دليل فيه لهم أن قالوا: إنا بنينا ~~الأمر على أن القصر عزيمة وليس برخصة، والعزائم لا تتغير بسفر الطاعة ~~والمعصية كالتيمم. قلنا: قد بينا أنه رخصة، وعليه تنبني المسألة، والرخص لا ~~تجوز في سفر المعصية كالمسح على الخفين. # المسألة الخامسة: تلاعب قوم بالدين؛ فقالوا: إن من خرج من البلد إلى ~~ظاهره قصر الصلاة وأكل. وقائل هذا أعجمي لا يعرف السفر عند العرب، أو مستخف ~~بالدين؛ ولولا أن العلماء ذكروه ما رضيت أن ألمحه بمؤخر عيني، ولا أن أفكر ~~فيه بفضول قلبي؛ وقد كان من تقدم من الصحابة يختلفون في تقديره؛ فروي عن ~~عمر وابن عمر وابن عباس أنهم كانوا يقدرونه بيوم. وعن ابن مسعود أنه كان ~~يعلمهم بأن السفر كل خروج تكلف له وأدركت فيه المشقة. ### | [مسألة آراء العلماء في تأويل القصر في الصلاة] # المسألة السادسة: قوله: {أن تقصروا من الصلاة} [النساء: 101]: اختلف ~~العلماء في تأويلها؛ فمنهم من قال: إن القصر قصر عدد، وهم الجم الغفير. ~~ومنهم من قال: إنها قصر الحدود وتغيير الهيئات. والذين قالوا: إن القصر في ~~العدد قالت جماعة منهم: أن ينقص من أربع إلى اثنين. وقال آخرون: يقصر من ~~اثنين إلى واحدة. # PageV01P615 # وقال علماؤنا: الآية تحتمل المعنيين جميعا؛ فأما القصر من هيئتها فقد ثبت ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلا حالة الخوف، وأما القصر من عددها إلى ~~ثنتين فقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - فعلا في حالة الأمن. وأما القصر ~~في حالة الخوف إلى واحدة فقد روي عنه من طريقين: أحدهما قول ms0441 ابن عباس في ~~الصحيح: فرض الله الصلاة على لسان نبيه في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، ~~وفي الخوف ركعة. ويأتي إن شاء الله بيانه. ### | [مسألة الخوف من القصر] # المسألة السابعة: قوله: {إن خفتم} [النساء: 101]: فشرط الله تعالى الخوف ~~في القصر. # وقد اختلف العلماء في الشرط المتصل بالفعل؛ هل يقتضي ارتباط الفعل به حتى ~~يثبت بثبوته ويسقط بسقوطه؟ فذهب بعض الأصوليين إلى أنه لا يرتبط به، وهم ~~نفاة دليل الخطاب، ولا علم عندهم باللغة ولا بالكتاب. وقد بينا ذلك في ~~المحصول بيانا شافيا. وعجبا لهم. «قال يعلى بن أمية لعمر بن الخطاب: إن ~~الله تعالى يقول: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم} [النساء: ~~101] فها نحن قد أمنا. قال: عجبت مما عجبت منه. فسألت عن ذلك رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -. فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته.» # PageV01P616 # وقال أمية بن عبد الله بن أسيد لعبد الله بن عمر: إنا نجد صلاة الحضر ~~وصلاة الخوف في القرآن، ولا نجد صلاة السفر يعني نجد ذلك في هذه الآية. ~~فقال: إن الله تعالى بعث محمدا - صلى الله عليه وسلم - إلينا ونحن لا نعلم ~~شيئا، فإنا نفعل كما رأيناه يفعل؛ فهذه الصحابة الفصح، والعرب تعرف ارتباط ~~الشرط بالمشروط، وتسلم فيه وتعجب منه، وهؤلاء يريدون أن يبدلوا كلام العرب ~~لأغراض صحيحة لا يحتاج إلى ذلك فيها، فلينظر تحقيقه في كلامنا عليه. # ولقد انتهى الجهل بقوم آخرين إلى أن قالوا: إن الكلام قد تم في قوله: {من ~~الصلاة} [النساء: 101] وابتدأ بقوله: {إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا} ~~[النساء: 101] وإن الواو زائدة في قوله: {وإذا كنت فيهم} [النساء: 102] ~~وهذا كله لم يفتقر إليه عمر ولا ابنه ولا يعلى بن أمية معهما. وفي الصحيح ~~عن حارثة بن وهب قال: «صلى بنا النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنى، آمن ما ~~كان الناس وأكثره ركعتين»؛ فهؤلاء لما جهلوا القرآن والسنة تكلموا برأيهم ~~في كتاب الله. وهذا نوع عظيم من تكلف القول في كتاب الله تعالى بغير ms0442 علم، ~~وقول مذموم، وليس بعد قول عمر وابن عمر مطلب لأحد إلا لجاهل متعسف أو فارغ ~~متكلف، أو مبتدع متخلف. وهذا كله يبين لك أن القصر فضل من الله سبحانه ~~ورخصة لا عزيمة وهي: ### | [مسألة المسافر مخير بين القصر والإتمام] # المسألة الثامنة: وإذا ثبت ذلك، فقد اختلف الناس بعد ثبوت القول بأن ~~القصر ليس بفرض على قولين: الأول أن المسافر مخير بين القصر والإتمام لحديث ~~عائشة المتقدم، وبه قال الشافعي، وجماعة من أصحابنا. ومنهم من قال: إن ~~القصر سنة، وعلى هذا جمهور المذهب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - واظب # PageV01P617 # عليه في الصحيح، «وإن عثمان لما أتم بمنى قال عبد الله بن مسعود: صليت مع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمنى ركعتين، ومع أبي بكر ركعتين، ومع ~~عمر ركعتين، فليت حظي من أربع ركعتان متقبلتان». ### | [الآية الثامنة والأربعون قوله تعالى وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة] # الآية الثامنة والأربعون: # قوله تعالى: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك ~~وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا ~~فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم ~~وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر ~~أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا ~~مهينا} [النساء: 102] # وهي وإن كانت منفصلة عن التي قبلها عددا فقد زعم قولهم كما قدمنا أنها ~~بها مرتبطة. وقد فصلناها خطابا ونتكلم عليها حكما حتى يتبين الحال دون ~~اختلال. وذلك أن الله تعالى قال: {أن تقصروا من الصلاة إن خفتم} [النساء: ~~101]. فإن ذلك إن كان شرطا في القصر " وكان المعنى أن تقصروا من حدودها، ~~فهذه الآية بيان صفة ذلك القصر من الحدود، وإن كان كلاما مبتدأ لم يرتبط ~~بالأول، فهذا بيانه، فيقول: ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه صلى ~~صلاة الخوف مرارا عدة بهيئات مختلفة»، فقيل في مجموعها: إنها أربع وعشرون ~~صفة، ثبت فيها ست ms0443 عشرة صفة قد شرحناها في كتب الحديث. والذي نذكره لكم الآن ~~ما نورده أبدا في المختصرات، وذلك على ثماني صفات: # الصفة الأولى: روي عن ابن عمر قال: «صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة وسجد سجدتين والطائفة الأخرى مواجهة ~~العدو، ثم انصرفوا فقاموا مقام أصحابهم مقبلين على العدو، وجاء أولئك ثم ~~صلى بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعة، ثم سلم، ثم قضى هؤلاء ~~ركعة». # PageV01P618 # الصفة الثانية: «قال جابر بن عبد الله: شهدت مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - صلاة الخوف، فصفنا صفين؛ صفا خلف رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فكبرنا جميعا، ثم ركع وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ~~ثم انحدرنا بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما ~~قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف ~~المؤخر بالسجود وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم، ثم ركع ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا ~~جميعا، ثم انحدرنا بالسجود والصف الذي يليه كان مؤخرا في الركعة الأولى، ~~وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~السجود والصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود، فسجدوا ثم سلم النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وسلمنا جميعا». # الصفة الثالثة: عن ابن أبي خيثمة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ~~بأصحابه في الخوف، فصفهم خلفه صفين، فصلى بالذين يلونه ركعة، ثم قام فلم ~~يزل قائما حتى صلى بالذين خلفه ركعة، ثم تقدموا وتأخر الذين قدامهم، فصلى ~~بهم ركعة، ثم قعد حتى صلى الذين تخلفوا ركعة ثم سلم». # الصفة الرابعة: يوم ذات الرقاع «إن طائفة صلت معه وجاه العدو فصلى بالذين ~~معه ركعة، ثم ثبت قائما فأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا فصفوا وجاه العدو، ~~وجاءت الطائفة الأخرى وصلى بهم الركعة التي بقيت، ثم ثبت ms0444 جالسا، وأتموا ~~لأنفسهم ثم سلم بهم». # الصفة الخامسة: قال جابر: «أقبلنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى ~~إذا كنا بذات الرقاع فذكر الحديث، ثم قال: فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا ~~وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فكانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أربع ركعات وللقوم ركعتين». # الصفة السادسة: عن ابن عمر: يتقدم الإمام وطائفة من الناس فيصلى بهم ~~ركعة، وتكون طائفة بينهم وبين العدو لم يصلوا فإذا صلى بالذين معه ركعة ~~استأخروا مكان الذين لم يصلوا فيصلون ركعة ثم ينصرف الإمام وقد صلى ركعتين، ~~فيقوم كل واحد # PageV01P619 # من الطائفتين فيصلون لأنفسهم ركعة بعد أن ينصرف الإمام ويكون كل واحد من ~~الطائفتين قد صلى ركعتين. # قال ابن عمر: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فإن كان خوف أشد من ذلك ~~صلوا قياما وركبانا». قال نافع: قال ابن عمر: مستقبلي القبلة وغير ~~مستقبليها، لا أرى ذكر ذلك عن عمر إلا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ ~~فهذه الصفات الست في الصحيح الثابت. # الصفة السابعة: عن ابن مسعود؛ قال: «صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- صلاة الخوف، فقام صف خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصف مستقبل ~~العدو، فصلى بهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ركعة، وجاء الآخرون؛ فقاموا ~~مقامهم، واستقبل هؤلاء للصلاة فصلى بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقام هؤلاء وصلوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا، ثم ذهبوا فقاموا مقام أولئك ~~مستقبلي العدو، ورجع أولئك مقامهم، فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا». # الصفة الثامنة عن حذيفة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه صلى صلاة ~~الخوف بهؤلاء ركعة وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا»، ومن هذه الصفة الثامنة ما قال ~~ابن عباس: فرض الله الصلاة على لسان نبيه في الحضر أربعا، وفي السفر ~~ركعتين، وفي الخوف ركعة، وقد تقدم. وهاتان الصفتان مرويتان في المصنفات ~~خرجهما أبو داود وغيره. # واختلف الناس في هذه الصفات وما بقي غيرها من الست عشرة صفة على ستة ~~أقوال: # الأول: قال أبو يوسف: هي ساقطة كلها، لقوله عز ms0445 وجل: {وإذا كنت فيهم فأقمت ~~لهم الصلاة} [النساء: 102] فإنما أقام الصلاة خوفية بشرط إقامة النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لها بهم. قلنا لهم: فالآن ما يصنعون؟ فإن قال: نترك ~~الصلاة مع الذكر لها والعلم بها وبوقتها كان ذلك احتجاجا بها واقتداء بمن ~~فات، وإن قال يفعلها على الحالة المعتادة فيها فلا يمكن، فلم يبق إلا ~~الاقتداء بقول الله تعالى: {وإذا كنت فيهم} [النساء: 102] والائتمام بالنبي ~~- صلى الله عليه وسلم -. # PageV01P620 # وقد قال في الصحيح: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، والله قال له: {وإذا كنت ~~فيهم فأقمت لهم الصلاة} [النساء: 102] وهو قال لنا: «صلوا كما رأيتموني ~~أصلي». وقد استوفيناها في مسائل الخلاف. # الثاني: قالت طائفة: أي صلاة صلى من هذه الصلوات الصحاح المروية جاز، وبه ~~قال أحمد بن حنبل. # الثالث: أن الذي يعلم تقدمه ويتحقق تأخر غيره عنه؛ فإن المتأخر ينسخ ~~المتقدم، وإنما يبقى الترجيح فيما جهل تاريخه. وقد تكلمنا في نسخ الفعل ~~للفعل في الأصول في المحصول، وهذا كان فيه متعلق لولا أنا نبقى في الإشكال ~~بعد تحديد المتقدم. # الرابع: قال قوم: ما وافق صفة القرآن منها فهو الذي نقول به؛ لأنه مقطوع ~~به، وما خالفها مظنون، ولا يترك المقطوع به له، وعلقوه بنسخ القرآن للسنة؛ ~~وهذا متعلق قوي، لكن يمنع منه القطع على أن صلاة الخوف إنما كانت ليجمع بين ~~التحرز من العدو وإقامة العبادة، فكيفما أمكنت فعلت، وصفة القرآن لم تأت ~~لتعيين الفعل. وإنما جاءت لحكاية الحال الممكنة، وهذا بالغ. # الخامس: ترجيح الأخبار بكثرة الرواة لها أو مزيد عدالتهم فيها، وهو مذهب ~~مالك والشافعي، فرجحنا خبر سهل وصالح، ثم رجحنا بينهما بعد ذلك بوجوه من ~~الترجيحات؛ منها أن يكون أخف فعلا، ومنها ما يكون أحفظ لأهبة الصلاة، وهو: ~~السادس: مثال ذلك إذا صلى صلاة المغرب في الخوف. قلنا: نحن وأبو حنيفة نصلي ~~بالأولى ركعتين؛ لأنه أخف في الانتظار. # PageV01P621 # وقال الإمام الشافعي: يصلي بالأولى ركعة لأن عليا فعلها ليلة الهرير. ~~ومنها الترجيح بالسلام بعد الإمام على ما قبله، وذلك طول لا ms0446 يكون إلا في ~~موضعه، وهذه نبذة كافية للباب الذي تصدينا إليه. ### | [مسألة الصلاة عند الخوف] # المسألة الثانية: إذا صلوا أخذوا سلاحهم عند الخوف، وبه قال الشافعي، وهو ~~نص القرآن. وقال أبو حنيفة: لا يحملها. قالوا: لأنه لو وجب عليهم حملها ~~لبطلت الصلاة بتركها. قلنا: لم يجب عليهم حملها لأجل الصلاة، وإنما وجب ~~عليهم قوة لهم ونظرا، أو لأمر خارج عن الصلاة، فلا تعلق لصحة الصلاة به ~~نفيا وإثباتا فاعلمه. # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم ~~وأمتعتكم} [النساء: 102]: روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بعسفان ~~صلاة الظهر، فرأوه هو وأصحابه يركع ويسجد؛ فقال بعضهم: كان فرصة لكم». قال ~~قائل منهم: فإن لهم صلاة أخرى هي أحب إليهم من أهليهم وأموالهم، فاستعدوا ~~حتى تغيروا عليهم، فأنزل الله سبحانه: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} ~~[النساء: 102]: وهذا سقناه لتتبينوا أنها آية أخرى في قصة غير قصة القصر، ~~وتتحققوا غباوة من حذف الواو. ### | [مسألة الصلاة حالة المسايفة] # المسألة الرابعة: قال أبو حنيفة: لا يصلي حال المسايفة؛ لأنه معنى لا تصح ~~معه الصلاة في غير الخوف، فلا يصح معه في الخوف كالرعاف. ودليلنا حديث ابن ~~عمر المتقدم الصحيح: «فإن لم تستطيعوا فرجالا أو ركبانا مستقبلي القبلة، ~~وغير مستقبليها»؛ وهذا لا يكون إلا في حالة المسايفة وشدة الخوف وصفة موقف ~~العدو. # PageV01P622 # وأما الزحاف فإن احتيج إليها فعلت كما أنه إن احتيج إلى الكلام في الصلاة ~~فعل، وكل ما كان من ضرورة فإنه ساقط الاعتبار. وما قلناه أرجح؛ لأنا نحن ~~أسقطنا صفة من صفات الصلاة للضرورة، وهو أسقط أصل الصلاة، فهذا أرجح، والله ~~عز وجل أعلم. ### | [مسألة رأوا سوادا فظنوه عدوا فصلوا صلاة الخوف ثم بان لهم أنه غير شيء] # المسألة الخامسة: إذا رأوا سوادا فظنوه عدوا فصلوا صلاة الخوف، ثم بان ~~لهم أنه غير شيء، فلعلمائنا فيه روايتان: إحداهما: يعيدون؛ وبه قال أبو ~~حنيفة. والثانية: لا إعادة عليهم، وهو أظهر قولي الشافعي. وجه الأول أنهم ~~عملوا على اجتهادهم، فجاز ms0447 لهم كما لو أخطئوا القبلة. ووجه الثاني أنهم تبين ~~لهم الخطأ، فعادوا إلى الصواب كحكم الحاكم، والمضاء على الصلاة، وترك ~~الإعادة أولى؛ لأنهم فعلوا ما أمروا به، واجتهدوا ولم يمكنهم أكثر من ذلك، ~~فلا إعادة عليهم لا في القبلة ولا في الخوف ولا في أمثاله. والله أعلم. # المسألة السادسة: قال الشافعي: إذا تابع الطعن والضرب فسدت الصلاة؛ لأنها ~~لا تكون حينئذ صلاة، وإنما تكون محاربة. قلنا: يا حبذا الفرضان إذا اجتمعا، ~~وإذا كانت الحركة لعبا لم تنتظم مع الصلاة، أما إذا كانت عبادة واجبة ~~وتعينتا جميعا جمع بينهما فيصلي ويقاتل؛ وعموم قوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «ركبانا، وعلى أقدامهم، ومستقبلي القبلة وغير مستقبليها» يعطي جواز قليل ~~ذلك وكثيره. ### | [مسألة لا يفتقر القصر والخوف إلى تجديد نية] # المسألة السابعة: قال المزني: لا يفتقر القصر والخوف إلى تجديد نية، وهذه ~~إحدى خطيئاته؛ فله انفرادات يخرج فيها عن مقام المتثبتين. # PageV01P623 # وهذا فاسد؛ لأنها صلاة طارئة، فلا بد لها من تجديد من نية كالجمعة. فإن ~~قيل الجمعة بدل عن الظهر، فلذلك افتقرت إلى نية محدودة. قلنا: ربما قلبنا ~~الأمر، فقلنا الجمعة أصل والظهر بدل، فكيف يكون كلامهم؟ الثاني: إنا نقول: ~~وهبكم سلمنا لكم أن الجمعة بدل، أليست صلاة القصر بدلا، وصلاة الخوف بدلا ~~آخر؟ فإن الجمعة إنما قلنا إنها غير صلاة الظهر سواء جعلناها بدلا أو أصلا ~~لأجل مخالفتها في الصفات والشروط والهيئات، وهذا كله موجود هاهنا؛ فوجب أن ~~يكون غيره وأن تستأنف له نية. # المسألة الثامنة: قوله تعالى: {ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو ~~كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم} [النساء: 102]: نزل عليهم المطر، ~~ومرض عبد الرحمن بن عوف من جرح، فرخص الله سبحانه لهم في ترك السلاح ~~والتأهب للعدو بعذر المرض والمطر؛ وهذا يدل على تأكيد التأهب والحذر من ~~العدو وترك الاستسلام؛ فإن الجيش ما جاءه قط مصاب إلا من تفريط في حذر. # المسألة التاسعة: قوله تعالى: {فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما ~~وقعودا وعلى جنوبكم فإذا ms0448 اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على ~~المؤمنين كتابا موقوتا} [النساء: 103]. قال قوم: هذه الآية والتي في آل ~~عمران سواء، وهذا عندي بعيد؛ فإن القول في هذه الآية دخل في أثناء صلاة ~~الخوف، فاحتمل أن يكون قوله سبحانه: {فإذا قضيتم الصلاة} [النساء: 103] أي ~~فرغتم منها فافزعوا إلى ذكر الله، وإن كنتم في هذه الحال، كما قال: {فإذا ~~فرغت فانصب} [الشرح: 7]. # ويحتمل أن يريد فإذا قضيتم الصلاة إذا كنتم فيها قاضين لها، فأتوها قياما ~~وقعودا وعلى جنوبكم في أثناء الصلاة ومصافتكم للعدو وكركم وفركم، والله ~~أعلم. # PageV01P624 # والدليل عليه قوله تعالى بعد ذلك، وهي: المسألة العاشرة: {فإذا اطمأننتم ~~فأقيموا الصلاة} [النساء: 103]: يعني بحدودها وأهبتها وكمال هيئتها في ~~السفر وكمال عددها في الحضر؛ ولذلك قال جماعة من السلف، منهم إبراهيم ~~ومجاهد: يصلي راحلا وراكبا، كما جاء في سورة البقرة، وما قدر يومئ إيماء ~~كما جاء في هذه السورة ويكون في كل حالة حكم له آية أخرى تدل عليه وحكم ~~ينفرد به. # المسألة الحادية عشرة: قوله تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا ~~موقوتا} [النساء: 103]: قال العلماء: معناه مفروضا، وزعم بعضهم أنه من ~~الوقت، وما أظنه؛ لأنه استعمل في غير الزمان؛ فإن في الحديث الصحيح: «وقت ~~رسول الله لأهل المدينة ذا الحليفة»؛ فدل أن معناه مفروضا حقيقة. # ومن قال: إنها منوطة بوقت فقد أخطأ، وقد عولت عليه جماعة من المبتدعة في ~~أن الصلاة مرتبطة بوقت إذا زال لم تفعل، ونحن نقول: إن الوقت محل للفعل لا ~~شرط فيه، وإن الصلاة واجبة على المكلف لا تسقط عنه إلا بفعلها مضى الوقت أو ~~بقي. ولا نقول إن القضاة بأمر ثان بحال. وقد ربطنا ذلك على وجهه في أصول ~~الفقه. # وقد قال غيرهم: إن موقوتا محدودا بأقوال وأفعال وسنن وفرائض؛ وكل ذلك ~~سائغ لغة محتمل معنى. فإن قيل: فقد قال ابن مسعود: إن للصلاة وقتا كوقت ~~الحج. قلنا: قد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن وقت الصلاة وقت ~~للذكر»، وكما دام ذكرها وجب فعلها وأداؤها. ms0449 # PageV01P625 ### | [الآية التاسعة والأربعون قوله تعالى إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس] # الآية التاسعة والأربعون: # قوله تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك ~~الله ولا تكن للخائنين خصيما} [النساء: 105] فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: هذه الآية نزلت في شأن بني أبيرق؛ سرقوا طعام رفاعة بن ~~زيد، واعتذر عنهم قومهم بأنهم أهل خير، «فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لقتادة بن النعمان ذلك، فطالبهم عن عمه رفاعة بن زيد، فقال رفاعة: ~~الله المستعان، فأنزل الله تبارك وتعالى على رسوله - صلى الله عليه وسلم - ~~ونصر رفاعة وأخزى الله بني أبيرق بقوله: {بما أراك الله} [النساء: 105]» أي ~~بما أعلمك، وذلك بوحي أو بنظر، ونهى الله عز وجل رسوله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن عضد أهل التهم والدفاع عنهم بما يقوله خصمهم من الحجة وهي: ### | [مسألة النيابة عن المبطل والمتهم في الخصومة] # المسألة الثانية: وفي ذلك دليل على أن النيابة عن المبطل والمتهم في ~~الخصومة لا تجوز، بدليل قوله تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~{واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما} [النساء: 106] وهي: المسألة ~~الثالثة. ### | [الآية الموفية خمسين قوله تعالى لا خير في كثير من نجواهم] # الآية الموفية خمسين: # قوله تعالى: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو ~~إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما} ~~[النساء: 114] # هذه الآية آية بكر لم يبلغني عن أحد فيها ذكر، والذي عندي فيها أن الله ~~تعالى أمر عباده بأمرين عظيمين: # PageV01P626 # أحدهما: الإخلاص، وهو أن يستوي ظاهر المرء وباطنه. # والثاني: النصيحة لكتاب الله تعالى ولرسوله - صلى الله عليه وسلم - ~~ولأئمة المسلمين وعامتهم. # فالنجوى خلاف هذين الأصلين، وبعد هذا فلم يكن بد للخلق من أمر يختصون به ~~في أنفسهم، ويخص به بعضهم بعضا، فرخص في ذلك بصفة الأمر بالمعروف؛ والحث ~~على الصدقة، والسعي في إصلاح ذات البين. إذا ثبت هذا الأصل ففيها أربع ~~مسائل: # المسألة الأولى قوله تعالى: {لا خير في ms0450 كثير من نجواهم} [النساء: 114]: ~~يحتمل أن يكون النجوى مصدرا، كالبلوى والعدوى، ويحتمل أن يكون اسما ~~للمنتجين كما قال: {وإذ هم نجوى} [الإسراء: 47]. فإن كان بمعنى المنتجين ~~فقوله: {إلا من أمر بصدقة} [النساء: 114] استثناء شخص من شخص، وإن كان ~~مصدرا جاز الاستثناء على حذف تقديره: إلا نجوى من أمر بصدقة. ### | [مسألة إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون واحد] # المسألة الثانية: في صفة النجوى: ثبت عن ابن عمر أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون واحد». # واختلف في ذلك على أربعة أقوال: # PageV01P627 # الأول: ما جاء في الحديث الصحيح: فإن ذلك يحزنه، وهو ضرر؛ والضرر لا يحل ~~بإجماع، وبالنص: «لا ضرر ولا ضرار». # الثاني: أن ذلك كان في صدر الإسلام حين كان الناس بين مؤمن وكافر ومنافق ~~ومخلص، حتى فشا الإسلام فسقط اعتبار ذلك. # الثالث: أن ذلك في السفر حيث يتوقع الرجل على نفسه من حيلة لا يمكنه ~~دفعها. # الرابع: أنه من حسن الأخلاق وجميل الأدب؛ وهو راجع إلى الأول. # والصحيح بقاء النهي وتمادي الأمر وعمومه في الحضر والسفر. والدليل عليه ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث. «مخافة أن يحزنه». وأيضا فإن ابن ~~عمر كان يمشي مع عبد الله بن دينار، فأراد رجل أن يكلمه فدعا رابعا، وأوقفه ~~مع عبد الله بن دينار ريثما تكلم الرجل. # المسألة الثالثة: قال ابن القاسم عن مالك: لا يتناجى ثلاثة دون يعني ~~أربع، وهذا صحيح؛ لأن العلة إذا علمت بالنظر اطردت حيثما وجدت، وتعلق الحكم ~~بها أينما كانت. وقد بينا أن علة النهي تحزين الواحد، وهو موجود في كل ~~موضع، وكلما كثر العدد كان التحزين أكثر، فيكون المنع آكد. # المسألة الرابعة: إذا ثبت أن نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - معلل ~~بتحزين الواحد فإذا استأذنه فأذن له جاز ولم يحرم. والله عز وجل أعلم. ### | [الآية الحادية والخمسون قوله تعالى ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم] # الآية الحادية والخمسون: # قوله تعالى {ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم ~~فليغيرن خلق الله ومن ms0451 يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا} ~~[النساء: 119]. فيها ثماني مسائل: # PageV01P628 # المسألة الأولى: روى أبو الأحوص قال: «أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قشف الهيئة، فصعد في النظر وصوبه فقال: هل لك من مال؟ قلت: نعم. قال: من أي ~~المال؟ قلت: من كل المال آتاني الله فأكثر وأطيب؛ الخيل والإبل والرقيق ~~والغنم. قال: فإذا آتاك الله مالا فلير عليك. ثم قال: هل تنتج إبل قومك ~~صحاحا آذانها فتعمد إلى الموسي فتشق آذانها، فتقول: هذه بحر؛ وتشق جلودها، ~~وتقول: هذه صرم لتحرمها عليك وعلى أهلك؟ قال: قلت: أجل. قال: فكل ما أتاك ~~الله حل وموسى الله أحد، وساعده أشد الحديث». # المسألة الثانية: لما كان من إبليس ما كان من الامتناع من السجود ~~والاعتراض على الآمر به بالتسفيه أنفذ الله فيه حكمه وأحق عليه لعنته، ~~فسأله النظرة، فأعطاه إياها زيادة في لعنته، فقال لربه: {لأتخذن من عبادك ~~نصيبا مفروضا} [النساء: 118] {ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان ~~الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله} [النساء: 119] وكان ما أراد، وفعلت ~~العرب ما وعد به الشيطان، كما تقدم في الحديث، وذلك تعذيب للحيوان وتحريم، ~~وتحليل بالطغيان، وقول بغير حجة ولا برهان، والآذان في الأنعام جمال ~~ومنفعة، فلذلك رأى الشيطان أن يغير بها خلق الله تعالى، ويركب على ذلك ~~التغيير الكفر به، لا جرم «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر في الأضحية ~~أن تستشرف العين والآذان في الأنعام»، معناه أن تلحظ الأذن؛ لئلا تكون ~~مقطوعة أو مشقوقة؛ فتجتنب من جهة أن فيها أثر الشيطان. وفي الحديث: «نهى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عن شريطة الشيطان»، وهي هذه، وشبهها # PageV01P629 # مما وفى فيها للشيطان بشرطه حين قال: {فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم ~~فليغيرن خلق الله} [النساء: 119]. # المسألة الثالثة: ثبت «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسم الغنم في ~~آذانها»، وكأن هذا مستثنى من تغيير خلق الله. # المسألة الرابعة: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقلد الهدي ويشعره ~~أي يشق جلده، ويقلده نعلين، ويساق إلى مكة نسكا»؛ وهذا ms0452 مستثنى من تغيير خلق ~~الله. وقال أبو حنيفة: هو بدعة؛ كأنه لم يسمع بهذه الشعيرة في الشريعة، لهي ~~[فيها] أشهر منه في العلماء. المسألة الخامسة: وسم الإبل والدواب بالنار في ~~أعناقها وأفخاذها مستثنى من التغيير لخلق الله تعالى كاستثناء ما سلف. ### | [مسألة حكم الواشمة والمستوشمة والنامصة والمتنمصة] # المسألة السادسة: «لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الواشمة ~~والمستوشمة، والنامصة والمتنمصة، والواشرة والموتشرة، والمتفلجات للحسن ~~المغيرات خلق الله». # فالواشمة هي التي تجرح البدن نقطا أو خطوطا، فإذا جرى الدم حشته كحلا، ~~فيأتي خيلانا وصورا فيتزين بها النساء للرجال؟ ورجال صقلية وإفريقية ~~يفعلونه ليدل كل واحد منهم على رجلته في حداثته. # PageV01P630 # والنامصة: هي ناتفة الشعر، تتحسن به. وأهل مصر ينتفون شعر العانة، وهو ~~منه؛ فإن السنة حلق العانة ونتف الإبط، فأما نتف الفرج فإنه يرخيه ويؤذيه ~~ويبطل كثيرا من المنفعة فيه. # والواشرة: هي التي تحدد أسنانها. # والمتفلجة: هي التي تجعل بين الأسنان فرجا # وهذا كله تبديل للخلقة، وتغيير للهيئة، وهو حرام. وبنحو هذا قال الحسن في ~~الآية. # وقال إبراهيم ومجاهد وغيرهما: التغيير لخلق الله يريد به دين الله؛ وذلك ~~وإن كان محتملا فلا نقول: إنه المراد بالآية، ولكنه مما غير الشيطان وحمل ~~الآباء على تغييره، وكل مولود يولد على الفطرة، ثم يقع التغيير على يدي ~~الأب والكافل والصاحب، وذلك تقدير العزيز العليم. # المسألة السابعة: قال جماعة من الصحابة منهم ابن عباس ومن التابعين جملة: ~~توخية الخصاء تغيير خلق الله. فأما في الآدمي فمصيبة، وأما في [الحيوان] ~~والبهائم فاختلف الناس في ذلك؛ فمنهم من قال: هو مكروه، لأجل قول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون». # وروى مالك كراهيته عن ابن عمر. وقال: فيه نماء الخلق، ومنهم من قال: إنه ~~جائز؛ وهم الأكثر. والمعنى فيه أنهم لا يقصدون به تعليق الحال بالدين لصنم ~~يعبد، ولا لرب يوحد # PageV01P631 # وإنما يقصد به تطييب اللحم فيما يؤكل، وتقوية الذكر إذا انقطع أمله عن ~~الأنثى، والآدمي عكسه إذا خصي بطل قلبه وقوته. # المسألة ms0453 الثامنة: روى علماؤنا أن طاوسا كان لا يحضر نكاح سوداء بأبيض، ~~ولا بيضاء بأسود، ويقول: هو من قول الله: {فليغيرن خلق الله} [النساء: ~~119]. وهو أن كان يحتمله عموم اللفظ ومطلقه فهو مخصوص بما أنفذه النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - من نكاح مولاه زيد، وكان أبيض، بظئره بركة الحبشية أم ~~أسامة، فكان أسامة أسود من أبيض، وهذا مما خفي على طاوس من علمه. ### | [الآية الثانية والخمسون قوله تعالى ويستفتونك في النساء] # الآية الثانية والخمسون: # قوله تعالى: {ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في ~~الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن ~~والمستضعفين من الولدان وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن ~~الله كان به عليما} [النساء: 127]. فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: قد تقدم بيانها في أول السورة عند قولنا في آية: {وإن ~~خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} [النساء: 3]. وقد روى أشهب عن مالك: «كان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يسأل فلا يجيب، حتى ينزل عليه الوحي»، وذلك ~~في كتاب الله قال الله تعالى: {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} ~~[النساء: 176]. {ويسألونك عن اليتامى} [البقرة: 220]. {يسألونك عن الخمر ~~والميسر} [البقرة: 219]. {ويسألونك عن الجبال} [طه: 105]. هذا في كتاب الله ~~سبحانه وتعالى كثير. قال علماؤنا: طلبنا ما قال مالك فوجدناه في ثلاثة عشر ~~موضعا: قوله: {يسألونك عن الشهر الحرام} [البقرة: 217]. {يسألونك عن الخمر ~~والميسر} [البقرة: 219]. {ويسألونك ماذا ينفقون} [البقرة: 219]. {ويسألونك ~~عن اليتامى} [البقرة: 220] # PageV01P632 # {ويستفتونك في النساء} [النساء: 127]. {يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم ~~كتابا} [النساء: 153]. {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة} [النساء: ~~176]. {يسألونك ماذا أحل لهم} [المائدة: 4]. {يسألونك عن الساعة} [الأعراف: ~~187]. {يسألك الناس عن الساعة} [الأحزاب: 63]. {يسألونك عن الأنفال} ~~[الأنفال: 1]. {ويسألونك عن ذي القرنين} [الكهف: 83]. {ويسألونك عن الجبال} ~~[طه: 105]. {ويسألونك عن المحيض} [البقرة: 222]. ### | [مسألة معنى قوله تعالى والمستضعفين من الولدان] # المسألة الثانية قوله تعالى {والمستضعفين من الولدان} [النساء: 127]: ~~الذين لا أب لهم، أكد الله سبحانه أمرهم وأكد أمر اليتامى، وهم الذين لا ~~أبا ms0454 لهم؛ فيحتمل وهي: # المسألة الثالثة: أن يكونوا هم، أكد أمرهم بلفظ آخر أخص به من الضعف، ~~ويحتمل أن يريد بالمستضعفين من كان هو وأبوه ضعيفا، واليتيم المنفرد ~~بالضعف، ويحتمل أن يريد بالمستضعفين من رماه أهله ودفعه أبوه عن نفسه لعجزه ~~عن أمره. ### | [الآية الثالثة والخمسون قوله تعالى وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا] # الآية الثالثة والخمسون: # قوله تعالى: {وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما ~~أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن ~~الله كان بما تعملون خبيرا} [النساء: 128] # قالت عائشة: هي المرأة تكون عند الرجل ليس بمستكثر منها أن يفارقها، ~~فيقول: أجعلك من شأني في حل، فنزلت الآية. قال القاضي رضوان الله عليه وعلى ~~الصديقة الطاهرة: لقد وفت ما حملها ربها من العهد في قوله: {واذكرن ما يتلى ~~في بيوتكن من آيات الله والحكمة} [الأحزاب: 34]. ولقد خرجت في ذلك عن ~~العهد. «وهذا كان شأنها مع سودة بنت زمعة لما أسنت أراد النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أن يطلقها فآثرت الكون مع زوجاته. فقالت له: امسكني واجعل يومي ~~لعائشة، ففعل - صلى الله عليه وسلم - وماتت وهي من أزواجه». # وقد صرح ابن أبي مليكة بذلك فقال: نزلت هذه الآية في عائشة. وفي هذه ~~الآية # PageV01P633 # رد على الرعن الذين يرون الرجل إذا أخذ شباب المرأة وأسنت لا ينبغي له أن ~~يتبدل بها، فالحمد لله الذي رفع حرجا وجعل من هذه الضيقة مخرجا. ### | [الآية الرابعة والخمسون قوله تعالى ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم] # الآية الرابعة والخمسون: # قوله تعالى: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل ~~الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما} ~~[النساء: 129]. فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: قال الأستاذ أبو بكر: في هذه الآية دليل على جواز تكليف ~~ما لا يطاق، فإن الله سبحانه كلف الرجال العدل بين النساء، وأخبر أنهم لا ~~يستطيعونه، وهذا وهم عظيم، فإن الذي كلفهم من ms0455 ذلك هو العدل في الظاهر الذي ~~دل عليه بقوله: {ذلك أدنى ألا تعولوا} [النساء: 3]. وهذا أمر مستطاع، والذي ~~أخبر عنهم أنهم لا يستطيعونه لم يكلفهم قط إياه؛ وهو النسبة في ميل النفس؛ ~~ولهذا «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعدل بين نسائه في القسم، ويجد ~~نفسه أميل إلى عائشة في الحب، فيقول: اللهم هذه قدرتي فيما أملك، فلا ~~تسألني في الذي تملك ولا أملك» يعني قلبه، والقاطع لذلك، الحاسم لهذا ~~الإشكال أن الله سبحانه قد أخبر بأنه رفع الحرج عنا في تكليف ما لا نستطيع ~~فضلا، وإن كان له أن يلزمنا إياه حقا وخلقا. # المسألة الثانية: قال محمد بن سيرين: سألت عبيدة عن هذه الآية فقال: هو ~~الحب والجماع. وصدق؛ فإن ذلك لا يملكه أحد؛ إذ قلبه بين إصبعين من أصابع ~~الرحمن، يصرفه # PageV01P634 # كيف يشاء. وكذلك الجماع قد ينشط للواحدة ما لا ينشط للأخرى، فإذا لم يكن ~~ذلك بقصد منه فلا حرج عليه فيه، فإنه مما لا يستطيعه فلم يتعلق به تكليف. # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {فلا تميلوا كل الميل} [النساء: 129]: قال ~~العلماء: أراد تعمد الإتيان، وذلك فيما يملكه وجعل إليه، من حسن العشرة ~~والقسم والنفقة ونحوه من أحكام النكاح. ### | [الآية الخامسة والخمسون قوله تعالى يأيها اللذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله] # الآية الخامسة والخمسون: # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على ~~أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا ~~تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون ~~خبيرا} [النساء: 135]. فيها ثلاث عشرة مسألة: # المسألة الأولى: في سبب نزولها روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~اختصم إليه رجلان: غني وفقير، فكان ضلعه مع الفقير، يرى أن الفقير لا يظلم ~~الغني، فأبى الله إلا أن يقوم بالقسط في الغني والفقير». ### | [مسألة القسط والعدل] # المسألة الثانية: القسط: العدل. بكسر القاف وإسكان العين، والقسط بفتحها: ~~الجور ويقال: أقسط إذا عدل، وقسط إذا جار، ولعله مأخوذ ms0456 من: قسط البعير قسطا ~~إذا يبست يده، فلعل أقسط سلب قسط، فقد يأتي بناء أفعل للسلب. كقوله: أعجم ~~الكتاب إذا سلب عجمته بالضبط. وقيل: نزلت في الشهادة بالحق، وهي عامة لكل ~~أحد في كل شيء. # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {قوامين بالقسط} [النساء: 135]: يعني ~~فعالين، من قام، واستعار القيام لامتثال الحق؛ لأنه يفعل في مهمات الأمور # PageV01P635 # وهي غاية الفعل لنا، ومن أسمائه سبحانه الحي القيوم، والقائم على كل نفس ~~بما كسبت فضربه هاهنا مثلا لغاية القيام بالعدل. ### | [مسألة أداء الشهادة] # المسألة الرابعة: {شهداء لله} [النساء: 135]: كونوا ممن يؤدي الشهادة لله ~~ولوجهه، فيبادر بها قبل أن يسألها، ويقول الحق فيها، وإن الله يشهد بالحق، ~~والملائكة وأولو العلم وعدول الأمة، وكل من قام بالقسط فقد شهد لله سبحانه ~~بالحق، وكل من قام لله فقد شهد بالقسط، ولهذا نزلت الآية الأخرى في المائدة ~~بمقلوب هذا النظم، وهو مثله في المعنى كما بيناه آنفا. ### | [مسألة الإقرار على نفسه شهادة] # المسألة الخامسة والسادسة: قوله تعالى: {ولو على أنفسكم} [النساء: 135]: ~~أمر الله سبحانه العبد بأن يشهد على نفسه بالحق، ويسمي الإقرار على نفسه ~~شهادة، كما تسمى الشهادة على الغير الإقرار. # وفي حديث «ماعز: فلم يرجمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أقر على ~~نفسه أربع مرات»، ولا يبالي المرء أن يقول الحق على نفسه لله جل وعلا فالله ~~يفتح له. قال الله سبحانه: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} [الطلاق: 2] ~~{ويرزقه من حيث لا يحتسب} [الطلاق: 3] إلا أنه في باب الحدود ندب إلى أن ~~يستر على نفسه فيتوب حتى يحكم الله له؛ بل إنه يجوز أن يقر على نفسه بالحد ~~إذا رأى غيره قد ابتلي به وهو صاحبه، فيشهد على نفسه ليخلصه ويبرئه. # روى أبو داود والنسائي «عن الحلاج أنه كان يعمل في السوق فرمت امرأة ~~صبيا. قال: فثار الناس وثرت فيمن ثار، فانتهيت إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وهو يقول: من أبو هذا معك؟ فقال فتى حذاءها: أنا أبوه يا رسول الله. ~~فأقبل عليها ms0457 فقال: من أبو هذا معك؟ فسكتت. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: إنها حديثة السن حديثة عهد بحزن وليست تكلمك، أنا أبوه؛ فنظر إلى بعض ~~أصحابه كأنه يسألهم عنه، فقالوا: ما علمنا إلا # PageV01P636 # خيرا. فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: أحصنت. قال: نعم، فأمر به ~~فرجم. قال: فخرجنا فحفرنا له حتى أمكناه ثم رميناه بالحجارة حتى هدأ ~~محتضرا». ### | [مسألة الشهادة بالحق على الوالدين] # المسألة السابعة: قوله تعالى: {أو الوالدين} [النساء: 135]: أمر الله ~~سبحانه بالشهادة بالحق على الوالدين: الأب والأم، وذلك دليل على أن شهادة ~~الابن على الأبوين لا يمنع ذلك برهما، بل من برهما أن يشهد عليهما بالحق، ~~ويخلصهما من الباطل، وهو من قوله تعالى: {قوا أنفسكم وأهليكم نارا} ~~[التحريم: 6] في بعض معانيه. # وقد اتفقت الأمة على قبول شهادة الابن على الأبوين، فإن شهد لهما أو شهدا ~~له وهي: # المسألة الثامنة: فقد اختلف العلماء فيها قديما وحديثا؛ فقال ابن شهاب: ~~كان من مضى من السلف الصالح يجيزون شهادة الوالد والأخ لأخيه، ويتأولون في ~~ذلك قول الله سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ~~ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين} [النساء: 135]؛ فلم يكن أحد يتهم في ~~ذلك من السلف الصالح، ثم ظهرت من الناس أمور حملت الولاة على اتهامهم، ~~فتركت شهادة من يتهم، وصار ذلك لا يجوز في الولد والوالد والأخ والزوج ~~والمرأة، وهو مذهب الحسن والنخعي والشعبي وشريح ومالك والثوري والشافعي ~~وأحمد بن حنبل أنه لا تجوز شهادة الوالد للولد، وقد أجاز قوم شهادة بعضهم ~~لبعض إذا كانوا عدولا. # وروي عن عمر أنه أجازه، وكذلك روي عن عمر بن عبد العزيز، وبه قال إسحاق ~~وأبو ثور والمزني. ومذهب مالك جواز شهادة الأخ لأخيه إذا كان عدلا إلا في ~~النسب. # PageV01P637 # وروى ابن وهب عن مالك أنه لا تجوز إذا كان في عياله أو في نصيب من مال ~~يرثه، ولا تجوز عند مالك شهادة الزوج والمرأة أحدهما للآخر؛ وأجازه ~~الشافعي. # ولا تجوز شهادة الصديق الملاطف عنده، ولا إذا ms0458 كان في عياله. والمختار ~~عندي أن أصل الشريعة لا تجوز شهادة الوالد للولد ولا الولد للوالد لما ~~بينها من البعضية؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما فاطمة بضعة مني ~~يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها». وشهادة الإنسان لنفسه لا تجوز، إلا أن ~~من تقدم قال: إنه كان يسامح فيه. وما روى قط أحد أنه نفذ قضاء بشهادة ولد ~~لوالده ولا والد لولده، وإنما معنى المسامحة فيه أنهم كانوا لا يصرحون ~~بردها، ولا يحذرون منها لصلاح الناس، فلما فسدوا وقع التحذير، ونبه العلماء ~~على الأصل، فظن من تغافل أو غفل أن الماضين جوزوها، وما كان ذلك قط؛ وقد ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن من أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ~~ولده من كسبه». # وقد جعله الله جزءا منه في الإسلام؛ وتبعا له في الإيمان، فهو مسلم ~~بإسلام أبيه بإجماع، ومسلم بإسلام أمه باختلاف، وماله لأبيه حيا وميتا، ~~وهكذا في أصول الشريعة، ولا بيان فوق هذا. والأخ وإن كان بينها بعضية فإنها ~~بعيدة حقيقة وعادة، فجوزها العلماء في جانب الأخ بشرط العدالة المبررة، ما ~~لم تجر نفعا. # وخالف الشافعي فقال: يجوز شهادة الزوجين بعضهما لبعض؛ لأنهما أجنبيان؛ ~~وإنما بينهما عقد الزوجية، وهو سبب معرض للزوال. وهذا ضعيف: فإن الزوجية ~~توجب الحنان والتعطف والمواصلة والألفة والمحبة، وله حق في مالها عندنا، ~~ولذلك لا تتصرف في الهبة إلا في ثلثها. وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف، ولها ~~في ماله حق الكسوة والنفقة، وهذه شبهة توجب رد الشهادة. # PageV01P638 # المسألة التاسعة: ألحق مالك الصديق الملاطف بالقرابة القريبة؛ فهي في ~~العادة أقوى منها، وهي في المودة؛ فكانت مثلها في رد الشهادة. ### | [مسألة لا تميلوا بالهوى مع الفقير لضعفه ولا على الغني لاستغنائه] # المسألة العاشرة: قوله تعالى: {إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما} ~~[النساء: 135]: المعنى لا تميلوا بالهوى مع الفقير لضعفه، ولا على الغني ~~لاستغنائه، وكونوا مع الحق؛ فالله الذي أغنى هذا وأفقر هذا أولى بالفقير أن ~~يغنيه بفضله بالحق لا بالهوى ms0459 والباطل، والله أولى بالغني أن يأخذ ما في يده ~~بالعدل والحق، لا بالتحامل عليه، فإنما جعل الله سبحانه الحق والعدل عيارا ~~لما يظهر من الخبث وميزانا لما يتبين من الميل، عليه تجري الأحكام ~~الدنياوية، وهو سبحانه يجري المقادير بحكمته، ويقضي بينهم يوم القيامة ~~بحكمه. # المسألة الحادية عشرة: قال جماعة: قوله تعالى: {ولو على أنفسكم أو ~~الوالدين والأقربين} [النساء: 135] فسوى بين الأقربين والأبوين في الأمر ~~بالحق والوصية بالعدل، وإن تفاضلوا في الدرجة؛ كما سوى بين الخلق أجمعين، ~~وإن تفاضلوا أيضا في الدرجة، وكأنه سبحانه يقول: لا تلتفتوا في الرحم قربت ~~أو بعدت في الحق كونوا معه عليها، ولولا خوف العدل عنه لها لما خصوا ~~بالوصية بها، وذلك قوله سبحانه وهي: # المسألة الثانية عشرة: {فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا} ~~[النساء: 135]: معناه لا تتبعوا أهواءكم في طلب العدل برحمة الفقير ~~والتحامل على الغني، بل ابتغوا الحق فيهما، وهذا بيان شاف. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وإن تلووا أو تعرضوا] # المسألة الثالثة عشرة: قوله تعالى: {وإن تلووا أو تعرضوا} [النساء: 135]: ~~المعنى إن مطلتم حقا فلم تنفذوه إلا بعد بطء، أو عرضتم عنه جملة فالله خبير ~~بعملكم. يقال لويت الأمر ألويه ليا وليانا، إذا مطلته قال غيلان: # PageV01P639 # تطيلين لياني وأنت ملية ... وأحسن يا ذات الوشاح التقاضيا # وقرأ حمزة والأعمش: وإن تلوا، والأول أفصح، وأكثر، وقد رد إلى الأول بوجه ~~عربي؛ وذلك أن تبدل من الواو الآخرة همزة فتكون تلووا، ثم حذفت الهمزة ~~وألقيت حركتها على الواو، والعرب تفعل ذلك. وقيل: إن معناه تلوا من ~~الولاية، أي استقللتم بالأمر أو ضعفتم عنه فالله خبير بذلك. ### | [الآية السادسة والخمسون قوله تعالى ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا] # } [النساء: 141]. هذا خبر، والخبر من الله سبحانه لا يجوز أن يقع بخلاف ~~مخبره، ونحن نرى الكافرين يتسلطون على المؤمنين في بلادهم وأبدانهم ~~وأموالهم وأهليهم، فقال العلماء في ذلك قولين: أحدهما: ولن يجعل الله ~~للكافرين على المؤمنين سبيلا في الحجة، فلله الحجة البالغة. # الثاني: ولن يجعل الله ms0460 للكافرين على المؤمنين سبيلا في الحجة يوم ~~القيامة. قال القاضي: أما حمله على نفي وجود الحجة من الكافر على المؤمن ~~فذلك ضعيف؛ لأن وجود الحجة للكافر محال، فلا يتصرف فيه الجعل بنفي ولا ~~إثبات. # وأما نفي وجود الحجة يوم القيامة فضعيف؛ لعدم فائدة الخبر فيه؛ وإن أوهم ~~صدر الكلام معناه؛ لقوله: {فالله يحكم بينكم يوم القيامة} [النساء: 141] ~~فأخر الحكم إلى يوم القيامة، وجعل الأمر في الدنيا دولة تغلب الكفار تارة ~~وتغلب أخرى بما رأى من الحكمة وسبق من الكلمة، ثم قال: {ولن يجعل الله ~~للكافرين على المؤمنين سبيلا} [النساء: 141]. فتوهم من توهم أن آخر الكلام ~~يرجع إلى أوله، وذلك يسقط فائدته. وإنما معناه ثلاثة أوجه: # الأول: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا يمحو به دولة ~~المؤمنين، ويذهب آثارهم، ويستبيح بيضتهم، كما جاء في الحديث: ودعوت ربي ألا ~~يسلط عليهم عدوا من غيرهم يستبيح بيضتهم فأعطانيها. # PageV01P640 # الثاني: أن الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا منه إلا أن ~~تتواصوا بالباطل، ولا تتناهوا عن المنكر، وتتقاعدوا عن التوبة؛ فيكون تسليط ~~العدو من قبلكم؛ وهذا نفيس جدا. # الثالث: أن الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا بالشرع؛ فإن ~~وجد ذلك فبخلاف الشرع، ونزع بهذا علماؤنا في الاحتجاج على أن الكافر لا ~~يملك العبد المسلم؛ وبه قال أشهب والشافعي؛ لأن الله سبحانه نفى السبيل ~~للكافر عليه، والملك بالشراء سبيل فلا يشرع ولا ينعقد بذلك. وقال ابن ~~القاسم عن مالك، وهو قول أبي حنيفة: إن معنى {ولن يجعل الله للكافرين على ~~المؤمنين سبيلا} [النساء: 141] في دوام الملك؛ لأنا نجد ابتداءه يكون له ~~عليه، وذلك بالإرث، وصورته أن يسلم عبد كافر في يدي كافر فيلزم القضاء عليه ~~ببيعه، فقبل الحكم ببيعه مات، فيرث العبد المسلم وارث الكافر، فهذه سبيل قد ~~ثبتت ابتداء، ويحكم عليه ببيعه. ورأى مالك في رواية أشهب والشافعي أن الحكم ~~بملك الميراث ثابت قهرا لا قصد فيه. # فإن قيل: ملك الشراء ثبت بقصد اليد، فقد أراد الكافر تملكه باختياره. ~~قلنا: ms0461 فإن الحكم بعقد بيعه وثبوت ملكه؛ فقد تحقق فيه قصده وجعل له سبيل ~~اليد، وهي مسألة طويلة عظيمة، وقد حققناها في مسائل الخلاف، وحكمنا بالحق ~~فيها في كتاب " الإنصاف لتكملة الإشراف "، فلينظر هنا لك. ### | [الآية السابعة والخمسون قوله تعالى إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم] # وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا ~~قليلا} [النساء: 142]. فيها من الأحكام ثلاث مسائل: # PageV01P641 # المسألة الأولى قوله تعالى: {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى} ~~[النساء: 142]: يعني متكاسلين متثاقلين، لا ينشطون لفعلها، ولا يفرحون لها، ~~وقد قال - صلى الله عليه وسلم - في الآثار: «أرحنا بها يا بلال». فكان يرى ~~راحته فيها. وفي آثار آخر: «وجعلت قرة عيني في الصلاة». وفي الحديث: «أثقل ~~صلاة على المنافقين العتمة والصبح»؛ فإن العتمة تأتي وقد أنصبهم عمل ~~النهار، فيثقل عليهم القيام إليها، وتأتي صلاة الصبح، والنوم أحب إليهم من ~~مفروح به، وهم لا يعرفون قدر الصلاة دنيا ولا فائدتها أخرى؛ فيقومون إليها ~~بغير نية إلا خوفا من السيف ومن قام إليها مع هذه الحالة بنية إتعاب النفس ~~وإيثارها عليها، طالبا لما عند الله سبحانه فله أجران، والذي يرى راحته ~~فيها مع الملائكة المقربين. ### | [مسألة قوله تعالى يراءون الناس] # المسألة الثانية: قوله تعالى: {يراءون الناس} [النساء: 142]: يعني أنهم ~~يفعلونها ليراها الناس وهم يشهدونها لغوا، فهذا هو الرياء الشرك، فأما إن ~~صلاها ليراها الناس يعني ويرونه فيها، فيشهدون له بالإيمان فليس ذلك الرياء ~~المنهي عنه، وكذلك لو أراد بها طلب المنزلة والظهور لقبول الشهادة وجواز ~~الإمامة لم يكن عليه حرج، وإنما الرياء المعصية أن يظهرها صيدا للدنيا ~~وطريقا إلى الأكل بها، فهذه نية لا تجزئ، وعليه الإعادة. ### | [مسألة قوله تعالى ولا يذكرون الله إلا قليلا] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {ولا يذكرون الله إلا قليلا} [النساء: ~~142]: وروى الأئمة مالك وغيره عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«تلك صلاة # PageV01P642 # المنافقين. تلك صلاة المنافقين تلك صلاة المنافقين. يجلس أحدهم حتى إذا ~~اصفرت الشمس، وكانت بين قرني الشيطان، ms0462 أو على قرني الشيطان، قام ينقر أربعا ~~لا يذكر الله فيها إلا قليلا». فذمها - صلى الله عليه وسلم - بقلة ذكر الله ~~سبحانه فيها؛ لأنه يراها أثقل عليه من الجبل، فيطلب الخلاص منها بظاهر من ~~القول والعمل، وأقل ما يجزئ فيها من الذكر فرضا الفاتحة. وسيأتي بيان ذلك ~~إن شاء الله عز وجل. وأقل ما يجزئ من العمل في الصلاة إقامة الصلب في ~~الركوع والسجود، والطمأنينة فيهما، والاستواء عند الفصل بينهما. ففي الحديث ~~الصحيح: «لا تجزئ صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود»، «وعلم الأعرابي ~~على ما روي في الصحيح فقال له: فاركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تطمئن ~~رافعا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم افعل ذلك في ~~صلاتك كلها». # وذهب ابن القاسم وأبو حنيفة إلى أن الطمأنينة ليست بفرض، وهي رواية ~~عراقية لا ينبغي لأحد من المالكيين أن يشتغل بها، فليس للعبد شيء يعول عليه ~~سواها؛ فلا ينبغي أن ينقرها نقر الغراب، ولا يذكر الله بها ذكر المنافقين، ~~وقد بين صلاة المنافقين في هذه الآية، وبين صلاة المؤمنين، فقال: {قد أفلح ~~المؤمنون} [المؤمنون: 1] {الذين هم في صلاتهم خاشعون} [المؤمنون: 2] # PageV01P643 # ومن خشع خضع واستمر، ولم ينقر ولا استعجل، إلا أن يكون له عذر فيقتصر على ~~الفرض الذي قد بيناه. وقد ثبت في الصحيح عن أنس بن مالك أنه ذكر صلاة عمر ~~بن عبد العزيز فقال: هذا أشبهكم صلاة بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- موجزة في تمام. ### | [الآية الثامنة والخمسون قوله تعالى لا يحب الله الجهر بالسوء من القول] # الآية الثامنة والخمسون: # قوله تعالى: {لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله ~~سميعا عليما} [النساء: 148]. فيها خمس مسائل: # المسألة الأولى: اختلف الناس في تأويلها؛ فقال ابن عباس: إنما نزلت في ~~الرجل يظلم الرجل، فيجوز للمظلوم أن يذكره بما ظلمه فيه لا يزيد عليه. # وقال مجاهد وآخرون: إنما نزلت في الضيافة؛ إذا نزل رجل على رجل ضيفا فلم ~~يقم ms0463 به جاز له إذا خرج عنه أن يذكر ذلك. وقال رجل لطاوس: إني رأيت من قوم ~~شيئا في سفر، أفأذكره؟ قال: لا. قال القاضي: قول ابن عباس هو الصحيح، وقد ~~وردت في ذلك أخبار صحيحة؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مطل الغني ~~ظلم». وقال: «لي الواجد يحل عرضه # PageV01P644 # وعقوبته». # وقال العباس لعمر بحضرة أهل الشورى عن علي بن أبي طالب: اقض بيني وبين ~~هذا الظالم، فلم يرد عليه أحد منهم؛ لأنها كانت حكومة، كل واحد منهما ~~يعتقدها لنفسه حتى أنفذ فيها عليهم عمر للواجب. # المسألة الثانية: قال علماؤنا: وهذا إنما يكون إذا استوت المنازل أو ~~تقاربت؛ فأما إذا تفاوتت فلا تمكن الغوغاء من أن تستطيل على الفضلاء، وإنما ~~تطلب حقها بمجرد الدعوى من غير تصريح بظلم ولا غضب؛ وهذا صحيح، وعليه تدل ~~الآثار. وقد قال العلماء في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لي الواجد ~~يحل عرضه»، بأن يقول مطلني، وعقوبته بأن يحبس له حتى ينصفه. ### | [مسألة يدعو على من ظلمه وصفة دعائه على الظالم] # المسألة الثالثة: قال ابن عباس: رخص له أن يدعو على من ظلمه، وإن صبر ~~وغفر كان أفضل له؛ وصفة دعائه على الظالم أن يقول: اللهم أعني عليه، اللهم ~~استخرج حقي منه، اللهم حل بيني وبينه؛ قاله الحسن البصري. قال القاضي أبو ~~بكر: وهذا صحيح، وقد روى الأئمة عن عائشة أنها سمعت من يدعو على سارق سرقه، ~~فقالت: لا تستحيي عنه، أي لا تخفف عنه بدعائك، وهذا إذا كان مؤمنا؛ فأما ~~إذا كان كافرا فأرسل لسانك وادع بالهلكة، وبكل دعاء، كما فعل النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في التصريح على الكفار بالدعاء وتعيينهم وتسميتهم؛ ولذلك ~~قال علماؤنا وهي: # PageV01P645 # المسألة الرابعة: إذا كان الرجل مجاهرا بالظلم دعا عليه جهرا، ولم يكن له ~~عرض محترم، ولا بدن محترم، ولا مال محترم. وقد فصلنا ذلك في أحكام العباد ~~في المعاد. ### | [مسألة الجهر بالسوء] # المسألة الخامسة: قوله تعالى: {إلا من ظلم} [النساء: 148]: قرئ بفتح ~~الظاء، وقرئ بضمها، وقال أهل ms0464 العربية: كلا القراءتين هو استثناء ليس من ~~الأول، وإنما هو بمعنى: لكن من ظلم. ويجوز أن يكون موضع " من " رفعا على ~~البدل من أحد. التقدير: لا يحب الجهر بالسوء لأحد إلا من ظلم. والذي قرأها ~~بالفتح هو زيد بن أسلم، وكان من العلماء بالقرآن، وقد أغفل المتكلمون على ~~الآية تقديرها وإعرابها، وقد بيناه في ملجئة المتفقهين. # واختصاره أن الآية لا بد فيها من حذف مقدر، تقديره في فاتحة الآية ليأتي ~~الاستثناء مركبا على معنى مقدر خير من تقديره هذا الاستثناء فنقول: معنى ~~الآية لا يحب الله الجهر بالسوء من القول لأحد إلا من ظلم بضم الظاء. أو ~~نقول مقدرا للقراءة الأخرى: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول لأحد إلا من ~~ظلم، فهذا خير لك من أن تقول تقديره: لكن من ظلم بضم الظاء فإنه كذا. أو من ~~ظلم فإنه كذا، التقدير أبعد منه وأضعف، كما قدر العلماء المحققون في قوله ~~تعالى: {إني لا يخاف لدي المرسلون} [النمل: 10] {إلا من ظلم ثم بدل حسنا ~~بعد سوء فإني غفور رحيم} [النمل: 11]. قيل الاستثناء تقديرا انتظم به ~~الكلام واتسق به المعنى؛ قالوا: تقدير الآية إني لا يخاف لدي المرسلون، لكن ~~يخاف الظالمون، إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء، فإني غفور رحيم. ### | [الآية التاسعة والخمسون قوله تعالى وأخذهم الربا وقد نهوا عنه] # وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما} [النساء: ~~161]. # PageV01P646 # المسألة الأولى: قد قدمنا القول في مخاطبة الكفار بفروع الشريعة في مسائل ~~الأصول، وأشرنا إليه فيما سلف من هذا الكتاب، ولا خلاف في مذهب مالك في ~~أنهم يخاطبون. وقد بين الله تعالى في هذه الآية أنهم نهوا عن الربا وأكل ~~المال بالباطل، فإن كان ذلك خبرا عما نزل على محمد في القرآن، وأنهم دخلوا ~~في الخطاب فبها ونعمت، وإن كان ذلك خبرا عما أنزل الله عز وجل على موسى في ~~التوراة، وأنهم بدلوا وحرفوا وعصوا وخالفوا فهل يجوز لنا معاملتهم، والقوم ~~قد أفسدوا أموالهم في دينهم أم لا؟ فظنت ms0465 طائفة أن معاملتهم لا تجوز؛ وذلك ~~لما في أموالهم من هذا الفساد. # والصحيح جواز معاملتهم مع رباهم واقتحامهم ما حرم الله سبحانه عليهم، فقد ~~قام الدليل القاطع على ذلك قرآنا وسنة: قال الله تعالى: {وطعام الذين أوتوا ~~الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم} [المائدة: 5]. وهذا نص في مخاطبتهم بفروع ~~الشريعة، «وقد عامل النبي - صلى الله عليه وسلم - اليهود، ومات ودرعه ~~مرهونة عند يهودي في شعير أخذه لعياله». وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه سئل ~~عمن أخذ ثمن الخمر في الجزية والتجارة، فقال: ولوهم بيعها وخذوا منهم عشر ~~أثمانها؛ والحاسم لداء الشك والخلاف اتفاق الأئمة على جواز التجارة مع أهل ~~الحرب، وقد سافر النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم تاجرا، وهي: # المسألة الثانية: وذلك من سفره - صلى الله عليه وسلم - أمر قاطع على جواز ~~السفر إليهم والتجارة معهم. فإن قيل: كان ذلك قبل النبوة. قلنا: إنه لم ~~يتدنس قبل النبوة بحرام، ثبت ذلك تواترا، ولا اعتذر عنه إذ بعث، ولا منع ~~منه إذ نبئ، ولا قطعه أحد من الصحابة في حياته ولا أحد من المسلمين بعد ~~وفاته؛ فقد كانوا يسافرون في فك الأسرى، وذلك واجب؛ وفي الصلح كما أرسل ~~عثمان وغيره، وقد يجب وقد يكون ندبا، فأما السفر إليهم لمجرد التجارة فذلك ~~مباح. # PageV01P647 # المسألة الثالثة: فإن قيل: فإذا قلتم إنهم مخاطبون بفروع الشريعة، كيف ~~يجوز مبايعتهم بمحرم عليهم، وذلك لا يجوز للمسلم؟ قلنا: سامح الشرع في ~~معاملتهم وفي طعامهم رفقا بنا، وشدد عليهم في المخاطبة تغليظا عليهم، فإنه ~~ما جعل علينا في الدين من حرج إلا ونفاه، ولا كانت في العقوبة شدة إلا ~~وأثبتها عليهم. # المسألة الرابعة: مع أن الله شرع لهم الشرع، وبين لهم الأحكام فقد بدلوا ~~وابتدعوا رهبانية التزموها، فأجرى الشرع الأحكام على ما هم عليه في بيع ~~وطعام حتى في اعتقادهم في أولادهم وبناتهم، سواء تصرفوا في ذلك بشرعتهم أو ~~بعصبيتهم، حتى قال مالك؛ وهي: # المسألة الخامسة: يجوز أن يؤخذ منهم في الصلح أبناؤهم ونساؤهم إذا كان ms0466 ~~الصلح للعامين ونحوهما؟ لأنهما مهادنة، ولو كان دائما أو لمدة كثيرة لم ~~يجز، لأنه يكون لهم من الصلح مثل ما لآبائهم. وقال ابن حبيب: لا يجوز ذلك؛ ~~فراعى مالك اعتقادهم في الأولاد والنساء، كما راعى اعتقادهم في الطعام، فإن ~~كان ذلك شرطا مع بطارقتهم يعني باتفاق منهم جاز. ### | [مسألة عامل مسلم كافرا بربا] # المسألة السادسة: فإن عامل مسلم كافرا بربا فلا يخلو أن يكون في دار ~~الحرب أو في دار الإسلام، فإن كان في دار الإسلام لم يجز، وإن كان في دار ~~الحرب جاز عند أبي حنيفة وعبد الملك من أصحابنا. وقال مالك والشافعي: لا ~~يجوز، وتعلق أبو حنيفة بأن ماله حلال فبأي وجه أخذ جاز. # PageV01P648 # قلنا: إن ما يجوز أخذه بوجه جائز في الشرع من غلة وسرقة في سرية، فأما ~~إذا أعطى من نفسه الأمان ودخل دارهم فقد تعين عليهم أن يفي بألا يخون ~~عهدهم، ولا يتعرض لمالهم، ولا شيء من أمرهم؛ فإن جوز القوم الربا فالشرع لا ~~يجوزه. فإن قال أحد: إنهم لا يخاطبون بفروع الشريعة فالمسلم مخاطب بها. ### | [مسألة زنا في دار الحرب بحربية] # المسألة السابعة: توهم قوم أن ابن الماجشون لما قال: إن من زنا في دار ~~الحرب بحربية لم يحد أن ذلك حلال. وهو جهل بأصول الشريعة. ومأخذ الأدلة قال ~~الله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون} [المؤمنون: 5] {إلا على أزواجهم أو ~~ما ملكت أيمانهم} [المؤمنون: 6]؛ فلا يباح الوطء إلا بهذين الوجهين، ولكن ~~أبا حنيفة يرى أن دار الحرب لا حد فيها، نازع بذلك ابن الماجشون معه؛ فأما ~~التحريم فهو متفق عليه فلا تستنزلنكم الغفلة في تلك المسألة. ### | [الآية الموفية ستين قوله تعالى إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله] # وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة ~~انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في ~~السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا} [النساء: 171]. فيها مسألتان: # المسألة الأولى " في تسمية عيسى بالمسيح: قد ذكرنا في ms0467 الحديث نحوا من ~~خمسة وعشرين وجها في معناه، وأمهاتها أنه اسم علم له. أو هو فعيل بمعنى ~~مفعول، ولد دهينا لأنه مسح بالدهن أو بالبركة، أو مسحه حين ولد يحيى. أو ~~فعيل بمعنى فاعل عليه مسحة جمال، كما يقال: فلان جميل، أو يمسح الزمن فيبرأ ~~أو يمسح الطائر فيحيا، أو يمسح الأرض بالمشي؛ وإليه ذهب مالك. # PageV01P649 # قال ابن وهب: أخبرني مالك بن أنس: بلغني أن عيسى - عليه السلام - انتهى ~~إلى قرية قد خربت حصونها، وعفت آثارها، وتشعث شجرها، فنادى: يا خرب، أين ~~أهلك؟ فنودي عيسى ابن مريم - عليه السلام -: بادوا والتقمتهم الأرض، وعادت ~~أعمالهم قلائد في رقابهم إلى يوم القيامة، عيسى ابن مريم مجد. قال الراوي: ~~يريد مالك أنه كان يمسح الأرض. وقيل إنه معرب من مشيح كتعريب موسى عن موشى، ~~وهو بتخفيف الشين وكسرها، وكذلك الدجال، وقد دخل فيه جهلة يتوسمون بالعلم، ~~فجعلوا الدجال مشدد السين بالخاء المعجمة، وكلاهما في الاسم سواء، إن الأول ~~قالوا هو المسيح الذي هو مسيح الهدى الصالح السليم، والآخر المسيح الكذاب ~~الأعور الدجال الكافر، فاعلموه ترشدوا. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه] # المسألة الثانية: قوله تعالى: {وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه} ~~[النساء: 171]: اختلف العلماء فيه على ستة أقوال: # الأولى: أنها نفخة نفخها جبريل في جيب درعها، وسميت النفخة روحا لأنها ~~تكون عن الريح. # الثاني: أن الروح الحياة، وقد بينا ذلك في المقسط والمشكلين. # الثالث: أن معنى روح رحمة. # الرابع: أن الروح صورة؛ لما خلق الله آدم أخرج من صلبه ذريته، وصورهم، ثم ~~أشهدهم على أنفسهم، ألست بربكم؟ قالوا: بلى. ثم أنشأهم كرة أطوارا، أو جعل ~~لهم الدنيا قرارا؛ فعيسى من تلك الأرواح أدخله في مريم. واختار هذا أبي بن ~~كعب. # وقيل في الخامس: روح صورة صورها الله تعالى ابتداء وجهها في مريم. # وقيل في السادس: سر روح منه يعني جبريل، وهو معنى الكلام ألقاها إليه روح ~~منه أي إلقاء الكلمة كان من الله ثم من جبريل. # PageV01P650 # قال الطبري: وهذه ms0468 الأحكام كلها محتملة غير بعيدة من الصواب. قال القاضي ~~وفقه الله: وبعضها أقوى من بعض، وقد بيناها في المشكلين، لكن يتعلق بها ~~الآن من الأحكام مسألة؛ وهي:. ### | [مسألة قال لزوجه روحك طالق] # إذا قال لزوجه: روحك طالق؛ فاختلف علماؤنا فيه على قولين. وكذا لو قال ~~لها: حياتك طالق، فيها قولان. وكذلك مثله كلامك طالق. واختلف أصحاب الشافعي ~~كاختلافنا، واستمر أبو حنيفة على أن الطلاق لا يلزمه في شيء من ذلك؛ فأما ~~إذا قال لها: كلامك طالق؛ فلا إشكال فيه. فإن الكلام حرام سماعه، فهو من ~~محللات النكاح فيلحقه الطلاق. # وأما الروح والحياة فليس للنكاح فيهما متعلق، فوجه وقوع الطلاق بتعليقه ~~عليهما خفي، وهو أن بدنها الذي فيه المتاع لا قوام له إلا بالروح والحياة. ~~وهو باطن فيها؛ فكأنه قال لها: باطنك طالق، فيسري الطلاق إلى ظاهرها فإنه ~~إذا تعلق الطلاق بشيء منها سرى إلى الباقي. # وقال أبو حنيفة: لا يسري، وهي مسألة خلاف كبيرة تكلمنا عليها في قوله: ~~يدك طالق. وتحقيق القول فيه أنه إذا طلق منها شيئا وحرمه على نفسه، فلا ~~يخلو أن يقف حيث قال، ولا يتعدى، أو يسري كما قلنا أو يلغو. ومحال أن يلغو ~~لأنه كلام صحيح أضافه إلى محل بحكم صحيح جائز فنفذ كما لو قال: وأمك طالق ~~أو ظهرك، ومحال أن يقف حيث قال؛ لأنه يؤدي إلى تحريم بعضها وتحليل بعضها. ~~وذلك محال شرعا، وهذا بالغ، والله أعلم. ### | [الآية الحادية والستون قوله تعالى لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله] # ولا الملائكة المقربون} [النساء: 172]. هذا رد على النصارى الذين يقولون: ~~إن عيسى ولد الله، ورد على من يقول: إن الملائكة بنات الله، تعالى الله عما ~~يقول الظالمون علوا كبيرا. # PageV01P651 # يقول الله سبحانه وتعالى لهم: إن من نسبتموه إلى ولادة الله تعالى، من ~~آدمي وملك، ليس بممتنع أن يكون عبدا لله، فكيف تجعلونه ولدا؟ ولو كان ~~اجتماع العبودية والولادة جائزا ما كان لله سبحانه وتعالى في ذلك حجة، وذلك ~~قوله سبحانه وتعالى: {وما ينبغي للرحمن ms0469 أن يتخذ ولدا} [مريم: 92] {إن كل من ~~في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا} [مريم: 93]. فإن قيل: ما معنى ~~{يستنكف} [النساء: 172] في اللغة؟ قلنا: هو يستفعل، من نكفت كذا إذا نحيته، ~~وهو مشهور المعنى. التقدير لن يتنحى من ذلك، ولا يبعد عنه، ولا يمتنع منه. ### | [الآية الثانية والستون قوله تعالى يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة] # إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ~~ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء ~~فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم} ~~[النساء: 176]. فيها سبع مسائل: # المسألة الأولى: في وقت نزولها: ثبت في الصحيح أن البراء بن عازب قال: ~~آخر سورة نزلت سورة براءة، وآخر آية نزلت آية الكلالة. # المسألة الثانية: في سبب نزولها: روي عن «جابر بن عبد الله قال: مرضت ~~وعندي تسع أخوات لي، فدخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنضح في ~~وجهي من الماء، فأفقت فقلت: يا رسول الله؛ ألا أوصي لأخواتي بالثلثين؟ قال: ~~أحسن. قلت: بالشطر؟ قال: أحسن ثم خرج وتركني # PageV01P652 # ثم رجع فقال: لا أراك ميتا من وجعك هذا، فإن الله أنزل الذي لأخواتك فجعل ~~لهن الثلثين». وكان جابر يقول: نزلت في هذه الآية: {يستفتونك قل الله ~~يفتيكم في الكلالة} [النساء: 176] خرجه النسائي، وأبو داود، والترمذي. # المسألة الثالثة: قال قتادة: وذكر لنا أن أبا بكر قال: ألا إن الآية التي ~~نزلت في أول سورة النساء من شأن الفرائض نزلت في الولد والوالد، والآية ~~الثانية أنزلها الله سبحانه في الزوج والزوجة والإخوة من الأم، والآية التي ~~ختم بها سورة النساء في الإخوة والأخوات من الأب والأم، والآية التي ختم ~~بها سورة الأنفال أنزلها الله سبحانه في ذوي الأرحام، وما جرت الرحم من ~~العصبة. # المسألة الرابعة: قال ابن سيرين: «نزلت والنبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~مسير له، وإلى جنبه حذيفة، فبلغها حذيفة وبلغها عمر، وهو يسير ms0470 خلفه، فلما ~~استخلف عمر سأل حذيفة عنها، ورجا أن يكون عنده تفسيرها، فقال له حذيفة: ~~والله إنك لعاجز». هكذا قال الطبري في روايته. وقال نعيم بن حماد فيها: ~~والله إنك لأحمق إن ظننت أن إمارتك تحملني على أن أحدثك بما لم أحدثك ~~يومئذ. فقال عمر: لم أرد هذا رحمك الله، والله لا أزيدك عليها شيئا أبدا؛ ~~فكان عمر يقول: اللهم من كنت بينتها له فإنها لم تتبين لي. وقد روي أن «عمر ~~نازع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها فضرب في صدره، وقال: يكفيك آية ~~الصيف التي نزلت في آخر سورة النساء، وإن أعش فسأقضي فيها بقضاء يعلمه من ~~يقرأ القرآن ومن لا يقرأه، وهو من لا ولد له». # PageV01P653 ### | [مسألة إذا لم يكن للميت ولد ذكر ولا أنثى] # المسألة الخامسة: قال علماؤنا: معنى الآية إذا لم يكن للميت ولد ذكر ولا ~~أنثى فكان موروثا كلالة، فلأخته النصف فريضة مسماة. فأما إن كان للميت ولد ~~أنثى فهي مع الأنثى عصبة يصير لها ما كان يصير للعصبة لو لم يكن ذلك غير ~~محدود بحد، ولم يقل الله: إن كان له ولد فلا شيء لأخته معه؛ فيكون لما قال ~~ابن عباس وابن الزبير وجه؛ إذ قال ابن عباس: إن الميت إذا ترك بنتا فلا شيء ~~للأخت، إلا أن يكون معها أخ ذكر، وإنما بين الله سبحانه حقها إذا ورثت ~~الميت كلالة، وترك بيان ما لها من حق إذا لم يورث كلالة؛ فبينه رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بوحي ربه، فجعلها عصبة مع إناث ولد الميت، وذلك لا ~~يغير وراثتها في الميت إذا كان موروثا عن كلالة. ### | [مسألة معنى قوله تعالى يبين الله لكم أن تضلوا] # المسألة السادسة: قوله تعالى: {يبين الله لكم أن تضلوا} [النساء: 176]: ~~معناه كراهية أن تضلوا، وفيه اختلاف قد بيناه في ملجئة المتفقهين فلينظره ~~هنالك من أراده. # المسألة السابعة: فإن قيل: وأي ضلال أكبر من هذا؟ ولم يعلمها عمر ولا ~~اتفق فيها الصحابة وما زال الخلاف إلى اليوم ms0471 الموعود. قلنا: ليس هذا ضلالا، ~~وهذا هو البيان الموعود به؛ لأن الله سبحانه لم يجعل طرق الأحكام نصا يدركه ~~الجفلي، وإنما جعله مظنونا يختص به العلماء ليرفع الله تعالى الذين آمنوا ~~منكم والذين أوتوا العلم درجات، ويتصرف المجتهدون في مسالك النظر، فيدرك ~~بعضهم الصواب فيؤجر عشرة أجور، ويقصر آخر فيدرك أجرا واحدا، وتنفذ الأحكام ~~الدنياوية على ما أراد الله سبحانه، وهذا بين للعلماء، والله أعلم. # PageV01P654 ### | [سورة المائدة فيها أربع وثلاثون آية] # [الآية الأولى قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم ~~بهيمة الأنعام] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام # إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد} ~~[المائدة: 1]. فيها عشرون مسألة: # المسألة الأولى: قال علماؤنا: قال علقمة: إذا سمعت: {يا أيها الذين ~~آمنوا} [المائدة: 1] فهي مدنية، وإذا سمعت: {يا أيها الناس} [النساء: 1] ~~فهي مكية؛ وهذا ربما خرج على الأكثر. # المسألة الثانية: روى أبو سلمة، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~لما رجع من الحديبية قال لعلي: يا علي، أشعرت أنه نزلت علي سورة المائدة، ~~وهي نعمت الفائدة». قال الإمام القاضي: هذا حديث موضوع، لا يحل لمسلم ~~اعتقاده، أما أنا نقول: سورة المائدة نعمت الفائدة فلا نؤثره عن أحد، ولكنه ~~كلام حسن. المسألة الثالثة: قال أبو ميسرة: في المائدة ثماني عشرة فريضة. # وقال غيره: فيها {يا أيها الذين آمنوا} [المائدة: 1] # PageV02P003 # في ستة عشر موضعا؛ فأما قول أبي ميسرة: إن فيها ثماني عشرة فريضة فربما ~~كان ألف فريضة، وقد ذكرناها نحن في هذا المختصر للأحكام. المسألة الرابعة: ~~شاهدت المائدة بطور زيتا مرارا، وأكلت عليها ليلا ونهارا، وذكرت الله ~~سبحانه فيها سرا وجهارا، وكان ارتفاعها أسفل من القامة بنحو الشبر، وكان ~~لها درجتان قلبيا وجوفيا، وكانت صخرة صلداء لا تؤثر فيها المعاول، فكان ~~الناس يقولون: مسخت صخرة إذ مسخ أربابها قردة وخنازير. # والذي عندي أنها كانت في الأصل صخرة قطعت من الأرض محلا للمائدة النازلة ~~من ms0472 السماء، وكل ما حولها حجارة مثلها، وكان ما حولها محفوفا بقصور، وقد نحت ~~في ذلك الحجر الصلد بيوت، أبوابها منها، ومجالسها منها مقطوعة فيها، ~~وحناياها في جوانبها، وبيوت خدمتها قد صورت من الحجر، كما تصور من الطين ~~والخشب، فإذا دخلت في قصر من قصورها ورددت الباب وجعلت من ورائه صخرة كثمن ~~درهم لم يفتحه أهل الأرض للصوقه بالأرض؛ فإذا هبت الريح وحثت تحته التراب ~~لم يفتح إلا بعد صب الماء تحته والإكثار منه، حتى يسيل بالتراب وينفرج ~~منعرج الباب، وقد مات بها قوم بهذه العلة، وقد كنت أخلو فيها كثيرا للدرس، ~~ولكني كنت # PageV02P004 # في كل حين أكنس حول الباب مخافة مما جرى لغيري فيها، وقد شرحت أمرها في ~~كتاب " ترتيب الرحلة " بأكثر من هذا. ### | [مسألة معنى قوله تعالى أوفوا] # المسألة الخامسة: قوله تعالى: {أوفوا} [المائدة: 1] يقال: وفى وأوفى. قال ~~أهل العربية: واللغتان في القرآن؛ قال الله تعالى: {ومن أوفى بعهده من ~~الله} [التوبة: 111]. # وقال شاعر العرب: # أما ابن طوق فقد أوفى بذمته ... كما وفى بقلاص النجم حاديها # فجمع بين اللغتين. وقال الله تعالى: {وإبراهيم الذي وفى} [النجم: 37]. ~~وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من وفى منكم فأجره على الله». ### | [مسألة معنى قوله تعالى العقود] # المسألة السادسة: العقود: واحدها عقد، وفي ذلك خمسة أقوال: # القول الأول: العقود: العهود؛ قاله ابن عباس. # PageV02P005 # الثاني: حلف الجاهلية؛ قاله قتادة. # وروي عن ابن عباس، والضحاك، ومجاهد، والثوري. # الثالث: الذي عقد الله عليكم وعقدتم بعضكم على بعض؛ قاله الزجاج. # الرابع: عقد النكاح والشركة واليمين والعهد والحلف، وزاد بعضهم البيع؛ ~~قاله زيد بن أسلم. # الخامس: الفرائض؛ قاله الكسائي، وروى الطبري أنه أمر بالوفاء بجميع ذلك. ~~قاله ابن العربي: وهذا الذي قاله الطبري صحيح، ولكنه يحتاج إلى تنقيح وهي ~~المسألة السابعة: [في تنقيح قول الطبري]: قال: وذلك أن أصل عهد في اللغة ~~الإعلام بالشيء، وأصل العقد الربط # PageV02P006 # والوثيقة قال الله سبحانه: {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له ~~عزما} [طه: 115]. وقال عبد الله بن عمر: ms0473 " الدينار بالدينار والدرهم ~~بالدرهم لا فضل بينهما، هذا عهد نبينا إلينا وعهدنا إليكم ". وتقول العرب: ~~عهدنا أمر كذا وكذا أي: عرفناه، وعقدنا أمر كذا وكذا أي: ربطناه بالقول، ~~كربط الحبل بالحبل؛ قال الشاعر: # قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم ... شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا # وعهد الله إلى الخلق إعلامه بما ألزمهم وتعاهد القوم: أي أعلن بعضهم لبعض ~~بما التزمه له وارتبط معه إليه وأعلمه به؛ فبهذا دخل أحد اللفظين في الآخر، ~~فإذا عرفت هذا علمت أن الذي قرطس على الصواب هو أبو إسحاق الزجاج؛ فكل عهد ~~لله سبحانه أعلمنا به ابتداء، والتزمناه نحن له، وتعاقدنا فيه بيننا، ~~فالوفاء به لازم بعموم هذا القول المطلق الوارد منه سبحانه علينا في الأمر ~~بالوفاء به. # وأما من خص حلف الجاهلية فلا قوة له إلا أن يريد أنه إذا لزم الوفاء به، ~~وهو من عقد الجاهلية؛ فالوفاء بعقد الإسلام أولى، وقد أمر الله سبحانه ~~بالوفاء به؛ قال # PageV02P007 # الله تعالى: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} [النساء: 33] قال ابن ~~عباس: يعني من النصيحة والرفادة والنصرة، وسقط الميراث خاصة بآية الفرائض ~~وآية الأنفال. وقد قال النبي [- صلى الله عليه وسلم - «المؤمنون عند ~~شروطهم»]. # وأما من قال عقد البيع وما ذكر معه، فإنما أشار إلى عقود المعاملات وأسقط ~~غيرها وعقود الله والنذور؛ وهذا تقصير. # وأما قول الكسائي: الفرائض، فهو أخو قول الزجاج، ولكن قول الزجاج أوعب؛ ~~إذ دخل فيه الفرض المبتدأ والفرض الملتزم والندب، ولم يتضمن قول الكسائي ~~ذلك كله. ### | [مسألة العقد مع الله والعقد مع الآدمي] # المسألة الثامنة: إذا ثبت هذا فربط العقد تارة يكون مع الله، وتارة يكون ~~مع الآدمي، وتارة يكون بالقول، وتارة بالفعل؛ فمن قال: " لله علي صوم يوم " ~~فقد عقده بقوله مع ربه؛ ومن قام إلى الصلاة فنوى وكبر فقد عقدها لربه ~~بالفعل، فيلزم الأول ابتداء الصوم، ويلزم هذا تمام الصلاة؛ لأن كل واحد ~~منهما قد عقدها مع ربه، والتزم. # والعقد بالفعل أقوى منه بالقول. وكما قال سبحانه: {يوفون بالنذر ويخافون ~~يوما كان شره ms0474 مستطيرا} [الإنسان: 7]. كذلك قال: {يا أيها الذين آمنوا ~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم} [محمد: 33]. # وما قال القائل: علي صوم يوم أو صلاة ركعتين إلا ليفعل، فإذا فعل كان ~~أقوى من القول؛ فإن القول عقد وهذا نقد؛ وقد مهدنا ذلك في مسائل الخلاف ~~وشرح الحديث على الشافعي تمهيدا بليغا، فلينظر هنالك. # PageV02P008 # فإن قيل: فكيف يلزم الوفاء بعقد الجاهلية حين كانوا يقولون: هدمي هدمك، ~~ودمي دمك، وهم إنما كانوا يتعاقدون على النصرة في الباطل. # قلنا: كذبتم؛ إنما كانوا يتعاقدون على ما كانوا يعتقدون حقا، وفيما كانوا ~~يعتقدونه حقا ما هو حق كنصرة المظلوم، وحمل الكل، وقرى الضيف، والتعاون على ~~نوائب الحق. وفيه أيضا باطل؛ فرفع الإسلام من ذلك الباطل بالبيان، وأوثق ~~عرى الجائز، والحق منه بالأمر بالوفاء بإتيانهم نصيبهم فيه، كما تقدم من ~~النصيحة والرفادة والنصرة، وهذا كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمنون ~~عند شروطهم». معناه إنما تظهر حقيقة إيمانهم عند الوفاء بشروطهم. # وقال - صلى الله عليه وسلم -: «أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به ~~الفروج». ثم قال: «ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، من اشترط ~~شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان اشترط مائة شرط». فبين أن الشرط ~~الذي يجب الوفاء به ما وافق كتاب الله تعالى، أي دين الله تعالى، كذلك لا ~~يلزم الوفاء بعقد إلا أن يعقد على ما في كتاب الله. # وعلى المسلمين أن يلتزموا الوفاء بعهودهم وشروطهم إلا أن يظهر فيها ما ~~يخالف كتاب الله، فيسقط. # PageV02P009 # ولا يمنع هذا التعلق بعموم القولين؛ ولذلك حث على فعل الخير، فقال: ~~{وافعلوا الخير لعلكم تفلحون} [الحج: 77]. وأمر بالكف عن الشر، فقال: «لا ~~ضرر ولا ضرار». # فهذا حث على فعل كل خير واجتناب كل شر. فأما اجتناب الشر فجميعه واجب. ~~وأما فعل الخير فينقسم إلى ما يجب وإلى ما لا يجب؛ وكذلك الوفاء بالعقود، ~~ولكن الأصل فيها الوجوب، إلا ما قام الدليل على ندبه؛ وقد جهل بعضهم فقال: ~~لما كانت العقود الباطلة ms0475 والشروط الباطلة لا نهاية لها والجائز منها محصور ~~فصار مجهولا فلا يجوز الاحتجاج على الوفاء بالعقود ولا بالشروط لأجل ذلك ~~وهي عبارة عظيمة، وهي: المسألة التاسعة: قلنا: وما لا يجوز [كيف] يدخل تحت ~~مطلق أمر الله سبحانه حتى يجعله مجملا. # والله لا يأمر بالفحشاء ولا بالباطل: لقد ضلت إمامتك وخابت أمانتك، وعلى ~~هذا لا دليل في الشرع لأمر يفعل؛ فإن منه كله ما لا يجوز، ومنه ما يجوز، ~~فيؤدي إلى تعطيل أدلة الشرع وأوامره. # والذين قالوا بالوقف لم يرتكبوا هذا الخطر، ولا سلكوا هذا الوعر، فدع ~~هذا، وعد القول إلى العلم إن كنت من أهله. # فإن قيل: محمول قوله {أوفوا بالعقود} [المائدة: 1] على المقيد لما بينا، ~~وهي: # PageV02P010 # المسألة العاشرة: قلنا: فقد أبطلنا ما يثبت محمول قوله: {أوفوا بالعقود} ~~[المائدة: 1] على كل عقد مطلق ومقيد. # وماذا تريد بقولك مقيدا؟ تريد قيد بالجواز أم قيد بقربة، أو قيد بشرط؟ ~~فإن أردت به قيد بشرط لزمك فيه ما لزمك في المطلق من أن الشرط منه ما لا ~~يجوز كما تقدم لك، وإن قلت: مقيد بقربة، فيبطل بالمعاملات، وإن قلت: مقيد ~~بالدليل، فالدليل هو قول الله سبحانه، وقد قال: {أوفوا بالعقود} [المائدة: ~~1]. # فإن قيل: هذا عقد اليمين لا يجب الوفاء به، وهي: المسألة الحادية عشرة: ~~قلنا: لا يجب الوفاء بشيء أكثر مما يجب الوفاء باليمين، وكيف لا يجب الوفاء ~~به وهو عقد أكد باسم الله سبحانه؟ حاشا لله أن نقول هذا، ولكن الشرع أذن ~~رحمة ورخصة في إخراج الكفارة بدلا من البر، وخلفا من المعقود عليه الذي ~~فوته الحنث. وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف، وستراه في آية الكفارة من هذه ~~السورة إن شاء الله تعالى. # فإن قيل: فقد قال الشافعي: إذا نذر قربة لا يدفع بها بلية ولا يستنجح بها ~~طلبة فإنه لا يلزم الوفاء بها. قلنا: من قال بهذا فقد خفيت عليه دلائل ~~الشرع؛ وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمر: «أوف بنذرك». # وقد بينا قول الله عز وجل فيه وماذا ms0476 على الشريعة أو ماذا يقدح في الأدلة ~~من رأي الشافعي وأمثاله من العلماء. # PageV02P011 # وأما نذر المباح فلم يلزم بإجماع الأمة ونص النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في الصحيح، وهي شيء جهلته يا هذا العالم، فادرج عن هذه الأغراض، فليس بوكر ~~إلا لمن أمنته معرفة أحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - من المكر، ولم ~~يتكلم برأيه وحده، ولا أعجب بطرق من النظر حصلها، ولم يتمرس فيها بكتاب ~~الله عز وجل ولا بسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ فافهم هذا، والله ~~يوفقكم وإيانا بتوفيقه لتوفية عهود الشريعة حقها. ### | [مسألة آراء العلماء في قوله تعالى أحلت لكم بهيمة الأنعام] # المسألة الثانية عشرة: قوله تعالى: {أحلت لكم بهيمة الأنعام} [المائدة: ~~1] اختلف فيها على ثلاثة أقوال: الأول: إنه كل الأنعام؛ قاله السدي، ~~والربيع، والضحاك. الثاني: إنه الإبل، والبقر، والغنم؛ قاله ابن عباس، ~~والحسن. الثالث: إنه الظباء، والبقر، والحمر الوحشيان. المسألة الثالثة ~~عشرة: في المختار: أما من قال: إن النعم هي الإبل والبقر والغنم، فقد علمت ~~صحة ذلك دليلا، وهو أن النعم عند بعض أهل اللغة اسم خاص للإبل يذكر ويؤنث؛ ~~قاله ابن دريد وغيره. # وقد قال الله تعالى: {والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون} ~~[النحل: 5] {ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون} [النحل: 6] {وتحمل ~~أثقالكم} [النحل: 7]، وقال تعالى: {ومن الأنعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم ~~الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين} [الأنعام: 142] {ثمانية ~~أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين} [الأنعام: 143]. # وقال: {ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين} [الأنعام: 144]. فهذا مرتبط ~~بقوله: ومن الأنعام حمولة وفرشا، أي خلق جنات وخلق من الأنعام # PageV02P012 # حمولة وفرشا يعني كبارا وصغارا، ثم فسرها فقال: {ثمانية أزواج} [الأنعام: ~~143] إلى قوله: {أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا} [الأنعام: 144]. وقال ~~تعالى: {وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ~~ومن أصوافها} [النحل: 80] وهي الغنم {وأوبارها} [النحل: 80] وهي الإبل ~~{وأشعارها} [النحل: 80] وهي المعزى، {أثاثا ومتاعا إلى حين} [النحل: 80]. # فهذه ثلاثة أدلة تنبئ عن تضمن ms0477 اسم النعم لهذه الأجناس الثلاثة: الإبل ~~والبقر والغنم؛ لتأنيس ذلك كله، فأما الوحشية فلم أعلمه إلى الآن إلا ~~اتباعا لأهل اللغة. # أما أنه قد قال بعض العلماء: إن قوله سبحانه: {غير محلي الصيد وأنتم حرم} ~~[المائدة: 1] يقتضي دخول البقر والحمر والظباء تحت قوله: بهيمة الأنعام؛ ~~فصار تقدير الكلام: أحلت لكم بهيمة الأنعام إنسيها ووحشيها غير محلي الصيد ~~وأنتم حرم أي ما لم تكونوا محرمين. # فإن كان هذا متعلقا فقد قال: {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم ~~حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم} [المائدة: 95]. فجعل ~~الصيد والنعم صنفين. وأيضا فإن من أراد أن يدخل الظباء والبقر والحمر ~~الوحشية فيه ليعم ذلك كله في الإحلال ماذا يصنع بصنف الصيد الطائر كله؟ ~~فالدليل الذي أحله ولم يدخل في هذه الآية محل الظباء والبقر والحمر الوحشية ~~وإن لم يدخل في الآية. وقد ينتهي العي ببعضهم إلى أن يقول: إن الأنعام هي ~~الإبل لنعمة أخفافها في الوطء، ولا يدخل فيه الحافر ولا الظلف لجساوته ~~وتحدده. # ويقال له: إن الأنعام إنما سميت به لما يتنعم به من لحومها وأصوافها ~~وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين. # وبهذه الآية كان يدخل صنف الوحشي فيها؛ لأنها ذات أشعار من جهة أن يتأتى ~~ذلك فيه حسا وإن لم يكن يتناول ذلك منها عرفا. # PageV02P013 # فإن قلنا: إن اللفظ يحمل على الحقيقة الأصلية، فيدخل في هذا اللفظ في ~~النحل ويتناولها اللفظ في سورة المائدة. # وإن قلنا: إن الألفاظ تحمل على الأحوال المعتادة العرفية لم يدخل فيها؛ ~~إذ لا يعتاد ذلك من أوبارها. وها هنا انتهى تحقيق ذلك في هذا المختصر. ### | [مسألة معنى قوله تعالى إلا ما يتلى عليكم] # المسألة الرابعة عشرة: قوله تعالى: {إلا ما يتلى عليكم} [المائدة: 1]: ~~قالوا: من قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} [المائدة: 3] وقيل من قوله: ~~{غير محلي الصيد} [المائدة: 1] والصحيح أنه من قوله في كل محرم في كتاب ~~الله تعالى أو سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -. # فإن قيل: فقد قال: ms0478 {إلا ما يتلى عليكم} [المائدة: 1]. والذي يتلى هو ~~القرآن، ليس السنة. قلنا: كل كتاب يتلى، كما قال تعالى: {وما كنت تتلو من ~~قبله من كتاب} [العنكبوت: 48] وكل سنة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فهي من كتاب الله. # والدليل عليه أمران: أحدهما: قوله - صلى الله عليه وسلم - في قصة العسيف: ~~«لأقضين بينكما بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فرد عليك، وعلى ابنك جلد مائة ~~وتغريب عام». وليس هذا في القرآن، ولكنه في كتاب الله الذي أوحاه إلى رسوله ~~علما من كتابه المحفوظ عنده. # والدليل الثاني: في حديث عبد الله بن مسعود؛ قال: «لعن الله الواشمات # PageV02P014 # والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن، والمغيرات لخلق الله». فبلغ ~~ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب، فجاءت فقالت: إنه بلغني أنك لعنت ~~كيت وكيت. فقال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ ~~أليس هو في كتاب الله؟ فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما ~~تقول. فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه. أوما قرأت: {وما آتاكم الرسول ~~فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7]؟ قالت: بلى. قال: فإنه قد نهى ~~عنه. قالت: فإني أرى أهلك يفعلونه. قال: فاذهبي فانظري، فذهبت فنظرت فلم تر ~~من حاجتها شيئا. فقال: لو كانت كذلك ما جامعتها. ### | [مسألة تأخير البيان عن وقت لا يفتقر فيه إلى تعجيل الحاجة] # المسألة الخامسة عشرة: يحتمل قوله: إلا ما يتلى عليكم الآن، أو إلا ما ~~يتلى عليكم فيما بعد من مستقبل الزمان. # وفي هذا دليل على جواز تأخير البيان عن وقت لا يفتقر فيه إلى تعجيل ~~الحاجة، وهي مسألة أصولية، وقد بيناها في المحصول "، ومعناه أن الله سبحانه ~~أباح لنا شيئا وحرم علينا شيئا استثناء منه. # فأما الذي أباح لنا فسماه [وبينه]. # وأما الذي استثناه فوعد بذكره في حين الإباحة، ثم بينه بعد ذلك في وقت ~~واحد أو في أوقات متفرقة على اختلاف التأويلين المتقدمين، وكل ذلك تأخير ~~للبيان، والله أعلم. ### | [مسألة معنى قوله تعالى غير محلي الصيد] ms0479 # المسألة السادسة عشرة: قوله تعالى: {غير محلي الصيد} [المائدة: 1] فيه ~~ثلاثة أقوال: الأول: معناه أوفوا بالعقود غير محلي الصيد. الثاني: أحلت لكم ~~بهيمة الأنعام الوحشية غير محلي الصيد وأنتم حرم. # PageV02P015 # الثالث: أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم إلا ما كان منها وحشيا ~~فإنه صيد لا يحل لكم وأنتم حرم. المسألة السابعة عشرة: في تنقيحها. # أما قوله: إن معناه أوفوا بالعقود غير محلي الصيد وأنتم حرم فاختاره ~~الطبري والأخفش، وقالا: فيه تقديم وتأخير، وهو جائز في نظام الكلام ~~وإعرابه؛ وهذا فاسد؛ إذ لا خلاف أن الاستثناء إذا كان باسم الفاعل فإنه ~~حال؛ فيكون تقدير الآية: " أوفوا بالعقود لا محلين للصيد في إحرامكم ". # ونكث العهد ونقض العقد محرم، والأمر بالوفاء مستمر في هذه الحال وفي كل ~~حال. ولو اختص الوفاء بها في هذه الحال لكان ما عداها بخلاف على رأي ~~القائلين بدليل الخطاب. وذلك باطل أو يكون مسكوتا عنه. وإنما ذكر الأقل من ~~أحوال الوفاء وهو مأمور به في كل حال، وهذا تهجين للكلام وتحقير للوفاء ~~بالعقود. # وأما من قال: أحلت لكم الوحشية، فهو خطأ من وجهين: أحدهما: أن فيه تخصيص ~~بعض المحللات، وهو تخصيص للعموم بغير دليل لا سيما عموم متفق عليه. ~~والثاني: أنه حمل للفظ بهيمة الأنعام على الوحشية دون الإنسية، وذلك تفسير ~~للفظ بالمعنى التابع لمعانيه المختلف منها فيه. # وأما من قال: معناه أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم إلا ما كان ~~منها وحشيا فإنه صيد، ولا يحل لكم الصيد وأنتم حرم. وهذا أشبهها معنى، إلا ~~أن نظام تقديره ليس بجار على قوانين العربية فإنه أضمر فيه ما لا يحتاج ~~إليه، وإنما ينبغي أن يقال [تقديره]: أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى ~~عليكم، غير محلين صيدها وأنتم حرم، فيصح المعنى، ويقل فضول الكلام، ويجري ~~على قانون النحو. ### | [مسألة تثنية الاستثناء في الجملة الواحدة] # وفيها مسألة بديعة؛ وهي: # PageV02P016 # المسألة الثامنة عشرة: [مسألة بديعة، تثنية الاستثناء في الجملة ~~الواحدة]: وهي تثنية الاستثناء في الجملة الواحدة وهي ms0480 ترد على قسمين: ~~أحدهما: أن يتكرر، ويكون الثاني من الأول، كقوله تعالى: {إلا آل لوط إنا ~~لمنجوهم أجمعين} [الحجر: 59] {إلا امرأته} [الحجر: 60]. # الثاني: أن يكون جميعا من الأول، كقوله هاهنا: إلا ما يتلى عليكم إلا ~~الصيد وأنتم محرمون، فقوله: {إلا ما يتلى عليكم} [المائدة: 1] استثناء من ~~بهيمة الأنعام على أحد القولين وأظهرهما، وقوله: إلا الصيد استثناء آخر ~~أيضا معه. # وقد مهدنا ذلك في كتاب ملجئة المتفقهين إلى معرفة غوامض النحويين " # المسألة التاسعة عشرة: في تمثيل لهذا التقدير من حديث النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: وذلك ما روي «أن أبا قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري قال: كنا ~~مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بين مكة والمدينة وهم محرمون وأنا حل على ~~فرس لي، فكنت أرقى على الجبال، فبينما أنا كذلك إذ رأيت الناس مشرفين لشيء، ~~فذهبت لأنظر، فإذا هو حمار وحشي، فقلت لهم: ما هذا؟ فقالوا: لا ندري. فقلت: ~~هو حمار وحشي. قالوا: هو ما رأيت. وكنت نسيت سوطي. فقلت لهم: ناولوني سوطي. ~~فقالوا: لا نعينك عليه، فنزلت وأخذته ثم صرت في أثره، فلم يكن إلا ذاك حتى ~~عقرته؛ فأتيت إليهم فقلت: قوموا فاحتملوا. فقالوا: لا نمسه، فحملته حتى ~~جئتهم به، فأبى بعضهم، وأكل بعضهم. قلت: أنا أستوقف لكم النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فأدركته، فحدثته الحديث، فقال لي: أبقي معكم منه شيء؟ قلت: ~~نعم. قال: فكلوا فهو طعمة أطعمكموها الله». # فأحل لهم الحمر مطلقا إلا ما يتلى عليهم، إلا ما صادوه وهم محرمون منها؛ ~~وما صاده غيرهم فهو حلال لهم، فإنما حرم عليهم منه ما وقع إليهم بصيدهم، ~~إلى تفصيل يأتي بيانه إذا صيد لهم، فإن حرم فإنما هو بدليل آخر غير هذه ~~الآية. # PageV02P017 ### | [مسألة جنين الناقة أو الشاة أو البقرة إذا ذكيت الأم] # المسألة الموفية عشرين: مضى في سرد هذه الأقوال أن من الصحابة من قال في ~~جنين الناقة أو الشاة أو البقرة أو نحوها: إنها من بهيمة الأنعام المحللة. ~~وللعلماء فيه ثلاثة أقوال: # الأول: أنه حلال بكل حال؛ ms0481 قال الشافعي. # الثاني: أنه حرام بكل حال، إلا أن يذكى؛ قال أبو حنيفة. # الثالث: الفرق بين أن يكون قد استقل ونبت شعره وبين أن يكون بضعة كالكبد ~~والطحال؛ قال مالك. وتعلق بعضهم بالحديث المشهور: «ذكاة الجنين ذكاة أمه». ~~ولم يصح عند الأكثر، وصححه الدارقطني واختلفوا في ذكر " ذكاة " الثانية، هل ~~هي برفع التاء فيكون الأول الثاني ولا يفتقر الجنين إلى ذكاة، أو هو بنصب ~~التاء فيكون الأول غير الثاني، ويفتقر إلى الذكاة. # وقد مهدناه في الرسالة الملجئة، وبينا في مسائل الخلاف " أن المعول فيه ~~على اعتبار الجنين بجزء من أجزائها، أم يعتبر مستقلا بنفسه، وقد بينا في ~~كتاب الإنصاف " الحق فيها، وأنه في مذهبنا باعتبار ذكاة المستقبل؛ والله ~~أعلم. # وسنشير إلى شيء من ذلك في الآية بعدها إن شاء الله. ### | [الآية الثانية قوله تعالى يأيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام] # الآية الثانية قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا ~~الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ~~ربهم ورضوانا وإذا حللتم فاصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد ~~الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم ~~والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب} [المائدة: 2] # PageV02P018 # فيها سبع مسائل: # المسألة الأولى {شعائر} [المائدة: 2]: وزنها فعائل، واحدتها شعيرة؛ فيها ~~قولان: # أحدهما: أنه الهدي. # الثاني: أنه كل متعبد؛ منها الحرام في قول السدي، ومنها اجتناب سخط الله ~~في قول عطاء. ومنها مناسك الحج في قول ابن عباس ومجاهد. # وقال علماء النحويين: هو من أشعر: أي: أعلم؛ وهذا فيه نظر؛ فإن فعيلا ~~بمعنى مفعول بأن يكون من فعل لا من أفعل، ولكنه جرى على غير فعله كمصدر جرى ~~على غير فعله، وقد بيناه في رسالة الملجئة. # والصحيح من الأقوال هو الثاني، وأفسدها من قال: إنه الهدي؛ لأنه قد تكرر ~~فلا معنى لإبهامه والتصريح بعد ذلك به. ### | [مسألة قوله تعالى الشهر الحرام] # المسألة الثانية: قوله تعالى: {ولا الشهر ms0482 الحرام} [المائدة: 2]: قد بينا ~~في كل مصنف أن الألف واللام تأتي للعهد وتأتي للجنس؛ فهذه لام الجنس، وهي ~~أربعة أشهر يأتي بيانها مفصلة في سورة " براءة " إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة حقيقة الهدي] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {ولا الهدي} [المائدة: 2] وهي كل حيوان ~~يهدى إلى الله في بيته، والأصل فيه عمومه في كل مهدى، كان حيوانا أو جمادا. # وحقيقة الهدي كل معطى لم يذكر معه عوض، وقد جاء في الحديث الصحيح: «من ~~راح في الساعة الأولى إلى الجمعة فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة ~~السادسة فكأنما قرب بيضة»، وفي بعض الألفاظ: «فكأنما أهدى بدنة، وكأنما # PageV02P019 # أهدى بيضة» # وقد اتفق الفقهاء على أن من قال: ثوبي هدي أنه يبعث بثمنه إلى مكة في ~~اختلاف يأتي بيانه. ### | [مسألة معنى القلائد] # المسألة الرابعة: وأما القلائد فهي كل ما علق على أسنمة الهدايا علامة ~~على أنها لله سبحانه، من نعل أو غيره، وهي سنة إبراهيمية بقيت في الجاهلية ~~وأقرها الإسلام في الحج. وأنكرها أبو حنيفة. وقد ثبت في الصحيح، وذلك مبين ~~في مسائل الخلاف " إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ولا آمين البيت الحرام] # المسألة الخامسة: {ولا آمين البيت الحرام} [المائدة: 2] يعني قاصدين له، ~~من قولهم: أممت كذا، أي قصدته، وهذا عام في كل من قصده باسم العبادة، وإن ~~لم يكن من أهلها، كالكافر، وهذا قد نسخ بقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم} [التوبة: 5] في قول المفسرين، وهو تخصيص غير نسخ على ما بيناه في ~~القسم الثاني، فإنه إن كان أمر بقتل الكفار قد بقيت الحرمة للمؤمنين. ### | [مسألة الصيد في حال الإحرام] # المسألة السادسة: قوله تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا} [المائدة: 2]: وكان ~~سبحانه حرم الصيد في حال الإحرام بقوله تعالى: {غير محلي الصيد} [المائدة: ~~1] ثم أباحه بعد الإحلال، وهو زيادة بيان؛ لأن ربطه التحريم بالإحرام يدل ~~على أنه إذا زال الإحرام زال التحريم، ولكن يجوز أن يبقى التحريم لعلة أخرى ~~غير الإحرام؛ فبين الله سبحانه عدم العلة بما صرح به من الإباحة؛ ms0483 فكان نصا ~~في موضع الاستثناء، وهو محمول على الإباحة اتفاقا، وقد توهم قوم أن حمله ~~على الإباحة إنما كان لأجل تقديم الحظر عليه، وقد بيناه في " أصول الفقه ". # PageV02P020 ### | [مسألة العدوان على آخرين] # المسألة السابعة: قوله تعالى: {ولا يجرمنكم شنآن قوم} [المائدة: 2] على ~~العدوان على آخرين، نزلت هذه الكلمة في «الحكم رجل من ربيعة، قدم على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: بم تأمرنا؟ فسمع منه. وقال: أرجع إلى ~~قومي فأخبرهم. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لقد جاء بوجه كافر ورجع ~~بقفا غادر. ورجع فأغار على سرح من سروح المدينة، فانطلق به، وقدم بتجارة ~~أيام الحج يريد مكة، فأراد ناس من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يخرجوا إليه، فنزلت هذه الآية» أي لا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين بقطع ~~سبل الحج، وكونوا ممن يعين في التقوى، لا في التعدي، وهذا من معنى الآية ~~منسوخ، وظاهر عمومها باق في كل حال، ومع كل أحد، فلا ينبغي لمسلم أن يحمله ~~بغض آخر على الاعتداء عليه إن كان ظالما، فالعقاب معلوم على قدر الظلم، ولا ~~سبيل إلى الاعتداء عليه إن ظلم غيره؛ فلا يجوز أخذ أحد عن أحد. قال الله ~~تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام: 164]. وهذا مما لا خلاف فيه بين ~~الأمة. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير] # وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل ~~السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق ~~اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم ~~وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف ~~لإثم فإن الله غفور رحيم} [المائدة: 3]. # فيها إحدى وعشرون مسألة: # المسألة الأولى: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير} [المائدة: 3] ~~فقد تقدم بيان ذلك في سورة البقرة. # PageV02P021 # وأما قوله: {وما أهل لغير الله به} [المائدة: 3] فسيأتي في سورة الأنعام ~~إن شاء الله. المسألة الثانية " وهو قوله: ms0484 {والمنخنقة} [المائدة: 3]: فهي ~~التي تخنق بحبل بقصد أو بغير قصد، أو بغير حبل. المسألة الثالثة: الموقوذة: ~~التي تقتل ضربا بالخشب أو بالحجر، ومنه المقتولة بقوس البندق. المسألة ~~الرابعة: المتردية: وهي الساقطة من جبل أو بئر. ### | [مسألة الدابة المتندية إذا رميت برمح أو سيف فماتت هل يكون رميها ذكاة أم لا] # وأما المتندية وهي: المسألة الخامسة: [المتندية]: فيقال: ندت الدابة إذا ~~انفلتت من وثاق فندت فخرج وراءها فرميت برمح أو سيف فماتت، فهل يكون رميها ~~ذكاة أم لا؟ فاختلف العلماء في ذلك؛ فذهب بعضهم إلى أنه يكون ذلك ذكاة فيه، ~~وهو اختيار الشافعي وابن حبيب. # وقال آخرون: لا يذكى به، وهو اختيار مالك. # وقد روى البخاري وغيره عن «رافع بن خديج قال: كنا مع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بذي الحليفة، وأصاب الناس جوع، فأصبنا إبلا وغنما، فند منها ~~بعير فطلبوه فلم يقدروا عليه، فأهوى إليه رجل بسهم فحبسه الله؛ فقال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش، فما ند عليكم ~~فاصنعوا به هكذا». فقال الشافعي وغيره: إن تسليط النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - على هذا الفعل دليل على أنه ذكاة له. # وقال الآخرون: إنما هو تسليط على حبسه لا على ذكاته فإنه مقدور عليه في # PageV02P022 # غالب الأحوال، فلا يراعى النادر منه، وإنما يكون ذلك في الصيد حسبما يأتي ~~بيانه إن شاء الله. # وقد روى «أبو العشراء عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله؛ أما تكون الذكاة ~~إلا في الحلق واللبة؟ قال: لو طعنت فخذها لأجزأ عنك». قال يزيد بن هارون: ~~هذا في الضرورة، وهو حديث صحيح أعجب أحمد بن حنبل، ورواه عن أبي داود، ~~وأشار على من دخل عليه من الحفاظ أن يكتبه. ### | [مسألة النطيحة وهي الشاة تنطحها الأخرى بقرونها] # المسألة السادسة النطيحة: وهي الشاة تنطحها الأخرى بقرونها. وقرأ أبو ~~ميسرة: المنطوحة، وهي فعيلة بمعنى مفعولة. # المسألة السابعة: قوله تعالى: {وما أكل السبع} [المائدة: 3] وكان أهل ~~الجاهلية إذا أكل السبع شاة أكلوا بقيتها؛ قاله ابن عباس ms0485 وقتادة وغيرهما. ### | [مسألة معنى قوله تعالى إلا ما ذكيتم] # المسألة الثامنة: قوله تعالى: {إلا ما ذكيتم} [المائدة: 3] فيه ثلاثة ~~أقوال: # الأول: أنه استثناء مقطوع عما قبله غير عائد إلى شيء من المذكورات، وذلك ~~مشهور في لسان العرب، يجعلون إلا بمعنى لكن، من ذلك قوله: {وما كان لمؤمن ~~أن يقتل مؤمنا إلا خطأ} [النساء: 92]. معناه: لكن إن قتله خطأ، وقد تقدم ~~كلامنا عليه، وأنشد بعضهم لأبي خراش الهذلي: # أمسى سقام خلاء لا أنيس به ... إلا السباع ومر الريح بالغرف # PageV02P023 # أراد إلا أن يكون به السباع، أو لكن به السباع. وسقام: واد لهذيل. ومنه ~~قول الشاعر: # وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس # وقال النابغة: # وقفت بها أصيلانا أسائلها ... عيت جوابا وما بالربع من أحد # إلا الأواري لأيا ما أبينها ... والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد # ومن أبدعه قول جرير: # من البيض لم تظعن بعيدا ولم تطأ ... من الأرض إلا ذيل برد مرحل # كأنه قال: لم تطأ على الأرض إلا أن تطأ ذيل برد مرحل. أخبرنا بذلك كله ~~أبو الحسن الطيوري عن البرمكي، والقزويني عن أبي عمر بن حيوة عن أبي عمر ~~محمد بن عبد الواحد، ومن أصله نقلته. # الثاني: أنه استثناء متصل، وهو ظاهر الاستثناء، ولكنه يرجع إلى ما بعد ~~قوله تعالى: {وما أهل لغير الله به} [المائدة: 3] من المنخنقة إلى ما أكله ~~السبع. # الثالث: أنه يرجع الاستثناء إلى التحريم لا إلى المحرم، ويبقى على ظاهره. ~~المسألة التاسعة: في المختار: وذلك أنا نقول: إن الاستثناء المنقطع لا ينكر ~~في اللغة ولا [في الشريعة] في # PageV02P024 # القرآن ولا في الحديث حسبما أشرنا إليه في سورة النساء، كما أنه لا يخفى ~~أن الاستثناء المتصل هو أصل اللغة، وجمهور الكلام، ولا يرجع إلى المنقطع ~~إلا إذا تعذر المتصل. وتعذر المتصل يكون من وجهين: إما عقليا وإما شرعيا؛ ~~فتعذر الاتصال العقلي هو ما قدمناه من الأمثلة قبل هذا في الأول. # وأما التعذر الشرعي فكقوله تعالى: {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها ~~إلا قوم يونس} [يونس: 98]. # فإن قوله: ms0486 {إلا قوم يونس} [يونس: 98] ليس رفعا لمتقدم، وإنما هو بمعنى ~~لكن. وقوله: {طه - ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} [طه: 1 - 2] {إلا تذكرة ~~لمن يخشى} [طه: 3]. # وقوله: {إني لا يخاف لدي المرسلون} [النمل: 10] {إلا من ظلم} [النمل: ~~11]. عدنا إلى قوله: {إلا ما ذكيتم} [المائدة: 3]، قلنا: فأما الذي يمنع أن ~~يعود إلى ما يمكن إعادته إليه، وهو قوله: {والمنخنقة} [المائدة: 3] إلى ~~آخرها، ### | [مسألة إذا أدركت ذكاة الموقوذة وهي تحرك يدا أو رجلا] # كما قال علي - رضي الله عنه -: " إذا أدركت ذكاة الموقوذة وهي تحرك يدا ~~أو رجلا فكلها "، وبه قال ابن عباس، وزيد بن ثابت؛ وهو خال عن مانع شرعي ~~يرده؛ بل قد أحله الشرع؛ فقد ثبت «أن جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنما ~~بالجبل الذي بالسوق، وهو سلع، فأصيبت منها شاة فكسرت حجرا فذبحتها، فذكروا ~~ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فأمر بأكلها». # وروى النسائي عن زيد بن ثابت: «أن ذئبا نيب شاة فذبحوها بمروة، فرخص ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في أكلها». # PageV02P025 # المسألة العاشرة: اختلف قول مالك في هذه الأشياء؛ فروي عنه أنه لا يؤكل ~~إلا ما كان بذكاة صحيحة. والذي في الموطأ عنه أنه إن كان ذبحها ونفسها يجري ~~وهي تطرف فليأكلها، وهذا هو الصحيح من قوله الذي كتبه بيده، وقرأه على ~~الناس من كل بلد عمره، فهو أولى من الروايات الغابرة، لا سيما والذكاة ~~عبادة كلفها الله سبحانه عباده للحكمة التي [يأتي] بيانها في سورة الأنعام ~~إن شاء الله تعالى. # وهذا هو أحد متعلقات الذكاة، وهو القول في الذكاة، وهو يتعلق بأربعة ~~أنواع: المذكي، والمذكى، والآلة، والتذكية نفسها. # فأما المذكى فيتعلق القول فيه بأنواع المحللات والمحرمات، وسيأتي ذلك في ~~سورة الأنعام إن شاء الله. وأما المذكي: وهو الذابح فبيانه فيها إن شاء ~~الله. # وأما التذكية نفسها والآلة فهذا موضع ذلك: المسألة الحادية عشرة: في ~~التذكية: وهي في اللغة عبارة عن التمام، ومنه ذكاء السن، ويقال: ذكيت النار ~~إذا أتممت اشتعالها، فقال بعضهم: لا بد أن تبقى في ms0487 المذكاة بقية تشخب معها ~~الأوداج ويضطرب اضطراب المذبوح. # وقد تقدم قوله في الحديث المتقدم الذي صرح فيه بأن الشاة أدركها الموت، ~~وهذا يمنع من شخب أوداجها، وإنما أصاب الغرض مالك في قوله: إذا ذبحها ~~ونفسها تجري وهي تضطرب إشارة إلى أنها وجد فيها قتل صار باسم الله المذكور ~~عليها ذكاة، أي # PageV02P026 # تمام يحلها وتطهير لها، كما جاء في الحديث في الأرض النجسة: «ذكاة الأرض ~~يبسها». وهي في الشرع عبارة عن إنهار الدم، وفري الأوداج في المذبوح، ~~والنحر في المنحور، والعقر في غير المقدور عليه كما تقدم؛ مقرونا ذلك بنية ~~القصد إليه. وذكر الله تعالى عليه كما يأتي بيانه في سورة الأنعام إن شاء ~~الله تعالى. # والأصل في ذلك الحديث الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه قيل ~~له: إنا لاقو العدو غدا، وليس معنا مدى، أفنذبح بالقصب؟ فقال: ما أنهر ~~الدم، وذكر اسم الله عليه فكلوه، ليس السن والظفر. وسأخبركم: أما السن ~~فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة». # وروى النسائي، وأبو داود، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أن عدي بن ~~حاتم قال له: أرأيت إن أصاب أحدنا صيدا وليس معه سكين، أنذبح بالمروة وشقة ~~العصا؟ قال: انهر الدم بما شئت، واذكر اسم الله تعالى». وقد تقدم في حديث ~~جارية كعب بن مالك. # PageV02P027 # والصحيح أنها ذبحت بمروة، وأجازه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ~~المسألة الثانية عشرة: ليس في الحديث الصحيح ذكر الذكاة بغير إنهار الدم، ~~فأما فري الأوداج وقطع الحلقوم والمريء فلم يصح فيه شيء. وقال مالك وجماعة: ~~لا تصح الذكاة إلا بقطع الحلقوم والودجين. # وقال الشافعي: يصح بقطع الحلقوم والمريء ولا يحتاج إلى الودجين بتفصيل قد ~~ذكرناه في المسائل. وتعلق علماؤنا بحديث رافع بن خديج أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «افر الودجين واذكر اسم الله». # ولم يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب شيء لا لنا ولا ~~لهم؛ وإنما المعول على المعنى؛ فالشافعي اعتبر قطع مجرى الطعام والشراب ~~الذي لا يكون معه حياة، ms0488 وهو الغرض من الموت. وعلماؤنا اعتبروا الموت على ~~وجه يطيب معه اللحم، ويفترق فيه الحلال وهو اللحم، من الحرام، وهو الدم ~~بقطع الأوداج؛ وهو مذهب أبي حنيفة. وعليه يدل صحيح الحديث في قوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «ما أنهر الدم». وهذا بين لا غبار عليه. ### | [مسألة لا تصح الذكاة إلا بنية] # المسألة الثالثة عشرة: لا تصح الذكاة إلا بنية: ولذلك قلنا: لا تصح من ~~المجنون ومن لا يعقل، لأن الله تعالى منعها من المجوسي؛ وهذا يدل على ~~اعتبار النية، ولو لم يعتبر القصد لم يبال ممن وقعت، وسنكمل القول فيه في ~~سورة الأنعام. ### | [مسألة ذبحها من القفا ثم استوفى القطع وأنهر الدم وقطع الحلقوم والودجين] # المسألة الرابعة عشرة: ولو ذبحها من القفا، ثم استوفى القطع، وأنهر الدم، ~~وقطع الحلقوم والودجين، لم تؤكل عند علمائنا. # PageV02P028 # وقال الشافعي: تؤكل؛ لأن المقصود قد حصل، وهذا ينبني على أصل نحققه لكم؛ ~~وهو أن الذكاة وإن كان المقصود بها إنهار الدم، ولكن فيها ضرب من التعبد ~~والتقرب إلى الله سبحانه؛ لأن الجاهلية كانت تتقرب بذلك لأصنامها وأنصابها، ~~وتهل لغير الله فيها، وتجعلها قربتها وعبادتها، فأمر الله تعالى بردها إليه ~~والتعبد بها له، وهذا يقتضي أن يكون لها نية ومحل مخصوص. وقد ذبح النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في الحلق، ونحر في اللبة؛ وقال: «إنما الذكاة في ~~الحلق واللبة»، فبين محلها، وقال مبينا لفائدتها: «ما أنهر الدم، وذكر اسم ~~الله عليه، فكل». # فإذا أهمل ذلك، ولم يقع بنية ولا شرط ولا صفة مخصوصة زال منها حظ التعبد. ### | [مسألة الذبح بالقصب والحجر] # المسألة الخامسة عشرة: في الآلة: وقد بينها النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في الحديث الصحيح في قوله: «ما أنهر الدم». # وتجويزه الذبح بالقصب، والحجر إذا وجد ذلك بصفة الحدة يقطع ويريح ~~الذبيحة، ولا يكون معراضا يخنق ولا يقطع، أو يجرح ولا يفصل؛ فإن كان كذلك ~~لم يؤكل. ### | [مسألة الذبح بالسن والظفر] # وأما السن والظفر، ففيه ثلاثة أقوال: الأول: يجوز بالعظم؛ قاله في ~~المدونة. # والثاني: لا ms0489 يجوز بالعظم والسن؛ قاله في كتاب محمد، وبه قال الشافعي. # الثالث: إن كانا مركبين لم يذبح بهما، وإن كان كل واحد منهما منفصلا ذبح ~~بهما؛ قاله ابن حبيب [وأبو حنيفة]. # فأما الشافعي فأخذ بمطلق النهي، وجعله عاما في حال الانفصال والاتصال، ~~وأما ابن حبيب وأبو حنيفة فأخذا بالمعنى، وذلك أنه إذا كانا متصلين كان ~~الذبح بهما # PageV02P029 # خنقا، وأما إذا كانا منفصلين كانا بمنزلة الحجر والقصب، وهذا أشبه بمذهب ~~الشافعي، كما أن مذهبنا أولى بمذهب الشافعي؛ لأن الذكاة عندنا عبادة، فكانت ~~باتباع النص في الآلة أولى، وعنده أنها معقولة المعنى، فكان بإنهار الدم ~~بكل شيء أولى، ولكن معنى ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما نص على ~~السن والظفر وقف الشافعي عنده وقفة قاطع للنظر حين قطع الشرع به عنه. # ورأى علماؤنا أن النهي عن السن والظفر، إنما هو لأجل أن من كان يفعله لم ~~يبال أن تخلط الذكاة بالخنق، فإذا كانت على يدي من يفصلهما جاز ذلك إذا ~~انفصلا. ### | [مسألة تذكية المريضة] # المسألة السادسة عشرة: أطلق علماؤنا على المريضة أن المذهب جواز تذكيتها ~~ولو أشرفت على الموت إذا كانت فيها بقية حياة. # وليت شعري أي فرق بين بقية حياة من مرض أو بقية حياة من سبع لو اتسق ~~النظر وسلمت عن الشبه الفكر. # وقد بينا ذلك في المسائل. ### | [مسألة الاستثناء يرجع إلى التحريم لا إلى المحرم] # المسألة السابعة عشرة: قولهم: إن الاستثناء يرجع إلى التحريم لا إلى ~~المحرم، وهو كلام من لم يفهم ما التحريم. # وقد ثبت أن التحريم حكم من أحكام الله تعالى، وقد شرحنا في غير موضع أن ~~الأحكام ليست بصفات للأعيان، وإنما هي عبارة عن قول الله سبحانه، وليس في ~~القول استثناء، إنما الاستثناء في المقول [فيه] وهو المخبر عنه. # PageV02P030 ### | [مسألة معنى قوله تعالى وأن تستقسموا بالأزلام] # المسألة الثامنة عشرة: قوله تعالى: {وأن تستقسموا بالأزلام} [المائدة: 3] ~~معناه: تطلبوا ما قسم لكم، وجعله من حظوظكم وآمالكم ومنافعكم، وهو محرم فسق ~~ممن فعله فإنه تعرض لعلم الغيب، ولا ms0490 يجوز لأحد من خلق الله أن يتعرض للغيب ~~ولا يطلبه؛ فإن الله سبحانه قد رفعه بعد نبيه إلا في الرؤيا. # فإن قيل: فهل يجوز طلب ذلك في المصحف. قلنا: لا يجوز فإنه لم يكن المصحف ~~ليعلم به الغيب؛ إنما بينت آياته، ورسمت كلماته ليمنع عن الغيب؛ فلا ~~تشتغلوا به، ولا يتعرض أحدكم له. المسألة التاسعة عشرة: فإن قيل: فالفأل ~~والزجر كيف حالهما عندك؟ قلنا: أما الفأل فمستحسن باتفاق. # وأما الزجر فمختلف فيه؛ والفرق بينهما أن الفأل فيما يحسن، والزجر فيما ~~يكره. وإنما نهى الشارع عن الزجر لئلا تمرض به النفس ويدخل على القلب منه ~~الهم، وإلا فقد ورد ذلك [في الشرع] عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~الأسماء والأفعال. # وقد بينا ذلك في شرح الحديث حيث ورد ذكره فيه. المسألة الموفية عشرين: ~~الأزلام. كانت قداحا لقوم وحجارة لآخرين، وقراطيس لأناس، يكون أحدها غفلا، ~~وفي الثاني " افعل " أو ما في معناه، وفي الثالث " لا تفعل " أو ما في ~~معناه، ثم يخلطها في جعبة أو تحته ثم يخرجها مخلوطة مجهولة، فإن خرج الغفل ~~أعاد الضرب حتى يخرج له " افعل " أو " لا تفعل " وذلك بحضرة أصنامهم؛ ~~فيمتثلون ما يخرج لهم، ويعتقدون أن ذلك هداية من الصنم لمطلبهم. # وكذا روى ابن القاسم عن مالك كما سردناه لكم. # PageV02P031 ### | [مسألة معنى قوله تعالى فمن اضطر في مخمصة] # المسألة الحادية والعشرون: قوله تعالى: {فمن اضطر في مخمصة} [المائدة: 3] ~~وقد تقدم ذكره في سورة البقرة. ### | [الآية الرابعة قوله تعالى يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات] # وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن ~~عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب} [المائدة: ~~4]. # فيها خمس عشرة مسألة: # المسألة الأولى: قوله تعالى: {الطيبات} [المائدة: 4] روى أبو رافع قال: ~~«جاء جبريل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يستأذن عليه فأذن له، وقال: ~~قد أذنا لك يا رسول الله. قال: أجل، ولكنا لا ندخل بيتا فيه كلب، قال أبو ~~رافع: فأمر أن ms0491 نقتل الكلاب بالمدينة، فقتلت حتى انتهيت إلى امرأة عندها كلب ~~ينبح عليها، فتركته وجئت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته، ~~فأمرني فرجعت إلى الكلب فقتلته، فجاءوا فقالوا: يا رسول الله؛ ما يحل لنا ~~من هذه الأمة التي أمرت بقتلها، فسكت فأنزل الله هذه الآية». # المسألة الثانية: في قوله تعالى: {الطيبات} [المائدة: 4] وهي ضد ~~الخبيثات، وقد أشرنا إليه في سورة البقرة، والطيب ينطلق على معنيين: ~~أحدهما: ما يلائم النفس ويلذها. والثاني: ما أحل الله. والخبيث: ضده، ~~وسيأتي تحقيقه في سورة الأنعام إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة معنى قوله تعالى من الجوارح مكلبين] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {من الجوارح مكلبين} [المائدة: 4] قيل: ~~معناه الكواسب، يقال: جرح إذا كسب، ومنه قوله تعالى: {ويعلم ما جرحتم ~~بالنهار} [الأنعام: 60] # PageV02P032 # فكل كاسب جارح إذا كسب كيفما كان، وممن كان، إلا أن هاهنا نكتة، وهي أن ~~الله تعالى قال: {أحل لكم الطيبات} [المائدة: 4]. فنحن فريق والطيبات فريق، ~~وما علمتم من الجوارح فريق غير الاثنين، وذلك من البهائم التي يعلمها بنو ~~آدم، وقد كانت عندهم معلومة وهي الكلاب المعلمة؛ فأذن الله سبحانه وتعالى ~~لهم في أكل ما صيد بها على ما بيناه آنفا إن شاء الله تعالى. المسألة ~~الرابعة: فإن قيل: فما يبين ذلك تحقيقا؟ قلنا: يبينه ظاهر القرآن والسنة؛ ~~أما ظاهر القرآن فقوله: {مكلبين} [المائدة: 4]، كلب الرجل وأكلب إذا اقتنى ~~كلبا. # وأما السنة فالحديث الصحيح لجميع الأئمة؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «من اقتنى كلبا ليس بكلب ماشية أو صيد نقص من أجره كل يوم قيراطان». ~~والضاري: هو الذي ضرى الصيد في اللغة. # وروى جميعهم عن عدي بن حاتم قال: «قلت: يا رسول الله؛ إني أرسل الكلاب ~~المعلمة فيمسكن علي، وأذكر الله تعالى. فقال: إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت ~~اسم الله فكل مما أمسك عليك؛ فإن ذكاته أخذه وإن قتل، ما لم يشركه كلب آخر. ~~قال: وإن أدركته حيا فاذبحه، وإن وجدت مع كلبك كلبا غيره وقد قتل فلا تأكل ~~منه؛ فإنك لا تدري ms0492 أيهما قتله». وعند جميعهم: «فإن أكل فلا تأكل فإني أخاف ~~أن يكون أمسك على نفسه». # PageV02P033 # وروى أبو داود عن أبي ثعلبة أنه قال: «وإن أكل منه؟ قال: وإن أكل منه». ~~وروى جميعهم عنه نحو الأول عن عدي. وفيه: «فإن صدت بكلب غير معلم فأدركت ~~ذكاته فكل». # فقد فسرت هذه الأحاديث التكليب والتعليم، وهي: ### | [مسألة ركن التعليم في الكلب المعلم] # المسألة الخامسة: فإنه قال فيه: «إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله ~~فكل مما أمسك عليك». والمعلم: هو الذي إذا أشليته انشلى، وإذا زجرته انزجر، ~~فهذا ركن التعليم، وقد حققناه في المسائل. # فلو استرسل على الصيد بنفسه، ثم أغراه صاحبه ففيها روايتان: إحداهما: ~~يؤكل به؛ وبه قال أبو حنيفة. والثانية: لا يؤكل؛ والصحيح جواز أكلها؛ لأنه ~~قد أثر فيه الانشلاء وانزجر عند الانزجار، والقول الأول ضعيف. ### | [مسألة النية شرط في الصيد] # المسألة السادسة: النية شرط في الصيد: لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه». فاعتبر الاسترسال منه ~~والذكر؛ ولذلك قلنا: إنه إذا استرسل بنفسه ثم أغراه فغري في سيره: إنها نية ~~أثرت في الكلب، فإنه عاد إلى رأي صاحبه بعد أن كان خرج لنفسه. ### | [مسألة إذا أكل الكلب الصيد] # المسألة السابعة: إن أكل الكلب: ففيها روايتان: أحداهما: أنها لا تؤكل، ~~وبه قال أبو حنيفة. # PageV02P034 # وللشافعي قولان: أحدهما: مثله، والثاني: يؤكل. والروايتان مبنيتان على ~~حديثي عدي وأبي ثعلبة. وحديث عدي أصح، وهو الذي يعضده ظاهر القرآن، لقوله ~~تعالى: {فكلوا مما أمسكن عليكم} [المائدة: 4]. # وفي المسألة معان كثيرة؛ منها أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~حديث عدي يحمل على الكراهية، بدليل قوله فيه: «فإني أخاف أن يكون أمسك على ~~نفسه». فجعله خوفا، وذلك لا يستقل بالتحريم. وقال علماؤنا: الأصل في ~~الحيوان التحريم، لا يحل إلا بالذكاة والصيد، وهو مشكوك فيه " فبقي على أصل ~~التحريم. # وقال آخرون منهم القول الثاني؛ لأن ذلك لو كان معتبرا لما جاز البدار إلى ~~هجم الصيد من فم الكلب، فإنا نخاف ms0493 أن يكون أمسك على نفسه ليأكل، فيجب إذا ~~التوقف حتى نعلم حال فعل الكلب به، وذلك لا يقول به أحد. # وأيضا فإن الكلب قد يأكل لفرط جوع أو نسيان، وقد يذهل العالم النحرير عن ~~المسألة، فكيف بالبهيمة العجماء أن تستقصي عليها هذا الاستقصاء وقد أخذنا ~~أطراف الكلام في مسائل الخلاف على المسألة فلينظر هناك. ### | [مسألة صيد الكلب الأسود] # المسألة الثامنة: قوله تعالى: {وما علمتم من الجوارح مكلبين} [المائدة: ~~4]: عام في الكلب الأسود والأبيض. # وقال من لا يعرف: إن صيد الكلب الأسود لا يؤكل؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «فإن الكلب الأسود شيطان». وهذا إنما قاله النبي # PageV02P035 # - صلى الله عليه وسلم - في قطع الصلاة، فلو كان الصيد مثله لقاله، ونحن ~~على العموم حتى يأتي من النبي - صلى الله عليه وسلم - لفظ يقتضي صرفنا عنه. ### | [مسألة إذا أدركت ذكاة الصيد فذكه دون تفريط] # المسألة التاسعة: إن أدركت ذكاة الصيد فذكه دون تفريط، فإن فرطت لم يؤكل: ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - شرط ذلك عليك، وفي قوله: «إن وجدت معه ~~كلبا آخر فلا تأكله، فإنك لا تدري من قتله»، نص على اعتبار النية في الذكاة ~~إلا أن يظهر صاحبه إليك وتجتمعا فيقول كل واحد منكما: قد سميت؛ فيكونان ~~شريكين فيه. ### | [مسألة إذا أرسلت كلبا غير معلم فأدركت ذكاته] # المسألة العاشرة: في قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فإن أرسلت كلبا ~~غير معلم فأدركت ذكاته فكل»، دليل على أن الحديث بنهي النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عن ذبح الحيوان لغير مأكلة، إنما هو على معنى العبث لا على ~~معنى طلب الأكل؛ فإنه لا ندري أنا إذا أرسلنا غير المعلم هل يدرك ذكاته أم ~~يعقره. ### | [مسألة الفهد ونحوه إذا علم] # المسألة الحادية عشرة: أما الفهد ونحوه إذا علم فيجوز الاصطياد به. # قال ابن عباس: لو صاد علي ابن عرس لأكلته، وذلك لأنه كلب [كله] في مطلق ~~اللغة، وقد بيناه في ملجئة المتفقهين ". ### | [مسألة جوارح الطير إذا أرسلت] # فأما جوارح الطير، وهي [المسألة الثانية ms0494 عشرة]. المسألة الثانية عشرة: ~~جوارح الطير: فقد روى أشهب، وغيره عن مالك: " أن البازي والصقر والعقاب وما ~~أشبه ذلك من الطير إذا كان معلما يفقه ما يفقه الكلب فإنه يجوز صيده، وبه ~~قال عامة العلماء. وفيه خلاف عن علي لا نبالي به ". # PageV02P036 # واختلف علماؤنا؛ هل يؤخذ صيدها من ظاهر القرآن أو من الحديث؟ فقالت ~~طائفة: يؤخذ من ظاهر القرآن من قوله: {مكلبين} [المائدة: 4]. # والتكليب هو التضرية بالشيء والتسليط عليه لغة، وهذا يعم كل معلم مكلب ~~ضار. وقال: أخذ من الحديث، وروى عدي بن حاتم عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- «أنه سأل عن صيد البازي، فقال: ما أمسك عليك فكل». رواه الترمذي وغيره، ~~فعلق النبي - صلى الله عليه وسلم - الأكل في صيد البازي على ما علق الله ~~سبحانه الأكل في صيد الكلب، وهو الأكل مما أمسك عليك حسبما بيناه. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وما علمتم من الجوارح مكلبين] # المسألة الثالثة عشرة: قوله تعالى: {وما علمتم من الجوارح مكلبين} ~~[المائدة: 4] اتفقت الأمة على أن الآية لم تأت لبيان التحليل في المعلم من ~~الجوارح الأكل، وإنما مساقها تحليل صيده، وقالوا في تأويله: أحل لكم ~~الطيبات وصيد ما علمتم من الجوارح. فحذف " صيد " وهو المضاف، وأقام ما بعده ~~وهو المضاف إليه مقامه. # ويحتمل أن يكون معناه أحل لكم الطيبات، والذي علمتم من الجوارح مبتدأ، ~~والخبر في قوله: {فكلوا مما أمسكن عليكم} [المائدة: 4]. وقد تدخل الفاء في ~~خبر المبتدأ كما قال الشاعر: # وقائلة خولان فانكح فتاتهم ... وأكرومة الحيين خلو كما هيا # وقد حققنا ذلك في رسالة ملجئة المتفقهين ". المسألة الرابعة عشرة: قوله ~~تعالى: {فكلوا مما أمسكن عليكم} [المائدة: 4] عام بمطلقه في كل ما أمسك ~~الكلب عليه، إلا أنه خاص بالدليل في كل ما أحله الله من جنس كالظباء والبقر ~~والحمر، أو من جزء كاللحم والجلد دون الدم. وهذا عموم دخله التخصيص بدليل ~~سابق له. # PageV02P037 ### | [مسألة معنى قوله تعالى فكلوا مما أمسكن عليكم] # المسألة الخامسة عشرة: قوله تعالى: {فكلوا مما أمسكن عليكم} [المائدة: 4] ~~هل يتضمن ms0495 ما إذا غاب عنك الصيد أم لا؟ فقال مالك: " إذا غاب عنك فليس بممسك ~~عليك " وإذا بات فلا تأكله في أشهر القولين. # وقال الشافعي: يؤكل وتعلق علماؤنا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«كل ما أصميت ودع ما أنميت». فالإصماء في اللغة: الإسراع، أي كل ما قتل ~~مسرعا، وأنت تراه، ودع ما أنميت: أي ما مضى من الصيد وسهمك فيه؛ قال امرؤ ~~القيس: # فهو لا تنمي رميته ... ما له لا عد من نفره # والصحيح أكله وإن غاب ما لا تجده غريقا في الماء أو عليه أثر غير أثر ~~سهمك. والأصل في ذلك حديث عدي بن حاتم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~«قال له: كله ما لم تجده غريقا في الماء، فإنك لا تدري أسهمك قتله أم لا»، ~~كما أخرجه مسلم والبخاري وغيرهما. # وفي حديث أبي ثعلبة الخشني: «إذا رميت بسهمك فغاب عنك فأدركته فكله بعد ~~ثلاث ما لم ينتن». رواه البخاري ومسلم وغيرهما: زاد النسائي «ولم يأكل منه ~~سبع فكله». ### | [الآية الخامسة قوله تعالى اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم] # وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب ~~من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر ~~بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين} [المائدة: 5]. # PageV02P038 # فيها عشر مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: {اليوم أحل لكم} [المائدة: ~~5] قد تكرر ذلك اليوم ثلاث مرات، وفي تأويل ذلك ثلاثة أقوال: الأول: أنه ~~يوم الاثنين بالمدينة. الثاني: أنه بمعنى الآن؛ لأن العرب تقول اليوم كذا ~~بمعنى الآن، كأنه وقت الزمان. الثالث: أنه يوم عرفة. المسألة الثانية: في ~~تنخيل هذه الأقوال: وبيانه أن كونه يوم الاثنين ضعيف. # وأما كونه بمعنى الزمان فصحيح محتمل؛ لأن ذلك لا يناقض غيره. والصحيح أن ~~قوله: {اليوم أكملت لكم دينكم} [المائدة: 3] هو يوم عرفة، لما ثبت في ~~الصحاح أن يهوديا قال لعمر: لو نزلت علينا هذه الآية لاتخذنا ذلك عيدا. ~~فقال عمر: " قد علمت في ms0496 أي يوم نزلت هذه الآية، نزلت بعرفة يوم جمعة ". # وثبت في صحيح الترمذي أن يهوديا قال لابن عباس ذلك، فراجعه ابن عباس بمثل ~~ما راجعه عمر. فيحتمل أن يكون اليومان قبله وبعده راجعة إليه، ويحتمل أن ~~يكون أياما سواها؛ والظاهر أنها هي بعينها. # PageV02P039 # المسألة الثالثة: في معنى كمال الدين وتمام النعمة فيه: وفي ذلك كلام ~~طويل لبابه في سبعة أقوال: الأول: أنه معرفة الله، أراد: " اليوم عرفتكم ~~بنفسي بأسمائي وصفاتي وأفعالي فاعرفوني ". # الثاني: اليوم قبلتكم وكتبت رضائي عنكم لرضائي لدينكم؛ فإن تمام الدين ~~إنما يكون بالقبول. # الثالث: اليوم أكملت لكم دعاءكم؛ أي استجبت لكم دعاءكم، ودعاء نبيكم لكم. ~~ثبت في الصحاح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أفضل الدعاء دعاء يوم ~~عرفة». # الرابع: اليوم أظهرتكم على العدو بجمع الحرمين له أو بتعريف ذلك فيه. # الخامس: اليوم طهرت لكم الحرم عن دخول المشركين فيه معكم، فلم يحج بعد ~~ذلك العام مشرك، ولا طاف بالبيت عريان، ولا كان الناس صنفين في موقفهم؛ بل ~~وقفوا كلهم في موقف واحد. # السادس: اليوم أكملت لكم الفرائض وانقطع النسخ. # السابع: أنه بكمال الدين لم ينزل بعد هذه الآية شيء؛ وذلك أن الله سبحانه ~~لم يزل يصرف نبيه وأصحابه في درجات الإسلام ومراتبه درجة درجة حتى أكمل ~~شرائعه ومعالمه وبلغ أقصى درجاته، فلما أكمله تمت به النعمة ورضيه دينا، ~~كما هو عليه الآن؛ يريد: فالزموه ولا تفارقوه ولا تغيروه، كما فعل سواكم ~~بدينه. المسألة الرابعة: في المختار من هذه الأقوال: كلها صحيحة، وقد فعلها ~~الله سبحانه فلا يختص بعضها دون بعض؛ بل يقال إن جميعها مراد الله سبحانه ~~وما تعلق بها مما كان في معناها، إلا أن قوله: إنه لم ينزل # PageV02P040 # بعده آية ولا ذكر بعده حكم لا يصح؛ وقد ثبت عن البراء في الصحيح أن ~~البراء قال: " آخر آية نزلت {يستفتونك} [النساء: 176] وآخر سورة نزلت " ~~براءة ". # وفي الصحيح، عن ابن عباس قال: " آخر آية نزلت آية الربا ". وقد روي أنها ~~نزلت قبل موت النبي - صلى ms0497 الله عليه وسلم - بيسير. والذي ثبت في تاريخه ~~حديث عمر وابن عباس في قوله: {اليوم أكملت لكم دينكم} [المائدة: 3] أنه يوم ~~عرفة، فهذا تاريخ صحيح لا غبار عليه، ويأتي تمامه في سورة الأنعام إن شاء ~~الله تعالى. ### | ### | [مسألة معنى قوله تعالى وطعام الذين أوتوا الكتاب # حل لكم] # المسألة الخامسة: قوله تعالى: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم} ~~[المائدة: 5] في ذكر الطعام قولان: أحدهما: أن كل مطعوم على ما يقتضيه مطلق ~~اللفظ وظاهر الاشتقاق. وكان حالهم يقتضي ألا يؤكل طعامهم لقلة احتراسهم عن ~~النجاسات، لكن الشرع سمح في ذلك؟ لأنهم أيضا يتوقون القاذورات، ولهم في ~~دينهم مروءة يوصلونها؛ ألا ترى أن المجوس الذين لا تؤكل ذبائحهم لا يؤكل ~~طعامهم ويستقذرون ويستنجسون في أوانيهم، روي عن أبي ثعلبة الخشني أنه قال: ~~«سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قدور المجوس. فقال: أنقوها غسلا ~~واطبخوا فيها». وهو حديث مشهور، وذكره الترمذي وغيره عن أبي ثعلبة وصححه ~~أنه قال: «يا رسول الله؛ إنا بأرض أهل الكتاب فنطبخ في قدورهم ونشرب في ~~آنيتهم؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن لم تجدوا غيرها ~~فارحضوها بالماء». قال: وهو صحيح، خرجه البخاري وغيره. # PageV02P041 # وغسل آنية المجوس فرض، وغسل آنية أهل الكتاب فضل وندب؛ فإن أكل ما في ~~آنيتهم يبيح الأكل بعد ذلك فيها. # والدليل على صحة ما روى الدارقطني " أن عمر توضأ من جرة نصرانية "، وصححه ~~وأدخله البخاري في التراجم. وربما ظن بعضهم أن أكل طعامهم رخصة، فإذا احتجت ~~إلى آنيتهم فغسلها عزيمة؛ لأنه ليس بموضع للرخصة. قلنا: رخصة أكل طعامهم حل ~~تأصل في الشريعة واستقر، فلا يقف على موضعه؛ بل يسترسل على محاله كلها، ~~كسائر الأصول في الشريعة. # الثاني: أن المراد به ذبائحهم، وقد أذن الله سبحانه في طعامهم: قال لي ~~شيخنا الإمام الزاهد أبو الفتح نصر بن إبراهيم النابلسي في ذلك كلاما ~~كثيرا، لبابه: أن الله سبحانه قد أذن في طعامهم، وقد علم أنهم يسمون غيره ~~على ذبائحهم، ولكنهم لما تمسكوا بكتاب الله ms0498 وعلقوا بذيل نبي جعلت لهم حرمة ~~على أهل الأنصاب. وقد قال مالك: " تؤكل ذبائحهم المطلقة إلا ما ذبحوا يوم ~~عيدهم أو لأنصابهم ". # وقال جماعة العلماء: تؤكل ذبائحهم وإن ذكروا عليها اسم غير المسيح، وهي ~~مسألة حسنة نذكر لكم منها قولا بديعا: وذلك أن الله سبحانه حرم ما لم يسم ~~الله عليه من الذبائح، وأذن في طعام أهل الكتاب وهم يقولون: [إن] الله هو ~~المسيح ابن مريم، وإنه ثالث ثلاثة. تعالى الله # PageV02P042 # عن قولهم علوا كبيرا. # فإن لم يذكروا اسم الله سبحانه أكل طعامهم، وإن ذكروا فقد علم ربك ما ~~ذكروا، وأنه غير الإله، وقد سمح فيه فلا ينبغي أن يخالف أمر الله، ولا يقبل ~~عليه، ولا تضرب الأمثال له. # وقد قلت لشيخنا أبي الفتح المقدسي: إنهم يذكرون غير الله. فقال لي: هم من ~~آبائهم، وقد جعلهم الله تبعا لمن كان قبلهم مع علمه بحالهم. وبهذا استدل ~~بعض الشافعية على أن التسمية على الذبيحة ليست بشرط؛ قال: لو سمى النصراني ~~الإله حقيقة لم تكن تسميتهم على شرط العبادة؛ لأنهم لا يعرفون المعبود، ~~فليست تسميتهم على طريق العبادة، واشتراطهم التسمية على غير وجه العبادة لا ~~يعقل. قلنا: تعقل صورة التسمية، ولها حرمة، وإن لم يعلم المسمي من يسمي. # ولو شرطنا العلم بحقيقة الإيمان ما جاز أكل كثير من ذبح من يسمي من ~~المسلمين، وإنما حرم الشرع ذبحا يذكر عليه غير الله تصريحا. فأما من يقصد ~~الله فيصيب قصده فهو الذي لا كلام فيه. # وأما الذي يسميه فيخطئ قصده فذلك الذي رخص فيه؛ فإذا قال " الله " وهو ~~يقصد المسيح، أو المسيح وهو يقصد الله فيرجع أمره إلى الله سبحانه، ولكنه ~~ضل عن الطريق وسمح لك فيه الإله الذي ضل أهل الكتاب عنه، وخفف حالهم بهذه ~~الشعبة الخفية من القصد إليه، فلا يعترض عليه. # [فإن قيل: فما أكلوه على غير وجه الذكاة كالخنق وحطم الرأس؟ فالجواب: أن ~~هذه ميتة، وهي حرام بالنص، وإن أكلوها فلا نأكلها نحن كالخنزير فإنه حلال ~~لهم، ومن طعامهم، وهو ms0499 حرام علينا، فهذه أمثلة والله أعلم]. # وأما ذبائح الكتابيين فقد سئل أبو الدرداء عما يذبح لكنيسة اسمها سرجس، ~~فأمر بأكله، ولذلك قال عبادة بن الصامت وقال الشافعي وعطاء: تؤكل ذبائحهم، ~~وإن # PageV02P043 # ذكر غير الله عليها، وهذا ناسخ لقوله تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم ~~الله عليه} [الأنعام: 121]. # وقد بينا في القسم الثاني أنه ليس بنسخ، وسنشير إليه في سورة الأنعام إن ~~شاء الله تعالى. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وطعام الذين أوتوا الكتاب] # المسألة السادسة: لما قال الله سبحانه: {وطعام الذين أوتوا الكتاب حل ~~لكم} [المائدة: 5] تضمن أهل الكتاب وهم بنو إسرائيل، فهل يدخل عليهم من دان ~~بدينهم، وإن لم يكن منهم؟ ينبني على أصل من أصول الفقه وهو أن من لم يدعه ~~النبي فاتبعه، هل يكون له حكم من دعائه أم لا؟ وقد بينا في موضعه أنه إن لم ~~يكن على شرع دخل في حكمهم، أو كان على شرع درس عنه. # إذا ثبت هذا فنصارى بني تغلب من العرب مما اختلف فيه العلماء؛ فروي عن ~~ابن عباس أنه تؤكل ذبائحهم، وألحقهم بالكتابيين؛ لقوله تعالى: {ومن يتولهم ~~منكم فإنه منهم} [المائدة: 51]، وبه قال الشعبي والشافعي. وقرأ الشعبي: ~~{وما كان ربك نسيا} [مريم: 64]. وقاله ابن شهاب، وقال: لأنهم يذكرون اسم ~~الله سبحانه إشارة إلى ما قلناه من تعلقهم باللفظ؛ وبهذا قال جماعة كثيرة. # وعن علمائنا روايتان: إحداهما ما تقدم. والثانية: لا تؤكل ذبائحهم. وبه ~~قال ابن عمر وعائشة وعلي. # وقال: لأنهم لا يحللون ما تحلل النصارى ولا يحرمون ما يحرمون. وهذا دليل ~~أنه لم يلحقهم بهم؛ لأنهم لم يتولوهم، ولا دانوا بدينهم، ولو تعلقوا به ~~لوافق ابن عباس في حالهم وحكمهم لما قدمناه من الأدلة. ### | [مسألة الصيد وطعام أهل الكتاب من الطيبات التي أباحها الله] # المسألة السابعة: قوله تعالى: {أحل لكم الطيبات وما علمتم} [المائدة: 4]، ~~إلى قوله: {أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب} [المائدة: 5] دليل ~~قاطع على أن الصيد وطعام أهل الكتاب من الطيبات التي أباحها الله عز وجل، ~~وهو ms0500 الحلال المطلق، وإنما كرره الله سبحانه ليرفع الشكوك ويزيل # PageV02P044 # الاعتراضات [ولكن الخواطر الفاسدة هي التي توجب الاعتراضات]، ويخرج إلى ~~تطويل القول. # ولقد سئلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة ثم يطبخها: هل يؤكل معه أو تؤخذ ~~طعاما منه؟ وهي: المسألة الثامنة: فقلت: تؤكل؛ لأنها طعامه وطعام أحباره ~~ورهبانه، وإن لم تكن هذه ذكاة عندنا، ولكن الله تعالى أباح طعامهم مطلقا، ~~وكل ما يرون في دينهم فإنه حلال لنا في ديننا، إلا ما كذبهم الله سبحانه ~~فيه. # ولقد قال علماؤنا: إنهم يعطوننا أولادهم ونساءهم ملكا في الصلح فيحل لنا ~~وطؤهن، فكيف لا تحل ذبائحهم والأكل دون الوطء في الحل والحرمة. ### | [مسألة معنى قوله تعالى والمحصنات من المؤمنات] # المسألة التاسعة: قوله تعالى: {والمحصنات من المؤمنات} [المائدة: 5] قد ~~تقدم ذكر ذلك في سورة النساء، وبينا اختلاف العلماء واحتمال اللفظ لأن يكون ~~المحصنات من المؤمنات الحرائر والعفائف. وقد روي عن عمر في ذلك روايات ~~كثيرة في قصص مختلفة؛ منها أن امرأة من همدان يقال لها نبيشة بغت، فأرادت ~~أن تذبح نفسها فأدركوها فقدوها، فذكروه أيضا لعمر بن الخطاب فقال: " ~~انكحوها نكاح الحرة العفيفة المسلمة ". وقال الشعبي: " إحصانها أن تغتسل من ~~الجنابة وتحصن فرجها من الزنا ". # وسئل ابن عباس عن هذه النازلة فقال: من نساء أهل الكتاب من يحل لنا، ~~ومنهم من لا يحل لنا، ثم تلا: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر} [التوبة: 29] إلى قوله: {حتى يعطوا الجزية عن يد} [التوبة: 29]. ~~قال: فمن أعطى الجزية حل لنا نساؤهم، ومن لم يعط لم يحل لنا نساؤه. ومن ~~هاهنا يخرج أن نكاح إماء أهل الكتاب لا يجوز لأنهن لا جزية عليهن. # PageV02P045 # فإن قيل: وكذلك الحرائر. قلنا: حلوا بدليل آخر. وقيل: عنى بذلك نساء بني ~~إسرائيل دون سائر الأمم الذين دانوا بدين بني إسرائيل. والصحيح أنهم داخلون ~~معهم في ذبائحهم ونكاحهم لقوله: فإنه منهم. # فإن قيل: فما المراد بقوله تعالى: {حتى يعطوا الجزية عن يد} [التوبة: 29] ~~هل المراد بذلك نفس الإعطاء والالتزام، أو يكون المراد من ms0501 تقبل منهم ~~الجزية؟ قلنا: أما مذهب ابن عباس فلقد تلوته عليكم. # وأما سائر العلماء فيقولون: إنما المراد من تقبل منه الجزية؛ لقوله ~~تعالى: {والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم} [المائدة: 5]. وذكر ~~الجزية إنما هو في القتال لا في النكاح، إلا أن العلماء كرهوا نكاح الحربية ~~لئلا يولد له فيهم فيتنصروا وتجري عليهم أحكامهم. ### | [مسألة معنى قوله تعالى محصنين غير مسافحين] # المسألة العاشرة: قوله تعالى: {محصنين غير مسافحين} [المائدة: 5] قد تقدم ~~في سورة النساء، وأراد به في قول علمائنا غير متعالنين بالزنا كالبغايا، ~~ولا ممن يتخذ أخدانا، معناه يختص بزان معلوم وبزانية معلومة. # وفي هذا تخصيص قوله تعالى: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة} [النور: ~~3] الآية كما تقدم بيانه. ### | [الآية السادسة قوله تعالى يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة] # الآية السادسة قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ~~وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط ~~أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم ~~وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم ~~نعمته عليكم لعلكم تشكرون} [المائدة: 6] # PageV02P046 # فيها اثنتان وخمسون مسألة: # المسألة الأولى: ذكر العلماء أن هذه الآية من أعظم آيات القرآن مسائل ~~وأكثرها أحكاما في العبادات، وبحق ذلك، فإنها شطر الإيمان، كما قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «الوضوء شطر الإيمان»، في صحيح الخبر عنه. ولقد قال ~~بعض العلماء: إن فيها ألف مسألة، واجتمع أصحابنا بمدينة السلام فتتبعوها ~~فبلغوها ثمانمائة مسألة، ولم يقدروا أن يبلغوها الألف، وهذا التتبع إنما ~~يليق بمن يريد تعريف طرق استخراج العلوم من خبايا الزوايا، والذي يليق الآن ~~في هذه العجالة مما نحن فيه الانتداب إلى انتزاع الجلي وأن نتعرض لما يسنح ~~خاصة من ظاهر مسائلها. # المسألة الثانية: في سبب نزولها: لا خلاف بين العلماء أن الآية مدنية كما ~~تقدم ذكره في سورة النساء، ms0502 وأنها نزلت في قصة عائشة، كما أنه لا خلاف أن ~~الوضوء كان مفعولا قبل نزولها غير متلو؛ ولذلك قال علماؤنا: إن الوضوء كان ~~بمكة سنة، معناه كان مفعولا بالسنة، فأما حكمه فلم يكن قط إلا فرضا. # وقد روى ابن إسحاق وغيره «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما فرض الله ~~سبحانه عليه الصلاة ليلة الإسراء ونزل جبريل ظهر ذلك اليوم ليصلي به فغمز ~~الأرض بعقبه، فأنبعت ماء، وتوضأ معلما له، وتوضأ هو معه، وصلى، فصلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -». وهذا صحيح وإن كان لم يروه أهل الصحيح، ~~ولكنهم تركوه لأنهم لم يحتاجوا إليه، وقد كان الصحابة # PageV02P047 # السيد والعلماء يتغافلون عن الحديث الذي لا يحتاجون إليه، وإن ذهب. ~~ويكرهون أن يبتدئوا بذكره حتى يحتاج إليه بخلاف القرآن حسبما تقدم بيانه. ### | [مسألة الخطاب في قوله تعالى يأيها الذين آمنوا] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} [المائدة: 6]: هذا ~~الخطاب وإن كان مصرحا بالمؤمنين فإن الكافرين داخلون فيه؛ لما ثبت من أنهم ~~يدخلون في فروع الشريعة بالأدلة القاطعة، ولكن الله سبحانه هاهنا خص الخطاب ~~الملزم للإيمان؛ لأن النازلة عرضت له، والقصة دارت عليه. ### | [مسألة النية في الطهارة] # المسألة الرابعة: قال لنا شيخنا فخر الإسلام بمدينة السلام: قوله تعالى: ~~{يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} [المائدة: 6]: معناه: إذا أردتم ~~القيام إلى الصلاة؛ لأن الوضوء حالة القيام إلى الصلاة لا يمكن، والإرادة ~~هي النية؛ فدل على أن النية في الطهارة واجبة فيه. وبه قال مالك والشافعي، ~~وأكثر العلماء. وروى الوليد بن مسلم عن مالك أنها غير واجبة. وبه قال أبو ~~حنيفة والأوزاعي، وهي من طيوليات مسائل الخلاف، وقد بيناها فيه. والأصل ~~المحقق أنها عبادة مقصودة بدليل أنها شطر الإيمان، والعبادات لا يتعبد بها ~~إلا مع النية، ويخالف الشعبي إلا الجمعة. فإنه ليس بعبادة مقصودة، والله ~~أعلم. # المسألة الخامسة: قال زيد بن أسلم: معناه إذا قمتم إلى الصلاة من النوم، ~~وفي ذلك نزلت الآية. وبين هذا أن النوم حدث، وبه قال ms0503 جملة الأمة، سمعت عن ~~أبي موسى الأشعري أنه لم يكن يراه حدثا، ولم يثبت ذلك عندي عنه. وروي لي عن ~~بعض التابعين أنه لم يره حدثا. والدليل على بطلان قوله أن هذه الآية نزلت ~~في النائمين، فلا بد أن يتناولهم؛ لأن # PageV02P048 # الآية والخبر إذا كان الذي أثارهما سببا فلا بد من دخول السبب فيهما، وإن ~~كان الخلاف وراء ذلك هل يقتصر عليها الحكم بهما أم يكونان على عمومهما؟ ~~وثبت عن صفوان بن عسال قال: «أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ~~كنا في سفر ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من بول ~~أو غائط ونوم». والأمر أظهر من ذلك، ولكن أردنا أن نعرفكم وجود ذلك في ~~القرآن، وفي صحيح حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال الترمذي: حديث ~~صفوان حديث صحيح. ### | [مسألة هل النوم حدث] # المسألة السادسة: إذا ثبت أن النوم حدث فهو حدث لما يصحبه غالبا من خروج ~~الخارج. وقال المزني: هو حدث بعينه، وهذا باطل فإنه ثبت أن أصحاب رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - كانوا ينامون ولا يتوضئون. ومنه في الصحيح «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أخر صلاة العشاء ذات ليلة حتى رقد الناس ~~واستيقظوا. وفيه أنه قال: أقيمت صلاة العشاء. فقام رجل يناجي النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - حتى نام القوم ثم صلوا». ### | [مسألة استثقل نوما على أي حال كان من الأحوال] # المسألة السابعة: وإذا ثبت الفرق بين قليله وكثيره فقد استوفينا تفصيله ~~في النوازل الفقهية، وبينا أن من استثقل نوما على أي حال كان من الأحوال ~~فإن عليه الوضوء. وقال أبو حنيفة: إن نام على هيئة من هيئات الصلاة لم يبطل ~~وضوءه، ووافقه ابن حبيب في الركوع، واحتج بحديثين: أحدهما عن ابن عباس أنه ~~قال: «نام النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو ساجد حتى نفخ، ثم قام فصلى؛ ~~فقلت: يا رسول الله؛ إنك قد نمت. فقال: إن الوضوء إنما يجب على من نام ~~مضطجعا، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله». ms0504 # PageV02P049 # خرجه الترمذي، وأبو داود أنكره، فقال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~محفوظا، واحتج بقوله: «تنام عيناي ولا ينام قلبي». # والحديث الثاني قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس الوضوء على من ~~نام قائما أو راكعا أو ساجدا؛ إنما الوضوء على من نام مضطجعا، فإنه إذا ~~اضطجع استرخت مفاصله». وهو باطل قد بيناه في مسائل الخلاف وأوضحنا خلله. ~~وأما ابن حبيب في الركوع فإنما بنى على أن الراكع لا يصح أن يستثقل نوما ~~ويثبت راكعا، فدل أن نومه ثبات وخلس لا شيء فيها. ### | [مسألة إذا ثبت الوضوء في النوم] # المسألة الثامنة: إذا ثبت الوضوء في النوم فالإغماء فوقه أو مثله. ### | [مسألة الوضوء يلزم لكل قائم إلى الصلاة] # المسألة التاسعة: ظاهر الآية يقتضي الوضوء على كل قائم إليها، وإن كانت ~~قد نزلت في النائمين، وإياهم صادف الخطاب، ولكنا ممن يأخذ بمطلق الخطاب ولا ~~يربط الحكم بالأسباب، وكذلك كنا نقول: إن الوضوء يلزم لكل قائم إلى الصلاة ~~محدثا كان أو غير محدث، إلا أن أنس بن مالك روى: «كان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يتوضأ عند كل صلاة. # PageV02P050 # قلت: كيف كنتم تصنعون أنتم؟ قال: كان يجزي أحدنا الوضوء ما لم يحدث». ~~خرجه جميع الأئمة. # وروى ابن أبي بردة عن أبيه «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتوضأ ~~لكل صلاة، فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد. فقال له عمر: فعلت ~~شيئا لم تكن تفعله. فقال: عمدا فعلته». أخرجه النسائي وأبو داود والترمذي. ~~فإن قيل: فهل يتكرر الحكم بتكرر الشرط أم لا؟ فإن قلتم بتكرره أحلتم، وإن ~~قلتم لا يتكرر فما وجهه؟ قلنا: من المتعجرفين من تكلف فقال: إنما يتكرر ~~بتكرر العلة، وهو الحدث. وهذا لا يصح؛ فإن الحدث لا يوجب الطهارة لنفسه، ~~وإنما وجوب الصلاة يوجب الطهارة بشرط أن يكون المكلف محدثا، فالحدث شرط في ~~وجوب الطهارة بوجوب الصلاة لا علته. والحكم علة للحكم شرعا، وقد مهدنا ذلك ~~في مسائل الخلاف وأصول الفقه. وقد أحدث بعض المبتدعة في الإسلام بدعة ms0505 ~~شنعاء، فقال: إن المحدث لا يؤمر بالصلاة، إنما يؤمر بالوضوء، وعليه يثاب، ~~وعليه يعاقب، ولا يتوجه عليه الأمر بالصلاة حتى يتوضأ. وهذا خرق لإجماع ~~الأمة وهتك لحجاب الشريعة. وهذه الآية وأمثالها رد عليه إن أقر بثبوته، وإن ~~أنكره فإن من ينكر التوحيد مخاطب بتصديق الرسول، ولا يصح ذلك منه إلا بعد ~~توحيد الرب، وهذا ما لا جواب لهم عنه. # PageV02P051 ### | [مسألة الترتيب في الوضوء] # المسألة العاشرة: قوله تعالى: {فاغسلوا} [المائدة: 6]: الفاء حرف يقتضي ~~الربط والسبب وهو بمعنى التعقيب، وقد بينا ذلك في رسالة الملجئة، وهي هاهنا ~~جواب للشرط ربطت المشروط به وجعلته جوابه أو جزاءه، ولا خلاف فيه؛ بيد أن ~~الشافعي ومن قال بقوله من علمائنا في وجوب الترتيب في الوضوء قال: إن في ~~هذا دليلا على وجوب البداءة بالوجه؛ إذ هو جزاء الشرط وجوابه. # وقال الآخرون الذين لا يرون ترتيب الوضوء: إن هذا القول صحيح فيما إذا ~~كان جواب الشرط معنى واحدا؛ فأما إذا كانت جمل كلها جوابا وجزاء لم نبال ~~بأيهما بدأت؛ إذ المطلوب تحصيلها. وهذا قول له رونق وليس بمحقق قال الله ~~سبحانه وتعالى: {فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: 6]؛ فبدأ بالوجه وعطف عليه ~~غيره، فالنظر الصحيح في ذلك أن يقال: تجب البداءة بما بدأ الله به وهو ~~الوجه، كما «قال النبي - صلى الله عليه وسلم - حين حج وجاء إلى الصفا: نبدأ ~~بما بدأ الله به»، وكانت البداءة بالصفا واجبة. ويعضد هذا أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - توضأ عمره كله مرتبا ترتيب القرآن، وفعله هذا بيان مجمل ~~كتاب الله تعالى، وبيان المجمل الواجب واجب، وهي مسألة خلاف عظمى قد بيناها ~~في مسائل الخلاف، وهذا هو الذي يختار فيها. ### | [مسألة كيفية الغسل] # المسألة الحادية عشرة: قوله عز وجل: {فاغسلوا} [المائدة: 6]: وظن الشافعي ~~وهو عند أصحابه معد بن عدنان في الفصاحة بله أبي حنيفة وسواه أن الغسل صب ~~الماء على المغسول من غير عرك، وقد بينا فساد ذلك في # PageV02P052 # مسائل الخلاف، وفي سورة النساء، وحققنا أن الغسل مر اليد مع إمرار الماء ms0506 ~~أو ما في معنى اليد. ### | [مسألة الغسل يقتضي مغسولا مطلقا ومغسولا به] # المسألة الثانية عشرة: الغسل يقتضي مغسولا مطلقا ومغسولا به: وسيأتي ~~بيانه فيما بعد إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وجوهكم] # المسألة الثالثة عشرة: قوله تعالى: {وجوهكم} [المائدة: 6]: والوجه في ~~اللغة: ما برز من بدنه وواجه غيره به، وهو أبين من أن يبين، وأوجه من أن ~~يوجه، وهو عند العرب عضو يشتمل على جملة أعضاء، ومحل من الجسد فيه أربع طرق ~~للعلوم، وله طول وعرض، وهو أيضا بين إلا أنه أشكل على الفقهاء منه ستة ~~معان: # الأول: إذا اكتسى الذقن بالشعر، فإنه قد انتقل الفرض فيما يقابله إلى ~~الشعر قطعا ونفي الزائد عليه، وهو ما استرسل من اللحية، ويحتمل أن يكون ~~فرضا؛ لأنه قد اتصل بالوجه وواجه كما يواجه، فيكون فرضا غسله مثل الوجه، ~~ويحتمل أن يكون ندبا، وبالأول أقول؛ لما ثبت «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يغسل لحيته». أخرجه الترمذي وغيره، فعين المحتمل بالفعل. # الثاني: إذا دار العذار على الخد، هل يلزم غسل ما وراءه إلى الأذن أم لا؟ ~~وفيه خلاف بيننا في أنفسنا وبين العلماء أيضا غيرنا. والصحيح عندي أنه لا ~~يلزم غسله لا للأمرد ولا للمعذر. # الثالث: الفم قال أحمد بن حنبل وجماعة: إن غسله في الوضوء واجب؛ لأنه من ~~الوجه؛ وقد واظب النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه. وقال: «إذا تمضمض خرجت ~~الخطايا من فيه». # PageV02P053 # الرابع: الأنف، وقد ورد الأمر به في الحديث الصحيح، فقال: «إذا توضأ ~~أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم ليستنثر، ومن استجمر فليوتر». وقال أيضا: ~~«فإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه». # الخامس: العين، والحكم فيها واحد أثرا ونظرا ولغة، ولكن سقط غسلها للتأذي ~~بذلك والحرج به، ولذلك كان عبد الله بن عمر لما عمي يغسل عينيه إذ كان لا ~~يتأذى بذلك. # السادس: لا خلاف أنه لا بد من غسل جزء من الرأس مع الوجه من غير تحديد ~~فيه، كما أنه لا بد على القول بوجوب عموم مسح ms0507 الرأس من مسح جزء معه من ~~الوجه لا يتقدر، وهذا ينبني على أصل من أصول الفقه؛ وهو أن ما لا يتم ~~الواجب إلا به فهو واجب مثله؛ وقد مهدناه في موضعه؛ فهذه تتمة تسع عشرة ~~مسألة. ### | [مسألة غسل الوجه للصلاة] # المسألة الموفية عشرين: قال لنا فخر الإسلام بمدينة السلام في الدرس: لما ~~قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} ~~[المائدة: 6] كان معناه ضرورة اللغة: فاغسلوا وجوهكم لأجل الصلاة؛ وذكر ~~أمثلة بيناها في مسائل الخلاف؛ فاقتضى الأمر بظاهره غسل الوجه للصلاة، فمن ~~غسله لغير ذلك لم يكن ممتثلا للأمر. وقد قال بعض المتأخرين من أصحاب ~~الشافعي، هاهنا كلاما مختلا وهي: # المسألة الحادية والعشرون: ونصه: " ظن ظانون من أصحاب الشافعي الذين ~~يوجبون النية في الوضوء أنه لما أوجب الوضوء عند القيام إلى الصلاة دل على ~~أنه أوجبه لأجله، وأنه أوجب به النية؛ وهذا لا يصح؛ فإن إيجاب الله سبحانه ~~الوضوء لأجل الحدث لا يدل على أنه يجب # PageV02P054 # عليه أن ينوي ذلك، بل يجوز أن يجب لأجله ويحصل دون قصد تعليق الطهارة ~~بالصلاة وبنيتها لأجله " إلى تخليط زيد عليه لا أرضى ذكره. قلنا: قوله: " ~~ظن ظان أن الوضوء لما وجد عند القيام إلى الصلاة أنه وجب لأجله ". لم يظن ~~أحد ذلك، إنما قطع الاعتقاد به، لقيام الدليل عليه. وقوله: " إنه أوجب له ~~النية ". # قلنا له: هذا تلبيس، وجوبه لأجله هو الذي يقتضي النية ضرورة فيه، فإنه ~~يلزمه أن يأتي بما أمر لمأمور به له. وقوله: " هذا لا يصح ". قلنا: لا يصح ~~إلا هو. قوله: " فإن إيجاب الله الوضوء لأجل الحدث ". قلنا: هذا هوس، لم ~~يجب الوضوء لأجل الحدث. وقوله: " إنه لا يجب عليه أن ينوي ذلك ". قلنا: لا ~~يجب عليه أن ينوي ماذا؟ إن أردت الحدث، فمن ذا الذي يقول به؟ وإن أردت ~~الصلاة فلا يعطي اللفظ والمعنى إلا وجوب النية لها. وقوله: " يجوز أن يجب ~~لأجله ويحصل دون قصد ". قلنا: هذا لا نسلمه مطلقا إن أردت ms0508 في العبادات فلا، ~~وإن أردت في غيرها فلا نبالي به. وقوله: " دون قصد ". إلى هنا انتهى كلامه ~~المعقول لفظا المختل معنى. وأما قوله بعد ذلك تعليق الطهارة بالصلاة فكلام ~~لا يعقل معناه لفظا، فكيف معنى؟ # PageV02P055 # المسألة الثانية والعشرون: هذا الذي زمزم به أنا أعرفه. قوله: {إذا قمتم ~~إلى الصلاة فاغسلوا} [المائدة: 6] لا يخلو من ستة أقسام: # الأول: أنه لا يربط غسل الوجه وما بعده بشيء مما تقدم. # الثاني: أنه يربطه بالقيام إلى الصلاة أو الحدث وبالصلاة، وهو: الثالث، ~~أو بالصلاة وهو: الرابع، أو بالكل وهو: الخامس، أو ببعضه وهو: السادس. # فإن قيل: لم نربطه بشيء كان محالا لغة كما تقدم، محالا بالإجماع، فإنه قد ~~ربط بما ربط على الاختلاف فيه، وإن ربطه بالقيام إلى الصلاة فمحال ضرورة؛ ~~لأنه لا يمكن الجمع بينهما، ومحال معنى؛ لأن نفس القيام لا يقصد بذلك من ~~الوضوء، وقد بينا أن معناه إذا أردتم القيام، ونفس الإرادة هي النية. # وأما إن أردت ربطه بالحديث فبالإجماع أن الوضوء يجب به، لا من أجله. وإن ~~قلتم بالصلاة فكذلك هو. وقد صرح النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك في ~~قوله: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور». وإذا أمر بغسل الصلاة فلم يكن كذلك ~~لم يمتثل ما أمر به، وإن قال: إنه وجب لأجل الكل فقد تبين فساده؛ وهذا ~~تحقيق من كلامه في غرضه بعينه. ### | [مسألة إذا وجبت النية للوضوء أو الصلاة أو الصيام] # المسألة الثالثة والعشرون: إذا وجبت النية للوضوء أو الصلاة أو الصيام، ~~أي لأي عبادة وجبت، فمحلها أن # PageV02P056 # تكون مقترنة مع أولها لا تجوز قبلها ولا بعدها؛ لأن القصد بالفعل حقيقته ~~أن يقترن به، وإلا لم يكن قصدا له، فنية الوضوء مع أول جزء منه، وكذلك ~~الصلاة، وكذلك الصيام، وهذه حقيقة لا خلاف فيها بين العقلاء، بيد أن ~~العلماء قالوا: إن من خرج إلى النهر من منزله بنية الغسل أجزأه، وإن عزبت ~~نيته في أثناء الطريق. وإن خرج إلى الحمام فعزبت في أثناء الطريق بطلت ~~النية. فركب ms0509 على هذا سفاسفة المفتين أن نية الصلاة تتخرج على القولين، ~~وأوردوا فيها نصا عمن لا يفرق بين الظن واليقين [بأنه قال:] يجوز أن يقدم ~~النية فيها على التكبير. ويا لله ويا للعالمين من أمة أرادت أن تكون مفتية ~~مجتهدة فما وفقها الله ولا سددها، اعلموا رحمكم الله أن النية في الوضوء ~~مختلف في وجوبها بين العلماء. # وقد اختلف فيها قول مالك، فلما نزلت عن مرتبة الاتفاق سومح في تقديمها في ~~بعض المواضع؛ لأن أصلها قد لا يجب. فأما الصلاة فلم يختلف أحد من الأئمة ~~فيها وهي أصل مقصود، فكيف يحمل الأصل المقصود المتفق عليه على الفرع التابع ~~المختلف فيه؟ هل هذا إلا غاية الغباوة؟ فلا تجزئ صلاة عند أحد من الأئمة ~~حتى تكون النية فيها مقارنة للتكبير. وأما الصوم فإن الشرع رفع الحرج فيه، ~~لما كان ابتداؤه في وقت الغفلة بتقديم النية عليه. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وأيديكم] # المسألة الرابعة والعشرون: قوله تعالى: {وأيديكم} [المائدة: 6]: اليد: ~~عبارة عما بين المنكب والظفر، وهي ذات أجزاء وأسماء؛ منها المنكب، ومنها ~~الكف، والأصابع، وهو محل البطش والتصرف العام في المنافع، وهو معنى # PageV02P057 # اليد، وغسلهما في الوضوء مرتين: إحداهما عند أول محاولة الوضوء وهو سنة، ~~والثانية في أثناء الوضوء، وهو فرض. ومعنى غسلهما عند الوضوء تنظيف اليدين ~~لإدخالها [في] الإناء ومحاولة نقل الماء بهما، ولا سيما عند الاستيقاظ من ~~النوم، فقد روى جميع الأئمة عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا؛ ~~فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده». وروى عثمان وغيره صفة وضوء رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فكلهم ذكروا «أنه غسل يديه ثلاث مرات، ثم مضمض ~~واستنثر»، حتى بلغ مكانهما من علمائنا أن جعلوهما من سنن الوضوء. فقال ابن ~~القاسم: إذا غسل يديه ثم تمضمض ثم تمادى في الوضوء ثم أحدث في أثنائه فإنه ~~يعيد غسل يديه كما يعيد ما سبق من الوضوء. المسألة الخامسة والعشرون: ms0510 قوله ~~تعالى: {إلى المرافق} [المائدة: 6]: فذكرها. واختلف العلماء في وجوب ~~إدخالهما في الغسل. # وعن مالك روايتان، وذكر أهل التأويل في ذلك ثلاثة أقاويل: # الأول: أن {إلى} [المائدة: 6] بمعنى مع، كما قال الله تعالى: {ولا تأكلوا ~~أموالهم إلى أموالكم} [النساء: 2] معناه مع أموالكم. # الثاني: أن {إلى} [المائدة: 6] حد، والحد إذا كان من جنس المحدود دخل ~~فيه، تقول: # PageV02P058 # بعتك هذا الفدان من هاهنا إلى هاهنا، فيدخل الحد فيه. ولو قلت: من هذه ~~الشجرة إلى هذه الشجرة ما دخل الحد في الفدان. # الثالث: أن المرافق حد الساقط لا حد المفروض؛ قاله القاضي عبد الوهاب. ~~وما رأيته لغيره. وتحقيقه أن قوله: {وأيديكم} [المائدة: 6] يقتضي بمطلقه من ~~الظفر إلى المنكب، فلما قال: {إلى المرافق} [المائدة: 6] أسقط ما بين ~~المنكب والمرفق، وبقيت المرافق مغسولة إلى الظفر؛ وهذا كلام صحيح يجري على ~~الأصول لغة ومعنى. # وأما قولهم: إن {إلى} [المائدة: 6] بمعنى مع فلا سبيل إلى وضع حرف موضع ~~حرف، إنما يكون كل حرف بمعناه، وتتصرف معاني الأفعال، ويكون معنى التأويل ~~فيها لا في الحروف. ومعنى قوله: {إلى المرافق} [المائدة: 6] على التأويل ~~الأول: فاغسلوا أيديكم مضافة إلى المرافق، وكذلك قوله: {ولا تأكلوا أموالهم ~~إلى أموالكم} [النساء: 2] معناه مضافة إلى أموالكم. وقد روى الدارقطني ~~وغيره عن جابر بن عبد الله، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما توضأ ~~أدار الماء على مرفقيه». ### | [مسألة معنى قوله تعالى وامسحوا] # المسألة السادسة والعشرون: قوله تعالى: {وامسحوا} [المائدة: 6]: المسح: ~~عبارة عن إمرار اليد على الممسوح خاصة، وهو في الوضوء عبارة عن إيصال الماء ~~إلى الآلة الممسوح بها، والغسل عبارة عن إيصال الماء إلى المغسول؛ وهذا ~~معلوم من ضرورة اللغة، وبيانه يأتي إن شاء الله. # المسألة السابعة والعشرون: قوله تعالى: {برءوسكم} [المائدة: 6]: والرأس ~~عبارة عن الجملة التي يعلمها الناس ضرورة، ومنها الوجه، فلما ذكره الله ~~سبحانه في الوضوء وعين الوجه للغسل بقي باقيه للمسح. ولو لم يذكر الغسل ~~أولا فيه # PageV02P059 # للزم مسح جميعه: ما عليه شعر من الرأس، وما فيه العينان والأنف والفم؛ ~~وهذا ms0511 انتزاع بديع من الآية. وقد أشار مالك إلى نحوه، فإنه سئل عن الذي يترك ~~بعض رأسه في الوضوء؟ فقال: أرأيت لو ترك بعض وجهه أكان يجزئه؟ ومسألة مسح ~~الرأس في الوضوء معضلة، ويا طالما تتبعتها لأحيط بها حتى علمني الله تعالى ~~بفضله إياها؛ فخذوها مجملة في علمها، مسجلة بالصواب في حكمها؛ واستيفاؤها ~~في كتب المسائل: اختلف العلماء في مسح الرأس على أحد عشر قولا: # الأول: أنه إن مسح منه شعرة واحدة أجزأه. # الثاني: ثلاث شعرات. # الثالث: ما يقع عليه الاسم. ذكر لنا هذه الأقوال الثلاثة فخر الإسلام ~~بمدينة السلام في الدرس عن الشافعي. # الرابع: قال أبو حنيفة: يمسح الناصية. # الخامس: قال أبو حنيفة: إن الفرض أن يمسح الربع. # السادس: قال أيضا في روايته الثالثة: لا يجزيه إلا أن يمسح الناصية بثلاث ~~أصابع أو أربع. # السابع: يمسح الجميع؛ قاله مالك. # الثامن: إن ترك اليسير من غير قصد أجزأه؛ أملاه علي الفهري. # التاسع: قال محمد بن مسلمة: إن ترك الثلث أجزأه. # العاشر: قال أبو الفرج: إن مسح ثلثه أجزأه. # الحادي عشر: قال أشهب: إن مسح مقدمة أجزأه. # فهذه أحد عشر قولا، ومنزلة الرأس في الأحكام منزلته في الأبدان، وهو عظيم ~~الخطر فيهما جميعا؛ ولكل قول من هذه الأقوال مطلع من القرآن والسنة: # PageV02P060 # فمطلع الأول: أن الرأس وإن كان عبارة عن العضو فإنه ينطلق على الشعر ~~بلفظه، قال الله تعالى: {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله} [البقرة: ~~196]. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «احلق رأسك»، والحلق إنما هو في ~~الشعر، إذا ثبت هذا تركب عليه: المطلع الثاني: وهو أن إضافة الفعل إلى ~~الرأس ينقسم في العرف والإطلاق إلى قسمين: أحدهما: أنه يقتضي استيفاء ~~الاسم. # والثاني: يقتضي بعضه؛ فإذا قلت: " حلقت رأسي " اقتضى في الإطلاق العرفي ~~الجميع. وإذا قلت: مسحت الجدار أو رأس اليتيم أو رأسي اقتضى البعض، فيتركب ~~عليه: المطلع: # الثالث: وهو أن البعض لا حد له مجزئ منه ما كان قال لنا الشاشي: لما قال ~~الله تعالى: {ولا تحلقوا رءوسكم} [البقرة: ms0512 196] وكان معناه شعر رءوسكم، ~~وكان أقل الجمع ثلاثا. قلنا: إن حلق ثلاث شعرات أجزأه، وإن مسحها أجزأه، ~~والمسح أظهر، وما يقع عليه الاسم أقله شعرة واحدة. # المطلع الرابع: نظر أبو حنيفة إلى أن الوضوء إنما شرعه الله سبحانه فيما ~~يبدو من الأعضاء في الغالب، والذي يبدو من الرأس تحت العمامة الناصية، ولا ~~سيما وهذا يعتضد بالحديث الصحيح «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ ~~فمسح ناصيته وعمامته». # PageV02P061 # المطلع الخامس: أنه إذا ثبت مسح الناصية فلا يتيقن موضعها؛ وإنما المقصود ~~تعلق العبادة بالرأس؛ فقد ثبت مسح النبي - صلى الله عليه وسلم - الناصية، ~~وهي نحو الربع فيتقدر الربع منه أين كان، ومطلع الربع بتقدير الأصابع يأتي ~~إن شاء الله، ومطلع الجميع أن الله سبحانه وتعالى علق عبادة المسح بالرأس، ~~كما علق عبادة الغسل بالوجه؛ فوجب الإيعاب فيهما بمطلق اللفظ. # وقول الشافعي: إن مطلق القول في المسح لا يقتضي الإيعاب عرفا، فما علق به ~~ليس بصحيح؛ إنما هو مبني على الأغراض وبحسب الأحوال، تقول: مسحت الجدار، ~~فيقتضي بعضه من أجل أن الجدار لا يمكن تعميمه بالمسح حسا، ولا غرض في ~~استيعابه قصدا، وتقول: مسحت رأس اليتيم لأجل الرأفة، فيجزئ منه أقله بحصول ~~الغرض به. وتقول: مسحت الدابة فلا يجزئ إلا جميعها؛ لأجل مقصد النظافة ~~فيها، فتعلق الوظيفة بالرأس يقتضي عمومه بقصد التطهير فيه؛ ولأن مطلق اللفظ ~~يقتضيه؛ ألا ترى أنك تقول: مسحت رأسي كله فتؤكده، ولو كان يقتضي البعض لما ~~تأكد بالكل؛ فإن التأكيد لرفع الاحتمال المتطرق إلى الظاهر في إطلاق اللفظ. ~~ومطلع من قال إن ترك اليسير من غير قصد أجزأه: أن تحقق عموم الوجه بالغسل ~~ممكن بالحس، وتحقق عموم المسح غير ممكن؛ فسومح بترك اليسير منه دفعا للحرج. ~~وهذا لا يصح؛ فإن مرور اليد على الجميع ممكن تحصيله حسا وعادة. ومطلع من ~~قال: إن ترك الثلث من غير قصد أجزأه: قريب مما قبله، إلا أنه رأى الثلث ~~يسيرا، فجعله في حد المتروك لما رأى الشريعة سامحت به في الثلث وغيره. ~~ومطلع ms0513 من قال: إن مسح ثلثه أجزأه إلى أن الشرع قد أطلق اسم الكثير على ~~الثلث في قوله من حديث سعد: " الثلث والثلث كثير ". # PageV02P062 # ولحظ مطلع أبي حنيفة في الناصية حسبما جاء في الحديث، ودل عليه ظاهر ~~القرآن في تعلق العبادات بالظاهر. ومطلع قول أشهب في أن من مسح مقدمة أجزأه ~~إلى نحو من ذلك تناصف ليس يخفى على اللبيب عند اطلاعه على هذه الأقوال ~~والأنحاء المطلعات أن القوم لم يخرج اجتهادهم عن سبيل الدلالات في مقصود ~~الشريعة، ولا جاوزوا طرفيها إلى الإفراط؛ فإن للشريعة طرفين: أحدهما: طرف ~~التخفيف في التكليف. والآخر: طرف الاحتياط في العبادات. فمن احتاط استوفى ~~الكل، ومن خفف أخذ بالبعض. قلنا: في إيجاب الكل ترجيح من ثلاثة أوجه: # أحدهما: الاحتياط. # الثاني: التنظير بالوجه، لا من طريق القياس؛ بل من مطلق اللفظ في ذكر ~~الفعل وهو الغسل أو المسح، وذكر المحل؛ وهو الوجه أو الرأس. # الثالث: أن كل من وصف وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر أنه مسح ~~رأسه كله. فإن قيل: فقد ثبت أنه مسح ناصيته وعمامته، وهذا نص على البعض؟ ~~قلنا: بل هو نص على الجميع؛ لأنه لو لم يلزم الجميع لم يجمع بين العمامة ~~والرأس. فلما مسح بيده على ما أدرك من رأسه وأمر يده على الحائل بينه وبين ~~باقيه أجراه مجرى الحائل من جبيرة أو خف، ونقل الفرض إليه كما نقله في ~~هذين. # PageV02P063 # جواب آخر: وهو أن هذا الخبر حكاية حال وقضية في عين؛ فيحتمل أن يكون ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - مزكوما فلم يمكنه كشف رأسه؛ فمسح البعض ومر ~~بيده على جميع البعض، فانتهى آخر الكف إلى آخر الناصية، فأمر اليد على ~~العمامة، فظن الراوي أنه قصد مسح العمامة، وإنما قصد مسح الناصية بإمرار ~~اليد؛ وهذا مما يعرف مشاهدة، ولهذا لم يرو عنه قط شيء من ذلك في أطواره ~~بأسفاره على كثرتها. # المسألة الثامنة والعشرون: ظن بعض الشافعية وحشوية النحوية أن الباء ~~للتبعيض، ولم يبق ذو لسان رطب إلا وقد أفاض ms0514 في ذلك حتى صار الكلام فيها ~~إجلالا بالمتكلم، ولا يجوز لمن شدا طرفا من العربية أن يعتقد في الباء ذلك، ~~وإن كانت ترد في موضع لا يحتاج إليها فيه لربط الفعل بالاسم، فليس ذلك إلا ~~لمعنى؛ تقول: مررت بزيد، فهذا لإلصاق الفعل بالاسم، ثم تقول: مررت زيدا ~~فيبقى المعنى. وفي ذلك خلاف بيانه في ملجئة المتفقهين إلى معرفة غوامض ~~النحويين ". # وقد طال القول في هذا الباب، وترامت فيه الخواطر في المختصر حتى أفادني ~~فيه بعض أشياخي في المذاكرة والمطالعة فائدة بديعة: وذلك أن قوله: ~~{فامسحوا} [المائدة: 6] يقتضي ممسوحا، وممسوحا به. والممسوح الأول هو ما ~~كان. والممسوح الثاني هو الآلة التي بين الماسح والممسوح، كاليد والمحصل ~~للمقصود من المسح، وهو المنديل؛ وهذا ظاهر لا خفاء به؛ فإذا ثبت هذا فلو ~~قال: امسحوا رءوسكم لأجزأ المسح باليد إمرارا من غير شيء على الرأس لا ماء ~~ولا سواه، فجاء بالباء لتفيد ممسوحا به، وهو الماء، فكأنه قال: فامسحوا ~~برءوسكم الماء، من باب المقلوب، والعرب تستعمله، وقد أنشد سيبويه: كنواح ~~ريش حمامة نجدية ومسحت باللثتين عصف الإثمد مثله: " مثل القنافذ ". ومثله: ~~{من فضة قدروها تقديرا} [الإنسان: 16]. # PageV02P064 # واللثة: هي الممسوحة بعصف الإثمد، فقلب. ولكن الأمر بين والفصاحة قائمة، ~~وإلى هذا النحو أشار أبو حنيفة في شرطه الرابع بالثلاثة الأصابع أو الأربع؛ ~~فإنه قال: لا بد أن يكون هنالك ممسوح به لأجل الباء، فكأنه تعالى قال: ~~فامسحوا بأكفكم رءوسكم. والكف خمس أصابع ومعظمها ثلاث وأربع، والمعظم قائم ~~مقام الكل على مذهبه في أصول الشريعة، ففطن أن إدخال الباء لمعنى، وغفل عن ~~أن لفظ المسح يقتضي اليد لغة وحقيقة؛ فجعل فائدة الباء التعلق باليد. وهذه ~~عثرة لفهمه لا يقالها، ووفق الله هذا الإمام الذي أفادني هذه الفائدة فيها، ~~إن شاء الله، والله ينفعني وإياكم برحمته. ### | [مسألة مسح شعر القفا] # المسألة التاسعة والعشرون: من أغرب شيء أن الشافعي رأى مسح شعر القفا؛ ~~وليس من الرأس في ورد ولا صدر؛ فإن الرأس جزء من الإنسان، واليد جزء، ~~والبدن جزء، ms0515 والعين جزء، والعنق جزء، ومقدم الرقبة العنق، ومؤخرها القفا، ~~وقد ثبت في الصحيح «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح رأسه حتى بلغ ~~قفاه». وروى أبو داود عن المقدام بن معد يكرب: «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - مسح رأسه حتى بلغ إلى قفاه». المسألة الموفية ثلاثين: قال الله ~~تعالى: {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم} ~~[المائدة: 6] ثم توضأ النبي - صلى الله عليه وسلم - كما أمره الله، فنقل ~~أصحابه ما شاهدوا من صفة وضوئه، ولم يذكروا لكيفية المغسول صفة، ونقلوا ~~كيفية مسح رأسه باهتبال كثير، وتحصيل عظيم، واختلاف في الروايات متفاوت، ~~نشأت منه مسائل لم يكن بد من الإشارة إلى معظمها؛ لأنها مفسرة لما أطلق في ~~كتاب الله سبحانه مبهما. # PageV02P065 ### | [مسألة غسل المتوضئ شعره بدل المسح] # المسألة الحادية والثلاثون: قال الله تعالى في كتابه الكريم: {وامسحوا ~~برءوسكم} [المائدة: 6]: وقال الراوي: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح ~~رأسه، فلو غسله المتوضئ بدل المسح فلا نعلم خلافا أن ذلك يجزئه، إلا ما ~~أخبرنا فخر الإسلام في الدرس أن أبا العباس بن القاص من أصحابهم قال: لا ~~يجزئه. وهذا تولج في مذهب الداودية الفاسد من اتباع الظاهر المبطل للشريعة ~~الذي ذمه الله تعالى في قوله: {يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا} [الروم: 7]. ~~وكما قال: {أم بظاهر من القول} [الرعد: 33]؛ وإلا فقد جاء هذا الغاسل لرأسه ~~بما أمر به وزيادة عليه. فإن قيل: هذه زيادة خرجت عن اللفظ المتعبد به. ~~قلنا: ولم يخرج عن معناه في إيصال الفعل إلى المحل وتحقيق التكليف في ~~التطهير. ### | [مسألة تجديد الماء لكل عضو] # المسألة الثانية والثلاثون: في تجديد الماء لكل عضو: وكذلك فعل النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: «أنه أدخل يده في الإناء، فغسل ~~وجهه، ثم أدخل يده فغسل يده، ثم أدخل يده فمسح رأسه، ثم أدخل يده فغسل ~~رجليه». وعن عبد الله بن زيد أنه " رأى «النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ ~~ومسح رأسه بماء غير ماء فضل يديه». قال الترمذي: وهو ms0516 صحيح، وصح أيضا عن ابن ~~عباس «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح برأسه مطلقا». # وكذلك وردت الأخبار كلها في أعضاء الوضوء، وردت مقيدة، والمقيد أولى من ~~المطلق؛ لاحتمال المطلق وتنصيص المقيد. وقد قال عبد الملك من أصحابنا: يمسح ~~رأسه ببلل لحيته، وهذا ينبني على أصلين: # PageV02P066 # أحدهما: جواز استعمال الماء المستعمل. # والثاني: وجوب نقل الماء، وهي: المسألة الثالثة والثلاثون: نشأ من ~~أصحابنا من يرى نفسه من أهل الاستنباط، وليس منه، من قول عبد الملك أنه ~~يمسح رأسه من بلل لحيته نقل الماء إلى العضو، وليس فيه من الفقه أكثر من أن ~~المسح مبني على التخفيف؛ فيكفي منه ما يظهر على اليد وعلى العضو الممسوح؛ ~~فأما نقل الماء إلى العضو فلا خلاف فيه بين الأئمة. ### | [مسألة تكرار مسح الرأس] # المسألة الرابعة والثلاثون: تكرار مسح الرأس: وذلك أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - توضأ كما وصف أصحابه، فأما الأحاديث الصحاح كلها حيثما وردت ~~فاختلفت صفات وضوئه فيها وكثرة الأعداد في الأعضاء وقلتها حاشا الرأس، وجاء ~~في بعضها عن عثمان وغيره: «توضأ ومسح برأسه ثلاثا». قال أبو داود: وأحاديث ~~عثمان الصحاح على أنه مسح رأسه مسحة واحدة. وقد مهدنا ذلك في مسائل الخلاف. ### | [مسألة صفة مسح الرأس] # المسألة الخامسة والثلاثون: ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صفة ~~مسح الرأس: «أنه أقبل بيديه وأدبر، بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ~~ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه». وفي البخاري: «فأدبر بهما وأقبل»؛ وهما ~~صحيحان متوافقان. وقد بينا ذلك في شرح الصحيح؛ وهي مسألة من أصول الفقه في ~~تسمية الفعل بابتدائه وبغايته. # PageV02P067 # المسألة السادسة والثلاثون: ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - المسح ~~لرأسه بيديه، فلو مسح بيد واحدة أجزأه قال ابن سفيان: حتى لو مسح رأسه ~~بإصبع واحدة لأجزأه؛ قاله ابن القاسم في العتبية. وذلك لأن هيئة الأفعال في ~~العبادات هل هي ركن فيها أم لا؟ وقد بينا في كتابنا أنها على ثلاثة أقسام: # منها ما يتعين في العبادة كأصلها. ms0517 # والثاني: كوضع الإناء بين يدي المتوضئ. # والثالث: كاغتراف الماء باليد وغسل الأعضاء ومسح الرأس. والمقصود من ~~الهيئة المروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسح تفسير الأمر، وهو ~~أولى في التعميم، وأقرب إلى التحصيل؛ لأن ما فاته في الإقبال أدركه في ~~الإدبار. المسألة # السابعة والثلاثون: لما قال علماؤنا: إن جميع الرأس أصل في إيجاب عمومه، ~~وكانت الجبهة خارجة عنه بالسنة، وإن كانت منه بالحقيقة والخلقة، نشأت عليه ~~مسألة، وهي منزلة الأصلع والأنزع من الأغم. وقد بيناه في المسائل؛ وحكمه ~~الأظهر أن يمسح من الرأس مقدار العادة على القول بالتعميم. ### | [مسألة الخطاب للمرأة بالعبادة كما هو للرجل في الوضوء] # المسألة الثامنة والثلاثون: الخطاب للمرأة بالعبادة، كما هو للرجل في ~~الوضوء، حتى في مسح الرأس؛ لكن المرأة تميزت عن الرجل باسترسال الدلالين، ~~فاختلف آراء متأخري علمائنا؛ فمنهم من أوجب مسح جميع شعر رأس المرأة؛ لأن ~~الفرض انتقل من الجلدة، وبه تعلق. ومنهم من قال: تمسح منه ما يوازي الفرض ~~من مقدار الرأس كما قلناه في اللحية آنفا، وكما يلزم في الخفين مسح ما ~~يقابل محل الفرض من غسل الرجلين. ### | [مسألة القول في الأذنين في الوضوء] # المسألة التاسعة والثلاثون: القول في الأذنين: # PageV02P068 # وهما إن كانتا من الرأس فإنهما في الإشكال رأس، وقد تفاقم الخطب بين ~~العلماء فيهما، وقد بسطنا القول فيهما في كتب المسائل في التفريع، وفي كتب ~~الحديث في الآثار. # والذي يهون عليك الخطب أن الباري تعالى قال: {برءوسكم} [المائدة: 6] ولم ~~يذكر الأذنين، ولولا أنهما داخلتان في حكم الرأس ما أهملهما، وما كان ربك ~~نسيا. وقد روى صفة وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - جماعة لم أجد ذكر ~~الأذنين فيها إلا اليسير من الصحابة، منهم عبد الله بن زيد؛ قال: رأيت ~~«رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ فأخذ ماء لأذنيه خلاف الماء الذي ~~أخذ لرأسه». ومنهم عبد الله بن عباس، روى: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- مسح رأسه وأذنيه باطنهما بالسبابتين وظاهرهما بإبهاميه»؛ وصححه الترمذي. ~~ومنهم الربيع بنت معوذ؛ ms0518 قالت: رأيت «رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~توضأ، ومسح رأسه ما أقبل منه وما أدبر، ومسح صدغيه وأذنيه مرة واحدة». صححه ~~الترمذي. ومنهم عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده: «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - علم الوضوء لمن سأله بأن توضأ له، ثم مسح رأسه، وأدخل إصبعيه ~~السبابتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه ظاهرهما». # وقد اختلف الناس في حكم الأذنين على ثلاثة أقوال: # الأول: أنهما من الرأس حكما؛ قاله ابن المبارك والثوري وغيرهما. # الثاني: أنهما من الوجه قاله الزهري. # الثالث: قال الشعبي والحسن بن صالح: يغسل ما أقبل منهما مع الوجه، ويمسح ~~ما أدبر منهما مع الرأس، واختاره الطبري. # PageV02P069 # أما من قال: إنها من الرأس فلأن الصحابة لم تذكرهما في الوضوء؛ وهذا ضعيف ~~قد بينا أنها ذكرتهما. وأما من قال إنهما من الوجه فنزع بقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في سجوده: «سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره» ~~وإنما أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - بوجهه جملته، والسمع وإن كان في ~~الرأس، والبصر وإن كان في الوجه فالكل مضاف إلى الوجه؛ لأنه اسم للجارحة ~~وللقصد، فأضافه إلى الاسم العام للمعنيين. وأما من قال بالفرق فلا معنى له ~~فإنه تحكم لا تعضده لغة، ولا تشهد له شريعة. والصحيح ألا يشتغل بهما، هل ~~هما من الرأس أو من الوجه؟ وأن يعتمد على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~مسحهما، فبين مسح الرأس، وأنهما يمسحان كما يمسح الرأس، وهما مضافان إليه ~~شرعا؛ لأنه قال - صلى الله عليه وسلم -: فإذا مسح رأسه خرجت خطايا رأسه، ~~حتى تخرج من أذنيه. ### | [مسألة البياض الذي بين الأذنين والرأس الخالي من الشعر هل يمسح أم لا] # المسألة الموفية أربعين: البياض الذي بين الأذنين والرأس الخالي من ~~الشعر: اختلف فيه علماؤنا؛ هل يمسح أم لا؟ وليس عندي بمقصود، لا في الرأس، ~~ولا في الأذنين، لكنه يمكن أن يتركه من يستوثق في مسح رأسه ولا يلزمه أن ~~يقصده لأنه ليس عندي منه. ### | [مسألة القراءة في قوله تعالى ms0519 وأرجلكم] # المسألة الحادية والأربعون: قوله تعالى: {وأرجلكم} [المائدة: 6]: ثبتت ~~القراءة فيها بثلاث روايات: # الرفع، قرأ به نافع، رواه عنه الوليد بن مسلم، وهي قراءة الأعمش والحسن. # والنصب، روى أبو عبد الرحمن السلمي قال: قرأ علي # PageV02P070 # الحسن أو الحسين فقرأ قوله: {وأرجلكم} [المائدة: 6] فسمع علي ذلك، وكان ~~يقضي بين الناس، فقال: وأرجلكم بالنصب، هذا من مقدم الكلام ومؤخره. وقرأ ~~ابن عباس مثله. وقرأ أنس وعلقمة وأبو جعفر بالخفض. وقال موسى بن أنس لأنس: ~~يا أبا حمزة، إن الحجاج خطبنا بالأهواز ونحن معه، فذكر الطهور، فقال: ~~اغسلوا حتى ذكر الرجلين وغسلهما وغسل العراقيب والعراقب، فقال أنس: صدق ~~الله وكذب الحجاج. قال الله سبحانه: {فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ~~وامسحوا برءوسكم وأرجلكم} [المائدة: 6] قال: فكان أنس إذا مسح قدميه بلهما ~~وقال: نزل القرآن بالمسح، وجاءت السنة بالغسل. وعن ابن عباس وقتادة افترض ~~الله مسحين وغسلين، وبه قال عكرمة والشعبي. وقال: ما كان عليه الغسل جعل ~~عليه التيمم، وما كان عليه المسح أسقط. واختار الطبري التخيير بين الغسل ~~والمسح، وجعل القراءتين كالروايتين في الخبر يعمل بهما إذا لم يتناقضا. # وجملة القول في ذلك أن الله سبحانه عطف الرجلين على الرأس، فقد ينصب على ~~خلاف إعراب الرأس أو يخفض مثله؛ والقرآن نزل بلغة العرب، وأصحابه رءوسهم ~~وعلماؤهم لغة وشرعا. # وقد اختلفوا في ذلك؛ فدل على أن المسألة محتملة لغة محتملة شرعا، لكن ~~تعضد حالة النصب على حالة الخفض بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - غسل وما ~~مسح قط، وبأنه رأى قوما تلوح أعقابهم، فقال: «ويل للأعقاب من النار»، «وويل # PageV02P071 # للعراقيب من النار». فتوعد بالنار على ترك إيعاب غسل الرجلين؛ فدل ذلك ~~على الوجوب بلا خلاف، وتبين أن من قال إن الرجلين ممسوحتان لم يعلم بوعيد ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - على ترك إيعابهما. # وطريق النظر البديع أن القراءتين محتملتان، وأن اللغة تقضي بأنهما ~~جائزتان، فردهما الصحابة إلى الرأس مسحا، فلما قطع بنا حديث النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ووقف في وجوهنا وعيده، قلنا: جاءت السنة ms0520 قاضية بأن النصب ~~يوجب العطف على الوجه واليدين، ودخل بينهما مسح الرأس، وإن لم تكن وظيفته ~~كوظيفتهما؛ لأنه مفعول قبل الرجلين لا بعدهما، فذكر لبيان الترتيب لا ~~ليشتركا في صفة التطهير، وجاء الخفض ليبين أن الرجلين يمسحان حال الاختيار ~~على حائل، وهما الخفان بخلاف سائر الأعضاء، فعطف بالنصب مغسولا على مغسول، ~~وعطف بالخفض ممسوحا على ممسوح، وصح المعنى فيه. # فإن قيل: أنتم وإن قرأتموها بالنصب فهي عطف على الرءوس موضعا، فإن الرءوس ~~وإن كانت مجرورة لفظا فهي منصوبة معنى؛ لأنها مفعولة، فكيف قرأتها خفضا أو ~~نصبا فوظيفتها المسح مثل الذي عطف عليه. قلنا: يعارضه أنا وإن قرأناها ~~خفضا، وظهر أنها معطوفة على الرءوس فقد يعطف الشيء على الشيء بفعل ينفرد به ~~أحدهما، كقوله: # PageV02P072 # علفتها تبنا وماء باردا ... ورأيت زوجك في الوغى # متقلدا سيفا ورمحا ... فعلا فروع الأيهقان وأطفلت # بالجلهتين ظباؤها ونعامها # وكقوله: # شراب ألبان وتمر وأقط # تقديره: علفتها تبنا وسقيتها ماء. ومتقلدا سيفا وحاملا رمحا، وأطفلت ~~بالجلهتين ظباؤها وفرخت نعامها. وشراب ألبان وآكل تمر وأقط. فإن قيل: هاهنا ~~عطف وشرك في الفعل وإن لم يكن به مفعولا اتكالا على فهم السامع للحقيقة. ~~قلنا: وها هنا عطف الرجلين على الرءوس وشركهما في فعلهما، وإن لم يكن به ~~مفعوله، تعويلا على بيان المبلغ، فقد بلغ، وقد بينا أيضا أنها تكون ممسوحة ~~تحت الخفين؛ وذلك ظاهر في البيان؛ وقد أفردناها مستقلة في جزء. ### | [مسألة المسح على الخفين] # المسألة الثانية والأربعون: إذا ثبت وجه التأويل في المسح على الخفين ~~فإنها أصل في الشريعة وعلامة مفرقة بين أهل السنة والبدعة، وردت به ~~الأخبار. فإن قيل: هي أخبار آحاد، وخبر الواحد عند المبتدعة باطل. قلنا: ~~خبر الواحد أصل عظيم لا ينكره إلا زائغ، وقد أجمعت الصحابة على الرجوع ~~إليه، وقد جمعناه في جزء. الجواب الثاني: إنها مروية تواترا؛ لأن الأمة ~~اتفقت على نقلها خلفا عن سلف، وإن أضيفت إلى آحاد، كما أضيف اختلاف ~~القراءات إلى القراء في نقل القرآن، وهو متواتر. وقد استوفينا الكلام فيها ~~في ms0521 شرح الحديث. # PageV02P073 ### | [مسألة معنى قوله تعالى إلى الكعبين] # المسألة الثالثة والأربعون: قوله تعالى: {إلى الكعبين} [المائدة: 6]: ~~اختلف فيهما؛ فقال مالك والشافعي والجماعة: إنهما العظمات الناتئان في ~~المفصل بين الساق والرجل. وقد قال القاضي عبد الوهاب عن ابن القاسم: إنهما ~~العظمات الناتئان في وجه القدم؛ وبه قال محمد بن الحسن. وقال الخليل: الكعب ~~هو الذي بين الساق والقدم. والعقب هو معقد الشراك، وتقتضي لغة العرب أن كل ~~ناتئ كعب، يقال: كعب ثدي المرأة إذا برز عن صدرها. ولا يجوز أن يراد به ~~الذي يعقد فيه الشراك، لوجهين: # أحدهما: أنه ليس مشهورا في اللغة. # والثاني: أنه لا يتحصل به غسل الرجلين؛ لأنه ليس بغاية لهما ولا ببعض ~~معلوم منهما، والإحالة على المجهول في التكليف لا تجوز إلا بالبيان، وإن لم ~~يكن قرآنا، ولا من النبي - صلى الله عليه وسلم - سنة؛ فبطل؛ بل جاءت السنة ~~بضدها قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ويل للعراقيب من النار». # وهذا يبطل أن يكون معقد الشراك حذاءه لا فوقه، يعضده أن الله سبحانه قال: ~~{وأرجلكم إلى الكعبين} [المائدة: 6] ولو قال: أراد معقد الشراك لقال إلى ~~الكعاب، كما قال: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} [التحريم: 4] لما ~~كان لكل واحدة قلب واحد، فدل على أن في كل رجل كعبين اثنين. المسألة ~~الرابعة والأربعون: القول في دخول الرجلين في الكعبين كالقول في دخول ~~المرافق في الوضوء سواء؛ لأن الكعب في الساق، كما أن المرفق في العضد، وكل ~~واحد منهما هو في غير المذكور منهما؛ لأنك إذا غسلت الساعد إلى المرفق ~~فالمرفق آخر العضد، وإذا غسلت القدم إلى الكعبين فالكعبان آخر الساقين، ~~فركبه عليه وافهمه منه. # PageV02P074 ### | [مسألة تخليل الأصابع في الوضوء] # المسألة الخامسة والأربعون: في تخليل الأصابع في الوضوء: وذلك في اليدين ~~والرجلين؛ قال ابن وهب: وهو واجب في اليدين مستحب في الرجلين، وبه قال أكثر ~~العلماء. وقيل: إن ذلك واجب في الجميع، لما روى حذيفة أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «خللوا بين الأصابع لا تتخللها النار». ms0522 وقال المستورد بن ~~شداد: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدلك بخنصره ما بين أصابع ~~رجليه». والحق أنه واجب في اليدين على القول بالدلك، غير واجب في الرجلين، ~~لأن تخليلها بالماء يقرح باطنها، وقد شاهدنا ذلك، وما علينا في الدين من ~~حرج في أقل من ذلك، فكيف في تخليل تتقرح به الأقدام، ### | [مسألة حكم إزالة النجاسة في الوضوء] # المسألة السادسة والأربعون: نزع علماؤنا بهذه الآية إلى أن إزالة النجاسة ~~غير واجبة، لأنه قال: {إذا قمتم إلى الصلاة} [المائدة: 6]؛ تقديره كما سبق: ~~وأنتم محدثون، فاغسلوا وجوهكم وأيديكم، فلم يذكر الاستنجاء، وذكر الوضوء، ~~ولو كان واجبا لكان أول مبدوء به، وهي رواية أشهب عن مالك. وقال ابن وهب: ~~لا تجزئ الصلاة بها لا ذاكرا ولا ناسيا؛ وبه قال الشافعي. وقال ابن القاسم ~~عنه: تجب مع الذكر وتسقط مع النسيان. # PageV02P075 # وقال أبو حنيفة: تجب إزالة النجاسة إذا زادت على قدر الدرهم البغلي يريد ~~الكبير الذي هو على هيئة المثقال قياسا على فم المخرج المعتاد الذي عفي ~~عنه، وتوجيه ذلك وتفريعه في مسائل الخلاف وكتب الفروع. # والصحيح رواية ابن وهب. ولا حجة في ظاهر القرآن؛ لأن الله سبحانه وتعالى ~~إنما بين في آية الوضوء صفة الوضوء خاصة، وللصلاة شروط: من استقبال الكعبة، ~~وستر العورة، وإزالة النجاسة، وبيان كل شرط منها في موضعه وسنتكلم على ذلك ~~في موضعه إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة ذكر الله تعالى أعضاء الوضوء وترتيبها] # المسألة السابعة والأربعون: ذكر الله تعالى أعضاء الوضوء وترتيبها وأمر ~~بغسلها معقبة، فهل يلزم كل مكلف أن تكون مفعولة مجموعة في الفعل كجمعها في ~~الذكر، أو يجزئ التفريق فيها؟ فقال في المدونة وكتاب محمد: إن التوالي ~~ساقط؛ وبه قال الشافعي. # وقال مالك وابن القاسم: إن فرقه متعمدا لم يجزه، ويجزيه ناسيا. # وقال ابن وهب: لا يجزيه ناسيا ولا متعمدا. # وقال مالك في رواية ابن حبيب: يجزيه في المغسول ولا يجزيه في الممسوح. # وقال ابن عبد الحكم: يجزيه ناسيا ومتعمدا. # فهذه خمسة أقوال الأصل فيها: أن ms0523 الله سبحانه وتعالى أمر أمرا مطلقا فوال ~~أو فرق، وليس لهذه المسألة متعلق بالفور إنما يتعلق بالفور الأمر بأصل ~~الوضوء خاصة. والأصل الثاني: أنها عبادة ذات أركان مختلفة، فوجب فيها ~~التوالي كالصلاة، وبهذا نقول: إنه يلزم الموالاة مع الذكر والنسيان كالصلاة ~~إلا أن يكون يسيرا، فهو معفو عنه. وأما متعلق الفرق بين الذكر والنسيان فإن ~~التوالي صفة من صفات الطهارة، فافترق فيها الذكر والنسيان، كالترتيب. ~~واعتبار صفة من صفات العبادة بصفة أولى من اعتبار عبادة بعبادة. # PageV02P076 # المسألة الثامنة والأربعون: في تحقيق معنى لم يتفطن له أحد حاشا مالك بن ~~أنس، لعظيم إمامته، وسعة درايته، وثاقب فطنته؛ وذلك أن الله تعالى قال: ~~{فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق} [المائدة: 6] الآية. «وتوضأ النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - مرة مرة ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا، ومرتين في بعض ~~أعضائه وثلاثا في بعضها في وضوء واحد»، فظن بعض الناس بل كلهم أن الواحدة ~~فرض، والثانية فضل، والثالثة مثلها، والرابعة تعد، وأعلنوا بذلك في ~~المجالس، ودونوه في القراطيس؛ وليس كما زعموا وإن كثروا، فالحق لا يكال ~~بالقفزان، وليس سواء في دركه الرجال والولدان. # اعلموا وفقكم الله أن قول الراوي: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ ~~مرتين وثلاثا أنه أوعب بواحدة، وجاء بالثانية والثالثة زائدة فإن هذا غيب ~~لا يدركه بشر؛ وإنما رأى الراوي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد غرف ~~لكل عضو مرة، فقال: توضأ مرة، وهذا صحيح صورة ومعنى؛ ضرورة أنا نعلم قطعا ~~أنه لو لم يوعب العضو بمرة لأعاد؛ وأما إذا زاد على غرفة واحدة في العضو أو ~~غرفتين فإننا لا نتحقق أنه أوعب الفرض في الغرفة الواحدة وجاء ما بعدها ~~فضلا، أو لم يوعب في الواحدة ولا في الاثنتين حتى زاد عليها بحسب الماء ~~وحال الأعضاء في النظافة وتأتي حصول التلطف في إدارة الماء القليل والكثير ~~عليها، فيشبه، والله أعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يوسع ~~على أمته بأن يكرر لهم الفعل، فإن أكثرهم لا يستطيع أن يوعب بغرفة ms0524 واحدة، ~~فجرى مع اللطف بهم والأخذ لهم بأدنى أحوالهم إلى التخلص؛ ولأجل هذا لم يوقت ~~مالك في الوضوء مرة ولا مرتين ولا ثلاثا إلا ما أسبغ. # قال: وقد اختلفت الآثار في التوقيت، يريد اختلافا يبين أن المراد معنى ~~الإسباغ لا صورة الأعداد، وقد توضأ النبي - صلى الله عليه وسلم - كما تقدم، ~~فغسل وجهه بثلاث غرفات، ويده بغرفتين، لأن الوجه ذو غضون ودحرجة واحديداب، ~~فلا يسترسل الماء عليه في # PageV02P077 # الأغلب من مرة بخلاف الذراع فإنه مسطح فيسهل تعميمه بالماء وإسالته عليها ~~أكثر مما يكون ذلك في الوجه. فإن قيل: فقد «توضأ النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - مرة مرة، وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به». «وتوضأ مرتين ~~مرتين، وقال: من توضأ مرتين مرتين آتاه الله أجره مرتين». «ثم توضأ ثلاثا ~~ثلاثا، وقال: هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي، ووضوء أبي إبراهيم». وهذا ~~يدل على أنها أعداد متفاوتة زائدة على الإسباغ، يتعلق الأجر بها مضاعفا على ~~حسب مراتبها. قلنا: هذه الأحاديث لم تصح، وقد ألقيت إليكم وصيتي في كل وقت ~~ومجلس ألا تشتغلوا من الأحاديث بما لا يصح سنده، فكيف ينبني مثل هذا الأصل ~~على أخبار ليس لها أصل؛ على أن له تأويلا صحيحا، وهو أنه «توضأ مرة مرة ~~وقال: هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به» فإنه أقل ما يلزم، وهو الإيعاب ~~على ظاهر هذه الأحاديث بحالها. ثم توضأ بغرفتين وقال: له أجره مرتين في كل ~~تكلف غرفة ثواب. وتوضأ ثلاثا وقال: هذا وضوئي؛ معناه الذي فعلته رفقا بأمتي ~~وسنة لهم؛ ولذلك يكره أن يزاد على ثلاث؛ لأن الغرفة الأولى تسن العضو للماء ~~وتذهب عنه شعث التصرف. والثانية ترحض وضر العضو، وتدحض وهجه. والثالثة ~~تنظفه، فإن قصرت دربة أحد عن هذا كان بدويا جافيا فيعلم الرفق حتى يتعلم، ~~ويشرع له سبيل الطهارة حتى ينهض إليها، ويتقدم؛ ولهذا قال من قال: " فمن ~~زاد على الثلاث فقد أساء وظلم ". # PageV02P078 ### | [مسألة حكم السواك في الوضوء] # المسألة التاسعة والأربعون: لما ذكر الله ms0525 سبحانه غسل الوجه مطلقا، وتمضمض ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فبين وجه النظافة فتعين في ذلك ما قدمنا ~~بيانه، ثم لازم النبي - صلى الله عليه وسلم - السواك فعلا، وندب إليه أمرا، ~~حتى قال في الحديث الصحيح: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل ~~وضوء». وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم -: «أنه إذا قام من الليل يشوص فاه ~~بالسواك»، وما غفل عنه قط؛ بل كان يتعاهده ليلا ونهارا، فهو مندوب إليه، ~~ومن سنن الوضوء، لا من فضائله؛ وقد بيناه في شرح الحديث الصحيح. ### | [مسألة المسح في التيمم] # المسألة الموفية خمسين: قوله تعالى: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} ~~[المائدة: 6]: في التيمم، فأدخل الباء فيه، كما أدخلها في قوله تعالى: ~~{برءوسكم} [المائدة: 6]؛ وهو مستغنى عنه، ليبين وجوب الممسوح به؛ وأكده بعد ~~ذلك بقوله: {منه} [المائدة: 6] وقد كان مستغنى عنه، ولكنه تأكيد للبيان. # PageV02P079 # وزعم الشافعية أن قوله {منه} [المائدة: 6] إنما جاء ليبين وجوب نقل ~~التراب إلى الوجه واليدين في التيمم؛ وذلك يقتضي أن يكون التيمم على التراب ~~لا على الحجارة. وقال علماؤنا: إنما أفادت {منه} [المائدة: 6] وجوب ضرب ~~الأرض باليدين، فلولا ذلك وتركنا ظاهر القرآن لجازت الإشارة إلى الصعيد ~~وضرب الوجه واليدين بعد الإشارة باليدين إلى الأرض، ولكنه أكد بقوله {منه} ~~[المائدة: 6] ليكون الابتداء بوضع اليدين على الأرض تعبدا، ثم ضرب الوجه ~~واليدين بعد ذلك بهما، وقد بينا ذلك في سورة النساء، وقررنا أن الصعيد وجه ~~الأرض كيفما كان. # المسألة الحادية والخمسون: فإن قيل: فبينوا لنا بقية الآية. # قلنا: أما قوله: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} [المائدة: 6] وحكم المرض والسفر ~~والمجيء من الغائط ولمس النساء وعدم الماء والتيمم بالصعيد الطيب، فقد تقدم ~~ذكره في سورة النساء، فلا وجه لإعادته، والقول فيها واحد، وإن كانت اثنتين ~~فلينظر فيهما فينتظم المعنى بهما. ### | [مسألة تقدير الآية ونظامها] # المسألة الثانية والخمسون: في تقدير الآية ونظامها: [التقدير الأول]: روي ~~عن زيد بن أسلم أنه قال: في الآية تقديم وتأخير، تقديره إذا قمتم إلى ~~الصلاة من نوم، أو جاء أحد ms0526 منكم من الغائط، أو لامستم النساء، فاغسلوا ~~وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين، وإن ~~كنتم جنبا فاطهروا، وإن كنتم مرضى أو على سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا. ~~الثاني: تقديرها إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون، واستمر عليها تلاوة ~~وتقديرا إلى آخرها. الثالث: تقديرها إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون ~~فاغسلوا وجوهكم، وإن كنتم جنبا فاطهروا، وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء ~~أحد منكم من الغائط. وتكون أو بمعنى الواو. # PageV02P080 ### | [الآية السابعة قوله تعالى يأيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط] # الآية السابعة قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء ~~بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا ~~الله إن الله خبير بما تعملون} [المائدة: 8]. تقدم أكثر معناها في سورة ~~النساء عند ذكرنا لنظيرتها، ونحن نعيد ذكر ما تجدد هاهنا منها، ونعيد ما ~~تحسن إعادته فيها في ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: نزلت في اليهود، ذهب إليهم النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ليستعين بهم في دية العامريين اللذين قتلهما عمرو بن أمية ~~فوعدوه ثم هموا بغدره، فأعلمه الله سبحانه بذلك، فخرج عنهم، وأمره الله ~~سبحانه ألا يحمله ما كانوا عليه من الحالة المبغضة لهم على أن يخرج عن الحق ~~فيها قضاء أو شهادة. # المسألة الثانية: قوله تعالى: {كونوا قوامين لله شهداء بالقسط} [المائدة: ~~8]: أو " قوامين بالقسط شهداء لله " سواء في المعنى؛ لأن من كان قيامه لله ~~فشهادته وعمله يكون بالعدل، ومن كان قيامه بالعدل فشهادته وعمله لله ~~سبحانه؛ لارتباط أحدهما بالآخر ارتباط الأصل بالفرع، والأصل هو القيام لله ~~والعدل مرتبط به. ### | [مسألة نفوذ حكم العدو على عدوه في الله تعالى] # المسألة الثالثة: قوله: {ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا} [المائدة: ~~8]: يريد لا يحملنكم بغض قوم على العدول عن الحق؛ وفي هذا دليل على نفوذ ~~حكم العدو على عدوه في الله تعالى، و [نفوذ] شهادته عليه؛ لأنه أمر بالعدل، ~~وإن أبغضه، ولو كان حكمه عليه ms0527 وشهادته لا تجوز فيه مع البغض له لما كان ~~لأمره بالعدل فيه وجه. # PageV02P081 # فإن قيل: البغض ورد مطلقا فلم خصصتموه بما يكون في الله تعالى؟ قلنا: لأن ~~البغض في غيره لا يجوز على النبي - صلى الله عليه وسلم - ابتداء، ولا يجوز ~~أن يأمر الله أحدا بقول الحق على عدوه مع عداوة لا تحل، فيكون تقريرا ~~للوصف، وفيه أمر بالمعصية؛ وذلك محال على الله سبحانه. ### | [الآية الثامنة قوله تعالى ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم] # الآية الثامنة قوله سبحانه: {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا ~~منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة ~~وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ~~ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء ~~السبيل} [المائدة: 12]. فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: هذا خطاب أخبر به عن فعل موسى مع بني إسرائيل، وبعثه ~~النقباء منهم إلى الأرض المقدسة، ليختبروا حال من بها، ويعلموه بما أطلعوه ~~عليه فيها حتى ينظروا في الغزو إليها؛ وشرع من قبلنا شرع لنا على ما بيناه ~~في أصول الفقه وفي كتابنا هذا عندما عرض منها ما يكون مثلها، ولما كان أصل ~~مالك ذلك، وهو الصحيح، ركبنا عليه المسائل لكونه من واضحات الدلائل. ### | [مسألة يقبل خبر الواحد فيما يفتقر إليه المرء] # المسألة الثانية: في هذا دليل على أنه يقبل خبر الواحد فيما يفتقر إليه ~~المرء ويحتاج إلى اطلاعه من حاجاته الدينية والدنيوية، فيركب عليه الأحكام، ~~ويربط به الحلال والحرام. وقد جاء أيضا مثله في الإسلام، فقد روي «أن وفد ~~هوازن لما جاءوا تائبين إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - كلم رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - الناس، وسألهم أن يتركوا نصيبهم لهم من السبي # PageV02P082 # فقالوا قد طيبنا ذلك يا رسول الله قال: ارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم ~~أمركم»، واحدها عريف، وهي: # المسألة الثالثة: وهو فعيل بمعنى فاعل، أي يعرف بما عند من كلف أن يعرف ~~ما عنده. ومن ms0528 حديث «وفد هوازن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب فقال: ~~أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء قد جاءوا تائبين، وإني رأيت أن أرد عليهم سبيهم، ~~فمن أحب منكم أن يطيب بذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه ~~من أول ما يفيء الله علينا فليفعل. فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله ~~لهم؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنا لا ندري من أذن منكم في ~~ذلك ممن لم يأذن. فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم. فرجع الناس فكلمهم ~~عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبروه أنهم قد ~~طيبوا وأذنوا». لفظ البخاري: وهو النقيب أو ما فوقه، وينطلق بالمعنيين، وقد ~~كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نقيب الأنصار. # وينطلق في اللغة على الأمين والكفيل. واشتقاقه؛ يقال: نقب الرجل على ~~القوم ينقب إذا صار نقيبا، وما كان الرجل نقيبا، ولقد نقب، وكذلك عرف عليهم ~~إذا صار عريفا، ولقد عرف، وإنما قيل له نقيب؛ لأنه يعرف دخيلة أمر القوم ~~ومناقبهم، والمناقب تطلق على الخلقة الجميلة وعلى الأخلاق الحسنة. # المسألة الرابعة: وعلى هذا انبنى قبول المرأة لزوجها في الذي يبلغه إياها ~~من مسائل الشريعة # PageV02P083 # وأحكام الدين ودخول الدار بإذن الآذن، وأحكام كثيرة لا نطول بها؛ ففي هذا ~~تنبيه عليها وعلى أنواعها "، فألحق كل شيء بجنسه منها، ومن هاهنا اتخذ ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - النقباء ليلة العقبة. # قال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: كانت الأنصار سبعين رجلا يعني مالك يوم ~~العقبة، وكان منهم اثنا عشر نقيبا، فكان أسيد بن الحضير أحد النقباء نقيبا. ~~قال مالك: النقباء تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس، منهم أسيد بن الحضير ~~وعمرو بن الجموح. وقال أشهب عن مالك: كان أسعد بن زرارة أحد النقباء. وقال ~~ابن القاسم عنه: عمرو بن الجموح، وعبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاريين ثم ~~المسلمين من النقباء. قال علماؤنا: التسعة من الخزرج هم: أبو أمامة أسعد بن ~~زرارة، وسعد بن الربيع بن عمرو، ms0529 وعبد الله بن رواحة بن امرئ القيس، والبراء ~~بن معرور بن صخر، وعبد الله بن عمرو بن حرام، وعبادة بن الصامت، وسعد بن ~~عبادة، والمنذر بن عمرو، وعمرو بن الجموح. # ومن الأوس أسيد بن الحضير، وسعد بن خيثمة، ورفاعة بن عبد المنذر، ومن ~~الناس من يعد فيهم أبا الهيثم بن التيهان؛ فجعلهم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - نقباء على من كان معهم وعلى من يأتي بعدهم. ### | [الآية التاسعة قوله تعالى وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم] # إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين} ~~[المائدة: 20]. # PageV02P084 # قال أشهب عن مالك: هو أن يكون للرجل مسكن يأوي إليه وامرأة يتزوجها وخادم ~~يخدمه. وكذلك روي عن ابن عباس، وعبد الله بن عمر، ومجاهد، والحكم، وقتادة، ~~زاد قتادة: كان بنو إسرائيل أول من اتخذ الخدمة؛ وفائدة ذلك أن الرجل إذا ~~وجبت عليه كفارة وملك دارا وخادما باعهما في الكفارة ولم يجزه الصيام؛ لأنه ~~قادر على الرقبة ببيع خادمه أو داره، وهو ملك، والملوك لا يكفرون بالصيام ~~ولا يوصفون بالعجز عن الإعتاق. ### | [الآية العاشرة قوله تعالى فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه] # قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من ~~النادمين} [المائدة: 31] {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل ~~نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما ~~أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في ~~الأرض لمسرفون} [المائدة: 32]. فيها تسع مسائل: # المسألة الأولى: قوله تعالى: {فبعث الله غرابا} [المائدة: 31]: اختلف في ~~المجني عليه على قولين: # أحدهما: أنه من بني إسرائيل. # الثاني: أنه ولد آدم لصلبه، وهما قابيل وهابيل؛ وهو الأصح؛ وقاله ابن ~~عباس والأكثر من الناس، جرى من أمرهما ما قص الله سبحانه في كتابه. # والدليل على أنه الأصح ما روي في الحديث الثابت الصحيح عن النبي - صلى ~~الله عليه ms0530 وسلم - أنه قال: «ما من قتيل يقتل ظلما إلا كان على ابن آدم ~~الأول كفل من دمها؛ لأنه أول من سن القتل». # PageV02P085 # المسألة الثانية: قوله سبحانه: {فبعث الله غرابا} [المائدة: 31]: فيه ~~قولان: أحدهما: أن قابيل لم يدر كيف يفعل بهابيل حتى بعث الله الغرابين، ~~فتنازعا فاقتتلا، فقتل أحدهما الآخر. الثاني: أن الغراب إنما بعث ليري ابن ~~آدم كيفية المواراة لهابيل خاصة. # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {سوأة أخيه} [المائدة: 31]: قيل: هي ~~العورة. وقيل: لما أنتن صار كله عورة، وإنما سميت سوأة لأنها تسوء الناظر ~~إليها عادة. ### | [مسألة دفن الميت] # المسألة الرابعة: دفن الميت لوجهين: أحدهما: لستره. الثاني: لئلا يؤذي ~~الأحياء بجيفته. # وقيل: إنهما كانا ملكين في صورة الغرابين. وقال ابن مسعود: كانا غرابين ~~أخوين، فبحث الأرض على سوأة أخيه حتى عرف كيف يدفنه. # وروى ابن القاسم عن مالك أن ابن آدم الذي قتل أخاه حمله على عنقه سنة ~~يدور به، فبعث الله غرابا يبحث في الأرض، ودفن فتعلم، وعمل مثل ما رأى، ~~وقال: أخبر الله سبحانه عنه، وكان ذلك كله في علم الله تعالى وخبره، ألا ~~ترى إلى قوله عز وجل: {ثم أماته فأقبره} [عبس: 21]. وقال تعالى: {ألم نجعل ~~الأرض كفاتا} [المرسلات: 25] {أحياء وأمواتا} [المرسلات: 26]. ويأتي تحقيقه ~~إن شاء الله؛ فصار ذلك سنة باقية في الخلق، وفرضا على جميع الناس على ~~الكفاية، من فعله منهم سقط عن الباقين فرضه؛ وأخص الخلق به الأقربون، ثم ~~الذين يلونهم من الجيرة، ثم سائر الناس المسلمين؛ وهو حق في الكافر أيضا، ~~وهي: # PageV02P086 # المسألة الخامسة: روى ناجية بن كعب عن «علي قال: قلت للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: إن عمك الشيخ الضال مات، فمن يواريه؟ قال: اذهب فوار أباك، ~~ولا تحدثن حدثا حتى تأتيني. فواريته، ثم جئت، فأمرني أن أغتسل ودعا لي». ### | [مسألة قوله تعالى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب] # المسألة السادسة: قوله تعالى: {أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب} [المائدة: ~~31]: فيه دليل على قياس الشبه؛ وقد حققناه في الأصول. ### | [مسألة معنى قوله تعالى فأصبح ms0531 من النادمين] # المسألة السابعة قوله تعالى: {فأصبح من النادمين} [المائدة: 31]: وهي ~~تابعة للأحكام هاهنا لأنها من الأصول؛ لكنا نشير إليها لتعلق القلوب بها، ~~فنقول: من الغريب أن الله سبحانه قد أخبر عنه أنه ندم وهو في النار، وقال - ~~صلى الله عليه وسلم -: «الندم توبة». قلنا: عن هذه ثلاثة أجوبة: # الأول: أن الحديث ليس يصح، لكن المعنى صحيح، وكل من ندم فقد سلم، لكن ~~الندم له شروط، فكل من جاء بشروطه قبل منه، ومن أخل بها أو بشيء منها لم ~~يقبل. # PageV02P087 # الثاني: أن معناه ندم ولم يستمر ندمه، وإنما يقبل الندم إذا استمر. # الثالث: أن الندم على الماضي إنما ينفع بشرط العزم على ألا يفعل في ~~المستقبل. ### | [مسألة معنى قوله تعالى من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل] # المسألة الثامنة: قوله تعالى: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل} ~~[المائدة: 32]: تعلق بهذا من قال: إن ابني آدم كانا من بني إسرائيل، ولم ~~يكن قبلهم. وهذا لا يصح لأن القتل قد جرى قبل ذلك، ولم يخل زمان آدم ولا ~~زمن من بعده من شرع. وأهم قواعد الشرائع حماية الدماء عن الاعتداء وحياطته ~~بالقصاص كفا وردعا للظالمين والجائرين وهذا من القواعد التي لا تخلو عنها ~~الشرائع والأصول التي لا تختلف فيها الملل؛ وإنما خص الله بني إسرائيل ~~بالذكر للكتاب فيه عليهم؛ لأنه ما كان ينزل قبل ذلك من الملل والشرائع كان ~~قولا مطلقا غير مكتوب، بعث الله إبراهيم فكتب له الصحف، وشرع له دين ~~الإسلام، وقسم ولديه بين الحجاز والشام، فوضع الله إسماعيل بالحجاز مقدمة ~~لمحمد - صلى الله عليه وسلم - وأخلاها عن الجبابرة تمهيدا له، وأقر إسحاق ~~بالشام، وجاء منه يعقوب وكثرت الإسرائيلية، فامتلأت الأرض بالباطل في كل ~~فج، وبغوا؛ فبعث الله سبحانه موسى وكلمه وأيده بالآيات الباهرة، وخط له ~~التوراة بيده، وأمره بالقتال، ووعده النصر، ووفى له بما وعده، وتفرقت بنو ~~إسرائيل بعقائدها، وكتب الله جل جلاله في التوراة القصاص محددا مؤكدا ~~مشروعا في سائر أنواع الحدود، إلى سائر الشرائع من العبادات ms0532 وأحكام ~~المعاملات، وقد أخبر الله في كتابنا بكثير من ذلك. ### | [مسألة معنى قوله تعالى من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض] # المسألة التاسعة: قوله تعالى: {من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض ~~فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا} [المائدة: ~~32]: هذه مسألة مشكلة؛ لأن من قتل نفسا واحدة ليس كمن قتل الناس في ~~الحقيقة، وإنما سبيل هذا الكلام المجاز، وله وجه وفائدة؛ فأما وجه التشبيه ~~فقد قال علماؤنا في ذلك أربعة أقوال: # الأول: أن معناه قتل نبيا؛ لأن النبي من الخلق يعادل الخلق، وكذلك الإمام ~~العادل بعده؛ قاله ابن عباس في النبي. # الثاني: أنه بمنزلة من قتل الناس جميعا عند المقتول، إما لأنه فقد نفسه، ~~فلا يعنيه # PageV02P088 # بقاء الخلق بعده، وإما لأنه مأثوم ومخلد كمن قتل الناس جميعا على أحد ~~القولين، واختاره مجاهد، وإليه أشار الطبري في الجملة، وعكسه في الإحياء ~~مثله. # الثالث: قد قال بعض المتأخرين: إن معناه يقتل بمن قتل، كما لو قتل الخلق ~~أجمعين، ومن أحياها بالعفو فكأنما أحيا الناس أجمعين. # الرابع: أن على جميع الخلق ذم القاتل، كما عليهم إذا عفا مدحه، وكل واحد ~~منهما مجاز. وبعضها أقرب من بعض. ### | [الآية الحادية عشرة قوله تعالى من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض] # فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا} [المائدة: ~~32]. فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: هذا مبني على الأصل المتقدم من أن شرع من قبلنا شرع لنا، ~~أعلمنا الله به وأمرنا باتباعه. ### | [مسألة معنى قوله تعالى أو فساد في الأرض] # المسألة الثانية: قوله تعالى: {أو فساد في الأرض} [المائدة: 32] اختلف ~~فيه، فقيل: هو الكفر. وقيل: هو إخافة السبيل. وقيل غير ذلك مما يأتي بيانه ~~إن شاء الله تعالى. وأصل " فسد " في لسان العرب تعذر المقصود وزوال ~~المنفعة؛ فإن كان فيه ضرر كان أبلغ، والمعنى ثابت بدونه قال الله سبحانه: ~~{لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22] أي لعدمتا، وذهب ~~المقصود. وقال الله سبحانه: ms0533 {والله لا يحب الفساد} [البقرة: 205] وهو الشرك ~~أو الإذاية للخلق، والإذاية أعظم من سد السبيل، ومنع الطريق. ويشبه أن يكون ~~الفساد المطلق ما يزيف مقصود المفسد، أو يضره، أو ما يتعلق بغيره. # PageV02P089 # والفساد في الأرض هو الإذاية للغير. والإذاية للغير على قسمين: خاص، ~~وعام؛ ولكل نوع منها جزاؤه الواقع وحده الرادع، حسبما عينه الشرع، وإن كان ~~على العموم فجزاؤه ما في الآية بعد هذه من القتل والصلب. ### | [مسألة معنى قوله تعالى فكأنما قتل الناس جميعا] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما ~~أحيا الناس جميعا} [المائدة: 32] ظاهره خلاف مشاهدته، فإنه لم يقتل إلا ~~واحدا، ولكنه تحمل أوجها من المجاز. منها: أن عليه إثم من قتل جميع الناس، ~~وله أجر من أحيا جميع الناس إذا أصروا على الهلكة. ومنها: أن من قتل واحدا ~~فهو متعرض لأن يقتل جميع الناس، ومن أنقذ واحدا من غرق أو حرق أو عدو فهو ~~معرض لأن يفعل مع جميع الناس ذلك؛ فالخير عادة والشر لجاجة. # وروي في الصحيح «أن رجلا قتل تسعة وتسعين، ثم جاء عالما فسأله: هل لي من ~~توبة؟ فقال له: لا، فكمل المائة به، ثم جاء غيره، فسأله، فقال: لك توبة» ~~الحديث «إلى أن قبضه الله عز وجل على التوبة والرحمة». ومنها: أن من قتل ~~واحدا فقد سن لغيره أن يقتدي به، فكل من يقتل يأخذ بحظه من إثم، وكذلك من ~~أحيا مثله في الأجر، ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ما من ~~نفس تقتل إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها»؛ لأنه أول من سن القتل. ### | [الآية الثانية عشرة قوله تعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله] # ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من ~~خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم} ~~[المائدة: 33] {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله ~~غفور رحيم} [المائدة: 34] # PageV02P090 # فيها اثنتا عشرة مسألة: ms0534 # المسألة الأولى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} [المائدة: 33] ~~ظاهرها محال؛ فإن الله سبحانه لا يحارب ولا يغالب ولا يشاق ولا يحاد؛ ~~لوجهين: # أحدهما: ما هو عليه من صفات الجلال، وعموم القدرة والإرادة على الكمال، ~~وما وجب له من التنزه عن الأضداد والأنداد. # الثاني: أن ذلك يقتضي أن يكون كل واحد من المتحاربين في جهة وفريق عن ~~الآخر. والجهة على الله تعالى محال، وقد قال جماعة من المفسرين لما وجب من ~~حمل الآية على المجاز: معناه يحاربون أولياء الله؛ وعبر بنفسه العزيزة ~~سبحانه عن أوليائه إكبارا لإذايتهم، كما عبر بنفسه عن الفقراء في قوله ~~تعالى: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} [البقرة: 245] لطفا بهم ورحمة ~~لهم، وكشفا للغطاء عنه بقوله في الحديث الصحيح: «عبدي مرضت فلم تعدني، وجعت ~~فلم تطعمني، وعطشت فلم تسقني، فيقول: وكيف ذلك وأنت رب العالمين؟ فيقول: ~~مرض عبدي فلان، ولو عدته لوجدتني عنده». وذلك كله على الباري سبحانه محال، ~~ولكنه كنى بذلك عنه تشريفا له، كذلك في مسألتنا مثله. وقد قال المفسرون: إن ~~الحرابة هي الكفر، وهي معنى صحيح؛ لأن الكفر يبعث على الحرب؛ وهذا مبين في ~~مسائل الخلاف. ### | [مسألة سبب نزول قوله تعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله] # المسألة الثانية: في سبب نزولها: وفيها خمسة أقوال: # PageV02P091 # الأول: أنها نزلت في أهل الكتاب؛ نقضوا العهد، وأخافوا السبيل، وأفسدوا ~~في الأرض، فخير الله نبيه فيهم. # الثاني: نزلت في المشركين؛ قاله الحسن. # الثالث: «نزلت في عكل أو عرينة، قدم منهم نفر على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - المدينة وتكلموا بالإسلام، فقالوا: يا نبي الله؛ إنا كنا أهل ضرع، ~~ولم نكن أهل ريف، واستوخموا المدينة، فأمر لهم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بذود وراع، وأمرهم أن يخرجوا فيه، فيشربوا من ألبانها وأبوالها، ~~فانطلقوا حتى إذا كانوا بناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم، وقتلوا راعي النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - واستاقوا الذود؛ فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فبعث الطلب في آثارهم، فأمر بهم فسملوا أعينهم، وقطعوا ms0535 أيديهم، ~~وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالتهم.» وقال قتادة: فبلغنا «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك كان يحث على الصدقة وينهى عن ~~المثلة». هذا في الصحيح من قصتهم، وتمامها على الاستيفاء في صريح الصحيح، ~~زاد الطبري: وفي ذلك نزلت هذه الآية، ورواه جماعة. # الرابع: أن هذه الآية نزلت معاتبة للنبي - صلى الله عليه وسلم - في شأن ~~العرنيين؛ قاله الليث. # الخامس: قال قتادة: هي ناسخة لما فعل في العرنيين. ### | [مسألة المرتد يقتل بالردة دون المحاربة] # المسألة الثالثة: في تحقيق ذلك: لو ثبت أن هذه الآية نزلت في شأن عكل أو ~~عرينة لكان غرضا ثابتا، ونصا صريحا. واختار الطبري أنها نزلت في يهود، ودخل ~~تحتها كل ذمي وملي. وهذا ما لم يصح، فإنه لم يبلغنا أن أحدا من اليهود ~~حارب، ولا أنه جوزي بهذا الجزاء. # PageV02P092 # ومن قال: إنها نزلت في المشركين أقرب إلى الصواب؛ لأن عكلا وعرينة ارتدوا ~~وقتلوا وأفسدوا، ولكن يبعد؛ لأن الكفار لا يختلف حكمهم في زوال العقوبة ~~عنهم بالتوبة بعد القدرة، كما يسقط قبلها، وقد قيل للكفار: {قل للذين كفروا ~~إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} [الأنفال: 38]. وقال في المحاربين: {إلا ~~الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} [المائدة: 34]. # وكذلك المرتد يقتل بالردة دون المحاربة، وفي الآية النفي لمن لم يتب قبل ~~القدرة، والمرتد لا ينفى، وفيها قطع اليد والرجل، والمرتد لا تقطع له يد ~~ولا رجل؛ فثبت أنها لا يراد بها المشركون ولا المرتدون. فإن قيل: وكيف يصح ~~أن يقال: إنها في شأن العرنيين أقوى؛ ولا يمكن أن يحكم فيهم بحكم العرنيين ~~من سمل الأعين، وقطع الأيدي. قلنا: ذلك ممكن؛ لأن الحربي إذا قطع الأيدي ~~وسمل الأعين فعل به مثل ذلك إذا تعين فاعل ذلك. فإن قيل: لم يكن هؤلاء ~~حربيين، وإنما كانوا مرتدين؛ والمرتد يلزم استتابته، وعند إصراره على الكفر ~~يقتل. قلنا: فيه روايتان: إحداهما: أنه يستتاب، والأخرى: لا يستتاب. # وقد اختلف العلماء على القولين، فقيل: لا يستتاب؛ لأن النبي - صلى الله ms0536 ~~عليه وسلم - قتل هؤلاء ولم يستتبهم. وقيل: يستتاب المرتد، وهو مشهور ~~المذهب، وإنما ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - استتابة هؤلاء لما أحدثوا ~~من القتل والمثلة والحرب؛ وإنما يستتاب المرتد الذي يرتاب فيستريب به ~~ويرشد، ويبين له المشكل، وتجلى له الشبهة. # فإن قيل: فكيف يقال إن هذه الآية تناولت المسلمين، وقد قال: {إنما جزاء ~~الذين يحاربون الله ورسوله} [المائدة: 33]؛ وتلك صفة الكفار؟ # PageV02P093 # قلنا: الحرابة تكون بالاعتقاد الفاسد، وقد تكون بالمعصية، فيجازى بمثلها، ~~وقد قال تعالى: {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} [البقرة: 279]. ~~فإن قيل: ذلك فيمن يستحل الربا قلنا: نعم، وفيمن فعله، فقد اتفقت الأمة على ~~أن من يفعل المعصية يحارب، كما لو اتفق أهل بلد على العمل بالربا، وعلى ترك ~~الجمعة والجماعة. ### | [مسألة تحقيق المحاربة وهي إشهار السلاح] # المسألة الرابعة: في تحقيق المحاربة: وهي إشهار السلاح قصد السلب، مأخوذ ~~من الحرب؛ وهو استلاب ما على المسلم بإظهار السلاح عليه، والمسلمون أولياء ~~الله بقوله تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} [يونس: ~~62] {الذين آمنوا} [يونس: 63]. وقد شرح ذلك مالك شرحا بالغا فيما رواه ابن ~~وهب عنه: قال ابن وهب: قال مالك: المحارب الذي يقطع السبيل وينفر بالناس في ~~كل مكان، ويظهر الفساد في الأرض وإن لم يقتل أحدا، إذا ظهر عليه يقتل؛ وإن ~~لم يقتل فللإمام أن يرى فيه رأيه بالقتل، أو الصلب، أو القطع، أو النفي؛ ~~قال مالك: والمستتر في ذلك والمعلن بحرابته [سواء]. # وإن استخفى بذلك، وظهر في الناس إذا أراد الأموال وأخاف فقطع السبيل أو ~~قتل، فذلك إلى الإمام؛ يجتهد أي هذه الخصال شاء. وفي رواية عن ابن وهب أن ~~ذلك إن كان قريبا وأخذ بحدثانه فليأخذ الإمام فيه بأشد العقوبة، وفي ذلك ~~أربعة أقوال: # الأول: ما تقدم ذكره لمالك. # الثاني: أنها الزنا والسرقة والقتل؛ قاله مجاهد. # الثالث: أنه المجاهر بقطع الطريق والمكابر باللصوصية في المصر وغيره؛ ~~قاله الشافعي ومالك في رواية والأوزاعي. # الرابع: أنه المجاهر في الطريق لا في المصر؛ ms0537 قاله أبو حنيفة وعطاء. # PageV02P094 # المسألة الخامسة: في التنقيح: أما قول مجاهد فساقط، إلا أن يريد به أن ~~يفعله مجاهرة مغالبة، فإن ذلك أفحش في الحرابة. قال القاضي - رضي الله عنه ~~-: ولقد كنت أيام تولية القضاء قد رفع إلي قوم خرجوا محاربين إلى رفقة، ~~فأخذوا منهم امرأة مغالبة على نفسها من زوجها ومن جملة المسلمين معه فيها ~~فاحتملوها، ثم جد فيهم الطلب فأخذوا وجيء بهم، فسألت من كان ابتلاني الله ~~به من المفتين، فقالوا: ليسوا محاربين؛ لأن الحرابة إنما تكون في الأموال ~~لا في الفروج. فقلت لهم: إنا لله وإنا إليه راجعون، ألم تعلموا أن الحرابة ~~في الفروج أفحش منها في الأموال، وأن الناس كلهم ليرضون أن تذهب أموالهم ~~وتحرب من بين أيديهم ولا يحرب المرء من زوجته وبنته، ولو كان فوق ما قال ~~الله عقوبة لكانت لمن يسلب الفروج، وحسبكم من بلاء صحبة الجهال، وخصوصا في ~~الفتيا والقضاء. # وأما قول من قال: إنه سواء في المصر والبيداء فإنه أخذ بمطلق القرآن. ~~وأما من فرق فإنه رأى أن الحرابة في البيداء أفحش منها في المصر لعدم الغوث ~~في البيداء وإمكانه في المصر. والذي نختاره أن الحرابة عامة في المصر ~~والقفر، وإن كان بعضها أفحش من بعض، ولكن اسم الحرابة يتناولها، ومعنى ~~الحرابة موجود فيها، ولو أخرج بعضا من في المصر لقتل بالسيف ويؤخذ فيه بأشد ~~ذلك لا بأيسره فإنه سلب غيلة، وفعل الغيلة أقبح من فعل الظاهرة، ولذلك دخل ~~العفو في قتل المجاهرة، فكان قصاصا، ولم يدخل في قتل الغيلة، وكان حدا؛ ~~فتحرر أن قطع السبيل موجب للقتل في أصح أقوالنا خلافا للشافعي وغيره. # PageV02P095 # فإن قيل: هذا لا يوجب إجراء الباغي بالفساد في الأرض خاصة مجرى الذي يضم ~~إليه القتل وأخذ المال، لعظيم الزيادة من أحدهما على الآخر. # والذي يدل على عدم التسوية بينهما أن الذي يضم إلى السعي بالفساد في ~~الأرض القتل وأخذ المال يجب القتل عليه، ولا يجوز إسقاطه عنه، والذي ينفرد ~~بالسعي في إخافة السبيل خاصة يجوز ترك ms0538 قتله؛ يؤكده أن المحارب إذا قتل قوبل ~~بالقتل، وإذا أخذ المال قطعت يده لأخذه المال، ورجله لإخافته السبيل، وهذه ~~عمدة الشافعية علينا، وخصوصا أهل خراسان منهم، وهي باطلة لا يقولها مبتدئ. ~~أما قولهم: كيف يسوى بين من أخاف السبيل وقتل، وبين من أخاف السبيل ولم ~~يقتل، وقد وجدت منه الزيادة العظمى، وهي القتل؟ قلنا: وما الذي يمنع من ~~استواء الجريمتين في العقوبة وإن كانت إحداهما أفحش من الأخرى؟ ولم أحلتم ~~ذلك؟ أعقلا فعلتم ذلك أم شرعا؟ أما العقل فلا مجال له في هذا، وإن عولتم ~~على الشرع فأين الشرع؟ بل قد شاهدنا ذلك في الشرع؛ فإن عقوبة القاتل كعقوبة ~~الكافر، وإحداهما أفحش. # وأما قوله: لو استوى حكمهما لم يجز إسقاط القتل عمن أخاف السبيل ولم ~~يقتل، كما لم يجز إسقاطه عمن أخاف وقتل. قلنا: هذه غفلة منكم؛ فإن الذي ~~يخيف ويقتل أجمعت الأمة على تعين القتل عليه، فلم يجز مخالفته. أما إذا ~~أخاف ولم يقتل فهي مسألة مختلف فيها ومحل اجتهاد، فمن أداه اجتهاده إلى ~~القتل حكم به، ومن أداه اجتهاده إلى إسقاطه أسقطه؛ ولهذه النكتة قال مالك: ~~وليستشر ليعلم الحقيقة من الإجماع والخلاف وطرق الاجتهاد لئلا يقدم على ~~جهالة كما أقدمتم. # وأما قولهم: إن القتل يقابل القتل، وقطع اليد يقابل السرقة، وقطع الرجل ~~يقابل # PageV02P096 # المال، فهو تحكم منهم ومزج للقصاص والسرقة بالحرابة، وهو حكم منفرد بنفسه ~~خارج عن جميع حدود الشريعة لفحشه وقبح أمره. ### | [مسألة معنى قوله تعالى أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم] # المسألة السادسة: قوله تعالى: {أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم ~~وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض} [المائدة: 33] فيها قولان: # الأول: أنها على التخيير؛ قاله سعيد بن المسيب، ومجاهد، وعطاء، وإبراهيم. # الثاني: أنها على التفصيل. واختلفوا في كيفية التفصيل على سبعة أقوال: # الأول: أن المعنى أن يقتلوا إن قتلوا. أو يصلبوا إن قتلوا وأخذوا المال. ~~أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إن أخذوا المال، أو ينفوا من الأرض إن ~~أخافوا السبيل؛ قاله ابن ms0539 عباس والحسن وقتادة والشافعي وجماعة. # الثاني: المعنى إن حارب فقتل وأخذ المال قطعت يده ورجله من خلاف، وقتل ~~وصلب، فإن قتل ولم يأخذ مالا قتل، وإن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله ~~من خلاف، وإذا لم يقتل ولم يأخذ مالا نفي، وهذا يقارب الأول، إلا في الجمع ~~بين قطع الأيدي والأرجل والقتل والصلب. # الثالث: أنه إن قتل وأخذ المال وقطع الطريق يخير فيه الإمام إن شاء قطع ~~يده ورجله من خلاف وصلبه، وإن شاء صلبه ولم يقطع يده ورجله، وإن شاء قتله ~~ولم يقطع رجله ويده ولم يصلبه، فإن أخذ بالأول فقتل قطع من خلاف، وإن لم ~~يأخذ بالأول غرب ونفي من الأرض. الرابع: قال الحسن مثله، إلا في الآخر فإنه ~~قال: يؤدب ويسجن حتى يموت. # الخامس: قال أبو يوسف، ومحمد بن الحسن: إن اقتصروا على القتل قتلوا، وإن ~~اقتصروا على أخذ المال قطعوا من خلاف، وإن أخذوا المال وقتلوا فإن أبا ~~حنيفة # PageV02P097 # قال: يخير فيهم بأربع جهات: قتل، صلب، قطع وقتل، قطع وصلب، وهذا نحو ما ~~تقدم، وهذا سادس. # السابع: قال ابن المسيب ومالك في إحدى روايتيه بتخيير الإمام بمجرد ~~الخروج. # أما من قال: لأن {أو} [المائدة: 33] على التخيير فهو أصلها وموردها في ~~كتاب الله تعالى. # وأما من قال: إنها للتفصيل فهو اختيار الطبري، وقال: هذا كما لو قال: إن ~~جزاء المؤمنين إذا دخلوا الجنة أن ترفع منازلهم أو يكونوا مع الأنبياء في ~~منازلهم، وليس المراد حلول المؤمنين معهم في مرتبة واحدة، وهذا الذي قاله ~~الطبري لا يكفي إلا بدليل، ومعولهم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا ~~يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد إحصان، أو كفر بعد إيمان، أو ~~قتل نفسا بغير نفس». فمن لم يقتل كيف يقتل؟ قالوا وأما قولكم إنها على ~~التخيير فإن التخيير يبدأ فيه بالأخف، ثم ينتقل فيه إلى الأثقل؛ وها هنا ~~بدأ بالأثقل، ثم انتقل إلى الأخف؛ فدل على أنه قرر ترتيب الجزاء على ~~الأفعال، فترتب عليه بالمعنى، ms0540 فمن قتل قتل، فإن زاد وأخذ المال صلب؛ فإن ~~الفعل جاء أفحش؛ فإن أخذ المال وحده قطع من خلاف، وإن أخاف نفي. # الجواب: الآية نص في التخيير، وصرفها إلى التعقيب والتفصيل تحكم على ~~الآية وتخصيص لها، وما تعلقوا منه بالحديث لا يصح؛ لأنهم قالوا: يقتل الردء ~~ولم يقتل: وقد جاء القتل بأكثر من عشرة أشياء، منها متفق عليها ومنها مختلف ~~فيها # PageV02P098 # فلا تعلق بهذا الحديث لأحد. وتحرير الجواب القطع لتشغيبهم أن الله تعالى ~~رتب التخيير على المحاربة والفساد، وقد بينا أن الفساد وحده موجب للقتل ومع ~~المحاربة أشد. ### | [مسألة معنى قوله تعالى أو ينفوا من الأرض] # المسألة السابعة: قوله تعالى: {أو ينفوا من الأرض} [المائدة: 33] فيه ~~أربعة أقوال: # الأول: يسجن؛ قاله أبو حنيفة، وأهل الكوفة، وهو مشهور مذهب مالك في غير ~~بلد الجناية. # الثاني: ينفى إلى بلد الشرك؛ قاله أنس، والشافعي، والزهري، وقتادة، ~~وغيرهم. # الثالث: يخرجون من مدينة إلى مدينة أبدا؛ قاله ابن جبير وعمر بن عبد ~~العزيز. # الرابع: يطلبون بالحدود أبدا فيهربون منها؛ قاله ابن عباس، والزهري، ~~وقتادة، ومالك. # والحق أن يسجن، فيكون السجن له نفيا من الأرض، وأما نفيه إلى بلد الشرك ~~فعون له على الفتك. وأما نفيه من بلد إلى بلد فشغل لا يدان به لأحد، وربما ~~فر فقطع الطريق ثانية. وأما قول من قال: يطلب أبدا وهو يهرب من الحد فليس ~~بشيء؛ فإن هذا ليس بجزاء، وإنما هو محاولة طلب الجزاء. ### | [مسألة معنى قوله تعالى أو تقطع أيديهم] # المسألة الثامنة: قوله تعالى: {أو تقطع أيديهم} [المائدة: 33] قال ~~الشافعي: إذا أخذ في الحرابة نصابا. قلنا: أنصف من نفسك أبا عبد الله ووف ~~شيخك حقه لله. إن ربنا تبارك وتعالى قال: {والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما} [المائدة: 38]. فاقتضى هذا قطعه في حقه. وقال في المحاربة: {إنما ~~جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} [المائدة: 33] فاقتضى # PageV02P099 # بذلك توفية الجزاء لهم على المحاربة عن حقه، فبين النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في السارق أن قطعه في نصاب وهو ربع دينار، وبقيت المحاربة على ms0541 ~~عمومها. فإن أردت أن ترد المحاربة إلى السرقة كنت ملحقا الأعلى بالأدنى ~~وخافضا الأرفع إلى الأسفل، وذلك عكس القياس. # وكيف يصح أن يقاس المحارب وهو يطلب النفس إن وقى المال بها على السارق ~~وهو يطلب خطف المال، فإن شعر به فر، حتى إن السارق إذا دخل بالسلاح يطلب ~~المال، فإن منع منه أو صيح عليه وحارب عليه، فهو محارب يحكم عليه بحكم ~~المحارب. # [قال القاضي]: وكنت في أيام حكمي بين الناس إذا جاءني أحد بسارق وقد دخل ~~الدار بسكين يسحبه على قلب صاحب الدار وهو نائم، وأصحابه يأخذون مال الرجل ~~حكمت فيهم بحكم المحاربين؛ فافهموا هذا من أصل الدين، وارتفعوا إلى يفاع ~~العلم عن حضيض الجاهلين. والمسكت للشافعي أنه لم يعتبر الحرز، فلو كان ~~المحارب ملحقا بالسارق لما كان ذلك إلا على حرز. وتحريره أن يقول: أحد شرطي ~~السرقة فلا يعتبر في المحارب كالحرز والتعليل النصاب. ### | [مسألة إذا صلب الإمام المحارب] # المسألة التاسعة: إذا صلب الإمام المحارب فإنه يصلبه حيا: وقال الشافعي: ~~يصلبه ميتا ثلاثة أيام؛ لأن الله تعالى قال: {يقتلوا أو يصلبوا} [المائدة: ~~33]، فبدأ بالقتل. قلنا: نعم القتل مذكور أولا، ولكن بقي أنا إذا جمعنا ~~بينهما كيف يكون الحكم هاهنا هو الخلاف. والصلب حيا أصح؛ لأنه أنكى وأفضح، ~~وهو مقتضى معنى الردع الأصلح. # PageV02P100 ### | [مسألة الحرابة يقتل فيها من قتل] # المسألة العاشرة: لا خلاف في أن الحرابة يقتل فيها من قتل، وإن لم يكن ~~المقتول مكافئا للقاتل. وللشافعي قولان: منهما أنه تعتبر المكافأة في ~~الدماء لأنه قتل، فاعتبرت فيه المكافأة كالقصاص. وهذا ضعيف؛ لأن القتل ~~هاهنا ليس على مجرد القتل، وإنما هو على الفساد العام، من التخويف وسلب ~~المال، فإن انضافت إليه إراقة الدم فحش، ولأجل هذا لا يراعى مال مسلم من ~~كافر. ### | [مسألة خرج المحاربون فاقتتلوا مع القافلة فقتل بعض المحاربين ولم يقتل بعض] # المسألة الحادية عشرة: إذا خرج المحاربون فاقتتلوا مع القافلة فقتل بعض ~~المحاربين، ولم يقتل بعض، قتل الجميع. وقال الشافعي: لا يقتل إلا من قتل. ~~وهذا ms0542 مبني على تخيير الإمام وتفصيل الأحكام؛ وقد تقدم. ويعضد هذا أن من حضر ~~الوقعة شركاء في الغنيمة، وإن لم يقتل جميعهم. وقد اتفق معنا على قتل الردء ~~وهو الطالع، فالمحارب أولى. ### | [مسألة معنى قوله تعالى إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم] # المسألة الثانية عشرة: قوله تعالى: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا ~~عليهم} [المائدة: 34] فيه خمسة أقوال: # الأول: إلا الذين تابوا من أهل الكفر؛ قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة. # الثاني: إلا الذين تابوا وقد حاربوا بأرض الشرك. # الثالث: إلا المؤمنين الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم. # الرابع: إلا الذين تابوا في حقوق الله؛ قاله الشافعي ومالك؛ إلا أن مالكا ~~قال: وفي حقوق الآدميين، إلا أن يكون بيده مال يعرف، أو يقوم ولي يطلب دمه ~~فله أخذه والقصاص منه. # الخامس: قال الليث بن سعد: لا يطلب بشيء لا من حقوق الله ولا من حقوق ~~الآدميين. # PageV02P101 # أما قول من قال: إن الآية في المشركين فهو الذي يقول إن قوله تعالى: {إلا ~~الذين تابوا} [المائدة: 34] عائد عليهم. # وقد بينا ضعفه. وأما من قال: إنه أراد إلا الذين تابوا ممن هو بأرض الشرك ~~فهو تخصيص طريف، وله وجه طريف؛ وهو أن قوله: {من قبل أن تقدروا عليهم} ~~[المائدة: 34] يعطي أنهم بغير أرض أهل الإسلام؛ ولكن كل من هو في دار ~~الإسلام تأخذه الأحكام وتستولي عليه القدرة، وهذا إذا تبينته لم يصح ~~تنزيله؛ فإن الذي يقدر عليه هو الذي يكون بين المسلمين، فأما الذي خرج إلى ~~الجبل، وتوسط البيداء في منعة فلا تتفق القدرة عليه إلا بجر جيش ونفير قوم؛ ~~فلا يقال: إنا قادرون عليه. # وأما من قال: أراد به المؤمنين، فيرجع إلى الرابع والخامس. قلنا: إنا ~~نقول هو على عمومه في الحقوق كلها أو في بعضها. فأما من قال: إنه على عمومه ~~في الحقوق كلها فقد علمنا بطلان ذلك بما قام من الدليل على أن حقوق ~~الآدميين لا يغفرها الباري سبحانه إلا بمغفرة صاحبها، ولا يسقطها إلا ~~بإسقاطه. فإن قيل: ms0543 فقد قال تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما ~~قد سلف} [الأنفال: 38]. فكانت هذه المغفرة عامة في كل حق. قلنا: هذه مغفرة ~~عامة بلا خلاف للمصلحة في التحريض لأهل الكفر على الدخول في الإسلام؛ فأما ~~من التزم حكم الإسلام فلا يسقط عنه حقوق المسلمين إلا أربابها. وقد «قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في الشهادة: إنها تكفر كل خطيئة إلا الدين». ~~وأما من قال: إن حكمها أنها تكفر حقوق الله تعالى فهو صحيح لقوله تعالى: ~~{فاعلموا أن الله غفور رحيم} [المائدة: 34]. وأما من قال في حقوق الآدميين: ~~إن الإمام لا يتولى طلبها، وإنما يطلبها # PageV02P102 # أربابها وهو مذهب مالك فصحيح؛ لأن الإمام ليس بوكيل لمعينين من الناس في ~~حقوقهم المعينة، وإنما هو نائبهم في حقوقهم المجملة المبهمة التي ليست ~~بمعينة. وأما إن عرفنا بيده مالا لأحد أخذه في الحرابة فلا نبقيه في يده ~~لأنه غصب، ونحن نشاهده، والإقرار على المنكر لا يجوز، فيكون بيد صاحبه ~~المسلم حتى يأخذه مالكه من يد صاحبه وأخيه الذي يوقفه الإمام عنده. ### | [الآية الثالثة عشرة قوله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما] # جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم} [المائدة: 38] فيها تسع ~~وعشرون مسألة: المسألة الأولى: في شرح حقيقة السرقة: وهي أخذ المال على ~~خفية من الأعين، وقد بينا ذلك في مسألة قطع النباش من مسائل الخلاف، فلينظر ~~هنالك في كتبه. وقد قال محمد بن يزيد: السارق هو المعلن والمختفي. وقال ~~ثعلب: هو المختفي، والمعلن عاد. وبه نقول، وقد بيناه في الملجئة. ### | [مسألة الألف واللام من قوله السارق والسارقة] # المسألة الثانية: الألف واللام من السارق والسارقة بينا معناهما في ~~الرسالة الملجئة. وقلنا: إن الألف واللام يجتمعان في الاسم ويردان عليه ~~للتخصيص وللتعيين، وكلاهما تعريف بمنكور على مراتب؛ فإن دخلت لتخصيص الجنس ~~فمن فوائدها صلاحية الاسم للابتداء له لقوله تعالى: {والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38]. و {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما ~~مائة جلدة} [النور: 2]. وإن دخلت للتعيين ففوائده مقررة هنالك، وهي إذا ~~اقتضت ms0544 تخصيص الجنس # PageV02P103 # أفادت التعميم فيه بحكم حصرها له عن غيره إذا كان الخبر عنها والمتعلق ~~بها صالحا في ربطه بها دون ما سواها، وهذا معلوم لغة. وقد أنكره أهل الوقف ~~في هذا الباب وغيره كما أنكروا جميع الأوامر والنواهي، وقد بيناه عليهم في ~~التلخيص. وإذا ثبت هذا فقوله تعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} ~~[المائدة: 38] عام في كل سارق وسارقة، وهي: # المسألة الثالثة: ردا على من يرى أنه من الألفاظ المجملة، وذلك من لم ~~يفهم المجمل، ولا العام؛ فإن السرقة إذا كانت معروفة لغة إذ ليست لفظة ~~شرعية باتفاق ربطت بالألف واللام تخصيصا، وعلق عليها الخبر بالحكم ربطا، ~~فقد أفادت المقصود، وجرت على الاسترسال والعموم، إلا فيما خصه الدليل، ~~وكذلك يروى عن ابن مسعود أنه قرأها: " والسارقون والسارقات "؛ ليبين إرادة ~~العموم. والذي يقطع لك بصحة إرادة العموم أنه لا يخلو أن يريد به المعنى، ~~وذلك محال؛ لأنه لم يتقدم فيه شيء من ذلك، فلم يبق إلا أنه لحصر الجنس، وهو ~~العموم. ### | [مسألة قراءة ابن مسعود لقوله تعالى والسارق والسارقة] # المسألة الرابعة: قرأها ابن مسعود: والسارق والسارقة بالنصب، وروي عن ~~عيسى بن عمر مثله. قال سيبويه هي أقوى؛ لأن الوجه في الأمر والنهي في هذا ~~النصب؛ لأن حد # PageV02P104 # الكلام تقدم الفعل، وهو فيه أوجب، وإنما قلت زيدا ضربه، واضربه مشغوله، ~~لأن الأمر والنهي لا يكونان إلا بالفعل، فلا بد من الإضمار، وإن لم يظهر. ~~قال القاضي: أصل الباب قد أحكمناه في الملجئة، ونخبته أن كل فعل لا بد له ~~من فاعل ومفعول، فإذا أخبرت بهم أو عنهم خبرا غريبا كان على ست صيغ: # الأولى: ضرب زيد عمرا. # الثانية: زيد ضرب عمرا. # الثالثة: عمرا ضرب زيد. # الرابعة: ضرب عمرا زيد. # الخامسة: زيد عمرا ضرب. # السادسة: عمرا زيد ضرب. فالخامسة والسادسة نظم مهمل لا معنى له في ~~العربية، وجاء من هذا جواز تقديم المفعول، كما جاز تقدم الفاعل، بيد أنه ~~إذا قدمت المفعول بقي بحاله إعرابا، فإذا قدمت الفاعل خرج عن ذلك الحد في ms0545 ~~الإعراب، وبقي المعنى المخبر عنه، وحدث في ترتيب الخبر ما أوجب تغيير ~~الإعراب، وهو المعنى الذي يسمى الابتداء، ثم يدخل على هذا الباب الأدوات ~~التي وضعت لترتيب المعاني وهي كثيرة أو المقاصد وهي أصل في التغيير، ومنها ~~وضع الأمر موضع الخبر، تقول: اضرب زيدا. ولما كان الأمر استدعاء إيقاع ~~الفعل بالمفعول، ولم يكن بعد هنالك فاعل سقط في إسناد الفعل، وثبت في تعلق ~~الخطاب به وارتباطه، وتكون له صيغتان: إحداهما هذه. # والثانية: زيدا اضرب، كما كان في الخبر؛ ولا يتصور صيغة ثالثة، فلما جاز ~~تقديمه مفعولا كان ظاهر أمره ألا يأتي إلا منصوبا على حكم تقدير المفعول، ~~ولكن رفعوه لأن الفعل لم يقع عليه بعد، وإنما يطلب وقوعه به فيخبر عنه، ثم ~~يقتضي الفعل فيه، فإن اقتضى ولم يخبر لم يكن إلا منصوبا، وإن أخبر ولم يقتض ~~لم يكن إلا مرفوعا، فهما إعرابان لمعنيين، فلم يكن أحدهما أقوى من الآخر. # PageV02P105 # تتميم فإذا ثبت هذا فقلت: زيد فاضربه فإن نصبته فعلى تقدير فعل، وإن ~~رفعته فعلى تقدير الابتداء، ويترتب على قصد المخبر، ويكون تقديره مع النصب ~~اضرب زيدا فاضربه، فأما إذا طال الكلام فقلت: زيدا فاقطع يده كان النصب ~~أقوى؛ لأن الكلام يطول فيقبح الإضمار فيه لطوله. وهذا قالب سيبويه أفرغنا ~~عليه. وأقول: إن الكلام إذا كان فيه معنى الجزاء، أو كانت الفاء فيه منزلة ~~على تقدير جوابه فإن الرفع فيه أعلى؛ لأن الابتداء يكون له، فلا يبقى ~~لتقدير المفعول إلا وجه بعيد؛ فهذا منتهى القول على الاختصاص. والله عز وجل ~~أعلم. ### | [مسألة السرقة تتعلق بخمسة معان] # المسألة الخامسة: قد بينا أن هذه الآية عامة، لا طريق للإجمال إليها، ~~فالسرقة تتعلق بخمسة معان: فعل هو سرقة، وسارق، ومسروق مطلق، ومسروق منه، ~~ومسروق فيه. فهذه خمسة متعلقات يتناول الجميع عمومها إلا ما خصه الدليل. ~~أما السرقة فقد تقدم ذكرها. وأما السارق، وهي [المسألة السادسة]. # المسألة السادسة: [السارق]: فهو فاعل من السرقة، وهو كل من أخذ شيئا على ~~طريق الاختفاء عن الأعين؛ لكن ms0546 الشريعة شرطت فيه ستة معان: العقل: لأن من لا ~~يعقل لا يخاطب عقلا. والبلوغ: لأن من لم يبلغ لا يتوجه إليه الخطاب شرعا. ~~وبلوغ الدعوة: لأن من كان حديث عهد بالإسلام ولم يثافن حتى يعرف الأحكام، ~~وادعى الجهل فيما أتى من السرقة والزنا وظهر صدقه لم تجب عليه عقوبة # PageV02P106 # كالأب في مال ابنه، لما قدمناه من قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن من ~~أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه». # ولذلك قلنا: إذا وطئ أمة ابنه لا حد عليه للشبهة التي له فيها، والحدود ~~تسقط بالشبهات، فهذا الأب وإن كان جاء بصورة السرقة في أخذ المال خفية فإن ~~له فيه سلطان الأبوة وتبسط الاستيلاء، فانتصب ذلك شبهة في درء ما يندرئ ~~بالشبهات. وأما متعلق المسروق، وهي [المسألة السابعة]. ### | [مسألة سرقة التافه] # المسألة السابعة: [متعلق المسروق]: فهو كل مال تمتد إليه الأطماع، ويصلح ~~عادة وشرعا للانتفاع به، فإن منع منه الشرع لم ينفع تعلق الطماعية فيه، ولا ~~يتصور الانتفاع منه، كالخمر والخنزير مثلا. وقد كان ظاهر الآية يقتضي قطع ~~سارق القليل والكثير؛ لإطلاق الاسم عليه وتصور المعنى فيه. وقد قال به قوم ~~منهم ابن الزبير، فإنه يروى أنه قطع في درهم. # ولو صح ذلك عنه لم يلتفت إليه؛ لأنه كان ذا شواذ، ولا يستريب اللبيب، بل ~~يقطع المنصف أن سرقة التافه لغو، وسرقة الكثير قدرا أو صفة محسوب، والعقل ~~لا يهتدي إلى الفصل فيه بحد تقف المعرفة عنده، فتولى الشرع تحديده بربع ~~دينار. # وفي الصحيح، عن عائشة: " ما طال علي ولا نسيت: القطع في ربع دينار فصاعدا ~~". وهذا نص. وقال أبو حنيفة: لا قطع في أقل من عشرة دراهم، وروى أصحابه في ~~ذلك حديثا قد بينا ضعفه في مسائل الخلاف وشرح الحديث. # PageV02P107 # فإن قيل: قد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لعن الله ~~السارق يسرق الحبل فتقطع يده ويسرق البيضة فتقطع يده» قلنا: هذا خرج مخرج ~~التحذير بالقليل عن الكثير، كما جاء في معرض الترغيب ms0547 بالقليل عن الكثير في ~~قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من بنى لله مسجدا ولو مثل مفحص قطاة بنى ~~الله له بيتا في الجنة». # PageV02P108 # وقيل: إن هذا مجاز من وجه آخر؛ وذلك أنه إذا ظفر بسرقة القليل سرق الكثير ~~فقطعت يده؛ فبهذا تنتظم الأحاديث، ويجتمع المعنى والنص في نظام الصواب. ~~المسألة الثامنة: ومنه كل مال يسرع إليه الفساد من الأطعمة والفواكه؛ لأنه ~~يباع ويبتاع وتمتد إليه الأطماع، وتبذل فيه نفائس الأموال. وشبهة أبي حنيفة ~~ما يئول إليه من التغير والفساد، ولو اعتبر ذلك فيه لما لزم الضمان لمتلفه. # المسألة التاسعة: ومنه كل ما كان أصله على الإباحة؛ كجواهر الأرض ~~ومعادنها، وشبه ذلك؛ لأنه كان مباح الأصل، ثم طرأ عليه الملك، فتنتصب إباحة ~~أصله شبهة في إسقاط القطع بسرقته. قلنا: لا تضر إباحة متقدمة إذا طرأ ~~التحريم، كالجارية المشتركة بين قوم، فإن وطأها حرام يوجب الحد عند خلوصها ~~لأحدهم، ولا توجب الإباحة المتقدمة شبهة. وقد قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «لا قطع في ثمر ولا كثر إلا ما أواه الجرين». رواه قليله وأبو ~~داود. وانفرد قليله: «ولا في حريسة جبل إلا فيما أواه المراح». المسألة ~~العاشرة: ومنه ما إذا سرق حرا صغيرا. قال مالك: عليه القطع. وقيل: لا قطع ~~عليه، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة؛ لأنه ليس بمال. قلنا: هو أعظم من المال؛ ~~ولم يقطع السارق في المال لعينه، وإنما قطع لتعلق النفوس به، وتعلقها بالحر ~~أكثر من تعلقها بالعبد. ### | [مسألة متعلق المسروق منه وهو على أقسام] # المسألة الحادية عشرة: متعلق المسروق منه: وهو على أقسام يرجع إلى أنه ما ~~كان ماله محترما بحرمة الإسلام لقوله - صلى الله عليه وسلم -: # PageV02P109 # «فقد حرم ماله ودمه وحسابه على الله»، إن مال الزوجين محترم لكل واحد ~~منهما عن صاحبه، وإن كانت أبدانهما حلالا لهما؛ لأنهما لم يتعاقدا بعقد ~~يتعدى إلى المال. وقال أبو حنيفة: وأحد قولي الشافعي: لا يقطع؛ لأن الزوجية ~~تقتضي الخلطة والتبسط. وهذا باطل من وجهين: أحدهما: أن الكلام فيما يجوز كل ms0548 ~~واحد منها عن صاحبه. والثاني: أنه لو كان في مال زوجه تبسط لسقط عنه الحد ~~بوطء جاريتها، ولذلك قلنا، وهي: [المسألة الثانية عشرة]. ### | [مسألة حكم السارق من ذي رحم] # المسألة الثانية عشرة: [حكم السارق من ذي رحم]: إن من سرق من ذي رحم محرم ~~لمثله وجب عليه القطع، خلافا لأبي حنيفة؛ لأن ذات الرحم لو وطئها لوجب عليه ~~الحد، فكذلك إذا سرق مالها، وشبهة المحرمية لا تعلق لها بالمال. وإنما هي ~~في غير ذلك من الأحكام. ### | [مسألة سرق العبد من مال سيده أو السيد من عبده] # المسألة الثالثة عشرة: إذا سرق العبد من مال سيده، أو السيد من عبده: فلا ~~قطع بحال؛ لأن العبد وماله لسيده، فلم يقطع أحد بأخذ مال عبده لأنه أخذ ~~لماله، وإنما إذا سرق العبد يسقط القطع بإجماع الصحابة وبقول الخليفة: " ~~غلامكم سرق متاعكم "، وهذا يشترك مع الأب في البابين، وقد بينا كل واحد في ~~موضعه. وأما متعلق المسروق منه، وهي [المسألة الرابعة عشرة]. ### | [مسألة متعلق المسروق منه] # المسألة الرابعة عشرة: [متعلق المسروق منه]: فهو الحرز الذي نصب عادة ~~لحفظ الأموال، وهو يختلف في كل شيء بحسب حاله. والأصل في اعتبار الحرز ~~الأثر والنظر. أما الأثر: فقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا قطع في ثمر ~~ولا كثر إلا ما أواه الجرين». # PageV02P110 # وأما النظر فهو أن الأموال خلقت مهيأة للانتفاع للخلق أجمعين، ثم بالحكمة ~~الأولية التي بيناها في سورة البقرة حكم فيها بالاختصاص الذي هو الملك ~~شرعا، وبقيت الأطماع معلقة بها، والآمال محومة عليها، فتكفها المروءة ~~والديانة في أقل الخلق، ويكفها الصون والحرز عن أكثرهم، فإذا أحرزها مالكها ~~فقد اجتمع بها الصونان، فإذا هتكا فحشت الجريمة فعظمت العقوبة؛ وإذا هتك ~~أحد الصونين وهو الملك وجب الضمان والأدب؛ وذلك لأن المالك لا يمكنه بعد ~~الحرز في الصون شيء، لما كان غاية الإمكان ركب عليه الشرع غاية العقوبة من ~~عنده ردعا وصونا، والأمة متفقة على اعتبار الحرز في القطع في السرقة؛ ~~لاقتضاء لفظها، ولا تضمن حكمتها وجوبه، ولم أعلم ms0549 من ترك اعتباره من ~~العلماء، ولا تحصل لي من يهمله من الفقهاء، وإنما هو خلاف يذكر، وربما نسب ~~إلى من لا قدر له، فلذلك أعرضت عن ذكره، ولهذا المعنى أجمعت الأمة أنه لا ~~قطع على المختلس والمنتهب لعدم الحرز فيه، فلما لم يهتك حرزا لم يلزمه أحد ~~قطعا. ### | [مسألة الجماعة إذا اشتركوا في قطع يد رجل] # المسألة الخامسة عشرة: [حكم الشريك]: لما ثبت اعتبار النصاب في القطع قال ~~علماؤنا: إذا اجتمع جماعة، فاجتمعوا على إخراج نصاب من حرزه؛ فلا يخلو أن ~~يكون بعضهم ممن يقدر على إخراجه، أو يكون مما لا يمكن إخراجه إلا بتعاونهم # فإن كان مما لا يمكن إخراجه إلا بالتعاون فإنه يقطع جميعهم باتفاق من ~~علمائنا. وإن كان مما يخرجه واحد واشتركوا في إخراجه فاختلف علماؤنا فيه ~~على قولين: أحدهما: لا قطع فيه. والثاني: فيه القطع. وقال أبو حنيفة ~~والشافعي: لا يقطع في السرقة المشتركون إلا بشرط أن يجب لكل واحد منهم في ~~حصته نصاب؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في النصاب ومحله حين لم يقطع ~~إلا من سرق نصابا، وكل واحد من هؤلاء لم يسرق نصابا، فلا قطع عليهم. ~~ودليلنا: الاشتراك في الجناية لا يسقط عقوبتها، كالاشتراك في القتل، وما ~~أقرب ما بينهما؛ فإنا قتلنا الجماعة بقتل الواحد، صيانة للدماء، لئلا ~~يتعاون على سفكها الأعداء، وكذلك في الأموال مثله، لا سيما وقد ساعدنا ~~الشافعي على أن الجماعة إذا اشتركوا في قطع يد رجل قطعوا، ولا فرق بينهما. # PageV02P111 ### | [مسألة اشتركوا في السرقة فنقب واحد الحرز وأخرج آخر] # المسألة السادسة عشرة: إذا اشتركوا في السرقة فإن نقب واحد الحرز وأخرج ~~آخر فلا قطع على واحد منهما عند الشافعي؛ لأن هذا نقب ولم يسرق، والآخر سرق ~~من حرز مهتوك الحرمة. وقال أبو حنيفة: إن شارك في النقب ودخل وأخذ قطع. ~~وأما علماؤنا فقالوا: إن كان بينهما تعاون واتفاق قطعا، وإن نقب سارق وجاء ~~آخر لم يشعر به فدخل النقب وسرق فلا قطع عليه لعدم شرط القطع وهو الحرز، ms0550 ~~وفصل التعاون قد تقدم ودليلنا عليه، فلينظر هنالك. ### | [مسألة النباش] # المسألة السابعة عشرة: في النباش: قال علماء الأمصار: يقطع. وقال أبو ~~حنيفة: لا قطع عليه؛ لأنه سرق من غير حرز مالا معرضا للتلف لا مالك له؛ لأن ~~الميت لا يملك. ومنهم من ينكر السرقة؛ لأنه في موضع ليس فيه ساكن، وإنما ~~تكون السرقة بحيث تتقى الأعين، ويتحفظ من الناس، وعلى نفي السرقة عول أهل ~~ما وراء النهر. # وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف وقلنا: إنه سارق؛ لأنه تدرع الليل لباسا، ~~واتقى الأعين، وتعمد وقتا لا ناظر فيه ولا مار عليه؛ فكان بمنزلة ما لو سرق ~~في وقت تبرز الناس للعيد وخلو البلد من جميعهم. وأما قولهم: إن القبر غير ~~حرز فباطل؛ لأن حرز كل شيء بحسب حاله الممكنة فيه كما قدمناه، ولا يمكن ترك ~~الميت عاريا، ولا ينفق فيه أكثر من دفنه، ولا يمكن أن يدفن إلا مع أصحابه؛ ~~فصارت هذه الحاجة قاضية بأن ذلك حرزه، وقد نبه الله تعالى عليه بقوله ~~تعالى: {ألم نجعل الأرض كفاتا} [المرسلات: 25] {أحياء وأمواتا} [المرسلات: ~~26] ليسكن فيها حيا ويدفن فيها ميتا. وأما قولهم: إنه عرضة للتلف فكل ما ~~يلبسه الحي أيضا معرض للتلف والإخلاق بلباسه، إلا أن أحد الأمرين أعجل من ~~الثاني. # PageV02P112 ### | [مسألة تلفت العين بعد السرقة] # المسألة الثامنة عشرة: قال علماؤنا: إذا سرق السارق وجب القطع عليه ورد ~~العين؛ فإن تلفت فعليه مع القطع القيمة إن كان موسرا وإن كان معسرا فلا شيء ~~عليه. وقال الشافعي: الغرم ثابت في ذمته في الحالين. وقال أبو حنيفة: لا ~~يجتمع القطع مع الغرم بحال؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: {والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله} [المائدة: 38] ولم يذكر ~~غرما، والزيادة على النص، وهي نسخ، ونسخ القرآن لا يجوز إلا بقرآن مثله، أو ~~بخبر متواتر، # وأما بنظر فلا يجوز قلنا: لا نسلم أن الزيادة على النص نسخ؛ وقد بينا ذلك ~~في مسائل الأصول فلينظر هناك، وقد قال الله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من ms0551 ~~شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى} [الأنفال: 41] مطلقا. وقال أبو ~~حنيفة: يعطى لذوي القربى إلا أن يكونوا فقراء؛ فزاد على النص بغير نص مثله ~~من قرآن أو خبر متواتر. وأما علماء الشافعية فعولوا على أن القطع والغرم ~~حقان لمستحقين مختلفين، فلا يسقط أحدهما الآخر، كالدية والكفارة. وأما ~~المالكية فليس لهم متعلق قوي، ونازع بعضهم بأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «إذا أقيم على السارق الحد فلا ضمان». وهذا حديث باطل. # وقال بعضهم: لأن الإتباع بالغرم عقوبة، والقطع عقوبة، ولا تجتمع عقوبتان، ~~وعليه عول القاضي عبد الوهاب، وهو كلام مختل اللفظ. وصوابه ما بيناه في ~~مسائل الخلاف من أن القطع واجب في البدن، والغرم على الموسر واجب في المال، ~~فصارا حقين في محلين. # PageV02P113 # وإذا كان معسرا فقلنا: يثبت الغرم عليه في ذمته، كما أوجبنا عليه القطع ~~في البدن والغرم وهو محل واحد، فلم يجز، ألا ترى أن الدية على العاقلة ~~والكفارة في ماله أو ذمته، والجزاء في الصيد المملوك ينقض هذا الأصل؛ لأنه ~~يجمع مع القيمة، وكذلك الحد والمهر إلا أن يطرد أصلنا، فنقول: إذا وجب الحد ~~وكان معسرا لم يجب المهر، وإن الجزاء إذا وجب عليه، وهو معسر، سقطت القيمة ~~عنه، فحينئذ تطرد المسألة ويصح المذهب؛ أما أنه قد روى النسائي أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يغرم صاحب سرقة إذا أقمتم عليه الحد». فلو ~~صح هذا لحملناه على المعسر. المسألة التاسعة عشرة قال أبو حنيفة: إن شاء ~~أغرم السارق ولم يقطعه، وإن شاء قطعه ولم يغرمه؛ فجعل الخيار إليه؛ والخيار ~~إنما يكون للمرء بين حقين هما له، والقطع في السرقة حق الله تعالى، فلم يجز ~~أن يخير العبد فيه كالحد والمهر. ### | [مسألة إذا سرق المال من الذي سرقه] # المسألة الموفية عشرين: إذا سرق المال من الذي سرقه وجب عليه القطع خلافا ~~للشافعي؛ لأنه وإن كان سرق من غير المالك، فإن حرمة المالك الأول باقية ~~عليه لم تنقطع عنه، ويد السارق كلا يد. فإن قيل: اجعلوا ms0552 حرزه كلا حرز. ~~قلنا: الحرز قائم، والملك قائم، ولم يبطل الملك فيه، فيقولوا لنا: أبطلوا ~~الحرز. ### | [مسألة تكررت السرقة بعد القطع في العين المسروقة] # المسألة الحادية والعشرون: إذا تكررت السرقة بعد القطع في العين المسروقة ~~قطع ثانيا فيها. # PageV02P114 # وقال أبو حنيفة: لا قطع عليه. وليس للقوم دليل يحكى، ولا سيما وقد قال ~~معنا: إذا تكرر الزنا يحد، وقد استوفينا اعتراضهم في مسائل الخلاف ~~وأبطلناه. وعموم القرآن يوجب عليه القطع. ### | [مسألة إذا ملك السارق العين المسروقة] # المسألة الثانية والعشرون: [إذا ملك السارق العين المسروقة]: إذا ملك ~~السارق قبل أن يقطع العين المسروقة بشراء أو هبة سقط القطع عند أبي حنيفة، ~~والله تعالى يقول: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38]. فإذا ~~وجب القطع حقا لله تعالى لم يسقطه شيء ولا توبة السارق، وهي: المسألة ~~الثالثة والعشرون: وقد قال بعض الشافعية: إن التوبة تسقط حقوق الله وحدوده، ~~وعزوه إلى الشافعي قولا، وتعلقوا بقول الله تعالى: {إلا الذين تابوا من قبل ~~أن تقدروا عليهم} [المائدة: 34]. وذلك استثناء من الوجوب، فوجب حمل جميع ~~الحدود عليه. وقال علماؤنا: هذا بعينه هو دليلنا؛ لأن الله سبحانه وتعالى ~~لما ذكر حد المحارب قال: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} ~~[المائدة: 34]. وعطف عليه حد السارق، وقال فيه: {فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح ~~فإن الله يتوب عليه} [المائدة: 39] فلو كان ظلمه في الحكم ما غاير الحكم ~~بينهما، ويا معشر الشافعية؛ سبحان الله، أين الدقائق الفقهية والحكم ~~الشرعية التي تستنبطونها في غوامض المسائل، ألم تروا إلى المحارب المستبد ~~بنفسه، المجترئ بسلاحه، الذي يفتقر الإمام معه إلى الإيجاف بالخيل والركاب، ~~كيف أسقط جزاءه بالتوبة استنزالا عن تلك الحالة، كما فعل بالكافر في مغفرة ~~جميع ما سلف استئلافا على الإسلام. فأما السارق والزاني، وهم في قبضة ~~المسلمين، وتحت حكم الإمام، فما الذي يسقط عنهم ما وجب عليهم؟ أو كيف يجوز ~~أن يقال على المحارب، وقد فرقت بينهما الحالة والحكمة؟ هذا لا يليق بمثلكم، ~~يا معشر المحققين. # PageV02P115 # وأما ملك السارق المسروق، فقد ms0553 «قال صفوان للنبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~هو له يا رسول الله، فقال: فهلا قبل أن تأتيني به». خرجه الدارقطني وغيره. ### | [مسألة حكم سارق المصحف] # المسألة الرابعة والعشرون: [حكم سارق المصحف]: قال أبو حنيفة: لا يقطع ~~سارق المصحف، وليس له فيه ما ينفع إلا أن منع بيعه وتملكه. فإن فعل ذلك ~~قلنا له: إذا اشترى رجل ورقا وكتب فيه القرآن لا يبطل ما ثبت فيه من كلام ~~الله ملكه، كما لم يبطل ملكه لو كتب فيه حديث رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وإذا ثبت الملك ترتب عليه وجوب القطع. والله عز وجل أعلم. ### | [مسألة فاقطعوا أيديهما] # المسألة الخامسة والعشرون: قوله تعالى: {فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] ~~اعلموا أن هذه المسائل المتقدمة في هذه الآية لم يتعرض في القرآن لذكرها، ~~ولكن العموم لما كان يتناول كل ذلك ونظراءه ذكرنا أمهات النظائر، لئلا يطول ~~عليكم الاستيفاء، وبينا كيفية التخصيص لهذا العموم، لتعلموا كيفية استنباط ~~الأحكام من كتاب الله تعالى، وهكذا عقدنا في كل آية وسردنا، فافهموه من ~~آيات هذا الكتاب؛ إذ لو ذهبنا إلى ذكر كل ما يتعلق بها من الأحكام لصعب ~~المرام. ومن أهم المسائل في هذه الآية ما وقع التنصيص عليه فيها، وهو قوله ~~تعالى: {فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38]، فنذكر وجه إيرادها لغة، وهي: # المسألة السادسة والعشرون: ثم نفيض بعد ذلك في تمامها، فإنها عظيمة ~~الإشكال لغة لا فقها، فنقول: إن قيل: كيف قال: فاقطعوا أيديهما، وإنما هما ~~يمينان "؟ # PageV02P116 # قلت: لما توجه هذا السؤال وسمعه الناس لم يحل أحد منهم بطائل من فهمه. ~~أما أهل اللغة فتقبلوه، وتكلموا عليه، وتابعهم الفقهاء على ما ذكروه حسن ظن ~~بهم من غير تحقيق لكلامهم، وذكروا في ذلك خمسة أوجه: # الوجه الأول: أن أكثر ما في الإنسان من الأعضاء اثنان، فحمل الأقل على ~~الأكثر؛ ألا ترى أنك تقول: بطونهما وعيونهما، وهما اثنان؛ فجعل ذلك مثله. # الثاني: أن العرب فعلت ذلك للفصل بين ما في الشيء منه واحد وبين ما فيه ~~منه اثنان، فجعل ما في الشيء ms0554 منه واحد جمعا إذا ثني، ومعنى ذلك أنه وإن جعل ~~جمعا فالإضافة تثنية، لا سيما والتثنية جمع، وكان الأصل أن يقال اثنان ~~رجلان، ولكن رجلان يدل على الجنس والتثنية جميعا، وذكر كذلك اختصارا، وكذلك ~~إذا قلت: قلوبهما فالتثنية فيهما قد بينت لك عدد قلب، وقد قال الشاعر فجمع ~~بين الأمرين: # ومهمهين قذفين مرتين # ظهراهما مثل ظهور الترسين # الثالث: قال سيبويه: إذا كان مفردا قد يجمع إذا أردت به التثنية، كقول ~~العرب: وضعا رحالهما، وتريد رحلي راحلتيهما، وإلى معنى الثاني يرجع في ~~البيان الرابع، ويشترك الفقهاء معهم فيه أنه في كل جسد يدان، فهي أيديهما ~~معا حقيقة، ولكن لما أراد اليمنى من كل جسد، وهي واحدة، جرى هذا الجمع على ~~هذه الصفة، وتؤول كذلك. الخامس: أن ذكر الواحد بلفظ الجميع عند التثنية ~~أفصح من ذكره بلفظ التثنية مع التثنية؛ فهذا منتهى ما تحصل لي من أقوالهم، ~~وقد تتقارب وتتباعد، وهذا كله بناء على ما أشرنا إليه عنهم في الخامس، من ~~أنهم بنوا الأمر على أن اليمين وحدها هي التي تقطع، وليس كذلك؛ بل تقطع ~~الأيدي والأرجل، فيعود قوله: أيديهما إلى أربعة، وهي جمع في الآيتين، وهي ~~تثنية؛ فيأتي الكلام على فصاحته، ولو قال: فاقطعوا # PageV02P117 # أيديهم لكان وجها؛ لأن السارق والسارقة لم يرد بهما شخصين خاصة، وإنما ~~هما اسما جنس يعمان ما لا يحصى إلا بالفعل المنسوب إليه، ولكنه جمع لحقيقة ~~الجمع فيه. ### | [مسألة قطع الأيدي والأرجل في السرقة] # وبيان ما قلنا من قطع الأيدي والأرجل أن الناس اختلفوا في ذلك كثيرا مآله ~~إلى ثلاثة أقوال: # الأول: أنه تقطع يمين السارق خاصة، ولا يعود عليه القطع؛ قاله عطاء. # الثاني: أنه تقطع اليسرى ولا يعود عليه القطع في رجل رجل؛ قاله أبو ~~حنيفة. # الثالث: تقطع يده اليمنى، فإن عاد قطعت رجله اليسرى، فإن عاد قطعت يده ~~اليسرى، فإن عاد قطعت رجله اليمنى؛ قاله مالك والشافعي. # وأما قول عطاء فليس على غلطه غطاء؛ فإن الصحابة قبله قالوا خلافه. وقد ~~قال الله تعالى: {فاقطعوا أيديهما} ms0555 [المائدة: 38]، فجاء بالجمع، فإن تعلق ~~بأقوال النحاة قلنا: ذلك يكون تأويلا مع الضرورة إذا جاء دليل يدل على خلاف ~~الظاهر، فيرجع إليه، فبطل ما قاله. # وأما قول أبي حنيفة فإنه يرده حديث الحارث بن حاطب، «أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أتي بلص فقال: اقتلوه. قالوا: يا رسول الله؛ إنما سرق. ~~قال: اقطعوا يده. قالوا: ثم سرق فقطعت رجله، ثم سرق على عهد أبي بكر فقطعت ~~يده حتى قطعت قوائمه كلها». رواه النسائي وأبو داود والدارقطني «أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أتي بسارق فقطع يده، ثم أتي به الثانية فقطع رجله، ثم ~~أتي به ثالثة فقطع يده، ثم أتي به رابعة فقطع رجله». أما النسائي وأبو داود ~~فروياه عن الحارث بن حاطب. وأما الدارقطني فرواه عن جابر بن عبد الله عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلا، ورواه عن أبي هريرة عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قولا. # وقال الحارث: إن أبا بكر تمم قطعه، واتفقوا على قتله في الخامسة؛ وهذا ~~يسقط قول أبي حنيفة. وكذا روي في حديث أبي بكر الصديق في قطع اليمين أنه ~~قطع رجله اليمنى # PageV02P118 # روي أيضا أنه أمر بذلك فقال له عمر: لا؛ بل تقطع يده، كما قال تعالى. قال ~~له: دونك. والرواية الأولى أصح وأثبت رجالا. وروي عن عمر أيضا أنه قال: إذا ~~سرق فاقطعوا يده، فإن عاد فاقطعوا رجله، واتركوا له يدا يأكل بها الطعام، ~~ويستنجي بها من الغائط، ويحقق ذلك أن في الموطإ عن مالك عن عبد الرحمن بن ~~القاسم عن أبيه أن رجلا من أهل اليمن كان أقطع اليد والرجل فإنما قطعت يده ~~اليسرى لعدم اليمنى. ### | [مسألة والسارق والسارقة يقتضي قطع يد الآبق] # المسألة السابعة والعشرون: من توابعها أن عموم قوله تعالى: {والسارق ~~والسارقة} [المائدة: 38] يقتضي قطع يد الآبق. وقد روى الترمذي وأبو داود عن ~~بسر بن أرطاة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تقطع الأيدي في ~~السفر». وروى النسائي: «في الغزو». فأما قوله في السفر فحمله ms0556 بعضهم على ~~الآبق، وهو غلط بين؛ لأجل أن مثل هذا اللفظ العام لا يقال فيه يراد به هذا ~~المعنى الشاذ النادر الذي يجوز أن يذكر المعمم لفظه ولا يخطر بباله، فضلا ~~عن أن يقال إنه قصده. وأما قوله في الغزو فإن العلماء اختلفوا فيه، فقالوا: ~~إن معناه أن الغانمين لكل واحد منهم حظه في الغنيمة، فلا يقطع ولا يحد عند ~~بعض العلماء. وقيل: يقطع ويحد لعدم تعيين حظه. والأول أصح؛ لأن ملكه مستقر ~~يورث عنه وتؤدى منه ديونه، فصار كالجارية المشتركة. # PageV02P119 ### | [مسألة إذا وجب حد السرقة فقتل السارق رجلا] # المسألة الثامنة والعشرون: إذا وجب حد السرقة فقتل السارق رجلا ووجب عليه ~~القصاص قال مالك: يقتل ويدخل القطع فيه. وقال الشافعي: يقطع لأنهما حقان ~~للمستحقين، فوجب أن يوفى كل واحد منهما حقه. فإن قيل: أحدهما يدخل في الآخر ~~كما قال مالك: القتل يأتي على ذلك كله. قلنا: إن الذي نختار أن حدا لا يسقط ~~حدا. ### | [مسألة قطع السرقة هل هو شرعنا خاصة أم شرع من قبلنا] # المسألة التاسعة والعشرون: تكلم الناس في قطع السرقة، هل هو شرعنا خاصة ~~أم شرع من قبلنا؟ فقيل: كان شرع من قبلنا استرقاق السارق. وقيل: كان ذلك ~~إلى زمن موسى؛ فعلى الأول القطع في شرعنا ناسخ للرق. وعلى الثاني يكون ~~توكيدا له، وسيأتي القول على المسألة في سورة يوسف إن شاء الله تعالى. ~~والصحيح أن الحد كان مطلقا في الأمم كلها قبلنا، ولم يبين النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كيفيته، إذ قال: «يا أيها الناس إنما أهلك من كان قبلكم أنه ~~كان إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وإذا سرق فيهم الشريف تركوه، ~~وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». ### | [الآية الرابعة عشرة قوله تعالى يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر] # من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون ~~للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن ~~أوتيتم هذا فخذوه ms0557 وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من ~~الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزي ولهم ~~في الآخرة عذاب عظيم - سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاءوك فاحكم بينهم أو ~~أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن ~~الله يحب المقسطين} [المائدة: 41 - 42] {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها ~~حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين - إنا أنزلنا التوراة ~~فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون ~~والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس ~~واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون} [المائدة: 43 - 44] # PageV02P120 # فيها إحدى عشرة مسألة: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: فيه ثلاثة أقوال: # الأول: أنها نزلت في شأن «أبي لبابة حين أرسله النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - إلى بني قريظة فخانه». # الثاني: نزلت في شأن «بني قريظة والنضير، وذلك أنهم شكوا إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقالوا له: إن النضير يجعلون خراجنا على النصف من خراجهم. ~~ويقتلون منا من قتل منهم، وإن قتل أحد منهم أحدا منا ودوه أربعين وسقا من ~~تمر». # الثالث: أنها نزلت في «اليهود جاءوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فقالوا له: إن رجلا منا وامرأة زنيا؛ فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون. قال ~~عبد الله بن سلام: كذبتم، إن فيها آية الرجم، فأتوا بالتوراة، فأتوا بها ~~فوضع أحدهم يده على آية الرجم، فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له عبد الله ~~بن سلام: ارفع يدك. فرفع يده، فإذا آية الرجم تلوح. فقالوا: صدق يا محمد، ~~فيها آية الرجم. فأمر # PageV02P121 # بهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرجما». هكذا رواه مالك ~~[والبخاري] ومسلم والترمذي وأبو داود. قال أبو داود عن جابر بن عبد الله: ~~«إن النبي ms0558 - صلى الله عليه وسلم - قال لهم: ائتوني أعلم رجلين فيكم فجاءوا ~~بابني صوريا، فنشدهما الله كيف تجدان أمر هذين في التوراة قالا: نجد في ~~التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها كالمرود في المكحلة رجما. ~~قال: فما يمنعكما أن ترجموهما؟ قال: ذهب سلطاننا، فكرهنا القتل. فدعا النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - بالشهود، فجاءوا فشهدوا أنهم رأوا ذكره في فرجها ~~مثل الميل في المكحلة. فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - برجمهما فرجما». # المسألة الثانية: في المختار من ذلك: وأما من قال: إنها في شأن أبي لبابة ~~وما قال علي عن النبي لبني قريظة فضعيف لا أصل له. وأما من قال: إنها نزلت ~~في شأن قريظة والنضير، وما شكوه من التفضيل بينهم فإنه ضعيف؛ لأن الله ~~تعالى أخبر أنه كان تحكيما منهم للنبي - صلى الله عليه وسلم - لا شكوى. ~~والصحيح ما رواه الجماعة، عن عبد الله بن عمر، وجابر بن عبد الله، كلاهما ~~في وصف القصة كما تقدم أن اليهود جاءوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وحكموه، فكان ما ذكرنا في الأمر. # PageV02P122 ### | [مسألة مجيء اليهود إلى النبي في أمر الزانيين] # المسألة الثالثة: ثبت كما تقدم أن اليهود جاءوا إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فذكروا له أمر الزانيين. وجملة الأمر أن أهل الكتاب مصالحون، ~~وعمدة الصلح ألا يعرض لهم في شيء، وإن تعرضوا لنا ورفعوا أمرهم إلينا فلا ~~يخلو أن يكون ما رفعوه ظلما لا يجوز في شريعة، أو مما تختلف فيه الشريعة؛ ~~فإن كان مما لا تختلف فيه الشرائع كالغصب والقتل وشبهه لم يمكن بعضهم من ~~بعض فيه. # وإذا كان مما تختلف فيه الشرائع ويحكموننا فيه ويتراضوا بحكمنا عليهم فيه ~~فإن الإمام مخير إن شاء أن يحكم بينهم حكم، وإن شاء أن يعرض عنهم أعرض. قال ~~ابن القاسم: والأفضل له أن يعرض عنهم. قلت: وإنما أنفذ النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - الحكم بينهم، ليحقق تحريفهم وتبديلهم وتكذيبهم وكتمهم ما في ~~التوراة. ومنه صفة النبي - صلى الله عليه وسلم ms0559 - والرجم على من زنا منهم. ~~وعنه أخبر الله سبحانه وتعالى بقوله: {يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين ~~لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير} [المائدة: 15] فيكون ~~ذلك من آياته الباهرة، وحججه البينة، وبراهينه المثبتة للأمة، المخزية ~~لليهود والمشركين. ### | [مسألة التحكيم من اليهود في أمر الزنا] # المسألة الرابعة: في التحكيم من اليهود: قال ابن القاسم: إذا جاء ~~الأساقفة والزانيان فالحاكم مخير إن شاء حكم أو لا؟ لأن إنفاذ الحكم حق ~~الأساقفة. وقال غيره: إذا حكم الزانيان الإمام جاز إنفاذه الحكم، ولا يلتفت ~~إلى الأساقفة؛ وهو الأصح؛ لأن مسلمين لو حكما بينهما رجلا لنفذ [حكمه] ولم ~~يعتبر رضا # PageV02P123 # الحاكم؛ فالكتابيون بذلك أولى، إذ الحكم ليس بحق للحاكم على الناس، وإنما ~~هو حق للناس عليه. # وقال عيسى، عن ابن القاسم: لم يكونوا أهل ذمة، إنما كانوا أهل حرب، وهذا ~~الذي قاله عيسى عنه إنما نزع به لما رواه الطبري وغيره «أن الزانيين كانا ~~من أهل خيبر أو فدك، وكانوا حربا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - واسم ~~المرأة الزانية يسرة، وكانوا بعثوا إلى يهود المدينة يقولون لهم: اسألوا ~~محمدا عن هذا، فإن أفتاكم بغير الرجم فخذوه منه واقبلوه، وإن أفتى به ~~فاحذروه، وهذه فتنة أرادها الله فيهم فنفذت، فأتوا النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فسألوه، فقال لهم: من أعلم يهود فيكم؟ قالوا: ابن صوريا. فأرسل إليه ~~في فدك، فجاء فنشده الله، فانتشد له وصدقه بالرجم كما تقدم، وقال له: والله ~~يا محمد، إنهم ليعلمون أنك رسول الله، ثم طبع الله على قلبه، فبقي على ~~كفره.» وهذا لو كان صحيحا لكان مجيئهم بالزانيين وسؤالهم عهدا وأمانا، وإن ~~لم يكن عهد ذمة ودار لكان لهم حكم الكف عنهم والعدل فيهم، فلا حجة لرواية ~~عيسى في هذا، وعنهم أخبر الله سبحانه وتعالى بقوله: {سماعون للكذب سماعون ~~لقوم آخرين لم يأتوك} [المائدة: 41]. ### | [مسألة ذكر الله الجاسوس بقوله سماعون لقوم آخرين لم يأتوك] # قال سفيان بن عيينة وهي: المسألة الخامسة: إن الله ذكر الجاسوس ms0560 بقوله: ~~{سماعون لقوم آخرين لم يأتوك} [المائدة: 41]؛ فهؤلاء هم الجواسيس، ولم يعرض ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم مع علمه بهم؛ لأنه لم يكن حينئذ تقررت ~~الأحكام، ولا تمكن الإسلام؛ وسنبينه بعد هذا إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة إذا حكم رجل رجلا آخر فيما بينهم] # المسألة السادسة: لما حكموا النبي - صلى الله عليه وسلم - أنفذ عليهم ~~الحكم، ولم يكن لهم الرجوع، وكل من حكم رجلا في الدين فأصله هذه الآية. قال ~~مالك: إذا حكم رجل رجلا فحكمه ماض، وإن رفع إلى قاض أمضاه إلا أن يكون جورا ~~بينا. # PageV02P124 # وقال سحنون: يمضيه إن رآه. قال ابن العربي: وذلك في الأموال والحقوق التي ~~تختص بالطالب، فأما الحدود فلا يحكم فيها إلا السلطان. # والضابط أن كل حق اختص به الخصمان جاز التحكيم فيه ونفذ تحكيم المحكم به. ~~وقال الشافعي: التحكيم جائز، وهو غير لازم؛ وإنما هو فتوى قال: لأنه لا ~~يقدم آحاد الناس الولاة والحكام، ولا يأخذ آحاد الناس الولاية من أيديهم، ~~وسنعقد في تعليم التحكيم مقالا يشفي إن شاء الله تعالى، إشارته إلى أن كل ~~محكم فإنه هو مفعل من حكم، فإذا قال: حكمت، فلا يخلو أن يقع لغوا أو مفيدا، ~~ولا بد أن يقع مفيدا، فإذا أفاد فلا يخلو أن يفيد التكثير كقولك: كلمته ~~وقللته، أو يكون بمعنى جعلت له، كقولك: ركبته وحسنته، أي جعلت له مركوبا ~~وحسنا؛ وهذا يفيد جعلته حكما. وتحقيقه أن الحكم بين الناس إنما هو حقهم لا ~~حق الحاكم، بيد أن الاسترسال على التحكيم خرم لقاعدة الولاية ومؤد إلى ~~تهارج الناس تهارج الحمر، فلا بد من نصب فاصل؛ فأمر الشرع بنصب الوالي ~~ليحسم قاعدة الهرج، وأذن في التحكيم تخفيفا عنه وعنهم في مشقة الترافع، ~~لتتم المصلحتان، وتحصل الفائدتان. والشافعي ومن سواه لا يلحظون الشريعة ~~بعين مالك - رحمه الله - ولا يلتفتون إلى المصالح، ولا يعتبرون المقاصد، ~~وإنما يلحظون الظواهر وما يستنبطون منها، وقد بينا ذلك في أصول الفقه ~~والقبس في شرح موطأ مالك بن أنس. # ولم أرو في ms0561 التحكيم حديثا حضرني ذكره الآن إلا ما أخبرني به القاضي ~~العراقي، أخبرنا الجوني، أخبرنا النيسابوري، أخبرنا قليله، أخبرنا قتيبة بن ~~سعيد، حدثنا يزيد يعني ابن المقدام بن شريح عن أبيه شريح، عن أبيه «هانئ ~~قال: لما وفد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع قومه سمعهم وهم ~~يكنونه أبا الحكم، فدعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV02P125 # فقال: إن الله هو الحكم، وإليه الحكم، فلم تكنى أبا الحكم فقال: إن قومي ~~إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين. فقال: ما أحسن ~~هذا فما لك من الولد؟ قال: لي شريح، وعبد الله، ومسلم. قال: فمن أكبرهم؟ ~~قال: شريح. قال: فأنت أبو شريح ودعا له ولولده». ### | [مسألة كيف أنفذ النبي الحكم بين أهل الكتاب] # المسألة السابعة: كيف أنفذ النبي - صلى الله عليه وسلم - الحكم بينهم؟: ~~اختلف في ذلك جواب العلماء على ثلاثة أقوال: # الأول: أنه حكم بينهم بحكم الإسلام، وأن أهل الكتاب من زنى منهم وقد تزوج ~~عليه الرجم، فيحكم عليهم به الإمام، ولا يشترط الإسلام في الإحصان؛ قاله ~~الشافعي. # الثاني: حكم النبي - عليه السلام - عليهم بشريعة موسى - عليه السلام - ~~وشهادة اليهود، إذ شرع من قبلنا شرع لنا، فيلزم العمل بها حتى يقوم الدليل ~~على تركها. وقد بينا ذلك في أصول الفقه، وفيما تقدم من قولنا، وإنه الصحيح ~~من المذهب الحق في الدليل حسبما تقدم؛ قاله عيسى عن ابن القاسم. # الثالث: إنما حكم النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهم؛ لأن الحدود لم تكن ~~نزلت، ولا يحكم الحاكم اليوم بحكم التوراة؛ قاله في كتاب محمد. # المسألة الثامنة: في المختار: أما قول الشافعي فلا يصح فإن اليهود جاءوا ~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - باختيارهم، وسألوه عن أمرهم، ففي هذا ~~يكون النظر. وقد قال الله سبحانه وتعالى، مخبرا عن الحقيقة فيه: {وكيف ~~يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك} [المائدة: 43] ~~وأخبر أنهم جاءوا من قبل أنفسهم، فقال {فإن جاءوك} [المائدة: 42]. ثم خيره # PageV02P126 # فقال: {فاحكم بينهم أو ms0562 أعرض عنهم} [المائدة: 42]. ### | [مسألة قوله تعالى وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط] # ثم قال له: {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} [المائدة: 42]، وهي: المسألة ~~التاسعة: والقسط هو العدل، وذلك حكم الإسلام، وحكم الإسلام شهود منا عدول؛ ~~إذ ليس في الكفار عدل، كما تقدم. وإنما أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إقامة الحجة عليهم وفضيحة اليهود حسبما شرحنا؛ وذلك بين من سياق الآية ~~والحديث. ولو نظر إلى الحكم بدين الإسلام لما أرسل إلى ابن صوريا، ولكنه ~~اجتمعت للنبي - صلى الله عليه وسلم - الوجوه فيه من قبول التحكيم وإنفاذه ~~عليهم بحكم التوراة، وهي الحق حتى ينسخ، وبشهادة اليهود، وذلك دين قبل أن ~~يرفع بالعدول منا. ### | [مسألة قوله تعالى يحكم بها النبيون] # المسألة العاشرة: قوله تعالى: {يحكم بها النبيون} [المائدة: 44] قال أبو ~~هريرة وغيره: ومحمد منهم؛ يحكمون بما فيها من الحق، وكذلك قال الحسن، وهو ~~الذي يقتضيه ظاهر اللفظ ومطلقه في قوله: {النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ~~والربانيون والأحبار} [المائدة: 44]، آخرهم عبد الله بن سلام. ### | [مسألة قوله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله] # المسألة الحادية عشرة: قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون} [المائدة: 44] اختلف فيه المفسرون؛ فمنهم من قال: الكافرون ~~والظالمون والفاسقون كله لليهود، ومنهم من قال: الكافرون للمشركين، ~~والظالمون لليهود، والفاسقون للنصارى، وبه أقول؛ لأنه ظاهر الآيات، وهو ~~اختيار ابن عباس، وجابر بن زيد، وابن أبي زائدة، وابن شبرمة. قال طاوس ~~وغيره: ليس بكفر ينقل عن الملة، ولكنه كفر دون كفر. # وهذا يختلف إن حكم بما عنده على أنه من عند الله؛ فهو تبديل له يوجب ~~الكفر، وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة على أصل أهل السنة في ~~الغفران للمذنبين. # PageV02P127 ### | [الآية الخامسة عشرة قوله تعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس] # والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن ~~تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون} ~~[المائدة: 45]. فيها اثنتان وعشرون مسألة: المسألة الأولى: [في سبب ms0563 ~~النزول]: قال ابن جريج: لما رأت قريظة النبي - صلى الله عليه وسلم - قد حكم ~~بالرجم وكانوا يخفونه في كتابهم، قالوا: يا محمد: اقض بيننا وبين إخواننا ~~بني النضير، وكان بينهم دم، وكانت النضير تتعزز على قريظة في دمائها ~~ودياتها كما تقدم. وقالوا: لا نطيعك في الرجم، ولكنا نأخذ بحدودنا التي كنا ~~عليها، فنزلت: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} [المائدة: 45]، ونزلت: ~~{أفحكم الجاهلية يبغون} [المائدة: 50]. قال ابن عباس: المعنى: فما بالهم ~~يخالفون فيقتلون النفسين بالنفس ويفقئون العينين بالعين؛ وكانت بنو إسرائيل ~~عندهم القصاص خاصة، فشرف الله هذه الأمة بالدية. ### | [مسألة قتل المسلم بالذمي] # المسألة الثانية: تعلق أبو حنيفة وغيره بهذه الآية، فقال: يقتل المسلم ~~بالذمي؛ لأنه نفس بنفس. قالت له الشافعية: هذا خبر عن شرع من قبلنا وشرع من ~~قبلنا ليس شرعا لنا. وقلنا نحن له: هذه الآية، إنما جاءت للرد على اليهود ~~في المفاضلة بين القبائل وأخذهم من قبيلة رجلا برجل، ونفسا بنفس، وأخذهم من ~~قبيلة أخرى نفسين بنفس، فأما اعتبار أحوال النفس الواحدة بالنفس الواحدة ~~فليس له تعرض في ذلك، ولا سيقت الآية له، وإنما تحمل الألفاظ على المقاصد. # PageV02P128 # جواب آخر وذلك أن هذا عموم يدخله التخصيص بما روى أبو داود والترمذي ~~والنسائي، وبعضهم أوعب من بعض؛ «عن علي، وقد سئل: هل خصه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بشيء؟ قال: لا، إلا ما في هذا، وأخرج كتابا من قراب سيفه، ~~وإذا فيه: المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ألا لا يقتل مسلم ~~بكافر ولا ذو عهد في عهده». جواب ثالث وذلك أن الله سبحانه قال في سورة ~~البقرة: {ولكم في القصاص حياة} [البقرة: 179]. وقال: {كتب عليكم القصاص في ~~القتلى} [البقرة: 178] فاقتضى لفظ القصاص المساواة، ولا مساواة بين مسلم ~~وكافر؛ لأن نقص الكفر المبيح للدم موجود به، فلا تستوي نفس مبيحها معها مع ~~نفس قد تطهرت عن المبيحات، واعتصمت بالإيمان الذي هو أعلى العصم. وقد ذكر ~~بعض علمائنا في ذلك نكتة حسنة، قال: إن الله تعالى ms0564 قال: {وكتبنا عليهم فيها ~~أن النفس بالنفس} [المائدة: 45]، فأخبر أنه فرض عليهم في ملتهم أن كل نفس ~~منهم تعادل نفسا؛ فإذا التزمنا نحن ذلك في ملتنا على أحد القولين وهو ~~الصحيح كان معناه أن في ملتنا نحن أيضا أن كل نفس منا تقابل نفسا، فأما ~~مقابلة كل نفس منا بنفس منهم فليس من مقتضى الآية، ولا من مواردها. ### | [مسألة قتل الحر بالعبد] # المسألة الثالثة: قال أبو حنيفة وغيره: قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها ~~أن النفس بالنفس} [المائدة: 45] يوجب قتل الحر بالعبد خاصة. # PageV02P129 # وقال غيره: يوجب ذلك أخذ نفسه بنفسه، وأخذ أطرافه بأطرافه لقوله تعالى: ~~{والعين بالعين} [المائدة: 45]. وقد تقدم الجواب عن ذلك في المسألة قبلها. ~~ونخص هذا مع أبي حنيفة أنهما شخصان لا يجري بينهما القصاص في الأطراف مع ~~السلامة في الخلقة فلا يجري بينهما في الأنفس، ويقال للآخرين: إن نقص الرق ~~الباقي في العبد من آثار الكفر يمنع المساواة بينه وبين الحر؛ فلا يصح أن ~~يؤخذ أحدهما بالآخر؛ فإن العبد سلعة من السلع يصرفه الحر كما يصرف الأموال. ### | [مسألة قتل الرجل الحر بالمرأة الحرة] # المسألة الرابعة: قوله تعالى {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس} ~~[المائدة: 45] يوجب قتل الرجل [الحر] بالمرأة [الحرة] مطلقا؛ وبه قال كافة ~~العلماء. وقال عطاء: يحكم بينهم بالتراجع، فإذا قتل الرجل المرأة خير ~~وليها، فإن شاء أخذ ديتها، وإن شاء أعطي نصف العقل. وقتل الرجل. وعموم ~~الآية يرد عليه. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من قتل قتيلا ~~فأهله بين خيرتين، فإن أحبوا أن يقتلوا أو يأخذوا العقل». والمعنى يعضده؛ ~~فإن الرجل إذا قتل المرأة فقد قتل مكافئا له في الدم، فلا يجب فيه زيادة ~~كالرجلين. ### | [مسألة قتل الجماعة بالواحد] # المسألة الخامسة: قال أحمد بن حنبل: لا تقتل الجماعة بالواحد؛ لأن الله ~~تعالى قال: {النفس بالنفس} [المائدة: 45]. قلنا: هذا عموم تخصه حكمته؛ فإن ~~الله سبحانه إنما قتل من قتل صيانة للأنفس عن القتل، فلو علم الأعداء أنهم ~~بالاجتماع يسقط القصاص عنهم لقتلوا عدوهم في جماعتهم، ms0565 فحكمنا بإيجاب القصاص ~~عليهم ردعا للأعداء، وحسما لهذا الداء، ولا كلام لهم على هذا. # PageV02P130 ### | [مسألة إذا جرح أو قطع اليد أو الأذن ثم قتل] # المسألة السادسة: قال أصحاب الشافعي وأبي حنيفة: إذا جرح أو قطع اليد أو ~~الأذن ثم قتل فعل به كذلك؛ لأن الله تعالى قال: {وكتبنا عليهم فيها أن ~~النفس بالنفس والعين بالعين} [المائدة: 45] الآية؛ فيؤخذ منه ما أخذ، ويفعل ~~به كما فعل. وقال علماؤنا: إن قصد بذلك المثلة فعل به مثله، وإن كان ذلك في ~~أثناء مضاربته لم يمثل به؛ لأن المقصود بالقصاص إما أن يكون التشفي، وإما ~~إبطال العضو. وأي ذلك كان فالقتل يأتي عليه. وهذا ليس بقصاص [ولا انتصاف]؛ ~~لأن المقتول تألم بقطع الأعضاء [كلها] وبالقتل، فلا بد في تحقيق القصاص من ~~أن يألم كما آلم، وبه أقول. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس] # المسألة السابعة: قوله تبارك وتعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس ~~بالنفس} [المائدة: 45] وذكر العين والأنف والأذن والسن وترك اليد، فقيل في ~~ذلك ثلاثة معان: الأول: أن ذلك لأن اليد آلة بها يفعل [كل] ذلك. الثاني: أن ~~ذلك لاختلاف حال اليدين، بخلاف العينين والأذنين، فإن اليسرى لا تساوي ~~اليمنى؛ فترك القول فيها لتدخل تحت قوله تعالى: {والجروح قصاص} [المائدة: ~~45]. ثم يقع النظر فيها بدليل آخر. الثالث: أن اليد باليد لا تفتقر إلى ~~نظر؛ والعين بالعين، والأنف بالأنف، والسن بالسن يفتقر إلى نظر، وفيه إشكال ~~يأتي بيانه إن شاء الله. ### | [مسألة قراءة قوله تعالى والعين بالعين] # المسألة الثامنة: قوله تعالى: {والعين بالعين} [المائدة: 45] قرأ بالرفع ~~والنصب، فالنصب إتباع للفظه ومعناه؛ والرفع، وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون ~~عطفا على حال النفس قبل دخول أن. # PageV02P131 # والثاني: أن يكون استئناف كلام. ولم يكن هذا مما كتب في التوراة، والأول ~~أصح. ### | [مسألة كيفية القصاص من العين] # المسألة التاسعة: قوله تعالى: {والعين بالعين} [المائدة: 45] لا يخلو أن ~~يكون فقأها، أو أذهب بصرها وبقيت صورتها، أو أذهب بعض البصر. وقد أفادنا ~~كيفية القصاص منها علي ms0566 بن أبي طالب كرم الله وجهه، وذلك أنه أمر بمرآة ~~فحميت، ثم وضع على العين الأخرى قطنا، ثم أخذت المرآة بكلبتين فأدنيت من ~~عينه حتى سال إنسان عينه. فلو أذهب رجل بعض بصره فإنه تعصب عينه وتكشف ~~الأخرى، ثم يذهب رجل بالبيضة ويذهب ويذهب حتى ينتهي بصر المضروب فيعلم، ثم ~~تغطى عينه وتكشف الأخرى، ثم يذهب رجل بالبيضة ويذهب ويذهب، فحيث انتهى ~~البصر علم، ثم يقاس كل واحد منهما بالمساحة، فكيف كان الفضل نسبا، ويجب من ~~الدية بحساب ذلك مع الأدب الوجيع والسجن الطويل؛ إذ القصاص في مثل هذا غير ~~ممكن، ولا يزال هذا يختبر في مواضع مختلفة لئلا يتداهى المضروب فينقص من ~~بصره، ليكثر حظه من مال الضارب؛ ولا خلاف في هذا. ### | [مسألة فقأ أعور عين صحيح] # المسألة العاشرة: لو فقأ أعور عين صحيح: قيل: لا قود عليه، وعليه الدية ~~روي ذلك عن عمر وعثمان. وقيل: عليه القصاص؛ وهو قول علي والشافعي. وقال ~~مالك: إن شاء فقأ عينه، وإن شاء أخذ دية كاملة. ومتعلق عثمان [أنه] في ~~القصاص منه أخذ جميع البصر ببعضه، وذلك ليس بمساواة. ومتعلق الشافعي قوله ~~تعالى: {والعين بالعين} [المائدة: 45]. # PageV02P132 # ومتعلق مالك أن الأدلة لما تعارضت خير المجني عليه، والأخذ بعموم القرآن ~~أولى فإنه أسلم عند الله تعالى. ### | [مسألة فقأ صحيح عين أعور] # المسألة الحادية عشرة: إذا فقأ صحيح عين أعور: فعليه الدية كاملة عند ~~علمائنا. وقال الشافعي وأبو حنيفة: فيه نصف الدية، وهو القياس الظاهر. ولكن ~~علماؤنا قالوا: إن منفعة الأعور ببصره كمنفعة السالم أو قريب من ذلك، فوجب ~~عليه مثل ديته. ### | [مسألة إذا ضرب سنه فاسودت] # المسألة الثانية عشرة: قالوا: إذا ضرب سنه فاسودت ففيها ديتها كاملة، وبه ~~قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: فيها حكومة، وهذا عندي خلاف يئول إلى وفاق ~~فإنه إن كان سوادها أذهب منفعتها، وإنما بقيت صورتها كاليد الشلاء والعين ~~العمياء، فلا خلاف في وجوب الدية. وإن كان بقي من منفعتها شيء أو جميعها لم ~~يجب إلا بمقدار ما نقص من ms0567 المنفعة حكومة. وروي عن عمر أنه قال: إذا ضرب سنه ~~فاسودت ففيها ثلث ديتها، وهذا مما لا يصح عنه سندا ولا فقها. ### | [مسألة أخذ الكبير دية ضرسه] # المسألة الثالثة عشرة: قال مالك: إذا أخذ الكبير دية ضرسه، ثم ثبتت. فلا ~~يردها. وقال الكوفيون: يردها؛ لأن عوضها قد ثبت، أصله سن الصغير؛ ودليلنا ~~أن هذا ثبات لم تجر به عادة، ولا يثبت الحكم بالنادر كسائر أصول الشريعة، ~~فلو قلع رجل سن رجل فردها صاحبها فالتحمت فلا شيء عليه عندنا. وقال ابن ~~المسيب وجماعة منهم عطاء: ليس له أن يردها ثانية، وإن ردها أعاد كل صلاة ~~صلاها لأنها ميتة. ### | [مسألة قطعت أذنه فألصقها بحرارة الدم فالتزقت] # وكذلك لو قطعت أذنه فألصقها بحرارة الدم فالتزقت مثله، وهي: # PageV02P133 # المسألة الرابعة عشرة: قال ذلك علماؤنا. وقال عطاء: يجبره السلطان على ~~قلعها؛ لأنها ميتة ألصقها؛ وهذا غلط بين، وقد جهل من خفي عليه أن ردها ~~وعودها لصورتها موجب عودها لحكمها؛ لأن النجاسة كانت فيها للانفصال، وقد ~~عادت متصلة، وأحكام الشريعة ليست صفات للأعيان، وإنما هي أحكام تعود إلى ~~قول الله سبحانه فيها وإخباره عنها. وقال الشافعي: لا تسقط عن قالع السن ~~ديتها، وإن رجعت؛ لأن الدية إنما وجبت لقلعها، وذلك لا ينجبر. قلنا: إنما ~~وجبت لفقدها وذهاب منفعتها؛ فإذا عادت لم يكن عليه شيء، كما لو ضرب عينه ~~ففقد بصره، فلما قضى عليه عاد بصره لم يجب له شيء. ### | [مسألة حكم قلع السن الزائد] # المسألة الخامسة عشرة: [حكم قلع السن الزائد]: فلو كانت له سن زائدة ~~فقلعت ففيها حكومة، وبه قال فقهاء الأمصار. وقال زيد بن ثابت: فيها ثلث ~~الدية، وليس في التقدير دليل، فالحكومة أعدل. ### | [مسألة حكم قطع أذني رجل] # المسألة السادسة عشرة: [حكم قطع أذني رجل]: قال علماؤنا في الذي يقطع ~~أذني رجل: عليه حكومة؛ وإنما تكون عليه الدية في السمع، ويقاس كما يقاس ~~البصر، فإن أجاب جواب من يسمع لم يقبل قوله، وإن لم يجب أحلف، لقد صمت من ~~ضرب هذا، وأغرم ديته، ms0568 ومثله في اليمين في البصر. ### | [مسألة القود في اللسان] # المسألة السابعة عشرة: اللسان: اختلف قول مالك في القود فيه، وكذلك اختلف ~~العلماء، والعلة في التوقف عن القود فيه عدم الإحاطة باستيفاء القود، فإن ~~أمكن فالقود هو الأصل، ويختبر بالكلام فما نقص من الحروف فبحسابه من الدية ~~تجب على الضارب. ### | [مسألة قلع لسان الأخرس] # فإن قلع لسان أخرس، وهي: # PageV02P134 # المسألة الثامنة عشرة: [إذا قلع لسان أخرس]: ففيه حكومة. وقال النخعي: ~~فيه الدية، يقال له: إذا أسقطت القود فلا يبقى إلا الحكومة؛ لأن الدية ~~قرينة القود. ### | [مسألة اليمين باليمين واليسار باليسار في القطع] # المسألة التاسعة عشرة: [اليمين باليمين واليسار باليسار]: إذا قطع يمين ~~رجل أو يساره لم يؤخذ اليمين إلا باليمين واليسار إلا باليسار عند كافة ~~الفقهاء. وقال ابن شبرمة: تؤخذ اليمين باليسار واليسار باليمين نظرا إلى ~~استوائهما في الصورة والاسم، ولم ينظر إلى المنفعة، وهما فيها متفاوتتان ~~أشد تفاوتا مما بين اليد والرجل، فإذا لم تؤخذ اليد بالرجل فلا تؤخذ يمنى ~~بيسرى. ### | [مسألة كل عضو بطلت منفعته وبقيت صورته فلا قود فيه وفيه الدية] # المسألة الموفية عشرين: نص الله سبحانه على أمهات الأعضاء وترك باقيها ~~للقياس عليها، وكل عضو فيه القصاص إذا أمكن ولم يخش عليه الموت، وكذلك كل ~~عضو بطلت منفعته وبقيت صورته فلا قود فيه، وفيه الدية لعدم إمكان القود ~~فيه، وفيه تفصيل في الأعضاء والصور بيناها في أصول الفقه. ### | [مسألة حكم الجروح] # المسألة الحادية والعشرون: [حكم الجروح]: لما بينا أن الله سبحانه ذكر ما ~~ذكر وخص ما خص قال بعد ذلك: {والجروح قصاص} [المائدة: 45] فعم بما نبه فيه ~~من ذلك وبينه النبي - صلى الله عليه وسلم -، ففي الصحيح عن أنس قال: «كسرت ~~الربيع وهي عمة أنس بن مالك ثنية جارية من الأنصار، فطلب القوم القصاص، ~~فأتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بالقصاص. فقال أنس بن النضر، عم أنس بن مالك: لا والله، لا تكسر ثنيتها يا ~~رسول الله. فقال رسول الله - صلى ms0569 الله عليه وسلم -: يا أنس، كتاب الله ~~القصاص، فرضي القوم وقبلوا الأرش. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره». # PageV02P135 ### | [مسألة معنى قوله تعالى فمن تصدق به فهو كفارة له] # المسألة الثانية والعشرون: قوله تعالى: {فمن تصدق به فهو كفارة له} ~~[المائدة: 45] اختلف العلماء فيه على قولين: أحدهما: [فهو كفارة له هو] ~~المجروح. والثاني: أنه الجارح. وحقيقة الكلام هل هو في الضميرين واحد أو كل ~~ضمير يعود إلى مضمر ثان؟ وظاهر الكلام أنه يعود إلى واحد الضميرين جميعا؛ ~~وذلك يقتضي أنه من وجب له القصاص فأسقطه كفر من ذنوبه بقدره، وعليه أكثر ~~الصحابة. وعن أبي الدرداء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما من مسلم ~~يصاب بشيء من جسده فيهبه إلا رفعه الله به درجة، وحط عنه به خطيئة». والذي ~~يقول: إنه إذا عفا عنه المجروح عفا الله عنه لم يقم عليه دليل، فلا معنى ~~له. ### | [الآية السادسة عشرة قوله تعالى وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم] # واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد ~~الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون} [المائدة: 49]. ~~فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: قيل: نزلت فيما تقدم. # PageV02P136 # وقيل: «جاء ابن صوريا، وشأس بن قيس، وكعب بن أسيد إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يريدون أن يفتنوه عن دينه، فقالوا له: نحن أحبار يهود، إن آمنا ~~لك آمن الناس جميعهم بك، وبيننا وبين قوم خصومة فنحاكمهم إليك لتقضي لنا ~~عليهم، ونؤمن بك ونصدقك؛ فأبى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله ~~سبحانه الآية، وهي قوله تعالى: {وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط} [المائدة: ~~42]» بمعنى واحد. المسألة الثانية: قال قوم: هذا ناسخ للتخيير، وهذه دعوى ~~عريضة؛ فإن شروط النسخ أربعة منها: معرفة التاريخ بتحصيل المتقدم والمتأخر. ~~وهذا مجهول من هاتين الآيتين، فامتنع أن يدعى أن واحدة منهما ناسخة للأخرى، ~~وبقي الأمر على حاله. ### | [مسألة ms0570 معنى قوله تعالى واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله ~~إليك} [المائدة: 49] قال قوم: معناه عن كل ما أنزل الله إليك، والبعض ~~يستعمل بمعنى الكل قال الشاعر: # تراك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يغتبط بعض النفوس حمامها # ويروى: أو يرتبط. أراد كل النفوس، وعليه حملوا قوله تعالى: {ولأبين لكم ~~بعض الذي تختلفون فيه} [الزخرف: 63]. والصحيح أن {بعض} [المائدة: 49] على ~~حالها في هذه الآية، وأن المراد به الرجم أو الحكم الذي كانوا أرادوه ولم ~~يقصدوا أن يفتنوه عن الكل. ### | [الآية السابعة عشرة قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء] # بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين} [المائدة: 51] # PageV02P137 # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود ~~والنصارى أولياء} [المائدة: 51] اختلف في سبب نزولها على ثلاثة أقوال: # الأول أنها نزلت في عبادة، وابن أبي؛ وذلك «أن عبادة تبرأ إلى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - من حلف قوم من اليهود كان له حلفهم مثل ما لعبد ~~الله بن أبي، وتمسك ابن أبي بهم، وقال: إني رجل أخاف الدوائر». # الثاني: كان المنافقون يوازون يهود قريظة ونصارى نجران؛ لأنهم كانوا أهل ~~ريف، وكانوا يميرونهم ويقرضونهم، فقالوا: كيف نقطع مودة قوم إذا أصابتنا ~~سنة فاحتجنا إليهم وسعوا علينا المنازل وعرضوا علينا الثمار إلى أجل، ~~فنزلت، وذلك قوله تعالى: {فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون ~~نخشى أن تصيبنا دائرة} [المائدة: 52]. # الثالث: أنها نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر والزبير وطلحة؛ فأما ~~نزولها في أبي لبابة فممكن؛ لأنه أشار إلى يهود [بني قريظة] إلى حلقه بأنهم ~~إن نزلوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الذبح فخانه، ثم تاب ~~الله عليه. وأما الزبير وطلحة فلم يلتفتوا إلى ذلك فيهما. وهذه الآية عامة ~~في كل من ذكر أنها نزلت فيه لا تخص به أحدا ms0571 دون أحد. ### | [مسألة اتخاذ ولي للمسلمين من أهل الذمة] # المسألة الثانية: بلغ عمر بن الخطاب أن أبا موسى الأشعري اتخذ باليمن ~~كاتبا ذميا، فكتب إليه # PageV02P138 # هذه الآية، وأمره أن يعزله؛ وذلك أنه لا ينبغي لأحد من المسلمين ولي ~~ولاية أن يتخذ من أهل الذمة وليا فيها لنهي الله عن ذلك؛ وذلك أنهم لا ~~يخلصون النصيحة، ولا يؤدون الأمانة، بعضهم أولياء بعض. ### | [مسألة ذبائح نصارى العرب] # المسألة الثالثة: سئل ابن عباس عن ذبائح نصارى العرب،، فقرأ: {ومن يتولهم ~~منكم فإنه منهم} [المائدة: 51]، وقد بيناه فيما تقدم موضحا، وعلى هذا جاء ~~بيان تمام الآية، ثم جاءت الآية الأخرى عامة في نفي اتخاذ الأولياء من ~~الكفار أجمعين. ### | [الآية الثامنة عشرة قوله تعالى وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا] # ذلك بأنهم قوم لا يعقلون} [المائدة: 58]. فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: كان المشركون واليهود والمنافقون إذا سمعوا النداء إلى ~~الصلاة وقعوا في ذلك وسخروا منه؛ فأخبر الله سبحانه بذلك عنهم، وليس في ~~كتاب الله تعالى ذكر الأذان إلا في هذه الآية، أما إنه ذكرت الجمعة على ~~الاختصاص. # المسألة الثانية: روي أن رجلا من النصارى، وكان بالمدينة، إذا سمع المؤذن ~~يقول: أشهد أن محمدا رسول الله قال: حرق الكاذب، فسقطت في بيته شرارة من ~~نار وهو نائم، فتعلقت النار بالبيت فأحرقته، وأحرقت ذلك الكافر معه؛ فكانت ~~عبرة للخلق. والبلاء موكل بالمنطق. وقد كانوا يمهلون مع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - حتى يستفتحوا فلا يؤخروا بعد ذلك. # PageV02P139 ### | [مسألة كان النبي إذا غزا قوما لم يغز حتى يصبح] # المسألة الثالثة: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا غزا قوما لم، ~~يغز حتى يصبح وينظر، فإن سمع أذانا أمسك، وإلا أغار»؛ رواه البخاري وغيره ~~عن أنس بن مالك. ### | [مسألة كان المسلمون إذا قدموا المدينة يتجنبون الصلاة] # المسألة الرابعة: روى الأئمة بأجمعهم عن ابن عمر أنه قال: «كان المسلمون ~~إذا قدموا المدينة يتجنبون الصلاة فيجتمعون، وليس ينادي بها أحد، فتكلموا ~~يوما في ذلك فقال بعضهم لبعض: اتخذوا ناقوسا مثل ms0572 النصارى. وقال بعضهم لبعض: ~~اتخذوا قرنا مثل قرن اليهود؛ فقال عمر: ألا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة؟ قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا بلال؛ قم فناد بالصلاة». # وفي الموطإ وأبي داود عن عبد الله بن زيد قال: «لما أمر رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بالناقوس ليعمل حتى يضرب به فيجتمع الناس للصلاة طاف بي ~~وأنا نائم رجل يحمل ناقوسا، فقلت له: يا عبد الله، تبيع هذا الناقوس؟ فقال ~~لي: ما تصنع به؟ فقلت: ندعو به للصلاة. قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ~~ذلك؟ فقلت: بلى. فقال: تقول: الله أكبر، الله أكبر فذكر الأذان والإقامة. ~~فلما أصبحنا أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته بما رأيت، فقال: ~~إنها لرؤيا حق إن شاء الله تعالى، قم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به. ~~ففعلت». «فلما سمع عمر الأذان خرج مسرعا، فسأل عن ذلك، فأخبر الخبر، فقال: ~~يا رسول الله؛ والذي بعثك بالحق، لقد رأيت مثل الذي رأى. فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: الحمد لله». # PageV02P140 # وفي ذلك أحاديث كثيرة، وقد استوفينا الكلام على أخبار الأذان في شرح ~~الحديث ومسائله في كتب الفروع. ### | [الآية التاسعة عشرة قوله تعالى قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق] # ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} ~~[المائدة: 77]. فيها مسألتان: المسألة # الأولى: نهى الله سبحانه أهل الكتاب عن الغلو في الدين من طريقيه: في ~~التوحيد، وفي العمل؛ فغلوهم في التوحيد نسبتهم له الولد سبحانه، وغلوهم في ~~العمل ما ابتدعوه من الرهبانية في التحليل والتحريم والعبادة والتكليف. ~~وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لتركبن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا ~~بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه». وهذا صحيح لا كلام فيه # ، وقد ثبت في الصحاح «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمع امرأة من ~~الليل تصلي، فقال: من هذه؟ قيل: الحولاء بنت تويت لا تنام الليل كله. فكره ~~ذلك رسول الله - صلى ms0573 الله عليه وسلم - حتى عرفت الكراهية في وجهه، وقال: إن ~~الله لا يمل حتى تملوا، اكلفوا من العمل ما تطيقون». # PageV02P141 # وروي فيه أيضا أنه قال: «إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق فإن المنبت لا ~~أرضا قطع ولا ظهرا أبقى». ### | [مسألة الكفرة شبهت الله سبحانه بالخلق في الولد] # المسألة الثانية: لما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنا نتبع من ~~قبلنا في سننه، وكانت الكفرة قد شبهت الله سبحانه بالخلق في الولد، وشبهت ~~هذه الأمة الباري تعالى بالخلق في مصائب قد بيناها في الأصول لا تقصر في ~~الباطل عن الولد، وغلت طائفة في العمل حتى ترهبت وتركت النكاح، وواظبت على ~~الصوم، وتركت الطيبات، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «من رغب عن سنتي ~~فليس مني». وسنكشف ذلك في موضعه هاهنا بالاختصار؛ إذ قد بيناه بالطول في ~~كتب الحديث، وخصوصا في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ~~ما أحل الله لكم} [المائدة: 87]. وهي:. ### | [الآية الموفية عشرين قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم] # ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [المائدة: 87]. فيها أربع مسائل: # PageV02P142 # المسألة الأولى: في سبب نزولها: فيه ثلاثة أقوال: الأول: أن جماعة من ~~أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم علي، والمقداد، وعبد الله بن عمر، ~~وعثمان بن مظعون، وابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، جلسوا في البيوت، ~~وأرادوا أن يفعلوا كفعل النصارى من تحريم طيبات الطعام واللباس واعتزال ~~النساء، وهم بعضهم أن يجب نفسه، وأن عثمان بن مظعون كان ممن حرم النساء ~~والزينة على نفسه، وأرادوا أن يترهبوا، ولا يأكلوا لحما ولا ودكا؛ وقالوا: ~~نقطع مذاكيرنا، ونسيح في الأرض، كما فعل الرهبان. فلما بلغ ذلك النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - نهاهم عنه، وأعلمهم أنه ينكح النساء، ويأكل من الأطعمة، ~~وينام ويقوم، ويفطر ويصوم، وأنه من رغب عن سنتي فليس مني، وقال لهم: «إنما ~~هلك من كان قبلكم بالتشديد، فشددوا على أنفسهم، فشدد الله عليهم. أولئك ~~بقاياهم في الديار ms0574 والصوامع، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وأقيموا ~~الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان، وحجوا واعتمروا، واستقيموا يستقم ~~لكم». وإن هذه الآية نزلت فيهم، روي ذلك عن ابن عباس وغيره. # الثاني: روي «أن عبد الله بن رواحة ضافه ضيف، فانقلب ابن رواحة ولم يتعش. ~~فقال لزوجته: ما عشيتيه؟ فقالت: كان الطعام قليلا، فانتظرتك أن تأتي. قال: ~~حرمت ضيفي من أجلي، فطعامك علي حرام إن ذقته. فقالت هي: وهو علي حرام إن لم ~~تذقه. وقال الضيف: هو علي حرام إن ذقته إن لم تذوقوه. فلما رأى ذلك ابن ~~رواحة قال: قربي طعامك، كلوا بسم الله، وغدا إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فأخبره. فقال - صلى الله عليه وسلم -: أحسنت. ونزلت الآية: فكلوا ~~مما رزقكم الله.» قال ابن عباس في حديثه: «فقالوا: يا رسول الله، كيف نصنع ~~بأيماننا، فنزلت: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} [البقرة: 225]». # PageV02P143 # الثالث: روى الترمذي عن ابن عباس «أن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال له: يا رسول الله؛ إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني ~~شهوة، فحرمت علي اللحم، فنزلت: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما ~~أحل الله لكم} [المائدة: 87] إلى مؤمنين». قال الترمذي: صحيحة الإرسال. ### | [مسألة تحريم ما أحل الله من المباحات] # المسألة الثانية: ظن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن المطلوب منهم ~~طريق من قبلهم من رفض الطعام والشراب والنساء، وقد قال الله سبحانه: {لكل ~~جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} [المائدة: 48] فكانت شريعة من قبلنا بالرهبانية ~~وشريعتنا بالسمحة الحنيفية. وفي الصحيح «أن عثمان بن مظعون نهاه النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - عن التبتل، ولو أذن له لاختصينا». والذي يوجب في ذلك ~~العلم، ويقطع العذر، ويوضح الأمر أن الله سبحانه قال لنبيه: {وتبتل إليه ~~تبتيلا} [المزمل: 8] فبين النبي - صلى الله عليه وسلم - التبتل بفعله؛ وشرح ~~أنه امتثال الأمر، واجتناب النهي، وليس بترك المباحات، «وكان النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يأكل اللحم إذا وجده، ويلبس الثياب تبتاع بعشرين جملا، ~~ويكثر من الوطء، ms0575 ويصبر إذا عدم ذلك»، ومن رغب عن سنته لسنة عيسى فليس منه. ### | [مسألة إذا فسد الدين عند الناس وعم الحرام] # المسألة الثالثة: قال علماؤنا: هذا إذا كان الدين قواما، ولم يكن المال ~~حراما؛ فأما إذا فسد الدين عند الناس، وعم الحرام فالتبتل وترك اللذات ~~أولى، وإذا وجد الحلال فحال النبي - صلى الله عليه وسلم - أفضل وكان ~~داتشمند - رحمه الله - يقول: إذ عم الحرام وطبق البلاد، ولم # PageV02P144 # يوجد حلال استؤنف الحكم، وصار الكل معفوا عنه، وكان كل واحد أحق بما في ~~يده ما لم يعلم صاحبه. وأنا أقول: إن هذا الكلام منقاس إذا انقطع الحرام، ~~فأما والغصب متماد، والمعاملات الفاسدة مستمرة، ولا يخرج المرء من حرام إلا ~~إلى حرام فأشبه المعاش من كان له عقار قديم الميراث يأكل من غلته، وما رأيت ~~في رحلتي أحدا يأكل مالا حلالا محضا إلا سعيدا المغربي، كان يخرج في صائفة ~~الخطمي، فيجمع من زريعته قوته ويطحنها ويأكلها بزيت يجلبه الروم من بلادهم. ### | [مسألة قال هذا علي حرام لشيء من الحلال] # المسألة الرابعة: إذا قال: هذا علي حرام لشيء من الحلال عدا الزوجة فإنه ~~كذبة لا شيء عليه فيها، ويستغفر الله، ولا يحرم عليه شيء مما حرمه. هذا ~~مذهب مالك والشافعي، وأكثر الصحابة؛ وروي أنه قول يوجب الكفارة، وبه قال ~~أبو حنيفة. ويدل عليه حديث عبد الله بن رواحة المتقدم. وفي حديث الجماعة من ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثله. وروي أيضا عنهم «أنهم حلفوا ~~بالله فأذن لهم في الكفارة»، فتعلق أصحاب أبي حنيفة بمسألة اليمين، وتأتي ~~إن شاء الله. وأما إذا قال لزوجته: أنت علي حرام فموضعها سورة التحريم، ~~والله يسهل في البلوغ إليها بعونه. ### | [الآية الحادية والعشرون قوله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم] # ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما ~~تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك ~~كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته ms0576 لعلكم ~~تشكرون} [المائدة: 89]. # فيها سبع وعشرون مسألة: # PageV02P145 # المسألة الأولى: اليمين على ضربين: لغو ومنعقدة، وقد بينا لغو اليمين في ~~سورة البقرة. # وأما اليمين المنعقدة فهي المنفعلة من العقد، والعقد على ضربين: حسي كعقد ~~الحبل، وحكمي كعقد البيع؛ وهو ربط القول بالقصد القائم بالقلب، يعزم بقلبه ~~أولا متواصلا منتظما، ثم يخبر عما انعقد من ذلك بلسانه. # فإن قيل: صورة اليمين اللغو والمنعقدة على هذا واحدة، فما الفرق بينهما؟ ~~قلنا: قد آن الآن أن نلتزم بذلك الاحتفاء، ونكشف عنه الخفاء، فنقول: إن ~~اليمين المنعقدة ما قلناه. واللغو ضده واليمين اللغو سبع متعلقات في اختلاف ~~الناس: المتعلق الأول: اليمين مع النسيان، فلا شك في إلغائها؛ لأنه إذ قصد ~~زيدا فتلفظ بعمرو فلا شك في أنها جاءت على خلاف قصده، فهي لغو محض. وأما من ~~قال: إنه اليمين المكفرة فلا متعلق له يحكى. # والمتعلق الثالث: في دعاء الإنسان على نفسه إن لم يكن كذا، فينزل به كذا، ~~فهذا قول لغو في طريق الكفارة، ولكنه منعقد في العقد مكروه، وربما يؤاخذ ~~به؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يدعون أحدكم على نفسه، ~~فربما صادف ساعة لا يسأل الله فيها أحد شيئا إلا أعطاه إياها». # والمتعلق الرابع: في يمين المعصية باطل؛ لأن الحالف على ترك المعصية ~~تنعقد يمينه عبادة، والحالف على فعل المعصية تنعقد يمينه معصية، ويقال له: ~~لا تفعل فكفر، فإن أقدم على الفعل فجر في إقدامه وبر في يمينه. # وإنما قلنا: إنها تنعقد لأنه قصد بقلبه الفعل أو الكف في زمان مستقبل ~~يتأتى فيه كل واحد منهما. وهذا ظاهر. # PageV02P146 # والمتعلق الخامس: في يمين الغضب موضع فتنة؛ فإن بعض الناس يقول: يمين ~~الغضب لا يلزم، وينظر في ذلك إلى حديث يروى: «لا يمين في إغلاق»، وهذا لم ~~يصح، والإغلاق: الإكراه؛ لأنه تغلق الأبواب على المكره وترده إلى مقصده، ~~وقد «حلف النبي - صلى الله عليه وسلم - غاضبا ألا يحمل الأشعريين وحملهم، ~~وقال: والله إن شاء الله إني لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا ms0577 منها إلا ~~أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني». وهذا بين ظاهر جدا. # وأما من قال: إنه قول الرجل: لا والله، وبلى والله. ففي صحيح البخاري عن ~~عائشة قالت: نزلت: {لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم} [المائدة: 89] في ~~قول الرجل: لا والله، وبلى والله. قلنا: هذا صحيح، ومعناه إذا أكثر الرجل ~~في يمينه من قول: لا والله، وبلى والله، على أشياء يظنها كما قال، فتخرج ~~بخلافه. أو على حقيقة، فهي تنقسم قسمين: قسما يظن وقسما يعقد، فلا يؤاخذ ~~منها فيما وقع على ظن، ويؤاخذ فيما عقد، وكيف يجوز أن يظن أحد أن قوله: لا ~~والله، وبلى والله، فيما يعتقده ويعقده أنه لغو، وهو منهي عن الاسترسال فيه ~~والتهافت به. قال الله سبحانه: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا ~~وتتقوا وتصلحوا بين الناس} [البقرة: 224] فنهي عنها ولا يؤاخذ إذا فعلها. # هذا لعمر الله هو القول اللغو، وهذا يبين لك أن القول ما قاله مالك، وأنه ~~اليمين على ظن يخرج بخلافه. فإن قيل وهي: # المسألة الثانية: فاليمين الغموس في أي قسم هي؟: قلنا هي مسألة عظمى ~~وداهية كبرى تكلم فيها العلماء، وقد أفضنا فيها في مسائل الخلاف. # PageV02P147 # ووجه إشكالها أنها إن كانت لا كفارة فيها فهي في قسم اللغو، فلا تقع فيها ~~مؤاخذة، وإن كانت مما يؤاخذ بها فهي في قسم المنعقدة، تلزم فيها الكفارة. # وحله طويل؛ اختصاره أن الآية وردت بقسمين: لغو، ومنعقدة خرجت على الغالب ~~في أيمان الناس؛ فأما اليمين الغموس فلا يرضى بها ذو دين أو مروءة، ويحل ~~الإشكال أيضا أن الله سبحانه علق الكفارة على قسمي اليمين المنعقدة، فدع ما ~~بعدها يكون مائة قسم فإنه لم تعلق عليه كفارة. # فإن قيل: اليمين الغموس منعقدة. والدليل عليه أنها مكتسبة بالقلب، معقودة ~~بخبر، مقرونة باسم الله تعالى. قلنا: عقد القلب إنما يكون عقدا إذا تصور ~~حله، واليمين الغموس مكر وخديعة. # والدليل عليه أن هذا الذي صوره أصحاب الشافعي موجود في يمين الاستثناء، ~~ولا كفارة فيها؛ فثبت أن مجرد القصد ms0578 لا يكفي في الكفارة، هذا وقد فارق ~~اليمين الغموس الحل. وكيف تنعقد؟ وقد مهدنا القول فيها في تخليص التلخيص، ~~فلينظر هنالك. ### | [مسألة حقيقة اليمين في قوله تعالى لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم] # المسألة الثالثة: في حقيقة اليمين: قد بيناها في المسائل، وهي ربط العقد ~~بالامتناع والترك أو بالإقدام على فعل بمعنى معظم حقيقة أو اعتقادا. ~~والمعظم حقيقة، كقوله: والله لا دخلت الدار أو لأدخلن. والمعظم اعتقادا، ~~كقوله: إن دخلت الدار فأنت طالق، أو أنت حر. والحرية معظمة عنده، لاعتقاده ~~عظيم ما يخرج عن يده في الحرية والطلاق. ودليله قوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت». فسمى الحالف بغير الله حالفا. # PageV02P148 # وقد اتفق علماؤنا على أن من قال: إن دخلت الدار فعلي كفارة يمين، أنه ~~يلزمه ذلك، ولكنه من جهة النذر لا من جهة اليمين. والنذر يمين حقيقة، ~~ولأجله قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كفارة النذر كفارة اليمين». وقد ~~بيناه في مسائل الخلاف. ### | [مسألة قال أقسمت عليك أو أقسمت ليكونن كذا وكذا] # المسألة الرابعة: إذا قال: أقسمت عليك، أو أقسمت ليكونن كذا وكذا فإنه ~~يكون يمينا إذا قصد بالله. وبه قال أبو حنيفة. # وقال الشافعي: لا يكون يمينا حتى يذكر به اسم الله تعالى؛ قال: لأنه لم ~~يحلف بالله، فلا يكون يمينا. # قلنا: إن كان لم يتلفظ به فقد نواه، واللفظ يحتمله، فوجب أن يقضي به؛ ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى». ### | [مسألة حلف بالله تعالى أو بصفاته العليا وأسمائه الحسنى] # المسألة الخامسة: إذا حلف بالله تعالى أو بصفاته العليا وأسمائه الحسنى ~~فهي يمين. # وقال أبو حنيفة: إذا قال: وعلم الله لم يكن يمينا. وظن قوم ممن لم يحصل ~~مذهبه أنه ينكر صفات الله تعالى، وليس كما ظن؛ لأنه قد قال: إذا حلف: وقدرة ~~الله كانت يمينا. وإنما الذي أوقعه في ذلك أن العلم قد ينطلق على المعلوم، ~~وهو المحدث، فلا يكون يمينا، وذهل عن أن القدرة أيضا ms0579 تنطلق على المقدور، ~~وكل كلام له في المقدور فهو حجتنا في المعلوم. # PageV02P149 ### | [مسألة لا ينعقد اليمين بغير الله وصفاته وأسمائه] # المسألة السادسة: # لا ينعقد اليمين بغير الله وصفاته وأسمائه: وقال أحمد بن حنبل: إذا حلف ~~بالنبي انعقدت يمينه ولزمته الكفارة؛ لأنه حلف بما لا يتم الإيمان إلا به، ~~فلزمته الكفارة، كما لو حلف بالله، ودليلنا قوله: «من كان حالفا فليحلف ~~بالله أو ليصمت» ولأن هذا ينتقض بمن قال: وآدم وإبراهيم، فإنه لا كفارة ~~عليه، وقد حلف بما لا يتم الإيمان إلا به. ### | [مسألة قراءة قوله تعالى عقدتم الأيمان] # المسألة السابعة: قوله تعالى: {عقدتم الأيمان} [المائدة: 89] فيه ثلاث ~~قراءات: عقدتم بتشديد القاف، وعقدتم بتخفيف القاف، وعاقدتم بالألف. # فأما التخفيف فهو أضعفها رواية وأقواها معنى؛ لأنه فعلتم من العقد، وهو ~~المطلوب. وإذا قرئ عاقدتم فهو فاعلتم، وذلك يكون من اثنين، وقد يكون الثاني ~~من حلف لأجله في كلام وقع معه، وقد يعود ذلك إلى المحلوف عليه فإنه ربط به ~~اليمين، وقد يكون فاعل بمعنى فعل، كقولك: طارق النعل، وعاقب اللص، في أحد ~~الوجهين في اللص خاصة. # وإذا قرأ عقدتم بتشديد القاف فقد اختلف العلماء في تأويله على أربعة ~~أقوال: # الأول: قال مجاهد: تعمدتم. # الثاني: قال الحسن: معناه ما تعمدت به المأثم فعليك فيه الكفارة. # الثالث: قال ابن عمر: التشديد يقتضي التكرار، فلا تجب عليه الكفارة إلا ~~إذا كرر اليمين. # الرابع: قال مجاهد: التشديد للتأكيد، وهو قوله: والله الذي لا إله إلا ~~هو. # قال ابن العربي: أما قول مجاهد: ما تعمدتم فهو صحيح يعني ما قصدتم إليه ~~احترازا من اللغو. وأما قول الحسن ما تعمدتم فيه المأثم فيعني به مخالفة ~~اليمين، فحينئذ تكون الكفارة # PageV02P150 # وهذان القولان حسنان يفتقران إلى تحقيق، وهو بيان وجه التشديد، فإن ابن ~~عمر حمله على التكرار، وهو قول لم يصح عنه لضعفه. فقد قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «وإني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا ~~منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن ms0580 يميني». فذكر وجوب الكفارة في اليمين ~~التي لم تتكرر. # وأما قول مجاهد: إن التشديد في التأكيد محمول على تكرار الصفات؛ فإن ~~قولنا: " والله " يقتضي جميع أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، فإذا ذكر ~~شيئا من ذلك فقد تضمنه قوله: والله. # فإن قيل: فما فائدة التغليظ بالألفاظ؟ قلنا: لا تغليظ عندنا بالألفاظ. ~~وقد تقدم بيانه. وإن غلظنا فليس على معنى أن ما ليس بمغلظ ليس بيمين، ولكن ~~على معنى الإرهاب على الحالف فإنه كلما ذكر بلسانه الله تعالى حدث له غلبة ~~حال من الخوف، وربما اقتضت له رعدة، وقد يرهب بها على المحلوف له، كقوله - ~~صلى الله عليه وسلم - لليهود: «والله الذي لا إله إلا هو» فأرهب عليهم ~~بالتوحيد، لاعتقادهم أن عزيرا ابن الله. # والذي يتحصل من ذلك أن التشديد على وجه صحيح؛ فإن المرء يعقد على المعنى ~~بالقصد إليه، ثم يؤكد الحلف بقصد آخر، فهذا هو العقد الثاني الذي حصل به ~~التكرار أو التأكيد، بخلاف اللغو فإنه قصد اليمين وفاته التأكيد بالقصد ~~الصحيح إلى المحلوف عليه. ### | [مسألة اليمين لا يقتضي تحريم المحلوف عليه] # المسألة الثامنة: # اليمين لا يقتضي تحريم المحلوف عليه عند علمائنا، وبه قال الشافعي. وقال ~~أبو حنيفة: يقتضي تحريم المحلوف عليه، وقد بينا هذه المسألة في تلخيص ~~الطريقتين العراقية والخراسانية على التمام. # وعند أبي حنيفة أن من قال: حرمت على نفسي هذا الطعام، أو هذا الثوب لزمته ~~الكفارة؛ لاعتقاده أن اليمين تحرم، فركب عليه هذه المسألة. # PageV02P151 # ولما رأى علماؤنا أن مسألة أبي حنيفة في تحريم الحلال مركبة على اليمين ~~أنكروا له أن اليمين تحرم، وكان هذا لأن النظار تحملهم مقارعة الخصوم على ~~النظر في المناقضات وترك التحقيق، والنظار المحقق يتفقد الحقائق، ولا يبالي ~~على من دار النظر، ولا ما صح من مذهب. # والذي نعتقده أن اليمين تحرم المحلوف عليه؛ فإنه إذا قال: والله لا دخلت ~~الدار فإن هذا القول قد منعه من الدخول حتى يكفر، فإن أقدم على الفعل قبل ~~الكفارة لزمه أداؤها؛ والامتناع هو التحريم بعينه، والباري تعالى ms0581 هو المحرم ~~وهو المحلل، ولكن تحريمه يكون ابتداء كمحرمات الشريعة، وقد يكون بأسباب ~~يعلقها عليه من أفعال المكلفين، كتعليق التحريم بالطلاق، والتحريم باليمين. ~~ويرفع التحريم الكفارة مفعولة أو معزوما عليها. ويرفع تحريم الطلاق النكاح ~~بحسب ما رتب سبحانه من الأحكام، وبين من الشروط. هذا لبابه، وتمامه في ~~التلخيص، فلينظر فيه [باقي قسمي هذا الباب فإن فيه لغنية الألباب]. # وأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - الذين كانوا قد اجتمعوا واعتقدوا ~~تحريم الأطايب من الطعام والزينة من الثياب واللذة من النساء حلفوا على ~~ذلك، ولأجله نزلت الآية فيهم؛ وإن كانوا لم يحلفوا، ولكنهم اعتقدوا، فقد ~~دخلت مسألتهم في قسم اللغو؛ وإذا أراد أبو حنيفة أن يلحق قوله: حرمت على ~~نفسي الأكل، بقوله: والله لا أكلت، تبين لكم نقصان هذا الإلحاق وفساده؛ ~~لأنه باليمين حرم وأكد التحريم بذكر الله تعالى، وإذا قال: حرمت على نفسي ~~الأكل، فتحريمه وحده دون ذكر الله تعالى كيف يلحق بالتحريم المقرون بذكر ~~الله تعالى بعد إسقاطه هذا الإلحاق؟ لا يخفى تهاتره على أحد. ### | [مسألة إذا لم يؤكد اليمين] # المسألة التاسعة: # روى نافع عن ابن عمر: إذا لم يؤكد اليمين أطعم عشرة مساكين، وإذا أكدها # PageV02P152 # أعتق رقبة. قيل لنافع: ما التأكيد؟ قال: أن تحلف على الشيء مرارا؛ وهذا ~~تحكم لا يشهد له شيء من الأثر ولا من النظر. ### | [مسألة إذا انعقدت اليمين حلت الكفارة] # المسألة العاشرة: إذا انعقدت اليمين كما قدمنا حلتها الكفارة أو ~~الاستثناء، وكلاهما رخصة من الله سبحانه. # فأما الاستثناء فقال العلماء: إنه يكون متصلا باليمين واختلف فيه على ~~ثلاثة أقوال: الأول: أنه يكون متصلا باليمين نسقا عليها لا يكون متراخيا ~~عنها. # الثاني: قال محمد بن المواز: يكون مقترنا باليمين اعتقادا أو بآخر حرف ~~منها، فإن بدا له بعد الفراغ منها فاستثنى لم ينفعه ذلك. # الثالث: أنه يدرك اليمين الاستثناء [ولو] بعد سنة؛ قاله ابن عباس وتعلق ~~بقوله تعالى: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر} [الفرقان: 68] إلى آخر ~~الآية إلى قوله: {مهانا} [الفرقان: 69] فإنها نزلت، فلما ms0582 كان بعد عام نزل ~~قوله تعالى: {إلا من تاب} [الفرقان: 70]. وأما قول محمد فإنه ينبني على أن ~~الاستثناء هل يحل اليمين بعد عقدها [أو يمنعها من الانعقاد؟ والصحيح أنه ~~موضوع لحل اليمين]؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إني والله إن ~~شاء الله» [فجاء] فيها بالاستثناء بعد اليمين لفظا فكذلك يكون عقدا. # وأما قول ابن عباس فخارج عن اللغة. وأما قوله تعالى: {إلا من تاب} ~~[الفرقان: 70] فإن الآيتين كانتا متصلتين في علم الله تعالى وفي لوحه؛ ~~وإنما تأخر نزولها لحكمة علم الله تعالى ذلك فيها، فلا يتعلق بها؛ أما إنه # PageV02P153 # يتركب عليها فرع حسن، وهو أن الحالف إذا قال: والله لا دخلت الدار، أو ~~أنت طالق إن دخلت الدار، واستثنى في يمينه الأول إن شاء الله في قلبه، ~~واستثنى في اليمين الثانية في قلبه أيضا ما يصلح للاستثناء الذي يرفع ~~اليمين لمدة ولسبب أو لمشيئة أحد، ولم يظهر شيئا من الاستثناء إرهابا على ~~المحلوف له، فإن ذلك ينفعه ولا ينعقد اليمينان عليه وهذا في الطلاق ما لم ~~تحضره البينة، فإن حضرته بينة لم يقبل منه دعواه، لئلا يكون ندما. # وقد تيقنا التحريم بوقوع الطلاق، فلا ينفعه دعواه الاستثناء، وإنما يكون ~~ذلك نافعا له وحده إذا جاء مستفتيا. نكتة: كان أبو الفضل المراغي يقرأ ~~بمدينة السلام، فكانت الكتب تأتي إليه من بلده، فيضعها في صندوق، ولا يقرأ ~~منها واحدا مخافة أن يطلع فيها على ما يزعجه أو يقطع به عن طلبه، فلما كان ~~بعد خمسة أعوام، وقضى غرضا من الطلب، وعزم على الرحيل شد رحله، وأبرز كتبه، ~~وأخرج تلك الرسائل وقرأ منها ما لو أن واحدة منها قرأها في وقت وصولها ما ~~تمكن بعدها من تحصيل حرف من العلم، فحمد الله تعالى، ورحل على دابته قاشه، ~~وخرج إلى باب الحلبة طريق خراسان، وتقدمه الكري بالدابة، وأقام هو على فامي ~~يبتاع منه سفرته؛ فبينما هو يحاول ذلك معه إذ سمعه يقول لفامي آخر: أي فل، ~~أما سمعت العالم يقول يعني الواعظ: ms0583 إن ابن عباس يجوز الاستثناء ولو بعد ~~سنة، لقد اشتغل بالي بذلك منه منذ سمعته يقوله: وظللت فيه متفكرا؛ ولو كان ~~ذلك صحيحا لما قال الله تعالى لأيوب: {وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث} ~~[ص: 44]. وما الذي كان يمنعه من أن يقول حينئذ: قل إن شاء الله؟ فلما سمعته ~~يقول ذلك قلت: بلد يكون الفاميون به من العلم في هذه المرتبة أخرج عنه إلى ~~المراغة؟ لا أفعله أبدا؛ واقتفى أثر الكري، وحلله من الكراء، وصرف رحله. ~~وأقام بها حتى مات - رحمه الله -. # PageV02P154 ### | [مسألة هل الأفضل استمرار البر في اليمين أو الحنث إلى الكفارة] # المسألة الحادية عشرة: في الأفضل: من استمرار البر في اليمين أو الحنث ~~إلى الكفارة: في صحيح مسلم: «لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله ~~من أن يعطي عنها كفارته التي فرض الله عليه». # وذلك يختلف بحسب اختلاف حال المحلوف عليه؛ فإن حلف ألا يأتي أمرا لا يجوز ~~فالبر واجب لقوله - صلى الله عليه وسلم -: في الصحيحين حين «نبذ خاتم الذهب ~~من يده وقال: والله لا ألبسه أبدا». ونبذ الناس خواتيمهم. وإن حلف على ~~مكروه فالبر مكروه. وإن حلف على واجب عصى والحنث واجب. # وإن حلف على مباح فإنه يجب النظر إليه: فإن كان تركه مضرا وجب عليه ~~الحنث. وإن كان في فعله منفعة استحب له الحنث. وفيه جاء قوله: «لأن يلج ~~أحدكم في أهله بيمينه» إلى آخره حسبما ثبت في الصحيحين:. ### | [مسألة تقديم الكفارة على الحنث] # المسألة الثانية عشرة: في تقديم الكفارة على الحنث: # لعلمائنا روايتان: # إحداهما يجوز ذلك له؛ وبه قال الشافعي. وقال في الرواية الأخرى: لا يجوز؛ ~~وهو مذهب أبي حنيفة. # والمسألة طويلة قد أفضنا فيها عند ذكرنا مسائل الخلاف بالتحقيق الكامل، ~~وها هنا ما يحتمل بعض ذلك، فنذكر منه ما يتعلق بظاهر القرآن: قال ربنا ~~سبحانه وتعالى: {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم} [المائدة: 89]، فعلق الكفارة ~~على سبب، وهو الحلف. # PageV02P155 # وقال بعض العلماء منا ومنهم: معناه إذا حلفتم وحنثتم؛ لأن الكفارة ms0584 إنما ~~هي لرفع الإثم، وما لم يحنث لم يكن هنالك ما يرفع، فلا معنى لفعلها، لأن ~~الكفارة لا ترفع المستقبل، وإنما ترفع الماضي من الإثم، فهذا الذي يقتضيه ~~ظاهر قولنا: الكفارة، وهو الذي أوجب أن تقدر الآية بقوله: ذلك كفارة ~~أيمانكم إذا حلفتم وحنثتم. # وتعلق الذين جوزوا التقديم بأن اليمين سبب الكفارة، والدليل عليه قوله ~~تعالى: {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم} [المائدة: 89] فأضاف الكفارة إلى ~~اليمين. والمعاني تضاف إلى أسبابها وأكدوا ذلك بوجهين: أحدهما: أن الحنث قد ~~يكون من غير فعله، كقوله: والله لا جاء فلان غدا من سفره، ولا طلعت الشمس ~~غدا. # الثاني: أن شهود اليمين بالطلاق على الزوج إذا رجعوا وجب عليهم الصداق، ~~ولولا كون اليمين سببا ما ضمنوا ما لا تعلق به بالتفويت؛ لأن التفويت على ~~قولهم إنما يتعلق بالسبب الذي هو الحنث لا باليمين. وتعين علينا أن ننظر في ~~حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي هو آكد من النظر في الأداء؛ لأنه ~~أولى، وهي المحل الثاني، فوجدنا الآثار في صحيح الحديث مختلفة في ذلك: روى ~~أبو موسى الأشعري، وأبو هريرة، وعدي بن حاتم، وسمرة بن جندب قال أبو موسى: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «وإني إن شاء الله لا أحلف على ~~يمين، فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني، وأتيت الذي هو خير». # وقد روي لنا «فليأتها وليكفر عن يمينه». وفي رواية: «فليكفر عن يمينه ~~وليفعل». قال عدي: فليكفرها وليأت الذي هو خير؛ فوجب الترجيح، فكان تقديم ~~الحنث أولى؛ لأنا إذا رددنا حديث تقديم الحنث إلى حديث تقديم الكفارة ~~يسقطه، ورد حديث تقديم الكفارة إلى تقديم الحنث يثبتهما جميعا. وأما ~~المعاني فهي متعارضة، فمن أراد التلخيص منها فلينظرها في التلخيص. # PageV02P156 ### | [مسألة كفارات اليمين] # المسألة الثالثة عشرة: # ذكر الله عز وجل في الكتاب الخلال الثلاث مخيرا فيها، وعقب عند عدمها ~~بالصيام فالخلة الأولى هي الإطعام، وبدأ بها لأنها كانت الأفضل في بلاد ~~الحجاز لغلبة الحاجة فيها على الخلق، وعدم شبعهم. ولا خلاف في ms0585 أن كفارة ~~اليمين على التخيير؛ وإنما اختلفوا في الأفضل من خلالها. # وعندي أنها تكون بحسب الحال؛ فإن علمت محتاجا فالإطعام أفضل؛ لأنك إذا ~~أعتقت لم ترفع حاجتهم وزدت محتاجا حادي عشر إليهم، وكذلك الكسوة تليه، ولما ~~علم الله [غلبة] الحاجة بدأ بالمهم المقدم. المسألة الرابعة عشرة: قوله ~~تعالى: {من أوسط ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] # وقوله: {تطعمون} [المائدة: 89] يحتمل طعامهم بقية عمرهم، ويحتمل غداء ~~وعشاء؛ وأجمعت الأمة على أكلة اليوم وسطا في كفارة اليمين وشبعا في غيرها، ~~إلا أن أبا حنيفة قال: تتقدر كفارة اليمين في البر بنصف صاع، وفي التمر ~~والشعير بصاع. # وأصل الكلام في المسألة أن الوسط في لسان العرب ينطلق على الأعلى ~~والخيار، ومنه قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} [البقرة: 143] أي ~~عدولا خيارا. وينطلق على منزلة بين منزلتين، ونصفا بين طرفين، وإليه يعزى ~~المثل المضروب: " خير الأمور أوساطها ". # وقد أجمعت الأمة على أن الوسط بمعنى الخيار هاهنا متروك، واتفقوا على أنه ~~المنزلة بين الطرفين، فمنهم من جعلها معلومة عادة، ومنه من قدرها كأبي ~~حنيفة، وإنما حمله على ذلك حديث رواه أبو داود عن عبد الله بن ثعلبة بن ~~صغير قال: «قام فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطيبا، فأمر بصدقة ~~الفطر، صاع من تمر، أو صاع من شعير على كل رأس، أو صاع بر بين اثنين»، وبه ~~أخذ سفيان وابن المبارك. # PageV02P157 # والذي ثبت في الصحاح صاع من الكل من طريق ابن عمر وأبي سعيد؛ وذلك كله ~~مشهور. والذي أوقعه في ذلك أنه أراد به الوسط من الجنس، وذلك باطل بقوله ~~تعالى: {ما تطعمون أهليكم} [المائدة: 89] وإنما يخرج الرجل مما يأكل. وقد ~~زلت هاهنا جملة من العلماء؛ فقالوا: إنه إذا كان يأكل الشعير ويأكل الناس ~~البر فليخرج مما يأكل الناس، وهذا سهو بين، فإن المكفر إذا لم يستطع في ~~خاصة نفسه إلا الشعير لم يكلف أن يعطي لغيره سواه. وقد قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «صاعا من طعام، صاعا من شعير، صاعا من تمر». في موضع ms0586 كان ~~فيه الشعير والتمر أكثر من البر، والبر أكثر من الشعير والتمر، فإنما فصل ~~ذكرهما ليخرج كل أحد فرضه مما يأكل منها، وهذا مما لا خفاء به. # ونحن نقول: أراد به الجنس والقدر جميعا، وذلك مد بمد النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وهو العدل من القدر. وقد بين النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~كفارة الأذى فرقا بين ستة مساكين. والفرق ثلاثة آصع مجمل قوله: صدقة، ولم ~~يجمل الله سبحانه وتعالى في كفارة اليمين، بل قال {من أوسط ما تطعمون ~~أهليكم} [المائدة: 89]، وقد كان عندهم جنس ما يطعمون وقدره معلوما، ووسط ~~القدر مد، وأطلق في كفارة الظهار فقال: {فإطعام ستين مسكينا} [المجادلة: ~~4]. فحمل على الأكثر، وهذه سبيل مهيع، ولم يرد مطلق ذلك إلى مقيده، ولا ~~عامه إلى خاصه، ولا مجمله إلى مفسره. ### | [مسألة تمليك المساكين ما يخرج لهم من كفارة اليمين] # المسألة الخامسة عشرة: لا بد عندنا وعند الشافعي من تمليك المساكين ما ~~يخرج لهم، ودفعه إليهم حتى يتملكوه ويتصرفوا فيه. # وقال أبو حنيفة: لو غداهم وعشاهم جاز، وقد روي عن مالك مثله. وهو اختيار ~~ابن الماجشون؛ وهي طيولية تكلمنا عليها في مسائل الخلاف. وحقيقة المسألة أن ~~عبد الملك قال: إن التمكين من الطعام إطعام قال الله تعالى: {ويطعمون ~~الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا} [الإنسان: 8]. فبأي وجه أطعمه دخل في ~~الآية. # PageV02P158 # وأما غيره فقال: إن الإطعام هو التمليك حقيقة قال تعالى: {وهو يطعم ولا ~~يطعم} [الأنعام: 14]. وفي الحديث: «أطعم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~الجدة السدس»؛ وذلك لأن (أطعم) من الأفعال المتعدية إلى مفعولين، كقولنا ~~أعطيته، فيقول: طعم زيد، وأطعمته أي جعلته يطعم، وحقيقته بالتمليك هذه بنية ~~النظر للفريقين. # وتحريره: أن الآية محتملة للوجهين، فمن يدعي التمليك هو الذي يخصص العموم ~~فعليه الدليل، ونخصه نحن بالقياس حملا على زكاة الفطر. قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «أغنوهم عن سؤال هذا اليوم». فلم يجز فيه إلا التمليك. ~~وهذا بالغ، ولا سيما والمقصود من الإطعام التمليك التام الذي يتمكن منه ms0587 ~~المسكين من الطعام تمكن المالك، كالكسوة؛ وذلك لأنها أحد نوعي الكفارة ~~المدفوعة إلى المسكين، فلم يجز فيها إلا التمليك، أصله الكسوة وما أقرب ما ~~بينهما. ### | [مسألة دفع كفارة اليمين إلى مسكين واحد] # المسألة السادسة عشرة: إذا دفعها إلى مسكين واحد لم يجزه، وبه قال ~~الشافعي. وقال أبو حنيفة: تجزيه، وكذلك في كفارة الظهار، وتعلق بالآية وهي ~~عكس الأولى؛ لأن العموم معهم، ونحن نفتقر إلى تخصيصه بالقياس، ومعنا نحن ~~ظاهر العدد وذكره وهم يحاولون إسقاطه بالمعنى. وتحريره أن الله سبحانه قال: ~~{فإطعام ستين مسكينا} [المجادلة: 4]. فذكر الإطعام والمطعوم فتعينا. # فإن قيل: أراد فعليه إطعام طعام ستين مسكينا. قلنا: الإطعام مصدر، ~~والمصدر مقدر مع الفعل، كما سبق في التحرير والصيام، وكذلك هنا، وما قالوه ~~من أن معناه: فعليه إطعام طعام ستين مسكينا، كلام من لا خبرة له باللسان؛ ~~فإن الإطعام يتعدى إلى مفعولين، ولا ينتظم منهما مبتدأ وخبر، بخلاف مفعولي ~~ظننت، وما كان كذلك فيجوز فيه الاقتصار على أحدهما، ولا يجوز # PageV02P159 # في مفعولي ظننت أن يقتصر على أحدهما أصلا، فإن صرح بأحدهما وترك الآخر ~~فهو مضمر؛ فأما أن يقدر ما أضمر ويسقط ما صرح فكلام غبي. ### | [مسألة الكسوة في كفارة اليمين] # المسألة السابعة عشرة: قوله تعالى: {أو كسوتهم} [المائدة: 89] قال ~~الشافعي وأبو حنيفة: أقل ما يقع عليه الاسم، وقال علماؤنا: أقل ما تجزئ فيه ~~الصلاة. وفي رواية أبي الفرج عن مالك، وبه قال إبراهيم ومغيرة: ما يستر ~~جميع البدن بناء على أن الصلاة لا تجزئ في أقل من ذلك. ولعل قول المخالف ما ~~يقع عليه الاسم يماثل ما تجزئ فيه الصلاة؛ فإن مئزرا واحدا تجزئ فيه ~~الصلاة، ويقع به الاسم عندهم على الأقل. وما كان أحرصني على أن يقال: إنه ~~لا يجزئ فيه إلا كسوة تستر عن أذى الحر والبرد، كما أن عليه طعاما يشبعه من ~~الجوع فأقول به. # وأما القول بمئزر واحد فلا أدريه، والله يفتح لي ولكم في المعرفة ~~بمعونته. ### | [مسألة هل تجزئ القيمة عن الطعام والكسوة في الكفارة] # المسألة ms0588 الثامنة عشرة: لا تجزئ القيمة عن الطعام والكسوة. وبه قال ~~الشافعي: وقال أبو حنيفة: تجزئ، وهو يقول: تجزئ القيمة في الزكاة، فكيف في ~~الكفارة؟ وعمدته أن الغرض سد الخلة، ورفع الحاجة، فالقيمة تجزئ فيه. # قلنا: إن نظرتم إلى سد الخلة فأين العبادة؟ وأين نص القرآن على الأعيان ~~الثلاثة والانتقال بالبيان من نوع إلى نوع؛ ولو كان المراد القيمة لكان في ~~ذكر نوع واحد ما يرشد إليه ويغني عن ذكر غيره. ### | [مسألة دفع الكسوة إلى ذمي في كفارة اليمين] # المسألة التاسعة عشرة: إذا دفع الكسوة إلى ذمي أو الطعام لم يجزه: وقال ~~أبو حنيفة: يجزئ لأنه مسكين يتناوله لفظ المسكنة، ويشتمل عليه عموم الآية، ~~فعلينا التخصيص، فتخصيصه بوجهين: أحدهما: أن نقول: هو كافر، فلا يستحق في ~~الكفارة حقا كالحربي. أو نقول: جزء من المال يجب إخراجه للمساكين، فلا يجوز ~~للكافر، أصله الزكاة. # وقد اتفقنا معه على أنه لا يجوز دفعها للمرتد، فكل دليل خص به المرتد فهو ~~دليلنا في الذمي. # PageV02P160 ### | [مسألة قوله تعالى أو تحرير رقبة] # المسألة الموفية عشرين: قوله تعالى {أو تحرير رقبة} [المائدة: 89]: # سمعت، عن البائس أنه قال: يجزئ المعيب، فإن أراد به العيب اليسير الذي لا ~~يفسد جارحة، ولا معظم منفعتها، كثلاثة أصابع من كف، فلا بأس به. وإن أراد ~~العيب المطلق فقد خسرت صفقته؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما ~~من امرئ مسلم يعتق امرأ مسلما إلا كان فكاكه من النار، كل عضو منه بعضو حتى ~~الفرج بالفرج»؛ ولأنا لا نسلم أن المعيب رقبة مطلقة. المسألة الحادية ~~والعشرون: ولا تكون كافرة، وإن كان مطلق اللفظ يقتضيها؛ لأنها قربة واجبة، ~~فلا يكون الكافر محلا لها كالزكاة. وقد بيناها في التلخيص، وهي طيولية ~~فلتنظر هناك. ### | [مسألة قوله تعالى فمن لم يجد] # المسألة الثانية والعشرون قوله تعالى: {فمن لم يجد} [المائدة: 89] # المعدم للقدرة على ما ذكر الله سبحانه يكون لوجهين: إما لمغيب المال عن ~~الحالف، أو لعدم ذات اليد؛ فإن كان لمغيب المال فحيث كان ثاويا كان كعدمه، ms0589 ~~وإن كان في بلد آخر، ووجد من يسلفه لم يجزه الصوم، وإن لم يجد من يسلفه ~~اختلف فيه فقيل: ينتظر إلى بلده، وذلك لا يلزمه؛ بل يكفر بالصيام في موضعه، ~~ولا ينبغي أن يلتفت إلى غيره؛ لأن الوجوب قد تقرر في الذمة، والشرط من ~~العدم قد تحقق، فلا وجه لتأخير الأمر. المسألة الثالثة والعشرون: في تحديد ~~العدم: # قال سعيد بن جبير: من لم يجد: من لم يكن عنده إلا ثلاثة دراهم. وقال ~~الحسن: درهمان. وقيل: من لم يكن له فضل عن رأس ماله الذي يعيش منه مع عياله ~~فهو الذي لم يجد. # وقيل: من لم يكن له إلا قوت يومه وليلته، وبه قال الشافعي واختاره ~~الطبري؛ فهذه أربعة أقوال ليس لواحد منها دليل يقوم عليه، ولا سيما من قال ~~بدرهم ودرهمين. # PageV02P161 # والذي عندي أنه إن لم يقدر أطعم كل يوم أو كل جمعة مسكينا حتى يتم ~~كفارته. # وأما الكسوة فلا يعطيها إلا من كان له فوق قوت سنة. وأما الرقبة فقد تفطن ~~مالك للحق، فقال: إن من لم يملك إلا رقبة أو دارا لا فضل فيهما؛ أو عرضا ~~ثمن رقبة لم يجزه إلا العتق، فذكر الدار والعرض والرقبة. وهذا يدل على أن ~~هنالك رمقا، لكن لم يذكر ما معه غيرهما، هل يعتق الرقبة التي كانت تعيشه ~~بخراجها وكسبها أم عنده فضل غيرها؟ فإن كانت الرقبة هي التي كانت تعيشه ~~بخراجها فلا سبيل إلى عتقها. # وبالجملة المغنية عن التفصيل ذلك على التراخي، وليس على الفور فليتريث في ~~ذلك حتى يفتح الله له. أو يغلب على ظنه الفوت أو يؤثر العتق، أو الإطعام ~~بسبب يدعوه إلى ذلك. ### | [مسألة قوله تعالى فصيام ثلاثة أيام] # المسألة الرابعة والعشرون: قوله تعالى: {فصيام ثلاثة أيام} [المائدة: 89] ~~قرأها ابن مسعود وأبي متتابعات. وقال مالك والشافعي: يجزئ التفريق؛ وهو ~~الصحيح، إذ التتابع صفة لا تجب إلا بنص أو قياس على منصوص، وقد عدما في ~~مسألتنا. ### | [مسألة ما يعطى في الكفارة] # المسألة الخامسة والعشرون: # قال علماؤنا: يعطى في الكفارة ms0590 الخبز، والإدام زيت أو كشك أو كامخ أو ما ~~تيسر، وهذه زيادة ما أراها عليه واجبة. # أما إنه يستحب له أن يطعم مع الخبز السكر نعم واللحم، وأما تضمين الإدام ~~للطعام معنى يتضمنه لفظه فلا سبيل إليه. ### | [مسألة ما بدأ الله في كفارة اليمين] # المسألة السادسة والعشرون: # قال أحمد بن حنبل: بدأ الله في كفارة اليمين بالأهون؛ لأنها على التخيير، ~~فإذا # PageV02P162 # شاء انتقل إلى الأعلى وهو الإعتاق، وبدأ في الظهار بالأشد؛ لأنه على ~~الترتيب؛ فإن شاء أن ينتقل لم يقدر، وهذا إنما يصح له تأويلا بالعراق حيث ~~البر ثلاثمائة رطل بدينار إذا طلب، فإذا زهد فيه لم يكن له ثمن. فأما ~~بالحجاز حيث البر فيه إذا رخص أربعة آصع وخمسة آصع بدينار فإن العبد فيه ~~أرخص، والحاجة إلى الطعام أعظم، فقد يوجد فيها عبد بدينار، ولكن يخرجه من ~~الرق إلى الجوع، ويتفادى منه سيده. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم] # المسألة السابعة والعشرون: قوله تعالى: {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم} ~~[المائدة: 89] {واحفظوا أيمانكم} [المائدة: 89] يحتمل ثلاثة معان: # الأول: احفظوها، فلا تحلفوا فتتوجه عليكم هذه التكليفات. # الثاني: احفظوها إذا حنثتم؛ فبادروا إلى ما لزمكم. # الثالث: احفظوها فلا تحنثوا؛ # وهذا إنما يصح إذا كان البر أفضل أو الواجب. والكل على هذا من الحفظ صحيح ~~على وجهه المذكور وصفته المنقسمة إليه، فليركب على ذلك، والله أعلم. ### | [الآية الثانية والعشرون قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام] # رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون} [المائدة: 90]. # فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: روي أن عمر قال: " اللهم بين لنا في ~~الخمر بيانا شافيا فإنها تذهب العقل والمال " فنزلت الآية التي في البقرة: ~~{يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير} [البقرة: 219]. فدعي عمر، ~~فقرئت عليه، فقال: " اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا " فنزلت الآية ~~التي في النساء: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى ~~تعلموا ما تقولون} [النساء: 43]؛ فدعي عمر، ms0591 فقرئت # PageV02P163 # عليه، فقال: " اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا " فنزلت هذه الآية: ~~{يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر} [المائدة: 90] إلى قوله: ~~{منتهون} [المائدة: 91]؛ فدعي عمر، فقرئت عليه، فقال: " انتهينا. انتهينا ~~". # وروي أن الآية نزلت في ملاحاة جرت بين سعد بن أبي وقاص ورجل من الأنصار. ~~وهما على شراب لهما، وقد انتشيا، فتفاخرت الأنصار وقريش، فأخذ الأنصاري ~~لحيي جمل فضرب به أنف سعد بن أبي وقاص ففزره، فنزلت الآية. # وروي أن ذلك الأنصاري كان عتبان بن مالك، روى ذلك الطبري والترمذي ~~وغيرهما. # وهذا ليس بمتعارض؛ لأنه يمكن أن يجري بين سعد وبين عتبان ما يوجب نزول ~~الآية كما روى الطبري، فيدعى عمر فتقرأ عليه، كما روى الترمذي. ### | [مسألة تحقيق اسم الخمر والأنصاب والأزلام] # المسألة الثانية: في تحقيق اسم الخمر والأنصاب والأزلام: وقد تقدم بيان ~~ذلك في سورة البقرة، وصدر هذه السورة. # وأما الميسر: فهو شيء محرم لا سبيل إلى عمله، فلا فائدة في ذكره؛ بل ~~ينبغي أن يموت ذكره ويمحى رسمه. المسألة الثالثة: في قوله تعالى: {رجس} ~~[المائدة: 90]: وهو النجس، وقد روي في صحيح حديث الاستنجاء «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أتي بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: إنها ~~ركس» أي نجس. # ولا خلاف في ذلك بين الناس إلا ما يؤثر عن ربيعة أنه قال: إنها محرمة، ~~وهي طاهرة، كالحرير عند مالك محرم، مع أنه طاهر. وقد روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الرجس النجس، ~~الخبيث المخبث». # PageV02P164 # ويعضد ذلك من طريق المعنى أن تمام تحريمها وكمال الردع عنها الحكم ~~بنجاستها حتى يتقذرها العبد، فيكف عنها، قربانا بالنجاسة وشربا بالتحريم، ~~فالحكم بنجاستها يوجب التحريم. المسألة الرابعة: قوله تعالى: {فاجتنبوه} ~~[المائدة: 90] يريد أبعدوه، واجعلوه ناحية؛ وهذا أمر باجتنابها، والأمر على ~~الوجوب لا سيما وقد علق به الفلاح. ### | [الآية الثالثة والعشرون قوله تعالى إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء] # في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم ms0592 منتهون} ~~[المائدة: 91] {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا ~~أنما على رسولنا البلاغ المبين} [المائدة: 92]. # فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: نزلت في قبيلتين من الأنصار شربوا الخمر وانتشوا، فعبث ~~بعضهم ببعض، فلما صحوا، ورأى بعضهم في وجه بعض آثار ما فعلوا، وكانوا إخوة ~~ليس في قلوبهم ضغائن، فجعل الرجل يقول: لو كان أخي بي رحيما ما فعل هذا بي، ~~فحدثت بينهم الضغائن، فأنزل الله تعالى: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم} ~~[المائدة: 91] الآية. # المسألة الثانية: قوله تعالى: {ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم ~~منتهون} [المائدة: 91] كما فعل بعلي، وروي: بعبد الرحمن بن عوف في الصلاة ~~حين أم الناس، فقرأ: قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون، أنا عابد ما ~~عبدتم. # PageV02P165 # المسألة الثالثة: قوله تعالى {فهل أنتم منتهون} [المائدة: 91] # فقال عمر: انتهينا. حين علم أن هذا وعيد شديد، «وأمر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - مناديه أن ينادي في سكك المدينة: ألا إن الخمر قد حرمت؛ فكسرت ~~الدنان، وأريقت الخمر حتى جرت في سكك المدينة، وما كان خمرهم يومئذ إلا من ~~البسر والتمر»، وهذا ثابت صحيح. # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا} ~~[المائدة: 92] وهذا تأكيد للتحريم، وتشديد في الوعيد. قال: فإن توليتم فليس ~~على الرسول إلا البلاغ، فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين. أما عقاب ~~التولية والمعصية فعلى المرسل لا على الرسول. ### | [الآية الرابعة والعشرون قوله تعالى ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا] # إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا ~~والله يحب المحسنين} [المائدة: 93]. فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: روى البخاري عن أنس قال: كنت ساقي القوم ~~في منزل أبي طلحة، فنزل تحريم الخمر، فأمر مناديا ينادي؛ فقال أبو طلحة: ~~اخرج فانظر ما هذا الصوت؛ قال: فخرجت، فقلت: هذا مناد ينادي: ألا إن الخمر ~~قد حرمت. فقال لي: اذهب فأهرقها، وكان الخمر من الفضيخ. قال: فجرت في سكك ~~المدينة. فقال بعض القوم: قتل قوم وهي ms0593 في بطونهم. قال: فأنزل الله تعالى: ~~{ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا} [المائدة: 93] إلى ~~قوله: {المحسنين} [المائدة: 93]. وقد روي نحوه صحيحا عن البراء أيضا. # PageV02P166 # المسألة الثانية نزلت الآية فيمن شرب الخمر، ثم قال فيه: إذا ما طعموا؛ ~~فكان ذلك دليلا على تسمية الشرب طعاما، وقد قدمنا ذلك في سورة البقرة. ### | [مسألة قوله تعالى إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات} ~~[المائدة: 93] إلى: {المحسنين} [المائدة: 93] اختلف فيها على ثلاثة أقوال: ~~الأول: اتقوا في اتباع الأمر واجتناب النهي، واتقوا في الثبات على ذلك، ~~واتقوا في لزوم النوافل؛ وهو الإحسان إلى آخر العمر. # الثاني: اتقوا قبل التحريم في غيرها من المحرمات، ثم اتقوا بعد تحريمها ~~شربها، ثم اتقوا في الذي بقي من أعمارهم، فاجتنبوا العمل المحرم. # الثالث: اتقوا الشرك، وآمنوا، ثم اتقوا الحرام، ثم اتقوا ترك الإحسان، ~~فيعبدون الله، وإن لم يروه كأنهم يرونه. وقد صرفت فيها أقوال على قدر وظائف ~~الشريعة يكثر تعدادها، وأشبهها بالقرآن والسنة ما رواه الدارقطني عن ابن ~~عباس: أن الشراب كانوا يضربون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~بالأيدي والنعال وبالعصي حتى توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكانوا ~~في خلافة أبي بكر أكثر منهم في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكان ~~أبو بكر يجلدهم أربعين حتى توفي، فكان عمر من بعده يجلدهم كذلك أربعين، ثم ~~أتي برجل من المهاجرين الأولين وقد شرب، فأمر به أن يجلد، فقال: أتجلدني، ~~بيني وبينك كتاب الله ". فقال عمر: " أفي كتاب الله تجد ألا أجلدك؟ " فقال: ~~إن الله تعالى يقول: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما ~~طعموا} [المائدة: 93] الآية؛ فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم ~~اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا، شهدت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلها. فقال عمر: " ألا تردون عليه ما يقول "؟ ~~فقال ابن عباس: إن هذه الآيات أنزلت # PageV02P167 # عذرا لمن صبر وحجة على ms0594 الناس؛ لأن الله تعالى يقول: {يا أيها الذين آمنوا ~~إنما الخمر والميسر} [المائدة: 90] الآية، ثم قرأ حتى أنفذ الآية الأخرى؛ ~~فإن كان من الذين آمنوا وعملوا الصالحات فإن الله تعالى قد نهاه أن يشرب ~~الخمر. فقال عمر: " صدقت، ماذا ترون "؟ فقال علي: " إنه إذا شرب سكر، وإذا ~~سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري جلد ثمانين ". [فأمر به عمر فجلد ~~ثمانين جلدة]. # وروى البخاري عن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة قال: استعمل عمر قدامة بن ~~مظعون على البحرين، وقد كان يشهد بدرا، وهو خال ابن عمر وحفصة زوج النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -؛ زاد البرقاني: فقدم الجارود من البحرين، فقال: يا ~~أمير المؤمنين، إن قدامة بن مظعون قد شرب مسكرا، وإني إذا رأيت حدا من حدود ~~الله تعالى حق علي أن أرفعه إليك. فقال له عمر: " من يشهد لي على ما تقول؟ ~~" فقال: أبو هريرة. فدعا عمر أبا هريرة فقال: " علام تشهد يا أبا هريرة "؟ ~~فقال: " لم أره حين شرب، وقد رأيته سكران يقيء ". فقال عمر: " لقد تنطعت في ~~الشهادة ". ثم كتب عمر إلى قدامة وهو بالبحرين يأمره بالقدوم عليه. فلما ~~قدم قدامة والجارود بالمدينة كلم الجارود عمر، فقال له: أقم على هذا كتاب ~~الله فقال عمر للجارود: " أشهيد أنت أم خصم "؟ فقال الجارود: أنا شهيد. ~~قال: " قد كنت أديت الشهادة ". فسكت الجارود، ثم قال: لتعلمن أني أنشدك ~~الله. فقال عمر: " أما والله لتملكن لسانك أو لأسوءنك ". فقال الجارود: أما ~~والله ما ذلك بالحق أن يشرب ابن عمك وتسوءني: فتوعده عمر. فقال أبو هريرة ~~وهو جالس: " يا أمير المؤمنين، إن كنت تشك في شهادتنا فسل بنت الوليد امرأة ~~ابن مظعون ". فأرسل عمر إلى هند ينشدها بالله، فأقامت هند على زوجها قدامة ~~الشهادة. فقال عمر: " يا قدامة؛ إني جالدك ". فقال قدامة: والله لو شربت ~~كما تقولون ما كان لك أن تجلدني يا عمر. قال: " لم يا قدامة؟ " قال: لأن # PageV02P168 # الله سبحانه يقول: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح ms0595 فيما ~~طعموا} [المائدة: 93] الآية إلى: {المحسنين} [المائدة: 93]. فقال عمر: " ~~إنك أخطأت التأويل يا قدامة؛ إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم الله ". ثم أقبل ~~عمر على القوم فقال: " ما ترون في جلد قدامة؟ " فقال القوم: لا نرى أن ~~تجلده ما دام وجعا، فسكت عمر عن جلده أياما، ثم أصبح يوما وقد عزم على ~~جلده، فقال لأصحابه: " ما ترون في جلد قدامة؟ " فقالوا: لا نرى أن تجلده ما ~~دام وجعا. فقال عمر: " إنه والله لأن يلقى الله وهو تحت السوط أحب إلي من ~~أن ألقى الله وهي في عنقي، والله لأجلدنه، ائتوني بسوط ". فجاء مولاه أسلم ~~بسوط رقيق صغير، فأخذه عمر فمسحه بيده، ثم قال لأسلم: " قد أخذتك بإقرار ~~أهلك، ائتوني بسوط غير هذا ". قال: فجاءه أسلم بسوط تام، فأمر عمر بقدامة ~~فجلد، فغاضب قدامة عمر وهجره، فحجا وقدامة مهاجر لعمر، حتى قفلوا من حجهم، ~~ونزل عمر بالسقيا وقام بها؛ فلما استيقظ عمر قال: " عجلوا علي بقدامة، ~~انطلقوا فأتوني به، فوالله إني لأرى في النوم أنه جاءني آت فقال لي: سالم ~~قدامة فإنه أخوك ". فلما جاءوا قدامة أبى أن يأتيه؛ فأمر عمر بقدامة أن يجر ~~إليه جرا حتى كلمه عمر واستغفر له، فكان أول صلحهما. # فهذا يدلك على تأويل الآية، وما ذكر فيه عن ابن عباس في حديث الدارقطني ~~وعمر في حديث البرقاني، وهو صحيح. وبسطه أنه لو كان من شرب الخمر واتقى ~~الله في غيره لا يحد على الخمر ما حد أحد، فكان هذا من أفسد تأويل، وقد خفي ~~على قدامة، وعرفه من وفقه الله له كعمر وابن عباس، والله أعلم. # وإن حراما لا أرى الدهر باكيا ... على شجوه إلا بكيت على عمر ### | [الآية الخامسة والعشرون قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد] # تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله ~~عذاب أليم} [المائدة: 94] # PageV02P169 # فيها سبع مسائل: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: وقد قيل: إنها نزلت في غزوة الحديبية، ~~أحرم بعض الناس ms0596 مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يحرم بعضهم فكان إذا ~~عرض صيد اختلفت فيه أحوالهم، واشتبهت أحكامه عليهم؛ فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية بيانا لأحكام أحوالهم وأفعالهم ومحظورات حجهم وعمرتهم. # المسألة الثانية: هذه الآية عامة في الذكور والإناث، خاطب الله سبحانه ~~بها كل مسلم منهم، وكذلك الآية التي بعدها، وقد ذكرنا في مسائل الأصول هذه ~~الترجمة، وبينا حقيقتها، وأوضحنا فيما تقدم معناها في كل آية تجري عليها. ### | [مسألة المخاطب بقوله تعالى ليبلونكم الله بشيء من الصيد] # المسألة الثالثة: # اختلف العلماء في المخاطب بهذه الآية على قولين: أحدهما: أنهم المحلون؛ ~~قاله مالك. # الثاني: أنهم المحرمون؛ قاله ابن عباس وغيره، وتعلق من عمم بأن قوله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} [المائدة: 94] مطلق في الجميع. وتعلق من خص ~~بأن قوله: {ليبلونكم} [المائدة: 94] يقتضي أنهم المحرمون، فإن تكليف ~~الامتناع الذي يتحقق به الابتلاء هو مع الإحرام. وهذا لا يلزم؛ لأن قوله: ~~{ليبلونكم} [المائدة: 94] الذي يقتضي التكليف يتحقق في المحل بما شرط له من ~~أمور الصيد، وما شرع له من وظيفة في كيفية الاصطياد، والتكليف كله ابتلاء ~~وإن تفاضل في الكثرة والقلة، وتباين في الضعف والشدة. # PageV02P170 ### | [مسألة الأصل في حكم الصيد] # المسألة الرابعة: قال قوم: الأصل في الصيد التحريم، والإباحة فرعه المرتب ~~عليه، وهذا ينعكس فيقال: الأصل في الصيد الإباحة والتحريم فرعه المرتب ~~عليه، ولا دليل يرجح أحد القولين به. # ونحن نقول: لا أصل في شيء إلا ما أصله الشرع بتبيان حكمه وإيضاح الدليل ~~عليه من حل أو تحريم، ووجوب أو ندب أو كراهية، وقد بينا هذا في مسألة الأكل ~~لما أكله الكلب من الصيد، حتى قيل الأصل في الصيد التحريم. وإذا أكل الكلب ~~من الصيد فهو مشكوك فيه. وقلنا: إن الأصل في الصيد الإباحة فلا يحرمه أكل ~~الكلب منه إلا بدليل. ثم ذكرنا التعارض فيه والانفصال عنه، فلينظر في ~~موضعه. ### | [مسألة بيان حكم صغار الصيد وكباره] # المسألة الخامسة: قوله تعالى: {تناله أيديكم ورماحكم} [المائدة: 94] بيان ~~لحكم صغار الصيد وكباره. قال ابن وهب: قال ms0597 مالك: قال الله تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم} [المائدة: ~~94] فكل شيء يناله الإنسان بيده، أو برمحه أو بشيء من سلاحه فقتله، فهو ~~صيد، كما قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} ~~[المائدة: 95]، وهذا بيان شاف. ### | [مسألة صيد الذمي] # المسألة السادسة: [صيد الذمي]: # قال مالك: لا يحل صيد الذمي بناء على أن الله خاطب المؤمنين المحلين في ~~أول الآية، فخرج عنهم أهل الذمة، لاختصاص المخاطبين بالإيمان، فيقتضي ذلك ~~اقتصاره عليهم إلا بدليل يقتضي التعميم. وليس هذا من باب دليل الخطاب الذي ~~هو تعليق الحكم بأحد وصفي الشيء، ليدل على أن الآخر بخلافه، ولكنه من باب ~~أن أحد الوصفين منطوق به، مبين حكمه، والثاني مسكوت عنه، وليس في معنى ما ~~نطق به. # فإن قيل: إن كان مسكوتا عنه فحمله عليه بدليل قوله تعالى: {وطعام الذين ~~أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم} [المائدة: 5]. # PageV02P171 # قلنا: هذا يدل على جواز أكل طعامهم. والصيد باب آخر؛ فلا يدخل في عموم ~~ذكر الطعام، ولا يتناوله مطلق لفظه. # فإن قيل: نقيسه عليه فإنه نوع ذكاة، فجاز من الذمي كذبح الإنسي. قلنا: ~~للمقدور عليه مما يذكى شروط، ولما لا يقدر عليه شروط أخر؛ ولكل واحد منهما ~~موضوع وضع عليه، ومنصب جعل عليه، ولا يجوز الإلحاق فيما اختلف موضوعه في ~~الأصل؛ وهذا فن من أصول الفقه بيناه في موضعه. ### | [مسألة صيد المجوسي] # المسألة السابعة أما صيد المجوسي: # فإنه لا يؤكل إجماعا؛ لأن الصيد الواقع منه داخل تحت قوله تعالى: {ولا ~~تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 121] والمجوسي إنما يزعم أنه ~~يأكل ويشرب، ويتحرك ويسكن، ويفعل جميع أفعاله لغير الله سبحانه. وقال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «إذا ذكرت اسم الله على كلبك المعلم فكل». # فإن قيل: فالذمي لا يذكر اسم الله ويؤكل صيده. قلنا: لا يؤكل صيد الذمي ~~في أحد القولين فيسقط عنا هذا الالتزام. # وإن قلنا: إنه يؤكل فلمطلق قوله تعالى: {وطعام الذين ms0598 أوتوا الكتاب حل ~~لكم} [المائدة: 5] على أحد الأدلة، وعلى الدليل الثاني نأكله لأنهم لم ~~يخاطبوا بفروع الشريعة. وعلى الدليل الثالث يكون كمتروك التسمية عمدا على ~~أحد القولين. وهذا كله متردد على الآيات بحكم التعارض فيها. # والصحيح عندي جواز أكل صيده، وأن الخطاب في الآية لجميع الناس محلهم ~~ومحرمهم؛ ولأجل هذا قال قاضي القضاة ابن حبيب: إن معنى قول: {ليبلونكم} ~~[المائدة: 94] ليكلفنكم. ثم بين التكليف بعده فقال وهي: # PageV02P172 ### | [الآية السادسة والعشرون قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم] # ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم ~~هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره ~~عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام} [المائدة: ~~95]. # فيها ثمان وثلاثون مسألة: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: وقد تقدم. # المسألة الثانية: في قوله: {لا تقتلوا الصيد} [المائدة: 95] والقتل: كل ~~فعل يفيت الروح، وهو أنواع: منها الذبح والنحر، والخنق والرضخ وشبهه؛ فحرم ~~الله تعالى على المحرم في الصيد كل فعل يكون مفيتا للروح، وحرم في الآية ~~الأخرى نفس الاصطياد؛ فقال: {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} [المائدة: ~~96] فاقتضى ذلك تحريم كل فعل يتعلق بعين الصيد؛ لأن التحريم ليس بصفة ~~للأعيان والذوات، وإنما هو عبارة عن تعلق خطاب الشارع بالأعيان، فالمحرم هو ~~القول فيه: لا تقربوه، والواجب هو المقول فيه: لا تتركوه، كما بيناه في ~~أصول الفقه. ### | [مسألة ذبح المحرم للصيد على وجه التذكية] # المسألة الثالثة: # لما نهى الله سبحانه المحرم عن قتل الصيد على كل وجه وقع عاما. قال ~~علماؤنا: لا يجوز ذبح المحرم للصيد على وجه التذكية؛ وبه قال أبو حنيفة. # وقال الشافعي: ذبح المحرم للصيد ذكاة؛ وتعلق بأنه ذبح صدر من أهله، وهو # PageV02P173 # المسلم، مضافا إلى محله وهو الأنعام، فأفاد مقصوده من حل الأكل من أصله ~~ذبح الحلال. # والجواب: أن هذا بناء على دعوى؛ فإن المحرم ليس بأهل لذبح الصيد؛ إذ ~~الأهلية ms0599 لا تستفاد عقلا، وإنما يفيدها الشرع، وذلك بإذنه في الذبح؛ أو ~~ينفيها الشرع أيضا؛ وذلك بنهيه عن الذبح. والمحرم منهي عن ذبح الصيد بقوله ~~تعالى: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} [المائدة: 95] فقد انتفت الأهلية ~~بالنهي. # وأما قولهم: فأفاد مقصوده، فقد اتفقنا على أن المحرم إذا ذبح الصيد لا ~~يحل له أكله؛ وإنما يأكل منه عندهم غيره، فإذا كان الذبح لا يفيد الحل ~~للذابح فأولى وأحرى ألا يفيده لغيره؛ لأن الفرع تبع للأصل في أحكامه، فلا ~~يصح أن يثبت له ما لا يثبت لأصله. # وإذا بطل منزع الشافعي ومأخذه فقد اعتمد علماؤنا سوى ما تقدم ذكره على ~~أنه ذبح محرم لحق الله تعالى لمعنى في الذابح، فلا يجوز كذبح المجوسي، وهذا ~~صحيح. # فإن الذي قال: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 121] هو ~~القائل: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} [المائدة: 95]. والأول: نهي عن ~~المقصود بالسبب، فدل على عدم السبب. والثاني: نهي عن السبب، فدل على عدمه ~~شرعا، فلا يفيد مقصوده حكما، وهذا من نفيس الأصول فتأملوه. # وقول علمائنا: لمعنى في الذابح فيه احتراز من السكين المغصوبة والكالة ~~وملك الغير، فإن كل ذلك من التذكية منهي عنه، ولكنه ما لم يكن لمعنى في ~~الذابح ولا في المذبوح لم يحرم. ### | [مسألة النهى عن قتل الصيد حالة الأحرام] # المسألة الرابعة: # لما قال الله تعالى: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} [المائدة: 95] فجعل ~~القتل منافيا للتذكية # PageV02P174 # خارجا عن حكم الذبح للأكل قال علماؤنا: إذا قال: لله علي أن أقتل ولدي ~~فهو عاص، ولا شيء عليه. وإذا قال: لله علي أن أذبح ولدي فإنه يفتديه بشاة ~~على تفصيل بيانه في مسائل الخلاف، وسيأتي إن شاء الله تعالى في سورة ~~الصافات بيانه. # والمقدار المتعلق منه هاهنا بهذا الموضع أن القتل ليس من أنواع التذكية ~~بمطلقه ولا الخنق، ولا يعد من باب الذبح أو النحر اللذين شرعا في الحيوان ~~المأكول لتطييبه. ### | [مسألة صيد البحر] # المسألة الخامسة: # لما قال الله تعالى: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} [المائدة: 95] جرى ms0600 ~~عمومه على كل صيد بري وبحري، حتى جاء قوله تعالى: {وحرم عليكم صيد البر ما ~~دمتم حرما} [المائدة: 96] فأباح صيد البحر إباحة مطلقة، وحرم صيد البر على ~~المحرمين؛ فصار هذا التقسيم والتنويع دليلا على خروج صيد البحر من النهي. # المسألة السادسة: قوله تعالى: {وأنتم حرم} [المائدة: 95] عام في التحريم ~~بالزمان، وفي التحريم بالمكان، وفي التحريم بحالة الإحرام، إلا أن تحريم ~~الزمان خرج بالإجماع عن أن يكون معتبرا، وبقي تحريم المكان وحالة الإحرام ~~على أصل التكليف. ### | [مسألة معنى قوله تعالى لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم] # المسألة السابعة: قوله تعالى: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} [المائدة: 95] # عام في كل صيد كان، مأكولا أو غير مأكول، سبعا أو غير سبع، ضاريا أو غير ~~ضار، صائلا أو ساكنا؛ بيد أن العلماء اختلفوا في خروج السباع عنه وتخصيصه ~~منها؛ فقال علماؤنا: يجوز للمحرم قتل السباع العادية المبتدئة بالمضرة ~~كالأسد والنمر والذئب والفهد والكلب العقور وما في معناها، ومن الطير ~~كالغراب والحدأة؛ ولا جزاء عليه فيه. # وقال أبو حنيفة بقولنا في الكلب العقور والذئب والغراب والحدأة، وخالفنا ~~في السبع والفهد والنمر وغيرها من السباع، فأوجب على المحرم الجزاء بقتلها. # وقال الشافعي: كل ما لا يؤكل لحمه فلا جزاء فيه إلا السمع وهو المتولد ~~بين الذئب والضبع. # PageV02P175 # ودليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: " «خمس ليس على المحرم في قتلهن ~~جناح». وفي رواية: «يقتلن في الحل والحرم: الحدأة والغراب والعقرب والفأرة ~~والكلب العقور». وفي رواية: «الحية والكلب العقور» خرجه الأئمة بأجمعهم. ~~وفيه «الغراب الأبقع» خرجه مسلم، وفيه: «السبع العادي» خرجه أبو داود ~~والترمذي، وهذا تنبيه على العلة وعلى الأجناس. # أما العلة فهي الفسق بالإذاية، وأما الأجناس فنبه بكل مذكور على نوع من ~~الجنس وذكر الكلب العقور، وذلك مما يدخل تحته بعلة العقر الفهد والسبع، ولا ~~سيما بالنص عليه من طريق السجزي والترمذي. # والعجب من أبي حنيفة في أن يحمل التراب على البر بعلة الكيل، ولا يحمل ~~السباع العادية على الكلب العقور بعلة الفسق والعقر. # PageV02P176 # وأما الشافعي فإذا قلنا ms0601 بأن لحمها لا يؤكل فهي معقورة لا جزاء فيها؛ لأن ~~ما لا يؤكل لحمه لا جزاء فيه كالخنزير. # وأما إن قلنا: إنها تؤكل ففيها الجزاء لأنها صيد مأكول. وسيأتي القول في ~~أكلها في سورة الأنعام إن شاء الله تعالى. وتعلق أبو حنيفة بأنه صيد ~~تتناوله الآية بالنهي والجزاء بعد ارتكاب النهي؛ والدليل على أنه صيد أنه ~~يقصد لأجل جلده، والجلد مقصود في المالية، كما أن اللحم مقصود في الأكل. ~~قلنا: لا تسمي العرب صيدا إلا ما يؤكل لحمه. # فإن قيل: بل كانت الحيوانات كلها عند العرب صيدا. فإنها كانت تأكل كل ما ~~دب ودرج، ثم جاء الشرع بالتحريم، فغير الشرع الأحكام دون الأسماء. قلنا: ~~هذا جهل عظيم، إن الصيد لا يعرف إلا فيما يؤكل. وقولهم: إن الشرع غير ~~الأحكام دون الأسماء باطل؛ لأن الأحكام تابعة للأسماء. وقد روى ابن أبي ~~عمار أنه قال لجابر بن عبد الله. الضبع أصيد هي؟ قال: نعم. قال: فيها جزاء؛ ~~قال: نعم، كبش. وهذا يدل على أنه سأله عن جواز أكلها، وبعد ذلك سأله عن ~~جزائها. ### | [مسألة النهى عن قتل الصيد حالة الأحرام للرجال والنساء] # المسألة الثامنة: قوله تعالى: {وأنتم حرم} [المائدة: 95] عام في الرجال ~~والنساء لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} [المائدة: 95]. ولقوله: {وأنتم ~~حرم} [المائدة: 95] وقوله: {يا أيها الذين آمنوا} [المائدة: 95] عام في ~~النوعين. وقوله: {وأنتم حرم} [المائدة: 95]، يقال: رجل حرام وامرأة حرام، ~~وجمع ذلك حرم، كقولنا: قذال وقذل. وكذلك يدخل في عمومه الأحرار والعبيد، ~~وهي: # PageV02P177 # المسألة التاسعة: وقد بينا هذه المعاني في كتب الأصول. ### | [مسألة قوله تعالى ومن قتله منكم متعمدا] # المسألة العاشرة: قوله تعالى: {ومن قتله منكم متعمدا} [المائدة: 95] فذكر ~~الله سبحانه وتعالى المتعمد في وجوب الجزاء خاصة، وفي ذلك ثلاثة أقسام، ~~متعمد، ومخطئ، وناس؛ فالمتعمد هو القاصد للصيد مع العلم بالإحرام، والمخطئ ~~هو الذي يقصد شيئا فيصيب صيدا. والناسي هو الذي يتعمد الصيد ولا يذكر ~~إحرامه. واختلف الناس في ذلك على ثلاثة أقوال: # الأول: أنه يحكم عليه في العمد والخطأ ms0602 والنسيان؛ قاله ابن عباس، ويروى عن ~~عمر وعطاء والحسن وإبراهيم النخعي والزهري. # الثاني: إذا قتله متعمدا لقتله، ناسيا لإحرامه؛ فأما إذا كان ذاكرا ~~لإحرامه فقد حل ولا حج له، ومن أخطأ فذلك الذي يجزي. # الثالث: لا شيء على المخطئ والناسي، وبه قال الطبري وأحمد بن حنبل في ~~إحدى روايتيه. واختلف الذين قالوا بعموم الكفارة في توجيه ذلك على أربعة ~~أقوال: الأول: أنه ورد القرآن بالعمد، وجعل الخطأ تغليظا؛ قاله سعيد بن ~~جبير. # والثاني: أن قوله: {متعمدا} [المائدة: 95] خرج على الغالب، فألحق به ~~النادر، كسائر أصول الشريعة. # الثالث: قال الزهري: إنه وجب الجزاء في العمد بالقرآن، وفي الخطأ ~~والنسيان بالسنة. # الرابع: أنه وجب بالقياس على قاتل الخطأ بعلة أنها كفارة إتلاف نفس؛ ~~فتعلقت بالخطأ، ككفارة القتل؛ وتعلق مجاهد بأنه أراد متعمدا للقتل ناسيا ~~لإحرامه، لقوله بعد ذلك: {ومن عاد فينتقم الله منه} [المائدة: 95]، ولو كان ~~ذاكرا لإحرامه لوجبت عليه العقوبة لأول مرة. # PageV02P178 # وتعلق أحمد في إحدى روايتيه ومن تابعه عليها بأنه خص المتعمد بالذكر، فدل ~~على أن غيره بخلافه، وزاد بأن قال الأصل براءة الذمة، فمن ادعى شغلها فعليه ~~الدليل. # وأما متعلق من قال: وجب في النسيان تغليظا فدعوى تحتاج إلى دليل. وأما من ~~قال: إنه خرج على الغالب فحكمة الآية وفائدة التخصيص ما قالوه، فأين دليله؟ ~~وأما من قال: إنه وجب في النسيان بالسنة فإن كان يريد به الآثار التي وردت ~~عن ابن عباس وابن عمر فنعما هي، وما أحسنها أسوة، وأما من تعلق بالقياس على ~~كفارة القتل فيصح ذلك للشافعي الذي يرى الكفارة في قتل الآدمي عمدا وخطأ، ~~فأما نحن وقد عقدنا أصلنا على أن قتل العمد في الآدمي لا كفارة فيه، وفي ~~قتل الصيد عمدا الكفارة فلا يصح ذلك منا لوجود المناقضة منا بالمخالفة فيه ~~بينه وبينه عندنا. والذي يتحقق من الآية أن معناها أن من قتل الصيد منكم ~~متعمدا لقتله ناسيا لإحرامه، أو جاهلا بتحريمه، فعليه الجزاء؛ لأن ذلك يكفي ~~لوصف التعمد، فتعلق الحكم به، لاكتفاء المعنى ms0603 معه. وهذا دقيق فتأملوه. # فأما إذا قتله متعمدا للقتل والإحرام فذلك أبلغ في وصف العمدية؛ لكن من ~~الناس من قال: لا حج له. وهذه دعوى لا يدلك عليها دليل من ظاهر القرآن ولا ~~من السنة ولا من المعنى، وسنستوفي بقية القول في آخر الآية إن شاء الله. ### | [مسألة معنى قوله تعالى فجزاء مثل ما قتل من النعم] # المسألة الحادية عشرة: قوله تعالى: {فجزاء مثل ما قتل من النعم} ~~[المائدة: 95] # الجزاء في اللغة هو: المقابل للشيء، وتقدير الكلام: فعليه جزاء في مقابل ~~ما أتلف وبدل منه؛ وقد حققنا ذلك في كتاب " ملجئة المتفقهين إلى معرفة ~~غوامض النحويين " # PageV02P179 # وقد تقدم أمثاله قبل هذا، وعليه يحمل جزاء الأعمال؛ لأن في مقابلتها ~~ثوابا بثواب وعقابا بعقاب، ودرجات ودركات؛ وذلك محقق في كتاب المشكلين. ### | [مسألة معنى قوله تعالى مثل ما قتل من النعم] # المسألة الثانية عشرة: {مثل} [المائدة: 95] قرئ بخفض مثل على الإضافة إلى ~~{فجزاء} [المائدة: 95]. وبرفعه وتنوينه صفة للجزاء؛ وكلاهما صحيح رواية، ~~صواب معنى، فإذا كان على الإضافة اقتضى ذلك أن يكون الجزاء غير المثل؛ إذ ~~الشيء لا يضاف إلى نفسه، وإذا كان الصفة برفعه وتنوينه اقتضى ذلك أن يكون ~~المثل هو الجزاء بعينه، لوجوب كون الصفة عين الموصوف؛ وسترى ذلك فيما بعد ~~مشروحا إن شاء الله. # المسألة الثالثة عشرة: قوله تعالى: {من النعم} [المائدة: 95] # قد بينا في " ملجئة المتفقهين " درجات حرف من، وأن من جملتها بيان الجنس، ~~كقولك: خاتم من حديد، وقدمنا قول أبي بكر السراج في شرح كتاب سيبويه الذي ~~أوقفنا عليه شيخ السنة في وقته أبو علي الحضرمي - رحمه الله -: إنها لا ~~تكون للتبعيض بحال، ولا في موضع، وإنما يقع التبعيض فيها بالقرينة، فجاءت ~~مقترنة بقوله: {من النعم} [المائدة: 95] لبيان جنس مثل المقتول المفدى، ~~وأنه من الإبل والبقر والغنم. والله أعلم. ### | [مسألة معنى قوله تعالى فجزاء مثل ما قتل من النعم] # المسألة الرابعة عشرة: قوله تعالى: {فجزاء مثل ما قتل من النعم} ~~[المائدة: 95] # قد تقدم تحقيقه، ومثل الشيء حقيقته وهو شبهه ms0604 في الخلقة الظاهرة، ويكون ~~مثله في معنى، وهو مجازه؛ فإذا أطلق المثل اقتضى بظاهره حمله على الشبه ~~الصوري دون المعنى، لوجوب الابتداء بالحقيقة في مطلق الألفاظ قبل المجاز ~~حتى يقتضي الدليل ما يقضي فيه من صرفه عن حقيقته إلى مجازه؛ فالواجب هو ~~المثل الخلقي؛ وبه قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة: إنما يعتبر بالمثل. في القيمة دون الخلقة. # PageV02P180 # والدليل على صحة ما ذهبنا إليه الآية المتقدمة، وذلك من أربعة أوجه: # الأول: ما قدمناه من أن المثل حقيقة هو المثل من طريق الخلقة. # الثاني: أنه قال: {من النعم} [المائدة: 95] فبين جنس المثل، ولا اعتبار ~~عند المخالف بالنعم بحال. # الثالث: أنه قال: {يحكم به ذوا عدل منكم} [المائدة: 95] وهذا ضمير راجع ~~إلى مثل من النعم؛ لأنه لم يتقدم ذكر سواه يرجع الضمير إليه. والقيمة التي ~~يزعم المخالف أنه يرجع الضمير إليها لم يتقدم لها ذكر. # الرابع: أنه قال: {هديا بالغ الكعبة} [المائدة: 95] والذي يتصور فيه ~~الهدي مثل المقتول من النعم؛ فأما القيمة فلا يتصور أن تكون هديا. # فإن قيل: القيمة مثل شرعي من طريق المعنى في الحيوان وغيره، حتى يقال ~~القيمة مثل للعبد، ولا يجعل في الإتلاف مثله عبدا يغرم فيه، وأوجبنا في ~~ذوات الأمثال في المتلفات المثل خلقة؛ لأن الطعام كالطعام والدهن كالدهن؛ ~~ولم يوجب في العبد عبد مثله؛ لأن الخلقة لم تقم بالمثلية، فكيف أن يجعل ~~البدنة مثلا للنعامة. قلنا: هذا مزلق ينبغي أن يتثبت فيه قدم الناظر قليلا، ~~ولا يطيش حلمه، فاسمع ما نقول، فلا خفاء بواضح الدليل الذي قدمناه من كتاب ~~الله، وليس يعارضه الآن ما موهوا به من أن النعامة لا تماثلها البدنة؛ فإن ~~الصحابة قضوا بها فيها، وهم بكتاب الله أفهم، وبالمثل من طريق الخلقة ~~والمعنى أعلم، فلا يتوهم متوهم سواه إلا وهم، ولا يتهمهم في قصور النظر، ~~إلا من ليس بمسلم. # والدقيقة فيه أن مراعاة ظاهر القرآن مع شبه واحد من طريق الخلقة أولى من ~~إسقاط ظاهر القرآن مع التوفر على مراعاة الشبه المعنوي؛ هذا ما ms0605 لا يستقل ~~بدركه في مطرح النظر إلا نافذ البصيرة والبصر. # فإن قيل: يحتمل أنهم قوموا النعامة بدراهم، ثم قوموا البدنة بدراهم. ~~قلنا: هذا جهل من وجهين: أحدهما: أن سرد الروايات على ما سنورده يبطل هذا ~~فإنه ليس فيه شيء منه. # PageV02P181 # الثاني: أن قيمة النعامة لم تساو قط قيمة البدنة في عصر من الأعصار، لا ~~متقدم ولا متأخر، علم ذلك ضرورة وعادة، فلا ينطق بمثل هذا إلا متساخف ~~بالنظر. وإنما سقطت المثلية في الاعتداء على الحيوان من باب المزابنة، وقد ~~بيناه في كتب الفقه. # فإن قيل: لو كان الشبه من طريق الخلقة معتبرا، في النعامة بدنة، وفي ~~الحمار بقرة، وفي الظبي شاة لما أوقفه على عدلين يحكمان به؛ لأن ذلك قد ~~علم، فلا يحتاج إلى الارتياء والنظر، وإنما يفتقر إلى العدول والحكم ما ~~يشكل الحال فيه ويضطرب وجه النظر عليه. والجواب: أن اعتبار الحكمين إنما ~~وجب في حال المصيد من صغر وكبر، وما له جنس مما لا جنس له، وليعتبر ما وقع ~~التنصيص عليه من الصحابة، فيلحق به ما لم يقع بينهم نص عليه. # فإن قيل: فقد قال: {أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما} [المائدة: ~~95]، فشرك بينهما ب " أو " فصار تقدير الكلام: فجزاء مثل ما قتل من النعم، ~~أو من الطعام، أو من الصيام، وتقدير المثلية في الطعام والصيام بالمعنى، ~~وكذلك في المثل الأول. قلنا: هذا جهل أو تجاهل؛ فإن قوله تعالى: {فجزاء مثل ~~ما قتل من النعم} [المائدة: 95] ظاهر كما قدمنا في مثل الخلقة، وما عداه ~~يمتنع فيه مثلية الخلقة حسا؛ فرجع إلى مثلية المعنى حكما، وليس إذا عدم ~~المعنى المطلوب في موضع ويرجع إلى بدله يلزم أن يرجع إلى بدله مع وجوده. ~~تكملة: ومن يعجب فعجب من قراءة المكي والمدني والبصري والشامي: فجزاء مثل ~~بالإضافة؛ وهذا يقتضي الغيرية بين المضاف والمضاف إليه، وأن يكون الجزاء ~~لمثل # PageV02P182 # المقتول لا المقتول، ومن قراءة الكوفيين: فجزاء مثل على الوصف، وذلك ~~يقتضي أن يكون الجزاء هو المثل. # ويقول أهل الكوفة من ms0606 الفقهاء: إن الجزاء غير المثل. ويقول المدنيون ~~والمكيون والشاميون من الفقهاء: إن الجزاء هو المثل؛ فيبني كل واحد منهم ~~مذهبه على خلاف مقتضى ظاهر قراءة قراء بلده. وقد قال لنا القاضي أبو الحسن ~~القرافي الزاهد: إن ابن معقل الكاتب أخبره عن أبي علي النحوي أنه قال: إنما ~~يجب عليه جزاء المقتول لا جزاء مثل المقتول. والإضافة توجب جزاء المثل لا ~~جزاء المقتول. قال: ومن أضاف الجزاء إلى المثل فإنه يخرج على تقدير إقحام ~~المثل؛ وذلك كقولهم: أنا أكرم مثلك؛ أي أكرمك. # قال القاضي أبو بكر بن العربي: وذلك سائغ في اللغة، وعليه يخرج أحد ~~التأويلات في قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11]. وقد حققناه في ~~كتاب المشكلين. المسألة الخامسة عشرة: في سرد الآثار عن السلف في الباب: ~~وفي ذلك آثار كثيرة، لبابها سبعة أقوال: الأول: قال السدي: " في النعامة ~~والحمار بدنة، وفي بقرة الوحش أو الإبل أو الأروى بقرة، وفي الغزال والأرنب ~~شاة، وفي الضب واليربوع سخلة قد أكلت العشب، وشربت الماء، ففرق بين صغير ~~الصيد وكبيره. # الثاني: قال عطاء: " صغير الصيد وكبيره سواء " لقوله تعالى: {فجزاء مثل ~~ما قتل من النعم} [المائدة: 95]، مطلقا، ولا يفصل بين صغير وكبير. # الثالث: قال ابن عباس: " تطلب صفة الصيد، فإن لم توجد قوم بالدراهم، ثم ~~قومت الدراهم بالحنطة، ثم صام مكان كل نصف صاع يوما ". # الرابع: قال ابن عباس: " تذبح عن الظبي شاة؛ فإن لم يجد أطعم ستة مساكين. ~~فإن لم يجد صام ستة أيام ". # PageV02P183 # الخامس: قال الضحاك: " المثل ما كان له قرن كوعل وأيل فداه ببقرة، وما لم ~~يكن له قرن كالنعامة والحمار ففيه بدنة، وما كان من ظبي فمن النعم مثله، ~~وفي الأرنب ثنية، وما كان من يربوع ففيه جمل صغير. فإن أصاب فرخ صيد أو ~~بيضه تصدق بثمنه، أو صام مكان كل نصف صاع يوما ". # السادس: قال النخعي: " يقوم الصيد المقتول بقيمته من الدراهم، ثم يشتري ~~القاتل بقيمته فداء من النعم، ثم يهديه إلى الكعبة ". # السابع: قال ابن وهب: قال ms0607 مالك: " أحسن ما سمعت في الذي يقتل الصيد فيحكم ~~عليه فيه أنه يقوم الصيد الذي أصاب، فينظر كم ثمنه من الطعام؛ فيطعم لكل ~~مسكين مدا، أو يصوم مكان كل مد يوما ". وقال ابن القاسم عنه: " إن قوم ~~الصيد دراهم ثم قومها طعاما أجزأه ". والصواب الأول. وقال عبد الله بن عبد ~~الحكم مثله قال عنه: وهو في هذه الثلاثة بالخيار أي ذلك فعل أجزأه موسرا ~~كان أو معسرا، وبه قال عطاء، وجمهور الفقهاء. ### | [مسألة الفرق بين صغير الصيد وكبيره] # فأما الفرق بين صغير الصيد وكبيره وهي [المسألة السادسة عشرة] # المسألة السادسة عشرة: [الفرق بين صغير الصيد وكبيره]: # فصحيح، فإن الله تعالى حكم بالمثلية في الخلقة، والصغير والكبير متفاوتان ~~فيها، فوجب اعتبار التفاوت فإنه أمر يعود إلى التقويم، فوجب اعتبار الصغير ~~فيه والكبير كسائر المتلفات؛ وهو اختيار علمائنا، ولذلك قالوا: لو كان ~~الصيد أعور أو أعرج أو كسيرا لكان المثل على صفته لتحقق المثلية، ولا يلزم ~~المتلف فوق ما أتلف وهي: # المسألة السابعة عشرة: وأما ترتيب الثلاثة الواجبات في هذه المثلية وهي: # PageV02P184 # المسألة الثامنة عشرة: فالذي اختاره علماؤنا كما تقدم أن يكون بالخيار ~~فيها، واحتجوا بأنه ظاهر القرآن، وقالوا: كل شيء يكون فيه " أو " فهو فيه ~~بالخيار. # وتحقيق المسألة عندي أن الأمر مصروف إلى الحكمين، فما رأياه من ذلك لزمه، ~~والله أعلم. ### | [مسألة تقدير الطعام والصيام] # وأما تقدير الطعام والصيام وهي: # المسألة التاسعة عشرة: فذلك ظاهر في كتاب الله تعالى، حيث قدره في كفارة ~~الظهار مسكينا بيوم، ولا يعدل عن تقديره تعالى وتقدس، وغير ذلك من ~~التقديرات تتعارض فيه الأقوال، ولا يشهد له أصل؛ فالاقتصار على الشاهد ~~الجلي أولى. ### | [مسألة معنى قوله تعالى يحكم به ذوا عدل منكم] # المسألة الموفية عشرين: قوله تعالى: {يحكم به ذوا عدل منكم} [المائدة: ~~95] # قال علماؤنا: يقيم المتلف رجلين عدلين فقيهين بما يحتاج إليه في ذلك، ~~فينظران فيما أصاب، ويحكمان عليه بما رأياه في ذلك، فما حكما عليه لزمه. # والذي عندي أنه إن كان الإمام حاضرا أو ms0608 نائبه أنه يكون الحكم إليه، وإن ~~لم يكن حاضرا أقام حينئذ المتلف من يحكم عليه. وهذا دليل على التحكيم، وهي: # المسألة الحادية والعشرون: وقد تقدم الذكر فيه، ولأجله قال علماؤنا: إنه ~~يجوز حكمهما بغير إذن الإمام؛ وذلك عندي صحيح؛ إذ يتعذر أمره. وقد روى جرير ~~بن عبد الله البجلي قال: أصبت صيدا، وأنا محرم، فأتيت عمر بن الخطاب، ~~فأخبرته، فقال: " ائت رجلين من أصحابك فليحكما عليك " فأتيت عبد الرحمن بن ~~عوف وسعدا، فحكما علي بتيس أعفر. وهو أيضا دليل على أنه يجوز أن يتولى فصل ~~القضاء رجلان، وقد منعته الجهلة؛ لأن اختلاف اجتهادهما يوجب توقف الأحكام ~~بينهما، وقد بعث - صلى الله عليه وسلم - معاذا وأبا موسى إلى اليمن، كل ~~واحد على مخلاف، وبعث أنيسا إلى المرأة المرجومة، ولم # PageV02P185 # يأت الاشتراك في الحكم إلا في هذه النازلة؛ لأجل أنها عبادة لا خصومة ~~فيها، فإن اتفقا لزم الحكم كما تقدم. وإن اختلفا نظر في غيرهما. # وقال محمد بن المواز: ولا يأخذ بأرفع قولهما؛ يريد لأنه عمل بغير تحكيم، ~~وكذلك لا ينتقل عن المثل الخلقي، إذا حكما به، إلى الطعام؛ لأنه أمر قد لزم ~~قاله ابن شعبان؛ وقال ابن القاسم: إن أمرهما أن يحكما بالجزاء من المثل ~~ففعلا، فأراد أن ينتقل إلى الطعام جاز. # وفي هذه الرواية تجاوز من وجهين: أحدهما: قوله: إن أمرهما أن يحكما ~~بالمثل، وليس الأمر إليه، وإنما يحكمهما. ثم ينظران في القضية، فما أدى ~~إليه اجتهادهما لزمه، ولا يجوز له أن ينتقل عنه. وهو الثاني لأنه نقض ~~لحكمهما؛ وذلك لا يجوز لالتزامه لحكمهما. ### | [مسألة هديا بالغ الكعبة] # المسألة الثانية والعشرون: قوله تعالى: {هديا بالغ الكعبة} [المائدة: ~~95]: المعنى إذا حكما بالمثل يفعل به ما يفعل بالهدي، يقلده ويشعره، ويرسله ~~إلى مكة وينحره بها، ويتصدق به فيها؛ لقوله تعالى: {هديا بالغ الكعبة} ~~[المائدة: 95]، وهي: # المسألة الثالثة والعشرون: ولا خلاف في أن الهدي لا بد له من الحرم. ~~واختلف هل يفتقر إلى حل معه؟ فقال مالك: لا بد له من ذلك يبتاع ms0609 بالحل، ~~ويقلد ويشعر، ويدفع إلى الحرم. # وقال الشافعي: لا يحتاج إلى الحل. وحقيقة قوله تعالى: {بالغ الكعبة} ~~[المائدة: 95] يقتضي أن يهدي من مكان يبلغ منه إلى الكعبة، ولم يرد الكعبة ~~بعينها؛ فإن الهدي لا يبلغها، إذ هي في المسجد وإنما أراد الحرم، ولهذا قال ~~الشافعي: إن الصغير من الهدي يجب في الصغير من الصيد، لأنه يبتاعه في الحرم ~~ويهديه فيه. # PageV02P186 # وقال مالك: لا يكون الجزاء في الصغير إلا بالقيمة؛ لأن الهدي الصغير لا ~~يمكن حمله إلى الحرم، وهذا لا يغني؛ فإن الصحابة قضت في الصغير صغيرا، وفي ~~الكبير كبيرا، وإذا تعذر حمله إلى الحرم حملت قيمته، كما لو قال بالمغرب: ~~بعيري هذا هدي، فإنه يباع ويحمل ثمنه إلى مكة، وكذلك يجب أن يكون في صغير ~~الهدي مثله. # وروي عن مالك: أن صغير الهدي مثل كبيره في القيمة، كما أن صغير الآدمي ~~مثل كبيره في الدية. وهذا غير صحيح؛ فإن الدية مقدرة جبرا، وهذا مقدر نظرا، ~~يحكم به ذوا عدل منكم، فافترقا. ### | [مسألة إذا قتل المحرم ظبيا ونحوه] # المسألة الرابعة والعشرون: قوله تعالى: {أو كفارة} [المائدة: 95] # سماه بها ليبين أن الطعام عن الصيد لا عن الهدي، وليلحقها بأمثالها ~~ونظائرها على ما يأتي بيانه إن شاء الله. المسألة الخامسة والعشرون: قوله ~~تعالى: {طعام مساكين} [المائدة: 95] # قال ابن عباس: إذا قتل المحرم ظبيا ونحوه فعليه شاة تذبح بمكة، فإن لم ~~يجد فإطعام ستة مساكين، فإن لم يجد فعليه صيام ثلاثة أيام، فإن قتل أيلا أو ~~نحوه فعليه بقرة، فإن لم يجد أطعم عشرين مسكينا، فإن لم يجد صام عشرين ~~يوما، وإن قتل نعامة أو حمارا فعليه بدنة من الإبل، فإن لم يجد فإطعام ~~ثلاثين مسكينا، فإن لم يجد فصيام ثلاثين يوما، والطعام مد مد لشبعهم وروي ~~عنه أيضا: إن لم يجد جزاء قوم الجزاء دراهم، ثم قومت الدراهم حنطة، ثم صام ~~مكان كل نصف صاع يوما. وقال: إنما أريد بالطعام الصوم، فإذا وجد طعاما وجب ~~جزاء. # وروي نحوه عن النخعي، ومجاهد، والسدي، وحماد، ms0610 وغيرهم. # PageV02P187 # فأما قوله: فإن لم يجد هديا فإطعام ستة مساكين، فقد قدمنا أنه على ~~التخيير لا على الترتيب بما يقتضيه حرف " أو " في لسان العرب. # وأما تقدير الطعام في الظبي بستة مساكين، وفي البدنة بثلاثين مسكينا فليس ~~بتقدير نافذ؛ وإنما هو تحكم باختيار قيمة الطعام بالدراهم أصلا أو بدلا كما ~~تقدم، ثم يعطى عن كل مد يوما لا نصف صاع. # وقد روى بكر بن عبد الله المزني: كان رجلان من الأعراب محرمين، فحاش ~~أحدهما صيدا فقتله الآخر، فأتيا عمر، وعنده عبد الرحمن بن عوف، فقال له ~~عمر: ما ترى؟ قال: شاة. قال: وأنا أرى ذلك. اذهبا فأهديا شاة. فلما مضيا ~~قال أحدهما لصاحبه: ما درى أمير المؤمنين ما يقول، حتى سأل صاحبه. فسمعه ~~عمر، فردهما، فقال: هل تقرآن سورة المائدة؟ فقالا: لا. فقرأ عليهما: {يحكم ~~به ذوا عدل منكم هديا} [المائدة: 95] ثم قال: استعنت بصاحبي هذا. # وعن قبيصة وصاحب له أنهما أصابا وذكر الحديث، فقال لصاحبه: إن أمير ~~المؤمنين لم يدر ما يقول. فسمعهما عمر. فأقبل عليه ضربا بالدرة، وقال: تقتل ~~الصيد وأنت محرم، وتغمص الفتيا، إن الله سبحانه قال في كتابه: {يحكم به ذوا ~~عدل منكم} [المائدة: 95]. وهذا عبد الرحمن بن عوف وأنا عمر. ### | [مسألة الاشتراك في قتل الصيد المحرم] # وهذا يدل على أن الاشتراك في قتل الصيد المحرم يوجب على المشتركين كفارة ~~واحدة لقضاء عمر وعبد الرحمن بن عوف بشاة واحدة على رجلين، وبه قال ~~الشافعي. # وقال مالك وأبو حنيفة: على كل واحد منهم جزاء كامل، وهي: المسألة السادسة ~~والعشرون: وهي تنبني على أصلين: أحدهما: لغوي قرآني، والآخر معنوي. أما ~~اللغوي القرآني: فإن كل واحد من القاتلين للصيد قاتل نفسا على الكمال # PageV02P188 # والتمام، بدليل قتل الجماعة بالواحد؛ لأن كل واحد متلف نفسا على الكمال ~~ومذهب روحا على التمام. ولولا ذلك ما وجب عليهم القصاص، وقد قلنا بوجوبه ~~إجماعا منا ومنهم فثبت ما قلنا. # وأما المعنوي: فإن عندنا أن الجزاء كفارة، وعند الشافعي أنه قيمة. وتحقيق ~~القول في ذلك ms0611 أن هذا الجزاء كفارة ومقابل للجناية، وكل واحد جنى على إحرامه ~~جناية كاملة، وكل واحد منهم يسمى قاتلا؛ والدليل على صحة ذلك كله أن الله ~~سبحانه سمى الجزاء كفارة في كتابه. # وأما كمال الجناية لكل واحد منهم على الإحرام فصحيح؛ لأن كل واحد منهم ~~ارتكب محظور إحرامه في قتل الصيد، وسمي قاتلا حقيقة فوجب على كل واحد منهم ~~جزاء. # فإن قيل: إنه يقوم بقيمة الصيد، ويلحظ فيه شبهه. ولو كان كفارة لاعتبر ~~مطلقا من اعتبار ذلك كله، كما في كفارة القتل، فلما كان كذلك صار كالدية. ~~قلنا: هذا باطل. والدليل عليه دخول الصوم عليه. ولو كان بدل متلف ما دخل ~~الصيام عليه، فإن الصيام إنما موضعه وموضوعه الكفارات، لا أبدال المتلفات. # جواب آخر: وذلك أنه إنما تقدر بقدر المحل؛ لأن الجناية لها، محل، فيزيد ~~بزيادته، وينقص بنقصانه، بخلاف كفارة الآدمي فإنه حد لا يتقدر حقيقة فيقدر ~~كفارة. # جواب ثالث: وذلك أن الجزاء لا يجوز إسقاطه، والدية يجوز إسقاطها، فدل على ~~اختلافهما بالصفة والموضوع. # جواب رابع: وذلك أن الذكر والأنثى يستوي في الجزاء، ويختلف في الدية، ~~وقيمة الإتلاف؛ فدل ذلك كله على الفرق بينهما، وظهر أن ذلك من قول الشافعي ~~ضعيف جدا. والله عز وجل أعلم. # PageV02P189 ### | [مسألة قتل جماعة صيدا في حرم وهم محلون] # المسألة السابعة والعشرون: # خالف أبو حنيفة مالكا في فرع؛ وهو إذا قتل جماعة صيدا في حرم وهم محلون ~~فعليهم جزاء واحد، بخلاف ما لو قتله المحرمون في الحل، وهو ضعيف؛ لأن كل ~~واحد منهم قتل نفسا محرمة، فسواء كانت في الحل أو في الحرم فإن ذلك لا ~~يختلف. # وأما القاضي أبو زيد فبناه في أسرار الله على أصل، وهو أنه قال: السر فيه ~~أن الجناية في الإحرام على العباد، فقد ارتكب كل واحد منهم محظورا في ~~إحرامه. وإذا قتل صيدا في الحرم فإنما أتلف نفسا محترمة فكان بمنزلة ما لو ~~أتلف جماعة دابة، فإن كل واحد منهم قاتل دابة، ويشتركون في القيمة، وهذا ~~مما يستهين به علماؤنا، ms0612 وهو عسير الانفصال. # وقد عول علماؤنا على أن الرجل يكون محرما بدخوله في الحرم، كما يكون ~~محرما بتلبيته بالإحرام، وكل واحد من الفعلين قد أكسبه صفة تعلق بها نهي، ~~فهو هاتك لها في الحالين. وأبو حنيفة أقوى منا، على أن علماءنا قالوا: إذا ~~قتل الصيد في الحل وهو محرم فعليه الجزاء، وإن قتله في الحرم فعليه حكومة، ~~وهي: # المسألة الثامنة والعشرون: وقال بعضهم: لا جزاء في صيد الحرم أصلا. وقال ~~سائر العلماء: حرمة الحرم كالإحرام، واللفظ فيهما واحد، يقال: أحرم الرجل ~~إذا تلبس بالإحرام، كما يقال: أحرم إذا دخل في الحرم حسبما تقدم بيانه، فلا ~~معنى لما قاله من أسقط الجزاء فيه، ويضعف قول علمائنا لاقتضاء اللفظ لوجوب ~~الجزاء وعموم الحكم في ذلك كله. # PageV02P190 # المسألة التاسعة والعشرون: # وكذلك كفارة العبد إذا أحرم أو دخل الحرم ككفارة الحر سواء؛ لكن يكون ~~حكمه في الكفارة المالية والبدنية مختلف الحال، كما سيأتي في آية الظهار إن ~~شاء الله تعالى. ### | [مسألة الوقت الذي تعتبر به قيمة المتلف] # المسألة الموفية ثلاثين: # إذا قوم الطعام فاختلف العلماء أين يقوم؟ فقال قوم: يقوم في موضع ~~الجناية؛ قاله حماد وأبو حنيفة ومالك وسواهم. ومنهم من قال: يقوم حيث يكفر ~~بمكة. وروي عن الشعبي. وهذه مسألة مشكلة جدا؛ فإن العلماء اختلفوا في الوقت ~~الذي تعتبر به قيمة المتلف؛ فقال قوم: يوم الإتلاف. وقال آخر: يوم القضاء. ~~وقال آخرون: يلزم المتلف أكثر القيمتين من الإتلاف إلى يوم الحكم، واختلف ~~علماؤنا كاختلافهم. والصحيح أنه يلزم القيمة يوم الإتلاف، وهذه المسألة ~~محمولة عليها. # والدليل على ذلك أن الوجوب كان حقا للمتلف عليه، فإذا أعدمه المتلف لزمه ~~إيجاده بمثله، وذلك في وقت العدم، فالقضاء يظهر الواجب في ذمة المتلف، ولا ~~يستأنف القاضي إيجابا لم يكن، وهذا يعضد في مسألتنا الوجوب في موضع ~~الإتلاف، فأما في موضع فعل الكفارة فلا وجه له. ### | [مسألة مكان الهدى في مكة] # المسألة الحادية والثلاثون: # قال علماؤنا: فأما الهدي فلا بد له من مكة. وأما الإطعام فاختلف فيه قول ms0613 ~~مالك؛ هل يكون بمكة أو بموضع الإصابة. وأما الصوم فلم يختلف قوله: إنه يصوم ~~حيث شاء. وقال حماد وأبو حنيفة: يكفر بموضع الإصابة. وقال عطاء: ما كان من ~~دم أو طعام بمكة، ويصوم حيث شاء. # وقال الطبري: يكفر حيث شاء. فأما قول أبي حنيفة: إنه يكفر حيث أصاب، فلا # PageV02P191 # وجه له في النظر ولا أثر فيه. وأما من قال: إنه يصوم حيث شاء فلأن الصوم ~~عبادة تختص بالصائم، فتكون في كل موضع كصيام سائر الكفارات في الحج وغيرها. # وأما وجه القول بأن الطعام يكون بمكة فلأنه بدل من الهدي أو نظير له؛ ~~والهدي حق لمساكين مكة؛ فلذلك يكون بمكة بدله أو نظيره. وأما من قال: إنه ~~يكون بكل موضع، وهو المختار، فإنه اعتبار بكل طعام وفدية، فإنها تجوز بكل ~~موضع. والله أعلم. ### | [مسألة معنى قوله تعالى أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره] # المسألة الثانية والثلاثون: قوله تعالى: {أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال ~~أمره} [المائدة: 95] # قال علماؤنا: العدل والعدل بفتح العين وكسرها: هو المثل، ويؤثر عن ~~السكاكي أنه قال: عدل الشيء بكسر العين مثله من جنسه، وبفتح العين مثله من ~~غير جنسه، وأراد أو يصوم صوما مماثلا للطعام، ولا يصح أن يماثل الطعام ~~الطعام في وجه أقرب من العدد. وقد تقدم توجيهه. # ومن العلماء من قال: يصوم على عدد المساكين في الطعام لا على عدد الأمداد ~~الأشهر، وهو عند علمائنا، والكافة. ومنهم من قدره بالأمداد، وقد قال ~~الشافعي: عن كل مد يوما، وهو القول الثاني لمالك. # وقال أبو حنيفة: يصوم عن كل مدين يوما اعتبارا بفدية الأذى. واعتبار ~~الكفارة بالفدية لا وجه له في الشريعة كما تقدم في نظرائه. # المسألة الثالثة والثلاثون: قال بعض علمائنا: إنما يفتقر إلى الحكمين في ~~موضعين؛ في الجزاء من النعم، والإطعام؛ وليس كذلك؛ بل يحتاج إليهما في ~~الحال كلها، وهي تنحصر في مواضع سبعة: # الأول: هل يحكم في العمد والخطأ أو في العمد وحده؟ # الثاني: هل يحكم في قتل الصيد في الحرم كما يكون ms0614 في الإحرام؟ # الثالث: هل يحكم بالجزاء حيوانا أو قيمة؟ # PageV02P192 # الرابع: إذا رأى الحيوان جزاء عن حيوان. في تعيين الحيوان خلاف كثير لا ~~بد من تسليط نظره عليه حسبما تقدم من اختلاف العلماء فيه؛ هل يستوي صغيره ~~وكبيره كما قال مالك في الكتاب حين جعله كالدية أم لا؟ وهل يراعي صفاته ~~أجمع حتى الجمال والحسن، أم تراعى الأصول، أو يراعى العيب والسلامة، أو هما ~~واحد؟ وهل يكون في النعامة بدنة كما في كتاب محمد وغيره، أم يكون فيها ~~القيمة؛ لأنها لا تقارب خلق البقر ولا تبلغ خلق الإبل؟ الخامس: هل ~~الحيوانات كلها تجزئ أم بعضها؟ السادس: هل يقوم المثل بالطعام أو بالدراهم؟ ~~السابع: هل يكون التقويم بموضع الإصابة أم بموضع الكفارة؟ وهكذا إلى آخر ~~فصول الاختلاف، فيرفع الأمر إلى الحكمين حتى يخلص اجتهادهما ما يجب عليه من ~~الوجوه المختلفة، فيلزمه ما قالا. والله عز وجل أعلم. ### | [مسألة قتل محرم صيدا فجزاه ثم قتله ثانية] # المسألة الرابعة والثلاثون: # إذا قتل محرم صيدا فجزاه. ثم قتله ثانية وجب عليه الجزاء. قال علماؤنا ~~لقوله تعالى: {ومن قتله منكم متعمدا} [المائدة: 95]، ولم يفصل بين المرة ~~الأولى والثانية، وممن تعلق بهذا الدليل أحبار ممن لا يليق بمرتبتهم إيراد ~~هذا الدليل على هذا الوجه؛ فإن كل حكم علق بشرط لا يتكرر بتكرار الشرط، فمن ~~قال لزوجته: إن دخلت الدار فأنت طالق [فإن الطلاق] لا يتكرر بتكرار الدخول، ~~فإن قام دليل على تكرار الحكم بتكرار الشرط فذلك مأخوذ من الدليل القائم ~~عليه لا من جهة الشرط المضاف إليه؛ كقوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم} [المائدة: 6] فإن الوضوء يتكرر بتكرر القيام مع الحدث، ~~بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور». وها ~~هنا تكرر الاسم بتكرر الشرط، بقوله: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله ~~منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم} [المائدة: 95] # PageV02P193 # والنهي دائم مستمر عليه، فالجزاء لأجل ذلك متوجه لازم ذمته. # فإن قيل: فقد قال: {عفا الله عما سلف ومن ms0615 عاد فينتقم الله منه} [المائدة: ~~95] ولم يذكر جزاء وهي: # المسألة الخامسة والثلاثون: قلنا: قوله سبحانه: {عفا الله عما سلف} ~~[المائدة: 95] يعني في الجاهلية لا الإسلام، أو عما قبل بيان الحكم؛ فإن ~~الواقع قبله عفو. وقوله تعالى: {ومن عاد} [المائدة: 95] وهي: # المسألة السادسة والثلاثون: يعني فينتقم الله منه، وعليه بما تقدم من ~~الدليل الكفارة. # وقال ابن عباس: لا يحكم عليه مرتين في الإسلام، وهذا لا يصح؛ لما تقدم من ~~تمادي التحريم في الإحرام وتوجه الخطاب عليه في دين الإسلام. # ووجه آخر من الدليل، وهو قوله: {ومن قتله منكم متعمدا} [المائدة: 95] ~~يعني وهو محرم، {فجزاء مثل ما قتل من النعم} [المائدة: 95]. وقد قال بقول ~~ابن عباس الحسن وإبراهيم ومجاهد وشريح. ويروى عن سعيد بن جبير أنه سئل عن ~~ذلك، فقال: نعم نحكم عليه أفيخلع يعني يخرج عن حكم المحرمين؛ كما قال ~~مجاهد: إنه إذا قتله متعمدا فقد حل إحرامه؛ لأنه ارتكب محظورا [ينافي] ~~عبادة فيها، فأبطلها، كما لو تكلم في الصلاة أو أحدث فيها. # ودليلنا أن الله تعالى أوجب الجزاء ولم يذكر الفساد، وقد بينا في كتب ~~المسائل ما يفسد الحج من محظوراته بما يغني عن إعادته، فلا يصح اعتبار الحج ~~بالصلاة فإنهما مختلفان شرطا ووصفا ووضعا في الأصل، فلا يعتبر أحدهما ~~بالآخر بحال. وقد بينا ذلك في أصول الفقه وفيما تقدم، كما أنه قد روي عن ~~زيد بن المعلي # PageV02P194 # أن رجلا أصاب صيدا وهو محرم فتجوز عنه، ثم عاد فأنزل الله عز وجل نارا من ~~السماء فأحرقته، وهذه عبرة للأمة وكف للمعتدين عن المعصية. # المسألة السابعة والثلاثون: # ما تقدم فيه للصحابة حكم من الجزاء في صيد يبتدئ الآن الحكمان النظر فيه. ~~وقال الشافعي: لا ينظر فيما نظرت فيه الصحابة؛ لأنه حكم نفذ، وهذا يبطل ~~بقضايا الدين؛ فإن كل حكم أنفذته الصحابة يجوز الاجتهاد فيه ثانيا. وذلك ~~فيما لم يرد فيه نص ولا انعقد عليه إجماع، وهذا أبين من إطناب فيه. # المسألة الثامنة والثلاثون: # لا يجوز أن يكون الجاني أحد الحكمين، وبه ms0616 قال أبو حنيفة. وقال الشافعي في ~~أحد قوليه: يجوز أن يكون الجاني أحد الحكمين، وهذا تسامح منه؛ فإن ظاهر ~~الآية يقتضي جانيا وحكمين، فحذف بعض العدد إسقاط للظاهر، وإفساد للمعنى لأن ~~حكم المرء لنفسه لا يجوز، ولو كان ذلك جائزا لاستغنى بنفسه عن غيره؛ لأنه ~~حكم بينه وبين الله، فزيادة ثان إليه غيره دليل على استئناف الحكم برجلين ~~سواه. ### | [الآية السابعة والعشرون قوله تعالى أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم] # الآية السابعة والعشرون: # قوله تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم ~~صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون} [المائدة: 96]. # فيها ثلاث عشرة مسألة: # المسألة الأولى: قوله {أحل لكم صيد البحر} [المائدة: 96]: عام في المحل ~~والمحرم على ما تقدم بيانه من جهة التقسيم والتنويع قبل هذا. # المسألة الثانية: قوله: {البحر} [المائدة: 96] هو كل ماء كثير، وأصله ~~الاجتماع، ولذلك سميت المدائن بحارا. ويقال للبلدة: # PageV02P195 # البحرة والبحيرة؛ لاجتماع الناس فيها؛ وقد قيل في قوله تعالى: {ظهر ~~الفساد في البر والبحر} [الروم: 41]: إن البحر البلاد، والبر الفيافي ~~والقفار. # وفائدته أن الله سبحانه خلق برا وبحرا وهواء، وجعل لكل مخلوق من هذه ~~المخلوقات الثلاثة عمارة، فعمارة الهواء الطير، وعمارة الماء الحيتان، ~~وعمارة الأرض سائر الحيوان، وجعل كل ذلك مباحا للإنسان على شروط وتنويع، هي ~~مبينة في مسائل الأحكام لقوله تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} ~~[البقرة: 29]. ### | [مسألة صيد البحر وفيه ثلاثة أقوال] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {صيد البحر} [المائدة: 96]: وفيه ثلاثة ~~أقوال: # الأول: ما صيد منه على معنى تسمية المفعول بالفعل حسبما تقدم بيانه. # الثاني: هو حيتانه؛ قاله مجاهد. # الثالث: السمك الجري؛ قاله ابن جبير. # وهذه الأقوال الثلاثة ترجع إلى قول واحد، وهي حيتانه تفسيرا، ويرجع من ~~طريق الاشتقاق إلى أنه أراد ما حوول أخذه بحيلة وعمل، ويدخل تحت قوله: ما ~~صيد منه، وهو أصل المسألة، فكأنه قال: " أحل لكم أخذ ما في البحر من ~~الحيتان بالمحاولة، وأحل لكم طعامه، وهو ما أخذ بغير ms0617 محاولة " وهي: # المسألة الرابعة: والذي يؤخذ بغير محاولة ولا حيلة على قسمين: # أحدهما: ما طفا عليه ميتا. # والثاني: ما جزر عنه الماء، فأخذه الناس. # وكذلك اختلف الناس في قوله تعالى: {وطعامه} [المائدة: 96]: على ثلاثة ~~أقوال: # الأول: ما جزر عنه. # PageV02P196 # والثاني: ما طفا عليه؛ قاله أبو بكر وعمر وقتادة، وهي رواية معن عن ~~سفيان، قال: صيد البحر ما صيد، وطعامه ميتته. # الثالث: مملوحه؛ قاله ابن عباس وسعيد بن جبير، وقد روى أبو داود عن جابر ~~بن عبد الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما ألقاه البحر ~~أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه فطفا فلا تأكلوه». وقال أبو داود: الصحيح ~~أنه موقوف على جابر. # وروى مالك والنسائي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في البحر: ~~هو الطهور ماؤه الحل ميتته». وهذا نص لا غبار عليه، ولا كلام بعده، والله ~~أعلم. # وتعلق أصحاب أبي حنيفة الذين قالوا: إن ميتة البحر حرام بعموم قوله ~~تعالى: {حرمت عليكم الميتة} [المائدة: 3] وهي كل حيوان مات حتف أنفه من غير ~~ذكاة. # وقد بينا أن هذا الحديث يخص هذا العموم، لا سيما وقد قال به الخليفتان ~~أبو بكر وعمر، وثبت بحديث جابر «عن أبي عبيدة ما تقدم من أكلهم الحوت الميت ~~في غزاة سيف البحر، ومن ادخارهم منه جزءا، حتى لقوا النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فأكل منه». # PageV02P197 # فإن قيل: هذه الآية إنما سيقت لبيان ما يحرم بالإحرام، وما لا يحرم به، ~~لا لبيان ما حرم بنفسه. وإنما بيان هذه الحرمة في قوله تعالى: {حرمت عليكم ~~الميتة} [المائدة: 3] إلى آخرها. والمراد بالحديث السمك المذكور. وفي ~~الحديث الآخر، وهو قوله: أحلت لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان فالسمك ~~والجراد. وهذه عمدة أصحاب أبي حنيفة. # قلنا: هذا قلب المبنى، وإفساد المعنى لأن هذه الآية التي نحن فيها إنما ~~جاءت لبيان تحليل الصيد، وهو أخذ ما لا قدرة للعبد عليه، ولا أنس له به، ~~وصفة تذكيته حتى يحل، ولهذا قلنا: إن الله سبحانه خاطب به المحلين، ms0618 فبين ~~ركن التحليل في ذلك وأخذه بالقهر والحيلة في كباره، وباليسر في صغاره، ثم ~~أطلق تحليل صيد البحر في بابه، وزاد ما لا يصاد منه؛ وإنما يرميه البحر ~~رميا، ثم قيد تحريم صيد البر خاصة بالإحرام، وبقي الباقي على أصل الإباحة. # فأما المحرمات وأجناسها فقد تقدم في صدر السورة وغيرها. # وأما قوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} [المائدة: 3] فهو عام خصصه: هو ~~الطهور ماؤه الحل ميتته، في ميتة الماء خاصة. # وأما حديث: «أحلت لنا ميتتان ودمان»؛ فلم يصح فلا يلزمنا عنه جواب، ثم ~~نقول: إنه لو كان صحيحا لكان قوله: السمك عبارة عن كل ما في البحر، اسم ~~عام. وقد يطلق بالعرف في بعضها فيحمل على أصل الإطلاق، ألا ترى إلى قولهم ~~عندنا لبعض الحوت في بعض البلدان سمك دون سائرها. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وللسيارة] # المسألة الخامسة قوله تعالى: {وللسيارة} [المائدة: 96]: فيه قولان: # أحدهما: للمقيم والمسافر، كما جاء في حديث " أبي عبيدة: إنهم أكلوه وهم # PageV02P198 # مسافرون، وأكل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو مقيم " فبين الله تعالى ~~أنه حلال لمن أقام، كما أحله في حديث أبي عبيدة لمن سافر. # الثاني: إن السيارة هم الذين يركبونه كما ثبت في أصل الحديث: «أن رجلا ~~يقال له العركي سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنا نركب البحر ~~ومعنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ له بماء البحر؟ فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هو الطهور ماؤه الحل ميتته». # قال علماؤنا: فلو قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: " نعم " لما جاز ~~الوضوء به إلا عند خوف العطش لأن الجواب مرتبط بالسؤال. ولكن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ابتدأ بتأسيس الحكم وبيان الشرع؛ فقال: «هو الطهور ماؤه ~~الحل ميتته». فزاد في جواب السائل جوابين: أحدهما: قوله: «هو الطهور ماؤه» ~~ابتداء. الثاني: «الحل ميتته». ### | [مسألة معنى قوله تعالى وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما] # المسألة السادسة: قوله تعالى {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} ~~[المائدة: 96]: قد بينا أن ms0619 التحريم ليس بصفة للأعيان، وإنما يتعلق بأفعال؛ ~~فمعنى قوله تعالى: {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} [المائدة: 96] إن ~~كان الصيد الفعل فمعناه مع الاصطياد كله على أنواعه، وإن كان معنى الصيد ~~المصيد على معنى تسمية المفعول بالفعل، فيكون معناه: حرم عليكم صيد البر، ~~وهذا من غريب المتعلقات للتكليف بالأفعال، وتفسير وجه التعلق؛ فصار الصيد ~~في البر في حق المحرم ممتنعا بكل وجه، وكانت إضافته إليه كإضافة الخمر إلى ~~المكلفين والميتة؛ إذ إن التحريم لا يختلف باختلاف المحرمات. # وقد روى الأئمة عن " أبي قتادة أنه قال: «خرجنا مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - حتى إذا كنا بالقاحة ومنا المحرم ومنا غير المحرم إذ أبصرت ~~أصحابي يتراءون، فنظرت فإذا حمار وحش، فأسرجت فرسي، وأخذت رمحي، ثم ركبت، ~~فسقط سوطي، فقلت # PageV02P199 # لأصحابي وكانوا محرمين: ناولوني السوط. فقالوا: والله لا نعينك عليه ~~بشيء، فنزلت فتناولته، ثم ركبت فأدركته من خلفه، وهو وراء أكمة، فطعنته ~~برمحي، فعقرته، فأتيت به أصحابي، فقال بعضهم: كلوه. وقال بعضهم: لا نأكله. ~~وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - معنا، فحركت دابتي فأدركته، فقال: هو ~~حلال، فكلوه». # وفي بعض الروايات: «هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء؟ قالوا: لا. قال: ~~فكلوا. هل معكم من لحمه شيء؟ قالوا: معنا رجله. قال: فأخذها رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فأكلها». # وروى الأئمة عن " الصعب بن جثامة الليثي أنه «أهدى إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - حمارا وحشيا وهو بالأبواء أو بودان، فرده عليه. قال: فلما رأى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما في وجهه من الكراهة قال: إنا لم نرده ~~عليك إلا أنا حرم». # وروى الترمذي والنسائي عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم». قال أبو عيسى: هو أحسن حديث ~~في الباب. # PageV02P200 # وروي عن علي أنه كان عند عثمان فأتي عثمان بلحم صيد صاده حلال، فأكل ~~عثمان، وأبى علي أن يأكل، فقال: والله ما صدنا ولا أمرنا ms0620 ولا أشرنا. فقال ~~علي: وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما. # وفي بعض الروايات: إنما صيد قبل أن نحرم؛ فقال علي: ونحن قد بدأنا ~~وأهللنا ونحن حلال، أفيحل لنا اليوم؟ وعن ابن عباس أنه كره لحم الصيد وهو ~~محرم، أخذ له أو لم يؤخذ، وإن صاده الحلال. # وعن أبي هريرة مثله. وعن سعيد بن جبير وطاوس مثله. # وهذا ينبني على أن المحرم الفعل بقوله صيد البر، أو المحرم مضمر؛ والمراد ~~بالصيد المصيد، والذي ثبت على الدليل أن حكم التحريم إنما تعلق بالمصيد لا ~~بالصيد؛ فيكون التحريم يتعلق بتناول الحيلة في تحصيله أو بقصد تناول الحيلة ~~في تحصيله له، بين ذلك حديثه - صلى الله عليه وسلم -: «صيد البر لكم حلال ~~ما لم تصيدوه أو يصد لكم»؛ فإذا لم يتناول المحرم صيده بنفسه ولا قصد به حل ~~له أكله، ولا يحل له أخذه ولا ملكه؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رده ~~على الصعب بن جثامة لأنه كان حيا»، والمحرم لا يملك الصيد. # وقيل: إنما رده لأنه صيد له، ويكون بذلك داخلا في الحديث المذكور. # وقال أبو حنيفة: إذا لم يعن فيه بدلالة ولا سلاح جاز له أكله، وإن كان ~~صيد من أجله. # والحديث المتقدم يرد عليه، وهو قوله: «ما لم تصيدوه أو يصد لكم». ### | [مسألة إذا أحرم وفي ملكه صيد] # المسألة السابعة: إذا أحرم وفي ملكه صيد: ففيه قولان: أحدهما: لا يحل له ~~إمساكه ويلزمه إرساله. # والآخر يمسكه حتى يحل في تفصيل بيانه في كتب المسائل. # وللشافعي قولان مثلهما. # وجه القول بإرساله قوله تعالى: {وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما} ~~[المائدة: 96]. # PageV02P201 # وهذا عام في [منع] الملك والتصرف كله. # وجه القول بإمساكه أنه معنى يمتنع مع ابتداء الإحرام، فلا يمتنع من ~~استدامة ملكه؛ أصله النكاح. ### | [مسألة صاد حلالا في الحل فأدخله في الحرم] # المسألة الثامنة: فإن صاده الحلال في الحل، فأدخله في الحرم جاز له ~~التصرف فيه بكل نوع من ذبحه وأكل لحمه. # وقال أبو حنيفة: لا يجوز؛ ودليلنا أنه معنى ms0621 يفعل في الصيد؛ فجاز في الحرم ~~الحلال كالإمساك والشراء، ولا خلاف فيهما. # قال علماؤنا: ولأن المقام في الحرم يدوم، والإحرام ينقطع، فلو حرمنا عليه ~~ذلك في الحرم لأدى إلى مشقة عظيمة، فسقط التكليف عنه فيه لذلك. # وهذا من باب تخصيص العموم بالمصالح، وقد مهدناه في أصول الفقه، والمصلحة ~~من أقوى أنواع القياس. ### | [مسألة حرم المدينة هل يجوز له الاصطياد فيه للمحرم] # المسألة التاسعة: إذا كان المحرم محرما بدخول حرم المدينة لم يجز له ~~الاصطياد فيه. # وقال أبو حنيفة: يجوز له ذلك. # ودليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك حرم ~~مكة، وإني أحرم المدينة بمثل ما حرم به إبراهيم مكة، ومثله معه؛ لا يقطع ~~عضاهها ولا يصاد صيدها». وهذا نص صحيح صريح، خرجه الأئمة: واللفظ لمسلم. # PageV02P202 ### | [مسألة حكم الصيد بالمدينة] # المسألة العاشرة: إذا صاد بالمدينة كان آثما ولم يكن عليه جزاء إن قتله ~~بها. # وقال سعد: جزاؤه أخذ سلبه. وقال ابن أبي ذئب: عليه الجزاء. # أما قول سعد: فإن مسلما خرج عنه «أن رجلا صاد بالمدينة فلقيه سعد فأخذ ~~سلبه فكلم في رده، فقال: ما كنت لأرد شيئا نفلنيه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -»؛ وهذا مخصوص بسعد؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقل ~~من لقي صائدا بالمدينة فليستلبه ثيابه كائنا من كان. # وأما ابن أبي ذئب فاحتج بأنه حرم، فكان الجزاء على من قتل فيه صيدا، كما ~~يفعل في حرم مكة. # وقال علماؤنا: لو كان حرم المدينة كحرم مكة ما جاز دخولها إلا بالإحرام، ~~فافترقا. # وقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - جزاء المتعدي فيه ما روي أن: «من ~~أحدث أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله ~~منه صرفا ولا عدلا». # فأرسل الوعيد الشديد، ولم يذكر الكفارة. ### | [مسألة إذا دل الحرام حلالا على صيد فقتله الحلال] # المسألة الحادية عشرة: إذا دل الحرام حلالا على صيد فقتله الحلال فقد ~~اختلف فيه علماؤنا؛ والمشهور أنه لا ضمان عليه؛ وبه قال الشافعي. ms0622 # وقال أشهب: يلزمه الضمان؛ وبه قال أبو حنيفة. # PageV02P203 # والمسألة غامضة المأخذ بعيدة الغور، ولعلمائنا فيها ثلاثة طرق بيناها في ~~مسائل الخلاف. أقواها طريق منشأ غور. # وقال الجوني: الضمان إنما يجب في الشريعة بأحد ثلاثة أشياء: إما بإتلاف ~~مباشر، كالقتل. أو بتلف تحت يد عادية، كما لو مات الحيوان في يد الغاصب. أو ~~بسبب يتعلق بالفاعل؛ كحفر البئر في جهة التعدي؛ ولم يوجد هاهنا شيء من ذلك، ~~فبطل تعلق الجزاء به. # وعول من أوجب الجزاء بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي ~~قتادة المتقدم: «هل أشرتم؟ هل أعنتم؟» وهذا يدل على وجوب الجزاء لو أشار أو ~~أعان عليه. # قلنا: إنما يدل على تحريم ذلك؛ فأما على وجوب الجزاء فلا. ### | [مسألة الحيوان الذي يكون في البر والبحر هل يحل صيده للمحرم] # المسألة الثانية عشرة: اختلف علماؤنا في الحيوان الذي يكون في البر ~~والبحر، هل يحل صيده للمحرم لأنه من حيوان البحر أم لا يحل لأنه من حيوان ~~البر؟ على قولين، ولذلك اختلف الصدر الأول. # والصحيح منعه؛ لأنه تعارض فيه دليلان: دليل تحليل، ودليل تحريم، فغلبنا ~~دليل التحريم احتياطا؛ والله عز وجل أعلم. ### | [مسألة حكم ما خرج من اللؤلؤ والعنبر من البحر] # المسألة الثالثة عشرة: قال أبو يوسف: ما أخرج من اللؤلؤ والعنبر من البحر ~~يخمس، وهو مذهب عمر؛ لأن البحر شبيه البر وقسيمه ونظيره؛ إذ الدنيا بر ~~وبحر، فنقول: فائدة أخرجت من الباطن فوجب فيه الخمس، أصله الركاز، أو لأنه ~~أحد قسمي المخلوقات الأرضية، فجاز أن يجب حق الله فيما يوجد في باطنه، أصله ~~الركاز. والتعليل للبحر. # ودليلنا ما روي عن ابن عباس أنه قال: " لا زكاة في العنبر، إنما هو شيء ~~يقذفه البحر " ولأنه من فوائد البحر، فلا يجب فيه حق أصله السمك. # PageV02P204 # وهذا الفقه صحيح؛ وذلك لأن البحر لم يكن في أيدي الكفرة فتجري فيه ~~الغنيمة، وإنما هو من جملة المباح المطلق، كالصيد. # فإن قيل: فما تقولون في ذهب يوجد في البحر؟ قلنا: لا رواية فيه. ويحتمل ~~أن ms0623 يقال: إنه يجب؛ لأن البحر ليس بمعدن للذهب، فوجوده فيه يدل على أن ~~السيول قذفته فيه. # وقال بعض الحنفية: يحتمل ألا يجب فيه شيء لأن في البحر جبالا لا يد لأحد ~~عليها. ### | [الآية الثامنة والعشرون قوله تعالى جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس] # قوله تعالى: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام ~~والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن ~~الله بكل شيء عليم} [المائدة: 97]. # فيه تسع مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: {جعل الله} [المائدة: 97]: ~~وهو يتصرف على ثلاثة أوجه: # الأول: بمعنى سمى، ومنه قوله تعالى: {إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم ~~تعقلون} [الزخرف: 3]. وقد بيناه في كتاب المشكلين بما ينبغي. # الثاني: بمعنى خلق، كما ورد في القرآن كثيرا، منها قوله سبحانه: {وجعل ~~الظلمات والنور} [الأنعام: 1]. # الثالث: بمعنى صير، كقولك، جعلت المتاع بعضه على بعض. # وتحقيقه هاهنا خلق ثانيا وصفا لشيء مخلوق أولا، وذلك أنه خلق الكعبة ~~وجودا أولا، ثم خلق فيها صفات ثانيا، ف " خلق " عام في الأول والثاني، و " ~~جعل " خاص في الثاني خبر عن الصفات التي فيها على ما يأتي بيانه إن شاء ~~الله تعالى. # PageV02P205 ### | [مسألة لماذا سميت الكعبة كعبة] # المسألة الثانية قوله تعالى: الكعبة: وفيها قولان: أحدهما أنها سميت كعبة ~~لتربعها؛ قاله مجاهد وعكرمة. الثاني: أنها سميت كعبة لنتوئها وبروزها؛ فكل ~~ناتئ بارز كعب، مستديرا كان أو غير مستدير، وهذا هو الأصح، يقال: كعب ثدي ~~المرأة؛ وهذه صفتها هنا، وقد شرحنا أمرها في " إيضاح الصحيحين ". # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {البيت الحرام} [المائدة: 97]: سماها الله ~~سبحانه بيتا؛ لأنها ذات سقف وجدار، وهي حقيقة البيتية، وإن لم يكن بها ~~ساكن؛ ولكن جعل لها شرف الإضافة بقوله: {أن طهرا بيتي للطائفين} [البقرة: ~~125]. # وقال: {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: 29]. على ما يأتي بيانه إن شاء ~~الله تعالى. ### | [مسألة مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس] # المسألة الرابعة: قوله: {الحرام} [المائدة: 97]: سماها الله سبحانه حراما ~~بتحريمه إياها. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن مكة ms0624 حرمها الله، ولم ~~يحرمها الناس، فهي حرام بحرمة الله تعالى، لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم ~~الآخر أن يسفك بها دما أو يعضد بها شجرا، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فقولوا له: إن الله سبحانه أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، ~~وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ~~وليبلغ الشاهد الغائب». # رواه الكل من الأئمة، وثبت عنه في رواية الأئمة أنه «قال - صلى الله عليه ~~وسلم - في حجة الوداع: أي شهر هذا؟ فسكتنا، حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، ~~فقال: أليس ذا الحجة؟ قلنا: بلى. قال: أي بلد هذا؟ فسكتنا، حتى ظننا أنه ~~سيسميه بغير اسمه. # PageV02P206 # فقال: أليس البلدة؟» # يعني قوله تعالى: {إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل ~~شيء} [النمل: 91]. # وفي رواية أنه قال: «أليس البلد الحرام؟ قلنا: الله ورسوله أعلم». # ومعنى قوله تعالى: حرمها أي بعلمه وكتابه وكلامه وإخباره بتحريمها وخلقه ~~لتحريمها، كل ذلك منه صحيح، وإليه منسوب. # فإن قيل: ومن أي شيء حرمها؟ قلنا: من سطوة الجبابرة ومن ظلمة الكفر فيها ~~بعد محمد - صلى الله عليه وسلم -. # فإن قيل: فقد قال في الحديث الصحيح: «ليخربن الكعبة ذو السويقتين من ~~الحبشة». # قلنا: هذا عند انقلاب الحال، وانقضاء الزمن، وإقبال الساعة، وسيأتي بيانه ~~الآن إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة معنى قوله تعالى قياما للناس] # المسألة الخامسة: قوله تعالى: {قياما للناس} [المائدة: 97] # قيام الشيء قوامه وملاكه أي يقومون به قياما، كما قال: {ولا تؤتوا ~~السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما} [النساء: 5]؛ أي يقومون بها. # المسألة السادسة: في معناه الحقيقي: فيه ثلاثة أقوال: # PageV02P207 # [الأول]: قال سعيد بن جبير: قياما للناس، أي صلاحا. # الثاني: قياما للناس أي أمنا. # الثالث: يعني في المناسك والمتعبدات؛ قاله الزجاج وغيره. # والقول الأول يدخل فيه الثاني؛ لأن الأمن من الصلاح، ويدخل التمكن من ~~المناسك والعبادات؛ فإن لكل مصلحة. # وفائدة ذلك وحكمته أن الله سبحانه خلق الخلق في الجبلة أخيافا يتقاطعون ~~تدابرا واختلافا، ms0625 ويتنافسون في لف الحطام إسرافا، لا يبتغون فيه إنصافا، ~~ولا يأتمرون فيه برشد اعترافا، فأمرهم الله سبحانه بالخلافة، وجعل فيهم ~~المملكة، وصرف أمورهم إلى تدبير واحد يزعهم عن التنازع، ويحملهم على التألف ~~من التقاطع، ويردع الظالم عن المظلوم، ويقرر كل يد على ما تستولي عليه حقا، ~~ويسوسهم في أحوالهم لطفا ورفقا، وأوقع في قلوبهم صدق ذلك وصوابه، وأراهم ~~بالمعاينة والتجربة صلاح ذلك في ابتداء الأمر ومآله، ولقد يزع الله ~~بالسلطان ما لا يزع بالقرآن، فالرياسة للسياسة والملك لنفي الملك، وجور ~~السلطان عاما واحدا أقل إذاية من كون الناس فوضى لحظة واحدة، فأنشأ الله ~~الخليقة لهذه الفائدة والمصلحة على الملوك والخلفاء، كلما بان خليفة خلفه ~~آخر، وكلما هلك ملك ملك بعده غيره؛ ليستتب به التدبير، وتجري على مقتضى ~~رأيه الأمور، ويكف الله سبحانه به عادية الجمهور؛ فإذا بعث نبيا سخر الله ~~سبحانه له الملك في وقته إن كان ضعيفا، فكان صغوه إليه وعونه معه، كما فعل ~~بدانيال وأمثاله. # وإن بعثه قويا يسر له الاستيلاء على الزمان وأهله، وأعرى أرض السلطان عن ~~ظله، وجعل الأمر في الدين وأهله، كما فعل بموسى، ولما أراده الله من ~~التيسير على نبيه محمد، والتقديم له، والتشريف لقومه أسكن أباه إسماعيل ~~البلدة الحرام حيث لا إنس ولا أنيس، واستخرج فيها ذريته، وساق إليه من ~~الجوار من عمرت به تلك البلاد والديار، وجردهم عن الملك تقدمة لرئاسة ~~الملة، وكانوا على جبلة الخليقة # PageV02P208 # وسليقة الآدمية، من التحاسد والتنافس، والتقاطع والتدابر، والسلب ~~والغارة، والقتل والثارة، ولم يكن بد في الحكمة الإلهية والمشيئة الأولية ~~من كاف يدوم مع الحال، ورادع يحمد معه المآل؛ فعظم الله سبحانه في قلوبهم ~~البيت الحرام لحقه، وأوقع في نفوسهم هيبته لحكمته، وعظم بينهم حرمته لقهره؛ ~~فكان من لجأ إليه معصوما به، وكان من اضطهد محميا بالكون فيه، ولذلك قال ~~تعالى: {أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم} [العنكبوت: ~~67]. بيد أنه لما كان موضعا مخصوما لا يدركه كل مظلوم ولا يناله كل خائف ~~جعل ms0626 الشهر الحرام وهي: # المسألة السابعة: ملجأ آخر، فقرر في قلوبهم، وأوقع في نفوسهم حرمة الأشهر ~~الحرم؛ فكانوا لا يروعون فيها سربا، ولا يطلبون فيها ذنبا، ولا يتوقعون ~~فيها ثأرا، حتى كان الرجل يلقى قاتل أبيه وابنه وأخيه فلا يؤذيه. # واقتطعوا فيها ثلث الزمان، ووصلوا منها ثلاثة متوالية، فسحة وراحة، ~~ومجالا للسياحة في الأمن واستراحة، وجعلوا منها واحدا مفردا في نصف العام ~~دركا للاحترام؛ ثم يسر لهم الإلهام، وشرع على ألسنة الرسل الكرام الهدي ~~والقلائد، فكانوا إذا أخذوا بعيرا أشعروه دما، وعلقوا عليه نعلا. روى ابن ~~القاسم وابن عبد الحكم عن مالك وهي: # المسألة الثامنة: أن القلائد حبل يفتله، ونعلان يقلدهما، والنعل الواحد ~~تجزي؛ ولذلك روى ابن وهب عن ابن عمر أنه كان يقلد نعلين. وربما قلد نعلا ~~واحدا، فإذا فعل الرجل ذلك في بعيره أو في نفسه لم يرعه ذلك حيث لقيه، وكان ~~الفيصل بينه وبين من طلبه أو ظلمه، حتى جاء الله بالإسلام، وبين الحق بمحمد ~~- عليه السلام - فانتظم الدين في سلكه، وعاد الحق إلى نصابه، وبهذا وجبت ~~الخلافة هدى، ومنع الله الخلق بعد ذلك أن يترك # PageV02P209 # سدى، فأسندت الإمامة إليه، وانبنى وجوبها على الخلق عليه، وهو قوله ~~سبحانه وتعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في ~~الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ~~وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك ~~فأولئك هم الفاسقون} [النور: 55] # المسألة التاسعة: قوله تعالى: {ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات ~~وما في الأرض} [المائدة: 97] إلى آخر الآية: المعنى أنه دبر ذلك من حكمه، ~~وأنفذه من قضائه بقدرته على مقتضى علمه، ليعلموا بظهور هذا التقدير ~~وانتظامه في التدبير عموم علمه، وشمول قدرته، وإحاطته بذلك كله، كيفما تصرف ~~أو تقدر. ### | [الآية التاسعة والعشرون قوله تعالى قل لا يستوي الخبيث والطيب] # قوله سبحانه وتعالى: {قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث ~~فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون} [المائدة: ms0627 100]. # فيها خمس مسائل: # المسألة الأولى: في الخبيث: وفيه قولان: أحدهما: الكافر. والثاني: ~~الحرام. # وأما الطيب وهي: [المسألة الثانية]: # المسألة الثانية: [الطيب]: وفيه أيضا قولان: أحدهما: المؤمن. الثاني: ~~الحلال. # PageV02P210 # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {ولو أعجبك كثرة الخبيث} [المائدة: 100]: ~~وفي معناه قولان: أحدهما: أن الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمراد ~~أمته؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يعجبه الكفار ولا الحرام، وإنما ~~يعجب ذلك الناس. # الثاني: أن المراد به النبي - صلى الله عليه وسلم - وإعجابا به له أنه ~~صار عنده عجبا مما يشاهد من كثرة الكفار، والمال الحرام، وقلة المؤمنين، ~~وقلة المال الحلال. وقد سبق علم الله تعالى وحكمه بذلك. # والدليل عليه الحديث الصحيح قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يقول ~~الله تعالى يوم القيامة: يا آدم، ابعث بعث النار، فيقول: يا رب: وما بعث ~~النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون للنار وواحد للجنة». # المسألة الرابعة: في وجه عدم استوائه ووجوب تفاوته: إن الحرام يؤذي في ~~الدين، ويجب فسخه ورده، والحلال ينفع ويجب إمضاؤه [ويصح تنفيذه]. قال الله ~~تعالى: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل ~~المتقين كالفجار} [ص: 28]. وقال: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم ~~كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} ~~[الجاثية: 21] وقال سبحانه وتعالى: {يمحق الله الربا ويربي الصدقات} ~~[البقرة: 276]. فلا يعجبنك كثرة المال الربوي، ونقصان المال بصدقته التي ~~تخرج منه؛ فإن الله يمحق ذلك الكثير في العاقبة، وينمي المال الزكاتي ~~بالصدقة؛ وبهذا احتج من علمائنا من رأى أن البيع الفاسد يفسخ، ولا يمضى ~~بحوالة سوق، ولا بتغير بدن؛ فيستوي في إمضائه مع البيع الصحيح؛ بل يفسخ ~~أبدا. # PageV02P211 # وقد احتج أيضا من زعم أن من اكترى قاعة إلى أمد فكمل أمده، وقد بنى بها ~~وأسس، فأراد صاحب الأرض أن يخرجه، فإنه يدفع إليه قيمة بنائه قائما، ولا ~~يهدمه عليه، كما يفعل بالغاصب إذا بنى في البقعة المغصوبة. # ونظر آخرون إلى أن البيع إذا فسخ بعد الفوت يكون ms0628 فيه غبن على أحد ~~المتعاقدين ولا عقوبة في الأموال. وكذلك إذا كمل أمد الباني فأي حجة له، ~~وهو يعلم أن البنيان إلى أمد، فإن صاحب العرصة سيحتاج إلى عرصته لمثل ما هي ~~عليه من البناء أو لغيره، فيحمله ذلك على أن يلزمه إخلاؤها مما شغلها به. ~~وهذه كلها حقوق مرتبطة بحقائق وأدلة تتفق تارة وتفترق أخرى، وتتباين تارة ~~وتتماثل أخرى. # وتحقيق ذلك على التفصيل في مسائل الخلاف. ### | [مسألة حقيقة الاستواء في قوله تعالى قل لا يستوي الخبيث والطيب] # المسألة الخامسة: حقيقة الاستواء: الاستمرار في جهة واحدة، ومثله ~~الاستقامة، وضده الاعوجاج، وذلك يتصرف إلى أربعة أوجه: # الأول: الاستواء في المقدار، ولا يتساوى الخبيث والطيب مقدارا في الدنيا؛ ~~لأن الخبيث أوزن دنيا والطيب أوزن أخرى. # الثاني: الاستواء في المكان، ولا يستويان أيضا فيه؛ لأن الخبيث في النار ~~والطيب في الجنة. # الثالث: الاستواء في الذهاب، ولا يتساويان أيضا فيه؛ لأن الخبيث يأخذ جهة ~~الشمال والطيب يأخذ في جهة اليمين. # الرابع: الاستواء في الإنفاق، ولا يستويان أيضا فيه؛ لأن منفق الخبيث ~~يعود عليه الخسران في الدارين، ومنفق الطيب يربح في الدارين. أما خسران ~~الأول فنقص ماله # PageV02P212 # في الدنيا، ونقص ماله في الآخرة؛ وربح منفق الطيب في الدنيا حسن النية ~~وصدق الرجاء في العوض، وربحه في الآخرة ثقل الميزان. ### | [الآية الموفية ثلاثين قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم] # الآية الموفية ثلاثين: # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ~~وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم} ~~[المائدة: 101] {قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين} [المائدة: ~~102]. # فيها سبع مسائل: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: وفي ذلك أربعة أقوال: # الأول: روي في الصحيح عن أنس قال: «خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- خطبة ما سمعنا مثلها. قال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم ~~كثيرا. قال: فغطى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ms0629 وسلم - وجوههم، ولهم ~~حنين. فقال رجل: من أبي؟ فقال: أبوك فلان»، فنزلت: {يا أيها الذين آمنوا لا ~~تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101]. # الثاني: ثبت في الصحيح عن ابن عباس، «كانوا يسألون رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - استهزاء، فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل: تضل ناقته: أين ~~ناقتي»؛ فأنزل الله سبحانه فيهم هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا ~~عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101]. # الثالث: روى الترمذي عن علي قال: «لما نزلت: {ولله على الناس حج البيت من ~~استطاع إليه سبيلا} [آل عمران: 97] قالوا يا رسول الله أفي كل عام؟ قال: ~~لا. ولو قلت: نعم لوجبت». فأنزل الله تبارك وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101]. وقد تقدم في سورة آل ~~عمران بعضه. # PageV02P213 # الرابع: أنها نزلت في قوم سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ~~البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام؛ قاله ابن عباس. # المسألة الثانية: قوله تعالى: {إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101]: هذا ~~المساق يعضد من هذه الأسباب رواية من روى أن سببها سؤال ذلك الرجل: من أبي؟ ~~لأنه لو كشف له عن سر أمه ربما كانت قد بغت عليه فيلحق العار بهم. # ولذلك روي أن أم السائل قالت له: يا بني؛ أرأيت أمك لو قارفت بعض ما كان ~~يقارفه أهل الجاهلية، أكنت تفضحها؟ فكان الستر أفضل. # ويعضده أيضا رواية من روى عن تفسير فرض الحج؛ فإن تكراره مستثنى لعظيم ~~المشقة فيه، وعظيم الاستطاعة عليه. وقد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: «إن الله أمركم بأشياء فامتثلوها، ونهاكم عن أشياء ~~فاجتنبوها، وسكت لكم عن أشياء رحمة منه، فلا تسألوا عنها». ### | [مسألة معنى قوله تعالى وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم} ~~[المائدة: 101]: وهذا يشهد لكونها من باب التكليف الذي لا يبينه إلا نزول ~~القرآن، وجعل نزول القرآن سببا لوجوب ms0630 الجواب؛ إذ لا شرع بعد موت النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يحقق ذلك قوله تعالى: {عفا الله عنها} [المائدة: 101] ~~أي أسقطها، وهي: # المسألة الرابعة: والذي يسقط لعدم بيان الله سبحانه فيه وسكوته عنه هو ~~باب التكليف فإنه بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - تختلف العلماء فيه، ~~فيحرم عالم، ويحل آخر، ويوجب مجتهد. ويسقط آخر؛ واختلاف العلماء رحمة ~~للخلق، وفسحة في الحق، وطريق مهيع إلى الرفق. ### | [مسألة معنى قوله تعالى قد سألها قوم من قبلكم] # المسألة الخامسة: قوله تعالى: {قد سألها قوم من قبلكم} [المائدة: 102]: ~~فيه أربعة أقوال: # PageV02P214 # الأول: قوم عيسى - عليه السلام - في المائدة. الثاني: قوم صالح في ~~الناقة. الثالث: قريش في الصفا ذهبا. الرابع: بنو إسرائيل، كانت تسأل: فإذا ~~عرفت بالحكم لم تقر ولم تمتثل. # والصحيح أنه عام في الكل، ولقد كفرت العيسوية بعيسى وبالمائدة، والصالحية ~~بالناقة، والمكية بكل ما شهدت من آية، وعاينت من معجزة مما سألته ومما لم ~~تسأله على كثرتها؛ وهذا تحذير مما وقع فيه من سبق من الأمم. ### | [مسألة تحريم أسئلة النوازل] # المسألة السادسة: # اعتقد قوم من الغافلين تحريم أسئلة النوازل حتى تقع تعلقا بهذه الآية، ~~وهو جهل؛ لأن هذه الآية قد صرحت بأن السؤال المنهي عنه إنما كان فيما تقع ~~المساءة في جوابه، ولا مساءة في جواب نوازل الوقت، وقد كان من سلف من السلف ~~الصالح يكرهها أيضا، ويقول فيما يسأل عنه من ذلك: دعوه دعوه حتى يقع، يريد: ~~فإن الله سبحانه وتعالى حينئذ يعين على جوابه، ويفتح إلى الصواب ما استبهم ~~من بابه؛ وتعاطيه قبل ذلك غلو في القصد، وسرف من المجتهد؛ وقد وقف أعرابي ~~على ربيعة الرأي وهو يفرع المسائل، فقال: ما العي عندنا إلا ما هذا فيه منذ ~~اليوم. وإنما ينبغي أن يعتني ببسط الأدلة، وإيضاح سبل النظر، وتحصيل مقدمات ~~الاجتهاد، وإعداد الآلة المعينة على الاستمداد؛ فإذا عرضت النازلة أتيت من ~~بابها، ونشدت في مظانها، والله يفتح في صوابها. ### | [مسألة معنى قوله تعالى لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم ms0631 تسؤكم] # المسألة السابعة: وهم بعض المفسرين في هذه الآية في ثلاثة فصول: # الأول: قال: إن قوله: {لا تسألوا} [المائدة: 101] إلى قوله: {تسؤكم} ~~[المائدة: 101] سؤال عما لا يعني، وليس كذلك؛ بل هو سؤال عما يضر ويسوء، ~~ففرق بين أن يكون النهي عن شيء يضر. وبين أن يكون عما لا يعني. وهذا بين. # PageV02P215 # الثاني: قال: قوله: {وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم} [المائدة: ~~101] يعني: وإن تسألوا عن غيرها؛ لأنه نهاهم فكيف ينهاهم ويقول: إنه يبين ~~لهم إن سألوه عنها. # وهذا استبعاد محض عار عن البرهان؛ وأي فرق أو أي استحالة في أن يقال: لا ~~تسأل، فإنك إن سألت يبين لك ما يسوءك، فالسكوت عنه أولى بك، وإن الله تعالى ~~قد عفا عنها لك. الثالث: قوله: {قد سألها قوم من قبلكم} [المائدة: 102]: ~~قال: فهذا السؤال لغير الشيء، والأول والثاني هو سؤال عن غير الشيء، وهذا ~~كلام فاتر، مع أنه قد تقدم ضده حين قال: إن السؤال الثاني هو سؤال عن ~~الشيء، وفيما قدمناه بلاغ في الآية، والله عز وجل أعلم، وبه التوفيق. ### | [الآية الحادية والثلاثون قوله تعالى ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة] # الآية الحادية والثلاثون: # قوله تعالى: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن ~~الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون} [المائدة: 103]. # فيها سبع مسائل: # المسألة الأولى: قوله تعالى: {جعل} [المائدة: 103]: وقد تقدم تقسيمه ~~وتفسيره، ومعنى اللفظ هاهنا: ما سمى الله ذلك حكما ولا يعتد به شرعا، بيد ~~أنه قضى به علما، وأوجده بقدرته وإرادته خلقا؛ فإن الله سبحانه خالق كل شيء ~~من خير وشر، ونفع وضر، وطاعة ومعصية. ### | [مسألة تفسير المسميات في قوله تعالى ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة] # المسألة الثانية: في تفسير المسميات فيها لغة: فالبحيرة، هي: الناقة ~~المشقوقة الأذن لغة، يقال: بحرت أذن الناقة أي شققتها. # والسائبة، هي: المخلاة لا قيد عليها ولا راعي لها. # والوصيلة في الغنم: كانت العرب إذا ولدت الشاة ms0632 أنثى كانت لهم، وإن ولدت # PageV02P216 # ذكرا كانت لآلهتهم، وإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها، فكان الكل ~~للآلهة، ولم يذبحوا الذكر. # والحامي: كانت العرب إذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا: حمى ظهره ~~فسيبوه لا يركب ولا يهاج. # ولهذه الآية تفسير طويل باختلاف كثير يرجع إلى ما أوضحه مالك ومحمد بن ~~إسحاق. # قال ابن وهب: قال مالك: كان أهل الجاهلية يعتقون الإبل والغنم يسيبونها، ~~فأما الحامي فمن الإبل؛ كان الفحل إذا انقضى ضرابه جعلوا عليه من ريش ~~الطواويس وسيبوه. # وأما الوصيلة فمن الغنم ولدت أنثى بعد أنثى سيبوها. # وروى ابن القاسم وغيره عن مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار: ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أول من نصب النصب، وسيب ~~السوائب، وغير عهد إبراهيم عمرو بن لحي؛ ولقد رأيته يجر قصبه في النار، ~~يؤذي أهل النار بريحه». # قال: وأول من بحر البحائر «رجل من بني مدلج عمد إلى ناقتين له، فجدع ~~آذانهما، وحرم ألبانهما وظهورهما، ثم احتاج إليهما، فشرب ألبانهما، وركب ~~ظهورهما، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لقد رأيتهما في النار ~~يخبطانه بأخفافهما ويعضانه بأفواههما». # ونحوه علي بن نافع عن مالك قال: " لقد رأيته يؤذي أهل النار بريحه " ولم ~~يزد. # وروى أشهب عن مالك: السوائب الغنم. وقال محمد بن إسحاق: البحيرة بنت ~~السائبة. والسائبة هي الناقة إذا تابعت بين عشر إناث ليس بينهن ذكر لم يركب ~~ظهرها، ولم يجز وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ضيف فما نتجت بعد ذلك من أنثى ~~شقت أذنها، وخلي سبيلها مع أمها، فلم يركب ظهرها، ولم يجز وبرها، ولم يشرب ~~لبنها إلا ضيف، كما فعل بأمها؛ فهي البحيرة بنت السائبة. # PageV02P217 # والوصيلة: الشاة إذا أتأمت عشر إناث متتابعات في خمسة أبطن ليس بينهن ذكر ~~جعلت وصيلة، قالوا: قد وصلت، فكان ما ولدت بعد ذلك للذكور منهم دون الإناث ~~إلا أن يموت منها شيء فيشتركون في أكله ذكورهم وإناثهم. # وروي عن غير ابن إسحاق: فكان ما ولدت ms0633 بعد ذلك لذكورهم دون إناثهم. # قال ابن إسحاق: والحامي الفحل إذا نتج له عشر إناث متتابعات ليس بينهن ~~ذكر حمي ظهره، فلم يركب ظهره، ولم يجز وبره، وخلي في إبله يضرب، لا ينتفع ~~منه بشيء بغير ذلك. # وقال ابن عباس: البحيرة الناقة. والوصيلة الشاة. والحامي الفحل. وسائبة ~~يقول يسيبونها لأصنامهم. # وروي «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى عمرو بن لحي بن قمعة بن ~~خندف يجر قصبه في النار. قال: فسألته عمن بيني وبينه من الناس. قال: ~~هلكوا». # وروي أن سبب نصب الأوثان وتغيير دين إبراهيم أنه خرج من مكة إلى الشام، ~~فلما قدم مأرب من أرض البلقاء؛ وبها يومئذ العماليق أولاد عمليق، ويقال ~~عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح، رآهم يعبدون الأصنام، فقال لهم: ما هذه ~~الأصنام التي أراكم تعبدون؟ قالوا: هذه أصنام نستمطرها فتمطرنا، ونستنصرنا ~~فتنصرها. فقال لهم: أفلا تعطوني منها صنما أسير به إلى أرض العرب فيعبدوه؟ ~~فأعطوه صنما يقال له هبل. فقدم به مكة فنصبه، وأخذ الناس بعبادته وتعظيمه، ~~فلما بعث الله سبحانه محمدا - صلى الله عليه وسلم - بالحق أنزل عليه: {ما ~~جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون ~~على الله الكذب} [المائدة: 103]؛ وذلك لأنهم كانوا بزعمهم يفعلون ذلك لرضا ~~ربهم وفي طاعته، وطاعة الله ورضاه إنما تعلم من قوله، ولم يكن # PageV02P218 # عندهم لله بذلك قول، فكان ذلك مما يفترونه على الله، وأنزل الله عليه: ~~{وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ~~ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم} [الأنعام: 139]. # وأنزل عليه: {قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا ~~قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون} [يونس: 59]. # وأنزل عليه: {ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين ~~حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم ~~صادقين} [الأنعام: 143]. # وأنزل عليه: {وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله ms0634 عليها} ~~[الأنعام: 138]. # المسألة الثالثة: روى أبو هريرة قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول لأكثم بن الجون: «رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه ~~في النار، فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به ولا به منك. فقال أكثم: أخشى أن ~~يضرني شبهه يا رسول الله. قال: لا؛ لأنك مؤمن وهو كافر؛ إنه أول من غير دين ~~إسماعيل، وبحر البحيرة، وسيب السائبة، وحمى الحامي». # وروى أبو الأحوص عون بن مالك بن نضلة الجشمي عن أبيه «أنه وفد على # PageV02P219 # النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أرب إبل أنت أم رب غنم؟ فقال: من كل ~~المال آتاني الله فأكثر وأطيب. فقال: هل تنتج إبلك صحاحا آذانها فتعمد إلى ~~المواسي فتقطع آذانها، فتقول: هذه بحر. وتشق جلودها، فتقول: هذه صرم، ~~فتحرمها عليك وعلى أهلك؟ قال: نعم. قال: فإن الله تعالى قد أحل لك ما آتاك، ~~وموسى الله أحد، وساعد الله أشد». ### | [مسألة ذم الله تعالى العرب على ما كانت تفعله] # المسألة الرابعة: لما ذم الله تعالى العرب على ما كانت تفعله من ذلك كان ~~ذلك تحذيرا للأمة عن الوقوع في مثل ذلك من الباطل، ولزمهم الانقياد إلى ما ~~بين الله تعالى من التحليل والتحريم، دون التعلق بما كان يلقيه إليهم ~~الشيطان من الأباطيل. # قال محمد بن عبد الحكم: سمعت الشافعي يقول: قال مالك بن أنس: الحبس الذي ~~جاء محمد - صلى الله عليه وسلم - بإطلاقها التي في كتاب الله تعالى: {ما ~~جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} [المائدة: 103]. # قال الشافعي: هذا الذي كلم به مالك بن أنس أبا يوسف عند هارون. # وهذه إشارة إلى أن أبا يوسف خالف مالكا في الأحباس، ورأى رأي شيخه أبي ~~حنيفة في أن الحبس باطل. # وروى عبد الملك بن عبد العزيز قال: حضرت مالكا وقد قال له رجل من أهل ~~العراق عن صدقة الحبس، فقال: إذا حيزت مضت. قال العراقي: إن شريحا قال: لا ~~حبس عن كتاب الله. فضحك مالك، وكان ms0635 قليل الضحك، وقال: يرحم الله شريحا لو ~~درى ما صنع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هاهنا. # PageV02P220 # وقد روي أن مالكا قال له أبو يوسف بحضرة الرشيد: إن الحبس لا يجوز. فقال ~~له مالك: فهذه الأحباس أحباس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخيبر وفدك ~~وأحباس أصحابه؟ فأما «حظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فثبت عنه أنه ~~قال: إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة». # وأما أصحابه: فروي عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، ~~وعائشة، وزيد بن ثابت، ورافع بن خديج، وخالد بن الوليد، وجابر بن عبد الله، ~~وابن عمر، وأم سلمة، وحفصة، وقد روى حديث عمر جماعة، قالوا: «إن عمر جاء ~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله؛ إني أصبت مالا بخيبر ~~لم أصب قط مالا أنفس منه يعني بسمع، وإني أريد أن أتصدق به. فقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: احبس الأصل وسبل الثمرات». وأشار به إلى الصدقة ~~الدائمة فإنه لو تصدق به عمر صدقة فبيع لانقطع أجره في الحبس؛ وكتب عمر في ~~شرطه: " هذا ما تصدق به عمر بن الخطاب صدقة لا تباع ولا تورث ولا توهب، ~~للفقراء، والقربى، والرقاب، وفي سبيل الله، والضيف، وابن السبيل، لا جناح ~~على من وليها أن يأكل منها بالمعروف غير متأثل مالا ". وجاء بألفاظ مختلفة ~~هذه أمهاتها. # وتعلق أبو حنيفة بأن الله تعالى عاب على العرب ما كانت تفعل من تسييب ~~البهائم وحمايتها وحبس أنفسها عنها. وهذا لا حجة فيه؛ لأن الله سبحانه عاب ~~عليهم أن يتصرفوا بعقولهم بغير شرع توجه إليهم، أو تكليف فرض عليهم. # فإن قيل: إنما عاب عليهم أن نقلوا الملك إلى غير مالك، والملك قد عينه ~~الله تعالى في الأموال، وجعل الأيدي تتبادل فيه بوجوه شرعية، أو تبطل في ~~الأعيان بمعان قريبة، كالعتق والهدي؛ فأما هذه الطريق فبدعة. # قلنا: بل سنة كما تقدم. # PageV02P221 # جواب ثان: وذلك أن الحبس عندنا لا ينقل الملك؛ بل يبقى على حكم مالكه، ~~وإنما يكون ms0636 الحبس في الغلة والمنفعة على أحد القولين، وفي القول الثاني ~~ينقل الملك إلى المحبوس عليه وهو مالك. # فإن قيل: إنما كان يصح هذا لو كانوا معينين، فأما المجهول والمعدوم فلا ~~ينتقل الملك إليه. # قلنا: هذا يبطل بأربعة مسائل: الأولى المسجد. الثانية المقبرة. الثالثة ~~القنطرة، قالوا يصح هذا، وهو حبس على معدوم ومجهول [وهو الرابع]. # جواب خامس: وذلك أن أبا حنيفة ناقض؛ فقال: إذا أوصى بالحبس جاز، وهذه ~~المناقضات الخمس لا جواب له عنها إلا وينعكس عليهم في مسألتنا، ولهم آثار ~~لم نرض ذكرها لبطلانها. ### | [مسألة عتق السائبة] # المسألة الخامسة: في عتق السائبة: قال أصبغ عن ابن القاسم في العتبية: ~~أكره عتق السائبة؛ لأنه كهبة الولاء. وقال عيسى: أكرهه وأنهى عنه. # قال سحنون: لا يعجبنا كراهيته له، وهو جائز، كما يجوز أن يعتق عن غيره ~~يريدان: ولا يكون ذلك هبة للولاء، كذلك في السائبة، وهذا الذي قالاه صحيح ~~على تعليله. # وأما لو علل الكراهة بأنها لفظة مذمومة شرعا، فلا يتقرب بها؛ إذ له في ~~غيرها من ألفاظ العتق في كناياته وصرائحه مندوحة لكان له وجه، وتبينت ~~المسألة؛ وبالكراهة أقول للمعنى الذي نبهت عليه. # المسألة السادسة: في تصويره: وهو أن يقول للعبد: أنت سائبة، وينوي العتق. ~~أو يقول: أعتقك سائبة. # PageV02P222 # فقال علماؤنا: ولاؤه للمسلمين، وبه قال عمر، وابن عمر، وابن عباس، وابن ~~شهاب، رواه عنه ابن القاسم ومطرف. # وقال الشافعي وأبو حنيفة: ولاؤه لمعتقه، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وابن ~~نافع، وابن الماجشون. # وجه الأول: أن اللفظ يقتضي أن يزول عنه الملك واليد ويبقى كالجمل المسيب ~~الذي لا يعرض له، ولو تبين الولاء لأحد لم يتحقق هذا المعنى. # ووجه الثاني وبه أقول: إنه لا سائبة في الإسلام وقد قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «الولاء لمن أعتق». # وتحقيق القول فيه أنه لم يعتق عن معين، فلا يخرج الولاء عنه، كما لو أطلق ~~العتق. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب] # المسألة السابعة: قوله تعالى: {ولكن الذين كفروا ms0637 يفترون على الله الكذب} ~~[المائدة: 103]: وهذا عام فيهم، لكن افتراؤهم على قسمين منهم: افتراء معاند ~~يعلم أن هذا كذب وزور، ومنهم من لا يعلمه، وهم الأتباع لرؤسائهم وأهل ~~الغفلة منهم، وهم الأكثر؛ والعذاب يشركهم ويعمهم، والعناد أعظم عذابا. ### | [الآية الثانية والثلاثون قوله تعالى وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول] # الآية الثانية والثلاثون: # قوله تعالى: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا ~~حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون} ~~[المائدة: 104]. # فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: ارتباطها بما قبلها: وذلك بين؛ فإن الله تعالى أخبر عن ~~جهالة العرب فيما تحكمت فيه بآرائها السقيمة في البحائر والسوائب والحوامي، ~~واحتجاجهم في ذلك بأنه أمر وجدوا عليه آباءهم؛ فاتبعوهم في ذلك، وتركوا ما ~~أنزل الله على رسوله وأمر به من دينه. # PageV02P223 ### | [مسألة العقول لا حكم لها بتحسين ولا تقبيح ولا تحليل ولا تحريم] # المسألة الثانية: قد قدمنا أن العقول لا حكم لها بتحسين ولا تقبيح، ولا ~~تحليل ولا تحريم؛ وإنما ذلك إلى الشرع؛ إذ العقول لا تهتدي إلى المنافع ~~التي ترشد من ضلال الخواطر، وتنجي من أهوال الآخرة بما لا يهتدي العقل إلى ~~تفصيله، ولا يتمكن من تحصيله، فكيف إن تغير ما مهده الشرع، وتبدل ما سنه ~~وأوضحه، وذلك [كله] من غرور الشيطان ووساوسه وتحكمه على الخلق بالوعد ~~الصادق: لأجلبن عليهم ولأشاركنهم ولأعدنهم. قال الله عز وجل: {وأجلب عليهم ~~بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا ~~غرورا} [الإسراء: 64]. . ### | [مسألة ذم التقليد وذم الله الكفار باتباعهم لآبائهم] # المسألة الثالثة: تعلق قوم بهذه الآية في ذم التقليد، وقد ذكر الله ~~سبحانه ذم الكفار باتباعهم لآبائهم بالباطل، واقتدائهم بهم في الكفر ~~والمعصية في مواضع من القرآن. وأكد النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك؛ ~~وإنما يكون كما فسرناه في الباطل. فأما التقليد في الحق فأصل من أصول ~~الدين، وعصمة من عصم المسلمين يلجأ إليها الجاهل المقصر عن درك النظر. # وقد اختلف ms0638 العلماء في جوازه في مسائل الأصول، فأما جوازه، بل وجوبه، في ~~مسائل الفروع فصحيح، وهو قبول قول العالم من غير معرفة بدليله؛ ولذلك منع ~~العلماء أن يقال: إنا نقلد النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنا إنما قبلنا ~~قوله بدليل ظاهر، وأصل مقطوع به، وهو المعجزة التي ظهرت على يده موافقة ~~لدعواه، ودالة على صدقه. # وقد بينا أحكام التقليد ووجهه في كتب الأصول. # لبابه: أنه فرض على العامي إذا نزلت به نازلة أن يقصد أعلم من في زمانه ~~وبلده فيسأله عن نازلته، فيمتثل فيها فتواه، وعليه الاجتهاد في معرفة ~~[أعلم] أهل وقته # PageV02P224 # بالبحث عن ذلك، حتى يتصل له الحديث بذلك ويقع عليه الاتفاق من الأكثر من ~~الناس. وعلى العالم أيضا فرض أن يقلد عالما مثله في نازلة خفي عليه فيها ~~وجه الدليل والنظر، وأراد أن يردد فيها الفكر، حتى يقف على المطلوب؛ فضاق ~~الوقت عن ذلك، وخيف على العبادة أن تفوت، أو على الحكم أن يذهب في تفصيل ~~طويل، واختلاف كثير، عولوا منه على ما أشرنا لكم إليه. ### | [مسألة معنى قوله تعالى أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون] # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا ~~يهتدون} [المائدة: 104]: هذه إشارة إلى أن الأدلة والاحتجاجات لا تكون ~~بمحتمل، وإنما يقع الاتباع فيها بما خرج من الاحتمال، ووجبت له الصحة في ~~طرق الاستدلال؛ لأن قولهم: وجدنا عليه آباءنا، فنحن نقتدي بهم في أفعالهم، ~~ونمتثل ما شاهدناه من أعمالهم، ولم يثبت عندهم أن آباءهم بالهدى عاملون، ~~وعن غير الحق معصومون، ونسوا أن الباطل جائز عليهم، والخطأ والجهل لاحق ~~بهم؛ فبطل وجه الحجة فيه، ووضح العمل بالدليل بشروطه حسبما قررناه من شروط ~~الأدلة في كتب الأصول. ### | [الآية الثالثة والثلاثون قوله تعالى يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم] # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا ~~اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون} [المائدة: 105]. # فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: قال بعض علمائنا: في هذه الآية ms0639 غريبة من القرآن ليس لها ~~أخت في كتاب الله تعالى؛ وذلك أنها آية ينسخ آخرها أولها؛ نسخ قوله: {إذا ~~اهتديتم} [المائدة: 105] قوله: {عليكم أنفسكم} [المائدة: 105]. وقد حققنا ~~القول في ذلك في القسم الثاني من علوم القرآن الناسخ والمنسوخ، فالحظوه ~~هناك إن شاء الله تعلموه. # PageV02P225 # المسألة الثانية: روي أن أبا بكر الصديق قال: أيها الناس، إنكم تقرءون ~~هذه الآية وتتأولونها على غير تأويلها: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ~~لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105]. وإن الناس إذا رأوا الظالم ~~فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله سبحانه بعذاب من عنده. # وروى «أبو أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني، فقلت له: كيف تصنع ~~بهذه الآية؟ فقال: أية آية؟ قلت: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا عليكم ~~أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105]؛ فقال: أما والله لقد ~~سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: بل ~~ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ~~ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك، ودع أمر العامة؛ ~~فإن من ورائكم أياما، الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر ~~خمسين رجلا، يعملون مثل عملكم» الحديث إلى آخره. # المسألة الثالثة: # هذه الآية من أصول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو أصل الدين ~~وخلافة المسلمين: وقد ذكر علماؤنا أبوابه ومسائله في أصول الدين، وهي من ~~فروعه، وقد تقدم ذكرنا لها في آيات قبل هذا، وذكرنا بعض شروطه، وحققنا أن ~~القيام به فرض على جميع الخلق. وعرضت هذه الآية الموهمة في ابتداء الحال ~~لمعارضتها لما تقدم، أو لما يتأخر في كتاب الله تعالى من الآيات المؤكدة ~~للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعند سداد النظر وانتهائه إلى الغاية ~~يتبين المطلوب. # PageV02P226 # وقد قال تعالى: {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه} [المائدة: 79]. # وأخبر تعالى أن العذاب واقع بهم لأجل سكوتهم عن المنكر المفعول، والمعروف ~~المتروك؛ وهذا يدل على مخاطبة الكفار بفروع الشريعة، ms0640 وأنهم يعذبون على ~~تركها، وإلى هذا المعنى أشار الصديق - رضي الله عنه - آنفا بقوله عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على ~~يديه أوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده». وذلك إنما يكون مع القدرة على ذلك ~~بيقين الأمن من الضرر عند القيام به؛ يدل عليه قوله في حديث أبي ثعلبة ~~الخشني: «فإذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي ~~برأيه فعليك بخاصة نفسك، ودع أمر العامة». وذلك لعدم الاستطاعة على معارضة ~~الخلق، والخوف على النفس أو المال من القيام بالحق. وتلك رخصة من الله عز ~~وجل يسرها علينا، وفضله العميم آتاناه، وقد بينا كيفية العمل فيه والاختلاف ~~عليه. # ويعضد ذلك الحديث الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من رأى ~~منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فليغيره بلسانه، فإن لم يستطع ~~فليغيره بقلبه، وذلك أضعف الإيمان». # ولهذا المعنى حدث أبو سعيد الخدري مروان بن الحكم حين أراد أن يصعد ~~المنبر قبل الصلاة في خطبة العيدين، فقال له مروان: ذهب ما كنت تعلم. فسكت ~~أبو سعيد، وذكر نحو الحديث المتقدم؛ إذ لم يقدر على مخالفة الملك، ولا ~~استطاع منازعة الإمارة، وسكت. # PageV02P227 # فإن قيل: لم لم يخرج عن الناس، ولم يحضر بدعة، ويقيم سنة مبدلة؟ قلنا: في ~~الجواب وجهان: أحدهما: ما قال عثمان، حين قيل له إنه يصلي لنا إمام فتنة. ~~قال: " الصلاة أحسن ما يفعل الناس؛ فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا ~~أساءوا فاجتنب إساءتهم ". # الثاني: أن أبا سعيد لم يستطع الخروج؛ فإن الموضع كان محاطا به من الحرس ~~مشحونا بحاشية مروان، يحفظون أعمال الناس، ويلحظون حركاتهم، فلو خرج أبو ~~سعيد لخاف أن يلقى هوانا، فأقام مع الناس في الطاعة، وخلص بنفسه من ~~التباعة. ### | [مسألة أجر من يأتي من الأمة أضعاف أجر الصحابة] # المسألة الرابعة: تذاكرت بالمسجد الأقصى طهره الله مع شيخنا أبي بكر ~~الفهري هذا الحديث عن أبي ثعلبة، وقوله - صلى الله عليه وسلم - فيه: «إن ms0641 من ~~ورائكم أيام الصبر للعامل فيها أجر خمسين منكم. فقالوا: بل منهم. فقال: بل ~~منكم؛ لأنكم تجدون على الخير أعوانا، وهم لا يجدون عليه أعوانا»، وتفاوضنا ~~كيف يكون أجر من يأتي من الأمة أضعاف أجر الصحابة، مع أنهم أسسوا الإسلام، ~~وعضدوا الدين، وأقاموا المنار، وافتتحوا الأمصار، وحموا البيضة، ومهدوا ~~الملة؟ وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: «دعوا لي ~~أصحابي، فلو أنفق أحدكم كل يوم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه». # فتراجعنا القول فكان الذي تنخل من القول، وتحصل من المعنى لبابا أوضحناه ~~في شرح الحديث الصحيح، الإشارة إليه أن الصحابة كان لهم أعمال كثيرة فيها ~~ما تقدم سرده؛ وذلك لا يلحقهم فيه أحد، ولا يداني شأوهم فيها بشر، والأعمال ~~سواها من # PageV02P228 # فروع الدين يساويهم فيها في الأجر من أخلص إخلاصهم، وخلصها من شوائب ~~البدع والرياء بعدهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باب عظيم هو ابتداء ~~الدين والإسلام، وهو أيضا انتهاؤه؛ وقد كان قليلا في ابتداء الإسلام، صعب ~~المرام لغلبة الكفار على الحق، وفي آخر الزمان أيضا يعود كذلك بوعد الصادق ~~- صلى الله عليه وسلم - بفساد الزمان، وظهور الفتن، وغلبة الباطل، واستيلاء ~~التبديل والتغيير على الحق من الخلق، وركوب من يأتي سنن من مضى من أهل ~~الكتاب، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «لتركبن سنن من كان قبلكم شبرا ~~بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب خرب لدخلتموه». # وقال - صلى الله عليه وسلم -: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ». # قال علماؤنا فلا بد والله أعلم بحكم هذا الوعد الصادق أن يرجع الإسلام ~~إلى واحد كما بدأ من واحد، ويضعف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى إذا ~~قام به قائم مع احتواشه بالمخاوف، وباع نفسه من الله تعالى في الدعاء إليه ~~كان له من الأجر أضعاف ما كان لمن كان متمكنا منه، معانا عليه بكثرة الدعاة ~~إلى الله تعالى، وذلك لقوله: " لأنكم تجدون على الخير أعوانا وهم لا يجدون ~~إليه أعوانا حتى ينقطع ذلك ms0642 انقطاعا باتا، لضعف اليقين، وقلة الدين " كما ~~قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقوم # PageV02P229 # الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله». يروى برفع الهاء ونصبها من ~~المكتوبة، فإن رويت برفع الهاء كان معناه لا تقوم الساعة حتى لا يبقى موحد ~~يذكر الله عز وجل، وإذا نصبت الهاء كان معناه لا تقوم الساعة حتى لا يبقى ~~آمر بمعروف، ولا ناه عن منكر يقول: خافوا الله، وحينئذ يتمنى العاقل الموت، ~~كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل ~~فيقول: يا ليتني مكانه». . ### | [الآية الرابعة والثلاثون قوله تعالى يأيها الذين آمنوا شهادة بينكم] # الآية الرابعة والثلاثون: # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين ~~الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض ~~فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا ~~نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين} ~~[المائدة: 106] {فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من ~~الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما ~~اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين - ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو ~~يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم ~~الفاسقين} [المائدة: 107 - 108]. # وإنما نظمناها؛ لأنها في قصة واحدة؛ وهذه الآية من المشكلات، وقد عسر ~~القول فيها على المتبحرين، فأما الشادون فالحجاب بيننا وبينهم معزف، ~~والسبيل الموصلة إليها لا تعرف، وما زلنا مدة الطلب نقرع بابها ونجذب ~~حجابها إلى أن فتح الله تعالى منها بما سردناه لكم وجلوناه عليكم في تسع ~~وثلاثين مسألة: # PageV02P230 # المسألة الأولى: في سبب نزولها: وفيه روايات مختلفة من طرق كثيرة لو ~~سردناها بطرقها، وسطرناها بنصوصها، وكشفنا عن أحوال رواتها بالتجريح ~~والتعديل لاتسع الشرح، وطال على القارئ البرح، فلذا نذكر لكم من ذلك أيسره ~~وورد في الكتاب الكبير أكثره، فنقول: روى الترمذي عن محمد بن ms0643 إسحاق عن أبي ~~النضر عن باذان مولى أم هانئ عن ابن عباس، «عن تميم الداري في هذه الآية: ~~{يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} [المائدة: 106] برئ منها الناس غيري ~~وغير عدي بن بداء، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، فأتيا ~~الشام لتجارتهما، وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له بديل بن أبي مريم ~~بتجارته، ومعه جام فضة يريد به الملك، وهو عظم تجارته، فمرض، فأوصى إليهما، ~~وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله. قال تميم: فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه ~~بألف درهم، ثم اقتسمناها أنا وعدي بن بداء، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا ~~إليهم ما كان معنا، وفقدوا الجام، فسألونا عنه، فقلنا: ما ترك غير هذا، وما ~~دفع إلينا غيره. قال تميم: فلما أسلمت بعد قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- المدينة تأثمت من ذلك، فأتيت أهله، فأخبرتهم الخبر، وأديت إليهم خمسمائة ~~درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فأتوا به رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فسألهم البينة، فلم يجدوا، فأمرهم أن يستحلفوه بما يقطع به على أهل ~~دينه، فحلف فأنزل الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا} [المائدة: 106] إلى ~~قوله تعالى: {أيمان بعد أيمانهم} [المائدة: 108] فقام عمرو بن العاص ورجل ~~آخر فحلفا، فنزعت الخمسمائة من عدي بن بداء». قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، ~~وليس إسناده بصحيح. # وقد روي شيء من هذا عن ابن عباس على الاختصار قال: «خرج رجل من بني سهم ~~مع تميم الداري وعدي بن بداء، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم، فلما قدما ~~بتركته فقدوا جاما من فضة مخوصا بالذهب، فأحلفهما رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ثم وجدوا # PageV02P231 # الجام بمكة، فقالوا: اشتريناه من عدي بن بداء وتميم، فقام رجلان من ~~أولياء السهمي، فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما، وإن الجام لصاحبهم. ~~قال: وفيهم نزلت: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} [المائدة: 106]». قال ~~أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، وكذلك خرجه البخاري بلفظه والدارقطني فهو ~~صحيح. # وذكر يحيى بن سليمان الجعفي صاحب التفسير الكبير، ms0644 حدثنا محمد بن فضيل، ~~حدثنا الكلبي أن أبا صالح حدثه عن ابن عباس أنه قال: «وأما قوله: {يا أيها ~~الذين آمنوا شهادة بينكم} [المائدة: 106]. قال: بلغنا والله أعلم أنها نزلت ~~في مولى من موالي قريش، ثم لآل العاص بن وائل انطلق في تجارة نحو الشام، ~~ومعه تميم بن أوس الداري وعدي بن بداء، ويروى بيداء، وهما نصرانيان يومئذ، ~~فتوفي المولى في مسيره؛ فلما حضره الموت كتب وصيته ثم جعلها في ماله ~~ومتاعه، ثم دفعها إليهما، وقال لهما: أبلغا أهلي مالي ومتاعي؛ فانطلقا ~~لوجههما الذي توجها إليه، ففتشا متاع المولى المتوفى بعد موته، فأخذا ما ~~أعجبهما منه، ثم رجعا بالمال والمتاع الذي بقي إلى أهل الميت فدفعاه إليهم، ~~فلما فتش القوم المال والمتاع الذي بقي فقدوا بعض ما خرج به صاحبهم معه من ~~عندهم، فنظروا إلى الوصية وهي في المتاع فوجدوا المال والمتاع فيهما مسمى، ~~فدعوا تميما وصاحبه، فقالوا لهما: هل باع صاحبنا شيئا مما كان عنده أو ~~اشترى؟ فقالوا: لا. قالوا: فهل مرض فطال مرضه فأنفق منه على نفسه؟ قالوا: ~~لا. قالوا: فإنا نفقد بعض الذي مضى به صاحبنا معه. قالوا: ما لنا عما مضى ~~به من علم، ولا بما كان في وصيته؛ ولكن دفع إلينا هذا المال والمتاع، ~~فبلغناكموه كما دفعه إلينا. فرفعوا أمرهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وذكروا له الأمر، فنزل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} ~~[المائدة: 106] إلى {الآثمين} [المائدة: 106] فقاما فحلفا على منبر رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - إدبار صلاة العصر، فخلى سبيلهما، ثم طلعوا بعد ~~ذلك على إناء من فضة منقوش مموه بالذهب عند تميم الداري، فقالوا: هذا من ~~آنية صاحبنا التي مضى بها معه، وقد قلتما # PageV02P232 # إنه لم يبع من متاعه شيئا، فقالا: إنا كنا قد اشتريناه منه، فنسينا أن ~~نخبركم به؛ فرفعوا أمرهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فنزل: {فإن عثر ~~على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما} [المائدة: 107] إلى ~~{الفاسقين} [المائدة: 108] فقام رجلان من أولياء السهمي، ms0645 فحلفا بالله إنه ~~في وصيته، وإنها لحق، ولقد خانه تميم وعدي. فأخذ تميم وعدي بكل ما وجد في ~~الوصية لما اطلع عندهما من الخيانة». # وقد ذكره مقاتل بن حبان عن الحسن، وعن الضحاك، وعن ابن عباس نحوه إلا أنه ~~قال: «ركبوا البحر مع المولى بمال معلوم، وقد علمه أولياؤه وعرفوه من بين ~~آنية وورق وهي الفضة، فمرض المولى، فجعل وصيته إلى تميم وعدي النصرانيين، ~~وذكر معنى ما تقدم، وقال: أمرهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقاما ~~بعد صلاة العصر، فحلفا بالله رب السموات ورب الأرض ما ترك مولاكم من المتاع ~~إلا ما أتيناكم به، وإنا لا نشتري بأيماننا ثمنا قليلا من الدنيا. قال: ثم ~~وجد عندهما بعد ذلك إناء من آنية الذهب، فأخذا به، فقالا: اشتريناه منه في ~~حياته وكذبا، فكلفهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البينة فلم يقدرا ~~على بينة، فرفعا ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فأنزل الله تعالى: ~~{فإن عثر على أنهما استحقا إثما} [المائدة: 107] إلى {الفاسقين} [المائدة: ~~108]. فحلف وليان من أولياء الميت: إن مال صاحبنا كذا، وإن الذي نطلبه قبل ~~الداريين حق». # وعن مجاهد أن رجلين نصرانيين من أهل دارين أحدهما تميمي، والآخر يمان، ~~صحبهما مولى لقريش في تجارة، ومع القرشي مال معلوم، قد علمه أهله من بين ~~آنية وورق فمرض، فجعل وصيته إلى الداريين، فمات وقبضها الداريان، فدفعاها ~~إلى أولياء الميت وخاناه ببعض ماله، فقالوا: إن صاحبنا قد خرج، وذكر نحو ~~حديث الجعفي. # وذكر سنيد أن الآية نزلت في «تميم الداري وعدي بن بداء النصرانيين وكانا ~~يختلفان إلى مكة والمدينة بعدما هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ~~المدينة؛ فبعث عمرو بن العاص والمطلب بن وداعة السهمي معهما رجلا يقال له ~~بديل بن أبي مارية الرومي مولى العاص بن وائل # PageV02P233 # بمتاع إلى أرض الشام فيه آنية من ذهب، وآنية من فضة، وآنية مموهة بالذهب. ~~فلما قدموا الشام مرض بديل، وكان مسلما، فكتب وصيته، ولم يعلم بها تميم ~~الداري ولا عدي، وأدخلها في ms0646 متاعه، ثم توفي ولم يبع شيئا من متاعه، فقدم ~~تميم الداري وعدي المدينة، ودفعا المتاع إلى عمرو بن العاص وإلى المطلب، ~~وأخبراهما بموت بديل، فقال عمرو والمطلب: لقد مضى من عندنا بأكثر من هذا، ~~فهل باع شيئا؟ قالا: لا. فمضوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأحلف ~~لهما تميما وعديا بعد صلاة العصر بالله الذي لا إله إلا هو ما ترك عندنا ~~غير هذا. ثم إن عمرا والمطلب ظهرا على آنية عند تميم الداري وعدي، فقالا: ~~هذه الآنية لنا، وهي مما مضى به بديل من عندنا. فقال لهم تميم وصاحبه عدي: ~~اشترينا هذه الآنية منه. فقال عمرو والمطلب: قد سألناكما هل باع شيئا؟ ~~فقلتما: لا، وقد كانت وصية بديل أنه لم يبع شيئا. فحلف عمرو والمطلب ~~واستحقا الآنية». # وذكر الواقدي أن الآيات الثلاث نزلت في «تميم الداري وأخيه عدي، وكانا ~~نصرانيين، وكان متجرهما إلى مكة، فلما هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إلى المدينة قدم ابن أبي مارية مولى عمرو بن العاص المدينة، وهو يريد الشام ~~تاجرا فخرج مع تميم الداري وأخيه عدي حتى إذا كانا ببعض الطريق مرض ابن أبي ~~مارية، وكتب وصيته، ودسها في متاعه، وأوصى إلى تميم وعدي، فلما مات فتحا ~~متاعه، وأخذا منه ما أرادا، وأوصلا بقية التركة إلى ورثة الميت، ففتحوا ~~فوجدوا وصيته، وقد كتب فيها ما خرج به، ففقدوا أشياء، فسألوا تميما وعديا ~~عن ذلك، فقال: ما ندري، هذا الذي قبضنا له، فرفعوها إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فنزلت الآية: {يا أيها الذين آمنوا} [المائدة: 106] ~~الآية. فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يستحلفا بالله ما قبضنا ~~له غير هذا، وما كتمناه شيئا. فحلفا بعد العصر، ثم ظهر على إناء من فضة ~~منقوش بذهب معهما، فقالا اشتريناه منه، فارتفعوا إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فنزلت الآية الأخرى: {فإن عثر على أنهما استحقا إثما} ~~[المائدة: 107]. فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلين من أهل بيت ~~الميت فحلفا، واستحقا الإناء». ms0647 # ثم إن تميما أسلم، فكان يقول: صدق الله، وبلغ رسوله؛ أنا أخذت الإناء. # وروى الشعبي أن رجلا من خثعم خرج من الكوفة إلى السواد. فمات بدقوقاء # PageV02P234 # فلم يجد أحدا يشهد على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب، فقدما الكوفة، ~~فأتيا أبا موسى الأشعري، فأخبراه، وقدما بتركته ووصيته، فقال أبو موسى ~~الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فأحلفهما، وأمضى شهادتهما بعد صلاة العصر بمسجد الكوفة بالله الذي ~~لا إله إلا هو، ما كتما ولا غيرا. قال ابن عباس: كأني أنظر إلى العلجين حتى ~~انتهى بهما إلى أبي موسى الأشعري، ففتح الصحيفة؛ فأنكر أهل الميت وجوههما، ~~فأراد أبو موسى أن يستحلفهما بعد صلاة العصر، فقلت: لا يبالون بعد العصر، ~~ولكن استحلفهما بعد صلاتهما في دينهما. # وقد روي عن ابن مسعود. # المسألة الثانية: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} [المائدة: 106] # قد تقدم في سورة البقرة. ### | [مسألة معنى قوله تعالى شهادة بينكم] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {شهادة بينكم} [المائدة: 106] وقد تقدم ~~معنى (شهيد) في هذه السورة أيضا بعينها، وبينا اختلاف أنواعها، وقد وردت في ~~كتاب الله تعالى بأنواع مختلفة، منها قوله: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} ~~[البقرة: 282] قيل: معناه أحضروا. # ومنها قوله تعالى: {شهد الله أنه لا إله إلا هو} [آل عمران: 18] قضى. # ومنها شهد، أي أقر، كقوله: {والملائكة يشهدون} [النساء: 166]. # ومنها شهد بمعنى حكم؛ قال تعالى: {وشهد شاهد من أهلها} [يوسف: 26]. # ومنها شهد بمعنى حلف، كما جاء في اللعان. # ومنها شهد بمعنى علم. كما قال: {ولا نكتم شهادة الله} [المائدة: 106] أي ~~علم الله. # ومنها شهد بمعنى وصى، كقوله هاهنا: {يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم} ~~[المائدة: 106]. انتهى كلامه. # وقد نقص موارد منه، منها قوله: {وما شهدنا إلا بما علمنا} [يوسف: 81]. # PageV02P235 # المسألة الرابعة: في ذلك تحقيق ذلك: # وهو أن بناء " شهد " موضوع للعبارة عما يعلم بدرك الحواس، كما أن " غيب " ~~موضوع للعبارة عما لم يدرك بها ولذلك قلنا: إن الباري تعالى وتقدس عالم ~~الغيب والشهادة ms0648 فمعنى شهدت: أدركت بحواسي، أي علمت بهذه الطريق التي جعلها ~~الله سبحانه طرقا لعلمي، ثم ينقل مجازا إلى متعلقاته، فمعنى شهد الله: علم ~~مشاهدة، وأخبر عما علم بكلامه، وهذا يكون في المحدث، فإذا ثبت هذا فقوله: ~~{واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282] أي أحضروا من يعلم لكم ما ~~يشاهد من عقدكم. # وقوله: شهد الله أي علم وأخبر عن علمه، وبين ما علم لنا حتى نتبينه. ~~فأخبر عن حكمه، فيرجع إلى علمه سبحانه عما يخبر عنه، لارتباط الخبر والعلم. ~~وشهد بمعنى حلف مثله؛ لأنه أخبر عن حاله، وقرن بخبره تعظيم الله سبحانه ~~وتعالى. # وقوله: {ولا نكتم شهادة الله} [المائدة: 106] يريد ما علمناه وعلمه الله ~~معنا، فإن صدق وإلا كان خبره عن علم الله كذبا، والله سبحانه العالم الذي ~~لا يجهل، والصادق المتقدس عن الكذب. # وأما شهد بمعنى وصى فلا معنى له إلا على بعد لا يحتاج إليه. # وأما قوله تعالى: {شهادة بينكم} [المائدة: 106] في هذه الآية فهي عند ~~العلماء على ثلاثة أقوال: أحدها بمعنى حلف. والثاني: بمعنى حضر للتحمل. ~~والثالث: بمعنى الأداء عند الحاكم. تقول: أشهد عندك، أي حضرت لأؤدي عندك ما ~~علمت، وأداؤها بلفظ الشهادة بعيد لا درك عند العلماء لمعناه، ولا يجزي غيره ~~عنه. # المسألة الخامسة: قوله تعالى: {بينكم} [المائدة: 106] # قال بعض علمائنا: معناه شهادة ما بينكم، فحذفت ما، وأضيفت الشهادة إلى ~~الظرف، استعمل البين اسما على الحقيقة، كما قال تعالى: {بل مكر الليل ~~والنهار} [سبأ: 33]. وأنشدوا: # تصافح من لاقيت لي ذا عداوة ... صفاحا وعني غيب عينيك منزوي # PageV02P236 # وأنشدوا: # وأهل خباء صالح ذات بينهم ... قد احتربوا في عاجل أتى آجله # وتحقيق القول فيه أن " بين " في أصله مصدر قولك: بان يبين بينا أي فارق ~~ما كان مجتمعا معه، وانفصل عما كان متصلا به، ومنه حديث النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «ما أبين من حي فهو ميت». المعنى ما فصل من أعضاء الحيوان عنه ~~حال حياته فهو ميتة يعني لا يحل أكله؛ واستعمل ظرفا على معنى الصدر، وهو ~~باب من أبواب ms0649 النحو، تقول: بين الدار والمسجد مسافة. ولو كانا مجتمعين لم ~~يكن بينهما بين، أي موضع خال منهما. وما كان الاجتماع على ضربين: اجتماع ~~أجسام، واجتماع معان، وهي الأخلاق والأهواء جعل افتراق الأهواء كافتراق ~~الأجسام، واستعمل فيه " بين " الذي هو الافتراق فيهما جميعا. # والدليل عليه قول الله تعالى: {ومن بيننا وبينك حجاب} [فصلت: 5]. # وعلى هذا يحمل قوله: بيني وبينه رحم، أي ما افترقنا إلا عن أصل واحد. ~~وبيني وبينه شركة أي افترقنا في كل شيء إلا عن جمع المال المخصوص. # فقال أهل الصناعة: هو مصدر في المعاني، ظرف في الأجسام لما كانت ذوات ~~مساحات محسوسات فرقا بينها وبين المعاني، والكل في الحقيقة تباين وتباعد ~~وفرقة. # ومنه قوله تعالى: {لقد تقطع بينكم} [الأنعام: 94] مرفوعا ومنصوبا. # المعنى: لقد تقطع تباعدكم وافتراقكم بحيث لا يكون له اتصال؛ فإن الذي ~~يبين على قسمين، منه ما يرجى له اتصال، ومنه ما لا يرجى له اتصال، فيعبر ~~عنه بالتقطع. # وقد جعل أهل الصناعة هنا " بين " للظرف، وكثر ذلك حتى جعل اسما في ~~الأهواء المتباينة، مجازا يعبر به عنها، وعليه يخرج: لقد تقطع بينكم على ~~قراءة الرفع. المعنى: لقد تفرقت أهواؤكم وأخلاقكم. # PageV02P237 # وتارة تضاف بالكناية إليه فيقال: ذات البين. قال الله سبحانه: {فاتقوا ~~الله وأصلحوا ذات بينكم} [الأنفال: 1]. # قال الشاعر: # وأهل خباء صالح ذات بينهم # كما تقدم. # ويقال: الأمر الذي بينكم، وما بينكم مبهم، معناه الأمر الذي فرقكم. فإذا ~~ثبت هذا فمعنى قوله: {شهادة بينكم} [المائدة: 106]، أي شهادة اختلافكم ~~وتنازعكم؛ فتكون الشهادة مضافة إلى المصدر، لا إلى الظرف ولا على تقدير ~~محذوف. وهذه غاية البيان، ولو هدي له من تكلم على الآية وما تخبط فيها ولا ~~خلط معانيها. # المسألة السادسة: قوله تعالى: {إذا حضر أحدكم الموت} [المائدة: 106]: # ولفظ {حضر} [المائدة: 106] يعبر به عن الوجود مشاهدة، وضده غاب، وهو أيضا ~~عبارة عن الوجود الذي لم يشاهد، وقد يعبر بقولك: " غاب " عن المعدوم. ~~والباري سبحانه عالم الغيب والشهادة؛ أي عالم الموجود والمعدوم؟ لأنه مثل ~~الوجود في عدم المشاهدة. # وقد وردت ms0650 هذه اللفظة عبارة عن الموت في كتاب الله حقيقة، وهو في قوله ~~تعالى: {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت} ~~[النساء: 18]. وفي قوله: {حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون} ~~[المؤمنون: 99] فهو في هذين الموضعين حقيقة الوجود مشاهدة. # وأما ورودها مجازا فبأن يعبر عن حضور سببه بحضوره، وهو المرض، فيعبر عن ~~المسبب بالسبب، وهو أحد قسمي المجاز، كما بيناه في غير موضع. ### | [مسألة معنى قوله تعالى حين الوصية اثنان] # المسألة السابعة: قوله تعالى: {حين الوصية اثنان} [المائدة: 106] ومعنى ~~{حين} [المائدة: 106] وقت؛ وتقدير الآية شهادة بينكم إذا أردتم الوصية وقد ~~مرضتم؛ وذلك أن الوصية تكون في ثلاثة أحوال # PageV02P238 # الأول: حال البدار إلى السنة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما حق ~~امرئ مسلم يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده». # وقد تقدم شرح وقت ذلك وسببه وحقيقة الوصية، وهي: المسألة الثامنة. ### | [مسألة وقت الوصية وسننها] # المسألة التاسعة: في وقت الوصية وسننها بالإيضاح والبسط: # وذلك عند السفر للمخافة فيه، والمرض؛ لأنه رائد المنية ومظنتها. وقد قال ~~مالك في كتاب العتق: إذا قال لعبده في مرضه: أنت حر بعد موتي كان له الرجوع ~~عنه؛ لأنها حالة مرض، فاقتضت ذلك قرينة في الحكم بأنه وصية، فجاز له الرجوع ~~فيه. # وقد كنت أردت بسطه، فلما ذكرت طوله قبضت عنه العنان، وأحلت على مسائل ~~الفقه بالبيان. ### | [مسألة معنى قوله تعالى اثنان] # المسألة العاشرة: قوله تعالى: {اثنان} [المائدة: 106] # وكان بمطلقه يقتضي شخصين، ويحتمل رجلين، إلا أنه قال بعد ذلك: ذوا عدل، ~~فيبين أنه أراد رجلين؛ لأنه لفظ لا يصلح إلا للمذكر، كما أن " ذواتي " لا ~~تصلح إلا للمؤنث # المسألة الحادية عشرة: إعرابه: وفيه أربعة أقوال: # الأول: أن يكون " شهادة " مرتفعا بالابتداء واثنان خبره التقدير شهادة ~~اثنين. # الثاني: أن يرتفع اثنان بشهادة؛ التقدير وفيما أنزل عليكم أن يشهد اثنان. # الثالث: أن يكون اثنان مفعولا لم يسم فاعله بشهادة. # الرابع: يكون تقديره: شهود شهادة بينكم اثنان، ويجوز الحذف مع الابتداء، ~~كما يجوز مع الخبر # PageV02P239 # وفي الثالث ms0651 بعد؛ لأن شهادة مصدر شهد، وهو بناء لا يتعدى، وقد مهدناه في ~~الملجئة. # المسألة الثانية عشرة: قوله تعالى: {ذوا عدل منكم} [المائدة: 106] # وقد تقدم شرحه في سورة البقرة. ### | [مسألة معنى قوله تعالى منكم] # المسألة الثالثة عشرة: قوله تعالى: {منكم} [المائدة: 106] فيه ثلاثة ~~أقوال: # أحدها: من المسلمين، والكاف والميم لضميرهما؛ قاله ابن عباس، ومجاهد. # الثاني: من قبيلتكم: قاله الحسن، وسعيد بن المسيب. # الثالث: منكم: من أهل الميت. # المسألة الرابعة عشرة: قوله تعالى: {أو} [المائدة: 106] قيل: هي للتخيير. ~~وقيل: للتفصيل. # معناه أو آخران من غيركم إن لم تجدوا منكم قاله ابن المسيب، ويحيى بن ~~يعمر، وأبو مجلز، وإبراهيم، وابن جبير، وشريح؛ ويروى عن أبي موسى الأشعري، ~~وابن عباس. # وتحقيق النظر في هذا الفصل أن قوله: {منكم} [المائدة: 106] قد تقدم فيه ~~الخلاف، وعليه يتركب قوله: أو آخران، وقوله: غيركم؟ وهي مسألتان تتم بهما ~~ست عشرة مسألة، فإن كان منكم من أهل ملتكم كان قوله: غيركم للكافرين، وكان ~~الآخران من ليس بمسلم وإن كان المراد به من غير قبيلتكم كان كما قال الزهري ~~والحسن وغيرهما " فقبيل الميت وعشيرته أعلم بحاله. # وتعلق من قال بأنه من غير ملتكم بأن الله سبحانه خاطب المؤمنين، ثم قال ~~لهم: من غيركم؛ وغير المؤمنين هم الكافرون. # وأما من قال: من أهل الميت فلأن الحج لهم والكلام منهم ومعهم؛ ويؤكده ~~أيضا # PageV02P240 # بأنه قال في أول الآية: {يا أيها الذين آمنوا} [المائدة: 106]. ثم قال ~~{من غيركم} [المائدة: 106] يعني أو آخران عدلان من غيركم. وبه يصح العطف، ~~وقال: {تحبسونهما من بعد الصلاة} [المائدة: 106] فدل على أنهما من أهل ~~الصلاة، وإذا كانا مؤمنين احتمل أن يكون ذلك من القبيلة أو من الورثة، ~~ويترجح ذلك بحسب ما تقدم. # المسألة السابعة عشرة: قوله تعالى: {إن أنتم ضربتم في الأرض} [المائدة: ~~106] وقد تقدم بيانه في سورة النساء. # المسألة الثامنة عشرة: # إن ذلك يتضمن الشهادة في الحضر والسفر، وتقدم أيضا ذكر ذلك في سورة ~~البقرة، ويتخصص به هاهنا أن الله تعالى لما قال: {إن أنتم ضربتم في ms0652 الأرض} ~~[المائدة: 106]، كان ذلك شرطا فيه حيث لا يوجد مسلم في الغالب، فيؤخذ ~~الكافر عوضا منه للضرورة في الشهادة؛ قال جماعة من التابعين، واختاره أحمد ~~بن حنبل، وأجاز شهادة أهل الذمة على المسلمين في السفر عند عدم المسلمين ~~واحتج بالحديث والآية. ونبينه فيما بعد، إن شاء الله تعالى. # المسألة التاسعة عشرة: قوله تعالى: {فأصابتكم مصيبة الموت} [المائدة: ~~106] # يعني وقد أسندتم النظر إليهما، واستشهدتموهما. أو ارتبتم بهما على ما ~~تقدم بيانه في سرد القصص والروايات وذكر الآثار والمقالات ### | [مسألة حبس من وجب عليه الحق] # المسألة الموفية عشرين: قوله تعالى: {تحبسونهما من بعد الصلاة} [المائدة: ~~106] وفي ذلك دليل على حبس من وجب عليه الحق، وهو أصل من أصول الحكومة، ~~وحكم من أحكام الدين؟ فإن الحقوق المتوجهة على قسمين: منها ما يصح استيفاؤه ~~معجلا، ومنها ما لا يمكن استيفاؤه إلا مؤجلا فإن خلي من عليه الحق وغاب ~~واختفى بطل الحق وتوي، فلم يكن بد من التوثق منه، فإما بعوض عن الحق ويكون # PageV02P241 # بمالية موجودة فيه؛ وهي المسمى رهنا، وهو الأولى والأوكد؛ وإما شخص ينوب ~~منابه في المطالبة والذمة، وهو قول الأول؛ لأنه يجوز أن يغيب كغيبته، ~~ويتعذر وجوده كتعذره، ولكن لا يملك أكثر من هذا. فإن تعذرا جميعا لم يبق ~~إلا التوثق بحبسه، حتى تقع منه التوفية لما كان عليه من حق؛ فإن كان الحق ~~بدنيا لا يقبل البدل كالحدود والقصاص ولم يتفق استيفاؤه معجلا، لم يبق إلا ~~التوثق بسجنه؛ ولأجل هذه الحكمة شرع السجن. # وقد روى الترمذي وأبو داود أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - حبس في تهمة ~~رجلا ثم خلى عنه». # وفي مصنف عبد الرزاق أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - أتي بسارق فقال: ~~احبسوه؛ فإن مات صاحبه فاقتلوه». # وهذا دليل على أن الشهادة يمين وأنه عنى بهم المتنازعين في الحق لا ~~القائمين بالشهادة فيه؛ لأن القائم بالشهادة لا حبس عليه ### | [مسألة معنى قوله تعالى من بعد الصلاة] # المسألة الحادية والعشرون: قوله تعالى: {من بعد الصلاة} [المائدة: 106] ~~وفيه أربعة أقوال: # أحدها: ms0653 بعد العصر؛ قاله شريح، والشعبي، وسعيد بن جبير، وقتادة. # الثاني: من بعد الظهر؛ قاله الحسن. # الثالث: أي صلاة كانت. # الرابع: من بعد صلاتهما، على أنهما كافران. # وقد روي في الصحيح «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حلف المتلاعنين بعد ~~العصر وروي بعد الظهر». # PageV02P242 # وفي الصحيح: «من حلف على يمين كاذبة بعد العصر لقي الله سبحانه وهو عليه ~~غضبان». وهذا على طريق التغليظ بالزمان. # وقد اختلف العلماء فيه اختلافا كثيرا بيناه في مسائل الخلاف وشرحنا أن ~~حكم التغليظ يتعلق بثلاثة أوجه: # أحدها: تغليظ بالألفاظ. الثاني: # تغليظ بالمكان، كالمسجد والمنبر؛ لأنه مجتمع الناس، فيكون له أخزى، ~~ولفضيحته أشهر. # الثالث: التغليظ بالزمان، كما بعد العصر، وسيأتي ذكر ذلك في سورة " النور ~~" إن شاء الله. # ومن علمائنا من قال: إن التغليظ يكون بستة أوجه: الأول: باللفظ. الثاني: ~~بالتكرار. الثالث: بالمصحف. الرابع: بالحال. الخامس: بالمكان. السادس: ~~بالزمان. # أما التغليظ بالألفاظ ففيه ثلاثة أقوال: الأول: الاكتفاء بقوله بالله. ~~وقال أشهب: لا تجزئه. الثاني: الاكتفاء بقوله: بالله الذي لا إله إلا هو. ~~وقال ابن كنانة عن مالك: أما ربع دينار والقسامة، واللعان، فلا بد من أن ~~يقول فيه: بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم. ~~وهو القول الثالث، وبه قال الشافعي. # ولقد شاهدت القضاة من أهل مذهبه يحلفون بالله الذي لا إله إلا هو، الطالب ~~الغالب، الضار النافع، المدرك المهلك، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم. # وهذا ما لا آخر له إلا التسعة والتسعون اسما، وغير هذه الأسماء التي ~~حلفوا بها أرهب وأعظم معنى من غيرها. # PageV02P243 # وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح: " الحلف بالله ~~وبالذي لا إله إلا هو، وهو التغليظ، وبالمصحف؛ وهو مذهب الشافعي، وهو بدعة ~~ما ذكرها أحد قط من الصحابة، وكل فصل يستوفى بموضعه إن شاء الله تعالى ### | [مسألة معنى قوله تعالى فيقسمان بالله] # المسألة الثانية والعشرون: قوله تعالى: {فيقسمان بالله} [المائدة: 106] # قيل: هما الوصيان إذا ارتيب بقولها. وقيل: هما الشاهدان إذا لم يكونا ~~عدلين وارتاب بهما ms0654 الحاكم حلفهما. # والذي سمعت وهو بدعة عن أبي ليلى أن يحلف الطالب مع شاهديه أن الذي شهدا ~~به حق، وحينئذ يقضى للمدعي بالحق. # وتأويل هذا عندي إذا ارتاب الحاكم بالقبض للحق فيحلف إنه لباق. وأما غير ~~ذلك فلا يلتفت إليه. هذا في المدعي فكيف يحبس الشاهد أو يحلف؟ هذا مما لا ~~يلتفت إليه ### | [مسألة كان الحالف كافرا] # المسألة الثالثة والعشرون: قوله: {بالله} [المائدة: 106] # وهذا نص من كتاب الله في ترك التغليظ بالألفاظ. # والذي أقول: إنه إن كان الحالف كافرا كما تقدم في سرد الأقوال والروايات، ~~وقلنا بالتغليظ فلا يقال له في التغليظ قل: بالله الذي لا إله إلا هو؛ ~~لأنهم لا يقرون بها. وعلى إقرارهم على هذا الإنكار بذلوا الجزية، ولكنهم ~~يحلفون، كما روى أبو داود وغيره «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ~~لليهود: أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى»، وتغلظ عليهم بالمكان في ~~كنائسهم وبالزمان بعد صلاتهم، كما تقدم # PageV02P244 # ذكره في قصة دقوقاء؛ فإن الغرض من هذا التغليظ كله زجر الحالف عن الباطل، ~~والرجوع إلى الحق، ورهبته بما يحل من ذلك، حتى يكون ذلك داعية للانكفاف عن ~~الباطل والرجوع إلى الحق، وهو معنى: {ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على ~~وجهها} [المائدة: 108]. # وقد حققنا هذا الغرض، فقلنا: إن الله سبحانه ما غلظ في كتابه يمينا، إنما ~~قال: فيقسمان بالله. وقال تعالى: {قل إي وربي إنه لحق} [يونس: 53]. وقال ~~مخبرا عن خليله: {وتالله لأكيدن أصنامكم} [الأنبياء: 57]. وقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت». # ولكن قد روى البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اتقوا الله، ~~فوالله الذي لا إله إلا هو لتعلمن أني رسول الله حقا». # وروى النسائي وأبو داود أن «خصمين أتيا النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - للمدعي: البينة. قال: يا رسول الله، ليس ~~لي بينة. فقال للآخر: احلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عليك شيء، أو ما ~~له عندك شيء». # وتغليظ ms0655 العدد في اللعان، وهو التكرار، وفي القسامة مثله. # وزعم الشافعي أنه رأى ابن مازن قاضي صنعاء يحلف بالمصحف ويؤثر أصحابه ذلك ~~عن ابن عباس، ولم يصح. # وأما التغليظ بالحال فروي عن مطرف وابن الماجشون وبعض أصحاب الشافعي أنه ~~يحلف قائما مستقبل القبلة. # وروى ابن كنانة عن مالك: يحلف جالسا. # والذي عندي أنه يحلف كما يحكم عليه بها إن قائما فقائما، وإن جالسا ~~فجالسا؛ إذ لم يثبت في أثر ولا نظر اعتبار قيام أو جلوس. # PageV02P245 # وتغليظ المكان كما قلنا في مسائل الخلاف # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من حلف على منبري بيمين كاذبة ~~فليتبوأ مقعده من النار». # فقيل: أراد أن يبين الحال؛ لأنه مقطع الحقوق. وقيل: أراد أن يخبر عن قوم ~~عاهدوا وحلفوا على المنبر للناس ثم غدروا. # وروي أن عبد الرحمن بن عوف رأى رجلا يحلف بين الركن والمقام فقال: أعلى ~~دم أو على مال عظيم؟ فدل ذلك على أنه عندهم من المستقر في الشرع ألا يحلف ~~هنالك إلا على ما وصف، فكل مال تقطع فيه اليد، وتسقط فيه حرمة العضو فهو ~~عظيم. ### | [مسألة معنى قوله تعالى إن ارتبتم] # المسألة الرابعة والعشرون: قوله تعالى: {إن ارتبتم} [المائدة: 106] # والريبة: هي التهمة يعني من ادعى عليهما بخيانة. واختلف في المرتاب، ~~فقيل: هو الحاكم. وقيل: هم الورثة؛ وهو الصحيح. # والتهمة والريبة على قسمين: # أحدهما: ما تقع الريبة فيه بعد ثبوت الحق أو توجه الدعوى؛ فهذا لا خلاف ~~في وجوب اليمين. # الثاني: التهمة المطلقة في الحقوق والحدود؛ وهو تفصيل طويل، بيانه في ~~أصول المسائل وصورها من المذهب، وقد تحققت هاهنا الدعوى، وثبتت على ما سطر ~~في الروايات. ### | [مسألة معنى قوله تعالى لا نشتري به ثمنا] # المسألة الخامسة والعشرون: قوله تعالى: {لا نشتري به ثمنا} [المائدة: ~~106] # قال علماؤنا: معناه لا نشتري به ذا ثمن، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه ~~مقامه. # وهذا ما لا يحتاج إليه؛ فإن الثمن عندنا مشترى، كما أن المثمون مشترى؛ ~~فكل # PageV02P246 # واحد من المبيعين ثمنا ومثمونا، كان البيع دائرا ms0656 على عرض أو نقد، أو على ~~عرضين أو نقدين، وعلى هذا الأصل تنبني مسألة ما إذا أفلس المشتري ووجد ~~متاعه عند البائع، هل يكون أولى به؟ قال أبو حنيفة: لا يكون أولى به، وبناه ~~على هذا الأصل، وقد بيناه في مسائل الخلاف. # المسألة السادسة والعشرون: قوله تعالى: {به} [المائدة: 106] فيه ثلاثة ~~أقوال: الأول: يعني القول الذي قلناه. الثاني: أن الهاء تعود على الله ~~تعالى. المعنى: لا نبيع حظنا من الله تعالى بهذا العرض. الثالث: هو ضمير ~~الجماعة، وهم الورثة، وهم المتهمون الذين لهم الطلب ولهم التحليف، والحاكم ~~يقتضي لهم وينوب عنهم في إيفاء الحق. # والصحيح عندي: أنه يعود على القول، فبه يتمكن المعنى ولا يحتاج إلى سواه ### | [مسألة كان المشهود له ذا قربى] # المسألة السابعة والعشرون: قوله تعالى: {ولو كان ذا قربى} [المائدة: 106] # معناه: لا نشهد الزور، ولا نأخذ رشوة لنكذب، ولو كان المشهود له ذا قربى ~~قاله ابن زيد؛ وهذا بناء على أنها شهادة. ومن قال: إنها يمين قال: التقدير: ~~لا نأخذ بيميننا بدلا منفعة، ولو كان ذلك لذي القربى، فكيف لأجنبي. # المسألة الثامنة والعشرون: قوله تعالى: {ولا نكتم شهادة الله} [المائدة: ~~106] # يحتمل أن يريد ما علم الله، ويحتمل أن يريد به لا نكتم ما أعلمنا الله من ~~الشهادة؛ أضافها إليه لعلمه بها، وأمره بأدائها، ونهيه عن كتمانها قال ~~علماؤنا: ويقولان في يمينهما: بالله إن صاحبكم بهذا أوصى أن هذه تركته. # المسألة التاسعة والعشرون: قوله تعالى: {ولا نكتم شهادة الله} [المائدة: ~~106] # يحتمل أن هذه الألفاظ لا تتعين لليمين، ولا للشهادة، وإنما تكون اليمين ~~على نفي # PageV02P247 # الدعوى كيفما كانت، وتكون الشهادة بصفة الحال كما جرت، فأما أن يقول ~~الشاهد: إني لا أشتري بشهادتي شيئا، ولو كان قرابتي. أو يقولها الحالف في ~~يمينه، فلا يلزم ذلك عندي ولا عند أحد، ولكن يحلف أو يشهد كما وصفنا ويعتقد ~~ما قال الله تعالى، فهذا الذي أخبر الله تعالى به يكون في اعتقاده لا في ~~لفظه في شهادة أو يمين. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ms0657 فإن عثر على أنهما استحقا إثما] # المسألة الموفية ثلاثين: قوله تعالى: {فإن عثر على أنهما استحقا إثما} ~~[المائدة: 107] # يريد ظهر، وأظهر شيء في الطريق ما عثر عليه فيها، ويستعمل فيما كان غائبا ~~عنك وكنت جاهلا به، ثم حضر لديك واطلعت عليه، ومنه قوله تعالى: {وكذلك ~~أعثرنا عليهم} [الكهف: 21] لأنهم كانوا يطلبونهم، وقد خفي عليهم موضعهم. # التقدير: إذا نفذ الحكم عليهم في الظاهر باليمين، ثم ظهر وتبين بعد ذلك ~~كذبهم. # المسألة الحادية والثلاثون: قوله تعالى: إنهما # قيل: هما الشاهدان قاله ابن عباس. وقيل: هما الوصيان؛ قاله ابن جبير. وهو ~~مبني على ما تقدم، ويتركب عليه، ويختلف التقدير بحسب اختلافه كما تقدم. # المسألة الثانية والثلاثون: قوله تعالى: {إثما} [المائدة: 107] # يحتمل أن يريد به عقوبة، ويحتمل أن يريد به غرما، وظاهر الإثم العقوبة، ~~لكن صرف عن هذا الظاهر قوله: استحقا، والعقوبة لا تستحق بالمعاصي، ولا ~~يستحق على الله شيء حسبما تقرر في الأصول، فيكون معناه استوجبا غرما ~~بطريقة. # ويدل على صحة هذا الاحتمال قوله تعالى: {من الذين استحق عليهم} [المائدة: ~~107] فإنما يستحق على هؤلاء ما كانا استحقاه، ويدل عليه أيضا أن القوم ~~ادعوا أنه كان للميت دعوى من انتقال ملك عنه إليهما ببعض ما تزول به ~~الأملاك مما يكون فيه اليمين على ورثة الميت دون المدعي، وتكون البينة فيه ~~على المدعي. المسألة الثالثة والثلاثون: قوله تعالى: {فآخران} [المائدة: ~~107] # إنما هو بحسب الاتفاق أن الوارثين كانا اثنين، ولو كان واحدا لأجزأه. # PageV02P248 # المسألة الرابعة والثلاثون: قوله تعالى: {من الذين استحق عليهم الأوليان} ~~[المائدة: 107] # معناه: ممن كان نفذ عليهم القضاء قبل ذلك بوصية أو دين أو غير ذلك مما ~~كان الميت ذكره، وهم الورثة. # ومن يعجب فعجب قول علمائنا: إن في قوله {عليهم} [المائدة: 107] ثلاثة ~~أقوال، لا نطول بذكرها، ولا نحفل بها؛ لأن قوله: {استحق} [المائدة: 107] مع ~~قوله: " على " متلائم فلا يحتاج إليها. ### | [مسألة معنى قوله تعالى الأوليان] # المسألة الخامسة والثلاثون: قوله تعالى: {الأوليان} [المائدة: 107] # وهذا فصل مشكل المعنى مشكل الإعراب، كثر فيه الاختلاط: أما إعرابه ms0658 ففيه ~~أربعة أقوال: الأول: أنه بدل من الضمير في " يقومان " ويكون التقدير: ~~فالأوليان يقومان مقام الأولين. # وهذا حسن؛ لكنه فيه رد البعيد إلى القريب في البدلية بعدما حال بينهما من ~~طويل الكلام، ويكون فاعل " استحق " بضم التاء مضمرا تقديره الحق أو الوصية ~~أو الإيصاء أو المال. وقيل: فاعل استحق عائد على الإثم المتقدم ذكره، وهو ~~الغرم للمال، كما قدمناه. # الثاني: أن " الأوليان " فاعل باستحق، يريد الأوليان باليمين بأن يحلفا ~~من يشهد بعدهما، فإن جازت شهادة النصرانيين كان الأوليان النصرانيين، ~~والآخران من غير بيت أهل الميت. هذا قول بعضهم. ولا أقول به؛ وإنما يكون ~~تقدير الآية على هذا: من الذين استحق عليهم الأول وبالحق. # الثالث: أن يكون بدلا من قوله: آخران. # PageV02P249 # الرابع: أن يكون على الابتداء، والخبر مقدم، تقديره فالأوليان آخران. # والصحيح من هذا هو الأول، وقد بيناه في الملجئة، وأكملنا تقدير الآية ~~فيه. # وأما من قرأ الأولين وهو حمزة، وأبو بكر فيرجع إلى الأولين، وهو حسن. # وقرأ حفص استحق بمعنى حق عليهم. # ومن الغريب أنهم اختلفوا في قوله: {عليهم} [المائدة: 107] فقيل فيهم، كما ~~قال تعالى: {على ملك سليمان} [البقرة: 102] أي في ملك سليمان. وهذا كثير. # وقال قوم: معناه منهم، كما قال تعالى: {إذا اكتالوا على الناس يستوفون} ~~[المطففين: 2]. # وهذه دعاوى وضرورات لا يحتاج إليها، ولا يصح مرادهم في بعض ما استشهد به ~~منها. # المسألة السادسة والثلاثون: معنى الأوليان # فيه ثلاثة أقوال: # الأول: قال ابن عباس: الأولى بالشهادة. # الثاني: قال ابن جبير: الأولى بالميت من الورثة. # الثالث: الأولى بتحليف غيره؛ قاله ابن فورك؛ وهو يرجع إلى الثاني، وهو ~~أصح من الأول. ### | [يمين الحالف لا تكون إلا بلفظ الدعوى] # المسألة السابعة والثلاثون: قوله تعالى: {لشهادتنا أحق من شهادتهما وما ~~اعتدينا} [المائدة: 107] # المعنى: لقولنا أحق من قولهما. # وهذا القول كما قدمناه محمول على المعنى، وأن يمين الحالف لا تكون إلا ~~بلفظ الدعوى. والحكمة في ذلك أن اليمين إذا كانت بإن قولي أصدق من قولك ~~ربما ورد في يمينه، بأن يكون مدعيه قد كذب ms0659 من كل وجه، وكذب هو من وجه واحد، ~~فيلزم التصريح حتى يتحقق الكذب، وتحصل المجاهرة إن خالف، ليأتي بالصدق # PageV02P250 # على وجهه؛ فإذا صح بالقول في اليمين لم ينفعه ما نوى إذا أضمر من معنى ~~اليمين خلاف الظاهر منها؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يمينك على ~~ما يصدقك عليه صاحبك». وهو حديث صحيح ومعنى قويم متفق عليه قررناه في مسائل ~~الفقه. ### | [مسألة بقاء معنى هذه الآية أو ارتفاعه فإن عثر على أنهما استحقا إثما] # المسألة الثامنة والثلاثون: في بقاء معنى هذه الآية أو ارتفاعه. قال ابن ~~عباس حكمها منسوخ. وقال الحسن: حكمها ثابت، فمن قال: إنها منسوخة قال: إن ~~اليمين الآن لا تجب على الشاهد؛ لأنه إن ارتيب به لم تجز شهادته، وإن لم ~~تكن هناك ريبة ولا في حاله خلة لم يحتج إلى اليمين، وعلى هذا عول جمهور ~~العلماء ونخبتهم. وقد قرر الله تعالى ذلك وحققه بأمره في قوله تعالى: ~~{وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2]. و {ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: ~~282]. # فوقعت الشهادة على العدالة، واقتضيت اليمين منها إن كانت فيها. # وأما من قال: إنها ثابتة فاختلفوا فيه؛ فمنهم من قال: إن شهادة أهل الذمة ~~جائزة في السفر؛ منهم أحمد كما تقدم يجوزها في السفر عند عدم المسلمين بغير ~~يمين، وصار بعض أشياخنا إلى أن ذلك باق باليمين، وهو خرق للإجماع، وجهل ~~بالتأويل، وقصور عن النظر، وإذا أسقط أحمد اليمين فلا حجة له في الآية ولا ~~في الحديث؛ لأن اليمين تثبت فيهما جميعا. # والصحيح أن الشهادة اليمين، وهي هاهنا يمين الوصيين، كما سميت اليمين في ~~اللعان شهادة. # وقال الطبري: إنما حكم الله سبحانه باليمين على الشاهدين في هذا الموضع ~~من أجل دعوى ورثة الميت على المسند إليهما الوصية بالخيانة، أو غير ذلك، ما ~~لا يبرأ فيه # PageV02P251 # المدعي ذلك قبله إلا بيمين؛ فإن نقل اليمين إلى ورثة الميت إنما أوجبه ~~الله تعالى بعد أن عثر على الشاهدين في أيمانهما بإثم، وظهر على كذبهما في ~~ذلك بما ادعوا من مال الميت ms0660 أنه باعه منهما، وهذا بناء على أن الخيانة ظهرت ~~في أداء المال، ولذلك حلفا مع الشهادة. # قال القاضي ابن العربي: وهذا يصح على إحدى الروايات التي ذكر فيها أنهما ~~ادعيا بيع الجام منهما. # وأما على الرواية الأخرى فلا يستقيم هذا التأويل لأن الشاهدين أديا ~~التركة فيما ذكر فيها، وانقلبا على ستر وسلامة، ثم بعد ذلك ظهرت الخيانة في ~~الجام؛ إما بأنه وجد يباع، وإما بتحرج تميم الداري وتأثمه وأدائه ما كان ~~أخذه منه. # وتحقيق الكلام فيه أن كل رواية من تلك الروايات عضدتها صيغة القصة في ~~كتاب الله وسردوها فإنها صحيحة، وكل ما لم يعضده منها فهو مردود. # أما إنه إذا فسرت الكلام في كتاب الله فاحتجت إلى تجويز أو تقديم أو ~~تأخير فكلما كان أقل في ذلك من التأويلات فهو أرجح، وكلما كان من خلاف ~~الأصول فيه أقل فهو أرجح، كتأويل فيه إجازة شهادة الكافر وإحلاف الشاهد على ~~شهادته؛ فإن التأويل الذي يخرج عنه هذا هو أرجح، ولا يسلم تأويل من اعتراض؛ ~~فإن البيان من الله تعالى في هذه الآية للأحكام جاء على صفة غريبة وهو ~~سياقه على الإشارة إلى القصة؛ ولذلك جاء بانتقالات كثيرة، منها أنه قال: ~~{فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما} [المائدة: 107]. # وربما كان المدعي واحدا، فليس قوله تعالى: {فآخران} [المائدة: 107] خارجا ~~مخرج الشرط، وإنما هو كناية عما جرى من العدد في القصة، والواحد كالاثنين ~~فيها؛ فيطلب الناظر مخرجا أو تأويلا للفظ لا يحتاج إليه، فيدخل الإشكال على ~~نفسه من حيث لا يشعر به، فلا يساحل عن هذا البحر أبدا؛ وكذلك ما جرى من ~~التعديد لا يمنع من كون # PageV02P252 # الشهادة بمعنى اليمين كما في اللعان. وإن كان لم يذكر في اللعان عددا، ~~وجرى ذكره هاهنا لاتفاقه في القصة؛ لا لأنه شرط في الحكم. # وكذلك ذكر العدالة تنبيها على ما يجب؛ لأنه إن أشهده وجب أن يكون عدلا ~~لتحمل الشهادة، فإن ائتمنه وجب أن يكون عدلا لأداء الأمانة. ### | [مسألة تقدير قوله تعالى يا أيها ms0661 الذين آمنوا إذا ضربتم في الأرض] # المسألة التاسعة والثلاثون: في تقدير الآية: وهو: " يا أيها الذين آمنوا ~~إذا ضربتم في الأرض، وحضركم المرض الذي هو سبب الموت، وأردتم الوصية ~~فأشهدوا ذوي عدل منكم من قرابتكم أو آخران من غيركم فإن خافا فاحبسوهما على ~~اليمين إن عدمتم البينة. فإن تبينت بعد ذلك خيانتهم حلف ممن حلفوا له وهو ~~أولى باستحقاق ما يجب باليمين ". # وعلى مذهب أحمد يكون تقدير الآية: " فأشهدوا ذوي عدل من المسلمين، فإن لم ~~تجدوا فأشهدوا الكفار " فإن أديا ما أحضرا له أو ائتمنا عليه فبها ونعمت، ~~وإن أدركتهم تهمة أو تبينت عليهم خيانة، حلفوا. وليس في الآية ما يدل على ~~قبول شهادتهم في الوصية على مذهب أحمد. # وإنما قبلنا نحن شهادة العدل في الوصية بدليل آخر غير هذه الآية، وكذلك ~~قوله: إنما يكون ذلك من قبول شهادة الكفار إذا عدم المسلمون وليس في هذه ~~الآية إلا التسوية بينهما، فكل شيء يعترضكم من الإشكال على دليلنا وتقديرنا ~~الذي قدرناه آنفا، فانظروه في موضعه هاهنا تجدوه مبينا إن شاء الله تعالى. # PageV02P253 ### | [سورة الأنعام فيها ثمان عشرة آية] # [الآية الأولى قوله تعالى وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو # ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات ~~الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين} [الأنعام: 59]. # فيها سبع مسائل: # المسألة الأولى: قوله تعالى: {وعنده} [الأنعام: 59] اعلموا أنا قد بينا ~~هذه الآية في ملجئة المتفقهين إلى معرفة غوامض النحويين " بما المقصود منه ~~هاهنا أن " عنده " كلمة يعبر بها عما قرب منك وتحقيقه أن دنو الشيء من ~~الشيء يقال فيه قريب، ونأيه عنه يقال فيه بعيد، وأصله: المكان في المساحة، ~~تقول: زيد قريب منك، وعمرو بعيد عنك. # ويوضع الفعل موضع الاسم؛ فتقول: زيد قربك، ثم ينقل إلى المكانة المعقولة ~~غير المحسوسة، فيقال: العلم منك قريب، وعليه يتأول ما يخبر به عن الباري ~~سبحانه من ms0662 ذلك، وبه يفسر قوله سبحانه: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب} ~~[البقرة: 186] بعشرين معنى جائزة على الله سبحانه، مما يصح أن يوصف بها ~~ويخبر عنه بمعناها على ما بينا في كتاب المشكلين ". # PageV02P254 # وتقول: زيد قدامك، وعمرو وراءك. فإذا قلت زيد قدامك احتمل المسافة من لدن ~~جسمه إلى ما لا ينحصر منتهاه قدما، وكذلك وراءك، فصغروه إذا أرادوا قرب ~~المسافة من المخبر عنه، فقالوا: قديديمة. وإذا أرادوا تخليص القرب بغاية ~~الدنو قالوا: زيد عندك، عبروا به عن نهاية القرب، ولذلك لم يصغروه، فيقولوا ~~فيه عنيد. # وقد يعبر بها أيضا عما في ملك الإنسان، فيقال: عنده كذا وكذا؛ أي في ملكه ~~لأن الملك يختص بالمرء اختصاص الصفة بالموصوف؛ فعبروا بأقرب الوجوه إليه ~~بقوله: عنده، وهو المراد بقوله في الحديث: «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- عن بيع ما ليس عندك» يعني في ملكك. # إذا ثبت هذا وهي: ### | [مسألة المراد بقوله تعالى وعنده مفاتح الغيب] # المسألة الثانية: فقوله تعالى: {وعنده مفاتح الغيب} [الأنعام: 59] يحتمل ~~أن يريد به قربها منه قرب مكانة وتيسير، لا قرب مكان. ويحتمل أن يريد أنها ~~في ملكه يظهر منها ما يشاء ويخفي ما يشاء. # المسألة الثالثة: هذه الآية أصل من أصول عقائد المسلمين، وركن من قواعد ~~الدين، معظمها يتفسر بها، وفيها من الأحكام نكتة واحدة؛ فأما منزعها في ~~الأصول فقد أوضحناه في كتاب المشكلين؛ وأما نكتتها الأحكامية فنشير إليها ~~في هذا المجموع؛ لأنها من جنس مضمونه، ومع هذا فلا بد من الإشارة إلى ما ~~تضمنه كتاب المشكلين لينفتح بذلك غلق الحكم المطلوب في هذا المجموع. # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {مفاتح الغيب} [الأنعام: 59] # واحدها مفتح ومفتاح، وجمعه مفاتح ومفاتيح، وهو في اللغة عبارة عن كل معنى ~~يحل غلقا، محسوسا كان كالقفل على البيت، أو معقولا كالنظر، والخبر يفتح قفل ~~الجهل عن العلم والغيب، وهي: # PageV02P255 # المسألة الخامسة: عبارة عن متعلق لا يدرك حسا أو عقلا، وكما لا يدرك ~~البصر ما وراء الجدار أو ما في البيت المقفل، كذلك لا تدرك البصيرة ms0663 ما وراء ~~المحسوسات الخمس، والمحسوسات منحصرة الطرق بانحصار الحواس والمعقولات لا ~~تنحصر طرقها إلا من جهة قسمين: أحدهما: ما يدرك ببديهة النظر. الثاني: ما ~~يتحصل من سبيل النظر. # أما إنه له أمهات خمس وقعت الإشارة إليها وجاءت العبارة عنها بقوله تعالى ~~{إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ~~ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير} [لقمان: 34]. # فالأم الكبرى: الساعة؛ وما تضمنت من الحشر والنشر والموقف، وما فيه من ~~الأهوال، وحال الخلق في الحساب، ومنقلهم بعد تفضيل وحط وتفصيل الثواب ~~والعقاب. # الأم الثانية: تنزيل الغيث وما يترتب عليه من الإحياء والإنبات، وقد جاء ~~في الأثر أن الله عز وجل وضع ذلك على يدي ميكائيل وتحت نظره ملائكة لا ~~يحصيها إلا الله سبحانه تصدر عن أمره في تنفيذ المقادير المتعلقة بذلك من ~~إنشاء الرياح، وتأليف السحاب، وإلقاحها بالماء، وفتقها بالقطر، وعلى يدي كل ~~ملك قطرة ينزلها إلى بقعة معلومة لينمي بها شجرة مخصوصة؛ ليكون رزقا لحيوان ~~معين حتى ينتهي إليه # الأم الثالثة: ما تحويه الأرحام، وقد وكل الله سبحانه بذلك في مورد الأمر ~~ملكا يقال له إسرافيل، وفي زمامه: من الملائكة ما لا يعلمه إلا الله تعالى، ~~وقرن بكل رحم ملكا يجري على يديه تدبير النطفة في أطوار الخلقة. # PageV02P256 # الأم الرابعة: قوله تعالى: {وما تدري نفس ماذا تكسب غدا} [لقمان: 34]. # وهو معنى خبأه الله سبحانه عن الخلق تحت أستار الأقدار، بحكمته القائمة، ~~وحجته البالغة، وقدرته القاهرة، ومشيئته النافذة، فكائنات غد تحت حجاب ~~الله، ونبه: بالكسب عن تعميتها؛ لأنه أوكد ما عند المرء للمعرفة، وأولاه ~~للتحصيل، وعليه يتركب العمر والرزق، والأجل، والنجاة، والهلكة، والسرور، ~~والغم، والغرائز المزدوجة في جبلة الآدمي من مفروح به أو مكروه له. # الأم الخامسة: قوله تعالى: {وما تدري نفس بأي أرض تموت} [لقمان: 34]. # نبأ به عن العاقبة التي انفرد بالاطلاع عليها رب العزة. # وقد روينا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في تأكيد هذه الجملة عن ms0664 جماعة ~~من الصحابة؛ منهم أبو ذر، وأبو هريرة؛ قالا: «كان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يجلس بين ظهراني أصحابه، فيجيء الغريب فلا يدري أيهم هو حتى يسأل ~~عنه، فطلبنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نجعل له مجلسا يعرفه ~~الغريب إذا أتاه، فبنينا له دكانا من طين، كان يجلس عليه، وكنا نجلس ~~جانبيه، فإنا لجلوس ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مجلسه إذ أقبل ~~رجل من أحسن الناس وجها، وأطيب الناس ريحا، وأنقى الناس ثوبا، كأن ثيابه لم ~~يمسها دنس، إذ وقف في طرف السماط، فقال: السلام عليك يا رسول الله. فرد ~~عليه السلام ثم قال: يا محمد، أدنو؟ قال: ادنه. فما زال به يقول: أدنو؟ ~~ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول له: ادنه، حتى وضع يديه على ركبتي ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله؛ أخبرني ما الإسلام؟ ~~قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، ~~وتحج البيت وتصوم رمضان. قال: فإذا فعلت ذلك فقد أسلمت؟ قال: نعم. قال: ~~صدقت. قال: فلما أن سمعنا قوله يسأله ويصدقه أنكرنا ذلك. ثم قال: يا محمد، ~~أخبرني ما الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله والملائكة والكتاب والنبيين، وتؤمن ~~بالقدر كله. # PageV02P257 # قال: فإذا فعلت ذلك فقد آمنت؟ قال: نعم. قال: صدقت. قال: فما الإحسان؟ ~~قال: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: ~~صدقت. قال: فمتى الساعة؟ قال: فنكس فلم يجبه، ثم دعاه فلم يجبه، ثم رفع ~~رأسه، فحلف بالله، وقال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، ولكن لها علامات ~~يجئن، إذا رأيت رعاء الغنم يتطاولون في البنيان، ورأيت الحفاة العراة ملوك ~~الأرض، ورأيت المرأة تلد ربها، هن خمس لا يعلمهن إلا الله: {إن الله عنده ~~علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا ~~وما تدري نفس بأي أرض تموت} [لقمان: 34]. وذكر كلمة معناها، ثم صعد إلى ~~السماء، فقال النبي - صلى ms0665 الله عليه وسلم -: والذي بعث محمدا بالهدى ودين ~~الحق ما كنت بأعلم به من رجل منكم، وإنه لجبريل نزل عليكم في صورة دحية ~~الكلبي، يعلمكم أمر دينكم». # المسألة السادسة: # قال السدي: المراد بهذا خزائن الغيب # وقال ابن عباس: مفاتيح الغيب خمس، وقرأ الآيات الخمس المتقدمة. # وقال بعضهم: هو ما يتوصل به إلى علم الغيب من قول الناس: افتح علي كذا أي ~~أعطني، أو علمني ما أتوصل [به] إليه. # فأما قول السدي: إن المراد بالمفاتح الخزائن فمجاز بعيد. # وأما قول ابن عباس فعلم سديد من فك شديد. # PageV02P258 # وأما قول الثالث فأنكره شيخنا النحوي نزيل مكة، وقال: أجمعت أي الفرقة ~~السالفة الصالحة من الأمة على غيره؛ وذلك من قولهم أصح وأولى. # وأظنه لم يفهم المقصود من هذا القول، ولا اغتزى فيه المغزى، ولقد ألحم ~~فيه الصواب وسدى، وإذا منحته نقدا لم تعدم فيه هدى؛ عند الله تعالى علم ~~الغيب، وبيده الطرق الموصلة إليه، لا يملكها إلا هو؛ فمن شاء إطلاعه عليها ~~أطلعه، ومن شاء حجبه عنها حجبه، فلا يكون ذلك من إفاضته إلا على رسله، ~~بدليل قوله سبحانه: {وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من ~~رسله من يشاء} [آل عمران: 179]. ### | [مسألة مقامات الغيب الخمسة التي لا يعلمها إلا الله] # المسألة السابعة: مقامات الغيب الخمسة التي لا يعلمها إلا الله لا أمارة ~~عليها، ولا علامة عليها، إلا ما أخبر به الصادق المجتبى لاطلاع الغيب من ~~أمارات الساعة، والأربعة سواها لا أمارة عليها؛ فكل من قال: إنه ينزل الغيث ~~غدا فهو كافر، أخبر عنه بأمارات ادعاها، أو بقول مطلق. ومن قال: إنه يعلم ~~ما في الرحم فهو كافر؛ فأما الأمارة على هذا فتختلف؛ فمنها كفر، ومنها ~~تجربة، والتجربة منها أن يقول الطبيب: إذا كان الثدي الأيمن مسود الحلمة ~~فهو ذكر، وإن كان ذلك في الثدي الأيسر فهو أنثى؛ وإن كانت المرأة تجد الجنب ~~الأيمن أثقل فهو ذكر، وإن وجدت الجنب الأشأم أثقل فالولد أنثى، وادعى ذلك ~~عادة لا واجبا في الخلقة ms0666 لم نكفره، ولم نفسقه. # فأما من ادعى علم الكسب في مستقبل العمر فهو كافر، أو أخبر عن الكوائن ~~الجملية أو المفصلة فيما يكون قبل أن يكون، فلا ريبة في كفره أيضا. # فأما من أخبر عن كسوف الشمس والقمر فقد قال علماؤنا: يؤدب ويسجن ولا ~~يكفر، أما عدم تكفيره فلأن جماعة قالوا: إنه أمر يدرك بالحساب، وتقدير ~~المنازل، حسبما أخبر الله سبحانه في قوله جل وعلا: {والقمر قدرناه منازل} ~~[يس: 39] فلحسابهم له، وإخبارهم عنه، وصدقهم فيه، توقفت علماؤنا عن الحكم ~~بتكفيرهم. # PageV02P259 # وأما أدبهم فلأنهم يدخلون الشك على العامة في تعليق العلم بالغيب ~~المستأنف ولا يدرون قدر الفرق بين هذا وغيره، فتشوش عقائدهم في الدين، ~~وتتزلزل قواعدهم في اليقين، فأدبوا حتى يسروا ذلك إذا عرفوه ولا يعلنوا به. ### | [الآية الثانية قوله تعالى وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم] # حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع ~~القوم الظالمين} [الأنعام: 68]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى: قال علماؤنا: أمر الله سبحانه نبيه - صلى الله عليه وسلم ~~- بالإعراض عن المشركين الذين يخوضون في آيات الله، وفي ذلك نزلت. # والخوض هو المشي فيما لا يتحصل حقيقة، من الخائض في الماء الذي لا يدرى ~~باطنه، استعير من المحسوس للمعقول على ما نبهنا عليه في الأصول، وحرم الله ~~سبحانه المشاركة لهم في ذلك على رسوله بالمجالسة، سواء تكلم معهم في ذلك أو ~~كرهه. # وهذا دليل على أن مجالسة أهل المنكر لا تحل. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين] # المسألة الثانية: قوله تعالى: {وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى ~~مع القوم الظالمين} [الأنعام: 68] # قال قوم: هذا خطاب من الله سبحانه لنبيه - صلى الله عليه وسلم - والمراد ~~بذلك الأمة، وكأن القائلين بذلك ذهبوا إلى تنزيه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - عن النسيان وهم كبار الرافضة، قبحهم الله، وإن عذرنا أصحابنا في ~~قولهم: إن قوله تعالى: {لئن أشركت ليحبطن عملك} [الزمر: 65]، خطاب للأمة ~~باسم النبي - صلى ms0667 الله عليه وسلم -؛ لاستحالة الإشراك عليه # PageV02P260 # فلا عذر لهم في هذا لجواز النسيان على النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ~~الله تعالى: {سنقرئك فلا تنسى} [الأعلى: 6]. # وقال - صلى الله عليه وسلم - مخبرا عن نفسه: «إنما أنا بشر مثلكم أنسى ~~كما تنسون»، وقال وقد سمع قراءة رجل يقرأ: «لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت ~~أنسيتها». # وقال في ليلة القدر: «تلاحى رجلان فنسيتها». # وقال: «لا يقولن أحدكم نسيت آية كذا، بل نسيتها»، كراهية إضافة اللفظ إلى ~~القرآن؛ لقوله تعالى: {كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى} [طه: ~~126]. # وفائدته: أن لفظ " نسيت " ينطلق على تركت انطلاقا طبقيا، ثم نقول في ~~تقسيم وجهي متعلقه سهوت إذا كان تركه عن غير قصد، وعمدت إذا كان تركه عن ~~قصد؛ ولذلك قال علماؤنا: إن قوله: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ~~ذكرها» عام في وجهي النسيان العمد والسهو. # وقوله إذا ذكرها: يعني أن الساهي يطرأ عليه الذكر فيتوجه عليه الخطاب، ~~وأن العامد ذاكر أبدا فلا يزال الخطاب يتوجه عليه أبدا، والله أعلم. # PageV02P261 ### | [الآية الثالثة قوله تعالى وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه] # نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم} [الأنعام: 83]. # روى ابن وهب، وابن القاسم، وابن عبد الحكم، والوليد بن مسلم عن مالك عن ~~زيد بن أسلم عن أبيه: {نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم} [يوسف: 76] ~~قال: بالعلم. # قال ابن وهب عن مالك ليس العلم بكثرة الرواية وإنما هو نور يضعه الله في ~~قلب من يشاء. # وقال ابن مسعود.: ليس العلم بكثرة الرواية؛ وإنما هو خشية الله تعالى. # روى المنصور عن أبيه عن جده عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «همة السفهاء الرواية، وهمة العلماء الدراية». # وقال مالك، لابني أخته أبي بكر وإسماعيل: إن أحببتما أن ينفعكما الله ~~بهذا الشأن فأقلا منه، وتفقها فيه. # وروى ابن القاسم عن مالك: نرفع درجات من نشاء في الدنيا. # قال القاضي: وصدق؛ علم الدنيا عنوان الآخرة وسبيلها. # والذي أوتيه إبراهيم من العلم ms0668 بالحجة، وهي التي تذكر للخصم على طريق ~~المقابلة كان في الدنيا بظهور دلالة التوحيد وبيان عصمة إبراهيم عن الجهل ~~بالله تعالى، والشك فيه، والإخبار أن ما جرى بينه وبين قومه إنما كان ~~احتجاجا، ولم يكن اعتقادا، وقد مهدنا ذلك في المشكلين # PageV02P262 ### | [الآية الرابعة قوله تعالى أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده] # قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعالمين} [الأنعام: 90]. # قال القاضي أبو بكر بن العربي: هذه الآية أصولية فإنها تفيد مسألة من ~~الأصول، وهي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمته: هل تعبدوا بشريعة من ~~قبلهم أم لا؟ وقد حققناها في الأصول، فلتنظر هناك. # وفيها من الأحكام العمل بما ظهر من أفعالهم، وأخبرنا عنهم النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وثبت في الصحيح عن النبي، واللفظ للبخاري عن العوام قال ~~سألت مجاهدا عن سجدة " ص " فقال: سألت ابن عباس من أين سجدت؟ فقال: أوما ~~تقرأ: {ومن ذريته داود وسليمان} [الأنعام: 84] " إلى قوله: {أولئك الذين ~~هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90]. # وكان داود - عليه السلام - ممن أمر نبيكم - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يقتدي به، فسجدها داود، فسجدها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ وستراها ~~مستوفاة في سورة " ص " إن شاء الله تعالى. ### | [الآية الخامسة قوله تعالى انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه] # } [الأنعام: 99]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى: في تفسير الينع: فيه ثلاثة أقوال: # الأول: الطيب والنضج؛ يقال: أينع الثمر يينع ويونع، والثمر يانع ومونع، ~~إذا أدرك. # الثاني: قال ابن الأنباري: الينع جمع يانع، وهو المدرك البالغ. # الثالث: # قال الفراء: " ينع " أقل من " أينع " ومعناه احمر، ومنه ما روي في حديث # PageV02P263 # الملاعنة: «إن ولدته أحمر مثل الينعة»، وهي: خرزة حمراء، يقال: إنه ~~العقيق، أو نوع منه؛ وهو الذي عليه يقف جواز بيع الثمر، وبه يطيب أكلها، ~~ويأمن العاهة، وذلك عند طلوع الثريا مع الفجر، بما أجرى الله سبحانه في ذلك ~~من العادة، وأحكمه من العلم والقدرة، وفصله من الحكم والشريعة؛ ومن ألفاظ ~~الحديث: «نهى عن بيع الثمر قبل أن يشقح» ms0669 قال الأصمعي: إذا تغير البسر إلى ~~الحمرة قيل: هذه شقحة، وقد أشقحت. وقد قال ابن وهب قال مالك وهي: # المسألة الثانية: {إلى ثمره إذا أثمر وينعه} [الأنعام: 99] # الإيناع: الطيب بغير فساد ولا نقش. # قال مالك: والنقش أن تنقش أسفل البسرة حتى ترطب، يريد يثقب فيها، بحيث ~~يسرع دخول الهواء إليه فيرطب معجلا؛ فليس ذلك الينع المراد في القرآن، ولا ~~هو الذي ربط به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البيع؛ وإنما هو ما يكون ~~من ذاته بغير محاولة، وفي بعض بلاد التين، وهي البلاد الباردة، لا ينضج حتى ~~يدخل في فمه عمود قد دهن بزيت، فإذا طاب حل بيعه؛ لأن ذلك ضرورة الهواء ~~وعادة البلاد، ولولا ذلك ما طاب في وقت الطيب. # وقال الزبير بن بكار: قلت لعبد الملك بن الملك بن الماجشون وقد رأيته ~~يأكل الرطب يقصعه، كيف تفعل هذا، وقد «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- عن تقصيع الرطب»؟ فقال: إنما نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ~~تقصيع الرطب حيث كان أكله: يتشبع به؛ وقد جاء الله بالرخاء والخير، والمراد ~~هاهنا بالتقصيع أكل الرطبة في لقمة، وذلك يكون مع الشبع؛ فإذا لم يكن غيرها ~~فأكلها في لقم أثبت للشبع. # PageV02P264 ### | [الآية السادسة قوله تعالى ولا تسبوا الذي يدعون من دون الله] # الآية السادسة: قوله تعالى: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا ~~الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم ~~بما كانوا يعملون} [الأنعام: 108]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى: اتفق العلماء على أن معنى الآية: لا تسبوا آلهة الكفار ~~فيسبوا إلهكم وكذلك هو؛ فإن السب في غير الحجة فعل الأدنياء. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لعن الله الرجل يسب أبويه. قيل: يا ~~رسول الله؛ وكيف يسب أبويه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب ~~أمه»؛ فمنع الله تعالى في كتابه أحدا أن يفعل فعلا جائزا يؤدي إلى محظور؛ ~~ولأجل هذا تعلق علماؤنا بهذه الآية في سد الذرائع، ms0670 وهو كل عقد جائز في ~~الظاهر يؤول أو يمكن أن يتوصل به إلى محظور؛ وسترى هذه المسألة مستوفاة في ~~سورة الأعراف. # وقد قيل: إن المشركين قالوا: لئن لم تنتهن عن سب آلهتنا لنسبن إلهكم، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية. # المسألة الثانية: # هذا يدل على أن للمحق أن يكف عن حق [يكون] له إذا أدى ذلك إلى # PageV02P265 # ضرر يكون في الدين؟ وهذا فيه نظر طويل، اختصاره: أن الحق إن كان واجبا ~~فيأخذه بكل حال، وإن كان جائزا ففيه يكون هذا القول والله أعلم. ### | [الآية السابعة قوله تعالى وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن] # بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون} ~~[الأنعام: 109]. # فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: روي «أن قريشا كلمهم النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فقالوا: يا محمد، تخبرنا أن موسى كان معه عصا يضرب بها الحجر ~~فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، وتخبرنا أن عيسى كان يحيي الموتى، وتخبرنا أن ~~ثمود كانت لهم ناقة؛ فأتنا من الآيات حتى نصدقك. فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: أي شيء تحبون أن آتيكم به؟ قالوا: تجعل لنا الصفا ذهبا. قال ~~لهم: فإن فعلت تصدقوني؟ قالوا: نعم؛ والله لئن فعلت لنتبعنك أجمعون فقام ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو، فجاءه جبريل - صلى الله عليه وسلم ~~- فقال ما شئت، إن شئت أصبح ذهبا، ولئن أرسل الله تعالى آية ولم يصدقوا عند ~~ذلك ليعذبنهم، وإن شئت فاتركهم حتى يتوب تائبهم. فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: بل يتوب تائبهم» # ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية إلى قوله: {يجهلون} [الأنعام: 111]. # المسألة الثانية: قوله تعالى: {جهد أيمانهم} [الأنعام: 109]: # يعني غاية أيمانهم التي بلغها علمهم، وانتهت إليه قدرتهم؛ وذلك أنهم ~~كانوا # PageV02P266 # يعتقدون أن الله تعالى هو الإله الأعظم، وأن هذه الآلهة إنما يعبدونها ~~ظنا منهم أنها تقربهم إلى الله زلفى. ### | [مسألة معنى قوله تعالى بالله] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {بالله} [الأنعام: 109] # وإن كان غاية أيمان الكفار على ms0671 اعتقادهم الذي قدمنا، فإنه غاية أيمان ~~المسلمين؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ~~ليصمت». وهذا يفيد المنع من الحلف بغير الله. # والحلف بغير الله على وجهين: أحدهما: على وجه التحريم، بأن يحلف بغير ~~الله سبحانه تعالى معظما له مع الله، أو معظما له من دونه؛ فهذا كفر. # الثاني: # أن يكون على وجه الكراهية، بأن يلزم نفسه معنى مما يلزمه جنسه في الشرع ~~ابتداء بوجه ما إذا ربطه بفعل أو ترك، وهو معنى اتفقت عليه الأمة فيما إذا ~~قال: إن دخلت الدار فامرأتي طالق، أو عبدي حر، فهذه يمين منعقدة، وهي أصل ~~لغيرها من الأيمان، وقد تكررت في كتب الفقه وتركب عليها مسألة رابعة: # المسألة الرابعة: وهي: ما إذا قال: الأيمان تلزمه إن كان كذا وكذا. وقد ~~كانت هذه اليمين في صدر الإسلام معروفة بغير هذه الصورة؛ كانوا يقولون: علي ~~أشد ما أخذه أحد على أحد، فقال مالك: يطلق نساءه، ثم تكاثرت الصور حتى آلت ~~بين الناس إلى صورة هذه أمها. # وقد كان شيخنا أبو بكر الفهري يقول: يلزمه إطعام ثلاثين مسكينا إذا حنث # PageV02P267 # فيها؛ لأن قوله: " الأيمان " جمع يمين، وهو لو قال: علي يمين، وحنث ~~للزمته كفارة. # ولو قال: علي يمينان للزمته كفارتان إذا حنث. والأيمان جمع يمين فيلزمه ~~فيها ثلاث كفارات. # وكان أهل القيروان قد اختلفوا فيها اختلافا كثيرا مرجعه إلى قولين: ~~أحدهما: أن الطلاق فيها ثلاث. والثاني: # أن الطلاق فيها واحدة بائنة. # وقد جمعت في المسألة رسالة إبان كنت بإفريقية، وقد كثر السؤال فيها علي، ~~فاستخرت الله سبحانه وتعالى على متوسط من الأقوال لم أخرج فيه عن جادة ~~الأدلة، ولا عن أصل إمام الأئمة مالك بن أنس. # أما أصل مالك فقوله فيمن قال: علي أشد ما أخذ أحد على أحد. قال علماؤنا: ~~يطلق نساءه؛ وذلك لأن الناس كانوا في زمانه، وقبل ذلك، يحلفون في البيعة ~~ويتوثقون فيما يحتاجون إليه من العهود في المحالفة، ويدخلون في اليمين ~~بالله اليمين بالعتق والطلاق والحج وغيره؛ فلما ms0672 سئل مالك عن هذه النازلة ~~وأصحابه رأوا أن الحرج عليهم في أن يتركوا معه أزواجه محتبسين في النكاح، ~~ومما يأخذه الناس بعضهم على بعض الطلاق فتحرجوا في ذلك، وقالوا: يطلق ~~نساءه. # وأما طريق الأدلة فلأن الألف واللام لا يخلو أن يراد بها هاهنا الجنس أو ~~العهد، فإن دخلت للعهد فالمعهود قولك بالله، فيكون ما قاله الفهري. وإن ~~دخلت للجنس فالطلاق جنس، فيدخل فيها ولا يستوفى عدده؛ فإن الذي يكفي أن ~~يدخل من كل جنس معنى واحد، فإنه لو دخل في الجنس المعنى كله للزمه أن يتصدق ~~بجميع ماله؛ إذ قد تكون الصدقة بجميع المال يمينا، ونافذة فيما إذا كان ~~المال معينا في دار أو عبد أو دابة أو كبش وتصدق بذلك فإنه ينفذ إجماعا؛ ~~فتبصرنا ذلك، وأخذنا # PageV02P268 # بالوسط منه، وقد بسطنا ذلك في الرسالة الحاكمة على الأيمان اللازمة، ~~وهناك يستوفي الناظر غرضه منها، والله عز وجل أعلم، وبه التوفيق. ### | [الآية الثامنة قوله تعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه] # وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم ~~لمشركون} [الأنعام: 121]. # فيها عشر مسائل: # المسألة الأولى: روى الترمذي وغيره عن ابن عباس قال: «أتى أناس النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا رسول الله؛ أنأكل ما نقتل، ولا نأكل ما ~~قتل الله؟ فأنزل الله تعالى: {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم} ~~[الأنعام: 118] إلى قوله: {لمشركون} [الأنعام: 121]». # المسألة الثانية: قوله تعالى: {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه} [الأنعام: ~~118] # يقضي بدليل الخطاب على رأي من قرأ ألا يؤكل ما لم يذكر اسم الله عليه؛ ~~لأنه علق الحكم وهو جواز الأكل على أحد وصفي الشيء، وهو ما ذكر اسم الله ~~عليه فيدل على أن الآخر بخلافه، بيد أن الله تعالى بين الحكمين بنصين، ~~وتكلم فيهما بكلامين صريحين، فقال في المقابل الثاني: {ولا تأكلوا مما لم ~~يذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 121]. # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه ~~وقد فصل لكم ما حرم ms0673 عليكم إلا ما اضطررتم إليه} [الأنعام: 119]. # المعنى: ما المانع لكم من أكل ما سميتم عليه ربكم، وإن قتلتموه بأيديكم؛ ~~وقد بين الله لكم المحرم، وأوضح لكم المحلل، فإن من حرم عليك معنى خاصيا ~~أباح ما سواه، فكيف وقد أذن له في القتل والتسمية عليه وأكله، فكيف يقابل ~~ذلك من # PageV02P269 # تفصيل الله وحكمه وإيضاحه وشرحه بهوى باطل ورأي فاسد، صدرا عن غير علم ~~وكانا باعتداء وإثم، وربك أعلم بالمعتدين. ### | [مسألة وذروا ظاهر الإثم وباطنه] # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {وذروا ظاهر الإثم وباطنه} [الأنعام: 120]. # المعنى: قد فصل لكم المحرم فذروه وهو الإثم ظاهرا وباطنا، وفي ذلك ~~للعلماء ستة أقوال: # الأول: # ظاهره وباطنه: سره وعلانيته: قاله مجاهد، وقتادة. # الثاني: قال سعيد بن جبير: ظاهر الإثم نكاح ذوات المحارم، وباطنه الزنا. # الثالث: ظاهر الإثم أصحاب الرايات من الزواني، وباطنه ذوات الأخدان؛ قاله ~~السدي وغيره. # الرابع: ظاهر الإثم طواف العربان، وباطنه الزنا؛ قاله ابن زيد. # وقد قالت طائفة: إن الإثم اسم من أسماء الخمر؛ فعلى هذا يكون معنى الآية ~~في القول الخامس ظاهر الإثم الخمر، وباطنه المثلث والمنصف، وسنبين ذلك في ~~سورة الأعراف إن شاء الله تعالى. # ويحتمل وجها سادسا، وهو أن يكون ظاهر الإثم واضح المحرمات. وباطنه ~~الشبهات ومنها الذرائع، وهي المباحات التي يتوصل بها إلى المحرمات؛ وسيأتي ~~ذلك في موضعه. ### | [مسألة قوله تعالى ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه] # المسألة الخامسة: قوله تعالى: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} ~~[الأنعام: 121] يعني: فمطلق سبب الآية الميتة، وهي التي قالوا هم فيها: ولا ~~نأكل مما قتل الله. # فقال الله لهم: لا تأكلوا منها؛ فإنكم لم تذكروا اسم الله عليها. فإن قيل ~~وهي: # المسألة السادسة: هذا هو السبب الذي خرجت عليه الآية، وقصر اللفظ الوارد ~~على السبب المورود عليه إذا كان اللفظ مستقلا دون عطفه عليه لا يجوز لغة ~~ولا حكما. # PageV02P270 # قلنا: قد آن أن نكشف لكم نكتة أصولية وقعت تفاريق في أقوال العلماء ~~تلقفتها جملة من فك شديد؛ وذلك أنا نقول: ms0674 مهما قلنا: إن اللفظ الوارد على ~~سبب، هل يقصر عليه أم لا؟ فإنا لا نخرج السبب عنه، بل نقره فيه، ونعطف به ~~عليه، ولا نمتنع أن يضاف غيره إليه إذا احتمله اللفظ، أو قام عليه الدليل؛ ~~فقوله: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 121] ظاهر في ~~تناول الميتة بعموم لفظه، وكونها سببا لوروده، ويدخل فيه ما ذكر اسم الله ~~عليه اسم غير الله من الآلهة المبطلة وهي: ### | [مسألة ما ترك المسلم التسمية عليه عمدا من الذبائح] # المسألة السابعة: بعموم أنه لم يذكر اسم الله عليه، وبزيادة ذكر غير الله ~~عليه الذي يقتضي تحريمه هذا اللفظ عموما ومعناه تنبيها من طريق الأولى، ~~ويقتضي تحريمه نصا قوله: {وما أهل لغير الله به} [المائدة: 3]، فقد توارد ~~على تحريم ذلك النص والعموم والتنبيه من طريق الأولى بالتحريم لظاهر أدلة ~~الشرع عليه أولا. # وهذا من بديع الاستنباط في موارد الأدلة المماثلة في اقتضاء الحكم الواحد ~~عليه، وهل يدخل فيه ما ترك المسلم التسمية عليه عمدا من الذبائح أم لا؟ ~~مسألة مشكلة جدا قد مهدنا القول فيها في تخليص الطريقتين، ولكننا نشير فيها ~~هاهنا إلى نكتة تتعلق بالمقصود؛ فنقول: # اختلف العلماء في متروك التسمية على ستة أقوال: # الأول: إن تركها سهوا أكلت. وإن تركها عمدا لم تؤكل قاله في الكتاب مالك ~~وابن القاسم وأبو حنيفة، وعيسى، وأصبغ. # الثاني: إن تركها عامدا أو ناسيا تؤكل؛ قاله الحسن، والشافعي. # الثالث: أنه إن تركها عامدا أو ناسيا حرم أكلها؛ قاله ابن سيرين، وأحمد. # الرابع: إن تركها متعمدا كره أكلها ولم تحرم؛ قاله القاضي أبو الحسن، ~~والشيخ أبو بكر من أصحابنا، وهو ظاهر قول الشافعي. # PageV02P271 # الخامس: قال أحمد بن حنبل: التسمية شرط في إرسال الكلب دون السهم في إحدى ~~روايتيه. # السادس: قال القاضي أبو بكر - رضي الله عنه -: يجب أن تعلق هذه الأحكام ~~بالقرآن والسنة والدلائل المعنوية التي أسستها الشريعة. # فأما القرآن فقد قال تعالى: {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه} [الأنعام: ~~118]. {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم ms0675 الله عليه} [الأنعام: 121] فبين الحالين ~~وأوضح الحكمين. # وقوله: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} [الأنعام: 121] نهي محمول ~~على التحريم، ولا يجوز حمله على الكراهة؛ لتناوله في بعض مقتضياته الحرام ~~المحض، ولا يجوز أن يتبعض. وهذا من نفيس علم الأصول. # وأما السنة فقوله - صلى الله عليه وسلم - في الصحاح: «ما أنهر الدم، وذكر ~~اسم الله عليه فكل». وقال أيضا - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أرسلت كلبك ~~المعلم، وذكرت اسم الله عليه فكل». وقال أيضا - صلى الله عليه وسلم -: «وإن ~~وجدت مع كلبك كلبا آخر فلا تأكل؛ فإنك إنما سميت على كلبك ولم تسم على ~~الآخر». # PageV02P272 # وهذه أدلة ظاهرة غالبة عالية، وذلك من أظهر الأدلة. وأعجب لرأس المحققين ~~إمام الحرمين يقول في معارضة هذا: [وذكر الله] إنما شرع في القرب، والذبح ~~ليس بقربة. # قلنا: هذا فاسد من ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه يعارضه القرآن والسنة، كما قلنا. # الثاني: أن ذكر الله مشروع في كل حركة وسكنة، حتى في خطبة النكاح، وإنما ~~تختلف درجاته: بالوجوب والاستحباب. # الثالث: أن الذبيحة قربة بدليل افتقارها إلى النية عندنا وعندك، وقد قال ~~الله تعالى: {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم} ~~[الحج: 37]. # فإن قيل: المراد بذكر اسم الله بالقلب؛ لأن الذكر يضاد النسيان، ومحل ~~النسيان القلب، فمحل الذكر القلب. # وقد روى البراء بن عازب وغيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اسم ~~الله على قلب كل مؤمن يسمي أو لم يسم»، ولهذا تجزئه الذبيحة إذا نسي ~~التسمية تعويلا على ما في قلبه من اسم الله سبحانه. # PageV02P273 # قلنا: الذكر يكون باللسان، ويكون بالقلب، والذي كانت العرب تفعله تسمية ~~الأصنام والنصب باللسان، فنسخ الله ذلك بذكر الله في الألسنة، واستمر ذلك ~~في الشريعة، حتى قيل لمالك: هل يسمي الله إذا توضأ؟ فقال: أيريد أن يذبح؟ ~~إشارة إلى أن موضع التسمية وموضوعها إنما هو في الذبائح لا في الطهارة. # وأما الحديث الذي تعلقوا به في قوله: «اسم الله على قلب كل مؤمن» فحديث ~~ضعيف لا تلتفتوا ms0676 إليه. وأما الناسي للتسمية على الذبيحة فإنها لم تحرم ~~عليه؛ لأن الله تعالى قال: {وإنه لفسق} [الأنعام: 121] وليس الناسي فاسقا ~~بإجماع، فلا تحرم عليه. # فإن قيل: وكذلك المتعمد ليس بفاسق إن أكلها إجماعا؛ لأنها مسألة اجتهاد ~~اختلف العلماء فيها. # قلنا: قد أجبنا عن هذه النكتة في مسائل الخلاف، وصرحنا فيه بالحق من ~~وجوه؛ أظهرها أن تارك التسمية عمدا لا يخلو من ثلاثة أحوال: # أحدها: أن يترك التسمية إذا أضجع الذبيحة؛ لأنه يقول: قلبي مملوء من ~~أسماء الله وتوحيده، فلا أفتقر إلى ذكر ذلك بلساني: فذلك يجزيه؛ لأنه قد ~~ذكر الله وعظمه. # وإن قال: ليس هذا موضع التسمية صريحة، فإنها ليست بقربة، فهذا يجزيه ~~لكونه على مذهب يصح اعتقاده اجتهادا للمجتهد فيه وتقليدا لمن قلده. # وإن قال: لا أسمي، وأي قدر للتسمية؟ فهذا متهاون كافر فاسق لا تؤكل ~~ذبيحته، فإنما يتصور الخلاف في المسألة على الصورتين الأوليين، فأما على ~~الصورة الثالثة فلا تشخيص لها. # والذي نعتمد عليه في صورة الناسي أن الخطاب لا يتوجه إليه، لاستحالة خطاب ~~الناسي؛ فالشرط ليس بواجب عليه. ### | [مسألة قوله تعالى وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم] # المسألة الثامنة: قوله تعالى: {وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم} ~~[الأنعام: 121] # سمى الله تعالى ما يقع في القلوب من إلهام وحيا، وهذا مما يطلقه شيوخ # PageV02P274 # التصوف، وينكره جهال المتوسمين بالعلم، ولم يعلموا أن الوحي على ثلاثة ~~أقسام، وأن إطلاقه في جميعها جائز في دين الله، أو لستم ترون أن الله ~~سبحانه قد سمى إلهام الشياطين وحيا؛ وكل ما يقوم بالقلب من الخواطر فهو خلق ~~الله؛ فكل ما كان من الشر أضافه الله إلى الشيطان، وما كان من الخير أضافه ~~الله إلى الملك. وفي الحديث: «إن القلب بين لمتين: لمة من الملك ولمة من ~~الشيطان؛ فلمة الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق، ولمة الشيطان إيعاد بالشر ~~وتكذيب بالحق». ### | [مسألة معنى قوله تعالى ليجادلوكم] # المسألة التاسعة: قوله تعالى: {ليجادلوكم} [الأنعام: 121] # المجادلة دفع القول على القول على طريق الحجة بالقوة مأخوذ من " الأجدل ~~": طائر قوي، أو ms0677 لقصد المغالبة؛ كأن يطرحه على الجدالة، ويكون حقا في نصرة ~~الحق وباطلا في نصرة الباطل قال تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي ~~هي أحسن} [العنكبوت: 46]. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وإن أطعتموهم إنكم لمشركون] # المسألة العاشرة: قوله تعالى: {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} [الأنعام: ~~121] # إنما يكون المؤمن بطاعة المشرك مشركا إذا أطاعه في اعتقاده: الذي هو محل ~~الكفر والإيمان؛ فإذا أطاعه في الفعل وعقده سليم مستمر على التوحيد ~~والتصديق فهو عاص. # فافهموا ذلك في كل موضع. والله أعلم. ### | [الآية التاسعة والعاشرة والحادية عشرة قوله تعالى وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا] # فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله ~~وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون} [الأنعام: 136] {وكذلك زين ~~لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو ~~شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون} [الأنعام: 137] {وقالوا هذه أنعام ~~وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا ~~يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون} [الأنعام: ~~138] {وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن ~~يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم} [الأنعام: 139] {قد ~~خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على ~~الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين} [الأنعام: 140] # PageV02P275 # فيها سبع مسائل: # المسألة الأولى: روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال: من أراد أن يعلم ~~جهل العرب فليقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام إلى قوله تعالى: ~~{قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم} [الأنعام: 140]. # وهذا الذي قاله - رضي الله عنه - كلام صحيح، فإنها تصرفت بعقولها القاصرة ~~في تنويع الحلال والحرام سفاهة بغير معرفة ولا عدل؛ والذي تصرفت بالجهل فيه ~~من اتخاذ آلهة أعظم جهلا وأكبر جرما؛ فإن الاعتداء على الله أعظم من ~~الاعتداء على المخلوقين. # والدليل على أن الله تعالى واحد في ذاته، واحد في صفاته، ms0678 واحد في ~~مخلوقاته أبين وأوضح من الدليل على أن هذا حلال، وهذا حرام. # وقد روي أن رجلا قال لعمرو بن العاص: إنكم على كمال عقولكم ووفور أحلامكم ~~كنتم تعبدون الحجر. فقال عمرو: تلك عقول كادها باريها # المسألة الثانية: هذا الذي أخبر الله تعالى عنه من سخافة العرب وجهلها ~~أمر أذهبه الله تعالى بالإسلام، وأبطله ببعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم ~~- وكان من الظاهر لنا أن نميته حتى لا # PageV02P276 # يظهر، وننساه حتى لا يذكر [إلا] أن ربنا تبارك وتعالى ذكره بنصه، وأورده ~~بشرحه، كما ذكر كفر الكافرين به. وكانت الحكمة في ذلك والله أعلم أن قضاءه ~~قد سبق، وحكمه قد نفذ، بأن الكفر والتخليط لا ينقطعان إلى يوم القيامة، وقد ~~قضى الله ألا يصد كافر عن ذكر الكفر، ولا مبتدع عن تغيير الدين، قصده ببيان ~~الأدلة، ثم وفق من سبق له عنده الخير فيسر له معرفتها، فآمن وأطاع، وخذل من ~~سبق له عنده الشر فصدفه عنها، فكفر وعصى {ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي ~~عن بينة} [الأنفال: 42] فتعين علينا أن نشير إلى بسط ما ذكر الله تعالى من ~~ذلك وهي # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث} [الأنعام: ~~136] أي: أظهر بالخلق والإيجاد من الحرث والأنعام نصيبا، وجميعه له لا شريك ~~معه في خلقه، فكيف جعلوا له شريكا في القربان به من الأوثان التي نصبوها ~~للعبادة معه، وشر العبيد كما يأتي [بيانه] في الأثر من أنعم عليه سيده ~~بنعمة فجعل يشكر غيره عليها، وكان هذا النصيب الذي للأوثان جعلوه لله من ~~الحرث مصروفا في النفقة عليها وعلى خدامها، وكذلك نصيب الأنعام أنهم كانوا ~~يجعلونها قربانا للآلهة. # وقيل: كان لله البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وكان ما جعلوه لله إذا ~~اختلط بأموالهم لم يردوه، وإذا اختلط ما للأوثان بها ردوه وذلك قوله: {فما ~~كان لشركائهم} [الأنعام: 136] الآية. # وقيل: كان ذلك إذا هلك ما جعلوه لله لم يغرموه، وإذا هلك ما جعل للأوثان ~~غرموه. # وقيل: كانوا يذكرون اسم الأوثان على ms0679 نصيب الله، ولا يذكرون الله على نصيب ~~الأوثان، وهي: # PageV02P277 # المسألة الرابعة: فإن تركهم لذكر اسم الله مذموم منهم وفيهم؛ فكان ذلك ~~أصلا في ترك أكل ما لم يسم الله عليه. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وكذلك زين لكثير من المشركين] # المسألة الخامسة: ثم قال بعد ذلك: {وكذلك زين لكثير من المشركين قتل ~~أولادهم شركاؤهم} [الأنعام: 137] يعني: في الوأد للبنات مخافة السباء وعدم ~~الحاجة وما حرمن من النصرة، كما كانت الجاهلية تفعله. # وقيل: كما فعل عبد المطلب حين نذر ذبح ولده عبد الله. # وحقيقة التزيين إظهار الجميل، وإخفاء القبيح، وقد يتغلب بخذلان الله ~~للعبد، كما يتحقق بتوفيقه له. ومن الباطل الذي ارتكبوه بتزيين الشيطان ~~تصويره عندهم جواز أكل الذكور من القرابين، ومنع الإناث من أكلها، كالأولاد ~~والألبان، وكان تفضيلهم للذكور لأحد وجهين، أو بمجموعهما: # إما لفضل الذكر في نفسه على الأنثى، وإما لأن الذكور كانوا سدنة بيوت ~~الأصنام؛ فكانوا يأكلون مما جعل لهم منها؛ وذلك كله تعد في الأفعال، ~~وابتداء في الأقوال، وعمل بغير دليل من الشرع؛ ولذلك أنكر جمهور من الناس ~~على أبي حنيفة القول بالاستحسان وهي: # المسألة السادسة: فقالوا: إنه يحرم ويحلل بالهوى من غير دليل، وما كان ~~ليفعل ذلك أحد من أتباع المسلمين، فكيف أبو حنيفة، وعلماؤنا من المالكية ~~كثيرا ما يقولون: القيام كذا في مسألة، والاستحسان كذا، والاستحسان عندنا ~~وعند الحنفية هو العمل بأقوى الدليلين. # وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف. # نكتته المجزئة هاهنا أن العموم إذا استمر والقياس إذا اطرد فإن مالكا ~~وأبا حنيفة يريان تخصيص العموم بأي دليل كان من # PageV02P278 # ظاهر أو معنى، ويستحسن مالك أن يخص بالمصلحة، ويستحسن أبو حنيفة أن يخص ~~بقول الواحد من الصحابة الوارد بخلاف القياس. # ويرى مالك وأبو حنيفة تخصيص القياس ببعض العلة، ولا يرى الشافعي العلة ~~الشرع إذا ثبت تخصيصا، ولم يفهم الشريعة من لم يحكم بالمصلحة ولا رأى تخصيص ~~العلة، وقد رام الجويني رد ذلك في كتبه المتأخرة التي هي نخبة عقيدته ~~ونخيلة فكرته فلم يستطعه، وفاوضت الطوسي الأكبر ms0680 في ذلك وراجعته حتى وقف، ~~وقد بينت ذلك في المحصول والاستيفاء بما في تحصيله شفاء إن شاء الله تعالى. # فإن قال أصحاب الشافعي: فقد تاخمتم هذه المهواة، وأشرفتم على التردي في ~~المغواة؛ فإنكم زعمتم أن اليمين يحرم الحلال ويقلب الأوصاف الشرعية، ونحن ~~براء من ذلك؟ قلنا: هيهات، ما حرمنا إلا ما حرم الله، ولا قلنا إلا ما قال ~~الله، ألم تسمعوا قوله: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} [التحريم: ~~1]، وهي: المسألة السابعة: وسنبينها في سورة التحريم إن شاء الله. ### | [الآية الثانية عشرة قوله تعالى وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات] # والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ~~ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} ~~[الأنعام: 141]. # فيها خمس عشرة مسألة: # المسألة الأولى: قوله تعالى: {أنشأ} [الأنعام: 141]: أي: ابتدأ الفعل من ~~غير احتذاء مثال؛ وكان ذلك في يوم الاثنين على ما ورد في # PageV02P279 # الخبر الصحيح، وأوضحناه في كتاب المشكلين، وقد يستعمل أنشأ في كل فعل كان ~~على مثال أو لم يكن. المسألة الثانية: الجنات: هي: البساتين التي يجنها ~~الشجر، أي: يسترها؛ ومنه جن عليه الليل، ومنه سمي الجن، لاجتنانهم عن ~~الأبصار، وكذلك الجنة في قوله تعالى: {وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا} ~~[الصافات: 158]؛ سموا بذلك لاجتنانهم. # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {معروشات وغير معروشات} [الأنعام: 141] # يعني: رفعت على الأعواد، وصينت عن تدلي الثمر على الأرض، وأظهرت للإدراك، ~~وسهل جمعها دون انحناء. # والعرش: كل ما ارتفع فوق غيره. وقيل: تعريشها حياطتها بالجدر، وما قام ~~مقامها، حتى لا يكون فيها مدخل لأحد؛ والأول أقوى في الاشتقاق. وقد قيل في ~~قوله: {خاوية على عروشها} [البقرة: 259]: يعني على أعاليها، ولعله على ~~جدرانها، وأشار بذلك إلى حدائق الأعناب التي هي الكروم في ألسنة العرب، # ثم قال بعد ذلك وهي: # المسألة الرابعة: {والنخل والزرع مختلفا أكله} [الأنعام: 141] وفرق ~~بينهما؛ لأنهما أصلا المعاش، وعمادا القوت، ثم فرق بين الزيتون والرمان في ~~وزان آخر وهي: # المسألة الخامسة: ووصفها ms0681 بأنها متشابهة وغير متشابهة؛ يعني: أن منها ما ~~يتشابه في الظاهر، ويخالفه في الباطن؛ ومنها ما يشتبه في اللون، ويختلف في ~~الطعم؛ وفي ذلك دليلان عظيمان: أحدهما: على المنة منه سبحانه علينا والنعمة ~~التي هيأها لنا وهي: # المسألة السادسة: فلو شاء ربنا إن خلقنا أحياء ألا يخلق لنا غذاء، أو إذا ~~خلقه ألا يكون جميل المنظر # PageV02P280 # طيب الطعم، أو إذا خلقه كذلك ألا يكون سهل الجني، فلم يكن عليه أن يفعل ~~ذلك ابتداء لأنه لا يجب عليه شيء، وإن فعله فبفضله، كابتداء خلقه: في تعديد ~~النعم وتقرير الفضل والكرم والشهادة على الابتداء بالثواب قبل العقاب، ~~وبالعطاء قبل العمل. # الدليل الثاني على القدرة في أن يكون الماء الذي من شأنه الرسوب يصعد ~~بقدرة الواحد القادر علام الغيوب من أسافل الشجر إلى أعاليها، ويترقى من ~~أصولها إلى فروعها، حتى إذا انتهى إلى آخرها نشأ فيها أوراق ليست من جنسها، ~~وثمار خارجة عن صفتها، فيها الجرم الوافر، واللون الزاهر، والجني الجديد، ~~والطعم اللذيذ؛ فأين الطبائع وأجناسها؟ وأين الفلاسفة وأناسها؟ هل في قدرة ~~الطبيعة إذا سلمنا وقلنا لها قدرة على طريق الجدل أن تتقن هذا الإتقان ~~البديع، أو ترتب هذا الترتيب العجيب؟ كلا، لا يتم ذلك في المعقول إلا لحي ~~عالم قادر مريد، فقد علم الألباء أن أميا لا ينظم سطور الكتابة، وأن سواديا ~~لا يقدر على ما في الديباج من التزين والنساجة؛ فسبحان من له في كل شيء آية ~~بداية ونهاية، فمن الله الابتداء، وإن إلى ربك المنتهى، تقدس وتعالى. ### | [مسألة معنى قوله تعالى كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده] # المسألة السابعة: قوله تعالى: {كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم ~~حصاده} [الأنعام: 141] فهذان بناءان جاءا بصيغة أفعل، وأحدهما مباح لقوله: ~~{فانتشروا في الأرض} [الجمعة: 10]. والثاني: واجب على ما يأتي تفصيله إن ~~شاء الله، وليس يمتنع في الشريعة اقتران المباح والواجب؛ لما يأتي في ذلك ~~من الفوائد، ويتركب عليه من الأحكام، فأما الأكل فلقضاء اللذة، وأما إيتاء ~~الحق فلقضاء ms0682 حق النعمة، فلله تعالى على العبد نعمة في البدن بالصحة، ~~واستقامة الأعضاء، وسلامة الحواس، ونعمة في المال بالتمليك والاستغناء، ~~وقضاء اللذات، وبلوغ الآمال؛ ففرض الصلاة كفاء نعمة البدن، وفرض الزكاة ~~كفاء نعمة المال، وبدأ بذكر نعمة الأكل قبل الأمر بإيتاء الحق؛ ليبين أن ~~الابتداء بالنعمة كان من فضله قبل التكليف. # PageV02P281 # المسألة الثامنة: قوله تعالى: {وآتوا حقه} [الأنعام: 141] # اختلف في تفسير هذا الحق على ثلاثة أقوال: # الأول: أنه الصدقة المفروضة؛ قال سعيد بن المسيب وغيره، ورواه ابن وهب، ~~وابن القاسم عن مالك في تفسير الآية. # الثاني: أنها الصدقة غير المفروضة تكون يوم الحصاد وعند الصرام؛ وهي ~~إطعام من حضر والإيتاء لمن غبر؛ قاله مجاهد. # الثالث: أن هذا منسوخ بالزكاة؛ قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير. # وقد زعم قوم أن هذا اللفظ مجمل ولم يخلصوا القول فيه، وحقيقة الكلام عليه ~~أن قوله: آتوا مفسر، وقوله: {حقه} [الأنعام: 141] مفسر في المؤتى، مجمل في ~~المقدار؛ إنما يقع النظر في رفع الإشكال الذي أنشأه احتمال هذه الأقوال: ~~وقد بينا فيما سبق وجه أنه ليس في المال حق سوى الزكاة، وتحقيقه في القسم ~~الثاني من علوم القرآن، وفي سورة البقرة من هذا التأليف، وثبت أن المراد ~~بذلك هاهنا الصدقة المفروضة. # وقد أفادت هذه الآية وجوب الزكاة فيما سمى الله سبحانه، وأفادت بيان ما ~~يجب فيه من مخرجات الأرض التي أجملها في قوله: {ومما أخرجنا لكم من الأرض} ~~[البقرة: 267]، وفسرها هاهنا؛ فكانت آية البقرة عامة في المخرج كله مجملة ~~في القدر؛ وهذه الآية خاصة في مخرجات الأرض مجملة في القدر، فبينه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - الذي أمر بأن يبين للناس ما نزل إليهم، فقال: ~~«فيما سقت السماء العشر، وما سقي بنضح أو دالية نصف العشر»؛ فكان هذا بيانا ~~لمقدار الحق المجمل في هذه الآية. # PageV02P282 # وقال أيضا - صلى الله عليه وسلم -: «ليس فيما دون خمسة أوسق من حب أو تمر ~~صدقة». خرجه مسلم وغيره، فكان هذا بيانا للمقدار الذي يؤخذ منه الحق، والذي ~~يسمى في ألسنة ms0683 العلماء نصابا. # وقد اختلف العلماء في ذلك اختلافا متباينا قديما وحديثا؛ فروي عن مالك ~~وأصحابه: أن الزكاة في كل مقتات لا قول له سواه. وقد أوردناه في كتب الفقه ~~وشرحناه، وبه قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة: تجب في كل ما تنبته الأرض من المأكولات من القوت ~~والفاكهة والخضر، وبه قال عبد الملك بن الماجشون في أصول الثمار دون ~~البقول. # وقال أحمد أقوالا؛ أظهرها أن الزكاة تجب في كل ما قال أبو حنيفة إذا كان ~~يوسق، فأوجبها في اللوز؛ لأنه مكيل دون الجوز لأنه معدود، معولا على قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر أو حب ~~صدقة»؛ فبين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن محل الواجب هو الموسق، وبين ~~القدر الذي يجب إخراج الحق منه. # وتعلق الشافعي بالقوت؛ وذلك لأن التوسيق إنما يكون في المقتات غالبا ~~دائما. وأما الخضر فأمرها نادر. # وأما المالكية «فتعلقت بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأخذ من خضر ~~المدينة صدقة». # وأما أبو حنيفة فجعل الآية مرآته فأبصر الحق، وقال: إن الله أوجب الزكاة ~~في المأكول قوتا كان أو غيره وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك في ~~عموم قوله: «فيما سقت السماء العشر»: وقد أشرنا في مسائل الخلاف إلى مسالك ~~النظر فيها في كتاب الإنصاف والتخليص. وقد آن تحديد النظر فيها كما يلزم كل ~~مجتهد. # PageV02P283 # فالذي لاح بعد التردد في مسالكه أن الله سبحانه لما ذكر الإنسان بنعمه في ~~المأكولات التي هي قوام الأبدان وأصل اللذات في الإنسان، عليها تنبني ~~الحياة، وبها يتم طيب المعيشة عدد أصولها تنبيها على توابعها، فذكر منها ~~خمسة: الكرم، والنخل، والزرع، والزيتون، والرمان. فالكرم والنخل: يؤكل في ~~حالين فاكهة وقوتا. # والزرع يؤكل في نوعين: فاكهة وقوتا. والزيت: يؤكل قوتا واستصباحا. ~~والرمان: يؤكل فاكهة محضة. وما لم يذكر مما يؤكل لا يخرج عن هذه الأقسام ~~الخمسة. # فقال تعالى: هذه نعمتي فكلوها طيبة شرعا بالحل طيبة حسا باللذة، وآتوا ~~الحق منها يوم الحصاد، وكان ذلك بيانا ms0684 لوقت الإخراج، وجعل كما أشرنا إليه ~~الحق الواجب مختلفا بكثرة المؤنة وقلتها، فما كان خفيف المؤنة قد تولى الله ~~سقيه ففيه العشر، وما عظمت مؤنته بالسقي الذي هو أصل الإتيان ففيه نصف ~~العشر. # فأما قول أحمد: إنه فيما يوسق لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس فيما ~~دون خمسة أوسق من حب أو تمر صدقة»، فضعيف؛ لأن الذي يقتضي ظاهر الحديث أن ~~يكون النصاب معتبرا في التمر والحب. فأما سقوط الحق عما عداها فليس في قوة ~~الكلام. وأما التعليق بالقوت فدعوى ومعنى ليس له أصل يرجع إليه؛ وإنما تكون ~~المعاني موجبة لأحكامها بأصولها على ما بيناه في كتاب القياس. # وكيف يذكر الله سبحانه النعمة في القوت والفاكهة، وأوجب الحق منها كلها ~~فيما تنوع حاله كالكرم والنخيل، وفيما تنوع جنسه كالزرع، وفيما ينضاف إلى ~~القوت من الاستسراج الذي به تمام النعمة في المتاع بلذة البصر إلى استيفاء ~~النعم في الظلم. # فإن قيل: إنما تجب الزكاة في المقتات الذي يدوم، فأما في الخضر فلا بقاء ~~لها؛ ولذلك لم تؤخذ الزكاة في الأقوات من أخضرها، وإنما أخذت من يابسها. # قلنا: إنما تؤخذ الزكاة من كل نوع عند انتهائه، باليبس، وانتهاء اليابس ~~والطيب انتهاء الأخضر؛ ولذلك إذا كان الرطب لا يثمر، والعنب لا يتزبب تؤخذ ~~الزكاة # PageV02P284 # منهما على حالهما، ولو لم تكن الفاكهة الخضرية أصلا في اللذة وركنا في ~~النعمة ما وقع الامتنان بها في الجنة. ألا تراه وصف جمالها ولذتها، فقال: ~~{فيهما فاكهة ونخل ورمان} [الرحمن: 68] فذكر النخل أصلا في المقتات، ~~والرمان أصلا في الخضراوات. # أولا ينظرون إلى وجه امتنانه على العموم لكم ولأنعامكم بقوله: {أنا صببنا ~~الماء صبا} [عبس: 25] {ثم شققنا الأرض شقا} [عبس: 26] {فأنبتنا فيها حبا} ~~[عبس: 27] {وعنبا وقضبا} [عبس: 28] {وزيتونا ونخلا} [عبس: 29] {وحدائق ~~غلبا} [عبس: 30] {وفاكهة وأبا} [عبس: 31]. # فإن قيل: فقد قال تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: 141]. والذي ~~يحصد الزرع. # قلنا: جهلتم؛ بل هو عام في كل نبت في الأرض. وأصل الحصاد إذهاب الشيء عن ~~موضعه الذي هو فيه؛ قال ms0685 تعالى: {منها قائم وحصيد} [هود: 100]. وقال: {حتى ~~جعلناهم حصيدا خامدين} [الأنبياء: 15]. وقال: {فجعلناها حصيدا كأن لم تغن ~~بالأمس} [يونس: 24]. وفي الحديث: «وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا ~~حصائد ألسنتهم». # فإن قيل: هذا مجاز؛ وأصله في الزرع. # قلنا: هذا كله حقيقة؟ وأصلها الذهاب. # فإن قيل: أليس يقال جداد النخل، وحصاد الزرع، جذاذ البقل؟ # قلنا: الاسم العام الحصاد؛ وهذه خواص العام على بعض متناولاته. وقد أجاب ~~عنه بعض العلماء بأنه ذكر الحصاد فيما يحصد دليلا على الجداد فيما يجد؛ لأن ~~أحدهما يكفي عن الآخر، ولكن النبات كان أصلا لقوله: فأنبتنا به جنات ~~[فجعلها قسما] # PageV02P285 # وحب الحصيد، فجعله قسما آخر؛ فلما عادل الجميع اكتفى بذكره عن ذكر غيره. # فإن قيل: فلم ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أخذ الزكاة من ~~خضر المدينة ولا خيبر. # قلنا: كذلك عول علماؤنا. وتحقيقه أنه عدم دليل لا وجود دليل. # فإن قيل: لو أخذها لنقل. # قلنا: وأي حاجة إلى نقله، والقرآن يكفي عنه. # فإن قيل: الآية منسوخة بأنها مكية و [آية] الزكاة مدنية. # قلنا: قد قال مالك: إن المراد به الزكاة المفروضة. وتحقيقه: في نكتة ~~بديعة؛ وهي أن القول في أنها مكية أو مدنية يطول. فهبكم أنها مكية؛ إن الله ~~أوجب الزكاة بها إيجابا مجملا فتعين فرض اعتقادها، ووقف العمل بها على بيان ~~الجنس والقدر والوقت، فلم تكن بمكة حتى تمهد الإسلام بالمدينة؛ فوقع ~~البيان، فتعين الامتثال، وهذا لا يفقهه إلا العلماء بالأصول. # فإن قيل: قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فيما سقت السماء العشر ~~وفيما سقي بنضح أو دالية نصف العشر» كلام جاء لبيان تفصيل قدر الواجب بحال ~~الموجب فيه، وليس القصد منه العموم حتى يقع التعويل عليه في استعمام ما سقت ~~السماء. # قلنا: هذا هو كلام إمام الحرمين، وهو من مذهباته التي بنى عليها كتاب ~~البرهان، وظن أنها لم تدرك في غابر الأزمان، وليس لها في الدلائل مكان. # نحن نقول: إن الحديث جاء للعموم في كل مسقي، ولتفصيل قدر الواجب باختلاف ~~حال ms0686 الموجب فيه، ولا يتعارض ذلك؛ فيمتنع اجتماعه، وقد مهدناه في أصول ~~الفقه. # فإن قيل: فقد خصصتم الحديث في المأكولات من المقتات، فنحن نخصه في ~~المأكولات أيضا. # PageV02P286 # قلنا: نحن خصصناه في المأكولات من المقتات بدليل الإجماع، ولا دليل لكم ~~على تخصيصه في المقتات؛ فإن أعادوا لما تقدم من أقوالهم أعدنا ما سبق عليها ~~من الأجوبة. # المسألة التاسعة: # قال الشافعي: لا زكاة في الزيتون في أحد قوليه؛ قال: لأنه يؤكل إداما، ~~وأيضا فإن التين أنفع منه في القوت ولا زكاة فيه. # قلنا له: الزكاة تجب عندنا في التين، فلا قول لك في ذلك، وأي فرق بين ~~التين والزبيب، والزيتون قوت يدخر ذاته ويدخر زيته؛ فلا كلام عليه. # المسألة العاشرة: # قال مالك في أظهر قوليه: إنما تكون الزكاة فيما يقتات في حال الاختيار ~~دون ما يقتات به في حال الضرورة، فلا زكاة في القطاني، وبه قال الحسن ~~والشعبي وابن سيرين وابن أبي ليلى والحسن بن صالح والثوري وابن المبارك ~~ويحيى بن آدم وأبو عبيد، ولذلك اختلف قوله في التين، فكان لا يوجب فيه ~~الزكاة، لأنه لا يدريه، فإذا أخبر عنه ورأى موقعه في بلاده أوجب فيه ~~الزكاة؛ وهذا بناء على أصل من أصول الفقه؛ وهو أن كلام الله تعالى إذا ورد، ~~هل يحمل على العموم المطلق أو الغالب من المتناول فيه؟ والصحيح حمله: على ~~العموم المطلق حسبما بيناه في موضعه. والله أعلم. ### | [مسألة وقت وجوب الزكاة في هذه الأموال النباتية] # المسألة الحادية عشرة: قوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} [الأنعام: ~~141]: # اختلف العلماء في وقت وجوب الزكاة في هذه الأموال النباتية على ثلاثة ~~أقوال: # الأول: أنها تجب وقت الجداد؛ قاله محمد بن مسلمة؛ بقوله: {وآتوا حقه يوم ~~حصاده} [الأنعام: 141]. # PageV02P287 # الثاني: أنها تجب يوم الطيب لأن ما قبل الطيب يكون علفا لا قوتا ولا ~~طعاما؛ فإذا طابت وكان الأكل الذي أنعم الله به وجب الحق الذي أمر الله به، ~~إذ بتمام النعمة يجب شكر النعمة، ويكون الإيتاء يوم الحصاد لما قد وجب يوم ~~الطيب. # الثالث: ms0687 أنه يكون بعد تمام الخرص؛ قاله المغيرة؛ لأنه حينئذ يتحقق الواجب ~~فيه من الزكاة، فيكون شرطا لوجوبها، أصله مجيء الساعي في الغنم. # ولكل قول وجه كما ترون؛ لكن الصحيح وجوب الزكاة بالطيب، لما بيناه من ~~الدليل؛ وإنما خرص عليهم ليعلم قدر الواجب في ثمارهم. # والأصل في الخرص حديث الموطإ «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث عبد ~~الله بن رواحة إلى أهل خيبر فخرص عليهم وخيرهم بين أن يأخذوا وله ما قال، ~~أو ينخلوا ولهم ما قال: فقالوا: بهذا قامت السموات والأرض». ويا ويح ~~البخاري يتخير على مالك، ولا يدخل هذا الحديث في باب الخرص، ويدخل منه حديث ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه مر في غزوة تبوك بحديقة فقال: اخرصوا ~~هذه فخرصوا؛ فلما رجع عن الغزو وسأل المرأة كم جاءت حديقتك؟ فأخبرته أنها ~~جاءت كما قال؟» فكانت إحدى معجزاته في قول. # فإن تلفت بعد الطيب فلا شيء فيها على المالك، وهي: # المسألة الثانية عشرة: إن الله ذهب بماله وما عليه، ولم يلزمه أن يخرجها ~~من غيره، وإن تلفت بعد الخرص وهي: # المسألة الثالثة عشرة: فلا بد له أن يقيم البينة على تلفها. # PageV02P288 # وقال الشافعي: يحلف لأنها أمانة عنده، وليس كذلك؛ بل هي واجبة عليه، فلا ~~يبرئه منها إلا إيجاد البراءة؛ وإنما ذلك في الأمانات التي تكون مستحفظة ~~عنده من غيره، وفي ذلك تفصيل ذكره: في الفروع. # المسألة الرابعة عشرة: # تركبت على هذه الأصول مسألة؛ وهي أن الله تعالى أوجب الزكاة في الكرم ~~والفروع والنخل مطلقا، ثم فسر النصاب بقوله: ليس فيما دون خمسة أوسق من تمر ~~ولا حب صدقة. فمن حصل له من تمر وزبيب معا خمسة أوسق، أو من زبيب خمسة أوسق ~~وجبت عليه الزكاة فيها، فإن حصل له من تمر وزبيب معا خمسة أوسق لم تلزمه ~~زكاته إجماعا في الوجهين؛ لأنهما صنفان مختلفان. فإن حصل له من طعام بر ~~وشعير معا خمسة أوسق زكاهما [معا] عند مالك. # وقال الشافعي: لا يجمعان، وكذلك غيرهما، وإنما هي أنواع كلها ms0688 يعتبر ~~النصاب في كل واحد منها على الانفراد؛ لأنهما يختلفان في الاسم الخاص؛ وفي ~~حالة الطعم. # والصحيح ضمهما؛ لأنهما قوتان يتقاربان، فلا يضر اختلاف الاسم. وقد بيناه ~~في كتب الفروع. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين] # المسألة الخامسة عشرة: قوله تعالى: {ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} ~~[الأنعام: 141] الإسراف: هو الزيادة، فقيل لهم: لا تسرفوا في الأكل بزيادة ~~الحرام على ما أحله الله لكم ولا تسرفوا في أخذ زيادة على حقكم، وهو التسعة ~~الأعشار، حاسبوا أنفسكم بما تأكلون، وأدوا ما يتعين عليكم بالخرص أو ~~بالجذاذ على ما تقدم. والله أعلم. ### | [الآية الثالثة عشرة قوله تعالى قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما] # الآية الثالثة عشرة: قوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على ~~طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا ~~أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم} [الأنعام: ~~145]. # PageV02P289 # فيها سبع مسائل: # المسألة الأولى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما} [الأنعام: 145] قد ~~بينا في كتب الحديث أن الوحي ينقسم على ثمانية أقسام: منها مجيء الملك إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الله بالأمر والنهي والخبر؛ فأخبر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أن الملك لم يأت إليه الآن إلا بهذا؛ إذ قد جاء إليه ~~قبل ذلك بالمحرمات وقد ثبت ذلك. # المسألة الثانية: # هذه الآية مدنية مكية في قول الأكثر، نزلت على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يوم نزل عليه قوله: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي} ~~[المائدة: 3] وذلك يوم عرفة، ولم ينزل بعدها ناسخ؛ فهي محكمة. . ### | [مسألة المحرمات على ثلاثة أقسام مطعومات ومنكوحات وملبوسات] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {على طاعم} [الأنعام: 145] # المحرمات على ثلاثة أقسام: مطعومات، ومنكوحات، وملبوسات. # فأما المطعومات والمنكوحات فقد استوفى الله بيانها في القرآن كثيرا، ~~ومنها في السنة توابع. # وأما الملبوسات فمنها في القرآن إشارات وتمام ذلك في السنة؛ وقال الله: ~~{قل ms0689 لا أجد في ما أوحي إلي} [الأنعام: 145] الآية. # فأما الميتة والدم فقد تقدم الكلام عليهما في البقرة والمائدة، وكذلك ~~قوله: {ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله} [البقرة: 173]. وكان ورود ذكر ~~الدم مطلقا هنالك وورد هاهنا مقيدا بالسفح. واختلف الناس في حمل المطلق ~~هاهنا على المقيد على قولين: # PageV02P290 # فمنهم من قال: إن كل دم محرم إلا الكبد والطحال، باستثناء السنة كما ~~تقدم. # ومنهم من قال: إن التحريم يختص بالمسفوح؛ قالته عائشة، وعكرمة، وقتادة. # وروي عن عائشة أنها قالت: لولا أن الله قال: {أو دما مسفوحا} [الأنعام: ~~145] لتتبع الناس ما في العروق. # قال الإمام الحافظ: الصحيح أن الدم إذا كان مفردا حرم منه كل شيء، وإن ~~خالط اللحم جاز؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه، وإنما حرم الدم بالقصد إليه. # المسألة الرابعة: # اختلف العلماء في هذه الآية على ثلاثة أقوال: # الأول: أنها منسوخة بالسنة، وحرم النبي - صلى الله عليه وسلم - لحوم ~~الحمر الأهلية، وحرم كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير؛ خرجه الأئمة ~~كلهم. # الثاني: أنها محكمة لا حرام فيها إلا فيما قالته عائشة. # الثالث: قال الزهري ومالك في أحد قوليه: هي محكمة، ويضم إليها بالسنة ما ~~فيها من محرم، فأما من قال: إنها منسوخة بالسنة فقد اختلف الناس في ذلك كما ~~اختلفوا في نسخ السنة بها. # والصحيح جواز ذلك كله: كما في تفصيل الأصول، لكن لو ثبت بالسنة محرم غير ~~هذه لما كان ذلك نسخا؛ لأن زيادة محرم على المحرمات أو فرض على المفروضات ~~لا يكون نسخا بإجماع من المسلمين، لا سيما وما ورد عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في الحمر الأهلية مختلف في تأويله على أربعة أقوال: # الأول: أنها محرمة كما قالوا. # الثاني: أنها حرمت بعلة «أن جائيا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: فنيت الحمر. فنيت # PageV02P291 # الحمر. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ينادى بتحريمها» لعلة من خوف ~~الفناء عليها؛ فإذا كثرت ولم يضر فقدها بالحمولة جاز أكلها؛ فإن الحكم يزول ~~بزوال العلة. # الثالث: ms0690 أنها حرمت لأنها طبخت قبل القسمة. # الرابع: أنها حرمت لأنها كانت جلالة خرجه أبو داود. وقد «نهى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - عن أكل جلالة البقر». وهذا بديع في وجه الاحتجاج بها، وقد ~~استوفيناه في شرح الحديث الصحيح. # وكذلك ما روي عنه في كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير إنما ورد في ~~المسند الصحيح بقوله نهى، ويحتمل ذلك النهي التحريم، ويحتمل الكراهية، مع ~~اختلاف أحوال السباع في الافتراس. ألا ترى إلى الكلب والهر والضبع فإنها ~~سباع، وقد وقع الأنس بالهر مطلقا وببعض الكلاب، وجاء الحديث عن جابر أن ~~الضبع صيد، وفيها كبش. # ولسنا نمنع أن يضاف إليها بالسنة ما صح سنده، وتبين مورده، وجاء في ~~الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ~~ثلاث: رجل زنى بعد إحصان، أو كفر بعد إيمان، أو قتل نفسا بغير نفس». وهذا ~~كله على أن مورد الآية # PageV02P292 # مجهول. فأما إذا تبينا أن موردها يوم عرفة فلا يحرم إلا ما فيها، وإليه ~~أميل، وبه أقول. # قال عمرو بن دينار: قلت لجابر بن زيد: إنهم يزعمون أن «النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - نهى عن لحوم الحمر الأهلية». قال: قد كان يقول ذلك الحكم بن ~~عمرو الغفاري، ولكن أبى ذلك الحبر يعني ابن عباس، وقرأ: {قل لا أجد في ما ~~أوحي} [الأنعام: 145] الآية، وكذلك يروى عن عائشة مثله. وقرأت الآية كما ~~قرأها ابن عباس. # المسألة الخامسة: # قال أصحاب الشافعي: تقدير الآية: قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما مما كنتم ~~تستخبثونه وتجتنبونه إلا أن يكون [ميتة] الآية. فأما غير ذلك من المحرمات ~~فلا؛ بدليل أن الله حرم أشياء منها المنخنقة وأخواتها. وأجمعت الأمة على ~~تحريم أشياء غير ذلك، منها القاذورات، ومنها الخمر والآدمي. # الجواب عنه من سبعة أوجه: # الجواب الأول: أن ابن عباس قد رد هذا وأوضح المراد منه والحق فيه، وهو ~~الحبر البحر الترجمان. # الجواب الثاني: دعوى ورود الآية على سؤال لا يقبل من غير نقل يعول عليه. ms0691 # الجواب الثالث: لو صح السؤال لما آثر خصوص السؤال في عموم الجواب الوارد ~~عليه. وقد أجمعنا عليه وبيناه فيما قبل. # الجواب الرابع: وأما قولهم: إن الله حرم غير ذلك كالمنخنقة وأخواتها فإن ~~ذلك داخل في الميتة إلا أنه بين أنواع الميتة وشرح ما يستدرك ذكاته مما ~~تفوت ذكاته لئلا يشكل أمره ويمزج الحلال بالحرام في حكمها. # الجواب الخامس: وأما قولهم: أجمعت الأمة على تحريم القاذورات فلا قاذور ~~محرم عندنا إلا أن يكون رجسا فيدخل في علة تحريم لحم الخنزير، وكذلك الخمر، ~~وهو: # PageV02P293 # الجواب السادس: دخلت في تعليل الرجسية. # وأما الجواب السابع: عن الآدمي فهيهات أيها المتكلم، لقد حططت مسماك إذ ~~أبعدت مرماك، من أدخل الآدمي في هذا؟ وهو المحلل له المحرم، المخاطب المثاب ~~المعاقب، الممتثل المخالف، فبينما كان متصرفا جعلته مصرفا، انصرف عن المقام ~~فلست فيه بإمام، فإن الإمام هاهنا وراء، والوراء أمام، وقد اندرجت: المسألة ~~السادسة: في هذا الكلام. # المسألة السابعة: # روى مجاهد «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كره من الشاء سبعا: الدم، ~~والمرار، والحياء، والغدة، والذكر، والأنثيين.» وهذه زيادات على هذه ~~المحرمات. # قلنا: عنه جوابان: الأول: أن الكراهية غير التحريم، وهو بالنسبة إليه ~~كالندب بالنسبة إلى الوجوب. # الثاني: أن هذه الكراهية إنما هي عيافة نفس، وتقزز جبلة، وتقذر نوع من ~~أنواع المحلل. # فإن قيل: فقد قال الدم. # قلنا: عنه جوابان: أحدهما: أن هذا استدلال بالقرائن، فكم من مكروه قرن ~~بمحرم، كقوله: «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن كل مسكر ومفتر». وكم ~~من غير واجب قرن بواجب، كقوله تعالى: {كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم ~~حصاده} [الأنعام: 141]. # وقوله: {وأتموا الحج والعمرة لله} [البقرة: 196]. # الثاني: أنه أراد الدم المخالط للحم الذي عفي عنه للخلق وأما المرار ~~المذكور في # PageV02P294 # الحديث فهو من قول بعضهم الأمر، وهو المصارين، ولا أراه أراد إلا المرار ~~بعينه، ونبه بذكره على علة كراهة غيره بأنه محل المستخبث؛ فكره لأجله. ~~والله أعلم. ### | [الآية الرابعة عشرة قوله تعالى وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ms0692 ظفر] # ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ~~ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون} [الأنعام: 146]. # فيها خمس مسائل: # المسألة الأولى: قوله: {وعلى الذين هادوا حرمنا} [الأنعام: 146] فيها ~~أربعة أقوال: # الأول: هادوا: تابوا. هاد يهود: تاب. # الثاني: هاد: إذا سكن. # الثالث: هاد: فتر. # الرابع: هاد: دخل في اليهودية. # وقد قيل في قوله تعالى: {كونوا هودا} [البقرة: 135] أي يهودا. ثم حذف ~~الياء. # فأما من قال: إنه التائب يشهد له قوله: {إنا هدنا إليك} [الأعراف: 156] ~~أي تبنا، وكل تائب إلى ربه: ساكن إليه فاتر عن معصيته. وهذا معنى متقارب. # المسألة الثانية: أخبر الله سبحانه وتعالى في قوله: {كل ذي ظفر} ~~[الأنعام: 146] يعني ما ليس بمنفرج الأصابع، كالإبل والنعام والإوز والبط؛ ~~قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، ويدخل في ذلك ما يصيد بظفره: من [سباع] الطير ~~والكلاب. والحوايا: واحدها حاوياء أو حوية، وهي عند العلماء على ثلاثة ~~أقوال: الأول: المباعر. # PageV02P295 # الثاني: أنها خزائن اللبن. الثالث: أنها الأمعاء التي عليها الشحوم. ### | [مسألة ذبح اليهود أنعامهم فأكلوا ما أحل الله في التوراة وتركوا ما حرم فهل يحل لنا] # المسألة الثالثة: أخبر الله سبحانه وتعالى أنه كتب عليهم تحريم هذا في ~~التوراة، وقد نسخ الله ذلك كله بشريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - وأباح ~~لهم ما كان محرما عليهم؛ عقوبة لهم على طريق التشديد في التكليف لعظيم ~~الحرم، وزوال الحرج بمحمد - صلى الله عليه وسلم -[وأمته]، وألزم جميع ~~الخليقة دين الإسلام بحله وحرمه، وأمره ونهيه؛ فإذا ذبحوا أنعامهم فأكلوا ~~ما أحل الله في التوراة، وتركوا ما حرم، فهل يحل لنا؟ فقال مالك في كتاب ~~محمد: هي محرمة [عليهم]. # وقال في سماع المبسوط: هي محللة، وبه قال ابن نافع. وقال ابن القاسم: ~~أكرهه. # والصحيح أكلها؛ لأن الله رفع ذلك التحريم بالإسلام. # فإن قيل: فقد بقي اعتقادهم فيه عند الذكاة. # قلنا: هذا لا يؤثر؛ لأنه اعتقاد فاسد. # المسألة الرابعة: فلو ذبحوا كل ذي ظفر؛ فقال أصبغ: كل ما كان محرما في ms0693 ~~كتاب الله من ذبائحهم فلا يحل أكله. وقاله أشهب وابن القاسم وأجازه ابن ~~وهب. والصحيح تحريمه؛ لأن ذبحه منهم ليس بذكاة. # المسألة الخامسة: قوله تعالى: {ذلك جزيناهم ببغيهم} [الأنعام: 146] دليل ~~على أن التحريم إنما يكون عن ذنب؛ لأنه ضيق فلا يعدل عن السعة إليه إلا عند ~~الموجدة. # PageV02P296 ### | [الآية الخامسة عشرة قوله تعالى قل هلم شهداءكم] # الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء ~~الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون} [الأنعام: ~~150]. # قال علماؤنا: فيه دليل على أن الرجل إذا قال: رضيت بفلان فإذا شهد أنكره، ~~وقال: ظننت أنه يقول الحق أنه لا يلزمه. # وقد اختلف فيه الفقهاء؛ فمنهم من قال: يلزمه ذلك. وقال آخرون: لا يلزمه ~~ما قال. # وللمالكية القولان. ومشهور قول ابن القاسم أن لا يلزمه، وليس في الآية ~~الرضا بالشهادة ثم الإنكار؛ إنما فيها طلب الدليل واستدعاء البرهان على ~~الدعوى؛ فإن العرب تحكمت بالتحريم والتحليل، فقال الله لنبيه: قل لهم: ~~هاتوا شهداءكم بأن هذا من عند الله، أي حجتكم حتى نسمعها، وننظر فيها. # فإن قيل: فما فائدة قوله: {فإن شهدوا فلا تشهد معهم} [الأنعام: 150]؟ ~~قلنا: هذا تحذير من الله لنبيه لتعلم أمته المعنى. فإن قال شهداؤهم مثل ما ~~يقولون فلا تقله معهم؛ فهذا دليل على أن الشاهد إذا قال ما قام الدليل على ~~بطلانه فلا تقبل شهادته. ### | [الآية السادسة عشرة قوله تعالى ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده] # وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ~~ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون} [الأنعام: ~~152]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: قد تقدم حال الولي مع اليتيم في ماله في سورة البقرة وآل ~~عمران، وهذا يدل على # PageV02P297 # جواز عمل الوصي في مال اليتيم إذا كان حسنا حتى يبلغ الغلام أشده، زاد في ~~سورة النساء ويونس رشده. # المسألة الثانية: # هذا يدل على أن البلوغ أشد، ويأتي بيانه إن ms0694 شاء الله تعالى. # المسألة الثالثة: # قال أبو حنيفة: الأشد خمسة وعشرون عاما، وعجبا من أبي حنيفة فإنه يرى أن ~~المقدرات لا تثبت نظرا ولا قياسا، وإنما تثبت نقلا على ما بيناه في أصول ~~الفقه، وهو يثبتها بالأحاديث الضعيفة، ولكنه سكن دار الضرب فكثر عنده ~~المدلس، ولو سكن المعدن كما قيض الله لمالك لما صدر عنه إلا إبريز الدين ~~وإكسير الملة كما صدر عن مالك. ### | [الآية السابعة عشرة قوله تعالى قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين] # } [الأنعام: 162] {لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} [الأنعام: ~~163]. # فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: {إن صلاتي} [الأنعام: 162] ~~الآية: مقام التسليم لله ودرجة التفويض إلى الله بناء عن مشاهدة توحيد ~~ومعاينة يقين وتحقيق؛ فإن الكل من الإنسان لله أصل ووصف، وظاهر وباطن، ~~واعتقاد وعمل، وابتداء وانتهاء، وتوقف وتصرف، وتقدم وتخلف، لا شريك له فيه، ~~لا منه ولا من غيره يضاهيه أو يدانيه. ### | [مسألة من سنن الصلوات الاستفتاح بقوله قل إن صلاتي ونسكي] # المسألة الثانية: # ثبت في الحديث الصحيح «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يستفتح به ~~صلاته، وثبت أنه كان يقول في استفتاحها أيضا: سبحانك اللهم وبحمدك». # PageV02P298 # واختلف قول مالك بذلك؛ فقال ابن القاسم: لم ير مالك هذا الذي يقول الناس ~~قبل القراءة: سبحانك اللهم وبحمدك. # وفي مختصر ما ليس في المختصر أن مالكا يقول: وإنما كان يقول في خاصته ~~لصحة الحديث به؛ وكان لا يريه للناس مخافة أن يعتقدوا وجوبه. # ورآه الشافعي من سنن الصلوات، وهو الصواب؛ لصحة الحديث؛ والله أعلم. # المسألة الثالثة: # إذا قلنا إنه يقولها في افتتاح الصلاة على الوجه المتقدم فإنه يقول في ~~آخرها: وأنا من المسلمين، ولا يقول: وأنا أول المسلمين؛ إذ ليس أحد بأولهم ~~إلا محمد - صلى الله عليه وسلم -. # فإن قيل: أوليس إبراهيم قبله؟ قلنا: عنه أجوبة، أظهرها الآن أن أول ~~المسلمين من أهل ملته. والله أعلم. ### | [الآية الثامنة عشرة قوله تعالى قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء] # ولا ms0695 تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم ~~فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} [الأنعام: 164] # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: استدل بعض علمائنا المخالفين على أن بيع الفضولي لا يصح ~~بقوله: {ولا تكسب كل نفس إلا عليها} [الأنعام: 164]. # وعارضهم علماؤنا بأن المراد بالآية تحمل الثواب والعقاب دون أحكام ~~الدنيا. # ويحتمل أن يكون المراد بذلك كسب الإلزام والالتزام، لا كسب المعونة ~~والاستخدام؛ فقد يتعاون المسلمون ويتعاملون بحكم العادة والمروءة ~~والمشاركة؛ هذا رسول الله قد باع له واشترى عروة البارقي في دينار وتصرف ~~بغير أمره، فأجازه النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمضاه؛ نصه: «أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - دفع إلى عروة البارقي دينارا، وأمره أن يشتري له شاة ~~من الجلب فاشترى له به شاتين، وباع إحداهما بدينار، وجاء بالدينار وبالشاة # PageV02P299 # فدعا له النبي - صلى الله عليه وسلم - بالبركة؛ فكان لا يتجر في سوق إلا ~~ربح فيها حتى لو اتجر في التراب لربح فيه». # قال: ولقد كنت أخرج إلى الكناسة بالكوفة فلا أرجع إلا وقد ربحت ربحا ~~عظيما. # وقد مهدنا الكلام عليه في صريح الحديث وتلخيص الطريقتين، فانظروه تجدوه ~~إن شاء الله. # المسألة الثانية: قوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام: 164] # للوزر معنيان: # أحدهما: الثقل؛ وهو المراد هاهنا، يقال وزره يزره إذا حمل ثقله، ومنه ~~قوله تعالى: {ووضعنا عنك وزرك} [الشرح: 2]. والمراد به هاهنا الذنب؛ قال ~~تعالى: {وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم} [الأنعام: 31] يعني ذنوبهم {ألا ~~ساء ما يزرون} [الأنعام: 31] أي: بئس الشيء شيئا يحملون. # والمعنى لا تحمل نفس مذنبة عقوبة الأخرى؛ وإنما تؤخذ كل نفس منهم ~~بجريرتها التي اكتسبتها، كما قال تعالى: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} ~~[البقرة: 286]. # وقد وفد أبو رمثة رفاعة بن يثربي التميمي مع ابنه على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: فقال: أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه. # وهذا إنما بينه لهم ردا على اعتقادهم في الجاهلية من مؤاخذة الرجل بابنه ~~وبأبيه وبجريرة حليفه. # المسألة الثالثة: # وهذا حكم ms0696 من الله تعالى نافذ في الدنيا والآخرة؛ وهو ألا يؤخذ أحد بجرم ~~أحد، بيد أنه يتعلق ببعض الناس من بعض أحكام في مصالح الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى، وحماية النفس والأهل عن ~~العذاب، كما قال تعالى: # PageV02P300 # {قوا أنفسكم وأهليكم نارا} [التحريم: 6]. # والأصل في ذلك كله أن المرء كما يفترض عليه أن يصلح نفسه باكتساب الخير ~~فواجب عليه أن يصلح غيره بالأمر به والدعاء إليه والحمل عليه، وهذه فائدة ~~الصحبة، وثمرة المعاشرة، وبركة المخالطة، وحسن المجاورة؛ فإن [حسن في ذلك ~~كله كان معافى في الدنيا والآخرة، وإن] قصر في ذلك كله كان معاقبا في ~~الدنيا والآخرة، فعليه أولا إصلاح أهله وولده، ثم إصلاح خليطه وجاره، ثم ~~سائر الناس بعده، بما بيناه من أمرهم ودعائهم وحملهم؛ فإن فعلوا، وإلا ~~استعان بالخليفة لله في الأرض عليهم، فهو يحملهم على ذلك قسرا، ومتى أغفل ~~الخلق هذا فسدت المصالح، وتشتت الأمر، واتسع الخرق، وفات الترقيع، وانتشر ~~التدمير؛ ولذلك يروون أن عمر بن الخطاب كفل المتهمين عشائرهم، وذلك ~~بالتزامهم كفهم أو رفعهم إليه حتى ينظر فيهم، والله يتولى التوفيق برحمته. # PageV02P301 ### | [سورة الأعراف فيها سبع وعشرون آية] # [الآية الأولى قوله تعالى كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه] ### | الآية الأولى # قوله تعالى: {كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه # لتنذر به وذكرى للمؤمنين} [الأعراف: 2]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: قال بعضهم: قوله: {فلا يكن في صدرك حرج منه} [الأعراف: ~~2] نهي في الظاهر، ولكنه لنفي الحرج. وعجبا له مع عمل يقع في مثله، والنهي ~~عن الشيء لا يقتضي نفيه؛ فإن الله سبحانه ينهى عن أشياء وتوجد، ويأمر ~~بأشياء فلا توجد والصحيح أنه نهي عن حاله؛ قيل لمحمد: {فلا يكن في صدرك حرج ~~منه} [الأعراف: 2]، وأعين على امتثال النهي بخلق القدرة له عليه؛ كما فعل ~~به في سائر التكليفات. # المسألة الثانية: الحرج: هو الضيق. وقيل: هو الشك. وقيل: هو التبرم؛ وإلى ~~الأول يرجع؛ # فإن كان هو الشك فقد أنار الله فؤاده ms0697 باليقين، وإن كان التبرم فقد حبب ~~الله إليه الدين، وإن كان الضيق فقد وسع الله قلبه بالعلوم، وشرح صدره ~~بالمعارف، وذلك مما فتح الله عليه من علوم القرآن، وخفف عليه ثقل العبادة ~~حتى جعلت قرة عينه في الصلاة # PageV02P302 # فكان يقول: «أرحنا بها يا بلال». ومن تمام النية في العبادة النشاط إليها ~~والخفة إلى فعلها، وخصوصا الصبح والعشاء؛ فهما أثقل الصلوات على المنافقين ~~حسبما رواه أبو داود وغيره: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: فذكر من ~~حديث: أن هاتين الصلاتين أثقل الصلوات على المنافقين، ولو يعلمون ما فيهما ~~لأتوهما ولو حبوا على الركب». وليس يخلو أحد عن وجود الثقل؛ ولذلك كان ~~تكليفا، بيد أن المؤمن يحتمله ويخرج بالفعل عنه، والمنافق يسقطه. # فإن قيل وهي: # المسألة الثالثة: فالعاصي إذا أسقطه أمنافق هو؟ قلنا: لا، ولكنه فاعل فعل ~~المنافقين والكافرين، وإلى هذا المعنى أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بقوله: «من ترك الصلاة فقد كفر» أي فعل فعل الكفار في أحد الأقوال: ### | [الآية الثانية قوله تعالى اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء] # قليلا ما تذكرون} [الأعراف: 3]. # PageV02P303 # فيها مسألتان: # المسألة الأولى: قال علماؤنا: معناه أحلوا حلاله وحرموا حرامه، وامتثلوا ~~أمره، واجتنبوا نهيه، واستبيحوا مباحه، وارجوا وعده، وخافوا وعيده، واقتضوا ~~حكمه، وانشروا من علمه علمه، واستجسوا خباياه، ولجوا زواياه، واستثيروا ~~جاثمه؛ وفضوا خاتمه، وألحقوا به ملائمه وهي: # المسألة الثانية: باتباع ما يؤثر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وإن عارضه إذا وضح مسلكه؛ فتارة يكون ناسخا له، وأخرى خاصا ومتمما في حكم ~~على طرق موارده المعلومة، بشروطها المحصورة حسبما بيناه في أصول الفقه. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد] # وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} [الأعراف: 31]. # فيها إحدى عشرة مسألة: # المسألة الأولى في نزولها: # قيل: إنها نزلت في الذين كانوا يطوفون بالبيت عراة، أمروا باللباس وستر ~~العورة؛ قاله ابن عباس وجماعة معه. # وقال مجاهد والزجاج: نزلت في ستر العورة في ms0698 الصلاة، وهذا ليس يدافع ~~الأول؛ لأن الطواف بالبيت صلاة. # وفي الصحيح عن ابن عباس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت عريانة فتقول: من ~~تعيرني تطوافا؟ فتجعله على فرجها وتقول: # PageV02P304 # اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله # جهم من الجهم عظيم ظله ... كم من لبيب عقله يضله # وناظر ينظر ما يمله # فنزلت: {خذوا زينتكم عند كل مسجد} [الأعراف: 31]. # قال ابن العربي: وهذه المرأة هي ضباعة بنت عامر بن قرط. # وقد روي أن العرب كانت تطوف بالبيت عراة، إلا الحمس: قريش وأحلافهم، فمن ~~جاء من غيرهم وضع ثيابه وطاف في ثوب أحمسي، فيحل أن يلبس ثيابه، فإن لم يجد ~~من يعيره ما يلبس من الحمس فإنه يلقي ثوبه ويطوف عريانا، وتحرم عليه ثيابه، ~~فنزلت الآية. # وثبت في الصحيح «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرسل ألا يحج بعد العام ~~مشرك ولا يطوف بالبيت عريان». فنودي بها في الموسم. # المسألة الثانية: في سبب فعل الجاهلية لذلك: # إن قريشا كانت رأت رأيا تكيد به العرب، فقالوا: يا معشر قريش؛ لا تعظموا ~~شيئا من البلدان كتعظيم حرمكم، فتزهد العرب؛ في حرمكم إذا رأوكم قد عظمتم ~~من البلدان غيره كتعظيمه، فعظموا أمركم في العرب؛ فإنكم ولاة البيت وأهله ~~دون الناس؛ فوضعوا لذلك الأمر أن قالوا: نحن أهل الحرم، فلا ينبغي لنا أن ~~نعظم غيره، ولا نخرج منه؛ فكانوا يقفون بالمزدلفة دون عرفة؛ لأنها خارج من ~~الحرم، وكانت سنة إبراهيم وعهدا من عهده، ثم قالوا: لا ينبغي لأحد من العرب ~~أن يطوف إلا في ثيابنا، ولا يأكل إذا دخل أرضنا إلا من طعامنا، ولا يأكل ~~الأقط، ولا يستظل بالأدم إلا الحمس، وهم قريش، وما ولدت من العرب ومن كان ~~يليها من حلفائها من بني كنانة؛ فكان الرجل من العرب أو المرأة يأتيان ~~حاجين، حتى إذا أتيا الحرم وضعا ثيابهما وزادهما، وحرم عليهما أن يدخلا مكة ~~بشيء من ذلك: فإن كان لأحد # PageV02P305 # منهم صديق من الحمس استعار من ثيابه وطاف بها، ومن لم يكن له صديق ms0699 منهم، ~~وكان له يسار استأجر من رجل من الحمس ثيابه، فإن لم يكن له صديق ولا يسار ~~يستأجر به كان بين أحد أمرين: إما أن يطوف بالبيت عريانا، وإما أن يتكرم أن ~~يطوف بالبيت عريانا فيطوف في ثيابه؛ فإذا فرغ من طوافه ألقى ثوبه عنه، فلم ~~يمسه، ولم يمسه أحد من الناس؛ فكان ذلك الثوب يسمى اللقى قال قائل من ~~العرب: # كفى حزنا كري عليه كأنه ... لقى بين أيدي الطائفين حريم # وإن كانت امرأة ولم تجد من يعيرها ولا كان لها يسار تستأجر به [خلعت] ~~ثيابها كلها إلا درعا مفردا، ثم طافت فيه؛ فقالت امرأة من العرب كانت جميلة ~~تامة ذات هيئة وهي تطوف: # اليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله # فكانوا على ذلك من البدعة والضلالة حتى بعث الله نبيه محمدا - صلى الله ~~عليه وسلم - وأنزل فيمن كان يطوف بالبيت عريانا: {يا بني آدم خذوا زينتكم} ~~[الأعراف: 31] إلى آخر الآية. # ووضع الله ما كانت قريش ابتدعت من ذلك، وقد أنزل الله في تركهم الوقوف ~~بعرفة: {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} [البقرة: 199] يعني بذلك قريشا ومن ~~كان على دينهم. ### | [مسألة ستر العورة في الصلاة] # المسألة الثالثة: # اختلف الناس في ستر العورة، هل هي فرض في الصلاة أم مستحبة؟ فأما أبو ~~حنيفة والشافعي وأحمد فقالوا: إنها فرض فيها. وأما مالك فالمشهور من قوله ~~أنها فرض إسلامي لا تختص بالصلاة؛ وهو أشهر أقوالنا. والقول الآخر مثل قول ~~من تقدم؛ وهو الصحيح؛ لما ثبت من «أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بستر ~~العورة في الصلاة»، والأمر على الوجوب، وهو وإن كان فرضا إسلاميا فإنه ~~يتأكد في الصلاة. # PageV02P306 # المسألة الرابعة: العورة على ثلاثة أقسام: # الأول: جميع البدن؛ فيجب ستره في الصلاة؛ قاله أبو الفرج عنه. # الثاني: أنها من السرة إلى الركبة ولا خلاف فيه؛ إنما الخلاف وهو القسم ~~الثالث في أن ما زاد على القبل والدبر هل هو عورة مثقلة أو مخففة؟ فقال ~~علماؤنا وأبو حنيفة: إن القبل والدبر عورة ms0700 مثقلة، والفخذ عورة مخففة. # والصحيح أن الفخذ ليس بعورة؛ «لأنها ظهرت من النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- يوم جرى في زقاق خيبر، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلها ~~بأفخاذ أصحابه، ولو كانت عورة ما وصلها بها». # قال زيد: «نزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - الوحي وفخذه على فخذي ~~حتى كادت أن ترض فخذي»، أما إنه يكره كشفها فإن مالكا وغيره قد روى حديث ~~جرهد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: «غط فخذك؛ فإن الفخذ عورة»؛ ~~وهو حديث مشهور. ### | [مسألة الطواف لا يكون إلا في مسجد واحد] # المسألة الخامسة " قوله تعالى: {خذوا زينتكم} [الأعراف: 31] # وإن كان واردا على طواف العريان، فإنه عندنا عام في كل مسجد للصلاة؛ ومن ~~العلماء من أنكر أن يكون المراد به الطواف؛ لأن الطواف لا يكون إلا في مسجد ~~واحد. والذي يعم كل مسجد هو الصلاة، وهذا قول من خفي عليه مقاصد اللغة ~~والشريعة. # وبيانه أنهم كانوا يطوفون عراة في المسجد فنزلت: {خذوا زينتكم عند كل ~~مسجد} [الأعراف: 31]، ليكون العموم شاملا لكل مسجد، والسبب الذي أثار ذلك ~~ما كانوا يفعلونه في أفضل المساجد، والصحابة الذين هم أرباب اللغة والشريعة ~~أخبروا بذلك، ولم يخف عليهم نظام الكلام، ولا كيف كان وروده، اجتزءوا بورود ~~الآية ومنحاها، فلا مطمع لعالم في أن يسبق شأوهم في تفسير أو تقدير. # PageV02P307 # المسألة السادسة: قوله تعالى: {عند كل مسجد} [الأعراف: 31] # قال بعضهم: ظاهر هذا الكلام الورود بأخذ الزينة للفعل الواقع في المسجد، ~~تعظيما للمسجد، ولا يدل ذلك على وجوب الستر خارج المسجد، فزاد الناس، ~~فقالوا: " هذا يدل على وجوب الفعل للعورة في الصلاة؛ فإنه ليس الأمر بالستر ~~في المسجد لبين المسجد، وإنما هو للفعل الواقع في المسجد. # والفعل الواقع في المسجد على ثلاثة أقسام: طواف، ولا يعم كل مسجد ~~واعتكاف، ولم يشرف لأجله؛ فلم يبق إلا الصلاة؛ وقد ألزم الستر لها، فكان ~~ذلك شرطا فيها. # وقد قام الدليل على سقوط ما زاد على العورة، وبقي ما قابل العورة على ms0701 ~~ظاهره، وقد بينا فساد هذا من قبل؛ فإن الأمر بالزينة عند كل مسجد يحتمل أن ~~يكون لأجل ما فيه من اجتماع الناس. # فإن قيل: ويجتمعون في الأسواق. # قلنا: ليس ذلك اجتماعا مشروعا؛ بل يجوز تفرقهم. وها هنا إن تفرقوا في ~~المساجد كان ذلك قطعا للجماعة، وخرقا للصفوف؛ إذ قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في الحديث الصحيح: «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى ~~عورة المرأة». خرجه مسلم وغيره. # وأما قوله: إن الطواف لا يعم كل مسجد فقد تقدم الجواب عنه. ### | [مسألة سقط ثوب إمام فانكشف دبره وهو راكع فرفع رأسه وغطاه] # المسألة الرابعة: إذا قلنا: إن ستر العورة فرض في الصلاة فسقط ثوب إمام ~~فانكشف دبره، وهو راكع، فرفع رأسه وغطاه أجزأه؛ قاله ابن القاسم. # PageV02P308 # وقال سحنون: وكل من نظر إليه من المأمومين أعاد. وقد روى سحنون أنه يعيد، ~~ويعيدون؛ لأن ستر العورة شرط من شروط الصلاة، فإذا بطل بطلت الصلاة أصله ~~الطهارة. فهذا طريق من طرق النظر. # وأما أن يقال: إن صلاتهم لا تبطل، لأنهم لم يفقدوا شرطا. وأما من قال: إن ~~أخذه مكانه صحت صلاته وتبطل صلاة من نظر إليه، فصحيفة يجب محوها، ولا يجوز ~~الاشتغال بها. # المسألة الثامنة: # قال علماؤنا: إذا صلى في جماعة أو كان إماما فلا يصلي إلا بردائه أو شيء ~~يجعله على منكبه، ولو طرف عمامة؛ لأنه من الزينة، وقد أمر الله بها عند كل ~~مسجد، وكذلك قالت طائفة وهي: # المسألة التاسعة: إنه يصلي في نعليه؛ وقد روى أنس عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في قوله: {خذوا زينتكم عند كل مسجد} [الأعراف: 31] قالوا: ~~«صلوا في النعال»، ولم يصح ذلك. ### | [مسألة عورة المرأة] # المسألة العاشرة: # هذا خطاب للرجال والنساء، إلا أنهم يختلفون في العورة، فعورة الرجل قد ~~تقدم ذكرها، وعورة المرأة جميع بدنها إلا وجهها وكفيها، وفي المصنفين أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تقبل صلاة حائض إلا بخمار». وهذا في ~~الحرة؛ ثبت عن أم سلمة «أنها # PageV02P309 # سألت النبي ms0702 - صلى الله عليه وسلم -: أتصلي المرأة في درع وخمار ليس عليها ~~إزار؟ قال: إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها»، فأما الأمة فإنها تصلي ~~كما تمشي حاسرة الرأس. # وقال علماؤنا: تستر في الصلاة ما يستر الرجل، حتى لو انكشف بطنها لم ~~يضرها. # وقال أصبغ: إن انكشفت فخذها أعادت في الوقت. وقد بينا ذلك في مسائل ~~الفقه. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وكلوا واشربوا ولا تسرفوا] # المسألة الحادية عشرة: قوله: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا} [الأعراف: 31] # الإسراف: تعدي الحد؛ فنهاهم عن تعدي الحلال إلى الحرام. # وقيل: ألا يزيدوا على قدر الحاجة. # وقد اختلف فيه على قولين: فقيل: هو حرام. وقيل: هو مكروه؛ وهو الأصح؛ فإن ~~قدر الشبع يختلف باختلاف البلدان والأزمان والأسنان والطعمان. وقد ثبت في ~~الصحيح «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر لرجل كافر بحلاب سبع شياه، ~~فشربها ثم آمن، فلم يقدر على أكثر من حلب شاة. قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء»؛ وذلك أن ~~القلب لما تنور بالتوحيد نظر إلى الطعام بعين التقوى على الطاعة، فأخذ منه ~~قدر الحاجة، وحين كان مظلما بالكفر كان أكله كالبهيمة ترتع حتى تثلط. # PageV02P310 # وقد قال بعض شيوخ الصوفية: إن الأمعاء السبعة كناية عن أسباب سبعة يأكل ~~بها النهم: يأكل للحاجة، والخبر، والنظر، والشم، واللمس، والذوق، ويزيد ~~استغناما. # وقد مهدناه في شرح الصحيح. والله أعلم. ### | [الآية الرابعة والخامسة قوله تعالى قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده] # الآية الرابعة قوله تعالى: {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ~~والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ~~كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون} [الأعراف: 32]. # فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: قوله تعالى: {زينة الله} [الأعراف: 32] فيه ثلاثة أقوال: # الأول: ستر العورة؛ إذ كانت العرب تطوف عراة؛ إذ كانت لا تجد من يعيرها ~~من الحمس. # الثاني: جمال الدنيا في ثيابها وحسن النظرة في ملابسها ولذاتها. # الثالث: جمع الثياب عند السعة في الحال، ms0703 كما روي عن عمر بن الخطاب أنه ~~قال: إذا وسع الله عليكم فأوسعوا. جمع رجل عليه ثيابه، وصلى رجل في إزار أو ~~رداء، في إزار وقميص، في إزار وقباء، في سراويل ورداء، في سراويل وقميص، في ~~سراويل وقباء، في تبان وقباء، في تبان وقميص. وأحسبه قال في تبان ورداء. ~~والتبان: ثوب يشبه السراويل فسره أبو علي القالي كذلك، وعليه نقل الحديث؛ ~~فلعله أخذه منه، فكثيرا ما يفسر الأعرابيون من لحن الحديث ما لم يجدوه في ~~العربية، وهو الذي امتن به في قوله: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا} ~~[الأعراف: 26] وهي: الآية الخامسة ولولا وجوب سترها ما وقع الامتنان ~~باللباس الذي يواريها. # PageV02P311 # فإن قيل: إنما وقع الامتنان في سترها لقبح ظهورها. # قلنا: ماذا يريدون بهذا القبح؟ أيريدون به قبحا عقلا، فنحن لا نقبح ~~بالعقل، ولا نحسن؛ وإنما القبيح عندنا ما قبحه الشرع، والحسن، ما حسنه ~~الشرع. ### | [مسألة معنى الطيبات من الرزق] # المسألة الثانية: قوله تعالى: {والطيبات من الرزق} [الأعراف: 32] قيل: هي ~~الحلال. وقيل: هي اللذات، وكل لذة وإن لم تكن محرمة فإن استدامتها ~~والاسترسال عليها مكروه، ويأتي بيانه إن شاء الله. ### | [مسألة معنى قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا} ~~[الأعراف: 32]: يعني بحقها من توحيد الله والتصديق له؛ فإن الله ينعم ~~ويرزق؛ فإن وحده المنعم عليه وصدقه فقد قام بحق النعمة، وإن كفر فقد أمكن ~~الشيطان من نفسه. وفي الحديث الصحيح: «لا أحد أصبر على أذى من الله، ~~يعاقبهم ويرزقهم وهم يدعون له الصاحبة والولد». # المسألة الرابعة: قوله تعالى " {خالصة يوم القيامة} [الأعراف: 32] # يعني: أن الكفار يشركون المؤمنين في استعمال الطيبات في الدنيا. فإذا كان ~~في القيامة خلصت للمؤمنين في النعيم، وكان للكفار العذاب الأليم. ### | [الآية السادسة قوله تعالى قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن] # الآية السادسة: قوله: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ms0704 ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا ~~على الله ما لا تعلمون} [الأعراف: 33] # فيها خمس مسائل: # المسألة الأولى: قد قدمنا ذكر الفواحش في سورة النساء، وأما ما ظهر منها ~~وما بطن وهي المسألة الثانية. # PageV02P312 # المسألة الثانية: فإن كل فاحشة ظاهرة للأعين، أو ظاهرة بالأدلة، كما ورد ~~النص فيه أو وقع الإجماع عليه، أو قام الدليل الجلي به، فينطلق عليها اسم ~~الظاهرة. والباطنة كل ما خفي عن الأعين، ويقصد به الاستتار عن الخلق؛ أو ~~خفي بالدليل؛ كتحريم نكاح المتعة والنبيذ على أحد القولين ونحو ذلك في ~~الصنفين؛ # فإن النبيذ وإن كان مختلفا فيه فإن تحريمه جلي في الدليل، قوي في ~~التأويل. وفي الحديث الصحيح: «لا أحد أغير من الله». ولذلك حرم الفواحش ما ~~ظهر منها وما بطن. # المسألة الثالثة: قوله تعالى: الإثم: وهو عبارة عن الذم الوارد في الفعل، ~~أو الوعيد المتناول له؛ فكل مذموم شرعا أو فعل وارد على الوعيد فيه، فإنه ~~محرم وهو حد المحرم وحقيقته. وأما البغي، وهو المسألة الرابعة. # المسألة الرابعة البغي: فهو تجاوز الحد. # ووجه ذكرهما بعد دخولهما في جملة الفواحش للتأكيد لأمرهما بالاسم الخاص ~~بعد دخولهما في الاسم العام قصد الزجر، كما قال تعالى: {فيهما فاكهة ونخل ~~ورمان} [الرحمن: 68] فذكر النخل والرمان بالاسم الخاص بعد دخولهما في الاسم ~~العام على معنى الحث. # المسألة الخامسة: # لما قال الله في سورة البقرة: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم ~~كبير ومنافع للناس} [البقرة: 219] قال قوم: إن الإثم اسم من أسماء الخمر، ~~وإن المراد بقوله: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم} ~~[الأعراف: 33] الخمر، حتى قال الشاعر: # PageV02P313 # شربت الإثم حتى زال عقلي ... كذاك الإثم يذهب بالعقول # وهذا لا حجة فيه؛ لأنه لو قال: شربت الذنب، أو شربت الوزر، لكان كذلك، ~~ولم يوجب قوله أن يكون الوزر والذنب اسما من أسماء الخمر، كذلك هذا. والذي ~~أوجب التكلم بمثل هذا الجهل باللغة وبطريق الأدلة في المعاني. والله ~~الموفق. ### | [الآية السابعة قوله تعالى ادعوا ربكم تضرعا وخفية] ms0705 # إنه لا يحب المعتدين} [الأعراف: 55]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى: الأصل في الأعمال الفرضية الجهر، والأصل في الأعمال ~~النفلية السر؛ وذلك لما يتطرق إلى النفل من الرياء والتظاهر بها في الدنيا، ~~والتفاخر على الأصحاب بالأعمال، وجبلت قلوب الخلق بالميل إلى أهل الطاعة، ~~وقد جعل الباري سبحانه في العبادات ذكرا جهرا وذكرا سرا، بحكمة بالغة ~~أنشأها بها ورتبها عليها؛ وذلك لما عليه قلوب الخلق من الاختلاف بين ~~الحالين. # المسألة الثانية: # أما الذكر بالقراءة في الصلاة فانقسم حاله إلى سر وجهر، وأما الدعاء فلم ~~يشرع منه شيء جهرا؛ لا في حالة القيام ولا في حالة الركوع، ولا في حالة ~~السجود؛ لكن اختلف العلماء في قول قارئ الفاتحة: (آمين) هل يسر بها أم ~~يجهر؟ وقد قدمناه في هذا الكتاب وفي مسائل الخلاف. ### | [الآية الثامنة قوله تعالى لقد أرسلنا نوحا إلى قومه] # فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم ~~عظيم} [الأعراف: 59]. # فيها ثلاث مسائل: # PageV02P314 # المسألة الأولى: # نوح أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض بعد آدم بتحريم البنات والأخوات ~~والعمات والخالات وسائر الفرائض؛ كذلك في صحيح الأثر عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. # ومن قال من المؤرخين: إن إدريس كان قبله فقد وهم. والدليل على صحة وهمه ~~في اتباعه صحف اليهود، وكتب الإسرائليات الحديث الصحيح «في الإسراء، حين ~~لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - آدم وإدريس، فقال له آدم: مرحبا بالنبي ~~الصالح، والابن الصالح. وقال له إدريس: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح». # ولو كان إدريس أبا لنوح على صلب محمد لقال له: مرحبا بالنبي الصالح ~~والابن الصالح. فلما قال له: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح دل على أنه ~~يجتمع معه في أبيهم نوح، ولا كلام لمنصف بعد هذا. # المسألة الثانية: # روي أن نوحا سمي به؛ لأنه ناح على قومه، وأكثر ذلك من فعله معهم، والنوح ~~هو البكاء على الميت، وكانوا موتى في أديانهم لعدم إجابتهم دعاءه لهم إلى ~~الإيمان، وإبايتهم عن قبولهم للتوحيد؛ وهذا وإن كان الاشتقاق ms0706 يعضده من وجه ~~فإنه يرده أن ما تقدم من الأسماء قبل إسماعيل لم تكن عربية. أما إن ذكر ~~العلماء لذلك يدل على مسألة؛ وهي جواز اشتقاق الأسماء للرجال والنساء من ~~الأفعال التي يتكسبونها، إذا لم تكن على طريق الذم، «وهذا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قد كنى الدوسي من أصحابه بهرة كان يكتسب لزومها معه، ~~ودعاه لذلك بأبي هريرة»، في أمثال لهذا كثيرة من آثار النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - والصحابة والعلماء نبهنا عليه. # فإن قيل: وأي مدح في لزوم الهرة؟ قلنا: لأنها من الطوافين والطوافات يصغى ~~لها الإناء، ولا تفسد الماء إذا ولغت فيه، وفيها منفعة عظيمة تكف إذاية ~~الفأر، وما يؤذي الإنسان من الحشرات. # PageV02P315 # المسألة الثالثة: # قال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: الطوفان الماء، والجراد كان يأكل ~~المسامير، وإن سفينة نوح أتت البيت في جريانها فطافت به سبعا. # وإنما قال مالك هذا لوجهين: أحدهما: أن جماعة من المفسرين روت عن عائشة ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أن الطوفان هو الموت». # وحقيقة الطوفان وهو الثاني أنه مصدر من طاف، أو جمع، واحدته طوفانة، فقد ~~قال سبحانه: {فطاف عليها} [القلم: 19] الآية. . ### | [الآية التاسعة قوله تعالى ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة] # ما سبقكم بها من أحد من العالمين} [الأعراف: 80]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى: الفاحشة: قد تقدم بيانها؛ وإنما ذكر الله هذه المعصية، ~~وهي إتيان الرجال باسم الفاحشة ليبين أنها زنا، كما قال: {ولا تقربوا الزنا ~~إنه كان فاحشة} [الإسراء: 32]. # المسألة الثانية: # أخبر الله تعالى عنهم بأنهم لما ارتكبوا هذه الفاحشة أرسل عليهم حجارة من ~~سجيل جزاء على فعلهم. # وقد اختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: الأول: أنه يعزر؛ قاله أبو ~~حنيفة. الثاني: # قال الشافعي وجماعة: يحد حد الزاني، محصنا بجزائه وبكرا بجزائه. # PageV02P316 # الثالث: قال مالك: يرجم أحصن أو لم يحصن؛ وقاله ابن المسيب والنخعي وعطاء ~~وجماعة. # أما من قال: إنه يعزر فتعلق بأن هذا لم يزن، وعقوبة الزاني معلومة؛ فلما ~~كانت هذه المعصية غيرها وجب ألا يشاركها ms0707 في حدها. # وأما من قال: إنه زنا فنحن الآن نثبته مع الشافعي ردا على أبي حنيفة الذي ~~يجعله بمنزلة الوطء بين الفخذين، فيقول: قد بينا مساواته للزنا في الاسم، ~~وهي الفاحشة، وهي مشاركة له في المعنى؛ لأنه معنى محرم شرعا، مشتهى طبعا؛ ~~فجاز له أن يتعلق به الحد إذا كان معه إيلاج وهذا الفقه صحيح. وذلك أن الحد ~~للزجر عن الموضع المشتهى، وقد وجد ذلك المعنى كاملا؛ بل هذا أحرم وأفحش؛ ~~فكان بالعقوبة أولى وأحرى. # فإن قيل: هذا وطء في فرج لا يتعلق به إحلال ولا إحصان، ولا وجوب مهر، ولا ~~ثبوت نسب؛ فلم يتعلق به حد. # قلنا: هذا بيان لمذهب مالك؛ فإن بقاء هذه المعاني فيه لا يلحقه بوطء ~~البهيمة، إنما يعظم أمره على الوطء في القبل تعظيما يوجب عليه العقوبة فيه، ~~أحصن أو لم يحصن؛ ألا ترى إلى عقوبة الله عليه ما أعظمها. # فإن قيل: عقوبة الله لا حجة فيها لوجهين: أحدهما: أن قوم لوط إنما عوقبوا ~~على الكفر. # الثاني: أن صغيرهم وكبيرهم دخل فيها. فدل على خروجها عن باب الحدود. # فالجواب أنا نقول: أما قولهم إن الله عاقبهم على الكفر لهذا غلط؛ فإن ~~الله أخبر أنهم كانوا على معاص فأخذهم منها بهذه، ألا تسمعه يقول: {أتأتون ~~الذكران من العالمين} [الشعراء: 165] {وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم ~~بل أنتم قوم عادون} [الشعراء: 166]. # قالوا له: لئن لم تنته لنفعلن بك يا لوط، ففعل الله بهم قبل ذلك. # الثاني: أنه إنما أخذ الصغير والكبير؛ لسكوت الجملة عليه والجماهير؛ فكان ~~منهم # PageV02P317 # فاعل، وكان منهم راض؛ فعوقب الجميع، وبقي الأمر في العقوبة على الفاعلين ~~مستمرا. # وقد روى أبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول ~~به». # فإن قيل: فقد روى هؤلاء الأئمة وغيرهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «من وجدتموه قد أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة». # قلنا: هذا الحديث متروك بالإجماع، فلا يلتفت إليه، وليس ms0708 يلزم إذا سقط ~~حديث بالإجماع أن يسقط ما لم يجمع عليه. ### | [الآية العاشرة قوله تعالى ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها] # قوله تعالى: {ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ~~ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين} [الأعراف: 85]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: البخس في لسان العرب هو النقص بالتعييب والتزهيد، أو ~~المخادعة عن القيمة، أو الاحتيال في التزيد في الكيل أو النقصان منه. # PageV02P318 # المسألة الثانية: # إنما أذن الله سبحانه في الأموال بالأكل بالحق، والتعامل بالصدق، وطلب ~~التجارة بذلك، فمتى خرج عن يد أحد شيء من ماله بعلمه لأخيه فقد أكل كل واحد ~~منهما ما يرضي الله ويرتضيه؛ وإن خرج شيء من ماله عن يده بغير علمه فلا ~~يخلو أن يكون مما يتغابن الناس بمثله مما لا غنى عنه في ارتفاع الأسواق ~~وانخفاضها عنه فإنه حلال جائز بغير خلاف؛ إذ لا يمكن الاحتراز منه. وإن كان ~~بأكثر من ذلك فقد اختلف الناس فيه؛ فقال علماؤنا: إذا جرى ذلك في بيع كان ~~صاحبه بالخيار إن شاء أمضاه بعد العلم به وإن شاء رده. # وقال بعضهم وآخرون غيرهم: إنه لا رد فيه. # والصحيح هو الأول؛ فقد ثبت «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل ~~كان يخدع في البيوع: إذا بايعت فقل لا خلابة». # وفي غير الصحيح: «واشترط الخيار ثلاثا». وفي رواية: «ولك الخيار ثلاثا». # فإن قيل، وهي: # المسألة الثالثة: كان هذا الرجل قد أصابته مأمومة في الجاهلية أثرت في ~~عقله، فكان يخدع لأجل ذلك في بيعه، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ما قال لما كان عليه من الحال، حتى كان يقول لما أصابه: «لا خلابة لا ~~خلابة». # PageV02P319 # فالجواب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لو كان الذي قاله له من حكمه ~~لما أصابه من عقله لما جوز بيعه؛ لأن بيع المعتوه لا يجوز بخيار، ولا بغير ~~خيار، ولكنه أمره بأن يصرح عن قوله، حتى يقع الاحتراز منه. ### | [الآية الحادية عشرة قوله تعالى لأقطعن ms0709 أيديكم وأرجلكم من خلاف] # قوله تعالى: {لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين} ~~[الأعراف: 124]. # هذا يدل على أن الصلب وقطع اليد والرجل من خلاف كانت عقوبة متأصلة عند ~~الخلق تلقفوها من شرع متقدم فحرفوها حتى أوضحها الله في ملة الإسلام، ~~وجعلها أعظم العقوبات لأعظم الإجرام، حسبما تقدم بيانه. ### | [الآية الثانية عشرة قوله تعالى قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة] # الآية الثانية عشرة: # قوله تعالى: {قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم ~~تجهلون} [الأعراف: 138]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى: ثبت في الحديث الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال في معرض الذم: «لتركبن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى ~~لو دخلوا جحر ضب خرب لدخلتموه». # وثبت أنه «قال في بعض مغازيه لأصحابه، وقد قالوا له: اجعل لنا ذات أنواط ~~كما لهم ذات أنواط يعني المشركين. فقال: هذا، كما قال من قبلكم: {اجعل لنا ~~إلها كما لهم آلهة} [الأعراف: 138]؛» فحذر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~اتباع البدع، وأمر بإحياء السنن، وحث على # PageV02P320 # الاقتداء، وعن هذا قلنا: إن أهل الكتاب زادا في صيامهم بعلة رأوها، ~~وجعلوه أكثر من العدد المعروف. # وقد روي أن عثمان بلغه أن رجلا من أهل الكوفة رجع إلى بلده بعد أن حضر ~~معه الموسم فصلى معه الظهر ركعتين، فقيل له: ما هذا؟ فقال: رأيت أمير ~~المؤمنين عثمان يفعله، فكان عثمان يتم في السفر؛ لأنه رأى ذلك مفسدا لعقائد ~~العامة، فرأى حفظ ذلك بترك يسير من السنة. ### | [مسألة يصوموا ثاني عيد الفطر ستة أيام متواليات إتماما لرمضان] # المسألة الثانية: # رأى قوم من أهل الجفاء أن يصوموا ثاني عيد الفطر ستة أيام متواليات ~~إتماما لرمضان، لما روي في الحديث: «من صام رمضان وستا من شوال فكأنما صام ~~الدهر» خرجه مسلم. # وهذه الأيام متى صيمت متصلة كان احتذاء لفعل النصارى، والنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لم يرد هذا، إنما أراد أن من صام رمضان فهو بعشرة أشهر، ومن ~~صام ستة ms0710 أيام فهي بشهرين " وذلك الدهر. ولو كانت من غير شوال لكان الحكم ~~فيها كذلك، وإنما أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - بذكر شوال لا على طريق ~~التعيين؛ لوجوب مساواة غيرها لها في ذلك؛ وإنما ذكر شوال على معنى التمثيل، ~~وهذا من بديع النظر فاعلموه. ### | [الآية الثالثة عشرة قوله تعالى وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر] # الآية الثالثة عشرة: # قوله تعالى: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه ~~أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل ~~المفسدين} [الأعراف: 142]. # فيها ست مسائل: # المسألة الأولى: ضرب الأجل للمواعيد سنة ماضية ومعنى قديم أسسه الله في ~~القضايا وحكم به # PageV02P321 # للأمم، وعرفهم به مقادير التأني في الأعمال، وإن أول أجل ضربه الأيام ~~الستة التي مدها لجميع الخليقة فيها، وقد كان قادرا في أن يجعل ذلك لهم في ~~لحظة واحدة؛ لأن قوله لشيء إذا أراده أن يقول له: كن فيكون؛ بيد أنه أراد ~~تعليم الخلق التأني وتقسيم الأوقات على أعيان المخلوقات؛ ليكون لكل عمل ~~وقت. وقد أشبعنا القول فيه في كتاب المشكلين. # المسألة الثانية: # إذا ضرب الأجل لمعنى يحاول فيه تحصيل المؤجل لأجله، فجاء الأجل، ولم ~~يتيسر زيد فيه تبصرة ومعذرة؛ وقد بين الله ذلك في قصة موسى - صلى الله عليه ~~وسلم - فضرب له أجلا ثلاثين ليلة، فخرج لوعد ربه، فزاد الله عشرا تتمة ~~أربعين ليلة، وأبطأ موسى في هذه العشر على قومه، فما عقلوا جواز التأخر ~~لعذر حتى قالوا: إن موسى ضل أو نسي، ونكثوا عهده، وبدلوا بعده، وعبدوا إلها ~~غير الله. # المسألة الثالثة: # الزيادة التي لا تكون على الأجل غير مقدرة، كما أن الأجل غير مقدر، وإنما ~~يكون ذلك باجتهاد الحاكم بعد النظر إلى المعاني المتعلقة بالأمر؟ من وقت ~~وحال وعمل، فيكون الأجل بحسب ذلك؛ فإذا قدر الزيادة باجتهاده، فيستحب له أن ~~تكون [الزيادة] مثل ثلث المدة السالفة، كما أجل الله لموسى في الزيادة ثلث ~~ما ضربه له من المدة. وإن رأى الحاكم أن يجمع له الأصل ms0711 في الأجل والزيادة ~~في مدة واحدة جاز، ولكن لا بد من التربص بعدها لما يطرأ من العذر على ~~البشر. # المسألة الرابعة: # التاريخ إنما يكون بالليالي دون الأيام؛ لأن الليالي أوائل الشهور، وبها ~~كانت الصحابة تخبر عن الأيام، حتى روي عنها أنها كانت تقول: «صمنا خمسا مع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -». والعجم تخالفنا ذلك فتحسب بالأيام؛ لأن ~~معولها على الشمس، وحساب # PageV02P322 # الشمس للمنافع، وحساب القمر للمناسك، ولهذا قال تعالى: {وواعدنا موسى ~~ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة} [الأعراف: 142]. ### | [مسألة الأربعين ليلة التي وعدها الله موسى] # المسألة الخامسة: # اتفق كثير من المفسرين على أن الأربعين ليلة هي ذو القعدة وعشر من ذي ~~الحجة، وكان كلام الله لموسى غداة يوم النحر حين فدى إسماعيل من الذبح، ~~وأكمل لمحمد الحج، وجعل يوم الحج الأكبر. # وهذا إن ثبت من طريق الخبر فلا بأس به، وإن كان غير ثابت فالأيام العشر ~~ذات فضل يبين في موضعه إن شاء الله تعالى. # المسألة السادسة: # الوقت معنى غير مقدر، والميقات: هو الوقت الذي يقدر بعمل. ### | [الآية الرابعة عشرة قوله تعالى وكتبنا له في الألواح من كل شيء] # موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار ~~الفاسقين} [الأعراف: 145]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى " القول في الحسن والأحسن: قد بينا في غير موضع أن الحسن ~~ما وافق الشرع، والقبيح ما خالفه، وفي الشرع حسن وأحسن، فقيل: كل ما كان ~~أرفق فهو أحسن. وقيل: كل ما كان أحوط للعبادة فهو أحسن. والصحيح عندي أن ~~أحسن ما فيها امتثال الأوامر واجتناب النواهي. والدليل عليه «قول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - للأعرابي حين قال له: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص ~~منه فقال: أفلح إن صدق، دخل الجنة إن صدق». . # PageV02P323 ### | [مسألة المباح من جملة الحسن في الشريعة] # المسألة الثانية: # المباح من جملة الحسن في الشريعة بلا خلاف، وإن اختلفوا في كونه من ~~المأمورات؛ لأنه مما حسنه الشرع وأذن فيه. # وأما المكروه فلا خلاف أنه ms0712 ليس من الحسن؛ لأن المباح يمدح فاعله ~~بالاقتصار عليه، ولا يمدح فاعل المكروه؛ بل هو داخل في السرف المنهي عنه. # المسألة الثالثة: هذه المسألة تدخل في الأحكام إذا قلنا: إن شرع من قبلنا ~~شرع لنا، فأما الشافعية التي لا ترى ذلك فلم تدخلها في أحكامها، ونحن نتكلم ~~عليها هنا من التبسط الذي لا يحسن. # والذي يحقق ذلك ما قدمناه من أن الله إنما ذكرها في القرآن من حسن ~~الاقتداء ومن سيئ الاجتناب، وإذا مدح قوما على فعل فهو حث عليه، أو ذمهم ~~على آخر فهو زجر عنه، وكله يدخل لنا في الاهتداء بالاقتداء. ### | [الآية الخامسة عشرة قوله تعالى ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا] # الآية الخامسة عشرة: # قوله تعالى: {ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من ~~بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم ~~إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع ~~القوم الظالمين} [الأعراف: 150]. # فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: كان موسى من أعظم الناس غضبا؛ لكنه كان سريع الفيئة، ~~فتلك بتلك. # PageV02P324 # قال ابن القاسم: سمعت مالكا يقول: كان موسى إذا غضب طلع الدخان من ~~قلنسوته، ورفع شعر بدنه جبته؛ وذلك لأن الغضب جمرة تتوقد في القلب، ولأجله ~~«أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - من غضب أن يضطجع، فإن لم يذهب غضبه ~~فليغتسل؟» فيخمدها اضطجاعه، ويطفئها اغتساله. # وقد روى البخاري وغيره عن ابن طاوس عن أبيه وغيره عن أبي هريرة قال: ~~«أرسل ملك الموت إلى موسى، فلما جاء صكه صكة ففقأ فيها عينه، فرجع إلى ربه، ~~فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت. فقال: ارجع إليه، فقل له يضع يده على ~~متن ثور فله بكل شعرة سنة. قال: أي رب، ثم ماذا؟ قال: الموت. قال: فالآن» ~~الحديث. # وهذا كله من غضب موسى - صلى الله عليه وسلم - فلذلك ألقى الألواح عند ~~رؤية عبادة العجل، وما أوقع الغضب هاهنا، وأخذ برأس أخيه يجره إليه. # فإن قيل: وهي: ms0713 # المسألة الثانية: ما معنى أخذه برأس أخيه يجره؟ قلنا في ذلك قولان: # أحدهما: كان ذلك فيما مضى ثم نسخ. # الثاني: أنه ضم أخاه إليه ليعلم ما لديه، فبين له أخوه أنهم استضعفوه، ~~وكادوا يقتلونه؛ وفي هذا دليل على أن لمن خشي القتل عند تغيير المنكر أن ~~يسكت عنه وهي: # PageV02P325 # المسألة الثالثة: هذا دليل على أن الغضب لا يغير الأحكام، كما زعمه بعض ~~الناس؛ فإن موسى لم يغير غضبه شيئا من أفعاله؛ بل اطردت على مجراها، من ~~إلقاء لوح، وعتاب أخ، وصك ملك، وقد استوفينا ذلك في شرح الحديث. ### | [الآية السادسة عشرة قوله تعالى الذين يتبعون الرسول النبي الأمي] # الآية السادسة عشرة: # قوله تعالى: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم ~~في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ~~ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين ~~آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} ~~[الأعراف: 157]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: قال ابن وهب: قال مالك: بلغني أن طائفة من اليهود نزلوا ~~المدينة، طائفة خيبر، وطائفة فدك لما كانوا يسمعون من صفة النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وخروجه في أرض بين حرتين، ورجوا أن يكون منهم، فأخلفهم الله ~~ذلك، وقد كانوا يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل بأسمائه وصفاته. # وقد روى البخاري، عن عطاء بن يسار أنه قال: «لقيت عبد الله بن عمرو بن ~~العاص، فسألته عن صفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في التوراة قال: ~~أجل؛ والله إنه لموصوف ببعض صفته في القرآن يا أيها النبي إنا أرسلناك ~~شاهدا ومبشرا ونذيرا، وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، ليس ~~بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ~~ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به # PageV02P326 # الملة العوجاء، حتى يقولوا لا إله إلا الله؛ ويفتح بها أعينا عميا، ~~وآذانا صما، وقلوبا غلفا». # المسألة الثانية: # روى البخاري وغيره عن أبي إدريس الخولاني عن أبي الدرداء ms0714 أنه قال: «كانت ~~بين أبي بكر وعمر محاورة، فأغضب أبو بكر عمر، فانصرف عنه عمر مغضبا، فاتبعه ~~أبو بكر ليسأله أن يستغفر له، فلم يفعل حتى أغلق بابه في وجهه، فأقبل أبو ~~بكر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال أبو الدرداء: ونحن عنده، ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أما صاحبكم هذا فقد غامر. قال: ~~وندم عمر على ما كان منه، فأقبل حتى سلم وجلس إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فقص عليه الخبر. قال أبو الدرداء: وغضب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وجعل أبو بكر يقول: والله يا رسول الله لأنا كنت أظلم. فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: هل أنتم تاركو لي صاحبي؟ إني قلت: يا أيها ~~الناس، إني رسول الله إليكم جميعا، فقلتم: كذبت. وقال أبو بكر: صدقت». ### | [مسألة معنى قوله قوله تعالى ويضع عنهم إصرهم] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {ويضع عنهم إصرهم} [الأعراف: 157] # الإصر؛ هو الثقل، وكان فيما سبق من الشرائع تكاليف كثيرة فيها مشاق ~~عظيمة، فخفف تلك المشاق لمحمد - صلى الله عليه وسلم - فمنها مشقتان ~~عظيمتان: الأولى في البول. كان إذا أصاب ثوب أحدهم قرضه، فخفف الله ذلك عن ~~هذه الأمة بالغسل بالماء. # وروى مسلم عن أبي وائل قال: كان أبو موسى يشدد في البول، ويبول في ~~قارورة، ويقول: إن بني إسرائيل كان إذا أصاب جلد أحدهم بول قرضه بالمقاريض # PageV02P327 # «فقال حذيفة: لوددت أن صاحبكم لا يشدد هذا التشديد، لقد رأيتني أنا ورسول ~~الله نتماشى، فأتى سباطة خلف حائط، فقام كما يقوم أحدكم؛ فبال، فانتبذت ~~منه، فأشار إلي فجئت فقمت عند عقبه حتى فرغ». # ومن الإصر الذي وضع إحلال الغنائم؛ وكانت حراما على سائر الأمم. # ومنها ألا تجالس الحائض ولا تؤاكل، فخفف الله ذلك في دينه، فقال - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لتشد عليها إزارها، ثم شأنه بأعلاها» في أعداد ~~لأمثالها. ### | [الآية السابعة عشرة قوله تعالى واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر] # الآية السابعة عشرة: # قوله تعالى: {واسألهم عن القرية ms0715 التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت ~~إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم ~~بما كانوا يفسقون} [الأعراف: 163]. # هذه الآية من أمهات الشريعة، وفيها مسائل أصولها تسع: # المسألة الأولى: # إن الله أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يسأل اليهود إخوة القردة ~~والخنازير عن القرية البحرية التي اعتدوا فيها يوم السبت، فمسخهم الله ~~باعتدائهم قردة وخنازير، ليعرفهم ما نزل بهم من العقوبة بتغيير فرع من فروع ~~الشريعة، فكيف بتغيير أصل الشريعة، # المسألة الثانية: قوله تعالى: {واسألهم عن القرية} [الأعراف: 163] # يعني أهل القرية؛ فعبر بها عنهم لما كانت مستقرا لهم وسبب اجتماعهم، كما ~~قال تعالى: {واسأل القرية التي كنا فيها} [يوسف: 82] الآية، وكما قال # PageV02P328 # - صلى الله عليه وسلم - «اهتز العرش لموت سعد» يعني أهل العرش من ~~الملائكة يريد استبشارهم به. وكما قال أيضا في المدينة: «هذا جبل يحبنا ~~ونحبه». ### | [مسألة سبب مسخ اليهود] # المسألة الثالثة: # قيل: كانت هذه المدينة أيلة، من أعمال مصر. # وقيل: كانت طبرية من أعمال الشام. # وقيل: مدين؛ وربك أعلم. # المسألة الرابعة: # اختلف الناس في سبب مسخهم، فقيل: إن الله حرم عليهم الصيد يوم السبت، ثم ~~ابتلاهم بأن تكون الحيتان تأتي يوم السبت شرعا أي: رافعة رءوسها في الماء ~~ينظرون إليها، فإذا كان يوم الأحد وما بعده من الأيام طلبوا منها حوتا ~~واحدا للصيد فلم يجدوه؛ فصور عندهم إبليس أن يسدوا أفواه الخلجان يوم السبت ~~حتى إذا أمسوا، وأرادت الحيتان أن ترجع إلى النهر الأعظم وإلى غمرة البحر ~~لم تجد مسلكا، فيأخذونها في سائر الأيام؛ ففعلوا ذلك فمسخوا. # PageV02P329 # وروى أشهب عن مالك في القصة عن بعض أشياخه، قال: كانت تأتيهم يوم السبت، ~~فإذا كان المساء ذهبت فلا يرى منها شيء إلى السبت الآخر، فاتخذ لذلك رجل ~~منهم خيطا ووتدا، فربطوا حوتا منها في الماء يوم السبت، حتى إذا أمسوا ليلة ~~الأحد أخذه فاشتواه، فوجد الناس ريحه، فأتوه فسألوه عن ذلك فجحدهم، فلم ~~يزالوا به حتى قال لهم: إنه جلد حوت وجدناه، ms0716 فلما كان يوم السبت الآخر فعل ~~مثل ذلك، ولا أدري لعله قال ثم ربط حوتين، فلما أمسى من ليلة الأحد أخذه ~~واشتواه، فوجدوا ريحه، فجاءوه، فقال لهم: لو شئتم صنعتم كما أصنع. قالوا: ~~وما صنعت؟ فأخبرهم، ففعلوا مثل ما فعل، حتى كثر ذلك، وكانت لهم مدينة لها ~~ربض يغلقونها عليهم، فأصابهم من المسخ ما أصابهم، فغدا إليهم جيرانهم ممن ~~كان حولهم يطلبون منهم ما يطلب الناس، فوجدوا المدينة مغلقة عليهم، فنادوا ~~فلم يجبهم أحد، فتسوروا عليهم المدينة، فإذا هم قردة، فجعل القرد منهم يدنو ~~فيتمسح بمن كان يعرف قبل ذلك. # قال الحسن: فأكلوا والله أوخم أكلة أكلها قوم، وعوقبوا أسوأ عقوبة في ~~الدنيا وأشدها عذابا في الآخرة. ثم قال الحسن: والله لقتل المؤمن أعظم عند ~~الله من أكل الحيتان. # المسألة الخامسة: # لما فعلوا هذا نهاهم كبراؤهم، ووعظهم أحبارهم فلم يقبلوا منهم، فاستمروا ~~على نهيهم لهم، ولم يمنع من التمادي على الوعظ والنهي عدم قبولهم؛ لأنه فرض ~~قبل أو لم يقبل، حتى قال لهم بعضهم: {لم تعظون قوما الله مهلكهم} [الأعراف: ~~164]؟ يعني في الدنيا، {أو معذبهم عذابا شديدا} [الأعراف: 164] في الآخرة؟ ~~قال لهم الناهون: معذرة إلى ربكم، أي نقوم بفرضنا؛ ليثبت عذرنا عند ربنا. ### | [مسألة النسيان لفظ ينطلق على الساهي والعامد] # المسألة السادسة: قوله تعالى {فلما نسوا ما ذكروا به} [الأعراف: 165] # أي: تركوه عن قصد. # PageV02P330 # وهذا يدل على أن النسيان لفظ ينطلق على الساهي والعامد ردا على أهل جهالة ~~زعموا أن الناسي والساهي لمعنى واحد. وهؤلاء قوم لا معرفة لهم باللغة، ~~وقصدهم هدم الشريعة، وقد بينا ذلك في غير موضع، وحققنا معنى قوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها». وقلنا: ~~معناه من نام عن صلاة أو تركها فليصلها متى ذكرها. فالساهي له حالة ذكر، ~~والعامد هو أبدا ذاكر؛ وكل واحد منهم يتوجه عليه فرض القضاء متى حضره الذكر ~~دائما أو في حال دون حال، وبهذا استقام نظام الكلام، واستقر حكم شريعة ~~الإسلام. ### | [مسألة كل ms0717 عمل ظاهر الجواز يتوصل به إلى محظور] # المسألة السابعة: # قال علماؤنا: هذه الآية أصل من أصول إثبات الذرائع التي انفرد بها مالك، ~~وتابعه عليها أحمد في بعض رواياته، وخفيت على الشافعي وأبي حنيفة مع ~~تبحرهما في الشريعة، وهو كل عمل ظاهر الجواز يتوصل به إلى محظور، كما فعل ~~اليهود حين حرم عليهم صيد السبت، فسكروا الأنهار، وربطوا الحيتان فيه إلى ~~يوم الأحد. # وقد بينا أدلة المسألة في كتب الخلاف، وبسطناها قرآنا وسنة ودلالة من ~~الأصول في الشريعة. # فإن قيل: هذا الذي فعلت اليهود لم يكن توسلا إلى الصيد؛ بل كان نفس ~~الصيد. # قلنا: إنما حقيقة الصيد إخراج الحوت من الماء وتحصيله عند الصائد، فأما ~~التحيل عليه إلى حين الصيد فهو سبب الصيد، لا نفس الصيد، وسبب الشيء غير ~~الشيء؛ إنما هو الذي يتوصل به إليه، ويتوسل به في تحصيله، وهذا هو الذي ~~فعله أصحاب السبت. # المسألة الثامنة: # قال علماؤنا: إنما هلكوا باتباع الظاهرة؛ لأن الصيد حرم عليهم، فقالوا: ~~لا نصيد، بل نأتي بسبب الصيد، وليس سبب الشيء نفس الشيء، فنحن لا نرتكب عين ~~ما نهينا عنه، فنعوذ بالله من الأخذ بالظاهر المطلق في الشريعة. # PageV02P331 ### | [مسألة الممسوخ هل ينسل أم لا] # المسألة التاسعة: # قال علماؤنا: اختلف الناس في الممسوخ؛ هل ينسل أم لا؟ فمنهم من قال: إن ~~الممسوخ لا ينسل، ومنهم من قال ينسل، وهو الصحيح عندي. # والدليل عليه أمران: أحدهما: حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~الصحيح حين «سئل عن الضب، فقال إن أمة مسخت، فأخشى أن يكون الضب منها». # وثبت عنه أنه قال: «إن الفأر مسخ، ألا تراه إذا وضع له ألبان الإبل لم ~~يشربها». # وروى البخاري عن عمرو بن ميمون أنه قال: رأيت في الجاهلية قردة قد رجموا ~~قردة. ونص الحديث: قد رأيت في الجاهلية قردة قد اجتمع عليها قردة قد زنت ~~فرجموها، فرجمتها معهم. ثبت في بعض نسخ البخاري، وسقط في بعضها. وثبت في ~~بعض الحديث: قد زنت. وسقط هذا اللفظ عند بعضهم. # فإن قيل: وكأن ms0718 البهائم بقيت فيهم معارف الشرائع حتى ورثوها خلفا عن سلف ~~إلى زمان عمر. # وقلنا: نعم، كذلك كان؛ لأن اليهود غيروا الرجم، فأراد الله أن يقيمه في ~~مسوخهم، حتى يكون إبلاغا في الحجة على ما أنكروه من ذلك، وغيروه، حتى تشهد ~~عليهم كتبهم وأحبارهم ومسوخهم، حتى يعلموا أن الله يعلم ما يسرون وما ~~يعلنون، ويحصي ما يبدلون وما يغيرون، ويقيم عليهم الحجة من حيث لا يشعرون، ~~وينصر نبيه وهم لا ينصرون. # PageV02P332 ### | [الآية الثامنة عشرة قوله تعالى وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم] # الآية الثامنة عشرة: # قوله تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على ~~أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا ~~غافلين} [الأعراف: 172]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: روى مالك وغيره أن عمر بن الخطاب «سئل عن هذه الآية: ~~{وإذ أخذ ربك من بني آدم} [الأعراف: 172] فقال عمر: سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - سئل عن هذه الآية، فقال: إن الله خلق آدم ثم مسح ظهره ~~بيمينه، فاستخرج منه ذريته، فقال: خلقت هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة ~~يعملون. ثم مسح ظهره فاستخرج منه ذريته، فقال: خلقت هؤلاء للنار، وبعمل أهل ~~النار يعملون. فقال رجل: يا رسول الله؛ ففيم العمل؟ فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: إن الله إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى ~~يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخل الجنة، وإذا خلق العبد للنار ~~استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخل النار» # وقد تكلم في سند هذا الحديث بكلام [قد] بيناه في كتاب المشكلين. # وقد ثبت وصح عن أبي هريرة أنه قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «لما خلق آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى ~~يوم القيامة، وجعل بين عيني كل رجل منهم وبيصا من نور، ثم عرضهم على آدم، ~~فقال: يا رب، من ms0719 هؤلاء؟ قال: هؤلاء ذريتك. فرأى رجلا منهم فأعجبه وبيص ما ~~بين عينيه. فقال: يا # PageV02P333 # رب؛ من هذا؟ قال: رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له داود. فقال: رب كم ~~جعلت عمره؟ قال: ستين سنة. قال: أي رب، زده من عمري أربعين سنة. فلما انقضى ~~عمر آدم جاءه ملك الموت، فقال: أولم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أولم ~~تعطها ابنك داود؟ قال: فجحد آدم، فجحدت ذريته؛ ونسي آدم فنسيت ذريته؛ وخطئ ~~آدم، فأخطأت ذريته». خرجه أبو عيسى وصححه، ومن رواية غيره، «فمن حينئذ أمر ~~بالكتاب والشهود» وفي رواية: «أنه رأى فيهم الضعيف والغني والفقير والمبتلى ~~والصحيح فقال له آدم: يا رب، ما هذا؟ ألا سويت بينهم؟ قال: أردت أن أشكر». ~~وفي رواية أخرى: أنه «أخرجهم من صلب آدم كهيئة الذر، ثم أخذ عليهم الميثاق، ~~ثم أعيدوا في صلبه». وفي رواية أن عمر خطب بالجابية، فقال: من يهد الله فلا ~~مضل له ومن يضلل فلا هادي له. فقال الجاثليق: تركست تركست. فقال الراوي: ~~يقول معاذ الله، لا يضل الله أحدا. فقال عمر: بل الله خلقك ثم أضلك، ثم ~~يميتك، ثم يدخلك النار؛ والله لولا ولث من عهدك لضربت عنقك. فقال: إن الله ~~لما خلق نثر ذرية آدم في كفيه، فقال: هؤلاء للجنة وما هم عاملون، وهؤلاء ~~للنار وما هم عاملون، وهذه لهذه، وهذه لهذه؛ قال: فتفرق الناس. وما يختلف ~~اثنان في القدر. وفي رواية عن ابن عمر: «خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وهو قابض على شيئين في يديه، ففتح اليمين، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، ~~كتاب من الرحمن الرحيم، فيه أسماء أهل الجنة بأعدادهم وأعمالهم وأحسابهم، ~~فجمع عليهم إلى يوم القيامة، لا يزاد فيهم أحد ولا ينقص منهم، وقد يسلك ~~السعداء طريق أهل الشقاء حتى يقال: هم منهم. هم منهم، ثم # PageV02P334 # تدرك أحدهم سعادته ولو قبل موته بفواق ناقة. ثم قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: العمل بخواتمه، العمل بخواتمه» # وفي الحديث الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم ms0720 - قال: «أول ما خلق ~~الله القلم، فقال له: اكتب، فكتب مقادير الخلق إلى يوم القيامة» وثبت في ~~الصحيح أنه «قيل: يا رسول الله؛ هذا الأمر الذي نحن فيه أمر مستأنف أم أمر ~~قد فرغ منه؟ فقال: فرغ ربكم. قالوا: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما ~~خلق له؛ أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة. ومن كان من أهل ~~الشقاء فييسر لعمل أهل الشقاء. ثم قرأ: {فأما من أعطى واتقى} [الليل: 5] ~~{وصدق بالحسنى} [الليل: 6] {فسنيسره لليسرى} [الليل: 7] {وأما من بخل ~~واستغنى} [الليل: 8] {وكذب بالحسنى} [الليل: 9] {فسنيسره للعسرى} [الليل: ~~10]» # وثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن العبد ليعمل بعمل أهل ~~النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل ~~الجنة فيدخلها. وإن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها ~~إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها». # PageV02P335 # فإن قيل: فكيف يجوز أن يعذب الخلق وهم لم يذنبوا، أو يعاقبهم على ما ~~أراده منهم، وكتبه عليهم، وساقهم إليه؟ قلنا: ومن أين يمتنع ذلك؟ أعقلا أم ~~شرعا؟ فإن قيل: لأن الرحيم الحكيم منا لا يجوز أن يفعل ذلك. # قلنا: لأن فوقه آمرا يأمره وناهيا ينهاه، وربنا لا يسأل عما يفعل وهم ~~يسألون. # ولا يجوز أن يقاس الخالق بالمخلوق، ولا تحمل أفعال الإله على أفعال ~~العباد. # وبالحقيقة الأفعال كلها لله، والخلق بأجمعهم له صرفهم كيف شاء، وحكم فيهم ~~كيف أراد؛ وهذا الذي يجده الآدمي إنما تبعث عليه رقة الجبلة، وشفقة ~~الجنسية، وحب الثناء والمدح، لما يتوقع في ذلك من الانتفاع؟ والباري متقدس ~~عن ذلك كله؛ فلا يجوز أن يعتبر به. وقد مهدناه في كتاب المشكلين وفي كتب ~~الأصول. ### | [مسألة الكفار المتأولين] # المسألة الثانية: # اختلف العلماء في الكفار المتأولين على قولين: فمذهب شيخ السنة، وإليه ~~صغى القاضي في أشهر قوليهما أن الكفر يختص بالجاحد، والمتأول ليس بكافر. # والذي نختاره كفر من أنكر أصول الإيمان، فمن أعظمها موقعا وأبينها منصفا، ~~وأوقعها ms0721 موضعا القول بالقدر، فمن أنكره فقد كفر. وقد بيناه في كتاب المقسط ~~والمشكلين. # المسألة الثالثة: # اختلف علماء المالكية في تكفيرهم على قولين: فالصريح من أقوال مالك ~~تكفيرهم، لقد سئل عن نكاح القدرية، فقال: قد قال الله: {ولعبد مؤمن خير من ~~مشرك} [البقرة: 221]. ومن قال من أصحابنا: إن ذلك أدب لهم، وليسوا بكفار، ~~أو حكى في ذلك غير ما أوردناه من الأقوال؛ فذلك لضعف معرفته # PageV02P336 # بالأصول، فلا يناكحوا، ولا يصلى عليهم، فإن خيف عليهم الضيعة دفنوا كما ~~يدفن الكلب. # فإن قيل: وأين يدفنون؟ قلنا: لا يؤذى بجوارهم مسلم. وإن قدر عليهم الإمام ~~استتابهم، فإن تابوا وإلا قتلهم كفرا. . ### | [الآية التاسعة عشرة قوله تعالى ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها] # الآية التاسعة عشرة: # قوله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في ~~أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون} [الأعراف: 180] # هذه آية عظيمة من الآي التي جمعت العقائد والأعمال، وقد كنا تكلمنا عليها ~~في مجالس أنوار الفجر أزمنة كثيرة، ثم أنعم الله بأن أخرجنا نكتها المقصودة ~~من الوجهين جميعا في كتاب الأمد الأقصى "، وفيها سبع مسائل: # المسألة الأولى: # قوله تعالى: {الأسماء} [الأعراف: 180]: حقيقة الاسم كل لفظ جعل للدلالة ~~على المعنى إن لم يكن مشتقا، فإن كان مشتقا فليس باسم، وإنما هو صفة، هذا ~~قول النحاة. أخبرنا الأستاذ الرئيس الأجل المعظم فخر الرؤساء أبو المظفر ~~محمد بن العباس لفظا قال: سمعت الأستاذ المعظم عبد القاهر الجرجاني يقول: ~~سمعت أبا الحسن ابن أخت أبي علي يقول: سمعت خالي أبا علي يقول: كنت بمجلس ~~سيف الدولة بحلب، وبالحضرة جماعة من أهل المعرفة فيهم ابن خالويه إلى أن ~~قال ابن خالويه: أحفظ للسيف خمسين اسما. فتبسم أبو علي، وقال: ما أحفظ له ~~إلا اسما واحدا، وهو السيف. فقال ابن خالويه: فأين المهند؟ وأين الصارم؟ ~~وأين الرسوب؟ وأين المخذم وجعل يعدد. فقال أبو علي: هذه صفات. # وكأن الشيخ لا يفرق بين الاسم والصفة. # وهذه قاعدة أسسها سيبويه ليرتب عليها قانونا من الصناعة في التصريف ~~والجمع والتصغير، والحذف والزيادة ms0722 والنسبة، وغير ذلك من الأبواب؛ إذ لحظ ~~ذلك في مجاري # PageV02P337 # العربية، وهو أمر لا تحتاج إليه الشريعة بعضد، ولا ترده بقصد؛ فلا معنى ~~لإنكارها للقوم أو إقرارها. # المسألة الثانية: # قال سخيف من جملة المغاربة: عددت أسماء الله فوجدتها ثمانين، وجعل يعدد ~~الصفات النحوية، ويا ليتني أدركته؛ فلقد كانت فيه حشاشة لو تفاوضت معه في ~~الحقائق لم يكن بد من قبوله، والله أعلم. # وليس العجب منه؛ إنما العجب من الطوسي أن يقول: وقد عدد بعض حفاظ المغرب ~~الأسماء فوجدها ثمانين حسبما نقله إليه طريد طريف ببورقة الحميدي، وإنما ~~وقع في ذلك أبو حامد بجهله بالصناعة، أما إنه كان فصيحا ذرب القول، ذرب ~~اللسان في الاسترسال على الكلمات الصائبة، لكن القانون كان عنه نائيا، ~~والعالم عندنا اسم، كزيد اسم، وأحدهما يدل على الوجود، والآخر يدل على ~~الوجود ومعنى معه زائد عليه، والذي يعضد ذلك أن الصحابة وعلماء الإسلام حين ~~عددوا الأسماء ذكروا المشتق والمضاف والمطلق في مساق واحد إجراء على الأصل، ~~ونبذا للقاعدة النحوية. ### | [مسألة معنى قوله تعالى الحسنى] # المسألة الثالثة: # " قوله تعالى {الحسنى} [الأعراف: 180] وفي وصفها بذلك خمسة أقوال: # الأول: ما فيها من معنى التعظيم؛ فكل معنى معظم يسمى به سبحانه. # الثاني: ما وعد عليها من الثواب بدخول الجنة. # الثالث: ما مالت إليه القلوب من الكرم والرحمة. # الرابع: أن حسبها شرف العلم بها، فإن شرف العلم بشرف المعلوم، والباري ~~أشرف المعلومات؛ فالعلم بأسمائه أشرف العلوم. # الخامس: أنه معرفة الواجب في وصفه والجائز والمستحيل عليه؛ فيأتي بكل ذلك ~~على وجهه ويقرره في نصابه، وقد بينا في المقسط حقيقة الحسن وأقسامه، ومن ~~حصل هذه المعاني في أسماء الله نال الحسن من كل طريق، وحصل له القطع ~~بالتوفيق. # PageV02P338 ### | [مسألة سبب نزول قوله ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها] # المسألة الرابعة: # في سبب نزولها: روي أن المشركين سمعوا المسلمين يدعون " الله " مرة، و " ~~الرحمن " أخرى، و " القادر " بعد ذلك، فقالوا: أينهانا محمد عن الأصنام وهو ~~يدعوا آلهة كثيرة؟ فنزلت: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} [الأعراف: 180] ~~أي ms0723 هذه الأسماء إله واحد، وليست بآلهة متعددة. ### | [مسألة الأسماء التي أضافها الله] # المسألة الخامسة: # ما هذه الأسماء التي أضافها الله؟: وفي ذلك ثلاثة أقوال: الأول: أنها ~~أسماؤه كلها التي فيها التعظيم والإكبار. # الثاني: أنها الأسماء التسعة والتسعون التي ورد فيها الحديث الصحيح: «إن ~~لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة». # الثالث: أنها الأسماء التي دلت عليها أدلة الوحدانية، وهي سبعة تترتب على ~~الوجود: العلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، والحياة. ~~تقول: القادر العالم المريد الحي المتكلم السميع البصير، وفي ترتيبها تقريب ~~بيناه في كتب الأصول، وكل اسم لله فإلى هذه الأصول يرجع، لكن الصحيح عندي ~~أن المراد بها التسعة والتسعون التي عددها - صلى الله عليه وسلم - في ~~الحديث الصحيح. # فإن قيل: وهل إلى معرفتها سبيل؟ # PageV02P339 # قلنا: حلق العلماء عليها، وساروا إليها فمن جائر وقاصد، والقاصد في ~~الأكثر واقف دون المرام، والجائر ليس فيه كلام. فأما من وقف على الأمر فما ~~عرفته إلا الإسفراييني والطوسي. إلا أن الطوسي تقلقل فيها فتزلزل عنها، ~~وأما الإسفراييني فأسند طريقه ووضح تحقيقه. # والذي أدلكم عليه أن تطلبوها في القرآن والسنة، فإنها مخبوءة فيهما كما ~~خبئت ساعة الجمعة في اليوم، وليلة القدر في الشهر رغبة، والكبائر في الذنوب ~~رهبة؛ لتعم العبادات اليوم بجميعه والشهر بكليته، وليقع الاجتناب لجميع ~~الذنوب. وكذلك أخفيت هذه الأسماء المتعددة في جملة الأسماء الكلية، لندعوه ~~بجميعها، فنصيب العدد الموعود به فيها، فأما تعديدها بالقرآن فقد وهم فيه ~~إمامان: سفيان، وابن شعبان، وقد سقناه بغاية البيان ونصه: # سورة الحمد فيها خمسة أسماء: الله، الرب، الرحمن، الرحيم، مالك. # سورة البقرة فيها ثلاثون اسما: محيط، قدير، عليم، حكيم، ذو الفضل، ~~العظيم، بصير، واسع، بديع السموات، سميع، التواب، العزيز، رءوف، شاكر، إله ~~واحد، غفور، شديد العذاب، قريب، شديد العقاب، سريع الحساب، حليم، خبير، حي، ~~قيوم، علي، عظيم، ولي، غني، حميد، مولى. # سورة آل عمران فيها عشرة أسماء: عزيز، ذو انتقام، وهاب، قائم بالقسط، ~~جامع الناس، مالك الملك، خير الماكرين، شهيد، خير الناصرين، وكيل. # سورة النساء ms0724 فيها سبعة أسماء: الرقيب، الحسيب، كثير العفو، النصير، مقيت، ~~جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا. # سورة المائدة فيها اسمان: علام الغيوب، خير الرازقين. # سورة الأنعام فيه سبعة عشر اسما: فاطر، قاهر، شهيد، شفيع، خير الفاصلين، ~~الحق، أسرع الحاسبين، القادر، فالق الحب والنوى، فالق الإصباح، جاعل الليل # PageV02P340 # سكنا، مخرج الحي من الميت، ومخرج الميت من الحي، سريع العقاب، خالق كل ~~شيء، اللطيف، الحكيم. # سورة الأعراف فيها أربعة أسماء: خير الحاكمين، خير الفاتحين، أرحم ~~الراحمين، خير الغافرين. # سورة براءة فيها اسم: # مخزي الكافرين. # سورة هود فيها سبعة أسماء: # أحكم الحاكمين، حفيظ، مجيب، قوي، مجيد، ودود، فعال لما يريد. # سورة يوسف فيها ثلاثة أسماء: المستعان، القاهر، الحافظ. # سورة الرعد فيها ستة أسماء: ذو مغفرة، عالم الغيب والشهادة، الكبير، ~~المتعال، شديد المحال، القائم على كل نفس بما كسبت. # سورة الحجر فيها اسمان: الوارث، الخلاق. # سورة النحل فيها اسم واحد: كفيل. # سورة الكهف فيها ثلاثة أسماء: مقتدر، ذو الرحمة، الموئل. # سورة مريم فيها اسم واحد: وهو حفي. # سورة طه فيها اسمان: الملك، خير وأبقى. # سورة اقترب فيها ثلاثة أسماء: الحاسب، خير الوارثين، الفاعل. # سورة الحج فيها اسم واحد: المكرم. # سورة المؤمنين فيها اسمان: أحسن الخالقين، خير المنزلين. # سورة النور فيها اسمان: نور السموات والأرض، المبين. # سورة الفرقان فيها اسم: الهادي. # سورة النمل: الكريم. # سورة الروم: محيي الموتى. # سورة سبأ فيها: الفتاح. # سورة فاطر اسم واحد: شكور. # سورة ص اسم واحد: الغفار. # PageV02P341 # سورة الزمر فيها اسمان: سالم، كاف. # سورة المؤمن فيها خمسة أسماء: غافر الذنب، وقابل التوب، ذو الطول، رفيع ~~الدرجات، ذو العرش. # سورة فصلت: ذو عقاب. # سورة الزخرف فيها: المبرم. # سورة الدخان فيها ثلاثة أسماء: المنذر، المرسل، المنتقم. # سورة ق: أقرب إليه من حبل الوريد. # سورة والذاريات فيها خمسة أسماء: الموسع، الماهد، الرزاق، ذو القوة، ~~المتين. # سورة والطور فيها اسم واحد: البر. # سورة اقترب فيها اسم واحد: المليك المقتدر. # سورة الرحمن فيها اسم واحد: ذو الجلال والإكرام. # سورة الواقعة فيها ثلاثة أسماء: الخالق، الزارع، المنشئ. ms0725 # سورة الحديد فيها أربعة أسماء: الأول، الآخر، الظاهر، الباطن. # سورة المجادلة فيها اسمان: رابع ثلاثة، سادس خمسة. # سورة الحشر فيها ثمانية أسماء: القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن ~~[العزيز]، الجبار، المتكبر، البارئ، المصور. # سورة المعارج فيها: ذو المعارج. # سورة المدثر فيها اسم واحد: أهل التقوى وأهل المغفرة. # سورة سبح فيها اسم واحد: الأعلى. # سورة القلم فيها اسم واحد: الأكرم. # سورة التوحيد فيها اسمان: أحد، صمد. # وقد زاد بعض علمائنا فيها: شيء، موجود، كائن، ثابت، نفس، عين، ذات، داع، ~~مستجيب، مملي، قائم، متكلم، مبق، مغن، غيور، قاض، مقدر، فرد، مبل، جاعل، ~~موجد، مبدع، دارئ. # PageV02P342 # قال الإمام الحافظ ابن العربي: ومن هذا ما جاء على لفظه في كتاب الله ~~وسنة رسوله، ومنها ما أخذ من فعل، ومنها ما جاء مضافا فذكره مجردا عن ~~الإضافة، وكذلك وجدناه في سائر الأسماء المتقدمة؛ فهذه هي الأسماء المعدودة ~~بصفاتها قرآنا وسنة. # وفي الحديث المطلق أسماء غير ذلك، كقولنا: الطيب، والسيد، والطبيب؛ ~~وأعداد سواها. # وما منها اسم إلا جميعه مشتق، حتى إن أهل اللغة اتفقوا عن بكرة أبيهم على ~~أن الله مشتق. # وقد بيناه في الأمد، فلا وجه لقولهم الفاسد المتقدم، وقد شرحنا معنى كل ~~اسم في الأمد على الاستيفاء، فلينظر هنالك؛ وعددناها على ما ورد في الكتاب ~~والسنة، وذكره الأئمة؛ فانتهت إلى ستة وأربعين ومائة. # الأول: الله؛ وهو اسمه الأعظم الذي يرجع إليه كل اسم، ويضاف إلى تفسيره ~~كل معنى، وحقيقته المنفرد في ذاته وصفاته وأفعاله عن نظير، فهذه حقيقة ~~الإلهية، ومن كان كذلك فهو الله. # الثاني: الواحد؛ وهو الذي لا نظير له في صفات ولا ذات ولا أفعال. # الثالث: الكائن؛ وهو الموجود قبل كل شيء وبعد كل شيء. # الرابع: القائم، إذا ذكرته مطلقا فهو الذي يستغني عن كل شيء، وإن ذكرته ~~مضافا فهو قائم على كل شيء بالوجود فما وراءه. # الخامس والسادس والسابع: القيوم، والقيام، والقيم، وهو الدائم القائم على ~~شيء. # الثامن: الكافي؛ من كفى إذا قام بالأمر، أو دفع عنه ما يتوقع. # التاسع: الحق، وهو الذي ms0726 لا يتغير. # PageV02P343 # العاشر والحادي عشر والثاني عشر: الملك، المالك، المليك، وهو الحاكم لكل ~~شيء من غير حاجة إليه. # الثالث عشر: القدوس، وهو المطهر عن كل نقصان. # الرابع عشر: السلام؛ الذي لا يتطرق إليه عيب، وسلم الخلق من ظلمه وغبنه، ~~وبه زاد عليه. # الخامس عشر: العزيز: الذي لا يغالب؛ ولا يكون معه غالب. # السادس عشر: الجبار: الذي يستغني عن الأتباع، ولا يحنو عند التعذيب، ولا ~~يحنق عند الغضب. # السابع عشر: المتكبر؛ وهو الذي لا مقدار لشيء عنده. # الثامن عشر: العلي الذي لا مكان له. # التاسع عشر: الكبير الذي لا يتصور عليه مقدار. # الموفي عشرين: العظيم: الذي يستحيل عليه التحديد. # الحادي والعشرون: الجليل؛ وهو الذي لا يليق به ما يدل على الحدوث. # الثاني والعشرون: المجيد؛ هو الذي لا يساوى فيما له من صفات المدح. # الثالث والعشرون: الجميل؛ هو الذي لا يشبهه شيء. # الرابع والعشرون: الحسيب؛ وهو الذي يستحق الحمد على الانفراد، ويحصي كل ~~شيء ويقوم عليه. # الخامس والعشرون: الصمد؛ الذي لا يجري في الوهم، ولا يقصد في المطالب ~~غيره. # السادس والعشرون: الغني؛ الذي لا يحتاج إلى شيء. # السابع والعشرون: رفيع الدرجات؛ لا يلحق مرتبته أحد بحال. # الثامن والعشرون: ذو الطول يقال فيه القادر والغني والمنعم. # PageV02P344 # التاسع والعشرون: ذو الفضل؛ وهو المنعم يؤتي من يشاء. # الموفي ثلاثين: السيد: المنفرد بالكمال. # الحادي والثلاثون: الكريم؛ وهو الذي تعم إرادته. # الثاني والثلاثون: الطيب: المتقدس عن الآفات. # الثالث والثلاثون: الأول؛ الذي لا ابتداء له. # الرابع والثلاثون: الآخر؛ الذي لا انتهاء له. # الخامس والثلاثون: الباقي؛ هو الذي لا يفنى. وهو الوارث، وهو الدائم؛ ~~وهما السادس والثلاثون والسابع والثلاثون. # الثامن والثلاثون: الظاهر؛ وهو الذي يدرك بالدليل. # التاسع والثلاثون: الباطن؛ وهو الذي لا يدرك بالحواس. # الموفي أربعين: اللطيف، العالم بالخبايا، المهتبل بالعطايا، القادر، ~~والمقتدر، والقدير، والقوي فكمل بها أربعة وأربعون. # الخامس والأربعون: المقيت، وهو القادر الذي لا يعجزه شيء، المؤتي لكل شيء ~~قوته. # السادس والأربعون: المتين؛ وهو الذي لا يلحقه ضعف. # الثامن والأربعون: المحيط، وهو الذي لا يخرج شيء عن ms0727 علمه وقدرته وإرادته. # التاسع والأربعون والموفي خمسين: الواسع، والموسع، وهو الذي عمت قدرته ~~وإرادته وعلمه كل شيء، وكذلك بصره وسمعه وكلامه. # العليم، والعالم، والعلام؛ فهذه ثلاثة وخمسون اسما. # الرابع والخمسون، والخامس والخمسون: السميع، وهو الذي يسمع كل موجود. # والبصير، وهو الذي يرى كل موجود، ويعلم المعدوم والموجود. # السادس والخمسون: الشهيد؛ الحاضر مع كل موجود بالقدرة والعلم والسمع ~~والبصر. # السابع والخمسون: الخبير: العالم بالخبايا. # الثامن والخمسون: الطبيب؛ وهو العالم بالمنافع. # PageV02P345 # التاسع والخمسون: المحصي، وهو الذي ضبط علمه وقدرته وإرادته كل شيء. # الموفي ستين: المقدر، وهو الذي رتب مقادير الأشياء بحكمة متناسبة. # الحادي والستون: الرقيب: الذي لا يشغله شأن عن شأن. # الثاني والستون: القريب بالعلم الذي لا يختص بمكان. # الثالث والستون: الحي. # الرابع والستون: المريد. # الخامس والستون: الحكم، وهو يتصرف في الدعاء فعلا، تقول: يا من يفعل ما ~~يشاء، ويحكم ما يريد، صرفني بطاعتك، واحكم بيني وبين من يخاصمني فيك. # السادس والستون والسابع والستون: الرحمن الرحيم: الذي يريد الخير لعباده ~~على العموم والخصوص. # الثامن والستون: المحب، ويتصرف فعلا قال تعالى: {يحبهم ويحبونه} ~~[المائدة: 54]. وكذلك المبغض، فالذي يرجعان إليه إرادة الثواب والعقاب، # وهو التاسع والستون. # الموفي سبعين: الرضا؛ يتصرف فعلا، وهو إرادة ما يكون فوق الاستحقاق. # الحادي والسبعون: السخط، يتصرف فعلا. وهو إرادة خلاف الرضا، كما بيناه في ~~الكراهية في كتب الأصول. # الثاني والسبعون: الودود، وهو الذي يفعل الخير مع من يستحقه ومع من لا ~~يستحقه. # الثالث والسبعون: العفو؛ وهو الذي يريد تسهيل الأمور. # الرابع والسبعون: الرءوف؛ وهو الكثير الرحمة. # الخامس والسبعون: عدو الكافرين، وهو البعيد بالعقاب. # PageV02P346 # السادس والسبعون: الولي، وهو القريب بالثواب والنعم. # السابع والسبعون: الصبور: الذي يريد تأخير العقاب. # الثامن والسبعون: الحليم، الذي يريد إسقاط العقاب. # التاسع والسبعون: المعز، وهو الذي يعز أولياءه. # الموفي ثمانين: الحفي، وهو غاية البر. # الحادي والثمانون: الولي، وهو المحب لأوليائه. # الثاني والثمانون: خير الفاصلين: الذين يميز المختلفات بقوله. # الثالث والثمانون: المبين، وهو الذي يعرف عباده بكلامه مراده؛ وذلك لأهل ~~السنة خاصة. # الرابع والثمانون: الصادق: من لا ms0728 يوجد خبره بخلاف مخبره. # الخامس والثمانون: الهادي؛ وهو الذي يعرف المراشد، ويوفق لها. # السادس والثمانون: الرشيد بمعنى المرشد، ويرجع إلى الهادي. # السابع والثمانون: نور السموات والأرض، ويرجع إلى الهدى. # الثامن والثمانون: المؤمن، يصدق نفسه وأولياءه ويخلصهم من العقاب. # التاسع والثمانون: المهيمن، فيه كلام كثير يرجع إلى الرقيب. # الموفي تسعين: الحميد، يثني على أوليائه، ويثنون عليه. # الحادي والتسعون: الشكور، وهو الذي يمدح على الفعل خاصة. # الثالث والتسعون: غيور، وهو الذي لا يحرم سواه. # الثالث والتسعون: الحكيم، محكم الأشياء بخلقها على نظام وتدبير. # الرابع والتسعون: التواب، الذي يرجع بالعبد من حال المعصية إلى حال ~~الطاعة. # الخامس والتسعون: الفتاح، يفتح غلق العدم بالوجود، وغلق الجهل بالعلم، ~~وغلق الرزق بالعطاء؛ وذلك كثير. ومثله الحكم قال الله تعالى: {أفغير الله ~~أبتغي حكما} [الأنعام: 114] # وهو الخامس والتسعون. # السادس والتسعون: القاضي؛ وهو الذي لا يرد حكمه. # PageV02P347 # السابع والتسعون: الكفيل، الملتزم لثواب عباده ورزقهم. # الثامن والتسعون: المبرم، هو الذي إذا عقد لم يحل عقده. # التاسع والتسعون: المنذر، هو الذي يعرف بكلامه عباده وعيده. # الموفي مائة: المدبر، وهو الذي يعلم الانتهاء قبل الابتداء، فيرده عليه. # الممتحن، البالي، المبلي، المبتلي، هو الذي يكلف عباده الوظائف؛ ليعلم من ~~حالهم في القبول والرد مشاهدة ما علم غيبا، وبها تمت مائة وأربعة. # الخامس بعد المائة: الفاتن، وهو المبتلي؛ لأنه يرجع إلى الاختبار. # السادس بعد المائة: الرب، وهو الذي ينقل الأشياء من حال إلى حال، ويبدلهم ~~بصفة بعد صفة في طريق النمو والإنشاء. # السابع بعد المائة: العدل، وهو الذي تأتي أفعاله على مقتضى إرادته. # الثامن بعد المائة: الخالق، وهو الذي يوجد بعد العدم، ويقدر الأشياء على ~~الأحوال. # التاسع بعد المائة: البارئ؛ منشئ البرية من البرى، وهو التراب. # العاشر بعد المائة: المصور، وهو الذي يرتب الموجودات على صفات مختلفات ~~وهيئات متغايرات. # الحادي عشر بعد المائة: المبدئ: وهو الذي يأتي بأوائل الأشياء من غير ~~شيء. # الثاني عشر بعد المائة: المعيد، وهو الذي يردها، بعد الفناء، كما كانت ~~وجودا وصفة ووقتا. # الثالث عشر بعد المائة: فاطر السموات ms0729 والأرض، الذي أنشأها من غير مثال ~~وقبل كل منشئ. # الرابع عشر بعد المائة: المحيي، ويقابله المميت، وهو الخامس عشر بعد ~~المائة، يحيي الخلق بالوجود والحركة والعلم والإيمان والهدى، ويميتهم بذلك ~~إلى سائر متعلقات الإحياء، حسبما رتبناه في كتاب الأمد الأقصى. # السادس عشر بعد المائة: الجامع، وهو تأليف المفترق. # السابع عشر بعد المائة: المعز، وفي مقابلته المذل، وهو الذي يرفع مقدار ~~أوليائه، ويحط مقدار أعدائه. # PageV02P348 # الثامن عشر بعد المائة: مخزي الكافرين؛ والخزي هو فعل ما يستحيا منه. # التاسع عشر بعد المائة: العفو؛ وهو الذي يسقط حقه بعد الوجوب. # العشرون بعد المائة: القهار؛ وهو الذي يغلب العباد. # الحادي والعشرون بعد المائة: الوهاب؛ وهو الذي يعطي من غير توقع عوض. # الثاني والعشرون بعد المائة: الرزاق؛ وهو الذي يهب الغذاء والاكتساء من ~~رياش ومعاش. # الثالث والعشرون بعد المائة: جواد، وهو الكثير العطاء. # الرابع والعشرون والخامس والعشرون بعد المائة: الخافض، الرافع؛ وهو الذي ~~يحط درجة أعدائه، ويعلي منازل أوليائه ومقاديرهم دنيا وآخرة؛ جاها ومالا، ~~عملا واعتقادا. # السادس والعشرون والسابع والعشرون بعد المائة: القابض، الباسط؛ وهو الذي ~~لا يتصرف عبده ولا ينبسط إلا بقدرته، وفي حيز مشيئته؛ فإن خلق له القدرة ~~على العموم تبسطت على ما خلقت له، وإن خلقها على الخصوص تعلقت بما خلقت له ~~وقدرت به. # الثامن والعشرون والتاسع والعشرون بعد المائة: المقدم، والمؤخر؛ وذلك ~~معنى يرجع إلى الأوقات، يخلق شيئا بعد شيء، بحسب ما علمه وقضاه وقدره؛ ليس ~~لأحد ذلك إلا له. # الثلاثون بعد المائة: المقسط: وهو الذي تجري أحكامه على مقتضى إرادته. # الحادي والثلاثون بعد المائة: النصير؛ وهو الذي يتابع آلاءه على أوليائه، ~~ويكف عنهم عادية أعدائه. # الثاني والثلاثون بعد المائة: الشافي؛ وهو الذي يهب الصحة بعد المرض. # الثالث والثلاثون بعد المائة: مقلب القلوب؛ وهو اسم عظيم، معناه مصرفها ~~أسرع من مر الريح على اختلاف في القبول والرد واليقين والشك، والإرادة ~~والكراهية، وغير ذلك من الأوصاف. # الرابع والثلاثون والخامس والثلاثون بعد المائة: الضار، النافع؛ وهو خالق ~~الألم # PageV02P349 # الذي يقع به موازنة. والنفع ms0730 هو كل ما لا ألم فيه؛ وهو نعيم الجنة، فأما ~~الدنيا فلا تخلو منهما عن الاشتراك. # السادس والثلاثون بعد المائة: ذو المعارج يعني الذي يؤتي المنازل، ويصرف ~~الأمور على المراتب، وينزل المأمورين على المقادير. # السابع والثلاثون بعد المائة: خير المنزلين؛ المنازل لله يؤتيها محمودة ~~لمن يحب، ومذمومة لمن يبغض. # الثامن والثلاثون بعد المائة: خير الماكرين، هو الذي يظهر خلاف ما يبطن. # التاسع والثلاثون بعد المائة: متم نوره؛ أي يدوم ولا ينقطع، ويظهر ولا ~~يخفى، في قلوب أوليائه بالإيمان؛ وبين أيديهم يوم القيامة بالجواز على ~~الصراط، وفي الجنة بالنعيم الدائم. # الموفي أربعين بعد المائة: الوكيل؛ وهو الذي يلقي إليه الخلق مقاليدهم، ~~فلا يقوم بها أحد غيره. # الحادي والأربعون بعد المائة: المستعان؛ وهو الذي لا يطلب العون وهو خلق ~~القدرة على الطاعة إلا منه. # الثاني والأربعون بعد المائة: المعبود، وهو الذي لا يتذلل إلا له. # الثالث والأربعون بعد المائة: المذكور؛ وهو الذي لا يجري لسان إلا به، ~~ولا يعمر خاطر إلا بذكره، ولا يرى شيء إلا وهو فيه بأدلته وآثار صنعته. # الخامس والأربعون والسادس والأربعون ومائة: أهل التقوى، وأهل المغفرة؛ ~~الذي لا يتقى سواه، ولا يغفر الذنوب غيره المسألة السادسة: هذا منتهى ما ~~حضر من ذكر الأسماء للتضرع والابتهال؛ وقد بقي نحو من ثلاثين اسما ضمناها ~~كتاب الأمد "، هذه أصولها. # وأما قوله: {فادعوه بها} [الأعراف: 180] فهذا هو قسم العمل. # والدعاء في اللغة والحقيقة # PageV02P350 # هو الطلب؛ أي اطلبوا منه بأسمائه، فيطلب بكل اسم ما يليق به، تقول: يا ~~رحيم ارحمني، يا حكيم احكم لي، يا رزاق ارزقني، يا هادي اهدني. وإن دعوت ~~باسم عام قلت: يا مالك ارحمني، يا عزيز احكم لي، يا لطيف ارزقني. وإن دعوت ~~بالاسم الأعظم قلت: يا الله، فهو متضمن لكل اسم # حسبما بيناه في كتاب الأمد، ولا تقل يا رزاق اهدني إلا أن تريد يا رازق ~~ارزقني الهدى، وهكذا رتب دعاءك على اعتقادك تكن من المحسنين إن شاء الله. ### | [مسألة يخترعون أدعية يسمون فيها الباري بغير أسمائه] # المسألة ms0731 السابعة: # قوله تعالى: {وذروا الذين يلحدون في أسمائه} [الأعراف: 180] يقال: ألحد ~~ولحد: إذا مال. والإلحاد يكون بوجهين: بالزيادة فيها، والنقصان منها، كما ~~يفعله الجهال الذين يخترعون أدعية يسمون فيها الباري بغير أسمائه ويذكرونه ~~بما لم يذكره من أفعاله، إلى غير ذلك، مما لا يليق به؛ فحذار منها، ولا ~~يدعون أحد منكم إلا بما في الكتب الخمسة؛ وهي كتاب البخاري، ومسلم، ~~والترمذي، وأبي داود، والنسائي؛ فهذه الكتب هي بدء الإسلام، وقد دخل فيها ~~ما في الموطإ الذي هو أصل التصانيف؛ وذروا سواها، ولا يقولن أحد: أختار ~~دعاء كذا؛ فإن الله قد اختار له، وأرسل بذلك إلى الخلق رسوله. . ### | [الآية الموفية عشرين قوله تعالى أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء] # الآية الموفية عشرين: # قوله تعالى: {أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء ~~وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون} [الأعراف: 185]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: أمر الله تعالى بالنظر في آياته، والاعتبار بمخلوقاته في ~~أعداد كثيرة من آي القرآن، أراد بذلك زيادة في اليقين، وقولا في الإيمان، ~~وتثبيتا للقلوب على التوحيد. وقد روى # PageV02P351 # ابن القاسم عن مالك؛ قال: قيل لأم الدرداء: ما كان أكثر شأن أبي الدرداء؟ ~~قالت: كان أكثر شأنه التفكر. قيل له: أفترى الفكر عملا من الأعمال؟ قال: ~~نعم. هو اليقين. # وقيل لابن المسيب في الصلاة بين الظهر والعصر. فقال: ليست هذه عبادة؛ ~~إنما العبادة الورع عما حرم الله والفكر في أمر الله. # وقال الحسن: تفكر ساعة خير من قيام ليلة. . ### | [مسألة حقيقة التفكر] # المسألة الثانية: [حقيقة التفكر]: حقيقة التفكر هنا ترديد العلم في القلب ~~بالخبر عنه. # والكلام حقيقة هو ما يجري في النفس، والحروف والأصوات عبارة عنه، وأقل ما ~~يحضر في القلب من العلم علمان اثنان: أحدهما نسق الآخر، ومثاله أن يعلم أن ~~الجنة مطلوبة، وأن الموصل إليها آكد العمل الصالح، فحينئذ يجتهد في العمل؛ ~~وآكد من هذا أن تعلم الإيمان بالله بمعرفته ومعرفة صفاته وأفعاله، ms0732 وملكوته ~~في أرضه وسمائه؛ ولا يحصل ذلك إلا بالنظر في مخلوقاته، وهي لا تحصى كثرة؛ ~~وأمهاتها السموات، فترى كيف بنيت وزينت من غير فطور ورفعت بغير عمد، وخولف ~~مقدار كواكبها، ونصبت سائرة شارقة وغاربة نيرة، وممحوة؛ كل ذلك بحكمة ~~ومنفعة. # والأرض فانظر إليها كيف وضعت فراشا، ووطئت مهادا، وجعلت كفاتا، وأنبتت ~~معاشا، وأرسيت بالجبال، وزينت بالنبات، وكرمت بالأقوات، وأرصدت لتصرف ~~الحيوانات ومعاشها؛ وكل جزء من ذلك فيه عبرة تستغرق الفكرة: والحيوان أحد ~~قسمي المخلوقات، والثاني الجمادات؛ فانظر في أصنافها، واختلاف أنواعها ~~وأجناسها، وانقيادها وشرسها، وتسخيرها في الانتفاع بها، زينة وقوتا، وتقلبا ~~في الأرض. # PageV02P352 # والبحار أعظم المخلوقات عبرة، وأدلها على سعة القدرة في سعتها، واختلاف ~~خلقها، وتسيير الفلك فيها، وخروج الرزق منها، والانتفاع في الانتقال إلى ~~البلاد البعيدة بالأثقال الوئيدة بها. # والهواء فإنه خلق محسوس به قوام الروح في الآدمي وحيوان البر، كما أن ~~الماء قوام لروح حيوان البحر، فإذا فارق كل واحد منهما قوامه هلك، وانظر ~~إلى ركوده ثم اضطرابه، وهو بالريح. # والإنسان أقربها إليها نظرا، وأكثرها إن بحث عبرا، فلينظر إلى نفسه من ~~حين كونها ماء دافقا إلى كونه خلقا سويا، يعان بالأغذية، ويربى بالرفق، ~~ويحفظ باللبن حتى يكتسب القوى، ويبلغ الأشد؛ فإذا به قد قال أنا وأنا، ونسي ~~حين أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا، وسيعود مقبورا. وهذا زمان ~~وسط بينهما، فيا ويحه إن كان محسورا فينظر حينئذ أنه عبد مربوب، مكلف مخوف ~~بالعذاب إن قصر، مرجى بالثواب إن ائتمر، فيقبل على عبادة مولاه، فإنه وإن ~~كان لا يراه يراه، ولا يخشى الناس فالله أحق أن يخشاه، ولا يتكبر على أحد ~~من عباد الله فإنه مؤلف من أقذار، مشحون من أوضار، صائر إلى جنة إن أطاع، ~~أو إلى نار. ولذلك كان شيوخنا يستحبون أن ينظر المرء في الأبيات الحكمية ~~التي جمعت هذه الأوصاف العلمية: # كيف يزهى من رجيعه ... أبد الدهر ضجيعه # فهو منه وإليه ... وأخوه ورضيعه # وهو يدعوه إلى الحش ... بصغر فيطيعه ### | [مسألة أي العملين ms0733 أفضل التفكر أم الصلاة] # المسألة الثالثة: أي العملين أفضل: التفكر أم الصلاة؟: اختلف في ذلك ~~الناس، فصغو أي ميل الصوفية إلى أن الفكرة أفضل، فإنها تثمر المعرفة، وهي ~~أفضل المقامات الشرعية. # وصغو الفقهاء إلى أن الصلاة والذكر أفضل؛ لما روي في ذلك من الحث والدعاء ~~إليها، والترغيب فيها، والإيعاز بمنازلها وثوابها. والذي عندي فيه أن الناس ~~مختلفون # PageV02P353 # فمن كان شديد الفكر، قوي النظر، مستمر المرر، قادرا على الأدلة، متبحرا ~~في المعارف، فالفكر له أفضل، ومن كان دون ذلك فالأعمال أقوى لنفسه، وأثبت ~~لعوده. # ثبت عن «ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح أنه بات عند ~~زوجه ميمونة، وبات ابن عباس معه في ليلة لم تكن ميمونة تصلي فيها، فاضطجع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وزوجه في طول الوسادة، واضطجع ابن عباس ~~في عرضها؛ فلما انتصف الليل أو قبله بقليل، أو بعده، قام رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فمسح النوم عن وجهه، ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة ~~آل عمران: {إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي ~~الألباب} [آل عمران: 190] حتى ختم السورة؛ ثم قام إلى شن معلق فتوضأ منه ~~وضوءا خفيفا، ثم صلى خمس عشرة ركعة.» # فانظروا رحمكم الله إلى جمعه بين الفكرة في المخلوقات لتأكيد المعرفة ~~وتحديدها حتى تجددت له حياة بالهب من النوم، ثم إقباله على الصلاة بعدها؛ ~~فهذه هي السنة التي تعتمدون عليها. # فأما طريقة الصوفية فأن يكون الشيخ منهم يبقى يوما وليلة أو شهرا مفكرا ~~لا يفتر فطريقة بعيدة عن الصواب غير لائقة بالشرع ولا مستمرة على السنن. ### | [الآية الحادية والعشرون والثانية والعشرون والثالثة والعشرون قوله تعالى هو الذي خلقكم من نفس واحدة] # الآية الحادية والعشرون: # قوله تعالى: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها ~~فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن ~~آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين} [الأعراف: 189] {فلما آتاهما صالحا جعلا ~~له شركاء فيما آتاهما فتعالى ms0734 الله عما يشركون} [الأعراف: 190]. # فيها خمس مسائل: # PageV02P354 # المسألة الأولى: في المعني بها: وفي ذلك قولان: # أحدهما: أن المراد بذلك «حواء الأم الأولى، حملت بولدها، فلم تجد له ~~ثقلا، ولا قطع بها عن عمل، فكلما استمر بها ثقل عليها، فجاءها الشيطان وقال ~~لها: إن كنت تعلمين أن هذا الذي يضطرب في بطنك من أين يخرج من جسمك؛ إنه ~~ليخرج من أنفك، أو من عينك، أو من فمك، وربما كان بهيمة؛ فإن خرج سليما ~~يشبهك تطيعينني فيه؟ قالت له: نعم. فذكرت ذلك لآدم، فقال لها: هو صاحبك ~~الذي أخرجك من الجنة. فلما ولدت في حديث طويل سمته عبد الحارث بإشارة إبليس ~~بذلك عليها، وكان اسمه في الملائكة الحارث، فذلك قوله تعالى: {جعلا له ~~شركاء فيما آتاهما} [الأعراف: 190].» وذلك مذكور ونحوه في ضعيف الحديث في ~~الترمذي وغيره. # وفي الإسرائيليات كثير ليس لها ثبات، ولا يعول عليها من له قلب؛ فإن آدم ~~وحواء وإن كان غرهما بالله الغرور فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، وما كانا ~~بعد ذلك ليقبلا له نصحا ولا يسمعا منه قولا. # الثاني: أن المراد بهذا جنس الآدميين؛ فإن حالهم في الحمل وخفته وثقله ~~إلى صفة واحدة. وإذا خف عليهم الحمل استمروا به؛ فإذا ثقل عليهم نذروا كل ~~نذر فيه، فإذا ولد لهم ذلك الولد جعلوا فيه لغير الله شركاء في تسميته ~~وعمله، حتى إن منهم من ينسبه إلى الأصنام، ويجعله لغير الله وعلى غير دين ~~الإسلام، وهذا القول أشبه بالحق، وأقرب إلى الصدق، وهو ظاهر الآية وعمومها ~~الذي يشمل جميع متناولاتها، ويسلم فيها الأنبياء عن النقص الذي لا يليق ~~بجهال البشر، فكيف بسادتهم وأنبيائهم. # PageV02P355 ### | [مسألة أول الحمل بشر وسرور وآخره مرض من الأمراض] # المسألة الثانية: روى ابن القاسم عن مالك قال: أول الحمل بشر وسرور، ~~وآخره مرض من الأمراض. قال الله عز وجل: {حملت حملا خفيفا فمرت به فلما ~~أثقلت دعوا الله ربهما} [الأعراف: 189]. وقال عز وجل: {فبشرناها بإسحاق ومن ~~وراء إسحاق يعقوب} [هود: 71]. # وهذا الذي قاله مالك إنه مرض ms0735 من الأمراض يعطيه ظاهر قوله: فلما أثقلت ~~دعوا الله ربهما ولا يدعو المرء هذا الدعاء إلا إذا نزلت به شدة. # وهذه الحال مشاهدة في الحوامل، ولأجل عظم الأمر وشدة الخطب جعل موتها ~~شهادة، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «الشهداء سبعة سواء: القتل في سبيل ~~الله. وذكر: المرأة تموت بجمع شهيد.» ### | [مسألة حال الحامل حال المريض في أفعالها] # المسألة الثالثة: إذا ثبت هذا من ظاهر الآية فحال الحامل حال المريض في ~~أفعالها، ولا خلاف بين علماء الأمصار أن فعل المريض فيما يهب أو يحابي في ~~ثلثه. # وقال أبو حنيفة والشافعي: إنما ذلك فيما يكون حال الطلق، فأما قبل ذلك ~~فلا؛ واحتجوا بأن الحمل عادة وأن الغالب فيه السلامة. # قلنا: كذلك أكثر المرض الغالب عليه السلامة، وقد يموت من لم يمرض، ولكن ~~أخذا بظاهر الحال كذلك في مسألتنا. # وبالجملة فإن إنكار مرض الحامل عناد ظاهر، فإذا ثبت هذا فقد حمل العلماء ~~عليه المحبوس في قود أو قصاص، وحاضر الزحف. # PageV02P356 # وأنكره الإمامان المذكوران وغيرهما، فإذا استوعبت النظر لم ترتب في أن ~~المحبوس على القتل أشد حالا من المريض، وإنكار ذلك غفلة في النظر؛ فإن سبب ~~الموت موجود عندهما، كما أن المرض سبب الموت، وقد قال سبحانه: {ولقد كنتم ~~تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون} [آل عمران: 143] # وهي: الآية الثانية والعشرون في الأحكام من غير السورة، وذكرت هاهنا ~~لاقتضاء القول إياها، وإنما رأوا أسبابه، وكذلك قال رويشد الطائي: # يا أيها الراكب المزجي مطيته ... سائل بني أسد ما هذه الصوت # وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا ... قولا يبرئكم إني أنا الموت # وقال سبحانه في سورة الأحزاب، وهي: الآية الثالثة والعشرون في الأحكام من ~~غير السورة اقتضاها القول هاهنا: {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ ~~زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا} [الأحزاب: 10] ~~{هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا} [الأحزاب: 11] # فكيف يقول الشافعي وأبو حنيفة: إن الحالة الشديدة إنما هي المبارزة، وقد ~~أخبر الله عن منازلة العدو، وتداني الفريقين بهذه ms0736 الحالة العظمى من بلوغ ~~القلوب الحناجر، ومن سوء الظنون بالله، ومن زلزلة القلوب واضطرابها، هل هذه ~~الحال ترى على المريض أم لا؟ فهذا كله لا يشك فيه منصف. # قال علماؤنا: هذا لمن ثبت في اعتقاده، وجاهد في الله حق جهاده وشاهد ~~الرسول وآياته، فكيف بنا؟ وإنما هو عندنا خبر من الأخبار لم يعرفه إلا ~~الأحبار، ولا # PageV02P357 # قدره حق قدره إلا الأخيار، وهذا كله يعرفكم قدر مالك على سائر العلماء في ~~النظر، ويبصركم استداده على سواء الفكر. ### | [مسألة راكب البحر هل حكمه حكم الصحيح أو الحامل] # المسألة الرابعة: إذا ثبت هذا فقد اختلف علماؤنا في راكب البحر؛ هل حكمه ~~حكم الصحيح أو الحامل؟ فقال ابن القاسم: حكمه حكم الصحيح. وقال أشهب: حكمه ~~حكم الحامل إذا بلغت ستة أشهر. وابن القاسم لم يركب البحر، ولا رأى أنهم ~~دود على عود، ومن أراد أن يوقن بأن الله هو الفاعل وحده لا فاعل معه، وأن ~~الأسباب ضعيفة لا تعلق لموقن بها، ويتحقق التوكل والتفويض فليركب البحر، ~~ولو عاين ذلك سبعين من الدهر، وتطلع له الشمس في الماء وتغرب فيه، ويتبعها ~~القمر كذلك، ولا يسمع للأرض خبرا، ولا تصفو ساعة من كدر، ويعطب في آخر ~~الحال، كان رأيه كرأي أشهب، والله يوفق المقال ويسدد بعزته المذهب. # المسألة الخامسة: إذا ثبت أنها مريضة فقد تقدم القول في فطرها وفديتها في ~~سورة البقرة، فلينظر هنالك. ### | [الآية الرابعة والعشرون قوله تعالى خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين] # : الآية الرابعة والعشرون: # قوله تعالى {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} [الأعراف: 199]. # فيها عشر مسائل: # المسألة الأولى: في العفو: قد تقدم شرحه في سورة البقرة على الاستيفاء في ~~الإطلاق والاشتقاق، واختلف إيراد المفسرين في تفسير هذه الآية على أربعة ~~أقوال: # PageV02P358 # الأول: أنه الفضل من أموال الناس، نسخته الزكاة؛ قال ذلك ابن عباس. # الثاني: أنه الزكاة؛ قال مجاهد. وسماها عفوا؛ لأنه فضل المال وجزء يسير ~~منه. # الثالث: أنه أمر بالاحتمال وترك الغلظة، ثم نسخ ذلك بآية القتال. # الرابع: خذ العفو ms0737 من أخلاق الناس؛ قاله ابنا الزبير معا، وروي ذلك في ~~الصحيح عنهما. # المسألة الثانية: روى سفيان بن عيينة عن الشعبي أنه قال: «إن جبريل نزل ~~على النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذه الآية، فقال له النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: ما هذا يا جبريل؟ قال جبريل: لا أدري حتى أسأل العالم، فذهب ~~فمكث ساعة ثم رجع، فقال: إن الله يأمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، ~~وتصل من قطعك». ### | [مسألة قوله وأمر بالعرف] # المسألة الثالثة: قوله: {وأمر بالعرف} [الأعراف: 199]: فيه أربعة أقوال: # الأول: العرف: المعروف؛ قاله عروة. # الثاني: قول لا إله إلا الله. # الثالث: ما يعرف أنه من الدين. # الرابع: ما لا ينكره الناس من المحاسن التي اتفقت عليها الشرائع. ### | [مسألة أعرض عن الجاهلين] # المسألة الرابعة: {وأعرض عن الجاهلين} [الأعراف: 199] فيه قولان: # أحدهما: أنه محكم، أمر باللين. # الثاني: أنه منسوخ بآية القتال قاله ابن زيد. # المسألة الخامسة: روى «جابر بن سليم قال: ركبت قعودي ثم أتيت إلى مكة، ~~فطلبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنخت قعودي بباب المسجد، فدلوني ~~على رسول الله، فإذا هو جالس عليه برد من صوف فيه طرائق حمر، فقلت: السلام ~~عليك يا رسول الله، فقال: وعليك السلام. فقلت: إنا معشر أهل البادية قوم ~~فينا الجفاء فعلمني كلمات ينفعني الله بها. # PageV02P359 # قال: ادن منا. فدنوت، فقال: أعد علي. فأعدت. فقال: اتق الله، ولا تحقرن ~~من المعروف شيئا، وأن تلقى أخاك بوجه منبسط، وأن تفرغ من دلوك في إناء ~~أخيك، وإن أحد سبك بما يعلم منك فلا تسبه بما تعلم فيه؛ فإن الله جاعل لك ~~أجرا وعليه وزرا، ولا تسبن شيئا مما خولك الله. فوالذي نفسي بيده ما سببت ~~بعده لا شاة ولا بعيرا». # المسألة السادسة: في صحيح البخاري عن ابن عباس قال: قدم عيينة بن حصن بن ~~حذيفة، فنزل على ابن أخيه الجد بن قيس، وكان من النفر الذي يدنيهم عمر، ~~وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولا كانوا أو شبانا، فقال عيينة ~~لابن أخيه: ms0738 يا بن أخي؛ لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه قال: ~~سأستأذن لك. قال ابن عباس: فاستأذن الجد لعيينة، فأذن عمر، فلما دخل قال: ~~هيه يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم فينا بالعدل. فغضب ~~عمر حتى هم أن يوقع به، فقال له: العفو يا أمير المؤمنين، إن الله قال ~~لنبيه: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} [الأعراف: 199] وإن هذا ~~من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافا عند كتاب ~~الله. # المسألة السابعة: في تنقيح الأقوال: أما العفو فإنه عام في متناولاته، ~~ويصح أن يراد به خذ ما خف وسهل مما تعطى، فقد «كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقبل من الصدقة التمرة والقبضة والحبة والدرهم والسمل، ولا ~~يلمز شيئا من ذلك ولا يعيبه»: ولقد كان يسقط من الحقوق ما يقبل الإسقاط حتى ~~قالت عائشة في الصحيح: «ما انتقم رسول الله لنفسه قط». # PageV02P360 # وأما الاحتمال: فقد «كان يصبر على الأذى، ويحتمل الجفاء، حتى قال - صلى ~~الله عليه وسلم -: يرحم الله موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر». # وأما مخالفة الناس: فهو كان أقدر الخلق عليها وأولاهم بها، فإنه كان يلقى ~~كل أحد بما يليق به من شيخ وعجوز، وصغير وكبير، وبدوي وحضري، وعالم وجاهل، ~~ولقد «كانت المرأة توقفه في السكة من سكك المدينة، ولقد كان يقول لأخ لأنس ~~صغير: يا أبا عمير، ما فعل النغير». # ولقد «كان يكلم الناس بلغاتهم، فيقول لمن سأله أمن امبر امصيام في امسفر؟ ~~فيقول له: ليس من امبر امصيام في امسفر» # PageV02P361 ### | [مسألة تنقيح الأقوال بالعرف] # المسألة الثامنة: في تنقيح الأقوال بالعرف: أما العرف: فالمراد به هاهنا ~~المعروف من الدين المعلوم من مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، المتفق عليه ~~في كل شريعة التي أمهاتها وأصولها الثلاث التي يقال إن جبريل نزل بها: أن ~~تصل من قطعك، فلا شيء أفضل من صلة القاطع فإنه يدل على كرم النفس، وشرف ~~الحلم، وخلق الصبر الذي هو مفتاح خيري الدنيا والآخرة. # وفي الأثر: ms0739 «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه ~~وصلها». # وقال: «أفضل الصدقة الصدقة على ذي الرحم الكاشح». # والذي يبين ذلك الحديث الصحيح الذي خرجه الأئمة واللفظ للبخاري: قال علي ~~بن أبي طالب: «بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - سرية استعمل عليها رجلا من ~~الأنصار، وأمرهم أن يطيعوه، فغضب، فقال: أليس أمركم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أن تطيعوني؟ قالوا: بلى. قال: فاجمعوا حطبا. فجمعوا. فقال: أوقدوا ~~لي نارا. فأوقدوها. فقال: ادخلوها. فهموا، وجعل بعضهم يمسك بعضا ويقولون: ~~فررنا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - من النار. فما زالوا حتى خمدت ~~النار، وسكن غضبه، فبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: لو دخلوها ما ~~خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف»، يريد الذي يجوز في الدين موقعه ويثبت ~~فيه حكمه. # PageV02P362 ### | [مسألة الإعراض عن الجاهلين فإنه مخصوص في الكفار الذين أمر بقتالهم] # المسألة التاسعة: الإعراض عن الجاهلين: وأما الإعراض عن الجاهلين فإنه ~~مخصوص في الكفار الذين أمر بقتالهم، عام في كل الذي يبقى بعدهم. وقد قال ~~سبحانه: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من ~~دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم} [الممتحنة: 8]. # وقالت «أسماء: إن أمي قدمت علي راغبة وهي مشركة أفأصلها؟ قال: نعم، صلي ~~أمك». # المسألة العاشرة: قال علماؤنا: هذه الآية من ثلاث كلمات، قد تضمنت قواعد ~~الشريعة المأمورات والمنهيات، حتى لم يبق فيه حسنة إلا أوضحتها، ولا فضيلة ~~إلا شرحتها، ولا أكرومة إلا افتتحتها، وأخذت الكلمات الثلاث أقسام الإسلام ~~الثلاثة. # فقوله: {خذ العفو} [الأعراف: 199] تولى بالبيان جانب اللين، ونفي الحرج ~~في الأخذ والإعطاء والتكليف. # وقوله: {وأمر بالعرف} [الأعراف: 199] تناول جميع المأمورات والمنهيات؛ ~~وإنهما ما عرف حكمه، واستقر في الشريعة موضعه، واتفقت القلوب على علمه. # وقوله: {وأعرض عن الجاهلين} [الأعراف: 199] تناول جانب الصفح بالصبر الذي ~~به يتأتى للعبد كل مراد في نفسه وغيره، ولو شرحنا ذلك على التفصيل لكان ~~أسفارا. ### | [الآية الخامسة والعشرون والسادسة والعشرون قوله تعالى وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا] # الآية الخامسة والعشرون: # قوله تعالى: ms0740 {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} ~~[الأعراف: 204] # فيها ثلاث مسائل: # PageV02P363 # المسألة الأولى: في سبب نزولها: روي أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~صلى بأصحابه، فقرأ أناس من خلفه، فنزلت هذه الآية: {وإذا قرئ القرآن} ~~[الأعراف: 204]؛ فسكت الناس خلفه، وقرأ رسول الله». # المسألة الثانية: روى الأئمة: مالك، وأبو داود، والنسائي عن أبي هريرة ~~«أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، ~~فقال: هل قرأ أحد منكم معي آنفا؟ فقال رجل، نعم، يا رسول الله. فقال: إني ~~أقول: ما لي أنازع القرآن؟ قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فيما جهر فيه رسول الله من الصلوات بالقراءة، حين ~~سمعوا ذلك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.» # وروى مسلم عن عمران بن حصين قال: «صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بنا صلاة الظهر أو العصر، فقال: وأيكم قرأ خلفي بسبح اسم ربك الأعلى؟ فقال ~~رجل: أنا. فقال رسول الله: قد علمت أن بعضكم خالجنيها». # وروى الترمذي وأبو داود عن عبادة بن الصامت قال: «صلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: إني لا أراكم ~~تقرءون وراء إمامكم. قال: قلنا: يا رسول الله؛ إي والله. قال: فلا تفعلوا ~~إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها». # PageV02P364 # وقد روى الناس في قراءة المأموم خلف الإمام بفاتحة الكتاب أحاديث كثيرة، ~~أعظمهم في ذلك اهتبالا الدارقطني. # وقد جمع البخاري في ذلك جزءا، وكان رأيه قراءة الفاتحة خلف الإمام في ~~الصلاة الجهرية، وهي إحدى روايات مالك، وهو اختيار الشافعي. # وقد روى مالك وغيره عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، فهي خداج، فهي خداج، ~~غير تمام. فقلت: يا أبا هريرة؛ إني أحيانا أكون وراء الإمام، فغمز ذراعي، ~~وقال: اقرأ بها يا فارسي في نفسك، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم ms0741 - يقول: قال الله: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ~~ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل. قال رسول الله: اقرءوا، يقول العبد: الحمد ~~لله رب العالمين يقول الله: حمدني عبدي. يقول العبد: الرحمن الرحيم. يقول ~~الله: أثنى علي عبدي. يقول العبد: مالك يوم الدين. يقول الله: مجدني عبدي. ~~يقول العبد: إياك نعبد وإياك نستعين، فهذه الآية بيني وبين عبدي، ولعبدي ما ~~سأل. يقول العبد: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين. فهؤلاء لعبدي، ولعبدي ما سأل». # PageV02P365 # وقد اختلفت في ذلك الآثار عن الصحابة والتابعين اختلافا متباينا فروي عن ~~زيد بن أسلم «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كانوا ينهون عن ~~القراءة خلف الإمام». # وقد روي عن ابن مسعود أنه صلى بأصحابه فقرأ قوم خلفه، فقال: ما لكم لا ~~تعقلون؟ {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} [الأعراف: ~~204]. # وقد قال أبو هريرة: نزلت الآية في الصلاة. وقيل: كانوا يتكلمون في ~~الصلاة، فنزلت الآية في النهي عن ذلك. # وروي أن فتى كان يقرأ خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما قرأ فيه ~~النبي، فأنزل الله الآية فيه. # وقال مجاهد: نزلت في خطبة الجمعة؛ وهو قول ضعيف؛ لأن القرآن فيها قليل، ~~والإنصات واجب في جميعها. # وقد روي أن عبادة بن الصامت قرأ بها، وسئل عن ذلك، فقال: لا صلاة إلا ~~بها. وأصح منه قول جابر: لا يقرأ بها خلف الإمام خرجه مالك في الموطإ. # وروى مسلم في صحيحه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنما جعل ~~الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا قرأ فأنصتوا»؛ ~~وهذا نص لا مطعن فيه، يعضده القرآن والسنة، وقد غمزه الدارقطني بما لا يقدح ~~فيه. # المسألة الثالثة: الأحاديث في ذلك كثيرة قد أشرنا إلى بعضها، وذكرنا نبذا ~~منها، والترجيح أولى ما اتبع فيها. # PageV02P366 # والذي نرجحه وجوب القراءة في الإسرار لعموم الأخبار. # وأما الجهر فلا سبيل إلى القراءة فيه لثلاثة أوجه: أحدها: أنه عمل أهل ~~المدينة. # الثاني: أنه ms0742 حكم القرآن قال الله سبحانه: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له ~~وأنصتوا} [الأعراف: 204]. وقد عضدته السنة بحديثين: أحدهما: حديث عمران بن ~~حصين: «قد علمت أن بعضكم خالجنيها». # الثاني: قوله: " وإذا قرأ فأنصتوا ". # الوجه الثالث: في الترجيح: إن القراءة مع جهر الإمام لا سبيل إليها فمتى ~~يقرأ؟ فإن قيل: يقرأ في سكتة الإمام. # قلنا: السكوت لا يلزم الإمام فكيف يركب فرض على ما ليس بفرض، لا سيما وقد ~~وجدنا وجها للقراءة مع الجهر، وهي قراءة القلب بالتدبر والتفكر، وهذا نظام ~~القرآن والحديث، وحفظ العبادة، ومراعاة السنة، وعمل بالترجيح والله أعلم؛ ~~وهو المراد بقوله تعالى: {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من ~~القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين} [الأعراف: 205]. وهي: # الآية السادسة والعشرون فقوله: {في نفسك} [الأعراف: 205] يعني صلاة ~~الجهر. وقوله: {ودون الجهر من القول} [الأعراف: 205] يعني صلاة السر فإنه ~~يسمع فيه نفسه ومن يليه قليلا بحركة اللسان. # فإن قيل: فقد قال بعض الشافعية: إنما خرجت الآية على سبب؛ وهو أن قوما ~~كانوا يكثرون اللغط في قراءة رسول الله، ويمنعون من استماع الأحداث لهم، ~~كما قال تعالى: {وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم ~~تغلبون} [فصلت: 26]، فأمر المسلمين بالإنصات حالة أداء الوحي، ليكون على ~~خلاف حال الكفار. # قلنا: عنه جوابان: # PageV02P367 # أحدهما: أن هذا لم يصح سنده؛ فلا ينفع معتمده. # الثاني: أن سبب الآية والحديث إذا كان خاصا لا يمنع من التعلق بظاهره إذا ~~كان عاما مستقلا بنفسه، وبالجملة فليس للبخاري ولا للشافعية كلام ينفع ~~بعدما رجحنا به واحتججنا بمنصوصه، وقد مهدنا القول في مسائل الخلاف تمهيدا ~~يسكن كل جأش نافر. ### | [الآية السابعة والعشرون قوله تعالى إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته] # الآية السابعة والعشرون: # قوله تعالى: {إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله ~~يسجدون} [الأعراف: 206]. # فيها أربع عشرة مسألة: # المسألة الأولى: هذه الآية مرتبطة بما قبلها ومنتظمة مع ما سبقها؛ وهي ~~إخبار من الله تعالى عن الملائكة بأنهم في عبادتهم التي أمروا ms0743 بها دائمون، ~~وعليها قائمون، وبها عاملون؛ فلا تكن من الغافلين فيما أمرت به وكلفته. # وهذا خطابه، والمراد بذلك جميع الأمة. # المسألة الثانية: هذه أول سجود القرآن، وفيه خمس عشرة سجدة: # الأولى: هذه، خاتمة الأعراف. # الثانية: في الرعد: {وظلالهم بالغدو والآصال} [الرعد: 15]. # الثالثة: في النحل: {ويفعلون ما يؤمرون} [النحل: 50]. # الرابعة: في بني إسرائيل: {ويزيدهم خشوعا} [الإسراء: 109]. # الخامسة: في مريم: {خروا سجدا وبكيا} [مريم: 58]. # السادسة: في أول الحج: {يفعل ما يشاء} [آل عمران: 40]. # السابعة: في آخر الحج: {تفلحون} [الحج: 77]. # PageV02P368 # الثامنة: في الفرقان: {نفورا} [الإسراء: 41]. # التاسعة: في النمل: {رب العرش العظيم} [النمل: 26]. # العاشرة: في تنزيل: {وهم لا يستكبرون} [النحل: 49]. # الحادية عشرة: في ص: {وخر راكعا وأناب} [ص: 24]. # الثانية عشرة: في حم: {إن كنتم إياه تعبدون} [فصلت: 37]. # الثالثة عشرة: آخر النجم: {واعبدوا} [النجم: 62]. # الرابعة عشرة: في الانشقاق قوله: {لا يسجدون} [الانشقاق: 21]. # الخامسة عشرة: خاتمة القلم. # المسألة الثالثة: روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «إذا قرأ ابن آدم السجدة وسجد اعتزل الشيطان يبكي، ~~فيقول: يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت ~~فلي النار». # وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يقرأ القرآن فيقرأ سورة فيها سجدة، فيسجد. ونسجد معه، حتى ما يجد أحدنا ~~مكانا لجبهته ليسجد فيه». # وروى أبو داود عن ابن عمر أن «رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ عام ~~الحج سجدة، فسجد # PageV02P369 # الناس كلهم، منهم الراكب والساجد في الأرض، حتى إن الراكب يسجد على ~~ثوبه». ### | [مسألة اختلف الناس في سجود التلاوة] # المسألة الرابعة: اختلف الناس في سجود التلاوة؛ فقال مالك والشافعي: ليس ~~بواجب. # وقال أبو حنيفة: هو واجب، وهي مسألة مشكلة عول فيها أبو حنيفة على أن ~~مطلق الأمر بالسجود على الوجوب. ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أمر ابن ~~آدم بالسجود فسجد فله الجنة» # والأمر على الوجوب؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يحافظ ~~عليها إذا قرأها. وعول علماؤنا على ms0744 حديث عمر الثابت أن عمر قرأ سجدة وهو ~~على المنبر، فنزل فسجد فسجد الناس معه. ثم قرأ بها في الجمعة الأخرى، فتهيأ ~~الناس للسجود، فقال: على رسلكم، إن الله لم يكتبها علينا، إلا أن نشاء. ~~وذلك بحضرة الصحابة أجمعين من المهاجرين والأنصار، فلم ينكر ذلك عليه أحد، ~~فثبت الإجماع به في ذلك؛ ولهذا حملنا جميع قول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- وفعله على الندب والترغيب. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أمر ابن آدم بالسجود، فسجد فله الجنة». ~~إخبار عن السجود الواجب؛ ومواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم - تدل على ~~الاستحباب. # وقد استوعبنا القول فيها في مسائل الخلاف. # المسألة الخامسة: لا بد فيها من الطهارة؛ لأنها صلاة، فوجبت فيها ~~الطهارة، كسجود الصلاة. # وكذلك التكبير مثله؛ فقد روي في الأثر عن ابن عمر «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان إذا سجد كبر، وكذلك إذا رفع كبر» # واختلف علماؤنا هل فيها تحليل بالسلام أم لا؟ والصحيح أن فيها تحليلا # PageV02P370 # بالسلام] لأنه عبادة لها تكبير، فكان فيها سلام، كصلاة الجنازة، بل أولى؛ ~~لأن هذا فعل وصلاة الجنازة قول # المسألة السادسة: اختلف قول مالك في صلاتها في الأوقات المنهي عنها؛ ~~فإحدى الروايتين أنها تصلى فيها؛ وبه قال الشافعي. # الثانية: لا تصلى؛ وبه قال أبو حنيفة. # متعلق القول الأول عموم الأمر بالسجود، ومتعلق القول الثاني عموم النهي ~~عن الصلوات. # والقول الثاني أقوى؛ لأن الأمر بالسجود عام في الأوقات، والنهي خاص في ~~الأوقات، والخاص يقضي على العام. # وقد روي عن مالك في المدونة أنه يصليها ما لم تصفر الشمس؛ وهذا لا وجه له ~~عندي، والله أعلم. ### | [مسألة سجدة سورة الحج الثانية] # المسألة السابعة: سجدة الحج الثانية: قال الشافعي وابن وهب عنه وغيرهما: ~~هي عزيمة. وقال في المدونة وغيرها: إنها ليست سجود عزيمة؛ لأنه خبر عن ركوع ~~الصلاة وسجودها؛ ودليلنا أن عمر سجد فيها وهو يفهم الأمر أقعد، وبين قوم ~~كانوا أفهم وأسد؛ فبهم فاقتد. ### | [مسألة يسجد في النمل عند قوله وما يعلنون] # المسألة الثامنة: قال الشافعي: ms0745 يسجد في النمل عند قوله: {وما يعلنون} ~~[النمل: 74] عند تمام الآية التي فيها الأمر. وقال مالك وأبو حنيفة: يسجد ~~عند قوله: {العليم} [فصلت: 36]. # الذي فيه تمام الكلام، وهو أقوى. ### | [مسألة سجدة سورة ص] # المسألة التاسعة: سجدة " ص ": عند الشافعي سجدة شكر، وليست بعزيمة. وقد ~~روى أبو داود والترمذي # PageV02P371 # وخرجه البخاري عن «ابن عباس قال: سجدة ص ليست من عزائم السجود، وقد رأيت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سجدها.» # وقال مالك: هذا قول ابن عباس، وهي عزيمة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال الله له: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده} [الأنعام: 90]، وقد ~~روى أبو داود عن أبي سعيد الخدري «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ وهو ~~على المنبر: ص، فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر ~~قرأها، فلما بلغ السجدة تشزن الناس للسجود، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: إنما هي توبة نبي ولكني رأيتكم تشزنتم للسجود ونزل فسجد وسجدوا» # المسألة العاشرة: السجود فيها عند تمام قوله: {وخر راكعا وأناب} [ص: 24] ~~لأنه تمام الكلام، وموضع الخضوع والإنابة. # وقال الشافعي عند قوله: {وحسن مآب} [ص: 25] لأنه خبر عن التوبة وحسن ~~المآبة. والأول أصوب؛ رجاء الاهتداء في الاقتداء والمغفرة عند الامتثال، ~~كما غفر لمن سبق من الأنبياء. ### | [مسألة السجود في فصلت] # المسألة الحادية عشرة: السجود في فصلت: عند قوله: {إن كنتم إياه تعبدون} ~~[فصلت: 37] لأنه انتهاء الأمر. # وعند الشافعي: {وهم لا يسأمون} [فصلت: 38] لأنه خبر عن امتثال من أمر عند ~~ذكر من استكبر، فيكون هذا منهم. والأول الأولى؛ لأنه يمتثل الأمر ويخرج عمن ~~استكبر. # PageV02P372 ### | [مسألة سجدة النجم] # المسألة الثانية عشرة: أما سجدة " النجم ": فقد روى الترمذي أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - «قرأ والنجم فلم يسجد فيها». والصحيح ما روى العلماء ~~الأئمة عن عبد الله «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ والنجم، فسجد ~~فيها وسجد من كان معه، فأخذ رجل من القوم كفا من حصى أو تراب، فرفعه إلى ~~وجهه، وقال: يكفيني ms0746 هذا. وقال عبد الله: فلقد رأيته بعد قتل كافرا». # وروى ابن عباس «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد بالنجم وسجد معه ~~المسلمون والمشركون، والجن والإنس»، فكيف يتأخر أحد عنها. ### | [مسألة السجود في سورة ألانشقاق] # المسألة الثالثة عشرة: روى الأئمة عن «أبي هريرة أنه قرأ لهم: {إذا ~~السماء انشقت} [الانشقاق: 1] فسجد فيها، فلما انصرف أخبرهم أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - سجد فيها وفي: {اقرأ باسم ربك} [العلق: 1]». # فإن قيل: فقد روى أبو داود «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسجد في ~~شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة». # قلنا: هذا خبر لم يصح إسناده، ولو صح فليس فيه أنه قرأه ولم يسجد فيه، ~~فلعله لم يقرأ به في صلاة جماعة. # المسألة الرابعة عشرة: # في الصحيح عن أبي هريرة «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ ~~يوم الجمعة في صلاة الفجر: {الم - تنزيل} [السجدة: 1 - 2] السجدة، وهل أتى ~~على الإنسان حين من الدهر». # PageV02P373 ### | [سورة الأنفال فيها خمس وعشرون آية] # [الآية الأولى قوله تعالى يسألونك عن الأنفال] # بسم الله الرحمن الرحيم ### | الآية الأولى: قوله تعالى: {يسألونك عن الأنفال # قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ~~ورسوله إن كنتم مؤمنين} [الأنفال: 1]. # فيها عشر مسائل: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: روي أن سعد بن أبي وقاص قال: نزلت في ~~ثلاث آيات: النفل، وبر الوالدين، والثلث. # وروى مصعب بن سعد عن أبيه قال: «إذا كان يوم بدر جئت بسيف؛ فقلت: يا رسول ~~الله؛ إن الله قد شفى صدري من المشركين، أو نحو هذا، هب لي هذا السيف. ~~فقال: هذا ليس لك ولا لي فقلت: عسى أن يعطى هذا من لا يبلي بلائي، فجاءني ~~الرسول فقال: إنك سألتني وليس لي، ولقد صار لي وهو لك» فنزلت: {يسألونك عن ~~الأنفال} [الأنفال: 1] # PageV02P374 # قال الترمذي: هو صحيح. # وروى سعيد بن جبير أن «سعد بن أبي وقاص ورجلا من الأنصار خرجا يتنفلان ~~نفلا، فوجدا سيفا ملقى يقال كان لأبي سعيد بن ms0747 العاص، فخرا عليه جميعا، فقال ~~سعد: هو لي. وقال الأنصاري: هو لي، فتنازعا في ذلك، فقال الأنصاري: يكون ~~بيني وبينك، رأيناه جميعا وخررنا عليه جميعا. فقال: لا أسلمه إليك حتى نأتي ~~رسول الله، فلما عرضا عليه القصة قال: ليس لك يا سعد ولا للأنصاري، ولكنه ~~لي، فنزلت: {يسألونك عن الأنفال} [الأنفال: 1] فاتق الله يا سعد والأنصاري، ~~وأصلحا ذات بينكما، وأطيعا الله ورسوله». # يقول أسلم السيف إليه، ثم نسخت بقوله: {واعلموا أنما غنمتم} [الأنفال: ~~41]. ### | [مسألة تعريف النفل] # المسألة الثانية: النفل في اللغة هو الزيادة، ومنها نفل الصلاة، وهو ~~الزيادة على فرضها، وولد الولد نافلة؛ لأنه زيادة على الولد، والغنيمة ~~نافلة؛ لأنها زيادة فيما أحل لهذه الأمة مما كان محرما على غيرها، ثبت عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أحلت لي الغنائم». # وروى أبو هريرة [أن النبي - صلى الله عليه وسلم -] قال: «فضلت على ~~الأنبياء بست: أعطيت # PageV02P375 # جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض مسجدا ~~وطهورا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون». # وروى البخاري عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «غزا نبي من الأنبياء، فقال لقومه: لا يتبعني رجل ملك ~~بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما يبن بها، ولا أحد بنى بيوتا ولم يرفع ~~سقوفها، ولا أحد اشترى غنما أو خلفات وهو ينتظر ولادها، فغزا فدنا من ~~القرية أو قريبا من ذلك، فقال للشمس: إنك مأمورة وأنا مأمور، اللهم احبسها ~~علينا، فحبست حتى فتح الله بجمع الغنائم، فجاءت النار لتأكلها، فلم تطعمها. ~~فقال: إن فيكم غلولا قبليا فليبايعني من كل قبيلة رجل، فلزقت يد رجل بيده، ~~فقال: فيكم الغلول فلتبايعني قبيلتك، فلزقت يد رجلين أو ثلاثة بيده، فقال: ~~فيكم الغلول، فجاءوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب، فوضعوها فجاءت النار ~~فأكلتها، ثم أحل الله لنا الغنائم، ورأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا» ### | [مسألة عدة المسلمين يوم بدر] # المسألة الرابعة: قال ابن القاسم وابن وهب عن مالك: ms0748 كانت بدر في سبع عشرة ~~ليلة خلت من شهر رمضان. # PageV02P376 # وروى ابن وهب أنها كانت بعد عام ونصف من الهجرة، وذلك بعد تحويل القبلة ~~بشهرين. # وقد سئل مالك في رواية ابن وهب عن عدة المسلمين يوم بدر؛ فقال: كانوا ~~ثلاثمائة وثلاثة عشر على عدة أصحاب طالوت. # وروى أيضا ابن وهب عن مالك قال: «سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عن عدة المشركين يوم بدر: كم يطعمون كل يوم؟ فقيل له: يوما عشرا ويوما تسع ~~جزائر. فقال: القوم ما بين الألف إلى التسعمائة» # وروى ابن القاسم عن مالك قال: «لما كان يوم بدر قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: أشيروا علي. فقام أبو بكر فتكلم، ثم قعد. ثم قال: أشيروا علي ~~فقام عمر فتكلم، ثم قعد فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أشيروا علي ~~فقام سعد بن معاذ فقال: كأنك إيانا تريد يا رسول الله، لا نقول لك كما قالت ~~بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت ~~وربك فقاتلا إنا معكم متبعون. لو أتيت اليمن لسللنا سيوفنا واتبعناك. فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: خذوا مصافكم». # المسألة الخامسة: قال علماؤنا - رحمهم الله -، هاهنا ثلاثة أسماء: ~~الأنفال، الغنائم، الفيء. # فالنفل: الزيادة كما بينا، وتدخل فيه الغنيمة فإنها زيادة الحلال لهذه ~~الأمة. والغنيمة: ما أخذ من أموال الكفار بقتال. والفيء: ما أخذ بغير قتال؛ ~~لأنه رجع إلى موضعه الذي يستحقه، وهو انتفاع المؤمن به. ### | [مسألة محل الأنفال] # المسألة السادسة: في محل الأنفال: اختلف الناس فيها على ثلاثة أقوال: ~~الأول: محلها الخمس. # PageV02P377 # الثاني: محلها ما عاد من المشركين أو أخذ بغير حرب. # الثالث: رأس الغنيمة حسبما يراه الإمام. # قال القاسم بن محمد: قال ابن عباس: كان ابن عمر إذا سئل عن شيء قال: لا ~~آمرك ولا أنهاك. فكان ابن عباس يقول: والله ما بعث الله محمدا إلا محللا ~~ومحرما. قال القاسم: فسلط على ابن عباس رجل فسأله عن النفل؛ فقال ابن عباس: ~~الفرس من ms0749 النفل، والسلاح من النفل. وأعاد عليه الرجل، فقال له مثل ذلك حتى ~~أغضبه. فقال ابن عباس: أتدرون ما مثل هذا؟ مثل صنيع الذي ضربه عمر بالدرة ~~حتى سالت الدماء على عقبيه أو على رجليه، س فقال الرجل: أما أنت فقد انتقم ~~الله منك لابن عمر. # وقال السدي وعطاء: هي ما شذ من المشركين. # وعن مجاهد: «سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الخمس بعد الأربعة ~~الأخماس؛ فقال المهاجرون: لمن يدفع هذا الخمس؟ لم يخرج منا. فنزلت: ~~{يسألونك عن الأنفال} [الأنفال: 1] والصحيح أنه من الخمس» كما روي في صحيح ~~مسلم أن الإمام يعطي منه ما شاء من سلب أو غيره؛ خلافا للشافعي، ومن قال ~~بقوله من فقهاء الأمصار. فأما هذا السؤال هاهنا فإنما هو عن أصل الغنيمة ~~التي نفل على ما أنزل الله لنا من الحلال على الأمم. # المعنى: يسألك أصحابك يا محمد عن هذه الغنيمة التي نفلتكها. قل لهم: هي ~~لله وللرسول، فاتقوا الله ولا تختلفوا، وأصلحوا ذات بينكم، لئلا يرفع ~~تحليلها عنكم باختلافكم. # وقد روي عن «ابن عباس أنه - صلى الله عليه وسلم - قال يوم بدر: من فعل ~~كذا وكذا فله كذا وكذا. فتسارع إلى ذلك الشبان، وثبت الشيوخ تحت الرايات، ~~فلما فتح عليهم جاءوا يطلبون شرطهم، فقال الشيوخ: لا تستأثروا به علينا، ~~كنا ردءا لكم، لو انهزمتم لانحزتم إلينا، فأبى الشبان وقالوا: جعله رسول ~~الله لنا، فتنازعوا فأنزل الله: # PageV02P378 # {يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات ~~بينكم} [الأنفال: 1]». # وروي «أنهم اختلفوا فيها على ثلاث فرق؛ فقال قوم: هو لنا، حرسنا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال آخرون: هو لنا، اتبعنا أعداء رسول الله. ~~وقالت أخرى: نحن أولى بها، أخذناها، فنزلت: {يسألونك عن الأنفال} [الأنفال: ~~1]» # وروى «أبو أمامة الباهلي قال: سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال، فقال: ~~فينا أصحاب بدر نزلت، حين اختلفنا في النفل، وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله ~~من أيدينا، فجعله إلى رسوله، فقسمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين ~~المسلمين ms0750 على بواء؛ أي على السواء.» # المسألة السابعة: قال علماؤنا: «فسلموا لرسول الله الأمر فيها؛ فأنزل ~~الله: {واعلموا أنما غنمتم} [الأنفال: 41]. ثم قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود فيكم». ~~فلم يمكن بعد هذا أن يكون النفل من حق أحد؛ وإنما يكون من حق رسول الله. ~~وهو الخمس. # والدليل عليه الحديث الصحيح عن ابن عمر: خرجنا في سرية قبل نجد، فأصبنا ~~إبلا، فقسمناها، فبلغت سهماننا أحد عشر بعيرا، ونفلنا بعيرا بعيرا. ### | [مسألة سلب القتيل] # فأما: المسألة الثامنة: وهي سلب القتيل: فإنه من الخمس عندنا، وبه قال ~~أبو حنيفة إذا رأى ذلك الإمام لغناء في المعطى: أو منفعة تجلب، أو ائتلاف ~~يرغب. # وقال الشافعي: هو من رأس المال؛ وظاهر القرآن يمنع من ذلك؛ لأنه حق ~~المالكين. # PageV02P379 # فأما الأخبار في ذلك فمتعارضة، روي في الصحيح أن «النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قضى بسلب أبي جهل لمعاذ بن عمرو بن الجموح». وقال يوم حنين: «من قتل ~~قتيلا له عليه بينة فله سلبه، فأعطى السلب لأبي قتادة بما أقام من الشهادة، ~~وقضى بالسلب أجمع لسلمة بن الأكوع يوم ذي قرد». # قلنا: هذه الأخبار ليس فيها أكثر من إعطاء السلب للقاتل. وهل إعطاء ذلك ~~له من رأس مال الغنيمة أو من حق النبي وهو الخمس؟ ذلك إنما يؤخذ من دليل ~~آخر. # وقد قسم الله الغنيمة قسمة حق على الأخماس، فجعل خمسها لرسوله، وأربعة ~~أخماسها لسائر المسلمين، وهم الذين قاتلوا وقتلوا، فهم فيها شرع سواء، ~~لاشتراكهم في السبب الذي استحقوها به؛ والاشتراك في السبب يوجب الاشتراك في ~~المسبب، ويمنع من التفاضل في المسبب مع الاستواء في السبب؛ هذه حكمة الشرع ~~وحكمه، وقضاء الله في خلقه، وعلمه الذي أنزله عليهم. # والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه ما روى مسلم «أن عوف بن مالك قال: قتل ~~رجل من حمير رجلا من العدو، فأراد سلبه، فمنعه خالد، وكان واليا عليهم؛ ~~فأخبر عوف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال ms0751 لخالد: ما منعك أن تعطيه ~~سلبه؟ قال: استكثرته يا رسول الله. قال: ادفعه إليه. فلقي عوف خالدا فجره ~~بردائه، وقال: هل أنجزت ما ذكرت لك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ ~~فسمعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستغضب، فقال: لا # PageV02P380 # تعطه يا خالد. هل أنتم تاركو لي إمرتي». ولو كان السلب حقا له من رأس ~~الغنيمة لما رده رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنها عقوبة في ~~الأموال، وذلك أمر لا يجوز بحال. # وقد ثبت أن ابن المسيب قال: ما كان الناس ينفلون إلا من الخمس. # وروي عنه أنه قال: لا نفل بعد رسول الله. ولم يصح. ### | [مسألة النفل على قسمين] # المسألة التاسعة: قال علماؤنا: النفل على قسمين: جائز ومكروه، فالجائز ~~بعد القتال، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين: «من قتل قتيلا ~~له عليه بينة فله سلبه». والمكروه أن يقال قبل القتل: " من فعل كذا وكذا ~~فله كذا ". وإنما كره هذا؛ لأنه يكون القتال فيه للغنيمة. # «وقال رجل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: الرجل يقاتل للمغنم، ويقاتل ~~ليرى مكانه، من في سبيل الله؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو ~~في سبيل الله»، ويحق للرجل أن يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا وإن نوى في ~~ذلك الغنيمة؛ وإنما المكروه في الحديث أن يكون مقصده المغنم خاصة. # المسألة العاشرة: قال علماؤنا: # قوله تعالى: {قل الأنفال لله والرسول} [الأنفال: 1] قوله: {لله} ~~[الأنفال: 1] استفتاح كلام، وابتداء بالحق الذي ليس وراءه مرمى، الكل لله، ~~وقوله بعد ذلك: (والرسول) قيل: أراد به ملكا. وقيل: أراد به ولاية قسم ~~وبيان حكم. # PageV02P381 # والأول أصح لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ما لي مما أفاء الله عليكم ~~إلا الخمس، والخمس مردود فيكم» وليس يستحيل أن يملكه الله لنبيه تشريفا ~~وتقديما بالحقيقة، ويرده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تفضلا على ~~الخليقة. ### | [الآية الثانية قوله تعالى وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين] # الآية الثانية: # قوله تعالى: {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون ms0752 أن غير ذات ~~الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين} ~~[الأنفال: 7]. # فيها خمس مسائل: # المسألة الأولى: روى «ابن عباس: لما أخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- بأبي سفيان أنه مقبل من الشام ندب المسلمين إليهم، وقال: هذه عير قريش ~~فيها الأموال، فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفلكموها فانتدب الناس، فخف ~~بعضهم، وثقل بعضهم؛ لأنهم لم يظنوا أن رسول الله يلقى حربا، وكان أبو سفيان ~~حين دنا من الحجاز يتجسس الأخبار، ويسأل من لقي من الركبان؛ تخوفا على ~~أموال الناس حتى أصاب خبرا من بعض الركبان أن محمدا قد استنفر لك، فحذر عند ~~ذلك واستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري، وبعثه إلى مكة، وأمره أن يأتي قريشا ~~يستنفرهم إلى أموالهم، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه. فمضى ضمضم، ~~وخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - في أصحابه وأتاه الخبر عن قريش بخروجهم ~~ليمنعوا عيرهم، فاستشار النبي - صلى الله عليه وسلم - الناس، وأخبرهم عن ~~قريش، فقام أبو بكر فقال فأحسن، وقام عمر فقال فأحسن، ثم قام المقداد بن ~~عمرو فقال: يا رسول الله؛ امض لما أمرك الله فنحن معك، والله لا نقول كما ~~قالت بنو إسرائيل: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن اذهب أنت ~~وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون، والذي بعثك بالحق لو سرت إلى برك الغماد ~~يعني مدينة الحبشة لجالدنا معك من دونه. # PageV02P382 # ثم قال الأنصار بعد: أن امض يا رسول الله لما أمرت، فوالذي بعثك بالحق لو ~~استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك. فمضى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - حتى التقى بالمشركين ببدر، فمنعوا الماء، والتقوا، ونصر الله النبي ~~وأصحابه، فقتل من المشركين سبعين وأسر منهم سبعين، وغنم المسلمون ما كان ~~معهم». # المسألة الثانية: روى عكرمة عن ابن عباس قال: «قالوا للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - حين فرغ من بدر: عليك بالعير ليس دونها شيء. فناداه العباس وهو ~~في الأسرى: لا يصلح هذا. فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم ms0753 -: لم؟ قال: ~~لأن الله وعدك إحدى الطائفتين، وقد أعطاك ما وعدك. قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: صدقت. وعلم ذلك العباس من تحدث أصحاب النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بما كان من شأن بدر، فسمع ذلك في أثناء الحديث.» ### | [مسألة النفر للغنيمة] # المسألة الثالثة: خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - ليتلقى العير ~~بالأموال دليل على جواز النفر للغنيمة؛ لأنه كسب حلال، وما جاء في الحديث: ~~«إن من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله دون من يقاتل ~~للغنيمة» يراد به إذا كان ذلك قصده وحده، ليس للدين فيه حظ. ### | [مسألة الموت ليس بعدم محض ولا فناء صرف] # المسألة الرابعة: قال ابن القاسم وابن وهب عن مالك في قول الله تعالى: ~~{وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون ~~لكم} [الأنفال: 7]، فقال مالك: «قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأهل ~~قليب بدر من المشركين: قد وجدنا ما # PageV02P383 # وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ قالوا: يا رسول الله؛ إنهم ~~أموات، أفيسمعون؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنهم ليسمعون ما ~~أقول قال قتادة: أحياهم الله له». # وهذه مسألة بديعة بيناها في كتاب المشكلين، وحققنا أن الموت ليس بعدم ~~محض، ولا فناء صرف، وإنما هو تبدل حال، وانتقال من دار إلى دار، والروح إن ~~كان جسما فينفصل بذاته عن الجسد، وإن كان عرضا فلا بد من جزء من الجسد يقوم ~~به يفارق الجسد معه، ولعله عجب الذنب الذي ورد في الحديث الصحيح: «إن كل ~~ابن آدم تأكله الأرض إلا عجب الذنب، منه خلق، وفيه يركب». والروح هي ~~السامعة الواعية العالمة القابلة، إلا أن الباري لا يخلق الإدراك إلا كما ~~يشاء، فلا يخلق إدراك الآخرة لأهل الدنيا، ولا يخلق إدراك الدنيا لأهل ~~الآخرة، فإذا أراد سبحانه أسمع أهل الآخرة حال أهل الدنيا. # وقد ورد في الحديث: «أن الميت إذا انصرف عنه أهله، وإنه ليسمع خفق ~~نعالهم، إذ أتاه ملكان» الحديث. # وقد ms0754 ثبت أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - قيل له في أهل بدر: أتكلم قوما ~~قد جيفوا؟ فقال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، غير أنه لم يؤذن لهم في ~~الجواب» # PageV02P384 ### | [مسألة شرف المخلوقات ليس بالذوات وإنما هو بالأفعال] # المسألة الخامسة: قال مالك: بلغني «أن جبريل - عليه السلام - قال للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: كيف أهل بدر فيكم؟ قال: خيارنا. فقال جبريل: إنهم ~~كذلك فينا». # وفي هذا من الفقه أن شرف المخلوقات ليس بالذوات، وإنما هو بالأفعال؛ ~~وللملائكة أفعالها الشريفة من المواظبة على التسبيح الدائم، ولنا نحن ~~أفعالنا بلا إخلاص في الطاعة. # وتتفاضل الطاعات بتفضيل الشرع لها، وأفضلها الجهاد، وأفضلها الجهاد يوم ~~بدر؛ فأنجز الله لرسول وعده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، وصرع صناديد ~~المشركين، وانتقم منهم للمؤمنين، وشفى صدر رسوله وصدورهم من غيظهم، وفي ذلك ~~يقول حسان: # عرفت ديار زينب بالكثيب ... كخط الوحي في الورق القشيب # تداولها الرياح وكل جون ... من الوسمي منهمر سكوب # فأمسى ربعها خلقا وأمست ... يبابا بعد ساكنها الحبيب # فدع عنك التذكر كل يوم ... ورو حرارة الصدر الكئيب # وخبر بالذي لا عيب فيه ... بصدق غير أخبار الكذوب # بما صنع المليك غداة بدر ... لنا في المشركين من النصيب # غداة كأن جمعهم حراء ... بدت أركانه جنح الغروب # فلاقيناهم منا بجمع ... كأسد الغاب مردان وشيب # أمام محمد قد وازروه ... على الأعداء في لفح الحروب # بأيديهم صوارم مرهفات ... وكل مجرب خاظي الكعوب # بنو الأوس الغطارف وازرتها ... بنو النجار في الدين الصليب # فغادرنا أبا جهل صريعا ... وعتبة قد تركنا بالجبوب # وشيبة قد تركنا في رجال ... ذوي حسب إذا نسبوا حسيب # يناديهم رسول الله لما ... قذفناهم كباكب في القليب # ألم تجدوا كلامي كان حقا ... وأمر الله يأخذ بالقلوب # فما نطقوا، ولو نطقوا لقالوا ... صدقت، وكنت ذا رأي مصيب # PageV02P385 ### | [الآية الثالثة قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا] # الآية الثالثة: # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم ~~الأدبار} [الأنفال: 15] {ومن يولهم يومئذ دبره إلا ms0755 متحرفا لقتال أو متحيزا ~~إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير} [الأنفال: 16]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: قوله تعالى: {زحفا} [الأنفال: 15]: يعني متدانين، ~~والتزاحف هو التداني والتقارب، يقول: إذا تدانيتم وتعاينتم فلا تفروا عنهم، ~~ولا تعطوهم أدباركم، حرم الله ذلك على المؤمنين حين فرض عليهم الجهاد، وقتل ~~الكفار؛ لعنادهم لدين الله، وإبايتهم عن قول لا إله إلا الله. فأما المقدار ~~الذي يكون هذا معه فسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة هل الفرار يوم الزحف مخصوص بيوم بدر أم عام في الزحوف كلها إلى يوم القيامة] # المسألة الثانية: اختلف الناس: هل الفرار يوم الزحف مخصوص بيوم بدر أم ~~عام في الزحوف كلها إلى يوم القيامة؟ فروي عن أبي سعيد الخدري أن ذلك يوم ~~بدر لم يكن لهم فئة إلا رسول الله؛ وبه قال نافع، والحسن، وقتادة، ويزيد بن ~~أبي حبيب، والضحاك. # PageV02P386 # ويروى عن ابن عباس وسائر العلماء أن الآية باقية إلى يوم القيامة، وإنما ~~شذ من شذ بخصوص ذلك يوم بدر بقوله: {ومن يولهم يومئذ دبره} [الأنفال: 16] ~~فظن قوم أن ذلك إشارة إلى يوم بدر، وليس به؛ وإنما ذلك إشارة إلى يوم ~~الزحف. # والدليل عليه أن الآية نزلت بعد القتال وانقضاء الحرب، وذهاب اليوم بما ~~فيه، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حسبما قدمناه في الحديث ~~الصحيح أن الكبائر كذا. وعند الفرار يوم الزحف. وهذا نص في المسألة يرفع ~~الخلاف، ويبين الحكم، وقد نبهنا على النكتة التي وقع الإشكال فيها لمن وقع ~~باختصاصه بيوم بدر. # المسألة الثالثة: أما يوم بدر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يجز ~~لهم أن يفروا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه، ولا يسلموه لأعدائه ~~حتى لا يبقى منهم على الأرض عين تطرف. وأما سائر الجيوش وأيام القتال فلها ~~أحكام تستقصى في مواضعها إن شاء الله تعالى. ### | [الآية الرابعة قوله تعالى فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم] # الآية الرابعة: # قوله تعالى: {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت ms0756 إذ رميت ولكن الله ~~رمى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم} [الأنفال: 17]. # هي من توابع ما تقدم وروابطه؛ فإن السورة هي سورة بدر كلها، وكلها مدنية ~~إلا سبع آيات فإنها نزلت بمكة، وهي قوله: {وإذ يمكر بك الذين كفروا} ~~[الأنفال: 30] إلى آخر الآيات السبع. # وقد روى ابن وهب قال: أخبرني مالك في قوله: {وما رميت إذ رميت ولكن الله ~~رمى} [الأنفال: 17]، هذا في حصب رسول الله المشركين يوم حنين. قال مالك، ~~ولم يبق في ذلك اليوم أحد إلا وقد أصابه ذلك، وذكر ما قالت له أم سليم. # وكذلك روى عنه ابن القاسم أيضا، وقد روى عن محمد بن إسحاق أنها كانت في # PageV02P387 # يوم بدر لما استوت الصفوف ونزل جبريل آخذا بعنان فرسه يقوده، على ثناياه ~~النقع. # «فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حثية من الحصباء، فاستقبل بها ~~قريشا، فقال: شاهت الوجوه. ثم نفخهم بها وأمر أصحابه فقال: شدوا» فكانت ~~الهزيمة، وقتل الله من قتل من صناديد قريش، وأسر من أسر من أشرافهم. # وقال ابن المسيب: كان هذا يوم أحد حين رمى أبي بن خلف الحربة، فكسر ضلعا ~~من أضلاعه، فرجع أبي بن خلف إلى أصحابه ثقيلا، فحفظوه حين ولوا قافلين ~~يقولون: لا بأس. فقال: والله لو كانت بالناس لقتلتهم، ألم يقل أنا أقتلك. # وقول ابن إسحاق أصح في ذلك؛ لأن السورة بدرية. ### | [الآية الخامسة قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله] # ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون} [الأنفال: 20] {ولا تكونوا كالذين قالوا ~~سمعنا وهم لا يسمعون} [الأنفال: 21]. # هذه الآية بيان شاف وإيضاح كاف في أن القول لا يكون إلا بالعمل، وأنه لا ~~معنى لقول المؤمن: سمعت وأطعت، ما لم يظهر أثر قوله بامتثال فعله؛ فأما إذا ~~قصر في الأوامر فلم يأتها، واعتمد النواهي باقتحامها فأي سمع عنده؟ أو أي ~~طاعة له؟ # PageV02P388 # وإنما يكون حينئذ بمنزلة المنافق الذي يظهر الإيمان، ويسر الكفر، وذلك هو ~~المراد بقوله: {ولا تكونوا كالذين} [الأنفال: 21] # الآية يعني بذلك المنافقين، فالخبرة تكشف ms0757 التلبيس، والفعل يظهر كمائن ~~النفوس. ### | [الآية السادسة قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول] # إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه ~~تحشرون} [الأنفال: 24]. # فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى: الاستجابة: هي الإجابة، وقد يكون ~~استفعل بمعنى أفعل، حسبما بيناه في غير موضع، وقد قال شاعر العرب: # وداع دعا يا من يجيب إلى الندى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب ### | [مسألة حياة المعاني والقلوب بالإفهام] # المسألة الثانية: قوله تعالى: {لما يحييكم} [الأنفال: 24] ليس يريد به ~~حياة المشاهدة والأجسام، وإنما يريد به حياة المعاني والقلوب بالإفهام ~~بدعائه إياهم إلى الإسلام والقرآن، والحق والجهاد، والطاعة والألفة. # وقيل: المراد به لما يحييكم في الآخرة الحياة الدائمة في النعيم المقيم. ### | [مسألة الفعل للفرض أو القول الفرض إذا أتي به في الصلاة] # المسألة الثالثة: ثبت في صحيح الحديث «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~دعا أبيا وهو يصلي، فلم يجبه أبي فخفف الصلاة، ثم انصرف إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال له - صلى الله عليه وسلم -: ما منعك إذ دعوتك أن # PageV02P389 # تجيبني؟ قال: يا رسول الله، كنت أصلي. قال له: أفلم تجد فيما أوحي إلي: ~~{استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم} [الأنفال: 24]؟ قال: بلى يا ~~رسول الله، ولا أعود». # فقال الشافعي: هذا دليل على أن الفعل للفرض أو القول الفرض إذا أتي به في ~~الصلاة لا يبطل الصلاة لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي بالإجابة، ~~وإن كان في الصلاة. # وقد بينا في غير موضع أن هذه الآية دليل على وجوب إجابة النبي وتقديمها ~~على الصلاة، وهل تبقى الصلاة معها أم تبطل؟ مسألة أخرى. # وقد قررناه على وجهه في مسائل الخلاف. ### | [الآية السابعة قوله تعالى واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة] # واعلموا أن الله شديد العقاب} [الأنفال: 25]. # فيها أربع مسائل: المسألة الأولى: في تأويل الفتنة: فيها ثلاثة أقوال: ~~الأول: الفتنة: المناكير؛ نهى الناس أن يقروها بين أظهرهم فيعمهم العذاب؛ ~~قاله ابن عباس. # الثاني: أنها فتنة الأموال ms0758 والأولاد، كما قال: {واعلموا أنما أموالكم ~~وأولادكم فتنة} [الأنفال: 28] رواه عبد الله بن مسعود. # وقد روى حذيفة في الحديث الصحيح حين سأله عمر عن الفتنة، فقال له حذيفة: ~~«فتنة الرجل في جاره وماله وأهله يكفرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف، ~~والنهي عن المنكر». # PageV02P390 # الثالث: أنها البلاء الذي يبتلى به المرء؛ قاله الحسن. # المسألة الثانية: المختار عندنا: أنها فتنة المناكير بالسكوت عليها أو ~~التراضي بها، وكل ذلك مهلك، وهو كان داء الأمم السالفة قال الله سبحانه: ~~{كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه} [المائدة: 79]. # وقد قدمنا من تفسير قوله: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ~~ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105]. # أن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعذاب ~~من عنده. # وثبت أن أم سلمة قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنهلك وفينا ~~الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث». # وقال عمر: إن الله لا يعذب العامة بذنب الخاصة، ولكن إذا عمل المنكر ~~جهارا استحلوا العقوبة كلهم. # وتحقيق القول في ذلك أن الله قال: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما ~~كسبت وعليها ما اكتسبت} [البقرة: 286]. # وقال: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} [الأنعام: 164] فقد أخبرنا ربنا أن كل ~~نفس بما كسبت رهينة، وأنه لا يؤاخذ أحدا بذنب أحد، وإنما تتعلق كل عقوبة ~~بصاحب الذنب، بيد أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فمن الفرض على كل من رآه أن ~~يغيره، فإذا سكت عنه فكلهم عاص، هذا بفعله، وهذا برضاه به. # وقد جعل الله في حكمه وحكمته الراضي بمنزلة العامل؛ فانتظم الذنب ~~بالعقوبة، ولم يتعد موضعه، وهذا نفيس لمن تأمله. # فإن قيل، وهي: # PageV02P391 # المسألة الثالثة: فما معنى هذه الآية؟ قلنا: هي آية بديعة، ومعناها على ~~الناس مرتبك، وقد بيناها في قبس الموطأ، وفي " ملجئة المتفقهين ". # لبابه أن قوله: (اتقوا) أمر. # وقوله: {لا تصيبن الذين ظلموا} [الأنفال: 25] نهي، ولا يصلح أن يكون ~~النهي جواب الأمر، فيبقى الأمر بغير جواب، فيشكل الخطاب. # والدليل على أن قوله: {لا تصيبن الذين ظلموا} [الأنفال: ms0759 25] نهي دخول ~~النون الثقيلة فيه، وهي لا تدخل إلا على فعل النهي، أو جواب القسم. # ولا تظنوا أن إشكال هذه الآية حدث بين المتأخرين؛ بل هو أمر سالف عند ~~المتقدمين، ولذلك قرأها قوم: واتقوا فتنة أن تصيب الذين ظلموا منكم خاصة. # وقرأها آخرون: واتقوا فتنة لتصيبن الذين ظلموا منكم خاصة. # وهكذا يروى فيها عن أبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وكان يقول ابن مسعود ~~إذا قرأها: ما منكم من أحد إلا وله فتنة في أهله وماله. # وكان الزبير يقول: كنا نظنها لغيرنا فإذا بها قد أصابتنا. # وكذلك كان يرى ابن عباس. # وأما فتنة الرجل في أهله فلا تتعداه، ولا تأخذ بالعقوبة سواه، وإنما ~~المعنى في الآية ما ذكرناه. # فأما اعتراضهم بالإعراب وهي: # المسألة الرابعة: فقد أوضحناها في الرسالة الملجئة وقلنا: فيها ثلاثة ~~أقوال: الأول: أنه أمر ثم نهي، كل واحد مستقل بنفسه، كما تقول: قم غدا. # لا تتكلم اليوم. # الثاني: الإعراب اتقوا فتنة إن لم تتقوها أصابتكم. # فأما الأول فضعيف؛ لأن قول: (اتقوا فتنة) ليس بكلام مستقل، فيصح أن يتركب ~~عليه غيره. # PageV02P392 # وأما الثاني، وهو جواب الطبري، فلا يشبه منزلته في العلم؛ لأن مجازه: لا ~~تصيب الذين ظلموا، ولم يرد كذلك. # الثالث: قال لنا شيخنا أبو عبد الله النحوي: هذا نهي فيه معنى جواب ~~الأمر، كما يقال: لا تزل من الدابة لا تطرحنك، وقد جاء مثله في القرآن: ~~{ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده} [النمل: 18]. # وهذا منتهى الاختصار وقد طولناه في مكانه. ### | [الآية الثامنة قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا] # ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم} [الأنفال: 29]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى: قوله تعالى: {إن تتقوا الله} [الأنفال: 29] وقد تقدم ~~القول في التقوى وحقيقتها وأنها فعلى، من وقى يقي وقاية وواقية، أبدلت ~~الواو تاء لغة؛ وذلك بأن يجعل بينه وبين مخالفة الله ومعصيته وقاية وحجابا، ~~ولها فيه محال: المحل الأول: العين: فإنها رائد القلب وربيئته، فما تطلع ~~عليه أرسلته إليه، فهو ms0760 يفصل منه الجائز مما لا يجوز، وإذا جللتها بحجاب ~~التقوى لم ترسل إلى القلب إلا ما يجوز، فيستريح من شغب ذلك الإلقاء؛ وربما ~~أصابت هذا المعنى الشعراء كقولهم: # وأنت إذا أرسلت طرفك رائدا ... لقلبك يوما أسلمتك المناظر # رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه ... ولا عن بعضه أنت صابر # وهذا وإن كان أخذ طرفا من المعنى، فإن شيخنا عطاء المقدسي شيخ الفقهاء ~~والصوفية ببيت المقدس استوفى المعنى في بيتين أنشدناهما: # PageV02P393 # إذا لمت عيني اللتين أضرتا ... بجسمي وقلبي قالتا لم القلبا # فإن لمت قلبي قال عيناك جرتا ... علي الرزايا ثم لي تجعل الذنبا # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله كتب على ابن آدم حظه من ~~الزنا. أدرك ذلك لا محالة؛ فالعينان تزنيان وزناهما النظر، واليدان تزنيان ~~وزناهما البطش». # المحل الثاني: الأذن: وهي رائد عظيم في قبيل الأصوات يلقي إلى القلب منها ~~ما يغبيه، وقد كانت البواطل فيه أكثر من الحقائق، فعلى العبد أن يمتنع من ~~الخوض في الباطل أولا، وينزه نفسه عن مجالسة أهله؛ وإذا سمع القول اتبع ~~أحسنه، ووعى أسلمه، وصان عن غيره أذنه، أو قذفه عن قلبه إن وصل إليه. # المحل الثالث: اللسان: وفيه نيف على عشرين آفة وخصلة واحدة، وهي الصدق، ~~وبها ينتفي عنه جميع الخصال الذميمة، وعن بدنه جميع الأفعال القبيحة، فإذا ~~حجبه بالصدق فقد كملت له التقوى، ونال المرتبة القصوى. # المحل الرابع: اليد: وهي للبطش والتناول، وفيها معاص منها: الغصب، ~~والسرقة، ومحاولة الزنا، والإذاية للحيوان والناس، وحجابها الكف إلا عما ~~أراد الله. # المحل الخامس: الرجل: وهي للمشي إلى ما يحل، وإلى ما يجب، وحجابها الكف ~~عما لا يجوز. # المحل السادس: القلب: وهو البحر الخضم، وفي القلب الفوائد الدينية، ~~والآفات المهلكة، والتقوى، فيه حجاب يسلخ الآفات عنه، وشحنه بالنية ~~الخالصة؛ وشرحه بالتوحيد، وخلع الكبر والعجب بمعرفته بأوله وآخره، والتبري ~~من الحسد، والتحفظ من شوائب الشرك الظاهر والخفي، بمراعاة غير الله في ~~الأعمال، والركون إلى الدنيا # PageV02P394 # بالغفلة عن المال. # فإذا انتهى العبد إلى هذا المقام ms0761 مهد له قبوله مكانا، ورزقه فيما يريده ~~من الخير إمكانا، وجعل له بين الحق والباطل والطاعة والمعصية فرقانا، وهي: ### | [مسألة يمتثل ما أمر ويجتنب كيف استطاع ما عنه نهي] # المسألة الثانية: في قسم العمل في هذه الآية، والإشارة إليه: أن يمتثل ما ~~أمر، ويجتنب كيف استطاع ما عنه نهي؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا ~~أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه». # وقد قال ابن وهب: سألت مالكا عن قوله: {يجعل لكم فرقانا} [الأنفال: 29] ~~قال: مخرجا. # ثم قرأ: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} [الطلاق: 2] # إلى: {فهو حسبه} [الطلاق: 3]. # وقال ابن القاسم: سألت مالكا عن قوله: {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا} ~~[الأنفال: 29] قال: يعني مخرجا. # وقال أشهب: سألت مالكا عنها فذكر معنى ما تقدم. # وقال ابن إسحاق: يجعل لكم فصلا بين الحق والباطل. # وهذه كلها أبواب العمل في القلوب والأبدان. ### | [الآية التاسعة قوله تعالى وإذ يمكر بك الذين كفروا] # ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين} ~~[الأنفال: 30]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى: قد بينا أنها مكية. # وسبب نزولها، والمراد بها ما روي أن قريشا اجتمعت في دار الندوة # PageV02P395 # وقالت: إن أمر محمد قد طال علينا، فماذا ترون؟ فأخذوا في كل جانب من ~~القول، فقال قائل: نرى أن يقيد ويحبس. # وقال آخر: نرى أن ينفى ويخرج. # وقال آخر: نرى أن يأخذ من كل قبيلة رجل سيفا فيضربونه ضربة واحدة، فلا ~~يقدر بنو هاشم على مطالبة القبائل. # وكان القائل هذا أبا جهل. # فاتفقوا عليه، وجاء جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - فأعلمه بذلك، ~~وأذن له في الخروج، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب بأن ~~يضطجع على فراشه، ويتسجى ببرده الحضرمي. # وخرج النبي - صلى الله عليه وسلم -[عليهم] حتى وضع التراب على رءوسهم، ~~ولم يعلموا به، وأخذ مع أبي بكر إلى الغار، فلما أصبحوا نظروا إلى علي في ~~موضعه، وقد فاتهم، ووجدوا التراب على رءوسهم، ولم يعلموا، تحت خزي وذلة، ~~فامتن ms0762 الله على رسوله بذلك من نعمته عليه وسلامته من مكرهم بما أظهر عليهم ~~من نوم علي على السرير كأنه النبي، ومن وضع التراب على رءوسهم، وهذا كله ~~مكر من فعله جزاء على مكرهم، والله خير الماكرين. # المسألة الثانية: قام علي على فراش النبي - صلى الله عليه وسلم - فداء ~~له، وخرج أبو بكر مع النبي مؤنسا له. # وقد روي أن عليا قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنه لن يخلص ~~إليك». # وهذا تأمين يقين، ويجب على الخلق أجمعين أن يقوا بأنفسهم النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وأن يهلكوا أجمعين في نجاته، فلن يؤمن أحد حتى يكون النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أحب إليه من نفسه وأهله والخلق أجمعين. # ومن وقى مسلما بنفسه فليس له جزاء إلا الجنة. # وذلك جائز. # والدليل عليه وجوب مدافعة المطالب والصائل على أخيك المسلم. # PageV02P396 ### | [الآية العاشرة قوله تعالى قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف] # وإن يعودوا فقد مضت سنت الأولين} [الأنفال: 38]. # فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: ثبت عن «ابن شماسة المهري قال: حضرنا عمرو بن العاص، وهو ~~في سياقة الموت، فبكى طويلا، وحول وجهه إلى الجدار، فجعل ابنه يقول: ما ~~يبكيك يا أبتاه؟ أما بشرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكذا أما بشرك ~~رسول الله بكذا؟ قال: فأقبل بوجهه، فقال: إن أفضل ما بعد شهادة أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله أني كنت على أطباق ثلاث: لقد رأيتني وما أحد ~~أشد بغضا لرسول الله مني، ولا أحب إلي أن يكون قد استمكنت منه فقتلته، فلو ~~مت على تلك الحال لكنت من أهل النار. فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت ~~النبي فقلت: ابسط يمينك لأبايعك، فبسط يمينه. قال: فقبضت يدي. قال: ما لك ~~يا عمرو؟ قال: قلت: أردت أن أشترط. قال: تشترط ماذا؟ قلت: أن يغفر لي. قال: ~~أما علمت أن الإسلام يهدم ما قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج ~~يهدم ما قبله وما كان ms0763 أحد أحب إلي من رسول الله، ولا أجل في عيني منه، وما ~~كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت؛ لأني لم ~~أكن أملأ عيني منه، ولو مت على ذلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة، ثم ~~ولينا أشياء ما أدري ما حالي فيها؛ فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة، ولا نار؛ ~~فإذا دفنتموني فسنوا التفل علي التراب سنا، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر ~~جزور، ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي». # PageV02P397 ### | [مسألة لطيفة من الله سبحانه من بها على الخليقة] # المسألة الثانية: قال علماؤنا: هذه لطيفة من الله سبحانه من بها على ~~الخليقة؛ وذلك أن الكفار يقتحمون الكفر والجرائم، ويرتكبون المعاصي، ~~ويرتكبون المآثم، فلو كان ذلك يوجب مؤاخذتهم لما استدركوا أبدا توبة، ولا ~~نالتهم مغفرة؛ فيسر الله عليهم قبول التوبة عند الإنابة، وبذل المغفرة ~~بالإسلام، وهدم جميع ما تقدم؛ ليكون ذلك أقرب إلى دخولهم في الدين، وأدعى ~~إلى قبولهم كلمة الإسلام، وتأليفا على الملة، وترغيبا في الشريعة؛ فإنهم لو ~~علموا أنهم يؤاخذون لما أنابوا ولا أسلموا. # فقد روى مسلم «أن رجلا كان فيمن كان قبلكم قتل تسعة وتسعين نفسا، سأل: هل ~~له توبة؟ فجاء عالما فسأله، فقال: لا توبة لك، فقتله وكمل به مائة. ثم جاء ~~عالما آخر فسأله، فقال: ومن يسد عليك باب التوبة؟ ائت الأرض المقدسة. فمشى ~~إليها، فحضره الأجل في الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب؛ ~~فأوحى الله أن قيسوا إلى أي الأرضين هو أقرب، أرضه التي خرج منها أم الأرض ~~المقدسة؟ فألفوه أقرب إلى الأرض المقدسة بشبر، فقبضته ملائكة الرحمة. وفي ~~رواية: فقاسموه فوجدوه قد دنا بصدره.». # فانظروا إلى قول العالم له: لا توبة له. فلما علم أنه قد أيأسه قتله؟ فعل ~~اليائس من الرحمة؛ والتنفير مفسدة للخليقة، والتيسير مصلحة لهم. # وقد قدمنا عن ابن عباس أنه كان إذا جاء إليه رجل لم يقتل فسأله: هل ~~للقاتل توبة؟ فيقول له: لا ms0764 توبة له؛ تخويفا وتحذيرا. فإذا جاءه من قتل ~~فسأله: هل لقاتل من توبة؟ قال له: لك توبة؛ تيسيرا وتأليفا. ### | [مسألة طلق في الشرك ثم أسلم] # المسألة الثالثة: قال ابن القاسم، وأشهب، وابن وهب عن مالك في هذه الآية: ~~من طلق في الشرك ثم أسلم فلا طلاق له، وكذلك من حلف فأسلم فلا حنث عليه، ~~وكذلك من وجب عليه مثل هذه الأشياء ثم أسلم فذلك مغفور له. # PageV02P398 # فأما من افترى على مسلم ثم أسلم، أو سرق ثم أسلم، أقيم عليه الحد للفرية ~~والسرقة، ولو زنى وأسلم أو اغتصب مسلمة ثم أسلم لسقط عنه الحد. # وروى أشهب عن مالك: إنما يعني عز وجل ما قد مضى قبل الإسلام من مال أو دم ~~أو شيء. # وهذا هو الصواب؛ لما قدمنا من عموم قوله: {إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} ~~[الأنفال: 38]، وقوله: «الإسلام يهدم ما كان قبله». # وما بيناه من المعنى في التيسير وعدم التنفير. ### | [مسألة أسلم المرتد وقد فاتته صلوات وأصاب جنايات وأتلف أموالا] # المسألة الرابعة: إذا أسلم المرتد، وقد فاتته صلوات، وأصاب جنايات، وأتلف ~~أموالا فإن الشافعي قال: يلزمه كل حق لله وللآدمي. # وقال أبو حنيفة: ما كان لله يسقط، وما كان للآدمي يلزمه؛ وقال به ~~علماؤنا. # ودليلهم عموم قوله: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} ~~[الأنفال: 38]. # وقول النبي: «الإسلام يهدم ما كان قبله». # وهذا عام في الحقوق التي تتعلق بالله كلها. # فإن قيل: المراد بذلك الكفر الأصلي، بدليل أن حقوق الآدميين تلزم المرتد؛ ~~فوجب أن تلزمه حقوق الله. # فالجواب أنه لا يجوز اعتبار حقوق الآدميين بحقوق الله، ولا حقوق الله ~~بحقوق الآدميين في الإيجاب والإسقاط؛ لأن حق الله يستغنى عنه، وحق الآدمي ~~يفتقر إليه؛ ألا ترى أن حقوق الله لا تجب على الصبي، وتلزمه حقوق الآدميين، ~~وفي ذلك تمهيد طويل بيناه في تخليص التلخيص فلينظر هنالك. ### | [الآية الحادية عشرة قوله تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله] # قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون ms0765 فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا ~~فإن الله بما يعملون بصير} [الأنفال: 39] {وإن تولوا فاعلموا أن الله ~~مولاكم نعم المولى ونعم النصير} [الأنفال: 40]. # PageV02P399 # يحتمل أن يريد به، وقاتلوهم حتى لا يكون كفر. # ويحتمل أن يكون: وقاتلوهم حتى لا يفتن أحد عن دينه. # وكلاهما يجوز أن يكون مرادا، وهذه الغاية لا تتحقق إلا بنزول عيسى. # وقد بينا ذلك في سورة البقرة ومسائل الخلاف. # وفي البخاري عن سعيد بن جبير قال: خرج علينا ابن عمر فرجونا أن يحدثنا ~~حديثا حسنا. قال: فبادرنا إليه رجل، فقال: يا أبا عبد الرحمن، حدثنا عن ~~القتال في الفتنة، والله يقول: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} [الأنفال: 39]. ~~فقال: هل تدري ما الفتنة؟ ثكلتك أمك، إنما كان محمد يقاتل المشركين، وكان ~~الدخول في دينهم فتنة، وليس بقتالكم على الملك. ### | [الآية الثانية عشرة قوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه] # قوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على ~~عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير} [الأنفال: ~~41]. # فيها ثلاث عشرة مسألة: # المسألة الأولى: قوله: {واعلموا أنما غنمتم} [الأنفال: 41] قد بينا القول ~~في الغنيمة والفيء. # فأما الأحكاميون، فقالوا: إن الغنيمة من الأموال المنقولة، والفيء: ~~الأرضون؛ قاله مجاهد. # وقيل: إن الغنيمة ما أخذ عنوة. # والفيء ما أخذ على صلح؛ قاله الشافعي. # وقيل: إن الفيء والغنيمة بمعنى واحد. # وأما قول مجاهد فصار إليه؛ لأن الله ذكر الفيء في القرى، وذكر الغنيمة ~~مطلقا، ففصل الفرق هكذا. # وأما قول الشافعي فبناه على العرف، وأن الغنيمة تنطلق في العرف على ~~الأموال القهرية، وينطلق الفيء عرفا على ما أخذ من غير قهر. # وليس الأمر كذلك، بل الفيء عبارة عن كل ما صار للمسلمين من الأموال بقهر ~~وبغير قهر. # PageV02P400 # وحقيقته أن الله خلق الخلق ليعبدوه، وجعل الأموال لهم ليستعينوا بها على ~~ما يرضيه، وربما صارت في أيدي أهل الباطل، فإذا صارت في أيدي أهل ms0766 الحق فقد ~~صرفها عن طريق الإرادة إلى طريق الأمر والعبادة. ### | [مسألة الغنيمة خمسها للخمسة الأسماء وسائرها لمن غنمها] # المسألة الثانية: إذا عرفتم أن الغنيمة هي ما أخذ من أموال الكفار؛ فإن ~~الله قد حكم فيها بحكمه، وأنفذ فيها سابق علمه، فجعل خمسها للخمسة الأسماء، ~~وأبقى سائرها لمن غنمها؛ ونحن نسميها، ثم نعطف على الواجب فيها فنقول: أما ~~سهم الله ففيه قولان: أحدهما: أنه وسهم الرسول واحد، وقوله: {لله} ~~[الأنفال: 41] استفتاح كلام، فلله الدنيا والآخرة والخلق أجمع. # الثاني: روي عن أبي العالية الرياحي قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يؤتى بالغنيمة فيقسمها على خمسة، يكون أربع أخماسها لمن شهدها، ثم ~~يأخذ الخمس فيضرب بيده فيأخذ منه الذي قبض كفه فيجعله للكعبة، وهو سهم الله ~~ثم يقسم ما بقي على خمسة أسهم». # وأما سهم الرسول فقيل: هو استفتاح كلام، مثل قوله: لله، ليس لله منه شيء ~~ولا للرسول، ويقسم الخمس على أربعة أسهم: سهم لبني هاشم، ولبني المطلب سهم، ~~ولليتامى سهم، والمساكين سهم [ولابن السبيل سهم]؛ قاله ابن عباس. # وقيل: هو للرسول، ففي كيفية كونه له أربعة أقوال: فقيل: لقرابته إرثا، ~~وقيل: للخليفة بعده، وقيل: هو يلحق بالأسهم الأربع، وقيل: هو مصروف في ~~الكراع والسلاح، وقيل: إنه مصروف في مصالح المسلمين العامة؛ قاله الشافعي. # PageV02P401 # وأما سهم ذوي القربى فقيل: هم قريش، وقيل: بنو هاشم [وقيل بنو هاشم] وبنو ~~المطلب؛ وهو قول الشافعي. # وقيل: ذهب ذلك بموت النبي - صلى الله عليه وسلم - ويكون لقرابة الإمام ~~بعده. # وقيل: هو للإمام يضعه حيث يشاء. # وأما سهم اليتامى فإن اليتيم من فيه ثلاثة أوصاف: موت الأب، وعدم البلوغ، ~~ووجود الإسلام أصلا فيه أو تبعا لأحد أبويه، وحاجته إلى الرفد. # وأما المسكين فهو المحتاج. # وأما ابن السبيل فهو الذي يأخذه الطريق محتاجا، وإن كان غنيا في بلده. # المسألة الثالثة: في التنقيح: أما قول أبي العالية فليس من النظر في ~~المرتبة العالية؛ فإن الأرض كلها لله ملكا وخلقا، وهي لعباده رزقا وقسما. # وأما الرسول فهو ممن ms0767 أنعم عليه وملكه. # ولكنه ثبت في الصحيح عنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما لي مما أفاء ~~الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود فيكم». # وهذا يعضد قول من قال: إنه يرجع في مصالح العامة. # وأما قول من قال: إنه يرجع لقرابته إرثا فإنه باطل بإجماع من الصحابة، ~~فإن فاطمة - رضي الله عنها - أرسلت تطلب ميراثها من أبي بكر، فقال لها: ~~سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «نحن لا نورث، ما تركناه ~~صدقة». # PageV02P402 # وقد بينا ذلك في مسائل الأصول، وسائر الأقوال دعاوى لا برهان عليها. # أما سهم ذوي القربى فأصحها أنهم بنو هاشم، وبنو المطلب، وسائر الأقسام ~~صحيحة في الأقوال والتوجيه. # وقد روي عن ابن القاسم، وأشهب، وعبد الملك عن مالك أن الفيء والخمس ~~يجعلان في بيت المال، ويعطي الإمام قرابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~منهما. # وروى ابن القاسم عن مالك: أن الفيء والخمس واحد. ### | [مسألة لا يعطي القرابة من الغنيمة إلا أن يكونوا فقراء] # وروى داود بن سعيد عن مالك عن عمه عن عمر بن عبد العزيز أن القرابة لا ~~للسلم منه إلا بالفقر، وهي: المسألة الرابعة: قال مالك: وبه أقول. # وقد قال أبو حنيفة: لا يعطي القرابة إلا أن يكونوا فقراء: فزاد الفقر على ~~النص، والزيادة عنده على النص نسخ، ولا يجوز نسخ القرآن إلا بقرآن مثله أو ~~بخبر متواتر. # فأما مالك فاحتج بأن ذلك جعل لهم عوضا عن الصدقة. # وقد قال عمر بن عبد العزيز قوله: {فأن لله خمسه وللرسول} [الأنفال: 41] ~~يعني في سبيل الله. # وهذا هو الصحيح كله. # والدليل عليه ما روي في الصحيح «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث ~~سرية قبل نجد، فأصابوا في سهمانهم اثني عشر بعيرا، ونفلوا بعيرا بعيرا». # وثبت عنه - عليه السلام - أنه قال في أسارى بدر: «لو كان المطعم بن عدي ~~حيا وكلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له». # وثبت عنه أنه رد سبي هوازن وفيه الخمس. # PageV02P403 # وثبت في الصحيح عن عبد الله بن مسعود قال: «آثر النبي ms0768 - صلى الله عليه ~~وسلم - يوم حنين أناسا في الغنيمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، ~~وأعطى عيينة مائة من الإبل، وأعطى أناسا من أشراف العرب وآثرهم يومئذ في ~~القسمة، فقال رجل: والله إن هذه القسمة ما عدل فيها، أو ما أريد بها وجه ~~الله. فقلت: والله لأخبرن النبي - صلى الله عليه وسلم -. فأخبرته، فقال: ~~يرحم الله أخي موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر». # وفي الصحيح: «إنما أنا قاسم، بعثت أن أقسم بينكم فالله حاكم، والنبي ~~قاسم، والحق للخلق». # وصح عن «علي - رضي الله عنه - أنه قال: كان لي شارف من نصيبي يوم بدر، ~~وأعطاني رسول الله شارفا من الخمس». # وروى مسلم وغيره، عن عبد المطلب بن ربيعة قال: «اجتمع ربيعة بن الحارث، ~~والعباس بن عبد المطلب، فقالا: والله لو بعثنا هذين فقالا لي، وللفضل بن ~~عباس: اذهبا إلى رسول الله فكلماه يؤمنكما على هذه الصدقة، فأديا ما يؤدي ~~الناس، بشراء مما يصيب الناس، فبينما هما في ذلك إذ دخل علي بن أبي طالب، ~~فوقف عليهما، فذكرا ذلك له، فقال علي: لا تفعلا، فوالله ما هو بفاعل. ~~فابتدأه ربيعة بن الحارث فقال: والله ما هذا إلا نفاسة منك علينا، فوالله ~~لقد نلت صهر رسول الله فما نفسناه عليك. فقال علي: أنا أبو حسن القوم ~~أرسلوهما، فانطلقا، واضطجع علي، فلما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~الظهر سبقناه إلى الحجرة، فقمنا عندها حتى جاء، فأخذ بآذاننا، ثم قال: ~~أخرجا ما تصرران ثم دخل، ودخلنا عليه، وهو يومئذ عند زينب بنت جحش قال: ~~فتزايلنا الكلام، ثم تكلم أحدنا، فقال: يا رسول الله؛ أنت أبر الناس # PageV02P404 # بشراء الناس، وقد بلغنا النكاح، فجئناك لتؤمرنا على بعض هذه الصدقات، ~~فنؤدي إليك ما يؤدي الناس، ونصيب كما يصيبون. قال: فسكت طويلا حتى أردنا أن ~~نكلمه. قال: وجعلت زينب يزال إلينا من وراء الحجاب ألا تكلماه. ثم قال: إن ~~الصدقة لا تحل لآل محمد؛ إنما هي أوساخ الناس، ادعوا لي محمية وكان على ~~الخمس، ونوفل ms0769 بن الحارث بن عبد المطلب. قال: فجاءاه. فقال لمحمية: أنكح هذا ~~الغلام ابنتك للفضل بن عباس يعني لي، فأنكحه. وقال لنوفل بن الحارث: أنكح ~~هذا الغلام بنتك يعني لي، فأنكحني. وقال لمحمية: أصدق عنهما من مال الخمس ~~كذا وكذا.» وفي رواية أنه قال لهما: «إن الصدقة أوساخ الناس، ولكن انظروا ~~إذا أخذت بحلقة الجنة، هل أوثر عليكم أحدا؟» # وقد قال أصحاب الشافعي: خمس الخمس للرسول، والأربعة أخماس من الخمس ~~للأربعة أصناف المسمين معه، وله سهم كسائر سهام الغانمين إذا حضر الغنيمة، ~~وله سهم الصفي يصطفي سيفا أو خادما أو دابة. # فأما سهم القتال فبكونه أشرف المقاتلين، وأما سهم الصفي فمنصوص له في ~~السير، منه ذو الفقار، وصفية، وغير ذلك. # وأما خمس الخمس فبحق التقسيم في الآية. # قال الإمام الفاضل أبو بكر بن العربي - رضي الله عنه -: قد بينا الرد ~~عليه، وأوضحنا أن الله إنما ذكر نفسه تشريفا لهذا المكتسب، وأما رسوله فقد ~~قال: «إنما أنا قاسم، والله المعطي». # وقال: «ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود فيكم» # PageV02P405 # وقد أعطى جميعه وبعضه، وأعطى منه للمؤلفة قلوبهم، وليسوا ممن ذكر الله في ~~التقسيم، ورده على المجاهدين بأعيانهم تارة أخرى؛ فدل على أن ذكر هذه ~~الأقسام بيان مصرف ومحل، لا بيان استحقاق وملك؛ وهذا ما لا جواب عنه لمنصف. # وأما الصفي فحق في حياته، وقد انقطع بعد موته إلا عند أبي ثور، فإنه رآه ~~باقيا للإمام، فجعله مجعل سهم النبي، وهذا ضعيف؛ والحكمة فيه أن الجاهلية ~~كانوا يرون للرئيس في الغنيمة ما قال الشاعر: # لك المرباع منها والصفايا ... وحكمك والنشيطة والفضول # فكان يأخذ بغير شرع ولا دين الربع من الغنيمة؛ ويصطفي منها، ثم يتحكم بعد ~~الصفي في أي شيء أراد، وكان ما شذ منها له، وما فضل من خرثي ومتاع؛ فأحكم ~~الله الدين بقوله: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} [الأنفال: 41] ~~وأبقى سهم الصفي لرسوله، وأسقط حكم الجاهلية، ومن أحسن من الله حكما أو ~~أوسع منه علما. # المسألة ms0770 الخامسة: ادعى المقصرون من أصحاب الشافعي أن خمس الخمس كان لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يصرفه: في كفاية أولاده ونسائه، ويدخر من ذلك ~~قوت سنته، ويصرف الباقي إلى الكراع والسلاح؛ وهذا فاسد من وجهين: أحدهما أن ~~الدليل قد تقدم على أن الخمس كله لرسوله بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ما ~~لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود فيكم». # الثاني: ما ثبت في الصحيح عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: قال: بينا أنا ~~جالس عند عمر أتاه حاجبه يرفأ، فقال: هل لك في عثمان، وعبد الرحمن بن عوف # PageV02P406 # والزبير، وسعد بن أبي وقاص يستأذنون؟ قال: نعم. فأذن لهم، فدخلوا فسلموا ~~وجلسوا، ثم جلس يرفأ يسيرا، ثم قال: هل لك في علي وعباس؟ قال: نعم، فأذن ~~لهما فدخلا فسلما وجلسا، فقال العباس: يا أمير المؤمنين، اقض بيني وبين ~~هذا، وهما يختصمان فيما أفاء الله على رسوله من بني النضير. فقال الرهط ~~عثمان وأصحابه: يا أمير المؤمنين، اقض بينهما، وأرح أحدهما من الآخر. فقال ~~عمر: يا تيد، كم أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا نورث ما تركنا صدقة؟» يريد رسول ~~الله نفسه. قال الرهط: قد قال ذلك. فأقبل عمر على علي وعباس فقال: أنشدكما ~~بالله تعلمان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قال ذلك؟ قالا: نعم. ~~قال عمر: فإني أحدثكم عن هذا الأمر: إن الله قد خص رسوله في هذا الفيء بشيء ~~لم يعطه غيره، قال: {وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ~~ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء} [الحشر: 6]. فكانت هذه خالصة ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: والله ما اختارها دونكم، ولا استأثر ~~بها عليكم، قد أعطاكموها، وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال، فكان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال، ثم ~~يأخذ ما بقي، فيجعله مجعل مال ms0771 الله. # فهذا حديث مالك بن أوس قال فيه: إن بني النضير كانت لرسول الله ينفق منها ~~على أهله نفقة سنتهم. # وفي حديث عائشة في الصحيح: «ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيبر ~~وفدك وصدقته بالمدينة»؛ فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي وعباس. ~~وأما خيبر وفدك فأمسكهما عمر، وقال: هما صدقة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كانت لحقوقه التي تعروه ونوائبه، وأمرها إلى من ولي الأمر بعده. # فقد ثبت أن خيبر وفدك وبني النضير كانت لقوت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لنفسه وعياله # PageV02P407 # سنة، ولحقوقه ونوائبه التي تعروه، لا خمس الخمس الذي ادعاه أصحاب ~~الشافعي. # وهذا نص لا غبار عليه ولا كلام لأحد فيه. ### | [مسألة معنى قوله تعالى لذي القربى] # المسألة السادسة: قال تعالى في هذه الآية: {ولذي القربى} [الأنفال: 41]؛ ~~فنظر قوم إلى أنها قربى من قريش، لقوله في هذه الآية الأخرى: {قل لا أسألكم ~~عليه أجرا إلا المودة في القربى} [الشورى: 23]. # قال - صلى الله عليه وسلم -: «إلا أن تصلوا قرابة ما بيني وبينكم». # ولما نزلت: {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214]. # ورهطك منهم المخلصين دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاجتمعوا فعم ~~وخص. # وقال: «يا بني كعب بن لؤي؛ أنقذوا أنفسكم من النار؛ يا بني مرة بن كعب؛ ~~أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس؛ أنقذوا أنفسكم من النار؛ يا بني ~~هاشم؛ أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب؛ أنقذوا أنفسكم من النار، ~~يا فاطمة؛ أنقذي نفسك من النار؛ فإني لا أملك لك من الله شيئا». # فهذه قراباته التي دعا على العموم والخصوص حين دعي إلى أن يدعوهم، لكن ~~ثبت في الصحيح أن عثمان قال له: يا رسول الله؛ أعطيت بني هاشم وبني المطلب ~~وتركتنا، وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة؛ فقال: «إن بني عبد المطلب لم ~~يفارقونا في جاهلية ولا إسلام». # أما قوله: " وإنما نحن وهم منك بمنزلة واحدة ". # فلأن هاشما والمطلب وعبد شمس بنو عبد مناف. # PageV02P408 # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إن بني ms0772 عبد المطلب لم يفارقونا في جاهلية ~~ولا إسلام» إشارة إلى أن الألفة في الجاهلية كانت من بني هاشم وبني المطلب ~~في الشعب، وخرجت عنهم بنو عبد شمس إلى المباينة، فاتصلت القرابة الجاهلية ~~بالمودة، فانتظما. # وهذا يعضد أن بيان الله للأصناف بيان للمصرف وليس بيانا للمستحق. ### | [مسألة الأربعة الأخماس من الغيمة ملك للغانمين] # المسألة السابعة: فأما الأربعة الأخماس فهي ملك للغانمين: من غير خلاف ~~بين الأمة، بيد أن الإمام إن رأى أن يمن على الأسرى بالإطلاق فعل وتبطل ~~حقوق الغانمين فيهم لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لو كان المطعم بن عدي ~~حيا وكلمني في هؤلاء الثني لتركتهم له»، وله أن ينفل جميعهم، ويبطل حق ~~الغانمين بالقتال من غير خلاف؛ وذلك بحكم ما يرى أنه نظر للمسلمين # وأصلح لهم. # وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف. ### | [مسألة الفارس والراجل في الغنيمة] # المسألة الثامنة: أطلق الله القول في الأربعة الأخماس للغانمين تضمينا، ~~وبينه النبي - صلى الله عليه وسلم - ففاضل بين الفارس والراجل. # واختلف الناس في ذلك على ثلاثة أقوال: # الأول: للفارس سهمان، وللراجل سهم؛ قاله أبو حنيفة. # الثاني: للفرس سهمان، وللفارس سهم الثالث: يجتهد في ذلك الإمام، فينفذ ما ~~رأى منه. # وقد رويت الروايتان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديثين. # والصحيح أن يعطى الفارس سهمين، ويعطى للراجل سهم واحد، وذلك لكثرة ~~العناء، وعظم المنفعة؛ فجعل الله التقدير في الغنيمة بقدر العناء في أخذها ~~حكمة منه سبحانه فيها. ### | [مسألة ولا يفاضل بين الفارس والراجل بأكثر من فرس واحد في الغنيمة] # المسألة التاسعة: ولا يفاضل بين الفارس والراجل بأكثر من فرس واحد؛ وبه ~~قال الشافعي. # PageV02P409 # وقال أبو حنيفة: يسهم لأكثر من فرس واحد؛ لأنه أكثر غناء، وأعظم منفعة، ~~وهذا فاسد لوجهين: أحدهما: أن الرواية لم ترد عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بأن يسهم لأكثر من فرس واحد. # الثاني: أن المفاضلة في أصل الغناء والمنفعة قد روعيت؛ فأما زيادتها ~~فزيادة تفاصيلها، فليس لها أصل في الشريعة يرجع إليه، ولا ينضبط ذلك فيها؛ ~~لأن القتال ms0773 لا يكون إلا على فرس واحد، فالزيادة عليه لا تؤثر في الحال، ~~وإنما يظهر تأثيرها في المآل في بعض الأحوال؛ فلا حظ في الاعتبار لذلك. ### | [مسألة أحوال المقاتلين وأهل المعاش من المسلمين] # المسألة العاشرة: لا حق في الغنائم للحشوة كالأجراء والصناع الذين يصحبون ~~الجيوش للمعاش؛ لأنهم لم يقصدوا قتالا، ولا خرجوا مجاهدين. # وقيل: يسهم لهم، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الغنيمة لمن شهد ~~الواقعة». # وهذا منه - صلى الله عليه وسلم - إنما جاء لبيان خروج من لم يحضر القتال ~~عن الاستهام، وأنها لمن باشره وخرج إليه. # وقد بين الله سبحانه أحوال المقاتلين وأهل المعاش من المسلمين، وجعلهم ~~فرقتين متميزتين لكل واحدة حالها وحكمها، فقال: {علم أن سيكون منكم مرضى ~~وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله} ~~[المزمل: 20]. # إلا أن هؤلاء إذا قاتلوا لم يضرهم كونهم على معاشهم؛ لأن سبب الاستحقاق ~~قد وجد منهم. # وتفصيل المذهب: أن من قاتل أسهم له، إلا أن يكون أجيرا للخدمة؛ فقال ابن ~~القصار: لا سهم له حينئذ، وإن قاتل. # والأول أصح. ### | [مسألة العبد لا سهم له من الغنيمة] # المسألة الحادية عشرة: العبد لا سهم له: لأنه ليس ممن خوطب بالقتال، ~~لاستغراق بدنه بحقوق السيد. # PageV02P410 # فأما الصبي فلا سهم له: أيضا إلا أن يكون مراهقا للبلوغ مطيقا للقتال ~~فيسهم له عندنا. # وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يسهم له؛ لأنه لم يبلغ حد التكليف، فلا يكون ~~من أهل الجهاد، فلا يكون من أهل القتال. # وقد ثبت عن ابن عمر أنه قال: «عرضت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن ~~خمس عشرة سنة فأجازني». # فقال جماعة منهم الشافعي: إنما ذلك حد البلوغ. # وقاله بعض أصحابنا منهم ابن وهب، وابن حبيب. # والصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نظر في ذلك إلى إطاقته للقتال، ~~فأما البلوغ فلا أثر له فيه، وقد أمر في بني قريظة أن يقتل منهم ms0774 من أنبت، ~~ويخلى من لم ينبت؛ وهذه مراعاة لإطاقة القتال أيضا لا للبلوغ على ما بيناه ~~في مسائل الخلاف. ### | [مسألة المرأة لا سهم لها في الغنيمة وإن قاتلت] # المسألة الثانية عشرة: قوله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله ~~خمسه} [الأنفال: 41] هذا خطاب للمسلمين من غير خلاف لا مدخل فيه للكفار ولا ~~للنساء، وإنما خوطب به من قاتل الكفار وهم المسلمون، وخوطب به من يقاتل من ~~المسلمين دون من لا يقاتل. # فأما المرأة فلا سهم لها فيه، وإن قاتلت إلا عند ابن حبيب؛ وهذا ضعيف لما ~~ثبت في الصحيح: «إن النساء كن يحذين من الغنيمة ولا يسهم لهن»؛ فإن القتال ~~لم يفرض عليهن، والسهم لم يقض به لهن. # وأما العبيد وأهل الذمة فإذا خرجوا لصوصا، وأخذوا مال أهل الحرب فهو لهم، ~~ولا يخمس؛ لأنه لم يدخل في الخطاب أحد منهم. # وقال سحنون: لا يخمس ما ينوب العبد. # وقال ابن القاسم: يخمس؛ لأنه يجوز أن # PageV02P411 # يأذن له سيده في القتال، ويقاتل عن الدين بخلاف الكافر. # فأما إذا كانوا في جملة الجيش ففيه أربعة أقوال: # الأول: أن لا يسهم لعبد ولا للكافر يكون في الجيش؛ قاله مالك، وابن ~~القاسم. # زاد ابن حبيب: وهو القول الثاني: ولا نصيب لهم. # الثالث: قال سحنون: إن قدر المسلمون على الغنيمة دونهم لم يسهم لهم، وإن ~~لم يقدروا على الغنيمة إلا بأهل الذمة أسهم لهم، وكذلك العبيد مع الأحرار. # الرابع: قال أشهب في كتاب محمد: إذا خرج العبد والذمي من الجيش وغنم ~~فالغنيمة للجيش دونهم. ### | [مسألة الغنيمة لمن حضر القتال] # المسألة الثالثة عشرة: إذا ثبت أن الغنيمة لمن حضر، فأما من غاب فلا شيء ~~له. # والمغيب على ثلاثة أوجه: إما بمرض، أو بضلال، أو بأسر. # فأما المريض فلا شيء له إلا أن يكون له رأي، وقال المتأخرون من علمائنا: ~~إن مرض بعد القتال أسهم له، وإن مرض بعد الإرادة وقبل القتال ففيه قولان: ~~والأصح وجوب ذلك له. # واختلف في الضال على قولين؛ وقال أشهب: يسهم للأسير، ms0775 وإن كان في الحديد. # والصحيح أن لا سهم له؛ لأنه ملك يستحق بالقتال، فمن غاب خاب، ومن حضر ~~مريضا كمن لم يحضر. # وأما الغائب المطلق فلم يسهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قط لغائب ~~إلا يوم خيبر؛ قسم لأهل الحديبية من حضر منهم ومن غاب، لقوله تعالى: {وعدكم ~~الله مغانم كثيرة تأخذونها} [الفتح: 20]، وقسم يوم بدر لعثمان لبقائه على ~~ابنته، وقسم لسعيد بن زيد وطلحة وكانا غائبين. # فأما أهل الحديبية فكان ميعادا من الله اختص بأولئك النفر، فلا يشاركهم ~~فيه غيرهم. # وأما عثمان وسعيد وطلحة فيحتمل أن يكون أسهم لهم من الخمس؛ لأن الأمة ~~أجمعت على أنه من بقي لعذر فلا شيء له، بيد أن محمد بن المواز قال: إذا ~~أرسل # PageV02P412 # الإمام أحدا في مصلحة الجيش فإنه يشرك من غنم بسهمه؛ قال ابن وهب، وابن ~~نافع عن مالك. # وقيل عنه أيضا: لا شيء له، وهذا أحسن؛ فإن الإمام يرضخ له، ولا يعطى من ~~الغنيمة لعدم السبب الذي يستحق به عنده، والله أعلم. # هذا لباب ما في الكتاب الكبير، فمن تعذر عليه شيء فلينظره هنالك إن شاء ~~الله. ### | [الآية الثالثة عشرة قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا] # لعلكم تفلحون} [الأنفال: 45] {وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا ~~وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين} [الأنفال: 46]. # فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: قوله: {إذا لقيتم فئة فاثبتوا} [الأنفال: 45] ظاهر في ~~اللقاء، ظاهر في الأمر بالثبات، مجمل في الفئتين التي تلقى منا والتي تكون ~~من مخالفينا، بين هذا الإجمال التي بعدها في تعديد المقاتلين، وقد أمر الله ~~هاهنا بالثبات عند قتالهم، كما نهى في الآية قبلها عن الفرار عنهم؛ فالتقى ~~الأمر والنهي على شفا من الحكم بالوقوف للعدو والتجلد له. # وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أن رجلا قال للبراء: أفررتم عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا أبا عمارة؟ قال: لا، والله ما ولى ~~رسول الله ولكن ولى سرعان من الناس، فلقيتهم هوازن بالنبل، ms0776 ورسول الله على ~~بغلته، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب آخذ بلجامها، ورسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول: أنا النبي لا كذب. أنا ابن عبد المطلب». # PageV02P413 # قال ابن عمر: «لقد رأيتنا يوم حنين، وإن الفئتين لموليتان، وما مع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - مائة رجل». # وكلا الحديثين صحيح. ### | [مسألة قوله واذكروا الله فيه ثلاث احتمالات] # المسألة الثانية: قوله: {واذكروا الله} [الأنفال: 45] فيه ثلاث احتمالات: ~~الأول: اذكروا الله عند جزع قلوبكم؛ فإن ذكره يثبت. # الثاني: اثبتوا بقلوبكم واذكروه بألسنتكم؛ فإن القلب قد يسكن عند اللقاء، ~~ويضطرب اللسان؛ فأمر بذكر الله حتى يثبت القلب على اليقين، ويثبت اللسان ~~على الذكر. # الثالث: اذكروا ما عندكم من وعد الله [لكم] في ابتياعه أنفسكم منكم ~~ومثامنته لكم. # وكلها مراد، وأقواها وأوسطها؛ فإن ذلك إنما يكون عن قوة المعرفة، ونفاذ ~~القريحة، واتقاد البصيرة، وهي الشجاعة المحمودة في الناس، ولم يكن فيها أحد ~~أقوى من الصديق - رضي الله عنه - فإنه كان أشجع الخليقة بعد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وأمضاهم عزيمة، وأنفذهم قريحة، وأنورهم بصيرة، ~~وأصدقهم فراسة، وأصحهم رأيا، وأثبتهم [جأشا]، وأصفاهم إيمانا، وأشرحهم ~~صدرا، وأسلمهم قلبا. # PageV02P414 # والدليل عليه ظهور ذلك المقام في مقامات ستة: المقام الأول: أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - مات، ولم تكن مصيبة أعظم منها، ولا تكون أبدا عنها ~~تفرعت مصائبنا، ومن أجلها فسدت أحوالنا، فاختلفت الصحابة؛ فأما علي ~~فاستخفى. وأما عثمان فبهت. # وأما عمر فاختلط، وقال: " ما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما ~~واعده الله كما واعد موسى، وليرجعن رسول الله فليقطعن أيدي أناس وأرجلهم " ~~وكان أبو بكر غائبا بمنزله بالسنح، فجاء فدخل على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في بيت عائشة، وهو ميت مسجى بثوبه، فكشف عن وجهه، وقال: " بأبي أنت ~~وأمي، طبت حيا وميتا، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها ". وخرج فصعد ~~المنبر؛ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: " من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد ~~مات، ومن كان يعبد الله فإن ms0777 الله حي لا يموت " ثم قرأ: {وما محمد إلا رسول ~~قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على ~~عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين} [آل عمران: 144]. # المقام الثاني: لما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واختلف الناس ~~أين يدفن؛ فقال القوم: يدفن بمكة. # وقال آخرون: ببيت المقدس. # وقال آخرون: بالمدينة. # فقال أبو بكر: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ما دفن قط ~~نبي إلا حيث يموت». # المقام الثالث: لما توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرسلت فاطمة ~~إلى أبي بكر الصديق تقول له: لو مت ألم تكن ابنتك ترثك؟ قال: نعم. قالت له: ~~فأعطني ميراثي من رسول الله. فقال أبو بكر: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: «لا نورث، ما تركناه صدقة». # فتذكر ذلك جميع الصحابة، وعلمه عمر وعثمان وعبد الرحمن وطلحة وسعد وسعيد، ~~وأقر به علي والعباس. # PageV02P415 # المقام الرابع: لما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ارتد العرب، ~~وانقاض الإسلام، وتزلزلت الأفئدة، وماج الناس؛ فارتاع الصحابة؛ فقال عمر ~~وغيره لأبي بكر: خذ منهم الصلاة، ودع الزكاة حتى يتمكن الدين، ويسكن جأش ~~المسلمين. فقال أبو بكر: " والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله ~~لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لقاتلتهم عليه ". # المقام الخامس: قالت الصحابة له: يا خليفة رسول الله؛ أبق جيش أسامة؛ فإن ~~من حولك قد اختلف عليه، " والله لو لعبت الكلاب بخلاخيل نساء أهل المدينة ~~ما رددت جيشا أنفذه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ". فقالوا له: فمع من ~~تقاتلهم؟ قال: وحدي حتى تنفرد سالفتي. # المقام السادس: وهو ضنك الحال ومأزق الاختلال؛ وذلك أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لما توفي اضطرب الأمر، وماج الناس، ومرج قولهم، وتشوفوا ~~إلى رأس يرجع إليه تدبيرهم، واجتمعت الأنصار في سقيفة بني ساعدة، ولهم ~~الهجرة، وفيهم الدوحة، والمهاجرون عليهم نزل، وانتدب الشيطان ليزيغ قلوب ~~فريق منهم، فسول للأنصار ms0778 أن يعقدوا لرجل منهم الأمر؛ فجاء المهاجرون. ~~فاجتمعوا إلى أبي بكر، وقالوا: نرسل إليهم. قال أبو بكر: " لا، ألا نأتيهم ~~في موضعهم "، فنوزع في ذلك، فصرم وتقدم واتبعته المهاجرون حتى جاء الأنصار ~~في مكانهم، وتقاولوا، فقالت الأنصار في كلامها: منا أمير ومنكم أمير، فتصدر ~~أبو بكر بحقه، وتكلم على مقتضى الدين ووفقه، وقال: " يا معشر الأنصار؛ قد ~~علمتم أنا رهط رسول الله وعترته الأدنون، وأصل العرب، وقطب الناس. وقد قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الأئمة من قريش إلى أن تقوم الساعة». # PageV02P416 # وقد سمانا الله في كتابه الصادقين حين قال: {للفقراء المهاجرين الذين ~~أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ~~ورسوله أولئك هم الصادقون} [الحشر: 8]. وسماكم المفلحين، فقال: {والذين ~~تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم ~~حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه ~~فأولئك هم المفلحون} [الحشر: 9]. وأمركم الله أن تكونوا معنا حيث كنا، ~~فقال: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} [التوبة: 119]. ~~وقال لكم النبي «سترون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض». وقال لنا ~~في آخر خطبة خطبها: «أوصيكم بالأنصار خيرا أن تقبلوا من محسنهم، وتتجاوزوا ~~عن مسيئهم؛ ولو كان لكم في الأمر شيء ما رأيتم أثرة، ولا وصى بكم». فلما ~~سمعوا ذلك من علمه، ووعوه من قوله تذكروا الحق؛ فانقادوا له، والتزموا ~~حكمه؛ فبادر عمر إلى أبي عبيدة، وقال له: يا أبا عبيدة؛ امدد يدك أبايعك. ~~فقال أبو عبيدة: ما سمعت منك تهة في الإسلام قبلها، أتبايعني وأبو بكر ~~فيكم؟ فقال له عمر: امدد يدك أبايعك يا أبا بكر. فمد أبو بكر يده وبايعه، ~~وبايعه الناس، وصار الحق في نصابه، ودخل الدين من بابه. # PageV02P417 # ولو هدوا لهذه الفرقة الأدبية التاريخية لما كانوا عن سبيل الحق جائرين ~~وبحقيقته جاهلين، ولكن الله ابتلاهم بقراءة كتب من الأدب والتاريخ قد ~~تولاها جهال وضلال، فقالوا: فعل علي. # وقال علي، ولا يقع علي ms0779 من أبي بكر إلا نقطة من بحر، أو لقطة في قفر، لقد ~~استقام الدين وعلي عنه في حجر، وقد كان في حياة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أحد رجاله، وفارسا من فرسانه، ووليا من أوليائه، وقريبا من أقربائه، ~~فلما استأثر الله برسوله، وانفرد بنفسه لم يقم بالأمر ولا قعد، وذلك أمر ~~قضاه الله بالحق، وقدره بالصدق، وأنفذه بالحكمة والحكم، وما وجد المسلمون ~~أحدا ثبت على الدين، وقرر ولاته في الأقطار، وأنفذ الجيوش إلى الأمصار، ~~وقاتل على الحق، وقدم عليهم غير خير الخلق الصديق؛ فمهد الدين، واستتب به ~~أمر المسلمين، والحمد لله رب العالمين. ### | [مسألة العمدة التي يكون معها النصر] # المسألة الثالثة: قوله: {وأطيعوا الله ورسوله} [الأنفال: 46] وهذه الوصية ~~هي العمدة التي يكون معها النصر، ويظهر بها الحق، ويسلم معها القلب، وتستمر ~~معها على الاستقامة الجوارح؛ وذلك بأن يكون عمل المرء كله بالطاعة في ~~امتثال الأمر واجتناب النهي، فإنما يقاتل المسلمون بأعمالهم لا بأعدادهم، ~~وباعتقادهم لا بأمدادهم؛ فلقد فتح الله الفتوح على قوم كانت حلية سيوفهم ~~إلا الغلابي. # ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنما تنصرون بضعفائكم». # إشارة إلى أن الطاقة في الطاعة، والمنة في الهداية. ### | [مسألة قوله ولا تنازعوا فتفشلوا] # المسألة الرابعة: قوله: {ولا تنازعوا فتفشلوا} [الأنفال: 46]: وهذا أصل ~~عظيم في المعقول والمشروع؛ وذلك أن الله خلق القوة ليظهر بها الأفعال، ~~وقدرته سبحانه واحدة تعم المقدورات، وقدر الخلق حادثة متعددة تتعلق ~~بالمقدورات على اختلاف أنواعها [وأجرى الله] العادة بأن القدرة إذا كثرت ~~على رأي قوم # PageV02P418 # أو بقيت على رأي آخرين والأول أصح حسبما بيناه في الأصول ظهر المقدور ~~بالنسبة إلى القدرة إن كان كثيرا فكثيرا أو قليلا فقليلا، وكذلك تظهر ~~المفعولات بحسب ما يلقي الله في القلوب من الطمأنينة، فإذا ائتلفت القلوب ~~على الأمر استتب وجوده، واستمر مريره، وإذا تخلخل القلب قصر عن النظر، ~~وضعفت الحواس عن القبول، والائتلاف طمأنينة للنفس، وقوة للقلب، والاختلاف ~~إضعاف له؛ فتضعف الحواس، فتقعد عن المطلوب، فيفوت الغرض؛ وذلك قوله: {ولا ~~تنازعوا فتفشلوا وتذهب ms0780 ريحكم} [الأنفال: 46]، وكنى بالريح عن اطراد الأمر ~~ومضائه بحكم استمرار القوة فيه والعزيمة عليه، وأتبع ذلك بالأمر بالصبر ~~الذي يبلغ العبد به إلى كل أمر متعذر بوعده الصادق في أنه مع الصابرين. . ### | [الآية الرابعة عشرة قوله تعالى فإما تثقفنهم في الحرب] # الآية الرابعة عشرة: # قوله تعالى: {فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون} ~~[الأنفال: 57]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى: قوله: {فإما تثقفنهم} [الأنفال: 57]: يعني تصادفهم ~~وتلقاهم، يقال: ثقفته أثقفه ثقفا إذا وجدته، وفلان ثقف لقف أي سريع الوجود ~~لما يحاول من القول. # وامرأة ثقاف. # هكذا قال أهل اللغة، وهو عندي بمعنى الحبس، ومنه رجل ثقف أي يقيد الأمور ~~بمعرفته. ### | [مسألة المراد من قوله تعالى فشرد بهم من خلفهم] # المسألة الثانية: قوله تعالى: {فشرد بهم من خلفهم} [الأنفال: 57]: أي ~~افعل بهم فعلا من العقوبة يتفرق بهم من وراءهم، ومنه شرد البعير والدابة ~~إذا فارق صاحبه ومألفه ومرعاه، وهذا أحد الأقسام الخمسة التي للإمام في ~~الأسرى: من المن والفداء والاسترقاق والجزية والقتل، وقد مهدناها في مسائل ~~الخلاف، ويأتي هاهنا وفي سورة محمد - عليه السلام -، وهذا يعتضد بالآية ~~التاسعة عشرة: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى} [الأنفال: 67] على ما يأتي ~~بيانه إن شاء الله تعالى. # PageV02P419 ### | [الآية الخامسة عشرة قوله تعالى وإما تخافن من قوم خيانة] # الآية الخامسة عشرة: # قوله تعالى: {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا ~~يحب الخائنين} [الأنفال: 58]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: نزلت في بني قريظة حين أبدت من التحزب مع ~~قريش ونقض العهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ### | [مسألة كيف يجوز نقض العهد مع خوف الخيانة والخوف ظن لا يقين معه] # المسألة الثانية: إن قيل: كيف يجوز نقض العهد مع خوف الخيانة، والخوف ظن ~~لا يقين معه، فكيف يسقط يقين العهد بظن الخيانة فعنه جوابان: أحدهما: أن ~~الخوف هاهنا بمعنى اليقين، كما يأتي الرجاء بمعنى العلم؛ كقوله: {لا ترجون ~~لله وقارا} [نوح: 13]. # الثاني: أنه إذا ظهرت ms0781 آثار الخيانة، وثبتت دلائلها وجب نبذ العهد، لئلا ~~يوقع التمادي عليه في الهلكة، وجاز إسقاط اليقين هاهنا بالظن للضرورة، وإذا ~~كان العهد قد وقع فهذا الشرط عادة، وإن لم يصرح به لفظا؛ إذ لا يمكن أكثر ~~من هذا. ### | [مسألة معنى قوله تعالى فانبذ إليهم على سواء] # المسألة الثالثة: {فانبذ إليهم على سواء} [الأنفال: 58] أي على مهل؛ قاله ~~الوليد بن مسلم. # وقيل: على عدل، معناه بالتقدم إليهم والإنذار لهم، وهكذا يجب للإمام أن ~~يفعل اليوم في كلا وجهي العقد أولا، والنبذ على السواء ثانيا. ### | [الآية السادسة عشرة قوله تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة] # ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم ~~الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون} ~~[الأنفال: 60]. # PageV02P420 # فيها تسع مسائل: # المسألة الأولى: أمر الله سبحانه وتعالى بإعداد القوة للأعداء بعد أن أكد ~~في تقدمة التقوى؛ فإن الله تعالى لو شاء لهزمهم بالكلام، والتفل في الوجوه، ~~وحفنة من تراب، كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكنه أراد أن ~~يبلي بعض الناس ببعض، بعلمه السابق وقضائه النافذ؛ فأمر بإعداد القوى ~~والآلة في فنون الحرب التي تكون لنا عدة، وعليهم قوة، ووعد على الصبر ~~والتقوى بأمداد الملائكة العليا. # المسألة الثانية: روى الطبري وغيره: عن عقبة بن عامر؛ قال: «قرأ رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ~~ومن رباط الخيل} [الأنفال: 60]؛ فقال: ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة ~~الرمي، ألا إن القوة الرمي» ثلاثا. # وروى البخاري عن سلمة بن الأكوع، قال: «مر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~على نفر من أسلم ينتضلون بالسهام، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميا، وأنا مع بني فلان. قال: فأمسك أحد ~~الفريقين بأيديهم، فقال رسول الله: ما لكم لا ترمون؟ قالوا: وكيف نرمي، ~~وأنت معهم، فقال رسول الله: ارموا وأنا معكم كلكم». زاد الحاكم في رواية: ~~«فلقد ms0782 رموا عامة يومهم ذلك، ثم تفرقوا على السواء ما نضل بعضهم بعضا». # PageV02P421 # وروى البخاري عن «علي قال: ما رأيت رسول الله يفدي رجلا بعد سعد، سمعته ~~يقول: ارم فداك أبي وأمي». # وروى الترمذي، وأبو داود، والنسائي، عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر ~~الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير، والرامي به، ومنبله». وفي رواية: ~~«والممد به، فارموا واركبوا، ولأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا، ليس من ~~اللهو ثلاث: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته أهله، ورميه بقوسه ونبله. ومن ترك ~~الرمي بعدما علمه رغبة عنه فإنها نعمة كفرها». # وقد شاهدت القتال مرارا فلم أر في الآلة أنجع من السهم، ولا أسرع منفعة ~~منه. ### | [مسألة حبس النفس في سبيل الله حراسة للثغور أو ملازمة للأعداء] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {ومن رباط الخيل} [الأنفال: 60] الرباط: هو ~~حبس النفس في سبيل الله حراسة للثغور أو ملازمة للأعداء، وقد تقدم بيان شيء ~~منه في سورة آل عمران. # وقد روى البخاري وغيره عن سهل بن سعد أنه قال: «رباط يوم في سبيل الله # PageV02P422 # خير من الدنيا وما فيها، وموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها، ~~والروحة يروحها العبد في سبيل الله، والغدوة خير من الدنيا وما فيها». # وروى الترمذي عن فضالة بن عبيد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«كل ميت يختم على عمله إلا الذي يموت مرابطا في سبيل الله فإنه ينمى له ~~عمله إلى يوم القيامة ويأمن من فتنة القبر». ### | [مسألة رباط الخيل في سبيل الله] # المسألة الرابعة: وأما رباط الخيل: فهو فضل عظيم ومنزلة شريفة. # وروى الأئمة عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«الخيل ثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر. فأما الذي هي عليه وزر ~~فرجل ربطها رياء وفخرا ونواء لأهل الإسلام، فهي عليه وزر، وأما الذي هي ~~عليه ستر فرجل ربطها تغنيا وتعففا، ولم ينس حق الله في ms0783 ظهورها فهي عليه ~~ستر، وأما الذي هي له أجر فرجل ربطها في سبيل الله فأطال لها في مرج أو ~~روضة فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شيء إلا كتب الله له عدد ما أكلت ~~حسنات، وكتب له أرواثها وأبوالها حسنات، ولا يقطع طوالها فتستن شرفا أو ~~شرفين إلا كتب الله له ذلك حسنات، ولا مر بها صاحبها على نهر فشربت منه ولا ~~يريد أن يسقيها إلا كتب الله له عدد ما شربت حسنات». # PageV02P423 # وروى البخاري ومسلم عن «جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يلوي ناصية فرس بأصبعيه؛ وهو يقول: الخير معقود في نواصي الخيل ~~إلى يوم القيامة». # وثبت عن أنس أنه قال: «لم يكن شيء أحب إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بعد النساء من الخيل». خرجه النسائي. # المسألة الخامسة: المستحب من رباط الخيل الإناث قبل الذكور: قال عكرمة ~~وجماعة، وهذا صحيح، فإن الأنثى بطنها كنز، وظهرها عز. وفرس جبريل أنثى ### | [مسألة يستحب من الخيل] # المسألة السادسة: يستحب من الخيل ما روى أبو وهب الجشمي وكانت له صحبة ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «عليكم بكل كميت أغر محجل، أو ~~أدهم أغر محجل، أو أشقر أغر محجل». # PageV02P424 # خرجه أبو داود والنسائي. # وروى الترمذي عن أبي قتادة أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: قال: «خير ~~الخيل الأدهم الأقرح المحجل الأرثم، ثم الأقرح المحجل طلق اليمين، فإن لم ~~يكن أدهم فكميت على هذه الهيئة». # المسألة السابعة: روى مسلم والنسائي أنه يكره الشكال من الخيل. # وثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من رواية عبد الله بن عمر أنه قال: ~~«إنما الشؤم في المرأة، والفرس، والدار». # وقد بينا تحقيق ذلك في شرح الحديث. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ترهبون به عدو الله وعدوكم] # المسألة الثامنة: قوله: {ترهبون به عدو الله وعدوكم} [الأنفال: 60] يعني ~~تخيفون بذلك أعداء الله وأعداءكم من اليهود وقريش، وكفار العرب. # PageV02P425 # {وآخرين من دونهم} [الأنفال: 60] يعني فارس والروم. # وقد روي عن ms0784 النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أما فارس فنطحة أو ~~نطحتان، ثم لا فارس بعدها. وأما الروم ذوات القرون فكلما هلك قرن خلفه آخر ~~إلى يوم القيامة». # المسألة التاسعة: قوله: {ومن رباط الخيل} [الأنفال: 60] عام في الخيل ~~كلها وأجودها أعظمها أجرا. # وقد قال ابن القاسم وابن عبد الحكم عن مالك قال الله: {وأعدوا لهم ما ~~استطعتم من قوة ومن رباط الخيل} [الأنفال: 60] فأرى البراذين من الخيل إذا ~~أجازها الوالي، وكذلك قال سعيد بن المسيب. ### | [الآية السابعة عشرة قوله تعالى وإن جنحوا للسلم فاجنح لها] # الآية السابعة عشرة: # قوله تعالى: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع ~~العليم} [الأنفال: 61]. # فيها خمس مسائل: # المسألة الأولى: السلم: بفتح السين وكسرها وإسكان اللام، وبفتح السين ~~واللام، وبزيادة الألف أيضا: هو الصلح، وقد يكون السلام بالألف واللام من ~~التسليم وقد تقدم. # المسألة الثانية: في ذلك ثلاثة أقوال: # الأول: أنها منسوخة بقوله: {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5] ونحوه. # الثاني: إن دعوك إلى الصلح فأجبهم؛ قاله ابن زيد والسدي. # الثالث: إن جنحوا إلى الإسلام فاجنح لها؛ قاله ابن إسحاق. # قال مجاهد: وعنى به قريظة؛ لأن الجزية تقبل منهم، فأما المشركون فلا يقبل ~~منهم شيء. # PageV02P426 # المسألة الثالثة: أما قول من قال: إنها منسوخة بقوله: {فاقتلوا المشركين} ~~[التوبة: 5] فدعوى، فإن شروط النسخ معدومة فيها، كما بيناه في موضعه. # وأما من قال: إن دعوك إلى الصلح فأجبهم فإن ذلك يختلف الجواب فيه؛ وقد ~~قال الله: {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون} [محمد: 35]. # فإذا كان المسلمون على عزة، وفي قوة ومنعة، ومقانب عديدة، وعدة شديدة: ~~فلا صلح حتى تطعن الخيل بالقنا، وتضرب بالبيض الرقاق الجماجم، وإن كان ~~للمسلمين مصلحة في الصلح لانتفاع يجلب به، أو ضر يندفع بسببه فلا بأس أن ~~يبتدئ المسلمون به إذا احتاجوا إليه، وأن يجيبوا إذا دعوا إليه وقد صالح ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل خيبر على شروط نقضوها، فنقض صلحهم، وقد ~~وادع الضمري، وقد صالح أكيدر دومة، وأهل نجران، وقد هادن ms0785 قريشا لعشرة أعوام ~~حتى نقضوا عهده، وما زالت الخلفاء والصحابة على هذه السبيل التي شرعناها ~~سالكة، وبالوجوه التي شرحناها عاملة. ### | [مسألة هل عقد الصلح ليس بلازم للمسلمين] # المسألة الرابعة: عقد الصلح ليس بلازم للمسلمين، وإنما هو جائز باتفاقهم ~~أجمعين: إذ يجوز من غير خلاف للإمام أن يبعث إليهم، فيقول: نبذت إليكم ~~عهدكم، فخذوا مني حذركم، وهذا عندي إذا كانوا هم الذين طلبوه؛ فإن طلبه ~~المسلمون لمدة لم يجز تركه قبلها إلا باتفاق. ### | [مسألة هل للمسلمين عقد الصلح بمال يبذلونه للعدو] # المسألة الخامسة: ويجوز عند الحاجة للمسلمين عقد الصلح بمال يبذلونه ~~للعدو: والأصل في ذلك موادعة النبي - صلى الله عليه وسلم - لعيينة بن حصن ~~وغيره يوم الأحزاب، على أن يعطيه نصف تمر المدينة، فقال له السعدان: يا ~~رسول الله؛ إن كان هذا الأمر # PageV02P427 # من قبل الله فامض له، وإن كان أمرا لم تؤمر به، ولك فيه هوى فسمع وطاعة، ~~وإن كان هذا الرأي والمكيدة، فأعلمنا به. # فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما هو الرأي والمكيدة؛ لأني رأيت ~~العرب قد رمتكم بقوس واحدة فأردت أن أدفعها عنكم إلى يوم». # فقال السعدان: إنا كنا كفارا، وما طمعوا منها بتمرة إلا بشراء أو بقرى، ~~فإذا أكرمنا الله بك فلا نعطيهم إلا السيف؛ وشقا الصحيفة التي كانت كتبت. ### | [الآية الثامنة عشرة قوله تعالى يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال] # الآية الثامنة عشرة: # قوله تعالى: {يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون ~~صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم ~~قوم لا يفقهون} [الأنفال: 65] {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن ~~يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن ~~الله والله مع الصابرين} [الأنفال: 66]. # فيها ست مسائل: # المسألة الأولى: قوله: {حرض} [الأنفال: 65] أي أكد الدعاء، وواظب عليه، ~~يقال: حارض على الأمر، وواظب بالظاء المعجمة، وواصب بالصاد غير المعجمة، ~~وواكب بالكاف: إذا أكد فيه ولازمه. # المسألة الثانية: القتال: هو ms0786 الصد عن الشيء بما يؤدي إلى القتل. # المسألة الثالثة: قوله: {إن يكن منكم عشرون صابرون} [الأنفال: 65]. # قال قوم: كان هذا يوم بدر ثم نسخ، وهذا خطأ من قائله؛ لأن المسلمين كانوا ~~يوم بدر ثلاثمائة ونيفا، والكفار كانوا تسعمائة ونيفا؛ فكان للواحد ثلاثة. # وأما هذه المقابلة، وهي الواحد بالعشرة فلم ينقل أن المسلمين صافوا ~~المشركين عليها قط # PageV02P428 # ولكن الباري فرض ذلك عليهم أولا، وعلله بأنكم تفقهون ما تقاتلون عليه، ~~وهو الثواب. # وهم لا يعلمون ما يقاتلون عليه. # ثم نسخ ذلك. # قال ابن عباس: كان هذا ثم نسخ بعد ذلك بمدة طويلة وإن كانت إلى جنبها. ### | [مسألة معنى قوله تعالى الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا] # المسألة الرابعة: قوله: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا} ~~[الأنفال: 66]: أما التخفيف فهو حط الثقل. # وأما قوله: {وعلم أن فيكم ضعفا} [الأنفال: 66] فمعنى تعلق العلم بالآن، ~~وإن كان الباري لم يزل عالما ليس لعلمه أول، ولكن وجهه: أن الباري يعلم ~~الشيء قبل أن يكون، وهو عالم الغيب، وهو به عالم، إذا كان بذلك العلم الأول ~~فإنه عالم الشهادة، وبعد الشيء، فيكون به عالما بذلك العلم بعد عدمه، ~~ويتعلق علمه الواحد الذي لا أول له بالمعلومات على اختلافها وتغير أحوالها، ~~وعلمه لا يختلف ولا يتغير. # وقد ضربنا لذلك مثالا يستروح إليه الناظر؛ وهو أن الواحد منا يعلم اليوم ~~أن الشمس تطلع غدا، ثم يراها طالعة، ثم يراها غاربة، ولكل واحدة من هذه ~~الأحوال علم مجدد لما يتعلق بهذه الأحوال الثلاثة، ولو قدرنا بقاء العلم ~~الأول لكان واحدا يتعلق بها، وعلم الباري واجب الأولية، واجب البقاء، ~~يستحيل عليه التغير؛ فانتظمت المسألة، وتمكنت بها والحمد لله المعرفة. ### | [مسألة الرجل يلقى عشرة في الحرب] # المسألة الخامسة: فلما خفف عنا أوجب على الرجل الثبات لرجلين، وهكذا ما ~~تزايدت النسبة الواحدة باثنين، فإنه يتقدم إليهما، ويتقدمان إليه، وكل واحد ~~منهما يحذره على نفسه، فيهجم على الواحد فيطعنه، فإذا قتله بقي واحد بواحد، ~~وإن اقتتلا فقد حصل دم واحد ms0787 بواحد، وبقي الزائد لغوا، وهذا إنما يكون مع ~~الصبر، والله مع الصابرين. # وقد روى ابن وهب عن مالك في الرجل يلقى عشرة قال: واسع له أن ينصرف إلى ~~معسكره إن لم تكن له قوة على قتالهم. # PageV02P429 # وهذا دليل على أنه يجوز له أن يثبت معهم، وهي: المسألة السادسة: وقد قال ~~قوم: لا يقتحم الواحد على العشرة ولا القليل على الكثير؛ لأن في ذلك إلقاء ~~اليد إلى التهلكة. # وقد بينا بطلان ذلك في سورة البقرة. # قال أشهب: قال مالك: قال الله: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا ~~فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين} [الأنفال: 66] فكان كل رجل باثنين. ### | [الآية التاسعة عشرة قوله تعالى ما كان لنبي أن يكون له أسرى] # حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم} ~~[الأنفال: 67]. # فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: قال ابن عباس: حتى يثخن في الأرض، وذلك ~~يوم بدر، والمسلمون قليل، فلما كثروا قال الله: {فإما منا بعد وإما فداء} ~~[محمد: 4]، فخيرهم الله تعالى، وهكذا قال كثير من المفسرين بعده. # وعن عبد الله قال: لما كان يوم بدر وجيء بالأسرى قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟ فقال أبو بكر: يا رسول ~~الله؛ قومك وأهلك، فاستبقهم لعل الله أن يتوب عليهم. قال عمر: يا رسول ~~الله؛ كذبوك وأخرجوك، قدمهم واضرب أعناقهم. وقال عبد الله بن رواحة: يا ~~رسول الله؛ انظر واديا كثير الحطب فأدخلهم فيه، ثم أضرمه عليهم نارا. فقال ~~له العباس: قطعت رحمك. فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يجبهم، ~~ثم دخل، فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر. وقال ناس: يأخذ بقول عمر. وقال ناس: ~~يأخذ بقول عبد الله بن رواحة. # PageV02P430 # ثم خرج عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إن الله ليلين ~~قلوب قوم حتى تكون ألين من اللين، ويشد قلوب قوم حتى تكون أشد من الحجارة، ~~وإن مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم إذ ms0788 قال: {فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني ~~فإنك غفور رحيم} [إبراهيم: 36]. ومثل عيسى حين قال: {إن تعذبهم فإنهم ~~عبادك} [المائدة: 118]. ومثلك يا عمر مثل نوح إذ قال: {رب لا تذر على الأرض ~~من الكافرين ديارا} [نوح: 26]. ومثل موسى إذ قال: {ربنا اطمس على أموالهم} ~~[يونس: 88] ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أنتم اليوم عالة فلا ~~يفلتن رجل منهم إلا بفداء أو ضربة عنق. فقال عبد الله: يا رسول الله، إلا ~~سهيل بن بيضاء، فإني سمعته يذكر الإسلام. فسكت النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع علي الحجارة من السماء مني في ذلك اليوم ~~حتى قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إلا سهيل ابن بيضاء». رواه ~~الترمذي مختصرا عن أقوال أبي بكر وعمر وابن رواحة # ، ورواه مسلم عن عمر بن الخطاب قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«لما أسروا الأسرى لأبي بكر وعمر: ما ترون؟ قال أبو بكر: يا نبي الله، هم ~~بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى ~~الله أن يهديهم للإسلام. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما ترى يا ~~ابن الخطاب؟ قلت: والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكن أرى ~~أن تمكننا فنضرب أعناقهم، فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان ~~نسيب بأحال فأضرب عنقه؛ فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها. فهوي رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قلت. فلما كان من الغد ~~جئت، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر قاعدين يبكيان قلت: ~~يا رسول الله؛ أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت وإلا ~~تباكيت. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أبكي للذي عرض علي أصحابك ~~من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة شجرة قريبة من ~~رسول الله # PageV02P431 # - صلى الله عليه وسلم -». # فأنزل الله: {ما كان لنبي ms0789 أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} [الأنفال: ~~67] إلى قوله: {فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا} [الأنفال: 69] فأحل الله ~~الغنيمة لهم، وأنزل الله: ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض، ~~تريدون عرض الدنيا يعني الفداء، والله يريد الآخرة يعني إعزاز الدين وأهله، ~~وإذلال الكفر وأهله. # المسألة الثانية: روى عبيدة السلماني عن علي أن جبريل أتى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يوم بدر، فخيره بين أن يقرب الأسارى فيضرب أعناقهم، ~~أو يقبلوا منهم الفداء، ويقتل منكم في العام المقبل بعدتهم. # فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «هذا جبريل يخبركم أن تقدموا ~~الأسارى فتضربوا أعناقهم، أو تقبلوا منهم الفداء، ويستشهد منكم في العام ~~المقبل بعدتهم». # فقالوا: يا رسول الله؛ بل نأخذ الفداء فنقوى على عدونا، ويقتل منا في ~~العام المقبل بعدتهم، ففعلوا. # المسألة الثالثة: قال ابن وهب، وابن القاسم عن مالك: كان ببدر أسارى ~~مشركون، فأنزل الله: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} ~~[الأنفال: 67] وكانوا يومئذ مشركين، ففادوا ورجعوا، ولو كانوا مسلمين ~~لأنابوا ولم يرجعوا، وكان عدة من قتل أربعة وأربعين رجلا، ومثلهم أسرى، ~~وكان الشهداء قليلا. # وقال أبو عمرو بن العلاء: إن القتلى كانوا سبعين والأسرى كذلك. # وكذلك قال # PageV02P432 # ابن عباس، وابن المسيب، ويشهد له قوله: {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم ~~مثليها} [آل عمران: 165]. # وأنشد أبو زيد الأنصاري لكعب بن مالك: # فأقام بالعطن المعطن منهم ... سبعون عتبة منهم والأسود # وإنما قال مالك: وكانوا مشركين، ولو كانوا مسلمين لأقاموا ولم يرجعوا؛ ~~لأن المفسرين رووا أن العباس قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إني مسلم. # وفي رواية لهم: إن الأسرى قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: آمنا بك ~~وبما جئت به ولننصحن لك على قومنا، فنزلت: {يا أيها النبي قل لمن في أيديكم ~~من الأسرى} [الأنفال: 70]، قال العباس: افتديت بأربعين أوقية، وقد آتاني ~~الله أربعين عبدا، وإني لأرجو المغفرة. # وهذا كله ضعفه مالك، واحتج على إبطاله بما ذكر من رجوعهم إلى موضعهم، ms0790 ~~وزيادة عليه أنهم غزوه يوم أحد. ### | [مسألة تكليف الجهاد لسائر الأنبياء] # المسألة الرابعة: قال بعضهم: يدل قوله: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى ~~يثخن في الأرض} [الأنفال: 67] على تكليف الجهاد لسائر الأنبياء. # قلنا: كان الجهاد واجبا على أنبياء قبل محمد، لم يكن لهم أسرى ولا غنيمة. # ومعنى قوله: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى} [الأنفال: 67] ما كان لك يا ~~محمد أن يكون لك أسرى حتى يغلظ قتلك في الأرض، وتثبت هيبتك في النفوس. ### | [الآية الموفية عشرين قوله تعالى لولا كتاب من الله سبق] # الآية الموفية عشرين: # قوله تعالى: {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} ~~[الأنفال: 68]. # PageV02P433 # فيها سبع مسائل: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: روى أبو هريرة وغيره قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «غزا نبي من الأنبياء، فقال لأصحابه: لا يتبعني رجل بنى ~~دارا، ولم يسكنها، أو تزوج امرأة ولم يبن بها، أو له حاجة في الرجوع. قال: ~~فلقي العدو عند غيبوبة الشمس؛ فقال: اللهم إنها مأمورة، وإني مأمور فاحبسها ~~حتى تقضي بيني وبينهم، فحبسها الله عليه، فجمعوا الغنائم فلم تأكلها ~~النار». # قال: «وكانوا إذا غنموا غنيمة بعث الله عليها نارا فأكلتها، فقال لهم ~~نبيهم: إنكم غللتم فليبايعني من كل قبيلة رجل، فبايعوه فلزقت يد رجل منهم ~~بيده، فقال له: إن أصحابك قد غلوا فأتني بهم فليبايعوني، فلزقت يد رجلين أو ~~ثلاثة منهم بيده، فقال لهما: إنكما قد غللتما، فقالا: أجل، قد غللنا صورة ~~رأس بقرة من ذهب، فجاءا بها، فطرحت في الغنائم، فبعث الله عليها النار ~~فأكلتها». # فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله أطعمنا الغنائم رحمة ~~رحمنا بها، وتخفيفا خفف عنا لما علم من ضعفنا». # قال الإمام - رضي الله عنه -: قد بينا في غير موضع وجه هذه النعمة وفائدة ~~ما فيها من حكمة، وأن الله جعل رزق نبيه محمد وأمته من أفضل وجوه الكسب، ~~وهي جهة القهر والاستعلاء. # وقد روى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم ms0791 - أنه قال: «لم تحل ~~الغنائم لقوم سود الرءوس، من قبلكم كانت تنزل نار من السماء، فلما كان يوم ~~بدر أسرع الناس في الغنائم، فأنزل الله: {لولا كتاب من الله سبق} [الأنفال: ~~68] إلى آخر الآيتين: فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا». # PageV02P434 ### | [مسألة كتاب الله السابق] # المسألة الثانية: اختلف الناس في كتاب الله السابق على ثلاثة أقوال: # الأول: سبق من الله ألا يعذب قوما حتى يتقدم إليهم. # الثاني: سبق منه ألا يعذبهم ومحمد فيهم. # الثالث: سبق منه إحلال الغنائم لهم، ولكنهم استعجلوا قبل الإحلال، وهذا ~~كله ممكن صحيح، لكن أقواه ما سبق من إحلال الغنيمة، وقد كانوا غنموا أول ~~غنيمة في الإسلام حين أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن جحش ~~في رجب مقفله من بدر الأولى، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين ليس فيهم من ~~الأنصار أحد إلى نخلة ما بين مكة والطائف فيرصد بها قريشا، فمضى ومضى ~~أصحابه معه، حتى نزلوا بنخلة، فمرت عليهم عير لقريش تحمل زيتا وأدما وتجارة ~~من تجارة قريش، فيها عمرو بن الحضرمي؛ فقتل عمرو، وأقبل عبد الله بن جحش ~~وأصحابه بالعير والأسرى حتى قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وعزل عبد الله لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمس الغنيمة، وقسم سائرها ~~بين أصحابه؛ وذلك قبل أن يفرض الله لرسوله الخمس، فأكلوا الغنيمة، ونزل بعد ~~ذلك فرض الغنيمة، كما كان فعله عبد الله بن جحش من الخمس لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - والأربعة الأخماس للغانمين. # والذي ثبت من ذلك أكلهم الغنيمة التي غنموا، وإحلال ما أخذ لهم، والنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ساكت عن ذلك مجيز له؛ فكان وحيا بسكوته وإمضائه. ### | [مسألة العبد إذا اقتحم ما يعتقده حراما مما هو في علم الله حلال] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {لولا كتاب من الله سبق} [الأنفال: 68] في ~~إحلال الغنيمة لعذبتم بما اقتحمتم فيها مما ليس لكم اقتحامه إلا بشرع، فكان ~~هذا دليلا على أن العبد إذا اقتحم ما يعتقده حراما مما هو في ms0792 علم الله حلال ~~إنه لا عقوبة عليه كالصائم إذا قال: هذا يوم نوبي فأفطر الآن. # أو هذا يوم حيضي فأفطر # PageV02P435 # ففعلا ذلك. # وكأن النوب والحيض الموجبان للفطر؛ ففي مشهور المذهب فيه الكفارة، وبه ~~قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة: لا كفارة عليه، وهي الرواية الأخرى. # ولنا في إسقاط الكفارة عمدة؛ فهو أن حرمة اليوم ساقطة عند الله، فصادف ~~الهتك محلا لا حرمة له في علم الله فكان بمنزلة ما لو قصد وطء امرأة قد زفت ~~إليه، وهو يعتقد أنها ليست بزوجه فإذا هي زوجه. # وتعلق من أوجب الكفارة بأن طروء الإباحة لا ينتصب عذرا في عقوبة التحريم ~~عند الهتك، كما لو وطئ امرأة ثم نكحها، وهذا لا يلزم؛ لأن علم الله تعالى ~~مع علمنا قد استوى في هذه المسألة بالتحريم. # وفي المسألة التي اختلفنا فيها اختلف علمنا وعلم الله، فكان المعول على ~~علم الله في إسقاط العقوبة، كما قال: {لولا كتاب من الله} [الأنفال: 68]. ### | [مسألة الإثخان في القتل] # المسألة الرابعة: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - حين نزلت هذه الآية: ~~«لو نزلت نار من السماء لأحرقتنا إلا عمر». # وفي رواية: «لو نزل عذاب من السماء لم ينج منه إلا سعد بن معاذ، لقوله: ~~يا نبي الله؛ كان الإثخان في القتل أحب إلي من استبقاء الرجال». # وفي رواية: «لو عذبنا في هذا الأمر يا عمر ما نجا غيرك». # وفي رواية: «لقد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة». # المسألة الخامسة: في هذا كله دليل على أن الإثخان في القتل واجب قبل كل ~~شيء، حتى إذا قوي المسلمون جاز الفداء؛ للقوة على العدة لقتالهم أيضا، ~~فإنما يراعى الأنظر والأوكد، والله أعلم. # PageV02P436 ### | [مسألة هل تحققت معصية المسلمين في أسرى بدر] # المسألة السادسة: فإن قيل: تحقق لنا معصيتهم. # قلنا: فيها ثلاثة أقوال: # الأول: إسراعهم في الغنيمة قبل الإحلال. # الثاني: اختيارهم الفداء قبل الإثخان في القتل. # الثالث: قوله لهم: {فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان} [الأنفال: ~~12] فأمروا بالقتل فاختاروا الفداء. # قلنا: أما القول الثالث فضعيف؛ ms0793 لأنه يحتمل أن يكون نزل قبل أن يبرر. # ويحتمل أن يكون نزل بعده، ولا يحتج بمحتمل. # وأما القول الأول والثاني فمحتمل أن يكون أحدهما، ويحتمل أن يكون ~~مجموعهما؛ والأظهر أنه اختيار الفداء؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~شاورهم فيه؛ فمالوا إلى الفداء، وكان الله قد عاتبهم على رأفتهم بالكفار مع ~~إغلاظهم عليهم بالقتل والإذاية والإخراج، وإلى تحقيق المعصية إلى تأخيرهم ~~القتل حتى نزل العفو. # فإن قيل، وهي: المسألة السابعة: فقد اختاره النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: معهم، فهل يكون ذلك ذنبا منه قلنا: كذلك توهم بعض الناس، فقال: إنه كان ~~من النبي - صلى الله عليه وسلم -: فيه معصية غير معينة، وحاشا لله من هذا ~~القول، إنما كان من النبي - صلى الله عليه وسلم - توقف وانتظار، ولم يكن ~~القتل ليفوت، مع أنهم كانوا قد قتلوا الصناديد، وأثخنوا في الأرض، فانتظر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: هل ذلك كاف فيه أم لا؟ وهذا بين عند ~~الإنصاف. ### | [الآية الحادية والعشرون قوله تعالى يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى] # الآية الحادية والعشرون: # قوله تعالى: {يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في ~~قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم} [الأنفال: ~~70] {وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم} ~~[الأنفال: 71] # PageV02P437 # فيها مسألتان: # المسألة الأولى: لما أسر من أسارى المشركين روي أنه تكلم قوم منهم ~~بالإسلام، ولم يمضوا بذلك عزيمة، ولا اعترفوا به اعترافا جازما. # ويشبه أنهم أرادوا أن يقربوا من المسلمين، ولا يبعدوا من المشركين، فنزلت ~~الآية. ### | [مسألة تكلم الكافر بالإيمان في قلبه وبلسانه ولم يمض به عزيمة] # المسألة الثانية: قال علماؤنا: إن تكلم الكافر بالإيمان في قلبه وبلسانه، ~~ولم يمض به عزيمة لم يكن مؤمنا. # وإذا وجد مثل ذلك من المؤمن كان كافرا إلا ما كان من الوسوسة التي لا ~~يقدر المرء على دفعها، فإن الله قد عفا عنها وأسقطها. # وقد بين الله لرسوله الحقيقة؛ ms0794 فقال: {وإن يريدوا خيانتك} [الأنفال: 71] ~~أي إن كان هذا القول منهم خيانة ومكرا {فقد خانوا الله من قبل} [الأنفال: ~~71] بكفرهم ومكرهم بك وقتالهم لك، فأمكنك منهم، وإن كان هذا القول منهم ~~خيرا ويعلمه الله فيقبل ذلك منهم ويعوضهم خيرا مما خرج عنهم ويغفر لهم ما ~~تقدم من كفرهم وخيانتهم ومكرهم. ### | [الآية الثانية والعشرون قوله تعالى إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا] # بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء ~~بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن ~~استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما ~~تعملون بصير} [الأنفال: 72] # فيها ثماني مسائل: # المسألة الأولى: قوله: {الذين آمنوا} [الأنفال: 72]: هم الذين علموا ~~التوحيد، وصدقوا به، وأمنوا أنفسهم من الوعيد فيه. # PageV02P438 # المسألة الثانية: قوله: {وهاجروا} [الأنفال: 72]: هم الذين تركوا أوطانهم ~~وأهليهم وأموالهم إيثارا لله ورسوله في إعلاء دينه، وإظهار كلمته، ولزوم ~~طاعته، وعموم دعوته. # المسألة الثالثة: {وجاهدوا} [الأنفال: 72]: أي التزموا الجهد؛ وهي المشقة ~~في أنفسهم، بتعريضها للإذاية والنكاية والقتل، وبأموالهم بإهلاكها فيما ~~يرضي الله. # المسألة الرابعة: قوله: {والذين آووا ونصروا} [الأنفال: 72]: هم الأنصار ~~الذي تبوءوا الدار والإيمان، وانضوى إليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~والمهاجرون. # المسألة الخامسة: {أولئك بعضهم أولياء بعض} [الأنفال: 72]: فيه قولان: ~~أحدهما: في النصرة. # الثاني: في الميراث. # قال ابن عباس وغيره: جعل الله الميراث للمهاجرين والأنصار دون ذوي ~~الأرحام. # المسألة السادسة: قال {والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من ~~شيء حتى يهاجروا} [الأنفال: 72] قيل: من النصرة لبعد دارهم. # وقيل: من الميراث لانقطاع ولايتهم. ### | [مسألة وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر] # المسألة السابعة: {وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر} [الأنفال: 72]: ~~يريد إن دعوا من أرض الحرب عونكم بنفير أو مال لاستنقاذهم، فأعينوهم؛ فذلك ~~عليكم فرض، إلا على قوم بينكم وبينهم عهد، فلا تقاتلوهم عليهم [يريد] حتى ~~يتم العهد أو ينبذ على سواء. # PageV02P439 # المسألة الثامنة: أما قوله: {أولئك بعضهم أولياء بعض} [الأنفال: 72]: ~~يعني في النصرة أو في ms0795 الميراث على الاختلاف المتقدم، فلا يبالى به أن يكون ~~المراد أحدهما أو كلاهما؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد بين حكم ~~الميراث بقوله: «ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى عصبة ذكر». # وأما قوله: {والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى ~~يهاجروا} [الأنفال: 72]: فإن ذلك عام في النصرة والميراث؛ فإن من كان مقيما ~~بمكة على إيمانه لم يكن ذلك معتدا له به، ولا مثابا عليه حتى يهاجر. # ثم نسخ الله ذلك بفتح مكة والميراث بالقرابة، سواء كان الوارث في دار ~~الحرب أو في دار السلام؛ لسقوط اعتبار الهجرة بالسنة، إلا أن يكونوا أسراء ~~مستضعفين؛ فإن الولاية معهم قائمة، والنصرة لهم واجبة بالبدن بألا يبقى منا ~~عين تطرف حتى نخرج إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك، أو نبذل جميع ~~أموالنا في استخراجهم، حتى لا يبقى لأحد درهم كذلك. # قال مالك وجميع العلماء: فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما حل بالخلق في ~~تركهم إخوانهم في أسر العدو، وبأيديهم خزائن الأموال وفضول الأحوال والعدة ~~والعدد، والقوة والجلد. ### | [الآية الثالثة والعشرون قوله تعالى والذين كفروا بعضهم أولياء بعض] # إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير} [الأنفال: 73] فيها مسألتان: # PageV02P440 # المسألة الأولى: قطع الله الولاية بين الكفار والمؤمنين فجعل المؤمنين ~~بعضهم أولياء بعض، وجعل الكافرين بعضهم أولياء بعض، وجعل المنافقين بعضهم ~~أولياء بعض، يتناصرون بدينهم، ويتعاملون باعتقادهم. # وفي الصحيح: «مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو ~~منه تداعى سائره بالحمى والسهر». # ويحتمل أن يريد به بعضهم أولياء بعض في الميراث؛ في الصحيح أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم». # وقد تقدم قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ~~بعضهم أولياء بعض} [المائدة: 51]. # وقال بعد هذا: {المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض} [التوبة: 67]. # المسألة الثانية: قوله: {إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض} [الأنفال: 73]: ~~يعني بضعف الإيمان وغلبة الكفر؛ وهذه هي الفتنة والفساد في الأرض، وفي هذا ~~أمر ms0796 بالخروج عن دار الكفر إلى دار الإيمان، وهي الهجرة. ### | [الآية الرابعة والعشرون قوله تعالى والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله] # الآية الرابعة والعشرون: # قوله تعالى: {والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ~~ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم} [الأنفال: 74]. # PageV02P441 # روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لحارثة: يا حارثة، كيف أصبحت؟ ~~قال: مؤمنا حقا. قال: لكل حق حقيقة، فما حقيقة إيمانك؟ قال: عزفت نفسي عن ~~الدنيا؛ فاستوى عندي حجرها وذهبها، وكأني ناظر إلى عرش ربي. فقال له النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: عرفت فالزم». # وفي الحديث الصحيح: «لا يدرك أحدكم حقيقة الإيمان حتى يكون الله ورسوله ~~أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في ~~الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يعود في النار». # وقد تقدم قوله: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} ~~[الأنفال: 2] إلى قوله: كريم. # وإذا كان الإيمان في القلب حقا ظهر ذلك في استقامة الأعمال بامتثال ~~الأمر. # واجتناب النهي، وإذا كان مجازا قصرت الجوارح في الأعمال؛ إذ لم تبلغ قوته ~~إليها. ### | [الآية الخامسة والعشرون قوله تعالى والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم] # الآية الخامسة والعشرون: # قوله تعالى: {والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم ~~وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم} ~~[الأنفال: 75]. # فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى: قوله: {من بعد} [الأنفال: 75]: يعني من ~~بعد ما أمرتكم بالموالاة، هكذا قال جماعة من المفسرين، إلا أنه يحتمل أن ~~يكون يريد من بعد الإيمان الأول والهجرة الأولى، فإن الهجرة طبقات: ~~المهاجرون # PageV02P442 # الأولون، وبعدهم من هاجر في بحبوحة الإيمان وقبل الفتح، وهم طبقات عندنا ~~ودرجات عند الله. # المسألة الثانية: قوله: {فأولئك منكم} [الأنفال: 75]: يعني في الموالاة ~~والميراث على اختلاف الأقوال؛ فإن تولى قوما فهو منهم باعتقاده معهم، ~~والتزامه لهم، وعمله بعملهم، كما قال تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} ~~[المائدة: 51]. ### | [مسألة الموالاة بالهجرة ms0797 دون القرابة] # المسألة الثالثة: قوله {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض} [الأنفال: 75]: ~~قال ابن عباس: هذه الآية نسخ لما تقدم من الموالاة بالهجرة دون القرابة ~~التي ليس معها هجرة. # والذي عندي أنه عموم في كل قريب بينته السنة بقوله: «ألحقوا الفرائض ~~بأهلها، فما بقي فهو لأولى عصبة ذكر»، حسبما ثبت في كتاب الله، وقال رسول ~~الله. وكتاب الله الذي ثبت فيه هو اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه كل شيء، ~~فتجري الأحكام على ما سطر فيه من نسخ وثبوت وإمضاء ورد. # PageV02P443 ### | [سورة التوبة فيها إحدى وخمسون آية] # [تسميتها] ### | [تسميتها]: # قال علماؤنا: هذه السورة من آخر ما نزل بالمدينة، ولذلك قل فيها المنسوخ، ~~ولها ستة أسماء: التوبة، والمبعثرة، والمقشقشة، والفاضحة وسورة البحوث، ~~وسورة العذاب. # فأما تسميتها بسورة التوبة فلأن الله ذكر فيها توبة الثلاثة الذين خلفوا ~~بتبوك. # فأما تسميتها بالفاضحة فلأنه نزل فيها: ومنهم، ومنهم. # قالت الصحابة: حتى ظننا أنها لا تبقي أحدا. # وأما تسميتها المبعثرة فمن هذا المعنى، يقال: بعثرت المتاع: إذا جعلت ~~أعلاه أسفله، وقلبت جميعه وقلبته، ومنه: {وإذا القبور بعثرت} [الانفطار: ~~4]. # وأما تسميتها المقشقشة فمن الجمع، فإنها جمعت أوصاف المنافقين، وكشفت ~~أسرار الدين. # وأما تسميتها سورة البحوث فمن بحث: إذا اختبر واستقصى، وذلك لما تضمنت ~~أيضا من ذكر المنافقين والبحث عن أسرارهم. # وأما تسميتها سورة العذاب فقد روي عن ثابت بن الحارث الأنصاري أنه قال: ~~ما كانوا يدعون سورة التوبة إلا المبعثرة، فإنها تبعثر أخبار المنافقين. # وروي عن ابن عمر أنه قال: ما كنا ندعوها إلا المقشقشة. # وروي عن قتادة أنه قال: مثل براءة كمثل المرود ما يدرى أسفله من أعلاه. # PageV02P444 ### | [القول في سقوط بسم الله الرحمن الرحيم من سورة التوبة] # القول في سقوط بسم الله الرحمن الرحيم منها: وفي ذلك للعلماء أغراض ~~جماعها أربعة: # الأول: قال مالك فيما روى عنه ابن وهب، وابن القاسم، وابن عبد الحكم: إنه ~~لما سقط أولها سقط بسم الله الرحمن الرحيم معه. # وكذلك يروى عن ابن عجلان أنه بلغه أن سورة " براءة " كانت ms0798 تعدل البقرة أو ~~قربها، فذهب منها، فلذلك لم يكتب فيها بسم الله الرحمن الرحيم. # الثاني: أن براءة سخط، وبسم الله الرحمن الرحيم رحمة، فلا يجمع بينهما. # الثالث: أن براءة نزلت برفع الأمان، وبسم الله الرحمن الرحيم أمان. # وهذه كلها احتمالات، منها بعيد ومنها قريب؛ وأبعدها قول من قال: إنها ~~مفتتحة بذكر الكفار؛ لأن سورا كثيرة من سور القرآن افتتحت بذكر الكفار ~~كقوله: {الذين كفروا} [محمد: 1]. # وقوله: {ويل لكل همزة} [الهمزة: 1]. # الرابع: وهو الأصح ما ثبت عن يزيد الفارسي أنه قال: قال لنا ابن عباس: ~~قلنا لعثمان: ما حملكم أن عمدتم إلى الأنفال، وهي من المثاني وإلى براءة، ~~وهي من المئين، فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن ~~الرحيم، ووضعتموها في السبع الطوال، فما حملكم على ذلك؟. قال عثمان: «إن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا نزل عليه الوحي يدعو ببعض من ~~يكتب عنه، فيقول: ضعوا هذا في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وتنزل عليه ~~الآية فيقول: ضعوا هذه الآية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت ~~الأنفال من أول ما نزل، وبراءة من آخر ما نزل من القرآن، وكانت قصتها شبيهة ~~بقصتها، وقبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يبين لنا أنها منها، ~~فظننت أنها منها؛ فمن ثم قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن ~~الرحيم». # وروي عن أبي بن كعب: آخر ما نزل براءة «وكان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يأمرنا في أول كل سورة ببسم الله الرحمن الرحيم، ولم يأمرنا في سورة ~~براءة بشيء»؛ فلذلك ضمت إلى الأنفال، وكانت شبيهة بها. # PageV02P445 # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أعطيت السبع الطوال ~~مكان التوراة، وأعطيت المئين مكان الزبور، وأعطيت المثاني مكان الإنجيل، ~~وفضلت بالمفصل». ### | [نكتة أصولية] # : في هذا كله دليل على أن تأليف القرآن كان منزلا من عند الله، وأن ~~تأليفه من تنزيله يبينه النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه، ويميزه ~~لكتابه، ويرتبه على أبوابه، إلا ms0799 هذه السورة فلم يذكر لهم فيها شيئا؛ ليتبين ~~الخلق أن الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ولا يسأل عن ذلك كله، ولا ~~يعترض عليه، ولا يحاط بعلمه إلا بما أبرز منه إلى الخلق، وأوضحه بالبيان. # ودل بذلك على أن القياس أصل في الدين؛ ألا ترى إلى عثمان وأعيان الصحابة ~~كيف لجئوا إلى قياس الشبه عند عدم النص، ورأوا أن قصة " براءة " شبيهة بقصة ~~" الأنفال " فألحقوها بها؟ فإذا كان الله قد بين دخول القياس في تأليف ~~القرآن فما ظنك بسائر الأحكام. ### | [الآية الأولى قوله تعالى براءة من الله ورسوله] # وفي هذه السورة إحدى وخمسون آية: # الآية الأولى قوله تعالى: {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من ~~المشركين} [التوبة: 1]. # فيها أربع مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: {براءة} [التوبة: 1]: أي ~~هذه الآيات براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين؛ يقال: برئت ~~من الشيء أبرأ براءة فأنا منه بريء: إذا أزلته عن نفسك، وقطعت سبب ما بينه ~~وبينك. # PageV02P446 # المسألة الثانية: قوله تعالى: {إلى الذين عاهدتم من المشركين} [التوبة: ~~1]: ولم يعاهدهم إلا النبي - صلى الله عليه وسلم - وحده، ولكنه كان الآمر ~~والحاكم، وكل ما أمر به أو أحكمه فهو لازم للأمة، منسوب إليهم، محسوب ~~عليهم، يؤاخذون به؛ إذ لا يمكن غير ذلك؛ فإن تحصيل الرضا في ذلك من الجميع ~~متعذر لوجهين: أحدهما: اختلاف الآراء، وامتناع الاتفاق على مذهب واحد. # والثاني: كثرة عددهم المانع من تحصيل رضا جميعهم، فوقع الاجتزاء بالمقدم ~~من الوجهين؛ فإذا عقد الإمام بما يراه من المصلحة أمرا لزم الرعايا حكمه، ~~فإذا رضوا به كان أثبت لنسبته إليهم، كما نسب عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى المسلمين، لكونهم به راضين. # ويحتمل أن يكون الضمير للجماعة، وهو مضاف إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - على طريق التعظيم في الإخبار عن الواحد العظيم بلفظ الجمع. ### | [مسألة الذين عاهدتم من المشركين] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {من المشركين} [التوبة: 1]: وهذا نص في أن ~~المعاهد كان مشركا، ولم يكن أحد منهم ms0800 من أهل الكتاب، وإن كانوا أيضا ~~مشركين؟ لأن العهد كان مخصوصا بالعرب أهل الأوثان، وكانوا على قسمين: منهم ~~من كان أجل عهده أقل من أربعة أشهر. # ومنهم من لم يكن له عهد، فأمهل الكل أربعة أشهر. # وقيل: من لم يكن له عهد أجل خمسين ليلة: عشرين من ذي الحجة والمحرم، وذلك ~~لقوله: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} [التوبة: 5]. # وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. # قال القاضي - رضي الله عنه -: الذي عندي أن هذا عام في كل أحد ممن له عهد ~~دون من لا عهد له؛ لقوله: {إلا الذين عاهدتم من المشركين} [التوبة: 4]. # فمن كان له عهد أجل أربعة أشهر، ويحل دمه، ومن لم يكن له عهد فهو على أصل ~~الإحلال لدمه بالكفر الموجود به. # PageV02P447 # المسألة الرابعة: يحتمل أن تكون الأربعة الأشهر أيضا أجلا لمن كانت مدته ~~أكثر من أربعة أشهر. # ويكون إسقاط الزيادة تخصيصا للمدة، كما أخرج الله النساء من أعداد من ~~صولح عليه في الحديبية، بحسب ما يظهر من المصلحة للإمام، والتمادي على ~~العهد، أو الرجوع عنه، حسبما بيناه قبل. ### | [الآية الثانية قوله تعالى فسيحوا في الأرض أربعة أشهر] # واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين} [التوبة: 2]. # فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: {فسيحوا في الأرض أربعة ~~أشهر} [التوبة: 2]: أي سيروا، وهي السياحة قال ابن وهب: قال مالك: بلغني أن ~~عيسى ابن مريم انتهى إلى قرية خربت حصونها، وجفت أنهارها، وتشعب شجرها، ~~فنادى: يا خرب، أين أهلك؟ فنودي: يا عيسى، بادوا فضمتهم الأرض، وعادت ~~أعمالهم قلائد في رقابهم إلى يوم القيامة؛ عيسى ابن مريم فجد. # قال علماؤنا: يريد مالك بسياحته أنه المسيح عيسى ابن مريم. # المعنى: لكم في الأرض مسير أربعة أشهر، واختبروا فيها، وحرروا أعمالكم، ~~وانظروا مآلكم، فإن دخلتم في الإسلام فلكم الأمان والاحترام، وإن استمررتم ~~على الكفر عوملتم بمعاملة الكفار من القتل والإسار. ### | [مسألة العهد المحدود لمدة] # المسألة الثانية: قد روى جماعة أن علي بن أبي طالب كان يقول في أذانه: ~~ومن كان بينه وبين ms0801 النبي - صلى الله عليه وسلم - عهد فعهده إلى مدته؛ فإن ~~صح هذا فإنه يدل على أن العهد المحدود لمدة موقوف على أمده، وأن العهد ~~المطلق، أو الذي له أقل من أربعة أشهر فإن مدته أربعة أشهر، إلا من لم ~~ينقض، فإن عهده إلى مدته من غير خلاف بنص القرآن بعد هذا. # PageV02P448 ### | [مسألة الأشهر التي قدرت للسياحة] # المسألة الثالثة: اختلف الناس في هذه الأشهر التي قدرت للسياحة على أربعة ~~أقوال: # الأول: أنها من شوال في سنة ثمان إلى صفر من سنة تسع؛ قاله الزهري وغيره. # الثاني: أنها عشرون من ذي الحجة، أولها يوم النحر إلى تمام أربعة أشهر. # وذلك بمضي عشرة أيام من ربيع الأول سنة تسع، وقيل: هو الثالث من أول يوم ~~من ذي القعدة. # وقيل في الرابع من يوم يبلغهم العلم. # والصحيح أنه من يوم النحر؛ فبذلك كان البدء وإليه كان المنتهى. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر] # الآية الثالثة: # قوله تعالى {وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله ~~بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير ~~معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم} [التوبة: 3]. # فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: الأذان: هو الإعلام لغة من غير خلاف، المعنى براءة من ~~الله وسوله وأذان من الله ورسوله، أي هذه براءة، وهذا إعلام وإنذار: {وما ~~كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15]. # {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} [النساء: 165]. # المسألة الثانية: روى البخاري وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب ~~بمنى فقال: «أيها الناس أتدرون أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: ~~هذا يوم الحج الأكبر. أتدرون أي شهر هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ~~شهر حرام. قال: أتدرون أي بلد هذا؟ # PageV02P449 # قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: بلد حرام. قال: إن الله حرم عليكم دماءكم ~~وأموالكم وأعراضكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا». # وروي عن أبي هريرة أيضا ms0802 قال: «بعثني أبو بكر في تلك الحجة في المؤذنين ~~الذين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف ~~بالبيت عريان. قال أبو هريرة: ثم أردفه النبي - صلى الله عليه وسلم - بعلي، ~~فأمره أن ينادي ببراءة. قال أبو هريرة: فأذن معنا علي بمنى يوم النحر ~~ببراءة، وألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.» # وروى الترمذي عن سليمان بن عمر وابن الأحوص، حدثنا أبي أنه «شهد حجة ~~الوداع مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحمد الله وأثنى عليه، وذكر، ~~ووعظ، ثم قال: أي يوم أحرم، أي يوم أحرم؛ أي يوم أحرم؟ قال: فقال الناس: ~~يوم الحج الأكبر يا رسول الله. قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم ~~حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا، ألا لا يجني جان على ~~نفسه، لا يجني والد على ولده، ولا ولد على والده، إن المسلم أخو المسلم، ~~فليس يحل لمسلم من أخيه إلا ما حل من نفسه، ألا وإن كل ربا في الجاهلية ~~موضوع، لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، غير ربا العباس بن عبد ~~المطلب، فإنه موضوع كله، ألا وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع، وإن أول دم ~~أضع من دماء الجاهلية دم الحارث بن عبد المطلب، كان مسترضعا في بني ليث ~~فقتلته هذيل، ألا واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوار عندكم، ليس تملكون منهن ~~شيئا غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة؛ فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع، ~~واضربوهن ضربا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا. ألا إن لكم على ~~نسائكم حقا، ولهن عليكم حقا، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من ~~تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون. ألا وإن حقهن عليكم أن تحسنوا ~~إليهن في كسوتهن وطعامهن». # PageV02P450 # هذا حديث حسن صحيح. # وروي عن الحارث عن علي قال: «سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ~~يوم الحج الأكبر، فقال: يوم النحر». # وروي أيضا عن ابن عباس قال: «بعث النبي - صلى ms0803 الله عليه وسلم - أبا بكر، ~~وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات، وأتبعه عليا، فبينما أبو بكر في بعض الطريق ~~إذ سمع رغاء ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القصواء، فخرج أبو بكر ~~فزعا يظن أنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا هو علي، فدفع إليه ~~كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمر عليا أن ينادي بهذه الكلمات، ~~فانطلقا وحجا، فقام علي فنادى أيام التشريق: ذمة الله ورسوله بريئة من كل ~~مشرك، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن ~~بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا مؤمن». # وكان علي ينادي فإذا أعيا قام أبو بكر ينادي بها. # وروي عن زيد بن يثيع قال: «سألت عليا بأي شيء بعثت في الحجة؟ قال: بعثت ~~بأربع: ألا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي عهد فعهده إلى ~~مدته، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ~~ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا». قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. # وروي أيضا عن سماك بن حرب عن أنس بن مالك قال: «بعث النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ببراءة مع أبي بكر، ثم دعاه فقال: لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا ~~إلا رجل من أهلي فدعا عليا، فأعطاه إياه». وهذا حديث غريب من حديث أنس بن ~~مالك. # PageV02P451 # المسألة الثالثة: اختلف الناس في يوم الحج الأكبر؛ فروى ابن وهب عن مالك ~~أن يوم الحج الأكبر يوم النحر. # قال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: لا نشك أن الحج الأكبر يوم النحر؛ وذلك ~~لأنه اليوم الذي ترمى فيه الجمرة، وينحر فيه الهدي، وتراق فيه الدماء، وهذا ~~اليوم الذي ينقضي فيه الحج؛ من أدرك ليلة النحر فوقف بعرفة قبل الفجر أدرك ~~الحج، وهو انقضاء الحج وهو الحج الأكبر. # ونحوه روى ابن القاسم، وأشهب، وعبد الله بن الحكم عنه، وبه قال ابن عمر، ~~وعلي، وابن المسيب، وكذلك يروى عن ابن أبي أوفى أنه سئل عن الحج الأكبر، ~~فقال: ms0804 " هو يوم يحلق فيه الشعر، وتراق فيه الدماء، ويحل فيه الحرام، وتوضع ~~فيه النواصي ". # وقال عبد الله بن الحارث بن نوفل، ومحمد بن سيرين: " إنه يوم عرفة " وبه ~~قال الشافعي. # وقال مجاهد: " الحج الأكبر القران، والحج الأصغر العمرة ". # قال القاضي: إذا نظرنا في هذه الأقوال فالمنقح منها أن الحج الأكبر الحج، ~~كما قال مجاهد؛ لكنا إذا بحثنا عن يوم الحج الأكبر فلا شك أن يوم عرفة يوم ~~الحج الأكبر؛ لأن الحج عرفة، من أدرك الوقوف بها في يومها أدرك الحج، ومن ~~فاته الوقوف بها فلا حج له؛ بيد أن المراد بالبحث عن يوم الحج الأكبر الذي ~~ذكره الله في كتابه، وذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - في خطبته، ولا شك ~~في أنه يوم النحر لثبوت الحديث الصحيح. # فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أمر بالأذان يوم النحر، ولثبوت ~~الحديث الصحيح أيضا، فإنه قال يوم النحر: «أي يوم هذا، أليس يوم الحج ~~الأكبر؟» كما تقدم بيانه. # وإن كان قد روي عن الزبير «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب يوم عرفة ~~فقال: أتدرون أي يوم هذا؟ فيقولون: هو يوم الحج الأكبر». وهذا مما لم يصح ~~سنده. # وقد احتج ابن أبي أوفى على أنه يوم الحج الأكبر بانقضاء الحج فيه من # PageV02P452 # النسك، وإلقاء التفث، وهو الذي قال الله فيه: {ثم ليقضوا تفثهم} [الحج: ~~29]. # وغاص مالك على الحقيقة، فجمع بين الدلائل، وقال: إن يوم النحر فيه الحج ~~كله؛ لأن الوقوف إنما هو في ليلته، وفي صبيحته الرمي والحلق والنحر ~~والطواف، فلا يبقى بعد هذا إشكال، والله أعلم. # وقد روى أبو جعفر محمد بن علي أنه قال: لما نزلت " براءة " على رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وقد بعث أبا بكر الصديق ليقيم للناس الحج قيل له: ~~يا رسول الله، لو بعثت به إلى أبي بكر. # فقال: «إنه لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي. ثم دعا عليا، فقال له: اخرج ~~بهذه القصة من صدر براءة، وأذن في الناس يوم النحر إذا ms0805 اجتمعوا بمنى أنه لا ~~يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان ~~له عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهد فهو له إلى مدته. فخرج علي ~~على ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أدرك أبا بكر الصديق، فلما ~~رآه أبو بكر قال: أمير أم مأمور؟ قال بل مأمور. ثم مضيا، فأقام أبو بكر ~~للناس الحج، والعرب إذ ذاك في تلك السنة على منازلهم من الحج التي كانوا ~~عليها في الجاهلية، حتى إذا كان يوم النحر قام علي بن أبي طالب فأذن في ~~الناس بالذي أمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم -». # وقد سمعت بعض العلماء يقول: إنما سمي يوم الحج الأكبر؛ لأن الناس يجتمعون ~~فيه من كان يقف بعرفة، ومن كان يقف بالمزدلفة، وكان النداء في اليوم الذي ~~يجتمع الناس كلهم فيه أولى وأبلغ في المراد. # وهذا وإن كان صحيحا في المعنى، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد ~~سماه يوم الحج الأكبر في حجة الوداع بعد ذلك، والوقوف كله بعرفة. # سمعت أبا سعيد محمد بن طاهر الشهيد يقول: سمعت الأستاذ أبا المظفر طاهر ~~بن محمد شاه بور # PageV02P453 # يقول: إنما أرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - عليا ببراءة مع أبي بكر؛ ~~لأن براءة تضمنت نقض العهد الذي كان عقده النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وكانت سيرة العرب أنه لا يحل العقد إلا الذي عقده أو رجل من بيته، فأراد ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقطع ألسنة العرب بالحجة، وأن يرسل ابن ~~عمه الهاشمي من بيته بنقض العهد، حتى لا يبقى لهم متكلم. وهذا بديع في فنه. ### | [مسألة قول علي في التأذين] # المسألة الرابعة: اختلف في قول علي في التأذين: هل كان بثلاث آيات أو تسع ~~إلى قوله: {إنما المشركون نجس} [التوبة: 28]. # أو إلى قوله: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29]. # وهذا إنما نشأ من روايات وردت، منها قوله: ولا يحج بعد العام مشرك. وفيها ~~ما روي أنه أمره ms0806 أن يقاتل أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. # والذي يصح من ذلك أن تأذينه إنما كان إلى قوله: {غفور رحيم} [التوبة: 5] ~~وغير ذلك من الآيات إنما ورد بعد ذلك في وقت واحد، أو في أوقات متباينة ~~بأحكام مختلفة، منها ما قاله في تأذينه، ومنها ما زاد عليه. ### | [الآية الرابعة قوله تعالى إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا] # ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب ~~المتقين} [التوبة: 4]. # قال علماؤنا: هذا يدل على أنه كان من أهل العهد من خاس بعهده، وكان منهم ~~من ثبت عليه، فأذن الله لنبيه في نقض عهد من خاس، وأمر بالوفاء لمن بقي على ~~عهده إلى مدته، وذلك قوله: {كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا ~~الذين عاهدتم عند المسجد الحرام} [التوبة: 7]. # المعنى: كيف يبقى لهم عهد عند الله وهم قد نقضوه؛ والمراد بذلك قريش ~~الذين عاهدهم النبي - صلى الله عليه وسلم - زمن الحديبية؛ أمر أن يتم لهم ~~عهدهم إلى مدتهم، وكان قد بقي لهم # PageV02P454 # منها أربعة أشهر من يوم النحر؛ وهذا وهم؛ فإن قريشا قد كان عهدها منقوضا ~~منهم ومن المسلمين، وقد كان الفتح، وإنما كان المراد به من كان عاهد من ~~العرب كخزاعة وبني مدلج، فلا بد من أن يوفى لهم بعهدهم فإن الله يحب ~~المتقين. ### | [الآية الخامسة قوله تعالى فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين] # حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم} [التوبة: 5]. # فيها إحدى عشرة مسألة: المسألة الأولى: قوله: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم} ~~[التوبة: 5]: فيها أربعة أقوال: # الأول: أنها الأشهر الحرم المعلومة: رجب الفرد، وذو القعدة، وذو الحجة، ~~والمحرم. # الثاني: أنها شوال من سنة تسع إلى آخر المحرم. # الثالث: أنها أربعة أشهر من يوم النحر من سنة تسع. # الرابع: أنها تمام تسعة أشهر كانت بقيت من عهدهم بناء على أن المراد ~~بالمشركين الذين عاهدوا ثم لم ينقضوا. ms0807 # المسألة الثانية: أما القول الأول فساقط لا ينبغي أن نشتغل به، لانعقاد ~~الإجماع على فساده، ويأتي تمامه إن شاء الله في هذه السورة. # وأما سائر الأقوال فمحتملة، إلا أن الصحيح عندنا أربعة أشهر من يوم النحر ~~كما تقدم، وهو الوقت الذي كان فيه الأذان، وبه وقع الإعلام، وعليه ترتب حل ~~العقد المرتبط إليه، وبناء الأجل المسمى عليه. # PageV02P455 ### | [مسألة قوله تعالى فاقتلوا المشركين] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5]: هذا اللفظ ~~وإن كان مختصا بكل كافر بالله، عابد للوثن في العرف، ولكنه عام في الحقيقة ~~لكل من كفر بالله، أما أنه بحكم قوة اللفظ يرجع تناوله إلى مشركي العرب ~~الذين كان العهد لهم وفي جنسهم، ويبقى الكلام فيمن كفر من أهل الكتاب ~~غيرهم، فيقتلون بوجود علة القتل، وهي الإشراك فيهم، إلا أنه قد وقع البيان ~~بالنص عليهم في هذه السورة، ويأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5]: عام في كل ~~مشرك لكن السنة خصت منه من تقدم ذكره قبل هذا من امرأة وصبي، وراهب، وحشوة، ~~حسبما تقدم بيانه، وبقي تحت اللفظ من كان محاربا أو مستعدا للحرابة ~~والإذاية، وتبين أن المراد بالآية: اقتلوا المشركين الذين يحاربونكم. ### | [مسألة قوله تعالى حيث وجدتموهم] # المسألة الخامسة: قوله تعالى: {حيث وجدتموهم} [التوبة: 5]: هذا عام في كل ~~موضع؛ وقد قال أبو حنيفة: إنه يخص منها المسجد الحرام بقوله في البقرة: ~~{ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام} [البقرة: 191]. # وقرئ: ولا تقتلوهم. # وقد تقدم القول فيها في سورة البقرة. # وقد قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها أربعة نفر منهم ابن خطل. # فإن قيل: قد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن مكة حرمها الله فلم ~~تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، ثم عادت ~~حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس». # وهذا نص. # قلنا: هذا خبر عن الله تعالى بأنه لا يملكها كافر أبدا، لأن القتال إنما ~~يكون للكفار، فأما كافر يأوي إليها فلا تعصمه ولا ms0808 قرة عين، وليس في قوة ~~الحديث ولا لفظه أنه لا يقتل فيها. # PageV02P456 ### | [مسألة قوله تعالى وخذوهم واحصروهم] # المسألة السادسة: قوله: {وخذوهم واحصروهم} [التوبة: 5]: دليل على جواز ~~الإسار فيهم، وقد تقدم ذكر ذلك. ### | [مسألة جواز اغتيال المشركين قبل الدعوة] # المسألة السابعة: قوله: {واقعدوا لهم كل مرصد} [التوبة: 5]: قال علماؤنا: ~~في هذا دليل على جواز اغتيالهم قبل الدعوة، وقد تقدم بيانه. ### | [مسألة فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة] # المسألة الثامنة: قوله: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة} ~~[التوبة: 5] # الآية إلى: {فخلوا سبيلهم إن الله غفور} [التوبة: 5] لما تقدم، (رحيم) ~~بخلقه في إمهالهم ثم المغفرة لهم. # وهذا مبين بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يقولوا: لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك ~~عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله». # فانتظم القرآن والسنة واطردا. # المسألة التاسعة: قوله: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة} ~~[التوبة: 5]: دليل صحيح على ما كان الصديق - رضي الله عنه - تعلق به على ~~أهل الردة في قوله: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق ~~المال؛ لأن الله تعالى علق العصمة بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فتعلق بهما. ### | [مسألة ترك قتال المشركين وحصرهم ومنعهم عن التصرف] # المسألة العاشرة: قوله: {فخلوا سبيلهم} [التوبة: 5]: وهو إشارة إلى ترك ~~قتالهم وحصرهم ومنعهم عن التصرف، وألا يرصد لهم غيلة، ولا يقطع على أحد فعل ~~ذلك سبيله. ### | [مسألة معنى قوله تعالى واحصروهم] # المسألة الحادية عشرة: قوله تعالى {واحصروهم} [التوبة: 5]: قال بعض ~~علمائنا: امنعوهم عن التصرف إلى بلادكم والدخول إلا للقليل إليكم، إلا أن ~~تأذنوا لهم في ذلك، فيدخلوا إليكم بأمان منكم؛ فإن المحبوس تحت سلطان ~~الإذن، من الجانبين، ولولا ذلك لم يكن حبس ولا حصر فإن ذلك حقيقته. # PageV02P457 ### | [الآية السادسة قوله تعالى وإن أحد من المشركين استجارك فأجره] # حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون} [التوبة: ~~6]. # فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: قوله تعالى {وإن أحد من المشركين استجارك} [التوبة: 6]: ~~معناه ms0809 سأل جوارك، أي أمانك وذمامك فأعطه إياه ليسمع القرآن؛ فإن قبل أمرا ~~فحسن، وإن أبى فرده إلى مأمنه؛ ولهذا قال مالك: إذا وجد الحربي في طريق ~~بلاد المسلمين، فقال: جئت أطلب الأمان، فقال مالك: هذه أمور مشكلة، وأرى أن ~~يرد إلى مأمنه، والآية إنما هي فيمن يريد سماع القرآن والنظر في الإسلام؛ ~~فأما الإجارة لغير ذلك فإنما هي لمصلحة المسلمين، والنظر فيما يعود عليهم ~~به منفعة؛ وذلك يكون من أمير أو مأمور؛ فأما الأمير فلا خلاف في أن إجارته ~~جائزة؛ لأنه مقدم للنظر والمصلحة، نائب عن الجميع في جلب المنافع ودفع ~~المضار. # وأما إن كان رعية روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم». # والذي منهم غير الأمير، وهو حر أو عبد أو امرأة أو صبي، فأما الحر فيمضي ~~أمانه عند كافة العلماء، إلا أن ابن حبيب من أصحابنا قال: ينظر الإمام فيه، ~~وهذا ليس بصحيح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجاز جواره في هذا ~~الحديث وكذلك أمضاه عمر على الناس، وتوعد بالقتل من رده، فقال: " لا يقولن ~~أحدكم للعلج إذا اشتد في الحبل مطرس فإذا سكن إلى قوله قتله؛ فإني لا أوتى ~~بأحد فعل ذلك إلا ضربت عنقه ". # PageV02P458 # وأما العبد: فله الأمان في مشهور المذهب؛ وبه قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة: لا أمان له، وهو القول الثاني لعلمائنا، وكأن أبا حنيفة ~~رأى أن من لا يسهم له في الغنيمة من عبد أو امرأة أو صبي لا أمان له، لأنه ~~إسقاط، فكيف يسقط ما ليس له فيه حق. # وعمدة المالكية أن عموم الحديث يدخل فيه العبد والمرأة، ولأن أبا حنيفة ~~ناقض فقال: إذا أذن له سيده في القتال جاز أمانه، ولا يصح أن يسلب جواز ~~الأمن من الإذن في القتال؛ لأنه صده، فدل على أنه إنما استفاده بالإسلام ~~والآدمية. # وأما الصبي: فعدم تكليفه يسقط قوله بلا كلام، إلا أن المالكية قالت: إذا ~~أطاق القتال صار في جملة الجيش؛ وقد ms0810 تقدم دليل ذلك؛ وجاز أمانه؛ لأنه قد ~~صار من جملة المقاتلة، ودخل في الفئة الحامية. ### | [مسألة معنى قوله تعالى حتى يسمع كلام الله] # المسألة الثانية: قوله تعالى {حتى يسمع كلام الله} [التوبة: 6]: ما من ~~أحد من الخلق يسمع القرآن إلا وهو سامع لكلام الله، لكن بواسطة اللغات ~~وبدلالة الحروف والأصوات، وكذلك يسمع كلام الله كل غائب، لكن القدوس لا مثل ~~له ولا لكلامه. # وإذا أراد الله تعالى أن يكرم أحدا من خلقه أسمعه كلامه بغير واسطة، كما ~~فعل بموسى ومحمد ليلة الإسراء. ### | [مسألة معنى قوله تعالى حتى يسمع كلام الله] # المسألة الثالثة: ليس يريد بقوله: {حتى يسمع كلام الله} [التوبة: 6] مجرد ~~الإصغاء، فيحصل العلم له بظاهر القول؛ وإنما أراد به فهم المقصود من دلالته ~~على النبوة، وفهم المقصود به من التكليف، ولم يكن يخفى على العرب وجه ~~الإعجاز فيه، وطريق الدلالة على النبوة، لكونه خارجا عن أساليب فصاحة العرب ~~في النظم والنثر، والخطب والأراجيز، والسجع والأمثال، وأنواع فصل الخطاب؛ ~~فإن خلق الله له العلم بذلك، والقبول له صار من جملة المسلمين، فإن صد ~~بالطبع، ومنع بالختم، وحق عليه بالكفر القول رد إلى مأمنه. # PageV02P459 ### | [مسألة معنى قوله تعالى ذلك بأنهم قوم لا يعلمون] # المسألة الرابعة: قوله تعالى {ذلك بأنهم قوم لا يعلمون} [التوبة: 6]: نفى ~~الله عنهم العلم؛ لنفي فائدته من الاعتبار والاستبصار، وقد ينتفي الشيء ~~بانتفاء فائدته؛ إذ الشيء إنما يراد لمقصوده، فإذا عدم المقصود فكأنه لم ~~يوجد؛ فأمر الله بالرفق بهم، والإمهال لهم، حتى يقع الاعتبار أن من الله ~~بالهدى والاستبصار. ### | [الآية السابعة قوله تعالى وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم] # فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون} [التوبة: 12]. # فيها مسألتان: المسألة الأولى: قوله تعالى {وطعنوا في دينكم} [التوبة: ~~12]: دليل على أن الطاعن في الدين كافر، وهو الذي ينسب إليه ما لا يليق به، ~~أو يعترض بالاستخفاف على ما هو من الدين؛ لما ثبت من الدليل القطعي على صحة ~~أصوله واستقامة فروعه. ### | [مسألة إذا طعن ms0811 الذمي في الدين] # المسألة الثانية: إذا طعن الذمي في الدين انتقض عهده لقوله: {وإن نكثوا ~~أيمانهم} [التوبة: 12] # إلى: {فقاتلوا أئمة الكفر} [التوبة: 12] فأمر الله بقتلهم وقتالهم إذا ~~طعنوا في دينكم. # فإن قيل: إنما أمرنا بقتالهم بشرطين: أحدهما: نكثهم للعهد. # والثاني: طعنهم في الدين. # قلنا: الطعن في الدين نكث للعهد، بل قال علماؤنا رحمة الله عليهم: إن ~~عملوا ما يخالف العهد انتقض عهدهم. # فقد روي أن عمر رفع إليه أن ذميا نخس دابة عليها امرأة مسلمة، فرمحت، ~~فأسقطتها، فانكشف بعض عورتها، فأمر بصلبه في الموضع # PageV02P460 # وقد قال علماؤنا: إذا حارب الذمي نقض عهده، وكان [ماله وولده] فيئا قال ~~محمد بن مسلمة: ولا يؤخذ ولده؛ لأنه نقض وحده. # وقال: أما ماله فيؤخذ. # وهذا تعارض لا يشبه منصب محمد؛ لأن عهده هو الذي حمى ولده وماله، فإذا ~~ذهب عنه ذهب عن ولده وماله. # وقال أشهب: إذا نقض الذمي العهد فهو على عهده، ولا يعود الحر في الرق ~~أبدا. # وهذا من العجب، وكأنه رأى العهد معنى محسوسا، وإنما العهد حكم اقتضاه ~~النظر، والتزمه المسلمون، فإذا نقضه انتقض كسائر العقود من البيع والنكاح، ~~فإنها تعقد؛ فترتب عليها الأحكام؛ فإذا نقضت ونسخت ذهبت تلك الأحكام. ### | [الآية الثامنة قوله تعالى إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله] # واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن ~~يكونوا من المهتدين} [التوبة: 18] فيها مسألتان: # المسألة الأولى: دلت الآية على أن الشهادة لعمار المساجد بالإيمان ~~والصلاة صحيحة؛ لأن الله ربطها بها، وأخبر عنها بملازمتها، والنفس تطمئن ~~بها وتسكن إليها، وهذا في ظاهر الصلاح ليس في مقاطع الشهادات، فلها وجوه، ~~وللعارفين بها أحوال، وإنما يؤخذ كل أحد بمقدار حاله وعلى مقتضى صفته؛ ~~فمنهم الذكي الفطن المحصل لما يعلم اعتقادا وإخبارا، ومنهم المغفل؛ فكل أحد ~~ينزل على منزلته ويقدر على صفته. # المسألة الثانية: روى بعضهم أن الآية إنما قصد بها قريش؛ لأنهم كانوا ~~يفخرون على سائر الناس # PageV02P461 # بأنهم سكان مكة وعمار المسجد الحرام، ويرون بذلك فضلا لهم على ms0812 غيرهم، ~~فنفى الله ذلك عنهم شرعا وفضيلة، لا حسا ووجودا، وأخبر أن العمارة لبيت ~~الله لا تكون بالكفر به، وإنما تكون بالإيمان والعبادة وأداء الطاعة؛ سمعت ~~الشيخ الإمام فخر الإسلام أبا بكر محمد بن أحمد الشاشي يقول: كان القاضي ~~الإمام أبو الطيب الطبري يسمي الشيخ الإمام أبا إسحاق الشيرازي إمام ~~الشافعية وشيخ الصوفية بمدينة السلام حمامة المسجد؛ لملازمته له؛ لأنه لم ~~يكن يجعل لنفسه بيتا سواه يلازم القاضي أبا الطيب، ويواظب القراءة والتدريس ~~حتى صار إمام الطريقتين: الفقه والتصوف. ### | [الآية التاسعة قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء] # إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون} ~~[التوبة: 23] فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: نفى الله الموالاة بالكفر بين الآباء والأبناء خاصة، ولا ~~قربى أقرب منها، كما نفاها بين الناس بعضهم من بعض، بقوله: {يا أيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض} [المائدة: 51]؛ ~~ليبين أن القرب قرب الأديان لا قرب الديار والأبدان، ومثله تنشد الصوفية: # يقولون لي دار الأحبة قد دنت ... وأنت كئيب إن ذا لعجيب # فقلت وما تغني ديار قريبة ... إذا لم يكن بين القلوب قريب ### | [مسألة الإحسان بالهبة والصلة مستثنى من الولاية] # المسألة الثانية: الإحسان بالهبة والصلة مستثنى من الولاية: لحديث أسماء؛ ~~قالت: «يا رسول الله؛ إن أمي قدمت علي راغبة، وهي مشركة # PageV02P462 # أفأصلها؟ قال: صلي أمك». # وتمامه يأتي في قوله: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين} ~~[الممتحنة: 8] الآية. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون] # المسألة الثالثة: قوله تعالى {ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون} ~~[التوبة: 23]: تفسير لقوله: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} [المائدة: 51] إما ~~بالمآل وسوء العاقبة، وإما بالأحكام في العاجلة، وذلك ظلم أي وضع الشيء في ~~غير موضعه، ويختلف الحكم فيه باختلاف الموضع الموضوع فيه كفرا وإيمانا. ### | [الآية العاشرة قوله تعالى قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم] # وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب ~~إليكم من الله ms0813 ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا ~~يهدي القوم الفاسقين} [التوبة: 24] فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: قوله تعالى {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم ~~وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها ~~أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا} [التوبة: 24]: هذا بيان ~~فضل الجهاد، وإشارة إلى راحة النفس وعلاقتها بالأهل والمال. # وقال المفسرون: هذه الآية في بيان حال من ترك الهجرة، وآثر البقاء مع ~~الأهل والمال وفي الحديث الصحيح: «إن الشيطان قعد لابن آدم ثلاثة مقاعد: ~~قعد له في طريق الإسلام، فقال: أتذر دينك ودين آبائك وتسلم. فخالفه وأسلم. ~~وقعد له في طريق الهجرة، فقال له: أتذر أهلك ومالك فتهاجر، فخالفه ثم هاجر. ~~وقعد له في طريق # PageV02P463 # الجهاد، فقال له: تجاهد فتقتل، وتنكح أهلك، ويقسم مالك، فخالفه فجاهد ~~فقتل. فحق على الله أن يدخله الجنة». # المسألة الثانية: العشيرة: الجماعة التي تبلغ عقد العشرة، فما زاد. ومنه ~~المعاشرة، وهي الاجتماع على الأمر بالعزم الكثير. # وقوله: {وأموال اقترفتموها} [التوبة: 24] أي اقتطعتموها من غيرها ~~والكساد: نقصان القيمة، وقد تقدم حديث أبي هريرة في الصحيح أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «غزا نبي من الأنبياء فقال: لا يتبعني رجل تزوج ~~امرأة ولما يبن بها، أو بنى دارا ولم يسكنها.» الحديث. # المسألة الثالثة: قوله: {فتربصوا حتى يأتي الله بأمره} [التوبة: 24]: ~~قوله: فتربصوا صيغته الأمر، ومعناه التهديد، وأمر الله الذي يأتي فتح مكة ~~على القول بأن المراد بمعنى الآية الهجرة، ويكون أمر الله عقوبته التي تنزل ~~بهم الذل والخزي، حتى يغزوهم العدو في عقر دارهم، ويسلبهم أموالهم. ### | [الآية الحادية عشرة قوله تعالى لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين] # إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم ~~وليتم مدبرين} [التوبة: 25] فيها ثلاث مسائل: # PageV02P464 # المسألة الأولى: قال ابن وهب، وابن القاسم قال مالك: «لما انهزم أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين قبضت أم سليم امرأة أبي طلحة ~~على عنان ms0814 بغلة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قالت: يا رسول الله؛ مر ~~بهؤلاء الذين انهزموا فنضرب رقابهم. فقال لها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: أوخير من ذلك يا أم سليم؟ فقيل له: أوقسم لها رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ولمن خرج يداوي الجرحى؟ فقال: ما علمت أنه أسهم لامرأة في ~~مغازيه». # قال ابن وهب عن مالك: وكانت حنين في حر شديد. # قال ابن القاسم: قال لنا مالك: حدثني ابن شهاب قال: قال رجل لصفوان يوم ~~حنين: والله لا نرتد أبدا. # فقال له صفوان: والله لرب من قريش خير من رب من هوازن وكان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قد أعطى صفوان مثنى مئين أو ثلاث. # وقال صفوان: لقد حضرت حنينا وما أحد من الخلق أبغض إلي منه، فما زال ~~يعطيني حتى ما كان أحد أحب إلي من الخلق منه. # وكان صفوان من المؤلفة قلوبهم. # المسألة الثانية: قال ابن القاسم، وابن وهب: سئل مالك عن صفوان حين أعطاه ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ما أعطاه أكان مسلما أو مشركا؟ قال: ما سمعت ~~شيئا، وما أراه كان إلا مشركا. # ولقد قال: رب من قريش خير من رب من هوازن وما هذا بكلام مسلم. # وكان من أشدهم قولا حين قال صفوان: لقد أكرم الله أمية إذ لم ير هذا ~~الأسود فوق الكعبة. # قال ابن وهب: قال مالك: كان شعارهم يوم حنين، يا أصحاب سورة البقرة. # قال مالك: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - كتم وجهه ذلك، فلما كان ~~بالسقيا جاءه كعب بن مالك، وكان شاعرا، فأنشده شعره ليعلم ما عنده وينظر ما ~~في نفسه، فأنشده: # PageV02P465 # قضينا من تهامة كل إرب ... وخيبر ثم أجممنا السيوفا # نسائلها ولو نطقت لقالت ... قواطعهن دوسا أو ثقيفا # قال علماؤنا: والقصيدة مشهورة، وتمامها: # فلست لحاضن إن لم تروها ... بساحة داركم منا ألوفا # وتنتزع العروش ببطن وج ... وتصبح داركم منا خلوفا # وتأتيكم لنا سرعان خيل ... يغادر خلفه جمعا كثيفا # إذا نزلوا بساحتكم سمعتم ... لها مما أناخ ms0815 بها رجيفا # بأيديهم قواضب مرهفات ... يزرن المصطلين بها الحتوفا # كأمثال العقائق أخلصتها ... قيون الهند لم تضرب كتيفا # تخال جدية الأبطال فيها ... غداة الزحف جاديا مدوفا # أجدهم أليس لهم نصيح ... من الأقوام كان بنا عريفا # فخبرهم بأنا قد جمعنا ... عتاق الخيل والنجب الطروفا # وأنا قد أتيناهم بزحف ... يحيط بسور حصنهم صفوفا # رئيسهم النبي وكان صلبا ... نقي الثوب مصطبرا عزوفا # رشيد الأمر ذا حكم وعلم ... وحلم لم يكن نزقا خفيفا # نطيع نبينا ونطيع ربا ... هو الرحمن كان بنا لطيفا # فإن يلقوا إلينا السلم نقبل ... ونجعلكم لنا عضدا وريفا # وإن تأبوا نجاهدكم ونصبر ... ولا يك أمرنا رعشا ضعيفا # نجالد ما بقينا أو تنيبوا ... إلى الإسلام إذعانا مضيفا # نجاهد لا نبالي ما لقينا ... أأهلكنا التلاد أم الطريفا # وكم من معشر ألبوا علينا ... صميم الجذم منهم والحليفا # أتونا لا يرون لهم كفاء ... فجدعنا المسامع والأنوفا # بكل مهند لين صقيل ... نسوقهم به سوقا عنيفا # لأمر الله والإسلام حتى ... يقوم الدين معتدلا حنيفا # وننسي اللاتي والعزى وود ... ونسلبها القلائد والشنوفا # فأمسوا قد أقروا واطمأنوا ... ومن لا يمتنع يقتل خسوفا # PageV02P466 # فأجابه كنانة بن عبد ياليل بن عمرو بن عمير، فقال: # من كان يبغينا يريد قتالنا ... فإنا بدار معلم لا نريمها # وجدنا بها الآباء من قبل ما ... نرى وكانت لنا أطواؤها وكرومها # وقد جربتنا قبل عمرو بن ... عامر فأخبرها ذو رأيها وحليمها # وقد علمت أن قالت الحق أننا ... إذا ما أبت صعر الخدود نقيمها # نقومها حتى يلين شريسها ... ويعرف للحق المبين ظلومها # علينا دلاص من تراث محرق ... كلون السماء زينتها نجومها # نرفعها عنا ببيض صوارم ... إذا جررت في غمرة لا نشيمها # قالوا: فلما سمعت دوس بأبيات كعب هذه بادرت بإسلامها. ### | [مسألة من قتل قتيلا لم يكن له سلبه إلا بإذن الإمام] # المسألة الثالثة: قال ابن القاسم، وأصحاب مالك: قال مالك: من قتل قتيلا ~~لم يكن له سلبه إلا بإذن الإمام، ولا يكون ذلك من الإمام إلا على وجه ~~الاجتهاد، ولم يبلغنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفل ms0816 في مغازيه ~~كلها. وقد بلغنا أنه نفل في بعضها يوم حنين، ولم يبلغني أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «من قتل قتيلا فله سلبه، إلا يوم حنين». # وقد بينا فيما سبق أن نفل الأسلاب وغير ذلك إنما يكون من الخمس، لا من ~~رأس المال. # وقد بينا أن الخمس يجوز أن يعطى للمؤلفة قلوبهم برأي الإمام في ذلك. ~~والله أعلم. # PageV02P467 ### | [الآية الثانية عشرة قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس] # فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله ~~من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم} [التوبة: 28]. # فيها عشر مسائل: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: كان المشركون يقدمون للتجارة، فنزلت هذه ~~الآية: {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس} [التوبة: 28] الآية. # رواه سعيد بن جبير وروى غيره أنه لما أمر بإخراج المشركين من مكة شق ذلك ~~على الناس، فقالوا: كيف بما نصيب منهم في التجارة في الميرة؛ فأنزل الله: ~~{قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} [التوبة: 29]. فأغناهم ~~الله بالجزية. # المسألة الثانية: «لما نزلت الآية قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لعلي: ناد في أذانك ألا يحج بعد العام مشرك». # ويحتمل أن تكون التلاوة بعد الأذان؛ فقد روي أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لما أراد أن يحج في العام الثاني كرمه الله وكرم دينه عن أن يخالطهم ~~مشرك. # وقيل: إذا امتنع دخول المشركين مكة لعزة الإسلام، فلم يبقى الناس على ما ~~كانوا عليه من الذل والهوان؟ المسألة الثالثة: قوله تعالى {إنما المشركون ~~نجس} [التوبة: 28]: اعلموا وفقكم الله أن النجاسة ليست بعين حسية، وإنما هي ~~حكم شرعي، أمر الله بإبعادها، كما أمر بإبعاد البدن عن الصلاة عند الحدث، ~~وكلاهما أمر شرعي ليس بعين حسية. # PageV02P468 # وقد ذهلت الحنفية عن هذه الحقيقة؛ فظنوا أن إزالة النجاسة أمر حسي، تعم ~~زوال العين في بعض المواضع، وهو إذا ظهرت، حسي. وكونها بعينها نجسة حكمي، ~~وبقاء المحل نجسا بعد زوال عينها حكمي. وقد حققنا ذلك في ms0817 مسائل الخلاف. ### | [مسألة هل يجوز للكافر دخول المسجد بإذن المسلم] # المسألة الرابعة: {فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: ~~28]: دليل على أنهم لا يقربون مسجدا سواه؛ لأن العلة وهي النجاسة موجودة ~~فيهم، والحرمة موجودة في المسجد. # وقد اختلف الناس في هذا كثيرا؛ فرأى الشافعي أن هذا مخصوص بالمسجد الحرام ~~لا يتعداه إلى غيره من المساجد. # وهذا جمود منه على الظاهر الذي يسقط هذا الظاهر، فإن الله لم يقل: لا ~~يقرب هؤلاء المسجد الحرام، فيكون الحكم مقصورا عليهم ولو قال: لا يقرب ~~المشركون والأنجاس المسجد الحرام لكان تنبيها على التعليل بالشرك أو ~~النجاسة، أو العلتين جميعا، بل أكد الحال بيان العلة وكشفها، فقال: {إنما ~~المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام} [التوبة: 28]: يريد ولا بد ~~لنجاستهم، فتعدت العلة إلى كل موضع محترم بالمسجدية. # ومما قاله مع غيره من الناس أن الكافر يجوز له دخول المسجد بإذن المسلم، ~~واستدل عليه بأن «النبي - صلى الله عليه وسلم - ربط ثمامة بن أثال في ~~المسجد وهو مشرك». قال علماؤنا: هذا الحديث صحيح # ، لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد كان علم إسلامه، وهذا وإن سلمناه ~~فلا يضرنا؛ لأن علم النبي بإسلامه في المآل لا يحكم له به في الحال. # ، وقال جابر بن عبد الله: العموم بمنع المشركين عن قربان المسجد الحرام ~~مخصوص في العبد والأمة. # وهذا قول باطل، وسند ضعيف لا يخص بمثله العمومات المطلقة، فكيف المعللة ~~بالعلة العامة المتناولة لجميعها، وهي الشرك؟ # PageV02P469 # المسألة الخامسة: قال سعيد بن المسيب: هذا القول والحكم إنما هو في ~~المسجد الحرام. فأما مسجد المدينة فلا يزيد فضلا على غيره؛ إذ قد دخل أبو ~~سفيان مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مشرك عند إقباله لتجديد ~~العهد قبل فتح مكة حين خشي نقض الصلح بما أحدثه بنو بكر على خزاعة. # قال القاضي: وهذا ضعيف، ولو صح فإن الجواب عنه ظاهر، وذلك أن دخول ثمامة ~~في المسجد في الحديث الصحيح، ودخول أبي سفيان فيه على الحديث الآخر كان قبل ~~أن ms0818 ينزل قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا ~~المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: 28]؛ فمنع الله المشركين من دخول ~~المسجد الحرام نصا، ومنع من دخول سائر المساجد تعليلا بالنجاسة، ولوجوب ~~صيانة المسجد عن كل نجس. وهذا كله ظاهر لا خفاء به. # المسألة السادسة: قال الشافعي: لا يدخل الكافر المسجد الحرام بحال، ويدخل ~~غيره من المساجد للحاجة، كما دخل ثمامة وأبو سفيان. # وقال أبو حنيفة: يدخل المسجد لحاجة أو لغير حاجة، وهذا كله ضعيف خطأ، أما ~~دخوله للحاجة فقد أفسدناه كما تقدم، وأما دخولهم كذلك مطلقا فهو أبعد من ~~تعليل أبي حنيفة وتدقيقه. # ولقد كنت أرى بدمشق عجبا، كان لجامعها بابان: باب شرقي وهو باب جيرون، ~~وباب غربي، وكان الناس يجعلونه طريقا يمشون عليها نهارهم كله في حوائجهم، ~~وكان الذمي إذا أراد المرور وقف على الباب حتى يمر به مسلم، مجتاز، # PageV02P470 # فيقول له الذمي: يا مسلم، أتأذن لي أن أمر معك؟ فيقول: نعم، فيدخل معه، ~~وعليه الغيار علامة أهل الذمة، فإذا رآه القيم صاح به: ارجع، ارجع، فيقول ~~له المسلم: أنا أذنت له فيتركه القيم. ### | [مسألة قوله تعالى بعد عامهم هذا] # المسألة السابعة: قوله: {بعد عامهم هذا} [التوبة: 28]: فيه قولان: ~~أحدهما: أنه سنة تسع التي حج فيها أبو بكر. # الثاني: أنه سنة عشر؛ قاله قتادة، وهو الصحيح الذي يعطيه مقتضى اللفظ. # وإن من العجب أن يقال [إنه] سنة تسع، وهو العام الذي وقع فيه الأذان ولو ~~دخل غلام رجل داره يوما، فقال له مولاه: لا تدخل هذه الدار بعد يومك هذا ~~لكان المراد به اليوم الذي دخل فيه. # فالصحيح أن النهي فيما يستقبل، وأن المشار إليه هو الوقت الذي وقع فيه ~~النداء، ولو تناصف الناس في الحق، وأمسك كل أحد عما لا يعلم ما وقع مثل هذا ~~النزاع. ### | [مسألة تعلق القلب بالأسباب في الرزق] # المسألة الثامنة: قوله {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله} ~~[التوبة: 28]: المعنى: إن خفتم الفقر بانقطاع مادة المشركين عنكم بالتجارة ~~التي كانوا ms0819 يجلبونها فإن الله يعوض عنها؛ فدل على أن تعلق القلب بالأسباب ~~في الرزق جائز، وإن كان الرزق مقدورا، وأمر الله وقسمه له مفعولا، ولكنه ~~علقه بالأسباب حكمة؛ لتعلم القلوب التي تتعلق بالأسباب من القلوب التي ~~تتوكل على رب الأرباب، وليس ينافي النظر إلى السبب التوكل من حيث إنه مسخر ~~مقدور؛ وإنما يضاد التوكل النظر إليه بذاته، والغفلة عن الذي سخره في أرضه ~~وسماواته. # وفي الحديث الصحيح: «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير ~~تغدو خماصا وتروح بطانا». # PageV02P471 # فأخبر أن التوكل الحقيقي لا يضاده الغدو والرواح في طلب الرزق، لكن شيوخ ~~الصوفية قالوا: إنما تغدو وتروح في الطاعة، فهو السبب الذي يجلب الرزق. # والدليل عليه أمران: قوله: {وأمر أهلك بالصلاة} [طه: 132]. # والثاني قوله: {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} [فاطر: 10] ~~فليس ينزل الرزق من محله وهو السماء إلا ما يصعد إليها وهو الذكر الطيب ~~والعمل الصالح، وليس بالسعي في جهات الأرض، فإنه ليس فيها رزق. # والصحيح ما أحكمته السنة عند فقهاء الظاهر، وهو العمل بالأسباب الدنيوية ~~من الحرث والتجارة والغراسة. # ويدل عليه ما كانت الصحابة تعمله، والنبي - صلى الله عليه وسلم - بين ~~أظهرهم من التجارة في الأسواق، والعمارة للأموال، وغرس الثمار. # ومنهم من كان يضرب على الكفار لتكون كلمة الله هي العليا، ويسترزق من ~~أفضل وجوه رزق الله تعالى، وهو الأغنام، والنبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~ذلك كله راض عنهم، وهذه كانت صفة الخلفاء الذين لم يكن أحد أفضل منهم؛ ~~يسلكون هذه السبيل في الاكتساب والتعلق بالأسباب. # أما إنه لقد كان قوم يقعدون بصفة المسجد ما يحرثون ولا يتجرون، ليس لهم ~~كسب ولا مال، إنما هم أضياف الإسلام إذا جاءت هدية أكلها النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - معهم، وإن كانت صدقة خصهم بها، ولم يكن ذلك بمعاب عليهم، ~~لإقبالهم على العبادة، وملازمتهم للذكر والاعتكاف، فصارت جادتين في الدين ~~ومسلكين للمسلمين، فمن آثر منهما واحدا لم يخرج عن سننه، ولا اقتحم مكروها. ### | [مسألة معنى قوله تعالى من ms0820 فضله] # المسألة التاسعة: قوله: {من فضله} [التوبة: 28]: فيه ثلاثة أقوال: # الأول: من حيث شاء، وعلم؛ لعموم فضله، وسعة رزقه ورحمته. # الثاني: بالمطر والنبات وخصب الأرض، فأخصب تبالة وجرش، فحملوا إلى مكة ~~الطعام والودك، وأسلم أهل نجد وصنعاء. # الثالث: بالجزية. # PageV02P472 # وهذا كله من المعاني التي يحتملها اللفظ ويراد به جميعها، ويحتمل عندي أن ~~يريد به يغنيكم الله عن الكفار فيما يجلبون من التجارة والرزق إليكم بجلبكم ~~أنتم لها واستغنائكم عنها بأنفسكم في كل وجه. ### | [مسألة الرزق ليس بالاجتهاد] # المسألة العاشرة: قوله: {إن شاء} [التوبة: 28]: قال علماؤنا: ليعلم الخلق ~~أن الرزق ليس بالاجتهاد، وإنما هو فضل من الله تعالى تولى قسمته، وذلك بين ~~في قوله: {نحن قسمنا بينهم معيشتهم} [الزخرف: 32]. ### | [الآية الثالثة عشرة قوله تعالى قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر] # ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا ~~الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29] فيها ثلاث عشرة ~~مسألة: # المسألة الأولى: قوله: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} ~~[التوبة: 29]: أمر بمقاتلة جميع الكفار؛ فإن كلهم قد أطبق على هذا الوصف، ~~من الكفر بالله وباليوم الآخر. # وقد قال في أول السورة: {فاقتلوا المشركين} [التوبة: 5]. وقد قدمنا القول ~~فيه. # وقال تعالى: {جاهد الكفار والمنافقين} [التوبة: 73]. # وقال سبحانه: {قاتلوا الذين يلونكم من الكفار} [التوبة: 123]. # والكفر وإن كان أنواعا متعددة مذكورة في القرآن والسنة بألفاظ متفرقة، ~~فإن اسم الكفر يجمعها قال الله سبحانه: {إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا} [الحج: 17]. # وخص النبي - صلى الله عليه وسلم - المعنى # PageV02P473 # المقصود بالبيان فقال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا ~~الله». # وهو المقصود الأعظم والغاية القصوى. ### | [مسألة تحقيق الكفر] # المسألة الثانية: قوله: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله} [التوبة: 29] ~~الآية: نص في تحقيق الكفر، وذلك أن نقول: الكفر والإيمان أصلان في ترتيب ~~الأحكام عليهما في الدين، وهما في وضع اللغة معلومان. # والإيمان هو التصديق لغة أو التأمين. والكفر هو الستر، وقد يكون ms0821 بالفعل ~~حسا، وقد يكون بالإنكار والجحد معنى، وكلاهما حقيقة، أو حقيقة ومجاز، حسبما ~~بيناه في الأمد الأقصى " وغيره. وقد قال شيخ السنة والقاضي أبو بكر: إن ~~الإيمان هو العلم بالله، وذلك لا يصح لغة، وقد أفدناه في موضعه. # فإذا ثبت أن كفر المعاني جحودها وإنكارها فالشرع لم يعلق الأحكام الشرعية ~~على كل ما ينطلق عليه اسم كفر، وإنما علقه على بعضها، وهي الكفر بالله ~~وصفاته وأفعاله. # والدليل عليه قوله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر} [التوبة: 29] الآية. # فقوله: {لا يؤمنون بالله} [التوبة: 29] نص في الكفر بذاته يقينا، وفي ~~الكفر بالصفات ظاهرا: لأن الله هو الموجود الذي له الصفات العلا والأسماء ~~الحسنى؛ فكل من أنكر وجود الله فهو كافر، وقوله: {ولا باليوم الآخر} ~~[التوبة: 29] نص في صفاته، فإن اليوم الآخر عرفناه بقدرته وبكلامه؛ فأما ~~علمنا له بقدرته فإن القدرة على اليوم الأول دليل على القدرة على اليوم ~~الآخر. # وأما علمنا له بالكلام فبإخباره أنه فاعله، فإذا أنكر أحد البعث فقد أنكر ~~القدرة والكلام، وكفر قطعا بغير كلام، وقوله: {ولا يحرمون ما حرم الله ~~ورسوله} [التوبة: 29] نص في أفعاله التي من أمهاتها إرسال الرسل، وتأييدهم ~~بالمعجزات النازلة منزلة قوله: صدقتم أيها الرسل، فإذا أنكر أحد الرسل أو ~~كذبهم فيما يخبرون عنه من التحليل والتحريم، والأوامر والندب، فهو # PageV02P474 # كافر، وكل جملة من هذه الوجوه الثلاثة له تفصيل تدل عليه هذه الجملة التي ~~أشرنا، بها اختلف الناس في التكفير بذلك التفصيل، والتفسيق والتخطئة ~~والتصويب؛ وذلك كالقول في التشبيه والتجسيم والجهة، أو الخوض في إنكار ~~العلم والقدرة، والإرادة والكلام والحياة، فهذه الأصول يكفر جاحدها بلا ~~إشكال. # وكقول المعتزلة: إن العباد يخلقون أفعالهم، وإنهم يفعلون ما لا يريده ~~الله، وإن نفوذ القضاء والقدر على الخلق بالنار جور. # وكقول المشبهة: إن الباري جسم، وإنه يختص بجهة، وإنه قادر على المحال، ~~وإنه تعالى قد نص على كل حادثة من الأحكام. # وهذا كله كذب صراح، وبعد هذا تفاصيل ينبني عليها ويجر إليها، وفي التكفير ~~بها تدقيق. ms0822 # ومن أعظم الإشارة بقوله: ولا باليوم الآخر الإخبار عن النصارى الذين ~~يقولون: إن نعيم الجنة وعذاب النار معان؛ كالسرور والهم، وليست صورا، ولا ~~فيها أكل ولا شرب، ولا وطء ولا حياة، ولا مهل يشرب، ولا نار تلظى. # وقوله: {ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله} [التوبة: 29] إخبار عما كانت ~~العرب تفعله من التحريم بعقولها في السائبة والوصيلة والحام، وما يختص ~~بتحريمه الإناث دون الذكور، إلى غير ذلك من أقوال الزور، وعما كانت الرهبان ~~تفعله، والأحبار من اليهود تبتدعه من تحريم ما أحل الله في الإنجيل ~~والتوراة، أو تحليل ما حرم الله عليهم فيه. # وقوله: {ولا يدينون دين الحق} [التوبة: 29] إشارة إلى هذه الجملة من ~~الاعتقاد للحق والعمل بمقتضى الشرع. ### | [مسألة معنى قوله تعالى من الذين أوتوا الكتاب] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {من الذين أوتوا الكتاب} [التوبة: 29]: وفي ~~ذكرهم هاهنا ثلاثة أقوال: # الأول: أنهم كانوا أمروا بقتال المشركين، فأمروا أيضا بقتال أهل الكتاب ~~مع # PageV02P475 # المشركين، لما فيه من الحق من ذكر الرسول وغيره، وكان تخصيصا لما تناوله ~~اللفظ العام على معنى التأكيد. # الثاني: أن قوله: {من الذين أوتوا الكتاب} [التوبة: 29] تأكيد للحجة؛ فإن ~~المشركين من عبدة الأوثان لم تكن عندهم مقدمة من التوحيد والنبوة وشريعة ~~الإسلام، فجاءهم الأمر كله فجأة على جهالة. # فأما أهل الكتاب فقد كانوا عالمين بالتوحيد والرسل والشرائع والملل، ~~وخصوصا ذكر محمد - صلى الله عليه وسلم - وملته وأمته؛ فلما أنكروه تأكدت ~~عليهم الحجة، وعظمت منهم الجريمة، فنبه على محلهم بذلك. # الثالث: أن تخصيصهم بالذكر إنما كان لأجل قوله تعالى بعد ذلك: {حتى يعطوا ~~الجزية عن يد وهم صاغرون} [التوبة: 29]. # والذين يختصون بفرض الجزية عليهم هم أهل الكتاب دون غيرهم من صنف الكفار، ~~وهذا صحيح على أحد الأقوال على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة أليس النصارى واليهود يؤمنون بالله واليوم الآخر] # المسألة الرابعة: فإن قيل: أليس النصارى واليهود يؤمنون بالله واليوم ~~الآخر؟ قلنا: عنه جوابان: أحدهما: أنا قد بينا أن أحدا منهم لا يؤمن بالله ~~ولا باليوم ms0823 الآخر. # الثاني: أنهم، وإن كانوا يؤمنون بالله وباليوم الآخر فإنهم قد كذبوا ~~الرسول، ولم يحرموا ما حرم الله ورسوله، ولا دانوا بدين الحق. ### | [مسألة معنى قوله تعالى حتى يعطوا الجزية] # المسألة الخامسة: قوله تعالى: {حتى يعطوا الجزية} [التوبة: 29]: فيها ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنها عطية مخصوصة. # الثاني: أنها جزاء على الكفر. # الثالث: أن اشتقاقها من الإجزاء بمعنى الكفاية، كما تقول: جزى كذا عني ~~يجزي إذا قضى. # PageV02P476 # المسألة السادسة: في تقديرها: روى ابن القاسم، وأشهب، ومحمد بن الحارث بن ~~زنجويه، وابن عبد الحكم عن مالك أنها أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعون ~~درهما على الورق، وإن كانوا مجوسا. # وكذلك روى مالك، عن نافع عن أسلم مولى عمر بن الخطاب أن عمر بن الخطاب - ~~رضي الله عنه - ضرب الجزية على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل الورق ~~أربعين درهما، مع ذلك أرزاق المسلمين وضيافة ثلاثة أيام. # وقيل: إن ذلك غير مقدر، وإنما هو على قدر ما يراه الإمام ويجتهد فيه؛ من ~~الغنى والفقر، والقلة والكثرة، والاقتداء بعمر أسوة. # وقد روى البخاري عن ابن أبي لجيم قلت لمجاهد: ما بال أهل الشام عليهم ~~أربعة دنانير، وعلى أهل اليمن دينار؟ قال: إنما جعل ذلك من أجل اليسار. # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لمعاذ: «خذ من كل حالم ~~دينارا أو عدله معافري»، ثم ضرب الجزية عمر في زمانه على ما تقدم؛ فدل على ~~أنه إنما يراعى في ذلك الثروة والقلة. ### | [مسألة محل الجزية] # المسألة السابعة: في محل الجزية أربعة أقوال: # الأول: أنها تقبل من أهل الكتاب عربا كانوا أو غيرهم. # الثاني: قال ابن القاسم: إذا رضيت الأمم كلها بالجزية قبلت منهم. # الثالث: قال ابن الماجشون: لا تقبل. # الرابع: قال ابن وهب: لا تقبل من مجوس العرب، وتقبل من غيرهم. # PageV02P477 # وجه من قال: إنها تقبل من أهل الكتاب عربا كانوا أو غيرهم تخصيص الله ~~بالذكر أهل الكتاب. # وأما من قال: إنها تقبل من الأمم كلها فالحديث الصحيح في كتاب مسلم وغيره ~~عن ms0824 سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من ~~المؤمنين خيرا. ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر ~~بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا. وإذا ~~لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خلال، فأيتهن ما أجابوك إليها فاقبل ~~منهم، وكف عنهم: ادعهم إلى الدخول في الإسلام، فإن فعلوا فاقبل منهم وكف ~~عنهم، ثم ادعهم إلى التحول عن دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم بأنهم إن ~~فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين؛ فإن أبوا أن ~~يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله ~~الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن ~~يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية، وإن هم أجابوك فاقبل منهم، ~~وكف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم». # وذكرنا في الحديث في البخاري وغيره من الصحيح «أن عمر توقف في أخذ الجزية ~~من المجوس، حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أخذها من مجوس هجر». # ووجه قول ابن وهب أنه ليس في العرب مجوس؛ لأن جميعهم أسلم، فمن وجد منهم ~~بخلاف الإسلام فهو مرتد؛ يقتل بكل حال إن لم يسلم، ولا يقبل منه جزية. # PageV02P478 # والصحيح قبولها من كل أمة، وفي كل حال عند الدعاء إليها والإجابة بها. # المسألة الثامنة: [محل الجزية]: ومحلها من المشركين الأحرار البالغون ~~العقلاء دون المجانين، وهم الذين يقاتلون، دون النساء والصبيان لذلك. # واختلف في الرهبان؛ فروى ابن وهب عن مالك أنها لا تؤخذ منهم. # قال مطرف، وابن الماجشون: هذا إذا لم يترهب بعد فرضها، فإن فرضت، لم ~~يسقطها ترهبه. # وهذا مبني على قول أبي بكر: وستجد قوما حبسوا أنفسهم لله، فذرهم وما ~~حبسوا أنفسهم له، فإذا لم يهيجوا، ولم يقتلوا لم تطلب منهم جزية؛ لأنها بدل ~~عن القتل. ### | [مسألة معنى قوله ms0825 تعالى حتى يعطوا الجزية عن يد] # المسألة التاسعة: قوله تعالى {حتى يعطوا الجزية عن يد} [التوبة: 29]: فيه ~~خمسة عشر قولا: الأول: أن يعطيها وهو قائم والآخذ جالس؛ قاله عكرمة الثاني: ~~يعطونها عن أنفسهم بأيديهم يمشون بها؛ قاله ابن عباس. # الثالث: يعني من يده إلى يد آخذه، كما تقول: كلمته فما لفم، ولقيته كفة ~~كفة، وأعطيته يدا عن يد. # الرابع: عن قوة منهم. # الخامس: عن ظهور. # السادس: غير محمودين ولا مدعو لهم. # السابع: توجأ عنقه. # الثامن: عن ذل. # التاسع: عن غنى. # العاشر: عن عهد. # PageV02P479 # الحادي عشر: نقدا غير نسيئة. # الثاني عشر: اعترافا منهم أن يد المسلمين فوق أيديهم. # الثالث عشر: عن قهر. # الرابع عشر: عن إنعام بقبولها عليهم. # الخامس عشر: مبتدئا غير مكافئ. # قال الإمام: هذه الأقوال منها متداخلة، ومنها متنافرة، وترجع إلى معنيين: ~~أحدهما: أن يكون المراد باليد الحقيقة، والآخر أن يكون المراد باليد ~~المجاز. # فإن كان المراد به الحقيقة فيرجع إلى من قال: إنه يدفعها بنفسه غير ~~مستنيب في دفعها أحدا. # وأما جهة المجاز فيحتمل أن يريد به التعجيل، ويحتمل أن يريد به القوة، ~~ويحتمل أن يريد به المنة والإنعام. # وأما قول من قال: وهو قائم والآخذ جالس فليس من قوله عن يد، وإنما هو من ~~قوله: عن يد وهم صاغرون وهي: المسألة العاشرة: وكذلك قوله: يمشون بها وهم ~~كارهون، من الصغار. # وكذلك قول أبي عبيدة: ولا مقهورين يعود إلى الصغار واليد، وحقيقة الصغار ~~تقليل الكثير من الأجسام، أو من المعاني في المراتب والدرجات. ### | [مسألة ما وجبت الجزية عنه] # المسألة الحادية عشرة: اختلف العلماء فيما وجبت الجزية عنه؛ فقال علماء ~~المالكية: وجبت بدلا عن القتل بسبب الكفر. # وقال بعض الحنفية بقولنا. # PageV02P480 # وقال الشافعي: بدلا عن حقن الدم وسكنى الدار. # وقال بعضهم من أهل ما وراء النهر: إنما وجبت بدلا عن النصرة بالجهاد. # واختاره القاضي أبو زيد، وزعم أنه سر الله في المسألة. # واستدل علماؤنا على أنها عقوبة [بأنها] وجبت بسبب الكفر، وهو جناية؛ فوجب ~~أن يكون مسببها عقوبة؛ ولذلك ms0826 وجبت على من يستحق العقوبة، وهم البالغون ~~العقلاء المقاتلون. # وقال أصحاب الشافعي: الدليل على أنها وجبت بدلا عن حقن الدم، وسكنى الدار ~~أنها تجب بالمعاقدة والتراضي، ولا تقف العقوبات على الاتفاق والرضا. # وأيضا فإنها تختلف باليسار والإعسار، ولا تختلف العقوبات بذلك. # وأيضا فإن الجزية تجب مؤجلة، والعقوبات تجب معجلة؛ وهذا لا يصح. # وأما قولهم: إنها وجبت بالرضا فغير مسلم؛ لأن الله تعالى أمرنا بقتالهم ~~حتى يعطوها قسرا. # وأما إنكارهم اختلاف العقوبات بالقلة واليسار فذلك باطل من الإنكار؛ لأن ~~ذلك إنما يبعد في العقوبات البدنية دون المالية، ألا ترى أن العقوبات ~~البدنية تختلف بالثيوبة، والبكارة، والإنكار، فكما اختلفت عقوبة البدن ~~باختلاف صفة الموجب عليه لا يستنكر أن يختلف عقوبة المال باختلاف صفة المال ~~في الكثرة والقلة. # وأما تأجيلها فإنما هو بحسب ما يراه الإمام مصلحة، وليس ذلك بضربة لازب ~~فيها. وقد استوفيناها في مسائل الخلاف. # وفائدتها أنا إذا قلنا: إنها بدل عن القتل فإذا أسلم سقطت عنه لسقوط ~~القتل. # وعند الشافعي أنها دين استقر في الذمة فلا يسقطه الإسلام كأجرة الدار. ### | [مسألة معنى قوله تعالى عن يد وهم صاغرون] # المسألة الثانية عشرة: شرط الله تعالى هذين الوصفين، وهما قوله: {عن يد ~~وهم صاغرون} [التوبة: 29]؛ للفرق بين ما يؤدى عقوبة وهي الجزية، وبين ما ~~يؤدى طهرة وقربة وهي الصدقة، حتى قال النبي # PageV02P481 # - صلى الله عليه وسلم -: «اليد العليا خير من اليد السفلى». # واليد العليا هي المعطية، واليد السفلى هي السائلة "؛ فجعل يد المعطي في ~~الصدقة عليا، وجعل يد المعطي في الجزية صاغرة سفلى، ويد الآخذ عليا، ذلك ~~بأنه الرافع الخافض، يرفع من يشاء ويخفض من يشاء، وكل فعل أو حكم يرجع إلى ~~الأسماء حسبما مهدناه في الأمد الأقصى ". # فإن قيل؛ وهي: المسألة الثالثة عشرة: إذا بذل الجزية فحقن دمه بمال يسير ~~مع إقراره على الكفر بالله؛ هل هذا إلا كالرضا به؟ فالجواب أنا نقول: في ~~ذلك وجهان من الحكمة: أحدهما: أن في أخذها معونة للمسلمين وتقوية لهم، ورزق ~~حلال ساقه الله إليهم. ms0827 الثاني: أنه لو قتل الكافر ليئس من الفلاح ووجب عليه ~~الهلكة؛ فإذا أعطى الجزية وأمهل لعله أن يتدبر الحق، ويرجع إلى الصواب، لا ~~سيما بمراقبة أهل الدين، والتدرب بسماع ما عند المسلمين؛ # ألا ترى أن عظيم كفرهم لم يمنع من إدرار رزقه # PageV02P482 # سبحانه عليهم. # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا أحد أصبر على أذى من الله، ~~يعافيهم ويرزقهم، وهم يدعون له الصاحبة والولد». # وقد بين علماء خراسان هذه المسألة، فقالوا: إن العقوبات تنقسم إلى قسمين. # أحدهما: ما فيه هلكة المعاقب. # والثاني: ما يعود بمصلحة عليه، من زجره عما ارتكب، ورده عما اعتقد وفعل. ### | [الآية الرابعة عشرة قوله تعالى وقالت اليهود عزيز ابن الله] # الآية الرابعة عشرة قوله تعالى {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت ~~النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من ~~قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون} [التوبة: 30]. # فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: في هذا من قول ربنا دليل على أن من أخبر عن كفر غيره ~~الذي لا يجوز لأحد أن يبتدئ به لا حرج عليه؛ لأنه إنما ينطق به على معنى ~~الاستعظام له والرد عليه، فلا يمنع ذلك منه، ولو شاء ربنا ما تكلم به أحد، ~~فإذا أمكن من انطلاق الألسنة به فقد أذن في الإخبار عنه، على معنى إنكاره ~~بالقلب واللسان والرد عليه بالحجة والبرهان. ### | [مسألة كل قول أحد إنما هو بفيه] # المسألة الثانية: قوله تعالى {ذلك قولهم بأفواههم} [التوبة: 30]: # كل قول أحد إنما هو بفيه، ولكن الحكمة فيه أنه قول باطل لا يتجاوز الفم، ~~وهو الموضع الذي تحرك به؛ لأنه لا يعلم باضطرار، ولا يقوم عليه برهان، فيقف ~~حيث # PageV02P483 # وجد، ولا يتعداه بحد، بخلاف الأقوال الصحيحة، فإنها تنتظم وتطرد، وتعضدها ~~الأدلة، وتقوم عليها البراهين، وتنتشر بالحق، وتظهر بالبيان والصدق. ### | [مسألة قول الذين كفروا من قبل] # المسألة الثالثة: قوله: {يضاهئون} [التوبة: 30]: يعني يشابهون. ومنه قول ~~العرب: امرأة ضهياء للتي لا تحيض، والتي لا ثدي لها، كأنها أشبهت الرجال. # المسألة الرابعة: قوله: {قول ms0828 الذين كفروا من قبل} [التوبة: 30]: فيه ~~ثلاثة تأويلات: الأول: قول عبدة الأوثان: اللات، والعزى، ومناة الثالثة ~~الأخرى. # الثاني: قول الكفرة: الملائكة بنات الله. # الثالث: قول أسلافهم، فقلدوهم في الباطل، واتبعوهم في الكفر، كما أخبر ~~تعالى عنهم بقوله: {إنا وجدنا آباءنا على أمة} [الزخرف: 22] وفي هذا ذم ~~الاتباع في الباطل. ### | [الآية الخامسة عشرة قوله تعالى اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله] # قوله تعالى {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن ~~مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} ~~[التوبة: 31]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى: الحبر: هو الذي يحسن القول وينظمه ويتقنه، ومنه ثوب ~~محبر، أي جمع الزينة. ويقال بكسر الحاء وفتحها، وقد غلط فيه بعض الناس، ~~فقال: إنما سمي به لحمل الحبر وهو المداد والكتابة. # PageV02P484 # والراهب هو من الرهبة: الذي حمله خوف الله على أن يخلص إليه النية دون ~~الناس، ويجعل زمامه له، وعمله معه، وأنسه به. # المسألة الثانية: قوله: {أربابا من دون الله} [آل عمران: 64]: روى ~~الترمذي وغيره عن عدي بن حاتم قال: «أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي ~~عنقي صليب من ذهب، فقال: ما هذا يا عدي؟ اطرح عنك هذا الوثن. وسمعته يقرأ ~~في سورة براءة: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} [التوبة: ~~31]. قال: أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا ~~استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه». # وفيه دليل على أن التحريم والتحليل لله وحده، هذا مثل قوله: {ولا يحرمون ~~ما حرم الله ورسوله} [التوبة: 29]؛ بل يجعلون التحريم لغيره. . ### | [الآية السادسة عشرة قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان] # ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب ~~والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} [التوبة: 34]. # فيها إحدى عشرة مسألة: # المسألة الأولى: قوله: {ليأكلون أموال الناس بالباطل} [التوبة: 34]: فيه ~~قولان: أحدهما: أكلها بالرشا، وهي كل هدية قصد بها التوصل إلى باطل، كأنها ~~تسبب إليه؛ من الرشاء، وهو ms0829 الحبل؛ فإن كانت ثمنا للحكم فهو سحت، وإن كانت # PageV02P485 # ثمنا للجاه فهي مكروهة؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لعن الله ~~الراشي والمرتشي»، والرائش، وهو الذي يصل بينهما، ويتوسط لذلك معهما. # الثاني: أخذها بغير الحق، كما قال الله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل} [البقرة: 188]. وقد بيناه. ### | [مسألة الصد عن سبيل الله] # المسألة الثانية: قوله تعالى {ويصدون عن سبيل الله} [التوبة: 34]: إن قيل ~~فيه: يصدون عن سبيل الله في الحكم بالحق والقضاء بالعدل، أو قيل فيه: إن ~~معناه صدهم لأهل دينهم عن الدخول في الإسلام بتبديلهم وتغييرهم، وإغوائهم ~~وتضليلهم، فهذا كله صحيح، لا يدفعه اللفظ. ### | [مسألة معنى قوله تعالى والذين يكنزون الذهب والفضة] # المسألة الثالثة: قوله: {والذين يكنزون الذهب والفضة} [التوبة: 34]: ~~الكنز في اللغة هو المال المجموع، كان فوق الأرض أو تحتها، يقال: كنزه ~~يكنزه إذا جمعه، فأما في الشرع، وهي: المسألة الرابعة: فنحن لا نقول: إن ~~الشرع غير اللغة، وإنما نقول: إنه تصرف فيها تصرفها في نفسها بتخصيص بعض ~~مسمياتها، وقصر بعض متناولاتها للأسماء، كالقارورة والدابة في بعض العقار ~~والدواب. وقد اختلف فيه على سبعة أقوال: # الأول: أنه المجموع من المال على كل حال. # الثاني: أنه المجموع من النقدين. # الثالث: أنه المجموع منهما ما لم يكن حليا. # الرابع: أنه المجموع منهما دفينا. # PageV02P486 # الخامس: أنه المجموع منهما لم تؤد زكاته. # السادس: أنه المجموع منهما لم تؤد منه الحقوق. # السابع: أنه المجموع منهما ما لم ينفق ويهلك في ذات الله. # وجه القول الأول ما روى ابن هرمز عن أبي هريرة قال: قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «تأتي الإبل على صاحبها على خير ما كانت إذا لم يعط منها ~~حقها، تطؤه بأظلافها. وتأتي الغنم على صاحبها على خير ما كانت إذا لم يعط ~~منها حقها تطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها. قال: ومن حقها أن تحلب على الماء، ~~وليأتين أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها على رقبته لها يعار، فيقول: يا ~~محمد. فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد بلغت. ويأتي ببعير يحمله ms0830 على ~~رقبته له رغاء فيقول: يا محمد. فأقول: لا أملك لك من الله شيئا، قد بلغت». # وفي رواية: حتى ذكر الإبل فقال: «وحقها إطراق فحلها، وإفقار ظهرها، ~~وحلبها يوم وردها». # وهذا محتمل لكل جامع في كل موطن بكل حال. # ووجه القول الثاني: أن الكنز إنما يستعمل لغة في النقدين، وإنما يعرف ~~[تحريم] ضبط غيره بالقياس عليه. # ووجه القول الثالث: أن الحلي مأذون في اتخاذه ولا حق فيه، ويأتي بيانه إن ~~شاء الله. # ووجه القول الرابع وهو الدفين ما روى مالك بن أوس بن الحدثان عن أبي ذر ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «في الإبل صدقتها، وفي البقر ~~صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي التمر صدقته، ومن دفن دينارا أو درهما أو ~~تبرا أو فضة لا يدفعها بعدها لغريم، ولا ينفقها في سبيل الله فهو كنز يكوى ~~به يوم القيامة». # ووجه القول الخامس ما روى البخاري وغيره عن ابن عمر أن أعرابيا قال له: # PageV02P487 # أخبرني عن قول الله: {والذين يكنزون الذهب والفضة} [التوبة: 34]. قال ابن ~~عمر: من كنزها فلم يؤد زكاتها فويل له، إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، ~~فلما أنزلت جعلها الله طهرة للأموال. # ووجه القول السادس قوله في حديثها: «ومن حقها حلبها يوم وردها، وإطراق ~~فحلها». # ووجه القول السابع أن الحقوق أكثر من الأموال، والمساكين لا تستقل بهم ~~الزكاة، وربما حبست عنهم، فكنز المال دون ذلك ذنب. # المسألة الخامسة: اختلفت الصحابة في المراد بهذه الآية؛ فذهب معاوية إلى ~~أن المراد بها أهل الكتاب. # وخالفه أبو ذر وغيره، فقال: المراد بها أهل الكتاب والمسلمون روى البخاري ~~وغيره، عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة، فإذا أنا بأبي ذر، فقلت له: ما ~~أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشام، فاختلفت أنا ومعاوية في: {والذين يكنزون ~~الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله} [التوبة: 34] فقال معاوية: نزلت ~~في أهل الكتاب. فقلت: نزلت فينا وفيهم، وكان بيني وبينه [ريبة] في ذلك. ~~فكتب إلى عثمان يشكوني، فكتب إلي عثمان أن أقدم المدينة. ms0831 فقدمتها، فكثر علي ~~الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان. وفي رواية قال: حتى ~~آذوني. فقال لي عثمان: إن شئت تنحيت فكنت قريبا، فذاك الذي أنزلني هذا ~~المنزل، ولو أمروا علي حبشيا لسمعت وأطعت. # وهذا يدل على أن الكفار عند الصحابة يخاطبون بفروع الشريعة. # وذهب عمر إلى أنها منسوخة؛ نسختها: {خذ من أموالهم صدقة} [التوبة: 103]؛ ~~قال عراك بن مالك: ولا شك في أنها منسوخة. # PageV02P488 # المسألة السادسة: في تنقيح الأقوال، وجلاء الحق: وذلك ينحصر في ثلاثة ~~مدارك: المدرك الأول: أن الكل من فقهاء الأمصار اتفقوا على أنه ليس في ~~المال حق سوى الزكاة، وقد بيناه. # وإذا لم يكن في المال حق سواها وقضيت بقي المال مطهرا، كما قال عمر. # المدرك الثاني: أن الآية عامة في أهل الكتاب وغيرهم، وقد أكد الله ذلك ~~بقوله: {وويل للمشركين} [فصلت: 6] {الذين لا يؤتون الزكاة} [فصلت: 7]. # المدرك الثالث: تخليص الحق من هذين الأصلين، فنقول: أما الكنز فهو مال ~~مجموع، لكن ليس كل مال دين لله تعالى فيه حق، ولا حق لله سوى الزكاة؛ ~~فإخراجها يخرج المال عن وصف الكنزية، ثم إن الكنز لا يكون إلا في الدنانير ~~والدراهم أو تبرها، وهذا معلوم لغة. # ثم إن الحلي لا زكاة فيه؛ فيتنخل من هذا أن كل ذهب أو فضة أديت زكاتهما، ~~أو اتخذت حليا فليسا بكنز، وذلك قوله سبحانه: {والذين يكنزون الذهب} ~~[التوبة: 34] الآية. # وهذا يدل على أن الكنز في الذهب والفضة خاصة، وأن المراد بالنفقة الواجب ~~لقوله: {فبشرهم بعذاب أليم} [التوبة: 34] ولا يتوجه العذاب إلا على تارك ~~الواجب. # فإن قيل: فما الدليل على أن الحلي لا زكاة فيه وهي: المسألة السابعة: ~~قلنا: اختلف العلماء في ذلك اختلافا كثيرا، أصله قول مالك والشافعي: لا ~~زكاة في الحلي المباح. # وقال أبو حنيفة: تجب فيه الزكاة. # ولم يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه شيء. # فأما أبو حنيفة: فأخذ بعموم الألفاظ في إيجاب الزكاة في النقدين ولم يفرق ~~بين حلي وغيره. # PageV02P489 # وأما علماؤنا فقالوا: إن قصد ms0832 التملك لما أوجب الزكاة في العروض، وهي ليست ~~بمحل لإيجاب الزكاة، كذلك قصد قطع النماء في الذهب والفضة باتخاذهما حليا ~~يسقط الزكاة، فإن ما أوجب ما لم يجب يصلح لإسقاط ما وجب، وتخصيص ما عم ~~وشمل. # وقد قال بعض الناس: إن ما زاد على أربعة آلاف كنز، وعزوه إلى علي. وليس ~~بشيء يذكر، لبطلانه. # أما إنه ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الأكثرين هم ~~الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا، وأشار بيده يفرقها». # قال أبو ذر: الأكثرون أصحاب عشرة آلاف، يريد أن الأكثرين مالا هم الأقلون ~~يوم القيامة ثوابا، إلا من فرقه في سبيل الله. # وهذا بيان لنقصان المرتبة بقلة الصدقة، لا لوجوب التفرقة بجميع المال، ما ~~عدا الصدقة الواجبة، يبينه ما روى الترمذي عن سالم بن أبي الجعد عن ثوبان ~~قال: لما نزلت: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله} ~~[التوبة: 34] قال: «كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض أسفاره، ~~فقال بعض أصحابه: أنزلت في الذهب والفضة. لو علمنا أي المال خير فنتخذه؟ ~~فقال: أفضله لسان ذاكر، وقلب شاكر، وزوجة مؤمنة تعينه على إيمانه». # فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا جوابا لمن علم رغبته في المال ~~فرده إلى منفعة المال، لما فيه من الفراغ، وعدم الاشتغال. # PageV02P490 # وقد بين أيضا في مواضع أخر: أي المال خير في حالة أم أخرى لقوم آخرين؟ ~~فقال: «خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه ~~من الفتن». ### | [مسألة ذكر أحد الضميرين يكفي عن الثاني] # المسألة الثامنة: قوله تعالى {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها} ~~[التوبة: 34]: فذكر ضميرا واحدا عن مذكورين. # وعنه جوابان. # أحدهما: أن قوله: {والذين يكنزون} [التوبة: 34] جماعة، ولكل واحد كنز، ~~فمرجع قوله: " ها " إلى جماعة الكنوز. # الثاني: أن ذكر أحد الضميرين يكفي عن الثاني، كما قال تعالى: {وإذا رأوا ~~تجارة أو لهوا انفضوا إليها} [الجمعة: 11]. # وهما شيئان، كما قال الشاعر: # إن شرخ الشباب والشعر الأس ... ود ما ms0833 لم يعاص كان جنونا # وطريق الكلام الظاهر أن يقال ما لم يعاصيا، ولكنه اكتفى بذكر أحدهما عن ~~الآخر، لدلالة الكلام عليه. ### | [مسألة من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته] # المسألة التاسعة: إنما وهم من زعم أن المراد بالآية أهل الكتاب، لأجل ~~قوله في أول الآية: {يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ~~ليأكلون أموال الناس بالباطل} [التوبة: 34] يعني من أهل الكتاب، فرجع قوله: ~~{والذين يكنزون الذهب والفضة} [التوبة: 34] إليهم. # وهذا لا يصح من وجهين: أحدهما: أن أول الكلام وخصوصه لا يؤثر في آخر ~~الكلام وعمومه، لا سيما إذا كان مستقلا [بنفسه]. # PageV02P491 # الثاني: أن هذا إنما كان يظهر لو قال: ويكنزون الذهب والفضة. # أما وقد قال: والذين يكنزون الذهب والفضة، فقد استأنف معنى آخر يبين أنه ~~عطف جملة على جملة، لا وصفا لجملة على وصف لها. # ويعضد ذلك الحديث الصحيح، رواه البخاري وغيره أن الأحنف بن قيس قال: جلست ~~إلى ملأ من قريش، فجاء رجل أخشن الشعر والثياب والهيئة، حتى قام فسلم ~~عليهم، ثم قال: " بشر الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنم، يوضع على حلمة ~~ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه ~~يتزلزل ". ثم ولى فجلس إلى سارية، وجلست إليه، ولا أدري من هو، فقلت له: لا ~~أرى القوم إلا قد كرهوا ما قلت لهم. قال: إنهم لا يعقلون شيئا قال لي ~~خليلي. قلت: من خليلك؟ قال: النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يا أبا ذر؛ ~~أتبصر أحدا؟ فنظرت إلى الشمس ما بقي من النهار، وأنا أرى رسول الله يرسلني ~~في حاجة له. قلت: نعم. قال لي: ما أحب أن لي مثل أحد ذهبا أنفقه كله، إلا ~~ثلاثة دنانير، وإن هؤلاء لا يعقلون، إنما يجمعون للدنيا، والله لا أسألهم ~~دنيا، ولا أستفتيهم عن دين، حتى ألقى الله». # قال القاضي: الحلمة: طرف الثدي، والنغض، بارز عظم الكتف المحدد. # ورواية أبي ذر لهذا الحديث صحيحة، وتأويله غير صحيح، فإن أبا ذر حمله ms0834 على ~~كل جامع للمال محتجز له، وإنما المراد به من احتجنه واكتنزه عن الزكاة. # والدليل عليه أمران: أحدهما: ما رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة قال: من ~~آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له ماله شجاعا أقرع له زبيبتان، يطوفه ~~يوم القيامة، يأخذ بلهزمتيه يعني بشدقيه يقول: أنا مالك، أنا كنزك. ثم قرأ: ~~{ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله} [آل عمران: 180]. وقد تقدم بيانه. # PageV02P492 # قال القاضي: قوله: ما لم تؤد زكاته، يريد أو حق يتعلق به، كفك الأسير، ~~وحق الجائع، والعطشان. # وقد بينا أن الحقوق العارضة كالحقوق الأصلية. # وقوله: مثل له ماله شجاعا يعني حية. # وهذا تمثيل حقيقة؛ لأن الشجاع جسم والمال جسم، فتغير الصفات والجسمية ~~واحدة، بخلاف قوله: يؤتى بالموت فإن تلك طريقة أخرى. # وإنما خص الشجاع؛ لأنه العدو الثاني للخلق. # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهن: «ما سالمناهن منذ حاربناهن». # وقوله: أقرع، يعني الذي ابيض رأسه من السم. # والزبيبتان: زبدتان في شدقي الإنسان إذا غضب وأكثر من الكلام، قالت أم ~~غيلان بنت جرير: ربما أنشدت أبي حتى تزبب شدقاي. ضرب مثلا للشجاع الذي ~~يتمثل كهيئة المال، فيلقى صاحبه غضبان. وقال ابن دريد: هما نقطتان سوداوان ~~فوق عينيه. وقيل: هو الشجاع الذي كثر سمه حتى ظهر على شدقيه منه كهيئة ~~الزبيبتين. # وكتب أهل الحديث شجاع بغير ألف بعد العين. # وذكر بعض العلماء أن أهل الكوفة كتبوه بغير ألف، وقرءوه منصوبا لئلا يشكل ~~بالممدود، وكذلك نظراؤه. # واللهزمة: الشدقان. وفي رواية: يأخذ بلهزمتيه. وقيل: هما في أصل الحنك. # وفي حديث آخر: «إنه يمثل له ماله شجاعا يتبعه فيضطره فيعطيه يده فيقضمها ~~كما يقضم الفحل». # فأما حبسه ليده فلأنه شح بالمال وقبض بها عليه، وأما أخذه بفمه فلأنه ~~أكله، وأما خروجه من حلمة ثديه إلى نغض كتفه فلتعذيب قلبه وباطنه حين امتلأ ~~بالفرح بالكثرة في المال والسرور في الدنيا؛ فعوقب في الآخرة بالهم ~~والعذاب. # PageV02P493 ### | [مسألة لم ينفق في سبيل الله ولم يكنز ولكنه بذر ماله في السرف والمعاصي] ms0835 # المسألة العاشرة: فإن قيل: فمن لم يكنز ولم ينفق في سبيل الله أليس يكون ~~هذا حكمه؟ فما فائدة ذكر الكنز؟ قلنا: إذا لم ينفق في سبيل الله ولم يكنز، ~~ولكنه بذر ماله في السرف والمعاصي فهذا يعلم أن يكون مثل هذا أو أكثر منه ~~من طريق الأولى. ### | [مسألة وقت نزول آية والذين يكنزون الذهب والفضة] # فإن قيل وهي: المسألة الحادية عشرة: يحتمل أن تكون هذه الآية نزلت في وقت ~~الحاجة، وفقر الصحابة، وفراغ خزانة بيت المال. # قلنا: هذا باطل، فإن الزكاة قد كانت شرعت، وقد كان بعض الصحابة أغنياء، ~~وبعضهم فقراء، وقد كان الفقير منهم يربط بطنه بالحجارة من الجوع، وبيوت ~~الصحابة الأغنياء مملوءة من الرزق، يشبع أولئك، ويجوع هؤلاء، فيندبهم النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - إلى الصدقة، ويرغبهم في المواساة، ولا يوجب عليهم ~~الخروج عن جميع أموالهم. ### | [الآية السابعة عشرة قوله تعالى يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم] # وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون} [التوبة: ~~35]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: روي عن أبي هريرة قال: " من ترك عشرة آلاف درهم جعلت ~~صفائح يعذب بها صاحبها يوم القيامة قبل القضاء ". # وعن ابن مسعود أنه قال: " والله لا يعذب الله رجلا بكنز فيمس درهم درهما، ~~ولا دينار دينارا، ولكن يوسع جلده حتى يوضع كل دينار ودرهم على حدته ". # وعن ثوبان قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما من رجل يموت ~~وعنده أحمر أو أبيض # PageV02P494 # إلا جعل له بكل قيراط صفيحة من نار فيكوى بها من فرقه إلى قدمه، مغفور له ~~بعد ذلك أو معذب». # قال القاضي: هذه الأحاديث لم يصح سندها، وهي بعد محمولة على ما لم تؤد ~~زكاته، فقد روي أن رجلا كان يسأل الناس، فمات فوجدوا له عشرين ألفا، فقال ~~الناس: كنز. فقال ابن عمر: لعله كان يؤدي زكاته من غيره، وما أدى زكاته ~~فليس بكنز. # ومثله عن جابر - رضي الله عنه -. # وأما قول ابن مسعود: أنه يوسع جلده فهذا ms0836 إنما صح في الكافر أنه تعظم جثته ~~زيادة في عذابه، ويغلظ جلده، ويكبر ضرسه، حتى يكون مثل أحد. # فأما المؤمن فلا يكون ذلك له بحال. # المسألة الثانية: قال علماؤنا: إنما كويت جبهته أولا لعله أنه كان يزويها ~~للسائل كراهية لسؤاله، كما قال الشاعر: # يزيد يغض الطرف عني كأنما ... زوى بين عينيه علي المحاجم # فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى ... ولا تلقني إلا وأنفك راغم # ثم يلوي عن وجهه، ويعطيه جنبه إذا زاده في السؤال؛ فإن أكثر عليه ولاه ~~ظهره؛ فرتب الله العقوبة على حال المعصية. # وقد روي عن عبد الله بن مسعود قال: " من كان له مال فلم يؤد زكاته طوقه ~~يوم القيامة شجاعا أقرع ينقر رأسه ". # فلعله إن صح أن يكون الكي من خارج، والنقر من داخل. # وقالت الصوفية: لما طلبوا بكثرة المال الجاه شان الله وجوههم، ولما طووا ~~كشحا # PageV02P495 # عن الفقير إذا جالسهم كويت جنوبهم، ولما أسندوا بظهورهم إلى أموالهم ثقة ~~بها واعتمادا عليها دون الله كويت ظهورهم، هذا والكل معنى صحيح. ### | [مسألة عقوبة المكتنز إذا كان كافرا] # المسألة الثالثة: إن كان المكتنز كافرا فهذه بعض عقوباته، وإن كان مؤمنا ~~فهذه عقوبته إن لم يغفر له، ويجوز أن يعفى عنه. # وقد بينا ذلك في غير موضع. # وقال علماؤنا: إنما عظم الوعيد في هذا الباب لما في اختلاف العباد من ~~الشح على المال والبخل به؛ فإذا خافوا من عظيم الوعيد لانوا في أداء ~~الطاعة. والله أعلم. ### | [الآية الثامنة عشرة قوله تعالى إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا] # في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم ~~فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا ~~أن الله مع المتقين} [التوبة: 36]. # فيها ثمان مسائل: المسألة الأولى: اعلموا أنار الله أفئدتكم أن الله خلق ~~السماوات والأرض، وزينها بالشمس والقمر، ورتب فيها النور والظلمة، وركب ~~عليها المصالح الدنيوية والعبادات الدينية، وأحكم الشهور والأعوام، ونظم ~~بالكل من ذلك ما خلق من مصلحة ومنفعة، وعبادة ms0837 وطاعة، وعلم ذلك الناس أولا ~~وآخرا، ابتداء وانتهاء؛ فقال: {إن في خلق السماوات والأرض} [آل عمران: 190] ~~إلى: الألباب. # وقال: {هو الذي جعل الشمس ضياء} [يونس: 5] إلى: بالحق. # فأخذ كل فريق ذلك فاضطربوا في تفصيله، فقال الروم: السنة اثنا عشر شهرا، ~~والشهور مختلفة؛ شهر ثمانية وعشرون يوما، وشهر ثلاثون يوما، وشهر واحد ~~وثلاثون يوما. # PageV02P496 # وقال الفرس: الشهور كلها ثلاثون يوما، إلا شهرا واحدا، فإنه من خمسة ~~وثلاثين يوما. # وقالت القبط بقولها: إن الشهر ثلاثون يوما، إلا أنه إذا كمل العام ألغت ~~خمسة أيام تنسئها بزعمها. # واتفقوا على أنه لا بد في كل عام من ربع يوم مزيدا على العام، ثم يجتمع ~~منه في كل أربعة أعوام يوم فيكبس أي يلغى، ويزاد في العدد، ويستأنف العام ~~بعده، وهذا كله قصدا لترتيب المصالح والمنافع. # المسألة الثانية: تحقيق القول: إن الله خلق السنة اثني عشر شهرا؛ لأن ~~الله خلق البروج في السماء اثني عشر برجا، ورتب فيها سير الشمس والقمر، ~~وجعل مسير القمر، وقطعه للفلك في كل شهر، وجعل سير الشمس فيها، وقطعه في كل ~~عام، ويتقابلان في الاستعلاء فيعلو القمر إلى الاستواء، وتسفل الشمس، وتعلو ~~الشمس، ويسفل القمر، وهكذا على الأزمنة الأربعة، وفي الشهور الاثني عشر، ~~وجعل عدد أيام السنة القمرية ربع يوم وأربعة وخمسين يوما وثلاثمائة يوم، ~~وجعل أيام السنة الشمسية ربع يوم وخمسة وستين يوما وثلاثمائة يوم؛ فركب ~~العلماء على هذا مسألة، وهي إذا قال: لا أكلمه الشهور، فلا يكلمه حولا ~~مجرما: كاملا قال بعض العلماء لقوله تعالى: {إن عدة الشهور عند الله اثنا ~~عشر شهرا في كتاب الله} [التوبة: 36]. # وقيل: لا يكلمه أبدا. # وأرى إن لم تكن له نية أن يقضي ذلك بثلاثة شهور؛ لأنه أقل الجمع بيقين ~~الذي تقتضيه صيغة فعول في جمع فعل. # ومن الناس من جعل سنة من السنين ثلاثة عشر شهرا مقدار ما يجتمع من الكسر ~~في الزيادة فيلغون منه شهرا في سنة، وقصدهم بذلك كله ألا تغير الشهور عن ~~أوقاتها التي تجري عليها في الأزمنة ms0838 الأربعة: الشتاء والصيف، والقيظ ~~والخريف. # PageV02P497 # المسألة الثالثة: مما ضل فيه جهال الأمم أنهم وضعوا صومهم في زمان واحد، ~~وكان وضع الشريعة الحنيفية السمحة أن يكون بالأهلة حتى يخف تارة ويثقل ~~أخرى، حتى يعم الابتلاء الجهتين جميعا؛ فيختلف الحال فيه على الواحد. # والنفس كثيرا ما تسكن إلى ذلك أو يختلف فيه الحال على الجماعة والأمة ~~لذلك المعنى أيضا. ### | [مسألة معنى قوله تعالى في كتاب الله] # المسألة الرابعة: قوله تعالى {في كتاب الله} [التوبة: 36]: يريد قوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «أول ما خلق الله القلم. فقال له: اكتب فكتب ما يكون ~~إلى أن تقوم الساعة؛ فعلم الله ما يكون في الأزل، ثم كتبه، ثم خلقه كما علم ~~وكتب».؛ فانتظم العلم والكتاب والخلق. ### | [مسألة معنى قوله تعالى يوم خلق السماوات والأرض] # المسألة الخامسة: قوله تعالى {يوم خلق السماوات والأرض} [التوبة: 36]: ~~متعلق بالمصدر، وهو قوله: {كتاب الله} [التوبة: 36]، كما أن حرف الجر من ~~قوله: في كتاب الله، وهو: في، لا يتعلق بقوله عدة؛ لأن الخبر قد حال ~~بينهما، ولكنه يتعلق بمحذوف صفة للخبر، كأنه قال معدودة أو مؤداة أو مكتوبة ~~في كتاب الله، كقولك: زيد في الدار، وذلك مبين في ملجئة المتفقهين ". ### | [مسألة منها أربعة حرم] # المسألة السادسة: قوله تعالى {منها أربعة حرم} [التوبة: 36]: وهي: رجب ~~الفرد، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. # ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن عدة الشهور ~~عند الله اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم: ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو ~~الحجة، والمحرم؛ ورجب». وفي رواية: «ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان». # وقوله: {حرم} [التوبة: 36] جمع حرام، كأنه يوجد احترامها بما منع فيها من ~~القتال، وأوقع في قلوب الناس لها من التعظيم. # PageV02P498 # ومعنى قوله: " رجب مضر " فبما قاله القاضي أبو إسحاق أن بعض أحياء العرب، ~~وأحسبه من ربيعة، كانوا يحرمون شهر رمضان ويسمونه رجب، فأراد النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - تخصيصه بالبيان باقتصار مضر على تحريمه. # وقد روي في الحديث: «ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان». ms0839 # وذلك كله بيان لتحقيق الحال، وتنبيه على رفع ما كان وقع فيها من ~~الاختلال. ### | [مسألة معنى قوله تعالى فلا تظلموا فيهن أنفسكم] # المسألة السابعة: قوله تعالى {فلا تظلموا فيهن أنفسكم} [التوبة: 36]: فيه ~~قولان: أحدهما: لا تظلموا أنفسكم في الشهور كلها. # وقيل في الثاني: المراد بذلك الأشهر الحرم. # واختلف في المراد بالظلم على قولين أيضا: أحدهما: لا تظلموا فيهن أنفسكم ~~بتحليلهن. # وقيل: بارتكاب الذنوب فيهن؛ فإن الله إذا عظم شيئا من جهة صارت له حرمة ~~واحدة، وإذا عظمه من جهتين أو من جهات صارت حرمته متعددة بعدد جهات ~~التحريم، ويتضاعف العقاب بالعمل السوء فيها، كما ضاعف الثواب بالعمل الصالح ~~فيها؛ فإن من أطاع الله في الشهر الحرام في البلد الحرام والمسجد الحرام ~~ليس كمن أطاعه في شهر حلال في بلد حلال في بقعة حلال. # وكذلك العصيان والعذاب مثله في الموضعين والحالين والصفتين؛ وذلك كله ~~بحكم الله وحكمته. # وقد أشار تعالى إلى ذلك بقوله: {يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة ~~يضاعف لها العذاب ضعفين} [الأحزاب: 30] لعظمهن وشرفهن في أحد القولين. ### | [مسألة كيف جعل بعض الأزمنة أعظم حرمة من بعض] # المسألة الثامنة: فإن قيل: وكيف جعل بعض الأزمنة أعظم حرمة من بعض؟ قلنا: ~~عنه جوابان: # PageV02P499 # أحدهما: أن الباري تعالى يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ليس عليه حجر، ولا ~~لعمله علة؛ بل كل ذلك بحكمة، وقد يظهر للخلق وجه الحكمة فيه، وقد يخفى. # الثاني: أن معنى ذلك أن النفس مجبولة على اقتضاء الشهوات، فلما وجبت عليه ~~تكاليف المحرمات جعل بعضها أغلظ من بعض، ليعتاد بكفها عن الأخف، الكف عن ~~الأغلظ، ويجعل بعض الأزمنة والأمكنة أعظم حرمة من بعض؛ ليعتاد في الخفيف ~~الامتثال، فيسهل عليه في الغليظ. والله أعلم. ### | [مسألة أول الأشهر الحرم] # المسألة التاسعة: اختلف الناس في أول هذه الأشهر [الحرم]؛ فقال بعضهم: ~~أولها المحرم وآخرها ذو الحجة، لأنه على تقرير شهور العام، الأول فالأول. # الثاني: أن أولها رجب، وآخرها المحرم معدودة من عامين؛ لأن رجبا له فضل ~~الإفراد. # الثالث: أن ms0840 أولها ذو القعدة؛ لأن فيه التوالي دون التقطيع، وهو الصحيح؛ ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم - في تعدادها: «ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو ~~الحجة والمحرم؛ ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان». وهذا نص صريح من رواية ~~الصحيح. ### | [الآية التاسعة عشرة قوله تعالى وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة] # واعلموا أن الله مع المتقين} [التوبة: 36]. # فيها أربع مسائل: # PageV02P500 # المسألة الأولى: قال الله تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله} ~~[التوبة: 29] إلى قوله: {من الذين أوتوا الكتاب} [التوبة: 29]. # وقال هاهنا: {وقاتلوا المشركين كافة} [التوبة: 36]: يعني محيطين بهم من ~~كل جهة وحالة، فمنعهم ذلك من الاسترسال. # المسألة الثانية: قوله تعالى {كافة} [التوبة: 36]: مصدر حال، ووزنه ~~فاعلة، وهو غريب في المصادر، كالعافية والعاقبة، اشتق من كفة الشيء، وهو ~~حرفه الذي لا يبقى بعده زيادة عليه، ومثله عامة وخاصة، ولا يثنى شيء من ذلك ~~ولا يجمع. # المسألة الثالثة: قال الطبري: معناه مؤتلفين غير مختلفين، فرد ذلك إلى ~~الاعتقاد، ولا يمتنع أن يرجع إلى الفعل والاعتقاد. # المسألة الرابعة: قوله تعالى {واعلموا أن الله مع المتقين} [التوبة: 36]: ~~يعني بالنصر وعدا مربوطا بالتقوى، فإنما تنصرون بأعمالكم، وقد تقدم بيانه. ### | [الآية الموفية عشرين قوله تعالى إنما النسيء زيادة في الكفر] # يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله ~~فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين} ~~[التوبة: 37]. # فيها ثماني مسائل: # المسألة الأولى: قوله تعالى {النسيء} [التوبة: 37]: اختلف الناس فيه على ~~قولين: أحدهما: أنه الزيادة، يقال: نسأ ينسأ، إذا زاد؛ قاله الطبري. # الثاني: أنه التأخير. # قال الأزهري: يقال أنسأت الشيء إنساء، ونساء اسم وضع موضع المصدر، وله ~~معان كثيرة. # PageV02P501 # أما الطبري فاحتج بأنه يتعدى بحرف الجر، فيقال: أنسأ الله في أجلك، كما ~~تقول: زاد الله في أجلك، وتقول: أنسأ الله في أجلك أي زاده مدة، واكتفى ~~بأحد المفعولين عن الثاني، ومنع من قراءته بغير الهمز، ورد على نافع، وقال: ~~لا يكون بترك الهمز إلا من النسيان، كما قال: {نسوا الله فنسيهم} [التوبة: ms0841 ~~67]. # واحتج من زعم أنه التأخير بنقل العرب لهذا التفسير عن أوائلها، وقيد ذلك ~~عنهم مشيخة العرب، وقد قال الله: ما ننسخ من آية أو ننسأها، أي نؤخرها، ~~مهموزة، وقد تخفف الهمز، كما يقال خطية وخطيئة، والصابيون والصابئون، ~~وتخفيف الهمز أصل، ونقل الحركة أصل، والبدل والقلب أصل كله لغوي، وما كان ~~ينبغي أن يخفى هذا على الطبري. # وأما فصل التعدي فضعيف؛ فإن الأفعال المتعدية بالوجهين من وجوه حرف الجر، ~~وفي تعديها به، وعدمه كثيرة. ### | [مسألة كيفية النسيء] # المسألة الثانية: كيفية النسيء: ثلاثة أقوال: # الأول: عن ابن عباس أن جنادة بن عوف بن أمية الكناني كان يوافي الموسم كل ~~عام، فينادي: ألا إن أبا ثمامة لا يعاب ولا يجاب، ألا وإن صفرا العام الأول ~~حلال، فنحرمه عاما، ونحله عاما، وكانوا مع هوازن وغطفان وبني سليم. وفي ~~لفظة أنه كان يقول: إنا قدمنا المحرم وأخرنا صفرا، ثم يأتي العام الثاني ~~فيقول: إنا حرمنا صفرا وأخرنا المحرم؛ فهو هذا التأخير. # الثاني: الزيادة؛ قال قتادة: عمد قوم من أهل الضلالة فزادوا صفرا في ~~الأشهر الحرم، فكان يقوم قائمهم في الموسم فيقول: ألا إن آلهتكم قد حرمت ~~العام المحرم، فيحرمونه ذلك العام، ثم يقوم في العام المقبل فيقول: ألا إن ~~آلهتكم قد حرمت صفرا فيحرمونه ذلك العام، ويقولون: الصفران. # PageV02P502 # وروى ابن وهب، وابن القاسم عن مالك نحوه قال: كان أهل الجاهلية يجعلونه ~~صفرين، فلذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا صفر». # وكذلك روى أشهب عنه. # الثالث: تبديل الحج؛ قال مجاهد بإسناد آخر: إنما النسيء زيادة في الكفر. # قال: حجوا في ذي الحجة عامين، ثم حجوا في المحرم عامين، ثم حجوا في صفر ~~عامين، فكانوا يحجون في كل سنة في كل شهر عامين حتى وافت حجة أبي بكر في ذي ~~القعدة، ثم حج النبي في ذي الحجة، فذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في الحديث الصحيح في خطبته: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله ~~السماوات والأرض». رواه ابن عباس وغيره، واللفظ له قال: ms0842 قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «أيها الناس، اسمعوا قولي، فإني لا أدري لعلي لا ~~ألقاكم بعد يومي هذا في هذا الموقف أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم حرام ~~إلى يوم تلقون ربكم، كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا، وإنكم ~~ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم. وقد بلغت، فمن كان عنده أمانة فليؤدها إلى ~~من ائتمنه عليها، وإن كل ربا موضوع، ولكم رءوس أموالكم، لا تظلمون ولا ~~تظلمون، قضى الله أن لا ربا، وإن ربا عباس بن عبد المطلب موضوع كله، وإن كل ~~دم في الجاهلية موضوع، وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد ~~المطلب، كان مسترضعا في بني ليث فقتلته هذيل، فهو أول ما أبدأ به من دماء ~~الجاهلية. أما بعد، أيها الناس، فإن الشيطان قد يئس أن يعبد بأرضكم، ولكنه ~~إن يطع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم فقد رضي به، فاحذروه أيها الناس ~~على دينكم، وإن النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا إلى قوله ما حرم ~~الله. وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السماوات والأرض، وإن عدة ~~الشهور عند الله اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم؛ ثلاث متواليات، ورجب مضر ~~الذي بين جمادى وشعبان.» # وذكر سائر الحديث. # PageV02P503 ### | [مسألة أول من أنسأ] # المسألة الثالثة: في أول من أنسأ: في ذلك كلام طويل لبابه عن ابن شهاب ~~وغيره أن حيا من بني كنانة، ثم من بني فقيم منهم رجل يقال له القلمس، واسمه ~~حذيفة بن عبيد بن فقيم بن عدي بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة ~~بن خزيمة، وكان ملكا، فكان يحل المحرم عاما ويحرمه عاما، فكان إذا حرمه ~~كانت ثلاثة حرم متواليات، وهذه العدة التي حرم الله في عهد إبراهيم، فإذا ~~أحله أدخل مكانه صفرا، ليواطئ العدة، يقول: قد أكملت الأربعة كما كانت؛ ~~لأني لم أحل شهرا إلا حرمت مكانه آخر، وكانت العرب كذلك ممن كانت تدين بدين ~~القلمس، فكان يخطب بعرفة فيقول: " اللهم ms0843 إني لا أعاب ولا أجاب، ولا مرد لما ~~قضيت، اللهم إني قد أحللت دماء المحلين من طيئ وخثعم، فمن لقيهما فليقتلهما ~~" فرجع الناس وقد أخذوا بقوله. # وإنما أحل دماء طيئ وخثعم؛ لأنهم كانوا لا يحجون مع العرب، ولا يحرمون ~~الحرم، وكانوا يستحلونها، وكان سائر العرب يحرمون الحرم. # ثم كان ابنه على الناس كما كان القلمس واسمه عباد، ثم ابنه أقلع، ثم ابنه ~~أمية بن أقلع بن عباد، ثم ابنه عوف بن أمية، ثم ابنه جنادة بن عوف كما ~~تقدم، فحج نبي الله - صلى الله عليه وسلم - حجة الوداع، وجنادة صاحب ذلك ~~حتى بعث الله نبيه، وأكمل الحرم ثلاثة متواليات ورجب مضر الذي بين جمادى ~~وشعبان. # وفي رواية: العرب كانت إذا فرغت من حجها اجتمعت إليه فحرم الأشهر الحرم، ~~فإذا أراد أن يحل شيئا منها لغنيمة أو لغارة أحل المحرم وحرم مكانه صفرا، ~~وفي ذلك يقول عمير بن قيس بن جذل الطعان: # لقد علمت معد أن قومي ... كرام الناس أن لهم كراما # فأي الناس فاتونا بوتر ... وأي الناس لم تعلك لجاما # ألسنا الناسئين على معد ... شهور الحل نجعلها حراما # وقد تقدم غير هذا بزيادة عليه في المسألة قبلها. # PageV02P504 ### | [مسألة معنى قوله تعالى ليواطئوا عدة ما حرم الله] # المسألة الرابعة: وقد قدمنا أن الإنساء كان عند العرب زيادة وتأخيرا ~~وتبديلا، وأقله صحة الزيادة، لقوله: {ليواطئوا عدة ما حرم الله} [التوبة: ~~37] فإنما ذكر الله في الإنساء ما كان تبديلا [أو تأخيرا]، وأقله الزيادة. # والمواطأة هي الموافقة، تقول العرب: واطأتك على الأمر، أي وافقتك عليه، ~~فكانوا يحفظون عدة الأشهر الحرم التي هي أربعة، لكنهم يبدلون ويؤخرون ~~ويزعمون أن المواطأة على العدة تكفي، وإن خالفت في أعيان الأشهر المحرمات. # ويحتمل أن يكون الإنساء عندهم بالثلاثة الأوجه، فذكر الله منها الوجهين، ~~ولم يذكر الزيادة، وعظم التبديل والتأخير، وإن وقعت الموافقة في العدد، ~~فكان تنبيها على أن المخالفة في وجه أزيد في الكفر، وأعظم في الإثم. ### | [مسألة أنكر شيئا من الشريعة] # المسألة الخامسة: قوله تعالى {زيادة في ms0844 الكفر} [التوبة: 37]: قد بينا ~~الكفر وحقيقته، وذكرنا أنه راجع إلى الإنكار، فمن أنكر شيئا من الشريعة فهو ~~كافر؛ ولأنه مكذب لله ولرسوله، والزيادة [فيه] والنقصان منه حق وصدق [وكذلك ~~الزيادة في الإيمان والنقصان منه حق وصدق]، وبينا حقيقة الإيمان والكفر ~~واختلاف الناس فيهما والحق من ذلك في كتب الأصول على وجه مستوفى؛ لبابه أن ~~أهل السنة اختلفوا في الإيمان؛ فمنهم من قال: هو المعرفة قاله شيخ السنة، ~~واختاره لسان الأمة في مواضع. ومنهم من قال: هو التصديق؛ قاله لسان الأمة ~~أيضا. ومنهم من قال: هو الاعتقاد والقول والعمل. # فمن قال: إنه المعرفة منهم فقد خالف اللغة، وتجوز ظاهرها إلى وجه من ~~التأويل فيها. # PageV02P505 # ومن قال: إنه التصديق فقد وافق مطلق اللغة، لكنه قد يكون بمعنى التصديق، ~~وقد يكون بمعنى الأمان قال النابغة: # والمؤمن العائذات الطير يمسحها ... ركبان مكة بين الغيل والسند # وأما من قال: إنه الاعتقاد والقول والعمل فقد جمع الأقوال كلها، وركب تحت ~~اللفظ مختلفات كثيرة، ولم يبعد من طريق التحقيق في جهة الأصول ولا في جهة ~~اللغة؛ أما في جهة اللغة فلأن الفعل يصدق القول أو يكذبه؛ قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «العينان تزنيان، واليدان تزنيان، والرجلان تزنيان، ~~والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه». # فإذا علم أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فليتكلم بمقتضى علمه، ~~وإذا تكلم بما علم فليعمل بمقتضى علمه، فيطرد الفعل والقول والعلم، فيقع ~~إيمانا لغويا شرعيا؛ أما لغة فلأن العرب تجعل الفعل تصديقا قال تعالى: ~~{واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا} [مريم: 54] ~~وصدق الوعد اتصال الفعل بالقول. # فإن قيل: هذا مجاز. # قلنا: هذه حقيقة، وقد بيناه في كتب الأصول، وعلى هذا المعنى جاء قوله: ~~{وما كان الله ليضيع إيمانكم} [البقرة: 143]. # وعلى ضده جاء قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من ترك الصلاة فقد كفر». # إذا ثبت هذا فاختلفوا أيضا في الزيادة فيهما والنقصان كما بيناه في موضعه ~~وهي: المسألة السادسة: فأما من قال: إنه ms0845 المعرفة أو التصديق بالقلب فأبعد ~~الزيادة فيه والنقصان؛ لأنها # PageV02P506 # أعراض؛ وزعموا أن الزيادة أو النقص لا يتصور في الأعراض، وإنما يتأتى في ~~الأجسام. # وأما من قال: إنه الأعمال فتصور فيها الزيادة والنقصان. # وقد سئل مالك: هل يزيد الإيمان وينقص؟ فقال: يزيد، ولم يقل ينقص. # وأطلق غيره الزيادة والنقص عليه. # وتحقيق القول في ذلك أن العلم يزيد وينقص، وكذلك القول، وكذلك العمل، ~~والكل بأج واحد وحقيقة واحدة، لا يختلف في ذلك ولا يخرج واحد منها عنه، وإن ~~كانت كلها أعراضا كما بينا؛ وذلك لأن الشيء لا يزيد بذاته ولا ينقص بها، ~~وإنما له وجود أول، فلذلك الوجود أصل، ثم إذا انضاف إليه وجود مثله وأمثاله ~~كان ذلك زيادة فيه، وإن عدمت تلك الزيادة فهو النقص، وإن عدم الوجود الأول ~~الذي يتركب عليه المثل لم يكن زيادة ولا نقصان؛ وقدر ذلك في العلم أو في ~~الحركة، فإن الله سبحانه إذا خلق علما فردا، وخلق معه مثله أو أمثاله ~~بمعلومات مقدرة فقد زاد علمه، فإن أعدم الله الأمثال فقد نقص أي زالت ~~الزيادة. # وكذلك لو خلق حركة وخلق معها مثلها أو أمثالها، فإذا خلق الله للعبد ~~العلم به من وجه وخلق له التصديق به بالقول النفسي، أو الظاهر، وخلق له ~~الهدى للعمل به [وليس العمل]، ثم خلق له مثل ذلك وأمثاله فقد زاد إيمانه. # وبهذا المعنى على أحد الأقوال فضل الأنبياء [على] الخلق، فإنهم علموه ~~تعالى من وجوه أكثر من الوجوه التي علمه الخلق بها، فمن عذيري ممن يقول: إن ~~الأعمال تزيد وتنقص ولا تزيد المعرفة ولا تنقص؛ لأنها عرض، ولا يعلم أن ~~الأعمال أعراض # PageV02P507 # والحالة فيهما واحدة؛ وقد صرح الله بالزيادة في الإيمان في مواضع من ~~كتابه، فقال: {ويزداد الذين آمنوا إيمانا} [المدثر: 31]. # {ويزيد الله الذين اهتدوا هدى} [مريم: 76]. # وقال: {فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا} [التوبة: 124]. # وقال في جهة الكفار: {فزادتهم رجسا إلى رجسهم} [التوبة: 125]. # فأطلق الزيادة في الوجهين: # وقد قال علماؤنا: إن مالكا - رضي الله عنه - بعلمه وورعه امتنع من إطلاق ms0846 ~~النقص في الإيمان لوجوه بيناها في كتب الأصول، منها: أن الإيمان يتناول ~~إيمان الله وإيمان العبد؛ فإذا أطلق إضافة النقص إلى مطلق الإيمان دخل في ~~ذلك إيمان الله، ولا يجوز إضافة ذلك إليه سبحانه لاستحالته فيه عقلا، ~~وامتناعه شرعا. # وعلى هذا يجوز إضافة ذلك إلى إيمان العبد على التخصيص، بأن يقول: إيمان ~~الخلق يزيد وينقص. # ومنها أن الإيمان من المعاني التي يجب مدحها، ويحرم ذمها شرعا، والنقص ~~صفة ذم؛ فلا يجوز أن يطلق على ما يستحق المدح فيه، ويحرم الذم، فإذا تحرر ~~لكم هذا ويسر الله قبول أفئدتكم له فإنه مقلب الأفئدة والأبصار. . ### | [مسألة أنواع الكفر] # فإن قوله تعالى: وهي المسألة السابعة: {إنما النسيء زيادة في الكفر} ~~[التوبة: 37]: بيان لما فعلته العرب من جمعها بين أنواع الكفر، فإنها أنكرت ~~وجود الباري، فقالت: وما الرحمن؟ في أصح الوجوه. # وأنكرت البعث، فقالت: {من يحيي العظام وهي رميم} [يس: 78]. # وأنكرت بعثة الرسل، فقالت: {أبشرا منا واحدا نتبعه} [القمر: 24]. # وزعمت أن التحريم والتحليل إليها، فابتدعت من ذاتها مقتفية لشهواتها ~~التحريم والتحليل، ثم زادت على ذلك كله بأن غيرت دين الله، وأحلت ما حرم، ~~وحرمت ما # PageV02P508 # أحل تبديلا وتحريفا، والله لا مبدل لكلماته، ولو كره المشركون، وهكذا في ~~جميع ما فعلت من تغيير الدين وتبديل الشرع. # المسألة الثامنة: قوله: {زين لهم سوء أعمالهم} [التوبة: 37]: أي خلق لهم ~~اعتقاد الحسن فيها، وهي قبيحة، فنظروا فيها بالعين العوراء؛ لطمس أعينهم ~~وفساد بصائرهم؛ وذلك حكم الله في عدم الهدى للكافرين. . ### | [الآية الحادية والعشرون قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا] # في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما ~~متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل} [التوبة: 38]. # فيها خمس مسائل: المسألة الأولى: قوله: {ما لكم} [التوبة: 38]: ما: حرف ~~استفهام، التقدير: أي شيء يمنعكم عن كذا؟ كما تقول ما لك عن فلان معرضا. # ونظامه الصناعي ما حصل لك مانعا لكذا أو كذا. # وكذا تقول: ما لك تقوم وتقعد؟ التقدير: أي شيء ms0847 حصل لك مانعا من ~~الاستقرار؟ المسألة الثانية: قوله: {انفروا في سبيل الله} [التوبة: 38]: ~~يقال: نفر إذا زال عن الشيء. # وتصريفه نفر ينفر نفيرا، ونفرت الدابة تنفر نفورا، وكأن النفور في ~~الإباية، والنفير في الإقبال والسعاية. # وقد يؤلفان على رأي من يرى تأليف المعاني المختلفة تحت اللفظ الواحد بوجه ~~يبعد تارة ويقرب أخرى، ويكون تأويله هاهنا: زولوا عن أرضيكم وأهليكم في ~~سبيل الله. ### | [مسألة محل النفير] # المسألة الثالثة: في محل النفير: لا خلاف بين العلماء أن المراد به غزوة ~~تبوك، دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليها في حمارة # PageV02P509 # القيظ، وطيب الثمار، وبرد الظلال؛ فاستولى على الناس الكسل، وغلبهم على ~~الميل إليها الأمل، فتقاعدوا عنه، وتثاقلوا عليه، فوبخهم الله على ذلك ~~بقوله هذا، وعاب عليهم الإيثار للدنيا على ثواب الآخرة. ### | [مسألة توبيخ على ترك الجهاد] # المسألة الرابعة: قوله {اثاقلتم} [التوبة: 38]: قال المفسرون: معناه ~~تثاقلتم، وهذا توبيخ على ترك الجهاد، وعتاب في التقاعد عن المبادرة إلى ~~الخروج. # ونحو قوله: {ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله} [التوبة: 38] هو ~~قوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} [البقرة: 195] المعنى لا تقبلوا على ~~الأموال إيثارا لها على الأعمال الصالحة، ولا تركنوا إلى التجارة الحاضرة، ~~تقديما لها على التجارة الرابحة التي تنجيكم من العذاب الأليم، حسبما تقدم ~~بيانه في سورة البقرة. ### | [مسألة إيثار الراحة في الدنيا على الراحة في الآخرة] # المسألة الخامسة: قوله تعالى {أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة} [التوبة: ~~38]: يعني بدلا من الآخرة، ويرد ذلك في كلام العرب نثرا، ونظما؛ قال ~~الشاعر: # فليت لنا من ماء زمزم شربة ... مبردة باتت على الطهيان # أراد ليت لنا بدلا من ماء زمزم. # والطهيان: عود ينصب في ساحة الدار للهواء، ويعلق عليه إناء ليلا حتى ~~يبرد. # عاتبهم على إيثار الراحة في الدنيا على الراحة في الآخرة؛ إذ لا تنال ~~راحة الآخرة إلا بنصب الدنيا. # قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة - رضي الله عنها - وقد طافت ~~راكبة: «أجرك على قدر نصبك». # وهذا لا يصدر إلا عن قلب ms0848 موقن بالبعث. # PageV02P510 ### | [الآية الثانية والعشرون قوله تعالى إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما] # ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير} [التوبة: 39]. # فيها مسألتان: المسألة الأولى: هذا تهديد شديد، ووعيد مؤكد، في ترك ~~النفير: ومن محققات مسائل الأصول أن الأمر إذا ورد فليس في وروده أكثر من ~~اقتضاء الفعل؛ فأما العقاب عند الترك فلا يؤخذ من نفس الأمر، ولا يقتضيه ~~الاقتضاء؛ وإنما يكون العقاب بالخبر عنه، كقوله: إن لم تفعل كذا عذبتك ~~بكذا، كما ورد في هذه الآية؛ فوجب بمقتضاها النفير للجهاد، والخروج إلى ~~الكفار لمقابلتهم على أن تكون كلمة الله هي العليا. ### | [مسألة نوع العذاب] # المسألة الثانية: في نوع العذاب: قال ابن عباس: هو حبس المطر عنهم. # فإن صح ذلك فهو أعلم من أين قاله، وإلا فالعذاب الأليم هو الذي في الدنيا ~~باستيلاء العدو على من لم يستول عليه، وبالنار في الآخرة، وزيادة على ذلك ~~استبدال غيركم، كما قال الله سبحانه: {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم} ~~[محمد: 38]. ### | [الآية الثالثة والعشرون قوله تعالى إلا تنصروه فقد نصره الله] # الآية الثالثة والعشرون {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ~~ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل ~~الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة ~~الله هي العليا والله عزيز حكيم} [التوبة: 40]. # فيها ست مسائل: # المسألة الأولى: النصر: هو المعونة، وقد تقدم بيانه. # PageV02P511 ### | [مسألة قوله تعالى ثاني اثنين] # المسألة الثانية: قوله: {ثاني اثنين} [التوبة: 40]: وللعرب في ذلك لغتان: ~~تقول ثاني اثنين، وثالث ثلاثة، ورابع أربعة، بمعنى أحدهما، مشتقة من المضاف ~~إليه. # وتقول أيضا: خامس أربعة، أي الذي صيرهم خمسة. ### | [مسألة قوله تعالى إلا تنصروه] # المسألة الثالثة: قوله: {إلا تنصروه} [التوبة: 40]: يعني يعينوه بالنفير ~~معه في غزوة تبوك، فقد نصره الله بصاحبه أبي بكر، وأيده بجنود الملائكة. # روى أصبغ، وأبو زيد عن ابن القاسم عن مالك: {ثاني اثنين إذ هما في الغار ~~إذ يقول لصاحبه لا ms0849 تحزن إن الله معنا} [التوبة: 40] هو أبو بكر الصديق. # قال: فرأيت مالكا يرفع بأبي بكر جدا لهذه الآية. # قال: وكانوا في الهجرة أربعة، منهم عامر بن فهيرة، ورقيط الدليل. # قال غير مالك: يقال أريقط قال القاضي - رضي الله عنه -: فحق أن يرفع مالك ~~أبا بكر بهذه الآية، ففيها عدة فضائل مختصة لم تكن لغيره، منها قوله: إذ ~~يقول لصاحبه، فحقق له تعالى [قوله له] بكلامه، ووصف الصحبة في كتابه متلوا ~~إلى يوم القيامة. # ومنها قوله: {إن الله معنا} [التوبة: 40]. # وفي الحديث الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي بكر في ~~الغار: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثها؟» وهذه مرتبة عظمى، وفضيلة ~~شماء، لم يكن لبشر أن يخبر عن الله سبحانه أنه ثالث اثنين، أحدهما أبو بكر، ~~كما أنه قال مخبرا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر ثاني اثنين. # PageV02P512 # ومنها قوله: {لا تحزن إن الله معنا} [التوبة: 40]. # وقال مخبرا عن موسى وبني إسرائيل: {كلا إن معي ربي سيهدين} [الشعراء: ~~62]. # قال لنا أبو الفضائل المعدل: قال لنا جمال الإسلام أبو القاسم قال موسى: ~~{كلا إن معي ربي سيهدين} [الشعراء: 62] وقال في محمد وصاحبه: {لا تحزن إن ~~الله معنا} [التوبة: 40]. # لا جرم لما كان الله مع موسى وحده ارتد أصحابه بعده، فرجع من عند ربه، ~~ووجدهم يعبدون العجل. # ولما قال في محمد - صلى الله عليه وسلم -: إن الله معنا، بقي أبو بكر ~~مهتديا موحدا، عالما عازما، قائما بالأمر لم يتطرق إليه اختلال. # ومنها قوله: {فأنزل الله سكينته عليه} [التوبة: 40]: فيه قولان: أحدهما: ~~على النبي. # الثاني: على أبي بكر. # قال علماؤنا: وهو الأقوى؛ لأن الصديق خاف على النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- من القوم، فأنزل الله سكينته؛ ليأمن على النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فسكن جأشه، وذهب روعه، وحصل له الأمن، وأنبت الله شجر ثمامه، وألهم الوكر ~~هنالك حمامه، وأرسل العنكبوت فنسجت عليه بيتا، فما أضعف هذه الجنود في ظاهر ~~الحس؛ وما أقواها في باطن المعنى. # ولهذا المعنى ms0850 قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح لعمر ~~حين تغامر مع أبي بكر الصديق: «هل أنتم تاركو لي صاحبي، إن الناس كلهم ~~قالوا كذبت، وقال أبو بكر: صدقت». # ومنها: أنه جعل أبا بكر في مقابلة الصحابة أجمع، فقال: «إلا تنصروه فقد ~~نصره الله بصاحبه في الغار، بتأنيسه له، وحمله على عنقه» [ووفائه له] ~~بوقايته له [بنفسه]، وبمواساته بماله، وكذلك روي «أن ميزانا نزل من السماء، ~~فوزن النبي # PageV02P513 # - صلى الله عليه وسلم - بالخلق فرجحهم»؛ وبهذه الفضائل استحق أن يقال ~~فيه: لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا. # وسبقت له بذلك كله الفضيلة على الناس. # روى البخاري وغيره عن عبد الله بن عمر أنه قال: كنا نخير بين الناس في ~~زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فنخير أبا بكر ثم عمر ثم عثمان. # وروي عن مالك أنه قال: خير الناس بعد نبيهم أبو بكر. وسيأتي في سورة ~~النور بيان ذلك مستوفى إن شاء الله. ### | [مسألة خرج بنفسه فارا عن الكافرين بإلجائهم له إلى ذلك حتى فعله] # المسألة الرابعة: وهي عظمى في الفقه من قوله تعالى {إذ أخرجه الذين ~~كفروا} [التوبة: 40]: وهو خرج بنفسه، فارا عن الكافرين بإلجائهم له إلى ذلك ~~حتى فعله؛ فنسب الفعل إليهم، ورتب الحكم فيه عليهم، وذمهم عليه، وتوعدهم؛ ~~فلهذا يقتل المكره على القتل، ويضمن المال المكره على إتلاف المال؛ لإلجائه ~~القاتل والمتلف إلى القتل والإتلاف، وكذلك شهود الزنا المزورون باتفاق من ~~المذهب، وشهود القصاص إذا شهدوا بالقتل باطلا باختلاف بين علمائنا؛ ~~والمسألة عسيرة المأخذ، وقد حققناها في مسائل الخلاف. # وجملة الأمر أن نسبة الفعل إلى المكره لا خلاف فيه، وكذلك تعلق الإثم به ~~مع القصد إليه لا خلاف فيه. # فأما ما يترتب عليه من حكم فإن ذلك يختلف بحسب اختلاف المحال والأسباب، ~~حسبما تقتضيه الأدلة؛ فلينظر هنالك. ### | [مسألة الفرار من خوف العدو] # المسألة الخامسة: وفي هذه الآية دليل على جواز الفرار من خوف العدو، وترك ~~الصبر على ما ينزل من بلاء الله، وعدم الاستسلام ms0851 المؤدي إلى الآلام ~~والهموم، وألا يلقي بيده إلى العدو، توكلا على الله، ولو شاء ربكم لعصمه مع ~~كونه معهم، ولكنها سنة الأنبياء وسيرة الأمم، حكم الله بها لتكون قدرة ~~للخلق، وأنموذجا في الرفق، وعملا بالأسباب. # PageV02P514 ### | [مسألة حزن أبي بكر في الغار مع كونه مع النبي] # المسألة السادسة: قالت الإمامية قبحها الله: حزن أبي بكر في الغار مع ~~كونه مع النبي دليل على جهله ونقصه وضعف قلبه وحيرته. # أجاب على ذلك علماؤنا بثلاثة أجوبة: الأول: أن قوله: لا تحزن، ليس بموجب ~~بظاهره وجود الحزن، إنما يقتضي منعه منه في المستقبل، فلعل النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال له ذلك زيادة في طمأنينة قلبه؛ فإن الصديق قال للنبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا. # فقال له: «لا تحزن إن الله معنا»؛ لتطمئن نفسه. # الثاني: أن الصديق لا ينقصه إضافة الحزن إليه، كما لم تنقص إبراهيم حين ~~قيل عنه: {نكرهم وأوجس منهم خيفة} [هود: 70]. # ولم ينقص موسى قوله عنه: {فأوجس في نفسه خيفة موسى} [طه: 67]. # وهذان العظيمان قد وجدت عندهم التقية نصا، وإنما هي عند الصديق هاهنا ~~باحتمال. # الثالث: أن حزن الصديق - رضي الله عنه - لم يكن لشك وحيرة، وإنما كان ~~خوفا على النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يصل إليه ضرر، ولم يكن النبي في ~~ذلك الوقت معصوما من الضرر، فكيف يكون الصديق - رضي الله عنه - ضعيف القلب، ~~وهو لم يستخف حين مات النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ بل ظهر وقام المقام ~~المحمود الذي تقدم ذكرنا له بقوة يقين، ووفور علم، وثبوت جأش، وفصل للخطبة ~~التي تعيي المحتالين. ### | [الآية الرابعة والعشرون قوله تعالى انفروا خفافا وثقالا] # وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} ~~[التوبة: 41]. # فيها خمس مسائل: # PageV02P515 # المسألة الأولى: في سبب نزولها: قد تقدم ذكر نزول ذلك في غزوة تبوك إلى ~~الروم، وكانت غزوة بعيدة في وقت شديد من حمارة القيظ، وعدوا كثيرا، استنفر ~~لها الناس كلهم على ما نبينه إن شاء ms0852 الله. ### | [مسألة معنى قوله تعالى خفافا وثقالا] # المسألة الثانية: قوله: {خفافا وثقالا} [التوبة: 41]: فيه عشرة أقوال: # الأول: روي عن أنس، عن أبي طلحة أنه قال: شبان وكهول، ما سمع الله عذر ~~أحد؛ فخرج إلى الشام فجاهد حتى مات. # الثاني: شبانا وشيبا. # الثالث: في اليسر والعسر. # الرابع: في الفراغ والشغل. # الخامس: مع الكسل والنشاط. # السادس: رجالا وركبانا. # السابع: صاحب صنعة ومن لا صنعة له. # الثامن: جبانا وشجاعا. # التاسع: ذا عيال ومن لا عيال له. # العاشر: الثقيل: الجيش كله، والخفيف: المقدمة. # وقد يمكن أن يكون فيها غير هذه الأقوال، إلا أن هذه جملة تدل على ما بقي، ~~والكل محتمل أن يكون مرادا بالآية، لكن منه ما يقرب، ومنه ما يبعد. ### | [مسألة انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم هل هي محكمة أم منسوخة] # المسألة الثالثة: قال علماؤنا: اختلف في إحكام هذه الآية أو نسخها قوله ~~على قولين بيناهما في القسم الثاني. # PageV02P516 # والصحيح أنها غير منسوخة، وقد تكون حالة يجب فيها نفير الكل إذا تعين ~~الجهاد على الأعيان بغلبة العدو على قطر من الأقطار، أو بحلوله بالعقر؛ ~~فيجب على كافة الخلق الجهاد والخروج إليه؛ فإن قصروا عصوا. # ولقد نزل بنا العدو قصمه الله سنة سبع وعشرين وخمسمائة؛ فجاس ديارنا، ~~وأسر جيرتنا، وتوسط بلادنا في عدد هال الناس عدده، وكان كثيرا، وإن لم يبلغ ~~ما حددوه، فقلت للوالي والمولى عليه: هذا عدو الله، وقد حصل في الشرك ~~والشبكة، فلتكن عندكم بركة، ولتظهر منكم إلى نصرة دين الله المتعينة عليكم ~~حركة، فليخرج إليه جميع الناس حتى لا يبقى منهم أحد في جميع هذه الأقطار ~~فيحاط به فإنه هالك لا محالة إن يسركم الله له؛ فغلبت الذنوب، ووجفت القلوب ~~بالمعاصي، وصار كل أحد من الناس ثعلبا يأوي إلى وجاره، وإن رأى المكروه ~~بجاره؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون، وحسبنا الله ونعم الوكيل. # ومن الناس من قال: إنها منسوخة بقوله: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة} ~~[التوبة: 122]. وذلك بين في موضعه. # المسألة الرابعة: إذا كان النفير عاما لغلبة العدو على ms0853 الحوزة، أو ~~استيلائه على الأسارى كان النفير عاما، ووجب الخروج خفافا وثقالا، وركبانا ~~ورجالا، عبيدا وأحرارا، من كان له أب من غير إذنه، ومن لا أب له، حتى يظهر ~~دين الله، وتحمى البيضة، وتحفظ الحوزة، ويخزى العدو، ويستنقذ الأسرى. # ولا خلاف في هذا. # ولقد روي أن بعض الأمراء عاهد كفارا ألا يحبسوا أسيرا، فدخل رجل من جهته ~~بلادهم، فمر على بيت مغلق، فنادته امرأة: إني أسيرة، فأبلغ صاحبك خبري. # فلما اجتمع به، استطعمه عنده، وتجاذبا ذيل الحديث انتهى الخبر إلى هذه ~~المعذبة، فألقاه إليه، فما أكمل حديثه حتى قام الأمير على قدمه، وخرج غازيا ~~من فوره، ومشى # PageV02P517 # إلى البلد حتى أخرج الأسيرة، واستولى على الموضع، فكيف بنا وعندنا عهد ~~الله ألا نسلم إخواننا إلى الأعداء، وننعم وهم في الشقاء، أو نملك بالحرية ~~وهم أرقاء. # يالله، ولهذا الخطب الجسيم، نسأل الله التوفيق للجمهور، والمنة بصلاح ~~الآمر والمأمور. # فإن قيل: فكيف يصنع الواحد إذا قصر الجميع؟ وهي: المسألة الخامسة: قلنا: ~~يقال له: وأين يقعان مما أريد؟ مكانك أيها الواحد لا يفتى ومالك لا يكفي، ~~والأمر لله فيما يريد من توفيق، أو قطع للطريق، وقد همهم الخاطر بهذه ~~المسألة، وزمزم اللسان بها مدة. # والذي يحدث أخبارها، ويطفئ والله أعلم أوارها أن يعمد من رأى تقصير الخلق ~~إلى أسير واحد فيفديه؛ فإن الأغنياء لو اقتسموا فداء الأسرى ما لزم كل واحد ~~منهم إلا أقل من درهم للرجل الواحد، فإذا فدى الواحد فقد أدى في الواحد ~~أكثر مما كان يلزمه في الجماعة، ويغزو بنفسه إن قدر، وإلا جهز غازيا. # فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من جهز غازيا فقد غزا، ومن ~~خلف غازيا في أهله فقد غزا». ### | [الآية الخامسة والعشرون قوله تعالى ومنهم من يلمزك في الصدقات] # فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون} [التوبة: 58]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: قوله تعالى {ومنهم من يلمزك في الصدقات} [التوبة: 58]: ~~أي يعيبك. # وفيه قولان: أحدهما: أنه العيب مطلقا، ومنهم من قال: ms0854 إنه العيب بالغيب، ~~يقال: لمزه يلمزه بكسر العين في المستقبل وضمها قال تعالى: {ولا تلمزوا ~~أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب} [الحجرات: 11]. # PageV02P518 # ومنه قوله تعالى {ويل لكل همزة لمزة} [الهمزة: 1]. # المسألة الثانية: قال أبو سعيد الخدري: «بعث إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بشيء فقسمه بين أربعة، وقال: تألفهم. فقال رجل: ما عدلت. فقال: يخرج ~~من ضئضئ هذا قوم يمرقون من الدين». هكذا رواه البخاري، وزاد غيره: «فأنزل ~~الله: {ومنهم من يلمزك في الصدقات} [التوبة: 58]». # إذا ثبت هذا فهؤلاء الأربعة كانوا عيينة والأقرع، وكانوا من المؤلفة ~~قلوبهم، فدل ذلك وهي: المسألة الثالثة: على دفع الزكاة إليهم، ويأتي تمام ~~المسألة بعد إن شاء الله تعالى. ### | [الآية السادسة والعشرون قوله تعالى إنما الصدقات للفقراء والمساكين] # والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله ~~وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم} [التوبة: 60]. # فيها ثمان وعشرون مسألة: # المسألة الأولى: هذه الآية من أمهات الآيات، إن الله بحكمته البالغة، ~~وأحكامه الماضية العالية، خص بعض الناس بالأموال دون البعض، نعمة منه ~~عليهم، وجعل شكر ذلك منهم إخراج سهم يؤدونه إلى من لا مال له، نيابة عنه ~~سبحانه وتعالى فيما ضمنه بفضله لهم في قوله: {وما من دابة في الأرض إلا على ~~الله رزقها} [هود: 6]؛ وقدر # PageV02P519 # الصدقات على حسب أجناس الأموال، فجعل في النقدين ربع العشر، وجعل في ~~النبات العشر، ومع تكاثر المؤنة نصف العشر، ويترتب على هذا القول في حقيقة ~~الصدقة وهي: المسألة الثانية: على قولين: أحدهما: أنه جزء من المال مقدر ~~معين؛ وبه قال مالك والشافعي وأحمد. # وقال أبو حنيفة: إنها جزء من المال مقدر # فجوز إخراج القيمة في الزكاة؛ إذ زعم أن التكليف والابتلاء إنما هو في ~~نقص الأموال، وذهل عن التوفية لحق التكليف في تعيين الناقص، وأن ذلك يوازي ~~التكليف في قدر الناقص؛ فإن المالك يريد أن يبقى ملكه بحاله، ويخرج من غيره ~~عنه، فإذا مالت نفسه إلى ذلك، وعلقت به، كان التكليف قطع تلك العلاقة التي ~~هي بين القلب وبين ذلك ms0855 الجزء من المال، فوجب إخراج ذلك الجزء بعينه. # فإن قيل: فقد روى البخاري وغيره في كتاب أبي بكر الصديق بالصدقة: ومن ~~بلغت صدقته بنت مخاض، وليست عنده، وعنده بنت لبون، فإنها تقبل منه، ويعطيه ~~المصدق عشرين درهما أو شاتين. # قلنا: قد أجاب عنه علماؤنا بأربعة أجوبة: أحدها: أن هذا خبر واحد يخالف ~~الأصول، وعندهم إذا خالف خبر الواحد الأصول بطل في نفسه. # الثاني: أن هذا الحديث لم يخرج مخرج التقويم، بدليل أنه لم يقل: ومن بلغت ~~صدقته بنت مخاض، وعنده بنت لبون، فإنها تؤخذ منه ويعطى عشرين درهما، وإنما ~~كان القياس أن يقول: فإنها تؤخذ منه إذا عرفت قيمتها، فلما عدل عن القيمة ~~إلى التقدير والتحديد بتعين الشاتين أو العشرين درهما دل على أنه خرج مخرج ~~العبادة. # PageV02P520 # الثالث: أن هذا إنما جوز في الجيران ضرورة اختلاف السنين، ولا ضرورة إلى ~~إجزائه في الأصل، فبقي على حاله. # الرابع: أن كتاب عمر في الصدقة الذي رواه مالك وعمل به في الأقطار ~~والأمصار أولى من كتاب أبي بكر الصديق الذي لم يجئ إلا من طريق واحدة. ~~ولعله كان لقضية في عين مخصوصة. ### | [مسألة معنى تسميتها صدقة] # المسألة الثالثة: في معنى تسميتها صدقة: وذلك مأخوذ من الصدق في مساواة ~~الفعل للقول، والاعتقاد، حسبما تقدم في الآية قبلها. # وبناء " صدق " يرجع إلى تحقيق شيء بشيء وعضده به، ومنه صداق المرأة؛ أي ~~تحقيق الحل وتصديقه بإيجاب المال والنكاح على وجه مشروع. # ويختلف في ذلك كله بتصريف الفعل، يقال: صدق في القول صداقا وتصديقا، ~~وتصدقت بالمال تصدقا، وأصدقت المرأة إصداقا. # وأرادوا باختلاف الفعل الدلالة على المعنى المختص به في الكل. # ومشابهة الصدق هاهنا للصدقة أن من أيقن من دينه أن البعث حق، وأن الدار ~~الآخرة هي المصير، وأن هذه الدار الدانية قنطرة إلى الأخرى، وباب إلى ~~السوأى أو الحسنى عمل لها، وقدم ما يجده فيها؛ فإن شك فيها أو تكاسل عنها ~~وآثر عليها بخل بماله، واستعد لآماله، وغفل عن مآله. # وفي كتب الذكر تحقيق ذلك. ### | [مسألة المعنى ms0856 الذي أفادت هذه اللام قوله للفقراء] # المسألة الرابعة: قوله تعالى {للفقراء} [التوبة: 60]: واختلف العلماء في ~~المعنى الذي أفادت هذه اللام [فقيل] لام الأجل؛ كقولك: هذا السرج للدابة، ~~والباب للدار؛ وبه قال مالك وأبو حنيفة. # ومنهم من قال: إن هذه لام التمليك؛ كقولك: هذا المال لزيد؛ وبه قال ~~الشافعي. # واتفقوا على أنه لا يعطى جميعها للعاملين عليها. # واعتمد أصحاب الشافعي على أن # PageV02P521 # الله أضاف الصدقة فاللام التمليك إلى مستحق حتى يصح منه الملك على وجه ~~التشريك؛ فكان ذلك بيانا للمستحقين. # وهذا كما لو أوصى لأصناف معينين، أو لقوم معينين. # وتعلق علماؤنا بقوله تعالى: {إن تبدوا الصدقات} [البقرة: 271]. # والصدقة متى أطلقت في القرآن فهي صدقة الفرض. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم ~~وأردها على فقرائكم». # وهذا نص في ذكر أحد الأصناف الثمانية قرآنا وسنة. # وحقق علماؤنا المعنى، فقالوا: إن المستحق هو الله تعالى، ولكنه أحال بحقه ~~لمن ضمن لهم رزقهم بقوله: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} [هود: ~~6]؛ فكان كما لو قال زيد لعمرو: إن لي حقا على خالد يماثل حقك يا عمرو أو ~~يخالفه، فخذه منه مكان حقك فإنه يكون بيانا لمصرف حق المستحق لا للمستحق، ~~والصنف الواحد في جهة المصرف والمحلية كالأصناف الثمانية. # فإن قيل: هذا يبطل بالكافر فإنه مضمون له الرزق بذلك الوعد الحق، ثم ليس ~~بمصرف للزكاة. # قلنا: كذلك كنا نقول: إنه تصرف الزكاة إلى الذمي، إلا أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - خصص هذا العموم بقوله: «أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم ~~وأردها على فقرائكم»؛ فخصصناه بما خصصه به صاحب الشريعة، المبين للناس ما ~~نزل إليهم؛ وما فهم المقصود أحد فهم الطبري؛ فإنه قال: الصدقة لسد خلة ~~المسلمين، ولسد خلة الإسلام؛ وذلك من مفهوم مأخذ القرآن في بيان الأصناف ~~وتعديدهم. # والذي جعلناه فصلا بيننا وبينهم أن الأمة اتفقت على أنه لو أعطي كل صنف ~~حظه لم يجب تعميمه، فكذلك تعميم الأصناف مثله. # فإن قيل: فقد روى زياد بن ms0857 الحارث الصدائي: أتيت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فبايعته، فأتاه رجل فقال: أعطني من الصدقة. # فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله لم يرض بحكم # PageV02P522 # نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم هو فيها، فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت ~~من أهل تلك الأجزاء أعطيتك حقك». # وقد قال النخعي: إن كان المال كثيرا قسمه على الأصناف، وإلا وضعه في صنف. # وقال أبو ثور: إن أخرجه صاحبه جاز له أن يضعه في قسم، وإن قسمه الإمام ~~استوعب الأصناف؛ وذلك فيما قالوا: إنه إن كان كثيرا فليعمهم، وإن كان قليلا ~~كان قسمه ضررا عليهم. # وكذلك إن قسمه صاحبه لم يقدر على النظر في جميع الأصناف، فأما الإمام فحق ~~كل واحد من الخلق متعلق به من بيت المال وغيره، فيبحث عن الناس ويمكنه ~~تحصيلهم، والنظر في أمرهم. # والذي صار إليه مالك من أنه يجتهد الإمام ويتحرى موضع الحجة هو الأقوى. # وتحصيل المسألة: أن المتحصل من أصناف الآية ثلاثة أصناف: وهم الفقراء، ~~والعاملون عليها، وفي سبيل الله. # وسائر الأصناف داخلة فيما ذكرناه منها. # فأما العاملون، والمؤلفة قلوبهم فيأتي بيان حالهم إن شاء الله. ### | [مسألة الفقير ففيه ثمانية أقوال] # إذا ثبت هذا فإن بيان الأصناف من مهمات الأحكام، فنقول وهي: المسألة ~~الخامسة: أما الفقير: ففيه ثمانية أقوال: # الأول: أن الفقير المحتاج المتعفف، والمسكين: الفقير السائل. وبه قال ~~مالك في كتاب ابن سحنون وهي: # المسألة السادسة: قاله ابن عباس والزهري، واختاره ابن شعبان. # الثاني: الفقير هو المحتاج الزمن. والمسكين هو المحتاج الصحيح؛ قاله ~~قتادة. # PageV02P523 # الثالث: أن الفقير المحتاج، والمسكين سائر الناس قاله إبراهيم وغيره. # الرابع، الفقير المسلم، والمسكين أهل الكتاب. # الخامس: الفقير الذي لا شيء له، والمسكين الذي له شيء؛ قاله الشافعي. # السادس: عكسه؛ قال أبو حنيفة، والقاضي عبد الوهاب. # السابع: أنه واحد، ذكره للتأكيد. # الثامن: الفقراء المهاجرون، والمساكين الأعراب. ### | [مسألة ما كان من فروض الكفايات فالقائم به يجوز له أخذ الأجرة عليه] # المسألة السابعة: قوله تعالى {والعاملين عليها} [التوبة: 60]: وهم الذين ~~يقدمون ms0858 لتحصيلها، ويوكلون على جمعها؛ وهذا يدل على مسألة بديعة، وهي أن ما ~~كان من فروض الكفايات فالقائم به يجوز له أخذ الأجرة عليه. # ومن ذلك الإمامة؛ فإن الصلاة، وإن كانت متوجهة على جميع الخلق فإن تقدم ~~بعضهم بهم من فروض الكفاية، فلا جرم يجوز أخذ الأجرة عليها. # وهذا أصل الباب، وإليه أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث ~~الصحيح: «ما تركت بعد نفقة عيالي ومئونة عاملي فهو صدقة». # قال بعض العلماء: العامل في الصدقة يستحق منها كفايته بالمعروف بسبب ~~العمل، وإن لم يكن بدلا عن العمل، حتى لم يحل للهاشمي، والأجرة تحل له. # قلنا: بل هي أجرة صحيحة؛ وإنما لم يدخل فيها الهاشمي تحريا للكرامة ~~وتباعدا عن الذريعة، وذلك مبين في شرح الحديث. # والدليل على أنها أجرة أن الله سبحانه أملكها له، وإن كان غنيا، وليس له ~~وصف يأخذ به منها سوى الخدمة في جمعها. # PageV02P524 ### | [مسألة المقدار الذي يأخذه العاملون من الصدقة] # المسألة الثامنة: اختلف الناس في المقدار الذي يأخذه العاملون من الصدقة ~~على ثلاثة أقوال: # الأول: قيل: هو الثمن بقسمة الله لها على ثمانية أجزاء؛ قال مجاهد ~~والشافعي. # وهذا تعليق بالاستحقاق الذي سبق الخلاف فيه، أو بالمحلية، ومبني عليه. # الثاني: يعطون قدر عملهم من الأجرة؛ قاله ابن عمر ومالك. # وقد تقدم القول في الأصل الذي انبنى عليه هذا، والكلام على تحقيقه. # الثالث: أنهم يعطون من غير الزكاة، وهو ما كان من بيت المال. # وهذا قول صحيح عن مالك بن أنس من رواية ابن أبي أويس، وداود بن سعيد؛ وهو ~~ضعيف دليلا؛ فإن الله أخبر بسهمهم فيها نصا، فكيف يخلفون عنه استقراء ~~وسبرا. # والصحيح الاجتهاد في قدره؛ لأن البيان في تعديد الأصناف إنما كان للمحل ~~لا للمستحق. ### | [مسألة أصناف المؤلفة قلوبهم] # المسألة التاسعة: المؤلفة قلوبهم: فيه أربعة أقوال: # الأول: من قال: إنهم مسلمون يعطون لضعف يقينهم [حتى يقووا]، مثلهم بأبي ~~سفيان بن حرب، والأقرع بن حابس، والعباس بن مرداس. # ومن قال: إنهم كفار مثلهم بعامر بن الطفيل. # ومن قال: ms0859 إنهم كانوا مسلمين ولهم إلى الإسلام ميل مثلهم بصفوان بن أمية. # الثاني: قال يحيى بن أبي كثير: المؤلفة قلوبهم من بني أمية: أبو سفيان بن ~~حرب، ومن بني مخزوم الحارث بن هشام، وعبد الرحمن بن يربوع. # ومن بني جمح صفوان بن أمية. # ومن بني عامر بن لؤي سهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى. # ومن بني أسد بن عبد العزى حكيم بن حزام. # ومن بني هاشم أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب. # PageV02P525 # ومن بني فزارة عيينة بن حصن بن بدر. # ومن بني تميم الأقرع بن حابس. # ومن بني نصر مالك بن عوف. # ومن بني سليم العباس بن مرداس. # ومن ثقيف العلاء بن حارثة. # الثالث: روى ابن وهب عن مالك قال: كان صفوان بن أمية، وحكيم بن حزام، ~~والأقرع بن حابس، وعيينة بن بدر، وسهيل بن عمرو، وأبو سفيان من المؤلفة ~~قلوبهم. # وكان صفوان يوم العطية مشركا. # وقال أصبغ عن ابن القاسم: المؤلفة قلوبهم صفوان بن أمية، ورجال من قريش. # الرابع: قال الشيخ أبو إسحاق: المؤلفة قلوبهم: أبو سفيان بن حرب بن أمية ~~بن عبد شمس، ومعاوية ابنه، وحكيم بن حزام، والحارث بن الحارث بن كلدة؛ ~~والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، والمعلى بن حارثة ~~الثقفي، وعيينة بن حصن، ومالك بن عوف، وصفوان بن أمية، ومخرمة بن نوفل، ~~وعمير بن وهب بن خلف الجمحي، وهشام بن عمرو، وسعد بن يربوع، وعدي بن قيس ~~السهمي، والعباس بن مرداس، وطليق بن أمية، وخالد بن أسيد بن أبي العيص، ~~وشيبة بن عثمان، وأبو السنابل بن بعكك، وعكرمة بن سفيان بن عامر، وزهير بن ~~أبي أمية، وخالد بن هشام، وهشام بن الوليد بن المغيرة، وسفيان بن عبد ~~الأسد، والسائب بن أبي السائب، ومطيع بن الأسود، وأبو جهم بن حذيفة بن ~~غانم، وأحيحة بن أمية بن خلف الجمحي، وعدي بن قيس، ونوفل بن معاوية بن ~~عروة، وعلقمة بن علاثة، ولبيد بن ربيعة بن مالك، وخالد بن هوذة بن ربيعة، ~~وحرملة بن ms0860 هوذة بن ربيعة، والأقرع بن حابس بن عقال، وقيس بن مخرمة، وجبير ~~بن مطعم بن عدي، وهشام بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن حبيب. # قال القاضي - رضي الله عنه -: أما أبو سفيان بن حرب فلا شك فيه ولا في ~~ابنه. # وأما حكيم بن حزام فعظيم القدر في الإسلام. # قال مالك: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى المؤلفة قلوبهم فحسن ~~إسلامهم. # PageV02P526 # قال مالك: وبلغني أن حكيم بن حزام أخرج ما كان أعطاه النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في المؤلفة، فتصدق بعد ذلك به. # وأما الحارث بن الحارث بن كلدة فهو ابن طبيب العرب وكان منهم. # ولا خفاء بعيينة ولا بمالك بن عوف سيد هوازن. # وأما سهيل بن عمرو فرجل عظيم، إن كان مؤلفا بالعطية فلم يمت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - إلا، وهو مؤلف على الإسلام باليقين؛ فإنه لما استأثر الله ~~برسوله، وبلغ الخبر إلى مكة ماج أهل مكة، فقام سهيل بن عمرو خطيبا، فقال: ~~والله إني لأعلم أن هذا الأمر سيمتد امتداد الشمس في طلوعها إلى غروبها، ~~فلا يغرنكم هذا من أنفسكم يعني أبا سفيان. # وروي عنه أنه حبس على باب عمر، فأذن لأهل بدر وصهيب ونوعه. # فقال له أبو سفيان، ومشيخة قريش: يأذن للعبيد ويذرنا، فقال سهيل بن عمرو: ~~دعيتم فأجابوا، وأسرعوا وأبطأتم، أما والله لما سبقوكم به من الفضل أشد ~~عليكم من هذا الذي تنافسون فيه؛ إلى أمثال هذا الخبر، مما يدل على قوة ~~البصيرة في الدين والبصر. # وأما حويطب بن عبد العزى فلم يثبت عندي أمره، إنما هو من مسلمة الفتح، ~~واستقرض منه النبي - صلى الله عليه وسلم - أربعين ألف درهم، وصح دينه ~~ويقينه. # وأما مخرمة بن نوفل بن أمية بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب فأمه رقيقة بنت ~~أبي صيفي بن هاشم بن عبد مناف، والد المسور بن مخرمة، حسن إسلامه، وهو الذي ~~نصب أعلام الحرم لعمر مع حويطب بن عبد العزى، «وهو الذي خبأ له النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - القثاء، فقال: ms0861 خبأت هذا لك، خبأت هذا لك». # وأما عمير بن وهب بن خلف أبو أمية الجمحي فليس منهم، مسلم حنيفي، أما إنه ~~كان من أشدهم عداوة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجاء لقتله بما شرط ~~له صفوان بن أمية، فلما دخل المسجد دعاه النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فأخبره بما كان بينه وبين صفوان، فأسلم، وحديثه طويل. # وأما هشام بن عمرو فلا أعرف. # PageV02P527 # وأما الحارث بن هشام فكان في أول أمره كأبي جهل بن هشام؛ وهي شنشنة ~~أعرفها من أخزم، ومن يشبه أخاه فلم يظلم. # حسن إسلامه، وكان بالمسك ختامه. # وأما سعيد بن يربوع فهو الملقب بالصرم، مخزومي قال له النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «أينا أكبر؟ قال: أنا أقدم منك، وأنت أكبر وخير مني»، ولم ~~أعلم تأليفه. # وأما عدي بن قيس فلم أعرفه. # وأما العباس بن مرداس فكبير قومه، حسن إسلامه، وخبره مشهور. # وأما طليق بن سفيان، وابنه حكيم؛ فهو وابنه مذكوران في المؤلفة قلوبهم. # وأما خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية فلا أعرف قصته. # «وأما شيبة بن عثمان فكان في نفسه شيء، ثم أراد أن يقتل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فلما دنا منهم عرفه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعاه، ~~فلما دنا منه أخذه أفكل، فمسح صدره فأسلم وحسن إسلامه». # وأما أبو السنابل بن بعكك العبدري فهو من مسلمة الفتح، واسمه حبة؛ لا ~~أعرفه. # وأما عكرمة بن عامر فلا أعرفه، أما إنه من بني عبد الدار، ولست أحصل. # وأما زهير بن أمية، وخالد بن هشام فلا أعرفهما. # وأما هشام بن الوليد فهو أخو خالد بن الوليد. # وأما سفيان بن عبد الأسد فلا أعرفه. # وأما أبو السائب فلم يكن منهم. # وأما مطيع بن الأسود فلست أعلم. # وأما أبو جهم بن حذيفة بن غانم من بني عدي، واسمه عامر، فلا أعرفه منهم، ~~على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال فيه في الصحيح: «وأما أبو جهم فلا ~~يضع عصاه عن عاتقه» # PageV02P528 # رواه النسائي. وقال فيه: «وأما ms0862 أبو جهم بشر لا خير فيه» وربك أعلم. # وأما أحيحة فهو أخو صفوان بن أمية لا أعرف. # وأما نوفل بن معاوية الديلي فلا أعرفه منهم. # وأما علقمة بن علاثة العامري الكلابي فهو منهم وأسيد بن ربيعة، وحسن ~~الإسلام عندهما. # وأما خالد بن هوذة فهو والد العداء بن خالد مبايع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في العبد أو الأمة، من بني أنف الناقة، غير ممدوح. # والحطيئة لا أعرف، وكذلك أخوه حرملة. # وأما الأقرع بن حابس فمشهور فيهم. # وأما قيس بن مخرمة بن المطلب القرشي المطلبي فلا أعلمه منهم. # وأما جبير بن مطعم فلم يكن منهم. # وأما هشام بن عمرو فلا أعرفه. # وقد عد فيهم زيد الخير الطائي، وهم أكثر من هذا كله. # استدراك: وأما معاوية فلم يكن منهم؛ كيف يكون ذلك، وقد ائتمنه النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - على وحي الله وقراءته وخلطه بنفسه، وأما حاله في أيام ~~أبي بكر وعمر فأشهر من هذا وأظهر. # وقد قدمنا أن أصناف المؤلفة قلوبهم مختلفة؛ فمنهم ضعيف الإيمان قوي ~~بالأدلة والعطاء، ولم يكن جميعهم كافرا؛ فحصلوا هذا فإنه مهم في القصة. # PageV02P529 ### | [مسألة بقاء المؤلفة قلوبهم] # المسألة العاشرة: اختلف في بقاء المؤلفة قلوبهم، فمنهم من قال: هم ~~زائلون؛ قاله جماعة، وأخذ به مالك. # ومنهم من قال: هم باقون؛ لأن الإمام ربما احتاج أن يستأنف على الإسلام، ~~وقد قطعهم عمر لما رأى من إعزاز الدين. # والذي عندي: أنه إن قوي الإسلام زالوا، وإن احتيج إليهم أعطوا سهمهم، كما ~~كان يعطيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فإن الصحيح قد روي فيه: «بدأ ~~الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ». # المسألة الحادية عشرة: إذا قلنا بزوالهم فإن سهمهم سيعود إلى سائر ~~الأصناف كلها، أو ما يراه الإمام، حسبما تقدم بيانه في أصل الخلاف وقال ~~الزهري: يعطى نصف سهمهم لعمار المساجد، ولا دليل عليه. والأول أصح. # وهذا مما يدلك على أن الأصناف الثمانية محل لا مستحقون؛ إذ لو كانوا ~~مستحقين لسقط سهمهم بسقوطه عن أرباب الأموال، ولم يرجع إلى ms0863 غيرهم، كما لو ~~أوصى لقوم معينين فمات أحدهم لم يرجع نصيبه إلى من بقي منهم. ### | [مسألة شراء الرقاب وعتقها] # المسألة الثانية عشرة: قوله تعالى {وفي الرقاب} [التوبة: 60]: وفيه ~~قولان: أحدها: أنهم المكاتبون؛ قاله علي، والشافعي، وأبو حنيفة، وجماعة. # الثاني: أنه العتق، وذلك بأن يبتاع الإمام رقيقا فيعتقهم، ويكون ولاؤهم ~~لجميع المسلمين؛ قاله ابن عمر. # وعن مالك أربع روايات: # PageV02P530 # إحداها: أنه لا يتعين مكاتبا، ولا في آخر نجم من نجومه، ولو خرج به حرا. # وقد قال مرة: فلمن يكون الولاء؟ وقال آخرا: ما يعجبني ذلك، وما بلغني أن ~~أبا بكر ولا عمر ولا عثمان فعلوا ذلك. # الثانية: روى عنه مطرف أنه يعطى المكاتبون. # الثالثة: قال: يشتري من زكاته رقبة فيعتقها، يكون ولاؤها لجميع المسلمين. # الرابعة: قال مالك: لا آمر أحدا أن يشتري رقبة من زكاة ماله فيعتقها. # وبه قال الشافعي وأبو حنيفة. # والصحيح أنه شراء الرقاب وعتقها، كذلك هو ظاهر القرآن؛ فإن الله حيث ذكر ~~الرقبة في كتابه إنما هو العتق، ولو أراد المكاتبين لذكرهم باسمهم الأخص، ~~فلما عدل إلى الرقبة دل على أنه أراد العتق. # وتحقيقه أن المكاتب قد دخل في جملة الغارمين بما عليه من دين الكتابة، ~~فلا يدخل في الرقاب، وربما دخل في المكاتب بالعموم، ولكن في آخر نجم يعتق ~~به، ويكون ولاؤه لسيده، ولا حرج على معطي الصدقة في ذلك؛ فإن تخليصه من ~~الرق، وفكه من حبس الملك هو المقصود، ولا يتأتى عن الولاء؛ فإن الغرض تخليص ~~المكاتب من الرق، وفكه من حبس الملك هو المقصود، وكذلك قال مالك في كتاب ~~محمد. ### | [مسألة اشترى الإمام من رجل أباه وأخذ المال ليعتقه عن نفسه] # المسألة الثالثة عشرة: لو اشترى الإمام من رجل أباه وأخذ المال ليعتقه عن ~~نفسه، فاختلف العلماء فيه على قولين. # وكذلك اختلف [فيه] قول مالك؛ فمنعه في كتاب محمد، وأجازه في المختصر. # والأول أصح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الولاء لمن أعطى ~~الثمن»، ولأنه إذا أعتقه عن نفسه لم يكن للثمن مقابل يوازيه. ms0864 # PageV02P531 ### | [مسألة فك الأسارى من الزكاة] # المسألة الرابعة عشرة: وكذلك اختلف العلماء في فك الأسارى منها؛ فقد قال ~~أصبغ: لا يجوز ذلك. # وقال ابن حبيب: يجوز ذلك. # وإذا كان فك المسلم عن رق المسلم عبادة وجائزا من الصدقة فأولى وأحرى أن ~~يكون ذلك في فك المسلم عن رق الكافر وذله. ### | [مسألة هل نعتق من الزكاة رقبة] # المسألة الخامسة عشرة: إذا قلنا: إنه يعان منها المكاتب، فهل نعتق منها ~~بعض رقبة ينبني عليها؟ فإذا كان نصف عبد أو عشرة يكون فيه فكه عن الرق بما ~~قد سبق من عتقه فإنه يجوز؛ ذكره مطرف، وكذلك أقول. والله أعلم. ### | [مسألة الولاء بين المعتقين] # المسألة السادسة عشرة: ويكون الولاء بين المعتقين كالشريكين. # وقد بيناه في كتب المسائل، فإن فيه تفريعا كثيرا. ### | [مسألة الغارمين هم الذين ركبهم الدين ولا وفاء عندهم به] # المسألة السابعة عشرة قوله تعالى {والغارمين} [التوبة: 60]: وهم الذين ~~ركبهم الدين، ولا وفاء عندهم [به]، ولا خلاف فيه. # اللهم إلا من ادان في سفاهة، فإنه لا يعطى منها، نعم ولا من غيرها إلا أن ~~يتوب، فإنه إن أخذها قبل التوبة عاد إلى سفاهة مثلها أو أكبر منها، والديون ~~وأصنافها كثيرة. وتفصيله في كتب الفقه. # المسألة الثامنة عشرة: فإن كان ميتا قضي منها دينه؛ لأنه من الغارمين. # وقال ابن المواز: لا يقضى. # وقد ثبت في الصحيح عن البخاري وغيره: «ما من مؤمن إلا أنا أولى به في ~~الدنيا والآخرة، اقرءوا إن شئتم: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} ~~[الأحزاب: 6] # PageV02P532 # ؛ فأيما مؤمن مات وترك مالا فليرثه عصبته من كانوا، ومن ترك دينا أو ~~ضياعا فليأتني فأنا مولاه». ### | [مسألة المراد بسبيل الله] # المسألة التاسعة عشرة: قوله تعالى {وفي سبيل الله} [التوبة: 60]: قال ~~مالك: سبل الله كثيرة، ولكني لا أعلم خلافا في أن المراد بسبيل الله هاهنا ~~الغزو من جملة سبيل الله، إلا ما يؤثر عن أحمد وإسحاق فإنهما قالا: إنه ~~الحج. # والذي يصح عندي من قولهما أن الحج من جملة السبل مع الغزو؛ لأنه طريق بر، ~~فأعطي منه ms0865 باسم السبيل، وهذا يحل عقد الباب، ويخرم قانون الشريعة، وينثر ~~سلك النظر، وما جاء قط بإعطاء الزكاة في الحج أثر. # وقد قال علماؤنا: ويعطى منها الفقير بغير خلاف؛ لأنه قد سمي في أول ~~الآية، ويعطى الغني عند مالك بوصف سبيل الله تعالى، ولو كان غنيا في بلده ~~أو في موضعه الذي يأخذ به، لا يلتفت إلى غير ذلك من قوله الذي يؤثر عنه. # قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: غاز ~~في سبيل الله». # وقال أبو حنيفة: لا يعطى الغازي [في سبيل الله] إلا إذا كان فقيرا، وهذه ~~زيادة على النص، وعنده أن الزيادة على النص نسخ، ولا نسخ في القرآن إلا ~~بقرآن مثله أو بخبر متواتر. # وقد بينا أنه فعل مثل هذا في الخمس في قوله: {ولذي القربى} [الأنفال: ~~41]؛ فشرط في قرابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الفقر؛ وحينئذ يعطون ~~من الخمس. # وهذا كله ضعيف حسبما بيناه. # PageV02P533 # وقال محمد بن عبد الحكم: يعطى من الصدقة في الكراع والسلاح، وما يحتاج ~~إليه من آلات الحرب، وكف العدو عن الحوزة؛ لأنه كله من سبيل الغزو ومنفعته. # «وقد أعطى النبي - صلى الله عليه وسلم - من الصدقة مائة ناقة في نازلة ~~سهل بن أبي حثمة إطفاء للثائرة». ### | [مسألة ابن السبيل هو الذي انقطعت به الأسباب في سفره] # المسألة الموفية عشرين: قوله تعالى {وابن السبيل} [التوبة: 60]: يريد ~~الذي انقطعت به الأسباب في سفره، وغاب عن بلده ومستقر ماله وحاله فإنه يعطى ~~منها. # قال مالك في كتاب ابن سحنون: إذا وجد من يسلفه فلا يعطى. # وليس يلزمه أن يدخل تحت منة أحد، وقد وجد منة الله ونعمته. ### | [مسألة ادعى الرجل استحقاق الزكاة لكونه من أهلها هل يقبل قوله أم لا] # المسألة الحادية والعشرون: إذا جاء الرجل وقال: أنا فقير، أو مسكين، أو ~~غارم، أو في سبيل الله، أو ابن السبيل، هل يقبل قوله، أم يقال له: أثبت ما ~~تقول؟ فأما الدين فلا بد من أن يثبت. # وأما سائر الصفات ms0866 فظاهر الحال يشهد لها ويكتفى به فيها. # ثبت «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء إليه قوم ذوو حاجة مجتابي ~~النمار، فحث على الصدقة عليهم». # وفي حديث: أبرص وأقرع وأعمى قال مخبرا عنهم: «إنا على ما ترى». # فاكتفى بظاهر الحال. # وكذلك ابن السبيل يكتفى بغربته، وظاهر حالته، وكونه في سبيل الله معلوم ~~بفعله لذلك وركونه فيه. # وإن قال: أنا مكاتب أثبت ذلك؛ لأن الأصل الرق حتى يثبت الحرية أو سببها. # وإن ادعى زيادة على الفقر عيالا، فقال القرويون: يكشف عن ذلك إن قدر، ~~وهذا لا يلزم؛ لأن حديث أبرص وأعمى وأقرع ذكر ذلك عنهم وأنا ابن سبيل # PageV02P534 # أسألك بعيرا أتبلغ عليه في سفري، ولم يكلفه إثبات السفر، وهو غائب عنه؛ ~~فصار هذا أصلا في دعوى كل شيء غائب من هذا الباب. ### | [مسألة بأي صنف يبدأ بالزكاة] # المسألة الثانية والعشرون: إذا قلنا: إن الأصناف الثمانية مستحقون، فيأخذ ~~كل أحد حقه وهو الثمن، ولا مسألة معنا. # وإن قلنا: إن الإمام يجتهد، وهو الصحيح؛ فاختلف العلماء بأي صنف يبدأ. # فأما العاملون فإن قلنا: إن أجرتهم من بيت المال، فلا كلام. # وإن قلنا: إن أجرتهم من الزكاة فبهم نبدأ، فنعطيهم الثمن على قول، وقدر ~~أجرتهم على الصحيح في الشرع؛ فإن الخبر بأن يعطى كل أجير أجره قبل أن يجف ~~عرقه مأثور اللفظ صحيح المعنى. # فإن أخذ العامل حقه فلا يبقى صنف يترجح فيه إلا صنفين؛ هما سبيل الله ~~والفقراء، أو ثلاثة أصناف إن قلنا: إن الفقراء والمساكين صنفان، فأما سبيل ~~الله إذا اجتمع مع الفقر فإن الفقر مقدم عليه إلا أن ينزل بالمسلمين حاجة ~~إلى مال الصدقة فيما لا بد منه من دفع مضرة، كما تقدم، فإنه يقدم على كل ~~نازلة. # وأما الفقراء والمساكين فالصحيح أنهم صنفان، ولا نبالي بما قال الناس ~~فيهما، وها أنا ذا أريحكم منه بعون الله؛ فإن قال القائل بأن الفقير من له ~~شيء والمسكين من لا شيء له، أو بعكسه، فإن من لا شيء له هو المقدم على من ms0867 ~~له شيء، فهذا المعنى ساقط لا فائدة فيه. # وأما إن قلنا: إن الفقير هو الذي لا يسأل، والمسكين هو الذي يسأل فالذي ~~لا يسأل أولى؛ لأن السائل أقرب إلى التفطن والغنى، والعلم به ممن لا يسأل، ~~ولا يفطن له فيتصدق عليه. # ولا خلاف أن الزمن مقدم على الصحيح، وأن المحتاج مقدم على سائر الناس، ~~وأن المسلم مقدم على الكتابي. # وقد سقط اعتبار الهجرة والتقرب بذهاب # PageV02P535 # زمانهما، فلا معنى للاحتجاج على ذلك كله، والحمد لله الذي من بالمعرفة ~~وكفانا المئونة. ### | [مسألة أعطى الإمام صدقة الرجل لولده ووالده وزوجه الذين تلزمه نفقة] # المسألة الثالثة والعشرون: هذه الأوصاف التي ذكرنا شأنها في الأصناف التي ~~قدمنا بيانها إنما تعتبر عند علمائنا فيمن لا قرابة بينه وبين المتصدق، فإن ~~وقعت القرابة ففي ذلك تفصيل عريض طويل. # فأما صدقة التطوع فقد «قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لزينب امرأة ابن ~~مسعود: زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم به». # يعني بحليها الذي أرادت أن تتصدق به. # وفي حديث بئر حاء: «قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي طلحة: أرى أن ~~تجعلها في الأقربين»، فجعلها أبو طلحة في أقاربه، وبني عمه. # وهذا كله صحيح ثابت في كل أم وبنت من الحديث. # وأما صدقة الفرض فإن أعطى الإمام صدقة الرجل لولده ووالده وزوجه الذين ~~تلزمه نفقة جميعهم فإنه يجزئه. # وأما إن تناول هو ذلك بنفسه فلا يجوز أن يعطيها بحال لمن تلزمه نفقته؛ ~~لأنه يسقط [في ذلك] بها عن نفسه فرضا. # وأما إن أعطاها لمن لا تلزمه نفقتهم فقد اختلف العلماء في ذلك؛ فمنهم من ~~جوزه، ومنهم من كرهه. # قال مالك: خوف المحمدة. # وقال مطرف: رأيت مالكا يدفع زكاته لأقاربه. # وقال الواقدي وهو إمام عظيم: قال مالك: أفضل من وضعت فيه زكاتك قرابتك ~~الذين لا تعول. # PageV02P536 # وقد «قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لزوجة عبد الله بن مسعود: لك ~~أجران: أجر القرابة، وأجر الصدقة». ### | [مسألة إعطاء الزكاة للزوجين] # واختلف علماؤنا في إعطاء الزكاة للزوجين، فقال القاضي أبو الحسن: إن ms0868 ذلك ~~من منع مالك محمول على الكراهية. # وذكر عن ابن حبيب إن كان يستعين في النفقة عليها بما يعطيه فلا يجوز، وإن ~~كان معه ما ينفق عليها ويصرف ما يأخذ منها من نفقته وكسوته على نفسه فذلك ~~جائز. # وقال أبو حنيفة: لا يجوز بحال. # والصحيح جوازه لحديث زينب امرأة ابن مسعود المتقدم ذكره. # فإن قيل: ذلك في صدقة التطوع. # قلنا: صدقة التطوع والفرض هاهنا واحد؛ لأن المنع منه إنما هو لأجل عوده ~~عليه، وهذه العلة لو كانت مراعاة لاستوى فيه التطوع والفرض. ### | [مسألة إذا كان الفقير قويا هل يعطي من الزكاة] # المسألة الرابعة والعشرون: إذا كان الفقير قويا، فقال مالك في مختصر ما ~~ليس في المختصر: يعطى، يعني لتحقيق صفة الاستحقاق فيه. # وقال يحيى بن عمر: لا يجزيه، وبه قال الشافعي، لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي». # خرجه الترمذي مع غيره، وزاد فيه: «إلا لذي فقر مدقع أو غرم مفظع». وقال: ~~هذا غريب، والحديث المطلق دون زيادة لا يركن إليه، ولا ينبغي أن يعول على ~~هذا؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان # PageV02P537 # يعطيها للفقراء الأصحاء، ووقوفها على الزمنى باطل، وهذا أولى من ذلك ~~بالاتباع، وأقوى منه في الارتباط والانتزاع. ### | [مسألة من كان له نصاب من الزكاة هل يجوز له أخذها أم لا] # المسألة الخامسة والعشرون: من كان له نصاب من الزكاة، هل يجوز له أخذها ~~أم لا؟ فقال علماؤنا تارة: من ملك نصابا فلا يأخذ منها شيئا؛ لأنه غني تؤخذ ~~منه فلا تدفع إليه. # وفي القول الثاني: يأخذ منها، وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «من سأل وعنده أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا». # والصحيح ما قاله مالك والشافعي: إن من كانت عنده كفاية تغنيه فهو الغني، ~~وإن كان أقل من نصاب، ومن زاد على النصاب، ولم تكن فيه كفاية لمؤنته ولا ~~سداد لخلته فليس بغني فيأخذ منها. ### | [مسألة هل يعطى الفقير من الزكاة نصابا أم لا] # المسألة ms0869 السادسة والعشرون: اختلف العلماء، هل يعطى من الزكاة نصابا أم ~~لا؟ على قولين. # وقال بعض المتأخرين: إن كان في البلد زكاتان: نقد، وحرث، أخذ ما يبلغه ~~إلى الأخرى. # والذي أراه أن يعطى نصابا، وإن كان في البلد زكاتان وأكثر، فإن الغرض ~~إغناء الفقير، حتى يصير غنيا، فإذا أخذ تلك فإن حضرت زكاة أخرى وعنده ما ~~يكفيه أخذها غيره، وإلا عاد عليه العطاء. # PageV02P538 ### | [مسألة الصدقة إلى آل محمد] # المسألة السابعة والعشرون: لا تصرف الصدقة إلى آل محمد؛ لقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «إن الصدقة لا تحل لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس». # والمسألة مشكلة جدا، وقد أفضنا فيها في شرح الحديث ما شاء الله أن نفيض ~~فيه. # وبالجملة إن الصدقة محرمة على محمد - صلى الله عليه وسلم - بإجماع أمته، ~~وهي محرمة على بني هاشم في قول أكثر أهل العلم. # وقال الشافعي: بنو المطلب وبنو هاشم واحد؛ لقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إن بني هاشم وبني المطلب لم يفترقوا في جاهلية ولا في إسلام». # قالوا: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطاهم الخمس عوضا عن الصدقة ~~ولم يعطه أحدا من قبائل قريش. # وقال محمد بن المواز: آل محمد عشيرته الأقربون: بنو عبد المطلب، وآل ~~هاشم، وآل عبد مناف، وآل قصي، وآل غالب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لما نزلت: {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] نادى بأعلى صوته: «يا آل ~~قصي، يا آل غالب، يا آل عبد مناف، يا فاطمة بنت محمد، يا صفية عمة رسول ~~الله، اعملوا لما عند الله؛ فإني لست أملك لكم من الله شيئا». # فبين بمناداته عشيرته الأقربين. # وقال ابن عباس وقد سئل عنها: نحن هم. يعني آل محمد خاصة، وأبى ذلك علينا ~~قومنا. # فأما مواليهم، فقال ابن القاسم في الحديث الذي جاء: لا تحل الصدقة لآل ~~محمد إنما ذلك في الزكاة لا في التطوع، وإنما هم بنو هاشم أنفسهم. # قيل له يعني مالكا: فمواليه؟ قال: لا أدري ما الموالي؟ وكأنه لم يرهم من ~~ذلك فاحتججت عليه بقوله: ms0870 «مولى القوم منهم»، فقال: وقد قال: «ابن أخت القوم ~~منهم». # PageV02P539 # قال أصبغ: وذلك في البر والحرمة، كقوله - عليه السلام -: «أنت ومالك ~~لأبيك». # قال مطرف وابن الماجشون: مواليهم منهم لا تحل لهم [الصدقة]. # وقال مالك في الواضحة: لا يعطى آل محمد من التطوع. # وأجازه ابن القاسم في كتاب محمد، وهو الأصح؛ لأن الوسخ إنما قرن بالفرض ~~خاصة. # فإن قيل: قد روى أبو داود عن أبي رافع، «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بعث رجلا على الصدقة من بني مخزوم، فقال لأبي رافع: اصحبني، فإنك تصيب ~~منها؛ فقال: حتى آتي رسول الله فأسأله. فأتاه فسأله، فقال: مولى القوم من ~~أنفسهم، وإنا لا تحل لنا الصدقة». # PageV02P540 # وهذا نص في المسألة، فلو صح لوجب قبوله، وقد قال علماؤنا في ذلك جوابان: # الأول: أن ذلك على التنزيه منه. # الثاني: أن أبا رافع كان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يخدم ويطعم، ~~فكره له ترك المال الذي لم يذم، وأخذه لمال هو أوساخ الناس، فكسب غيره أولى ~~منه. # فإن قيل: فقد روي أن ابن عباس قال: بعثني أبي إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في إبل أعطاها إياه من الصدقة. # قلنا: لم يصح. # وجوابه لو صح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استسلف من العباس، فرد ~~إليه ما استسلف من الصدقة، فأكلها بالعوض. # وقد روينا ذلك مفسرا مستوفى في شرح الحديث. # وقد قال أبو يوسف: يجوز صرف صدقة بني هاشم إلى فقرائهم، فيقال له: ~~أيأكلون من أوساخهم؟ هذا جهل بحقيقة العلة وجهة الكرامة. ### | [مسألة إذا اختص أهل كل بلد بزكاة بلده فهل يجوز نقلها] # المسألة الثامنة والعشرون: قوله: {إنما الصدقات للفقراء} [التوبة: 60]: ~~مقابلة جملة بجملة، وهي جملة الصدقة بجملة المصرف لها، ولكن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال في حديث البخاري وغيره حين أرسل معاذا إلى اليمن: «قل ~~لهم: إن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» فاختص ~~أهل كل بلد بزكاة بلده؛ فهل يجوز نقلها أم لا؟ في ذلك ثلاثة أقوال: # الأول: ms0871 لا تنقل، وبه قال سحنون. # وقال ابن القاسم، إلا أنه زاد إن نقل بعضها لضرورة رأيته صوابا. # الثاني: يجوز نقلها، وقاله مالك أيضا. # الثالث: يقسم في الموضع سهم الفقراء والمساكين، وينقل سائر السهام، ~~باجتهاد الإمام. # PageV02P541 # والصحيح ما قاله ابن القاسم لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ، ~~ولأن الحاجة إذا نزلت وجب تقديمها على من ليس بمحتاج فالمسلم أخو المسلم لا ~~يسلمه ولا يظلمه. ### | [الآية السابعة والعشرون قوله تعالى ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب] # الآية السابعة والعشرون: # قوله تعالى {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ~~ورسوله كنتم تستهزئون} [التوبة: 65]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى: روي أنها نزلت في غزوة تبوك. # قال الطبري: «بينما النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك وركب من ~~المنافقين يسيرون بين يديه، فقالوا: يظن هذا أنه يفتح قصور الشام وحصونها، ~~فأطلعه الله على ما في قلوبهم وقولهم، فدعاهم، فقال: قلتم كذا وكذا؟ ~~فحلفوا: ما كنا إلا نخوض ونلعب، فكان ممن إن شاء الله عفا عنه يقول: أسمع ~~آية تقشعر منها الجلود، وتجث القلوب، اللهم اجعل وفاتي قتلا في سبيلك، لا ~~يقل أحد أنا غسلت، أنا كفنت، أنا دفنت. قال: فأصيب يوم اليمامة، فما أحد من ~~المسلمين إلا وقد وجد غيره». # وروى الدارقطني عن مالك عن نافع، عن ابن عمر قال: «رأيت عبد الله بن أبي ~~يشتد قدام النبي - صلى الله عليه وسلم - والحجارة تنكبه، وهو يقول: يا ~~محمد، إنما كنا نخوض ونلعب، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: أبالله ~~وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟ لا تعتذروا». # وروي أن ذلك كله نزل فيما كان من المنافقين في هذه الغزوة. # PageV02P542 ### | [مسألة الهزل في سائر الأحكام كالبيع والنكاح والطلاق] # المسألة الثانية: لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جدا أو هزلا، وهو ~~كيفما كان كفر؛ فإن الهزل بالكفر كفر، لا خلف فيه بين الأمة، فإن التحقيق ~~أخو الحق والعلم، والهزل أخو الباطل والجهل. # قال علماؤنا: نظروا إلى قوله: {أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله ms0872 أن أكون من ~~الجاهلين} [البقرة: 67]. # فإن كان الهزل في سائر الأحكام كالبيع والنكاح والطلاق فقد اختلف الناس ~~في ذلك على أقاويل، جماعها ثلاثة: الفرق بين البيع وغيره. # الثاني: لا يلزم الهزل. # الثالث: أنه يلزم. # فقال في كتاب محمد: يلزم نكاح الهازل. # وقال أبو زيد عن ابن القاسم في العتبية: لا يلزم. # وقال علي بن زياد: يفسخ قبل وبعد. # وللشافعي في بيع الهازل قولان؛ وكذلك يتخرج من قول علمائنا فيه القولان. # قال متأخرو أصحابنا: إن اتفقا على الهزل في النكاح والبيع لم يلزم، وإن ~~اختلفا غلب الجد الهزل. # قال الإمام ابن العربي: فأما الطلاق فيلزم هزله، وكذلك العتق؛ لأنه من ~~جنس واحد يتعلق بالتحريم والقربة، فيغلب اللزوم فيه على الإسقاط. ### | [الآية الثامنة والعشرون قوله تعالى يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين] # واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير} [التوبة: 73]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: [المجاهدة]: فيها ثلاثة أقوال: # الأول: قال ابن مسعود: جاهدهم بيدك، فإن لم تستطع فبلسانك، فإن لم تستطع ~~فقطب في وجوههم. # PageV02P543 # الثاني: قال ابن عباس: جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين باللسان. # الثالث: قال الحسن: جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين بإقامة الحدود عليهم. # واختاره قتادة، وكانوا أكثر من يصيب الحدود. # المسألة الثانية: قال علماء الإسلام ما تقدم، فأشكل ذلك واستبهم، ولا ~~أدري صحة هذه الأقوال في السند. # أما المعنى فإن من المعلوم في الشريعة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كان يجاهد الكفار بالسيف على اختلاف أنواعهم، حسب ما تقدم بيانه. # وأما المنافقون فكان مع علمه بهم يعرض عنهم، ويكتفي بظاهر إسلامهم، ويسمع ~~أخبارهم فيلغيها بالبقاء عليهم، وانتظار الفيئة إلى الحق بهم، وإبقاء على ~~قومهم، لئلا تثور نفوسهم عند قتلهم، وحذرا من سوء الشنعة في أن يتحدث الناس ~~أن محمدا يقتل أصحابه؛ فكان لمجموع هذه الأمور يقبل ظاهر إيمانهم، وبادئ ~~صلاتهم، وغزوهم، ويكل سرائرهم إلى ربهم، وتارة كان يبسط لهم وجهه الكريم، ~~وأخرى كان يظهر التغيير عليهم. # وأما إقامة الحجة باللسان فكانت دائمة، وأما قول من قال: إن جهاد ~~المنافقين بإقامة الحدود ms0873 فيهم لأن أكثر إصابة الحدود كانت عندهم، فإنه دعوى ~~لا برهان عليها، وليس العاصي بمنافق، إنما المنافق بما يكون في قلبه من ~~النفاق كامنا، لا بما تتلبس به الجوارح ظاهرا، وأخبار المحدودين يشهد ~~مساقها أنهم لم يكونوا منافقين. ### | [مسألة معنى قوله تعالى واغلظ عليهم] # المسألة الثالثة: قوله تعالى {واغلظ عليهم} [التوبة: 73]: الغلظة نقيض ~~الرأفة، وهي شدة القلب وقوته على إحلال الأمر بصاحبه. وليس ذلك في اللسان. # ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ~~الحد ولا يثرب». # PageV02P544 ### | [الآية التاسعة والعشرون قوله تعالى يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر] # وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ~~ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما ~~في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير} [التوبة: 74]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: قوله تعالى {ولقد قالوا كلمة الكفر} [التوبة: 74]: فيه ~~ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه قول الجلاس بن سويد: إن كان ما جاء به محمد حقا فلنحن شر من ~~الحمر. # ثم إنه حلف ما قال؛ قاله عروة ومجاهد وابن إسحاق. # الثاني: أنه عبد الله بن أبي ابن سلول حين قال: {لئن رجعنا إلى المدينة ~~ليخرجن الأعز منها الأذل} [المنافقون: 8]؛ قاله قتادة. # الثالث: أنه جماعة المنافقين قالوا ذلك؛ قاله الحسن. # وهو الصحيح؛ لعموم القول، ووجود المعنى فيه وفيهم، وجملة ذلك اعتقادهم ~~وقولهم إنه ليس بنبي. ### | [مسألة الكفر يكون بكل ما يناقض التصديق والمعرفة] # المسألة الثانية: في هذا دليل على أن الكفر يكون بكل ما يناقض التصديق ~~والمعرفة، وإن كان الإيمان لا يكون إلا بلا إله إلا الله دون غيره من ~~الأقوال والأفعال، حسبما بيناه في أصول الفقه ومسائل الخلاف، وذلك لسعة ~~الحل وضيق العقد، وذلك كالطلاق يقع بالنية والقول، وليس يقع النكاح إلا ~~باللفظ المخصوص مع القول به. ### | [مسألة الكافر الذي يسر الكفر ويظهر الإيمان] # المسألة الثالثة: قوله: {فإن يتوبوا يك خيرا لهم} [التوبة: 74]: فيه دليل ms0874 ~~على توبة الكافر الذي يسر الكفر ويظهر الإيمان، وهو الذي يسميه الفقهاء ~~الزنديق. # PageV02P545 # وقد اختلف في ذلك العلماء، فقال مالك: لا تقبل له توبة. # وقال الشافعي: تقبل. # وليست المسألة كذلك، وإنما يقول مالك: إن توبة الزنديق لا تعرف؛ لأنه كان ~~يظهر الإيمان ويسر الكفر، ولا يعلم إيمانه إلا بقوله. # وكذلك يفعل الآن، وفي كل حين، يقول: أنا مؤمن، وهو يضمر خلاف ما يظهر، ~~فإذا عثرنا عليه وقال: تبت لم يتغير حاله. # وقبول التوبة لا يكون إلا لتوبة تتغير فيها الحالة الماضية بنقيضها في ~~الآتية. # ولهذا قلنا: إنه إذا جاء تائبا من قبل نفسه قبل أن يعثر عليه قبلنا ~~توبته، وهو المراد بالآية، فإنها ليست بعموم، فتتناول كل حالة؛ وإنما تقتضي ~~القبول المطلقة فيكفي في تحقيق المعنى للفظ وجوده من جهة، وقد بينا المسألة ~~على الاستيفاء في مسائل الخلاف، وهذا القدر يتعلق بالأحكام، وقد بيناه. ### | [الآية الموفية ثلاثين قوله تعالى ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن] # ولنكونن من الصالحين} [التوبة: 75] {فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا ~~وهم معرضون} [التوبة: 76] {فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما ~~أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون} [التوبة: 77]. # فيها عشر مسائل: # المسألة الأولى: هذه الآية اختلف في شأن نزولها على ثلاثة أقوال: # الأول: أنها نزلت في شأن مولى لعمر قتل حميما لثعلبة، فوعد إن وصل إلى ~~الدية أن يخرج حق الله فيها، فلما وصلت إليه الدية لم يفعل. # الثاني: أن ثعلبة كان له مال بالشام فنذر إن قدم من الشام أن يتصدق منه، ~~فلما قدم لم يفعل. # الثالث: وهو أصح الروايات أن «ثعلبة بن حاطب الأنصاري المذكور قال للنبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: ادع الله أن يرزقني مالا أتصدق منه. فقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: ويحك يا ثعلبة، قليل # PageV02P546 # تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه. ثم عاود ثانية، فقال له النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: أما ترضى أن تكون مثل نبي الله، فوالذي نفسي بيده لو شئت ~~أن ms0875 تصير معي الجبال ذهبا وفضة لصارت. فقال: والذي بعثك بالحق لئن دعوت الله ~~فرزقني لأعطين كل ذي حق حقه. فدعا له النبي - صلى الله عليه وسلم - فاتخذ ~~غنما فنمت كما ينمو الدود، فضاقت عليه المدينة، فتنحى عنها، ونزل واديا من ~~أوديتها، حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة، ويترك ما سواهما، ثم نمت ~~وكثرت حتى ترك الصلوات إلا الجمعة، وهي تنمو حتى ترك الجمعة، وطفق يلقى ~~الركبان يوم الجمعة ويسألهم عن الأخبار، فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~عنه، فأخبر بكثرة غنمه وبما صار إليه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~يا ويح ثعلبة ثلاث مرات، فنزلت: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} ~~[التوبة: 103]. ونزلت فرائض الصدقة، فبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~رجلين على الصدقة: رجل من جهينة، وآخر من بني سليم، وأمرهما أن يمرا بثعلبة ~~وبرجل آخر من بني سليم، يأخذان منهما صدقاتهما، فخرجا حتى أتيا ثعلبة، ~~فقال: ما هذه إلا جزية، ما هذه إلا أخت الجزية، ما أدري ما هذا؟ انطلقا حتى ~~تفرغا وعودا. وسمع بهما السلمي، فعمد إلى خيار إبله، فعزلها للصدقة، ثم ~~استقبلهما بها، فلما رأوها قالوا: ما يجب عليك هذا، وما نريد أن نأخذ منك ~~هذا. قال: بل فخذوه. فإن نفسي بذلك طيبة، فأخذوها منه، فلما فرغا من ~~صدقاتهما رجعا حتى مرا بثعلبة، فقال: أروني كتابكما وكان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كتب لهما كتابا في حدود الصدقة، وما يأخذان من الناس فأعطياه ~~الكتاب، فنظر إليه، فقال: ما هذه إلا أخت الجزية، فانطلقا عني حتى أرى ~~رأيي. فأتيا النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما رآهما قال: يا ويح ثعلبة ~~قبل أن يكلمهما، ودعا للسلمي بالبركة، فأخبراه بالذي صنع ثعلبة، والذي صنع ~~السلمي؛ فأنزل الله: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله} [التوبة: 75] ~~الآية؛ وعند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجل من أقارب ثعلبة، فخرج ~~حتى أتاه، فقال: ويحك يا ثعلبة، قد أنزل الله فيك كذا وكذا فخرج حتى أتى ~~النبي - صلى ms0876 الله عليه وسلم - فسأل أن يقبل صدقته منه، فقال: إن الله منعني ~~أن # PageV02P547 # أقبل منك صدقتك فقام يحثو التراب على رأسه؛ فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: قد أمرتك فلم تطعني فرجع ثعلبة إلى منزله، وقبض رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ولم يقبض منه شيئا، ثم أتى إلى أبي بكر فلم يقبض منه ~~شيئا، ثم أتى إلى عثمان بعد عمر فلم يقبض منه شيئا، وتوفي في خلافة عثمان - ~~رضي الله عنه -». وهذا الحديث مشهور. ### | [مسألة العهد والطلاق وكل حكم ينفرد به المرء ولا يفتقر في عقده إلى غيره] # المسألة الثانية: قوله: {ومنهم من عاهد الله} [التوبة: 75]: قيل: إنه ~~عاهد بقلبه، والدليل عليه قوله: {ومنهم من عاهد الله} [التوبة: 75] إلى ~~قوله: {فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه} [التوبة: 77] وهذا استنباط ~~ضعيف، واستدلال عليه فاسد فإنه يحتمل أن يكون عاهد الله بلسانه، ولم يعتقد ~~بقلبه العهد. # ويحتمل أن يكون عاهد الله بهما جميعا، ثم أدركته سوء الخاتمة فإن الأعمال ~~بخواتيمها، والأيام بعواقبها. # ولفظ اليمين ورد في الحديث، وليس في ظاهر القرآن يمين إلا مجرد الارتباط ~~والالتزام، أما أنه بصيغة القسم في المعنى فإن اللام تدل عليه، وقد أتى ~~بلامين: اللام الواحدة الأولى لام القسم بلا كلام، والثانية لام الجواب، ~~وكلاهما للتأكيد. # ومنهم من قال: إنهما لاما القسم، وليس يحتاج إلى ذلك، وقد بيناه في ~~الملجئة، وكيفما كان الأمر بيمين أو بالتزام مجرد عن اليمين، أو بنية، فإنه ~~عهد. # وكذلك قال علماؤنا: إن العهد والطلاق وكل حكم ينفرد به المرء ولا يفتقر ~~في عقده إلى غيره، فإنه يلزمه منه ما يلتزمه بقصده، وإن لم يتلفظ به. # قال الشافعي وأبو حنيفة: لا يلزم أحدا حكم إلا بعد أن يلفظ به. # والدليل على صحة ما ذهبنا إليه ما رواه أشهب عن مالك، وقد سئل: إذا نوى ~~رجل الطلاق بقلبه ولم يلفظ به بلسانه، يلزمه ذلك أم لا؟ فقال يلزمه، كما ~~يكون مؤمنا بقلبه، وكافرا بقلبه. # وهذا أصل بديع، وتحريره أن يقال عقد لا ms0877 يفتقر المرء فيه إلى غيره في ~~التزامه، فانعقد عليه بنية. # أصله الإيمان والكفر. # PageV02P548 # وقد بيناه في كتاب الإنصاف أحسن بيان، فلينظر هناك إن شاء الله تعالى وقد ~~أشرنا إلى هذا الغرض قبل هذا بمرماة من النظر تصيبه، وهذا يعضده ويقويه. ### | [مسألة الوفاء بالنذر] # المسألة الثالثة: إن كان نذرا فالوفاء بالنذر واجب من غير خلاف، وتركه ~~معصية. # وإن كانت يمينا فليس الوفاء باليمين باتفاق، بيد أن المعنى فيه [إن كان ~~نذر الرجل أو] إن كان فقيرا لا يتعين عليه فرض الزكاة، فسأل الله مالا ~~يلتزم فيه ما ألزمه من الصدقة، ويؤدي ما تعين عليه فيه من الزكاة، فلما ~~آتاه الله ما سأل ترك ما التزم مما كان يلزمه في أصل الدين لو لم يلتزمه، ~~لكن التعاطي بطلب المال لأداء الحقوق هو الذي أورطه، إذ كان والله أعلم ~~بغير نية خالصة، أو كان بنية لكن سبقت فيه البداية المكتوب عليه فيها ~~الشقاوة. ### | [مسألة عاهد الله من لا يعرفه] # المسألة الرابعة: إن كان هذا المعاهد عارفا بالله فيفهم وجه المعاهدة، ~~وإن كان غير عارف بالله فكيف يصح معاهدة الله مع من لا يعرفه. # قلنا: إن كان وقت المعاهدة عارفا بالله، ثم أذهب المعرفة سوء الخاتمة فلا ~~كلام، وإن كان في وقت المعاهدة منافقا يظهر الإيمان ويسر الكفر فإن قلنا: ~~إن الكفار يعرفون الله فالمعاهدة مفهومة، وإن قلنا: لا يعرفونه وهو الصحيح ~~فإن حقيقة المعاهدة عند علمائنا معاقدة بعزيمة محققة بذكر الله، فإن عاهد ~~الله من لا يعرفه فإنما ذلك إذا ذكره في المعاقدة فخاص من خواص أوصافه، وإن ~~لم يتحقق ربه فينعقد ذلك عليه، ويلزمه حكمه، وينفذ عليه عقابه؛ لأن العقد ~~يتعلق بهذا الذكر اللازم. ### | [مسألة معنى قوله تعالى بخلوا به] # المسألة الخامسة: قوله تعالى {بخلوا به} [التوبة: 76]: اختلف فيه؛ فقيل: ~~البخل منع الواجب، والشح منع المستحب قال تعالى: {ولا يحسبن الذين يبخلون ~~بما آتاهم الله} [آل عمران: 180] إلى: القيامة. وقال تعالى: {ولا يجدون في ~~صدورهم} [الحشر: 9]. # PageV02P549 # وقيل: هما واحد. # وقد سبقت الإشارة ms0878 إليه في المتقدم من القول، وما حكيناه هاهنا هو الصحيح، ~~وعليه تدل الأحاديث حسبما بيناه فيها، وظواهر القرآن، حسبما بيناه فيها. ### | [مسألة أربع من كن فيه كان منافقا خالصا] # المسألة السادسة: قوله: {فأعقبهم نفاقا في قلوبهم} [التوبة: 77]: النفاق ~~في القلب هو الكفر، وإذا كان في الأعمال فهو معصية، وقد حققنا ذلك في شرح ~~الصحيح والأصول، وفيه قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أربع من كن فيه ~~كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى ~~يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر». روته ~~الصحاح والأئمة # ، وتباين الناس فيه حزقا، وتفرقوا فرقا، بسبب أن المعاصي بالجوارح لا ~~تكون كفرا عند أهل الحق، ولا في دليل التحقيق. # وظاهر هذا الحديث يقتضي أنه إذا اجتمعت فيه هذه الخصال صح نفاقه وخلص، ~~وإذا كان منهن واحدة كانت فيه من النفاق خصلة، وخصلة من النفاق نفاق، وعقدة ~~من الكفر كفر، وعليه يشهد ظاهر هذه الآية بما قال فيه من نكثه لعهده، وغدره ~~الموجب له حكم النفاق؛ فقالت طائفة: إن ذلك إنما هو لمن يحدث بحديث يعلم ~~كذبه، ويعهد بعهد لا يعتقد الوفاء به، وينتظر الأمانة للخيانة فيها. # وتعلقوا فيما ذهبوا إليه من ذلك بحديث خرجه البزار عن سلمان قال: «دخل ~~أبو بكر وعمر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: من خلال ~~المنافقين ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان. فخرجا من عند ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثقيلين، فلقيهما علي فقال لهما: مالي ~~أراكما ثقيلين؟ قالا: حديثا سمعناه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~من # PageV02P550 # خلال المنافقين إذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا وعد أخلف. فقال علي: ~~أفلا سألتماه؟ فقالا: هبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال: لكني ~~سأسأله. فدخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: لقيني أبو بكر ~~وعمر، وهما ثقيلان، ثم ذكر ما قالا: فقال: قد حدثتهما، ولم أضعه على الموضع ms0879 ~~الذي يضعونه، ولكن المنافق إذا حدث وهو يحدث نفسه أنه يكذب، وإذا وعد وهو ~~يحدث نفسه أنه يخلف، وإذا ائتمن وهو يحدث نفسه أنه يخون». # قال القاضي الإمام: هذا ليس بممتنع لوجهين: أحدهما ضعف سنده. # والثاني أن الدليل الواضح قد قام على أن متعمد هذه الخصال لا يكون كافرا، ~~وإنما يكون كافرا باعتقاد يعود إلى الجهل بالله وصفاته أو التكذيب له. # وقالت طائفة: إنما ذلك مخصوص بالمنافقين زمان رسول الله. # أفادني أبو بكر الفهري بالمسجد الأقصى: «أن مقاتل بن حيان قال خرجت زمان ~~الحجاج بن يوسف، فلما كنت بالري أخبرت أن سعيد بن جبير بها مختف من الحجاج، ~~فدخلت عليه، فإذا هو في ناس من أهل وده. قال: فجلست حتى تفرقوا. ثم قلت: إن ~~لي والله مسألة قد أفسدت علي عيشي. ففزع سعيد، ثم قال: هات. فقلت: بلغنا أن ~~الحسن ومكحولا وهما من قد علمت في فضلهما وفقههما فيما يرويان عن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ثلاث من كن فيه فهو منافق، وإن صلى وصام، ~~وزعم أنه مؤمن: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان. ومن كانت فيه ~~خصلة منهن كان فيه ثلث النفاق. وظننت أني لا أسلم منهن أو من بعضهن، ولم ~~يسلم منهن كثير من الناس. قال: فضحك سعيد، وقال: همني والله من الحديث مثل ~~الذي أهمك. فأتيت ابن عمر وابن عباس فقصصت عليهما ما قصصت علي، فضحكا # PageV02P551 # وقالا: همنا والله من الحديث مثل الذي أهمك. فأتينا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في أناس من أصحابه، فقلنا: يا رسول الله، إنك قد قلت: ثلاث من ~~كن فيه فهو منافق، وإن صام وصلى وزعم أنه مؤمن: من إذا حدث كذب، وإذا وعد ~~أخلف، وإذا ائتمن خان، ومن كانت فيه خصلة منهن ففيه ثلث النفاق، فظننا أنا ~~لم نسلم منهن أو من بعضهن ولن يسلم منهن كثير من الناس. قال: فضحك رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: ما لكم ولهن؟ إنما خصصت به ms0880 المنافقين، ~~كما خصهم الله في كتابه. أما قولي: إذا حدث كذب فذلك قول الله عز وجل: {إذا ~~جاءك المنافقون} [المنافقون: 1] لا يرون نبوتك في قلوبهم، أفأنتم كذلك؟ ~~قال: فقلنا: لا. قال: فلا عليكم، أنتم من ذلك برآء. وأما قولي: إذا وعد ~~أخلف، فذلك فيما أنزل الله علي: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله} ~~[التوبة: 75] إلى: يكذبون. أفأنتم كذلك؟ قال: فقلنا: لا، والله لو عاهدنا ~~الله على شيء لوفينا بعهده. قال: فلا عليكم، أنتم من ذلك برآء. وأما قولي: ~~إذا ائتمن خان، فذلك فيما أنزل الله: {إنا عرضنا الأمانة} [الأحزاب: 72] ~~إلى: {جهولا} [الأحزاب: 72]. فكل مؤمن مؤتمن على دينه، والمؤمن يغتسل من ~~الجنابة في السر والعلانية، ويصوم ويصلي في السر والعلانية، والمنافق لا ~~يفعل ذلك إلا في العلانية، أفأنتم كذلك؟ قلنا: لا. قال: فلا عليكم، أنتم من ~~ذلك برآء. قال: ثم خرجت من عنده فقضيت مناسكي، ثم مررت بالحسن بن أبي الحسن ~~البصري، فقلت له: حديث بلغني عنك. قال: وما هو؟ قلت: من كن فيه فهو منافق. ~~قال: فحدثني بالحديث. قال: فقلت: أعندك فيه شيء غير هذا؟ قال: لا. قلت: ألا ~~أحدثك حديثا حدثني به سعيد بن جبير، فحدثته به، فتعجب منه، وقال: إن لقينا ~~سعيدا سألناه عنه، وإلا قبلناك.» # PageV02P552 # قال القاضي: هذا حديث مجهول الإسناد، وأما معناه ففيه نحو من الأول، وهو ~~تخصيصه من عمومه، وتحقيقه بصفته، أما قوله: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد ~~إنك لرسول الله} [المنافقون: 1] الآية، فإنه كذب في الاعتقاد، وهو كفر محض. # وأما قوله: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله} [التوبة: 75] فهي ~~الآية التي نتكلم فيها الآن، وهي محتملة يمكن أن يصحبها الاعتقاد، بخلاف ما ~~عاهد عليه عند العهد. # ويحتمل أن يكون بنية الوفاء حين العهد، وطرأ عليه ذلك بعد تحصيل المال. # وأما قوله: {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال} [الأحزاب: ~~72]. # وقوله فيه: إن المؤمن يصلي في السر والعلانية، ويغتسل ويصوم كذلك، فقد ~~يترك الصلاة والغسل تكاسلا إذا أسر، ويفعلها رياء إذا ms0881 جهر ولا يكذب بهما، ~~وكذلك في الصوم مثله، ولا يكون منافقا بذلك، لما بيناه من أن المنافق من ~~أسر الكفر، والعاصي من آثر الراحة، وتثاقل في العبادة. # وقالت طائفة: هذا فيمن كان الغالب عليه هذه الخصال. # والذي عندي أنه لو غلبت عليه المعاصي ما كان بها كافرا ما لم تؤثر في ~~الاعتقاد. # والذي عندي أن البخاري روى عن حذيفة أن النفاق كان على عهد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان؛ وذلك أن أحدا ~~لا يعلم منه هذا، كما كان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يعلمه منه ~~النبي، وإنما هو القتل دون تأخير، فإن ظهر ذلك من أحد في زماننا فيكون ~~كقوله: «من ترك الصلاة فقد كفر، وأيما عبد أبق من مواليه فقد كفر». # وقد قال علماؤنا رحمة الله عليهم: إن أخوة يوسف عاهدوا أباهم فأخلفوه، ~~وحدثوه فكذبوه، وائتمنهم عليه فخانوه، وما كانوا منافقين. # PageV02P553 # وقد حققنا ذلك في كتاب المشكلين. # تحقيقه أن الحسن بن أبي الحسن البصري عالم من علماء الأمة قال: النفاق ~~نفاقان: نفاق الكذب، ونفاق العمل، فأما نفاق الكذب فكان على عهد رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وأما نفاق العمل فلا ينقطع إلى يوم القيامة. ### | [مسألة رؤية الله في الآخرة] # المسألة السابعة: قوله تعالى {إلى يوم يلقونه} [التوبة: 77]: فيه قولان: ~~أحدهما: أن الضمير عائد إلى الله تعالى. # والثاني: أنه عائد على النفاق. # عبر عنه بجزائه، كأنه قال: فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقون جزاءه. # وعلى ذكر هذه الآية أنبئكم أني كنت بمجلس الوزير العادل أبي منصور بن ~~حمير على رتبة بيناها في كتاب " ترتيب الرحلة للترغيب في الملة "، فقرأ ~~القارئ: {تحيتهم يوم يلقونه سلام} [الأحزاب: 44] وكنت في الصف الثاني من ~~الحلقة، فظهر أبو الوفاء علي بن عقيل إمام الحنبلية بها، وكان معتزلي ~~الأصول، فلما سمعت الآية قلت لصاحب لي كان يجلس على يساري: هذه الآية دليل ~~على رؤية الله في الآخرة، فإن العرب لا تقول: " لقيت فلانا " إلا ms0882 إذا رأته. # فصرف وجهه أبو الوفاء المذكور إلينا مسرعا، وقال: تنتصر لمذهب الاعتزال ~~في أن [الله] لا يرى في الآخرة، فقد قال: {فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم ~~يلقونه} [التوبة: 77]. # وعندك أن المنافقين لا يرون الله في الآخرة، وقد شرحنا وجه الآيتين في ~~المشكلين، وتقدير الآية: فأعقبهم هو نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه، ~~فيحتمل عود ضمير " يلقونه " إلى ضمير الفاعل في أعقبهم المقدر بقولنا هو، ~~ويحتمل أن يعود إلى النفاق مجازا على تقدير الجزاء كما بيناه. . ### | [مسألة مخالفة العهد ونكث العهد] # المسألة الثامنة: قوله تعالى {بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا ~~يكذبون} [التوبة: 77]: يريد به تحريم مخالفة العهد ونكث العهد كيفما تصرفت ~~حاله. # PageV02P554 # روى البخاري عن نافع قال: لما خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية جمع ابن ~~عمر حشمه وولده، فقال: إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ~~«ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة»، وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيعة الله ~~وبيعة رسوله؛ وإني لا أعلم غدرا أعظم من أن يبايع رجل على بيعة الله وبيعة ~~رسوله، ثم ينصب له القتال، وإني لا أعلم أحدا منكم خلعه، ولا بايع في هذا ~~الأمر إلا كانت الفيصل بيني وبينه. # وقال ابن خياط: إن بيعة عبد الله ليزيد كانت كرها، وأين يزيد من ابن عمر، ~~ولكن رأى بدينه وعلمه التسليم لأمر الله، والفرار عن التعرض لفتنة فيها من ~~ذهاب الأموال والأنفس ما لا يفي بخلع يزيد. # ولو تحقق أن الأمر يعود بعده في نصابه، فكيف وهو لا يعلم ذلك؟ وهذا أصل ~~عظيم فتفهموه والتزموه ترشدوا إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة قال إن ملكت كذا فهو صدقة أو علي صدقة] # المسألة التاسعة: قوله تعالى {لئن آتانا من فضله لنصدقن} [التوبة: 75]: ~~دليل على أنه من قال: إن ملكت كذا فهو صدقة، أو علي صدقة، إنه يلزمه؛ وبه ~~قال أبو حنيفة. # وقال الشافعي لا يلزمه ذلك، والخلاف في الطلاق مثله، وكذلك في العتق، إلا ~~أن أحمد بن حنبل يقول: إنه يلزم ms0883 ذلك في العتق، ولا يلزم في الطلاق. # وظاهر هذه الآية يدل على ما قلناه خلافا للشافعي، وتعلق الشافعي بقوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «لا طلاق قبل نكاح، ولا نذر فيما لا يملك ابن آدم». # وسرد أصحابه في هذا الباب أحاديث كثيرة لم يصح شيء منها، فلا معول عليه، ~~ولم يبق إلا ظاهر هذه الآية، والمعاني مشتركة بيننا. # وقد حققنا المسألة بطرقها في كتاب التخليص. # وأما أحمد فزعم أن العتق قربة، وهي تثبت في الذمة بالنذر، بخلاف الطلاق ~~فإنه تصرف في محله، وهو لا يثبت في الذمة. # PageV02P555 # وقال علماؤنا: إن كان الطلاق لا يثبت في الذمة فإن القول ينعقد من ~~المتكلم إذا صادف محلا، وربطه بملك، كما لو قال رجل لامرأته: إن دخلت الدار ~~فأنت طالق، فإن القول ينعقد ويصح ويلزم، وإذا دخلت الدار وقع الطلاق بالقول ~~السابق له، اللازم المنعقد، المضاف إلى محل صحيح تصح إضافة الطلاق إليه، ~~وهي الزوجة؛ فكذلك إذا قال لها: إذا تزوجتك فأنت طالق، وإذا ملكت هذا العبد ~~فهو حر؛ لأنه أضاف التصرف إلى محله في وقت يصح وقوعه فيه؛ فيلزمه كما لو ~~قال لزوجته: إذا دخلت الدار فأنت طالق، أو قال لعبده: إذا دخلت الدار فأنت ~~حر. ### | [مسألة صحة الإيمان شرط لقبول الصدقة والصلاة وسائر الأعمال] # المسألة العاشرة: قوله تعالى {فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه} ~~[التوبة: 77]: حيل بينهم وبين التوبة، وصرح بنفاقهم وكفرهم؛ فلذلك لم تقبل ~~صدقاتهم؛ لأن صحة الإيمان شرط لقبول الصدقة والصلاة وسائر الأعمال؛ ولذلك ~~لم يقبلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أبو بكر ولا عمر ولا ~~عثمان؛ اقتداء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعلمه بسريرته، واطلاعه ~~على بنيات صدره. ### | [الآية الحادية والثلاثون قوله تعالى ولا تصل على أحد منهم مات أبدا] # الآية الحادية والثلاثون: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على ~~قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون} [التوبة: 84]. # فيها خمس مسائل: # المسألة الأولى: سبب نزولها: ثبت في الصحاح والمصنفات حديث عبد الله ms0884 بن ~~عباس وغيره قال: «سمعت عمر بن الخطاب يقول: لما توفي عبد الله بن أبي دعي ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للصلاة عليه، فلما وقف عليه يريد الصلاة ~~تحولت حتى قمت في صدره، فقلت: يا رسول الله: أعلى عدو الله عبد الله بن أبي ~~القائل كذا يوم كذا وكذا يعدد عليه آثامه قال: ورسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يتبسم، حتى إذا أكثرت عليه قال: أخر عني يا عمر، إني خيرت فاخترت، ~~قد قيل لي: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم} [التوبة: 80]. لو أعلم أني لو ~~زدت على السبعين غفر له لزدت. # PageV02P556 # قال: ثم صلى عليه، ومشى معه، فقام على قبره حتى فرغ منه قال: فعجبت لي ~~ولجراءتي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والله ورسوله أعلم. قال: ~~فوالله ما كان إلا يسيرا حتى نزلت هاتان الآيتان: {ولا تصل على أحد} ~~[التوبة: 84] إلى آخر الآيتين. قال: فما صلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بعد على منافق، ولا قام على قبره، حتى قبضه الله». # وفي الصحيح أيضا عن ابن عمر قال: «جاء عبد الله بن عبد الله بن أبي إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - حين مات أبوه، فقال: أعطني قميصك أكفنه فيه، ~~وصل عليه، واستغفر له. فأعطاه قميصه، وقال: إذا فرغتم فآذنوني فلما أراد أن ~~يصلي عليه جذبه عمر، وقال: أليس قد نهى الله أن تصلي على المنافقين؟ فقال: ~~أنا بين خيرتين: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم. فصلى عليه فأنزل الله: {ولا ~~تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره} [التوبة: 84] فترك الصلاة ~~عليهم». ### | [مسألة معنى قوله تعالى استغفر لهم أو لا تستغفر لهم] # المسألة الثانية: اختلف الناس في قوله: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم} ~~[التوبة: 80] هل هو إياس أو تخيير؟ فقال قوم: هو إياس بدليل ثلاثة أشياء: ~~أحدها: أنه قال: {فلن يغفر الله لهم} [التوبة: 80]. # الثاني: أنه قال: إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم مبالغة، ~~كقول القائل: لو سألتني ms0885 مائة مرة ما أجبتك. # PageV02P557 # الثالث: أنه علل ذلك بقوله: {ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله} [التوبة: 80] ~~وهذه العلة موجودة بعد الزيادة على السبعين، وحيث توجد العلة يوجد الحكم. # وقال قوم: هو تخيير من الله لنبيه، والدليل عليه قوله - صلى الله عليه ~~وسلم - لعمر: «إني خيرت فاخترت؛ قد قيل لي: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن ~~تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم، لو أعلم أني لو زدت على السبعين ~~غفر له لزدت». # وهذا أقوى؛ لأن هذا نص صريح صحيح من النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~التخيير، وتلك استنباطات، والنص الصريح أقوى من الاستنباط. # فأما قولهم: إنه قال: {فلن يغفر الله لهم} [التوبة: 80] فهذا في السبعين، ~~وليس ما وراء السبعين كالسبعين، لا من دليل الخطاب ولا من غيره؛ أما من ~~دليل الخطاب فإن دليل الخطاب لا يكون في الأسماء؛ وإنما يكون في الصفات، ~~حسبما بيناه في أصول الفقه، ورددناه على الدقاق من أصحاب الشافعي الذي ~~يجعله في الأسماء والصفات، وهو خطأ صراح وأما من غير دليل الخطاب فظاهر ~~أيضا؛ لأن الحكم إذا علق على اسم علم بقي غيره خاليا عن ذلك الحكم، فيطلب ~~الحكم فيه من دليل آخر. # وأما قولهم: إنها مبالغة فدعوى. # ولعله تقدير لمعنى، حتى لقد قال [في] ذلك الأستاذ أبو بكر بن فورك - رحمه ~~الله -: إن التعديل في الخمسة؛ لأنها نصف العقد، وزيادة الواحدة أدنى ~~المبالغة، وزيادة الاثنين لأقصى المبالغة، ومنه سمي الأسد سبعا، عبارة عن ~~غاية القوة، وفي الأمثال: أخذه أخذة سبعة أي: غاية الأخذ، على أحد ~~التأويلات، وهذا تحكم؛ إذ يحتمل أن يقول: إن الاثنين أوسط المبالغة، ~~والثلاثة نهايتها، وذلك في الثمانية، ومنه يقال في المثل لمن بالغ في عوض ~~السلعة: أثمنت. # أي: بلغت الغاية في الثمن، وهذه التحكمات لا قوة فيها، والاشتقاقات لا ~~دليل عليها؛ وإنما هي ملحة، فإذا عضدها الدليل كانت صحيحة. # وأما قولهم: إنه علله بالكفر، وذلك موجود بعد السبعين، والكافر لا يغفر ~~له. # قلنا: أما قولهم: إن ذلك موجود بعد ms0886 السبعين، فيقال له: هذا الحكم من عدم # PageV02P558 # المغفرة إنما كان معلقا بالسبعين، والزيادة غير معتبرة به، كما تقدم ~~بيانه، وإنما علم عدم المغفرة في الكافر بدليل آخر، ورد من طرق، منها قوله: ~~{سواء عليهم أستغفرت لهم} [المنافقون: 6] الآية. ### | [مسألة إعطاء قميص النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبي المنافق ليكفن فيه] # المسألة الثالثة: في إعطاء القميص: قال علماؤنا رحمة الله عليهم: روي «أن ~~عبد الله إذ طلب القميص كان على النبي قميصان قال: أعطه الذي يلي جلدك». # وقالوا: «إنه إنما أعطاه قميصه مكافأة على إعطائه قميصه يوم بدر للعباس، ~~فإنه لما أسر واستلب ثوبه رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - كذلك، فأشفق، ~~وطلب له قميصا، فما وجد له في الجملة قميصا يقادره إلا قميص عبد الله، ~~لتقاربهما في طول القامة، فأراد النبي - صلى الله عليه وسلم - بإعطائه ~~القميص أن ترتفع اليد عنه في الدنيا، حتى لا يلقاه في الآخرة، وله عنده يد ~~يكافئه بها». ### | [مسألة الصلاة على الكفار] # المسألة الرابعة: قوله تعالى {ولا تصل على أحد منهم} [التوبة: 84] الآية: ~~نص في الامتناع من الصلاة على الكفار، وليس فيه دليل على الصلاة على ~~المؤمنين. # وقد وهم بعض أصحابنا فقال: إن الصلاة على الجنازة فرض على الكفاية، بدليل ~~قوله: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا} [التوبة: 84] فنهى الله عن الصلاة ~~على الكفار، فدل على وجوبها على المؤمنين، وهذه غفلة عظيمة؛ فإن الأمر ~~بالشيء نهي عن أضداده كلها عند بعض العلماء لفظا، وباتفاقهم معنى. # فأما النهي عن الشيء فقد اتفقوا في الوجهين على أنه أمر بأحد أضداده لفظا ~~أو معنى، وليست الصلاة على المؤمنين ضدا مخصوصا للصلاة على الكافرين؛ بل كل ~~طاعة ضد لها، فلا يلزم من ذلك تخصيص الصلاة على المؤمنين دون سائر الأضداد. # المسألة الخامسة: صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على ابن أبي اختلف ~~فيها على ثلاثة أقوال: # الأول: ما تقدم من أنه خير فاختار. # الثاني: ما روي أنه فعل ذلك مراعاة لولده، وعونا له على صحة ms0887 إيمانه، ~~إيناسا له # PageV02P559 # وتأليفا لقومه؛ فقد روي «أنه لما صلى عليه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أسلم من الخزرج ألف رجل». # الثالث: ما روى أبو داود عن عكرمة عن ابن عباس قال: «دخل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - على عبد الله بن أبي ابن سلول، فقال: قد كنت أسمع قولك، ~~فامنن علي اليوم، وكفني بقميصك، وصل علي. فكفنه رسول الله بقميصه، وصلى ~~عليه. قال ابن عباس: فالله أعلم أي صلاة هي، وإن محمدا - صلى الله عليه ~~وسلم - لم يخادع إنسانا قط. قال عكرمة: غير أنه قال يوم الحديبية كلمة حسنة ~~قال المشركون: إنا منعنا محمدا أن يطوف بالبيت، وإنا نأذن لك. فقال: لا، لي ~~في رسول الله أسوة حسنة.» # قال القاضي: واتباع القرآن أولى في قوله تعالى: {إنهم كفروا بالله} ~~[التوبة: 84] الآية. # فأخبر عنه بالكفر والموت على الفسق. # وهذا عموم في الذي نزلت الآية بسببه، وفي كل منافق مثله. ### | [الآية الثانية والثلاثون قوله تعالى ليس على الضعفاء ولا على المرضى] # ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على ~~المحسنين من سبيل والله غفور رحيم} [التوبة: 91] {ولا على الذين إذا ما ~~أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ~~ألا يجدوا ما ينفقون} [التوبة: 92]. # فيها سبع مسائل: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: فيه خمسة أقوال: # الأول: نزلت في العرباض بن سارية. # الثاني: نزلت في بني مقرن من مزينة؛ قاله مجاهد. # الثالث: نزلت في عبد الله بن الأزرق، وابن أبي ليلى. # الرابع: نزلت في سبعة من قبائل شتى؛ قاله محمد بن كعب. # PageV02P560 # الخامس: في أبي موسى، وأصحابه؛ قاله الحسن. # وهو الصحيح. # ثبت أن «أبا موسى قال: أتينا النبي - صلى الله عليه وسلم - في نفر من ~~الأشعريين، فاستحملناه، فأبى أن يحملنا، فاستحملناه فحلف ألا يحملنا، ثم لم ~~يلبث النبي أن أتى بنهب إبل، فأمر لنا بخمس ذود، فلما قبضناها قلنا: تغفلنا ~~النبي يمينه، لا نفلح بعدها أبدا، فأتيته فقلت: ms0888 يا رسول الله؛ إنك حلفت ألا ~~تحملنا، وقد حملتنا. قال: أجل، ولكني لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا ~~منها إلا أتيت الذي هو خير منها». ### | [مسألة الخروج لغزوة تبوك] # المسألة الثانية: في المعنى: إن الله لما استنفرهم لغزو الروم، ودعاهم ~~إلى الخروج لغزوة تبوك بادر المخلصون، وتوقف المنافقون والمتثاقلون، وجعلوا ~~يستأذنون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في التخلف، ويعتذرون إليه ~~بأعذار منها كفر، كقول الحر بن قيس: ائذن لي ولا تفتني ببنات بني الأصفر؛ ~~فإني لا أقدر على الصبر عنهن، فأنزل الله تعالى: {ومنهم من يقول ائذن لي ~~ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا} [التوبة: 49]. # ومنهم من قال: {لا تنفروا في الحر قل نار جهنم} [التوبة: 81]. # وقال في أهل العذر الصحيح: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى} [التوبة: ~~91] إلى: {من سبيل} [التوبة: 91]. # وهم الذين صدقوا في حالهم، وكشفوا عن عذرهم، وهي: # المسألة الثالثة: التي بين الله في قوله: {وجاء المعذرون من الأعراب ~~ليؤذن لهم} [التوبة: 90]. # فأخبر الله سبحانه أن الناس ثلاثة أقسام: صنف معذر، وهو المقصر. # وصنف ذو عذر. # وصنف لم يعتذر بعذره، ولا أظهر شيئا من أمره، بل أعرض عن ذلك كله، يقال: ~~عذر الرجل بتشديد الذال: إذا قصر، وأعذر إذا أبان عن عذره، وكل واحد منها ~~يدخل على صاحبه. # وقد قرئ المعذرون بإسكان العين، وتخفيف # PageV02P561 # الذال، وبذلك قال جماعة من الناس؛ لكن يكشف المعنى فيه حقيقة الحال منه، ~~ولذلك عقبه الله تعالى بقوله: {ما على المحسنين من سبيل} [التوبة: 91] وهم ~~الذين أبدوا عن عذر صحيح، أو علم الله صدق عذرهم فيما لم يبد عليهم دليل من ~~حالهم. # والعجب من القاضي أبي إسحاق يقول: إن سياق الكلام يقتضي أنهم الذين لا ~~عذر لهم: وأنهم مذمومون؛ لأنهم جاءوا ليؤذن لهم، ولو كانوا من الضعفاء أو ~~المرضى لم يحتاجوا أن يستأذنوا؛ وليس الأمر كذلك؛ بل كل أحد يستأذن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ويعلمه بحاله، فإن كان مرئيا فالعيان شاهد لنفسه، وإن ~~كان غير مرئي مثل عجز البدن وقلة ms0889 المال، فالله شهيد به، وهو أعدل الشاهدين، ~~يلقي اليقين على رسوله بصدق عذر المعتذرين إليه، ويخلق له القبول في قلبه ~~له. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ما على المحسنين من سبيل] # المسألة الرابعة: قوله تعالى {ما على المحسنين من سبيل} [التوبة: 91]: ~~يريد من طريق إلى العقوبة على فعله؛ لأنه إحسان في نفسه، والحسن ما لم ينه ~~عنه الشرع، والقبيح ما نهى عنه وقد بينا ذلك هاهنا وفي كتب الأصول. ### | [مسألة يقتص من قاطع يده] # المسألة الخامسة: هذا عموم ممهد في الشريعة، أصل في رفع العقاب والعتاب ~~عن كل محسن. # قال علماؤنا في الذي يقتص من قاطع يده فيفضي ذلك بالسراية إلى إتلاف ~~نفسه، فقال أبو حنيفة: يلزمه الدية. # وقال مالك والشافعي: لا دية عليه؛ لأنه محسن في اقتصاصه من المعتدي عليه، ~~فلا سبيل إليه. # وكذلك إذا صال فحل على رجل فقتله في دفعه عن نفسه فلا ضمان عليه عندنا؛ ~~وبه قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة: يلزمه لمالكه قيمته، وكذلك في مسائل الشريعة كلها. # وقد أومأنا إلى ذلك في مسائل الخلاف، وقررنا هذا الأصل في كتب الأصول. ### | [مسألة عذر المعتذر بالحاجة والفقر عن التخلف في الجهاد] # المسألة السادسة: قوله تعالى {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا ~~أجد ما أحملكم عليه} [التوبة: 92]: أقوى دليل على قبول عذر المعتذر بالحاجة ~~والفقر عن التخلف في الجهاد إذا ظهر من حاله صدق الرغبة، مع دعوى المعجزة، ~~كإفاضة العين، وتغيير الهيئة؛ لقوله: # PageV02P562 # {تولوا وأعينهم تفيض} [التوبة: 92] الآية، ويدل على أنه لا يلزم الفقير ~~الخروج في الغزو والجهاد تعويلا على النفقة من المسألة، حاشا ما قاله ~~علماؤنا دون سائر الفقهاء: إن ذلك إذا كانت عادة لزمه ذلك، وخرج على ~~العادة؛ وهو صحيح؛ لأن إذا لم يتغير يتوجه الفرض عليه توجهه عليه، ولزمه ~~أداؤه، وهي: المسألة السابعة: قال علماؤنا رحمة الله عليهم: من قرائن ~~الأحوال ما يفيد العلم الضروري، ومنها ما يحتمل الترديد؛ فالأول كمن يمر ~~على دار قد علا فيها النعي، وخمشت فيها الخدود، وحلقت ms0890 الشعور، وسلقت ~~الأصوات، وخرقت الجيوب، ونادوا على صاحب الدار بالثبور، فيعلم أنه قد مات. # وأما الثاني فكدموع الأيتام على أبواب الحكام قال الله تعالى مخبرا عن ~~إخوة يوسف: {وجاءوا أباهم عشاء يبكون} [يوسف: 16] وهم الكاذبون، وجاءوا على ~~قميصه بدم كذب، ومع هذا فإنها قرائن يستدل بها في الغالب، وتنبني عليها ~~الشهادة في الوقت وغيره بناء على ظواهر الأحوال وغالبها. ### | [الآية الثالثة والثلاثون قوله تعالى يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم] # قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ~~ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون} ~~[التوبة: 94]. # فيها ست مسائل: المسألة الأولى: هذه الآية نزلت بعد ذكر المنافقين هاهنا، ~~ونزلت بعد ذكر المؤمنين بعد هذا بآيات، فأما هذه التي أعقبت ذكر المنافقين ~~فمعناها التهديد، وأما الآية التي نزلت بعد هذا فمعناها الأمر، وتقديرها: ~~اعملوا بما يرضي الله، وذلك أن النفاق موضع # PageV02P563 # ترهيب، والإيمان محل ترغيب، فقوبل أهل كل محل من الخطاب بما يليق به، كما ~~قيل للكفار: اعملوا ما شئتم، على معنى التهديد. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وسيرى الله عملكم ورسوله] # المسألة الثانية: قوله تعالى {وسيرى الله عملكم ورسوله} [التوبة: 94]: ~~الباري راء مرئي، يرى الخلق، ويرونه، فأما رؤيتهم له ففي محل مخصوص، ومن ~~قوم مخصوصين، وأما رؤيته للخلق فدائمة، فهو تعالى يعلم ويرى. # وقال جماعة من المبتدعة: إنه يعلم ولا يرى، ومتى أخبر عنه بالرؤية فإنها ~~راجعة إلى العلم، وقد دللنا في كتب الأصول على أنه راء برؤية، كما أنه عالم ~~بعلم؛ لأنه أخبر عن نفسه بذلك، وخبره صادق، ولو لم يكن رائيا لكان مئوفا؛ ~~لأن الحي إذا لم يكن مدركا كان مئوفا، وهو المتقدس عن الآفات والنقائص، ~~وهذه العمدة العقلية لعلمائنا؛ فقد أخبر سبحانه عن نفسه بما يجب له من ~~صفته، وقام الدليل عليه من نعته، فلزمنا اعتقاده والإخبار به. # المسألة الثالثة: قوله تعالى {وسيرى الله عملكم} [التوبة: 94]: ذكره ~~بصيغة الاستقبال؛ لأن الأعمال مستقبلة، والباري يعلم ما يعمل قبل أن يعمل، ms0891 ~~ويراه إذا عمل؛ لأن العلم يتعلق بالموجود والمعدوم، والرؤية لا تتعلق إلا ~~بالموجود، وقد قال في الحديث الصحيح، «عن جبريل: ما الإحسان؟ قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإنك إن لم تكن تراه فإنه ~~يراك». # المسألة الرابعة: قال الأستاذ أبو بكر: قوله: {وسيرى الله عملكم} ~~[التوبة: 94]: معناه يجعله في الظهور محل ما يرى. # وروى ابن القاسم، عن مالك في الآية: أنه كان يقال: ابن آدم، اعمل وأغلق ~~عليك سبعين بابا، يخرج الله عملك إلى الناس. # وهذا الذي قاله الأستاذ أبو بكر، والإمام مالك، إنما يكون فيما يتعلق ~~برؤية الناس، فأما رؤية الله فإنها تتعلق بما يسره، كما تتعلق بما يظهره؛ ~~لأنه لا تؤثر الحجب في رؤيته، ولا تمنع الأجسام عن إدراكه. # PageV02P564 # وفي الأثر «عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لو أن رجلا عبد الله في ~~صخرة لا باب لها، ولا كوة لأخرج الله عمله إلى الناس كائنا ما كان، والله ~~يطلع المؤمنين على ما في قلوب إخوانهم من خير فيحبونه، أو شر فيبغضونه». # وقال الله: «إذا تقرب إلي عبدي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإذا تقرب إلي ~~ذراعا تقربت منه باعا، وإذا أتاني يمشي آتيته أهرول، ولا يزال العبد يتقرب ~~إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي ~~يبصر به». # وفي الصحيح: «إذا أحب الله عبدا نادى في السماء يا جبريل؛ إني أحب فلانا ~~فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي جبريل: يا ملائكة السماء؛ إن الله يحب فلانا ~~فأحبوه، فيحبه ملائكة السماء؛ ثم يوضع له القبول في الأرض، ولا أراه في ~~البغض إلا مثل ذلك». # إيضاح مشكل: قوله: " إذا تقرب العبد مني شبرا تقربت منه ذراعا مثل؛ لأن ~~البارئ سبحانه يستحيل عليه القرب بالمساحة؛ وإنما قربه بالعلم والإحاطة ~~للجميع، وبالرحمة والإحسان لمن أراد ثوابه. # وقوله أيضا: أتيته أهرول مثله في التمثيل، والإشارة به إلى أن الثواب ~~يكون أكثر من العمل، فضرب زيادة الأفعال بين الخلق في المجازاة على البعض ~~مثلا في ms0892 زيادة ثوابه على أعمالهم. # وقوله: لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل، إشارة إلى أن المواظبة على ~~العمل توجب مواظبة الثواب، وتطهر المواظبة الأعضاء عن المعاصي؛ فحينئذ تكون ~~الجوارح لله خالصة؛ فعبر بنفسه تعالى عنها تشريفا لها حين خلصت من المعاصي. # ومثله النزول، فإنه عبارة عن إفاضة الخير ونشر الرحمة. . # PageV02P565 ### | [مسألة المنافقين يعتقدون الكفر ويظهرون أعمال الإيمان كأنها أعمال بر] # المسألة الخامسة: أما الآية الأولى في المنافقين فهي على رسم التهديد، ~~كما بيناه، ومعناها أن المنافقين يعتقدون الكفر، ويظهرون أعمال الإيمان ~~كأنها أعمال بر، وهي رياء وسمعة بغير اعتقاد ولا نية، فالله يراها كذلك، ~~ويطلع عليها عباده المؤمنين، فأما اطلاع رسوله فبعينيه، وأما اطلاع ~~المؤمنين فبالعلامات من الأعمال والأمارات الدالة على الاعتقاد، وذلك كما ~~قال: من أسر سريرة ألبسه الله رداءها، إن خيرا فخير وإن شرا فشر. # وأما الآية الثانية في المؤمنين الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا فإن ~~الله يراه ويعلمه، فيعلمه رسوله والمؤمنون على النحو الذي تقدم، ونرد ~~العلمين إلى عالم الغيب والشهادة فنجزيهم بأعمالهم ومواقعها. # أما المنافق فنقدم إلى عمله فنجعله هباء منثورا. # وأما المؤمن الذي خلط في أعماله طاعة بمعصية فإنه يوازن بها في الكفتين، ~~فما رجح منها على مقدار عمله فيها أظهره عليها، وحكم به لها. # والمرء يكون في موطنين: أحدهما: موطن الخاتمة عند قبض الروح، وهي: ~~المسألة السادسة: فإنه وقت كشف الغطاء، وسلامة البصر عن العمى، فيقال له: ~~{فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد} [ق: 22]. # فانظر إلى ما كنت غافلا عنه، أو به متهاونا. # والحالة الثانية عند الوزن، وتطاير الصحف والأنباء، حينئذ يكون بإظهار ~~الجزاء، وشرح صفة الأنباء ومواطنه في كتاب الذكر. ### | [الآية الرابعة والثلاثون قوله تعالى الأعراب أشد كفرا ونفاقا] # وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم} [التوبة: ~~97]. # فيها ثلاث مسائل: # PageV02P566 # المسألة الأولى: في قوله تعالى {الأعراب} [التوبة: 97]: اعلموا وفقكم ~~الله لسبيل العلم تسلكونها، وصرفكم عن الجهالات ترتكبونها أن بناء " عرب " ~~ينطلق في لسان العرب على معان لا تنتظم ms0893 في مساق واحد، وعلى رأي من يريد أن ~~يجعل الأبنية تنظر إلى المعاني من مشكاة واحدة؛ فإن ذلك قد يجده الطالب له، ~~وقد يعسر عليه، وقد يعدمه وينقطع له. # وهذا البناء مما لم يتفق لي ربط معانيه به. # وقد جاء ذكر الأعراب في القرآن هاهنا، وجاء في السنة ذكر العرب في أحاديث ~~كثيرة؛ ولغة العرب منسوبة إلى العرب، والعرب اسم مؤنث، فإذا صغروه أسقطوا ~~الهاء فقالوا: عريب. # ويقال: عرب وعرب بفتح الفاء والعين، وبضم الفاء وبإسكان العين. # والعاربة والعرباء؛ وهم أوائلهم، أو قبائل منهم، يقال إنهم سبع، سماهم ~~ابن دريد وغيره. # ويقال الأعراب والأعاريب. # وقال ابن قتيبة: الأعرابي لزيم البادية، والعربي منسوب إلى العرب وكأنه ~~يشير إلى أن هذه النسبة قد تكون نسبة جنس كالأعرابي، وقد تكون نسبة لسان، ~~وإن كان من الأعاجم إذا تعلمها. # وتحقيق القول أن الأعراب جمع، وهو بناء له في الواحد أمثال منها: فعل ~~وفعل وفعل وفعل، كقفل وأقفال، وفلس وأفلاس، وحمل وأحمال، وجمل وأجمال، ولم ~~أجد عربا بكسر الفاء إلا في نوع من النبات لا يستجيب مع سائر الأبنية، ويا ~~ليت شعري، ما الذي يمنع أن يكون الأعرابي منسوبا إلى الأعراب، والعربي ~~منسوبا إلى العرب، ويكون الأعراب هم العرب. # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يا سلمان؛ لا تبغضني فتفارق ~~دينك. قال: وكيف أبغضك يا رسول الله؟ قال: تبغض العرب». # PageV02P567 # وقال: «من غش العرب لم يدخل في شفاعتي». # وقال: «من اقتراب الساعة هلاك العرب». # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لتفرن من الدجال حتى تلحقوا ~~بالجبال. قيل: يا رسول الله؛ فأين العرب يومئذ؟ قال: هم قليل». # وقال أيضا: «سام أبو العرب، ويافث أبو الروم، وحام أبو الحبش». # ومن غريب هذا الاسم أن بناءه في التركيب للتعميم بناء الحروف في المخارج ~~على الترتيب. # المسألة الثانية: وهي فائدة القول: اعلموا وفقكم الله أن الله تعالى علم ~~آدم الأسماء كلها، فكان مما علم من الأسماء العرب والأعراب والعربية، ولا ~~نبالي كيف كانت كيفية التعلم من لدن آدم ms0894 إلى الأزمنة المتقادمة قبلنا، وقبل ~~فساد اللغة، فكان هذا اسم اللسان، واسم القبيلة، حتى بعث الله محمدا سيدها، ~~بل سيد الأمم - صلى الله عليه وسلم - فأعطى الله لها اسما شريفا، وهو نبي، ~~رسول إلى سائر أسمائه حسبما بيناها في شرح الصحيح والقبس وغيره، وأعطى من ~~آثر دينه على أهله وماله اسما أشرف من " عرب " ومن " قرش " وهو " هجر " ~~فقال: المهاجرون، وأعطى من آوى وناضل اسما أشرف من الذي كان وهو " نصر " ~~فقال: الأنصار، وعمهم باسم كريم شريف الموضع والمقطع، وهو " صحب " فقال: ~~أصحابي، وأعطى من لم يره حظا في التشريف باسم عام يدخلون به في الحرمة، وهي # PageV02P568 # الأخوة، فقال: «وددت أني رأيت إخواننا. قلنا: ألسنا بإخوانك يا رسول ~~الله؟ قال: بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين يأتون من بعد» # فمن دخل في الهجرة أو ترسم بالنصرة فقد كمل له شرف الصحبة، ومن بقي على ~~رسمه الأول بقي عليه اسمه الأول، وهم الأعراب. # ولذلك قيل «لما صار سلمة بن الأكوع في الرعية قال له الحجاج: يا سلمة، ~~تعربت، ارتددت على عقبيك. فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أذن ~~لي في التعريب» # وبعد هذا فاعلموا وهي: # المسألة الثالثة: أن كل مسلم كان عليه فرضا أن يأتي رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فيكون معه، حتى تتضاعف النصرة، وتنفسح الدوحة، وتحتمي البيضة، ~~ويسمعوا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دينهم، ويتعلموا شريعتهم حتى ~~يبلغوها إلى يوم القيامة، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «تسمعون ويسمع ~~منكم»، ويسمع ممن سمع منكم، فمن ترك ذلك، وبقي في إبله وماشيته، وآثر مسقط ~~رأسه، فقد غاب عن هذه الحظوظ، وخاب عن سهم الشرف، وكان من صار مع النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - إذ صار إليه مؤهلا لحمل الشريعة وتبليغها، متشرفا بما ~~تقلد من عهدتها، وكان من بقي في موضعه خائبا من هذا الحظ منحطا عن هذه ~~المرتبة. # والذين كانوا معه يشاهدون آياته، ويطالعون غرته البهية، كان الشك يختلج ~~في صدورهم، والنفاق يتسرب إلى قلوبهم، فكيف ms0895 بمن غاب عنه، فعن هذا وقع ~~البيان بقوله: {الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل ~~الله على رسوله} [التوبة: 97]؛ فمنهم من يتخذ ما ينفق في سبيل الله، وعلى ~~إعلاء كلمة الله مغرما لا مغنما، ومنهم من يسلم له اعتقاده؛ فيتخذ ما ينفق ~~وسيلة إلى الله، وقربة ورغبة في صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ورضاه عنه. # PageV02P569 ### | [الآية الخامسة والثلاثون قوله تعالى والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار] # الآية الخامسة والثلاثون] تكملة: من خواص هؤلاء الخواص وسادة هؤلاء ~~السادة {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ~~رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها ~~أبدا ذلك الفوز العظيم} [التوبة: 100]. # وهي الآية الخامسة والثلاثون، وفيها سبع مسائل: # المسألة الأولى: في تحقيق السبق: وهو التقدم في الصفة، أو في الزمان، أو ~~في المكان، فالصفة الإيمان، والزمن لمن حصل في أوان قبل أوان، والمكان من ~~تبوأ دار النصرة، واتخذه بدلا عن موضع الهجرة، وهم على ثماني مراتب: ~~الأولى: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وسعد، وبلال، وغيرهم. # الثانية: دار الندوة. # الثالثة: مهاجرة أصحاب الحبشة، كعثمان، والزبير. # الرابعة: أصحاب العقبتين، وهم الأنصار. # الخامسة: قوم أدركوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بقباء قبل أن يدخل ~~المدينة. # السادسة: من صلى إلى القبلتين. # السابعة: أهل بدر. # الثامنة: أهل الحديبية، وبهم انقطعت الأولية. # واختار الشافعي الثامنة في تفسير الآية، واختار في تفسيرها ابن المسيب، ~~وقتادة، والحسن من صلى إلى القبلتين. ### | [مسألة القراءة في قوله والأنصار] # المسألة الثانية: القراءة في قوله: {والأنصار} [التوبة: 100]: بالخفض ~~عطفا على المهاجرين، فيكونون أيضا فيها على مراتب منهم العقبيون، ومنهم أهل ~~القبلتين، ومنهم البدريون، ومنهم الرضوانية، ويكون الوقف فيهما واحدا. # PageV02P570 # وقرئ: والأنصار برفع الراء، عطفا على " والسابقون " ويعزى ذلك إلى عمر ~~وقراءة الحسن، واختاره يعقوب، وسواء كانت القراءة برفع الراء أو خفضها ففي ~~الأنصار سابق ومصل في كل طائفة واحد. ### | [مسألة أول السابقين من المهاجرين] # المسألة الثالثة: أول السابقين من المهاجرين أبو بكر الصديق - رضي الله ms0896 ~~عنه - فإنه أول من أسلم. # والدليل عليه «قول عمرو بن عبسة للنبي - صلى الله عليه وسلم -: من اتبعك ~~على هذا الأمر؟ قال: حر وعبد». # وبهذا احتج شيخ السنة أبو الحسن علي بن الجبائي في مجلس ابن ورقاء أمير ~~البصرة حين ادعى أن عليا أولهم إسلاما وكانا شيعيين. # وذكر أيضا أن حسان أنشد النبي - صلى الله عليه وسلم - بحضرتهم: # إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا # الثاني التالي المحمود مشهده ... وأول الناس منهم صدق الرسلا # فلم ينكر ذلك عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا قال له: إنما كان ~~أول من صدق علي بن أبي طالب. # وقد روى أبو محمد عبد الله بن الجارود، أنبأنا محمد بن حسان النيسابوري، ~~أنبأنا عبد الرحمن بن معدي عن مجالد، عن الشعبي، قال: سألت ابن عباس، من ~~أول الناس إسلاما؟ قال: أبو بكر، أو ما سمعت قول حسان: # إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا # خير البرية أتقاها وأعدلها ... بعد النبي وأوفاها بما حملا # الثاني التالي المحمود مشهده ... وأول الناس منهم صدق الرسلا # وهذا خبر اشتهر وانتشر، فقال أحمد بن حنبل، حدثنا أبو معمر، أنبأنا أبو ~~عبد الرحمن عن مجالد عن الشعبي قال: قال ابن عباس: أول من صلى أبو بكر، ثم ~~تمثل بأبيات حسان، وذكرها ثلاثة، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - مبينا ~~فضل # PageV02P571 # أبي بكر وسبقه لعمر بن الخطاب حين غامره: «دعوا لي صاحبي، فإني بعثت إلى ~~الناس كافة، فقالوا: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت»، وأسلم على يدي أبي بكر خلق ~~كثير، منهم الزبير، وطلحة، وسعد، وعثمان، وأهل العقبتين، وليس في تقدمة ~~إسلام علي - رضي الله عنه - حديث يعول عليه، لا عن سلمان، ولا عن الحسن، ~~ولا عن أحد. ### | [مسألة قراءة قوله تعالى والذين اتبعوهم بإحسان] # المسألة الرابعة: قوله: {والذين اتبعوهم بإحسان} [التوبة: 100]: وقد روي ~~أن عمر قرأ الذين بإسقاط الواو نعتا للأنصار، فراجعه زيد بن ثابت، فسأل أبي ~~بن كعب، فصدق زيدا ms0897 فرجع إليه عمر، وثبتت الواو. # وقد بينا ذلك في تفسير قوله: أنزل القرآن على سبعة أحرف. # وقد اختلف في التابعين؛ فقيل: هم من أسلم بعد الحديبية؛ كخالد بن الوليد، ~~وعمرو بن العاص، ومن داناهم من مسلمة الفتح؛ وقد ثبت «أن عبد الرحمن بن عوف ~~شكا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد وعمرو بن العاص، فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لخالد: دعوا لي أصحابي، فوالذي نفس محمد ~~بيده، لو أنفق أحدكم كل يوم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه». خرجه ~~البرقاني وغيره. وقيل: هم الذين لم يروا النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ ولا ~~عاينوا معجزاته؛ ولكنهم سمعوا خبره في القرن الثاني من القرن الأول، وهو ~~اسم مخصوص بالقرن الثاني، فيقال صحابي وتابعي بهذه الخطة، لما ذكر في هذه ~~الآية، وكفانا أن اتقينا الله، واهتدينا بهدي رسول الله، واقتفينا آثاره، ~~واسم الأخوة التي قدمنا تبيانا لنا. ### | [مسألة الصلاة في أول الوقت] # المسألة الخامسة: إذا ثبتت هذه المراتب، وبينت الخطط فإن السابق إلى كل ~~خير، والمتقدم إلى الطاعة أفضل من المصلي فيها والتالي بها. # قال الله تعالى: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم ~~درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى} [الحديد: 10]. # PageV02P572 # ولكن من سبق أكرم عند الله مرتبة، وأوفى أجرا، ولو لم يكن للسابق من ~~الفضل إلا اقتداء التالي به، واهتداؤه بهديه، فيكون له ثواب عمله في نفسه، ~~ومثل ثواب من اتبعه مقتديا به؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من سن ~~سنة حسنة في الإسلام كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ~~ينقص ذلك من أجورهم شيئا». # ولذلك قلنا: إن الصلاة في أول الوقت أفضل من تأخيرها عنه، ولا خلاف في ~~المذهب فيه، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أفضل ~~الأعمال الصلاة لأول وقتها»؛ وقد بيناه في غير موضع. ### | [مسألة السبق يكون بالصفات والزمان والمكان] # المسألة السادسة: قد ms0898 بينا أن السبق يكون بالصفات والزمان والمكان، وأفضل ~~هذه الوجوه سبق الصفات. # والدليل عليه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح: «نحن ~~الآخرون السابقون بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم. فهذا ~~اليوم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله له، فاليهود غدا والنصارى بعد غد». # فأخبر النبي أن من سبقنا من الأمم بالزمان فجئنا بعدهم سبقناهم بالإيمان، ~~والامتثال لأمر الله، والانقياد إليه، والاستسلام لأمره، والرضا بتكليفه، ~~والاحتمال لوظائفه، لا نعترض عليه، ولا نختار معه، ولا نبدل بالرأي شريعته، ~~كما فعل أهل الكتاب. # وذلك بتوفيق الله لما قضاه، وبتيسيره لما يرضاه، وما كنا لنهتدي لولا أن ~~هدانا الله. # PageV02P573 ### | [مسألة هل للأعراب حق في الفيء والغنيمة] # المسألة السابعة: لما ذم الله الأعراب بنقصهم وحطهم عن المرتبة الكاملة ~~لسواهم ترتبت على ذلك أحكام ثلاثة: أولها: أنه لا حق لهم في الفيء ~~والغنيمة، حسبما يأتي في سورة الحشر إن شاء الله. # ثانيها: أن إمامتهم بأهل الحضر ممنوعة لجهلهم بالسنة وتركهم للجمعة. # ثالثها: إسقاط شهادة البادية عن الحضارة. # واختلف في تعليل ذلك؛ فقيل: لأن الشهادة مرتبة عالية، ومنزلة شريفة، ~~وولاية كريمة، فإنها قبول قول الغير على الغير، وتنفيذ كلامه عليه؛ وذلك ~~يستدعي كمال الصفة، وقد بينا نقصان صفته في علمه ودينه. # وقيل: إنما ردت شهادته عليه، لما فيه من تحقيق التهمة إذا شهد أهل ~~البادية بحقوق أهل الحاضرة، وتلك ريبة؛ إذ لو كان صحيحا لكان أولى الناس ~~بذلك الحضريون، فعدم الشهادة عندهم ووجودها عند البدويين ريبة تقتضي ~~التهمة، وتوجب الرد، وعن هذا قال علماؤنا: إن شهادتهم عليهم فيما يكون ~~بينهم كالجراح ونحوها مما لا يكون في الحضر ماضية. # وقال أبو حنيفة: تجوز شهادة البدوي على الحضري؛ لأنه لا يراعي كل تهمة؛ ~~ألا تراه يقبل شهادة العدو على عدوه. # وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف، فلينظره هنالك من أراد استيفاءه. ### | [الآية السادسة والثلاثون قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها] # وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم والله سميع عليم} [التوبة: 103]. # فيها ms0899 ست مسائل: # المسألة الأولى: قوله تعالى {خذ} [التوبة: 103]: هو خطاب للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، فيقتضي بظاهره اقتصاره عليه، فلا يأخذ الصدقة سواه، ~~ويلزم على هذا سقوطها بسقوطه، وزوال تكليفها بموته، وبهذا تعلق مانعو ~~الزكاة على # PageV02P574 # أبي بكر الصديق، وقالوا عليه: إنه كان يعطينا عوضا عنها التطهير، ~~والتزكية لنا، والصلاة علينا، وقد عدمناها من غيره، ونظم في ذلك شاعرهم ~~فقال: # أطعنا رسول الله ما كان بيننا ... فيا عجبا ما بال ملك أبي بكر # وإن الذي سألوكم فمنعتم ... لكالتمر أو أحلى لديهم من التمر # سنمنعهم ما دام فينا بقية ... كرام على الضراء في العسر واليسر # وهذا صنف من القائمين على أبي بكر أمثلهم طريقة، وغيرهم كفر بالله من غير ~~تأويل، وأنكر النبوة، وساعد مسيلمة، وأنكر وجوب الصلاة والزكاة. # وفي هذا الصنف الذي أقر بالصلاة، وأنكر الزكاة وقعت الشبهة لعمر حين خالف ~~أبا بكر في قتالهم، وأشار عليه بقبول الصلاة منهم وترك الزكاة، حتى يتعهد ~~الأمر، ويظهر حزب الله، وتسكن سورة الخلاف؛ فشرح الله صدر أبي بكر للحق، ~~وقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق في المال، ~~والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه. قال عمر: ~~فوالله ما هو إلا أن شرح الله صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق. # وبهذا اعترضت الرافضة على الصديق، فقالوا: عجل في أمره، ونبذ السياسة ~~وراء ظهره، وأراق الدماء. # قلنا: بل جعل كتاب الله بين عينيه، وهدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ينظر إليه، والقرآن يستنير به، والسياسة تمهد سبلها فإنه قال: والله ~~لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. # وصدق الصديق، فإن الله يقول: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فإخوانكم في الدين} [التوبة: 11]؛ فشرطهما، وحقق العصمة بهما، وقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ~~فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله». # فقال أبو بكر لعمر حين تعلق بهذا الحديث: فقد قال النبي - صلى ms0900 الله عليه ~~وسلم -: «إلا بحقها». # والزكاة حق المال، فالصلاة تحقن الدم، والزكاة تعصم المال. # PageV02P575 # وقد جاء في الحديث الصحيح: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا ~~الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة». # وأما السياسة فما عداها فإنه لو ساهلهم في منع الزكاة لقويت شوكتهم، ~~وتمكنت في القلوب بدعتهم، وعسر إلى الطاعة صرفهم، فعاجل بالدواء قبل ~~استفحال الداء. # فأما إراقته للدماء فبالحق الذي كان عصمها قبل ذلك، وإراقة الدماء يا ~~معشر الرافضة في توطيد الإسلام وتمهيد الدين آكد من إراقتها في طلب ~~الخلافة، وكل عندنا حق، وعليكم في إبطال كلامكم، وضيق مرامكم خنق. # فأما قولهم: إن هذا خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يلتحق غيره ~~فيه به، فهذا كلام جاهل بالقرآن غافل عن مأخذ الشريعة، متلاعب بالدين، ~~متهافت في النظر؛ فإن الخطاب في القرآن لم يرد بابا واحدا، ولكن اختلفت ~~موارده على وجوه منها في غرضنا هذه ثلاثة: # الأول: خطاب توجه إلى جميع الأمة، كقول: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم ~~إلى الصلاة} [المائدة: 6] وكقوله: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام} ~~[البقرة: 183] ونحوه. # الثاني: خطاب خص به النبي - صلى الله عليه وسلم - كقوله: {ومن الليل ~~فتهجد به نافلة لك} [الإسراء: 79]. # وكقوله في آية الأحزاب: {خالصة لك من دون المؤمنين} [الأحزاب: 50]؛ فهذان ~~مما أفرد النبي - صلى الله عليه وسلم - بهما، ولا يشركه فيهما أحد لفظا ~~ومعنى، لما وقع القول به كذلك. # الثالث: خطاب خص به النبي - صلى الله عليه وسلم - قولا ويشركه فيه جميع ~~الأمة معنى وفعلا، كقوله: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} [الإسراء: 78]. # وكقوله: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} [النحل: 98] ~~وكقوله: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} [النساء: 102]. # PageV02P576 # فكل من دلكت عليه الشمس مخاطب بالصلاة، وكذلك كل من قرأ القرآن مخاطب ~~بالاستعاذة، وكذلك كل من خاف يقيم الصلاة بتلك الصفة. # ومن هذا القبيل قوله: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة: ~~103] فإنه - صلى الله عليه وسلم - الآمر بها، والداعي إليها، وهم المعطون ~~لها، وعلى هذا ms0901 المعنى جاء قوله: {يا أيها النبي اتق الله} [الأحزاب: 1] و ~~{يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1]. # وقد قيل له: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرءون الكتاب ~~من قبلك} [يونس: 94]. # وما كان ليشك، ولكن المراد من شك من الناس ممن كان معه في وقته. ### | [مسألة الأصل في فعل كل إمام يأخذ الصدقة] # المسألة الثانية: قوله: {تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم} [التوبة: 103]: ~~الأصل في فعل كل إمام يأخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق بالبركة؛ ثبت في الصحيح ~~" عن ابن أبي أوفى «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أتاه رجلا ~~بصدقته قال: اللهم صل على آل فلان فجاءه ابن أبي أوفى بصدقته، فأخذها منه، ~~ثم قال: اللهم صل على آل أبي أوفى». # وأما قوله: {تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة: 103] فإنه من صفة الصدقة، ~~وكذلك قوله: تزكيهم. # يعني أن الصدقة تكون سببا في طهارتهم وتنميتهم. # وأهل الصناعة يرون أن يكون ذلك خطابا للنبي - صلى الله عليه وسلم - حتى ~~بالغوا فقالوا: إنه يجوز أن يقرأ تطهرهم بجزم الراء، ليكون جواب الأمر، ~~والذي نراه أن كونه صفة أبلغ في نعت الصدقة، وأقطع لشغب المخالف، وأبعد من ~~المجاز بمنزلة. ### | [مسألة معنى قوله تعالى إن صلاتك سكن لهم] # المسألة الثالثة: قوله: {إن صلاتك سكن لهم} [التوبة: 103]: يعني: دعاءك. # وقد تكون الصلاة بمعنى الدعاء في الأظهر من معانيها؛ قال الأعشى: # PageV02P577 # تقول بنتي وقد يممت مرتحلا ... يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا # عليك مثل الذي صليت فاغتمضي ... نوما فإن لجنب المرء مضطجعا # والسكن: ما تسكن إليه النفوس، وتطمئن به القلوب. # وقال قتادة: وقار لهم. ### | [مسألة الصدقة المأمور بها] # المسألة الرابعة: اختلف الناس في هذه الصدقة المأمور بها؛ فقيل: هي ~~الفرض، أمر الله بها هاهنا أمرا مجملا لم يبين فيها المقدار، ولا المحل، ~~ولا النصاب، ولا الحول؛ وبين في سورة الأنعام المحل وحده، ووكل بيان سائر ~~ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ورتب الشريعة بالحكمة في العبادات ~~على ثلاثة أنحاء؛ منها ما يجب ms0902 مرة في العمر كالحج، ومنها ما يجب مرة في ~~الحول كالزكاة، ومنها ما يجب كل يوم كالصلاة. # وقيل: المراد بها التطوع. # قيل: نزلت في قوم تيب عليهم فرأوا أن من توبتهم أن يتصدقوا؛ فأمر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في هذه الآية بهذه الأوامر. # قال ابن عباس: «أتى أبو لبابة وأصحابه حين أطلقوا، وتيب عليهم بأموالهم ~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. فقالوا: يا رسول الله، هذه أموالنا ~~فتصدق بها عنا، واستغفر لنا. فقال: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا، فأنزل ~~الله: {خذ من أموالهم صدقة} [التوبة: 103]» # وكان ذلك مرجعه من غزوة تبوك. # وأبو لبابة ممن فرط في قريظة، وفي تخلفه عن غزوة تبوك، وحين تيب عليه ~~قال: يا رسول الله، إن من توبتي أن أتصدق بمالي، وأهجر دار قومي التي أصبت ~~فيها الذنب. # «فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: يجزيك الثلث». # وكذلك «قال كعب بن مالك: يا رسول الله؛ إن من توبتي أن أنخلع من مالي ~~صدقة # PageV02P578 # إلى الله وإلى رسوله. قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أمسك بعض ~~مالك، فهو خير لك». # قال: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر، ولا نعلم هل هو بقدر ثلث ماله أو أكثر ~~من ذلك أو أقل. # قال الفقيه الإمام: وهذه الأقوال الثلاثة في معنى الصدقة محتملة. # والأظهر أنها صدقة الفرض؛ لأن التعلق لا يكون إلا بدليل يبين أن هذا ~~مرتبط بما قبله متعلق به ما بعده. ### | [مسألة سبب نزول قوله تعالى وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا] # المسألة الخامسة: قال أشهب: قال مالك في قوله: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم ~~خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم} ~~[التوبة: 102]. # نزلت في شأن «أبي لبابة بن عبد المنذر؛ قال لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - حين أصابه الذنب: يا رسول الله؛ أجاورك، وأنخلع من مالي. فقال: ~~يجزئك من ذلك الثلث». # وقد قال الله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} [التوبة: ~~103] # وروى ابن وهب، ms0903 وابن القاسم عنه، نحوه. # وروى الزبير بن بكار عن عبد الله بن أبي بكر قال: «ارتبط أبو لبابة إلى ~~جذع من جذوع المسجد بسلسلة بضع عشرة ليلة، فكانت ابنته تأتيه عند كل صلاة ~~فتحله فيتوضأ، وهي الأسطوان المخلق نحو من ثلثها يدعى أسطوان التوبة، ومنها ~~حل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا لبابة حين نزلت توبته»، وبينها ~~وبين القبر أسطوان، وكان مالك يقول: الجدار من المشرق في حد القناديل التي ~~بين الأساطين التي في وصفها أسطوان التوبة وبين الأساطين التي تلي القبر. # وهذا غريب من رواية الزبير عن مالك، وجمع الروايات نص عن مالك في أن ~~الآية نزلت في ذلك. # PageV02P579 ### | [مسألة تصدق الرجل بجميع ماله] # المسألة السادسة: قال مالك - رضي الله عنه -: إذا تصدق الرجل بجميع ماله ~~أجزأه إخراج الثلث. # وقال الشافعي وأبو حنيفة: يلزمه إخراج الكل، وتعلق مالك بقصة أبي لبابة ~~في أن رده إليه من الجميع إلى الثلث، وهذا كان قويا لولا أنه قال لكعب بن ~~مالك: أمسك عليك بعض مالك من غير تحديد، وهو أصح من حديث أبي لبابة. # وقد ناقض علماؤنا؛ فقالوا: إنه إذا كان ماله معينا دابة أو دارا أو ضيعة ~~فتصدق بجميعها مضى، وهذه صدقة بالكل، فتخمش وجه المسألة، ولم يتبلج منه ~~وضح، وقد أشرنا إليها في مسائل الخلاف، والحق يعود صدقة الكل عليه، والله ~~أعلم. ### | [الآية السابعة والثلاثون قوله تعالى ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده] # ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم} [التوبة: 104]. # هذه الآية نص صريح في أن الله هو الآخذ للصدقات، وأن الحق لله، والنبي ~~واسطة، فإن توفي فعامله هو الواسطة، والله حي لا يموت، فلا يبطل حقه كما ~~قالت المرتدة. # وفي الحديث الصحيح: «إن الصدقة لتقع في كف الرحمن قبل أن تقع في كف ~~السائل فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله، والله يضاعف لمن يشاء». # وكنى بكف الرحمن عن القبول؛ إذ كل قابل لشيء يأخذه بكفه، أو يوضع له فيه، ~~كما كنى بنفسه عن ms0904 المريض تعطفا عليه بقول: " يقول الله عبدي مرضت فلم تعدني ~~" حسبما تقدم بيانه. ### | [الآية الثامنة والثلاثون قوله تعالى والذين اتخذوا مسجدا ضرارا] # وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن ~~إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون} [التوبة: 107]. # PageV02P580 # فيها ست مسائل: # المسألة الأولى: ذم الله تعالى المنافقين والمقصرين في هذه السورة في ~~آيات جملة، ثم طبقهم طبقات عموما وخصوصا، فقال: {الأعراب أشد كفرا} ~~[التوبة: 97]. # وقال: {ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما} [التوبة: 98]. # {ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات} [التوبة: ~~99]؛ وهذا مدح يتميز به الفاضل من الناقص والمحق من المبطل، ثم ذكر ~~السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، ثم قال: {وممن حولكم من الأعراب ~~منافقون} [التوبة: 101]. # وقال: {ومن أهل المدينة مردوا على النفاق} [التوبة: 101] أي استمروا عليه ~~وتحققوا به. # وقال: وآخرون يعني على التوسط خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، ثم قال: ~~{وآخرون مرجون لأمر الله} [التوبة: 106] وهم نحو من سبعة، منهم أبو لبابة، ~~وكعب، ومرارة، وهلال، جعلهم تحت المشيئة ورجأهم بالتوبة، مشيرا إلى المغفرة ~~والرحمة، ثم قال: {والذين اتخذوا مسجدا ضرارا} [التوبة: 107]. # أسقط ابن عامر ونافع منهما الواو، كأنه رده إلى من هو أهل ممن تقدم ذكره، ~~وزاد غيرهما الواو، كأنه جعلهم صنفا آخر. # وقد قيل: إن إسقاط الواو تجعله مبتدأ، وليس كذلك؛ بل هو لما تقدم وصف، ~~ولن يحتاج إلى إضمار، وقد مهدناه في الملجئة. ### | [مسألة سبب نزول آية والذين اتخذوا مسجدا ضرارا] # المسألة الثانية: في سبب نزول الآية: روي «أن اثني عشر رجلا من المنافقين ~~كلهم ينتمون إلى الأنصار بني عمرو بن عوف بنوا مسجدا ضرارا بمسجد قباء، ~~وجاءوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو خارج إلى تبوك، فقالوا: يا ~~رسول الله، قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة، وإنا نحب أن ~~تأتينا وتصلي فيه لنا. فقال النبي: إني على جناح سفر وشغل، ولو قدمنا إن ~~شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه. # PageV02P581 # فلما نزل النبي - صلى الله ms0905 عليه وسلم - بقرب المدينة راجعا من سفره أرسل ~~قوما لهدمه، فهدم وأحرق». ### | [مسألة معنى قوله تعالى ضرارا] # المسألة الثالثة: قوله تعالى {ضرارا} [التوبة: 107]: قال المفسرون: ضرارا ~~بالمسجد، وليس للمسجد ضرار، إنما هو ضرار لأهله. # المسألة الرابعة: قوله: {وكفرا} [التوبة: 107]: لما اتخذوا المسجد ضرارا ~~لاعتقادهم أنه لا حرمة لمسجد قباء ولا لمسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كفروا بهذا الاعتقاد. ### | [مسألة هل تصلي جماعتان في مسجد واحد] # المسألة الخامسة: قوله: {وتفريقا بين المؤمنين} [التوبة: 107]: يعني أنهم ~~كانوا جماعة واحدة في مسجد واحد، فأرادوا أن يفرقوا شملهم في الطاعة، ~~وينفردوا عنهم للكفر والمعصية، وهذا يدلك على أن المقصد الأكثر والغرض ~~الأظهر من وضع الجماعة تأليف القلوب، والكلمة على الطاعة، وعقد الذمام ~~والحرمة بفعل الديانة، حتى يقع الأنس بالمخالطة؛ وتصفو القلوب من وضر ~~الأحقاد والحسادة. # ولهذا المعنى تفطن مالك - رضي الله عنه - حين قال: " إنه لا تصلي جماعتان ~~في مسجد واحد، ولا بإمامين، ولا بإمام واحد " خلافا لسائر العلماء، وقد روي ~~عن الشافعي المنع حيث كان ذلك تشتيتا للكلمة، وإبطالا لهذه الحكمة، وذريعة ~~إلى أن نقول: من أراد الانفراد عن الجماعة كان له عذر، فيقيم جماعته، ويقيم ~~إمامته؛ فيقع الخلاف، ويبطل النظام، وخفي ذلك عليهم، وهكذا كان شأنه معهم، ~~وهو أثبت قدما منهم في الحكمة، وأعلم بمقاطع الشريعة. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل] # المسألة السادسة: قوله تعالى {وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل} ~~[التوبة: 107]: يقال: أرصدت كذا لكذا إذا أعددته مرتقبا له، والخبر بهذا ~~القول عن أبي عامر الراهب، سماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبو عامر ~~الفاسق، كان قد حزب الأحزاب لرسول الله # PageV02P582 # - صلى الله عليه وسلم - وجاء معهم يوم الخندق، فلما خذله الله لحق بالروم ~~يطلب النصر من ملكهم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكتب إلى أهل ~~مسجد الضرار، يأمرهم ببناء المسجد المذكور، ليصلي فيه إذا رجع، وأن يستعدوا ~~قوة وسلاحا؛ وليكون فيه اجتماعهم للطعن على رسول الله - صلى الله عليه ms0906 وسلم ~~- وأصحابه، فأطلعه الله على أمرهم، وأرسل لهدمه وحرقه، ونهاه عن دخوله، ~~فقال وهي: ### | [الآية التاسعة والثلاثون قوله تعالى لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم] # الآية التاسعة والثلاثون {لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول ~~يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين} ~~[التوبة: 108]. فيها سبع مسائل: # المسألة الأولى: قوله تعالى {أبدا} [التوبة: 108]: ظرف زمان، وظروف ~~الزمان على قسمين: ظرف مقدر كاليوم والليلة، وظرف مبهم على لغتهم، ومطلق ~~على لغتنا؛ كالحين والوقت. # والأبد من هذا القسم، وكذلك الدهر، وقد بيناه في المشكلين وشرح الصحيحين، ~~وملجئة المتفقهين، بيد أنا نشير فيه هاهنا إلى نكتة من تلك الجمل، وهي أن " ~~أبدا " وإن كان ظرفا مبهما لا عموم فيه، ولكنه إذا اتصل بالنهي أفاد ~~العموم، لا من جهة مقتضاه، ولكن من جهة النهي فإنه لو قال: لا تقم فيه لكفى ~~في الانكفاف المطلق، فإذا قال " أبدا " فكأنه قال: لا تقم في وقت من ~~الأوقات، ولا في حين من الأحيان، وقد فهم ذلك أهل اللسان، وقضى به فقهاء ~~الإسلام، فقالوا: لو قال رجل لامرأته: أنت طالق أبدا طلقت طلقة واحدة. ### | [مسألة معنى قوله تعالى لمسجد أسس على التقوى] # المسألة الثانية: قوله تعالى: {لمسجد أسس على التقوى} [التوبة: 108]: ~~اختلف فيه، فقيل: هو مسجد قباء؛ يروى عن جماعة منهم ابن عباس، والحسن. # وتعلقوا بقوله: {من أول يوم} [التوبة: 108] ومسجد قباء كان في أول يوم ~~أسس بالمدينة. # PageV02P583 # وقيل: هو مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ قاله ابن عمر، وابن ~~المسيب. # وقال ابن وهب عن مالك وأشهب عنه قال مالك: المسجد الذي ذكر الله أنه أسس ~~على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه هو مسجد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ إذ كان يقوم رسول الله ويأتيه أولئك من هنالك. # وقال الله تعالى: {وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما} ~~[الجمعة: 11] هو مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فنزع ms0907 مالك باستواء ~~اللفظين؛ فإنه قال في ذلك تقوم فيه. # وقال في هذا قائما؛ فكانا واحدا، وهذه نزعة غريبة، وكذلك روى عنه ابن ~~القاسم أنه مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وقد روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال: «تمارى رجلان في المسجد الذي ~~أسس على التقوى من أول يوم؛ فقال رجل: هو مسجد قباء؛ وقال آخر: هو مسجد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~هو مسجدي هذا». قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح، وجزم مسلم أيضا بمثله. # فإن قيل، وهي: المسألة الثالثة: فقوله: {فيه فيه} [التوبة: 108]: ضميران ~~يرجعان إلى مضمر واحد بغير نزاع، وضمير الظرف الذي يقتضي الرجال المتطهرين ~~هو مسجد قباء؛ فذلك الذي أسس على التقوى، وهو مسجد قباء. # والدليل على أن ضمير الرجال المتطهرين هو ضمير مسجد قباء حديث أبي هريرة؛ ~~قال: نزلت هذه الآية في أهل قباء: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا} [التوبة: ~~108]. # قال: كانوا يستنجون بالماء، فنزلت هذه الآية فيهم. # وقال قتادة: «لما نزلت هذه الآية قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل ~~قباء: إن الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور؛ فما تصنعون؟ فقالوا: إنا ~~نغسل أثر الغائط والبول بالماء». # PageV02P584 # قلنا: هذا حديث لم يصح. والصحيح هو الأول. # وقد اختلف في الطهارة المثنى بها على أقوال لا تعلق لها بما نحن فيه، ~~كالتطهر بالتوبة من وطء النساء في أدبارهن وشبهه. # فأما قوله: {من أول يوم} [التوبة: 108] فإنما معناه أنه أسس على التقوى ~~من أول مبتدأ تأسيسه أي لم يشرع فيه، ولا وضع حجر على حجر منه إلا على ~~اعتقاد التقوى. # والذين كانوا يتطهرون، وأثنى الله عليهم جملة من الصحابة كانوا يحتاطون ~~على العبادة والنظافة، فيمسحون من الغائط والبول بالحجارة تنظيفا لأعضائهم، ~~ويغتسلون بالماء تماما لعبادتهم، وكمالا لطاعتهم. ### | [من أحب الطهارة وآثر النظافة] # المسألة الرابعة: هذا ثناء من الله تعالى على من أحب الطهارة، وآثر ~~النظافة، وهي مروءة آدمية، ووظيفة شرعية روى الترمذي وصححه عن عائشة أنها ~~قالت: ms0908 " مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء فإني أستحييهم ". # وفي الصحيح «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحمل معه الماء في ~~الاستنجاء، فكان يستعمل الحجارة تخفيفا، والماء تطهيرا»، واللازم في نجاسة ~~المخرج التخفيف، وفي نجاسة سائر البدن أو الثوب التطهير؛ وتلك رخصة من الله ~~تعالى لعباده في حالتي وجود الماء وعدمه. # وبه قال عامة العلماء. # وقال ابن حبيب: لا يستجمر بالأحجار إلا عند عدم الماء. # وفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى. # وقد بيناه في شرح الصحيحين ومسائل الخلاف. # وأما إن كانت النجاسة على البدن أو الثوب فلعلمائنا فيها ثلاثة أقوال: # PageV02P585 # فقال عنه ابن وهب: يجب غسلها بالماء في حالتي الذكر والنسيان؛ وبه قال ~~الشافعي. # وقال أشهب عنه: ذلك مستحب غير واجب؛ وبه قال أبو حنيفة في تفصيل الحالين ~~جميعا. # وقال ابن القاسم عنه: يجب في حالة الذكر دون النسيان؛ وهي من مفرداته. # والدليل على الوجوب المطلق قوله تعالى {وثيابك فطهر} [المدثر: 4]؛ فأمره ~~الله بطهارة ثيابه حتى إن أتته العبادة وجدته على حالة مهيأة لأدائها. # وقد قال قوم: إن الثياب كناية، وذلك دعوى لا يلتفت إليها. # واحتج أبو حنيفة على سقوط طهارتها بأن الاستنجاء لو كان واجبا لغسل ~~بالماء؛ فإن الحجر لا يزيله. # قلنا: هذه رخصة من الله أمر بها، وعفا عما وراءها. # وأما الفرق بين حال الذكر والنسيان ففي مسائل الخلاف برهانه، وهو متعلق ~~بأن رفع المؤاخذة في سورة البقرة على ما بيناه في الخلافيات. # المسألة الخامسة: بنى أبو حنيفة هذه المسألة على حرف، فقال: إن النجاسة ~~إذا كانت كثيرة وجبت إزالتها، وإذا كانت قليلة لم تجب إزالتها، وفرق بين ~~القليل والكثير بقدر الدرهم البغلي يعني كبار الدراهم التي هي على قدر ~~استدارة الدينار، قياسا على المسربة. # وهذا باطل من وجهين: أحدهما: أن المقدرات عنده لا تثبت قياسا؛؛ فلا يقبل ~~هذا التقدير منه. # الثاني: أن هذا الذي خفف عنه في المسربة رخصة للضرورة والحاجة، والرخص لا ~~يقاس عليها، فإنها خارجة عن القياس: فلا ترد إليه. # PageV02P586 ### | [مسألة معنى قوله تعالى أحق] ms0909 # المسألة السادسة: قوله تعالى: {أحق} [التوبة: 108]: هو أفعل من الحق، ~~وأفعل لا يدخل إلا بين شيئين مشتركين، لأحدهما في المعنى الذي اشتركا فيه ~~مزية على الآخر، فيحلى بأفعل، وأحد المسجدين وهو مسجد الضرار باطل لا حظ ~~للحق فيه، ولكن خرج هذا على اعتقاد بانيه أنه حق، واعتقاد أهل مسجد النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أو قباء أنه حق، فقد اشتركا في الحق من جهة الاعتقاد، ~~لكن أحد الاعتقادين باطل عند الله، والآخر حق باطنا وظاهرا، وهو كثير ~~كقوله: {أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا} [الفرقان: 24]: يعني من ~~أهل النار. # ولا خير في مقر النار ولا مقيلها، ولكنه جرى على اعتقاد كل فرقة أنها على ~~خير، وأن مصيرها إليه؛ إذ كل حزب في قضاء الله بما لديهم فرحون، حتى يتميز ~~بالدليل لمن عضد بالتوفيق في الدنيا، أو بالعيان لمن ضل في الآخرة، وقد جاء ~~بعد هذا: ### | [الآية الموفية أربعين قوله تعالى أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير] # أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي ~~القوم الظالمين} [التوبة: 109]. # وهي الآية الموفية أربعين. # ومعناه: أفمن أسس بنيانه على اعتقاد تقوى حقيقة خير أم من أسس بنيانه على ~~شفا جرف هار؟ وإن كان قصد به التقوى، وليس من هذا القبيل: العسل أحلى من ~~الخل، فإن الخل حلو، كما أن العسل حلو؛ وكل شيء ملائم فهو حلو، ولذلك يقال: ~~احلولى العشق، أي كان حلوا، لكونه إما على مقتضى اللذة أو موافقة الأمنية؟ ~~ألا ترى أن من الناس من يقدم الخل على العسل، مفردا بمفرد ومضافا إلى غيره ~~بمضاف. # المسألة الأولى: قوله تعالى {فانهار به في نار جهنم} [التوبة: 109]: قيل: ~~إنه حقيقة، «وإن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ أرسل إليه فهدم رئي ~~الدخان يخرج منه»، من رواية سعيد بن جبير وغيره: حتى رئي الدخان في زمان ~~أبي جعفر المنصور. # PageV02P587 # وقيل: هذا مجاز، المعنى أن مآله إلى نار جهنم، فكأنه انهار إليه، وهوى ms0910 ~~فيه. # وهذا كقوله: {فأمه هاوية} [القارعة: 9] إشارة إلى أن النار تحت، كما أن ~~الجنة فوق. # وقال جابر بن عبد الله: أنا رأيت الدخان يخرج منه على عهد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، ولو صح هذا لكان جابر رافعا للإشكال. # وهذا يدل على أن كل شيء ابتدئ بنية تقوى الله، والقصد لوجهه الكريم، فهو ~~الذي يبقى، ويسعد به صاحبه، ويصعد إلى الله ويرفع إليه، ويخبر عنه بقوله: ~~{ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} [الرحمن: 27] على أحد الوجهين، ويخبر ~~عنه أيضا بقوله: {والباقيات الصالحات خير عند ربك} [الكهف: 46]. ### | [الآية الحادية والأربعون قوله تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم] # بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في ~~التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي ~~بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم} [التوبة: 111] {التائبون العابدون ~~الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ~~والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين} [التوبة: 112]. # فيها اثنتا عشرة مسألة: # المسألة الأولى: روي «أن عبد الله بن رواحة قال للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: اشترط لربك ولنفسك ما شئت. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~أشترط لربي أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما ~~تمنعون منه أنفسكم وأموالكم. قال: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: الجنة. ~~قال: ربح البيع. قال: لا نقيل ولا نستقيل فنزلت: {إن الله اشترى من ~~المؤمنين أنفسهم} [التوبة: 111]». وهذا مما لا يوجد صحيحا. # PageV02P588 # وقد روي عن الشعبي أنه قال: «ذهب النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة ~~العقبة، وذهب معه العباس بن عبد المطلب، فقال العباس: تكلموا يا معشر ~~الأنصار، وأوجزوا؛ فإن علينا عيونا قال الشعبي: فخطب أبو أمامة أسعد بن ~~زرارة خطبة ما خطب المرد ولا الشيب مثلها قط. فقال: يا رسول الله؛ اشترط ~~لربك، واشترط لنفسك، واشترط لأصحابك. قال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا ~~به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني ما تمنعون منه أنفسكم وأهليكم، وأشترط ~~لأصحابي المواساة في ms0911 ذات أيديكم. قالوا: هذا لك، فما لنا؟ قال: الجنة. قال: ~~ابسط يدك». وهذا وإن كان مقطوعا فإن معناه ثابت من طرق. ### | [مسألة معاملة السيد مع عبده] # المسألة الثانية: في هذه الآية جواز معاملة السيد مع عبده، وإن كان الكل ~~للسيد، لكن إذا ملكه وعامله فيما جعل إليه وتاجره بما ملكه من ملكه، فإن ~~الجنة لله، والعباد بأنفسهم وأموالهم لله، وأمرهم بإتلافها في طاعته، ~~وإهلاكها في مرضاته، وأعطاهم الجنة عوضا عنها إذا فعلوا ذلك فيها. # وهو عوض عظيم، لا يدانيه معوض ولا يقاس به؛ ولهذا يروى عن ابن عباس أنه ~~لما قرأ هذه الآية قال: " ثامنهم والله وأغلى الثمن "، يريد أنه أعطاهم ~~أكثر مما يجب لهم في حكم المتاجرة، ولم يأت الربح على مقدار الشراء؛ بل زاد ~~عليه وأربى. ### | [مسألة كما أن الله اشترى من المؤمنين البالغين المكلفين كذلك اشترى من الأطفال] # المسألة الثالثة: قال علماؤنا: كما اشترى من المؤمنين البالغين المكلفين ~~كذلك اشترى من الأطفال، فآلمهم وأسقمهم؛ لما في ذلك من المصلحة، وما فيه من ~~الاعتبار للبالغين، والثواب للوالدين والكافلين فيما ينالهم من الهم، ~~ويتعلق بهم من التربية والكفالة؛ وهذا بديع في بابه موافق لما تقدم قبله؛ ~~فإن البالغ يمشي إلى القتل مختارا، والطفل يناله الألم اقتسارا. ### | [مسألة الجهاد ومحاربة الأعداء إنما أصله من عهد موسى] # المسألة الرابعة: قوله: {يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه ~~حقا في التوراة والإنجيل والقرآن} [التوبة: 111]: إخبار من الله أن هذا كان ~~في هذه الكتب، وقد تقدمت الإشارة إليه، وقلنا: إن الجهاد ومحاربة الأعداء ~~إنما أصله من عهد موسى، فسبحان الفعال لما يريد. # PageV02P589 ### | [مسألة العهد يتضمن الوفاء والوعد والوعيد] # المسألة الخامسة: قال: {ومن أوفى بعهده من الله} [التوبة: 111]: العهد ~~يتضمن الوفاء والوعد والوعيد، ولا بد من وفاء الباري تعالى بالكل، فأما ~~وعده فللجميع، وأما وعيده فمخصوص ببعض المذنبين وببعض الذنوب، وفي بعض ~~الأحوال، فينفذ كذلك. # وقد فات علماءنا هذا المقدار على ما بيناه في كتب الأصول. . ### | [مسألة معنى قوله تعالى التائبون] # المسألة السادسة: ms0912 قوله: {التائبون} [التوبة: 112]: الراجعون عن الحالة ~~المذمومة في معصية الله إلى الحالة المحمودة في طاعة الله. # والعابدون: هم الذين قصدوا بطاعتهم وجهه. # والحامدون: هم الراضون بقضائه، والمصرفون نعمته في طاعته. # والسائحون: هم الصائمون في هذه الملة، حتى فسد الزمان فصارت السياحة ~~الخروج من الأرض عن الخلق، لعموم الفساد وغلبة الحرام، وظهور المنكر، ولو ~~وسعتني الأرض لخرجت فيها، لكن الفساد قد غلب عليها، ففي كل واد بنو نحس، ~~فعليك بخويصة نفسك ودع أمر العامة. # الراكعون الساجدون هم القائمون بالفرض من الصلاة، الآمرون بالمعروف، ~~والناهون عن المنكر، المغيرون للشرك فما دونه من المعاصي، والآمرون ~~بالإيمان فما دونه من الطاعات على ما تقدم من شروطه. # الحافظون لحدود الله: خاتمة البيان وعموم الاشتمال لكل أمر ونهي. # وقوله: {وبشر المؤمنين} [التوبة: 112] بثوابي إذا كانوا على هذه الصفة، ~~ثم بذلوا أنفسهم في طاعتي للقتل؛ فحينئذ تكون سلعة مرغوبا فيها تمتد إليها ~~الأطماع، وتدخل في جملة التجارات والمتاع، فأما نفس لا تكون هكذا، ولا ~~تتحلى بهذه الحلى فلا يبذل فيها فلس، فكيف الجنة؟ لكن من معه أصل الإيمان ~~فهو مبشر على قدره بعدم الخلود في النار، ومن استوفى هذه الصفات فله الفوز ~~قطعا، ومن خلط فلا يقنط ولا يأمن، وليمس تائبا، ويصبح تائبا، فإن لم يقدر ~~فسائلا للتوبة، فإن سؤالها درجة عظيمة، حتى يمن الله بحصولها. # فهذه سبع مسائل تمام اثنتي عشرة في الآية. والله أعلم. # PageV02P590 ### | [الآية الثانية والأربعون قوله تعالى ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين] # ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} [التوبة: ~~113] {وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له ~~أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم} [التوبة: 114]. # فيها ست مسائل: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: الأولى: ثبت في الصحيح عن سعيد بن المسيب ~~عن أبيه قال: «لما حضر أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية فقال: يا عم؛ ms0913 قل لا إله إلا ~~الله كلمة أحاج لك بها عند الله. فقال له أبو جهل، وعبد الله بن أبي أمية: ~~أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء تكلم به: أنا ~~على ملة عبد المطلب. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لأستغفرن لك ما لم ~~أنه عنك. فنزلت: {ما كان للنبي والذين آمنوا} [التوبة: 113] ونزلت: {إنك لا ~~تهدي من أحببت} [القصص: 56]». الثاني: روي عن عمرو بن دينار أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «استغفر إبراهيم لأبيه، وهو مشرك، فلا أزال أستغفر ~~لأبي طالب حتى ينهاني عنه ربي. فقال أصحابه: لنستغفرن لآبائنا كما استغفر ~~النبي لعمه، فأنزل الله: {ما كان للنبي والذين آمنوا} [التوبة: 113] إلى: ~~{تبرأ منه} [التوبة: 114]». # PageV02P591 # الثالثة: روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أتى مكة أتى رضما من ~~حجارة أو رسما أو قبرا، فجلس إليه، ثم قام مستغفرا. فقال: إني استأذنت ربي ~~في زيارة قبر أمي، فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها، فلم يأذن لي فما ~~رئي باكيا أكثر من يومئذ». # وروي «أنه وقف عند قبرها حتى سخنت عليه الشمس رجاء أن يؤذن له فيستغفر ~~لها، حتى نزلت: {ما كان للنبي} [التوبة: 113] إلى قوله: {تبرأ منه} ~~[التوبة: 114]». # الرابعة: روى ابن عباس «أن رجالا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قالوا له: يا رسول الله؛ إن من آبائنا من كان يحسن الجوار، ويصل الأرحام، ~~أفلا نستغفر لهم؟ فأنزل الله: {ما كان للنبي} [التوبة: 113]». # الخامسة: روي عن علي قال: «سمعت رجلا يستغفر لأبويه، فقلت: تستغفر لهما، ~~وهما مشركان؟ فقال: أولم يستغفر إبراهيم لأبيه، فذكرته لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فنزلت: {ما كان للنبي} [التوبة: 113]». وهذه أضعف ~~الروايات. # المسألة الثانية: قوله تعالى {ما كان للنبي والذين آمنوا} [التوبة: 113]: ~~دليل على أحد أمرين: إما أن تكون الرواية الثانية صحيحة، فنهى الله النبي ~~والمؤمنين. # وإما أن تكون الرواية الأولى هي الصحيحة ويخبر به عما فعل النبي، وينهى ~~المؤمنون أن يفعلوا مثله، تأكيدا للخبر؛ وسائر الروايات ms0914 محتملات. ### | [مسألة طلب المغفرة للمشركين] # المسألة الثالثة: منع الله رسوله والمؤمنين من طلب المغفرة للمشركين؛ ~~لأنه قد قدر ألا تكون؛ وأخبر عن ذلك، وسؤال ما قدر أنه لا يفعله، وأخبر عنه ~~هنا. # فإن قيل: فقد «قال النبي - صلى الله عليه وسلم - حين كسروا رباعيته، ~~وشجوا وجهه: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». فسأل المغفرة لهم. # PageV02P592 # قلنا: عنه أربعة أجوبة: # الأول: يحتمل أن يكون ذلك قبل النهي، وجاء النهي بعده. # الثاني: أنه يحتمل أن يكون ذلك سؤالا في إسقاط حقه عندهم، لا لسؤال إسقاط ~~حقوق الله، وللمرء أن يسقط حقه عند المسلم والكافر. # الثالث: أنه يحتمل أن يطلب المغفرة لهم؛ لأنهم أحياء، مرجو إيمانهم، يمكن ~~تألفهم بالقول الجميل، وترغيبهم في الدين بالعفو عنهم. فأما من مات فقد ~~انقطع منه الرجاء. # الرابع: أنه يحتمل أن يطلب لهم المغفرة في الدنيا برفع العقوبة عنهم حتى ~~إلى الآخرة، كما قال الله: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله ~~معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33]. ### | [مسألة القرابة الموجبة للشفقة] # المسألة الرابعة: قوله: {ولو كانوا أولي قربى} [التوبة: 113]: بيان أن ~~القرابة الموجبة للشفقة جبلة، وللصلة مروءة تمنع من سؤال المغفرة بعد ما ~~تبين لهم أنهم من أهل النار. # قال القاضي الإمام: هذا إن صح الخبر، وإلا فالصحيح فيه أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ذكر نبيا قبله شجه قومه، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- يخبر عنه بأنه قال: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». خرجه البخاري ~~وغيره. ### | [مسألة استغفار إبراهيم لأبيه] # المسألة الخامسة: قال الله تعالى مخبرا عن إبراهيم: {سأستغفر لك ربي إنه ~~كان بي حفيا} [مريم: 47] فتعلق بذلك النبي في الاستغفار لأبي طالب، إما ~~اعتقادا، وإما نطقا بذلك، كما ورد في الرواية الثانية؟ فأخبره الله أن ~~استغفار إبراهيم لأبيه كان عن وعد قبل تبين الكفر منه؛ فلما تبين الكفر منه ~~تبرأ منه، فكيف تستغفر أنت يا محمد لعمك، وقد شاهدت موته كافرا؟: # PageV02P593 ### | [مسألة هل حال المرء عند الموت يحكم عليه به في الباطن] # المسألة ms0915 السادسة: وظاهر حال المرء عند الموت يحكم عليه به في الباطن، فإن ~~مات على الإيمان حكم له بالإيمان، وإن مات على الكفر حكم له بالكفر، وربك ~~أعلم بباطن حاله، بيد «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له العباس: يا ~~رسول الله؛ هل نفعت عمك بشيء، فإنه كان يحوطك ويحميك؟ قال: سألت ربي له، ~~فجعله في ضحضاح من النار تغلي منه دماغه، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل». # وهذه شفاعة في تخفيف العذاب، وهي الشفاعة الثانية، وهذا هو أحد القولين ~~في قوله: فلما تبين له أنه عدو لله يعني بموته كافرا تبرأ منه. # وقيل: تبين له في الآخرة. # والأول أظهر. # وقد قال عطاء: ما كنت لأمتنع من الصلاة على أمة حبشية حبلى من الزنا، ~~فإني رأيت الله لم يحجب الصلاة إلا عن المشركين، فقال: {ما كان للنبي ~~والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} [التوبة: 113]. # وصدق عطاء؛ لأنه تبين من ذلك أن المغفرة جائزة لكل مذنب؛ فالصلاة عليهم، ~~والاستغفار لهم حسنة؛ وفي هذا رد على القدرية؛ لأنهم لا يرون الصلاة على ~~العصاة، ولا يجوز عندهم أن يغفر الله لهم؛ فلم يصل عليهم، وهذا ما لا جواب ~~لهم عنه. . ### | [الآية الثالثة والأربعون قوله تعالى لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار] # الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب ~~عليهم إنه بهم رءوف رحيم} [التوبة: 117]. # فيها خمس مسائل: # PageV02P594 # المسألة الأولى: توبة الله على النبي رده من حالة الغفلة إلى حالة الذكر، ~~وتوبة المهاجرين والأنصار رجوعهم من حالة المعصية إلى حالة الطاعة، ~~وانتقالهم من حالة الكسل إلى حالة النشاط، وخروجهم عن صفة الإقامة والقعود ~~إلى حالة السفر والجهاد. # المسألة الثانية: وتوبة الله تكون على ثلاثة أقسام: دعاؤه إلى التوبة، ~~يقال: تاب الله على فلان، أي دعاه، ويقال: تاب الله عليه: يسره للتوبة، وقد ~~يكون خبرا، وقد يكون دعاء. # ويقال: تاب عليه: ثبته عليها، ويقال: تاب عليه: قبل توبته؛ وذلك كله ~~صحيح، وقد جمع لهؤلاء ذلك كله، ويفترق ms0916 في سائر الناس؛ فمنهم من يدعوه إلى ~~التوبة لإقامة الحجة عليه ولا ييسرها له، ومنهم من يدعوه إليها وييسرها ولا ~~يديمها، فإن دامت إلى الموت فهي مقبولة قطعا. ### | [مسألة معنى قوله تعالى في ساعة العسرة] # المسألة الثالثة: قوله تعالى {في ساعة العسرة} [التوبة: 117]: يعني جيش ~~تبوك؛ خرج الناس إليها في جهد وحر ورجلة وعري وحفاء، حتى لقد روي في قوله: ~~{ما على المحسنين من سبيل} [التوبة: 91]. # {ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه} [التوبة: ~~92] أنهم طلبوا نعالا. # وفي الحديث: «لا يزال الرجل راكبا ما انتعل». ### | [مسألة معنى قوله تعالى من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم] # المسألة الرابعة: قوله: {من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم} [التوبة: ~~117]: أما هذا فليس للنبي فيه مدخل باتفاق من الموحدين، أما أنه قد قيل: ~~إنه يدخل في التوبة من إذنه للمنافقين في التخلف فعذره الله في إذنه لهم، ~~وتاب عليه وعذره، وبين للمؤمنين صواب فعله بقوله: {لو خرجوا فيكم ما زادوكم ~~إلا خبالا} [التوبة: 47] إلى: {الفتنة} [التوبة: 47]. # PageV02P595 # وأما غير النبي فكاد تزيغ قلوب فريق منهم ببقائهم بعده، كأبي حثمة وغيره، ~~بإرادتهم الرجوع من الطريق حين أصابهم الجهد، واشتد عليهم العطش، حتى نحروا ~~إبلهم، وعصروا كروشها، فاستسقى رسول الله، فنزل المطر؛ ولهذا جاز للإمام ~~وهي: المسألة الخامسة: أن يأذن لمن اعتذر إليه أخذا بظاهر الحال، ورفقا ~~بالخلق، اقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم -. ### | [الآية الرابعة والأربعون قوله تعالى وعلى الثلاثة الذين خلفوا] # حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ ~~من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم} [التوبة: ~~118]. فيها أربع مسائل: المسألة الأولى: قال ابن وهب: قال مالك: إن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - خرج في غزوة تبوك حين طابت الثمار، وبرد ~~الظلال، وخرج في حر شديد، وهي العسرة التي افتضح فيها الناس، وكان كعب بن ~~مالك قد تخلف، ورجل من بني عمرو بن ms0917 عوف، وآخر من بني واقد. # وخرج رجل مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يسقي وديا له، فقيل ~~له: كيف لك بسقي وديك هذا، فقال: الغزو خير من الودي، فرجع، وقد أصلح الله ~~وديه، فلما رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه هجروا كعبا ~~وصاحبيه، ولم يعتذروا للنبي - صلى الله عليه وسلم - واعتذر غيرهم. # قال: فأقام كعب وصاحباه لم يكلمهم أحد، وكان كعب يدخل على الرجل في ~~الحائط، فيقول له: أنشدك الله، أتعلم أني أحب الله ورسوله؟ فيقول: الله ~~ورسوله أعلم. # المسألة الثانية: هؤلاء الثلاثة هم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، ~~وهلال بن أمية. كما تقدم. # PageV02P596 # «لما رجع رسول الله مقفله من تبوك، ودخل المسجد جاء من تخلف عنه يعتذرون ~~إليه، وهم ثمانون رجلا، فقبل النبي ظاهر حالهم، ووكل سرائرهم إلى الله، إلا ~~هؤلاء الثلاثة، فإنهم صدقوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -». # «قال كعب في حديثه: حتى جئت فسلمت عليه، فتبسم تبسم المغضب، ثم قال لي: ~~تعال فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقلت له: والله ما كان لي عذر. فقال: ~~أما هذا فقد صدق، فقم، حتى يقضي الله فيك. قال كعب: ونهى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عن كلامنا أيها الثلاثة، من بين من تخلف عنه، قال: فاجتنبنا ~~الناس، أو قال: تغيروا لنا حتى تنكرت لي نفسي، والأرض حتى ما هي بالأرض ~~التي كنت أعرف، كما قال الشاعر: # فما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الأرض بالأرض التي كنت أعرف # وساق الحديث إلى قوله: وصليت الصبح صبيحة خمسين ليلة، وأنا كما قال الله: ~~{حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم} [التوبة: 118]. ~~إذا صارخ يصرخ أوفى على ظهر جبل سلع يقول بأعلى صوته: أبشر يا كعب بن مالك، ~~أبشر، فخررت ساجدا» وساق الحديث. # وفيه دليل على أن للإمام أن يعاقب المذنب بتحريم كلامه على الناس أدبا ~~له، وهكذا في الإنجيل، وهي: المسألة الثالثة: وعلى تحريم أهله عليه، وهي: ~~المسألة الرابعة: والحديث مطول، وفيه فقه ms0918 كثير قد أوردناه في شرح الحديث ~~عليكم، والله ينفعنا وإياكم. # PageV02P597 ### | [الآية الخامسة والأربعون قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين] # } [التوبة: 119]. فيها أربع مسائل: المسألة الأولى: في تفسير الصادقين: ~~وفيه ثمانية أقوال: # الأول: أنهم الذين استوت ظواهرهم وبواطنهم. # الثاني: أنهم الذين قال الله فيهم: {ليس البر أن تولوا وجوهكم} [البقرة: ~~177] إلى قوله تعالى {المتقون} [البقرة: 177]. # الثالث: أنهم المهاجرون؛ وقد روي كما قدمنا أن أبا بكر قال للأنصار يوم ~~سقيفة بني ساعدة: إن الله سمانا الصادقين؛ فقال: {للفقراء المهاجرين} ~~[الحشر: 8] إلى قوله تعالى {هم الصادقون} [الحشر: 8] ثم سماكم المفلحين، ~~فقال: {والذين تبوءوا الدار} [الحشر: 9]. وقد أمركم الله أن تكونوا معنا ~~حيث كنا، فقال: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} ~~[التوبة: 119]. # الرابع: أن الصادقين هم المسلمون، والمخاطبون هم المؤمنون من أهل الكتاب. # الخامس: الصادقون هم الموفون بما عاهدوا، وذلك بقوله تعالى: {رجال صدقوا ~~ما عاهدوا الله عليه} [الأحزاب: 23]. # السادس: هم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه يعني أبا بكر، وعمر؛ أو ~~السابقون الأولون، وهو السابع. # الثامن: هم الثلاثة الذين خلفوا. # المسألة الثانية: في تحقيق هذه الأقوال: أما الأول: فهو الحقيقة والغاية ~~التي إليها المنتهى في هذه الصفة، وبها يرتفع النفاق # PageV02P598 # في العقيدة، والمخالفة في الفعل، وصاحبها يقال له صديق، وهي في أبي بكر ~~وعمر، ومن دونهما على منازلهم وأزمانهم. # وأما من قال بالثاني: فهو معظم الصدق، ومن أتى المعظم فيوشك أن يتبعه ~~الأقل، وهو معنى الخامس؛ لأنه بعضه، وقد دخل فيه ذكره. # وأما تفسير أبي بكر الصديق: فهو الذي يعم الأقوال كلها؛ لأن جميع الصفات ~~موجودة فيهم. # وأما القول الرابع: فصحيح وهو بعضه أيضا، ويكون المخاطب أهل الكتاب ~~والمنافقين. # والسادس: تقدم معناه. # والسابع: يكون المخاطب الثمانين رجلا الذين تخلفوا واعتذروا وكذبوا، ~~أمروا أن يكونوا مع الثلاثة الصادقين؛ ويدخل هذا في جملة الصدق. ### | [مسألة حقيقة التقوى] # المسألة الثالثة قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله} [التوبة: ~~119]: قد تقدمت حقيقة التقوى، وذكر المفسرون هاهنا فيها قولين: ms0919 أحدهما: ~~اختلقوا الكذب. # والثاني: في ترك الجهاد، وهما بعض التقوى، والصحيح عمومها. ### | [مسألة خبر الكاذب وشهادته] # المسألة الرابعة: في هذا دليل على أنه لا يقبل خبر الكاذب ولا شهادته. # قال مالك: لا يقبل خبر الكاذب في حديث الناس وإن صدق في حديث رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -. # وقال غيره: يقبل حديثه، والقبول فيه مرتبة عظيمة، وولاية لا تكون إلا لمن ~~كرمت خصاله، ولا خصلة هي أشر من الكذب، فهي تعزل الولايات، وتبطل الشهادات. # PageV02P599 ### | [الآية السادسة والأربعون قوله تعالى ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب] # الآية السادسة والأربعون {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن ~~يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ~~ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من ~~عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين} [التوبة: ~~120] {ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ~~ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون} [التوبة: 121]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: قوله تعالى {ما كان لأهل المدينة} [التوبة: 120]: أي ما ~~كان لهؤلاء المذكورين أن يتخلفوا دليل على أن غيرهم لم يستنفروا، وإنما كان ~~النفير منهم في قول بعضهم، ويحتمل أن يكون الاستنفار في كل مسلم، وخص هؤلاء ~~بالعتاب لقربهم وجوارهم، وأنهم أحق بذلك من غيرهم. ### | [مسألة الغنيمة تستحق بالإدراب والكون في بلاد العدو] # المسألة الثانية: # قوله تعالى {ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار} [التوبة: 120]: دليل عند ~~علمائنا على أن الغنيمة تستحق بالإدراب والكون في بلاد العدو؛ فإن مات بعد ~~ذلك فله سهمه؛ وهو قول أشهب، وعبد الملك، وأحد قولي الشافعي. # وقال مالك، وابن القاسم: لا شيء له؛ لأن الله إنما كتب له بالآخرة، ولم ~~يذكر السهم. # وهو الصحيح، وقد بيناها في مسائل الخلاف. ### | [مسألة للمعذور من الأجر ما أعطى للقوي العامل بفضله] # المسألة الثالثة: قوله تعالى {ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا ~~يقطعون واديا ms0920 إلا كتب لهم} [التوبة: 121]: يعني كتب لهم ثوابه. # وكذلك قال في المجاهد: إن أرواث دوابه وأبوالها حسنات، ورعيها حسنات، وقد ~~زادنا الله تعالى من فضله. # ففي الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في هذه الغزوة بعينها: ~~«إن بالمدينة قوما ما سلكتم # PageV02P600 # واديا، ولا قطعتم شعبا إلا وهم معكم، حبسهم العذر»؛ فأعطى للمعذور من ~~الأجر ما أعطى للقوي العامل بفضله. # وقد قال بعض الناس: إنما يكون له الأجر غير مضاعف، ويضاعف للعامل ~~المباشر. # وهذا تحكم على الله، وتضييق لسعة رحمته؛ وقد بيناه في شرح الصحيحين. # ولذلك قد راب بعض الناس فيه، فقال أنتم تعطون الثواب مضاعفا قطعا، ونحن ~~لا نقطع بالتضعيف في موضع فإنه مبني على مقدار النيات، وهو أمر مغيب، والذي ~~يقطع به أن هنالك تضعيفا، وربك أعلم بمن يستحقه، وهذا كله وصف العاملين ~~المجاهدين، وحال القاعدين التائبين، ولما ذكر المتخلفين المعتذرين بالباطل ~~قال كعب بن مالك: ذكروا في بشر ما ذكر به أحد، فقال: {يعتذرون إليكم إذا ~~رجعتم} [التوبة: 94]. ### | [الآية السابعة والأربعون قوله تعالى وما كان المؤمنون لينفروا كافة] # فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا ~~رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} [التوبة: 122]. # فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى: في سبب نزولها: وفيها أقوال كثيرة ~~جماعها أربعة: # الأول: أنها نزلت في قوم أرسلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ليعلموا ~~الناس القرآن والإسلام، فلما نزل ما كان لأهل المدينة رجع أولئك فأنزل الله ~~عذرهم؛ قاله مجاهد. # وقال: هلا جاء بعضهم وبقي على التعليم البعض. # PageV02P601 # الثاني: قال ابن عباس: معناه ما كان المؤمنون لينفروا جميعا، ويتركوا ~~نبيهم، ولكن يخرج بعضهم، ويبقى البعض فيما ينزل من القرآن، ويجري من العلم ~~والأحكام، يعلمه المتخلف للساري عند رجوعه، وقاله قتادة. # الثالث: قال ابن عباس أيضا: إنها نزلت في الجهاد، ولكن لما دعا رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - على مضر بالسنين أجدبت بلادهم، فكانت القبيلة منهم ~~تقبل بأسرها حتى يحلوا بالمدينة من الجهد، ويعتلوا بالإسلام وهم كاذبون، ~~فضيقوا على ms0921 أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأجهدوهم، فأنزل الله يخبر ~~رسوله أنهم ليسوا بمؤمنين، فردهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى ~~عشائرهم، وحذر قومهم أن يفعلوا فعلهم، فذلك قوله: {ولينذروا قومهم} ~~[التوبة: 122]. # الرابع: روي عن ابن عباس أنه قال: نسختها: {انفروا خفافا وثقالا} ~~[التوبة: 41]. # المسألة الثانية: في تحرير الأقوال: أما نسخ بعض هذه لبعض فيفتقر إلى ~~معرفة التاريخ فيها. # وأما الظاهر فنسخ الاستنفار العام؛ لأنه الطارئ؛ فإن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان يغزو في فئام من الناس، ولم يستوف قط جميع الناس، إلا في ~~غزوة العسرة. # وقد قيل: إنه يخرج من القول الأول أن الخروج في طلب العلم لا يلزم ~~الأعيان، وإنما هو على الكفاية. # قال القاضي: إنما يقتضي ظاهر هذه الآية الحث على طلب العلم والندب إليه ~~دون الإلزام والوجوب، واستحباب الرحلة فيه وفضلها. # فأما الوجوب فليس في قوة الكلام؛ وإنما لزم طلب العلم بأدلته؛ فأما معرفة ~~الله فبأوامر القرآن وإجماع الأمة. # وأما معرفة الرسول فلوجوب الأمر بالتصديق به، ولا يصح التصديق إلا بعد ~~العلم. # PageV02P602 # وأما معرفة الوظائف فلأن ما ثبت وجوبه ثبت وجوب العلم به لاستحالة أدائها ~~إلا بعلم، ثم ينشأ على هذا أن المزيد على الوظائف مما فيه القيام بوظائف ~~الشريعة كتحصين الحقوق وإقامة الحدود، والفصل بين الخصوم ونحوه من فروض ~~الكفاية؛ إذ لا يصح أن يعلمه جميع الناس، فتضيع أحوالهم وأحوال سواهم، ~~وينقص أو يبطل معاشهم، فتعين بين الحالين أن يقوم به البعض من غير تعيين، ~~وذلك بحسب ما ييسر الله العباد له، ويقسمه بينهم من رحمته وحكمته بسابق ~~قدرته وكلمته، ويأتي تحقيقه في موضعه إن شاء الله. ### | [مسألة العمل بخبر الواحد] # المسألة الثالثة: الطائفة: في اللغة: الجماعة. # قيل: وينطلق على الواحد على معنى نفس طائفة. # والأول أصح وأشهر، فإن الهاء في مثل هذا إنما هي للكثرة، كما يقال راوية، ~~وإن كان يأتي بغيره. # ولا شك أن المراد هاهنا جماعة لوجهين: أحدهما: عقلا والآخر لغة: أما ~~العقل: فلأن تحصيل العلم لا يتحصل بواحد في ms0922 الغالب. # وأما اللغة: فلقوله: {ليتفقهوا} [التوبة: 122] {ولينذروا} [التوبة: 122]؛ ~~فجاء بضمير الجماعة. # والقاضي أبو بكر، والشيخ أبو الحسن قبله، يرون أن الطائفة هاهنا واحد. # ويعتضدون فيه بالدليل على وجوب العمل بخبر الواحد. # وهو صحيح لا من جهة أن الطائفة تنطلق على الواحد، ولكن من جهة أن خبر ~~الشخص الواحد أو الأشخاص خبر واحد، وأن مقابله وهو التواتر لا ينحصر بعدد، ~~وقد بيناه في موضعه، وهذه إشارته. ### | [الآية الثامنة والأربعون قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار] # وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين} [التوبة: 123]. # PageV02P603 # قد قدمنا الإشارة إلى أن الله أمر بأوامر متعددة مختلفة المتعلقات، فقال: ~~{قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ~~ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب} [التوبة: 29]. # وقال: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5]. # وقال: {وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} [التوبة: 36]. # وقال: {قاتلوا الذين يلونكم} [التوبة: 123]. # وهذا كله صحيح مناسب، والمقصود قتال جميع المؤمنين لجميع الكفار، وقتال ~~الكفار أينما وجدوا، وقتال أهل الكتاب من جملتهم، وهم الروم، وبعض الحبشان، ~~وذلك إنما يتكيف لوجهين: أحدهما: بالابتداء ممن يلي، فيقاتل كل واحد من ~~يليه، ويتفق أن يبدأ المسلمون كلهم بالأهم ممن يليهم، أو الذين يتيقن الظفر ~~بهم. # وقد سئل ابن عمر بمن نبدأ بالروم أو بالديلم؟ فقال: بالروم. # وقد روي في الأثر: " اتركوا الرابضين ما تركوكم " يعني الروم والحبش. # وقول ابن عمر أصح، وبداءته بالروم قبل الديلم لثلاثة أوجه: أحدها: أنهم ~~أهل الكتاب؛ فالحجة عليهم أكثر وآكد. # والثاني: أنهم إلينا أقرب، أعني أهل المدينة. # الثالث: أن بلاد الأنبياء في بلادهم أكثر، فاستنقاذها منهم أوجب. ### | [الآية التاسعة والأربعون وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا] # الآية التاسعة والأربعون قوله تعالى {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول ~~أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون} ~~[التوبة: 124]. # قد قدمنا القول في زيادة الإيمان ونقصانه بما يغني عن إعادته، واستيفاؤه ~~في كتب ms0923 الأصول. # PageV02P604 ### | [الآية الموفية خمسين قوله تعالى وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض] # هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون} ~~[التوبة: 127]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: قوله: {نظر بعضهم إلى بعض} [التوبة: 127]: فيه قولان: ~~أحدهما: إذا أنزلت سورة فيها فضيحتهم، أو فضيحة أحد منهم جعل ينظر بعضهم ~~إلى بعض، يقول: هل يراكم من أحد إذا تكلمتم بهذا فينقله إلى محمد؟ وذلك جهل ~~منهم بنبوته، وأن الله يطلعه على ما شاء من غيبه. # الثاني: إذا أنزلت سورة فيها الأمر بالقتال نظر بعضهم إلى بعض نظر الرعب، ~~وأرادوا القيام عنه، لئلا يسمعوا ذلك، يقولون: هل يراكم إذا انصرفتم من ~~أحد؟ ثم يقومون وينصرفون، صرف الله قلوبهم. ### | [مسألة هل يصح أن يقال انصرفنا من الصلاة] # المسألة الثانية: قال ابن عباس: يكره أن يقال انصرفنا من الصلاة؛ لأن ~~قوما انصرفوا فصرف الله قلوبهم ولكن قولوا قضينا الصلاة. # وهذا كلام فيه نظر، وما أظنه يصح عنه، فإن نظام الكلام أن يقال: لا يقل ~~أحد انصرفنا من الصلاة، فإن قوما قيل فيهم: ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم، ~~فإن ذلك كان مقولا فيهم، ولم يكن منهم. # وقد أخبرني محمد بن عبد الحكم البستي الواعظ قال: أخبرنا أبو الفضل ~~الجوهري سماعا عليه، يقول: كنا في جنازة، فقال المنذر بها: انصرفوا رحمكم ~~الله فقال: لا يقل أحدكم انصرفوا، فإن الله تعالى قال في قوم ذمهم: {ثم ~~انصرفوا صرف الله قلوبهم} [التوبة: 127] ولكن قولوا: انقلبوا رحمكم الله؛ ~~فإن الله تعالى قال في قوم مدحهم: {فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم ~~سوء} [آل عمران: 174]. # PageV02P605 ### | [مسألة معنى قوله تعالى صرف الله قلوبهم] # المسألة الثالثة: قوله: {صرف الله قلوبهم} [التوبة: 127]: إخبار عن أنه ~~صارف القلوب ومصرفها وقالبها ومقلبها ردا على القدرية في اعتقادهم أن قلوب ~~الخلق بأيديهم وجوارحهم بحكمهم، يتصرفون بمشيئتهم، ويحكمون بإرادتهم، ~~واختيارهم، ولهذا قال مالك فيما رواه عنه أشهب: ما أبين هذا في الرد على ~~أهل القدر: {لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة ms0924 في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم} ~~[التوبة: 110]. # وقوله تعالى لنوح: {أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن} [هود: 36]. # فهذا لا يكون أبدا ولا يرجع ولا يزال. ### | [الآية الحادية والخمسون قوله تعالى لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه] # ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم} [التوبة: 128]. # فيها تسع مسائل: # المسألة الأولى: في ثبوتها: اعلموا وفقكم الله أن هذه مسألة عظيمة القدر، ~~وذلك أن الرافضة كادت الإسلام بآيات وحروف نسبتها إلى القرآن لا يخفى على ~~ذي بصيرة أنها من البهتان الذي نزغ به الشيطان، وادعوا أنهم نقلوها ~~وأظهروها حين كتمناها نحن، وقالوا: إن الواحد يكفي في نقل الآية والحروف ~~كما فعلتم، فإنكم أثبتم آية بقول رجل واحد، وهو خزيمة بن ثابت، وهي قوله: ~~{لقد جاءكم رسول من أنفسكم} [التوبة: 128]؛ وقوله: {من المؤمنين رجال صدقوا ~~ما عاهدوا الله عليه} [الأحزاب: 23]. # قلنا: إن القرآن لا يثبت إلا بنقل التواتر، بخلاف السنة فإنها تثبت بنقل ~~الآحاد. # والمعنى فيه أن القرآن معجزة النبي - صلى الله عليه وسلم - الشاهدة ~~بصدقه، الدالة على نبوته، فأبقاها الله على أمته، وتولى حفظها بفضله، حتى ~~لا يزاد فيها ولا ينقص منها. # والمعجزات إما أن تكون معاينة إن كانت فعلا، وإما أن تثبت تواترا إن كانت ~~قولا، ليقع العلم بها، أو تنقل صورة الفعل فيها أيضا نقلا متواترا حتى يقع ~~العلم بها، كأن السامع لها # PageV02P606 # قد شاهدها، حتى تنبني الرسالة على أمر مقطوع به، بخلاف السنة؛ فإن ~~الأحكام يعمل فيها على خبر الواحد؛ إذ ليس فيها معنى أكثر من التعبد. # وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يرسل كتبه مع الواحد، ويأمر الواحد ~~أيضا بتبليغ كلامه، ويبعث الأمراء إلى البلاد وعلى السرايا؛ وذلك لأن الأمر ~~لو وقف فيها على التواتر لما حصل علم، ولا تم حكم، وقد بينا ذلك في أصول ~~الفقه والدين. ### | [مسألة جمع القرآن] # المسألة الثانية: فيما روي فيها: ثبت أن زيد بن ثابت قال: أرسل إلي أبو ~~بكر الصديق مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب ms0925 عنده، فقال: إن القتال قد ~~استحر بقراء القرآن يوم اليمامة، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في ~~المواطن كلها، فيذهب قرآن كثير، وإني أرى أن تجمع القرآن. قال أبو بكر ~~لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال عمر: ~~هو والله خير، فلم يزل يراجعني في ذلك حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر ~~عمر، ورأيت فيه الذي رأى. قال زيد: قال أبو بكر: إنك شاب عاقل لا نتهمك، قد ~~كنت تكتب الوحي لرسول الله، فتتبع القرآن. قال: فوالله لو كلفوني نقل جبل ~~من الجبال ما كان أثقل علي من ذلك. قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال أبو بكر: هو والله خير. فلم يزل يراجعني ~~في ذلك أبو بكر حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر. فتتبعت ~~القرآن أجمعه من الرقاع والعسب، وذكر كلمة مشكلة تركناها. قال زيد: فوجدت ~~آخر براءة مع خزيمة بن ثابت: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم} [التوبة: 128] ~~إلى: العظيم انتهى الحديث. # PageV02P607 # فبقيت الصحف عند أبي بكر، ثم تناولها بعده عمر، ثم صارت عند حفصة - رضي ~~الله عنهم -، فلما كان زمن عثمان حسبما ثبت في الصحيح قدم حذيفة بن اليمان ~~على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، ~~فرأى حذيفة اختلافهم في القرآن، فقال لعثمان بن عفان: يا أمير المؤمنين، ~~أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب، كما اختلف اليهود والنصارى. ~~فأرسل إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف فننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك. ~~فأرسلت حفصة إلى عثمان بالصحف، فأرسل عثمان إلى زيد بن ثابت، وسعيد بن ~~العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الله بن الزبير أن انسخوا ~~الصحف في المصاحف. وقال للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ~~ثابت فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، حتى إذا نسخوا الصحف في ~~المصاحف بعث عثمان إلى كل أفق بمصحف من تلك المصاحف ms0926 التي نسخوا. # قال الزهري: وحدثني خارجة بن زيد بن ثابت أن زيد بن ثابت قال: فقدت آية ~~من سورة كنت أسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرؤها: {من المؤمنين ~~رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه} [الأحزاب: 23] ~~فالتمستها فوجدتها مع خزيمة بن ثابت أو أبي خزيمة، فألحقتها في سورتها. # قال الزهري: فاختلفوا يومئذ في التابوت والتابوه، فقال القرشيون: ~~التابوت. وقال زيد التابوه. فرفع اختلافهم إلى عثمان فقال: اكتبوه التابوت. ~~فإنه نزل بلسان قريش. # قال الزهري: فأخبرني عبد الله بن عبد الله بن عتبة أن عبد الله بن مسعود ~~كره لزيد بن ثابت نسخ المصاحف، وقال: يا معشر المسلمين، أعزل عن نسخ كتابة ~~المصاحف، ويتولاها رجل، والله لقد أسلمت وإنه لفي صلب رجل كافر يريد زيد بن ~~ثابت. # ولذلك قال عبد الله بن مسعود: يا أهل القرآن، اكتموا المصاحف التي عندكم ~~وغلوها؛ فإن الله يقول {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} [آل عمران: 161] ~~فالقوا الله بالمصاحف. # PageV02P608 # قال الزهري: فبلغني أن ذلك كرهه من مقالة ابن مسعود رجال من أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. وهذا حديث صحيح لا يعرف إلا من حديث الزهري. # المسألة الثالثة: # إذا ثبت هذا فقد تبين في أثناء الحديث أن هاتين الآيتين في براءة، وآية ~~الأحزاب لم تثبت بواحد، وإنما كانت منسية، فلما ذكرها من ذكرها أو تذكرها ~~من تذكرها عرفها الخلق، كالرجل تنساه، فإذا رأيت وجهه عرفته، أو تنسى اسمه ~~وتراه، ولا يجتمع لك العين والاسم، فإذا انتسب عرفته. # المسألة الرابعة: من غريب المعاني أن القاضي أبا بكر بن الطيب سيف السنة ~~ولسان الأمة تكلم بجهالات على هذا الحديث، لا تشبه منصبه، فانتصبنا لها ~~لنوقفكم على الحقيقة فيها: أولها: قال القاضي أبو الطيب: هذا حديث مضطرب، ~~وذكر اختلاف روايات فيه، منها صحيحة ومنها باطلة، فأما الروايات الباطلة ~~فلا نشتغل بها، وأما الصحيحة فمنها أنه قال: روي أن هذا جرى في عهد أبي ~~بكر. # وفي رواية أنه جرى في عهد عثمان، ms0927 وبين التاريخين كثير من المدة، وكيف يصح ~~أن نقول هذا كان في عهد أبي بكر، ثم نقول: كان هذا في عهد عثمان؛ ولو اختلف ~~تاريخ الحديث في يوم من أوله وآخره لوجب رده، فكيف أن يختلف بين هاتين ~~المدتين الطويلتين؟ قال القاضي أبو بكر بن العربي: يقال للسيف هذه كهمة من ~~طول الضراب، هذا أمر لم يخف وجه الحق فيه، إنما جمع زيد القرآن مرتين: ~~إحداهما لأبي بكر في زمانه، والثانية لعثمان في زمانه، وكان هذا في مرتين ~~لسببين ولمعنيين مختلفين، أما الأول: فكان لئلا يذهب القرآن بذهاب القراء، ~~كما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه: «يذهب العلم في آخر الزمان ~~بذهاب العلماء»، فلما تحصل مكتوبا صار عدة لما يتوقع عليه. # وأما جمعه في زمان عثمان فكان لأجل الاختلاف الواقع بين الناس في ~~القراءة، فجمع في المصاحف ليرسل إلى الآفاق، حتى يرفع الاختلاف الواقع بين ~~الناس في زمن عثمان. # PageV02P609 # ثانيها: قال ابن الطيب: من اضطراب هذا الحديث أن زيدا تارة قال: وجدت ~~هؤلاء الآيات الساقطة، وتارة لم يذكره، وتارة ذكر قصة براءة، وتارة قصة ~~الأحزاب أيضا بعينها. # قال القاضي ابن العربي: يقال للسان: هذه عثرة، وما الذي يمنع عقلا أو ~~عادة أن يكون عند الراوي حديث مفصل يذكر جميعه مرة، ويذكر أكثره أخرى، ~~ويذكر أقله ثالثة؟ ثالثها: قال ابن الطيب: يشبه أن يكون هذا الخبر موضوعا؛ ~~لأنه قال فيه: إن زيدا وجد الضائع من القرآن عند رجلين. # وهذا بعيد أن يكون الله قد وكل حفظ ما سقط وذهب عن الأجلة الأماثل من ~~القرآن برجلين: خزيمة، وأبي خزيمة. # قال القاضي: قد بينا أنه يجوز أن ينسى الرجل الشيء ثم يذكره له آخر، ~~فيعود علمه إليه. # وليس في نسيان الصحابة كلهم له إلا رجل واحد استحالة عقلا؛ لأن ذلك جائز، ~~ولا شرعا؛ لأن الله ضمن حفظه، ومن حفظه البديع أن تذهب منه آية أو سورة إلا ~~عن واحد، فيذكرها ذلك الواحد، فيتذكرها الجميع؛ فيكون ذلك من بديع حفظ الله ~~لها. # قال ms0928 القاضي ابن العربي: ويقال له أيضا: هذا حديث صحيح متفق عليه من ~~الأئمة، فكيف تدعي عليه الوضع، وقد رواه العدل عن العدل، وتدعي فيه ~~الاضطراب، وهو في سلك الصواب منتظم، وتقول أخرى: إنه من أخبار الآحاد، وما ~~الذي تضمن من الاستحالة أو الجهالة حتى يعاب بأنه خبر واحد. # وأما ما ذكرته في معارضته عن بعض رواته أو عن رأي فهو المضطرب الموضوع ~~الذي لم يروه أحد من الأئمة، فكيف يعارض الأحاديث الصحاح بالضعاف والثقات ~~بالموضوعات؟ المسألة الخامسة: فإن قيل: فما كانت هذه المراجعة بين الصحابة؟ # PageV02P610 # قلنا: هذا مما لا سبيل إلى معرفته إلا بالرواية، وقد عدمت، لا هم إلا أن ~~القاضي أبا بكر قد ذكر في ذلك وجوها، أجودها خمسة: # الأول: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك ذلك مصلحة، وفعله أبو ~~بكر للحاجة. # الثاني: أن الله أخبر أنه في الصحف الأولى، وأنه عند محمد في مثلها ~~بقوله: {يتلو صحفا مطهرة - فيها كتب قيمة} [البينة: 2 - 3]؛ فهذا اقتداء ~~بالله وبرسوله. # الثالث: أنهم قصدوا بذلك تحقيق قول الله: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له ~~لحافظون} [الحجر: 9]؛ فقد كان عنده محفوظا، وأخبرنا أن يحفظه بعد نزوله، ~~ومن حفظه تيسير الصحابة لجمعه، واتفاقهم على تقييده وضبطه. # الرابع: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكتبه كتبته بإملائه إياه ~~عليهم، وهل يخفى على متصور معنى صحيحا في قلبه أن ذلك كان تنبيها على كتبه ~~وضبطه بالتقييد في الصحف، ولو كان ما ضمنه الله من حفظه لا عمل للأمة فيه ~~لم يكتبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد إخبار الله له بضمان حفظه، ~~ولكن علم أن حفظه من الله بحفظنا وتيسيره ذلك لنا وتعليمه لكتابته وضبطه في ~~الصحف بيننا. # الخامس: أنه ثبت «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن السفر بالقرآن ~~إلى أرض العدو»؛ وهذا تنبيه على أنه بين الأمة مكتوب مستصحب في الأسفار، ~~هذا من أبين الوجوه عند النظار. # المسألة السادسة: فأما كتابة عثمان للمصاحف التي أرسلت إلى الكوفة والشام ~~والحجاز ms0929 فإنما كان ذلك لأجل اختلاف الناس في القراءات، فأراد ضبط الأمر ~~لئلا ينتشر إلى حد التفرق والاختلاف في القرآن، كما اختلف أهل الكتاب في ~~كتبهم، وكان جمع أبي بكر له لئلا يذهب أصله؛ فكانا أمرين مختلفين لسببين ~~متباينين. # وقد كان «وقع مثل هذا الاختلاف في زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - بين ~~هشام بن حكيم بن حزام وبين عمر بن الخطاب # PageV02P611 # فاختلفوا في القراءة في سورة الفرقان، فاحتمل عمر هشاما إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - حملا، حتى قرأ كل واحد منهما ما قرأ بخلاف قراءة ~~صاحبه، فصوب النبي - صلى الله عليه وسلم - الكل، وأنبأهم أنه ليس باختلاف، ~~إذ الكل من عند الله، بأمره نزل، وبفضله توسع في حروفه حتى جعلها سبعة»، ~~فاختار عثمان والصحابة من تلك الحروف ما رأوه ظاهرا مشهورا متفقا عليه ~~مذكورا، وجمعوه في مصاحف، وجعلت أمهات في البلدان ترجع إليها بنات الخلاف. # المسألة السابعة: فأما حال عبد الله بن مسعود وإنكاره على زيد أن يتولى ~~كتب المصاحف، وهو أقدم قراءة. # قلنا: يا معشر الطالبين للعلم، ما نقم قط على عثمان شيء إلا خرج منه ~~كالشهاب، وأنبأ أنه أتاه بعلم، وقد بينا ذلك في كتاب المقسط، وعند قول ابن ~~مسعود ما قال وبلغ عثمان: قال عثمان: من يعذرني من ابن مسعود، يدعو الناس ~~إلى الخلاف والشبهة، ويغضب علي أن لم أوله نسخ القرآن، وقدمت زيدا عليه، ~~فهلا غضب على أبي بكر وعمر حين قدما زيدا لكتابته وتركاه، إنما اتبعت أنا ~~أمرهما، فما بقي أحد من الصحابة إلا حسن قول عثمان وعاب ابن مسعود. # وهذا بين جدا، وقد أبى الله أن يبقي لابن مسعود في ذلك أثرا، على أنه قد ~~روي عنه أنه رجع عن ذلك وراجع أصحابه في الاتباع لمصحف عثمان والقراءة به. ### | [مسألة سبب اختلاف القراء بعد ربط الأمر بالثبات وضبط القرآن بالتقييد] # المسألة الثامنة: فأما سبب اختلاف القراء بعد ربط الأمر بالثبات وضبط ~~القرآن بالتقييد. # قلنا: إنما كان ذلك للتوسعة التي أذن الله فيها، ms0930 ورحم بها من قراءة ~~القرآن على سبعة أحرف، فأقرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - بها، وأخذ كل ~~صاحب من أصحابه حرفا أو جملة منها. # وقد بيناه في تفسير الحديث تارة في جزء مفرد، وتارة في شرح الصحيحين، ولا ~~شك في أن الاختلاف في القراءة كان أكثر مما في ألسنة الناس اليوم، ولكن ~~الصحابة ضبطت الأمر إلى حد يقيد مكتوبا، وخرج ما بعده عن أن يكون معلوما # PageV02P612 # حتى أن ما تحتمله الحروف المقيدة في القرآن قد خرج أكثره عن أن يكون ~~معلوما، وقد انحصر الأمر إلى ما نقله القراء السبعة بالأمصار الخمسة. # وقد روي أن عثمان أرسل ثلاثة مصاحف، وروي أنه احتبس مصحفا، وأرسل إلى ~~الشام والعراق واليمن ثلاثة مصاحف، وروي أنه أرسل أربعة إلى الشام والحجاز ~~والكوفة والبصرة. # وروي أنه كانت سبعة مصاحف، فبعث مصحفا إلى مكة، وإلى الكوفة آخر، ومصحفا ~~إلى البصرة، ومصحفا إلى الشام، ومصحفا إلى اليمن، ومصحفا إلى البحرين، ~~ومصحفا عنده. # فأما مصحف اليمن والبحرين فلم يسمع لهما خبر. # قال القاضي: وهذه المصاحف إنما كانت تذكرة لئلا يضيع القرآن، فأما ~~القراءة فإنما أخذت بالرواية لا من المصاحف، أما إنهم كانوا إذا اختلفوا ~~رجعوا إليها فما كان فيها عولوا عليه، ولذلك اختلفت المصاحف بالزيادة ~~والنقصان، فإن الصحابة أثبتت ذلك في بعض المصاحف، وأسقطته في البعض، ليحفظ ~~القرآن على الأمة، وتجتمع أشتات الرواية، ويتبين وجه الرخصة والتوسعة، ~~فانتهت الزيادة والنقصان إلى أربعين حرفا في هذه المصاحف، وقد زيدت عليها ~~أحرف يسيرة لم يقرأ بها أحد من القراء المشهورين تركت؛ فهذا منتهى الحاضر ~~من القول الذي يحتمله الفن الذي تصدينا له من الأحكام. ### | [مسألة هل يلزم أحدا أن يقرأ بقراءة شخص واحد] # المسألة التاسعة: إذا ثبتت القراءات، وتقيدت الحروف فليس يلزم أحدا أن ~~يقرأ بقراءة شخص واحد، كنافع مثلا، أو عاصم؛ بل يجوز له أن يقرأ الفاتحة ~~فيتلو حروفها على ثلاث قراءات مختلفات؛ لأن الكل قرآن، ولا يلزم جمعه؛ إذ ~~لم ينظمه الباري لرسوله، ولا قام دليل على التعبد، وإنما ms0931 لزم الخلق بالدليل ~~ألا يتعدوا الثابت إلى ما لم يثبت، فأما تعيين الثابت في التلاوة فمسترسل ~~على الثابت كله. والله أعلم. # PageV02P613 ### | [سورة يونس فيها من الآيات ست] # [الآية الأولى قوله تعالى هو الذي يسيركم في البر والبحر] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {هو الذي يسيركم في البر والبحر # حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف ~~وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين ~~لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين} [يونس: 22]. # فيها ست مسائل: # المسألة الأولى: قوله: {في البر والبحر} [يونس: 22] في تفسيره قولان: # أحدهما: أن البر هو الأرض اليابسة، والبحر هو الماء. # الثاني: أن البر الفيافي، والبحر الأمصار، وإنما يكون تفسير كل واحد منها ~~بحسب ما يرتبط به من قول مقدم له أو بعده، كقوله هاهنا: {حتى إذا كنتم في ~~الفلك وجرين بهم بريح طيبة} [يونس: 22]. فهذا نص بين في أن المراد بالبحر ~~غمرة الماء، وقرينتها المبينة لها قوله: حتى إذا كنتم في الفلك، وقوله: ~~{وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون} [الزخرف: 12]، فقوله: {من الفلك} ~~[الزخرف: 12] هو للبحر، وقوله: (" الأنعام ") هو للبر. # PageV03P003 # المسألة الثانية: # قرئ {يسيركم} [يونس: 22] بالياء والسين المهملة، وننشركم بالنون والشين ~~المعجمة، وأراد اليحصبي يبسطكم برا وبحرا، وأراد غيره من السير، وهو الذي ~~أختاره. ### | [مسألة ركوب البحر] # المسألة الثالثة: # في هذه الآية جواز ركوب البحر، وقد ورد ذلك في الحديث الصحيح من طريقين: ~~روى أبو هريرة أن «رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل فقيل له: إنا نركب ~~البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء ~~البحر؟ قال: هو الطهور ماؤه الحل ميتته». # وروى أنس بن مالك أن «رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل على أم حرام ~~بنت ملحان، فنام عندها، ثم استيقظ وهو يضحك، فقالت له: ما يضحكك يا رسول ~~الله؟ قال: ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر ~~ملوكا على الأسرة، ms0932 أو مثل الملوك على الأسرة. قالت: فادع الله أن يجعلني ~~منهم. فدعا لها، ثم وضع رأسه فنام، ثم استيقظ يضحك، فقالت: يا رسول الله، ~~وما يضحكك؟ قال: ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله ملوكا على ~~الأسرة، أو مثل الملوك على الأسرة كما قال في الأولى. قالت، فقلت: ادع الله ~~أن يجعلني منهم. قال: أنت من الأولين» الحديث. # ففي هذا كله دليل على جواز ركوب البحر، ويدل عليه من طريق المعنى أن # PageV03P004 # الضرورة تدعو إليه؛ فإن الله ضرب به وسط الأرض، فانفلقت، وجعل الخلق في ~~العدوتين، وقسم المنافع بين الجهتين، ولا يوصل إلى جلبها إلا بشق البحر ~~[لها]، فسهل الله سبيله بالفلك، وعلمها نوحا - صلى الله عليه وسلم - وراثة ~~في العالمين بما أراه جبريل، وقال له: صورها على جؤجؤ الطائر، فالسفينة ~~طائر مقلوب، والماء في استفاله للسفينة نظير الهواء في اعتلائه. # المسألة الرابعة: # أما القرآن فيدل على جواز ركوب البحر مطلقا، وأما الحديثان [اللذان ~~جلبناهما فيدل حديث أبي هريرة على جواز ركوب البحر مطلقا. وأما حديث أنس ~~فيدل على جواز كونه في الغزو، وهي رخصة من الله أجازها مع] ما فيه من ~~الغرر، ولكن الغالب منه السلامة؛ لأن الذين يركبونه لا حاصر لهم، والذين ~~يهلكون فيه محصورون. # المسألة الخامسة: # قوله - صلى الله عليه وسلم - «ملوكا على الأسرة»: فيه قولان: أحدها: ~~يركبون ظهره على الفلك ركوب الملوك الأسرة على الأرض. # الثاني: يركبون الفلك لسعة الحال والملك كأنهم أهل الملك. # ويعارض هذا قوله تعالى: {أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر} ~~[الكهف: 79] فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصف هؤلاء بالملك ووصف الله ~~هؤلاء بالمسكنة. # ومن هذه المعارضة فر قوم فقالوا: إن القراءة فيها: أما السفينة فكانت ~~لمساكين بتشديد السين. # PageV03P005 # وقال قوم إنما وصفهم بالمسكنة لما هم عليه من عدم الحول والقوة في البحر ~~وضعف الحيلة فيه أيضا؛ فإن من أراد أن يعلم أن الحول والقوة لله عيانا ~~فليركب البحر. # وحقيقة المعنى فيه أن مسكنتهم كانت لوجهين: # أحدهما: لدخولهم البحر. ms0933 # والثاني: أنه لم يكن لهم مال ولا ملك إلا السفينة، وهم لا يركبون البحر ~~بالعدد والعدة، والعزم والشدة، يقصدون الغلبة، وهذه حالة للملك. # وقد روي أن عمر كان يتوقف في ركوب البحر للمسلمين، لما كان يتوهم فيه من ~~الغرر، إذ لم يره إلا لضرورة كما ركبه المهاجرون إلى الحبشة للضرورة أولا ~~وآخرا، أما الأول ففي الفرار من نكاية المشركين، وأما الآخر فلنصر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - والكون معه. # المسألة السادسة: # إذا حصل المرء في ارتجاج البحر وغلبته وعصفه وتعابس أمواجه فاختلف ~~العلماء في حكمه، وقد تقدم شرحه في سورة الأعراف. ### | [الآية الثانية قوله تعالى دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام] # قوله تعالى: {دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن ~~الحمد لله رب العالمين} [يونس: 10]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: تفسير التحية: وفيها ثلاثة أقوال: # الأول: أنها الملك. # PageV03P006 # الثاني: أنها البقاء قال المعمر: # أبني إن أهلك فإني ... قد تركت لكم بنيه # وتركتكم أولاد سادات ... زنادكم وريه # ولكل ما نال الفتى ... قد نلته إلا التحيه # يعني البقاء. # الثالث: [أنها] السلام. # المسألة الثانية: # في تفسيرها قولان: # الأول: أن الملك يأتيهم بما يشتهون فيقول لهم: سلام عليكم أي سلمتم، ~~فيردون عليه، فإذا أكلوه قالوا: الحمد لله رب العالمين. # الثاني: أن معنى تحيتهم تحية بعضهم بعضا، فقد ثبت في الخبر كما بينا: «أن ~~الله خلق آدم، ثم قال له: اذهب إلى أولئك النفر من الملائكة فسلم عليهم، ~~فجاءهم فقال: سلام عليكم، فقالوا له: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، ~~فقال له: هذه تحيتك وتحية ذريتك إلى يوم القيامة» وبين في القرآن هاهنا ~~أنها تحيتهم في الجنة، فهي تحية موضوعة من ابتداء الخلقة إلى غير غاية. # وقد روى ابن القاسم عن مالك في قول الله: {وتحيتهم فيها سلام} [يونس: ~~10]؛ أي هذا السلام الذي بين أظهركم تتقابلون به. # والقولان محتملان، وهذا أظهر؛ لأنه ظاهر القرآن. والله أعلم. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى فذلكم الله ربكم الحق] # الآية الثالثة: # قوله تعالى: {فذلكم الله ربكم الحق ms0934 فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى ~~تصرفون} [يونس: 32]. # PageV03P007 # فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: في تفسير {الحق} [يونس: 32] وقد مهدناه في كتاب " الأمد ~~الأقصى " في تسمية الباري تعالى به. ولبابه أن الحق هو الوجود، والوجود على ~~قسمين: وجود حقيقي، ووجود شرعي. # فأما الوجود الحقيقي فليس إلا لله وصفاته، وعليه جاء قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «أنت الحق، وقولك الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك حق، والجنة حق، ~~والنار حق، والساعة حق». # فأما الله وصفاته فوجودها [هو] حق؛ لأنه لم يسبقها عدم، ولا يعقبها فناء. # وأما لقاء الله فهو حق سبقه عدم، ويعقبه مثله. وأما الجنة والنار فهما ~~حقان، سبقهما عدم، ولا يعقبها فناء، لكن ما فيها من أنواع العذاب أعراض. ~~وأما الوجود الشرعي فهو الذي يحسنه الشرع، وهو واجب وغير واجب. # المسألة الثانية: # في تحقيق معنى الباطل: وهو ضد الحق، والضد ربما أظهر حقيقة الضد، فإذا ~~قلنا: إن الله هو الحق حقيقة، فما سواه باطل، وعنه عبر الذي يقول: # ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل # وإن قلنا: [إن] الحق هو الحسن شرعا فالباطل هو القبيح شرعا، ومقابلة الحق ~~بالباطل عرف لغة وشرعا، كما قال سبحانه وتعالى: {ذلك بأن الله هو الحق وأن ~~ما يدعون من دونه هو الباطل} [الحج: 62]. كما أن مقابلة الحق بالضلال عرف ~~أيضا لغة وشرعا، كما قال الله تعالى في هذه الآية: {فماذا بعد الحق إلا ~~الضلال} [يونس: 32]، وقد بين حقيقة الحق. فأما حقيقة الضلال، وهي: # PageV03P008 # المسألة الثالثة: فهو الذهاب عن الحق، أخذ من ضلال الطريق، وهو العدول عن ~~سمت القصد، وخص في الشرع بالعبارة عن العدول عن السداد في الاعتقاد دون ~~الأعمال. # ومن غريب أمره أنه يعبر به عن عدم المعرفة بالحق إذا قابله غفلة، ولم ~~يقترن بعدمه جهل أو شك، وعليه حمل العلماء قوله: {ووجدك ضالا فهدى} [الضحى: ~~7]. الذي حققه قوله: {ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} [الشورى: 52]. ### | [مسألة اللعب بالشطرنج] # المسألة الرابعة: # روى عبد الله بن عبد الحكم عن أشهب ms0935 عن مالك قال: يقول الله: {فماذا بعد ~~الحق إلا الضلال} [يونس: 32]؟ فاللعب بالشطرنج والنرد من الضلال. # وروى يونس عن أشهب قال: سئل يعني مالكا عن اللعب بالشطرنج قال: لا خير ~~فيه، وليس بشيء وهو من الباطل، واللعب كله من الباطل، وأنه ينبغي لذي العقل ~~أن تنهاه اللحية والشيب عن الباطل. وقد قال عمر بن الخطاب لأسلم في شيء: ~~أما تنهاك لحيتك هذه؟ قال أسلم: فمكثت زمانا وأنا أظن أنها ستنهاني. فقيل ~~لمالك لما كان عمر لا يزال يقول فيكون. فقال: نعم [في رأيي]. # وروى يونس عن ابن وهب عن مالك أنه سئل عن الرجل يلعب مع امرأته في بيته. ~~فقال مالك: ما يعجبني ذلك، وليس من شأن المؤمنين اللعب؛ يقول الله: {فماذا ~~بعد الحق إلا الضلال} [يونس: 32]، وهذا من الباطل. # وروى محمد بن خداش عن مالك أنه سئل عن اللعب بالشطرنج قال: {فماذا بعد ~~الحق إلا الضلال} [يونس: 32]. رواه عبد العزيز الجهني؛ قال: قلت لمالك بن ~~أنس: أدعو الرجل لعبثي. فقال مالك: أذلك من الحق؟ قلت: لا. قال: {فماذا بعد ~~الحق إلا الضلال} [يونس: 32]. # PageV03P009 # قال القاضي الإمام: هذا منتهى ما تحصل لي من ألفاظ مالك في هذه المسألة، ~~وقد اعترض بعض المتقدمين عليه من المخالفين، فقال: ظاهر هذه الآية يدل على ~~أن ما بعد الله هو الضلال؛ لأن أولها: {فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد ~~الحق إلا الضلال} [يونس: 32] فهذا في الإيمان والكفر يعني ليس في الأعمال. # وأجاب عن ذلك بعض علماء المتقدمين، فقال: إن الكفر تغطية الحق، وكل ما ~~كان من غير الحق يجري هذا المجرى. هذا منتهى السؤال والجواب. # وتحقيقه أن يقال: إن الله أباح وحرم، فالحرام ضلال، والمباح هدى؛ فإن كان ~~المباح حقا كما اتفق عليه العلماء فالشطرنج من المباح، فلا يكون من الضلال؛ ~~لأن من استباح ما أباح الله لا يقال له ضال، وإن كان الشطرنج خارجا من ~~المباح فيفتقر إلى دليل، فإذا قام الدليل على أنه حرام فحينئذ يكون من ~~الضلال الذي تضمنته هذه الآية، ms0936 وقد قدمنا القول فيه، وأن قول الشافعية أنه ~~يخالف النرد؛ لأن فيه إكداد الفهم، واستعمال القريحة، والنرد قمار غرر لا ~~يعلم ما يخرج له فيه، كالاستقسام بالأزلام. # وقال علماؤنا: إن الحديث الصحيح الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: «من لعب بالنردشير فقد غمس يده في لحم الخنزير ودمه» يوجب النهي ~~عن الشطرنج؛ لأن الكل يشغل عن ذكر الله وعن الصلاة، والفهم يكد في كل واحد ~~منهما وإن تفاضلا فيه. # وأما لعب الرجل مع امرأته بالأربع عشرة فالممتنع لا تفترق فيه المرأة ~~تكون للرجل ولا الأجنبي منه، كما لا يجوز له أن يلعب معها بالنردشير لعموم ~~النهي فيه، والأربع عشرة قمار مثله. # وأما الغناء فإنه من اللهو المهيج للقلوب عند أكثر العلماء، منهم مالك بن ~~أنس، وليس في القرآن ولا في السنة دليل على تحريمه. # PageV03P010 # أما إن في الحديث الصحيح [دليلا على] إباحته، وهو الحديث الصحيح «أن أبا ~~بكر دخل على عائشة وعندها جاريتان حاديتان من حاديات الأنصار، تغنيان بما ~~تقاولت الأنصار به يوم بعاث، فقال أبو بكر: أمزمار الشيطان في بيت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله: دعهما يا أبا بكر، فإنه يوم ~~عيد» فلو كان الغناء حراما ما كان في بيت رسول الله. # وقد أنكره أبو بكر بظاهر الحال، فأقره النبي - صلى الله عليه وسلم - بفضل ~~الرخصة والرفق بالخليقة في إجمام القلوب؛ إذ ليس جميعها يحمل الجد دائما. # وتعليل النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه يوم عيد يدل على كراهية دوامه، ~~ورخصته في الأسباب كالعيد، والعرس، وقدوم الغائب، ونحو ذلك من المجتمعات ~~التي تؤلف بين المفترقين والمفترقات عادة. وكل حديث يروى في التحريم أو آية ~~تتلى فيه فإنه باطل سندا، باطل معتقدا، خبرا وتأويلا، وقد ثبت أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - رخص في الغناء في العيدين، وفي البكاء على الميت من ~~غير نوح من حديث ثابت ابن وديعة. ### | [الآية الرابعة قوله تعالى قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق] # الآية الرابعة ms0937 قوله سبحانه وتعالى: {قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق ~~فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون} [يونس: 59]. # وهي دليل على أن التحريم والتحليل لا يكونان عقلا ولا تشهيا؛ وإنما ~~المحرم والمحلل هو الله حسبما تقدم في سورة الأنعام في مثل هذه الآية # PageV03P011 ### | [الآية الخامسة قوله تعالى لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة] # لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم} [يونس: 64] فيها مسألتان: # المسألة الأولى: في تفسيرها قولان: # أحدهما: أنها بشرى الله لعباده بما أخبرهم به من وعده الكريم، في قوله: ~~{وبشر المؤمنين} [البقرة: 223]، {وبشر الذين آمنوا} [يونس: 2] وقوله: ~~{يبشرهم ربهم برحمة منه} [التوبة: 21] ونظائره. # الثاني: ما روى ابن القاسم وغيره عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه في هذه ~~الآية. قال: " هي الرؤيا الصالحة، يراها الرجل الصالح أو ترى له ". # قال رجل من أهل مصر: سألت أبا الدرداء عن قوله سبحانه: {لهم البشرى في ~~الحياة الدنيا وفي الآخرة} [يونس: 64] فقال: ما سألني عنها أحد منذ سألت ~~رسول الله عنها؛ «سألت رسول الله عنها؛ فقال: ما سألني أحد عنها غيرك منذ ~~أنزلت؛ فهي الرؤيا الصالحة يراها الرجل المسلم أو ترى له». # وروي عن أبي هريرة وابن عمر وطلحة، ولم يصح منها طريق ولكنها حسان. # المسألة الثانية: # والذي ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الباب: «الرؤيا الصالحة ~~يراها الرجل الصالح أو ترى له جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة». والحديث ~~صحيح، ومعناه بديع، قد تكلمنا عليه في موضعه من شرح الحديث الصحيح، وسيأتي ~~جملة من ذلك في تفسير سورة يوسف إن شاء الله. # PageV03P012 ### | [الآية السادسة قوله تعالى وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا] # الآية السادسة: # قوله تعالى: {وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوآ لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا ~~بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين} [يونس: 87]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: القول في القبلة، وقد تقدم في سورة البقرة. # المسألة الثانية: في تفسيرها: # هذا يدل على أن القبلة ms0938 في الصلاة كانت شرعا لموسى في صلاته ولقومه، ولم ~~تخل الصلاة قط عن شرط الطهارتين، واستقبال القبلة، وستر العورة؛ فإن ذلك ~~أبلغ في التكليف، وأوقر للعبادة. # المسألة الثالثة: قيل أراد بقوله: {واجعلوا بيوتكم قبلة} [يونس: 87]: # يعني: بيت المقدس أمروا أن يستقبلوها حيثما كانوا، وقد كانت مدة من ~~الزمان قبلة، ثم نسخ ذلك حسبما تقدم في سورة البقرة. # وقيل: أراد به صلوا في بيوتكم دون بيعكم إذا كنتم خائفين؛ لأنه كان من ~~دينهم أنهم لا يصلون إلا في البيع والكنائس ما داموا على أمن، فإذا خافوا ~~فقد أذن لهم أن يصلوا في بيوتهم، والأول أظهر الوجهين؛ لأن الثاني دعوى. # [والله أعلم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، والحمد لله الذي ~~هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله]. # PageV03P013 ### | [سورة هود فيها ثماني آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها] ### | الآية الأولى: قوله تعالى: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها # نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون} [هود: 15]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: قوله: {من كان يريد الحياة الدنيا} [هود: 15] بيان لما ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات»؛ وذلك؛ لأن ~~العبد لا يعطى إلا على وجه قصده، وبحكم ما ينعقد ضميره عليه، وهذا أمر متفق ~~عليه في الأمم من أهل كل ملة. # المسألة الثانية: # أخبر الله سبحانه أن من يريد الدنيا يعطى ثواب عمله فيها، ولا يبخس منه ~~شيئا. # واختلف بعد ذلك في وجه التوفية؛ فقيل في ذلك صحة بدنه أو إدرار رزقه. # وقيل: هذه الآية مطلقة، وكذلك الآية التي في حم عسق: {من كان يريد حرث ~~الآخرة} [الشورى: 20] الآية قيدها وفسرها بالآية التي في سورة سبحان، وهي ~~قوله {من كان يريد العاجلة عجلنا له} [الإسراء: 18] إلى: {محظورا} ~~[الإسراء: 20] # PageV03P014 # فأخبر سبحانه أن العبد ينوي ويريد، والله أعلم بما يريد. # المسألة الثالثة: # اختلف في المراد بهذه الآية؛ فقيل: إنه الكافر، فأما المؤمن فله حكمه ~~الأفضل الذي بينه الله في غير موضع. # وقال ms0939 مجاهد: هي في الكفرة، وفي أهل الرياء. # قال القاضي: هي عامة في كل من ينوي غير الله بعمله، كان معه أصل إيمان، ~~أو لم يكن. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «قال الله: إني لا أقبل ~~عملا أشرك فيه معي غيري، أنا أغنى الأغنياء عن الشرك». # وقال أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله جل ثناؤه ~~إذا كان يوم القيامة نزل إلى العباد ليقضي بينهم، وكل أمة جاثية، فأول من ~~يدعى به رجل جمع القرآن، ورجل قتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول ~~الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى يا رب. قال: فماذا ~~عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم آناء الليل وآناء النهار. فيقول الله جل ~~ثناؤه: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله جل جلاله: بل أردت أن يقال ~~فلان قارئ؛ فقد قيل ذلك. ويؤتى بصاحب المال، فيقول الله تعالى: أولم أوسع ~~عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ فيقول: بلى يا رب. فيقول: فماذا عملت فيما ~~آتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم وأتصدق، فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: ~~كذبت: بل أردت أن يقال فلان جواد، فقد قيل لك ذلك. ويؤتى بالذي قتل في سبيل ~~الله، فيقال له: فيما ذا قتلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى ~~قتلت. فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن ~~يقال فلان جريء، فقد قيل ذلك. # PageV03P015 # ثم ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ركبتي وقال: يا أبا هريرة، ~~أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة». # ثم قال تعالى: {أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا ~~فيها وباطل ما كانوا يعملون} [هود: 16] أي في الدنيا، وهذا نص في مراد ~~الآية، والله أعلم. ### | [الآية الثانية قوله تعالى وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها] # وفيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: روى ابن القاسم عن ابن أشرس عن مالك قال: بلغني أن قوم ~~نوح ملئوا الأرض ms0940 حتى ملئوا السهل والجبل، فما يستطيع هؤلاء أن ينزلوا إلى ~~هؤلاء ولا هؤلاء أن ينزلوا مع هؤلاء، فلبث نوح يغرس الشجر مائة عام لعمل ~~السفينة، ثم جمعها ييبسها مائة عام، وقومه يسخرون منه، وذلك لما رأوه يصنع ~~ذلك، حتى كان من قضاء الله فيهم ما كان. # المسألة الثانية: # قوله تعالى: {وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور ~~رحيم} [هود: 41] وذلك نص في ذكر الله في كل حال، وعلى كل أمر وقد روى ~~الدارقطني وغيره: «كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه بذكر الله فهو أبتر». # PageV03P016 # وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر الله في كل أحيانه، حتى قال ~~جماعة: إنه يقول بسم الله مع النية في الوضوء، حتى يجمع بين الذكر والنية، ~~ومن أشده في الندب ذكر الله في ابتداء الشراب والطعام، ومن الوجوب فيه ذكر ~~الله عند الذبح، كما تقدم ذكره في سورة الأنعام وغير ذلك من تعديد مواضعه. ### | [مسألة معنى قوله تعالى من كل زوجين اثنين وأهلك] # المسألة الثالثة: قال: {من كل زوجين اثنين وأهلك} [هود: 40] # قال علماؤنا: لما استنقذ الله من في الأصلاب والأرحام من المؤمنين أوحى ~~الله إلى نوح {أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا ~~يفعلون - واصنع الفلك} [هود: 36 - 37]. قال: يا رب، ما أنا بنجار قال: بلى، ~~فإن ذلك بعيني؛ فأخذ القدوم، فجعلت يده لا تخطئ، فجعلوا يمرون به فيقولون: ~~هذا النبي الذي يزعم أنه نبي قد صار نجارا، فعملها في أربعين سنة، ثم أوحى ~~الله إليه أن {احمل فيها من كل زوجين اثنين} [هود: 40]، فحمل فيها، فأرسل ~~الله الماء من السماء، وفتح الأرض، ولجأ ابن نوح إلى جبل، فعلا الماء على ~~الجبل سبعة عشر ذراعا، وذلك قوله: {ونادى نوح ابنه وكان في معزل} [هود: 42] ~~يعني عنه إلى قوله: {من الجاهلين} [هود: 46]. # قال علماؤنا: إنما سأل نوح ربه لأجل قول الله: {احمل فيها من كل زوجين} ~~[هود: 40] إلى: {وأهلك} [هود: 40] وترك نوح قوله: إلا ms0941 من سبق عليه القول ~~منهم؛ لأنه رآه استثناء عائدا إلى قوله: من كل زوجين اثنين، وحمله الرجاء ~~على ذلك، فأعلمه الله أن الاستثناء عائد إلى الكل، وأنه قد سبق القول على ~~بعض أهله، كما سبق على بعض من الزوجين، وأن الذي سبق عليه القول من أهله هو ~~ابنه تسلية للخلق في فساد أبنائهم، وإن كانوا صالحين، ونشأت عليه مسألة، ~~وهي أن الابن من الأهل اسما ولغة، ومن أهل البيت على ما يأتي بيانه في ~~الآية السادسة بعد هذا إن شاء الله. # PageV03P017 ### | [الآية الثالثة قوله تعالى وإلى ثمود أخاهم صالحا] # الآية الثالثة: قوله: {وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما ~~لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا ~~إليه إن ربي قريب مجيب} [هود: 61]. # قال بعض علماء الشافعية: الاستعمار طلب العمارة، والطلب المطلق من الله ~~على الوجوب. # قال القاضي الإمام: تأتي كلمة استفعل في لسان العرب على معان، منها ~~استفعل بمعنى طلب الفعل، كقوله: استحملت فلانا أي طلبت منه حملانا. # ومنها استفعل بمعنى اعتقد، كقولهم: استسهلت هذا الأمر، أي اعتقدته سهلا، ~~أو وجدته سهلا، واستعظمته أي اعتقدته عظيما. # ومنها استفعل بمعنى أصبت الفعل، كقولك: استجدته، أي أصبته جيدا، وقد يكون ~~طلبته جيدا. # ومنها بمعنى فعل، كقوله، قر في المكان واستقر. وقالوا: إن قوله يستهزئون، ~~ويستحسرون منه، فقوله تعالى: " استعمركم ": خلقكم لعمارتها على معنى ~~استجدته واستسهلته، أي أصبته جيدا وسهلا، وهذا يستحيل في الخالق، فترجع إلى ~~أنه خلق؛ لأنه الفائدة، ويعبر عن الشيء بفائدته مجازا، كما بيناه في ~~الأصول، ولا يصح أن يقال إنه طلب من الله ضمارتها؛ فإن هذا اللفظ لا يجوز ~~في حقه، أما إنه يصح أن يقال: إنه استدعى عمارتها فإنه جاء بلفظ استفعل، ~~وهو استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه إذا كان أمر، أو طلب الفعل إذا كان ~~من الأدنى إلى الأعلى رغبة، وقد بينا ذلك في الأصول. ### | [الآية الرابعة قوله تعالى ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى] # قوله تعالى: {ولقد ms0942 جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما ~~لبث أن جاء بعجل حنيذ} [هود: 69]. # فيها تسع مسائل: # PageV03P018 # المسألة الأولى: قد بينا في الرسالة الملجئة إعراب الآية، وقد قال ~~الطبري: إنه عمل في " سلام " الأول القول، كأنه قال: قالوا قولا وسلموا ~~سلاما. وقال الزجاج: معناه سلاما. # قال شيخنا أبو عبد الله المغربي: إن نصبه على المصدر أظهر وجوهه؛ لأنه إن ~~عمل فيه القول كان على معنى السلام، ولم يكن عمل لفظه، كأنه أخبر أنه على ~~المعنى، كما تقول: قلت حقا، ولم ينطق بالحاء والقاف، وإنما قلت قولا معناه ~~حق، وهم إنما تكلموا بسلام، ولذا أجابهم بالسلام، وعلى هذا جرى قراءة من ~~قرأ. قال: فإنه يقول أمري سلام، أجابهم على المعنى. المسألة الثانية: قال ~~علماؤنا قوله: {قالوا سلاما قال سلام} [هود: 69]. # يدل على أن تحية الملائكة هي تحية بني آدم. # قال القاضي الإمام: الصحيح أن " سلاما " هاهنا معنى كلامهم لا لفظه، ~~وكذلك هو في قوله: {وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} [الفرقان: 63]، ولو ~~كان لفظ كلامهم سلام عليكم فإنه لم يقصد ذكر اللفظ، وإنما قصد ذكر المعنى ~~الذي يدل عليه لفظ سلام. ألا ترى أن الله سبحانه لما أراد ذكر اللفظ قال ~~بعينه، فقال مخبرا عن الملائكة: {سلام عليكم بما صبرتم} [الرعد: 24]. {سلام ~~عليكم طبتم فادخلوها خالدين} [الزمر: 73]، وأبدع منه في الدلالة أنه قال: ~~{وتركنا عليهما في الآخرين} [الصافات: 119] {سلام على موسى وهارون} ~~[الصافات: 120]. وقال أيضا: {وتركنا عليه في الآخرين} [الصافات: 129] {سلام ~~على إل ياسين} [الصافات: 130]. ### | [مسألة السلام يرد بمثله] # المسألة الثالثة: قال علماؤنا: قوله: {قالوا سلاما قال سلام} [هود: 69] # يدل على أن السلام يرد بمثله، كما روى ابن وهب عن مالك عن أبي جعفر ~~القاري قال: كنت مع ابن عمر فيسلم عليه فيقول: السلام عليكم، ويرد كما ~~يقال. # قال القاضي الإمام: هذا على أن القول هاهنا سلام بلفظه أو بمعناه، كما ~~تقدم بيانه. # PageV03P019 ### | [مسألة أول من ضيف الضيف] # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {فما لبث أن جاء بعجل حنيذ} [هود: 69]. # قدمه إليهم ms0943 نزلا وضيافة، وهو أول من ضيف الضيف حسبما ورد في الحديث. وفي ~~الإسرائليات أنه كان لا يأكل وحده، فإذا حضر طعامه أرسل يطلب من يأكل معه؛ ~~فلقي يوما رجلا فلما جلس معه على الطعام قال له إبراهيم: سم الله. قال له ~~الرجل: لا أدري ما الله؛ قال له: فاخرج عن طعامي. فلما خرج الرجل نزل إليه ~~جبريل فقال له: يقول [الله]: إنه يرزقه على كفره مدى عمره، وأنت بخلت عليه ~~بلقمة، فخرج إبراهيم مسرعا فرده، فقال: [ارجع قال]: لا أرجع؛ تخرجني ثم ~~تردني لغير معنى، فأخبره بالأمر، فقال: هذا رب كريم. آمنت. ودخل وسمى الله، ~~وأكل مؤمنا. ### | [مسألة الضيافة واجبة] # المسألة الخامسة: ذهب الليث بن سعد من العلماء إلى أن الضيافة واجبة؛ ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ~~ضيفه، جائزته يوم وليلة وما وراء ذلك صدقة». وفي رواية [أنه قال]: «ثلاثة ~~أيام، ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه». وهذا حديث [صحيح] خرجه الأئمة ~~ولفظه للترمذي. # وذهب علماء الفقه إلى أن الضيافة لا تجب؛ إنما هي من مكارم الأخلاق وحسن ~~المعاملة بين الخلق، وتأولوا هذا الحديث بأنه محمول على الندب، بدليل قوله: ~~«فليكرم ضيفه»؛ والكرامة من خصائص الندب دون الوجوب. # PageV03P020 # وقد قال قوم: إن هذا كان في صدر الإسلام، ثم نسخ، وهذا ضعيف؛ فإن الوجوب ~~لم يثبت والناسخ لم يرد. # أما إنه قد روى الأئمة عن أبي سعيد الخدري أنه قال: «نزلنا بحي من أحياء ~~العرب فاستضفناهم، فأبوا، فلدغ سيد ذلك الحي فسعوا له بكل شيء فلم ينفعه. ~~فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا، لعله أن يكون عندهم شيء، ~~فقالوا: يا أيها الرهط؛ إن سيدنا لدغ، وقد سعينا له بكل شيء فلم ينفعه، فهل ~~عند أحد منكم شيء؟ قال بعضهم: إني والله أرقي، ولكن والله لقد استضفناكم ~~فلم تضيفونا، فما أنا براق حتى تجعلوا لنا جعلا. فصالحوهم على قطيع من ~~الغنم، فانطلق يتفل عليه، ويقرأ الحمد لله رب العالمين، فكأنما أنشط ms0944 من ~~عقال، فانطلق يمشي وما به قلبة. قال: فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه. ~~فقال بعضهم: اقسموا، وقال الذي رقى: لا تفعلوا، حتى نأتي النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فنذكر له الذي كان، فننظر الذي يأمر به. فقدموا على رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فذكروا له ذلك، فقال: وما يدريك أنها رقية ثم قال: ~~اقسموا واضربوا لي معكم سهما. فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم -». # فقوله في هذا الحديث: فاستضفناهم فأبوا أن يضيفونا، ظاهر في أن الضيافة ~~لو كانت حقا للام النبي - صلى الله عليه وسلم - القوم الذين أبوا وبين ذلك ~~لهم، ولكن الضيافة حقيقة فرض على الكفاية، ومن الناس من قال: إنها واجبة في ~~القرى حيث لا طعام ولا مأوى، بخلاف الحواضر، فإنها مشحونة بالمأويات ~~والأقوات، ولا شك أن الضيف كريم، والضيافة كرامة، فإن كان عديما فهي فريضة. ### | [مسألة معنى قوله تعالى فما لبث أن جاء بعجل حنيذ] # المسألة السادسة: قوله تعالى: {فما لبث أن جاء بعجل حنيذ} [هود: 69] # قال كبراء النحويين: فما لبث حتى جاء بعجل حنيذ، وأعجب لهم كيف استجازوا # PageV03P021 # ذلك مع سعة معرفتهم. وقال غيرهم ما قد استوفينا ذكره في الملجئة، وحققنا ~~[أن موضع] " أن جاء " منصوب على حكم المفعول. ### | [مسألة مبادرة إبراهيم بالنزول حين ظن أنهم أضياف مشكورة من الله] # المسألة السابعة: # مبادرة إبراهيم بالنزول حين ظن أنهم أضياف مشكورة من الله متلوة من كلامه ~~في الثناء بها عليه، تبين ذلك في إنزاله فيه حين قال في موضع: فجاء بعجل ~~سمين. وفي آخر: فجاء بعجل حنيذ أي مشوي، ووصفه بالطيبين: طيب السمن، وطيب ~~العمل بالإشواء، وهو أطيب للمحاولة في تناوله؛ فكان لإبراهيم فيه ثلاث ~~خصال: الضيافة، والمبادرة بها جيدا لسمن فيها وصفا. # المسألة الثامنة: # قال بعض علمائنا: كانت ضيافة قليلة فشكرها الحبيب من الحبيب، وهذا تحكم ~~بالظن في موضع القطع وبالقياس في موضع النقل، من أين علم أنه قليل؟ بل قد ~~نقل المفسرون أن الملائكة كانوا ثلاثة: جبريل وميكائيل وإسرافيل، وعجل ~~لثلاثة عظيم، فما هذا ms0945 التفسير في كتاب الله بالرأي؟ هذا بأمانة الله هو ~~التفسير المذموم، فاجتنبوه فقد علمتموه. ### | [مسألة السنة إذا قدم للضيف الطعام أن يبادر المقدم إليه بالأكل منه] # المسألة التاسعة: # السنة إذا قدم للضيف الطعام أن يبادر المقدم إليه بالأكل منه، فإن كرامة ~~صاحب المنزل المبادرة بالقبول، فلما قبض الملائكة أيديهم نكرهم إبراهيم؛؛ ~~لأنهم خرجوا عن العادة، وخالفوا السنة، وخاف أن يكون وراءهم مكروه يقصدونه. # وقد كان من الجائز كما يسر الله للملائكة أن يتشكلوا في صفة الآدمي جسدا ~~وهيئة أن ييسر لهم أكل الطعام، إلا أنه في قول العلماء، أرسلهم في صفة # PageV03P022 # الآدميين، وتكلف إبراهيم الضيافة حتى إذا رأى التوقف، وخاف جاءته البشرى ~~فجأة، وأكمل المبشرات ما جاء فجأة ولم يظنه المسرور حسابا. ### | [الآية الخامسة قوله تعالى أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا] # الآية الخامسة: # قوله تعالى: {أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ~~ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد} [هود: 87]. # فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: كان شعيب كثير الصلوات مواظبا للعبادة، فلما أمرهم ~~ونهاهم عيروه بما رأوه يستمر عليه من كثرة الطاعة. ### | [مسألة كسر الدنانير والدراهم] # المسألة الثانية: قوله: {أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء} [هود: 87]: # قال ابن وهب: قال مالك: كانوا يكسرون الدنانير والدراهم. وكذلك قال جماعة ~~من المفسرين المتقدمين؛ وكسر الدنانير والدراهم ذنب عظيم؛ لأنها الواسطة في ~~تقدير قيم الأشياء والسبيل إلى معرفة كمية الأموال وتنزيلها في المعارضات، ~~حتى عبر عنها بعض العلماء إلى أن يقولوا إنها القاضي بين الأموال عند ~~اختلاف المقادير أو جهلها، وإن من حبسها ولم يصرفها فكأنه حبس القاضي وحجبه ~~عن الناس، والدراهم والدنانير إذا كانت صحاحا قام معناها، وظهرت فائدتها، ~~فإذا كسرت صارت سلعة، وبطلت الفائدة فيها، فأضر ذلك بالناس؛ فلأجله حرم. # وقد قال ابن المسيب: قطع الدنانير والدراهم من الفساد في الأرض، وكذلك ~~قال زيد بن أسلم في هذه الآية، وفسره به. ومثلها عن يحيى بن سعيد من رواية ~~مالك عنهم كلهم. # PageV03P023 # وقد قال عمر ms0946 بن عبد العزيز: إن ذلك تأويل قوله: {ولا تفسدوا في الأرض بعد ~~إصلاحها} [الأعراف: 56]. # وقد قيل في قوله تعالى: {وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا ~~يصلحون} [النمل: 48] قال زيد بن أسلم: كانوا يكسرون الدراهم والدنانير، ~~والمعاصي تتداعى. # المسألة الثالثة: # قال أصبغ: قال عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة مولى زيد بن الحارث ~~العتقي: من كسرها لم تقبل شهادته، وإن اعتذر بالجهالة لم يعذر، وليس هذا ~~بموضع عذر، فأما قوله: لم تقبل شهادته، فلأنه أتى كبيرة؛ والكبائر تسقط ~~العدالة دون الصغائر. # وأما قوله: لا يقبل عذره بالجهالة في هذا فلأنه أمر بين لا يخفى على أحد. ~~وإنما يقبل العذر إذا ظهر الصدق فيه أو خفي وجه الصدق فيه، وكان الله أعلم ~~به من العبد كما قال مالك. # المسألة الرابعة: # إذا كان هذا معصية وفسادا يرد الشهادة فإنه يعاقب من فعل ذلك. # اختلف في عقوبته على ثلاثة أقوال: # [الأول]: قال مالك: يعاقبه السلطان على ذلك هكذا مطلقا من غير تحديد ~~للعقوبة. # الثاني: قال ابن المسيب ونحوه عن سفيان: إنه مر برجل قد جلد، فقال ابن ~~المسيب: ما هذا؟ فقالوا: رجل كان يقطع الدراهم. قال ابن المسيب: هذا من ~~الفساد في الأرض ولم ينكر جلده. # PageV03P024 # الثالث: قال أبو عبد الرحمن التجيبي: كنت عند عمر بن عبد العزيز قاعدا، ~~وهو إذ ذاك أمير المدينة، فأتي برجل يقطع الدراهم، وقد شهد عليه، فضربه ~~وحلقه، فأمر فطيف به، وأمره أن يقول: هذا جزاء من يقطع الدراهم، ثم أمر به ~~أن يرد إليه، فقال له: إنه لم يمنعني أن أقطع يدك إلا أني لم أكن تقدمت في ~~ذلك قبل اليوم، فقد تقدمت في ذلك، فمن شاء فليقطع. # قال القاضي ابن العربي: أما أدبه بالسوط فلا كلام فيه، وأما حلقه فقد ~~فعله عمر كما تقدم. # وقد كنت أيام الحكم بين الناس أضرب وأحلق؛ وإنما كنت أفعل ذلك بمن يربي ~~شعره عونا على المعصية وطريقا إلى التجمل به في الفسوق، وهذا هو الواجب في ms0947 ~~كل طريقة للمعصية أن يقطع إذا كان ذلك غير مؤثر في البدن. # وأما قطع يده فإنما أخذ ذلك عمر والله أعلم من فصل السرقة، وذلك أن قرض ~~الدراهم غير كسرها، فإن الكسر إفساد الوصف والقرض تنقيص القدر، فهو أخذ مال ~~على جهة الاختفاء. # فإن قيل: ليس من حرز، والحرز أصل في القطع. قلنا: يحتمل أن يكون عمر رأى ~~أن تهيئتها للفصل بين الخلق دينارا أو درهما حرز لها، وحرز كل شيء على قدر ~~حاله. # وقد أنفذ بعد ذلك ابن الزبير، وقطع يد رجل في قطع الدراهم والدنانير. # وقد قال علماؤنا المالكية: إن الدراهم والدنانير خواتيم الله عليها اسم ~~الله ولو قطع على قول أهل التأويل من كسر خاتما لله لكان أهلا لذلك، إذ من ~~كسر خاتم سلطان عليه اسمه أدب، وخاتم الله تقضى به الحوائج، فلا يستويان في ~~العقوبة. # PageV03P025 # وأرى القطع في قرضها دون كسرها، وقد كنت أفعل ذلك أيام توليتي الحكم، إلا ~~أني كنت محفوفا بالجهال، لم أجب بسبب المقال للحسدة الضلال، فمن قدر عليه ~~يوما من أهل الحق فليفعله احتسابا لله تعالى. ### | [الآية السادسة قوله تعالى ولا تركنوا إلى الذين ظلموا] # قوله تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون ~~الله من أولياء ثم لا تنصرون} [هود: 113]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى: الركون فيه اختلاف بين النقلة للتفسير، وحقيقته الاستناد ~~والاعتماد على الذين ظلموا. ### | [مسألة الذين ظلموا من أهل الإسلام] # المسألة الثانية: # قيل في الظالمين إنهم المشركون. وقيل: إنهم المؤمنون، وأنكره المتأخرون، ~~وقالوا: أما الذين ظلموا من أهل الإسلام فالله أعلم بذنوبهم، لا ينبغي أن ~~يصالح على شيء من معاصي الله، ولا يركن إليه فيها. # وهذا صحيح؛ لأن هذا لا ينبغي لأحد أن يصحب على الكفر، وفعل ذلك كفر؛ ولا ~~على المعصية، وفعل ذلك معصية قال الله في الأول: {ودوا لو تدهن فيدهنون} ~~[القلم: 9]، وسيأتي إن شاء الله تعالى. والآية إن كانت في الكفار فهي عامة ~~فيهم وفي العصاة، وذلك على نحو من قوله: {وإذا ms0948 رأيت الذين يخوضون في ~~آياتنا} [الأنعام: 68]. # وقد قال حكيم: # عن المرء لا تسل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن مقتد # PageV03P026 # والصحبة لا تكون إلا عن مودة، فإن كانت عن ضرورة وتقية فقد تقدم ذكرها في ~~سورة آل عمران على المعنى، وصحبة الظالم على التقية مستثناة من النهي لحال ~~الاضطرار. ### | [الآية السابعة قوله تعالى وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل] # الآية السابعة: # قوله تعالى: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن ~~السيئات ذلك ذكرى للذاكرين} [هود: 114]. فيها ست مسائل: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: # روى عبد الله بن مسعود قال: «جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني أصبت منها ما دون أن أمسها، ~~وها أنا فاقض في بما قضيت. فقال له عمر: لقد سترك الله لو سترت على نفسك. ~~فلم يزد عليه شيئا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فانطلق الرجل فأنزلت ~~على النبي - صلى الله عليه وسلم -: {وأقم الصلاة} [هود: 114]. فأتبعه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا فدعاه فتلا عليه: {وأقم الصلاة} [هود: ~~114]. فقال رجل من القوم: هذا له خاصة. فقال: بل للناس كلهم عامة». وهذا ~~صحيح رواه الأئمة كلهم. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وأقم الصلاة] # المسألة الثانية: قوله تعالى: وأقم الصلاة # هذه الآية تضمنت ذكر الصلاة وهي في كتاب الله سبع آيات متضمنة ذكر الصلاة ~~هذه هي الآية الأولى. # الثانية: قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن ~~الفجر} [الإسراء: 78]. # PageV03P027 # الثالثة: قوله تعالى: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس} [طه: 130] إلى: ~~{ترضى} [طه: 130]. # الرابعة: {وسبح بحمد ربك} [ق: 39] إلى: {السجود} [ق: 40]. # الخامسة: قوله تعالى: {فسبحان الله حين تمسون} [الروم: 17] إلى: {تظهرون} ~~[الروم: 18]. # السادسة: قوله تعالى: {واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا - ومن الليل} [الإنسان: ~~25 - 26]. # وقد جاء ذكر بعض الصلاة فيها، وهذه الآيات الست هي المستوفية لجميعها، ~~وكل آية منها تأتي مشروحة في مكانها إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة صلاة الغداة وصلاة العشي] # المسألة ms0949 الثالثة: # اختلف في تفسير هذه الآية على ثلاثة أقوال: # الأول: أنها تضمنت صلاة الغداة وصلاة العشي؛ قاله مجاهد. # الثاني: أنها تضمنت الظهر والعصر والمغرب؛ قاله الحسن وابن زيد. # الثالث: تضمنت الصلوات الخمس؛ قاله ابن عباس ومجاهد. # واختلفوا في صلاة طرفي النهار وصلاة الليل اختلافا لا يؤثر، فتركنا ~~استيفاءه، والإشارة إليه أن طرفي النهار الظهر والمغرب. # الثاني: أنهما الصبح والمغرب. # الثالث: أنها الظهر والعصر، وكذلك أفردوا بالاختلاف زلفا من الليل، فمن ~~قائل: إنها العتمة، ومن قائل: إنها المغرب والعتمة والصبح. # المسألة الرابعة: # لا خلاف أنها تضمنت الصلوات الخمس، فلا يضر الخلاف في تفصيل تأويلها بين ~~الطرفين والزلف، فإذا أردنا سلوك سبيل التحقيق قلنا: أما من قال: إن طرفي ~~النهار الصبح والمغرب فقد أخرج الظهر والعصر عنها. # وأما من قال: إنها الصبح والظهر فقد أسقط العصر. # PageV03P028 # وأما من قال: إنه العصر والصبح فقد أسقط الظهر. # والذي نختاره أنه ليس في النهار من الصلوات إلا الظهر والعصر، وباقيها في ~~الليل، فزلف الليل ثلاث: في ابتدائه، وهي المغرب، وفي اعتدال فحمته، وهي ~~العشاء، وعند انتهائه وهي الصبح. # وأما طرفا النهار فهما الدلوك والزوال وهو طرفه الأول، والدلوك الغروب، ~~وهو طرفه الثاني. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أدرك ركعة من ~~العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر». # والعجب من الطبري الذي يقول: إن طرفي النهار الصبح والمغرب وهما طرفا ~~الليل، فقلب القوس ركوة، وحاد من البرجاس غلوة. # قال الطبري: والدليل عليه إجماع الجميع على أن أحد الطرفين الصبح؛ فدل ~~على أن الطرف الآخر المغرب، ولم يجمع معه على ذلك أحد، وإن قول من يقول: ~~إنها الصبح والعصر أنجب لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من صلى ~~البردين دخل الجنة». وقد قرنها [بها] في الآية الثالثة والرابعة. ### | [مسألة استغراق الأوقات بالعبادات نفلا وفرضا] # المسألة الخامسة: # قال شيوخ الصوفية: إن المراد بهذه الآية استغراق الأوقات بالعبادات نفلا ~~وفرضا. وهذا ضعيف؛ فإن الأمر لم يتناول ذلك لا واجبا فإنما خمس صلوات، ولا ~~نفلا فإن الأوراد ms0950 معلومة، وأوقات النوافل المرغب فيها محصورة، وما سواها من # PageV03P029 # الأوقات يسترسل عليه الندب على البدل لا على العموم؛ فليس ذلك في قوة ~~بشر. # وقد روى ابن وهب عن مالك في هذه الآية أنها الصلاة المكتوبة. # وقد روى مالك عن هشام عن عروة عن أبيه، عن عثمان بن عفان أنه جلس على ~~المقاعد فجاء المؤذن، فأذن بصلاة العصر، فدعا بماء فتوضأ، ثم قال: والله ~~لأحدثنكم حديثا لولا آية في كتاب الله ما حدثتكموه، ثم قال: سمعت رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يقول: «ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يصلي ~~الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها». قال عروة: أراه ~~يريد هذه الآية: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا} [البقرة: 159]. # وقال مالك: أراه يريد هذه الآية: {وأقم الصلاة} [هود: 114]. # فعلى قول عروة يعني عثمان لولا أن الله حرم علي كتمان العلم لما ذكرته. ~~وعلى قول مالك [يعني عثمان]: لولا أن معنى ما أذكره لكم مذكور في كتاب الله ~~ما ذكرته لئلا تتهموني. ### | [مسألة الحسنات يذهبن السيئات] # المسألة السادسة: قوله: {إن الحسنات يذهبن السيئات} [هود: 114] # قال ابن المسيب، ومجاهد، وعطاء، هي الباقيات الصالحات: سبحان الله، ~~والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. # وقال جماعة: هي الصلوات الخمس، وبه قال مالك، وعليه يدل أول الآية في ذكر ~~الصلاة، فعليه يرجع آخرها، وعليه يدل الحديث الصحيح: «الصلوات الخمس، ~~والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما اجتنبت المقتلة». وروي: «ما اجتنبت ~~الكبائر». وكل ذلك في الصحيح. # PageV03P030 # وقد روي أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - أعرض عنه وأقيمت صلاة العصر، ~~فلما فرغ منها نزل عليه جبريل بالآية فدعاه فقال له: أشهدت معنا الصلاة؟ ~~قال: نعم. قال: اذهب فإنها كفارة لما فعلت» وروي أن «النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لما تلا هذه الآية قال له: قم فصل أربع ركعات»، والله أعلم. ### | [الآية الثامنة قوله تعالى ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة] # الآية الثامنة: # قوله تعالى: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة ms0951 واحدة ولا يزالون مختلفين} ~~[هود: 118] {إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من ~~الجنة والناس أجمعين} [هود: 119]. # فيها ست مسائل: # المسألة الأولى: في معنى الأمة: وقد قدمنا الإشارة إليها، وجمع بعض ~~العلماء فيها نيفا وثلاثين معنى، وهي هاهنا بمعنى الجماعة يعني جماعة واحدة ~~على دين واحد. كما يقال: كان الناس أمة واحدة أي: جماعة على دين واحد. ### | [مسألة الله سبحانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد] # المسألة الثانية: # قال قتادة: معناه لو شاء ربك لجعل الناس كلهم مسلمين. # PageV03P031 # وقيل معناه: لجعلهم كفارا أجمعين. وهذه آية لا يؤمن بها إلا أهل السنة ~~الذين يعتقدون ما قام الدليل عليه من أن الله سبحانه يفعل ما يشاء، ويحكم ~~ما يريد، وأن مشيئته وإرادته تتعلق بالخير والشر، والإيمان والكفر، والطاعة ~~والمعصية. # والأولى عندي أن يكون المعني هاهنا بالآية المسلمين، تقديرها: لو شاء ربك ~~لجعل الخلق كلهم مسلمين، ولكنه قسمهم إلى الإسلام والكفر بحكمته وسابق علمه ~~ومشيئته. . ### | [مسألة معنى قوله تعالى ولا يزالون مختلفين] # المسألة الثالثة: {ولا يزالون مختلفين} [هود: 118] # قيل: يهودي ونصراني ومجوسي، وهذا يرجع إلى الأديان. # وقال الحسن: يعني الاختلاف في الرزق: غني وفقير. وهذا بعيد في هذا ~~الموضع، وإنما جاءت الآية لبيان الأديان والاختلاف فيها، وإخبار الله عن ~~حكمه عليها، ورحمة من يرحم منها، فرجع وصف الاختلاف في هذا التقدير إلى أهل ~~الباطل من سائر الأمم، ولا إشكال في أن هذه الآية تدخل في هذا الحكم؛ فإن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لتركبن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر ~~وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب خرب لدخلتموه». وقال - صلى الله عليه ~~وسلم -: «افترقت اليهود والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ~~ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار، إلا واحدة. قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: ~~ما أنا عليه وأصحابي». ### | [مسألة معنى قوله تعالى إلا من رحم ربك] # المسألة الرابعة: قوله: {إلا من رحم ربك} [هود: 119] # فيه أربعة أقوال: # الأول: بالهداية إلى الحنيفية. # PageV03P032 # الثاني: بالهداية ms0952 إلى الحق. # الثالث: بالطاعة. # الرابع: إلا من رحم ربك؛ فإنه لا يختلف؛ قاله ابن عباس. # وكلها استثناء متصل لا انقطاع فيه لانتظام المعنى معه. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ولذلك خلقهم] # المسألة الخامسة: قوله: {ولذلك خلقهم} [هود: 119]: # فيه قولان: # أحدهما: للاختلاف خلقهم. # الثاني: للرحمة خلقهم. # والصحيح أنه خلقهم ليختلفوا، فيرحم من يرحم، ويعذب من يعذب، كما قال: ~~{فمنهم شقي وسعيد} [هود: 105]. وقال: {فريق في الجنة وفريق في السعير} ~~[الشورى: 7]. # واعجبوا ممن يسمع الملائكة تقول: {أتجعل فيها من يفسد فيها} [البقرة: ~~30]، ويتوقف في معرفة ما يكون من خلق الله للفساد، وهل يكون الفساد وسفك ~~الدماء إلا بالاختلاف. # وقد قال أشهب: سمعت مالكا يقول في قول الله: {ولا يزالون مختلفين} [هود: ~~118] {إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} [هود: 119] للاختلاف، فقال لي: ليكون ~~فريق في الجنة وفريق في السعير. وهذا قول من فهم الآية، كما قال عمر بن عبد ~~العزيز حين قرأ: {ولذلك خلقهم} [هود: 119] قال: خلق أهل رحمته، لئلا ~~يختلفوا. ونحوه عن طاوس، وما اخترناه، وأخبرنا به هو الصحيح كما تقدم، ~~والله أعلم. ألا ترون إلى خاتمة الآية حين قال: {وتمت كلمة ربك} [هود: ~~119]، وهي: [المسألة السادسة]. # PageV03P033 # المسألة السادسة: {لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} [هود: 119]. # ثم أخبر النبي أن أهل النار أكثر من أهل الجنة، فقال: «يقول الله يوم ~~القيامة لآدم: ابعث بعث النار. قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة ~~وتسعة وتسعون للنار وواحد إلى الجنة»؛ فلهذا خلقهم، سبحانه وتعالى عما يقول ~~الظالمون علوا كبيرا. # PageV03P034 ### | [سورة يوسف فيها اثنتان وعشرون آية] # [الآية الأولى قوله تعالى قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك] ### | الآية الأولى # قوله تعالى: {قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك # فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين} [يوسف: 5]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: في حقيقة الرؤيا: وهي حالة شريفة جعلها الله للخلق بشرى ~~كما تقدم. وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لم يبق بعدي من المبشرات إلا ~~الرؤيا»، وحكم بأنها جزء من سبعين جزءا ms0953 من النبوة. واختلف الناس فيها؛ ~~فأنكرتها المعتزلة؛ لأنها ليست من الشريعة في شيء. وقد اتفقت الأمم عليها ~~مع اختلافهم في الآراء والنحل. # PageV03P035 # واختلف علماؤنا في حقيقتها؛ فقال القاضي، والأستاذ أبو بكر: إنها أوهام ~~وخواطر واعتقادات. # وقال الأستاذ أبو إسحاق: هي إدراك حقيقة، وحمل القاضي والأستاذ ذلك على ~~رؤية الإنسان لنفسه يطير وهو قائم، وفي المشرق وهو في المغرب، ولا يكون ذلك ~~إدراكا حقيقة. # وعول الأستاذ أبو إسحاق على أن الرؤيا إدراك في أجزاء لم تحلها الآفة، ~~ومن بعد عهده بالنوم استغرقت الآفة أجزاءه، وتقل الآفة في آخر الليل. وقال: ~~إن الله سبحانه يخلق له علما ناشئا، ويخلق له الذي يراه ليصح الإدراك، فإذا ~~رأى شخصا وهو في طرف العالم فالموجود كأنه عنده، ولا يرى في المنام إلا ما ~~يصح إدراكه في اليقظة، ولذلك لا نرى شخصا قائما قاعدا في المنام بحال، ~~وإنما يرى الجائزات الخارقة للعادات، أو الأشياء المعتادات، وإذا رأى نفسه ~~يطير أو يقطع يده أو رأسه فإنما رأى غيره على مثاله، وظنه من نفسه، وهذا ~~معنى قول القاضي الأستاذ أبي بكر: إنها أوهام، ويتفقون في هذا الموضع وإلى ~~هذا المعنى وقع البيان بقوله [- عليه السلام -]: «من رآني في المنام فقد ~~رآني؛ فإن الشيطان لا يتمثل بي»؛ فإن المرء يعلم قطعا أنه لم ير الذات ~~النبوية ولا العين المرسلة إلى الخلق، وإنما رأى مثالا صادقا في التعبير ~~عنه، والخبر به؛ إذ قد يراه شيخا أشمط، ويراه شابا أمرد، وبين - صلى الله ~~عليه وسلم - هذا # PageV03P036 # المعنى بيانا زائدا، فقال: «من رآني فقد رأى الحق» أي لم يكن تخييلا ولا ~~تلبيسا ولا شيطانا؛ ولكن الملك يضرب الأمثلة على أنواع، بحسب ما يرى من ~~التشبيه بين المثال والممثل به؛ إذ لا يتكلم مع النائم إلا بالرمز والإيماء ~~في الغالب، وربما خاطبه بالصريح البين، وذلك نادر. # قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «رأيت سوداء ثائرة الرأس تخرج من ~~المدينة إلى مهيعة، فأولتها الحمى، ورأيت سيفي قد انقطع صدره وبقرا تنحر، ~~فأولتها رجل من ms0954 أهلي يقتل، والبقر نفر من أصحابي يقتلون ورأيت أني أدخلت ~~يدي في درع حصينة فأولتها المدينة، ورأيت في يدي سوارين فأولتهما كذابين ~~يخرجان بعدي»، إلى غير ذلك مما ضربت له به الأمثال. # ومنها ما يظهر معناه أولا، ومنها ما لا يظهر [معناه] إلا بعد الفكر. # وقد رأى النائم في زمان يوسف بقرا فأولها يوسف السنين، ورأى أحد عشر ~~كوكبا والشمس والقمر فأول الشمس والقمر أبويه، وأول الكواكب الأحد عشر ~~إخوته الأحد عشر، وفهم يعقوب مزية حاله، وظهور خلاله؛ فخاف عليه حسد الإخوة ~~الذي ابتدأه ابنا آدم، فأشار عليه بالكتمان. # فإن قيل: فقد كان يوسف في وقت رؤياه صغيرا، والصغير لا حكم لفعله، فكيف ~~يكون لرؤياه حكم؟ فالجواب من ثلاثة أوجه. # الأول: أن الصغير يكون الفعل منه بالقصد، فينسب إلى التقصير، الرؤيا لا ~~قصد فيها، فلا ينسب تقصير إليها. # الثاني: أن الرؤيا إدراك حقيقة كما بيناه، فيكون من الصغير كما يكون منه # PageV03P037 # الإدراك الحقيقي في اليقظة، وإذا أخبر عما رأى صدق، فكذلك إذا أخبر عما ~~رأى في المنام تأول. # الثالث: أن خبره يقبل في كثير من الأحكام، منها الاستئذان فكذلك في ~~الرؤيا. # المسألة الثانية: قوله: {لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا} ~~[يوسف: 5] # حكم بالعادة من الحسادة بين الإخوة والقرابة كما تقدم بيانه، والحكم ~~بالعادة أصل يأتي بيانه إن شاء الله بعد. # وقيل: إن يعقوب قد كان فهم من إخوة يوسف حسدا له بما رأوا من شغف أبيه ~~به؛ فلذلك حذره. المسألة الثالثة: # قال علماؤنا: هذا يدل على معرفة يعقوب بتأويل الرؤيا؟؛ لأن نهيه لابنه عن ~~ذكرها، وخوفه على إخوته من الكيد له من أجلها علم بأنها تقتضي ظهوره عليهم ~~وتقدمه فيهم، ولم يبال بذلك يعقوب؛ فإن الرجل يود أن يكون ولده خيرا منه، ~~والأخ لا يود ذلك لأخيه. ### | [الآية الثانية قوله تعالى وجاءوا أباهم عشاء يبكون] # الآية الثانية: # قوله تعالى: {وجاءوا أباهم عشاء يبكون - قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق ~~وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن ms0955 لنا ولو كنا صادقين} ~~[يوسف: 16 - 17]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: قال علماؤنا: هذا يدل على أن بكاء المرء لا يدل على صدق ~~مقاله؛ لاحتمال أن # PageV03P038 # يكون تصنعا، ومن الخلق من يقدر على ذلك، ومنهم من لا يقدر. وقد قيل: إن ~~الدمع المصنوع لا يخفى، كما قال حكيم: # إذا اشتبكت دموع في خدود ... تبين من بكى ممن تباكى # والأصح عندي أن الأمر مشتبه، وأن من الخلق في الأكثر من يقدر من التطبع ~~على ما يشبه الطبع. ### | [مسألة هل المسابقة شرعة في الشريعة] # المسألة الثانية: قوله تعالى: {إنا ذهبنا نستبق} [يوسف: 17] # اعلموا وفقكم الله أن المسابقة شرعة في الشريعة، وخصلة بديعة، وعون على ~~الحرب، وقد فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - بنفسه وبخيله؛ فروي «أنه ~~سابق عائشة فسبقها، فلما كبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سابقها ~~فسبقته، فقال لها: هذه بتلك». # وروي «أنه سابق بين الخيل التي أضمرت من الحفياء، وكان أمدها ثنية ~~الوداع، وسابق الخيل التي لا تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق، وأن عبد ~~الله بن عمر كان ممن سابق بها». # وقد روي أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - سابق بين العضباء وغيرها، ~~فسبقت العضباء، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: حق على الله ألا يرفع ~~شيئا من الدنيا إلا وضعه». # وفي ذلك في الفوائد رياضة النفس والدواب، وتدريب الأعضاء على التصرف، ولا ~~مسابقة إلا بين الخيل والإبل خاصة # PageV03P039 # المسألة الثالثة: # يجوز الاستباق من غير سبق يجعل، ويجوز بسبق، فإن أخرج أحد المتسابقين ~~سبقا على أن يأخذه الآخر إن سبق، وإن سبق هو أخذه الذي يليه، فإنه جائز عند ~~أكثر العلماء. وقال مالك. وروى ابن مزيد عن مالك أن يأخذه من حضر، فذلك ~~أيضا جائز، وإن كان على أن يأخذه الخارج إن سبق ففيه ثلاث روايات: كرهه ~~مالك، وقال ابن القاسم: لا خير فيه، وجوزه ابن وهب، وبه أقول؛ لأنه لا غرر ~~فيه، ولا دليل يحرمه. # قال علماؤنا: وهذا إن كان بينهما محلل، على أنه إن سبق ms0956 أخذ منهما أو من ~~أحدهما، وإن سبق لم يكن عليه شيء جاز، جوزه ابن المسيب ومالك في أحد قوليه ~~ومنعه في الآخر، ولا يشترط فيه معرفة أحد بحال فرس صاحبه، بل يجوز على ~~الجهالة ولهما حكم القدر، ومسائل السباق في الفروع مستوفاة. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى وجاءوا على قميصه بدم كذب] # قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} ~~[يوسف: 18]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: أرادوا أن يجعلوا الدم علامة على صدقهم، فروي في ~~الإسرائيليات أن الله تعالى قرن بهذه العلامة علامة تعارضهما؛ وهي سلامة ~~القميص في التلبيب؛ والعلامات إذا تعارضت تعين الترجيح، فيقضى بجانب ~~الرجحان، وهي قوة التهمة لوجوه تضمنها القرآن، منها طلبهم إياه شفقة، ولم ~~يكن من فعلهم ما يناسبها، فيشهد بصدقها، بل كان سبق ضدها، وهي تبرمهم به. # ومنها أن الدم محتمل أن يكون في القميص موضوعا، ولا يمكن افتراس الذئب # PageV03P040 # ليوسف، وهو لابس للقميص ويسلم القميص من تخريق، وهكذا يجب على الناظر أن ~~يلحظ الأمارات [والعلامات] وتعارضها. ### | [مسألة القضاء بالتهمة إذا ظهرت] # المسألة الثانية: # القضاء بالتهمة إذا ظهرت كما قال يعقوب: {بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر ~~جميل} [يوسف: 18]. # ولا خلاف في الحكم بالتهمة؛ وإنما اختلف الناس [في التأثير في] أعيان ~~التهم حسبما يأتي منثورا في المسائل الأحكامية في هذا الكتاب، ولذلك قالوا ~~له: {وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين} [يوسف: 17] أي تهمتك لنا بعظم ~~محبتك تبطل عندك صدقنا؛ وهذا كله تخييل. # المسألة الثالثة: # قال علماؤنا: كان في قميص يوسف ثلاث آيات: جاءوا عليه بدم كذب، وقد من ~~دبر، وألقي على وجه يعقوب فارتد بصيرا. ### | [الآية الرابعة قوله تعالى وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم] # الآية الرابعة: # قوله تعالى: {وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا ~~غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون} [يوسف: 19]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى: قال ابن وهب: حدثني مالك قال: طرح يوسف في الجب وهو ~~غلام، وكذلك روى ابن القاسم عنه يعني أنه كان صغيرا. ms0957 والدليل عليه قوله ~~تعالى: # PageV03P041 # {لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابت الجب يلتقطه بعض السيارة} [يوسف: 10] ~~ولا يلتقط الكبير. وقوله: {وأخاف أن يأكله الذئب} [يوسف: 13] وذلك أمر يختص ~~بالصغار؛ فمن هاهنا أخذ مالك وغيره أنه غلام. ### | [مسألة هل اللقيط حر] # المسألة الثانية: قوله تعالى: {وأسروه بضاعة} [يوسف: 19] # قيل: الضمير في (" أسروه ") يرجع إلى الملتقطين. وقيل: يرجع إلى الإخوة، ~~فإن رجع إلى الإخوة كان معنى الكلام أنهم كتموا أخوته، وأظهروا مملوكيته، ~~وقطعوه عن القرابة إلى الرق. وإن عاد الضمير إلى الملتقطين كان معنى الكلام ~~أنهم أخفوه عن أصحابهم، وباعوه دون علمهم بضاعة اقتطعوها عنهم، وجحدوها ~~منهم؛ وساعد يوسف على ذلك كله تحت التخويف والتهديد. # وروي عن الحسن بن علي أنه قضى بأن اللقيط حر، وقرأ: {وشروه بثمن بخس ~~دراهم معدودة} [يوسف: 20]. # وكذلك يروى عن علي وجماعة. وقال إبراهيم: إن نوى رقه فهو مملوك، وإن نوى ~~الحسبة فيه فهو حر. # وقد روى الزهري قال: كنت عند سعيد بن المسيب فحدثه سنين أبو جميلة قال: ~~وجدت منبوذا على عهد عمر، فأخذته فانطلق عريفي، فذكره لعمر، فدعاني عمر ~~والعريف عنده، فلما رآني مقبلا قال: عسى الغوير أبؤسا. قال الزهري: مثل كان ~~أهل المدينة يضربونه. قال عريفي: يا أمير المؤمنين، إنه لا يتهم به. فقال ~~لي: علام أخذت هذا؟ قلت: وجدته نفسا بمضيعة، فأحببت أن يأجرني الله. قال: ~~هو حر وولاؤه لك ورضاعته علينا. ### | [الآية الخامسة قوله تعالى وشروه بثمن بخس دراهم معدودة] # وكانوا فيه من الزاهدين} [يوسف: 20]. # PageV03P042 # فيها خمس مسائل: # المسألة الأولى: يقال: شريت بمعنى بعت، وشريت بمعنى اشتريت لغة. والبخس: ~~الناقص، ومنه قوله تعالى: {ولا تبخسوا الناس أشياءهم} [الأعراف: 85] وهي: ~~المسألة الثانية: وقيل في بخس: إنه بمعنى حرام، ولا وجه له، وإنما الإشارة ~~فيه إلى أنه لم يستوف ثمنه بالقيمة # ؛ لأن إخوته إن كانوا باعوه فلم يكن قصدهم ما يستفيدون من ثمنه، وإنما ~~كان قصدهم ما يستفيدون من خلو وجه أبيهم عنه. وإن كان الذين باعوه هم ~~الواردة فإنهم أخفوه مقتطعا، أو قالوا لأصحابهم: ms0958 أرسل معنا بضاعة، فرأوا ~~أنهم لم يعطوا عنه ثمنا، وأن ما أخذوه فيه ربح كله. # المسألة الثالثة: قوله: {وكانوا فيه من الزاهدين} [يوسف: 20] # إخوته أو الواردة على التقديرين المتقدمين، لم يكن عندهم أمره عبيطا لا ~~عند الإخوة؛ لأن مقصدهم زوال عينه لا ماله، ولا عند الواردة؛ لأنهم خالفوا ~~اشتراك أصحابهم معهم، ورأوا أن القليل من ثمنه في الانفراد أولى. ### | [مسألة أصل النقدين] # المسألة الرابعة: قوله: {دراهم معدودة} [يوسف: 20]: # وذلك يدل على أن الأثمان كانت تجري عندهم عددا لا وزنا، وأصل النقدين ~~الوزن لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الفضة ~~بالفضة إلا وزنا بوزن؛ فمن زاد أو ازداد فقد أربى». ولأنه لا فائدة فيها ~~إلا المقدار؛ فأما عينها فلا منفعة فيه، ولكن جرى فيها العدد تخفيفا عن ~~الخلق؛ لكثرة المعاملة، فيشق الوزن، حتى لو # PageV03P043 # ضربت مثاقيل ودراهم لجاز بيع بعضها ببعض عددا إذا لم يكن فيها نقصان [ولا ~~رجحان]؛ لأن خاتم الله عليها في التقدير حتى ينقص وزنها من نقص، ويفض خاتم ~~الله من فض؛ فيعود الأمر إلى الوزن، ولأجل ذلك كان كسرها أو قرضها من ~~الفساد في الأرض، حين كان حكم جريانها العدد. ### | [مسألة هل أصل اللقيط الحرية] # المسألة الخامسة: # إنما كان أصل اللقيط الحرية، لغلبة الأحرار على العبيد، فيقضى بالغالب، ~~كما حكم بأنه مسلم أخذا بالغالب. فإن كان في قرية فيها نصارى ومسلمون فقال ~~ابن القاسم: يحكم بالأغلب. وقال غيره: لو لم يكن فيها إلا مسلم واحد قضي ~~للقيط بالإسلام، تغليبا لحكم الإسلام الذي يعلو ولا يعلى [عليه]. وما ذكره ~~ابن القاسم أولى وقد بيناه في كتاب المسائل، والله أعلم. ### | [الآية السادسة قوله تعالى وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته] # أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ~~ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ~~[يوسف: 21]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى: قوله: {أو نتخذه ولدا} [يوسف: 21] هذا يدلك على أن ~~التبني كان أمرا معتادا عند ms0959 الأمم، وسيأتي بيانه إن شاء الله. # المسألة الثانية: # روي عن ابن مسعود أنه قال: أفرس الناس ثلاثة: عزيز مصر، حين قال لامرأته: # PageV03P044 # {أكرمي مثواه} [يوسف: 21] إلخ. الثاني: بنت شعيب في فراسة موسى حين قالت: ~~{إن خير من استأجرت القوي الأمين} [القصص: 26]. الثالث: أبو بكر حين ولى ~~عمر قال: أقول لربي وليت عليهم خيرهم. # قال الفقيه القاضي أبو بكر - رضي الله عنه -: عجبا للمفسرين في اتفاقهم ~~على جلب هذا الخبر، والفراسة هي علم غريب، حده وحقيقته كما بيناه في غير ~~موضع الاستدلال بالخلق على الخلق فيما لا يتعدى المتفطنون إلى غير ذلك من ~~الصيغ والأغراض، فأما أمر العزيز فيمكن أن يجعل فراسة؛ لأن لم يكن معه ~~علامة ظاهرة. # وأما بنت شعيب فكانت معها العلامة البينة. أما القوة فعلامتها رفع الحجر ~~الثقيل الذي لا يستطيع أحد أن يرفعه، وأما الأمانة فبقوله لها وكان يوما ~~رياحا: امشي خلفي لئلا تصفك الريح بضم ثوبك لك، وأنا عبراني لا أنظر في ~~أدبار النساء. # وأما أبو بكر في ولاية عمر فبالتجربة في الأعمال، والمواظبة على الصحبة ~~[وطولها]، والاطلاع على ما شاهد منه، من العلم والمنة، وليس ذلك من طريق ~~الفراسة. والله أعلم. ### | [الآية السابعة قوله تعالى ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما] # الآية السادسة: # قوله تعالى: {ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين} ~~[يوسف: 22]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: قوله: {أشده} [يوسف: 22] في لغته خمسة أقوال: # الأول: أنه جمع لا واحد له، كالإصر والأشر. # الثاني: أن واحده شدة كنعمة وأنعم؛ قاله سيبويه. # PageV03P045 # الثالث: واحده شد، كقولك قد وأقد. # الرابع: قال يونس: واحده شد، وهو يذكر ويؤنث. # الخامس: أشد بضم الهمزة والشين. # المسألة الثانية: في تقديره: وفي ذلك أقوال كثيرة من الحلم إلى أربعين ~~سنة، أمهاتها خمس: الأول: أنه من الحلم؛ قاله الشعبي، وربيعة، وزيد بن ~~أسلم، ومالك. # الثاني: قال الزجاج: هو من سبعة عشر عاما إلى أربعين؛ وهو الأول بعينه، ~~إلا أنه رأى أن الحلم من سبعة عشر عاما. # الثالث: أنه عشرون سنة؛ قاله ms0960 الضحاك. # الرابع: إنه بضع وثلاثون؛ قاله ابن عباس. # الخامس: أنه أربعون؛ يروى عن جماعة. # والصحيح أن الحلم إلى خمسين سنة؛ فإن من الحلم يشتد الآدمي إلى خمسين ثم ~~يأخذ في القهقرى قال الشاعر: # أخو خمسين مجتمع أشدي ... وتجريبي مداراة الشؤون ### | [مسألة معنى قوله تعالى آتيناه حكما وعلما] # المسألة الثالثة: {آتيناه حكما وعلما} [يوسف: 22]: الحكم هو العمل ~~بالعلم، وقد تقدم في سورة البقرة معنى ترتيب " حكم ". # والعمل بمقتضى العلم إنما يكون بعد البلوغ، وما قبله في زمان عدم التكليف ~~فإنه فيه معدوم إلا في النادر. قال الله تعالى في يحيى بن زكريا: {وآتيناه ~~الحكم صبيا} [مريم: 12]. قال المفسرون: قيل له، وهو صغير: ألا تذهب تلعب؟ ~~قال: ما خلقت للعب. وهذا إنما بين الله به حال يوسف من حين بلوغه بأنه آتاه ~~العلم، وآتاه العمل بما علم؛ وخبر الله صادق، ووصفه صحيح، وكلامه حق، فقد ~~عمل يوسف بما علمه الله من # PageV03P046 # تحريم الزنا وتحريم خيانة السيد أو الجار أو الأجنبي في أهله، فما تعرض ~~لامرأة العزيز، ولا أناب إلى المراودة [بحكم المراودة]؛ بل أدبر عنها، وفر ~~منها؛ حكمة خص بها، وعملا بمقتضى ما علمه الله سبحانه؛ وهذا يطمس وجوه ~~الجهلة من الناس والغفلة من العلماء في نسبتهم إليه ما لا يليق به، وأقل ما ~~اقتحموا من ذلك أنه هتك السراويل، وهم بالفتك فيما رأوه من تأويل، وحاش لله ~~ما علمت عليه من سوء، بل أبرئه مما برأه منه، فقال: {ولما بلغ أشده آتيناه ~~حكما وعلما} [يوسف: 22]، كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا ~~الذين استخلصناهم. والفحشاء هي الزنا والسوء هو المراودة والمغازلة، فما ~~ألم بشيء ولا أتى بفاحشة. # فإن قيل: فقد قال الله: {ولقد همت به وهم بها} [يوسف: 24]. # قلنا: قد تقصينا عن ذلك في كتاب الأنبياء من شرح المشكلين، وبينا أن الله ~~[سبحانه] ما أخبر عنه أنه أتى في جانب القصة فعلا بجارحة، وإنما الذي كان ~~منه الهم، وهو فعل القلب، فما لهؤلاء المفسرين لا يكادون يفقهون حديثا، ~~ويقولون: فعل، ms0961 وفعل؟ والله إنما قال: هم بها، لا أقالهم ولا أقاتهم الله ~~ولا عالهم. # كان بمدينة السلام إمام من أئمة الصوفية، وأي إمام، يعرف بابن عطاء، تكلم ~~يوما على يوسف وأخباره حتى ذكر تبرئته من مكروه ما نسب إليه، فقام رجل من ~~آخر مجلسه وهو مشحون بالخليقة من كان طائفة، فقال له: يا سيدي، فإذن يوسف ~~هم وما تم. فقال: نعم؛ لأن العناية من ثم. فانظر إلى حلاوة العالم ~~والمتعلم، وانظر إلى فطنة العامي في سؤاله، وجواب العالم في اختصاره، ~~واستيفائه. ولذلك قال علماء الصوفية: إن فائدة قوله: {ولما بلغ أشده آتيناه ~~حكما وعلما} [يوسف: 22] أن الله أعطاه العلم والحكمة إبان غلبة الشهوة ~~لتكون له سببا للعصمة # PageV03P047 ### | [الآية الثامنة قوله تعالى قال هي راودتني عن نفسي] # وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين} ~~[يوسف: 26] {وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين} [يوسف: 27]. # فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: قال علماؤنا: ليست هذه الشهادة من شهادات الأحكام التي ~~تفيد الإعلام عند الحكام، ويتفرد بعلمها الشاهد فيطلع عليها الحاكم، وإنما ~~هي بمعنى أخبر عن علم ما كان عنه القوم غافلين؛ وذلك أن القميص جرت العادة ~~فيه أنه إذا جذب من خلفه تمزق من تلك الجهة، وإذا جذب من قدام تمزق من تلك ~~الجهة، ولا يجذب القميص من خلف اللابس إلا إذا كان مدبرا، وهذا في الأغلب، ~~وإلا فقد يتمزق [القميص بالقلب من ذلك] إذا كان الموضع ضعيفا. # المسألة الثانية: # يتكلم الناس في هذا الشاهد من أربعة أوجه: الأول: الشاهد هو القميص. # الثاني: أنه كان ابن عمها. # الثالث: أنه كان من أصحاب العزيز. # الرابع: أنه كان صبيا في المهد. # فأما إذا قلنا إنه القميص فكان يصح من جهة اللغة أن يخبر عن حاله بتقدير ~~مقاله؛ فإن لسان الحال أبلغ من لسان المقال في بعض الأمور، وقد تضيف العرب ~~الكلام إلى الجمادات بما تخبر عنه بما عليها من الصفات، ومن أجلاه قول ~~بعضهم: قال # PageV03P048 # الحائط للوتد: ms0962 لم تشقني. قال: سل من يدقني، ما تركني ورأيي هذا الذي ~~ورائي، ولكن قوله بعد ذلك: {من أهلها} [يوسف: 26] في صفة الشاهد يبطل أن ~~يكون القميص. # وأما من قال: إنه ابن عمها أو رجل آخر من أصحاب العزيز، فإنه محتمل؛ لكن ~~قوله: {من أهلها} [يوسف: 26] يعطي اختصاصا من جهة القرابة. # وأما من قال: إنه كان صغيرا فهو الذي يروى عن ابن عباس وأنه قد تكلم في ~~المهد أربعة: " عيسى ابن مريم، وابن ماشطة فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، ~~" ونقصهم اثنان: أحدهما: وهو الذي «ذكر النبي في قصة أصحاب الأخدود أنهم ~~لما حفرت لهم الأرض، ورمي فيها بالحطب وأوقدت النار عليها، وعرض عليهم أن ~~يقعوا فيها أو يكفروا الحديث بطوله. فوقفت امرأة منهم، وكان في ذراعها صبي ~~فقال لها: يا أمه، إنك على الحق.» وهذا حديث صحيح خرجه مسلم. # والثاني: ما روي أن امرأة كانت ترضع صبيا في حجرها، فمر بها رجل له شارة ~~وحوله حفدة، فقالت: اللهم اجعل ابني مثل هذا، فترك الصبي الثدي، وقال: ~~اللهم لا تجعلني مثله، ومر بامرأة وهم يضربونها ويقولون: سرقت ولم تسرق ~~وزنيت ولم تزن. فقالت: اللهم لا تجعل ابني مثلها، فترك الصبي الثدي، وقال: ~~اللهم اجعلني مثلها. # وأوحى إلى نبي ذلك الزمان أن الأول لا خير فيه، وأن هذه يقولون فعلت وهي ~~لم تفعل. هذا معنى الحديث. # فالذي صح فيمن تكلم في المهد أربعة: صاحب الأخدود، وصاحب جريج # PageV03P049 # وعيسى ابن مريم، وهذا الصبي الذي تكلم في حجر المرأة بالرد على أمه فيما ~~اختارته وكرهه. # المسألة الثالثة: # قال بعض [العلماء] المفسرين: لو كان هذا المشاهد طفلا لكان في كلامه في ~~المهد وشهادته آية ليوسف، ولم يحتج إلى ثوب ولا إلى غيره. وهذا ضعيف فإنه ~~يحتمل أن يكون الصبي يتكلم في المهد منبها لهم على هذا الدليل الذي كانوا ~~عنه غافلين، وكانت آية، كما قال: تبينت بها براءة يوسف من الوجهين: من جهة ~~نطق الصبي، ومن جهة ذكر الدليل. ### | [مسألة العمل بالعرف والعادة] # المسألة الرابعة: # قال ms0963 علماؤنا: في هذا دليل على العمل بالعرف والعادة لما ذكر من أخذ ~~القميص مقبلا ومدبرا، وما دل عليه الإقبال من دعواها، والإدبار من صدق ~~يوسف؛ وهذا أمر تفرد به المالكية كما بيناه في كتبنا. # فإن قيل: هذا شرع من قبلنا. قلنا: عنه جوابان.: # أحدهما: أن شرع من قبلنا شرع لنا. وقد بيناه في غير موضع. # الثاني: أن المصالح والعادات لا تختلف فيها الشرائع. أما أنه يجوز أن ~~يختلف وجود المصالح فيكون في وقت دون وقت، فإذا وجدت فلا بد من اعتبارها. ~~وقد استدل يعقوب بالعلامة، فروى العلماء أن الإخوة لما ادعوا أكل الذئب ~~[له] قال: أروني القميص. فلما رآه سليما قال: لقد كان هذا الذئب حليما. ~~وهكذا فاطردت العادة والعلامة، وليس هذا بمناقض لقوله [عليه السلام] ~~«البينة على المدعي # PageV03P050 # واليمين على من أنكر». والبينة إنما هي البيان، ودرجات البيان تختلف ~~بعلامة تارة، وبأمارة أخرى؛ وبشاهد أيضا، وبشاهدين ثم بأربع. ### | [الآية التاسعة قوله تعالى قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه] # الآية التاسعة: # قوله تعالى: {قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن ~~أصب إليهن وأكن من الجاهلين} [يوسف: 33]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى: أكره يوسف على الفاحشة بالسجن، وأقام فيه سبعة أعوام، ~~وما رضي بذلك لعظيم منزلته وشريف قدره، ولو أكره رجل بالسجن على الزنا ما ~~جاز له ذلك إجماعا، فإن أكره بالضرب فاختلف فيه العلماء؛ والصحيح أنه إذا ~~كان فادحا فإنه يسقط إثم الزنا وحده. # وقال بعض علمائنا: إن الإكراه لا يسقط الحد، وهو ضعيف؛ فإن الله لا يجمع ~~على عبده العذابين، ولا يصرفه بين البلاءين فإنه من أعظم الحرج في الدين، ~~وصبر يوسف على السجن، واستعاذ من الكيد فقال: {وإلا تصرف عني كيدهن} [يوسف: ~~33] الآيتين. ### | [مسألة بناء أفعل في التفضيل] # المسألة الثانية: قوله: أحب # بناء أفعل في التفضيل يكون للمشتركين في الشيء، ولأحدهما المزيد في ~~المشترك فيه على الآخر، ولم يكن المدعو إليه حبيبا إلى يوسف، ولكنه كنحو ~~القول: الجنة أحب # PageV03P051 # إلي من النار، ms0964 والعافية أحب إلى [قلبي] من البلاء؛ وقد بيناه فيما تقدم ~~من كلامنا. ### | [الآية العاشرة قوله تعالى يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا] # الآية العاشرة: # قوله تعالى: {يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب ~~فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} [يوسف: 41]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: روي أن الفتيين لما صحباه في السجن وكلماه، ورأيا فضله ~~وأدبه وفهمه سألاه عن الذي قالا إنهما رأياه من أمر الخمر والخبز، فأعرض ~~يوسف عنهما، وأخذ في حديث آخر يتكلم فيه معهما، فقال لهما: {لا يأتيكما ~~طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله} [يوسف: 37] وذلك؛ لأن الله كان قد علمه ~~تأويل الرؤيا، وذلك بين في قوله: {ولنعلمه من تأويل الأحاديث} [يوسف: 21] ~~يعني ما يكون سببا لظهور براءته ومنزلته، وقد كان أطلعه من الغيوب على ما ~~يخبر به عن البواطن، حتى روي أنه كان الملك إذا أراد إهلاك أحد أرسل إليه ~~طعاما مسموما، فلما سألاه عما رأيا في المنام من أمر الطعام أعلمهما أنه ~~يخبرهما بحال كل طعام يأتيهما في اليقظة والمنام، وأقبل يبين لهما حال ~~الإيمان والتوحيد وما هو عليه من الحق، وما كان عليه آباؤه من قبله كذلك، ~~ونصب لهما الأدلة، ثم عطف على تأويل ما رأيا، فلما أخبرهما بالتأويل ندما ~~على ما فعلا، وقالا: كذبنا. فقال لهما يوسف: {قضي الأمر الذي فيه تستفتيان} ~~[يوسف: 41]. ### | [مسألة من كذب في رؤيا ففسرها العابر له أيلزمه حكمها] # فإن قيل: ومن كذب في رؤيا ففسرها العابر له، أيلزمه حكمها؟ وهي: # PageV03P052 # المسألة الثانية: قلنا: لا يلزمه؛ وإنما كان كذلك في يوسف؛ لأنه نبي. وقد ~~قال: إنه يكون كذا ويقع كذا، فأوجد الله ما أخبر كما قال؛ تحقيقا لنبوته. # فإن قيل: إنما مخرج كلام يوسف في أنه يكون كذا إن كانا رأياه. # قلنا: ذلك جائز؛ ولكن الفتيان أرادا اختباره بذلك، فحقق الله قوله [آية]، ~~وقابل الهزل بالجد، كما قال الله تعالى: {الله يستهزئ بهم} [البقرة: 15]. # فإن قيل: فقد روى عبد الرزاق، عن ms0965 معمر عن قتادة، قال: جاء رجل إلى عمر بن ~~الخطاب، فقال له: إني رأيت كأني أعشبت، ثم أجدبت، ثم أعشبت، ثم أجدبت. فقال ~~له عمر: أنت رجل تؤمن، ثم تكفر، ثم تؤمن، ثم تكفر، ثم تموت كافرا. فقال له ~~الرجل: ما رأيت شيئا. فقال عمر: قد قضي لك ما قضي لصاحب يوسف. # قلنا: ليست لأحد بعد عمر؛ لأن عمر كان محدثا، وكان إذا ظن ظنا كان، وإذا ~~تكلم به وقع على ما ورد في أخباره، وهي كثيرة؛ منها: أنه دخل عليه رجل فقال ~~له: أظنك كاهنا، فكان كما ظن خرجه البخاري. # ومنها: أنه سأل رجلا عن اسمه، فقال له أسماء فيها النار كلها، فقال له: ~~أدرك أهلك فقد احترقوا؛ فكان كما قال. والله أعلم. # PageV03P053 ### | [مسألة تفسير الرؤيا] # المسألة الثالثة: # هاهنا نكتة بديعة: وهي أن يوسف وإن كان قال لهما {قضي الأمر الذي فيه ~~تستفتيان} [يوسف: 41] فقد قال الله عنه: {وقال للذي ظن أنه ناج منهما ~~اذكرني عند ربك} [يوسف: 42] فكيف يقول قضي الأمر ثم يجعل نجاته ظنا؟ وأجاب ~~عنه الناس من وجهين: الأول: قالوا: إنما أخبر عنه بالظن؛ لأن تفسير الرؤيا ~~ليس بقطع، وإنما هو ظن، وهذا باطل؛ وإنما يكون ذلك في حق الناس، فأما في حق ~~الأنبياء فلا؛ فإن حكمهم حق كيفما وقع. # الثاني: إن ظن هاهنا بمعنى أيقن وعلم، وقد يستعمل أحدهما موضع الآخر لغة. ### | [الآية الحادية عشرة قوله تعالى وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك] # الحادية عشرة: # قوله تعالى: {وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ~~ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين} [يوسف: 42]. # فيها خمس مسائل: # المسألة الأولى: اختلف الناس في الضمير من قوله: {فأنساه} [يوسف: 42] هل ~~هو عائد على يوسف أم على الفتى؟ فقيل: هو عائد على يوسف، أنساه الشيطان أن ~~يذكر الله، وذكر الملك؛ فعوقب بطول اللبث في السجن، وكانت كلمته كقول لوط: ~~{لو أن لي بكم قوة} [هود: 80]. # فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يرحم ms0966 الله لوطا لقد كان يأوي ~~إلى ركن شديد». # PageV03P054 # وقيل: هو عائد على الفتى نسي تذكرة الملك، فدام طول مكث يوسف في السجن، ~~يدل عليه قوله: {وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة} [يوسف: 45]. ### | [مسألة هل النسيان معصوم منه الأنبياء] # المسألة الثانية: # [فإن قيل:] إن كان الضمير عائدا على يوسف فكيف يصح أن يضاف نسيانه إلى ~~الشيطان، وليس له على الأنبياء سلطان؟ قلنا: أما النسيان فلا عصمة للأنبياء ~~عنه إلا في [وجه واحد هو] جهة الخبر عن الإبلاغ فإنهم معصومون فيه نسيانا ~~وذكرا، وإذا وقع منهم النسيان حيث يجوز وقوعه فإنه ينسب إلى الشيطان ~~إطلاقا، ولكن ذلك إنما يكون فيما يخبر الله به عنهم، أو يخبرون به عن ~~أنفسهم، ولا يجوز لنا نحن ذلك فيهم. . ### | [مسألة التعلق بالأسباب] # المسألة الثالثة: # لما تعلق يوسف بالمخلوق دام مكثه في السجن بضع سنين، وسيأتي ذلك في تفسير ~~سورة الروم. قال علماؤنا: البضع من ثلاث إلى عشر، وعينه بعضهم بأنه كان سبع ~~سنين، وهي مدة بلاء أيوب. # المسألة الرابعة: # فيها جواز التعلق بالأسباب، وإن كان اليقين حاصلا؛ لأن الأمور بيد ~~مسببها، ولكنه جعلها سلسلة، وركب بعضها على بعض؛ فتحريكها سنة، والتعويل ~~على المنتهى يقين. والذي يدلك على جواز ذلك نسبة ما جرى من النسيان إلى ~~الشيطان، كما جرى لموسى - صلى الله عليه وسلم - في لقاء الخضر. وهذا بين ~~فتأملوه. # المسألة الخامسة: قوله: {عند ربك} [يوسف: 42] # أطلق هاهنا على السيد اسم الرب؛ لأنه من ربه يربه إذا دبره بوجوه ~~التغذية، وحفظ عليه مراتب التنمية. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي؛ # PageV03P055 # ليقل فتاي وفتاتي، ولا يقل ربي وليقل سيدي». وقد بيناه في موضعه. ويحتمل ~~أن يكون هذا جائزا في شرع يوسف. والله أعلم. ### | [الآية الثانية عشرة قوله تعالى وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف] # وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم ~~للرؤيا تعبرون} [يوسف: 43]. فيها ست مسائل: # المسألة الأولى: فيها صحة ms0967 رؤيا الكافر، ولا سيما إذا تعلقت بمؤمن، فكيف ~~إذا كانت آية لنبي، ومعجزة لرسول، وتصديقا لمصطفى للتبليغ، وحجة للواسطة ~~بين الله وبين العباد. ### | [مسألة تفسير الرؤيا إذ لم يأتها من بابها] # المسألة الثانية: قالوا: أضغاث أحلام يعني: أخلاطا مجموعة، واحدها ضغث: ~~وهو مجموع من حشيش أو حطب. ومنه قوله تعالى: {وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا ~~تحنث} [ص: 44]. # وقد روي: «الرؤيا لأول عابر». وقد قالوا أضغاث أحلام، ولم يكن من صحيح ~~الكلام، ولا قطع تفسير الرؤيا إذ لم يأتها من بابها. ألا ترى أن الصديق لما ~~أخطأ في تفسير الرؤيا لم يكن ذلك حكما عليها، وإنما ذلك إذا احتملت وجوها ~~من التفسير، فعين بتأويله أحدها جاز، ومن تكلم بجهل لا يكون حكما عليها، ~~وإن أصاب. والحديث الصحيح: «الرؤيا على رجل طائر ما لم تتحدث بها، فإذا ~~تحدثت بها سقطت، ولا تحدث بها إلا حبيبا أو لبيبا». وهذا معنى الرؤيا لأول ~~عابر، فإنه # PageV03P056 # إذا تحدث بها ففسرت نفذ حكمها إذا كان بحق عن علم، لا كما قال أصحاب ~~الملك، وأيضا فإنهم لم يقصدوا تفسيرا، وإنما أرادوا أن يمحوها عن صدر الملك ~~حتى لا تشغل له بالا. ### | [مسألة معنى قوله تعالى لعلهم يعلمون] # المسألة الثالثة: قوله تعالى {لعلهم يعلمون} [يوسف: 46]. يحتمل أن يكون ~~يعلمون بمكانك، فيظهر عندهم فضلك حتى يكون سبب خلاصك، فعلى هذا يكون العلم ~~على بابه، ويحتمل أن يكون معناه لعلهم يعلمون تأويل الرؤيا، ويسمى علما، ~~وإن كان ظنا؛ لأن الأصل كل ظن شرعي يرجع إلى العلم بالدليل القطعي الذي ~~أسند إليه، وقد بيناه في أصول الفقه. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ثم يأتي من بعد ذلك عام] # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {ثم يأتي من بعد ذلك عام} [يوسف: 49]. وهذا ~~عام لم يقع السؤال عنه، فقيل، إن الله زاده علما على ما سألوه عنه إظهارا ~~لفضله وإعلاما بمكانه من العلم، ومعرفته. وقيل: أدرك ذلك بدقائق من تأويل ~~الرؤيا لا ترتقي إليها درجتنا. وهذا صحيح محتمل، والأول أظهر. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ms0968 وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك] # المسألة الخامسة: قوله تعالى: {وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول ~~قال ارجع إلى ربك} [يوسف: 50] ثبت في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «يرحم الله لوطا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد. ولو لبثت في السجن ما ~~لبث يوسف لأجبت الداعي» وفي رواية الطبري: «يرحم الله يوسف، لو كنت أنا ~~المحبوس، ثم أرسل إلي لخرجت سريعا، إن كان لحليما ذا أناة». # PageV03P057 # وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه، والله يغفر ~~له، حين سئل عن البقرات، ولو كنت مكانه لما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني. ~~لقد عجبت منه حين أتاه الرسول، لو كنت مكانه لبادرتهم الباب». # المسألة السادسة: قال علماؤنا: إنما لم يرد يوسف الخروج [من السجن] حتى ~~تظهر براءته، لئلا ينظر إليه الملك بعين الخائن، فيسقط في عينه، أو يعتقد ~~له حقدا، ولم يتبين أن سجنه كان جورا محضا، وظلما صريحا، وانظروا رحمكم ~~الله إلى عظيم حلمه، ووفور أدبه، كيف قال: ما بال النسوة اللاتي قطعن ~~أيديهن، فذكر النساء جملة، ليدخل فيهن امرأة العزيز مدخل العموم بالتلويح، ~~ولا يقع عليها تصريح. ### | [الآية الثالثة عشرة والرابعة عشرة قوله تعالى وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي] # فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين} [يوسف: 54] {قال اجعلني على ~~خزائن الأرض إني حفيظ عليم} [يوسف: 55]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: قال الملك ليوسف: {إنك اليوم لدينا مكين أمين} [يوسف: ~~54] أي متمكن مما أردت، أمين على ما ائتمنت عليه من شيء، أما أمانته فلما ~~ظهر من براءته، وأما مكانته فلأنه ثبتت عفته ونزاهته. # PageV03P058 ### | [مسألة سأل الإمارة وطلب الولاية] # المسألة الثانية: قوله تعالى: {اجعلني على خزائن الأرض} [يوسف: 55] كيف ~~سأل الإمارة وطلب الولاية، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - لسمرة: «لا تسأل ~~الإمارة، وإنك إن سألتها وكلت إليها، وإن لم تسألها أعنت عليها». وقد قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنا لا نولي على عملنا من أراده؟». ms0969 وعن ذلك ~~أربعة أجوبة: # الأول: أنه لم يقل: إني حسيب كريم، وإن كان كما قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن ~~إسحاق بن إبراهيم». ولا قال: إني مليح جميل، إنما قال: إني حفيظ عليم، ~~سألها بالحفظ والعلم لا بالحسب والجمال. # الثاني: سأل ذلك ليوصل إلى الفقراء حظوظهم لا لحظ نفسه. # الثالث: إنما قال ذلك عند من لا يعرفه، فأراد التعريف بنفسه، وصار ذلك ~~مستثنى من قوله: {فلا تزكوا أنفسكم} [النجم: 32] # الرابع: أنه رأى ذلك فرضا متعينا عليه؛ لأنه لم يكن هنالك غيره. فإن قيل: ~~وهي: # PageV03P059 ### | [مسألة كيف استجاز يوسف أن يقبل الولاية بتولية كافر وهو مؤمن نبي] # المسألة الثالثة: كيف استجاز أن يقبلها بتولية كافر، وهو مؤمن نبي؟ قلنا: ~~لم يكن سؤال ولاية؛ إنما كان سؤال تخل وترك، لينتقل إليه؛ فإن الله لو شاء ~~لمكنه منها بالقتل والموت والغلبة والظهور والسلطان والقهر، لكن الله أجرى ~~سنته على ما ذكر في الأنبياء والأمم، فبعضهم عاملهم الأنبياء بالقهر ~~[والسلطان] والاستعلاء، وبعضهم عاملهم الأنبياء بالسياسة والابتلاء، يدل ~~على ذلك قوله: {وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب ~~برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين} [يوسف: 56] حسبما تقدم في سورة ~~الأعراف، وهي الآية الرابعة عشرة. ### | [الآية الخامسة عشرة قوله تعالى وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد] # وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله ~~عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون} [يوسف: 67]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى: في أمره لهم بالتفرق: وفي ذلك أقوال؛ أظهرها أنه تقاة ~~العين، ولا خلاف بين الموحدين أن العين حق، وهو من أفعال الله موجود، وعند ~~جميع المتشرعين معلوم، والبارئ تعالى هو الفاعل الخالق، لا فاعل بالحقيقة ~~ولا خالق إلا هو سبحانه وتعالى: {أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه ~~الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار} [الرعد: 16]. # PageV03P060 # فليس في الوجود شيء من الفلك إلى الذرة، ولا ms0970 من دورانه إلى حركة واحدة ~~إلا وهي موجودة بقدرته وعلمه، ومصرفة بقضائه وحكمه، فكل ما ترى بعينك أو ~~تتوهمه بقلبك فهو صنع الله وخلقه، إذا أراد شيئا قال له: كن فيكون. ولو شاء ~~لجعل الكل ابتداء من غير شيء، ولكنه سبب الأسباب، وركب المخلوقات بعضها على ~~بعض؛ فالجاهل إذا رأى موجودا بعد موجود، أو موجودا مرتبطا في العيان بموجود ~~ظن أن ذلك إلى الرابطة منسوب، وعليها في الفعل محسوب، وحاش لله، بل الكل ~~له، والتدبير تدبيره، والارتباط تقديره، والأمر كله له. ومن أبدع ما خلق ~~النفس؛ ركبها في الجسم، وجعلها معلومة للعبد ضرورة، مجهولة الكيفية، إن جاء ~~ينكرها لم يقدر بما يظهر من تأثيرها على البدن وجودا وعدما، وإن أراد ~~المعرفة بها لم يستطع فإنه لا يعلم لأي شيء ينسبها، ولا على أي معنى ~~يقيسها، وضعها الله المدبر في البدن على هذا الوضع ليميز الإيمان به؛ إذ ~~يعلم بأفعاله ضرورة، ولا يوصل إلى كيفيته لعدمها فيه، واستحالتها عليه؛ ~~وذلك هو معنى قوله: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} [الذاريات: 21] على أحد ~~التأويلات. ولها آثار يخلقها الباري في الشيء عند تعلقها به، منها العين ~~وهو معنى يحدث بقدرة الله على جري العادة في المعين، إذا أعجبت منظرته ~~العائن فيلفظ به، إما إلى عرو ألم في المعين، وإما إلى الفناء، بحسب ما ~~يقدره الله تعالى؛ ولهذا المعنى نهي العائن عن التلفظ بالإعجاب؛ لأنه إن لم ~~يتكلم لم يضر اعتقاده عادة، وكما أنفذ الباري من حكمه أن يخلق في بدن ~~المعين ألما أو فناء، فكذلك سبق من حكمته أن العائن إذا برك أسقط قوله ~~بالبركة قوله بالإعجاب، فإن لم يفعل سقط حكمه بالاغتسال. # وقد اعترض على ذلك الأطباء، واعتقدوه من أكاذيب النقلة، وهم محجوجون بما ~~سطروا في كتبهم من أن الكون والفساد يجري على حكم الطبائع الأربع، فإذا شذ ~~شيء # PageV03P061 # قالوا: هذه خاصة خرجت من مجرى الطبيعة لا يعرف لها سبب، وجمعوا من ذلك ما ~~لا يحصى كثرة؛ فهذا الذي نقله الرواة عن صاحب الشريعة ms0971 خواص شرعية بحكم ~~إلهية، يشهد لصدقها وجودها كما وصفت؛ فإنا نرى العائن إذا برك امتنع ضرره، ~~وإن اغتسل شفي معينه، وهذا بالغ في فنه، فلينظر على التمام في مواضعه من ~~كتب الأصول وشرح الحديث؛ وهذه النبذة تكفي في هذه العارضة. # المسألة الثالثة: قوله: {ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في ~~نفس يعقوب قضاها} [يوسف: 68] قالوا: هذا يدل على أنه حملهم على التفرق ~~مخافة العين، ثم قال: وهذا لا يرد القدر، إنما هو أمر تأنس به النفوس، ~~وتتعلق به القلوب؛ إذ خلقت ملاحظة للأسباب. # ويفترق اعتقاد الخلق؛ فمن لحظ الأسباب من حيث إنها أسباب في العادة لا ~~تفعل شيئا، وإنما هي علامات؛ فهو الموحد، ومن نسبه إليها فعلا واعتقدها ~~مدبرة فهو الجاهل أو الملحد. . ### | [الآية السادسة عشرة قوله تعالى فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه] # ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون} [يوسف: 70] # الآية فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: إنما جعل السقاية حيلة في الظاهر لأخذ الأخ منهم؛ إذ لم ~~يكن ذلك ممكنا له ظاهرا من غير إذن من الله [ولم يمنع الحيلة]، والله قادر ~~على الظاهر والباطن، حكيم في تفصيل الحالين. # PageV03P062 ### | [مسألة كيف رضي يوسف أن ينسب إلى إخوته السرقة ولم يفعلوها] # فإن قيل وهي: # المسألة الثانية: كيف رضي يوسف أن ينسب إليهم السرقة ولم يفعلوها؟ قيل: ~~عنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن القوم كانوا سرقوه من أبيه وباعوه، فاستحقوا ~~هذا الاسم بذلك الفعل. # الثاني: أنه أراد أيتها العير حالكم حال السراق. المعنى: إن شيئا لغيركم ~~صار عندكم من غير رضا الملك ولا علمه. الثالث: # وهو التحقيق أن هذا كان حيلة لاجتماع شمله بأخيه وفصله عنه إليه، وهو ضرر ~~دفعه بأقل منه. ### | [مسألة كيف استجاز يوسف الحيلولة بين أخيه وأبيه فيزيده حزنا على حزن] # فإن قيل وهي: # المسألة الثالثة: فكيف استجاز يوسف الحيلولة بين أخيه وأبيه فيزيده حزنا ~~على حزن وكربا على كرب. قلنا: إذا استوى الكرب جاء الفرج. جواب آخر: وذلك ~~أنه كان بإذن ms0972 من الله فلا اعتراض فيه. جواب ثالث: وذلك أن الحزن كان قد غلب ~~على يعقوب غلبة لا يؤثر فيها فقد أخيه كل التأثير، أو لا تراه لما فقد أخاه ~~قال: يا أسفى على يوسف. # PageV03P063 ### | [الآية السابعة عشرة قوله تعالى قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير] # وأنا به زعيم} [يوسف: 72] # فيها ست مسائل: # المسألة الأولى: قال علماؤنا: هذا نص في جواز الكفالة. وقد قال القاضي ~~أبو إسحاق: ليس هذا من باب الكفالة، فإنها ليس فيها كفالة إنسان عن إنسان، ~~وإنما هو رجل التزم عن نفسه، وضمن عنها، وذلك جائز لغة لازم شرعا، قال ~~الشاعر: # فلست بآمر فيها بسلم ... ولكني على نفسي زعيم # وقال الآخر: # وإني زعيم إن رجعت مملكا ... بسير ترى منه الغرانق أزورا # قال الإمام أبو بكر: هذا الذي قاله القاضي أبو إسحاق صحيح [بيد أن ~~الزعامة] فيه نص، فإذا قال: أنا زعيم فمعناه أني ملتزم، وأي فرق بين أن ~~يقول: ألتزمه عن نفسي أو التزمت عن غيري؟ ### | [مسألة هل تصح الكفالة في الحقوق التي لا تقبل الإنابة] # المسألة الثانية: قوله: {وأنا به زعيم} [يوسف: 72] إنما يكون في الحقوق ~~التي تجوز النيابة فيها؛ وأما كل حق لا يقوم فيه أحد عن أحد كالحدود فلا ~~كفالة فيها. وقد تقدم ذكره، وتركب على هذه مسألة. ### | [مسألة قال أنا زعيم لك بوجه فلان] # وهي: # المسألة الثالثة: إذا قال: أنا زعيم لك بوجه فلان. قال مالك: يلزمه. وقال ~~الشافعي: لا يلزمه # PageV03P064 # لأنه غرر؛ إذ لا يدري هل يجده أم لا؟ والدليل على جوازه أن المقصود ~~بالزعامة تنزيل الزعيم مقام الأصل، والمقصود من حضور الأصل أداء المال، ~~فكذلك الزعيم. ومسائل الضمان كثيرة ذكرناها في مسائل الخلاف والفروع. ### | [مسألة الفرق بين الجعالة والإجارة] # المسألة الرابعة: كما أن لفظ الآية نص في الزعامة فمعناها نص في الجعالة، ~~وهي نوع من الإجارة، لكن الفرق بين الجعالة والإجارة أن الإجارة يتقدر فيها ~~العوض والمعوض من الجهتين، والجعالة يتقدر فيها الجعل والعمل غير مقدر. ~~ودليله أن الله ms0973 سبحانه شرع البيع والابتياع في الأموال لاختلاف الأغراض ~~وتبدل الأحوال، فلما دعت الحاجة إلى انتقال الأملاك شرع لها سبيل البيع ~~وبين أحكامه، ولما كانت المنافع كالأموال في حاجة إلى استيفائها؛ إذ لا ~~يقدر كل أحد أن يتصرف لنفسه في جميع أغراضه نصب الله الإجارة في استيفاء ~~المنافع بالأعواض، لما في ذلك من حصول الأغراض، وأنكرها الأصم، وهو عن ~~الشريعة أصم؛ فقد فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الإجارة، وفعلها ~~الصحابة، وقد بيناها في كتب الخلاف. ### | [مسألة تقدير العمل بالزمان] # المسألة الخامسة: فإذا ثبت هذا فقد يمكن تقدير العمل بالزمان، كقوله: ~~تخدمني اليوم. وقد يقول: تخيط لي هذا الثوب؛ فيقدر العمل بالوجهين، وقد ~~يتعذر تقدير العمل، كقوله: من جاءني بضالتي أو جلب عبدي الآبق فله كذا، ~~فأحد العوضين لا يصح تقديره، والعوض الآخر لا بد من تقديره، فإن ما يسقط ~~بالضرورة لا يتعدى سقوطه إلى ما لا ضرورة فيه. والأصل فيه الحديث الذي ~~قدمنا من أخذ الأجرة على الرقية، وهو عمل لا يتقدر، وقد كانت الإجارة ~~والجعالة قبل الإسلام فأقرتهما الشريعة، ونفت عنهما الغرر والجهالة. وقد ~~بينا ذلك في كتب المسائل. # PageV03P065 ### | [مسألة الكفالة] # المسألة السادسة: في حقيقة القول في الآية: إن المنادي لم يكن مالكا، ~~إنما كان نائبا عن يوسف ورسولا له، فشرط حمل البعير على يوسف لمن جاء ~~بالصواع وتحمل هو به عن يوسف، فصارت فيه ثلاث فوائد: الأول: الجعالة، وهو ~~عقد يتقدر فيه الثمن ولا يتقدر فيه الثمن. الثانية: الكفالة، وهي هاهنا ~~مضافة إلى سبب موجب على وجه التعليق بالشرط. وقد اختلف الناس فيها اختلافا ~~متباينا تقريره في المسائل؛ وهذا دليل على جوازه، فإنه فعل نبي، ولا يكون ~~إلا شرعا. # وقد اختلف الناس في الكفالة؛ فجوزها أصحاب أبي حنيفة محالة على سبب وجوب؛ ~~كقوله: ما كان لك على فلان فهو علي، أو إذا أهل الهلال فلك علي عنه كذا، ~~بخلاف أن تكون معلقة بشرط محض، كقوله: إن قدم فلان أو إن كلمت زيدا. وقال ~~الشافعي: لا يجوز بشيء من ms0974 ذلك وهذه الآية نص على جوازها، محالة على سبب ~~الوجوب. الثالثة: جهالة المضمون له: قال علماؤنا: هي جائزة، وتجوز عندهم ~~أيضا مع جهالة الشيء المضمون أو كليهما. # ومن العجب أن أبا حنيفة والشافعي اتفقا على أنه لا تجوز الكفالة مع جهالة ~~المكفول له، وادعى أصحاب أبي حنيفة أن هذا الخبر منسوخ من الآية خاصة. وقال ~~أصحاب الشافعي: هذه الآية دليل على جواز الجعل، وهي شرع من قبلنا، وليس لهم ~~فيه تعلق في مذهب. وقال أصحاب الشافعي: إن معرفة المضمون عنه والمضمون له ~~فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه لا بد من معرفتهما؛ أما معرفة المضمون عنه فليعلم هل هو أهل ~~للإحسان أم لا؟ وأما معرفة المضمون له فليعلم هل يصلح للمعاملة أم لا؟ # PageV03P066 # الثاني: أنه افتقر إلى معرفة المضمون خاصة؛ لأن المعاملة معه خاصة. # الثالث: أنه لا يفتقر إلى معرفة واحد منهما، وهو الصحيح، لما ثبت «عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي قتادة أنه ضمن عن الميت ولم ~~يسأله النبي عن المضمون له ولا عن المضمون عنه». والآية نص في جهالة ~~المضمون له، وحمل جهالة المضمون عنه عليه أخف. والله أعلم. ### | [الآية الثامنة عشرة قوله تعالى قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين] # } [يوسف: 74] {قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين} ~~[يوسف: 75] {فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك ~~كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من ~~نشاء وفوق كل ذي علم عليم} [يوسف: 76]. # فيها ست مسائل: # المسألة الأولى: لما قال إخوة يوسف: {تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في ~~الأرض وما كنا سارقين} [يوسف: 73]. قال أصحاب يوسف: {فما جزاؤه إن كنتم ~~كاذبين} [يوسف: 74]؟ فقال إخوة يوسف: {جزاؤه من وجد في رحله} [يوسف: 75] ~~قال الطبري: المعنى جزاؤه من وجد في رحله، على حذف المضاف وإقامة المضاف ~~إليه مقامه، التقدير جزاؤه استعباد من وجد في رحله، أو أخذه واسترقاقه، أو ~~ما أشبه ذلك. وقال ms0975 غيره: التقدير جزاء السارق من وجد في رحله فهو جزاؤه، ~~ويكون جزاؤه الأول الابتداء، والجملة بعده الخبر، المعنى من وجد في رحله ~~فهو هو، وكرره تأكيدا للبيان كما قال الشاعر: # لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغص الموت ذا الغنى والفقيرا # PageV03P067 # المسألة الثانية: في تحقيق هذا الكلام بالتفسير: وذلك أن دين الملك كان ~~أن يأخذ المجني عليه من السارق مثلي السرقة، وكان دين يعقوب أن يسترق ~~السارق، فأخذ يوسف إخوته بما في دين يعقوب بإقرارهم بذلك وتسليمهم فيه. وقد ~~روي عن مجاهد أن عمة يوسف بنت إسحاق، وكانت أكبر من يعقوب، صارت إليها ~~منطقة إسحاق لسنها؛ لأنهم كانوا يتوارثونها بالسن، وكان من سرقها استملك، ~~وكانت عمة يوسف قد حضنته وأحبته حبا شديدا، فلما ترعرع قال لها يعقوب: سلمي ~~يوسف إلي؛ فلست أقدر أن يغيب عن عيني ساعة. قالت له: دعه عندي أياما أنظر ~~إليه فلعلي أتسلى عنه. فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إلى منطقة إسحاق ~~فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه، ثم قالت: لقد فقدت منطقة إسحاق، فانظروا من ~~أخذها، ومن أصابها. فالتمست، ثم قالت: اكشفوا أهل البيت، فكشفوا فوجدت مع ~~يوسف فقالت: والله إنه لي سلم أصنع فيه ما شئت. ثم أتاها يعقوب، فأخبرته ~~الخبر، فقال لها: أنت وذاك، إن كان فعل فهو سلم لك، فأمسكته حتى ماتت، ~~فبذلك عيره إخوته في قولهم {إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل} [يوسف: 77] ~~معناه أن القرابة شجنة والصحابة شجنة. ومن هاهنا تعلم يوسف وضع السقاية في ~~رحل أخيه كما عملت عمته به. # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين ~~الملك} [يوسف: 76] إذ كان لا يرى استرقاق السارق إلا أن يشاء الله، فكيف ~~التزام الإخوة لدين يعقوب بالاسترقاق، فقضى عليهم به. والكيد والمكر هو ~~الفعل الذي يخالف فيه الباطن الظاهر، والقول الذي يحتمل معنيين؛ فيتأوله ~~أحد المتخاطبين على وجه والآخر على وجه آخر. ### | [مسألة القطع في السرقة] # المسألة الرابعة: قد ذكرنا في سورة المائدة ms0976 أن القطع في السرقة ناسخ لما ~~تقدم من الشرائع؛ إذ كان # PageV03P068 # في شرع يعقوب استرقاق السارق كما تقدم، ولا نعلم ما نفذ به الحكم في شرع ~~يعقوب هل كان مخصوصا بعين مسروقة دون عين أم عاما في كل عين؟ والأول أصح؛ ~~لأنه ثبت في الصحيح «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إن بني إسرائيل ~~كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، ~~والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها». وهذا نص في ~~الغرض، موضح للمقصود، فافهموه. ### | [مسألة التوصل إلى الأغراض بالحيل] # المسألة الخامسة: قوله: {كذلك كدنا ليوسف} [يوسف: 76] فيه جواز التوصل ~~إلى الأغراض بالحيل؛ إذا لم تخالف شريعة ولا هدمت أصلا، خلافا لأبي حنيفة ~~في تجويزه الحيل، وإن خالفت الأصول، وخرمت التحليل؛ سمعت أبا بكر محمد بن ~~الوليد الفهري وغيره يقول: كان شيخنا قاضي القضاة أبو عبد الله محمد بن علي ~~الدامغاني صاحب عشرات آلاف من المال، فإذا جاء رأس الحول دعا بنيه فقال ~~لهم: قد كبرت سني، وضعفت قوتي، وهذا مال لا أحتاجه، فهو لكم. ثم يخرجه، ~~ويحتمله الرجال على أعناقهم إلى دور بنيه، فإذا جاء رأس الحول، ودعا بنيه ~~لأمر قالوا: يا أبانا؛ إنما أملنا حياتك، وأما المال فأي رغبة لنا فيه ما ~~دمت حيا، أنت ومالك لنا، فخذه إليك. ويسير الرجال به حتى يضعوه بين يديه، ~~فيرده إلى موضعه يريد بتبديل الملك إسقاط الزكاة على رأي أبي حنيفة في ~~التفريق بين المجتمع، والجمع بين المفترق، وهذا خطب عظيم بيناه في شرح ~~الحديث، وقد صنف البخاري عليه في جامعه كتابا مقصودا. ### | [مسألة الحيلة في التوصل إلى المباح واستخراج الحقوق] # المسألة السادسة: قال بعض علماء الشافعية: قوله تعالى: {وكذلك مكنا ليوسف ~~في الأرض} [يوسف: 56] دليل على جواز الحيلة في التوصل إلى المباح واستخراج ~~الحقوق. # PageV03P069 # قال القاضي الإمام أبو بكر - رضي الله عنه -: هذا وهم عظيم. وقوله: ~~{وكذلك مكنا ليوسف في الأرض} [يوسف: 56] قيل فيه: كما مكنا ليوسف ملك ms0977 نفسه ~~عن امرأة العزيز مكنا له ملك الأرض عن العزيز أو مثله مما لا يشبه ما ذكره. ~~قال الشفعوي: ومثله: {وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث} [ص: 44]. # قال الإمام الفقيه القاضي أبو بكر بن العربي - رضي الله عنه -: ليس هذا ~~حيلة؛ إنما هو حمل لليمين على الألفاظ أو على المقاصد، وقد بيناه في كتب ~~المسائل. قال الشفعوي: وحديث أبي سعيد في عامل خيبر [قال الإمام ابن ~~العربي: نص هذا الحديث] «أن عامل خيبر أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- بتمر جنيب، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أكل تمر خيبر ~~هكذا؟ قال: لا، يا رسول الله، ولكنا نبيع الصاع من هذا بالصاعين من تمر ~~الجمع. فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا تفعل، بع الجمع ~~بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا، وكذلك البسر» خرجه الأئمة. ومقصود ~~الشافعية من هذا الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يبيع جمعا ~~ويبتاع جنيبا من الذي باع منه الجمع أو من غيره. # قال المالكية: معناه من غيره، لئلا يكون جنيبا بجمع والدراهم ربا، كما ~~قال ابن عباس: جريرة بجريرة والدراهم ربا. قال الشفعوي: ومنه قول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لهند: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف». # PageV03P070 # قال القاضي: «قالت هند للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إن أبا سفيان رجل ~~مسيك لا يعطيني ما يكفيني وولدي. قال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف». وهذا من باب الفتوى وتسليط المفتي للمستفتي ~~على حكم الدعوى، فهو أعلم بنفسه، وربه أعلم من الكل بكذبه أو صدقه، ولا ~~حيلة في شيء من هذا. وعجبا لمن يتصدى للإمامة، ويتميز في الفرق بالزعامة، ~~ويأتي بهذا السفساف من المقال. قال القاضي: وزاد بعد ذلك من معاريض النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في الحرب ما هو خارج عن هذا الغرض على خط لا يجتمع مع ~~هذا المقصد في دائرة الأفق، فكيف في مقدار من التقابل أصغر من نفق. ### | [الآية التاسعة عشرة ms0978 قوله تعالى ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق] # وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين} [يوسف: 81]. # فيها ست مسائل: # المسألة الأولى: الشهادة مرتبطة بالعلم عقلا وشرعا، فلا تسمع إلا ممن ~~علم، ولا تقبل إلا منه. ومراتب العلم في طرقه مختلفة، ولكنه يعود إلى أصل ~~واحد، وهو تعلقه بالمعلوم على ما هو به، فإذا نسي الشهادة فذكر بها وتذكرها ~~أداها، وذلك لقول الله سبحانه: # PageV03P071 # {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} [البقرة: 282] وإذا لم يذكرها لم ~~يؤدها على أحد التأويلين كما تقدم في سورة البقرة. ### | [مسألة عرف خطه ولم يذكر الشهادة] # المسألة الثانية: قال علماؤنا: إن عرف خطه ولم يذكر الشهادة قالوا: ~~يؤديها ولا يمتنع أن يؤدي منها ما علم وهو خطه، ويترك ما لم يعلم، وقد ~~بيناها في سورة البقرة فلينظر فيها. ### | [مسألة ادعى الرجل شهادة لا يحتملها عمره ولا حاله] # المسألة الثالثة: إذا ادعى الرجل شهادة لا يحتملها عمره ولا حاله ردت؛ ~~لأنه ادعى باطنا ما كذبه العيان ظاهرا. ### | [مسألة شهادة المرور] # المسألة الرابعة: شهادة المرور: وهو أن يقول: مررت بفلان فسمعته، فإن ~~استوعب القول شهد في أحد قولي مالك. وفي القول الآخر لا يشهد حتى يشهداه. ~~والذي نختاره الشهادة عند الاستيعاب، وبه قال جماعة من العلماء. وهو الحق؛ ~~لأنه قد حصل له المطلوب، وتعين عليه أداء العلم، وكان خير الشهداء إذا أعلم ~~المشهود له، وشر الشهداء إذا كتمها. ### | [مسألة جلس رجلان للمحاسبة فأبرز الحساب بينهما ذكرا هل يشهد به من حضره] # المسألة الخامسة: وكذلك اختلف علماؤنا إذا جلس رجلان للمحاسبة، فأبرز ~~الحساب بينهما ذكرا هل يشهد به من حضره، وقد كلف ذلك وأجلس له؟ والصحيح ~~وجوب الأداء عليه؛ لأنه قد حصل له علمه. # PageV03P072 ### | [مسألة أجلس رجل شاهدين من وراء حجاب وكلمه وقرره فاستوعبا كلامه] # المسألة السادسة: إذا أجلس رجل شاهدين من وراء حجاب وكلمه وقرره فاستوعبا ~~كلامه، فقال في كتاب محمد: لا يثبت ذلك، ويحلف أنه ما أقر إلا بأمر كذا ~~يذكره؛ فإن نكل ms0979 لزمه ما يشهد به. والأصل في الباب ما قدمناه من تحصيل ~~العلم. والله أعلم. ### | [الآية الموفية عشرين قوله تعالى وتولى عنهم وقال يا أسفا على يوسف] # الآية الموفية عشرين قوله تعالى: {وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف ~~وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم} [يوسف: 84]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: حدث مالك عن حزن يعقوب أنه حزن سبعين ثكلى. قيل: فما ~~أعطي؟ قال: أجر سبعين شهيدا. قال مالك: قال يوسف لما حضرته الوفاة: ما ~~انتقمت لنفسي من شيء أتى إلي، فذلك زادي اليوم من الدنيا، وإن عملي لاحق ~~بعمل آبائي، فألحقوا قبري بقبورهم. قال علماؤنا: يريد مالك بالكلام الثاني ~~قول يوسف لإخوته: {لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين} ~~[يوسف: 92] أي: لا تبكيت ولا مؤاخذة لكم بما فعلتم؛ لأن شفاء الغيظ والجزاء ~~بالذنب في الدنيا من عمل الدنيا لا حظ له في الآخرة، وذلك قول يوسف: ما ~~انتقمت لنفسي من شيء أتى إلي، فذلك زادي اليوم من الدنيا، وإن عملي لاحق ~~بعمل آبائي أي في الصفح والإحسان، وهو فعل أهل النبوة صلى الله عليهم وسلم. ### | [مسألة قوله ألحقوا قبري بقبور آبائي] # المسألة الثانية: قوله: " ألحقوا قبري بقبور آبائي " شاهدناه سنة سبع ~~وثمانين، وجاوزنا فيه [أعواما # PageV03P073 # وأياما آمنين في نعم فاكهين، وعلى الدرس والمناظرة متقابلين، وهو في قرية ~~جيرون التي كانت لإبراهيم الخليل بينها وبين المسجد الأقصى ستة فراسخ في ~~سفح الجبل الذي كان فيه بيت رامة متعبد [إبراهيم الخليل - عليه السلام -]، ~~المشرق على مدائن لوط، وفي وسط القرية بنيان مرصوص من حجارة عظام سورا ~~عظيما، في داخله مسجد، في الجانب الغربي منه مما يلي القبلة إسحاق، ويليه ~~في الجانب المذكور إبراهيم الخليل، ويليه في الطرف الجواني من الجانب ~~الغربي يعقوب على نسبة متماثلة. وفيما يقابلها من الجانب الشرقي قبور ~~أزواجهم على الاعتدال، على كل قبر حجر عظيم واحد له الطول والعرض والعمق، ~~حسبما بيناه في كتاب ترتيب الرحلة. وفي الجانب القبلي منه خارج هذا الحرم ~~قبر يوسف ms0980 منتبذا، كان له قيم طرطوشي زمن، وله أم تنوب عنه، وهيئة قبر يوسف ~~- صلى الله عليه وسلم - كهيئة قبورهم. وهذا أصح الأقاويل في موضع قبره لأجل ~~ذكر مالك له، فلم يذكر - رضي الله عنه - إلا أشبه ما اطلع عليه. ### | [مسألة عجز الخلق عن الصبر فأذن لهم في الدمع والحزن] # المسألة الثالثة: كان يعقوب حزينا في الدرجة التي قد بيناها، ولكن حزنه ~~كان في قلبه جبلة، ولم يكتسب لسانه قولا قلقا يخالف الشريعة، كما قال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - في ابنه في صحيح الخبر: «تدمع العين، ويحزن القلب، ~~ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون». وقال أيضا في ~~الصحيح - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله لا يعذب بدمع العين، ولا بحزن ~~القلب # PageV03P074 # وإنما يعذب بهذا وأشار إلى لسانه، أو يرحم». وهو تفضل منه، سبحانه، حين ~~علم عجز الخلق عن الصبر؛ فأذن لهم في الدمع والحزن، ولم يؤاخذهم به، وخطم ~~الفم بالزمام عن سوء الكلام، فنهى عما نهى، وأمر بالتسليم والرضا لنافذ ~~القضاء، وخاصة عند الصدمة الأولى. وأحسن الكلام في الشكوى سؤال المولى زوال ~~البلوى، وذلك قول يعقوب: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما ~~لا تعلمون} [يوسف: 86] من جميل صنعه وغريب لطفه وعائدته على عباده. ### | [الآية الحادية والعشرون قوله تعالى فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر] # وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين} ~~[يوسف: 88]. # فيها خمس مسائل: # المسألة الأولى: القول في البضاعة: قد تقدم ذكر معنى البضاعة في البضع ~~آنفا. # المسألة الثانية: قوله: {مزجاة} [يوسف: 88]: فيها قولان: أحدهما: يعني ~~قليلة، إما لأنه متاع البادية الذي لا يصلح للملوك، وإما لأنه لا سعة فيه، ~~إنما يدافع به المعيشة، من قولك: فلان يزجي كذا، أي: يدفع قال الشاعر: # الواهب المائة الهجان وعبدها ... عوذا تزجي خلفها أطفالها # يعني تدفع. # PageV03P075 # الثاني: قال مالك: مزجاة تجوز في كل مكان، فهي المزجاة رواه الحارث بن ~~مسكين عن ابن القاسم عن ms0981 مالك. ولا أدري ما هذا، إلا أن يكون من باب جبذ ~~وجذب، وإلا فالله أعلم بصحة الرواية فيه. وقد فسرها بعضهم بأنها البطم ~~والصنوبر، والبطم هو الحبة الخضراء. ### | [مسألة معنى قوله تعالى فأوف لنا الكيل وتصدق علينا] # المسألة الثالثة: قوله تعالى {فأوف لنا الكيل وتصدق علينا} [يوسف: 88] ~~المعنى جئنا بقدرنا، فأعطنا بقدرك، تضاءلوا بالحاجة، وتمسكنوا بفادحة ~~المصيبة في الأخوين، وما صار إليه أمر الأب بعدهما. ### | [مسألة أجرة الكيل على البائع وأجرة النقد على المبتاع] # المسألة الرابعة: قال ابن القاسم، وابن نافع عن مالك: قالوا ليوسف: فأوف ~~لنا الكيل، فكان يوسف هو الذي يكيل، إشارة إلى أن الكيل والوزن على البائع؛ ~~لأن الواجب عليه تمييز حق المشتري من حقه، إلا أن يبيع منه معينا صبرة أو ~~ما لا حق توفية فيه، فقبل أن يوفي فما جرى على المبيع فهو منه، ولذلك قال ~~علماؤنا: أجرة الكيل على البائع، وأجرة النقد على المبتاع؛ لأن الدافع ~~لدراهمه يقول: إنها طيبة فأنت الذي تدعي الرداءة فانظر لنفسك، فإن خرج فيها ~~رديء كانت الأجرة على الدافع، والله أعلم. ### | [مسألة وكل ما كان صدقة أو هبة يتبع البيع فإنه يلحق به] # المسألة الخامسة: قوله: {وتصدق علينا} [يوسف: 88] قال علماؤنا: لما علموا ~~أن بضاعتهم غير مرضية قالوا: اجعلها حباء إن لم تكن شراء. وقال آخرون منهم: ~~طلبوا منه وفاء الكيل والصدقة بعد ذلك، وكل ما كان صدقة أو هبة يتبع البيع ~~فإنه يلحق به في إحدى الروايتين، وكذلك النكاح، وبه قال أبو حنيفة. ولا ~~يلحق به في الرواية الأخرى، وبه قال الشافعي. وهي مسألة طويلة قد بيناها في ~~مسائل الخلاف. # PageV03P076 # فإن قيل: فكيف جاز لهم أن يطلبوا الصدقة وهم الأنبياء؟ قلنا: عنه خمسة ~~أجوبة: # أحدها: لا يعلم العلماء أنهم أنبياء، وآمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله. # الثاني: أنهم لم يكونوا بعد أنبياء. # الثالث: أنه لا يعلم حالهم مع الصدقة في شرعهم، فلعل ذلك كان مباحا لهم. # الرابع: معنى تصدق سامح، لا أصل الصدقة. # الخامس: قيل: تصدق علينا بأخينا. وبالقولين ms0982 الأخيرين أقول. والله أعلم. ### | [الآية الثانية والعشرون قوله تعالى ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا] # وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ ~~أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي ~~إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم} [يوسف: 100]. # قال العلماء: كان هذا سجود تحية لا سجود عبادة، وهكذا كان سلامهم ~~بالتكبير وهو الانحناء، وقد نسخ الله في شرعنا ذلك، وجعل الكلام بدلا عن ~~الانحناء والقيام. ومنه الحديث: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا ~~أصبح ابن آدم كفرت أعضاؤه اللسان، تقول له: اتق الله فينا، فإنك إن استقمت ~~استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا». فإن قيل: فما تقول في الإشارة بالإصبع؟ ~~قلنا: فيه ثلاثة أوجه: # PageV03P077 # أحدها: أن اللسان يكفي في السلام، وأما حركة البدن أو شيء منه فلم يشرع ~~في السلام، لا تحريك يد [ولا قدم] ولا قيام بدن. # الثاني: أن رد السلام فرض، وابتداؤه سنة في مشهور الأقوال، ولكن يجوز ~~القيام للرجل الكبير بداءة إذا لم يؤثر ذلك في نفسه، كما «قال النبي ~~لجلسائه حين جاء سعد: قوموا إلى سيدكم»؛ فإن أثر فيه لم يجز عونه على ذلك، ~~لما روي: «من سره أن يمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار». # الثالث: أنه يجوز الإشارة بالإصبع إذا بعد عنك لتعين له أو به وقت ~~السلام، فإن كان دانيا فلا بأس بالمصافحة، فقد «صافح النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - جعفرا، حين قدم من الحبشة»، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما ~~من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما» خرجه الترمذي وغيره، وإن كان ~~كره مالك المصافحة؛ لأنه لم يرها أمرا عاما في الدين، ولا شائعا بين ~~الصحابة، ولا منقولا نقل السلام؛ ولو كان منه لاستوى معه، وقد بيناه في شرح ~~الحديث. # PageV03P078 ### | [سورة الرعد فيها خمس آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى الله يعلم ما تحمل كل أنثى] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {الله يعلم ما ms0983 تحمل كل أنثى # وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار} [الرعد: 8]. # فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: قوله: {الله يعلم ما تحمل كل أنثى} [الرعد: 8] تمدح من ~~الله سبحانه بعلم الغيب، والإحاطة بالباطن الذي يخفى على الخلق؛ فلا يجوز ~~أن يشاركه في ذلك أحد. وأهل الطب يقولون: إذا ظهر النفخ في ثدي الحامل ~~الأيمن فالحمل ذكر، وإن ظهر في الثدي الأيسر فالحمل أنثى، وإذا كان الثقل ~~للمرأة في الجانب الأيمن فالحمل ذكر، وإن وجدت الثقل في الجانب الأيسر ~~فالولد أنثى؛ فإن قطعوا بذلك فهو كفر، وإن قالوا: إنها تجربة وجدناها تركوا ~~وما هم عليه، ولم يقدح ذلك في التمدح؛ فإن العادة يجوز انكسارها والعلم لا ~~يجوز تبدله. ### | [مسألة أكثر مدة الحمل] # المسألة الثانية: قوله: {وما تغيض الأرحام وما تزداد} [الرعد: 8] وقد ~~تباين الناس فيها فرقا، أظهرها تسعة أقوال: # الأول: ما تغيض الأرحام من تسعة أشهر وما تزيد عليها، كقوله: {مخلقة وغير ~~مخلقة} [الحج: 5] قاله الحسن. الثاني: ما تغيض الأرحام: ما تسقط، وما ~~تزداد، يعني عليه إلى التسعة؛ قاله قتادة. # PageV03P079 # الثالث: إذا حاضت الحامل نقص الولد فذلك غيضه، وإذا لم تحض ثم فتلك على ~~النقصان؛ قاله مجاهد وسعيد بن جبير. # الرابع: ما تغيض الأرحام فتلك لستة أشهر، وما تزداد فتلك لعامين؛ قالته ~~عائشة. # الخامس: ما تزداد لثلاثة أعوام؛ قاله الليث. # السادس: ما تزداد إلى أربع سنين قاله الشافعي ومالك في إحدى روايتيه. # السابع: قال مالك في مشهور قوله: إلى خمس سنين. # الثامن: إلى ست سنين، وسبع سنين؛ قاله الزهري. # التاسع: لا حد له، ولو زاد على العشرة الأعوام، وأكثر منها؛ قاله مالك في ~~الرواية الثالثة. # المسألة الثالثة: نقل بعض المتساهلين من المالكيين أن أكثر مدة الحمل ~~تسعة أشهر، وهذا ما لم ينطق به قط إلا هالكي: وهم الطبائعيون الذين يزعمون ~~أن مدبر الحمل في الرحم الكواكب السبعة تأخذه شهرا شهرا، ويكون الشهر ~~الرابع منها للشمس، ولذلك يتحرك ويضطرب، وإذا كمل التداول في السبعة الأشهر ~~بين السبعة الكواكب عاد في الشهر ms0984 الثامن إلى زحل فيبقله ببرده. فيا ليتني ~~تمكنت من مناظرتهم أو مقاتلتهم. # ما بال المرجع بعد تمام الدور يكون إلى زحل دون غيره؟ الله أخبركم [بهذا] ~~أم على الله تفترون؟ وإذا جاز أن يعود إلى اثنين منها لم لا يجوز أن يعود ~~التدبير إلى ثلاث أو أربع، أو يعود إلى جميعها مرتين أو ثلاثا؟ ما هذا ~~التحكم بالظنون الباطلة # PageV03P080 # على الأمور الباطنة؟ [فمن] نصيري من هذا الاعتقاد، وعذيري من المسكين ~~الذي تصور عنده أن أكثر مدة الحمل تسعة أشهر، ويا لله ويا لضياع العلم بين ~~العالم في هذه الأقطار الغاربة مطلعا، العازبة مقطعا، ### | [مسألة هل الحامل تحيض] # المسألة الرابعة: فإن قيل: إن الحامل لا تحيض، وهو قول جماعة منهم أبو ~~حنيفة؛ لأن تماسك الحيض علامة على شغل الرحم، واسترساله علامة على براءة ~~الرحم؛ فمحال أن يجتمع مع الشغل؛ لأنه ما كان يكون دليلا على البراءة لو ~~اجتمعا، ومعنى قوله: الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما ~~تزداد: وما تغيض الأرحام في الدم والحيض في غير حال الحمل، وما تزداد بعد ~~غيضها من ذلك، حتى يجتمع في الرحم. # فالجواب عنه من وجهين: # أحدهما: أن الدم علامة على براءة الرحم من حيث الظاهر لا من حيث القطع؛ ~~فجاز أن يجتمعا، بخلاف وضع الحمل فإنه براءة للرحم قطعا، فلا يجوز أن يجتمع ~~مع الشغل. الثاني: أن قوله في تفسير ما تغيض الأرحام في غير حال الحمل وما ~~تزداد بعد غيضها حتى يجتمع في الرحم. فإنا نقول: إن الآية عامة في كل غيض ~~وازدياد وسيلان وتوقف، وإذا سال الدم على عادته بصفته ما الذي يمنع من ~~حكمه؟ ولا جواب لهم عن هذا. ### | [الآية الثانية قوله تعالى ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها] # الآية الثانية قوله تعالى: {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها ~~وظلالهم بالغدو والآصال} [الرعد: 15]. # فيها مسألتان: # PageV03P081 # المسألة الأولى: إذا وجد الفعل، في الآدمي مع خلق الإرادة فيه كان طوعا، ~~وإذا وجد الفعل مع عدم الإرادة ms0985 كان كرها، ويأتي تحقيق القول فيه في سورة ~~النحل إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة تفسير قوله تعالى ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها] # المسألة الثانية: اختلف الناس في تفسيرها على أقوال، جمهورها أربعة: # الأول: المؤمن يسجد طوعا، والكافر يسجد خوف السيف؛ فالأول أبو بكر الصديق ~~آمن طوعا من غير لعثمة. # والثاني: الكافر يسجد لله، إذا أصابه الضر يسجد لله كرها، وذلك قوله: ~~{وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر ~~أعرضتم} [الإسراء: 67] يريد عنه وعبدتم غيره. # الثالث: قال الصوفية: المخلص يسجد لله محبة، وغيره يسجد لابتغاء عوض، أو ~~لكشف محنة، فهو يسجد كرها. # الرابع: الخلق كلهم ساجد، إلا أنه من سجد بقلبه فهو طوع، ومن سجد بحاله ~~فهو كره؛ إذ الأحوال تدل على الوحدانية من غير اختيار ذي الحال. # قال القاضي أبو بكر: أما من سجد لدفع شر فذلك بأمر الله، هو الذي أمرنا ~~بالطاعة، ووعدنا بالثواب عليها، ونهانا عن المعصية، وأوعد بالعقاب عليها، ~~وهذا حال التكليف، فلا يتكلف فيها تعليلا إلا ناقص الفطرة قاصر العلم؛ وغرض ~~الصوفية ساقط، وقد بيناه في كتب الأصول، فما عبد الله نبي مرسل، ولا ولي ~~مكمل إلا طلب النجاة. # PageV03P082 ### | [الآية الثالثة قوله تعالى الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق] # } [الرعد: 20]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: القول في العهد. # المسألة الثانية: القول في الوفاء به. وقد تقدم شرحهما. # المسألة الثالثة: في تعديد عهود الله، وهي كثيرة العدد، مستمرة [المدد و] ~~الأمد. أعظمها عهدا، وأوكدها عقدا ما كان في صلب آدم على الإيمان. # الثاني: ما كان مع النبي - صلى الله عليه وسلم -. # الثالث: ما ربطه المرء على نفسه عند الإقرار بالشهادتين، فإنها ألزمت ~~عهودا، وربطت عقودا، ووظفت تكليفا، وذلك يتعدد بعدد الوظائف الشرعية، ~~ويختلف باختلاف أنواعها، منها الوفاء بالعرفان، والقيام بحق الإحسان أن ~~تعبد الله كأنك تراه، فإنك إلا تره فإنه يراك. # ومنها الانكفاف عن العصيان، وأقله درجة اجتناب الكبائر، ومن أعظم ~~المواثيق في الذكر ألا تسأل ms0986 سواه، فقد كان أبو حمزة الخراساني من كبار ~~العباد سمع «أن ناسا بايعوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا يسألوا ~~أحدا شيئا، فكان أحدهم إذا وقع سوطه لا يسأل أحدا رفعه إليه»، فقال أبو ~~حمزة: رب، إن هؤلاء عاهدوا نبيك إذ رأوه، وأنا أعاهدك ألا أسأل أحدا شيئا ~~أبدا. قال: فخرج حاجا من الشام يريد مكة، فبينا هو يمشي في الطريق بالليل ~~إذ بقي عن أصحابه لعذر، ثم اتبعهم، فبينا هو يمشي إليهم إذ سقط في بئر على ~~حاشية الطريق، فلما حصل في قعره قال: أستغيث؛ لعل أحدا # PageV03P083 # يسمعني فيخرجني، ثم قال: إن الذي عاهدته يراني ويسمعني، والله لا تكلمت ~~بحرف لبشر، ثم لم يلبث إلا يسيرا إذ مر بتلك البئر نفر، فلما رأوه على ~~حاشية الطريق قالوا: إنه لينبغي سد هذه البئر، ثم قطعوا خشبا، ونصبوها على ~~فم البئر وغطوها بالتراب. فلما رأى ذلك أبو حمزة قال: هذه مهلكة، فأراد أن ~~يستغيث بهم، ثم قال: والله لا أخرج منها أبدا، ثم رجع إلى نفسه فقال: أليس ~~الذي عاهدت يرى ذلك كله، فسكت وتوكل، ثم استند في قعر البئر مفكرا في أمره، ~~فإذا بالتراب يقع عليه، والخشب يرفع عنه، وسمع في أثناء ذلك من يقول: هات ~~يدك. قال: فأعطيته يدي، فأقلني في مرة واحدة إلى فم البئر، فخرجت ولم أر ~~أحدا، ثم سمعت هاتفا يقول: كيف رأيت ثمرة التوكل؟ وأنشد: # نهاني حيائي منك أن أكتم الهوى ... وأغنيتني بالعلم منك عن الكشف # تلطفت في أمري فأبديت شاهدي ... إلى غائبي واللطف يدرك باللطف # تراءيت لي بالعلم حتى كأنما ... تخبرني بالغيب أنك في كفي # أراني وبي من هيبتي لك وحشة ... فتؤنسني باللطف منك وبالعطف # وتحيي محبا أنت في الحب حتفه ... وذا عجب كون الحياة مع الحتف # فهذا رجل عاهد الله، فوجد الوفاء على التمام والكمال؛ فبه فاقتدوا ~~تهتدوا. ### | [الآية الرابعة قوله تعالى مثل الجنة التي وعد المتقون] # تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى ~~الكافرين النار} [الرعد: ms0987 35]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى: قوله: {أكلها دائم} [الرعد: 35] بضم الهمزة في الأكل ~~يعني به المأكول لا الفعل. وصف الله طعام الجنة بأنه غير مقطوع ولا ممنوع، ~~وطعام الدنيا ينقطع ويمنع فيمتنع. # PageV03P084 # المسألة الثانية: قال إبراهيم بن نوح: سمعت مالك بن أنس يقول: " ليس في ~~الدنيا من ثمار ما يشبه ثمار الجنة إلا الموز " لأن الله يقول: {أكلها ~~دائم} [الرعد: 35] وأنت تجد الموز في الصيف والشتاء. # قال القاضي: وكذلك رمان بغداد، شاهدت المحول قرية من قرى نهر عيسى وفي ~~شجر الرمان حب العامين يجتمع تقطع منه متى شئت صيفا وشتاء، وقيظا وخريفا، ~~إلا أن الحبة التي بقيت في الشجرة عاما لا تفلقها إلا بالقدوم من شدة ~~القشر، فإذا انفلقت ظهر تحته حب الرمان أجمل ما كان وأينعه. ### | [الآية الخامسة قوله تعالى ويقول الذين كفروا لست مرسلا] # قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب} [الرعد: 43]. # فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: قوله: {قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم} [الرعد: 43] ~~فيها الاكتفاء بشهادة واحد، وهو خير الشاهدين إن كان يعلم مني الحق في ~~الدعوى والصدق في التبليغ فسينصرني، فلا جرم صدقه بالمعجزات، ونصره ~~بالدلالات، وأكرمه بالظهور في العواقب. فإن قيل: فقد قال: {ومن عنده علم ~~الكتاب} [الرعد: 43]؟ قيل: هو وإن كان معطوفا عليه في اللفظ فإنه مقطوع عنه ~~في المعنى. التقدير: ومن عنده علم الكتاب يشهد لي بصدقي؛ ولهذا المعنى قال ~~مجاهد: إن من عنده علم الكتاب هو الله تعالى، وهذه غفلة فإنه قد قال: {قل ~~كفى بالله شهيدا} [الرعد: 43]، فلو كان الذي عنده علم الكتاب هو الله لكان ~~تكرارا محضا خارجا عن صحة المعنى وجزالة اللفظ، وإنما الذي عنده علم الكتاب ~~في: # PageV03P085 # المسألة الثانية: اختلف فيمن عنده علم الكتاب بعد ذكر قول مجاهد على ~~أربعة أقوال: # الأول: أن المراد به من آمن من اليهود والنصارى. # الثاني: أنه عبد الله بن سلام. # الثالث: أنه علي بن أبي طالب، وقد قرئ: ومن عنده علم بخفض الميم من " من ~~" ورفع العين من " علم ms0988 ". وقرئ بخفض الميم من " من " وباقيه على المشهور. # الرابع: المؤمنون كلهم. # المسألة الثالثة: في تدبر ما مضى: أما من قال إنهم الذين آمنوا من ~~اليهود، كابن سلام، وابن يامين. ومن النصارى، كسلمان، وتميم الداري، فإن ~~المعنى عنده بالكتاب التوراة والإنجيل. وأما من قال: إنه علي بن أبي طالب ~~فعول على أحد وجهين: إما لأنه عنده أعلم المؤمنين، وليس كذلك؛ بل أبو بكر ~~وعمر وعثمان أعلم منه، حسبما بيناه في أصول الدين في ذكر الخلفاء الراشدين؛ ~~أو لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أنا مدينة العلم وعلي بابها». وهو ~~حديث باطل، النبي - صلى الله عليه وسلم - مدينة علم وأبوابها أصحابها؛ ~~ومنهم الباب المنفسح، ومنهم المتوسط على قدر منازلهم في العلوم. وأما من ~~قال: إنهم جميع المؤمنين فصدق؛ لأن كل مؤمن يعلم الكتاب، ويدرك وجه إعجازه؛ ~~يشهد للنبي - صلى الله عليه وسلم - بالصدق. # PageV03P086 # وأما من قال: إنه عبد الله بن سلام فعول على حديث خرجه للترمذي وغيره أنه ~~لما أريد قتل عثمان جاء عبد الله بن سلام فقال له عثمان: ما جاء بك؟ قال: ~~جئت في نصرك. قال: اخرج إلى الناس، فاطردهم عني، فإنك خارجا خير لي منك ~~داخلا. فخرج عبد الله إلى الناس، فقال: أيها الناس، إنه كان اسمي في ~~الجاهلية فلان، فسماني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبد الله، ونزلت ~~في آيات من القرآن فنزلت في: {وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله} ~~[الأحقاف: 10] الآية إلى آخرها، ونزلت في: {قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ~~ومن عنده علم الكتاب} [الرعد: 43]. إن لله سيفا مغمودا عنكم، وإن الملائكة ~~قد جاورتكم في بلدكم هذا الذي نزل به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ~~الله الله في هذا الرجل أن تقتلوه، فوالله لئن قتلتموه لتطردن جيرانكم ~~الملائكة، وليسلن سيف الله المغمود عنكم، فلا يغمد إلى يوم القيامة. قالوا: ~~اقتلوا اليهودي، واقتلوا عثمان. # وليس يمتنع أن تنزل في عبد الله سببا، وتتناول جميع المؤمنين لفظا؛ ~~ويعضده من النظام أن قوله: ويقول الذين كفروا ms0989 يعني به قريشا؛ فالذي عنده ~~علم الكتاب هم المؤمنون من اليهود والنصارى الذين هم إلى معرفة النبوة ~~والكتاب أقرب من عبدة الأوثان. # المسألة الرابعة: في هذا قول المتجادلين: كفى بفلان بيننا شهيدا فيرضيان ~~به، وقد قدمناه، ويزيد هذا عليه ظهور هذا الحق يقينا، وأن الله ينصره نصرا ~~مبينا، ويوفق من يعرفه حقا، ويشهد به تصديقا وصدقا. والذي اختاره مالك في ~~هذه الآية أنه عبد الله بن سلام كذلك روى عنه ابن وهب، وقد تقدم بيانه. # PageV03P087 ### | [سورة إبراهيم فيها أربع آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من ~~الظلمات إلى النور] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور # وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} [إبراهيم: 5] # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: معنى ذكرهم قل لهم قولا يتذكرون به أيام الله. # المسألة الثانية: في أيام الله قولان ": # أحدهما: نعمه. # الثاني: نقمه؛ قاله الحسن. وكذلك روى ابن وهب عن مالك قال: بلاؤه الحسن، ~~وأياديه عندهم. وقد أخبرني بعض أشياخي من الصوفية أنه كان من جملتهم رجل ~~إذا صفا له يوم [واحد] جعل جوزا في قدر وختم عليه، فإذا سئل عن عمره أخرج ~~القدر وفض الختم، وعد الجوز، فيرى أن أيامه بعددها. ### | [مسألة الوعظ المرقق للقلوب المقوي لليقين] # المسألة الثالثة: في هذا دليل على جواز الوعظ، المرقق للقلوب، المقوي ~~لليقين؛ فقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال: سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: # PageV03P088 # «بينما موسى في قومه يذكرهم بأيام الله، وأيام الله نعماؤه وبلاؤه»، وذكر ~~حديث الخضر. وقد استوفينا فيه الغاية في شرح الصحيحين سندا ومتنا. ### | [الآية الثانية قوله تعالى وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا] # الآية الثانية: # قوله تعالى {وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ~~ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين} [إبراهيم: 13]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى: قال الطبري: معناه لنخرجنكم من أرضنا، إلا أن ms0990 تعودوا في ~~ملتنا، وهو غير مفتقر إلى هذا التقدير، فإن (أو) على بابها من التخيير. خير ~~الكفار الرسل بين أن يعودوا في ملتهم أو يخرجوهم من أرضهم؛ وهذه سيرة الله ~~في رسله وعباده. ألا ترى إلى قوله تعالى: {وإن كادوا ليستفزونك} [الإسراء: ~~76]. # وقال في الصحيح في «حديث ورقة بن نوفل وقوله للنبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: يا ليتني فيها جذعا، يا ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك. قال: أومخرجي ~~هم؟ قال له ورقة: نعم، لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي وأخرج، وإن ~~يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا.» # المسألة الثانية: فيه إكراه الرسل بالخروج عن أرضهم، وقد تقدم شدة ذلك ~~ووقعه من النفوس في قوله تعالى: {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو ~~اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم} [النساء: 66] # PageV03P089 # فهو من أعظم وجوه الإكراه المبيحة للمحظور، ويأتي ذلك في سورة النحل إن ~~شاء الله تعالى. وهذه سيرة الله في رسله كما قدمناه؛ فلذلك أخبر عن بعضهم، ~~وهم قوم شعيب في سورة الأعراف، فقال: {قال الملأ الذين استكبروا من قومه ~~لنخرجنك} [الأعراف: 88]. وأخبر هنا عن عموم الأمر، فقال: {وقال الذين كفروا ~~لرسلهم لنخرجنكم} [إبراهيم: 13]. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى ألم تر كيف ضرب الله مثلا] # كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء} [إبراهيم: 24] {تؤتي ~~أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون} [إبراهيم: ~~25]. # فيه ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: في تفسير نزولها على معناها: روى حماد بن سلمة عن شعيب ~~بن الحبحاب عن أنس بن مالك قال: «أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بقناع من رطب، فقال: مثل كلمة طيبة الآية قال: هي النخلة». وفي الصحيح عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها ~~تؤتي أكلها كل حين، مثلها كمثل المسلم، خبروني ما هي» الحديث، حتى قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «هي النخلة»، فذكر خصالا في هذه الشجرة، ~~ومنها أنها تؤتي أكلها كل ms0991 حين. # PageV03P090 ### | [مسألة الحين وفيه عشرة أقوال] # المسألة الثانية: في تفسير الحين: وفيه عشرة أقوال: # الأول: أنه ساعة أقل الزمان. # الثاني: أنه غدوة وعشية؛ قاله ابن عباس. # الثالث: أنه ثلاثة أيام. # الرابع: أنه شهران؛ قاله ابن المسيب. الخامس: أنه ستة أشهر؛ قاله ابن ~~عباس. # السادس: أنه سنة؛ قاله علي. # السابع: أنه سبعة أعوام. # الثامن: أنه ثلاث عشرة سنة. # التاسع: أنه يوم القيامة. # العاشر: أنه مجهول. ### | [مسألة تحقيق معنى الحين] # المسألة الثالثة: في تحقيق معناه: اعلموا أفادكم الله العرفان أنا قد ~~أحكمنا هذه المسألة في كتاب ملجئة المتفقهين؛ ونحن الآن نشير إلى ما يغني ~~في ذلك الغرض، ويشرف بكم على مقصود الفتوى المفترض، فنقول: إن الحين ظرف ~~زمان، وهو مبهم لا تخصيص فيه، ولا تعيين في المفسر له، وهذا مقرر لغة، مجمع ~~عليه من علماء اللسان، وإنما يفسره ما يقترن به، وهو يحتمل ساعة لحظية، ~~ويحتمل يوم الساعة الأبدية، ويحتمل حال العدم لقوله تعالى: {هل أتى على ~~الإنسان حين من الدهر} [الإنسان: 1]. ولأجل إبهامه علق الوعيد به، ليغلب ~~الخوف، لاستغراق مدة العذاب نهاية الأبد فيه، فيكف عن الذنب، أو يرجو ~~لاقتضاء الوعيد أقل مدة احتماله؛ فيغلب الرجاء، ولا يقع اليأس عن المغفرة ~~الذي هو أشد من الذنب، ثم يفعل الله ما يشاء. وتعلق من قال: إن الحين غدوة ~~وعشية بقوله تعالى: {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون} [الروم: 17]، # PageV03P091 # ومن قال: إنه ثلاثة أيام نزع بقوله تعالى في قصة ثمود: {وفي ثمود إذ قيل ~~لهم تمتعوا حتى حين} [الذاريات: 43]. وتعلق ابن المسيب ببقاء الثمر في ~~النخل. # واستدل من قال: إنه ستة أشهر بأنه مدة الثمر من حين الابتداء إلى حين ~~الجني. وتعلق من قال: إنه يوم القيامة بقوله تعالى: {حتى حين} [الذاريات: ~~43]. وتعلق من قال: إنه سبع سنين أو ثلاث عشرة سنة بأخبار إسرائيلية وردت ~~في مدة بقاء يوسف في السجن باختلاف في الرواية عنهم ومن هذه الأقوال صحيح ~~وفاسد، وقوي وضعيف؛ وأظهرها اللحظة؛ لأنه اللغة والمجهول؛ لأنه لا يعلم ~~مقداره على التعيين، ms0992 والشهران والستة أشهر والسنة [لأنها] كلها تخرج من ذكر ~~الحين في ذكر النخلة في القرآن والسنة. # وروى ابن وهب، وابن القاسم عن مالك: من نذر أن يصوم حينا فليصم سنة. قال ~~الله تعالى: {تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها} [إبراهيم: 25]. وروى أشهب، عن ~~مالك قال: الحين الذي يعرف من الثمرة إلى الثمرة قال الله تعالى: {تؤتي ~~أكلها كل حين بإذن ربها} [إبراهيم: 25]. ومن الحين الذي لا يعرف قوله: {هل ~~أتى على الإنسان حين من الدهر} [الإنسان: 1]. # وقال أشهب في رواية أخرى: الحين الذي يعرف قوله: {تؤتي أكلها كل حين} ~~[إبراهيم: 25] فهذا سنة، والحين الذي لا يعرف قوله: {ومتاعا إلى حين} ~~[النحل: 80]، فهذا حين لا يعرف. وقد قال سعيد بن المسيب: إن الحين في هذه ~~الآية من حين تطلع الثمرة إلى أن # PageV03P092 # ترطب، ومن حين ترطب إلى أن تطلع. والحين ستة أشهر، ثم قال: يقول الله: ~~{تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها} [إبراهيم: 25]. ومن الحين المجهول قوله: ~~{ولتعلمن نبأه بعد حين} [ص: 88]. # قال القاضي: الذي اختاره مالك في الصحيح سنة، واختار أبو حنيفة ستة أشهر، ~~وتباين العلماء والأصحاب من كل باب على حال احتمال اللفظ. وأصل المسألة ~~الذي تدور عليه أن الحين المجهول لا يتعلق به حكم، والحين المعلوم هو الذي ~~تتعلق به الأحكام، ويرتبط به التكليف، وأكثر المعلوم سنة. ومالك يرى في ~~الأيمان والأحكام أعم الأسماء والأزمنة، وأكثرها استظهارا. والشافعي يرى ~~الأقل؛ لأنه المتعين. وأبو حنيفة توسط، فقال: ستة أشهر. ولا معنى لقوله؛ ~~لأن المقدرات عنده لا تثبت قياسا، وليس فيه نص عن صاحب الشريعة؛ وإنما ~~المعول على المعنى بعد معرفة مقتضى اللفظ لغة، وهو أمر يختلف باختلاف ~~الأمثلة؛ ونحن نضرب في ذلك الأمثلة ما نبين به المقصود، وذلك ثلاثة أمثلة: # المثال الأول: فنقول: إذا نذر أن يصلي حينا فيحتمل ركعة عند الشافعي؛ ~~لأنه أقل النافلة، وركعتين عند المالكية؛ لأنهما أقل النافلة فيتقدر الزمان ~~بقدر الفعل. # المثال الثاني: إذا نذر أن يصوم حينا فيحتمل يوما لا أقل منه؛ لأنه معيار ms0993 ~~الصوم [الشرعي]؛ إذ هي عبادة تتقدر بالزمان، لا بالأفعال؛ لأنه ترك فلا ~~يحده إلا الوقت، بخلاف الفعل، فإنه يحد نفسه. ويحتمل الدهر، ويحتمل سنة، ~~فرأى الشافعي يوما أخذا بالأقل، وألزم مالك الدهر؛ لأنه الأكثر، وتركه مالك ~~للعلة التي أشار إليها من أنه مجهول، ويلزمه أن يقضي به، وإن كان مجهولا؛ ~~لأنه عنده أنه لو قال: علي صوم الدهر لزمه وتوسط، فقال سنة، فإنه عدل بين ~~الأقل والأكثر، وبين في كتاب # PageV03P093 # الله في ذكر النخلة، ويعارضه أن ستة أشهر بين أيضا، ولكنه أخذ بالأكثر في ~~ذكر النخلة. # المثال الثالث: إذا حلف ألا يدخل الدار حينا: وهي متركبة على ما قبلها في ~~تحديد الحين، لكنه يلحق الصلاة في احتمال أقل من يوم، ويحتمل سائر الوجوه. ~~والمعول عند علمائنا على العرف في ذلك إن لم تكن نية ولا سبب ولا بساط حال؛ ~~فيركب البر والحنث على النية أولا، وعلى السبب ثانيا، وعلى البساط ثالثا، ~~وعلى اللغة رابعا، وعلى العرف خامسا، وهو أولى من اللغة عندنا؛ وسيأتي ذلك ~~محققا في سورة " ص " وغيرها إن شاء الله. ### | [الآية الرابعة قوله تعالى ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم] # ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات ~~لعلهم يشكرون} [إبراهيم: 37]. # فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: في تفسيرها: روي عن ابن عباس من طرق: أن أول من سعى بين ~~الصفا والمروة أم إسماعيل، وأن أول من أجرت الذيل أم إسماعيل، وذلك أنه لما ~~فرت هاجر من سارة أرخت ذيلها لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم ~~وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى ~~المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعها هنالك، ووضع عندها ~~جرابا فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم قفل إبراهيم منطلقا، فتبعته أم إسماعيل ~~فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا ~~شيء؟ قالت له ذلك مرارا، وجعل لا يلتفت إليها، ms0994 فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ ~~قال: نعم. قالت: إذن لا يضيعنا الله. ثم رجعت. فانطلق إبراهيم حتى إذا كان ~~عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثم # PageV03P094 # دعا بهؤلاء الدعوات، ورفع يديه فقال: {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ~~ذي زرع} [إبراهيم: 37] حتى بلغ: {يشكرون} [إبراهيم: 37] وجعلت أم إسماعيل ~~ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ~~ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى، أو قال: يتلبط؛ فانطلقت كراهية أن تنظر ~~إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي ~~تنظر هل ترى أحدا، فلم تر أحدا، فهبطت من الصفا، حتى إذا بلغت الوادي، رفعت ~~طرف درعها، ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة، ~~فقامت عليه، ونظرت هل ترى أحدا، فعلت ذلك سبع مرات. قال ابن عباس: «قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: فلذلك سعى الناس بينهما، فلما أشرفت على ~~المروة سمعت صوتا فقالت: صه، تريد نفسها، ثم تسمعت فسمعت أيضا. فقالت: قد ~~أسمعت، إن كان عندك غواث، فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه أو قال ~~بجناحه حتى ظهر الماء فجعلت تخوضه وتقول بيدها: هكذا، وجعلت تغرف من الماء ~~في سقائها وهو يفور بقدر ما تغرف». قال ابن عباس: قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت ماء زمزم أو قال: لو لم تغرف ~~من الماء لكانت عينا معينا». قال: فشربت وأرضعت ولدها، فقال لها الملك: لا ~~تخافي الضيعة؛ فإن هاهنا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا ~~يضيع أهله. وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية، تأتيه السيول، فتأخذ عن ~~يمينه وشماله، وكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم مقبلين من طريق كداء، ~~فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائر عائفا، فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ~~ماء لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريا أو جريين فإذا هم ~~بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء، فأقبلوا. قال: وأم إسماعيل ms0995 عند الماء، ~~فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا حق لكم في الماء. ~~قالوا: نعم. # PageV03P095 # قال ابن عباس: «قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: فألفت ذلك أم إسماعيل، ~~وهي تحب الأنس، فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم، فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها ~~أهل أبيات منهم، وشب الغلام، وتعلم العربية منهم وأنفسهم أعجبهم حين شب، ~~فلما أدرك زوجوه امرأة فيهم». وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعدما تزوج ~~إسماعيل يطالع تركته، فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه، فقالت: خرج يبتغي ~~لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بشر في ضيق وشدة، وشكت إليه. ~~فقال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام، وقولي له يغير عتبة بابه. فلما ~~جاء إسماعيل كأنه آنس شيئا فقال: هل جاءكم من أحد؟ قالت: جاءنا شيخ صفته ~~كذا وكذا، فسألنا عنك، فأخبرته، وسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنا في جهد ~~وشدة. قال: فهل أوصاك بشيء؟ قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول ~~لك: غير عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وقد أمرني أن أفارقك. الحقي بأهلك. ~~فطلقها وتزوج منهم أخرى، فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد فلم ~~يجده، فدخل على امرأته فسألها عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا. قال: كيف أنتم؟ ~~وسألها عن عيشهم وهيئتهم، فقالت: نحن بخير وسعة، وأثنت على الله، فقال: ما ~~طعامكم قالت: اللحم. قال: فما شرابكم؟ قالت: الماء. قال: اللهم بارك لهم في ~~اللحم والماء. «قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لم يكن لهم يومئذ حب، ~~ولو كان لهم دعا لهم فيه». قال: فهما لا يخلو عليهما أحد بغير مكة إلا لم ~~يوافقاه. قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي عليه السلام ومريه يثبت عتبة بابه. ~~فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم؛ أتانا شيخ حسن الهيئة، ~~وأثنت عليه، فسألني عنك فأخبرته، فسألني كيف عيشنا؟ فأخبرته أنا بخير. قال: ~~فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم؛ هو يقرأ عليك السلام، ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. ~~قال: ذلك أبي، وأنت العتبة، أمرني أن أمسكك. ms0996 # PageV03P096 # ثم لبث عنهم ما شاء الله، ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلا تحت دوحة ~~قريبا من زمزم. فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الولد بالوالد والوالد ~~بالولد، ثم قال: يا إسماعيل، إن الله أمرني بأمر. قال: فاصنع ما أمرك ربك. ~~قال: وتعينني. قال: وأعينك. قال: فإن الله أمرني أن أبني هاهنا بيتا وأشار ~~إلى أكمة مرتفعة على ما حولها. قال: فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل ~~إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا ~~الحجر فوضعه له فقام عليه، وهو يبني، وإسماعيل يناوله الحجارة؛ وهما ~~يقولان: {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} [البقرة: 127]. قال: فجعلا ~~يبنيان حتى تدور حول البيت، وهما يقولان: {ربنا تقبل منا} [البقرة: 127]. ### | [مسألة حقيقة التوكل] # المسألة الثانية: في قوله تعالى {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي ~~زرع} [إبراهيم: 37] لا يجوز لأحد أن يتعلق به في طرح عياله وولده بأرض ~~مضيعة اتكالا على العزيز الرحيم، واقتداء بفعل إبراهيم، كما تقول الغلاة من ~~الصوفية في حقيقة التوكل؛ فإن إبراهيم فعل ذلك بأمر الله؛ لقولها له في هذا ~~الحديث: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم، ولما كان بأمر منه أراد تأسيس الحال ~~وتمهيد المقام، وخط الموضع للبيت المحرم والبلدة الحرام، أرسل الملك فبحث ~~بالماء، وأقامه مقام الغذاء، ولم يبق من تلك الحال إلا هذا المقدار؛ فإن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ماء زمزم لما شرب له». # PageV03P097 # وقد اجتزأ به أبو ذر ليالي أقام بمكة ينتظر لقاء النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ليستمع منه قال: حتى سمنت وتكسرت عكن بطني، وكان لا يجترئ على ~~السؤال ولا يمكنه الظهور ولا التكشف، فأغناه الله بماء زمزم عن الغذاء، ~~وأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن هذا موجود فيه إلى يومه ذلك، وكذلك ~~يكون إلى يوم القيامة لمن صحت نيته، وسلمت طويته، ولم يكن به مكذبا ولا ~~شربه مجربا؛ فإن الله مع المتوكلين، وهو يفضح المجربين. ولقد كنت بمكة ~~مقيما في ذي الحجة سنة ms0997 تسع وثمانين وأربعمائة، وكنت أشرب ماء زمزم كثيرا، ~~وكلما شربته نويت به العلم والإيمان حتى فتح الله لي بركته في المقدار الذي ~~يسره لي من العلم، ونسيت أن أشربه للعمل؛ ويا ليتني شربته لهما، حتى يفتح ~~الله علي فيهما، ولم يقدر؛ فكان صغوي إلى العلم أكثر منه إلى العمل، ونسأل ~~الله الحفظ والتوفيق برحمته. ### | [مسألة لماذا خص إبراهيم الصلاة وجعلها من جملة الدين] # المسألة الثالثة: قوله: {ليقيموا الصلاة} [إبراهيم: 37]: خصها من جملة ~~الدين لفضلها فيه ومكانها منه، وهي عهد الله عند العباد قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «خمس صلوات كتبهن الله على عباده في اليوم والليلة من ~~جاء بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله ~~الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله ~~الجنة». # PageV03P098 ### | [مسألة تحريم مكة] # المسألة الرابعة: قوله: {عند بيتك المحرم} [إبراهيم: 37] قد قدمنا القول ~~في تحريم مكة، وفائدة حرمتها، وما يترتب على ذلك من حكمة، وتحريمها كان ~~بالعلم، وكان بقوله مخبرا عنه؛ وكل ذلك قديم لا أول له، وحرمها بالكتاب حين ~~خلق القلم، وهو التحريم الثالث، وقال له: اكتب فكتب ما يكون إلى يوم ~~القيامة. # ومن جملة ما كتب أن مكة بيت محرم مكرم معظم؛ وقد روي في ذلك آثار، منها ~~أنه كان المسجد الحرام ليس عليه جدار محيط على عهد رسول الله وأبي بكر، ~~فلما كان عمر بن الخطاب فضاق على الناس وسع عمر المسجد، واشترى دورا فهدمها ~~فيه، وهدم على الناس ما قرب من المسجد، حتى أبوا أن يبيعوا، ووضع الأثمان ~~حتى أخذوها بعد، ثم أحاط عليه بجدار قصير دون القامة، وأن عثمان لما ولي ~~وسع المسجد الحرام، واشترى من قوم، وأبى آخرون أن يبيعوا، فهدم عليهم، ~~فصيحوا فأمر بهم إلى الحبس حتى كلمه فيهم عبد الله بن خالد بن أسيد، ووجد ~~في المقام كتاب، فجعلوا يخرجونه لكل من أتاهم من أهل الكتاب فلا يعلمونه، ~~حتى أتاهم حبر من ms0998 اليمن، فقرأه عليهم، فإذا فيه: أنا الله ذو بكة صغتها يوم ~~صغت الشمس والقمر، وباركت لأهلها في اللحم واللبن، وأول من يحلها أهلها، ~~وذكر حديثا طويلا خرجه جماعة، واللفظ للترمذي. # PageV03P099 ### | [سورة الحجر فيها عشر آيات] ### | [الآية الأولى قوله تعالى وأرسلنا الرياح لواقح] # الآية الأولى: # قوله: {وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم ~~له بخازنين} [الحجر: 22]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى: قوله: {لواقح} [الحجر: 22] وفيه ثلاثة أقوال: # الأول: تلقح الشجر والسحاب، وجمعت على حذف الزائد. الثاني: أنه موضوع على ~~النسب، أي ذات لقح ولقاح. الثالث: أن {لواقح} [الحجر: 22] جمع لاقح، أي ~~حامل، وسميت بذلك؛ لأنها تحمل السحاب، والعرب تقول للجنوب لاقح وحامل، ~~وللشمال حائل وعقيم، ويشهد له قوله: {حتى إذا أقلت سحابا ثقالا} [الأعراف: ~~57] معناه: حملت. وأقوى الوجه فيه النسبة. # المسألة الثانية: روى ابن وهب، وابن القاسم، وأشهب، وابن عبد الحكم عن ~~مالك، واللفظ لأشهب قال مالك: قال الله تعالى: {وأرسلنا الرياح لواقح} ~~[الحجر: 22]، فلقاح القمح عندي أن يحبب ويسنبل، ولا أدري ما ييبس في ~~أكمامه، ولكن يحبب حتى يكون لو يبس حينئذ لم يكن فسادا لا خير فيه، ولقاح ~~الشجر كلها أن يثمر الشجر ويسقط منه ما يسقط، ويثبت ما يثبت، وليس ذلك بأن ~~تورد الشجر. # PageV03P100 # قال القاضي الإمام: إنما عول مالك في هذا التفسير على تشبيه لقاح الشجر ~~بلقاح الحمل، وأن الولد إذا عقد وخلق ونفخ فيه الروح كان بمنزلة تحبب الثمر ~~وسنبلته، ولأنه سمي باسم تشترك فيه كل حاملة، وهو اللقاح، وعليه جاء ~~الحديث: «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الحب حتى يشتد». ### | [الآية الثانية قوله تعالى ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين] # } [الحجر: 24]. # فيها خمس مسائل: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: روى الترمذي وغيره عن ابن عباس أنه قال: ~~«كانت امرأة تصلي خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ابن عباس: لا ~~والله ما رأيت قط مثلها. قال: فكان بعض المسلمين إذا صلوا تقدموا، وبعضهم ~~يستأخر، فإذا سجدوا نظروا إليها من ms0999 تحت أيديهم، فأنزل الله الآية». # المسألة الثانية: في شرح المراد بها: فيها خمسة أقوال: الأول: المتقدمين ~~في الخلق إلى اليوم، والمتأخرين الذين لم يلحقوا بعد؛ بيانا؛ لأن الله ~~تعالى يعلم الموجود والمعدوم؛ قاله قتادة وجماعة. # الثاني: من مات، ومن بقي؛ قاله ابن عباس. # الثالث: المستقدمين [من] سائر الأمم، والمستأخرين من أمة محمد؛ قاله ~~مجاهد. الرابع: قال الحسن: معناه المستقدمين في الطاعة والمستأخرين في ~~المعصية. # PageV03P101 # الخامس: روي عن ابن عباس أيضا أن معناه ولقد علمنا المستقدمين في الصفوف ~~في الصلاة والمستأخرين بها حسبما تقدم في الحديث؛ وكل هذا معلوم لله سبحانه ~~فإنه عالم بكل موجود ومعدوم، وبما كان [وبما] يكون وبما لا يكون أن لو كان ~~كيف [كان] يكون. ### | [مسألة أول الوقت في الصلاة] # المسألة الثالثة: هذا يدل على فضل أول الوقت في الصلاة خاصة، وعلى فضل ~~المبادرة إلى سائر الأعمال والمسارعة إليها عامة؛ وقد تقدم بيان ذلك. ### | [مسألة فضل الصف الأول في الصلاة] # المسألة الرابعة: ويدل أيضا على فضل الصف الأول في الصلاة قول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «لو يعلمون ما في الصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن ~~يستهموا لاستهموا عليه». فإذا جاء الرجل المسجد عند الزوال فنزل في الصف ~~الأول مما يلي الإمام، فقد حاز ثلاث مراتب في الفضل: أول الوقت، والصف ~~الأول، ومجاورة الإمام. فإن جاء عند الزوال ونزل في الصف الآخر أو فيما نزل ~~عن الأول فقد حاز فضل أول الوقت، وفاته فضل الصف الأول والمجاورة. # PageV03P102 # فإن جاء وقت الزوال ونزل في الصف الأول دون ما يلي الإمام فقد حاز فضل ~~أول الوقت، وفضل الصف الأول، وفاته مجاورة الإمام، وذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء. ومجاورة الإمام لا تكون لكل أحد، وإنما هي كما قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «ليليني منكم أولو الأحلام والنهى». فما يلي الإمام ينبغي أن ~~يكون لمن كانت هذه صفته، فإن نزلها غيره أخر له وتقدم هو إلى هذا الموضع؛ ~~لأنه حقه بأمر صاحب الشريعة، كالمحراب هو موضع الإمام تقدم ms1000 أو تأخر. ### | [مسألة فضل الصف الأول في القتال] # المسألة الخامسة: وكما تدل هذه الآية على فضل الصف الأول في الصلاة، ~~فكذلك تدل على فضل الصف الأول في القتال؛ فإن القيام في نحر العدو، وبيع ~~النفس من الله تعالى لا يوازنه عمل فالتقدم إليه أفضل. ولا خلاف فيه ولا ~~خفاء به، فلم يكن أحد يتقدم في الحرب بين يدي رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ لأنه كان أشجع الناس. قال البراء: «كنا إذا حمي البأس اتقينا برسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -». ### | [الآية الثالثة قوله تعالى إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين إلا امرأته] # الآية الثالثة قوله تعالى: {إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين} [الحجر: 59] ~~{إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين} [الحجر: 60]. # قد تكلمنا على الاستثناء في أصول الفقه بما فيه بلاغ للطلبة، وأوضحنا أن ~~الاستثناء الثاني يرجع إلى ما يليه، ولا يتعلق بالأول من الكلام تعلق الأول ~~من الاستثناء به، لاستحالة ذلك فيه. # PageV03P103 # وبيانه الآن على اختصار لكم أنا لو علقناه بالأول كما علقناه بما يليه ~~لكان ذلك تناقضا وصار الكلام نفيا لما أثبت، وإثباتا لما نفي، وذلك لأن ~~الاستثناء من الإثبات نفي، ومن النفي إثبات، فإذا كان الأول إثباتا ~~فالاستثناء منه نفي؛ ثم إن استثنى من النفي فإنما يستثنى به إثبات، فيصير ~~هذا المستثنى الآخر منفيا بالاستثناء الأول مثبتا بالثاني، وهذا تناقض، ~~وبسطه وإيضاحه في الأصول، فأبان الله تعالى بقوله: {إنا أرسلنا إلى قوم ~~مجرمين} [الحجر: 58] إلا آل لوط فليسوا منهم، إلا امرأته فإنها خارجة عن ~~آله، فترتب عليها من الفقه قول المقر: عندي عشرة إلا ثلاثة إلا واحدا، فثبت ~~الإقرار بثمانية، ويترتب عليه قول المطلق لزوجته: أنت طالق ثلاثا إلا ~~اثنتين إلا واحدة، فتكون اثنتين، وهذا ظاهر فأغنى عن الإطناب فيه. ### | [الآية الرابعة قوله تعالى قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين] # } [الحجر: 71]. # لما تداعى أهل المدينة إلى لوط حين رأوا وسمعوا بجمال أضيافه، وحسن ~~شارتهم؛ قصدا للفاحشة فيهم، تحرم لهم لوط بالضيافة، وسألهم ترك الفضيحة، ~~وإتيان المراعاة، فلما ms1001 قالوا له: {أولم ننهك عن العالمين} [الحجر: 70] قال ~~لهم لوط: إن كنتم تريدون قضاء الشهوة فهؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين. ولا ~~يجوز على الأنبياء - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين - أن يعرضوا بناتهم على ~~الفاحشة فداء لفاحشة أخرى؛ وإنما معناه هؤلاء بنات أمتي؛ لأن كل نبي أزواجه ~~أمهات أمته، وبناتهم بناته، فأشار عليهم بالتزويج الشرعي، وحملهم على ~~النكاح الجائز كسرا لسورة الغلمة، وإطفاء لنار الشهوة، كما قال تعالى: ~~{أتأتون الذكران من العالمين} [الشعراء: 165] {وتذرون ما خلق لكم ربكم من ~~أزواجكم بل أنتم قوم عادون} [الشعراء: 166] والله أعلم. # PageV03P104 ### | [الآية الخامسة قوله تعالى لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون] # } [الحجر: 72]. فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: قال المفسرون بأجمعهم: أقسم الله هنا بحياة محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - تشريفا له، أن قومه من قريش في سكرتهم يعمهون وفي حيرتهم ~~يترددون. قالوا: روي عن ابن عباس أنه قال: " ما خلق الله وما ذرأ ولا برأ ~~نفسا أكرم عليه من محمد، وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره ". # وهذا كلام صحيح، ولا أدري ما الذي أخرجهم عن ذكر لوط إلى ذكر محمد، وما ~~الذي يمنع أن يقسم الله بحياة لوط، ويبلغ به من التشريف ما شاء؛ فكل ما ~~يعطي الله للوط من فضل ويؤتيه من شرف فلمحمد ضعفاه؛ لأنه أكرم على الله ~~منه. # أولا تراه قد أعطى لإبراهيم الخلة، ولموسى التكليم، وأعطى ذلك لمحمد، ~~فإذا أقسم الله بحياة لوط فحياة محمد أرفع، ولا يخرج من كلام إلى كلام آخر ~~غيره لم يجر له ذكر لغير ضرورة. ### | [مسألة معنى قوله تعالى لعمرك إنهم لفي سكرتهم] # المسألة الثانية: قوله: {لعمرك إنهم لفي سكرتهم} [الحجر: 72] # أراد به الحياة والعيش، يقال: عمر وعمر بضم العين وفتحها لغتان، وقالوا: ~~إن أصلها الضم، ولكنها فتحت في القسم خاصة لكثرة الاستعمال؛ والاستعمال ~~إنما هو في غير القسم، فأما القسم فهو بعض الاستعمال؛ فلذلك صارا لغتين. ~~فتدبروا هذا. ### | [مسألة من أقسم بالنبي هل تلزمه الكفارة] # المسألة الثالثة: قال أحمد بن حنبل: من أقسم بالنبي لزمته ms1002 الكفارة؛ لأنه ~~أقسم بما لا يتم الإيمان إلا به، فلزمته الكفارة، كما لو أقسم بالله. # وقدمنا أن الله تعالى يقسم بما شاء من خلقه، وليس لخلقه أن يقسموا إلا به # PageV03P105 # لقوله: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت». فإن أقسم بغيره فإنه آثم، ~~أو قد أتى مكروها على قدر درجات القسم وحاله. وقد قال مالك: إن المستضعفين ~~من الرجال والمؤنثين منهم يقسمون بحياتك وبعيشك، وليس من كلام أهل الذكر، ~~وإن كان الله أقسم به في هذه القصة فذلك بيان لشرف المنزلة وشرف المكانة، ~~فلا يحمل عليه سواه، ولا يستعمل في غيره. # وقال قتادة: هو من كلام العرب، وبه أقول؛ لكن الشرع قد قطعه في ~~الاستعمال، ورد القسم إليه. وقد بيناه في [الأصول وفي] مسائل الخلاف. ### | [الآية السادسة قوله تعالى إن في ذلك لآيات للمتوسمين] # } [الحجر: 75]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى: في التوسم: وهو تفعل من الوسم، وهو العلامة التي يستدل ~~بها على مطلوب غيرها. قال الشاعر يمدح النبي - صلى الله عليه وسلم -: # إني توسمت فيك الخير نافلة ... والله يعلم أني صادق البصر # وفي الفراسة أيضا، يقال: تفرست وتوسمت. وحقيقتها الاستدلال بالخلق على ~~الخلق، وذلك يكون بجودة القريحة، وحدة الخاطر، وصفاء الفكر. يحكى أن ~~الشافعي ومحمد بن الحسن كانا جالسين بفناء الكعبة، ودخل رجل على باب ~~المسجد، فقال أحدهما: أراه نجارا، وقال الآخر: بل حدادا، فتبادر من حضر إلى ~~الرجل فسألوه، فقال لهم: كنت نجارا، وأنا الآن حداد، وهذه زيادة على ~~العادة، فزعمت الصوفية أنها كرامة. # PageV03P106 # وقال غيرهم: بل هي استدلال بالعلامة، ومن العلامات ظاهر يبدو لكل أحد، ~~بأول نظر، ومنها ما هو خفي فلا يبدو لكل أحد، ولا يدرك ببادئ النظر. وقد ~~روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله» # وهذا مبين في كتب الأصول. ### | [مسألة الحكم بالفراسة في الأحكام] # المسألة الثانية: # إذا ثبت أن التوهم والتفرس من مدارك المعاني ومعالم المؤمنين، فإن ذلك لا ~~يترتب عليه حكم، ms1003 ولا يؤخذ به موسوم ولا متفرس. وقد كان قاضي القضاة الشامي ~~المالكي ببغداد أيام كوني بالشام يحكم بالفراسة في الأحكام جريا على طريقة ~~إياس بن معاوية أيام كان قاضيها، ولشيخنا فخر الإسلام أبي بكر الشاشي جزء ~~في الرد عليه، كتبه لي بخطه، وأعطانيه، وذلك صحيح؛ فإن مدارك الأحكام ~~معلومة شرعا، مدركة قطعا، وليست الفراسة منها. ### | [الآية السابعة قوله تعالى ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين] # } [الحجر: 80]. # فيها خمس مسائل: # المسألة الأولى: في الحجر وتفسيره: وفيه ثلاثة أقوال: # الأول: أنها ديار ثمود. # PageV03P107 # الثاني: أنه واد. # الثالث: أنه كل بناء بنيته وحظرت عليه، ومنه: {وحجرا محجورا} [الفرقان: ~~53] ولكن المراد به ههنا ديار ثمود. ### | [مسألة الشرب من بئر ثمود] # المسألة الثانية: # ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق البخاري وغيره عن ابن عمر ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم ~~ألا يشربوا من بئرها، ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عجنا واستقينا. فأمرهم ~~أن يطرحوا ذلك العجين ويهريقوا الماء.» # وعنه فيه أيضا «أن الناس نزلوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرض ~~ثمود الحجر، واستقوا من بئرها، واعتجنوا به، فأمرهم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أن يهريقوا ما استقوا من بئرها، وأن يعلفوا الإبل العجين، ~~وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة». # المسألة الثالثة: # روى مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال لأصحاب الحجر: لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، إلا أن تكونوا ~~باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم حذرا أن يصيبكم ما أصابهم». # وفي حديث ابن الزبير، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: «لما نزل النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - الحجر قال: لا تسألوا الآيات، فقد سألها قوم صالح ~~فكانت ترد من هذا # PageV03P108 # الفج، وتصدر من هذا الفج، وكانت تشرب ماءهم يوما، ويشربون لبنها يوما، ~~فعتوا عن أمر ربهم فعقروها، فأخذتهم صيحة أخمدت من تحت أديم السماء منهم، ~~إلا رجلا ms1004 واحدا منهم كان في حرم الله فقيل: من هو يا رسول الله؟ قال: أبو ~~رغال. فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه». ### | [مسألة ما لا يجوز استعماله من الطعام والشراب يجوز أن يعلفه الإبل والبهائم] # المسألة الرابعة: # «أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بهرق ماء ديار ثمود، وإلقاء ما عجن ~~وحيس به». لأجل أنه ماء سخط، فلم يجز الانتفاع به، فرارا من سخط الله. ~~وقال: «اعلفوه الإبل»؛ فكان في هذا دليل أيضا على أن ما لا يجوز استعماله ~~من الطعام والشراب يجوز أن يعلفه الإبل والبهائم؛ إذ لا تكليف عليها، ولأجل ~~هذا قال مالك في العسل النجس إنه تعلفه النحل. # وكذلك لا يجوز الصلاة فيها؛ لأنها دار سخط وبقعة غضب؛ قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لا تدخلوها إلا باكين». وروي «أنه تقنع بردائه، وأوضع ~~راحلته حتى خرج عنها». ### | [مسألة النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في سبعة مواطن] # المسألة الخامسة: # فصارت هذه بقعة مستثناة من قوله: «جعلت لي الأرض مسجدا، وجعل ترابها ~~طهورا»؛ فلا يجوز التيمم بها، ولا الوضوء من مائها، ولا الصلاة فيها. # وقد روى الترمذي وغيره عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام» رواه الترمذي وغيره. ~~وهو حديث مضطرب. # PageV03P109 # وقد روى الترمذي وغيره «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاة ~~في سبعة مواطن: المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، والحمام، والطريق، وظهر ~~الكعبة، وأعطان الإبل». وذكر علماؤنا منها جملة، وجماعها هذه الثمانية. # التاسع: البقعة النجسة. # العاشر: البقعة المغصوبة. # الحادي عشر: أمامك جدار عليه نجس. الثاني عشر: الكنيسة. # الثالث عشر: البيعة. # الرابع عشر: بيت فيه تماثيل. # الخامس عشر: الأرض المعوجة. # السادس عشر: موضع تستقبل فيه نائما أو وجه رجل. # السابع عشر: الحيطان. # وقد قررنا ذلك في مسائل الخلاف وشرح الحديث، ومن هذا ما منع لحق الغير، ~~ومنه ما منع لأجل النجاسة المحققة أو لغلبتها، ومنه ما منع منه عبادة. فما ~~منع منه لأجل النجاسة إن ms1005 فرش فيه ثوب طاهر كالمقبرة والحمام فيها أو إليها، ~~فإن ذلك جائز في المدونة، وذكر أبو مصعب عنه الكراهية، وفرق علماؤنا بين ~~المقبرة الجديدة والقديمة، لأجل النجاسة إلا أن ينزل عليها ماء كثير، ~~والنهي عن المقبرة يتأكد إذا كانت للمشركين لأجل النجاسة وأنها دار عذاب ~~كالحجر. # وفي صحيح مسلم: «لا تجلسوا على القبور ولا يصلى إليها». # PageV03P110 # وفي صحيح الحديث قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لعن الله اليهود ~~والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» يحذر مما صنعوا. # وقال مالك في المجموعة: لا يصلى في أعطان الإبل، وإن فرش ثوبا، كأنه رأى ~~لها علتين: الاستقذار بها وقفارها، فتفسد على المصلي صلاته، فإن كان واحدا ~~فلا بأس به، كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل في الحديث الصحيح. # وقال مالك: لا يصلى على بساط فيه تماثيل إلا من ضرورة. وكره ابن القاسم ~~الصلاة إلى قبلة فيها تماثيل، وفي الدار المغصوبة، فإن فعل أجزأه. # وذكر بعضهم عن مالك أن الصلاة في الدار المغصوبة لا تجزئ. وذلك عندي ~~بخلاف الأرض؛ فإن الدار لا تدخل إلا بإذن، والأرض وإن كانت ملكا فإن ~~المسجدية فيها قائمة لا يبطلها الملك. # وقد روى الترمذي: «لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد ~~والسرج». ### | [الآية الثامنة قوله تعالى وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق] # قوله تعالى: {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة ~~لآتية فاصفح الصفح الجميل} [الحجر: 85]. # قد بينا أنه كان أمر أن يصفح عنهم صفحا جميلا، ويعرض عنهم إعراضا حسنا، ~~ثم نسخ ذلك بالأمر بالقتال، وقد بيناه في القسم الثاني. # PageV03P111 ### | [الآية التاسعة قوله تعالى ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم] # } [الحجر: 87]. # فيها ست مسائل: # المسألة الأولى: في تفسير السبع: وفي ذلك أربعة أقوال: # الأول: أن السبع قيل: هي [أول] السور الطوال: البقرة، وآل عمران، ~~والنساء، والمائدة، والأنعام، والأعراف، وبراءة تتمة الأنفال. # وقيل: السابعة التي يذكر فيها يونس؛ قال ابن عباس، وابن عمر وغيرهم. # الثاني: أنها الحمد، سبع آيات؛ قاله ابن مسعود وغيره. ms1006 # الثالث: أنها سبع آيات من القرآن. # الرابع: أنها الأمر، والنهي، والبشرى، والنذارة، وضرب الأمثال، وإعداد ~~النعم، ونبأ الأمم. # المسألة الثانية: في المثاني: وفيها [أربعة] أقوال: # الأول: هي السبع الطوال بنفسها؛ لأنها تثنى فيها المعاني. # الثاني: أنها آيات الفاتحة؛ لأنها تثنى في كل ركعة. # الثالث: أنها آيات القرآن، كما قال: {مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ~~ربهم} [الزمر: 23] الرابع: أنها القرآن # PageV03P112 # المسألة الثالثة {والقرآن العظيم} [الحجر: 87]: فيها ثلاثة أقوال: # الأول: هو القرآن كله. # الثاني: هو الحواميم. # الثالث: أنها الفاتحة. # المسألة الرابعة: في تحقيق هذا المسطور: يحتمل أن يكون السبع من السور، ~~ويحتمل أن يكون من الآيات؛ لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد كشف قناع ~~الإشكال، وأوضح شعاع البيان، ففي الصحيح عند كل فريق ومن كل طريق أنها أم ~~الكتاب، والقرآن العظيم حسبما تقدم من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لأبي بن كعب: «هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيت». # وبعد هذا فالسبع المثاني كثير، والكل محتمل، والنص قاطع بالمراد، قاطع ~~بمن أراد التكليف والعناد، وبعد تفسير النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا ~~تفسير. وليس للمتعرض إلى غيره إلا النكير. # وقد كان يمكن لولا تفسير النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أحرر في ذلك ~~مقالا وجيزا، وأسبك من سنام المعارف إبريزا، إلا أن الجوهر الأغلى من عند ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى وأعلى؛ وقد بينا تفسيرها في أول سورة من ~~هذا الكتاب، إذ هي الأولى منه، فلينظر هناك من ههنا إن شاء الله. ### | [مسألة معنى قوله تعالى لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم] # المسألة الخامسة: قوله: {لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا ~~تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين} [الحجر: 88]. # المعنى: قد أعطيناك الآخرة، فلا تنظر إلى الدنيا، وقد أعطيناك العلم فلا ~~تتشاغل بالشهوات، وقد منحناك لذة القلب فلا تنظر إلى لذة البدن، وقد ~~أعطيناك القرآن فتغن به، فليس منا من لم يتغن بالقرآن أي ليس منا من رأى ~~بما عنده ms1007 من القرآن أنه ليس بغني حتى يطمح ببصره إلى زخارف الدنيا، وعنده ~~معارف المولى، حيي بالباقي، فغني عن الفاني. # PageV03P113 # وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «حبب إلي من دنياكم ~~ثلاث: الطيب، والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة». فكان يتشاغل بالنساء ~~جبلة الآدمية وتشوف الخلقة الإنسانية، ويحافظ على الطيب منفعة خاصية ~~وعامية، ولا يقر له عين إلا في الصلاة لدى مناجاة المولى، ويرى أن مناجاة ~~المولى أجدر من ذلك وأولى. # وقد بينا تحقيق ذلك في شرح الحديث، ولم يكن في دين محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - الرهبانية والإقبال على الأعمال الصالحة بالكلية كما كان في دين ~~عيسى؛ وإنما شرع الله له ولنا بحكمته حنيفية سمحة خالصة عن الحرج خفيفة عن ~~الإصر، نأخذ من الآدمية وشهواتها بحظ وافر، ونرجع إلى الله بقلب سليم، إن ~~شغل بدنه باللذات عكف قلبه على المعارف، ورأى اليوم علماء القراء والمخلصون ~~من الفضلاء أن الانكفاف عن اللذات، والخلوص لرب السموات اليوم أولى، لما ~~غلب على الدنيا من الحرام، واضطر إليه العبد في المعاش من مخالطة من لا ~~تجوز مخالطته، ومصانعة من تحرم مصانعته، وحماية الدنيا بالدين، وصيانة ~~المال بتبدل الطاعة بدلا عنه؛ فكانت العزلة أفضل، والفرار عن الناس أصوب ~~للعبد وأعدل، حسبما تقدم به الوعد الذي لا خلف له من الصادق؛ «يأتي على ~~الناس زمان يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر ~~يفر بدينه من الفتن». # فإن قيل: ففي هذا الحديث الذي ذكرتم وهي: ### | [مسألة هل الفاتحة هي القرآن العظيم] # المسألة السادسة: أنه قال - صلى الله عليه وسلم - في الفاتحة: «هي السبع ~~المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته»، فتكون الفاتحة هي القرآن العظيم. # قلنا: المراد بالمثاني القرآن كله، فالمعنى: ولقد آتيناك سبعا من المثاني ~~مما ثنى بعض آيه بعضا، ويكون المثاني جمع مثناة، وتكون آي القرآن موصوفة ~~بذلك؛ لأن بعضها تلا بعضا بفصول بينها، فيعرف انقضاء الآية وابتداء الآية ~~التي بعدها، وذلك قوله تعالى # PageV03P114 # {كتابا متشابها مثاني} [الزمر: 23]. # ويحتمل أن ms1008 يكون {مثاني} [الزمر: 23]؛ لأن المعاني كررت فيه والقصص. # وقد قيل: إنها سميت مثاني؛ لأن الله استثناها لمحمد دون سائر الأنبياء ~~ولأمته دون سائر الأمم. ### | [الآية العاشرة قوله تعالى فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين] # الآية العاشرة: # قوله تعالى {فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين} [الحجر: 98] فيها أربع ~~مسائل: # المسألة الأولى: التسبيح: هو ذكر الله تعالى بما هو عليه من صفات الجلال ~~والتعظيم، بالقلب اعتقادا، وباللسان قولا. # والمراد به ههنا الصلاة، قال الله تعالى لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: ~~نعلم ضيق صدرك بما تسمعه من تكذيبك ورد قولك، ويناله أصحابك من إذاية ~~أعدائك؛ فافزع إلى الصلاة، فهي غاية التسبيح ونهاية التقديس، «وكان النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة»، وذلك تفسير قوله: {وكن ~~من الساجدين} [الحجر: 98]، أي من المصلين وهي: # المسألة الثانية: فإن دعامة القربة في الصلاة حال السجود. # وقد ظن بعض الناس أن المراد به ههنا الأمر بالسجود نفسه، فيرى هذا الموضع ~~محل سجود في القرآن. # وقد شاهدت الإمام بمحراب زكريا من البيت المقدس طهره الله يسجد في هذا ~~الموضع عند قراءته له في تراويح رمضان، وسجدت معه فيها، ولم يره جماهير ~~العلماء. # PageV03P115 # المسألة الثالثة: قوله: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} [الحجر: 99]: # أمره بعبادته إذا قصر عباده في خدمته؛ فإن ذلك طب علته، وهي كما قدمنا ~~أشرف الخصال، والتسمي بها أشرف الخطط. # قال شيوخ المعاني: ألا تري كيف سمى الله بها رسوله عند أفضل منازله، وهي ~~الإسراء، فقال: {سبحان الذي أسرى بعبده} [الإسراء: 1] ولم يقل نبيه ولا ~~رسوله، ولقد أحسن الشاعر فيما جاء به من اللفظ حيث يقول: # يا قوم قلبي عند زهراء ... يعرفه السامع والرائي # لا تدعني إلا بيا عبدها ... فإنه أشرف أسمائي # المسألة الرابعة: اليقين: الموت، فأمره باستمرار العبادة أبدا، وذلك مدة ~~حياته، وكان هذا أبلغ من قوله أبدا، لاحتمال لفظة الأبد للحظة الواحدة، ~~ولجميع الأبد، كما قال العبد الصالح: وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا. # والدليل على أن اليقين الموت «أن أم العلاء ms1009 الأنصارية وكانت بايعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أخبرت أنهم اقتسموا المهاجرين قرعة، فصار لنا ~~عثمان بن مظعون قالت: فأنزلناه مع أبنائنا، فوجع وجعه الذي مات فيه، فلما ~~توفي وغسل وكفن في أثوابه دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: رحمة ~~الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك، لقد أكرمك الله. فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: وما يدريك أن الله أكرمه؟ قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول ~~الله فمه؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أما هو فقد جاءه اليقين، ~~والله إني لأرجو له الخير». الحديث. ### | [مسألة الرجل إذا قال لامرأته أنت طالق أبدا وقال نويت يوما أو شهرا] # ويتركب على هذا أن الرجل إذا قال لامرأته: أنت طالق أبدا، وقال: نويت ~~يوما أو شهرا كانت له عليها الرجعة. ولو قال: طلقتها حياتها لم يراجعها، ~~وقد مهدنا ذلك في كتب الفروع. والله أعلم. # PageV03P116 ### | [سورة النحل فيها إحدى وعشرون آية] # [الآية الأولى قوله تعالى والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع] # سورة النحل وتسمى سورة النعم فيها إحدى وعشرون آية ### | الآية الأولى قوله تعالى: {والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع # ومنها تأكلون} [النحل: 5]. # فيها خمس مسائل: # المسألة الأولى: قوله: " الأنعام ": وقد تقدم بيانه في سورة المائدة، ~~فأغنى عن إعادته. # المسألة الثانية: قوله: {لكم فيها دفء} [النحل: 5]: يعني من البرد بما ~~فيها من الأصواف والأوبار والأشعار، كما قال تعالى: {وجعل لكم سرابيل تقيكم ~~الحر وسرابيل تقيكم بأسكم} [النحل: 81] فامتن ههنا بالدفء، وامتن هناك ~~بالظل، إن كان لاصقا بالبدن ثوبا أو كان منفصلا بناء. # وقد روي عن ابن عباس أنه قال: دفؤها نسلها؛ فربك أعلم بها. # المسألة الثالثة: قوله: " منافع ": يعني ما وراء ذلك من الألبان خاصة؛ ~~لأنه قد ذكر بعد ذلك سواها من المنافع، فقال: ومنها تأكلون. # وقد ذكر وجه اختصاصه باللبن، ويأتي ذلك إن شاء الله. # المسألة الرابعة: في هذا دليل على لباس الصوف، فهو أولى ذلك وأولاه، فإنه ~~شعار المتقين # PageV03P117 # ولباس الصالحين، وشارة الصحابة والتابعين، واختيار الزهاد ms1010 والعارفين، وهو ~~يلبس لينا وخشنا، وجيدا ومقاربا ورديئا، وإليه نسب جماعة من الناس الصوفي؛ ~~لأنه لباسهم في الغالب، فالياء للنسب والهاء للتأنيث، وقد أنشدني بعض ~~أشياخهم بالبيت المقدس: # تشاجر الناس في الصوفي واختلفوا ... فيه وظنوه مشتقا من الصوف # ولست أنحل هذا الاسم غير فتى ... صافى فصوفي حتى سمي الصوفي # المسألة الخامسة: قوله: {ومنها تأكلون} [النحل: 5]: فأباح لنا أكلها كما ~~تقدم بيانه بشروطه وأوصافه، وكان وجه الامتنان بها أنسها، كما امتن ~~بالوحشية على وجه الاصطياد، فالأول نعمة هنية، والصيد متعة شهية، ونصبة ~~نصية، وهو الأغلب فيها. ### | [الآية الثانية قوله تعالى ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون] # } [النحل: 6]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى: قوله: {ولكم فيها جمال} [النحل: 6]: كما قال في الآية ~~بعدها: {لتركبوها وزينة} [النحل: 8] والجمال قد بيناه في كتب الأصول وشرح ~~الحديث، وأوضحنا أنه يكون في الصورة وتركيب الخلقة، ويكون في الأخلاق ~~الباطنة، ويكون في الأفعال. # فأما جمال الخلقة فهو أمر يدركه البصر، فيلقيه إلى القلب متلائما، فتتعلق ~~به النفس من غير معرفة بوجه ذلك ولا بسببه لأحد من البشر. # وأما جمال الأخلاق فبكونها على الصفات المحمودة من العلم والحكمة، والعدل ~~والعفة، وكظم الغيظ، وإرادة الخير لكل واحد. # وأما جمال الأفعال فهو وجودها ملائمة لصالح الخلق، وقاضية بجلب المنافع ~~إليهم، وصرف الشر عنهم. # PageV03P118 # وجمال الأنعام والدواب من جمال الخلقة محسوب، وهو مرئي بالأبصار، موافق ~~للبصائر، ومن جمالها كثرتها. # فإذا وردت الإبل على الذرى سامية الذرى هجمات هجانا توافر حسنها، وعظم ~~شأنها، وتعلقت القلوب بها. # إذا رأيت البقر نعاجا ترد أفواجا أفواجا، تقر بقريرها، معها صلغها ~~وأتابعها، فقد انتظم جمالها وانتفاعها. # وإذا رأيت الغنم فيها السالغ والسخلة، والغريض والسديس صوفها أهدل، ~~وضرعها منجدل، وظهرها منسجف، إذا صعدت ثنية مرعت، وإذا أسهلت عن ربوة طمرت، ~~تقوم بالكساء، وتقر على الغداء والعشاء، وتملأ الحواء سمنا وأقطا، بله ~~البيت، حتى يسمع الحديث عنها كيت وكيت، فقد قطعت عنك لعل وليت. # وإذا رأيت الخيل نزائع يعابيب، كأنها في البيداء أهاضيب، وفي الهيجاء ~~يعاسيب، رءوسها عوال، ms1011 وأثمانها غوال، لينة الشكير، وشديدة الشخير، تصوم وإن ~~رعت، وتفيض إذا سعت، فقد متعت الأحوال وأمتعت. وإذا رأيت البغال كأنها ~~الأفدان بأكفال كالصوى، وأعناق كأعناق الظبا، ومشي كمشي القطا أو الدبى فقد ~~بلغت فيها المنى. # وليس في الحمير زينة، وإن كانت عن الخدمة مصونة، ولكن المنفعة بها ~~مضمونة. # المسألة الثانية: هذا الجمال والتزين وإن كان من متاع الدنيا فقد أذن ~~الله فيه لعباده، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح خرجه ~~البرقاني وغيره: «الإبل عز لأهلها، والغنم بركة، والخيل في نواصيها الخير ~~إلى يوم القيامة». وإنما جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - العز في الإبل؛ ~~لأن # PageV03P119 # فيها اللباس والأكل واللبن والحمل والغزو، وإن نقصها الكر والفر. # وجعل البركة في الغنم لما فيها من اللباس والطعام والشراب، وكثرة ~~الولادة، فإنها تلد في العام ثلاث مرات، إلى ما يتبعها من السكينة، وتحمل ~~صاحبها عليه من خفض الجناح، ولين الجانب، بخلاف الفدادين أهل الإبل. # وقرن - صلى الله عليه وسلم - الخير بنواصي الخيل بقية الدهر، لما فيها من ~~الغنيمة المستفادة للكسب والمعاش، وما توصل إليه من قهر الأعداء، وغلبة ~~الكفار، وإعلاء كلمة الله. # وقد روى أشهب عن مالك قال: يقول الله تعالى: {ولكم فيها جمال حين تريحون ~~وحين تسرحون} [النحل: 6]؛ ذلك في المواشي تروح إلى المرعى وتسرح عليه. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس] # الآية الثالثة قوله: {وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق ~~الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم} [النحل: 7]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى: قد من الله علينا بالأنعام عموما، وخص الإبل ههنا بالذكر ~~في حمل الأثقال، تنبيها على ما تتميز به على سائر الأنعام؛ فإن الغنم للسرح ~~والذبح، والبقر للحرث، والإبل للحمل. # وفي الحديث الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «بينا راع في ~~غنم عدا عليها الذئب فأخذ منها شاة، فطلبه الراعي، فالتفت إليه الذئب، ~~وقال: من لها يوم السبع، يوم لا راعي لها غيري وبينا رجل يسوق بقرة ms1012 قد حمل ~~عليها، فالتفتت إليه فكلمته، فقالت: إني لم أخلق لهذا، وإنما خلقت للحرث. ~~فقال الناس: سبحان الله، بقرة تتكلم، فقال النبي: آمنت بذلك أنا وأبو بكر ~~وعمر، وما هما ثم». # PageV03P120 ### | [مسألة السفر بالدواب عليها الأثقال الثقال] # المسألة الثانية: فيه جواز السفر بالدواب عليها الأثقال الثقال، ولكن على ~~قدر ما تحتمله من غير إسراف في الحمل، مع الرفق في السير والنزول للراحة. # وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالرفق بها، والإراحة لها، ومراعاة ~~التفقد لعلفها وسقيها، وفي الموطإ قال مالك: عن أبي عبيد عن خالد بن معدان: ~~«إن الله رفيق يحب الرفق، ويرضى به ويعين عليه ما لا يعين على العنف، فإذا ~~ركبتم هذه الدواب العجم فأنزلوها منازلها، فإن كانت الأرض جدبة فانجوا ~~عليها بنقيها، وعليكم بسير الليل؛ فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى ~~بالنهار، وإياكم والتعريس على الطريق فإنها طرق الدواب ومأوى الحيات». ### | [الآية الرابعة قوله تعالى والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة] # ويخلق ما لا تعلمون} [النحل: 8]. # فيها ست مسائل: # المسألة الأولى: ذكر الله الأنعام في معرض الامتنان، فساق فيها وجوها من ~~المتاع، وأنواعا من الانتفاع، وساق الخيل والبغال والحمير، فكشف قناعها، ~~وبين أنتفاعها، وذلك الركوب والزينة، كما بين في تلك المتقدمة: الدفء ~~واللبن والأكل. # PageV03P121 # قال ابن القاسم وابن وهب: قال مالك: قال الله تعالى: {والخيل والبغال ~~والحمير لتركبوها وزينة} [النحل: 8] فجعلها للركوب والزينة، ولم يجعلها ~~للأكل ونحوه عن أشهب، ففهم مالك - رحمه الله - وجه إيراد النعم، وما أعد ~~الله له في كل نعمة من الانتفاع، فاقتصرت كل منفعة على وجه منفعتها التي ~~عين الله له، ورتبها فيه، فأما الخيل، وهي: # المسألة الثانية: فقال الشافعي: إنها تؤكل، وعمدته الحديث الصحيح عن ~~جابر: «نحرنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرسا فأكلناه». ~~وروي أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن في لحوم الخيل، وحرم لحوم ~~الحمر». # وقال علماؤنا: كانت هذه الرواية عن جابر حكاية حال، وقضية في عين؛ فيحتمل ~~أن يكونوا ذبحوا لضرورة، ولا يحتج بقضايا ms1013 الأحوال المحتملة، وأما الحمر، ~~وهي: # المسألة الثالثة: فقد ثبت في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~حرمها يوم خيبر، واختلف في تحريمها على أربعة أقوال: # الأول: إنما حرمت شرعا. # الثاني: أنها حرمت؛ لأنها كانت جوال القرية، أي تأكل الجلة، وهي النجاسة. # الثالث: أنها كانت حمولة القوم؛ ولذلك روي في الحديث أنه قيل: يا رسول ~~الله؛ أكلت الحمر، فنيت الحمر؛ فحرمها. # PageV03P122 # الرابع: أنها حرمت؛ لأنها أفنيت قبل القسم، فمنع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - من أكلها، حتى تقسم. # وأما البغال، وهي: المسألة الرابعة: فإنها تلحق الحمير على كل قول. # فأما إن قلنا إن الخيل لا تؤكل فهي متولدة بين عينين لا يؤكلان، وإن ~~قلنا: تؤكل الخيل فإنها عين متولدة بين مأكول وبين ما لا يؤكل؛ فغلب ~~التحريم على ما يلزم في الأصول. # المسألة الخامسة: في تحقيق المقصود: قد بينا فيما تقدم أن المحرمات ~~مقصورة على ما في سورة الأنعام، وحققنا ما يتعلق به وينضاف إليه في آيات ~~الأحكام منها، وقد حررنا في كتب الخلاف أن مدار التحليل والتحريم في ~~المطعومات يدور على ثلاث آيات، وخبر واحد. # الآية الأولى: قوله: {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} [الأعراف: ~~157]. # الآية الثانية: قوله: {حرمت عليكم الميتة} [المائدة: 3]. # الآية الثالثة: آية الأنعام قوله: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما} ~~[الأنعام: 145]. # الرابع الخبر: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أكل كل ذي ناب من السباع ~~حرام». # وفي لفظ آخر: «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أكل كل ذي ناب من ~~السباع وحرم لحوم الحمر # PageV03P123 # الأهلية». # وقوله: {قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما} [الأنعام: 145] آخر آية نزلت، ~~كما سبق بيانه، فإن عولنا عليها فالكل سواها مباح، وإن رأينا إلحاق غيرها ~~بها حسبما يترتب في الأدلة، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يحل ~~دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث». ثم جاءت الزيادة عليها حتى انتهت أسباب ~~إباحة الدم عند المالكية إلى عشرة أسباب، فالحال في ذلك مترددة ولأجله ~~اختار المتوسطون من علمائنا ms1014 الكراهية في هذه الحرمات، توسطا بين الحل ~~والحرمة؛ لتعارض الأدلة، وإشكال مأخذ الفتوى فيها. # وقد قال الشافعي: الثعلب والضبع حلال، وهو قد عول على قوله: «أكل كل ذي ~~ناب من السباع حرام»، ولكنه زعم أن الضبع يخرج عنه بحديث يرويه جابر أن ~~«النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الضبع أحلال هي؟ قال: نعم، وفيها إذا ~~أتلفها المحرم كبش». # وفي رواية: هي صيد، وفيها كبش. # وهذا نص في الاستثناء كما زعم لو صح، ولكنه لم يثبت سنده، ولو عولنا عليه ~~لما خصصنا التحليل من جملة السباع بالضبع، ولكنا نقول: إنه ينبني على قاعدة ~~التحليل، وأن الكل قد خرج عن التحريم، وانحصرت المحرمات في آية الأنعام، ~~وهذه المعارضات هي التي أوجبت اختلاف العلماء، فانظروها واسبروها، وما ظهر ~~هو الذي يتقرر والله أعلم. ### | [مسألة الخيل منها هل تؤخذ الزكاة من مالك الخيل أم لا] # المسألة السادسة: ذكر الله الأنعام والخيل والبغال والحمير في مساق النعم ~~ذكرا واحدا، وذكر لكل جنس منها منفعة حسبما سردناه لكم، ثم اختلف العلماء ~~في الخيل منها؛ هل تؤخذ الزكاة من مالكها أم لا؟ # PageV03P124 # فقال جمهور العلماء: لا زكاة فيها. # وقال أبو حنيفة: فيها الزكاة منتزعا من قول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: «الخيل ثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر» الحديث. # قال فيه: «ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها». # واحتجوا بأثر يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «في الخيل ~~السائمة في كل فرس دينار». وعول أصحابه من طريق المعنى على أن الخيل جنس ~~يسام، ويبتغى نسله في غالب البلدان " فوجبت الزكاة فيه كالأنعام. وتعلق ~~علماؤنا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ليس على المسلم في عبده ولا ~~في فرسه صدقة»، فنفى الصدقة عن العبد والفرس نفيا واحدا، وساقهما مساقا ~~واحدا؛ وهو صحيح. # وروى الترمذي وغيره من المصنفين عن علي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق، إلا أن في الرقيق صدقة الفطر». # وقد كتب معاوية ms1015 إلى عمر: إني وجدت أموال أهل الشام الرقيق والخيل. فكتب ~~إليه عمر أن دعهما، ثم استشار عثمان، فقال مثل ما قال عمر. # PageV03P125 # وروي أن أهل الشام قد جمعوا صدقة خيولهم وأموالهم، وأتوا بها عمر، ~~فاستشار عليا فقال: لا أرى به بأسا إلا أن تكون سنة باقية بعدك. # فأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ولم ينس حق الله في رقابها ولا ~~ظهورها» فيعني به الحملان في سبيل الله على معنى الندب والخلاص من الحساب. # وأما حديثهم «في الخيل السائمة في كل فرس دينار» فيرويه غورك السعدي، وهو ~~مجهول. # جواب آخر " قد ناقضوا فقالوا: إن الصدقة في إناثها لا في ذكورها. # وليس في الحديث فضل بينهما، ونقيس الإناث على الذكور في نفي الصدقة؟ فإنه ~~حيوان يقتنى لنسله لا لدره، لا تجب الزكاة في ذكوره، فلم تجب في إناثه، ~~كالبغال والحمير. والله أعلم. ### | [الآية الخامسة قوله تعالى وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا] # وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ~~ولعلكم تشكرون} [النحل: 14]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: قوله: {لتأكلوا منه لحما طريا} [النحل: 14]: فسمى الحوت ~~لحما، وأنواع اللحم أربعة: لحوم الأنعام، ولحوم الوحش، ولحوم الطير، ولحوم ~~الحوت. ويعمها اسم اللحم، ويخصها أنواعه، وفي كل نوع من هذه الأنواع ~~تتشابه؛ ولذلك اختلف علماؤنا فيمن حلف ألا يأكل لحما؛ فقال ابن القاسم: ~~يحنث بكل نوع من هذه الأنواع الأربعة. وقال أشهب في المجموعة: لا يحنث إلا ~~بأكل لحوم الأنعام دون الوحش وغيره، # PageV03P126 # مراعاة للعرف والعادة، وتقديما لها على إطلاق اللفظ اللغوي، وهذا يختلف ~~في البلاد، فإنه من كان بتنيس أو بالفرما لا يرى لحما إلا الحوت، والأنعام ~~قليلة فيها، فعرفها عكس عرف بغداد، فإنه لا أثر للحوت فيها، وإنما المعول ~~على لحوم الأنعام، وإذا أجرينا اليمين على الأسباب فسبب اليمين يدخل فيها ~~ما لا يجري على العرف، ويخرجه منها، والنية تقضي على ذلك كله. # وقد يقول الرجل: أشتري لحما وحيتانا فلا يعد تكرارا، والذي أختاره وإن لم ~~يكن ms1016 للحالف نية ولا سبب ما قاله أشهب. ### | [مسألة حلف ألا يلبس حليا فلبس لؤلؤا] # المسألة الثانية: قوله: {وتستخرجوا منه حلية تلبسونها} [النحل: 14]: يعني ~~به اللؤلؤ والمرجان، لقوله سبحانه: {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} [الرحمن: ~~22]. # وهذا امتنان عام للرجال والنساء، فلا يحرم عليهم شيء منه، وإنما حرم الله ~~على الرجال الذهب والحرير. # المسألة الثالثة: قال الشافعي، وأبو يوسف، ومحمد: من حلف ألا يلبس حليا ~~فلبس لؤلؤا أنه يحنث، لقول الله سبحانه: {وتستخرجوا منه حلية تلبسونها} ~~[النحل: 14] والذي يخرج منه اللؤلؤ. وقال أبو حنيفة: لا يحنث. ولم أر ~~لعلمائنا فيها نصا فإن لم يكن له نية فإنه حانث. ### | [الآية السادسة قوله تعالى وعلامات وبالنجم هم يهتدون] # } [النحل: 16] # فيها ثلاث مسائل: # PageV03P127 # المسألة الأولى: قال مجاهد: من النجوم ما يكون علامات، ومنها ما يهتدون ~~به. # وقال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث خصال: جعلها الله زينة للسماء، ~~وجعلها يهتدون بها، وجعلها رجوما للشياطين. فمن تعاطى منها غير ذلك سفه ~~رأيه، وأخطأ حظه، وأضاع نفسه، وتكلف ما لا علم له به. # وقد بينا في كتب الأصول وشرح الحديث تحقيق ذلك وتبيانه. # المسألة الثانية: قوله: {وبالنجم} [النحل: 16]: فيه ثلاثة أقوال: # الأول: أن الألف واللام للجنس. والمراد به جمع النجوم [ولا يهتدي بها إلا ~~العارف]. # الثاني: أن المراد به الثريا. # الثالث: أن المراد به الجدي والفرقدان. # فأما جميع النجوم فلا يهتدي بها إلا العارف بمطالعها ومغاربها، والمفرق ~~بين الجنوبي والشمالي منها؛ وذلك قليل في الآخرين. # وأما الثريا فلا يهتدي بها إلا من يهتدي بجميع النجوم، وإنما الهدي لكل ~~أحد بالجدي والفرقدين؛ لأنهما من النجوم المنحصرة المطلع، الظاهرة السمت، ~~الثابتة في المكان فإنها تدور على القطب الثابت دورانا محصلا، فهي أبدا هدي ~~الخلق في البر إذا عميت الطرق، وفي البحر عند مجرى السفن، وعلى القبلة إذا ~~جهل السمت، وذلك على الجملة بأن تجعل القطب على ظهر منكبك الأيسر، فما ~~استقبلت فهو سمت الجهة، وتحديدها في الإبصار أنك إذا نظرت الشمس في اليوم ~~الرابع والعشرين من كانون الأول طالعة فاجعل ms1017 بين وجهك وبينها في التقدير ~~ذراعا، وتكون مستقبلا # PageV03P128 # للكعبة على التقريب، سالكا إلى التحقيق. # وقد بينا ذلك في كتب الفقه وشرح الحديث. # المسألة الثالثة ومن الناس من قال: إنها يهتدى بها في الأنواء، فإن الله ~~قدر المنازل، ونزل فيها الكواكب، ورتب لها مطالع ومغارب، وربط بها عادة ~~نزول الغيث، وبهذا عرفت العرب أنواءها، وتنظرت سقياها، وأضافت كثرة السقيا ~~إلى بعض، وقلتها إلى آخر. # ويروى في الأثر أن عمر قال للعباس: كم بقي لنوء الثريا؟ فقال له: إن ~~العرب تقول: إنها تدور في الأفق سبعا، ثم يدر الله الغيث، فما جاءت السبع ~~حتى غيث الناس. # وفي الموطإ: إذا نشأت بحرية، ثم تشاءمت فتلك عين غديقة. # ومن البلاد ما يكون مطرها بالصبا، ومنها ما يكون مطرها بالجنوب، ويزعم ~~أهلها أن ذلك إنما يدور على البحر، فإذا جرت الريح ذيلها على البحر ألقحت ~~السحاب منه، وإذا جرت ذيلها على البيداء جاءت سحابا عقيما، وهذا فاسد من ~~وجهين: # أحدهما: أنا لا نمنع ذلك في قدرة الله؛ فإن ربنا قادر على أن ينشئ الماء ~~في السحاب إنشاء، وهو قادر على أن يسيب له ماء البحر الملح ويصعده بعد أن ~~كان مستفلا، ويحلولي بتدبيره، وقد كان ملحا، وينزله إلينا فراتا عذبا؛ ولكن ~~تعيين أحد الوجهين لا يكون بنظر؛ لأنه ليس في العقل لذلك أثر، وإنما طريقه ~~الخبر، فنحن نقول: هو جائز، ولو أخبر به الصادق لكان واجبا. # الثاني: أن الشمال تسميها العرب المجرة؛ لأنها تمخر السحاب، ولا تمطر ~~معها، وقد تأتي بحرية وبرية، فدل هذا على أن الأمر موقوف على المشيئة؛ وأنه ~~لا يخبر عن الآثار العلوية إلا السنة النبوية، لا العقول الأرسطاليسية. # فإن قيل: فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح الذي ~~أجمعت عليه الأئمة: «قال # PageV03P129 # الله تعالى: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بالكواكب، فأما من قال: مطرنا ~~بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا ~~وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب». # قلنا: إنما خرج ms1018 هذا على قول العرب التي كانت تعتقد أن ذلك من تأثير ~~الكواكب لجاهليتها. # وأما من اعتقدها وقتا ومحلا وعلامة ينشئه الله فيها ويدبره عليها فليس من ~~الذي نهى عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في معنى. # وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف، وسيأتي إن شاء الله. ### | [الآية السابعة قوله تعالى وإن لكم في الأنعام لعبرة] # نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين} [النحل: ~~66]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: قوله: {وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه} ~~[النحل: 66]: فجاء الضمير بلفظ التذكير عائدا على جمع مؤنث. # وأجاب العلماء عن ذلك بستة أجوبة: الأول: قال سيبويه: العرب تخبر عن ~~الأنعام بخبر الواحد، وما أراه عول عليه إلا في هذه الآية. وهذا لا يشبه ~~منصبه، ولا يليق بإدراكه. # الثاني: قال الكسائي: معناه نسقيكم مما في بطون ما ذكرنا، وهذا تقدير ~~بعيد لا يحتاج إليه. # الثالث: قال الفراء: الأنعام والنعم واحد، والنعم مذكر، ولهذا تقول ~~العرب: هذا نعم وارد، فرجع إلى لفظ النعم الذي هو معنى الأنعام، وهذا تركيب ~~طويل مستغنى عنه. # PageV03P130 # الرابع: قال الكسائي أيضا: إنما يريد نسقيكم مما في بطون بعضه، وهو الذي ~~عول عليه أبو عبيدة، فإنه قال: معناه نسقيكم مما في بطون أيها كان له لبن ~~منها. # الخامس: أن التذكير إنما جيء به لأنه راجع على ذكر النعم؛ لأن اللبن ~~للذكر منسوب؛ ولذلك قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن اللبن للفحل حين ~~«أنكرته عائشة - رضي الله عنها - في حديث أفلح أخي أبي القعيس؛ فقالت: إنما ~~أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل. فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~إنه عمك فليلج عليك». # بيان منه - صلى الله عليه وسلم - لأن اللبن للمرأة سقي، وللرجل إلقاح، ~~فجرى الاشتراك بينهما فيه. # وقد بيناه في كتب الخلاف وشرح الحديث، فلينظر هنالك إن شاء الله. # السادس: قال القاضي الإمام أبو بكر: إنما يرجع التذكير إلى معنى الجمع، ~~والتأنيث إلى معنى الجماعة، فذكر في آية النحل باعتبار لفظ ms1019 الجمع المذكر، ~~وأنث في آية المؤمن باعتبار تأنيث لفظ الجماعة، وينتظم المعنى بهذا التأويل ~~انتظاما حسنا. # والتأنيث باعتبار الجماعة والتذكير باعتبار الجمع أكثر في القرآن واللغة ~~من رمل يبرين ومها فلسطين. # المسألة الثانية: نبه الله على عظيم القدرة بخروج اللبن خالصا من بين ~~الفرث والدم بين حمرة الدم وقذارة الفرث، وقد جمعهما وعاء واحد، وجرى الكل ~~في سبيل متحدة، فإذا نظرت إلى لونه وجدته أبيض ناصعا خالصا من شائبة الجار، ~~وإذا شربته وجدته سائغا عن بشاعة الفرث، يريد لذيذا، وبعضهم قال سائغا، أي ~~لا يغص به، وإنه لصفته، ولكن # PageV03P131 # التنبيه إنما وقع على اللذة وطيب المطعم، مع كراهية الجار الذي انفصل عنه ~~في الكرش، وهو الفرث القذر. وهذه قدرة لا تنبغي إلا للقائم على كل شيء ~~بالمصلحة. ### | [مسألة قول من يقول إن المني نجس] # المسألة الثالثة: قال بعض المتصورين بصورة المصنفين المتسورين في علوم ~~الدين: إن هذه الآية تدل على بطلان قول من يقول: إن المني نجس؛ لأنه خارج ~~من المخرج الذي يخرج منه البول، وهذا الله يقول في اللبن: يخرج من بين فرث ~~ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين، فكما يخرج اللبن من بين الفرث والدم سائغا ~~خالصا طاهرا، فكذلك يجوز أن يخرج المني على مخرج البول طاهرا. # قال القاضي: قد بينا في كتاب أصول الفقه صفة المجتهد المفتي في الأحكام ~~المستنبط لها من الوحي المنزل، ولو كانت تلك الصفات موجودة في هذا القائل ~~ما نطق بمثل هذا، فإن اللبن جاء الخبر عنه مجيء النعمة والمنة الصادرة عن ~~القدرة، ليكون عبرة؛ فاقتضى ذلك كله له وصف الخلوص واللذة والطهارة، وأين ~~المني من هذه الحالة حتى يكون ملحقا به أو مقيسا عليه؛ إن هذا لجهل عظيم. ### | [الآية الثامنة قوله تعالى ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا] # إن في ذلك لآية لقوم يعقلون} [النحل: 67]. # فيها ست مسائل: # المسألة الأولى: قال قوم: المعنى: ومن ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون ~~منه سكرا. # وقال آخرون: معناه شيء تتخذون منه سكرا، ودل على ms1020 حذفه قوله: {منه} ~~[النحل: 67] فلذلك ساغ حذفه، والأمر في ذلك قريب. # PageV03P132 ### | [مسألة قوله تعالى سكرا] # المسألة الثانية: قوله: {سكرا} [النحل: 67]: فيه خمسة أقوال: # الأول: تتخذون منه ما حرم الله؛ قاله ابن عباس، والحسن، وغيرهما. # الثاني: أنه خمور الأعاجم؛ قاله قتادة، ويرجع إلى الأول. # الثالث: أنه الخل؛ قاله الحسن أيضا. # الرابع: أنه الطعم الذي يعرف من ذلك كله؛ قاله أبو عبيدة. # الخامس: أنه ما يسد الجوع، مأخوذ من سكرت النهر، إذا سددته. # المسألة الثالثة: الرزق الحسن: فيه ثلاثة أقوال: # الأول: أنه ما أحل الله؛ قاله ابن عباس والحسن وغيرهما. # الثاني: أنه النبيذ والخل؛ قاله قتادة. # الثالث: أنه الأول، يقول: تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا، فجعل له اسمين، ~~وهو واحد. # المسألة الرابعة: أما هذه الأقاويل فأسدها قول ابن عباس: إن السكر الخمر، ~~والرزق الحسن ما أحله الله بعدها من هذه الثمرات. # ويخرج ذلك على أحد معنيين: إما أن يكون ذلك قبل تحريم الخمر، وإما أن ~~يكون المعنى: أنعم الله عليكم بثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه ما حرم ~~الله عليكم اعتداء منكم، وما أحل الله لكم اتفاقا أو قصدا إلى منفعة ~~أنفسكم. # والصحيح أن ذلك كان قبل تحريم الخمر؛ فإن هذه الآية مكية باتفاق من ~~العلماء، وتحريم الخمر مدني. فإن قيل، وهي: # PageV03P133 # المسألة الخامسة: إن المراد بقول: {تتخذون منه سكرا} [النحل: 67] ما يسكر ~~من الأنبذة، وخلا، وهو الرزق الحسن. والدليل على هذا أن الله امتن على ~~عباده بما خلق لهم من ذلك، ولا يقع الامتنان إلا بمحلل لا بمحرم؛ فيكون ذلك ~~دليلا على جواز ما دون المسكر من النبيذ، فإذا انتهى إلى السكر لم يجز؛ ~~قاله أصحاب أبي حنيفة. وعضدوا رأيهم هذا من السنة بما روي عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «حرم الله الخمر لعينها والسكر من غيرها». وبما ~~روي أيضا عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان ينبذ له فيشربه ذلك اليوم، ~~فإذا كان في اليوم الثاني أو الثالث سقاه الخدم إذا تغير، ولو كان حراما ما ~~سقاه إياهم. ms1021 # فالجواب أنا نقول: قد عارض علماؤنا هذه الأحاديث بمثلها، فروي عنه - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «ما أسكر كثيره فقليله حرام» خرجه الدارقطني ~~وجوده، وثبت في الصحاح عن الأئمة أنه قال: «كل مسكر حرام». # وروى الترمذي وغيره عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «كل مسكر حرام، ما أسكر الفرق فملء الكف منه حرام». وروي: «فالحسوة ~~منه حرام». # وقد ثبت تحريم الخمر باتفاق من الأئمة، وقد روي عن النعمان بن بشير قال: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن من الحنطة خمرا، وإن من الشعير ~~خمرا، وإن من التمر خمرا، وإن من الزبيب خمرا، وإن من العسل خمرا». خرجه ~~الترمذي وغيره. # PageV03P134 # وفي الصحيح عن عمر بن الخطاب أنه قال ذلك على المنبر، فإن كان قاله عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو شرع متبع، وإن كان أخبر به عن اللغة فهو ~~حجة فيها، لا سيما وهو نطق به على المنبر ما بين أظهر الصحابة، فلم يقم من ~~ينكر عليه. # جواب آخر: أما قولهم: إن الله امتن، ولا يكون امتنانه وتعديده إلا بما ~~أحل فصحيح؛ بيد أنه يحتمل أن يكون ذلك قبل تحريم الخمر، ثم حرمت بعد. فإن ~~قبل: كيف يحرم ما أحل الله ههنا، وينسخ هذا الحكم، وهو خبر، والأخبار لا ~~يدخلها النسخ. # قلنا: هذا كلام من لم يتحقق الشريعة، وقد بينا حقيقته قبل، وأوضحنا أن ~~الخبر إذا كان عن الوجود الحقيقي فذلك الذي لا يدخله نسخ، أو كان عن الفضل ~~المعطى ثوابا فهو أيضا لا يدخله نسخ؛ فأما إن كان خبرا عن حكم الشرع ~~فالأحكام تتبدل وتنسخ جاءت بخبر أو بأمر، ولا يرجع ذلك إلى تكذيب في الخبر ~~أو الشرع الذي كان مخبرا عنه قد زال بغيره. # وإذا فهمتم هذا خرجتم عن الصنف الغبي الذي أخبر الله عن الكفار فيه بقوله ~~تعالى: {وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر ~~بل أكثرهم لا يعلمون} [النحل: 101]. # يعني أنهم جهلوا ms1022 أن الرب يأمر بما يشاء، ويكلف ما يشاء، ويرفع من ذلك ~~بعدله ما يشاء، ويثبت ما يشاء، وعنده أم الكتاب. # جواب ثالث: وأما ما عضدوه به من الأحاديث فالأول ضعيف، والثاني في سقي ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ما بقي للخدم صحيح، لكنه ما كان يسقيه للخدم؛ ~~لأنه مسكر، وإنما كان يسقيه؛ لأنه متغير الرائحة، وكان - صلى الله عليه ~~وسلم - أكره الخلق في خبيث الرائحة، ولذلك تحيل عليه أزواجه في عسل زينب، ~~فإنهن قلن له: إنا نجد منك ريح مغافير يعني ريحا ننكره. وقد استوفينا ~~الكلام في هذه المسألة مع أصحاب أبي حنيفة في كتب الخلاف أثرا ونظرا، ~~فلينظر هنالك إن شاء الله تعالى. # PageV03P135 # المسألة السادسة: قوله تعالى: {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه ~~سكرا ورزقا حسنا} [النحل: 67]: وإذا قيل: إن ثمرات الحبوب وغيرها تتخذ منه ~~رزق حسن وسكر. قلنا: هذه الحبوب وسائر الثمرات وإن وقع الامتنان بها، وكانت ~~لها وجوه ينتفع منها، فلا يقوم مقام النخل والعنب شيء؛ لأن فيه الخل، وهو ~~أجل منفعة في العالم، فإنه دواء وغذاء، فلما لم يحل محل هاتين الثمرتين شيء ~~خصا بالتنبيه عليهما. ### | [الآية التاسعة قوله تعالى وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا] # ومن الشجر ومما يعرشون - ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج ~~من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون} ~~[النحل: 68 - 69]. # فيها ست مسائل: # المسألة الأولى: قد بينا في شرح الحديث وكتب الأصول أن الوحي ينقسم على ~~ثمانية أقسام: منها الإلهام، وهو ما يخلقه الله في القلب ابتداء من غير سبب ~~ظاهر، وهو من قوله تعالى: {ونفس وما سواها} [الشمس: 7] {فألهمها فجورها ~~وتقواها} [الشمس: 8]. ومن ذلك البهائم وما يخلق الله فيها من درك منافعها، ~~واجتناب مضارها، وتدبير معاشها. # ومن عجيب ما خلق الله في النحل أن ألهمها لاتخاذ بيوتها مسدسة؛ فبذلك ~~اتصلت حتى صارت كالقطعة الواحدة؛ وذلك أن الأشكال من المثلث إلى المعشر إذا ~~جمع كل واحد منها ms1023 إلى أمثاله لم يتصل، وجاءت بينهما فرج إلا الشكل المسدس ~~فإنه إذا جمع إلى أمثاله التسديس، يحمي بعضها بعضا عند الاتصال. وجعلت كل ~~بيت على قدرها، فإذا تشكل عند حركة النحلة بقدرة الله وعلمه، وملأته عسلا ~~انتقلت إلى غيره بتسخير الله وتقديره وتذليله، إن تركت عسلت، وإن حملت ~~اتبعت، وهي ذات جناح، ولكن القابض الباسط هو الذي سخرها ودبرها. # PageV03P136 # المسألة الثانية: قوله: {يخرج من بطونها شراب} [النحل: 69]: يعني: العسل، ~~عددها الله في نعمه، وذكر شرابه ممتنا به، وسماه شرابا وإن كان مطعوما؛ ~~لأنه يصرف في الأشربة أكثر من تصريفه في الأطعمة، ولأنه مائع، وذلك ~~بالشرابية أخص كما أن الجامد أخص بالطعامية. # المسألة الثالثة: قوله: {مختلف ألوانه} [النحل: 69]: يريد أنواعه من ~~الأحمر والأبيض والأصفر، والجامد والسائل؛ والأم واحدة، والأولاد مختلفون، ~~دليل على أن القدرة نوعته بحسب تنويع الغذاء، وإن كان لا يخرج على صفته، ~~ولا يجيء إلا من جنسه، ولكن يؤثر بعض التأثير فيه ليدل عليه؛ ويغيره الله، ~~لتتبين قدرته في التصريف بين الأمرين، كما قال تعالى: {يسقى بماء واحد ~~ونفضل بعضها على بعض في الأكل} [الرعد: 4]. ### | [مسألة أمر الذي يشتكي بطنه بشرب العسل] # المسألة الرابعة: قوله: {فيه شفاء للناس} [النحل: 69]: وقد روى الأئمة، ~~واللفظ للبخاري قال عروة عن عائشة: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يعجبه الحلواء والعسل». # وروي أيضا عن جابر بن عبد الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن ~~كان في شيء من أدويتكم خير ففي شرطة محجم، أو شربة عسل، أو لذعة نار». وروي ~~أيضا عن أبي سعيد الخدري أن «رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ~~إن أخي يشتكي بطنه. فقال: اسقه عسلا. ثم أتاه الثانية، فقال: اسقه عسلا. ثم ~~أتاه # PageV03P137 # الثالثة، فقال: اسقه عسلا ثم أتاه، فقال: فعلت، فما زاده ذلك إلا ~~استطلاقا. فقال: صدق الله، وكذب بطن أخيك، اسقه عسلا، فسقاه فبرئ». # وكان ابن عمر لا يشكو قرحة ولا شيئا إلا جعل عليه عسلا حتى الدمل إذا خرج ~~عليه طلاه بعسل، ms1024 فقيل له في ذلك، فقال: أليس الله يقول: {فيه شفاء للناس} ~~[النحل: 69]. # وروي أن عوف بن مالك الأشجعي مرض فقيل له: ألا نعالجك، قال: ائتوني بماء ~~سماء، فإن الله يقول: {ونزلنا من السماء ماء مباركا} [ق: 9] وأتوني بعسل، ~~فإن الله يقول: {فيه شفاء للناس} [النحل: 69]. وأتوني بزيت، فإن الله يقول: ~~{من شجرة مباركة} [النور: 35] فجاءوه بذلك كله، فخلطه جميعا ثم شربه فبرئ. # وقال مجاهد، والحسن، والضحاك: إن الهاء في قوله: " فيه " يعود على ~~القرآن، أي القرآن شفاء للناس. وهذا قول بعيد، ما أراه يصح عنهم؛ ولو صح ~~نقلا لم يصح عقلا؛ فإن مساق الكلام كله للعسل، ليس للقرآن فيه ذكر؛ وكيف ~~يرجع ضمير في كلام إلى ما لم يجر له ذكر فيه، وإن كان كله منه؟ ولكنه إنما ~~يراعى مساق الكلام ومنحى القول، وقد حسم النبي في ذلك ذا الإشكال، وأزاح ~~وجه الاحتمال حين أمر الذي يشتكي بطنه بشرب العسل، فلما أخبره بأن العسل ~~لما سقاه إياه ما زاده إلا استطلاقا أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بعود الشرب له، وقال له: «صدق الله، وكذب بطن أخيك». # المسألة الخامسة: قوله تعالى: {فيه شفاء للناس} [النحل: 69]: اختلف في ~~محمله، فقالت طائفة: هو على العموم في كل حال، ولكل أحد، كما سقناه من ~~رواية ابن عمر وعوف، ومنهم من قال: إنه على العموم بالتدبير؛ إذ يخلط الخل ~~بالعسل ويطبخ، فيأتي شرابا ينفع في كل حالة من كل داء. # PageV03P138 # وقد اتفق الأطباء عن بكرة أبيهم على مدح عموم منفعة السكنجبين في كل مرض. ~~ومنهم من قال: إن ذلك على الخصوص، وليس هذا بأول لفظ عام حمل على مقصد خاص؛ ~~فالقرآن مملوء منه، ولغة العرب يأتي فيها العام كثيرا بمعنى الخاص، والخاص ~~بمعنى العام؛ ألا ترى إلى قول الشاعر: # وتراك أمكنة إذا لم أرضها ... أو يرتبط بعض النفوس حمامها # والمراد كل النفوس؛ إذ لا تخلو نفس من ارتباط الحمام لها. والصحيح عندي ~~أنه يجري على نية كل أحد، فمن قويت نيته، وصح يقينه ففعل ms1025 فعل عوف وابن عمر ~~وجده كذلك، ومن ضعفت نيته وغلبته على الدين عادته أخذه مفهوما على قول ~~الأطباء، والكل من حكم الفعال لما يشاء. ### | [العسل لا زكاة فيه] # المسألة السادسة: اتفق العلماء على أن العسل لا زكاة فيه، وإن كان مطعوما ~~مقتاتا، ولكنه كما روي في ذكر النحل ذباب غيث، وكما جاء في العنبر أنه شيء ~~دسره البحر، فأحدهما يطير في الهواء، والآخر يطفو على الماء، وكلاهما في ~~هذا الحكم سواء، وقد خص الله الزكاة بما خصها من الأموال المقتاتة، ~~والأعيان النامية، حسبما بيناه منها في مواضعها فليقف عندها. # وقد روى مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم أنه قال: جاء كتاب من عمر بن ~~عبد العزيز إلى أبي، وهو بمنى، ألا يأخذ من العسل ولا من الخيل صدقة. وقد ~~قال علماؤنا: إن العسل طعام يخرج من حيوان فلم يجب فيه الزكاة كاللبن # PageV03P139 # وليس هذا بشيء؛ فإن الأصل الذي يخرج منه اللبن عين زكاتية، وقد قضى حق ~~النعمة فيه وحاز الاستيفاء لمنافعها، بخلاف العسل، فإنه لا زكاة في أصله، ~~فلا يصح اعتباره باللبن. وقد قال أبو حنيفة: تجب الزكاة في العسل، محتجا ~~بما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ من العسل العشر». والحديث لا ~~أصل له، اللهم إلا أن سعد بن أبي ذباب روى عنه أنه قال: «قدمت على النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله؛ اجعل لقومي ما أسلموا عليه من ~~أموالهم، ففعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستعملني عليهم»، ثم ~~استعملني أبو بكر وعمر قال: فكلمت قومي في العسل، فقلت لهم: زكوه، فإنه لا ~~خير في ثمرة لا تزكى. قالوا: كم؟ فقلت: العشر. فأخذت منهم العشر، فأتيت عمر ~~فأخبرته، فقبضه، وباعه، وجعله في صدقات المسلمين. # فإن صح هذا كان بطواعيتهم صدقة نافلة، وليس كلامنا في ذلك، وإنما نحن في ~~فرض أصل الصدقة عليه، ولم يثبت ذلك فيه، وفيما ذكرناه كفاية والله أعلم. ### | [الآية العاشرة قوله تعالى والله جعل لكم من أنفسكم ms1026 أزواجا] # وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون ~~وبنعمت الله هم يكفرون} [النحل: 72]. فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: قوله: {جعل لكم من أنفسكم أزواجا} [النحل: 72]: يعني من ~~جنسكم، يعني من الآدميين، ردا على العرب التي كانت تعتقد أنها تتزوج الجن ~~وتباضعها، حتى روت أن عمرو بن هند تزوج منهم غولا، وكان يخبؤها عن البرق، ~~لئلا تراه فتنفر، فلما كان في بعض الليالي لمح البرق وعاينته السعلاة # PageV03P140 # فقالت: عمرو، ونفرت فلم يرها أبدا، وهذا من أكاذيبها، وإن كان جائزا في ~~حكم الله وحكمته، ردا على الفلاسفة الذين ينكرون وجود الجن، ويحيلون طعامهم ~~ونكاحهم. وقيل: أراد به قوله: {هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها ~~زوجها} [الأعراف: 189] حسبما تقدم بيانه في سورة الأعراف. # المسألة الثانية: قوله: {أزواجا} [النحل: 72]: زوج المرأة هي ثانيته، ~~فإنه فرد، فإذا انضافت إليه كانا زوجين، وإنما جعلت الإضافة إليه دونها؛ ~~لأنه أصلها في الوجود، وقوامها في المعاش، وأميرها في التصرف، وعاقلها في ~~النكاح، ومطلقها من قيده، وعاقل الصداق والنفقة عنها فيه، وواحد من هذا كله ~~يكفي للأصالة، فكيف بجميعها؟. # المسألة الثالثة: قوله: {وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة} [النحل: 72]: ~~وجود البنين يكون منهما معا، ولكنه لما كان تخلق المولود فيها، ووجوده ذا ~~روح وصورة بها، وانفصاله كذلك عنها، أضيف إليها، ولأجله تبعها في الرق ~~والحرية، وصار مثلها في المالية. # سمعت إمام الحنابلة بمدينة السلام أبو الوفاء علي بن عقيل يقول: إنما تبع ~~الولد الأم في المالية، وصار بحكمها في الرق والحرية؛ لأنه انفصل عن الأب ~~نطفة لا قيمة له، ولا مالية فيه، ولا منفعة مثبوتة عليه، وإنما اكتسب ما ~~اكتسب بها ومنها، فلأجل ذلك تبعها، كما لو أكل رجل تمرا في أرض رجل، فسقطت ~~منه نواة في الأرض من يد الآكل، فصارت نخلة، فإنها ملك صاحب الأرض دون ~~الآكل بإجماع من الأمة؛ لأنها انفصلت من الآكل ولا قيمة لها؛ وهذه من ~~البدائع. # المسألة الرابعة: في تفسير قوله: {وحفدة} [النحل: 72]: وفيها ثمانية ~~أقوال: # الأول: ms1027 أنهم الأختان؛ قاله ابن مسعود. # PageV03P141 # الثاني: أنهم الأصهار؛ قاله ابن عباس. # الثالث: قال محمد بن الحسن: الختن الزوج، ومن كان من ذوي رحمه. والصهر من ~~كان من قبل المرأة من الرجال. # الرابع: أنها ضد ذلك؛ قاله ابن الأعرابي. # الخامس: قال الأصمعي: الختن من كان من الرجال من قبل المرأة، والأصهار ~~منهما جميعا. # السادس: الحفدة: أعوان الرجل وخدمه، وروي عن ابن عباس أنه قال: من أعانك ~~فقد حفدك؛ وبه قال عكرمة. # السابع: حفدة الرجل أعوانه من ولده. # الثامن: أنه ولد الرجل وولد ولده. # المسألة الخامسة: هذه الأقوال كما سردناها إما أخذت عن لغة، وإما عن ~~تنظير، وإما عن اشتقاق، وقد قال الله تعالى: {وهو الذي خلق من الماء بشرا ~~فجعله نسبا وصهرا} [الفرقان: 54]؛ فالنسب ما دار بين الزوجين. والصهر ما ~~تعلق بهما، ويقال أختان المرأة وأصهار الرجل عرفا ولغة، ويقال لولد الولد: ~~الحفيد، ويقال: حفيده يحفده بفتح العين في الماضي وكسرها في المستقبل إذا ~~خدمه، ومنه قولهم في الدعاء: وإليك نسعى ونحفد. فالظاهر عندي من قوله: ~~{بنين} [النحل: 72] أولاد الرجل من صلبه، ومن قوله: {وحفدة} [النحل: 72] ~~أولاد ولده. وليس في قوة اللفظ أكثر من هذا. # ونقول: تقدير الآية على هذا: والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا، ومن ~~أزواجكم بنين، ومن البنين حفدة. ويحتمل أن يريد به: والله جعل لكم من ~~أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة، فيكون البنون من الأزواج، ~~والحفدة من الكل من زوج وابن، يريد به خداما يعني أن الأزواج والبنين ~~يخدمون الرجل بحق قواميته وأبوته. وقد قال علماؤنا: يخدم الرجل زوجه فيما ~~خف من الخدمة ويعينها. وقد قالوا في موضع آخر: يخدمها. وقالوا في موضع آخر: ~~ينفق على خادم واحدة. # وفي رواية على أكثر من # PageV03P142 # واحدة على قدر الثروة والمنزلة؛ وهذا أمر دائر على العرف والعادة الذي هو ~~أصل من أصول الشريعة؛ فإن نساء الأعراب وسكان البادية يخدمن أزواجهن حتى في ~~استعذاب الماء وسياسة الدواب. ونساء الحواضر يخدم المقل منهم زوجه فيما خف ~~ويعينها. وأما أهل ms1028 الثروة فيخدمون أزواجهم ويترفهن معهم إذا كان لهم منصب ~~في ذلك، وإن كان أمرا مشكلا شرطت عليه الزوجة ذلك، فتشهد عليه أنه قد عرف ~~أنها ممن لا تخدم نفسها، فالتزم إخدامها؛ فينفذ ذلك عليه، وتنقطع الدعوى ~~فيه. وهذا هو القول الصحيح في الآية لما قدمناه. # وقد روى ابن القاسم عن مالك قال: وسألته عن قول الله: {بنين وحفدة} ~~[النحل: 72] ما الحفدة؟ قال: الخدم والأعوان في رأي. ويروى أن الحفدة ~~البنات يخدمن الأبوين في المنازل. ويروى أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس عن ~~قوله: {وحفدة} [النحل: 72] قال: هم الأعوان؛ من أعانك فقد حفدك. قال: فهل ~~تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، وتقوله. أما سمعت قول الشاعر: # حفد الولائد حولهن وألقيت ... بأكفهن أزمة الأجمال # وتصريف الفعل حفد يحفد كما قدمنا حفدا وحفودا وحفدانا. # وقال الخليل بن أحمد: إن الحفدة عند العرب الخدم، وكفى بمالك فصاحة، وهو ~~محض العرب في قوله: إنهم الخدم. وبقول الخليل، وهو ثقة في نقله عن العرب؛ ~~فخرجت خدمة الولد والزوجة من القرآن بأبدع بيان. وقد روى البخاري وغيره ~~واللفظ له عن سهل بن سعد أن «أبا أسيد الساعدي دعا النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لعرسه، فكانت امرأته خادمهم يومئذ، وهي العروس، فقال: أوتدرون ما ~~أنقعت لرسول الله؟ أنقعت له تمرات من الليل في تور». # PageV03P143 # وكذلك روي «عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يكون في مهنة ~~أهله، فإذا سمع الأذان خرج». وهذا هو قول مالك: ويعينها. # وفي أخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «كان يخصف النعل، ويقم ~~البيت، ويخيط الثوب». وقد روى الترمذي أنه - صلى الله عليه وسلم - «كان ~~يعود المريض، ويشهد الجنازة، ويركب الحمار، ويجيب دعوة العبد، وكان يوم بني ~~قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف عليه إكاف من ليف». وقال «عن عائشة وقد ~~قيل لها: ما كان رسول الله يعمل في البيت؟ قالت: كان بشرا من البشر، يفلي ~~ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه». # قال القاضي أبو بكر: حتى في وضوئه؛ فروي من ms1029 طريق عن «ابن عباس أنه بات ~~عند النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيت خالته ميمونة في ليلة كانت لا ~~تصلي فيها، فأوى رسول الله إلى فراشه، فلما كان في جوف الليل قام فخرج إلى ~~الحجرة فقلب في أفق السماء وجهه، ثم قال: نامت العيون، وغارت النجوم، والله ~~حي قيوم ثم عمد إلى قربة في جانب الحجرة فحل شناقها ثم توضأ فأسبغ الوضوء». ~~خرجه ابن حماد الحافظ، وقد بيناه في كتاب التقصي وغيره. # ومن أفضل ما يخدم المرء فيه نفسه العبادات التي يتقرب بها إلى الله ~~سبحانه حتى يكون عملها كلها لوجه الله، وعمل شروطها وأسبابها كلها منه؛ ~~فذلك أعظم للأجر إذا أمكن. وقد خرج البخاري في كتاب الصلاة عن الأسود بن ~~يزيد: «سألت عائشة ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصنع في بيته؟ قال: ~~كان يكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة # PageV03P144 # خرج». ومن الرواة من قال: إذا سمع الأذان خرج قال الإمام يعني الإقامة. ### | [الآية الحادية عشرة قوله تعالى ضرب الله مثلا عبدا مملوكا] # لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل ~~يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون} [النحل: 75]. فيها مسألتان: # المسألة الأولى: هذا مثل ضربه الله للكافر والمؤمن في قول، وللمخلوق ~~والخالق في [قول] آخر، معناه أن العبد المملوك الذي لا يقدر على شيء هو ~~الكافر، ومن رزقناه منا رزقا حسنا هو المؤمن، آتاهما الله مالا كثيرا ورزقا ~~واسعا، فأما الكافر فبخل به وأمسك عليه، وأما المؤمن فقلب به في ذات الله ~~يمينا وشمالا هكذا وهكذا سرا وجهارا. وأما المعنى على ضرب المثل للمخلوق ~~والخالق فهو عندهم أن العبد المملوك هو الصبي لا يقدر على شيء لغرارته ~~وجهالته، كما قال بعد ذلك: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا} ~~[النحل: 78]. وضرب المثل بقوله: {ومن رزقناه منا رزقا حسنا} [النحل: 75] ~~لله. # وقد ضرب الله الأمثال لنفسه على وجه بديع بيناه في قانون التأويل، ولم ~~يأذن لأحد من الخلق ms1030 فيه، وقال: {فلا تضربوا لله الأمثال} [النحل: 74] [يعني ~~لا تضربوا] أنتم الأمثال لله؛ فإن الله يعلم ما يقول ويريد، وأنتم لا ~~تعلمون ما تقولون وما تريدون، إلا إذا علمتم وأذن لكم في القول. # PageV03P145 ### | [مسألة حال العبيد المماليك] # المسألة الثانية: قوله: {عبدا مملوكا لا يقدر على شيء} [النحل: 75]: ~~إثبات في نكرة، فليس يقتضي الشمول، ولا يعطي العموم؛ وإنما يفيد واحدا بهذه ~~الصفة. ويجوز أن يكون العبد المملوك يقدر بأن يقدره مولاه، فينقسم حال ~~العبيد المماليك إلى قسمين: # أحدهما: ما يكون في أصل وضعه لا يقدر. # الثاني: أن يقدر بأن توضع له القدرة، ويمكن من التصرف والمنفعة، وبه قال ~~مالك. وقال أبو حنيفة: لا يقدر وإن أقدر ولا يملك وإن ملك. # وللشافعي قولان. وتعلق أصحاب أبي حنيفة بأنه مملوك، فلا يملك. أصله ~~البهيمة قال أهل خراسان: وهذا الفقه صحيح، وذلك أن المملوكية تنافي ~~المالكية؛ فإن المملوكية تقتضي الحجر والمنع، والمالكية تقتضي الإذن ~~والإطلاق؛ فلما تناقضا لم يجتمعا. وقال علماؤنا: إن الحياة والآدمية علة ~~الملك، فهو آدمي حي، فجاز أن يملك كالحر، وإنما طرأ عليه الرق عقوبة، فصار ~~للسيد عليه حق الحجر، وذمته خالية عن ذلك، فإذا أذن له سيده وفك الحجر عنه ~~رجع إلى أصله في المالكية بعلة الحياة والآدمية وبقاء ذمته خالية عن ذلك ~~كله. # والذي يدل على صحة هذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من باع عبدا وله ~~مال فماله للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع»، فأضاف المال إلى العبد، وملكه ~~إياه، وجعله في البيع تبعا له. # PageV03P146 # فإن قيل: هذه إضافة محل، كما يقال سرج الدابة وباب الدار، فيضاف ذلك ~~إليها، إضافة محل لا إضافة تمليك. قلنا: إنما كانت هذه إضافة محل؛ لأن ~~الدابة والدار لا يصح منهما الملك ولا يصح لهما التمليك؛ بخلاف العبد، فإنه ~~آدمي حي، فصح أن يملك ويملك، وجاز أن يقدر ويقدر. # والدليل القاطع لرأيهم المفسد لكلامهم أنه إذا أذن له سيده في النكاح ~~جاز، فنقول: من ملك الأبضاع ملك المتاع كالحر، وهذا لأن البضع أشرف من ms1031 ~~المال، فإذا ملك البضع بالإذن فأولى وأحرى أن يملك المال الذي هو دونه في ~~الحرمة بالإذن. # فإن قيل: إنما جاز له النكاح ضرورة؛ لأنه آدمي يشتهي طبعا؛ فلو منعناه ~~استيفاء شهوته الجبلية لأضررنا به، ولو سلطناه على اقتضائها بصفة البهائم، ~~لعطلنا التكليف؛ فدعت الضرورة إلى الإذن في النكاح له؛ إذ لا يصح الانتفاع ~~بالبضع على ملك الغير، بخلاف المال، فإنه يستباح على ملك الغير بالأكل ~~واللباس والركوب، ويكفي فيه مجرد الإذن والإباحة دون التمليك، وهذه عمدتهم. ~~وقد أجاب عنها علماؤنا بأجوبة كثيرة؛ عمدتها أن الضرورة لا تبيح الفروج، ~~وإنما إباحتها في الأصل طلبا للنسل بتكثير الخلق، وتنفيذا للوعد؛ فبهذه ~~الحكمة وضعت إباحتها، وشرع النكاح لاستبقائها. # فقولهم: إنها أبيحت ضرورة غلط. وقد أجابوا عنه بأن النكاح لو كان مباحا ~~له بالضرورة لتقدر بقدر الضرورة، فلا يجوز له إلا نكاح واحدة. فإن قلتم: ~~إنها ربما لا تعصمه، فكان من حقكم أن تبلغوه إلى أربع، كما قال علماؤنا، ~~فلما لم يفعلوا ذلك استدللنا به على أن هذا الحكم إنما جرى على مقتضى ~~الدليل، لا بحكم الضرورة. وأما قولهم: إن المملوكية تناقض المالكية على ما ~~بسطوه، فلا يلزم؛ لأنها إنما تناقضها إذا تقابلتا بالبداءة. فأما إذ كان ~~الحجر طارئا بالرق، وكان الأصل بالحياة # PageV03P147 # والآدمية الإطلاق، فلا بأس أن يرفع المالك للحجر حكمه بالإذن، كما يرتفع ~~في النكاح. ولا جواب لهم عن هذا. ### | [الآية الثانية عشرة قوله تعالى والله جعل لكم من بيوتكم سكنا] # الآية الثانية عشرة: # قوله تعالى: {والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام ~~بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها ~~أثاثا ومتاعا إلى حين} [النحل: 80]. فيها ثماني مسائل: # المسألة الأولى: # قوله تعالى: {من بيوتكم} [النحل: 80]: اعلموا وفقكم الله لسلوك سبيل ~~المعارف أن كل ما علاك فأظلك فهو سقف، وكل ما أقلك فهو أرض، وكل ما سترك من ~~جهاتك الأربع فهو جدار، فإذا انتظمت واتصلت فهو بيت. # المسألة الثانية: # قوله تعالى: {سكنا} [النحل: 80]: يعني محلا تسكنون ms1032 فيه، وتهدأ جوارحكم عن ~~الحركة، وقد تتحرك فيه، وتسكن في غيره، إلا أن القول خرج فيه على غالب ~~الحال، وهو أن الحركة تكون فيما خرج عن البيت، فإذا عاد المرء إليه سكن. ~~وبهذا سميت مساكن لوجود السكون فيها في الأغلب، وعد هذا في جملة النعم، ~~فإنه لو خلق العبد مضطربا أبدا كالأفلاك لكان ذلك كما خلق وأراد، ولو خلق ~~ساكنا كالأرض لكان كما خلق وأراد، ولكنه أوجده خلقا يتصرف بالوجهين، ويختلف ~~حاله بين الحالين، وردده بين كيف وأين. # المسألة الثالثة: # قوله: {وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها} [النحل: 80]: يعني ~~جلود الإبل والبقر والغنم، فإنه يتخذ منها بيوتا، وهي الأخبية، فتضرب فيسكن ~~فيها، ويكون بنيانا عاليها ونواحيها، وهذا أمر انتشر في تلك الديار، وعريت ~~عنه بلادنا، فلا تضرب الأخبية إلا من الكتان والصوف. وقد «كان للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - # PageV03P148 # قبة من أدم»، وناهيك بأديم الطائف غلاء في القيمة، واعتلاء في الصفة، ~~وحسنا في البشرة. ولم يعد ذلك - صلى الله عليه وسلم - ترفا ولا رآه سرفا؛ ~~لأنه مما امتن الله به من نعمه، وأذن فيه من متاعه، وظهرت وجوه منفعته في ~~الاكتنان والاستظلال الذي لا يقدر على الخروج عنه جنس الإنسان. ومن غريب ما ~~جرى أني زرت بعض المتزهدين من الغافلين مع بعض رجال المحدثين، فدخلنا عليه ~~في خباء كتان، فعرض عليه صاحبي المحدث أن يحمله إلى منزله ضيفا، وقال: إن ~~هذا موضع يكثر فيه الحر، والبيت أرفق بك، وأطيب لنفسي فيك. فقال له: هذا ~~الخباء لنا كثير، وكان في صنفها من الحقير. فقلت له: ليس كما زعمت، قد كانت ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو رئيس الزهاد قبة من أدم طائفي يسافر ~~معها، ويستظل بها، فبهت ورأيته على منزلة من العي، فتركته مع صاحبي، وخرجت ~~عنه. # المسألة الرابعة: # قوله: {ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها} [النحل: 80]: أذن الله سبحانه في ~~هذه الآية بالانتفاع بصوف الغنم، ووبر الإبل، وشعر المعز، كما أذن في ~~الأعظم، وهو ذبحها وأكل لحومها. كما أخبر أنه ms1033 خلق لنا ما في الأرض جميعا، ~~وعلم كيفية الانتفاع بها. # المسألة الخامسة: # قوله: {أثاثا} [النحل: 80]: هو كل ما يحتاج المرء إلى استعماله من آلة، ~~ويفتقر إليه في تصريف منافعه من حاجة، ومنه أثاث البيت، وأصله من الكثرة، ~~يقال: أث النبت يئث، إذا كثر، وكذلك الشعر يقال: شعر أثيث، إذا كان كثيرا ~~ملتفا. # المسألة السادسة: # قوله: {ومتاعا} [النحل: 80]: وهو كل ما انتفع به المرء في مصالحه، وصرفه ~~في حوائجه، يقال: تمتع الرجل بماله إذا نال لذته، وببدنه إذا وجد صحته، ~~وبأهله إذا أصاب حاجته، وببنيه إذا ظهر بنصرتهم، وبجيرته إذا رأى منفعتهم. # PageV03P149 ### | [مسألة هل الموت يؤثر في تحريم الصوف والوبر والشعر] # المسألة السابعة: # قوله: {إلى حين} [النحل: 80]: واختلف فيه، فقيل: إلى أن يفنى كل واحد ~~منهما بالاستعمال. وقيل: إلى حين الموت. واختلف الفقهاء بحسب اختلاف ~~التأويل، فقال مالك وأبو حنيفة: إن الموت لا يؤثر في تحريم الصوف والوبر، ~~والشعر؛ لأنه لا يلحقها إذ الموت عبارة عن معنى يحل بعد عدم الحياة، ولم ~~تكن الحياة في الصوف والوبر والشعر فيخلفها الموت فيها. وقال الشافعي: إن ~~ذلك كله يحرم بالموت؛ لأنه جزء من أجزاء الميتة. وقد قال تعالى: {حرمت ~~عليكم الميتة} [المائدة: 3] وذلك عبارة عن الجملة، وإن كان الموت يحل ~~ببعضها. والجواب عن قوله هذا أن الميتة وإن كان اسما ينطلق على الجملة فإنه ~~إنما يرجع بالحقيقة إلى ما فيه حياة، فنحن على الحقيقة لا نعدل عنها إلى ~~سواها. # وقد تعلق إمام الحرمين من أصحابهم بأن الموت وإن كان لا يحل الصوف والوبر ~~والشعر، ولكن الأحكام المتعلقة بالجثة تتعدى إلى هذه الأجزاء من الحل ~~والحرمة والأرش، وتتبعها في حكم الإحرام، وغير ذلك من الأحكام، فكذلك ~~الطهارة والتنجيس. # وتحريره أن نقول: حكم من أحكام الشريعة متعلق بالأجزاء من الجملة، أصله ~~سائر الأحكام المذكورة، وهذا لا تعويل عليه؛ فإنا بينا أن الحقيقة معنا، ~~وأما الأحكام فهي متعارضة، فلئن شهد له ما ذكر من الأحكام على اتباع هذه ~~الأجزاء للجملة فليشهدن لنا بانفصال هذه الأجزاء عن ms1034 الجملة الحكم الأكبر، ~~وهي إبانتها عن الجثة في حالة الحياة وإزالتها منها، وهو دليل يعضدنا ظاهرا ~~وباطنا، فلو كانت هذه # PageV03P150 # الأجزاء تابعة في الجملة لتنجست بإبانتها عنها، كأجزاء الأعضاء؛ وإذا ~~تعارضت الأحكام وجب الترجيح بالحقيقة، على أن هذه الأحكام التي تعلقوا بها ~~لا حجة فيها؛ أما الحل والحرمة فإنما يتعلقان باللذة، وهي في الشعر كما ~~تكون في البدن. # وأما الإحرام فإنه يتعلق بإلقاء التفث، وإذهاب الزينة، والشعر من ذلك ~~الوصف. # وأما الأرش فإنه يتعلق بإبطال الجمال تارة وإبطال المنفعة أخرى، والجمال ~~والمنفعة معا موجودان في الشعر أو أحدهما، بخلاف الطهارة والتنجيس، فإنه ~~حكم يترتب على الحياة والموت، وليس للصوف ولا للوبر ولا للشعر مدخل بحال. # وقد عول الشيخ أبو إسحاق إمام الشافعية ببغداد على أن الشعر والصوف ~~والوبر جزء متصل بالحيوان اتصال خلقة، ينمى بنمائه، فينجس بموته، كسائر ~~الأجزاء. وأجاب عن ذلك علماؤنا بأن النماء ليس بدليل على الحياة؛ فإن ~~النبات ينمى وليس بحي، وإذا عولوا على النماء المتصل بالحيوان عولنا على ~~الإبانة التي تدل على عدم الإحساس الذي يدل على عدم الحياة، وقد استوفينا ~~القول فيها في مسائل الخلاف، وأشرنا إليه فيما تقدم وبمجموع هذه الأقوال ~~يتحصل العلم لكم، ويخلص من الأشكال عندكم. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها] # المسألة الثامنة: قوله: {ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها} [النحل: 80]: ~~ولم يذكر القطن ولا الكتان؛ لأنه لم يكن في بلاد العرب المخاطبين به، وإنما ~~عدد عليهم ما أنعم به عليهم، وخوطبوا فيما عرفوا بما فهموا، وما قام مقام ~~هذه وناب منابها يدخل في الاستعمال والنعمة مدخلها، وهذا كقوله: {وينزل من ~~السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء} [النور: ~~43]؛ فخاطبهم بالبرد؛ لأنهم كانوا يعرفون نزوله كثيرا عندهم، وسكت عن ذكر ~~الثلج؛ لأنه لم يكن في بلادهم، وهو مثله في الصفة والمنفعة، وقد ذكرهما ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - معا في التطهير فقال: «اللهم اغسلني بماء ~~وثلج وبرد، ونقني من الذنوب والخطايا، كما ينقى الثوب ms1035 الأبيض الدنس ~~بالماء». # PageV03P151 ### | [الآية الثالثة عشرة قوله تعالى والله جعل لكم مما خلق ظلالا] # وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم ~~بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون} [النحل: 81]. فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: عدد الله في هذه الآية من نعمه ما شرح فيها، فمنها ~~الظلال تقي من حر الشمس الذي لا تحتمله الأبدان، ولا يبقى معه، ولا دونه ~~الإنسان، من شجر وحجر وغمام، ومن جملتها الجبال، وهي: ### | [مسألة كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعبد بغار حراء ويمكث فيه الليالي] # المسألة الثانية: خلقها الله عدة للخلق، يأوون إليها، ويتحصنون بها، ~~ويعتزلون الخلق فيها، فقد «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتعبد بغار ~~حراء، ويمكث فيه الليالي ذوات العدد، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى أهله وقد ~~خرج مهاجرا إلى ربه، هاربا من قومه، فارا بدينه من الفتن مع أصحابه، ~~واستحصن بغار ثور، وأقام فيه ثلاث ليال مع الصديق صاحبه، ثم أمضى هجرته، ~~وأنفذ عزمته حتى انتهى إلى دار هجرته». # وقد قيل: أراد به السهل والجبال، ولكنه حذف أحدهما لدلالة الآخر عليه، ~~كما قال الشاعر: # وما أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يليني # أألخير الذي أنا مبتغيه ... أم الشر الذي هو يبتغيني # وكما قال في الحر بعد هذا: {سرابيل تقيكم الحر} [النحل: 81] أراد والبرد، ~~فحذف؛ لأن ما بقي أحدهما بقي الآخر. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر] # المسألة الثالثة: قوله: {وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر} [النحل: 81]: ~~والسربال: كل ما ستر باللباس من ثوب من صوف أو وبر أو شعر أو قطن أو # PageV03P152 # كتان. وهذه نعمة أنعم الله بها على الآدمي فإنه خلقه عاريا، ثم جعله ~~بنعمته بعد ذلك كاسيا؛ وسائر الحيوانات سرابيلها جلودها أو ما يكون من صوف ~~أو شعر أو وبر عليها؛ فشرف الآدمي بأن كسي من أجزاء سواه. # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {وسرابيل تقيكم بأسكم} [النحل: 81]: يعني ~~دروع الحرب؛ من الله بها على العباد عدة للجهاد، وعونا على الأعداء، ~~وعلمها، ms1036 كما علم صنعة غيرها، ولبسها النبي - صلى الله عليه وسلم - حين ظاهر ~~يوم أحد بين درعين، تقاة الجراحة، وإن كان يطلب الشهادة، كما يعد السيف ~~والرمح والسهم للقتل بها لغيره، والمدافعة بها عن نفسه، ثم ينفذ الله ما ~~شاء من حكمه، وليس على العبد أن يطلب الشهادة بأن يستقتل مع الأعداء، ولا ~~بأن يستسلم للحتوف، ولكنه يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ويأخذ حذره، ~~ويسأل الله الشهادة خالصا من قلبه، ويعطيه الله بعد ما سبق في علمه، وهذا ~~معنى قوله: {لعلكم تسلمون} [النحل: 81] بفتح التاء على [قراءة] من قرأها ~~كذلك، ومن قرأها بالضم فمعناه لعلكم تنقادون إلى طاعته شكرا على نعمته. ### | [الآية الرابعة عشرة قوله تعالى إن الله يأمر بالعدل والإحسان] # وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون} ~~[النحل: 90]. فيها ست مسائل: # المسألة الأولى " قوله تعالى: " بالعدل ": وهو مع العالم، وحقيقته التوسط ~~بين طرفي النقيض، وضده الجور؛ وذلك أن الباري خلق العالم مختلفا متضادا ~~متقابلا مزدوجا، وجعل العدل في اطراد الأمور بين ذلك على أن يكون الأمر ~~جاريا فيه على الوسط في كل معنى، فالعدل بين العبد وربه # PageV03P153 # إيثار حق الله على حظ نفسه، وتقديم رضاه على هواه، والاجتناب للزواجر، ~~والامتثال للأوامر. # وأما العدل بينه وبين نفسه فمنعها عما فيه هلاكها، كما قال تعالى: {ونهى ~~النفس عن الهوى} [النازعات: 40] وعزوب الأطماع عن الاتباع، ولزوم القناعة ~~في كل حال، ومعنى. # وأما العدل بينه وبين الخلق ففي بذل النصيحة، وترك الخيانة فيما قل وكثر، ~~والإنصاف من نفسك لهم بكل وجه، ولا يكون منك إلى أحد مساءة بقول ولا فعل، ~~لا في سر ولا في علن، حتى بالهم والعزم، والصبر على ما يصيبك منهم من ~~البلوى، وأقل ذلك الإنصاف من نفسك وترك الأذى. # المسألة الثانية: الإحسان: وهو في العلم والعمل: فأما في العلم فبأن تعرف ~~حدوث نفسك ونقصها، ووجوب الأولية لخالقها وكماله. وأما الإحسان في العمل ~~فالحسن ما أمر الله به، حتى إن الطائر في سجنك، والسنور في دارك، ms1037 لا ينبغي ~~أن تقصر في تعهده، فقد ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أن ~~امرأة دخلت النار في هرة حبستها لا هي سقتها ولا أطعمتها ولا أرسلتها تأكل ~~من خشاش الأرض». # ويقال: الإحسان ألا تترك لأحد حقا، ولا تستوفي ما لك. # وقد «قال جبريل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد ~~الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». وهذا إشارة إلى ما تعتقده ~~الصوفية من مشاهدة الحق في كل حال، واليقين بأنه مطلع عليك؛ فليس من الأدب ~~أن تعصي مولاك بحيث يراك. # PageV03P154 # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {وإيتاء ذي القربى} [النحل: 90]: يعني: في ~~صلة الرحم، وإيفاء الحقوق؛ كما قال ابن عباس: العدل أداء الفرائض. وكذلك ~~يلزم إيتاء حقوق الخلق إليهم. # وإنما خص ذوي القربى؛ لأن حقوقهم أوكد، وصلتهم أوجب، لتأكيد حق الرحم ~~التي اشتق الله اسمها من اسمه، وجعل صلتها من صلته. # المسألة الرابعة: الفحشاء: وذلك كل قبيح، من قول أو فعل، وغايته الزنا؛ ~~والمنكر ما أنكره الشرع بالنهي عنه؛ والبغي هو الكبر والظلم والحسد ~~والتعدي، وحقيقته تجاوز الحد، من بغى الجرح. فهذه ست مسائل. # وقد قال ابن مسعود: هذه أجمع آية في القرآن لخير يمتثل وشر يجتنب، وأراد ~~ما قال قتادة: إنه ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به إلا أمر الله ~~به، ولا من خلق سيئ كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه، وأن يريد ~~الخير للخلق كلهم؛ إن كان مؤمنا فيزداد إيمانا، وإن كان كافرا فيتبدل ~~إسلاما، وموالاة الخلق بالبشر والسياسة. ولهذا يروى أن عيسى عرض له كلب أو ~~خنزير فقال له: اذهب بسلام، إشارة إلى ترك الإذاية حتى في الحيوانية ~~المؤذية. ### | [الآية الخامسة عشرة قوله تعالى وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم] # الآية الخامسة عشرة: # قوله تعالى: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد ~~توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون} [النحل: 91]. ~~فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: في ذكر العهد والوفاء به: ms1038 وقد تقدم في المائدة والرعد ~~شرحه وأشرنا إليه حيث وقع ذكره بما أمكن فيه. # PageV03P155 # المسألة الثانية: قوله تعالى: {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} [النحل: ~~91]: قال ابن وهب، وابن القاسم عن مالك: أما التوكيد فهو حلف الإنسان في ~~الشيء الواحد مرارا، يردد فيه الأيمان يمينا بعد يمين، كقوله: والله لا ~~أنقصه من كذا وكذا، يحلف بذلك مرارا ثلاثة أو أكثر من ذلك، فقال: كفارة ذلك ~~واحدة [إنما عليه] مثل كفارة اليمين. # وقال يحيى بن سعيد: هي في العهود، والعهد يمين، ولكن الفرق بينهما أن ~~العهد لا يكفر قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ينصب لكل غادر لواء يوم ~~القيامة عند استه بقدر غدرته، يقال: هذه غدرة فلان». # وأما اليمين فقد شرع الله فيها الكفارة مخلصة منها، وحالة ما انعقدت ~~عليه. # وقال ابن عمر: التوكيد في اليمين المكررة هو أن يحلف مرتين، فإن حلف مرة ~~واحدة فلا كفارة عليه. وقد بينا ذلك في سورة المائدة وأوضحنا صحة قول ~~العلماء، وضعف هذه الرواية عن ابن عمر. ### | [مسألة لماذ كرر اليمين مرارا أو كثرها أعدادا] # المسألة الثالثة: إن كرر اليمين مرارا أو كثرها أعدادا فلا يخلو أن يقصد ~~بذلك التأكيد مع التوحيد، أو يقصد بذلك التأكيد مع تثنية اليمين، فإن قصد ~~بذلك التأكيد مع التوحيد فلا خلاف في أنها كفارة واحدة، وإن كان قصد ~~التوكيد مع تثنية اليمين فقال الشافعي وأبو حنيفة: تكون يمينين، وقال مالك: ~~تكون يمينا واحدة إلا أن يريد به كفارتين. وتعلق الفقهاء بأنها تثنية يمين، ~~فتثنية الكفارة أصل، فله أن يعقدها بذلك. # PageV03P156 # وعول مالك على أنه إذا قصد الكفارة فيلزمه ما التزم، وأما إذا لم يقصد ~~الكفارة، وإنما قصد إلى تثنية اليمين فلا يفتقر إلى كفارتين كما لو حلف ~~بيمين واحدة على معنيين أو شيئين، فإن كفارة واحدة تجزيه. ### | [الآية السادسة عشرة قوله تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم] # } [النحل: 98]. فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: انتهى العي بقوم إلى أن قالوا: إن القارئ إذا فرغ من ~~قراءة ms1039 القرآن حينئذ يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم. وقال العلماء: إذا ~~أراد قراءة القرآن تعوذ بالله، وتأولوا ظاهر " إذا قرأت " على أنه إذا ~~أردت، كما قال: {إذا قمتم إلى الصلاة} [المائدة: 6] معناه، إذا أردتم ~~القيام إلى الصلاة، وكقوله: إذا أكلت فسم الله؛ معناه: إذا أردت الأكل. ~~وحقيقة القول فيه أن قول القائل " فعل " يحتمل ابتدأ الفعل، ويحتمل تماديه ~~في الفعل، ويحتمل تمامه للفعل. وحقيقته تمام الفعل وفراغه عندنا، وعند قوم ~~أن حقيقته كان في الفعل، والذي رأيناه أولى؛ لأن بناء الماضي هو فعل، كما ~~أن بناء الحال هو يفعل، وهو بناء المستقبل بعينه. # ويخلصه للحال تعقيبه بقولك الآن، ويخلصه للاستقبال قولك سيفعل، هذا منتهى ~~الحقيقة فيه. وإذا قلنا: قرأ، بمعنى أراد، كان مجازا، ووجدنا مستعملا، وله ~~مثال فحملناه عليه. فإن قيل: وما الفائدة في الاستعاذة من الشيطان وقت ~~القراءة؟ وهي: # PageV03P157 # المسألة الثانية: قلنا: فائدته امتثال الأمر؛ وليس للشرعيات فائدة إلا ~~القيام بحق الوفاء في امتثالها أمرا، أو اجتنابها نهيا. وقد قيل: فائدتها ~~الاستعاذة من وساوس الشيطان عند القراءة، كما قال تعالى: {وما أرسلنا من ~~قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته} [الحج: 52] ~~يعني في تلاوته. وقد بينا ذلك في جزء تنبيه الغبي على مقدار النبي. # المسألة الثالثة: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا افتتح القراءة ~~في الصلاة كبر، ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ~~ولا إله غيرك، ثم يقول: لا إله إلا أنت، ثلاثا. ثم يقول: الله أكبر كبيرا، ~~ثلاثا، أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه»، ~~ثم يقرأ. هكذا رواه أبو داود وغيره، واللفظ له. وعن أبي سعيد الخدري «أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتعوذ في صلاته قبل القراءة»، وهذا نص في ~~الرد على من يرى القراءة قبل الاستعاذة بمطلق ظاهر اللفظ. وقال مالك: لا ~~يتعوذ في الفريضة، ويتعوذ في النافلة، وفي رواية: في قيام رمضان. وكان مالك ~~يقول في خاصة نفسه: " سبحانك اللهم وبحمدك ms1040 " قبل القراءة في الصلاة. وقد ~~روى مسلم أن عمر بن الخطاب كان يجهر بذلك في الصلاة، وحديث أبي هريرة صحيح ~~متفق عليه قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسكت بين التكبير ~~والقراءة إسكاتة فقلت: يا رسول الله إسكاتك بين التكبير والقراءة ما تقول ~~فيه؟ قال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق ~~والمغرب، اللهم نقني # PageV03P158 # من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسل خطاياي بالماء ~~والثلج والبرد». وما أحقنا بالاقتداء برسول الله في ذلك، لولا غلبة العامة ~~على الحق. # وتعلق من أخذ بظاهر المدونة بما كان في المدينة من العمل، ولم يثبت عندك ~~أن أحدا من أئمة الأمة ترك الاستعاذة فإنه أمر يفعل سرا، فكيف يعرف جهرا. ~~ومن أغرب ما وجدناه قول مالك في المجموعة في تفسير هذه الآية: {فإذا قرأت ~~القرآن} [النحل: 98] الآية قال: ذلك بعد قراءة أم القرآن لمن قرأ في ~~الصلاة، وهذا قول لم يرد به أثر، ولا يعضده نظر؛ فإنا قد بينا حكم الآية، ~~وحقيقتها فيما تقدم، ولو كان هذا كما قال بعض الناس إن الاستعاذة بعد ~~القراءة لكان تخصيص ذلك بقراءة أم القرآن في الصلاة دعوى عريضة لا تشبه ~~أصول مالك، ولا فهمه، والله أعلم بسر هذه الرواية. ### | [الآية السابعة عشرة قوله تعالى من كفر بالله من بعد إيمانه] # إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من ~~الله ولهم عذاب عظيم} [النحل: 106]. فيها تسع مسائل: # المسألة الأولى: هذه الآية نزلت في المرتدين، وقد تقدم ذكر بعض من أحكام ~~الردة في سورة المائدة، وبينا أن الكفر بالله كبيرة محبطة للعمل، سواء ~~تقدمها إيمان أو لم يتقدم، والكافر أو المرتد هو الذي جرى بالكفر لسانه، ~~مخبرا عما انشرح به من الكفر صدره، فعليه من الله الغضب، وله العذاب ~~الأليم، إلا من أكره، وهي: # PageV03P159 # المسألة الثانية: فذكر استثناء من تكلم بالكفر بلسانه عن إكراه، ولم يعقد ~~على ذلك قلبه، فإنه خارج عن هذا الحكم، معذور ms1041 في الدنيا، مغفور في الأخرى. ~~والمكره: هو الذي لم يخل وتصريف إرادته في متعلقاتها المحتملة لها، فهو ~~مختار، بمعنى أنه بقي له في مجال إرادته ما يتعلق به على البدل، وهو مكره ~~بمعنى أنه حذف له من متعلقات الإرادة ما كان تصرفها يجري عليه قبل الإكراه، ~~وسبب حذفها قول أو فعل؛ فالقول هو التهديد، والفعل هو أخذ المال، أو الضرب، ~~أو السجن، وقد تقدمت الإشارة إلى شيء من ذلك في سورة يوسف. # وقد اختلف الناس في التهديد، هل هو إكراه أم لا؟ والصحيح أنه إكراه؛ فإن ~~القادر الظالم إذا قال لرجل: إن لم تفعل كذا وإلا قتلتك، أو ضربتك، أو أخذت ~~مالك، أو سجنتك، ولم يكن له من يحميه إلا الله، فله أن يقدم على الفعل، ~~ويسقط عنه الإثم في الجملة، إلا في القتل، فلا خلاف بين الأمة أنه إذا أكره ~~عليه بالقتل أنه لا يحل له أن يفدي نفسه بقتل غيره؛ ويلزمه أن يصبر على ~~البلاء الذي ينزل به، ونسأل الله العافية في الدنيا والآخرة. # واختلف في الزنا، والصحيح أنه يجوز له الإقدام عليه، ولا حد عليه، خلافا ~~لابن الماجشون، فإنه ألزمه الحد؛ لأنه رأى أنها شهوة خلقية لا يتصور عليها ~~إكراه، ولكنه غفل عن السبب في باعث الشهوة، وأنه باطل. وإنما وجب الحد على ~~شهوة بعث عليها سبب اختياري، فقاس الشيء على ضده، فلم يحل بصواب من عنده. # وأما الكفر بالله فذلك جائز له بغير خلاف على شرط أن يلفظ بلسانه، وقلبه ~~منشرح بالإيمان، فإن ساعد قلبه في الكفر لسانه كان آثما كافرا؛ لأن الإكراه ~~لا سلطان له في الباطن، وإنما سلطته على الظاهر؛ بل قد قال المحققون من ~~علمائنا: إنه # PageV03P160 # إذا تلفظ بالكفر أنه لا يجوز له أن يجري على لسانه إلا جريان المعاريض، ~~ومتى لم يكن كذلك كان كافرا أيضا. وهو الصحيح؛ فإن المعاريض أيضا لا سلطان ~~للإكراه عليها، مثاله أن يقال له: اكفر بالله، فيقول: أنا كافر بالله، يريد ~~باللاهي، ويحذف الياء كما تحذف من ms1042 الغازي والقاضي والرامي، فيقال: الغاز ~~والقاض ذرة. # وكذلك إذا قيل له: اكفر بالنبي، فيقول: هو كافر بالنبي، وهو يريد بالنبي ~~المكان المرتفع من الأرض. # فإن قيل له: اكفر بالنبيء مهموزا، يقول: أنا كافر بالنبيء بالهمز، ويريد ~~به المخبر أي مخبر كان، أو يريد به النبيء الذي قال فيه الشاعر: # فأصبح رتما دقاق الحصى ... مكان النبيء من الكاثب # ولذلك يحكى عن بعض العلماء من زمن فتنة أحمد بن حنبل على خلق القرآن أنه ~~دعي إلى أن يقول بخلق القرآن، فقال: القرآن والتوراة والإنجيل والزبور ~~يعددهن بيده هذه الأربعة مخلوقة، يقصد هو بقلبه أصابعه التي عدد بها، وفهم ~~الذي أكرهه أنه يريد الكتب الأربعة المنزلة من الله على أنبيائه، فخلص في ~~نفسه، ولم يضره فهم الذي أكرهه. # ولما كان هذا أمرا متفقا عليه عند الأئمة، مشهورا عند العلماء ألف في ذلك ~~شيخ اللغة ورئيسها أبو بكر بن دريد كتاب الملاحن للمكرهين، فجاء ببدع في ~~العالمين، ثم ركب عليه المفجع الكابت، فجمع في ذلك مجموعا وافرا حسنا، ~~استولى فيه على الأمد، وقرطس الغرض. # المسألة الثالثة: هذا يدل على أن الكفر ليس بقبيح لعينه وذاته؛ إذ كان ~~كذلك لما حسنه الإكراه، ولكن الأمر كما قال علماؤنا من أهل السنة أن ~~الأشياء لا تقبح لذواتها ولا تحسن لذواتها؛ وإنما تقبح وتحسن بالشرع؛ ~~فالقبيح ما نهى الشرع عنه، والحسن ما أمر الشرع به. # PageV03P161 # والدليل على صحة ذلك أن القتل الواقع اعتداء يماثل القتل المستوفى قصاصا ~~في الصورة والصفة، بدليل أن الغافل عن سببهما لا يفرق بينهما، وكذلك ~~الإيلاج في الفرج عن نكاح، يماثل الإيلاج عن سفاح في اللذات والحركات، إنما ~~فرق بينهما الإذن؛ وكذلك الكفر الذي يصدر عن الإكراه يماثل الصادر عن ~~الاختيار؛ ولكن فرق بينهما إذن الشرع في أحدهما وحجره في الآخر، وقد أحكمنا ~~ذلك في كتب الأصول. # المسألة الرابعة: إن الكفر وإن كان بالإكراه جائزا عند العلماء فإن من ~~صبر على البلاء ولم يفتتن حتى قتل فإنه شهيد، ولا خلاف في ذلك، وعليه تدل ms1043 ~~آثار الشريعة التي يطول سردها، وإنما وقع الإذن وخصه من الله رفقا بالخلق، ~~وإبقاء عليهم، ولما في هذه الشريعة من السماحة، ونفي الحرج، ووضع الإصر. ### | [مسألة سبب نزول آية من كفر بالله من بعد إيمانه] # المسألة الخامسة: قد آن الآن أن نذكر سبب نزول هذه الآية المكية، وفي ذلك ~~ثلاث روايات: الأولى: أنها نزلت في عمار بن ياسر، وأمه سمية، وخباب بن ~~الأرت، وسلمة بن هشام، والوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة، والمقداد بن ~~الأسود، وقوم أسلموا، ففتنهم المشركون عن دينهم، فثبت بعضهم على الإسلام، ~~وافتتن بعضهم، وصبر بعضهم على البلاء ولم يصبر بعض، فقتلت سمية، وافتتن ~~عمار في ظاهره دون باطنه، وسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فنزلت الآية. # الثانية: قال عكرمة: نزلت الآية في قوم أسلموا بمكة، ولم يمكنهم الخروج، ~~فلما كان يوم بدر أخرجهم المشركون معهم كرها فقتلوا. قال: وفيهم نزلت: {إلا ~~المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا} ~~[النساء: 98] {فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا} ~~[النساء: 99]. # الثالثة: قال مجاهد: أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وأبو بكر # PageV03P162 # وبلال وخباب وعمار، وصهيب، وسمية، فأما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فمنعه أبو طالب، وأما أبو بكر فمنعه قومه، وأما الآخرون فألبسوهم أدراع ~~الحديد، وأوقفوكم في الشمس، فبلغ منهم الجهد ما شاء الله أن يبلغ، من حر ~~الحديد والشمس، فلما كان من العشاء أتاهم أبو جهل، ومعه حربة فجعل يشتمهم ~~ويوبخهم، ثم أتى سمية فطعن بالحربة في قبلها حتى خرجت من فمها، فهي أول ~~شهيد استشهد في الإسلام. # وقال الآخرون: ما سألوهم إلا بلالا، فإنه هانت عليه نفسه، فجعلوا يعذبونه ~~ويقولون له: ارجع إلى ربك، وهو يقول: أحد أحد، حتى ملوه، ثم كتفوه، وجعلوا ~~في عنقه حبلا من ليف، ودفعوه إلى صبيانهم يلعبون به بين أخشبي مكة، حتى ~~ملوه وتركوه، فقال عمار: كلنا قد تكلم بالذي قالوا له، لولا أن الله ~~تداركنا، غير بلال، ms1044 فإنه هانت عليه نفسه في الله، فهان على قومه، حتى ~~تركوه، فنزلت هذه الآية في هؤلاء. والصحيح أن أبا بكر اشترى بلالا فأعتقه. ### | [مسألة طلاق المكره] # المسألة السادسة: لما سمح الله تعالى في الكفر به، وهو أصل الشريعة، عند ~~الإكراه، ولم يؤاخذ به، حمل العلماء عليه فروع الشريعة، فإذا وقع الإكراه ~~عليها لم يؤاخذ به، ولا يترتب حكم عليه، وعليه جاء الأثر المشهور عند ~~الفقهاء: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». # والخبر، وإن لم يصح سنده، فإن معناه صحيح باتفاق من العلماء، ولكنهم ~~اختلفوا في تفاصيل: منها: قول ابن الماجشون في حد الزنا، وقد تقدم. ومنها ~~قول أبي حنيفة: إن طلاق المكره يلزم؛ لأنه لم يعدم فيه أكثر من الرضا، وليس ~~وجوده بشرط في الطلاق كالهازل. وهذا قياس باطل؛ فإن الهازل قاصد إلى إيقاع ~~الطلاق، راض به # PageV03P163 # والمكره غير راض به، ولا نية له في الطلاق. وقد قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى». # ومنها أن المكره على القتل إذا قتل يقتل؛ لأنه قتل من يكافئه ظلما ~~استبقاء لنفسه، فقتل، كما لو قتله الجماعة. وقال أبو حنيفة وسحنون: لا ~~يقتل، وهي عثرة من سحنون وقع فيها بأسد بن الفرات الذي تلقفها عن أصحاب أبي ~~حنيفة بالعراق، وألقاها إليه، ومن يجوز له أن يقي نفسه بأخيه المسلم، وقد ~~قال رسول الله: «المسلم أخو المسلم لا يثلمه ولا يظلمه». وقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما. قالوا: يا رسول الله؛ هذا ~~ننصره مظلوما، فكيف ننصره ظالما؟ قال: تكفه عن الظلم فذلك نصرك إياه». ### | [مسألة الإكراه على الحنث في اليمين هل يقع به أم لا] # المسألة السابعة: من غريب الأمر أن علماءنا اختلفوا في الإكراه على الحنث ~~في اليمين، هل يقع به أم لا؟ وهذه مسألة عراقية سرت لنا منهم، لا كانت هذه ~~المسألة، ولا كانوا هم، وأي فرق يا معشر أصحابنا بين الإكراه على اليمين في ~~أنها لا تلزم وبين ms1045 الحنث في أنه لا يقع، فاتقوا الله وراجعوا بصائركم، ولا ~~تغتروا بذكر هذه الرواية فإنها وصمة في الدراية. # PageV03P164 ### | [مسألة أكره الرجل على إسلام أهله لما لا يحل] # المسألة الثامنة: إذا أكره الرجل على إسلام أهله لما لا يحل أسلمها، ولم ~~يقتل نفسه دونها، ولا احتمل إذاية في تخليصها. # والأصل في ذلك ما أخبرنا أبو الحسن بن أيوب بمدينة السلام، أنبأنا أبو ~~عبد الله الحسن بن محمد، أنبأنا أبو علي بن حاجب، حدثنا محمد بن يوسف، ~~حدثنا محمد بن إسماعيل، أنبأنا أبو اليمان، أنبأنا شعيب أبو الزناد عن ~~الأعرج عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هاجر ~~إبراهيم بسارة، ودخل بها قرية فيها ملك من الملوك، أو جبار من الجبابرة، ~~فأرسل إليه أن أرسل إلي بها، فقام إليها، فقامت تتوضأ وتصلي، فقالت: اللهم ~~إن كنت آمنت بك وبرسولك فلا تسلط علي الكافر، فغط حتى ركض برجله». ### | [مسألة الإكراه بحق] # المسألة التاسعة: فإن كان الإكراه بحق عند الإباية من الانقياد إليه فإنه ~~جائز شرعا تنفذ معه الأحكام، ولا يؤثر في رد شيء منها. ولا خلاف فيه. وقد ~~اتفق العلماء على أن دليل ذلك ما روى أبو هريرة قال: «بينا نحن في المسجد ~~الحرام إذ خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: انطلقوا إلى ~~يهود فخرجنا معه، حتى جئنا بيت المدارس، فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فناداهم: يا معشر يهود، أسلموا تسلموا. فقالوا له: قد بلغت يا أبا القاسم. ~~فقال: ذلك أريد ثم قالها الثانية، فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم، ثم قال ~~الثالثة، فقال: اعلموا أنما الأرض لله ولرسوله. وأني أريد أن أجليكم، فمن ~~وجد منكم بماله شيئا فليبعه، وإلا فاعلموا أنما الأرض لله ورسوله»، ولهذا ~~الحديث من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وفعله، ومن حكم عمر بن الخطاب ~~وعمله نظائر، ويترتب على بيع المضطر أحكام، بيانها في كتب الفروع. والله ~~أعلم. # PageV03P165 ### | [الآية الثامنة عشرة قوله تعالى ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا ms1046 حلال وهذا حرام] # لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون} ~~[النحل: 116] فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: في قراءتها: قرأها الجماعة الكذب بنصب الكاف؛ وخفض ~~الذال، ونصب الباء. وقرأها الحسن وغيره مثله، إلا أن الباء مخفوضة، وقرأها ~~قوم بضم الكاف والذال. # فالقراءة الأولى يكون فيها الكذب على الإتباع لموضع ما يقولون. ومن رفع ~~الكاف والذال جعله نعتا للألسنة. ومن نصب الكاف والباء جعله مفعول قوله: ~~تقولوا، وهو بين كله. # المسألة الثانية: معنى الآية: لا تصفوا الأعيان بأنها حلال أو حرام من ~~قبل أنفسكم؛ إنما المحرم المحلل هو الله سبحانه. وهذا رد على اليهود الذين ~~كانوا يقولون: أن الميتة حلال، وعلى العرب الذين كانوا يقولون: ما في بطون ~~هذه الأنعام خالصة لذكورنا، ومحرم على أزواجنا؛ افتراء على الله بضلالهم، ~~واعتداء، وإن أمهلهم الباري في الدنيا فعذاب الآخرة أشد وأبقى. ### | [مسألة التحريم والتحليل] # المسألة الثالثة: قال ابن وهب: قال لي مالك: لم يكن من فتيا المسلمين أن ~~يقولوا: هذا حرام وهذا حلال، ولكن يقولون: إنا نكره هذا، ولم أكن لأصنع ~~هذا، فكان الناس يطيعون ذلك، ويرضون به. ومعنى هذا أن التحريم والتحليل ~~إنما هو لله كما تقدم # PageV03P166 # بيانه؛ فليس لأحد أن يصرح بهذا في عين من الأعيان، إلا أن يكون الباري ~~يخبر بذلك عنه، وما يؤدي إليه الاجتهاد في أنه حرام يقول: إني أكره كذا، ~~وكذلك كان مالك يفعل؛ اقتداء بمن تقدم من أهل الفتوى. فإن قيل: فقد قال ~~فيمن قال لزوجته: أنت علي حرام أنها حرام وتكون ثلاثا. قلنا: سيأتي بيان ~~ذلك في سورة التحريم إن شاء الله. # ونقول هاهنا: إن الرجل هو الذي ألزم ذلك لنفسه، فألزمه مالك ما التزم. # جواب آخر: وهو أقوى؛ وذلك أن مالكا لما سمع علي بن أبي طالب يقول: إنها ~~حرام أفتى بذلك اقتداء به، وقد يتقوى الدليل على التحريم عند المجتهد، فلا ~~بأس أن يقول ذلك عندنا، كما يقول: إن الربا حرام في غير الأعيان الستة التي ~~وقع ذكرها في ms1047 الربا، وهي الذهب، والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح، ~~وكثيرا ما يطلق مالك، فذلك حرام لا يصلح في الأموال الربوية، وفيما خالف ~~المصالح، وخرج عن طريق المقاصد، لقوة الأدلة في ذلك. ### | [الآية التاسعة عشرة قوله تعالى إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا] # ولم يك من المشركين} [النحل: 120]. فيها مسألتان. # المسألة الأولى: قال ابن وهب، وابن القاسم، كلاهما عن مالك قال: بلغني أن ~~عبد الله بن مسعود قال: يرحم الله معاذ بن جبل، كان أمة قانتا لله. فقيل: ~~يا أبا عبد الرحمن؛ إنما ذكر الله بهذا إبراهيم، فقال ابن مسعود: إن الأمة ~~الذي يعلم الناس الخير، وإن القانت هو المطيع. وقال الشعبي: حدثني فروة بن ~~نوفل الأشجعي قال: قال ابن مسعود: إن معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا. فقلت ~~في نفسي: غلط أبو عبد الرحمن، إنما قال الله تعالى: إن # PageV03P167 # إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا. فقال: أتدري ما الأمة القانت؟ قلت: ~~الله أعلم. قال: الأمة الذي يعلم الخير. والقانت لله: المطيع لله ولرسوله، ~~وكذلك كان معاذ بن جبل يعلم الخير، وكان مطيعا لله ولرسوله. # المسألة الثانية: الحنيف: المخلص، وكان إبراهيم قائما لله بحقه صغيرا ~~وكبيرا، آتاه الله رشده، كما أخبر عنه، فنصح له، وكسر الأصنام، وباين قومه ~~بالعداوة، ودعا إلى عبادة ربه، ولم تأخذه في الله لومة لائم؛ فأعطاه الله ~~ألا يبعث نبيا بعده إلا من ذريته، وأعطاه الله ألا يسافر في الأرض، فتخطر ~~سارة بقلبه إلا هتك الله بينه وبينها الحجاب، فيراها، وكان أول من اختتن، ~~وأقام مناسك الحج، وضحى، وعمل بالسنن نحو قص الأظفار، ونتف الإبط، وحلق ~~العانة، وأعطاه الله الذكر الجميل في الدنيا، فاتفقت الأمم عليه، ولم ينقص ~~ما أعطي في الدنيا من حظه في الآخرة، وأوحي إلى محمد وأمته أن اتبع ملة ~~إبراهيم، فإنه كان حنيفا مسلما، وما كان من المشركين. فعلى كل عبد أن يطيع ~~الله، ويعلم الأمة، فيكون في دين إبراهيم على الملة. ### | [الآية العشرون قوله تعالى إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه] ms1048 # الآية الموفية عشرين: قوله تعالى: {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه ~~وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} [النحل: 124]. # فيها خمس مسائل: # المسألة الأولى # المراد بالذين اختلفوا فيه اليهود والنصارى، أي فرض تعظيم يوم السبت على ~~الذين اختلفوا فيه؛ فقال بعضهم؛ هو أفضل الأيام؛ لأن الله فرغ من خلق ~~الأشياء يوم الجمعة، ثم سبت يوم السبت. # PageV03P168 # وقال آخرون: أفضل الأيام يوم الأحد؛ لأنه اليوم الذي ابتدأ فيه خلق ~~الأشياء، فاختلفوا في تعظيم غير ما فرض عليهم تعظيمه، ثم بعد ذلك استحلوه. # المسألة الثانية ما الذي اختلفوا فيه؟ # فيه خمسة أقوال: # الأول: أنهم اختلفوا في تعظيمه، كما تقدم؛ قاله مجاهد. # الثاني: اختلفوا فيه؛ استحله بعضهم، وحرمه آخرون؛ قاله ابن جبير. # الثالث: # قال ابن زيد: كانوا يطلبون يوم الجمعة فأخطئوه، وأخذوا السبت، ففرض ~~عليهم. # وقيل في القول الرابع: إنهم ألزموا يوم الجمعة عيدا، فخالفوا وقالوا: ~~نريد يوم السبت؛ لأنه فرغ فيه من خلق السموات. # الخامس: روي أن عيسى أمر النصارى أن يتخذوا يوم الجمعة عيدا، فقالوا: لا ~~يكون عيدنا إلا بعد عيد اليهود، فجعلوه الأحد. # وروي أن موسى قال لبني إسرائيل: تفرغوا إلى الله في كل سبعة أيام في يوم ~~تعبدونه، ولا تعملون فيه شيئا من أمر الدنيا؛ فاختاروا يوم السبت، فأمرهم ~~موسى بالجمعة، فأبوا إلا السبت، فجعله الله عليهم. # المسألة الثالثة: # الذي يفصل هذا القول ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «نحن ~~الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، وأوتيناه ~~من بعدهم، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله، فالناس لنا فيه تبع، ~~اليهود غدا والنصارى بعد غد». # PageV03P169 # فقوله - صلى الله عليه وسلم -: «فهذا اليوم اختلفوا فيه فهدانا الله له»، ~~يدل على أنه عرض عليهم، فاختار كل أحد ما ظهر إليه، وألزمناه من غير عرض، ~~فالتزمناه. # وقد روي في بعض طرق الحديث الصحيح: «فهذا يومهم الذي فرض الله عليهم، ~~فاختلفوا فيه». # وفي الصحيح في بعض طرق الحديث: «فسكت، ثم قال: حق ms1049 على كل مسلم أن يغتسل ~~في كل سبعة أيام يوما، يغسل فيه رأسه وجسده». # وهذا مجمل، فسره الحديث الصحيح: «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم». ### | [مسألة اختيار اليهود يوم السبت واستراح يوم السبت] # المسألة الرابعة: # روي أن اليهود حين اختاروا يوم السبت قالوا: إن الله ابتدأ الخلقة يوم ~~الأحد، وأتمها يوم الجمعة، واستراح يوم السبت، فنحن نترك العمل يوم السبت. # فأكذبهم الله في قولهم بقوله تعالى: {ولقد خلقنا السماوات والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام} [ق: 38] الآية. # فلما تركوا العمل في يوم السبت بالتزامهم، وابتدعوه برأيهم الفاسد، ~~واختيارهم الفائل، كان منهم من رعاه، ومنهم من اخترمه فسخط الله على ~~الجميع، حسبما تقدم في سورة الأعراف. # واختار الله لنا يوم الجمعة، فقبلنا خيرة ربنا لنا، والتزمنا من غير ~~مثنوية ما # PageV03P170 # ألزمنا، وعرفنا مقدار فضله، فقال لنا في الحديث الصحيح عن أبي هريرة: ~~«خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أهبط، وفيه تيب ~~عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة ~~من حين تصبح إلى حين تطلع الشمس، شفقا من الساعة، إلا الجن والإنس، وفيه ~~ساعة لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه» في حديث ~~طويل هذا أكثره. # وجمع لنا فيه الوجهين: فضل العمل في الآخرة، وجواز العمل في الدنيا، وخشي ~~علينا رسول الله ما جرى لمن كان قبلنا من التنطع في يومهم الذي اختاروه، ~~فمنعنا من صيامه، فقال: «لا تخصوا يوم الجمعة بصيام، ولا ليلتها بقيام». # وعلى ذلك كثير من العلماء. # ورأى مالك أن صومه جائز كسائر الأيام. وقال: إن بعض أهل العلم في زمانه ~~كان يصومه، وأراه كان يتحراه. # ونهي النبي عن تخصيصه أشبه بحال العالم اليوم فإنهم يخترعون في الشريعة ~~ما يلحقهم بمن تقدم، ويسلكون به سنتهم؛ وذلك مذموم على لسان الرسول؛ فإن ~~الله شرع فيه الصلاة، ولم يشرع فيه الصيام، وشرع فيه الذكر والدعاء؛ فوجب ~~الاقتفاء لسنته، والاقتصار على ما أبان من ms1050 شرعته، والفرار عن الرهبانية ~~المبتدعة، والخشية من الباطل المذموم على لسان الرسول. # PageV03P171 # المسألة الخامسة: # قوله: «فيه خلق آدم» يعني: جمع فيه خلقه، ونفخ فيه الروح، وهذا فضل بين. # وقوله: «فيه أهبط إلى الأرض» يخفى وجه الفضل فيه؛ ولكن العلماء أشاروا ~~إلى أن وجه التفضيل فيه أنه تيب عليه من ذنبه، وهبط إلى الأرض لوعد ربه، ~~حين قال: {إني جاعل في الأرض خليفة} [البقرة: 30]. # فلما سبق الوعد به حققه الله له في ذلك، ونفاذ الوعد خير كثير، وفضل ~~عظيم، ووجه الفضل في موته أن الله جعل له ذلك اليوم للقائه. # فإن قيل: فقد جعل الله لمحمد - صلى الله عليه وسلم - يوم الاثنين وقتا ~~للقائه. # قلنا: يكون هذا أيضا فضلا، يشترك فيه مع يوم الجمعة، ويبقى ليوم الجمعة ~~فضله الذي أعطاه الله له زائدا على سائر أيام الجمعة؛ ومن شارك شيئا في ~~وجه، وساواه فيه لا يمتنع أن يفضله في وجوه أخر سواه. # وأما وجه تفضيله في قيام الساعة فيه فلأن يوم القيامة أفضل الأيام، فجعل ~~قدومه في أفضل الأوقات، وتكون فاتحته في أكرم أوقات سائر الأيام، ومن فضله ~~استشعار كل دابة، وتشوقها إليه؛ لما يتوقع فيه من قيام الساعة؛ إذ هو وقت ~~فنائها، وحين اقتصاصها وجزائها، حاش الجن والإنس اللذين ركبت فيهما الغفلة ~~التي تردد فيها الآدمي بين الخوف والرجاء، وهما ركنا التكليف، ومعنى القيام ~~بالأمر والنهي، وفائدة جريان الأعمال على الوعد والوعيد، وتمام الفضل، ووجه ~~الشرف تلك الساعة التي ينشر الباري فيها رحمته، ويفيض في الخلق نيله، ويظهر ~~فيها كرمه؛ فلا يبقى داع إلا يستجيب له، ولا كرامة إلا ويؤتيها، ولا رحمة ~~إلا يبثها لمن تأهب لها، واستشعر بها، ولم يكن غافلا عنها. # ولما كان وقتا مخصوصا بالفضل من بين سائر الأوقات قرنه الله بأفضل ~~الحالات للعبد، وهي حالة الصلاة، فلا عبادة أفضل منها، ولا حالة أخص بالعبد ~~من تلك الحالة؛ لأن الله جمع فيها عبادات الملائكة كلهم؛ إذ منهم قائم لا ~~يبرح عن قيامه # PageV03P172 # وراكع لا يرفع عن ركوعه، ms1051 وساجد لا يتفصى من سجوده، فجمع الله لبني آدم ~~عبادات الملائكة في عبادة واحدة. # وقد جاء في الحديث: «إن العبد إذا نام في سجوده باهى الله به ملائكته، ~~يقول: يا ملائكتي، انظروا عبدي، روحه عندي، وبدنه في طاعتي». # وصارت هذه الساعة في الأيام كليلة القدر في الليالي في معنى الإبهام، لما ~~بيناه من قبل في أن إبهامها أصلح للعباد من تعيينها لوجهين: أحدهما: أنها ~~لو علمت وهتكوا حرمتها ما أمهلوا، وإذا أبهمت عليهم عم عملهم اليوم كله ~~والشهر كله، كما أبهمت الكبائر في الطرف الآخر، وهو جانب السيئات، ليجتنب ~~العبد الذنوب كلها؛ فيكون ذلك أخلص له، فإذا أراد العبد تحصيل ليلة القدر ~~فليقم الحول على رأي ابن مسعود، أو الشهر كله على رأي آخرين، أو العشر ~~الأواخر على رأي كل أحد. # ولقد كنت في البيت المقدس ثلاثة أحوال، وكان بها متعبد يترصد ساعة الجمعة ~~في كل جمعة، فإذا كان هذا يوم الجمعة مثلا خلا بربه من طلوع الفجر إلى ~~الضحى، ثم انصرف، فإذا كان في الجمعة الثانية خلا بربه من الضحى إلى زوال ~~الشمس، فإذا كان في الجمعة الثالثة خلا بربه من زوال الشمس إلى العصر، ثم ~~انقلب، فإذا كان في الجمعة الرابعة خلا بربه من العصر إلى مغرب الشمس، ~~فتحصل له الساعة في أربع جمع، فاستحسن الناس ذلك منه. # وقال لنا شيخنا أبو بكر الفهري: هذا لا يصح له؛ لأن من الممكن أن تكون في ~~اليوم الذي يرصدها من الزوال إلى العصر تكون من العصر إلى الغروب، وفي ~~اليوم الذي تكون من العصر إلى الغروب يترصدها هو من طلوع الفجر إلى طلوع ~~الشمس إلى الضحى؛ إذ يمكن أن تنتقل في كل جمعة، ولا تثبت على ساعة واحدة في ~~كل يوم؛ يشهد لصحة ذلك انتقال ليلة القدر في ليالي الشهر؛ فإنها تكون في كل ~~عام في ليلة، لا تكون فيها في العام الآخر. # PageV03P173 # والدليل عليه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نصب لهم عليها علامة مرة، ~~فوجدوا تلك العلامة ليلة ms1052 سبع وعشرين، وسأله آخر متى ينزل: فإنه شاسع الدار؟ ~~فقال له: انزل ليلة ثلاث وعشرين، وما كان - صلى الله عليه وسلم - ليعلم ~~علامة فلا يصدق، وما كان أيضا ليسأله سائل ضعيف لا يمكنه ملازمته عن أفضل ~~وقت ينزل إليه فيه، وأكرم ليلة يأتيه فيها، ليحصل له فضله، فيحمله على ~~الناقص عن غيره، المحطوط عن سواه، وهذا كله يدلك على أن من أراد تحصيل ~~الساعة عمر اليوم كله بالعبادة، أو تحصيل الليلة قام الشهر كله في جميع ~~لياليه. # فإن قيل: فإذا خرج إلى الوضوء، أو اشتغل بالأكل، فجاءت تلك الساعة في تلك ~~الحالة، وهو غير داع ولا سائل، كيف يكون حاله؟ قلنا: إذا كان وقته كله ~~معمورا بالعبادة والدعاء، فجاءت وقت الوضوء أو الأكل أعطي طلبته، وأجيبت ~~دعوته، ولم يحاسب من أوقاته بما لا بد له منه، على أني قد رأيت من علمائنا ~~من قال: إذا توضأ أو أكل، فاشتغل بذلك بدنه ولسانه، فليقبل على الطاعة ~~بقلبه، حتى يلقى تلك الساعة متعبدا بقلبه. # وهذا حسن، وهو عندي غير لازم؛ بل يكفي أن يكون ملازما للعبادة، ما عدا ~~أوقات الوضوء والأكل، فيعفى عنه فيها، ويعطى عندها كل ما سأل في غيرها بلطف ~~الله بعباده، وسعة رحمته لهم، وعموم فضله، لا رب غيره. # على أن مسلما قد كشف الغطاء عن هذا الخفاء، فقال عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: إنه «سئل عن الساعة التي في يوم الجمعة، فقال: هي من جلوس ~~الإمام على المنبر إلى انقضاء الصلاة». # وهذا نص جلي، والحمد لله. # وفي سنن أبي داود عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نص في أنها بعد العصر، ~~ولا يصح. # PageV03P174 ### | [الآية الحادية والعشرون قوله تعالى وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به] # الآية الحادية والعشرون: # قوله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير ~~للصابرين} [النحل: 126] فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: وفي ذلك روايات، أصلها روايتان: إحداهما: ~~«أنه لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون ms1053 رجلا، ومن المهاجرين ~~ستة، فيهم حمزة، فمثلوا بهم، فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا ~~لنربين عليهم قال: فلما كان فتح مكة، فأنزل الله {وإن عاقبتم} [النحل: 126] ~~الآية، فقال رجل: لا قريش بعد اليوم؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: كفوا عن القوم إلا أربعة». # الثانية: # أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف على حمزة بن عبد المطلب حين ~~استشهد، فنظر إلى شيء لم ينظر إلى شيء كان أوجع منه لقلبه، ونظر إليه قد ~~مثل به، فقال: رحمة الله عليك، فإنك كنت ما عرفتك فعولا للخيرات، وصولا ~~للرحم، ولولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أدعك، حتى تحشر من أفراد شتى أما ~~والله مع ذلك لأمثلن بسبعين منهم. فنزل جبريل والنبي - صلى الله عليه وسلم ~~- واقف بخواتيم النحل: {وإن عاقبتم} [النحل: 126] الآيات؛ فصبر النبي، وكفر ~~عن يمينه، ولم يمثل بأحد». # PageV03P175 ### | [مسألة الجزاء على المثلة] # المسألة الثانية: # قال علماؤنا: الجزاء على المثلة عقوبة؛ فأما ابتداء فليس بعقوبة، ولكنها ~~سميت باسمها، كما قال: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} ~~[البقرة: 194] وكما قال: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} [الشورى: 40]؛ وعادة ~~العرب هكذا في الازدواج، فجاء القرآن على حكم اللغة، وقد تقدم بيان ذلك # المسألة الثالثة: # في هذه الآية جواز التماثل في القصاص، فمن قتل بحديدة قتل بها، وكذلك من ~~قتل بحجر أو حبل أو عود امتثل فيه ما فعل، وقد بينا ذلك فيما تقدم في ~~البقرة والمائدة وغيرها، فلا معنى لإعادته # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} [النحل: ~~126]: إشارة إلى فضل العفو، وقد تقدم في المائدة وغيرها. والله الموفق ~~للصواب. # PageV03P176 ### | [سورة الإسراء فيها عشرون آية] # [الآية الأولى قوله تعالى سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام ~~إلى المسجد الأقصى] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى # الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير} [الإسراء: 1] ~~فيها ست مسائل: # المسألة الأولى: في {سبحان} [الإسراء: 1]: وفيه أربعة ms1054 أقوال: # الأول: أنه منصوب على المصدر؛ قاله سيبويه والخليل. # ومنعه عندهما من الصرف كونه معرفة في آخره زائدان. # وذكر سيبويه أن من العرب من يصرفه ويصرفه. # الثاني: قال أبو عبيدة: هو منصوب على النداء. # الثالث: أنه موضوع موضع المصدر منصوب لوقوعه موقعه. # الرابع: أنها كلمة رضيها الله لنفسه؛ قاله علي بن أبي طالب، ومعناها ~~عندهم براءة الله من السوء، وتنزيه الله منه قال الشاعر: # أقول لما جاءني فخره ... سبحان من علقمة الفاخر # المسألة الثانية: أما القول بأنه مصدر فلأنه جار على بناء المصادر، ~~فكثيرا ما يأتي على فعلان. # وأما القول بأنه اسم وضع للمصدر فلأنهم رأوه لا يجري على الفعل الذي هو ~~سبح. # وأما # PageV03P177 # قول أبي عبيدة بأنه منادى فإنه ينادى فيه بالمعرفة من مكان بعيد، وهو ~~كلام جمع فيه بين دعوى فارغة لا برهان عليها، ثم لا يعصمه ذلك من أن يقال ~~له: هل هو اسم أو مصدر؟ وما زال أبو عبيدة يجري في المنقول طلقه حتى إذا ~~جاء المعقول عقله العي وأغلقه. # وقد جمع في هذه الكلمة أبو عبد الله بن عرفة جزءا قرأناه بمدينة السلام، ~~ولم يحصل له فيه عن التقصير سلام، والقدر الذي أشار إليه سيبويه فيه يكفي، ~~فليأخذ كل واحد منكم ويكتفي. ### | [مسألة أشرف اسم للنبي] # المسألة الثالثة: قوله: {أسرى بعبده} [الإسراء: 1]: # قال علماؤنا: لو كان للنبي اسم أشرف منه لسماه في تلك الحالة العلية به، ~~وفي معناه تنشد الصوفية: # يا قوم قلبي عند زهراء ... يعرفها السامع والرائي # لا تدعني إلا بيا عبدها ... فإنه أشرف أسمائي # وقال الأستاذ جمال الإسلام أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن: لما رفعه إلى ~~حضرته السنية، وأرقاه فوق الكواكب العلوية، ألزمه اسم العبودية له، تواضعا ~~للإلهية. ### | [مسألة هل أسري بجسد الرسول صلى الله عليه وسلم أم بروحه] # المسألة الرابعة: # قضى الله بحكمته وحكمه أن يتكلم الناس، هل أسري بجسد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أم بروحه؟ ولولا مشيئة ربنا السابقة بالاختلاف لكانت ~~المسألة أبين عند الإنصاف؛ فإن المنكر لذلك ms1055 لا يخلو أن يكون ملحدا ينكر ~~القدرة، ويرى أن الثقيل لا يصعد علوا، وطبعه استفال فما باله يتكلم معنا في ~~هذا الفرع، وهو منكر للأصل؛ وهو وجود الإله وقدرته، وأنه يصرف الأشياء ~~بالعلم والإرادة، لا بالطبيعة. # وإن كان المنكر من أغبياء الملة يقر معنا بالإلهية والعلم، والإرادة ~~والقدرة على التصريف والتدبير والتقدير، فيقال له: وما الذي يمنع من ارتقاء ~~النبي في الهواء بقدرة خالق الأرض والسماء؟ # PageV03P178 # فإن قال: لأنه لم يرد. قلنا له: قد ورد من كل طريق على لسان كل فريق، ~~منهم أبو ذر؛ قال أنس: قال أبو ذر: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«فرج سقف بيتي، وأنا بمكة، فنزل جبريل، ففرج صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم ~~جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا فأفرغه في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي ~~فعرج بي إلى السماء الدنيا، فلما انتهينا إلى سماء الدنيا قال جبريل لخازن ~~السماء: افتح. قال: من هذا؟ قال: هذا جبريل. قال: هل معك أحد؟ قال: نعم، ~~معي محمد. فقال: أرسل إليه؟ فقال: نعم. فلما فتح علونا السماء الدنيا فإذا ~~رجل على يمينه أسودة، وعلى يساره أسودة، إذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر ~~قبل شماله بكى، فقال: مرحبا بالنبي الصالح، والابن الصالح. قلت: يا جبريل، ~~من هذا؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه، فأهل ~~اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن ~~يمينه ضحك، وإذا نظر عن شماله بكى. ثم عرج بي إلى السماء الثانية، فقال ~~لخازنها: افتح، فقال له خازنها مثل ما قال له الأول، ففتح. قال أنس: فذكر ~~أنه وجد في السماء آدم، وإدريس، وموسى، وعيسى، وإبراهيم.» # ولم يثبت كيف منازلهم، غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدنيا، ~~وإبراهيم في السماء السادسة. # قال أنس: «فلما مر النبي - صلى الله عليه وسلم - مع جبريل بإدريس، فقال: ~~مرحبا بالنبي الصالح، والأخ الصالح. فقلت: من هذا؟ قال: هذا إدريس. ثم مررت ~~بموسى، ms1056 فقال: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح. قلت: من هذا؟ قال: موسى. ~~ثم مررت بعيسى، فقال: مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح. قلت: من هذا؟ قال: ~~عيسى. ثم مررت بإبراهيم، فقال: مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح. قلت: من ~~هذا؟ قال: إبراهيم». # قال ابن شهاب: فأخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري كانا ~~يقولان: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى ~~أسمع فيه صريف الأقلام». # PageV03P179 # قال ابن حزم، وأنس بن مالك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ففرض الله ~~على أمتي خمسين صلاة، فرجعت بذلك حتى مررت بموسى، فقال: ماذا فرض الله على ~~أمتك؟ قلت: فرض خمسين صلاة. قال: ارجع إلى ربك؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك، ~~فراجعني، فرجعت، فوضع شطرها، فرجعت إلى موسى، قلت: وضع شطرها. فقال: ارجع ~~إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك. فرجعت، فوضع شطرها، فرجعت إليه، فقال: ارجع ~~إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعته، فقال: هي خمس، وهي خمسون لا يبدل ~~القول لدي. فرجعت إلى موسى، فقال: ارجع إلى ربك، فقلت: قد استحييت من ربي. ~~قال: ثم انطلق بي حتى انتهى إلى سدرة المنتهى، وغشيها ألوان لا أدري ما هي، ~~ثم أدخلت الجنة، فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك». # فإن قيل: فقد ثبت في الصحيح عن أنس أنه قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: «بينا أنا بين النائم واليقظان.» وذكر حديث الإسراء بطوله، ~~إلى أن قال: «ثم استيقظت، وأنا في المسجد الحرام». # قلنا: عنه أجوبة؛ منها: أن هذا اللفظ رواه شريك عن أنس، وكان تغير بآخرة ~~فيعول على روايات الجميع. # الثاني: أنه يحتمل أنه أرى النبي - صلى الله عليه وسلم - الإسراء رؤيا ~~منام، وطده الله بها، ثم أراه إياها رؤيا عين، كما فعل به حين أراد مشافهته ~~بالوحي؛ «أرسل إليه الملك في المنام بنمط من ديباج فيه: اقرأ باسم ربك، ~~وقال له: اقرأ. فقال: ما أنا بقارئ، فغطه حتى بلغ منه الجهد، ثم أرسله، ~~فقال: اقرأ. ms1057 قال: ما أنا بقارئ» إلى آخر الحديث. # PageV03P180 # فلما كان بعد ذلك جاءه الملك في اليقظة بمثل ما أراده في المنام. وكانت ~~الحكمة في ذلك أن أراه الله في المنام ما أراه من ذلك توطيدا وتثبيتا ~~لنفسه، حتى لا يأتيه الحال فجأة، فتقاسي نفسه الكريمة منها شدة، لعجز القوى ~~الآدمية عن مباشرة الهيئة الملكية. # وقد ثبت في الصحيح وغيره من طرق عن ابن عباس في قوله تعالى: {وما جعلنا ~~الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس} [الإسراء: 60]؛ ولو كانت رؤيا منام ما ~~افتتن بها أحد، ولا أنكرها؛ فإنه لا يستبعد على أحد أن يرى نفسه يخترق ~~السموات، ويجلس على الكرسي، ويكلمه الرب. ### | [مسألة فرض الصلاة] # المسألة الخامسة: # في هذه القصة كان فرض الصلاة؛ وقد روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كان يصلي قبل الإسراء صلاة العشي والإشراق»، ويتنفل في الجملة ولم يثبت ذلك ~~من طريق صحيحة حتى رفعه الله مكانا عليا، وفرض عليه الصلاة، ونزل عليه ~~جبريل فعلمه أعدادها وصفاتها، وهي: # المسألة السادسة: # قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أمني جبريل عند البيت مرتين، وصلى بي ~~الظهر في اليوم الأول حين زالت الشمس، وصلى بي العصر عندما صار ظل كل شيء ~~مثله، وصلى بي المغرب حين غربت الشمس، وصلى بي العشاء عندما غاب الشفق، ~~وصلى بي الصبح حين برق الفجر وحرم الطعام والشراب على الصائم. ثم صلى بي ~~الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله لوقت العصر بالأمس، وصلى بي ~~العصر حين صار ظل كل شيء مثليه، وصلى بي المغرب حين غربت الشمس لوقتها ~~بالأمس، وصلى بي العشاء حين ثلث الليل، وصلى بي الصبح وقائل يقول: أطلعت ~~الشمس؟ لم تطلع، ثم قال: يا محمد، هذا وقتك، ووقت الأنبياء قبلك، والوقت ما ~~بين هذين الوقتين». # PageV03P181 # وقد مهدنا القول في الحديث في شرح الصحيحين، وبينا ما فيه من علوم، على ~~اختلاف أنواعها من حديث وطرقه، ولغة وتصريفها، وتوحيد وعقليات، وعبادات ~~وآداب، ونحو ذلك فيما نيف على ثلاثين ورقة، فلينظر هنالك، ms1058 ففيه الشفاء من ~~داء الجهل إن شاء الله. ### | [الآية الثانية قوله تعالى وإذا أردنا أن نهلك قرية] # أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا} [الإسراء: ~~16] فيها مسألة واحدة، وهي قوله: {أمرنا} [الإسراء: 16]: فيها من القراءات ~~ثلاث قراءات: القراءة الأولى: أمرنا بتخفيف الميم. # القراءة الثانية: بتشديدها. # القراءة الثالثة: آمرنا بمد بعد الهمزة وتخفيف الميم. # فأما القراءة الأولى: فهي المشهورة، ومعناه أمرناهم بالعدل، فخالفوا، ~~ففسقوا بالقضاء والقدر، فهلكوا بالكلمة السابقة الحاقة عليهم. # وأما القراءة الثانية: بتشديد الميم: فهي قراءة علي، وأبي العالية، وأبي ~~عمرو، وأبي عثمان النهدي، ومعناه كثرناهم، والكثرة إلى التخليط أقرب عادة. # وأما قراءة المد في الهمزة وتخفيف الميم فهي قراءة الحسن، والأعرج، ~~وخارجة عن نافع. # ويكون معناه الكثرة؛ فإن أفعل وفعل ينظران في التصريف من مشكاة واحدة. # ويحتمل أن يكون من الإمارة، أي جعلناهم أمراء، فإما أن يريد من جعلهم ~~ولاة فيلزمهم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فيقصرون فيه فيهلكون. # وإما أن يكون من أن كل من ملك دارا وعيالا وخادما فهو ملك وأمير، فإذا # PageV03P182 # صلحت أحوالهم أقبلوا على الدنيا وآثروها على الآخرة فهلكوا، ومنه الأثر: ~~«خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة»: أي كثيرة النتاج، وإليه يرجع قوله: ~~{لقد جئت شيئا إمرا} [الكهف: 71]. أي عظيما. # والقول فيها من كل جهة متقارب متداخل؛ وقد قدمنا القول في الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر بما يغني عن إعادته. # وأكثر ما يكون هذا الفسق وأعظمه في المخالفة الكفر أو البدعة، وقد قال ~~تعالى في نظيره: {ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد} [هود: ~~100] {وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من ~~دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب} [هود: 101] {وكذلك ~~أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد} [هود: 102]. # فهؤلاء قوم عصوا وكفروا، وهذه صفة الأمم السابقة في قصص القرآن، وأخبار ~~من مضى من الأمم. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما ms1059 نشاء] # الآية الثالثة: # قوله تعالى: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم ~~جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا} [الإسراء: 18] {ومن أراد الآخرة وسعى ~~لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا} [الإسراء: 19] قد قدمنا أن ~~الأعمال بالنية ولكل امرئ ما نوى، وبينا أن من أراد غير الله فهو متوعد، ~~وأوضحنا أن آية الشورى مطلقة في أن من أراد الدنيا يؤتيه الله منها، وليس ~~له في الآخرة نصيب وهذه مقيدة في أنه إنما يؤتى حقه في الدنيا من يشاء الله ~~أن يؤتيه ذلك. # وليس الوعد بذلك عاما لكل أحد، ولا يعطى لكل مريد، لقوله: {عجلنا له ~~فيها} [الإسراء: 18] الآية. # PageV03P183 ### | [الآية الرابعة قوله تعالى وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا] # الآية الرابعة # قوله تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن ~~عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا ~~كريما} [الإسراء: 23] {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل ربي ارحمهما كما ~~ربياني صغيرا} [الإسراء: 24] فيها خمس مسائل: # المسألة الأولى: قوله: {وقضى} [الإسراء: 23]. # قد بينا تفسير هذه اللفظة في كتاب المشكلين بجميع وجوهها، وأوضحنا أن من ~~معانيها خلق، ومنها أمر، ولا يجوز أن يكون معناها هاهنا إلا أمر؛ لأن الأمر ~~يتصور وجود مخالفته، ولا يتصور وجود خلاف ما خلق الله؛ لأنه الخالق؛ هل من ~~خالق غير الله، فأمر الله سبحانه بعبادته، وببر الوالدين مقرونا بعبادته، ~~كما قرن شكرهما بشكره، ولهذا قرأها ابن مسعود: ووصى ربك. # وفي الصحيح عن أبي بكرة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ألا ~~أخبركم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله، وعقوق ~~الوالدين». # وعن أنس في الصحيح أيضا: «الإشراك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين». # ومن البر إليهما، والإحسان إليهما ألا نتعرض لسبهما، وهي: # المسألة الثانية: ففي الصحيح عن عبد الله بن عمرو أنه قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه. ms1060 قيل: ~~يا رسول الله، وكيف يلعن الرجل # PageV03P184 # والديه؟ قال: يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه». # حتى إنه يبره وإن كان مشركا إذا كان له عهد قال الله: {لا ينهاكم الله عن ~~الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم ~~إن الله يحب المقسطين} [الممتحنة: 8] وهي: # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {إما يبلغن عندك الكبر أحدهما} [الإسراء: ~~23]: خص حالة الكبر؛ لأنها بطول المدى توجب الاستثقال عادة، ويحصل الملل، ~~ويكثر الضجر، فيظهر غضبه على أبويه، وتنتفخ لهما أوداجه، ويستطيل عليهما ~~بدالة البنوة، وقلة الديانة. # وأقل المكروه أن يؤفف لهما؛ وهو ما يظهره بتنفسه المردد من الضجر. # وأمر بأن يقابلهما بالقول الموصوف بالكرامة، وهو السالم عن كل عيب من ~~عيوب القول المتجرد عن كل مكروه من مكروه الأحاديث. # ثم قال، وهي: # المسألة الرابعة {واخفض لهما جناح الذل من الرحمة} [الإسراء: 24]: المعنى ~~تذلل لهما تذليل الرعية للأمير، والعبيد للسادة؛ وضرب خفض الجناح ونصبه ~~مثلا لجناح الطائر حين ينتصب بجناحه لولده أو لغيرهم من شدة الإقبال. # والذل هو اللين والهون في الشيء، ثم قال، وهي: # المسألة الخامسة: {وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا} [الإسراء: 24]: ~~معناه: ادع لهما في حياتهما وبعد مماتهما بأن يكون البارئ يرحمهما كما ~~رحماك، وترفق بهما كما رفقا بك؛ فإن الله هو الذي يجزي الوالد عن الولد؛ إذ ~~لا يستطيع الولد كفاء على نعمة والده أبدا. # وفي الحديث الصحيح: «لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه ~~فيعتقه»، معناه يخلصه من أسر الرق كما خلصه من أسر الصغر. # PageV03P185 # وينبغي له أن يعلم أنهما ولياه صغيرا جاهلا محتاجا، فآثراه على أنفسهما، ~~وسهرا ليلهما وأناماه، وجاعا وأشبعاه، وتعريا وكسواه، فلا يجزيهما إلا أن ~~يبلغا من الكبر إلى الحد الذي كان هو فيه من الصغر، فيلي منهما ما وليا ~~منه، ويكون لهما حينئذ عليه فضل التقدم بالنعمة على المكافئ عليها. # وقد أخبرني الشريف الأجل الخطيب نسيب الدولة أبو القاسم علي بن القاضي ذو ~~الشرفين أبو الحسين إبراهيم ms1061 بن العباس الحسيني بدمشق، أنبأنا أبو نصر أحمد ~~بن الحسن بن الحسين بن الشيرازي بمكة في المسجد الحرام، سمعته داخل الكعبة ~~من هذا الرجل، وكان حافظا، حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أحمد بن ريدة ~~الضبي الأصبهاني بأصبهان قراءة، أنبأنا أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب ~~الحافظ الطبري، حدثنا محمد بن خالد بن يزيد البردعي بمصر، حدثني أبو سلمة ~~عبيد بن خلصة بمعرة النعمان، حدثنا عبد الله بن نافع المدني عن المنكدر بن ~~محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر بن عبد الله؛ قال: «جاء رجل إلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله؛ إن أبي أخذ مالي. فقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - للرجل: فأتني بأبيك. فنزل جبريل - عليه السلام - على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن الله عز وجل يقرئك السلام، ويقول ~~لك: إذا جاءك الشيخ فاسأله عن شيء قاله في نفسه، ما سمعته أذناه، فلما جاء ~~الشيخ قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما بال ابنك يشكوك؟ أتريد أن ~~تأخذ ماله؟ فقال: سله يا رسول الله، هل أنفقه إلا على إحدى عماته أو خالاته ~~أو على نفسي؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إيه دعنا من هذا، أخبرني ~~عن شيء قلته في نفسك ما سمعته أذناك. فقال الشيخ: والله يا رسول الله ما ~~يزال الله تعالى يزيدنا بك يقينا، لقد قلت في نفسي شيئا ما سمعته أذناي، ~~فقال: قل وأنا أسمع. قال: قلت: # غذوتك مولودا ومنتك يافعا ... تعل بما أجني عليك وتنهل # إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت ... لسقمك إلا ساهرا أتململ # كأني أنا المطروق دونك بالذي ... طرقت به دوني فعيني تهمل # تخاف الردى نفسي عليك وإنها ... لتعلم أن الموت وقت مؤجل # فلما بلغت السن والغاية التي ... إليها مدى ما كنت فيك أؤمل # جعلت جزائي غلظة وفظاظة ... كأنك أنت المنعم المتفضل # فليتك إذ لم ترع حق أبوتي ... فعلت كما الجار المجاور يفعل # PageV03P186 # قال: فحينئذ أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم ms1062 - بتلابيب ابنه، وقال: أنت ~~ومالك لأبيك». قال سليمان: لا يروى هذا الحديث عن محمد بن المنكدر بهذا ~~التمام والشعر إلا بهذا الإسناد، تفرد به عبيد بن خلصة. # وأخبرنا أبو المعالي ثابت بن بندار في دارنا بالمعتمدية، أخبرنا أبو بكر ~~أحمد بن غالب الحافظ، أنبأنا أبو بكر الإسماعيلي، أخبرنا أبو يعلى الموصلي، ~~حدثنا سويد بن سعيد بن عبد الغفار بن عبد الله، وأخبرني عبد الله بن صالح، ~~حدثنا أبو هشام بن الوليد بن شجاع بن قيس بن هشام السكوني، قالوا: حدثنا ~~علي بن مسهر عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، «عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: بينا ثلاثة نفر ممن كان قبلكم يمشون إذ أصابهم مطر، فأووا ~~إلى غار فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: يا هؤلاء، لا ينجيكم إلا الصدق، ~~فليدع كل رجل منكم بما يعلم الله أنه قد صدق: فقال أحدهم: اللهم إن كنت ~~تعلم أنه كان لي أجير، عمل لي على فرق أرز، فذهب وتركه، فزرعته، فصار من ~~أمره أني اشتريت من ذلك الفرق بقرا، ثم أتاني يطلب أجره، فقلت له: اعمد إلى ~~تلك البقر، فسقها فإنها من ذلك الفرق فساقها. فإن كنت فعلت ذلك من خشيتك ~~ففرج عنا، فانساحت عنهم الصخرة. فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أنه كان لي ~~أبوان شيخان كبيران، وكانت لي غنم، وكنت آتيهما في كل ليلة بلبن غنم لي، ~~فأبطأت عنهما ذات ليلة، فأتيتهما وقد رقدا وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع، ~~وكنت لا أسقيهم حتى يشرب أبواي، فكرهت أن أوقظهما من رقدتهما، وكرهت أن ~~أرجع فيستيقظا لشربهما، فلم أزل أنتظرهما حتى طلع # PageV03P187 # الفجر، فقاما فشربا، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك من خشيتك ففرج عنا، ~~فانساحت عنهم الصخرة، حتى نظروا إلى السماء. فقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم ~~أنه كانت لي ابنة عم من أحب الناس إلي، وإني راودتها عن نفسها فأبت علي إلا ~~أن آتيها بمائة دينار، فطلبتها حتى قدرت عليها، فجئت بها فدفعتها إليها ~~فأمكنتني من ms1063 نفسها، فلما قعدت بين رجليها قالت لي: اتق الله ولا تفض الخاتم ~~إلا بحقه. فقمت عنها، وتركت لها المائة دينار فإن كنت تعلم أني تركت ذلك من ~~خشيتك فافرج عنا، ففرج الله عنهم، وخرجوا يمشون». # ومن تمام بر الأبوين صلة أهل ودهما، لما صح عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: «إن أبر البر أن يصل الرجل أهل ود أبيه». وروي عن عبد الله ~~بن عمرو، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «رضا الرب في رضا ~~الوالدين، وسخط الرب في سخط الوالدين». خرجهما الترمذي. # ولذلك عدل عقوقهما الإشراك في الإثم، وهذا يدل على أن برهما قرين الإيمان ~~في الأجر. والله أعلم. # وقد أخبرنا الشريف الأجل أبو القاسم علي بن أبي الحسن الشاشي بها قال: ~~حدثنا أبو محمد الجوهري في كتابه، أنبأنا أبو القاسم عيسى بن علي بن عيسى ~~الوزير، حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، حدثنا محمد بن عبد ~~الوهاب، حدثنا عبد الرحمن بن الغسيل، عن أسيد عن أبيه علي بن عبيد، عن أبي ~~أسيد، وكان بدريا # PageV03P188 # قال: «كنت عند النبي - صلى الله عليه وسلم - جالسا فجاء رجل من الأنصار ~~فقال: يا رسول الله؛ هل بقي من بر والدي من بعد موتهما شيء أبرهما به؟ قال: ~~نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما بعدهما، وإكرام ~~صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما، فهذا الذي بقي عليك». # وقد «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يهدي لصدائق خديجة برا بها ووفاء ~~لها»، وهي زوجة، فما ظنك بالأبوين. # وقد أخبرني شيخنا الفهري في المذاكرة أن البرامكة لما احتبسوا أجنب الأب، ~~فاحتاج إلى غسل، فقام ابنه بالإناء على السراج ليلة حتى دفيء واغتسل به، ~~ونسأل الله التوفيق لنا ولكم برحمته. ### | [الآية الخامسة قوله تعالى وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا] # } [الإسراء: 26] {إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه ~~كفورا} [الإسراء: 27] {وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم ms1064 ~~قولا ميسورا} [الإسراء: 28] فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: قدمنا القول في حق ذوي القربى في سورة البقرة والنساء، ~~وأكد الله هاهنا حقه؛ لأنه وصى ببر الوالدين خصوصا من القرابة، ثم ثنى ~~التوصية بذي القربى عموما، وأمر بتوصيل حقه إليه من صلة رحم وأداء حق من ~~ميراث وسواه فلا يبدل فيه، ولا يغير عن جهته بتوليج وصية، أو سوى ذلك من ~~الدخل. ويدخل في ذلك قرابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخولا متقدما، ~~أو من طريق الأولى، من جهة أن الآية للقرابة الأدنين المختصين # PageV03P189 # بالرجل، فأما قرابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد أبان الله على ~~الاختصاص حقهم، وأخبر أن محبتهم هي أجر النبي - صلى الله عليه وسلم - على ~~هداه لنا. ### | [مسألة حق والمسكين وابن السبيل] # المسألة الثانية: قوله تعالى {والمسكين وابن السبيل} [الإسراء: 26]: ولهم ~~حقان: # أحدهما: أداء الزكاة. # والثاني: الحق المفترض من الحاجة عند عدم الزكاة، أو فنائها، أو تقصيرها ~~من عموم المحتاجين، وأخذ السلطان دونهم، وقد حققنا ذلك فيما مضى، فانظروا ~~فيه. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ولا تبذر تبذيرا] # المسألة الثالثة: قوله: {ولا تبذر تبذيرا} [الإسراء: 26] قال أشهب عن ~~مالك: التبذير هو منعه من حقه، ووضعه في غير حقه، وهو أيضا تفسير الحديث: ~~«نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعة المال». # وكذلك يروى عن ابن مسعود؛ وهو الإسراف، وذلك حرام بقوله: {إن المبذرين ~~كانوا إخوان الشياطين} [الإسراء: 27] وذلك نص في التحريم. # فإن قيل: فمن أنفق في الشهوات، هل هو مبذر أم لا؟ قلنا: من أنفق ماله في ~~الشهوات زائدا على الحاجات، وعرضه بذلك للنفاد فهو مبذر. ومن أنفق ربح ماله ~~في شهواته، أو غلته، وحفظ الأصل أو الرقبة، فليس بمبذر. ومن أنفق درهما في ~~حرام فهو مبذر يحجر عليه في نفقة درهم في الحرام، ولا يحجر عليه ببذله في ~~الشهوات، إلا إذا خيف عليه النفاد. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وإما تعرضن عنهم] # المسألة الرابعة: قوله: {وإما تعرضن عنهم} [الإسراء: 28] الآية: أمر الله ~~بالإقبال على الآباء والقرابة ms1065 والمساكين وأبناء السبيل عند التمكن من ~~العطاء، والقدرة، فإن كان عجز عن ذلك جاز الإعراض، حتى يرحم الله بما يعاد ~~عليهم به؛ فاجعل بدل العطاء قولا فيه يسر. # PageV03P190 # وقيل: إنما أمر بالإعراض عنهم عند خوف نفقتهم في معاصي الله، فينتظر رحمة ~~الله بالتوبة عليهم. وقد قال جماعة من المفسرين: إن هذه الآية نزلت في ~~«خباب، وبلال، وعامر بن فهيرة، وغيرهم، من فقراء المسلمين؟ كانوا يأتون ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فيسألونه، فيعرض عنهم؛ إذ لا يجد ما يعطيهم، ~~فأمر أن يحسن لهم القول إلى أن يرزقه الله ما يعطيهم»، وهو قوله: {ابتغاء ~~رحمة من ربك ترجوها} [الإسراء: 28]. ### | [الآية السادسة قوله تعالى ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط] # فتقعد ملوما محسورا} [الإسراء: 29] فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: قوله: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} [الإسراء: 29] هذا ~~مجاز، عبر به عن البخيل الذي لا يقدر من قلبه على إخراج شيء من ماله فضرب ~~له مثلا الغل الذي يمنع من تصرف اليدين، وقد ضرب له النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - مثلا آخر، فقال: «مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من ~~حديد، من لدن ثديهما إلى تراقيهما، فأما المنفق فلا ينفق إلا سبغت ووفرت ~~على جلده حتى يخفى بنانه، ويعفو أثره. وأما البخيل فلا يريد أن ينفق شيئا ~~إلا لزمت كل حلقة مكانها. فهو يوسع ولا يتسع». # المسألة الثانية: قوله: {ولا تبسطها كل البسط} [الإسراء: 29] ضرب بسط ~~اليد مثلا لذهاب المال، فإن قبض الكف يحبس ما فيها، وبسطها # PageV03P191 # يذهب ما فيها، ومنه المثل المضروب في سورة الرعد: {إلا كباسط كفيه إلى ~~الماء ليبلغ فاه} [الرعد: 14]. في أحد وجهي تأويله، كأنه حمله على التوسط ~~في المنع والدفع، كما قال: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان ~~بين ذلك قواما} [الفرقان: 67] فيؤول معنى الكلام إلى أوجه ثلاثة: # الأول: لا يمتنع عن نفقته في الخير، ولا ينفق في الشر. # الثاني: لا يمنع حق الله، ولا يتجاوز الواجب؛ لئلا يأتي من يسأل، ms1066 فلا يجد ~~عطاء. # الثالث: لا تمسك كل مالك، ولا تعط جميعه، فتبقى ملوما في جهات المنع ~~الثلاث، محسورا، أي منكشفا في جهة البسط والعطاء للكل أو لسائر وجوه العطاء ~~المذمومة. # المسألة الثالثة: هذا خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمراد أمته، ~~وكثيرا ما جاء في القرآن، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كان سيدهم ~~وواسطتهم إلى ربهم عبر به عنهم، على عادة العرب في ذلك، فإنه - صلى الله ~~عليه وسلم - كان قد خيره الله في الغنى والفقر، فاختار الفقر، يجوع يوما، ~~ويشبع يوما، ويشد على بطنه من الجوع حجرين، وكان على ذلك صبارا، وكان يأخذ ~~لعياله قوت سنتهم حين أفاء الله عليه النضير وفدك وخيبر، ثم يصرف ما بقي في ~~الحاجات، حتى يأتي أثناء الحول وليس عنده شيء، فلم يدخل في هذا الخطاب ~~بإجماع من الأمة، لما هو عليه من الخلال والجلال، وشرف المنزلة، وقوة النفس ~~على الوظائف، وعظيم العزم على المقاصد، فأما سائر الناس فالخطاب عليهم ~~وارد، والأمر والنهي كما تقدم إليهم متوجه، إلا أفرادا خرجوا من ذلك بكمال ~~صفاتهم، وعظيم أنفسهم، منهم «أبو بكر الصديق، خرج عن جميع ماله للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقبله منه لله سبحانه»؛ وأشار علي أبي لبابة وكعب بالثلث ~~من جميع مالهم؛ لنقصهم عن هذه المرتبة في أحوالهم؛ وأعيان من الصحابة، ~~كانوا على هذا، فأجراهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وائتمروا بأمر الله، ~~واصطبروا على بلائه، ولم تتعلق قلوبهم بدنيا، ولا ارتبطت أبدانهم بمال ~~منها؛ وذلك لثقتهم بموعود الله في الرزق، وعزوب أنفسهم عن التعلق بغضارة ~~الدنيا. # PageV03P192 # وقد كان في أشياخي من ارتقى إلى هذه المنزلة فما ادخر قط شيئا لغد، ولا ~~نظر بمؤخر عينه إلى أحد، ولا ربط على الدنيا بيد، وقد تحقق أن الله يبسط ~~الرزق لمن يشاء ويقدر، وهو بعباده خبير بصير. ### | [الآية السابعة قوله تعالى ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم] # إن قتلهم كان خطئا كبيرا} [الإسراء: 31] فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: روى ابن مسعود «عن ms1067 النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~سئل: أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك. قال: ثم أي؟ قال: أن ~~تقتل ولدك خشية أن يطعم معك». وهذا نص صريح وحديث صحيح وذلك لأن القتل أعظم ~~الذنوب؛ إذ فيه إذاية الجنس، وإيثار النفس، وتعاطي الوحدة التي لا قوام ~~للعالم بها، وتخلق الجنسية بأخلاق السبعية، وإذا كانت مع قوة الأسباب في ~~جار أو قريب، والولد ألصق القرابة، وأعظم الحرمة، فيتضاعف الإثم بتضاعف ~~الهتك للحرمة. # المسألة الثانية: وكان مورد هذا النهي في المقصد الأكبر أهل الموءودة ~~الذين كانوا يرون قتل # PageV03P193 # الإناث مخافة الإنفاق عليهن، وعدم النصرة منهن، ويدخل فيه كل من فعل ~~فعلهم من قتل ولده إما خشية الإنفاق أو لغير ذلك من الأسباب؛ لكن هذا أقوى ~~فيها. # وقد قدمنا بيان القول في جريان القصاص بين الأب والابن بما يغني عن ~~إعادته هاهنا. # المسألة الثالثة: قوله: {إن قتلهم كان خطئا كبيرا} [الإسراء: 31]. الخاء ~~والطاء والهمزة تتعلق بالقصد، وبعدم القصد، تقول: خطئت إذا تعمدت، وأخطأت ~~إذا تعمدت وجها وأصبت غيره، وقد يكون الخطأ مع عدم القصد، وهو معنى متردد ~~كما بينا، لقوله: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ} [النساء: 92] ### | [الآية الثامنة قوله تعالى ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق] # ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان ~~منصورا} [الإسراء: 33] فيها خمس مسائل: # المسألة الأولى: قوله: {فقد جعلنا لوليه} [الإسراء: 33]: المعنى للقريب ~~منه، مأخوذ من الولي، وهو القرب على ما حققناه في " كتاب الأمد الأقصى " ~~والقرب في المعاني ليس بالمسافة، وإنما هو بالصفات، والصفة التي بها كان ~~قريبا هي النسب الذي هو البعضية، فكل من كان ينتسب إليه بنوع من أنواع ~~البعضية فهو ولي. # واختلف العلماء في ذلك حسبما بيناه في مواضع كثيرة؛ فمنهم من قال: هو ~~الوارث مطلقا، فكل من ورثه فهو وليه. وعلى ذلك ورد لفظ الولاية في القرآن. ~~وتحقيق ذلك أن الله تعالى أوجب القصاص ردعا عن الإتلاف، وحياة للباقين؛ ~~وظاهره ms1068 أن يكون حقا لجميع الناس، كالحدود والزواجر عن السرقة والزنا، حتى ~~لا # PageV03P194 # يختص بها مستحق، بيد أن البارئ تعالى استثنى القصاص من هذه القاعدة، ~~وجعله للأولياء الوارثين، ليتحقق فيه العفو الذي ندب إليه في باب القتل، ~~ولم يجعل عفوا في سائر الحدود، لحكمته البالغة، وقدرته النافذة، ولهذا قال ~~- صلى الله عليه وسلم -: «من قتل له قتيل فهو بخير النظرين بين أن يقتل أو ~~يأخذ الدية». # وكانت هذه كما تقدم ذكره خاصية أعطيتها هذه الأمة، تفضلا وتفضيلا، وحكمة ~~وتفصيلا، فخص بذلك الأولياء، ليتصور العفو، أو الاستيفاء لاختصاصه بالحزن، ~~فإذا ثبت هذا، وهي: # المسألة الثانية: فقد اختلف قول مالك في دخول النساء في الدم، فإذا قال ~~بدخولهن فيه، فلعموم الآية، وإذا قال بخروجهن عنه فلأن طلب القصاص مبناه ~~على النصر والحماية، وليست المرأة من أهلها، وإليه وقعت الإشارة بقوله: ~~{إنه كان منصورا} [الإسراء: 33]. فإذا قلنا بدخولهن فيه، وهي الرواية ~~الأخرى ففي أي شيء يكون دخولهن؟ في ذلك روايتان: # إحداهما: في القود دون العفو. ووجهه أن الغرض استبقاؤه لحصول الحياة، ~~والتشفي من عدم النصير، وعظيم الحزن على الفقيد؛ والنساء بذلك أخص. # والثانية: أن دخولهن في العفو دون القود تغليبا لجانب الإسقاط الذي يغلب ~~في الحدود؛ فمن أي وجه وجدنا الإسقاط، وإن ضعف أمضيناه. # انتصاف ذكر علي بن محمد الطبري عن إسماعيل بن إسحاق القاضي أنه احتج على ~~منع النساء من الدخول في الآية بوجوه ركيكة، منها: أن الولي في ظاهره على ~~التذكير وهو واحد؛ ولم يعلم أن ما كان بمعنى الجنس استوى المذكر والمؤنث ~~فيه. قال القاضي: لم ينصف الطبري من وجهين: أحدهما أنه لم يستوف كلام ~~إسماعيل، واستركه قبل استيفائه، فالركيك هو قوله الذي لم يتم؛ وتمام قول ~~إسماعيل هو أنه # PageV03P195 # قال: إن الولي هاهنا على التذكير؛ لأنه واحد في معنى الجنس، كما قال: {إن ~~الإنسان لفي خسر} [العصر: 2] فيمكن أن يكون ولي القتيل واحدا، ويمكن أن ~~يكون جماعة، ولا تدخل المرأة في جملة الأولياء، كما دخلت في جملة الناس حين ~~قال: ms1069 {إن الإنسان لفي خسر} [العصر: 2]؛ لأنها في هذا الموضع معناها ومعنى ~~الرجل سواء؛ إذ كان الخير وعمل الصالحات إنما هو شيء يخصهما في أنفسهما ~~والولي يكون وليا لغيره، وهو واحد أو أكثر، والمرأة لا تستحق الولاية كلها. ~~قال الطبري: قال إسماعيل: المرأة لا تستحق كل القصاص، والقصاص لا بعض له؛ ~~فلزمه من ذلك إخراج الزوج من الولاية. # قال ابن العربي: تبصر أيها الطبري ما قاله إسماعيل المالكي: إنما لا ~~تستحق المرأة الولاية كلها؛ لأنها ليست بكاملة، لا في شهادة ولا في تعصيب؛ ~~فكيف تضعف عن الكمال في أضعف الأحكام، ويثبت القصاص لها على الكمال، أين يا ~~طبري تحقيق شيخك إمام الحرمين من هذا الكلام، وأما احتجاجك بالزوج فهو ~~الركيك من القول؛ فإن الزوج لا مدخل له في ولاية الدم. قال الطبري: قال ~~إسماعيل: المقصود من القصاص تقليل القتل، والمقصود بكثرة القتل الرجال دون ~~النساء، ويلزم على هذا ألا يجري القصاص بين الرجال والنساء. قال القاضي أبو ~~بكر: إما أن فكيك ضعفا عن لوك ما قاله إسماعيل، وإما تعاميت عمدا، وذلك لأن ~~القتل والاعتداء إنما شأنه الغوائل والشحناء، وهي بين الرجال دون النساء، ~~ولا يقتل على الغائلة امرأة إلا دنيء الهمة، ويعير به بقية الدهر؛ فكان ذلك ~~واقعا في الغالب على الرجال دون النساء، فوقع القول بجزاء ذلك، وهو القصاص ~~على الرجال دون النساء إذ خروج الكلام على غالب الأحوال هي الفصاحة ~~العربية، والقواعد الدينية. وقد تفطن لذلك شيخك إمام الحرمين، فجعله أصلا ~~من أصول الفقه، ورد إليه كثيرا من مسائل الاجتهاد؛ فكيف ذهلت عنه، وأنت ~~تحكيه وتعول في تصانيفك عليه، # PageV03P196 ### | [مسألة قوله تعالى سلطانا فيه خمسة أقوال] # المسألة الثالثة: قوله: {سلطانا} [الأعراف: 33] فيه خمسة أقوال: # الأول: قال ابن وهب: قال مالك: السلطان أمر الله في أرضه. # الثاني: قال ابن عباس: السلطان الحجة. # الثالث: قال الضحاك وغيره: السلطان إن شاء عفا، وإن شاء قتل، وإن شاء أخذ ~~الدية؛ قاله أشهب والشافعي. # الرابع: السلطان طلبه حتى يدفع إليه. # وهذه الأقوال متقاربة، وإن ms1070 كان بعضها أظهر من بعض، أما طلبه حتى يدفع ~~إليه فهو ابتداء الحق، وآخره استيفاؤه، وهو القول الخامس. وأمر الله هو حجة ~~الخلق لعباده، وعليهم، والاستيفاء هو المنتهى، وقد تداخلت، وتقاربت، ~~وأوضحها قول مالك وأبي حنيفة: إنه أمر الله. ثم إن أمر الله لم يقع نصا، ~~فاختلف العلماء فيه؛ فقال ابن القاسم عن مالك وأبي حنيفة: القتل خاصة. وقال ~~أشهب عنه: الخيرة بين القتل والدية، وبه قال الشافعي، وقد قدمناه في موضعه، ~~فلينظر فيه من سورة البقرة، وفي مسائل الخلاف. # المسألة الرابعة: قوله: {فلا يسرف في القتل} [الإسراء: 33]: فيه ثلاثة ~~أقوال: # الأول: قال الحسن: لا يقتل غير قاتله الثاني: قال مجاهد: لا يقتل بدل ~~وليه اثنين، كما كانت العرب تفعله. الثالث: لا يمثل بالقاتل؛ قاله طلق بن ~~حبيب، وكله مراد؛ لأنه إسراف كله منهي عنه # المسألة الخامسة: قوله: {إنه كان منصورا} [الإسراء: 33]: يعني معانا. # PageV03P197 # فإن قيل: وكم من ولي مخذول لا يصل إلى حقه. قلنا: المعونة تكون بظهور ~~الحجة تارة، وباستيفائها أخرى، وبمجموعهما ثالثة، فأيها كان فهو نصر من ~~الله سبحانه، وحكمته في الجمع بين الوجهين وفي إفراد النوعين، والله أعلم. ### | [الآية التاسعة قوله تعالى ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن] # حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا} [الإسراء: 34] {وأوفوا ~~الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا} [الإسراء: ~~35] فيها ست مسائل: # المسألة الأولى: قد قدمنا القول في مال اليتيم في مواضع بما يغني عن ~~إعادته وقوله: {إلا بالتي هي أحسن} [الإسراء: 34]: يعني التي هي أحسن ~~لليتيم، وذلك بكل وجه تكون المنفعة فيه لليتيم، لا للمتصرف فيه، كقول ~~عائشة: اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة، وقد فسر مجاهد وغيره ~~الحسن فيه يعني التجارة # المسألة الثانية: قوله: {حتى يبلغ أشده} [الإسراء: 34] يعني قوته. وقد ~~تقدم القول في الأشد في سورة يوسف، وسردنا الأقوال فيه، والأشد كما قلنا في ~~القوة، وقد تكون في البدن. وقد تكون في المعرفة والتجربة، ولا بد من حصول ~~الوجهين؛ فإن ms1071 الأشد هاهنا وقعت مطلقة، وجاء بيان اليتيم في سورة النساء ~~مقيدا قال تعالى: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم ~~رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان ~~غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم ~~فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا} [النساء: 6] # PageV03P198 # فجمع بين قوة البدن ببلوغ النكاح، وبين قوة المعرفة بإيناس الرشد، وعضد ~~ذلك المعنى فإنه لو اقتضت الآية تمكين اليتيم من ماله قبل حصول المعرفة له ~~وبعد حصول قوة البدن لأذهبه في شهواته، وبقي صعلوكا لا مال له. وخص اليتيم ~~بهذا الشرط في هذا الذكر لغفلة الناس عنه، وافتقاد الآباء لبنيهم، فكان ~~الإهمال لفقيد الأب أولى. # المسألة الثالثة: قوله: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا} [الإسراء: ~~34] يعني مسئولا عنه، وقد تقدم القول في العهد في مواضع. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وأوفوا الكيل إذا كلتم] # المسألة الرابعة: قوله: {وأوفوا الكيل إذا كلتم} [الإسراء: 35] يريد ~~أعطوه بالوفاء، وهو التمام، لا بخس فيه، بالقسط، كما أمر الله به. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وزنوا بالقسطاس المستقيم] # المسألة الخامسة: قوله: {وزنوا بالقسطاس المستقيم} [الإسراء: 35] يعني ~~الميزان العدل. وقال الحسن: هو القبان يعني به ما قال الله مخبرا عنه في ~~موضع آخر: {ولا تنقصوا المكيال والميزان} [هود: 84] وقال: {ووضع الميزان} ~~[الرحمن: 7] {ألا تطغوا في الميزان} [الرحمن: 8] لا بزيادة ولا بنقصان. ومن ~~نوادر أبي الفضل الجوهري ما أنبأنا عنه محمد بن عبد الملك الواعظ وغيره أنه ~~كان يقول: إذا أمسكت علاقة الميزان بالإبهام والسبابة، وارتفعت سائر ~~الأصابع كان تشكلها مقروءا بقولك الله، فكأنها إشارة منه سبحانه في تسيير ~~الوزن كذلك إلى أن الله مطلع عليك، فاعدل في وزنك. # المسألة السادسة: قوله: {ذلك خير وأحسن تأويلا} [الإسراء: 35]: أي عاقبة. ~~معناه أن العدل والوفاء في الكيل أفضل للتاجر وأكرم للبائع من طلب الحيلة ~~في الزيادة لنفسه، والنقصان على غيره، وأحسن عاقبة، فإن العاقبة للمتقين. ### | [الآية العاشرة قوله تعالى ولا تقف ما ليس لك به علم] # إن السمع والبصر ms1072 والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا} [الإسراء: 36] # PageV03P199 # فيها خمس مسائل: # المسألة الأولى: قوله: " لا تقف ": تقول العرب: قفوته أقفوه، وقفته ~~أقوفه، وقفيته: إذا اتبعت أثره، وقافية كل شيء آخره؛ ومنه اسم النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - المقفى؛ لأنه جاء آخر الأنبياء وأخيرهم. ومنه القائف، وهو ~~الذي يتبع أثر الشبه، يقال قاف القائف يقوف، إذا فعل ذلك، وكذلك قرأه ~~بعضهم: ولا تقف، مثل تقل. # المسألة الثانية: في تفسير هذه اللفظة: للناس فيها خمسة أقوال: # الأول: لا تسمع ولا تر ما لا يحل سماعه ولا رؤيته. الثاني: قال ابن عباس: ~~لا تتبع ما لا تعلم ولا يعنيك. الثالث: قال قتادة: لا تقل رأيت ما لم أر، ~~ولا سمعت ما لم أسمع. الرابع: قال محمد بن الحنفية: هو شهادة الزور. ~~الخامس: قيل عن ابن عباس: معناه لا تقف لا تقل. # المسألة الثالثة: هذه الأقوال كلها صحيحة؛ وبعضها أقوى من بعض، وإن كانت ~~مرتبطة؛ لأن الإنسان لا يحل له أن يسمع ما لا يحل، ولا يقول باطلا، فكيف ~~أعظمه وهو الزور. # ويرجع الخامس إلى الثالث؛ لأنه تفسير له، وإذا لم يحل له أن يقول ذلك فلا ~~يحل له أن يتبعه؛ ولذلك قال علماؤنا رحمة الله عليهم: إن المفتي بالتقليد ~~إذا خالف نص الرواية في نص النازلة عمن قلده أنه مذموم داخل في الآية؛ لأنه ~~يقيس ويجتهد في غير محل الاجتهاد، وإنما الاجتهاد في قول الله وقول الرسول، ~~لا في قول بشر بعدهما. # PageV03P200 # ومن قال من المقلدين هذه المسألة تخرج من قول مالك في موضع كذا فهو داخل ~~في الآية. فإن قيل: فأنت تقولها وكثير من العلماء قبلك. قلنا: نعم؛ نحن ~~نقول ذلك في تفريع مذهب مالك على أحد القولين في التزام المذهب بالتخريج، ~~لا على أنها فتوى نازلة تعمل عليها المسائل، حتى إذا جاء سائل عرضت المسألة ~~على الدليل الأصلي؛ لا على التخريج المذهبي، وحينئذ يقال له الجواب كذا ~~فاعمل عليه. # ومنها قول الناس: هل الحوض قبل الميزان والصراط أو الميزان قبلهما أم ~~الحوض؟ ms1073 فهذا قفو ما لا سبيل إلى علمه؛ لأن هذا أمر لا يدرك بنظر العقل، ولا ~~بنظر السمع، وليس فيه خبر صحيح، فلا سبيل إلى معرفته. ومثله: كيف كفة من ~~خفت موازينه من المؤمنين؟ كيف يعطى كتابه؟. ### | [مسألة معنى قوله تعالى إن السمع والبصر والفؤاد] # المسألة الرابعة: قوله: {إن السمع والبصر والفؤاد} [الإسراء: 36]: يسأل ~~كل واحد منها عن ذلك كله، فيسأل الفؤاد عما افتكر واعتقد، والسمع والبصر ~~عما رأى من ذلك أو سمع، فأما الكافر فينكر، فتنطق عليه جوارحه، فإذا شهدت ~~استوجبت الخلود الدائم، وأما المؤمن العاصي فلم يأت فيه أمر صحيح، فهو مثال ~~رابع منها، وقد بينا هذه المسألة في رسالة تقويم الفتوى على أهل الدعوى. ### | [الآية الحادية عشرة قوله تعالى ولا تمش في الأرض مرحا] # الآية الحادية عشرة: # قوله تعالى: {ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال ~~طولا} [الإسراء: 37] {كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها - ذلك مما أوحى إليك ~~ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا} ~~[الإسراء: 38 - 39] فيه خمس مسائل: # PageV03P201 # المسألة الأولى: قوله: {مرحا} [الإسراء: 37]: فيه أربعة أقوال: # الأول: متكبرا. الثاني: بطرا. الثالث: شديد الفرح. الرابع: النشاط. فإذا ~~تتبعت هذه الأقوال وجدتها متقاربة، ولكنها منقسمة قسمين مختلفين: أحدهما ~~مذموم، والآخر محمود؛ فالتكبر والبطر مذمومان، والفرح والنشاط محمودان؛ ~~ولذلك يوصف الله بالفرح، ففي الحديث: «لله أفرح بتوبة العبد من رجل» الحديث ~~" والكسل مذموم شرعا، والنشاط ضده. وقد يكون التكبر محمودا، وذلك على أعداء ~~الله وعلى الظلمة. # وحقيقة القول في ذلك الآن أن الفرح إذا كان بدنيا وصفات ليس لها في ~~الآخرة نصيب، أو كان النشاط إلى ما لا ينفع في الآخرة، ولا يكون في الوجهين ~~جميعا نية دينية للمتصف بهما؛ فذلك الذي ذم الله هاهنا. والدليل عليه قوله ~~في: # المسألة الثانية: {إنك لن تخرق الأرض} [الإسراء: 37]: يعني لن تتولج ~~باطنها، فتعلم ما فيها، ولن تبلغ الجبال طولا، وهي: # المسألة الثالثة: يريد لن تساوي الجبال بطولك، ولا ms1074 بطولك، وإنما تستقبل ~~ما أمامك؛ وأي فضل لك في ذلك؟ والمساواة فيه موجودة بين الخلق. # PageV03P202 # ويروى أن سبأ دوخ الأرض بأجناده شرقا وغربا، سهلا وجبلا، وقتل وأسر وبه ~~سمي سبأ ودان له الخلق، فلما قال ذلك انفرد عن أصحابه ثلاثة أيام، ثم خرج ~~عليهم فقال: إني لما نلت ما لم ينل أحد رأيت الابتداء بشكر هذه النعم؛ فلم ~~أر أوقع في ذلك من السجود للشمس إذا أشرقت، فسجدوا لها، فكان ذلك أول عبادة ~~الشمس، فهذه عاقبة الخيلاء والتكبر والمرح # المسألة الرابعة: قوله: {كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها} [الإسراء: 38]: ~~قرئ {سيئه} [الإسراء: 38] برفع الهمزة وبالهاء، وبنصب الهمزة والتاء، فمن ~~قرأه برفع الهمزة والهاء أراد أن الكلام المتقدم فيه حسن مأمور به، وفيه ~~سيئ منهي عنه، فرجع الوصف بالسوء إلى السيء منه. ومن قرأه بالهمزة المنصوبة ~~والتاء رجع إلى ما نهي عنه منها؛ لأنه أكثر من المأمور به. واختار الطبري ~~الأول. # فإن قيل: فكيف يكون الشيء مكروها، والكراهية عندكم إرادة عدم الشيء، فكيف ~~يوجد ما أراد الله عدمه؟. # قلنا: قد أجبنا عن ذلك في كتاب شرح المشكلين، ببسط. بيانه على الإيجاز؛ ~~أن معنى مكروها منهي عنه في أحد الوجهين، ومرادا مأمور به، وعلى هذا جاء ~~قوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185]؛ أي ~~يأمر باليسر، ولا يأمر بالعسر، ويكون معناه أيضا كل ذلك كان سيئه عند ربك ~~مكروها شرعا، أي لا يريد أن يكون من الشرع، وإن أراد وجوده، كقوله: {ولا ~~يرضى لعباده الكفر} [الزمر: 7]؛ معناه دينا لا وجودا؛ لأنه وجد بإرادته ~~ومشيئته، تعالى أن يكون من عبده في ملكه ما لا يريده. # المسألة الخامسة: قوله: {ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة} [الإسراء: ~~39]: قد قدمنا بيان الحكمة هاهنا، وفي كتبنا، وفسرنا وجوهها ومواردها: ~~ولبابها هاهنا أنها العمل بمقتضى العلم. وأعظمها قدرا وأشرفها مأمورا ما ~~بدأ به من قوله: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} [الإسراء: 23] ولا تجعل مع ~~الله إلها آخر. # PageV03P203 ### | [الآية الثانية عشرة قوله ms1075 تعالى تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن] # الآية الثانية عشرة: # قوله تعالى: {تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا ~~يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا} [الإسراء: 44] ~~فيها مسألتان # المسألة الأولى: اختلف الناس في معنى هذه الآية على أقوال كثيرة، أمهاتها ~~ستة: # الأول: دلالتها على وحدانية الله وقدرته وعلمه وإرادته وسائر صفاته العلا ~~وأسمائه الحسنى. الثاني: تذكرتها للتسبيح بها. الثالث: كل شيء له يسبح: لمح ~~البرق، وصريف الرعد، وصرير الباب، وخرير الماء. الرابع: قال قتادة والحسن: ~~كل ذي روح يسبح. الخامس: قال النخعي وغيره: الطعام يسبح. السادس: قال أكثر ~~الناس، من قرأ القرآن والحديث: كل شيء يسبح تسبيحا لا يعلمه الآدميون. # المسألة الثانية: اعلموا نور الله بصائركم بعرفانه أن هذه مسألة كثر ~~الخوض فيها بين الناس. وقد أوضحناها في كتاب المشكلين على مقتضى أدلة ~~المعقول والمنقول؛ وترتيب القول هاهنا أنه ليس يستحيل أن يكون للجمادات ~~فضلا عن البهائم تسبيح بكلام، وإن لم نفقهه نحن عنها؛ إذ ليس من شرط قيام ~~الكلام بالمحل عند أهل السنة هيئة آدمية، ولا وجود بلة ولا رطوبة، وإنما ~~تكفي له الجوهرية أو الجسمية خلافا للفلاسفة وإخوتهم من القدرية الذين يرون ~~الهيئة الآدمية والبلة والرطوبة شرطا في الكلام، فإذا ثبت هذا الأصل بأدلته ~~التي تقررت في موضعه، وبأن كل عاقل يعلم أن الكلام في # PageV03P204 # الآدميين عرض يخلقه الله فيهم، وليس يفتقر العرض إلا لوجود جوهر أو جسم ~~يقوم به خاصة، وما زاد على ذلك من الشروط فإنما هي عادة، وللباري تعالى نقض ~~العادة وخرقها بما شاء من قدرته لمن شاء من مخلوقاته وبريته. # ولهذا حن الجذع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسبح الحصى في كفه وكف ~~أصحابه، وكان بمكة حجر يسلم عليه قبل أن يبعث، وكانت الصحابة تسمع تسبيح ~~الطعام ببركته - صلى الله عليه وسلم - ولم يكن لذلك كله هيئة، ولا وجدت له ~~رطوبة ولا بلة، وعلى إنكار هذه المعجزات وإبطال هذه الآيات حامت بما ~~ابتدعته من ms1076 المقالات، فيعلم كل أحد أن دلالة المخلوقات على الخالق ظاهرة، ~~وتذكرته للمؤمنين من الآدميين والمسبحين من المخلوقين بينة. وهذا وإن سمي ~~تسبيحا فذلك شائع لغة، كما كانت العرب تعبر عن لسان الحال بلسان المقال، ~~فتقول: يشكو إلي جملي طول السرى. وكما قالت: قف بالديار فقل: يا ديار من ~~غرس أشجارك، وجنى ثمارك، وأجرى أنهارك، فإن لم تجبك جؤارا أجابتك اعتبارا؛ ~~وكما قال شاعرهم عن شجرة: # رب ركب قد أناخوا حولنا ... يشربون الخمر بالماء الزلال # سكت الدهر زمانا عنهم ... وكذاك الدهر حالا بعد حال # وذلك ما لا يحصى كثرة، وهو عندهم من البديع في الفصاحة، والغاية في ~~البلاغة. # وإن قلنا: إن تسبيح البرق لمعانه، والرعد هديره، والماء خريره، والباب ~~صريره، فنوع من الدلالة، ووجه من التسمية بالمجاز ظاهر. # وإن قلنا: إن كل ذي روح يسبح بنفسه وصورته، فمثله في الدلالة وفي المجاز ~~في التسمية. # وإن قلنا: إن الطعام يسبح التحق بالجماد في المعنى والعبارة عنه كما ~~تقدم. # وإن قلنا: إن لكل شيء تسبيحا ربنا به أعلم، لا نعلمه نحن؛ أخذا بظاهر ~~القرآن لم نكذب، ولم نغلط، ولا ركبنا محالا في العقل؛ ونقول: إنها تسبح ~~دلالة وتذكرة وهيئة ومقالة، ونحن لا نفقه ذلك كله، ولا نعلم، إنما يعلمه من ~~خلقه، كما قال: {ألا يعلم من خلق} [الملك: 14]. وقد مهدنا القول في ذلك في ~~شرح الحديث عند قوله: «شكت النار إلى # PageV03P205 # ربها فقالت: يا رب، أكل بعضي بعضا» هل هو بكلام، أو على تقدير قوله: ~~امتلأ الحوض وقال قطني والكل جاء من عندنا، وربنا عليه قادر. # وأكمل التسبيح تسبيح الملائكة والآدميين والجن فإنه تسبيح مقطوع بأنه ~~كلام معقول، مفهوم للجميع بعبارة مخلصة، وطاعة مسلمة، وأجلها ما اقترن ~~بالقول فيها فعل من ركوع أو سجود أو مجموعهما، وهي صلاة الآدميين؛ وذلك ~~غاية التسبيح وبه سميت الصلاة سبحة. # فإن قيل: فما معنى قوله: {ولكن لا تفقهون تسبيحهم} [الإسراء: 44]: قلنا: ~~أما الكفار المنكرون للصانع فلا يفقهون من وجوه التسبيح في المخلوقات شيئا ~~كالفلاسفة، فإنهم جهلوا دلالتها ms1077 على الصانع، فهم لما وراء ذلك أجهل. وأما ~~من عرف الدلالة وفاته ما وراءها فهو يفقه وجها ويخفى عليه آخر، فتكون الآية ~~على العموم في حق الفلاسفة، وتكون على الخصوص فيما وراءهم، ممن أدرك شيئا ~~من تسبيحهم؛ لذلك قال تعالى: {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها ~~وظلالهم بالغدو والآصال} [الرعد: 15] فجعل تصريف الظل ذلا، وعبر عنه ~~بالسجود، وهي غاية المذلة لمن له بالحقيقة وحده العزة، وهذا توقيف نفيس ~~للمعرفة؛ فإذا انتهيتم إليه عارفين بما تقدم من بياننا فقفوا عنده، فليس ~~وراءه مزيد، إلا في تفصيل الإيمان والتوحيد؛ وذلك مبين في كتب الأصول، ~~والله أعلم. ### | [الآية الثالثة عشرة قوله تعالى واستفزز من استطعت منهم بصوتك] # وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم ~~الشيطان إلا غرورا} [الإسراء: 64] فيها ثلاث مسائل # المسألة الأولى: قوله: {واستفزز} [الإسراء: 64]: فيه قولان: # PageV03P206 # أحدهما: استخفهم. # الثاني: استجهلهم. ولا يخف إلا من يجهل؛ فالجهل تفسير مجازي، والخفة ~~تفسير حقيقي. # المسألة الثانية: قوله: {بصوتك} [الإسراء: 64]: فيه ثلاثة أقوال: # الأول: بدعائك. الثاني: بالغناء والمزمار. الثالث: كل داع دعاه إلى معصية ~~الله؟ قاله ابن عباس. فأما القول الأول فهو الحقيقة، وأما الثاني والثالث ~~فهما مجازان، إلا أن الثاني مجاز خاص، والثالث مجاز عام. وقد «دخل أبو بكر ~~بيت عائشة، وفيه جاريتان من جواري الأنصار تغنيان بما تقاولت به الأنصار ~~يوم بعاث، فقال: أمزمار الشيطان في بيت رسول الله؟ فقال: دعهما يا أبا بكر، ~~فإنه يوم عيد». فلم ينكر النبي - صلى الله عليه وسلم - على أبي بكر تسمية ~~الغناء مزمار الشيطان؟ وذلك لأن المباح قد يستدرج به الشيطان إلى المعصية ~~أكثر وأقرب إلى الاستدراج إليها بالواجب، فيكون إذا تجرد مباحا، ويكون عند ~~الدوام وما تعلق به الشيطان من المعاصي حراما، فيكون حينئذ مزمار الشيطان ~~ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين ~~فذكر الغناء والنوح». وقدمنا شرح ذلك كله. # PageV03P207 # المسألة الثالثة: قوله: {وشاركهم في الأموال والأولاد} [الإسراء: 64]: ~~وذلك قوله: {ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ms1078 ولآمرنهم فليغيرن خلق الله} ~~[النساء: 119]. وهذا تفسير أن صوته أمره بالباطل، ودعاؤه إليه على العموم، ~~ويدخل فيه ما كانت العرب تدينه من تحريم بعض الأموال على بعض الناس وبعض ~~الأولاد، حسبما تقدم في سورة الأنعام، ويدخل فيه ما شرحناه في قوله في سورة ~~الأعراف: {فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما} [الأعراف: 190]؛ ~~وقد أوضحنا ذلك كله. ### | [الآية الرابعة عشرة والخامسة عشرة قوله تعالى ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر] # الآية الرابعة عشرة: # قوله تعالى: {ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان ~~بكم رحيما} [الإسراء: 66] قد بينا أن ركوب البحر جائز على العموم والإطلاق، ~~وقسمنا وجوه ركوبه في مقاصد الخلق به، وذكرنا أن من جملته التجارة وجلب ~~المنافع من بعض البلاد إلى بعض، وهذا تصريح بذلك في هذه الآية بقوله: ~~{لتبتغوا من فضله} [الإسراء: 66] يعني التجارة، كما قال تعالى: {ليس عليكم ~~جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} [البقرة: 198]. وقال: {فإذا قضيت الصلاة ~~فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله} [الجمعة: 10]. ولا خلاف أن ذلك في ~~هاتين الآيتين التجارة؛ فكذلك هذه الآية؛ وكذلك يدل: # الآية الخامسة عشرة قوله: {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ~~ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} [الإسراء: 70] ~~على جواز ركوبه أيضا، وهي الآية الخامسة عشرة، وقد أوضحنا تفسيرها في اسم ~~الكريم من كتاب " الأمد الأقصى " فليطلب ذلك فيه. # PageV03P208 ### | [الآية السادسة عشرة قوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس] # الآية السادسة عشرة: # قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن ~~الفجر كان مشهودا} [الإسراء: 78] فيها سبع مسائل: # المسألة الأولى: {أقم الصلاة} [الإسراء: 78]: أي اجعلها قائمة، أي دائمة. ~~وقد تقدم # المسألة الثانية: قوله: {لدلوك الشمس} [الإسراء: 78]: وفيه قولان: # أحدهما: زالت عند كبد السماء؛ قاله عمر، وابن عمر، وأبو هريرة، وابن ~~عباس، وطائفة سواهم من علماء التابعين وغيرهم. الثاني: أن الدلوك هو ~~الغروب؛ قاله ابن مسعود، وعلي، وأبي بن كعب، وروي عن ابن عباس. ### | [مسألة ms1079 قوله تعالى غسق الليل فيه ثلاثة أقوال] # المسألة الثالثة: {غسق الليل} [الإسراء: 78]: فيه ثلاثة أقوال: # الأول: إقبال ظلمته. # الثاني: اجتماع ظلمته. # الثالث: مغيب الشفق. # وقد قيدت عن بعض العلماء أن الدلوك إنما سمي به؛ لأن الرجل يدلك عينيه ~~إذا نظر إلى الشمس فيه، أما في الزوال فلكثرة شعاعها، وأما في الغروب ~~فليتبينها، وهذا لو نقل عن العرب لكان قويا، وقد قال الشاعر: # هذا مقام قدمي رباح ... حتى يقال دلكت براح # كقوله قطام وجذام، وفي ذلك كلام. # وقد روى مالك في الموطإ عن ابن عباس أنه قال: دلوك الشمس ميلها. وغسق # PageV03P209 # الليل اجتماع الليل وظلمته ورواية مالك عنه أصح من رواية غيره، وهو ~~اختيار مالك في تأويل هذه الآية. وقد روي أن ابن مسعود صلى المغرب والناس ~~يتمارون في الشمس لم تغب، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: نرى أن الشمس لم تغب. ~~قال: هذا والذي لا إله غيره وقت هذه الصلاة، ثم قرأ: {أقم الصلاة لدلوك ~~الشمس إلى غسق الليل} [الإسراء: 78]؛ قال: وهذا دلوك الشمس، وهذا غسق ~~الليل. وتحقيق ذلك: أن الدلوك هو الميل، وله أول عندنا وهو الزوال، وآخر ~~وهو الغروب، وكذلك الغسق هو الظلمة، ولها ابتداء وانتهاء، فابتداؤها عند ~~دخول الليل، وانتهاؤها عند غيبوبة الشفق، فرأى مالك أن الآية تضمنت الصلوات ~~الخمس، فقوله: دلوك الشمس يتناول الظهر والعصر، وقوله: {غسق الليل} ~~[الإسراء: 78] اقتضى المغرب والعشاء، وقوله: {قرآن الفجر} [الإسراء: 78] ~~اقتضى صلاة الصبح، وهي: # المسألة الرابعة: وسمى صلاة الصبح قرآنا ليبين أن ركن الصلاة ومقصودها ~~الأكبر الذكر بقراءة القرآن، ولقوله تعالى: {فاقرءوا ما تيسر من القرآن} ~~[المزمل: 20]؛ معناه صلوا على ما يأتي بيانه إن شاء الله، أطول الصلوات ~~قراءة، ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ~~نصفين، يقول العبد: الحمد لله رب العالمين، يقول الله: حمدني عبدي». «ويقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي الذي علمه الصلاة: اقرأ فاتحة ~~الكتاب وما تيسر معك من القرآن»، معناه صلوا على ما يأتي بيانه، إن شاء ~~الله، وهي أطول الصلوات ms1080 قراءة. ### | [مسألة الوقت الذي يحرم فيه الطعام والشراب على الصائم وتجوز فيه صلاة الصبح] # المسألة الخامسة: قوله: {الفجر} [الإسراء: 78]: يعني سيلان الضوء، وجريان ~~النور في الأفق، من فجر الماء وهو ظهوره وسيلانه، فيكون كثيرا، ومن هذا ~~الفجر وهو كثرة الماء وهو ابتداء النهار وأول اليوم # PageV03P210 # والوقت الذي يحرم فيه الطعام والشراب على الصائم؛ وتجوز فيه صلاة الصبح ~~فعلا وتجب إلزاما في الذمة وحتما، ويستحب فيه فعلها ندبا، حسبما كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يفعله فيها من مواظبته على صلاتها في الوقت ~~الأول، ولا يجوز أن يصلي بالمنازل، لا بالطالع منها، ولا بالغارب، ولا ~~بالمتوسط في كبد السماء؛ لأنك إذا تراءيت الطالع أو الغارب فتراءى الفجر ~~أولا؛ لأنه لا يجوز ترك الأصل مع القدرة عليه، والرجوع إلى البدل؛ وإنما ~~جعل الله مواقيت الصلاة بينة ليتساوى في دركها العامي والخاصي، ولأجل ذلك ~~نصبها بينة للأبصار، ظاهرة دون استبصار، فلا عذر لأحد أن يقلبها خفية؛ فذلك ~~عكس الشريعة، وخلط التكليف وتبديل الأحكام. ### | [مسألة أفضل الصلوات] # المسألة السادسة: قوله: {إن قرآن الفجر كان مشهودا} [الإسراء: 78]: يعني ~~مشهودا بالملائكة الكرام والكاتبين. # ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من رواية الأئمة أنه قال: «يتعاقبون ~~فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وفي صلاة ~~العصر. ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم كيف تركتم ~~عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون». وبهذا فضلت صلاة ~~الصبح على سائر الصلوات، ويشاركها في ذلك العصر، فيكونان جميعا أفضل ~~الصلوات، ويتميز عليها الصبح بزيادة فضل حتى تكون الوسطى، كما بيناه في ~~سورة البقرة، والله أعلم. ### | [مسألة وقت صلاة الظهر] # المسألة السابعة: ذهب قوم إلى أن صلاة الظهر يتمادى وقتها من الزوال إلى ~~الغروب؛ لأن الله علق وجوبها على الدلوك، وهذا دلوك كله؛ قاله الأوزاعي، ~~وأبو حنيفة في تفصيل، وأشار إليه مالك والشافعي في حال الضرورة. # PageV03P211 # وقال آخرون: وقت المغرب يكون من الغروب إلى مغيب الشفق؛ لأنه غسق كله، ~~وهو المشهور من مذهب ms1081 مالك وقوله في موطئه الذي قرأه طول عمره، وأملاه ~~حياته. # ومن مسائل أصول الفقه التي بيناها فيها، وأشرنا إليها في كتبنا عند ~~جريانها أن الأحكام المعلقة بالأسماء، هل تتعلق بأوائلها أم بآخرها؟ فيرتبط ~~الحكم بجميعها. وقد اختلف في ذلك العلماء، وجرى الخلاف في مسائل مالك على ~~وجه يدل على أن ذلك مختلف عنده. والأقوى في النظر أن يرتبط الحكم بأوائلها، ~~لئلا يعود ذكرها لغوا، فإذا ارتبط بأوائلها جرى بعد ذلك النظر في تعلقه ~~بالكل إلى الآخر أم اقتصاره على الأول على ما يعطيه الدليل، ولا بد من تعلق ~~الصلاة بالزوال؛ لأنه أول الدلوك. وكنا نعلقها بالجميع، إلا أن صلاة العصر ~~قد أخذت منها وقتها، من كون ظل كل شيء مثله؛ فانقطع حكم الظهر لدخول وقت ~~العصر، فبقي النظر في اشتراكهما معا، بدليل آخر بيناه في مسائل الفقه وشرح ~~الحديث، وفيه طول. # وأما صلاة المغرب فأمرها أبين من الأول؛ لأنها تتعلق بآخر الدلوك، وهو ~~الغروب، وليس بعدها صلاة تقطع بها، وتأخذ الوقت منها إلى مغيب الشفق، فهل ~~يتمادى وقتها إلى دخول وقت الصلاة الأخرى، أم يتعلق بالأول خاصة؟ وقد بين ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح هذا كله، فقال: «وقت المغرب ~~ما لم يحضر وقت العشاء». وقال أيضا فيه: «وقت المغرب ما لم يسقط نور ~~الشفق»؛ فارتفع الخلاف ببيان مبلغ الشريعة. # PageV03P212 ### | [الآية السابعة عشرة قوله تعالى ومن الليل فتهجد به نافلة لك] # الآية السابعة عشرة: # قوله تعالى: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما ~~محمودا} [الإسراء: 79] فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: قوله: {فتهجد به} [الإسراء: 79]: يعني اسهر به. والهجود: ~~النوم، والتهجد تفعل، وهو لاكتساب الفعل وإثباته في الأصل، وقد يأتي لنفيه ~~في حروف معدودة، جماعها سبعة: تهجد: نفى الهجود، تخوف: نفى الخوف، تحنث: ~~نفى الحنث، تنجس: ألقى النجاسة عن نفسه. تحرج، نفى الحرج، تأثم: نفى الإثم، ~~تعذر: نفى العذر. تقذر: نفى القذر. وفي البخاري: تجزع: نفى الجزع. ### | [مسألة من خصائص رسول الله صلى الله عليه ms1082 وسلم قيام الليل] # المسألة الثانية: قوله: {نافلة لك} [الإسراء: 79]: والنفل هو الزيادة، ~~كما تقدم بيانه؛ وفي وجه الزيادة هاهنا قولان: الأول: أنه زيادة على فرضه ~~خاصة دون الناس. # الثاني: قوله: {نافلة لك} [الإسراء: 79]؛ أي زيادة؛ لأنه لا يكفر شيئا؛ ~~إذ غفر له ذنبه. والأول أصح؛ لأن الثاني فاسد؛ إذ نفله وفرضه لا يصادف ~~ذنبا، ولا صلاة الليل ولا صلاة النهار تكفران خطيئة؛ لأن ذلك معدوم في حده ~~وجودا، معدوم في حقه مؤاخذة لو كان لفضل المغفرة من الله عليه. ومن خصائص ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قيام الليل، «وكان يقوم حتى ترم قدماه»؛ ~~وقد بينا ذلك في سورة " الأحزاب " وفي سورة " المزمل ". # المسألة الثالثة: في صفة هذا التهجد وفيه ثلاثة أقوال: # الأول: أنه النوم، ثم الصلاة، ثم النوم، ثم الصلاة. # PageV03P213 # الثاني: أنه الصلاة بعد النوم. الثالث: أنه بعد صلاة العشاء. # وهذا دعاوى من التابعين فيها، ولعلهم إنما عولوا على أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان ينام ويصلي، وينام ويصلي، فعولوا على أن ذلك الفعل كان ~~امتثالا لهذا الأمر، فإن كان ذلك فالأمر فيه قريب. # المسألة الرابعة: في وجه كون قيام الليل سببا للمقام المحمود وفيه قولان ~~للعلماء: # أحدهما: أن البارئ يجعل ما شاء من فعله سببا لفضله من غير معرفة بوجه ~~الحكمة فيه، أو بمعرفة وجه الحكمة. الثاني: أن قيام الليل فيه الخلوة مع ~~البارئ والمناجاة دون الناس؛ فيعطى الخلوة به ومناجاته في القيامة، فيكون ~~مقاما محمودا، ويتفاضل فيه الخلق بحسب درجاتهم؛ فأجلهم فيه درجة محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - فإنه يعطى من المحامد ما لم يعط أحد، ويشفع ولا يشفع أحد، ~~والله أعلم. ### | [الآية الثامنة عشرة قوله تعالى ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي] # الآية الثامنة عشرة: # قوله تعالى: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم ~~إلا قليلا} [الإسراء: 85] قد أطلنا النفس في هذه الآية في كتاب المشكلين ~~وشرح الصحيح بما يقف بكم فيها على المعرفة، فأما الآن فخذوا نبذة ms1083 تشرف بكم ~~على الغرض: ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق «ابن مسعود وغيره ~~قال بينا أنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في حرث وهو متكئ على عسيب إذ ~~مر اليهود فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح. فقال: ما رابكم إليه؟ لا ~~يستقبلنكم بشيء تكرهونه. قالوا: سلوه، فسألوه عن # PageV03P214 # الروح، فأمسك النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يرد عليهم شيئا فعلمت أنه ~~يوحى إليه، فقمت مقامي، فلما نزل الوحي قال: يسألونك عن " الروح " الآية». # قال ابن وهب عن مالك: لم يأته في ذلك جواب، وقد قال بكر بن مضر في رواية ~~ابن وهب عنه: إن اليهود قالوا: سلوه عن الروح، فإن أخبركم فليس بنبي، وإن ~~لم يخبركم فهو نبي، فسألوه فنزلت الآية. # ومعنى هذا أن الأنبياء لا يتكلمون مع الخلق في المتشابهات، ولا يفيضون ~~معهم في المشكلات، وإنما يأخذون في البين من الأمور المعقولات، والروح خلق ~~من خلق الله تعالى جعله الله في الأجسام، فأحياها به، وعلمها وأقدرها، وبنى ~~عليها الصفات الشريفة، والأخلاق الكريمة، وقابلها بأضدادها لنقصان الآدمية، ~~فإذا أراد العبد إنكارها لم يقدر لظهور آثارها، وإذا أراد معرفتها وهي بين ~~جنبيه لم يستطع؟؛ لأنه قصر عنها وقصر به دونها. وقال أكثر العلماء: إنه ~~سبحانه ركب ذلك فيه عبرة، كما قال: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} [الذاريات: ~~21] ليرى أن البارئ تعالى لا يقدر على جحده لظهور آياته في أفعاله: # ففي كل شيء آية ... تدل على أنه واحد # ولا يحيط به لكبريائه وعظمته، فإذا وقف متفكرا في هذا ناداه الاعتبار: لا ~~ترتب، ففيك من ذلك آثار، انظر إلى موجود في إهابك لا تقدر على إنكاره لظهور ~~آثاره، ولا تحيط بمقداره، لقصورك عنه فيأخذه الدليل، وتقوم لله الحجة ~~البالغة عليه. ### | [الآية التاسعة عشرة قوله تعالى ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات] # فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا} ~~[الإسراء: 101] # PageV03P215 # فيها مسألتان: # المسألة الأولى: في تفسير الآيات: وفيها خمسة أقوال: # الأول: قال ابن عباس: هي ms1084 يده، وعصاه، ولسانه، والبحر، والطوفان، والجراد، ~~والقمل، والضفادع، والدم. # الثاني: أنها الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والبحر، وعصاه، ~~والطمسة، والحجر؛ قاله محمد بن كعب لعمر بن عبد العزيز، فقال له عمر: ما ~~الطمسة قال قوله: {ربنا اطمس على أموالهم} [يونس: 88]. قال: فدعا عمر ~~بخريطة كانت لعبد الملك بن مروان أصيبت بمصر، فإذا فيها الجوزة والبيضة ~~والعدسة، مسخت حجارة كانت من أموال فرعون بمصر. # الثالث: روى ابن وهب عن مالك هي: الحجر، والعصا، واليد، والطوفان، ~~والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، والطود. وقال مالك: الطوفان: الماء. # الرابع: روى مطرف عن مالك هي: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، ~~والدم، والعصا، واليد، والبحر والجبل، في أقوال كثيرة. # الخامس: روى الترمذي وغيره عن صفوان بن عسال المرادي أن «يهوديين سألا ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التسع الآيات؛ فقال: هي ألا تشركوا بالله ~~شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ~~ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تسخروا، ولا تقذفوا المحصنات، ~~ولا تولوا الأدبار عند الزحف، وعليكم خاصة يهود ألا تعتدوا في السبت. فقبلا ~~يديه ورجليه، وقالا: نشهد أنك نبي. فقال: وما يمنعكما أن تتبعاني؟ فقالا: ~~إن داود دعا ألا يزال من ذريته نبي، وإنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا يهود». # PageV03P216 # المسألة الثانية: الذي جرى من الأحكام هاهنا ذكر العصا، وسنستوفي القول ~~فيها في سورة " طه " إن شاء الله. ### | [الآية العشرون قوله تعالى قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن] # الآية الموفية عشرين: # قوله تعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء ~~الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا} [الإسراء: 110] ~~فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: وفي ذلك خمسة أقوال: # الأول: روى البخاري وغيره عن ابن عباس أن الصلاة هنا القراءة في الصلاة ~~قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، ~~فإذا سمع ذلك المشركون سبوا القرآن، ومن أنزل ومن جاء به؛ فقال الله لنبيه: ~~{ولا ms1085 تجهر بصلاتك} [الإسراء: 110] فيسمع المشركون {ولا تخافت بها} ~~[الإسراء: 110] حتى لا يسمعك أصحابك الآية». الثاني: أنها نزلت في الدعاء؛ ~~قاله البخاري، وغيره عن عائشة، وابن وهب أيضا، رواه عن مالك عن هشام بن ~~عروة عن أبيه. # الثالث: قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: قيل لمحمد: لا تحسن صلاتك في ~~العلانية مراءاة، ولا تسيئها في المخافتة. # الرابع: روي عن عكرمة عن ابن عباس إنما نزلت هذه لأمر؛ وذلك أن الله لما ~~أنزل على رسوله في عدد خزنة النار: {عليها تسعة عشر} [المدثر: 30] قالوا في ~~ذلك ما قالوا، وجعلوا إذا سمعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - يتفرقون عنه، ~~فكان الرجل إذا أراد أن يسمع استرق السمع # PageV03P217 # دونهم فرقا منهم، فإذا رأى أنهم قد عرفوا أنه يستمع] ذهب خشية أذاهم، وإن ~~خفض صوته يظن الذي يسمع أنهم لا يسمعون من قراءته شيئا وسمع هو شيئا منهم ~~أصاخ له يسمع منه، فقيل له: لا تجهر بصلاتك فيتفرقوا عنك، ولا تخافت بها ~~فلا يسمعها من يسترق السمع، رجاء أن يرعوي إلى بعض ما يسمع فينتفع به ~~الوسنان. قال محمد بن سيرين: كان أبو بكر يخافت، وعمر يجهر، فقيل لأبي بكر ~~في ذلك، فقال: أسمع من أناجي. وقيل لعمر فيه، فقال: أوقظ الوسنان، وأطرد ~~الشيطان، وأذكر الرحمن. فقيل لأبي بكر: ارفع قليلا. وقيل لعمر: اخفض قليلا، ~~وذكر هذا عند قوله تعالى: {ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها} [الإسراء: 110]. # المسألة الثانية: عبر الله هاهنا بالصلاة عن القراءة، كما عبر بالقراءة ~~عن الصلاة في قوله: {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا} [الإسراء: 78]؛ ~~لأن كل واحد منها مرتبط بالآخر؛ الصلاة تشتمل على قراءة وركوع وسجود، فهي ~~من جملة أجزائها، فيعبر بالجزء عن الجملة وبالجملة عن الجزء، على عادة ~~العرب في المجاز وهو كثير. # المسألة الثالثة: في تتبع الأسباب بالتنقيح: أما روايات ابن عباس فأصحها ~~الأول وأما رواية عائشة فيعضدها ما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كان في مسير، فرفعوا أصواتهم بالتكبير، فقال - صلى الله ms1086 عليه وسلم -: إنكم ~~لا تدعون أصم، ولا غائبا، وإنما تدعون سميعا قريبا؛ إنه بينكم وبين رءوس ~~رحالكم». # وأما الثالث فإن صح فيكون خطابا للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمراد ~~أمته، إذ لا يجوز عليه شيء من ذلك. # PageV03P218 # وأما الرابع فمحتمل، لكنه لم يصح. # وأما حديث أبي بكر وعمر فيشبه الحديث الوارد في الدعاء، ولعل ذلك محمول ~~على الزيادة في الجهر، حتى يضر ذلك بالقارئ، ولا يمكنه التمادي عليه، فأخذ ~~بالوسط من الجهر المتعب والإسرار المخافت. # وقد رأيت بعض العلماء قال فيها قولا سادسا؛ وهو لا تجهر بصلاتك بالنهار ~~ولا تخافت بها بالليل، وابتغ بين ذلك سبيلا سنها الله لنبيه وأوعز بها ~~إليكم. # PageV03P219 ### | [سورة الكهف فيها عشرون آية] # [الآية الأولى قوله تعالى إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم ~~أحسن عملا] ### | الآية الأولى: # قوله تعالى {إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا} # [الكهف: 7]. قد تقدم بيانه في قوله: {قل من حرم زينة الله التي أخرج ~~لعباده والطيبات من الرزق} [الأعراف: 32] فلا معنى لإعادته. ### | [الآية الثانية قوله تعالى وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم] # قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما ~~لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما ~~فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا} [الكهف: 19] {إنهم إن يظهروا ~~عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا} [الكهف: 20]. # فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: قوله تعالى: {فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة} ~~[الكهف: 19] هذا يدل على صحة الوكالة، وهو عقد نيابة أذن الله فيه للحاجة ~~إليه، وقيام المصلحة به، إذ يعجز كل أحد عن تناول أموره إلا بمعونة من ~~غيره، أو يترفه فيستنيب من يريحه، حتى جاز ذلك في العبادات؛ لطفا منه ~~سبحانه، ورفقا بضعفة الخليقة، ذكرها الله كما ترون، وبينها رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - كما تسمعون، وهو أقوى آية في الغرض. # PageV03P220 # وقد تعلق بعض علمائنا في صحة الوكالة من القرآن بقوله ms1087 تعالى: {والعاملين ~~عليها} [التوبة: 60] وبقوله: {اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت ~~بصيرا} [يوسف: 93]. # وآية القميص ضعيفة، وآية العاملين حسنة. # وقد روى جابر بن عبد الله قال: «أردت الخروج إلى خيبر، فأتيت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وقلت له: إني أريد الخروج إلى خيبر، فقال: ائت وكيلي، ~~فخذ منه خمسة عشر وسقا، فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته». # وقد وكل عمر بن أمية الضمري على عقد نكاح أم حبيبة بنت أبي سفيان عند ~~النجاشي، ووكل أبا رافع على نكاح ميمونة في إحدى الروايتين، ووكل حكيم بن ~~حزام على شراء شاة، والوكالة جائزة في كل حق تجوز النيابة فيه؛ وقد مهدنا ~~ذلك في كتب المسائل، تحريره في خمسة وعشرين مثالا: # الأول: الطهارة: وهي عبادة تجوز النيابة فيها في صب الماء خاصة على أعضاء ~~الوضوء، ولا تجوز على عركها، إلا أن يكون المتوضئ مريضا لا يقدر عليه. # الثاني: النجاسة. # الثالث: الصلاة: ولا تجوز النيابة فيها بحال بإجماع من الأمة، وإنما ~~يؤديها المكلف، ولو بأشفار عينيه إشارة، إلا في ركعتي الطواف. # الرابع: الزكاة: وتجوز النيابة في أخذها وإعطائها. # الخامس: الصيام: ولا تجوز النيابة فيه بحال، إلا عند الشافعي وأحمد وجملة ~~من السلف الأول، وقد بيناه في مسائل الخلاف. # السادس الاعتكاف وهو مثله. # السابع: الحج. # الثامن: البيع: وهي المعاوضة وأنواعها. # PageV03P221 # التاسع: الرهن. # العاشر: الحجر: يصح أن يوكل الحاكم من يحجر وينفذ سائر الأحكام عنه، ~~وكذلك الحوالة، والضمان، والشركة، والإقرار، والصلح، والعارية؛ فهذه ستة ~~عشر مثالا. # وأما الغصب: فإن وكل فيه كان الغاصب الوكيل دون الموكل؛ لأن كل محرم فعله ~~لا تجوز النيابة فيه، ويتبع ذلك الشفعة، والقرض، ولا يصح التوكيل في ~~اللقطة. # وأما قسم الفيء والغنيمة فتصح النيابة فيه. # والنكاح وأحكامه تصح النيابة فيه، كالطلاق. والإيلاء يمين لا وكالة فيه. # وأما اللعان: فلا تصح الوكالة فيه بحال. # وأما الظهار: فلا تصح النيابة فيه؛ لأنه منكر من القول وزور، ولا يجوز ~~فعله. # والخيانات: لا يصح التوكيل فيها لهذه العلة من أنها ms1088 باطل وظلم، ويجوز ~~التوكيل على طلب القصاص واستيفائه، وكذلك في الدية، ولا وكالة في القسامة؛ ~~لأنها أيمان. # ويصح التوكيل في الزكاة، وفي العتق وتوابعه إلا في الاستيلاد؛ فهذه خمسة ~~وعشرون مثالا، تكون دستورا لغيرها، وإن كان لم يبق بعدها إلا يسير فرع لها. ### | [مسألة الاجتماع على الطعام المشترك وأكله على الإشاعة] # المسألة الثانية: # قال علماؤنا: في هذه الآية دليل على جواز الاجتماع على الطعام المشترك ~~وأكله على الإشاعة. # وليس في هذه الآية دليل على ما قالوه؛ لأنه يحتمل أن يكون كل واحد منهم ~~قد أعطاه ورقه مفردا، فلا يكون فيه اشتراك، ولا معول في هذه المسألة إلا ~~على حديثين: أحدهما: أن ابن عمر مر بقوم يأكلون تمرا، فقال: «نهى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - عن الإقران إلا أن يستأذن الرجل أخاه». # PageV03P222 # الثاني: حديث أبي عبيدة في جيش الخبط «وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بعثهم وفقدوا الزاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش، فجمعت، فكان يقوتنا ~~كل يوم قليلا». # وهذا دون الأول في الظهور؛ لأنه كان يحتمل أن يكون أبو عبيدة كان يعطيهم ~~كفافا من ذلك القوت، ولا يجمعهم عليه. # وقد بينا أحاديث ذلك ومسائله في شرح الصحيح. ### | [مسألة توكيل ذي العذر] # المسألة الثالثة: # في هذه الآية نكتة وهي أن الوكالة فيها إنما كانت مع التقية وخوف أن يشعر ~~بهم أحد لما كانوا يخافون على أنفسهم منهم، وجواز توكيل ذي العذر متفق ~~عليه، فأما من لا عذر له فأكثر العلماء على جواز توكيله. # وقال أبو حنيفة: لا يجوز. وكان سحنون قد تلقفه عن أسد بن الفرات، فحكم به ~~أيام قضائه. ولعله كان يفعل ذلك بأهل الظلم والجبروت؛ إنصافا منهم، وإرذالا ~~بهم. وهو الحق، فإن الوكالة معونة، ولا تكون لأهل الباطل. # والدليل على جواز النيابة في ذلك قائم؛ لأنه حق من الحقوق التي تجوز ~~النيابة فيها، فجازت الوكالة عليه؛ أصله دفع الدين. # ومعولهم على أن الحقوق تختلف، والناس في الأخلاق يتفاوتون، فربما أضر ~~الوكيل بالآخر. # قلنا: وربما كان أحدهما ضعيفا فينظر ms1089 لنفسه فيمن يقاوم خصمه، وهذا مما لا ~~ينضبط، فرجعنا إلى الأصل، وهو جواز النيابة في الإطلاق، وللوكالة مسائل ~~يأتي في أبوابها ذكر فروعها إن شاء الله. ### | [مسألة معنى قوله تعالى فلينظر أيها أزكى طعاما] # المسألة الرابعة: قوله: {فلينظر أيها أزكى طعاما} [الكهف: 19] قيل: أراد ~~أكثر. # PageV03P223 # وقيل: أراد أطهر، يعني أزكى وأحل، ولا ينبغي لأحد أن يستبعد طلبه أكثر؛ ~~لأنه ليس من باب النهامة، وإنما محمله على أنه إن كان مرادا فمعناه يرجع ~~إلى أن رزقهم كان من عددهم، فاحتاجوا إلى وضع في المطعوم ليقوم بهم. ~~والمعنى الآخر من طلب الطهارة بين، ولعله أراد المعنيين جميعا، والله أعلم. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله] # الآية الثالثة: # قوله تعالى: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا - إلا أن يشاء الله واذكر ~~ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا} [الكهف: 23 - 24] ~~فيها سبع مسائل: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: قال ابن إسحاق وغيره: قال أبو جهل: يا ~~معشر قريش، والله ما أرانا إلا قد أعذرنا في أمر هذا الرجل من بني عبد ~~المطلب، والله لئن أصبحت، ثم صنع كما كان يصنع في صلاته، لقد أخذت صخرة، ثم ~~رضخت رأسه فاسترحنا منه، فامنعوني عند ذلك، أو أسلموني. قالوا: يا أبا ~~الحكم، والله لا نسلمك أبدا. # فلما أصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من تلك الليلة غدا إلى مصلاه ~~الذي كان يصلي فيه، وغدا أبو جهل معه حجر، وقريش في أنديتهم ينظرون ما ~~يصنع، فلما سجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام إليه أبو جهل بذلك ~~الحجر، فلما دنا منه رجع منهزما منتفعا لونه، كادت روحه تفارقه، فقام إليه ~~نفر من قريش ممن سمع ما قال تلك الليلة، قالوا: يا أبا الحكم، مالك؟ فوالله ~~لقد كنت مجدا في أمرك، ثم رجعت بأسوإ هيئة رجع بها رجل، وما رأينا دون محمد ~~شيئا يمنعه منك. فقال: ويلكم، والله لعرض دونه لي ms1090 فحل من الإبل، ما رأيت ~~مثل هامته وأنيابه وقصرته لفحل قط، يخطر دونه، لو دنوت لأكلني. # فلما قالها أبو جهل قام النضر بن الحارث فقال: يا معشر قريش، والله لقد ~~نزل # PageV03P224 # بساحتكم أمر ما أراكم ابتليتم به قبله، قلتم لمحمد: شاعر، والله ما هو ~~بشاعر. وقلتم: كاهن، والله ما هو بكاهن. وقلتم ساحر، والله ما هو بساحر. ~~وقلتم: مجنون، والله ما هو بمجنون. والله لقد كان محمد أرضاكم فيكم: أصدقكم ~~حديثا، وأعظمكم أمانة، وخيركم جوارا، حتى بلغ من السن ما بلغ، فأبصروا ~~بصركم، وانتبهوا لأمركم. # فقالت قريش: هل أنت يا نضر خارج إلى أحبار يهود بيثرب، ونبعث معك رجلا؛ ~~فإنهم أهل الكتاب الأول، والعلم بما أصبحنا نختلف نحن ومحمد فيه، تسألهم، ~~ثم تأتينا عنهم بما يقولون؟ قال: نعم. فخرجوا، وبعثوا معه عقبة بن أبي ~~معيط، فقدما على أحبار اليهود، فوصفا لهم أمر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وما يدعوهم إليه، وخلافهم إياه، فقالوا لهما: سلوه عن ثلاث خلال، ~~نأمركم بهن: سلوه عن فتية مضوا في الزمن الأول، وقد كان لهم خبر ونبأ، ~~وحديث معجب، وأخبروهم خبرهم. وسلوه عن رجل طواف قد بلغ من البلاد ما لم ~~يبلغ غيره من مشارقها ومغاربها يقال له ذو القرنين، وأخبروهم خبره. وسلوه ~~عن الروح ما هو؟ فإن أخبركم بهؤلاء الثلاث فالرجل نبي فاتبعوه، وإن لم يفعل ~~فالرجل كذاب، فروا رأيكم. # فقدم النضر وعقبة على قريش مكة، فقالا: قد أتيناكم بفصل ما بينكم وبين ~~محمد، أمرتنا أحبار يهود أن نسأله عن ثلاثة أمور، فإن أخبرنا بهن فهو نبي ~~مرسل، فاتبعوه، وإن عجز عنها فالرجل كذاب. # فمشوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا محمد؛ أخبرنا عن ~~ثلاثة أمور، نسألك عنها، فإن أخبرتنا عنها فأنت نبي. أخبرنا عن فتية مضوا ~~في الزمن الأول، كان لهم حديث معجب، وعن رجل طواف بلغ من البلاد ما لم ~~يبلغه غيره، وعن الروح ما هو؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «غدا ~~أخبركم عن ذلك» ولم ms1091 يستثن، فمكث عنه جبريل بضع عشرة ليلة، ما يأتيه، ولا ~~يراه حتى أرجف به أهل مكة، قالوا: إن محمدا وعدنا أن يخبرنا عما سألناه عنه ~~غدا، فهذه بضع عشرة ليلة، فكبر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لبث ~~جبريل عنه، ثم جاءه بسورة الكهف، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«لقد احتبست عني # PageV03P225 # يا جبريل حتى سؤت ظنا» فقال له جبريل: {وما نتنزل إلا بأمر ربك} [مريم: ~~64]. ثم قرأ سورة الكهف. فنزل في أمر الفتية: {أم حسبت أن أصحاب الكهف} ~~[الكهف: 9] إلى آخر القصة. # فقال حين فرغ من وصفهم، وتبين له خبرهم: {فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا} ~~[الكهف: 22]. يقول لا منازعة، ولا تبلغ بهم فيها جهد الخصومة، ولا تستفت ~~فيهم منهم أحدا، لا اليهود الذين أمروهم أن يسألوك، ولا الذين سألوا من ~~قريش، يقول: قد قصصنا عليك خبرهم على حقه وصدقه. ونزل في قوله: أخبركم به ~~غدا قوله تعالى: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا} [الكهف: 23] {إلا أن ~~يشاء الله} [الكهف: 24] فإنك لا تدري ما الله صانع في ذلك أيخبرهم عما ~~يسألونك عنه؟ أم يتركهم؟ {واذكر ربك إذا نسيت} [الكهف: 24] الآية. وجاءه: ~~{ويسألونك عن الروح} [الإسراء: 85] الآية، وزعموا أنه ناداهم الروح جبريل. # قال ابن إسحاق: وبلغنا «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما قدم ~~المدينة قال له أحبار يهود: بلغنا يا محمد أن فيما تلوت حين سألك قومك عن ~~الروح وما أوتيتم من العلم إلا قليلا، فإيانا أردت بها أم قومك؟ فقال: كلا ~~أريدكم بها». قالوا: أوليس فيما تتلو: إنا أوتينا التوراة فيها بيان كل ~~شيء؟ قال: «بلى، والتوراة في علم الله قليل، وهي عندكم كثير مجزئ» فيذكرون ~~والله أعلم أن هؤلاء الآيات نزلن عند ذلك: {ولو أنما في الأرض من شجرة ~~أقلام} [لقمان: 27] إلى آخر الآيات. # وقد روي في الصحيح أن اليهود سألوه عن الروح بالمدينة، وقد تقدم ذلك من ~~قبل. وهو أصح. # PageV03P226 ### | [مسألة ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن] # المسألة ms1092 الثانية: # قوله تعالى: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا} [الكهف: 23] {إلا أن يشاء ~~الله} [الكهف: 24] قال علماؤنا: هذا تأديب من الله لرسوله، أمره فيه أن ~~يعلق كل شيء بمشيئة الله إذ من دين الأمة ومن نفيس اعتقادهم (ما شاء الله ~~كان، وما لم يشأ لم يكن) لا جرم فلقد تأدب نبينا بأدب الله حين علق المشيئة ~~بالكائن لا محالة، فقال يوما وقد خرج إلى المقبرة: «السلام عليكم دار قوم ~~مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون». # وقال أيضا: «إني والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت ~~الذي هو خير، وكفرت عن يميني». # المسألة الثالثة: فإذا ثبت هذا فقاله المرء كما يلزمه في الاعتقاد، فهل ~~يكون استثناء في اليمين أم لا؟ # قال جمهور فقهاء الأمصار: يكون استثناء. # وقال ابن القاسم، وأشهب، وابن عبد الحكم، وأسامة بن أحمد بن محمد عن أبيه ~~عن مالك. إن قوله تعالى: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا} [الكهف: 23] ~~{إلا أن يشاء الله} [الكهف: 24]. إنما قصد بذلك ذكر الله عند السهو والغفلة ~~وليس باستثناء. # وهذا الذي قال مالك - رضي الله عنه - لم أجد عليه دليلا؛ لأن ربط ~~المشيئة، وذكرها قولا من العبد لفعل العبد، فقال لعبده: لا تقل إني فاعل ~~شيئا فيما تستقبله إلا أن يشاء الله، تقديره عند قوم: إلا بمشيئة الله. # وتقديره عند آخرين: إلا أن تقول إن شاء الله. # PageV03P227 # وقد مهدناه في رسالة الملجئة، وهذا عزم من الله لعبده على أن يدخل قولا ~~وعقدا في مشيئة ربه، فما تشاءون إلا أن يشاء الله؛ وقول ذلك أجدر في قضاء ~~الأمر، ودرك الحاجة. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «قال سليمان بن ~~داود: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة تحمل كل امرأة فارسا يجاهد في سبيل ~~الله. فقال له صاحبه: إن شاء الله، فلم يقل، فلم تحمل شيئا إلا واحدا ساقطا ~~أحد شقيه. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لو قالها لجاهدوا في سبيل ~~الله». # فهذا بيان الثنيا في اليمين، وأنها ms1093 حالة لعقد الأيمان، وأصل في سقوط سبب ~~الكفارة عنها، وإنما الذي قاله مالك من أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أمر أن يذكر الله عند السهو والغفلة يصح أن يكون تفسيرا لقوله: {واذكر ربك ~~إذا نسيت} [الكهف: 24]. وفيها ثلاثة أقوال: # الأول: قال ابن عباس: معناه واذكر ربك إذا نسيت بالاستثناء في الأيمان، ~~متى ذكرت، ولو إلى سنة، وتابعه على ذلك أبو العالية، والحسن. # الثاني: قال عكرمة: معناه واذكر ربك إذا غضبت. # الثالث: أن معناه واذكر ربك إذا نسيت بالاستثناء، فيرفع عنه ذكر ~~الاستثناء الحرج، وتبقى الكفارة. وإن كان الاستثناء متصلا انتفى الحرج ~~والكفارة. # فأما من قال: إن معناه واذكر ربك إذا نسيت بالاستثناء فقد قال - صلى الله ~~عليه وسلم -: «وإني والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت ~~الذي هو خير وكفرت عن يميني». # وأما من قال: معناه واذكر ربك إذا غضبت بالغين والضاد المعجمتين فمعناه ~~التثبت عند الغضب فإنه موضع عجلة، ومزلة قدم، والمرء يؤاخذ بما ينطق به ~~فمه، كما تقدم بيانه. # PageV03P228 # ومن رواه بالعين والصاد المهملتين فهو خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~والمراد به أمته، لاستحالة المعصية على الأنبياء شرعا بالخبر الوارد الصادق ~~في تنزيههم عنها. # وأما من قال: إن معناه واذكر ربك بالاستثناء في اليمين ليرتفع عنك الحرج ~~دون الكفارة فهو تحكم بغير دليل. # فتبين أن الصحيح في معنى الآية إرادة الاستثناء الذي يرفع اليمين ~~المنعقدة بالله تعالى وهي رخصة من الله وردت في اليمين به خاصة لا تتعداه ~~إلى غيره من الأيمان، وهي: # المسألة الرابعة: # وخالف في ذلك مالك والشافعي وأبو حنيفة وغيرهم فقالوا: إن الاستثناء نافع ~~في كل يمين كالطلاق والعتق؛ لأنها يمين تنعقد مطلقة، فإذا قرن بها ذكر الله ~~على طريق الاستثناء كان ذلك مانعا انعقادها، كاليمين بالله. # ومعول المالكية على أن مشيئة الله سبحانه إنما تعلم بوقوع الفعل؛ لأنه لا ~~يكون إلا ما يشاء، فإذا قال: أنت طالق إن شاء الله، أو أنت طالق إن دخلت ~~الدار إن شاء ms1094 الله، فقد كان الطلاق بوجود المشيئة؛ لأن وجود الفعل علامة ~~عليها، وهذا أصل من أصول السنة، وقد مهدناه في مسائل الخلاف. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وقل عسى أن يهدين ربي.] # المسألة الخامسة: قوله تعالى: {وقل عسى أن يهديني ربي} [الكهف: 24] ~~الآية: فيه ثلاثة أقوال: # الأول: أمر قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم - على معنى التبرك أو ~~التأديب. # الثاني: أن المعنى عسى أن يهدين ربي لأقرب من ميعادكم. # فإن قيل: وأي قرب، وقد فات الأجل؟ قلنا: القرب هو ما أراد الله وقته وإن ~~بعد، والبعد ما لم يرد الله وقته وإن قرب الثالث: المعنى إنكم طلبتم مني ~~آيات دالة على نبوتي، فأخبرتكم، فلم تقبلوا مني، فعسى أن يعطيني الله ما هو ~~أقرب لإجابتكم مما سألتم. # PageV03P229 ### | [مسألة فائدة الاستثناء في قوله تعالى ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله] # المسألة السادسة: قال قوم: أي فائدة لهذا الاستثناء وهو حقيق واقع لا ~~محالة؛ لأن الدليل قد قام، وكل أحد قد علم بأن ما شاء الله كان. # قلنا: عنه أربعة أجوبة: # الأول: أنه تعبد من الله، فامتثاله واجب، لالتزام النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - له، وانقياده إليه، ومواظبته عليه. # الثاني: أن المرء قد اشتمل عقده على أنه إن شاء الله كان ما وعد بفعله أو ~~تركه واتصل بكلامه في ضميره، فينبغي أن يتصل ذلك من قوله في كلامه بلسانه، ~~حتى ينتظم اللسان والقلب على طريقة واحدة. # الثالث: أنه شعار أهل السنة، فتعين الإجهار به، ليميز من أهل البدعة. # الرابع: أن فيه التنبيه على ما يطرأ في العواقب بدفع أو تأت، ورفع ~~الإيهام المتوقع بقطع العقل المطلق في الاستغناء عن مشيئة الله سبحانه. # وهذه كانت فائدة الاستثناء دخلت في اليمين بالله رخصة، وبقيت سائر ~~الالتزامات على الأصل؛ ولهذا يروى عن بعض المتقدمين أنه إذا قال لعبده: أنت ~~حر إن شاء الله، فهو حر؛ لأنه قربة. ولو قالها في الطلاق لم تلزم؛ لأنه ~~أبغض الحلال إلى الله. وهذا ضعيف؛ لأنه إن كان ms1095 الاستثناء يرفع العقد ~~الملتزم في اليمين بالله والطلاق فليرفعه في العتق، وإن كانت رخصة في ~~اليمين بالله لكثرة ترددها فلا يقاس على الرخص. ### | [مسألة الله أدب رسوله عليه السلام بربط الأمور بمشيئة الله] # المسألة السابعة: # هذه الآية حجزة بين الكفر والإيمان والبدعة والسنة، وذلك أن الله أدب ~~رسوله - عليه السلام - بربط الأمور بمشيئة الله، تقدس تعالى، وأجمعت الأمة ~~على أن الرجل لو قال لرجل آخر له عليه حق: والله لأعطينك حقك غدا إن شاء ~~الله، فجاء الغد ولم يعطه شيئا أنه لا حنث عليه في يمينه، ولا يلحقه فيه ~~كذب، والتأخير معصية من الغني # PageV03P230 # القادر، ولو كان الله لم يشأ التأخير؛ لأنه معصية، وهو لا يشاء المعاصي، ~~كما يقولون، إذن كان يكون الحالف كاذبا حانثا. # ألا ترى أنه لو قال: والله لأعطينك حقك إن عشت غدا، فعاش فلم يعطه كان ~~حانثا كاذبا. # وعند معتزلة البصرة وبغداد أن مشيئة الله لإعطاء هذا الحالف ما عليه من ~~الحق أمره، وقد علم حصول أمره بذلك، فيجب أن يكون استثناء الحالف بمشيئة ~~الله في ذلك المعلوم حصوله بمنزلة استثناء الحالف بكل معلوم حصوله، وكما لو ~~قال: والله لأعطينك حقك إن أمرني الله غدا بذلك. ولا فرق بينهما، بيد أن ~~أهل البصرة قالوا: إن الله أراد إعطاء حق هذا إرادة متقدمة للأمر به، وبذلك ~~صار الأمر أمرا، وهي متجددة في كل وقت، والحالف كاذب على كل قول من ~~أقوالهم، حانث. # وقد زعم البغداديون أن مشيئة الله هي تقية العبد إلى غد وتأخيره له، ورفع ~~العوائق عنه. ولو كان صحيحا لوجب إذا أصبح الحالف حيا باقيا سالما من ~~العوائق أن يكون كاذبا حانثا إذا لم يعطه حقه. # وقد قالوا: إنما لم يلزمه الحنث إذا قال: إن شاء الله؛ رخصة من الشرع. # قلنا: حكم الشرع بسقوط الحرج والحنث عنه إذا قال: إن شاء الله، وبقائه ~~عليه إذا قال: إن أبقاني الله دليل على أن الفرق بينهما بين معنى، كما هو ~~بين لفظا؛ إذ لو كان معنى واحدا ms1096 لما اختلف الحكم. # ومنهم من قال: إن معناه إلا أن يشاء الله إلجائي إليه، وهذا فاسد؛ فإن ~~الله لو ألجأه إليه لم يتصور التكليف فيه بالإلزام؛ لأن الإكراه على فعل ~~الشيء مع الأمر به عندهم محال، فلا وجه لقولهم بحال. # وقد بسطناه في كتب الأصول بأعم من هذا التفصيل. ### | [الآية الرابعة قوله تعالى ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين] # الآية الرابعة: قوله: {ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا - ~~قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع ما لهم من ~~دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا} [الكهف: 25 - 26]. # PageV03P231 # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: قال مالك: الكهف من ناحية الروم. وروى سفيان عن يعلى بن ~~مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: غزونا مع معاوية غزوة المضيق نحو ~~الروم، فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف الذي ذكر الله في القرآن، وذكر ~~الحديث بطوله. # واسم الجبل الذي فيه الكهف بنجلوس. وقال الضحاك: الكهف الغار في الوادي، ~~والأول أصح. # وقال قوم: إن الكهف في ناحية الشام على قرب من وادي موسى، ينزله الحجاج ~~إذا ساروا إلى مكة، والله أعلم بصحة ذلك. # وقال البخاري في باب: " أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم ". ثم أدخل عليه ~~باب " حديث الغار " وذكر عليه خبر الثلاثة الذين آواهم المطر إلى غار، ~~وانطبق عليهم، فقالوا: «والله لا ينجيكم إلا الصدق» وذكر الحديث. # المسألة الثانية: في قوله: {قل الله أعلم بما لبثوا} [الكهف: 26] # هي الحجة: لأن قوله: {ولبثوا في كهفهم} [الكهف: 25] من كلامهم. وقد قدمنا ~~فيما قبل سكنى الجبال ودخول الغيران للعزلة عن الخلق والانفراد بالخالق، ~~والله أعلم. ### | [مسألة الفرار من الظالم] # المسألة الثالثة: فيه جواز الفرار من الظالم: # وهي سنة الأنبياء والأولياء، وحكمة الله في الخليقة. وقد شرحناها في كتب ~~الحديث. # PageV03P232 ### | [الآية الخامسة قوله تعالى ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله] # الآية الخامسة: # قوله تعالى: {ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا ms1097 قوة إلا بالله إن ~~ترني أنا أقل منك مالا وولدا} [الكهف: 39]. فيها مسألتان: # المسألة الأولى: الذكر مشروع للعبد في كل حال على الندب، وقد روى الترمذي ~~وغيره عن عائشة أنها قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكر ~~الله كل أحيانه». وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح: «لو أن ~~أحدهم إذا أتى أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما ~~رزقتنا، فقضي بينها ولد لم يضره الشيطان أبدا». # ومن جملة الأوقات التي يستحب فيها ذكر الله إذا دخل أحدنا منزله أو ~~مسجده، وهي: # المسألة الثانية: أن يقول كما قال الله: {ولولا إذ دخلت جنتك} [الكهف: ~~39] أي منزلك قلت: {ما شاء الله لا قوة إلا بالله} [الكهف: 39]. قال أشهب: ~~قال مالك: ينبغي لكل من دخل منزله أن يقول هذا. # PageV03P233 # وقال ابن وهب: قال لي حفص بن ميسرة: رأيت على باب وهب بن منبه مكتوبا {ما ~~شاء الله لا قوة إلا بالله} [الكهف: 39]. وروي أن من قال أربعا أمن من ~~أربع، من قال هذه أمن من هذا، ومن قال: حسبنا الله ونعم الوكيل أمن من كيد ~~الناس له قال تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ~~فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} [آل عمران: 173]. # ومن قال أفوض أمري إلى الله أمنه الله من المكر. قال تعالى مخبرا عن ~~العبد الصالح أنه قال: {وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد} [غافر: ~~44] {فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب} [غافر: 45]. ~~ومن قال: {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} [الأنبياء: 87]، أمن ~~من الغم، وقد قال قوم: ما من أحد يقول ما شاء الله كان فأصابه شيء إلا رضي ~~به. والله أعلم. ### | [الآية السادسة قوله تعالى المال والبنون زينة الحياة الدنيا] # والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا} [الكهف: 46]. فيها أربع ~~مسائل: # المسألة الأولى: قد بينا في كتب الأصول أن كل موجود ما عدا الله وصفاته ~~العلا له ms1098 أول، فإن كل موجود ما عدا نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار له آخر، ~~وكل ما لا آخر له فهو الباقي حقيقة. ولكن الباقي بالحق والحقيقة هو الله، ~~حسبما بيناه في كتاب الأمد. # فأما نعيم الجنة فأصول مذ خلقت لم تفن ولا تفنى بخبر الله تعالى؛ وفروع ~~وهي النعم، هي أعراض إنما توصف بالبقاء على معنى أن أمثالها يتجدد من غير ~~انقطاع، كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما يأتي بيانه في ~~سورة مريم وغيرها إن شاء الله، وعلى ما تقدم بيانه قبل في سورة النساء ~~بقوله: {كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها} [النساء: 56] # PageV03P234 # فهذا فناء وتجديد، فيجعله بقاء مجازا بالإضافة إلى غيره، فإنه يفنى فلا ~~يعود، فإذا ثبت هذا، وهي: # المسألة الثانية: فالأعمال التي تصدر عن الخلق من حسن وقبيح لا بقاء لها، ~~ولا تجدد بعد فناء الخلق، فهي باقيات صالحات وطالحات، حسنات وسيئات في ~~الحقيقة، لكن لما كانت الأعمال أسبابا في الثواب والعقاب، وكان الثواب ~~والعقاب دائمين لا ينقطعان، وباقيين لا يفنيان، كما قدمنا بيانه، وصفت ~~الأعمال بالبقاء، حملا مجازيا عليها، على ما بيناه في كتب الأصول من وجه ~~تسمية المجاز. # وأما تسمية الشيء بسببه المتقدم عليه، أو تسميته بفائدته المقصودة به، ~~فندب الله تعالى إلى الأعمال الصالحة، ونبه على أنها خير ما في الدنيا من ~~أهل ومال، وعمل وحال في المآل، فقال، وهي: # المسألة الثالثة: والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا من المال ~~والبنين، وخير أملا فيما يستقبلون إرادته، واقتضى ذلك، وهي: # المسألة الرابعة: أن يكون بهذا العموم الباقيات الصالحات كل عمل صالح، ~~وهو الذي وعد بالثواب عليه، إلا أن المفسرين عينوا في ذلك أقوالا، ورووا ~~فيه أحاديث، واختاروا من ذلك أنواعا يكثر تعدادها، ويطول إيرادها، أمهاتها ~~أربعة: # الأول: روى مالك عن سعيد بن المسيب، «أن الباقيات الصالحات قول العبد: ~~الله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله». # الثاني: روى ابن وهب عن علي بن أبي ms1099 طالب مثله. # الثالث: مثله عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # الرابع: أنها الصلوات الخمس، وروي عن ابن عباس وغيره؛ وبه أقول، وإليه # PageV03P235 # أميل، وليس في الباب حديث صحيح، أما أن فضل التسبيح والتكبير والتهليل ~~والحوقلة مشهور في الصحيح كثير، ولا مثل للصلوات الخمس في ذلك بحساب ولا ~~تقدير. والله أعلم. ### | [الآية السابعة قوله تعالى وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين] # أو أمضي حقبا} [الكهف: 60]. وهي آية سيرتبط بها غيرها؛ لأنه حديث الخضر ~~كله، وذلك في سبع عشرة مسألة. # المسألة الأولى: في سرد الحديث، وقد مهدناه في شرح الصحيحين بغاية ~~الإيعاب، وشرحنا مسائله، وتكلمنا على ما يتعلق به، ونحن الآن هاهنا لا نعدو ~~ما يتعلق بالآيات على التقريب الموجز الموعب فيها بعون الله ومشيئته. # فأما حديثه فهو ما روى أبي بن كعب وغيره، والمعول على حديث ابن عباس، قال ~~سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: إن نوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب بني ~~إسرائيل ليس موسى صاحب الخضر، فقال: كذب عدو الله، سمعت أبي بن كعب يقول: ~~سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: قام موسى خطيبا في بني ~~إسرائيل، فسئل أي الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم. فعتب الله عليه، إذ لم يرد ~~العلم إليه، فأوحى الله إليه أن عبدا من عبادي بمجمع البحرين هو أعلم منك. ~~قال موسى: أي رب، فكيف لي به؟ فقال له: احمل حوتا في مكتل، فحيث تفقد الحوت ~~فثم هو، وانطلق معه فتاه يوشع بن نون، فجعل موسى حوتا في مكتل، فانطلق ~~وفتاه يمشيان حتى أتيا الصخرة، فرقد موسى وفتاه، فاضطرب الحوت في المكتل ~~حتى خرج من المكتل، فسقط في البحر قال: وأمسك الله عنه جرية الماء، حتى كان ~~مثل الطاق، وكان للحوت سربا، ولموسى ولفتاه عجبا، فانطلقا بقية يومهما ~~وليلتهما، ونسي صاحب موسى أن يخبره. فلما أصبح موسى قال لفتاه: {آتنا ~~غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا} [الكهف: 62]. # PageV03P236 # قال: ولم ينصب حتى جاوز المكان الذي أمر به. قال: ms1100 {قال أرأيت إذ أوينا ~~إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله ~~في البحر عجبا} [الكهف: 63] {قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا} ~~[الكهف: 64]. # قال: فكانا يقصان آثارهما. قال سفيان: يزعم ناس أن تلك الصخرة عندها عين ~~الحياة، ولا يصيب ماؤها ميتا إلا عاش. قال: وكان الحوت قد أكل منه، فلما ~~قطر عليه الماء عاش. قال: فقصا آثارهما حتى أتيا الصخرة، فرأى رجلا مسجى ~~عليه بثوب، فسلم عليه، فقال: إني بأرضك السلام؟ قال: أنا موسى. قال: موسى ~~بني إسرائيل؟ قال: نعم قال: يا موسى، إنك على علم من علم الله علمكه لا ~~أعلمه، وأنا على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه. فقال موسى: {أتبعك على ~~أن تعلمني مما علمت رشدا} [الكهف: 66] {قال إنك لن تستطيع معي صبرا} ~~[الكهف: 67]. قال له الخضر: {فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك ~~منه ذكرا} [الكهف: 70] قال: نعم. فانطلق الخضر وموسى يمشيان على ساحل ~~البحر، فمرت بهما سفينة، فكلماهم أن يحملوهما، فعرفوا الخضر، فحملوها بغير ~~نول، فعمد الخضر إلى لوح من ألواح السفينة فنزعه، فقال له موسى. قوم حملونا ~~بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها، لقد جئت شيئا إمرا. قال: ~~{ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا} [الكهف: 72] {قال لا تؤاخذني بما نسيت ~~ولا ترهقني من أمري عسرا} [الكهف: 73]. ثم خرجا من السفينة، فبينما هما ~~يمشيان على الساحل إذا بغلام يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر برأسه، فاقتلعه ~~بيده، فقتله. قال له موسى: {أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا} ~~[الكهف: 74] {قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا} [الكهف: 75]. # PageV03P237 # قال: وهذه أشد من الأولى: {إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من ~~لدني عذرا} [الكهف: 76] {فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها ~~فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت ~~عليه أجرا} [الكهف: 77] {قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما ms1101 لم ~~تستطع عليه صبرا} [الكهف: 78]. # قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يرحم الله موسى لوددنا أنه صبر ~~حتى يقص علينا من أخبارهما» قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~الأولى كانت من موسى نسيانا. # قال: وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة، ثم نقر في البحر، فقال له الخضر: ~~ما علمي وعلمك في علم الله إلا بمقدار ما أخذ هذا العصفور من البحر. قال ~~سعيد بن جبير: وكان ابن عباس يقرأ: وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة ~~غصبا. وكان يقرأ: وأما الغلام فكان كافرا. قال ابن عباس: قال أبي: قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع ~~كافرا». وقال أبو هريرة: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما سمي ~~الخضر؛ لأنه جلس على فروة بيضاء فاهتزت تحته خضراء». # المسألة الثانية: قوله تعالى: {وإذ قال موسى لفتاه} [الكهف: 60] فيه ~~قولان: # أحدهما: أنه كان معه يخدمه. والثاني: أنه ابن أخته وهو يوشع بن نون بن ~~أفرائيم بن يوسف بن يعقوب. وإنما سماه فتاه؛ لأنه قام مقام الفتى، وهو ~~العبد؛ قال تعالى: {وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم} [يوسف: 62] وقال: # PageV03P238 # {تراود فتاها} [يوسف: 30] وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقولن أحدكم ~~عبدي وأمتي، وليقل فتاي وفتاتي». فظاهر القرآن يقتضي أنه عبد. وفي الحديث ~~أنه كان يوشع بن نون. وفي التفسير أنه ابن أخته. وهذا كله ما لا يقطع به، ~~فالوقف فيه أسلم. ### | [مسألة الرحلة في طلب العلم الذي ليس بفرض] # المسألة الثالثة: فيه الرحلة في طلب العلم الذي ليس بفرض، وقد رحلت ~~الصحابة فيه وأذن لهم في الترحل في طلب الدنيا فضلا عن الدين، وقد بيناه في ~~غير موضع. ### | [المسألة الرابعة من الآية الثامنة قوله تعالى فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما] # المسألة الرابعة من الآية الثامنة {فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما ~~فاتخذ سبيله في البحر سربا} [الكهف: 61]. # جعل الله تعالى النسيان سببا للزيادة على مقدار الحاجة في المسير؛ لأن ~~الله كان كتب له لقاءه، وكتب الزيادة ms1102 في السير على موضع اللقاء، فنفذ الكل؛ ~~وفيه دليل على جواز النسيان على الأنبياء، وكذلك على الخلق في معاني الدين، ~~وهو عفو عند الله سبحانه، كما تقدم. ### | [المسألة الخامسة من الآية التاسعة قوله تعالى قال لفتاه آتنا غداءنا] # } [الكهف: 62] بين ذلك جواز الاستخدام للأصحاب أو العبيد في أمور المعاش ~~وحاجة المنافع، لفضل المنزلة، أو لحق السيدية. # PageV03P239 ### | [المسألة السادسة من الآية العاشرة قوله تعالى وما أنسانيه إلا الشيطان] # } [الكهف: 63]: نسيه يوشع، ونسيه أيضا موسى، ونسبة الفتى نسيانه إلى ~~الشيطان؛ لأنه متمكن منه. ولا ينسب نسيان الأنبياء إلى الشيطان؛ لأنه لا ~~يتمكن منهم، وإنما نسيانهم أسوة للخلق وسنة فيهم. ### | [مسألة قوله تعالى واتخذ سبيله في البحر عجبا] # المسألة السابعة: قوله تعالى: {واتخذ سبيله في البحر عجبا} [الكهف: 63] ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: فصار الماء على الحوت مثل الطاق، ليكون ~~ذلك علامة لموسى، ولولاه ما علم أين فقد الحوت، ولا وجد إلى لقاء المطلوب ~~سبيلا. ### | [المسألة الثامنة من الآية الحادية عشرة قوله تعالى هل أتبعك على أن تعلمن] # ي} [الكهف: 66]: وهو دليل على أن المتعلم تبع للعالم، ولو تفاوتت ~~المراتب. ### | [المسألة التاسعة من الآية الثانية عشرة قوله تعالى إنك لن تستطيع معي صبرا] # } [الكهف: 67]. # حكم عليه بعادة الخلق في عدم الصبر عما يخرج من الاعتياد، وهو أصل في ~~الحكم بالعادة. ### | [المسألة العاشرة من الآية الثالثة عشرة قوله تعالى ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا] # } [الكهف: 69]. # قال علماؤنا رحمة الله عليهم: استثنى في التصبر، ولم يستثن في امتثال ~~الأمر، فلا جرم وجه ما استثنى فيه، فكان إذا أراد أن يخرق السفينة أو يقتل ~~الغلام لم يقبض يده، ولا نازعه، وخالفه في الأمر، فاعترض عليه، وسأله. # PageV03P240 ### | [المسألة الحادية عشرة من الآية الرابعة عشرة قوله تعالى لا تؤاخذني بما نسيت] # } [الكهف: 73]. ذكر أن النسيان لا يقتضي المؤاخذة؛ وهذا يدل على ما ~~قدمناه من أنه لا يدخل تحت التكليف، ولا يتعلق به حكم في طلاق ولا غيره. ### | [المسألة الثانية عشرة من الآية الخامسة ms1103 عشرة قوله تعالى إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني] # } [الكهف: 76]. فهذا شرط، وهو لازم، والمسلمون عند شروطهم، وأحق الشروط ~~أن يوفى به ما التزمه الأنبياء، أو التزم للأنبياء، فهذا أصل من القول ~~بالشروط وارتباط الأحكام بها، وهو يستدل به في الأيمان وغيرها. ### | [مسألة قيام الاعتذار بالمرة الواحدة مطلقا] # المسألة الثالثة عشرة: قوله تعالى: {قد بلغت من لدني عذرا} [الكهف: 76] ~~هذا يدل على قيام الاعتذار بالمرة الواحدة مطلقا، وبقيام الحجة من المرة ~~الثانية بالقطع. # المسألة الرابعة عشرة: صبر موسى على قتل من لا يستحق عنده القتل، ولم ~~يغتر لما كان أعلمه من أن عنده علما ليس عنده، ولولا ذلك ما صبر على حال ~~ظاهرها المحال، وكان هو أعلم بباطنها في المآل. ### | [المسألة الخامسة عشرة من الآية السادسة عشرة قوله تعالى فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها] # } [الكهف: 77]. وصلا إلى القرية محتاجين إلى الطعام، فعرضوا أنفسهم ~~عليهم، وكانوا ثلاثة، فأبوا عن قبول ذلك منهم، وهذا سؤال، وهو على مراتب في ~~الشرع، ومنازل بيناها في كتاب شرح الصحيحين. وهذا السؤال من تلك الأقسام هو ~~سؤال الضيافة، وهي فرض أو سنة كما بيناه # PageV03P241 # هنالك، وسؤالها جائز، فقد تقدم في حديث أبي سعيد الخدري أنهم نزلوا بقوم ~~فاستضافوهم، فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيدهم، فسألوهم: هل من راق، فجعلوهم ~~على قطيع من الغنم. . الحديث إلى آخره. # وذكروا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فجوز الكل، وقد كان موسى حين ~~سقى لبنتي شعيب أجوع منه حين أتى القرية مع الخضر، ولم يسأل قوتا؛ بل سقى ~~ابتداء، وفي القرية سألا القوت، وفي ذلك للعلماء انفصالات كثيرة، منها أن ~~موسى كان في حديث مدين منفردا، وفي قصة القرية تبعا لغيره. وقيل: كان هذا ~~سفر تأديب فوكل إلى تكليف المشقة، وكان ذلك سفر هجرة فوكل إلى العون ~~والقوة. ### | [المسألة السادسة عشرة من الآية السابعة عشرة قوله تعالى أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر] # فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا} [الكهف: 79]. ~~فاستدل به ms1104 من قال: إن المسكين هو الذي ليس له شيء، وفر من ذلك قوم حتى ~~قرءوها لمساكين بتشديد السين من الاستمساك، وهذا لا حاجة إليه؛ فإنه إنما ~~نسبهم إلى المسكنة لأجل ضعف القوة، بل عدمها في البحر، وافتقار العبد إلى ~~المولى كسبا وخلقا. ومن أراد أن يعلم يقينا أن الحول والقوة لله فليركب ~~البحر. ### | [المسألة السابعة عشرة من الآية الثامنة عشرة قوله تعالى وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة] # وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ~~ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه ~~صبرا} [الكهف: 82]. # PageV03P242 ### | [الآية التاسعة عشرة قوله تعالى قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض] # فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا} [الكهف: 94]. # فيها مسألة واحدة: الخرج: الجزاء والأجرة، وكان ملكا ينظر في أمورهم، ~~ويقوم بمصالحهم، فعرضوا عليه جزاء في أن يكف عنهم ما يجدونه من عادية يأجوج ~~ومأجوج، وعلى الملك فرض أن يقوم بحماية الخلق في حفظ بيضتهم، وسد فرجتهم، ~~وإصلاح ثغرهم من أموالهم التي تفيء عليهم، وحقوقهم التي يجمعها خزنتهم تحت ~~يده ونظره، حتى لو أكلتها الحقوق، وأنفدتها المؤن، واستوفتها العوارض، لكان ~~عليهم جبر ذلك من أموالهم، وعليه حسن النظر لهم، وذلك بثلاثة شروط: # الأول: ألا يستأثر بشيء عليهم. # الثاني: أن يبدأ بأهل الحاجة منهم فيعينهم. # الثالث: أن يسوي في العطاء بينهم على مقدار منازلهم، فإذا فنيت بعد هذا ~~ذخائر الخزانة وبقيت صفرا فأطلعت الحوادث أمرا بذلوا أنفسهم قبل أموالهم، ~~فإن لم يغن ذلك فأموالهم تؤخذ منهم على تقدير، وتصرف بأحسن تدبير. # فهذا ذو القرنين لما عرضوا عليه المال قال: لست أحتاج إليه، وإنما أحتاج ~~إليكم فأعينوني بقوة، أي اخدموا بأنفسكم معي، فإن الأموال عندي والرجال ~~عندكم؛ ورأى أن الأموال لا تغني دونهم، وأنهم إن أخذوها أجرة نقص ذلك مما ~~يحتاج إليه، فعاد عليهم بالأخذ، فكان التطوع بخدمة الأبدان أولى. وقد بينا ~~ذلك كله في كتاب الفيء ms1105 والخراج والأموال من شرح الحديث بيانا شافيا، وهذا ~~القدر يتعلق بالقرآن من الأحكام، وتمامه هنالك. # وضبط الأمر فيه أنه لا يحل أخذ مال أحد إلا لضرورة تعرض فيؤخذ ذلك المال ~~جهرا لا سرا، وينفق بالعدل لا بالاستئثار، وبرأي الجماعة لا بالاستبداد ~~بالرأي. والله الموفق للصواب. # PageV03P243 ### | [الآية العشرون قوله تعالى قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا] # الآية الموفية عشرين قوله تعالى: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا} ~~[الكهف: 103] {الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون ~~صنعا} [الكهف: 104]. فيها مسألة: أجاب الله عما وقع التقرير عليهم بقوله: ~~{أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم ~~القيامة وزنا} [الكهف: 105]. لكن العلماء من الصحابة ومن بعدهم حملوا عليهم ~~غيرهم، وألحقوا بهم من سواهم ممن كان في معناهم، ويرجعون في الجملة إلى ~~ثلاثة أصناف: # الصنف الأول: الكفار بالله، واليوم الآخر، والأنبياء، والتكليف؛ فإن الله ~~زين لكل أمة عملهم، إنفاذا لمشيئته، وحكما بقضائه، وتصديقا لكلامه. # الصنف الثاني: أهل التأويل الفاسد الدليل الذين أخبر الله عنهم بقوله: ~~{فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء ~~تأويله} [آل عمران: 7] كأهل حروراء والنهروان، ومن عمل بعملهم اليوم، وشغب ~~الآن على المسلمين تشغيب أولئك حينئذ، فهم مثلهم وشر منهم. قال علي بن أبي ~~طالب يوما، وهو على المنبر: لا يسألني أحد عن آية من كتاب الله إلا أخبرته، ~~فقام ابن الكواء، فأراد أن يسأله عما سأل عنه صبيغ عمر بن الخطاب، فقال: ما ~~الذاريات ذروا؟ قال علي: الرياح. قال: ما الحاملات وقرا؟ قال: السحاب. قال: ~~فما الجاريات يسرا؟ قال: السفن. قال: فما المقسمات أمرا؟ قال: الملائكة. ~~قال: فقول الله تعالى: {هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا} [الكهف: 103] قال: ارق ~~إلي أخبرك. قال: فرقى إليه درجتين قال: فتناوله بعصا كانت بيده، فجعل يضربه ~~بها. ثم قال: أنت وأصحابك. وهذا بناء على القول بتكفير المتأولين. وقد ~~قدمنا نبذة منه، وتمامها في كتب الأصول. # الصنف الثالث: الذين أفسدوا أعمالهم بالرياء وضيعوا أحوالهم بالإعجاب، ~~وقد # PageV03P244 # أتينا على ms1106 البيان في ذلك من قبل، ويلحق بهؤلاء الأصناف كثير، وهم الذين ~~أفنوا زمانهم النفيس في طلب الخسيس. كان شيخنا الطوسي الأكبر يقول: لا يذهب ~~بكم الزمان في مصاولة الأقران ومواصلة الإخوان. وقد ختم الباري البيان، ~~وختم البرهان بقوله: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد ~~فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} ~~[الكهف: 110]. # PageV03P245 ### | [سورة مريم فيها ست آيات] ### | [الآية الأولى قوله تعالى ذكر رحمة ربك عبده زكريا إذ نادى ربه نداء خفيا] # الآية الأولى قوله تعالى: {ذكر رحمت ربك عبده زكريا} [مريم: 2] {إذ نادى ~~ربه نداء خفيا} [مريم: 3]. فيها مسألتان: # المسألة الأولى: هذا يناسب قوله: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} [الأعراف: ~~55]. # وقد روى سعد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «خير الذكر الخفي، ~~وخير الرزق ما يكفي» وذلك لأنه أبعد من الرياء، فأما دعاء زكريا فإنما كان ~~خفيا، وهي: # المسألة الثانية: لوجهين: # أحدهما: أنه كان ليلا. # والثاني: لأنه ذكر في دعائه أحوالا تفتقر إلى الإخفاء، كقوله: وإني خفت ~~الموالي من ورائي. وهذا مما يكتم ولا يجهر به، وقد أسر مالك القنوت، وجهر ~~به الشافعي، والجهر أفضل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو به ~~جهرا حسبما ورد في الصحيح. والله أعلم. # PageV03P246 ### | [الآية الثانية قوله تعالى وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا] # فهب لي من لدنك وليا} [مريم: 5]. فيها مسألتان: # المسألة الأولى: قد بينا أن للمولى ثمانية معان في كتب الأصول والحديث، ~~وأوضحنا أن من جملتها الوارث، وابن العم. ولم يخف زكريا إرث المال، ولا ~~رجاه من الولد؛ وإنما أراد إرث النبوة، وعليها خاف أن تخرج عن عقبه، فقد ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه ~~صدقة». وفي لفظ آخر: «إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا ~~علما». والأول أصح. # المسألة الثانية: رجا زكريا ربه في الولد لوجهين: # أحدهما: أنه دعاه لإظهار دينه، وإحياء نبوته، ومضاعفة أجره، في ولد ms1107 صالح ~~نبي بعده، ولم يسأله للدنيا. # الثاني: لأن ربه كان قد عوده الإجابة، وذلك لقوله تعالى: {ولم أكن بدعائك ~~رب شقيا} [مريم: 4]. وهذه وسيلة حسنة أن يتشفع إليه بنعمه، ويستدر فضله ~~بفضله. يروى أن حاتم الجواد لقيه رجل، فسأله فقال له حاتم: من أنت؟ قال: ~~أنا الذي أحسنت إليه عام أول. قال: مرحبا بمن تشفع إلينا بنا. # PageV03P247 ### | [الآية الثالثة قوله تعالى يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا] # } [مريم: 12]. فيها مسألتان: # المسألة الأولى: قد بينا الحكمة والحكم في سورة البقرة من كتابنا هذا، ~~وفي غيره من الكتب، وأوضحنا وجوهها ومتصرفاتها ومتعلقاتها كلها. وأجلها ~~مرتبة النبوة. # المسألة الثانية: في المراد بالحكم هاهنا: وفيه ثلاثة أقوال: # الأول: الوحي. والثاني: النبوة. والثالث: المعرفة والعمل بها. وهذا كله ~~محتمل يفتقر إلى تحقيق؛ فأما من قال: إنه الوحي فجائز أن يوحي الله إلى ~~الصغير، ويكاشفه بملائكته وأمره، وتكون هذه المكاشفة نبوة غير مهموزة رفعة ~~ومهموزة إخبارا، ويجوز أن يرسله إلى الخلق كامل العقل والعلم مؤيدا ~~بالمعجزة، ولكن لم يرد بذلك خبر، ولا كان فيمن تقدم. وقول عيسى: {إني عبد ~~الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا} [مريم: 30]. إخبار عما وجب له حصوله، لا ~~عما حصل بعد. # وأما العلم والعمل فقد روى ابن وهب عن مالك في قوله: {وآتيناه الحكم ~~صبيا} [مريم: 12]. قال عيسى: أوصيكم بالحكمة، والحكمة في قول مالك هي طاعة ~~الله، والاتباع لها، والفقه في الدين والعمل به، وقال: ويبين ذلك أنك تجد ~~الرجل عاقلا في أمر الدنيا ذا بصر فيها، وتجد آخر ضعيفا في أمر دنياه عالما ~~بأمر دينه بصيرا به، يؤتيه الله إياه، ويحرمه هذا، فالحكمة الفقه في دين ~~الله. # PageV03P248 # وروى عنه ابن القاسم أنه سئل عن تفسير قوله تعالى: {وآتيناه الحكم صبيا} ~~[مريم: 12] قال: المعرفة والعمل به. انتهى قول مالك. # وفي الإسرائيليات أنه قيل ليحيى، وهو صغير: ألا تذهب نلعب؟ قال: ما خلقت ~~للعب. ### | [الآية الرابعة قوله تعالى وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا] # } [مريم: 25]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: ms1108 قوله: {وهزي إليك بجذع النخلة} [مريم: 25] أمر بتكلف ~~الكسب في الرزق، وقد كانت قبل ذلك يأتيها رزقها من غير تكسب، كما قال ~~تعالى: {كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك ~~هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} [آل عمران: 37]. ~~قال علماؤنا: كان قلبها فارغا لله، ففرغ الله جارحتها عن النصب، فلما ولدت ~~عيسى، وتعلق قلبها بحبه، وكلها الله إلى كسبها، وردها إلى العادة في التعلق ~~بالأسباب، وفي معناه أنشدوا: # ألم تر أن الله قال لمريم ... إليك فهزي الجذع يساقط الرطب # ولو شاء أحنى الجذع من غير هزها ... إليها ولكن كل شيء له سبب # وقد كان حب الله أولى برزقها ... كما كان حب الخلق أدعى إلى النصب # المسألة الثانية: في صفة الجذع قولان: # أحدهما: أنه كان لنخلة خضراء، ولكنه كان زمان الشتاء، فصار وجود التمر في ~~غير إبانه آية. # PageV03P249 # الثاني: أنه كان جذعا يابسا فهزته، فاخضر وأورق وأثمر في لحظة. # ودخلت بيت لحم سنة خمس وثمانين وأربعمائة، فرأيت في متعبدهم غارا عليه ~~جذع يابس كان رهبانهم يذكرون أنه جذع مريم بإجماع، فلما كان في المحرم سنة ~~اثنتين وتسعين دخلت بيت لحم قبل استيلاء الروم عليه لستة أشهر، فرأيت الغار ~~في المتعبد خاليا من الجذع. فسألت الرهبان به، فقالوا: نخر وتساقط، مع أن ~~الخلق كانوا يقطعونه استشفاء حتى فقد. # المسألة الثالثة: قال ابن وهب: قال مالك: قال الله: رطبا جنيا. الجني: ما ~~طاب من غير نقش ولا إفساد، والنقش أن ينقش في أسفل البسرة حتى ترطب، فهذا ~~مكروه يعني مالك أن هذا تعجيل للشيء قبل رقته، وإفساد لجناه؛ فلا ينبغي ~~لأحد أن يفعله، ولو فعله فاعل ما كان ذلك مجوزا لبيعه، ولا حكما بطيبه، وقد ~~تقدم شيء من ذلك في سورة الأنعام. ### | [الآية الخامسة قوله تعالى إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا] # الآية الخامسة قوله تعالى: {إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن ~~عبدا} ms1109 [مريم: 93]. فيها مسألتان: # المسألة الأولى: قال محمد بن كعب: لقد كاد أعداء الله أن يقيموا علينا ~~الساعة بقولهم هذا لقوله تعالى: {تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض ~~وتخر الجبال هدا} [مريم: 90] {أن دعوا للرحمن ولدا} [مريم: 91] {وما ينبغي ~~للرحمن أن يتخذ ولدا} [مريم: 92] {إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي ~~الرحمن عبدا} [مريم: 93]. وصدق، فإنه قول عظيم سبق القضاء والقدر، ولولا أن ~~البارئ لا يضعه كفر الكافر، ولا يرفعه إيمان المؤمن، ولا يزيد هذا في ملكه، ~~كما لا ينقص ذلك من # PageV03P250 # ملكه، ما جرى شيء من هذا على الألسنة، ولكنه القدوس الحكيم الحليم، فلم ~~يبال بعد ذلك بما يقوله المبطلون. ### | [مسألة الرجل لا يجوز أن يملك ابنه] # المسألة الثانية: قوله: {إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن ~~عبدا} [مريم: 93] دليل على أن الرجل لا يجوز أن يملك ابنه ووجه الدليل عليه ~~من هذه الآية أن الله تعالى جعل الولدية والعبدية في طرفي تقابل، فنفى ~~إحداهما، وأثبت الأخرى، ولو اجتمعتا لما كان لهذا القول فائدة يقع الاحتجاج ~~بها، والاستدلال عليها، والتبري منها؛ ولهذا أجمعت الأمة على أن أمة الرجل ~~إذا حملت فإن ولدها في بطنها حر لا رق فيه بحال، وما جرى في أمه موضوع عنه، ~~ولو لم يوضع عنه، فلا خلاف في الولد، وبه يقع الاحتجاج. # وإذا اشترى الحر أباه وابنه عتقا عليه، حين يتم الشراء. # وفي الحديث الصحيح: «لن يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه ~~فيعتقه». فهذا نص. # والأول دليل من طريق الأولى؛ فإن الأب إذا لم يملك ابنه مع علو مرتبته ~~عليه فالابن بعدم ملك الأب أولى مع قصوره عنه، وكان الفرق بينهما أن هذا ~~الولد مملوك لغيره، فإذا أزال ملك الغير بالشراء إليه تبطل عنه، وعتق، ~~والتحق بالأول، وفي ذلك تفريع وتفصيل موضعه شرح الحديث، ومسائل الفقه، ~~فلينظر فيها. ### | [مسألة الآية السادسة قوله تعالى إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا] # الآية السادسة قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ms1110 سيجعل لهم ~~الرحمن ودا} [مريم: 96]. فيها مسألتان: # PageV03P251 # المسألة الأولى: روى مالك وغيره من الأئمة قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إن الله إذا أحب عبدا نادى جبريل: إني أحب فلانا فأحبه، فيحبه ~~جبريل. ثم ينادي ملائكة السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه؛ فتحبه ملائكة ~~السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، فذلك قول الله سبحانه: {إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا} [مريم: 96]. وإذا أبغض عبدا ~~فذكر مثله». # وفي كتب التفسير أحاديث في هذه الآية أعرضنا عنها لضعفها. # المسألة الثانية: روى ابن وهب وغيره عن مالك في حديث: «اتق الله يحبك ~~الناس، وإن كرهوك»، فقال: هذا حق، وقرأ: {إن الذين آمنوا} [مريم: 96] ~~الآية. وقرأ مالك: {وألقيت عليك محبة مني} [طه: 39]. وهذا يبين سبب حب ~~الله، وخلقه المحبة في الخلق؛ وذلك نص في قوله: {فإن الله يحب المتقين} [آل ~~عمران: 76] وهو أحد قسمي الشريعة من اجتناب النهي. # PageV03P252 ### | [سورة طه فيها ست آيات] ### | [الآية الأولى قوله تعالى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى] # الآية الأولى قوله تعالى: {إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس ~~طوى} [طه: 12]. فيها مسألتان: # المسألة الأولى: في خلع النعلين قولان: # أحدهما: ما أنبأنا أبو زيد الحميري، أنبأنا أبو عبد الله اللخمي، أنبأنا ~~أبو علي أحمد بن عبد الوهاب، أنبأنا عمي عبد الصمد، حدثنا عمي أبو عمر محمد ~~بن يوسف، حدثنا إسماعيل بن إسحاق، حدثنا مسدد، حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا ~~حميد بن عبد الله عن عبد الله بن الحارث عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «كانت نعلا موسى من جلد حمار ميت». # وحدثنا إبراهيم الهروي، حدثنا خلف بن خليفة الأشجعي، عن حميد الأعرج عن ~~عبد الله بن الحارث، عن ابن مسعود قال: يوم كلم الله موسى كان عليه جبة ~~صوف، وكساء صوف، وسراويل صوف، وكمة صوف، ونعلان من جلد حمار غير مذكى. ~~ورواه ابن عرفة عن خلف بن خليفة بمثله مسندا إلى رسول الله - صلى الله عليه ms1111 ~~وسلم -. الثاني: قال مجاهد: قال له ربه: اخلع نعليك، أفض بقدميك إلى بركة ~~الوادي. # PageV03P253 # قال القاضي أبو بكر في المسألة الثانية: إن قلنا: إن خلع النعلين كان ~~لينال بركة التقديس فما أجدره بالصحة، فقد استحق التنزيه عن النعل، واستحق ~~الواطئ التبرك بالمباشرة، كما لا تدخل الكعبة بنعلين، وكما كان مالك لا ~~يركب دابة بالمدينة، برا بتربتها المحتوية على الأعظم الشريفة، والجثة ~~الكريمة. # وإن قلنا برواية ابن مسعود، وإن لم تصح، فليس بممتنع أن يكون موسى أمر ~~بخلع نعليه، وكان أول تعبد أحدث إليه، كما كان أول ما قيل لمحمد - صلى الله ~~عليه وسلم -: {قم فأنذر} [المدثر: 2] {وربك فكبر} [المدثر: 3] {وثيابك ~~فطهر} [المدثر: 4] {والرجز فاهجر} [المدثر: 5]. # وقد اختلف الناس في جلد الميتة على أربعة أقوال: # الأول: أنه ينتفع به على حاله، وإن لم يدبغ قال ابن شهاب، لمطلق قوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «هلا أخذتم إهابها فانتفعتم به» ولم يذكر دباغا. # الثاني: أنه يدبغ فينتفع به مدبوغا، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «هلا ~~أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به» قاله مالك في أحد أقواله. # الثالث: أنه إذا دبغ فقد طهر، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أيما إهاب ~~دبغ فقد طهر». خرجه مسلم. # PageV03P254 # وخرج البخاري: «أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يتوضأ من قربة مدبوغة من ~~جلد ميتة، حتى صارت شنا» قاله مالك في القول الثاني، وهو الرابع، ووراء هذه ~~تفصيل. # والصحيح جواز الطهارة على الإطلاق، ويحتمل أن تكون نعلا موسى لم تدبغا، ~~ويحتمل أن تكونا دبغتا، ولم يكن في شرعه إذن في استعمالها. والأظهر أنها لم ~~تدبغ، وقد استوفينا القول في كتب الفقه والحديث في الباب. ### | [الآية الثانية قوله تعالى إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري] # } [طه: 14]. فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: في معنى قوله: {لذكري} [طه: 14] وفي ذلك ثلاثة أقوال: # الأول: أقم الصلاة، لأن تذكرني قاله مجاهد. # الثاني: أقم الصلاة لذكري لك بالمدح. # الثالث: أقم الصلاة إذا ذكرتني. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي ورويت عن ابن ms1112 ~~عباس: أقم الصلاة للذكر، وقرئ: للذكرى. # المسألة الثانية: لا خلاف في أن الذكر مصدر مضاف إلى الضمير، ويحتمل أن ~~يكون مضافا إلى الفاعل، ويحتمل أن يكون مضافا إلى ضمير المفعول. وقد روى ~~مالك وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من نام عن صلاة أو نسيها ~~فليصلها إذا ذكرها» فإن الله يقول: أقم الصلاة للذكرى، ولذكري، ومعنى قوله: ~~للذكرى إذا ذكرتك بها، ولتذكرني فيها، ولذكري لك بها. # PageV03P255 # فإن قيل: الذكر مصدر في الإثبات، ولا يحتمل العموم. قلنا: بل يحتمل ~~العموم، كما تقول: عجبت من ضربي زيدا، إذا كان الضرب الواقع به عاما في ~~جميع أنواع الضرب، فيكون العموم في كيفيات الضرب ومتعلقاته، والإثبات في ~~النكرة التي لا تعم ما يتناول الأشخاص. ### | [مسألة نام عن صلاة أو نسيها] # المسألة الثالثة: قوله: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» ~~يقتضي وجوب الصلاة على كل ذاكر إذا ذكر، سواء كان الذكر دائما، كالتارك لها ~~عن علم، أو كان الذكر طارئا، كالتارك لها عن غفلة، وكل ناس تارك، إلا أنه ~~قد يكون بقصد وبغير قصد، فمتى كان الذكر وجب الفعل دائما أو منقطعا. ~~فافهموا هذه النكتة تريحوا أنفسكم من شغب المبتدعة، فما زالوا يزهدون الناس ~~في الصلاة، حتى قالوا: إن من تركها متعمدا لا يلزمه قضاؤها، ونسبوا ذلك إلى ~~مالك. وحاشاه من ذلك، فإن ذهنه أحد، وسعيه في حياطة الدين آكد من ذلك، إنما ~~قال: إن من ترك صلاة متعمدا لا يقضي أبدا. كما قال في الأثر: «من أفطر يوما ~~من رمضان متعمدا لم يجزه صيام الدهر وإن صامه» إشارة إلى أن ما مضى لا ~~يعود، لكن مع هذا لا بد من توفية التكليف حقه بإقامة القضاء مقام الأداء، ~~وإتباعه بالتوبة، ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء. ### | [مسألة معنى قوله تعالى أقم الصلاة لذكري] # المسألة الرابعة: قالت المتزهدة: معنى: {وأقم الصلاة لذكري} [طه: 14] أي: ~~لا تذكر فيها غيري، فإنه قال: فاعبدني، أي لي تذلل، وأقم الصلاة لمجرد ~~ذكري، تحرم عن الدنيا، ms1113 وأخلص للأخرى، واعمر لسانك وقلبك بذكر المولى. وقد ~~بينا أن هذا لمن قدر عليه هو الأولى، فمن لم يفعل كتب له منها بمقدار ذلك ~~فيها، وقد مهدنا هذا في شرح الحديث. # PageV03P256 ### | [الآية الثالثة قوله تعالى وما تلك بيمينك يا موسى] # } [طه: 17] {قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب ~~أخرى} [طه: 18]. فيها خمس مسائل: # المسألة الأولى: قوله تعالى: {وما تلك بيمينك} [طه: 17] قال علماؤنا: ~~إنما سأله عنها لما كان أضمر من الآية له فيها، حتى إذا رجع عليها، وتحقق ~~حالها، وكسيت تلك الحلة الثعبانية بمرأى منه لابتدائها كان تبديلها مع ~~الذكر أوقع في القلب وأيسر له من أن يغفل عنها، فيراها بحلة الثعبانية ~~مكسوة، فيظن أنما عين أخرى سواها. # المسألة الثانية: {قال هي عصاي} [طه: 18] قال أرباب القلوب: الجواب ~~المطلق أن يقول هي عصا، ولا يضيف إلى نفسه شيئا، فلما أراد أن يكونا اثنين ~~أفرد عنها بصفة الحية، فبقي وحده لله، كما يحب، حتى لا يكون معه إلا الله، ~~يقول الله: أنت عبدي، ويقول موسى: أنت ربي. # المسألة الثالثة: أجاب موسى بأكثر من المعنى الذي وقع السؤال عنه فإنه ~~ذكر في الجواب أربعة معان، وكان يكفي واحد قال: الإضافة، والتوكؤ، والهش، ~~والمآرب المطلقة، وكان ذلك دليلا على جواب السؤال بأكثر من مقتضى ظاهره. ~~وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» لمن ~~سأله عن طهور ماء البحر. # المسألة الرابعة: الهش: هو أن يضع المحجن في أصل الغصن ويحركه فيسقط منه ~~ما سقط، ويثبت ما # PageV03P257 # ثبت قاله ابن القاسم عن مالك، وروي عنه أيضا أنه قال: «مر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - براع يعضد شجرة فنهاه عن ذلك، وقال: هشوا وارعوا»، وهذا ~~من باب الاقتصاد في الاقتيات، فإنه إذا عضد الشجرة اليوم لم يجد فيها غدا ~~شيئا ولا غيره ممن يخلفه، فإذا هش ورعى أخذ وأبقى، والناس كلهم فيه شركاء، ~~فليأخذ وليدع، إلا أن يكون الشيء كثيرا فليأخذه كيف شاء. # المسألة الخامسة. تعرض ms1114 قوم لتعديد منافع العصا، كأنهم يفسرون بذلك قول ~~موسى {ولي فيها مآرب أخرى} [طه: 18]، وهذا مما لا يحتاج إليه في العلم، ~~وإنما ينبغي أن يصرف العصا في حاجة عرضت؛ أما إنه يحتاج إليها في الدين في ~~موضع واحد إجماعا وهو الخطبة، وفي موضع آخر باختلاف وهو التوكؤ عليها في ~~صلاة النافلة. وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر به، رواه أبو ~~داود وغيره، وقد قدمنا ذكره في كل موضع هنا وسواه. ### | [الآية الرابعة قوله تعالى اذهبا إلى فرعون إنه طغى] # } [طه: 43] {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى - قالا ربنا إننا ~~نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى} [طه: 44 - 45]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى: يجوز أن يرسل الله رسولين، وقد بينا ذكر قاضيين وأميرين، ~~والرسالة بخلاف ذلك، فإنها تبليغ عن الله، فهي بمنزلة الشهادة، فإن كان ~~القضاء وقلنا لا يجوز لنبي أن يشرع إلا بوحي جاز أن يحكما معا، وإن قلنا ~~إنه يجوز أن يجتهد النبي لم يحكم إلا أحدهما، وهذا يتم بيانه في قصة داود ~~وسليمان إن شاء الله تعالى. # PageV03P258 ### | [مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر] # المسألة الثانية: في جواز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللين لمن ~~معه القوة، وضمنت له العصمة، ألا تراه قال لهما: قولا له قولا لينا، ولا ~~تخافا إنني معكما أسمع وأرى. # ففي الإسرائليات أن موسى أقام على باب فرعون سنة لا يجد رسولا يبلغ ~~كلاما، حتى لقيه حين خرج فجرى له ما قص الله علينا من أمره، وكان ذلك تسلية ~~لمن جاء بعده من المؤمنين في سيرتهم مع الظالمين. وربك أعلم بالمهتدين. ### | [الآية الخامسة قوله تعالى ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما] # } [طه: 115]. وقد تقدم ما في مثلها من أحكام؛ بيد أنه كنا في الإملاء ~~الأول قد وعدنا في قولهم: إنه أكلها ناسيا ببيانه في هذا الموضع، فها نحن ~~بقوة الله ننتقض من عهدة الوعد، فنقول: كما قال في تنزيه الأنبياء عن الذي ~~لا يليق بمنزلتهم ms1115 مما ينسب الجهلة إليهم من وقوعهم في الذنوب عمدا منهم ~~إليها، واقتحاما لها مع العلم بها، وحاش لله، فإن الأوساط من المسلمين ~~يتورعون عن ذلك، فكيف بالنبيين، ولكن البارئ سبحانه وتعالى بحكمه النافذ، ~~وقضائه السابق، أسلم آدم إلى المخالفة، فوقع فيها متعمدا ناسيا، فقيل في ~~تعمده: {وعصى آدم ربه} [طه: 121]. # وقيل في بيان عذره: {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي} [طه: 115]. ونظيره ~~من التمثيلات أن يحلف الرجل لا يدخل دارا أبدا، فيدخلها متعمدا ناسيا ~~ليمينه، أو مخطئا في تأويله، فهو عامد ناس، ومتعلق العمد غير متعلق ~~النسيان، وجاز للمولى أن يقول في عبده: عصى تحقيرا وتعذيبا، ويعود عليه ~~بفضله فيقول: نسي تنزيها، ولا يجوز لأحد منا أن يخبر بذلك عن آدم، إلا إذا ~~ذكرناه في أثناء قول الله عنه، أو قول نبيه. وأما أن نبتدئ في ذلك من قبل ~~أنفسنا فليس بجائز لنا في آبائنا الأدنين إلينا، المماثلين لنا، فكيف ~~بأبينا الأقدم الأعظم، النبي المقدم، الذي عذره الله، وتاب عليه، وغفر له. # PageV03P259 # ووجه الخطأ في قصة آدم غير متعين، ولكن وجوه الاحتمالات تتصرف، والمدرك ~~منها عندنا أن يذهل عن أكل الشجرة، كما ضربنا المثل في دخول الدار. # الثاني: أن يذهل عن جنس منهي منه، ويعتقده في عينه؛ إذ قال الله له هذه ~~الشجرة، كما تقدم في سورة البقرة. # الثالث: أن يعتقد أن النهي ليس على معنى الجزم الشرعي لمعنى مغيب. # فإن قيل: فقد قال: {فتكونا من الظالمين} [البقرة: 35]. قلنا: قد قيل ~~معناه من الظالمين لأنفسكما، كما قال: {فمنهم ظالم لنفسه} [فاطر: 32]. ~~والصحيح هو المعنى الأول، وهو الذي نسي من تحذير الله له، أو تأويله في ~~تنزيله، وربك أعلم كيف دار الحديث. والتعيين يفتقر إلى تأويله، وكذلك قلنا ~~إن الناسي في الحنث معذور، ولا يتعلق به حكم. والله أعلم. ### | [الآية السادسة قوله تعالى فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك] # قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ~~ترضى} [طه: 130]. # فيها خمس مسائل: # المسألة الأولى: قوله ms1116 تعالى: {ومن آناء} [طه: 130] وزنه أفعال، واحدها ~~إني مثل عدل، وإنى مثل عنب في السالم قال الله تعالى {غير ناظرين إناه} ~~[الأحزاب: 53]. ### | [مسألة المراد بقوله تعالى فسبح] # المسألة الثانية: لا خلاف أن المراد بقوله تعالى هاهنا: سبح، صل؛ لأنه ~~غاية التسبيح وأشرفه. # واختلف الناس هل ذلك بيان لصلاة الفرض أم لصلاة النفل؟ # PageV03P260 # فقيل: قبل طلوع الشمس يعني الصبح. وقبل غروبها يعني العصر. وقد قال - صلى ~~الله عليه وسلم -: «إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، فإن استطعتم ~~ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا». وفي الحديث ~~الصحيح أيضا: «من صلى البردين دخل الجنة». ### | [مسألة معنى قوله تعالى ومن آناء الليل] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {ومن آناء الليل} [طه: 130] يعني ساعاته، ~~يريد بذلك قيام الليل كله على أحد القولين. وفي الثاني صلاة المغرب والعشاء ~~الآخرة على حد قوله تعالى: {حين تمسون} [الروم: 17] في الفرض، وعلى حد قوله ~~تعالى: {يا أيها المزمل} [المزمل: 1] {قم الليل إلا قليلا} [المزمل: 2]، ~~على حد قولنا في أنه النفل. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وأطراف النهار] # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {وأطراف النهار} [طه: 130]: يعني في أحد ~~القولين صلاة الظهر. وقيل صلاة المغرب؛ لأنها في الطرف الثاني. والأول أصح؛ ~~لأن المغرب من طرف الليل، لا من طرف النهار. وفي القول الثاني بعني به صلاة ~~التطوع، وهو قول الحسن. والأول أصح. ### | [مسألة معنى قوله تعالى لعلك ترضى] # المسألة الخامسة: قوله تعالى: {لعلك ترضى} [طه: 130]: هو مجمل قوله ~~المفسر: {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} [الإسراء: 79]، ويماثل قوله ~~تعالى: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} [الضحى: 5]. # PageV03P261 ### | [سورة الأنبياء فيها ثلاث آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ~~ينطقون] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون} # [الأنبياء: 63]. فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: روى الأئمة عن أبي هريرة وغيره، واللفظ له قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «لم يكذب إبراهيم في شيء قط إلا في ثلاث: قوله: إني ~~سقيم، ms1117 ولم يكن سقيما، وقوله لسارة: أختي؛ وقوله تعالى: {بل فعله كبيرهم ~~هذا} [الأنبياء: 63]». وثبت أيضا في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: ثنتين منها في ~~ذات الله، قوله: {إني سقيم} [الصافات: 89] وقوله: {بل فعله كبيرهم هذا} ~~[الأنبياء: 63] وبينما هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة فقيل: ~~إن هاهنا رجلا معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه، فسأله عنها، فقال: من ~~هذه؟ قال: أختي. فأتى سارة فقال: يا سارة، ليس على وجه الأرض مؤمن غيري # PageV03P262 # وغيرك، وإن هذا سألني فأخبرته أنك أختي، فلا تكذبينني. فأرسل إليها فلما ~~دخلت عليه ذهب يتناولها بيده، فأخذ، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت ~~الله، فأطلق. ثم تناولها الثانية فأخذ مثلها أو أشد. فقال: ادعي الله لي ~~ولا أضرك، فأطلق، فدعا بعض حجبته فقال: لم تأتني بإنسان، إنما أتيتني ~~بشيطان، فأخدمها هاجر». # المسألة الثانية: قوله تعالى: {بل فعله كبيرهم هذا} [الأنبياء: 63] اختلف ~~الناس في ظاهر المقصود به، فمنهم من قال: هذا تعريض، وفي التعاريض مندوحة ~~عن الكذب. ومنهم من قال: بل فعله كبيرهم إن كانوا ينطقون؛ فشرط النطق في ~~الفعل. والأول أصح: لأنه عدده على نفسه، فدل على أنه خرج مخرج التعريض، ~~وذلك أنهم كانوا يعبدونهم ويتخذونهم آلهة دون الله، وهم كما قال إبراهيم ~~لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا؟ فقال ~~إبراهيم: بل فعله كبيرهم هذا، ليقولوا إنهم لا ينطقون ولا يفعلون ولا ~~ينفعون ولا يضرون، فيقول لهم: فلم تعبدون؟ فتقوم الحجة عليهم منهم. ولهذا ~~يجوز عند الأئمة فرض الباطل مع الخصم حتى يرجع إلى الحق من ذات نفسه، فإنه ~~أقرب في الحجة وأقطع للشبهة، كما قال لقومه: هذا ربي، على معنى الحجة ~~عليهم، حتى إذا أفل منهم تبين حدوثه، واستحالة كونه إلها. # المسألة الثالثة: قوله: هذا ربي، هذه أختي، وإني سقيم، وبل فعله كبيرهم: ~~هذه وإن كانت معاريض وحسنات، وحججا في ms1118 الحق، ودلالات، لكنها أثرت في ~~الرتبة، وخفضت عن محمد من المنزلة، واستحيا منها قائلها على ما ورد في حديث ~~الشفاعة؛ لأن الذي كان يليق بمرتبته في النبوة والخلة أن يصدع بالحق، ويصرح ~~بالأمر فيكون ما كان، ولكنه رخص له فقبل الرخصة، فكان ما كان من القصة، ~~ولهذا جاء في حديث الشفاعة: # PageV03P263 # «إنما اتخذت خليلا من وراء وراء» يعني بشرط أن تتبع عثراتي، وتختبر ~~أحوالي، والخلة المطلقة لمحمد؛ لأنه قال له: {ليغفر لك الله ما تقدم من ~~ذنبك وما تأخر} [الفتح: 2]، ولذلك تقول العرب في أمثالها: ابغني من ورائي، ~~أي اختبر حالي. ### | [مسألة لا يجعل في ذات الله إلا العمل الخالص] # المسألة الرابعة: في هذا الحديث نكتة عظمى تقصم الظهر، وهي أنه قال رسول ~~الله: «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات: ثنتين منها ماحل بهما عن دين الله» ~~وهي قوله: إني سقيم، وبل فعله كبيرهم هذا، ولم يعد قوله: هذه أختي في ذات ~~الله، وإن كان دفع بها مكروها، ولكنه لما كان لإبراهيم فيها حظ من صيانة ~~فراشه، وحماية أهله، لم يجعل في جنب الله ذلك؛ لأنه لا يجعل في ذات الله ~~إلا العمل الخالص من شوائب الحظوظ الدنيوية، أو المعاني التي ترجع إلى ~~النفس، حتى إذا خلصت للدين كانت لله، كما قال: {ألا لله الدين الخالص} ~~[الزمر: 3] وهذا لو صدر منا لكان لله، ولكن منزلة إبراهيم اقتضت هذا، والله ~~أعلم. ### | [الآية الثانية والثالثة قوله تعالى وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث] # الآية الثانية قوله تعالى: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت ~~فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين - ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما ~~وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين} [الأنبياء: 78 - 79]. ~~فيها ثماني عشرة مسألة: # المسألة الأولى: قوله: {وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث} [الأنبياء: ~~78] لم يرد إذ جمعهما في القول اجتماعهما في الحكم، فإن حاكمين على حكم ~~واحد لا يجوز، كما قدمناه، وإنما حكم كل منهما على انفراد بحكم، وكان ~~سليمان هو الفاهم لها. # PageV03P264 ### | [مسألة ms1119 دستور في قصص القرآن] # المسألة الثانية: في دستور في قصص القرآن: وذلك أن الله ذكر لرسوله ما ~~جرى من الأمم وعليها، وأقوال الأنبياء وأفعالها، فأحسن القصص وهو أصدقه؛ ~~فإن الإسرائليات ذكروها مبدلة وبزيادة باطلة موصولة، أو بنقصان محرف للمقصد ~~منقولة، وما نقل من حديث نفش الغنم، وقضاء داود وسليمان فيها، انظروا إليه، ~~فما وافق منه ظاهر القرآن فهو صحيح، وما خالفه فهو باطل، وما لم يرد له فيه ~~ذكر فهو محتمل، ربك أعلم به. . ### | [مسألة ذكر وصف ما قضاه النبيان داود وسليمان في الحرث] # المسألة الثالثة: في ذكر وصف ما قضاه النبيان - صلى الله عليهما وسلم - ~~فيه: وفيه قولان: أحدهما: أنه كان زرعا وقعت فيه الغنم ليلا، قاله قتادة. ~~الثاني: أنه كان كرما نبتت عناقيده، وهو قول ابن مسعود وشريح. وقد روي أن ~~النفش رعي الليل، والهمل رعي النهار، وهذا هو المشهور في اللغة. # المسألة الرابعة: في ذكر وصف قضائهما: أما حكم داود فإنه يروى أنه قضى ~~لصاحب الحرث بالغنم. وأما حكم سليمان فإنه قضى بأن تدفع الغنم لصاحب الحرث ~~عله يغتلها، ويدفع الحرث إلى صاحب الغنم ليقوم بعمارته، فإذا عاد في السنة ~~المقبلة إلى مثل حالته رد إلى كل أحد ماله قاله ابن مسعود، ومجاهد، فرجع ~~داود إلى حكم سليمان. ### | [مسألة صفة حكم المصطفى صلى الله عليه وسلم في ناقة دخلت حائطا فأفسدته] # المسألة الخامسة: في صفة حكم المصطفى - صلى الله عليه وسلم - فيها: روى ~~الزهري، أخبرني سعيد بن المسيب، وحرام بن سعد بن محيصة «أن ناقة للبراء ~~دخلت حائطا، فأفسدت، فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن على أهل ~~الحوائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها». وفي ~~رواية: «وعلى أهل المواشي حفظها بالليل». وهذا حديث صحيح لا كلام فيه. # PageV03P265 ### | [مسألة رجوع القاضي عما حكم به] # المسألة السادسة: في هذه دليل على رجوع القاضي عما حكم به، إذا تبين له ~~أن الحق في غيره، وهكذا في رسالة عمر إلى أبي موسى: فأما أن ينظر ms1120 قاض فيما ~~حكم به قاض فلا يجوز له؛ لأن ذلك يتداعى إلى ما لا آخر له، وفيه مضرة عظمى ~~من جهة نقض الأحكام، وتبديل الحلال بالحرام، وعدم ضبط قوانين الإسلام، ولم ~~يتعرض أحد من الخلفاء إلى نقض ما رآه الآخر، وإنما كان يحكم بما يظهر إليه. ### | [مسألة الأنبياء يجوز لهم الحكم بالاجتهاد] # المسألة السابعة: قال بعض الناس: إن داود لم يكن أنفذ الحكم، وظهر له ما ~~قال غيره. وقال آخرون: لم يكن حكما، وإنما كانت فتيا، فأما القول بأن ذلك ~~من داود كان فتيا فهو ضعيف؛ لأنه كان النبي، وفتياه حكم. وأما قوله الآخر: ~~إنه لم يكن أنفذ الحكم فظهر له ما قال غيره. فهو ضعيف؛ لأنه قال: {إذ ~~يحكمان} [الأنبياء: 78]، فبين أن كل واحد منهما كان قد حكم، على أنه قد ~~قيل: إن الفتيا حكم، وهو صحيح لفظا، وفي بعض المعنى؛ لأنه يلزم المقلد ~~قوله، ولا يلزم المجتهد قول غيره. # وقد قيل: إن الله أوحى أن الحكم حكم سليمان، فعلى هذا كان القضاء من ~~الله، وكل ذلك محتمل. وهذا كله مبني على أن الأنبياء يجوز لهم الحكم ~~بالاجتهاد، وهي: # المسألة الثامنة: وقد بينا في كتاب التمحيص أن اجتهادهم صحيح؛ لأنه دليل ~~شرعي، فلا إحالة في أن يستدل به الأنبياء. فإن قيل: إنما يكون دليلا إذا ~~عدم النص، وهم لا يعدمونه، لأجل نزول الملك. قلنا: إذا لم ينزل الملك فقد ~~عدموا النص. جواب آخر: وذلك أنه عندنا دليل مع عدم النص، وعندهم هو دليل مع ~~وجوده والله أعلم. # PageV03P266 ### | [مسألة من أتلف شيئا فعليه الضمان] # المسألة التاسعة: في تحرير هذه المسألة كلها: وذلك أنه لا إشكال في أن من ~~أتلف شيئا فعليه الضمان، لكن المواشي جاء فيها حديث صحيح عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه قال: «العجماء جرحها جبار». فحكم - صلى الله عليه ~~وسلم - في هذا الحديث بأن فعل البهائم هدر، وهذا عموم متفق عليه سندا ~~ومتنا، وحديث ناقة البراء خاص، وما قضى به داود وسليمان غير معلوم على ~~التعيين ms1121 ممن يقطع بصدقه، فتعين أن نعتني بشرعنا، فنقول: # لا خلاف أن العام يقضي عليه الخاص، وقضاء النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في ناقة البراء بأن حفظ الزروع والثمار بالنهار على أربابها؟ لما على أهل ~~المواشي من المشقة في حفظها بالنهار، وبأن حفظ الكل بالليل على أرباب ~~المواشي؛ لأن ذلك من حفظ الزروع والثمار شاق على أربابها، فجرى الحكم على ~~الأوفق والأسمح بمقتضى الحنيفية السمحة، ومجرى المصلحة، وكان ذلك أوفق ~~للفريقين، وأسهل على الطائفتين، وأحفظ للمالكين. وليس في هذا اختلاف؛ لما ~~يروى عن النبيين المتقدمين - صلى الله عليهما وسلم - في أصل الضمان، وإنما ~~هو خلاف في صفته. ### | [مسألة ضمان أرباب المواشي ما أصابت] # المسألة العاشرة: قال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي: لا ضمان على أرباب ~~المواشي فيما أصابت بالنهار وقال الليث: يضمن أرباب المواشي بالليل ~~والنهار. # PageV03P267 # وقال أبو حنيفة: إذا أفسدت المواشي ليلا أو نهارا لم يكن على صاحبها ~~ضمان. # وتحقيق المسألة أنه معنى حديث «العجماء جبار» وهذا ينفي الضمان كله، ~~ومعنى حديث البراء، وهو نص في الفرق بين الليل والنهار، فوجب تخصيص حديث ~~البراء بحديث العجماء، وليس عندنا بقضاء داود وسليمان نص، فنقول: إنه يعارض ~~هذا على أحد القولين في أن شرع من قبلنا شرع لنا، فيفتقر حينئذ إلى الكلام ~~عليه، والترجيح فيه، فوجب الوقوف عندها وقف بناء النص عليه. والله أعلم. # المسألة الحادية عشرة: إذا قلنا: إن أرباب المواشي يضمنون ما أفسدت ~~ماشيتهم بالليل، فإنهم يضمنون قيمة الزرع على رجاء أن يتم أو لا يتم قال ~~عنه مطرف، ولا يستأني بالزرع أن ينبت أو لا ينبت كما يفعل في سن الصغير. ~~وقال عيسى، عن ابن القاسم: قيمته لو حل بيعه. وقال أشهب، وابن نافع عنه في ~~المجموعة: وإن لم يبد صلاحه. والأول أقوى؛ لأنها صفته، فيقوم كذلك لو تم أو ~~لم يتم، كما يقوم كل متلف على صفته. # المسألة الثانية عشرة: إذا أفسدت المواشي ذلك فعلى أربابها قيمة ما ~~أفسدت، وإن زاد على قيمتها. وقال الليث: تسقط الزيادة على القيمة، ms1122 وهذا ~~باطل؛ لأن القيمة إنما هي على أرباب المواشي، وليست على المواشي، وتخالف ~~هذا جناية العبد، فإنها عليه، فيحمل السيد منها إن أراد فداءه قيمته. ### | [مسألة ليس لأهل المواشي أن يخرجوا مواشيهم إلى قرى الزرع بغير ذواد] # المسألة الثالثة عشرة: لو لم يقض في المفسد بشيء حتى نبت أو انجبر فإن ~~كانت فيه قبل ذلك منفعة رعي أو شيء ضمن تلك المنفعة، وإن لم يكن فيه منفعة ~~فلا ضمان رواه ابن حبيب. وقال أصبغ: يضمن؛ لأن التلف قد تحقق، والجبر ليس ~~من جهته، فلا يعتد له به. # PageV03P268 # المسألة الرابعة عشرة: قال أصبغ في المدينة: ليس لأهل المواشي أن يخرجوا ~~مواشيهم إلى قرى الزرع بغير ذواد، فركب العلماء على هذا أن البقعة لا تخلو ~~أن تكون بقعة زرع أو بقعة سرح، فإن كانت بقعة زرع فلا تدخلها ماشية إلا ~~ماشية تحتاج في الزرع، وعلى أربابها حفظها، وما أفسدت [فصاحبها] ضامن على ~~أهلها ليلا أو نهارا، وإن كانت بقعة سرح فعلى صاحب الزرع الذي يحرثه فيها ~~حفظه، ولا شيء على أرباب المواشي. # المسألة الخامسة عشرة: قال أشهب، وابن نافع في العتبية عن مالك: سواء ~~كانت الثمار والزروع محظرا عليها أو بغير حظار، ولا يختلف الحكم بالحظار. ~~وقال غيره: يختلف. وهذا أصوب، فإن العجماء لا يردها حظار. ### | [مسألة المواشي على قسمين ضواري وحريسة] # المسألة السادسة عشرة: المواشي على قسمين ضواري، وحريسة، وعليها قسمها ~~مالك، فالضواري هي المعتادة للزروع والثمار، فقال مالك: تغرب وتباع في بلد ~~لا زرع فيه رواه ابن القاسم في الكتاب وغيره. # قال ابن حبيب: وإن كره ذلك ربها، وكذلك قال مالك في الدابة التي ضريت ~~إفساد الزرع: تغرب وتباع. وأما ما يستطاع الاحتراز منه فلا يؤمر صاحبه ~~بإخراجه، هذا بين. ### | [مسألة النحل والحمام والإوز والدجاج كالماشية لا يمنع صاحبها من اتخاذها وإن أضرت] # المسألة السابعة عشرة: قال أصبغ: النحل، والحمام، والإوز، والدجاج، ~~كالماشية، لا يمنع صاحبها من اتخاذها، وإن أضرت، وعلى أهل القرية حفظ ~~زروعهم. # PageV03P269 # وهذه رواية ضعيفة لا يلتفت ms1123 إليها، ومن أراد أن يتخذ ما ينتفع به مما لا ~~يضر بغيره مكن منه، وأما انتفاعه بما يتخذه بإضراره بأحد فلا سبيل إليه، ~~وهذه الضواري عن ابن القاسم في المدينة أنه لا ضمان على أربابها إلا بعد ~~التقدم. وأرى الضمان عليهم قبل التقدم، إذا كانت ضواري. ### | [مسألة المجتهدين في الفروع إذا اختلفوا هل الحق في قول واحد منهم غير معين أم متعدد] # المسألة الثامنة عشرة: قال الحسن: لولا هذه الآية لرأيت القضاة قد هلكوا، ~~ولكنه تعالى أثنى على سليمان بصوابه، وعذر داود باجتهاده. # وقد اختلف العلماء في المجتهدين في الفروع إذا اختلفوا، هل الحق في قول ~~واحد منهم غير معين، أم جميع أقوالهم حق؟ والذي نراه أن جميعها حق لقوله: ~~{ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما} [الأنبياء: 79]. وقد مهدنا ذلك في ~~كتاب التمحيص، فلينظر فيه إن شاء الله. # PageV03P270 ### | [سورة الحج فيها ست عشرة آية] # [الآية الأولى قوله تعالى يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا ~~خلقناكم من تراب] ### | الآية الأولى قوله تعالى {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب # ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في ~~الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من ~~يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض ~~هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج} [الحج: ~~5]. # فيها خمس مسائل: # المسألة الأولى: قوله تعالى: {فإنا خلقناكم من تراب} [الحج: 5] يعني آدم، ~~{ثم من نطفة} [الحج: 5] يعني ولده، وهو المني سمي نطفة لقلته، وهو القليل ~~من الماء {ثم من علقة} [الحج: 5] يعني قطعة صغيرة من دم. {ثم من مضغة} ~~[الحج: 5] يعني ثم من جزء مخثر يشبه اللقمة التي مضغت. # وقوله: {مخلقة} [الحج: 5] فيه أربعة أقوال: # الأول: صارت خلقا، وغير مخلقة ما قذفته الرحم نطفة؛ قاله ابن مسعود. # الثاني: تامة الخلق، وغير تامة ms1124 الخلق قال قتادة. # الثالث: معناه مصورة وغير مصورة كالسقط قاله مجاهد. # الرابع: يريد تامة الشهور، وغير تامة. # PageV03P271 # المسألة الثانية: # قد قدمنا شيئا من القول في هذا الغرض، ونحن الآن نفيض فيه بما إذا اتصل ~~بما في سورة الرعد كان بيانا للمسألة وعرفانا، فنقول: في ذلك روايات عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وأقوال عن السلف: فأما الروايات فقد قدمنا ~~بعضها ونعيد منها هاهنا الرواية الأولى: روى يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، ~~حدثنا داود عن عامر عن علقمة عن ابن مسعود نحوه، وعن ابن عمر أن النطفة إذا ~~استقرت في الرحم أخذها ملك بكفه، فقال: أي رب؟ ذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ ~~ما الأجل؟ ما الأثر؟ وبأي أرض تموت؟ قال داود: وشكلت في الخلق والخلق، ~~فيقال له: انطلق إلى أم الكتاب، فإنك تجد فيها قصة هذه النطفة، فينطلق فيجد ~~قصتها في أم الكتاب تتخلق فتأكل رزقها، وتطأ أثرها، فإذا جاء أجلها قبضت ~~فدفنت في المكان الذي قدر لها، ثم قرأ عامر: {يا أيها الناس إن كنتم في ريب ~~من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة ~~وغير مخلقة} [الحج: 5]. # الثانية: محمد بن أبي عدي عن داود بمثله، قال عبد الله: إذا استقرت ~~النطفة في الرحم أدارها ملك بكفه، وقال: أي رب، مخلقة أو غير مخلقة؟ قال: ~~فإن كانت غير مخلقة قذفتها الأرحام دما، وإن كانت مخلقة قال: أي رب، أذكر ~~أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ ما الرزق؟ ما الأثر؟ بأي أرض تموت؟ وآثار السلف ~~أربعة: الأول: قال عامر في النطفة والعلقة والمضغة: فإذا انتكست في الخلق ~~الرابع كانت نسمة مخلقة، وإذا قذفتها قبل ذلك فهي غير مخلقة. # الثاني: قال أبو العالية: غير مخلقة: السقط قبل أن يخلق. # الثالث: قال قتادة: تامة وغير تامة. # PageV03P272 # الرابع: قال ابن زيد: المخلقة التي خلق فيها الرأس واليدين والرجلين. ~~وغير مخلقة التي لم يخلق فيها شيئا. ### | [مسألة الصلاة على السقط] # المسألة الثالثة: # قال المغيرة بن شعبة: ms1125 إنه كان يأمر بالصلاة على السقط، ويقول: سموهم ~~واغسلوهم، وكفنوهم وحنطوهم، فإن الله أكرم بالإسلام صغيركم وكبيركم، ويتلو ~~هذه الآية: {فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة ~~وغير مخلقة} [الحج: 5]، لم يستتم سائر خلقها، فإن الله يبعثها يوم القيامة ~~خلقا تاما. # المسألة الرابعة: # إذا رجعنا إلى أصل الاشتقاق فإن النطفة والعلقة والمضغة مخلقة؛ لأن الكل ~~خلق الله، وإذا رجعنا إلى التصوير الذي هو منتهى الخلقة كما قال: ثم ~~أنشأناه خلقا آخر فذلك ما قال ابن زيد: إنها التي صورت برأس ويدين ورجلين، ~~وبينها حالات. # فأما النطفة فليست بشيء يقينا، وأما إن تلونت فقد تخلقت في رحم الأم ~~بالتلوين، وتخلقت بعد ذلك بالتخثير؛ فإنه إنشاء بعد إنشاء. # ويزعم قوم أن مع التخثير يظهر التخطيط ومثال التصوير، فلذلك شك مالك فيه، ~~وقال: ومن رأيي من يعرف أنه سقط فهو الذي تكون به أم ولد. وقد استوفيناه في ~~سورة الرعد، وشرح الحديث في كتاب الحيض فلينظر هنالك. # وعلى هذا يحمل ما جاء من الأخبار والآثار على المخلق وغير المخلق، وعلى ~~التام والناقص. ولعل المغيرة بن شعبة أراد السقط ما تبين خلقه فهو الذي ~~يسمى، وما لم يتبين خلقه فلا وجود له، والاسم فيه دون موجود يسمى وبماذا ~~تكون الولد، وقد بيناه هنالك كما أشرنا إليه، والله ينفعنا بعزته. # المسألة الخامسة: # إذا ثبت هذا فإن عدة المرأة تنقضي بالسقط الموضوع، ذكره إسماعيل القاضي، ~~واحتج عليه بأنه حمل، وقد قال الله: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} ~~[الطلاق: 4] # PageV03P273 # ، وكذلك قال: لا تكون به أم ولد، ولا يرتبط شيء من الأحكام به، إلا أن ~~يكون مخلقا لقوله تعالى: {فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم ~~من مضغة مخلقة وغير مخلقة} [الحج: 5]، فيطلق عليه أنه خلق، كما أنه حمل. # واعترض عليه بعض الشافعية بأن الولد ليس بمضغة، وإنما ذكره الله سبحانه ~~وتعالى تنبيها على القدرة. # قلنا: فأين المقدور الذي تعلقت به القدرة؟ هل هو تصريف الولد ms1126 بين ~~الأحوال، ونقله من صفة إلى صفة؟ فذكر أن أصله النطفة، ثم تتداوله الصفات، ~~فيكون خلقا وحملا. قال المعترض: والمراد بقوله: {وأولات الأحمال أجلهن} ~~[الطلاق: 4] ما يسمى ولدا. # قلنا: بل المراد به ما يسمى حملا وخلقا لشغل الرحم؛ فإذا سقط برئت الرحم ~~من شغلها. # قال القاضي إسماعيل: والدليل على صحة ذلك أنه يرث أباه، فدل على وجوده ~~خلقا، وكونه ولدا وحملا. # قال المعترض: لا حجة في الميراث؛ لأنه جاء مستندا إلى حال كونه نطفة. # قلنا لو لم يكن خلقا موجودا، ولا ولدا محسوبا ما أسند ميراثه إلى حال ولا ~~قضي له به. ### | [الآية الثانية قوله تعالى إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام] # الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه ~~من عذاب أليم} [الحج: 25]. # فيها ست مسائل: # PageV03P274 # المسألة الأولى: في سبب نزولها: روي «أنها نزلت حين خرج النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في غزوة الحديبية عام ست، فصده المشركون عن دخول البيت، ~~ومنعوه، فقاضاهم على العام المستقبل، وقضى عمرته في مكانه، ونحر هديه، وحلق ~~رأسه، ورجع إلى المدينة». # المسألة الثانية: قوله: {والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف ~~فيه والباد} [الحج: 25] فيه قولان: # أحدهما: أنه أراد به المسجد نفسه، دون الحرم؛ وهو ظاهر القرآن؛ لأنه لم ~~يذكر غيره. # الثاني: أنه أراد به الحرم كله؛ لأن المشركين صدوا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وأصحابه عنه، فنزل خارجا منه في الحل، وعيرهم الله بذلك، ودل ~~عليه أيضا قوله: {والمسجد الحرام} [الحج: 25]، فصفة الحرام تقتضي الحرم ~~كله،؛ لأنه بصفته في التحريم، وآخذ بجزاء عظيم من التكرمة والتعظيم بإجماع ~~من المسلمين؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما ~~للناس} [المائدة: 97]، وكان الحرم مثله؛ لأنه حريمه، وحريم الدار من الدار. # المسألة الثالثة: قوله: {جعلناه للناس} [الحج: 25] # يريد خلقناه لهم، وسميناه، ووضعناه شرعا ودينا، وقد بينا معنى الجعل ~~وتصرفاته. # المسألة الرابعة: قوله: {سواء العاكف} [الحج: 25]. # يعني المقيم، وكذلك اسمه في اللغة. والبادي: يريد ms1127 الطارئ عليه. وقد قال ~~ابن وهب: سألت مالكا عن قول الله: {سواء العاكف فيه والباد} [الحج: 25] # PageV03P275 # فقال لي مالك: السعة والأمن والحق. قال مالك: وقد كانت الفساطيط تضرب في ~~الدور ينزلها الناس. والبادي أهل البادية وغيرهم ممن يقدم عليهم. ثم قال: ~~{وجاء بكم من البدو} [يوسف: 100] # قال ابن القاسم: وسئل مالك عن ذلك، فقال: سواء في الحق والسعة، والبادي ~~أهل البادية، ومن يقدم عليهم، وقد كانت تضرب الفساطيط في الدور، ولقد سمعت ~~أن عمر بن الخطاب كان ينزع أبواب مكة إذا قدم الناس. قال: والحج كله في ~~كتاب الله تعالى. # المسألة الخامسة: في المعنى الذي فيه التسوية: وفيه قولان: # أحدهما: في دوره ومنازله، ليس المقيم فيها أولى بها من الطارئ عليها. هذا ~~قول مجاهد ومالك كما تقدم وغيره. # الثاني: أنهما في الحق سواء والحرمة والنسك. # والصحيح عموم التسوية في ذلك كله، كما قال مالك، وعليه حمله عمر بن ~~الخطاب، فقد روي أنه كان يأمر في الموسم بقلع أبواب دور مكة حتى يدخلها ~~الذي يقدم، فينزل حيث شاء، وهذا ينبني على أصلين: أحدهما: أن دور مكة [هل ~~هي] ملك لأربابها أم هي للناس؟ الثاني: ينبني عليه هذا الأصل، وهو أن مكة ~~هل افتتحت عنوة أو صلحا؟ وقد بينا ذلك فيما تقدم. # وقد روى علقمة بن نضلة قال: توفي النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر ~~وعمر وما نرى رباع مكة إلا السوائب، من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن. وقد ~~بينا في مسائل الخلاف القول في رباع مكة. # PageV03P276 # والذي عندي الآن فيها «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - افتتح مكة عنوة، ~~لكنه من عليهم في أنفسهم، فسموا الطلقاء، ومن عليهم في أموالهم، أمر مناديه ~~فنادى: من أغلق عليه بابه فهو آمن، وتركهم في منازلهم على أحوالهم من غير ~~تغيير عليهم»، ولكن الناس إذا كثروا واردين عليهم شاركوهم بحكم الحاجة إلى ~~ذلك. # وقد روى نافع عن ابن عمر أن عمر كان نهى أن تغلق مكة زمن الحاج، وأن ~~الناس كانوا ينزلون منها حيث ms1128 وجدوا فارغا، حتى كانوا يضربون الفساطيط في ~~جوف الدور. ### | [مسألة الجنايات تعظم على قدر عظم الزمان] # المسألة السادسة: قوله: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم} [الحج: 25] # تكلم الناس في دخول الباء هاهنا، فمنهم من قال: إنها زائدة، كزيادتها في ~~قوله: {تنبت بالدهن} [المؤمنون: 20]، وعليه حملوا قول الشاعر: # نحن بنو جعدة أصحاب الفلج ... نضرب بالسيف ونرجو بالفرج # أراد ونرجو الفرج. وهذا مما لا يحتاج إليه في سبيل العربية؛ لأن حمل ~~المعنى على الفعل أولى من حمله على الحرف. # فيقال المعنى: ومن يهم فيه بميل يكون ذلك الميل ظلما؛ لأن الإلحاد هو ~~الميل في اللغة، إلا أنه قد صار في عرف الشريعة ميلا مذموما، فرفع الله ~~الإشكال، وبين أن الميل بالظلم هو المراد هاهنا، والظلم في الحقيقة لغة ~~وشرعا وضع الشيء في غير موضعه، وذلك يكون بالذنوب المطلقة بين العبد ونفسه، ~~وبالذنوب المتعدية إلى الخلق، وهو أعظم. ولذلك كان ابن عمر له فسطاطان: ~~أحدهما في الحل، والآخر في الحرم؛ فكان إذا أراد الصلاة دخل فسطاط الحرم، ~~وإذا أراد الأمر لبعض شأنه دخل فسطاط الحل، صيانة للحرم عن قولهم: كلا ~~والله، وبلى والله، حين عظم الله الذنب فيه، وبين أن الجنايات تعظم على قدر ~~عظم الزمان، كالأشهر الحرم، وعلى قدر عظم المكان، كالبلد الحرام، فتكون ~~المعصية معصيتين: إحداهما بنفس المخالفة، والثانية بإسقاط حرمة الشهر ~~الحرام، أو البلد الحرام # فإن أشرك فيه أحد فقد أعظم الذنب، ومن استحله متعمدا # PageV03P277 # فقد أعظم الذنب، ومن استحله متأولا فقد أعظم الذنب قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «إن مكة حرمها الله يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام ~~بحرمة الله لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، فإن أحد ترخص فيها بقتال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقولوا: إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن ~~لكم». وهذا نص. # وقد قال أبو شريح العدوي لعمرو بن سعيد العاصي، وهو يبعث البعوث إلى مكة: ~~«ائذن لي أيها الأمير أحدثك قولا قام به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~الغد ms1129 من يوم الفتح، سمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي، حين تكلم به: ~~حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، لا يحل ~~لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دما، أو يعضد بها شجرة، فإن ~~أحد ترخص بقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقولوا له: إن الله أذن ~~لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنما أذن له فيه ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها ~~اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب». # فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم منك بذلك يا أبا شريح، إن ~~الحرم لا يعيذ عاصيا، ولا فارا بدم، ولا فارا بخربة. # وهذا من احتجاج عمرو باطل؛ لأن ابن الزبير - رضي الله عنه - كان قائما ~~بالحق، عادلا في الحرم، داعيا إلى الله سبحانه. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت] # أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود} [الحج: ~~26]. # فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: قالوا معناه وطأنا ومهدنا. وليس كما زعموا؛ إنما المباءة ~~المنزل، وبوأنا فعلنا منه # PageV03P278 # فالمعنى وإذ نزلنا بتشديد الزاي لإبراهيم مكان البيت، أي عرفناه به ~~منزلا، ولذلك دخلت اللام فيه، فخفي الأمر على يحيى بن زكريا حتى قال: إن ~~اللام هاهنا زائدة، وليس كذلك. # المسألة الثانية: # قال الناس: جعل الله لإبراهيم علامة ريحا هبت حتى كشفت أساس آدم في ~~البيت. # وقيل: نصب له ظلا على قدر البيت، فقدره به، ويحتمل أن يكون خطه له جبريل. # وهذه الجمل لا تتخصص إلا بنص صريح صحيح. وقد قدمنا حديث إبراهيم وما كان ~~منه مع هاجر وابنها، وكيف عاد، وكيف بنى، وليس فيه ذكر لذلك كله. # المسألة الثالثة: # روى أبو ذر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه قال له: أي المسجد وضع ~~في الأرض الأول؟ قال: المسجد الحرام. قلت: ثم أي؟ قال: المسجد الأقصى. قلت: ~~كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة. ثم أينما أدركتك الصلاة فصل»، كما تقدم ~~بيانه هاهنا وفي غير موضع. # المسألة الرابعة: قوله ms1130 تعالى: {وطهر بيتي} [الحج: 26] # يعني لا تقربه بمعصية ولا نجاسة ولا قذارة، وكان على ذلك حتى شاء الله ~~فعبد فيه غيره، وأشرك فيه به، ولطخ بالدماء النجسة، وملئ من الأقذار ~~المنتنة. ### | [الآية الرابعة قوله تعالى وأذن في الناس بالحج] # يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق} [الحج: 27]. # فيها سبع مسائل: # PageV03P279 # المسألة الأولى: قوله تعالى: {وأذن} [الحج: 27] تقدم بيان أذن في سورة ~~براءة، وأوضحنا أن معناه أعلم، وأن الله أمر نبيه إبراهيم أن ينادي في ~~الناس بالحج، وذلك نص القرآن. # واختلفوا في كيفية النداء كيف وقعت على قولين: # أحدهما: أنه أمر به في جملة شرائع الدين، الصلاة، والزكاة، والصيام، ~~والحج، حسبما تمهدت به ملة الإسلام التي أسسها لسانه، وأوضحها ببيانه، ~~وختمها مبلغة تامة بمحمد في زمانه. # الثاني: أن الله أمره أن يرقى على أبي قبيس وينادي: أيها الناس، إن الله ~~كتب عليكم الحج فحجوا، فلم تبق نفس إلا أبلغ الله نداء إبراهيم إليها، فمن ~~لبى حينئذ حج، ومن سكت لم يكن له فيه نصيب، وربنا على ذلك مقتدر، فإن صح به ~~الأثر استمر عقيدة واستقر، وإلا فالأول يكفي في المعنى. ### | [مسألة لا يفترض الحج على من ليس له زاد ولا راحلة] # المسألة الثانية: قوله: {يأتوك رجالا} [الحج: 27] # قال أكثر فقهاء الأمصار: لا يفترض الحج على من ليس له زاد ولا راحلة، وهي ~~الاستطاعة، حسبما تفسر في حديث الجوزي، وقد بينا ذلك كله في سورة آل عمران، ~~فلا وجه لإعادته، بيد أن هذه الآية نص في أن حال الحاج في فرض الإجابة ~~منقسمة إلى راجل وراكب، وليس عن هذا لأحد مذهب، ولا بعده في الدليل مطلب، ~~حسبما هي عليه عند علماء المذهب، فإن الاستطاعة عندنا صفة المستطيع، وهي ~~قائمة ببدنه، فإذا قدر يمشي وجبت عليه العبادة، وإذا عجز ووجد الزاد ~~والراحلة وجبت عليه أيضا، وتحقق الوعد بالوجهين. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وعلى كل ضامر يأتين] # المسألة الثالثة: قوله: {وعلى كل ضامر يأتين} [الحج: 27] # يعني التي انضم جنباها من الهزال ms1131 حتى أكلتها الفيافي، ورعتها المفازات، ~~وإن كان خرج منها أوان انفصاله من بلده على بدن، فإن حرب البيداء ومعالجة ~~الأعداء ردها هلالا، فوصفها الله بالمآل الذي انتهت عليه إلى مكة. # PageV03P280 # المسألة الرابعة: قوله: {يأتين} [الحج: 27] # رد الضمير إلى الإبل تكرمة لها؛ لقصدها الحج مع أربابها، كما قال تعالى: ~~{والعاديات ضبحا} [العاديات: 1] في خيل الجهاد تكرمة لها حين سعت في سبيل ~~الله. # المسألة الخامسة: قوله: {عميق} [الحج: 27] يعني بعيد، وبناء " عمق " ~~للبعد قال الشاعر يصف قفرا: # وقاتم الأعماق خاوي المحترق # يريد بالأعماق الأبعاد ترى عليها قتاما يخترق منها جوا خاويا، وتمشي فيه ~~كأنك وإن كنت مصعدا هاو، ولذلك يقال بئر عميقة، أي بعيدة القعر. # المسألة السادسة: # روى الدارقطني وغيره «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حج قبل الهجرة ~~حجتين، وحج حجة الوداع ثالثة»، وظن قوم أن حجه كان على دين إبراهيم ودعوته، ~~وإنما حج على دينه وملته تنفلا بالعبادة، واستكثارا من الطاعة، فلما جاءه ~~فرض الحج بعد تملكه لمكة وارتفاع العوائق، وتطهير البيت، وتقديس الحرم، قدم ~~أبا بكر ليقيم للناس حجهم، ثم أدى الذي عليه في العام الثاني، وقد قدمنا ~~وجه تأخيره إلى حجة الوداع من قبل. ### | [مسألة حج الراجل أفضل من حج الراكب] # المسألة السابعة: # قال علماؤنا - رحمهم الله -: لما قدم الله تعالى ذكره رجالا على كل ضامر ~~دل على أن حج الراجل أفضل من حج الراكب. وقد قال ابن عباس: إنها لحوجاء في ~~نفسي أن أموت قبل أن أحج ماشيا، لأني سمعت الله يقول: {يأتوك رجالا وعلى كل ~~ضامر} [الحج: 27] فبدأ بأهل الرجلة. # وقد جاء في الأخبار أن إبراهيم وعيسى حجا ماشيين، وإنما «حج النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - راكبا # PageV03P281 # ولم يحج ماشيا»؛ لأنه إن اقتدى به أهل ملته لم يقدروا، وإن قصروا عنه ~~تحسروا، وكان بالمؤمنين رءوفا رحيما. ولعمر الله لقد طاف راكبا ليرى الناس ~~هيئة الطواف. ### | [الآية الخامسة قوله تعالى ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات] # قوله تعالى: {ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله ms1132 في أيام معلومات على ما ~~رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير} [الحج: 28]. # فيها خمس مسائل: # المسألة الأولى: هذه لام المقصود والفائدة التي ينساق الحديث لها وتنسق ~~عليه، وأجلها قوله: {لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل ~~شيء علما} [الطلاق: 12]. # وقد تتصل بالفعل، كما قدمناه؛ وتتصل بالحرف، كقوله {لئلا يعلم أهل ~~الكتاب} [الحديد: 29]. # وقد حققنا موردها في ملجئة المتفقهين إلى معرفة غوامض النحويين. ### | [مسألة معنى قوله تعالى منافع] # المسألة الثانية: قوله {منافع} [الحج: 28] فيها أربعة أقوال: # الأول: المناسك. # الثاني: المغفرة. # الثالث: التجارة. # الرابع: من الأموال، وهو الصحيح. # وذلك كله من نسك وتجارة ومغفرة ومنفعة دنيا وآخرة. # والدليل عليه عموم قول: {منافع} [الحج: 28] فكل ذلك يشتمل عليه هذا ~~القول، وهذا # PageV03P282 # يعضده ما في البقرة في تفسير قوله: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ~~ربكم} [البقرة: 198] وذلك هو التجارة بإجماع من العلماء. ### | [مسألة الأيام المعلومات] # المسألة الثالثة: قوله: {ويذكروا اسم الله في أيام معلومات} [الحج: 28] # فيها قولان: أحدهما: أنها عشر ذي الحجة. # الثاني: أنها أيام التشريق. # وبالأول يقول الشافعي، وقد تقدم ذكر المعلومات في سورة البقرة بما يغني ~~عن إعادته هاهنا. # وقد روى ابن القاسم عن مالك: الأيام المعلومات أيام النحر؛ يوم النحر ~~ويومان بعده. وقال: هو النهار دون الليل. ومثله روى أشهب وابن عبد الحكم عن ~~مالك، وثبت يقينا أن المراد بذكر اسم الله هاهنا الكناية عن النحر؛ لأنه ~~شرطه. # المسألة الرابعة: قوله: {فكلوا} [الحج: 28] قد تقدم ذكر الأكل من لحم ~~الصيد، وجرى فيه شيء من ذكر الهدي، وحقيقته تأتي بعد إن شاء الله. # المسألة الخامسة: {وأطعموا البائس الفقير} [الحج: 28]: فأما الفقير فهو ~~الذي لا شيء له على نعت ما تقدم في سورة براءة. # وأما البائس فهو الذي ظهر عليه البؤس، وهو ضرر المرض أو ضرر الحاجة. ### | [الآية السادسة قوله تعالى ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق] # : قوله تعالى: {ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق} ~~[الحج: 29]: فيها أربع مسائل: ms1133 # PageV03P283 # المسألة الأولى: في ذكر التفث: قال القاضي الإمام: هذه لفظة غريبة عربية ~~لم يجد أهل المعرفة فيها شعرا، ولا أحاطوا بها خبرا، وتكلم السلف عليها على ~~خمسة أقوال: # الأول: قال ابن وهب عن مالك: التفث حلق الشعر، ولبس الثياب، وما أتبع ذلك ~~مما يحل به المحرم. # الثاني: أنه مناسك الحج؛ رواه ابن عمر، وابن عباس. الثالث: حلق الرأس ~~قاله قتادة. الرابع: رمي الجمار قاله مجاهد. الخامس: إزالة قشف الإحرام، من ~~تقليم أظفار، وأخذ شعر، وغسل، واستعمال طيب قاله الحسن، وهو قول مالك ~~الأول. # فأما قول ابن عباس وابن عمر فلو صح عنهما لكان حجة، لشرف الصحبة والإحاطة ~~باللغة. # وأما قول قتادة إنه حلق الرأس فمن قول مالك. # وأما قول مجاهد إنه رمي الجمار فمن قول ابن عمر وابن عباس، ثم تتبعت ~~التفث لغة فرأيت أبا عبيدة معمر بن المثنى قد قال: إنه قص الأظفار، وأخذ ~~الشارب، وكل ما يحرم على المحرم، إلا النكاح، ولم يجيء فيه بشعر يحتج به. # وقال صاحب العين: التفث هو الرمي، والحلق، والتقصير، والذبح، وقص الأظفار ~~والشارب، ونتف الإبط. # وذكر الزجاج والفراء نحوه، ولا أراه أخذه إلا من قول العلماء. # وقال قطرب: تفث الرجل إذا كثر وسخه، وقال أمية بن أبي الصلت: حفوا رءوسهم ~~لم يحلقوا تفثا ولم يسلوا لهم قملا وصئبانا # PageV03P284 # وإذا انتهيتم إلى هذا المقام ظهر لكم أن ما ذكر أشار إليه أمية بن أبي ~~الصلت، وما ذكره قطرب هو الذي قاله مالك؛ وهو الصحيح في التفث، وهذه صورة ~~قضاء التفث لغة. # وأما حقيقته الشرعية فإذا نحر الحاج أو المعتمر هديه، وحلق رأسه، وأزال ~~وسخه، وتطهر وتنقى، ولبس الثياب، فيقضي تفثه وأما وفاء نذره، وهي: ### | [مسألة النذر] # المسألة الثانية: فإن النذر كل ما لزم الإنسان أو التزمه. # وقال مالك في رواية ابن وهب وابن القاسم وابن بكير: إنه رمي الجمار؛ لأن ~~النذر هو العقل، فهو رمي الجمار، لأجل النذر يعني بالعقل الدية. # والأول أقوى: لأنه يلزم الوفاء برمي الجمار، وبنحر الهدي، ويجتنب الوطء ~~والطيب، ms1134 حتى تقع الزيارة. ### | [مسألة طواف الزيارة] # المسألة الثالثة: قوله: {وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: 29] # هذا هو طواف الزيارة، وهو طواف الإفاضة، وهو ركن الحج باتفاق، وبه يتم ~~الحج؛ لأنه أحد أعماله ونهاية أركانه. ### | [مسألة معنى قوله تعالى بالبيت العتيق] # المسألة الرابعة: قوله: {بالبيت العتيق} [الحج: 29]: وفي تسميته بالعتيق ~~قولان: أحدهما: أنه من عتق أي قدم؛ إذ هو أول مسجد وضع في الأرض. # الثاني: أنه عتق، أي خلص من الجبابرة عن الهوان إلى انقضاء الزمان، حسبما ~~بيناه من قبل. # PageV03P285 ### | [الآية السابعة قوله تعالى ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه] # قوله تعالى: {ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم ~~الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور} ~~[الحج: 30]. # فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: الحرمات: امتثال ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه، فإن ~~لهذا حرمة المبادرة إلى الامتثال، ولذلك حرمة الانكفاف والانزجار. # المسألة الثانية: قوله: {وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم} [الحج: ~~30] قد تقدم بيانه في سورة المائدة. ### | [مسألة معنى قوله تعالى فاجتنبوا الرجس من الأوثان] # المسألة الثالثة: قوله: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان} [الحج: 30] وصف الله ~~الأوثان بأنها رجس، والرجس النجس، وهي نجسة حكما، والنجاسة ليست وصفا ذاتيا ~~للأعيان، وإنما هي وصف شرعي من أحكام الإيمان، ولهذا قلنا: إنها لا تزال ~~إلا بالإيمان كما لم تجز الطهارة في الأعضاء إلا بالماء، إذ المنعان ~~متماثلان في حكم الشرع ليسا بجنسين، وقد بينا ذلك في مسألة إزالة النجاسة ~~من مسائل الخلاف. ### | [مسألة قول الزور] # المسألة الرابعة: قوله: {واجتنبوا قول الزور} [الحج: 30] # وهو الكذب. # وله متعلقات، أعظمها عقوبة الكذب على الله في ذاته، أو صفاته أو أفعاله، ~~وهو الشرك. ويلحق به الكذب على النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه على ~~الله؛ إذ بكلامه يتكلم. # المتعلق الثاني: الشهادة. وهو تصوير الباطل بصورة الحق في طريق الحكم؛ ~~«ولهذا عظم النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرها، فذكر الكبائر، فقال: ~~الإشراك بالله، وشهادة الزور»، ثم # PageV03P286 # قال: ms1135 «وقول الزور، ألا وقول الزور. فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت». # ومن طريق آخر: «عدلت شهادة الزور الإشراك بالله ثم قرأ: {فاجتنبوا الرجس ~~من الأوثان واجتنبوا قول الزور} [الحج: 30]». # ثم تتفاوت متعلقات الكذب بحسب عظم ضرره وقلته. ### | [الآية الثامنة قوله تعالى ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب] # قوله تعالى: {ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} [الحج: 32] ~~{لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق} [الحج: 33]. # فيها خمس مسائل: # المسألة الأولى: قوله: {شعائر الله} [الحج: 32]: واحدها شعيرة، ولم ~~يختلفوا أنها المعالم. وحقيقتها أنها فعيلة، من شعرت، بمعنى مفعولة. وشعرت: ~~دريت، وتفطنت، وعلمت، وتحققت؛ كله بمعنى واحد في الأصل، وتتباين المتعلقات ~~في العرف، هذا معناه لغة. فأما المراد بها في الشرع، وهي: المسألة الثانية: ~~ففي ذلك أربعة أقوال: # الأول: أنها عرفة، والمزدلفة، والصفا، والمروة، ومحل الشعائر إلى البيت ~~العتيق. # PageV03P287 # قاله ابن القاسم عن مالك. الثاني: أنها مناسك الحج وتعظيمه استيفاؤها. ~~الثالث: أنها البدن، وتعظيمها استسمانها. الرابع: أنه دين الله وكتبه، ~~وتعظيمها التزامها. والصحيح أنها جميع مناسك الحج. # المسألة الثالثة: قوله: {فإنها من تقوى القلوب} [الحج: 32] # يريد فإن حالة التعظيم إذا كست العبد باطنا وظاهرا فأصله تقاة القلب ~~بصلاح السر وإخلاص النية، وذلك لأن التعظيم من أفعال القلب، وهو الأصل ~~لتعظيم الجوارح بالأفعال. ### | [مسألة معنى قوله تعالى لكم فيها منافع] # المسألة الرابعة: قوله: {لكم فيها منافع} [الحج: 33]: # فيه ثلاثة أقوال: # الأول: أنها التجارة؛ ويكون الأجل على هذا القدرة على الحج. # الثاني: أن المنافع الثواب، والأجل يوم الدين. # الثالث: أن المنافع الركوب، والدر والنسل، والأكل؛ وهذا على قول من قال: ~~إنها البدن، والأجل إيجاب الهدي. # والصحيح أنها البدن، وتدل على غيرها إما من طريق المماثلة، وإما من طريق ~~الأولى. ### | [مسألة قوله تعالى ثم محلها إلى البيت العتيق] # المسألة الخامسة: قوله تعالى: {ثم محلها إلى البيت العتيق} [الحج: 33]: # يريد أنها تنتهي إلى البيت العتيق، وهو الطواف؛ وهذا قول مالك: إن الحج ~~كله في كتاب الله، ms1136 يعني أن شعائر الحج كلها تنتهي إلى الطواف بالبيت. # وقال عطاء: تنتهي إلى مكة، هذا عموم لا يفيد شيئا فإنه قد صرح بذكر ~~البيت، فلا معنى لإلغائه، وكذلك قول الشافعي: إنه إلى الحل والحرم، وهذا ~~إنما بنوه على أن الشعائر هي البدن، ولا بد فيها من الجمع بين الحل والحرم، ~~ولا وجه لتخصيص الشعائر مع عمومها. # PageV03P288 ### | [الآية التاسعة قوله تعالى ولكل أمة جعلنا منسكا] # قوله تعالى: {ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من ~~بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين} [الحج: 34] ~~{الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ~~ومما رزقناهم ينفقون} [الحج: 35]. # فيها خمس مسائل: # المسألة الأولى: قرئ منسك بكسر السين وفتحها، وباب مفعل في اللغة يختلف ~~حال دلالته باختلاف حال فعله؛ فإذا كان مكسور العين في المستقبل فاسم ~~المكان منه مفعل، والمصدر مفتوح العين، واسم الزمان منه كاسم المكان، ~~قالوا: أتت الناقة على مضربها ومحلبها. # وما كان العين في المستقبل منه مفتوحا فالمصدر والمكان مفتوحان، كالمشرب ~~والملبس، ويأتي لغيره كالمكبر من كبر يكبر، وما كان على فعل يفعل بضم العين ~~فبمنزلة ما كان على يفعل مفتوحا، لم يقولوا فيه مفعل بضم العين. وقد جاء ~~المصدر مكسورا في هذا الباب، قالوا مطلع الشمس، والحجازيون يفتحونه، وقد ~~كسروا اسم المكان أيضا، فقالوا: المنبت لموضعه، والمطلع لموضعه، فعلى هذا ~~قل: منسكا ومنسكا بالفتح والكسر. ### | [مسألة معنى منسكا] # المسألة الثانية: # إذا ثبت هذا فقد اختلف العلماء في معناه، فقيل: معنى منسكا حجا. قاله ~~قتادة. وقيل: ذبحا قاله مجاهد. وقيل: عيدا قاله الفراء. # واشتقاقه من نسكت، وله في اللغة معان: # الأول: تعبدت، ومنه قوله تعالى: {وأرنا مناسكنا} [البقرة: 128] خص في ~~الحج على عادة اللغة. # PageV03P289 # الثاني: قال ثعلب: هو مأخوذ من النسيكة، والنسيكة: المخلصة من الخبث، ~~ويقال للذبح نسك؛ لأنه من جملة العبادات الخالصة لله؛ لأنه لا يذبح لغيره. ~~وادعى ابن عرفة أن معنى نسكت ذهبت، وكل من ذهب مذهبا فقد نسك. ولا يرجع ms1137 إلا ~~إلى العبادة والتقرب. وهو الصحيح. # ولما رأى قوم أن العبادة تتكرر قال: إن نسكت بمعنى تعهدت. والذي ذهب إليه ~~الفراء من أنه العيد روي عن ابن عباس، وهو من أفضل المناسك. # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام} [الحج: 34] يعني يذبحونها لله دون غيره في هدي أو ضحية حسبما تقدم ~~بيانه في سورة الأنعام. # المسألة الرابعة: في إقامة الصلاة: وقد تقدم. # المسألة الخامسة: قوله تعالى: {ومما رزقناهم ينفقون} [الحج: 35] وقد تقدم ~~في مواضع كثيرة. ### | [الآية العاشرة قوله تعالى والبدن جعلناها لكم من شعائر الله] # الآية العاشرة قوله تعالى: # {والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها ~~صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم ~~لعلكم تشكرون} [الحج: 36]. # فيها ثماني عشرة مسألة: # المسألة الأولى: قوله تعالى: {والبدن جعلناها لكم من شعائر الله} [الحج: ~~36] البدن جمع بدنة، وهي الواحدة من الإبل، سميت بذلك من البدانة وهي ~~السمن، يقال: بدن الرجل بضم العين: إذا سمن، وبدن بتشديدها: إذا كبر وأسن، ~~وإنما # PageV03P290 # سماها بصفتها لينبه بذلك على اختيارها، وتعيين الأفضل منها؛ فإن الله أحق ~~ما اختير له. # وقد روي عن جابر وعطاء أن البقرة يقال لها بدنة # وحكى ابن شجرة أنه يقال في الغنم، وهو قول شاذ، والبدن هي الإبل. والهدي ~~عام في الإبل، والبقر، والغنم. # المسألة الثانية: قوله تعالى: {جعلناها لكم من شعائر الله} [الحج: 36] # وهذا نص في أنها بعض الشعائر، كما تقدم بيانه. # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {لكم فيها خير} [الحج: 36] # يعني منفعة اللباس والمعاش والركوب والأجر، فأما الأجر فهو خير مطلقا، ~~وأما غيره فهو خير إذا قوى على طاعة الله. ### | [مسألة قراءة قوله تعالى فاذكروا اسم الله عليها صواف] # المسألة الرابعة: {فاذكروا اسم الله عليها صواف} [الحج: 36]: # فيها ثلاث قراءات: صواف بفاء مطلقة، قراءة الجمهور. صوافن بنون، قراءة ~~ابن مسعود. صوافي بياء معجمة باثنتين من تحتها، قراءة أبي بن كعب. # فأما قول صواف فمن صف ms1138 يصف إذا كانت جملة؛ من مقام أو قعود، أو مشاة، ~~بعضها إلى جانب بعض على الاستواء، ويكون معناها هاهنا صفت قوائمها في حال ~~نحرها، أو صفت أيديها قال مجاهد. # وأما صوافن فالصافن هو القائم. وقيل: هو الذي يثني إحدى رجليه. # وأما صوافي فهو جمع صافية، وهي التي أخلصت لله نية وجلالا، وإشعارا ~~وتقليدا. # وقال أبو حنيفة: لا إشعار، وهو بدعة؛ لأنه مثلة؛ وكأنه لا خبر عنده للسنة ~~الواردة في ذلك، ولا للأحاديث المتعاضدة، فهي فعل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - والصحابة بعده ومعه والخلفاء للإشعار. # PageV03P291 # المسألة الخامسة: قوله تعالى: {فاذكروا اسم الله} [الحج: 36] # يعني انحروها، كما تقدم أن ذكر الله اسم صار كناية عن النحر والذبح، لما ~~بينا من أنه شرط فيه وأصل معه. ### | [مسألة كيفية نحر الهدي] # المسألة السادسة: في كيفية نحر الهدي: # وفيه أقوال: الأول: قال ابن وهب: أخبرني ابن أبي ذئب أنه سأل ابن شهاب عن ~~الصواف، فقال: يقيدها ثم يصفها. # وقال لي مالك بن أنس مثله. وقال: فينحرها قائمة، ولا يعقلها، إلا أن يضعف ~~إنسان فيتخوف أن تتفلت بدنته، فلا بأس بأن ينحرها معقولة، وإن كان يقوى ~~عليها فلينحرها قائمة مصفوفة يداها بالقيود. # قال: وسألت مالكا عن البدنة تنحر وهي قائمة هل تعرقب؟ قال: ما أحب ذلك ~~إلا أن يكون الإنسان يضعف عنها، فلا يقوى عليها، فيخاف أن تتفلت منه، فلا ~~أرى بأسا أن يعرقبها، وهذه الأقوال الثلاثة للعلماء: الأول: يقيمها. # الثاني: يقيدها أو يعقلها. # الثالث: يعرقبها. # وزاد مالك أن يكون الأمر يختلف بحسب قوة الرجل وضعفه. # وروي عن بعض السلف مثله. والأحاديث الصحاح في ذلك ثلاثة: الأول: في نحرها ~~مقيدة: في الصحيح عن ابن عمر أنه أتى على رجل قد أناخ بدنته فنحرها قال: " ~~ابعثها قياما مقيدة سنة محمد ". الثاني: في نحرها قائمة: في الصحيح عن أنس ~~«أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحر بيده سبع بدن قياما». # PageV03P292 # وقد كان ابن عمر يأخذ الحربة بيده في عنفوان أيده فينحر بها في صدرها ~~ويخرجها على سنامها، ms1139 فلما أسن كان ينحرها باركة لضعفه، ويمسك معه رجل ~~الحربة، وآخر بخطامها. # والعقل بعض تقييد، والعرقبة تعذيب لا أراه إلا لو ند، فلا بأس بعرقبته. # المسألة السابعة: قوله تعالى: {فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها} [الحج: 36] # يعني سقطت على جنوبها، يريد ميتة، كنى عن الموت بالسقوط على الجنب، كما ~~كنى عن النحر والذبح بذكر اسم الله، والكنايات في أكثر المواضع أبلغ من ~~التصريح قال الشاعر: # لمعفر قهد ينازع شلوه ... غبس كواسب ما يمن طعامها # وقال آخر: # فتركنه جزر السباع ينشنه ... ما بين قلة رأسه والمعصم # في معناه، وذلك كثير. ### | [مسألة الهدي تطوعا أو واجبا] # المسألة الثامنة: قوله تعالى: {فكلوا منها} [الحج: 36] ولا يخلو أن يكون ~~الهدي تطوعا أو واجبا، فأما هدي التطوع فيأكل منه، وأما الهدي الواجب ~~فللعلماء فيه أقوال، أصولها ثلاثة: الأول: لا يأكل منه بحال؛ قاله الشافعي. # الثاني: أنه يأكل من هدي التمتع والقران، ولا يأكل من الواجب بحكم ~~الإحرام قال أبو حنيفة. # الثالث: أنه يأكل من الواجب كله إلا من ثلاث: جزاء الصيد، وفدية الأذى، ~~ونذر المساكين. # وتعلق الشافعي بأنه وجب عليه إخراجه من ماله، فكيف يأكل منه؟ # PageV03P293 # وتعلق أبو حنيفة بأن ما وجب بسبب محظور التحق بجزاء الصيد. # وتعلق مالك بأن جزاء الصيد جعله الله للمساكين بقوله: {أو كفارة طعام ~~مساكين} [المائدة: 95]، وحكم البدل حكم المبدل، وقال في فدية الأذى: {ففدية ~~من صيام أو صدقة أو نسك} [البقرة: 196]. # «وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في فدية الأذى: وأطعم ستة مساكين ~~مدين لكل مسكين»، ونذر المساكين مصرح به، وأما غير ذلك من الهدايا فهو على ~~أصل قوله تعالى: {والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا ~~اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر} ~~[الحج: 36]. # وهذا نص في إباحة الأكل، وقد ثبت في الصحيح «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - نحر بدنه، وأمر من كل بدنة ببضعة، فطبخها وأكل منها، وشرب من مرقها، ~~وكان من هديه واجبا، وهو دم القران الذي كان ms1140 عليه في حجه». وإنما أذن الله ~~تعالى في الأكل لأجل أن العرب كانت لا ترى أن تأكل من نسكها، فأمر الله ~~نبيه بمخالفتهم، فلا جرم كذلك شرع وبلغ، وكذلك فعل حين أهدى وأحرم. # وما تعلق به أبو حنيفة غير صحيح. فليست العلة ما ذكر من الحظر، وإنما هو ~~دعوى لا برهان عليها. ### | [مسألة الأكل والإطعام من الهدي] # المسألة التاسعة: # اختلف الناس في حكم قوله تعالى {فكلوا} [الحج: 36]، {وأطعموا} [الحج: 36] ~~على ثلاثة أقوال: # الأول: أنهما واجبان قاله أبو الطيب بن أبي ثعلبة. # الثاني: أنهما مستحبان قاله ابن شريح. # الثالث: أن الأكل مستحب، والإطعام واجب؛ قاله الشافعي، وهو صريح قول ~~مالك؛ فأما من قال: إنهما واجبان فتعلق بظاهر القول، مع ما فيه من مخالفة ~~الجاهلية، ففيه غريبة من الفقه لم تقع لي، مذ قرأت العلم، لها نظير؛ وذلك ~~أن قول القائل: إنهما # PageV03P294 # جميعا يتركان؛ لأنهما مستحبان لم يتصور شرعا، فإنه ليس وراء ذلك إلا ~~إتلافها، وذلك لا يجوز، فلا يصح استحبابهما معا؛ وإنما يقال أحدهما واجب ~~على البدل، أو يقال الأكل مستحب، والإطعام واجب، كما قال مالك. # والأصح عندي أن الأكل واجب، وقد احتج علماؤنا بأمثلة وردت بصيغة الأمر، ~~ولم تكن واجبة، وليس في ذلك حجة؛ لأنه إذا سقط أمر بدليل لا يسقط غيره بغير ~~دليل. ### | [مسألة أكل من لحم الهدي الذي لا يحل أكله] # المسألة العاشرة: # إذا أكل من لحم الهدي الذي لا يحل أكله، ففيه لعلمائنا قولان: أحدهما: ما ~~وقع في المدينة أنه إن كان جهل فليستغفر الله، ولا شيء عليه. # قال مالك: وقد كان ناس من أهل العلم يقولون: يأكل منه. # وقال في المشهور من مذهبنا: إنه إذا أكل من جزاء الصيد أو فدية الأذى بعد ~~أن بلغ محلته غرم. وماذا يغرم؟ قولان: أحدهما: يضمن الهدي كله؛ قاله ابن ~~الماجشون. # الثاني: ليس عليه إلا غرم قدر ما أكل، وهذا هو الحق، لا شيء غيره. # وكذا لو نذر هدي المساكين، فأكل منه بعد أن بلغ محله لا يغرم إلا ما ms1141 أكل، ~~خلافا للمدونة؛ لأن الصحيح عندي ما ذكرته لكم، إذ النحر قد وقع، والتعدي ~~إنما هو في اللحم، فيغرم بقدر ما تعدى فيه. # واختلف علماؤنا فيما يغرم وهي: # المسألة الحادية عشرة: فقال بعض علمائنا: إنه يغرم قيمة اللحم. وقال في ~~كتاب محمد وابن حبيب عن عبد الملك: إنه يغرمه طعاما. # والأول أصح؛ لأن الطعام إنما هو في مقابلة الهدي كله عند تعذره عبادة، ~~وليس # PageV03P295 # حكم التعدي حكم العبادة، فأما إذا عطب الواجب كله قبل محله فليأكل منه؛ ~~لأن عليه بدله، وهي: # المسألة الثانية عشرة: فإن كان تطوعا فعطب قبل محله لم يأكل؛ لأنه يتهم ~~أن يكون أسرع به ليأكله، وهذا من باب سد الذرائع، وهي: ### | [مسألة معني قوله تعالى القانع والمعتر] # المسألة الثالثة عشرة: # المسألة الرابعة عشرة: القانع: # والخامسة عشرة: المعتر: وفي ذلك خمسة أقوال: # الأول: قال ابن وهب وابن القاسم: القانع الفقير، والمعتر الزائر. # الثاني: قال ابن وهب، وعقبة: السائل، وقاله زيد بن أسلم. # الثالث: المعتر الذي يعتريك؛ قاله مجاهد، والقانع الجالس في بيته؛ قاله ~~مجاهد. # الرابع: القانع الذي يرضى بالقليل. والمعتر الذي يمر بك ولا يبايتك؛ قاله ~~القرطبي. # الخامس: الذي يقنع هو المتعفف، والمعتر السائل. # المسألة السادسة عشرة: هذه الأقوال متقاربة، فأما القانع ففعله قنع يقنع، ~~وله في اللغة معنيان: أحدهما الذي يرضى بما عنده. والثاني: الذي يذل، ~~وكلاهما ينطلق على الفقير، فإنه ذليل. فإن وقف عند رزقه فهو قانع، وإن لم ~~يرض فهو ملحف. وأما المعتر والمعتري فهما متقاربان معنى، مع افتراقهما ~~اشتقاقا، فالمعتر مضاعف، والمعتري معتل اللام، ومن النادر في العربية ~~كونهما بمعنى واحد قال الحارث بن هشام: # وشيبة فيهم والوليد ومنهم ... أمية مأوى المعترين وذي الرحل # PageV03P296 # يريد بالمعترين من يقيم للزيارة، وذو الرحل من يمر بك فتضيفه. وقال زهير: # على مكثريهم رزق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل # ويعضد هذا قوله تعالى: {إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء} [هود: 54] ~~يريد نزل بك؛ فهذا كله في المعتل. وأما ما ورد في المضاعف، فكقول الشاعر: # يعطي ms1142 ذخائر ماله ... معتره قبل السؤال # وقال الكميت: # أيا خير من يأته الطارقو ... ن إما عيادا وإما اعترارا # وقال آخر: # لمال المرء يصلحه فيغني ... مفاقره أعف من القنوع # قال القاضي الإمام: والذي عندي فيه أن المعنى فيهما متقارب كتقارب معنى ~~الفقير والمسكين. # وحقيقة ذلك أن الله أمر بالأكل وإطعام الفقير. والفقير على قسمين: ملازم ~~لك، ومار بك، فأذن الله في إطعام الكل منهما مع اختلاف حالهما، ومن هاهنا ~~وهم بعض الناس فيه، فقال وهي: # المسألة السابعة عشرة: إن القانع هو جارك الغني، وليس لذلك وجه كما ~~بيناه. ### | [مسألة الهدي يقسم أثلاثا] # المسألة الثامنة عشرة: # قال بعضهم: إن الهدي يقسم أثلاثا: قسم يأكله صاحبه، وقسم يأخذه القانع، ~~وقسم يأخذه المعتر، وإنما يقسم قسمين: قسم يأخذه الآكل، وقسم يأخذه القانع ~~والمعتر؛ ولهذا قال ابن القاسم عن مالك: ليس عندنا في الضحايا قسم معلوم ~~موصوف. # قال مالك في حديثه: بلغني عن ابن مسعود شيء ليس عليه العمل عندنا، وهو # PageV03P297 # الذي أشرنا إليه: قسمتها أثلاثا. وقد قال تعالى: {والأنعام خلقها لكم ~~فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون} [النحل: 5]، ولم يكن ذلك ليجزأ أثلاثا؛ ذلك ~~لتعلموا أن هذا التقدير ليس بأصل يرجع إليه. # وفي صحيح مسلم عن ثوبان: «ضحى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بشاة ثم ~~قال لي: أصلح لحمها، فما زال يأكل منه، حتى قدمنا المدينة ولم يذكر صدقة». ~~وهذا نص في المسألة. ### | [الآية الحادية عشرة قوله تعالى لن ينال الله لحومها ولا دماؤها] # ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر ~~المحسنين} [الحج: 37]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: قوله: {لن ينال الله} [الحج: 37] من الألفاظ المشكلة؛ ~~فإن النيل لا يتعلق بالبارئ سبحانه، ولكن عبر به تعبيرا مجازيا عن القبول؛ ~~فإن كل ما نال الإنسان موافق أو مخالف؛ فإن ناله موافق قبله، أو مخالف ~~كرهه، ولا عبرة بالأفعال بدنية كانت أو مالية بالإضافة إلى الله تعالى؛ إذ ~~لا يختلف في حقه إلا بمقتضى نهيه وأمره، وإنما مراتبها الإخلاص فيها ~~والتقوى ms1143 منها. # ولذلك قال: لن يصل إلى الله لحومها ولا دماؤها، وإنما يصل إليه التقوى ~~منكم، فيقبله ويرفعه إليه ويسمعه. # المسألة الثانية: قوله: {كذلك سخرها لكم} [الحج: 37] # امتن علينا سبحانه بتذليلها لنا وتمكيننا من تصريفها، وهي أعظم منا ~~أبدانا، وأقوى أعضاء، ذلك ليعلم العبد أن الأمور ليست على ما تظهر إلى ~~العبد من التدبير # PageV03P298 # وإنما هي بحسب ما يدبرها العزيز القدير، فيغلب الصغير الكبير، ليعلم ~~الخلق أن الغالب هو الله وحده القاهر فوق عباده. # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {لتكبروا الله على ما هداكم} [الحج: 37] # ذكر سبحانه وتعالى اسمه عليها في الآية قبلها فقال: {فاذكروا اسم الله ~~عليها صواف} [الحج: 36]، وذكر هاهنا التكبير، فكان ابن عمر يجمع بينها إذا ~~نحر هديه، فيقول: " بسم الله، والله أكبر ". وهذا من فقهه - رضي الله عنه ~~-. # وقد قال قوم: التسمية عند الذبح والتكبير عند الإحلال بدلا من التلبية ~~عند الإحرام، وفعل ابن عمر أفقه. والله أعلم. ### | [الآية الثانية عشرة قوله تعالى أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا] # وإن الله على نصرهم لقدير} [الحج: 39]. # فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: سبب نزولها: وفي ذلك ثلاثة أقوال: # الأول: روي عن ابن عباس «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما خرج من مكة ~~قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكن. فأنزل الله: ~~{أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} [الحج: 39]. قال أبو بكر: فعرفت أنه سيكون ~~قتال»؛ خرجه الترمذي وغيره. # الثاني: قال مجاهد: الآية مخصوصة، نزلت في قوم مهاجرين، وكانوا يمنعون، ~~فأذن الله في قتالهم، وهي أول آية نزلت في القتال. # الثالث: قال الضحاك: استأذن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في قتال ~~الكفار، فقيل: {إن الله لا يحب كل خوان كفور} [الحج: 38] # PageV03P299 # فلما هاجر نزلت: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا} [الحج: 39]، وهذا ناسخ ~~لكل ما في القرآن من إعراض وترك وصفح، وقد بيناه في قسم النسخ الثاني من ~~علوم القرآن. ### | [مسألة معنى قوله تعالى أذن] # المسألة الثانية: معنى {أذن} [الحج: 39] # أبيح، فإنه لفظ موضوع في اللغة لإباحة كل ms1144 ممنوع، وهو دليل على أن الإباحة ~~من الشرع، وأنه لا يحكم قبل الشرع، لا إباحة ولا حظرا إلا ما حكم به الشرع، ~~وبينه، وقد أوضحناه في أصول الفقه؛ ألا ترى أن الله قد كان بعث رسوله ودعا ~~قومه، ولكنهم لم يتصرفوا إلا بأمر، ولا فعلوا إلا بإذن. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا] # المسألة الثالثة: # بينا أن الله سبحانه لما بعث محمدا - صلى الله عليه وسلم - بالحجة دعا ~~قومه إلى الله دعاء دائما عشرة أعوام، لإقامة حجة الله سبحانه، ووفاء بوعده ~~الذي امتن به بفضله في قوله: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: ~~15]، واستمر الناس في الطغيان، وما استدلوا بواضح البرهان، وحين أعذر الله ~~بذلك إلى الخلق، وأبوا عن الصدق أمر رسوله بالقتال، ليستخرج الإقرار بالحق ~~منهم بالسيف. # المسألة الرابعة: # قرئ يقاتلون بكسر التاء وفتحها، فإن كسرت التاء كان خبرا عن فعل المأذون ~~لهم، وإن فتحتها كان خبرا عن فعل غيرهم بهم، وإن الإذن وقع من أجل ذلك لهم، ~~ففي فتح التاء بيان سبب القتال، وقد كان الكفار يتعمدون النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - والمؤمنين بالإذاية، ويعاملونهم بالنكاية: لقد خنقه المشركون ~~حتى كادت نفسه تذهب، فتداركه أبو بكر، وقال: {أتقتلون رجلا أن يقول ربي ~~الله} [غافر: 28] وقد بلغ بأصحابه إلى الموت؛ فقد قتل أبو جهل سمية أم عمار ~~بن ياسر. وقد عذب بلال، وما بعد هذا إلا الانتصار بالقتال. # والأقوى عندي قراءة كسر التاء؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ~~وقوع العفو والصفح عما # PageV03P300 # فعلوا أذن الله له في القتال عند استقراره بالمدينة، فأخرج البعوث، ثم ~~خرج بنفسه، حتى أظهره الله يوم بدر، وذلك قوله: {وإن الله على نصرهم لقدير} ~~[الحج: 39]. . ### | [الآية الثالثة عشرة قوله تعالى الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق] # إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع ~~وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن ~~الله لقوي عزيز} [الحج: 40]. # فيها مسألتان: ms1145 # المسألة الأولى: قال علماؤنا - رحمهم الله -: «كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قبل بيعة العقبة لم يؤذن له في الحرب، ولم تحل له الدماء»، ~~إنما يؤمر بالدعاء إلى الله، والصبر على الأذى، والصفح عن الجاهل [مدة عشرة ~~أعوام، لإقامة حجة الله تعالى عليهم، ووفاء بوعده الذي امتن به بفضله في ~~قوله: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15] فاستمر الطغيان وما ~~استدلوا بواضح البرهان]. # وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من قومه من المهاجرين حتى فتنوهم عن ~~دينهم، ونفوهم عن بلادهم، فهم بين مفتون في دينه، ومعذب، وبين هارب في ~~البلاد مغرب، فمنهم من فر إلى أرض الحبشة، ومنهم من خرج إلى المدينة، ومنهم ~~من صبر على الأذى، فلما عتت قريش على الله، وردوا أمره وكرامته، وكذبوا ~~نبيه، وعذبوا من آمن به وعبده ووحده، وصدق نبيه، واعتصم بدينه، أذن الله ~~لرسوله في القتال والامتناع والانتصار ممن ظلمهم وبغى عليهم؛ فكانت أول آية ~~أنزلت في إذنه له بالحرب وإحلاله له الدماء: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ~~ظلموا} [الحج: 39] إلى قوله: (" الأمور "). # PageV03P301 # أي إنما أحللت لهم القتال؛ لأنهم ظلموا، ولم يكن لهم ذنب فيما بينهم وبين ~~الناس إلا أن يعبدوا الله، وأنهم إذا ظهروا أقاموا الصلاة. # ثم أنزل الله عليهم: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} ~~[الأنفال: 39] وقد تقدم بيان ذلك. # وعن هذا عبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما أخبرنا نصر بن ~~إبراهيم الزاهد قال: حدثنا علي بن موسى، أنبأنا المروزي، حدثنا الفربري، ~~حدثنا البخاري، حدثنا عبد الله بن محمد المسندي، حدثنا حرمي بن عمارة، ~~حدثنا شعبة عن واقد بن محمد: سمعت أبي يحدث عن ابن عمر أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا ~~مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله». ### | [مسألة نسبة الفعل الموجود من الملجأ المكره إلى الذي ألجأه ms1146 وأكرهه] # المسألة الثانية: قوله تعالى: {الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق} [الحج: ~~40] # دليل على نسبة الفعل الموجود من الملجأ المكره إلى الذي ألجأه وأكرهه، ~~ويترتب عليه حكم فعله؛ ولذلك قال علماؤنا: إن المكره على إتلاف المال يلزمه ~~الغرم، وكذلك المكره على قتل الغير يلزمه القتل. # وروي في مختصر الطبري أن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - استأذنوه في ~~قتال الكفار، إذ آذوه بمكة غيلة، فنزلت: {إن الله لا يحب كل خوان كفور} ~~[الحج: 38] فلما هاجر إلى المدينة أطلق قتالهم، وهذا إن كان صحيحا فقد نسخه ~~الحديث الصحيح: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال «من لكعب بن الأشرف، ~~فإنه قد آذى الله ورسوله فقام محمد بن مسلمة فقال: يا رسول الله؛ أتحب أن ~~أقتله؟ قال: نعم فقتله مع أصحابه غيلة». # PageV03P302 # وكذلك «بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - رهطا إلى أبي رافع عبد الله بن ~~أبي الحقيق، فقتلوه غيلة». ### | [الآية الرابعة عشرة قوله تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى] # ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته ~~والله عليم حكيم} [الحج: 52] {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم ~~مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد - وليعلم الذين أوتوا ~~العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين ~~آمنوا إلى صراط مستقيم} [الحج: 53 - 54]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: # في ذلك روايات مختلفة، أظهرها وما فيها ظاهر: «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - جلس في ناد من أندية قومه، كثير أهله، فتمنى يومئذ ألا يأتيه من ~~الله شيء فينفروا عنه يومئذ، فأنزل الله عليه: {والنجم إذا هوى} [النجم: 1] ~~فقرأ حتى إذا بلغ إلى قوله: {أفرأيتم اللات والعزى} [النجم: 19] {ومناة ~~الثالثة الأخرى} [النجم: 20]. ألقى الشيطان كلمتين: تلك الغرانيق العلا، ~~وإن شفاعتهن لترتجى. فتكلم بها، ثم مضى بقراءة السورة كلها، ثم سجد في آخر ~~السورة، وسجد القوم جميعا معه، ورفع الوليد بن المغيرة ترابا ms1147 إلى جبهته ~~وسجد عليه وكان شيخا كبيرا، فلما أمسى أتاه جبريل، فعرض عليه السورة، فلما ~~بلغ الكلمتين قال: ما جئتك بهاتين، فأوحى الله إليه: {وإن كادوا ليفتنونك ~~عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا} [الإسراء: 73] ~~{ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا} [الإسراء: 74] {إذا ~~لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا} [الإسراء: 75] ~~فما زال مغموما مهموما حتى نزلت: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا ~~إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته} [الحج: 52].» # PageV03P303 # وفي رواية «أن جبريل قال له: لقد تلوت يا محمد على الناس شيئا لم آتك به، ~~فحزن وخاف خوفا شديدا؛ فأنزل الله عليه: إنه لم يكن قبله رسول ولا نبي تمنى ~~كما تمنى، وأحب كما أحب، إلا والشيطان قد ألقى في أمنيته كما ألقى الشيطان ~~على لسانه». ### | [مسألة النبي إذا أرسل الله إليه الملك بوحيه] # المسألة الثانية: # اعلموا أنار الله أفئدتكم بنور هداه، ويسر لكم مقصد التوحيد ومغزاه أن ~~الهدى هدى الله، فسبحان من يتفضل به على من يشاء، ويصرفه عمن يشاء، وقد ~~بينا معنى الآية في فصل تنبيه الغبي على مقدار النبي بما نرجو به عند الله ~~الجزاء الأوفى، في مقام الزلفى، ونحن الآن نجلو بتلك الفصول الغماء، ~~ونرقيكم بها عن حضيض الدهماء، إلى بقاع العلماء في عشر مقامات: # المقام الأول: أن النبي إذا أرسل الله إليه الملك بوحيه، فإنه يخلق له ~~العلم به، حتى يتحقق أنه رسول من عنده، ولولا ذلك ما صحت الرسالة، ولا ~~تبينت النبوة، فإذا خلق الله له العلم به تميز عنده من غيره، وثبت اليقين، ~~واستقام سبيل الدين، ولو كان النبي إذا شافهه الملك بالوحي لا يدري أملك هو ~~أم إنسان، أم صورة مخالفة لهذه الأجناس ألقت عليه كلاما، وبلغت إليه قولا ~~لم يصح له أن يقول: إنه من عند الله، ولا ثبت عندنا أنه أمر الله، فهذه ~~سبيل متيقنة، وحالة متحققة، لا بد منها، ولا خلاف في المنقول ولا في ms1148 ~~المعقول فيها، ولو جاز للشيطان أن يتمثل فيها، أو يتشبه بها ما أمناه على ~~آية، ولا عرفنا منه باطلا من حقيقة؛ فارتفع بهذا الفصل اللبس، وصح اليقين ~~في النفس. . ### | [مسألة الله قد عصم رسوله من الكفر] # المقام الثاني: # أن الله قد عصم رسوله من الكفر، وآمنه من الشرك، واستقر ذلك من دين ~~المسلمين بإجماعهم فيه، وإطباقهم عليه؛ فمن ادعى أنه يجوز عليه أن يكفر ~~بالله، أو يشك فيه طرفة عين، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه؛ بل لا تجوز ~~عليه المعاصي في الأفعال، فضلا عن أن ينسب إلى الكفر في الاعتقاد؛ بل هو ~~المنزه عن ذلك فعلا واعتقادا. وقد مهدنا ذلك في كتب الأصول بأوضح دليل. # PageV03P304 ### | [مسألة الله قد عرف رسوله بنفسه وبصره بأدلته] # المقام الثالث: # أن الله قد عرف رسوله بنفسه، وبصره بأدلته، وأراه ملكوت سمواته وأرضه، ~~وعرفه سنن من كان قبله من إخوته، فلم يكن يخفى عليه من أمر الله ما نعرفه ~~اليوم، ونحن حثالة أمته؛ ومن خطر له ذلك فهو ممن يمشي مكبا على وجهه، غير ~~عارف بنبيه ولا بربه. # المقام الرابع: # تأملوا فتح الله أغلاق النظر عنكم إلى قول الرواة الذين هم بجهلهم أعداء ~~على الإسلام، ممن صرح بعداوته أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما جلس مع ~~قريش تمنى ألا ينزل عليه من الله وحي، فكيف يجوز لمن معه أدنى مسكة أن يخطر ~~بباله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - آثر وصل قومه على وصل ربه، وأراد ~~ألا يقطع أنسه بهم بما ينزل عليه من عند ربه من الوحي الذي كان حياة جسده ~~وقلبه، وأنس وحشته، وغاية أمنيته. # وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أجود الناس؛ فإذا جاءه جبريل كان ~~أجود بالخير من الريح المرسلة فيؤثر على هذا مجالسة الأعداء. ### | [مسألة قول الشيطان تلك الغرانقة العلا وإن شفاعتها ترتجى للنبي] # المقام الخامس: # أن قول الشيطان تلك الغرانقة العلا، وإن شفاعتها ترتجى للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قبله منه؛ فالتبس عليه الشيطان بالملك، واختلط عليه ms1149 التوحيد ~~بالكفر، حتى لم يفرق بينهما. # وأنا من أدنى المؤمنين منزلة، وأقلهم معرفة بما وفقني الله له، وآتاني من ~~علمه، لا يخفى علي وعليكم أن هذا كفر لا يجوز وروده من عند الله. ولو قاله ~~أحد لكم لتبادر الكل إليه قبل التفكير بالإنكار والردع، والتثريب والتشنيع، ~~فضلا عن أن يجهل النبي - صلى الله عليه وسلم - حال القول، ويخفى عليه قوله، ~~ولا يتفطن لصفة الأصنام بأنها الغرانقة العلا، وأن شفاعتها ترتجى. # وقد علم علما ضروريا أنها جمادات لا تسمع ولا تبصر، ولا تنطق ولا تضر، ~~ولا تنفع ولا تنصر ولا تشفع، بهذا كان يأتيه جبريل الصباح والمساء، وعليه ~~انبنى التوحيد، ولا يجوز نسخه من جهة المعقول ولا من جهة المنقول، فكيف ~~يخفى هذا على الرسول؟ ثم لم يكف هذا حتى قالوا: إن جبريل لما عاد إليه بعد ~~ذلك ليعارضه فيما ألقى إليه الوحي كررها عليه جاهلا بها تعالى الله عن ذلك ~~فحينئذ أنكرها عليه جبريل، وقال له: ما جئتك بهذه. فحزن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لذلك، وأنزل عليه: {وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك ~~لتفتري علينا غيره} [الإسراء: 73] # PageV03P305 # ، فيا لله والمتعلمين والعالمين من شيخ فاسد وسوس هامد، لا يعلم أن هذه ~~الآية نافية لما زعموا، مبطلة لما رووا وتقولوا، وهو: # المقام السادس: وذلك أن قول العربي: كاد يكون كذا: معناه قارب ولم يكن؛ ~~فأخبر الله في هذه الآية أنهم قاربوا أن يفتنوه عن الذي أوحي إليه، ولم تكن ~~فتنة، ثم قال: لتفتري علينا غيره. وهو: # المقام السابع: ولم يفتر، ولو فتنوك وافتريت لاتخذوك خليلا، فلم تفتتن ~~ولا افتريت، ولا عدوك خليلا. ولولا أن ثبتناك وهو: ### | [مسألة معنى قوله تعالى لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا] # المقام الثامن: {لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا} [الإسراء: 74]؛ فأخبر ~~الله سبحانه وتعالى أنه ثبته، وقرر التوحيد والمعرفة في قلبه، وضرب عليه ~~سرادق العصمة، وآواه في كنف الحرمة. ولو وكله إلى نفسه، ورفع عنه ظل عصمته ~~لحظة لألممت بما راموه، ولكنا أمرنا عليك بالمحافظة، ms1150 وأشرقنا بنور الهداية ~~فؤادك، فاستبصر وأزح عنك الباطل، وادحر. # فهذه الآية نص في عصمته من كل ما نسب إليه، فكيف يتأولها أحد؟ عدوا عما ~~نسب من الباطل إليه. # المقام التاسع: # قوله: فما زال مهموما حتى نزلت عليه: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا ~~نبي} [الحج: 52] الآية. # فأما غمه وحزنه فبأن تمكن الشيطان مما تمكن، مما يأتي بيانه؛ وكان النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - يعز عليه أن ينال الشيطان منه شيئا وإن قل تأثيره. ### | [مسألة براءة النبي صلى الله عليه وسلم مما نسب إليه] # المقام العاشر: # أن هذه الآية نص في غرضنا، دليل على صحة مذهبنا، أصل في براءة النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - مما نسب إليه أنه قاله عندنا، وذلك أنه قال تعالى: ~~{وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته} ~~[الحج: 52] فأخبر الله تعالى أن من سنته في رسله وسيرته في أنبيائه أنهم ~~إذا قالوا عن الله قولا زاد الشيطان فيه من قبل نفسه، كما يفعل سائر ~~المعاصي، كما تقول: ألقيت في الدار كذا، وألقيت في العكم كذا، وألقيت في ~~الكيس كذا. # فهذا نص في أن الشيطان زاد في الذي قاله # PageV03P306 # النبي - صلى الله عليه وسلم - لا أن النبي قاله؛ وذلك أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان إذا قرأ تلا قرآنا مقطعا، وسكت في مقاطع الآي سكوتا ~~محصلا، وكذلك كان حديثه مترسلا متأنيا، فيتبع الشيطان تلك السكتات التي بين ~~قوله: {ومناة الثالثة الأخرى} [النجم: 20] وبين قوله تعالى: {ألكم الذكر ~~وله الأنثى} [النجم: 21]، فقال يحاكي صوت النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~وإنهن الغرانقة العلا، وإن شفاعتهن لترتجى. # فأما المشركون والذين في قلوبهم مرض لقلة البصيرة وفساد السريرة فتلوها ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ونسبوها بجهلهم إليه، حتى سجدوا معه ~~اعتقادا أنه معهم، وعلم الذين أوتوا العلم والإيمان أن القرآن حق من عند ~~الله فيؤمنون به، ويرفضون غيره، وتجيب قلوبهم إلى الحق، وتنفر عن الباطل؛ ~~وكل ذلك ابتلاء من الله ومحنة. ms1151 # فأين هذا من قولهم، وليس في القرآن إلا غاية البيان بصيانة النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في الإسرار والإعلان عن الشك والكفران. # وقد أوعدنا إليكم توصية أن تجعلوا القرآن إمامكم، وحروفه أمامكم، فلا ~~تحملوا عليها ما ليس فيها، ولا تربطوا فيها ما ليس منها، وما هدي لهذا إلا ~~الطبري بجلالة قدره، وصفاء فكره، وسعة باعه في العلم، وشدة ساعده وذراعه في ~~النظر؛ وكأنه أشار إلى هذا الغرض، وصوب على هذا المرمى فقرطس بعدما ذكر في ~~ذلك روايات كثيرة كلها باطلة، لا أصل لها، ولو شاء ربك لما رواها أحد ولا ~~سطرها، ولكنه فعال لما يريد، عصمنا الله وإياكم بالتوفيق والتسديد، وجعلنا ~~من أهل التوحيد بفضله ورحمته. . ### | [الآية الخامسة عشرة قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم] # وافعلوا الخير لعلكم تفلحون} [الحج: 77]. # حملها كما تقدم بياننا له قوم على أنها سجدة تلاوة، فسجدوها. # وقال آخرون: هو سجود الصلاة، فقصروه عليه. # ورأى عمر أنها سجدة تلاوة. وإني لأسجد بها وأراها كذلك؛ لما روى ابن وهب # PageV03P307 # وغيره عن مالك، عن نافع أن رجلا من الأنصار أخبره أن عمر بن الخطاب قرأ ~~سورة الحج، فسجد فيها السجدتين، ثم قال: إن هذه السورة فضلت بسجدتين. # قال مالك: وحدثني عبد الله بن دينار قال: رأيت ابن عمر يسجد في سورة الحج ~~سجدتين. وكان ابن عمر أكثر الخلق بالنبي - صلى الله عليه وسلم - قدوة. # روى عقبة بن عامر «قلت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله، ~~أفي سورة الحج سجدتان؟ قال: نعم. ومن لم يسجدهما لا يقرأهما»، رواه وهب بن ~~لهيعة عن مسرح بن هاعان عنه. ### | [الآية السادسة عشرة قوله تعالى وجاهدوا في الله حق جهاده] # هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم ~~المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس ~~فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم ~~النصير} [الحج: 78]. # فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: # الحرج ms1152 هو الضيق، ومنه الحرجة، وهي الشجرات الملتفة لا تسلك؛ لالتفاف ~~شجراتها، وكذلك وقع التفسير فيه من الصحابة - رضي الله عنهم -. # روي أن عبيد بن عمير جاء في ناس من قومه إلى ابن عباس، فسأله عن الحرج، ~~فقال: أو لستم العرب؟ فسألوه ثلاثا. كل ذلك يقول: أو لستم العرب، ثم قال: ~~ادع لي رجلا من هذيل، فقال له: ما الحرج فيكم؟ قال: الحرجة من الشجرة: ما ~~ليس له مخرج. # وقال ابن عباس: ذلك الحرج، ولا مخرج له. # PageV03P308 # المسألة الثانية: في محل النفي: # وقد روي عن عثمان بن يسار عن ابن عباس في قوله تعالى: {وما جعل عليكم في ~~الدين من حرج} [الحج: 78] قال: هذا في تقديم الأهلة وتأخيرها بالفطر، ~~والأضحى، وفي الصوم. # وثبت صحيحا عن ابن عباس قال: تقول: ما جعل عليكم في الدين من حرج، إنما ~~ذلك سعة الإسلام: ما جعل الله فيه من التوبة والكفارات. # وقال عكرمة: أحل لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع وما ملكت يمينك. # قال القاضي: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «بعثت بالحنيفية السمحة. ~~وقد كانت الشدائد والعزائم في الأمم، فأعطى الله هذه الأمة من المسامحة ~~واللين ما لم يعط أحدا قبلها في حرمة نبيها، ورحمة نبيها - صلى الله عليه ~~وسلم - لها». # فأعظم حرج رفع المؤاخذة بما نبدي في أنفسنا ونخفيه، وما يقترن به من إصر ~~وضع، كما بينا من قبل في سورة الأعراف وغيرها. # ومنها التوبة بالندم، والعزم على ترك العود في المستقبل، والاستغفار ~~بالقلب واللسان. وقيل لمن قبلنا: {فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم} ~~[البقرة: 54]، ولو ذهبت إلى تعديد نعم الله في رفع الحرج لطال المرام. # ومن جملته أنه لا يؤاخذنا تعالى إن نسينا أو أخطأنا. وقد بيناه أيضا فيما ~~قبل ذلك. # وقد ثبت في الصحيح عن عبد الله بن عمرو وغيره «أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وقف في حجة الوداع، فجعلوا يسألونه، فقال رجل: لم أشعر فحلقت ~~قبل أن أذبح. قال: اذبح، ولا حرج. فجاء آخر، فقال: لم أشعر فنحرت قبل ms1153 أن ~~أرمي فقال: ارم # PageV03P309 # ولا حرج. فما سئل يومه عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: افعل ولا حرج». # فأعجب لمن يقول: إن الدم على من قدم الحلق على النحر، والنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قد قال: ولا حرج، ولقد نزلت بي هذه النازلة سنة تسع وثمانين، ~~كان معي ما استيسر من الهدي، فلما رميت جمرة العقبة، وانصرفت إلى النحر جاء ~~المزين وحضر الهدي، فقال أصحابي: ننحر ونحلق، فحلقت، ولم أشعر قبل النحر، ~~وما تذكرت إلا وجل شعري قد ذهب بالموسى، فقلت: دم على دم، لا يلزم، ورأيت ~~بعد ذلك الاحتياط لارتفاع الخلاف. والحق هو الأول، فهو المعقول. ### | [مسألة تعارض دليلان أحدهما بالحظر والآخر بالإباحة] # المسألة الثالثة: # إذا تعارض دليلان أحدهما بالحظر، والآخر بالإباحة، فمن العلماء من مال ~~إلى الاستظهار، وقال: يقدم دليل الحظر. ومنهم من قال: يقدم دليل الإباحة، ~~ويختلف في ذلك مقاصد مالك، إلا في باب الربا، فيقدم دليل الحظر، وذلك من ~~فقهه العظيم. # وكذلك لو قام دليل على زيادة ركن في العبادة، أو شرط، وقام الدليل على ~~إسقاطه، فاختلف العلماء أيضا فيه؛ فمن العلماء من أخذ بالاحتياط، وقضى ~~بزيادة الركن والشرط، ومنهم من أخذ بالخفة، وقال بدليل الإسقاط، ولم يعول ~~مالك هاهنا على أقوى الدليلين: كان بزيادة أو بإسقاط، ورأيه هو الذي نراه، ~~وقد مهدناه في أصول الفقه، فهنالك ينظر إن شاء الله. ### | [مسألة إذا كان الحرج في نازلة عاما في الناس] # المسألة الرابعة: # إذا كان الحرج في نازلة عاما في الناس فإنه يسقط، وإذا كان خاصا لم يعتبر ~~عندنا، وفي بعض أصول الشافعي اعتباره، وذلك يعرض في مسائل الخلاف؛ فمنه ~~خذوه بعون الله. # PageV03P310 ### | [سورة المؤمنون فيها اثنتا عشرة آية] # [الآية الأولى قوله تعالى الذين هم في صلاتهم خاشعون] # سورة المؤمنون # فيها اثنتا عشرة آية ### | الآية الأولى قوله تعالى: {الذين هم في صلاتهم خاشعون} # [المؤمنون: 2]. # فيها ست مسائل: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: روى الزهري عن عروة بن الزبير عن عبد ~~الرحمن بن عبد القاري قال: سمعت ms1154 عمر بن الخطاب يقول: «كان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إذا أنزل عليه الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل، فأنزل عليه ~~يوما، فلبثنا ساعة، ثم سري عنه، فاستقبل القبلة، ورفع يديه، وقال: اللهم ~~زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر ~~علينا، وارضنا وارض عنا ثم قال: أنزل علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة. ثم ~~قال: {قد أفلح المؤمنون} [المؤمنون: 1] حتى ختم عشر آيات». رواه الترمذي ~~وغيره، وهو صحيح وإن كان قد تكلم فيه أبو عيسى وقطعه. وكان سبب نزولها في ~~رواية محمد «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقلب بصره في السماء إذا ~~صلى، فنزلت آية». # قال محمد: إن لم تكن {الذين هم في صلاتهم خاشعون} [المؤمنون: 2] فلا أدري ~~أية آية هي؟ قال القاضي: هو محمد بن سيرين: وهذا الحديث مقطوع مظنون، ~~فمقصوده غير مقطوع، فسقناه على حاله لكم حتى نكون في معرفته سواء معكم. # PageV03P311 ### | [كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يلتفت في صلاته خاشعا خاضعا] # المسألة الثانية: # هو الخضوع، وهو الإخبات، والاستكانة، وهي ألفاظ مترادفة أو متقاربة، أو ~~متلازمة؛ «وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول في دعائه: خضع لك ~~سوادي، وآمن بك فؤادي». # وحقيقته السكون على حالة الإقبال التي تأهب لها واحترم بها بالسر في ~~الضمير، وبالجوارح في الظاهر؛ فقد «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ~~يلتفت في صلاته خاشعا خاضعا»، وكذلك كان أبو بكر لا يلتفت، وكذلك كان حفيده ~~عبد الله بن الزبير. # قال ابن المنكدر لعروة: لو رأيت قيام ابن الزبير يعني أخاه عبد الله في ~~الصلاة لقلت: غصن تصفقه الرياح، وحجارة المنجنيق تقع هاهنا، ورضف عن يمينه ~~وعن يساره وهو قائم يصلي. # وقال مجاهد: كان ابن الزبير إذا قام يصلي كأنه عود من الخشوع. # وقال عمرو بن دينار: إن ابن الزبير كان يصلي في الحجر مرخيا ثيابه. فجاء ~~حجر الخذاف، فذهب بطائفة من ثوبه، فما التفت، وكذلك كان عبد الله بن مسعود ~~إذا صلى لا ms1155 يتحرك منه شيء؛ ومن هاهنا قال العلماء وهي: # المسألة الثالثة: # إنه يضع بصره في موضع سجوده؛ وبه قال الشافعي والصوفية بأسرهم، فإنه أحضر ~~لقلبه، وأجمع لفكره. # قال مالك: إنما ينظر أمامه، فإنه إن حنى رأسه ذهب بعض القيام المنقوض ~~عليه في الرأس، وهو أشرف الأعضاء منه، وإن أقام رأسه وتكلف النظر ببصره إلى ~~الأرض فتلك مشقة عظيمة وحرج، يعرفون ذلك بالتجربة، وما جعل علينا في الدين ~~من حرج؛ وإنما أمرنا أن نستقبل الجهة ببصائرنا وأبصارنا، أما إنه أفضل لمن ~~قدر عليه متى قدر وكيف قدر، وإنما الممنوع أن يرفع بصره في الصلاة إلى ~~السماء، فإنه لم يؤمر أن يستقبل السماء، وإنما أمر أن يستقبل الجهة ~~الكعبية، فإذا رفع بصره فهو إعراض # PageV03P312 # عن الجهة التي أمر بها، حتى «قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لينتهين ~~أقوام عن رفعهم أبصارهم إلى السماء في الصلاة أو لتخطفن أبصارهم» وهي: # المسألة الرابعة: # حتى قال علماؤنا حين رأوا عامة الخلق يرفعون أبصارهم إلى السماء وهي ~~سالمة: إن المراد بالخطف هاهنا أخذها عن الاعتبار حين يمر بآيات السماء ~~والأرض، وهو معرض، وذلك أشد الخطف، ومن الحنيفية السمحة برفع الحرج الإذن ~~في أن يلحظ يمينا وشمالا، وإن كان يصلي ببصره ورأسه دون بدنه، أذن الشرع ~~فيه، وهي: # المسألة الخامسة: # فمن مراسيل سعيد بن المسيب «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يلمح في ~~الصلاة، ولا يلتفت». # وروى معاوية بن قرة قال: قيل لابن عمر: إن ابن الزبير إذا صلى لم يقل ~~هكذا وهكذا. فقال: لكنا نقول هكذا وهكذا، ونكون مثل الناس؛ إشارة من ابن ~~عمر إلى أنه تكليف يخرج إلى الحرج. # المسألة السادسة: # قال ابن القاسم عن مالك في قوله: {الذين هم في صلاتهم خاشعون} [المؤمنون: ~~2] قال: الإقبال عليها. وقال مقاتل: لا يعرف من على يمينه، ولا من على ~~يساره. صليت المغرب ليلة ما بين باب الأخضر، وباب حطة من البيت المقدس، ~~ومعنا شيخنا أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن المغربي الزاهد، فلما سلمنا ~~تمارى رجلان ms1156 كانا عن يمين أبي عبد الله المغربي؛ وجعل أحدهما يقول للآخر: ~~أسأت صلاتك، ونقرت نقر الغراب. والآخر يقول له: كذبت؛ بل أحسنت وأجملت. ~~فقال المعترض لأبي عبد الله الزاهد: ألم يكن إلى جانبك؛ فكيف رأيته يصلي؟ # PageV03P313 # قال أبو عبد الله: لا علم لي به، كنت مشتغلا بنفسي وصلاتي عن الناس ~~وصلاتهم. فخجل الرجل وأعجب الحاضرون بالقول. وصدق شيخنا أبو عبد الله ~~الزاهد؛ لو كان لصلاته قدر، أو له بها شغل وإقبال بالكلية لما علم من عن ~~يمينه، أو عن يساره فضلا عن معرفته كيفية صلاته، وإلا فأحد الرجلين أساء ~~صلاته في حذف صفاتها، واختصار أركانها، وهذا أساء صلاته في الاشتغال بصلاة ~~هذا، حتى ذهب حفظ صلاته وخشوعها. # ونكتة المسألة أن قولك: " الله أكبر " يحرم عليك الأفعال بالجوار، ~~والكلام باللسان؛ ونية الصلاة تحرم عليك الخواطر بالقلب، والاسترسال عن ~~الأفكار، إلا أن الشرع لما علم أن ضبط الشر من السر يفوت طوق البشر سمح ~~فيه، كما تقدم بيانا له. # والله أعلم. ### | [الآية الثانية قوله تعالى والذين هم لفروجهم حافظون] # } [المؤمنون: 5]. # فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: من غريب القرآن أن هؤلاء الآيات العشر هي عامة في الرجال ~~والنساء، كسائر ألفاظ القرآن التي هي محتملة لهم، فإنها عامة فيهم، إلا ~~قوله: {والذين هم لفروجهم حافظون} [المؤمنون: 5] فإنه خطاب للرجال خاصة دون ~~النساء، بدليل قوله: {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم} [المؤمنون: 6]، ~~ولا إباحة بين النساء وبين ملك اليمين في الفرج؛ وإنما عرف حفظ المرأة ~~فرجها من أدلة أخر، كآيات الإحصان عموما وخصوصا، وغير ذلك من الأدلة. # المسألة الثانية: # قال محمد بن عبد الحكم: سمعت حرملة بن عبد العزيز قال: سألت مالكا عن ~~الرجل يجلد عميرة، فتلا هذه: {والذين هم لفروجهم حافظون} [المؤمنون: 5] ~~{إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} [المؤمنون: 6] {فمن ~~ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} [المؤمنون: 7]. # PageV03P314 # وهذا؛ لأنهم يكنون عن الذكر بعميرة، وفيه يقول الشاعر: # إذا حللت بواد لا أنيس به ... فاجلد عميرة لا داء ولا حرج # ويسميه ms1157 أهل العراق الاستمناء، وهو استفعال من المني. # وأحمد بن حنبل على ورعه يجوزه، ويحتج بأنه إخراج فضلة من البدن؛ فجاز عند ~~الحاجة، أصله الفصد والحجامة. # وعامة العلماء على تحريمه، وهو الحق الذي لا ينبغي أن يدان الله إلا به. # وقال بعض العلماء: إنه كالفاعل بنفسه، وهي معصية أحدثها الشيطان وأجراها ~~بين الناس حتى صارت قيلة، ويا ليتها لم تقل، ولو قام الدليل على جوازها ~~لكان ذو المروءة يعرض عنها لدناءتها. # فإن قيل: فقد قيل: إنها خير من نكاح الأمة. # قلنا: نكاح الأمة ولو كانت كافرة على مذهب العلماء خير من هذا، وإن كان ~~قد قال به قائل أيضا، ولكن الاستمناء ضعيف في الدليل عار بالرجل الدنيء، ~~فكيف بالرجل الكبير، ### | [مسألة نكاح المتعة] # المسألة الثالثة: # قال قوم: هذه الآية دليل على تحريم نكاح المتعة؛ لأن الله قد حرم الفرج ~~إلا بالنكاح أو بملك اليمين، والمتمتعة ليست بزوجة، وهذا يضعف. # فإنا لو قلنا: إن نكاح المتعة جائز فهي زوجة إلى أجل ينطلق عليها اسم ~~الزوجة. # وإن قلنا بالحق الذي أجمعت عليه الأمة من تحريم نكاح المتعة لما كانت ~~زوجة، فلم تدخل في الآية، وبقيت على أصل حفظ الفرج وتحريمه من سببها. ### | [مسألة نكح ما لا يحل] # المسألة الرابعة: # قوله في الآية بعدها، وهي الثالثة # PageV03P315 # {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} [المؤمنون: 7]. # فسمي من نكح ما لا يحل عاديا، وأوجب عليه الحد لعدوانه، واللائط عاد ~~قرآنا ولغة، بدليل قوله: {بل أنتم قوم عادون} [الشعراء: 166] فوجب أن نقيم ~~الحد عليه؛ وهذا ظاهر لا غبار عليه. ### | [الآية الرابعة قوله تعالى والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون] # } [المؤمنون: 8]. # قد قدمنا وجوب حفظ الأمانة والعهد، وبينا قيام الدليل على ذلك فيما مضى، ~~فأد إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك؛ وكذلك من نقض العهد فيك فلا تنقضه ~~فيه، ومن كفر بالله عندك فلا تكفر به عنده، ومن غدر بك فلا تغدر به. وقد ~~أوضحنا ذلك فيما سلف في مواضع، فلينظر فيها؛ وليجمع في القلب منها. ### | [الآية الخامسة ms1158 قوله تعالى والذين هم على صلواتهم يحافظون] # } [المؤمنون: 9]. # قد تقدم القول في حفظ الصلاة في نفسها، وبينا المحافظة عليها بإدامة ~~أفعالها في أوقاتها متى تكررت مفروضاتها، فاعلموه. ### | [الآية السادسة قوله تعالى وأنزلنا من السماء ماء بقدر] # فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون} [المؤمنون: 18]. # فيها خمس مسائل: # المسألة الأولى: هذه من نعم الله على خلقه، ومما امتن عليهم به، ومن أعظم ~~المنن الماء الذي به حياة الأبدان ونماء الحيوان. # PageV03P316 # والماء المنزل من السماء على قسمين: هذا الذي ذكره الله في هذه الآية، ~~وأخبر عنه بأنه استودعه في الأرض، وجعله فيها مخزونا لسقيا الناس، يجدونه ~~[عدة] عند الحاجة إليه، وهو ماء الأنهار والعيون، وما يستخرج من الآبار. # والقسم الآخر هو الذي ينزل من السماء على الأرض في كل وقت. # المسألة الثانية: # روى أشهب عن مالك أنه سئل عن قول الله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء ~~بقدر فأسكناه في الأرض} [المؤمنون: 18] الآية، أهو في الخريف فيما بلغك، ~~قال: لا والله؛ بل هذا في الخريف والشتاء، وكل شيء ينزل ماؤه من السماء إذا ~~شاء، ثم هو على ذهاب به لقادر. # قال القاضي: هذا الذي ذكره مالك محتمل؛ فإن الله أنزل من السماء ماء، ~~فأسكنه في الأرض، ثم ينزله في كل وقت، فيكون منه غذاء، ومنه اختزان زائد ~~على ما كان عليه. # وقد قال أشهب: قال مالك: هي الأرض التي لا نبات فيها يعني قوله: {أولم ~~يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا} [السجدة: 27]، وقوله: ~~{والسماء ذات الرجع} [الطارق: 11] يعني المطر، {والأرض ذات الصدع} [الطارق: ~~12] يعني النبات. وهذا يكون في كل لحظة، كما جاء في الأثر: «إن الله لا ~~يخلي الأرض من مطر في عامر أو غامر، وإنه ما نزل من السماء ماء إلا بحفظ ~~ملك موكل به، إلا ما كان من ماء الطوفان، فإنه خرج منه ما لم يحفظه الملك»، ~~وذلك قوله تعالى: {إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية} [الحاقة: 11] # PageV03P317 # لأن الماءين التقيا على أمر قد قدر ما ms1159 كان في الأرض وما نزل من السماء ~~بالإقلاع، فلم تمتص الأرض من قطره، وأمر الأرض بابتلاع ما خرج منها فقط، ~~وذلك قوله تعالى: {وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء} ~~[هود: 44]. # وهذا يدل على أن الأرض لم تشرب من ماء السماء قطرة. # نكتة أصولية: قال القاضي أبو بكر: قوله: {والسماء ذات الرجع} [الطارق: ~~11] فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه ذات المطر؛ لأنها ترجع في كل عام إلى الحالة التي كانت عليها ~~من إنزال المطر منها. # وظن بعض الناس كما بينا أنها ترد ما أخذت من الأرض من الماء؛ إذ السحاب ~~يستقي من البحر، وأنشدوا في ذلك قول الهذلي: # شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج لهن نئيج # يعني السحاب، وهذه دعوى عريضة طويلة، وهي في قدرة الله جائزة، ولكنه أمر ~~لا يعلم بالنظر، وإنما طريقه الخبر، ولم يرد بذلك أثر. # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {وإنا على ذهاب به لقادرون} [المؤمنون: ~~18]: # يعني لقادرون على إذهاب الماء الذي أسكناه في الأرض، فيهلك الناس بالعطش، ~~وتهلك مواشيهم، وهذا كقوله: {قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء ~~معين} [الملك: 30] وقد قال: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} [الفرقان: 48] ~~وهي: # المسألة الرابعة: # فهذا عام في ماء المطر والماء المختزن في أرض، فصارت إحدى الآيتين عامة ~~وهي آية الطهور. والآية الأخرى خاصة وهي ماء القدر المسكن في الأرض، ومن ~~هاهنا # PageV03P318 # قال من قال: إن ماء البحر لا يتوضأ به؛ لأنه مما لم يخبر الله عنه أنه ~~أنزل من السماء. # وقد بينا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «هو الطهور ماؤه الحل ~~ميتته»، وهذا نص فيه. ### | [مسألة أنزل الله من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار] # المسألة الخامسة: # روى ابن عباس وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أنزل الله من ~~الجنة إلى الأرض خمسة أنهار: سيحون، وهو نهر الهند وجيحون، وهو نهر بلخ، ~~ودجلة، والفرات، وهما نهرا العراق، والنيل وهو نهر مصر، أنزلها الله من عين ~~واحدة من عيون الجنة في أسفل ms1160 درجة من درجاتها، فاستودعها الجبال، وأجراها ~~في الأرض، وجعل فيها معايش للناس في أصناف معايشهم»، وذلك قوله تعالى: ~~{وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض} [المؤمنون: 18] فإذا كان ~~عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله جبريل فرفع من الأرض القرآن والعلم، وهذه ~~الأنهار الخمسة؛ فيرفع ذلك إلى السماء، وذلك قوله: {وإنا على ذهاب به ~~لقادرون} [المؤمنون: 18]. وهذا جائز في القدرة إن صحت به الرواية. # [وروى مسلم في الصحيح من أبي هريرة قال: قال - صلى الله عليه وسلم -: ~~«سيحون وجيحون والفرات كل من أنهار الجنة». وهذا تفسير لقوله تعالى: ~~{وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون} ~~[المؤمنون: 18] يعني به نهرا يجري، وعينا تسيل، وماء راكدا في جوفها والله ~~أعلم]. # وإنما الذي في الصحيح «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة الإسراء رأى ~~سدرة المنتهى، وذكر ما أنشأ من الماء ومن النبات». وقد تقدم في سورة ~~الأنعام. # PageV03P319 ### | [الآية السابعة قوله تعالى وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة] # ذات قرار ومعين} [المؤمنون: 50]. # فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: قوله: (ربوة) فيها خمس لغات: كسر الراء، وفتحها، وضمها، ~~ثلاث لغات، ويقال رباوة بفتح الراء وكسرها، ولم أقيد غيره فيما وجدته الآن ~~عندي. # المسألة الثانية: في تعيين هذه الربوة ستة أقوال: # الأول: أنها الرملة؛ وهي فلسطين؛ قاله أبو هريرة ورواه. # الثاني: قال قتادة: هي ببيت المقدس أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ~~ميلا. # الثالث: أنها دمشق؛ قاله ابن المسيب، ورواه ابن وهب وأشهب عن مالك. # الرابع: أنها مصر قاله ابن زيد بن أسلم. وليس الربا إلا بمصر، والماء ~~يرسل فيكون الربا عليها القرى، ولولا ذلك غرقت. # الخامس: أنه المرتفع من الأرض؛ قاله ابن جبير والضحاك. # السادس: أنها المكان المستوي؛ قاله ابن عباس. # قال القاضي: هذه الأقوال منها ما تفسر لغة، ومنها ما تفسر نقلا؛ فأما ~~التي تفسر لغة فكل أحد يشترك فيه؛ لأنها مشتركة المدرك بين الخلق. # وأما ما يفسر منها نقلا فمفتقر إلى سند صحيح يبلغ إلى ms1161 النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إلا أنه تبقى هاهنا نكتة؛ وذلك أنه إذا نقل الناس تواترا أن ~~هذا موضع كذا، أو أن هذا الأمر جرى كذا، أو وقع لزم قبوله، والعلم به؛ لأن ~~الخبر المتواتر ليس من شرطه الإيمان، وخبر الآحاد لا بد من كون المخبر به ~~بصفة الإيمان؛ لأنه بمنزلة الشاهد، والخبر المتواتر بمنزلة العيان، وقد ~~بينا ذلك في أصول الفقه. # PageV03P320 # والذي شاهدت عليه الناس، ورأيتهم يعينونها تعيين تواتر دمشق، ففي سفح ~~الجبل في غربي دمشق مائلا إلى جوفها موضع مرتفع تتشقق منه الأنهار العظيمة، ~~وفيها الفواكه البديعة من كل نوع، وقد اتخذ بها مسجد يقصد إليه، ويتعبد ~~فيه، أما أنه قد قدمنا أن مولد عيسى - صلى الله عليه وسلم - كان ببيت لحم ~~لا خلاف فيه، وفيه رأيت الجذع كما تقدم، ولكنها لما خرجت بابنها اختلفت ~~الرواة، هل أخذت به غربا إلى مصر؟ أم أخذت به شرقا إلى دمشق؟ فالله أعلم. # المسألة الثالثة: {ذات قرار ومعين} [المؤمنون: 50] # فيه قولان: أحدهما: أرض منبسطة وباحة واسعة. # الثاني: ذات شيء يستقر فيه من قوت وماء؛ وذلك كله محتمل. # وقوله: {ومعين} [المؤمنون: 50] وهي: # المسألة الرابعة: قوله: {ومعين} [المؤمنون: 50] يريد به الماء، وهو مفعل ~~بمعنى مفعول، ويقال: معن الماء وأمعن إذا سال، فيكون فعيل بمعنى فاعل. قال ~~عبيد: واهية أو معين ممعن أو هضبة دونها لهوب # وفيها أقوال لا يتعلق بها حكم. ### | [الآية الثامنة قوله تعالى يا أيها الرسل كلوا من الطيبات] # واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم} [المؤمنون: 51]. # قد تقدم ذكر الطيب، وتفسيره بالحلال؛ وكذلك فسره مالك في رواية أبي بكر ~~بن عبد العزيز العمري عنه، وقد روى مالك عن عثمان أنه قال في خطبته: وعليكم ~~من المطاعم بما طاب منها. وقد روى أبو هريرة «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: يا أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر ~~المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: {يا أيها الرسل كلوا} [المؤمنون: 51]. # PageV03P321 # ثم قال: {يا أيها الذين آمنوا كلوا ms1162 من طيبات ما رزقناكم} [البقرة: 172]. ~~ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه: يا رب يا رب، مطعمه حرام، ~~ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب له» # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن من أطيب ما أكل الرجل من كسبه، ~~وإن ولده من كسبه». وقال تعالى في داود: {وعلمناه صنعة لبوس لكم} ~~[الأنبياء: 80]. # وروى علماؤنا أن عيسى كان يأكل من غزل أمه. # «وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: جعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعلت الذلة ~~والصغار على من خالف أمري». فجعل الله رزق محمد في كسبه لفضله، وخص له أفضل ~~أنواع الكسب، وهو أخذ الغلبة والقهر، لشرفه - صلى الله عليه وسلم -. ### | [الآية التاسعة قوله تعالى والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة] # أنهم إلى ربهم راجعون} [المؤمنون: 60] {أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها ~~سابقون} [المؤمنون: 61]. # فيها أربع مسائل: المسألة الأولى: فيها قولان: أحدهما: الذين يطيعون وهم ~~خائفون ألا يقبل منهم. # PageV03P322 # الثاني: الذين يعصمون، وهم يخافون أن يعذبوا. المسألة الثانية: # روى الترمذي وغيره عن عائشة قالت: «سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- عن هذه الآية: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة} [المؤمنون: 60] قالت ~~عائشة: أهم الذين يشربون الخمر، ويسرقون؟ قال: لا، يا بنت الصديق أو يا بنت ~~أبي بكر، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون ألا يقبل منهم، ~~أولئك الذين يسارعون في الخيرات.» # وقد روى عطاء قال: دخلت مع عبيد بن عمير على عائشة، فقال لها: كيف كانوا ~~يقرءون، {يؤتون ما آتوا} [المؤمنون: 60]؟ قالت: يأتون ما أتوا، فلما خرجنا ~~من عندها قال لي عبيد بن عمير: لأن يكون كما قالت أحب إلي من حمر النعم ~~يعني بقولها: يأتون ما أتوا من المجيء أي يأتون الذنوب وهم خائفون. ### | [مسألة النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر قد غلب عليه مقام الخوف] # المسألة الثالثة: # عولوا على قراءة الجمهور، ولا تتعلقوا بأعضاء الكسير، إنما كان القوم إذا ~~غلب على أعمالهم الإخلاص والقرب خافوا يوم الفزع الأكبر، وهي مسألة كبيرة، ~~وهي ms1163 أن الأفضل للمتقين أن يغلب عليهم مقام الرجاء، أو يغلب عليهم مقام ~~الخوف؛ فهذه الآية تشهد بفضل غلبة مقام الخوف لقوله تعالى {إن الذين هم من ~~خشية ربهم مشفقون - والذين هم بآيات ربهم يؤمنون - والذين هم بربهم لا ~~يشركون} [المؤمنون: 57 - 59] {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ~~ربهم راجعون} [المؤمنون: 60] {أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون} ~~[المؤمنون: 61]. # وكان «النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر قد غلب عليه مقام الخوف، ~~فرفع يديه إلى السماء، وقال: اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض ~~مادا يديه، حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فقال له أبو بكر: كفاك يا رسول الله ~~مناشدتك ربك، فإنه منجز # PageV03P323 # لك ما وعدك، حسبك يا رسول الله، فقد ألححت على ربك، مغلبا جانب الرجاء في ~~نفوذ الوعد». # قال القاضي: ليس يحتاج في هذه الآية إلى اختلاف القراءة بين يأتون ~~ويؤتون، فإن قوله: {يؤتون} [المؤمنون: 60] يعطي الأمرين، تقول العرب: آتيت ~~من نفسي القبول، وآتيت منها الإنابة، تريد أعطيت القياد من نفسي يعني إذا ~~أطاع وأعطيت العناد من نفسي يعني إذا عصى، فمعناه يؤتون ما أتوا من طاعة أو ~~من معصية، ولكن ظاهر الآية وسياق الكلام يقتضي أنه يؤتي الطاعة؛ لأنه وصفهم ~~بالخشية لربهم، والإيمان بآياته، وتنزيهه عن الشرك، وخوفهم عدم القبول منهم ~~عند لقائه لهم، فلا جرم من كان بهذه الصفة يسارع في الخيرات، وأما من كان ~~على العصيان متماديا في الخلاف مستمرا، فكيف يوصف بأنه يسارع في الخيرات أو ~~بالخشية لربه، وغير ذلك من الصفات المتقدمة فيه. # أما إن الذي يأتي المعصية على ثلاثة أقسام: أحدها: الذي يأتيها ويخاف ~~العذاب فهذا هو المذنب. # والذي يأتيها آمنا من عذاب الله من جهة غلبة الرجاء عليه فهو المغرور، ~~والمغرور في حزب الشيطان. # وإن أتاها شاكا في العذاب فهو ملحد لا مغفرة له. # ولأجل إشكال قوله: {يؤتون ما آتوا} [المؤمنون: 60] قال بعضهم: يعني به ~~إنفاق الزكاة؛ لأنه لم يظهر إليه صلاحية لفظ العطاء إلا في المال. وقد ms1164 بينا ~~أن لفظ العطاء ينطلق في كل معنى: مال وغيره، وفي كل طاعة ومعصية، واتضحت ~~الآية، والله أعلم. ### | [مسألة المبادرة إلى الأعمال الصالحة] # المسألة الرابعة: قوله: {أولئك يسارعون في الخيرات} [المؤمنون: 61] # هذا دليل على أن المبادرة إلى الأعمال الصالحة؛ من صلاة في أول الوقت، ~~وغير # PageV03P324 # ذلك من العبادات، هو الأفضل، ومدح الباري أدل دليل على صفة الفضل في ~~الممدوح على غيره، والله أعلم. وقد بيناه في مواضع متقدمة. ### | [الآية العاشرة قوله تعالى مستكبرين به سامرا تهجرون] # } [المؤمنون: 67]. # فيها أربع مسائل: المسألة الأولى: # لم يختلف أحد أن المراد بهذا الذم أهل الحرم قال الله لهم: {قد كانت ~~آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون} [المؤمنون: 66] مستكبرين به، ~~أي بالحرم، يريد يتعاطون به الكبر ويدعون، حتى كانوا يرون الناس يتخطفون من ~~حولهم، وهم آمنون. ومن الكبر كفر، وهو التكبر على الله، وعلى رسوله، ~~والتكبر على المؤمنين فسق، والتكبر على الكفار إيمان؛ فليس الكبر حراما ~~لعينه؛ وإنما يكون حكمه بحكم متعلقه. ### | [مسألة التحلق بالليل للسمر] # المسألة الثانية: قوله: {سامرا} [المؤمنون: 67] # قال المفسرون: حلقا حلقا، وأصله التحلق بالليل للسمر، وكنى بقوله: سامرا ~~عن الجماعة، كما يقال: باقر وجامل لجماعة البقر والجمال، وقد جاء في المثل: ~~لا أكلمه السمر والقمر يعني في قولهم: الليل والنهار. وقال الثوري: السمر ~~ظل القمر. # وحقيقته عندي أنه لفظ يستعمل في الليل والنهار، ولذلك يقال لهما: ابنا ~~سمير؛ لأن ذلك في النهار جبلة، وفي الليل عادة، فانتظما، وعبر عنهما به، ~~وقد قرأه أبو رجاء سمارا جمع سامر. # وقد قال الطبري: إنما وحد سامرا، وهو في موضع الجمع؛ لأنه وضع موضع الوقت ~~يعني والوقت واحد، وإذا خرج الكلام عن الفاعل أو الفعل إلى الوقت وحد ليدل ~~على خروجه عن بابه. # PageV03P325 # المسألة الثالثة: قوله: {تهجرون} [المؤمنون: 67]: # قرئ برفع التاء وكسر الجيم، وبنصب التاء وضم الجيم؛ فالأول عندهم من أهجر ~~إذا نطق بالفحش. والثاني من هجر إذا هذى، ومعناه تتكلمون بهوس، ولا يضر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يتعلق به؛ إنما ضرره ms1165 نازل بكم، وقد بينا ~~حقيقة " هجر " في سورة النساء. # ولذلك فسرها سعيد بن جبير، فقال: مستكبرين بحرمي، تهجرون نبي وزاد قتادة ~~أن سامر الحرم آمن، لا يخاف بياتا، فعظم الله عليهم السمر في الأمن وإفناءه ~~في سب الرسول. المسألة الرابعة: # روى سعيد بن جبير عن ابن عباس، إنما كره السمر حين نزلت هذه الآية: ~~{مستكبرين به سامرا تهجرون} [المؤمنون: 67] يعني أن الله ذم قوما بأنهم ~~يسمرون في غير طاعة الله، إما في هذيان، وإما في إذاية. # وفي الصحيح عن أبي برزة وغيره: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يكره ~~النوم قبلها والحديث بعدها» يعني صلاة العشاء الآخرة؛ أما الكراهية للنوم ~~قبل العشاء فلئلا يعرضها للفوات. # وكذلك قال عمر فيها: " فمن نام فلا نامت عينه، فمن نام فلا نامت عينه، ~~فمن نام فلا نامت عينه ". # وأما كراهية السمر بعدها؛ فلأن الصلاة قد كفرت خطاياه، لينام على سلامة، ~~وقد ختم الملك الكريم الكاتب صحيفته بالعبادة، فيملؤها بالهوس، ويجعل ~~خاتمها الباطل أو اللغو؛ وليس هذا من فعل المؤمنين. # وقد قيل: إنما يكره السمر بعدها لما روى جابر بن عبد الله قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: # PageV03P326 # «إياكم والسمر بعد هدأة الرجل؛ فإن أحدكم لا يدري ما يبث الله من خلقه، ~~أغلقوا الأبواب، وأوكوا السقاء، وخمروا الآنية، وأطفئوا المصابيح». وكان ~~عمر يجدب السمر بعد العشاء، أي يعيبه، ويطوف بالمسجد بعد العشاء الآخرة، ~~ويقول: " الحقوا برحالكم، لعل الله أن يرزقكم صلاة في بيوتكم " وقد كان ~~يضرب على السمر حينئذ ويقول: " أسمرا أول الليل، ونوما آخره، أريحوا كتابكم ~~"، حتى إنه روي عن عبد الله بن عمر أنه قال: " من قرض بيت شعر بعد العشاء ~~لم تقبل له صلاة حتى يصبح " وأسنده شداد بن أوس إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وقد قال البخاري: باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء، وذكر قرة ~~بن خالد قال: انتظرنا الحسن، وراث علينا، حتى جاء قريبا من وقت قيامه، ~~فقال: دعانا جيراننا هؤلاء. ثم قال: قال أنس: انتظرنا النبي ms1166 ذات ليلة حتى ~~إذا كان شطر الليل، فجاء فصلى، ثم خطبنا، فقال: «ألا إن الناس قد صلوا ~~ورقدوا، وإنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة». قال الحسن: " وإن ~~القوم لا يزالون في خير ما انتظروا الخير ". # ثم قال: " باب السمر مع الضيف والأهل ": وقال عبد الرحمن بن أبي بكر إن ~~أصحاب الصفة كانوا أناسا فقراء، وإن النبي قال: «من كان عنده طعام اثنين ~~فليذهب بثالث، وإن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس بسادس»، وإن أبا بكر # PageV03P327 # جاء بثلاثة، وانطلق النبي بعشرة. قال: فهو وأنا وأبي وأمي، ولا أدري هل ~~قال: وامرأتي وخادم بين بيتنا وبيت أبي بكر، وإن أبا بكر تعشى عند النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ثم لبث حتى صليت العشاء، ثم رجع فلبث حتى نعس النبي، ~~فجاء بعدما مضى من الليل ما شاء الله. قالت له امرأته: ما حبسك عن أضيافك؟ ~~قال: أوما عشيتهم، قالت: أبوا حتى تجيء. قال: فذهبت أنا فاختبأت. وقال: يا ~~غنثر، فجدع وسب، وقال: " كلوا، لا هنيئا، والله لا أطعمه أبدا. وايم الله ~~ما كنا نأخذ من لقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها ". قال: وشبعوا، وصارت ~~أكثر مما كانت قبل ذلك، فنظر إليها أبو بكر، فإذا هي كما هي أو أكثر. فقال ~~لامرأته: يا أخت بني فراس، ما هذا قالت: لا، وقرة عيني، لهي الآن أكثر منها ~~قبل ذلك بثلاث مرار، فأكل منها أبو بكر، وقال: إنما كان ذلك من الشيطان ~~يعني يمينه، ثم أكل منها لقمة، ثم حملها إلى النبي، فأصبحت عنده، وكان ~~بيننا وبين قوم عقد، فمضى الأجل، ففرقنا اثني عشر رجلا، مع كل رجل منهم ~~أناس، الله أعلم كم مع كل رجل، فأكلوا منها أجمعون، أو كما قال. # قال الفقيه القاضي أبو بكر - رضي الله عنه -: هذا يدلك على أن النهي عن ~~السمر إنما هو لأجل هجر القول أو لغوه، أو لأجل خوف فوت قيام الليل. فإذا ~~كان على خلاف هذا أو تعلقت به حاجة أو غرض شرعي فلا ms1167 حرج فيه، وليس هو من ~~منزع الآية، وإنما هو مأخذ آخر على ما بيناه، والله أعلم. ### | [الآية الحادية عشرة قوله تعالى ادفع بالتي هي أحسن] # السيئة نحن أعلم بما يصفون} [المؤمنون: 96]. # فيها مسألتان: # PageV03P328 # المسألة الأولى: للعلماء فيها ثلاثة أقوال: # الأول: ادفع بالإغضاء والصفح إساءة المسيء. # الثاني: ادفع المنكر بالموعظة الحسنة. # الثالث: ادفع سيئتك بالحسنة بعدها. المسألة الثانية: # معنى هذه الآية قريب من معنى: {ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم} [فصلت: 34]، إلا أن هذه خاصة في العفو، والتي شرحنا ~~الكلام فيها هاهنا عامة فيه وفي غيره حسبما سطرناه آنفا، وهي مخصوصة في ~~الكفار بالانتقام منهم، باقية في المؤمنين على عمومها، فأما قولهم: ادفع ~~سيئتك بالحسنة بعدها فيشير إلى الغفلة وحسنتها الذكر، كما قال في حديث ~~الأغر المزني: أنه قال - صلى الله عليه وسلم -: إنه ليغان على قلبي فأستغفر ~~الله في اليوم سبعين مرة. # وفي كتاب مسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «إني لأتوب إلى الله في ~~اليوم مائة مرة» وقالت الصوفية: إنه يدخل فيه ادفع حظ الدنيا إذا زحم حظ ~~الآخرة بحظ الآخرة وحدها. # قال لي شيحنا أبو بكر الفهري: متى اجتمع لك أمران أحدهما للدنيا والآخر ~~لله فقدم ما لله فإنهما يحصلان لك جميعا. وإن قدمت الدنيا ربما فاتا معا، ~~وربما حصل حظ الدنيا ولم يبارك لك فيه. # PageV03P329 # ولقد جربته فوجدته، ويدخل فيه دفع الجفاء، لا جرم، كذلك قال: رب اغفر ~~لقومي فإنهم لا يعلمون. # وفقه الآية: اسلك مسلك الكرام، ولا تلحظ جانب المكافأة، ادفع بغير عوض، ~~ولا تسلك مسلك المبايعة، ويدخل فيه: سلم على من لم يسلم عليك، وتكثر ~~الأمثلة، والقصد مفهوم، فاسلكوه. ### | [الآية الثانية عشرة قوله تعالى وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين] # } [المؤمنون: 97] {وأعوذ بك رب أن يحضرون} [المؤمنون: 98]. # فيها مسألتان: المسألة الأولى: # قد بينا أنه لا سلطان للشيطان على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأن الله ~~عصمه منه، ولكنه كان يستعيذ منه، كما كان يستغفر بعد إعلامه بالمغفرة ms1168 له، ~~تحقيقا للموعد، أو تأكيدا للشرط. المسألة الثانية: # أمره [لنا] بالاستعاذة عام، فلا جرم كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يستعيذ، حتى عند افتتاح الصلاة، فيقول: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، من ~~همزه ونفثه ونفخه، حسبما تقدم بيانه؛ والحمد لله». # PageV03P330 ### | [سورة النور فيها تسع وعشرون آية] # [الآية الأولى قوله تعالى سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات ~~بينات] ### | الآية الأولى # قوله تعالى: {سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات # لعلكم تذكرون} [النور: 1]. # فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى: قوله: {سورة} [النور: 1]: يعني منزلة ~~ومرتبة؛ ألم تروا قول الشاعر: # ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب # وعامة القراء على رفعها، وقرأها عيسى بن عمر بالنصب؛ وهو بين، فأما الرفع ~~فقال أهل العربية: إنها على خبر الابتداء، التقدير هذه سورة؛ لأن الابتداء ~~بالنكرة قبيح، وقد بينا في الرسالة الملجئة أنه فصيح مليح، وجئنا فيه ~~بالمثال الصحيح. ### | [مسألة معنى قوله تعالى فرضناها يقرأ بتخفيف الراء وتشديدها] # المسألة الثانية: قوله: {وفرضناها} [النور: 1]: # يقرأ بتخفيف الراء وتشديدها، فمن خفف فمعناه أوجبناها معينة مقدرة، كما ~~قال: «فرض رسول الله صدقة الفطر على كل حر وعبد، ذكر وأنثى من المسلمين». # ومن شدد فمعناه على وجهين: إما على معنى وضعناها فرائض فرائض، أو فرضا ~~فرضا، كما تقول: نزلت فلانا، أي قدرت له المنازل واحدا بعد واحد. # PageV03P331 # وفي صحيح مسلم: " فنزلني زيد " أي رتب لي منازل كثيرة. # الثاني: على معنى التكثير، وهو صحيح لا اعتراض عليه. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وأنزلنا فيها آيات بينات] # المسألة الثالثة: قوله: {وأنزلنا فيها آيات بينات} [النور: 1] # فيها حجج وتوحيد، وفيها دلائل الأحكام، والكل آيات بينات: حجج العقول ~~ترشد إلى مسائل التوحيد، ودلائل الأحكام ترشد إلى وجه الحق، وترفع غمة ~~الجهل؛ وهذا هو شرف السورة، وهو أقل ما وقع التحدي به في سبيل المعجزة، ~~فيكون شرفا للنبي في الولاية، شرفا لنا في الهداية. ### | [الآية الثانية قوله تعالى الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة] # ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ms1169 إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ~~وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} [النور: 2]. # فيها تسع مسائل: المسألة الأولى: قوله: {الزانية} [النور: 2] # قد تقدم بيان حد الزنا، وحقيقته، وأنه الوطء المحرم شرعا في غير ملك ولا ~~شبهة ملك، كان في قبل أو دبر، في ذكر أو أنثى. فإن كان ذلك باسم اللغة فبها ~~ونعمت، وإن كان بأن اللواط في معنى الزنا فحسن أيضا، ولا مبالاة كيف يرد ~~الأمر عليكم، فقد أحكمناه في موضعه، وحققناه في مسائل الخلاف بأدلته. ~~المسألة الثانية: # قرئ بالرفع والنصب فيهما، كما تقدم في آية السرقة إعرابا وقراءة ومعنى، ~~كفة كفة؛ فلا وجه لإعادته. # PageV03P332 ### | [مسألة تفسير قوله تعالى الزانية والزاني] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {الزانية والزاني} [النور: 2] # فذكر الذكر والأنثى فيه، والزاني كان يكفي عنه. # قلنا: هذا تأكيد للبيان، كما قال: {والسارق والسارقة} [المائدة: 38]. ~~ويحتمل أن يكون ذكر في الزنا لئلا يظن ظان أن الرجل لما كان هو الواطئ ~~والمرأة محل ذكرهما دفعا لهذا الإشكال الذي أوقع جماعة من العلماء، حتى ~~قالوا: لا كفارة على المرأة في الوطء في رمضان؛ لأنه قال: جامعت أهلي في ~~رمضان. فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: كفر ". والمرأة ليست بمجامعة ~~ولا واطئة، وهذا تقصير عظيم من الشافعي. وقد بيناه في مسائل الخلاف، وأنها ~~تتصف بالوطء، فكيف بالجماع الذي هو مفاعلة، هذا ما لا يخفى على لبيب. ~~المسألة الرابعة: قوله: {الزانية والزاني} [النور: 2] # فبدأ بالمرأة قبل الرجل. قال علماؤنا: ذلك لفائدتين: # إحداهما: أن الزنا في المرأة أعر لأجل الحمل، فصدر بها لعظم حالها في ~~الفاحشة. # الثانية: أن الشهوة في المرأة أكثر، فصدر بها تغليظا لردع شهوتها، وإن ~~كان قد ركب فيها حياء، ولكنها إذا زنت ذهب الحياء. ### | [مسألة حد الزنا] # المسألة الخامسة: قوله تعالى: {فاجلدوا كل واحد منهما} [النور: 2] # جعل الله كما تقدم حد الزنا قسمين: رجما على الثيب، وجلدا على البكر؛ ~~وذلك لأن قوله: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما} [النور: 2] عام في ~~كل زان، ثم شرحت السنة حال الثيب، كما تقدم ms1170 في سورة النساء. # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «قد جعل الله لهن سبيلا البكر ~~بالبكر جلد مائة، وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم». فقال سنة، ~~وأنزل الله الجلد قرآنا، وبقي الرجم على حاله في الثيب، والتغريب في البكر، ~~كما تقدم بيانه هنالك. # PageV03P333 ### | [مسألة المخاطب بالأمر بالجلد] # المسألة السادسة: # لا خلاف أن المخاطب بهذا الأمر بالجلد الإمام، ومن ناب عنه، وزاد مالك ~~والشافعي: السادة في العبيد قال الشافعي: في كل جلد وقطع. وقال مالك: في ~~الجلد خاصة دون القطع، كما وردت به السنة: «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ~~الحد». # وقد بيناه في مسائل الخلاف. ### | [مسألة صفة الضرب للزناة] # المسألة السابعة: قوله: {ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} [النور: 2] # اختلف السلف فيها، فمنهم من قال: {ولا تأخذكم بهما رأفة} [النور: 2] ~~فتسقطوا الحد. ومنهم من قال: {ولا تأخذكم بهما رأفة} [النور: 2] فتخففوا ~~الحد؛ وهو عندي محمول عليهما جميعا؛ فلا يجوز أن تحمل أحدا رأفة على زان ~~بأن يسقط الحد أو يخففه عنه. # وصفة الضرب أن يكون سوطا بين السوطين، وضربا بين الضربين، وتستوي في ذلك ~~الحدود كلها. # وقال أبو حنيفة: لا سواء بين الحدود، ضرب الزاني أشد من ضرب القذف، وضرب ~~القذف أشد من ضرب الشرب، وكأنهم نظروا صورة الذنب، فركبوا عليه صفة ~~العقوبة، والشرب أخف من القذف، والقذف أخف من الزنا؛ فحملوه عليه وقرنوه ~~به. # وقد روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتي برجل قد أصاب حدا، وأتي ~~بسوط شديد، فقال: دون هذا. وأتي بسوط دونه، فقال: فوق هذا». # PageV03P334 # وأمر عمر برجل يضرب الحد، فقال له: " لا ترفع إبطك ". وعنه: أنه اختار ~~سوطا بين السوطين. ويفرق عليه الضرب في ظهره، وتجتنب مقاتله، ولا خلاف فيه. # وهذا ما لم يتتابع الناس في الشر، ولا احلولت لهم المعاصي، حتى يتخذوها ~~ضراوة، ويعطف الناس عليهم بالهوادة، فلا يتناهوا عن منكر فعلوه؛ فحينئذ ~~تتعين الشدة، ويزيد الحد، لأجل زيادة الذنب. # وقد أتي عمر بسكران في رمضان، فضربه مائة: ثمانين حد الخمر، ms1171 وعشرين لهتك ~~حرمة الشهر؛ فهكذا يجب أن تتركب العقوبات على تغليظ الجنايات، وهتك ~~الحرمات. # وقد لعب رجل بصبي، فضربه الوالي ثلاثمائة سوط، فلم يغير ذلك مالكا حين ~~بلغه، فكيف لو رأى زماننا هذا بهتك الحرمات والاستهتار بالمعاصي، والتظاهر ~~بالمناكر، وبيع الحدود، واستيفاء العبيد لها في منصب القضاة؟؛ لمات كمدا، ~~ولم يجالس أحدا؛ وحسبنا الله ونعم الوكيل. ### | [مسألة الحكمة من قوله تعالى وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين] # المسألة الثامنة: قوله تعالى: {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} ~~[النور: 2]. وفقه ذلك أن الحد المحدود، ومن شهده وحضره يتعظ به ويزدجر ~~لأجله، ويشيع حديثه؛ فيعتبر به من بعده. المسألة التاسعة: # واختلف في تحديد الطائفة على خمسة أقوال: الأول: واحد، فما زاد عليه؛ قال ~~إبراهيم. # الثاني: رجلان فصاعدا؛ قاله عطاء. # الثالث: ثلاثة فصاعدا؛ قاله قوم. # الرابع: أربعة فصاعدا؛ قال عكرمة. # PageV03P335 # الخامس: أنه عشرة. # وحقيقة الطائفة في الاشتقاق فاعلة من طاف. وقد قال الله تعالى: {فلولا ~~نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا ~~إليهم لعلهم يحذرون} [التوبة: 122]. وذلك يصح في الواحد. ومن هاهنا استدل ~~العلماء على قبول خبر الواحد، إلا أن سياق الآية هاهنا يقتضي أن يكونوا ~~جماعة لحصول المقصود من التشديد والعظة والاعتبار. # والذي أشار إلى أن تكون أربعة نزع بأنه أقل عدد شهوده. # والصحيح سقوط العدد، واعتبار الجماعة الذين بهم التشديد من غير حد. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة] # والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين} [النور: 3]. # فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى: في وجه نزولها: # فيه ستة أقوال: # الأول: «أنها نزلت مخصوصة في رجل من المسلمين استأذن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في نكاح امرأة يقال لها أم مهزول، كانت من بغايا ~~الزانيات، وشرطت له أن تنفق عليه، فأنزل الله هذه الآية»؛ قاله ابن عمر ~~ومجاهد. # الثاني: أنها نزلت في شأن رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد، وكان رجلا يحمل ~~الأسرى من مكة حتى يأتي بهم ms1172 المدينة قال: وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها ~~عناق، وكانت صديقة له، وأنه كان وعد رجلا من أسارى مكة يحمله قال: فجئت حتى ~~انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة. # قال: فجاءت عناق فأبصرت # PageV03P336 # سواد ظلي بجنب الحائط، فلما انتهت إلي عرفتني، فقالت: مرثد، فقلت: مرثد، ~~فقالت: مرحبا وأهلا. هلم، فبت عندنا الليلة، فقلت: يا عناق؛ إن الله حرم ~~الزنا قالت: يا أهل الخيام؛ هذا الرجل يحمل أسراكم، فتبعني ثمانية، وسلكت ~~الخندمة، فانتهيت إلى غار، فدخلت فجاءوا حتى قاموا على رأسي، فبالوا فتطاير ~~بولهم على رأسي، وعماهم الله عني. قال: ثم رجعوا، ورجعت إلى صاحبي فحملته، ~~وكان رجلا ثقيلا، حتى انتهيت إلى الإذخر، ففككت عنه كبله، فجعلت أحمله، ~~ويعينني، حتى قدمت المدينة، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: ~~يا رسول الله، أنكح عناقا، فأمسك رسول الله فلم يرد شيئا حتى نزلت: {الزاني ~~لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك ~~على المؤمنين} [النور: 3] فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يا ~~مرثد، الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا زان أو ~~مشرك إلى آخر الآية، فلا تنكحها». # الثالث: أنها نزلت في أهل الصفة، وكانوا قوما من المهاجرين لم يكن لهم ~~بالمدينة مساكن ولا عشائر، فنزلوا صفة المسجد، وكانوا أربعمائة رجل يلتمسون ~~الرزق بالنهار، ويأوون إلى الصفة بالليل، وكان بالمدينة بغايا متعالنات ~~بالفجور، مخاصيب بالكسوة والطعام، فهم أهل الصفة أن يتزوجوهن، فيأووا إلى ~~مساكنهن، ويأكلوا من طعامهن وكسوتهن، فنزلت فيهم هذه الآية؛ قاله ابن أبي ~~صالح. # وقاله مجاهد، وزاد: أنهن كن يدعين الجهنميات، نسبة إلى جهنم. # الرابع: معناه الزاني لا يزني إلا بزانية، والزانية لا تزني إلا بزان ~~وروي عن ابن عباس. # الخامس: أنها مخصوصة في الزاني لا ينكح إلا زانية محدودة، ولا ينكح ~~الزانية المحدودة إلا زان روي عن ابن مسعود والحسن وغيرهما. # السادس: أنه عام في تحريم نكاح الزانية على العفيف، والعفيف على ms1173 الزانية. # PageV03P337 # المسألة الثانية: # هذه الآية من مشكلات القرآن من وجهين: # أحدهما: أن هذه صيغة الخبر، وهو على معناه، كما بيناه في غير موضع ~~وشرحناه، ردا على من يقول: إن الخبر يرد بمعنى الأمر؛ وذلك أن الله أخبر أن ~~الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة. ونحن نرى الزاني ينكح العفيفة. # وقال أيضا: والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك، ونحن نرى الزانية ينكحها ~~العفيف، فكيف يوجد خلاف ما أخبر الله به عنه؟ وخبره صدق، وقوله حق لا يجوز ~~أن يوجد مخبره بخلاف خبره؛ ولهذا أخذ العلماء فيها مآخذ متباينة، ولم أسمع ~~لمالك فيها كلاما. وقد كان ابن مسعود يرى أن الرجل إذا زنى بالمرأة ثم ~~نكحها أنهما زانيان، ما عاشا. # وقال ابن عباس: " أوله سفاح وآخره نكاح ". وقال ابن عمر مثله. وقال: " ~~هذا مثل رجل سرق ثمرة ثم اشتراها "، وأخذ مالك بقول ابن مسعود، فرأى أنه لا ~~ينكحها حتى يستبرئها من مائه الفاسد. # وروى الشافعي وأبو حنيفة أن ذلك الماء لا حرمة له، ورأى مالك أن ماء ~~الزنا وإن كان لا حرمة له، فماء النكاح له حرمة، ومن حرمته ألا يصب على ماء ~~السفاح، فيخلط الحرام بالحلال، ويمزج ماء المهانة بماء العزة؛ فكان نظر ~~مالك أشد من نظر سائر فقهاء الأمصار. # المسألة الثالثة: في التنقيح: # وأما من قال: إنها نزلت في البغايا فظاهر في الرواية. وأما من قال: إن ~~الزاني المحدود وهو الذي ثبت زناه لا ينكح إلا زانية محدودة، فكذلك روي عن ~~الحسن، وأسنده قوم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا معنى لا يصح ~~نظرا كما لم يثبت نقلا. وهل يصح أن يوقف نكاح من حد من الرجال على نكاح من ~~حد من النساء؛ فبأي أثر يكون ذلك أو على أي أصل يقاس من الشريعة؟ # PageV03P338 # والذي عندي أن النكاح لا يخلو من أن يراد به الوطء، كما قال ابن عباس، أو ~~العقد؟ فإن أريد به الوطء فإن معناه لا يكون زنا إلا بزانية، وذلك عبارة عن ~~أن الوطأين ms1174 من الرجل والمرأة زنا من الجهتين، ويكون تقدير الآية وطء الزنا ~~لا يقع إلا من زان أو مشرك، وهذا يؤثر عن ابن عباس؛ وهو معنى صحيح. # فإن قيل: وأي فائدة فيه؟ وكذلك هو. # قلنا: علمناه كذلك من هذا القول، فهو أحد أدلته. # فإن قيل: فإذا بالغ زنى بصبية أو عاقل بمجنونة، أو مستيقظ بنائمة، فإن ~~ذلك من جهة الرجل زنا، ولا يكون ذلك من جهة المرأة زنا، فهذا زان ينكح غير ~~زانية، فيخرج المراد عن بابه الذي تقدم. # قلنا: هو زنا من كل جهة، إلا أن أحدهما سقط فيه الحد، والآخر ثبت فيه ~~الحد، وإن أردنا به العقد كان معناه أن يتزوج الزانية زان، أو يتزوج زان ~~الزانية، وتزويج الزانية يكون على وجهين: أحدهما: ورحمها مشغول بالماء ~~الفاسد. # الثاني: أن تكون قد استبرئت. # فإن كان رحمها مشغولا بالماء فلا يجوز نكاحها، فإن فعل فهو زنا، لكن لا ~~حد عليه، لاختلاف العلماء فيه. وأما إن استبرئت فذلك جائز إجماعا. # وقد ثبت عن ابن عمر: بينما أبو بكر الصديق في المسجد إذ جاء رجل فلاث ~~عليه لوثا من كلام وهو دهش، فقال لعمر: " قم فانظر في شأنه، فإن له شأنا ". ~~فقام إليه عمر، فقال: " إن ضيفا ضافه فزنى بابنته " فضرب عمر في صدره. ~~وقال: " قبحك الله، ألا سترت على ابنتك "، فأمر بهما أبو بكر فضربا الحد، ~~ثم زوج أحدهما الآخر، ثم أمر بهما أن يغربا حولا. # وقد روى نافع أن رجلا استكره جارية فافتضها، فجلده أبو بكر، ولم يجلدها، ~~ونفاه سنة، ثم جاء فزوجه إياها بعد ذلك، وجلده عمر ونفى أحدهما إلى خيبر، ~~والآخر إلى فدك. # PageV03P339 # وروى الزهري أن رجلا فجر بامرأة وهما بكران، فجلدهما أبو بكر، ونفاهما، ~~ثم زوجه إياها من بعد الحول. وهذا أقرب إلى الصواب وأشبه بالنظر، وهو أن ~~يكون الزواج بعد تمام التغريب وقد روى مالك عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن ~~المسيب قال: الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا ~~زان أو ms1175 مشرك. قال: نسخت هذه الآية الآية التي بعدها: {وأنكحوا الأيامى منكم ~~والصالحين من عبادكم وإمائكم} [النور: 32] # ، وقد بينا في القسم الثاني من الناسخ والمنسوخ من علوم القرآن أن هذا ~~ليس بنسخ، وإنما هو تخصيص عام وبيان لمحتمل، كما تقتضيه الألفاظ وتوجيه ~~لأصول، من فسر النكاح بالوطء أو بالعقد وتركيب المعنى عليه. والله أعلم. ### | [الآية الرابعة قوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء] # الآية الرابعة # قوله تعالى {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ~~ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون} [النور: 4]. # فيها ست عشرة مسألة: المسألة الأولى: قوله: {والذين يرمون} [النور: 4]. # يريد يشتمون. واستعير له اسم الرمي، لأنه إذاية بالقول، ولذلك قيل له ~~القذف. ثبت في الصحيح عن ابن عباس قال: إن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك ~~ابن السحماء، وقال أبو كبشة: # وجرح اللسان كجرح اليد # وقال: # رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريئا ومن أجل الطوى رماني # المسألة الثانية: قوله: {والذين يرمون} [النور: 4] مختلف في كونه موضع ~~رفع أو نصب، كاختلافهم في السارق والسارقة والزانية والزاني سواء. # PageV03P340 ### | [مسألة شروط القذف] # المسألة الثالثة: قوله: {المحصنات} [النور: 4] # قد بينا الإحصان وأقسامه في سورة النساء، وقلنا: إنه ينطلق على الإسلام ~~والحرية والعفة؛ ولا خلاف في أن المراد بها العفة هاهنا. # وشروط القذف عند العلماء تسعة: شرطان في القاذف، وشرطان في المقذوف به، ~~وخمسة في المقذوف. # فأما الشرطان اللذان في القاذف: فالعقل والبلوغ. # وأما الشرطان في الشيء المقذوف منه: فهو أن يقذفه بوطء يلزمه فيه الحد، ~~وهو الزنا أو اللواط، أو ينفيه من أبيه، دون سائر المعاصي. # وأما الخمس التي في المقذوف فهي: العقل، والبلوغ، والإسلام، والحرية، ~~والعفة عن الفاحشة التي رمي بها كان عفيفا عن غيرها أو لا. # فأما اشتراط البلوغ والعقل في القاذف؛ فلأنهما أصلا التكليف؛ إذ التكليف ~~ساقط دونهما، وإنما شرطناهما في المقذوف وإن لم يكونا في معاني الإحصان ~~لأجل أن الحد إنما وضع للزجر عن الإذاية بالمعرة الداخلة على المقذوف، ولا ms1176 ~~معرة على من عدم العقل والبلوغ؛ إذ لا يوصف الوطء فيهما ولا منهما بأنه ~~زنا. # وأما شروط الإسلام فيه؛ فلأنه من معاني الإحصان وأشرفها، كما بيناه من ~~قبل، ولأن عرض الكافر لا حرمة له يهتكها القذف، كالفاسق المعلن لا حرمة ~~لعرضه؛ بل هو أولى لزيادة الكفر على المعلن بالفسق. # وأما شرف العفة؛ فلأن المعرة لاحقة به، والحرمة ذاهبة، وهي مرادة هاهنا ~~إجماعا. # وأما الحرية فإنما شرطناها لأجل نقصان عرض العبد عن عرض الحر، بدليل ~~نقصان حرمة دمه عن دمه؛ ولذلك لا يقتل الحر بالعبد، ولا يحد بقذفه، وقد ~~بيناه في مسائل الخلاف. # PageV03P341 ### | [مسألة المراد بالرمي هاهنا التعبير بالزنا] # المسألة الرابعة: # المراد بالرمي هاهنا التعبير بالزنا خاصة؛ لقول ابن عباس: إن هلال بن ~~أمية قذف زوجه بشريك بن السحماء، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«البينة وإلا حد في ظهرك» # والنكتة البديعة فيه أنه قال: {ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} [النور: 4]، ~~والذي يفتقر إلى أربعة شهداء هو الزنا؛ وهذا قاطع. المسألة الخامسة: قوله: ~~{يرمون} [النور: 4] # اتفق العلماء على أنه إذا صرح بالزنا كان قذفا وذنبا موجبا للحد؛ فإن عرض ~~ولم يصرح، فقال مالك: هو قذف. وقال الشافعي وأبو حنيفة: ليس بقذف. ومالك ~~أسد طريقة فيه؛ لأن التعريض قول يفهم منه سامعه الحد، فوجب أن يكون قذفا، ~~كالتصريح. والمعول على الفهم. وقد قال الله مخبرا عن قوم شعيب: {إنك لأنت ~~الحليم الرشيد} [هود: 87] وقال في أبي جهل: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} ~~[الدخان: 49] وهذا ظاهر. ### | [مسألة قال له يا من وطئ بين الفخذين] # المسألة السادسة: # فإن قال له: يا من وطئ بين الفخذين. # قال ابن القاسم: فيه الحد؛ لأنه تعريض. وقال أشهب: لا حد فيه؛ لأنه نسبه ~~إلى فعل لا يعد زنا إجماعا. # وقال ابن القاسم: أصوب من جهة التعريض. ### | [مسألة رمى صبية يمكن وطؤها قبل البلوغ بالزنا] # المسألة السابعة: # إذا رمى صبية يمكن وطؤها قبل البلوغ بالزنا كان قذفا عند مالك. وقال أبو ~~حنيفة والشافعي: ليس بقذف؛ لأنه ليس بزنا؛ ms1177 إذ لا حد عليها. # PageV03P342 # وعول مالك على أنه تعيير تام بوطء كامل، فكان قذفا. والمسألة محتملة ~~مشكلة، لكن مالك غلب حماية عرض المقذوف، وغيره راعى حماية طهر القاذف. ~~وحماية عرض المقذوف أولى؛ لأن القاذف كشف ستره بطرف لسانه فلزمه الحد. ### | [مسألة كيفية الشهادة علي الزنا] # المسألة الثامنة: قوله: {ثم لم يأتوا بأربعة شهداء} [النور: 4] # كثر الله عدد الشهود في الزنا على سائر الحقوق رغبة في الستر على الخلق، ~~وحقق كيفية الشهادة حتى ربط أن يقول: رأيت ذلك منه في ذلك منها؛ أي المرود ~~في المكحلة، حسبما بيناه في الأحاديث من قبل. # فلو قالوا: رأيناه يزني بها الزنا الموجب للحد؟ فقال ابن القاسم: يكونون ~~قذفة. # وقال غيره: إذا كانوا فقهاء والقاضي فقيها كانت شهادة. # والأول أصح؛ لأن عدد الشهود تعبد، ولفظ الشهادة تعبد، وصفتها تعبد، فلا ~~يبدل شيء منها بغيره، حتى قال علماؤنا وهي: ### | [مسألة شرط أداء الشهود للشهادة في الزنا] # المسألة التاسعة: # إن من شرط أداء الشهود للشهادة أن يكون ذلك في مجلس واحد، فإن افترقوا لم ~~تكن شهادة. # وقال عبد الملك: تقبل شهادتهم مجتمعين ومفترقين، فرأى مالك أن اجتماعهم ~~تعبد، ورأى عبد الملك أن المقصود أداء الشهادة واجتماعها؛ وهو أقوى. ### | [مسألة معنى قوله تعالى المحصنات] # المسألة العاشرة: قوله: {المحصنات} [النور: 4] # قيل: هو وصف للنساء، ولحق بهن الرجال، واختلف في وجه إلحاق الرجال بهن؛ ~~فقيل بالقياس عليهن؛ كما ألحق ذكور العبيد بإمائهم في تشطير الحد؛ وهو مذهب ~~شيخ السنة، ومذهب لسان الأمة. # وقال إمام الحرمين: ليس من باب القياس؛ وإنما هو من باب كون الشيء في ~~معنى الشيء قبل النظر إلى علته، وجعل من هذا القبيل إلحاق الأمة بالعبد في ~~قوله: " من # PageV03P343 # أعتق شركا له في عبد [فكان له من المال قدر ما يبلغ قيمته] قوم عليه قيمة ~~عدل ". # فهذا إذا سمعه كل أحد علم أن الأمة كذلك قبل أن ينظر في وجه الجامع ~~بينهما في الاشتراك في حكم السراية. # وقيل: المراد بقوله: {المحصنات} [النور: 4] الأنفس المحصنات. وهذا كلام ~~من ms1178 جهل القياس وفائدته، وخفي عليه، ولم يعلم كونه أصل الدين وقاعدته. # والصحيح ما أشار إليه أبو الحسن والقاضي أبو بكر كما قدمنا عنهما، من أنه ~~قياس صريح صحيح. المسألة الحادية عشرة: # قيل: نزلت هذه الآية في الذين رموا عائشة - رضي الله عنها - فلا جرم جلد ~~النبي منهم من ثبت ذلك عليه. # وقيل: نزلت في سائر نساء المسلمين، وهو الصحيح. ### | [مسألة حد القذف] # المسألة الثانية عشرة: قوله: {فاجلدوهم} [النور: 4] # فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن حد القذف حد من حقوق الله كالزنا؛ قاله أبو ~~حنيفة. # الثاني: أنه حق من حقوق المقذوف؛ قاله مالك والشافعي. # الثالث: قال المتأخرون من الطائفتين: في حد القذف شائبتان؛ شائبة حق الله ~~وهي المغلبة. وقال الآخرون: شائبة حق العبد هي المغلبة. ولهذا الشوب اضطرب ~~فيه رأي المالكية. # والصحيح أنه حق الآدميين؛ والدليل عليه أنه يقف على مطالبته، وأنه يصح له ~~الرجوع عنه، أصله القصاص في الوجهين، وعمدتهم أنه يتشطر بالرق فكان كالزنا. # قلنا: يبطل بالنكاح فإنه يتشطر بالرق، فلا ينكح العبد إلا اثنتين في أحد ~~قولينا، وعندهم هو حث الآدمي، فيبطل ما قالوه. # PageV03P344 ### | [مسألة حد القذف لا يقيمه الإمام إلا بمطالبة المقذوف] # المسألة الثالثة عشرة: # أنه لا يقيمه الإمام إلا بمطالبة المقذوف عند الجمهور. # وقال ابن أبي ليلى: لا يفتقر إلى مطالبة الآدمي. ولعل ابن أبي ليلى يقول ~~ذلك إذا سمعه الإمام بمحضر عدول الشهود، فيكون ذلك أظهر. ولكن بقي أن يقال: ~~إنه يحتمل أن يكون من حجة الإمام أن يقول لا أحده؛ لأنه لم يدع عندي إثبات ~~ما نسب إليه، فإن ادعى سجنه، ولم يحد بحال. ### | [مسألة يحد العبد] # المسألة الرابعة عشرة: # قال ابن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، والأوزاعي: يحد العبد ثمانين بعموم ~~الآية. # وقال علماؤنا: إنه حد فليتشطر بالرق، كحد الزنا، وخصوا الأمة بالقياس. ### | [مسألة علق الله على القذف ثلاثة أحكام] # المسألة الخامسة عشرة: قوله: {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا} [النور: 4] # علق الله على القذف ثلاثة أحكام: الحد، ورد الشهادة، والتفسيق؛ تغليظا ~~لشأنه، وتعظيما لأمره، ms1179 وقوة في الردع عنه. # وقال أبو حنيفة: رد الشهادة من جملة الحد. # وقال علماؤنا: بل ردها من علة الفسق، فإذا زال بالتوبة زال رد الشهادة، ~~بدليل قوله: {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم} ~~[النور: 5]، وهي: المسألة السادسة عشرة: ولا خلاف في أن التوبة تسقط الفسق، ~~واختلفوا في رد الشهادة على أربعة أقوال: الأول: أنها تقبل قبل الحد وبعد ~~التوبة؛ قاله مالك، والشافعي، وغيرها من جمهور الناس. # الثاني: أنه إذا قذف لا تقبل شهادته أبدا، لا قبل الحد ولا بعده؛ وهو ~~مذهب شريح. # PageV03P345 # الثالث: أنها تقبل قبل الحد، ولا تقبل بعده؛ وإن تاب؛ قاله أبو حنيفة. # الرابع: أنها تقبل شهادته بعد الحد، ولا تقبل قبله؛ وهو قول إبراهيم ~~النخعي. # وهذه مسألة طويلة. وقد حققناها في مسائل الخلاف، وأوضحنا سبيل النحو فيها ~~في كتاب الملجئة. # وبالجملة فإن أبا حنيفة يجعل رد الشهادة من جملة الحد، ويرى أن قبول ~~الشهادة ولاية قد زالت بالقذف، وجعلت العقوبة فيها في محل الجناية، وهي ~~اللسان تغليظا لأمرها. # وقلنا نحن: إنها حكم علته الفسق، فإذا زالت العلة وهي الفسق بالتوبة قبلت ~~الشهادة، كما في سائر المعاصي. # وقد اختلف الصحابة كاختلاف الفقهاء؛ فكان عمر يقول لأبي بكرة: تب أقبل ~~شهادتك، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وأن ~~المغيرة بن شعبة زنى بفلانة. # ونص الحادثة ما رواه أبو جعفر قال: كان المغيرة بن شعبة يباغي أبا بكرة ~~وينافره، وكانا بالبصرة متجاورين بينهما طريق، وكانا في مشربتين متقابلتين ~~في داريهما، في كل واحدة منهما كوة تقابل الأخرى، فاجتمع إلى أبي بكرة نفر ~~يتحدثون في مشربته، فهبت ريح، ففتحت باب الكوة فقام أبو بكرة ليصفقه، فبصر ~~بالمغيرة وقد فتحت الريح باب الكوة في مشربته وهو بين رجلي امرأة قد ~~توسطها، فقال للنفر: قوموا فانظروا، ثم اشهدوا؛ فقاموا فنظروا، فقالوا: ومن ~~هذه؟ فقال هذه أم جميل بنت الأرقم. وكانت أم جميل غاشية للمغيرة والأمراء ~~والأشراف، وكان بعض النساء يفعل ذلك في ms1180 زمانها، فلما خرج المغيرة إلى ~~الصلاة حال أبو بكرة بينه وبين الصلاة، فقال: لا تصل بنا، فكتبوا إلى عمر ~~بذلك، فبعث عمر إلى أبي موسى # PageV03P346 # واستعمله، وقال له: إني أبعثك إلى أرض قد باض فيها الشيطان وفرخ؛ فالزم ~~ما تعرف، ولا تبدل فيبدل الله بك. فقال: يا أمير المؤمنين؛ أعني بعدة من ~~أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ من المهاجرين والأنصار؛ فإني وجدتهم ~~في هذه الأمة، وهذه الأعمال كالملح لا يصلح الطعام إلا به. قال: فاستعن بمن ~~أحببت. فاستعان بتسعة وعشرين رجلا، منهم أنس بن مالك، وعمران بن حصين، ~~وهشام بن عامر. ثم خرج أبو موسى، حتى أناخ بالبصرة، وبلغ المغيرة إقباله، ~~فقال: والله ما جاء أبو موسى زائرا ولا تاجرا، ولكنه جاء أميرا. ثم دخل ~~عليه أبو موسى فدفع إلى المغيرة كتاب عمر - رضي الله عنه - وفيه: أما بعد: ~~فإنه قد بلغني أمر عظيم، فبعثت أبا موسى أميرا؛ فسلم إليه ما في يديك، ~~والعجل. فأهدى المغيرة لأبي موسى وليدة من وليدات الطائف تدعى عقيلة، وقال ~~له: إني قد رضيتها لك. وكانت فارهة. وارتحل المغيرة وأبو بكرة ونافع بن ~~كلدة، وزياد، وشبل بن معبد، حتى قدموا على عمر، فجمع بينهم وبين المغيرة، ~~فقال المغيرة لعمر: يا أمير المؤمنين؛ سل هؤلاء الأعبد كيف رأوني مستقبلهم ~~أو مستدبرهم، وكيف رأوا المرأة، وهل عرفوها، فإن كانوا مستقبلي فكيف لم ~~أستتر، أو مستدبري فبأي شيء استحلوا النظر إلي على امرأتي، والله ما أتيت ~~إلا زوجتي، وكانت تشبهها. فبدأ بأبي بكرة، فشهد عليه أنه رآه بين رجلي أم ~~جميل، وهو يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة. قال: وكيف رأيتهما؟ قال: ~~مستدبرهما. قال: وكيف استثبت رأسها؟ قال: تحاملت حتى رأيتها. # PageV03P347 # ثم دعا بشبل بن معبد، فشهد بمثل ذلك، وشهد نافع بمثل شهادة أبي بكرة؛ ولم ~~يشهد زياد بمثل شهادتهم، ولكنه قال: رأيته جالسا بين رجلي امرأة. فرأيت ~~قدمين مخضوبتين تخفقان، واستين مكشوفين، وسمعت حفزانا شديدا. قال: هل رأيت ~~كالميل في المكحلة؟ قال: لا. قال: فهل تعرف المرأة؟ ms1181 قال: لا، ولكن أشبهها. ~~قال له: تنح. وأمر بالثلاثة فجلدوا الحد، وقرأ: {فإذ لم يأتوا بالشهداء ~~فأولئك عند الله هم الكاذبون} [النور: 13]. قال المغيرة: اشفني من الأعبد ~~يا أمير المؤمنين. فقال له: اسكت، أسكت الله نأمتك، أما والله لو تمت ~~الشهادة لرجمتك بأحجارك. ورد عمر شهادة أبي بكرة، وكان يقول له: تب أقبل ~~شهادتك، فيأبى حتى كتب عهده عند موته: هذا ما عهد به أبو بكرة نفيع بن ~~الحارث، وهو يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأن المغيرة بن ~~شعبة زنى بجارية بني فلان. وحمد الله عمر حين لم يفضح المغيرة. # وروي أن الثلاثة لما أدوا الشهادة على المغيرة، وتقدم زياد آخرهم قال له ~~عمر قبل أن يشهد: إني لأراك حسن الوجه. وإني لأرجو ألا يفضح الله على يديك ~~رجلا من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم -. فقال ما قال. وكان ذلك أول ~~ظهور زياد، فليته وقف على ذلك، وما زاد، ولكنه استمر حتى ختم الحال بغاية ~~الفساد. وكان ذلك من عمر قضاء ظاهرا في رد شهادة القذفة، إذا لم تتم ~~شهادتهم؛ وفي قبولها بعد التوبة. وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف والأصول. # وتعلق علماؤنا بقوله: {إلا الذين تابوا} [النور: 5]، وقالوا: إن هذا ~~الاستثناء راجع إلى جميع ما تقدم، ما عدا إقامة الحد، فإنه سقط بالإجماع. # PageV03P348 # وقال أبو حنيفة: إنه يرجع الاستثناء إلى أقرب مذكور. والصحيح رجوعه إلى ~~الجميع لغة وشريعة، ألا ترى إلى قوله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ~~ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم ~~من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب ~~عظيم} [المائدة: 33] {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن ~~الله غفور رحيم} [المائدة: 34] وهذه الآية أختها ونظيرتها في المقصود. # وأما قبول الشهادة قبل الحد؛ فلأنه إذا لم يقم عليه الحد فحاله متردد بين ~~الكذب السالب للعدالة، وبين الصدق المصحح لها، فلا يسقط يقين له ms1182 بمحتمل ~~مقاله، وبهذا يتبين ضعف مقالة شريح. # وأما قول إبراهيم فإن لم يكن مثل قول أبي حنيفة وإلا فلا معنى له. ### | [الآية الخامسة قوله تعالى والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم] # الآية الخامسة # قوله تعالى: {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة ~~أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين} [النور: 6]. # فيها أربع عشرة مسألة: المسألة الأولى: في سبب نزولها: # وذلك أن الله تعالى لما أنزل قوله: {والذين يرمون المحصنات} [النور: 4] ~~الآية كان ذلك عاما في الزوجات وغيرهن، فلما علم الله من ضرورة الخلق في ~~التكلم بحال الزوجات جعل لهم مخلصا من ذلك باللعان، على ما روى ابن عباس ~~أنه قال: «لما نزلت هذه الآية: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة ~~شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا} [النور: 4]. قال ~~سعد بن عبادة: أهكذا نزلت يا رسول الله؟ لو أتيت لكاع وقد تفخذها رجل لم ~~يكن لي أن أهيجه # PageV03P349 # وأخرجه حتى آتي بأربعة شهداء، فوالله ما كنت لآتي بأربعة شهداء حتى يفرغ ~~من حاجته، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا معشر الأنصار؛ أما ~~تسمعون ما يقول سيدكم؟ قالوا: لا تلمه، فإنه رجل غيور، ما تزوج فينا قط إلا ~~عذراء، ولا طلق امرأة قط فاجترأ رجل منا أن يتزوجها. قال سعد: يا رسول ~~الله؛ بأبي وأمي، والله لأعرف أنها من الله، وأنها الحق. فوالله ما لبثوا ~~إلا يسيرا حتى جاء هلال بن أمية من حديقة له، فرأى بعينه وسمع بأذنيه، ~~فأمسك حتى أصبح، ثم غدا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا ~~رسول الله؛ إني جئت أهلي عشاء، فرأيت رجلا مع أهلي، رأيت بعيني وسمعت ~~بأذني. فكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أتاه، وثقل عليه جدا، حتى ~~عرفت الكراهية في وجهه، فقال هلال: يا رسول الله؛ إني أرى الكراهية في وجهك ~~مما أتيتك به، والله يعلم إني لصادق؛ وإني لأرجو أن يجعل الله فرجا. ~~فقالوا: ابتلينا بما ms1183 قال سعد، أيجلد هلال، وتبطل شهادته في المسلمين؟ فهم ~~رسول الله بضربه، وإنه لكذلك يريد أن يأمر بضربه إذ نزل عليه الوحي: ~~{والذين يرمون أزواجهم} [النور: 6] الآيات. فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: أبشر يا هلال، إن الله جعل لك فرجا. فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: أرسلوا إليهما فلما اجتمعا قيل لها فكذبت. فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: الله يعلم أن أحدكما لكاذب، فهل فيكما تائب فقال ~~هلال: لقد صدقت، وما قلت إلا حقا. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لاعنوا بينهما. قيل لهلال: اشهد، فشهد أربع شهادات إنه لمن الصادقين، ~~والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. فقيل له عند الخامسة: يا ~~هلال؛ اتق الله، فإن عذاب الله أشد من عذاب الناس # PageV03P350 # وإنها الموجبة التي توجب عليك العقوبة. فقال هلال: والله ما يعذبني الله ~~عليها كما لم يجلدني عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فشهد الخامسة ~~أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ثم قيل لها: تشهدي، فشهدت أربع ~~شهادات بالله إنه لمن الكاذبين. ثم قيل لها عند الخامسة: اتقي الله فإن ~~عذاب الله أشد من عذاب الناس، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، ~~فتلكأت ساعة، ثم قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت الخامسة أن غضب الله ~~عليها إن كان من الصادقين. ففرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهما، ~~وقضى أن الولد لها، ولا يدعى لأبيه، ولا يرمى ولدها». # وفي رواية: «قيل لهلال: إن قذفت امرأتك جلدت ثمانين. قال: الله أعدل من ~~ذلك» # وقد علم أني قد رأيت حتى استيقنت، وسمعت حتى استثبت، فنزلت آية الملاعنة. # وفي رواية: «إن جاءت به كذا وكذا فهو لزوجها، وإن جاءت به كذا وكذا فهو ~~للذي قيل؛ فجاءت به كأنه جمل أورق، فكان بعد أميرا بمصر، لا يعرف نسبه، ~~وقيل: لا يدرى من أبوه». # وفي رواية: «إن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الأليتين خدلج الساقين ~~فلا أحسب عويمرا إلا صدق، ms1184 وإن جاءت به أحمر كأنه وحرة لا أحسب عويمرا إلا ~~قد كذب عليها، فجاءت به على النعت الذي يصدق عويمرا». # وفي رواية عن سهل «أن رجلا من الأنصار أتى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال: أرأيت لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا، أيقتله فتقتلونه، أم ~~كيف يفعل؟ فأنزل الله أمر المتلاعنين. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: قد قضى الله فيك وفي امرأتك، فتلاعنا ثم فارقها عند رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -»، فكانت السنة بعدها أن يفرق بين المتلاعنين، وكانت # PageV03P351 # حاملا فأنكره، فكان ابنها يدعى إلى أمه. ثم جرت السنة أن ابنها يرثها ~~وترث ما فرض الله لها. ### | [مسألة اقتصار اللعان على دعوى الرؤية] # المسألة الثانية: قوله: {والذين يرمون أزواجهم} [النور: 6] # عام في كل رمي سواء قال: زنت، أو رأيتها تزني، أو هذا الولد ليس مني؛ فإن ~~الآية مشتملة عليه، وهو مبين الحكم فيها. # واختلفت الرواية عن مالك في اقتصار اللعان على دعوى الرؤية على روايتين، ~~كما اختلف العلماء في ذلك، وإذا شرطنا الرؤية أيضا فاختلفت الرواية؛ هل يصف ~~الرؤية صفة الشهود أم يكفي ذكرها مطلقا على روايتين عنه. # ووجه القول باشتراط الرؤية الزجر عن دعواها حتى إذا رهب ذكرها وخاف من ~~تحقيق ما لم يتيقن عيانه كف عن اللعان؛ فوقعت السترة، وتخلص منها بالطلاق ~~إن شاء؛ ولذلك شرطنا على إحدى الروايتين كيفية الرؤية، كما يذكرها الشهود ~~تغليظا. # وظاهر القرآن يكفي لإيجاب اللعان بمجرد القذف من غير رؤية، فلتعولوا ~~عليه، لا سيما وفي الحديث الصحيح: «أرأيت لو أن رجلا وجد مع امرأته رجلا؟ ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: اذهب فأت بها، فلاعن بينهما» ولم يكلفه ~~ذكر رؤيته. أما إنه قال في الحديث الثاني: «رأيت بعيني وسمعت بأذني»، كما ~~قال سعد بن عبادة: إذا أتيت لكاع وقد تفخذها رجل، وكذلك إذا نفى الحمل فإنه ~~يلتعن؛ لأنه أقوى من الرؤية، إذ قد ظهرت ثمرة الفعل، ولا بد من ذكر عدم ~~الوطء والاستبراء بعدة. # واختلف علماؤنا في الاستبراء، ms1185 هل يكون بحيضة أو بثلاث؟ والصحيح أن ~~الواحدة تكفي؛ لأن براءة الرحم له من الشغل تقع بها، كما في استبراء الأمة، ~~وإنما راعينا الثلاث حيض في العدة لحكم آخر. # PageV03P352 ### | [مسألة لا يصح اللعان إلا من زوجين حرين مسلمين] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {أزواجهم} [النور: 6] عام في كل زوجين حرين ~~كانا أو عبدين، مؤمنين أو كافرين، فاسقين أو عدلين؛ لعموم الظاهر، ووجود ~~الحاجة إلى ذلك في كل رجل وامرأة، وتحصيل الفائدة فيه بينهما. # وقال أبو حنيفة: لا يصح اللعان إلا من زوجين حرين مسلمين، واتفق الجميع ~~على أنه لا بد أن يكونا مكلفين؛ وذلك؛ لأن اللعان عنده شهادة، وعندنا وعند ~~الشافعي أنه يمين. # وقد حققنا ذلك في مسائل الخلاف بما نكتته أن «النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: لولا الأيمان لكان لي ولها شأن»، فسماها أيمانا. # ومن طريق المعنى أن الفاسقين اللذين لا تقبل شهادتهما يلتعنان؛ وهذا يدلك ~~على أنه يمين. # فإن قيل: الدليل على أنه شهادة قوله: {فشهادة أحدهم} [النور: 6] فجاء ~~بالاسم الخاص بها، ومن طريق المعنى أنه رددها خمسا، ولو كانت يمينا ما ~~رددت، والحكمة في ترديدها قيامها في الأعداد مقام عدد الشهود في الزنا. # قلنا: أما ذكره تبارك وتعالى للفظ الشهادة فلا يقتضي لها حكمها لوجهين: # أحدهما: أن العادة في العرب جارية بأن يقول: أشهد بالله، وأحلف بالله، في ~~معرض الأيمان دون الشهادة. وأما تكرارها فيبطل بيمين القسامة فإنها تكررت، ~~وليست بشهادة إجماعا. # والحكمة في تكرارها التغليظ في الفروج والدماء على فاعلها، لعله أن يكف ~~عنها فيقع الستر في الفروج والحقن في الدم، والفيصل في أنه يمين، لا شهادة ~~أن الزوج يحلف لنفسه في إثبات دعواها، وتخليصه عن العذاب؛ وكيف يجوز لأحد ~~أن يدعي في الشريعة أن شاهدا يشهد لنفسه بما يوجب حكما على غيره؟ هذا بعيد ~~في الأصل معدوم في النظر. # PageV03P353 ### | [مسألة الرجل إذا قذف زوجته بالزنا قبل أن يتزوجها] # المسألة الرابعة: # راعى أبو حنيفة عموم الآية، فقال: إن الرجل إذا قذف زوجته بالزنا قبل أن ~~يتزوجها ms1186 فإنه يلاعن ونسي أن ذلك قد تضمنه قوله: {والذين يرمون المحصنات} ~~[النور: 4]، وهذا رماها وهي محصنة غير زوجة، وإنما يكون اللعان في قذف يلحق ~~فيه النسب، وهذا قذف لا يلحق فيه نسب، فلا يوجب لعانا، كما لو قذف أجنبية ~~ثم تزوجها. ### | [مسألة قذف زوجته بعد الطلاق] # المسألة الخامسة: إذا قذفها بعد الطلاق نظرت؛ فإن كان هنالك نسب يريد أن ~~ينفيه، أو حمل متبرأ منه لاعن، وإلا لم يلاعن. # وقال عثمان البتي: لا يلاعن بحال؛ لأنها ليست بزوجة. # وقال أبو حنيفة: لا يلاعن في الوجهين؛ لأنها ليست بزوجة. # وهذا ينتقض عليه بالقذف قبل الزوجية كما تقدم، بل هذا أولى، لأن النكاح ~~قد تقدم، وهو يريد الانتفاء من النسب، وتبرئته من ولد يلحق به، فلا بد من ~~اللعان. # وإذا لم يكن هنالك حمل يرجى، ولا نسب يخاف تعلقه لم يكن للعان فائدة؛ فلم ~~يحكم به، وكان قذفا مطلقا داخلا تحت قوله: {والذين يرمون المحصنات ثم لم ~~يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} [النور: 4]، فوجب عليه الحد، ~~وبطل ما قال البتي لظهور فساده. ### | [مسألة الملاعنة قبل الوضع] # المسألة السادسة: # إذا انتفى من الحمل كما قدمنا، ووقع ذلك بشروطه لاعن قبل الوضع؛ وبه قال ~~الشافعي. # PageV03P354 # وقال أبو حنيفة: لا يلاعن إلا بعد أن تضع؛ لأنه يحتمل أن يكون ريحا أو ~~داء من الأدواء. # ودليلنا النص الصريح الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لاعن قبل ~~الوضع. وقال: «إن جاءت به كذا فهو لأبيه، وإن جاءت به كذا فهو لفلان» فجاءت ~~به على النعت المكروه؛ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لو كنت راجما ~~أحدا بغير بينة لرجمتها». # فإن قيل: علم النبي - صلى الله عليه وسلم - حملها؛ فذلك حكم باللعان، ~~والحاكم منا لا يعلم أحمل هو أم ريح؟ قلنا: إذا جرت أحكام النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - على القضايا لم تحمل على الإطلاع على الغيب؛ فإن الأحكام لم ~~تبن عليه، وإن كان به عليما؛ وإنما البناء فيها على الظاهر الذي يشترك مع ~~النبي - صلى الله ms1187 عليه وسلم - فيه القضاة كلهم. وقد أعرب عن ذلك بقوله: ~~«إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، ~~فأقضي له على نحو ما أسمع». فأحال على الظواهر؛ وهذا لا إشكال فيه. ### | [مسألة قذف بالوطء في الدبر لزوجه] # المسألة السابعة: إذا قذف بالوطء في الدبر لزوجه لاعن: # وقال أبو حنيفة: لا يلاعن، وبناه على أصله في أن اللواط لا يوجب الحد. # وهذا فاسد، لأن الرمي به فيه معرة، وقد دخل تحت قوله تعالى: {والذين ~~يرمون أزواجهم} [النور: 6]، وقد بينا في المتقدم من قولنا وفي مسائل الخلاف ~~وجوب الحد فيه. المسألة الثامنة: # من غريب أمر هذا الرجل أنه قال: إذا قذف زوجته وأمها بالزنا إنه إن حد ~~للأم سقط حد البنت، وإن لاعن للبنت لم يسقط حد الأم. # وهذا لا وجه له، وما رأيت لهم فيه شيئا يحكى؛ وهذا باطل جدا، فإنه خص ~~عموم الآية في البيت وهي زوجة بحد الأم من غير أثر ولا أصل قاسه عليه. # PageV03P355 ### | [مسألة اللعان في النكاح الفاسد] # المسألة التاسعة: # يلاعن في النكاح الفاسد، كما يلاعن في النكاح الصحيح؛ لأن اللعان حكم من ~~أحكام النكاح يتعلق بالفاسد منه، كالنسب والعدة والمهر، وهذا الفقه صحيح، ~~وذلك أن اللعان موضوع لنفي النسب وتطهير الفراش، والزوجة بالنكاح الفاسد قد ~~صارت فراشا، ويلحق النسب فيه، فجرى اللعان عليه. ### | [مسألة فائدة لعان الزوج] # المسألة العاشرة: # فائدة لعان الزوج درء الحد عنه، ونفي النسب منه؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «البينة وإلا حد في ظهرك». فلو جاء بالبينة لدرأت الحد عنه، ~~فقد قام اللعان مقام البينة. # وقال أبو حنيفة: لو لم يلتعن الزوج لم يحد، ولكنه يحبس حتى يلاعن، وتارة ~~يجعل اللعان شهادة، وتارة يجعل حدا. ولو كان حدا ما حبس على فعله؛ لأن الحد ~~يؤخذ قسرا من صاحبه؛ فإذا لاعن فقد برئ من الحد، وتعلق ذلك بالمرأة؛ لأنهما ~~خصمان يتنازعان، فلو كان اللعان شهادة لكان تحقيقا للزنا عليها، وإنما هو ~~كما قدمنا لتبرئة نفسه، كما ms1188 قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «البينة ~~وإلا حد في ظهرك». ثم يقال لها: اعترفي فتحدي أو برئي نفسك؛ وذلك لقوله ~~تعالى: {ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين} ~~[النور: 8]، وهي: ### | [مسألة العذاب المراد بالآية في قوله تعالى ويدرأ عنها العذاب] # المسألة الحادية عشرة: # وقال أبو حنيفة: العذاب المراد بالآية الحبس. # فيقال له: ولم تحبس، ولم يجب عليها بقول الزوج شيء عندك؟ # ثم قلت: اللعان حد فكيف وجب عليها بقول الزوج حد، والله تعالى يقول: ~~{ويدرأ عنها العذاب} [النور: 8]، وهو الحد، بدليل قوله تعالى: {وليشهد ~~عذابهما طائفة من المؤمنين} [النور: 2] يعني الحد؛ فسماه عذابا هاهنا؛ وهو ~~ذاك بعينه؛ لاتحاد المقصد فيها. # فإن قيل: اللعان يمين أو شهادة من الزوج؟ وأيما كان فلا يوجب حدا على ~~المرأة. # PageV03P356 # قلنا: أقيم مقام الشهادة بدليل أنه يخلص به الزوج من الحد. ### | [مسألة البداءة في اللعان] # المسألة الثانية عشرة: البداءة في اللعان بما بدأ الله به: # وهو الزوج، ولو بدأ بالمرأة قبله لم يجزه، لأنه عكس ما رتبه الله. # وقال أبو حنيفة: يجزيه، وهذا باطل، لأنه خلاف القرآن، وليس له أصل يرده ~~إليه، ولا معنى يقوى به؛ بل المعنى لنا، لأن المرأة إذا بدأت باليمين فتنفي ~~ما لم يثبت، وهذا لا وجه له. ### | [مسألة إذا صدقته المرأة في قذفه وهناك ولد] # المسألة الثالثة عشرة: # إذا صدقته المرأة في قذفه، وهناك ولد لم يلاعن عند أبي حنيفة، لأنه لا ~~لعان عنده على نفي الولد، وقد بيناه. ### | [مسألة إذا قذفها برجل سماه] # المسألة الرابعة عشرة: # إذا قذفها برجل سماه كشريك بن سحماء أسقط اللعان عنه حد القذف لزوجته وحد ~~لشريك؛ وبه قال أبو حنيفة. # وقال الشافعي: لا يحد له إذا لاعن زوجته. # وظاهر القرآن لنا؛ لأن الله وضع الحد في قذف الأجنبي والزوجة مطلقين، ثم ~~خص الزوجة بالخلاص باللعان، وبقي الأجنبي على مطلق الآية. # واحتج الشافعي بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحد هلالا لشريك بن ~~سحماء. # قلنا: لأنه لم يطلبه، وحد ms1189 القذف لا يقيمه الإمام إلا بعد المطالبة ~~إجماعا. # ومن العجب أن قالت أحبار الشافعية: إنه يحتاج إلى ذكر الزاني بزوجه ليعره ~~كما عره، وأي معرة فيه، وخبره عنه لا يقبل، وحكمه فيه لا ينفذ، إنما المعرة ~~كلها بالزوج؛ فلا وجه لذكره، فإن قذفه تعلق به حكمه لعموم القرآن. # PageV03P357 ### | [الآية السادسة قوله تعالى إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم] # لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي ~~تولى كبره منهم له عذاب عظيم} [النور: 11]. # فيها أربع مسائل: المسألة الأولى: في سبب نزولها: # روى ابن شهاب عن عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص، وعبيد ~~الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة زوج النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله مما قالوا، وكل ~~حدثني بطائفة من الحديث، وبعض حديثهم يصدق بعضا، وإن كان بعضهم أوعى له من ~~بعض. # فالذي حدثني عروة عن عائشة أن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يخرج أقرع بين ~~نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة ~~غزاها فخرج سهمي، وخرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدما نزل ~~الحجاب، فأنا أحمل في هودجي، وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - من غزوته تلك، وقفل، ودنونا من المدينة قافلين، آذن ليلة ~~بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش. فلما قضيت شأني ~~أقبلت إلى رحلي، فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع، فالتمست عقدي، وحبسني ~~ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي، فاحتملوا هودجي، فرحلوه على ~~بعيري الذي كنت ركبت، وهم يحسبون أني فيه. وكان النساء إذ ذاك خفافا، لم ~~يثقلهن اللحم، إنما يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج ~~حين رفعوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل # PageV03P358 # وساروا فوجدت ms1190 عقدي بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم، وليس بها داع ولا ~~مجيب. فأممت منزلي الذي كنت به، وظننت أنهم سيفقدونني، فيرجعون إلي. فبينما ~~أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت. وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم ~~الذكواني من وراء الجيش، فادلج، فأصبح عند منزلي؛ فرأى سواد إنسان نائم، ~~فعرفني حين رآني، وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه، حين عرفني، ~~فخمرت وجهي بجلبابي، ووالله ما كلمني كلمة، وما سمعت منه كلمة غير ~~استرجاعه، حتى أناخ راحلته، فوطئ على يديها، فركبتها، فانطلق يقود بي ~~الراحلة، حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة فهلك من هلك. ~~وكان الذي تولى الإفك عبد الله بن أبي ابن سلول. فقدمنا المدينة، فاشتكيت ~~حين قدمت شهرا، والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك، ~~ويريبني في وجعي أني لا أرى من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اللطف ~~الذي كنت أرى منه حين أشتكي. إنما كان يدخل علي رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وهو يقول: كيف تيكم؟ ثم ينصرف، فذلك الذي يريبني منه، ولا أشعر ~~بالشر، حتى خرجت بعدما نقهت، فخرجت مع أم مسطح قبل المناصع، وهو متبرزنا، ~~وكنا لا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، ~~وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط، فكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها ~~عند بيوتنا. فانطلقت أنا وأم مسطح، وهي ابنة أبي رهم بن عبد مناف، وأمها ~~بنت صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح بن أثاثة، فأقبلت أنا ~~وأم مسطح قبل بيتي، وقد فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها، فقالت: ~~تعس مسطح، # PageV03P359 # فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلا شهد بدرا، قالت: أي هنتاه، ألم تسمعي ~~ما قال، قالت: قلت لها: وما قال؟ قالت: فأخبرتني بقول أهل الإفك. قالت: ~~فازددت مرضا على مرضي. قالت: فلما رجعت إلى بيتي، ودخل علي رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فسلم، ثم قال: كيف تيكم، فقلت: أتأذن لي ms1191 أن آتي أبوي؟ ~~قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما. قالت: فأذن لي رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فجئت أبوي، فقلت لأمي: يا أمتاه، ما يتحدث الناس؟ ~~قالت: يا بنية؛ هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل ~~يحبها، ولها ضرائر، إلا أكثرن عليها. قالت: فقلت: سبحان الله، ولقد تحدث ~~الناس بهذا، فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ~~حتى أصبحت أبكي؛ فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب، ~~وأسامة بن زيد، حين استلبث الوحي، يستأمرهما في فراق أهله. فأما أسامة بن ~~زيد فأشار على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالذي يعلم من براءة أهله. ~~وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود؛ فقال: يا رسول الله، أهلك، ولا نعلم إلا ~~خيرا. وأما علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله؛ لم يضيق الله عليك والنساء ~~سواها، كثير واسأل الجارية تصدقك. قالت: فدعا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بريرة، فقال: يا بريرة، هل رأيت من شيء يريبك؟ قالت بريرة: لا والذي ~~بعثك بالحق، إن رأيت عليها أمرا قط أغمصه أكثر من أنها جارية حديثة السن، ~~تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله. فقام رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فاستعذر يومئذ من عبد الله بن أبي ابن سلول. فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وهو على المنبر: يا معشر المسلمين؛ من يعذرني من رجل قد ~~بلغني أذاه في أهل بيتي؟ فوالله ما علمت من أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ~~ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي. # PageV03P360 # فقام سعد بن معاذ الأنصاري، فقال: يا رسول الله؛ أنا أعذركم منه، إن كان ~~من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك. ~~فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان فينا قبل ذلك صالحا، ولكن احتملته ~~الحمية، فقال لسعد بن معاذ: كذبت لعمر الله، والله لا ms1192 تقتله، ولا تقدر على ~~قتله. فقام أسيد بن حضير، وهو ابن عم لسعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة: ~~كذبت والله لنقتلنه؛ فإنك منافق، تجادل عن المنافقين. فثار الحيان الأوس ~~والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم على ~~المنبر، فلم يزل رسول الله يخفضهم حتى سكتوا، وسكت. قالت: فمكثت يومي ذلك، ~~لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم. فأصبح أبواي عندي، وقد مكثت ليلتين ويوما ~~لا أكتحل بنوم ولا يرقأ لي دمع، يظنان أن البكاء فالق كبدي. قالت: فبينما ~~هما جالسان عندي، وأنا أبكي، فاستأذنت علي امرأة من الأنصار، فأذنت لها، ~~فجلست تبكي معي. قالت: فبينما نحن كذلك دخل علينا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فسلم. ثم جلس. قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل قبلها. ~~وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني. قالت: فتشهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - حين جلس. ثم قال: أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا فإن ~~كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن ~~العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه. قالت: فلما قضى رسول الله ~~مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة. فقلت لأبي: أجب رسول الله فيما قال. ~~قال: فوالله ما أدري ما أقول لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قالت: ~~فقلت لأمي: أجيبي رسول الله. قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -. # PageV03P361 # قلت، وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن: إني والله لقد علمت ~~أنكم سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به. فلئن قلت لكم: إني ~~بريئة، والله يعلم أني بريئة لا تصدقوني؛ ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم ~~أني منه بريئة، لتصدقونني. والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا قول أبي يوسف: ~~{فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} [يوسف: 18]. قالت: ثم تحولت ~~فاضطجعت على فراشي. قالت: وأنا حينئذ أعلم ms1193 أني بريئة، وأن الله سيبرئني ~~ببراءتي. ولكن، والله ما كنت أظن أنه ينزل في قرآن يتلى، ولشأني في نفسي ~~كان أحقر من أن يتكلم الله في بآية تتلى، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - رؤيا في النوم يبرئني الله بها. قالت: فوالله ما ~~رام رسول الله مكانه، وما خرج أحد من أهل البيت، حتى أنزل الله عليه، فأخذه ~~ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق، وهو في ~~يوم شات من ثقل القول عليه. فلما سري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~سري عنه وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها: أبشري يا عائشة أما الله فقد ~~برأك. قالت أمي: قومي إليه. فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله، ~~وأنزل الله: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم} [النور: 11] العشر الآيات ~~كلها. فلما أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر الصديق وكان ينفق على مسطح ~~بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد الذي ~~قال لعائشة. فأنزل الله عز وجل: {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا ~~أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون ~~أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم} [النور: 22]. قال أبو بكر: بلى والله؛ ~~إني أحب أن يغفر الله لي؛ فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفقها عليه، ~~وقال: والله لا أنزعها منه أبدا. # PageV03P362 # قالت عائشة وكان رسول الله يسأل زينب بنت جحش عن أمري؛ قال: يا زينب، ~~ماذا علمت؟ وماذا رأيت؟ فقالت: يا رسول الله؛ أحمي سمعي وبصري، وما علمت ~~إلا خيرا». قالت: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فعصمها الله بالورع، وطفقت أختها حمنة تحارب لها، فهلكت فيمن هلك من ~~أصحاب الإفك. ### | [مسألة حقيقة الخير وحقيقة الشر] # المسألة الثانية: قوله: {لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم} [النور: 11] # قد بينا في كتب الأصول حقيقة الخير، وأنه ms1194 ما زاد نفعه على ضره. وحقيقة ~~الشر ما زاد ضره على نفعه، وأن خيرا لا شر فيه هو الجنة، وشرا لا خير فيه ~~هو جهنم؛ ولهذا صار البلاء النازل على الأولياء خيرا؛ لأن ضرره من الألم ~~قليل في الدنيا، وخيره وهو الثواب كثير في الآخرة؛ فنبه الله تعالى عائشة ~~ومن ماثلها ممن ناله هم من هذا الحديث أنه ما أصابهم منه شر، بل هو خير على ~~ما وضع الله الشر والخير عليه في الدنيا من المقابلة بين الضر والنفع، ~~ورجحان النفع في جانب الخير، ورجحان الضر في جانب الشر. ### | [مسألة لا تحمل كل نفس إلا ما اكتسبت من الإثم] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم} [النور: ~~11]: # هذا حكم الله في كل ذنب أنه لا تحمل كل نفس إلا ما اكتسبت من الإثم، ولا ~~يكون لها إلا ما اكتسبت، إلا أن الذي تولى كبره وكان يرميه ويشيعه ويستوشيه ~~ويجمعه له عذاب عظيم. # في صحيح حديث الإفك: إن الذي كان يتكلم فيه مسطح [وحسان بن ثابت # PageV03P363 # ، والمنافق عبد الله بن أبي ابن سلول، وهو الذي كان يستوشيه ويجمعه، وهو ~~الذي تولى كبره منهم هو وحمنة. ### | [مسألة معنى قوله تعالى عذاب عظيم] # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {عذاب عظيم} [النور: 11] # فيه ثلاثة أقوال: # الأول: أنه العمى. # الثاني: أنه عذاب جهنم. # الثالث: الحد. # فأما العمى فهو الذي أصاب حسان، وأما عذاب جهنم فلمن كتبه الله له، وأما ~~عذاب الحد فقد روى محمد بن إسحاق وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حد ~~في الإفك رجلين وامرأة: مسطحا، وحسان، وحمنة. ### | [الآية السابعة قوله تعالى لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا] # وقالوا هذا إفك مبين} [النور: 12]. # فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى: المعنى ظن الناس بعضهم ببعض خيرا، وجعل ~~الغير مقام النفس، لذمام الإيمان كما بينا في قوله تعالى: {ولا تقتلوا ~~أنفسكم} [النساء: 29] أي لا يقتل بعضكم بعضا. المسألة الثانية: # هذا أصل في أن درجة الإيمان التي حازها الإنسان، ومنزلة الصلاح ms1195 التي حلها # PageV03P364 # المرء، ولبسة العفاف التي تستر بها المسلم لا يزيلها عنه خبر محتمل، وإن ~~شاع، إذا كان أصله فاسدا أو مجهولا. المسألة الثالثة: {وقالوا هذا إفك ~~مبين} [النور: 12] # أي كذب ظاهر؛ لأنه خبر عن أمر باطن ممن لم يشاهده، وذلك أكذب الأخبار وشر ~~الأقوال حيث استطيل به العرض الذي هو أشرف المحرمات، ومقرون في تأكيد ~~التحريم بالمهجات. ### | [الآية الثامنة قوله تعالى لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء] # فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون} [النور: 13]. # فيها مسألتان: المسألة الأولى: # هذا رد إلى الحكم الأول، وإحالة على الآية السابقة؛ فإن الله حكم في رمي ~~المحصنات بالكذب، إلا أن يقيم قائل ذلك أربعة من الشهداء على ما زعم من ~~الافتراء، حتى يخرجه إلى الظاهر من حد الباطن، وإلا لزمه حكم المفتري في ~~الإثم وحاله في الحد. المسألة الثانية: قوله تعالى: {فإذ لم يأتوا بالشهداء ~~فأولئك عند الله هم الكاذبون} [النور: 13] # وهذه آية مشكلة فإنه قد يكون من القذف الظاهر ما هو عند الله في الباطن ~~صدق، ولكنه يؤخذ في الظاهر بحكم الكاذب، ويجلد الحد. # وهذا الفقه صحيح، وهو أن معنى قوله: {عند الله} [النور: 13] يريد في ~~حكمه، لا في علمه، وهو إنما رتب الحدود على حكمه الذي شرعه في الدنيا، لا ~~مقتضى علمه الذي تعلق بالأشياء على ما هي عليه، وإنما يبنى على ذلك حكم ~~الآخرة. # PageV03P365 ### | [الآية التاسعة قوله تعالى يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين] # } [النور: 17]. # فيها مسألة: قوله تعالى: (لمثله) يعني في عائشة؛ لأن مثله لا يكون إلى ~~نظير القول في المقول عنه بعينه، أو فيمن كان في مرتبته من أزواج النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لما في ذلك من إذاية رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- في عرضه وأهله، وذلك كفر من فاعله. # قال هشام بن عمار: سمعت مالكا يقول: من سب أبا بكر وعمر أدب، ومن سب ~~عائشة قتل؛ لأن الله يقول: {يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم ~~مؤمنين} [النور: 17] فمن ms1196 سب عائشة فقد خالف القرآن، ومن خالف القرآن قتل. # قال الفقيه القاضي أبو بكر - رحمه الله -: قال أصحاب الشافعي: من سب ~~عائشة أدب، كما في سائر المؤمنين، وليس قوله تعالى: {إن كنتم مؤمنين} ~~[النور: 17] في عائشة؛ لأن ذلك كفر، وإنما هو كما قال: «لا يؤمن من لا يأمن ~~جاره بوائقه». ولو كان سلب الإيمان في سب عائشة حقيقة لكان سلبه في قوله - ~~صلى الله عليه وسلم - «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» حقيقة. # قلنا: ليس كما زعمتم؛ إن أهل الإفك رموا عائشة المطهرة بالفاحشة، فبرأها ~~الله، فكل من سبها بما برأها الله منه فهو مكذب لله، ومن كذب الله فهو ~~كافر. فهذا طريق قول مالك. وهي سبيل لائحة لأهل البصائر، ولو أن رجلا سب ~~عائشة بغير ما برأها الله منه لكان جزاؤه الأدب. # PageV03P366 ### | [الآية العاشرة قوله تعالى إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا] # لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [النور: ~~19]. # فيها مسألتان: المسألة الأولى: قوله تعالى: {يحبون أن تشيع الفاحشة} ~~[النور: 19] # يعني يريد ذلك ويفعله له؛ لأن المحبة فعل القلب، ومن أحب شيئا أظهره، فإن ~~لم يظهر كانت نيته فاسدة يعاقب عليها في الآخرة، كما بينا في شرح الحديث، ~~وليس له عقوبة في الحدود. المسألة الثانية: # إذا أشاعها فقد بينا ما له من العذاب في الدنيا. # وقد روى مسروق عن عائشة قال: جاء حسان بن ثابت يستأذن عليها فدخل فشبب، ~~وقال: # حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل # قالت له: لكنك لست كذلك قلت: تدعين مثل هذا يدخل عليك، وقد أنزل الله: ~~{والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم} [النور: 11] قالت، وأي عذاب أشد من ~~العمى. وقد كان يرد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبينت له أن العمى ~~من العذاب الدنيوي الذي قورض به، وذكر ذمامه في منافحته عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وأنها رعت له ذلك، وإن كان قال فيها. ### | [الآية الحادية عشرة ms1197 قوله تعالى ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة] # أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا ~~وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم} [النور: 22]. # PageV03P367 # فيها أربع مسائل: المسألة الأولى: قد بينا أن ذلك نزل في أبي بكر قالت ~~عائشة في حديثها: فحلف أبو بكر ألا ينفع مسطحا بنافعة أبدا، فأنزل الله ~~الآية: {ولا يأتل أولو الفضل} [النور: 22] يعني أبا بكر. {أن يؤتوا أولي ~~القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله} [النور: 22] يعني مسطحا إلى ~~قوله: {غفور رحيم} [النور: 22] قال أبو بكر: بلى والله يا ربنا، إنا لنحب ~~أن يغفر لنا، وعاد لما كان يصنع له، وفيه دليل على أن القذف وإن كان كبيرة ~~لا يحبط الأعمال؛ لأن الله وصف مسطحا بعد قوله بالهجرة والإيمان. ### | [مسألة الحنث إذا رآه خيرا أولى من البر] # المسألة الثانية: # قال ابن العربي: عجبت لقوم يتكلفون فيتكلمون بما لا يعلمون، هذا أبو بكر ~~حلف ألا ينفق على مسطح، ثم رجع إليه نفقته؛ فمن للمتكلف لنا تكلف بأن أبا ~~بكر لم يكفر حتى يتكلم بهذا الهزء، وقد بينا ذلك في شرح الحديث. المسألة ~~الثالثة: # قد بينا أن اليمين لا تحرم، أو لا تحرم في سورة المائدة، وتحقيقه في سورة ~~التحريم. المسألة الرابعة: # وهي حسنة أن في ذلك دليلا على أن الحنث إذا رآه خيرا أولى من البر، لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير، ~~وليكفر عن يمينه». وقد قدمناه. ### | [الآية الثانية عشرة قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا] # وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون} [النور: 27]. # PageV03P368 # فيها تسع مسائل: المسألة الأولى: # اعلموا وفقكم الله أن الله سبحانه وتعالى خصص الناس بالمنازل، وسترهم ~~فيها عن الأبصار، وملكهم الاستمتاع بها على الانفراد، وحجز على الخلق أن ~~يطلعوا على ما فيها من خارج أو يلجوها بغير إذن أربابها؛ لئلا يهتكوا ~~أستارهم، ويبلوا في أخبارهم. # وتحقيق ذلك ما روي في الصحاح عن ms1198 سهل بن سعد قال: «اطلع رجل من حجرة في ~~حجر النبي - صلى الله عليه وسلم - ومع النبي مدرى يحك بها رأسه، فقال: لو ~~أعلم أنك تنظر لطعنت به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر». ومن ~~حديث أنس فيها: «فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - إليه بمشقص، فكأني أنظر ~~إليه يختل الرجل ليطعنه». المسألة الثانية: # نزلت هذه الآية عامة في كل بيت، ونزل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~لا تدخلوا بيوت النبي} [الأحزاب: 53]- صلى الله عليه وسلم - خاصة في أبياته ~~- صلى الله عليه وسلم -. وسيأتي بيانها في سورة الأحزاب إن شاء الله. ### | [مسألة مد الله التحريم في دخول بيت ليس هو بيتك إلى غاية هي الاستئناس] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {حتى تستأنسوا} [النور: 27] # مد الله التحريم في دخول بيت ليس هو بيتك إلى غاية هي الاستئناس. # واختلف فيه على ثلاثة أقوال: # الأول: أن معناه حتى تستأذنوا، وكذلك كان يقرأها عبد الله بن عباس، ~~ويقول: أخطأ الكاتب. # PageV03P369 # الثاني: حتى تؤنسوا أهل البيت بالتنحنح، فيعلموا بالدخول عليهم؛ قاله ابن ~~مسعود ومجاهد وغيره. # الثالث: حتى تعلموا أفيها من تستأذنون عليه أم لا؛ قاله ابن قتيبة. # قال الفقيه القاضي أبو بكر - رحمه الله -: أما قوله أن تستأنسوا بمعنى ~~تستأذنوا فلا مانع في أن يعبر عن الاستئذان بالاستئناس، وليس فيه خطأ من ~~كاتب، ولا يجوز أن ينسب الخطأ إلى كتاب تولى الله حفظه، وأجمعت الأمة على ~~صحته؛ فلا يلتفت إلى راوي ذلك عن ابن عباس. # ووجه التعبير عن الاستئذان بالاستئناس أنه مثله في معنى الاستعلام. # وأما من قال: إنه التنحنح فهي زيادة لا يحتاج إليها. وأشبه ما فيه قول ~~ابن قتيبة فإنه عبر عن اللفظين بمعنيين متغايرين مقيدين. وهذا هو حكم اللغة ~~في جعل معنى لكل لفظ. ### | [مسألة كيفية الاستئذان] # المسألة الرابعة: في كيفية الاستئذان: # وهو بالسلام، وصفته ما روي عن أبي سعيد الخدري قال: كنت في مجلس من مجالس ~~الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور قال: استأذنت على عمر ثلاثا، فلم ms1199 يأذن ~~لي، فرجعت. قال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت وقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له ~~فليرجع». فقال: والله لتقيمن عليه بينة. أمنكم أحد سمعه من النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -؟ قال أبي بن كعب: والله لا # PageV03P370 # يقوم معك إلا أصغرنا. فكنت أصغرهم. فقمت معه، فأخبرت عمر أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال ذلك. وهذا حديث صحيح لا غبار عليه. وحكمة التعداد في ~~الاستئذان أن الأولى استعلام، والثانية تأكيد، والثالثة إعذار. # وقد روى ابن وهب، وابن القاسم عن مالك أن الاستئناس هو الاستئذان على ~~التأويل الأول، ويكون قوله: {وتسلموا} [النور: 27] تفسيرا للاستئذان. وقد ~~اخترنا قول ابن قتيبة. والله أعلم. ### | [مسألة الاستئذان فرض والسلام مستحب] # المسألة الخامسة: # قال جماعة: الاستئذان فرض، والسلام مستحب. وبيانه أن التسليم كيفية في ~~الإذن. روى مطرف عن مالك عن زيد بن أسلم أنه استأذن علي ابن عمر، فقال: ~~أألج فأذن له ابن عمر. قال زيد: فلما قضيت حاجتي أقبل علي ابن عمر، فقال: ~~مالك واستئذان العرب، إذا استأذنت فقل: السلام عليكم، فإذا رد عليك السلام ~~فقل: أأدخل؛ فإن أذن لك فادخل. فعلمه سنة السلام. # وقد روى ابن سيرين «أن رجلا استأذن على النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: أدخل؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لرجل عنده: قم فعلم هذا كيف ~~يستأذن، فإنه لم يحسن. فسمعها الرجل فسلم فاستأذن». ### | [مسألة كمال التعداد حق الذي يستأذن إن أراد استقصاءه وإلا تركه] # المسألة السادسة: # روى الزهري عن عبيد الله بن أبي ثور عن ابن عباس قال: «سألت عمر بن ~~الخطاب، فقلت: يا أمير المؤمنين من المرأتان من أزواج النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - اللتان تظاهرتا عليه، اللتان قال الله فيهما: {إن تتوبا إلى ~~الله فقد صغت قلوبكما} [التحريم: 4] فقال: حفصة وعائشة. قال: ثم أخذ يسوق ~~الحديث، وذكر اعتزال النبي في المشربة قال: فأتيت غلاما أسود فقلت: استأذن ~~لعمر. فدخل الغلام ثم خرج إلي. فقال: قد # PageV03P371 # ذكرتك ms1200 له، فصمت. فرجعت فجلست إلى المنبر ثم غلبني ما أجد، فرجعت إلى ~~الغلام، فقلت: استأذن لعمر، فدخل، ثم خرج، فقال: قد ذكرتك له فصمت. قال: ~~فوليت مدبرا فإذا الغلام يدعوني، فقال: ادخل، فقد أذن لك. فدخلت فسلمت على ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإذا هو متكئ على رمال حصير، قد أثر في ~~جنبه، فقلت: يا رسول الله؛ أطلقت نساءك؛ فرفع إلي رأسه، وقال: لا. فقلت: ~~الله أكبر، لو رأيتنا يا رسول الله وكنا معشر قريش نغلب النساء، فلما قدمنا ~~المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم؛ فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم فغضبت ~~يوما علي امرأتي فطفقت تراجعني، فأنكرت أن تراجعني فقالت: ما تنكر، فوالله ~~إن أزواج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليراجعنه، وتهجره إحداهن يومها ~~حتى الليل. فقلت: قد خاب من فعل ذلك منهن، وخسر، أتأمن إحداهن أن يغضب الله ~~عليها لغضب رسوله، فإذا هي قد هلكت. فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فدخلت علي حفصة، فقلت: لا يغررك أن كانت جاريتك هي أوسم وأحب إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - منك. فتبسم أخرى. فقلت: أستأنس يا رسول الله. ~~قال: نعم فجلست فرفعت رأسي في البيت، فوالله ما رأيت شيئا يرد البصر إلا ~~أهبة ثلاثة، وذكر الحديث.» # قال الفقيه القاضي أبو بكر - رضي الله عنه -: ففي هذا الحديث أن عمر رجع ~~من مرتين، ولم ينتظر الثالثة. فهذا يدلك على أن كمال التعداد حق الذي ~~يستأذن إن أراد استقصاءه وإلا تركه، وفيه قوله بعد الدخول: أستأنس يا رسول ~~الله، وهذا من الأنس والتبسط، لا من الإعلام الذي تقدم في الآية. ### | [مسألة إن وقعت العين على العين هل يعد إذنا بالدخول] # المسألة السابعة: # قال علماؤنا: إن وقعت العين على العين فالسلام قد تعين، ولا تعد رؤيتك له ~~إذنا لك في دخولك عليه؛ فإذا قضيت حق السلام لأنك الوارد حينئذ تقول: أدخل؟ ~~فإن أذن لك فادخل وإلا رجعت. ### | [مسألة البيت الذي تسكن فيه أهله هل يستأذن لدخوله] # المسألة الثامنة: # هذا كله ms1201 في بيت ليس لك؛ فإما بيتك الذي تسكنه فإن كان فيه أهلك فلا إذن # PageV03P372 # عليها، وإن كانت فيه معك أمك أو أختك فقالوا تنحنح واضرب برجليك حتى ~~تنتبه لدخولك، لأن الأهل لا حشمة بينك وبينها. # وأما الأم والأخت فقد تكون على حالة لا [تحب أن] تراها فيها. # قال ابن القاسم: قال مالك: ويستأذن الرجل على أمه وأخته إذا أراد أن يدخل ~~عليهما. # وقد روى عطاء بن يسار «أن رجلا قال للنبي: أستأذن على أمي؟ قال: نعم. ~~قال: إني أخدمها. قال: استأذن عليها. قال: فعاوده ثلاثا قال: أتحب أن تراها ~~عريانة؟ قال: لا. قال: فاستأذن عليها». # وعن ابن مسعود وابن عباس، واللفظ له «أنه قيل له: أستأذن على أخواتي وهن ~~في حجرتي معي في بيت واحد؟ قال: نعم، فرددت عليه ليرخص لي فأبى. قال: أتحب ~~أن تراها عريانة؟ قلت: لا قال: فاستأذن عليها؛ فراجعته، فقال: أتحب أن تطيع ~~الله؟ قلت: نعم. قال: فاستأذن عليها». # وقال طاوس: ما من امرأة أكره إلي أن أرى عورتها من ذات محرم، ذكر ذلك كله ~~الطبري. ### | [مسألة الإذن في دخوله بيت نفسه] # المسألة التاسعة: # هذا الإذن في دخوله بيتا غير بيته، فإن دخل بيت نفسه فقال علماؤنا: ليقل: ~~السلام علينا من ربنا التحيات الطيبات المباركات لله، السلام عليكم. رواه ~~ابن وهب عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ وسنده ضعيف. # والصحيح ترك السلام والاستئذان، والله أعلم. # PageV03P373 ### | [الآية الثالثة عشرة قوله تعالى فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم] # وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم} [النور: ~~28]. # فيها ست مسائل: المسألة الأولى: # هذا تبيان من الله لإشكال يلوح في الخاطر، وهو أن يأتي الرجل إلى منزل لا ~~يجد فيه أحدا، فيقول في نفسه: إذا كانت المنازل خالية فلا إذن، لأنه ليس ~~هناك محتجب، فيقال له: إن الإذن يفيد معنيين. # أحدهما: الدخول على أهل البيت. # والثاني: كشف البيت وإطلاعه، فإن لم يكن هنالك أحد محتجب فالبيت محجوب ~~لما فيه، وبما فيه، ms1202 إلا بإذن من ربه. المسألة الثانية: قوله: {حتى يؤذن ~~لكم} [النور: 28]. # يعني حتى يأتي صاحب المنزل فيأذن، أو يتقدم له بالإذن. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا] # المسألة الثالثة: قوله: {وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا} [النور: 28]. # هذا مرتبط بالآية قبلها؛ التقدير: يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا ~~غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها، فإن أذن لكم فادخلوا، وإلا ~~فارجعوا، كما فعل عمر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو موسى مع عمر ~~حسبما تقدم تسطيره وإيراده. # فإن لم تجدوا فيها أحدا يأذن لكم فلا تدخلوا حتى تجدوا إذنا. ### | [مسألة الاستئذان قبل الدخول سواء كان الباب مغلقا أو مفتوحا] # المسألة الرابعة: # وسواء كان الباب مغلقا أو مفتوحا؛ لأن الشرع قد أغلقه بالتحريم للدخول ~~حتى يفتحه الإذن من ربه؛ بل يجب عليه أن يأتي الباب، ويحاول الإذن على صفة ~~لا يطلع منه على البيت لا في إقباله ولا في انقلابه. # PageV03P374 # فقد روى علماؤنا عن عمر بن الخطاب أنه قال: " من ملأ عينيه من قاعة بيت ~~فقد فسق ". # وقد تقدم قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما جعل الاستئذان من أجل ~~البصر». ### | [مسألة إذا استأذن أحد فينبغي للمستأذن عليه أن يقول ادخل أو ما في معناه] # المسألة الخامسة: # إذا استأذن أحد فينبغي للمستأذن عليه أن يقول: ادخل أو ما في معناه من ~~الألفاظ، لا يزيد على ذلك ولا يستحقر فيه. # روي أن عبد الله بن عمر جاء دارا لها بابان قال: أدخل؟ قال له إنسان: ~~ادخل بسلام. قال له: وما يدريك أني أدخل بسلام؛ ثم انصرف كراهية ما زاد؛ ~~لأن الذي قال: ادخلوها بسلام عالم بذلك قادر عليه، والذي زاد في الإذن ~~بسلام زاد ما لم يسمع، وقال ما لم يعلم، وضمن ما لم يقدر عليه. ### | [مسألة الإذن شرط في دخول المنزل] # المسألة السادسة: # إذا ثبت أن الإذن شرط في دخول المنزل فإنه يجوز من الصغير والكبير. وإن ~~كان قول الصغير لغوا في الأحكام بإجماع أهل الإسلام؛ ولكن ms1203 الإذن في المنازل ~~مرخص فيه للضرورة الداعية إليه، وقد كان أنس بن مالك دون البلوغ يستأذن على ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيعمل على قوله، وكذلك الصحابة مع ~~أبنائهم، وغلمانهم. ### | [الآية الرابعة عشرة قوله تعالى ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم] # والله يعلم ما تبدون وما تكتمون} [النور: 29]. فيها أربع مسائل: # PageV03P375 # المسألة الأولى: في المراد بهذه البيوت: أربعة أقوال: # الأول: أنها الخانات والخانكات. # الثاني: أنها دكاكين التجار؛ قاله الشعبي. # الثالث: قال مجاهد: هي منازل الأسفار ومناجاة الرجال. # الرابع: أنها الخرابات العاطلة؛ قال قتادة. # المسألة الثانية: قوله تعالى: {فيها متاع لكم} [النور: 29] فيها ثلاثة ~~أقوال: الأول: أنها أموال التجار. الثاني: أنها المنافع كلها. الثالث: أنها ~~الخلاء لحاجة الإنسان. # المسألة الثالثة: قال الفقيه القاضي أبو بكر - رضي الله عنه -: أما من ~~قال إنها الخانات وهي الفنادق، والخانكات وهي المدارس للطلبة، فإنما مشتركة ~~بين السكان فيها والعاملين بها فلا يصح المنع؛ فلا يتصور الإذن. وكذلك ~~دكاكين التجار، قال الشعبي: لا إذن فيها؛ لأن أصحابها جاءوا ببيوعهم، ~~وجعلوها فيها، وقالوا للناس هلم. فالمعنى في ذلك كله ألا يدخل في كل موضع ~~بغير إذن إلا من كان من أهله ومن خرج عنهم فلا دخول فيه لهم. # المسألة الرابعة: # وأما من فسر المتاع بأنه جميع الانتفاع فقد طبق المفصل، وجاء بالفيصل، ~~وبين أن دخول الداخل فيها إنما هو لما له من الانتفاع، فالطالب يدخل في ~~الخانكات للعلم، والساكن يدخل في الخان للمنزل فيه، أو لطلب من نزل لحاجته ~~إليه، والزبون يدخل لدكان الابتياع، والحاقن يدخل الخلاء للحاجة، وكل يؤتى ~~على وجهه من بابه، فإن دخل في موضع من هذه باسمها الظاهر ولمنفعتها البادية ~~ونيته غير ذلك فالله عليم بما أبدى، وبما كتم، يجازيه عليه وبما يظهره منه. # PageV03P376 ### | [الآية الخامسة عشرة قوله تعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم] # ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون} [النور: 30]. فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: قوله: {يغضوا} [النور: 30] يعني يكفوا عن الاسترسال ms1204 قال ~~الشاعر: # فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا # المسألة الثانية: قوله: {يغضوا من أبصارهم} [النور: 30] فأدخل حرف {من} ~~[النور: 30] المقتضية للتبعيض، وذكر {ويحفظوا فروجهم} [النور: 30] مطلقا. ~~وللعلماء في ذلك ثلاثة أقوال: # الأول: أن غض الأبصار مستعمل في التحريم؛ لأن غضها عن الحلال لا يلزم؛ ~~وإنما يلزم غضها عن الحرام؛ فلذلك أدخل حرف التبعيض في غض الأبصار، فقال: ~~من أبصارهم. # الثاني: أن من نظر العين ما لا يحرم، وهو النظرة الأولى والثانية، فما ~~زاد عليها محرم، وليس من أمر الفرج شيء ما يحلل. # الثالث: أن من النظر ما يحرم، وهو ما يتعلق بالأجانب؛ ومنه ما يحلل، وهو ~~ما يتعلق بالزوجات وذوي المحارم، بخلاف الفرج، فإن ستره واجب في الملأ ~~والخلوة؛ لحديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده معاوية بن حيدة القشيري؛ قال: ~~«قلت يا رسول الله؛ عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من ~~زوجك، أو ما ملكت يمينك. فقال: الرجل يكون مع الرجل؟ قال: إن استطعت ألا ~~يراها أحد فافعل. قلت: فالرجل يكون خاليا؟ قال: الله أحق أن يستحيا منه». # PageV03P377 # «وقد ذكرت عائشة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحالها معه فقالت: ما ~~رأيت ذلك منه، ولا رأى ذلك مني». # المسألة الثالثة: قوله: {ويحفظوا فروجهم} [النور: 30] يعني به العفة، وهو ~~اجتناب ما نهى الله عنه فيها. وقد تقدم بيانه. وقال أبو العالية: المراد به ~~هاهنا حفظها عن الأبصار، حتى لا يراها أحد، وقد تقدم وجوب سترها وشيء من ~~أحكامها في البقرة والأعراف، وإيضاحه في شرح الحديث والمسائل. المسألة ~~الرابعة: قوله: {ذلك أزكى لهم} [النور: 30]: # يريد أطهر على معاني الزكاة فإنه إذا غض بصره كان أطهر له من الذنوب، ~~وأنمى لأعماله في الطاعة؛ ولذلك «قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي: ~~يا علي، إن لك كنزا في الجنة، وإنك ذو قرنيها، فلا تتبع النظرة النظرة؛ فإن ~~الأولى لك والثانية ليست لك» وهو أيضا أفرغ لباله وأصلح لأحواله. وقد أنشد ~~أرباب الزهد: # وأنت إذا ms1205 أرسلت طرفك رائدا ... لقلبك يوما أتعبتك المناظر # رأيت الذي لا كله أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر # وقالوا: من أرسل طرفه أدنى حتفه، ومن غض البصر كفه عن التطلع إلى ~~المباحات من زينة الدنيا وجمالها، كما قال الله لنبيه: {ولا تمدن عينيك إلى ~~ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير ~~وأبقى} [طه: 131] يريد ما عند الله تعالى. # PageV03P378 # وفي الإسرائليات أن رجلا كان قائما يصلي فنظر إلى امرأة بإحدى عينيه، ~~فتطأطأ إلى الأرض، فأخذ عودا ففقأ به عينه التي نظر بها إلى المرأة، وهي من ~~خير عين تحشر. # وتحكي الصوفية أن امرأة كانت تمشي على طريق، فاتبعها رجل حتى انتهت إلى ~~باب دارها، فالتفتت إليه فقالت له: يا هذا؛ ما لك تتبعني؟ فقال لها: ~~أعجبتني عيناك. فقالت: البث قليلا، فدخلت دارها، ثم فقأت عينيها في سكرجة، ~~وأخرجتهما إليه، وقالت له: خذ ما أعجبك، فما كنت لأحبس عندي ما يفتن الناس ~~مني. ### | [الآية السادسة عشرة قوله تعالى وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن] # ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين ~~زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء ~~بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت ~~أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا ~~على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى ~~الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون} [النور: 31]. # فيها ثماني مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من ~~أبصارهم ويحفظوا فروجهم} [النور: 30] قول عام يتناول الذكر والأنثى من ~~المؤمنين، حسب كل خطاب عام في القرآن على ما بيناه في أصول الفقه، إلا أن ~~الله تعالى قد يخص الإناث بالخطاب على طريق التأكيد، كما ورد في حديث «أم ~~عمارة الأنصارية أنها قالت: يا رسول الله، إني أرى كل شيء للرجال وما أرى ~~النساء يذكرن بشيء، فنزلت: ms1206 {إن المسلمين والمسلمات} [الأحزاب: 35]» خرجه ~~الترمذي وغيره. # PageV03P379 # فلما أراد الله من غض البصر وحفظ الفرج أكده بالتكرار؛ وخص النساء فيه ~~بالذكر على الرجال. ### | [مسألة النظر إلى ما لا يحل شرعا] # المسألة الثانية: قوله تعالى: {يغضضن من أبصارهن} [النور: 31] # وذلك حرام؛ لأن النظر إلى ما لا يحل شرعا يسمى زنا. فقال أبو هريرة: سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إن الله إذا كتب على ابن آدم حظه ~~من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فالعينان تزنيان، وزناهما النظر، واليدان ~~تزنيان وزناهما البطش؛ والرجلان تزنيان، وزناهما المشي؛ والنفس تمنى ~~وتشتهي؛ والفرج يصدق ذلك أو يكذبه». # وكما لا يحل للرجل أن ينظر إلى المرأة فكذلك لا يحل للمرأة أن تنظر إلى ~~الرجل، فإن علاقته بها كعلاقتها به، وقصده منها كقصدها منه. وقد روت «أم ~~سلمة قالت: كنت أنا وعائشة وفي رواية وميمونة عند النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فاستأذن عليه ابن أم مكتوم، فقال لنا: احتجبن منه؟ فقلنا: أوليس ~~أعمى؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أفعمياوان أنتما». # فإن قيل: يعارضه ما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت له فاطمة ~~بنت قيس في شأن العدة في بيت أم شريك، فقال لها: تلك امرأة يغشاها أصحابي، ~~اعتدي في بيت ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده». قلنا: قد ~~أوعبنا القول في هذا الحديث في الشرح من جميع وجوهه، وسترونه في # PageV03P380 # موضعه إن شاء الله تعالى. # والذي يتعلق به هاهنا أن انتقالها من بيت أم شريك إلى بيت ابن أم مكتوم ~~كان أولى بها من بقائها في بيت أم شريك، إذ كانت في بيت أم شريك يكثر ~~الداخل فيه والرائي لها، وفي بيت ابن أم مكتوم كان لا يراها أحد، وكان ~~إمساك بصرها عنه أقرب من ذلك وأولى؛ فرخص لها في ذلك. ### | [مسألة الزينة الظاهرة] # المسألة الثالثة: قوله: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} [النور: 31]: ~~الزينة على قسمين: خلقية، ومكتسبة. فالخلقية وجهها فإنه أصل الزينة وجمال ~~الخلقة، ومعنى الحيوانية؛ ms1207 لما فيه من المنافع وطرق العلوم وحسن ترتيب ~~محالها في الرأس، ووضعها واحدا مع آخر على التدبير البديع. وأما الزينة ~~المكتسبة فهي ما تحاوله المرأة في تحسين خلقها بالتصنع: كالثياب والحلي ~~والكحل والخضاب. ومنه قوله تعالى: {خذوا زينتكم عند كل مسجد} [الأعراف: 31] ~~يعني الثياب. وقال الشاعر: # يأخذن زينتهن أحسن ما ترى ... وإذا عطلن فهن خير عواطل # المسألة الرابعة: قوله: {إلا ما ظهر منها} [النور: 31] اعلموا عرفكم الله ~~الحقائق أن الظاهر من الألفاظ المتقابلة التي يقتضي أحدها الآخر، وهو ~~الباطن هاهنا، كالأول مع الآخر، والقديم مع الحديث، فلما وصف الزينة بأن ~~منها ظاهرا دل على أن هنالك باطنا. # واختلف في الزينة الظاهرة على ثلاثة أقوال: # الأول: أنها الثياب يعني أنها يظهر منها ثيابها خاصة؛ قاله ابن مسعود. # الثاني: الكحل والخاتم؛ قاله ابن عباس والمسور. # الثالث: أنه الوجه والكفان. وهو والقول الثاني بمعنى، لأن الكحل والخاتم ~~في الوجه والكفين، إلا أنه يخرج عنه # PageV03P381 # بمعنى آخر، وهو أن الذي يرى الوجه والكفين هي الزينة الظاهرة يقول ذلك ما ~~لم يكن فيها كحل أو خاتم، فإن تعلق بها الكحل والخاتم وجب سترها، وكانت من ~~الباطنة. فأما الزينة الباطنة فالقرط والقلادة والدملج والخلخال وغيره. # وقال ابن القاسم عن مالك: الخضاب ليس من الزينة الظاهرة. واختلف الناس في ~~السوار؛ فقالت عائشة: هي من الزينة الظاهرة؛ لأنها في اليدين. وقال مجاهد: ~~هي من الزينة الباطنة؛ لأنها خارجة عن الكفين؛ وإنما تكون في الذراع. وأما ~~الخضاب فهو من الزينة الباطنة إذا كان في القدمين. والصحيح أنها من كل وجه ~~هي التي في الوجه والكفين، فإنها التي تظهر في الصلاة. وفي الإحرام عبادة، ~~وهي التي تظهر عادة. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وليضربن بخمرهن على جيوبهن] # المسألة الخامسة: قوله: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} [النور: 31]: الجيب: ~~هو الطوق والخمار: هي المقنعة. روى البخاري عن عائشة أنها قالت: رحم الله ~~نساء المهاجرات الأول لما نزل: {وليضربن بخمرهن على جيوبهن} [النور: 31] ~~شققن مروطهن وفي رواية فيه أيضا: شققن أزرهن فاختمرن بها، كأنه من ms1208 كان لها ~~مرط شقت مرطها، ومن كانت لها إزار شقت إزارها. وهذا يدل على أن ستر العنق ~~والصدر بما فيه، ويوضحه حديث عائشة: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يصلي الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن، ما يعرفن من الغلس» أي لا تعرف ~~فلانة من فلانة. ### | [مسألة حرم الله إظهار الزينة على الإطلاق واستثنى من ذلك اثني عشر محلا] # المسألة السادسة: قوله: {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن} [النور: 31] حرم ~~الله إظهار الزينة، كما تقدم على الإطلاق. # واستثنى من ذلك اثني عشر محلا: # PageV03P382 # المستثنى الأول: البعولة: والبعل: هو الزوج والسيد في لسان العرب، ومنه ~~«قول النبي حين ذكر أشراط الساعة: حتى تلد الأمة بعلها» يعني سيدها؛ إشارة ~~إلى كثرة السراري بكثرة الفتوحات، فيأتي الأولاد من الإماء، فتعتق كل أم ~~بولدها، فكأنه سيدها الذي من عليها بالعتق؛ إذ كان العتق حاصلا لها من ~~سببه، فالزوج والسيد ممن يرى الزينة من المرأة وأكثر من الزينة؛ إذ كل محل ~~من بدنها حلال له لذة ونظرا؛ وذلك مخصوص بالزوج والسيد لقوله تعالى: ~~{والذين هم لفروجهم حافظون} [المؤمنون: 5] {إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم فإنهم غير ملومين} [المؤمنون: 6] وقد اختلف الناس في جواز نظر ~~الرجل إلى فرج زوجته على قولين: أحدهما: يجوز؛ لأنه إذا جاز له التلذذ ~~فالنظر أولى. وقيل: لا يجوز «لقول عائشة في ذكر حالها مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: ما رأيت ذلك منه ولا رأى ذلك مني». والأول أصح. وهذا ~~محمول على الأدب؛ فقد قال أصبغ من علمائنا: يجوز له أن يلحسه بلسانه. # المستثنى الثاني: أو آبائهن: ولا خلاف أن غير الزوج لا يلحق بالزوج في ~~اللذة. وكذلك أجمعت الأمة على أنه يلحق غير الزوج بالزوج في النظر، وإن كان ~~قد شورك بينهم في لفظ العطف الذي يقتضي التشريك في ذلك كله، ولكن فرقت ~~بينهم السنة. واختلف العلماء فيما يبدو للأب من الزينة على ثلاثة أقوال: # الأول: أنه الرأس؛ قاله قتادة. # الثاني: أن الذي تبدي القرط والقلادة والسوار، فأما خلخالها ms1209 وشعرها فلا؛ ~~قاله ابن عباس: ونحوه عن ابن مسعود. # الثالث: أن يكون على رأسها خمار ومقنعة، فتكشف المقنعة له. # PageV03P383 # وهي متقاربة المعنى؛ إذ الزينة الباطنة يجوز للأب النظر إليها للضرورة ~~الداعية إلى ذلك في الخلطة، ولأجل المحرمية التي مهدت الشريعة؛ إذ لا يقترن ~~بها النظر شهوة، لتعذرها في هذا الموضع بالتحريم المتعبد به والبعضية ~~القائمة معه. # المستثنى الثالث: أو آباء بعولتهن: قال أيوب السختياني: قلت لسعيد بن ~~جبير: الرجل ينظر إلى شعر ختنته، فقرأ هذه الآية: {ولا يبدين زينتهن إلا ~~لبعولتهن} [النور: 31] إلى آخر الآية. وقال: لا أراها منها. وفي الحديث: ~~«إن الحمو هو الموت» يعني لا بد منه، كما لا بد من الموت في أحد التأويلات، ~~ولأنها بنته، فنزلت منه بتلك المنزلة. والأختان والأصهار والأحماء مما كثر ~~فيهم القول؛ وجله أن الختن الصهر. وقيل: من كان من قبل الزوج من رجل أو ~~امرأة. # المستثنى الرابع: الأبناء: قال إبراهيم: لا بأس أن ينظر الرجل إلى شعر ~~أمه وأخته وعمته وكره للباقين، وبالجملة فإن الابن والأب أحق الأجانب من ~~جهة المحرمية بالاطلاع على الزينة الباطنة. # المستثنى الخامس: أبناء البعولة: وهم ينزلون بتلك المنزلة في جواز الزينة ~~الباطنة، لنزولهم منزلة الأبناء في المحرمية. # المستثنى السادس: الإخوة: وقد روي أن الحسن والحسين كانا يدخلان على ~~أختهما أم كلثوم وهي تمتشط؛ وذلك هو الصحيح عندي. # PageV03P384 # المستثنى السابع: أبناء الإخوة، وهم من آبائهم: روى علماؤنا أن صفية بنت ~~عبد المطلب عمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانت لا تغطي رأسها منه ~~ولا من عشرة من المهاجرين الأولين: من حمزة أخيها، ولا من جعفر، ولا علي بن ~~أبي طالب أخيها، ولا من الزبير ابنها، ولا من عثمان بن عفان ابن بنت أختها ~~أمه أروى بنت كريز، وأمها البيضاء أم حكيم بنت عبد المطلب، ولا من أبي سلمة ~~بن عبد الأسد، ولا من أبي سبرة بن أبي رهم ابني أختها برة بنت عبد المطلب، ~~ولا من طليب بن عمير بن وهب بن عبد بن قصي، وأمه ms1210 أروى بنت عبد المطلب، ولا ~~من عبد الله، وأبي أحمد الشاعر واسمه عبيد ابني جحش، أمهما أمية بنت عبد ~~المطلب. # المستثنى الثامن: بنو الأخوات: ولما لحقوا في المحرمية بمن تقدم لحقوا ~~بهم في جواز النظر. # المستثنى التاسع: قوله: {أو نسائهن} [النور: 31]: وفيه قولان: أحدهما: ~~أنه جميع النساء. والثاني: أنه نساء المؤمنين. فأما أهل الذمة فلا ينبغي أن ~~تكون المسلمة مبدية لهن زينتها وقد كتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن ~~الجراح: أما بعد، فقد بلغني أن نساء المسلمين يدخلن الحمامات معهن نساء أهل ~~الكتاب، فامنع ذلك، وحل دونه. ثم إن أبا عبيدة قام في ذلك المقام ممتثلا، ~~فقال: " أيما امرأة دخلت الحمام من غير علة ولا سقم تريد البياض لزوجها ~~فسود الله وجهها يوم تبيض الوجوه ". والصحيح عندي أن ذلك جائز لجميع ~~النساء، وإنما جاء بالضمير للاتباع، فإنها آية الضمائر؛ إذ فيها خمس وعشرون ~~ضميرا لم يروا في القرآن لها نظيرا، فجاء هذا للاتباع. # المستثنى العاشر: قوله تعالى: {أو ما ملكت أيمانهن} [النور: 31]: حرم ~~الله على المرأة عبدها؛ وكانت الحكمة في ذلك فيما سمعت من شيخنا فخر ~~الإسلام # PageV03P385 # بمدينة السلام تناقض الأحكام فإنها تملكه بالعبودية، فلو ملكها بالزوجية ~~لقال لها: اخرجي وأطيعي زوجك، وقالت هي له: اسكت وأطع سيدتك. # وقال أحدهما: أقم، وقال الآخر: ارحل. وقال أحدهما: أنفق بالرق، وقال ~~الآخر: أنفق بالزوجية. فيعود الطالب مطلوبا والآخر مأمورا، فحسم الله العلة ~~بالمحرمية. # وفيما يروى فيها قولان: أحدهما: أن العبد كالأجنبي. # والثاني: أنه كذوي المحارم. وقد روى ابن وهب وابن القاسم عن مالك دخل ~~حديث بعضهم في بعض قال مالك: أكره أن يسافر الرجل بامرأة أبيه أو ابنه، ~~ولله دره، إنها ليست كأمه وابنته. قالا: قال مالك: وإذا كان بعض الجارية ~~حرا فلا يجوز لمن يملك بقيتها أن ينظر إلى شيء منها غير شعرها، كما ينظر ~~غيره، ولا بأس أن يدخل على زوجته ومعها المرأة إذا كانت عليها ثيابها. وإذا ~~كان بعض الغلام حرا فلا يرى شعر من يملك بقيته، ms1211 وإن كان خصيا لا تملكه لم ~~ينظر شعرها وصدرها. ولا بأس أن ينظر خصيان العبيد إلى شعور النساء، فأما ~~الأحرار فلا، وذلك في الوغد منهم، فأما من له المنظرة فلا. # وقال مالك: يجوز للوغد أن يأكل مع سيدته، ولا يجوز ذلك لذي المنظرة. وقال ~~في الخصي خادم الرجل في منزله، يرى فخذه منكشفة: إنه خفيف. وقال في جارية ~~المرأة: لا ينبغي أن ترى فخذ زوجها ينكشف عنها. قال الله تعالى: {أو ما ~~ملكت أيمانهن} [النور: 31]، فامرأته في هذا كغيرها. ونهى عمر بن الخطاب ~~النساء أن يلبسن القباطي، وقال: " إن كانت لا تشف فإنها تصف ". قال الفقيه ~~القاضي أبو بكر - رحمه الله -: يريد الخصور والأرداف. # قال ابن القاسم: سمعت مالكا يحدث أن عائشة دخل عليها رجل أعمى، وأنها # PageV03P386 # احتجبت منه؛ فقيل لها يا أم المؤمنين؛ إنه أعمى لا ينظر إليك. قالت: " ~~ولكني أنظر إليه ". # قال أشهب: سئل مالك أتلقي المرأة خمارها بين يدي الخصي؟ وهل هو من غير ~~أولي الإربة؟ فقال: نعم، إذا كان مملوكا لها أو لغيرها؛ فأما الحر فلا، وإن ~~كان فحلا كبيرا وغدا، تملكه لا هيئة له ولا منظرة فلينظر إلى شعرها. قال ~~الفقيه القاضي أبو بكر - رحمه الله - كما قال ابن عباس: " لا بأس أن ينظر ~~المملوك إلى مولاته ". قال أشهب: قال مالك: ليس بواسع أن تدخل جارية الزوجة ~~أو الولد على الرجل المرحاض؛ قال الله: {إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم} [المؤمنون: 6]. وقال أشهب عن مالك: ينظر الغلام الوغد إلى شعر ~~سيدته ولا أحبه لغلام الزوج. وأطلق علماؤنا المتأخرون القول بأن غلام ~~المرأة في ذوي محارمها يحل منها ما يحل لذي المحرم. وهو صحيح في القياس. ~~وقول مالك في الاحتياط أعجب إلي. فرع: # قال علماؤنا رحمة الله عليهم: لا تسافر المرأة مع عبدها وإن كان ذا محرم ~~منها؛ إذ يجوز أن يعتق في السفر فيحل لها تزوجه. وهذا عندي ضعيف؛ فإن عتقه ~~بيدها؛ فلا يتفق له ذلك حتى يكون بموضع يتأتى فيه ما ذكرنا. # المستثنى ms1212 الحادي عشر: قوله: {أو التابعين غير أولي الإربة} [النور: 31]: # فيها ثمانية أقوال: الأول: أنه الصغير؛ قال مجاهد. # الثاني: أنه العنين؛ قاله عكرمة، والشعبي. # الثالث: أنه الأبله المعتوه لا يدري النساء؛ قاله سعيد بن جبير، وعطاء. # الرابع: أنه المجبوب لفقد إربه. # الخامس: أنه الهرم، لعجز إربه. # السادس: أنه الأحمق الذي لا يشتهي المرأة، ولا يغار عليه الرجل. قاله ~~قتادة. # PageV03P387 # السابع: أن الذي لا يهمه إلا بطنه قاله مجاهد. # الثامن: أنه خادم القوم للمعاش؛ قاله الحسن. قال الفقيه القاضي أبو بكر - ~~رضي الله عنه -: أما القول الأول بأنه الصغير فلا معنى له، لأن ذلك قد ~~أفرده الله بالذكر بعد ذلك في قوله: {أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات ~~النساء} [النور: 31]. وأما غير ذلك فهم على قسمين؛ منهم من له آلة، ومنهم ~~المجبوب الذي ليس له آلة، والذي له آلة على قسمين: منهم العنين الذي لا ~~يقوم له شيء، ومنهم الذي لا قلب له في ذلك، ولا علاقة بينه وبينه. فأما ~~المجبوب والعنين فلا كلام فيهما. # وأما من عداهما ممن لا قلب له في ذلك فالقياس يقتضي ألا يكون بينه وبين ~~المرأة اجتماع لضرورة حاله؛ لكن الشريعة رخصت في ذلك للحاجة الماسة إليه، ~~ولقصد نفي الحرج به. # والدليل عليه حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنه كان جالسا عند أم ~~سلمة، فدخل عليها هيت المخنث، فقال لأخيها عبد الله بن أبي أمية وهو عندها: ~~يا عبد الله؛ إن فتح الله عليكم الطائف غدا فإني أدلك على بادنة بنت غيلان ~~يعني زوج عبد الرحمن بن عوف، فإنها تنيف بالذكر والأنثى، وتقبل بأربع وتدبر ~~بثمان مع ثغر كأنه الأقحوان، وبين رجليها كالإناء المكفوء، إن جلست تبنت، ~~وإن قامت تثنت، وإن تكلمت تغنت: # بين شكول النساء خلقتها ... قصد فلا جبلة ولا قضف # تغترق الطرف وهي لاهية ... كأنما شف وجهها نزف # فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لأرى هذا يعرف ما هاهنا، لا يدخل ~~عليكن» فحجبه. # PageV03P388 # المستثنى الثاني عشر: قوله: {أو الطفل الذين لم يظهروا ms1213 على عورات النساء} ~~[النور: 31]: # واختلف الناس في وجوب ستر ما سوى الوجه والكفين منه على قولين: أحدهما: ~~لا يلزم؛ لأنه لا تكليف عليه؛ وهو الصحيح. والآخر: يلزم؛ لأنه قد يشتهي، ~~وقد تشتهي هي أيضا؛ فإن راهق فحكمه حكم البالغ في وجوب الستر ولزوم الحجبة. ~~وبقي هاهنا المستثنى الثالث عشر، وهو الشيخ الذي سقطت شهوته. وفيه قولان، ~~كما قدمناه في الصبي. والصحيح بقاء الحرمة. ### | [مسألة عورة المرأة مع عبدها] # المسألة السابعة: # قال أصحاب الشافعي: عورة المرأة مع عبدها من السرة إلى الركبة، وكأنهم ~~ظنوها رجلا أو ظنوه امرأة، والله تعالى حرم المرأة على الإطلاق نظرا ولذة، ~~ثم استثنى اللذة للزوج وملك اليمين، ثم استثنى الزينة: ظاهر الثلاثة عشر ~~شخصا العبد منهم، فما لنا ولغير ذلك؟ هذا نظر فاسد، واجتهاد عن السداد ~~متباعد. وقد أول بعض الناس قوله: {أو ما ملكت أيمانهن} [النور: 31] على ~~الإماء دون العبيد، منهم سعيد بن المسيب، فكيف يحمل على العبيد، ثم يلحقون ~~بالنساء؟ هذا بعيد جدا. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن] # المسألة الثامنة: قوله: {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن} ~~[النور: 31]. # قال: كانت المرأة تضرب برجليها ليسمع قعقعة خلخاليها؛ فمن فعل ذلك فرحا ~~بحليهن فهو مكروه. ومن فعل ذلك تبرجا وتعرضا للرجال فهو حرام. وكذلك من صر ~~بنعله من الرجال، إن فعل ذلك عجبا حرم، فإن العجب كبيرة، وإن فعل ذلك تبرجا ~~لم يجز. والله أعلم. # PageV03P389 ### | [الآية السابعة عشرة قوله تعالى وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين] # من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم} ~~[النور: 32]. فيها سبع مسائل: المسألة الأولى: قوله: {الأيامى منكم} ~~[النور: 32] والأيم فيها قولان: أحدهما: أنها التي توفي عنها زوجها. ~~الثاني: أنها التي لا زوج لها. # وفي الحديث أنه: «نهى عن الأيمة». وقال الشاعر: # فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي ... وإن كنت أفتى منكم أتأيم # وفي الحديث: «الأيم أحق بنفسها من وليها»؛ وهي التي لا زوج لها بعد ~~زوجها. وفي لفظ: «الثيب ms1214 أحق بنفسها». # PageV03P390 ### | [مسألة المراد بالخطاب قوله تعالى وأنكحوا] # المسألة الثانية: في المراد بالخطاب بقوله: {وأنكحوا} [النور: 32] فقيل: ~~هم الأزواج. وقيل: هم الأولياء من قريب أو سيد. والصحيح أنهم الأولياء؛ ~~لأنه قال: أنكحوا. بالهمزة، ولو أراد الأزواج لقال ذلك بغير همزة، وكانت ~~الألف للوصل، وإن كان بالهمزة في الأزواج له وجه فالظاهر أولى، فلا يعدل ~~إلى غيره إلا بدليل. المسألة الثالثة: قوله: {وأنكحوا} [النور: 32]: لفظه ~~بصيغة الأمر، واختلف في وجوبه أو ندبه أو إباحته على ثلاثة أقوال: وقال ~~علماؤنا: يختلف الحكم في ذلك باختلاف حال المرء من خوفه العنت، وعدم صبره، ~~ومن قوته على الصبر، وزوال خشية العنت عنه. وإذا خاف الهلاك في الدين أو ~~الدنيا أو فيهما فالنكاح حتم. # وإن لم يخش شيئا وكانت الحال مطلقة، فقال الشافعي: النكاح مباح # وقال أبو حنيفة ومالك: هو مستحب. # وتعلق الشافعي بأنه قضاء لذة، فكان مباحا كالأكل والشرب. # وتعلق علماؤنا في ذلك بأحاديث كثيرة، ولا فائدة في التعلق بغير الصحيح. ~~وفي ذلك حديثان صحيحان: الأول: قال أنس بن مالك: «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت ~~أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يسألون عن عبادة النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فلما أخبروها كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا ~~فأصلي الليل أبدا. وقال الآخر: أنا أصوم الدهر، ولا أفطر. وقال الآخر: أنا ~~أعتزل النساء ولا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إليهم، فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم # PageV03P391 # لله، وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء؛ من يرغب ~~عن سنتي فليس مني». الثاني: قال عروة: سألت عائشة عن قوله: {وإن خفتم ألا ~~تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء} [النساء: 3] إلى قوله: ~~{ألا تعدلوا} [النساء: 3]. قالت: يا بن أختي، هي اليتيمة تكون في حجر ~~وليها، فيرغب في مالها وجمالها، ويريد أن يتزوجها بأدنى من سنة صداقها، ~~فنهوا ms1215 أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن فيكملوا الصداق، وأمروا بنكاح من سواهن ~~من النساء. ### | [مسألة تقدير قوله تعالى والصالحين من عبادكم وإمائكم] # المسألة الرابعة: قوله: {والصالحين من عبادكم وإمائكم} [النور: 32] # وفيها قولان: # أحدهما: وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وأنكحوا إماءكم. ~~وتقريرها: وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم بعضهم ببعض. # الثاني: وهو الأظهر أنه أمر بإنكاح العبيد والإماء، كما أمر بإنكاح ~~الأيامى، وذلك بيد السادة في العبيد والإماء، كما هو في الأحرار بيد ~~الأولياء، إلا من ملك نفسه، وائتمر أمره، وأبصر رشده. # أما أن أصحاب الشافعي تعلقوا بأن العبد مكلف فلم يجبر على النكاح؛ لأن ~~التكليف يدل على أن العبد كامل من جهة الآدمية، وإنما يتعلق به المملوكية ~~فيما كان حظا للسيد من ملك الرقبة والمنفعة، فله حق المملوكية في بضع الأمة ~~ليستوفيه ويملكه. فأما بضع العبد فلا حق له فيه، ولأجل ذلك لا تباح السيدة ~~لعبدها؛ هذه عمدة أهل خراسان والعراق. ولعلمائنا النكتة العظمى في أن ~~مالكية العبد استغرقتها مالكية السيد؛ ولذلك لا يتزوج إلا بإذنه إجماعا. # PageV03P392 # والنكاح وبابه إنما هو من المصالح، ومصلحة العبد موكولة إلى السيد، هو ~~يراها ويقيمها للعبد، ولذلك زوج الأمة بملكه لرقبتها، لا باستيفائه لبضعها. # والدليل على صحة ما نقوله من ذلك أنه لا يملك بضع امرأته وإن كان يملكها، ~~ويملك بضع أخته من الرضاع أمة، وإن كان لا يستوفيه. والمالكية في رقبة ~~العبد كالمالكية في رقبة الأمة. # والمصلحة في كل واحد منهما بيد السيد استيفاؤها وإقامتها والنظر إليها، ~~ومنها ومن عدهم الطلاق فإنه يملكه العبد بملك عقده. وهذا لا يلزم؛ لأن ~~للسيد نظرا في المصلحة، فإن أسقطها العبد فقد أسقط خالص حقه الذي له، وقد ~~نرى الثيب لا تملك الطلاق، ولا يملك عليها النكاح، ويملك النكاح على السفيه ~~المولى عليه، ولا يملك عليه الطلاق، ويملك عليه البيع والشراء، ولا يملك هو ~~الإقالة ولا الفسخ، ولا العتق؛ فدل على أن مطلق كل واحد من العينين غير ~~مطلع الآخر، فافترقا. # فإن قيل: لو أراد المملوكين ms1216 لقال من عبيدكم. # قلنا عنه جوابان: أحدهما: أنه قال بعده: (وإمائكم)، ولو أراد الناس لما ~~جاء بالهمزة. كما تقدم، ولذلك قرأها الحسن من عبيدكم، وليبين الإشكال ويرفع ~~اللبس. # الثاني: أن هذا اللفظ لو قدرناه كما زعموا لكان عاما، وكنا نحكم بعمومه ~~فيمن كان حرا أو عبدا، كما حكمنا بعمومه فيمن كانت أمة لله أو لأحد من خلقه ~~بتمليكه إياها له. ### | [مسألة معنى قوله تعالى إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله] # المسألة الخامسة: قوله: {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله} [النور: ~~32]. # وهذا فيه قولان: أحدهما: يغنيهم الله من فضله بالنكاح، كقوله: {وإن ~~يتفرقا يغن الله كلا من سعته} [النساء: 130] يعني النكاح من غيره. # الثاني: يغنيهم بالمال، وهو اختيار جماعة من السلف؛ فروي عن ابن عمر أنه ~~قال: # PageV03P393 # عجبت لمن لا يرغب في الباءة، والله يقول: {إن يكونوا فقراء يغنهم الله من ~~فضله} [النور: 32]. ومن حديث أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: «ثلاثة كلهم حق على الله عونه: المجاهد في سبيل الله، والناكح يريد ~~العفاف، والمكاتب يريد الأداء». فإن قلنا: قد نجد الناكح لا يستغني. قلنا: ~~عنه ثلاثة أجوبة: # الأول: أنه يغنيه بإيتاء المال، وقد يوجد ذلك. # الثاني: يغنيه عن الباءة بالعفة. # الثالث: يغنيه بغنى النفس، ولا يلزم أن يكون هذا كله على الدوام؛ بل لو ~~كان في لحظة واحدة لصدق الوعد. # وقد رأيت بعض علمائنا يقول: إن هذا على الخصوص كما قدمناه في الجواب ~~الأول. وفي بعض الآثار: " الناكح معان، والمكاتب معان، وباغي الرجعة معان ~~". # المسألة السادسة: فإن قيل: هذه الآية وإن وردت بلفظ واحد فإنها قد تناولت ~~مختلفات الأحكام؛ منها واجب، ومنها غير واجب، ومنها في البالغ، ومنها في ~~الصغير، ومنها في الثيب، ومنها في البكر. # قلنا: هذا لا يؤثر في الخطاب؛ فإن ذلك كثير في القرآن؛ وأقرب منه الآية ~~التي تلوناها آنفا في قوله: {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن} [النور: 31] ~~إلى آخر الاثني عشر وجها، وكل واحد يختلف في بابه، والخطاب مشترك فيهم، ms1217 وإن ~~كان الحكم يختلف في التعلق بهم. # PageV03P394 # المسألة السابعة: في هذه الآية دليل على تزويج الفقير، ولا يقولن كيف ~~أتزوج وليس لي مال؟ فإن رزقه ورزق عياله على الله، «وقد زوج النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - الموهوبة من بعض أصحابه، وليس له إلا إزار واحد»، وليس ~~لها بعد هذا فسخ النكاح بالإعسار؛ لأنها عليه دخلت؛ وإنما يكون ذلك على ~~الحكم إذا دخلت على اليسار، فخرج معسرا، أو طرأ الإعسار بعد ذلك، والله ~~أعلم. ### | [الآية الثامنة عشرة قوله تعالى وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا] # حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم ~~إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على ~~البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرهن فإن الله من بعد ~~إكراههن غفور رحيم} [النور: 33]. فيها ست عشرة مسألة: # المسألة الأولى: هذا خطاب لبعض من تناولته الآية الأولى ممن يملك أمر ~~نفسه، فيتعفف، ويتوقف، أو يقدم على النكاح، ولا يتخلف. وأما من زمامه بيد ~~سواه يقوده إلى ما يراه، فليس له في هذه الآية مدخل كالمحجور قولا واحدا، ~~والأمة والعبد على أحد قولي العلماء. # المسألة الثانية: إن كان النكاح في الآية الأولى مختلفا فيه ما بين وجوب ~~وندب وإباحة فالاستعفاف لا خلاف في وجوبه لأجل أنه إمساك عما حرم الله؛ ~~واجتناب المحارم واجب بغير خلاف. # PageV03P395 # المسألة الثالثة: لما لم يجعل الله بين العفة والنكاح درجة دل على أن ما ~~عداهما محرم، ولا يدخل فيه ملك اليمين؛ لأنه بنص آخر مباح، وهو قوله تعالى: ~~{أو ما ملكت أيمانكم} [النساء: 3]، فجاءت فيه زيادة هذه الإباحة بآية في ~~آية، ويبقى على التحريم الاستمناء ردا على أحمد بن حنبل، كما تقدم بيانه، ~~وكذلك يخرج عنه نكاح المتعة لنسخه، كما تقدم. المسألة الرابعة: قوله تعالى: ~~{لا يجدون نكاحا} [النور: 33] # يعني يقدرون، وعبر عن القدرة بالوجود، وعن عدمها بعدمه، كما تقدم في قوله ~~تعالى: {فلم تجدوا ماء} [النساء: 43] حرفا بحرف فخذه منه. المسألة الخامسة: ms1218 ~~قوله تعالى: {حتى يغنيهم الله من فضله} [النور: 33] # فيها قولان: أحدهما: بالقدرة على النكاح. # الثاني: بالرغبة عنه. # وقال بعض علمائنا: إنه يستعف بالصوم، لحديث عبد الله بن مسعود قال: «كنا ~~مع النبي - صلى الله عليه وسلم - شبابا لا نجد شيئا. فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: يا معشر الشباب؛ من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض ~~للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء». وهو أصح ~~الأقوال لانتظام القرآن فيه والحديث، واللفظ والمعنى، والله أعلم. # PageV03P396 ### | [مسألة طلب العبد للمكاتبة] # المسألة السادسة: قوله تعالى: {والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم ~~فكاتبوهم} [النور: 33] # يعني يطلبون الكتاب، يريد المكاتبة على مال يدفعونه إلى ساداتهم، فافعلوا ~~ذلك لهم، فذكر الله طلب العبد للمكاتبة، وأمر السيد بها حينئذ؛ وهي حالتان: # الأولى: أن يطلبها العبد، ويجيبه السيد؛ فهذا مطلق الآية وظاهرها. # الثانية: أن يطلبها العبد؛ ويأباها السيد؛ وفيه قولان: # الأول: لعكرمة وعطاء أن ذلك واجب على السيد. # وقال سائر علماء الأمصار: لا يجب ذلك عليه. وتعلق من أوجبها بمطلق قوله ~~تعالى {فكاتبوهم} [النور: 33]. وافعل بمطلقه على الوجوب حتى يأتي الدليل ~~بغيره، وهذه مسألة أصولية قد بيناها في أصول الفقه ولا نسلمها لهم، بل نقول ~~إن لفظ " افعل " لاقتضاء الفعل، والوجوب يكون بتعلق الذم بتركه، والاقتضاء ~~يستقل به الاستحباب، فأين دليل الوجوب؟ وهذا هو الأصل الذي لا مزعزع له. # أما إن من علمائنا المتمرسين بالفقه سلموا أن مطلق " افعل " على الوجوب، ~~وادعوا أن الدليل هاهنا قد قام على سقوط الوجوب من ثلاثة أوجه: # الأول: أن الكتابة إذا طلبها العبد ففيها إخراج ملك السيد من يده بغير ~~اختياره، ولا أصل لذلك في الشريعة، بل أصول الشريعة كلها تقتضي ألا يخرج ~~أحد عن يده إلا باختياره. وما جاء بخلاف الأصول لا يلتفت إليه. # وهذا لا يلزم؛ لأن الآية عندنا أو الحديث إذا جاء بخلاف الأصول فهو أصل ~~بنفسه، ويرجع إليه في بابه، ويجري على حكمه، كما بيناه في مسائل المضرات من ~~كتب الخلاف، وفي تعارض ms1219 الأدلة من كتب أصول الفقه. # الثاني: قالوا: إنما يكون مطلق الأمر يقتضي الوجوب إذا تعرى عن قرينة، ~~وهاهنا قرينة تقتضي صرفه عن الوجوب، وهو تعليقه بشرط علم الخير فيه، فتعلق ~~الوجوب على أمر باطن، وهو علم السيد بالخير فيه. # PageV03P397 # وإذا قال العبد، كاتبني، فقال السيد: لم أعلم فيك خيرا، وهو أمر باطن؛ ~~فيرجع فيه إليه، ويعول عليه، وهو قوي في بابه. # الثالث: قال علماؤنا: مال العبد وأكسابه ملك السيد، ورقبته ملك له؛ فإذا ~~قال العبد: خذ كسبي وخلص رقبتي فهو يطالبه بتفويت ملكه عنه، فكأنه يقول: ~~أعتقني. # وذلك لا يلزم، وهو كلام قوي في الباب على مثبتي الاجتهاد؛ ومن رده لا ~~يلتفت إليه. المسألة السابعة: قوله تعالى: {فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا} ~~[النور: 33] وفيه ثلاثة أقوال: # الأول: أنه القدرة على السعي والاكتساب؛ وبه قال مالك والشافعي. # الثاني: أن الخير المال؛ وهو قول عطاء. # الثالث: أنه الوفاء والصدق والأمانة؛ وهو قول الشافعي الثاني. # فأما القول الأول بأنه المال فلا إشكال فيه. # وأما القدرة على الأداء بحسن السعي والاكتساب فظاهر أنه يلحق به لأنه مال ~~منجم يجتمع في مدة الأجل. وأما من قال: إنه الصدق والأمانة فكأنه نظر إلى ~~معنى هو مشروط في كل طاعة وفعل، فلا تختص هذه الكتابة باشتراطه وحدها. ### | [مسألة كاتب عبده على مال قاطعه عليه نجوما] # المسألة الثامنة: # إذا كاتب عبده على مال قاطعه عليه نجوما، فإن جعله حالا فقد اختلف فيه ~~السلف والعلماء على قولين، واختلف قول علمائنا باختلافهم. # والصحيح في النظر أن الكتابة مؤجلة، كما ورد بها الأثر في حديث بريرة حين ~~كاتبت أهلها على تسع أواق في كل عام أوقية. وكما فعلت الصحابة؛ ولذلك سميت # PageV03P398 # كتابة؛ لأنها تكتب ويشهد عليها، فقد استوثق الاسم والأثر وعضده المعنى؛ ~~فإن المال إن جعله حالا فلا يخلو أن يكون عند العبد، أو لا يكون عنده شيء؛ ~~فإن كان عنده ما قطعه عليه فهو مال مقاطعة وعقد مقاطعة، لا عقد كتابة، وإن ~~لم يكن عند العبد مال لم يجز أن ms1220 يجعل ما يكاتبه عليه حالا؛ لأنه أجل مجهول ~~فيدخله الغرر، وتقع المنازعة عند المطالبة؛ وذلك منهي عنه شرعا من جهة ~~الغرر، ومن جهة الدين، مع ما فيه من مخالفة السنة. فإن قيل: إنما جعل الأجل ~~رفقا بالعبد؛ فإن شاء أن يرتفق وإلا ترك حقه. # قلنا: كل حق هو إسقاط محض وترك صرف فهو جائز، وكل حق يترك في عقد يعود ~~عليه بالغرر لا يجوز إجماعا. وقد أشبعنا القول في كتب الخلاف في هذه ~~المسألة، فمن أراده فلينظره هنالك. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وآتوهم من مال الله الذي آتاكم] # المسألة التاسعة: قوله تعالى: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور: ~~33] # فيه قولان: أحدهما: أنه مال الزكاة؛ قال إبراهيم، والحسن، ومالك. # الثاني: أنه جزء من مال الكتابة؛ قاله علي وغيره، وبه قال الشافعي. وقدره ~~علي بربع الكتابة، وقدره غيره بنجم من نجومها. ورأى الشافعي أنه مجهول، وأن ~~ذلك موقوف على اجتهاد الحاكم بحسب ما يراه فإنه ينفذه في تركته، ويقضي به ~~عليه. واحتج بمطلق الأمر في قوله: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور: ~~33]، وبقول علي، وروي مثله عن عمر، وليس للشافعي في المسألة عمدة، وإنما هي ~~لعلمائنا. وقد أوضحنا ذلك في مسائل الخلاف، ولو أن الشافعي حين قال: إن ~~الإيتاء واجب يقول: إن الكتابة واجبة لكان تركيبا حسنا، ولكنه قال: إن ~~الكتابة لا تلزم والإيتاء يجب؛ فجعل الأصل غير واجب، والفرع واجبا؛ وهذا لا ~~نظير له؛ فصارت دعوى محضة. # PageV03P399 # فإن قيل: يكون ذلك كالنكاح لا يجب، فإذا انعقد وجبت أحكامه، منها المتعة. # قلنا: عندنا لا تجب المتعة؛ فلا معنى لأصحاب الشافعي في التعلق بها. # والدليل القاطع على أن الإيتاء غير واجب أنه لو كان واجبا غير مقدر كما ~~قال الشافعي لكان المال في أصل الكتابة مجهولا، والعقد بالعوض المجهول لا ~~يجوز أن يقال إن الله شرعه، وقد عضده علماؤنا بقول الله: {وآتوهم من مال ~~الله الذي آتاكم} [النور: 33]. ومال الله هو الزكاة، والفيء، وليس بمال ~~أوجب حقا في عقد، وإن كان ms1221 العباد وأموالهم لله، ولكن مطلق اللفظ إنما ينطلق ~~على الزكاة والفيء. # فإن قيل: يحسن أن يقال في هذا: إنه مال الله؛ لأنه وجب لحق الله من ~~الحرية، وقصد به القربة إليه. # قلنا: هذا مجاز، لا يصار إليه إلا لضرورة. # وبالجملة فإن أصحاب الشافعي يريدون أن يجعلوا المجاز حقيقة، ويعدلون ~~باللفظ عن طريقه. # فإن قيل: فكيف يفعلون بقول عمر وعلي؟ # قلنا: سبحان من لم يجعل الحجة إلا في قول صاحب المعجزة، على أن الذي روي ~~في ذلك إنما هو أن عمر كاتب عبدا له هو جد ميمون بن جابان، فقال له عمر: كم ~~تعرض؟ فقال عبده: أعرض مائتي أوقية. قال: فما استزادني، وكاتبني عليها، ~~فأراد أن يعجل لي من ماله طائفة، فأرسل إلى حفصة أم المؤمنين: إني كاتبت ~~غلامي، فأردت أن أعجل له طائفة من مالي، فأرسلي إلي بمائتي درهم إلى أن ~~يأتينا بشيء، فأرسلت بها إليه، فأخذها عمر بيمينه، وقرأ هذه الآية: {والذين ~~يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال ~~الله الذي آتاكم} [النور: 33] فخذها، فبارك الله لك فيها. قال: فبارك الله ~~لي فيها؛ عتقت منها، وأصبت خيرا كثيرا. # وقال علي في قول الله: {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} [النور: 33] قال: ~~ربع الكتابة. وكاتب عبدا له على أربعة آلاف درهم، فوضع عنه ربعها، وهذا من ~~فعل عمر # PageV03P400 # وقول علي وفعله لا يقتضي إلا الندب، وليس فيه على الوجوب دليل لا سيما ~~وقد خالفهما عثمان، فروي أنه كاتب غيره، وحلف ألا يحطه في حديث طويل. ### | [مسألة ما يترك للمكاتب من كتابته التي يكاتب عليها متى يترك وكيف يكتب] # المسألة العاشرة: في أي وقت يؤتى؟ # فيه أربعة أقوال: # الأول: قال ابن وهب: سمع مالكا يقول وسألته عما يترك للمكاتب من كتابته ~~التي يكاتب عليها: متى يترك؛ وكيف يكتب؟ فقال مالك: يكتب في كتابه أنه كاتب ~~على كذا، وقد وضع عنه من أجر كتابته كذا. # الثاني: أنه يترك له من كل نجم؛ قاله مجاهد. # الثالث: يوضع ms1222 عنه من آخر الكتابة؛ قاله علي بن أبي طالب. # الرابع: يوضع عنه من أولها؛ قاله عمر وفعله. # والأقوى عندي أنه يكون في آخرها، ليستفيد بذلك براءته مما عليه، وحصول ~~العتق له، والإسقاط أبدا إنما يكون في أخريات الديون. ### | [مسألة صفة عقد الكتابة] # المسألة الحادية عشرة: # اختلفوا في صفة عقد الكتابة، وروي أنه كان يقول: كاتبتك على ألفين في ~~عامين. # وروي أنه يقول: فإذا أديت فأنت حر؛ وهذا لا يلزم؛ لأن لفظ القرآن لا ~~يقتضيه والحال يشهد له، فإن ذكره فحسن، وإن تركه فهو معلوم لا يحتاج إليه. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا] # المسألة الثانية عشرة: قوله: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن ~~تحصنا} [النور: 33] قال جابر بن عبد الله: كانت جارية لعبد الله بن أبي ~~يقال لها مسيكة فأكرهها على البغاء، فقالت له: لئن كان هذا خيرا لقد ~~استكثرت منه وروي لقد استنكرت منه وإن كان شرا لقد بان لي أن أدعه. فأنزل ~~الله الآية. # وروى الزهري أنه كان لعبد الله بن أبي جارية يقال لها معاذة، وكان رجل من ~~قريش أسر يوم بدر، فكان عنده، وكان القرشي يريد الجارية على نفسها، وكانت # PageV03P401 # الجارية تمتنع منه لإسلامها، وكان عبد الله بن أبي يضربها على امتناعها ~~من القرشي، رجاء أن تحمل منه، فيطلب فداء ولده، فأنزل الله الآية. وكذا روى ~~مالك عن الزهري نحوه. ### | [مسألة الإكراه على الزنا] # المسألة الثالثة عشرة: # وقع في مطلق هذه الآية النهي عن الإكراه على الزنا إن أرادت المكرهة ~~الإحصان، ولا يجوز الإكراه بحال، فتعلق بعض الغافلين بشيء من دليل الخطاب ~~في هذه الآية، وذكروه في كتب الأصول لغفلتهم عن الحقائق في بعض المعاني، ~~وهذا مما لا يحتاج إليه؛ وإنما ذكر الله إرادة التحصن من المرأة؛ لأن ذلك ~~هو الذي يصور الإكراه، فأما إذا كانت راغبة في الزنا لم يتصور إكراه، ~~فحصلوه إن شاء الله. المسألة الرابعة عشرة: # قد تكلمنا على الإكراه فيما سبق، وهذه الآية تدل على ms1223 تصور الإكراه في ~~الزنا، خلافا لمن أنكر ذلك من علمائنا، وهو ابن الماجشون وغيره، ولا ينهى ~~الله إلا عن متصور، ولا يقع التكليف إلا بما يدخل تحت القدرة؛ ولذلك قلنا: ~~إنه لا حد عليه؛ لأن الإكراه يسقط حكم التكليف. # فإن قيل: إن الزاني ينتشر ويشتهي إذا اتصل بالمرأة طبعا. # قلنا: الإلجاء إلى ذلك هو الذي أسقط حكمه. ### | [مسألة مهر البغي وحلوان الكاهن] # المسألة الخامسة عشرة: # «نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح عن مهر البغي وحلوان ~~الكاهن»، فإن من البغايا من كان يأخذ عوضا عن البغي، وكذلك كان جرى في هذه ~~القصة روى مجاهد في قوله: {ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء} [النور: 33] ~~قال: كانوا يأمرون ولائدهم فيباغين فكن يفعلن ذلك فيصبن، فيأتينهم بكسبهن. ~~وكانت لعبد الله بن أبي ابن سلول # PageV03P402 # جارية، وكانت تباغي، فكرهت ذلك، وحلفت ألا تفعله، فانطلقت فباغت ببرد ~~أخضر، فأتتهم به، فأنزل الله الآية. ### | [مسألة معنى قوله تعالى فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم] # المسألة السادسة عشرة " مهر البغي وحلوان الكاهن قوله تعالى: {فإن الله ~~من بعد إكراههن غفور رحيم} [النور: 33] # هذه المغفرة إنما هي للمكره لا للذي أكره عليه وألجأ المكره المضطر إليه؛ ~~ولذلك كان يقرؤها عبد الله بن مسعود، فإن الله من بعد إكراه لهن غفور رحيم. ~~والمغفرة تتعلق بالمكره المضطر إليه فضلا من الله، كما قال في الميتة: {فمن ~~اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم} [البقرة: 173]. ### | [الآية التاسعة عشرة قوله تعالى الله نور السموات والأرض] # الآية التاسعة عشرة قوله تعالى: {الله نور السماوات والأرض مثل نوره ~~كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة ~~مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور ~~على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء ~~عليم} [النور: 35]. # هذه آية عظيمة قد بيناها في كتاب المشكلين، وفي قانون التأويل، وأوضحنا ~~المراد منها على أقوال ms1224 العلماء؛ وهذا الحرف منها ذكره بعض الأحكاميين، ~~فرأينا ألا نخلي هذا المختصر منه. واختلف في هذه الشجرة على ستة أقوال: # الأول: أنها ليست من شجر الشرق دون الغرب، ولا من شجر الغرب دون الشرق؛ ~~لأن الذي يختص بإحدى الجهتين كان أدنى زيتا، وأضعف ضوءا. ولكنها ما بين ~~الشرق والغرب، كالشام؛ لاجتماع الأمرين فيه؛ وهو قول مالك. # وفي رواية ابن وهب عنه قال: هو الشام، الشرق من هاهنا والغرب من هاهنا، ~~ورأيته لابن شجرة أحد حذاق المفسرين. # الثاني: أنها ليست بشرقية تستر عن الشمس عند الغروب، ولا بغربية تستر عن ~~الشمس وقت الطلوع؛ بل هي بارزة؛ وذلك أحسن لزيتها أيضا؛ قاله قتادة. # PageV03P403 # الثالث: أنها وسط الشجر، لا تنالها الشمس إذا طلعت ولا إذا غربت، وذلك ~~أجود لزيتها: قاله عطية. # الرابع: أنها ليس في شجر الشرق ولا في شجر الغرب مثلها قاله يحيى بن ~~سلام. # الخامس: أنها من شجر الجنة لا من الدنيا قاله الحسن. # السادس: أنها مؤمنة، ليست بنصرانية تصلي إلى الشرق، ولا يهودية تصلي إلى ~~الغرب، وهو قول ابن عمر. # قال الفقيه القاضي أبو بكر - رضي الله عنه -: لا خلاف بين المحققين الذين ~~ينزلون التفسير منازله، ويضعون التأويل مواضعه من غير إفراط ولا تفريط، أن ~~هذا مثل ضربه الله لنوره، ولا يمكن أن يضرب لنوره المعظم مثلا تنبيها لخلقه ~~إلا ببعض خلقه؛ لأن الخلق بقصورهم لا يفهمون إلا بأنفسهم ومن أنفسهم، ولولا ~~ذلك ما عرف الله إلا الله وحده، وأنور المصابيح في الدنيا مصباح يوقد من ~~دهن الزيتون، ولا سيما إذا كانت مفردة قد تباعد عنها الشجر فخلصت من الكل، ~~وأخذتها الشمس من كل جانب، فذلك أصفى لنورها، وأطيب لزيتها، وأنضر ~~لأغصانها، وذلك معنى بركة هذه الشجرة التي فهمها الناس حتى استعملوها في ~~أشعارهم، فقالوا: # بورك الميت الغريب كما ... بورك نضر الرمان والزيتون # وقد رأيت في المسجد الأقصى زيتونة كانت بين محراب زكريا وبين باب التوبة ~~والرحمة الذي يقولون: إنه المراد بقوله: باب باطنه فيه الرحمة يعني المسجد ~~الأقصى، وظاهره ms1225 من قبله العذاب بشرقيه دون السور، وادي جهنم، وفوقه أرض ~~المحشر التي تسمى بالساهرة، فكانوا يقولون: إنها الشجرة المذكورة في هذه ~~الآية. وربك أعلم. # ومن غريب الأثر أن بعض علمائنا الفقهاء قال: إن هذا مثل ضربه الله ~~لإبراهيم، ومحمد، ولعبد المطلب، وابنه عبد الله، فالمشكاة هي الكوة بلغة ~~الحبشة، فشبه عبد المطلب بالكوة فيها القنديل، وهو الزجاجة، وشبه عبد الله ~~بالقنديل وهو الزجاجة، ومحمد كالمصباح يعني من أصلابهما، وكأنه كوكب دري ~~وهو المشترى، يوقد من # PageV03P404 # شجرة مباركة يعني إرث النبوة، من إبراهيم، وهو الشجر المباركة، يعني ~~حنيفة لا شرقية ولا غربية، لا يهودية ولا نصرانية، يكاد زيتها يضيء، ولو لم ~~تمسسه نار. # يقول: يكاد إبراهيم يتكلم بالوحي من قبل أن يوحى إليه، نور على نور ~~إبراهيم ثم محمد. # قال الفقيه القاضي أبو بكر - رحمه الله -: وهذا كله عدول عن الظاهر، وليس ~~يمتنع في التمثيل أن يتوسع المرء فيه، ولكن على الطريقة التي شرعناها في ~~قانون التأويل لا على الاسترسال المطلق الذي يخرج الأمر عن بابه، ويحمل على ~~اللفظ ما لا يطيقه، فمن أراد الخبرة به والشفاء من دائه فلينظر هنالك. ### | [الآية العشرون قوله تعالى في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه] # الآية الموفية عشرين قوله تعالى: {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها ~~اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال} [النور: 36]. # فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى: اختلف في البيوت على ثلاثة أقوال: ~~الأول: أنها المساجد؛ وهو قول ابن عباس، وجماعة. # الثاني: أنها بيت المقدس؛ قاله الحسن. # الثالث: أنها سائر البيوت؛ قاله عكرمة. المسألة الثانية: قوله: (ترفع): ~~فيها ثلاثة أقوال: الأول: تبنى، كما قال: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من ~~البيت وإسماعيل} [البقرة: 127]. # قاله مجاهد. # PageV03P405 # الثاني: تطهر من الأنجاس والأقذار، كقوله تعالى: {وطهر بيتي} [الحج: 26]. # الثالث: أن تعظم؛ قاله الحسن. # فأما من قال: إن معناها تبنى فهو متمعن، وقد قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «من بنى لله مسجدا ولو مثل مفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة». # ومن ms1226 قال: إنها تطهر من الأقذار والأنجاس فذلك كقوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «إن المسجد لينزوي من النجاسة كما تنزوي الجلدة من النار». # وهذا في النجاسة الظاهرة، فما ظنك بغيرها؟ وأما من قال: إنها ترفع فالرفع ~~حسا كالبناء، وحكما كالتطهير والتنظيف، وكما تطهر عن ذلك فإنها مطهرة عن ~~اللغو والرفث، لقوله، وهي: # المسألة الثالثة: {ويذكر فيها اسمه} [النور: 36] وهذا يدل على أنها ~~المساجد كلها، ضرب الله المثل لنوره بالزيت الذي يتوقد منه المصباح في ~~البقعة المكرمة، وهي المساجد، تتميما لتشريف المثل بالمثل وجلاله من كل ~~جهة. وقد بينا في شرح الحديث من ذكر المساجد جملا عظيمة تربو على المأمول ~~فيه. ### | [الآية الحادية والعشرون قوله تعالى وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم] # إذا فريق منهم معرضون} [النور: 48]. # PageV03P406 # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: روى الطبري أن رجلا من المنافقين كان ~~يقال له بشر، كانت بينه وبين رجل من اليهود خصومة، وكان اليهودي يدعوه إلى ~~[التحاكم عند] النبي، وكان المنافق يدعوه إلى كعب بن الأشرف، وقال: إن ~~محمدا يحيف علينا، وكان المنافق إذا توجه عليه الحق دعا إلى غير النبي، ~~وإذا كان له الحق دعاه إليه ليستوفيه له؛ فنزلت الآية فيه. # المسألة الثانية: قد بينا أن إذا كان الحكم بين المعاهد والمسلم أن ~~القضاء يكون للمسلمين لا حق لأهل الذمة فيه، وإن كان بين ذميين فذلك ~~إليهما، فإذا جاء قاضي الإسلام فإن شاء حكم وإن شاء أعرض، حسبما تقدم بيانه ~~مستوفى، والحمد لله. ### | [مسألة إجابة الدعوى إلى الحاكم] # المسألة الثالثة: هذه الآية دليل على وجوب إجابة الدعوى إلى الحاكم؛ لأن ~~الله سبحانه ذم من دعي إلى رسول الله ليحكم بينه وبين خصمه فلم يجب بأقبح ~~المذمة، وقد بينا في أصول الفقه أن حد الواجب ما ذم تاركه شرعا. والله ~~أعلم. وقد روى أبو الأشعث، عن الحسن أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: «من دعي إلى حاكم من المسلمين فلم يجب فهو ظالم، ولا حق له». وهو حديث ~~باطل، ms1227 فأما قوله: فهو ظالم فكلام صحيح. وأما قوله: لا حق له فلا يصح. ~~ويحتمل أن يريد به أنه على غير الحق. # PageV03P407 ### | [الآية الثانية والعشرون قوله تعالى وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن] # قل لا تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون} [النور: 53]. فيها ~~ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: قوله: {جهد أيمانهم} [النور: 53] يعني غاية أيمانهم؛ وقد ~~تقدم بيانه. # المسألة الثانية: نزلت في قوم كانوا يتخلفون عن الجهاد ثم يعتذرون، فإذا ~~عوتبوا قالوا: لو أمرتنا يا رسول الله لخرجنا، ويحلفون على ذلك، فقال الله ~~لهم: لا تقسموا، ثم قال وهي: المسألة الثالثة: {طاعة معروفة} [النور: 53] ~~وفيها ثلاثة تأويلات: الأول: طاعة معروفة أمثل. # الثاني: طاعة معروفة بينكم فيها الكذب، أي هي طاعة الله معروفة قولا، ~~باطلة قطعا؛ لا يفعلونها إلا إذا أمرتهم ولو لم يؤمروا ما فعلوا. # الثالث: قال مجاهد: معنى قوله: طاعة معروفة أنكم تكذبون يعني ليست لكم ~~طاعة. وقد قرئت " طاعة " بالنصب على المصدر، ويكون قول طاعة منصوبة ابتداء ~~كلام، ويرجع المعنى فيه إلى قول مجاهد، إلا أن الإعراب يختلف، والمعنى ~~واحد. ### | [الآية الثالثة والعشرون وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض] # الآية الثالثة والعشرون قوله تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا ~~الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم ~~الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ~~ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون} [النور: 55]. # PageV03P408 # فيها خمس مسائل: المسألة الأولى: في سبب نزولها: روي أن بعض أصحاب النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - شكا إليه ما هم فيه من العدو، وتضييقه عليهم، وشدة ~~الخوف، وما يلقون من الأذى، فنزلت هذه الآية بالوعد الجميل لهم، فأنجزه ~~الله، وملكهم ما وعدهم، وأظهرهم على عدوهم. # وروى أبو العالية قال: «مكث النبي عشر سنين خائفا يدعو الله سرا وجهرا، ~~ثم أمر بالهجرة إلى المدينة، فمكث بها وأصحابه خائفين يصبحون في السلاح ~~ويمسون، فقال رجل: ما يأتي علينا يوم نأمن فيه، ms1228 ونضع عنا السلاح، فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - كلمة معناها لا تعبرون إلا يسيرا حتى يجلس ~~الرجل منكم من الملأ العظيم محتبيا ليس بيده حديدة»، وأنزل الله هذه الآية. ~~المسألة الثانية: قال مالك: نزلت هذه الآية في أبي بكر وعمر: {وعد الله ~~الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات} [النور: 55] إلى آخرها. # وقال علماؤنا: هذه الآية وعد حق وقول صدق، يدل ذلك على صحة إمامة الخلفاء ~~الأربعة؛ لأنه لم يتقدمهم أحد في الفضيلة إلى يومنا هذا، فأولئك مقطوع ~~بإمامتهم، متفق عليهم. وصدق وعد الله فيهم، وكانوا على الدين الذي ارتضى ~~لهم؛ واستقر الأمر لهم، وقاموا بسياسة المسلمين، وذبوا عن حوزة الدين، فنفذ ~~الوعد فيهم، وصدق الكلام فيهم، وإذا لم يكن هذا الوعد بهم ينجز، وفيهم نفذ، ~~وعليهم ورد ففيمن يكون إذن؟ وليس بعدهم مثلهم إلى يومنا هذا، ولا يكون فيما ~~بعده. قام أبو بكر بدعوة الحق، واتفاق الخلق، وواضح الحجة، وبرهان الدين، ~~وأدلة اليقين، فبايعه # PageV03P409 # الصحابة، ثم استخلف عمر فلزمت الخلافة، ووجبت النيابة، وتعين السمع ~~والطاعة، ثم جعلها عمر شورى، فصارت لعثمان بالنظر الصحيح، والتبجيل الصريح، ~~والمساق الفسيح؛ جعل الثلاثة أمرهم إلى ثلاثة، ثم أخرج عبد الرحمن نفسه ~~بشرط أن يكون إلى من اختاره من الرجلين، فاختار عثمان، وما عدل عن الخيار، ~~وقدمه وحقه التقديم على علي. # ثم قتل عثمان مظلوما في نفسه، مظلوما جميع الخلق فيه، فلم يبق إلا علي ~~أخذا بالأفضل فالأفضل، وانتقالا من الأول إلى الأول، فلا إشكال لمن جنف عن ~~المحال أن التنزيل على هؤلاء الأربعة وعد الله في هذه الآية. # ثم كملت لحال أبي بكر فاتحة وخاتمة. # ثم كملت لعمر، وكسر الباب، فاختلط الخشار باللباب، وانجرت الحال مع عثمان ~~واضحة للعقلاء، معترضا عليها من الحمقى، ثم نفذ القدر بقتله إيثارا للخلق ~~منه على نفسه وأهله، ثم قام علي أحسن قيام لو ساعده النقض والإبرام، ولكنه ~~وجد الأمور نشرا، وما رام رتق خصم إلا انفتق عليه خصم، ولا حاول طي منتشر ~~إلا عارضه عليه أشر، ونسبت إليه ms1229 أمور هو منها بريء براءة الشمس من الدنس، ~~والماء من القبس، وطالبه الأجل حتى غلبه، فانقطعت الخلافة، وصارت الدنيا ~~ملكا تارة لمن غلب، وأخرى لمن خلب، حتى انتهى الوعد الصادق ابتداؤه ~~وانتهاؤه. # أما الابتداء فهذه الآية، وأما الانتهاء فبحديث سفينة قال سعيد بن حمدان ~~عن سفينة قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «خلافة النبوة ثلاثون سنة، ~~ثم يؤتي الله الملك من يشاء». قال سعيد: قال لي سفينة: أمسك عليك، أبو بكر ~~سنتين، وعمر عشرا، وعثمان اثنتي عشرة، وعلي كذا. قال سعيد: قلت لسفينة: إن ~~هؤلاء يزعمون أن عليا لم يكن خليفة. قال: كذبت # PageV03P410 # استاءه بنو الزرقاء يعني بني مروان زاد في رواية: اعدد؛ أبو بكر كذا، ~~وعمر كذا، وعثمان كذا، وعلي كذا، والحسن ستة أشهر، فهؤلاء ثلاثون سنة. # وقد روى الترمذي وغيره «أن رجلا قام إلى الحسن بن علي بعدما بايع معاوية، ~~فقال له: يا مسود وجوه المؤمنين. فقال: لا بأس، رحمك الله، فإن النبي أري ~~بني أمية على منبره فساءه ذلك، فنزلت: {إنا أعطيناك الكوثر} [الكوثر: 1]. ~~ونزلت: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} [القدر: 1] {وما أدراك ما ليلة القدر} ~~[القدر: 2] {ليلة القدر خير من ألف شهر} [القدر: 3].» # يملكها بعدك بنو أمية يا محمد. # قال القاسم راوي الحديث: فعددناها فإذا هي ألف شهر، لا تزيد ولا تنقص. # وفي الحديث الصحيح «أن النبي أجلس الحسن في حجره على المنبر، وقال: إن ~~ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين». ~~المسألة الثالثة: # فإن قيل: هذا الوعد يصح لكم في أبي بكر وحده، فأما عمر فأي أمن معه، وقد ~~قتل غيلة. وعثمان قد قتل غلبة، وعلي قد نوزع بالجنبة والجلبة. # قلنا: هذا كلام جاهل غبي أو متهاون، يكن على نفاق خفي، أما عمر وعثمان ~~فجاءهما أجلهما، وماتا ميتتهما التي كتب الله لهما، وليس في ضمن الأمن ~~السلامة من الموت بأي وجه وقع. # وأما علي فلم يكن نزاله في الحرب مذهبا للأمن، فليس من شرط الأمن رفع ~~الحرب، إنما ms1230 من شرطه ملك الإنسان لنفسه باختياره، وسلامته عن الغلبة ~~المشحونة بالذلة، كما كان أصحاب النبي بمكة، فأما بعدما صاروا إلى المدينة ~~فقد آلوا إلى الأمن والعزة. # في الصحيح عن «خباب بن الأرت قال شكونا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وهو متوسد بردة له # PageV03P411 # في ظل الكعبة، فقلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ قال: كان ~~الرجل فيمن كان قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه فيجاء بالمنشار، فيوضع ~~على رأسه، فيشق باثنين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشطه بأمشاط الحديد ما دون ~~لحم من عظم وعصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير ~~الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه. ولكنكم ~~تستعجلون». # وحقيقة الحال أنهم كانوا مقهورين فصاروا قاهرين، وكانوا مطلوبين فعادوا ~~طالبين، وهذا نهاية الأمن والعز. المسألة الرابعة: # قال قوم: إن هذا وعد لجميع الأمة في ملك الأرض كلها تحت كلمة الإسلام، ~~كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «زويت لي الأرض، فأريت مشارقها ومغاربها، ~~وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها». # قلنا لهم: هذا وعد عام في النبوة والخلافة، وإقامة الدعوة، وعموم ~~الشريعة، بنفاذ الوعد في كل أحد بقدره وعلى حال، حتى في المفتين والقضاة ~~والأئمة؛ وليس للخلاف محل تنفذ فيه هذه الموعدة الكريمة إلا من تقدم من ~~الخلفاء الأربعة. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ليستخلفنهم في الأرض] # المسألة الخامسة: قوله: {ليستخلفنهم في الأرض} [النور: 55] # فيه قولان: أحدهما: أنها أرض مكة، وعدت الصحابة أن يستخلفوا فيها الكفار. # الثاني: أنها بلاد العرب والعجم. # وهو الصحيح؛ لأن أرض مكة محرمة على المهاجرين. قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «لكن البائس سعد بن خولة» يرثي له رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أن مات بمكة. # PageV03P412 # وقال في الصحيح أيضا: «يمكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا». من رواية ~~العلاء بن الحضرمي. ### | [الآية الرابعة والعشرون قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم] # والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات ms1231 من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ~~ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم ~~جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله ~~عليم حكيم} [النور: 58]. # فيها اثنتا عشرة مسألة: المسألة الأولى: هذه آية خاصة، والتي قبلها عامة؛ ~~لأنه قال فعم: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى ~~تستأنسوا وتسلموا على أهلها} [النور: 27]، ثم خص هاهنا فقال: {ليستأذنكم ~~الذين ملكت أيمانكم} [النور: 58] فخص في هذه الآية بعض المستأذنين، وهم ~~الذين ملكت أيمانكم من مسألة جميع المسلمين في الآية قبلها، وكذلك أيضا ~~تناول القول في الآية الأولى جميع الأوقات عموما، وخص في هذه الآية بعض ~~الأوقات، وهي المفسرة على ما يأتي ذكره إن شاء الله. المسألة الثانية: في ~~قوله: {ملكت أيمانكم} [النور: 58] # ثلاثة أقوال: الأول: أنهم الذكران والإناث. # الثاني: أنه العبد دون الأمة؛ قاله ابن عباس، وابن عمر. # الثالث: أنهن الإناث؛ قاله أبو عبد الرحمن السلمي. # PageV03P413 ### | [مسألة آية يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم هل هي محكمة أم منسوخة] # المسألة الثالثة: هل الآية محكمة أو منسوخة؟ فقال ابن عمر: هي محكمة يعني ~~في الرجال خاصة. # وقال ابن عباس: قد ذهب حكمها؛ روى عكرمة أن نفرا من أهل العراق سألوا ابن ~~عباس، فقالوا: يا ابن عباس، كيف ترى في هذه الآية التي أمرنا فيها بما ~~أمرنا، فلا يعمل بها أحد؛ قول الله: {يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ~~ملكت أيمانكم} [النور: 58] وقرءوها إلى قوله تعالى: {على بعض} [النور: 58]؟ ~~فقال ابن عباس: إن الله رفيق بجميع المؤمنين يحب الستر. وكان الناس ليس ~~لبيوتهم ستور ولا حجال، فربما دخل الخادم أو ولده أو يتيمة الرجل، والرجل ~~على أهله؛ فأمر الله بالاستئذان في تلك العورات، فجاءهم الله بالستور، ~~والخير، فلم أر أحدا يعمل بذلك. # وهذا ضعيف جدا بما بيناه في غير موضع من أن شروط النسخ لم تجتمع فيه من ~~المعارضة، ومن التقدم والتأخر، فكيف يصح لناظر أن يحكم به؟ ms1232 ### | [مسألة الحجبة واقعة من الخلق شرعا ولذلك وجب الاستئذان] # المسألة الرابعة: في التنقيح: اعلموا وفقكم الله أن الحجبة واقعة من ~~الخلق شرعا، ولذلك وجب الاستئذان حتى يخلص به المحجور من المطلق، والمحظور ~~من المباح، وقد قال الله تعالى: {لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا ~~وتسلموا على أهلها} [النور: 27]. ثم قال: {أو ما ملكت أيمانكم} [النساء: 3] ~~على ما شرحناه، فاستثنى ما ملكت اليمين من المحجور، ثم استثنى في ملك ~~اليمين هذه الأوقات الثلاثة؛ فالعبد إذا كان وغدا، أو ذا منظرة، وكان حكمه ~~في الحجبة على صفة فإن هذه الأوقات الثلاثة لا يدخل فيها عبد كيفما كان ولا ~~أمة إلا بعد الاستئذان. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ثلاث مرات] # المسألة الخامسة: قوله: {ثلاث مرات} [النور: 58]: # فذكر قبل صلاة الفجر، وعند الظهيرة، وهي القائلة، ومن بعد صلاة العشاء، ~~وهي أوقات الخلوة التي يكون فيه التصرف بخلاف الليل كله، فإنه وقت خلوة، ~~ولكن # PageV03P414 # لا تصرف فيه؛ لأن كل أحد مستغرق بنومه، وهذه الأوقات الثلاثة أوقات خلوة ~~وتصرف، فنهوا عن الدخول بغير إذن لئلا يصادفوا منظرة مكروهة. # وفي الصحيح: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي كذا وركعتين قبل ~~صلاة الصبح وكانت ساعة لا يدخل على النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها من ~~حديث ابن عمر. وفي رواية عنه: لا أدخل». # وعن عائشة: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ينام أول الليل، ويقوم ~~آخره، ثم يرجع إلى فراشه حتى يأتيه المؤذن، فإن كانت به حاجة اغتسل، وإلا ~~توضأ وخرج» رواه البخاري وغيره. وفي الآثار التفسيرية «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أرسل إلى عمر غلاما من الأنصار يقال له مدلج في الظهيرة، فدخل ~~على عمر بغير إذن، فأيقظه بسرعة، فانكشف شيء من جسده؛ فنظر إليه الغلام؛ ~~فحزن لها عمر فقال: وددت أن الله بفضله نهى عن الدخول علينا في هذه الساعات ~~إلا بإذننا. ثم انطلق إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجد هذه الآية ~~قد أنزلت عليه، فحمد الله». ### | [مسألة معنى قوله تعالى صلاة ms1233 العشاء] # المسألة السادسة: يريد بقوله: {صلاة العشاء} [النور: 58] التي يدعوها ~~الناس العتمة: وفي الصحيح من رواية عبد الله بن المغفل المزني أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب». ~~قال: والأعراب تقول العشاء، وتسمى أيضا العشاء العتمة، ففي الحديث الصحيح: ~~«لو يعلمون ما في العتمة والفجر لأتوهما ولو حبوا». # PageV03P415 # وفي البخاري أيضا عن أبي برزة: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يؤخر ~~العشاء». وقال أنس: «أخر النبي - صلى الله عليه وسلم - العشاء الآخرة». # وفي حديث عائشة: «أعتم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعتمة». # وقول أنس في البخاري: " العشاء الآخرة يدل على العشاء الأولى ". # وفي الحديث: «لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء يدعونها العتمة»؛ ~~لأنهم يعتمون بحلاب الإبل. # وهذه أخبار متعارضة لا يعلم منها الأول من الآخر بالتاريخ، لكن كل حديث ~~بذاته يبين وقته، وذلك أن النهي من النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تسمية ~~صلاة المغرب عشاء، وعن تسمية صلاة العشاء عتمة ثابت؛ فلا مرد له من أقوال ~~الصحابة فضلا عمن عداهم. # وقد كان ابن عمر يقول: من قال صلاة العتمة فقد أثم. وقال ابن القاسم: قال ~~مالك: {ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم} [النور: 58] فالله سماها صلاة ~~العشاء، فأحب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تسمى بما سماها به الله، ~~ويعلمها الإنسان أهله وولده، ولا يقل عتمة إلا عند خطاب من لا يفهم، وقد ~~قال حسان: # وكان لا يزال بها أنيس ... خلال مروجها نعم وشاء # فدع هذا ولكن من لطيف ... يؤرقني إذا ذهب العشاء ### | [مسألة معنى قوله تعالى ثلاث عورات] # المسألة السابعة: قوله: {ثلاث عورات} [النور: 58]: العورة كل شيء لا مانع ~~دونه. ومنه قوله تعالى: {إن بيوتنا عورة} [الأحزاب: 13] أي سهلة المدخل، لا ~~مانع دونها، فبين العلة الموجبة للإذن، وهي الخلوة في حال العورة، فتعين ~~امتثاله، وتعذر نسخه، ثم رفع الجناح بعدهن في ذلك، وهو الميل بالعتاب أو ~~العقاب على الفاعل، وهي: # PageV03P416 # المسألة الثامنة: ثم بين العلة الأصلية والحالة الأهلية، وهي: ms1234 # المسألة التاسعة: قوله: {طوافون عليكم} [النور: 58]: أي مترددون عليكم في ~~الخدمة، وما لا غنى بكم عنه منهم؛ فسقط الحرج عن ذلك، وزال المانع، «كما ~~قال - صلى الله عليه وسلم - في الهرة حين أصغى لها الإناء: إنها من ~~الطوافين عليكم أو الطوافات». وذلك مسقط لحكم سؤرها في مباشرتها النجاسة ~~وحملها أبدا على الطهارة، إلا أن يرى في فمها أذى. # المسألة العاشرة: وقوله: {بعضكم على بعض} [النور: 58] يريد بعضكم من بعض ~~في المخالطة والملابسة؛ فلذلك سقط الاستئذان لهم عليكم، ولكم عليهم، كما ~~ارتفع الجناح بينكم وبينهم، منهم لكم، ومنكم لهم. # المسألة الحادية عشرة: قوله: {كذلك يبين الله لكم الآيات} [النور: 58] ~~المعنى يبين الله الآيات الداله على المعجزة والتوحيد، كما يبين الآيات ~~الدالة على الأحكام؛ وقد بينا في كتب الأصول ما يدل الشرع عليه، وما يدل ~~العقل عليه، وما يشترك فيه دليل العقل والشرع بأوضح بيان. والله أعلم. ### | [مسألة يجلس الرجل مع أهله وفخذه منكشفة] # المسألة الثانية عشرة: # لا بأس أن يجلس الرجل مع أهله وفخذه منكشفة وحديث جرهد «وكان من أصحاب ~~الصفة أنه قال: جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عندنا وفخذي منكشفة، ~~فقال: خمر عليك، أما علمت أن الفخذ عورة، وقد غطاها رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عند دخول عثمان؛ لأنها كانت منكشفة من جهته التي جلس منها». # PageV03P417 # ومن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «إذا زوج أحدكم عبده أو أجيره فلا ~~ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة فإنه عورة». وقال الأوزاعي: إنما أمر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - جرهدا لأنه كان في المسجد مريضا، وليس الفخذ ~~عورة. ### | [الآية الخامسة والعشرون قوله تعالى وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا] # كما استأذن الذين من قبلهم كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم} ~~[النور: 59]. فيها مسألة واحدة: هذه الآية مبينة قوله: {أو الطفل الذين لم ~~يظهروا على عورات النساء} [النور: 31]، فكان الطفل مستثنى من عموم الحجبة ~~في الآية الأولى إذا لم يظهر على العورة؛ ثم بين الله ms1235 أن الطفل إذا ظهر على ~~العورة، وهو بالبلوغ، يستأذن، وقد كان قوله: {أو الطفل الذين لم يظهروا على ~~عورات النساء} [النور: 31] كافيا لأن المستثنى طفل بصفته المختصة به، ويبقى ~~غيره على الحجر، فكانت هذه الآية زيادة بيان؛ لإبانة الله في أحكامه وإيضاح ~~حلاله وحرامه. ### | [الآية السادسة والعشرون قوله تعالى والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا] # فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن ~~والله سميع عليم} [النور: 60]. # فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: قوله: {والقواعد من النساء} [النور: 60]: جمع قاعد بغير ~~هاء فرقا بينها وبين القاعدة من الجلوس في قول بعضهم. وهن # PageV03P418 # اللواتي قعدن عن الحيض وعن الولد، فليس فيهن رغبة لكل أحد، ولا يتعلق بهن ~~القلب في نكاح، ويجوز النظر إليهن بخلاف الشباب منهن. المسألة الثانية: ~~قوله: {فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن} [النور: 60] فيه قولان: # أحدهما: جلبابهن؛ وهو قول ابن مسعود يعني به الرداء أو المقنعة التي فوق ~~الخمار تضعه عنها إذا سترها ما بعده من الثياب. # والثاني: تضع خمارها، وذلك في بيتها، ومن وراء سترها من ثوب أو جدار، ~~وذلك قوله: غير متبرجات بزينة يعني وهي: المسألة الثالثة: غير مظهرات لما ~~يتطلع إليه منهن، ولا متعرضات بالتزيين للنظر إليهن، وإن كن ليس بمحل ذلك ~~منهن، وإنما خص القواعد بذلك دون غيرهن لانصراف النفوس عنهن، ولأن يستعففن ~~بالتستر الكامل خير من فعل المباح لهن من وضع الثياب. والله أعلم. ### | [مسألة من التبرج أن تلبس المرأة ثوبا رقيقا يصفها] # المسألة الرابعة: # من التبرج أن تلبس المرأة ثوبا رقيقا يصفها، وهو المراد بقوله - صلى الله ~~عليه وسلم - في الحديث الصحيح: «رب نساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، لا ~~يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها». وإنما جعلهن كاسيات؛ لأن الثياب عليهن، ~~وإنما وصفهن بعاريات لأن الثوب إذا رق يكشفهن؛ وذلك حرام. ### | [الآية السابعة والعشرون قوله تعالى ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج] # ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم ms1236 ~~أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت ~~عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس ~~عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم ~~تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون} ~~[النور: 61]. # PageV03P419 # فيها أربع عشرة مسألة: المسألة الأولى: في سبب نزولها: وفي ذلك ثمانية ~~أقوال: الأول: أن الأنصار كانوا يتحرجون إذا دعوا إلى طعام أن يأكلوا مع ~~هؤلاء من طعام واحد، ويقولون: الأعمى لا يبصر طيب الطعام، والأعرج لا ~~يستطيع الزحام عند الطعام، والمريض يضعف عن مشاركة الصحيح في الطعام، ~~وكانوا يعزلون طعامهم مفردا، ويرون أنه أفضل؛ فأنزل الله الآية، ورفع الحرج ~~عنهم في مؤاكلتهم؛ وهذا قول ابن عباس. # الثاني: أن أهل الزمانة هؤلاء ليس عليهم حرج أن يأكلوا من بيوت من سمى ~~الله بعد هذا من أهاليهم؛ قاله مجاهد. # الثالث: رواه مالك عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن الآية نزلت في أناس ~~كانوا إذا خرجوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعنون في الجهاد ~~وضعوا مفاتيح بيوتهم عند أهل العلة ممن يتخلف عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: عند الأعمى، والأعرج، والمريض، وعند أقاربهم، وكانوا يأمرونهم أن ~~يأكلوا من بيوتهم إذا احتاجوا إلى ذلك، فكانوا يتقونه ويقولون: نخشى ألا ~~تكون نفوسهم بذلك طيبة، فأنزل الله هذه الآية يحله لهم. # الرابع: أن علي بن أبي طلحة روى عن ابن عباس لما أنزل الله: {يا أيها ~~الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم} [النساء: 29]. فقال المسلمون: إن ~~الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام هو من أفضل الأموال، ~~فلا يحل لأحد منا أن # PageV03P420 # يأكل عند أحد، فكف الناس عن ذلك؛ فأنزل الله هذه الآية إلى قوله {أو ما ~~ملكتم مفاتحه} [النور: 61] وهو الرجل يوكل الرجل بضيعته. # الخامس: من دعي إلى وليمة من هؤلاء الزمنى فلا حرج عليه أن يدخل معه ~~قائده. # السادس: أنها نزلت ms1237 حين كانت البيوت لا أبواب لها والستور مرخاة، والبيت ~~يدخل، فربما لم يوجد فيه أحد، والبيوت اليوم فيها أهلها، فإذا خرجوا ~~أغلقوها. # السابع: أنها نزلت في جواز مبايعة الزمنى، ومعاملتهم؛ قالته عائشة. # الثامن: قال الحسن: قوله تعالى: {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ~~ولا على المريض حرج} [النور: 61]: نفي لوجوب الجهاد عليهم. وقوله تعالى بعد ~~ذلك: {ولا على أنفسكم} [النور: 61] كلام مستأنف خوطب به جميع الناس. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ولا على أنفسكم] # المسألة الثانية: قوله تعالى: {ولا على أنفسكم} [النور: 61] # يعني ولا عليكم أيها الناس، ولكن لما اجتمع مخاطب وغير مخاطب غلب المخاطب ~~لينتظم الكلام. وكان المعنى يراد به جميع من ذكر: من الأعمى، والأعرج، ~~والمريض، وأصحاب البيوت. المسألة الثالثة: قوله تعالى: {من بيوتكم} [النور: ~~61] # فيه ثلاثة أقاويل: الأول: يعني من أموال عيالكم وأزواجكم؛ لأنهم في بيته. # الثاني: من بيوت أولادكم، ونسبت أولادهم إليهم لما جاء في الأثر: «أنت ~~ومالك لأبيك». ولذلك لم يذكر الله بيوت الأبناء حين ذكر بيوت الآباء ~~والأقارب، لدخولهم فيما تقدم من ذكر الأنفس، كما قررناه. # الثالث: أن المراد به البيوت التي أهلوها وساكنوها خدمة لأصحابها. # PageV03P421 # المسألة الرابعة: قوله تعالى {أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت ~~إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم ~~أو بيوت خالاتكم} [النور: 61] # فأباح الأكل لهؤلاء من جهة النسب من غير استئذان في الأكل إذا كان الطعام ~~مبذولا. فإن كان محرزا دونهم لم يكن لهم أخذه، ولا يجوز أن يجاوزوا إلى ~~الادخار، ولا إلى ما ليس بمأكول، وإن كان غير محرز عنهم إلا بإذن منهم، وهي ~~المسألة الخامسة. # المسألة السادسة: قوله تعالى: {أو ما ملكتم مفاتحه} [النور: 61]: # فيه ثلاثة أقوال: # أحدها: أنه عنى به وكيل الرجل على ضيعته، وخازنه على ماله؛ فيجوز له أن ~~يأكل مما هو قيم عليه؛ قاله ابن عباس. # الثاني: أنه أراد به منزل الرجل نفسه، يأكل مما ادخره فيه، وهذا قول ~~قتادة. # الثالث: أنه عنى به أكل ms1238 السيد من منزل عبده وماله؛ لأن مال العبد لسيده؛ ~~حكاه ابن عيسى. # المسألة السابعة: قوله تعالى: {أو صديقكم} [النور: 61]: # فيه قولان: أحدهما: أن يأكل من بيت صديقه في وليمة أو غيرها إذا كان ~~الطعام حاضرا غير محرز؛ قاله ابن عباس. والأصدقاء أكثر من الآباء؛ ألا ترى ~~أن الجهنميين لم يستغيثوا بالآباء والأمهات، وإنما قالوا: {فما لنا من ~~شافعين - ولا صديق حميم} [الشعراء: 100 - 101]. # المسألة الثامنة: في تنقيح معاني الآية المذكورة في المسائل السبعة: وذلك ~~يكون بنظم التأويل في الأقوال على سرد، فيتبين المعنى المستقيم من غيره. # PageV03P422 # أما إن قلنا بقول الحسن من أن نفي الحرج عن الثلاثة الأصناف الزمنى مقطوع ~~عما قبله، وأن قوله تعالى: {ولا على أنفسكم} [النور: 61] كلام مستأنف. # وأما قول من قال في الأول: إن الأنصار تحرجوا أن يأكلوا معهم، فلو كان ~~هذا صحيحا لكان المعنى: ليس على من أكل مع هؤلاء حرج، فأما أن يتحرج غيرهم ~~منهم، وينفي الحرج عنهم فهو قلب للقول من غير ضرورة قل ولا رواية صحيحة في ~~نقل. # وأما القول الثاني فإنه كلام ينتظم؛ لأن نفي الحرج عن أصحاب الزمانة وعمن ~~سواهم أن يأكلوا من بيوت من سمى الله فهو كلام منتظم، ولكن بقي وجه الفائدة ~~في تخصيص أهل الزمانة بالذكر، مع أن عموم قوله: {ليس عليكم جناح أن تأكلوا} ~~[النور: 61] يكفي في تخصيصهم، فيحتمل أن يكون وجهه أنه بدأ بهم؛ لأنهم رأوا ~~أنهم بضرارتهم أحق من الأصحاء بالمواساة والمشاركة. # وأما رواية مالك عن ابن المسيب فهو أيضا كلام منتظم، لأجل تخلفهم عنهم في ~~الجهاد، وبقاء أموالهم بأيديهم، لكن قوله: {أو ما ملكتم مفاتحه} [النور: ~~61] قد اقتضاه وأفاده، فأي معنى لتكراره، فكأن هذا القول بعيد جدا. # وأما القول بأنه بيان لقوله: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} [النساء: ~~29] فينتظم معنى، لكن ذكر الزمانة غير مختص به ولا منتظم معه. # وأما القول الخامس في أكل الأصحاء مع الزمنى فذلك مدخول بما دخل به القول ~~الأول، من أن نظام الكلام في نفي الحرج عن الناس ms1239 في الزمنى عن الزمنى فيهم. # وأما السادس فحسن جدا، وكذلك السابع مثله لو عضدته صحة النقل. # المسألة التاسعة: في المختار: وذلك أن يقال: إن الله رفع الحرج عن الأعمى ~~فيما يتعلق بالتكليف الذي يشترط فيه البصر، وعن الأعرج فيما يشترط في ~~التكليف به المشي، وما يتعذر من الأفعال مع وجود الحرج، وعن المريض فيما ~~يتعلق بالتكليف الذي يؤثر المرض في إسقاطه كالصوم، وشروط الصلاة، وأركانها، ~~والجهاد، ونحو ذلك. # PageV03P423 # ثم قال تعالى بعد ذلك مبينا: وليس عليكم حرج في أن تأكلوا من بيوتكم فهذا ~~معنى صحيح، وتفسير مفيد، لا يفتقر في تفسير الآية إلى نقل، ويعضده الشرع ~~والعقل؛ فأما الأكل من مال الأزواج فذلك جائز للزوجة فيما ليس بمحجوب عنها، ~~ولا محرز منها. # قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أنفقت المرأة من مال زوجها غير ~~مفسدة كان لها أجرها بما أنفقت، وللزوج مثل ذلك». # وأما ما كان محرزا عنها فلا سبيل لها إليه، وكذلك الزوج يأكل من مال زوجه ~~غير مفسد، لكن الزوجة أبسط، لما لها من حق النفقة، ولما يلزمها من خدمة ~~المنفعة. # وأما بيت الابن فقد تقدم أنه كبيت المرء نفسه، لكن كما بيناه فيما كان ~~غير محرز، فلا يتبسط الأب على الابن في هتك حرز وأخذ مال؛ وإنما يأكله ~~مسترسلا فيما لم يقع فيه حيازة، ولكن بالمعروف دون فساد ولا استغنام # وأما بيت الأب للابن فمثله، ولكن تبسط الابن أقل من تبسط الأب، كما كان ~~تبسط الزوج أقل من تبسط الزوجة. # وأما بيوت سائر القرابة الذين ذكروا في الآية فلا يلحق بذلك ولا سبيل ~~إليه. وأما بيت ملكتم مفاتحه فهو الوكيل قال النبي: «الخازن الأمين الذي ~~يعطي ما أمر كاملا موفرا طيبة به نفسه أحد المتصدقين». ولا بد للخازن من أن ~~يأكل مما يخزن إجماعا، وهذا إذا لم تكن له أجرة، فإن استأجره على الخزن حرم ~~الأكل. # وأما مال العبد فيدخل في قوله: (بيوتكم) لأن العبد وماله ملك للسيد. # وأما من قال: إنه منزل الرجل نفسه فخطأ ms1240 محض؛ لأن ذلك قد أفاده قوله: ~~(بيوتكم)، كما بينا أن بيت الابن يدخل فيه؛ فبيت العبد أولى وأحرى بإجماع. # PageV03P424 # وأما بيت الصديق، فإنه إذا استحكمت الأخوة جرى التبسط عادة، وفي المثل: ~~أيهم أحب إليك أخوك أم صديقك؟ قال: أخي إذا كان صديقي. # قال لنا الإمام العادل أبو الفضل بن طوق قال لنا جمال الإسلام أبو القاسم ~~القشيري إمام الصوفية في وقته: عزيز من يصدق في الصداقة، فيكون في الباطن ~~كما هو في الظاهر، ولا يكون في الوجه كالمرآة ومن ورائك كالمقراض، وفي ~~معناه ما قلت: # من لي بمن يثق الفؤاد بوده ... وإذا ترحل لم يزغ عن عهده # يا بؤس نفسي من أخ لي باذل ... حسن الوفاء بقربه لا بعده # يولي الصفاء بنطقه لا خلقه ... ويدس صابا في حلاوة شهده # فلسانه يبدي جواهر عقده ... وجنانه تغلي مراجل حقده # لاهم إني لا أطيق فراسة ... بك أستعيذ من الحسود وكيده ### | [مسألة معنى قوله تعالى ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا] # المسألة العاشرة: في تمام المعنى في الآية من قوله تعالى: {ليس عليكم ~~جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا} [النور: 61] فيه أربعة أقوال: الأول: أنها ~~نزلت في بني كنانة؛ كان الرجل منهم يحرم على نفسه أن يأكل وحده، حتى إن ~~الرجل ليقيم على الجوع حتى يجد من يؤاكله، وكانت هذه السيرة موروثة [عندهم] ~~عن إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - فإنه كان لا يأكل إلا مع غيره. # الثاني: أنها نزلت في قوم من العرب كانوا إذا نزل بهم ضيف تحرجوا عن أن ~~يأكل وحده حتى يأكلوا معه. # الثالث: أنها نزلت في قوم كانوا يتحرجون أن يأكلوا جميعا، ويقول الرجل: ~~آكل وحدي. # PageV03P425 # الرابع: أنها نزلت في المسافرين يخلطون أزودتهم، فلا يأكل حتى يأتي ~~الآخر، فأبيح ذلك لهم. # وهذا القول تضمن جميع ذلك، فيجوز للرجل أن يأكل مع الآخر، وللجماعة، وإن ~~كان أكلهم لا ينضبط، فقد يأكل الرجل قليلا والآخر كثيرا، وقد يأكل البصير ~~أكثر مما يأكل الأعمى، فنفى الله الحرج عن ذلك كله، وأباح ms1241 للجميع الاشتراك ~~في الأكل على المعهود، ما لم يكن قصدا إلى الزيادة، على ما روى ابن عمر أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - «نهى عن القران في التمر إلا أن يستأذن الرجل ~~أخاه». # وهذا هو النهد الذي يجتمع عليه القوم، وسواء كان مشترى منهم، أو كان ~~بخلطهم له فيما بينهم، فإن كان طعام ضيافة أو وليمة فلا يلزم ذلك فيه؛ لأن ~~كل واحد منهم يأكل من مال غيره؛ لا سيما ونحن نقول: إن طعام الضيافة ~~والوليمة يأكله الحاضرون على ملك صاحبه على أحد القولين، وهو الصحيح، حسبما ~~بيناه في أصول الفقه؛ ولذلك لم تجز التغدية والتعشية عندنا في طعام الكفارة ~~على ما بيناه في موضعه. # وقد روى البخاري في النهد حديث أبي عبيدة في جمع الأزواد، وكان يغديهم كل ~~يوم تمرة تمرة. وحديث عمر في نحر الإبل ومنعه من ذلك، وجمع النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أزواد الجيش، وبرك عليها، ثم احتثى كل أحد في مزوده ~~ووعائه من غير تسوية، حتى فرغوا، واشتقاقه من الخروج، يقال: نهد ثدي ~~المرأة، ونهد القوم لغزوهم، ونهد الجماعة: إذا أخرجوا طعاما أو مالا، ثم ~~جمعوه، وأكلوا أو أنفقوا منه. ### | [مسألة معنى قوله تعالى فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم] # المسألة الحادية عشرة: قوله: {فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم} ~~[النور: 61] في البيوت قولان: # أحدهما: أنها البيوت كلها. # والثاني: أنها المساجد. # والصحيح هو الأول، لعموم القول، ولا دليل على التخصيص. # PageV03P426 ### | [مسألة معنى قوله تعالى فسلموا على أنفسكم] # فأما قوله: {فسلموا على أنفسكم} [النور: 61] وهي: المسألة الثانية عشرة: ~~فيها أربعة أقوال: الأول: سلموا على أهاليكم في بيوتكم؛ قاله قتادة. # الثاني: إذا دخلتم بيوت غيركم فسلموا عليهم؛ قاله الحسن. # [الثالث: إذا دخلتم المساجد فسلموا على ما فيها من ضيفكم]. # الرابع: إذا دخلتم بيوتا فارغة فسلموا على أنفسكم، قولوا: السلام علينا ~~وعلى عباد الله الصالحين؛ قاله ابن عمر. المسألة الثالثة عشرة: في المختار ~~من هذه الأقوال: # وبيانه أن الله سبحانه قال في الآية الأولى: {لا تدخلوا بيوتا غير ms1242 بيوتكم ~~حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها} [النور: 27] فنص على بيوت الغير، ثم قال ~~في # هذه الآية الثانية: {فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم} [النور: 61] أي ~~ليسلم بعضكم على بعض، وأطلق القول؛ لأنه قد بين الحكم في بيوت الغير، ليدخل ~~تحت هذا العموم كل بيت، كان للغير أو لنفسه، وقال: {على أنفسكم} [النور: ~~61] ليتناول اللفظ سلام المرء على عينه، وليأخذ المعنى سلام الناس بعضهم ~~على بعض، فإذا دخل بيتا لغيره استأذن كما تقدم، وإن دخل بيتا لنفسه سلم، ~~كما ورد في الحديث يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين؛ قاله ابن ~~عمر. # وهذا إذا كان فارغا، فأما إذا كان فيه أهله وعياله وخدمه فليقل: " السلام ~~عليكم " فإنهم أهل للتحية منه، وإن كان مسجدا فليقل كما جاء في الحديث: ~~«السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين». وعليه حمل ابن عمر البيت الفارغ. # والذي اختاره إذا كان البيت فارغا أنه لا يلزم السلام فإنه إذا كان ~~المقصود الملك فالملائكة لا تفارق العبد بحال، أما إنه إذا دخلت بيتك يستحب ~~لك ذكر الله # PageV03P427 # بما قد شرحناه في سورة الكهف بأن يقول: {ما شاء الله لا قوة إلا بالله} ~~[الكهف: 39]. والله أعلم. ### | [مسألة سلام الواحد على الجماعة] # المسألة الرابعة عشرة: # قد بينا في سورة النساء كيفية السلام الذي شرع الله لعباده، وأوضحنا ~~مجراه، ومما أجمع عليه العلماء أن سلام الواحد على الجماعة يكفي في ~~الابتداء والرد. # وقال الحسن: كان النساء يسلمن على الرجال، ولا يسلم الرجال على النساء. ~~وهذا صحيح فإنها خلطة وتعرض إلا أن تكون امرأة متجالة؛ إذ الخلطة لا تكون ~~بين الرجال والنساء؛ وهذا هو المقصود والمنتهى. ### | [الآية الثامنة والعشرون قوله تعالى إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله] # وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك ~~أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت ~~منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم} [النور: 62]. # فيها مسألتان: المسألة الأولى: في سبب نزول الآية: والمراد بما في ذلك ms1243 ~~ثلاثة أقوال: الأول: أن الأمر الجامع الجمعة، والعيدان، والاستسقاء، وكل ~~شيء يكون فيه الخلطة؛ قاله يحيى بن سلام. # الثاني: أنه كل طاعة لله؛ قاله مجاهد. # الثالث: أنه الجهاد؛ قاله زيد بن أسلم. # وقد روى أشهب، ويحيى بن بكير، وعبد الله بن عبد الحكم عن مالك أن هذه ~~الآية إنما كانت في حرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الخندق، ~~وكذلك قال محمد بن إسحاق. والذي بين ذلك أمران صحيحان: # PageV03P428 # أما أحدهما: فهو قوله تعالى في الآية الأخرى: {قد يعلم الله الذين ~~يتسللون منكم لواذا} [النور: 63] وذلك أن المنافقين كانوا يتلوذون، ويخرجون ~~عن الجماعة، ويتركون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر الله جميعهم ~~بألا يخرج [أحد] حتى يأذن له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبذلك يتبين ~~إيمانه. # وأما الثاني: فهو قوله تعالى: {لم يذهبوا حتى يستأذنوه} [النور: 62] فأي ~~إذن في الحدث والإمام يخطب، وليس للإمام خيار في منعه ولا إبقائه، وقد قال: ~~{فأذن لمن شئت منهم} [النور: 62] فبين بذلك أنه مخصوص في الحرب التي يؤثر ~~فيها التفرق أما إن الآية تدل بقوة معناها على أن من حضر جماعة لا يخرج إلا ~~لعذر بين أو بإذن قائم من مالك الجماعة ومقدمها؛ وبذلك أن الاجتماع كان ~~لغرض، فما لم يتم الغرض لم يكن للتفرق أصل، وإذا كمل الغرض جاز التفرق. ### | [مسألة الرجل يوم الجمعة إذا رعف أو أحدث] # المسألة الثانية: قوله تعالى: {فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت ~~منهم} [النور: 62] فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - بالخيار إن شاء أذن ~~له إذا رأى ذلك ضرورة للمستأذن، ولم ير فيه مضرة على الجماعة، أذن بنظر، أو ~~منع بنظر. # وقد روى مكحول أن الرجل يوم الجمعة إذا رعف أو أحدث يجعل يده على أنفه، ~~ويشير إلى الإمام فيشير له الإمام بيده أن اخرج. # وقال ابن سيرين: كانوا يستأذنون الإمام وهو على المنبر، فلما كثر ذلك قال ~~زياد: من جعل يده على أنفه فليخرج دون إذن. وقد كان هذا بالمدينة، حتى إن ms1244 ~~سهيل بن أبي صالح رعف يوما في الجمعة فاستأذن الإمام، ولكن الأمر كما بينا ~~من أنه لا يحتاج إليه، إذ لا إذن فيه، ولا خيرة ولا مشيئة تتعلق به؛ وإنما ~~هو أمر صاحبه مؤتمن عليه، فيخرج إذا شاء، ويجلس إذا شاء. # PageV03P429 ### | [الآية التاسعة والعشرون قوله تعالى لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا] # قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن ~~تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} [النور: 63]. # فيها أربع مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى {لا تجعلوا دعاء الرسول ~~بينكم} [النور: 63] فيه مسألة بديعة من العربية، وهي أن المصدر قد يضاف إلى ~~المفعول، كما يضاف إلى الفاعل، تقول: أعجبني ضرب زيد عمرو، على الأول، كما ~~تقول: كرهت ضرب زيد عمرا، على الثاني. # وقد جهل بعض الأدباء هذا المقدار، فعقد فصلا في ترغيب الناس في الدعاء ~~قال فيه: فاهتبلوا بالدعاء، وابتهلوا برفع أيديكم إلى السماء، وتضرعوا إلى ~~مالك أزمة القضاء، فإنه تعالى يقول: {قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم} ~~[الفرقان: 77] وأراد لولا سؤالكم إياه، وطلبكم منه، ورأى أنه مصدر أضيف إلى ~~فاعل. # وليس كما زعم، وإنما هو مصدر أضيف إلى المفعول. والمعنى قل يا محمد ~~للكفار: ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم ببعثه الرسل إليكم، وتبيين الأدلة ~~لكم، فقد كذبتم فسوف يكون عذابكم لزاما. المسألة الثانية: # قد قال جماعة من الناس: إن المراد بالإضافة هاهنا إضافة المصدر إلى ~~الفاعل، ويكون لذلك ثلاثة معان: أحدها: لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء ~~بعضكم لبعض بينكم، فإن إجابته واجبة، وليست إجابتكم واجبة. يعني على ~~الإطلاق، وإنما تجب إجابة الخلق بقرائن من حقوق الله، أو من حقوق الداعي. ~~وقد تقدم بيان وجوب إجابة دعاء الرسول في سورة الأنفال. # PageV03P430 # والثاني: أن يكون معناه احذروا أن تتفرقوا عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فيدعو عليكم، وليس دعاؤه كدعاء بعضكم بعضا، فإن دعوته مجابة، ولذلك ~~قال - صلى الله عليه وسلم -: «إني عاهدت ربي عهدا، قلت: اللهم إني بشر أغضب ~~كما ms1245 يغضب البشر، فأيما رجل لعنته أو سببته فاجعل ذلك صلاة عليه ورحمة إلى ~~يوم القيامة». # المعنى الثالث: أن معناه لا تسووا بين الرسول وبينكم في الدعوة، كل أحد ~~يدعى باسمه إلا رسول الله فإنه يدعى بخطته وهي الرسالة. # وكذلك قال العلماء غفيرا: إن الخليفة يدعى بها، والأمير والمعلم، ويوفر ~~على كل واحد حظه من الخطة، فيدعى بها قصد الكرامة. ### | [مسألة الأمر صريح في الاقتضاء والوجوب] # المسألة الثالثة قوله تعالى {فليحذر الذين يخالفون عن أمره} [النور: 63] # بهذه الآية احتج الفقهاء على أن الأمر على الوجوب. # وقد بينا في أصول الفقه أن الأمر صريح في الاقتضاء، والوجوب لا يؤخذ من ~~نفس الأمر، وإنما يؤخذ من توجه اللوم والذم، فالأمر مقتض، واللوم والذم ~~خاتم، وذكر العقاب بالثأر مكبر، يعد به الفعل في جملة الكبائر، فلينظر ~~تحقيقه هنالك. # وقد قال جماعة: إن الأمر هاهنا بمعنى البيان من قول أو فعل وهو الصحيح ~~والمخالفة تكون بالقول وبالفعل، وكل ذلك يترتب على أمر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وفعله، فإن كان واجبا كانت المخالفة حراما، وإن كان الأمر ~~والفعل ندبا كانت المخالفة مكروهة، وذلك يترتب على الأدلة، وينساق بمقتضى ~~الأحوال والأسباب القاضية عليه بذلك. ### | [مسألة معنى قوله تعالى أن تصيبهم فتنة] # المسألة الرابعة: قال علماؤنا في قوله: {أن تصيبهم فتنة} [النور: 63] # فيه ثلاثة أقوال: الأول: الكفر. # الثاني: العقوبة. # PageV03P431 # الثالث: بلية يظهر بها ما في قلوبهم من النفاق. # وهذه الأقوال صحيحة كلها، ولكن متعلقاتها مختلفة، فهنالك مخالفة توجب ~~الكفر، وذلك فيما يتعلق بالعقائد، وهنالك مخالفة هي معصية، وذلك فيما يتعلق ~~بأعمال الجوارح، حسبما بيناه في كتب أصول الدين والرد على المخالفين من ~~المبتدعة والملحدين، ورتبنا منازل ذلك كله، ومساقه ومتعلقه بدليله. # وقد أخبرنا أبو الحسن المبارك بن عبد الجبار بن أحمد بن القاسم الأزدي، ~~أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد العتيقي، أنبأنا أبو عمر محمد بن العباس بن ~~حيوة، حدثنا جرهمي بن أبي العلاء قال: سمعت الزبير بن بكار يقول: سمعت ~~سفيان بن عيينة يقول: سمعت مالك ms1246 بن أنس، وأتاه رجل، فقال: يا أبا عبد الله، ~~من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة من حيث أحرم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد. فقال: لا تفعل. قال: إني أريد ~~أن أحرم من المسجد من عند القبر. قال: لا تفعل، فإني أخشى عليك الفتنة. ~~قال: وأي فتنة في هذا؟ إنما هي أميال أزيدها. قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى ~~أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إني سمعت ~~الله يقول: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب ~~أليم} [النور: 63] وثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «افترقت ~~اليهود والنصارى على إحدى وسبعين فرقة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، ~~كلها في النار، إلا واحدة. قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه ~~وأصحابي». # والله الموفق للعصمة بالطاعة والمتابعة في الألفة، فإن يد الله مع ~~الجماعة، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -. # PageV03P432 ### | [سورة الفرقان فيها إحدى عشرة آية] ### | [الآية الأولى قوله تعالى وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق] # الآية الأولى قوله تعالى: {وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في ~~الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا} [الفرقان: 7]. # فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى: عير المشركون رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بأكله الطعام؛ لأنهم أرادوا أن يكون الرسول ملكا، وعيروه ~~بالمشي في السوق، فأجابهم الله بقوله: {وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا ~~إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق} [الفرقان: 20]، فلا ترتب بذلك ولا ~~تغتم به، فإنها شكاة ظاهر عنك عارها، وحجة قاهر لك خارها. # وهذا إنما أوقعهم فيه عنادهم؛ لأنه لما ظهرت عليهم المعجزة، ووضحت في ~~صدقه الدلالة لم يقنعهم ذلك، حتى سألوه آيات أخر سواها وألف آية كآية عند ~~المكذب بها، وأوقعهم أيضا في ذلك جهلهم حين رأوا الأكاسرة والقياصرة ~~والملوك الجبابرة يترفعون عن الأسواق أنكروا على محمد - صلى الله عليه وسلم ~~- ذلك، ms1247 واعتقدوه ملكا يتصرف بالقهر والجبر، وجهلوا أنه نبي يعمل بمقتضى ~~النهي والأمر، وذلك أنهم كانوا يرونه في سوق عكاظ ومجنة العامة، وكان أيضا ~~يدخل الخلصة بمكة، فلما أمرهم ونهاهم قالوا: هذا ملك يطلب أن يتملك علينا، ~~فما له يخالف سيرة الملوك في دخول الأسواق، وإنما كان يدخلها لحاجته، أو ~~لتذكرة الخلق بأمر الله ودعوته، ويعرض نفسه على القبائل في مجتمعهم، لعل ~~الله أن يرجع إلى الحق بهم. # PageV03P433 ### | [مسألة دخول أرباب الفضل والمهتدى بهم في الدين الأسواق] # المسألة الثانية: # لما كثر الباطل في الأسواق، وظهرت فيها المناكر، كره علماؤنا دخولها ~~لأرباب الفضل، والمهتدى بهم في الدين، تنزيها لهم عن البقاع التي يعصى الله ~~فيها. # وفي الآثار: «من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له ~~الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت ذنوبه» إنباء بأنه وحده عند ~~صخب الخلق ورغبهم في المال، أقبل على ذكر الله، لم يقصد في تلك البقعة ~~سواه، ليعمرها بالطاعة إن غمرت بالمعصية، وليحليها بالذكر إن عطلت بالغفلة، ~~وليعلم الجهلة، ويذكر الناسين. المسألة الثالثة: # أما أكل الطعام فضرورة الخلق، لا عار ولا درك فيها. # وأما الأسواق فسمعت مشيخة العلم يقولون: لا يدخل إلا سوق الكتب والسلاح. # وعندي أنه يدخل كل سوق للحاجة إليه، ولا يأكل فيه، فإن ذلك إسقاط للمروءة ~~وهدم للحشمة. # ومن الأحاديث الموضوعة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الأكل في ~~السوق دناءة». وهو حديث موضوع، لكن رويناه من غير طريق، ولا أصل له في ~~الصحة ولا وصف. ### | [الآية الثانية قوله تعالى وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا] # وجعل النهار نشورا} [الفرقان: 47]. # PageV03P434 # يعني سترا للخلق، يقوم مقام اللباس في ستر البدن، ويربى عليه بعمومه ~~وسعته. # وقد ظن بعض الغفلة أن من صلى عريانا في الظلام أنه يجزئه؛ لأن الليل ~~لباس، وهذا يوجب أن يصلي عريانا في بيته إذا أغلق عليه بابه. والستر في ~~الصلاة عبادة تختص بها، ليست لأجل نظر الناس، ولا حاجة إلى الإطناب في ms1248 هذا. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته] # وأنزلنا من السماء ماء طهورا} [الفرقان: 48]. # فيها اثنتا عشرة مسألة: المسألة الأولى: قد بينا قوله: {وأنزلنا من ~~السماء ماء} [الفرقان: 48] في سورة المؤمنين، فلا وجه لإعادته. المسألة ~~الثانية: قوله {ماء طهورا} [الفرقان: 48] فوصف الماء بأنه طهور. واختلف ~~الناس في معنى وصفه بأنه طهور على قولين: أحدهما: أنه بمعنى مطهر لغيره؟ ~~وبه قال مالك والشافعي، وخلق كثير سواهما. # والثاني: أنه بمعنى طاهر، وبه قال أبو حنيفة، وتعلق في ذلك بقوله تعالى: ~~{وسقاهم ربهم شرابا طهورا} [الإنسان: 21] يعني طاهرا، إذا لا تكليف في ~~الجنة. وقال الشاعر: # خليلي هل في نظرة بعد توبة ... أداوي بها قلبي علي فجور # إلى رجح الأكفال هيف خصورها ... عذاب الثنايا ريقهن طهور # فوصف الريق بأنه طاهر، وليس بمعنى أنه يطهر. # وتقول العرب: رجل نئوم، وليس ذلك بمعنى أنه منيم لغيره، وإنما يرجع ذلك ~~إلى فعل نفسه، ودليلنا قوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} ~~[الفرقان: 48]. وقال: # PageV03P435 # {ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان} [الأنفال: 11]، فبين أن وصف {طهورا} ~~[الفرقان: 48] يفيد التطهير. # وقال - صلى الله عليه وسلم -: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا». وأرادوا ~~مطهرة بالتيمم، ولم يرد طاهرة به، وإن كانت قبل ذلك طاهرة. وقال في ماء ~~البحر: «هو الطهور ماؤه»، ولو لم يكن معنى الطهور المطهر لما كان جوابا ~~لسؤالهم. # وأجمعت الأمة لغة وشريعة على أن وصف " طهور " مختص بالماء، ولا يتعدى إلى ~~سائر المائعات، وهي طاهرة، فكان اقتصارهم بذلك على الماء أدل دليل على أن ~~الطهور هو المطهر. # فأما تعلقهم بوصف الله لشراب الجنة بأنه طهور، والجنة لا تكليف فيها، فلا ~~حجة لهم فيها؛ لأن الله تعالى أراد بذلك المبالغة في الصفة، وضرب المثل ~~بالمبالغة في الدنيا، وهو التطهير. # وقد قال علماؤنا: إن وصف شراب الجنة بأنه طهور يفيد التطهير عن أوضار ~~الذنوب، وعن خسائس الصفات، كالغل والحسد، فإذا شربوا هذا الشراب طهرهم الله ~~به من رحض الذنوب، وأوضار الاعتقادات الذميمة، فجاءوا الله بقلب سليم، ms1249 ~~ودخلوا الجنة بصفة التسليم. # وقيل لهم حينئذ: {سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين} [الزمر: 73]، كما حكم ~~في الدنيا بزوال حكم الحدث بجريان الماء على الأعضاء، وهذه حكمته في ~~الدنيا، وتلك حكمته ورحمته في الأخرى. وأما قول الشاعر: # ريقهن طهور # فوصف الريق بأنه طهور، وهو لا يطهر، فإنما قصد بذلك المبالغة في وصف ~~الريق بالطهورية، أراد أنه لعذوبته، وتعلقه بالقلوب، وطيبه في النفوس، ~~وسكون غليل الحب برشفه، كأنه الماء الطهور. # PageV03P436 # وبالجملة فإن الأحكام الشرعية لا تثبت بالمجازات الشعرية، فإن الشعراء ~~يتجاوزون في الاستغراق حد الصدق إلى الكذب، ويسترسلون في القول حتى يخرجهم ~~ذلك إلى البدعة والمعصية، وربما وقعوا في الكفر من حيث لا يشعرون، ألا ترى ~~إلى قول بعضهم: # لو لم تلامس صفحة الأرض رجلها ... لما كنت أدري علة للتيمم # وهذا كفر صراح نعوذ بالله منه. # قال الفقيه القاضي أبو بكر - رحمه الله -: هذا منتهى لباب كلام العلماء، ~~وهو بالغ في فنه، إلا أني تأملته من طريق العربية فوجدت فيها مطلعا شريفا، ~~وهو أن بناء " فعول " للمبالغة، إلا أن المبالغة قد تكون في الفعل المتعدي ~~كما قال الشاعر: # ضروب بنصل السيف سوق سمانها # وقد تكون في الفعل القاصر كما قال الشاعر: # نئوم الضحى لم تنتطق عن تفضل # فوصفه الأول بالمبالغة في الضرب، وهو فعل يتعدى، ووصفها الثاني بالمبالغة ~~في النوم، وهو فعل لا يتعدى، وإنما تؤخذ طهورية الماء لغيره من الحسن ~~نظافة، ومن الشرع طهارة، كقوله: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور». # وقد يأتي بناء " فعول " لوجه آخر، ليس من هذا كله، وهو العبارة به عن آلة ~~الفعل لا عن الفعل، كقولنا: وقود وسحور بفتح الفاء " فإنه عبارة عن الحطب ~~وعن الطعام المتسحر به، وكذلك وصف الماء بأنه طهور يكون بفتح الطاء أيضا ~~خبرا عن الآلة التي يتطهر بها. # PageV03P437 # فإذ ضممت الفاء في الوقود والسحور والطهور عاد إلى الفعل، وكان خبرا عنه، ~~فثبت بهذا أن اسم الفعول بفتح الفاء يكون بناء للمبالغة، ويكون خبرا عن ~~الآلة، وهذا الذي خطر ببال الحنفية، ولكن ms1250 قصرت أشداقها عن لوكه، وبعد هذا ~~يقف البيان به عن المبالغة، أو عن الآلة على الدليل، مثاله قوله تعالى: ~~{وأنزلنا من السماء ماء طهورا} [الفرقان: 48]. وقوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا». # ويحتمل العبارة به عن الآلة، فلا حجة فيه لعلمائنا. ### | [مسألة الماء المستعمل في رفع الحدث لا يجوز الوضوء به مرة أخرى] # لكن يبقى قوله {ليطهركم به} [الأنفال: 11] نصا في أن فعله متعد إلى غيره. ~~وهذه المسألة إنما أوجب الخلاف فيها ما صار إليه الحنفية والشافعية، وهي: ~~المسألة الثالثة: حين قالوا: إن الماء المستعمل في رفع الحدث لا يجوز ~~الوضوء به مرة أخرى؛ لأن المنع الذي كان في الأعضاء انتقل إلى الماء. # وقال علماؤنا حينئذ: إن وصف الماء بأنه طهور يقتضي التكرار على رسم بناء ~~المبالغة، وهذا مما لا يحتاج إليه، حسبما بيناه في مسائل الخلاف. # وإنما تنبني مسألة الماء المستعمل على أصل آخر، وهو أن الآلة إذا أدي بها ~~فرض، هل يؤدى بها فرض آخر أم لا؟ فمنع ذلك المخالف قياسا على الرقبة، إنه ~~إذا أدي بها فرض عتق لم يصلح أن يتكرر في أداء فرض آخر، وهذا باطل من ~~القول، فإن العتق إذا أتى على الرق أتلفه، فلا يبقى محل لأداء الفرض بعتق ~~آخر. # ونظيره من الماء ما تلف على الأعضاء، فإنه لا يصح أن يؤدى به فرض آخر ~~لتلف عينه حسا، كما تلف الرق في الرقبة بالعتق الأول حكما، وهذا نفيس ~~فتأملوه. وفي الصحيح عن جابر قال: «دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وأنا مريض لا أعقل، فتوضأ فصب علي من وضوئه، فأفقت». وذكر الحديث. # وهذا يدل على أن الماء الفاضل عن الوضوء والجنابة طاهر، لا على طهارة ~~الماء المستعمل، كما توهمه علماؤنا، وهذا خطأ فاحش فتأملوه. # PageV03P438 ### | [مسألة والمخالط للماء على ثلاثة أضرب] # المسألة الرابعة: # لما قال الله: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} [الفرقان: 48] وكان الماء ~~معلوما بصفة طعمه وريحه ولونه. # قال علماؤنا رحمة الله عليهم: إذا كان بهذه الصفة فلا ms1251 خلاف في طهوريته، ~~فإذا انتقل عن هذه الصفات إلى غيره بتغير وصف من هذه الأوصاف الثلاثة خرج ~~عن طريق السنة وصف الطهورية. # والمخالط للماء على ثلاثة أضرب: ضرب يوافقه في صفتيه جميعا: وهي الطهارة ~~والتطهير، فإذا خالطه فغيره لم يسلبه وصفا منهما، لموافقته له فيهما، وهو ~~التراب. # والضرب الثاني يوافق الماء في إحدى صفتيه، وهي الطهارة، ولا يوافقه في ~~صفته الأخرى، وهي التطهير، فإذا خالطه فغيره سلبه ما خالفه فيه، وهو ~~التطهير، دون ما وافقه، وهي الطهارة، كماء الورد وسائر الطهارات. # والضرب الثالث مخالفته في الصفتين جميعا: وهي الطهارة والتطهير، فإذا ~~خالطه فغيره سلبه الصفتين جميعا، لمخالفته له فيهما، وهو النجس. وقد مهدنا ~~ذلك في مسائل الخلاف وكتب الفروع. # وقال أبو حنيفة: إذا وقعت نجاسة في ماء أفسدته كله، كثيرا كان أو قليلا، ~~إذا تحققت عموم النجاسة فيه. # ووجه تحققها عنده أن تقع مثلا نقطة بول في بركة ماء، فإن كانت البركة ~~يتحرك طرفاها بتحريك أحدهما فالكل نجس، وإن كانت حركة أحد الطرفين لا تحرك ~~الآخر لم ينجس والمصريون، كابن القاسم وغيره، يقولون: إن قليل الماء ينجسه ~~قليل النجاسة. # وفي المجموعة نحوه من مذهب أبي حنيفة. # وقال الشافعي بحديث القلتين، ورواه عن الوليد بن كثير، حسن ظن به، وهو ~~مطعون فيه. والحديث ضعيف. # PageV03P439 # وقد رام الدارقطني على إمامته أن يصحح حديث القلتين فلم يستطع، واغتص ~~بجريعة الذقن فيها، فلا تعويل عليه، حسبما مهدناه في مسائل الخلاف. كما ~~تعلق علماؤنا أيضا في مذهبهم بحديث أبي سعيد الخدري في بئر بضاعة الذي رواه ~~النسائي والترمذي وأبو داود وغيرهم: «سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عن بئر بضاعة وما يطرح فيها من الجيف والنتن، وما ينجي الناس، فقال: الماء ~~طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه». وهذا أيضا حديث ضعيف ~~لا قدم له في الصحة # ، فلا تعويل عليه. وقد فاوضت الطوسي الأكبر في هذه المسألة مرارا، فقال: ~~إن أخلص المذاهب في هذه المسألة مذهب مالك، فإن الماء ms1252 طهور ما لم يتغير أحد ~~أوصافه، إذ لا حديث في الباب يعول عليه، وإنما المعول على ظاهر القرآن، وهو ~~قوله: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} [الفرقان: 48]، وهو ما دام بصفاته، ~~فإذا تغير عن شيء منها خرج عن الاسم بخروجه عن الصفة " ولذلك لما لم يجد ~~البخاري إمام الحديث والفقه في الباب خبرا صحيحا يعول عليه قال: " باب إذا ~~تغير وصف الماء " وأدخل الحديث الصحيح: «ما من أحد يكلم في سبيل الله، ~~والله أعلم بمن يكلم في سبيله، إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعب دما، اللون ~~لون الدم، والريح ريح المسك». فأخبر - صلى الله عليه وسلم - أن الدم بحاله، ~~وعليه رائحة المسك، ولم تخرجه الرائحة عن صفة الدموية. # ولذلك قال علماؤنا: إذا تغير الماء بريح جيفة على طرفيه وساحله لم يمنع ~~ذلك من الوضوء به، ولو تغير بها وقد وقعت فيه لكان ذلك تنجيسه له للمخالطة، ~~والأولى مجاورة لا تعويل عليها. ### | [مسألة الماء إذا تغير بقراره] # المسألة الخامسة: # ثم تركب على هذا مسألة بديعة، وهي الماء إذا تغير بقراره كزرنيخ أو جير ~~يجري # PageV03P440 # عليه، أو تغير بطحلب أو بورق شجر ينبت عليه لا يمكن الاحتراز منه، فاتفق ~~العلماء على أن ذلك لا يمنع من الوضوء به، لعدم الاحتراز منه. # وقد روى ابن وهب عن مالك أن غيره أولى منه يعني إذا وجده، فإذا لم يجد ~~سواه استعمله؛ لأن ما يغلب عليه المرء في باب التكليف، ولا يمكنه التوقي ~~منه، فإنه ساقط الاعتبار شرعا. # ولذلك لما كان العبد لا يستطيع النزوع عن صغائر الذنوب، ولا يمكن بشرا ~~الاحتراز منها لم تؤثر في عدالته، ولما كانت الكبائر يمكن التوقي منها ~~والاحتراز عنها قدحت في العدالة والأمانة، وكذلك العمل الكثير في الصلاة ~~لما كان الاحتراز منه ممكنا بطلت الصلاة به، ولما كان العمل اليسير لا يمكن ~~الاحتراز منه كالالتفات بالرأس وحده والمراوحة بين الأقدام، وتحريك ~~الأجفان، وتقليب اليد، لم يؤثر ذلك في الصلاة. # وهذه قاعدة الشريعة في باب التكليف كله، فعليه خرج تغير الماء ms1253 بما يغلب ~~عليه عن تغيره بما لا يغلب عليه. ### | [مسألة لم يلحق غير الماء بالماء لوجهين] # المسألة السادسة: # لما وصف الله الماء بأنه طهور، وامتن بإنزاله من السماء ليطهرنا به دل ~~على اختصاصه بذلك، وكذلك قال لأسماء بنت الصديق في دم الحيض يصيب الثوب: ~~«حتيه ثم اقرصيه، ثم اغسليه بالماء»، فلذلك لم يلحق غير الماء بالماء ~~لوجهين: أحدهما: ما في ذلك من إبطال فائدة الامتنان. # والثاني: لأن غير الماء ليس بمطهر، بدليل أنه لا يرفع الحدث والجنابة، ~~فلا يزيل النجس. # وقال بعض علمائنا، وأهل العراق: إن كل مائع طاهر يزيل النجاسة، وهذا غلط؛ ~~لأن ما لا يدفع النجاسة عن نفسه فكيف يدفعها عن غيره. # PageV03P441 # وقد روى ابن نافع عن مالك أن النجاسة القليلة إذا وقعت في الزيت الكثير ~~لم ينجس إذا لم يتغير. # وهذه رواية ضعيفة لا يلتفت إليها " لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~الصحيح «سئل عن فأرة سقطت في سمن، فقال: إن كان جامدا فألقوها وما حولها ~~وكلوه». # وفي رواية: «وإن كان مائعا فأريقوه». # وقوله: «إن كان جامدا فألقوها وما حولها» دليل على أنها تفسد المائع؛ ~~لأنه عموم سئل عنه، فخص أحد صنفيه بالجواز، وبقي الآخر على المنع. وليس هذا ~~بدليل الخطاب، حسبما بيناه في أصول الفقه. # وهذه نكتة بديعة تفهمونها، فهي خير لكم من كتاب، وليست النجاسة معنى ~~محسوسا، حتى يقال: كلما أزالها فقد قام به الفرض، وإنما النجاسة حكم شرعي ~~عين له صاحب الشريعة الماء، فلا يلحق به غيره، إذ ليس في معناه، ولأنه لو ~~لحق به لأسقطه، والفرع إذا عاد إلحاقه بالأصل بالإسقاط سقط في نفسه. وقد ~~كان تاج السنة ذو العز بن المرتضى الدبوسي يسميه فرخ زنا. ### | [مسألة الماء إذا فضلت للجنب منه فضلة] # المسألة السابعة: # توهم قوم أن الماء إذا فضلت للجنب منه فضلة أنه لا يتوضأ بها، وهذا مذهب ~~باطل، فقد ثبت عن «ميمونة أنها قالت: أجنبت أنا ورسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - واغتسلت من جفنة، وفضلت فضلة، فجاء رسول ms1254 الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ليغتسل منها. فقلت: إني قد اغتسلت منه. فقال: إن الماء ليس عليه نجاسة» ~~أو: «إن الماء لا يجنب». وقد روي هذا الحديث من طرق. # PageV03P442 ### | [مسألة كان الماء طاهرا مطهرا على أصله فولغ فيه كلب] # المسألة الثامنة: إذا كان الماء طاهرا مطهرا على أصله فولغ فيه كلب فسد ~~عند جمهور فقهاء الأمصار، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا ولغ ~~الكلب في إناء أحدكم فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة بالتراب». # وقد قال مالك: وقد جاء هذا الحديث، ولا أدري ما حقيقته. وقد بينا في ~~مسائل الخلاف حقيقته، وأن الإناء يغسل عبادة، لا لنجاسة بدليلين: أحدهما: ~~أن الغسل معدود بسبع. # الثاني: أنه جعل للتراب فيها مدخلا، ولو كان لنجاسة لما كان للتراب فيها ~~مدخل، كالبول، عكسه الوضوء لما كان عبادة دخل التراب مع الماء. # ورأى مالك طرح الماء تقذرا لا تنجسا، أو حسما لمادة الخلاف؛ أو لأنه ~~حيوان يأكل الأقذار، ولا يحتاج إليه، فيكون من الطوافين أو الطوافات، وقد ~~استوفينا القول عليه في الفقه. ### | [مسألة إذا ولغت السباع في الماء] # المسألة التاسعة: إذا ولغت السباع في الماء: كل حيوان عند مالك طاهر ~~العين حتى الخنزير، كما بيناه في مسائل الخلاف، ولكن تحرر من مذهب مالك أن ~~أسآر السباع مكروهة، لما بيناه في مسألة الكلب، من أنها تصيب النجاسات، ~~وليست من الطوافين ولا من الطوافات. # وقال أبو حنيفة: أسآر السباع نجسة. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - «أنه سئل عن حياض # PageV03P443 # تكون بين مكة والمدينة تردها السباع وفي رواية: والكلاب فقال: لها ما ~~حملت في بطونها، ولنا ما بقي غير شراب وطهور». # وفي الموطأ أن عمر وعمرا وقفا على حوض، فقال عمرو: يا صاحب الحوض، هل ترد ~~حوضك السباع؟ فقال له عمر: يا صاحب الحوض، لا تخبرنا، فإنا نرد على السباع، ~~وترد علينا. وهذا؛ لأن الماء كان كثيرا، ولو كان قليلا لكان للمسألة حكم ~~قدمناه قبل في هذه الآية. # وقد روي عن سهل بن سعد أن ms1255 امرأة دخلت عليه مع نسوة، فقال: لو أني سقيتكن ~~من بئر بضاعة لكرهتن ذلك. وقد والله سقيت منها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بيدي. # وهذا أيضا؛ لأن ماءها كان كثيرا لا يؤثر فيه محائض النساء، وعذرات الناس، ~~ولحوم الكلاب. # وقد قال أبو داود: سمعت قتيبة بن سعيد قال: سألت قيم بئر بضاعة عن عمقها، ~~قلت: ما أكثر ما يكون الماء فيها؟ قال: إلى العانة. قلت: فإذا نقص ماؤها؟ ~~قال: إلى العورة قال أبو داود: فقدرتها بردائي مددته عليها ثم ذرعته فإذا ~~عرضها ستة أذرع. وسألت الذي فتح لي باب البستان فأدخلني إليها: هل غير ~~بناؤها عما كانت عليه؟ فقال: لا. قال أبو داود: ورأيت ماءها متغير اللون ~~جدا. قال الفقيه القاضي أبو بكر - رضي الله عنه -: تغير ماؤها؛ لأنها في ~~وسط السبخة، فماؤها يكون قرارها. وبضاعة دور بني ساعدة، ولها يقول أبو أسيد ~~مالك بن ربيعة الساعدي: # PageV03P444 # نحن حمينا عن بضاعة كلها ... ونحن بنينا معرضا هو مشرف # فأصبح معمورا طويلا قذاله ... وتخرب آطام بها وتقصف ### | [مسألة ورود النجاسة على الماء ليس كورود الماء على النجاسة] # المسألة العاشرة: من أصول الشريعة في أحكام المياه أن ورود النجاسة على ~~الماء ليس كورود الماء على النجاسة، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~الحديث الصحيح: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى ~~يغسلها ثلاثا، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده». فمنع من ورود اليد على ~~الماء، وأمر بإيراد الماء عليها، وهذا أصل بديع في الباب، ولولا وروده على ~~النجاسة قليلا كان أو كثيرا لما طهرت. # وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في بول الأعرابي في ~~المسجد: «صبوا عليه ذنوبا من ماء». # روي «أن أعرابيا دخل المسجد ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس، ~~فبايعه وصلى ركعتين، ثم لم يلبث أن قام ففشج يعني فرج بين رجليه، فبال في ~~المسجد، فعجل الناس إليه؟ فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا ~~تزرموه ثم دعا ms1256 به، فقال ألست برجل مسلم؟ قال: بلى. قال: فما حملك على أن ~~بلت في مسجدنا؟ قال: والذي بعثك بالحق ما ظننت إلا أنه صعيد من الصعدات، ~~فبلت فيه، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذنوب من ماء فصب على بوله». # PageV03P445 # وروى محمد بن إسحاق بن خزيمة في صحيحه وغيره «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أمر بحفر موضع بوله، وطرحه خارج المسجد». ### | [مسألة المعول في إزالة النجاسة] # المسألة الحادية عشرة: # رأى جماعة من العلماء أن الدلو يكفي لبول الرجل في إزالة عينه وطهارة ~~موضعه، وليس لذلك حد؛ لأن الدلو غير مقدر، وما لم يكن مقدرا لا يتعلق به ~~حكم. # ألا ترى أن الشافعي تعلق بحديث القلتين، وجعله تقديرا، وخفي عليه أن ~~الحديث ليس بصحيح، بدليل أن الحديث بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - علق ~~عليه الحكم، وهو مجهول ساقط، إذ لو كان النبي - صلى الله عليه وسلم - علق ~~عليه الحكم لعلقه على معلوم، كما علم الصاع والوسق، حتى كان الحكم المعلق ~~عليه شرعا، المقدر به صحيحا. وإنما المعول في إزالة النجاسة على الاجتهاد ~~في صب الماء، حتى يغلب على الظن أنها زالت. ### | [مسألة الوضوء بماء البحر] # المسألة الثانية عشرة: # لما قال الله: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} [الفرقان: 48] توقف جماعة ~~في ماء البحر؛ لأنه ليس بمنزل من السماء، حتى رووا عن عبد الله بن عمر وابن ~~عمرو معا أنه لا يتوضأ به؛ لأنه ماء نار، ولأنه طبق جهنم. # ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - بين حكمه حين قال لمن سأله عن جواز ~~الوضوء به: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته». # وهذا أصح مما ينسب إلى أبي هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص أنهما ~~قالا: لا يتوضأ بماء البحر؛ لأن الماء على نار، والنار على ماء، والماء على ~~نار حتى عد سبعة أبحر، وسبعة أنوار. وأبو هريرة هو راوي حديث: «هو الطهور ~~ماؤه الحل ميتته». # وقد روى عمرو بن دينار عن أبي الطفيل أن أبا بكر الصديق قال في البحر: " ~~هو ms1257 الطهور ماؤه الحل ميتته ". # وقد روي أن ابن عباس سئل عن الوضوء بماء البحر، فقال: إنما هما بحران، ~~فلا يضرك بأيهما بدأت. # PageV03P446 # وقد روى مالك عن زيد بن أسلم عن سعيد الجارمي قال: سألت ابن عمر وعبد ~~الله بن عمرو عن الحيتان يقتل بعضها بعضا، وعن ماء البحر، فلم يريا بذلك ~~بأسا. ### | [الآية الرابعة قوله تعالى وهو الذي خلق من الماء بشرا] # فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا} [الفرقان: 54]. # فيها مسألتان: المسألة الأولى: في النسب: وهو عبارة عن مرج الماء بين ~~الذكر والأنثى على وجه الشرع. فإن كان بمعصية كان خلقا مطلقا، ولم يكن نسبا ~~محققا، ولذلك لم يدخل تحت قول: {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم} [النساء: 23] ~~بنته من الزنا؛ لأنها ليست ببنت في أصح القولين لعلمائنا، وأصح القولين في ~~الدين قد بيناه في مسائل الخلاف. # المسألة الثانية: قوله: {وصهرا} [الفرقان: 54] أما النسب فهو ما بين ~~الوطأين موجودا، وأما الصهر فهو ما بين وشائج الواطئين معا، الرجل والمرأة، ~~وهم الأحماء والأختان. والصهر يجمعهما لفظا واشتقاقا، وإذا لم يكن نسب شرعا ~~فلا صهر شرعا، فلا يحرم الزنا ببنت أما، ولا بأم بنتا، وما يحرم من الحلال ~~لا يحرم من الحرام؛ لأن الله امتن بالنسب والصهر على عباده، ورفع قدرهما، ~~وعلق الأحكام في الحل والحرمة عليهما، فلا يلحق الباطل بهما ولا يساويهما. # وقد روي عن مالك أن الزنا يحرم المصاهرة، وهذا كتابه الموطأ الذي كتبه ~~بخطه، وأملاه على طلبته، وقرأه من صبوته إلى مشيخته لم يغير فيه ذلك، ولا ~~قال فيه قولا آخر. واكتبوا عني هكذا. وابن القاسم الذي يحرم المصاهرة ~~بالزنا قرئ ضد ذلك عليه في الموطأ، فلا يترك الظاهر للباطن، ولا القول ~~المروي من ألف للمروي من واحد، وآحاد، وقد قررنا ذلك في مسائل الخلاف. # PageV03P447 ### | [الآية الخامسة قوله تعالى وتوكل على الحي الذي لا يموت] # وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا} [الفرقان: 58]. # فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى: في التوكل: وهو تفعل من الوكالة، أي ~~اتخذه وكيلا. وقد بيناه في كتاب ms1258 الأمد، وهو إظهار العجز والاعتماد على ~~الغير. المسألة الثانية: # أصل هذا علم العبد بأن المخلوقات كلها من الله، لا يقدر أحد على الإيجاد ~~سواه، فإن كان له مراد، وعلم أنه بيد الذي لا يكون إلا ما أراد، جعل له أصل ~~التوكل، وهذا فرض عين، وبه يصح الإيمان الذي هو شرط التوكل قال الله تعالى: ~~{وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} [المائدة: 23]. المسألة الثالثة: # يتركب على هذا من سكون القلب، وزوال الانزعاج والاضطراب، أحوال تلحق ~~بالتوكل في كماله، ولهذه الأحوال أقسام، ولكل قسم اسم: الحالة الأولى: أن ~~يكتفي بما في يده، لا يطلب الزيادة عليه، واسمه القناعة. # الحالة الثانية: أن يكتسب زيادة على ما في يده، ولا ينفي ذلك التوكل ~~عندنا. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لو توكلتم على الله حق توكله ~~لرزقكم، كما يرزق الطير، تغدو خماصا، وتروح بطانا». # فإن قيل: هذا حجة عليك؛ لأن الطير لا تزيد على ما في اليد ولا تدخر لغد. # قلنا: إنما الاحتجاج بالغدو، والرواح الاعتمال في الطلب. # PageV03P448 # فإن قيل: أراد بقوله: تغدو في الطاعة، بدليل قوله: {وأمر أهلك بالصلاة ~~واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى} [طه: 132]. # قلنا: إنما أراد بالغدو الاغتداء في طلب الرزق، فأما الإقبال على العبادة ~~وهي الحالة الثالثة، وهو أن يقبل على العبادة ويترك طلب العادة فإن الله ~~يفتح له. وعلى هذا كان أهل الصفة، وهذا حالة لا يقدر عليها أكثر الخلق، ~~وبعد هذا مقامات في التفويض والاستسلام، وقد بيناها في كتاب أنوار الفجر، ~~والله الموفق. ### | [الآية السادسة قوله تعالى وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة] # لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا} [الفرقان: 62]. # فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى: في تفسير الخلفة: وفيها ثلاثة أقوال: ~~الأول: أنه جعل أحدهما مخالفا للآخر، يتضادان، ويتعارضان وضعا ووقتا، وبذلك ~~نميز. # الثاني: أنه إذا مضى واحد جاء آخر، ومنه قول أبي بن كعب: بها العيس ~~والآرام يمشين خلفة وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم الثالث: معنى خلفة: ما فات ~~في هذا خلفه ms1259 في هذا. # في الحديث الصحيح: «ما من امرئ تكون له صلاة بليل، فغلبه عليها نوم، ~~فيصلي ما بين طلوع الشمس إلى صلاة الظهر إلا كتب الله له أجر صلاته، وكان ~~نومه صدقة عليه». # PageV03P449 # سمعت ذا الشهيد الأكبر يقول: إن الله خلق العبد حيا، وبذلك كماله، وسلط ~~عليه آفة النوم، وضرورة الحدث، ونقصان الخلقة، إذ الكمال للأول الخالق، فما ~~أمكن الرجل من دفع النوم بقلة الأكل والسهر في الطاعة فليفعل. ومن الغبن ~~العظيم أن يعيش الرجل ستين سنة ينام ليلها، فيذهب النصف من عمره لغوا، ~~وينام نحو سدس النهار راحة، فيذهب ثلثاه، ويبقى له من العمر عشرون سنة. # ومن الجهالة والسفاهة أن يتلف الرجل ثلثي عمره في لذة فانية، ولا يتلف ~~عمره بسهره في لذة باقية عند الغني الوفي الذي ليس بعديم ولا ظلوم. ### | [مسألة قوله تعالى لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا] # المسألة الثانية: قوله تعالى: {لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا} ~~[الفرقان: 62]: # فيعمل ويشكر قدر النعمة في دلالة التضاد على الذي لا ضد له، وفي دلالة ~~المعاقبة على الذي يعدم فيعقبه غيره، وعلى الفسحة في قضاء الفائت من العمل ~~لتحصيل الموعود من الثواب. المسألة الثالثة # إن الأشياء لا تتفاضل بأنفسها، فإن الجواهر والأعراض من حيث الوجود ~~متماثلة، وإنما يقع التفاضل بالصفات. # وقد اختلف أي الوقتين أفضل، الليل أم النهار؟ وقد بينا في كتاب أنوار ~~الفجر فضيلة النهار عليه، وفي الصوم غنية في الدلالة. والله أعلم. ### | [الآية السابعة قوله تعالى وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا] # وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما} [الفرقان: 63]. # فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى: قوله: {هونا} [الفرقان: 63] الهون: هو ~~الرفق والسكون، وذلك يكون بالعلم والحلم والتواضع، لا بالمرح والكبر، ~~والرياء والمكر، وفي معناه قلت: # PageV03P450 # تواضعت في العلياء والأصل كابر ... وحزت نصاب السبق بالهون في الأمر # سكون فلا خبث السريرة أصله ... وجل سكون الناس من عظم المكر # وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «أيها الناس، عليكم بالسكينة، فإن البر ~~ليس في الإيضاع». # وكان عمر بن ms1260 الخطاب يسرع جبلة لا تكلفا. والقصد والتؤدة وحسن الصمت من ~~أخلاق النبوة. وقد بيناه في قبس الموطأ. # وقد قيل: معناه يمشون رفقا من ضعف البدن، قد براهم الخوف، وأنحلتهم ~~الخشية، حتى صاروا كأنهم الفراخ. المسألة الثانية: قوله تعالى {وإذا خاطبهم ~~الجاهلون قالوا سلاما} [الفرقان: 63] # اختلف في الجاهلين على قولين: أحدهما: أنهم الكفار. # الثاني: أنهم السفهاء. المسألة الثالثة: قوله تعالى: {سلاما} [الفرقان: ~~63] # فيه وجهان: أحدهما: أنه بمعنى حسن وسداد. # الثاني: أنه قول سلام عليكم. قال سيبويه: لم يؤمر المسلمون يومئذ أن ~~يسلموا على المشركين، ولكنه على معنى قولهم: [تسلمنا منكم] ولا خير بيننا ~~ولا شر. # قال الفقيه القاضي أبو بكر - رحمه الله -: ولا نهوا عن ذلك، بل أمروا ~~بالصفح والهجر الجميل، وقد كان من سلف من الأمم في دينهم التسليم على جميع ~~الأمم. # وفي الإسرائليات: إن عيسى مر به خنزير فقال له: اذهب بسلام حين لم يقل ~~وهو لا يعقل السلام. # PageV03P451 # فأما الكفار فكانوا يفعلونه وتلين جوانبهم به؟ وقد كان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يقف على أنديتهم ويحييهم ويدانيهم ولا يداهنهم. فيحتمل قوله: ~~{قالوا سلاما} [الفرقان: 63] المصدر، ويحتمل أن يكون المراد به التحية. وقد ~~بينا ذلك كله في سورة هود. # وقد اتفق الناس على أن السفيه من المؤمنين إذا جفاك يجوز أن تقول له سلام ~~عليك. # وهل وضع السلام في أحد القولين إلا على معنى السلامة والتواد؟ كأنه يقول ~~له: سلمت مني، فأسلم منك. ### | [الآية الثامنة قوله تعالى والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا] # وكان بين ذلك قواما} [الفرقان: 67]. # فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى: في تفسير قوله: {لم يسرفوا} [الفرقان: ~~67] فيه ثلاثة أقوال: الأول: لم ينفقوا في معصية قاله ابن عباس. # الثاني: لم ينفقوا كثيرا قاله إبراهيم. # الثالث: لم يتمتعوا للنعيم، إذا أكلوا للقوة على الطاعة، ولبسوا للسترة ~~الواجبة، وهم أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاله يزيد بن أبي ~~حبيب. وقد بيناه في سورة الأعراف. # وهذه الأقوال الثلاثة صحاح، فالنفقة في المعصية حرام، فالأكل واللبس للذة ~~جائز، ms1261 وللتقوى والستر أفضل، فمدح الله من أتى الأفضل، وإن كان ما تحته ~~مباحا. # وإذا أكثر ربما افتقر، فالتمسك ببعض المال أولى، كما قاله النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لأبي لبابة ولكعب، كما تقدم بيانه في غير موضع. # PageV03P452 # المسألة الثانية: قوله تعالى: {ولم يقتروا} [الفرقان: 67] # فيه قولان: الأول: لم يمنعوا واجبا. # الثاني: لم يمنعوا عن طاعة. المسألة الثالثة: قوله تعالى: {قواما} ~~[الفرقان: 67] يعني عدلا؛ وهو أن ينفق الواجب، ويتسع في الحلال في غير دوام ~~على استيفاء اللذات في كل وقت من كل طريق. ### | [الآية التاسعة قوله تعالى والذين لا يشهدون الزور] # وإذا مروا باللغو مروا كراما} [الفرقان: 72]. # فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى: قوله: {يشهدون الزور} [الفرقان: 72] ~~فيه ستة أقوال: الأول: الشرك. # الثاني: الكذب. # الثالث: أعياد أهل الذمة. # الرابع: الغناء. # الخامس: لعب كان في الجاهلية يسمى بالزور؛ قال عكرمة. # السادس: أنه المجلس الذي يشتم به النبي - صلى الله عليه وسلم -. المسألة ~~الثانية: # أما القول بأنه مجلس يشتم فيه النبي فهو القول الأول أنه الشرك؛ لأن شتم ~~النبي شرك، والجلوس مع من يشتمه من غير تغيير ولا قتل له شرك. # PageV03P453 # وأما القول بأنه الكذب فهو الصحيح؛ لأن كل ذلك إلى الكذب يرجع. # وأما من قال: إنه أعياد أهل الذمة فإن فصح النصارى وسبت اليهود يذكر فيه ~~الكفر؛ فمشاهدته كفر، إلا لما يقتضي ذلك من المعاني الدينية، أو على جهل من ~~المشاهد له. # وأما القول بأنه الغناء فليس ينتهي إلى هذا الحد؛ وقد بينا أمره فيما ~~تقدم، وقلنا: إن منه مباحا ومنه محظورا. # وأما من قال: إنه لعب كان في الجاهلية فإنما يحرم ذلك إذا كان فيه قمار ~~أو جهالة أو أمر يعود إلى الكفر. ### | [مسألة معني اللغو] # المسألة الثالثة: قوله: {وإذا مروا باللغو مروا كراما} [الفرقان: 72] # قد بينا اللغو، وأنه ما لا فائدة فيه من قول أو فعل؛ فإن كانت فيه مضرة ~~في دين أو دنيا فقد تأكد أمره في التحريم؛ وذلك بحسب تلك المضرة في اعتقاد ~~أو فعل، ويتركب اللغو على الزور؛ ms1262 ولكن ينبغي أن يكون له معنى زائد هاهنا؛ ~~لأنه قال: {والذين لا يشهدون الزور} [الفرقان: 72] فهذا محرم بلا كلام. # ثم قال: {وإذا مروا باللغو} [الفرقان: 72] يعني الذي لا فائدة فيه تكرموا ~~عنه، حتى قال قوم من أهل التفسير: إنه ذكر الرفث، ويكون لغوا مجردا إذا كان ~~في الحلال، ويكون زورا محرما إذا كان في الحرام، وإن احتاج أحد إلى ذكر ~~الفرج أو النكاح لأمر يتعلق بالدين جاز ذلك، كما روي أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال للذي اعترف عنده بالزنا: «نكتها»؟ لا تكني، للحاجة إلى ذلك ~~في تقدير الفعل الذي يتعلق به الحد. ### | [الآية العاشرة قوله تعالى والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا] # } [الفرقان: 73]. # فيها ثلاث مسائل: # PageV03P454 # المسألة الأولى: قال علماؤنا: يعني الذين إذا قرءوا القرآن قرءوه بقلوبهم ~~قراءة فهم وتثبت، ولم ينثروه نثر الدقل؛ فإن المرور عليه بغير فهم ولا تثبت ~~صمم وعمى عن معاينة وعيده ووعده، حتى قال بعضهم: إن من سمع رجلا وهو يصلي ~~يقرأ سجدة فسجد، وهي: المسألة الثانية: فليسجد معه؛ لأنه سمع آيات الله ~~تتلى عليه، وهذا لا يلزم إلا للقارئ وحده، وأما غيره فلا يلزمه ذلك إلا في ~~مسألة واحدة، وهي: المسألة الثالثة: ذكرها مالك، وهو أن الرجل إذا تلا ~~القرآن، وقرأ السجدة؛ فإن كان الذي جلس معه جلس إليه ليسمعه فليسجد معه، ~~وإن لم يلتزم السماع معه فلا سجود عليه. # وعلى هذا يخرج إذا كان في صلاة فقرأ السجدة أنه لا يسجد الذي لا يصلي ~~معه. # وهذا أبعد منه. # وقيل: معنى الآية في الذين لا يعتبرون اعتبار الإيمان، ولا يصدقون ~~بالقرآن، والكل محتمل أن يراد به، إلا أنه تختلف أحوالهم بحسب اختلاف ~~اعتقادهم وأعمالهم. # والله أعلم. ### | [الآية الحادية عشرة قوله تعالى والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا] # قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما} [الفرقان: 74]. # فيها مسألتان: المسألة الأولى: قوله: {قرة أعين} [الفرقان: 74] معناه أن ~~النفوس تتمنى، والعيون تمتد إلى ما ترى من الأزواج والذرية، حتى إذا كانت ms1263 ~~عنده زوجة اجتمعت له فيها أمانيه من جمال وعفة ونظر وحوطة، أو كانت # PageV03P455 # عنده ذريته محافظين على الطاعة، معاونين له على وظائف الدين والدنيا، لم ~~يلتفت إلى زوج أحد، ولا إلى ولده، فتسكن عينه عن الملاحظة، وتزول نفسه عن ~~التعلق بغيرها؛ فذلك حين قرة العين وسكون النفس. المسألة الثانية: قوله ~~{واجعلنا للمتقين إماما} [الفرقان: 74] # معناه قدوة. # كان ابن عمر يقول في دعائه: " اللهم اجعلنا من أئمة المتقين ". # وقال عمر بن الخطاب: " إنكم أيها الرهط أئمة يقتدى بكم ". وذلك؛ لأنهم ~~اقتدوا بمن قبلهم فاقتدى بهم من بعدهم. # وكان الأستاذ أبو القاسم القشيري شيخ الصوفية يقول: الإمامة بالدعاء، لا ~~بالدعوى يعني بتوفيق الله سبحانه وتيسيره وهبته، لا بما يدعيه كل أحد ~~لنفسه، ويرى فيها ما ليس له ولاية. # PageV03P456 ### | [سورة الشعراء فيها ست آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق # فكان كل فرق كالطود العظيم} [الشعراء: 63]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: قال ابن القاسم: قال مالك: خرج مع موسى رجلان من التجار ~~إلى البحر، فلما أتيا إليه قالا له: بم أمرك الله؟ قال: أمرني أن أضرب ~~البحر بعصاي هذه فيجف. فقالا له: افعل ما أمرك به ربك، فلن يخلفك. ثم ألقيا ~~أنفسهما في البحر تصديقا له، فما زال كذلك البحر حتى دخل فرعون ومن معه، ثم ~~ارتد كما كان. # وفي رواية عمرو بن ميمون أن موسى قال للبحر: انفلق. قال: لقد استكبرت يا ~~موسى، ما انفرقت لأحد من ولد آدم، فأنفلق لك. فأوحى الله إلى موسى أن اضرب ~~بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم. فصار لموسى وأصحابه البحر ~~طريقا يابسا. فلما خرج أصحاب موسى، وتكامل آخر أصحاب فرعون، انصب عليهم ~~البحر، وغرق فرعون. فقال بعض أصحاب موسى: ما غرق فرعون. فنبذ على ساحل ~~البحر، حتى نظروا إليه. # المسألة الثانية: قال مالك: دعا موسى فرعون أربعين سنة إلى الإسلام، وإن ~~السحرة آمنوا في يوم ms1264 واحد. # PageV03P457 # المسألة الثالثة: # في هذا دليل على أن مالكا كان يذكر من أخبار الإسرائليات ما وافق القرآن، ~~أو وافق السنة أو الحكمة، أو قامت به المصلحة التي لم تختلف فيها الشرائع؛ ~~وعلى هذه النكتة عول في جامع الموطأ. ### | [الآية الثانية قوله تعالى واجعل لي لسان صدق في الآخرين] # } [الشعراء: 84]. # فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى: قوله: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين} ~~[الشعراء: 84]: قال مالك: لا بأس أن يحب الرجل أن يثنى عليه صالحا؛ ويرى في ~~عمل الصالحين، إذا قصد به وجه الله وهو الثناء الصالح، وقد قال الله: ~~{وألقيت عليك محبة مني} [طه: 39]. المسألة الثانية: قوله: {واجعل لي لسان ~~صدق في الآخرين} [الشعراء: 84] يعني أن يجعل من ولده من يقوم بالحق من بعده ~~إلى يوم الدين؛ فقبلت الدعوة ولم تزل النبوة فيهم إلى محمد، ثم إلى يوم ~~القيامة. # وقيل: إن المطلوب اتفاق الملل كلها عليه [إلى يوم القيامة]، فلا أمة إلا ~~تقول به وتعظمه، وتدعيه، إلا أن الله تعالى قد قطع ولاية الأمم كلها إلا ~~ولايتنا، فقال سبحانه: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي ~~والذين آمنوا والله ولي المؤمنين} [آل عمران: 68] # PageV03P458 ### | [مسألة الترغيب في العمل الصالح] # المسألة الثالثة: # قال المحققون من شيوخ الزهد: في هذا دليل على الترغيب في العمل الصالح ~~الذي يكسب الثناء الحسن. # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا مات المرء انقطع عمله إلا من ~~ثلاث: صدقة جارية، أو علم علمه، أو ولد صالح يدعو له». وفي رواية: إنه كذلك ~~في الغرس والزرع، وكذلك فيمن مات مرابطا يكتب له عمله إلى يوم القيامة ~~والخمسة صحيح أثرها؛ ومسألة الرباط حسن سندها. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى إلا من أتى الله بقلب سليم] # } [الشعراء: 89] # فيه قولان: أحدهما: أنه سليم من الشرك قاله ابن عباس. # الثاني: أنه سليم من رذائل الأخلاق. # فقد روي عن عروة أنه قال: يا بني؛ لا تكونوا لعانين، فإن إبراهيم لم يلعن ~~شيئا قط. قال الله: {إذ جاء ربه بقلب سليم} [الصافات: 84] # وقال قوم: ms1265 معناه لديغ، أحرقته المخاوف، ولدغته الخشية. # وقد قال بعض علمائنا: إن معناه إلا من أتى الله بقلب سليم من الشرك؛ فأما ~~الذنوب فلا يسلم أحد منها. # والذي عندي أنه لا يكون القلب سليما إذا كان حقودا حسودا، معجبا متكبرا، ~~وقد شرط النبي - صلى الله عليه وسلم - في الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب ~~لنفسه. والله الموفق برحمته. # PageV03P459 ### | [الآية الرابعة قوله تعالى وإذا بطشتم بطشتم جبارين] # } [الشعراء: 130] # فيها مسألة واحدة: في نزولها خبر عمن تقدم من الأمم، ووعظ من الله لنا في ~~مجانبة ذلك الفعل الذي ذمهم به، وأنكره عليهم قال مالك بن أنس: قال نافع: ~~قال ابن عمر في قوله: {وإذا بطشتم بطشتم جبارين} [الشعراء: 130] قال: يعني ~~به السوط وقال غيره بالقتل؛ ويؤيد ما قال مالك قول الله تعالى ذكره عن ~~موسى: {فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن ~~تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد ~~أن تكون من المصلحين} [القصص: 19]. # وذلك أن موسى لم يسل عليه سيفا، ولا طعنه برمح؛ وإنما وكزه، فكانت ميتته ~~في وكزته. والبطش يكون باليد، وأقله الوكز والدفع، ويليه السوط والعصا، ~~ويليه الحديد؛ والكل مذموم إلا بحق. ### | [الآية الخامسة قوله تعالى وأنذر عشيرتك الأقربين] # } [الشعراء: 214]. # فيها مسألتان: المسألة الأولى: في نزولها: وذاك أنها نزلت بسحر على النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فصعد الصفا، ثم نادى: يا صباحاه وكانت دعوة ~~الجاهلية إذا دعاها الرجل اجتمعت إليه عشيرته، فاجتمعت إليه قريش عن بكرة ~~أبيها، فعم وخص، فقال: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن العدو مصبحكم، أكنتم مصدقي؟ ~~قالوا: ما جربنا عليك كذبا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد». # PageV03P460 # قال: «يا بني كعب بن لؤي: يا بني مرة بن لؤي: يا آل قصي، يا آل عبد شمس؛ ~~يا آل عبد مناف، يا آل هاشم؛ يا آل عبد المطلب، يا صفية أم الزبير؛ يا ~~فاطمة بنت محمد؛ أنقذوا أنفسكم من النار؛ إني لا أملك ms1266 لكم من الله شيئا. يا ~~بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب، يا صفية، يا فاطمة؛ سلوني من مالي ما ~~شئتم، واعلموا أن أوليائي يوم القيامة المتقون، فإن تكونوا يوم القيامة مع ~~قرابتكم فذلك، وإياي لا يأتي الناس بالأعمال، وتأتون بالدنيا تحملونها على ~~أعناقكم؛ فأصد بوجهي عنكم، فتقولون: يا محمد، فأقول: هكذا وصرف وجهه إلى ~~الشق الآخر؛ غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها». # فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا، تبا لك سائر اليوم. فنزلت: {تبت يدا أبي لهب ~~وتب} [المسد: 1] [المسد:]. # وقد روى البخاري عن عمرو بن العاص أنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: «إن آل أبي طالب ليسوا إلي بأولياء، وإنما وليي الله ~~وصالح المؤمنين». # قال البخاري: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر عن شعبة، قال: وكان ~~في كتاب محمد بن جعفر بياض يعني بعد قوله " إلي " وقد بينه أبو داود في جمع ~~الصحيحين عن شعبة بالسند الصحيح، فقال: «آل أبي طالب ليسوا إلي بأولياء، ~~إنما وليي الله وصالح المؤمنين». وقد تقدم ذكر ذلك. # المسألة الثانية: روى ابن القاسم عن مالك قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، في اليوم الذي مات فيه: «لا يتكل الناس علي بشيء؛ لا أحل إلا ~~ما أحل الله في كتابه، ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه، يا فاطمة بنت ~~رسول الله، يا صفية عمة رسول الله، اعملا لما عند الله، فإني لا أغني عنكما ~~من الله شيئا». # PageV03P461 ### | [الآية السادسة قوله تعالى والشعراء يتبعهم الغاوون] # } [الشعراء: 224] {ألم تر أنهم في كل واد يهيمون} [الشعراء: 225] {وأنهم ~~يقولون ما لا يفعلون} [الشعراء: 226] {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ~~ينقلبون} [الشعراء: 227] # فيها ثماني مسائل: المسألة الأولى: قوله: {والشعراء} [الشعراء: 224] ~~الشعر نوع من الكلام. قال الشافعي: حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيحه يعني ~~أن الشعر ليس يكره لذاته، وإنما يكره لمتضمناته. وقد كان عند العرب عظيم ~~الموقع حتى قال ms1267 الأول منهم: # وجرح اللسان كجرح اليد # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الشعر الذي كان يرد به على ~~المشركين: «إنه لأسرع فيهم من النبل». # وقد أخبرنا أبو الحسن المبارك بن عبد الجبار، أنبأنا البرمكي والقزويني ~~الزاهد، أنبأنا ابن حيوة، أنبأنا أبو محمد السكري، أنبأنا أبو محمد ~~الدينوري، حدثني يزيد بن عمرو الغنوي، حدثنا زكريا بن يحيى، حدثنا عمرو بن ~~زحر بن حصن عن جده حميد بن منهب قال: «سمعت جدي خريم بن أوس بن حارثة يقول: ~~هاجرت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة منصرفه من تبوك، ~~فسمعت العباس قال: يا رسول الله، إني أريد أن أمتدحك. فقال: قل، لا يفضض ~~الله فاك. فقال العباس ممتدحا: # من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودع حيث يخصف الورق # ثم هبطت البلاد لا بشر ... أنت ولا مضغة ولا علق # PageV03P462 # بل نطفة تركب السفين وقد ... ألجم نسرا وأهله الغرق # تنقل من صالب إلى رحم ... إذا مضى عالم بدا طبق # حتى استوى بينك المهيمن من ... خندف علياء تحتها النطق # وأنت لما بعثت أشرقت الأرض ... وضاءت بنورك الأفق # فنحن في ذلك الضياء وفي النور ... وسبل الرشاد نخترق # فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا يفضض الله فاك». ### | [مسألة معنى قوله تعالى يتبعهم الغاوون] # المسألة الثانية: قوله: {يتبعهم الغاوون} [الشعراء: 224]: يعني الجاهلون، ~~من الغي، وقد يكون الجهل في العقيدة، فيكون شركا، ويراد به الكفار ~~والشياطين. وقد يكون فيما دون ذلك، فيكون سفاهة. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ألم تر أنهم في كل واد يهيمون] # المسألة الثالثة قوله: {ألم تر أنهم في كل واد يهيمون} [الشعراء: 225]: ~~يعني يمشون بغير قصد ولا تحصيل، وضرب الأودية في السير مثلا لصنوف الكلام ~~في الشعر، لجريان تلك سيلا، وسير هؤلاء قولا، وأحسن ما قيل في ذلك قول ~~الشاعر: # فسار مسير الشمس في كل بلدة ... وهب هبوب الريح في البر والبحر ### | [مسألة معنى قوله تعالى وأنهم يقولون ما لا يفعلون] # المسألة الرابعة: قوله: {وأنهم يقولون ما لا يفعلون} [الشعراء: 226]: ~~يعني ما ms1268 يذكرونه في شعرهم من الكذب في المدح والتفاخر، والغزل والشجاعة، ~~كقول الشاعر في صفة السيف: # تظل تحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذراعين والساقين والهادي # فهذا تجاوز بارد وتحامق جاهل. # PageV03P463 ### | [مسألة المذموم في الشعر] # المسألة الخامسة: روي أن «عبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك، وحسان بن ~~ثابت أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين نزل: {والشعراء يتبعهم ~~الغاوون} [الشعراء: 224] وقالوا: هلكنا يا رسول الله؛ فأنزل الله: {إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا} ~~[الشعراء: 227] يعني ذكروا الله كثيرا في كلامهم، وانتصروا في رد المشركين ~~عن هجائهم». # كقول حسان في أبي سفيان: # وإن سنام المجد من آل هاشم ... بنو بنت مخزوم ووالدك العبد # وما ولدت أفناء زهرة منكم ... كريما ولا يقرب عجائزك المجد # ولست كعباس ولا كابن أمه ... ولكن هجين ليس يورى له زند # وإن امرأ كانت سمية أمه ... وسمراء مغلوب إذا بلغ الجهد # وأنت امرؤ قد نيط في آل هاشم ... كما نيط خلف الراكب القدح الفرد # وروى الترمذي وصححه عن أنس. «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة في ~~عمرة القضاء، وعبد الله بن رواحة يمشي بين يديه يقول: # خلوا بني الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم على تنزيله # ضربا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله # فقال عمر: يا بن رواحة؛ في حرم الله وبين يدي رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - تقول الشعر؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: خل عنه يا عمر، ~~فإنه أسرع فيهم من نضح النبل»، وفي رواية: # نحن ضربناكم على تأويله ... كما ضربناكم على تنزيله # PageV03P464 # المسألة السادسة: من المذموم في الشعر التكلم من الباطل بما لم يفعله ~~المرء؛ رغبة في تسلية النفس، وتحسين القول. # روي أن النعمان بن علي بن نضلة كان عاملا لعمر بن الخطاب، فقال: # ألا هل أتى الحسناء أن خليلها ... بميسان يسقى في زجاج وحنتم # إذا شئت غنتني دهاقين قرية ... ورقاصة تجذو على كل منسم # فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني ... ولا تسقني ms1269 بالأصغر المتثلم # لعل أمير المؤمنين يسوءه ... تنادمنا بالجوسق المتهدم # فبلغ ذلك عمر، فأرسل إليه بالقدوم عليه، وقال: إني والله يسوءني ذلك. ~~فقال له: يا أمير المؤمنين؛ ما فعلت شيئا مما قلت، وإنما كانت فضلة من ~~القول، وقد قال الله تعالى: {والشعراء يتبعهم الغاوون} [الشعراء: 224] {ألم ~~تر أنهم في كل واد يهيمون} [الشعراء: 225] {وأنهم يقولون ما لا يفعلون} ~~[الشعراء: 226] فقال له عمر: أما عذرك فقد درأ عنك الحد، ولكن لا تعمل لي ~~عملا أبدا. # المسألة السابعة: وقد كشف الخليفة العدل عمر بن عبد العزيز حقيقة أحوال ~~الشعراء، وكشف سرائرهم، وانتحى معايبهم في أشعارهم، فروي أنه لما استخلف ~~عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - وفدت إليه الشعراء، كما كانت تفد إلى ~~الخلفاء قبله، فأقاموا ببابه أياما لا يأذن لهم بالدخول، حتى قدم عدي بن ~~أرطاة على عمر بن عبد العزيز، وكانت له مكانة فتعرض له جرير، فقال: # يأيها الرجل المزجي مطيته ... هذا زمانك إني قد خلا زمني # أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه ... أني لدى الباب كالمصفود في قرن # وحش المكانة من أهلي ومن ولدي ... نائي المحلة عن داري وعن وطني # فقال: نعم، أبا حزرة ونعمى عين. # PageV03P465 # فلما دخل على عمر قال: يا أمير المؤمنين؛ إن الشعراء ببابك، وأقوالهم ~~باقية، وسهامهم مسمومة. فقال عمر: ما لي وللشعراء، قال: يا أمير المؤمنين، ~~إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد مدح وأعطى، وفيه أسوة لكل مسلم. ~~قال: ومن مدحه؟ قال: عباس بن مرداس السلمي فكساه حلة قطع بها لسانه. قال: ~~نعم، فأنشده: # رأيتك يا خير البرية كلها ... نشرت كتابا جاء بالحق معلما # سننت لنا فيه الهدى بعد جورنا ... عن الحق لما أصبح الحق مظلما # فمن مبلغ عني النبي محمدا ... وكل امرئ يجزى بما قد تكلما # تعالى علوا فوق عرش إلهنا ... وكان مكان الله أعلى وأعظما # قال: صدقت، فمن بالباب منهم؟ قال: ابن عمك عمر بن أبي ربيعة القرشي. قال: ~~لا قرب الله قرابته، ولا حيا وجهه، أليس هو القائل: # ألا ليت أني يوم بانوا ms1270 بميتتي ... شممت الذي ما بين عينيك والفم # وليت طهوري كان ريقك كله ... وليت حنوطي من مشاشك والدم # ويا ليت سلمى في القبور ضجيعتي ... هنالك أو في جنة أو جهنم # فليت عدو الله تمنى لقاءها في الدنيا، ثم يعمل عملا صالحا؛ والله لا دخل ~~علي أبدا. فمن بالباب غير من ذكرت؟ قال: جميل بن معمر العذري. قال: هو الذي ~~يقول: # ألا ليتنا نحيا جميعا وإن نمت ... يوافي لدى الموتى ضريحي ضريحها # فما أنا في طول الحياة براغب ... إذا قيل قد سوي عليها صفيحها # أظل نهاري لا أراها ويلتقي ... مع الليل روحي في المنام وروحها # اعزب به، فلا يدخل علي أبدا. فمن غير من ذكرت؟ قال: كثير عزة. قال: هو ~~الذي يقول: # PageV03P466 # رهبان مدين والذين عهدتهم ... يبكون من حذر العذاب قعودا # لو يسمعون كما سمعت كلامها ... خروا لعزة ركعا وسجودا # اعزب به. فمن بالباب غير من ذكرت؟ قال: الأحوص الأنصاري. قال: أبعده الله ~~وأسحقه، أليس هو القائل وقد أفسد على رجل من أهل المدينة جارية له حتى هربت ~~منه قال: # الله بيني وبين سيدها ... يفر مني بها وأتبع # اعزب به. فمن بالباب غير من ذكرت؟ قال: همام بن غالب الفرزدق. قال: أليس ~~هو القائل يفخر بالزنا: # هما دلياني من ثمانين قامة ... كما انقض باز أقتم الريش كاسره # فلما استوت رجلاي في الأرض قالتا ... أحي يرجى أم قتيل نحاذره # فقلت ارفعوا الأمراس لا يشعروا بنا ... ووليت في أعقاب ليل أبادره # اعزب به. فوالله لا يدخل علي أبدا. فمن بالباب غير من ذكرت؟ قلت: الأخطل ~~التغلبي. قال: هو القائل: # فلست بصائم رمضان عمري ... ولست بآكل لحم الأضاحي # ولست بزاجر عيسا ركوبا ... إلى بطحاء مكة للنجاح # ولست بقائم كالعير يدعو ... قبيل الصبح حي على الفلاح # ولكني سأشربها شمولا ... وأسجد عند منبلج الصباح # اعزب به، فوالله لا وطئ بساطي. فمن بالباب غير من ذكرت؟ قلت: جرير بن ~~عطية الخطفي قال: أليس هو القائل: # PageV03P467 # لولا مراقبة العيون أريتنا ... مقل المها وسوالف الآرام # ذم المنازل بعد منزلة اللوى ms1271 ... والعيش بعد أولئك الأيام # طرقتك صائدة القلوب وليس ذا ... حين الزيارة فارجعي بسلام # فإن كان ولا بد فهذا، فأذن له فخرجت إليه، فقلت: ادخل أبا حزرة، فدخل وهو ~~يقول: # إن الذي بعث النبي محمدا ... جعل الخلافة للإمام العادل # وسع البرية عدله ووفاؤه ... حتى ارعوى وأقام ميل المائل # إني لأرجو منك خيرا عاجلا ... والنفس مولعة بحب العاجل # فلما مثل بين يديه قال له: اتق الله يا جرير، ولا تقل إلا حقا، فأنشأ ~~يقول: # كم باليمامة من شعثاء أرملة ... ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر # ممن يعدك تكفي فقد والده ... كالفرخ في العش لم يدرج ولم يطر # إنا لنرجو إذا ما الغيث أخلفنا ... من الخليفة ما نرجو من المطر # أتى الخلافة إذ كانت له قدرا ... كما أتى ربه موسى على قدر # النطروني الأرامل قد قضيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر # فقال: يا جرير لقد وليت هذا الأمر، وما أملك إلا ثلاثمائة درهم، فمائة ~~أخذها عبد الله، ومائة أخذتها أم عبد الله، يا غلام، أعطه المائة الثالثة ~~فقال: والله: يا أمير المؤمنين، إنها لأحب مال كسبته إلي. ثم خرج، فقال له ~~الشعراء: ما وراءك؟ قال: ما يسوءكم، خرجت من عند أمير يعطي الفقراء، ويمنع ~~الشعراء، وإني عنه لراض، ثم أنشأ يقول: # رأيت رقى الشيطان لا تستفزه ... وقد كان شيطاني من الجن راقيا # ولما ولي ابن الزبير وفد إليه نابغة بني جعدة، فدخل عليه المسجد الحرام، ~~ثم أنشده: # PageV03P468 # حكيت لنا الفاروق لما وليتنا ... وعثمان والصديق فارتاح معدم # وسويت بين الناس في الحق فاستووا ... فعاد صباحا حالك اللون مظلم # أتاك أبو ليلى يجوب به الدجى ... دجى الليل جواب الفلاة عثمثم # لتجبر منا جانبا دعدعت به ... صروف الليالي والزمان المصمم # فقال له ابن الزبير: هون عليك أبا ليلى، فالشعر أدنى وسائلك عندنا، أما ~~صفوة مالنا فلآل الزبير، وأما عفوته فإن بني أسد وتميما شغلاها عنك، ولكن ~~لك في مال الله سهمان: سهم برؤيتك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسهم ~~بشركتك أهل الإسلام في فيئهم، ثم ms1272 أخذ بيده، ودخل دار المغنم فأعطاه قلائص ~~سبعا، وجملا رحيلا، وأوقر له الركاب برا وتمرا، فجعل النابغة يستعجل، ويأكل ~~الحب صرفا. فقال ابن الزبير: ويح أبي ليلى، لقد بلغ به الجهد، فقال ~~النابغة: أشهد، لسمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ما وليت؟؟ ~~قريش فعدلت، ولا استرحمت فرحمت، وحدثت فصدقت، ووعدت فأنجزت، فأنا والنبيون ~~فراط القاصفين». قال الزبير بن بكار: فكأن الفارط الذي يتقدم إلى الماء ~~يصلح الرشاء والدلاء. والقاصف: الذي يتقدم لشراء الطعام # المسألة الثامنة: في تحقيق القول فيه: أما الاستعارات والتشبيهات فمأذون ~~فيها وإن استغرقت الحد، وتجاوزت المعتاد، فبذلك يضرب الملك الموكل بالرؤيا ~~المثل، وقد أنشد كعب بن زهير النبي - صلى الله عليه وسلم -: # بانت سعاد فقلبي اليوم متبول ... متيم إثرها لم يفد مكبول # وما سعاد غداة البين إذ رحلوا ... إلا أغن غضيض الطرف مكحول # تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت ... كأنه منهل بالراح معلول # فجاء في هذه القصيدة من الاستعارات والتشبيهات بكل بديع. والنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يسمع ولا ينكر، حتى في تشبيه ريقها بالراح. # PageV03P469 # وقد كانت حرمت قبل إنشاده لهذه القصيدة، ولكن تحريمها لم يمنع عندهم ~~طيبها؛ بل تركوها على الرغبة فيها والاستحسان لها؛ فكان ذلك أعظم لأجورهم، ~~ومن الناس قليل من يتركها استقذارا لها، وإنها لأهل لذلك عندي، وإني لأعجب ~~من الناس في تلذذهم بها واستطابتهم لها، ووالله ما هي إلا قذرة بشعة كريهة ~~من كل وجه، والله يعصم من المعاصي بعزته. # وبالجملة، فلا ينبغي أن يكون الغالب على العبد الشعر حتى يستغرق قوله ~~وزمانه، فذلك مذموم شرعا. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لأن يمتلئ ~~جوف أحدكم قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا». والله أعلم لا رب غيره ~~ولا معبود إلا إياه. # PageV03P470 ### | [سورة النمل فيها ست عشرة آية] # [الآية الأولى قوله تعالى وورث سليمان داود] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {وورث سليمان داود # وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل ~~المبين} [النمل: ms1273 16]. # فيها مسألتان: المسألة الأولى: قد بينا فيما سلف أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «إنا معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة». وأنه قال: ~~«إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، إنما ورثوا علما». والأول أصح. # فإن قيل: فما معنى قوله: {وورث سليمان داود} [النمل: 16] قلنا، وهي: ~~المسألة الثانية: أراد بالإرث هاهنا نزوله منزلته في النبوة والملك، وكان ~~لداود تسعة عشر ولدا ذكرا وأنثى، فخص سليمان بالذكر، ولو كانت وراثة مال ~~لانقسمت على العدد، فخصه بما كان لداود، وزاده من فضله ملكا لا ينبغي لأحد ~~من بعده. # PageV03P471 ### | [الآية الثانية قوله تعالى علمنا منطق الطير] # } [النمل: 16]: فيها مسألتان: المسألة الأولى: القول في منطق الطير، وهو ~~صوت تتفاهم به في معانيها على صيغة واحدة، بخلاف منطقنا، فإنه على صيغ ~~مختلفة، نفهم به معانيها. # قال علماؤنا: وفي المواضعات غرائب؛ ألا ترى أن صوت البوق تفهم منه أفعال ~~مختلفة من حل وترحال، ونزول وانتقال، وبسط وربط، وتفريق وجمع، وإقبال ~~وإدبار، بحسب المواضعة والاصطلاح. # وقد كان صاحبنا مموس الدريدي يقرأ معنا ببغداد، وكان من قوم كلامهم حروف ~~الشفتين، ليس لحروف الحلق عندهم أصل. # فجعل الله لسليمان معجزة فهم كلام الطير والبهائم والحشرات؛ وإنما خص ~~الطير لأجل سوق قصة الهدهد بعدها. ألا تراه كيف ذكر قصة النمل معها، وليست ~~من الطير. # ولا خلاف عند العلماء في أن الحيوانات كلها لها أفهام وعقول. # وقد قال الشافعي: الحمام أعقل الطير. وقد قال علماء الأصوليين: انظروا ~~إلى النملة كيف تقسم كل حبة تدخرها نصفين لئلا ينبت الحب، إلا حب الكزبرة ~~فإنها تقسم الحبة منه على أربع؛ لأنها إذا قسمت بنصفين تنبت، وإذا قسمت ~~بأربعة أنصاف لم تنبت. # وهذه من غوامض العلوم عندنا، وأدركتها النمل بخلق الله ذلك لها. # وقال الأستاذ أبو المظفر شاه نور الإسفراييني: ولا يبعد أن تدرك البهائم ~~حدوث # PageV03P472 # العالم، وخلق المخلوقات، ووحدانية الإله، ولكنا لا نفهم عنهم، ولا تفهم ~~عنا، أما أنا نطلبها وهي تفر منا فبحكم الجنسية. # المسألة الثانية: روى ابن وهب عن مالك ms1274 أن سليمان النبي مر على قصر ~~بالعراق، فإذا فيه كتاب: # خرجنا من قرى إصطخر ... إلى القصر فقلناه # فمن سال عن القصر ... فمبنيا وجدناه # وعلى القصر نسر، فناداه سليمان، فأقبل إليه، فقال: مذ كم أنت هاهنا؟ قال: ~~مذ تسعمائة سنة. ووجدت القصر على هيئته. قال القاضي: قرأت بمدينة السلام ~~على أبي بكر النجيب بن الأسعد قال: أنبأنا محمد بن فتوح الرصافي، أنبأنا ~~الخطيب أبو بكر الحافظ، حدثني أبو القاسم عبد الله بن محمد الرفاعي، أنبأنا ~~علي بن محمد بن أحمد الفقيه بأصبهان، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله ~~بن أسيد، حدثنا محمد بن زكريا الغلابي، حدثنا عبد الله بن علي بن يحيى ~~الإفريقي، حدثنا عبد الملك بن حبيب عن مالك بن أنس، وعن ربيعة بن أبي عبد ~~الرحمن، عن سعيد بن المسيب: كان سليمان بن داود يركب الريح من إصطخر فيتغدى ~~ببيت المقدس، ثم يعود فيتعشى بإصطخر. فقال: إن ابن حبيب أدرك مالكا، وما ~~أراه ولا هذا الحديث إلا مقطوعا. والله أعلم. # وروى مالك وغيره في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة فلدغته نملة، فأمر بجهازه فأخرج من تحتها، ~~ثم أمر ببيتها فأحرق، فأوحى الله إليه فهلا نملة واحدة». # PageV03P473 ### | [الآية الثالثة قوله تعالى وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون] # } [النمل: 17] # فيها مسألتان: المسألة الأولى: قوله: {يوزعون} [النمل: 17] يعني يمنعون ~~ويدفعون، ويرد أولهم على آخرهم، وقد يكون بمعنى يلهمون من قوله: {أوزعني أن ~~أشكر نعمتك} [النمل: 19] أي ألهمني. ويحتمل أن يرجع إلى الأولى، ويكون ~~معناه ردني. # المسألة الثانية: روى أشهب قال: قال مالك بن أنس: قال عثمان: ما يزع ~~الناس السلطان أكثر مما يزعهم القرآن. قال مالك: يعني يكفهم. قال ابن وهب ~~مثله، وزاد ثم تلا مالك: {فهم يوزعون} [النمل: 17] أي يكفون. # وقد جهل قوم المراد بهذا الكلام، فظنوا أن المعنى فيه أن قدرة السلطان ~~تردع الناس أكثر مما تردعهم حدود القرآن. وهذا جهل بالله وحكمه وحكمته ~~ووضعه ms1275 لخلقه، فإن الله ما وضع الحدود إلا مصلحة عامة كافة قائمة بقوام ~~الحق، لا زيادة عليها ولا نقصان معها، ولا يصلح سواها، ولكن الظلمة خاسوا ~~بها، وقصروا عنها، وأتوا ما أتوا بغير نية منها، ولم يقصدوا وجه الله في ~~القضاء بها؛ فلذلك لم يرتدع الخلق بها. ولو حكموا بالعدل؛ وأخلصوا النية، ~~لاستقامت الأمور، وصلح الجمهور؛ وقد شاهدتم منا إقامة العدل والقضاء والحمد ~~لله بالحق، والكف للناس بالقسط، وانتشرت الأمنة، وعظمت المنعة، واتصلت في ~~البيضة الهدنة، حتى غلب قضاء الله بفساد الحسدة، واستيلاء الظلمة. # PageV03P474 ### | [الآية الرابعة قوله تعالى حتى إذا أتوا على واد النمل] # قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا ~~يشعرون} [النمل: 18] # فيها مسألتان: المسألة الأولى: رأيت بعض البصريين قد قال: إن النملة كان ~~لها جناحان، فصارت في جملة الطير، ولذلك فهم منطقها؛ لأنه لم يعلم إلا منطق ~~الطير؛ وهذا نقصان عظيم. وقد بينا الحكمة في ذكر الطير خصوصا دون سائر ~~البهائم والحشرات، وما لا يعقل. # وقد اتفق الناس على أنه كان يفهم كلام من لا يتكلم، ويخلق له فيه القول ~~من النبات؛ فكان كل نبات يقول له: أنا شجرة كذا، أنفع من كذا، وأضر من كذا، ~~وفائدتي كذا، فما ظنك بالحيوان، المسألة الثانية: قوله: {لا يحطمنكم سليمان ~~وجنوده وهم لا يشعرون} [النمل: 18] فانظر إلى فهمها بأن جند سليمان لم يكن ~~فيهم من يؤذي نملة مع القصد إلى ذلك، والعلم به، تقية لسليمان؛ لأن منهم ~~التقي والفاجر، والمؤمن والكافر؛ إذ كان فيهم الشياطين. # وقد أخبر الله عن جيش محمد بمثله في قوله: {ولولا رجال مؤمنون ونساء ~~مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم} [الفتح: 25]. # وهذا من فضائل محمد - صلى الله عليه وسلم - وقد بينا ذلك في كتاب ~~المشكلين، وفي معجزات النبي من كتاب " أنوار الفجر ". # وقد انتهى الجهل بقوم إلى أن يقولوا: إن معناه: والنمل لا يشعرون، فخرج ~~من خطاب المواجهة إلى خطاب الغائب لغير ضرورة ولا فائدة إلا إبطال المعجزة ms1276 ~~لهذا النبي # PageV03P475 # الكريم، والله ولي التقويم. كما انتهى الإفراط بقوم إلى أن يقولوا: إنه ~~كان من كلام النملة له أن قالت: يا نبي الله؛ أرى لك ملكا عظيما، فما أعظم ~~جندك؟ قال لها: تسخير الريح. قالت له: إن الله أعلمك أن كل ما أنت فيه في ~~الدنيا ريح. وما أحسن الاقتصاد، وأضبط السداد للأمور والانتقاد، ### | [الآية الخامسة قوله تعالى فتبسم ضاحكا من قولها] # وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ~~ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين} [النمل: 19]. # فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى: القول في التبسم: وهو أول الضحك، وآخره ~~بدو النواجذ؛ وذلك يكون مع القهقهة، وجل ضحك الأنبياء التبسم. المسألة ~~الثانية: من الضحك مكروه، لقوله: {فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما ~~كانوا يكسبون} [التوبة: 82]. # ومن الناس من كان لا يضحك؛ اهتماما بنفسه وفساد حاله في اعتقاده من شدة ~~الخوف، وإن كان عبدا طائعا. ومن الناس من يضحك، وإنما قال الله في الكفار: ~~{فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا} [التوبة: 82] لما كانوا عليه من النفاق ~~يعني ضحكهم في الدنيا وهو تهديد لا أمر بالضحك. # وقالت عائشة: «جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وكان رفاعة طلقها فبت طلاقها، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وقالت: يا ~~رسول الله؛ والله ما معه إلا مثل هذه الهدبة الهدبة أخذتها من جلبابها، ~~وأبو بكر الصديق وخالد جالسان عند النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن سعيد ~~بن العاص جالس بباب الحجرة ليؤذن له، فطفق خالد ينادي: # PageV03P476 # يا أبا بكر، انظر ما تجهر به هذه المرأة عند رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وما يزيد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على التبسم. ثم قال: ~~لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة.» الحديث. # «واستأذن عمر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعنده نسوة من قريش ~~يسألنه ويستكثرنه عالية أصواتهن على صوته؛ فلما استأذن عمر تبادرن الحجاب، ~~فأذن له النبي - صلى الله عليه وسلم - فدخل، والنبي - صلى الله عليه ms1277 وسلم - ~~يضحك. فقال: أضحك الله سنك يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، فقال: عجبت من ~~هؤلاء اللاتي كن عندي، فلما سمعن صوتك تبادرن الحجاب» وذكر الحديث. # وروى عبد الله بن عمر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كان بالطائف ~~قال: إنا قافلون غدا إن شاء الله. فقال أناس من أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: لا نبرح حتى نفتحها. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~فاغدوا على القتال. قال: فغدوا، فقاتلوهم قتالا شديدا، وكثرت الجراحات. ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنا قافلون غدا إن شاء الله قال: ~~فسكتوا. قال: فضحك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -». # وقال أبو هريرة: «أتى رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: هلكت، ~~وأهلكت، وقعت على أهلي في رمضان. قال: اعتق رقبة. قال: ليس لي مال. قال: ~~فصم شهرين متتابعين. قال: لا أستطيع. قال: فأطعم ستين مسكينا. قال: لا أجد. ~~قال: فأتى رسول الله بعرق تمر. والعرق: المكتل. فقال: أين السائل؟ تصدق ~~بهذا # PageV03P477 # قال: أعلى أفقر مني، والله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منا. فضحك - صلى ~~الله عليه وسلم - حتى بدت نواجذه. قال: فأنتم إذا». # ولما سأله الناس المطر فأمطروا، ثم سألوه الصحو ضحك. # المسألة الثالثة: قال علماؤنا: إن قيل: من أي شيء ضحك سليمان؟ قلنا: فيه ~~أقوال: أصحها أنه ضحك من نعمة الله عليه في تسخير الجيش وعظيم الطاعة، حتى ~~لا يكون اعتداء. # ولذلك قال: {أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل ~~صالحا ترضاه} [النمل: 19] وهو حقيقة الشكر. والله أعلم. ### | [الآية السادسة قوله تعالى وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد] # أم كان من الغائبين} [النمل: 20]. # فيها أربع مسائل: المسألة الأولى: في سبب تفقده قولان: أحدهما: أن الطير ~~كانت تظل سليمان من الشمس حتى تصير عليه صافات، كالغمامة، فطار الهدهد عن ~~موضعه، فأصابت الشمس سليمان، فتفقده حينئذ. # الثاني: أن الهدهد كان يرى تحت الأرض الماء، فكان ينزل بجيشه، ثم يقول ~~للهدهد: انظر بعد ms1278 الماء من قربه، فيشير له إلى بقعة، فيأمر الجن فتسلخ ~~الأرض سلخ الأديم، حتى تبلغ الماء، فيستقي ويسقي. # PageV03P478 # المسألة الثانية: قال سليمان: ما لي لا أرى الهدهد. ولم يقل: ما للهدهد ~~لا أراه، قال لنا أبو سعيد محمد بن طاهر الشهيد: قال لنا جمال الإسلام وشيخ ~~الصوفية أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن: إنما قال: [مالي لا أرى الهدهد]؛ ~~لأنه اعتبر حال نفسه؟ إذ علم أنه أوتي الملك العظيم، وسخر له الخلق، فقد ~~لزمه حق الشكر بإقامة الطاعة وإدامة العمل. فلما فقد نعمة الهدهد توقع أن ~~يكون قصر في حق الشكر، فلأجله سلبها، فجعل يتفقد نفسه، فقال: مالي، وكذلك ~~تفعل شيوخ الصوفية إذا فقدوا آمالهم تفقدوا أعمالهم. هذا في الآداب، فكيف ~~بنا اليوم، ونحن نقصر في الفرائض، المسألة الثالثة: قال علماؤنا: هذا يدل ~~من سليمان على تفقده أحوال الرعية، والمحافظة عليهم، فانظروا إلى الهدهد ~~وإلى صغره فإنه لم يغب عنه حاله، فكيف بعظائم الملك؟ ويرحم الله عمر، فإنه ~~كان على سيرته قال: " لو أن سخلة بشاطئ الفرات أخذها الذئب ليسأل عنها عمر، ~~فما ظنك بوال تذهب على يديه البلدان، وتضيع الرعية، وتضيع الرعيان، # المسألة الرابعة: # قال ابن الأزرق لابن عباس وقد سمعه يذكر شأن الهدهد هذا: قف يا وقاف. # كيف يرى الماء تحت الأرض، ولا يرى الحبة في الفخ. # فقال له ابن عباس بديهة: إذا نزل القدر عشي البصر. ولا يقدر على هذا ~~الجواب إلا عالم القرآن وقد أنشدني محمد بن عبد الملك التنيسي الواعظ عن ~~الشيخ أبي الفضل الجوهري في هذا المعنى: # PageV03P479 # إذا أراد الله أمرا بامرئ ... وكان ذا عقل وسمع وبصر # وحيلة يعملها في دفع ما ... يأتي به مكروه أسباب القدر # غطى عليه سمعه وعقله ... وسله من ذهنه سل الشعر # حتى إذا أنفذ فيه حكمه ... رد عليه عقله ليعتبر ### | [الآية السابعة قوله تعالى لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه] # أو ليأتيني بسلطان مبين} [النمل: 21]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى: هذه الآية دليل على أن الطير كانوا مكلفين؛ إذ لا يعاقب ms1279 ~~على ترك فعل إلا من كلف ذلك الفعل، وبهذا يستدل على جهل من يقول: إن ذلك ~~إنما كان من سليمان استدلالا بالأمارات، وإنه لم يكن للطير عقل، ولا كان ~~للبهائم علم، ولا أوتي سليمان علم منطق الطير. # وقاتلهم الله، ما أجرأهم على الخلق فضلا عن الخالق، # المسألة الثانية: كان الهدهد صغير الجرم، ووعد بالعذاب الشديد لعظيم ~~الجرم. قال علماؤنا: وهذا يدل على أن الحد على قدر الذنب، لا على قدر ~~الجسد، أما إنه يرفق بالمحدود في الزمان والصفة على ما بيناه في أحكام ~~استيفاء القصاص. ### | [الآية الثامنة قوله تعالى فمكث غير بعيد] # فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين} [النمل: 22]. # PageV03P480 # وهذا دليل على أن الصغير يقول للكبير، والمتعلم للعالم: عندي ما ليس ~~عندك، إذا تحقق ذلك وتيقنه وقد بيناه في آداب العلم. ### | [الآية التاسعة قوله تعالى إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم] # } [النمل: 23]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: قال علماؤنا: هي بلقيس بنت شرحبيل ملكة سبأ، وأمها جنية ~~بنت أربعين ملكا. # وهذا أمر تنكره الملحدة. ويقولون: إن الجن لا يأكلون، ولا يلدون وكذبوا ~~لعنهم الله أجمعين. ذلك صحيح ونكاحهم مع الإنس جائز عقلا. فإن صح نقلا فبها ~~ونعمت، وإلا بقينا على أصل الجواز العقلي. . ### | [مسألة سبأ رجل ولد له عشرة أولاد وكان لهم خبر فسمى البلد باسم القبيلة] # المسألة الثانية: روى الترمذي وغيره عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~«أنه قال في سبأ: هو رجل ولد له عشرة أولاد، وكان لهم خبر فسمى البلد باسم ~~القبيلة»، أو ذكر أنه جاء من القبيلة. # ويحتمل أن يكون سمى البلد باسم القبيلة. # روى الترمذي وغيره عن فروة بن مسيك المرادي، قال: «أتيت النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله؛ ألا أقاتل من أدبر من قومي بمن أقبل منهم، ~~فأذن لي في قتالهم وأمرني. فلما خرجت من عنده سأل عني ما فعل القطيفي؟ ~~فأخبر بأني قد سرت. قال: فأرسل في أثري فردني، فأتيته، ms1280 وهو في نفر من ~~أصحابه، فقال: ادع القوم، فمن أسلم منهم فاقبل منه، ومن لم يسلم فلا تعجل ~~حتى أحدث لك. # PageV03P481 # وأنزل الله في سبأ ما أنزل. فقال رجل: يا رسول الله؛ ما سبأ؟ أرض أو ~~امرأة؟ فقال: ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد عشرة من العرب فتيامن منهم ~~ستة، وتشاءم منهم أربعة؟ فأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وغسان وعاملة. وأما ~~الذين تيامنوا فالأزد، والأشعريون، وحمير، وكندة، ومذحج، وأنمار. فقال رجل: ~~يا رسول الله؛ وما أنمار؟ قال: الذين منهم خثعم وبجيلة». # وروي في هذا عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث آخر. ### | [مسألة المرأة لا تكون خليفة] # المسألة الثالثة: روي في الصحيح «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ~~حين بلغه أن كسرى لما مات ولى قومه بنته: لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». # وهذا نص في أن المرأة لا تكون خليفة، ولا خلاف فيه. # ونقل عن محمد بن جرير الطبري إمام الدين أنه يجوز أن تكون المرأة قاضية؛ ~~ولم يصح ذلك عنه؛ ولعله كما نقل عن أبي حنيفة أنها [إنما] تقضي فيما تشهد ~~فيه، وليس بأن تكون قاضية على الإطلاق، ولا بأن يكتب لها منشور بأن فلانة ~~مقدمة على الحكم، إلا في الدماء والنكاح، وإنما ذلك كسبيل التحكيم أو ~~الاستبانة في القضية الواحدة، بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لن يفلح ~~قوم ولوا أمرهم امرأة». وهذا هو الظن بأبي حنيفة وابن جرير. وقد روي أن عمر ~~قدم امرأة على حسبة السوق، ولم يصح؛ فلا تلتفتوا إليه؛ فإنما هو من دسائس ~~المبتدعة في الأحاديث. # PageV03P482 # وقد تناظر في هذه المسألة القاضي أبو بكر بن الطيب المالكي الأشعري مع ~~أبي الفرج بن طرار شيخ الشافعية ببغداد في مجلس السلطان الأعظم عضد الدولة، ~~فماحل ونصر ابن طرار لما ينسب إلى ابن جرير، على عادة القوم التجادل على ~~المذاهب، وإن لم يقولوا بها استخراجا للأدلة وتمرنا في الاستنباط للمعاني؛ ~~فقال أبو الفرج بن طرار: الدليل على أن المرأة يجوز أن ms1281 تحكم أن الغرض من ~~الأحكام تنفيذ القاضي لها، وسماع البينة عليها، والفصل بين الخصوم فيها، ~~وذلك يمكن من المرأة، كإمكانه من الرجل. # فاعترض عليه القاضي أبو بكر، ونقض كلامه بالإمامة الكبرى؛ فإن الغرض منها ~~حفظ الثغور، وتدبير الأمور، وحماية البيضة، وقبض الخراج، ورده على مستحقيه، ~~وذلك يتأتى من المرأة كتأتيه من الرجل. # فقال له أبو الفرج بن طرار: هذا هو الأصل في الشرع، إلا أن يقوم دليل على ~~منعه. # فقال له القاضي أبو بكر: لا نسلم أنه أصل الشرع. # قال القاضي عبد الوهاب: هذا تعليل للنقض، يريد: والنقض لا يعلل. وقد بينا ~~فساد قول القاضي عبد الوهاب في أصول الفقه. # قال الفقيه القاضي أبو بكر - رحمه الله -: ليس كلام الشيخين في هذه ~~المسألة بشيء، فإن المرأة لا يتأتى منها أن تبرز إلى المجالس، ولا تخالط ~~الرجال، ولا تفاوضهم مفاوضة النظير للنظير، لأنها إن كانت فتاة حرم النظر ~~إليها وكلامها، وإن كانت متجالة برزة لم يجمعها والرجال مجلس تزدحم فيه ~~معهم، وتكون منظرة لهم، ولم يفلح قط من تصور هذا، ولا من اعتقده. # PageV03P483 ### | [الآية العاشرة قوله تعالى قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين] # } [النمل: 27]. # فيها مسألتان. # المسألة الأولى: قوله {سننظر أصدقت} [النمل: 27] لم يعاقبه؛ لأنه اعتذر ~~له، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ولذلك بعث النبيين مبشرين ومنذرين. # وكذلك يجب على الوالي أن يقبل عذر رعيته، ويدرأ العقوبة عنهم في ظاهر ~~أحوالهم بباطن أعذارهم، ولكن له أن يمتحن ذلك إذا تعلق به حكم من أحكام ~~الشريعة، كما فعل سليمان؟ فإنه لما قال له [الهدهد]: {إني وجدت امرأة ~~تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم} [النمل: 23] لم يستفزه الطمع، ولا ~~استجره حب الزيادة في الملك إلى أن يعرض له، حتى قال: {وجدتها وقومها ~~يسجدون للشمس من دون الله} [النمل: 24]، حينئذ غاظه ما سمع، وطلب الانتهاء ~~إلى ما أخبر، وتحصيل علم ما غاب من ذلك، حتى يغيره بالحق، ويرده إلى الله ~~تعالى. # ونحو منه ما يروى أن عمر بن الخطاب ms1282 سأل عن إملاص المرأة، وهي التي يضرب ~~بطنها فتلقي جنينها، فقال: أيكم سمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه ~~شيئا؟ قلت: أنا يعني المغيرة بن شعبة فقال: ما هو؟ قلت: سمعت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول: «فيه غرة عبد أو أمة». فقال: " لا تبرح حتى تجيء ~~بالمخرج من ذلك " فخرجت، فوجدت محمد بن مسلمة، فجئت به، فشهد. وكان هذا ~~تثبتا من عمر احتج به لنفسه. # وأما المغيرة فتوقف فيما قال لأجل قصة أبي بكرة، وهذا كله مبين في أصول ~~الفقه. # PageV03P484 # المسألة الثانية: لو قال له سليمان: سننظر في أمرك لاجتزأ به، ولكن ~~الهدهد لما صرح له بفخر العلم، {فقال أحطت بما لم تحط به} [النمل: 22] صرح ~~له سليمان بأنه سينظر، أصدق أم كذب فكان ذلك كفؤا لما قاله. ### | [الآية الحادية عشرة قوله تعالى اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم] # ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون} [النمل: 28] {قالت يا أيها الملأ إني ~~ألقي إلي كتاب كريم} [النمل: 29] {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن ~~الرحيم} [النمل: 30]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: قوله: {كتاب كريم} [النمل: 29] # فيه ستة أقوال: # الأول: لختمه، وكرامة الكتاب ختمه. # الثاني: لحسن ما فيه من بلاغة وإصابة معنى. # الثالث: كرامة صاحبه؛ لأنه ملك. # الرابع: كرامة رسوله؛ لأنه طائر؛ وما عهدت الرسل منها. # الخامس: لأنه بدأ فيه ببسم الله. # السادس: لأنه بدأ فيه بنفسه، ولا يفعل ذلك إلا الجلة. # وفي حديث ابن عمر أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان يبايعه: لعبد الله عبد ~~الملك أمير المؤمنين؛ إني أقر لك بالسمع والطاعة ما استطعت، وإن بني قد ~~أقروا لك بذلك. # وهذه الوجوه كلها صحيحة. وقد روي أنه لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم أحد ~~قبل سليمان. # PageV03P485 # المسألة الثانية: # الوصف الكريم في الكتاب غاية الوصف؛ ألا ترى إلى قوله: {إنه لقرآن كريم} ~~[الواقعة: 77]. وأهل الزمان يصفون الكتاب بالخطير، وبالأثير، وبالمبرور؛ ~~فإن كان لملك قالوا: العزيز؛ وأسقطوا الكريم غفلة، وهو أفضلها خصلة. فأما ~~الوصف بالعزيز فقد اتصف به القرآن أيضا؛ ms1283 فقال: {وإنه لكتاب عزيز} [فصلت: ~~41] {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} [فصلت: 42]. # فهذه عزته، وليست لأحد إلا له؛ فاجتنبوها في كتبكم، واجعلوا بدلها ~~العالي، توقية لحق الولاية، وحياطة للديانة. ### | [مسألة من قال إن بسم الله الرحمن الرحيم ليست آية من القرآن] # المسألة الثالثة: # هذه البسملة آية في هذا الموضع بإجماع؛ ولذلك إن من قال: إن {بسم الله ~~الرحمن الرحيم} [النمل: 30] ليست آية من القرآن كفر، ومن قال: إنها ليست ~~بآية في أوائل السور لم يكفر؛ لأن المسألة الأولى متفق عليها، والمسألة ~~الثانية مختلف فيها. ولا يكفر إلا بالنص أو ما يجمع عليه. ### | [الآية الثانية عشرة قوله تعالى قالت يأيها الملأ أفتوني في أمري] # الآية الثانية عشرة قوله تعالى: {قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما ~~كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون} [النمل: 32]. # في هذا دليل على صحة المشاورة إما استعانة بالآراء، وإما مداراة ~~للأولياء. ويقال: إنها أول من جاء أنه شاور، وقد بينا المشورة في سورة آل ~~عمران بما أغنى عن إعادته، وقد مدح الله الفضلاء بقوله: {وأمرهم شورى ~~بينهم} [الشورى: 38]. # PageV03P486 ### | [الآية الثالثة عشرة قوله تعالى وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون] # } [النمل: 35]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى: يروى أنها قالت: إن كان نبيا لم يقبل الهدية، وإن كان ~~ملكا قبلها. # وفي صفة النبي أنه يقبل الهدية، ولا يقبل الصدقة. وكذلك كان سليمان، ~~وجميع الأنبياء يقبلون الهدية. # وإنما جعلت بلقيس قبول الهدية أو ردها علامة على ما في نفسها؛ لأنه قال ~~لها في كتابه: {ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين} [النمل: 31]. وهذا لا تقبل ~~فيه فدية، ولا تؤخذ عنه هدية. # وليس هذا من الباب الذي تقرر في الشريعة من قبول الهدية بسبيل؛ وإنما هي ~~رشوة، وبيع الحق بالمال هو الرشوة التي لا تحل. # وأما الهدية المطلقة للتحبب والتواصل فإنها جائزة من كل واحد، وعلى كل ~~حال. # المسألة الثانية: # وهذا ما لم تكن من مشرك؛ فإن كانت من مشرك، ففي الحديث: «نهيت عن زبد ~~المشركين». # وفي حديث آخر: ms1284 «لقد هممت ألا أقبل هدية إلا من ثقفي أو دوسي». # والصحيح ما ثبت عن عائشة «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقبل ~~الهدية ويثيب عليها». # PageV03P487 # ومن حديث أبي هريرة: «لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع ~~لقبلت». # وقد «قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه في الصيد: هل معكم من ~~لحمه شيء؟ قلت: نعم. فناولته العضد». # «وقد استسقى في دار أنس فحلبت له شاة وشيب وشربه». # «وأهدى أبو طلحة له ورك أرنب وفخذيها فقبله». # «وأهدت أم حفيد إليه أقطا وسمنا وضبا، فأكل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~من الأقط والسمن، وترك الضب». # وقال في حديث بريرة: «هو عليها صدقة ولنا هدية». وكان الناس يتحرون ~~بهداياهم يوم عائشة. ### | [الآية الرابعة عشرة قوله تعالى قال يأيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها] # الآية الرابعة عشرة قوله تعالى: {قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها ~~قبل أن يأتوني مسلمين - قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من ~~مقامك وإني عليه لقوي أمين} [النمل: 38 - 39] {قال الذي عنده علم من الكتاب ~~أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} [النمل: 40]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: # ما الفائدة في طلب عرشها؟: # قيل: فيه أربع فوائد: الفائدة الأولى: أحب أن يختبر صدق الهدهد. # PageV03P488 # الثانية: أراد أخذه قبل أن تسلم، فيحرم عليه مالها. # الثالثة: أراد أن يختبر عقلها في معرفتها به. # الرابعة: أراد أن يجعله دليلا على نبوته؛ لأخذه من ثقاتها دون جيش ولا ~~حرب. # المسألة الثانية: # قد ثبت أن الغنيمة وهي أموال الكفار لم تحل لأحد قبل محمد - صلى الله ~~عليه وسلم -؛ وإنما قصد بالإرسال إليها إظهار نبوته، ويرجع إليها ملكها بعد ~~قيام الدليل على النبوة به عندها. ### | [مسألة قوله تعالى قال الذي عنده علم من الكتاب] # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به ~~قبل أن يرتد إليك طرفك} [النمل: 40] # في تسميته خمسة أقوال لا تساوي سماعها، وليس على الأرض من يعلمه. # ولقد ms1285 قال ابن وهب: حدثني مالك في هذه الآية: {قال الذي عنده علم من ~~الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك} [النمل: 40] قال: كانت باليمن، ~~وسليمان - عليه السلام - بالشام، أراد مالك أن هذه معجزة؛ لأن قطع المسافة ~~البعيدة بالعرش في المدة القصيرة لا يكون إلا بأحد الوجهين: إما أن تعدم ~~المسافة بين الشام واليمن. وإما أن يعدم العرش باليمن، ويوجد بالشام، والكل ~~لله سبحانه مقدور عليه هين، وهو عندنا غير متعين. ### | [الآية الخامسة عشرة قوله تعالى قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله] # ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون} [النمل: 49]. # فيها مسألتان: # PageV03P489 # المسألة الأولى: لما صان الله بالقصاص في أهبها الدماء، وعليها تسلط علم ~~الأعداء، شرع القسامة بالتهمة حسبما بيناه في سورة البقرة، واعتبر فيها ~~التهمة، وقد حبس النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها في الدماء والاعتداء، ~~ولا يكون ذلك في حقوق المعاملات. # المسألة الثانية: # اعتبر كثير من العلماء قتيل المحلة في القسامة؛ وبه قال الشافعي لأجل طلب ~~اليهود، ولحديث سهل بن أبي حثمة في الصحيح: أن نفرا من قومه أتوا خيبر ~~فتفرقوا فيها فوجدوا أحدهم قتيلا، فقالوا للذي وجد فيهم: قد قتلتم صاحبنا. ~~قالوا: ما قتلناه ولا علمنا قاتله. # وقال عمر حين قدع عبد الله بن عمر اليهود: أنتم عدونا وتهمتنا. # وفي سنن أبي داود «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لليهود وبدأ بهم: ~~أيحلف منكم خمسون رجلا. فأبوا، فقال للأنصار: أتحلفون قالوا: نحلف على ~~الغيب يا رسول الله. فجعلها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على يهود»؛ ~~لأنه وجد بين أظهرهم. وقد بيناه في مسائل الخلاف. ### | [الآية السادسة عشرة قوله تعالى إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها] # الآية السادسة عشرة # قوله تعالى: {إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء ~~وأمرت أن أكون من المسلمين} [النمل: 91]. وقد تقدم بيانه. # PageV03P490 ### | [سورة القصص فيها ثمان آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به] ### | الآية ms1286 الأولى: قوله تعالى: {وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به # لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين} [القصص: 10]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى: قوله: {فارغا} [القصص: 10] فيه ثلاثة أقوال: الأول: ~~فارغا من كل شيء، إلا من ذكر موسى - عليه السلام -. # الثاني: فارغا من وحينا يعني بسببه. # الثالث: فارغا من العقل؛ قاله مالك؛ يريد امتلأ ولها، يروى أنها لما رمته ~~في البحر جاءها الشيطان فقال لها: لو حبسته فذبح فتوليت دفنه، وعرفت موضعه، ~~وأما الآن فقد قتلته أنت. وسمعت ذلك، ففرغ فؤادها مما كان فيه من الوحي، ~~إلا أن الله ربط على قلبها بالصبر. # المسألة الثانية: قد بينا أن هذه الآية من أعظم آي القرآن فصاحة؛ إذ فيها ~~أمران ونهيان وخبران وبشارتان. # PageV03P491 ### | [الآية الثانية قوله تعالى فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا] # الآية الثانية: # قوله تعالى: {فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان ~~وجنودهما كانوا خاطئين} [القصص: 8]. # وقد قدمنا القول في اللقيط في سورة يوسف - عليه السلام -، وهذه اللام لام ~~العاقبة، كما قال الشاعر: # وللمنايا تربي كل مرضعة ... ودورنا لخراب الدهر نبنيها ### | [الآية الثالثة قوله تعالى ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها] # فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من ~~شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه ~~عدو مضل مبين} [القصص: 15]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى: قوله: {فاستغاثه} [القصص: 15] طلب غوثه ونصرته، ولذلك ~~قال في الآية بعدها: {فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه} [القصص: 18] وإنما ~~أغاثه؛ لأن نصر المظلوم دين في الملل كلها، وفرض في جميع الشرائع. # وفي الحديث الصحيح: «من حقوق المسلم على المسلم نصر المظلوم». # وفيه أيضا: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «انصر أخاك ظالما أو ~~مظلوما». فنصره ظالما كفه عن الظلم. # PageV03P492 ### | [مسألة معنى قوله تعالى فوكزه موسى فقضى عليه] # المسألة الثانية: قوله: {فوكزه موسى فقضى عليه} [القصص: 15] لم يقصد ~~قتله؛ وإنما دفعه فكانت فيه نفسه، وذلك قتل خطأ، ولكنه ms1287 في وقت لا يؤمر فيه ~~بقتل ولا قتال، فلذلك عده ذنبا. وقد بيناه في كتاب المشكلين في باب ~~الأنبياء منه. ### | [الآية الرابعة قوله تعالى ولما ورد ماء مدين] # وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما ~~قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير} [القصص: 23]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى: قوله: {ما خطبكما} [القصص: 23] إنما سألهما شفقة منه ~~عليهما ورقة؛ ولم تكن في ذلك الزمان أو في ذلك الشرع حجبة. # المسألة الثانية: {قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير} ~~[القصص: 23] يعني لضعفنا لا نسقي إلا ما فضل عن الرعاء من الماء في الحوض. # وقيل: كان الماء يخرج من البئر، فإذا كمل سقي الرعاء ردوا على البئر ~~حجرها، فإن وجد في الحوض بقية كان ذلك سقيهما، وإن لم تكن فيه بقية عطشت ~~غنمهما؛ فرق لهما موسى، ورفع الحجر، وكان لا يرفعه عشرة، وسقى لهما ثم رده، ~~فذلك قولهما لأبيهما: {يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين} ~~[القصص: 26] وهي: ### | [الآية الخامسة قوله تعالى فجاءته إحداهما تمشي على استحياء] # الآية الخامسة قوله تعالى: # {فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت ~~لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين} [القصص: ~~25] {قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين} [القصص: ~~26]. # PageV03P493 # فيها مسألتان: # المسألة الأولى: قال: يا بنية، هذه قوته، فما أمانته؟ قالت: إنك لما ~~أرسلتني إليه قال لي: كوني ورائي لئلا يصفك الثوب من الريح، وأنا عبراني، ~~لا أنظر إلى أدبار النساء، ودليني على الطريق يمينا ويسارا. ### | [مسألة مشروعية الإجارة] # المسألة الثانية: قوله: {استأجره} [القصص: 26] دليل على أن الإجارة بينهم ~~وعندهم مشروعة معلومة، وكذلك كانت في كل ملة، وهي من ضرورة الخليقة، ومصلحة ~~الخلطة بين الناس خلافا للأصم؛ وقد بيناه حيث ورد في مواضعه. ### | [الآية السادسة قوله تعالى قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين] # على أن تأجرني ثماني حجج ms1288 فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ~~ستجدني إن شاء الله من الصالحين} [القصص: 27] {قال ذلك بيني وبينك أيما ~~الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل} [القصص: 28]. # اعلموا، علمكم الله الاجتهاد، وحفظ سبيل الاعتقاد أن هذه الآية لم يذكرها ~~القاضي أبو إسحاق في كتاب الأحكام، مع أن مالكا قد ذكرها، وهذه غفلة لا ~~تليق بمنصبه، وفيها أحاديث كثيرة، وآثار من جنس ما ذكرناه في غيرها، ونحن ~~نحلب درها، وننظم دررها، ونشد مئزرها إن شاء الله، وفيها ثلاثون مسألة: # المسألة الأولى: قوله: {إني أريد أن أنكحك} [القصص: 27] فيه عرض المولى ~~وليته على الزوج، وهذه سنة قائمة: عرض صالح مدين ابنته على # PageV03P494 # صالح بني إسرائيل، وعرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان - ~~رضي الله عنهما -، وعرضت الموهوبة نفسها على النبي - صلى الله عليه وسلم -. # فأما حديث عمر فرواه عبد الله بن عمر حين «تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن ~~حذافة، وكان من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد شهد بدرا، وتوفي ~~بالمدينة قال: فلقيت عثمان بن عفان، فعرضت عليه حفصة، فقلت: إن شئت أنكحتك ~~حفصة بنت عمر. فقال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي، ثم لقيني، فقال: قد بدا ~~لي ألا أتزوج يومي هذا. قال عمر: فلقيت أبا بكر الصديق، فقلت: إن شئت ~~أنكحتك حفصة بنت عمر. فصمت أبو بكر، فلم يرجع إلي شيئا، فكنت عليه أوجد مني ~~على عثمان، فلبثت ليالي، ثم خطبها النبي - صلى الله عليه وسلم - فأنكحتها ~~إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك ~~شيئا، فقلت: نعم. فقال: إنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت علي إلا أني ~~كنت علمت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. ولو تركها النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لقبلتها». # وأما حديث الموهوبة فروى سهل بن سعد الساعدي قال: «إني لفي القوم عند ms1289 ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءت امرأة، فقالت: يا رسول الله؛ جئت ~~أهب لك نفسي، فرأيك. فنظر إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصعد ~~النظر فيها وصوبه، ثم طأطأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأسه، فلما ~~رأت المرأة أنه لم يقض فيها شيئا جلست وقال رجل من أصحابه: يا رسول الله؛ ~~إن لم تكن لك بها حاجة فزوجنيها. فقال: هل عندك من شيء؟ فقال: لا والله يا ~~رسول الله. فقال: اذهب إلى أهلك فانظر لعلك تجد شيئا. فذهب ورجع فقال: لا ~~والله ما وجدت شيئا. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: انظر ولو ~~خاتما من حديد. فذهب ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله ولا خاتما من ~~حديد. ولكن هذا إزاري قال سهل: ما له رداء فلها نصفه. # PageV03P495 # فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ما تصنع بإزارك؟ إن لبسته لم يكن ~~عليها منه شيء، وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء فجلس الرجل حتى طال مجلسه، ~~ثم قام فرآه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - موليا، فأمر به فدعي، فلما ~~جاء قال: ما معك من القرآن؟ قال: معي سورة كذا وسورة كذا، لسور عددها. قال: ~~تقرأهن عن ظهر قلبك؟ قال: نعم. قال: اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن». ~~وفي رواية: " زوجتكها ". وفي أخرى: " أنكحتكها ". وفي رواية: " أمكناكها ". ~~وفي رواية: " ولكن اشقق بردتي هذه، أعطها النصف وخذ النصف ". # فمن الحسن عرض الرجل وليته والمرأة نفسها على الرجل الصالح اقتداء بهذا ~~السلف الصالح. ### | [مسألة ينعقد النكاح بكل لفظ] # المسألة الثانية: # استدل أصحاب الشافعي رضوان الله عليه بقوله: {إني أريد أن أنكحك} [القصص: ~~27] على أن النكاح موقوف على لفظ التزويج والإنكاح. # وقال علماؤنا: ينعقد النكاح بكل لفظ. # وقال أبو حنيفة: ينعقد بكل لفظ يقتضي التمليك على التأبيد. # ولا حجة للشافعي في هذه المسألة الآتية من وجهين: # أحدهما: أن هذا شرع من قبلنا، وهم لا يرونه حجة في شيء، ونحن وإن كنا ~~نراه حجة فهذه الآية ms1290 فيها أن النكاح بلفظ الإنكاح وقع، وامتناعه بغير لفظ ~~النكاح لا يؤخذ من هذه الآية، ولا يقتضيه بظاهرها، ولا ينظر منها؛ ولكن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قد قال في الحديث المتقدم: «قد ملكتكها بما ~~معك من القرآن». وروي «أمكناكها بما معك من القرآن»، وكل منهما في البخاري. # وهذا نص. # PageV03P496 # وقد رام المحققون من أصحاب الشافعي بأن يجعلوا انعقاد النكاح بلفظه ~~تعبدا، كانعقاد الصلاة بلفظ الله أكبر، ويأبون ما بين العقود والعبادات. ~~وقد حققنا في مسائل الخلاف الأمر وسنبينه في سورة الأحزاب إن شاء الله ~~تعالى. # المسألة الثالثة: # ابتداؤه بالرجل قبل المرأة في قوله: {أنكحك} [القصص: 27] وذلك لأنه ~~المقدم في العقد، الملتزم للصداق والنفقة، القيم على المرأة، وصاحب الدرجة ~~عليها في حق النكاح. وأبين من هذا قوله في سورة الأحزاب: {فلما قضى زيد ~~منها وطرا زوجناكها} [الأحزاب: 37]. # فبدأ بالنبي - صلى الله عليه وسلم - قبل زينب؛ وهو شرعنا الذي لا خلاف في ~~وجوب الاقتداء به. ### | [مسألة معنى قوله تعالى إحدى ابنتي هاتين] # المسألة الرابعة: # قوله تعالى {إحدى ابنتي هاتين} [القصص: 27] هذا يدل على أنه عرض لا عقد؛ ~~لأنه لو كان عقدا لعين المعقود عليها له؛ لأن العلماء وإن كانوا قد اختلفوا ~~في جواز البيع إذا قال له: بعتك أحد عبدي هذين بثمن كذا فإنهم اتفقوا على ~~أن ذلك لا يجوز في النكاح؛ لأنه خيار، ولا شيء من الخيار يلصق بالنكاح. # وقد روي أنه قال: أيتهما تريد؟ قال: الصغرى. ثم قال موسى: لا، حتى تبرئها ~~مما في نفسك، يريد حين قالت: {إن خير من استأجرت القوي الأمين} [القصص: ~~26]، فامتلأت نفس صالح مدين غيرة، وظن أنه قد كانت بينهما مراجعة في القول ~~ومؤانسة، فقال: من أين علمت ذلك؟ فقال: أما قوته فرفعه الحجر من فم البئر ~~وحده، وكان لا يرفعه إلا عشرة رجال، وأما أمانته فحين مشيت قال لي: كوني ~~ورائي، كما تقدم ذكره، فحينئذ سكنت نفسه، وتمكن أنسه. ### | [مسألة إني أريد أن أنكحك هل يكون هذا القول إيجابا أم لا] # المسألة الخامسة: ms1291 {إني أريد أن أنكحك} [القصص: 27] # هل يكون هذا القول إيجابا أم لا؟ وقد اختلف الناس في الاستدعاء، هل يكون ~~قبولا؟ كما إذا قال: بعني ثوبك هذا. فقال: بعتك، هل ينعقد البيع أم لا؟ حتى ~~يقول الآخر قبلت، على قولين: # PageV03P497 # فقال علماؤنا: ينعقد، وإن تقدم القبول على الإيجاب بلفظ الاستدعاء لحصول ~~الغرض من الرضا به، على أصلنا؛ فإن الرضا بالقلب هو الذي يعتبر كما وقع ~~اللفظ، فكذلك إذا قال: أريد أن تنكحني، أو أنكحك، يجب أن يكون هذا إيجابا ~~حاصلا؛ فإذا قال ذلك، وقال الآخر: نعم، انعقد البيع والنكاح. # وعليه يدل ظاهر الآية؛ لأنه قال: {إني أريد أن أنكحك} [القصص: 27] فقال ~~له الآخر: {ذلك بيني وبينك} [القصص: 28] وهذا انعقاد عزم، وتمام قول، وحصول ~~مطلوب، ونفوذ عقد. # وقد «قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: يا بني النجار؛ ثامنوني بحائطكم ~~فقالوا: لا نطلب ثمنه، إلا إلى الله». فانعقد العقد، وحصل المقصود من ~~الملك. ### | [مسألة تزويج الكبرى قبل الصغرى] # المسألة السادسة: # قولهم: إنه زوج الصغرى. يروى عن أبي ذر قال: «قال لي رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: إن سئلت أي الأجلين قضى موسى فقل: خيرهما وأوفاهما. وإن ~~سئلت أي المرأتين تزوج فقل الصغرى وهي التي جاءت خلفه، وهي التي قالت: {يا ~~أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين} [القصص: 26]». # المسألة السابعة: # عادة الناس تزويج الكبرى قبل الصغرى؛ لأنها سبقتها إلى الحاجة إلى ~~الرجال، ومن البر تقديمها عليها. # والذي أوجب تقديم الصغرى في قصة صالح مدين ثلاثة أمور: الأول: أنه لعله ~~آنس من الكبرى رفقا به، ولين عريكة في خدمته. # الثاني: أنها سبقت الصغرى إلى خدمته، فلعلها كانت أحن عليه. # PageV03P498 # الثالث: أنه توقع أن يميل إليها، لأنه رآها في رسالته، وماشاها في إقباله ~~إلى أبيها معها، فلو عرض عليه الكبرى ربما أظهر له الاختيار، وهو يضمر ~~غيره، لكن عرض عليه شرطه ليبرئها مما يمكن أن يتطرق الوهم إليه. ### | [مسألة جعل المنافع صداقا] # المسألة الثامنة: قوله: {على أن تأجرني ثماني حجج} [القصص: 27]. # فذكر له ms1292 لفظ الإجارة ومعناها. # وقد اختلف علماؤنا في جعل المنافع صداقا على ثلاثة أقوال، وكرهه مالك، ~~ومنعه ابن القاسم، وأجازه غيرهما. # وقد قال ابن القاسم: يفسخ قبل البناء، ويثبت بعده. # وقال أصبغ: إن نقد معه شيء ففيه اختلاف، وإن لم ينقد فهو أشد، فإن ترك ~~مضى على كل حال، بدليل قصة شعيب؛ قاله مالك وابن المواز وأشهب، وعول على ~~هذه الآية جماعة من أئمة المتأخرين في هذه النازلة. # قال القاضي: صالح مدين زوج ابنته من صالح بني إسرائيل، وشرط عليه خدمته ~~في غنمه؛ ولا يجوز أن يكون صداق فلانة خدمة فلان، ولكن الخدمة لها عوض ~~معلوم عندهم استقر في ذمة صالح مدين لصالح بني إسرائيل، وجعله صداقا ~~لابنته. وهذا ظاهر. # المسألة التاسعة: # فإن وقع النكاح بجعل فقال ابن القاسم في سماع يحيى: لا يجوز، ولا كراء ~~له، ولا أجرة مثله، وما ذكر الله في قصة موسى - عليه السلام - فالإسلام ~~بخلافه. # قال الإمام الحافظ - رضي الله عنه - ليس في قصة موسى - عليه السلام - ~~جعل، إنما فيه إجارة، وليس في الإسلام خلافه؛ بل فيه جوازه في قصة ~~الموهوبة، وهو يجوز النكاح بعدد مطلق، وهو مجهول؛ فكيف لا يجوز على تعليم ~~عشرين سورة. وهذا أقرب إلى التحصيل. # وقد روى أبو داود في حديث الموهوبة: «علمها عشرين سورة، وهي امرأتك». # PageV03P499 ### | [مسألة منافع الأحرار ومنافع العبيد هل يصحان في الصداق] # المسألة العاشرة: # قال أبو حنيفة: لا يجوز أن تكون منافع الحر صداقا. ويجوز ذلك في منافع ~~العبد. # وقال الشافعي: يجوز ذلك كله. ونزع أبو حنيفة بأن منافع الحر ليست بمال؛ ~~لأن الملك لا يتطرق إليها، بخلاف العبد، فإنه مال كله. # وهذا باطل؛ فإن منافع الحر مال، بدليل جواز بيعها بالمال، ولو لم تكن ~~مالا ما جاز أخذ العوض عنه مالا؛ لأنه كان يدخل في أكل المال بالباطل بغير ~~عوض. # والصداق بالمنافع إنما جاء في هذه الآية، وفي الحديث؛ فمنافع الأحرار ~~ومنافع العبيد محمولة عليه، فكيف يسقط الأصل، ويحمل الفرع على أصل ساقط؟ ~~وقد مهدناه في مسائل ms1293 الخلاف. ### | [مسألة هل يصح الصداق إجارة] # جواز الصداق إجارة المسألة الحادية عشرة: # إذا ثبت جواز الصداق إجارة ففي قوله: {على أن تأجرني} [القصص: 27] ذكر ~~للخدمة مطلقا. # وقال مالك: إنه جائز، ويحمل على المعروف. # وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجوز؛ لأنه مجهول. # ودليلنا أنه معلوم؛ لأنه استحقاق لمنافعه فيما يصرف فيه مثله، والعرف ~~يشهد لذلك، ويقضي به؛ فيحمل عليه. ويعضد هذا بظاهر قصة موسى فإنه ذكر إجارة ~~مطلقة، على أن أهل التفسير ذكروا أنه عين له رعية الغنم، ولم يرووا ذلك من ~~طريق صحيحة، ولكن قالوا: إن صالح مدين لم يكن له عمل إلا رعية الغنم، فكان ~~ما علم من حاله قائما مقام تعيين الخدمة فيه. # وعلى كلا الوجهين فإن المسألة لنا؛ فإن المخالف يرى أن ما علم من الحال ~~لا يكفي في صحة الإجارة حتى يسمى. # وعندنا أنه يكفي ما علم من الحال، وما قام من دليل العرف، فلا يحتاج إلى ~~التسمية في الخدمة، والعرف عندنا أصل من أصول الملة ودليل من جملة الأدلة. ~~وقد مهدناه قبل، وفي موضعه من الأصول. # PageV03P500 # المسألة الثانية عشرة: # قال علماؤنا: إن كان آجره على رعاية الغنم فالإجارة على رعاية الغنم على ~~ثلاثة أقسام: إما أن تكون مطلقة، أو مسماة بعدة، أو معينة. فإن كانت مطلقة ~~جازت عند علمائنا. # وقال أبو حنيفة والشافعي: إنها لا تجوز لجهالتها. # وعول علماؤنا على العرف، وأنه يعطي على قدر ما تحتمل قوته. وزاد بعض ~~علمائنا أنه لا يجوز حتى يعلم المستأجر قدر قوته. # وهذا صحيح؛ فإن صالح مدين قد علم قدر قوة موسى برفع الحجر. # وأما إن كانت معدودة فإن ذلك جائز اتفاقا. # وإن كانت معدودة معينة ففيها تفصيل لعلمائنا. # قال ابن القاسم: لا يجوز حتى يشترط الخلف إن ماتت، وهي رواية ضعيفة جدا، ~~قد بينا فسادها في كتب الفقه. وقد استأجر صالح مدين موسى على غنمه، وقد ~~رآها ولم يشرط خلفا. ### | [مسألة تشترط صداق بناتها وتقول لي كذا في خاصة نفسي] # المسألة الثالثة عشرة: # قال بعضهم: هذا الذي ms1294 [كان] جرى من صالح مدين لم يكن ذكرا لصداق المرأة؛ ~~وإنما كان اشتراطا لنفسه على ما تفعله الأعراب فإنها تشترط صداق بناتها، ~~وتقول: لي كذا في خاصة نفسي # قلنا: هذا الذي تفعله الأعراب هو حلوان وزيادة على المهر، وهو حرام لا ~~يليق بالأنبياء. فأما إذا شرط الولي شيئا لنفسه، فقد اختلف علماؤنا فيما ~~يخرجه الزوج من يده، ولا يدخل في يد المرأة على قولين: # PageV03P501 # أحدهما: أنه جائز. # والآخر: لا يجوز. # والذي يصح عندي فيه التقسيم؛ فإن المرأة لا تخلو أن تكون بكرا أو ثيبا، ~~فإن كانت ثيبا جاز؛ لأن نكاحها بيدها، وإنما يكون للولي مباشرة العقد، ولا ~~يمتنع العوض عنه، كما يأخذه الوكيل على عقد البيع. # وإن كانت بكرا كان العقد بيده، فكأنه عوض في النكاح لغير الزوجة، وذلك ~~باطل؛ فإن وقع فسخ قبل البناء، وثبت بعده على مشهور الرواية. وقد بيناه في ~~مسائل الفقه. # المسألة الرابعة عشرة: # قال بعض العلماء: لم يكن اشتراط صالح مدين على موسى مهرا، وإنما كان كله ~~لنفسه، وترك المهر مفوضا. ونكاح التفويض جائز. # قلنا: كانت بكرا، ولا يجوز ذلك بما قدمناه، ولا يظن بالفضلاء، فكيف ~~بالأنبياء - صلوات الله عليهم -. ### | [مسألة أجرة موسى] # المسألة الخامسة عشرة: # لم ينقل ما كانت أجرة موسى، ولكن روى يحيى بن سلام أن صالح مدين جعل ~~لموسى كل سخلة توضع خلاف لون أمها، فأوحى الله إلى موسى: ألق عصاك بينهن ~~يلدن خلاف شبههن كلهن. # والذي روى عتبة بن المنذر السلمي وهو عتبة بن عبيد وكان من أصحاب النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال «سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أي ~~الأجلين أوفى موسى؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أوفاهما ~~وأبرهما». ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن موسى لما أراد فراق ~~شعيب أمر امرأته أن تسأل أباها عن نتاج غنمه ما يعيشون به. ". فأعطاها ما ~~ولدت غنمه من قالب لون ذلك العام. # فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لما وردت الحوض وقف موسى بإزاء ms1295 ~~الحوض فلم تمر به شاة # PageV03P502 # إلا ضرب جنبها بعصا، فوضعت قوالب ألوان كلها اثنين وثلاثة، كل شاة ليس ~~منهن فشوش ولا ضبوب ولا كميشة ولا ثعول ". # الفشوش: التي إذا مشت سال لبنها. والضبوب التي ضرعها مثل الموزتين. # والكميشة: الصغيرة الضرع التي لا يضبطها الحالب. والقالب لون صنف واحد ~~كله. # ولو صحت هذه الرواية لكان فيها مسألتان: # إحداهما: # المسألة السادسة عشرة: # وهي الوحي لموسى - عليه السلام - قبل الكلام، وذلك بالإلهام، أو بأن ~~يكلمه الملك كهيئة الرجل، كما روي أنه هداه في طريقه لمدين حين ضل وخاف، ~~ولكن لا يكون بذلك نبيا، فليس كل من يكلمه الملك ويخبره بأمر مشكل يكون ~~نبيا وقد وردت بذلك أخبار كثيرة. ### | [مسألة الإجارة بالعوض المجهول] # الثانية: وهي المسألة السابعة عشرة: # الإجارة بالعوض المجهول، فإن ولادة الغنم غير معلومة، وإن من البلاد ~~الخصبة ما يعلم ولادة الغنم فيها قطعا، وعدتها، وسلامة سخالها؛ منها ديار ~~مصر وغيرها، بيد أن ذلك لا يجوز في شرعنا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- «نهى عن الغرر»، وربما ظن بعضهم أن هذا في بلاد الخصب ليس بغرر، لاطراد ~~ذلك في العادة، فيقال له: ليس كما ظننت؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كما نهى عن الغرر نهى عن المضامين والملاقيح. # والمضامين: ما في بطون الأمهات والملاقيح: ما في أصلاب الفحول، أو على ~~خلاف ذلك كما قال الشاعر: # ملقوحة في بطن ناب حامل # PageV03P503 # على أن معمر بن الأشد أجاز الإجارة على الغنم بالثلث والربع # وقال ابن سيرين والزهري وعطاء، وقتادة: ينسج الثوب بنصيب منه. وبه قال ~~أحمد بن حنبل. # وبيان ذلك في مسائل الفقه. # وقرأت بباب جيرون على الشيخ الأجل الرئيس أبي محمد عبد الرزاق بن فضيل ~~الدمشقي، أخبرني أبو عمر المالكي، حدثنا محمد بن علي بن حماد بن محمد، ~~حدثنا أحمد بن إبراهيم بن مالك قال: حدثنا موسى بن إسحاق الأنصاري، أنبأنا ~~الحسن بن عيسى، أخبرنا ابن المبارك حدثنا سعيد بن يزيد الحضرمي عن عيينة بن ~~حصن، «أن رسول الله - صلى الله ms1296 عليه وسلم - قال: آجر موسى نفسه بشبع بطنه ~~وعفة فرجه. فقال له شعيب: لك منها يعني من نتاج غنمه ما جاءت به قالب لون ~~واحد غير واحد أو اثنين، ليس فيها عزور، ولا فشوش، ولا كموش، ولا ضبوب، ولا ~~ثعول». # العزور: التي يعسر حلبها. # والثعول: التي لها زيادة حلمة، وهو عيب فيها. # وقد كان مع أبي موسى الأشعري غلام يخدمه، بشبع بطنه. # وجوز ذلك مالك، وأباه غيره. وقد بيناه في مسائل الخلاف. ### | [مسألة جمع سلعتين في عقد واحد لغير عاقد واحد] # المسألة الثامنة عشرة: # قال بعضهم: إنه قال لبنت صالح مدين في الغنم حصة، فلذلك صحت الإجارة، ~~صداقا لها بما كان لها من الحصة فيها. # قال القاضي: هذا احتراز من معنى بوقوع في آخر؛ فإن الغنم إذا كانت بين ~~صالح مدين وبين ابنته، وأخذها موسى مستأجرا عليها، ففي ذلك جمع سلعتين في ~~عقد واحد لغير عاقد واحد وقد اختلف في ذلك العلماء، ومشهور المذهب منعه، ~~لما فيه من الجهل بالثمن في # PageV03P504 # حصة كل واحد من الشريكين من غير ضرورة إلى جمع السلعتين، لا سيما ويمكن ~~التوقي من ذلك بأن يذكر كل واحد منهما قيمة سلعته، ويقع الثمن مقسوما على ~~القيمة، فيكون معروفا لا غرر فيه، فلا يمنع العقد حينئذ عليهما. ### | [مسألة اجتماع إجارة ونكاح] # المسألة التاسعة عشرة: # في هذا اجتماع إجارة ونكاح: # وقد اختلف علماؤنا في ذلك على أربعة أقوال: # الأول: قال في ثمانية أبي زيد: يكره ابتداء؛ فإن وقع مضى. # الثاني: قال مالك وابن القاسم في المشهور: لا يجوز، ويفسخ قبل الدخول، ~~وبعده. # الثالث: أجازه أشهب وأصبغ. # الرابع: قال محمد: قال ابن الماجشون: إن بقي بعد المبيع، يعني من القيمة، ~~ربع دينار يقابل البضع جاز النكاح، وإلا لم يجز. # وقد بينا توجيهات هذه الأقوال في كتب المسائل، والصحيح جوازه، وعليه تدل ~~الآية وقد قال مالك: النكاح أشبه شيء بالبيوع، فأي فرق بين أن يجمع بين بيع ~~وإجارة، أو بين بيع ونكاح، وهو شبهه إلا من جهة الرجلين يجمعان سلعتهما، ms1297 ~~وإذا كانتا لرجل واحد جاز، والعاقد هنا واحد، وهو الولي. ### | [مسألة نكحت نفسها بغير إذن وليها] # المسألة الموفية عشرين: # قال علماؤنا: في هذه الآية دليل على أن النكاح إلى الولي، لا حظ للمرأة ~~فيه، لأن صالح مدين تولاه. وبه قال فقهاء الأمصار. # وقال أبو حنيفة: لا يفتقر النكاح إلى ولي، وعجبا له، متى رأى امرأة قط ~~عقدت نكاح نفسها، ومن المشهور في الآثار: «لا نكاح إلا بولي». وقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «أيما امرأة # PageV03P505 # نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، ~~فإن مسها فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ~~ولي له». وقد بينا ذلك في سورة البقرة، ومسائل الخلاف. ### | [مسألة الأب يزوج ابنته البكر من غير استئمار] # المسألة الحادية والعشرون: # هذا دليل على أن الأب يزوج ابنته البكر من غير استئمار؛ قال مالك. واحتج ~~بهذه الآية؛ وهو ظاهر قوي في الباب. # وقال به الشافعي، وكثير من العلماء. # وقال أبو حنيفة: إذا بلغت الصغيرة فلا يزوجها أحد إلا برضاها؛ لأنها بلغت ~~حد التكليف؛ فأما إذا كانت صغيرة فإنه يزوجها بغير رضاها؛ لأنه لا إذن لها، ~~ولا رضاء، بغير خلاف. # والحديث الصحيح: «الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر في نفسها، ~~وإذنها صماتها» وفي رواية: «الأيم واليتيمة تستأمر في نفسها». # فقوله: " الثيب أحق بنفسها " دليل قوي في الباب؛ لأنه جعل العلة في كون ~~المرأة أحق بنفسها كونها أيما؛ وذلك لاختيارها مقاصد في النكاح. وقد حققنا ~~ذلك في مسائل الخلاف، وتكلمنا على هذا الحديث بكل فائدة ولطيفة. # واحتجاج مالك بهذه الآية يدل على أنه كان يعول على الإسرائليات، وفيها ~~أنهما كانتا بكرين، وبينا ذلك في شرح الموطأ ومسائل الخلاف. وربما ظن بعضهم ~~أنه بناء على أن الأصل في البنات ترك النكاح، حتى يثبت أنهن متزوجات. وليس ~~كذلك، فإن الظاهر من النساء النكاح، ومتى اجتمع أصل وظاهر وهي مسألة أصولية ~~وقد بيناها في كتب الأصول. وكذلك يقال: إن أباها لما # PageV03P506 # قال: إني أريد ms1298 أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين، فأشار إليهما، كان هذا أكثر من ~~الاستئمار أو مثله؛ فإن الكلام مع الإشارة إليها بضمير الحاضر إسماع لها. # وإنما يخرج من الآية مسألة، وهي الاكتفاء بصمت البكر، وهو في حديث محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - ظاهر، وفي شريعة الإسلام أبين منه في شرع موسى، وبهذه ~~الاحتمالات يتبين لك وجه استخراج الأحكام، وما يعرض على الأدلة من الشبه، ~~فيقابل كل فن بما يصلح له، ويرجح الأظهر ويقضى به. ### | [مسألة الكفاءة معتبرة في النكاح] # المسألة الثانية والعشرون: # قد بينا في مسائل الفقه أن الكفاءة معتبرة في النكاح. واختلف علماؤنا ~~فيها؛ هل هي في الدين والمال والحسب، أو في بعضها؟ وحققنا جواز نكاح ~~الموالي للعربيات وللقرشيات، وأن المعول على قول الله تعالى: {إن أكرمكم ~~عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13]. # وقد جاء موسى إلى صالح مدين غريبا طريدا، وحيدا جائعا عريانا، فأنكحه ~~ابنته لما تحقق من دينه، ورأى من حاله، وأعرض عما سوى ذلك. # ولا خلاف في إنكاح الأب؛ وإنما الخلاف في اعتبار الكفاءة في إنكاح غير ~~الأب من الأولياء، إلا أن يطرحها الأب في عار يلحق القبيل، ففيه خلاف، ~~وتفصيل عريض طويل بيناه في مسائل الخلاف والفروع، فلينظر هنالك. ### | [مسألة هل دخل موسى عليه السلام حين عقد أم حين سافر] # المسألة الثالثة والعشرون: # اختلف الناس؛ هل دخل موسى - عليه السلام - حين عقد؟ أم حين سافر؟ فإن كان ~~دخل حين عقد فماذا نقد؟ وقد منع علماؤنا من الدخول حتى ينقد ولو ربع دينار؛ ~~قاله ابن القاسم. # فإن دخل قبل أن ينقد مضى، لأن المتأخرين من أصحابنا قالوا: تعجيل الصداق ~~أو شيء منه مستحب، على أنه إن كان الصداق رعيه الغنم فقد نقد الشروع في ~~الخدمة. # وإن كان دخل حين سافر أو أكمل المدة، وهي: # PageV03P507 # المسألة الرابعة والعشرون: # وطول الانتظار في النكاح جائز، وإن كان مدى العمر، بغير شرط. # وأما إن كان بشرط فلا يجوز إلا لغرض صحيح، مثل التأهب للبناء، أو انتظار ~~صلاحية الزوجة للدخول إن كانت صغيرة. نص عليها ms1299 علماؤنا. # والظاهر أنه دخل في الحال. وما كان صالح مدين يحبسه عن الدخول يوما، وقد ~~عقده عليها حالا. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ثماني حجج] # المسألة الخامسة والعشرون: # قوله: {ثماني حجج} [القصص: 27] # فنص على عقد الإجارة بينه وبين موسى مدة من ثمانية أعوام على رعيه الغنم ~~والحيوان، فتغير في الآماد الطويلة، ولم ير ابن المواز العشرين سنة في ~~العقد طولا، ولا رأى في المدونة الخمسة عشر طولا. ومنعها بعضهم في العشر ~~سنين، وهو أصح لسرعة التغير في الغالب إلى الأبدان في هذه المدة. # وهذه الآية تقتضي ثماني سنين، وبلغها بالطوع الذي لا يلزم عشرا، وهو ~~العدل. ### | [مسألة التطوع بعد كمال العقد] # المسألة السادسة والعشرون: # لما ذكر الشرط، وأعقبه بالتطوع في العشر؛ خرج كل واحد منهما على حكمه، ~~ولم يلحق الآخر بالأول، ولا اشترك الفرض والتطوع؛ ولذلك يكتب في العقود ~~الشروط المتفق عليها، ثم يقال: وتطوع بكذا، فيجري الشرط على سبيله، والتطوع ~~على حكمه. # وقد أفرط بعضهم بأن قال: يقال في العقد: وتطوع بعد كمال العقد. وهذا ~~إفراط يخرج بقائله إلى التفريط فإنه قصر نظره على الحقيقة فيه، وهي أنه إذا ~~قال: عقد معه كذا، وشرط كذا، وتطوع بكذا، فقد انفصل الواجب من التطوع، ~~وتبين أن التطوع أخرجه عن لوازم العقد، وقوله بعد ذلك وذلك بعد كمال العقد ~~حشو لا حاجة إليه، وتكرار لا معنى له. # PageV03P508 ### | [مسألة استأجر على عمل حائط مثلا] # المسألة السابعة والعشرون: قوله: {أيما الأجلين قضيت} [القصص: 28] المعنى ~~ليس لك إن وفيت أحد الأجلين أن تتعدى علي بالمطالبة بالزائد عليه. فلو قصر ~~في العامين لم يكن عليه شيء، وإن قصر في الثماني لكان عليه عدوان، وهو أن ~~يعدي عليه. # وكيفية العدوان نبينه بأن نقول: اختلف إذا استأجر على عمل حائط مثلا يتمه ~~فله من الأجرة بقدر ما عمل، إلا أن تكون مقاطعة، فلا شيء له إلا أن يتمه ~~إلا أن يكون العرف بالنقد فينقده، ويلزمه تمامه. وأكثر بناء الناس على ~~المقاطعة، إذا سمى له، مثل أن يقول: استأجرتك على ms1300 بنيان هذه الدار شهرا، أو ~~نصفا، أو شهرين، وإن أطلق القول وقال: تبني هذه الدار كل يوم بدرهم، فكلما ~~بنى أخذ، أو تبني هذا الباب، أو هذا الحائط، فهو مثله. # وكذلك كانت إجارة موسى مقاطعة، فلها حكم المقاطعة، وفي ذلك تفصيل طويل ~~يأتي في كتب المسائل. # تحريره أن العمل في الإجارة إما يتقدر بالزمان، أو بصفة العمل الذي يضبط؛ ~~فإن كان بالزمان فهو مقدر به، لازم في مدته. وإن كان بالعمل فإنه يضبط ~~بصفته، ويلزم الأجير تمام المدة، أو تمام الصفة. وليس له ترك ذلك، ولا ~~يستحق شيئا من الأجرة إذا كان هكذا إلا بتمام العمل. ### | [مسألة الإشهاد في النكاح] # المسألة الثامنة والعشرون: # قوله تعالى: {والله على ما نقول وكيل} [القصص: 28] # اكتفى الصالحان بالله في الإشهاد، ولم يشهدا أحدا من الخلق. # وقد اختلف العلماء في وجوب الإشهاد في النكاح على قولين. # أحدهما: أن النكاح لا ينعقد إلا بشاهدين؛ وبه قال أبو حنيفة والشافعي. # وقال مالك: إنه ينعقد دون شهود، وإنما يشترط فيه الإعلان والتصريح. # وقد مهدنا هذه المسألة في كتب الخلاف، وبينا أنه عقد معاوضة، فلا يشترط # PageV03P509 # لانعقاده الإشهاد كالبيع، وإنما شرطنا الإعلان للحديث المشهور الصحيح: ~~«فرق ما بين النكاح والسفاح الدف». # وربما نزع نازع بأن الإشهاد في البيع لازم واجب، وقد بينا ذلك في سورة ~~البقرة. # وقد أخبرنا أبو المعالي ثابت بن بندار قال: أخبرنا الرفاء الحافظ، حدثنا ~~أبو بكر الإسماعيلي، حدثنا أبو بكر المروزي، حدثنا عاصم بن علي، حدثنا ~~الليث، وأخبرني موسى بن العباس، حدثنا محمد بن الفضل، حدثنا آدم، حدثنا ~~الليث بن سعد، حدثنا حفص بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز عن أبي هريرة قال: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن رجلا من بني إسرائيل سأل بعض ~~بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار. قال: أتيتني بالشهداء أشهدهم، قال: كفى ~~بالله شهيدا. قال: أتيتني بالكفيل، قال: كفى بالله كفيلا. قال: صدقت. ~~فدفعها إليه إلى أجل مسمى. فخرج في البحر، فقضى حاجته، والتمس مركبا يركبه، ~~لئلا ms1301 يقدم عليه الأجل الذي أجله، فلم يجد مركبا، فأخذ خشبة فنقرها، وأدخل ~~فيها ألف دينار، وصحيفة منه إلى صاحبه، ثم زجج موضعها. ثم جاء بها إلى ~~البحر، فقال: اللهم إنك تعلم أني تسلفت من فلان ألف دينار، فسألني كفيلا، ~~فقلت له: كفى بالله كفيلا فسألني شهيدا، فقلت له: كفى بالله شهيدا. فرضي ~~بذلك، وإني جهدت أن أجد مركبا أبعث إليه بالذي له، فلم أقدر؛ وإني قد ~~استودعتكها. ورمى بها في البحر حتى ولجت فيه، ثم انصرف، وهو في ذلك يلتمس ~~مركبا يخرج إلى بلده. فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركبا قد جاء ~~بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطبا، فلما نشرها وجد ~~المال والصحيفة، ثم قدم الذي كان أسلفه، وأتى بالألف دينار، وقال: والله ما ~~زلت أجهد في طلب مركب لآتيك بمالك، فما وجدت مركبا قبل الذي أتيت فيه. قال: ~~هل كنت بعثت إلي بشيء؟ قال: نعم، وأخبرتك، أني لم أجد مركبا قبل الذي جئتك ~~فيه. قال: بلى، والله، قد أدى الله عنك الذي بعثت به، فانصرف بالألف دينار ~~راشدا». # PageV03P510 ### | [مسألة للرجل أن يذهب بأهله حيث شاء] # المسألة التاسعة والعشرون: # قوله تعالى: {فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال ~~لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم ~~تصطلون} [القصص: 29]. # دليل على أن للرجل أن يذهب بأهله حيث شاء، لما له عليها من فضل القوامية، ~~وزيادة الدرجة، إلا أن يلتزم لها أمرا فالمؤمنون عند شروطهم، وأحق الشروط ~~أن يوفى به ما استحللتم به الفروج. # المسألة الموفية ثلاثين: # قال علماؤنا: لما قضى موسى الأجل طلب الرجوع إلى أهله، وحن إلى وطنه، وفي ~~الرجوع إلى الأوطان تقتحم الأغرار، وتركب الأخطار، وتعلل الخواطر، ويقول: ~~لما طالت المدة لعله قد نسيت التهمة، وبليت القصة. ### | [الآية السابعة قوله تعالى وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه] # وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين} [القصص: ~~55]. # فيها مسألتان: المسألة الأولى: في المراد ms1302 بذلك: أربعة أقوال: الأول: أنهم ~~قوم من اليهود أسلموا، فكان اليهود يلقونهم بالسب والشتم، فيعرضون عنهم؛ ~~قاله مجاهد. # الثاني: قوم من اليهود أسلموا، فكانوا إذا سمعوا ما غيره اليهود من ~~التوراة وبدلوه من نعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصفته أعرضوا عنه، ~~وذكروا الحق. # الثالث: أنهم المسلمون إذا سمعوا الباطل لم يلتفتوا إليه. # الرابع: أنهم أناس من أهل الكتاب لم يكونوا يهودا ولا نصارى، وكانوا على ~~دين # PageV03P511 # الله، وكانوا ينتظرون بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - فلما سمعوا به ~~بمكة قصدوه، فعرض عليهم القرآن، فأسلموا؛ فكان الكفار من قريش يقولون لهم: ~~أف لكم من قوم اتبعتم غلاما كرهه قومه، وهم أعلم به منكم. # المسألة الثانية: {وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم} [القصص: ~~55] يريد لنا حقنا، ولكم باطلكم، سلام عليكم. # قال علماؤنا: ليس هذا بسلام المسلمين على المسلمين، وإنما هو بمنزلة قول ~~الرجل للرجل اذهب بسلام أي تاركني وأتاركك. # ويحتمل أن يكون قبل تبيان الحال للتحية بالسلام، واختصاصها بالمسلمين، ~~وخروج الكفار عنها، حسبما بيناه من قبل. ### | [الآية الثامنة قوله تعالى وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة] # ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في ~~الأرض إن الله لا يحب المفسدين} [القصص: 77]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى في معنى النصيب: وفيه ثلاثة أقوال: الأول: لا تنس حظك من ~~الدنيا أي لا تغفل أن تعمل في الدنيا للآخرة، كما قال ابن عمر: " احرث ~~لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا ". # الثاني: أمسك ما يبلغك، فذلك حظ الدنيا. وأنفق الفضل، فذلك حظ الآخرة. # الثالث: لا تغفل شكر ما أنعم الله عليك. ### | [مسألة استعمال نعم الله في طاعته] # المسألة الثانية: # {وأحسن كما أحسن الله إليك} [القصص: 77] ذكر فيه أقوال كثيرة، جماعها ~~استعمل نعم الله في طاعته # PageV03P512 # وقال مالك: معناها تعيش وتأكل وتشرب غير مضيق عليك في رأي. # قال القاضي: أرى مالكا أراد الرد على من يرى من الغالين في العبادة ~~التقشف والتقصف والبأساء؛ فإن النبي - صلى ms1303 الله عليه وسلم - كان يأكل ~~الحلوى، ويشرب العسل، ويستعمل الشواء، ويشرب الماء البارد؛ ولهذا قال ~~الحسن: أمر أن يأخذ من ماله قدر عيشه، ويقدم ما سوى ذلك لآخرته. وأبدع ما ~~فيه عندي قول قتادة: ولا تنس الحلال، فهو نصيبك من الدنيا، ويا ما أحسن ~~هذا، # PageV03P513 ### | [سورة العنكبوت فيها أربع آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى ووصينا الإنسان بوالديه حسنا] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا # وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فأنبئكم بما ~~كنتم تعملون} [العنكبوت: 8]. # تقدم في سورة سبحان ذكر ذلك. ### | [الآية الثانية قوله تعالى ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين] # الآية الثانية # قوله تعالى: {ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من ~~أحد من العالمين} [العنكبوت: 28]. # وقد تقدم القول فيها، ويحق أن نعيده لعظمه، وقد نادى الله عليهم بأنهم ~~أول من اقتحم هذا، ولقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فينا من رواية ~~عبد الله بن عمر: «وليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل ~~بالنعل، حتى لو كان منهم من يأتي أمه علانية، كان في أمتي من يصنع ذلك». # وقد روى ابن وهب وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال فيه: «اقتلوا ~~الفاعل والمفعول به». ولقد كتب خالد بن الوليد في ذلك إلى أبي بكر الصديق، ~~فكتب إليه أبو بكر: عليه الرجم. # PageV03P514 # وتابعه على ذلك أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال علي بن أبي ~~طالب: إن العرب تأنف من العار وشهرته أنفا لا تأنفه من الحدود التي تمضي في ~~الأحكام، فأرى أن تحرقه بالنار فقال أبو بكر: صدق أبو الحسن. فكتب إلى خالد ~~أن أحرقه بالنار، ففعل. فقال ابن وهب: لا أرى خالدا أحرقه إلا بعد قتله؛ ~~لأن النار لا يعذب بها إلا الله تعالى. # قال القاضي: ليس كما زعم ابن وهب، كان علي يرى الحرق بالنار عقوبة، ولذلك ~~كان ما أخبرنا أبو ms1304 المعالي ثابت بن بندار البرقاني الحافظ، أخبرنا ~~الإسماعيلي، حدثنا إبراهيم بن هاشم البغوي، حدثنا محمد بن عباد، حدثنا ~~إسماعيل قال: رأيت عمرو بن دينار، وأيوب، وعمارا الرهيني، اجتمعوا فتناكروا ~~الذين حرقهم علي، فحدث أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أنه لما بلغه قال: لو كنت ~~أنا ما أحرقتهم؟ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تعذبوا بعذاب ~~الله»، ولقتلتهم "؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من ترك دينه ~~فاقتلوه». فقال عمار: لم يكن حرقهم، ولكنه حفر لهم حفائر، وخرق بعضها إلى ~~بعض، ثم دخن عليهم حتى ماتوا. فقال عمار: قال الشاعر: # لترم بي المنايا حيث شاءت ... إذا لم ترم بي في الحفرتين # إذا ما أججوا حطبا ونارا ... هناك الموت نقدا غير دين # ومن حديث يحيى بن بكير ما يصدق ذلك: عن علي أنه وجد في ضواحي العرب رجلا ~~ينكح كما تنكح المرأة كان اسمه الفجاءة، فاستشار أبو بكر أصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وفيهم علي بن أبي طالب، وكان يومئذ أشد فيهم قولا، ~~فقال علي: إن هذا الذنب لم تعص به أمة من الأمم، إلا أمة واحدة، صنع الله ~~بها ما علمتم؛ أرى أن يحرق بالنار. فاجتمع رأي أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أن يحرق بالنار، فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد # PageV03P515 # أن يحرقهم بالنار، فأحرقهم بالنار، ثم أحرقهم ابن الزبير في زمانه، ثم ~~أحرقهم هشام بن عبد الملك، ثم أحرقهم خالد القسري بالعراق. # وقد روي أن عبد الله بن الزبير أتي بسبعة أخذوا في لواط، فسأل عنهم، ~~فوجدوا أربعة قد أحصنوا، فأمر بهم فخرج بهم من الحرم، ثم رجموا بالحجارة، ~~حتى ماتوا، وجلد الثلاثة حتى ماتوا بالحد. قال: وعنده ابن عباس، وابن عمر، ~~فلم ينكرا عليه. # وقد ذهب الشافعي إلى هذا، والذي صار إليه مالك أحق، وهو أصح سندا، وأقوى ~~معتمدا، حسبما بيناه قبل هذا. # وقد روي عن ابن عباس أنه سئل عن حد اللواط، فقال: يصعد به في الجبل، ثم ~~يردى منه، ms1305 ثم يتبع بالحجارة. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة] # إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما ~~تصنعون} [العنكبوت: 45]. # فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: في قوله تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} ~~[العنكبوت: 45] قولان: # أحدهما: ما دام فيها. # والثاني: ما دام فيها وفيما بعدها. # قال ابن عباس: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من لم تنهه صلاته ~~عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا». # قال القاضي: قال شيوخ الصوفية: المعنى فيها أيضا أن من شأن المصلي أن ~~ينهى # PageV03P516 # عن الفحشاء والمنكر، كما من شأن المؤمن أن يتوكل على الله، كما قال: ~~{وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} [المائدة: 23]. # وكما لا يخرج المؤمن بترك التوكل على الله عن الإيمان كذلك لا يخرج ~~المصلي عن الصلاة بأن صلاته قصرت عن هذه الصفة. # وقال مشيخة الصوفية: الصلاة الحقيقية ما كانت ناهية، فإن لم تنهه فهي ~~صورة صلاة لا معناها، ومعنى ذلك أن وقوفه بين يدي مولاه ومناجاته له إن لم ~~تدم عليه بركتها، وتظهر على جوارحه رهبتها حتى يأتي عليه صلاة أخرى، وهو في ~~تلك الحالة، وإلا فهو عن ربه معرض، وفي حال مناجاته غافل عنه. # المسألة الثانية: الفحشاء: # الدنيا، فتنهاه الصلاة عنها، حتى لا يكون لغير الصلاة حظ في قلبه، كما ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وجعلت قرة عيني في الصلاة». # وقيل: الفحشاء المعاصي، وهو أقل الدرجات، فمن لم تنهه صلاته عن المعاصي ~~ولم تتمرن جوارحه بالركوع والسجود، حتى يأنس بالصلاة وأفعالها أنسا يبعد به ~~عن اقتراف الخطايا، وإلا فهي قاصرة. # المسألة الثالثة: المنكر: # وهو كل ما أنكره الشرع وغيره، ونهى عنه. ### | [مسألة ذكر الله لكم أفضل من ذكركم له] # المسألة الرابعة: {ولذكر الله أكبر} [العنكبوت: 45] # فيها أربعة أقوال: # الأول: ذكر الله لكم أفضل من ذكركم له، أضاف المصدر إلى الفاعل. # الثاني: ذكر الله أفضل من كل شيء. # الثالث: ذكر الله في الصلاة أفضل من ذكره في ms1306 غيرها، يعني لأنها عبادتان. # PageV03P517 # الرابع: ذكر الله في الصلاة أكبر من الصلاة. وهذه كلها من إضافة المصدر ~~إلى المفعول. # وهذا كله صحيح، فإن الصلاة بركة عظيمة. ### | [الآية الرابعة قوله تعالى ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن] # إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا ~~وإلهكم واحد ونحن له مسلمون} [العنكبوت: 46]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: قال قتادة: وهي منسوخة بآية القتال، فإنه رفع الجدال. ~~المسألة الثانية: # قد بينا في القسم الثاني أنها ليست منسوخة، وإنما هي مخصوصة؛ لأن النبي - ~~عليه السلام - بعث باللسان يقاتل به في الله، ثم أمره الله بالسيف واللسان، ~~حتى قامت الحجة على الخلق لله، وتبين العناد، وبلغت القدرة غايتها عشرة ~~أعوام متصلة، فمن قدر عليه قتل، ومن امتنع بقي الجدال في حقه؛ ولكن بما ~~يحسن من الأدلة، ويجمل من الكلام، بأن يكون منك للخصم تمكين، وفي خطابك له ~~لين، وأن تستعمل من الأدلة أظهرها، وأنورها، وإذا لم يفهم المجادل أعاد ~~عليه الحجة وكررها، كما فعل الخليل مع الكافر حين قال له إبراهيم: {ربي ~~الذي يحيي ويميت} [البقرة: 258]. # فقال له الكافر: أنا أحيي وأميت، فحسن الجدال، ونقل إلى أبين منه ~~بالاستدلال. وقال: إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب. وهو ~~انتقال من حق إلى حق أظهر منه، ومن دليل إلى دليل أبين منه وأنور. # المسألة الثالثة: قوله: {إلا الذين ظلموا} [العنكبوت: 46] فيها أربعة ~~أقوال: # PageV03P518 # الأول: أهل الحرب. # الثاني: مانعو الجزية. # الثالث: من بقي على المعاندة بعد ظهور الحجة. الرابع: الذين ظلموا في ~~جدالهم، بأن خلطوا في إبطالهم. # وهذه الأقوال كلها صحيحة مرددة، وقد كانت للنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~مجادلات مع المشركين، ومع أهل الكتاب. وآيات القرآن في ذلك كثيرة، وهي أثبت ~~في المعنى. # وقد قال لليهود: {إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس ~~فتمنوا الموت إن كنتم صادقين} [البقرة: 94] {ولن يتمنوه أبدا بما قدمت ~~أيديهم} [البقرة: 95]. فما أجابوا جوابا. # وقال لهم: {إن مثل ms1307 عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب} [آل عمران: 59]. ~~أي: إن كنتم أبعدتم ولدا بغير أب فخذوا ولدا دون أب ولا أم. # وقال: {يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا ~~الله ولا نشرك به شيئا} [آل عمران: 64]. # وقال: {وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم ~~بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق} [المائدة: 18]. # وقال عمران بن حصين: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي حصين: «يا ~~حصين؛ كم إلها تعبد اليوم، قال: إني أعبد سبعة، واحدا في السماء، وستا في ~~الأرض: قال: فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك، قال: الذي في السماء. قال: يا حصين، ~~أما إنك إن أسلمت علمتك». وذكر الحديث. # PageV03P519 ### | [سورة الروم فيها ثلاث آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد # ويومئذ يفرح المؤمنون} [الروم: 4]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: # روى الترمذي وغيره واللفظ له عن أبي سعيد الخدري قال: لما كان يوم بدر ~~ظهرت الروم على فارس، فأعجب ذلك المؤمنين، فنزلت: {الم} [الروم: 1] {غلبت ~~الروم} [الروم: 2] {في أدنى الأرض} [الروم: 3] إلى قوله: {يفرح المؤمنون} ~~[الروم: 4] {بنصر الله} [الروم: 5]. قال: ففرح المؤمنون بظهور الروم على ~~فارس. # وذكر عن ابن عباس قال: غلبت الروم وغلبت، كان المشركون يحبون أن تظهر ~~فارس على الروم؛ لأنهم وإياهم أهل أوثان، وكان المسلمون يحبون أن تظهر ~~الروم على فارس؛ لأنهم وإياهم كانوا أهل كتاب، فذكروه لأبي بكر، فذكره أبو ~~بكر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أما إنهم سيغلبون». فذكره ~~أبو بكر لهم، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلا؛ فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، ~~وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا. فجعل أجلا خمس سنين، فلم يظهروا فذكر ذلك ~~للنبي - عليه السلام - فقال: «ألا أخفضت». وفي رواية: «ألا أحبطت». وفي ~~رواية: «ألا جعلته إلى دون، أراه العشرة». # PageV03P520 # قال أبو سعيد: والبضع ما دون العشرة؛ ms1308 ثم ظهرت الروم؛ فذلك قوله تعالى: ~~{الم} [الروم: 1] {غلبت الروم} [الروم: 2] إلى قوله: {يفرح المؤمنون} ~~[الروم: 4] {بنصر الله} [الروم: 5] قال سفيان: سمعت أنهم ظهروا عليهم يوم ~~بدر. # قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب. # وروي أيضا عن نيار بن مكرم الأسلمي قال: لما نزلت: {الم} [الروم: 1] ~~{غلبت الروم} [الروم: 2] {في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون} [الروم: ~~3] {في بضع سنين} [الروم: 4] وكانت فارس يوم نزلت هذه الآية. قاهرين للروم، ~~وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم؛ لأنهم وإياهم أهل كتاب، وذلك قوله: ~~{ويومئذ يفرح المؤمنون} [الروم: 4] {بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز ~~الرحيم} [الروم: 5] فكانت قريش تحب ظهور فارس؛ لأنهم وإياهم ليسوا بأهل ~~كتاب، ولا إيمان ببعث فلما أنزل الله هذه الآية خرج أبو بكر الصديق يصيح في ~~نواحي مكة: {الم} [الروم: 1] {غلبت الروم} [الروم: 2] {في أدنى الأرض وهم ~~من بعد غلبهم سيغلبون} [الروم: 3] {في بضع سنين} [الروم: 4]. قال ناس من ~~قريش لأبي بكر: فذلك بيننا وبينكم، زعم صاحبك أن الروم ستغلب فارس في بضع ~~سنين؛ أفلا نراهنك على ذلك، قال: بلى. وذلك قبل تحريم الرهان. فارتهن أبو ~~بكر والمشركون، وتواضعوا الرهان، وقالوا لأبي بكر: كم تجعل؟ البضع ثلاث ~~سنين إلى تسع سنين. فسم بيننا وبينكم وسطا قال: فسموا بينهم ست سنين قال: ~~فمضت الست سنين قبل أن يظهروا؛ فأخذ المشركون رهن أبي بكر، فلما دخلت السنة ~~السابعة ظهرت الروم على فارس، فعاب المشركون على أبي بكر تسمية ست سنين؛ ~~لأن الله تعالى قال: في بضع سنين. قال: وأسلم عند ذلك ناس كثير؛ فهذه ~~أحاديث صحاح حسان غراب # PageV03P521 ### | [مسألة المراهنة] # المسألة الثانية: في هذا الحديث جواز المراهنة: # وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك عن الغرر والقمار؛ وذلك ~~نوع منه، ولم يبق للرهان جواز إلا في الخيل، حسبما بينا في كتب الحديث ~~والفقه. ### | [مسألة البضع فيه لأهل اللغة خمسة أقوال] # المسألة الثالثة: قوله: {في بضع سنين} [الروم: 4] # البضع فيه لأهل اللغة خمسة أقوال: الأول: أنه ما ms1309 بين اثنين إلى عشرة، أو ~~اثني عشر إلى عشرين، فيقال: بضع عشرة في جمع المذكر، وبضعة عشر في جمع ~~المؤنث. # الثاني: البضع سبعة؛ قاله الخليل. # الثالث: البضع من الثلاث إلى التسع. # الرابع: قال أبو عبيدة: هو ما بين نصف العقدين، يريد ما بين الواحد إلى ~~الأربعة. # الخامس: هو ما بين خمس إلى سبع؛ قاله يعقوب عن أبي زيد. # ويقال بكسر الباء وفتحها قال أكثرهم: ولا يقال بضع ومائة، وإنما هو إلى ~~التسعين. # والصحيح أنه ما بين الثلاث إلى العشر، وبذلك يقضي في الإقرار، وقد بيناه ~~في فروع الأحكام. ### | [الآية الثانية قوله تعالى فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون] # } [الروم: 17]. # وقد تقدم بيانها مع نظرائها من آيات الصلاة. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله] # وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون} [الروم: 39]. # PageV03P522 # فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: # بينا الربا ومعناه في سورة البقرة، وشرحنا حقيقته وحكمه، وهو هناك محرم ~~وهنا محلل، وثبت بهذا أنه قسمان؛ منه حلال ومنه حرام. المسألة الثانية: في ~~المراد بهذه الآية: # فيه ثلاثة أقوال: الأول: أنه الرجل يهب هبة يطلب أفضل منها؛ قاله ابن ~~عباس. # الثاني: أنه الرجل في السفر يصحبه رجل يخدمه ويعينه، فيجعل المخدوم له ~~بعض الربح جزاء خدمته، لا لوجه الله؛ قال الشعبي. # الثالث: الرجل يصل قرابته، يطلب بذلك كونه غنيا، لا صلة لوجه الله؛ قاله ~~إبراهيم. ### | [مسألة طلب الواهب في هبته زائدا على مكافأته] # المسألة الثالثة: # أما من يصل قرابته ليكون غنيا فالنية في ذلك متنوعة، فإن كان ليتظاهر به ~~دنيا فليس لوجه الله تعالى، وإن كان ذلك لما له من حق القرابة وبينهما من ~~وشيجة الرحم، فإنه لوجه الله تعالى. # وأما من يعين الرجل بخدمته في سفره بجزء من ماله فإنه للدنيا لا لوجه ~~الله، ولكن هذا المربي ليس ليربو في أموال الناس، وإنما هو ليربو في مال ~~نفسه، وصريح الآية فيمن يهب يطلب الزيادة من أموال الناس في ms1310 المكافأة، وذلك ~~له. # وقد قال عمر بن الخطاب: " أيما رجل وهب هبة يرى أنها للثواب فهو على هبته ~~حتى يرضى منها ". # وقال الشافعي: الهبة إنما تكون لله أو لجلب المودة، كما جاء في الأثر: ~~«تهادوا تحابوا». # PageV03P523 # وهذا باطل؛ فإن العرف جار بأن يهب الرجل الهبة لا يطلب إلا المكافأة ~~عليها، وتحصل في ذلك المودة تبعا للهبة. # وقد روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أثاب على لقحة»، ولم ينكر على ~~صاحبها حين طلب الثواب، إنما أنكر سخطه للثواب، وكان زائدا على القيمة. # وقد اختلف علماؤنا فيما إذا طلب الواهب في هبته زائدا على مكافأته، وهي: # المسألة الرابعة: فإن كانت الهبة قائمة لم تتغير، فيأخذ ما شاء، أو يردها ~~عليه. # وقيل: تلزمه القيمة، كنكاح التفويض. # وأما إذا كان بعد فوات الهبة فليس له إلا القيمة اتفاقا. # وقد قال تعالى: {ولا تمنن تستكثر} [المدثر: 6] أي لا تعط مستكثرا على أحد ~~التأويلات، ويأتي بيانه إن شاء الله تعالى. # PageV03P524 # [سورة لقمان فيها خمس آيات] [الآية الأولى قوله تعالى ومن الناس من يشتري ~~لهو الحديث] ### | سورة لقمان # فيها خمس آيات ### | الآية الأولى قوله تعالى: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث # ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين} [لقمان: ~~6]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: {لهو الحديث} [لقمان: 6] هو الغناء وما اتصل به: فروى ~~الترمذي والطبري وغيرهما عن أبي أمامة الباهلي أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «لا يحل بيع المغنيات، ولا شراؤهن، ولا التجارة فيهن، ولا ~~أثمانهن؛ وفيهن أنزل الله تعالى: {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن ~~سبيل الله بغير علم} [لقمان: 6]» الآية. # وروى عبد الله بن المبارك عن مالك بن أنس عن محمد بن المنكدر عن أنس بن ~~مالك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من جلس إلى قينة يسمع ~~منها صب في أذنيه الآنك يوم القيامة». # وروى ابن وهب عن مالك بن أنس، عن محمد بن المنكدر أن الله يقول يوم ~~القيامة: أين الذين ms1311 كانوا ينزهون أنفسهم وأسماعهم عن اللهو ومزامير ~~الشيطان؟ # PageV03P525 # أدخلوهم في رياض المسك. ثم يقول للملائكة: أسمعوهم حمدي وشكري، وثنائي ~~عليهم، وأخبروهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. # ومن رواية مكحول عن عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«من مات وعنده جارية مغنية فلا تصلوا عليه». # الثاني: أنه الباطل. # الثالث: أنه الطبل؛ قاله الطبري. # المسألة الثانية: في سبب نزولها: # وفيه قولان: أحدهما: أنها نزلت في النضر بن الحارث، كان يجلس بمكة، فإذا ~~قالت قريش: إن محمدا قال كذا وكذا ضحك منه، وحدثهم بأحاديث ملوك الفرس، ~~ويقول: حديثي هذا أحسن من قرآن محمد. # الثاني: أنها نزلت في رجل من قريش اشترى جارية مغنية، فشغل الناس بلهوها ~~عن استماع النبي - صلى الله عليه وسلم -. ### | [مسألة طبل الحرب] # المسألة الثالثة: # هذه الأحاديث التي أوردناها لا يصح منها شيء بحال، لعدم ثقة ناقليها إلى ~~من ذكر من الأعيان فيها. # وأصح ما فيه قول من قال: إنه الباطل. # فأما قول الطبري: إنه الطبل فهو على قسمين: طبل حرب، وطبل لهو، فأما طبل ~~الحرب فلا حرج فيه؛ لأنه يقيم النفوس، ويرهب على العدو. وأما طبل اللهو فهو ~~كالدف. وكذلك آلات اللهو المشهرة للنكاح يجوز استعمالها فيه، لما يحسن من ~~الكلام، ويسلم من الرفث. # PageV03P526 ### | [مسألة سماع القينات] # وأما سماع القينات فقد بينا أنه يجوز للرجل أن يسمع غناء جاريته، إذ ليس ~~شيء منها عليه حراما، لا من ظاهرها ولا من باطنها، فكيف يمنع من التلذذ ~~بصوتها. ### | [مسألة الدف في العرس] # ولم يجز الدف في العرس لعينه، وإنما جاز؛ لأنه يشهره، فكل ما أشهره جاز. # وقد بينا جواز الزمر في العرس بما تقدم من قول أبي بكر: «أمزمار الشيطان ~~في بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: دعهما يا أبا بكر فإنه يوم ~~عيد»، ولكن لا يجوز انكشاف النساء للرجال ولا هتك الأستار، ولا سماع الرفث، ~~فإذا خرج ذلك إلى ما لا يجوز منع من أوله، واجتنب من أصله. ### | [الآية الثانية قوله تعالى ولقد ms1312 آتينا لقمان الحكمة] # أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد} ~~[لقمان: 12]. # فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: في ذكر لقمان: # وفيه سبعة أقوال: # الأول: قال سعيد بن المسيب: كان لقمان أسود من سودان مصر، حكيما، ذا ~~مشافر، ولم يكن نبيا. # الثاني: قال قتادة: خيره الله بين النبوة والحكمة، فاختار الحكمة، فأتاه ~~جبريل وهو نائم، فقذف عليه الحكمة، فأصبح ينطق بها، فسئل عن ذلك، فقال: إنه ~~لو أرسل إلي النبوة عزمة لرجوت الفوز بها، ولكنه خيرني؛ فخفت أن أضعف عن ~~النبوة. # الثالث: أنه كان من النوبة قصيرا أفطس. # PageV03P527 # الرابع: أنه كان حبشيا. # الخامس: أنه كان خياطا. # السادس: أنه كان راعيا، فرآه رجل كان يعرفه قبل ذلك قال: ألست عبد بني ~~فلان الذي كنت ترعى بالأمس؟ قال: بلى. قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: قدر ~~الله، وأداء الأمانة، وصدق الحديث، وترك ما لا يعنيني. # السابع: أنه كان عبدا نجارا قال له سيده: اذبح شاة، وأتني بأطيبها بضعتين ~~فأتاه بالقلب واللسان. ثم أمره بذبح شاة، وقال له: ألق أخبثها بضعتين، ~~فألقى اللسان والقلب، فقال: أمرتك أن تأتيني بأطيبها بضعتين فأتيتني ~~باللسان والقلب، وأمرتك أن تلقي أخبثها بضعتين، فألقيت اللسان والقلب، ~~فقال: ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا شيء أخبث منها إذا خبثا. ### | [مسألة ما قاله لقمان لابنه] # . المسألة الثانية: روى علماؤنا عن مالك أن لقمان قال لابنه: يا بني؛ إن ~~الناس قد تطاول عليهم ما يوعدون، وهم إلى الآخرة سراعا يذهبون، وإنك قد ~~استدبرت الدنيا منذ كنت، واستقبلت الآخرة، وإن دارا تسير إليها أقرب إليك ~~من دار تخرج عنها. # وقال لقمان، يا بني؛ ليس غنى كصحة، ولا نعمة كطيب نفس. # وقال لقمان لابنه: يا بني لا تجالس الفجار، ولا تماشهم، اتق أن ينزل ~~عليهم عذاب من السماء، فيصيبك معهم. # وقال: يا بني؛ جالس العلماء وماشهم، عسى أن تنزل عليهم رحمة فتصيبك معهم. # وقال: يا بني؛ جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك؛ فإن الله يحيي القلوب ~~الميتة بالعلم، ms1313 كما يحيي الأرض بوابل المطر. ### | [مسألة ذكر المؤرخون أنه كان لقمان بن عاد الأكبر] # المسألة الثالثة: # ذكر المؤرخون أنه كان لقمان بن عاد الأكبر، وكان لقمان الأصغر، وليس ~~بلقمان المذكور في القرآن. وكان لقمان هذا الذي تذكره العرب حكيما. # PageV03P528 # وفي أخبارها أن أخت لقمان كانت امرأة محمقة، وكان لقمان حكيما نجيا، ~~فقالت أخته لامرأته: هذه ليلة طهري فهبي لي ليلتك، طمعا في أن تعلق من ~~أخيها بنجيب، ففعلت، فحملت من أخيها، فولدت لقيم بن لقمان، وفيه يقول النمر ~~بن تولب: # لقيم بن لقمان من أخته ... فكان ابن أخت لها وابنا # ليالي حمق فاستحصنت ... عليه فغر بها مظلما # فقر به رجل محكم ... فجاءت به رجلا محكما # المسألة الرابعة: # ذكر مالك كلاما كثيرا من الحكمة عن لقمان، وأدخل من حكمته فصلا في كتاب ~~الجامع من موطئه؛ لأن الله ذكره في كتابه، وذكر من حكمته فصلا يعضده الكتاب ~~والسنة، لينبه بذلك على أن الحكمة تؤخذ من كل أحد، وجائز أن يكون نبيا، ~~وجائز أن يكون عالما أي أوتي الحكمة، وهي العمل بالعلم. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى ولا تصعر خدك للناس] # ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور} [لقمان: 18]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى: {ولا تصعر خدك} [لقمان: 18] # يعني لا تمله عنهم تكبرا، يريد أقبل عليهم متواضعا، مؤنسا مستأنسا، وإذا ~~حدثك أحدهم فأصغ إليه، حتى يكمل حديثه، وكذلك كان يفعل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -. # وقال الشاعر: # وكنا إذا الجبار صعر خده ... أقمنا له من ميله فتقوم # يريد: فتقوم أنت، أمر، ثم كسرت للقافية. # PageV03P529 ### | [مسألة ولا تمش في الأرض مرحا] # المسألة الثانية: قوله: {ولا تمش في الأرض مرحا} [لقمان: 18] # قد تقدم بيان ذلك في سورة سبحان. # وفي الحديث الصحيح عن مالك وغيره: «بينما رجل يتبختر في برديه أعجبته ~~نفسه فخسف الله به الأرض، وهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة». # وعنه، صحيحا: «الذي يجر ثوبه خيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة». # وعنه مثله: «لا ينظر الله إلى من جر ms1314 إزاره بطرا». # وعنه مثله عن أبي سعيد الخدري: أنه سئل عن الإزار، فقال أبو سعيد: أنا ~~أخبركم بعلم: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إزرة المؤمن ~~إلى أنصاف ساقيه، لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، وما أسفل من ذلك ~~ففي النار». # قال القاضي: روي أن المختال هو قارون، وذلك أن هذه الأمة معصومة من ~~الخسف. # وفي بعض الآثار، وفي صحيح الأخبار «أنه سيخسف بجيش في البيداء يقصد ~~البيت». وقد بينا ذلك في شرح الحديث، أما إنه يتبختر فلم تخسف به الأرض ~~حقيقة خسف به في العمل مجازا، فلم يرق له عمل إلى السماء، وهو أشد الخسف. # PageV03P530 ### | [الآية الرابعة قوله تعالى واقصد في مشيك واغضض من صوتك] # إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} [لقمان: 19]. # فيها مسألتان: المسألة الأولى: القصد في المشي يحتمل أن يريد به وجهين: # أحدهما: أن تكون السرعة، ويحتمل التؤدة؛ وكلاهما صحيح في موضعه. ويحتمل ~~أن يريد به المشي بقصد، لا يكون عادة، بل يجري على حكم النية، ولا يسترسل ~~استرسال البهيمة؛ والكل صحيح مراد. والله أعلم. ### | [مسألة رفع الصوت] # المسألة الثانية: قوله: {واغضض من صوتك} [لقمان: 19] يعني لا تتكلف رفع ~~الصوت، وخذ منه ما تحتاج إليه؛ فإن الجهر بأكثر من الحاجة تكلف يؤذي. # وقد قال عمر لمؤذن تكلف رفع الأذان بأكثر من طاقته: لقد خشيت أن تنشق ~~مريطاؤك. # والمؤذن هو أبو محذورة سمرة بن معير. والمريطاء: ما بين السرة إلى ~~العانة. ### | [الآية الخامسة قوله تعالى ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن] # الآية الخامسة # قوله تعالى: {ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في ~~عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير} [لقمان: 14]. # يأتي في سورة الأحقاف إن شاء الله. # PageV03P531 ### | [سورة السجدة فيها ثلاث آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا ~~وطمعا] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا # ومما رزقناهم ينفقون} [السجدة: 16]. فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: المضاجع جمع مضجع، وهي مواضع النوم. ms1315 ويحتمل وقت ~~الاضطجاع، ولكنه مجاز. والحقيقة أولى، وذلك كناية عن السهر في طاعة الله ~~تعالى. # المسألة الثانية: إلى أي طاعة الله تتجافى؟ وفيه قولان: # أحدهما: ذكر الله. والآخر الصلاة. وكلاهما صحيح، إلا أن أحدهما عام، ~~والآخر خاص. # فإن قلنا: إن ذلك في الصلاة، فأي صلاة هي؟ في ذلك أربعة أقوال، وهي: # المسألة الثالثة: الأول: أنها النفل بين المغرب والعشاء؛ قال قتادة. # الثاني: أنها العتمة؛ قاله أنس وعطاء. # الثالث: أنها صلاة العتمة والصبح في جماعة؛ قال أبو الدرداء. # PageV03P532 # الرابع: أنه قيام الليل؛ قاله مجاهد، والأوزاعي، ومالك. # قال ابن وهب: هو قيام الليل بعد النوم، وذلك أثقله على الناس، ومتى كان ~~النوم حينئذ أحب فالصلاة حينئذ أحب وأولى. # والقول في صلاة الليل مضى، وسيأتي في سورة الزمر إن شاء الله تعالى. ### | [الآية الثانية قوله تعالى قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم] # ثم إلى ربكم ترجعون} [السجدة: 11]. # قال القاضي: هذه الآية لم يذكرها من طالعت كلامه في جميع الأحكام ~~القرآنية، وذكرها القرطبي في كتب الفقه خاصة منتزعا بها لجواز الوكالة من ~~قوله: {الذي وكل بكم} [السجدة: 11] وهذا أخذ من لفظه، لا من معناه؛ فإن كل ~~فاعل غير الله إنما يفعل بما خلق الله فيه من الفعل، لا بما جعل إليه، ~~حسبما بيناه في أصول الدين. ولو اطرد ذلك لقلنا في قوله: {قل يا أيها الناس ~~إني رسول الله إليكم جميعا} [الأعراف: 158] أنها نيابة عن الله تعالى، ~~ووكالة في تبليغ رسالته، ولقلنا أيضا في قوله: {وآتوا الزكاة} [الحج: 78] ~~إنه وكالة في أن الله ضمن الرزق لكل دابة، وخص الأغنياء بالأغذية، وأوعز ~~إليهم بأن رزق الفقراء عندهم، وأمرهم بتسليمه إليهم، مقدرا معلوما في وقت ~~معلوم، ودبره بعلمه، وأنفذه من حكمه، وقدره بحكمته، حسبما بيناه في موضعه. # ولا تتعلق الأحكام بالألفاظ، إلا أن ترد على موضوعاتها الأصلية في ~~مقاصدها المطلوبة، فإن ظهرت في غير مقصدها لم تعلق عليها مقاصدها. ألا ترى ~~أن البيع والشراء معلوم اللفظ والمعنى، وقد قال الله تعالى: {إن الله اشترى ~~من ms1316 المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} [التوبة: 111]. # ولا يقال: هذه الآية دليل على جواز مبايعة السيد لعبده؛ لأن المقصودين ~~مختلفان. # PageV03P533 # وهذا غرض شب طوق أصحابنا عنه، فإذا أرادوا لبسه لم يستطيعوا جوبه، ولا ~~وجد امرؤ منهم جيبه. # وقد تكلمنا على هذه الآية في المشكلين، وأحسن ما قيدنا فيها عن ~~الإسفراييني، من طريق الشهيد أبي سعيد المقدسي أن الله هو الخالق لكل شيء، ~~الفاعل حقيقة لكل فعل، في أي محل كان، ومتى ترتب المحال، وتناسقت الأفعال ~~فالكل إليه راجعون، وعلى قدرته محالون، ومن فعله محسوب، وفي كتابه مكتوب؛ ~~وقد خلق ملك الموت، وخلق على يديه قبض الأرواح، واستلالها من الأجسام، ~~وإخراجها منها على كيفية بيناها في كتب الأصول، وخلق جندا يكونون معه، ~~يعملون عمله بأمره مثنى وفرادى. والباري تعالى خالق الكل، فأخبر عن الأحوال ~~الثلاثة بثلاث عبارات، فقال: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في ~~منامها} [الزمر: 42]، إخبارا عن الفعل الأول، وهو الحقيقة. # وقال في الآية الأخرى: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم} [السجدة: 11] ~~خبرا عن المحل الأول الذي نيط به، وخلق فعله فيه. # وقال: {ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة} [الأنفال: 50]، وما أشبه ~~ذلك من ألفاظ الحديث خبرا عن الحالة الثانية التي تباشر فيها ذلك. فالأولى ~~حقيقة عقلية إلهية، والثانية حقيقة عرفية شرعية بحكم المباشرة. # وقال: ملك الموت إن باشر مثلها وإن أمر فهو كقولهم: حد الأمير الزاني ~~وعاقب الجاني. وهذه نهاية في تحقيق القول. # قال ابن العربي: أما إنه إذا لم يكن بد من التسور على المعاني، ودفع ~~الجهل عنها في غير موضعها، والإعراض عن المقاصد في ذلك، فيقال: إن هذه ~~الآية دليل على أن للقاضي أن يستنيب من يأخذ الحق ممن هو عليه قسرا دون أن ~~يكون له في ذلك فعل أو يرتبط به رضا إذا وجد ذلك. # PageV03P534 # وهو التحقيق الحاضر الآن، وتمامه في الكتاب الكبير. . ### | [الآية الثالثة قوله تعالى أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون] # } [السجدة: 18]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى: فيمن ms1317 نزلت؟ # وقد روي أنها نزلت في علي بن أبي طالب المؤمن، وفي عقبة بن أبي معيط ~~الكافر، فاخر عقبة عليا، فقال: أنا أبسط منك لسانا، وأحد سنانا، وأملأ في ~~الكتيبة منك حشوا. # فقال له علي: ليس كما قلت يا فاسق. # قال قتادة: والله ما استويا في الدنيا، ولا عند الموت، ولا في الآخرة. ### | [مسألة المساواة بين المؤمن والكافر في القصاص] # المسألة الثانية: في هذا القول نفي المساواة بين المؤمن والكافر، وبهذا ~~منع القصاص بينهما؛ إذ من شروط وجود القصاص المساواة بين القاتل والمقتول، ~~وبذلك احتج علماؤنا على أبي حنيفة في قتله المسلم بالذمي. # وقال: أراد نفي المساواة هاهنا في الآخرة في الثواب، وفي الدنيا في ~~العدالة، ونحن حملناه على عمومه؛ وهو أصح؛ إذ لا دليل يخصه حسبما قررناه في ~~مسائل الخلاف. # PageV03P535 ### | [سورة الأحزاب فيها أربع وعشرون آية] # [الآية الأولى قوله تعالى ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه # وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ~~ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} [الأحزاب: 4]. فيها ~~أربع مسائل: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: فيها أربعة أقوال: # الأول: أنها مثل ضربه الله لزيد بن حارثة وللنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: ليس ابن رجل آخر ابنك. # الثاني: قال قتادة: كان رجل لا يسمع شيئا إلا وعاه، فقال الناس: ما يعي ~~هذا إلا لأن له قلبين، فسمي ذا القلبين؛ فقال الله تعالى: {ما جعل الله ~~لرجل من قلبين في جوفه} [الأحزاب: 4] [فكان ما قال]. # الثالث: قال مجاهد: إن رجلا من بني فهر قال: إن في جوفي قلبين، أعمل بكل ~~واحد منهما عملا أفضل من عمل محمد. # الرابع: قيل لابن عباس: أرأيت قول الله تعالى: {ما جعل الله لرجل من ~~قلبين في جوفه} [الأحزاب: 4] ما عنى بذلك؟ # PageV03P536 # قال: قام نبي الله - صلى الله عليه وسلم - فخطر خطرة، فقال المنافقون ~~الذين يصلون معه: ألا ترون له قلبين: ms1318 قلبا معكم، وقلبا معهم؛ فأنزل الله ~~تعالى الآية. ### | [مسألة لا يجتمع في القلب الكفر والإيمان] # المسألة الثانية: قوله تعالى: {من قلبين} [الأحزاب: 4] # القلب: بضعة صغيرة الجرم على هيئة الصنوبرة، خلقها الله تعالى في الآدمي ~~وجعلها محلا للعلم، والروح أيضا، في قول، يحصي به العبد من العلوم ما لا ~~يسع في أسفار، يكتبه الله له فيه بالخط الإلهي، ويضبطه فيه بالحفظ الرباني ~~حتى يحصيه ولا ينسى منه شيئا. وهو بين لمتين: لمة من الملك، ولمة من ~~الشيطان، كما تقدم بيانه في الحديث. # وهو محل الخطرات والوساوس، ومكان الكفر والإيمان، وموضع الإصرار ~~والإنابة، ومجرى الانزعاج والطمأنينة. # والمعنى في الآية أنه لا يجتمع في القلب الكفر والإيمان، والهدى والضلال، ~~والإنابة والإصرار، وهذا نفي لكل ما توهمه أحد في ذلك من حقيقة أو مجاز. ### | [مسألة تكون الزوجة أما بقول الرجل هي علي كظهر أمي] # المسألة الثالثة: قوله: {وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم} ~~[الأحزاب: 4] نهى الله سبحانه أن تكون الزوجة أما بقول الرجل: هي علي كظهر ~~أمي. ولكنه حرمها عليه، وجعل تحريم القول يمتد إلى غاية، وهي الكفارة، على ~~ما يأتي بيانه في سورة المجادلة. ### | [مسألة الرجل يدعو الرجل ابنا إذا رباه] # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {وما جعل أدعياءكم أبناءكم} [الأحزاب: 4] # كان الرجل يدعو الرجل ابنا إذا ربيه، كأنه تبناه أي يقيمه مقام الابن؛ ~~فرد الله عليهم قولهم؛ لأنهم تعدوا به إلى أن قالوا: المسيح ابن الله: وإلى ~~أن يقولوا: زيد بن محمد، فمسخ الله هذه الذريعة، وبت حبلها، وقطع وصلها بما ~~أخبر من إبطال ذلك. # PageV03P537 ### | [الآية الثانية قوله تعالى ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله] # فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما ~~أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما} [الأحزاب: 5]. # فيها خمس مسائل: # المسألة الأولى: # قوله تعالى: {ادعوهم لآبائهم} [الأحزاب: 5] روى الأئمة أن ابن عمر قال: ~~ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد، حتى نزلت: {ادعوهم لآبائهم هو ~~أقسط عند الله} ms1319 [الأحزاب: 5]. # وكان من قصة زيد بن حارثة أنه قال: كان جبلة في الحي، فقالوا: أنت أكبر ~~أم زيد؟ فقال: زيد أكبر مني، وأنا ولدت قبله، وسأخبركم عن ذلك: # كانت أمنا امرأة من طيئ، فمات أبونا، وبقينا في حجر جدي، فجاء عماي، ~~فقالا لجدي: نحن أحق بابن أخينا منك. فقال: ما عندنا خير لهما، فأبيا. ~~فقال: خذا جبلة ودعا زيدا. فانطلقا بي، فجاءت خيل من تهامة، فأصابت زيدا، ~~فتراقى به الأمر إلى خديجة، فوهبته خديجة للنبي - عليه السلام -. # وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا لم يغز وغزا زيد أعطاه سلاحه. # وأهدي للنبي - صلى الله عليه وسلم - يوما مرجلان، فأعطاه أحدهما، وأعطى ~~عليا الآخر. # وقد روي أن حكيم بن حزام ابتاعه، وكان مسبيا من الشام، فوهبه لعمته ~~خديجة، فوهبته للنبي - صلى الله عليه وسلم - فتبناه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فكان أبوه يدور بالشام ويقول: # بكيت على زيد ولم أدر ما فعل ... أحي فيرجى أم أتى دونه الأجل # فوالله ما أدري وإني لسائل ... أغالك بعدي السهل أم غالك الجبل # فيا ليت شعري هل لك الدهر أوبة ... فحسبي من الدنيا رجوعك لي أمل # PageV03P538 # تذكرنيه الشمس عند طلوعها ... وتعرض ذكراه إذا غربها أفل # فإن هبت الأرواح هيجن ذكره ... فيا طول ما حزني عليه ويا وجل # سأعمل نص العيس في الأرض جاهدا ... ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل # حياتي أو تأتي علي منيتي ... فكل امرئ فان وإن غره الأمل # فأخبره أنه بمكة، فجاء إليه، فهلك عنده. # وروي أنه جاء إليه، فخيره النبي - صلى الله عليه وسلم - فاختار المقام ~~عند النبي - صلى الله عليه وسلم - لسعادته، وتبناه ورباه، ودعي له على رسم ~~العرب، فقال الله تعالى: {وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم ~~والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} [الأحزاب: 4] {ادعوهم لآبائهم هو أقسط ~~عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح ~~فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما} [الأحزاب: 5] ~~{النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه ms1320 أمهاتهم وأولو الأرحام بعضهم أولى ~~ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم ~~معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا} [الأحزاب: 6]. # فدعاه النبي - صلى الله عليه وسلم - لحارثة، وعرفت كلب نسبه، فأقروا به، ~~وأثبتوا نسبته. # وهو أقسط عند الله؛ أي أعدل عند الله قولا وحكما. ### | [مسألة من لا أب له من ولد دعي أو لعان] # المسألة الثانية: قوله تعالى: {فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ~~ومواليكم} [الأحزاب: 5] دليل قوي على أن من لا أب له من ولد دعي أو لعان لا ~~ينتسب إلى أمه، ولكنه يقال أخو معتقه وولده إن كان حرا، أو عبده إن كان ~~رقا. # فأما ولد الملاعنة إن كان حرا فإنه يدعى إلى أمه، فيقال: فلان ابن فلانة، ~~لأن أسبابه في انتسابه منقطعة، فرجعت إلى أمه. # المسألة الثالثة: # فيه إطلاق اسم الأخوة دون إطلاق اسم الأبوة؛ لأن المؤمنين إخوة قال الله ~~تعالى: {إنما المؤمنون إخوة} [الحجرات: 10]. # PageV03P539 # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وددت أني رأيت إخواننا. قالوا: ~~ألسنا بإخوانك، قال: بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد». ### | [مسألة إطلاق المولى على المنعم عليه بالعتق وعلى المعتق] # . المسألة الرابعة: قوله تعالى: {ومواليكم} [الأحزاب: 5] يجوز إطلاق ~~المولى على المنعم عليه بالعتق، وعلى المعتق بلفظ واحد، والمعنى مختلف، ~~ويرجع ذلك إلى الولاية، وهي القرب، كما ترجع الأخوة إلى أصل هو مقام الأبوة ~~من الدين والصداقة. # وللمولى ثمانية معان، منها ما يجتمع أكثرها في الشيء الواحد، ومنها ما ~~يكون فيه من معاينة اثنين بحسب ما يعضده الاشتقاق، ويقتضيه الحال وتوجيه ~~الأحكام. ### | [مسألة نسخ السنة بالقرآن] # المسألة الخامسة: # قال جماعة: هذا ناسخ لما كانوا عليه في الجاهلية من التبني والتوارث، ~~ويكون نسخا للسنة بالقرآن # وقد بينا في القسم الثاني أن هذا لا يكون نسخا؛ لعدم شروط النسخ فيه؛ ~~ولأن ما جاء من الشريعة لا يقال إنه نسخ لباطل الخلق، وما كانوا عليه من ~~المحال والضلال، وقبيح الأفعال، ومسترسل الأعمال، إلا أن يريد بذلك نسخ ~~الاشتقاق، بمعنى الرفع ms1321 المطلق، والإزالة المبهمة. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم] # وأزواجه أمهاتهم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين ~~والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا} ~~[الأحزاب: 6]. # فيها ست مسائل: # PageV03P540 # المسألة الأولى: في سبب نزولها [قوله {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} ~~[الأحزاب: 6]]: روي أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أراد غزوة تبوك ~~أمر الناس بالخروج، فقال قوم: نستأذن آباءنا وأمهاتنا؛ فأنزل الله تعالى ~~فيهم: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} [الأحزاب: 6]». # وفي رواية عكرمة: وهو أبوهم وأزواجه أمهاتهم. والحديث في غزوة تبوك ~~موضوع. # المسألة الثانية: روى الأئمة واللفظ للبخاري عن عبد الرحمن بن أبي عمرة ~~عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما من مؤمن إلا وأنا ~~أولى الناس به في الدنيا والآخرة، اقرءوا إن شئتم: {النبي أولى بالمؤمنين ~~من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم} [الأحزاب: 6] فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته ~~من كانوا، فإن ترك دينا أو ضياعا فليأتني، فأنا مولاه». # فانقلبت الآن الحال بالذنوب، فإن تركوا مالا ضويق العصبة فيه، وإن تركوا ~~ضياعا أسلموا إليه، فهذا تفسير الولاية المذكورة في هذه الآية بتفسير النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - وتعيينه، ولا عطر بعد عروس. ### | [مسألة حرم الله أزواج النبي صلى الله عليه وسلم على الخلق من بعده] # المسألة الثالثة: {وأزواجه أمهاتهم} [الأحزاب: 6] ولسن لهم بأمهات، ولكن ~~أنزلن منزلتهن في الحرمة، كما يقال: زيد الشمس، أي أنزل في حسنه منزلة ~~الشمس، وحاتم البحر أي أنزل في عموم جوده بمنزلة البحر؛ كل ذلك تكرمة للنبي ~~- صلى الله عليه وسلم - وحفظا لقلبه من التأذي بالغيرة. # قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للأنصار: «تعجبون من غيرة سعد، لأنا ~~أغير منه، والله أغير مني». ولهذا قال: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ~~ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما} [الأحزاب: ~~53]. # PageV03P541 # ولم ينزل في هذه الحرمة أحد منزلة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا ~~روعيت فيه هذه ms1322 الخصيصة، وإن غار وتأذى؛ ولكنه محتمل مع حظ المنزلة من خفيف ~~الأذى. # المسألة الرابعة: قال بعض المفسرين: حرم أزواج النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - على الخلق من بعده، وإنما أخذه من قوله: {ولا أن تنكحوا أزواجه من ~~بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما} [الأحزاب: 53] فكل من طلق رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وتخلى عنها في حياته فقد اختلف في ثبوت هذه الحرمة ~~بينه وبينهن، فقيل: هي لمن دخل بها دون من فارقها قبل الدخول. # وقد هم عمر برجم امرأة فارقها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنكحت ~~بعده، فقالت له: ولم؟ وما ضرب علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حجابا ~~ولا دعيت أم المؤمنين. فكف عنها. ### | [مسألة زوجات النبي هل هن أمهات الرجال والنساء أم هن أمهات الرجال خاصة] # المسألة الخامسة: قوله تعالى: {وأزواجه أمهاتهم} [الأحزاب: 6] # اختلف الناس، هل هن أمهات الرجال والنساء، أم هن أمهات الرجال خاصة، على ~~قولين: فقيل: ذلك عام في الرجال والنساء. # وقيل: هو خاص للرجال؛ لأن المقصود بذلك إنزالهن منزلة أمهاتهم في الحرمة، ~~حيث يتوقع الحل، والحل غير متوقع بين النساء، فلا يحجب بينهن بحرمة. # وقد روي أن امرأة قالت لعائشة: يا أماه. فقالت: لست لك بأم، إنما أنا أم ~~رجالكم، وهو الصحيح. ### | [مسألة قوله تعالى وأولو الأرحام بعضهم أولى] # المسألة السادسة: قوله تعالى: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب ~~الله} [الأحزاب: 6] # وقد قدمنا القول في ذلك في سورة الأنفال. # وثبت عن عروة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آخى بين الزبير وبين ~~كعب بن مالك، فارتث كعب يوم أحد، فجاء به الزبير يقوده بزمام راحلته، فلو ~~مات يومئذ كعب عن الضح # PageV03P542 # والريح لورثه الزبير، فأنزل الله تعالى: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض ~~في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم} [الأنفال: 75]. # فبين الله سبحانه أن القرابة أولى من الحلف، فتركت الموارثة بالحلف، ~~وورثوا بالقرابة، وقوله: {من المؤمنين والمهاجرين} [الأحزاب: 6] يتعلق حرف ~~الجر بأولى، وما فيه من معنى الفعل، ms1323 لا بقوله: {وأولو الأرحام} [الأحزاب: ~~6] بإجماع، لأن ذلك كان يوجب تخصيصها ببعض المؤمنين، ولا خلاف في عمومها، ~~وهذا حل إشكالها. ### | [الآية الرابعة قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم] # إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون ~~بصيرا} [الأحزاب: 9]. # فيها أحكام وسير، وقد ذكرها مالك، وتكلم عليها، وهي متضمنة غزوة الخندق، ~~والأحزاب، وبني قريظة، وكانت حال شدة، معقبة بنعمة، ورخاء وغبطة، وذلك ~~مذكور في تسع عشرة آية، ويقتضي مسائل ثلاثا: # المسألة الأولى: قال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: «أمر رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بالقتال من المدينة، وذلك قوله: {إذ جاءوكم من فوقكم ومن ~~أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر} [الأحزاب: 10] قال: ذلك ~~يوم الخندق»، جاءت قريش من هاهنا، واليهود من هاهنا، والنجدية من هاهنا، ~~يريد مالك أن الذين جاءوا من فوقهم بنو قريظة، ومن أسفل منهم قريش وغطفان. # قال ابن وهب، وابن القاسم: كانت وقعة الخندق سنة أربع، وهي وبنو قريظة في ~~يوم واحد، وبين بني قريظة والنضير أربع سنين. # وقال ابن إسحاق: كانت غزوة الخندق سنة خمس. # PageV03P543 # قال ابن وهب: قال مالك: بلغني أن عبد الله بن أبي ابن سلول قال لسعد بن ~~معاذ في بني قريظة حين نزلت على حكم سعد، وجاء ليحكم فيهم، وهو على أتان، ~~فمر به حتى لقيه عبد الله بن أبي المنافق قال: أنشدتك الله يا سعد في ~~إخواني وأنصاري، ثلاثمائة فارس وستمائة راجل، فإنهم جناحي، وهم مواليك ~~وحلفاؤك. # فقال سعد: قد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم، فحكم فيهم سعد أن ~~تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لقد حكم فيهم سعد بحكم الملك». زاد ~~غيره: من فوق سبعة أرقعة. # «فأتى ثابت بن قيس بن شماس إلى ابن باطا، وكانت له عنده يد، وقال: قد ~~استوهبتك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليدك التي لك عندي. قال: ~~كذلك يفعل الكريم بالكريم. ثم قال: وكيف يعيش ms1324 رجل لا ولد له ولا أهل؟ قال: ~~فأتى ثابت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك له، فأعطاه أهله ~~وولده. فأتاه فأعلمه ذلك، فقال: وكيف يعيش رجل لا مال له، فأتى ثابت النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فطلبه، فأعطاه ماله. فرجع إليه فأخبره، فقال: ما ~~فعل ابن أبي الحقيق الذي كأن وجهه مرآة صينية؟ قال: قتل. فما فعل المجلسان ~~يعني بني كعب بن قريظة، وبني عمرو بن قريظة؟ قال: قتلوا. قال: فما فعلت ~~القينتان؟ قال: قتلتا. قال: برئت ذمتك، ولن أصب فيها دلوا أبدا يعني النخل ~~فألحقني بهم، فأبى أن يقتله وقتله غيره». # واليد التي كانت لابن باطا عند ثابت أنه أسره يوم بعاث فجز ناصيته ~~وأطلقه. # وكذلك قال ابن القاسم عنه. وقال ابن وهب عنه: «إن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال حين توفي سعد: نخشى أن نغلب عليك، كما غلبنا على حنظلة. ~~قال: وكان قد أصيب في أكحله، فانتقله النبي - صلى الله عليه وسلم - إليه». # «وكانت عائشة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الخندق، وذكرت أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - كان يتعاهد ثغرة من الجبل يحافظ عليها، ثم ~~يزلفه البرد ذلك اليوم، فيأتي فيضطجع في حجري، ثم # PageV03P544 # يقوم، فسمعت حس رجل عليه حديد وقد أسند في الجبل، فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: من هذا؟ فقال: سعد بن أبي وقاص، جئتك لتأمرني بأمرك. ~~فأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبيت في تلك الثغرة قالت عائشة: ~~ونام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجري حتى سمعت غطيطه، وكانت ~~عائشة لا تنساها لسعد قال مالك: وانصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - من ~~آخر النهار، فاغتسل، فأتاه جبريل - عليه السلام - قال: أوضعت اللأمة أو لم ~~تضعها؟ إن الله يأمرك أن تخرج إلى بني قريظة قال ابن القاسم عنه: وقسم ~~قريظة سهمانا، فأما النضير فقسمها للمهاجرين الأولين، ولثلاثة نفر من ~~الأنصار؛ وهم سهل بن حنيف، وأبو دجانة، والحارث بن الصمة قال مالك: وكانت ms1325 ~~النضير خالصة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يوجف عليها بخيل ولا ~~ركاب قال ابن وهب: قال مالك: وسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~المسلمين يوم الخندق وهم يرتجزون: # اللهم إلا خير الآخرة ... فاغفر للأنصار والمهاجرة # فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا خير إلا خير الآخرة، فاغفر ~~للمهاجرة والأنصار». # قال أبو بكر: أشهد أنك رسول الله. قال الله تعالى: {وما علمناه الشعر وما ~~ينبغي له} [يس: 69]. # وعن ابن القاسم مثله. وقال مالك: لم يستشهد يوم الخندق من المسلمين إلا ~~أربعة أو خمسة. # قال القاضي: قال علماؤنا: استشهد يوم الخندق من المسلمين ستة نفر: سعد بن ~~معاذ، وأنس بن أوس بن عتيك بن عمرو، وعبد الله بن سهل ثلاثة نفر. ومن بني ~~جشم بن الخزرج ثم من بني سلمة: الطفيل بن النعمان، وثعلبة بن غنمة رجلان من ~~بني سلمة، وكعب بن زيد من بني النجار. # PageV03P545 # وقتل من الكفار ثلاثة: منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبد الدار، ~~ونوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي وكان اقتحم الخندق فتورط فيه، فقتل. ~~فغلب المسلمون على جسده، فروي عن الزهري أنهم أعطوا لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في جسده عشرة آلاف درهم، فقال: لا حاجة لنا بجسده ولا بثمنه. ~~فخلى بينهم وبينه. # وعمرو بن عبد ود قتله علي في المبارزة، اقتحم عن فرسه فعقره، وضرب وجهه، ~~ثم أقبل على علي فتنازلا، فغلبه علي بن أبي طالب، وقال علي بن أبي طالب في ~~ذلك: # نصر الحجارة من سفاهة رأيه ... ونصرت رب محمد بصواب # فصددت حين تركته متجدلا ... كالجذع بين دكادك وروابي # وعففت عن أثوابه ولو أنني ... كنت المقطر بزني أثوابي # لا تحسبن الله خاذل دينه ... ونبيه يا معشر الأحزاب # قال ابن وهب: وسمعت مالكا يقول: «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بعث محمد بن مسلمة الأنصاري، وعباد بن بشير، وأبا عباس الحارثي، ورجلين ~~آخرين إلى كعب بن الأشرف اليهودي ليقتلوه، فبلغني أنهم قالوا: يا رسول ~~الله؛ أتأذن ms1326 لنا أن ننال منك إذا جئناه. فأذن لهم فخرجوا نحوه ليلا، فلما ~~جاءوا ونادوه ليطلع إليهم، وكان بين عباد بن بشير وبين ابن الأشرف رضاع، ~~فقالت له امرأته: لا تخرج إليهم، فإني أخاف عليك. فقال: والله لو كنت نائما ~~ما أيقظوني فخرج إليهم، فقال: ما شأنكم؟ فقالوا: جئنا لتسلفنا شطر وسق من ~~تمر، ووقعوا في النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أما والله لقد كنت ~~نهيتكم عنه، ثم قال بعضهم: إنا لنجد منك ريح عبير قال: فأدنى إليهم رأسه، ~~وقال: شموا، فذلك حين ابتدروه فقتلوه. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- تلك الليلة: إني لأجد ريح دم كافر». # PageV03P546 ### | [مسألة أول مشهد شهده رسول الله] # المسألة الثانية: # روى أنس بن مالك قال: قال عمي أنس بن النضر: سميت به، لم يشهد بدرا مع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكبر عليه، فقال: أول مشهد شهده رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - غبت عنه، أما والله لئن أراني الله مشهدا مع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما بعد ليرين الله ما أصنع. قال وهاب ~~أن يقول غيرها. فشهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد من العام ~~القابل، فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا أبا عمرو، أين؟ قال: واها لريح ~~الجنة، إني أجدها من دون أحد، فقاتل حتى قتل، فوجد في جسده بضع وثمانون ~~جراحة بين ضربة وطعنة ورمية. # قالت عمتي الربيع بنت النضر: فما عرفت أخي إلا ببنانه، ونزلت هذه الآية. ~~{رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما ~~بدلوا تبديلا} [الأحزاب: 23]. # وكذلك روى طلحة أن «أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا ~~لأعرابي جاهل: سله عمن قضى نحبه منهم، وكانوا لا يجترئون على مسألته؛ ~~يوقرونه ويهابونه فسأله الأعرابي، فأعرض عنه، ثم سأله عنه فأعرض عنه، ثم ~~إني اطلعت من باب المسجد، وعلي ثياب خضر، فلما رآني النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: أين السائل عمن قضى نحبه؟ قال الأعرابي: ms1327 ها أنا ذا يا رسول ~~الله. قال: هذا ممن قضى نحبه» النحب: النذر. # المسألة الثالثة: قال ابن وهب: قال مالك: سمعت أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - كان انتقل إليه سعد بن معاذ يوم الخندق حين أصابته الجراح في ~~خص عنده في المسجد، فكان فيه، وكان جرحه ينفجر، ثم يفيق منه، فخرج منه دم ~~كثير حتى سال في المسجد، فمات منه. # وبلغني أن سعد بن معاذ مر بعائشة - رضي الله عنها - ونساء معها في الأطم ~~الذي يقال له فارع، وعليه درع مقلصة، مشمر الكمين، وبه أثر صفرة وهو يرتجز: # لبث قليلا يشهد الهيجا حمل ... لا بأس بالموت إذا حان الأجل # PageV03P547 # فقالت عائشة: إني لست أخاف أن يصاب سعد اليوم إلا من أطرافه، فأصيب في ~~أكحله. # قال القاضي: فروي أن الذي أصابه عاصم بن قيس بن العرقة، فلما أصابه قال: ~~خذها مني وأنا ابن العرقة. # فقال له سعد: عرق الله وجهك في النار، اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش ~~شيئا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهد من قوم آذوا رسولك وكذبوه ~~وأخرجوه، اللهم إن كنت وضعت الحرب بيني وبينهم فاجعله شهادة لي، ولا تميتني ~~حتى تقر عيني من بني قريظة. # وقد روي أن الذي أصابه أبو أسامة يعني الجشمي؛ قال في ذلك شعرا لعكرمة بن ~~أبي جهل: # أعكرم هلا لمتني إذ تقول لي ... فداك بآطام المدينة خالد # ألست الذي ألزمت سعدا منية ... لها بين أثناء المرافق عاقد # قضى نحبه منها سعيد فأعولت ... عليه مع الشمط العذارى النواهد # وأنت الذي دافعت عنه وقد دعا ... عبيدة جمعا منهم إذ يكايد # على حين ما هو جائر عن طريقه ... وآخر مدعو على القصد قاصد # وقد روي غير ذلك. # وروى ابن وهب، وابن القاسم عن مالك، قالت عائشة: ما رأيت رجلا أجمل من ~~سعد بن معاذ، حاشا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأصيب في أكحله، ثم ~~قال: اللهم إن كان حرب قريظة لم يبق منها شيء فاقبضني إليك، وإن كان ms1328 قد ~~بقيت منها بقية فأبقني حتى أجاهد مع رسولك أعداءه. # فلما حكم في بني قريظة توفي، ففرح الناس بذلك، وقالوا: نرجو أن تكون قد ~~استجيبت دعوته. # قال ابن وهب، وقال مالك: وقال سعد: اللهم إنك تعلم أني كنت أحب أن يقتلني ~~قوم بعثت فيهم نبيك فكذبوه وأخرجوه، فإن كنت تعلم أن الحرب قد بقيت بيننا # PageV03P548 # وبينهم فأبقني، وإن كنت تعلم أنه لم يبق منها شيء فاقبضني إليك. فلما ~~توفي سعد تباشر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بذلك. # وقال ابن القاسم: حدثني يحيى بن سعيد: لقد نزل بموت سعد بن معاذ سبعون ~~ألف ملك ما نزلوا الأرض قبلها. # وقال مالك: قوله: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} [الأحزاب: 21] ~~يعني في رجوعه من الخندق. # وقال ابن وهب عنه: «كانت وقعة الخندق في برد شديد، وما صلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - الظهر والعصر يوم الخندق إلى حين غابت الشمس». # وقال ابن القاسم عنه: لما انصرف عن الخندق وضع السلاح ولا أدري اغتسل أم ~~لا، فأتاه جبريل فقال: يا محمد؛ أتضعون اللأمة قبل أن تخرجوا إلى قريظة؛ لا ~~تضعوا السلاح حتى تخرجوا إلى بني قريظة. فصاح رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: «ألا يصلي أحد صلاة العصر إلا في بني قريظة». # فصلى بعض الناس لفوات الوقت، ولم يصل بعض، حتى لحقوا بني قريظة؛ اتباعا ~~لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # فهذه الآيات التسع عشرة نزلن في شأن الأحزاب بما اندرج فيها من الأحكام ~~مما قد بيناه في موضعه، وشرحناه عند وروده، فلم يكن لتكراره معنى، وما خرج ~~عن ظاهر القرآن فهو من الحديث يشرح في موضعه. ### | [قوله تعالى إن بيوتنا عورة] # وقد بقيت آية واحدة، وهي تتمة عشرين آية نزلت في الأحزاب وهي قوله: {وإذا ~~كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه} [النور: 62]. وقد بيناها ~~هنالك. # والذي أخبر الله عنه بالاستئذان وقوله: {إن بيوتنا عورة} [الأحزاب: 13]، ~~أوس بن قيظي. والذين {عاهدوا الله من قبل لا ms1329 يولون الأدبار} [الأحزاب: 15]: ~~هم بنو حارثة، وبنو سلمة، على ما جرى عليهم في أحد، وندموا، ثم عادوا في ~~الخندق. وقد # PageV03P549 # أثنى الله عليهم في غزوة أحد بقوله: {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله ~~وليهما} [آل عمران: 122]. # قال جابر: وما وددت أنها لم تنزل لقوله: {والله وليهما} [آل عمران: 122]. ### | [الآية الخامسة قوله تعالى يا أيها النبي قل لأزواجك] # إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا} ~~[الأحزاب: 28] {وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد ~~للمحسنات منكن أجرا عظيما} [الأحزاب: 29]. # فيها ثمان عشرة مسألة: المسألة الأولى: في سبب نزولها: وفيه خمسة أقوال: ~~الأول: أن الله سبحانه صان خلوة نبيه، وخيرهن ألا يتزوجن بعده، فلما اخترنه ~~أمسكهن؛ قاله مقاتل بن حيان. # الثاني: أن الله سبحانه خير نبيه بين الدنيا والآخرة؛ فجاءه الملك الموكل ~~بخزائن الأرض بمفاتحها، وقال له: إن الله خيرك بين أن تكون نبيا ملكا، وبين ~~أن تكون عبدا نبيا. فنظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى جبريل ~~كالمستشير، فأشار إليه أن تواضع فقلت: بل نبيا عبدا، أجوع يوما وأشبع يوما. ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا، ~~واحشرني في زمرة المساكين». # فلما اختار ذلك أمره الله تعالى بتخيير أزواجه ليكن على مثاله؛ قاله ابن ~~القاسم. # الثالث: أن أزواجه طالبنه بما لا يستطيع، فكانت أولاهن أم سلمة؛ سألته ~~سترا معلما، فلم يقدر عليه. وسألته ميمونة حلة يمانية. وسألته زينب بنت جحش ~~ثوبا مخططا. وسألته أم حبيبة ثوبا سحوليا. وسألته سودة بنت زمعة قطيفة ~~خيبرية. وكل # PageV03P550 # واحدة منهن طلبت منه شيئا، إلا عائشة؛ فأمر بتخييرهن حكاه النقاش، وهذا ~~بهذا اللفظ باطل. # والصحيح ما في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله قال: «جاء أبو بكر يستأذن ~~على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجد الناس جلوسا عند بابه لم يأذن ~~لأحد منهم قال: فأذن لأبي بكر، فدخل، ثم أقبل عمر فاستأذن فأذن له بالدخول، ~~فوجد النبي - صلى الله عليه وسلم - جالسا ms1330 وحوله نساؤه، واجما ساكتا قال: ~~فقال أبو بكر: لأقولن شيئا يضحك النبي - صلى الله عليه وسلم -. فقال: أرأيت ~~يا رسول الله بنت خارجة، سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها، فضحك رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: هن حولي كما ترى يسألنني النفقة. فقام ~~أبو بكر إلى عائشة يجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: ~~تسألن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما ليس عنده. ثم اعتزلهن شهرا، ثم ~~أنزلت عليه آية التخيير: {يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة ~~الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا} [الأحزاب: 28]». # فقد خرج من هذا الحديث الصحيح أن عائشة طلبته أيضا. فتبين بطلان قول ~~النقاش. # الرابع: أن أزواجه اجتمعن يوما فقلن: نريد ما تريد النساء من الحلي ~~والثياب، حتى قال بعضهن: لو كنا عند غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لكان لنا حلي وثياب وشأن، فأنزل الله تعالى تخييرهن؛ قاله النقاش. # الخامس: أن أزواجه اجتمعن في الغيرة عليه، فحلف ألا يدخل عليهن شهرا، ~~ونصه ما روى عبد الله بن عبيد الله بن أبي ثور عن ابن عباس قال: لم أزل ~~حريصا على أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - اللتين فيهما قال الله # PageV03P551 # تعالى: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} [التحريم: 4] فمكثت سنة ما ~~أستطيع أن أسأله هيبة له، حتى حج عمر، وحججت معه، فلما كان بمر الظهران عدل ~~عمر إلى الأراك، فقال: أدركني بإداوة من ماء، فأتيته بها وعدلت معه ~~بالإداوة، فتبرز عمر، ثم أتاني، فسكبت على يده الماء فتوضأ، فقلت: يا أمير ~~المؤمنين؛ من المرأتان من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - اللتان قال ~~الله تعالى: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما} [التحريم: 4]، فإني أريد ~~أن أسألك عن هذا منذ سنة فما أستطيع هيبة لك. # فقال عمر: واعجبا لك يا ابن عباس، لا تفعل، ما ظننت أن عندي فيه علما، ~~فسلني عنه، فإن كنت أعلمه أخبرتك. ms1331 # قال الزهري: كره والله ما سأله عنه، ولم يكتمه. # قال: هما والله عائشة وحفصة، ثم أخذ يسوق الحديث. قال: «كنا معشر قريش ~~نغلب النساء فقدمنا المدينة، فوجدنا قوما تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا ~~يتعلمن من نسائهم. قال: وكان منزلي في بني أمية بن زيد بالعوالي فتغيظت ~~يوما على امرأتي، وذلك أني كنت في أمر أريده قالت لي: لو صنعت كذا. فقلت ~~لها: مالك أنت ولهذا وتكلفك في أمر أريده، فإذا هي تراجعني، فقالت: ما تنكر ~~أن أراجعك، فوالله إن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ليراجعنه، وتهجره ~~إحداهن يومها إلى الليل. فأخذت ردائي، وشددت علي ثيابي، فانطلقت، وذلك قبل ~~أن ينزل الحجاب، فدخلت على عائشة، فقلت لها: يا بنت أبي بكر، قد بلغ من ~~شأنك أن تؤذي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقالت: مالي ولك يا ابن ~~الخطاب، عليك بعيبتك. فدخلت على حفصة، فقلت: قد بلغ من شأنك أن تؤذي رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، أتراجعين رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~قالت: نعم. فقلت: أتهجره إحداكن اليوم إلى الليل، فقالت: نعم. قلت: قد خاب ~~من فعل ذلك منكن وخسرت، أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسول الله، ~~فإذا هي قد هلكت، لا تراجعي رسول الله ولا تسأليه شيئا، واسأليني ما بدا ~~لك، ولا يغرنك أن كانت جارتك هذه التي أعجبها حسنها وحب رسول الله # PageV03P552 # - صلى الله عليه وسلم - إياها؛ هي أوسم منك، وأحب إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - منك يريد عائشة. لقد علمت أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لا يحبك، ولولا أنا لطلقك؛ فبكت أشد البكاء. ودخلت على أم سلمة ~~لقرابتي منها فكلمتها، فقالت لي: واعجبا لك يا ابن الخطاب، قد دخلت في كل ~~شيء حتى تبغي أن تدخل بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين أزواجه؛ ~~وإنه كسرني ذلك عن بعض ما كنت أجد. وكان لي جار من الأنصار، فكنا نتناوب في ~~النزول إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فينزل ms1332 يوما وأنزل يوما، ~~ويأتيني بخبر الوحي، وآتيه بمثل ذلك، وكنا نتحدث أن غسان تنعل الخيل ~~تغزونا، فنزل صاحبي ثم أتاني عشيا، فضرب بابي، وناداني، فخرجت إليه، فقال: ~~حدث أمر عظيم. فقلت: ماذا؟ أجاءت غسان؟ فقال: بل أعظم من ذلك. فقلت: ما ~~تقول، طلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساءه؟ فقلت: قد خابت حفصة، ~~وخسرت، قد كنت أظن هذا يوشك أن يكون؛ حتى إذا صليت الصبح شددت علي ثيابي، ~~ثم نزلت، فدخلت على حفصة، وهي تبكي. فقلت: طلقكن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -؟ فقالت: لا أدري، هو هذا معتزل في هذه المشربة. فأتيت غلاما أسود ~~قاعدا على أسكفة الباب مدليا رجليه على نقير من خشب وهو جذع يرقى عليه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وينحدر. فقلت: استأذن لعمر، فدخل، ثم خرج، ~~فقال: قد ذكرتك له فصمت. فانطلقت، حتى أتيت المنبر، فإذا عنده رهط جلوس ~~يبكي بعضهم، فجلست قليلا، ثم غلبني ما أجد، فأتيت الغلام، فقلت: استأذن ~~لعمر. فدخل ثم خرج إلي فقال: قد ذكرتك له فصمت، فخرجت فجلست إلى المنبر، ثم ~~غلبني ما أجد، فأتيت الغلام، فقلت: استأذن لعمر، فإني أظن أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ظن أني جئت من أجل حفصة، والله لئن أمرني أن أضرب ~~عنقها لأضربن عنقها. قال: ورفعت صوتي، فدخل، ثم خرج، فقال: قد ذكرتك له ~~فصمت، فوليت مدبرا، فإذا الغلام يدعوني قال: ادخل فقد أذن لك. فدخلت، فسلمت ~~على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا هو متكئ على رمال حصير، قد أثر # PageV03P553 # في جنبه، ما بينه وبينه شيء، وتحت رأسه وسادة من أدم، حشوها ليف. فقلت: ~~يا رسول الله، أطلقت نساءك؟ ما يشق عليك من أمر النساء؟ فإن كنت طلقتهن فإن ~~الله معك وملائكته وجبريل، وأنا وأبا بكر والمؤمنين. قال: وقلما تكلمت ~~وأحمد الله بكلام إلا رجوت أن الله يصدق قولي الذي أقول، ونزلت هذه الآية ~~آية التخيير: {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات} ~~[التحريم: ms1333 5]. فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأسه إلي فقال: لا. ~~فقلت: الله أكبر، لو رأيتنا يا رسول الله، وكنا معشر قريش نغلب النساء، ~~فقدمنا المدينة فوجدنا قوما تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلمن من نسائهم ~~فتغضبت على امرأتي يوما، فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني. قالت: ما ~~تنكر أن أراجعك. فوالله إن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ليراجعنه ~~وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل. فقلت: قد خاب من فعل ذلك منهن وخسر، أفتأمن ~~إحداهن أن يغضب الله عليها لغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا هي ~~قد هلكت. فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقلت: يا رسول الله، قد ~~دخلت على حفصة فقلت: لا يغرنك أن كانت جارتك هي أوسم وأحب إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - منك فتبسم أخرى؛ وإني لما قصصت على رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - حديث أم سلمة تبسم، ولم أزل أحدثه حتى انحسر الغضب عن ~~وجهه وكشر، وكان من أحسن الناس ثغرا. فقلت: أستأنس يا رسول الله عليك، قال: ~~نعم. فجلست فرفعت بصري في البيت، فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر، إلا ~~أهبا ثلاثة، وإلا قبضة من شعير نحو الصاع، وقرظ مصبور في ناحية الغرفة وإذا ~~أفيق معلق؛ فابتدرت عيناي، فقال: ما يبكيك يا ابن الخطاب؟ فقلت: وما لي لا ~~أبكي، وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزائنك لا أرى فيها شيئا إلا ما ~~أرى، وذلك كسرى وقيصر في الأنهار والثمار، وأنت رسول الله وصفوته؟ وقلت: ~~ادع الله أن يوسع لأمتك، فقد وسع الله على فارس والروم، وهم لا يعبدون ~~الله. # PageV03P554 # فاستوى جالسا، وقال: أفي شك أنت يا ابن الخطاب، أولئك قوم عجلت لهم ~~طيباتهم في الحياة الدنيا. فقلت: استغفر لي يا رسول الله. وإن عمر استأذن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أن يخبر الناس أنه لم يطلق نساءه، ~~فأذن له، فقام عمر على باب المسجد ينادي: لم يطلق رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - نساءه، ونزلت ms1334 هذه الآية: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف ~~أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه ~~منهم} [النساء: 83] فكنت أنا الذي استنبطت ذلك الأمر، وأنزل الله تعالى آية ~~التخيير». وكان أقسم لا يدخل عليهن شهرا، يعني من أجل ذلك الحديث يعني قصة ~~شرب العسل في بيت زينب على ما يأتي بيانه في سورة التحريم. هذا نص البخاري ~~ومسلم جميعا، وهو الصحيح الذي يعول عليه، ولا يلتفت إلى سواه. # المسألة الثانية: هذا الحديث بطوله الذي اشتمل عليه كتاب الصحيح يجمع لك ~~جملة الأقوال؛ فإن فيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غضب على أزواجه ~~من أجل سؤالهن له ما لا يقدر عليه، لحديث جابر ولقول عمر لحفصة، لا تسألي ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا، وسليني ما بدا لك. # وسبب غيرتهن عليه في أمر شرب العسل في بيت زينب، لقول ابن عباس لعمر: من ~~المرأتان من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - اللتان تظاهرتا عليه؟ ~~وقوله: {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن} [التحريم: 5]. # وذلك إنما كان في شرب العسل في بيت زينب؛ فهذان قولان وقعا في هذا الحديث ~~نصا. وفيه الإشارة لما فيها بما جاء في حديث جابر من عدم قدرة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - على النفقة، حتى تجمعن حوله بما ظهر لعمر من ضيق حال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا سيما لما اطلع في مشربته من عدم ~~المهاد، وقلة الوساد. وفيه إبطال ما ذكره النقاش من أن # PageV03P555 # عائشة لم تسأله شيئا، بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم -: هن حولي، كما ~~ترى، وقيام أبي بكر لعائشة يجأ في عنقها، ولولا سؤالها ما أدبها. # المسألة الثالثة: قوله تعالى: (قل) قال الجويني: هو محمول على الوجوب، ~~واحتج بهذا الحديث الذي سردناه آنفا، ولا حجة فيه؛ أما أن قوله: (قل) يحتمل ~~الوجوب والإباحة، فإن كان الموجب لنزول الآية تخيير الله له بين الدنيا ~~والآخرة فاختار الآخرة، فأمر أن يفعل ms1335 ذلك بأزواجه ليكن معه في منزلته، ~~وليتخلقن بأخلاقه الشريفة، وليصن خلواته الكريمة من أنه يدخل عليها غيره ~~فهو محمول على الوجوب. # وإن كان لسؤالهن الإنفاق فهو لفظ إباحة، فكأنه قيل له: إن ضاق صدرك ~~بسؤالهن لك ما لا تطيق فإن شئت فخيرهن، وإن شئت فاصبر معهن، وهذا بين لا ~~يفتقر إلى إطناب. ### | [مسألة المراد بقوله تعالى لأزواجك] # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {لأزواجك} [الأحزاب: 28] اختلف العلماء في ~~المراد بالأزواج المذكورات؛ فقال الحسن وقتادة: كان تحته يومئذ تسع نسوة ~~سوى الخيبرية؛ خمس من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وأم ~~سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة، وسودة بنت زمعة بن قيس. وكانت تحته صفية بنت ~~حيي بن أخطب الخيبرية، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش ~~الأسدية، وجويرية بنت الحارث المصطلقية. # قال ابن شهاب: وامرأة واحدة اختارت نفسها، فذهبت، وكانت بدوية. # قال ربيعة: فكانت ألبتة، واسمها عمرة بنت يزيد الكلابية؛ اختارت الفراق، ~~فذهبت، فابتلاها الله بالجنون. # ويقال: إن أباها تركها ترعى غنما له، فصارت في طلب إحداهن، فلم يعلم ما ~~كان من أمرها إلى اليوم. وقيل: إنها كندية. وقيل: لم يخيرها، وإنما استعاذت ~~منه فردها، وقال: لقد استعذت بمعاذ. # PageV03P556 # هذا منتهى قولهم، ونحن نبينه بيانا شافيا، وهي: # المسألة الخامسة: # فنقول: كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - أزواج كثيرة بيناها في شرح ~~الصحيحين، والحاضر الآن أنه كان له سبع عشرة زوجة، عقد على خمس، وبنى ~~باثنتي عشرة، ومات عن تسع، وذلك مذكور في كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-. المخير منهن أربع: # الأولى: سودة بنت زمعة، تجتمع مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~لؤي. # الثانية: عائشة بنت أبي بكر، تجتمع مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~الأب الثامن. # الثالث: حفصة بنت عمر بن الخطاب، تجتمع مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في الأب التاسع. # الرابعة: أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، ~~تجتمع مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms1336 - في الأب السابع. # وذكر جماعة [من المفسرين] أن المخيرات من أزواج النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - تسع، وذكر النقاش أن أم حبيبة وزينب ممن سأل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - النفقة، ونزل لأجلهن آية التخيير. # وهذا كله خطأ عظيم؛ فإن في الصحيح كما قدمنا أن عمر قال في الحديث ~~المتقدم: فدخلت على عائشة قبل أن ينزل الحجاب؛ وإنما نزل الحجاب في وليمة ~~زينب، وكذلك إنما زوج أم حبيبة من النبي - صلى الله عليه وسلم - النجاشي ~~باليمن، وهو أصدق عنه، فأرسل بها إليه من اليمن، وذلك سنة ست. # وأما الكلابية المذكورة فلم يبن بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ~~ويقال: إن أباها زوجها منه، وقال له: إنها لم تمرض قط، فقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: ما لهذه قدر عند الله، فطلقها ولم يبن بها، وقول ابن ~~شهاب: إنها كانت بدوية، فاختارت نفسها لم يصح. وقول ربيعة: إنها كانت ألبتة ~~لم يثبت وإنما بناه من بناه على أن مذهب ربيعة في التخيير بتات، ويأتي ~~بيانه إن شاء الله عز وجل. # PageV03P557 ### | [مسألة معنى قوله تعالى إن كنتن تردن الحياة الدنيا] # المسألة السادسة: قوله تعالى: {إن كنتن تردن الحياة الدنيا} [الأحزاب: ~~28] وهو شرط جوابه {فتعالين أمتعكن وأسرحكن} [الأحزاب: 28]، فعلق التخيير ~~على شرط، وهذا يدل على أن التخيير والطلاق المعلقين على شرط صحيحان، ينفذان ~~ويمضيان، خلافا للجهال المبتدعة، الذين يزعمون أن الرجل إذا قال لزوجته: إن ~~دخلت الدار فأنت طالق إنه لا يقع الطلاق إن دخلت الدار؛ لأن الطلاق الشرعي ~~هو المنجز لا غير. ### | [مسألة معنى قوله تعالى الحياة الدنيا وزينتها] # المسألة السابعة: قوله تعالى: {الحياة الدنيا وزينتها} [الأحزاب: 28] # معناه إن كنتن تقصدن الحالة القريبة منكن؛ فإن للإنسان حالتين: حالة هو ~~فيها تسمى الدنيا، وحالة لا بد أن يصير إليها وهي الأخرى، وتقصدن التمتع ~~بما فيها، والتزين بمحاسنها، سرحتكن لطلب ذلك، كما قال تعالى: {من كان يريد ~~حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في ms1337 ~~الآخرة من نصيب} [الشورى: 20]. # ولا بد للمرء من أن يكون على صفتين: إما أن يلتفت إلى هذه الحالة ~~القريبة، ويجمع لها، وينظر فيها [ومنها]. وإما أن يلتفت إلى حالته الأخرى، ~~فإياها يقصد، ولها يسعى ويطلب؛ ولذلك اختار الله لرسوله الحالة الأخرى، ~~فقال له: {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا ~~لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى} [طه: 131] يعني رزقه في الآخرة؛ إذ المرء ~~لا بد له أن يأتيه رزقه في الدنيا طلبه أو تركه فإنه طالب له طلب الأجل. ~~وأما رزقه في الآخرة فلا يأتيه إلا ويطلبه، فخير الله أزواج نبيه في هذا ~~ليكون لهن المنزلة العليا، كما كانت لزوجهن. # وهذا معنى ما روى أحمد بن حنبل عن علي أنه قال: «لم يخير رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - # PageV03P558 # نساءه إلا بين الدنيا والآخرة»، ولذلك قال الحسن: خيرهن بين الدنيا ~~والآخرة، وبين الجنة والنار. ### | [مسألة لو اختارت إحدي نساء النبي الدنيا] # المسألة الثامنة: # اختلف العلماء فيمن لو اختارت منهن الدنيا مثلا، هل كانت تبين بنفس ~~الاختيار أم لا؟ فمنهم من قال: إنها تبين، لمعنيين: # أحدهما: أن اختيار الدنيا سبب الافتراق؛ فإن الفراق إذا وقع لا يتعلق ~~باختياره إمضاؤه؛ أصله يمين اللعان. # وقد اختلف العلماء؛ هل تقع الفرقة باللعان بنفس اليمين التي هي سبب ~~الفراق، أم لا بد من حكم الحاكم؟ حسبما بيناه في مسائل الخلاف. # الثاني: أن الرجل لو قال لزوجته: اختاري نفسك ونوى الفراق واختارت، وقع ~~الطلاق. والدنيا كناية عن ذلك، وهذا أصح القولين. ### | [مسألة معنى قوله تعالى فتعالين أمتعكن] # المسألة التاسعة: # قوله تعالى: {فتعالين أمتعكن} [الأحزاب: 28]: هو جواب الشرط، وهو فعل ~~جماعة النساء، من قولك " تعالى " وهو دعاء إلى الإقبال إليه، تقول: تعالى ~~بمعنى " أقبل " وضع لمن له جلالة ورفعة، ثم صار في الاستعمال موضوعا لكل ~~داع إلى الإقبال. # وأما في هذه المواضع فهو على أصله؛ فإن الداعي هو رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في أرفع رتبة. # المسألة العاشرة: # قوله تعالى: {أمتعكن} ms1338 [الأحزاب: 28] وقد تقدم في سورة البقرة. # المسألة الحادية عشرة: قوله تعالى: {وأسرحكن} [الأحزاب: 28]: معناه ~~أطلقكن. وقد تقدم القول في السراح في سورة البقرة # PageV03P559 ### | [مسألة كيفية تخيير النبي لأزواجه] # المسألة الثانية عشرة: # وهي مقصود الباب وتحقيقه في بيان الكتاب، وذلك أن العلماء اختلفوا في ~~كيفية تخيير النبي - صلى الله عليه وسلم - لأزواجه على قولين: # الأول: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - خير أزواجه بإذن الله في البقاء ~~على الزوجية، أو الطلاق. # فاخترن البقاء معه، قالته عائشة، ومجاهد، وعكرمة، والشعبي، وابن شهاب، ~~وربيعة. # ومنهم من قال: إنه كان التخيير بين الدنيا فيفارقهن، وبين الآخرة ~~فيمسكهن، ولم يخيرهن في الطلاق، ذكره الحسن وقتادة، ومن الصحابة علي. # وقال ابن عبد الحكم: معنى خيرهن قرأ عليهن الآية، ولا يجوز أن يقول ذلك ~~بلفظ التخيير؛ فإن التخيير إذا قبل ثلاث، والله أمره أن يطلق النساء ~~لعدتهن، وقد قال: {سراحا جميلا} [الأحزاب: 28] والثلاث ليس مما يجمل؛ وإنما ~~السراح الجميل واحدة ليس الثلاث التي يوجبهن قبول التخيير. # قال القاضي - رضي الله عنه -: أما عائشة فلم يثبت ذلك عنها قط، إنما ~~المروي عنها أن مسروقا سألها عن الرجل يخير زوجته فتختاره، أيكون طلاقا؟ ~~فإن الصحابة اختلفوا فيه. # فقالت عائشة: خير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساءه فاخترنه، أكان ~~ذلك طلاقا؟ خرجه الأئمة وروي، فلم يكن شيئا، فلا وجدوا لفظ (خير) في حديث ~~عائشة، وقولها: لما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتخيير نسائه بدأ ~~بي، فقال: إني ذاكر لك أمرا: إن الله تعالى قال: {يا أيها النبي قل لأزواجك ~~إن كنتن} [الأحزاب: 28]. وليس في هذا تخيير بطلاق كما زعموا، وإنما يرجع ~~الأول إلى أحد وجهين: التخيير بين الدنيا، فيوقع الطلاق؛ وبين الآخرة فيكون ~~الإمساك، ولهذا يرجع قولهم إلى آية التخيير، وقولها، خير رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - نساءه، أو أمر بتخيير نسائه، فإنما يعود ذلك كله إلى هذا ~~التفسير من التخيير. والذي يدل عليه أنه قد سمى كما تقدم آية التخيير: {عسى ~~ربه إن طلقكن أن ms1339 يبدله أزواجا خيرا منكن} [التحريم: 5]. # PageV03P560 # وليس للتخيير فيها ذكر لفظي، ولكن لما كان فيها معنى التخيير نسبها إلى ~~المعنى. # الثاني: أن ابن عبد الحكم قد قال: إن معنى خيرهن قرأ عليهن آية التخيير؛ ~~وقوله: إنه لا يجوز أن يخيرهن بلفظ التخيير صحيح. # والدليل عليه نص الآية؛ فإن التخيير فيها إنما وقع بين الآخرة، فيكون ~~التمسك؛ وبين الدنيا، فيكون الفراق؛ وهو ظاهر من نص الآية، وليس يدل عليه ~~ما قال من أن التخيير ثلاث، والله أمره بأن يطلق النساء لعدتهن؛ فإن كون ~~قبول الخيار ثلاثا إنما هو مذهبه، ولا يصح لأحد أن يستدل على حكم بمذهب ~~بقول يخالف فيه؛ فإن أبا حنيفة وأحمد يقولان: إنها واحدة في تفصيل، وقوله: ~~إن الله قال: سراحا جميلا. والثلاث مما لا يجمل خطأ؛ بل هي مما يجمل ويحسن ~~قال الله تعالى: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة: ~~229] فسمى الثلاث تسريحا بإحسان. # فإن قيل: إنما توصف بالإحسان إذا فرقت؛ فأما إذا وقعت جملة فلا. # قلنا: لا فرق بينهما؛ فإن الثلاث فرقة انقطاع، كما أن التخيير عندك فرقة ~~انقطاع. وإنما المعنى السراح الجميل، والسراح الحسن فرقة من غير ضرر، كانت ~~واحدة أو ثلاثا، وليس في شيء مما ظنه هذا العالم. # المسألة الثالثة عشرة: # قال ابن القاسم، وابن وهب: قال مالك: «قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لعائشة: ابعثي إلى أبويك. فقالت: يا رسول الله، لم؟ فقال: إن الله ~~أمرني أن أخيركن. فقالت: إني أختار الله ورسوله، فسر رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ذلك. فقالت له عائشة: يا رسول الله؛ إن لي إليك حاجة؛ لا تخير ~~من نسائك من تحب أن تفارقني، فخيرهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~جميعا، فكلهن اخترنه». # «قالت عائشة: خيرنا فاخترناه، فلم يكن طلاقا». # PageV03P561 # وفي الصحيح «عن عائشة: لما نزلت: {وإن كنتن تردن الله ورسوله} [الأحزاب: ~~29] الآية دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبدأ بي، فقال: يا ~~عائشة؛ إني ذاكر لك أمرا فلا عليك ألا تعجلي حتى ms1340 تستأمري أبويك. قالت: وقد ~~علم والله أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، فقرأ علي: {يا أيها النبي قل ~~لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا ~~جميلا} [الأحزاب: 28] {وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله ~~أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما} [الأحزاب: 29]. فقلت: أوفي هذا أستأمر أبوي، ~~فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة». # هذه رواية معمر عن عروة عن الزهري عن عائشة. قال معمر: وقال أيوب: قالت ~~عائشة: يا رسول الله، لا تخبر أزواجك أني اخترتك؛ قال: «إن الله لم يبعثني ~~متعنتا، إنما بعثني مبلغا». # وفي رواية: «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ على أزواجه ~~الآية ويقول: قد اختارتني عائشة، فاخترنه كلهن». # المسألة الرابعة عشرة: روى أنس بن مالك قال: لما خيرهن اخترنه، فقصره ~~الله عليهن، ونزلت: {لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج} ~~[الأحزاب: 52]. # وسيأتي بيان هذه الآية في موضعها إن شاء الله. ### | [مسألة خير الرجل امرأته فاختارته] # المسألة الخامسة عشرة: # قد بينا كيف وقع التخيير في هذه الآية، ومسألة التخيير طويلة عريضة، لا ~~يستوفيها إلا الإطناب بالتطويل مع استيفاء التفصيل، وذلك لا يمكن في هذه ~~العجالة، وبيانه في كتب الفقه، فنشير منه الآن إلى طرفين: # أحدهما: إذا خير الرجل امرأته فاختارته. # PageV03P562 # الثاني: إذا اختارت نفسها. أما الطرف الأول إذا اختارت زوجها، وقد اختلف ~~العلماء فيه؛ فذهب ابن عمر وابن مسعود، وعائشة، وابن عباس، وإحدى روايتي ~~زيد، وعلي، إلى أنه لا يقع شيء. # وذهب إلى أنها طلقة رجعية علي وزيد في الرواية الأخرى، والحسن، وربيعة، ~~وتعلقوا بأن قوله: " اختاري " كناية عن إيقاع الطلاق؛ فإذا أضافه إليها ~~وقعت طلقة، كقوله، أنت بائن. # ودليلنا قول عائشة: خيرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاخترناه. ~~أفكان ذلك طلاقا، فإن قيل: قد قلتم: إن تخيير عائشة لم يكن بين الزوجية ~~والفراق، وإنما كان بين البقاء فيمسك، وبين الفراق فيستأنف إيقاعه، وإذا ~~كان هذا هكذا عندكم فلا حجة فيه علينا منكم. # قلنا: ms1341 كذلك قلنا، وكذلك كان. وقولكم: لا حجة فيه ليس كذلك؛ بل حجته ~~ظاهرة؛ لأنكم قد قلتم: إنها كناية، فكان من حقكم أن تقولوا: إنه يقع الطلاق ~~بهذا أيضا. # فإذا قلتم في هذه الصورة: إنه لا يقع، كانت الأخرى مثلها؛ لأنهما ~~كنايتان، فلو لزم الطلاق بإحداهما لزم بالأخرى؛ لأن لا فرق بينهما. # وبهذا احتجت عائشة - رضي الله عنها - لسعة علمها، وعظيم فقهها. # وقولهم: إنها إيقاع باطل، وإنما هو تخيير بينه وبين فراقه، وهما ضدان، ~~ليس اختيار أحدهما اختيارا للثاني بحال. # وأما الطرف الثاني: وهو إذا اختارت الفراق فيها ثلاثة أقوال: الأول: أنها ~~ثلاث من غير نية ولا بينونة. فإن كان قبل الدخول فله ما نوى. هذا مذهب ~~مالك، وبه قال الليث، والحسن البصري، وزيد بن ثابت. # الثاني: روي عن علي أنها واحدة بائنة من غير نية ولا مبتوتة، وهو مذهب ~~أبي حنيفة. # PageV03P563 # الثالث: قال الشافعي: لا يقع الطلاق إلا إذا نوياه جميعا، ولا يقع منه ~~إلا ما اتفقا عليه جميعا، فإن اختلفا وقع الأقل، وبطل الأكثر. # ودليلنا أن المقتضي لقوله: " اختاري " ألا يكون له عليه سبيل، ولا يملك ~~منها شيئا؛ إذ قد جعل إليها أن تخرج ما يملكه منها عنه أو تقيم معه، فإذا ~~أخرجت البعض لم يعمل بمقتضى اللفظ، وكان بمنزلة من خير بين شيئين فاختار ~~غيرهما. # واحتج أبو حنيفة بأن الزوج علق الطلاق بخبر من جهتها، وذلك لا يفتقر إلى ~~نيتها، كما لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق فإنه إذا وقع الطلاق لم يقع ~~إلا واحدة كخيار المعتقة. # الجواب: إنا نقول: أما اعتبار نيتها فلا بد منه؛ لأنها موقعة للطلاق ~~بمنزلة الوكيل، ولا يصح أن يقال: إنه يتعلق بفعلها؛ ألا ترى أنها لو اختارت ~~زوجها لم يكن شيء، فثبت أنه توكيل ونيابة، وأما خيار المعتقة فلا نسلمه، بل ~~هو ثلاث. # واحتج الشافعي بأنه لم يقترن به لفظ الثلاث ولا نيتها. # الجواب: إما نقول: قد اقترن به لفظها كما بيناه. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وإن كنتن تردن الله ورسوله ms1342 والدار الآخرة] # المسألة السادسة عشرة: قوله تعالى: {وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار ~~الآخرة} [الأحزاب: 29] اعلموا علمكم الله علمه وأفاض عليكم حكمه أن ~~الموجودات على قسمين: قديم ومحدث، وخالق ومخلوق، والمخلوق والمحدث على ~~قسمين: حيوان وجماد. والحيوان على قسمين: مكلف، وغير مكلف. والمكلف حالتان: ~~حالة هو فيها، وحالة هو منقول إليها، كما قدمناه. والحالة المنتقل إليها هي ~~الحبيبة إلى الله الممدوحة منه، والحالة التي هو فيها هي المبغضة إلى الله ~~المذمومة عنده؛ فإن ركن إليها، وعمل بمقتضاها من الشهوات واللذات، وأهمل ~~الحالة التي ينتقل إليها، وهي المحمودة، هلك. # وإن كان مقصده في هذه الحالة القريبة تلك الآخرة، وكان لها يعمل، وإياها ~~يطلب، واعتقد نفسه بمنزلة المسافر إلى مقصد، فهو في طريقه يعبر، وعلى ~~مسافته يرتحل؛ وقلب الأول معمور بذكر الدنيا، مغمور بحبها، وقلب الثاني ~~مغمور بذكر # PageV03P564 # الله، معمور بحبه، وجوارحه مستعملة بطاعته، فقيل لأزواج النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: إن كنتن تردن الله ورسوله، وتقصدن الدار الآخرة وثوابه فيها، ~~فقد أعد الله ثوابكن وثواب أمثالكن في أصل القصد لا في مقداره وكيفيته. # وهذا يدل على أن العبد يعمل محبة في الله ورسوله لذاتيهما، وفي الدار ~~الآخرة لما فيها من منفعة الثواب. # قال قوم: لا يتصور أن يحب الله لذاته ولا رسوله لذاته، وإنما المحبوب ~~الثواب منهما، العائد عليه؛ وقد بينا ذلك في كتب الأصول، وحققنا أن العبد ~~يحب نفسه، وأن الله ورسوله لغنيان عن العالمين في ذلك الغرض المسطور فيها. ~~. ### | [مسألة معنى قوله تعالى للمحسنات منكن] # المسألة السابعة عشرة: قوله تعالى: {للمحسنات منكن} [الأحزاب: 29] ~~الإحسان في الفعل يكون بوجهين: # أحدهما: الإتيان به على أكمل الوجوه. # والثاني: التمادي عليه من غير رجوع، فكأنه قال: قل لهن من جاء بهذا الفعل ~~المطلوب منكن كما أمر به، وتمادى عليه إلى حالة الاحترام بالمنية، فعندنا ~~له أفضل الجلالة والإكرام. # وذلك بين في قوله: {ومن يقنت منكن لله ورسوله} [الأحزاب: 31] إلى آخر ~~المعنى. فهذا هو المطلوب، وهو الإحسان. ### | [مسألة معنى قوله تعالى أجرا عظيما] # المسألة ms1343 الثامنة عشرة: قوله تعالى: {أجرا عظيما} [النساء: 40] المعنى ~~أعطاهن الله بذلك ثوابا متكاثر الكيفية والكمية في الدنيا والآخرة، وذلك ~~بين في قوله: {نؤتها أجرها مرتين} [الأحزاب: 31]، وزيادة رزق كريم معد لهن. # أما ثوابهن في الآخرة فكونهن مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في درجته ~~في الجنة، ولا غاية بعدها، ولا مزية فوقها، وفي ذلك من زيادة النعيم ~~والثواب على غيرهن؛ فإن الثواب والنعيم على قدر المنزلة. # PageV03P565 # وأما في الدنيا فبثلاثة أوجه: # أحدها: أنه جعلهن أمهات المؤمنين، تعظيما لحقهن، وتأكيدا لحرمتهن، ~~وتشريفا لمنزلتهن. # الثاني: أنه حظر عليه طلاقهن، ومنعه من الاستبدال بهن، فقال: {لا يحل لك ~~النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن} [الأحزاب: 52]. # والحكمة أنهن لما لم يخترن عليه غيره أمر بمكافأتهن في التمسك بنكاحهن. # فأما منع الاستبدال بهن فاختلف العلماء؛ هل بقي ذلك مستداما أم رفعه الله ~~عنه، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. # وهذا يدل على أن الله يثيب العبد في الدنيا بوجوه من رحمته وخيراته، ولا ~~ينقص ذلك من ثوابه في الآخرة. وقد يثيبه في الدنيا، وينقصه بذلك في الآخرة، ~~على ما تقدم بيانه في موضعه. # الثالث: أن من قذفهن حد حدين، كما قال مسروق. # والصحيح أنه حد واحد كما تقدم بيانه في سورة النور، من أن عموم قوله: ~~{والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة} ~~[النور: 4]. # يتناول كل محصنة، ولا يقتضي شرفهن زيادة في الحد لهن؛ لأن شرف المنزلة لا ~~يؤثر في الحدود بزيادة، ولا نقصها يؤثر في الحد بنقص، والله أعلم. ### | [الآية السادسة قوله تعالى يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة] # الآية السادسة # قوله تعالى: {يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ~~ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا} [الأحزاب: 30]. # PageV03P566 # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: # قد تقدم القول في الفاحشة وتبيانها بما يغني عن إعادته، وأنها تنطبق على ~~الزنا، وعلى سائر المعاصي. # المسألة الثانية: # أخبر الله تعالى أن من ms1344 جاء من نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - بفاحشة ~~يضاعف لها العذاب ضعفين، لشرف منزلتهن، وفضل درجتهن، وتقدمهن على سائر ~~النساء أجمع؛ وكذلك ثبت في الشريعة أنه كلما تضاعفت الحرمات فهتكت تضاعفت ~~العقوبات؛ ولذلك ضوعف حد الحر على حد العبد، والثيب على البكر؛ لزيادة ~~الفضل والشرف فيهما على قرينهما؛ وذلك مشروح في سورة براءة. # المسألة الثالثة: # قد قال مسروق: إن نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - يحددن حدين. ويا ~~مسروق، لقد كنت في غنى عن هذا؛ فإن نساء النبي لا يأتين أبدا بفاحشة توجب ~~حدا؛ ولذلك قال ابن عباس: ما بغت امرأة نبي قط؛ وإنما خانت في الإيمان ~~والطاعة، ولو أمسك الناس عما لا ينبغي بل عما لا يعني لكثر الصواب، وظهر ~~الحق. ### | [الآية السابعة قوله تعالى ومن يقنت منكن لله ورسوله] # الآية السابعة # قوله تعالى: {ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين ~~وأعتدنا لها رزقا كريما} [الأحزاب: 31]. # بين الله تعالى أنه كما يضاعف، بهتك الحرمات، العذاب، كذلك يضاعف ~~بصيانتها الثواب. # PageV03P567 ### | [الآية الثامنة قوله تعالى يا نساء النبي لستن كأحد من النساء] # الآية الثامنة # قوله تعالى: {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن ~~بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا} [الأحزاب: 32] {وقرن في ~~بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن ~~الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا} ~~[الأحزاب: 33]. # فيها ثمان مسائل: # المسألة الأولى: قوله: {لستن كأحد من النساء} [الأحزاب: 32] # يعني في الفضل والشرف فإنهن وإن كن من الآدميات فلسن كإحداهن، كما أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن كان من البشر جبلة، فليس منهم فضيلة ~~ومنزلة، وشرف المنزلة لا يحتمل العثرات، فإن من يقتدى به، وترفع منزلته على ~~المنازل جدير بأن يرتفع فعله على الأفعال، ويربو حاله على الأحوال. # المسألة الثانية: قوله تعالى: {فلا تخضعن بالقول} [الأحزاب: 32] أمرهن ~~الله تعالى أن يكون قولهن جزلا، وكلامهن فصلا، ولا يكون على وجه يحدث في ms1345 ~~القلب علاقة بما يظهر عليه من اللين المطمع للسامع، وأخذ عليهن أن يكون ~~قولهن معروفا، وهي: # المسألة الثالثة: قيل: المعروف هو السر، فإن المرأة مأمورة بخفض الكلام. # وقيل المراد بالمعروف ما يعود إلى الشرع بما أمرن فيه بالتبليغ، أو ~~بالحاجة التي لا بد للبشر منها. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وقرن في بيوتكن] # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {وقرن في بيوتكن} [الأحزاب: 33] # يعني اسكن فيها ولا تتحركن، ولا تبرحن منها، حتى إنه روي ولم يصح أن # PageV03P568 # النبي - صلى الله عليه وسلم - لما انصرف من حجة الوداع قال لأزواجه هذه؛ ~~ثم ظهور الحصر؛ إشارة إلى ما يلزم المرأة من لزوم بيتها، والانكفاف عن ~~الخروج منه، إلا لضرورة. # ولقد دخلت نيفا على ألف قرية من برية، فما رأيت [نساء] أصون عيالا، ولا ~~أعف نساء من نساء نابلس التي رمي فيها الخليل - عليه السلام - بالنار، فإني ~~أقمت فيها أشهرا، فما رأيت امرأة في طريق، نهارا، إلا يوم الجمعة، فإنهن ~~يخرجن إليها حتى يمتلئ المسجد منهن، فإذا قضيت الصلاة، وانقلبن إلى منازلهن ~~لم تقع عيني على واحدة منهم إلى الجمعة الأخرى. وسائر القرى ترى نساؤها ~~متبرجات بزينة وعطلة، متفرقات في كل فتنة وعضلة. # وقد رأيت بالمسجد الأقصى عفائف ما خرجن من معتكفهن حتى استشهدن فيه. ### | [مسألة تعلق الرافضة بآية وقرن في بيوتكن] # المسألة الخامسة # تعلق الرافضة لعنهم الله بهذه الآية على أم المؤمنين عائشة - رضي الله ~~عنها - إذ قالوا: إنها خالفت أمر الله وأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - ~~وخرجت تقود الجيوش، وتباشر الحروب، وتقتحم مآزق الحرب والضرب، فيما لم يفرض ~~عليها، ولا يجوز لها. # ولقد حصر عثمان، فلما رأت ذلك أمرت برواحلها فقربت، لتخرج إلى مكة، فقال ~~لها مروان بن الحكم: يا أم المؤمنين؛ أقيمي هاهنا، وردي هؤلاء الرعاع عن ~~عثمان؛ فإن الإصلاح بين الناس خير من حجك. # وقال علماؤنا رحمة الله عليهم: إن عائشة كانت نذرت الحج قبل الفتنة، فلم ~~تر التخلف عن نذرها؛ ولو خرجت عن تلك الثائرة لكان ذلك صوابا لها. # وأما ms1346 خروجها إلى حرب الجمل فما خرجت لحرب، ولكن تعلق الناس بها، وشكوا ~~إليها ما صاروا إليه من عظيم الفتنة، وتهارج الناس، ورجوا بركتها في # PageV03P569 # الإصلاح، وطمعوا في الاستحياء منها إذا وقفت إلى الخلق وظنت هي ذلك، ~~فخرجت مقتدية بالله في قوله: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة ~~أو معروف أو إصلاح بين الناس} [النساء: 114]. # وبقوله: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} [الحجرات: 9]. # والأمر بالإصلاح مخاطب به جميع الناس من ذكر أو أنثى، حر أو عبد، فلم يرد ~~الله بسابق قضائه، ونافذ حكمه، أن يقع إصلاح، ولكن جرت مطاعنات وجراحات، ~~حتى كاد يفنى الفريقان، فعمد بعضهم إلى الجمل فعرقبه، فلما سقط الجمل لجنبه ~~أدرك محمد بن أبي بكر عائشة، فاحتملها إلى البصرة، وخرجت في ثلاثين امرأة ~~قرنهن علي بها، حتى أوصلوها إلى المدينة برة تقية مجتهدة، مصيبة ثابتة فيما ~~تأولت، مأجورة فيما تأولت وفعلت؛ إذ كل مجتهد في الأحكام مصيب. وقد بينا في ~~كتب الأصول تصويب الصحابة في الحروب، وحمل أفعالهم على أجمل تأويل. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى] # المسألة السادسة: قوله تعالى: {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} ~~[الأحزاب: 33] # وقد تقدم معنى التبرج. # وقوله: {الجاهلية الأولى} [الأحزاب: 33] روي أن عمر سأل ابن عباس، فقال: ~~أفرأيت قول الله تعالى: {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} [الأحزاب: 33]؟ ~~لأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - هل كانت جاهلية غير واحدة، فقال له ~~ابن عباس: يا أمير المؤمنين؛ هل سمعت بأولى إلا لها آخرة، قال: فأتنا بما ~~يصدق ذلك في كتب الله تعالى. فقال ابن عباس: إن الله تعالى يقول: {وجاهدوا ~~في الله حق جهاده} [الحج: 78] جاهدوا كما جاهدتم أول مرة. # فقال عمر: فمن أمر بأن نجاهد؟ قال: مخزوم وعبد شمس. # PageV03P570 # وعن ابن عباس أيضا أنها تكون جاهلية أخرى. # وقد روي أن الجاهلية الأولى ما بين عيسى ابن مريم ومحمد - صلى الله عليه ~~وسلم -. # قال القاضي: الذي عندي أنها جاهلية واحدة، وهي قبل الإسلام؛ وإنما وصفت ~~بالأولى؛ لأنها ms1347 صفتها التي ليس لها نعت غيرها، وهذا كقوله: {قال رب احكم ~~بالحق} [الأنبياء: 112] وهذه حقيقته؛ لأنه ليس يحكم إلا بالحق. ### | [مسألة معنى قوله تعالى إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت] # المسألة السابعة: قوله: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا} [الأحزاب: 33]: فيها أربعة أقوال: الأول: الإثم. الثاني: ~~الشرك. الثالث: الشيطان. الرابع: الأفعال الخبيثة والأخلاق الذميمة؛ ~~فالأفعال الخبيثة كالفواحش ما ظهر منها وما بطن؛ والأخلاق الذميمة كالشح، ~~والبخل، والحسد، وقطع الرحم. # المسألة الثامنة: قوله: {أهل البيت} [الأحزاب: 33] # روي عن عمر بن أبي سلمة أنه قال: «لما نزلت هذه الآية على النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: {إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ~~تطهيرا} [الأحزاب: 33] في بيت أم سلمة دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فاطمة وحسنا وحسينا، وجعل عليا خلف ظهره، وجللهم بكساء، ثم قال: اللهم إن ~~هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. قالت أم سلمة: وأنا معهم ~~يا نبي الله. قال: أنت على مكانك وأنت على خير». وروى أنس بن مالك «أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - كان يمر بباب فاطمة ستة أشهر إذا # PageV03P571 # خرج إلى صلاة الفجر يقول: الصلاة يا أهل البيت، إنما يريد الله ليذهب ~~عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا». خرج هذين الحديثين الترمذي وغيره. ### | [الآية التاسعة قوله تعالى واذكرن ما يتلى في بيوتكن] # الآية التاسعة # قوله تعالى {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان ~~لطيفا خبيرا} [الأحزاب: 34]. # فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: آيات الله القرآن. # المسألة الثانية: آيات الله الحكمة: وقد بينا الحكمة فيما تقدم، وآيات ~~الله حكمته، وسنة رسوله حكمته، والحلال والحرام حكمته، والشرع كله حكمته. ### | [مسألة أمر الله أزواج رسوله بأن يخبرن بما أنزل الله من القرآن في بيوتهن] # المسألة الثالثة: أمر الله أزواج رسوله بأن يخبرن بما أنزل الله من ~~القرآن في بيوتهن، وما يرين من أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأقواله ~~فيهن، حتى يبلغ ذلك إلى ms1348 الناس، فيعملوا بما فيه، ويقتدوا به. # وهذا يدل على جواز قبول خبر الواحد من الرجال والنساء في الدين. # المسألة الرابعة: في هذا مسألة بديعة؛ وهي أن الله أمر نبيه - صلى الله ~~عليه وسلم - بتبليغ ما أنزل عليه من القرآن، وتعليم ما علمه من الدين؛ فكان ~~إذا قرأه على واحد، أو ما اتفق، سقط عنه الفرض، وعلى من سمعه أن يبلغه إلى ~~غيره، وليس يلزمه أن يذكره لجميع الصحابة # PageV03P572 # ولا كان عليه إذا علم ذلك أزواجه أن يخرج إلى الناس فيقول لهم: نزل كذا، ~~وكان كذا. # وقد بينا ذلك في الأصول، وشرح الحديث، ولو كان الرسول لا يعتد بما يعلمه ~~من ذلك أزواجه ما أمرن بالإعلام بذلك، ولا فرض عليهن تبليغه؛ ولذلك قلنا ~~بجواز قبول خبر بسرة في إيجاب الوضوء من مس الذكر؛ لأنها روت ما سمعت، ~~وبلغت ما وعت. ولا يلزم أن يبلغ ذلك الرجال، كما قال أبو حنيفة، حسبما ~~بيناه في مسائل الخلاف، وحققناه في أصول الفقه؛ على أنه قد نقل عن سعد بن ~~أبي وقاص وابن عمر، وهذا كان هاهنا. ### | [الآية العاشرة قوله تعالى وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة] # الآية العاشرة # قوله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون ~~لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا} [الأحزاب: ~~36]. فيها مسألتان: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: # فيه قولان: # أحدهما: أنها نزلت في شأن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وكانت أول ~~امرأة هاجرت من النساء، وهبت نفسها للنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: قد ~~قبلت، فزوجها من زيد بن حارثة فسخطته قاله ابن زيد. # الثاني: أنها نزلت في شأن زينب بنت جحش، خطبها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لزيد بن حارثة، فامتنعت، وامتنع أخوها عبد الله لنسبها في قريش، ~~وأنها كانت بنت عمة النبي - صلى الله عليه وسلم - أمها أميمة بنت عبد ~~المطلب، وإن زيدا كان عبدا بالأمس ms1349 إلى أن نزلت هذه الآية، فقال له أخوها: ~~مرني بما شئت، فزوجها من زيد. والذي روى البخاري وغيره عن أنس أن هذه الآية ~~نزلت في شأن زينب بنت جحش # PageV03P573 # مطلقا من غير تفسير، زاد بعضهم أنه ساق إليها عشرة دنانير وستين درهما، ~~وملحفة، ودرعا، وخمسين مدا من طعام، وعشرة أمداد من تمر. ### | [مسألة الكفاءة في الأحساب] # المسألة الثانية: في هذا نص على أنه لا تعتبر الكفاءة في الأحساب، وإنما ~~تعتبر في الأديان، خلافا لمالك والشافعي والمغيرة وسحنون، وسيأتي ذلك في ~~سورة التحريم، وذلك أن الموالي تزوجت في قريش وتزوج زيد بزينب، وتزوج ~~المقداد بن الأسود ضباعة بنت الزبير، وزوج أبو حنيفة سالما من هند بنت ~~الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى لامرأة من الأنصار. # وفي الصحيح وغيره، عن أبي هريرة واللفظ للبخاري قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «تنكح المرأة لأربع؛ لمالها، ولدينها، ولحسبها، وجمالها؛ ~~فعليك بذات الدين تربت يداك». وفيه قال سهل: «مر رجل على رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: ما تقولون في هذا؟ فقالوا: هذا حري إن خطب أن ينكح، ~~وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يسمع قال: ثم سكت، فمر رجل من فقراء المساكين، ~~فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حري إن خطب ألا ينكح، وإن قال لا يسمع، وإن ~~شفع لا يشفع. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هذا خير من ملء الأرض ~~مثل هذا». # PageV03P574 ### | [الآية الحادية عشرة قوله تعالى وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك] # الآية الحادية عشرة # قوله تعالى: {وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك ~~واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ~~فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج ~~أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا} [الأحزاب: 37]. # فيها خمس مسائل: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: # روى المفسرون أن «النبي - صلى الله عليه وسلم ms1350 - دخل منزل زيد بن حارثة، ~~فأبصر امرأته قائمة، فأعجبته؛ فقال: سبحان مقلب القلوب، فلما سمعت زينب ذلك ~~جلست، وجاء زيد إلى منزله، فذكرت ذلك له زينب؛ فعلم أنها وقعت في نفسه؛ ~~فأتى زيد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، ائذن لي في ~~طلاقها، فإن بها غيرة وإذاية بلسانها، فقال له رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: أمسك أهلك وفي قلبه غير ذلك، فطلقها زيد. فلما انقضت عدتها قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لزيد: اذكرني لها فانطلق زيد إلى زينب، ~~فقال لها: أبشري، أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكرك. فقالت: ما ~~أنا بصانعة شيئا، حتى أستأمر ربي، وقامت إلى مصلاها فنزلت الآية». # المسألة الثانية: قوله: {أنعم الله عليه} [الأحزاب: 37] # أي بالإسلام. {وأنعمت عليه} [الأحزاب: 37]، أي بالعتق، هو زيد بن حارثة ~~المتقدم ذكره. # وقيل: أنعم الله عليه بأن ساقه إليك، وأنعمت عليه بأن تبنيته؛ وكل ما كان ~~من الله إليه أو من محمد إليه فهو نعمة عليه. # PageV03P575 # المسألة الثالثة: قوله: {وتخفي في نفسك ما الله مبديه} [الأحزاب: 37] ~~يعني من نكاحك لها. فقد كان الله أعلمه بأنها تكون من أزواجه. # وقيل: تخفي في نفسك ما الله مبديه من ميلك إليها وحبك لها. # المسألة الرابعة: قوله: {وتخشى الناس} [الأحزاب: 37] فيه أربعة أقوال: ~~الأول: تستحي منهم، والله أحق أن تخشاه، وتستحي منه. والخشية بمعنى ~~الاستحياء كثيرة في اللغة. # الثاني: تخشى الناس أن يعاتبوك، وعتاب الله أحق أن تخشاه. # الثالث: وتخشى الناس أن يتكلموا فيك. # وقيل: أن يفتتنوا من أجلك، وينسبوك إلى ما لا ينبغي. والله أحق أن تخشاه ~~فإنه مالك القلوب، وبيده النواصي والألسنة. ### | [مسألة عصمة الأنبياء] # المسألة الخامسة: في تنقيح الأقوال وتصحيح الحال: # قد بينا في السالف في كتابنا هذا وفي غير موضع عصمة الأنبياء - صلوات ~~الله عليهم - من الذنوب، وحققنا القول فيما نسب إليهم من ذلك، وعهدنا إليكم ~~عهدا لن تجدوا له ردا أن أحدا لا ينبغي أن يذكر نبيا إلا بما ذكره الله، لا ms1351 ~~يزيد عليه، فإن أخبارهم مروية، وأحاديثهم منقولة بزيادات تولاها أحد رجلين: ~~إما غبي عن مقدارهم، وإما بدعي لا رأي له في برهم ووقارهم، فيدس تحت المقال ~~المطلق الدواهي، ولا يراعي الأدلة ولا النواهي؛ وكذلك قال الله تعالى: {نحن ~~نقص عليك أحسن القصص} [يوسف: 3]، أي أصدقه على أحد التأويلات، وهي كثيرة ~~بيناها في أمالي أنوار الفجر. # فهذا محمد - صلى الله عليه وسلم - ما عصى قط ربه، لا في حال الجاهلية ولا ~~بعدها، تكرمة من الله وتفضلا وجلالا، أحله به المحل الجليل الرفيع، ليصلح ~~أن يقعد معه على كرسيه للفصل بين الخلق في القضاء يوم الحق. # وما زالت الأسباب الكريمة، والوسائل السليمة تحيط به من جميع جوانبه # PageV03P576 # والطرائف النجيبة تشتمل على جملة ضرائبه، والقرناء الأفراد يحيون له، ~~والأصحاب الأمجاد ينتقون له من كل طاهر الجيب، سالم عن العيب، بريء من ~~الريب، يأخذونه عن العزلة، وينقلونه عن الوحدة، فلا ينتقل إلا من كرامة إلى ~~كرامة، ولا يتنزل إلا منازل السلامة حتى تجيء بالحيي نقابا، أكرم الخلق ~~سليقة وأصحابا، وكانت عصمته من الله فضلا لا استحقاقا؛ إذ لا يستحق عليه ~~شيئا رحمة لا مصلحة، كما تقوله القدرية للخلق، بل مجرد كرامة له ورحمة به، ~~وتفضل عليه، واصطفاء له، فلم يقع قط لا في ذنب صغير حاشا لله ولا كبير، ولا ~~وقع في أمر يتعلق به لأجله نقص، ولا تعيير. # وقد مهدنا ذلك في كتب الأصول. وهذه الروايات كلها ساقطة الأسانيد؛ إنما ~~الصحيح منها ما روي عن عائشة أنها قالت: لو كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كاتما من الوحي شيئا لكتم هذه الآية: {وإذ تقول للذي أنعم الله ~~عليه} [الأحزاب: 37] يعني بالإسلام، {وأنعمت عليه} [الأحزاب: 37] يعني ~~بالعتق، فأعتقته: {أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه ~~وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} [الأحزاب: 37] إلى قوله: {وكان أمر الله ~~مفعولا} [الأحزاب: 37] وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما تزوجها ~~قالوا: تزوج حليلة ابنه، فأنزل الله تعالى: {ما كان محمد أبا ms1352 أحد من رجالكم ~~ولكن رسول الله وخاتم النبيين} [الأحزاب: 40]. # وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تبناه وهو صغير، فلبث حتى صار ~~رجلا، يقال له زيد بن محمد، فأنزل الله تعالى: {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند ~~الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم} [الأحزاب: 5]. # فلان مولى فلان، وفلان أخو فلان، هو أقسط عند الله يعني أنه أعدل عند ~~الله. # قال القاضي: وما وراء هذه الرواية غير معتبر، فأما قولهم: إن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - رآها فوقعت في قلبه فباطل فإنه كان معها في كل وقت وموضع، ~~ولم يكن حينئذ حجاب، فكيف تنشأ معه وينشأ معها ويلحظها في كل ساعة، ولا تقع ~~في قلبه إلا إذا كان لها زوج، وقد وهبته نفسها، وكرهت غيره، فلم تخطر ~~بباله، فكيف يتجدد له هوى لم يكن، حاشا لذلك القلب المطهر من هذه العلاقة ~~الفاسدة. # PageV03P577 # وقد قال الله له: {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة ~~الحياة الدنيا لنفتنهم فيه} [طه: 131]. والنساء أفتن الزهرات وأنشر ~~الرياحين، فيخالف هذا في المطلقات، فكيف في المنكوحات المحبوسات، وإنما كان ~~الحديث أنها لما استقرت عند زيد جاءه جبريل: إن زينب زوجك، ولم يكن بأسرع ~~أن جاءه زيد يتبرأ منها، فقال له: اتق الله، وأمسك عليك زوجك، فأبى زيد إلا ~~الفراق، وطلقها وانقضت عدتها، وخطبها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ~~يدي مولاه زوجها، وأنزل الله القرآن المذكور فيه خبرهما، هذه الآيات التي ~~تلوناها وفسرناها، فقال: واذكر يا محمد إذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت ~~عليه: أمسك عليك زوجك، واتق الله في فراقها، وتخفي في نفسك ما الله مبديه ~~يعني من نكاحك لها، وهو الذي أبداه لا سواه. # وقد علم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الله تعالى إذ أوحى إليه أنها ~~زوجته لا بد من وجود هذا الخبر وظهوره؛ لأن الذي يخبر الله عنه أنه كائن لا ~~بد أن يكون لوجوب صدقه في خبره، هذا يدلك على براءته من كل ما ms1353 ذكره متسور ~~من المفسرين، مقصور على علوم الدين. # فإن قيل: فلأي معنى قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: أمسك عليك ~~زوجك، وقد أخبره الله أنها زوجته لا زوج زيد؟ قلنا: هذا لا يلزم؛ ولكن لطيب ~~نفوسكم نفسر ما خطر من الإشكال فيه: إنه أراد أن يختبر منه ما لم يعلمه ~~الله به من رغبته فيها أو رغبته عنها، فأبدى له زيد من النفرة عنها ~~والكراهية فيها ما لم يكن علمه منه في أمرها. # فإن قيل: فكيف يأمره بالتمسك بها، وقد علم أن الفراق لا بد منه، وهذا ~~تناقض؟ قلنا: بل هو صحيح للمقاصد الصحيحة لإقامة الحجة، ومعرفة العاقبة؛ ~~ألا ترى أن الله يأمر العبد بالإيمان، وقد علم أنه لا يؤمن، فليس في مخالفة ~~متعلق الأمر لمتعلق العلم ما يمنع من الأمر به عقلا وحكما، وهذا من نفيس ~~العلم؛ فتيقنوه وتقبلوه. # PageV03P578 ### | [الآية الثانية عشرة قوله تعالى فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها] # } [الأحزاب: 37] فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: الوطر: الأرب، وهو الحاجة، وذلك عبارة عن قضاء الشهوة. ~~ومنه الحديث: «أيكم يملك أربه كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يملك أربه» على أحد الضبطين يعني شهوته ". # المسألة الثانية: قوله: {زوجناكها} [الأحزاب: 37] فذكر عقده عليها بلفظ ~~التزويج، وهذا اللفظ يدل عند جماعة على أنه القول المخصوص به الذي لا يجوز ~~غيره فيه، وعندنا يدل ذلك على أنه لا فضل فيه، وقد بينا ذلك في سورة القصص. # المسألة الثالثة: # روى يحيى بن سلام وغيره «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا زيدا ~~فقال: ائت زينب فاذكرني لها»، كما تقدم وقال يحيى: «فأخبرها أن الله قد ~~زوجنيها، فاستفتح زيد الباب، فقالت: من؟ قال: زيد. قالت: ما حاجتك؟ قال: ~~أرسلني رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقالت: مرحبا برسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ففتحت له، فدخل عليها وهي تبكي، فقال زيد: لا أبكى الله ~~لك عينا قد كنت نعمت المرأة تبرين قسمي، وتطيعين أمري، وتبغين مسرتي، وقد ~~أبدلك الله خيرا مني. ms1354 قالت من؟ قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ~~فخرت ساجدة». # وفي رواية كما تقدم «قالت: حتى أوامر ربي، وقامت إلى مصلاها، ونزل ~~القرآن، فدخل عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - بغير إذن، فكانت تفتخر ~~على أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - فتقول: أما أنتن فزوجكن آباؤكن، ~~وأما أنا فزوجني الله من فوق سبع سموات». # PageV03P579 # وفي رواية: «إن زيدا لما جاءها برسالة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وجدها تخمر عجينها قال: فما استطعت أن أنظر إليها من عظمها في صدري، فوليت ~~لها ظهري، ونكصت على عقبي، وقلت: يا زينب، أبشري، أرسل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يذكرك الحديث». وقال الشعبي: «قالت لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إني أدل عليك بثلاث، ما من أزواجك امرأة تدل بهن عليك: جدي ~~وجدك واحد، وإني أنكحنيك الله من السموات، وإن السفير جبريل». ### | [مسألة معنى قوله تعالى لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا] # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج ~~أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا} [الأحزاب: 37] يعني دخلوا بهن، وإنما الحرج ~~في أزواج الأبناء من الأصلاب، أو ما يكون في حكم الأبناء من الأصلاب ~~بالبعضية، وهو في الرضاع كما تقدم تحريره. # الآية الثالثة عشرة ### | [الآية الثالثة عشر قوله تعالى يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا] # } [الأحزاب: 45] {وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا} [الأحزاب: 46]. # إن الله سبحانه وتعالى خطط النبي - صلى الله عليه وسلم - بخططه، وعدد له ~~أسماءه، والشيء إذا عظم قدره عظمت أسماؤه قال بعض الصوفية: لله تعالى ألف ~~اسم، وللنبي ألف اسم. # فأما أسماء الله فهذا العدد حقير فيها، {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ~~ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا} [الكهف: 109]. # وأما أسماء النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم أحصها إلا من جهة الورود ~~الظاهر لصيغة الأسماء البينة، فوعيت منها جملة، الحاضر الآن منها سبعة ~~وستون اسما: أولها الرسول، المرسل، ms1355 النبي، الأمي، الشهيد، المصدق، النور، ~~المسلم، البشير، المبشر، النذير، المنذر، المبين، العبد، الداعي، السراج، ~~المنير، الإمام، الذكر # PageV03P580 # المذكر، الهادي، المهاجر، العامل، المبارك، الرحمة، الآمر، الناهي، ~~الطيب، الكريم، المحلل، المحرم، الواضع، الرافع، المخبر، خاتم النبيين، ~~ثاني اثنين، منصور، أذن خير، مصطفى، أمين، مأمون، قاسم، نقيب، مزمل، مدثر، ~~العلي، الحكيم، المؤمن، الرءوف، الرحيم، الصاحب، الشفيع، المشفع، المتوكل، ~~محمد، أحمد، الماحي، الحاشر، المقفي، العاقب، نبي التوبة، نبي الرحمة، نبي ~~الملحمة، عبد الله، نبي الحرمين، فيما ذكر أهل ما وراء النهر. # وله وراء هذه فيما يليق به من الأسماء ما لا يصيبه إلا صميان. # فأما الرسول: # فهو الذي تتابع خبره عن الله، وهو المرسل بفتح السين، ولا يقتضي التتابع. ~~وهو المرسل: بكسر السين؛ لأنه لا يعم بالتبليغ مشافهة، فلم يك بد من الرسل ~~ينوبون عنه، ويتلقون منه، كما بلغ عن ربه قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لأصحابه: «تسمعون، ويسمع منكم، ويسمع ممن يسمع منكم». وأما النبيء - صلى ~~الله عليه وسلم -: # فهو مهموز من النبأ، وغير مهموز من النبوة، وهو المرتفع من الأرض، فهو - ~~صلى الله عليه وسلم - مخبر عن الله سبحانه وتعالى، رفيع القدر عنده، فاجتمع ~~له الوصفان، وتم له الشرفان. # وأما الأمي: ففيه أقوال؛ أصحها أنه الذي لا يقرأ ولا يكتب، كما خرج من ~~بطن أمه لقوله تعالى: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا} ~~[النحل: 78]، ثم علمهم ما شاء. # وأما الشهيد: # فهو لشهادته على الخلق في الدنيا والآخرة. قال الله تعالى: {وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} ~~[البقرة: 143]. # PageV03P581 # وقد يكون بمعنى أنه تشهد له المعجزة بالصدق، والخلق بظهور الحق. # وأما المصدق: فهو بما صدق بجميع الأنبياء قبله قال الله تعالى: {ومصدقا ~~لما بين يدي من التوراة} [آل عمران: 50]. # وأما النور: فإنما هو نور بما كان فيه الخلق من ظلمات الكفر والجهل، فنور ~~الله الأفئدة بالإيمان والعلم. # وأما المسلم: فهو خيرهم وأولهم، كما قال: {وأنا أول المسلمين} [الأنعام: ~~163]. # وتقدم في ذلك بشرف انقياده بكل وجه، ms1356 وبكل حال إلى الله وبسلامة عن الجهل ~~والمعاصي. # وأما البشير: فإنه أخبر الخلق بثوابهم إن أطاعوا، وبعقابهم إن عصوا، قال ~~الله تعالى: {يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان} [التوبة: 21]. # وقال تعالى: {فبشرهم بعذاب أليم} [آل عمران: 21] وكذلك المبشر. # وأما النذير والمنذر: فهو المخبر عما يخاف ويحذر، ويكف عما يؤول إليه ~~ويعمل بما يدفع فيه. # وأما المبين: فما أبان عن ربه من الوحي والدين، وأظهر من الآيات ~~والمعجزات. # وأما الأمين: فبأنه حفظ ما أوحي إليه وما وظف إليه، ومن أجابه إلى أداء ~~ما دعاه. # وأما العبد: فإنه ذل لله خلقا وعبادة، فرفعه الله عزا وقدرا على جميع ~~الخلق، فقال: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر». # وأما الداعي: فبدعائه الخلق ليرجعوا من الضلال إلى الحق. # وأما السراج: فبمعنى النور، إذ أبصر به الخلق الرشد. # وأما المنير: فهو مفعل من النور. # PageV03P582 # وأما الإمام: فلاقتداء الخلق به ورجوعهم إلى قوله وفعله. # وأما الذكر: فإنه شريف في نفسه، مشرف غيره، مخبر عن ربه، واجتمعت له وجوه ~~الذكر الثلاثة. # وأما المذكر: فهو الذي يخلق الله على يديه الذكر، وهو العلم الثاني في ~~الحقيقة، وينطلق على الأول أيضا، ولقد اعترف الخلق لله سبحانه بأنه الرب، ~~ثم ذهلوا، فذكرهم الله بأنبيائه، وختم الذكر بأفضل أصفيائه، وقال: {فذكر ~~إنما أنت مذكر} [الغاشية: 21] {لست عليهم بمسيطر} [الغاشية: 22]. # ثم مكنه من السيطرة، وآتاه السلطنة، ومكن له دينه في الأرض. # وأما الهادي: فإنه بين الله تعالى على لسانه النجدين. # وأما المهاجر: فهذه الصفة له حقيقة؛ لأنه هجر ما نهى الله عنه، وهجر أهله ~~ووطنه، وهجر الخلق؛ أنسا بالله وطاعته، فخلا عنهم، واعتزلهم، واعتزل منهم. # وأما العامل: فلأنه قام بطاعة ربه، ووافق فعله واعتقاده. # وأما المبارك: فبما جعل الله في حاله من نماء الثواب، وفي حال أصحابه من ~~فضائل الأعمال، وفي أمته من زيادة العدد على جميع الأمم. # وأما الرحمة: فقد قال الله تعالى: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} ~~[الأنبياء: 107] فرحمهم به في الدنيا من العذاب، وفي الآخرة بتعجيل الحساب، ~~وتضعيف الثواب، قال الله ms1357 تعالى: {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان ~~الله معذبهم وهم يستغفرون} [الأنفال: 33]. # وأما الآمر والناهي: فذلك الوصف في الحقيقة لله تعالى، ولكنه لما كان ~~الواسطة أضيف إليه؛ إذ هو الذي يشاهد آمرا ناهيا، ويعلم بالدليل أن ذلك ~~واسطة، ونقل عن الذي له ذلك الوصف حقيقة. # PageV03P583 # وأما الطيب فلا أطيب منه؛ لأنه سلم عن خبث القلب حين رميت منه العلقة ~~السوداء. # وسلم عن خبث القول، فهو الصادق المصدق. # وسلم عن خبث الفعل، فهو كله طاعة. # وأما الكريم: فقد بينا معنى الكرم، وهو له على التمام والكمال. # وأما المحلل والمحرم: فذلك مبين الحلال والحرام، وذلك بالحقيقة هو الله ~~تعالى، كما تقدم، والنبي متولي ذلك بالوساطة والرسالة. # وأما الواضع والرافع: فهو الذي وضع الأشياء مواضعها، ببيانه، ورفع قوما، ~~ووضع آخرين، ولذلك قال الشاعر يوم حنين حين فضل عليه بالعطاء غيره: # أتجعل نهبي ونهب العبيد ... بين عيينة والأقرع # وما كان بدر ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع # وما كنت دون امرئ منهما ... ومن تضع اليوم لا يرفع # فألحقه النبي - صلى الله عليه وسلم - في العطاء بمن فضل عنه. # وأما المخبر: فهو النبيء مهموزا. وأما خاتم النبيين: فهو آخرهم: وهي ~~عبارة مليحة شريفة، تشريفا في الإخبار بالمجاز عن الآخرية؛ إذ الختم آخر ~~الكتاب، وذلك بما فضل به، فشريعته باقية وفضيلته دائمة إلى يوم الدين. # وأما قوله: ثاني اثنين فاقترانه في الخبر بالله. # وأما منصور: فهو المعان من قبل الله بالعزة والظهور على الأعداء، وهذا ~~عام في الرسل، وله أكثر قال الله تعالى: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا ~~المرسلين - إنهم لهم المنصورون} [الصافات: 171 - 172] {وإن جندنا لهم ~~الغالبون} [الصافات: 173]. # وقال له: اغزهم نمدك، وقاتلهم نعدك، وابعث جيشا نبعث عشرة أمثاله. # PageV03P584 # وأما أذن خير: فهو بما أعطاه الله من فضيلة الإدراك لقيل الأصوات لا يعي ~~من ذلك إلا خيرا، ولا يسمع إلا أحسنه. # وأما المصطفى: فهو المخبر عنه بأنه صفوة الخلق، كما رواه عنه واثلة بن ~~الأسقع أنه قال: «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، ms1358 واصطفى من ولد ~~إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، ~~واصطفاني من بني هاشم». # وأما الأمين: فهو الذي تلقى إليه مقاليد المعاني ثقة بقيامه عليها وحفظا ~~منه. # وأما المأمون: فهو الذي لا يخاف من جهته شر. # وأما قاسم: فبما ميزه به من حقوق الخلق في الزكوات والأخماس وسائر ~~الأموال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الله يعطي، وإنما أنا ~~قاسم». # وأما نقيب: فإنه فخر بالأنصار على سائر الأصحاب من الصحابة، بأن قال لها: ~~«أنا نقيبكم». إذ كل طائفة لها نقيب يتولى أمورها، ويحفظ أخبارها، ويجمع ~~نشرها، «والتزم - صلى الله عليه وسلم - ذلك للأنصار»، تشريفا لهم. # وأما كونه مرسلا فببعثه الرسل بالشرائع إلى الناس في الآفاق ممن نأى عنه. # وأما العلي: فبما رفع الله من مكانه وشرف من شأنه، وأوضح على الدعاوى من ~~برهانه. # وأما الحكيم: فإنه عمل بما علم، وأدى عن ربه قانون المعرفة والعمل. # وأما المؤمن: فهو المصدق لربه، العامل اعتقادا وفعلا بما أوجب الأمن له. # وأما المصدق: فقد تقدم بيانه، فإنه صدق ربه بقوله تعالى، وصدق قوله ~~بفعله، فتم له الوصف على ما ينبغي من ذلك. # PageV03P585 # وأما الرءوف الرحيم: فبما أعطاه الله من الشفقة على الناس. # قال - صلى الله عليه وسلم -: «لكل نبي دعوة مستجابة، وإني اختبأت دعوتي ~~شفاعة لأمتي يوم القيامة». # وقال كما قال من قبله: " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون ". # وأما الصاحب: فبما كان مع من اتبعه من حسن المعاملة وعظيم الوفاء، ~~والمروءة والبر والكرامة. # وأما الشفيع المشفع: فإنه يرغب إلى الله في أمر الخلق بتعجيل الحساب، ~~وإسقاط العذاب وتخفيفه، فيقبل ذلك منه، ويخص به دون الخلق، ويكرم بسببه ~~غاية الكرامة. # وأما المتوكل: فهو الملقي مقاليد الأمور إلى الله علما، كما قال: «لا ~~أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك»، وعملا، كما قال: «إلى من تكلني؟ ~~إلى بعيد يتجهمني، أو إلى عدو ملكته أمري»؟ # وأما المقفى: في التفسير فكالعابد. ونبي التوبة: لأنه تاب الله على أمته ~~بالقول ms1359 والاعتقاد دون تكليف قتل أو إصر. ونبي الرحمة: تقدم في اسم الرحيم. ~~ونبي الملحمة: لأنه المبعوث بحرب الأعداء والنصر عليهم، حتى يعودوا جزرا ~~على وضم ولحما على وضم. # PageV03P586 ### | [الآية الرابعة عشر قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن] ### | [مسألة لا عدة على مطلقة قبل الدخول] # الآية الرابعة عشرة: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم ~~المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ~~فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا} [الأحزاب: 49]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: هذه الآية نص في أنه لا عدة على مطلقة قبل الدخول، وهو ~~إجماع الأمة لهذه الآية، وإذا دخل بها فعليها العدة إجماعا لقوله تعالى ~~{الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة: 229] وقوله تعالى: ~~{يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة} [الطلاق: 1] ~~إلى قوله تعالى: {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} [الطلاق: 1]، وهي ~~الرجعة على ما يأتي بيانه في آيته إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة الدخول بالمرأة وعدم الدخول بها] # المسألة الثانية: الدخول بالمرأة وعدم الدخول بها إنما يعرف مشاهدة ~~بإغلاق الأبواب على خلوة، أو بإقرار الزوجين؛ فإن لم يكن دخول وقالت ~~الزوجة: وطئني، وأنكر الزوج، حلف ولزمتها العدة، وسقط عنه نصف المهر. # وإن قال الزوج: وطئتها وجب عليه المهر كله، ولم تكن عليها عدة. # وإن كان دخول فقالت المرأة: لم يطأني لم تصدق في العدة، ولا حق لها في ~~المهر. # وقد تقدم القول في الخلوة، هل تقرر المهر؟ في سورة البقرة. # فإن قال: وطئتها، وأنكرت وجبت عليها العدة، وأخذ منه الصداق، ووقف حتى ~~يفيء أو يطول المدى، فيرد إلى صاحبه أو يتصدق به على القولين، وذلك مستوفى ~~في فروع الفقه بخلافه وأدلته # PageV03P587 # المسألة الثالثة: {ومتعوهن} [البقرة: 236] تقدم في سورة البقرة ذلك ~~باختلافه وأدلته، وفي مسائل الفقه بفروعه. ### | [الآية الخامسة عشرة قوله تعالى يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك] # مما أفاء ms1360 الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك ~~اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن ~~يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ~~ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما} [الأحزاب: 50] # فيها ثمان وعشرون مسألة: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: # روى الترمذي وغيره أن أم هانئ بنت أبي طالب «قالت: خطبني رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - واعتذرت إليه، فعذرني، ثم أنزل الله تعالى: {يا أيها ~~النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء ~~الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك ~~وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي} [الأحزاب: 50] [قالت: فلم أكن أحل له؛ ~~لأني لم أهاجر، كنت من الطلقاء»] قال أبو عيسى: هذا حديث [حسن صحيح] لا ~~يعرف إلا من حديث السدي. قال القاضي: وهو ضعيف جدا، ولم يأت هذا الحديث من ~~طريق صحيح يحتج في مواضعه بها. # PageV03P588 # المسألة الثانية: {يا أيها النبي} [الأحزاب: 50] قد تقدم تفسيره في هذا ~~الكتاب. # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {أحللنا لك} [الأحزاب: 50] وقد تقدم القول ~~في تفسير الإحلال والتحريم في سورة النساء وغيرها. ### | [مسألة معنى الزوجية في حق النبي] # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {أزواجك} [الأحزاب: 50] # والنكاح والزوجية معروفة. # وقد اختلف في معنى الزوجية في حق النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ هل هن ~~كالسرائر عندنا، أو حكمهن حكم الأزواج المطلقة؟ قال إمام الحرمين: في ذلك ~~اختلاف؛ وسنبينه في قوله: {ترجي من تشاء منهن} [الأحزاب: 51] والصحيح أن ~~لهن حكم الأزواج في حق غيره، فإذا ثبت هذا فهل المراد بذلك كل زوجة أم من ~~تحته منهن؟ وهي: # المسألة الخامسة: في ذلك قولان: قيل: إن المعنى أحللنا أزواجك اللاتي ~~آتيت أجورهن أي كل زوجة آتيتها مهرها، وعلى هذا تكون الآية عموما للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ولأمته. # الثاني: وهو قول الجمهور أحللنا لك أزواجك الكائنات عندك، وهو الظاهر؛ ~~لأن قوله: {آتيت} ms1361 [الأحزاب: 50] خبر عن أمر ماض؛ فهو محمول عليه بظاهره، ~~ولا يكون الفعل الماضي بمعنى الاستقبال إلا بشروط ليست هاهنا، يطول الكتاب ~~بذكرها، وليست مما نحن فيه. # «وقد عقد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عدة من النساء نكاحه»، ~~فذكرنا عدتهن في مواضع منها هاهنا وفي غيره؛ وهن خديجة بنت خويلد، وعائشة ~~بنت أبي بكر # PageV03P589 # وسودة بنت زمعة، وحفصة بنت عمر، وأم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة، وأم ~~حبيبة بنت أبي سفيان، فهؤلاء ست قرشيات. # وزينب بنت خزيمة العامرية، وزينب بنت جحش الأسدية أسد خزيمة، وميمونة بنت ~~الحارث الهلالية، وصفية بنت حيي بن أخطب الهارونية، وجويرية بنت الحارث ~~المصطلقية، ومات عن تسع، وسائرهن في شرح البخاري مذكورات. # المسألة السادسة: # أحل الله بهذه الآية الأزواج اللاتي كن معه قبل نزول هذه الآية، فأما ~~إحلال غيرهن فلا؛ لقوله: {لا يحل لك النساء من بعد} [الأحزاب: 52]، وهذا لا ~~يصح؛ فإن الآية نص في إحلال غيرهن من بنات العم والعمات والخال والخالات، ~~وقوله: {لا يحل لك النساء من بعد} [الأحزاب: 52] يأتي الكلام عليه إن شاء ~~الله تعالى. ### | [مسألة أزواج النبي على ثلاثة أقسام] # المسألة السابعة: # قوله: {اللاتي آتيت أجورهن} [الأحزاب: 50] يعني اللواتي تزوجت بصداق، ~~وكان أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - على ثلاثة أقسام: منهن من ذكر لها ~~صداقا، ومنهن من كان ذكر لها الصداق بعد النكاح، كزينب بنت جحش في الصحيح ~~من الأقوال؛ فإن الله تعالى أنزل نكاحها من السماء، وكان فرض الصداق بعد ~~ذلك لها، ومنهن من وهبت نفسها وحلت له؛ ويأتي بيانه إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة حل السراري للنبي] # المسألة الثامنة: قوله تعالى: {وما ملكت يمينك} [الأحزاب: 50] # يعني السراري؛ وذلك أن الله تعالى أحل السراري لنبيه - صلى الله عليه ~~وسلم - ولأمته بغير عدد، وأحل الأزواج لنبيه مطلقا، وأحلهن للخلق بعدد؛ ~~وكان ذلك من خصائصه في شريعة الإسلام. # وقد روي عمن كان قبله في أحاديثهم أن داود - عليه السلام - كانت له مائة ~~امرأة، كما تقدم. وكان لسليمان - عليه السلام - ثلثمائة ms1362 حرة وسبعمائة سرية، ~~والحق ما ورد في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن سليمان ~~قال: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة كل امرأة تلد # PageV03P590 # غلاما يقاتل في سبيل الله ونسي أن يقول إن شاء الله فلم تلد منهن إلا ~~امرأة واحدة». ### | [مسألة معنى قوله تعالى مما أفاء الله عليك] # المسألة التاسعة: قوله تعالى: {مما أفاء الله عليك} [الأحزاب: 50] # والمراد به الفيء المأخوذ على وجه القهر والغلبة الشرعية؛ وقد كان النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - يأكل من عمله، ويطأ من ملك يمينه، بأشرف وجوه ~~الكسب، وأعلى أنواع الملك، وهو القهر والغلبة، لا من الصفق بالأسواق. # وقد قال - عليه السلام -: «جعل رزقي تحت ظل رمحي». ### | [مسألة معنى قوله تعالى وبنات عمك وبنات عماتك] # المسألة العاشرة: قوله تعالى: {وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات ~~خالاتك} [الأحزاب: 50] # المعنى أحللنا لك ذلك زائدا إلى ما عندك من الأزواج اللاتي آتيت أجورهن؛ ~~قاله أبي بن كعب. # فأما من عداهن من الصنفين من المسلمات فلا ذكر لإحلالهن هاهنا؛ بل هذا ~~القول بظاهره يقتضي أنه لا يحل له غير هذا؛ وبهذا يتبين أن معناه أحللنا لك ~~أزواجك اللاتي عندك؛ لأنه لو أراد أحللنا لك كل امرأة تزوجت وآتيت أجرها ~~لما قال بعد ذلك، وبنات عمك وبنات عماتك؛ لأن ذلك داخل فيما تقدم. # فإن قيل: إنما كرره لأجل شرط الهجرة فإنه قال: اللاتي هاجرن معك. # قلنا: وكذلك أيضا لا يصح هذا مع هذا القول؛ لأن شرط الهجرة لو كان كما ~~قلتم لكان شرطا في كل امرأة تزوجها. # فأما أن يجعل شرطا في القرابة المذكورة فلا يتزوج منهن إلا من هاجر ولا ~~يكون شرطا في سائر النساء، فيتزوج منهن من هاجر ومن لم يهاجر، فهذا كلام ~~ركيك من قائله بين خطؤه لمتأمله، حسبما قدمنا ذكره، من أن الهجرة لو كانت ~~شرطا في كل زوجة لما كان لذكر القرابة فائدة بحال. # PageV03P591 ### | [مسألة معنى قوله تعالى اللاتي هاجرن معك] # المسألة الحادية عشرة: قوله تعالى: {اللاتي هاجرن معك} [الأحزاب: 50] ~~وفيه ms1363 قولان: أحدهما: أن معناه لا يحل لك أن تنكح من بنات عمك وبنات عماتك ~~إلا من أسلم، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «المسلم من سلم المسلمون من ~~لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه». # الثاني: أن المعنى لا يحل لك منهن إلا من هاجر إلى المدينة، لأن من لم ~~يهاجر ليس من أوليائك لقوله تعالى: {والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ~~ولايتهم من شيء حتى يهاجروا} [الأنفال: 72]. # ومن لم يهاجر لم يكمل، ومن لم يكمل لم يصلح لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - الذي كمل وشرف وعظم. # وهذا يدل على أن الآية مخصوصة برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليست ~~بعامة له ولأمته، كما قال بعضهم؛ لأن هذه الشروط تختص به. # ولهذا المعنى نزلت الآية في أم هانئ بأنها لم تكن هاجرت، فمنع منها ~~لنقصها بالهجرة، والمراد بقوله: {هاجرن} [الأحزاب: 50] خرجن إلى المدينة، ~~وهذا أصح من الأول؛ لأن الهجرة عند الإطلاق هي الخروج من بلد الكفر إلى دار ~~الإيمان، والأسماء إنما تحمل على عرفها، والهجرة في الشريعة أشهر من أن ~~تحتاج إلى بيان، أو تختص بدليل؛ وإنما يلزم ذلك لمن ادعى غيرها. # المسألة الثانية عشرة: قوله تعالى: {معك} [الأحزاب: 50] صحبته إذ هاجر أو ~~لم يكن؛ يقال: دخل فلان معي، أي في صحبتي، فكنا معا، وتقول: دخل فلان معي ~~وخرج معي، أي كان عمله كعملي، وإن لم يقترن فيه عملكما # PageV03P592 # ولو قلت: خرجنا معا لاقتضى ذلك المعنيين جميعا: المشاركة في الفعل، ~~والاقتران فيه؛ فصار قولك: " معي " للمشاركة، وقولك: " معا " للمشاركة ~~والاقتران. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وبنات عمك] # المسألة الثالثة عشرة: قوله: {وبنات عمك} [الأحزاب: 50] فذكره مفردا. # وقال: {وبنات عماتك} [الأحزاب: 50] فذكرهن جميعا. # وكذلك قال: وبنات خالك فردا وبنات خالاتك جمعا. # والحكمة في ذلك أن العم والخال في الإطلاق اسم جنس كالشاعر والراجز، وليس ~~كذلك في العمة والخالة. # وهذا عرف لغوي؛ فجاء الكلام عليه بغاية البيان لرفع الإشكال؛ وهذا دقيق ~~فتأملوه. # المسألة الرابعة عشرة: في فائدة الآية ولأجل ما ms1364 سيقت له: وفي ذلك أربع ~~روايات: الأولى: نسخ الحكم الذي كان الله قد ألزمه بقوله: {لا يحل لك ~~النساء من بعد} [الأحزاب: 52] فأعلمه الله أنه قد أحل له أزواجه اللواتي ~~عنده، وغيرهن ممن سماه معهن في هذه الآية. # الثانية: أن الله تعالى أعلمه أن الإباحة ليست مطلقة في جملة النساء؛ ~~وإنما هي في المعينات المذكورات من بنات العم والعمات، وبنات الخال ~~والخالات المسلمات، والمهاجرات والمؤمنات. # الثالثة: أنه إنما أباح له نكاح المسلمة؛ فأما الكافرة فلا سبيل له إليها ~~على ما يأتي بعد ذلك إن شاء الله تعالى. # الرابعة: أنه لم يبح له نكاح الإماء أيضا صيانة له، وتكرمة لقدره، على ما ~~يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. # ومعنى هذا الكلام قد روي عن ابن عباس. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي] # المسألة الخامسة عشرة: قوله: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي} ~~[الأحزاب: 50] وقد بينا سبب نزول هذه الآية في سورة القصص وغيرها: «أن ~~امرأة جاءت إلى # PageV03P593 # النبي - صلى الله عليه وسلم - فوقفت عليه، وقالت: يا رسول الله؛ إني وهبت ~~لك نفسي. الحديث إلى آخره». # وورد في ذلك للمفسرين خمسة أقوال: الأول: نزلت في ميمونة بنت الحارث، ~~خطبها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعفر بن أبي طالب، فجعلت أمرها ~~إلى العباس عمه. # وقيل: وهبت نفسها له؛ قاله الزهري، وعكرمة، ومحمد بن كعب، وقتادة. # الثاني: أنها نزلت في أم شريك الأزدية، وقيل العامرية، واسمها غزية؛ قاله ~~علي بن الحسين، وعروة، والشعبي. # الثالث: أنها زينب بنت خزيمة أم المساكين. # الرابع: أنها أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط. # الخامس: أنها خولة بنت حكيم السلمية. # قال القاضي ابن العربي: أما سبب نزول هذه الآية فلم يرد من طريق صحيح، ~~وإنما هذه الأقوال واردة بطرق من غير خطم ولا أزمة، بيد أنه روي عن ابن ~~عباس ومجاهد أنهما قالا: لم يكن عند النبي - صلى الله عليه وسلم - امرأة ~~موهوبة. # وقد بينا الحديث الصحيح في مجيء المرأة إلى النبي - صلى الله ms1365 عليه وسلم - ~~ووقوفها عليه، وهبتها نفسها له من طريق سهل وغيره في الصحاح، وهو القدر ~~الذي ثبت سنده، وصح نقله. # والذي يتحقق أنها لما قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم -: وهبت نفسي لك؛ ~~فسكت عنها، حتى قام رجل فقال: زوجنيها يا رسول الله إن لم تكن لك بها حاجة. # ولو كانت هذه الهبة غير جائزة لما سكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ~~لأنه لا يقر على الباطل إذا سمعه، حسبما قررناه في كتب الأصول. # ويحتمل أن يكون سكوته؛ لأن الآية قد كانت بالإحلال # PageV03P594 # ويحتمل أن يكون سكت منتظرا بيانا؛ فنزلت الآية بالتحليل والتخيير؛ فاختار ~~تركها وزوجها من غيره. # ويحتمل أن يكون سكت ناظرا في ذلك حتى قام الرجل لها طالبا. # وقد روى مسلم، عن عائشة أنها قالت: كنت أغار من اللاتي وهبن أنفسهن لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، وقالت: أما تستحي امرأة أن تهب نفسها، حتى ~~أنزل الله: {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء} [الأحزاب: 51] فقلت: ما ~~أرى ربك إلا يسارع في هواك. # فاقتضى هذا اللفظ أن من وهبت نفسها للنبي عدة، ولكنه لم يثبت عندنا أنه ~~تزوج منهن واحدة أم لا. # المسألة السادسة عشرة: قوله: {وامرأة} [الأحزاب: 50] المعنى أحللنا لك ~~امرأة تهب نفسها من غير صداق فإنه أحل له في الآية قبلها أزواجه اللاتي آتى ~~أجورهن. # وهذا معنى يشاركه فيه غيره؛ فزاده فضلا على أمته أن أحل له الموهوبة، ولا ~~تحل لأحد غيره. ### | [مسألة تحريم الحرة الكافرة] # المسألة السابعة عشرة: قوله: {مؤمنة} [الأحزاب: 50] # وهذا تقييد من طريق التخصيص بالتعليل والتشريف، لا من طريق دليل الخطاب، ~~حسبما تقدم بيانه في أصول الفقه، وفي هذا الكتاب في أمثال هذا الكلام أن ~~الكافرة لا تحل له. # قال إمام الحرمين: وقد اختلف في تحريم الحرة الكافرة عليه. # قال ابن العربي: والصحيح عندي تحريمها عليه، وبهذا يتميز علينا فإنه ما ~~كان من جانب الفضائل والكرامة فحظه فيه أكثر، وما كان من جانب النقائص ~~فجانبه عنها أظهر، فجوز لنا نكاح الحرائر ms1366 من الكتابيات، وقصر هو لجلالته ~~على المؤمنات، وإذا كان لا يحل له من لم يهاجر لنقصان فضل الهجرة فأحرى ألا ~~تحل له الكتابية الحرة لنقصان الكفر. # PageV03P595 ### | [مسألة قراءة قوله تعالى إن وهبت] # المسألة الثامنة عشرة: قوله: {إن وهبت} [الأحزاب: 50]: قرئت بالفتح في ~~الألف وكسرها، وقرأت الجماعة فيها بالكسر، على معنى الشرط. # تقديره وأحللنا لك امرأة إن وهبت نفسها لك، لا يجوز تقدير سوى ذلك. # وقد قال بعضهم: يجوز أن يكون جواب إن محذوفا، وتقديره إن وهبت نفسها ~~للنبي حلت له وهذا فاسد من طريق المعنى والعربية، وذلك مبين في موضعه. # ويعزى إلى الحسن أنه قرأها بفتح الهمزة، وذلك يقتضي أن تكون امرأة واحدة ~~حلت له، لأجل أن وهبت نفسها، وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أنها قراءة شاذة، ~~وهي لا تجوز تلاوة، ولا توجب حكما. # الثاني: أن توجب أن يكون إحلالا لأجل هبتها لنفسها، وهذا باطل فإنها حلال ~~له قبل الهبة بالصداق. # وقد نسب لابن مسعود أنه كان يسقط في قراءته " أن " فإن صح ذلك فإنما كان ~~يريد أن يبين ما ذكرنا من أن الحكم في الموهوبة ثابت قبل الهبة، وسقوط ~~الصداق مفهوم من قوله: {خالصة لك} [الأحزاب: 50] لا من جهة الشرط. # وقد بينا حكم هذا الشرط وأمثاله في سورة النور. ### | [مسألة النكاح عقد معاوضة] # المسألة التاسعة عشرة: قوله: {وهبت نفسها} [الأحزاب: 50] وهذا يبين أن ~~النكاح عقد معاوضة، ولكنه على صفات مخصوصة من جملة المعاوضات وإجارة مباينة ~~للإجارات، ولهذا سمي الصداق أجرة، وقد تقدم بيان ذلك في سورة النساء، فأباح ~~الله لرسوله أن يتزوج بغير الصداق؛ لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم. # وقد تقدم ذكره. ### | [مسألة معنى قوله تعالى إن أراد النبي أن يستنكحها] # المسألة الموفية عشرين: قوله: {إن أراد النبي أن يستنكحها} [الأحزاب: 50] ~~معناه أنها إذا وهبت المرأة نفسها لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - مخير بعد # PageV03P596 # ذلك إن شاء نكحها وإن شاء تركها؛ وإنما بين ذلك، وجعله قرآنا يتلى والله ~~أعلم؛ لأن من مكارم ms1367 أخلاق نبينا أن يقبل من الواهب هبته، ويرى الأكارم أن ~~ردها هجنة في العادة، ووصمة على الواهب، وإذاية لقلبه؛ فبين الله سبحانه ~~ذلك في حق رسوله لرفع الحرج عنه، وليبطل ظن الناس في عادتهم وقولهم. ### | [مسألة النكاح بغير صداق] # المسألة الحادية والعشرون: قوله: {خالصة لك} [الأحزاب: 50] وقد اختلف ~~العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال: # أحدها: خالصة لك: إذا وهبت لك نفسها أن تنكحها بغير صداق ولا ولي، وليس ~~ذلك لأحد بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاله قتادة. # وقد أنفذ الله لرسوله نكاح زينب بنت جحش في السماء بغير ولي من الخلق، ~~ولا بذل صداق من النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك بحكم أحكم الحاكمين ~~ومالك العالمين. # الثاني: نكاحه بغير صداق؛ قال سعيد بن المسيب. # الثالث: أن عقد نكاحها بلفظ الهبة خالصا لك، وليس ذلك لغيرك [من ~~المؤمنين]؛ قاله الشعبي. # قال القاضي: القول الأول والثاني راجعان إلى معنى واحد، إلا أن القول ~~الثاني أصح من الأول؛ لأن سقوط الصداق مذكور في الآية، ولذلك جاءت وهو ~~قوله: {إن وهبت نفسها للنبي} [الأحزاب: 50] فأما سقوط الولي فليس له فيها ~~ذكر، وإنما يؤخذ من دليل آخر، وهو أن للولي النكاح؛ وإنما شرع لقلة الثقة ~~بالمرأة في اختيار أعيان الأزواج، وخوف غلبة الشهوة في نكاح غير الكفء، ~~وإلحاق العار بالأولياء، وهذا معدوم في حق النبي - صلى الله عليه وسلم -. ### | [مسألة خصص الله رسوله صلى الله عليه وسلم في أحكام الشريعة بمعان لم يشاركه فيها أحد] # وقد خصص الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - في أحكام الشريعة بمعان لم ~~يشاركه فيها أحد في باب الفرض والتحريم والتحليل، مزية على الأمة، وهيبة ~~له، ومرتبة خص بها؛ ففرضت عليه أشياء، وما فرضت على غيره، وحرمت عليه أشياء ~~وأفعال لم تحرم عليهم؛ وحللت # PageV03P597 # له أشياء لم تحلل لهم، منها متفق عليه، ومنها مختلف فيه، أفادنيها الشهيد ~~الأكبر عن إمام الحرمين، وقد استوفينا ذلك في كتاب النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بيد أنا نشير هاهنا إلى جملة الأمر ms1368 لمكان الفائدة فيه، وتعلق المعنى ~~فيه إشارة موجزة، تبين للبيب وتبصر المريب، فنقول: أما قسم الفريضة فجملته ~~تسعة: الأول: التهجد بالليل. # الثاني: الضحى. # الثالث: الأضحى. # الرابع: الوتر، وهو يدخل في قسم التهجد. # الخامس: السواك. # السادس: قضاء دين من مات معسرا. # السابع: مشاورة ذوي الأحلام في غير الشرائع. # الثامن: تخيير النساء. # التاسع: كان إذا عمل عملا أثبته. # وأما قسم التحريم فجملته عشرة: الأول: تحريم الزكاة عليه وعلى آله. # الثاني: صدقة التطوع عليه، وفي آله تفصيل باختلاف. # الثالث: خائنة الأعين، وهو أن يظهر خلاف ما يضمر، أو ينخدع عما يحب، وقد ~~ذم بعض الكفار عند إذنه؛ ثم ألان له القول عند دخوله. # الرابع: حرم عليه إذا لبس لأمته أن يخلعها عنه، أو يحكم بينه وبين ~~محاربه، ويدخل معه غيره من الأنبياء في الخير. # الخامس: الأكل متكئا. # PageV03P598 # السادس: أكل الأطعمة الكريهة الرائحة. # السابع: التبدل بأزواجه. # الثامن: نكاح امرأة تكره صحبته. # التاسع: نكاح الحرة الكتابية. # العاشر: نكاح الأمة، وفي ذلك تفصيل يأتي بيانه في موضعه. # وأما قسم التحليل فصفي المغنم. # الثاني: الاستبداد بخمس الخمس أو الخمس. # الثالث: الوصال. # الرابع: الزيادة على أربع نسوة. # الخامس: النكاح بلفظ الهبة. # السادس: النكاح بغير ولي. # السابع: النكاح بغير صداق. # وقد اختلف العلماء في نكاحه بغير ولي، وقد قدمنا أن الأصح عدم اشتراط ~~الولي في حقه، وكذلك اختلفوا في نكاحه بغير مهر، فالله أعلم. # الثامن: نكاحه في حالة الإحرام، ففي الصحيح «أنه تزوج ميمونة وهو محرم»، ~~وقد بيناه في مسائل الخلاف. # التاسع: سقوط القسم بين الأزواج عنه، على ما يأتي بيانه في قوله: {ترجي ~~من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء} [الأحزاب: 51]. # العاشر: إذا وقع بصره على امرأة وجب على زوجها طلاقها، وحل له نكاحها. # قال القاضي: هكذا قال إمام الحرمين، وقد بينا الأمر في قصة زيد بن حارثة ~~كيف وقع. # الحادي عشر: أنه أعتق صفية وجعل عتقها صداقها؛ وفي هذا اختلاف بيناه في ~~كتاب الإنصاف، ويتعلق بنكاحه بغير مهر أيضا. # الثاني عشر: دخول مكة بغير إحرام، وفي حقنا ms1369 فيه اختلاف. # PageV03P599 # الثالث عشر: القتال بمكة، وقد قال - عليه السلام -: «لم تحل لأحد قبلي، ~~ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار». # الرابع عشر: أنه لا يورث. # قال القاضي: إنما ذكرته في قسم التحليل؛ لأن الرجل إذا قارب الموت بالمرض ~~زال عنه أكثر ملكه، ولم يبق له إلا الثلث خالصا، وبقي ملك رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بعد موته ما تقدم في آية الميراث. # الخامس عشر: بقاء زوجيته من بعد الموت. # السادس عشر: إذا طلق امرأة، هل تبقى حرمته عليها فلا تنكح؟. # وهاتان المسألتان ستأتيان إن شاء الله تعالى. # وهذه الأحكام في الأقسام المذكورة على اختلافها مشروحة في تفاريقها، حيث ~~وقعت مجموعة في شرح الحديث الموسوم بالنيرين في شرح الصحيحين. ### | [مسألة إعراب قوله تعالى خالصة لك] # المسألة الثانية والعشرون: تكلم الناس في إعراب قوله: {خالصة لك} ~~[الأحزاب: 50]، وغلب عليهم الوهم فيه، وقد شرحناه في ملجئة المتفقهين. # وحقيقته عندي أنه حال من ضمير متصل بفعل مضمر دل عليه المظهر، تقديره ~~أحللنا لك أزواجك، وأحللنا لك امرأة مؤمنة، أحللناها خالصة بلفظ الهبة ~~وبغير صداق، وعليه انبنى معنى الخلوص هاهنا. ### | [مسألة كيفية نكاح النبي] # المسألة الثالثة والعشرون: قيل: هو خلوص النكاح له بلفظ الهبة دون غيره، ~~وعليه انبنى معنى الخلوص هاهنا. # PageV03P600 # وهذا ضعيف؛ لأنا إن قلنا: إن نكاح النبي - صلى الله عليه وسلم - لا بد ~~فيه من الولي وعليه يدل «قوله لعمرو بن أبي سلمة ربيبه، حين زوج أمه: قم يا ~~غلام فزوج أمك». # ولا يصح أن يكون المراد بهذه الآية هذا؛ لأن قول الموهوبة: وهبت نفسي لك ~~لا ينعقد به النكاح، ولا بد بعده من عقد مع الولي، فهل ينعقد بلفظه وصفته ~~أم لا؟ مسألة أخرى لا ذكر للآية فيها. # الثاني: أن المقصود بالآية خلو النكاح من الصداق، وله جاء البيان، وإليه ~~يرجع الخلوص المخصوص به. # الثالث: أنه قال بعد ذلك: إن أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يستنكحها، فذكره في جنبته بلفظ النكاح المخصوص بهذا العقد، فهذا ms1370 يدل على أن ~~المرأة وهبت نفسها بغير صداق، فإن أراد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يتزوج، فيكون النكاح حكما مستأنفا، لا تعلق له بلفظ الهبة، إلا في المقصود ~~من الهبة، وهو سقوط العوض وهو الصداق. # الرابع: إنا لا نقول: إن النكاح بلفظ الهبة جائز في حق غيره من هذا ~~اللفظ؛ فإن تقدير الكلام على ما بيناه أحللنا لك أزواجك، وأحللنا لك المرأة ~~الواهبة نفسها خالصة، فلو جعلنا قوله: {خالصة} [الأحزاب: 50] حالا من الصفة ~~التي هي ذكر الهبة دون الموصوف الذي هو المرأة وسقوط الصداق، لكان إخلالا ~~من القول، وعدولا عن المقصود في اللفظ، وذلك لا يجوز عربية، ولا معنى. # ألا ترى أنك لو قلت: أحدثك بالحديث الرباعي خالصا لك دون أصحابك لما كان ~~رجوع الحال إلا إلى المقصود الموصوف، وهو الحديث؛ هذا على نظام التقدير، ~~فلو قلت على لفظ أحدثك بحديث إن وجدته بأربع روايات خالصا ذلك دون أصحابك ~~لرجعت الحال إلى المقصود الموصوف أيضا، دون الصفة؛ وهذا لا يفهمه إلا ~~المتحققون في العربية، وما أرى من عزا إلى الشافعي أنه قال الضمير في قوله: ~~{خالصة} [الأحزاب: 50] يرجع إلى النكاح بلفظ الهبة إلا قد وهم، لأجل مكانته ~~من العربية. # والنكاح بلفظ الهبة جائز عند علمائنا، معروف بدليله في مسائل الخلاف. # PageV03P601 # المسألة الرابعة والعشرون: # قوله تعالى: {من دون المؤمنين} [آل عمران: 28] فائدته أن الكفار وإن ~~كانوا مخاطبين بفروع الشريعة عندنا فليس لهم في ذلك دخول؛ لأن تصريف ~~الأحكام إنما تكون بينهم على تقدير الإسلام. ### | [مسألة قوله تعالى قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم] # المسألة الخامسة والعشرون: قوله تعالى: {قد علمنا ما فرضنا عليهم في ~~أزواجهم} [الأحزاب: 50] # قد تقدم القول في بيان علم الله في كتاب المشكلين وكتاب الأصول. وكذلك ~~تقدم القول فيه. # المسألة السادسة والعشرون: وهي قوله: (ما فرضنا) وبينا معنى الفرض، ~~والقدر المختص بهذه المسألة من ذلك أن الله أخبر أن علمه سابق بكل ما حكم ~~به، وقرر على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمته في النكاح وأعداده ms1371 ~~وصفاته، وملك اليمين وشروطه، بخلافه، فهو حكم سبق به العلم، وقضاء حق به ~~القول للنبي في تشريعه وللمنبأ المرسل إليه بتكليفه. ### | [مسألة قوله تعالى لكيلا يكون عليك حرج] # المسألة السابعة والعشرون: قوله تعالى: {لكيلا يكون عليك حرج} [الأحزاب: ~~50] # أي ضيق في أمر أنت فيه محتاج إلى السعة، كما أنه ضيق عليهم في أمر لا ~~يستطيعون فيه شرط السعة عليهم. # المسألة الثامنة والعشرون: قوله تعالى: {وكان الله غفورا رحيما} ~~[الأحزاب: 5] # قد بينا معنى ذلك في كتاب " الأمد الأقصى " بيانا شافيا. # والمقدار الذي ينتظم به الكلام هاهنا أنه لم يؤاخذ الناس بذنوبهم، بل ~~بقولهم، ورحمهم وشرف رسله الكرام، فجعلهم فوقهم، ولم يعط على مقدار ما ~~يستحقون، إذ لا يستحقون عليه شيئا؛ بل زادهم من فضله، وعمهم برفقه ولطفه، ~~ولو أخذهم # PageV03P602 # بذنوبهم، وأعطاهم على قدر حقوقهم عند من يرى ذلك من المبتدعة أو على ~~تقدير ذلك فيهم، لما وجب للنبي - صلى الله عليه وسلم - شيء، ولا غفر للخلق ~~ذنب؛ ولكنه أنعم على الكل، وقدم منازل الأنبياء - صلوات الله عليهم -، ~~وأعطى كلا على قدر علمه وحكمه وحكمته؛ وذلك كله بفضل الله ورحمته. ### | [الآية السادسة عشرة قوله تعالى ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء] ### | [سبب نزولها] # الآية السادسة عشرة: قوله تعالى: {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ~~ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين ~~بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما} [الأحزاب: ~~51]. # فيها عشر مسائل: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: # وفي ذلك خمسة أقوال: # الأول روى أبو رزين العقيلي «أن نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ~~أشفقن أن يطلقهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلن: يا رسول الله؛ اجعل ~~لنا من نفسك ومالك ما شئت، فكانت منهن سودة بنت زمعة، وجويرية، وصفية، ~~وميمونة، وأم حبيبة، غير مقسوم لهن وكان ممن آوى عائشة، وأم سلمة، وزينب، ~~وأم سلمة، يضمهن، ويقسم لهن» قاله الضحاك. # الثاني: قال ابن عباس: ms1372 أراد من شئت أمسكت، ومن شئت طلقت. # الثالث: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب امرأة لم يكن لرجل أن ~~يخطبها حتى يتزوجها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو يتركها. # والمعنى اترك نكاح من شئت، وانكح من شئت؛ قاله الحسن. # الرابع: تعزل من شئت، وتضم من شئت؛ قاله قتادة. # الخامس: قال أبو رزين: تعزل من شئت عن القسم، وتضم من شئت إلى القسم. # PageV03P603 # المسألة الثانية: في تصحيح هذه الأقوال: # أما قول أبي رزين فلم يرد من طريق صحيحة؛ وإنما الصحيح ما روي عن عائشة ~~مطلقا من غير تسمية على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. # وروي في الصحيح أن «سودة لما كبرت قالت: يا رسول الله؛ اجعل يومي منك ~~لعائشة، فكان يقسم لعائشة يومين: يومها، ويوم سودة». # وأما قول الحسن فليس بصحيح ولا حسن من وجهين: أحدهما: أن امتناع خطبة من ~~يخطبها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليس له ذكر ولا دليل في شيء من ~~معاني الآية ولا ألفاظها. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ترجي من تشاء منهن] # المسألة الثالثة: قوله: {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء} ~~[الأحزاب: 51] # يعني تؤخر وتضم، ويقال: أرجأته إذا أخرته، وآويت فلانا إذا ضممته وجعلته ~~في ذراك وفي جملتك، فقيل فيه أقوال ستة: # الأول: تطلق من شئت، وتمسك من شئت؛ قاله ابن عباس. # الثاني: تترك من شئت، وتنكح من شئت؛ قاله قتادة. # الثالث: ما تقدم من قول أبي رزين العقيلي. # الرابع: تقسم لمن شئت، وتترك قسم من شئت. # الخامس: ما في الصحيح، عن عائشة قالت: كنت أغار من اللائي وهبن أنفسهن ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأقول: أتهب المرأة نفسها؟ فلما أنزل ~~الله: {ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء} [الأحزاب: 51]. قلت: ما أرى ~~ربك إلا يسارع في هواك. # السادس: ثبت في الصحيح أيضا عن عائشة «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن نزلت هذه الآية: {ترجي من تشاء منهن ms1373 ~~وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك} [الأحزاب: 51]، ~~فقيل لها: ما كنت تقولين؟ قالت: كنت أقول: إن كان الأمر إلي فإني لا أريد ~~يا رسول الله أن أوثر عليك أحدا». # PageV03P604 # وبعض هذه الأقوال يتداخل مع ما قدمناه في سبب نزولها، وهذا الذي ثبت في ~~الصحيح وهو الذي ينبغي أن يعول عليه. # والمعنى المراد هو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مخيرا في أزواجه ~~إن شاء أن يقسم قسم، وإن شاء أن يترك القسم ترك، لكنه كان يقسم من قبل نفسه ~~دون فرض ذلك عليه؛ فإن قول من قال إنه قيل له: انكح من شئت، واترك من شئت، ~~فقد أفاده قوله: {إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك ~~مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي ~~هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها ~~خالصة لك من دون المؤمنين} [الأحزاب: 50]. # حسبما تقدم بيانه من الابتداء في ذلك والانتهاء إلى آخر الآية، فهذا ~~القول يحمل على فائدة مجردة، فأما وجوب القسم فإن النكاح يقتضيه، ويلزم ~~الزوج؛ فخص النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك بأن جعل الأمر فيه إليه. # فإن قيل: فكيف يقال: إن القسم غير واجب على النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وهو - عليه السلام - كان يعدل بين أزواجه في القسم، ويقول: «هذه قدرتي فيما ~~أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك يعني قلبه» لإيثار عائشة دون أن يكون ~~يظهر ذلك في شيء من فعله. # قلنا: ذلك من خلال النبي - صلى الله عليه وسلم - وفضله، فإن الله عز وجل ~~أعطاه سقوطه؛ وكان هو - صلى الله عليه وسلم - يلتزمه تطيبا لنفوسهن، وصونا ~~لهن عن أقوال الغيرة التي ربما ترقت إلى ما لا ينبغي. # المسألة الرابعة: قوله: {ومن ابتغيت ممن عزلت} [الأحزاب: 51] يعني طلبت، ~~والابتغاء في اللغة هو الطلب، ولا يكون إلا بعد الإرادة قال الله تعالى ~~مخبرا عن موسى: {ذلك ما كنا نبغ} [الكهف: ms1374 64]. # PageV03P605 # المسألة الخامسة: قوله: {ممن عزلت} [الأحزاب: 51] يعني أزلت، والعزلة ~~الإزالة، وتقدير الكلام في اللفظين مفهوم. # والمعنى: ومن أردت أن تضمه وتؤويه بعد أن أزلته فقد نلت ذلك عندنا، ~~ووجدته تحقيقا لقول عائشة: لا أرى ربك إلا وهو يسارع في هواك؛ فإن شاء ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يؤخر أخر، وإن شاء أن يقدم استقدم، وإن ~~شاء أن يقلب المؤخر مقدما والمقدم مؤخرا فعل، لا جناح عليه في شيء من ذلك، ~~ولا حرج فيه، وهي: # المسألة السادسة: وقد بينا الجناح فيما تقدم، وأوضحنا حقيقته. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ذلك أدنى أن تقر أعينهن] # المسألة السابعة: قوله: {ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما ~~آتيتهن كلهن} [الأحزاب: 51]: المعنى أن الأمر إذا كان الإدناء والإقصاء ~~لهن، والتقريب والتبعيد إليك، تفعل من ذلك ما شئت، كان أقرب إلى قرة ~~أعينهن، وراحة قلوبهن؛ لأن المرء إذا علم أنه لا حق له في شيء كان راضيا ~~بما أوتي منه وإن قل، وإن علم أن له حقا لم يقنعه ما أوتي منه، واشتدت ~~غيرته عليه، وعظم حرصه فيه، فكان ما فعل الله لرسوله من تفويض الأمر إليه ~~في أحوال أزواجه أقرب إلى رضاهن معه، واستقرار أعينهن على ما يسمح به منه ~~لهن، دون أن تتعلق قلوبهن بأكثر منه، وذلك قوله في: # المسألة الثامنة: {ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن} [الأحزاب: 51] # المعنى: وترضى كل واحدة بما أوتيت من قليل أو كثير، لعلمها بأن ذلك غير ~~حق لها، وإنما هو فضل تفضل به عليها، وقليل رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- كثير، واسم زوجته، والكون في عصمته، ومعه في الآخرة في درجته، فضل من ~~الله كبير. # PageV03P606 ### | [مسألة معنى قوله تعالى والله يعلم ما في قلوبكم] # المسألة التاسعة: قوله: {والله يعلم ما في قلوبكم} [الأحزاب: 51] وقد ~~بينا في غير موضع وهو بين عند الأمة أن البارئ لا يخفى عليه شيء في الأرض ~~ولا في السماء. # يعلم السر وأخفى، ويطلع على الظاهر والباطن. # ووجه تخصيصه بالذكر هاهنا التنبيه ms1375 على أنه يعلم ما في قلوبنا من ميل إلى ~~بعض ما عندنا من النساء دون بعض، وهو يسمح في ذلك؛ إذ لا يستطيع العبد أن ~~يصرف قلبه عن ذلك الميل إن كان يستطيع أن يصرف فعله، ولا يؤاخذ البارئ ~~سبحانه بما في القلب من ذلك، وإنما يؤاخذ بما يكون من فعل فيه، وإلى ذلك ~~يعود قوله: {وكان الله عليما حليما} [الأحزاب: 51] وهي: المسألة العاشرة: ### | [الآية السابعة عشرة قوله تعالى لا يحل لك النساء من بعد] # ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله ~~على كل شيء رقيبا} [الأحزاب: 52]. # فيها تسع مسائل: المسألة الأولى: في سبب نزولها: روي «أنها نزلت في أسماء ~~بنت عميس، لما توفي زوجها جعفر بن أبي طالب أعجب النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - حسنها، فأراد أن يتزوجها، فنزلت الآية». وهذا حديث ضعيف. ### | [مسألة قوله تعالى لا يحل لك النساء من بعد] # المسألة الثانية {لا يحل لك النساء من بعد} [الأحزاب: 52] # اعلموا وفقكم الله أن كلمة " بعد " ظرف بني على الضم هاهنا، لما اقترن به ~~من الحذف، فصار بهذه الدلالة كأنه بعض كلمة، فربط على حرف واحد ليتبين ذلك. # PageV03P607 # واختلف العلماء في تعيين المحذوف على ثلاثة أقوال: # الأول: لا يحل لك النساء من بعد من عندك، منهن اللواتي اخترنك على الدنيا ~~فقصر عليهن من أجل اختيارهن له؛ قاله ابن عباس. # الثاني: من بعد ما أحللنا لك، وهي الآية المتقدمة؛ قاله أبي بن كعب. # الثالث: لا يحل لك نكاح غير المسلمات؛ قاله سعيد بن جبير، وعكرمة، ~~ومجاهد. # المسألة الثالثة: في التنقيح: أما قول مجاهد وغيره بأن المعنى لا يحل لك ~~نكاح غير المسلمات فداخل تحت قول أبي بن كعب؛ لأن الآية لا تحتمل إلا ~~قولين: أحدهما قول ابن عباس، والثاني قول أبي بن كعب. # فإذا قلنا بقول أبي، وحكمنا أن المراد بالآية لا يحل لك النساء من بعد ما ~~أحللنا لك من أزواجك اللاتي آتيت أجورهن قرابتك المؤمنات المهاجرات، ~~والواهبة نفسها بقي ms1376 على التحريم من عداهن. # والآية محتملة لقول ابن عباس وأبي، ويقوى في النفس قول ابن عباس والله ~~أعلم كيف وقع الأمر. # وقد اختلف العلماء في ذلك؛ فقالت عائشة، وأم سلمة: لم يمت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - حتى أحل له النساء، وبه قال ابن عباس، والشافعي ~~وجماعة، وكأن الله لما أحل له النساء حتى الموت قصر عليهن كما قصرن عليه ~~قاله ابن عباس في روايته، وأبو حنيفة، وجماعة وجعلوا حديث عائشة سنة ناسخة، ~~وهو حديث واه، ومتعلق ضعيف، وقد بيناه في القسم الثاني من الناسخ والمنسوخ؛ ~~فتم تمام القول وبيانه. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ولا أن تبدل بهن من أزواج] # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {ولا أن تبدل بهن من أزواج} [الأحزاب: 52] # فيه ثلاثة أقوال: الأول: لا يحل لك أن تطلق امرأة من أزواجك، وتنكح ~~غيرها؛ قاله ابن عباس. # الثاني: لا يحل لك أن تبدل المسلمة التي عندك بمشركة؛ قاله مجاهد. # PageV03P608 # الثالث: لا تعطي زوجك في زوجة أخرى، كما كانت الجاهلية تفعله؛ قاله ابن ~~زيد. # المسألة الخامسة: أصح هذه الأقوال: قول ابن عباس، له يشهد النص، وعليه ~~يقوم الدليل. # وأما قول مجاهد فمبني على ما سبق من قوله في المسألة قبلها، وهو ضعيف؛ ~~لأن اللفظ عام، ولا يجوز تخصيصه بما يبطل فائدته ويسقط عمومه، ويبطل حكمه، ~~ويذهب من غير حاجة إلى ذلك. # وأما قول ابن زيد فضعيف؛ لأن النهي عن ذلك لم يختص به رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بل ذلك حكم ثابت في الشرع على النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- وعلى جميع الأمة؛ إذ التعاوض في الزوجات لا يجوز. # والدليل عليه أنه قال: {بهن من أزواج} [الأحزاب: 52]، وهذا الحكم لا يجوز ~~لا بهن ولا بغيرهن، ولو كان المراد استبدال الجاهلية لقال: أزواجك بأزواج، ~~ومتى جاء اللفظ خاصا في حكم لا ينتقل إلى غيره لضرورة. ### | [مسألة نكاح الأمة الكافرة ووطؤها بملك اليمين] # المسألة السادسة: قوله تعالى: {إلا ما ملكت يمينك} [الأحزاب: 52] # المعنى فإنه حلال لك على الإطلاق المعلوم في ms1377 الشرع من غير تقييد. # وقد اختلف العلماء في إحلال الكافرة للنبي - صلى الله عليه وسلم - فمنهم ~~من قال: يحل له نكاح الأمة الكافرة ووطؤها بملك اليمين لقوله تعالى {إلا ما ~~ملكت يمينك} [الأحزاب: 52] وهذا عموم. # ومنهم من قال: لا يحل له نكاحها؛ لأن نكاح الأمة مقيد بشرط خوف العنت؛ ~~وهذا الشرط معدوم في حقه؛ لأنه معصوم؛ فأما وطؤها بملك اليمين فيتردد فيه. # والذي عندي أنه لا يحل له نكاح الكافرة، ولا وطؤها بملك اليمين، تنزيها ~~لقدره # PageV03P609 # عن مباشرة الكافرة، وقد قال الله تعالى: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} ~~[الممتحنة: 10]، فكيف به - صلى الله عليه وسلم -، وقال: {اللاتي هاجرن معك} ~~[الأحزاب: 50]، فشرط في الإحلال له الهجرة بعد الإيمان، فكيف يقال إن ~~الكافرة تحل له، ### | [مسألة معنى قوله تعالى وكان الله على كل شيء رقيبا] # المسألة السابعة: {وكان الله على كل شيء رقيبا} [الأحزاب: 52] وقد تقدم ~~معنى الرقيب في أسمائه سبحانه وتعالى والمعنى المختص به هاهنا أن الله يعلم ~~الأشياء علما مستمرا، ويحكم فيها حكما مستقرا، ويربط بعضها ببعض ربطا ينتظم ~~به الوجود، ويصح به التكليف. ### | [الآية الثامنة عشرة قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم] ### | [سبب نزولها] # الآية الثامنة عشرة قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت ~~النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا ~~فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي ~~منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ~~ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا ~~أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما} [الأحزاب: 53]. # فيها ثمان عشرة مسألة: # المسألة الأولى: في سبب نزولها [قوله {لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن} ~~[الأحزاب: 53]]: # وفي ذلك ستة أقوال: الأول: روي عن أنس في الصحيح وغيره: كتاب البخاري، ~~ومسلم، والترمذي واللفظ له قال أنس بن مالك: «تزوج رسول الله ms1378 - صلى الله ~~عليه وسلم - فدخل بأهله، فصنعت أم سليم أمي حيسا، فجعلته في تور، وقالت لي: ~~يا أنس اذهب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقل: بعثت به إليك أمي، ~~وهي تقرئك السلام، وتقول لك: إن هذا لك منا قليل يا رسول الله # PageV03P610 # قال: فذهبت به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقلت: إن أمي تقرئك ~~السلام وتقول لك: إن هذا لك منا قليل يا رسول الله، فقال: ضعه ثم قال: اذهب ~~فادع لي فلانا وفلانا، ومن لقيت وسمى رجالا فدعوت من سمى، ومن لقيت. قال: ~~قلت لأنس: عددكم كم كانوا؟ قال: زهاء ثلاثمائة. فقال: قال لي رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: يا أنس هات التور قال: فدخلوا حتى امتلأت الصفة ~~والحجرة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ليتحلق عشرة عشرة، وليأكل ~~كل إنسان مما يليه قال: فأكلوا حتى شبعوا قال: فخرجت طائفة ودخلت طائفة، ~~حتى أكلوا كلهم قال: قال لي: يا أنس، ارفع قال: فرفعت، فما أدري حين وضعت ~~كان أكثر أم حين رفعت قال: وجلس منهم طوائف يتحدثون في بيت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس وزوجته مولية ~~وجهها إلى الحائط، فثقلوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخرج رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فسلم على نسائه، ثم رجع فلما رأوا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قد رجع ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه، فابتدروا الباب، ~~وخرجوا كلهم، وجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أرخى الستر، ودخل، ~~وأنا جالس في الحجرة، فلم يلبث إلا يسيرا حتى خرج علي، وأنزل الله هذه ~~الآية، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقرأها على الناس: {يا أيها ~~الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين ~~إناه} [الأحزاب: 53] إلى آخر الآية. قال أنس: أنا أحدث الناس عهدا بهذه ~~الآيات، وحجب نساء النبي - صلى الله عليه وسلم -». # الثاني: روى مجاهد عن «عائشة ms1379 قالت: كنت آكل مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - حيسا، فمر عمر فدعاه، فأكل، فأصاب أصبعه أصبعي، فقال حينئذ: لو أطاع ~~فيكن ما رأتكن عين؛ فنزل الحجاب». # PageV03P611 # الثالث: ما روى عروة عن عائشة أن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - كن ~~يخرجن بالليل إلى المناصع وهو صعيد أفيح، يتبرزن فيه، فكان عمر يقول للنبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: احجب نساءك، فلم يكن يفعل، فخرجت سودة ليلة من ~~الليالي، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر: قد عرفناك يا سودة، حرصا على أن ~~ينزل الحجاب قالت عائشة: فأنزل الحجاب. # الرابع: روي عن ابن مسعود: أمر نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بالحجاب، فقالت زينب بنت جحش: يا ابن الخطاب؛ إنك تغار علينا والوحي ينزل ~~علينا، فأنزل الله تعالى: {وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب} ~~[الأحزاب: 53]. # الخامس: روى قتادة أن هذا كان في بيت أم سلمة، أكلوا وأطالوا الحديث، ~~فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يدخل ويخرج، ويستحيي منهم، والله لا ~~يستحيي من الحق. # السادس: روى أنس أن عمر قال: قلت: يا رسول الله؛ إن نساءك يدخل عليهن ~~البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن؛ فنزلت آية الحجاب. # المسألة الثانية: هذه الروايات ضعيفة إلا الأولى والسادسة، وأما رواية ~~ابن مسعود فباطلة؛ لأن الحجاب نزل يوم البناء بزينب، ولا يصح ما ذكر فيه. ### | [مسألة بيوت النبي إذ كن يسكن فيها هل هن ملك لهن أم لا] # المسألة الثالثة: قوله: {بيوت النبي} [الأحزاب: 53]- صلى الله عليه وسلم ~~-: هذا يقتضي أن البيت بيت الرجل إذ جعله مضافا إليه. # فإن قيل: فقد قال: {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة} ~~[الأحزاب: 34]. # قلنا: إضافة البيوت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - إضافة ملك، وإضافة ~~البيوت إلى الأزواج إضافة محل؛ بدليل أنه جعل فيها الإذن للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، والإذن إنما يكون للمالك، وبدليل # PageV03P612 # قوله: {إن ذلكم كان يؤذي النبي} [الأحزاب: 53]- صلى الله عليه وسلم - ~~وكذلك يؤذي أزواجه، ولكن لما كان البيت بيت النبي - صلى الله ms1380 عليه وسلم - ~~والحق حق النبي - صلى الله عليه وسلم - أضافه إليه. # وقد اختلف العلماء في بيوت النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ كن يسكن ~~فيها، هل هن ملك لهن أم لا؟ فقالت طائفة: كانت ملكا لهن بدليل أنهن سكن ~~فيها بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى وفاتهن؛ وذلك أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وهب لهن ذلك في حياته. # وقالت عائشة: لم يكن ذلك لهن هبة، وإنما كان إسكانا، كما يسكن الرجل ~~أهله، وتمادى سكناهن بها إلى الموت لأحد وجهين: إما لأن عدتهن لم تنقض إلا ~~بموتهن، وإما لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استثنى ذلك لهن مدة حياتهن، ~~كما استثنى نفقاتهن بقوله: «ما تركت بعد نفقة عيالي ومؤنة عاملي فهو صدقة». # فجعلها النبي - صلى الله عليه وسلم - صدقة بعد نفقة العيال؛ والسكنى من ~~جملة النفقات، فإذا متن رجعت مساكنهن إلى أصلها من بيت المال، كرجوع ~~نفقاتهن. # والدليل القاطع لذلك أن ورثتهن لم يرثوا عنهن شيئا من ذلك، ولو كانت ~~المساكن ملكا لهن لورث ذلك ورثتهن عنهن، فلما ردت منازلهن بعد موتهن في ~~المسجد الذي تعم منفعته جميع المسلمين دل ذلك على أن سكناهن إنما كانت ~~متاعا لهن إلى الممات، ثم رجعت إلى أصلها في منافع المسلمين. # المسألة الرابعة: قوله: {إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه} ~~[الأحزاب: 53] # وقد تقدم القول في الإذن وأحكامه في سورة النور. ### | [مسألة معنى قوله تعالى إلى طعام] # المسألة الخامسة: قوله: {إلى طعام} [الأحزاب: 53] # يعني به هاهنا طعام الوليمة، والأطعمة عند العرب عشرة: المأدبة، وهي طعام ~~الدعوة كيفما وقعت. # طعام الزائر التحفة، فإن كان بعده غيره فهو النزل. # PageV03P613 # وطعام الإملاك الشدخية، وما رأيته في أثر، إلا ما روي أن النجاشي لما عقد ~~نكاح النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أم حبيبة عنده قال لهم: لا تفرقوا ~~الأطعمة. # وكذلك كانت الأنبياء تفعل، وبعث بها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~المدينة. # طعام العرس: الوليمة. # طعام البناء: الوكيرة. # طعام الولادة: الخرس. # طعام ms1381 سابعها: العقيقة. # طعام الختان: الإعذار: ويقال: العذيرة. # طعام القادم من السفر: النقيعة. # طعام الجنازة: الوضيمة. # وهناك أسماء تعد هذه أصولها المعلومة. # والفائدة في قوله: إلى طعام أمران: أحدهما: أن الكريم إذا دعا إلى منزله ~~أحدا لأمر لم يكن بد من أن يقدم إليه ما حضر من طعام ولو تمرة أو كسرة، ~~فإذا تناول معه ما حضر كلمه فيما عرض. ### | [مسألة معنى قوله تعالى غير ناظرين إناه] # المسألة السادسة: قوله: {غير ناظرين إناه} [الأحزاب: 53] # معناه غير منتظرين وقته، والناظر هو المستنظر، والإنى هو الوقت. وقد تقدم ~~بيانه. # المعنى لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم في الدخول، أو يطعمكم طعاما ~~حاضرا، لا تنتظرون نضجه، ولا ترتقبون حضوره، فيطول لذلك مقامكم، وتحصلون ~~فيما كره منكم. # PageV03P614 ### | [مسألة معنى قوله تعالى ولكن إذا دعيتم فادخلوا] # المسألة السابعة: قوله: {ولكن إذا دعيتم فادخلوا} [الأحزاب: 53] المعنى ~~ادخلوا على وجه الأدب، وحفظ الحضرة الكريمة من المباسطة المكروهة. # وتقدير الكلام: إذا دعيتم فأذن لكم فادخلوا، وإلا فنفس الدعوة لا تكون ~~إذنا كافيا في الدخول. ### | [مسألة الضيف يأكل على ملك المضيف] # المسألة الثامنة: قوله: {فإذا طعمتم} [الأحزاب: 53] # هذا يدل على أن الضيف يأكل على ملك المضيف، لا على ملك نفسه؛ لأنه قال: ~~{فإذا طعمتم} [الأحزاب: 53] فلم يجعل له أكثر من الأكل، ولا أضاف له سواه، ~~وبقي الملك على أصله، وقد بينا ذلك في مسائل الفروع. ### | [مسألة المراد من قوله تعالى فانتشروا] # المسألة التاسعة: قوله: {فانتشروا} [الأحزاب: 53]: # المراد: تفرقوا. من النشر، وهو الشيء المفترق. والمراد إلزام الخروج من ~~المنزل عند انقضاء المقصود من الأكل. # والدليل على ذلك أن الدخول حرام، وإنما جاز لأجل الأكل، فإذا انقضى الأكل ~~زال السبب المبيح، وعاد التحريم إلى أصله. # المسألة العاشرة: قوله: {ولا مستأنسين لحديث} [الأحزاب: 53]: # المعنى: لا تمكثوا مستأنسين بالحديث، كما فعل أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في وليمة زينب، ولكن الفائدة في عطفه على ما تقدم أن استدامة ~~الدخول دخول فعطفه عليه، وقد بينا ذلك في مسائل الفقه. # المسألة الحادية ms1382 عشرة: قوله: {إن ذلكم كان يؤذي النبي} [الأحزاب: 53]: ~~والإذاية كل ما تكرهه النفس، وهو محرم على الناس، لا سيما إذاية يكرهها ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ بل ألزم الخلق أن يفعلوا ما يكرهون، ~~إرضاء لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # والمعنى: منعناكم منه لإذاية النبي - صلى الله عليه وسلم - فجعل المنع من ~~الدخول بغير إذن والمقام بعد كمال المقصود محرما فعله، لإذاية النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -. # والمحرمات في الشرع على قسمين: منها معلل، ومنها غير معلل؛ فهذا من ~~الأحكام المعللة بالعلة، وهي إذاية النبي - صلى الله عليه وسلم -. # PageV03P615 # المسألة الثانية عشرة: قوله: {فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق} ~~[الأحزاب: 53]: # وقد بينا الحياء في كتب الأصول، ومعناه هاهنا فيمسك عن كشف مراده لكم، ~~فيتأذى بإقامتكم، على معنى التعبير عن الشيء بمقدمته، وهو أحد وجوه المجاز، ~~أو بفائدته وهو الوجه الثاني، أو على معنى التشبيه وهو الثالث. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وإذا سألتموهن متاعا] # المسألة الثالثة عشرة: قوله: {وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء ~~حجاب} [الأحزاب: 53] # وفي المتاع أربعة أقوال: الأول: عارية. # الثاني: حاجة. # الثالث: فتوى. # الرابع: صحف القرآن. # وهذا يدل على أن الله أذن في مساءلتهن من وراء حجاب في حاجة تعرض أو ~~مسألة يستفتى فيها؛ والمرأة كلها عورة؛ بدنها وصوتها، فلا يجوز كشف ذلك إلا ~~لضرورة أو لحاجة، كالشهادة عليها، أو داء يكون ببدنها، أو سؤالها عما يعن ~~ويعرض عندها. # المسألة الرابعة: قوله: {ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن} [الأحزاب: 53] # المعنى: أن ذلك أنفى للريبة، وأبعد للتهمة، وأقوى في الحماية. # وهذا يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يثق بنفسه في الخلوة مع من لا تحل له؛ ~~فإن مجانبة ذلك أحسن لحاله، وأحصن لنفسه، وأتم لعصمته. # المسألة الخامسة عشرة: قوله: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله} [الأحزاب: ~~53] # وهذا تكرار للعلة، وتأكيد لحكمها؛ وتأكيد العلل أقوى في الأحكام. # PageV03P616 ### | [مسألة معنى قوله تعالى ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا] # المسألة السادسة عشرة: قوله: {ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده ms1383 أبدا} ~~[الأحزاب: 53]: # وهي من خصائصه؛ فقد خص بأحكام، وشرف بمعالم ومعان لم يشاركه فيها أحد، ~~تمييزا لشرفه، وتنبيها على مرتبته. # وقد روي أن سبب نزول هذه الكلمة أن آية الحجاب لما نزلت قالوا: يمنعنا من ~~بنات عمنا؛ لئن حدث به الموت لنتزوجن نساءه من بعده، فأنزل الله هذه ~~الكلمة. # وروي أن رجلا قال: لئن مات لأتزوجن عائشة، فأنزل الله هذه الآية، وصان ~~خلوة نبيه، وحقق غيرته، فقصرهن عليه، وحرمهن بعد موته. # وقد اختلف في حالهن بعد موته، وهي: # المسألة السابعة عشرة: هل بقين أزواجا أو زال النكاح بالموت؛ وإذا قلنا: ~~إن حكم النكاح زال بالموت، فهل عليهن عدة أم لا؟ فقيل: عليهن العدة؛ لأنهن ~~زوجات توفي عنهن زوجهن، وهي عبادة. # وقيل: لا عدة عليهن؛ لأنها مدة تربص لا ينتظر بها الإباحة. # وببقاء الزوجية أقول، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما تركت بعد ~~نفقة عيالي ومؤنة عاملي صدقة». # وقد ورد في بعض ألفاظ الحديث: «ما تركت بعد نفقة أهلي» وهذا اسم خاص ~~بالزوجية؛ لأنه أبقى عليهن النفقة مدة حياتهن، لكونهن نساءه. # وفي بعض الآثار: «كل سبب ونسب ينقطع إلا سببي ونسبي». # والأول أصح، وعليه المعول. # PageV03P617 # ومعنى إبقاء النكاح بقاء أحكامه من تحريم الزوجية، ووجوب النفقة والسكنى؛ ~~إذ جعل الموت في حقه - عليه السلام - بمنزلة المغيب في حق غيره، لكونهن ~~أزواجا له قطعا، بخلاف سائر الناس؛ لأن الميت لا يعلم كونه مع أهله في دار ~~واحدة، فربما كان أحدهم في الجنة والآخر في النار، فبهذا الوجه انقطع السبب ~~في حق الخلق، وبقي في حق النبي - صلى الله عليه وسلم -. ### | [مسألة إذاية الرسول صلى الله عليه وسلم أو نكاح أزواجه] # المسألة الثامنة عشرة: قوله: {إن ذلكم كان عند الله عظيما} [الأحزاب: 53] # يعني إذاية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو نكاح أزواجه، فجعل ذلك ~~من جملة الكبائر، ولا ذنب أعظم منه، وقد بينا أحوال عظائم الذنوب في شرح ~~الحديث والمشكلين في أبواب الكبائر. ### | [الآية التاسعة عشرة قوله تعالى إن تبدوا شيئا أو ms1384 تخفوه] # فإن الله كان بكل شيء عليما} [الأحزاب: 54]: # البارئ تعالى عالم ما بدا وما خفي وما ظهر، وما كان وما لم يكن، لا يخفى ~~عليه ماض يمضي، ولا مستقبل يأتي، وهذا على العموم تمدح الله به، وهو أصل ~~الحمد والمدح، والمراد به هاهنا في قول المفسرين ما أكنوه من نكاح أزواج ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بعده، فحرم ذلك عليهم حين أضمروه في قلوبهم، ~~وأكنوه في أنفسهم؛ فصارت هذه الآية منقطعة عما قبلها مبينة لها. ### | [الآية الموفية عشرين قوله تعالى لا جناح عليهن في آبائهن] # ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ~~ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن الله كان على كل شيء شهيدا} [الأحزاب: ~~55]. # فيها أربع مسائل: # PageV03P618 # المسألة الأولى: روي أن نزول الحجاب لما نزل، وستره لما انسدل قال ~~الآباء: كيف بنا مع بناتنا؟ فأنزل الله الآية. # المسألة الثانية: اختلف العلماء في المنفي عنه الجناح: فقيل: معناه لا ~~جناح عليهن في رفع الحجاب؛ قال قتادة. # وقيل: لا جناح عليهن في سدل الحجاب؛ قاله مجاهد. # والمعنى المتقدم أن الله أمرهن بالستر عن الخلق، وضرب الحجاب بينهن وبين ~~الناس، ثم أسقط ذلك بين من ذكر هاهنا من القرابات. ### | [مسألة حكم الرجل مع النساء ينقسم على ثلاثة أقسام] # المسألة الثالثة: روي عن الشعبي أنه قال: لم يذكر الله العم فيها ولا ~~الخال؛ لأنها تحل لأبنائهما. # وقيل: لم يذكرهما؛ لأنهما قائمان مقام الأبوين، بدليل نزولهما منزلتهما ~~في حرمة النكاح. # فأما من قال بالقول الأول فقال: إن حكم الرجل مع النساء ينقسم على ثلاثة ~~أقسام: الأول: من يجوز له نكاحها. # والثاني: من لا يحل له نكاحها، لابنه، كالأخ والجد والحفيد. # والثالث: من لا يحل له نكاحها، ويجوز لولده، كالعم والخال، بحسب منزلتهم ~~منها في الحرمة. # فمن كان يجوز له نكاحها لم يحل له رؤية شيء منها. # ومن لا يحل له نكاحها ويجوز لولده جاز رؤية وجهها وكفيها خاصة، ولم يحل ~~له رؤية زينتها. # ومن لا يحل له ولا ms1385 لولده جاز الوضع لجلبابها ورؤية زينتها. # PageV03P619 # وهذا التقسيم إنما هو على القول بأن رفع الجناح في الآية هو في وضع ~~الجلباب. # فإن قلنا: إنه في رفع الحجاب لم يصح هذا الترتيب في هذه الآية، وقد بينا ~~حكم وضع الجلباب في سورة النور، وحكم العم من الرضاع والنسب بما يغني بيانه ~~عن إعادته. ### | [مسألة قوله تعالى واتقين الله] # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {واتقين الله} [الأحزاب: 55] # فخص به النساء، وعينهن في هذا الأمر بالتقوى، لقلة تحفظهن وكثرة ~~استرسالهن. ### | [الآية الحادية والعشرون قوله تعالى إن الله وملائكته يصلون على النبي] # الآية الحادية والعشرون # قوله تعالى: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا ~~عليه وسلموا تسليما} [الأحزاب: 56]. # فيها تسع مسائل: # المسألة الأولى: في ذكر صلاة الله: # قد بيناه في الأمد الأقصى وغيره من كتبنا، والأمر خص به معنى صلاة الله ~~على عباده، وأنه يكون بمعنى دعائهم له، وذكره الجميل؛ وتكون حقيقة وقد تكون ~~بمعنى رحمته له؛ إذ هو فائدة ذلك مجازا على معنى التعبير عن الشيء بفائدته. ### | [مسألة في ذكر صلاة الملائكة على النبي] # المسألة الثانية: في ذكر صلاة الملائكة: # قال العلماء: هو دعاؤهم، واستغفارهم، وتبريكهم عليهم، كما قال الله ~~تعالى: {ويستغفرون لمن في الأرض} [الشورى: 5]، وكما روى أبو هريرة عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: «الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي ~~صلى فيه، اللهم صل عليه، اللهم ارحمه». ### | [مسألة في ذكر صلاة الخلق علي النبي] # المسألة الثالثة: في ذكر صلاة الخلق عليه: # وفي ذلك روايات مختلفة عن جماعة من الصحابة أوردناها في كتاب مختصر ~~النيرين في شرح الصحيحين؛ فمن ذلك ثمان روايات: # PageV03P620 # الأولى: روى مالك في الموطأ عن أبي حميد الساعدي «أنهم قالوا: يا رسول ~~الله؛ كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قولوا اللهم ~~صل على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد ~~وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد». # الثانية: روى مالك عن أبي ms1386 مسعود الأنصاري قال: أتانا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في مجلس سعد بن عبادة، فقال بشير بن سعد: «أمرنا الله أن ~~نصلي عليك يا رسول الله، فكيف نصلي عليك؟ قال: فسكت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - حتى تمنينا أنه لم يسأله، ثم قال: قولوا اللهم صل على محمد ~~وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى ~~آل محمد، كما باركت على إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد، والسلام كما ~~قد علمتم». # الثالثة: روى النسائي عن طلحة مثله بإسقاط قوله: في العالمين، وقوله: ~~والسلام كما قد علمتم. # الرابعة: عن كعب بن عجرة قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: تلقاني كعب بن ~~عجرة، فقال: ألا أهدي لك هدية؟ قلت: بلى. قال: «خرج علينا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقلنا: يا رسول الله؛ هذا السلام عليك قد علمناه، فكيف ~~الصلاة عليك؟ قال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على ~~إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على ~~إبراهيم إنك حميد مجيد». # الخامسة: عن بريدة الخزاعي قال: «قلنا يا رسول الله؛ قد علمنا كيف السلام # PageV03P621 # عليك، فكيف الصلاة عليك؟ قال قولوا: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على محمد ~~وعلى آل محمد كما جعلتها على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد». # السادسة: عن أبي سعيد الخدري قال: «قلنا: يا رسول الله، قد علمنا هذا ~~السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد عبدك ~~ورسولك، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على ~~إبراهيم». # السابعة: روى أبو داود عن أبي هريرة قال: «من سره أن يكتال بالمكيال ~~الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل: اللهم صل على محمد النبي وأزواجه ~~أمهات المؤمنين، وذريته وأهل بيته، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد ~~مجيد». # الثامنة: من طريق علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: «اللهم صل على محمد ~~وعلى آل محمد كما ms1387 صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم ~~بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك ~~حميد مجيد، اللهم ترحم على محمد وعلى آل محمد كما ترحمت على إبراهيم وعلى ~~آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم وتحنن على محمد وعلى آل محمد كما تحننت ~~على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم سلم على محمد وعلى آل ~~محمد كما سلمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؛ إنك حميد مجيد». # المسألة الرابعة: من هذه الروايات صحيح، ومنها سقيم، وأصحها ما روي عن ~~مالك فاعتمدوه. # ورواية من روى غير مالك من زيادة الرحمة مع الصلاة وغيرها لا يقوى؛ وإنما ~~على الناس أن ينظروا في أديانهم نظرهم في أموالهم، وهم لا يأخذون في البيع ~~دينارا معيبا، وإنما يختارون السالم الطيب؛ كذلك في الدين لا يؤخذ من ~~الروايات عن النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV03P622 # إلا ما صح سنده لئلا يدخل في خبر الكذب على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فبينما هو يطلب الفضل إذا به قد أصاب النقص، بل ربما أصاب الخسران ~~المبين. ### | [مسألة الصلاة على النبي] # المسألة الخامسة: الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - فرض في العمر ~~مرة بلا خلاف؛ فأما في الصلاة فقال محمد بن المواز والشافعي: إنها فرض، فمن ~~تركها بطلت صلاته. # وقال سائر العلماء: هي سنة في الصلاة. # والصحيح ما قاله محمد بن المواز للحديث الصحيح: إن الله أمرنا أن نصلي ~~عليك، فكيف نصلي عليك؟ فعلم الصلاة ووقتها، فتعينا كيفية ووقتا. وقد بينا ~~ذلك في مسائل الخلاف. ### | [مسألة من آل محمد] # المسألة السادسة: من آل محمد؟ # وقد بيناه في شرح الحديث الصحيح. # وجملته قولان: # أحدهما: أنهم أتباعه المتقون، وكذلك قال مالك. # وقال غيره: وهم الأكثرون هم أهله؛ وهو الأصح؛ لقوله في حديث: «صل على ~~محمد وعلى آل محمد». # وقال في آخر: «وصل على محمد وعلى أزواجه وذريته». فتارة فسره بالذرية ~~والأزواج، وتارة أطلقه. ### | [مسألة قوله كما صليت على إبراهيم] # المسألة ms1388 السابعة: قوله: كما صليت على إبراهيم: وهي مشكلة جدا، لأن محمدا ~~أفضل من إبراهيم، فكيف يكون أفضل منه، ثم يطلب له أن يبلغ رتبته؟ # وفي ذلك تأويلات كثيرة أمهاتها عشرة: # الأول: أن ذلك قيل له قبل أن يعرف بمرتبته، ثم استمر ذلك فيه. # الثاني: أنه سأل ذلك لنفسه وأزواجه، لتتم عليهم النعمة، كما تمت عليه. # الثالث: أنه سأل ذلك له ولأمته على القول بأن آل محمد كل من اتبعه. # PageV03P623 # الرابع: أنه سأل ذلك مضاعفا له، حتى يكون لإبراهيم بالأصل، وله ~~بالمضاعفة. # الخامس: أنه سأل ذلك لتدوم إلى يوم القيامة. # السادس: أنه يحتمل أن يكون أراد ذلك له بدعاء أمته، تكرمة لهم ونعمة ~~عليهم بأن يكرم رسولهم على ألسنتهم. # السابع: أن ذلك مشروع لهم ليثابوا عليه. قال - صلى الله عليه وسلم -: «من ~~صلى علي صلاة صلى الله عليه عشرا». # الثامن: أنه أراد أن يبقى له ذلك لسان صدق في الآخرين. # التاسع: أن معناه اللهم ارحمه رحمة في العالمين يبقى بها دينه إلى يوم ~~القيامة. # العاشر: أن معناه اللهم صل عليه صلاة تتخذه بها خليلا، كما اتخذت إبراهيم ~~خليلا. # قال القاضي: وعندي أيضا أن معناه أن تكون صلاة الله عليه بصلاته وصلاة ~~أمته كما غفر لهم بشرط استغفاره، فاعلم أن الله قد غفر له، ثم كان يديم ~~الاستغفار، ليأتي بالشرط الذي غفر له. وهذا تأكيد لما سبق من الأقوال، ~~وتحقيق فيها لما يقوى من الاحتمال. ### | [الآية الثانية والعشرون قوله تعالى يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين] # يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا ~~رحيما} [الأحزاب: 59]. # فيها ست مسائل: # PageV03P624 # المسألة الأولى: روي «أن عمر - رضي الله عنه - بينما هو يمشي بسوق ~~المدينة مر على امرأة مخترمة بين أعلاج قائمة بسوق بعض السلع، فجلدها، ~~فانطلقت حتى أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، ~~جلدني عمر بن الخطاب على غير شيء رآه مني، فأرسل إليه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: ما ms1389 حملك على جلد ابنة عمك؟ فأخبره خبرها، فقال: وابنة ~~عمي هي يا رسول الله، أنكرتها إذ لم أر عليها جلبابا فظننتها وليدة فقال ~~الناس: الآن ينزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها. قال عمر: وما ~~نجد لنسائنا جلابيب، فأنزل الله تعالى: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ~~ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن} [الأحزاب: 59]». # المسألة الثانية: اختلف الناس في الجلباب على ألفاظ متقاربة، عمادها أنه ~~الثوب الذي يستر به البدن، لكنهم نوعوه هاهنا، فقد قيل: إنه الرداء. وقيل: ~~إنه القناع. # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {يدنين عليهن} [الأحزاب: 59] # قيل: معناه تغطي به رأسها فوق خمارها. # وقيل: تغطي به وجهها حتى لا يظهر منها إلا عينها اليسرى. # المسألة الرابعة: والذي أوقعهم في تنويعه أنهم رأوا الستر والحجاب مما ~~تقدم بيانه، واستقرت معرفته، وجاءت هذه الزيادة عليه، واقترنت به القرينة ~~التي بعده، وهي مما تبينه، وهو قوله تعالى: {ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين} ~~[الأحزاب: 59]. # والظاهر أن ذلك يسلب المعرفة عند كثرة الاستتار، فدل، وهي: # المسألة الخامسة: على أنه أراد تمييزهن على الإماء اللاتي يمشين حاسرات، ~~أو بقناع مفرد، يعترضهن # PageV03P625 # الرجال فيتكشفن، ويكلمنهن؛ فإذا تجلببت وتسترت كان ذلك حجابا بينها وبين ~~المتعرض بالكلام، والاعتماد بالإذاية، وقد قيل: وهي: # المسألة السادسة: إن المراد بذلك المنافقون. # قال قتادة: كانت الأمة إذا مرت تناولها المنافقون بالإذاية، فنهى الله ~~الحرائر أن يتشبهن بالإماء؛ لئلا يلحقهن مثل تلك الإذاية. # وقد روي أن عمر بن الخطاب كان يضرب الإماء على التستر وكثرة التحجب، ~~ويقول: أتتشبهن بالحرائر؟ وذلك من ترتيب أوضاع الشريعة بين. ### | [الآية الثالثة والعشرون قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى] # فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها} [الأحزاب: 69]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: روى أبو هريرة في الصحيح الثابت أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «إن موسى كان رجلا ستيرا حييا ما يرى من جلده شيء استحياء ~~منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، وقالوا: ما يستتر هذا ms1390 التستر إلا من ~~عيب بجلده، إما برص، وإما أدرة، وإما آفة، وإن الله أراد أن يبرئه مما ~~قالوا، وإن موسى خلا يوما وحده، وخلع ثيابه، ووضعها على حجر، ثم اغتسل. ~~فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه، ~~فطلب الحجر؛ فجعل يقول: ثوبي، حجر؛ ثوبي، حجر، حتى انتهى إلى ملإ من بني ~~إسرائيل، فرأوه عريانا أحسن الناس خلقا، وأبرأهم مما كانوا يقولون له. # PageV03P626 # قال: وقام إلى الحجر، وأخذ ثوبه فلبسه، وطفق موسى بالحجر ضربا بعصاه، ~~فوالله إن بالحجر لندبا من أثر عصاه ثلاثا أو أربعا أو خمسا؛ فذلك قوله: ~~{يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى} [الأحزاب: 69]. فهذه ~~إذاية في بدنه». # وقد روى ابن عباس عن علي بن أبي طالب في المنثور: أن موسى وهارون صعدا ~~الجبل فمات هارون، فقال بنو إسرائيل لموسى: أنت قتلته، وكان ألين لنا منك، ~~وأشد حبا؛ فآذوه في ذلك، فأمر الملائكة فحملته، فمروا به على مجالس بني ~~إسرائيل، فتكلمت الملائكة بموته، فما عرف موضع قبره إلا الرخم، وإن الله ~~خلقه أصم أبكم، وهذه إذاية في العرض. # المسألة الثانية: في هذا النهي عن التشبه ببني إسرائيل في إذاية نبيهم ~~موسى: # وفيه تحقيق الوعد بقوله: «لتركبن سنن من كان قبلكم». # وهي: المسألة الثالثة: فوقع النهي، تكليفا للخلق، وتعظيما لقدر الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - ووقع المنهي عنه تحقيقا للمعجزة، وتصديقا للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وتنفيذا لحكم القضاء والقدر، وردا على المبتدعة. # وقد بينا معاني الحديث في كتاب مختصر النيرين. ### | [الآية الرابعة والعشرون قوله تعالى إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال] # الآية الرابعة والعشرون قوله تعالى: {إنا عرضنا الأمانة على السماوات ~~والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما ~~جهولا} [الأحزاب: 72]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: في حقيقة العرض: وقد بيناه في المشكلين. # PageV03P627 # المسألة الثانية: في ذكر الأمانة: # وفيها اختلاط كثير من القول، لبابه في عشرة أقوال: # الأول: أنها الأمر والنهي؛ قاله أبو العالية. # الثاني: ms1391 أنها الفرائض؛ روي عن ابن عباس وغيره. # الثالث: أنها أمانة الفرج عند المرأة؛ قاله أبي. # الرابع: أن الله وضع الرحم عند آدم أمانة. # الخامس: أنها الخلافة. # السادس: أنها الجنابة والصلاة والصوم؛ قاله زيد بن أسلم. # السابع: أنها أمانة آدم قابيل على أهله وولده، فقتل قابيل هابيل. # الثامن: أنها ودائع الناس. # التاسع: أنها الطاعة. # العاشر: أنها التوحيد. # فهذه الأقوال كلها متقاربة، ترجع إلى قسمين: # أحدهما: التوحيد: فإنه أمانة عند العبد، وخفي في القلب، لا يعلمه إلا ~~الله؛ ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إني لم أومر أن أنقب عن ~~قلوب الناس». # ثانيهما: قسم العمل: # وهو في جميع أنواع الشريعة، وكلها أمانة تختص بتأكيد الاسم فيها. # والمعنى ما كان خفيا لا يطلع عليه الناس، فأخفاه أحقه بالحفظ، وأخفاه ~~ألزمه بالرعاية وأولاه. # PageV03P628 ### | [مسألة من الأمانات الوضوء والغسل] # المسألة الثالثة: تختص بالأحكام من هذه الجملة: # ثلاثة: # الأول: الودائع؛ وقد تقدم بيانها، وأوضحنا وجه أداء الأمانة فيها، وهل ~~تقابل بخيانة أم لا؟ الثاني: أمانة المرأة على حيضها وحملها. # وقد تقدم بيانه. # الثالث: الوضوء والغسل، وهما أمانتان عظيمتان لا يعلمهما إلا الله، وكذلك ~~الصوم؛ ولأجل ذلك جعل لله وحده وهو يجزي به حسبما ورد، ولذلك قال علماؤنا: ~~إن الطهارة لما كانت خفية لا يطلع عليها إلا الله وحده كان الحكم فيها إذا ~~صلى إمام بقوم، ثم ذكر أنه محدث، فعليه الإعادة وحده، ولا إعادة عليهم؛ لأن ~~حدثه أو طهارته لا تعلم حقيقة، وإنما تعلم بظاهر من القول، واجتهاد في ~~النظر؛ ليس بنص ولا يقين، وقد أديت الصلاة وراءه باجتهاد؛ ولا ينقض ~~باجتهاد؛ لأنه يجوز أن يكون ذكره للحدث غير صحيح، وهو أيضا ناس فيه؛ إذ هو ~~غير محقق له حتى بالغوا في ذلك النظر، واستوفوا فيه الحق، فقالوا: إن ~~الإمام إذا قال: صليت بكم منذ كذا وكذا سنة متعمدا لترك الطهارة ما استقبلت ~~فيها قبلة بوضوء، ولا اغتسلت عن جنابة، ذنبا ارتكبته؛ وسيئة اجترمتها، وأنا ~~منها تائب لم يكن على واحد ممن صلى وراءه إعادة؛ ms1392 والله حسيبه؛ لأن ذلك كله ~~غير متحقق من قوله، ولعل الأول هو الحق والصدق، وهذا كذب لعلة أو حيلة أو ~~لتهور، والله أعلم لا رب غيره. # PageV03P629 ### | [سورة سبأ فيها ثلاث آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى ولقد آتينا داود منا فضلا] # سورة سبأ [مكية فيها ثلاث آيات] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {ولقد آتينا داود منا فضلا # يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد} [سبأ: 10]. # [فيها مسألتان: المسألة الأولى قوله: {فضلا} [سبأ: 10]: فيه] أربعة عشر ~~قولا: الأول: النبوة. # الثاني: الزبور. # الثالث: حسن الصوت. # الرابع: تسخير الجبال والناس. # الخامس: التوبة. # السادس: الزيادة في العمر. # السابع: الطير. # الثامن: الوفاء بما وعد. # التاسع: حسن الخلق. # العاشر: الحكم بالعدل. # الحادي عشر: تيسير العبادة. # PageV04P003 # الثاني عشر: العلم؛ قال الله تعالى: {ولقد آتينا داود وسليمان علما} ~~[النمل: 15]. # الثالث عشر: القوة؛ قال الله تعالى: {واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه ~~أواب} [ص: 17]. # الرابع عشر: قوله: {وأوتينا من كل شيء} [النمل: 16]. # والمراد هاهنا من جملة الأقوال حسن الصوت؛ فإن سائرها قد بيناه في موضعه ~~في كتاب الأنبياء من المشكلين. وكان داود - عليه السلام - ذا صوت حسن ووجه ~~حسن، وله «قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي موسى الأشعري: لقد أوتيت ~~مزمارا من مزامير آل داود»، وهي: ### | [مسألة الإعجاب بحسن الصوت] # المسألة الثانية وفيه دليل الإعجاب بحسن الصوت، وقد روى عبد الله بن مغفل ~~قال: «رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو على ناقته أو جمله وهي تسير ~~به، وهو يقرأ سورة الفتح أو من سورة الفتح قراءة لينة وهو يرجع، ويقول آه»، ~~واستحسن كثير من فقهاء الأمصار القراءة بالألحان والترجيع، وكرهه مالك. وهو ~~جائز «لقول أبي موسى للنبي - عليه السلام -: لو علمت أنك تسمع لحبرته لك ~~تحبيرا»؛ يريد لجعلته لك أنواعا حسانا، وهو التلحين، مأخوذ من الثوب ~~المحبر، وهو المخطط بالألوان. # وقد سمعت تاج القراء ابن لفتة بجامع عمرو يقرأ: {ومن الليل فتهجد به ~~نافلة لك} [الإسراء: 79]. # فكأني ما سمعت الآية قط. # وسمعت ابن الرفاء وكان من القراء العظام ms1393 يقرأ، وأنا حاضر بالقرافة: فكأني ~~ما سمعتها قط. # PageV04P004 # وسمعت بمدينة السلام شيخ القراء البصريين يقرأ في دار بها الملك: ~~{والسماء ذات البروج} [البروج: 1] فكأني ما سمعتها قط حتى بلغ إلى قوله ~~تعالى: {فعال لما يريد} [البروج: 16] فكأن الإيوان قد سقط علينا. والقلوب ~~تخشع بالصوت الحسن كما تخضع للوجه الحسن، وما تتأثر به القلوب في التقوى ~~فهو أعظم في الأجر وأقرب إلى لين القلوب وذهاب القسوة منها. # وكان ابن الكازروني يأوي إلى المسجد الأقصى، ثم تمتعنا به ثلاث سنوات، ~~ولقد كان يقرأ في مهد عيسى فيسمع من الطور، فلا يقدر أحد أن يصنع شيئا طول ~~قراءته إلا الاستماع إليه. # وكان صاحب مصر الملقب بالأفضل قد دخلها في المحرم سنة اثنتين وتسعين ~~وأربعمائة وحولها عن أيدي العباسية، وهو حنق عليها وعلى أهلها بحصاره لهم ~~وقتالهم له، فلما صار فيها، وتدانى بالمسجد الأقصى منها، وصلى ركعتين تصدى ~~له ابن الكازروني، وقرأ: {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع ~~الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير} ~~[آل عمران: 26] فما ملك نفسه حين سمعه أن قال للناس على عظم ذنبهم عنده، ~~وكثرة حقده عليهم: {لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين} ~~[يوسف: 92]. # والأصوات الحسنة نعمة من الله تعالى، وزيادة في الخلق ومنة. وأحق ما لبست ~~هذه الحلة النفيسة والموهبة الكريمة كتاب الله؛ فنعم الله إذا صرفت في ~~الطاعة فقد قضي بها حق النعمة. # PageV04P005 ### | [الآية الثانية قوله تعالى يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل] # وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور} ~~[سبأ: 13]. # فيها سبع مسائل: المسألة الأولى المحراب: هو البناء المرتفع الممتنع، ~~ومنه يسمى المحراب في المسجد؛ لأنه أرفعه، أنشد فقيه المسجد الأقصى عطاء ~~الصوفي: # جمع الشجاعة والخضوع لربه ... ما أحسن المحراب في المحراب # والجفان أكبر الصحاف قال الشاعر: # يا جفنة بإزاء الحوض قد كفئت ... ومنطقا مثل وشي البردة الخضر # والجوابي جمع جابية، وهي الحوض العظيم ms1394 المصنوع قال الشاعر يصف جفنة: # كجابية الشيخ العراقي تفهق # {وقدور راسيات} [سبأ: 13] يعني ثابتات؛ قال الله تعالى: {والجبال أرساها} ~~[النازعات: 32]. # المسألة الثانية شاهدت محراب داود - عليه السلام - في بيت المقدس بناء ~~عظيما من حجارة صلدة لا تؤثر فيها المعاول، طول الحجر خمسون ذراعا، وعرضه ~~ثلاثة عشر ذراعا، وكلما قام بناؤه صغرت حجارته، ويرى له ثلاثة أسوار؛ لأنه ~~في السحاب أيام الشتاء كلها لا يظهر لارتفاع موضعه وارتفاعه في نفسه، له ~~باب صغير ومدرجة عريضة، وفيه الدور والمساكن، وفي أعلاه المسجد، وفيه كوة ~~شرقية إلى المسجد الأقصى في قدر الباب، ويقول الناس: إنه تطلع منها على ~~المرأة حين دخلت عليه الحمامة، وليس لأحد في هدمه حيلة، وفيه نجا من نجا من ~~المسلمين حين دخلها الروم حتى صالحوا على أنفسهم بأن أسلموه إليهم، على أن ~~يسلموا في رقابهم وأموالهم، فكان ذلك، وتخلوا لهم عنه. # PageV04P006 # ورأيت فيه غريبة الدهر، وذلك أن ثائرا ثار به على واليه، وامتنع فيه ~~بالقوت، فحصره، وحاول قتاله بالنشاب مدة، والبلد على صغره مستمر على حاله، ~~ما أغلقت لهذه الفتنة سوق، ولا سار إليها من العامة بشر، ولا برز للحال من ~~المسجد الأقصى معتكف، ولا انقطعت مناظرة، ولا بطل التدريس، وإنما كانت ~~العسكرية قد تفرقت فرقتين يقتتلون، وليس عند سائر الناس لذلك حركة، ولو كان ~~بعض هذا في بلادنا لاضطرمت نار الحرب في البعيد والقريب، ولانقطعت المعايش. ~~وغلقت الدكاكين، وبطل التعامل لكثرة فضولنا وقلة فضولهم. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وتماثيل] # المسألة الثالثة قوله تعالى: {وتماثيل} [سبأ: 13]، واحدتها تمثال، وهو ~~بناء غريب؛ فإن الأسماء التي جاءت على " تفعال " قليلة منحصرة؛ جماعها ما ~~أخبرنا أبو المعالي ثابت بن بندار، أخبره أبو الحسن بن رزية، أخبرنا القاضي ~~أبو سعيد، أخبرنا أبو بكر بن دريد قال: رجل تكلام: كثير الكلام وتلقام: ~~كثير اللقم، ورجل تمساح: كذاب، وناقة تضراب: قريبة العهد بالضراب، ~~والتمراد: بيت صغير للحمام. وتلفاق. ثوبان يخاط أحدهما بالآخر. # والتجفاف: معروف. وتمثال: معروف. وتبيان: من البيان وتلقاء: قبالتك ~~وتهواء من الليل: قطعة. ms1395 وتعشار: موضع. ورجل تنبال: قصير. وتلعاب: كثير ~~اللعب. وتقصار: قلادة. فهذه ستة عشر مثالا. فلما قرأت إصلاح المنطق ببغداد ~~على الشيخ الأجل الخطيب رئيس اللغة وخازن دار العلم أبي زكريا يحيى بن علي ~~التبريزي قال لي: كنت أقرأ خطب ابن نباتة على أبي عبد الله العربي اللغوي ~~الفرائضي فوصلت إلى قوله: وتذكارهم تواصل مسيل العبرات، وقرأته بخفض التاء ~~فرد علي، وقال وتذكارهم بفتحها؛ لأنه ليس في كلام العرب تفعال إلا التلقاء ~~وإلا التبيان، وتعشار وتنزال موضعان، وتقصار: قلادة. # قال لي التبريزي: ثم قرأت خطب ابن نباتة على بعض أشياخي، فلما وصلت إلى # PageV04P007 # اللفظ وذكرت له كلام ابن العربي قال لي: اكتب ما أملي عليك. فأملى علي: ~~الأشياء التي جاءت على تفعال ضربان: مصادر وأسماء؛ فأما المصادر فالتلقاء ~~والتبيان؛ وهما في القرآن. والأسماء: رجل تنبال: أي قصير. وزعم قوم أن ~~التاء في تنبال أصلية فيكون وزنه فعلالا. وذكر ما قال ابن دريد وزاد ~~التنضال من المناضلة والتيغار حب مقطوع يزيد في الخابية، وترياع: موضع، ~~والتربان وترغام اسم شاعر، ويقال جاء لتنفاق الهلال، ويجوز أن يكون مصدرا، ~~والتمتان واحد التمتانين، وهي خيوط تضرب بها الفسطاط. ورجل تمزاح كثير ~~المزاح، والتمساح الدابة المعروفة. ### | [مسألة التمثال على قسمين] # المسألة الرابعة التمثال على قسمين حيوان وموات، والموات على قسمين: جماد ~~ونام، وقد كانت الجن تصنع لسليمان جميعه، وذلك معلوم من طريقين: أحدهما ~~عموم قوله: {وتماثيل} [سبأ: 13]. والثاني ما روي من طرق عديدة، أصلها ~~الإسرائليات؛ لأن التماثيل من الطير كانت على كرسي سليمان. # فإن قيل: لا عموم لقوله: {وتماثيل} [سبأ: 13] فإنه إثبات في نكرة، ~~والإثبات في النكرة لا عموم له؛ إنما العموم في النفي في النكرة حسبما ~~قررتموه في الأصول. # قلنا: كذلك نقول، بيد أنه قد اقترن بهذا الإثبات في النكرة ما يقتضي حمله ~~على العموم، وهو قوله: {ما يشاء} [سبأ: 13] فاقتران المشيئة به يقتضي ~~العموم له. # فإن قيل: فكيف شاء عمل الصور المنهي عنها؟ قلنا: لم يرد أنه كان منهيا ~~عنها في شرعه، بل ورد ms1396 على ألسنة أهل الكتاب أنه # PageV04P008 # كان أمرا مأذونا فيه، والذي أوجب النهي عنه في شرعنا والله أعلم ما كانت ~~العرب عليه من عبادة الأوثان والأصنام، فكانوا يصورون ويعبدون، فقطع الله ~~الذريعة وحمى الباب. # فإن قيل: فقد قال حين ذم الصور وعملها من الصحيح قول النبي - عليه السلام ~~-: «من صور صورة عذبه الله حتى ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ». وفي رواية: ~~«الذين يشبهون بخلق الله»؛ فعلل بغير ما زعمتم. # قلنا: نهي عن الصورة، وذكر علة التشبيه بخلق الله، وفيها زيادة علة ~~عبادتها من دون الله، فنبه على أن نفس عملها معصية، فما ظنك بعبادتها، وقد ~~ورد في كتب التفسير شأن يغوث ويعوق ونسرا، وأنهم كانوا أناسا، ثم صوروا بعد ~~موتهم وعبدوا. وقد شاهدت بثغر الإسكندرية إذا مات منهم ميت صوروه من خشب في ~~أحسن صورة، وأجلسوه في موضعه من بيته وكسوه بزته إن كان رجلا وحليتها إن ~~كانت امرأة، وأغلقوا عليه الباب. # فإذا أصاب أحدا منهم كرب أو تجدد له مكروه فتح الباب [عليه] وجلس عنده ~~يبكي ويناجيه بكان وكان حتى يكسر سورة حزنه بإهراق دموعه، ثم يغلق الباب ~~عليه وينصرف عنه، وإن تمادى بهم الزمان يعبدوها من جملة الأصنام والأوثان، ~~فعلى هذا التأويل # PageV04P009 # إن قلنا: # إن شريعة من قبلنا لا تلزمنا فليس ينقل عن ذلك حكم. وإن قلنا: إن شرع من ~~قبلنا شرع لنا فيكون نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الصور نسخا، وهي: ~~المسألة الخامسة على ما بيناه في قسم الناسخ والمنسوخ قبل هذا. # وإن قلنا: إن الذي كان يصنع له الصور المباحة من غير الحيوان وصورته ~~فشرعنا وشرعه واحد. # وإن قلنا: إن الذي حرم عليه ما كان شخصا لا ما كان رقما في ثوب فقد ~~اختلفت الأحاديث في ذلك اختلافا متباينا بيناه في شرح الحديث، لبابه أن ~~أمهات الأحاديث خمس أمهات: الأم الأولى ما روي عن ابن مسعود وابن عباس أن ~~أصحاب الصور يعذبون، أو هم أشد الناس عذابا. وهذا عام في كل صورة. # الأم الثانية روي ms1397 عن أبي طلحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تدخل ~~الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة» زاد زيد بن خالد الجهني: «إلا ما كان رقما ~~في ثوب» وفي رواية عن أبي طلحة نحوه، فقلت لعائشة: هل سمعت هذا؟ فقالت: لا؛ ~~وسأحدثكم؛ «خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزاة فأخذت نمطا فنشرته ~~على الباب، فلما قدم ورأى النمط عرفت الكراهة في وجهه، فجذبه حتى هتكه، ~~وقال: إن الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين. قالت: فقطعت منه وسادتين ~~وحشوتهما ليفا فلم يعب ذلك علي». # PageV04P010 # الأم الثالثة قالت عائشة: «كان لنا ستر فيه تمثال طائر، وكان الداخل إذا ~~دخل استقبله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: حولي هذا فإني كلما ~~رأيته ذكرت الدنيا». # الأم الرابعة روي عن عائشة قالت: «دخل علي رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وأنا متسترة بقرام فيه صورة فتلون وجهه ثم تناول الستر فهتكه، ثم ~~قال: إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون خلق الله. قالت ~~عائشة: فقطعته، فجعلت منه وسادتين». # الأم الخامسة قالت عائشة: «كان لنا ثوب ممدود على سهوة فيها تصاوير، فكان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي إليه، ثم قال: أخريه عني، فجعلت منه ~~وسادتين؛ فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يرتفق بهما». وفي رواية في ~~حديث النمرقة قالت: «اشتريتها لك لتقعد عليها وتتوسدها؛ فقال: إن أصحاب هذه ~~الصور يعذبون يوم القيامة، وإن الملائكة لا يدخلون بيتا فيه صورة». # قال القاضي: فتبين بهذه الأحاديث أن الصور ممنوعة على العموم، ثم جاء: ~~إلا ما كان رقما في ثوب، فخص من جملة الصور، ثم بقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لعائشة في الثوب المصور: أخريه عني؛ فإني كلما رأيته ذكرت الدنيا ~~فثبتت الكراهة فيه. ثم بهتك النبي - صلى الله عليه وسلم - الثوب المصور على ~~عائشة منع منه، ثم بقطعها لها وسادتين حتى تغيرت الصورة وخرجت عن هيئتها ~~بأن جواز ذلك إذا لم تكن الصورة فيه متصلة الهيئة، # PageV04P011 # ولو كانت متصلة الهيئة لم ms1398 يجز لقولها في النمرقة المصورة: اشتريتها لك ~~لتقعد عليها وتتوسدها، فمنع منه وتوعد عليه، وتبين بحديث الصلاة إلى الصورة ~~أن ذلك كان جائزا [في الرقم] في الثوب، ثم نسخه المنع، فهكذا استقر فيه ~~الأمر. والله أعلم. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وجفان كالجواب] # المسألة السادسة قوله تعالى: {وجفان كالجواب} [سبأ: 13]: # قال ابن القاسم عن مالك: كالجوبة من الأرض. {وقدور راسيات} [سبأ: 13] ~~يعني لا تحمل ولا تحرك لعظمها، وكذلك كانت قدور عبد الله بن جدعان يصعد ~~إليها في الجاهلية بسلم، ورأيت برباط أبي سعيد قدور الصوفية على نحو ذلك، ~~فإنهم يطبخون جميعا، ويأكلون جميعا من غير استئثار أحد منهم عن أحد، وعنها ~~عبر طرفة بن العبد بقوله: # كالجوابي لا تني مترعة ... لقرى الأضياف أو للمحتضر # وقال أيضا: يجبر المحروب فيها ماله بجفان وقباب وخدم. ### | [مسألة حقيقة الشكر] # المسألة السابعة قوله تعالى: {اعملوا آل داود شكرا} [سبأ: 13]: فيه ثلاثة ~~أقوال: الأول روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام على المنبر فقال: ~~{اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور} [سبأ: 13]. ثم قال: ثلاث من ~~أوتيهن فقد أوتي مثل ما أوتي آل داود. قال: فقلنا: ما هن؟ قال: العدل في ~~الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وخشية الله في السر والعلانية». # PageV04P012 # الثاني: قوله: الحمد لله. # الثالث: الصلاة شكر، والصيام شكر، وكل خير يفعل لله شكر. # قال القاضي - رضي الله عنه -: حقيقة الشكر استعمال النعمة في الطاعة، ~~والكفران: استعمالها في المعصية. # وقليل من يفعل ذلك؛ لأن الخير أقل من الشر، والطاعة أقل من المعصية بحسب ~~سابق التقدير، والحمد لله رب العالمين. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له] # وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين} [سبأ: 39]. # فيها مسألتان: المسألة الأولى: قوله: {يخلفه} [سبأ: 39] يعني يأتي بثان ~~بعد الأول، ومنه الخلفة في النبات. # وقال أعرابي لأبي بكر: يا خليفة رسول الله. فقال: لا. بل أنا الخالفة ~~بعده. [قال ثعلب: يريد بالقاعد بعده]، والخالفة الذي يستخلفه ms1399 الرئيس على ~~أهله وماله. # المسألة الثانية: في معنى الخلف هاهنا أربعة أوجه: الأول: يخلفه إذا رأى ~~ذلك صلاحا، كما يجيب الدعاء إذا شاء. # الثاني يخلفه بالثواب. # الثالث: معنى يخلفه، فهو أخلفه؛ لأن كل ما عند العبد من خلف الله ورزقه. # PageV04P013 # روى أشهب وابن نافع وابن القاسم عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي ~~هريرة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يقول الله: يا ابن آدم، أنفق ~~أنفق عليك». وهذه إشارة إلى أن الخلف في الدنيا بمثل المنفق بها إذا كانت ~~النفقة في طاعة الله، وهو كالدعاء كما تقدم سواء؛ إما أن تقضى حاجته، وكذلك ~~في النفقة يعوض مثله وأزيد، وإما أن يعوض، والتعويض هاهنا بالثواب، وإما أن ~~يدخر له، والادخار هاهنا مثله في الآخرة. # PageV04P014 ### | [سورة فاطر فيها آيتان] # [الآية الأولى قوله تعالى من كان يريد العزة فلله العزة جميعا] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {من كان يريد العزة فلله العزة جميعا # إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم ~~عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور} [فاطر: 10]. # فيها خمس مسائل: المسألة الأولى: في قوله: {يصعد} [فاطر: 10]؛ والصعود هو ~~الحركة إلى فوق، وهو العروج أيضا. ولا يتصور ذلك في الكلام؛ لأنه عرض، ولكن ~~ضرب صعوده مثلا لقبوله؛ لأن موضع الثواب فوق، وموضع العذاب أسفل. والصعود ~~رفعة والنزول هوان. ### | [مسألة في الكلم الطيب ثلاثة أقوال] # المسألة الثانية في الكلم الطيب ثلاثة أقوال: # الأول: أنه التوحيد الصادر عن عقيدة طيبة. # الثاني: ما يكون موافقا للسنة. # الثالث: ما لا يكون للعبد فيه حظ، وإنما هو حق لله سبحانه وتعالى. ### | [مسألة كلام المرء بذكر الله إن لم يقترن به عمل صالح] # المسألة الثالثة قوله: {والعمل الصالح} [فاطر: 10]: هو الموافق للسنة # PageV04P015 # المسألة الرابعة قوله: {يرفعه} [فاطر: 10]: قيل الفاعل في يرفعه مضمر ~~يعود على الله أي هو الذي يرفع العمل الصالح، كما أنه إليه يصعد الكلم ~~الطيب. # والعمل الصالح هو الذي يصعد الكلم الطيب، وقد قال السلف بالوجهين، وهما ~~صحيحان. # فالأول حقيقة؛ لأن ms1400 الله هو الرافع الخافض. والثاني مجاز؛ ولكنه جائز ~~سائغ. # وحقيقته أن كلام المرء بذكر الله إن لم يقترن به عمل صالح لم ينفع؛ لأن ~~من خالف قوله فعله فهو وبال عليه. # وتحقيق هذا أن العمل الصالح إذا وقع شرطا في القول أو مرتبطا به فإنه لا ~~قبول له إلا به، وإن لم يكن شرطا فيه ولا مرتبطا به فإن كلمه الطيب يكتب ~~له، وعمله الصالح يكتب عليه، وتقع الموازنة بينهما، ثم يحكم له بالفوز ~~والربح والخسران. ### | [مسألة يقطع الصلاة الكلب] # المسألة الخامسة ذكروا عند ابن عباس يقطع الصلاة الكلب، فقرأ هذه الآية: ~~{إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} [فاطر: 10] وهذا استدلال ~~بعموم على مذهب السلف في القول بالعموم. وقد دخل هذا في الصلاة بشروطها، ~~فلا يقطعها عليه شيء إلا بثبوت ما يوجب ذلك من مثل ما انعقدت به من قرآن أو ~~سنة. وقد تعلق من رأى ذلك بقوله: يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب ~~الأسود. # PageV04P016 # وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف وشرح الحديث، وذكرنا أن الآثار في ذلك بينة ~~متعارضة فتبقى الصلاة على صحتها. ### | [الآية الثانية قوله تعالى وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج] # ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر ~~لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون} [فاطر: 12]. # وقد قدمنا القول في طعام البحر وحليته في سورة المائدة والنحل بما يغني ~~عن إعادته هاهنا. # PageV04P017 ### | [سورة يس فيها أربع آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى يس] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {يس} # [يس: 1]: # فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى هكذا كتب على الصورة التي سطرناها الآن، ~~وهي في المصحف كذلك، وكذلك ثبت قوله: {ق} [ق: 1] وثبت قوله: {ن والقلم} ~~[القلم: 1]؛ ولم يثبت على التهجي، فيقال فيه ياسين، ولا قيل قاف والقرآن ~~المجيد، ولا نون والقلم، ولو ثبت بهذه الصورة لقلت فيها قول من يقول: إن ~~قاف جبل، وإن نون الحوت أو الدواة؛ فكانت في ذلك حكمة بديعة، وذلك أن ~~الخلفاء والصحابة الذين تولوا كتب القرآن ms1401 كتبوها مطلقة لتبقى تحت حجاب ~~الإخفاء، ولا يقطع عليها بمعنى من المعاني المحتملة؛ فإن القطع عليها إنما ~~يكون بدليل خبر؛ إذ ليس للنظر في ذلك أثر، والله أعلم. # المسألة الثانية اختلف الناس في معناه على أربعة أقوال: الأول أنه اسم من ~~أسماء الله تعالى؛ قاله مالك، روى عنه أشهب قال: سألت # PageV04P018 # مالكا هل ينبغي لأحد أن يسمي يس؟ قال: ما أراه ينبغي، لقول الله: {يس} ~~[يس: 1] {والقرآن الحكيم} [يس: 2] يقول: هذا اسمي يس. # الثاني: قال ابن عباس: يس يا إنسان بلسان الحبشة، وقولك يا طه: يا رجل. ~~وعنه رواية أنه اسم الله، كما قال مالك. # الثالث: أنه كني به عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قيل له يا يس أي يا ~~سيد. # الرابع أنه من فواتح السور. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: «قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: # سماني الله في القرآن سبعة أسماء: محمدا، وأحمد، وطه، ويس، والمزمل ~~والمدثر، وعبد الله». وهذا حديث لا يصح، وقد جمعنا أسماءه من القرآن والسنة ~~في كتاب النبي. ### | [مسألة العبد يجوز له أن يتسمى باسم الله إذا كان فيه معنى منه] # المسألة الثالثة رواية أشهب عن مالك: لا يسمى أحد يس؛ لأنه اسم الله كلام ~~بديع؛ وذلك أن العبد يجوز له أن يتسمى باسم الله إذا كان فيه معنى منه، ~~كقوله: عالم، وقادر، ومريد، ومتكلم؛ وإنما منع مالك من التسمية بهذا، لأنه ~~اسم من أسماء الله لا يدرى معناه، فربما كان معناه ينفرد به الرب، فلا يجوز ~~أن يقدم عليه العبد إذا كان لا يعرف هل هو اسم من أسماء الباري فيقدم على ~~خطر منه، فاقتضى النظر رفعه عنه، والله أعلم. # فإن قيل: فقد قال الله تعالى: {سلام على إل ياسين} [الصافات: 130]. # قلنا: ذلك مكتوب بهجاء فيجوز التسمية به، وهذا الذي ليس بمتهجى هو الذي ~~تكلم مالك عليه لما فيه من الإشكال. والله أعلم. # PageV04P019 ### | [الآية الثانية فوله تعالى إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم] # الآية الثانية قوله تعالى: ms1402 {إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم ~~وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} [يس: 12]. # فيه مسألة واحدة: في سبب نزولها: روي عن ابن عباس قال: كانت منازل ~~الأنصار بعيدة من المسجد، فأرادوا أن ينتقلوا إلى المسجد، فنزلت: {ونكتب ما ~~قدموا وآثارهم} [يس: 12] فقالوا: نثبت مكاننا. # وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري أن القوم كانوا بني سلمة، وأن الآية ~~نزلت فيهم. وفي الصحيح «أن بني سلمة أرادوا أن ينتقلوا قريبا من المسجد، ~~فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم -: يا بني سلمة؛ دياركم تكتب آثاركم؛ ~~يعني الزموا دياركم تكتب لكم آثاركم»، أي خطاكم إلى المسجد، فإنه كما قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته في ~~بيته وفي سوقه سبعا وعشرين ضعفا؛ وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم # خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعه الله بها درجة، ~~وحط بها عنه خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه ~~الذي صلى فيه: اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما ~~انتظر الصلاة». # PageV04P020 ### | [الآية الثالثة قوله تعالى وما علمناه الشعر وما ينبغي له] # إن هو إلا ذكر وقرآن مبين} [يس: 69]. # فيها خمس مسائل: المسألة الأولى كلام العرب على أوضاع: منها الخطب، ~~والسجع، والأراجيز، والأمثال، والأشعار «وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أفصح بني آدم»، ولكنه حجب عنه الشعر؛ لما كان الله قد ادخر من جعل فصاحة ~~القرآن معجزة له، ودلالة على صدقه، لما هو عليه من أسلوب البلاغة وعجيب ~~الفصاحة الخارجة عن أنواع كلام العرب اللسن البلغاء الفصح المتشدقين اللد، ~~كما سلب عنه الكتابة وأبقاه على حكم الأمية، تحقيقا لهذه الحالة، وتأكيدا؛ ~~وذلك قوله: {وما ينبغي له} [يس: 69]؛ لأجل معجزته التي بينا أن صفتها من ~~صفته، ثم هي زيادة عظمى على رتبته. ### | [مسألة إعجاز القرآن] # المسألة الثانية قد بينا فيما سبق من أوضاعنا في الأصول وجه إعجاز القرآن ~~وخروجه عن أنواع كلام العرب، ms1403 وخصوصا عن وزن الشعر؛ ولذلك قال أخو أبي ذر ~~لأبي ذر: لقد وضعت قوله على أقوال الشعراء فلم يكن عليها، ولا دخل في بحور ~~العروض الخمسة عشر، ولا في زيادات المتأخرين عليها؛ لأن تلك البحور تخرج من ~~خمس دوائر: إحداها دائرة المختلف ينفك منها ثلاثة أبحر: وهي الطويل، ~~والمديد، والبسيط؛ ثم تتشعب عليها زيادات كلها منفكة. # PageV04P021 # الدائرة الثانية دائرة المؤتلف ينفك منها بحر الوافر، والكامل، ثم يزيد ~~عليها زيادات لا تخرج عنها. # الدائرة الثالثة دائرة المتفق، وينفك منها في الأصل الهزج، والرجز، ~~والرمل، ثم يزيد عليها ما يرجع إليها. # الدائرة الرابعة دائرة المجتث يجري عليها ستة أبحر: وهي السريع، ~~والمنسرح، والخفيف، والمضارع، والمقتضب، والمجتث، ويزيد عليها ما يجري معها ~~في أفاعيلها. # الدائرة الخامسة دائرة المنفرد، وينفك منها عند الخليل والأخفش بحر واحد: ~~وهو المتقارب، وعند الزجاج بحر آخر سموه المجتث والمتدارك وركض الخيل. # ولقد اجتهد المجتهدون في أن يجروا القرآن أو شيئا منه على وزن من هذه ~~الأوزان فلم يقدروا، فظهر عند الولي والعدو أنه ليس بشعر؛ وذلك قوله: {وما ~~علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين} [يس: 69]. وقال: {وما ~~هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون} [الحاقة: 41]. ### | [مسألة اعترض جماعة من فصحاء الملحدة علينا في نظم القرآن والسنة بأشياء] # المسألة الثالثة قوله: {وما ينبغي له} [يس: 69] تحقيق في نفي ذلك عنه. # وقد اعترض جماعة من فصحاء الملحدة علينا في نظم القرآن والسنة بأشياء ~~أرادوا بها التلبيس على الضعفة، منها قوله {فلما توفيتني كنت أنت الرقيب ~~عليهم وأنت على كل شيء شهيد} [المائدة: 117] وقالوا: إن هذا من بحر ~~المتقارب، على ميزان قوله: # فأما تميم تميم بن مر ... فألفاهم القوم رءوسا نياما # وهذا إنما اعترض به الجاهلون بالصناعة؛ لأن الذي يلائم هذا البيت من ~~الآية # PageV04P022 # قوله: (فلما) إلى قوله (كل) وإذا وقفنا عليه لم يتم الكلام. وإذا أتممناه ~~بقوله: {شيء شهيد} [المائدة: 117] خرج عن وزن الشعر، وزاد فيه ما يصير به ~~عشرة أجزاء كلها على وزن فعولن، وليس ms1404 في بحور الشعر ما يخرج البيت منه من ~~عشرة أجزاء، وإنما أكثره ثمانية. # ومنها قوله: {ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين} [التوبة: 14] ~~ادعوا أنه من بحر الوافر، وقطعوه: مفاعيل مفاعيل فعولن مفاعيل مفاعيل ~~فعولن؛ وهو على وزن قول الأول: # لنا غنم نسوقها غزار ... كأن قرون جلتها العصي # وعلى وزن قول الآخر: # طوال قنا يطاعنها قصار ... وقطرك في ندى ووغى بحار # وهذا فاسد من أوجه: أحدها أنه إنما كانت تكون على هذا التقدير لو زدت ~~فيها ألفا بتمكين حركة النون من قوله مؤمنين فتقول مؤمنينا. # الثاني: أنها إنما تكون على الروي بإشباع حركة الميم في قوله: {ويخزهم} ~~[التوبة: 14] وإذا دخل عليه التغيير لم يكن قرآنا، وإذا قرئ على وجهه لم ~~يكن شعرا. # ومنها قوله: {يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره} [الشعراء: 35]؛ زعموا أنه ~~موافق بحر الرجز في الوزن، وهذا غير لازم؛ لأنه ليس بكلام تام، فإن ضممت ~~إليه ما يتم به الكلام خرج عن وزن الشعر. # ومنها قوله: {وجفان كالجواب وقدور راسيات} [سبأ: 13]؛ زعموا أنه من بحر ~~الرجز، كقول الشاعر امرئ القيس: # رهين معجب بالقينات # وهذا لا يلزم من وجهين: # PageV04P023 # أحدهما إنما يجري على هذا الروي إذا زدت ياء بعد الباء في قولك: ~~كالجوابي، فإذا حذفت الياء فليس بكلام تام، فيتعلق به أنه ليس على وزن شيء. # ومنها قوله: {قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون} [سبأ: ~~30]؛ فقالوا: هذه آية تامة، وهي على وزن بيت من الرمل؛ وهذه مغالطة؛ لأنه ~~إنما يكون كذلك بأن تحذف من قولك لا تستأخرون قوله: " لا تس " وتوصل قولك ~~يوم بقولك تأخرون، وتقف مع ذلك على النون من قولك تأخرون، فتقول تأخرونا ~~بالألف، ويكون حينئذ مصراعا # ثانيا، ويتم المصراعان بيتا من الرمل حينئذ، ولو قرئ كذلك لم يكن قرآنا، ~~ومتى قرئت الآية على ما جاءت لم تكن على وزن الشعر. # ومنها قوله: {ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا} [الإنسان: 14]. ~~وهذا موضوع على وزن الكامل من وجه، وعلى روي الرجز من وزن آخر؛ ms1405 وهذا فاسد؛ ~~لأن من قرأ عليهم بإسكان الميم يكون على وزن فعول، وليس في بحر الكامل ولا ~~في بحر الرجز فعولن بحال، ومن أشبع حركة الميم فلا يكون بيتا إلا بإسقاط ~~الواو من دانية، وإذا حذفت الواو بطل نظم القرآن. # ومنها قوله: {ووضعنا عنك وزرك - الذي أنقض ظهرك} [الشرح: 2 - 3] {ورفعنا ~~لك ذكرك} [الشرح: 4] زعموا أرغمهم الله أنها من بحر الرمل، وأنها ثلاثة ~~أبيات كل بيت منها على مصراع، وهو من مجزوه على فاعلات فاعلات، ويقوم فيها ~~فعلات مقامه، فيقال لهم: ما جاء في ديوان العرب بيت من الرمل على جزأين، ~~وإنما جاء على ستة أجزاء تامة كلها فاعلات أو فعلات، أو على أربعة أجزاء ~~كلها فاعلات أو فعلات؛ فأما على جزأين كلاهما فاعلات فاعلات فلم يرد قط ~~فيها؛ وكلامهم هذا يقتضي أن تكون كل واحدة من هذه الآيات على وزن بعض بيت، ~~وهذا مما لا ننكره وإنما ننكر أن تكون آية تامة، أو كلام تام من القرآن على ~~وزن بيت تام من الشعر. # PageV04P024 # فإن قيل: أليس يكون المجزوء والمربع من الرمل تارة مصرعا وتارة غير مصرع، ~~فما أنكرتم أن تكون هذه الآيات الثلاث من المجزوء والمربع المصرع من الرمل. # قلنا: إن البيت من القصيدة إنما يكون مصرعا إذا كان فيه أبيات أو بيت غير ~~مصرع، فأما إذا كانت أنصاف أبياته كلها على سجع واحد وكل نصف منها بيت ~~برأسه فقد بينا أنه ليس في الرمل ما يكون على جزأين، وكل واحد من هذه ~~الآيات جزآن، فلم يرد على شرط الرمل. # ومنها قوله تعالى: {أرأيت الذي يكذب بالدين} [الماعون: 1] {فذلك الذي يدع ~~اليتيم} [الماعون: 2] وهذا # باطل؛ لأن الآية لا تقع في أقوال الشعراء إلا بحذف اللام من قوله: {فذلك} ~~[الماعون: 2] وبتمكين حركة الميم من اليتيم، فيكون اليتيما. # ومنها قوله تعالى: {إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش ~~عظيم} [النمل: 23]. فقوله: {وأوتيت من كل شيء ولها} [النمل: 23] بيت تام، ~~فقد بينا فساد هذا، وأن بعض آية وجزءا من ms1406 كلام لا يكون شعرا. # فإن قيل: يقع بعد ذلك قوله: {ولها عرش عظيم} [النمل: 23] إتماما للكلام ~~على معنى النظمين، وقد جاء ذلك في أشعارهم قال النابغة: # وهم وردوا الجفار على تميم ... وهم أصحاب يوم عكاظ إني # شهدت لهم مواطن صالحات ... أنرتهم بنصح القول مني # قلنا: التضمين على عيبه إنما يكون في بيت على تأسيس بيت قبله، فأما أن ~~يكون التأسيس بيتا والتضمين أقل من بيت فليس ذلك بشعر عند أحد من العرب، ~~ولا ينكر أحد أن يكون بعض آية على مثال قول الشعر، كقوله تعالى: {إن ينتهوا ~~يغفر لهم ما قد سلف} [الأنفال: 38] فهذا على نصف بيت من الرجز. # وكذلك قوله تعالى: {وأعطى قليلا وأكدى} [النجم: 34] على نصف بيت من ~~المتقارب المستمر، وهذا كثير. # PageV04P025 # المسألة الرابعة وقد ادعوه في كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وقالوا: إن لم يكن في كتاب الله فهو في كلام الذي نفيت عنه معرفة الشعر، ~~فمن ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أنا النبي لا كذب. أنا ابن عبد ~~المطلب». # قلنا: قد قال الأخفش: إن هذا ليس بشعر، وروى ابن المظفر عن الخليل في ~~كتاب العين: إن ما جاء من السجع على جزأين لا يكون شعرا. وروى غيره عنه أنه ~~من منهوك الرجز. # فعلى القولين الأولين لا يكون شعرا، وعلى القول الثالث لا يكون منهوك رجز ~~إلا بالوقف على الباء من قولك: لا كذب، ومن قوله: " عبد المطلب " ولم يعلم ~~كيف قالها النبي - صلى الله عليه وسلم - والأظهر من حاله أنه قال: لا كذب ~~بتنوين الباء مرفوعة وبخفض الباء من عبد المطلب على الإضافة، وقد قال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فيما يؤثر عنه متمثلا بقول طرفة: # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك من لم تزود بالأخبار # وقال: # أتجعل نهبي ونهب العبي ... د بين الأقرع وعيينة # وقال: # كفى الإسلام والشيب للمرء ناهيا # فقال له أبو بكر في ذلك: بأبي أنت وأمي، وقبل رأسه قال الله: {وما علمناه ~~الشعر وما ينبغي له} [يس: 69]. # PageV04P026 # قالوا: ms1407 ومنها قوله: # هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت # وألزمونا أن هذا شعر موزون من بحر السريع. # قلنا: إنما يكون هذا شعرا موزونا إذا كسرت التاء من دميت ولقيت، فإن سكنت ~~لم يكن شعرا بحال؛ لأن هاتين الكلمتين على هذه الصفة تكون فعول، ولا مدخل ~~لفعول في بحر السريع. ولعل النبي - صلى الله عليه وسلم - قالها ساكنة التاء ~~أو متحركة التاء من غير إشباع. # قالوا: ومنها قوله: «الله مولانا ولا مولى لكم»؛ فادعوا أنه على وزن ~~مشطور الرجز. # قلنا: إنما يكون شعرا إذا تكلم به المتكلم موصولا، فإن وقف على قوله: ~~الله مولانا، أو وصل وحرك الميم من قوله لكم لم يكن شعرا. وقد نقله ووصله ~~بكلام. # ومنها قوله: «الولد للفراش وللعاهر الحجر». وهذا فاسد؛ لا يكون شعرا إلا ~~بعد تفسير ما قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - فتسكن اللام من قولك ~~الولد، وهذا لا يقوله أحد. # وقد أجاب عن ذلك علماؤنا بأن ما يجري على اللسان من موزون الكلام لا يعد ~~شعرا، وإنما يعد منه ما يجري على وزن الشعر ومع القصد إليه. فقد يقول قائل: ~~حدثنا شيخ لنا، وينادى يا صاحب الكساء، ولا يعد هذا شعرا. # وقد كان رجل ينادي في مرضه وهو من عرض العامة العقلاء: اذهبوا بي إلى ~~الطبيب، وقولوا قد اكتوى، وبهذا وسواه يتبين صحة الآية معنى، وبطلان ما ~~موهوا به قطعا. ### | [مسألة إنشاد الشعر] # المسألة الخامسة روى ابن القاسم عن مالك أنه سئل عن إنشاد الشعر قال: لا ~~تكثر منه، فمن عيبه أن الله يقول: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له} [يس: ~~69]. قال: ولقد بلغني أن عمر بن # PageV04P027 # الخطاب كتب إلى أبي موسى الأشعري أن اجمع الشعراء قبلك واسألهم عن الشعر، ~~وهل بقي معهم معرفة به، وأحضر لبيدا ذلك. قال: فجمعهم وسألهم فقالوا: إنا ~~لنعرفه ونقوله. وسأل لبيدا فقال: ما قلت شعرا منذ سمعت الله يقول: {الم} ~~[البقرة: 1] {ذلك الكتاب لا ريب فيه} [البقرة: 2]. # قال ابن العربي: هذه الآية ليست من ms1408 عيب الشعر، كما لم يكن قوله تعالى: ~~{وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك} [العنكبوت: 48] من عيب ~~الخط. فلما لم تكن الأمية من عيب الخط كذلك لا يكون نفي النظم عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - من عيب الشعر، وقد بينا حال الشعر في سورة الظلة، ~~والحمد لله. ### | [الآية الرابعة قوله تعالى وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم] # } [يس: 78] # فيها مسألتان: المسألة الأولى في سبب نزولها: يروى أن أبي بن خلف أو ~~العاصي بن وائل مر برمة بالية فأخذها، وقال: اليوم أغلب محمدا، وجاء إليه، ~~فقال: يا محمد، أنت الذي تزعم أن الله يعيد هذا كما بدأه، وفتته بيده، حتى ~~عاد رميما، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من ~~يحيي العظام وهي رميم} [يس: 78] {قل يحييها الذي أنشأها أول مرة} [يس: 79] ~~إلى آخر السورة. ### | [مسألة العظام فيها حياة وتنجس بالموت] # المسألة الثانية قوله تعالى: {قال من يحيي العظام وهي رميم} [يس: 78] ~~دليل على أن في العظام حياة، وأنه ينجس بالموت؛ لأن كل محل تحل الحياة به ~~فيخلفها الموت ينجس ويحرم بقوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} [المائدة: 3] # PageV04P028 # وساعدنا أبو حنيفة فيه، وقال الشافعي: لا حياة فيه ولا ينجس بالموت. وقد ~~اضطرب أرباب المذاهب فيه، والصحيح ما قدمناه. # فإن قيل: أراد بقوله: {من يحيي العظام} [يس: 78] يعني أصحاب العظام، ~~وإقامة المضاف مقام المضاف إليه كثير في اللغة موجود في الشريعة. # قلنا: إنما يكون ذلك إذا احتيج إليه لضرورة، وليس هاهنا ضرورة تدعو إلى ~~هذا الإضمار، ولا يفتقر إلى هذا التقدير، وإنما يحمل الكلام على الظاهر؛ إذ ~~الباري سبحانه قد أخبر به وهو قادر عليه، والحقيقة تشهد له؛ فإن الإحساس ~~الذي هو علامة الحياة موجود فيه، وقد بيناه في مسائل الخلاف. # PageV04P029 ### | [سورة الصافات فيها آيتان] # [الآية الأولى قوله تعالى فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في ~~المنام أني أذبحك] # سورة الصافات [مكية، فيها آيتان] ### | الآية الأولى قوله ms1409 تعالى: {فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك # فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين} ~~[الصافات: 102]. # فيها خمس مسائل: المسألة الأولى اختلف في الذبيح، هل هو إسحاق أو ~~إسماعيل؟ وقد اختلف الناس فيه اختلافا كثيرا قد بيناه في مسألة تبيين ~~الصحيح في تعيين الذبيح، وليست المسألة من الأحكام ولا من أصول الدين؛ ~~وإنما هي من محاسن الشريعة وتوابعها ومتمماتها لا أمهاتها. ### | [مسألة رؤيا الأنبياء] # المسألة الثانية قوله تعالى: {إني أرى في المنام أني أذبحك} [الصافات: ~~102] ورؤيا الأنبياء وحي، حسبما بيناه في كتب الأصول وشرح الحديث؛ لأن ~~الأنبياء ليس للشيطان عليهم في التخييل سبيل، ولا للاختلاط عليهم دليل؛ ~~وإنما قلوبهم صافية، وأفكارهم صقيلة، فما ألقي إليهم، ونفث به الملك في ~~روعهم، وضرب المثل له عليهم فهو حق؛ ولذلك قالت عائشة - رضي الله عنها -: ~~وما كنت أظن أنه ينزل في قرآن يتلى، ولكن رجوت أن يرى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - رؤيا يبرئني الله بها. . ### | [مسألة حقيقة الرؤيا] # المسألة الثالثة # PageV04P030 # قد بينا في كتب الأصول والحديث حقيقة الرؤيا، وقد قدمنا في هذا الكتاب ~~نبذة منها، وأن الباري تبارك وتعالى يضربها للناس، ولها أسماء وكنى، فمنها ~~رؤيا تخرج بصفتها، ومنها رؤيا تخرج بتأويلها وهو كنيتها. # وفي صحيح الحديث «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة: أريتك في ~~سرقة من حرير. فقال الملك: هذه زوجك، فاكشف عنها، فإذا هي أنت. فقلت: إن يك ~~هذا من عند الله يمضه». ولم يشك - صلى الله عليه وسلم - فيه لقوله: فقال لي ~~الملك، ولا يقول # الملك إلا حقا، ولكن الأمر احتمل عند النبي - صلى الله عليه وسلم - أن ~~تكون الرؤيا باسمها أو تكون بكنيتها، فإن كانت باسمها فتكون هي الزوجة، وإن ~~كانت الرؤيا مكناة فتكون في أختها أو قرابتها أو جارتها، أو من يسمى ~~باسمها، أو غير ذلك من وجوه التشبيهات فيها؛ وهذا أصل تقرر في الباب فليحفظ ~~وليحصل، فإنه أصله. . ### | [مسألة ms1410 النسخ قبل الفعل] # المسألة الرابعة قد جرى في هذه الآية غريبة قد بيناها حيث وقعت من ~~كلامنا، ذكرها جميع علمائنا مع أحزاب الطوائف، وهي مسألة النسخ قبل الفعل؛ ~~لأنه رفع الأمر بالذبح قبل أن يقع الذبح، ولو لم يتصور رفعه. # وقال المخالفون: إنه لم ينسخ، ولكنه نفذ الذبح، وكان كلما قطع جزءا ~~التأم، فاجتمع الذبح والإعادة لموضعها حسبما كانت. # وقالت طائفة: وجد حلقه نحاسا أو مغشى بنحاس، فكان كلما أراد قطعا وجد ~~منعا؛ وذلك كله جائز في القدرة الإلهية؛ ولكن يفتقر إلى نقل صحيح، فإنه لا ~~يدرك بالنظر؛ وإنما طريقه الخبر، وكان الذبح والتئام الأجزاء بعد ذلك أوقع ~~في مطلوبهم من وضع النحاس موضع الجلد واللحم، وكله أمر بعيد من العلم؛ وباب ~~التحقيق فيها ومسلكه ما بيناه واخترناه، فأوضحنا لبابه الذي لم نسبق إليه ~~إن شاء الله # PageV04P031 # تعالى: قال مخبرا عن إبراهيم: إنه قال لولده: {يا بني إني أرى في المنام ~~أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من ~~الصابرين} [الصافات: 102] {فلما أسلما وتله للجبين} [الصافات: 103] ~~{وناديناه أن يا إبراهيم} [الصافات: 104] {قد صدقت الرؤيا} [الصافات: 105] # وقد ثبت أن رؤيا الأنبياء وحي؛ لأن الرؤيا إما أن تكون من غلبة الأخلاط ~~كما تقول الفلاسفة وتلك أخلاط، وأيها فليس لها بالأنبياء أخلاط، وإما أن ~~تكون من حديث النفس ولم يحدث إبراهيم قط نفسه بذبح ولده، وإما أن تكون من ~~تلاعب الشيطان، فليس للشيطان على الأنبياء سبيل في تخييل ولا تلاعب، حسبما ~~بيناه وقررناه ومهدناه وبسطناه. # فقال إبراهيم لابنه: رأيت أني أذبحك في المنام، فأخذ الوالد والولد ~~الرؤيا بظاهرها واسمها، وقال له: {افعل ما تؤمر} [الصافات: 102]؛ إذ هو أمر ~~من قبل الله تعالى، لأنهما علما أن رؤيا الأنبياء وحي الله، واستسلما لقضاء ~~الله؛ هذا في قرة عينه، وهذا في نفسه أعطي ذبحا فداء # وقيل له: هذا فداؤك، فامتثل فيه ما رأيت فإنه حقيقة ما خاطبناك فيه، وهو ~~كناية لا اسم، وجعله مصدقا للرؤيا بمبادرته الامتثال، فإنه ms1411 لا بد من اعتقاد ~~الوجوب والتهيؤ للعمل. # فلما اعتقدا الوجوب، وتهيآ للعمل، هذا بصورة الذابح، وهذا بصورة المذبوح، ~~أعطي محلا للذبح فداء عن ذلك المرئي في المنام، يقع موضعه برسم الكناية ~~وإظهار الحق الموعود فيه. # فإن قيل: قد قال له الولد: {يا أبت افعل ما تؤمر} [الصافات: 102] فأين ~~الأمر؟ قلنا: هما كلمتان إحداهما من الوالد إبراهيم، والثانية من الولد ~~إسماعيل. فأما كلمة إبراهيم فهي قوله أذبحك، وهو خبر لا أمر، وأما كلمة ~~إسماعيل: {افعل ما تؤمر} [الصافات: 102] وهو أمر، وقول إبراهيم: {إني أرى ~~في المنام أني أذبحك} [الصافات: 102] وإن كانت [صيغته] # PageV04P032 # صيغة الخبر فإن معناها الأمر ضرورة؛ لأن لو كان عبارة عن خبر واقع لما ~~كان له تأويل ينتظر، وإنما هو بصيغة الخبر، ومعناه الأمر ضرورة. فقال ~~إسماعيل لأبيه إبراهيم: {افعل ما تؤمر} [الصافات: 102]؛ فعبر عن نفسه ~~بالانقياد إلى معنى خبر أبيه، وهو الأمر، ولذلك قال الله تعالى: {قد صدقت ~~الرؤيا} [الصافات: 105] حين تيسرا للعمل، وأقبلا على الفعل؛ فكان صدقها ~~ذبحها مكانها، وهو الفداء، وكان ذلك أمرا في المعنى ضرورة، فكان ما كان من ~~إبراهيم امتثالا، ومن إسماعيل انقيادا، ووضحت المعاني بحقيقتها، وجرت ~~الألفاظ على نصابها لصوابها، ولم يحتج إلى تأويل فاسد يقلب الجلد نحاسا أو ~~غيره. ### | [مسألة نذر الرجل ذبح ولده] # المسألة الخامسة لما قررنا حظ التفسير والأصول في هذه الآية تركبت عليها ~~مسألة من الأحكام، وهو إذا نذر الرجل ذبح ولده. فقال الشافعي: هي معصية ~~يستغفر الله منها. # وقال أبو حنيفة: هي كلمة يلزمه بها ذبح شاة. # وقال أبو عبد الله إمام دار الهجرة: يلزمه ذبح شاة في تفصيل بيناه في كتب ~~الفروع. # والذي ذكرناه هو الذي ننظره الآن. # ودليلنا أن الله تعالى جعل ذبح الولد عبارة عن ذبح الشاة شرعا، فألزم ~~الله إبراهيم ذبح الولد، وأخرجه عنه بذبح الشاة، وكذلك إذا نذر العبد ذبح ~~ولده يجب أن يلزمه ذبح شاة؛ لأن # الله تعالى قال: {ملة أبيكم إبراهيم} [الحج: 78]. والإيمان إلزام أصلي. ~~والنذر إلزام فرعي، فيجب أن يكون ms1412 عليه محمولا. # PageV04P033 # فإن قيل: كيف يؤمر إبراهيم بذبح الولد وهي معصية والأمر بالمعصية لا ~~يجوز؟ قلنا: هذا اعتراض على كتاب الله، فلا يكون ذلك ممن يعتقد الإسلام، ~~فكيف ممن يفتي في الحلال منه والحرام؟ وقد قال الله تعالى: {افعل ما تؤمر} ~~[الصافات: 102]. # والذي يجلو الالتباس عن قلوب الناس في ذلك أن المعاصي والطاعات ليست ~~بأوصاف ذاتية للأعيان؛ وإنما الطاعة عبارة عما تعلق به الأمر من الأفعال، ~~والمعصية عبارة عما تعلق به النهي من الأفعال، فلما تعلق الأمر بذبح الولد ~~إسماعيل من إبراهيم صار طاعة وابتلاء، ولهذا قال الله تعالى: {إن هذا لهو ~~البلاء المبين} [الصافات: 106]؛ أي الصبر على ذبح الولد والنفس. # ولما تعلق النهي بنا في ذبح أبنائنا صار معصية. # فإن قيل: كيف يصير نذرا وهو معصية؟ قلنا: إنما يصير معصية لو كان هو يقصد ~~ذبح ولده بنذره ولا ينوي الفداء. # فإن قيل: فإن وقع ذلك وقصد المعصية ولم ينو الفداء؟ قلنا: لو قصد ذلك لم ~~يضره في قصده، ولا أثر في نذره، لأن ذبح الولد صار عبارة عن ذبح الشاة ~~شرعا. # فإن قيل: فكيف يصح أن يكون عبارة عنه وكناية فيه، وإنما يصح أن يكون ~~الشيء كناية عن الشيء بأحد وجهين؛ إما باشتباههما في المعنى الخاص، وإما ~~بنسبة تكون بينهما، وها هنا لا نسبة بين الطاعة وهو النذر، ولا بين المعصية ~~وهي ذبح الولد، ولا تشابه أيضا بينهما، فإن ذبح الولد ليس بسبب لذبح الشاة. # قلنا: هو سبب له شرعا لأنه جعل كناية عنه في الشرع. والأسباب إنما تعرف ~~عادة أو شرعا، وقد استوفينا باقي الكلام على المسألة في كتب الأصول ومسائل ~~الخلاف. # PageV04P034 ### | [الآية الثانية قوله تعالى فساهم فكان من المدحضين] # } [الصافات: 141]. # فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى يونس - عليه السلام - رسول رب العالمين، وهو يونس بن متى ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تفضلوني على يونس بن متى». ونسبه ~~إلى أبيه، أخبرني غير واحد من أصحابنا عن إمام الحرمين أبي المعالي عبد ~~الملك بن عبد الله بن يوسف ms1413 الجويني أنه سئل: هل الباري تعالى في جهة؟ فقال: ~~لا، هو يتعالى عن ذلك. قيل له: ما الدليل عليه؟ قال: الدليل عليه قوله - ~~عليه السلام -: «لا تفضلوني على يونس بن متى». فقيل له: ما وجه الدليل من ~~هذا الخبر؟ قال: لا أقوله حتى يأخذ ضيفي هذا ألف دينار يقضي بها دينه. فقام ~~رجلان فقالا: هي علينا. فقال: لا يتبع بها اثنين، لأنه يشق عليه. فقال ~~واحد: هي علي. # فقال: إن يونس بن متى رمى بنفسه في البحر، فالتقمه الحوت، وصار في قعر ~~البحر في ظلمات ثلاث، ونادى: {لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} ~~[الأنبياء: 87] كما أخبر الله عنه، ولم يكن محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~بأقرب من الله من يونس حين جلس على الرفرف الأخضر، وارتقى به، وصعد حتى ~~انتهى به إلى موضع يسمع منه صرير الأقلام، وناجاه ربه بما ناجاه، وأوحى إلى ~~عبده ما أوحى بأقرب من الله من يونس بن متى في بطن الحوت وظلمة البحر. # قصدت قبره مرارا لا أحصيها بقرية جلجون في مسيري من المسجد الأقصى إلى # PageV04P035 # قبر الخليل، وبت به، وتقربت إلى الله تعالى بمحبته، ودرسنا كثيرا من ~~العلم عنده، والله ينفعنا به. # المسألة الثانية بعثه الله إلى أهل نينوى من قرى الموصل على دجلة ومن ~~داناهم، فكذبوه على عادة الأمم مع الرسل، فنزل جبريل على يونس، فقال له: إن ~~العذاب يأتي قومك يوم كذا وكذا. فلما كان يومئذ جاءه جبريل، فقال له: إنهم ~~قد حضرهم العذاب. # قال له يونس: ألتمس دابة. قال: الأمر أعجل من ذلك. قال: فألتمس حذاء. ~~قال: الأمر أعجل من ذلك. قال: فغضب يونس وخرج، وكانت العلامة بينه وبين ~~قومه في نزول العذاب عليهم خروجه عنهم. فلما فقدوه خرجوا بالصغير والكبير ~~والشاة والسخلة، والناقة والهبع # والفحل، وكل شيء عندهم، وعزلوا الوالدة عن ولدها والمرأة عن خليلها، ~~وتابوا إلى الله، وصاحوا حتى سمع لهم عجيج، فأتاهم العذاب حتى نظروا إليه، ~~ثم صرفه الله عنهم، فغضب يونس، وركب البحر في ms1414 سفينة، حتى إذا كانوا حيث شاء ~~الله ركدت السفينة، وقيل: هاج البحر بأمواجه، وقيل: عرض لهم حوت حبس ~~جريتها، فقالوا: إن فينا مشئوما أو مذنبا، فلنقترع عليه؛ فاقترعوا فطار ~~السهم على يونس، فقالوا: على مثل هذا يقع السهم، قد أخطأنا فأعيدوها، ~~فأعادوا القرعة فوقعت عليه، فقالوا مثله، وأعادوها، فوقعت القرعة عليه. ~~فلما رأى ذلك يونس رمى بنفسه في البحر، فالتقمه الحوت، فأوحى الله إليه: ~~إنا لم نجعل يونس لك رزقا، وإنما جعلنا بطنك له سجنا، فنادى {أن لا إله إلا ~~أنت سبحانك إني كنت من الظالمين} [الأنبياء: 87] فاستجاب الله له، وأمر ~~الحوت فرماه على الساحل قد ذهب شعره، فأنبت الله عليه شجرة من يقطين، فلما ~~ارتفعت الشمس تحات ورقها، فبكى؛ فأوحى الله إليه أتبكي على شجرة أنبتها في ~~يوم وأهلكتها في يوم، ولا تبكي على مائة ألف أو يزيدون آمنوا فمتعناهم إلى ~~حين. . # PageV04P036 ### | [مسألة وردت القرعة في الشرع في ثلاثة مواطن] # المسألة الثالثة قوله: {فساهم فكان من المدحضين} [الصافات: 141] نص على ~~القرعة. وكانت في شريعة من قبلنا جائزة في كل شيء على العموم على ما يقتضيه ~~موارد أخبارها في الإسرائيليات، وجاءت القرعة في شرعنا على الخصوص على ما ~~أشرنا إليه في سورة آل عمران؛ فإن القوم اقترعوا على مريم أيهم يكفلها، ~~وجرت سهامهم عليها والقول في جرية الماء بها، وليس ذلك في شرعنا، وإنما ~~تجري الكفالة على مراتب القرابة، وقد وردت القرعة في الشرع في ثلاثة مواطن: ~~الأول «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، ~~فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه». # الثاني: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رفع إليه أن رجلا أعتق في مرض ~~موته ستة أعبد لا مال له غيرهم، فأقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرق أربعة». # الثالث: «أن رجلين اختصما إليه في مواريث درست، فقال: اذهبا وتوخيا الحق ~~واستهما، وليحلل كل واحد منكما صاحبه» # فهذه ثلاثة مواطن، وهي القسم في النكاح، والعتق، والقسمة، وجريان القرعة ~~فيها لرفع الإشكال وحسم داء التشهي. # واختلف علماؤنا ms1415 في القرعة بين الزوجات عند الغزو على قولين؛ الصحيح منهما ~~الاقتراع، وبه قال أكثر فقهاء الأمصار؛ وذلك لأن السفر بجميعهن لا يمكن، ~~واختيار واحدة منهن إيثار، فلم يبق إلا القرعة. # وكذلك مسألة الأعبد الستة فإن كل اثنين منهم ثلث، وهو القدر الذي يجوز له ~~فيه العتق في مرض الموت، وتعيينهما بالتشهي لا يجوز شرعا، فلم يبق إلا ~~القرعة. # وكذلك التشاجر إذا وقع في أعيان المواريث لم يميز الحق إلا القرعة، فصارت ~~أصلا في تعيين المستحق إذا أشكل. # PageV04P037 # والحق عندي أن تجري في كل مشكل، فذلك أبين لها، وأقوى لفصل الحكم فيها، ~~وأجلى لرفع الإشكال عنها؛ ولذلك قلنا: إن القرعة بين الزوجات في الطلاق ~~كالقرعة بين الإماء في العتق؛ وتفصيل الاقتراع في باب القسمة مذكور في كتب ~~الفقه. ### | [مسألة الاقتراع على إلقاء الآدمي في البحر] # المسألة الرابعة الاقتراع على إلقاء الآدمي في البحر لا يجوز، فكيف ~~المسلم؟ وإنما كان ذلك في يونس وفي زمانه مقدمة لتحقيق برهانه وزيادة في ~~إيمانه فإنه لا يجوز لمن كان عاصيا أن يقتل ولا يرمى به في النار والبحر؛ ~~وإنما تجري عليه الحدود والتعزير على مقدار جنايته. # فإن قيل: إنما رمي في البحر، لأن السفينة وقفت وأشرفت على الهلاك، ~~فقالوا: هذا من حادث فينا فانظروا من بينكم فلم يتعين، فسلطوا عليه مسبار ~~الإشكال وهي القرعة، فلما خرجوا بالقرعة إليه مرة بعد أخرى علم أنه لا بد ~~من رميهم له، فرمى هو بنفسه، وأيقن أنه بلاء من ربه ورجا حسن العاقبة، ~~ولهذا ظن بعض الناس أن البحر إذا هال على القوم فاضطروا إلى تخفيف السفينة ~~أن القرعة تضرب عليهم، فيطرح بعضهم تخفيفا. # وهذا فاسد، فإنها لا تخف برمي بعض الرجال، وإنما ذلك في الأموال، وإنما ~~يصبرون على قضاء الله، وذلك كله مستوفى عند ذكر المسائل الفرعية. # PageV04P038 ### | [سورة ص فيها إحدى عشرة آية] # [الآية الأولى قوله تعالى إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق} # [ص: 18] {والطير محشورة ms1416 كل له أواب} [ص: 19]. # فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى قد ذكر الله سبحانه وتعالى في سورة سبأ: {يا جبال أوبي ~~معه والطير} [سبأ: 10]؛ فأذن الله للجبال، وخلق فيها، ويسر لها أن تسبح مع ~~داود - عليه السلام - إذا سبح وكذلك الطير؛ وكان تسبيح داود إثر صلاته عند ~~طلوع الشمس، وعند غروبها، وهي صلاة الأمم قبلنا فيما يروي أهل التفسير، ثم ~~قال: {والطير محشورة} [ص: 19] وهي: # المسألة الثانية {كل له أواب} [ص: 19] أي راجع إليه، ترجع معه، وتسبح ~~بتسبيحه، وتحن إلى صوته لحسنه، وتمثل مثل عبادته لربه. # فإن قيل: وهل للطير عبادة أو تكليف؟ قلنا: كل له عبادة، وكل له تسبيح كما ~~تقدم، والكل مكلف بتكليف التسخير، وليس بتكليف الثواب والعقاب؛ وإنما جعل ~~الله ذلك كله آية لداود - عليه السلام - وكرامة من تسخير الكل له تسخير ~~القهر والغلبة، وآمن الجن بمحمد - صلى الله عليه وسلم - إيمان # PageV04P039 # الاختيار والطاعة، فقالوا: {إنا سمعنا قرآنا عجبا} [الجن: 1] {يهدي إلى ~~الرشد فآمنا به} [الجن: 2] {يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به} ~~[الأحقاف: 31]. . ### | [مسألة صلاة الضحى] # المسألة الثالثة قال ابن عباس: ما كنت أعلم صلاة الضحى في القرآن حتى ~~سمعت الله يقول {يسبحن بالعشي والإشراق} [ص: 18] وعلى هذا جاء قوله أيضا في ~~أحد التأويلات، {يسبح له فيها بالغدو والآصال} [النور: 36] {رجال} [النور: ~~37] # والأصح هاهنا أنها صلاة الضحى والعصر، فأما صلاة الضحى فهي في هذه الآية ~~نافلة مستحبة، وهي في الغداة بإزاء العصر في العشي، لا ينبغي أن تصلى حتى ~~تبيض الشمس طالعة، ويرتفع كدرها، وتشرق بنورها، كما لا تصلى العصر إذا ~~اصفرت الشمس. # ومن الناس من يبادر بها قبل ذلك استعجالا لأجل شغله، فيخسر عمله؛ لأنه ~~يصليها في الوقت المنهي عنه، ويأتي بعمل هو عليه لا له. ### | [مسألة ليس لصلاة الضحى تقدير معين] # المسألة الرابعة ليس لصلاة الضحى تقدير معين إلا أنها صلاة تطوع، وأقل ~~التطوع عندنا ركعتان، وعند الشافعي ركعة. وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف. # وفي صلاة الضحى أحاديث أصولها ثلاثة: الأول: حديث أبي ذر ms1417 وغيره، «عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: يصبح على كل سلامى من ابن آدم صدقة: ~~تسليمه على من لقيه صدقة، وأمره بالمعروف صدقة، ونهيه عن المنكر صدقة، ~~وإماطته الأذى عن الطريق صدقة، ونفقته على أهله صدقة، ويكفي عن ذلك كله ~~ركعتان من الضحى». # الثاني: حديث سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه " أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «من # PageV04P040 # قعد في مصلاه حين ينصرف من صلاة الصبح حتى يسبح صلاة الضحى لا يقول إلا ~~خيرا غفرت خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر». # الثالث: حديث أم هانئ «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الفتح ضحى ~~ثماني ركعات»، وقالت عائشة: «ما سبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبحة ~~الضحى قط، وإني لأستحبها». # وعنها أيضا أنها قالت: «لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ~~الضحى إلا أن يجيء من مغيبه». وتمام ذلك في شرح الحديث. ### | [الآية الثانية قوله تعالى وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة] # وفصل الخطاب} [ص: 20]. # فيها خمس مسائل: المسألة الأولى قوله {وشددنا ملكه} [ص: 20]: قد بينا في ~~كتاب الأمد وغيره أن الشد عبارة عن كثرة القدر؛ وفي تعيين ذلك قولان: ~~أحدهما الهيبة. والثاني: بكثرة الجنود. وعندي أن معناه شددناه بالعون ~~والنصرة، ولا ينفع الجيش الكثير التفافه على غير منصور وغير معان. ### | [مسألة حقيقة الملك] # المسألة الثانية قوله: {ملكه} [ص: 20]: قد بينا في كتاب الأمد وغيره ~~الملك والمعنى فيه، وفي تفسير قول الله تعالى: {قل اللهم مالك الملك تؤتي ~~الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء} [آل عمران: 26]. # PageV04P041 # وحقيقة الملك كثرة الملك، فقد يكون الرجل ملكا ولكن لا يكون ملكا ذا ملك ~~حتى يكثر ذلك، فلو ملك الرجل دارا وقوتا لم يكن ملكا حتى يكون له خادم ~~يكفيه مؤنة التصرف في المنافع التي يفتقر إليها لضرورة الآدمية حسبما ورد ~~في الحديث. ### | [مسألة حال النبي يجوز أن يسمى ملكا] # المسألة الثالثة في هذا دليل على أن حال النبي يجوز أن يسمى ملكا، وقد ~~روي «أن النبي ms1418 - صلى الله عليه وسلم - أمر العباس أن يحبس أبا سفيان عند ~~خطم الجبل، حتى يمر به المسلمون؛ فحبسه العباس فجعلت القبائل تمر مع النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - كتيبة كتيبة على أبي سفيان، فمرت كتيبة، فقال: يا ~~عباس؛ من هذه؟ قال له: غفار. قال: ما لي ولغفار، ثم مرت جهينة فقال مثل ~~ذلك، ثم مرت سعد بن هذيم، فقال مثل ذلك، ثم مرت سليم فقال مثل ذلك، حتى ~~أقبلت كتيبة لم ير مثلها، فقال: من هذه؟ قال: هؤلاء الأنصار، عليهم سعد بن ~~عبادة، وذكر الحديث، فقال أبو سفيان للعباس: لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم ~~عظيما. فقال: إنه ليس بملك، ولكنها النبوة». # ولم يرد العباس نفي الملك، وإنما أراد أن يرد على أبي سفيان في نسبة حال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - # إلى مجرد الملك، وترك الأصل الأكبر وهو النبوة التي تتركب على الملك ~~والعبودية. # على أنه روي في الحديث أن «جبريل نزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال له: إن الله خيرك بين أن تكون نبيا ملكا أو نبيا عبدا، فنظر إلى جبريل ~~كالمستشير له، فأشار إليه جبريل: أن تواضع، فقال: بل نبيا عبدا أجوع يوما ~~وأشبع يوما». # المسألة الرابعة قوله تعالى: {وآتيناه الحكمة} [ص: 20]. قد بيناها في غير ~~موضع. ### | [مسألة معني قوله تعالى وفصل الخطاب] # المسألة الخامسة قوله تعالى: {وفصل الخطاب} [ص: 20] قيل: هو علم القضاء، ~~وقيل: هو الإيجاز بجعل المعنى الكثير في اللفظ القليل. # PageV04P042 # وقيل: هو قوله: أما بعد. وكان أول من تكلم بها، فأما علم القضاء فلعمر ~~إلهك إنه لنوع من العلم مجرد، وفضل منه مؤكد غير معرفة الأحكام والبصر ~~بالحلال والحرام، ففي الحديث: «أقضاكم علي، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ ~~بن جبل». # وقد يكون الرجل بصيرا بأحكام الأفعال عارفا بالحلال والحرام، ولا يقوم ~~بفصل القضاء فيها، وقد يكون الرجل يأتي القضاء من وجهه باختصار من لفظه ~~وإيجاز في طريقه بحذف التطويل، ورفع التشتيت، وإصابة المقصود. # ولذلك يروى «أن علي بن أبي طالب قال: لما بعثني ms1419 النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - إلى اليمن حفر قوم زبية للأسد، فوقع فيها الأسد، وازدحم الناس على ~~الزبية، فوقع فيها رجل، وتعلق بآخر، وتعلق الآخر بآخر، حتى صاروا أربعة، ~~فحرجهم الأسد فيها، فهلكوا، وحمل القوم السلاح، وكاد يكون بينهم قتال، ~~فأتيتهم فقلت لهم: أتقتلون مائتي رجل من أجل أربعة أناسي، تعالوا أقض بينكم ~~بقضاء، فإن رضيتم فهو قضاء بينكم، وإن أبيتموه رفعت ذلك إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -؛ فهو أحق بالقضاء؛ فجعل للأول ربع الدية، وللثاني ثلث ~~الدية، وللثالث نصف الدية، وجعل للرابع الدية، وجعل الديات على من حفر ~~الزبية على قبائل الأربع. فسخط بعضهم، ورضي بعضهم، ثم قدموا على رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - # فقصوا عليه القصة، فقال: أنا أقضي بينكم. فقال قائل: إن عليا قد قضى ~~بيننا، وأخبروه بما قضى به علي. فقال - عليه السلام -: القضاء كما قضاه ~~علي». # وفي رواية: «فأمضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضاء علي». # وكذلك يروى في المعرفة بالقضاء أن أبا حنيفة جاء إليه رجل، فقال: إن ابن ~~أبي ليلى وكان قاضيا بالكوفة جلد امرأة مجنونة قالت لرجل: يا بن الزانيين. ~~فحدها حدين في المسجد، وهي قائمة. فقال: أخطأ من ستة أوجه. # PageV04P043 # وهذا الذي قاله أبو حنيفة بالبديهة لا يدركه أحد بالروية إلا العلماء. # فأما قصة علي فلا يدركها الشادي ولا يلحقها بعد التمرن في الأحكام إلا ~~العاكف المتمادي. # وتحقيقها أن هؤلاء الأربعة مقتولون خطأ بالتدافع على الحفرة من الحاضرين ~~عليها فلهم الديات على من حفر على وجه الخطأ، بيد أن الأول مقتول بالمدافعة ~~قاتل ثلاثة بالمجاذبة، فله الدية بما قتل، وعليه ثلاثة أرباع الدية للثلاثة ~~الذين قتلهم. # وأما الثاني فله ثلث الدية، وعليه الثلثان للاثنين اللذين قتلهما ~~بالمجاذبة. # وأما الثالث فله نصف الدية، وعليه النصف؛ لأنه قتل واحدا بالمجاذبة، ~~فوقعت المحاصة، وغرمت العواقل هذا التقدير بعد القصاص الجاري فيه. وهذا من ~~بديع الاستنباط. # وأما أبو حنيفة فإنه نظر إلى المعاني المتعلقة فرآها ستة: الأول: أن ~~المجنون لا حد ms1420 عليه؛ لأن الجنون يسقط التكليف، هذا إذا كان القذف في حالة ~~الجنون، فأما إذا كان يجن مرة ويفيق أخرى فإنه يحد بالقذف في حال إفاقته. # الثاني: قولها يا بن الزانيين؛ فجلدها حدين لكل أب حد، فإنما خطأه أبو ~~حنيفة فيه بناء على مذهبه في أن حد القذف يتداخل، لأنه عنده حق لله تعالى ~~كحد الخمر والزنى. # وأما الشافعي ومالك فإنهما يريان الحد بالقذف حقا للآدمي، فيتعدد بتعدد ~~المقذوف. # وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف. # الثالث: أنه حد بغير مطالبة المقذوف، ولا يجوز إقامة حد القذف بإجماع من ~~الأمة إلا بعد المطالبة بإقامته ممن يقول إنه حق لله، ومن يقول إنه حق ~~للآدمي. وبهذا المعنى # PageV04P044 # وقع الاحتجاج لمن يرى أنه حق للآدمي؛ إذ يقول: لو كان حقا لله لما توقف ~~على المطالبة كحد الزنا. # الرابع أنه والى بين الحدين، ومن وجب عليه حدان لم يوال بينهما، بل يحد ~~لأحدهما، ثم يترك حتى يندمل الضرب أو يستبل المضروب، ثم يقام عليه الحد ~~الآخر. # الخامس أنه حدها قائمة، ولا تحد المرأة إلا جالسة مستورة. قال بعض الناس: ~~في زنبيل، حسبما بيناه في كتب المسائل. # السادس أنه أقام الحد في المسجد، ولا يقام الحد فيه إجماعا. وفي القصاص ~~في المسجد والتعزير فيه خلاف قدمنا بيانه فيما سلف من هذا الكتاب وفي كتب ~~المسائل والخلاف؛ فهذا هو فصل الخطاب وعلم القضاء الذي وقعت الإشارة إليه ~~على أحد التأويلات في الحديث المروي: «أقضاكم علي»، حسبما أشرنا إليه آنفا. # وأما من قال: إنه الإيجاز فذلك للعرب دون العجم، ولمحمد - صلى الله عليه ~~وسلم - دون العرب، وقد بين هذا بقوله: «أوتيت جوامع الكلم»، وكان أفصح ~~الناس بعده أبو بكر الصديق، حسبما بيناه في آيات الكتاب في سورة براءة وفي ~~سورة النور. # وأما من قال: إنه قوله: " أما بعد «فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول في خطبته: أما بعد». ويروى أن أول من قالها في الجاهلية سحبان وائل، ~~وهو أول من آمن بالبعث، وأول من اتكأ على عصا، ms1421 وعمر مائة وثمانين سنة. # ولو صح أن داود قالها فإنه لم يكن ذلك منه بالعربية على هذا النظم، وإنما ~~كان بلسانه. # والله أعلم. # وقد روى ابن وهب عن مالك أن الحكمة المعرفة بالدين، والفقه فيه، والاتباع ~~له. # PageV04P045 # وروي عن ابن زيد أن فصل الخطاب هو الفهم وإصابة القضاء. # قال ابن العربي: وهذا صحيح؛ فإن الله تعالى يقول في وصف كتابه العزيز: ~~{إنه لقول فصل} [الطارق: 13] {وما هو بالهزل} [الطارق: 14] لما فيه من ~~إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، ونفوذ القضاء. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب] # } [ص: 21] {إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا ~~على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط} [ص: 22]. # الآية فيها ست مسائل: # المسألة الأولى الخصم كلمة تقع على الواحد والاثنين والجمع وقوع المصادر ~~على ذلك، لأنه مصدر. وقد روي أنهما كانا اثنين، فينتظم الكلام بهما، ويصح ~~المراد فيهما. ### | [مسألة معني قوله تعالى تسوروا المحراب] # المسألة الثانية قوله تعالى: {تسوروا المحراب} [ص: 21] يعني جاءوا من ~~أعلاه. والسورة المنزلة العالية كانت بقعة محسوسة أو منزلة معقولة؛ قال ~~الشاعر: # ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب # فهذا هو المنزلة. وسور المدينة الموضع العالي منها، وذلك كله بغير همز. ~~والسؤر مهموز: بقية الطعام والشراب في الإناء. والسؤر: الوليمة بالفارسية # PageV04P046 # وفي الحديث «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يوم الأحزاب: يأهل ~~الخندق؛ إن جابرا قد صنع لكم سؤرا فحي هلا بكم». # المسألة الثالثة في المحراب، قد بيناه في سورة سبأ. ### | [مسألة الخصمان اللذان دخلا على داود] # المسألة الرابعة قوله: {إذ دخلوا على داود} [ص: 22]: قيل: إنهما كانا ~~إنسيين؛ قاله النقاش. وقيل: ملكين؛ قاله جماعة. # وعينهما جماعة، فقالوا: إنهما كانا جبريل وميكائيل، وربك أعلم في ذلك ~~بالتفصيل، بيد أني أقول لكم قولا تستدلون به على الغرض؛ وذلك أن محراب داود ~~كان من الامتناع بالارتفاع بحيث لا يرقى إليه آدمي بحيلة إلا أن يقيم إليه ms1422 ~~أياما أو أشهرا بحسب طاقته، مع أعوان يكثر عددهم، وآلات جمة مختلفة ~~الأنواع. # ولو قلنا إنه يوصل إليه من باب المحراب لما قال الله تعالى مخبرا عن ذلك: ~~{تسوروا المحراب} [ص: 21]؛ إذ لا يقال تسور المحراب والغرفة لمن طلع إليها ~~من درجها، وجاءها من أسفلها، إلا أن يكون ذلك مجازا. وإذا شاهدت الكوة التي ~~يقال إنه دخل منها الخصمان علمت قطعا أنهما ملكان؛ لأنها من العلو بحيث لا ~~ينالها إلا علوي، ولا نبالي من كانا فإنه لا يزيدك بيانا، وإنما الحكم ~~المطلوب وراء ذلك. ### | [مسألة لم فزع داود وهو نبي] # المسألة الخامسة قوله: {ففزع منهم} [ص: 22]: فإن قيل: لم فزع وهو نبي وقد ~~قويت نفسه بالنبوة، واطمأنت بالوحي، ووثقت بما آتاه الله من المنزلة، وأظهر ~~على يديه من الآيات؟ قلنا: لأنه لم يضمن له العصمة، ولا أمن من القتل ~~والإذاية، ومنهما. كان يخاف، # PageV04P047 # وقد قال الله لموسى - عليه السلام -: لا تخف. وقبله قيل ذلك للوط؛ فهم ~~فزعون من خوف ما لم يكن قيل لهم [فيه]: إنكم منه معصومون. ### | [مسألة معنى قوله تعالى خصمان بغى بعضنا على بعض] # المسألة السادسة قوله: {خصمان بغى بعضنا على بعض} [ص: 22]: أي نحن خصمان. ~~وإن قيل: كيف لم يأمر بإخراجهم إذ علم مطلبهم، وقد دخلوا عليه بغير إذن، ~~وهلا أدبهم على تعديهم؟ فالجواب عنه من أربعة أوجه: الأول: أنا لا نعلم ~~كيفية شرعه في الحجاب والإذن، فيكون الجواب على حسب تلك الأحكام. وقد كان ~~ذلك في ابتداء شرعنا مهملا عن هذه الأحكام، حتى أوضحها الله تعالى بالبيان. # الثاني: إنا لو نزلنا الجواب على أحكام الحجاب لاحتمل أن يكون الفزع ~~الطارئ عليه أذهله عما كان يجب في ذلك له. # الثالث أنه أراد أن يستوفي كلامهما الذي دخلا له حتى يعلم آخر الأمر منه، ~~ويرى هل يحتمل التقحم فيه بغير إذن أم لا؟ وهل يقترن بذلك عذر لهما، أم لا ~~يكون لهما عذر عنه. # وكان من آخر الحال ما انكشف من أنه بلاء ومحنة ومثل ضربه الله ms1423 في القصة، ~~وأدب وقع على دعوى العصمة. # الرابع أنه يحتمل أن يكون في المسجد، ولا إذن في المسجد لأحد، ولا حجر ~~فيه على أحد. ### | [الآية الرابعة قوله تعالى إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة] # فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب} [ص: 23]. # PageV04P048 # فيها وفي الآية التي تليها أربع عشرة مسألة: المسألة الأولى كنى بالنعجة ~~عن المرأة، لما هي عليه من السكون والمعجزة وضعف الجانب. وقد يكنى عنها ~~بالبقرة والحجر والناقة؛ لأن الكل مركوب. # أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الجبار الهذلي عن أبي الحسن علي بن أبي طالب ~~قال: إنه يكنى عن المرأة بألف مثل في المقام يعبر به الملك عن المعنى الذي ~~يريده، وقد قيدناها كلها عنه في سفر واحد. # المسألة الثانية {تسع وتسعون نعجة} [ص: 23] إن كان جميعهن أحرارا فذلك ~~شرعه، وإن كن إماء فذلك شرعنا. # والظاهر أن شرع من قبلنا لم يكن محصورا بعدد، وإنما الحصر في شريعة محمد ~~- صلى الله عليه وسلم - لضعف الأبدان وقلة الأعمار. # وهم وتنبيه وهي: المسألة الثالثة قال بعض المفسرين: لم يكن لداود مائة ~~امرأة، وإنما ذكر التسعة والتسعين # مثلا. المعنى هذا غني عن الزوجة وأنا مفتقر إليها، وهذا فاسد من وجهين: ~~أحدهما أن العدول عن الظاهر بغير دليل لا معنى له، ولا دليل يدل على أن شرع ~~من قبلنا كان مقصورا من النساء على ما في شرعنا. # الثاني: أنه روى البخاري وغيره أن سليمان قال: لأطوفن الليلة على مائة ~~امرأة تلد كل امرأة غلاما يقاتل في سبيل الله. ونسي أن يقول إن شاء الله ~~وهذا نص قدمنا تحقيقه قبل. # PageV04P049 # المسألة الرابعة قوله تعالى: {أكفلنيها} [ص: 23]: فيه ثلاثة أقوال: ~~الأول: من كفلها أي ضمها أي اجعلها تحت كفالتي. الثاني: أعطنيها. ويرجع إلى ~~الأول؛ لأنه أعم منه معنى. الثالث: تحول لي عنها؛ قاله ابن عباس. ويرجع إلى ~~العطاء والكفالة إلا أنه أعم من الكفالة وأخص من العطاء. # المسألة الخامسة قوله تعالى: {وعزني في الخطاب} [ص: 23]. يعني غلبني، من ~~قولهم: من عز ms1424 بز. # واختلف في سبب الغلبة؛ فقيل معناه: غلبني ببيانه. وقيل: غلبني بسلطانه؛ ~~لأنه لما سأله لم يستطع خلافه. # كان ببلدنا أمير يقال له سير بن أبي بكر، فكلمته في أن يسأل لي رجلا ~~حاجة، فقال لي: أما علمت أن طلب السلطان الحاجة غصب لها. فقلت: أما إذا كان ~~عدلا فلا. # فعجبت من عجمته وحفظه لما تمثل به، وفطنته، كما عجب من جوابي له ~~واستغربه. ### | [المسألة السادسة في الآية الخامسة قوله تعالى لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه] # } [ص: 24]. # الظلم: وضع الشيء في غير موضعه، وقد يكون محرما وقد يكون مكروها شرعا، ~~وقد يكون مكروها عادة، فإن كان غلبه عادة على أهله فهو ظلم محرم، وإن كان ~~سأله إياها فهو ظلم مكروه شرعا وعادة، ولكن لا إثم عليه فيه # PageV04P050 # المسألة السابعة في تقييد ما ذكره المفسرون في هذه القصة، وهو مروي عنهم ~~بألفاظ # مختلفة، وأحوال متفاوتة؛ أمثلها أن داود حدثته نفسه إذ ابتلي أن يعتصم، ~~فقيل له. إنك ستبتلى وتعلم الذي تبتلى فيه، فخذ حذرك؛ فأخذ الزبور ودخل ~~المحراب، ومنع من الدخول عليه؛ فبينما هو يقرأ الزبور إذ جاء طائر كأحسن ما ~~يكون، وجعل يدرج بين يديه، فهم أن يتناوله بيده، فاستدرج حتى وقع في كوة ~~المحراب، فدنا منه ليأخذه، فطار فاطلع ليبصره فأشرف على امرأة تغتسل، فلما ~~رأته غطت جسدها بشعرها، فوقعت في قلبه، وكان زوجها غازيا في سبيل الله، ~~فكتب داود إلى أمير الغزاة أن يجعل زوجها في حملة التابوت، إما أن يفتح ~~الله عليهم، وإما أن يقتلوا. فقدمه فيهم، فقتل. فلما انقضت عدتها خطبها ~~داود، فاشترطت عليه إن ولدت غلاما أن يكون الخليفة من بعده، وكتبت عليه ~~بذلك كتابا، وأشهدت عليه خمسين رجلا من بني إسرائيل، فلم تستقر نفسه حتى ~~ولدت سليمان، وشب وتسور الملكان وكان من قصتها ما قص الله تعالى في كتابه. ~~{قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض} [ص: 22]. ### | [مسألة الأنبياء معصومون عن الكبائر إجماعا وفي الصغائر اختلاف] # المسألة الثامنة: في التنقيح: قد قدمنا ms1425 لكم فيما سلف، وأوضحنا في غير ~~موضع أن الأنبياء معصومون عن الكبائر إجماعا، وفي الصغائر اختلاف؛ وأنا ~~أقول: إنهم معصومون عن الصغائر والكبائر، لوجوه بيناها في كتاب النبوات من ~~أصول الدين، وقد قال جماعة: لا صغيرة في الذنوب وهو صحيح، كما قالت طائفة: ~~إن من الذنوب كبائر وصغائر، وهو صحيح. # وتحقيقه أن الكفر معصية ليس فوقها معصية، كما أن النظرة معصية ليس دونها ~~معصية، وبينهما ذنوب إن قرنتها بالكفر والقتل والزنا وعقوق الوالدين والقذف # PageV04P051 # والغصب كانت صغائر، وإن أضفتها إلى ما يليها في القسم الثاني الذي بعده ~~من جهة النظر كانت كبائر والذي أوقع الناس في ذلك رواية المفسرين وأهل ~~التقصير من المسلمين في قصص الأنبياء مصائب لا قدر عند الله لمن اعتقدها ~~روايات ومذاهب، ولقد كان من حسن الأدب مع الأنبياء - صلوات الله عليهم - ~~ألا تبث عثراتهم لو عثروا، ولا تبث فلتاتهم لو استفلتوا؛ فإن إسبال الستر ~~على # الجار والولد والأخ والفضيلة أكرم فضيلة، فكيف سترت على جارك حتى لم تقص ~~نبأه في أخبارك؛ وعكفت على أنبيائك وأحبارك تقول عنهم ما لم يفعلوا، وتنسب ~~إليهم ما لم يتلبسوا به، ولا تلوثوا به، نعوذ بالله من هذا التعدي والجهل ~~بحقيقة الدين في الأنبياء والمسلمين والعلماء والصالحين. فإن قيل: فقد ذكر ~~الله أخبارهم. # قلنا: عن ذلك جوابان: أحدهما للمولى أن يذكر ما شاء من أخبار عبيده، ~~ويستر ويفضح، ويعفو ويأخذ، وليس ينبغي للعبد أن ينبز في مولاه بما يوجب ~~عليه اللوم، فكيف بما عليه فيه الأدب والحد، وإن الله تعالى قد قال في ~~كتابه لعباده في بر الوالدين: {فلا تقل لهما أف} [الإسراء: 23] فكيف بما ~~زاد عليه؟ فما ظنك بالأنبياء، وحقهم أعظم، وحرمتهم آكد، وأنتم تغمسون ~~ألسنتكم في أعراضهم، ولو قررتم في أنفسكم حرمتهم لما ذكرتم قصتهم. # الثاني: أن الحكمة في أن الله ذكر قصص الأنبياء فيما أتوا من ذلك علمه ~~بأن العباد سيخوضون فيها بقدر، ويتكلمون فيها بحكمة، ولا يسأل عن معنى ذلك ~~ولا عن غيره، فقد ذكر الله أمرهم ms1426 كما وقع، ووصف حالهم بالصدق كما جرى، كما ~~قال تعالى: {نحن نقص عليك أحسن القصص} [يوسف: 3] يعني أصدقه. وقال: {وكلا ~~نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك} [هود: 120]. وقد وصيناكم إذا ~~كنتم لا بد آخذين في شأنهم ذاكرين قصصهم ألا تعدوا ما أخبر الله # PageV04P052 # عنهم، وتقولوا ذلك بصفة التعظيم لهم والتنزيه عن غير ما نسب الله إليهم، ~~ولا يقولن أحدكم: قد عصى الأنبياء فكيف نحن، فإن ذكر ذلك كفر. . ### | [مسألة في ذكر قصة داود] # المسألة التاسعة في ذكر قصة داود - عليه السلام - على الخصوص بالجائز ~~منها دون الممتنع: أما قولهم: إن داود حدث نفسه أن يعتصم إذا ابتلي ففيه ~~ثلاثة أوجه: الأول: أن حديث النفس لا حرج فيه في شرعنا آخرا، وقد كنا قبل ~~ذلك قيل لنا إنا نؤاخذ به، ثم رفع الله ذلك عنا بفضله، فاحتمل أن يكون ذلك ~~مؤاخذا به في شرع من # قبلنا، وهو أمر لا يمكن الاحتراز منه، فليس في وقوعه ممن يقع منه نقص؛ ~~وإنما الذي يمكن دفعه هو الإصرار بالتمادي على حديث النفس وعقد العزم عليه. # الثاني أنه يحتمل أن يكون داود - عليه السلام - نظر من حاله وفي عبادته ~~وخشوعه وإنابته وإخباته، فظن أن ذلك يعطيه عادة التجافي عن أسباب الذنوب، ~~فضلا عن التوغل فيها، فوثق بالعبادة، فأراد الله تعالى أن يريه أن ذلك حكمه ~~في العبادة واطرادها. # الثالث: أن هذا النقل لم يثبت؛ فلا يعول عليه. وأما قولهم: إن الطائر درج ~~عنده فهم بأخذه، فدرج فاتبعه، فهذا لا يناقض العبادة؛ لأن هذا مباح فعله لا ~~سيما وهو حلال، وطلب الحلال فريضة، وإنما اتبع الطائر لذاته لا لجماله فإنه ~~لا منفعة له فيه؛ وإنما ذكرهم لحسن الطائر حذق في الجهالة، أما إنه قد روي ~~أنه كان طائرا من ذهب فاتبعه ليأخذه لأنه من فضل الله سبحانه، كما روي في " ~~الصحيح " أن أيوب كان يغتسل عريانا، فخر عليه رجل من جراد من ذهب، فجعل ~~يحثي منه، ويجعل في ثوبه، فقال له الله: يا ms1427 أيوب، ألم أكن أغنيتك عما ترى، ~~قال: بلى يا رب، ولكن لا غنى لي عن بركتك ". # وأما قولهم: إنه وقع بصره على امرأة تغتسل عريانة فلما رأته أرسلت شعرها # PageV04P053 # فسترت جسدها، فهذا لا حرج عليه فيه بإجماع الأمة؛ لأن النظرة الأولى لكشف ~~المنظور إليه، ولا يأثم الناظر بها. # وأما قولهم: أنها لما أعجبته أمر بتقديم زوجها للقتل في سبيل الله، فهذا ~~باطل قطعا؛ لأن داود - عليه السلام - لم يكن ليريق دمه في غرض نفسه، وإنما ~~كان من الأمر أن داود قال لبعض أصحابه: انزل لي عن أهلك، وعزم عليه في ذلك، ~~كما يطلب الرجل من الرجل الحاجة برغبة صادقة كانت في الأهل أو المال، وقد ~~قال سعيد بن الربيع لعبد الرحمن بن عوف حين آخى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بينهما: ولي زوجتان، أنزل لك عن إحداهما، فقال له: بارك الله لك في ~~أهلك ومالك. وما يجوز فعله ابتداء يجوز طلبه، وليس في القرآن أن ذلك كان، ~~ولا أنه تزوجها بعد زوال عصمة الرجل عنها، ولا ولادتها لسليمان، فعن من ~~يروي هذا ويسند؟ وعلى من في نقله يعتمد، وليس يؤثره عن الثقات الأثبات أحد؟ ~~أما إن في # سورة الأحزاب نكتة تدل على أن داود قد صارت له المرأة زوجة، وذلك قوله: ~~{ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل} ~~[الأحزاب: 38] يعني في أحد الأقوال [كان] تزويج المرأة التي نظر إليها، " ~~كما زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - بعده بزينب بنت جحش " إلا أن تزويج ~~زينب كان من غير سؤال للزوج في فراق، بل أمره بالتمسك بزوجيتها، وكان تزويج ~~داود المرأة بسؤال زوجها فراقها، فكانت هذه المنقبة لمحمد - صلى الله عليه ~~وسلم - على داود مضافة إلى مناقبه العلية، ولكن قد قيل: إن معنى قوله ~~تعالى: {سنة الله في الذين خلوا من قبل} [الأحزاب: 38] تزويج الأنبياء بغير ~~صداق من وهبت نفسها من النساء بغير صداق. # وقيل: أراد بقوله تعالى: {سنة الله في ms1428 الذين خلوا من قبل} [الأحزاب: 38] ~~أن الأنبياء فرض لهم ما يمتثلونه في النكاح وغيره، وهذا أصح الأقوال. # PageV04P054 # وقد روى المفسرون أن داود نكح مائة امرأة، وهذا نص القرآن. # وروي أن سليمان كانت له ثلاثمائة امرأة وسبعمائة سرية، وربك أعلم، وبعد ~~هذا قفوا حيث وقف بكم البيان بالبرهان دون ما تتناقله الألسنة من غير تثقيف ~~للنقل. والله أعلم. . ### | [مسألة الفتوى في النازلة بعد السماع من أحد الخصمين وقبل أن يسمع من الآخر] # المسألة العاشرة قوله تعالى: {لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه} [ص: 24]: ~~فيه الفتوى في النازلة بعد السماع من أحد الخصمين، وقبل أن يسمع من الآخر ~~بظاهر القول؛ وذلك مما لا يجوز عند أحد ولا في ملة من الملل، ولا يمكن ذلك ~~للبشر؛ وإنما تقدير الكلام أن أحد الخصمين ادعى، والآخر سلم في الدعوى، ~~فوقعت بعد ذلك الفتوى. # وقد «قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي - رضي الله عنه -: إذا جلس ~~إليك الخصمان فلا تقض لأحدهما حتى تسمع من الآخر». # وقيل: إن داود لم يقض للآخر حتى اعترف صاحبه بذلك. وقيل: تقديره لقد ظلمك ~~إن كان كذلك. والله أعلم بتعيين ما يمكن من هذه الوجوه. ### | [مسألة القضاء في المسجد] # المسألة الحادية عشرة قال علماؤنا: قوله تعالى: {إذ تسوروا المحراب} [ص: ~~21] دليل على أن القضاء كان في المسجد، ولو كان ذلك لا يجوز، كما قال ~~الشافعي، لما قررهم داود على ذلك، ولقال: انصرفا إلى موضع القضاء. # وقد قال مالك: إن القضاء في المسجد من الأمر القديم يعني في أكثر الأمر، ~~ولا بأس أن يجلس في رحبته ليصل إليه الضعيف والمشرك والحائض. # PageV04P055 # وقد قال أشهب: يقضي في منزله وأين أحب. والذي عندي أنه يقسم أوقاته ~~وأحواله ليبلغ كل أحد إليه ويستريح هو مما يرد من ذلك عليه. ### | [مسألة الظن ينطلق على العلم والظن] # المسألة الثانية عشرة قوله تعالى: {وظن داود أنما فتناه} [ص: 24]: يعني ~~أيقن. والظن ينطلق على العلم والظن؛ لأنه جاره، وقد ورد ذلك كثيرا في قوله ~~تعالى: {وظنوا أن لا ms1429 ملجأ من الله إلا إليه} [التوبة: 118]. ### | [مسألة في الذنب الذي استغفر منه داود] # المسألة الثالثة عشرة قوله تعالى: {فاستغفر ربه} [ص: 24]: اختلف المفسرون ~~في الذنب الذي استغفر منه على أقوال: الأول: قيل: إنه نظر إلى المرأة حتى ~~شبع منها. # الثاني: أنه أغزى زوجها في حملة التابوت. # الثالث: أنه نوى إن مات زوجها أن يتزوجها. # الرابع أنه حكم لأحد الخصمين من قبل أن يسمع من الآخر. # قال القاضي: قد بينا أن الأنبياء معصومون على الصفة المتقدمة من الذنوب ~~المحدودة على وجه بين، فأما من قال: إنه حكم لأحد الخصمين قبل أن يسمع من ~~الآخر فلا يجوز ذلك على الأنبياء، وكذلك تعريض زوجها للقتل كما قدمنا تصوير ~~للحق على روح الباطل، والأعمال بالنيات. # وأما من قال: إنه نظر إليها حتى شبع فلا يجوز ذلك عندي بحال؛ لأن طموح ~~البصر # لا يليق بالأولياء المتجردين للعبادة، فكيف بالأنبياء الذين هم الوسائط ~~المكاشفون بالغيب، وقد بيناه في موضعه. # وروى أشهب عن مالك قال: بلغني أن تلك الحمامة أتت فوقفت قريبا من داود، ~~وهي من ذهب، فلما رآها أعجبته، فقام ليأخذها، ففرت من يده، ثم صنع مثل ذلك ~~مرتين، ثم طارت فأتبعها بصره، فوقعت عينه على تلك المرأة وهي تغتسل، ولها ~~شعر طويل، فبلغني أنه أقام أربعين ليلة ساجدا حتى نبت العشب من دموع عينيه، ~~فأما النظرة الثانية فلا أصل لها. # PageV04P056 # وقد روي عن علي أنه قال: لا يبلغني عن أحد أنه يقول: إن داود - عليه ~~السلام - ارتكب من تلك المرأة محرما إلا جلدته مائة وستين سوطا، فإنه يضاعف ~~له الحد حرمة للنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ وهذا مما لا يصح عنه. # فإن قيل: فما حكمه عندكم؟ قلنا: أما من قال إن نبيا زنى فإنه يقتل. وأما ~~من نسب إليه دون ذلك من النظرة والملامسة فقد اختلف نقل الناس في ذلك، فإن ~~صمم أحد على ذلك فيه ونسبه إليه فإنه يناقض التعزير المأمور به. # وأما قولهم: إنه نوى إن مات زوجها أن يتزوجها فلا شيء فيه؛ ms1430 إذا لم يعرضه ~~للموت، وبعد هذا فإن الذنب الذي أخبر الله عنه هو سؤاله زوجة وعدم القناعة ~~بما كان من عدد النساء عنده؛ والشهوة لا آخر لها، والأمل لا غاية له؛ فإن ~~متاع الدنيا لا يكفي الإنسان وحده في ظنه، ويكفيه الأقل منه؛ والذي عتب ~~الله فيه على داود تعلق باله إلى زوج غيره، ومد عينه إلى متاع سواه حسبما ~~نص الله عنه. # وقد قال بعضهم: إنه خطب على خطبة أوريا فمال إليها، ولم يكن بذلك عارفا، ~~وهذا باطل يرده القرآن والآثار التفسيرية كلها. ### | [مسألة كل ركوع سجود وكل سجود ركوع] # المسألة الرابعة عشرة قوله تعالى: {وخر راكعا وأناب} [ص: 24]: لا خلاف ~~بين العلماء أن الركوع هاهنا السجود؛ لأنه أخوه؛ إذ كل ركوع سجود، وكل سجود ~~ركوع؛ فإن السجود هو الميل، والركوع هو الانحناء، وأحدهما يدل على # الآخر، ولكنه قد يختص كل واحد منهما بهيئة، ثم جاء على تسمية أحدهما ~~بالآخر، فسمي السجود ركوعا. # واختلف العلماء هل هي من عزائم السجود أم لا؟ حسبما بيناه من قبل. # وروى أبو سعيد الخدري «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ على المنبر: ~~{ص والقرآن ذي الذكر} [ص: 1] فلما بلغ السجدة نزل فسجد، وسجد الناس معه؛ ~~فلما كان يوم آخر # PageV04P057 # قرأها فهيأ الناس للسجود، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إنها توبة ~~نبي، ولكنني رأيتكم تيسرتم للسجود، ونزل فسجد». وهذا لفظ أبي داود. وفي ~~البخاري وغيره عن ابن عباس " أنه قال: «ص ليست من عزائم القرآن. وقد رأيت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يسجد فيها». # وقد روي من طريق عن ابن مسعود أنه قال: إنها توبة نبي، لا يسجد فيها. # وعن ابن عباس أنه قال: إنها توبة نبي؛ ونبيكم ممن أمر أن يقتدى به. # والذي عندي أنها ليست موضع سجود، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد ~~فيها فسجدنا للاقتداء به. # ومعنى السجود أن داود - عليه السلام - سجد خاضعا لربه، معترفا بذنبه، ~~تائبا من خطيئته؛ فإذا سجد أحد فيها فليسجد بهذه النية؛ فلعل ms1431 الله أن يغفر ~~له بحرمة داود الذي اتبعه، وسواء قلنا إن شرع من قبلنا شرع لنا أم لا فإن ~~هذا أمر مشروع في كل ملة لكل أحد، والله أعلم. # وقد روى الترمذي وغيره واللفظ للغير «أن رجلا من الأنصار على عهد النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - كان يصلي من الليل يستتر بشجرة، وهو يعرض القرآن؛ ~~فلما بلغ السجدة سجد وسجدت الشجرة معه، فسمعها وهي تقول: اللهم أعظم لي ~~بهذه السجدة أجرا وارزقني بها شكرا». ### | [الآية السادسة قوله تعالى يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض] # فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون ~~عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب} [ص: 26]. # PageV04P058 # فيها مسألتان: المسألة الأولى هذا كلام مرتبط بما قبله وصى الله فيه ~~داود؛ فيدل ذلك على أن الذي عوتب عليه طلب المرأة من زوجها، وليس ذلك بعدل؛ ~~ألا ترى أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - لم يطلب امرأة زيد، وإنما تكلم في ~~أمرها بعد فراق زوجها وإتمام عدتها. وقد بينا أن هذا جائز في الجملة، ويبعد ~~من منصب النبوة؛ فلهذا ذكر وعليه عوتب وبه وعظ. ### | [مسألة الاستنابة على أقسام كثيرة] # المسألة الثانية قوله تعالى: {خليفة} [ص: 26]: قد بينا الخلافة ومعناها ~~لغة، وهو قيام الشيء مقام الشيء؛ والحكم لله، وقد جعله الله للخلق على ~~العموم بقوله - عليه السلام -: «إن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون» ~~وعلى الخصوص في قوله تعالى: {إني جاعل في الأرض خليفة} [البقرة: 30] وقوله ~~تعالى: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض} [ص: 26] والخلفاء على أقسام: ~~أولهم الإمام الأعظم، وآخرهم العبد في مال سيده، " قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، والعبد راع في مال سيده ~~ومسئول عن رعيته». # بيد أن الإمام الأعظم لا يمكنه تولي كل الأمور بنفسه، فلا بد من ~~الاستنابة، وهي على أقسام كثيرة: أولها الاستخلاف على البلاد، وهو على ~~قسمين: أحدهما أن يقدمه على العموم، أو يقدمه على الخصوص؛ ms1432 فإن قدمه وعينه ~~في منشوره وقف نظره حيث خص به، وإن قدمه على العموم فكل ما في المصر يتقدم ~~عليه؛ وذلك في ثلاثة أحكام: الأول القضاء بين الناس، فله أن يقضي، وله أن ~~يقدم من يقضي، فإذا قدم للقضاء بين الناس والحكم بين الخلق كان له النظر ~~فيما فيه التنازع بين الخلق، وذلك # PageV04P059 # حيث تزدحم أهواؤهم، وهي على ثلاثة أشياء: # النفس، والعرض، والمال، يفصل فيما تنازعهم، ويذب عنهم من يؤذيهم، ويحفظ ~~من الضياع أموالهم بالجباية إن كانت مفرقة، وبتفريقها على # من يستحقها إذا اجتمعت، ويكف الظالم عن المظلوم. ويدخل فيه قود الجيوش، ~~وتدبير المصالح العامة هو الثالث. ### | [ولايات الشرع] # وقد رام بعض الشافعية أن يحصر ولايات الشرع فجمعها في عشرين ولاية، وهي: ~~الخلافة العامة، والوزارة، والإمارة في الجهاد، وولاية حدود المصالح، ~~وولاية القضاء، وولاية المظالم، وولاية النقابة على أهل الشرف، والصلاة، ~~والحج، والصدقات، وقسم الفيء، والغنيمة، وفرض الجزية، والخراج، والموات ~~وأحكامه، والحمى، والإقطاع، والديوان، والحسبة. # فأما ولاية الخلافة فهي صحيحة، وأما الوزارة فهي ولاية شرعية، وهي عبارة ~~عن رجل موثوق به في دينه وعقله يشاوره الخليفة فيما يعن له من الأمور، قال ~~الله تعالى مخبرا عن موسى: {واجعل لي وزيرا من أهلي} [طه: 29] {هارون أخي} ~~[طه: 30] {اشدد به أزري} [طه: 31] فلو سكت هاهنا كانت وزارة مشورة، ولكنه ~~تأدب مع أخيه لسنه وفضله وحلمه وصبره فقال: {وأشركه في أمري} [طه: 32] فسأل ~~وزارة مشاركة في أصل النبوة. # وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الحسن: «وزيراي من أهل ~~السماء جبريل وميكائيل، ووزيراي من أهل الأرض أبو بكر وعمر». # وأما الولاية على الجهاد فقد «أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - على ~~الجيوش والسرايا كثيرا من أصحابه في كل غزوة لم يشهدها، وقسموا الغنيمة ~~فيها»، فدخلت إحدى الولايتين في الأخرى، وللوالي أن يفردهما. # وأما حدود المصالح فهي ثلاثة: الردة، وقطع السبيل، والبغي؛ فأما الردة ~~والقطع للسبيل فكانا في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - «فإن نفرا من ~~عرينة قدموا على النبي - صلى الله ms1433 عليه وسلم - المدينة، # PageV04P060 # فجعلهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في الإبل حتى صحوا، فقتلوا الراعي، ~~واستاقوا الذود مرتدين، فبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - في آثارهم، فجيء ~~بهم فقتلهم على ذلك وقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وسمل أعينهم كما فعلوا»، ~~وقد بينا ذلك في سورة المائدة # وشرح الحديث. واستوفى الله بيان حرب الردة بأبي بكر الصديق على يديه، ~~وذلك مستوفى في كتب الحديث والفقه. # وأما قتال أهل البغي فقد نصه الله في كتابه حيث يقول: {وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي ~~تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} [الحجرات: 9]؛ ثم بين الله تعالى ذلك لعلي بن ~~أبي طالب على ما شرحناه في موضعه من الحديث والمسائل. # وأما ولاية القضاء «فقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - لها في حياته علي ~~بن أبي طالب حين بعثه إلى اليمن. وقال: لا تقض لأحد الخصمين حتى تسمع من ~~الآخر». وشروطها مذكورة في الفقه. «وقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - غيره ~~من ولاته». # وأما ولاية المظالم فهي ولاية غريبة أحدثها من تأخر من الولاة، لفساد ~~الولاية وفساد الناس؛ وهي عبارة عن كل حكم يعجز عنه القاضي فينظر فيه من هو ~~أقوى منه يدا؛ وذلك أن التنازع إذا كان بين ضعيفين قوى أحدهما القاضي، وإذا ~~كان بين قوي وضعيف أو قويين والقوة في أحدهما بالولاية كظلم الأمراء ~~والعمال فهذا مما نصب له الخلفاء أنفسهم، وأول من جلس إليه عبد الملك بن ~~مروان فرده إلى قاضيه ابن إدريس، ثم جلس له عمر بن عبد العزيز فرد مظالم ~~بني أمية على المظلومين؛ إذ كانت في أيدي الولاة والعتاة الذين تعجز عنهم ~~القضاة، ثم صارت سنة، فصار بنو العباس يجلسون لها، وفي قصة دارسة على أنها ~~في أصل وضعها داخلة في القضاء، ولكن الولاة أضعفوا الخطة القضوية ليتمكنوا ~~من ضعف الرعية، ليحتاج الناس إليهم، فيقعدوا عنهم، فتبقى المظالم بحالها. # PageV04P061 # وأما ولاية النقابة فهي محدثة أيضا؛ لأنه لما كثرت الدعاوى في الأنساب ~~الهاشمية، ms1434 لاستيلائها على الدولة، نصب الولاة قوما يحفظون الأنساب لئلا ~~يدخل فيها من ليس منها، ثم زادت الحال فسادا، فجعلوا إليهم من يحكم بينهم، ~~فردوهم لقاض منهم لئلا تمتهنهم القضاة من سائر القبائل، وهم أشرف منهم، وهي ~~بدعية تنافي الشرعية. # وأما ولاية الصلاة فهي أصل في نفسها وفرع للإمارة؛ «فإن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان إذا بعث أميرا كانت الصلاة إليه»، ولما فسد الأمر ولم يكن ~~فيهم من ترضى حاله للإمامة بقيت الولاية في يده بحكم الغلبة، وقدم للصلاة ~~من يرضى؛ سياسة منهم للناس، وإبقاء على أنفسهم؛ فقد كان بنو أمية، حين ~~كانوا يصلون بأنفسهم، يتحرج أهل الفضل من الصلاة خلفهم، ويخرجون على ~~الأبواب؛ فيأخذونهم بسياط الحرس، فيضربون لها حتى يفروا بأنفسهم عن المسجد. ~~وهذا لا يلزم، بل يصلي معهم، وفي إعادة الصلاة خلاف بين العلماء بيانه في ~~كتب الفقه. # وأما ولاية الحج فهي مخصوصة ببلاد الحج. «وأول أمير بعثه - عليه السلام - ~~أبو بكر الصديق، بعثه - صلى الله عليه وسلم - سنة تسع قبل حجة الوداع، ~~وأرسله بسورة براءة، ثم أردفه عليا»، كما تقدم بيانه في السورة المذكورة. # وأما ولاية الصدقة «فقد استعمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ~~الصدقات كثيرا». # أما وضع الجزية والخراج فقد صالح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكيدر ~~دومة وأهل البحرين، فأمر عليهم العلاء بن الحضرمي بعد تقريره " ولو لم يتفق ~~التقرير لخليفة لجاز أن يبعث من يقرره، كما فعل عمر حين بعث إلى العراق ~~عماله، وأمرهم بمساحة الأرض، ووضع الخراج عليها. # وأما ما تختلف أحكامه باختلاف البلدان فليس بولاية فيدخل في جملة ~~الولايات؛ وإنما هو النظر في مكة وحرمها ودورها، وفي المدينة وحرمها، وفيما ~~توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنه فيها، وأحوال البلاد فيما فتح ~~منها عنوة وصلحا وهذه الشريعة فيما # PageV04P062 # اختلفت الأسباب في تملكه من الأموال، وليس بولاية مخصوصة حتى يذكر في ~~جملة الولايات؛ وكذلك إحياء الموات حكم من الأحكام، وليس من الولايات، ~~وبيانه في كتب الفقه. # وأما ولاية الحمى ms1435 والإقطاع فهي مشهورة. وأول من ولى فيها أبو بكر الصديق ~~مولاه أبا أسامة على حمى الربذة، وولى عمر على حمى السرف مولاه يرفأ، وقال: ~~اضمم جناحك # عن الناس، واتق دعوة المظلوم، فإنها مجابة، وأدخل رب الصريمة ورب ~~الغنيمة، وإياي وغنم ابن عوف وابن عفان فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى ~~نخل وزرع، وإن رب الصريمة والغنيمة يأتيني بعياله فيقول: يا أمير المؤمنين، ~~يا أمير المؤمنين، أفتاركهم أنا؟ لا أبا لك، فالماء والكلأ أهون علي من ~~الدينار والدرهم، والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ~~ما حميت عليهم من بلادهم شبرا. # وأما الإقطاع فهو باب من الأحكام، «فقد أقطع النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- لبلال بن الحارث المزني معادن القبلية من ناحية الفرع»، وبيانها في كتب ~~الفقه. # وأما ولاية الديوان فهي الكتابة، وقد كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كتاب وللخلفاء بعده، وهي ضبط الجيوش بمعرفة أرزاقهم والأموال لتحصيل ~~فوائدها لمن يستحقها. # وأما ولاية الحدود فهي على قسمين: تناول إيجابها، وذلك للقضاة؛ وتناول ~~استيفائها، «وقد جعله النبي - صلى الله عليه وسلم - لقوم منهم علي بن أبي ~~طالب ومحمد بن مسلمة»، وهي أشرف الولايات؛ لأنها على أشرف الأشياء، وهي ~~الأبدان؛ فلنقيصة الناس ودحضهم بالذنوب ألزمهم الله بالذلة بأن جعلها في ~~أيدي الأدنياء والأوضاع بين الخلق. # وأما ولاية الحسبة فهي محدثة؛ وأصلها أكبر الولايات، وهي الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، ولكثرة ذلك رأى الأمراء أن يجعلوها إلى رجل يتفقدها في ~~الأحيان من الساعات؛ والله يتولى التوفيق للجميع، ويرشد إلى سواء الطريق، ~~ويمن بتوبة تعيد الأمر إلى أهله، وتوسعنا ما نؤمله من رحمته وفضله. # PageV04P063 ### | [الآية السابعة قوله تعالى أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض] # أم نجعل المتقين كالفجار} [ص: 28]. # فيها أربع مسائل: المسألة الأولى في سبب نزولها: # قيل: نزلت في بني هاشم وبني المطلب منهم: علي، وحمزة، وجعفر بن أبي طالب، ~~وعبيدة بن الحارث، والطفيل بن الحارث ابني المطلب، وزيد بن حارثة، وأم أيمن ~~وغيرهم، ويقول: أم ms1436 نجعل هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في ~~الأرض بالمعاصي من بني عبد شمس؛ كعتبة وشيبة ابني ربيعة، والوليد بن عتبة ~~وحنظلة بن أبي سفيان، والعاصي بن أمية. ### | [مسألة معنى قوله تعالى أم نجعل المتقين كالفجار] # المسألة الثانية قوله تعالى: {أم نجعل المتقين كالفجار} [ص: 28] يعني ~~الذين تقدم ذكرهم من بني هاشم وبني المطلب في الآخرة كالفجار يعني من تقدم ~~من بني عبد شمس. # المسألة الثالثة هذه أقوال المفسرين، ولا شك في صحتها؛ فإن الله قد نفى ~~المساواة بين المؤمنين والكفار وبين المتقين والفجار، رءوسا برءوس وأذنابا ~~بأذناب، ولا مساواة بينهم في الآخرة، كما قال المفسرون؛ لأن المؤمنين ~~المتقين في الجنة والمفسدين الفجار في النار؛ ولا مساواة أيضا بينهم في ~~الدنيا؛ لأن المؤمنين المتقين معصومون دما وعرضا، والمفسدين في الأرض ~~والفجار في النار مباحو الدم والعرض والمال، فلا وجه لتخصيص المفسدين بذلك ~~في الآخرة دون الدنيا. ### | [مسألة بنى رجل في أرض رجل بإذنه ثم انقضت المدة] # المسألة الرابعة ووقعت في الفقه نوازل منها قتل المسلم بالكافر، ومنها ~~إذا بنى رجل في أرض # PageV04P064 # رجل بإذنه، ثم انقضت المدة فإن لصاحب الأرض إخراجه عن البنيان، وهل يعطيه ~~قيمته قائما أو منقوضا؟ ومنها إذا بنى المشتري في الشقص الذي اشترى فأراد ~~الشفيع أخذه بالشفعة فإنه يزن الثمن، وهل يعطيه قيمة بنائه قائما أو ~~منقوضا؟ اختلف العلماء في ذلك، فمنهم من قال: إذا بنى في الأرض رجل بإذنه ~~ثم وجب له إخراجه فإنه يعطيه قيمة بنائه قائما، ولذلك قال أبو حنيفة: يعطي ~~الشفيع للمشتري قيمة بنائه في الشقص منقوضا مساويا له بالغاصب. # وقاله ابن القاسم وسائر علمائنا والشافعية إلا القليل. يعطيه قيمة بنائه ~~قائما، لأنه بناه بحق وتقوى وصلاح، بخلاف الغاصب؛ ولذلك لا يقتل المسلم إذا ~~قتل الذمي، وإن كان يقتل بمسلم مثله، وتعلقوا في ذلك بقوله تعالى: {أم نجعل ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} ~~[ص: 28]. وهذا ينبني على القول بالعموم، وهو قول عام يقتضي المساواة بينهم ~~في ms1437 كل حال وزمان، أما أنه يبقى النظر في أعيان هذه الفروع فتفصيل قد بيناه ~~في مسائل الفقه، لا نطيل بذكره هاهنا فلينظر هنالك. ### | [الآية الثامنة قوله تعالى إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد] # } [ص: 31]. # فيها خمس مسائل: المسألة الأولى قوله: بالعشي. وقد تقدم بيانه، وأنه من ~~زوال الشمس إلى الغروب، كما أن الغداة من طلوع الشمس إلى الزوال. # PageV04P065 # المسألة الثانية قوله: {الصافنات الجياد} [ص: 31] يعني التي وقفت من ~~الدواب على ثلاث قوائم، وذلك لعتقها، فإذا ثنى الفرس إحدى رجليه فذلك علامة ~~على كرمه، كما أنه إذا شرب ولم يثن سنبكه دل أيضا على كرمه، ومن الغريب في ~~غريب الحديث: «من سره أن يقوم له الرجال صفونا يعني يديمون له القيام ~~فليتبوأ مقعده من النار». وهذا حديث موضوع. ومن الحديث المشهور: «من سره أن ~~تتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار». وقد بيناه في سورة الحج، ~~وقد يقال صفن لمجرد الوقوف، والمصدر صفونا قال الشاعر: # ألف الصفون فما يزال كأنه ... مما يقوم على الثلاث كسيرا # المسألة الثانية الجياد هي الخيل، وكل شيء ليس برديء يقال له جيد، ودابة ~~جيدة وجياد مثل سوط وسياط؛ عرضت الخيل على سليمان - عليه السلام - فشغلته ~~عن صلاة العشي بظاهر القولين؛ قال المفسرون: هي العصر. وقد روى المفسرون ~~حديثا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «صلاة الوسطى صلاة العصر، وهي ~~التي فاتت سليمان»، وهو حديث موضوع. وقيل: كانت ألف فرس ورثها من داود - ~~عليه السلام - كان أصابها من العمالقة، وكان له ميدان مستدير يسابق بينها ~~فيه، فنظر فيها حتى غابت الشمس خلف الحجاب، وهو ما كان يحجب بينه وبينها لا ~~غير مما يدعيه المفسرون، وقيل أراد وهي: # PageV04P066 # المسألة الرابعة حتى توارت بالحجاب، وغابت عن عينيه في المسابقة؛ لأن ~~الشمس لم يجر لها ذكر؛ وهذا فاسد بل قد تقدم عليها دليل، وهو قوله: ~~(بالعشي)، كما تقول: سرت بعد العصر حتى غابت يعني الشمس، وتركها لدلالة ~~السامع لها عليها بما ذكر مما يرتبط بها، وتعلق بذكرها؛ والغداة ms1438 والعشي أمر ~~مرتبط بمسير الشمس، فذكره ذكر لها، وقد بين ذلك لبيد بقوله: # حتى إذا ألقت يدا في كافر ... وأجن عورات الثغور ظلامها # المسألة الخامسة فلما فاتته الصلاة قال: {إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي} ~~[ص: 32] يعني الخيل، وسماها خيرا لأنها من جملة المال الذي هو خير بتسمية ~~الشارع له بذلك، وقد قدمنا بيانه في سورة البقرة، ولذلك قرأها ابن مسعود: ~~إني أحببت حب الخيل بالتصريح بالتفسير؛ قال: {ردوها علي فطفق مسحا} [ص: 33] ~~بسوقها وأعناقها، فيه قولان: أحدهما مسحها بيده إكراما لها، كما ورد في ~~الحديث «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رئي وهو يمسح عن فرسه عرقه ~~بردائه، وقال: إني عوتبت الليلة في الخيل». # والثاني: أنه مسح أعناقها وسوقها بالسيوف عرقبة، وهي رواية ابن وهب عن ~~مالك، وكان فعله هذا بها حين كان سببا لاشتغاله بها عن الصلاة. # فإن قيل: كيف قتلها، وهي خيل الجهاد؟ # قلنا: رأى أن يذبحها للأكل. # PageV04P067 # وفي الصحيح عن جابر أنه قال: «أكلنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فرسا». # فكان ذلك لئلا تشغله مرة أخرى. # وقد روي عن إبراهيم بن أدهم أنه قال: من ترك شيئا لله عوضه الله أمثاله؛ ~~ألا ترى إلى سليمان كيف أتلف الخيل في مرضاة الله فعوضه الله منها الريح ~~تجري بأمره رخاء حيث أصاب، غدوها شهر ورواحها شهر. # ومن المفسرين من وهم فقال: وسمها بالكي، وسبلها في سبيل الله، وليست ~~السوق محلا للوسم بحال. ### | [الآية التاسعة قوله تعالى رب اغفر لي وهب لي ملكا] # الآية التاسعة قوله عز وجل: {رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من ~~بعدي إنك أنت الوهاب} [ص: 35]. # فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى كيف سأل سليمان الملك، وهو من ناحية ~~الدنيا؟ قال علماؤنا: إنما سأله ليقيم فيه الحق، ويستعين به على طاعة الله، ~~كما قال يوسف: {اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم} [يوسف: 55]. كما ~~تقدمت الإشارة إليه. المسألة الثانية: كيف منع من أن يناله غيره؟ # قال علماؤنا: فيه أجوبة ms1439 سبعة: الأول إنما سأل أن يكون معجزة له في قومه ~~وآية في الدلالة على نبوته. # الثاني: أن معناه لا تسلبه عني. # الثالث: لا ينبغي لأحد من بعدي أن يسأل الملك، بل يكل أمره إلى الله. # الرابع لا ينبغي لأحد من بعدي من الملوك، ولم يرد من الأنبياء. # الخامس أنه أراد القناعة. # السادس أنه أراد ملكه لنفسه. # PageV04P068 # السابع علم أن محمدا عبده ولم يسأله إياه ليفضل به. المسألة الثالثة: في ~~التنقيح لمناط الأقوال: # أما قول من قال: إنه سأل ذلك معجزة فليس في ذلك تخصيص بفائدة؛ لأن من شأن ~~المعجزة أن تكون هكذا. # وأما من قال: معناه لا تسلبه عني، فإنما أراد ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي ~~أن يدعيه باطلا؛ إذ كان الشيطان قد أخذ خاتمه وجلس مجلسه، وحكم في الخلق ~~على لسانه، حسبما روي في كتب المفسرين. وهو قول باطل قطعا؛ لأن الشيطان لا ~~يتصور بصورة الأنبياء، ولا يحكمون في الخلق بصورة الحق، مكشوفا إلى الناس: ~~بمرأى منهم؛ حتى يظن الناس أنهم مع نبيهم في حق، وهم مع الشيطان في باطل؛ ~~ولو شاء ربك لوهب من المعرفة والدين لمن قال هذا القول ما يزعه عن ذكره، ~~ويمنعه من أن يخلده في ديوان من بعده، حتى يضل به غيره. # وأما من قال: إن معناه لا ينبغي لأحد من بعدي أن يسأل الملك فإن ذلك إنما ~~كان يصح لو جاء بقوله: {لا ينبغي لأحد من بعدي} [ص: 35] في سعة الاستئناف ~~للقول والابتداء بالكلام. # أما وقد جاء مجيء الجملة الحالة محل الصفة لما سبق قبلها من القول فلا ~~يجوز تفسيره بهذا لتناقض المعنى فيه وخروج ذلك عن القانون العربي. # وأما من قال: إن معناه لا ينبغي لأحد من بعدي من الملوك دون الأنبياء ~~فهذا قول قليل الفائدة جدا؛ إذ قد علم قطعا ويقينا هو والخلق كلهم معه أن ~~الملوك لا سبيل لهم إلى ذلك، لا بالسؤال، ولا مع ابتداء العطاء، وهو مع ما ~~بعده أمثل من غيره مما يستحيل وقوعه. وأما من ms1440 قال: إنه علم أن عيسى - عليه ~~السلام - على درجة من الزهد، وأن محمدا عبد لا ملك، فأراد أن سليمان علم أن ~~أحدا من الأنبياء بعده لا يؤتى ذلك، وأن محمدا مع فضله لا يسأله، لأنه نبي ~~عبد، وليس بنبي ملك، فحينئذ أقدم على السؤال، وهو قول # PageV04P069 # متماثل # ويشبه أن يكون الله تعالى أذن له في ذلك، وأنه يعطيه بسؤاله، كما غفر ~~لمحمد - صلى الله عليه وسلم - بشرط استغفاره. والله أعلم. # وفي الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن عفريتا تفلت ~~علي البارحة ليقطع علي صلاتي، فأمكنني الله منه، وأردت أن أربطه إلى جنب ~~سارية من سواري المسجد، ثم ذكرت قول أخي سليمان: {رب اغفر لي وهب لي ملكا ~~لا ينبغي لأحد من بعدي} [ص: 35]. فأرسلته، فلولا ذلك لأصبح يلعب به ولدان ~~المدينة». # وهذا يدل على مراعاة النبي - صلى الله عليه وسلم - لدعائه، وأن معناه لا ~~يكون لأحد في حياته ولا بعد مماته، وذلك بإذن من الله تعالى مشروع؛ إذ لا ~~يجوز على النبي - صلى الله عليه وسلم - غيره. ### | [الآية العاشرة قوله تعالى وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث] # إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب} [ص: 44]. # فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى: في سبب حلف أيوب - عليه السلام -: روي ~~عن ابن عباس قال: اتخذ إبليس تابوتا، فوقف على الطريق يداوي الناس، فأتته ~~امرأة أيوب، فقالت: يا عبد الله؛ إن هاهنا إنسانا مبتلى في أمره كذا وكذا، ~~فهل لك أن تداويه؟ قال لها: نعم، على أني إن شفيته يقول كلمة واحدة: أنت ~~شفيتني، لا أريد منه غيرها. # PageV04P070 # فأخبرت بذلك أيوب، فقال: ويحك، ذلك الشيطان، لله علي إن شفاني الله ~~لأجلدنك مائة جلدة. فلما شفاه الله أمره أن يأخذ ضغثا فيضربها به، فأخذ ~~شماريخ قدر مائة، فضربها ضربة واحدة. # وروي عن ابن عباس أن ذلك من قوله: إنما كان حين باعت ذوائبها في طعامه، ~~وقد كانت عدمت الطعام، وكرهت أن تتركه جائعا، فباعت ذوائبها وجاءته بطعام ~~طيب مرارا، فأنكر ms1441 ذلك عليها، فعرفته به، فقال ما قال. ### | [مسألة حلف ليضربن عبده مائة فجمعها فضربه بها ضربة واحدة] # المسألة الثانية: في عموم هذه القصة وخصوصها: # روي عن مجاهد أنها للناس عامة. وروي عن عطاء أنها بالنكرة خاصة، وكذلك ~~روى ابن زيد عن ابن القاسم عن مالك: من حلف ليضربن عبده مائة، فجمعها فضربه ~~بها ضربة واحدة لم يبر. # قال بعض علمائنا: يريد مالك قوله تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} ~~[المائدة: 48]. # قال القاضي: شرع من قبلنا شرع لنا، وقد بيناه في غير موضع، وإنما انفرد ~~مالك في هذه المسألة عن قصة أيوب هذه لا عن شريعته لتأويل بديع، وهو أن ~~مجرى الإيمان عند مالك في سبيل النية والقصد أولى لقول رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات». # والنية أصل الشريعة، وعماد الأعمال، وعيار التكليف؛ وهي مسألة خلاف كبيرة ~~بيننا وبين فقهاء الأمصار قد أوضحناها في كتب الخلاف. # وقصة أيوب هذه لم يصح كيفية يمين أيوب فيها فإنه روى أنه قال: إن شفاني ~~الله جلدتك. وروي أنه قال: والله لأجلدنك وهذه الروايات عن كتب الترمذي لا ~~ينبني عليها حكم، فلا فائدة في النصب فيها ولا في إشكالها بسبيل التأويل، ~~ولا طلب الجمع بينها وبين غيرها بجمع الدليل. # PageV04P071 # المسألة الثالثة: قوله تعالى: {فاضرب به ولا تحنث} [ص: 44] يدل على أحد ~~وجهين: إما لأنه لم يكن في شرعه كفارة، وإنما كان البر أو الحنث. # والثاني: أن يكون ما صدر منه نذرا لا يمينا، وإذا كان النذر معينا فلا ~~كفارة فيه عند مالك وأبي حنيفة. # وقال الشافعي: في كل نذر كفارة، وهل مخرجها على التفصيل أو الإجمال؟ ### | [الآية الحادية عشرة قوله تعالى ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون] # } [ص: 69]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: وذلك أن «قريشا قالت للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال: سألني ربي عز وجل فيم يختصم ~~الملأ الأعلى؟ قلت: في الكفارات والدرجات. قال: وما الكفارات؟ قلت: المشي ~~على الأقدام ms1442 إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء في السبرات، والتعقيب في المساجد، ~~وانتظار الصلاة بعد الصلاة قال: وما الدرجات؟ قلت: إفشاء السلام، وإطعام ~~الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام وقيل: خصومتهم قولهم: {أتجعل فيها من ~~يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا ~~تعلمون} [البقرة: 30]» هذا حديث الحسن؛ وهو حسن. # ومن طريق عبد الرحمن عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«رأيت ربي في أحسن # PageV04P072 # صورة فوضع يده بين كتفي، فوجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما في السموات وما ~~في الأرض، ثم تلا هذه الآية: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض} ~~[الأنعام: 75]. فقال: يا محمد، فقلت: لبيك وسعديك، قال: فيم يختصم الملأ ~~الأعلى؟ قلت: أي رب في الكفارات. قال: وما الكفارات؟ قلت: المشي على ~~الأقدام إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء على المكروهات، وانتظار الصلاة إلى ~~الصلاة، فمن حافظ عليهن عاش بخير ومات بخير، وكان من ذنوبه كيوم ولدته ~~أمه». # وقد روى الترمذي صحيحا عن عبد الرحمن بن عابس الحضرمي عن مالك بن يخامر ~~السكسكي عن معاذ بن جبل، قال: «احتبس عنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ذات غداة عن صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى عين الشمس، فخرج سريعا فثوب ~~بالصلاة، فصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتجوز في صلاته، فلما سلم ~~قال لنا: على مصافكم كما أنتم، ثم انتقل إلينا ثم قال: أما إني سأحدثكم ما ~~حبسني عنكم الغداة: إني قمت في الليل فتوضأت وصليت ما قدر لي، فنعست في ~~صلاتي حتى استثقلت، فإذا أنا بربي تبارك وتعالى في أحسن صورة # فقال: يا محمد. قلت: لبيك. قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: ما أدري ~~ثلاثا. قال: فرأيته وضع كفه بين كتفي، فوجدت برد أنامله بين ثديي، فتجلى لي ~~كل شيء، وعرفت. ثم قال: يا محمد. قلت: لبيك، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى؟ ~~قلت: في الكفارات. قال: ما هن؟ قلت مشي الأقدام إلى الحسنات، والجلوس في ~~المساجد بعد الصلوات، وإسباغ الوضوء عند الكريهات. قال: وما الحسنات؟ ms1443 قلت: ~~إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة والناس نيام. قال: سل. قلت: اللهم إني ~~أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين. وأن تغفر لي وترحمني، ~~وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون، أسألك حبك وحب من يحبك، وحب عمل ~~يقرب إلى حبك. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إنها حق فادرسوها ثم ~~تعلموها». # PageV04P073 ### | [مسألة المشي فيما قرب من الطاعات] # المسألة الثانية: لا خلاف أن المشي فيما قرب من الطاعات أفضل من الركوب، ~~فأما كل ما يبعد فيكون المرء بكلاله أقل اجتهادا في الطاعة فالركوب أفضل ~~فيه؛ ألا ترى أن الراكب في الجهاد أفضل من الراجل لأجل غنائه؛ وهذا فرع هذا ~~الأصل، إذ العمل ما كان أخلص وأبر كان الوصول إليه بالراحة أفضل. # المسألة الثالثة: لم يختلف الملأ الأعلى في الأصل، وإنما اختلفوا في ~~كيفية الفضيلة وكميتها فيجتهدون ويقولون: إنه أفضل، كما لم يختلفوا ولا ~~أنكروا أن يكون في الأرض قوم يسفكون الدماء، ويفسدون في الأرض؛ وإنما طلبوا ~~وجه الحكمة فغيبت عنهم حكمته. ### | [الآية الثانية عشرة قوله تعالى قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين] # } [ص: 86]. # فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى: بناء (ك ل ف) في لسان العرب للإلزام ~~والالتزام، وقد غلط علماؤنا فقالوا: إنه فعل ما فيه مشقة، وكل إلزام مشقة، ~~فلا معنى لاشتراط المشقة، وهو في نفسه مشقة، وقد بيناه في أصول الفقه. ### | [مسألة ورود الحوض السباع] # المسألة الثانية: المعنى ما ألزم نفسي ما لا يلزمني، ولا ألزمكم ما لا ~~يلزمكم، وما جئتكم باختياري دون أن أرسلت إليكم. # PageV04P074 # المسألة الثالثة: أخبرنا أبو الحسن المبارك بن عبد الجبار، أخبرنا القاضي ~~أبو الطيب الطبري، أخبرنا الدارقطني، حدثنا الحسن بن أحمد بن صالح الكوفي، ~~حدثنا علي بن الحسن بن هارون البلدي، حدثنا إسماعيل بن الحسن الحراني، ~~أخبرنا أيوب بن خالد الحراني، حدثنا محمد بن علوان عن نافع عن ابن عمر قال: ~~«خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض أسفاره، فسار ليلا، فمر على ~~رجل جالس عند ms1444 مقراة له، فقال له عمر: يا صاحب المقراة، ولغت السباع الليلة ~~في مقراتك. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: يا صاحب المقراة، لا تخبره، ~~هذا متكلف لها ما حملت في بطونها، ولنا ما بقي شراب وطهور». # وهذا بيان سؤال عن ورود الحوض السباع، فإن كان ممكنا غالبا لا يحتاج ~~إليه، وإنما يعول على حال الماء في لونه وطعمه وريحه، فلا ينبغي لأحد أن ~~يسأل ما يكسبه في دينه شكا أو إشكالا في عمله، ولهذا قلنا لكم: إذا جاء ~~السائل عن مسألة فوجدتم له مخلصا فيها فلا تسألوه عن شيء، وإن لم تجدوا له ~~مخلصا فحينئذ فاسألوه عن تصرف أحواله وأقواله ونيته، عسى أن يكون له مخلص، ~~والله أعلم. # PageV04P075 ### | [سورة الزمر فيها أربع آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق # فاعبد الله مخلصا له الدين} [الزمر: 2]، وهي دليل على وجوب النية في كل ~~عمل؛ وأعظمه الوضوء الذي هو شطر الإيمان، خلافا لأبي حنيفة، والوليد بن ~~مسلم عن مالك اللذين يقولان: إن الوضوء يكفي من غير نية، وما كان ليكون من ~~الإيمان شطره، ولا ليخرج الخطايا من بين الأظافر والشعر بغير نية، وقد ~~حققناه في مسائل الخلاف. ### | [الآية الثانية قوله تعالى قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم] # للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون ~~أجرهم بغير حساب} [الزمر: 10]. # روى أبو بكر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن مالك بن أنس، ~~في قوله: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} [الزمر: 10] قال: هو الصبر ~~على فجائع الدنيا وأحزانها، وقد بلغني أن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من ~~الجسد. # قال القاضي: الصبر مقام عظيم من مقامات الدين، وهو حبس النفس عما تكرهه ~~من تسريح الخواطر، وإرسال اللسان، وانبساط الجوارح على ما يخالف حال الصبر، ~~ومن الذي يستطيعه، فما روي أن أحدا انتهى إلى منزلة أيوب - عليه السلام - ~~حتى صبر على عظيم البلاء ms1445 عن سؤال كشفه بالدعاء، وإنما عرض حين خشي على دينه ~~لضعف قلبه # PageV04P076 # عن الإيمان، فقال: مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، ولهذا المعنى جعلوه في ~~الآثار نصف الإيمان، فإن الإيمان على قسمين: مأمور ومزجور، فالمأمور يتوصل ~~إليه بالفعل، والمزجور امتثاله بالكف والدعة عن الاسترسال إليه، وهو الصبر، ~~فأعلمنا ربنا تبارك وتعالى أن ثواب الأعمال الصالحة مقدر من حسنة إلى ~~سبعمائة ضعف، وخبأ قدر الصبر منها تحت علمه، فقال: {إنما يوفى الصابرون ~~أجرهم بغير حساب} [الزمر: 10]. # ولما كان الصوم نوعا من الصبر حين كان كفا عن الشهوات قال تعالى: «كل عمل ~~ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي، وأنا أجزي به». قال أهل العلم: كل أجر يوزن ~~وزنا، ويكال كيلا إلا الصوم فإنه يحثى حثيا، ويغرف غرفا؛ ولذلك قال مالك: ~~هو الصبر على فجائع الدنيا وأحزانها؛ فلا شك أن كل من سلم فيما أصابه، وترك ~~ما نهى عنه فلا مقدار لأجره، وأشار بالصوم إلى أنه من ذلك الباب، وإن لم ~~يكن جميعه، والله أعلم. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها] # وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد} [الزمر: 17]. # فيها مسألتان: المسألة الأولى: في سبب نزولها: قال علماؤنا: نزلت مع ~~الآية التي قبلها في ثلاثة نفر: زيد بن عمرو بن نفيل، وأبي ذر، وسلمان ~~الفارسي كانوا ممن لم يأتهم كتاب ولا بعث إليهم نبي، ولكن وقر في نفوسهم ~~كراهية ما الناس عليه بما سمعوا من أحسن ما كان في أقوال الناس، فلا جرم ~~قادهم ذلك إلى الجنة. # PageV04P077 # أما زيد بن عمرو بن نفيل فمات على التوحيد في أيام الفترة فله ما نوى من ~~الجنة، وأما أبو ذر وسلمان فتداركتهم العناية، ونالوا الهداية، وأسلموا، ~~وصاروا في جملة الصحابة. المسألة الثانية: قال جماعة: الطاغوت الشيطان، ~~وقيل: الأصنام. # وقال ابن وهب عن مالك: هو كل ما عبد من دون الله، وهو فلعوت من طغى؛ إذا ~~تجاوز الحد، ودخل في قسم المذموم فقال ابن إسحاق: كانت العرب قد اتخذت في ~~الكعبة طواغيت، وهي ستون، ms1446 كانت تعظمها بتعظيم الكعبة، وتهدى إليها كما تهدى ~~إلى الكعبة، وكان لها سدنة وحجاب، وكانت تطوف بها، وتعرف فضل الكعبة عليها. # وقيل: كان الشيطان يتصور في صورة إنسان فيتحاكمون إليه وهي صورة إبراهيم ~~وفي الحديث: «إنه يأتي شيطان في صورة رجل فيقول: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - # يكذب على النبي متعمدا ليضل الناس»، فينبغي أن يحذر من الأحاديث الباطلة ~~المضلة، وينبغي ألا يقصد مسجدا، ولا يعظم بقعة إلا البقاع الثلاث التي قال ~~فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة ~~مساجد: مسجدي هذا، ومكة، والمسجد الأقصى». # وقد سول الشيطان لأهل زماننا أن يقصدوا الربط، ويمشوا إلى المساجد تعظيما ~~لها، وهي بدعة ما جاء النبي بها إلا مسجد قباء، فإنه كان يأتيه كل سبت ~~راكبا وماشيا، لا لأجل المسجدية، فإن حرمتها في مسجده كانت أكثر، وإنما كان ~~ذلك على طريق الافتقاد لأهله، والتطييب لقلوبهم، والإحسان بالألفة إليهم. # PageV04P078 ### | [الآية الرابعة قوله تعالى ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك] # لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} [الزمر: 65]. # تقدم في سورة البقرة بيان حال الإحباط بالردة، وسنزيده هاهنا بيانا، ~~فنقول: هذا وإن كان خطابا للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقد قيل: إن المراد ~~بذلك أمته، وكيفما تردد الأمر فإنه بيان أن الكفر يحبط العمل كيف كان، ولا ~~يعني به الكفر الأصلي؛ لأنه لم يكن فيه عمل يحبط، وإنما يعني به أن الكفر ~~يحبط العمل الذي كان مع الإيمان؛ إذ لا عمل إلا بعد أصل الإيمان، فالإيمان ~~معنى يكون به المحل أصلا للعمل لا شرطا في صحة العمل، كما تخيله الشافعية؛ ~~لأن الأصل لا يكون شرطا للفرع؛ إذ الشروط أتباع فلا تصير مقصودة؛ إذ فيه ~~قلب الحال وعكس الشيء، وقد بين الله تعالى ذلك بقوله: {ولو أشركوا لحبط ~~عنهم ما كانوا يعملون} [الأنعام: 88]. # وقال تعالى: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله} [المائدة: 5] فمن كفر من ~~أهل الإيمان حبط عمله، واستأنف العمل إذا أسلم، وكان كمن لم يسلم ms1447 ولم يكفر؛ ~~لقوله تعالى: {إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف} [الأنفال: 38] والإسلام ~~والهجرة يهدمان ما قبلهما من باطل، ولا يكون إيمانا إلا باعتقاد عام على ~~الأزمان، متصل بتأبيد الأبد، كما بيناه في كتب الأصول؛ فإنه لا يتبعض وإن ~~أفسد فسد جميعه، وهو حكم لا يتجزأ شرعا، وقد بيناه في التلخيص وغيره. # PageV04P079 ### | [سورة المؤمن فيها ثلاث آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه # أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا ~~فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف ~~كذاب} [غافر: 28]. # ظن بعضهم أن المكلف إذا كتم إيمانه، ولم يتلفظ به لسانه [أنه] لا يكون ~~مؤمنا باعتقاده. وقد قال مالك: إنه إذا نوى بقلبه طلاق زوجه أنه يلزمه، كما ~~يكون مؤمنا وكافرا بقلبه، فجعل مدار الإيمان على القلب، وإنه كذلك، لكن ليس ~~على الإطلاق، وقد بيناه في أصول الفقه بما لبابه أن المكلف إذا نوى الكفر ~~بقلبه كان كافرا، وإن لم يلفظ بلسانه. # وأما إذا نوى الإيمان بقلبه فلا يكون مؤمنا حتى يتلفظ بلسانه، وأما إذا ~~نوى الإيمان بقلبه تمنعه التقية والخوف من أن يتلفظ بلسانه [فلا يكون ~~مؤمنا] فيما بينه وبين الله تعالى، وإنما تمنعه التقية من أن يسمعه غيره، ~~وليس من شرط الإيمان أن يسمعه الغير في صحته من التكليف؛ إنما يشترط سماع ~~الغير له ليكف عن نفسه وماله. # PageV04P080 ### | [الآيتان الثانية والثالثة قوله تعالى الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون] # } [غافر: 79] {ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها ~~وعلى الفلك تحملون} [غافر: 80]. # قال القاضي: كل حكم تعلق بالأنعام فقد تقدم بيانه، فلا وجه لإعادته؛ فمن ~~شاء فليلحظه في موضعه. # PageV04P081 ### | [سورة فصلت فيها ست آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {فأرسلنا عليهم ms1448 ريحا صرصرا في أيام نحسات # لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون} ~~[فصلت: 16]. # فيها مسألتان: المسألة الأولى: قال ابن وهب عن مالك: يعني شدائد لا خير ~~فيها، وكذلك روى عنه ابن القاسم. # وقال زيد بن أسلم " وإنما ذكر ذلك مالك ردا على من يقول: إن النحس ~~الغبار، ولو كان الغبار نحسا لكان أقل ما أصابهم من نحس، وكذلك من قال: ~~إنها متتابعات لا يخرج من لفظ قوله تعالى: {نحسات} [فصلت: 16]. وإنما عرف ~~التتابع من قوله تعالى: {سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما} ~~[الحاقة: 7] # المسألة الثانية قيل: إنها كانت آخر شوال من الأربعاء إلى الأربعاء، ~~والناس يكرهون السفر يوم الأربعاء لأجل هذه الرواية؛ لقيت يوما مع خالي ~~الحسين بن حفص رجلا من الكتاب فودعناه بنية السفر، فلما فارقنا قال لي ~~خالي: إنك لا تراه أبدا لأنه سافر # PageV04P082 # يوم أربعاء لا يتكرر، وكذلك كان: مات في سفره، وهذا ما لا أراه، فإن يوم ~~الأربعاء يوم عجيب بما جاء في الحديث من الخلق فيه، والترتيب؛ فإن الحديث ~~ثابت «بأن الله خلق يوم السبت التربة، ويوم الأحد الجبال، ويوم الاثنين ~~الشجر، ويوم الثلاثاء المكروه، ويوم الأربعاء النور»، وروي: النون وفي ~~الحديث: «إنه خلق يوم الأربعاء غرة التقن»، وهو كل شيء أتقن به الأشياء ~~يعني المعادن من الذهب والفضة والنحاس والحديد والرصاص # فاليوم الذي خلق فيه المكروه لا يعافه الناس، واليوم الذي خلق فيه النور ~~أو التقن يعافونه، إن هذا لهو الجهل المبين. # وفي المغازي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «دعا على الأحزاب من يوم ~~الاثنين إلى يوم الأربعاء بين الظهر والعصر، فاستجيب له»، وهي ساعة فاضلة؛ ~~فالآثار الصحاح دليل على فضل هذا اليوم، وكيف يدعى فيه تغرير النحس بأحاديث ~~لا أصل لها، وقد صور قوم أياما من الأشهر الشمسية ادعوا فيها الكرامة؛ لا ~~يحل لمسلم أن ينظر إليها، ولا يشتغل بآلاتها، والله حسيبهم. ### | [الآية الثانية قوله تعالى إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا] # تتنزل عليهم الملائكة ms1449 ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم ~~توعدون} [فصلت: 30]. # فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: {إن الذين قالوا ربنا ~~الله} [فصلت: 30] يعني لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ إذ لا يتم أحد ~~الركنين إلا بالآخر، حسبما بيناه في غير موضع واستقر في قلوب المؤمنين في ~~غير موضع. المسألة الثانية: قوله تعالى: {ثم استقاموا} [فصلت: 30] استفعال، ~~من قام يعني دام واستمر وفيها قولان: # PageV04P083 # أحدهما: استقاموا على قول لا إله إلا الله حتى ماتوا عليها، ولم يبدلوا ~~ولم يغيروا. # الثاني: استقاموا على أداء الفرائض. وكلا القولين صحيح لازم، مراد ~~بالقول. والمعنى: فإن " لا إله إلا الله " مفتاح له أسنان، فمن جاء ~~بالمفتاح وأسنانه فتح له، وإلا لم يفتح له. المسألة الثالثة {تتنزل عليهم ~~الملائكة} [فصلت: 30] قال المفسرون: يعني عند الموت، وأنا أقول في كل يوم، ~~وآكد الأيام يوم الموت، وحين القبر، ويوم الفزع الأكبر، وفي ذلك آثار ~~بيناها في مواضعها. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا] # وقال إنني من المسلمين} [فصلت: 33]. # فيها أربع مسائل: المسألة الأولى: في سبب نزولها، وقد روي أنها نزلت في ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - وكان الحسن إذا تلا هذه الآية يقول: هذا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - هذا حبيب الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، ~~هذا والله أحب أهل الأرض إلى الله. # وقيل: نزلت في المؤذنين، وهذا ذكر ثان لهم في كتاب الله، وسيأتي الثالث ~~إن شاء الله تعالى. # والأول أصح؛ لأن الآية مكية، والأذان مدني، وإنما يدخل فيها بالمعنى، لا ~~أنه كان المقصود، ويدخل فيها أبو بكر الصديق حين قال في النبي وقد خنقه ~~الملعون: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله، ويتضمن كل كلام حسن فيه ذكر ~~التوحيد وبيان الإيمان. # PageV04P084 # المسألة الثانية: قوله تعالى: {وعمل صالحا} [فصلت: 33]. قالوا: هي ~~الصلاة، وإنه لحسن وإن كان المراد به كل عمل صالح، ولكن الصلاة أجله، ~~والمراد أن يتبع القول العمل، وقد بيناه في غير موضع. # المسألة الثالثة: ms1450 قوله: {وقال إنني من المسلمين} [فصلت: 33]، وما تقدم ~~يدل على الإسلام، لكن لما كان الدعاء بالقول، والسيف يكون للاعتقاد، ويكون ~~للحجة، وكان العمل يكون للرياء والإخلاص، دل على أنه لا بد من التصريح ~~بالاعتقاد لله في ذلك كله، وأن العمل لوجهه. # المسألة الرابعة: قوله تعالى: {وقال إنني من المسلمين} [فصلت: 33] ولم ~~يقل [له] إن شاء الله، وفي ذلك رد على من يقول: أنا مسلم إن شاء الله. وقد ~~بيناه في الأصول، وأوضحنا أنه لا يحتاج إليه. ### | [الآية الرابعة قوله تعالى ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن] # فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} [فصلت: 34]. # فيها مسألتان: المسألة الأولى: في سبب نزولها: روي أنها نزلت في أبي جهل؛ ~~كان يؤذي النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمر - عليه السلام - بالعفو عنه. ~~وقيل له: {فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم} [فصلت: 34]. المسألة ~~الثانية: اختلف ما المراد بها على ثلاثة أقوال: # الأول: قيل المراد بها ما روي في الآية أن نقول: إن كنت كاذبا يغفر الله ~~لك، وإن كنت صادقا يغفر الله لي، وكذلك روي أن أبا بكر الصديق قاله لرجل ~~نال منه. # PageV04P085 # الثاني المصافحة، وفي الأثر: «تصافحوا يذهب الغل»، وإن لم ير مالك ~~المصافحة، وقد اجتمع مع سفيان فتكلما فيها، فقال سفيان: قد صافح النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - جعفرا حين قدم من الحبشة، فقال له مالك: ذلك خاص له؛ ~~فقال له سفيان: ما خص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخصنا، وما عمه ~~يعمنا، والمصافحة ثابتة، فلا وجه لإنكارها. # وقد روى قتادة قال: قلت لأنس: هل كانت المصافحة في أصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -؟ قال: نعم. وهو حديث صحيح. # وروى البراء بن عازب قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما من ~~مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا». # وفي الأثر: «من تمام المحبة الأخذ باليد». # ومن حديث محمد بن إسحاق وهو إمام مقدم عن الزهري عن عائشة قالت: «قدم زيد ~~بن ms1451 حارثة المدينة في نفر، فقرع الباب، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- عريانا يجر ثوبه، والله ما رأيته عريانا قبله ولا بعده، فاعتنقه وقبله». ~~الثالث: السلام، لا يقطع عنه سلامه إذا لقيه، والكل محتمل. والله أعلم. ### | [الآية الخامسة قوله تعالى ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر] # لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون} ~~[فصلت: 37] {فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا ~~يسأمون} [فصلت: 38]. # وهذه آية سجود بلا خلاف، ولكن اختلف في موضعه؛ فقال مالك: موضعه: # PageV04P086 # {كنتم إياه تعبدون} [فصلت: 37] لأنه متصل بالأمر. وقال ابن وهب والشافعي: ~~موضعه {وهم لا يسأمون} [فصلت: 38] لأنه تمام الكلام، وغاية العبادة ~~والامتثال. # وقد كان علي وابن مسعود يسجدان عند قوله تعالى: {إن كنتم إياه تعبدون} ~~[فصلت: 37]. # وكان ابن عباس يسجد عند قوله: {يسأمون} [فصلت: 38]. # وقال ابن عمر: اسجدوا بالآخرة منهما، وكذلك يروى عن مسروق، وأبي عبد ~~الرحمن السلمي؛ وإبراهيم النخعي، وأبي صالح؛ ويحيى بن وثاب، وطلحة، والحسن، ~~وابن سيرين. # وكان أبو وائل، وقتادة، وبكر بن عبد الله يسجدون عند قوله: {يسأمون} ~~[فصلت: 38]، والأمر قريب. ### | [الآية السادسة قوله تعالى ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته] # أأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم ~~وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد} [فصلت: 44] # فيها أربع مسائل: المسألة الأولى: في سبب نزولها: روي أن قريشا قالوا: إن ~~الذي يعلم محمدا يسار أبو فكيهة مولى من قريش، وسلمان، فنزلت هذه الآية. ~~وهذا يصح في يسار، لأنه مكي، والآية مكية؛ وأما سلمان فلا يصح ذلك فيه؛ ~~لأنه لم يجتمع مع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا بالمدينة، وقد كانت ~~الآية نزلت بمكة بإجماع من الناس. المسألة الثانية: في معنى الآية: وهو أن ~~الله تعالى أراد أن هذا القرآن لو نزل باللغة # الأعجمية لقالت قريش لمحمد: يا محمد؛ إذا أرسلت إلينا به فهلا فصلت ~~آياته، أي بينت وأحكمت. # PageV04P087 # المسألة الثالثة: أعجمي وعربي، ms1452 التقدير: أنى يجتمع ما يقولون أو ينتظم ما ~~يأفكون؟ يسار أعجمي، والقرآن عربي، فأنى يجتمعان، ### | [مسألة ترجمة القرآن] # المسألة الرابعة: قال علماؤنا: هذا يبطل قول أبي حنيفة في قوله: إن ترجمة ~~القرآن بإبدال اللغة العربية فيه بالفارسية جائز؛ لأن الله تعالى قال: {ولو ~~جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا} [فصلت: 44]: كذا لنفي أن يكون للعجمة إليه ~~طريق، فكيف يصرف إلى ما نهى الله عنه، فأخبر أنه لم ينزل به. وقد بيناه في ~~مسائل الخلاف، وأوضحنا أن التبيان والإعجاز إنما يكون بلغة العرب، فلو قلب ~~إلى غير هذا لما كان قرآنا ولا بيانا، ولا اقتضى إعجازا، فلينظر هنالك على ~~التمام إن شاء الله لا رب غيره، ولا خير إلا خيره. # PageV04P088 ### | [سورة الشورى فيها ثمان آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا # إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ~~كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ~~ينيب} [الشورى: 13]. # ثبت في الحديث الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في حديث ~~الشفاعة المشهور [الكبير]: «ولكن ائتوا نوحا، فإنه أول رسول بعثه الله إلى ~~أهل الأرض. فيأتون نوحا فيقولون: أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض». ~~وهذا صحيح لا إشكال فيه، كما أن آدم أول نبي بغير إشكال؛ لأن آدم لم يكن ~~معه إلا بنوه، ولم تفرض له الفرائض، ولا شرعت له المحارم؛ وإنما كان تنبيها ~~على بعض الأمور، واقتصارا على ضرورات المعاش، وأخذا بوظائف الحياة والبقاء، ~~واستقر المدى إلى نوح، فبعثه الله بتحريم الأمهات والبنات والأخوات ووظف ~~عليه الواجبات، وأوضح له الآداب في الديانات، ولم يزل ذلك يتأكد بالرسل، ~~ويتناصر بالأنبياء - صلوات الله عليهم - واحدا بعد واحد، شريعة بعد شريعة، ~~حتى ختمها الله بخير الملل ملتنا، على لسان أكرم الرسل نبينا - صلى الله ~~عليه وسلم - وكأن المعنى: ووصيناك ms1453 يا محمد ونوحا دينا واحدا يعني في الأصول ~~التي لا تختلف فيها الشريعة، وهي: التوحيد، # PageV04P089 # والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والتقرب إلى الله تعالى بصالح ~~الأعمال، والتزلف إليه بما يرد القلب والجارحة إليه، والصدق، والوفاء ~~بالعهد، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وتحريم الكفر، والقتل، والزنا، ~~والإذاية للخلق، كيفما تصرفت، والاعتداء على # الحيوان كيفما كان، واقتحام الدناءات، وما يعود بخرم المروءات. # فهذا كله شرع دينا واحدا وملة متحدة لم يختلف على ألسنة الأنبياء، وإن ~~اختلفت أعدادهم، وذلك قوله تعالى: {أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} ~~[الشورى: 13] أي اجعلوه قائما، يريد دائما مستمرا، محفوظا مستقرا، من غير ~~خلاف فيه، ولا اضطراب عليه. فمن الخلق من وفى بذلك، ومنهم من نكث به، ومن ~~نكث فإنما ينكث على نفسه. # واختلفت الشرائع وراء هذا في معان حسبما أراده الله، مما اقتضته المصلحة، ~~وأوجبت الحكمة وضعه في الأزمنة على الأمم. والله أعلم. ### | [الآية الثانية قوله تعالى من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه] # ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب} [الشورى: ~~20]. # وقد تقدم ذلك في سورة سبحان وغيرها بما فيه كفاية، وقوله هاهنا: {ومن كان ~~يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب} [الشورى: 20] يبطل ~~مذهب أبي حنيفة في قوله: إنه من توضأ تبردا إنه يجزئه عن فريضة الوضوء ~~الموظفة عليه، فإن فريضة الوضوء الموظفة عليه من حرث الآخرة، والتبرد من ~~حرث الدنيا؛ فلا يدخل أحدهما على الآخر، ولا تجزئ نيته عنه بظاهر هذه ~~الآية؛ وقد بيناه في مسائل الخلاف. # PageV04P090 ### | [الآية الثالثة قوله تعالى ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام] # الآية الثالثة قوله تعالى: {ومن آياته الجواري في البحر كالأعلام} ~~[الشورى: 32]. # وقد تقدم ذكر ركوب البحر بما يغني عن إعادته. ### | [الآية الرابعة قوله تعالى والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم] # ومما رزقناهم ينفقون} [الشورى: 38]. # فيها أربع مسائل: المسألة الأولى: قوله {وأمرهم} [الشورى: 38] يعني به ~~الأنصار، كانوا قبل الإسلام وقبل قدوم النبي - عليه السلام - إذا كان ms1454 يهمهم # أمر اجتمعوا فتشاوروا بينهم وأخذوا به، فأثنى الله عليهم خيرا. المسألة ~~الثانية: الشورى فعلى، من شار يشور شورا إذا عرض الأمر على الخيرة، حتى ~~يعلم المراد منه. وفي حديث أبي بكر الصديق أنه ركب فرسا يشوره. المسألة ~~الثالثة: الشورى ألفة للجماعة، ومسبار للعقول، وسبب إلى الصواب، وما تشاور ~~قوم إلا هدوا. وقد قال حكيم: # إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... برأي لبيب أو مشورة حازم # ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فإن الخوافي نافع للقوادم # المسألة الرابعة: مدح الله المشاور في الأمور، ومدح القوم الذين يمتثلون ~~ذلك، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV04P091 # يشاور أصحابه في الأمور المتعلقة بمصالح الحروب، وذلك في الآثار كثير، ~~ولم يشاورهم في الأحكام؛ لأنها منزلة من عند الله على جميع الأقسام: من ~~الفرض، والندب، والمكروه، والمباح، والحرام. فأما الصحابة بعد استئثار الله ~~به علينا فكانوا يتشاورون في الأحكام، ويستنبطونه امن الكتاب والسنة؛ وإن ~~أول ما تشاور فيه الصحابة الخلافة، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ~~ينص عليها حتى كان فيها بين أبي بكر والأنصار ما سبق بيانه. وقال عمر: نرضى ~~لدنيانا من رضيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لديننا. # وتشاوروا في أمر الردة، فاستقر رأي أبي بكر على القتال. وتشاوروا في الجد ~~وميراثه، وفي حد الخمر وعدده على الوجوه المذكورة في كتب الفقه. وتشاوروا ~~بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحروب، حتى شاور عمر الهرمزان ~~حين وفد عليه مسلما في المغازي، فقال له. الهرمزان: إن مثلها ومثل من فيها ~~من عدو المسلمين مثل طائر له رأس وله جناحان ورجلان، فإن كسر أحد الجناحين ~~نهضت الرجلان بجناح والرأس، وإن كسر الجناح الآخر نهضت الرجلان والرأس، وإن ~~شدخ الرأس ذهبت الرجلان والجناحان، والرأس كسرى والجناح الواحد قيصر، ~~والآخر فارس. فمر المسلمين فلينفروا إلى كسرى وذكر الحديث إلى آخره # وقال بعض العقلاء: ما أخطأت قط؛ إذا حزبني أمر شاورت قومي، ففعلت الذي ~~يرون، فإن أصبت فهم المصيبون، وإن أخطأت فهم المخطئون، وهذا أبين من ms1455 إطناب ~~فيه. ### | [الآية الخامسة والسادسة قوله تعالى والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون] # الآية الخامسة قوله تعالى: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} ~~[الشورى: 39]. # فيها مسألتان: المسألة الأولى: ذكر الله الانتصار في البغي في معرض ~~المدح، وذكر العفو عن الجرم في موضع # PageV04P092 # آخر في معرض المدح؛ فاحتمل أن يكون أحدهما رافعا للآخر، واحتمل أن يكون ~~ذلك راجعا إلى حالتين: إحداهما أن يكون الباغي معلنا بالفجور، وقحا في ~~الجمهور، مؤذيا للصغير والكبير، فيكون الانتقام منه أفضل. وفي مثله قال ~~إبراهيم النخعي: يكره للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم، فيجترئ عليهم الفساق. # الثاني: أن تكون الفلتة، أو يقع ذلك ممن يعترف بالزلة، ويسأل المغفرة، ~~فالعفو هاهنا أفضل، وفي مثله نزلت: {وأن تعفوا أقرب للتقوى} [البقرة: 237] ~~وقوله تعالى: {فمن تصدق به فهو كفارة له} [المائدة: 45]. وقوله: {وليعفوا ~~وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم} [النور: 22]. المسألة الثانية: قال ~~السدي: إنما مدح الله من انتصر ممن بغى عليه من غير اعتداء بالزيادة على ~~مقدار ما فعل به يعني كما كانت العرب تفعله؛ ويدل عليه قوله تعالى: {وجزاء ~~سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله} [الشورى: 40] فبين في آخر ~~الآية المراد منها، وهو أمر محتمل. والأول أظهر وهي الآية السادسة. ### | [الآية السابعة قوله تعالى إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق] # [الآية السابعة] قوله تعالى: {إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون ~~في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم} [الشورى: 42]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى: هذه الآية في مقابلة الآية المتقدمة في (براءة)، وهي ~~قوله: {ما على المحسنين من سبيل} [التوبة: 91] فكما نفى الله السبيل عمن ~~أحسن فكذلك أثبتها على من ظلم، واستوفى بيان القسمين. # PageV04P093 # المسألة الثانية: روى ابن القاسم وابن وهب عن مالك، وسئل عن قول سعيد بن ~~المسيب: لا أحلل أحدا. فقال: ذلك يختلف. فقلت: يا أبا عبد الله، الرجل يسلف ~~الرجل فيهلك، ولا فاء له. قال: أرى أن يحلله، وهو أفضل عندي لقول الله ~~تعالى: {الذين يستمعون القول ms1456 فيتبعون أحسنه} [الزمر: 18] وليس كلما قال أحد ~~وإن كان له فضل يتبع. فقيل له: الرجل يظلم الرجل، فقال: لا أرى ذلك، وهو ~~مخالف عندي للأول، لقول الله تعالى: {إنما السبيل على الذين يظلمون الناس} ~~[الشورى: 42]، ويقول تعالى: {ما على المحسنين من سبيل} [التوبة: 91] فلا ~~أرى أن تجعله من ظلمه في حل. # قال ابن العربي: فصار في المسألة ثلاثة أقوال: أحدها لا يحلله بحال؛ قاله ~~سعيد بن المسيب. # والثاني: يحلله؛ قاله محمد بن سيرين. # الثالث إن كان مالا حلله، وإن كان ظلما لم يحلله؛ وهو قول مالك. # وجه الأول ألا يحلل ما حرم الله، فيكون كالتبديل لحكم الله. # ووجه الثاني أنه حقه؛ فله أن يسقطه [كما يسقط دمه وعرضه]. # ووجه الثالث الذي اختاره مالك هو أن الرجل إذا غلب على حقك فمن الرفق به ~~أن تحلله، وإن كان ظالما فمن الحق ألا تتركه لئلا يغتر الظلمة، ويسترسلوا ~~في أفعالهم القبيحة. # وفي صحيح مسلم، عن عبادة بن الوليد بن عبادة الصامت قال: خرجت أنا وأبي ~~نطلب العلم في هذا الحي من الأنصار قبل أن يهلكوا، فكان أول من لقينا أبو ~~اليسر صاحب # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه غلام له معه ضمامة من صحف وعلى ~~أبي اليسر بردة ومعافري، وعلى غلامه بردة ومعافري، فقال له أبي: أي عم؛ أرى ~~في وجهك سفعة من غضب. فقال: أجل، كان لي على فلان ابن فلان الحرامي دين، ~~فأتيت أهله # PageV04P094 # فسلمت، وقلت: أثم هو؟ قالوا: لا، فخرج علي ابن له جفر، قلت له: أين أبوك، ~~فقال: سمع صوتك فدخل أريكة أمي، فقلت: اخرج إلي، فقد علمت أين أنت، فخرج، ~~فقلت له: ما حملك على أن اختبأت مني؟ قال: أنا والله أحدثك، ثم لا أكذبك، ~~خشيت والله أن أحدثك فأكذبك، وأعدك فأخلفك، وأنت صاحب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وكنت والله معسرا. قال: فقلت: آلله، قال: آلله. قلت: آلله، ~~قال: آلله، قال: فقلت: آلله، قال: آلله. قال: فأتى بصحيفته فمحاها بيده. ~~قال: إن وجدت قضاء ms1457 فاقض، وإلا فأنت في حل. . # وذكر الحديث. # وهذا في الحي الذي يرجى له الأداء لسلامة الذمة، ورجاء التحلل، فكيف ~~بالميت الذي لا محالة معه، ولا ذمة معه، ### | [الآية الثامنة قوله تعالى لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء] # الآية الثامنة قوله تعالى: {لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب ~~لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور} [الشورى: 49] {أو يزوجهم ذكرانا ~~وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير} [الشورى: 50]. فيها أربع مسائل: ~~المسألة الأولى: في المراد بالآية: قال علماؤنا: قوله {يهب لمن يشاء إناثا} ~~[الشورى: 49] يعني لوطا كان له بنات ولم يكن له ابن ويهب لمن يشاء الذكور ~~إبراهيم كان له بنون ولم تكن له بنت. # وقوله: {أو يزوجهم ذكرانا وإناثا} [الشورى: 50] يعني آدم، كانت حواء تلد ~~له في كل بطن ولدين توأمين ذكرا وأنثى؛ فيزوج الذكر من هذا البطن من الأنثى ~~من هذا البطن الآخر، حتى أحكم الله التحريم في شرع نوح - عليه السلام -. ~~وكذلك محمد - صلى الله عليه وسلم - كان له ذكور وإناث، من الأولاد: القاسم، ~~والطيب، # PageV04P095 # والطاهر، وعبد الله؛ وزينب، وأم كلثوم، ورقية، وفاطمة؛ وكلهم من خديجة - ~~رضي الله عنها - وإبراهيم وهو من مارية القبطية. # وكذلك قسم الله الخلق من لدن آدم إلى زماننا إلى أن تقوم الساعة على هذا ~~التقدير المحدود بحكمته البالغة ومشيئته النافذة، ليبقى النسل، ويتمادى ~~الخلق، وينفذ الوعد، ويحق الأمر، وتعمر الدنيا، وتأخذ الجنة والنار ما يملأ ~~كل واحدة منهما ويبقى؛ ففي الحديث: «إن النار لن تمتلئ حتى يضع الجبار فيها ~~قدمه، فتقول قط قط وأما الجنة فتبقى فينشئ الله لها خلقا آخر». المسألة ~~الثانية: إن الله لعموم قدرته وشديد قوته يخلق الخلق ابتداء من غير شيء، ~~وبعظيم لطفه وبالغ حكمته يخلق شيئا من شيء لا عن حاجة، فإنه قدوس عن ~~الحاجات، سلام عن الآفات، كما قال القدوس السلام، فخلق آدم من الأرض، وخلق ~~حواء من آدم، وخلق النشأة من بينهما منهما، مرتبا عن الوطء كائنا عن الحمل، ~~موجودا في الجنين بالوضع، ms1458 كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا سبق ~~ماء الرجل ماء المرأة أذكرا، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل أنثا». # وكذلك في الصحيح أيضا «إذا علا ماء الرجل ماء المرأة أشبه الولد أعمامه، ~~وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أشبه الولد أخواله». # وقد بينا تحقيق ذلك في شرح الحديث بما لبابه أنها أربعة أحوال: ذكر يشبه ~~أعمامه. أنثى تشبه أخوالها. ذكر يشبه أخواله. أنثى تشبه أعمامها. وذلك في ~~الجميع بين ظاهر التعالج أن معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: سبق: خرج من ~~قبل، ومعنى علا كثر، فإذا خرج ماء الرجل من قبل وخرج ماء المرأة بعده وكان ~~أقل منه كان # PageV04P096 # الولد ذكرا # بحكم سبق ماء الرجل، ويشبه أعمامه بحكم كثرة مائه أيضا وإن خرج ماء ~~المرأة من قبل وخرج ماء الرجل بعده وكان أقل من مائها كان الولد أنثى بحكم ~~سبق ماء المرأة، ويشبه أحوالها لأن ماءها علا ماء الرجل وكاثره. وإن خرج ~~ماء الرجل من قبل لكن لما خرج ماء المرأة كان أكثر جاء الولد ذكرا بحكم سبق ~~ماء الرجل وأشبه أمه وأخواله بحكم علو ماء المرأة وكثرته. وإن خرج ماء ~~المرأة من قبل لكن لما خرج ماء الرجل من بعد ذلك كان أكثر وأعلى كان الولد ~~أنثى بحكم سبق ماء المرأة، ويشبه أباه وأعمامه بحكم غلبة ماء الذكر وعلوه ~~وكثرته على ماء المرأة. فسبحان الخلاق العظيم. ### | [مسألة رجل له ذكر وفرج كيف تكون حالته في الميراث] # المسألة الثالثة: قد كانت الخلقة مستمرة ذكرا وأنثى إلى أن وقع في ~~الجاهلية الأولى الخنثى، فأتى به فريض العرب ومعمرها عامر بن الظرب، فلم ~~يدر ما يقول فيه، وأرجأهم عنه، فلما جن عليه الليل تنكر موضعه، وأقض عليه ~~مضجعه، وجعل يتقلى ويتقلب. وتجيء به الأفكار وتذهب إلى أن أنكرت الأمة ~~حالته، فقالت: ما بك؟ قال لها: سهرت لأمر قصدت فيه فلم أدر ما أقول فيه. ~~فقالت له: ما هو؟ قال لها: رجل له ذكر وفرج، كيف تكون حالته في الميراث؟ ~~قالت ms1459 له الأمة: ورثه من حيث يبول، فعقلها، وأصبح، فعرضها لهم وأمضاها ~~عليهم، فانقلبوا بها راضين. وجاء الإسلام على ذلك فلم تنزل إلا في عهد علي ~~بن أبي طالب، فقضى فيها بما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. # وقد روى الفرضيون عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - «أنه سئل عن مولود له قبل وذكر من أين يورث؟ قال: من حيث ~~يبول». # وروي أنه أتى بخنثى من الأنصار، فقال: «ورثوه من أول ما يبول». # PageV04P097 # قال القاضي: قال لنا شيخنا أبو عبد الله الشقاق فرضي الإسلام: إن بال ~~منهما جميعا ورث بالذي يسبق منه البول، وكذلك رواه محمد بن الحنفية عن علي، ~~ونحوه، عن # ابن عباس وبه قال ابن المسيب، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد، وحكاه ~~المزني عن الشافعي. وقال قوم: لا دلالة في البول، فإن خرج البول منهما ~~جميعا قال أبو يوسف: يحكم بالأكثر. # وأنكره أبو حنيفة، وقال: أيكيله، ولم يجعل أصحاب الشافعي للكثرة حكما. # وحكي عن علي والحسن: تعد أضلاعه، فإن المرأة تزيد على الرجل بضلع واحد، ~~ولو صح هذا لما أشكل حاله. انتهى كلام شيخنا أبي عبد الله. # وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي: لا أحفظ عن مالك في الخنثى شيئا. وحكى عنه ~~أنه جعله ذكرا، وحكى عنه أنه جعل له نصف ميراث ذكر ونصف ميراث أنثى، وليس ~~بثابت عنه. # قال أبو عبد الله الشقاق: ومما يستدل به على حاله: الحيض، والحبل، وإنزال ~~المني من الذكر، واللحية، والثديان؛ ولا يقطع بذلك. وقد قيل: إذا بلغ زال ~~الإشكال. # قال القاضي: وروي عن علمائنا فيه قال مطرف، وابن الماجشون، وابن عبد ~~الحكم، وابن وهب، وابن نافع، وأصبغ: يعتبر مباله. فإن بال منهما فالأسبق، ~~وإن خرج منهما فالأكثر، ولولا ما قال العلماء هذا لقلت: إنه إن بال من ثقب ~~إنه يعتبر به هو الآخر؛ لأن الولد لا يخرج من المبال بحال، وإنما ثقب البول ~~غير مخرج الولد. ويتبين ذلك في الأنثى، وقالوا على مخرج البول ينبني ms1460 نكاحه ~~وميراثه وشهادته وإحرامه في حجه، وجميع أمره. # وإن كان له ثدي ولحية أو لم يكن ورث نصف ميراث رجل، ولا يجوز له حينئذ ~~نكاح، ويكون أمره في شهادته وصلاته وإحرامه على أحوط الأمرين. # والذي نقول: إنه يستدل فيه بالحبل والحيض. # حالة ثالثة كحالة أولى لا بد منها، وهي أنه إذا أشكل أمره فطلب النكاح من # PageV04P098 # ذكره، وطلب النكاح من فرجه فإنه أمر لم يتكلم فيه علماؤنا، وهو من النوع ~~الذي يقال فيه دعه حتى يقع، ولأجل هذه الإشكالات في الأحكام والتعارض في ~~الإلزام والالتزام أنكره # قوم من رءوس العوام، فقالوا: إنه لا خنثى؛ فإن الله تعالى قسم الخلق إلى ~~ذكر وأنثى. # قلنا: هذا جهل باللغة وغباوة عن مقطع الفصاحة، وقصور عن معرفة سعة ~~القدرة؛ أما قدرة الله تعالى فإنه واسع عليم. # وأما ظاهر القرآن فلا ينفي وجود الخنثى؛ لأن الله تعالى قال: {لله ملك ~~السماوات والأرض يخلق ما يشاء} [الشورى: 49]، فهذا عموم فلا يجوز تخصيصه ~~لأن القدرة تقتضيه. وأما قوله: {يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور} ~~[الشورى: 49] {أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير} ~~[الشورى: 50] فهذا إخبار عن الغالب في الموجودات، وسكت عن ذكر النادر ~~لدخوله تحت عموم الكلام الأول؛ والوجود يشهد له، والعيان يكذب منكره. # وقد كان يقرأ معنا برباط أبي سعيد علي الإمام الشهيد من بلاد المغرب خنثى ~~[ليس] له لحية، وله ثديان، وعنده جارية، فربك أعلم به، ومع طول الصحبة ~~عقلني الحياء عن سؤاله، وبودي اليوم لو كاشفته عن حاله. المسألة الرابعة: ~~في توريثه، وهو مذكور على التمام في كتب المسائل، فلينظر هنالك. # PageV04P099 ### | [سورة الزخرف فيها ست آيات] ### | [الآية الأولى قوله تعالى والذي خلق الأزواج كلها] # قوله تعالى: {والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما ~~تركبون} [الزخرف: 12] {لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم ~~عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين} [الزخرف: 13]. # فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى: قوله: {وجعل لكم من ms1461 الفلك والأنعام ما ~~تركبون} [الزخرف: 12] يعني بذلك الإبل دون البقر؛ لأن البقر لم تخلق لتركب. # والدليل عليه الحديث الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «بينما ~~رجل راكب بقرة إذ قالت له: إني لم أخلق لهذا، وإنما خلقت للحرث. فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: آمنت بذلك أنا وأبو بكر وعمر، وما هما في ~~القوم». المسألة الثانية: قوله: {لتستووا على ظهوره} [الزخرف: 13] يعني ~~الإبل خاصة؛ لأن الفلك إنما تركب بطونها، ولكنه ذكرهما جميعا في أول الآية، ~~وعطف أحدهما على آخرهما. ويحتمل أن يجعل ظاهرها باطنها؛ لأن الماء غمره ~~وستره، وباطنها ظاهر؛ لأنه انكشف للراكبين وظهر للمبصرين. # PageV04P100 ### | [مسألة ما نقول إذا ركبنا الدواب] # المسألة الثالثة قوله: {وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له ~~مقرنين} [الزخرف: 13] أي مطيقين، تقول: قرنت كذا وكذا إذا ربطته به، وجعلته ~~قرينه، وأقرنت كذا بكذا إذا أطقته وحكمته، كأنه جعله في قرن وهو الحبل، ~~فأوثقه به، وشده فيه؛ فعلمنا الله تعالى ما نقول إذا ركبنا الدواب، وعلمنا ~~الله في آية أخرى على لسان نوح - عليه السلام - ما نقول إذا ركبنا السفن، ~~وهو قوله تعالى: {وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور ~~رحيم} [هود: 41]. # وروي أن أعرابيا ركب قعودا له وقال: إني لمقرن له، فركضت به القعود حتى ~~صرعته، فاندقت عنقه. وما ينبغي لعبد أن يدع قول هذا، وليس بواجب ذكره ~~باللسان، وإنما الواجب اعتقاده بالقلب، أما أنه يستحب له ذكره باللسان ~~فيقول متى ركب وخاصة باللسان إذا تذكر في السفر: {سبحان الذي سخر لنا هذا ~~وما كنا له مقرنين} [الزخرف: 13] {وإنا إلى ربنا لمنقلبون} [الزخرف: 14] ~~«اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل والمال، اللهم إني أعوذ بك ~~من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، والحور بعد الكور، وسوء المنظر في الأهل ~~والمال» يعني بالحور والكور تشتت أمر الرجل بعد اجتماعه. # وقال عمرو بن دينار: ركبت مع أبي جعفر إلى أرض له نحو حائط يقال لها ~~مدركة، فركب على جمل صعب، فقلت ms1462 له: أبا جعفر، أما تخاف أن يصرعك. فقال: «إن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: على سنام كل بعير شيطان، فإذا ~~ركبتموها فاذكروا اسم الله كما أمركم، ثم امتهنوها لأنفسكم، فإنما يحمل ~~الله». # وقال علي بن ربيعة: «شهدت علي بن أبي طالب ركب دابة يوما، فلما وضع رجله ~~في الركاب قال: بسم الله، فلما استوى على الدابة قال: الحمد لله. ثم قال: ~~سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين. وإنا إلى ربنا لمنقلبون. ثم ~~قال: الحمد لله، والله أكبر ثلاثا، اللهم لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر ~~لي، فإنه لا يغفر الذنوب # PageV04P101 # إلا أنت، ثم ضحك فقلت له: ما أضحكك؟ قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - صنع كما صنعت، وقال كما قلت، ثم ضحك، فقلت له: ما يضحكك يا رسول ~~الله؟ قال: لعبد أو قال: عجبا لعبد أن يقول: اللهم لا إله إلا أنت ظلمت ~~نفسي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، يعلم أنه لا يغفر الذنوب ~~غيره». ### | [الآية الثانية قوله تعالى وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون] # } [الزخرف: 28]. # فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى في شرح الكلمة؛ وهي النبوة في قول، والتوحيد في قول آخر؛ ~~ولا جرم لم تزل النبوة باقية في ذرية إبراهيم والتوحيد هم أصله، وغيرهم فيه ~~تبع لهم. المسألة الثانية قوله: {في عقبه} [الزخرف: 28]: بناء ع ق ب لما ~~يخلف الشيء، ويأتي بعده، يقال: عقب يعقب عقوبا وعقبا إذا جاء شيئا بعد شيء، ~~ولهذا قيل لولد الرجل من بعده عقبه. # وفي حديث عمر أنه سافر في عقب رمضان وقد يستعمل في غير ذلك على موارد ~~كثيرة. المسألة الثالثة إنما كانت لإبراهيم في الأعقاب موصولة بالأحقاب ~~بدعوتيه المجابتين: إحداهما بقوله: {إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي ~~قال لا ينال عهدي الظالمين} [البقرة: 124] فقد قال له: نعم، إلا من ظلم ~~منهم، فلا عهد له. # ثانيهما قوله: {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} [إبراهيم: 35]. # PageV04P102 # وقيل بدل الأولى: {واجعل لي لسان صدق ms1463 في الآخرين} [الشعراء: 84] فكل أمة ~~تعظمه؛ بنوه وغيرهم ممن يجتمع معه في سام أو في نوح. ### | [مسألة عقود العمرى أو التحبيس] # المسألة الرابعة جرى ذكر العقب هاهنا موصولا في المعنى بالحقب، وذلك مما ~~يدخل في الأحكام، وتترتب عليه عقود العمرى أو التحبيس قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه فإنها للذي أعطيها لا ترجع إلى ~~الذي أعطاها»؛ لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث. وهي ترد على أحد عشر لفظا ~~قوله: اللفظ الأول الولد، وهو عند الإطلاق عبارة عمن وجد عن الرجل وامرأته ~~من الذكور والإناث، وعن ولد الذكور دون ولد الإناث لغة وشرعا؛ ولذلك وقع ~~الميراث على الولد المعين وأولاد الذكور من المعين دون ولد البنات، لأنه من ~~قوم آخرين، وكذلك لم يدخلوا في الحبس بهذا اللفظ؛ قاله مالك في المجموعة ~~وغيرها. # اللفظ الثاني البنون فإن قال: هذا حبس على ابني فلا يتعدى الولد المعين ~~ولا يتعدد. # ولو قال: ولدي لتعدى وتعدد في كل من ولد. وإن قال: على بني دخل فيه ~~الذكور والإناث. قال مالك: من تصدق على بنيه وبني بنيه فإن بناته وبنات ~~بناته يدخلن في ذلك. # وروى عيسى عن ابن القاسم فيمن حبس على بناته فإن بنت بنته تدخل في ذلك مع ~~بنات صلبه. # والذي عليه جماعة أصحابه أن ولد البنت لا يدخلون في البنين. # PageV04P103 # فإن قيل: فقد «قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحسن بن بنته: إن ~~ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين». # قلنا: هذا مجاز، وإنما أشار به إلى تشريفه وتقديمه. ألا ترى أنه يجوز ~~نفيه عنه، فيقول الرجل في ولد بنته: ليس بابني، ولو كان حقيقة ما جاز نفيه ~~عنه؛ لأن الحقائق لا تنفى عن مسمياتها، ألا ترى أنه ينسب إلى أبيه دون أمه، ~~ولذلك قيل في عبد الله بن عباس: إنه هاشمي؛ وليس بهلالي، وإن كانت أمه ~~هلالية. اللفظ الثالث الذرية، وهي مأخوذة من ذرأ الله الخلق، في الأشهر، ~~فكأنهم ms1464 وجدوا عنه ونسبوا إليه. # ويدخل فيه عند علمائنا ولد البنات، لقوله تعالى: {ومن ذريته داود ~~وسليمان} [الأنعام: 84]. إلى أن قال: {وزكريا ويحيى وعيسى} [الأنعام: 85] ~~فإنما هو من ذريته من قبل أمه؛ لأنه لا أب له. اللفظ الرابع العقب، وهو في ~~اللغة عبارة عن شيء جاء بعد شيء، وإن لم يكن من جنسه، يقال أعقب الله بخير، ~~أي جاء بعد الشدة بالرخاء. وأعقب الشيب السواد. والمعقاب من النساء التي ~~تلد ذكرا بعد أنثى هكذا أبدا. وعقب الرجل ولده وولد ولده الباقون بعده. ~~والعاقبة: الولد قال يعقوب: وفي القرآن: {وجعلها كلمة باقية في عقبه} ~~[الزخرف: 28]. وقيل: بل الورثة كلهم عقب. والعاقبة: الولد، كذلك فسره مجاهد ~~هاهنا. وقال ابن زيد هاهنا: هم الذرية. # وقال ابن شهاب: هم الولد وولد الولد. # PageV04P104 # وأما من طريق الفقه فقال ابن القاسم في المجموعة: العقب الولد ذكرا كان ~~أم أنثى. وقال عبد الملك: وليس ولد البنات عقبا بحال. # وقال محمد عن إبراهيم عن ابن القاسم، عن مالك فيمن حبس على عقبه ولعقبه ~~ولد فإنه يساوي بينهم وبين آبائهم للذكر والأنثى سواء، ويفضل ذو العيال، ~~وهذا من قول ابن شهاب إنه الولد وولد الولد، وليس ولد الابنة عقبا ولا ابنة ~~الابنة. # وقال القاضي: إن كان المراد بالكلمة التوحيد، فيدخل فيه الذكر والأنثى، ~~وإن كان المراد به الإمامة فلا يدخل فيه إلا الذكر وحده؛ لأن الأنثى ليست ~~بإمام. وقد بينا ذلك وأوضحناه؛ وإنما لا يكون ولد البنات عقبا ولا ولدا إذا ~~كان القول الأول: على ولدي أو عقبي مفردا، وأما إذا تكرر فقال: على ولدي ~~وولد ولدي، وعلى عقبي وعقب عقبي، فإنه يدخل ولد البنات فيه حسبما يذكر فيه، ~~ولا يدخل فيما بعده مثل قوله: أبدا، ومثل قوله ما تناسلوا. # اللفظ الخامس نسلي، وهو عند علمائنا كقوله: ولد ولدي فإنه يدخل فيه ولد ~~البنات، ويجب أن يدخلوا؛ لأن " نسل " بمعنى خرج، وولد البنات قد خرجوا منه ~~بوجه، ولم يقترن به ما يخصه، كما اقترن بقوله: عقبي ما تناسلوا، حسبما ~~تقدم. ms1465 والله أعلم. # اللفظ السادس الآل، وهم الأهل. وهو اللفظ السابع. قال ابن القاسم: هما ~~سواء، وهم العصبة والإخوة والأخوات، والبنات والعمات، ولا يدخل فيه ~~الخالات، وأصل الأهل الاجتماع، يقال مكان آهل إذا كان فيه جماعة، وذلك ~~بالعصبة، ومن دخل في العقد؛ والعصبة مشتقة منه، وهي أخص به. وفي حديث ~~الإفك: يا رسول الله، أهلك ولا نعلم إلا خيرا يعني عائشة؛ # PageV04P105 # ولكن لا تدخل الزوجة فيه بإجماع، وإن كانت أصل التأهل؛ لأن ثبوتها ليس ~~بيقين، وقد يتبدل ربطها وينحل بالطلاق. # وقد قال مالك: آل محمد كل تقي، وليس من هذا الباب، وإنما أراد أن الإيمان ~~أخص من القرابة، وقد اشتملت عليه الدعوة وقصد بالرحمة. # وقد قال أبو إسحاق التونسي: يدخل في الأهل من كان من جهة الأبوين فوفى ~~الاشتقاق حقه، وغفل عن العرف ومطلق الاستعمال. وهذه المعاني إنما تبنى على ~~الحقيقة أو العرف المستعمل عند الإطلاق، فهذان لفظان. # اللفظ الثامن القرابة، وفيها أربعة أقوال: الأول: قال مالك في كتاب محمد، ~~وابن عبدوس: إنهم الأقرب فالأقرب بالاجتهاد، ولا يدخل فيه ولد البنات، ولا ~~ولد الخالات. الثاني يدخل فيه أقاربه من قبل أبيه وأمه؛ قاله علي بن زياد. ~~الثالث: قال أشهب: يدخل فيه كل ذي رحم من الرجال والنساء. الرابع قال ابن ~~كنانة: يدخل فيه الأعمام والعمات والأخوات والخالات وبنات الأخ وبنات ~~الأخت. وقد قال ابن عباس في تفسير قوله تعالى: {قل لا أسألكم عليه أجرا إلا ~~المودة في القربى} [الشورى: 23] قال: إلا أن تصلوا قرابة ما بيني وبينكم ~~وقال: لم يكن بطن من قريش إلا كانت بينها وبين النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قرابة، فهذا يضبطه. والله أعلم. # اللفظ التاسع: العشيرة، ويضبطه الحديث الصحيح: «إن الله تعالى لما أنزل: ~~{وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بطون قريش وسماهم» كما تقدم ذكره، وهم العشيرة # PageV04P106 # الأقربون؛ وسواهم عشيرة في الإطلاق، واللفظ يحمل على الأخص الأقرب ~~بالاجتهاد، كما تقدم من قول علمائنا. اللفظ العاشر القوم [قال القرويون]: ~~يحمل ذلك على الرجال ms1466 خاصة من العصبة دون النساء. والقوم يشتمل على الرجال ~~والنساء، وإن كان الشاعر قد قال: # وما أدري وسوف أخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء # ولكنه أراد أن الرجل إذا دعا قومه للنصرة عنى الرجال، وإذا دعاهم للحرمة ~~دخل فيهم الرجال والنساء، فتعمه الصفة وتخصه القرينة. اللفظ الحادي عشر ~~الموالي: قال مالك: يدخل فيه موالي أبيه وابنه مع مواليه. وقال ابن وهب: ~~يدخل فيه أولاد مواليه. # قال القاضي: والذي يتحصل فيه أنه يدخل فيه من يرثه بالولاء؛ وهذه فصول ~~الكلام وأصوله مرتبطة بظاهر القرآن؛ والسنة المبينة له والتفريع والتتميم ~~في كتب المسائل، والله أعلم. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى ولولا أن يكون الناس أمة واحدة] # لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون} ~~[الزخرف: 33]. # فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى معنى الآية أن الدنيا عند الله تعالى من ~~الهوان بحيث كان يجعل بيوت الكفار ودرجها وأبوابها ذهبا وفضة، لولا غلبة حب ~~الدنيا على القلوب، فيحمل ذلك على الكفر. والقدر # PageV04P107 # الذي [جعل] عند الكفار من الدنيا وعند بعض المؤمنين والأغنياء إنما هو ~~فتنة لقوله تعالى: {وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا} ~~[الفرقان: 20]. ### | [مسألة باع من رجل دارا فبناها فوجد فيها جرة من ذهب] # المسألة الثانية في هذا دليل على أن السقف لصاحب السفل؛ وذلك لأن البيت ~~عبارة عن قاعة وجدار وسقف وباب، فمن له البيت فله أركانه، ولا خلاف في أن ~~العلو له إلى السماء. # واختلفوا في السفل، فمنهم من قال: هو له. ومنهم من قال: ليس له في بطن ~~الأرض شيء. وفي مذهبنا القولان. وقد بين ذلك حديث الإسرائيلي الصحيح فيما ~~تقدم: أن رجلا باع من رجل دارا فبناها فوجد فيها جرة من ذهب، فجاء بها إلى ~~البائع، فقال: إنما # اشتريت الدار دون الجرة. وقال البائع: إنما بعت الدار بما فيها. وكلاهما ~~تدافعا فقضى بينهم أن يزوج أحدهما ولده من بنت الآخر، ويكون المال بينهما. # والصحيح أن العلو والسفل له إلا أن يخرج عنه بالبيع وهي: المسألة ms1467 الثالثة ~~فإذا باع أحدهما أحد الموضعين فله منه ما ينتفع به، وباقيه للمبتاع منه. ### | [الآية الرابعة قوله تعالى وإنه لذكر لك ولقومك] # وسوف تسألون} [الزخرف: 44]. # فيها مسألتان: # PageV04P108 # المسألة الأولى في الذكر؛ وفيه ثلاثة أقوال: أحدهما: الشرف. # الثاني: الذكرى بالعهد المأخوذ في الدين. # الثالث: قال مالك: هو قول الرجل حدثني أبي عن أبيه. # وإذا قلنا: إنه الشرف والفضل فإن ذلك حقيقة إنما هو بالدين، فإن الدنيا ~~لا شرف فيها. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله قد أذهب عنكم ~~عبية الجاهلية وتفاخرها بالأحساب، والناس مؤمن تقي أو كافر شقي، كلكم لآدم ~~وآدم من تراب، وإن أكرمكم عند الله أتقاكم». # وقيل: وإنه لذكر لك ولقومك يعني الخلافة فإنها في قريش لا تكون في غيرهم. ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الناس تبع لقريش في هذا الشأن، مسلمهم ~~تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم». # وقال مالك: هو قول الرجل حدثني أبي عن أبيه، ولم أجد في الإسلام هذه ~~المرتبة إلا ببغداد، فإن بني التميمي بها يقولون: حدثني أبي قال: حدثني أبي ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبذلك شرفت أقدارهم، وعظم الناس ~~شأنهم وتهممت الخلافة بهم. # ورأيت بمدينة السلام ابني أبي محمد رزق الله بن عبد الوهاب بن أبي الفرح ~~بن عبد العزيز بن الجرد بن أسد بن الليث بن سليمان بن أسد بن سفيان بن يزيد ~~بن أكينة بن # PageV04P109 # عبد الله التميمي وكانا يقولان: سمعنا أبانا رزق الله يقول: سمعت أبي ~~يقول: سمعت أبي يقول: سمعت علي بن أبي طالب يقول، وقد سئل عن الحنان ~~المنان، الحنان الذي يقبل على من أعرض عنه. والمنان الذي يبدأ بالنوال قبل ~~السؤال، والقائل سمعت عليا أكينة بن عبد الله جدهم الأعلى. # والأقوى أن يكون المراد بقوله: {وإنه لذكر لك ولقومك} [الزخرف: 44] يعني ~~القرآن، فعليه ينبني الكلام، وإليه يرجع الضمير، وهي: المسألة الثانية في ~~تنقيح هذه الأقوال. ### | [الآية الخامسة قوله تعالى يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب] # وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها ms1468 خالدون} [الزخرف: 71]. # وفيها سبع مسائل: المسألة الأولى الجنة مخصوصة بالحرير والفضة والذهب ~~لبسا وأكلا وشربا وانتفاعا، وقطع الله ذلك في الدنيا عن الخلق إجماعا على ~~اختلاف في الأحكام، وتفصيل في الحلال والحرام، فأما الحرير وهي: المسألة ~~الثانية فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من لبس الحرير في الدنيا ~~لم يلبسه في الآخرة». # قال الراوي: وإن لبسه أهل الجنة لم يلبسه هو، فظن الناس أن ذلك من كلام ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وإنما هو من تأويل الراوي. وقد بينا تأويل ~~هذا الحديث في كتاب المشكلين في شرح الحديث بما يغني عن إعادته هاهنا. # PageV04P110 # وأمثلها تأويلان: أحدهما أن معناه ولم يتب، كما قال: «من شرب الخمر في ~~الدنيا ولم يتب منها حرمها في الآخرة»، وكذلك خرجه مسلم وغيره في الحرير ~~أيضا بنصه. # الثاني: وهو الذي يقضى [بنصه] على الأول أن معناه في حال دون حال، وآخر ~~الأمر إلى حسن العاقبة وجميل المآل. # وقد اختلف العلماء في لباس الحرير على تسعة أقوال: # الأول: أنه محرم بكل حال. # الثاني: أنه محرم إلا في الحرب. # الثالث: أنه محرم إلا في السفر. # الرابع: أنه محرم إلا في المرض. # الخامس: أنه محرم إلا في الغزو. # السادس: أنه مباح بكل حال. # السابع: أنه محرم إلا العلم. # الثامن: أنه محرم على الرجال والنساء. # التاسع: أنه محرم لبسه دون فرشه؛ قاله أبو حنيفة وابن الماجشون. # فأما كونه محرما على الإطلاق فلقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~الحلة السيراء: «إنما يلبس هذه من لا خلاق له في الآخرة»، وشبهه. # وأما من قال: إنه محرم إلا في الحرب فهو اختيار ابن الماجشون من أصحابنا ~~في الغزو به والصلاة فيه؛ وأنكره مالك فيهما. # ووجهه أن لباس الحرير من السرف والخيلاء، وذلك أمر يبغضه الله تعالى إلا ~~في الحرب، فرخص فيه من الإرهاب على العدو. # PageV04P111 # وهذا تعليل من لم يفهم الشريعة، فظن أن النصر بالدنيا وزخرفها، وليس ~~كذلك؛ بل فتح الله الفتوح على قوم ما كانت حلية سيوفهم إلا العلابي. ms1469 # وأما من قال: إنه محرم إلا في السفر فلما روي في الصحيح من أن «النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - رخص للزبير وعبد الرحمن بن عوف في قمص الحرير في ~~السفر لحكة كانت بهما». # وأما من قال: إنه يحرم إلا في المرض فلأجل إباحة النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لهما استعماله عند الحكة. # وأما من قال: إنه محرم إلا في الغزو فلأجل ما ورد في بعض طرق أنس «إنه ~~رخص للزبير وعبد الرحمن في قمص الحرير في غزاة لهما»، فذكر لفظ الغزو في ~~العلة، وذكر الصفة في الحكم تعليل، حسبما بيناه في أصول الفقه ومسائل ~~الخلاف وها هنا كما سبق. # وأما من قال: إنه مباح بكل حال فإنه رأى الحديث الصحيح يبيحه للحكة، وفي ~~بعض ألفاظ الصحيح «لأجل القمل»، ولو كان حراما ما أباحه للحكة ولا للقمل، ~~كالخمر والبول، فإن التداوي بما حرم الله لا يجوز. # وهذا ضعيف؛ فإن التحريم قد ثبت يقينا، والرخصة قد وردت حقا، وللبارئ ~~سبحانه وتعالى أن يضع وظائف التحريم كيف شاء من إطلاق واستثناء؛ وإنما أذن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك لهما لأجل القمل والحكة؛ لأنهم كانت ~~عندهم خمائص غليظة لا يحتملها البدن، فنقلهم إلى الحرير، لعدم دقيق القطن ~~والكتان، وإذا وجد صاحب الجرب والقمل دقيق الكتان والقطن لم يجز أن يأخذ ~~لين الحرير. # وأما من قال: إنه محرم بكل حال إلا العلم، فلما في الصحيح من إباحة ~~العلم، وتقديره بأصبعين. وفي رواية بثلاث أو أربع؛ واليقين ثلاث أصابع، وهو ~~الذي # PageV04P112 # رآه مالك في أشهر قوليه، والأربع مشكوك فيه، وقد يجوز أن يكف الثوب ~~بالحرير كما يجوز إدخال العلم فيه، لما روى الترمذي وغيره «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كانت له فروة مكفوفة بالديباج». # وفي صحيح مسلم عن عبد الله مولى أسماء قال: «أخرجت إلي أسماء طيالسة ~~كسروانية، لها لبنة ديباج، وفرجاها مكفوفان بالديباج، فقالت: هذه كانت عند # عائشة تلبسها حتى قبضت. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يلبسها، فنحن ~~نغسلها للمرضى ليستشفى ms1470 بها». وهو حديث صحيح، وأصل صريح. والله أعلم. # وأما من قال: إنه محرم على النساء ففي صحيح مسلم أن عبد الله بن الزبير ~~خطب فقال: ألا لا تلبسوا نساءكم الحرير؛ فإني سمعت عمر بن الخطاب يقول: ~~سمعت رسول - صلى الله عليه وسلم - الله يقول: «لا تلبسوا الحرير، فإنه من ~~لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة». # وهذا ظن من عبد الله يدفعه يقين الحديث الصحيح عن جماعة، منهم علي بن أبي ~~طالب قال: «أهديت للنبي - صلى الله عليه وسلم - حلة سيراء، فبعث بها إلي ~~فلبستها، فعرفت الغضب في وجهه، وقال: إني لم أبعث بها إليك لتلبسها، إنما ~~بعثتها إليك لتشقها خمرا بين النساء». # وفي رواية «شققه خمرا بين الفواطم»، إحداهن فاطمة بنت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - زوج علي، والثانية فاطمة بنت أسد بن هاشم زوج أبي طالب أم ~~علي وجعفر وعقيل وطالب بن أبي طالب وكانت أسلمت، وهي أول هاشمية ولدت ~~لهاشمي. والله أعلم بغيرهما. # وأما من قال: إنما حرم لبسه لا فرشه، وهو أبو حنيفة فهي نزغة أعجمية لم ~~يعلم ما هو اللباس في لغة العرب ولا في الشريعة، والفرش والبسط ليس لغة، ~~وهو كذلك # PageV04P113 # حرام على الرجال في الشريعة؛ ففي الصحيح عن أنس أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - جاء وذكر الحديث قال فيه: «فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما ~~لبس». وهذا نص. ### | [مسألة ثياب الذهب والحرير والديباج] # المسألة الثانية الحرير حرام على الرجال، وحلال للنساء كما تقدم. # والأصل فيه الحديث الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «قال في الذهب ~~والحرير # هذان حرامان على ذكور أمتي حل لإناثها»، وللمرأة أن تتخذ ثياب الذهب ~~والحرير والديباج، وللرجل أن يكون معها فيها، فإذا انفرد بنفسه لم يجز له ~~شيء من ذلك. # وقد روى جابر بن عبد الله «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له حين ~~تزوج: اتخذت أنماطا؟ قلت: وأنى لنا الأنماط؟ قال: أما إنها ستكون». وليس ~~يلزم الرجل أن يخلعها عن ثيابها، ms1471 ولا أن يعري بيتها وفراشها، وحينئذ يستمتع ~~بها. ### | [مسألة لبس الخز] # المسألة الرابعة لبس الخز جائز، وهو ما سداه حرير وليس لحمته منه؛ وقد ~~لبسه عبد الله بن الزبير، وكان يرى الحرير حراما على النساء، ولهذا أدخله ~~مالك عنه في الموطإ، وقد لبسه عثمان، وكفى به حجة، وقد استوفينا ذلك في كتب ~~الحديث. # PageV04P114 ### | [مسألة استعمال الذهب والفضة] # المسألة الخامسة فأما استعمال الذهب والفضة ففي صحيح الحديث عن أم سلمة، ~~من رواية مالك وغيره «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للذي يشرب في ~~آنية من الذهب والفضة. فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم». # وروى حذيفة في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تشربوا ~~في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما، ولا تلبسوا الحرير والديباج ~~فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة». # ولا خلاف في ذلك. # واختلف الناس في استعمالها في غير ذلك؛ والصحيح أنه لا يجوز للرجال ~~استعمالها في شيء؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الذهب والحرير: ~~«هذان حرامان على ذكور أمتي حل لإناثها»؛ والنهي عن الأكل والشرب فيها، ~~وسائر ذلك يدل على تحريم استعمالها؛ لأنه نوع من المتاع، فلم يجز، أصله ~~الأكل والشرب؛ ولأن العلة في ذلك استعجال أجر الآخرة؛ وذلك يستوي فيه الأكل ~~والشرب وسائر أجزاء الانتفاع؛ ولأنه «- عليه السلام - قال: هي لهم في ~~الدنيا ولنا في الآخرة»؛ فلم يجعل لنا فيها حظا في الدنيا. ### | [مسألة إذا كان الإناء مضببا بالذهب أو الفضة أو فيه حلقة منهما] # المسألة السادسة إذا كان الإناء مضببا بهما أو فيه حلقة منهما، فقال ~~مالك: لا يعجبني أن يشرب فيه، وكذلك المرآة تكون فيها الحلقة من الفضة لا ~~يعجبني أن ينظر فيها وجهه، وقد كان عند أنس إناء مضبب بالفضة. وقال: «لقد ~~سقيت فيه النبي - صلى الله عليه وسلم -». # قال ابن سيرين: كانت فيه حلقة حديد، فأراد أنس أن يجعل فيه حلقة فضة، ~~فقال أبو طلحة: لا أغير شيئا مما صنعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms1472 -. ~~فتركه. # PageV04P115 ### | [مسألة أقتناء إناء الذهب والفضة] # المسألة السابعة إذا لم يجز استعمالها لم يجز اقتناؤها؛ لأن ما لا يجوز ~~استعماله لا يجوز اقتناؤه كالصنم والطنبور. # وفي كتب علمائنا إنه يلزم الغرم في قيمتها لمن كسرها؛ وهو معنى فاسد؛ فإن ~~كسرها واجب؛ فلا ثمن لقيمتها؛ ولا يجوز تقويمها في الزكاة بحال، وغير هذا ~~لا يلتفت إليه، وقد بيناها في المسائل بأبلغ من هذا. ### | [الآية السادسة قوله تعالى ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة] # إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} [الزخرف: 86]. # وقد بينا أن الشهادة منصب عظيم، وولاية كريمة، فيها تنفيذ قول الغير على ~~الغير، ولا يكون إلا بما قد علمه الشاهد، ولكنه قد يستدل على العلم بما ~~يكون قطعا عنده، وقد يكون عنده ظاهرا، وذلك مستقصى في كتب الفقه ومسائله. ~~والله أعلم. # PageV04P116 ### | [سورة الدخان فيها ثلاث آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين} # [الدخان: 3]. # فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى قوله: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} ~~[الدخان: 3] يعني أن الله أنزل القرآن بالليل، وقد بينا أن منه ليليا ومنه ~~نهاريا ومنه سفري وحضري، ومنه مكي ومدني، ومنه سمائي وأرضي، ومنه هوائي؛ ~~والمراد هاهنا ما روي عن ابن عباس أنه أنزل جملة في الليل إلى السماء ~~الدنيا، ثم نزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو ما في عشرين عاما ~~ونحوها. المسألة الثانية قوله: {مباركة} [الدخان: 3] # البركة: هي النماء والزيادة، وسماها مباركة لما يعطي الله فيها من ~~المنازل، ويغفر من الخطايا، ويقسم من الحظوظ، ويبث من الرحمة، وينيل من ~~الخير، وهي حقيقة ذلك وتفسيره. المسألة الثالثة تعيين هذه الليلة: # وجمهور العلماء على أنها ليلة القدر، ومنهم من قال: إنها ليلة النصف من ~~شعبان؛ وهو باطل؛ لأن الله تعالى قال في كتابه الصادق القاطع: {شهر رمضان ~~الذي أنزل فيه القرآن} [البقرة: 185] فنص على أن ميقات نزوله رمضان، ثم عبر ~~عن زمانية الليل هاهنا بقوله: {في ms1473 ليلة مباركة} [الدخان: 3] فمن زعم أنه في ~~غيره فقد أعظم الفرية على الله، وليس في ليلة النصف من شعبان حديث يعول ~~عليه، لا في فضلها، ولا في نسخ الآجال فيها، فلا تلتفتوا إليها. # PageV04P117 ### | [الآية الثانية قوله تعالى فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون] # } [الدخان: 23]. # فيها مسألتان: المسألة الأولى السرى: سير الليل. والإدلاج: سير السحر، ~~والإسآد: سيره كله. # والتأويب: سير النهار. ويقال: سرى وأسرى، وقد يضاف إلى الليل، قال الله ~~تعالى: {والليل إذا يسر} [الفجر: 4] وهو يسرى فيه، كما قيل: ليل نائم، وهو ~~ينام فيه؛ وذلك من اتساعات العرب. المسألة الثانية قوله تعالى: {فأسر ~~بعبادي ليلا} [الدخان: 23] # أمر بالخروج بالليل، وسير الليل يكون من الخوف؛ والخوف يكون من وجهين: ~~إما من العدو فيتخذ الليل سترا مسدلا، فهو من أستار الله تعالى. وإما من ~~خوف المشقة على الدواب والأبدان بحر أو جدب، فيتخذ السرى مصلحة من ذلك. ~~وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يسرى ويدلج ويترفق ويستعجل قدر الحاجة ~~وحسب العجلة، وما تقتضيه المصلحة. # وفي جامع الموطإ: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويرضى به، ويعين عليه ما لا ~~يعين على العنف، فإذا ركبتم هذه الدواب العجم فأنزلوها منازلها، فإن كانت ~~الأرض جدبة فانجوا عليها بنقيها، وعليكم بسير الليل فإن الأرض تطوي بالليل ~~ما لا تطوي بالنهار، وإياكم والتعريس على الطريق فإنه طرق الدواب ومأوى ~~الحيات». ### | [الآية الثالثة قوله تعالى إن شجرة الزقوم طعام الأثيم] # الآية الثالثة قوله تعالى: {إن شجرت الزقوم} [الدخان: 43] {طعام الأثيم} ~~[الدخان: 44]. # PageV04P118 # فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى الزقوم: كل طعام مكروه، يقال: تزقم ~~الرجل إذا تناول ما يكره. ويحكى عن بعضهم أن الزقوم هو التمر والزبد بلسان ~~البربر، ويا لله ولهذا القائل وأمثاله الذين يتكلمون في الكتاب بالباطل وهم ~~لا يعلمون، المسألة الثانية روي أن ابن مسعود أقرأ رجلا طعام الأثيم فلم ~~يفهمها؛ فقال له: طعام الفاجر، فجعلها الناس قراءة، حتى روى ابن وهب عن ~~مالك قال: أقرأ ابن مسعود رجلا # إن شجرة الزقوم طعام الأثيم فجعل الرجل يقول: طعام ms1474 اليتيم، فقال له عبد ~~الله بن مسعود: طعام الفاجر. فقلت لمالك: أترى أن يقول كذلك؟ قال: نعم. # وروى البصريون عنه أنه لا يقرأ في الصلاة بما يروى عن ابن مسعود. وقال ~~ابن شعبان: لم يختلف قول مالك إنه لا يصلى بقراءة ابن مسعود فإنه من صلى ~~بها أعاد صلاته؛ لأنه كان يقرأ بالتفسير. وقد بينا القول في حال ابن مسعود ~~في سورة آل عمران، ولو صحت قراءته لكانت القراءة بها سنة، ولكن الناس ~~أضافوا إليه ما لم يصح عنه؛ فلذلك قال مالك: لا يقرأ بما يذكر عن ابن ~~مسعود. # والذي صح عنه ما في المصحف الأصلي. # فإن قيل: ففي المصحف الأصلي قراءات واختلافات فبأي يقرأ؟ قلنا: وهي: ~~المسألة الثالثة بجميعها بإجماع من الأمة، فما وضعت إلا لحفظ القرآن، ولا ~~كتبت إلا للقراءة بها، ولكن ليس يلزم أن يعين المقروء به منها، فيقرأ بحرف ~~أهل المدينة، وأهل الشام، # PageV04P119 # وأهل مكة، وإنما يلزمه ألا يخرج عنها، فإذا قرأ آية بحرف أهل المدينة، ~~وقرأ التي بعدها بحرف أهل الشام كان جائزا، وإنما ضبط أهل كل بلد قراءتهم ~~بناء على مصحفهم، وعلى ما نقلوه عن سلفهم، والكل من عند الله. وقد بينا ذلك ~~في تفسير قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أنزل القرآن على سبعة أحرف، ~~فاقرءوا منه ما تيسر». # PageV04P120 ### | [سورة الجاثية فيها ثلاث آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام ~~الله] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله # ليجزي قوما بما كانوا يكسبون} [الجاثية: 14]. # فيها أربع مسائل: المسألة الأولى في سبب نزولها: روي أن رجلا من المشركين ~~شتم عمر بن الخطاب، فهم أن يبطش به فنزلت الآية. # وهذا لم يصح. ### | [مسألة إعراب قوله تعالى قل للذين آمنوا يغفروا] # المسألة الثانية في إعرابها: اعلموا وفقكم الله أن الخبر لا يصح أن يكون ~~جواب هذا الأمر، وجاء ظاهره هاهنا جوابا مجزوما، وتقدير الكلام: قل للذين ~~آمنوا [اغفروا] يغفروا للذين لا يرجون أيام الله. وقد ms1475 بيناه في ملجئة ~~المتفقهين. المسألة الثالثة قوله تعالى: {لا يرجون أيام الله} [الجاثية: ~~14] # يحتمل أن يكون على الرجاء المطلق، على أن تكون الأيام عبارة عن النعم، ~~ويحتمل أن يكون بمعنى الخوف، ويعبر بالأيام عن النقم، وبالكل ينتظم الكلام. # PageV04P121 # المسألة الرابعة هذا من المغفرة وشبهه من الصفح والإعراض منسوخ بآيات ~~القتال، وقد بيناه في القسم الثاني من علوم القرآن. ### | [الآية الثانية قوله تعالى ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها] # ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون} [الجاثية: 18]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى الشريعة في اللغة عبارة عن الطريق إلى الماء، ضربت مثلا ~~للطريق إلى الحق لما فيها من عذوبة المورد، وسلامة المصدر، وحسنه. المسألة ~~الثانية في المراد بها من وجوه الحق. وفي ذلك أربعة أقوال: # الأول: أن الأمر الدين. # الثاني: أنه السنة. # الثالث: أنه الفرائض. # الرابع: النية. # وهذه كلمة أرسلها من لم يتفطن للحقائق، والأمر يرد في اللغة بمعنيين: ~~أحدهما بمعنى الشأن، كقوله تعالى: {فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد} ~~[هود: 97]. # والثاني أنه أحد أقسام الكلام الذي يقابله النهي، وكلاهما يصح أن يكون ~~مرادا هاهنا، وتقديره ثم جعلناك على طريقة من الدين، وهي ملة الإسلام، كما ~~قال تعالى: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من ~~المشركين} [النحل: 123]. # PageV04P122 # ولا خلاف أن الله تعالى لم يغاير بين الشرائع في التوحيد والمكارم ~~والمصالح، وإنما خالف بينها في الفروع بحسب ما علمه سبحانه. ### | [مسألة هل شرع من قبلنا شرع لنا] # المسألة الثالثة ظن بعض من تكلم في العلم أن هذه الآية دليل على أن شرع ~~من قبلنا ليس بشرع لنا؛ لأن الله تعالى أفرد النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وأمته في هذه الآية بشريعة؛ ولا ننكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وأمته منفردان بشريعة، وإنما الخلاف فيما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- عنه من شرع من قبلنا في معرض المدح والثناء والعظة، هل يلزم اتباعه أم ~~لا؟ ولا إشكال في لزوم ذلك، لما بيناه من الأدلة وقدمناها هنا ms1476 وفي موضعه من ~~البيان. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا] # وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} [الجاثية: 21]. # فيها مسألتان: المسألة الأولى قوله: {اجترحوا} [الجاثية: 21] معناه ~~افتعلوا من الجرح؛ وضرب تأثير الجرح في البدن كتأثير السيئات في الدين ~~مثلا، وهو من بديع الأمثال. المسألة الثانية قد بينا معنى هذه الآية في ~~قوله تعالى {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم ~~نجعل المتقين كالفجار} [ص: 28] فإنها على مساقها؛ فلا وجه لإعادتها. # PageV04P123 ### | [سورة الأحقاف فيها ثلاث آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى قل أرأيتم ما تدعون من دون الله] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {قل أرأيتم ما تدعون من دون الله # أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل ~~هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين} [الأحقاف: 4]. # فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى في مساق الآية، وهي أشرف آية في القرآن ~~فإنها استوفت أدلة الشرع عقليها وسمعيها لقوله تعالى {قل أرأيتم ما تدعون ~~من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات} [الأحقاف: ~~4] فهذه بيان لأدلة العقل المتعلقة بالتوحيد، وحدوث العالم، وانفراد الباري ~~سبحانه بالقدرة والعلم والوجود والخلق، ثم قال: {ائتوني بكتاب من قبل هذا} ~~[الأحقاف: 4] على ما تقولون، وهذه بيان لأدلة السمع فإن مدرك الحق إنما ~~يكون بدليل العقل أو بدليل الشرع حسبما بيناه من مراتب الأدلة في كتب ~~الأصول، ثم قال: {أو أثارة من علم} [الأحقاف: 4] يعني أو علم يؤثر، أو يروى ~~وينقل، وإن لم يكن مكتوبا؛ فإن المنقول عن الحفظ مثل المنقول عن الكتب. ### | [مسألة علم الخط] # المسألة الثانية قال قوم: إن قوله: {أو أثارة من علم} [الأحقاف: 4] يعني ~~بذلك علم الخط، وهو الضرب في التراب لمعرفة الكوائن في المستقبل أو فيما ~~مضى مما غاب عن الضارب، وأسندوا ذلك عن ابن عباس إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ولم يصح. # PageV04P124 # وفي مشهور الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ms1477 «كان نبي من ~~الأنبياء يخط، فمن وافق خطه فذلك» ولم يصح أيضا. # واختلفوا في تأويله، فمنهم من قال: إنه جاء لإباحة الضرب به؛ لأن بعض ~~الأنبياء كان يفعله، ومنهم من قال: جاء للنهي عنه؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «فمن وافق # خطه فذلك». ولا سبيل إلى معرفة طريق النبي المتقدم فيه فإذا لا سبيل إلى ~~العمل به: # لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى ... ولا زاجرات الطير ما الله صانع # وحقيقته عند أربابه ترجع إلى صور الكواكب، فيدل ما يخرج منها على ما تدل ~~عليه تلك الكواكب من سعد أو نحس يحل بهم، فصار ظنا مبنيا على ظن، وتعلقا ~~بأمر غائب قد درست طريقه، وفات تحقيقه، وقد نهت الشريعة عنه، وأخبرت أن ذلك ~~مما اختص الله به، وقطعه عن الخلق، وإن كانت لهم قبل ذلك أسباب يتعلقون بها ~~في درك الغيب؛ فإن الله تعالى قد رفع تلك الأسباب، وطمس تلك الأبواب، وأفرد ~~نفسه بعلم الغيب؛ فلا يجوز مزاحمته في ذلك، ولا تحل لأحد دعواه، وطلبه عناء ~~لو لم يكن فيه نهي، فإذ قد ورد النهي فطلبه معصية أو كفر بحسب قصد الطالب. ### | [مسألة الفأل والزجر والكهان] # المسألة الثالثة إن الله تعالى لم يبق من الأسباب الدالة على الغيب التي ~~أذن في التعلق بها والاستدلال منها إلا الرؤيا، فإنه أذن فيها وأخبر أنها ~~جزء من النبوة، وكذلك الفأل. # فأما الطيرة والزجر فإنه نهى عنهما. # PageV04P125 # والفأل هو الاستدلال بما يستمع من الكلام على ما يريد من الأمر إذا كان ~~حسنا، فإن سمع مكروها فهو تطير، وأمر الشرع بأن يفرح بالفأل، ويمضي على ~~أمره مسرورا به. فإذا سمع المكروه أعرض عنه ولم يرجع لأجله، وقال كما علمه ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ~~ولا إله غيرك». # وقد روي عن بعض الأدباء: # الفأل والزجر والكهان كلهم ... مضللون ودون الغيب أقفال # وهذا كلام صحيح إلا في الفأل، فإن الشرع استثناء، وأمر به، فلا يقبل من ~~هذا الشاعر ms1478 ما نظمه فيه، فإنه تكلم بجهل؛ وصاحب الشرع أعلم وأحكم. ### | [الآية الثانية قوله تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا] # } [الأحقاف: 15]. # روي أن امرأة تزوجت فولدت لستة أشهر من يوم زوجت، فأتى بها عثمان، فأراد ~~أن يرجمها، فقال ابن عباس لعثمان: إنها إن تخاصمكم بكتاب الله تخصمكم؛ قال ~~الله عز وجل: # {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} [الأحقاف: 15]. وقال: " والوالدات يرضعن ~~أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة " فالحمل ستة أشهر، والفصال ~~أربعة وعشرون شهرا؛ فخلى سبيلها. # في رواية أن علي بن أبي طالب قال له ذلك. وقد تقدم بيانه في سورة البقرة، ~~وهو استنباط بديع. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى ويوم يعرض الذين كفروا على النار] # أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون ~~بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون} [الأحقاف: 20]. # PageV04P126 # فيها مسألتان: المسألة الأولى لا خلاف أن هذه الآية في الكفار بنص ~~القرآن، لقوله في أولها: {ويوم يعرض الذين كفروا على النار} [الأحقاف: 20]، ~~أي فيقال لهم: أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا، يريد أفنيتموها في الكفر ~~بالله ومعصيته، وإن الله أحل الطيبات من الحلال واللذات، وأمر باستعمالها ~~في الطاعات، فصرفها الكفار إلى الكفر فأوعدهم الله بما أخبر به عنهم، وقد ~~يستعملها المؤمن في المعاصي، يدخل في وعيد آخر وتناله آية أخرى برجاء ~~المغفرة، ويرجع أمره إلى المشيئة، فينفذ الله فيه ما علمه منه وكتبه له. # المسألة الثانية: روي أن عمر بن الخطاب لقى جابر بن عبد الله، وقد ابتاع ~~لحما بدرهم، فقال له: أما سمعت الله تعالى يقول: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم ~~الدنيا واستمتعتم بها} [الأحقاف: 20] وهذا عتاب منه له على التوسع بابتياع ~~اللحم والخروج عن جلف الخبز والماء؛ فإن تعاطي الطيبات من الحلال تستشري ~~لها الطباع، وتستمر عليها العادة، فإذا فقدتها استسهلت في تحصيلها ~~بالشبهات، وحتى تقع في الحرام المحض بغلبة العادة، واستشراه الهوى على ~~النفس الأمارة بالسوء، فأخذ عمر الأمر من أوله، وحماه من ابتدائه كما يفعله ~~مثله. # والذي يضبط هذا الباب ويحفظ قانونه: ms1479 على المرء أن يأكل ما وجد طيبا كان ~~أو قفارا، ولا يتكلف الطيب، ويتخذه عادة؛ وقد كان - صلى الله عليه وسلم - ~~يشبع إذا وجد، ويصبر إذا عدم، ويأكل الحلوى إذا قدر عليها، ويشرب العسل إذا ~~اتفق له، ويأكل اللحم إذا تيسر، ولا يعتمده أصلا، ولا يجعله ديدنا، ومعيشة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - معلومة، وطريقة # PageV04P127 # أصحابه بعد منقولة؛ فأما اليوم عند استيلاء الحرام، وفساد الحطام، ~~فالخلاص عسير، والله يهب الإخلاص، ويعين على الخلاص برحمته. # وقد روي أن عمر بن الخطاب قدم عليه ناس من العراق فرأى القوم كأنهم ~~يتقززون في الأكل، فقال: ما هذا يا أهل العراق؟ ولو شئت أن يدهمق لي كما ~~يدهمق لكم، ولكنا نستبقي من دنيانا ما نجده في آخرتنا. ألم تسمعوا أن الله ~~تعالى ذكر قوما فقال: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها} ~~[الأحقاف: 20]. # PageV04P128 ### | [سورة محمد فيها ثلاث آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب # حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب ~~أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا ~~في سبيل الله فلن يضل أعمالهم} [محمد: 4]. # فيها تسع مسائل: المسألة الأولى في إعرابها: قال المعربون: هو منصوب بفعل ~~مضمر دل عليه المصدر، تقديره فاضربوا الرقاب ضربا. وعندي أنه مقدر بقولك: ~~اقصدوا ضرب الرقاب، وكذلك في قوله: {فإما منا بعد وإما فداء} [محمد: 4] ~~معناه افعلوا ذلك. وقد بيناه في رسالة الإلجاء. ### | [مسألة معنى قوله تعالى الذين كفروا] # المسألة الثانية قوله: {الذين كفروا} [محمد: 1]: فيها قولان: أحدهما أنهم ~~المشركون؛ قاله ابن عباس. # الثانية كل من لا عهد له ولا ذمة؛ وهو الصحيح لعموم الآية فيه. # PageV04P129 ### | [مسألة المراد بقوله عز وجل ضرب الرقاب] # المسألة الثالثة في المراد بقوله عز وجل: {فضرب الرقاب} [محمد: 4] قولان: ~~أحدهما أنه القتال؛ قاله السدي. # الثاني: أنه قتل الأسير صبرا. # والأظهر أنه في القتال، وهو اللقاء، وإنما نستفيد ms1480 قتل الأسير صبرا من فعل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - له وأمره به. ### | [مسألة معنى قوله تعالى حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق] # المسألة الرابعة قوله تعالى. {حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق} [محمد: 4] ~~قد تقدم تفسيره في سورة الأنفال. # المعنى اقتلوهم حتى إذا كثر ذلك، وأخذتم من بقي فأوثقوهم شدا؛ فإما أن ~~تمنوا عليهم فتطلقوهم بغير شيء، وإما أن تفادوهم وهي: المسألة الخامسة كما ~~فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بأبي عزة وبثمامة. # وقال مقاتل: هو العتق، وكذلك روى ابن وهب وابن القاسم عن مالك. # والأول أصح؛ فإن الإسقاط والترك معنى، والعتق معنى، وإن كان في العتق ~~معنى الترك فليس حكمه. ### | [مسألة معنى قوله تعالى حتى تضع الحرب أوزارها] # المسألة السادسة {حتى تضع الحرب أوزارها} [محمد: 4]، ويعني ثقلها، وعبر ~~عن السلاح به لثقل حملها، وفي ثلاثة أقوال: أحدها حتى يؤمنوا ويذهب الكفر؛ ~~قاله الفراء. # الثاني حتى يسلم الخلق؛ قاله الكلبي. # الثالث حتى ينزل عيسى ابن مريم؛ قاله مجاهد. # PageV04P130 # المسألة السابعة اختلف الناس في هذه الآية هل هي منسوخة أو محكمة؟ فقيل: ~~هي منسوخة بقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5]؛ قاله ~~السدي. # الثاني: أنها منسوخة في أهل الأوثان فإنهم لا يعاهدون. وقيل: إنها محكمة ~~على الإطلاق؛ قاله الضحاك. # الثالث أنها محكمة بعد الإثخان؛ قاله سعيد بن جبير، لقوله: {ما كان لنبي ~~أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} [الأنفال: 67]. # والتحقيق الصحيح أنها محكمة في الأمر بالقتال، حسبما بيناه في القسم ~~الثاني. ### | [مسألة تمكن المسلم من عنق الكافر] # المسألة الثامنة في التنقيح: اعلموا وفقكم الله أن هذه الآية من أمهات ~~الآيات ومحكماتها؛ أمر الله سبحانه فيها بالقتال، وبين كيفيته كما بينه في ~~قوله تعالى: {فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان} [الأنفال: 12] # حسبما تقدم بيانه في الأنفال؛ فإذا تمكن المسلم من عنق الكافر أجهز عليه، ~~وإذا تمكن من ضرب يده التي يدفع بها عن نفسه ويتناول بها قتال غيره فعل ذلك ~~به؛ فإن لم يتمكن إلا ضرب فرسه التي يتوصل بها إلى ms1481 مراده فيصير حينئذ راجلا ~~مثله أو دونه، فإن كان فوقه قصد مساواته، وإن كان مثله قصد حطه، والمطلوب ~~نفسه، والمآل إعلاء كلمة الله تعالى؛ وذلك لأن الله سبحانه لما أمر بالقتال ~~أولا، وعلم أن ستبلغ إلى الإثخان والغلبة بين سبحانه حكم الغلبة بشد ~~الوثاق، فيتخير حينئذ المسلمون بين المن والفداء. وبه قال الشافعي. # وقال أبو حنيفة: إنما لهم القتل والاسترقاق؛ وهذه الآية عنده منسوخة. # PageV04P131 # والصحيح إحكامها؛ فإن شروط النسخ معدومة فيها من المعارضة، وتحصيل ~~المتقدم من المتأخر، وقوله: {فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم ~~لعلهم يذكرون} [الأنفال: 57] فلا حجة فيه؛ لأن التشريد قد يكون بالمن ~~والفداء والقتل، فإن طوق المن يثقل أعناق الرجال، ويذهب بنفاسة نفوسهم، ~~والفداء يجحف بأموالهم؛ «ولم يزل العباس تحت ثقل فداء بدر حتى أدى عنه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -». # وأما قوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: 5] فقد قال: ~~واحصروهم؛ فأمر بالأخذ كما أمر بالقتل. # فإن قيل: أمر بالأخذ للقتل. # قلنا: أو للمن والفداء. وقد عضدت السنة ذلك كله؛ فروى مسلم «أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أخذ من سلمة بن الأكوع جارية ففدى بها ناسا من ~~المسلمين، وقد هبط على النبي - صلى الله عليه وسلم - من أهل مكة قوم، ~~فأخذهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن عليهم»، وقد من على سبي هوازن، ~~وقتل النضر بن الحارث صبرا فقالت أخته قتيلة ترثيه: # يا راكبا إن الأثيل مظنة ... من صبح خامسة وأنت موفق # أبلغ بها ميتا بأن تحية ... ما إن تزال بها النجائب تخفق # مني إليه وعبرة مسفوحة ... جادت بواكفها وأخرى تخنق # فليسمعن النضر إن ناديته ... إن كان يسمع ميت أو ينطق # أمحمد ولأنت ضنء كريمة ... في قومها والفحل فحل معرق # ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق # لو كنت قابل فدية لفديته ... بأعز ما يغلى به من ينفق # والنصر أقرب من أسرت قرابة ... وأحقهم لو كان عتق يعتق # ظلت رماح بني أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقق # صبرا يقاد ms1482 إلى المنية متعبا ... رسف المقيد وهو عان موثق # فالنظر إلى الإمام حسبما بيناه في مسائل الخلاف. # PageV04P132 # وأما قوله تعالى: {حتى تضع الحرب أوزارها} [محمد: 4] فمعناه عند قوم حتى ~~تضع الحرب آثامها يريدون بأن يسلم الكل، فلا يبقى كافر؛ ويؤول معناه إلى أن ~~يكون المراد حتى ينقطع الجهاد؛ وذلك لا يكون إلى يوم القيامة؛ «لقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة؛ الأجر ~~والمغنم». # ومن ذكر نزول عيسى ابن مريم فإنما هو لأجل ما روي أنه إذا نزل لا يبقى ~~كافر من أهل الكتاب ولا جزية، ويمكن أن يبقى من لا كتاب له، ولا يقبل منه ~~جزية في أصح القولين. وقد بينا ذلك في كتب الحديث. المسألة التاسعة في ~~تتميم القول: قال الحسن وعطاء: في الآية تقديم وتأخير: المعنى فضرب الرقاب ~~حتى تضع الحرب أوزارها، فإذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق. ### | [مسألة هل للإمام أن يقتل الأسير] # وليس للإمام أن يقتل الأسير. # وقد روي عن الحجاج أنه دفع أسيرا إلى عبد الله بن عمر ليقتله، فأبى وقال: ~~ليس بهذا أمرنا الله، وقرأ: {حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق} [محمد: 4]. # قلنا: قد قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفعله، وليس في تفسير ~~الله للمن والفداء منع من غيره؛ فقد بين الله في الزنا حكم، الجلد، وبين ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - حكم الرجم؛ ولعل ابن عمر كره ذلك من يد ~~الحجاج فاعتذر بما قال، وربك أعلم. ### | [الآية الثانية قوله تعالى يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول] # الآية الثانية قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول ولا تبطلوا أعمالكم} [محمد: 33]. # اختلف العلماء فيمن افتتح نافلة من صوم أو صلاة، ثم أراد تركها قال ~~الشافعي: # PageV04P133 # له ذلك. وقال مالك وأبو حنيفة: ليس له ذلك؛ لأنه إبطال لعمله الذي انعقد ~~له. وقال الشافعي: هو تطوع فإلزامه إياه يخرجه عن الطواعية. # قلنا: إنما يكون ذلك قبل الشروع في العمل، فإذا شرع لزمه كالشروع في ~~المعاملات. # الثاني: أنه لا تكون ms1483 عبادة ببعض ركعة ولا بعض يوم في صوم؛ فإذا قطع في ~~بعض الركعة أو في بعض اليوم إن قال: إنه يعتد به ناقض الإجماع، وإن قال: ~~إنه ليس بشيء فقد نقض الإلزام، وذلك مستقصى في مسائل الخلاف. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم] # ولن يتركم أعمالكم} [محمد: 35]. قد بينا حكم الصلح مع الأعداء في سورة ~~الأنفال. # وقد نهى الله تعالى [هاهنا] عنه مع القهر والغلبة للكفار، وذلك بين، وإن ~~الصلح إنما هو إذا كان له وجه يحتاج فيه إليه، ويفيد فائدة، والله أعلم لا ~~رب غيره، ولا خير إلا خيره. # PageV04P134 ### | [سورة الفتح فيها خمس آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي ~~بأس شديد] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد # تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما ~~توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما} [الفتح: 16]. # فيها خمس مسائل: المسألة الأولى: قوله {قل للمخلفين} [الفتح: 16] قيل: هم ~~الذين تخلفوا عن الحديبية، وهم خمس قبائل: جهينة، ومزينة، وأشجع، وغفار، ~~وأسلم: {ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد} [الفتح: 16] وهي: المسألة الثانية: ~~في تعيينهم ثلاثة أقوال: أحدها أنهم فارس والروم. # الثاني أنهم بنو حنيفة مع مسيلمة الكذاب. # الثالث أنهم هوازن وغطفان يوم حنين؛ تقاتلونهم أو يسلمون؛ وهذا يدل على ~~أنهم باليمامة لا بفارس ولا بالروم وهي: المسألة الثالثة: لأن الذي تعين ~~عليه القتال حتى يسلم من غير قبول جزية هم العرب في أصح الأقوال والمرتدون. # PageV04P135 # فأما فارس والروم فلا يقاتلون حتى يسلموا؛ بل إن بذلوا الجزية قبلت منهم، ~~وجاءت الآية معجزة للنبي - صلى الله عليه وسلم - وإخبارا بالغيب الآتي، ~~وهي: المسألة الرابعة: ودلت على إمامة أبي بكر وعمر، وهي: # المسألة الخامسة لأن الداعي لهم كان أبا بكر في قتال بني حنيفة، وهو ~~استخلف عمر، وعمر كان الداعي لهم إلى قتال فارس والروم، وخرج علي تحت لوائه ~~[وأخذ سهمه من غنيمته ms1484 واستولد حنيفة الحنفية ولده محمدا]، ولو كانت إمامة ~~باطلة وغنيمة حراما لما جاز عندهم وطء علي لها؛ لأنه عندهم معصوم من جميع ~~الذنوب. ### | [الآية الثانية ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج] # الآية الثانية قوله تعالى: {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا ~~على المريض حرج ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ومن ~~يتول يعذبه عذابا أليما} [الفتح: 17] # وقد تقدم في سورة النور بيانها، والمراد بها هاهنا الجهاد. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا] # أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم ~~فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا ~~الذين كفروا منهم عذابا أليما} [الفتح: 25]. فيها خمس مسائل: # PageV04P136 # المسألة الأولى قوله تعالى: {هم الذين كفروا} [الفتح: 25] يعني قريشا ~~بغير خلاف؛ لأن الآية نزلت فيهم، والقصة مخصوصة بهم؛ فلا يدخل غيرهم معهم؛ ~~منعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - من دخول مكة في غزوة الحديبية، ومنعوا ~~الهدي وحبسوه عن أن يبلغ محله؛ وهذا كانوا لا يعتقدونه، ولكنهم حملتهم ~~الأنفة، ودعتهم حمية الجاهلية إلى أن يفعلوا ما لا يعتقدون دينا، فوبخهم ~~الله على ذلك، وتوعدهم عليه، وأدخل الأنس على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ببيانه ووعده. ### | [مسألة معنى قوله تعالى أن يبلغ محله] # المسألة الثانية قوله تعالى: {أن يبلغ محله} [الفتح: 25] فيه قولان: # أحدهما منحره. # الثاني: الحرم؛ قاله الشافعي. # وكان الهدي سبعين بدنة، ولكن الله بفضله جعل ذلك الموضع محلا للعذر، ~~ونحره النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فيه بإذن الله تعالى وقبوله ~~وإبقائه سنة بعده لمن حبس عن البيت وصد كما صد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - حسبما بيناه في تفسير سورة البقرة. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات] # المسألة الثالثة قوله تعالى {ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم} ~~[الفتح: 25] بمكة، فخيف وطؤكم لهم بغير علم لأدخلناكم عليهم عنوة، وملكناكم ~~البلد ms1485 قسرا، ولكنا صنا من كان [فيها] يكتم إيمانه خوفا، وهذا حكم الله ~~وحكمته، ولا اعتراض عليه فيه فإنه قادر على كل شيء، فإذا فعل بعضه لم يكن ~~عن عجز؛ وإنما هو عن حكمة. # PageV04P137 ### | [مسألة العفة عن المعصية والعصمة عن التعدي] # المسألة الرابعة قوله تعالى: {بغير علم} [الفتح: 25] تفصيل للصحابة، ~~وإخبار عن صفتهم الكريمة من العفة عن المعصية، والعصمة عن التعدي، حتى إنهم ~~لو أصابوا من أولئك أحدا لكان من غير قصد، وهذا كما وصفت النملة عن جند ~~سليمان في قولها: {لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون} [النمل: 18] ~~حسبما بيناه في سورة النمل. ### | [مسألة الرمي في حصون المشركين وإن كان فيهم أسارى المسلمين وأطفالهم] # المسألة الخامسة قوله تعالى: {لو تزيلوا} [الفتح: 25] يعني المؤمنين منهم ~~لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما. تنبيه على مراعاة الكافر في حرمة ~~المؤمن إذا لم تمكن إذاية الكافر إلا بإذاية المؤمن. # وقال أبو زيد: قلت لابن القاسم: أرأيت لو أن قوما في المشركين في حصن من ~~حصونهم حصرهم أهل الإسلام، وفيهم قوم من المسلمين أسارى في أيديهم؛ أيحرق ~~هذا الحصن أم لا يحرق؟ قال: سمعت مالكا وسأل عن قوم من المشركين [يرمون] في ~~مراكبهم أخذوا # أسارى من المسلمين [وأدركهم أهل الإسلام فأرادوا أن يحرقوهم ومراكبهم ~~بالنار] ومعهم الأسارى في مراكبهم، وقال: فقال مالك: لا أرى ذلك، لقوله ~~تعالى لأهل مكة: {لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما} [الفتح: ~~25]. # وقال جماعة: إن معناه لو تزيلوا عن بطون النساء وأصلاب الرجال. وهذا ضعيف ~~لقوله تعالى {أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم} [الفتح: 25] وهو في ~~صلب الرجل لا يوطأ ولا تصيب منه معرة، وهو سبحانه وتعالى قد صرح فقال: ~~{ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم} [الفتح: 25] وذلك ~~لا ينطلق على ما في بطن المرأة وصلب الرجل؛ وإنما ينطلق على مثل الوليد بن ~~الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، وأبي جندل بن سهيل، وكذلك قال ~~مالك. # PageV04P138 # وقد حاصرنا مدينة للروم، فحبس عنهم الماء، ms1486 فكانوا ينزلون الأسارى يستقون ~~لهم الماء، فلا يقدر أحد على رميهم بالنبل، فيحصل لهم الماء بغير اختيارنا. # وقد جوز أبو حنيفة وأصحابه والثوري الرمي في حصون المشركين، وإن كان فيهم ~~أسارى المسلمين وأطفالهم، ولو تترس كافر بولد مسلم رمي المشرك وإن أصيب أحد ~~من المسلمين فلا دية فيه ولا كفارة. # وقال الثوري: فيه الكفارة ولا دية له. # وقال الشافعي بقولنا. وهذا ظاهر؛ فإن التوصل إلى المباح بالمحظور لا ~~يجوز، ولا سيما بروح المسلم، فلا قول إلا ما قاله مالك، والله أعلم. ### | [الآية الرابعة قوله تعالى لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق] # لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون ~~فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا} [الفتح: 27]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى قوله تعالى: {لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق} [الفتح: ~~27] وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرى أنه يدخل مكة ويطوف، فأنذر ~~أصحابة بالعمرة، وخرج في ألف وأربعمائة من أصحابه، ومائتي قرشي، حتى أتى ~~أصحابه، وبلغ الحديبية فصده المشركون وصالحوه أن يدخل مكة من العام المقبل ~~بسلاح الراكب بالسيف والفرس، وفي رواية: بجلبان السلاح وهو السيف في قرابه، ~~فسميت عمرة القضية، لما كتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهم من ~~القضية، وسميت عمرة القضاء؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضاها من ~~قابل. وسميت مرة عمرة القصاص لقوله تعالى: {الشهر الحرام بالشهر الحرام ~~والحرمات قصاص} [البقرة: 194] أي اقتصصتم منهم كما صدوكم: فارتاب ~~المنافقون، ودخل الهم على جماعة من الرفعاء من أصحابه، فجاء عمر بن # PageV04P139 # الخطاب إلى أبي بكر الصديق - رضي الله عنهما -، فقال له: ألم يقل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: إنه داخل البيت فمطوف به، قال: نعم، ولكن لم ~~يقل العام، وإنه آتيه فمطوف به. وجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال له مثل ما قال لأبي بكر، وراجعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بمراجعة أبي بكر. # قال عمر بن الخطاب: فعملت لذلك أعمالا يعني من ms1487 الخير كفارة لذلك التوقف ~~الذي داخله حين رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد صد عن البيت، ولم ~~تخرج رؤياه في ذلك العام. المسألة الثالثة فلما كان في العام القابل دخله ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه آمنين فحلقوا وقصروا. # وفي الصحيح أن معاوية «أخذ من شعر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ~~المروة بمشقص» وهذا كان في العمرة لا في الحج؛ لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - حلق في حجته، وأقام بها ثلاثة أيام، فلما انقضت الثلاث أراد أن يبني ~~بميمونة بمكة فأبوا ذلك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبنى بها ~~بسرف، وكذلك روى ابن القاسم عن مالك في ذكر ميمونة خاصة مما تقدم ذكره. ### | [الآية الخامسة قوله تعالى محمد رسول الله والذين معه] # أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ~~ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في ~~الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ ~~بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما} ~~[الفتح: 29] # فيها مسألتان: المسألة الأولى يعني علامتهم، وهي سيما وسيميا، وفي الحديث ~~«قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لكم سيما ليست لغيركم من الأمم؛ تأتون ~~يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء». # رويت في هذا الحديث بالمد والقصر. # PageV04P140 # المسألة الثانية في تأويلها: وقد تؤولت على ستة أقوال: الأول: أنه يوم ~~القيامة. # الثاني: ثرى الأرض؛ قاله ابن جبير. # الثالث تبدو صلاتهم في وجوههم؛ قاله ابن عباس. # الرابع أنه السمت الحسن؛ قاله ابن عباس والحسن. # الخامس أنه الخشوع؛ قاله مجاهد. # السادس أنه من صلى بالليل أصبح وجهه مصفرا؛ قاله الضحاك. # وقد قال بعض العلماء: من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار. # ودسه قوم في حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - على وجه الغلط، وليس ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم - فيه ذكر بحرف. # وقد قال مالك فيما روى ابن وهب عنه: {سيماهم في وجوههم من ms1488 أثر السجود} ~~[الفتح: 29] ذلك مما يتعلق بجباههم من الأرض عند السجود؛ وبه قال سعيد بن ~~جبير. # وفي الحديث الصحيح «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الصبح صبيحة ~~إحدى وعشرين من رمضان، وقد وكف المسجد، وكان على عريش، فانصرف النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - من صلاته وعلى جبهته وأرنبته أثر الماء والطين». # وفي الحديث الصحيح «عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يأمر الله ~~الملائكة أن يخرجوا من النار من شهد أن لا إله إلا الله، فيعرفونهم بعلامة ~~أثر السجود وحرم الله تعالى على النار أن تأكل من ابن آدم آثار السجود». # وقد روى منصور عن مجاهد قال: هو الخشوع. # PageV04P141 # قلت: هو أثر السجود، فقال: إنه يكون بين عينيه مثل ركبة العنز، وهو كما ~~شاء الله. وقال علماء الحديث: ما من رجل يطلب الحديث إلا كان على وجهه ~~نضرة؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «نضر الله امرأ سمع مقالتي ~~فوعاها فأداها كما سمعها» الحديث. # PageV04P142 ### | [سورة الحجرات فيها سبع آيات] ### | [الآية الأولى قوله تعالى يأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله] # الآية الأولى قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ~~ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم} [الحجرات: 1]. # فيها خمس مسائل: المسألة الأولى في سبب نزولها: وفيه خمسة أقوال: الأول: ~~أن قوما كانوا يقولون لو أنزل في كذا وكذا، فأنزل الله هذه الآية؛ قاله ~~قتادة. # الثاني: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه؛ قاله ابن عباس. # الثالث لا تفتاتوا على الله ورسوله في أمر حتى يقضي الله على لسان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ما يشاء؛ قاله مجاهد. # الرابع أنها نزلت في قوم ذبحوا قبل أن يصلي النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-؛ فأمرهم أن يعيدوا الذبح؛ قاله الحسن. # وفي الصحيح «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأصحابه في يوم الأضحى: ~~من ذبح قبل الصلاة فإنما هو لحم قدمه لأهله؛ فقام أبو بردة بن نيار خال ~~البراء بن عازب، فقال: يا رسول الله، هذا ms1489 يوم يشتهى فيه اللحم، وإني ذبحت ~~قبل أن أصلي، وعندي عناق جذعة خير من شاتي لحم. فقال: تجزئك، ولن تجزئ عن ~~أحد بعدك». # PageV04P143 # الخامس لا تقدموا أعمال الطاعة قبل وقتها؛ قاله الزجاج. # المسألة الثانية: قال القاضي: هذه الأقوال كلها صحيح تدخل تحت العموم، ~~فالله أعلم ما كان السبب المثير للآية منها، ولعلها نزلت دون سبب. المسألة ~~الثالثة: إذا قلنا: إنها نزلت في تقديم النحر على الصلاة وذبح الإمام سيأتي ~~ذلك في سورة الكوثر إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة تقديم الطاعات على أوقاتها] # المسألة الرابعة إذا قلنا إنها نزلت في تقديم الطاعات على أوقاتها فهو ~~صحيح؛ لأن كل عبادة مؤقتة بميقات لا يجوز تقديمها عليه، كالصلاة والصوم ~~والحج، وذلك بين، إلا أن العلماء اختلفوا في الزكاة لما كانت عبادة مالية، ~~وكانت مطلوبة لمعنى مفهوم؛ وهو سد خلة الفقير، «ولأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - استعجل من العباس صدقة عامين»، ولما جاء من جمع صدقة الفطر قبل يوم ~~الفطر حتى تعطى لمستحقها يوم الوجوب، وهو يوم الفطر؛ فاقتضى ذلك كله جواز ~~تقديمها. # وقال أبو حنيفة والشافعي: يجوز تقديمها لعام ولاثنين. # فإن جاء رأس العام والنصاب بحاله وقعت موقعها، وإن جاء رأس الحول وقد ~~تغير النصاب تبين أنها صدقة تطوع. # وقال أشهب: لا يجوز تقديمها على الحول لحظة، كالصلاة، وكأنه طرد الأصل في ~~العبادات، فرأى أنها إحدى دعائم الإسلام، فوفاها حقها في النظام وحسن ~~الترتيب. # ورأى سائر علمائنا أن التقديم فيها جائز؛ لأنه معفو عنه في الشرع، بخلاف ~~الكثير. # PageV04P144 # وما قاله أشهب أصح، فإن مفارقة اليسير الكثير في أصول الشريعة صحيح، ~~ولكنه لمعان تختص باليسير دون الكثير، فأما في مسألتنا فاليوم فيه كالشهر ~~والشهر كالسنة، فإما تقديم كلي كما قال أبو حنيفة والشافعي، وإما حفظ ~~العبادة وقصرها على ميقاتها كما قال أشهب وغيره، وذلك يقوى في النظر. والله ~~أعلم. ### | [مسألة ترك التعرض لأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وإيجاب اتباعه] # المسألة الخامسة قوله تعالى {لا تقدموا بين يدي الله ورسوله} [الحجرات: ~~1] أصل في ms1490 ترك # التعرض لأقوال النبي - صلى الله عليه وسلم - وإيجاب اتباعه، والاقتداء ~~به؛ ولذلك «قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في مرضه: مروا أبا بكر فليصل ~~بالناس. فقالت عائشة لحفصة: قولي له: إن أبا بكر رجل أسيف، وأنه متى يقم ~~مقامك لا يسمع الناس من البكاء، فمر عليا فليصل بالناس. فقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس». # يعني بقوله: صواحب يوسف الفتنة بالرد عن الجائز إلى غير الجائز. وقد ~~بيناه في شرح الحديث بيانا شافيا. ### | [الآية الثانية قوله تعالى يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي] # الآية الثانية قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق ~~صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا ~~تشعرون} [الحجرات: 2]. # فيها مسألتان: المسألة الأولى في سبب نزولها: ثبت في الصحيح عن ابن عمر ~~قال: «كاد الخيران أن يهلكا: أبو بكر وعمر، رفعا أصواتهما عند النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - حين قدم عليه ركب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس ~~أخي بني مجاشع، وأشار الآخر برجل آخر قال نافع عنه: لا أحفظ اسمه، # PageV04P145 # فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي. قال: ما أردت ذلك، فارتفعت ~~أصواتهما في ذلك، فأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا ~~أصواتكم فوق صوت النبي} [الحجرات: 2]» الآية. قال ابن الزبير: فما كان عمر ~~يسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[بعد هذه الآية] حتى يستفهمه. ### | [مسألة حرمة النبي صلى الله عليه وسلم ميتا كحرمته حيا] # المسألة الثانية حرمة النبي - صلى الله عليه وسلم - ميتا كحرمته حيا، ~~وكلامه المأثور بعد # موته في الرفعة مثل كلامه المسموع من لفظه؛ فإذا قرئ كلامه وجب على كل ~~حاضر ألا يرفع صوته عليه، ولا يعرض عنه، كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند ~~تلفظه به، وقد نبه الله تعالى على دوام الحرمة المذكورة على مرور الأزمنة ~~بقوله تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا} [الأعراف: ms1491 204]. وكلام ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - من الوحي وله من الحرمة مثل ما للقرآن إلا ~~معاني مستثناة، بيانها في كتب الفقه، والله أعلم. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا] # الآية الثالثة قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ ~~فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} [الحجرات: 6]. # فيها خمس مسائل: المسألة الأولى في سبب نزولها: روي «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بعث الوليد بن عقبة مصدقا إلى بني المصطلق، فلما أبصروه أقبلوا ~~نحوه فهابهم ورجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره أنهم ارتدوا عن ~~الإسلام. فبعث خالد بن الوليد، وأمره أن يتثبت ولا يعجل، فانطلق خالد حتى ~~أتاهم ليلا، فبعث عيونه، فلما جاءوا أخبروا خالدا أنهم متمسكون بالإسلام، ~~وسمعوا آذانهم وصلاتهم، فلما أتاهم خالد، ورأى صحة ما ذكروه عاد إلى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فأخبره، ونزلت هذه # PageV04P146 # الآية». ففي رواية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: «العجلة من ~~الشيطان والتأني من الله». ### | [مسألة من ثبت فسقه بطل قوله في الأخبار] # المسألة الثانية من ثبت فسقه بطل قوله في الأخبار إجماعا؛ لأن الخبر ~~أمانة، والفسق قرينة تبطلها، فأما في الإنسان على نفسه فلا يبطل إجماعا. ~~وأما في الإنسان على غيره فإن الشافعي قال: لا يكون وليا في النكاح. وقال ~~أبو حنيفة ومالك: يكون وليا؛ لأنه يلي مالها فيلي بضعها، كالعدل، وهو وإن ~~كان فاسقا في دينه إلا أن غيرته موفرة، وبها يحمي الحريم، وقد يبذل المال ~~ويصون الحرمة، فإذا ولي المال فالبضع أولى. ### | [مسألة إمامة الفاسق] # المسألة الثالثة ومن العجب أن يجوز الشافعي ونظراؤه إمامة الفاسق ومن لا ~~يؤتمن # على حبة مال كيف يصح أن يؤتمن على قنطار دين؛ وهذا إنما كان أصله أن ~~الولاة [الذين كانوا يصلون بالناس] لما فسدت أديانهم، ولم يمكن ترك الصلاة ~~وراءهم، ولا استطيعت إزالتهم صلى معهم ووراءهم، كما قال عثمان: الصلاة أحسن ~~ما يفعل الناس، فإذا أحسنوا فأحسن معهم، ms1492 وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم؛ ثم ~~كان من الناس من إذا صلى معهم تقية أعادوا الصلاة لله. # ومنهم من كان يجعلها صلاته. وبوجوب الإعادة أقول؛ فلا ينبغي لأحد أن يترك ~~الصلاة خلف من لا يرضى من الأئمة، ولكن يعيد سرا في نفسه، ولا يؤثر ذلك عند ~~غيره. # PageV04P147 # المسألة الرابعة وأما أحكامه إن كان [حاكما] واليا فينفذ منها ما وافق ~~الحق ويرد ما خالفه، ولا ينقض حكمه الذي أمضاه بحال، ولا تلتفتوا إلى غير ~~هذا القول من رواية ثؤثر، أو قول يحكى؛ فإن الكلام كثير، والحق ظاهر. ### | [مسألة هل يكون الفاسق رسولا عن غيره في قول يبلغه] # المسألة الخامسة لا خلاف في أنه يصح أن يكون رسولا عن غيره في قول يبلغه، ~~أو شيء يوصله أو إذن يعلمه، إذا لم يخرج عن حق المرسل والمبلغ؛ فإن تعلق به ~~حق لغيرهما لم يقبل قوله. فهذا جائز للضرورة الداعية إليه فإنه لو لم يتصرف ~~بين الخلق في هذه المعاني إلا العدول. يحصل منهم شيء لعدمهم في ذلك. والله ~~أعلم. ### | [الآية الرابعة قوله تعالى وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا] # فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء ~~إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب ~~المقسطين} [الحجرات: 9]. # فيها اثنتا عشرة مسألة: # المسألة الأولى: في سبب نزولها: وفي ذلك أربعة أقوال: الأول روى عطاء بن ~~دينار عن سعيد بن جبير أن الأوس والخزرج كان بينهم على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قتال بالسعف والنعال ونحوه، فأنزل الله تعالى فيهم هذه ~~الآية. # الثاني: ما روى سعيد، عن قتادة أنها نزلت في رجلين من الأنصار كانت ~~بينهما ملاحاة في حق بينهما، فقال أحدهما للآخر: لآخذنه عنوة لكثرة عشيرته، ~~وإن الآخر # PageV04P148 # دعاه إلى المحاكمة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأبى أن يتبعه، ولم ~~يزل بهم الأمر حتى تدافعوا، وتناول بعضهم بالأيدي والنعال، فنزلت هذه الآية ~~فيهم. # الثالث ما رواه أسباط عن السدي أن رجلا من الأنصار كانت له ms1493 امرأة تدعى أم ~~زيد، وأن المرأة أرادت أن تزور أهلها فحبسها زوجها، وجعلها في علية لا يدخل ~~عليها أحد من أهلها، وإن المرأة بعثت إلى أهلها، فجاء قومها فأنزلوها ~~لينطلقوا بها، فخرج الرجل فاستغاث بأهله؛ فجاء بنو عمه ليحولوا بين المرأة ~~وبين أهلها؛ فتدافعوا واجتلدوا بالنعال، فنزلت هذه الآية فيهم. # الرابع ما حكى قوم أنها نزلت في رهط عبد الله بن أبي ابن سلول من الخزرج ~~ورهط عبد الله بن رواحة من الأوس، وسببه «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وقف على حمار له على عبد الله بن أبي، وهو في مجلس قومه، فراث حمار النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أو سطع غباره، فأمسك عبد الله بن أبي أنفه، وقال: لقد ~~آذانا نتن حمارك. فغضب عبد الله بن رواحة، وقال: إن حمار رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أطيب ريحا منك ومن أبيك؛ فغضب قومه واقتتلوا بالنعال ~~والأيدي، فنزلت هذه الآية فيهم». # المسألة الثانية: أصح الروايات: الأخيرة، والآية تقتضي جميع ما روي ~~لعمومها وما لم يرو، فلا يصح تخصيصها ببعض الأحوال دون بعض. # المسألة الثالثة: الطائفة كلمة تطلق في اللغة على الواحد من العدد، وعلى ~~ما لا يحصره عدد، وقد بينا ذلك في سورة براءة. ### | [مسألة حرب المتأولين] # المسألة الرابعة: هذه الآية هي الأصل في قتال المسلمين، والعمدة في حرب ~~المتأولين، وعليها عول الصحابة، وإليها لجأ الأعيان من أهل الملة، وإياها ~~عنى النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «يقتل عمارا # PageV04P149 # الفئة الباغية» وقوله في شأن الخوارج: «يخرجون على خير فرقة من الناس» # أو على حين فرقة، والرواية الأولى أصح لقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق، ~~وكان الذي قتلهم علي بن أبي طالب [ومن كان معه] فتقرر عند علماء المسلمين، ~~وثبت بدليل الدين أن عليا - رضي الله عنه - كان إماما، وأن كل من خرج عليه ~~باغ، وأن قتاله واجب حتى يفيء إلى الحق، وينقاد إلى الصلح؛ لأن عثمان - رضي ~~الله عنه - قتل، والصحابة برآء من دمه؛ لأنه منع من قتال من ثار ms1494 عليه، ~~وقال: لا أكون أول من خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمته ~~بالقتل؛ فصبر على البلاء، واستسلم للمحنة، وفدى بنفسه الأمة، ثم لم يمكن ~~ترك الناس سدى، فعرضت الإمامة على باقي الصحابة الذين ذكرهم عمر في الشورى، ~~وتدافعوها، وكان علي أحق بها وأهلها، فقبلها حوطة على الأمة أن تسفك دماؤها ~~بالتهارج والباطل، ويتخرق أمرها إلى ما لا يتحصل، وربما تغير الدين، وانقض ~~عمود الإسلام؛ فلما بويع له طلب أهل الشام في شرط البيعة التمكين من قتلة ~~عثمان وأخذ القود منهم، فقال لهم علي: ادخلوا في البيعة، واطلبوا الحق ~~تصلوا إليه فقالوا: لا تستحق بيعة وقتلة عثمان معك نراهم صباحا ومساء، فكان ~~علي في ذلك أسد رأيا، وأصوب قولا؛ لأن عليا لو تعاطى القود منهم لتعصبت لهم ~~قبائل، وصارت حربا ثالثة فانتظر بهم أن يستوثق الأمر، وتنعقد البيعة ~~العامة، ويقع الطلب من الأولياء في مجلس الحكم، فيجري القضاء بالحق. # ولا خلاف بين الأمة أنه يجوز للإمام تأخير القصاص إذا أدى ذلك إلى إثارة ~~الفتنة أو تشتيت الكلمة، وكذلك جرى لطلحة والزبير؛ فإنهما ما خلعا عليا عن ~~ولاية، ولا اعترضا عليه في ديانة، وإنما رأيا أن البداءة بقتل أصحاب عثمان ~~أولى، فبقي هو على رأيه لم يزعزعه عما رأى وهو كان الصواب كلامهما، ولا أن ~~يؤثر فيه قولهما. وكذلك كان كل واحد منها يثني على صاحبه [ويذكر ما فيه] ~~ويشهد له بالجنة، ويذكر مناقبه؛ ولو كان الأمر على خلاف هذا لتبرأ كل واحد ~~[منهما] من # PageV04P150 # صاحبه، فلم يكن تقاتل # القوم على دنيا، ولا بغيا بينهم في العقائد، وإنما كان اختلافا في ~~اجتهاد؛ فلذلك كان جميعهم في الجنة. ### | [مسألة قتال الفئة الباغية] # المسألة الخامسة قوله تعالى: {فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} ~~[الحجرات: 9] أمر الله بالقتال، وهو فرض على الكفاية إذا قام به البعض سقط ~~عن البعض الباقين؛ ولذلك تخلف قوم من الصحابة - رضي الله عنهم - عن هذه ~~المقامات، كسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، ومحمد ms1495 بن مسلمة. وصوب ذلك ~~علي بن أبي طالب لهم، واعتذر إليه كل واحد منهم بعذر قبله منه. # ويروى أن معاوية لما أفضى إليه الأمر عاتب سعدا على ما فعل، وقال له: لم ~~تكن ممن أصلح بين الفئتين حين اقتتلا، ولا ممن قاتل الفئة الباغية؛ فقال له ~~سعد: ندمت على تركي قتال الفئة الباغية. فتبين أنه ليس على الكل درك فيما ~~فعل، وإنما كان تصرفا بحكم الاجتهاد وإعمالا بما اقتضاه الشرع. وقد بينا في ~~المقسط كلام كل واحد ومتعلقه فيما ذهب إليه. # المسألة السادسة: إن الله سبحانه أمر بالصلح قبل القتال، وعين القتال عند ~~البغي؛ فعل علي بمقتضى حاله فإنه قاتل الباغية التي أرادت الاستبداد على ~~الإمام، ونقض ما رأى من الاجتهاد والتحيز عن دار النبوة ومقر الخلافة بفئة ~~تطلب ما ليس لها طلبه إلا بشرطه، من حضور مجلس الحكم والقيام بالحجة على ~~الخصم؛ ولو فعلوا ذلك ولم يقد علي منهم ما احتاجوا إلى مجاذبة؛ فإن الكافة ~~كانت تخلعه، والله قد حفظه من ذلك، وصانه. وعمل الحسن - رضي الله عنه - ~~بمقتضى حاله، فإنه صالح حين استشرى الأمر عليه، وكان ذلك بأسباب سماوية، ~~ومقادير أزلية، ومواعيد من الصادق صادقة، ومنها ما رأى من تشتت آراء من ~~معه، ومنها أنه طعن حين خرج إلى معاوية فسقط عن فرسه وداوى جرحه حتى برئ؛ ~~فعلم أن عنده من ينافق عليه ولا يأمنه على نفسه. # PageV04P151 # ومنها أنه رأى الخوارج أحاطوا بأطرافه، وعلم أنه إن اشتغل بحرب معاوية ~~استولى الخوارج على البلاد، وإن اشتغل بالخوارج استولى عليها معاوية. # ومنها أنه تذكر وعد جده الصادق عند كل أحد - صلى الله عليه وسلم - في ~~قوله: «إن ابني هذا لسيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من ~~المسلمين»، وإنه لما سار الحسن إلى معاوية بالكتاب في أربعين ألفا، وقدم ~~قيس بن سعد بعشرة آلاف قال عمرو بن العاص لمعاوية: إني أرى كتيبة لا تولي ~~أولاها حتى تدبر أخراها. فقال معاوية لعمرو: من لي بذراري من المسلمين، ~~فقال: أنا. ms1496 فقال: عبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة: تلقاه فتقول له: ~~الصلح؛ فصالحه، فنفذ الوعد الصادق في قوله: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن ~~يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين». وبقوله: «الخلافة ثلاثون سنة، ثم ~~تعود ملكا»، فكانت لأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وللحسن [منها] ثمانية ~~أشهر لا تزيد [يوما] ولا تنقص يوما، فسبحان المحيط لا رب غيره. ### | [مسألة حكمة الله في قتال الصحابة] # المسألة السابعة: قوله: {فأصلحوا بينهما بالعدل} [الحجرات: 9] وهذا صحيح؛ ~~فإن العدل قوام الدين والدنيا؛ {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} [النحل: ~~90]. وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إن المقسطين على منابر من نور يوم ~~القيامة عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين؛ وهم الذين يعدلون بين الناس في ~~أنفسهم وأهليهم وما ولوا». ومن العدل في صلحهم ألا يطالبوا بما جرى بينهم ~~من دم ولا مال فإنه تلف على تأويل. وفي طلبهم له تنفير لهم عن الصلح ~~واستشراء في البغي. # وهذا أصل في المصلحة؛ وقد قال لسان الأمة: إن حكمة الله في قتال الصحابة ~~التعرف منهم لأحكام قتال أهل التأويل؛ إذ كانت أحكام قتال التنزيل قد عرفت ~~على لسان الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفعله. # PageV04P152 ### | [مسألة قاتل الصديق البغاة والمرتدين] # المسألة الثامنة: قوله: {فإن بغت إحداهما على الأخرى} [الحجرات: 9] بناء ~~(ب غ ي) في لسان العرب الطلب قال الله تعالى: {ذلك ما كنا نبغ} [الكهف: ~~64]؛ ووقع التعبير به هاهنا عمن يبغي ما لا ينبغي على عادة اللغة في تخصيصه ~~ببعض متعلقاته # وهو الذي يخرج على الإمام يبغي خلعه أو يمنع من الدخول في طاعة له، أو ~~يمنع حقا يوجبه عليه بتأويل؛ فإن جحده فهو مرتد. # وقد قاتل الصديق - رضي الله عنه - البغاة والمرتدين؛ فأما البغاة فهم ~~الذين منعوا الزكاة بتأويل، ظنا منهم أنها سقطت بموت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -؛ وأما المرتدون فهم الذين أنكروا وجوبها، وخرجوا عن دين الإسلام ~~بدعوى نبوة غير محمد - صلى الله عليه وسلم -. # والذي قاتل علي طائفة أبوا الدخول في بيعته، وهم ms1497 أهل الشام؛ وطائفة ~~خلعته، وهم أهل النهروان. # وأما أصحاب الجمل فإنما خرجوا يطلبون الإصلاح بين الفرقتين. وكان من حق ~~الجميع أن يصلوا إليه ويجلسوا بين يديه، ويطالبوه بما رأوا أنه عليه؛ فلما ~~تركوا ذلك بأجمعهم صاروا بغاة بجملتهم، فتناولت هذه الآية جميعهم. # المسألة التاسعة: قال علماؤنا في رواية سحنون: إنما يقاتل مع الإمام ~~العدل سواء كان الأول أو الخارج عليه؛ فإن لم يكونا عدلين فأمسك عنهما إلا ~~أن تراد بنفسك أو مالك أو ظلم المسلمين فادفع ذلك. # المسألة العاشرة: لا تقاتل إلا مع إمام [عادل] يقدمه أهل الحق لأنفسهم، ~~ولا يكون إلا قرشيا، وغيره لا حكم له، إلا أن يدعو إلى الإمام القرشي؛ قاله ~~مالك؛ لأن الإمامة لا تكون إلا لقرشي. # وقد روى ابن القاسم، عن مالك: إذا خرج على الإمام العدل خارج وجب الدفع ~~عنه، مثل عمر بن عبد العزيز، فأما غيره فدعه ينتقم الله من ظالم بمثله ثم ~~ينتقم من # PageV04P153 # كليهما. قال الله تعالى: {فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا ~~أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا} [الإسراء: 5]. # قال مالك: إذا بويع للإمام فقام عليه إخوانه قوتلوا إذا كان الأول عدلا، ~~فأما هؤلاء فلا بيعة لهم إذا كان بويع لهم على الخوف. # قال مالك: ولا بد من إمام بر أو فاجر. # وقال ابن إسحاق في حديث يرويه معاوية: «إذا كان في الأرض خليفتان فاقتلوا ~~أحدهما؛ وقد بلغني أنه كان يقول: لا تكرهوا الفتنة فإنها حصاد المنافقين». ~~المسألة الحادية عشرة لا يقتل أسيرهم، ولا يتبع منهزمهم؛ لأن المقصود دفعهم ~~لا قتلهم. # وأما الذي يتلفونه من الأموال فعندنا أنه لا ضمان عليهم في نفس ولا مال. # وقال أبو حنيفة: يضمنون، وللشافعي قولان: وجه قول أبي حنيفة أنه إتلاف ~~بعدوان، فليلزم الضمان. # والمعول في ذلك كله عندنا على ما قدمناه من أن الصحابة - رضي الله عنهم - ~~في خروجهم لم يتبعوا مدبرا ولا ذففوا على جريح، ولا قتلوا أسيرا، ولا ضمنوا ~~نفسا ولا مالا؛ وهم القدوة والله أعلم ms1498 بما كان في خروجهم من الحكمة في بيان ~~أحكام قتال البغاة بخلاف الكفرة. المسألة الثانية عشرة إن ولوا قاضيا، ~~وأخذوا زكاة، وأقاموا حقا بعد ذلك كله جاز؛ قاله مطرف وابن الماجشون. # وقال ابن القاسم: لا يجوز بحال. # وروي عن أصبغ أنه جائز. وروي عنه أيضا أنه لا يجوز كقول ابن القاسم. ~~وقاله أبو حنيفة؛ لأنه عمل بغير حق ممن لا يجوز توليته، فلم يجز كما لو ~~كانوا بغاة. # PageV04P154 # العمدة لنا ما قدمناه من أن الصحابة - رضي الله عنهم -[في خروجهم] لم ~~يتبعوا مدبرا، ولا ذففوا على جريح، ولا قتلوا أسيرا، ولا ضمنوا نفسا ولا ~~مالا، وهم القدوة. والله أعلم. # وأن الصحابة لما انجلت الفتنة، وارتفع الخلاف بالهدنة والصلح لم يعرضوا ~~لأحد منهم في حكم. # قال القاضي ابن العربي - رضي الله عنه -: الذي عندي أن ذلك لا يصلح؛ لأن ~~الفتنة لما انجلت كان الإمام هو الباغي، ولم يكن هناك من يعترضه. والله ~~أعلم. # فإن قيل: فأهل ما وراء النهر وإن لم يكن لهم إمام، ولم يعترض لهم حكم، # قلنا: ولا سمعنا أنهم كان لهم حكم؛ وإنما كانوا فتنة مجردة، حتى انجلت مع ~~الباغي لسكت عنهم لئلا يعضد باعتراضه من خرجوا عليه. والله أعلم. ### | [الآية الخامسة قوله تعالى ولا تنابزوا بالألقاب] # بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون} [الحجرات: ~~11]. # فيها أربع مسائل: المسألة الأولى النبز هو اللقب فقوله: لا تنابزوا ~~بالألقاب، أي لا تداعوا بالألقاب. # واللقب هنا اسم مكروه عند السامع. # وكذلك يروى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم المدينة، ولكل رجل اسمان ~~وثلاثة؛ فكان يدعى باسم منها فيغضب؛ فنزلت: {ولا تنابزوا بالألقاب} ~~[الحجرات: 11]، وهي: المسألة الثانية في سبب نزولها: ### | [مسألة ذكر الصاحب بما يكره] # المسألة الثالثة قوله: {بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان} [الحجرات: 11] ~~يعني أنك إذا ذكرت صاحبك بما يكره فقد آذيته؛ وإذاية المسلم فسوق، وذلك لا ~~يجوز. # PageV04P155 # وقد روي «أن أبا ذر كان عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فنازعه رجل، ~~فقال له أبو ذر: ms1499 يا ابن اليهودية. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما ~~ترى من هاهنا من أحمر وأسود، ما أنت بأفضل منه» يعني إلا بالتقوى، ونزلت: ~~{ولا تنابزوا بالألقاب} [الحجرات: 11]. المسألة الرابعة وقع من ذلك مستثنى ~~من غلب عليه الاستعمال، كالأعرج والأحدب، ولم يكن له فيه كسب يجد في نفسه ~~منه عليه، فجوزته الأمة، فاتفق على قوله أهل الملة. # وقد ورد لعمر الله من ذلك في كتبهم ما لا أرضاه، كقولهم في صالح جزرة؛ ~~لأنه صحف زجره فنقب بها، وكذلك قوله في محمد بن سليمان الحضرمي مطين؛ لأنه ~~وقع في طين، ونحو ذلك مما غلب على المتأخرين. # ولا أراه سائغا في الدين، وقد كان موسى بن علي بن رباح المصري يقول: لا ~~أجعل أحدا # صغر اسم أبي في حل. وكان الغالب على اسم أبيه التصغير بضم العين. والذي ~~يضبط هذا كله ما قدمناه من الكراهة لأجل الإذاية. والله أعلم. ### | [الآية السادسة قوله تعالى يأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن] # الآية السادسة قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن ~~إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم ~~أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم} [الحجرات: 12]. # فيها مسألتان: المسألة الأولى في حقيقة الظن. وقد قال علماؤنا: إن حقيقة ~~الظن تجويز أمرين في النفس لأحدهما ترجيح على الآخر. والشك عبارة عن ~~استوائهما. والعلم هو حذف أحدهما وتعيين الآخر. وقد حققناه في كتب الأصول. # PageV04P156 # المسألة الثانية أنكرت جماعة من المبتدعة تعبد الله تعالى بالظن، وجواز ~~العمل به تحكم في الدين، ودعوى في العقول؛ وليس في ذلك أصل يعول عليه؛ فإن ~~الباري تعالى لم يذم جميعه، وإنما ورد الذم كما قررناه آنفا في بعضه. # ومتعلقهم في ذلك حديث أبي هريرة قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا، ولا تقاطعوا، ~~ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا». # وهذا لا حجة فيه؛ لأن الظن في الشريعة قسمان: محمود، ms1500 ومذموم؛ فالمحمود ~~بدلالة قوله: {إن بعض الظن إثم} [الحجرات: 12]، وقوله: {لولا إذ سمعتموه ظن ~~المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا} [النور: 12]. «وقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: إذا كان أحدكم مادحا أخاه لا محالة فليقل أحسبه كذا، ولا أزكي ~~على الله أحدا». وعبادات الشرع وأحكامه ظنية في الأكثر حسبما بيناه في أصول ~~الفقه، وهي مسألة تفرق بين الغبي والفطن. ### | [الآية السابعة قوله تعالى يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى] # الآية السابعة قوله تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ~~وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم ~~خبير} [الحجرات: 13]. # PageV04P157 # فيها أربع مسائل: المسألة الأولى روى الترمذي وغيره «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - خطب يوم فتح مكة فقال: إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية ~~وتعاظمها، فالناس رجلان: بر تقي كريم على الله، وفاجر شقي هين على الله؛ ~~والناس بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب؛ قال الله تعالى: {يا أيها الناس ~~إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم} ~~[الحجرات: 13]». والحديث ضعيف. المسألة الثانية بين الله تعالى في هذه ~~الآية أنه سبحانه خلق الخلق من ذكر وأنثى، ولو شاء لخلقه دونهما كخلقه ~~لآدم، أو دون ذكر كخلقه لعيسى، أو دون أنثى كخلقه لحواء من إحدى الجهتين. ~~وهذا الجائز في القدرة لم يرد به الوجود. # وقد جاء أن آدم خلق الله منه حواء من ضلع انتزعها من أضلاعه، فلعله هذا ~~القسم، وقد بينا فيما تقدم كيفية الخلق من ماء الذكر وماء الأنثى بما يغني ~~عن إعادته. ### | [مسألة كل أحد يجوز نسبة فإذا نفاه عنه أحد] # المسألة الثالثة خلق الله الخلق بين الذكر والأنثى أنسابا وأصهارا وقبائل ~~وشعوبا، وخلق لهم منها التعارف، وجعل لهم بها التواصل، للحكمة التي قدرها، ~~وهو أعلم بها؛ فصار كل أحد يجوز نسبة، فإذا نفاه عنه [أحد] استوجب الحد ~~يقذفه له، مثل أن ينفيه عن رهطه وجنسه، كقوله للعربي: يا عجمي: يا عربي، ~~ونحو ذلك مما يقع به النفي ms1501 حقيقة، وقد استوفيناه في كتب المسائل. ### | [مسألة نكاح المولى العربية] # المسألة الرابعة قوله: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13]: قد ~~بينا الكرم، وأوضحنا حقيقته في غير موضع من صحيح الحديث. # PageV04P158 # وفي صحيحه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الحسب المال، والكرم ~~التقوى». # ذلك يرجع إلى قوله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13]. # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ~~يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم». # وقال - عليه السلام - «إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي». # ولذلك كان أكرم البشر على الله تعالى. وهذا المعنى هو الذي لحظ مالك في ~~الكفاءة في النكاح. # روي عن عبد الله عن مالك يزوج المولى العربية. واحتج بهذه الآية. وقال ~~أبو حنيفة والشافعي: يراعى الحسب والمال. # وفي الصحيح عن عائشة أن أبا حذيفة بن عقبة بن ربيعة وكان ممن شهد بدرا مع ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - تبنى سالما، وأنكحه هند بنت أخيه الوليد بن ~~عقبة بن ربيعة، وهو مولى لامرأة من الأنصار، وضباعة بنت الزبير كانت تحت ~~المقداد بن الأسود الكندي فدل على جواز نكاح المولى العربية. وإنما تراعى ~~الكفاءة في الدين. # والدليل عليه أيضا ما روى سهل بن سعد في الصحيح «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - مر عليه رجل فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا: حري إن خطب أن ~~ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال أن يسمع. قال: ثم سكت. فمر رجل من فقراء ~~المسلمين فقال: ما تقولون # PageV04P159 # في هذا؟ قالوا: هذا حري إن خطب ألا ينكح، وإن شفع ألا يشفع، وإن قال ألا ~~يسمع. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هذا خير من ملء الأرض مثل ~~هذا». # وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تنكح المرأة لمالها وجمالها ~~ودينها وفي رواية: وحسبها، فعليك بذات الدين تربت يداك». # وقد خطب سلمان إلى أبي بكر ابنته فأجابه وخطب إلى عمر ابنته فالتوى عليه، ~~ثم سأله أن ينكحها، فلم يفعل سلمان، «وخطب بلال ms1502 بنت البكير فأبى إخوتها، ~~فقال بلال يا رسول الله: ماذا لقيت من بني البكير، خطبت إليهم أختهم ~~فمنعوني وآذوني. فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أجل بلال؛ ~~فبلغهم الخبر، فأتوا أختهم، فقالوا: ماذا لقينا من سببك، غضب علينا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - من أجل بلال. فقالت أختهم أمري بيد رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -؛ فزوجها بلالا»، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في أبي هند حين حجمه: «أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه وهو مولى بني بياضة». # PageV04P160 ### | [سورة ق فيها آية واحدة] ### | [قوله تعالى فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب] # ] وهي قوله سبحانه وتعالى: {فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع ~~الشمس وقبل الغروب} [ق: 39] {ومن الليل فسبحه وأدبار السجود} [ق: 40]. # فيها خمس مسائل: المسألة الأولى في الصحيح عن جرير بن عبد الله، قال: ~~«كنا جلوسا ليلة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فنظر إلى القمر ليلة أربع ~~عشرة، فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا، لا تضامون في رؤيته؛ فإن ~~استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا؛ ثم قرأ: ~~{وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب} [ق: 39]». ### | [مسألة معنى قوله تعالى ومن الليل فسبحه] # المسألة الثانية قوله تعالى: {ومن الليل فسبحه} [ق: 40] فيه أربعة أقوال: ~~الأول هو تسبيح الله في الليل. # الثاني: أنها صلاة الليل. # الثالث: أنها ركعتا الفجر. # الرابع أنها صلاة العشاء الأخيرة. # PageV04P161 # المسألة الثالثة قول [من قال] إنه التسبيح، يعضده الحديث الصحيح: «من ~~تعار من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد ~~وهو على كل شيء قدير، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله ~~أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله كفر عنه وغفر له». # وأما من قال: إنها صلاة الليل فإن الصلاة تسمى تسبيحا لما فيها من تسبيح ~~الله، ومنه سبحة الضحى وأما من قال إنها صلاة الفجر والعشاء فلأنهما ms1503 من ~~صلاة الليل، والعشاء أوضحه. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وأدبار السجود] # المسألة الرابعة قوله تعالى {وأدبار السجود} [ق: 40] فيه قولان: أحدهما ~~أنه النوافل. # الثاني: أنه ذكر الله بعد الصلاة؛ وهو الأقوى في النظر. وفي الحديث أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في دبر المكتوبة: «لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع ~~لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد». # PageV04P162 ### | [مسألة بماذا كان يقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفطر والأضحى] # المسألة الخامسة ثبت في الصحيح «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ في ~~الصبح ق، فلما انتهى إلى قوله تعالى: {والنخل باسقات لها طلع نضيد} [ق: 10] ~~رفع بها صوته». # وثبت أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي ماذا كان يقرأ به رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - في الفطر والأضحى؟ فقال: «كان يقرأ ب ق والقرآن ~~المجيد واقتربت الساعة». # PageV04P163 ### | [سورة الذاريات فيها ثلاث آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى كانوا قليلا من الليل ما يهجعون] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون} # [الذاريات: 17] فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى الهجوع: النوم، وذلك من ~~أحد وجهين: الأول الإقبال [على الأنس بالحديث، وكانت عادتهم، أو] على ~~الوطء. # الثاني الإقبال على الصلاة، وهو الصحيح. والأول [ضعيف والثاني] باطل. # ولولا مخافتنا أن يتعلق به متعلق يوما ما ذكرناه لبطلانه. المسألة ~~الثانية تكلم المفسرون في قوله: {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون} ~~[الذاريات: 17] لأجل أن ظاهره يعطي أن نومهم بالليل كان قليلا، ولم يكن ~~كذلك. وإنما مدح الله عز وجل من يصلي قليلا؛ لأن الأول ليس في الإمكان؛ ~~وإنما [معناه] كانوا يهجعون قليلا من الليل، أي يسهرون قليلا. ومدح الله ~~تعالى السهر بالقليل؛ لأن عمل العباد كله قليل. # PageV04P164 # وفي قوله (ما) اختلاف بين النحاة: قال بعضهم: هي صلة. وقال بعضهم: هي مع ~~الفعل بتأويل المصدر؛ والكل صحيح. وقد بيناه في كتاب الملجئة. ms1504 ### | [مسألة صلاة الليل] # المسألة الثالثة صلاة الليل ممدوحة شرعا إجماعا، وهي أفضل من صلاة ~~النهار، لأجل فراغ القلب وضمان الإجابة، وسيأتي القول عليه مستوفى في سورة ~~المزمل إن شاء الله. ### | [الآية الثانية قوله تعالى وبالأسحار هم يستغفرون] # } [الذاريات: 18]. # روى ابن وهب عن مالك في قوله تعالى: {وبالأسحار هم يستغفرون} [الذاريات: ~~18] قال: هو الرجل يمد الصلاة إلى السحر. قال ابن شعبان: يريد مالك بالرجل ~~الربيع بن خثيم. # وقيل: هي الصلاة في مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - بأهل قباء. وفي ~~ذلك أقوال هذا لبابها. وقال مجاهد: كانوا قل ليلة تمر بهم إلا أصابوا منها ~~خيرا. # قال القاضي: وخص السحر لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~«جوف الليل أسمع». وروي في الصحاح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~قال: «إذا ذهب الثلث الأول، وفي رواية: إذا انتصف الليل، وأصحه إذا بقي ثلث ~~الليل ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا فيقول: من يدعوني فأستجيب له، ~~من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له، حتى يطلع الفجر». ### | [الآية الثالثة قوله تعالى وفي أموالهم حق للسائل والمحروم] # } [الذاريات: 19]. # فيها ثلاث مسائل: # PageV04P165 # المسألة الأولى {وفي أموالهم حق} [الذاريات: 19]، وقد بينا في غير موضع ~~هل في المال حق سوى الزكاة أم لا بما يغني عن إعادته هاهنا. # والأقوى في هذه الآية أنه الزكاة؛ لقوله تعالى في سورة: سأل سائل: ~~{والذين في أموالهم حق معلوم} [المعارج: 24] {للسائل والمحروم} [المعارج: ~~25] والحق المعلوم هو الزكاة التي بين الشرع قدرها وجنسها ووقتها، فأما ~~غيرها لمن يقول به فليس بمعلوم؛ لأنه غير مقدر ولا مجنس ولا مؤقت. المسألة ~~الثانية قوله: {للسائل} [الذاريات: 19]، وهو المتكفف. المسألة الثالثة ~~قوله: {والمحروم} [الذاريات: 19]، وهو المتعفف؛ فبين أن للسائل حق المسألة ~~وللمحروم حق الحاجة. # وقد روى ابن وهب عن مالك أنه قال الذي يحرم الرزق. وقيل: الذي أصابته ~~جائحة قال تعالى مخبرا عن أصحاب الجنة المحترقة: {قالوا إنا لضالون} ~~[القلم: 26] {بل نحن محرومون} [القلم: 27] # وفيه أقوال كثيرة ليس لها أصل لم نطول ms1505 بذكرها؛ لأن هذا أصحها؛ إذ يقتضي ~~هذا التقسيم أن المحتاج إذا كان منه من يسأل فالقسم الثاني هو الذي لا ~~يسأل، ويتنوع أحوال المتعفف، والاسم يعمه كله، فإذا رأيته فسمه به، واحكم ~~عليه بحكمه. والله أعلم. # PageV04P166 ### | [سورة الطور فيها آيتان] # [الآية الأولى قوله تعالى والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان # ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين} ~~[الطور: 21]. # وقرئ: وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان. # فيها (مسألة): القراءتان لمعنيين: أما إذا كان اتبعتهم على أن يكون الفعل ~~للذرية فيقتضي أن يكون الذرية مستقلة بنفسها تعقل الإيمان وتتلفظ به. وأما ~~إذا كان الفعل واقعا بهم من الله عز وجل بغير واسطة نسبة إليهم فيكون ذلك ~~لمن كان من الصغر في حد لا يعقل الإسلام، ولكن جعل الله له حكم أبيه لفضله ~~في الدنيا من العصمة والحرمة. # فأما إتباع الصغير لأبيه في أحكام الإسلام فلا خلاف فيه. # وأما تبعيته لأمه فاختلف فيه العلماء واضطرب فيه قول مالك. # والصحيح في الدين أنه يتبع من أسلم من أحد أبويه، للحديث الصحيح عن ابن ~~عباس قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين من المؤمنين، وذلك أن أمه أسلمت ولم ~~يسلم العباس فاتبع أمه في الدين، وكان لأجلها من المؤمنين. # PageV04P167 # فأما إذا كان أبواه كافرين فعقل الإسلام صغيرا وتلفظ به، فاختلف العلماء ~~اختلافا كثيرا. # ومشهور المذهب أنه يكون مسلما. والمسألة مشكلة، وقد أوضحناها بطرقها في ~~مسائل الخلاف ومن عمدها هذه الآية، وهي قوله: {واتبعتهم ذريتهم بإيمان} ~~[الطور: 21]، فنسب الفعل إليهم؛ فهذا يدل على أنهم عقلوه وتكلموا به؛ ~~فاعتبره الله، وجعل لهم حكم المسلمين. # ومن العمد في هذه المسألة أن المخالف يرى صحة ردته فكيف يصح اعتبار ردته ~~ولا يعتبر إسلامه، وقد احتج جماعة بإسلام علي بن أبي طالب صغيرا وأبواه ~~كافران. ### | [الآية الثانية قوله تعالى واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا] # وسبح بحمد ربك حين تقوم} [الطور: 48] {ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم} ~~[الطور: 49]. # فيها ثلاث مسائل: ms1506 المسألة الأولى: قوله: {حين تقوم} [الطور: 48] فيه ~~أربعة أقوال: الأول: المعنى فيه حين تقوم من المجلس ليكفره. # الثاني: حين تقوم من النوم، ليكون مفتتحا به كلامه. # الثالث: حين تقوم من نوم القائلة، وهي الظهر. # الرابع: التسبيح في الصلاة. # المسألة الثانية: أما قول من قال: إن معناه حين تقوم من المجلس فقد روي ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من جلس مجلسا يكثر فيه لغطه، ~~فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: # PageV04P168 # سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت، وأستغفرك، وأتوب إليك إلا ~~غفر الله له ما كان في مجلسه ذلك». وهذا الحديث معلول. جاء مسلم بن الحجاج ~~إلى محمد بن إسماعيل البخاري فقبل بين عينيه، وقال: دعني أقبل رجليك يا ~~أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله، حدثك محمد بن سلام، ~~حدثنا مخلد بن يزيد، أخبرنا ابن جريج، حدثني موسى بن عقبة عن سهيل عن أبيه ~~عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في كفارة المجلس فما علته؟ ~~قال محمد بن إسماعيل: هذا حديث مليح، ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير ~~هذا الحديث الواحد، إلا أنه معلول. # حدثنا محمد بن إسماعيل، أنبأنا وهيب، أنبأنا سهيل عن عون بن عبد الله، ~~قوله قال # أنبأنا محمد بن إسماعيل هذا أولى، فإنه لا يذكر لموسى بن عقبة سماع من ~~سهيل. # قال القاضي ابن العربي: أراد البخاري أن حديث عون بن عبد الله من قوله ~~حمله سهيل على هذا الحديث حتى تغير حفظه بآخرة؛ فهذه معان لا يحسنها إلا ~~العلماء بالحديث، فأما أهل الفقه فهم عنها بمعزل. # والحديث الصحيح في هذا المعنى ما روى ابن عمر قال: «كنا نعد لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - في المجلس الواحد قبل أن يقوم مائة مرة: رب اغفر لي ~~وتب علي». # وأما قوله حين يقوم يعني من الليل ففي ذلك روايات كثيرة: في الصحيح أنه - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: «من تعار من الليل فقال: لا إله إلا ms1507 الله وحده ~~لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، سبحان الله وبحمده، ~~والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم» وفي بعض روايات سقوط التهليل. # الثاني وروي عنه «أنه قرأ العشر الخواتم من سورة آل عمران». # وروي عنه أنه كان يقول: «اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، # PageV04P169 # وأنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلفوا فيه من ~~الحق، فإنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». # وأما نوم القائلة فليس فيه أثر، وهو يلحق بنوم الليل، ويدخل فيه الصبح ~~لنوم الليل، والظهر لنوم القائل، وهو أصل التسبيح. # وأما من قال: إنه تسبيح الصلاة فهو أفضله، والآثار في ذلك كثيرة، أعظمها ~~ما ثبت عن علي بن أبي طالب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه كان إذا ~~قام للصلاة المكتوبة رفع يديه حذو منكبيه، ويصنع ذلك إذا قضى قراءته وأراد ~~أن يركع، ويضعها إذا رفع رأسه من الركوع، ولا يرفع يديه في شيء من صلاته ~~وهو قاعد، وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك وكبر ويقول حين يفتتح الصلاة ~~بعد التكبير: وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من ~~المشركين؛ إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين # لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا ~~أنت سبحانك أنت ربي، وأنا عبدك ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي ~~جميعا، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي ~~لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك ~~وسعديك، والخير كله في يديك والشر ليس إليك، وإنا بك وإليك لا منجى منك، ~~ولا ملجأ إلا إليك، أستغفرك وأتوب إليك». # وفي الصحيح عن عبد الله بن عمر عن أبي بكر الصديق أنه «قال لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله؛ علمني دعاء أدعو به في صلاتي. فقال: ~~قل رب إني ms1508 ظلمت نفسي ظلما كثيرا، وإني أعلم أنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ~~فاغفر لي من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم». ### | [مسألة يقرأ في المغرب بالطور] # المسألة الثالثة في الصحيح عن أم سلمة أنها قالت: «شكوت إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أني أشتكي، # PageV04P170 # فقال: طوفي من وراء الناس، وأنت راكبة. قالت: فطفت ورسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - حينئذ يصلي إلى جنب البيت يقرأ بالطور وكتاب مسطور». # وفيه عن جبير بن مطعم قال: «سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ ~~بالطور في المغرب». # قال القاضي: ورد جبير بن مطعم على النبي - صلى الله عليه وسلم - في أمر ~~أسارى بدر وهو لم يسلم بعد، فحضر صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال: ~~«فسمعته يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ إلى قوله: {أم خلقوا من غير شيء ~~أم هم الخالقون} [الطور: 35] كاد ينخلع فؤادي، ثم فتح الله علي بعد ~~بالإسلام». # PageV04P171 ### | [سورة النجم] ### | [سجدة النجم هل هي من عزائم القرآن] # قال علماؤنا - رضي الله عنهم -: لم يختلف قول مالك إن سجدة النجم ليست من ~~عزائم القرآن، ورآها ابن وهب من عزائمه، وكان مالك يسجدها في خاصة نفسه. # وروى مالك أن عمر بن الخطاب قرأ بالنجم إذا هوى، فسجد فيها، ثم قام فقرأ ~~سورة أخرى. # وروى غيره أن السورة التي وصلها بها " إذا زلزلت الأرض زلزالها. " وفي ~~الصحيح عن عبد الله بن مسعود «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ النجم، ~~فسجد فيها، وسجد من كان معه إلا شيخا كبيرا أخذ كفا من حصى أو من تراب، ~~فرفعه إلى جبهته، وقال: يكفيني هذا». # قال ابن مسعود: ولقد رأيته بعد قتل كافرا. # وروى ابن عباس «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد فيها يعني في النجم، ~~وسجد فيها المسلمون والجن والإنس». # الشيخ الذي لم يسجد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - هو أمية بن خلف، قتل ~~يوم بدر كافرا. # وقد روي أن عبد الله بن مسعود كان إذا قرأها على الناس سجد، ms1509 فإذا قرأها ~~وهو في الصلاة ركع وسجد. # وكان ابن عمر إذا قرأ " والنجم " وهو يريد أن تكون بعدها قراءة قرأها ~~وسجد. وإذا انتهى إليها ركع وسجد، ولم يرها [علي] من عزائم السجود. # وقال أبو حنيفة والشافعي: هي من عزائم السجود؛ وهو الصحيح. # PageV04P172 ### | [سورة الرحمن فيها آية واحدة] # [قوله تعالى هل جزاء الإحسان إلا الإحسان] ### | قوله تعالى: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان} # [الرحمن: 60]. # وقد ثبت في الحديث الصحيح «أن جبريل سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ~~الإحسان، فقال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». # فهذا إحسان العبد. وأما إحسان الله فهو دخول الحسنى وهي الجنة، وللحسنى ~~درجات بيناها في كتب الأصول؛ وهذا من أجلها قدرا، وأكرمها أمرا، وأحسنها ~~ثوابا، فقد قال الله تعالى: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: 26] فهذا ~~تفسيره. # PageV04P173 ### | [سورة الواقعة فيها آية واحدة] # [قوله تعالى لا يمسه إلا المطهرون] ### | قوله تعالى: {لا يمسه إلا المطهرون} # [الواقعة: 79]. فيها خمس مسائل: المسألة الأولى [هل] هذه الآية مبينة حال ~~القرآن في كتب الله أم هي مبينة في كتبنا؟ فقيل: هو اللوح المحفوظ. وقيل: ~~هو ما بأيدي الملائكة؛ فهذا كتاب الله. وقيل: هي مصاحفنا. المسألة الثانية ~~قوله: {لا يمسه} [الواقعة: 79] فيه قولان: أحدهما أنه المس بالجارحة حقيقة. # وقيل: معناه لا يجد طعم نفعه إلا المطهرون بالقرآن؛ قاله الفراء. المسألة ~~الثالثة قوله: {إلا المطهرون} [الواقعة: 79] فيه قولان: أحدهما أنهم ~~الملائكة طهروا من الشرك والذنوب. # الثاني: أنه أراد المطهرين من الحدث، وهم المكلفون من الآدميين. المسألة ~~الرابعة هل قوله: {لا يمسه} [الواقعة: 79] نهي أو نفي؟ فقيل: لفظه لفظ ~~الخبر، ومعناه النهي. # PageV04P174 # وقيل: هو نفي. وكان ابن مسعود يقرؤها: ما يمسه إلا المطهرون، لتحقيق ~~النفي. المسألة الخامسة في تنقيح الأقوال: أما قول من قال: إن المراد ~~بالكتاب اللوح المحفوظ فهو باطل؛ لأن الملائكة لا تناله في وقت، ولا تصل ~~إليه بحال؛ فلو كان المراد به ذلك لما كان للاستثناء فيه محل. # وأما من قال: أنه الذي بأيدي الملائكة من الصحف ms1510 فإنه قول محتمل؛ وهو الذي ~~اختاره مالك قال: أحسن ما سمعت في قوله: {لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة: ~~79] أنها بمنزلة الآية التي في {عبس وتولى} [عبس: 1]: {فمن شاء ذكره} [عبس: ~~12] {في صحف مكرمة} [عبس: 13] {مرفوعة مطهرة} [عبس: 14] {بأيدي سفرة} [عبس: ~~15] {كرام بررة} [عبس: 16] يريد أن المطهرين هم الملائكة الذين وصفوا ~~بالطهارة في سورة " عبس " ### | [مسألة إذا أراد أحد أن يمس صحف المصحف هل يجب عليه الوضوء] # وأما من قال: إنه أمر بالتوضؤ [بالقرآن] إذا أراد أحد أن يمس صحفه، فإنهم ~~اختلفوا؛ فمنهم من قال: إن لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر، وقد بينا فساد ذلك ~~في كتب الأصول، وفيما تقدم من كلامنا في هذا الكتاب، وحققنا أنه خبر عن ~~الشرع، أي لا يمسه إلا المطهرون شرعا، فإن وجد بخلاف ذلك فهو غير الشرع. # وأما من قال: إن معناه لا يجد طعمه إلا المطهرون من الذنوب التائبون ~~العابدون فهو صحيح، اختاره البخاري؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«ذاق طعم الإسلام من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد - صلى الله ~~عليه وسلم - نبيا»؛ لكنه عدول عن الظاهر لغير ضرورة عقل ولا دليل سمع. # وقد روى مالك وغيره أن في كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه له رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ونسخته: «من محمد النبي إلى شرحبيل بن عبد كلال، والحارث ~~بن عبد كلال، ونعيم # PageV04P175 # بن عبد كلال، قيل ذي رعين ومعافر وهمدان: أما بعد وكان في كتابه ألا يمس ~~القرآن إلا طاهر». # وقد روي أن عمر بن الخطاب دخل على أخته وزوجها سعيد بن زيد بن عمرو بن ~~نفيل، وهما يقرآن طه، فقال: ما هذه الهينمة، وذكر الحديث إلى أن قال: هاتوا ~~الصحيفة. فقالت له أخته: إنه لا يمسه إلا المطهرون فقام واغتسل وأسلم. وقد ~~قال أبو بكر الصديق يرثي النبي - صلى الله عليه وسلم -: # فقدنا الوحي إذ وليت عنا ... وودعنا من الله الكلام # سوى ما قد تركت لنا قديما ... توارثه القراطيس الكرام # وأراد صحف القرآن التي كانت بأيدي المسلمين ms1511 التي كان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يمليها على كتبته. # وقد قال أهل العراق منهم إبراهيم النخعي. ولا يمس القرآن إلا طاهر. # واختلفت الرواية عن أبي حنيفة؛ فروي عنه أنه يمسه المحدث، وروي عنه أنه ~~يمس ظاهره وحواشيه وما لا مكتوب فيه. وأما الكتاب فلا يمسه إلا المطهرون. ~~وهذا إن سلم مما يقوي الحجة عليه؛ لأن حريم الممنوع ممنوع، وفيما كتبه ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن حزم أقوى دليل عليه. والله أعلم. # PageV04P176 ### | [سورة الحديد فيها أربع آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى هو الأول والآخر والظاهر والباطن] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن # وهو بكل شيء عليم} [الحديد: 3]. # وقد بينا في كتاب الأمد تفسير هذه الأسماء، وحققنا أن الأول هو الآخر ~~بعينه [يعني] لأنه واحد، وأن الظاهر هو الباطن، وأن الأول هو الباطن، وأن ~~الآخر هو الظاهر؛ إذ هو تعالى واحد تختلف أوصافه، وتتعدد أسماؤه، وهو تعالى ~~واحد. قال ابن القاسم: قال مالك: لا يحد ولا يشبه. # قال ابن وهب: سمعت مالكا يقول: من قرأ " يد الله " وأشار إلى يده، وقرأ ~~عين الله، وأشار إلى ذلك العضو منه يقطع تغليظا عليه في تقديس الله تعالى ~~وتنزيهه عما أشبه إليه، وشبهه بنفسه، فتعدم [نفسه و] جارحته التي شبهها ~~بالله، وهذه غاية في التوحيد لم يسبق إليها مالكا موحد. # فإن قيل: فقد روى البخاري عن نافع عن عبد الله قال: «ذكر الدجال عند رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنه لا يخفى عليكم أن الله ليس بأعور. ~~وأشار بيده إلى عينه، وأن المسيح الدجال أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة ~~طافية». # فالجواب من وجهين: # PageV04P177 # أحدهما أن هذا خبر واحد، لا يوجب علما. # الثاني أن هذه الإشارة في النفي لا في الإثبات، وفي التقديس لا في ~~التشبيه، وهذا نفيس فاعرفه. . ### | [الآية الثانية قوله تعالى وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله] # ولله ميراث السماوات والأرض لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ~~أولئك أعظم درجة من ms1512 الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى ~~والله بما تعملون خبير} [الحديد: 10]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى: نفى الله سبحانه المساواة بين من أنفق من قبل فتح مكة ~~وبين من أنفق بعد ذلك؛ لأن حاجة الناس كانت قبل الفتح أكثر، لضعف الإسلام، ~~وفعل ذلك كان على المنافقين أشق، والأجر على قدر النصب، والله أعلم. ### | [مسألة التفضيل بين الناس بالحكمة والحكم] # المسألة الثانية: روى أشهب عن مالك قال: ينبغي أن يقدم أهل الفضل والعزم. # وقد قال الله تعالى: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك ~~أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى} [الحديد: ~~10] وقد بينا نحن فيما تقدم ترتيب أحوال الصحابة - رضي الله عنهم - ~~ومنازلهم في التقدم والتأخر ومراتب التابعين. # المسألة الثالثة: إذا ثبت انتفاء المساواة بين الخلق وقع التفضيل بين ~~الناس بالحكمة والحكم؛ فإن التقدم والتأخر يكون [في الدين ويكون] في أحكام ~~الدنيا، فأما في أحكام الدين ففي الصحيح عن عائشة قالت - رضي الله عنها -: ~~«أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ننزل الناس منازلهم، وأعظم ~~المنازل مرتبة الصلاة». «وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في مرضه: ~~مروا أبا # PageV04P178 # بكر فليصل بالناس. فقيل له: إن أبا بكر رجل أسيف إذا قام مقامك لم يسمع ~~الناس من البكاء، فمر عمر فليصل بالناس. فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس». ~~الحديث. # فقدم المقدم، وراعى الأفضل. # وفي حديث أبي مسعود الأنصاري من رواية الترمذي وغيره: «يؤم القوم أقرؤهم ~~لكتاب الله؛ فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة ~~سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سنا، ولا يؤم الرجل ~~في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه». # وفي الصحيح «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لمالك بن الحويرث وأخيه ~~فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما». ففهم منه البخاري وغيره من العلماء أنه ~~أراد كبر المنزلة، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «الولاء للكبر». ولم ~~يعن كبر السن، وإنما ms1513 أراد كبر المنزلة. # وقد قال مالك وغيره: وإن للسن حقا. وراعاه الشافعي وأبو حنيفة، وهو أحق ~~بالمراعاة؛ لأنه إذا اجتمع العلم والسن في خيرين قدم العلم وأما أحكام ~~الدنيا فهي مرتبة على أحكام الدين، فمن قدم في الدين قدم في الدنيا. # وفي الآثار: «ليس منا من لم يوقر كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعترف لعالمنا». # وفي الحديث الثابت في الأفراد: «ما أكرم شاب شيخا لسنه إلا قيض الله له ~~عند سنه من يكرمه». وأنشدني أبو عبد الله محمد بن قاسم العثماني الشهيد ~~نزيل القدس لابن عبد الصمد السرقسطي: # يا عائبا للشيوخ من أشر ... داخله للصبا ومن بذخ # اذكر إذا شئت أن تعيبهم ... جدك واذكر أباك يا بن أخي # PageV04P179 # واعلم بأن الشباب منسلخ ... عنك وما وزره بمنسلخ # من لا يعز الشيوخ لا بلغت ... يوما به سنه إلى الشيخ ### | [الآية الثالثة قوله تعالى والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء] # عند ربهم لهم أجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب ~~الجحيم} [الحديد: 19]. # فيها أربع مسائل: المسألة الأولى في المراد بقوله تعالى: {والشهداء} ~~[الحديد: 19] وفيه ثلاثة أقوال: أحدها أنهم النبيون. # الثاني: أنهم المؤمنون. # الثالث أنهم الشهداء في سبيل الله. وكل واحد من هؤلاء شهيد، أما الأنبياء ~~- عليهم السلام - فهم شهداء على الأمم، وأما المؤمنون فهم شهداء على الناس ~~[كما قال تعالى: {لتكونوا شهداء على الناس} [البقرة: 143]]. # وأما محمد - صلى الله عليه وسلم - فهو شهيد على الكل لقوله تعالى: {ويكون ~~الرسول عليكم شهيدا} [البقرة: 143]. المسألة الثانية إن كان المراد به ~~المؤمنين فهو على العموم في كل شاهد. وقد قال - عليه السلام -: «خير ~~الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها، وله الأجر إذا أدى والإثم إذا ~~كتم». ونورهم [قيل] وهي: # PageV04P180 # المسألة الثالثة هو ظهور الحق به، وقيل نورهم يوم القيامة. والكل صالح ~~للقول حاصل للشاهد بالحق. وأما إن كان المراد به الشهداء في سبيل الله فهم ~~الذين قاتلوا لتكون كلمة الله هي العليا. # وهم أوفى درجة وأعلى. # والشهداء قد بينا عددهم، وهم المقتول في سبيل ms1514 الله. المقتول دون ماله ~~[المقتول دون أهله]. المطعون. الغرق. الحرق. المجنون. الهديم. ذات الجمع. # المقتول ظلما. أكيل السبع. الميت في سبيل الله. من مات من بطن فهو شهيد. ~~المريض شهيد. الغريب شهيد. صاحب النظرة شهيد. فهؤلاء ستة عشر شهيدا. وقد ~~بيناهم في شرح الحديث. المسألة الرابعة قال جماعة: إن قوله {والشهداء} ~~[الحديد: 19] معطوف على قوله تعالى: {الصديقون} [الحديد: 19] عطف المفرد ~~على المفرد يعن ي أن الصديق هو الشهيد، والكل لهم أجرهم ونورهم. وقيل: هو ~~عطف جملة على جملة، والشهداء ابتداء كلام والكل محتمل، وأظهره عطف المفرد ~~على المفرد حسبما بيناه في الملجئة. ### | [الآية الرابعة قوله تعالى ثم قفينا على آثارهم برسلنا] # وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ~~ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها ~~حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون} [الحديد: ~~27]. فيها أربع مسائل: # PageV04P181 # المسألة الأولى الرهبانية: فعلانية من الرهب كالرحمانية؛ وقد قرئت بضم ~~الراء وهي من الرهبان كالرضوانية من الرضوان. [والرهب هو الخوف، كفى به عن ~~فعل التزم خوفا من الله ورهبا من سخطه]. المسألة الثانية في تفسيرها: وفيه ~~أربعة أقوال: الأول أنها رفض النساء، وقد نسخ ذلك في ديننا، كما تقدم. # الثاني: اتخاذ الصوامع للعزلة؛ وذلك مندوب إليه عند فساد الزمان. # الثالث: سياحتهم، وهي نحو منه. # الرابع روى الكوفيون عن ابن مسعود قال: «قال لي رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: هل تدري أي الناس أعلم؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: ~~أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس فيه، وإن كان مقصرا في العمل، وإن ~~كان يزحف على استه». # وافترق من [كان] قبلنا على اثنتين وسبعين فرقة، نجا منها ثلاث، وهلك ~~سائرها: فرقة آزت الملوك، وقاتلتهم على دين الله ودين عيسى حتى قتلوا، ~~وفرقة لم يكن لهم طاقة بموازاة الملوك أقاموا بين ظهراني قومهم يدعونهم إلى ~~دين الله ودين عيسى ابن مريم، فأخذتهم الملوك وقتلهم وقطعتهم بالمناشير، ~~وفرقة لم تكن لهم طاقة ms1515 بموازاة الملوك، ولا بأن يقيموا بين ظهراني # قومهم، فيدعوهم إلى ذكر الله [ودينه] ودين عيسى ابن مريم، فساحوا في ~~الجبال، وترهبوا فيها، وهي التي قال الله فيها: {ورهبانية ابتدعوها ما ~~كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين ~~آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون} [الحديد: 27]. # PageV04P182 # المسألة الثالثة روي عن أبي أمامة الباهلي، واسمه صدي بن عجلان، وأنه ~~قال: أحدثتم قيام رمضان ولم يكتب عليكم، إنما كتب عليكم الصيام؛ فدوموا على ~~القيام إذا فعلتموه، ولا تتركوه؛ فإن ناسا من بني إسرائيل ابتدعوا بدعا لم ~~يكتبها الله عليهم، ابتغوا بها رضوان الله فما رعوها حق رعايتها، فعاتبهم ~~الله بتركها، فقال: {ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان ~~الله فما رعوها حق رعايتها} [الحديد: 27] يعني تركوا ذلك فعوقبوا عليها. # المسألة الرابعة قد بينا أن قوله تعالى: {ما كتبناها عليهم} [الحديد: 27] ~~من وصف الرهبانية، وأن قوله تعالى: {ابتغاء رضوان الله} [الحديد: 27] متعلق ~~بقوله تعالى: {ابتدعوها} [الحديد: 27]. وقد زاغ قوم عن منهج الصواب فظنوا ~~أنها رهبانية كتبت عليهم بعد أن التزموها، وليس يخرج هذا من قبيل مضمون ~~الكلام، ولا يعطيه أسلوبه ولا معناه، ولا يكتب على أحد شيء إلا بشرع أو ~~نذر، وليس في هذا اختلاف بين أهل الملل. والله أعلم. # PageV04P183 ### | [سورة المجادلة فيها ست آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي ~~إلى الله] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله # والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير} [المجادلة: 1] {الذين يظاهرون ~~منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم وإنهم ليقولون ~~منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور} [المجادلة: 2] {والذين يظاهرون ~~من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون ~~به والله بما تعملون خبير} [المجادلة: 3] # فيها تسع وعشرون مسألة: # المسألة الأولى: قد تقدم الكلام في سماع الله تعالى للموجودات كلها قولا ~~أو غيره، لا يختص ms1516 بسماع الأصوات، بل كل موجود يسمعه ويراه ويعلمه، ويعلم ~~المعدوم بأبدع بيان في كتاب المشكلين والأصول، وكذلك أوضحنا أنه يجوز تعلق ~~سمعنا بكل موجود، وكذلك رؤيتنا، ولكن الباري تعالى أجرى العادة بتعلق ~~رؤيتنا بالألوان، وسمعنا بالأصوات؛ ولله الحكمة فيما خص والقدرة فيما عم. ### | [مسألة اسم المجادلة] # المسألة الثانية قوله تعالى: {تجادلك في زوجها} [المجادلة: 1]: وكذلك ~~تقدم بيان المجادلة وحقيقتها وجوازها في طلب قصد الحق وإظهاره، وأمر الله ~~بها، ونسخه وتخصيصه لها وتعميمه. # PageV04P184 # المسألة الثالثة: في تعيين هذه المجادلة: وفيه روايات كثيرة: قيل هي خولة ~~امرأة أوس بن الصامت. وقيل هي خولة بنت دليج. وقيل: بنت الصامت. وأمها ~~معاذة؛ كانت أمة لابن أبي. وفيها قال الله تعالى: {ولا تكرهوا فتياتكم على ~~البغاء} [النور: 33] الآية. # وقيل: خولة بنت ثعلبة، وهي أشبهها؛ لما روي أن خولة بنت ثعلبة جاءت إلى ~~عمر بن الخطاب # وهي عجوزة كبيرة، والناس معه، وهو على حمار قال: فجنح إليها، ووضع يده ~~على منكبها، وتنحى الناس عنها، فناجاها طويلا، ثم انطلقت فقالوا: يا أمير ~~المؤمنين، حبست رجالات قريش على هذه العجوز. قال: أتدرون من هي؟ هذه خولة ~~بنت ثعلبة، سمع الله قولها من فوق سبع سموات؛ فوالله لو قامت هكذا إلى ~~الليل لقمت معها إلى أن تحضر صلاة، وأنطلق لأصلي ثم أرجع إليها. # وقالت عائشة: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء، إني لأسمع كلام خولة بنت ~~ثعلبة، ويخفى علي بعضه، وهي تقول: يا رسول الله. # وفي تراجم البخاري، وعن تميم بن سلمة، وعن عروة عن عائشة؛ «قلت: الحمد ~~لله الذي وسع سمعه الأصوات، فأنزل الله عز وجل على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: {قد سمع الله قول التي تجادلك} [المجادلة: 1]». # ونصه على الاختصار ما روي أنه «لما ظاهر أوس بن الصامت من امرأته خولة ~~بنت ثعلبة قالت له: والله ما أراك إلا قد أثمت في شأني، لبست جدتي، وأفنيت ~~شبابي، وأكلت مالي، حتى إذا كبرت سني، ورق عظمي، واحتجت إليك فارقتني. قال: ~~ما أكرهني لذلك، اذهبي إلى رسول الله ms1517 - صلى الله عليه وسلم - فانظري هل ~~تجدين عنده شيئا في أمرك؟ فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له، ~~فلم تبرح حتى نزل القرآن: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} ~~[المجادلة: 1] فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أعتق رقبة. قال: لا ~~أجد ذلك. قال: صم شهرين متتابعين. قال: لا أستطيع ذلك؛ أنا شيخ كبير. قال: # PageV04P185 # أطعم ستين مسكينا. قال: لا أجد. فأعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~شعيرا، وقال: خذ هذا فأطعمه». # وروي أيضا «أن سعيدا أتى أبا سلمة بن صخر أحد بني بياضة، كان رجلا ميطا ~~فلما جاء شهر رمضان جعل امرأته عليه كأمه، فرآها ذات ليلة في بريق القمر، ~~ورأى بريق خلخالها وساقها فأعجبته فأتاها، وأتى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فقص عليه القصة # فقال له: أتيت بهذا يا أبا سلمة ثلاثا؟ فأمر النبي أن يعتق رقبة. قال: ما ~~أملك غير رقبتي هذه. فأمره بالإطعام. قال: إنما هي وجبة. قال: صم شهرين ~~متتابعين. قال: ما من عمل يعمله الناس أشد علي من الصيام. قال: فأتى الناس ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بقناع فيه تمر. فقال له: خذ هذا، فتصدق به ~~وأطعمه عيالك». # [وقيل هذا صخر بن] سلمة بن صخر بن سليمان الذي أعطى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - المجن يوم أحد. وقال: وجهي أحق بالكلم من وجهك، وارتث بعد ذلك ~~من القتلى، وبه رمق، وقد كلم كلوما كثيرة، فمسح رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كلومه، واستشفى له فبرئ، وفيه نزلت آية الظهار. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وتشتكي إلى الله] # المسألة الرابعة قوله تعالى: {وتشتكي إلى الله} [المجادلة: 1]: # روي «أن خولة بنت دليج ظاهر منها زوجها، فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فسألته كذلك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قد حرمت عليه، ~~فرفعت رأسها إلى السماء فقالت: إلى الله أشكو حاجتي إليه. ثم عادت فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: حرمت عليه. فقالت: إلى الله أشكو حاجتي # PageV04P186 # إليه، وعائشة تغسل شق ms1518 رأسه الأيمن، ثم تحولت إلى الشق الآخر، وقد نزل ~~عليه الوحي، فذهبت أن تعيد، فقال: يا عائشة، اسكتي، فإنه نزل الوحي. فلما ~~نزل القرآن قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لزوجها: أعتق رقبة. قال: ~~لا أجد. قال: صم شهرين متتابعين. قال: إن لم آكل في اليوم ثلاث مرات خفت أن ~~يعشو بصري. قال: فأطعم ستين مسكينا. قال: فأعني، فأعانه بشيء». ### | [مسألة شبه جملة أهله بظهر أمه] # المسألة الخامسة قوله تعالى: {الذين يظاهرون} [المجادلة: 2] حقيقته تشبيه ~~ظهر [بظهر، والموجب للحكم منه تشبيه ظهر] محلل بظهر محرم، ويتفرع عليه فروع ~~كثيرة، أصولها سبعة: # الفرع الأول: إذا شبه جملة أهله بظهر أمه، كما جاء في الحديث أنه قال: ~~أنت علي كظهر أمي. # الفرع الثاني: إذا شبه جملة أهله بعضو من أعضاء أمه كان ظهارا، خلافا ~~لأبي حنيفة في قوله: إن شبهها بعضو يحل النظر إليه لم يكن ظهارا، وهذا لا ~~يصح؛ لأن النظر إليه على طريق الاستمتاع لا يحل له، وفيه رفع التشبيه، ~~وإياه قصد المظاهر، وقد قال الشافعي في قوله: إنه لا يكون ظهارا إلا في ~~الظهر وحده؛ وهذا فاسد؛ لأن كل عضو منها محرم، فكان التشبيه به ظهارا ~~كالظهر، ولأن المظاهر إنما يقصد تشبيه المحلل بالمحرم؛ فلزم على المعنى. ### | [مسألة شبه عضوا من امرأته بظهر أمه] # الفرع الثالث إذا شبه عضوا من امرأته بظهر أمه: قال الشافعي في أحد ~~قوليه: لا يكون ظهارا، وهذا ضعيف منه، لأنه قد وافقنا على أنه يصح إضافة ~~الطلاق إليه، خلافا لأبي حنيفة؛ فصح إضافة الظهار إليه، وقد بيناه في مسائل ~~الخلاف. ### | [مسألة قال أنت علي كأمي أو مثل أمي] # الفرع الرابع إذا قال: أنت علي كأمي، أو مثل أمي، فإن نوى ظهارا كان ~~ظهارا، وإن نوى طلاقا كان طلاقا، وإن لم تكن له نية كان ظهارا. # PageV04P187 # وقال الشافعي وأبو حنيفة: إن لم ينو شيئا لم يكن شيء. # ودليلنا أنه أطلق تشبيه امرأته بأمه، فكان ظهارا؛ أصله إذا ذكر الظهر، ~~وهذا قوي؛ إذ معنى اللفظ ms1519 فيه موجود، واللفظ بمعناه، ولم يلزم حكم الظهر ~~للفظه، وإنما لزم لمعناه وهو التحريم. ### | [مسألة قال أنت علي حرام كظهر أمي] # الفرع الخامس إذا قال: أنت علي حرام كظهر أمي كان ظهارا؛ ولم يكن طلاقا؛ ~~لأن قوله: أنت حرام يحتمل التحريم بالطلاق وهي مطلقة، ويحتمل التحريم ~~بالظهار، فلما صرح به كان تفسيرا لأحد الاحتمالين فقضى به فيه. ### | [مسألة شبه امرأته بأجنبية] # الفرع السادس إن شبه امرأته بأجنبية فإن ذكر الظهر كان ظهارا حملا على ~~الأول، وإن لم يذكر الظهر فاختلف فيه علماؤنا، فمنهم من قال: يكون ظهارا، ~~ومنهم من قال: يكون طلاقا. # وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يكون شيئا؛ وهذا فاسد؛ لأنه شبه محللا من ~~المرأة # بمحرم، فكان مقيدا بحكمه كالظهر. والأسماء بمعانيها عندنا، وعندهم ~~بألفاظها، وهذا نقض للأصل منهم. ### | [مسألة قال أنت علي كظهر أختي] # الفرع السابع إذا قال: أنت علي كظهر أختي كان مظاهرا. # وقال الشافعي: لا يكون له حكم، وهذه أشكل من التي قبلها. ودليلنا أنه شبه ~~امرأته بظهر محرم عليه مؤبد كالأم. ### | [مسألة أنكحة الكفار فاسدة مستحقة الفسخ] # المسألة السادسة قوله: {منكم} [المجادلة: 2]. # يعني من المسلمين؛ وذلك يقتضي خروج الذمي من الخطاب. # فإن قيل: هذا استدلال بدليل الخطاب. # قلنا: هو استدلال بالاشتقاق. والمعنى فإن أنكحة الكفار فاسدة مستحقة ~~الفسخ، فلا يتعلق بها حكم طلاق ولا ظهار، وذلك كقوله: {وأشهدوا ذوي عدل ~~منكم} [الطلاق: 2]. # وبه قال أبو حنيفة. # PageV04P188 # وقال الشافعي: يصح ظهار الذمي؛ وهي مسألة خلاف عظمى. وقد مددنا إطناب ~~القول فيها في مسألة الخلاف. # ولبابه عند المالكية أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة عندنا، وعند ~~الشافعي بغير خلاف؛ وإذا خوطبوا فإن أنكحتهم فاسدة لإخلالهم بشروطها من ولي ~~وأهل وصداق ووصف صداق، فقد يعقدون بغير صداق، ويعقدون [بغير مال كخمر أو ~~خنزير، ويعقدون في العدة ويعقدون] نكاح المحرمات، وإذا خلت الأنكحة عن شروط ~~الصحة فهي فاسدة، ولا ظهار في النكاح الفاسد بحال. ### | [مسألة ظهار العبد] # المسألة السابعة وهذا الدليل بعينه يقتضي صحة ظهار العبد خلافا لمن منعه، ~~لأنه ms1520 من جملة المسلمين؛ وأحكام النكاح في حقه ثابتة، وإن تعذر عليه العتق ~~والإطعام فإنه قادر على الصيام. ### | [مسألة هل على النساء تظاهر] # المسألة الثامنة قال مالك: ليس على النساء تظاهر، إنما قال الله تعالى: ~~{والذين يظاهرون من نسائهم} [المجادلة: 3] ولم يقل: واللاتي يظاهرن منكن من ~~أزواجهن، وإنما الظهار على الرجال. # قال القاضي: هكذا روي عن ابن القاسم، وسالم، ويحيى بن سعيد، وربيعة، وأبي ~~الزناد؛ وهو صحيح معنى؛ لأن الحل والعقد والتحليل والتحريم في النكاح بيد ~~الرجال، ليس بيد المرأة منه شيء. وهذا إجماع. ### | [مسألة الظهار في كل أمة يصح وطؤها] # المسألة التاسعة يلزم الظهار في كل أمة يصح وطؤها. # وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يلزم، وهي مسألة عسيرة جدا علينا؛ لأن مالكا # PageV04P189 # يقول: إذا قال لأمته: أنت علي حرام لم يلزم، فكيف يبطل صريح التحريم، ~~ويصحح كنايته، ولكن تدخل الأمة في عموم: {من نسائهم} [المجادلة: 2]؛ لأنه ~~أراد به من محللاتكم. # والمعنى فيه أنه لفظ يتعلق بالبضع دون رفع العقد فيصح في الأمة، أصله ~~الحلف بالله. ### | [مسألة المظاهر الذي به لمم وانتظم في بعض الأوقات] # المسألة العاشرة من به لمم، وانتظمت له في بعض الأوقات الكلم إذا ظاهر ~~لزم ظهاره، لما روي في الحديث «أن خولة بنت ثعلبة وكان زوجها أوس بن الصامت ~~وكان به لمم فداخله بعض لممه، فظاهر من امرأته». ### | [مسألة غضب فظاهر من امرأته أو طلق] # المسألة الحادية عشرة من غضب فظاهر من امرأته أو طلق لم يسقط غضبه حكمه. # وفي بعض طرق هذا الحديث قال يوسف بن عبد الله بن سلام: حدثتني خولة امرأة ~~أوس بن الصامت قالت: كان بيني وبينه شيء، فقال: أنت علي كظهر أمي. ثم خرج ~~إلى نادي قومه. فقولها: كان بيني وبينه شيء دليل على منازعة أحرجته، فظاهر ~~منها. والغضب لغو لا يرفع حكما، ولا يغير شرعا. وقد بيناه فيما تقدم. ### | [مسألة السكران هل يلزمه حكم الظهار والطلاق] # المسألة الثانية عشرة وكذلك السكران يلزمه حكم الظهار والطلاق في حال ~~سكره إذا عقل قوله، ms1521 ونظم كلامه. ### | [مسألة النبي صلى الله عليه وسلم حكم في الظهار بالفراق] # المسألة الثالثة عشرة فيما أوردناه من هذا الخبر دليل على أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - # حكم في الظهار بالفراق، وهو الحكم بالتحريم بالطلاق، حتى نسخ الله ذلك ~~بالكفارة. وهذا نسخ في حكم واحد، في حق شخص واحد، في زمانين؛ وذلك جائز ~~عقلا، واقع شرعا. وقد بيناه في كتاب النسخ. # PageV04P190 ### | [مسألة هل الظهار يحرم جميع أنواع الاستمتاع] # المسألة الرابعة عشرة الظهار يحرم جميع أنواع الاستمتاع، خلافا للشافعي ~~في أحد قوليه؛ لأن قوله: " أنت علي كظهر أمي " يقتضي تحريم كل استمتاع ~~بلفظه ومعناه، وإنما حرم الوطء بالتشبيه بالمحرمة، وهذا يقتضي تحريم كل ~~الاستمتاع. ### | [مسألة ظاهر من الأجنبية بشرط الزواج] # المسألة الخامسة عشرة قال الشافعي: إذا ظاهر من الأجنبية بشرط الزواج لم ~~يكن ظهارا، وعندنا يكون ظهارا، كما لو طلقها كذلك للزمه الطلاق [إذا زوجها] ~~لأنها من نسائه حين شرط نكاحها. وقد بيناه في مسائل الخلاف وفيما تقدم من ~~هذا الكتاب. ### | [مسألة ظاهر من أربع نسوة في كلمة واحدة] # المسألة السادسة عشرة إذا ظاهر من أربع نسوة في كلمة واحدة لزمته كفارة ~~واحدة. # وقال الشافعي: يلزمه أربع كفارات؛ وليس في الآية دليل على شيء من ذلك؛ ~~لأن لفظ الجمع إنما وقع في عامة المؤمنين، وإنما المعول على المعنى، وهو ~~أنه لفظ يتعلق بالفرج يوجب الكفارة لوجه، فكانت واحدة. وإن علقه بعدد، أصله ~~الإيلاء، وما أقرب ما بينهما، وقد حققناه في الإنصاف، وبينا أن الموجب لا ~~يتعدد بتعدد المحل. ### | [مسألة الطلاق المحرم وهو في حال الحيض] # المسألة السابعة عشرة قوله تعالى: {وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا} ~~[المجادلة: 2] [فسماه منكرا من القول وزورا]، ثم رتب عليه حكمه [من الكفارة ~~والتحريم؛ وهذا يدل على أن الطلاق المحرم وهو في حال الحيض يترتب عليه ~~حكمه] إذا وقع. # PageV04P191 ### | [مسألة معنى قوله تعالى ثم يعودون لما قالوا] # المسألة الثامنة عشرة قوله: {ثم يعودون لما قالوا} [المجادلة: 3]: وهو ~~حرف مشكل؛ واختلف الناس فيه قديما وحديثا، وقد ms1522 بيناه في ملجئة المتفقهين ~~إلى معرفة غوامض النحويين. # ومحصول الأقوال سبعة: # أحدها: أنه العزم على الوطء؛ وهو مشهور قول العراقيين. # الثاني: أنه العزم على الإمساك. # الثالث: العزم عليهما؛ وهو قول مالك في موطئه. # الرابع: أنه الوطء نفسه. # الخامس: قال الشافعي: هو أن يمسكها زوجة بعد الظهار مع القدرة على ~~الطلاق. # السادس: أنه لا يستبيح وطأها إلا بكفارة. # السابع: هو تكرير الظهار بلفظه، ويسند إلى بكير بن الأشج. # فأما القول بأنه العود إلى لفظ الظهار فهو باطل قطعا، ولا يصح عن بكير، ~~وإنما يشبه أن يكون من جهالة داود وأشياعه. وقد رويت قصص المتظاهرين، وليس ~~في ذكر الكفارة عليهم ذكر لعود القول منهم. وأيضا فإن المعنى ينقضه؛ لأن ~~الله تعالى وصفه بأنه منكر من القول وزور، فكيف يقال له إذا أعدت القول ~~المحرم والسبب المحظور وجبت عليك الكفارة، وهذا لا يعقل؛ ألا ترى أن كل سبب ~~يوجب الكفارة لا تشترط فيه الإعادة من قتل ووطء في صوم ونحوه. # وأما قول الشافعي بأنه ترك الطلاق مع القدرة عليه فينقضه ثلاثة أمور ~~أمهات: # الأول: أنه قال {ثم} [المجادلة: 3] وهذا بظاهره يقتضي التراخي. # الثاني: أن قوله {ثم يعودون} [المجادلة: 3] يقتضي وجود فعل من جهته، ~~ومرور الزمان ليس بفعل منه. # PageV04P192 # الثالث: أن الطلاق الرجعي لا ينافي البقاء على الملك، فلم يسقط حكم ~~الظهار كالإيلاء. # فإن قيل: فإذا رآها كالأم لم يمسكها؛ إذ لا يصح إمساك الأم بالنكاح. وهذا ~~عمدة أهل ما وراء النهر. # قلنا: إذا عزم على خلاف ما قال، ورآها خلاف الأم كفر، وعاد إلى أهله. # وتحقيق هذا القول أن العزم قول نفسي، وهذا رجل قال قولا يقتضي التحليل، ~~وهو النكاح، وقال قولا يقتضي التحريم وهو الظهار، ثم عاد لما قال، وهو قول ~~التحليل؛ فلا يصح أن يكون منه ابتداء عقد؛ لأن العقد باق، فلم يبق إلا أنه ~~قول عزم يخالف ما اعتقده، وقاله في نفسه من الظهار الذي أخبر عنه بقوله: ~~أنت علي كظهر أمي. # وإذا كان ذلك كفر، وعاد إلى أهله لقوله: ms1523 {من قبل أن يتماسا} [المجادلة: ~~3]، وهذا تفسير بالغ في فنه. # فإن قيل: العزم على الفعل محرم، فلا أثر له في موافقة المحرم. # قلنا: هذا لا معنى له؛ لأنه إنما يعزم على ما يجوز له بمحلل، وهو ~~الكفارة. ### | [مسألة وطئ قبل الكفارة] # المسألة التاسعة عشرة ولا يحل له أن يطأ حتى يكفر، فإن وطئ قبل الكفارة ~~لم تتعدد عليه الكفارة. # وقال مجاهد: عليه كفارتان. # قلنا: أما الكفارة الواحدة فقرآنية سنية. وأما الثانية فقول بغير دليل. ~~وقد بيناه في كتاب الإنصاف، على أن جماعة رووا منهم النسائي واللفظ له عن ~~ابن عباس «أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو قد ظاهر من ~~امرأته، فوقع عليها، فقال: يا رسول الله، إني قد ظاهرت من امرأتي، فوقعت ~~عليها قبل أن أكفر. قال: ما حملك على ذلك يرحمك الله، قال: رأيت خلخالها في ~~ضوء القمر. فقال: لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله». # PageV04P193 ### | [مسألة طلقها ثلاثا بعد الظهار ثم عادت إليه بنكاح جديد] # المسألة الموفية عشرين إذا طلقها ثلاثا بعد الظهار، ثم عادت إليه بنكاح ~~جديد لم يطأ حتى يكفر، خلافا للشافعي، وبناها على ما تقدم في مسألة العود. ~~وقد بيناه، فلا معنى لإعادته. ### | [مسألة ظاهر موقتا بزمان] # المسألة الحادية والعشرون إذا ظاهر موقتا بزمان. قال مالك: يلزمه مؤبدا. ~~وقال الشافعي: يلغو؛ وما أخبر الله عنه في الظهار عموم في المؤقت والمؤبد. ~~وإذا وقع التحريم بالظهار لم يرفعه مرور الزمان، وإنما ترفعه الكفارة التي ~~جعلها الله رافعة له. وقد وافقنا على أنه لو طلق زمانا مؤقتا لزمه الطلاق ~~عاما، ولا انفصال له عنه. ### | [مسألة شروط عتق الرقبة الظهار] # المسألة الثانية والعشرون وقد تقدم الكلام في ذكر الرقبة، وأنها السليمة ~~من العيوب، وفي أنها المؤمنة ليست الكافرة، وهي: # المسألة الثالثة والعشرون وأنها من لا شائبة للحرية فيها، كالمكاتبة وأم ~~الولد، خلافا لأبي حنيفة في الجميع، وهي: المسألة الرابعة والعشرون وقد ~~أجمعنا على أن أم الولد لا تجزي، فالمكاتبة مثلها؛ لأن [عقد] الحرية قد ثبت ms1524 ~~لها، وهي من السيد في حكم الأجنبية، وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف، ورجحنا ~~أن المكاتبة أشبه بأم الولد منها بالأمة، وكذلك بينا أنه لا بد من اعتبار ~~عدد المساكين، خلافا لأبي حنيفة، وهي: المسألة الخامسة والعشرون على ما ~~تقدم. ### | [مسألة هل المعتبر في كفارة الظهار حال الوجوب أو حال الأداء] # المسألة السادسة والعشرون اختلف علماؤنا هل المعتبر في الكفارة حال ~~الوجوب أو حال الأداء؟ فقال الشافعي: # PageV04P194 # يعتبر حال الأداء في أحد قولين. وقاله مالك في أحد قوليه أيضا. والثاني ~~الاعتبار بحال الوجوب. والأول أشهر؛ وهو قول أبي حنيفة. # وظاهر قول الله سبحانه: {ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة} [المجادلة: 3] ~~[فيه] يرتبط الوجوب بالعود، وفيه يرتبط كيفما كانت حالة الارتباط، بيد أنه ~~للمسألة حرف جرى في ألسنة علمائنا من غير قصد، وهو مقصود المسألة؛ وذلك أن ~~المعتبر في الكفارة صفة العبادة أو صفة العقوبة. والشافعي اعتبر صفة ~~العقوبة؛ ونحن اعتبرنا صفة القربة، وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف؛ فإذا كان ~~المعتبر صفة القربة فالقرب إنما يعتبر في حال الإجزاء خاصة بحال الأداء ~~كالطهارة والصلاة، والذي يعتبر فيه حالة الوجوب هي الحدود. # فإن قيل: إذا وجبت الصلاة عليه قائما، ثم عجز فقعد فيها فهذا من المغاير ~~للقربة في الهيئات، بخلاف العتق والصوم فإنهما جنسان، وعليه عول أبو ~~المعالي. # قلنا: إن كان العتق والصوم جنسين فإن القيام والقعود ضدان، فالخروج من ~~جنس إلى جنس أقرب من العدول من ضد إلى ضد. # فإن قيل: الطهارة ليست مقصودة لنفسها، وإنما تراد للصلاة؛ فاعتبر حال فعل ~~الصلاة فيها. # قلنا: وكذلك الكفارة ليست مقصودة لنفسها، وإنما تراد لحل المسيس؛ فإذا ~~احتيج إلى المسيس اعتبرت الحالة المذكورة فيها. ### | [مسألة المعتبر الوسط من الإطعام في الكفارة] # المسألة السابعة والعشرون قد بينا في كفارة اليمين أن المعتبر الوسط من ~~الإطعام، وهو مد بمد النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وقال مالك في رواية ابن القاسم وابن عبد الحكم: مد بمد هشام، وهو الشبع ~~هاهنا؛ لأن الله تعالى أطلق الطعام ولم ms1525 يذكر الوسط. # PageV04P195 # وقال في رواية أشهب: مدان بمد النبي - صلى الله عليه وسلم -. قيل له: ألم ~~تكن قلت: مد هشام، قال: بلى، ومدان بمد النبي - صلى الله عليه وسلم - أحب ~~إلي. وكذلك قال عنه ابن القاسم أيضا. ومد هشام هو مدان غير ثلث بمد النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -. # قال أشهب: قلت له: أيختلف الشبع عندنا وعندكم؟ قال: نعم. الشبع عندنا مد ~~بمد النبي - صلى الله عليه وسلم - والشبع عندكم أكثر؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - دعا لنا بالبركة دونكم، وأنتم تأكلون أكثر مما نأكل نحن، وهذا ~~بين جدا. # قال ابن العربي: وقع الكلام هاهنا كما ترون في مد هشام، وددت أن يهشم ~~الزمان ذكره، ويمحو من الكتب رسمه؛ فإن المدينة التي نزل الوحي بها، واستقر ~~بها الرسول، ووقع عندهم الظهار وقيل لهم فيه: «فإطعام ستين مسكينا» فهموه ~~وعرفوا المراد به، وأنه الشبع، وقدره معروف عندهم متقدر لديهم، فقد كانوا ~~يجوعون لحاجة ويشبعون بسنة لا بشهوة [ومجاعة]، وقد ورد ذكر الشبع في ~~الأخبار كثيرا، وقد تكلمنا على هذه في الأنوار، واستمرت الحال على ذلك أيام ~~الخلفاء الراشدين المهديين، حتى نفخ الشيطان في أذن هشام، فرأى مد النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لا يشبعه، ولا مثله من حاشيه ونظرائه، فسول له أن ~~يتخذ مدا يكون فيه شبعه، فجعله رطلين، وحمل # الناس عليه، فإذا ابتل عاد نحو ثلاثة أرطال، فغير السنة، وأذهب محل ~~البركة. # قال النبي - صلى الله عليه وسلم - حين دعا ربه لأهل المدينة بالبركة لهم ~~في مدهم وصاعهم: مثل ما بارك لإبراهيم بمكة. فكانت البركة تجري بدعوة النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - في مده، فسعى الشيطان في تغيير هذه السنة وإذهاب ~~البركة، فلم يستجب له في ذلك إلا هشام، فكان من حق العلماء أن يلغوا ذكره، ~~ويمحوا رسمه، وإذا لم يغيروا أمره، وأما أن يحيلوا على ذكره في الأحكام، ~~ويجعلوه تفسيرا لما ذكره الله ورسوله بعد أن كان مفسرا عند الصحابة الذين ~~نزل عليهم فخطب جسيم؛ ولذلك كانت رواية ms1526 أشهب في ذكر مدين بمد النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في كفارة الظهار أحب إلينا من الرواية بأنها بمد هشام. # PageV04P196 # ألا ترى كيف نبه مالك على هذا العلم بقوله [لأشهب]: الشبع عندنا بمد ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، والشبع عندكم أكثر؛ لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - دعا لنا بالبركة، وبهذا أقول؛ فإن العبادات إذا أديت بالسنة، ~~فإن كانت في البدن كان أسرع للقبول، وإن كانت في المال كان قليلها أثقل في ~~الميزان، وأبرك في يد الآخذ، وأطيب في شدقه، وأقل آفة في بطنه، وأكثر إقامة ~~لصلبه، والله الموفق لا رب غيره. ### | [مسألة الوطء للزوجة في ليل صوم الظهار] # المسألة الثامنة والعشرون قوله: {فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا} ~~[المجادلة: 4] يقتضي أن الوطء للزوجة في ليل صوم الظهار يبطل الكفارة؛ لأن ~~الله سبحانه شرط في كفارة الظهار فعلها قبل التماس. # وقال الشافعي: إنما يكون شرط المسيس في الوطء بالنهار دون الليل. قال: ~~لأن الله تعالى أوجب الصوم قبل التماس، فإذا وطئ فيه فقد [تعذر كونه قبله، ~~فإذا أتمها كان بعض الكفارة قبله، وإذا استأنفها] كان الوطء قبل جميعها، ~~وامتثال الأمر في بعضها أولى من تركه في جميعها. # قلنا: هذا كلام من لم يذق طعم الفقه؛ فإن الوطء الواقع في خلال الصوم ليس ~~بالمحل # المأذون فيه بالكفارة، وإنما هو وطء تعد، فلا بد من الامتثال للأمر بصوم ~~لا يكون في أثنائه وطء. ### | [مسألة الحجر على الحر] # المسألة التاسعة والعشرون من غريب الأمر أن أبا حنيفة قال: الحجر على ~~الحر باطل، واحتج بقوله تعالى: {فتحرير رقبة} [المجادلة: 3]، ولم يفرق بين ~~السفيه والرشيد. وهذا فقه ضعيف لا يناسب قدره؛ فإن هذه الآية عامة، وقد كان ~~القضاء بالحجر في أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاشيا، والنظر ~~يقتضيه. ومن كان عليه حجر لصغر أو لولاية، وبلغ سفيها قد نهي عن دفع المال ~~إليه فكيف ينفذ فعله فيه؟ والخاص يقضي على العام. وقد بيناه في موضعه. # PageV04P197 ### | [الآية الثانية قوله تعالى ألم تر إلى ms1527 الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه] # ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به ~~الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس ~~المصير} [المجادلة: 8]. # لا خلاف بين النقلة أن المراد بهم اليهود، كانوا يأتون النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فيقولون: السام عليك؛ يريدون بذلك السلام ظاهرا، وهم يعنون ~~الموت باطنا، فيقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: عليكم [في رواية]، وفي ~~رواية أخرى: وعليكم بالواو، وهي مشكلة. # وكانوا يقولون: لو كان محمد نبيا ما أمهلنا الله بسبه والاستخفاف به؛ ~~وجهلوا أن البارئ تعالى حليم لا يعاجل من سبه، فكيف من سب نبيه. # وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا أحد أصبر على الأذى من ~~الله تعالى، يدعون له الصاحبة والولد، وهو يعافيهم ويرزقهم». # فأنزل الله هذا كشفا لسرائرهم، وفضحا لبواطنهم، ومعجزة لرسوله. # وقد بينا شرح هذا في مختصر النيرين. # وقد ثبت عن قتادة عن أنس «أن يهوديا أتى على النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- وعلى أصحابه، فقال: السام عليكم، فرد عليه، فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: أتدرون ما قال هذا؟ # قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: قال كذا؛ ردوه علي، فردوه. قال: قلت: ~~السام عليكم؟ فقال: نعم. فقال نبي الله - صلى الله عليه وسلم - عند ذلك: ~~إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: عليك ما قلت». فأنزل الله تعالى: {وإذا ~~جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله} [المجادلة: 8]. # PageV04P198 ### | [الآية الثالثة قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا] # يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين آمنوا منكم ~~والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير} [المجادلة: 11]. # فيها أربع مسائل: المسألة الأولى في تفسير المجلس: فيه أربعة أقوال: ~~الأول: أنه مجلس النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ قاله ابن مسعود. وكان قوم ~~إذا أخذوا فيه مقاعدهم شحوا على الداخل أن يفسحوا له. # ولقد أخبرنا القاضي أبو الحسن بن الكرامي بها أخبرنا ms1528 عبد الرحمن بن عمر، ~~أخبرنا ابن الأعرابي، أخبرنا محمد بن بكير الغلابي، حدثنا العباس بن بكار ~~الضبي، حدثنا عبد الله بن المثنى الأنصاري عن عمه ثمامة بن عبد الله بن أنس ~~[عن أنس] قال: «بينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد، وقد أطاف ~~به أصحابه إذ أقبل علي بن أبي طالب فوقف وسلم، ثم نظر مجلسا يشبهه؛ فنظر ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في وجوه أصحابه أيهم يوسع له؛ وكان أبو ~~بكر جالسا على يمين النبي - صلى الله عليه وسلم - فتزحزح له عن مجلسه، ~~وقال: ها هنا يا أبا الحسن، فجلس بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وبين أبي بكر. قال: فرأينا السرور في وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ثم أقبل على أبي بكر، فقال: يا أبا بكر؛ إنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذوو ~~الفضل». # الثاني: أنه المسجد يوم الجمعة. # الثالث: أنه مجلس الذكر. # الرابع: أنه موقف الصف في سبيل الله في القتال. # PageV04P199 # والصحيح أن الجميع مراد بذلك؛ لأن الأمر محتمل له، والتفسح واجب فيه. ### | [مسألة معنى قوله تعالى انشزوا فانشزوا] # المسألة الثانية قوله: {انشزوا فانشزوا} [المجادلة: 11]: فيه أربعة ~~أقوال: # أحدها: أنهم كانوا إذا جلسوا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في مجلسه ~~أطالوا، يرغب كل واحد منهم أن يكون آخر عهده بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فأمرهم الله أن يرتفعوا. # الثاني: أنه الأمر بالارتفاع إلى القتال؛ قاله الحسن. # الثالث: أنه موضع الصلاة؛ قاله مقاتل بن حيان. # الرابع: أنه الخير كله؛ قاله قتادة. وهو الصحيح، كما بيناه. # المسألة الثالثة الفسحة كل فراغ بين ملأين. والنشز: ما ارتفع من الأرض. # ذكر الأول بلفظه وحقيقته، وضرب المثل للثاني في الارتفاع؛ فصار مجازا في ~~اللفظ حقيقة في المعنى. ### | [مسألة كيفية التفسح في المجالس] # المسألة الرابعة كيفية التفسح في المجالس مشكلة، وتفاصيلها كثيرة: الأول ~~مجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - يفسح فيه بالهجرة والعلم والسن. # الثاني مجلس الجمعات يتقدم فيه بالبكور إلا ما يلي الإمام، فإنه لذوي ~~الأحلام ms1529 والنهى. # الثالث: مجلس الذكر يجلس فيه كل أحد حيث انتهى به المجلس. # الرابع مجلس الحرب يتقدم فيه ذوو النجدة والمراس من الناس. # الخامس مجلس الرأي والمشاورة يتقدم فيه من له بصر بالشورى، وهو داخل في ~~مجلس الذكر، وذلك كله يتضمنه قوله: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين ~~أوتوا العلم درجات} [المجادلة: 11] فيرتفع المرء بإيمانه أولا، ثم بعلمه ~~ثانيا. # وفي الصحيح أن عمر بن الخطاب كان يقدم عبد الله بن عباس على الصحابة، # PageV04P200 # فكلموه # في ذلك، فدعاهم ودعاه، وسألهم عن تفسير {إذا جاء نصر الله والفتح} ~~[النصر: 1] فسكتوا، فقال ابن عباس: هو أجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أعلمه الله إياه. فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم. # وقد قال مالك: إن الآية في مجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - ومجالسنا ~~هذه، وإن الآية عامة في كل مجلس، رواه عنه ابن القاسم. # وقال يحيى بن يحيى عنه: إن قوله: {يرفع الله الذين آمنوا} [المجادلة: 11] ~~الصحابة {والذين أوتوا العلم درجات} [المجادلة: 11] يرفع الله بها العالم ~~والطالب للحق. # والعموم أوقع في المسألة، وأولى بمعنى الآية، والله أعلم. ### | [الآية الرابعة قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول] # فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله ~~غفور رحيم} [المجادلة: 12]. # فيها مسألتان: المسألة الأولى روي عن علي بن علقمة الأنماري عن علي بن ~~أبي طالب قال: «لما نزلت: {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا ~~بين يدي نجواكم صدقة} [المجادلة: 12] قال لي النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~دينار؛ قلت: لا يطيقونه. قال: نصف دينار. قلت: لا يطيقونه. قال: فكم؟ قلت: ~~شعيرة. قال إنك لزهيد. فنزلت: {أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات} ~~[المجادلة: 13] قال: فبي خفف الله عن هذه الأمة». وهذا يدل على مسألتين ~~حسنتين أصوليتين: الأولى نسخ العبادة قبل فعلها. # الثانية النظر في المقدرات بالقياس، خلافا لأبي حنيفة. وقد بينا ذلك في ~~موضعه. # PageV04P201 # ومعنى قوله: شعيرة. يريد وزن شعيرة [من ذهب]. وقد روي [عن] ms1530 مجاهد أن أول ~~من تصدق في ذلك علي بن أبي طالب، تصدق بدينار، وناجى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - # وروي [أنه تصدق] بخاتم، وهذا كله لا يصح. وقد سرد المسألة كما يجب أسلم ~~في رواية زيد ابنه عنه. ### | [مسألة النبي صلى الله عليه وسلم لا يمنع أحدا مناجاته] # المسألة الثانية قال: وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يمنع أحدا ~~مناجاته. يريد لا يسأله حاجة إلا ناجاه بها من شريف أو دنيء؛ فكان أحدهم ~~يأتيه فيناجيه، كانت له حاجة أو لم تكن، وكانت الأرض كلها حربا على ~~المدينة، وكان الشيطان يأتي أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم حوله. ~~فيقول له: أتدرون لم ناجى فلان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ إنما ~~ناجاه؛ لأن جموعا [كثيرة] من بني فلان وفلان قد خرجوا ليقاتلوكم. قال: ~~فيحزن ذلك المؤمنين ويشق عليهم. # وقال المنافقون: إنما محمد أذن سماعة يسمع من كل أحد يناجيه؛ فأنزل الله ~~عز وجل: {ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم} [التوبة: 61]. # وقال الله في ذلك {يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم ~~والعدوان ومعصيت الرسول وتناجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه ~~تحشرون} [المجادلة: 9] {إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس ~~بضارهم شيئا إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون} [المجادلة: 10] فلم ~~ينتهوا عن المناجاة؛ فأنزل الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم ~~الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر} [المجادلة: 12] ~~لينتهي أهل الباطل عن مناجاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وعرف الله ~~أن أهل الباطل لا يقدمون بين يدي نجواهم صدقة؛ فانتهى أهل الباطل عن ~~النجوى، وشق ذلك على أصحاب الحوائج والمؤمنين، فشكوا ذلك إلى رسول الله - # PageV04P202 # صلى الله عليه وسلم - وقالوا: لا نطيقه، فخفف الله ذلك عنهم ونسختها آية: ~~{فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم} [المجادلة: 13]. # وهذا الخبر من زيد يدل على أن الأحكام لا تترتب بحسب المصالح، فإن الله ~~تعالى قال: {ذلك خير لكم وأطهر} [المجادلة: ms1531 12] [ثم نسخه مع كونه خيرا ~~وأطهر]. وهذا دليل على المعتزلة عظيم في التزام المصالح؛ لكن راوي الحديث ~~عن زيد ابنه عبد الرحمن وقد ضعفه العلماء. # والأمر في قوله: {ذلك خير لكم وأطهر} [المجادلة: 12] نص متواتر في الرد ~~على المعتزلة. والله أعلم. ### | [الآية الخامسة قوله تعالى لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله] # ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم} [المجادلة: 22]. # فيها مسألتان: المسألة الأولى في سبب نزولها: روي أنها نزلت في أبي عبيدة ~~بن الجراح؛ كان يوم بدر أبوه الجراح يتصدى لأبي عبيدة، فجعل أبو عبيدة يحيد ~~عنه، فلما أكثر قصد إليه أبو عبيدة فقتله؛ فأنزل الله تعالى حين قتل أباه: ~~{لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو ~~كانوا آباءهم} [المجادلة: 22]. ### | [مسألة مجالسة القدرية ومعاداتهم في الله] # المسألة الثانية روى ابن وهب عن مالك: لا تجالس القدرية وعادهم في الله ~~لقول الآية: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ~~ورسوله} [المجادلة: 22]. # PageV04P203 # قال القاضي: قد بينا فيما سلف من كلامنا في هذه الأحكام بدائع استنباط ~~مالك من كتاب الله تعالى، وقد كان حفيا بأهل التوحيد غريا بالمبتدعة يأخذ ~~عليهم جانب الحجة من القرآن، ومن أجله أخذه لهم من هذه الآية؛ فإن القدرية ~~تدعي أنها تخلق كما يخلق الله، وأنها تأتي بما يكره الله ولا يريده، ولا ~~يقدر على رد ذلك. # وقد روي أن مجوسيا ناظر قدريا، فقال القدري للمجوسي: مالك لا تؤمن؟ فقال ~~له المجوسي: لو شاء الله لآمنت. قال له القدري: قد شاء الله، ولكن الشيطان ~~يصدك. قال له المجوسي: فدعني مع أقواهما. # PageV04P204 ### | [سورة الحشر فيها إحدى عشرة آية] # [الآية الأولى قوله تعالى هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ~~ديارهم لأول الحشر] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر # ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله ms1532 من ~~حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ~~فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر: 2]. # PageV04P205 # فيها أربع مسائل: المسألة الأولى قال سعيد بن جبير: قلت لابن عباس: سورة ~~الحشر؟ قال: قل سورة النضير، وهم رهط من اليهود من ذرية هارون - عليه ~~السلام - نزلوا المدينة في فنن بني إسرائيل انتظارا لمحمد - صلى الله عليه ~~وسلم - فكان من أمرهم ما قص الله في كتابه. # المسألة الثانية قوله تعالى: {لأول الحشر} [الحشر: 2] فيه ثلاثة أقوال: ~~الأول: جلاء اليهود. # الثاني: إلى الشام؛ لأنها أرض المحشر؛ قاله عروة، والحسن. # الثالث: قال قتادة: أول الحشر نار تسوق الناس إلى المغارب، وتأكل من خلف ~~[في الدنيا]. # PageV04P206 # ونحوه روى وهب عن مالك قال: قلت لمالك: هو جلاؤهم عن دارهم؟ فقال لي: ~~الحشر يوم القيامة حشر اليهود؛ قال: وإجلاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- اليهود إلى خيبر حين سئلوا عن ذلك المال فكتموه فاستحلهم بذلك. # قال ابن العربي: للحشر أول ووسط وآخر؛ فالأول إجلاء بني النضير، والأوسط ~~إجلاء خيبر، والآخر حشر القيامة الذي ذكره مالك وأشار إلى أوله وآخره. ### | [مسألة وقت إجلاء بني النضير] # المسألة الثالثة في وقتها: قال الزهري عن عروة: كانت بعد بدر بستة أشهر. ~~وقال ابن إسحاق والواقدي: كانت بعد أحد، وبعد بئر معونة، وكانت على يدي ~~عمرو بن أمية الضمري، واختار البخاري أنها قبل أحد. # والصحيح أنها بعد ذلك، وقد بينا ذلك في شرح الحديث. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله] # المسألة الرابعة قوله تعالى: {وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم ~~الله من حيث لم يحتسبوا} [الحشر: 2]: وثقوا بحصونهم، ولم يثقوا بالله ~~لكفرهم، فيسر الله منعتهم، وأباح حوزتهم. # والحصن هو العدة والعصمة. وقد قال بعض العرب: # ولقد علمت على توقي الردى ... أن الحصون الخيل لا مدن القرى # يخرجن من خلل القتام عوابسا ... كأنامل المقرور أقعى فاصطلى # ولقد أحسن بعض المتأخرين في إصابة المعنى، فقال: # وإن باشر الأصحاب فالبيض والقنا ... قراه وأحواض المنايا مناهله # وإن يبن حيطانا ms1533 عليه فإنما ... أولئك عقالاته لا معاقله # وإلا فأعلمه بأنك ساخط ... ودعه فإن الخوف لا شك قاتله ### | [الآية الثانية قوله تعالى وقذف في قلوبهم الرعب] # يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر: ~~2]. # فيها أربع مسائل: المسألة الأولى قوله تعالى: {وقذف في قلوبهم الرعب} ~~[الحشر: 2]: ثبت في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: نصرت ~~بالرعب مسيرة شهر، فكيف لا ينصر به مسيرة ميل من المدينة إلى محلة بني ~~النضير. وهذه خصيصة لمحمد - صلى الله عليه وسلم - دون غيره. ### | [مسألة معنى قوله تعالى يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين] # المسألة الثانية قوله تعالى: {يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين} ~~[الحشر: 2]: فيه خمسة أقوال: الأول: يخربون بأيديهم بنقض الموادعة، وبأيدي ~~المؤمنين بالمقاتلة؛ قاله الزهري. # الثاني: بأيديهم في تركهم لها، وبأيدي المؤمنين في إجلائهم عنها؛ قاله ~~أبو عمرو بن العلاء. # الثالث بأيديهم داخلها، وأيدي المؤمنين خارجها؛ قاله عكرمة. # الرابع كان المسلمون إذا هدموا بيتا من خارج الحصن هدموا بيوتهم يرمونهم ~~منها. # الخامس كانوا يحملون ما يعجبهم فذلك خراب أيديهم. # وتحقيق هذه الأقوال: أن التناول للإفساد إذا كان باليد كان حقيقة، وإن ~~كان بنقض العهد كان مجازا، إلا أن قول الزهري في المجاز أمثل من قول أبي ~~عمرو بن العلاء. # المسألة الثالثة زعم قوم أن من قرأها بالتشديد أراد هدمها، ومن قرأها ~~بالتخفيف أراد جلاءهم عنها؛ وهذه دعوى لا يعضدها لغة ولا حقيقة، والتضعيف ~~بديل الهمزة في الأفعال. ### | [مسألة قوله تعالى فاعتبروا يا أولي الأبصار] # المسألة الرابعة قوله تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر: 2]: وهي ~~كلمة أصولية قد بيناها في موضعها، ومن وجوه الاعتبار أنهم اعتصموا بالحصون ~~دون الله عز وجل، فأنزلهم الله منها، ومن وجوهه أنه سلط عليهم من كان # PageV04P207 # يرجوهم، ومن وجوهه أنهم هدموا أموالهم بأيديهم. ومن لم يعتبر بغيره اعتبر ~~بنفسه، ومن الأمثال الصحيحة: السعيد من وعظ بغيره. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب] # } [الحشر: 4]. # فيها مسألة واحدة. # يعني نقضوا ms1534 العهد. # وتحقيقه أنهم صاروا في شق، أي جهة، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~أخرى، وذكر الله مع رسوله تشريف له، وكان نقضهم العهد لخبر؛ رواه جماعة، ~~منهم ابن القاسم # عن مالك، قال: «جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - النضير يستعينهم في ~~دية، فقعد في ظل جدار، فأرادوا أن يلقوا عليه رحى، فأخبره الله عز وجل ~~بذلك، فقام وانصرف؛ وبذلك استحلهم وأجلاهم إلى خيبر، وصفية منهم سباها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بخيبر. قال: فرجع إليهم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وأجلاهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم، والصفراء، ~~والبيضاء، والحلقة، والدنان، ومسك الجمل». # فالصفراء والبيضاء: الذهب والفضة. والحلقة: السلاح. والدنان: الفخار. ~~ومسك الجمل: جلود يستقى فيها الماء بشعرها. # «فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين رجع إليهم: يا أخابث خلق ~~الله، يا إخوة الخنازير والقردة». قال ابن وهب: قال مالك: فقالوا: مه يا ~~أبا القاسم، فما كنت فحاشا. وهذا دليل على أن إضمار الخيانة نقض للعهد؛ ~~لأنه انعقد قولا [فينتقض قولا]، والعقد إذا ارتبط بالقول انتقض بالقول ~~وبالفعل، وإذا ارتبط بالفعل لم ينتقض إلا بالفعل، كالنكاح يرتبط بالقول ~~وينحل بالقول، وهو الطلاق، وبالفعل، # PageV04P208 # وهو الرضاع. وعتق المديان ينعقد بالقول، وينقضه الحاكم إذا لم يكن له مال ~~سواه، والاستيلاد لا ينقضه القول، وقد بينا في سورة الأنفال كيفية نقض ~~العهد. # فإن قيل: فإذا تحقق نقض العهد فلم بعث إليهم اخرجوا من بلادي؟ ولم لم ~~يأخذهم قبل ذلك؟ قلنا: قد قال تعالى: {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم ~~على سواء} [الأنفال: 58]. # فإن قيل: هذا ما خانه، وإنما تحقق بخبر الله عنه. قلنا: الخوف هاهنا ~~الوقوع، وإلا فمجرد الخوف موجود من كل عاقد. # وقد يحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أرسل إليهم لأنه ~~علم ذلك وحده، فأراد أن يكون أمرا مشهورا، وساقه الله إلى ما كتب من ~~الجلاء. ### | [الآية الرابعة قوله تعالى ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على ms1535 أصولها فبإذن الله] # وليخزي الفاسقين} [الحشر: 5]. # فيها خمس مسائل: المسألة الأولى في سبب نزولها: ثبت في الصحيح «أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - حرق نخل بني النضير، وقطع؛ وهي البويرة»، ولها يقول ~~حسان بن ثابت: # لهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير # فأنزل الله تعالى: {ما قطعتم من لينة} [الحشر: 5] الآية. ### | [مسألة تخريب دار العدو وحرقها وقطع ثمارها] # المسألة الثانية اختلفت الناس في تخريب دار العدو وحرقها وقطع ثمارها على ~~قولين: الأول: أن ذلك جائز؛ قاله في المدونة. # PageV04P209 # الثاني: إن علم المسلمون أن ذلك لهم لم يفعلوا، وإن ييأسوا فعلوا؛ قاله ~~مالك في الواضحة، وعليه تناظر الشافعية، والصحيح الأول. # وقد علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نخل بني النضير له، ولكنه ~~قطع وحرق ليكون ذلك نكاية لهم ووهنا فيهم، حتى يخرجوا عنها، فإتلاف بعض ~~المال لصلاح باقيه مصلحة جائزة شرعا مقصودة عقلا. ### | [مسألة النوع الذي قطع وهو اللينة] # المسألة الثالثة اختلف الناس في النوع الذي قطع، وهو اللينة، على سبعة ~~أقوال: الأول: أنه النخل كله، وإلا العجوة؛ قاله الزهري، ومالك، وعكرمة، ~~والخليل. # الثاني: أنه النخل كله؛ قاله الحسن. # الثالث: أنه كرائم النخل؛ قاله ابن شعبان. # الرابع أنه العجوة خاصة؛ قاله جعفر بن محمد. # الخامس أنها النخل الصغار، وهي أفضلها. # السادس أنها الأشجار كلها. # السابع أنها الدقل؛ قاله الأصمعي. قال: وأهل المدينة يقولون: لا ننحي ~~الموائد حتى نجد الألوان يعنون الدقل. # والصحيح ما قاله الزهري ومالك لوجهين: أحدهما أنهما أعرف ببلدهما وثمارها ~~وأشجارها. # الثاني أن الاشتقاق يعضده، وأهل اللغة يصححونه، قالوا: اللينة وزنها ~~لونة، واعتلت على أصلهم. [فآلت إلى لينة]، فهو لون، فإذا دخلت الهاء كسر ~~أولها؛ كبرك الصدر بفتح الباء، وبركه بكسرها لأجل الهاء. ### | [مسألة متى كان قطع نخل بني النضير] # المسألة الرابعة متى كان القطع؛ فأكثر المفسرين على أنها نخل بني النضير، ~~ورواه ابن القاسم عن مالك أنها نخل بني النضير وبني قريظة، وهذا إنما يصح ~~والله أعلم على أن الإذن # PageV04P210 # والجواز في بني النضير [تضمن ms1536 بني قريظة؛ إذ لا خلاف أن الآية نزلت في بني ~~النضير] قبل قريظة بمدة كبيرة. ### | [مسألة اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم فيما لم ينزل عليه] # المسألة الخامسة تأسفت اليهود على النخل المقطوعة، وقالوا: ينهى محمد عن ~~الفساد ويفعله، وروي أنه كان بعض الناس يقطع، وبعضهم لا يقطع، فصوب الله ~~الفريقين، وخلص الطائفتين فظن عند ذلك بعض الناس أن كل مجتهد مصيب يخرج من ~~ذلك وهذا باطل؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان معهم، ولا اجتهاد ~~مع حضور رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما يدل على اجتهاد النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فيما لم ينزل عليه أخذا بعموم الإذاية للكفار، ودخولا ~~في الإذن للكل بما يقضي عليهم بالاجتياح والبوار، وذلك قوله: {وليخزي ~~الفاسقين} [الحشر: 5]. ### | [الآية الخامسة قوله تعالى وما أفاء الله على رسوله منهم] # فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله ~~على كل شيء قدير} [الحشر: 6]. # فيها أربع مسائل: المسألة الأولى {ما أفاء الله} [الحشر: 7]: يريد ما رد ~~الله. وحقيقة ذلك أن الأموال في الأرض للمؤمنين حقا، فيستولي عليها الكفار ~~من الله بالذنوب عدلا، فإذا رحم الله المؤمنين وردها عليهم من أيديهم رجعت ~~في طريقها ذلك، فكان ذلك فيئا. ### | [مسألة معنى قوله تعالى فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب] # المسألة الثانية قوله: {فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب} [الحشر: 6]: ~~الإيجاف: ضرب من السير. والركاب: اسم للإبل خاصة عرفا لغويا، وإن كان # PageV04P211 # ذلك مشتقا من الركوب، ويشترك غيرها معها فيها، ولكن للعرف احتكام في ~~اختصاص بعض المشركات بالاسم المشترك. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ولكن الله يسلط رسله على من يشاء] # المسألة الثالثة قوله تعالى {ولكن الله يسلط رسله على من يشاء} [الحشر: ~~6]: المعنى أن هذه الأموال وإن كانت فيئا فإن الله تعالى خصها لرسوله؛ لأن ~~رجوعها كان برعب ألقي في قلوبهم، دون عمل من الناس، فإنهم لم يتكلفوا سفرا، ~~ولا تجشموا رحلة، ولا صاروا عن حالة إلى غيرها، ms1537 ولا أنفقوا مالا، فأعلم ~~الله أن ذلك موجب لاختصاص رسوله بذلك الفيء، وأفاد البيان بأن ذلك العمل ~~اليسير من الناس في محاصرتهم لغو لا يقع الاعتداد به في استحقاق سهم، فكان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - مخصوصا بها. # روى ابن شهاب عن مالك بن أوس بن الحدثان النصري «أن عليا والعباس لما ~~طلبا عمر بما كان في يد النبي - صلى الله عليه وسلم - من المال، وذلك بحضرة ~~عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وسعد، قال لهم عمر: أحدثكم عن هذا ~~الأمر أن الله قد خص رسوله - صلى الله عليه وسلم - من هذا الفيء بسهم لم ~~يعطه أحدا غيره، وقرأ: {وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من ~~خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير} ~~[الحشر: 6] فكانت هذه خالصة لرسوله - صلى الله عليه وسلم - وإن الله ~~اختارها، والله ما احتازها # دونكم ولا استأثر بها عليكم. وذكر باقي الحديث؛ فكان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يبثها، وإن كان الله خصه بها». # وقد روي أنه أعطاها المهاجرين خاصة، ومن الأنصار لأبي دجانة سماك بن ~~خرشة، وسهل بن حنيف [والحارث بن الصمة] لحاجة كانت بهم، وفي آثار كثيرة ~~بيناها في شرح الصحيحين. # المسألة الرابعة تمام الكلام: فلا حق لكم فيه ولا حجة لكم عليه، وحذفت ~~اختصارا لدلالة الكلام عليه. # PageV04P212 ### | [الآية السادسة قوله تعالى ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى] # فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون ~~دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ~~واتقوا الله إن الله شديد العقاب} [الحشر: 7]. # فيها مسألتان: المسألة الأولى لا خلاف أن الآية الأولى لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - خاصة، وهذه الآية اختلف الناس فيها على أربعة أقوال: ~~الأول أنها هذه القرى التي قوتلت، فأفاء الله بمالها؛ فهي لله وللرسول ولذي ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل؛ قاله عكرمة وغيره، ثم نسخ ذلك في ~~سورة الأنفال. # الثاني ms1538 هو ما غنمتم بصلح من غير إيجاف خيل ولا ركاب، فيكون لمن سمى الله ~~فيه، والأولى للنبي - صلى الله عليه وسلم - خاصة، إذا أخذ منه حاجته كان ~~الباقي في مصالح المسلمين. # الثالث: قال معمر: الأولى للنبي - صلى الله عليه وسلم - والثانية في ~~الجزية والخراج للأصناف المذكورة فيه، والثالثة الغنيمة في سورة الأنفال ~~للغانمين. # الرابع روى ابن القاسم وابن وهب في قوله تعالى: {فما أوجفتم عليه من خيل ~~ولا ركاب} [الحشر: 6] # هي النضير، لم يكن فيها خمس، ولم يوجف عليها بخيل ولا ركاب، كانت صافية ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقسمها بين المهاجرين وثلاثة من ~~الأنصار: أبي دجانة سماك بن خرشة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة. وقوله ~~تعالى: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى} [الحشر: 7] هي قريظة وكانت ~~قريظة والخندق في يوم واحد. # المسألة الثانية هذا لباب الأقوال الواردة؛ وتحقيقها أنه لا خلاف أن ~~السورة سورة النضير، وأن # PageV04P213 # الآيات الواردة فيها آيات بني النضير وإن كان قد دخل فيها بالعموم من قال ~~بقولهم وفعل فعلهم، وفيها آيتان: الآية الأولى قوله تعالى: {فما أوجفتم ~~عليه من خيل ولا ركاب} [الحشر: 6]. والثانية قوله تعالى: {ما أفاء الله على ~~رسوله من أهل القرى} [الحشر: 7]. # وفي الأنفال آية ثالثة، وهي: {واعلموا أنما غنمتم من شيء} [الأنفال: 41]. # واختلف الناس: هل هي ثلاثة معان أو معنيان؟ ولا إشكال في أنها ثلاثة معان ~~في ثلاث آيات: أما الآية الأولى فهي قوله: {هو الذي أخرج الذين كفروا من ~~أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر} [الحشر: 2]. ثم قال: {وما أفاء الله على ~~رسوله منهم} [الحشر: 6] يعني من أهل الكتاب معطوفا عليه {فما أوجفتم عليه ~~من خيل ولا ركاب} [الحشر: 6] يريد كما بينا فلا حق لكم فيه؛ ولذلك قال عمر: ~~إنها كانت خالصة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعني بني النضير، وما ~~كان مثلها، فهذه آية واحدة ومعنى متحد. # الآية السادسة قوله تعالى: {ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله ~~وللرسول ولذي القربى} [الحشر: ms1539 7]. # وهذا كلام مبتدأ غير الأول لمستحق غير الأول، وسمى الآية الثالثة آية ~~الغنيمة، ولا شك في أنه معنى آخر باستحقاق ثان لمستحق آخر، بيد أن الآية ~~الأولى والثانية اشتركتا في أن كل واحدة منهما تضمنت شيئا أفاءه الله على ~~رسوله، واقتضت الآية الأولى أنه حاصل بغير قتال، واقتضت آية الأنفال أنه ~~حاصل بقتال، وعريت الآية الثالثة وهي قوله: {ما أفاء الله على رسوله من أهل ~~القرى} [الحشر: 7] # عن ذكر حصوله لقتال أو لغير قتال؛ فنشأ الخلاف من هاهنا، فمن طائفة قالت: ~~هي ملحقة بالأولى، وهو مال الصلح كله ونحوه. ومن طائفة قالت: هي ملحقة ~~بالثانية؛ وهي آية الأنفال. # والذين قالوا: إنها ملحقة بآية الأنفال اختلفوا: هل هي منسوخة كما تقدم ~~أو محكمة؟ وإلحاقها بشهادة الله بالأولى أولى؛ لأن فيه تجديد فائدة ومعنى. ~~ومعلوم أن حمل الحرب على فائدة مجددة أولى من حمله على فائدة معادة. وهذا ~~القول ينظم لك # PageV04P214 # شتات الرأي، ويحكم المعنى من كل وجه؛ وإذا انتهى الكلام إلى هذا القدر ~~فيقول مالك: إن الآية الثانية في بني قريظة إشارة إلى أن معناها يعود إلى ~~آية الأنفال ويلحقها النسخ، وهو أقوى من القول بالإحكام، ونحن لا نختار إلا ~~ما قسمنا وبينا أن الآية الثانية لها معنى مجدد حسبما دللنا عليه. والله ~~أعلم. ### | [الآية السابعة قوله تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا] # } [الحشر: 7]. # فيها أربع مسائل: المسألة الأولى في المعنى؛ وفيه ثلاثة أقوال: الأول: ~~معناها ما أعطاكم من الفيء، وما منعكم منه فلا تطلبوه. # الثاني: ما آتاكم الرسول من مال الغنيمة فخذوه وما نهاكم عنه من الغلول ~~فلا تأتوه. # الثالث: ما أمركم به من طاعتي فافعلوه وما نهاكم عنه من معصيتي فاجتنبوه. ~~وهذا أصح الأقوال؛ لأنه لعمومه تناول الكل، وهو صحيح فيه مراد به. ### | [مسألة إذا أمر النبي بأمر كان شرعا وإذا نهى عن شيء لم يكن شرعا] # المسألة الثانية وقع القول هاهنا مطلقا بذلك، وقيده النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بقوله: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ms1540 ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن ~~شيء فاجتنبوه. # وقد بينا تحقيق ذلك من قبل. # المسألة الثالثة إذا أمر النبي بأمر كان شرعا، وإذا نهى عن شيء لم يكن ~~شرعا # ولذلك قال: «من عمل عملا لم يكن عليه أمرنا فهو رد». وقال في حديث العسيف ~~الذي # PageV04P215 # افتدى من الجلد بمائة شاة ووليدة: «أما غنمك فرد عليك وجلد ابنك مائة ~~وتغريبه عاما». # وترددت هاهنا مسألة عظمى بين العلماء؛ وهي ما إذا اجتمع في عقد أمر ونهي ~~وازدحم عليه صحيح وفاسد؛ فقال جماعة من العلماء: لا يجوز، ويفسخ بكل حال. ~~وقال علماؤنا: ذلك يختلف؛ أما في البيع فلا يجوز إجماعا، وأما في النكاح ~~فلا، واختلفوا فيه على ما بيناه في مسائل الفقه. وأما في الأحباس والهبات ~~فيحتمل كثيرا من الجهالة والأخطار المنهي عنها فيها، حتى قال أصبغ: إن ما ~~لا يجوز إذا دخل في الصلح مع ما يجوز مضى الكل. # وقال ابن الماجشون: يمضي إن طال. وقال سائر علمائنا: لا يجوز شيء منه، ~~وهو كالبيع. # وأما إن وقع النهي في البيع فقال كثير من العلماء: يفسخ أبدا. وقال مالك: ~~يفسخ ما لم يفت، في تفصيل طويل بيانه في أصول الفقه تأصيلا، وفي فروع مسائل ~~الفقه تفصيلا بنيناه على تعارض الأدلة في الحظر والإباحة، والمعنى والرد. # والصحيح عندنا فسخ الفاسد أبدا حيثما وقع، وكيفما وجد، فات أو لم يفت، ~~لقوله - عليه السلام -: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». ### | [مسألة وهل يقابل النهي الأمر] # المسألة الرابعة قوله: {وما آتاكم الرسول فخذوه} [الحشر: 7] وإن جاء بلفظ ~~الإيتاء وهي المناولة فإن معناه الأمر، بدليل قوله: {وما نهاكم عنه ~~فانتهوا} [الحشر: 7] فقابله بالنهي، ولا يقابل النهي إلا الأمر؛ والدليل ~~على فهم ذلك ما ثبت في الصحيح عن علقمة، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «لعن الله الواشمات، والمستوشمات، والمتنمصات، ~~والمتفلجات للحسن، المغيرات لخلق الله». فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال ~~لها أم يعقوب، فجاءت فقالت: إنه بلغني أنك لعنت كيت وكيت؟ ms1541 فقال: ومالي لا ~~ألعن من لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في كتاب الله، فقالت: ~~لقد قرأت ما بين اللوحين # فما وجدت فيه ما تقول. قال: لئن # PageV04P216 # كنت قرأته لقد وجدته؛ أما قرأت: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا} [الحشر: 7]. قالت: بلى. قال: فإنه قد نهى عنه وذكر الحديث. ### | [الآية الثامنة قوله تعالى والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم] # يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على ~~أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} [الحشر: 9]. # فيها سبع مسائل: المسألة الأولى قال الخلق بأجمعهم: يريد بذلك الأنصار ~~الذين آووا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين طرد، ونصروه حين خذل، فلا ~~مثل لهم ولا لأجرهم. ### | [مسألة فضل المدينة على غيرها من الآفاق] # المسألة الثانية قال ابن وهب: سمعت مالكا وهو يذكر فضل المدينة على غيرها ~~من الآفاق فقال: إن المدينة تبوئت بالإيمان والهجرة، وإن غيرها من القرى ~~افتتحت بالسيف ثم قرأ الآية: {والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون ~~من هاجر إليهم} [الحشر: 9] الآية. # وقد بينا فضل المدينة على كل بقعة في كتاب الإنصاف، ولا معنى لإعادته، ~~بيد أن القارئ ربما تعلقت نفسه بنكتة كافية في ذلك مغنية عن التطويل، فيقال ~~له: إن أردت الوقوف على الحقيقة في ذلك فاتل مناقب مكة إلى آخرها، فإذا ~~استوفيتها قل: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الصحيح: «اللهم إن ~~إبراهيم حرم مكة، وأنا أحرم المدينة بمثل ما حرم به إبراهيم مكة، ومثله ~~معه»؛ فقد جعل حرمة المدينة ضعفي حرمة مكة. # وقال عمر في وصيته: أوصي الخليفة بالمهاجرين وبالأنصار الأولين أن يعرف ~~لهم # PageV04P217 # حقهم. وأوصي الخليفة بالأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبل أن ~~يهاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم. ### | [مسألة قوله تعالى ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا] # المسألة الثالثة قوله تعالى: {ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا} ~~[الحشر: ms1542 9] يعني لا يحسدون المهاجرين على ما خصوا به من مال الفيء وغيره ~~كذا قال الناس. # ويحتمل أن يريد به: ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا إذا كان قليلا؛ ~~بل يقنعون به، ويرضون عنه. وقد كانوا على هذه الحال حين حياة النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - # دنيا، ثم كانوا عليه بعد موته - صلى الله عليه وسلم -؛ وقد أنذرهم النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -] وقال: «سترون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على ~~الحوض». ### | [مسألة قوله تعالى ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة] # المسألة الرابعة قوله تعالى: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} ~~[الحشر: 9]: في الصحيح عن أبي هريرة وغيره أن رجلا من الأنصار نزل به ضيف ~~فلم يكن عنده إلا قوته وقوت صبيانه، فقال لامرأته: نومي الصبية، وأطفئي ~~السراج، وقربي للضيف ما عندك، فنزلت هذه الآية: {ويؤثرون على أنفسهم ولو ~~كان بهم خصاصة} [الحشر: 9]. # مختصر، وتمامه ما روي في الصحيح؛ عن أبي هريرة قال: «أتى رجل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -؛ فقال: يا رسول الله؛ أصابني الجهد؛ فأرسل إلى نسائه ~~فلم يجد عندهن شيئا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ألا رجل يضيفه ~~الليلة رحمه الله فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فذهب إلى ~~أهله فقال لامرأته: ضيف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لا تدخري عنه ~~شيئا. فقالت: والله ما عندي سوى قوت الصبية. # PageV04P218 # قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم وتعالي فأطفئي السراج ونطوي بطوننا ~~الليلة، ففعلت ثم غدا الرجل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ~~لقد عجب الله أو ضحك الله من فلان وفلانة، وأنزل: {ويؤثرون على أنفسهم ولو ~~كان بهم خصاصة} [الحشر: 9]». # وروي «أن النضير لما افتتحت أرسل إلى ثابت بن قيس فقال: جئني بقومك. قال: ~~الخزرج. قال: الأنصار، فدعاهم وقد كانوا واسوا المهاجرين بديارهم وأموالهم، ~~فقال لهم: إن شئتم أشركتكم فيها مع المهاجرين، وإن شئتم خصصتهم بها، وكانت ~~لكم أموالكم ودياركم؛ فقال له السعدان: بل نخصهم بها ويبقون ms1543 على مواساتنا ~~لهم؛ فنزلت الآية». الأول أصح. # وفي الصحيح عن أنس: «كان الرجل يجعل للنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~النخلات حتى افتتح قريظة والنضير، فكان بعد ذلك يرد عليهم». ### | [مسألة الإيثار بالنفس فوق الإيثار بالمال] # المسألة الخامسة الإيثار بالنفس فوق الإيثار بالمال، وإن عاد إلى النفس ~~ومن الأمثال السائرة: والجود بالنفس أقصى غاية الجود ومن عبارات الصوفية في ~~حد المحبة: إنها الإيثار، ألا ترى أن امرأة العزيز لما تناهت في حبها ليوسف ~~- عليه السلام - آثرته على نفسها بالتبرئة، فقالت: {أنا راودته عن نفسه} ~~[يوسف: 51]. # وأفضل الجود بالنفس الجود على حماية رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ~~ففي الصحيح «أن أبا طلحة ترس على النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد، ~~وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتطلع فيرى القوم، فيقول له أبو طلحة: ~~لا تشرف يا رسول الله، لا يصيبونك، نحري دون نحرك. ووقى بيده رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فشلت». # PageV04P219 # المسألة السادسة الإيثار هو تقديم الغير على النفس في حظوظها الدنيوية ~~رغبة في الحظوظ الدينية، وذلك ينشأ عن قوة النفس، ووكيد المحبة، والصبر على ~~المشقة؛ وذلك يختلف باختلاف أحوال المؤثرين؛ كما روي في الآثار «أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قبل من أبي بكر ماله ومن عمر نصف ماله، ورد أبا لبابة ~~وكعبا إلى الثلث، لقصورهما عن درجتي أبي بكر وعمر؛ إذ لا خير له في أن ~~يتصدق ثم يندم، فيحبط أجره ندمه». ### | [مسألة الشح والبخل] # المسألة السابعة قوله تعالى: {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} ~~[الحشر: 9] اختلف الناس في الشح والبخل على قولين: فمنهم من قال: إنهما ~~بمعنى واحد. # ومنهم من قال: لهما معنيان: فالبخل منع الواجب؛ لقوله - عليه السلام -: ~~«مثل البخيل # والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد، فإذا أراد البخيل أن يتصدق ~~لزمت كل حلقة مكانها فيوسعها فلا تتسع». والشح: منع الذي لم يجد؛ بدليل هذه ~~الآية والحديث؛ فذكر الله أن ذلك من ذهاب الشح؛ وهذا لا يلزم؛ فإن كل حرف ~~يفسر على معنيين ms1544 أو معنى يعبر عنه بحرفين يجوز أن يكون كل واحد يوضع موضع ~~صاحبه جمعا أو فرقا، وذلك كثير في اللغة، ولم يقم هاهنا دليل على الفرق ~~بينهما. ### | [الآية التاسعة قوله تعالى والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا] # الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف ~~رحيم} [الحشر: 10]. # فيها مسألتان: # PageV04P220 # المسألة الأولى في تعيين هؤلاء. وفي ذلك قولان: أحدهما أنهم أهل الإسلام ~~غير ذين من سائر القبائل والأمم ومن الصحابة. # الثاني: أنهم التابعون بعد قرن الصحابة إلى يوم القيامة. وهو اختيار ~~جماعة، منهم مالك بن أنس رواه عنه سوار بن عبد الله وأشهب وغيرهما؛ قالوا: ~~قال مالك: من سب أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا حق له في ~~الفيء قال الله تعالى: {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ~~ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} [الحشر: 10]. ### | [مسألة كيفية قسمة الأرض التي فتحها المسلمون] # المسألة الثانية في تحقيق القول: هذه نازلة اختلف الصحابة فيها قديما، ~~وذلك أن الله تعالى لما افتتح الفتوح على عمر اجتمع إليه من شهد الوقعة ~~واستحق بكتاب الله الغنيمة، فسألوه القسمة، فامتنع عمر منها، فألحوا عليه، ~~حتى دعا عليهم، فقال: اللهم اكفنيهم. فما حال الحول إلا وقد ماتوا. # وقال عمر: لولا أن أترك آخر الناس ببانا ما تركت قرية افتتحت إلا قسمتها ~~بين أهلها. # ورأى الشافعي القسمة كما قسم النبي - صلى الله عليه وسلم - خيبر، ورأى ~~مالك أقوالا أمثلها أن يجتهد الوالي فيها. وقد بينا ذلك في شرح الحديث، ~~وأوضحنا أن الصحيح قسمة المنقول وإبقاء العقار والأرض سهلا بين المسلمين ~~أجمعين، إلا أن يجتهد الوالي فينفذ أمرا، فيمضي عمله فيه لاختلاف الناس ~~عليه. وإن هذه الآية قاضية بذلك؛ لأن الله تعالى أخبر عن الفيء، وجعله ~~لثلاث طوائف: المهاجرين، والأنصار وهم معلومون، {والذين جاءوا من بعدهم ~~يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} [الحشر: 10] فهي ~~عامة في جميع التابعين والآتين بعدهم إلى يوم الدين، ولا وجه لتخصيصها ببعض ~~مقتضياتها. ms1545 # وفي الصحيح «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى المقبرة وقال: ~~السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون وددت أني رأيت ~~إخواننا. فقالوا: يا رسول # PageV04P221 # الله؛ ألسنا بإخوانك، فقال: بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا ~~بعد، وأنا فرطهم على الحوض». # فبين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن إخوانهم كل من يأتي بعدهم. وهذا ~~تفسير صحيح ظاهر في المراد لا غبار عليه. ### | [الآية العاشرة قوله تعالى لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر] # بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون} ~~[الحشر: 14]. # فيها مسألتان: المسألة الأولى في المراد بها، فقيل: إنهم اليهود، وقيل: ~~هم المنافقون؛ وهو الأصح لوجهين: أحدهما أن الآيات مبتدأة بذكرهم قال ~~تعالى: {ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل ~~الكتاب} [الحشر: 11] إلى قوله: {الظالمين} [الحشر: 17]. # وعد عبد الله بن أبي اليهود بالنصر، وضمن لهم أن بقاءه ببقائهم وخروجه ~~بخروجهم، فلم يكن ذلك ولا وفى به، بل أسلمهم وتبرأ منهم، فكان كما قال ~~تعالى: {كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني ~~أخاف الله رب العالمين} [الحشر: 16] فغر أولا، وكذب آخرا. # الثاني: أن اليهود والمنافقين كانت قلوبهم واحدة على معاداة النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ولم تكن لإحداهما فئة تخالف الأخرى في ذلك. # والشتى: هي المتفرقة قال الشاعر: # إلى الله أشكو نية شقت العصا ... هي اليوم شتى وهي بالأمس جمع # PageV04P222 ### | [مسألة صلاة المفترض خلف المتنفل] # المسألة الثانية تعلق بعض علمائنا من هذه الآية في منع صلاة المفترض خلف ~~المتنفل حسبما بيناه في مسائل الخلاف؛ لأنهم مجمعون على صورة التكبير ~~والأفعال، وهم مختلفون في النية. وقد ذم الله [ذلك] فيمن فعل ذلك، فيشمله ~~هذا اللفظ، ويناله هذا الظاهر. # وهذا كان يكون حسنا، بيد أنه يقطع به اتفاق الأمة على جواز صلاة المتنفل ~~خلف المفترض، والصورة في اختلاف النية واتفاق الفعل والقول فيهما واحد، ~~فإذا خرجت هذه الصورة ms1546 عن عموم الآية تبين أنها مخصوصة في الطاعات، وأنها ~~محمولة على ما كان من اختلاف المنافقين في الإذاية للدين ومعاداة الرسول - ~~صلى الله عليه وسلم -. ### | [الآية الحادية عشرة قوله تعالى لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة] # أصحاب الجنة هم الفائزون} [الحشر: 20]. # تعلق بعض علمائنا بظاهر هذه الآية في نفي المساواة بين المؤمن والكافر في ~~القصاص لأجل عموم نفي المساواة. وقد تقدم بيان ذلك في سورة السجدة، وحققنا ~~في أصول الفقه اختلاف العلماء في التعلق بمثل هذا العموم؛ لأنه لم يخرج ~~مخرج التعميم. والدليل عليه ما عقب الآية به من قوله: {أصحاب الجنة هم ~~الفائزون} [الحشر: 20] يعني وأصحاب النار هم الهالكون؛ ففي هذا القدر انتفت ~~التسوية. ومنهم من قال: خصوص آخرها لا يمنع من عموم أولها، وذلك محقق ~~هنالك. # PageV04P223 ### | [سورة الممتحنة فيها سبع آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم ~~أولياء] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء # تلقون إليهم بالمودة} [الممتحنة: 1]. # فيها ثمان مسائل: المسألة الأولى في سبب نزولها: روي في الصحيح واللفظ في ~~البخاري «أن أبا عبد الرحمن السلمي وكان عثمانيا قال لابن عطية وكان علويا: ~~قد علمت ما جرأ صاحبك على الدماء، سمعته يقول: بعثني النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - والزبير فقال: ائتوا روضة خاخ وتجدون بها امرأة أعطاها حاطب كتابا، ~~فأتينا الروضة، فقلنا: الكتاب؟ فقالت: لم يعطني شيئا، فقلنا: لتخرجن الكتاب ~~أو لنجردنك. فأخرجته من حجزتها، أو قال: من عقاصها. فأرسل رسول الله إلى ~~حاطب فقال: لا تعجل، فوالله ما كفرت وما ازددت للإسلام إلا حبا، ولم يكن ~~أحد من أصحابك إلا وله بمكة من يدفع الله به عن أهله وماله، ولم يكن لي ~~أحد، فأحببت أن أتخذ عندهم يدا، فصدقه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال ~~عمر: دعني أضرب عنقه فإنه قد نافق. فقال له: ما يدريك، لعل الله قد اطلع ~~على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». فهذا الذي جرأه ms1547 ونزلت: ~~{يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء} [الممتحنة: 1] الآية، ~~إلى: {غفور رحيم} [الممتحنة: 7]. # PageV04P224 ### | [مسألة معنى قوله تعالى عدوي وعدوكم] # المسألة الثانية قوله تعالى: {عدوي وعدوكم} [الممتحنة: 1]: قد بينا ~~العداوة والولاية وأن مآلهما إلى القرب والبعد في الثواب والعقاب في كتاب ~~الأمد الأقصى. # المسألة الثالثة قوله تعالى: {تلقون إليهم بالمودة} [الممتحنة: 1] يعني ~~في الظاهر؛ لأن قلب حاطب كان سليما بالتوحيد، بدليل «أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال لهم: أما صاحبكم فقد صدق». # وهذا نص في سلامة فؤاده وخلوص اعتقاده. # المسألة الرابعة من كثر تطلعه على عورات المسلمين، وينبه عليهم، ويعرف ~~عدوهم بأخبارهم لم يكن بذلك كافرا إذا كان فعله لغرض دنيوي، واعتقاده على ~~ذلك سليم، كما فعل حاطب بن أبي بلتعة حين قصد بذلك اتخاذ اليد ولم ينو ~~الردة عن الدين. ### | [مسألة من كثر تطلعه على عورات المسلمين] # المسألة الخامسة إذا قلنا: إنه لا يكون به كافرا [فاختلف الناس] فهل يقتل ~~به حدا أم لا؟ فقال مالك، وابن القاسم، وأشهب: يجتهد فيه الإمام. وقال عبد ~~الملك: إذا كانت تلك عادته قتل لأنه جاسوس. وقد قال مالك: يقتل الجاسوس، ~~وهو صحيح لإضراره بالمسلمين وسعيه بالفساد في الأرض. # فإن قيل وهي: المسألة السادسة هل يقتل كما قال عمر من غير تفصيل، ولم يرد ~~عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا بأنه من أهل بدر؛ وهذا يقتضي أن ~~يمنع منه وحده، ويبقى قتل غيره حكما شرعيا، فهم عمر به بعلم النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ولم يرد - عليه السلام - إلا بالعلة التي خصصها بحاطب. # قلنا: إنما قال عمر: إنه يقتل لعلة أنه منافق، فأخبر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه ليس بمنافق فإنما # PageV04P225 # يوجب عمر قتل من نافق، ونحن لا نتحقق نفاق فاعل مثل هذا، لاحتمال أن يكون ~~نافق، واحتمال أن يكون قصد بذلك منفعة نفسه مع بقاء إيمانه. والدليل على ~~صحة ذلك ما روي في القصة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: يا ~~حاطب؛ أنت كتبت الكتاب؟ ms1548 قال: نعم، فأقر به ولم ينكر، وبين العذر فلم يكذب»، ~~وصار ذلك كما لو أقر رجل بالطلاق ابتداء، وقال: أردت به كذا وكذا للنية ~~البعيدة الصدق، ولو قامت عليه البينة وادعى فيه النية البعيدة لم يقبل. # وقد روي أن ابن الجارود سيد ربيعة أخذ درباسا وقد بلغه أنه يخاطب ~~المشركين بعورات المسلمين، وهم بالخروج إليهم، فصلبه فصاح يا عمراه ثلاث ~~مرات فأرسل عمر إليه، فلما جاء أخذ الحربة فعلا بها لحيته، وقال: لبيك يا ~~درباس ثلاث مرات فقال: لا تعجل؛ إنه كاتب العدو، وهم بالخروج إليهم، فقال: ~~قتلته على الهم، وأينا لا يهم. # فلم يره عمر موجبا للقتل، ولكنه أنفذ اجتهاد ابن الجارود فيه، لما رأى من ~~خروج حاطب عن هذا الطريق كله. ولعل ابن الجارود إنما أخذ بالتكرار في هذا؛ ~~لأن حاطبا أخذ في أول فعله. ### | [مسألة الجاسوس الحربي] # المسألة السابعة فإن كان الجاسوس كافرا فقال الأوزاعي يكون نقضا لعهده. ~~وقال أصبغ: الجاسوس الحربي يقتل، والجاسوس المسلم والذمي يعاقبان إلا أن ~~يتعاهدا على أهل الإسلام فيقتلان. # وقد روي عن علي بن أبي طالب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «أتى ~~بعين للمشركين اسمه فرات بن حيان، فأمر به أن يقتل، فصاح: يا معشر الأنصار؛ ~~أقتل وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فأمر به النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فخلي سبيله. ثم قال: إن منكم من أكله إلى إيمانه، ~~ومنهم فرات بن حيان». ### | [مسألة تودد حاطب إلى الكفار ليجلب منفعة لنفسه ولم يعقد ذلك بقلبه] # المسألة الثامنة تودد حاطب إلى الكفار ليجلب منفعة لنفسه، ولم يعقد ذلك ~~بقلبه. # PageV04P226 # وقد روى جابر «أن عبدا لحاطب جاء يشكو حاطبا إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. فقال: يا رسول الله؛ صلى الله عليك، ليدخلن حاطب النار. فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: كذبت؛ لا يدخلها فإنه شهد بدرا والحديبية». ### | [الآية الثانية قوله تعالى قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه] # } [الممتحنة: 4]. # وهذا نص في ms1549 الاقتداء بإبراهيم - عليه السلام - في فعله، وهذا يصحح أن شرع ~~من قبلنا شرع لنا فيما أخبر الله أو رسوله عنهم. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة] # لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد} ~~[الممتحنة: 6] يعني في براءتهم من قومهم، ومباعدتهم لهم، ومنابذتهم عنهم، ~~وأنتم بمحمد أحق بهذا الفعل من قوم إبراهيم بإبراهيم {إلا قول إبراهيم ~~لأبيه لأستغفرن لك} [الممتحنة: 4] فليس فيه أسوة؛ لأن الله تعالى قد بين ~~حكمه في سورة " براءة ". ### | [الآية الرابعة قوله تعالى لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين] # ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} ~~[الممتحنة: 8]. # فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى في بقاء حكمها أو نسخه: فيه قولان: ~~أحدهما أن هذا كان في أول الإسلام عند الموادعة وترك الأمر بالقتال؛ ثم ~~نسخ؛ قاله ابن زيد. # PageV04P227 # الثاني: أنه باق، وذلك على وجهين: أحدهما أنهم خزاعة ومن كان له عهد. # الثاني: ما رواه عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه «أن أبا بكر الصديق ~~- رضي الله عنه - طلق امرأته قتيلة أم أسماء في الجاهلية، فقدمت عليهم في ~~المدة التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هادن فيها كفار قريش، ~~وأهدت إلى أسماء بنت أبي بكر قرطا، فكرهت أن تقبل منها، حتى أتت رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له، فأنزل الله الآية». # والذي صح في رواية أسماء ما بيناه من رواية الصحيح فيه من قبل. ### | [مسألة نفقة الابن المسلم على أبيه الكافر] # المسألة الثانية قوله تعالى: {وتقسطوا إليهم} [الممتحنة: 8] أي تعطوهم ~~قسطا من أموالكم [على وجه الصلة]، وليس يريد به من العدل؛ فإن العدل واجب ~~فيمن قاتل وفيمن لم يقاتل. # المسألة الثالثة استدل به بعض من تعقد عليه الخناصر على وجوب نفقة الابن ~~المسلم على أبيه الكافر، وهذه وهلة عظيمة؛ فإن الإذن في الشيء أو ترك النهي ~~عنه لا يدل على وجوبه، إنما يعطيك الإباحة خاصة. وقد ms1550 بينا أن إسماعيل بن ~~إسحاق القاضي دخل عليه ذمي فأكرمه، فوجد عليه الحاضرون، فتلا هذه الآية ~~عليهم. ### | [الآية الخامسة قوله تعالى يأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن] # الآية الخامسة قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات ~~مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى ~~الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن ~~تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا ما أنفقتم ~~وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم} [الممتحنة: ~~10]. # فيها اثنتا عشرة مسألة: # PageV04P228 # المسألة الأولى في سبب نزولها: ثبت أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - لما ~~صالح أهل الحديبية كان فيه أن من جاء من المشركين إلى المسلمين رد إليهم، ~~ومن ذهب من المسلمين إلى المشركين لم يرد؛ وتم العهد على ذلك، وكان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - رد أبا بصير عتبة بن أسيد بن حارثة الثقفي حين ~~قدم، وقدم أيضا نساء مسلمات منهن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وسبيعة ~~الأسلمية، وغيرهما، فجاء الأولياء إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فسألوه ردهن على الشرط، واستدعوا منه الوفاء بالعهد، فقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: إنما الشرط في الرجال لا في النساء»، وكان ذلك من المعجزات ~~إلا أن الله عز وجل قبض ألسنتهم عن أن يقولوا: غدر محمد، حتى أنزل الله ذلك ~~في النساء، وذلك إحدى معجزاته. ### | [مسألة قوله تعالى فامتحنوهن] # المسألة الثانية قوله: {فامتحنوهن} [الممتحنة: 10]: اختلف في تفسير ~~الامتحان على قولين: أحدهما اليمين رواه أبو نصر الأسدي، عن ابن عباس، ~~ورواه الحارث بن أبي أسامة # «قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لسبيعة وكان زوجها صيفي بن السائب: ~~بالله ما أخرجك من قومك ضرب ولا كراهية لزوجك، ولا أخرجك إلا حرص على ~~الإسلام، ورغبة فيه، لا تريدين غيره». # الثاني: وهو ما روي في الصحيح عن عائشة - رضي الله عنها - «أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - كان ms1551 يمتحن النساء بهذه الآية». ### | [مسألة المعنى الذي لأجله لم ترد النساء] # المسألة الثالثة في المعنى الذي لأجله لم ترد النساء وإن دخلن في عموم ~~الشرط، وفي ذلك قولان: أحدهما لرقتهن وضعفهن. # الثاني: لحرمة الإسلام. ويدل عليه قوله: {لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} ~~[الممتحنة: 10] والمعنيان صحيحان. # ويجوز أن يعلل الحكم بعلتين، حسبما بيناه في كتب الأصول. # PageV04P229 ### | [مسألة خروج النساء من عهد الرد] # المسألة الرابعة خروج النساء من عهد الرد كان تخصيصا للعموم لا ناسخا ~~للعهد كما توهمه بعض الغافلين. وقد بيناه في القسم الثاني. # المسألة الخامسة الذي أوجب فرقة المسلمة من زوجها [هو إسلامها لا] هجرتها ~~كما بيناه في أصول مسائل الخلاف، وهو التلخيص. # وقال أبو حنيفة: الذي فرق بينهما هو اختلاف الدارين، وإليه إشارة في مذهب ~~مالك، بل عبارة قد أوضحناها في مسائل الفروع. والعمدة فيه هاهنا أن الله ~~تعالى قد قال: {لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} [الممتحنة: 10] فبين أن ~~العلة عدم الحل بالإسلام، وليس اختلاف الدارين. ### | [مسألة إذا أمسكت المرأة المسلمة أن ترد على زوجها ما أنفق] # المسألة السادسة أمر الله تعالى إذا أمسكت المرأة المسلمة أن ترد على ~~زوجها ما أنفق، وذلك من الوفاء بالعهد؛ لأنه لما منع من أهله لحرمة الإسلام ~~أمر الله سبحانه أن يرد إليه المال، حتى لا يقع عليهم خسران من الوجهين: ~~الزوجة، والمال. # المسألة السابعة لما أمر الله سبحانه برد ما أنفقوا إلى الأزواج وكان ~~المخاطب بهذا الإمام ينفذ ذلك مما بين يديه من بيت المال الذي لا يتعين له ~~مصرف. ### | [مسألة رفع الله الحرج في نكاح المرأة بشرط الصداق] # المسألة الثامنة رفع الله الحرج في نكاحها بشرط الصداق، وسمى ذلك أجرا، ~~وقد تقدم بيانه وبيان شرط آخر وهو الاستبراء من ماء الكافر، لقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض؛ والاستبراء ~~ها هنا بثلاث حيض وهي العدة». وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف. ثم قال وهي: # PageV04P230 ### | [مسألة نكاح المشركة والمعتدة] ms1552 # المسألة التاسعة {ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن} ~~[الممتحنة: 10] يعني إذ أسلمن وانقضت عدتهن، لما ثبت من تحريم نكاح المشركة ~~والمعتدة؛ فعاد جواز النكاح إلى حالة الإيمان ضرورة. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ولا تمسكوا بعصم الكوافر] # المسألة العاشرة قوله: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر} [الممتحنة: 10]: هذا ~~بيان لامتناع نكاح المشركة من جملة الكوافر. وهو تفسيره والمراد به. # قال أهل التفسير: أمر الله تعالى من كان له زوجة مشركة أن يطلقها. وقد ~~كان الكفار يتزوجون المسلمات، والمسلمون يتزوجون المشركات، ثم نسخ الله ذلك ~~في هذه الآية وغيرها. وكان ذلك نسخ الإقرار على الأفعال بالأقوال. # وقد بيناه في الناسخ والمنسوخ، فطلق عمر بن الخطاب حينئذ قريبة بنت أمية، ~~وابنة جرول الخزيمي؛ فتزوج قريبة معاوية بن أبي سفيان، وتزوج ابنة جرول أبو ~~جهم. فلما ولي عمر قال أبو سفيان لمعاوية: طلق قريبة لئلا يرى عمر سلبه في ~~بيتك، فأبى معاوية ذلك. ### | [مسألة معنى قوله تعالى واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا] # المسألة الحادية عشرة قوله: {واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا} ~~[الممتحنة: 10]: قال المفسرون: كل من ذهب من المسلمات مرتدات [من أهل ~~العهد] إلى الكفار يقال للكفار: هاتوا مهرها ويقال للمسلمين إذا جاء أحد من ~~الكافرات مسلمة مهاجرة: ردوا إلى الكفار مهرها وكان ذلك نصفا وعدلا بين ~~الحالتين، وكان هذا حكم الله مخصوصا بذلك الزمان في تلك النازلة خاصة ~~بإجماع الأمة. ### | [مسألة عقد الهدنة بين المسلمين والكفار] # المسألة الثانية عشرة أما عقد الهدنة بين المسلمين والكفار فجائز على ما ~~مضى من سورة الأنفال لمدة ومطلقا إليهم لغير مدة. # فأما عقده على أن يرد من أسلم إليهم فلا يجوز لأحد بعد النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وإنما جوزه الله له لما علم في ذلك من الحكمة، وقضى فيه من ~~المصلحة، وأظهر فيه بعد ذلك من حسن العاقبة وحميد الأثر في الإسلام ما حمل ~~الكفار على الرضا بإسقاطه، والشفاعة في حطه؛ ففي الصحيح: «لما كاتب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - سهيل بن عمرو ms1553 يوم الحديبية على قصر # PageV04P231 # المدة، فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين، ~~فدفعه إلى الرجلين، فخرجا به حتى بلغا به ذا الحليفة فنزلوا يأكلون، فقتل ~~أبو بصير أحدهما، وفر الآخر، حتى أتى المدينة، فدخل المسجد يعدو. فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: لقد رأى هذا ذعرا، فجاء أبو بصير، فقال: يا ~~رسول الله، وقد أوفى الله ذمتك، ثم أنجاني منهم. فقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: ويل أمه مسعر حرب لو كان معه رجال، فلما سمع ذلك عرف أنه ~~سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سيف البحر قال: وتفلت منهم أبو جندب بن سهيل، ~~فلحق بأبي بصير، وجعل لا يخرج رجل من قريش أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى ~~اجتمعت منهم عصابة، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلا ~~اعترضوهم فقتلوهم، وأخذوا بأموالهم. فأرسلت قريش إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - تنشده الله والرحم إلا أرسل إليهم، فمن أتاه فهو آمن. فأرسل النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - إليهم، فأنزل الله: {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم ~~عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم} [الفتح: 24] الآية إلى {حمية ~~الجاهلية} [الفتح: 26]»؛ فظن الناس أن ذلك كان من النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في الانقياد إليهم عن هوان، وإنما كان عن حكمة حسن مآلها، كما سقناه ~~آنفا من الرواية، والله أعلم. ### | [الآية السادسة قوله تعالى وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم] # فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به ~~مؤمنون} [الممتحنة: 11]. # فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى قال علماؤنا: المعنى إن ارتدت امرأة ولم ~~يرد الكفار صداقها إلى زوجها كما أمروا فردوا أنتم إلى زوجها مثل ما أنفق. # PageV04P232 ### | [مسألة معنى قوله تعالى فعاقبتم] # المسألة الثانية قوله تعالى: {فعاقبتم} [الممتحنة: 11]: قال علماؤنا: ~~المعاقبة المناقلة على تصيير كل واحد من الشيئين مكان الآخر عقيب ذهاب ~~عينه، فأراد: فعوضتم مكان الذاهب لهم عوضا، أو عوضوكم مكان الذاهب لكم ~~عوضا، فليكن من مثل الذي ms1554 خرج عنكم أو عنهم عوضا من الفائت لكم أو لهم. ### | [مسألة محل العاقبة في قوله تعالى فعاقبتم] # المسألة الثالثة في محل العاقبة: وفيه ثلاثة أقوال: أحدها من الفيء؛ قاله ~~الزهري. # الثاني: من مهر إن وجب للكفار في زوج أحد منهم على مذهب اقتصاص الرجل من ~~مال خصمه إذا قدر عليه دون أذية. # الثالث: أنه يرد من الغنيمة. # وفي كيفية رده من الغنيمة قولان: أحدهما أنه يخرج المهر والخمس ثم تقع ~~القسمة، وهذا منسوخ إن صح. # الثاني: أنه يخرج من الخمس، وهو أيضا منسوخ، وقد حققناه في القسم الثاني ~~منه. والله أعلم. ### | [الآية السابعة قوله تعالى يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك] # على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا ~~يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن ~~واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم} [الممتحنة: 12]. # فيها أربع عشرة مسألة: المسألة الأولى قوله تعالى: {إذا جاءك المؤمنات ~~يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا} [الممتحنة: 12] الآية. # PageV04P233 # عن عروة عن عائشة قالت: «ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمتحن ~~إلا بهذه الآية التي قال الله: {إذا جاءك المؤمنات يبايعنك} [الممتحنة: 12] ~~الآية». # قال معمر: فأخبرني ابن طاوس عن أبيه قال: ما مست يده يد امرأة إلا امرأة ~~يملكها. # وعن عائشة أيضا في الصحيح: «ما مست يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يد امرأة وقال: إني لا أصافح النساء، إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة ~~واحدة». # وقد روي أنه صافحهن على ثوبه. # وروي أن عمر صافحهن عنه، وأنه كلف امرأة وقفت على الصفا فبايعتهن. # وذلك ضعيف؛ وإنما ينبغي التعويل على ما روي في الصحيح. # المسألة الثانية روي عن عبادة بن الصامت أنه قال: «كنا عند النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا ~~تزنوا أيها النساء، فمن وفى منكن فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا ~~فعوقب فهو له كفارة، ومن أصاب منها ms1555 شيئا فستره الله فهو إلى الله إن شاء ~~عذبه، وإن شاء غفر له»؛ وهذا يدل على أن بيعة الرجل في الدين كبيعة النساء ~~إلا في المسيس باليد خاصة. # المسألة الثالثة ثبت في الصحيح، عن ابن عباس قال: «شهدت الصلاة يوم الفطر ~~مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومع أبي بكر وعمر وعثمان، فكلهم ~~يصليها قبل الخطبة، ثم يخطب بعد فنزل نبي الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وكأني أنظر إليه حين يجلس الرجال بيده، ثم أقبل يشقهم حتى أتى النساء ومعه ~~بلال، فقرأ: {يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن ~~بالله شيئا} [الممتحنة: 12] الآية كلها، ثم قال حين فرغ: أنتن على ذلك؟ # قالت امرأة منهن واحدة لم يجبه غيرها: نعم يا رسول الله. لا يدري الحسن ~~من هي. قال: فتصدقن وبسط بلال ثوبه فجعلن يلقين الفتخ والخواتم في ثوب ~~بلال». # PageV04P234 ### | [مسألة معنى قوله تعالى ولا يقتلن أولادهن] # المسألة الرابعة قوله: {ولا يقتلن أولادهن} [الممتحنة: 12] يعني بالوأد ~~والاستتار عن العمد إذا كان عن غير رشدة؛ فإن رميه كقتله، ولكنه إن عاش كان ~~إثمها أخف. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن] # المسألة الخامسة قوله: {ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن} ~~[الممتحنة: 12]: قيل في أيديهن قولان: أحدهما المسألة. # الثاني: أكل الحرام المسألة السادسة قوله: {وأرجلهن} [الممتحنة: 12]: فيه ~~ثلاثة أقوال: الأول الكذب في انقضاء العدة الثاني: هو إلحاق ولد بمن لم يكن ~~له. # الثالث: أنه كناية عما بين البطن والفرج. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ولا يعصينك في معروف] # المسألة السابعة {ولا يعصينك في معروف} [الممتحنة: 12]: فيه ثلاثة أقوال: ~~الأول النياحة. # الثاني: ألا يحدثن الرجال. # الثالث: # ألا يخمشن وجها، ولا يشققن جيبا، ولا يرفعن صوتا، ولا يرمين على أنفسهن ~~نقعا المسألة الثامنة في تنخيل هذه المعاني: أما من قال: إن قوله {بين ~~أيديهن} [الممتحنة: 12] يعني المسألة فهو تجاوز كبير؛ فإن أصلها اللسان ~~وآخرها أن أعطي شيئا في اليد. # PageV04P235 # وقول من قال: إنه أكل الحرام أقرب، ms1556 وكأنه عكس الأول؛ لأن الحرام يتناوله ~~بيده فيحمله إلى لسانه، والمسألة يبدؤها بلسانه ويحملها إلى يده، ويردها ~~إلى لسانه. # وأما من قال: إنه كناية عما بين البطن والفرج، فهو أصل في المجاز حسن. # وأما قوله: {ولا يعصينك في معروف} [الممتحنة: 12] فهو نص في إيجاب ~~الطاعة؛ فإن النهي عن الشيء أمر بضده، إما لفظا أو معنى على اختلاف ~~الأصوليين في ذلك، وأما [معنى] تخصيص قوله: {في معروف} [الممتحنة: 12] وقوة ~~قوله: {ولا يعصينك} [الممتحنة: 12] يعطيه؛ لأنه عام في وظائف الشريعة، وهي: ~~المسألة التاسعة ففيه قولان: أحدهما أنه تفسير للمعنى على التأكيد، كما قال ~~تعالى: {قال رب احكم بالحق} [الأنبياء: 112] لأنه لو قال " احكم " لكفى. # الثاني أنه إنما شرط المعروف في بيعة النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى ~~يكون تنبيها على أن غيره أولى بذلك، وألزم له، وأنفى للإشكال فيه. # وفي الآثار: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق». ### | [مسألة هل الطاقة مشروطة في الشريعة] # المسألة العاشرة روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا بايع ~~النساء على هذا قال لهن: فيما أطقتن فيقلن: الله ورسوله أرحم بنا من ~~أنفسنا». # وهذا بيان من النبي - صلى الله عليه وسلم - لحقيقة الحال؛ فإن الطاقة ~~مشروطة في الشريعة، مرفوع عن المكلفين ما ناف عليها، حسبما بيناه في غير ~~موضع. # المسألة الحادية عشرة روت أم عطية في الصحيح قالت: «بايعنا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فقرأ علينا: أن لا يشركن بالله شيئا، ونهانا عن ~~النياحة، فقبضت امرأة على يدها وقالت: أسعدتني فلانة أريد أن أجزيها. فما ~~قال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا، فانطلقت فرجعت فبايعها»، فيكون ~~هذا # PageV04P236 # تفسير قوله: {ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن} [الممتحنة: 12]؛ وذلك ~~تخميش وجوه، وشق جيوب. # وفي الصحيح: «ليس منا من خمش الوجوه، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية». # فإن قيل: كيف جاز أن تستثنى معصية، وتبقى على الوفاء بها، ويقرها النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - على ذلك؟ قلنا: وقد بيناه في شرح الحديث الصحيح ~~الكافي، منه أن النبي - صلى الله ms1557 عليه وسلم - أمهلها حتى تسير إلى صاحبتها ~~لعلمه بأن ذلك لا يبقى في نفسها، وإنما ترجع سريعا عنه، كما روي أن بعضهم ~~شرط ألا يخر إلا قائما، فقيل في أحد تأويليه: إنه لا يركع، فأمهله حتى آمن، ~~فرضي بالركوع. # وقيل: أرادت أن تبكي معها بالمقابلة التي هي حقيقة النوح خاصة. ### | [مسألة صفة أركان البيعة] # المسألة الثانية عشرة في صفة أركان البيعة على ألا يشركن بالله شيئا إلى ~~آخر الخصال الست. # صرح فيهن بأركان النهي في الدين، ولم يذكر أركان الأمر؛ وهي الشهادة، ~~والصلاة والزكاة، والصيام، والحج، والاغتسال من الجنابة؛ وهي ستة في الأمر ~~في الدين وكيدة مذكورة في قصة جبريل مع النبي - صلى الله عليه وسلم -. وفي ~~اعتماده الإعلام بالمنهيات دون المأمورات حكمان اثنان: أحدهما أن النهي ~~دائم، والأمر يأتي في الفترات؛ فكان التنبيه على اشتراط الدائم أوكد. # الثاني: أن هذه المناهي كانت في النساء كثير من يرتكبها، ولا يحجزهن عنها ~~شرف الحسب، ولذلك روي «أن المخزومية سرقت، فأهم قريشا أمرها، وقالوا: من ~~يكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أسامة، فكلم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: أتشفع في حد من حدود الله»، وذكر الحديث. # PageV04P237 # فخص الله ذلك بالذكر لهذا، كما روي أنه قال لوفد عبد القيس: «آمركم بأربع ~~وأنهاكم عن أربع؛ آمركم بالإيمان بالله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن ~~تؤدوا خمس ما غنمتم # وأنهاكم عن الدباء، والحنتم، والنقير، والمزفت»، فنبههم على ترك المعصية ~~في شرب الخمر دون سائر المعاصي؛ لأنها كانت عادتهم. # وإذا ترك المرء شهوته من المعاصي هان عليه ترك سواها مما لا شهوة له ~~فيها. ### | [مسألة قول النبي صلى الله عليه وسلم لهن في البيعة ألا يسرقن] # المسألة الثالثة عشرة لما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لهن في ~~البيعة: ألا يسرقن قالت هند: «يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل مسيك، فهل ~~علي حرج أن آخذ من ماله ما يكفيني وولدي؟ فقال: لا، إلا بالمعروف»؛ فخشيت ~~هند أن تقتصر على ما يعطيها أبو ms1558 سفيان فتضيع أو تأخذ أكثر من ذلك، فتكون ~~سارقة ناكثة للبيعة المذكورة، فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: لا، ~~أي لا حرج عليك فيما أخذت بالمعروف يعني من غير استطالة إلى أكثر من ~~الحاجة. # وهذا إنما هو فيما لا يخزنه عنها في حجاب، ولا يضبط عليها بقفل، فإنها ~~إذا هتكته الزوجة، وأخذت منه كانت سارقة، تعصي بها، وتقطع عليه يدها حسبما ~~تقدم في سورة المائدة. ### | [مسألة صفة البيعة لمن أسلم من الكفار] # المسألة الرابعة عشرة في صفة البيعة لمن أسلم من الكفار؛ وذلك لأنها كانت ~~في صدر الإسلام منقولة وهي اليوم مكتوبة؛ إذ كان في عصر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لا يكتب إلا القرآن. # وقد اختلف في السنة على ما بيناه في أصول الفقه وغيرها، وكان النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لا يكتب أصحابه ولا يجمعهم له ديوان حافظ، اللهم إلا أنه ~~قال يوما: «اكتبوا لي من # يلفظ بالإسلام لأمر عرض له». فأما اليوم فيكتب إسلام الكفرة، كما يكتب ~~سائر معالم الدين المهمة والتوابع منها لضرورة حفظها حين فسد الناس وخفت ~~أمانتهم، ومرج أمرهم، ونسخة ما يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم: لله أسلم ~~فلان بن فلان من أهل أرض كذا، وآمن به وبرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~وشهد له بشهادة الصدق، وأقر بدعوة الحق: لا إله إلا الله محمد # PageV04P238 # رسول الله. والتزم الصلوات الخمس بأركانها وأوصافها، وأدى الزكاة ~~بشروطها، وصوم رمضان، والحج إلى البيت الحرام، إذا استطاع إليه سبيلا، ~~ويغتسل من الجنابة، ويتوضأ من الحدث، وخلع الأنداد من دون الله، وتحقق أن ~~الله وحده لا شريك له. # وإن كان نصرانيا قلت: وإن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم ~~وروح منه. # وإن كان يهوديا قلت: وإن العزير عبد الله وإن كان صابئا قلت: وإن ~~الملائكة عبيد الله ورسله الكرام وكتابه البررة الذين لا يعصون الله ما ~~أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. # وإن كان هنديا قلت: [وإن] ماني باطل محض، وبهتان صرف، وكذب مختلق مزور. ~~وكذلك من كان ms1559 على مذهب من الكفر اعتمدته بالبراءة منه بالذكر. # وتقول بعده: سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، {إن كل من في ~~السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا - لقد أحصاهم وعدهم عدا} [مريم: 93 - ~~94] {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22]. # تعالى وتقدس عن ذلك كله، والحمد لله الذي لم يتخذ ولدا، ولم يكن له شريك ~~في الملك، ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا. والتزم ألا يقتل النفس ~~التي حرم الله إلا بالحق، ولا يسرق، ولا يزني، ولا يشرب الخمر، ولا يتكلم ~~بالزور، ويكون مع إخوانه المؤمنين كأحدهم، ولا يسلمهم ولا يسلمونه، ولا ~~يظلمهم ولا يظلمونه، وعلم أن للدين فرائض وشرائع وسننا، فعاهد الله على أن ~~يلتزم كل خصلة منها على نعتها بقلب سليم وسنن قويم # والله يهدي من يشاء إلى ما شاء إلى صراط مستقيم وشهد أنه {ومن يبتغ غير ~~الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} [آل عمران: 85] شهد ~~على فلان بن فلان من أشهد عليه، وهو صحيح العقل في شهر كذا. # وقد أدرك التقصير جملة من المؤرخين، وكتبوا معالم الأمر دون وظائف النهي، ~~والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان يذكر في بيعته الوجهين، أو يغلب ذكر ~~وظائف النهي، كما جاء في القرآن. # PageV04P239 # وكتبوا أنه أسلم طوعا، وكتبوا: وكان إسلامه على يدي فلان، وكتبوا أنه ~~اغتسل وصلى. # فأما قولهم: وكان إسلامه طوعا فباطل، فإنه لو أسلم مكرها لصح إسلامه ~~ولزمه، وقتل بالردة. وقد بينا ذلك في قوله: {لا إكراه في الدين} [البقرة: ~~256]؛ والكفار إنما يقاتلون قسرا على الإسلام فيستخرج منهم بالسيف. والإمام ~~مخير بين قتل الأسرى أو مفاداتهم بالخمسة الأوجه المتقدمة فيهم؛ فإذا أسلم ~~سقط حكم السيف عنه. # وفي الصحيح: «عجب ربكم من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل». # وكذلك الذمي لو جنى جناية فخاف من موجبها القتل والضرب فأسلم سقط عنه ~~الضرب والقتل، وكان إسلامه كرها، وحكم بصحته، وإنما يكون الإكراه المسقط ~~للإسلام إذا كان ظلما وباطلا، مثل أن يقال للذمي [ابتداء] من ms1560 غير جناية ولا ~~سبب: أسلم، وإلا قتلتك؛ فهذا لا يجوز؛ فإن أسلم لم يلزمه، وجاز له الرجوع ~~إلى دينه عند أمنه مما خاف منه. وإذا ادعى الذمي أنه أكره بالباطل لزمه ~~إثبات ذلك، فلا حاجة إلى ذكر الطواعية بوجه ولا حال في كل كافر. والله ~~أعلم. # وأما قولهم: كان إسلامه على يد فلان فأنى علقوها، ويشبه أن يكونوا رأوه ~~في كتب المخالفين؛ لأنهم يذكرون ذلك في شروطهم لعلة أنهم يرون الرجل إذا ~~أسلم على # يدي الرجل كان له ولاؤه، وذلك مما ليس بمذهب لنا. وقد بينا فساده في ~~مسائل الخلاف وغيرها. # وأما قولهم: اغتسل وصلى، فليس يحتاج إليه في العقد المكتوب؛ لأنه إن لم ~~يكن وقت صلاة، فلا غسل عليه ولا وضوء؛ لأنه ليس عليه صلاة. # وأما إذا كان وقت صلاة فيؤمر بالغسل والصلاة فيفعلهما، ولا يكون ذلك ~~مكتوبا. والله أعلم. # PageV04P240 ### | [سورة الصف فيها آيتان] # [الآية الأولى قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} # [الصف: 2]. # فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى روى أبو موسى في الصحيح أن سورة كانت ~~على قدرها، أولها: سبح لله، كان فيها: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما ~~لا تفعلون} [الصف: 2] ستكتب شهادة في أعناقهم فتسألون عنها يوم القيامة، ~~وهذا كله ثابت في الدين. # أما قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون} [الصف: 2] ~~فثابت في الدين لفظا ومعنى في هذه السورة ما تلوناه آنفا فيها. # وأما قوله: [فتكتب] شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة فمعنى ~~ثابت في الدين [لفظا ومعنى]؛ فإن من التزم شيئا لزمه شرعا، وهي: المسألة ~~الثانية والملتزم على قسمين: أحدهما النذر، وهو على قسمين: # PageV04P241 # نذر تقرب مبتدأ؛ كقوله: لله علي صوم وصلاة وصدقة، ونحوه من القرب؛ فهذا ~~يلزمه الوفاء به إجماعا. # ونذر مباح؛ وهو ما علق بشرط رغبة [كقوله: إن قدم غائبي فعلي صدقة، أو علق ~~بشرط رهبة]، كقوله: إن كفاني ms1561 الله شر كذا فعلي صدقة، فاختلف العلماء فيه؛ ~~فقال مالك وأبو حنيفة: يلزمه الوفاء به. وقال الشافعي في أحد أقواله: إنه ~~لا يلزمه الوفاء به. # وعموم الآية حجة لنا؛ لأنها بمطلقها تتضمن ذم من قال ما لا يفعله على أي ~~وجه كان، من مطلق، أو مقيد بشرط. # وقد قال أصحابه: إن النذر إنما يكون بما القصد منه القربة مما هو من جنس ~~القربة. # وهذا وإن كان من جنس القربة، لكنه لم يقصد به القربة، وإنما قصد منع نفسه ~~عن فعل أو الإقدام على فعل. # قلنا: القرب الشرعية مقتضيات وكلف وإن كانت قربات. وهذا تكلف في التزام ~~هذه القربة مشقة لجلب نفع أو دفع ضر، فلم يخرج عن سنن التكليف، ولا زال عن ~~قصد التقرب. ### | [مسألة كان الوعد مقولا منه هل يلزمه الوفاء] # المسألة الثالثة فإن كان المقول منه وعدا فلا يخلو أن يكون منوطا بسبب؛ ~~كقوله: إن تزوجت أعنتك بدينار، أو ابتعت حاجة كذا أعطيتك كذا؛ فهذا لازم ~~إجماعا من الفقهاء. # وإن كان وعدا مجردا فقيل: يلزم بمطلقه؛ وتعلقوا بسبب الآية فإنه روي أنهم ~~كانوا يقولون: لو نعلم أي الأعمال أفضل أو أحب إلى الله لعملناه، فأنزل ~~الله عز وجل هذه الآية. # وهو حديث لا بأس به. # PageV04P242 # وقد روى مجاهد أن عبد الله بن رواحة لما سمعها قال: لا أزال حبيسا في ~~سبيل الله حتى أقتل. # والصحيح عندي أن الوعد يجب الوفاء به على كل حال إلا لعذر. ### | [الآية الثانية قوله تعالى إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا] # كأنهم بنيان مرصوص} [الصف: 4]. # فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى قوله: (مرصوص)، أي محكم ثابت، كأنه عقد ~~بالرصاص، وكثيرا ما تعقد به الأبنية القديمة، عاينت منها بمحراب داود - ~~عليه السلام - والمسجد الأقصى وغيرهما # وهو كذلك بالصاد المهملة. ويقال: حديث مرسوس بالسين المهملة أي سيق سياقة ~~محكمة مرتبة. # المسألة الثانية قوله تعالى: {يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا} [الصف: ~~4]؛ وقد بينا في كتاب الأمد أن المحبة هي إرادة الثواب للعبد. ### | [مسألة إحكام ms1562 الصفوف] # المسألة الثالثة في إحكام الصفوف جمال للصلاة، وحكاية للملائكة، وهيئة ~~للقتال، ومنفعة في أن تحمل الصفوف على العدو كذلك. # وأما الخروج من الصف فلا يكون إلا لحاجة تعرض للإنسان، أو في رسالة ~~يرسلها الإمام، ومنفعة تظهر في المقام، كفرصة تنتهز ولا خلاف فيها، أو ~~بتظاهر على التبرز للمبارزة. # PageV04P243 # وفي الخروج عن الصف للمبارزة خلاف على قولين: أحدهما أنه لا بأس بذلك؛ ~~إرهابا للعدو، وطلبا للشهادة، وتحريضا على القتال. وقال أصحابنا: لا يبرز ~~أحد طالبا لذلك؛ لأن فيه رياء وخروجا إلى ما نهى الله عنه من تمني لقاء ~~العدو، وإنما تكون المبارزة إذا طلبها الكافر، كما كانت في حروب النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يوم بدر، وفي غزوة خيبر، وعليه درج السلف. # PageV04P244 ### | [سورة الجمعة فيها آيتان] ### | [الآية الأولى قوله تعالى يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة] # الآية الأولى قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون} ~~[الجمعة: 9]. فيها ست عشرة مسألة: المسألة الأولى: قوله: {يا أيها الذين ~~آمنوا} [الجمعة: 9] ظاهر في أن المخاطب بالجمعة المؤمنون دون الكفار. وقد ~~بينا ذلك في كتب الأصول وغيرها وها هنا أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، ~~ومن جملتها الجمعة. وإنما خص بهذه الآية المؤمنون دون الكفار؛ تشريفا [لهم] ~~بالجمعة، وتخصيصا دون غيرهم؛ وذلك لما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال في الصحيح: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا ~~الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم؛ فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، فهدانا ~~الله له، فغدا لليهود وللنصارى بعد غد». ### | [مسألة الجمعة خاصة بهذه الأمة] # المسألة الثانية الجمعة خاصة بهذه الأمة ويوم الإسلام كما تقدم، وأفضل ~~الأيام. روي أن «جبريل جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وبيده مرآة ~~فيها نكتة سوداء، فقال: يا جبريل؛ ما هذه المرآة؟ قال: يوم الجمعة. قال: ما ~~هذه النكتة السوداء التي فيها؟ قال: الساعة وفيها تقوم». # PageV04P245 # كما روي ms1563 في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «خير يوم طلعت ~~عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم وفيه أهبط من الجنة، وفيه تيب عليه، ~~وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله ~~شيئا إلا أعطاه إياه» كما تقدم بيانه. والله أعلم. ### | [مسألة هل الجمعة فرض] # المسألة الثالثة الجمعة فرض، لا خلاف في ذلك؛ لأنها قرآنية سنية، وهي ظهر ~~اليوم، أو بدل منه على ما بيناه في كتب الفقه، ولا يلتفت إلى ما يحكى في ~~ذلك، لا سيما ما يؤثر عن سحنون أنه قال: إن بعض الناس قال: يجوز أن يتخلف ~~العروس عنها؛ فإن العروس عندنا لا يجوز له أن يتخلف من صلاة الجماعة لأجل ~~العرس، فكيف عن صلاة الجمعة. ولها شروط وأركان في الوجوب والأداء، فشروط ~~الوجوب سبعة: العقل، والذكورية، والحرية، والبلوغ، والقدرة، والإقامة، ~~والقرية. وأما شروط الأداء فهي: الإسلام، فلا تصح من كافر. والخطبة، ~~والإمام القيم للصلاة ليس الأمير، وقد قال مالك كلمة بديعة: إن لله فرائض ~~في أرضه لا يضيعها [إن] وليها وال أو لم يلها. # وقال علماؤنا: من شروط أدائها المسجد المسقف. ولا أعلم وجهه. ومنها ~~العدد، وليس له حد. وإنما حده جماعة تتقرى بهم بقعة، ومن أدائها الاغتسال، ~~وتحسين الشارة، وتمام ذلك في كتب المسائل. # PageV04P246 ### | [مسألة معنى قوله تعالى إذا نودي للصلاة] # المسألة الرابعة قوله: {إذا نودي للصلاة} [الجمعة: 9]: النداء هو الأذان، ~~وقد بينا جملة منه في سورة المائدة. وقد «كان الأذان في عهد النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في الجمعة كسائر الأذان في الصلوات؛ يؤذن واحد إذا جلس - ~~صلى الله عليه وسلم - على المنبر، وكذلك كان يفعل أبو بكر وعمر وعلي ~~بالكوفة، ثم زاد عثمان على المنبر أذانا ثالثا على الزوراء، حتى كثر الناس ~~بالمدينة، فإذا سمعوا أقبلوا، حتى إذا جلس عثمان على المنبر أذن مؤذن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - ثم يخطب عثمان.» # وفي الحديث الصحيح «أن الآذان كان على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم ms1564 - ~~واحدا، فلما كان زمن عثمان زاد النداء الثالث على الزوراء»، وسماه في ~~الحديث ثالثا؛ لأنه أضافه إلى الإقامة # فجعله ثالث الإقامة، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «بين كل ~~أذانين صلاة لمن شاء» يعني الأذان والإقامة؛ فتوهم الناس أنه أذان أصلي، ~~فجعلوا المؤذنين ثلاثة، فكان وهما، ثم جمعوهم في وقت واحد، فكان وهما على ~~وهم، ورأيتهم بمدينة السلام يؤذنون بعد أذان المنار بين يدي الإمام تحت ~~المنبر في جماعة، كما كانوا يفعلون عندنا في الدول الماضية؛ وكل ذلك محدث. # المسألة الخامسة قوله: {للصلاة} [الجمعة: 9]؛ يعني بذلك الجمعة دون ~~غيرها، وقال بعض العلماء: كون الصلاة الجمعة هاهنا معلوم بالإجماع لا من ~~نفس اللفظ. وعندي أنه معلوم من نفس اللفظ بنكتة، وهي قوله: {من يوم الجمعة} ~~[الجمعة: 9]، وذلك يفيده؛ لأن النداء الذي يختص بذلك اليوم هو # PageV04P247 # نداء تلك الصلاة؛ فأما غيرها فهو عام في سائر الأيام، ولو لم يكن المراد ~~به نداء الجمعة لما كان لتخصيصه بها وإضافته إليها معنى ولا فائدة. # المسألة السادسة قال بعض علمائنا: كان اسم الجمعة في العرب الأول عروبة، ~~فسماها الجمعة كعب بن لؤي؛ لاجتماع الناس فيها إلى كعب قال الشاعر: # لا يبعد الله أقواما هم خلطوا ... يوم العروبة أصراما بأصرام ### | [مسألة معنى قوله تعالى فاسعوا إلى ذكر الله] # المسألة السابعة قوله {فاسعوا إلى ذكر الله} [الجمعة: 9]: اختلف العلماء ~~في معناه على ثلاثة أقوال: الأول: أن المراد به النية؛ قاله الحسن. # الثاني أنه العمل؛ كقوله تعالى: {ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو ~~مؤمن} [الإسراء: 19] وقوله تعالى: {إن سعيكم لشتى} [الليل: 4]. وهو قول ~~الجمهور. # الثالث: أن المراد به السعي على الأقدام. # ويحتمل ظاهره رابعا: وهو الجري والاشتداد، وهو الذي أنكره الصحابة ~~الأعلمون، والفقهاء الأقدمون، وقرأها عمر: " فامضوا إلى ذكر الله " فرارا ~~عن ظن الجري والاشتداد الذي يدل عليه الظاهر. # وقرأ ابن مسعود ذلك. وقال: لو قرأت فاسعوا لسعيت حتى سقط ردائي. # وقرأ ابن شهاب: فامضوا إلى ذكر الله سالكا تلك السبل، وهو كله تفسير ~~منهم، لا ms1565 قراءة # قرآن منزل، وجائز قراءة القرآن بالتفسير في معرض التفسير. # فأما من قال: المراد بذلك النية؛ فهو أول السعي ومقصوده الأكبر فلا خلاف ~~فيه. # وأما من قال: إنه السعي على الأقدام فهو أفضل، ولكنه ليس بشرط. في الصحيح ~~أن أبا عيسى بن جبير واسمه عبد الرحمن، وكان من كبار الصحابة يمشي إلى # PageV04P248 # الجمعة راجلا. وقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من ~~اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار. فذلك فضل وأجر لا شرط.» # وأما من قال: إنه العمل فأعمال الجمعة هي: الاغتسال، والتمشط، والادهان، ~~والتطيب، والتزين باللباس، وفي ذلك كله أحاديث بيانها في كتب الفقه؛ وظاهر ~~الآية وجوب الجميع، لكن أدلة الاستحباب ظهرت على أدلة الوجوب، فقضى بها ~~حسبما بيناه في شرح الحديث. ### | [مسألة خطبة الجمعة] # المسألة الثامنة قوله تعالى: {إلى ذكر الله} [الجمعة: 9]: اختلف الناس ~~فيه، فمنهم من قال: إنه الخطبة؛ قاله سعيد بن جبير. ومنهم من قال: إنه ~~الصلاة. والصحيح أنه [واجب] الجميع أوله الخطبة، فإنها تكون عقب النداء؛ ~~وهذا يدل على وجوب الخطبة، وبه قال علماؤنا، إلا عبد الملك بن الماجشون ~~فإنه رآها سنة. # والدليل على وجوبها أنها تحرم البيع، ولولا وجوبها ما حرمته؛ لأن المستحب ~~لا يحرم المباح. وإذا قلنا: إن المراد بالذكر الصلاة فالخطبة من الصلاة، ~~والعبد يكون ذاكرا لله [بفعله] كما يكون مسبحا لله بفعله. ### | [مسألة البيع وقت النداء للجمعة] # المسألة التاسعة قوله تعالى: {وذروا البيع} [الجمعة: 9]: وهذا مجمع على ~~العمل به، ولا خلاف في تحريم البيع. واختلف العلماء إذا وقع؛ ففي المدونة ~~يفسخ. # وقال المغيرة: يفسخ ما لم يفت. وقاله ابن القاسم في الواضحة، وأشهب، وقال ~~في المجموعة: البيع ماض. # وقال ابن الماجشون: يفسخ بيع من جرت عادته به. # PageV04P249 # وقال الشافعي: لا يفسخ بكل حال. وأبو حنيفة يقول بالفسخ في تفصيل قريب من ~~المالكية. # وقد بينا توجيه ذلك في الفقه، وحققنا أن الصحيح فسخه بكل حال؛ لقوله - ~~عليه السلام - في الصحيح: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ms1566 رد.» المسألة ~~العاشرة فإن كان نكاحا فقال ابن القاسم في العتبية: لا يفسخ. قال علماؤنا: ~~لأنه نادر، ويقرب هذا من قول ابن الماجشون: يفسخ بيع من جرت عادته بالبيع. ~~وقالوا: إن الشركة والهبة والصدقة نادر لا يفسخ. # والصحيح فسخ الجميع؛ لأن البيع إنما منع للاشتغال به، فكل أمر يشغل عن ~~الجمعة من العقود كلها فهو حرام شرعا مفسوخ ردعا. ### | [مسألة هل تفتقر إقامة الجمعة إلى سلطان] # المسألة الحادية عشرة لا تفتقر إقامة الجمعة إلى السلطان، خلافا لأبي ~~حنيفة، وإنما تفتقر إلى الإمام، وعليه تدل الآية لا على السلطان. وقد بينا ~~ذلك في مسائل الخلاف. ### | [مسألة الجمعة على القريب الذي يسمع النداء] # المسألة الثانية عشرة قوله تعالى: {إذا نودي للصلاة} [الجمعة: 9] يختص ~~بوجوب الجمعة على القريب الذي يسمع النداء؛ فأما البعيد الدار الذي لا يسمع ~~النداء فلا يدخل تحت الخطاب. # واختلف الناس فيمن يأتي الجمعة من الداني والقاصي اختلافا متباينا بيناه ~~في المسائل وغيرها من الخلافيات. # وجملة القول فيه أن المحققين من علمائنا قالوا: إن الجمعة تلزم من كان ~~على ثلاثة أميال من المدينة، لوجهين: # PageV04P250 # أحدهما أن أهل العوالي كانوا يأتونها على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- وحكمته أن الصوت إذا كان رفيعا والناس في هدوء وسكون فأقصى سماع الصوت ~~ثلاثة أميال؛ وهذا نظر وملاحظة إلى قوله تعالى: {نودي} [الجمعة: 9]؛ وهو ~~الصحيح. # فإن قيل: فإن العبد والمرأة يسمعان النداء، وقد قلتم لا تجب الجمعة ~~عليهما. # قلنا: أما المرأة فلا يلزمها خطاب الجمعة؛ لأنها ليست من أهل الجماعة؛ ~~ولهذا لا تدخل في خطابها. وأما العبد ففي صحيح المذهب لا تجب عليه؛ لأن نقص ~~الرق أثر بصفته حتى لم تقبل شهادته، ولا يلزم عليه الفاسق؛ لأن نقصه في ~~فعله، وهذا نقصه في ذاته؛ فأشبه نقص المرأة ومن النكت البديعة في سقوط ~~الجمعة عن العبد قوله تعالى: {وذروا البيع} [الجمعة: 9]؛ فإنما خاطب الله ~~بالجمعة من يبيع، والعبد والصبي لا يبيعان؛ فإن العبد تحت حجر السيد، ~~والصبي تحت حجر الصغر. ### | [مسألة هل الجمعة لا ms1567 تجب إلا بالنداء] # المسألة الثالثة عشرة قوله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا ~~إلى ذكر الله} [الجمعة: 9] دليل على أن الجمعة لا تجب إلا بالنداء، والنداء ~~لا يكون إلا بعد دخول الوقت. # وقد روي عن أبي بكر الصديق وأحمد بن حنبل أنها تصلى قبل الزوال؛ وتعلق في ~~ذلك بحديث سلمة بن الأكوع: «كنا نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم ~~ننصرف، وليس للحيطان ظل.» وبحديث ابن عمر: «ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد ~~الجمعة.» وقد كان عمر بن الخطاب لا يخرج إلى الجمعة حتى يغشى ظل الجدار ~~الغربي طنفسة عقيل بن أبي طالب التي كانت تطرح له عند الجدار، وذلك بعد ~~الزوال. وحديث سلمة محمول على التبكير # PageV04P251 # بالجمعة، وحديث ابن عمر دليل على أنهم كانوا يبكرون إلى الجمعة تبكيرا ~~كثيرا عند الغداة وقبلها فلا يتناولون ذلك إلا بعد انقضاء الصلاة. # وقد رأى مالك أن التبكير إلى الجمعة إنما يكون وقت الزوال بيسير. وتأول ~~قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب ~~بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة ~~الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن» الحديث أنه كله في ساعة واحدة وحمله سائر ~~العلماء على ساعات النهار الزمانية الاثنتي عشرة ساعة المستوية أو المختلفة ~~بحسب زيادات النهار ونقصانه. وهو أصح؛ لحديث ابن عمر: «ما كانوا يقيلون ولا ~~يتغدون إلا بعد الجمعة» يريد لكثرة البكور إليها. ### | [مسألة السعي إلى الجمعة] # المسألة الرابعة عشرة فرض الله سبحانه السعي إلى الجمعة على كل مسلم ردا ~~على من يقول: إنها فرض على الكفاية، لقول الله سبحانه: {إذا نودي للصلاة من ~~يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} [الجمعة: 9] وثبت عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «الرواح إلى الجمعة واجب على كل مسلم.» وفي ~~الحديث: «من ترك الجمعة طبع الله على قلبه بالنفاق.» المسألة الخامسة عشرة ~~أوجب الله السعي إلى الجمعة مطلقا من غير شرط، وثبت شرط الوضوء بالقرآن ms1568 ~~والسنة في جميع الصلوات، لقوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا ~~وجوهكم} [المائدة: 6] الآية، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقبل ~~الله صلاة بغير طهور». # PageV04P252 # وأغربت طائفة بقوله - عليه السلام -: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم». # فقالت: إن غسل الجمعة فرض؛ وهذا باطل؛ لما روى النسائي وأبو داود أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن ~~اغتسل فالغسل أفضل.» وهذا نص. # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~«من توضأ يوم الجمعة فأحسن الوضوء، ثم راح إلى المسجد فأنصت ولم يلغ غفر ~~له». وهذا نص آخر. # وفي الموطأ أن رجلا دخل يوم الجمعة المسجد والإمام عمر يخطب الحديث إلى ~~أن قال: ما زدت على أن توضأت. فقال عمر: والوضوء أيضا، وقد علمت «أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأمر بالغسل». فأمر عمر بالغسل، ولم يأمره ~~بالرجوع إليه، فدل على أنه محمول على الاستحباب، فلم يمكن، وقد تلبس بالفرض ~~وهو الحضور والإنصات للخطبة أن يرجع عنه إلى السنة، وذلك بمحضر فحول ~~الصحابة وكبار المهاجرين حوالي عمر، وفي مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-. ### | [مسألة الجمعة كونها في يوم عيد] # المسألة السادسة عشرة لا يسقط الجمعة كونها في يوم عيد، خلافا لأحمد بن ~~حنبل حين قال: إذا اجتمع عيد وجمعة سقط فرض الجمعة؛ لتقدم العيد عليها، ~~واشتغال الناس به عنها. # وتعلق في ذلك بما روي أن عثمان أذن في يوم العيد لأهل العوالي أن يتخلفوا ~~عن الجمعة، وقول الواحد من الصحابة ليس بحجة إذا خولف فيه ولم يجمع معه ~~عليه. والأمر بالسعي متوجه يوم العيد كتوجهه في سائر الأيام. # PageV04P253 ### | [الآية الثانية قوله تعالى وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما] # قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين} [الجمعة: ~~11] فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى في سبب نزولها: وفي ذلك ثلاث روايات: ~~الأولى ثبت في الصحيح: «كان رسول الله - صلى الله ms1569 عليه وسلم - في صلاة ~~الجمعة، فدخلت عير إلى المدينة، فالتفتوا، فخرجوا إليها حتى لم يبق مع ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - غير اثني عشر رجلا، فنزلت: {وإذا رأوا تجارة ~~أو لهوا} [الجمعة: 11] الآية كلها». # الثانية روى محمد بن علي: «كان الناس قريبا من السوق، فرأوا التجارة، ~~فخرجوا إليها، وتركوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب قائما، وكانت ~~الأنصار إذا كانت لهم عرس يمرون بالكير يضربون به، فخرج إليه ناس، فغضب ~~الله لرسوله». # الثالث من حديث مجاهد: «نزلت مع دحية الكلبي تجارة بأحجار الزيت فضربوا ~~طبلهم، يعرفون بإقبالهم، فخرج إليهم الناس بمثله فعاتبهم الله ونزلت الآية، ~~وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: لو تفرق جمعهم لسال الوادي عليهم ~~نارا». ### | [مسألة الإمام يخطب قائما] # المسألة الثانية في هذه الآية دليل على أن الإمام إنما يخطب قائما، كذلك ~~كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل وأبو بكر وعمر. وخطب عثمان قائما ~~حتى رق فخطب قاعدا. # ويروى أن أول من خطب قاعدا معاوية، ودخل كعب بن عجرة المسجد وعبد الرحمن ~~بن الحكم يخطب قاعدا، فقال: انظروا إلى هذا الخبيث يخطب قاعدا والله تعالى ~~يقول: {وتركوك قائما} [الجمعة: 11] إشارة إلى أن فعل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في القربات على الوجوب، ولكن في بيان المجمل الواجب لا خلاف فيه، ~~وفي الإطلاق مختلف فيه. # PageV04P254 # وقد قيل: إن معاوية إنما خطب قاعدا لسنه، وقد كان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يخطب قائما ثم يقعد ثم يقوم ولا يتكلم في قعدته رواه جابر بن سمرة، ~~ورواه ابن عمر في كتاب البخاري وغيره. المسألة الثالثة قال كثير من ~~علمائنا: إن هذا القول يوجب الخطبة؛ لأن الله تعالى ذمهم على تركها، ~~والواجب هو الذي يذم تاركه شرعا حسبما بيناه في أصول الفقه. وقال ابن ~~الماجشون: إنها سنة. والصحيح ما قدمناه. والله أعلم. # PageV04P255 ### | [سورة المنافقون فيها ثلاث آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك ms1570 لرسول الله # والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} [المنافقون: 1]. # فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى الشهادة تكون بالقلب؛ وتكون باللسان، ~~وتكون بالجوارح؛ فأما شهادة القلب فهو الاعتقاد [أو العلم] على رأي قوم، ~~والعلم على رأي آخرين. والصحيح عندي أنه الاعتقاد [والعلم] كما بينا في ~~أصول الفقه والدين. # وأما شهادة اللسان فبالكلام، وهو الركن الظاهر من أركانها، وعليه تبنى ~~الأحكام، وتترتب الأعذار والاعتصام. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله؛ فإذا قالوها عصموا مني ~~دماءهم وأموالهم إلا بحقها؛ وحسابهم على الله.» # PageV04P256 # المسألة الثانية قوله تعالى: {والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن ~~المنافقين لكاذبون} [المنافقون: 1]. # إن البارئ سبحانه وتعالى علم وشهد؛ فهذا علمه. وشهادته قوله تعالى: {شهد ~~الله أنه لا إله إلا هو} [آل عمران: 18] وأمثاله. # وقد يقال: شهادة الله على ما كان من الشهادات في ذات الله، يقال: والله ~~يشهد إن المنافقين لكاذبون في قولهم بألسنتهم ما لا يعتقدونه في قلوبهم، ~~فخدعوا وغروا، والله خادعهم وماكر بهم، وهو خير الماكرين. ### | [مسالة الرجل إذا قال في يمينه أشهد بالله هل يكون يمينا] # المسألة الثالثة قال بعض الشافعية: إن قول الشافعي: إن الرجل إذا قال في ~~يمينه أشهد بالله يكون يمينا بنية اليمين. # ورأى أبو حنيفة ومالك أنه دون النية [يمين]، فليس الأمر كما زعم الشافعي ~~أنها تكون يمينا بالنية، ولا أرى المسألة إلا هكذا في أصلها، وإنما غلط هذا ~~العالم أو غلط في النقل. # وقد قال مالك: إذا قال [الرجل] أشهد: إنه يمين إذا أراد بالله. ### | [الآية الثانية قوله تعالى اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله] # إنهم ساء ما كانوا يعملون} [المنافقون: 2]. # فيها مسألتان: المسألة الأولى قوله تعالى: {اتخذوا أيمانهم جنة} ~~[المنافقون: 2] ليس يرجع إلى قوله: {نشهد إنك لرسول الله} [المنافقون: 1] ~~وإنما يرجع إلى سبب الآية الذي # PageV04P257 # نزلت عليه، وهو ما روي في الصحيح بألفاظ مختلفة، منها عن أبي إسحاق عن ~~زيد بن أرقم قال: «كنت في غزاة فسمعت ms1571 عبد الله بن أبي يقول: لا تنفقوا على ~~من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز ~~منها الأذل، فذكرت ذلك لعمي، فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فدعاني فجئته، فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى عبد الله بن أبي ~~وأصحابه. فحلفوا ما قالوا؛ فكذبني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصدقه، ~~فأصابني هم لم يصبني مثله فجلست في البيت، فقال عمي: ما أردت إلا إلى أن ~~كذبك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومقتك، فأنزل الله تعالى: {إذا جاءك ~~المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن ~~المنافقين لكاذبون} [المنافقون: 1] فبعث إلي النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: إن الله قد صدقك». # فتبين بهذا أن قوله تعالى: {اتخذوا أيمانهم جنة} [المنافقون: 2] إشارة ~~إلى أن ابن أبي حلف أنه ما قال. وقد قال. وليس ذلك براجع إلى قوله تعالى: ~~{نشهد إنك لرسول الله} [المنافقون: 1] فاعلموه. # المسألة الثانية هذه اليمين كانت غموسا كاذبة من عديم الإيمان؛ فهي موجبة ~~للنار، أما عدم إيمانه فبقوله تعالى: {ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على ~~قلوبهم فهم لا يفقهون} [المنافقون: 3]. # وأما عدم الثواب فيهم ووجوب العقاب لهم فبآيات الوعيد الواردة في الكفار. ~~وقد كثر ذلك في القرآن. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت] # الآية الثالثة قوله تعالى: {وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم ~~الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين} ~~[المنافقون: 10]. فيها مسألتان: # PageV04P258 # المسألة الأولى روى الترمذي وغيره عن ابن عباس أنه قال: من كان له مال ~~يبلغه حج بيت ربه، أو تجب فيه الزكاة فلم يفعل شيئا سأل الرجعة عند الموت. ~~فقال رجل: يا ابن عباس؛ اتق الله؛ إنما سأل الرجعة الكفار. قال: سأتلو عليك ~~بذلك قرآنا: {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر ~~الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون} ms1572 [المنافقون: 9] {وأنفقوا من ما ~~رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب ~~فأصدق وأكن من الصالحين - ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما ~~تعملون} [المنافقون: 10 - 11] قال: فما يوجب الزكاة؟ قال: إذا بلغ المال ~~مائتي درهم فصاعدا. قال: فما يوجب الحج؟ قال: الزاد والبعير. # المسألة الثانية أخذ ابن عباس بعموم الآية في الإنفاق الواجب خاصة دون ~~النفل. # وهو الصحيح؛ لأن الوعيد إنما يتعلق بالواجب دون النفل. # وأما تفسيره بالزكاة فصحيح كله عموما وتقديرا بالمائتين. # وأما القول في الحج ففيه إشكال؛ لأنا إن قلنا: إن الحج على التراخي ففي ~~المعصية في الموت قبل أدائه خلاف بين العلماء بيناه في أصول الفقه، فلا ~~تخرج الآية عليه. # وإن قلنا: إن الحج على الفور فالآية على العموم صحيح؛ لأن من وجب عليه ~~الحج فلم يؤده لقي من الله ما يود أنه رجع ليأتي بما ترك من العبادات. # وأما تقدير الأمر بالزاد والراحلة ففي ذلك خلاف بين العلماء، وليس لكلام ~~ابن عباس فيه مدخل، لأجل أن الرجعة والوعيد لا يدخل في المسائل المجتهد ~~فيها والمختلف عليها؛ وإنما يدخل في المتفق عليه. # والصحيح تناوله للواجب من الإنفاق كيف تصرف بالإجماع أو بنص القرآن، لأجل ~~أن ما عدا ذلك لا يتطرق إليه تحقيق الوعيد. # PageV04P259 ### | [سورة التغابن فيها خمس آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى يوم يجمعكم ليوم الجمع] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {يوم يجمعكم ليوم الجمع # ذلك يوم التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات ~~تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم} [التغابن: 9]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى قال علماء التفسير: إن المراد به غبن أهل الجنة أهل النار ~~يوم القيامة. المعنى أن أهل الجنة أخذوا الجنة، وأخذ أهل النار النار على ~~طريق المبادلة، فوقع الغبن، لأجل مبادلتهم الخير بالشر، والجيد بالرديء، ~~والنعيم بالعذاب، على من أخذ الأشد وحصل على الأدنى. # فإن قيل: فأي معاملة وقعت بينهما حتى يقع الغبن فيها؟ قلنا ms1573 وهي: # المسألة الثانية إنما هذا مثل؛ لأن الله سبحانه خلق الخلق منقسمين على ~~دارين: دنيا، وآخرة، وجعل الدنيا دار عمل، وجعل الآخرة دار جزاء على ذلك ~~العمل؛ وهي الدار المطلوبة التي لأجلها خلق الله الخلق؛ ولولا ذلك لكان ~~عبثا، وعنده وقع البيان، بقوله # PageV04P260 # سبحانه: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون} [المؤمنون: ~~115] {فتعالى الله الملك الحق} [المؤمنون: 116] يعني عن ذلك وعن أمثاله مما ~~هو منزه عنه، مقدس منه، وبين سبحانه النجدين، وخلق للقلب المعرفة والحواس ~~سبلا لها، والعقل والشهوة يتنازعان للعلائق، والملك يعضد العقل، والشيطان ~~يحمل الشهوة، والتوفيق قرين الملك، والخذلان قرين الشيطان، والقدر من فوق ~~[ذلك] يحمل العبد إلى ما كتب له من ذلك. # وقد فرق الخلق فريقين # في أصل المقدار وكتبهم بالقلم الأول في اللوح المحفوظ فريقين: فريق ~~للجنة، وفريق للنار، ومنازل الكل موضوعة في الجنة والنار؛ فإن سبق التوفيق ~~حصل العبد من أهل الجنة، وكان في الجنة، وإن سبق الخذلان على العبد الآخر ~~فيكون من أهل النار، فيحصل الموفق على منزل المخذول، ويحصل للمخذول منزل ~~الموفق في النار، فكأنه وقع التبادل، فحصل التغابن. # والأمثال موضوعة للبيان في حكم القرآن واللغة؛ وذلك كله مجموع من نشر ~~الآثار. وقد جاءت متفرقة في هذا الكتاب وغيره. ### | [مسألة الغبن في معاملة الدنيا] # المسألة الثالثة استدل علماؤنا بقوله تعالى: {ذلك يوم التغابن} [التغابن: ~~9] على أنه لا يجوز الغبن في معاملة الدنيا؛ لأن الله تعالى خصص التغابن ~~بيوم القيامة، فقال: {ذلك يوم التغابن} [التغابن: 9]؛ وهذا الاختصاص يفيد ~~أنه لا غبن في الدنيا، فكل من اطلع على غبن في مبيع فإنه مردود إذا زاد على ~~الثلث، واختاره البغداديون، واحتجوا عليه بوجوه؛ منها قوله - صلى الله عليه ~~وسلم - لحبان بن منقذ: «إذا بايعت فقل لا خلابة، ولك الخيار ثلاثا». وهذا ~~فيه نظر طويل بيناه في مسائل الخلاف. نكتته أن الغبن في الدنيا ممنوع ~~بإجماع في حكم الدنيا؛ إذ هو من باب الخداع المحرم شرعا في كل ملة، لكن ~~اليسير منه لا يمكن الاحتراز منه ms1574 لأحد فمضى في البيوع؛ إذ لو حكمنا برده ما ~~نفذ بيع أبدا، لأنه لا يخلو منه، حتى إذا كان كثيرا أمكن الاحتراز منه، ~~فوجب الرد به. # والفرق بين # PageV04P261 # القليل والكثير أصل في الشريعة معلوم، فقدر علماؤنا الثلث لهذا الحد؛ إذ ~~رأوه حدا في الوصية وغيرها. # ويكون معنى الآية على هذا: ذلك يوم التغابن الجائز مطلقا من غير تفصيل، ~~أو ذلك يوم التغابن الذي لا يستدرك أبدا؛ لأن تغابن الدنيا يستدرك بوجهين: ~~إما برد في بعض الأحوال على قول بعض العلماء، وإما بربح في بيع آخر وسلعة ~~أخرى. # فأما من خسر الجنة فلا درك له أبدا. وقد قال بعض علماء الصوفية: إن الله ~~كتب الغبن على الخلق أجمعين، ولا يلقى أحد ربه إلا مغبونا؛ لأنه لا يمكنه ~~الاستيفاء للعمل حتى يحصل له استيفاء الثواب. وفي الأثر قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «لا يلقى الله أحد إلا نادما إن كان مسيئا إذ لم يحسن. ~~وإن كان محسنا إذ لم يزدد». والقول متشعب، والقدر الذي يتعلق منه بالأحكام ~~هذا فاعلموه. ### | [الآية الثانية قوله تعالى ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله] # ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم} [التغابن: 11]. # قال القاضي: أدخل علماؤنا هذه الآية في فنون الأحكام، وقالوا: إن ذلك ~~الرضا بالقضاء والتسليم لما ينفذ من أمر الله، والمقدار الذي يتعلق منه ~~بالأحكام أن الصبر على المصائب لعلم العبد بالمقادير من أعمال القلوب؛ وهذا ~~خارج عن سبل الأحكام، لكن للجوارح في ذلك أعمال [من دمع العين، والقول ~~باللسان، والعمل بالجوارح]، فإذا هدأ القلب جرى اللسان بالحق. وركدت ~~الجوارح عن الخرق، ولو استرسل الدمع لم يضر. قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - مبينا لذلك: «تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، ~~وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون». # PageV04P262 # وقد بينا حكم النياحة، وما يتعلق بها من الأعمال المكروهة فيما تقدم، فلا ~~وجه لإعادتها. . ### | [الآية الثالثة قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم] # وإن ms1575 تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم} [التغابن: 14]. # الآية فيها ست مسائل: المسألة الأولى قد بينا العداوة ومقابلتها الولاية ~~في كتاب الأمد الأقصى وغيره # وحققنا أن الولاية هي القرب، وأن العداوة هي البعد، وأوضحنا أن القرب ~~والبعد يكونان حقيقة بالمسافة؛ وذلك محال في حق الإله، ويكونان بالمودة ~~والمنزلة؛ وذلك جائز في حق الإله، وكلا الوجهين يجوز على الخلق. # والمراد بالعداوة هاهنا بعد المودة والمنزلة؛ فإن الزوجة قريب، والولد ~~قريب، بحكم المخالطة، والصحبة، ولكنهما قد يقربان بالألفة الحسنة والعشرة ~~الجميلة، فيكونان وليين، وقد يبعدان بالنفرة والفعل القبيح، فيكونان عدوين، ~~وعن هذا أخبر الله سبحانه، ومنه حذر، وبه أنذر. # المسألة الثانية ثبت عن ابن عباس من طريق الترمذي وغيره أنه سأله رجل عن ~~هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ~~فاحذروهم} [التغابن: 14] قال: هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة، وأرادوا أن ~~يأتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم أن ~~يأتوا النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فلما أتوا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ورأوا الناس فقهوا في الدين هموا أن يعاقبوهم؛ فأنزل الله عز وجل: ~~{يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم} [التغابن: ~~14]. # PageV04P263 # المسألة الثالثة هذا يبين وجه العداوة؛ فإن العدو لم يكن عدوا لذاته، ~~وإنما كان عدوا لفعله، فإذا فعل الزوج والولد فعل العدو كان عدوا، ولا فعل ~~أقبح من الحيلولة بين العبد وبين الطاعة. # وفي صحيح مسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الشيطان قعد ~~لابن آدم في طريق الإيمان. فقال له: أتؤمن وتذر دينك ودين آبائك، فخالفه ~~فآمن. ثم قعد له على طريق الهجرة، فقال له: أتهاجر وتترك أهلك ومالك؛ ~~فخالفه فهاجر؛ فقعد له في طريق الجهاد، فقال: أتجاهد فتقتل نفسك وتنكح ~~نساؤك، ويقسم مالك، فخالفه فجاهد فقتل، فحق على الله أن يدخله الجنة». # وقعود الشيطان يكون بوجهين: # أحدهما يكون بالوسوسة. # والثاني: بأن يحمل على ما يريد من ذلك الزوج والولد والصاحب. قال ms1576 الله ~~سبحانه: {وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم} [فصلت: ~~25]. في حكمة عيسى - عليه السلام -: من اتخذ أهلا ومالا وولدا كان للدنيا ~~عبدا. # وفي صحيح الحديث بيان أدنى من ذلك حال العبد؛ قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد ~~القطيفة، تعس فانتكس، وإذا شيك فلا انتفش»، ولا دناءة أعظم من عبادة ~~الدينار والدرهم، ولا همة أخس من همة ترتفع بثوب جديد. # المسألة الرابعة كما أن الرجل يكون له ولده وزوجه عدوا كذلك المرأة يكون ~~لها ولدها وزوجها عدوا بهذا المعنى بعينه. # PageV04P264 # وعموم قوله: {من أزواجكم} [التغابن: 14] يدخل فيه الذكر والأنثى كدخولهما ~~في كل آية. ### | [مسألة معنى قوله تعالى فاحذروهم] # المسألة الخامسة قوله: {فاحذروهم} [التغابن: 14]؛ معناه على أنفسكم. # والحذر على النفس يكون بوجهين: إما لضرر في البدن، وإما لضرر في الدين. ~~وضرر البدن يتعلق بالدنيا، وضرر الدين يتعلق بالآخرة. فحذر الله العبد من ~~ذلك وأنذره به. ### | [مسألة تفسير قوله تعالى وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا] # المسألة السادسة قوله: {وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم} ~~[التغابن: 14]: قال علماء التفسير: المراد بذلك أن قوما من أهل مكة أسلموا ~~ومنعهم أزواجهم وأولادهم من الهجرة، فمنهم من قال: لئن رجعت لأقتلنهم، ~~ومنهم من قال: لئن رجعت لا ينالون مني خيرا أبدا، فأنزل الله الآية إلى ~~قوله: {وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم} [التغابن: 14]. ### | [الآية الرابعة قوله تعالى إنما أموالكم وأولادكم فتنة] # والله عنده أجر عظيم} [التغابن: 15]. # فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى روى الترمذي وغيره واللفظ للترمذي قال: ~~«كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطبنا إذ جاء الحسن والحسين - رضي الله ~~عنهما -، عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه، ثم قال: صدق الله، إنما ~~أموالكم # PageV04P265 # وأولادكم فتنة، نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت ~~حديثي ورفعتهما». # المسألة الثانية الفتنة ما بيناها فيما تقدم، وهي الابتلاء، فالمعنى ms1577 أن ~~الله ابتلى العبد بالمال والأهل لينظر أيطيعه أم يعصيه، حسبما ثبت في علمه ~~وتقدم في حكمه؛ فإن مال العبد إليهما خسر، وإن صبر على العزوف عنهما، وأناب ~~إلى إيثار جانب الطاعة عليهما فالله عنده أجر عظيم، وهي الجنة بعينها التي ~~أخبر الله بقوله: {أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر ~~عظيم} [الحجرات: 3] وقد قال الشاعر: # وقد فتن الناس في دينهم ... وخلى ابن عفان شرا طويلا ### | [مسألة قوله تعالى والله عنده أجر عظيم] # المسألة الثالثة قوله: {والله عنده أجر عظيم} [التغابن: 15] يعني الجنة؛ ~~فهي الغاية، ولا أجر أعظم منها في قول المفسرين. # وعندي ما هو أعظم منها، وهو ما ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال واللفظ للبخاري عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: «إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة، فيقولون: ~~لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى؟ وقد أعطيتنا ~~ما لم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ قالوا: يا ربنا، ~~وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا.» # ولا شك في أن الرضا غاية الآمال، وقد أنشد بعض الصوفية في تحقيق ذلك: ~~امتحن الله به خلقه فالنار والجنة في قبضته فهجره أعظم من ناره ووصله أطيب ~~من جنته. ### | [الآية الخامسة قوله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم] # واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون} [التغابن: 16]. # PageV04P266 # فيها ثمان مسائل: المسألة الأولى في التقوى: قد بينا حقيقة التقوى فيما ~~تقدم، فلا وجه لإعادته. المسألة الثانية روى زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال ~~في قول الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن ~~إلا وأنتم مسلمون} [آل عمران: 102]: يقول مطيعين قال: فلم يدر أحد ما حق ~~تقاته من عظم حقه تبارك وتعالى. ولو اجتمع أهل السموات والأرض على أن ~~يبلغوا حق تقاته ما بلغوا. ms1578 قال: فأراد الله أن يعلم خلقه قدرته. ثم نسخها ~~وهون على خلقه بقوله تبارك وتعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: ~~16]، فلم يدع لهم مقالا. فلو قلت لرجل: اتق الله حق تقاته رأى أنك كلفته ~~شططا من أمره. فإذا قلت: اتق الله ما استطعت رأى أنك لم تكلفه شططا، وهي ~~قوله: {وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار} [إبراهيم: ~~34]. نسختها الآية التي في النحل: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله ~~لغفور رحيم} [النحل: 18]. المسألة الثالثة ثبت عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في الصحيح أنه قال: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا ~~نهيتكم عن شيء فاجتنبوه». # وقد ذكرناه في مواضع، وها هنا، فيما تقدم وبينا حكمة ربط الأمر ~~بالاستطاعة، وإطلاق النهي على الجملة، وها هنا قد قرن النهي بالاستطاعة ~~أيضا، فقال: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16]. وعموم التقوى يتعلق ~~بالأمر والنهي، ومن النهي ما يقف على الاستطاعة، وهو إذا # تعلق بأمر مفعول. وقد حققناه في شرح الحديث وأصول الفقه. # PageV04P267 # المسألة الرابعة إن جماعة من المفسرين رووا أن هذه الآية: {اتقوا الله حق ~~تقاته} [آل عمران: 102] لما نزلت قام قوم حتى تورمت أقدامهم، وتقرحت ~~جباههم، فأنزل الله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16] فنسخ ~~ذلك، وقد بيناه فيما تقدم وفي القسم الثاني من علوم القرآن، وهو قسم الناسخ ~~والمنسوخ. ### | [مسألة قوله تعالى واسمعوا وأطيعوا] # المسألة الخامسة قوله: {واسمعوا وأطيعوا} [التغابن: 16]: فيه قولان: ~~أحدهما اصغوا إلى ما ينزل عليكم من كتاب الله، وهو الأصل في السماع. الثاني ~~أن معناه اقبلوا ما تسمعون، وعبر عنه بالسماع؛ لأنه فائدته على أحد قسمي ~~المجاز الذي بيناه في غير موضع. المسألة السادسة قوله: {أطيعوا} [آل عمران: ~~32] وقد تقدم بيان الطاعة، وأنها الانقياد. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وأنفقوا] # المسألة السابعة {وأنفقوا} [التغابن: 16]: قيل: هو الزكاة. وقيل: هو ~~النفقة في النفل، وقيل: نفقة الرجل على نفسه. وإنما أوقع قائل ذلك فيه ~~قوله: {لأنفسكم} [التغابن: 16] وخفي عليه أن نفقة الفرض والنفل على الصدقة ms1579 ~~هي نفقة الرجل على نفسه قال الله تعالى: {إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن ~~أسأتم فلها} [الإسراء: 7]؛ وكل ما يفعله الرجل من خير فلنفسه. # والصحيح أنها عامة؛ روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «قال له ~~رجل: عندي دينار. قال: أنفقه على نفسك. قال: عندي آخر. قال: أنفقه على ~~عيالك. قال: عندي آخر. قال: أنفقه على ولدك. قال: عندي آخر. قال: تصدق به». ~~فبدأ بالنفس والأهل والولد، وجعل الصدقة بعد ذلك؛ وهو الأصل في الشرع. # المسألة الثامنة قوله تعالى: {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} ~~[التغابن: 16]: تقدم بيانه في سورة الحشر # PageV04P268 ### | [سورة الطلاق فيها خمس آيات] ### | [الآية الأولى قوله تعالى يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن] # الآية الأولى قوله تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن ~~لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا ~~أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا ~~تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} [الطلاق: 1] # فيها ست عشرة مسألة: المسألة الأولى في سبب نزولها: وفيه قولان: أحدهما ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طلق حفصة، فلما أتت أهلها أنزل الله ~~الآية. وقيل له: راجعها فإنها صوامة قوامة، وهي من أزواجك في الجنة. ~~الثاني: أنها نزلت في عبد الله بن عمر أو عبد الله بن عمرو، وعيينة بن ~~عمرو، وطفيل بن الحارث، وعمرو بن سعيد بن العاص. وهذا كله وإن لم يكن صحيحا ~~فالقول الأول أمثل. والأصح فيه أنها بيان لشرع مبتدإ. ### | [مسألة قوله تعالى يأيها النبي] # المسألة الثانية قوله تعالى: {يا أيها النبي} [الطلاق: 1]: فيه قولان: ~~أحدهما أنه خطاب للنبي - عليه السلام - بلفظ الإفراد على الحقيقة له، ~~وقوله: {طلقتم} [الطلاق: 1] خبر عنه على جهة التعظيم بلفظ الجمع. # PageV04P269 # الثاني: أنه خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمراد به أمته، وغاير ~~بين اللفظين من حاضر وغائب [وذلك] لغة فصيحة. كما قال: {حتى إذا كنتم في ~~الفلك وجرين بهم بريح طيبة} [يونس: 22]: # تقديره ms1580 يأيها النبي قل لهم إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن. وهذا هو ~~قولهم: إن الخطاب له وحده لفظا، والمعنى له وللمؤمنين. وإذا أراد الله ~~الخطاب للمؤمنين لاطفه بقوله: يأيها النبي. وإذا كان الخطاب باللفظ والمعنى ~~جميعا له قال: يأيها الرسول. # وقيل: المراد به نداء النبي - صلى الله عليه وسلم - تعظيما، ثم ابتدأ ~~فقال: {إذا طلقتم النساء} [الطلاق: 1] كقوله: {يا أيها الذين آمنوا إنما ~~الخمر والميسر والأنصاب والأزلام} [المائدة: 90]؛ فذكر المؤمنين على معنى ~~تقدمتهم وتكرمتهم، ثم افتتح فقال: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام} ~~[المائدة: 90] الآية. # قال القاضي: الصحيح أن معناها: يأيها النبي إذا طلقت أنت والمخبرون الذين ~~أخبرتهم بذلك النساء فليكن طلاقهن كذا؛ وساغ هذا لما كان النبي يقضي منبأ. ~~وهذا كثير في اللغة صحيح فيها. ### | [مسألة قوله تعالى لعدتهن] # المسألة الثالثة قوله تعالى: {لعدتهن} [الطلاق: 1] يقتضي أنهن اللاتي دخل ~~بهن من الأزواج؛ لأن غير المدخول بهن خرجن بقوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا ~~نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة ~~تعتدونها} [الأحزاب: 49]. # المسألة الرابعة قوله: {لعدتهن} [الطلاق: 1]. قيل: المعنى في عدتهن، ~~واللام تأتي بمعنى في؛ قال الله تعالى: {يا ليتني قدمت لحياتي} [الفجر: 24] ~~أي في حياتي. وهذا فاسد حسبما بيناه في رسالة الملجئة. وإنما المعنى فيه: ~~فطلقوهن لعدتهن التي تعتبر. واللام على أصلها، كما تقول: افعل كذا لكذا، ~~ويكون مقصود الطلاق والاعتداد مآله الذي ينتهي إليه، وكذلك قوله تعالى: {يا ~~ليتني قدمت لحياتي} [الفجر: 24] يعني حياة القيامة التي هي الحياة الحقيقية ~~الدائمة. # PageV04P270 ### | [مسألة العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء] # المسألة الخامسة ما هذه العدة؟ فقال مالك والشافعي: هو زمان الطهر. وقال ~~أبو حنيفة: هو زمان الحيض. وقد بينا ذلك في سورة البقرة. # ولما أراد الله تعالى أن يبين أنها الطهر قرأها النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لقبل عدتهن تفسيرا لا قرآنا، رواه ابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، ~~وثبت في الصحيحين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من رواية ابن عمر: «أنه ~~طلق ms1581 امرأته وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فتغيظ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: مره فليراجعها، ثم يمسكها ~~حتى تحيض، ثم تطهر، ثم تحيض فتطهر؛ فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا ~~قبل أن يمسها؛ فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء». # وهذا بالغ قاطع، لأجل هذا قال علماؤنا وهي: ### | [مسألة أقسام الطلاق] # المسألة السادسة أن الطلاق على ضربين: سنة وبدعة، واختلف في تفسيره، فقال ~~علماؤنا: طلاق السنة ما جمع سبعة شروط؛ وهي أن يطلقها واحدة، وهي ممن تحيض، ~~طاهرا لم يمسها في ذلك الطهر، ولا تقدمه طلاق في حيض، ولا تبعه طلاق في طهر ~~يتلوه، وخلا عن العوض؛ وهذه الشروط السبعة مستقرآت من حديث ابن عمر ~~المتقدم، حسبما بيناه في شرح الحديث ومسائل الفقه. # وقال الشافعي: طلاق السنة أن يطلقها في كل طهر طلقة، ولو طلقها ثلاثا في ~~طهر لم يكن بدعة. وقال أبو حنيفة: طلاق السنة أن يطلقها في كل قرء طلقة. ~~يقال ذلك لفقه يتحصل؛ وهو: أن السنة عندنا في الطلاق تعتبر بالزمان والعدد. # وفارق مالك أبا حنيفة بأن مالكا قال: يطلقها واحدة في طهر لم يمسها فيه، ~~ولا يتبعه طلاق في # PageV04P271 # العدة، ولا يكون الطهر تاليا لحيض وقع في الطلاق؛ لقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تحيض، ثم تطهر، ثم تحيض ~~فتطهر؛ فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء». # وقال الشعبي: يجوز أن يطلقها في طهر جامعها فيه. وتعلق الشافعي بظاهر ~~قوله: {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] وهذا عام في كل طلاق، كان واحدة # أو اثنتين. وإنما راعى الله سبحانه الزمان في هذه الآية ولم يعتبر العدد، ~~وهذه غفلة عن الحديث الصحيح فإنه قال فيه: مره فليراجعها، وهذا يدفع ~~الثلاث. # وفي الحديث أنه قال: «أرأيت لو طلقتها ثلاثا؟ قال له: حرمت عليك، وبانت ~~منك بمعصية». # وقال أبو حنيفة: ظاهر الآية يدل على أن الطلاق الثلاث والواحدة سواء. وهو ~~مذهب الشافعي: ولولا قوله بعد ms1582 ذلك: {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} ~~[الطلاق: 1]. وهذا يبطل دخول الثلاث تحت الآية. وكذلك قال أكثر العلماء، ~~وهو نمط بديع لهم. # وأما مالك فلم يخف عليه إطلاق الآية كما قالوا، ولكن الحديث فسرها كما ~~قلنا وبيانه التام في شرح الحديث وكتب المسائل. # وأما قول الشعبي: إنه يجوز طلاق في طهر جامع فيه فيرده حديث ابن عمر بنصه ~~ومعناه، أما نصه فقد قدمناه. وأما معناه فلأنه إذا منع من طلاق الحائض لعدم ~~الاعتداد به فالطهر المجامع فيه أولى بالمنع؛ لأنه يسقط الاعتداد به ~~وبالحيض التالي له. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وأحصوا العدة] # المسألة السابعة قوله: {وأحصوا العدة} [الطلاق: 1]: معناه احفظوها؛ ~~تقديره احفظوا الوقت الذي وقع فيه الطلاق، حتى إذا انفصل المشروط منه وهو ~~الثلاثة قروء في قوله: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} [البقرة: ~~228] حلت للأزواج. # وهذا يدل على أن العدة هي بالأطهار وليست بالحيض. ويؤكده ويفسره قراءة # PageV04P272 # النبي - صلى الله عليه وسلم -: لقبل عدتهن. وقبل الشيء بعضه لغة وحقيقة، ~~بخلاف استقباله فإنه يكون غيره. # المسألة الثامنة من المخاطب بأمر الإحصاء؛ وفيه ثلاثة أقوال: أحدها أنهم ~~الأزواج. # الثاني: أنهم الزوجات. # الثالث: أنهم المسلمون. # والصحيح أن المخاطب بهذا اللفظ الأزواج؛ لأن الضمائر كلها من {طلقتم} ~~[الطلاق: 1] # {وأحصوا} [الطلاق: 1] و {لا تخرجوهن} [الطلاق: 1] على نظام واحد يرجع إلى ~~الأزواج، ولكن الزوجات داخلة فيه بالإلحاق بالزوج؛ لأن الزوج يحصي ليراجع، ~~وينفق أو يقطع، وليسكن أو يخرج، وليلحق نسبه أو يقطع. وهذه كلها أمور ~~مشتركة بينه وبين المرأة، وتنفرد المرأة دونه بغير ذلك. وكذلك الحاكم يفتقر ~~إلى الإحصاء للعدة للفتوى عليها وفصل الخصومة عند المنازعة فيها؛ وهذه ~~فوائد الإحصاء المأمور به. # المسألة التاسعة فيما لا يتم الإحصاء إلا به وهو معرفة أسباب العدة، ~~ومحلها، وأنواعها: فأما أسبابها فأربعة: وهي الطلاق، والفسخ، والوفاة، ~~وانتقال الملك. [والملك] والوفاة مذكوران في القرآن، والفسخ محمول على ~~الطلاق؛ لأنه في معناه، أو هو هو. والاستبراء مذكور في السنة، وليس بعدة؛ ~~لأنه حيضة واحدة، وسميت مدة الاستبراء عدة لأنها ms1583 مدة ذات عدد تعتبر بحل ~~وتحريم. # وأما محلها فهي الحرة والأمة. # وأما أنواعها فهي أربعة: ثلاثة أقراء، كما قال الله تعالى في سورة ~~البقرة، وثلاثة أشهر. ووضع الحمل، كما جاء في هذه السورة. وسنة كما جاء في ~~السنة، فهذه جملتها، # PageV04P273 # وفيها تفاصيل عظيمة باختلاف الأسباب وتعارضها، واختلاف أحوال النساء، ~~والتدخل الطارئ عليها، والعوارض اللاحقة لها، بيانها في مسائل الفقه. ~~ومحصولها اللائق بهذا الفن الذي تصدينا له أربعة أقسام: القسم الأول: ~~المعتادة. # القسم الثاني متأخر حيضها لعذر. # القسم الثالث: الصغيرة. # القسم الرابع الآيسة. # فأما المعتادة فعدتها ثلاثة قروء؛ وتحل إذا طعنت في الحيضة الثالثة؛ لأن ~~الأطهار هي الأقراء، وقد كملت ثلاثة. # وأما من تأخر حيضها لمرض؛ فقال مالك، وابن القاسم، وعبد الله، وأصبغ: ~~تعتد # تسعة أشهر، ثم ثلاثة. وقال أشهب: هي كالمرضع بعد الفطام بالحيض أو ~~بالسنة، وقد طلق حبان بن منقذ امرأته وهي ترضع فمكثت سنة لا تحيض لأجل ~~الرضاع، ثم مرض حبان، فخاف أن ترثه إن مات فخاصمها إلى عثمان، وعنده علي ~~وزيد، فقالا: نرى أن ترثه؛ لأنها ليست من القواعد، ولا من الصغار؛ فمات ~~حبان، فورثته، واعتدت عدة الوفاة. # ولو تأخر الحيض لغير مرض ولا رضاع فإنها تنتظر سنة لا حيض فيها: تسعة ~~أشهر ثم ثلاثة؛ فتحل ما لم ترتب بحمل، فإن ارتابت بحمل أقامت أربعة أعوام ~~أو خمسة أوسبعة على اختلاف الروايات عن علمائنا. ومشهورها خمسة أعوام؛ فإن ~~تجاوزتها حلت. # وقال أشهب: لا تحل أبدا حتى تنقطع عنها الريبة؛ وهو الصحيح؛ لأنه إذا جاز ~~أن يبقى الولد في بطنها خمسة أعوام جاز أن يبقى عشرة وأكثر من ذلك. وقد روي ~~عن مالك مثله. # وأما التي جهل حيضها بالاستحاضة ففيها ثلاثة أقوال: الأول: قال ابن ~~المسيب: تعتد سنة؛ وهو مشهور قول علمائنا. # وقال ابن القاسم: تعتد ثلاثة أشهر بعد تسعة. # PageV04P274 # وقال الشافعي في أحد أقواله: عدتها ثلاثة أشهر، وهو قول جماعة من ~~التابعين والمتأخرين من القرويين، وهو الصحيح عندي. # وأما المرتابة فقاسها قوم عليها، والصحيح أنها تبقى أبدا ms1584 حتى تزول ~~الريبة. # وأما الصغيرة فعدتها ثلاثة أشهر كيفما كانت حرة، أو أمة؛ مسلمة، أو ~~كتابية في المشهور عندنا. # وقال ابن الماجشون: إن كانت أمة فعدتها شهر ونصف. وقال آخرون: شهران. # والصحيح أن الحيضة الواحدة تدل على براءة الرحم، والثانية تعبد؛ فلذلك ~~جعلت قرأين على النصف من الحرة على ما تقدم في سورة البقرة، فانظره هنالك ~~مجردا. # وأما الأشهر فإنها دليل على براءة الرحم لأجل تقدير المدة التي يخلق الله ~~فيها الولد، وهذا تستوي فيه الحرة والأمة. ويعارضه أن عدة الوفاة عندهم ~~شهران، وخمس ليال، وأجل الإيلاء شهران، وأجل العنة نصف عام. والأحكام ~~متعارضة. # وأما الآيسة فهي مثلها، وإذا أشكل حال اليائسة كالصغيرة لقرب السنين ~~وغيرهما من الجهتين فإن عدتها ثلاثة أشهر، ولا يعتبر بالدم إلا أن ترتاب مع ~~الأشهر فتذهب بنفسها إلى زوال الريبة. ### | [مسألة هل للمطلقة المعتدة السكنى] # المسألة العاشرة قوله {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن} [الطلاق: 1] جعل ~~الله للمطلقة المعتدة السكنى فرضا واجبا وحقا لازما هو لله سبحانه وتعالى، ~~لا يجوز للزوج أن يمسكه عنها، ولا يجوز لها أن تسقطه عن الزوج، وهذه مسألة ~~عسيرة على أكثر المذاهب. # قال مالك: لكل مطلقة السكنى، كان الطلاق واحدا أو ثلاثا. # وقال قتادة وابن أبي ليلى: لا سكنى إلا للرجعية. [وقال الضحاك: لها أن ~~تترك # PageV04P275 # السكنى، فجعله حقا لها، وظاهر القرآن أن السكنى للمطلقة الرجعية] لقوله ~~تعالى {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} [الطلاق: 1]. وإنما عرفنا ~~وجوبه لغيرها من دليل آخر بيناه في مسائل الخلاف وشرح الحديث، وذكرنا ~~التحقيق فيه. # وأما قول الضحاك فيرده قول الله تعالى: {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن} ~~[الطلاق: 1] وهذا نص المسألة الحادية عشرة قوله: {من بيوتهن} [الطلاق: 1] ~~إضافة إسكان، وليست إضافة تمليك، كقوله تعالى: {واذكرن ما يتلى في بيوتكن ~~من آيات الله والحكمة} [الأحزاب: 34] وقد بينا ذلك في سورة الأحزاب. # وقوله: {لا تخرجوهن} [الطلاق: 1] يقتضي أن يكون حقا على الأزواج، ويقتضي ~~قوله: {ولا يخرجن} [الطلاق: 1] أنه حق على الزوجات. المسألة الثانية ms1585 عشرة ~~ذكر الله الإخراج والخروج عاما مطلقا، ولكن روى مسلم عن جابر أن «النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أذن لخالته في الخروج في جذاذ نخلها». # وفي صحيح البخاري ومسلم معا، «قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة ~~بنت قيس وكان زوجها طلقها آخر ثلاث تطليقات: لا نفقة لك ولا سكنى». # وقالت عائشة: لا خير لها في ذكر هذا الحديث. # وفي مسلم: «قالت فاطمة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أخاف أن يقتحم ~~علي قال: اخرجي». # وفي البخاري عن عائشة: كان في مكان وحش، فخيف عليها. وقال مروان: حيث عيب ~~عليه نقل بنت عبد الرحمن بن الحكم حين طلقها يحيى بن سعيد بن العاص. وذكر ~~حديث فاطمة إن كان بك الشر فحسبك ما بين هذين من الشر. # PageV04P276 # وثبت في الصحيح أن عمر قال في حديث فاطمة بنت قيس: لا ندع كتاب الله ولا ~~سنة نبينا لقول امرأة لا تدري أحفظت أم نسيت. فأنكر عمر وعائشة حديث فاطمة ~~بنت قيس؛ لكن عمر رده بعموم القرآن، وردته عائشة بعلة توحش مكانها، وقد ~~قيل: إنه لم يخصص عموم القرآن بخبر الواحد، وقد بينا ذلك في أصول الفقه. # وفي الصحيح أن فاطمة بنت قيس قالت: بيني وبينكم كتاب الله قال الله ~~تعالى: {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} [الطلاق: 1]؛ فأي أمر يحدث ~~بعد الثلاث. فتبين أن الآية في تحريم الإخراج والخروج إنما هو في الرجعية، ~~وصدقت. وهكذا هو في الآية الأولى، ولكن ذلك في المبتوتة ثبت من الآية ~~الأخرى؛ وهو قوله تعالى: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} [الطلاق: 6] ~~حسبما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. # وجاء من هذا أن لزوم البيت للمعتدة شرع لازم، وأن الخروج للحدث والبذاء ~~والحاجة إلى المعاش وخوف العورة من السكن جائز بالسنة. والله أعلم. المسألة ~~الثالثة عشرة في صفة الخروج: أما الخروج لخوف البذاء والتوحش والحاجة إلى ~~المعاش؛ فيكون انتقالا محضا. # وأما الخروج للتصرف للحاجات فيكون بالنهار دون الليل؛ إذ لا سبيل لها إلى ~~البيت عن منزلها، ms1586 وإنما تخرج بالإسفار وترجع قبل الإغطاش وتمكن فحمة الليل؛ ~~قال مالك: ولا تفعل ذلك دائما. وإنما أذن لها فيه إن احتاجت إليه، إنما ~~يكون خروجها، في العدة # كخروجها في النكاح؛ لأن العدة فرع النكاح، لكن النكاح يقف الخروج فيه على ~~إذن الزوج، ويقف في العدة على إذن الله؛ وإذن الله إنما هو بقدر العذر ~~الموجب له بحسب الحاجة إليه. # المسألة الرابعة عشرة لما قال الله تعالى: {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا ~~يخرجن} [الطلاق: 1] وكان هذا في المطلقة الرجعية كما بينا كانت السكنى حقا ~~عليهن لله، وكانت النفقة حقا على # PageV04P277 # الأزواج، فسقطت بتركهن وكان ذلك دليلا على أن النفقة من أحكام الرجعة، ~~والسكنى من حقوق العدة. ### | [مسألة معنى قوله تعالى إلا أن يأتين بفاحشة] # المسألة الخامسة عشرة قوله: {إلا أن يأتين بفاحشة} [الطلاق: 1]: اختلف ~~الناس في ذلك على أربعة أقوال: الأول: أنه الزنا. # الثاني: أنه البذاء؛ قاله ابن عباس وغيره. # الثالث: أنه كل معصية. واختاره الطبري. # الرابع: أنه الخروج من البيت؛ واختاره ابن عمر. # فأما من قال: إنه الخروج للزنا فلا وجه له؛ لأن ذلك الخروج هو خروج القتل ~~والإعدام، وليس ذلك بمستثنى في حلال ولا حرام. # وأما من قال: إنه البذاء فهو معتبر في حديث فاطمة بنت قيس. # وأما من قال: إنه كل معصية فوهم؛ لأن الغيبة ونحوها من المعاصي لا تبيح ~~الإخراج ولا الخروج. # وأما من قال: إنه الخروج بغير حق فهو صحيح. وتقدير الكلام: لا تخرجوهن من ~~بيوتهن ولا يخرجن شرعا إلا أن يخرجن تعديا. # وتحقيق القول في الآية أن الله تعالى أوجب السكنى، وحرم الخروج والإخراج ~~تحريما # عاما، وقد ثبت في الحديث الصحيح ما بيناه، ورتبنا عليه إيضاح الخروج ~~الممنوع من الجائز. والله أعلم. ### | [مسألة التحريض على طلاق الواحدة والنهي عن الثلاث] # المسألة السادسة عشرة قوله: {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} ~~[الطلاق: 1]: قال جميع المفسرين: أراد بالأمر هاهنا الرغبة في الرجعة، ~~ومعنى القول: التحريض على طلاق الواحدة، والنهي عن الثلاث؛ فإنه إذا طلق ~~ثلاثا ms1587 أضر بنفسه عند الندم على الفراق، والرغبة في الارتجاع، ولا يجد عند ~~إرادة الرجعة سبيلا. وكما أن # PageV04P278 # قوله: {فطلقوهن لعدتهن} [الطلاق: 1] فيه الأمر بالطلاق في طهر لم يجامع ~~[فيه لئلا يضر بالمرأة في تطويل العدة، فكذلك قوله: {لعل الله يحدث بعد ذلك ~~أمرا} [الطلاق: 1] فيه] النهي عن طلاق الثلاث، لئلا تفوت الرجعة عندما يحدث ~~له من الرغبة. ### | [الآية الثانية قوله تعالى فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف] # أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله} [الطلاق: ~~2]: فيها ثلاث عشرة مسألة: المسألة الأولى قوله: {فإذا بلغن أجلهن} ~~[الطلاق: 2] يعني قاربن بلوغ أجلهن يعني الأجل المقدر في انقضاء العدة. ~~والعبارة عن مقاربة البلوغ [بالبلوغ] سائغ لغة ومعلوم شرعا. # ومنه ما ثبت في الصحيح أن ابن أم مكتوم كان لا ينادي حتى يقال له أصبحت ~~يعني قاربت الصبح، ولو كان لا ينادي حتى يرى [وكيله] الصبح عليه، ثم يعلمه ~~هو، فيرقى على السطح بعد ذلك يؤذن لكان الناس يأكلون جزءا من النهار بعد ~~طلوع الفجر، فدل على أنه إنما كان يقال له: أصبحت أي قاربت، فينادي فيمسك ~~الناس عن الأكل في وقت ينعقد لهم فيه الصوم قبل طلوع الفجر، أو معه. وفي ~~معناه قول الشماخ: # وتشكو بعين ما أكل ركابها ... وقيل المنادي أصبح القوم أدلج # يعني قارب القوم الصباح. # المسألة الثانية قوله: {فأمسكوهن} [الطلاق: 2] يعني بالرجعة، أو فارقوهن، ~~وهي: # PageV04P279 # المسألة الثالثة معناه أو اتركوهن على حكم الطلاق الأول؛ فيقع الفراق عند ~~انقضاء العدة بالطلاق الماضي لترك الإمساك بالرجعة؛ إذ قد وقع الفراق به؛ ~~وإنما له الاستدراك بالتمسك بالتصريح بالرجعة المناقض للتصريح بالطلاق، ~~وسمي التمادي على حكم الفراق وترك التمسك بالتصريح بالرجعة فراقا مجازا. # المسألة الرابعة قوله: {بمعروف} [الطلاق: 2]: فيه قولان: أحدهما بمعلوم ~~من الإشهاد. # الثاني: القصد إلى الخلاص من النكاح عند تعذر الوصلة مع عدم الألفة لا ~~بقصد الإضرار، حسبما كان يفعله أهل الجاهلية؛ كانوا يطلقون المرأة حتى إذا ~~أشرفت على انقضاء العدة أشهد برجعتها حتى إذا مر لذلك مدة طلقها هكذا، ms1588 كلما ~~ردها طلقها، فإذا أشرفت على انقضاء العدة راجعها، لا رغبة؛ لكن إضرارا ~~وإذاية، فنهوا أن يمسكوا أو يفارقوا إلا بالمعروف، كما تقدم في سورة البقرة ~~في قوله: {ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا} [البقرة: 231]. # وقوله: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} [البقرة: 229]. المسألة الخامسة ~~قوله: {فإذا بلغن} [الطلاق: 2]: يوجب أن يكون القول قول المرأة في انقضاء ~~العدة إذا ادعت ذلك فيما يمكن، على ما بيناه في قوله: {ولا يحل لهن أن ~~يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} [البقرة: 228] في سورة البقرة. المسألة ~~السادسة {فأمسكوهن بمعروف} [الطلاق: 2]: اختلف العلماء فيه كاختلافهم في ~~قوله: {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} [البقرة: 228] وقد بيناه في سورة ~~البقرة، تمامه أن الزوج له الرجعة في العدة بلا خلاف، والرجعة تكون بالقول ~~والفعل عندنا، وبه قال أبو حنيفة والليث. وقال # PageV04P280 # الشافعي: لا تصح إلا بالقول. # وقد اختلف فيه التابعون قديما، بيد أن علماءنا قالوا: إن الرجعة لا تكون ~~بالفعل، حتى تقترن به النية، فيقصد بالوطء أو القبلة الرجعة وبالمباشرة ~~كلها. # وقال أبو حنيفة والليث: الوطء مجردا رجعة، وهذا ينبني على أصل، هو: ~~المسألة السابعة هل الرجعية محرمة الوطء أم لا؟ فعندنا أنها محرمة الوطء، ~~وبه قال ابن عمر وعطاء. # وقال أبو حنيفة: وطؤها مباح، وبه قال أحمد في إحدى روايتيه. # واحتجوا بأنه طلاق لا يقطع النكاح؛ فلم يحرم الوطء، كما لو قال: إن قدم ~~زيد فأنت طالق. وهذا لا يصح؛ لأن الطلاق المعلق بقدوم زيد لم يقع، هذا طلاق ~~واقع فيجب أن يؤثر في تحريم الوطء المقصود من العقد، لا سيما وهي جارية ~~[به] إلى بينونة خارجة عن العصمة؛ فإذا ثبت أنها محرمة الوطء فلا بد من قصد ~~الرد، وحينئذ يصح معه الرد. # قال الشافعي: لا تكون الرجعة بالفعل، وإنما تكون بالقول ولا معتمد له من ~~القرآن والسنة، ولنا كل ذلك؛ فأما القرآن فقوله: {فأمسكوهن بمعروف} ~~[الطلاق: 2]؛ وهذا ظاهر في القول والفعل؛ إذ الإمساك يكون بهما عادة، ويكون ~~شرعا، ألا ترى أن خيار المعتقة يكون إمساكها بالقول بأن تقول: ms1589 اخترت، ~~وبالفعل بأن تمكن من وطئها، ولذلك قال تعالى: {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} ~~[البقرة: 228] والرد يكون تارة بالقول، وتارة بالفعل. # ومن عجيب الأمر أن للشافعي قولين في قول الرجل للمطلقة الرجعية أمسكتها، ~~هل يكون رجعة أم لا؟ قال القاضي أبو مظفر الطبري: لا يكون رجعة؛ لأن ~~استباحة الوطء لا تكون إلا بلفظين، # PageV04P281 # وهما قوله: راجعت، أو رددت، كما يكون النكاح بلفظين وهما قوله: زوجت، أو ~~نكحت، وهذا من ركيك الكلام الذي لا يليق بمنصب ذلك الإمام من وجهين: أحدهما ~~أنه تحكم. # والثاني أنه لو صح أن يقف على [لفظين لكان وقوفه على] لفظي القرآن، وهما ~~رددت وأمسكت اللذان جاءا في سورة البقرة، وها هنا أولى من لفظ راجعت الذي ~~لم يأت في القرآن، بيد أنه جاء في السنة في قول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- لعمر: مره فليراجعها، كما جاء في السنة لفظ ثالث في النكاح، وهو في شأن ~~الموهوبة؛ إذ قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: اذهب فقد ملكتها بما ~~معك من القرآن؛ فذكر النكاح بلفظ التمليك. # المسألة الثامنة من قول علمائنا كما تقدم: إن الرجعة تكون بالقول والفعل ~~مع النية، فلو خلا ذلك في نية، أو كانت نية دون قول أو فعل ما حكمه؟ قال ~~أشهب في كتاب محمد: إذا عرى القول أو الفعل عن النية فليسا برجعة. # وفي المدونة أن الوطء العاري من نية ليس برجعة، والقول العاري عن النية ~~جعله رجعة؛ إذا قال: راجعتك وكنت هازلا، فعلى قول علي بأن النكاح بالهزل لا ~~يلزم فلا يكون رجعة؛ فإن كانت رجعة بالنية دون قول أو فعل فحمله القرويون ~~على قول مالك في الطلاق واليمين إنه يصح بالنية دون قول، ولا يصح ذلك حسبما ~~بيناه في المسائل الخلافية؛ لأن الطلاق أسرع في الثبوت من النكاح. ### | [مسألة الإشهاد في الرجعة] # المسألة التاسعة قوله: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2]: وهذا ظاهر في ~~الوجوب بمطلق الأمر عند الفقهاء، وبه قال أحمد بن حنبل في أحد قوليه، ~~والشافعي. # وقال مالك، ms1590 وأبو حنيفة، وأحمد، والشافعي في القول الآخر: إن الرجعة لا # PageV04P282 # تفتقر إلى القبول، فلم تفتقر إلى الإشهاد، كسائر الحقوق، وخصوصا حل ~~الظهار بالكفارة. # وركب أصحاب الشافعي على وجوب الإشهاد في الرجعة أنه لا يصح أن يقول: كنت ~~راجعت أمس، وأنا أشهد اليوم؛ لأنه إشهاد على الإقرار بالرجعة؛ ومن شرط ~~الرجعة الإشهاد عليها، فلا تصح دونه؛ وهذا فاسد مبني على أن الإشهاد في ~~الرجعة تعبد، ونحن لا نسلم # فيها ولا في النكاح. بل نقول: إنه موضوع للتوثق، وذلك موجود في الإقرار، ~~كما هو موجود في الإنشاء، وبيناه في مسائل الخلاف. ### | [مسألة راجعها بعد أن ارتدت] # المسألة العاشرة وهي فرع غريب: إذا راجعها بعد أن ارتدت لم تصح الرجعة. ~~وقال المزني: تصح لعموم قوله: {فإذا بلغن أجلهن} [الطلاق: 2] وهذا عام في ~~كل زوجة مسلمة أو مرتدة؛ ولأن الرجعة تصح في حال كونها محرمة بالإحرام ~~والحيض، كذلك الردة، وهذا فاسد؛ فإن الرجعة استباحة فرج محرم، فلم تجز مع ~~الردة، كالنكاح؛ والمحرمة والحائض ليستا بمحرمتين عليه، فإنه تجوز الخلوة ~~بهما لزوجهما. ### | [مسألة قال بعد العدة كنت راجعتها وصدقته] # المسألة الحادية عشرة لو قال بعد العدة، كنت راجعتها وصدقته جاز، ولو ~~أنكرت حلفت، وذلك في مسائل الخلاف مشروح، وهو مبني على القول بإعمال ~~الإقرار في الرجعة. ### | [مسألة اختصاص الشهادة على الرجعة بالذكور دون الإناث] # المسألة الثانية عشرة قوله تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2]: ~~وهذا يوجب اختصاص الشهادة على الرجعة بالذكور دون الإناث؛ لأن قوله: {ذوي} ~~[الطلاق: 2] مذكر، ولذلك قال علماؤنا: لا مدخل لشهادة النساء فيما عدا ~~الأموال. وقد بينا ذلك في سورة البقرة المسألة الثالثة عشرة قوله تعالى: ~~{وأقيموا الشهادة لله} [الطلاق: 2]: يعني لا تضيعوها ولا تغيروها، وأتوا ~~بها على وجهها، وقد بينا ذلك في سورة البقرة. # PageV04P283 ### | [الآية الثالثة قوله تعالى واللائي يئسن من المحيض من نسائكم] # إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن ~~يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا} [الطلاق: 4]. # فيها ست مسائل: المسألة ms1591 الأولى قوله تعالى: {واللائي يئسن من المحيض من ~~نسائكم إن ارتبتم} [الطلاق: 4]: وهذه آية مشكلة، واختلف أصحابنا في تأويلها ~~على ثلاثة أقوال: # الأول أن معناها إذا ارتبتم. وحروف المعاني يبدل بعضها من بعض، والذين ~~قالوا هذا اختلفوا في الوجه الذي رجعت فيه إن بمعنى إذا، فمنهم من قال: إن ~~ذلك راجع إلى ما روي أن «أبي بن كعب قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: يا ~~رسول الله؛ إن الله قد بين لنا عدة الحائض بالأقراء فما حكم الآيسة ~~والصغيرة؟ فأنزل الله الآية». # ومنهم من قال وهو الثاني: إن الله جعل عدة الحائض بالأقراء، فمن انقطع ~~حيضها، وهي تقرب من حد الاحتمال [فواجب عليها العدة بالأشهر بهذه الآية، ~~ومن ارتفعت عن حد الاحتمال] وجب عليها الاعتداد بالأشهر بالإجماع، لا بهذه ~~الآية؛ لأنه لا ريبة فيها. # الثالث: قال مجاهد: الآية واردة في المستحاضة؛ لأنها لا تدري دم حيض هو ~~أو دم علة. # المسألة الثانية في تحقيق المقصود: أما وضع حروف المعاني إبدالا بعضها من ~~بعض فإن ذلك مما لا يجوز. وإن اختلفوا في حروف الخفض؛ وإنما الآية واردة ~~على أن أصل العدة موضوع لأجل الريبة؛ إذ الأصل براءة الرحم، وترتاب لشغله ~~بالماء؛ فوضعت العدة لأجل هذه الريبة، ولحقها ضرب من التعبد. # PageV04P284 # ويحقق هذا أن حرف " إن " يتعلق بالشرط الواجب، كما يتعلق بالشرط الممكن، ~~وعلى هذا خرج قوله: " وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ". وقد بينا ذلك في ~~ملجئة المتفقهين إلى معرفة غوامض النحويين واللغويين. # وأما حديث أبي فغير صحيح، وقد روى ابن القاسم، وأشهب، وعبد الله بن الحكم ~~عن مالك في قوله تعالى: {إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر} [الطلاق: 4] يقول في ~~شأن العدة: إن تفسيرها: إن لم تدروا ما تصنعون في أمرها فهذه سبيلها. والله ~~أعلم. ### | [مسألة قوله تعالى واللائي لم يحضن] # المسألة الثالثة قوله تعالى: {واللائي لم يحضن} [الطلاق: 4] يعني ~~الصغيرة، وعدتها أيضا بالأشهر؛ لتعذر الأقراء فيها عادة؛ والأحكام إنما ~~أجراها الله على العادات، فهي تعتد # بالأشهر، فإذا رأت الدم في ms1592 زمن احتماله عند النساء انتقلت إلى الدم، ~~لوجود الأصل. فإذا وجد الأصل لم يبق للبدل حكم، كما أن المسنة إذا اعتدت ~~بالدم، ثم انقطع عادت إلى الأشهر. # روى سعيد بن المسيب أن عمر قال: أيما امرأة اعتدت حيضة أو حيضتين ثم ~~رفعتها حيضتها فإنها تنتظر تسعة أشهر، فإن استبان بها حمل فذلك وإلا اعتدت ~~بعد تسعة أشهر ثلاثة أشهر، ثم حلت، وأمر ابن عباس بالتربص سنة. # وقال الشافعي وأبو حنيفة: تبقى إلى سن اليأس. # وقال علماؤنا: تعتد سنة؛ وإن كانت مسنة وانقطع حيضها وقال النساء: إن ~~مثلها لا تحيض اعتدت بثلاثة أشهر. # وأما قول أبي حنيفة والشافعي إنها تبقى إلى سن اليأس فإن معناه إذا كانت ~~مرتابة بحمل، وكذلك قال أشهب لا تحل أبدا حتى تيأس، وهو الصحيح. ### | [مسألة للمرء أن ينكح ولده الصغار] # المسألة الرابعة قوله تعالى: {واللائي لم يحضن} [الطلاق: 4] دليل على أن ~~للمرء أن ينكح ولده الصغار؛ لأن الله تعالى جعل عدة من لم يحض من النساء ~~ثلاثة أشهر، ولا تكون عليها عدة إلا أن يكون لها نكاح؛ فدل ذلك على هذا ~~الغرض، وهو بديع في فنه. # PageV04P285 # المسألة الخامسة قوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} ~~[الطلاق: 4]: هذا وإن كان ظاهرا في المطلقة لأنه عطف عليها، وإليها رجع عقب ~~الكلام، فإنه في المتوفى عنها زوجها كذلك لعموم الآية، وحديث سبيعة في ~~السنة؛ والحكمة فيه أن براءة الرحم قد حصلت يقينا، وقد بيناه في سورة ~~البقرة. ### | [مسألة وضعت الحامل ما وضعت من علقة أو مضغة] # المسألة السادسة إذا وضعت الحامل ما وضعت من علقة أو مضغة حلت. وقال ~~الشافعي وأبو حنيفة: لا تحل إلا بما يكون ولدا. وقد تقدم بيانه، وأوضحنا أن ~~الحكمة في وضع الله العدة ثلاثة أشهر أنها المدة التي فيها يخلق الولد ~~فوضعت اختبارا لشغل الرحم من فراغه. ### | [الآية الرابعة قوله تعالى أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن] # لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن ~~لكم ms1593 فآتوهن أجورهن وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى} ~~[الطلاق: 6] # فيها أربع مسائل: المسألة الأولى قوله تعالى: {أسكنوهن من حيث سكنتم} ~~[الطلاق: 6]: قال أشهب عن مالك: يخرج عنها إذا طلقها، ويتركها في المنزل؛ ~~لقول الله تعالى: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} [الطلاق: 6] فلو كان ~~معها ما قال: أسكنوهن. # وروى ابن نافع قال: قال مالك في قول الله تعالى: {أسكنوهن من حيث سكنتم} ~~[الطلاق: 6] يعني المطلقات اللاتي قد بن من أزواجهن، فلا رجعة لهم عليهن، ~~وليست حاملا؛ فلها السكنى ولا نفقة لها ولا كسوة؛ لأنها بائن منه، لا ~~يتوارثان ولا رجعة له عليها. # PageV04P286 # وإن كانت حاملا فلها النفقة والكسوة والمسكن حتى تنقضي عدتها. # فأما من لم تبن منهن فإنهن نساؤهم يتوارثن، ولا يخرجن إلا أن يأذن لهن ~~أزواجهن ما كن في عدتهن، ولم يؤمروا بالسكنى لهن؛ لأن ذلك لازم لأزواجهن مع ~~نفقتهن وكسوتهن، كن حوامل أو غير حوامل، وإنما أمر الله بالسكنى للاتي بن ~~من أزواجهن؛ قال تعالى: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} ~~[الطلاق: 6]؛ فجعل عز وجل للحوامل اللائي قد بن من أزواجهن السكنى والنفقة. # المسألة الثانية في بسط ذلك وتحقيقه: أن الله سبحانه وتعالى لما ذكر ~~السكنى أطلقها لكل مطلقة، فلما ذكر النفقة قيدها بالحمل، فدل على أن ~~المطلقة البائن لا نفقة لها؛ وهي مسألة عظيمة قد مهدنا سبلها قرآنا وسنة ~~ومعنى في مسائل الخلاف. وهذا مأخذها من القرآن. # فإن قيل: لا حجة في هذه الآية؛ لأن قوله تعالى: {أسكنوهن} [الطلاق: 6] ~~راجع إلى ما قبله، وهي المطلقة الرجعية. # قلنا: لو كان هذا صحيحا لما قال: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن} ~~[الطلاق: 6]؛ فإن المطلقة الرجعية ينفق عليها حاملا كانت أو غير حامل، فلما ~~خصها بذكر النفقة حاملا دل على أنها البائن التي لا ينفق عليها. # وتحقيقه أن الله تعالى ذكر المطلقة الرجعية وأحكامها حتى بلغ إلى قوله ~~تعالى: {ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] ثم ذكر بعد ذلك حكما يعم المطلقات كلهن ~~من تعديد الأشهر وغير ms1594 ذلك [من الأحكام]، وهو عام في كل مطلقة؛ فرجع ما بعد ~~ذلك من الأحكام إلى كل مطلقة. ### | [مسألة فيمن يجب عليه رضاع الولد] # المسألة الثالثة قوله تعالى: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} [الطلاق: 6]: ~~قد بينا في سورة البقرة شيئا من مسائل الرضاع، ووضحنا أنه يكون تارة على ~~الأم، ولا يكون عليها تارة. # PageV04P287 # وتحريره أن العلماء اختلفوا فيمن يجب عليه رضاع الولد على ثلاثة أقوال: ~~الأول: قال علماؤنا: رضاع الولد على الزوجة ما دامت الزوجية، إلا لشرفها أو ~~مرضها فعلى الأب حينئذ رضاعه في ماله. # الثاني: قال أبو حنيفة [والشافعي]: لا يجب على الأم بحال. # الثالث: قال أبو ثور: يجب عليها في كل حال. # ودليلنا قوله تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن ~~يتم الرضاعة} [البقرة: 233] وقد مضى في سورة البقرة أنه لفظ محتمل لكونه ~~حقا عليها أو لها، لكن العرف يقضي بأنه عليها، إلا أن تكون شريفة، وما جرى ~~به العرف فهو كالشرط حسبما بيناه في أصول الفقه من أن العرف والعادة أصل من ~~أصول الشريعة يقضى به في الأحكام [والعادة] إذا كانت شريفة ألا ترضع فلا ~~يلزمها ذلك. فإن طلقها فلا يلزمها إرضاعه إلا # أن يكون غير قابل ثدي غيرها، فيلزمها حينئذ الإرضاع؛ أو تكون مختارة لذلك ~~فترضع في الوجهين بالأجرة لقوله تعالى: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن} ~~[الطلاق: 6]. ويحقق ذلك قوله تعالى: {وأتمروا بينكم بمعروف} [الطلاق: 6] ~~وهي: المسألة الرابعة فالمعروف أن ترضع ما دامت زوجة إلا أن تكون شريفة، ~~وألا ترضع بعد الزوجية إلا بأجر. فإن قبل غيرها لم يلزمها، وإن شاءت إرضاعه ~~فهي أولى بما يأخذه غيرها. ### | [الآية الخامسة قوله تعالى وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى] # } [الطلاق: 6] {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه ~~الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا} [الطلاق: ~~7]. # فيها خمس مسائل: # PageV04P288 # المسألة الأولى قوله تعالى: {وإن تعاسرتم} [الطلاق: 6]: المعنى أن المرأة ~~إذا امتنعت من رضاعه بعد الطلاق فغيرها ترضع يعني ms1595 إن قبل، فإن لم يقبل كما ~~تقدم لزمها ولم ينفعها تعاسرها مع الأب. ### | [مسألة هل النفقة مقدرة شرعا] # المسألة الثانية قوله تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته} [الطلاق: 7]: هذا ~~يفيد أن النفقة ليست مقدرة شرعا، وإنما تتقدر عادة بحسب الحالة من المنفق ~~والحالة من المنفق عليه، فتقدر بالاجتهاد على مجرى العادة. # وقد فرض عمر للمنفوس مائة درهم في العام بالحجاز، والقوت بها محبوب، ~~والميرة عنه بعيدة، وينظر المفتي إلى قدر حاجة المنفق عليه، ثم ينظر إلى ~~حالة المنفق؛ فإن احتملت الحالة الحاجة أمضاها عليه، وإن قصرت حالته عن ~~حالة المنفق عليه ردها إلى قدر احتمال حاله لقوله تعالى وهي: المسألة ~~الثالثة {ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما ~~آتاها} [الطلاق: 7]؛ # فإذا كان للعبد ما يكفيه، ويفضل عنه فضل أخذه ولده، ومن يجب عليه ~~الإنفاق؛ وإنما يبدأ به أولا، لكن لا يرتفع له؛ بل يقدر له الوسط، حتى إذا ~~استوفاه عاد الفضل إلى سواه. # والأصل فيه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لهند: «خذي ما يكفيك وولدك ~~بالمعروف»؛ فأحالها على الكفاية حين علم السعة من حال أبي سفيان الواجب ~~عليه بطلبها المسألة الرابعة في تقدير الإنفاق: قد بينا أنه ليس له تقدير ~~شرعي، وإنما أحاله الله سبحانه على العادة، وهي دليل أصولي بنى الله عليه ~~الأحكام، وربط به الحلال والحرام؛ وقد أحاله الله على العادة فيه في ~~الكفارة، فقال: {فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو ~~كسوتهم} [المائدة: 89]. # PageV04P289 # وقال: {فإطعام ستين مسكينا} [المجادلة: 4]. # وقد تكلمنا عليه في موضعه، وقدرنا للكبير نفقة لشبعه وكسوته وملاءته. # وأما الصغير الذي لا يأكل الطعام فلأمه أجرها بالمثل إذا شطت على الأب، ~~والمفتون منا يقدرونها بالطعام والإدام، وليس لها تقدير إلا بالمثل من ~~الدراهم لا من الطعام. وأما إذا أكل فيفرض له قدر مأكله وملبسه على قدر ~~الحال. كما قدمنا. # وفرض عمر للمنفوس مائة درهم، وفرض له عثمان خمسين درهما. واحتمل أن يكون ~~هذا الاختلاف بحسب ms1596 حال السنين، أو بحسب حال القدر في التسعير لثمن القوت ~~والملبس. # وقد روى نافع عن ابن عمر أن عمر كان لا يفرض للمولود حتى يطعم، ثم أمر ~~مناديا فنادى: لا تعجلوا أولادكم عن الفطام، فإنا نفرض لكل مولود في ~~الإسلام. # وقد روى محمد بن هلال المزني قال: حدثني أبي وجدتي أنها كانت ترد على ~~عثمان ففقدها، فقال لأهله: مالي لا أرى فلانة؟ فقالت امرأته: يا أمير ~~المؤمنين، ولدت الليلة، فبعث إليها بخمسين درهما وشقيقة أنبجانية ثم قال: ~~هذا عطاء ابنك، وهذه كسوته، فإذا مرت له سنة رفعناه إلى مائة. # وقد أتى علي بن أبي طالب بمنبوذ، ففرض له مائة. # وقال القاضي: هذا الفرض قبل الفطام مما اختلف فيه العلماء، فمنهم من رآه ~~مستحبا؛ لأنه داخل في حكم الآية، ومنهم من رآه واجبا لما تجدد من حاجته ~~وعرض من مؤنته، وبه أقول؛ ولكن يختلف قدره بحاله عند الولادة، وبحاله عند ~~الفطام. وقد روى سفيان بن وهب أن عمر أخذ المد بيد والقسط بيد، وقال: إني ~~فرضت لكل نفس مسلمة في كل شهر مدي حنطة وقسطي خل، وقسطي زيت. زاد غيره، ~~وقال: إنا قد أجزنا لكم أعطياتكم وأرزاقكم في كل شهر. فمن انتقصها فعل الله ~~به كذا وكذا، ودعا عليه. # قال أبو الدرداء: كم سنة راشدة مهدية قد سنها عمر في أمة محمد - صلى الله ~~عليه وسلم -[والمد] والقسط كيلان شاميان في الطعام والإدام، وقد درسا بعرف ~~آخر؛ فأما المد # PageV04P290 # فدرس إلى الكيلجة، وأما القسط فدرس إلى الكيل، ولكن التقدير فيه عندنا ~~ربعان في الطعام، وثمنان في الإدام، وأما الكسوة فبقدر العادة قميص ~~وسراويل، وجبة في الشتاء وكساء وإزار وحصير. وهذا الأصل، ويتزيد بحسب ~~الأحوال والعادة. ### | [مسألة هل النفقة للولد على الوالد دون الأم] # المسألة الخامسة هذه الآية أصل في وجوب النفقة للولد على الوالد دون ~~الأم، خلافا لمحمد بن المواز؛ إذ يقول: إنها على الأبوين على قدر الميراث، ~~وبيانها في مسائل الفقه والخلافيات، ولعل محمدا أراد أنها على الأم عند عدم ms1597 ~~الأب. وفي البخاري، «عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: تقول لك المرأة أنفق ~~علي وإلا طلقني، ويقول العبد: أنفق علي واستعملني، ويقول لك ابنك: أنفق علي ~~إلى من تكلني؟ فقد تعاضد القرآن والسنة وتواردا في مشرعة واحدة». والحمد ~~لله. # PageV04P291 ### | [سورة التحريم فيها ثلاث آيات] ### | [الآية الأولى قوله تعالى يأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك] # الآية الأولى قوله تعالى: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي ~~مرضات أزواجك والله غفور رحيم} [التحريم: 1]. # فيها خمس مسائل: المسألة الأولى في سبب نزولها: اختلف المفسرون فيها على ~~ثلاثة أقوال: الأول: أن سبب نزولها «الموهوبة التي جاءت النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فقالت: إني وهبت لك نفسي. فلم يقبلها» رواه عكرمة عن ابن عباس. # الثاني: أنها نزلت في شأن مارية أم إبراهيم، خلا بها رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في بيت حفصة، وقد خرجت لزيارة أبيها، فلما عادت وعلمت ~~عتبت عليه، فحرمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على نفسه إرضاء لحفصة، ~~وأمرها ألا تخبر أحدا من نسائه، فأخبرت بذلك عائشة لمصافاة كانت بينهما؛ ~~فطلق النبي - صلى الله عليه وسلم - حفصة، واعتزل نساءه شهرا، وكان جعل على ~~نفسه أن يحرمهن شهرا؛ فأنزل الله هذه الآية، وراجع حفصة، واستحل مارية، ~~وعاد إلى نسائه؛ قاله الحسن، وقتادة، والشعبي، وجماعة. # واختلفوا هل حرم النبي - صلى الله عليه وسلم - مارية بيمين على قولين: ~~فقال قتادة والحسن، والشعبي: حرمها بيمين. وقال غيرهم: إنه حرمها بغير ~~يمين، ويروى عن ابن عباس. # الثالث: ثبت في الصحيح واللفظ للجعفي عن عبيد بن عمير، عن عائشة # PageV04P292 # قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشرب عسلا عند زينب بنت ~~جحش، ويمكث عندها # فتواصيت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليها فلتقل له: أكلت مغافير، إني أجد ~~منك ريح مغافير. قال: لا. ولكني شربت عسلا عند زينب بنت جحش، ولن أعود له. ~~وقد حلفت لا تخبري أحدا يبتغي مرضاة أزواجه». # وفي صحيح مسلم أنه شربه عند حفصة، وذكر نحوا من ms1598 القصة، وكذلك روى أشهب عن ~~مالك. والأكثر في الصحيح أنه عند زينب، وأن اللتين تظاهرتا عليه عائشة ~~وحفصة. # وروى ابن أبي مليكة عن ابن عباس أنه شربه عند سودة. وروى أسباط عن السدي ~~أنه شربه عند أم سلمة، وكله جهل وتسور بغير علم. المسألة الثانية أما من ~~روى أن الآية نزلت في الموهوبة فهو ضعيف في السند، وضعيف في المعنى؛ أما ~~ضعفه في السند فلعدم عدالة رواته، وأما ضعفه في معناه فلأن رد النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - للموهوبة ليس تحريما لها؛ لأن من رد ما وهب له لم يحرم ~~عليه، وإنما حقيقته التحريم بعد التحليل. # وأما من روى أنه حرم مارية فهو أمثل في السند، وأقرب إلى المعنى؛ لكنه لم ~~يدون في صحيح، ولا عدل ناقله، كما أنه روي مرسلا. # وقد روى ابن وهب، عن مالك عن زيد بن أسلم؛ قال: «حرم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أم ولده إبراهيم، فقال: أنت علي حرام؛ والله لا أتيتك. ~~فأنزل الله في ذلك: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات ~~أزواجك} [التحريم: 1]». # وروى مثله ابن القاسم عنه. # وروى أشهب عن مالك، قال: راجعت عمر بن الخطاب امرأة من الأنصار في شيء، ~~فاقشعر من ذلك. وقال: ما كان النساء هكذا. قالت: بلى، وقد # PageV04P293 # كان أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يراجعنه. فاحتزم ثوبه، فخرج إلى ~~حفصة، فقال لها: أتراجعين # رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قالت: نعم، ولو أعلم أنك تكره ما ~~فعلت. فلما بلغ عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هجر نساءه قال: ~~رغم أنف حفصة. # وإنما الصحيح أنه كان في العسل، وأنه شربه عند زينب، وتظاهرت عليه عائشة ~~وحفصة فيه، وجرى ما جرى، فحلف ألا يشربه، وأسر ذلك، ونزلت الآية في الجميع. ### | [مسألة حرم ولم يحلف] # المسألة الثالثة قوله: {لم تحرم} [التحريم: 1] إن كان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - حرم ولم يحلف، فليس ذلك بيمين عندنا في المعنى، ولا يحرم شيئا ~~قول الرجل: ms1599 هذا حرام علي، حاشا الزوجة. # وقال أبو حنيفة: إذا أطلق حمل على المأكول والمشروب دون الملبوس، وكانت ~~يمينا توجب الكفارة. # [وقال زفر: هو يمين في الكل، حتى في الحركة والسكون. وعول المخالف على أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - حرم العسل، فلزمته الكفارة]. # وقد قال الله تعالى فيه: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} [التحريم: 2] ~~فسماه يمينا؛ وعول أيضا على أن معنى اليمين التحريم، فإذا وجد ملفوظا به ~~تضمن معناه كالملك في البيع. # ودليلنا قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله ~~لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [المائدة: 87]. وقوله: {قل أرأيتم ~~ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على ~~الله تفترون} [يونس: 59] فذم الله المحرم للحلال، ولم يوجب عليه كفارة. # وقد بينا ذلك عند ذكر هذه الآيات، وهذا ينقض مذهب المخالفين: زفر، وأبي ~~حنيفة، # PageV04P294 # وينقض مذهب أبي حنيفة إخراجه اللباس منه، ولا جواب له عنه، وخفي عن القوم ~~سبب الآية، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حلف ألا يشرب عسلا. وكان ذلك ~~سبب الكفارة؛ وقيل له: لم تحرم. وقولهم: إن معنى النهي تحريم الحلال فكان # كالمال في البيع لا يصح؛ بل التحريم معنى يركب على لفظ اليمين، فإذا لم ~~يوجد اللفظ لم يوجد المعنى بخلاف الملك فإنه لم يركب على لفظ البيع، بل هو ~~في معنى لفظه، وقد استوعبنا القول في كتاب تخليص التلخيص، والإنصاف في ~~مسائل الخلاف. ### | [مسألة إذا حرم الزوجة هل تعد يمينا] # المسألة الرابعة إذا حرم الزوجة فقد اختلف العلماء في ذلك على خمسة عشر ~~قولا، وجمعناها في كتاب المسائل، وأوضحناها بما مقصوده أن نقول: يجمعها ~~ثلاثة مقامات: المقام الأول: في جميع الأقوال: الأول: أنها يمين تكفر؛ قاله ~~أبو بكر الصديق، وعائشة، والأوزاعي. # الثاني قال ابن مسعود: تجب فيه كفارة، وليست بيمين، وبه قال ابن عباس في ~~إحدى روايتيه، والشافعي في أحد قوليه. # الثالث: أنها طلقة رجعية؛ قاله عمر بن الخطاب، والزهري، ms1600 وعبد العزيز بن ~~أبي سلمة الماجشون. # الرابع أنها ظهار؛ قاله عثمان، وأحمد بن حنبل. # الخامس أنها طلقة بائنة؛ قاله حماد بن سلمة، ورواه ابن خويز منداد عن ~~مالك. السادس أنها ثلاث تطليقات؛ قاله علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وأبو ~~هريرة [ومالك]. # السابع قال أبو حنيفة: إن نوى الطلاق أو الظهار كان ما نوى، وإلا كانت ~~يمينا وكان الرجل موليا من امرأته. الثامن أنه لا تنفعه نية الظهار، وإنما ~~يكون طلاقا؛ قاله ابن القاسم. # PageV04P295 # التاسع قال يحيى بن عمر: يكون طلاقا، فإن ارتجعها لم يجز له وطؤها حتى ~~يكفر كفارة الظهار. # العاشر هي ثلاث قبل وبعد، لكنه ينوي في التي لم يدخل بها في الواحدة؛ ~~قاله مالك، وابن القاسم. # الحادي عشر ثلاث، ولا ينوي بحال، ولا في محل؛ قاله عبد الملك في المبسوط. # الثاني عشر هي في التي لم يدخل بها واحدة، وفي التي دخل بها ثلاث؛ قاله ~~أبو مصعب، ومحمد بن عبد الحكم. # الثالث عشر أنه إن نوى الظهار، وهو أن ينوي أنها محرمة كتحريم أمه كان ~~ظهارا، وإن نوى تحريم عينها عليه بغير طلاق تحريما مطلقا وجبت كفارة يمين، ~~وإن لم ينو شيئا فعليه كفارة يمين؛ قاله الشافعي. # الرابع عشر أنه إن لم ينو شيئا لم يكن شيء. # الخامس عشر أنه لا شيء عليه فيها؛ قاله مسروق بن ربيعة من أهل المدينة. # ورأيت بعد ذلك لسعيد بن جبير أن عليه عتق رقبة، وإن لم يجعلها ظهارا. ~~ولست أعلم له وجها، ولا يتعدد في المقالات عندي. # المقام الثاني في التوجيه: أما من قال: إنها يمين فقال: سماها الله يمينا ~~في قوله تعالى: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} [التحريم: 1] إلى ~~قوله تعالى: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} [التحريم: 2]؛ فسماها الله ~~يمينا، وهذا باطل؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - حلف على شرب العسل، ~~وهذه يمين كما قدمنا. # وأما من قال: تجب فيها كفارة وليست بيمين فبناه على أمرين: أحدهما أنه ظن ~~أن الله أوجب ms1601 الكفارة فيها ولم تكن يمينا؛ وقد بينا فساد ذلك. # PageV04P296 # الثاني: أن معنى اليمين عنده التحريم، فوقعت الكفارة على المعنى، ونحن لا ~~نقول به. وقد بينا فساد ذلك فيما تقدم وفي مسائل الخلاف. # وأما من قال: إنه طلقة رجعية، فبناه على أصل من أصول الفقه؛ وهو حمل ~~اللفظ على أقل وجوهه، والرجعية محرمة الوطء، فيحمل عليه اللفظ، وهذا يلزم ~~مالكا لقوله: # إن الرجعية محرمة الوطء. وكذلك وجه من قال: إنه ثلاث، فحمله على أكبر ~~معناه؛ وهو الطلاق الثلاث. وقد بينا ذلك في أصول الفقه ومسائل الخلاف. وأما ~~من قال: إنه ظهار فبناه على أصلين: أحدهما أنه أقل درجات التحريم فإنه ~~تحريم لا يرفع النكاح. # وأما من قال: إنه طلقة بائنة فعول على أن الطلاق الرجعي لا يحرم المطلقة، ~~وأن الطلاق البائن يحرمها؛ لأنه لو قال لها: أنت طالق لا رجعة لي عليك نفذ ~~وسقطت الرجعة، وحرمت؛ فكذلك إذا قال لها: أنت حرام [علي] فإنه يكون طلاقا ~~بائنا معنويا، وكأنه ألزم نفسه معنى ما تقدم ذكره من إنفاذ الطلاق وإسقاط ~~الرجعة. ونحن لا نسلم أنه ينفذ قوله: أنت طالق لا رجعة لي عليك؛ فإن الرجعة ~~حكم الله، ولا يجوز إسقاطه إلا بما أسقطه الله من العوض المقترن به، أو ~~الثلاث القاضية عليه والغاية له. # وأما قول من قال وهو أبو حنيفة إنها تكون عارية عن النية يمينا فقد تقدم ~~بطلانه. وأما نفي الظهار فيه فينبني على أن الظهار حكم شرعي يختص بمعنى، ~~فاختص بلفظ، وهذا إنما يلزم لمن يرى مراعاة الألفاظ؛ ونحن إنما نعتبر ~~المعاني خاصة، إلا أن يكون اللفظ تعبدا. # وأما قول يحيى بن عمر فإنه احتاط بأن جعله طلاقا؛ فلما ارتجعها احتاط بأن ~~ألزمه الكفارة. وهذا لا يصح؛ لأنه جمع بين المتضادين، فإنه لا يجتمع ظهار ~~وطلاق في معنى لفظ واحد، فلا وجه للاحتياط فيما لا يصح اجتماعه في الدليل. # وأما من قال: إنه ينوي في التي لم يدخل بها فلأن الواحدة تبينها وتحرمها ~~شرعا إجماعا. # PageV04P297 # وكذلك قال من لم ms1602 يحكم باعتبار نيته: إن الواحدة تكفي قبل الدخول في ~~التحريم بالإجماع، فيكفي أخذا بالأقل المتفق عليه؛ فإن الطلاق الرجعي مختلف ~~في اقتضائه التحريم في العدة. # وأما من قال: إنها ثلاث فيهما فلأنه أخذ بالحكم الأعظم فإنه لو صرح ~~بالثلاث لنفذت في التي لم يدخل بها نفوذها في التي دخل بها. ومن الواجب أن ~~يكون المعنى مثله وهو التحريم. # وأما القول الثالث عشر فيرجع إلى إيجاب الكفارة في التحريم، وقد تقدم ~~فساده. # وأما من قال: لا شيء فيها فعمدتهم أنه كذب في تحريم ما أحل الله، واقتحم ~~ما نهى الله عنه بقوله تعالى: {لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة: ~~87] وإنما يكون التحريم في الشرع مرتبا على أسبابه؛ فأما إرساله من غير سبب ~~فذلك غير جائز. # والصحيح أنها طلقة واحدة؛ لأنه لو ذكر الطلاق لكان أقله وهو الواحدة، إلا ~~أن يعدده، كذلك إذا ذكر التحريم يكون أقله، إلا أن يقيده بالأكثر؛ مثل أن ~~يقول: أنت علي حرام إلا بعد زوج، فهذا نص على المراد. وقد أحكمنا الأسئلة ~~والأجوبة في مسائل الخلاف والتفريع. # المقام الثالث في تصويرها، وأخرناه في الأحكام القرآنية لما يجب من تقديم ~~معنى الآية، واستقدمناه في مسائل الخلاف والتفريع؛ ليقع الكلام على كل صورة ~~منها. وعدد صورها عشرة: الأولى: قوله: حرام. # الثانية: قوله: علي حرام. # الثالثة: أنت حرام. # الرابعة: أنت علي حرام. # الخامسة: الحلال علي حرام. # السادسة: ما أنقلب إليه حرام. # PageV04P298 # السابعة: ما أعيش فيه حرام. # الثامنة: ما أملكه حرام علي. # التاسعة: الحلال حرام. # العاشرة أن يضيف التحريم إلى جزء من أجزائها. # فأما الأولى، والثانية، والتاسعة فلا شيء عليه فيها؛ لأنه لفظ مطلق لا ~~ذكر للزوجة فيه، ولو قال: ما أنقلب إليه حرام فهو ما يلزمه في قوله: الحلال ~~علي حرام أنه يدخل فيه الزوجة، إلا أن يحاشيها. ولا يلزمه شيء في غيرها من ~~المحللات، كما تقدم بيانه. # واختلف علماؤنا في وجه المحاشاة، فقال أكثر أصحابنا: إن حاشاها بقلبه ~~خرجت. # وقال أشهب: لا يحاشيها إلا بلفظه، كما دخلت ms1603 في لفظه. والصحيح جواز ~~المحاشاة بالقلب بناء على أن العموم يختص بالنية. # وأما إضافة التحريم إلى جزء من أجزائها فشأنه شأنه فيما إذا أضاف الطلاق ~~إلى جزء من أجزائها، وهي مسألة خلاف كبيرة. # قال مالك والشافعي: يطلق في جميعها. وقال أبو حنيفة: يلزمه الطلاق في ذكر ~~[الرأس ونحوه، ولا يلزمه الطلاق في ذكر] اليد ونحوها؛ وذلك في كتب المسائل ~~الخلافية والتفريعية. ### | [مسألة إذا حرم الأمة هل تلزمه الكفارة] # المسألة الخامسة إذا حرم الأمة لم يلزمه تحريم، وقد قال الشافعي في أحد ~~قوليه: تلزمه الكفارة، وساعده سواه، فإن تعلقوا بالآية فلا حجة فيها، وإن ~~تعلقوا بأن الظهار عندنا يصح فيها فلا يلزم ذلك؛ لأنا بينا أن الظهار حكم ~~مختص لا يلحق به غيره. وقد قال علماؤنا: إنما صح ظهاره في الأمة لأنها من ~~النساء، وقد بينا ذلك في سورة المجادلة، وأوضحنا أيضا أن الأمة من ~~المحللات، فلا يلحقها التحريم كالطعام واللباس، وما لهم من شبهة قد تقصينا ~~عنها في مسائل الإنصاف. # PageV04P299 ### | [الآية الثانية قوله تعالى يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا] # الآية الثانية قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا ~~وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ~~ويفعلون ما يؤمرون} [التحريم: 6]. # فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى قوله تعالى: {قوا} [التحريم: 6]: قال علماء التفسير: ~~معناه اصرفوا، وتحقيقها اجعلوا بينكم وبينها وقاية. ومثله قول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة». ~~المسألة الثانية: في تأويلها. وفيه ثلاثة أقوال: الأول: أن معناه قوا ~~أنفسكم، وأهليكم فليقوا أنفسهم. # الثاني: قوا أنفسكم ومروا أهليكم بالذكر والدعاء. # الثالث: قوا أنفسكم بفعالكم وأهليكم بوصيتكم إياهم؛ قاله علي بن أبي ~~طالب، وهو الصحيح، والفقه الذي يعطيه العطف الذي يقتضي التشريك بين المعطوف ~~والمعطوف عليه في معنى الفعل، كقوله: # علفتها تبنا وماء باردا # وكقوله: # ورأيت زوجك في الوغى ... متقلدا سيفا ورمحا # فعلى الرجل أن يصلح نفسه بالطاعة، ويصلح أهله إصلاح الراعي للرعية؛ ففي ms1604 # PageV04P300 # صحيح الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «كلكم راع، وكلكم ~~مسئول عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راع وهو مسئول عنهم، والرجل راع ~~على أهل بيته وهو مسئول عنهم». وعن هذا عبر الحسن في هذه الآية بقوله: ~~يأمرهم وينهاهم. # وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~«مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في ~~المضاجع»؛ خرجه جماعة. وهذا لفظ أبي داود، وخرج أيضا عن سمرة عن أبيه عن ~~جده قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مروا الصبي بالصلاة إذا ~~بلغ سبع سنين، فإذا بلغ عشر سنين فاضربوهم عليها». # وكذلك يخبر أهله بوقت الصلاة، ووجوب الصيام، ووجوب الفطر إذا وجب، مستندا ~~في ذلك إلى رؤية الهلال. # وقد روى مسلم «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أوتر يقول: قومي ~~فأوتري يا عائشة». # وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «رحم الله امرأ قام من الليل ~~يصلي فأيقظ أهله، فإن لم تقم رش وجهها بالماء. رحم الله امرأة قامت من ~~الليل تصلي وأيقظت زوجها، فإن لم يقم رشت على وجهه من الماء». # ومنه قوله - عليه السلام -: «أيقظوا صواحب الحجر». # ويدخل هذا في عموم قوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى} [المائدة: 2] ~~وقد تقدم. ### | [مسألة يؤدب أهله فيما يصلحه ويصلحهم أدبا خفيفا على طريق التعزير] # المسألة الثالثة وكما يؤدب ولده في مصلحتهم فكذلك يؤدب أهله فيما يصلحه ~~ويصلحهم أدبا خفيفا على طريق التعزير. # وليس يدخل ذلك في شرطها المحدث الذي يكتبه المتصدرون ويقولون: ولا # PageV04P301 # يضربها في نفسها، فإن فعل فأمرها بيدها؛ فيظن المتصدرون من المفتين أنه ~~إذا أراد أدبها كان أمرها بيدها، وليس كذلك، إنما يجب لها الخيار إذا كان ~~ضربها ابتداء، أو على غير سبب موجب لذلك، وهو الضرر. # فأما ما يصلح الزوج ويصلح المرأة فليس ضررا، وقد تكلمنا على حد الضرر في ~~كتب الأصول، وبينا حده الذي يخرج عن الحدود والآداب، فلينظر هنالك. ~~والتقريب فيه الآن ms1605 أن يقال: إنه الألم الذي لا نفع معه يوازيه أو يربى ~~عليه. ### | [مسألة إقامة الرجل حده على عبده وأمته] # المسألة الرابعة من وقاية الرجل أهله إقامة الرجل حده على عبده وأمته. ~~وقد بينا ذلك في سورة النساء وغيرها. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى يأيها النبي جاهد الكفار والمنافقين] # الآية الثالثة قوله تعالى: {يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ ~~عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير} [التحريم: 9]. # وقد تقدمت في سورة براءة. # PageV04P302 ### | [سورة الملك فيها آية واحدة] # [قوله تعالى هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها] ### | قوله تعالى: {هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها # وكلوا من رزقه وإليه النشور} [الملك: 15]. # وقد تقدم ذكر السفر وأقسام المشي في الأرض في سورة المائدة. وكذلك بينا ~~قوله تعالى: {وكلوا من رزقه} [الملك: 15] في عدة مواضع. # PageV04P303 ### | [سورة القلم فيها ثلاث آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى ن والقلم وما يسطرون] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {ن والقلم وما يسطرون} # [القلم: 1]. فيها مسألتان: المسألة الأولى روى الوليد بن مسلم عن أنس بن ~~مالك عن سمي مولى أبي بكر عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول: «أول ما خلق الله القلم، ثم خلق النون، وهي ~~الدواة، وذلك قوله: {ن والقلم} [القلم: 1]؛ ثم قال: اكتب. قال: وما أكتب؟ ~~قال: ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل، أو أجل، أو رزق، أو أثر؛ ~~فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، ثم ختم على القلم فلم ينطق، ولا ~~ينطق إلى يوم القيامة، ثم خلق العقل فقال الجبار: ما خلقت خلقا أعجب إلي ~~منك، وعزتي وجلالي لأكملنك فيمن أحببت، ولأنقصنك فيمن أبغضت، ثم قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: أكمل الناس عقلا أطوعهم لله وأعملهم بطاعته» ~~المسألة الثانية خلق الله القلم الأول، فكتب ما يكون في الذكر، ووضعه عنده ~~فوق عرشه، ثم خلق القلم الثاني ليعلم به من في الأرض على ما يأتي بيانه في ~~سورة: {اقرأ ms1606 باسم ربك الذي خلق} [العلق: 1] إن شاء الله تعالى. # PageV04P304 ### | [الآية الثانية قوله تعالى ودوا لو تدهن فيدهنون] # الآية الثانية: {ودوا لو تدهن فيدهنون} [القلم: 9]. فيها مسألتان: ~~المسألة الأولى ذكر المفسرون فيها نحو عشرة أقوال، كلها دعاوى على اللغة ~~والمعنى، أمثلها قولهم: ودوا لو تكذب فيكذبون. ودوا لو تكفر فيكفرون. # وقال أهل اللغة: الإدهان هو التلبيس، معناه: ودوا لو تلبس إليهم في عملهم ~~وعقدهم فيميلون إليك. # وحقيقة الإدهان إظهار المقاربة مع الاعتقاد للعداوة؛ فإن كانت المقاربة ~~باللين فهي مداهنة، وإن كانت مع سلامة الدين فهي مداراة أي مدافعة. # وقد ثبت في الصحيح عن عائشة أنه «استأذن على النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- رجل فقال: ائذنوا له، بئس أخو العشيرة هو، أو ابن العشيرة؛ فلما دخل ألان ~~له الكلام، فقلت له: يا رسول الله؛ قلت ما قلت، ثم ألنت له في القول، فقال ~~لي: يا عائشة؛ إن شر الناس منزلة من تركه أو ودعه الناس اتقاء فحشه». # وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مثل المداهن في حدود الله ~~والقائم عليها كمثل قوم استهموا في سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وأصاب بعضهم ~~أسفلها، فأراد الذين في أسفلها أن يستقوا الماء على الذين في أعلاها ~~فمنعوهم، فأرادوا أن يستقوا الماء في أسفل السفينة، فإن منعوهم نجوا، وإن ~~تركوهم هلكوا جميعا». # وقد قال الله تعالى: {أفبهذا الحديث أنتم مدهنون} [الواقعة: 81]. قال ~~المفسرون: يعني مكذبون، وحقيقته ما قدمناه أي أفبهذا الحديث أنتم مقاربون ~~في # PageV04P305 # الظاهر مع إضمار الخلاف في الباطن، يقولون: الله، الله. ثم يقولون: مطرنا ~~بنجم كذا، ونوء كذا، ولا ينزل المطر إلا الله سبحانه غير مرتبط بنجم ولا ~~مقترن بنوء. وقد بيناه في موضعه. المسألة الثانية قال الله سبحانه: {لو ~~تدهن فيدهنون} [القلم: 9] فساقه على العطف، ولو جاء به جواب التمني لقال ~~فيدهنوا، وإنما أراد أنهم تمنوا لو فعلت فيفعلون مثل فعلك عطفا، لا جزاء ~~عليه، ولا مكافأة له، وإنما هو تمثيل وتنظير. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى سنسمه على الخرطوم] # الآية الثالثة: ms1607 {سنسمه على الخرطوم} [القلم: 16]. # فيها مسألتان: المسألة الأولى: {سنسمه على الخرطوم} [القلم: 16]: ذكر فيه ~~أهل التفسير قولين: # أحدهما أنها سمة سوداء تكون على أنفه يوم القيامة يميز بها بين الناس. ~~وهذا كقوله: {يعرف المجرمون بسيماهم} [الرحمن: 41]. # وقيل: يضرب بالنار على أنفه يوم القيامة يعني وسما يكون علامة [عليه]. ~~وقد قال تعالى: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه} [آل عمران: 106]؛ فهذه علامة ~~ظاهرة. وقال: {ونحشر المجرمين يومئذ زرقا} [طه: 102] {يتخافتون بينهم إن ~~لبثتم إلا عشرا} [طه: 103] وهذه علامة أخرى ظاهرة، فأفادت هذه الآية علامة ~~ثالثة وهي الوسم على الخرطوم من جملة الوجه. المسألة الثانية قوله: {سنسمه} ~~[القلم: 16]: كان الوسم في الوجه لذوي المعصية قديما عند الناس حتى أنه روي ~~كما تقدم # PageV04P306 # أن اليهود لما أهملوا رجم الزاني واعتاضوا عنه بالضرب وتحميم الوجه، وهذا ~~وضع باطل. # ومن الوسم الصحيح في الوجه ما رأى العلماء من تسويد وجه شاهد الزور علامة ~~على قبح المعصية، وتشديدا لمن يتعاطاها لغيره ممن يرجى تجنبه بما يرجى من ~~عقوبة شاهد الزور وشهرته. # وقد كان عزيزا بقول الحق، وقد صار مهينا بالمعصية؛ وأعظم الإهانة إهانة ~~الوجه، وكذلك كانت الاستهانة به في طاعة الله سببا لحياة الأبد، والتحريم ~~له على النار؛ فإن الله قد حرم على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود، ~~حسبما ثبت في الصحيح. # PageV04P307 ### | [سورة المعارج فيها ثلاث آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى وفصيلته التي تؤويه] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {وفصيلته التي تؤويه} # [المعارج: 13]. # فيها مسألتان: المسألة الأولى الفصيلة في اللغة عندهم أقرب من القبيلة، ~~وأصل الفصيلة القطعة من اللحم. والذي عندي أن الفصيلة من فصل، أي قطع، أي ~~مفصولة كالأكيلة من أكل، والأخيذة من أخذ؛ وكل شيء فصلته من شيء فهو فصيلة؛ ~~فهذا حقيقة فيه يشهد له الاشتقاق. وأدنى الفصيلة الأبوان، فإن الله تعالى ~~يقول: {خلق من ماء دافق} [الطارق: 6] {يخرج من بين الصلب والترائب} ~~[الطارق: 7]. # وقال: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا} [النحل: 78]؛ فهذا ~~هو أدنى الأدنى، ولهذا التحقيق تفطن إمام دار ms1608 الهجرة وحبر الملة مالك بن ~~أنس - رحمه الله - قال أشهب: سألت مالكا عن قول الله تعالى: {وفصيلته التي ~~تؤويه} [المعارج: 13] قال: هي أمه، فعبر عن هذه الحقيقة، ثم صرح بالأصل، ~~فقال ابن عبد الحكم: هي عشيرته، والعشيرة وإن كانت كلها فصيلة فإن الفصيلة ~~الدانية هي الأم، وهي أيضا المراد في هذه الآية؛ لأنه قال: {يود المجرم لو ~~يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه - وصاحبته وأخيه} [المعارج: 11 - 12] {وفصيلته ~~التي تؤويه} [المعارج: 13] فذكر للقرابة معنيين، وختمها بالفصيلة المختصة ~~منهم، وهي الأم. # PageV04P308 # المسألة الثانية إذا حبس على فصيلته أو أوصى لها فمن راعى العموم حمله ~~على العشيرة، ومن ادعى الخصوص حمله على الأم، والأولى أكثر في النطق. ### | [الآية الثانية قوله تعالى إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون] # الآية الثانية قوله تعالى: {إلا المصلين} [المعارج: 22] {الذين هم على ~~صلاتهم دائمون} [المعارج: 23]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى قال ابن عباس: هي الصلوات الخمس. وقال ابن مسعود والليث: ~~هي المواقيت. وقال ابن جريج: هي النوافل. وقد تقدم ذكر المحافظة على ~~الصلوات الخمس. # فأما قول ابن جريج إنه النفل فهو قول حسن فإنه لا فرض لمن لا نفل له. وقد ~~روى الترمذي وغيره أنه تكمل صلاة الفريضة للعبد من تطوعه. وقد روي في ~~الصحيح أنه «لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - على شيء من النوافل أشد ~~معاهدة منه على ركعتي الفجر». # وقد روى الترمذي وغيره في الصحيح أنه قال - صلى الله عليه وسلم -: «من ~~صلى كل يوم ثنتي عشرة ركعة في اليوم والليلة بنى الله له بيتا في الجنة». # المسألة الثانية قال عقبة بن عامر: في قوله: {الذين هم على صلاتهم ~~دائمون} [المعارج: 23] قال: هم الذين إذا صلوا لا يلتفتون يمينا ولا شمالا ~~ولا خلف، وينظر إلى قوله: {الذين هم # PageV04P309 # عن صلاتهم ساهون} [الماعون: 5]؛ فإن الملتفت ساه عن صلاته. وفي الصحيح أن ~~أبا بكر الصديق كان لا يلتفت في صلاته، فكان عليها دائما ولها مراعيا؛ ~~والآية عامة في المحافظة عليها، وعلى مواقيتها، على فرضها ونفلها. ### | [الآية ms1609 الثالثة قوله تعالى والذين في أموالهم حق معلوم] # وأما قوله: {والذين في أموالهم حق معلوم} [المعارج: 24] وهي الآية ~~الثالثة فقد تقدم بيانه في مواضع كثيرة. # PageV04P310 ### | [سورة نوح فيها ثلاث آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى ما لكم لا ترجون لله وقارا] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {ما لكم لا ترجون لله وقارا} # [نوح: 13]. فيها مسألتان: المسألة الأولى قوله: {لا ترجون لله وقارا} ~~[نوح: 13] يعني لا تخشون لله عقابا. وعبر عن العقاب بالوقار؛ لأن من عظمه ~~فقد عرفه، وعن الخشية بالرجاء؛ لأنها نظيرته. # المسألة الثانية قوله: {وقد خلقكم أطوارا} [نوح: 14] يعني في الطول ~~والقصر، والسواد والبياض، والعلم والجهل، والإيمان والكفر، والطاعة ~~والمعصية، وكل صفة ونعت تكون لهم، وكذلك تدبيره في النشأة من تراب إلى نطفة ~~إلى علقة، إلى مضغة، إلى لحم ودم، وخلق سوي. وتحقيق القول فيه: ما لكم لا ~~تؤملون توقيركم لأمر الله ولطفه ونعمته. أدخلها القاضي أبو إسحاق في ~~الأحكام. ### | [الآية الثانية قوله تعالى وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا] # } [نوح: 26]. # فيها ثلاث مسائل: # PageV04P311 # المسألة الأولى لما قال لنوح - عليه السلام -: {أنه لن يؤمن من قومك إلا ~~من قد آمن} [هود: 36] حين استنفد ما في أصلاب الرجال وما في أرحام النساء ~~من المؤمنين، دعا عليهم نوح بقوله: {رب لا تذر على الأرض من الكافرين ~~ديارا} [نوح: 26] فأجاب الله دعوته، وأغرق أمته. وهذا كقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: «اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، هازم الأحزاب، اهزمهم ~~وزلزلهم». # المسألة الثانية دعا نوح على الكافرين أجمعين، ودعا النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - على من تحزب على المؤمنين، وألب عليهم، وكان هذا أصلا في ~~الدعاء على الكفار في الجملة، فأما كافر معين لم تعلم خاتمته فلا يدعى ~~عليه؛ لأن مآله عندنا مجهول، وربما كان عند الله معلوم الخاتمة للسعادة؛ ~~وإنما خص النبي - صلى الله عليه وسلم - الدعاء على عتبة وشيبة وأصحابه ~~لعلمه بمآلهم، وما كشف له من الغطاء عن حالهم. والله أعلم المسألة الثالثة ~~إن قيل: لم جعل نوح دعوته ms1610 على قومه سببا لتوقفه عن طلب الشفاعة للخلق من ~~الله في الآخرة. # قلنا: قال الناس: في ذلك وجهان: أحدهما أن تلك الدعوة نشأت عن غضب وقسوة؛ ~~والشفاعة تكون عن رضا ورقة، فخاف أن يعاتب بها، فيقال: دعوت على الكفار ~~بالأمس وتشفع لهم اليوم. # الثاني: أنه دعا غضبا بغير نص ولا إذن صريح في ذلك؛ فخاف الدرك فيه يوم ~~القيامة، كما قال موسى: إني قتلت نفسا لم أومر بقتلها. وبهذا أقول والله ~~أعلم، وتمامه قد ثبت في القسم الثاني. # PageV04P312 ### | [الآية الثالثة قوله تعالى رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات] # ولا تزد الظالمين إلا تبارا} [نوح: 28]. # قال المفسرون: معناه مسجدي؛ فجعل دخول المسجد سببا للدعاء بالمغفرة، وقد ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم - «إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في ~~مصلاه الذي صلى فيه ما لم يحدث، تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه»، حسبما ~~ثبت في صحيح الرواية. وفضل المساجد كثير، قد أثبتناه في صحيح الحديث وشرحه. # PageV04P313 ### | [سورة الجن فيها آيتان] # [الآية الأولى قوله تعالى قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن # فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا} [الجن: 1] إلى: {هربا} [الجن: 12] # فيها ست مسائل: المسألة الأولى في حقيقة الجن، وقد بيناها في كتب الأصول، ~~وأوضحنا أنهم أحد خلق الأرض، أنزل أبوهم إبليس إليها، كما أنزل أبونا آدم، ~~هذا مرضي عنه، وهذا مسخوط عليه. # وقد روى عكرمة، عن ابن عباس أن الجان مسخ الجن، كما مسخت القردة من بني ~~إسرائيل. # وقال شيخنا أبو الحسن في كتاب المختزن: إن إبليس كان من الملائكة، ولم ~~يكن من الجن. ولست أرضاه، وقد بينا ذلك في كتب الأصول ### | [مسألة هل قرأ رسول الله على الجن ورآهم] # المسألة الثانية روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: «ما قرأ رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - على الجن ولا رآهم انطلق رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في طائفة من أصحابه ms1611 عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين ~~خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فقالوا: ما حال # PageV04P314 # بيننا وبين خبر السماء إلا حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، تتبعون ما ~~هذا الخبر الذي حال بينكم وبين خبر السماء؛ فضربوا مشارق الأرض ومغاربها، ~~فانصرف أولئك النفر الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وهو بنخلة عامدا إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما ~~سمعوا القرآن استمعوا له، فقالوا: هذا والله الذي حال بيننا وبين خبر ~~السماء. # قال: فهناك رجعوا إلى قومهم، وقالوا: يا قومنا؛ {إنا سمعنا قرآنا عجبا} ~~[الجن: 1] {يهدي إلى الرشد # PageV04P315 # فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا} [الجن: 2] فأنزل الله تعالى على نبيه: {قل ~~أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن} [الجن: 1] وإنما أوحي إليه قول الجن». # قال ابن عباس: قول الجن لقومهم: {لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون ~~عليه لبدا} [الجن: 19]؛ قال: لما رأوه وأصحابه يصلون بصلاته، ويسجدون ~~بسجوده قال: فتعجبوا من طواعية أصحابه له، قالوا لقومهم: {لما قام عبد الله ~~يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا} [الجن: 19]. صح ذلك عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ولفظه للترمذي ولفظ البخاري: قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس ~~قال: «انطلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في طائفة من أصحابه عامدين ~~إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، ~~فرجعت الشياطين، فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، ~~وأرسلت علينا الشهب. قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا حدث، ~~فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها ينظرون ما هذا الأمر الذي حال بينهم ~~وبين خبر السماء. قال: فانطلق الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بنخلة، وهو عامد إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة ~~الفجر. فلما سمعوا القرآن سمعوا له، فقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر ~~السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم، فقالوا: يا قومنا {إنا سمعنا قرآنا عجبا} ~~[الجن: 1] {يهدي إلى الرشد فآمنا ms1612 به ولن نشرك بربنا أحدا} [الجن: 2]. وأنزل ~~الله على نبيه: {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن} [الجن: 1]. وإنما أوحي ~~إليه قول الجن». # وفي الصحيح عن علقمة قال: «قلت لابن مسعود: هل صحب النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ليلة الجن منكم أحد؟ قال: ما صحبه منا أحد؛ ولكن افتقدناه ذات ليلة ~~وهو بمكة، فقلنا: اغتيل، استطير، ما فعل به؟ فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، ~~حتى إذا أصبحنا أو كان في وجه الصبح إذا نحن به من قبل حراء. قال: فذكروا ~~له الذي كانوا فيه قال: فقال: أتاني داعي الجن، فأتيتهم فقرأت عليهم القرآن ~~فانطلق فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم.» # وابن مسعود أعرف بالأمر من ابن عباس؛ لأنه شاهده، وابن عباس سمعه؛ وليس ~~الخبر كالمعاينة. ### | [مسألة زاد الجن] # المسألة الثالثة قال الشعبي في روايته: «وسألوه الزاد، وكانوا من جن ~~الجزيرة، فقال: كل عظم يذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما كان لحما، ~~وكل بعرة أو روثة علف لدوابكم. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فلا ~~تستنجوا به فإنه زاد إخوانكم من الجن». # وقد أنكر جماعة من كفرة الأطباء والفلاسفة الجن وقالوا إنهم بسائط ولا ~~يصح طعامهم؛ اجتراء على الله وافتراء [عليه]. # وقد مهدنا الرد عليهم في كتب الأصول، وبينا جواز وجودهم عقلا لعموم ~~القدرة الإلهية، وأوضحنا وجوب وجودهم شرعا بالخبر المتواتر من القرآن ~~والسنة، وأن الله خلق لهم من تيسر التصور في الهيئات ما خلق لنا من تيسر ~~التصور في الحركات؛ فنحن إلى أي جهة شئنا ذهبنا، وهم في أي صورة شاءوا ~~تيسرت لهم، ووجدوا عليها، ولا نراهم في هيئاتهم، إنما يتصورون في خلق ~~الحيوانات. # وقولهم: إنهم بسائط، فليس في المخلوقات بسيط، بل الكل مركب مزدوج، إنما # PageV04P316 # الواحد الله سبحانه؛ وغيره مركب ليس بواحد كيفما تصرف حاله؛ وليس يمتنع ~~أن يراهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في صورهم، كما يرى الملائكة؛ وأكثر ~~ما يتصورون لنا في صور الحيات؛ ففي الحديث الصحيح عن مالك وغيره عن أبي ~~السائب ms1613 مولى هشام بن زهرة «أنه دخل على أبي سعيد الخدري في بيته؛ قال: ~~فوجدته يصلي، فجلست أنتظره حتى تقضى صلاته، فسمعت تحريكا في عراجين من ~~ناحية البيت، فالتفت فإذا حية، فوثبت لأقتلها، فأشار إلي أن أجلس، فجلست، ~~فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار، فقال: أترى هذا # البيت؟ فقال: نعم. فقال: كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس. قال: فخرجنا مع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الخندق، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بأنصاف النهار، فيرجع إلى أهله، فاستأذنه ~~يوما، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: خذ عليك سلاحك؛ فإني أخشى ~~عليك قريظة. فأخذ الرجل سلاحه، ثم رجع، فإذا امرأته بين البابين قائمة، ~~فأهوى إليها بالرمح ليطعنها به، وأصابته غيرة، فقالت له: كف عليك رمحك، ~~وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني، فدخل، فإذا حية عظيمة منطوية على ~~الفراش، فأهوى إليها بالرمح، فانتظمها، ثم خرج به فركزه في الدار، فاضطربت ~~عليه فما ندري أيهما كان أسرع موتا: الحية أم الفتى. قال: فجئنا إلى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فذكرنا له ذلك، قلنا: ادع الله يحييه لنا. فقال: ~~استغفروا لصاحبكم. ثم قال: إن بالمدينة جنا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم ~~شيئا فآذنوه ثلاثا، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإنما هو شيطان». # وفي الصحيح أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن لهذه البيوت عوامر، فإذا ~~رأيتم منها شيئا فحرجوا عليها ثلاثا، فإن ذهب وإلا فاقتلوه، فإنه كافر». # أو قال: «اذهبوا فادفنوا صاحبكم». # ومن حديث ابن عجلان عن أبي السائب عن أبي سعيد: أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «إن بالمدينة نفرا من الجن أسلموا، فمن رأى شيئا من هذه ~~العوامر فليؤذنه ثلاثا، فإن بدا له بعد فليقتله، فإنه شيطان». # وقد روى ابن أبي ليلى «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن ~~الحيات التي تكون في البيوت، فقال: إذا رأيتم منهن شيئا بعد ذلك فقولوا: ~~نشدتكم العهد الذي أخذ عليكم ms1614 # PageV04P317 # نوح نشدتكم العهد الذي أخذ عليكم سليمان ألا تؤذونا، فإن رأيتم منهن شيئا ~~بعد ذلك فاقتلوهن.» المسألة الرابعة قال مالك في رواية ابن وهب عنه في ~~التقديم إلى الحيات يقول يا عبد الله؛ إن كنت تؤمن بالله ورسوله وكنت مسلما ~~فلا تؤذنا ولا تشعفنا، ولا تروعنا، ولا تبدون لنا، فإنك إن تبد بعد ثلاث ~~قتلتك. قال ابن القاسم: قال مالك: يحرج عليه ثلاث مرات ألا يبدو لنا، ولا ~~يخرج. # وقال أيضا عنه: أحرج عليك بأسماء الله ألا تبدو لنا. # قال القاضي: ثبت في الصحيح «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مع ~~أصحابه في غار، وهو يقرأ: {والمرسلات عرفا} [المرسلات: 1] وإن فاه لرطب ~~بها، حتى خرجت حية من غار، فبادرناها، فدخلت جحرا، فقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: وقيت شركم، ووقيتم شرها؛ ولم يأمرهم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بإنذار ولا تحريج» لأنها لم تكن من عوامر البيوت. # وأمر في الصحيح وغيره بقتل الحيات مطلقا من غير إنذار ولا تحريج، فدل على ~~أن ذلك من الإنذار إنما هو لمن في الحضر، لا لمن يكون في القفر، وقد ذهب ~~قوم إلى أن ذلك مخصوص بالمدينة، لقوله في الصحيح: إن بالمدينة جنا أسلموا. ~~وهذا لفظ مختص بها، فتختص بحكمها. # قلنا: هذا يدل على أن غيرها من البيوت مثلها؛ لأنه لم يعلل بحرمة ~~المدينة، فيكون ذلك الحكم مخصوصا بها، وإنما علل بالإسلام، وذلك عام في ~~غيرها، ألا ترى قوله في الحديث مخبرا عن الجن الذين لقي؛ فروي أنهم كانوا ~~من جن الجزيرة، وهذا بين يعضده قوله: ونهى عن عوامر البيوت، وهذا عام. # PageV04P318 # المسألة الخامسة اختلف الناس في إنذارهم والتحريج [عليهم]: هل يكون ثلاثة ~~أقوال في ثلاثة أحوال، أم يكون ثلاثة أقوال في حالة واحدة؟ والقول محتمل ~~لذلك # ولا يمكن حمله على العموم، لأنه إثبات لمفرد في نكرة، وإنما يكون العموم ~~في المفردات إذا اتصلت بالنفي حسبما بيناه في أصول الفقه، وفيما سبق هاهنا. # والصحيح أنه ثلاث مرات في حالة واحدة؛ لأنا لو جعلناها ms1615 ثلاث مرات في ثلاث ~~حالات لكان ذلك استدراجا لهن وتعريضا لمضرتهن، ولكن إذا ظهرت تنذر كما ~~تقدم، فإن فرت وإلا أعيد عليها القول فإن فرت وإلا أعيد عليها الإنذار ~~ثلاثا، فإن فرت وإلا أعيد لها الإنذار، فإن فرت وغابت وإلا قتلت المسألة ~~السادسة قال من لم يفهم أو من لم يسلم: كيف ينذر بالقول ويحرج بالعهد على ~~البهائم والحشرات، وهي لا تعقل الأقوال، ولا تفهم المقاصد والأغراض؟ قلنا: ~~الحيات على قسمين: قسم حية على أصلها، فبيننا وبينها العداوة الأصلية في ~~معاضدة إبليس على آدم، وإلى هذا وقعت الإشارة بقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: ما سالمناهن منذ حاربناهن. # فهذا القسم يقتل ابتداء من غير إنذار ولا إمهال وعلامته البتر والطفى ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «اقتلوا الأبتر وذا الطفيتين»؛ فإن كانت على ~~غير هذه الهيئة احتمل أن تكون حية أصلية، واحتمل أن تكون جنيا [تصور] ~~بصورتها، فلا يصح الإقدام بالقتل على المحتمل، لئلا يصادف منهيا عنه حسبما ~~يروى للعروس بالمدينة حين قتل الحية، فلم يعلم أيهما كان أسرع موتا هو أم ~~الحية. # ويكشف هذا الخفاء الإنذار، فإن صرم كان علامة على أنه ليس بمؤمن، أو أنه ~~من جملة الحيات الأصليات، إذ لم يؤذن للجن في التصور على البتر والطفى، ولو ~~تصورت في هذا كتصورها في غيره لما كان لتخصيص النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بالإطلاق بالقتل في # PageV04P319 # ذين والإنذار في سواهما معنى. وإنما تعلق البليد والمرتاب بعدم فهمهن، ~~فيقال: إيه انظر إلى # التقسيم، إن كنت تريد التسليم لا يخلو أن تكون حية جنية أو أصلية، فإن ~~كانت جنية فهي أفهم منك، وإن كانت أصلية فصاحب الشرع أذن في الخطاب، ولو ~~كان لمن لا يفهم لكان أمرا بالتلاعب. ولا يجوز ذلك على الأنبياء. فإن شك في ~~النبوة، أو في خلق الجن، أو في صفة من هذه الصفات فلينظر في المقسط ~~والمتوسط والمشكلين يعاين الشفاء من هذا الإشكال إن شاء الله تعالى. # فإن قيل: إنما يحتاج الإنذار للتفرقة بين الجان والحيوان، فإن ms1616 كف فهو جن ~~مؤمن، وإلا كان كافرا أو حيوانا. # قلنا: أما الحيوان فقد جعلت له علامة. وأما غيره فقد خص بالإنذار؛ ~~والحيوان يفهم بالإنذار كما يفهم بالزجر؛ ولهذا تؤدب البهيمة. والله أعلم. ~~. ### | [الآية الثانية قوله تعالى وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا] # } [الجن: 18] # فيها خمس مسائل: # المسألة الأولى الأرض كلها لله ملكا وخلقا، كما قال الله سبحانه وتعالى: ~~{إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده} [الأعراف: 128]. والمساجد لله رفعة ~~وتشريفا، كما قال تعالى: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} [الجن: ~~18] والكعبة بيت الله تخصيصا وتعظيما، كما قال تعالى: {أن طهرا بيتي ~~للطائفين والعاكفين} [البقرة: 125]. # وفي موضع آخر: " والقائمين " فجعل الله تعالى الأرض كلها مسجدا [كما قال ~~- صلى الله عليه وسلم -: «جعلت لي الأرض مسجدا] وطهورا» واصطفى منها مواضع ~~ثلاثا بصفة المسجدية، وهي: المسجد الأقصى وهو مسجد إيلياء، ومسجد النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، والمسجد الحرام. واصطفى من الثلاثة المسجد الحرام في ~~قول، ومسجد النبي # PageV04P320 # - صلى الله عليه وسلم - في قول على اختلاف في أيها أفضل، حسبما بيناه في ~~مسائل الخلاف. فقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «صلاة في ~~مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» # واختلف في هذا الاستثناء؛ هل هو على تفضيل المفضل أو احتماله؟ فمنهم من ~~قال: إنه مفضل بتفضيل المسجد الحرام على مسجد المدينة. ومنهم من قال إنه ~~محتمل، وهو الصحيح؛ لأن كل تأويل تضمن فيه مقدارا يجوز تقديره على خلافه؛ ~~على أنه قد روي من طريق لا بأس بها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام؛ فإن صلاة ~~فيه خير من مائة صلاة في مسجدي»، ولو صح هذا لكان نصا. ### | [مسألة المساجد لله ملكا وتشريفا] # المسألة الثانية المساجد وإن كانت لله ملكا وتشريفا فإنها قد نسبت إلى ~~غيره تعريفا، فيقال: مسجد فلان. # وفي صحيح الحديث «أن النبي - صلى الله عليه ms1617 وسلم - سابق بين الخيل التي ~~أضمرت من الحيفاء وأمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من ~~الثنية إلى مسجد بني زريق» وتكون هذه الإضافة بحكم المحلية، كأنها في ~~قبلتهم، وقد تكون بتحبيسهم، فإن الأرض لله ملكا، ثم يخص بها من يشاء، ~~فيردها إليه، ويعينها لعبادته، فينفذ ذلك بحكمه، ولا خلاف بين الأمة في ~~تحبيس المساجد والقناطر والمقابر وإن اختلفوا في تحبيس غير ذلك المسألة ~~الثالثة إذا تعينت لله أصلا، وعينت له عقدا، فصارت عتيقة عن التملك، مشتركة ~~بين الخليقة في العبادة فإنه يجوز اتخاذ الأبواب لها، ووضع الإغلاق عليها ~~من باب الصيانة لها؛ فهذه الكعبة بأبوابها، وكذلك أدركنا المساجد الكريمة. # وفي البخاري مدرجا، وفي كتاب أبي داود مسندا: «كانت الكلاب تقبل وتدبر، ~~وتبول في المسجد، فلا يرشون ذلك»؛ ولم يكن للمسجد حينئذ باب، ثم # PageV04P321 # اتخذ له الباب بعد ذلك، ولم يكن ترك الباب له شرعا، وإنما كان من تقصير ~~النفقة واختصار الحالة. ### | [مسألة قسمة الأموال في المساجد] # المسألة الرابعة مع أن المساجد لله لا يذكر فيها غير الله فإنه تجوز ~~القسمة للأموال فيها، ويجوز وضع الصدقات فيها على رسم الاشتراك بين ~~المساكين، فكل من جاء أكل، ويجوز حبس الغريم فيها، وربط الأسير، والنوم ~~فيها، وسكنى المريض فيها، وفتح الباب للجار، وإنشاء الشعر فيها إذا عري عن ~~الباطل، ولا نبالي أن يكون غزلا، وقد بينا ذلك في موضعه. المسألة الخامسة ~~قوله: {فلا تدعوا مع الله أحدا} [الجن: 18] هذا توبيخ للمشركين في دعواهم ~~مع الله غيره في المسجد الحرام، وهو لله اصطفاه لهم، واختصهم به، ووضعه ~~مسكنا لهم. # وأحياه بعد الممات على يد أبيهم، وعمره من الخراب بسلفهم، وحين بلغت ~~الحالة إليهم كفروا هذه النعمة، وأشركوا بالله غيره، فنبه الله ورسوله ~~عليهم، وأوعز على لسانه إليهم به، وأمرهم بإقامة الحق فيه، وإخلاص الدعوة ~~لله بمعالمه. # PageV04P322 ### | [سورة المزمل فيها تسع آيات] ### | [الآية الأولى والثانية والثالثة قوله تعالى يأيها المزمل قم الليل إلا قليلا] # الآية الأولى قوله تعالى: {يا أيها المزمل} [المزمل: ms1618 1] {قم الليل إلا ~~قليلا} [المزمل: 2] # فيها مع التي تليها ست مسائل: المسألة الأولى قوله تعالى: {يا أيها ~~المزمل} [المزمل: 1] هو الملتف، بإضافة الفعل إلى الفاعل، وكل شيء لفف في ~~شيء فقد زمل به؛ ومنه قيل للفافة الراوية والقربة زمال. # وفي الحديث في قتلى أحد: «زملوهم بثيابهم ودمائهم» أي لففوهم، يقال تزمل ~~يتزمل؛ فإذا أدغمت التاء قلت: ازمل بتشديدين. # واختلف في تأويله؛ فمنهم من حمله على حقيقته، قيل له: يا من تلفف في ~~ثيابه أو في قطيفته قم؛ قاله إبراهيم وقتادة. ومنهم من حمله على المجاز ~~كأنه قيل له: يا من تزمل بالنبوة. # روى عكرمة أنه قال: معناه يا من تزمل، أي زملت هذا الأمر فقم به. # [فأما العدول عن الحقيقة إلى المجاز فلا يحتاج إليه لا سيما وفيه خلاف ~~الظاهر؛ وإذا تعاضدت الحقيقة والظاهر لم يجز العدول عنه. وأما قول عكرمة: ~~إنك زملت هذا الأمر فقم به]؛ وإنما يسوغ هذا التفسير لو كانت الميم مفتوحة ~~مشددة بصيغة المفعول الذي لم يسم فاعله، وأما وهو بلفظ الفاعل فهو باطل. # PageV04P323 # وأما قول من قال: إنه زمل بالقرآن فهو صحيح في المجاز، لكنه كما قدمنا لا ~~يحتاج إليه، ويشهد لمعناه حديث يؤثر لم يصح، وهو قوله: «إن الله قد زادكم ~~صلاة إلى صلاتكم هذه وهي الوتر، فأوتروا يا أهل القرآن.» ### | [مسألة معنى الآية لغويا قم] # المسألة الثانية في المعنى وهو الأول في القول قوله: {قم} [المزمل: 2] هو ~~فعل لا يتعدى ولكنه على أصل الأفعال القاصرة في تعديه إلى الظروف، فأما ظرف ~~الزمان فسائغ فيه، وارد كثيرا به # يقال: قام الليل، وصام النهار، فيصح ويفيد. وأما ظرف المكان فلا يصل إليه ~~إلا بواسطة، لا تقول: قمت الدار حتى تقول وسط الدار وخارج الدار. وقد قيل ~~قم هاهنا بمعنى صل؛ عبر به عنه، واستعير له عرفا فيه بكثرة الاستعمال. ### | [مسألة معنى قوله تعالى الليل] # . المسألة الثالثة قوله {الليل} [المزمل: 2] فخصه بالذكر. واختلف في وجه ~~تخصيصه؛ فمنهم من قال: خصه بالذكر لأنه أشق. وسيأتي بيانه وقيل: ms1619 خصه بالذكر ~~لأنه كان فرضا. # في صحيح مسلم وغيره عن عائشة واللفظ لمسلم: «قال سعد بن هشام بن عامر: ~~فانطلقت إلى عائشة. فقلت: يا أم المؤمنين؛ أنبئيني عن خلق النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. قالت ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى. قالت: فإن خلق النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان القرآن. قال: فهممت أن أقوم ولا أسأل أحدا عن شيء حتى ~~أموت. ثم قلت: أنبئيني عن قيام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقالت: ~~ألست تقرأ: {يا أيها المزمل} [المزمل: 1]، قلت: بلى. قالت: فإن الله افترض ~~قيام الليل في أول هذه السورة، فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ~~حولا، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرا في السماء، حتى أنزل الله في آخر ~~هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعا بعد فريضته» وذكر الحديث. ### | [مسألة الله سبحانه خلق المكان والزمان سعة للإنسان] # . المسألة الرابعة إن الله سبحانه خلق المكان والزمان سعة للإنسان ومجالا ~~للعمل كما تقدم في قوله: # PageV04P324 # {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا} ~~[الفرقان: 62]، وكما أن العمل في الآدمي أصل خلقي، فكذلك الزمان للسياحة ~~وجه خلقي أيضا، لكن الحكمة فيه أن يقدم للدار الأخرى، ويعتمد فيه قبل العمل ~~ما هو به أولى وأحرى، ولو عمره كله بالشكر والذكر ورزق على ذلك قدرة ما كان ~~قضاء لحق النعمة، فوضعه الله أوقاتا للعبادة، وأوقاتا للعادة. # فالنهار خمسة أقسام: الأول: من الصبح إلى طلوع الشمس، محل # لصلاة الصبح، وهو فسحة للفريضة، فإن أديت كانت فيه محلا للذكر، وكان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى الصبح جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس ~~[حسا]، فإذا طلعت قام إلى وظيفته الآدمية حتى تبيض الشمس، فيكون هنالك ~~عبادة نفلية يمتد وقتها إلى أن تجد الفصال حر الشمس في الأرض، لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: «صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال». # وهو أيضا خلفة لمن نام عن قيام الليل، لقوله - عليه الصلاة والسلام -: ~~«من فاته حزبه من الليل فصلاه ms1620 ما بين صلاة الصبح إلى صلاة الظهر فكأنه لم ~~يفته وهو مغمور بحال المعاش». # [قال الإمام]: كنا بثغر الإسكندرية مرابطين أياما، وكان في أصحابنا رجل ~~حداد، وكان يصلي معنا الصبح، ويذكر الله إلى طلوع الشمس، ثم يحضر حلقة ~~الذكر، ثم يقوم إلى حرفته، حتى إذا سمع النداء بالظهر رمى بالمرزبة في ~~أثناء العمل وتركه، وأقبل على الطهارة، وجاء المسجد فصلى وأقام في صلاة أو ~~ذكر حتى يصلي العصر، ثم ينصرف إلى منزله في معاشه، حتى إذا غابت الشمس جاء ~~فصلى المغرب، ثم عاد إلى فطره، ثم يأتي المسجد فيركع أو يسمع ما يقال من ~~العلم، حتى إذا صلى العشاء الآخرة انصرف إلى منزله. # وهو محل للقائلة، وهي نوم النهار المعين على قيام الليل في الصلاة أو ~~العلم. # فإذا زالت الشمس حانت صلاة الظهر، فإذا صار ظل كل شيء مثله حانت صلاة ~~العصر، فإذا غربت الشمس زال النهار بوظائفه ونوافله. # PageV04P325 # ثم يدخل الليل فتكون صلاة المغرب، وكان ما بعدها وقتا للتطوع، يقال إنه ~~المراد بقوله: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} [السجدة: 16] وإنه المراد أيضا ~~بقوله: {إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا} [المزمل: 6] # ثم يغيب الشفق فتدخل العشاء الآخرة، ويمتد وقتها إلى نصف الليل أو ثلثه، ~~وهو محل النوم إذا صلى العشاء [الآخرة] إلى نصف الليل فإذا انتصف الليل فهو ~~وقت لقيام الليل. # في الحديث الصحيح: «ينزل ربنا جل وعلا كل ليلة إلى السماء الدنيا إذا ذهب ~~شطر الليل. فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني ~~فأغفر له، حتى إذا ذهب ثلث الليل فهو أيضا وقت للقيام»، لقوله: «إذا بقي ~~ثلث الليل ينزل ربنا إلى سماء الدنيا» الحديث. # وفي الحديث أيضا خرجه مسلم «إذا ذهب ثلث الليل الأول ينزل ربنا إلى ~~السماء الدنيا، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من ~~يستغفرني فأغفر له»؟ وعلى هذا الترتيب جاء قوله تعالى: {قم الليل إلا ~~قليلا} [المزمل: 2] {نصفه أو انقص منه قليلا} [المزمل: 3] هو إذا بقي ثلث ~~الليل {أو ms1621 زد عليه} [المزمل: 4]: هو إذا ذهب ثلث الليل الأول، وبهذا ~~الترتيب انتظم الحديث والقرآن فإنهما ينظران من مشكاة واحدة، حتى إذا بقي ~~سدس الليل كان محلا للنوم، ففي الحديث الصحيح: «أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - حث على سنن داود في صومه وقيامه، فقال - عليه السلام -: إن داود كان ~~ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، ثم يطلع الفجر فتعود الحالة ~~الأولى هكذا أبدا، ذلك تقدير العزيز العليم، وتدبير العلي الحكيم.» ### | [مسألة التهجد بالليل] # المسألة الخامسة قوله: {إلا قليلا} [المزمل: 2]: استثنى من الليل كله " ~~قليلا " وهذا استثناء على وجه كلامه فيه، وهو إحالة التكليف على مجهول يدرك ~~علمه بالاجتهاد؛ إذ لو قال: إلا ثلثه، أو ربعه، أو سدسه، لكان بيانا نصا، ~~فلما قال: {إلا قليلا} [المزمل: 2] وكان مجملا لا يدرك إلا بالاجتهاد دل ~~ذلك على أن القياس أصل من أصول الشريعة، وركن من أركان أدلة التكليف. # PageV04P326 # المسألة السادسة وهي من الآية الثانية قوله: {نصفه} [المزمل: 3]. # ذكر علماء الأصول أن قوله: {نصفه} [المزمل: 3] دليل على استثناء الأكثر ~~من الجملة، وإنما يفيد استثناء شيء فبقي مثله، والمطلوب استثناء شيء من ~~الجملة فبقي أقل منها تحت اللفظ المتناول للجميع، وهذا مبني على أصل، وهو ~~أن قوله: {نصفه} [المزمل: 3] بدل من قوله: # {الليل} [المزمل: 2]؛ كأن تقدير الكلام قم نصف الليل أو انقص منه أو زد ~~عليه يسيرا، ويعضده حديث ابن عباس في الصحيح: بت عند خالتي ميمونة حتى إذا ~~انتصف الليل أو قبله بقليل أو بعده بقليل، «استيقظ رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقام إلى شن معلق، فتوضأ وضوءا خفيفا» ذكر أول الحديث وآخره. # وإن كان قوله: {نصفه} [المزمل: 3] بدلا من قوله: {قليلا} [المزمل: 3] كان ~~تقدير الكلام: قم الليل إلا نصفه، أو أقل من نصفه، أو أكثر من نصفه، ويكون ~~أيضا استثناء الأكثر من متناول الجملة، وإذا احتمل الوجهين سقط الاحتجاج ~~به، لا سيما والأول أظهر. # وفي الصحيح: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر بحبل معلق في المسجد، ~~فسأل عنه، فقيل له: ms1622 فلانة تصلي لا تنام الليل، فإذا أضعفت تعلقت به؛ فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: اكلفوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل ~~حتى تملوا.» # وقد اندرجت الآية الثالثة في هذه الأوجه، وهي قوله: {أو زد عليه ورتل ~~القرآن ترتيلا} [المزمل: 4] قال أهل اللغة: معناه بين قراءته، تقول العرب: ~~ثغر رتل ورتل بفتح العين وكسرها إذا كان مفلجا لا فضض فيه. قال مجاهد: ~~معناه بعضه إثر بعض. وقال سعيد بن جبير: معناه فسره تفسيرا، يريد تفسير ~~القراءة، حتى لا يسرع فيه فيمتزج بعضه ببعض. وقد روى الحسن «أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - مر برجل يقرأ آية ويبكي، فقال: ألم تسمعوا إلى قول الله ~~تعالى: {ورتل القرآن ترتيلا} [المزمل: 4]؛ هذا الترتيل» وسمع رجل علقمة ~~يقرأ قراءة حسنة، فقال: رتل القرآن، فداك أبي وأمي. وقد روى أنس «أن قراءة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يمد صوته مدا». وقد تقدم تمام هذا. # PageV04P327 ### | [الآية الرابعة قوله تعالى إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا] # } [المزمل: 5] فيها قولان: أحدهما ثقله على النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~حين كان يلقيه الملك إليه، وقد «سئل كيف يأتيك الوحي؟ فقال: أحيانا يأتيني ~~الملك مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني، وقد وعيت ما قال». وقد ~~كان ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيتفصد جبينه عرقا. # الثاني: ثقل العمل به؛ قاله الحسن، وقتادة، وغيرهما. # والأول أولى؛ لأنه قد جاء: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [الحج: 78] ~~وجاء «عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: بعثت بالحنيفية السمحة». # وقد قيل: أراد ثقله في الميزان. # وقد روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينزل عليه الوحي وهو على ~~ناقته، فتلقي بجرانها على الأرض، فلا يزال كذلك حتى يسري عنه» وهذا يعضد ~~ثقل الحقيقة. ### | [الآية الخامسة قوله تعالى إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا] # } [المزمل: 6]: فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى {ناشئة الليل} [المزمل: 6]، فاعلة من قولك: نشأ ينشأ، فهو ~~ناشئ، ونشأت تنشأ فهي ناشئة ومنه قوله ms1623 تعالى: {أومن ينشأ في الحلية وهو في ~~الخصام غير مبين} [الزخرف: 18] # وقال العلماء بالأثر: إذا نشأت بحرية، ثم تشاءمت فتلك عين غديقة # PageV04P328 # المسألة الثانية اختلف العلماء في تعيينها على أقوال، جملتها قولان: ~~أحدهما أنها بين المغرب والعشاء، منهم ابن عمر، إشارة إلى أن لفظ نشأ يعطي ~~الابتداء، فهو بالأولية أحق، ومنه قول الشاعر: # ولولا أن يقال صبا نصيب ... لقلت بنفسي النشأ الصغار # الثاني: أنه الليل كله؛ قال ابن عباس: وهو الذي اختاره مالك بن أنس، وهو ~~الذي يعطيه اللفظ، وتقتضيه اللغة. ### | [مسألة قراءة قوله تعالى أشد وطئا] # المسألة الثالثة: قوله {أشد وطئا} [المزمل: 6]: قرئ بفتح الواو وإسكان ~~الطاء فممن قرأه كذلك نافع، وابن كثير، والكوفيون # وقرئ بكسر الطاء ممدودا، وممن قرأه كذلك أهل الشام وأبو عمرو # فأما من قرأه بفتح الواو وإسكان الطاء فإنه أشار إلى ثقله على النفس ~~لسكونها إلى الراحة في الليل وغلبة النوم فيه على المرء. وأما من قرأه بكسر ~~الفاء وفتح العين فإنه من المواطأة وهي الموافقة؛ لأنه يتوافق فيه السمع ~~لعدم الأصوات، والبصر لعدم المرئيات، والقلب لفقد الخطرات. قال مالك: أقوم ~~قيلا: هدوا من القلب وفراغا له. # والمعنيان فيه صحيحان؛ لأنه يثقل على العبد وأنه الموافق للقصد. ### | [الآية السادسة قوله تعالى إن لك في النهار سبحا طويلا] # } [المزمل: 7] فيه أربع مسائل: # المسألة الأولى قال أهل اللغة: معناه اضطرابا ومعاشا وتصرفا، سبح يسبح: ~~إذا تصرف # PageV04P329 # واضطرب، ومنه سباحة الماء، ومنه قوله: {كل في فلك يسبحون} [الأنبياء: 33] ~~يعنى يجرون. وقال: {والسابحات سبحا} [النازعات: 3]؛ قيل: الملائكة تسبح بين ~~السماء والأرض، أي تجري وقيل: هي السفن: أرواح المؤمنين تخرج بسهولة. # وقال أبو العالية: معناه فراغا طويلا؛ وساعده عليه غيره. فأما حقيقة (س ب ~~ح) فالتصرف والاضطراب؛ فأما الفراغ فإنما يعني به تفرغه لأشغاله وحوائجه عن ~~وظائف تترتب عليه؛ فأحد التفسيرين لفظي والآخر معنوي المسألة الثانية قرئ ~~سبخا بالخاء المعجمة، ومعناه راحة وقيل نوما. # والتسبيخ: النوم الشديد، يقال سبخ، أي نام بالخاء المعجمة، وسبح بالحاء ~~المهملة: أي تصرف كما تقدم. ms1624 # وفي الحديث أنه «سمع عائشة تدعو على سارق، فقال: لا تسبخي عنه بدعائك»، ~~أي لا تخففي عنه، فإن السارق أخذ مالها، وهي أخذت من عرضه، فإذا وقعت ~~المقاصة كان تخفيفا مما لها عليه من حق السرقة. # ويعضده قوله تعالى في الأثر: «من دعا على من ظلمه فقد انتصر» # وهذه إشارة إلى أن الليل عوض النهار، وكذلك النهار عوض الليل كما تقدم في ~~قوله تعالى: {وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد ~~شكورا} [الفرقان: 62] ### | [مسألة نوم القائلة الذي يستريح به العبد من قيام الليل] # المسألة الثالثة في هذه الآية تنبيه على نوم القائلة الذي يستريح به ~~العبد من قيام الليل في الصلاة أو في العلم المسألة الرابعة في حال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في ذلك: فقد كان يصلي إحدى عشرة ركعة، وروي ثلاث عشرة ~~ركعة، يوتر منها بخمس لا يجلس إلا في آخرها. # PageV04P330 # وروي أنه كان يصلي بعد العشاء ركعتين، ويصلي من الليل تسعا منها الوتر، ~~وكان ينام أول الليل، ويحيي آخره، وما ألفاه السحر إلا عند أهله قائما وكان ~~يوتر في آخر الليل حتى انتهى وتره إلى السحر، وما قرأ القرآن كله قط في ~~ليلة، ولا صلى ليلة إلى الصبح، وكان إذا فاته قيام الليل من وجع أو غيره ~~صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة، وكان يقول: «الوتر ركعة من آخر الليل» ~~ويقول: «أوتروا قبل أن تصبحوا» وقال «صلاة آخر الليل مشهودة» وذلك أفضل ~~وهذا كله صحيح في الصحيح، وقد بينا في شرح الحديث الجمع بين اختلاف ~~الروايات في عدد صلاته، فإنه كان يصلي إحدى عشرة ركعة، وهي كانت وظيفته ~~الدائمة، وكان يفتتح صلاة الليل بركعتين خفيفتين، فهذه ثلاث عشرة ركعة. # وكان يصلي إذا طلع الفجر ركعتين، ثم يخرج إلى صلاة الصبح، فهذا تأويل قول ~~من روى أنه كان يصلي خمس عشرة ركعة. # وقد روت عائشة في الصحيح «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي تسع ~~ركعات فيها الوتر» ولعل ذلك كان حين ms1625 ضعف وأسن وحطمه البأس، أو كان لألم، ~~والله أعلم. ### | [الآية السابعة قوله تعالى واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا] # } [المزمل: 8]: فيها مسألتان: # المسألة الأولى في معنى التبتل، وهو عند العرب التفرد؛ قاله ابن عرفة " ~~وقال غيره وهو الأقوى: هو القطع، يقال: بتل إذا قطع، وتبتل إذا كان القطع ~~في نفسه، فلذلك قالوا: إن معنى الآية انفرد لله، وصدقة بتلة، أي منقطعة من ~~جميع المال. وفي حديث سعد: «رد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عثمان ~~بن مظعون التبتل ولو أذن له فيه لاختصينا» يعني الانقطاع عن النساء، # PageV04P331 # وفي الأثر: لا رهبانية ولا تبتل في الإسلام، ومنه مريم العذراء البتول، ~~أي التي انقطعت عن الرجال، وتسمى فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- البتول، لانقطاعها عن نساء زمانها في الفضل والدين والنسب والحسب. # وهذا قول أحدثته الشيعة، وإلا فقد اختلف الناس في التفضيل بينها وبين ~~عائشة، وليست من المسائل المهمة، وكلتاهما من الدين والجلال في الغاية ~~القصوى، وربك أعلم بمن هو أفضل وأعلى. # وقد أشرنا إليه في كتاب المشكلين وشرح الصحيحين. # المسألة الثانية قد تقدم في سورة المائدة [تفسير] قوله تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} [المائدة: 87] حال الدين في ~~الكراهية لمن تبتل فيه، وانقطع، وسلك سبيل الرهبانية بما يغني عن إعادته، ~~وأما اليوم وقد مرجت عهود الناس، وخفت أماناتهم، واستولى الحرام على ~~الحطام، فالعزلة خير من الخلطة، والعزبة أفضل من التأهل، ولكن معنى الآية: ~~انقطع عن الأوثان والأصنام، وعن عبادة غير الله؛ وكذلك قال مجاهد: معناه ~~أخلص له العبادة، ولم يرد [انقطع عن الناس والنساء وهو اختيار البخاري لأجل ~~ما روي من «نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن] التبتل» فصار التبتل ~~مأمورا به # في القرآن، منهيا عنه في السنة؛ ومتعلق الأمر غير متعلق النهي؛ إذ لا ~~يتناقضان، وإنما بعث النبي ليبين للناس ما نزل إليهم، فالتبتل المأمور به ~~الانقطاع إلى الله بإخلاص العبادة، كما قال: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله ~~مخلصين ms1626 له الدين} [البينة: 5] # والتبتل المنهي عنه هو سلوك مسلك النصارى في ترك النكاح والترهب في ~~الصوامع، لكن عند فساد الزمان يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف ~~الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن. # PageV04P332 ### | [الآية الثامنة قوله تعالى واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا] # } [المزمل: 10]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى هذه الآية منسوخة بآية القتال، وكل منسوخ لا فائدة لمعرفة ~~معناه، لا سيما في هذا الموضع [إلا] على القول بأن المرء إذا غلب بالباطل ~~كان له أن يفعل ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الكفار حين غلبوه، ~~وهي: المسألة الثانية فأما الصبر على ما يقولون فمعلوم. وأما الهجر الجميل ~~فهو الذي لا فحش فيه. وقيل: هو السلام عليهم. وبالجملة فهو مجرد الإعراض. ### | [الآية التاسعة قوله تعالى إن ربك يعلم أنك تقوم] # أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل ~~والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر من القرآن علم أن ~~سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون ~~في سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا ~~الله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم ~~أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم} [المزمل: 20]. فيها إحدى عشرة ~~مسألة: # المسألة الأولى قوله: {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى} [المزمل: 20] الآية. ~~هذا تفسير لقوله: {قم الليل إلا قليلا} [المزمل: 2] {نصفه أو انقص منه ~~قليلا} [المزمل: 3] {أو زد عليه} [المزمل: 4] كما قدمنا. # {وطائفة من الذين معك} [المزمل: 20]: روي أنه لما نزلت: {يا أيها المزمل} ~~[المزمل: 1] {قم الليل إلا قليلا} [المزمل: 2] قاموا حتى تورمت أقدامهم، ~~فخفف الله عنهم. هذا قول عائشة، وابن # PageV04P333 # عباس، لكن عائشة قالت: خفف الله عنهم بالصلوات الخمس. وقال ابن عباس: ~~بآخر السورة، ونبينه إن شاء الله. ### | [مسألة معنى قوله تعالى والله يقدر الليل والنهار] # . المسألة الثانية قوله: {والله يقدر الليل والنهار} [المزمل: 20]؛ يعني ~~يقدره للعبادات؛ فإن ms1627 تقدير الخلقة لا يتعلق به حكم، وإنما يربط الله به ما ~~شاء من وظائف التكليف. ### | [مسألة معنى قوله تعالى علم أن لن تحصوه] # المسألة الثالثة قوله: {علم أن لن تحصوه} [المزمل: 20] يعني تطيقوه. # اعلموا وفقكم الله أن البارئ تعالى وإن كان له أن يحكم في عباده بما شاء، ~~ويكلفهم فوق الطوق، فقد تفضل بأن أخبر أنه لا يفعل. وما لا يطاق ينقسم ~~قسمين: أحدهما ألا يطاق جنسه أي لا تتعلق به قدرة. # والثاني: أن القدرة لم تخلق له، وإن كان جنسه مقدورا؛ كتكليف القائم ~~القعود أو القاعد القيام؛ وهذا الضرب قد يغلب إذا تكرر بقيام الليل منه، ~~فإنه، وإن كان مما تتعلق به القدرة، فإنه يغلب بالتكرار والمشقة، كغلبة ~~خمسين صلاة لو كانت مفروضة، كما أن الاثنين والعشرين ركعة الموظفة كل يوم ~~من الفرض والسنة تغلب الخلق، فلا يفعلونها، وإنما يقوم بها الفحول في ~~الشريعة. ### | [مسألة معنى قوله تعالى فتاب عليكم] # المسألة الرابعة قوله: {فتاب عليكم} [المزمل: 20]؛ أي رجع عليكم بالفراغ ~~الذي كنتم فيه من تكليفها لكم. وهذا يدل على أن آخر السورة هي التي نسختها، ~~كما روت عائشة في الصحيح، كما نقله المفسرون عنها. ### | [مسألة المراد من قوله تعالى فاقرءوا ما تيسر من القرآن] # المسألة الخامسة قوله: {فاقرءوا ما تيسر من القرآن} [المزمل: 20]: فيه ~~قولان: أحدهما أن المراد به نفس القراءة. # الثاني: أن المراد به الصلاة، عبر عنها بالقراءة؛ لأنها فيها، كما قال: ~~{وقرآن # PageV04P334 # الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا} [الإسراء: 78] وهو الأصح؛ لأنه عن ~~الصلاة أخبر، وإليها رجع القول. ### | [مسألة معنى قوله تعالى علم أن سيكون منكم مرضى] # المسألة السادسة قوله: {علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض ~~يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله} [المزمل: 20]: بين الله ~~سبحانه علة التخفيف بأن الخلق منهم المريض، ومنهم المسافر في طلب الرزق، ~~ومنهم الغازي، وهؤلاء يشق عليهم القيام؛ فخفف الله عن الكل لأجل هؤلاء. وقد ~~بينا حكمة الشريعة في أمثال هذا المقصد. ### | [مسألة فرض قيام الليل] ms1628 # المسألة السابعة قوله: {فاقرءوا ما تيسر منه} [المزمل: 20]: معناه صلوا ~~ما أمكن؛ ولم يفسره. ولهذا قال قوم: إن فرض قيام الليل بقي في ركعتين من ~~هذه الآية؛ قاله البخاري، وغيره، وعقد باب: «يعقد الشيطان على قافية الرأس ~~إذا لم يصل بالليل» وذكر في حديث آخر: «يعقد قافية رأس أحدكم ثلاث عقد يضرب ~~مكان كل عقدة عليك ليل طويل فارقد. فإن استيقظ فذكر الله تعالى انحلت عقدة، ~~فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة؛ فأصبح نشيطا طيب النفس؛ وإلا ~~أصبح خبيث النفس كسلان». # وذكر حديث سمرة بن جندب، «عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الرؤيا: ~~قال: أما الذي يثلغ رأسه بالحجر، فإنه الذي يأخذ القرآن فيرفضه وينام عن ~~الصلاة المكتوبة»، وحديث عبد الله بن مسعود قال: «ذكر عند النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - رجل نام الليل إلى الصباح؛ فقال: ذاك رجل بال الشيطان في ~~أذنه». # وهذه كلها أحاديث مقتضية حمل مطلق الصلاة على المكتوبة، فيحمل المطلق على ~~المقيد، لاحتماله له، وتسقط الدعوى ممن عينه لقيام الليل. # وفي الصحيح واللفظ للبخاري: «قال عبد الله بن عمر: قال لي رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - # يا عبد الله، لا تكن مثل فلان؛ كان يقوم الليل فترك قيام الليل». ولو كان ~~فرضا ما أقره النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أخبر بمثل هذا الخبر عنه، ~~بل كان يذمه غاية الذم. # PageV04P335 # وفي الصحيح عن عبد الله بن عمر قال: «كان الرجل في حياة النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إذا رأى رؤيا قصها على النبي - صلى الله عليه وسلم - فتمنيت أن ~~أرى رؤيا فأقصها على النبي - صلى الله عليه وسلم - وكنت غلاما عزبا شابا، ~~وكنت أنام في المسجد على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرأيت في ~~النوم كأن ملكين أخذاني، فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، ~~وإذا لها قرنان، وإذا فيها ناس قد عرفتهم، فجعلت أقول: أعوذ بالله من ~~النار. قال: ولقينا ملك آخر، فقال لي: لم ترع؛ فقصصتها ms1629 على حفصة، فقصتها ~~حفصة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: نعم الرجل عبد الله، لو ~~كان يصلي من الليل. فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلا»، ولو كان ترك ~~القيام معصية لما قال له الملك: لم ترع والله أعلم. ### | [مسألة تعيين القراءة في الصلاة] # . المسألة الثامنة تعلق كثير من الفقهاء في تعيين القراءة في الصلاة بهذه ~~الآية، وهي قوله: {فاقرءوا ما تيسر منه} [المزمل: 20] فقال قوم: هي آية. ~~وقال قوم: هي ثلاث آيات؛ لأنها أقل سورة، وبه قال أبو حنيفة. # وقد بينا أن المراد بالقراءة هاهنا الصلاة؛ وإنما يصح هذا التقدير، ~~ويتصور الخلاف في «قول النبي - صلى الله عليه وسلم - للرجل الذي علمه النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - الصلاة، وقال له: ارجع فصل، فإنك لم تصل. وقال له: ~~اقرأ فاتحة الكتاب، وما تيسر معك من القرآن» وقد تكلمنا عليه في مسائل ~~الخلاف بما فيه كفاية لبابه لأنا لو قلنا: إن المراد به القراءة لكان النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قد عين هذا المبهم بقوله: «لا صلاة إلا بفاتحة ~~الكتاب» خرجه الشيخان. # وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرؤها في كل ركعة، فقد اعتضد القول ~~والفعل. جواب آخر وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما قصد والله ~~أعلم التخفيف عن الرجل، فقال له: «اقرأ ما تيسر معك من القرآن» أي ما حفظت. ~~وقد ظن القاضي أبو زيد الدبوسي فحل الحنفية # الأهدر ومناضلها الأقدر أن قوله: {فاقرءوا ما تيسر منه} [المزمل: 20] مع ~~زيادة الفاتحة عليه زيادة على النص، والزيادة على النص نسخ، ونسخ القرآن لا ~~يجوز إلا بقرآن مثله، أو بخبر متواتر على الوجه الذي تمهد في أصول الفقه. # PageV04P336 # وأجاب علماؤنا بأن الزيادة على النص لا تكون نسخا، وقد قررناه في أصول ~~الفقه، وهو مذهب ضعيف جدا. # قال القاضي أبو زيد الدبوسي: الصلاة تثبت بالتواتر، فأركانها يجب أن تثبت ~~بمثله، فنأمره بقراءة فاتحة الكتاب، لخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا ~~يعيد الصلاة بتركها، لئلا تثبت الأركان بما ms1630 لم يثبت به الأصل. # قلنا: هذا باطل ليس عليه دليل، وإنما هو مجرد دعوى. وقد اتفقنا على ثبوت ~~أركان البيع بخبر الواحد، وبالقياس؛ وأصل البيع ثابت بالقرآن، وهذا بعض ما ~~قررناه في مسائل الخلاف، فلينظر ما بقي من القول هنالك إن شاء الله تعالى. ~~المسألة التاسعة قوله: {وأقيموا الصلاة} [المزمل: 20]. # المسألة العاشرة قوله: {وآتوا الزكاة} [المزمل: 20] وقد تقدم بيانهما ~~[المسألة الحادية عشرة قوله: {وأقرضوا الله قرضا حسنا} [المزمل: 20] وقد ~~تقدم ذلك في سورة البقرة] # PageV04P337 ### | [سورة المدثر فيها أربع آيات] ### | [الآية الأولى قوله تعالى يأيها المدثر] # الآية الأولى قوله تعالى: {يا أيها المدثر} [المدثر: 1]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى روى العدل في الصحيح، واللفظ للبخاري قال يحيى بن أبي ~~كثير: سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن، فقال: {يا ~~أيها المدثر} [المدثر: 1]. قلت: إنهم يقولون: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} ~~[العلق: 1]. فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله عن ذلك، وقلت له مثل ~~الذي قلت، فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حدثنا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «جاورت بحراء، فلما قضيت جواري هبطت فنوديت، فنظرت عن يميني ~~فلم أر شيئا، فرفعت رأسي فرأيت شيئا، فأتيت خديجة، فقلت: دثروني وصبوا علي ~~ماء باردا. قال: فدثروني وصبوا علي ماء باردا، فنزلت: {يا أيها المدثر} ~~[المدثر: 1] {قم فأنذر} [المدثر: 2] {وربك فكبر} [المدثر: 3] {وثيابك فطهر} ~~[المدثر: 4] {والرجز فاهجر} [المدثر: 5] {ولا تمنن تستكثر} [المدثر: 6] ~~{ولربك فاصبر} [المدثر: 7]» # وقال بعض المفسرين: إنه جرى على النبي - صلى الله عليه وسلم - من عقبة بن ~~ربيعة أمر، فرجع إلى منزله مغموما، فتلفف واضطجع، فنزلت: {يا أيها المدثر} ~~[المدثر: 1]. وهذا باطل. # وقيل: أراد يا من تدثر بالنبوة. وهذا مجاز بعيد؛ لأنه لم يكن نبيا إلا ~~بعد، على أنها أول القرآن، ولم يكن تمكن منه بعد أن كانت ثاني ما نزل. # PageV04P338 # المسألة الثانية هذه ملاطفة من الكريم إلى الحبيب؛ ناداه بحاله، وعبر عنه ~~بصفته. ومثله «قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي - رضي الله عنه ms1631 -: قم ~~أبا تراب»، إذ خرج مغاضبا لفاطمة، ونام في المسجد فسقط رداؤه وأصابه ترابه. ~~«وقوله لحذيفة يوم الخندق: قم يا نومان». ### | [الآية الثانية قوله تعالى وربك فكبر] # } [المدثر: 3] فيها مسألتان: # المسألة الأولى التكبير هو التعظيم حسبما بيناه في كتاب الأمد الأقصى، ~~ومعناه ذكر الله بأعظم صفاته بالقلب، والثناء عليه باللسان، بأقصى غايات ~~المدح والبيان، والخضوع [له] بغاية العبادة كالسجود له ذلة وخضوعا المسألة ~~الثانية هذا القول وإن كان يقتضي بعمومه تكبير الصلاة، فإنه مراد به ~~التكبير والتقديس، والتنزيه بخلع الأنداد والأصنام دونه، ولا تتخذ وليا ~~غيره، ولا تعبد ولا ترى لغيره فعلا إلا له، ولا نعمة إلا منه؛ لأنه لم تكن ~~صلاة عند نزولها، وإنما كان ابتداء التوحيد. # وقد روي «أن أبا سفيان قال يوم أحد: اعل هبل، اعل هبل؛ فقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: قولوا له: الله أعلى وأجل» وقد صار هذا اللفظ بعرف الشرع ~~في تكبير العبادات كلها أذانا وصلاة وذكرا، بقوله: " الله أكبر " وحمل عليه ~~لفظ النبي - صلى الله عليه وسلم - الوارد على الإطلاق في مواردها، منها ~~قوله: «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم» والشرع يقتضي بعرفه ما يقتضي ~~بعمومه. ومن موارده أوقات الإهلال بالذبائح لله تخليصا له من الشرك، ~~وإعلانا باسمه في النسك، وإفرادا لما شرع لأمره بالسفك. # PageV04P339 ### | [الآية الثالثة قوله تعالى وثيابك فطهر] # } [المدثر: 4] # فيها مسألتان: # المسألة الأولى اختلف العلماء في تأويل هذه الآية على قولين: أحدهما أنه ~~أراد نفسك فطهر، والنفس يعبر عنها بالثياب [كما] قال امرؤ القيس: # وإن تك قد ساءتك منى خليقة ... فسلي ثيابي من ثيابك تنسلي # الثاني أن المراد به الثياب الملبوسة، فتكون حقيقة، ويكون [التأويل] ~~الأول مجازا. والذي يقول: إنها الثياب المجازية أكثر. روى ابن وهب عن مالك ~~أنه قال: ما يعجبني أن أقرأ القرآن إلا في الصلاة والمساجد، لا في الطريق ~~قال الله تعالى: {وثيابك فطهر} [المدثر: 4] يريد مالك أنه كنى بالثياب عن ~~الدين. # وقد روى عبد الله بن نافع عن أبي بكر بن عبد العزيز بن عبد الله بن ms1632 عمر ~~بن الخطاب عن مالك بن أنس في قوله تعالى: {وثيابك فطهر} [المدثر: 4] أي لا ~~تلبسها على غدرة. # وقد روي ذلك مسندا إلى ابن عباس، وكثيرا ما تستعمله العرب في ذلك كله قال ~~أبو كبشة: # ثياب بني عوف طهارى نقية ... وأوجههم عند المشاعر غران # يعني بطهارة ثيابهم سلامتهم من الدناءات، ويعني بغرة وجوههم تنزيههم عن ~~الحرمات، أو جمالهم في الخلقة، أو كليهما. وقد قال غيلان بن سلمة الثقفي: # فإني بحمد الله لا ثوب غادر ... لبست ولا من غدرة أتقنع # المسألة الثانية ليس بممتنع أن تحمل الآية على عموم المراد فيها بالحقيقة ~~والمجاز، على ما بيناه في أصول الفقه. وإذا حملناها على الثياب المعلومة ~~[الظاهرة] فهي تتناول معنيين: # PageV04P340 # أحدهما تقصير الأذيال، فإنها إذا أرسلت تدنست؛ ولهذا قال عمر بن الخطاب ~~لغلام من الأنصار وقد رأى ذيله مسترخيا: يا غلام، ارفع إزارك، فإنه أتقى ~~وأنقى وأبقى. وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح: «إزرة ~~المؤمن إلى أنصاف ساقيه، لا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين، وما كان ~~أسفل من ذلك ففي النار»؛ فقد جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الغاية في ~~لباس الإزار الكعب، وتوعد ما تحته بالنار؛ فما بال رجال يرسلون أذيالهم، ~~ويطيلون ثيابهم، ثم يتكلفون رفعها بأيديهم. # وهذه حالة الكبر وقائدة العجب، وأشد ما في الأمر أنهم يعصمون ويحتجون، ~~ويلحقون أنفسهم بمن لم يجعل الله معه غيره، ولا ألحق # به سواه. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا ينظر الله لمن جر ثوبه ~~خيلاء». ولفظ الصحيح: «من جر إزاره خيلاء لم ينظر الله له يوم القيامة. قال ~~أبو بكر: يا رسول الله؛ إن أحد شقي إزاري يسترخي، إلا أن أتعاهد ذلك منه. ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لست ممن يصنعه خيلاء». فعم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -[بالنهي]، واستثنى أبا بكر الصديق، فأراد ~~الأدنياء إلحاق أنفسهم بالأقصياء؛ وليس ذلك لهم. # والمعنى الثاني: غسلها من النجاسة؛ وهو ظاهر منها صحيح فيها. وقد بينا ~~اختلاف الأقوال في ms1633 ذلك بصحيح الدلائل، ولا نطول بإعادته، وقد أشار بعض ~~الصوفية إلى أن معناه وأهلك فطهر؛ وهذا جائز، فإنه قد يعبر عن الأهل ~~بالثياب. قال الله تعالى: {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن} [البقرة: 187] ### | [الآية الرابعة قوله تعالى ولا تمنن تستكثر] # } [المدثر: 6] فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى: ذكر المفسرون فيها ستة أقوال: الأول لا تعط عطية فتطلب ~~أكثر منها؛ روي عن ابن عباس # الثاني: لا تعط الأغنياء عطية لتصيب منهم أضعافها. # PageV04P341 # الثالث: لا تعط عطية تنتظر ثوابها. # الرابع: ولا تمنن بالنبوة على الناس تأخذ أجرا منهم عليها. # الخامس: لا تمنن بعملك [تستكثره] على ربك؛ قاله الحسن السادس لا تضعف عن ~~الخير أن تستكثر منه. المسألة الثانية هذه الأقوال يتقارب بعضها، وهي ~~الثلاثة الأول؛ فأما قوله: " لا تعط عطية فتطلب أكثر منها " فهذا لا يليق ~~بالنبي - صلى الله عليه وسلم -. ولا يناسب مرتبته. # وقد قال: {وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله} ~~[الروم: 39] على ما بينا معناه. # وقد روى أبو داود وغيره عن عائشة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يقبل الهدية، ويثيب عليها». # وفي الصحيح في الحديث واللفظ للبخاري قال - صلى الله عليه وسلم -: «لو ~~دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع لقبلت». ولفظه مختلف فكان يقبلها ~~سنة، ولا يستكثرها شرعة؛ وإذا كان لا يعطي عطية يستكثر بها فالأغنياء أولى ~~بالاجتناب، لأنها باب من أبواب المذلة؛ وكذلك قول من قال: إن معناه لا تعط ~~عطية تنتظر ثوابها؛ فإن الانتظار تعلق بالإطماع؛ وذلك في حيزه بحكم ~~الامتناع، وقد قال الله تعالى: {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا ~~منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى} [طه: 131]. # وذلك جائز لسائر الخلق؛ لأنه من متاع الحياة الدنيا، وطلب الكسب فيها ~~والتكاثر منها. وأما من قال: أراد به العمل، أي لا تستكثر به على ربك فهو ~~صحيح؛ فإن ابن آدم لو أطاع الله عمره من غير فتور لما بلغ لنعم الله بعض ~~الشكر. وهذا ms1634 كله بني على أصل وهي: # المسألة الثالثة وذلك أن قوله: {تستكثر} [المدثر: 6] قد وردت القراءات ~~بالروايات فيه بإسكان الراء. # وروي بضم الراء، فإذا أسكنت الراء كانت جوابا للأمر بالتقلل، فيكون الأول ~~الثاني. وإن ضممت الراء كان الفعل بتقدير الاسم، وكان بمعنى الحال. # والتقدير: ولا تمنن مستكثرا، وكان الثاني غير الأول، وهذا ينبني على أصل ~~وهي: # PageV04P342 # المسألة الرابعة وهو القول في تحقيق المن؛ وهو ينطلق على معنيين: أحدهما ~~العطاء. # والثاني التعداد على المنعم عليه بالنعم، فيرجع إلى القول الأول. ويعضده ~~قوله تعالى: {لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى} [البقرة: 264] وقوله: {لهم ~~أجر غير ممنون} [فصلت: 8] ويعضد الثاني قوله: {فامنن أو أمسك بغير حساب} ~~[ص: 39] وقوله: {فإما منا بعد وإما فداء} [محمد: 4]. # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما أحد أمن علينا من ابن أبي ~~قحافة». والآية تتناول المعنيين كليهما. والله أعلم. # PageV04P343 ### | [سورة القيامة فيها أربع آيات] ### | [الآية الأولى بل الإنسان على نفسه بصيرة] # الآية الأولى قوله تعالى: {بل الإنسان على نفسه بصيرة} [القيامة: 14] ~~{ولو ألقى معاذيره} [القيامة: 15]: فيها ست مسائل: # المسألة الأولى فيها دليل على قبول إقرار المرء على نفسه؛ لأنها شهادة ~~منه عليها قال الله سبحانه: {يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما ~~كانوا يعملون} [النور: 24]. # ولا خلاف فيه؛ لأنه إخبار على وجه تنتفي التهمة عنه؛ لأن العاقل لا يكذب ~~على نفسه وقد قال الله سبحانه في كتابه الكريم: {وإذ أخذ الله ميثاق ~~النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ~~ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا ~~معكم من الشاهدين} [آل عمران: 81] وقال تعالى: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم ~~خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا} [التوبة: 102]. # وهو في الآثار كثير؛ قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «واغد يا أنيس ~~على امرأة هذا؛ فإن اعترفت فارجمها» المسألة الثانية لا يصح إقرار إلا من ~~مكلف لكن بشرط ألا يكون محجورا عليه؛ لأن الحجر # PageV04P344 # يسقط قوله إذا كان لحق نفسه، فإن كان لحق غيره كالمريض ms1635 كان منه ساقط ومنه ~~جائز، وبيانه في مسائل الفقه. # وللعبد حالتان في الإقرار إحداهما في ابتدائه، ولا خلاف فيه على الوجه ~~المتقدم. # والثانية في انتهائه، وذلك مثل إبهام الإقرار وله صور كثيرة. وأمهاتها ~~ست: الصورة الأولى أن يقول له: عندي شيء؛ قال الشافعي: لو فسره بتمرة أو ~~كسرة قبل منه. والذي تقتضيه أصولنا أنه لا يقبل إلا فيما له قدر، فإذا فسره ~~به قبل منه، وحلف عليه. # الصورة الثانية أن يفسرها بخمر أو خنزير، وما لا يكون مالا في الشريعة، ~~لم يقبل باتفاق، ولو ساعده عليه المقر له. # الصورة الثالثة أن يفسره بمختلف فيه، مثل جلد الميتة، أو سرجين، أو كلب، ~~فإن الحاكم يحكم عليه في ذلك بما يراه من رد وإمضاء، فإن رده لم يحكم عليه ~~حاكم آخر غيره بشيء؛ لأن الحكم قد نفذ بإبطاله. # وقال بعض أصحاب الشافعي: يلزم الخمر والخنزير، وهو قول باطل. وقال أبو ~~حنيفة: إذا قال له: علي شيء لم يقبل تفسيره إلا بمكيل أو موزون؛ لأنه لا ~~يثبت في الذمة بنفسه إلا هما. # وهذا ضعيف، فإن غيرهما يثبت في الذمة؛ إذ وجب ذلك إجماعا. الصورة الرابعة ~~إذا قال له: " عندي مال " قبل تفسيره بما يكون مالا في العادة، كالدرهم ~~والدرهمين، ما لم يجئ من قرينة الحال ما يحكم عليه بأكثر منه. # الصورة الخامسة أن يقول له: عندي مال كثير أو عظيم. فقال الشافعي: يقبل ~~في الحبة. وقال أبو حنيفة: لا يقبل إلا في نصاب الزكاة. وقال علماؤنا في ~~ذلك أقوالا # PageV04P345 # مختلفة، منها نصاب السرقة، والزكاة، والدية. وأقله عندي نصاب السرقة؛ ~~لأنه لا يبان عضو المسلم إلا في عظيم. # وقد بيناه في مسائل الخلاف وبه قال أكثر الحنفية. ومن تعجب فيتعجب لقول ~~الليث بن سعد: إنه لا يقبل في أقل من اثنين وسبعين درهما، وقيل له: ومن أين ~~تقول ذلك؟ قال: لأن الله تعالى قال: {لقد نصركم الله في مواطن كثيرة} ~~[التوبة: 25]. # وغزواته وسراياه كانت ثنتين وسبعين، وهذا لا يصح؛ لأنه أخرج حنينا منها، ~~فكان ms1636 حقه # أن يقول: يقبل في واحد وسبعين، وقد قال الله تعالى: {اذكروا الله ذكرا ~~كثيرا} [الأحزاب: 41] وقال: {لا خير في كثير من نجواهم} [النساء: 114] ~~وقال: {والعنهم لعنا كبيرا} [الأحزاب: 68]. # الصورة السادسة إذا قال له: على عشرة أو مائة أو ألف، فإنه يفسرها بما ~~شاء ويقبل منه، فإن قال: ألف درهم، أو مائة عبد، أو مائة وخمسون درهما فإنه ~~تفسير مبهم، ويقبل منه، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: إن عطف على العدد ~~المبهم مكيلا أو موزونا كان تفسيرا لقوله مائة وخمسون درهما؛ لأن الدرهم ~~تفسير للخمسين، والخمسين تفسير للمائة. وقال ابن خيران والإصطخري من أصحاب ~~الشافعي: إن الدرهم لا يكون تفسيرا في المائة والخمسين إلا للخمسين خاصة، ~~ويفسر هو المائة بما شاء. وقد بينا في ملجئة المتفقهين تحقيق ذلك، ويتركب ~~على هذه الصور ما لا يحصى كثرة، وهذه أصولها. ### | ### | [مسألة معنى قوله تعالى ولو ألقى معاذيره] # # . المسألة الثالثة قوله: {ولو ألقى معاذيره} [القيامة: 15]: معناه لو ~~اعتذر بعد الإقرار لم يقبل منه. وقد اختلف العلماء فيمن رجع بعد ما أقر في ~~الحدود التي هي خالص حق الله؛ فقال أكثرهم منهم الشافعي وأبو حنيفة: يقبل ~~رجوعه بعد الإقرار. وقال به مالك في أحد قوليه. وقال في القول الآخر: لا ~~يقبل إلا أن يذكر لرجوعه وجها صحيحا والصحيح جواز الرجوع مطلقا؛ لما روى ~~الأئمة، منهم البخاري، ومسلم «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رد المقر ~~بالزنا مرارا أربعا، كل مرة يعرض عنه. ولما شهد على نفسه أربع مرات # PageV04P346 # دعاه النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: أبك جنون؟ قال: لا. قال: أحصنت؟ ~~قال: نعم». # وفي حديث البخاري: «لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت». وفي النسائي، وأبي داود: ~~«حتى قال له في الخامسة: أنكتها؟ قال: نعم. قال: حتى غاب ذلك منك في ذلك ~~منها؟ قال: نعم. قال: كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر؟ قال: ~~نعم. ثم قال: هل تدري # ما الزنا؟ قال، أتيت منها حراما مثل ما يأتي الرجل من أهله حلالا. ms1637 قال: ~~فما تريد مني بهذا القول؟ قال: أريد أن تطهرني؟ قال: فأمر به فرجم.» # قال الترمذي، وأبو داود: «فلما وجد مس الحجارة فر يشتد فضربه رجل بلحي ~~جمل، وضربه الناس حتى مات، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: هلا ~~تركتموه» قال أبو داود والنسائي: تثبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فأما لترك حد فلا، وهذا كله طريق للرجوع، وتصريح بقبوله. وفي قوله: لعلك ~~غمزت، إشارة إلى قول مالك: إنه يقبل رجوعه إذا ذكر فيها وجها. ### | [مسألة معنى قوله تعالى ولو ألقي معاذيره] # المسألة الرابعة ومن الناس من قال: إن معنى: {ولو ألقى معاذيره} ~~[القيامة: 15] أي ستوره، بلغة أهل اليمن، واحدها معذار، وقال ثعلب: واحدها ~~معذرة. المعنى أنه إذا اعتذر يوم القيامة وأنكر الشرك، لا ينفع الظالمين ~~معذرتهم، ويختم على فمه، فتشهد عليه جوارحه، ويقال له: كفى بنفسك اليوم ~~عليك حسيبا. ### | [مسألة إقرار العبد] # المسألة الخامسة وهذا في الحر المالك لأمر نفسه. وأما العبد فإن إقراره ~~لا يخلو من أحد قسمين: إما أن يقر على بدنه، أو على ما في يده وذمته؛ فإن ~~أقر على بدنه فيما فيه عقوبة من القتل فما دونه نفذ ذلك عليه. # وقال محمد بن الحسن: لا يقبل ذلك منه، لأن بدنه مسترق بحق السيد. وفي ~~إقراره إتلاف حقوق السيد في بدنه، ودليلنا قوله - عليه السلام -: «من أصاب ~~من هذه # PageV04P347 # القاذورات شيئا فليستتر بستر الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه ~~الحد». # المعنى أن محل العقوبة أصل الخلقة وهي الدمية في الآدمية، ولا حق للسيد ~~فيها، وإنما حقه في الوصف والتبع، وهي المالية الطارئة عليه؛ ألا ترى أنه ~~لو أقر بمال لم يقبل، حتى قال أبو حنيفة: إنه لو قال: سرقت هذه السلعة إنه ~~تقطع يده ويأخذها المقر له. # وقال علماؤنا: السلعة للسيد، ويتبع العبد بقيمتها إذا عتق؛ لأن مال العبد ~~للسيد إجماعا، فلا يقبل قوله فيه، ولا إقراره عليه، لا سيما وأبو حنيفة ~~يقول: إن العبد لا ملك له # ونحن وإن قلنا: إنه يصح ms1638 تملكه، ولكن جميع ما في يده لسيده بإجماع على ~~القولين. ### | [مسألة معنى قوله تعالى بل الإنسان على نفسه بصيرة] # المسألة السادسة وقد قيل: إن معنى قوله: {بل الإنسان على نفسه بصيرة} ~~[القيامة: 14]؛ أي عليه من يبصر أعماله، ويحصيها، وهم الكرام الكاتبون؛ ~~وهذه كلها مقاصد محتملة للفظ، أقواها ما تقدم ذكرنا له. ### | [الآية الثانية قوله تعالى لا تحرك به لسانك لتعجل به] # } [القيامة: 16]. # فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى ثبت في الصحيح واللفظ للبخاري عن سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس في قوله {لا تحرك به لسانك لتعجل به} [القيامة: 16] قال: كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك به ~~شفتيه، فقال ابن عباس: فأنا أحركهما كما كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يحركهما. وقال سعيد: أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما، فحرك ~~شفتيه، فأنزل الله عز وجل: {لا تحرك به لسانك لتعجل به} [القيامة: 16] {إن ~~علينا جمعه وقرآنه} [القيامة: 17] قال: جمعه لك في صدرك وتقرؤه. {فإذا ~~قرأناه فاتبع قرآنه} [القيامة: 18]. قال: فاستمع له وأنصت. {ثم إن علينا ~~بيانه} [القيامة: 19]: ثم إن علينا أن نقرأه. فكان رسول الله # PageV04P348 # - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل ~~قرأه النبي - صلى الله عليه وسلم - كما أقرأه. # المسألة الثانية هذا يعضد ما تقدم: في سورة المزمل من قوله {ورتل القرآن ~~ترتيلا} [المزمل: 4] حسبما تقدم بيانه في ذلك الموضع. # وهذا المعنى صحيح، وذلك أن المتلقن من حكمه الأوكد أن يصغي إلى الملقن ~~بقلبه، ولا يستعين بلسانه، فيشترك الفهم بين القلب واللسان، فيذهب روح ~~التحصيل بينهما، ويخزل اللسان بتجرد القلب للفهم؛ فيتيسر التحصيل؛ وتحريك ~~اللسان يجرد القلب عن الفهم، فيتعسر التحصيل بعادة الله التي يسرها؛ وذلك ~~معلوم عادة فيتحقق لذي مشاهدة. # قال الإمام: كنت أحضر عند الحاسب بتلك الديار المكرمة، وهو يجعل الأعداد ~~على # المتعلمين الحاسبين، وأفواههم مملوءة من الماء، حتى إذا انتهى إلقاؤه، ~~وقال: ما معكم رمى كل واحد بما في فمه، وقال ms1639 ما معه ليعودهم خزل اللسان عن ~~تحصيل المفهوم عن المسموع. # وللقول في التعلم سيرة بديعة؛ وهي أن الصغير منهم إذا عقل بعثوه إلى ~~المكتب، فإذا عبر المكتب أخذه بتعليم الخط والحساب والعربية، فإذا حذقه كله ~~أو حذق منه ما قدر له خرج إلى المقرئ فلقنه كتاب الله، فحفظ منه كل يوم ربع ~~حزب، أو نصفه، أو حزبا، حتى إذا حفظ القرآن خرج إلى ما شاء الله من تعليم ~~العلم أو تركه. ومنهم وهم الأكثر من يؤخر حفظ القرآن، ويتعلم الفقه ~~والحديث، وما شاء الله فربما كان إماما، وهو لا يحفظه، وما رأيت بعيني ~~إماما يحفظ القرآن، ولا رأيت فقيها يحفظه إلا اثنين، ذلك لتعلموا أن ~~المقصود حدوده لا حروفه؛ وعلقت القلوب اليوم بالحروف، وضيعوا الحدود، خلافا ~~لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكنه إنفاذ لقدر الله، وتحقيق لوعد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتبيين لنبوته، وعضد لمعجزته. # المسألة الثالثة الباري سبحانه يجمع القرآن في قلب الرسول تيسيرا ~~للتبليغ، ويجمعه في قلب غيره؛ تيسيرا لإقامة الحجة؛ فإما أن يكون شفاء لما ~~يعرض في الصدور، وإما أن يكون عمى # PageV04P349 # في الأبصار والبصائر، وإما أن يكون بينه وبين العلم به رين، فيبقى تاليا، ~~ولا يجعل له من المعرفة ثانيا، وهو أخفه حالا وأسلمه مآلا، وقد حقق الله ~~لرسوله وعده بقوله: {سنقرئك فلا تنسى} [الأعلى: 6]؛ وهو خبر، وليس بأمر ~~معنوي لثبوت الياء في الخط إجماعا، وليس ينبغي بعد هذا تأويل؛ لأنه لا ~~يحتاج إليه. # وفي الصحيح «أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يعارضه جبريل القرآن مرة في ~~كل شهر رمضان، حتى كان العام الذي قبضه الله بينه وبين الآخر عارضه مرتين؛ ~~ففطن لتأكيد الحفظ والجمع عنده، وقال: ما أراه إلا قد حضر أجلي» إذ كان ~~المقصود من بعثه إلى الخلق تبليغ الأحكام وتمهيد الشرع، ثم يستأثر الله به ~~على الخلق، ويظهره برفعه إليه عنهم، وينفذ بعد ذلك حكمه فيهم # المسألة الرابعة انتهى النظر في هذه الآية بقوم من الرفعاء منهم قتادة ~~إلى ms1640 أن يقولوا في قوله {ثم إن علينا بيانه} [القيامة: 19] أي تفصيل أحكامه، ~~وتمييز حلاله من حرامه، حتى قال حين سئل عن ذلك: إن منه وجوب الزكاة في ~~مائتي درهم، وهذا وإن لم يشهد له مساق الآية فلا ينفيه عمومها، ونحن لا نرى ~~تخصيص العموم بالسبب ولا بالأولى من الآية والحديث، ولا بالمساق، حسبما ~~بيناه في أصول الفقه. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى ألم يك نطفة من مني يمنى] # } [القيامة: 37] {ثم كان علقة فخلق فسوى} [القيامة: 38]: فيها مسألة ~~واحدة: وهي ما تقدم في نظير هذه الآية ما يكون الولد من أحوال التخليق ~~ولدا: من النطفة والعلقة والمضغة؛ وهذه الآية بظاهرها تقتضي أن المرتبة ~~الثالثة بعد العلقة [وتكون] خلقا مسوى، فتكون به المرأة أم ولد، ويكون ~~الموضوع سقطا، وقد # PageV04P350 # حققنا ذلك واختلاف الناس فيه كما سبق، وهذه التسوية أولها ابتداء الخلقة، ~~وآخرها استكمال القوة، والكل مراد، والله أعلم. ### | [الآية الرابعة قوله تعالى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى] # } [القيامة: 39]: وقد احتج بهذا من رأى إسقاط الخنثى، وقد بينا في سورة ~~الشورى أن هذه الآية وقرينتها إنما خرجتا مخرج الغالب، حسبما تقدم هنا لك، ~~فليجتزئ به اللبيب فإنه وفى بالمقصود إن شاء الله تعالى. # PageV04P351 ### | [سورة الدهر فيها ست آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى هل أتى على الإنسان حين من الدهر] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر} # [الإنسان: 1]. # وقد تقدم القول في الحين بما فيه الكفاية، فلينظر في سورة إبراهيم - عليه ~~السلام - ### | [الآية الثانية قوله تعالى إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه] # فجعلناه سميعا بصيرا} [الإنسان: 2]. # بمعنى أخلاط. ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر، فيجمعهما ~~الملك بأمر الله، وتنقلهما القدرة من تطوير إلى تطوير، حتى تنتهي إلى ما ~~دبره من التقدير، وقد بينا ذلك فيما تقدم. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا] # } [الإنسان: 7] فيها مسألتان: # المسألة الأولى قوله: {يوفون بالنذر} [الإنسان: 7]: فيه أقوال، لبابها ~~قولان: أحدهما يوفون بما افترض عليهم. # PageV04P352 # الثاني: يوفون [بما ms1641 اعتقدوه و] بما عقدوه على أنفسهم، ولا ثناء أبلغ من ~~هذا كما أنه لا فعل أفضل منه؛ فإن الله قد ألزم عبده وظائف، وربما جهل ~~العبد عجزه عن القيام بما فرض الله عليه، فينذر على نفسه نذرا، فيتعين عليه ~~الوفاء به أيضا، فإذا قام بحق الأمرين؛ وخرج عن واجب النذرين كان له من ~~الجزاء ما وصف الله في آخر السورة. # وعلى عموم الأمرين كل ذلك حمله مالك، وروى عنه أشهب أنه قال: " يوفون ~~بالنذر " هو نذر العتق، والصيام والصلاة. وروى عنه أبو بكر بن عبد العزيز ~~قال: قال مالك: يوفون بالنذر قال: النذر هو اليمين. ### | [مسألة النذر مكروه] # المسألة الثانية النذر مكروه بالجملة؛ ثبت في الصحيح عن مالك عن أبي ~~الزناد عن عبد الرحمن بن هرمز عن أبي هريرة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: قال الله تعالى: لا يأتي النذر على ابن آدم بشيء لم أكن قدرته له؛ ~~إنما يستخرج به من البخيل» وذلك لفقه صحيح؛ وهو أن الباري سبحانه وعد ~~بالرزق على العمل؛ ومنه مفروض، ومنه مندوب، فإذا عين العبد ليستدر به ~~الرزق، أو يستجلب به الخير، أو يستدفع به الشر لم يصل إليه به، فإن وصل فهو ~~لبخله. والله أعلم. ### | [الآية الرابعة قوله تعالى ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا] # } [الإنسان: 8]: فيها ست مسائل: # المسألة الأولى قوله: {ويطعمون الطعام} [الإنسان: 8] تنبيه على المواساة؛ ~~ومن أفضل المواساة وضعها في هذه الأصناف الثلاثة وفي الصحيح عن عبد الله بن ~~عمر: «سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أي الإسلام خير؟ قال: # PageV04P353 # تطعم الطعام، وتقرئ السلام على من عرفت ومن لم تعرف» وهذا في الفضل لا في ~~الفرض من الزكاة على ما تقدم بيانه المسألة الثانية قوله: {على حبه} ~~[الإنسان: 8]. # وقد بيناه في سورة البقرة المسألة الثالثة قوله: {مسكينا} [الإنسان: 8]. ~~المسكين قد تقدم بيانه، وهذا مثاله ما روي في شأن الأنصاري الذي ذكرنا قصته ~~في سورة الحشر، عند تأويل قوله {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} ~~[الحشر: ms1642 9] فهذا هو ذلك. # المسألة الرابعة قوله: {ويتيما} [الإنسان: 8]. وإنما أكد باليتيم؛ لأنه ~~مسكين مضعوف بالوحدة وعدم الكافل مع عجز الصغر. # المسألة الخامسة قوله تعالى: {وأسيرا} [الإنسان: 8]. وفي إطعامه ثواب ~~عظيم، وإن كان كافرا فإن الله يرزقه. وقد تعين بالعهد إطعامه، ولكن من ~~الفضل في الصدقة، لا من الأصل في الزكاة، ويدخل فيه المسجون من المسلمين، ~~فإن الحق قد حبسه عن التصرف وأسره فيما وجب عليه، فقد صار له على الفقير ~~المطلق حق زائد بما هو عليه من المنع [عن التمحل في] المعاش أو التصرف في ~~الطلب، وهذا كله إذا خلصت فيه النية لله، وهي: # المسألة السادسة دون توقع مكافأة، أو شكر من المعطي، فإذا لم يشكر فسخط ~~المعطي يحبط ثوابه. ### | [الآية الخامسة قوله تعالى واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا] # } [الإنسان: 25]. # PageV04P354 # فيها مسألة واحدة البكرة وقت من أوقات النهار، وهو أوله، ومنه باكورة ~~الفاكهة. # والأصيل: هو العشي. وهذه الإشارة إلى صلاة الصبح، وصلاة العصر؛ وقد قدمنا ~~معنى ذلك، وأنه المراد بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من صلى البردين دخل ~~الجنة»، ومعنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ترون ربكم كما ترون القمر ~~ليلة البدر، فإن استطعتم ألا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ~~فافعلوا وقرأ {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها} [طه: 130]». # وقد قسم أرباب اللغة ساعات الليل وساعات النهار على تفاصيل وأسماء عرفية ~~في اللغة، ومؤلفوها مختلفون في ذلك؛ لكن الغدو والعشي والظهيرة من أمهات ~~ذلك الذي لا كلام فيه. والضحى يلحق به والإشراق مثله، وقد قيل: إن معناه ~~وكبر، فكان يكبر ثلاثا بعد الصبح وثلاثا بعد المغرب، ولا يصح. والله أعلم. ### | [الآية السادسة قوله تعالى ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا] # } [الإنسان: 26] هذه الآية محتملة للفرض؛ وهو المغرب والعشاء، فإنهما ~~وقتان من أوقات المصلى، وصلاتهما من صلاة الليل. وأما قوله تعالى: {وسبحه ~~ليلا طويلا} [الإنسان: 26] فإنه عبارة عن قيام الليل، وقد كان النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يفعل ذلك كما تقدم. # وقد يحتمل أن يكون ms1643 هذا خطابا للنبي - صلى الله عليه وسلم - وحده، فيبقى ~~الأمر به عليه مفردا، والوجوب يلزم له خاصة. ويحتمل أن يكون خطابا للنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - والمراد به الجميع، ثم نسخ عنا، وبقي عليه كما تقدم؛ ~~والأول أظهر؛ وهو معنى قوله تعالى: {ومن الليل فتهجد به نافلة لك} ~~[الإسراء: 79] كما تقدم بيانه. # PageV04P355 ### | [سورة المرسلات فيها ثلاث آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى ألم نجعل الأرض كفاتا] # ] وهي من غرائب القرآن على ما أشرنا إليه في القسم الثاني من الناسخ ~~والمنسوخ؛ فإنها نزلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت الأرض. ~~وروى الصحيحان، عن عبد الله بن مسعود قال: «كنا مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في غار، فنزلت: {والمرسلات عرفا} [المرسلات: 1] فإنا لنتلقاها ~~من فيه رطبة إذ خرجت حية من جحرها، فابتدرناها لنقتلها، فسبقتنا فدخلت ~~جحرها، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: وقيت شركم كما وقيتم شرها.» ### | الآية الأولى قوله تعالى: {ألم نجعل الأرض كفاتا} # [المرسلات: 25]: فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى الكفات: الضم والجمع، وهو مصدر، يقال: كفته يكفته كفتا ~~وكفاتا مثل كتب يكتب كتبا وكتابا، أي يجمعهم أحياء وأمواتا، وكل شيء ضممته ~~فقد كفته، فإذا حل العبد في موضعه فهو كفاته، وهو منزله، وهو داره، وهو ~~حرزه، وهو حريمه، وهو حماه، كان يقظان أو نائما. # والدليل عليه ما روي عن «صفوان قال: كنت نائما في المسجد على خميصة لي ~~بثمن ثلاثين درهما؛ فجاء رجل فاختلسها مني، فأخذ الرجل، فأتى به النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فأمر به ليقطع قال: فقلت له: أتقطعه من أجل ثلاثين ~~درهما، أنا أبيعه إياها، وأنسئه ثمنها. قال: هلا قبل أن تأتيني به، فكانت ~~نفسه حيازة موضعه وحرزه وحريمه ومنعته وحصنه.» # PageV04P356 ### | [مسألة قوله تعالى ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا] # المسألة الثانية قوله تعالى: {ألم نجعل الأرض كفاتا} [المرسلات: 25] ~~{أحياء وأمواتا} [المرسلات: 26] يقتضي أن يدفن فيها الميت بجميع أجزائه ~~كلها من شعر، وظفر، وثياب، وما يواريه على التمام، وما اتصل به وما بان ms1644 ~~عنه، وقد قررنا ذلك في كتاب الجنائز من المسائل: # المسألة الثالثة احتج علماؤنا بهذه الآية في قطع النباش لأنه سرق من حرز ~~مكفوت، وحمى مضموم، وقد مهدنا ذلك في مسائل الخلاف، وقررنا أن ينظر في ~~دخوله في هذه الآية بأن نقول: هذا حرز كفات، لقول الله تعالى: {ألم نجعل ~~الأرض كفاتا} [المرسلات: 25] {أحياء وأمواتا} [المرسلات: 26] فجعل حال ~~المرء فيها بعد الممات في كفتها له وضمها لحاله كحالة الحياة وما تحفظه ~~وتحرز حيا، كذلك يجب أن يكون ميتا فهذا أصل ثبت بالقرآن، ثم ينظر في دخوله ~~تحت قوله: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38] وذلك يثبت ~~بطريق اللغة، فإن السارق فيها هو آخذ المال على طريق الخفية ومسارقة ~~الأعين، وهذا فعله في القبر كفعله في الدار، ثم ينظر بعد ذلك في أن الذي ~~سرق مال؛ لأن أبا حنيفة يقول: إن الكفن ليس بمال؛ لأنه معرض للإتلاف، وقلنا ~~نحن: هو معرض للإتلاف في منفعة المالك، كالملبوس في الحياة، ثم ينظر في أنه ~~مملوك لمالك، فإن الميت مالك. # والدليل عليه أنه لو نصب شبكة في حال حياته، فوقع فيها صيد بعد وفاته، ~~فإنه يكون له، تقضى منه ديونه، وتنفذ فيه وصاياه. وحقيقة الملك موجودة في ~~الكفن؛ لأنه مختص به ومحتاج إليه، فإذا ثبتت هذه الأركان من القرآن والمعنى ~~ثبت القطع. والله أعلم. ### | [الآية الثانية قوله تعالى إنها ترمي بشرر كالقصر] # } [المرسلات: 32]. # فيها ثلاث مسائل: # PageV04P357 # المسألة الأولى قال المفسرون: فيها ستة أقوال: الأول: أصول الشجرة الثاني ~~الجبل الثالث القصر من البناء الرابع خشب طوله ثلاثة أذرع؛ قاله ابن عباس ~~الخامس أعناق الدواب السادس روي أن ابن عباس قرأها القصر، وفسرها بأعناق ~~الإبل. # المسألة الثانية أما (ق ص ر) فهو بناء ينطلق على مختلفات كثيرة، ينطلق ~~عليها انطلاقا واحدا. والمعنى مختلف في ذلك. والصحيح ما روى البخاري عن ابن ~~عباس أنه قال: {ترمي بشرر كالقصر} [المرسلات: 32] قال: كنا نرفع الخشب بقصر ~~ثلاث أذرع أو أقل، فنرفعه للشتاء، فنسميها القصر. ### | [مسألة ادخار القوت والحطب والفحم] # . المسألة الثالثة ms1645 أما ادخار القوت فقد تقدم القول فيه أما ادخار الحطب ~~والفحم فمستفاد من هذه الآية فإنه لم يكن من القوت فإنه من مصالح المرء، ~~ومغاني مفاقره؛ وذلك مما يقتضي النظر أن يكتسبه في غير وقت حاجته، ليكون ~~أرخص، وحالة وجوده أمكن، كما «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدخر القوت ~~في وقت عموم وجوده من كسبه وماله»، ومن لم يكن له مال اكتسبه في وقت رخصه، ~~وكل شيء محمول عليه، ولذلك قال العلماء فيمن وكل وكيلا يبتاع له فحما ~~فابتاعه له في الصيف، فإن ذلك لا يجوز؛ لأنه وقت لا يحتاج إليه فيه. وعندي ~~أنه يلزمه؛ لأنه الوقت الذي يبتاع فيه ليدخره العبد # PageV04P358 # لوقت الحاجة إليه، إلا أن يقترن بذلك ما يوجب تخصيصه بحال فيحمل على ذلك ~~المقتضى بالاستدلال. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون] # } [المرسلات: 48] # فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى الركوع معلوم لغة، معلوم شرعا حسبما قررناه؛ فلا وجه ~~لإعادته كراهية التطويل. # المسألة الثانية هذه الآية حجة على وجوب الركوع وإنزاله ركنا في الصلاة، ~~وقد انعقد الإجماع عليه، وظن قوم أن هذا إنما يكون في القيامة، وليست بدار ~~تكليف، فيتوجه فيها أمر يكون عليه ويل وعقاب، وإنما يدعون إلى السجود كشفا ~~لحال الناس في الدنيا، فمن كان يسجد لله تمكن من السجود، ومن كان يسجد رئاء ~~لغيره صار ظهره طبقا واحدا. ### | [مسألة القرآن في محل نزوله] # المسألة الثالثة روي في الصحيح: قال عبد الله يعني ابن مسعود: «بينما نحن ~~مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غار إذ نزلت عليه: {والمرسلات ~~عرفا} [المرسلات: 1]» الحديث إلخ # فمن الفوائد العارضة هاهنا أن القرآن في محل نزوله ووقفه عشرة أقسام: ~~سماوي، وأرضي، وما تحت الأرض، وحضري، وسفري، ومكي، ومدني، وليلي، ونهاري، ~~وما نزل بين السماء والأرض. # وقد بيناه في القسم الثاني من الناسخ والمنسوخ والله أعلم # PageV04P359 # المسألة الرابعة ثبت في الصحيح، عن ابن عباس «أن أم الفضل سمعته وهو ~~يقرأ: {والمرسلات عرفا} [المرسلات: 1] فقالت: يا بني، لقد ms1646 أذكرتني بقراءتك ~~هذه السورة، إنها لآخر ما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بها ~~في المغرب، ثم ما صلى لنا حتى قبضه الله». # وقد قدمنا أنه قرأ بالطور في المغرب، في طريق أخرى. # وفي الصحيحين أنه كان يقرأ في المغرب بطولى الطوليين. # PageV04P360 ### | [سورة النبأ فيها آيتان] ### | [الآية الأولى قوله تعالى وجعلنا الليل لباسا] # ] الآية الأولى قوله سبحانه وتعالى: {وجعلنا الليل لباسا} [النبأ: 10] ~~امتن الله تعالى على الخلق بأن جعل الليل غيبا يغطي بسواده كما يغطي الثوب ~~لابسه، ويستر كل شيء كما يستره الحجاب. # قاله أبو جعفر؛ فظن بعض الغافلين أن الرجل إذا صلى عريانا ليلا في بيت ~~مظلم أن صلاته صحيحة؛ لأن الظلام يستر عورته؛ وهذا باطل قطعا؛ فإن الناس ~~بين قائلين: منهم من يقول إن ستر العورة فرض إسلامي لا يختص وجوبه بالصلاة. # ومنهم من قال: إنه شرط من شروط الصلاة، وكلاهما اتفقا على أن ستر العورة ~~للصلاة في الظلمة كما هو في النور، إثباتا بإثبات، ونفيا بنفي، ولم يقل أحد ~~إنه يجب في النور ويسقط في الظلمة اجتزاء بسترها عن ستر ثوب يلبسه المصلي ~~فلا وجه لهذا بحال عند أحد من المسلمين. ### | [الآية الثانية قوله تعالى لنخرج به حبا ونباتا وجنات ألفافا] # الآية الثانية قوله تعالى: {لنخرج به حبا ونباتا} [النبأ: 15] {وجنات ~~ألفافا} [النبأ: 16]: امتن الله سبحانه على عباده بإنزاله الماء المبارك من ~~السماء، وبإخراجه الحب والنبات ولفيف الجنات وكل ما امتن الله به من النعم؛ ~~ففيه حق الصدقة بالشكر فإن الله جعل الصدقة شكر نعمة المال، كما جعل الصلاة ~~شكر نعمة البدن. # وقد بينا ذلك في سورة الأنعام وغيرها، وحققنا تفصيل وجوب الزكاة ومحلها ~~ومقدارها بما يغني عن إعادته لظهوره وشموله في البيان بموضعين # PageV04P361 ### | [سورة عبس فيها آيتان] # [الآية الأولى قوله تعالى عبس وتولى] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {عبس وتولى} # [عبس: 1] فيها مسألتان: # المسألة الأولى لا خلاف أنها نزلت في ابن أم مكتوم الأعمى، وقد روي في ~~الصحيح قال مالك: إن هشام بن عروة حدثه ms1647 عن عروة أنه قال: «نزلت {عبس وتولى} ~~[عبس: 1] في ابن أم مكتوم جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فجعل يقول: ~~يا محمد؛ علمني مما علمك الله، وعند النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل من ~~عظماء المشركين، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يعرض عنه ويقبل على ~~الآخر، ويقول: يا فلان، هل ترى بما أقول بأسا، فيقول: لا، ما أرى بما تقول ~~بأسا، فأنزل الله عز وجل {عبس وتولى} [عبس: 1]». # قالت المالكية من علمائنا: اسم ابن أم مكتوم عمرو، ويقال عبد الله، ~~والرجل من عظماء المشركين هو الوليد بن المغيرة، ويكنى أبا عبد شمس خرجه ~~الترمذي مسندا قال: أنبأنا سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي، حدثني أبي قال: ~~هذا ما عرضنا على هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: نزلت {عبس وتولى} ~~[عبس: 1] فذكر مثله. # المسألة الثانية هذا مثل قوله: {ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي} [الأنعام: 52]. # ومعناه نحوه حيثما وقع، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما قصد تألف ~~الرجل الطارئ ثقة بما # PageV04P362 # كان في قلب ابن أم مكتوم من الإيمان، كما قال: «إني لأعطي الرجل وغيره ~~أحب إلي منه مخافة أن يكبه الله في النار على وجهه». # وأما قول علمائنا: إنه الوليد بن المغيرة. وقال آخرون: إنه أمية بن خلف، ~~فهذا كله # باطل وجهل من المفسرين الذين لم يتحققوا الدين؛ وذلك أن أمية والوليد ~~كانا بمكة، وابن أم مكتوم كان بالمدينة، ما حضر معهما ولا حضرا معه، وكان ~~موتهما كافرين؛ أحدهما قبل الهجرة والآخر في بدر ولم يقصد قط أمية المدينة، ~~ولا حضر عنده مفردا ولا مع أحد. ### | [الآية الثانية قوله تعالى في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة] # الآية الثانية قوله تعالى: {في صحف مكرمة} [عبس: 13] {مرفوعة مطهرة} ~~[عبس: 14]. وقد تقدم تفسيرها في سورة الواقعة عند ذكرنا لقوله تعالى: {إنه ~~لقرآن كريم} [الواقعة: 77] {في كتاب مكنون} [الواقعة: 78] {لا يمسه إلا ~~المطهرون} [الواقعة: 79] فلينظر هنالك فيه من احتاج إليه هاهنا. # وقد قال وهب بن منبه: إنه أراد بقوله: ms1648 {بأيدي سفرة} [عبس: 15] {كرام ~~بررة} [عبس: 16] يعني أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - # قال القاضي: لقد كان أصحاب محمد كراما بررة، ولكن ليسوا بمرادين بهذه ~~الآية، ولا قاربوا المرادين بها؛ بل هي لفظة مخصوصة بالملائكة عند الإطلاق، ~~ولا يشاركهم فيها سواهم، ولا يدخل معهم في متناولها غيرهم. # روي في الصحيح عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «مثل الذي يقرأ القرآن، وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة، ~~ومثل الذي يقرأ القرآن وهو يتعاهده وهو عليه شديد فله أجران». # وقوله: {أنا صببنا الماء صبا} [عبس: 25] قد تقدم القول في أنها نزلت ~~وأمثالها في معرض الامتنان، وتحقق القول فيها. # PageV04P363 ### | [سورة المطففين فيها آيتان] # [الآية الأولى قوله تعالى ويل للمطففين] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {ويل للمطففين} # [المطففين: 1] فيها ست مسائل: # المسألة الأولى في سبب نزولها: روى النسائي عن ابن عباس قال «لما قدم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا، فأنزل ~~الله عز وجل {ويل للمطففين} [المطففين: 1] فأحسنوا الكيل بعد ذلك.» المسألة ~~الثانية في تفسير اللفظ: قال علماء اللغة: المطففون هم الذين ينقصون ~~المكيال والميزان. وقيل له المطفف؛ لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان ~~إلا الشيء الطفيف، مأخوذ من طف الشيء وهو جانبه. # ومنه الحديث: «كلكم بنو آدم طف الصاع» يعني بعضكم قريب من بعض، فليس لأحد ~~على أحد فضل إلا بالتقوى. وفي الموطأ: قال مالك: [يقال]: لكل شيء وفاء ~~وتطفيف، والتطفيف ضد التوفية. # وروي أن أبا هريرة قدم المدينة، وقد خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إلى خيبر، فاستخلف على المدينة سباع بن عرفطة، فقال أبو هريرة: فوجدناه في ~~صلاة الصبح، فقرأ في الركعة الأولى " كهيعص " وقرأ في الركعة الثانية {ويل ~~للمطففين} [المطففين: 1] قال أبو # PageV04P364 # هريرة: فأقول في صلاتي: " ويل لأبي فلان، له مكيالان، إذا اكتال اكتال ~~بالوافي، وإذا كال كال بالناقص ". ### | [مسألة معنى قوله تعالى وإذا كالوهم] # المسألة الثانية قوله تعالى: {وإذا كالوهم} [المطففين: 3] يعني كالوا ~~لهم، وكثير من ms1649 الأفعال # يأتي كذلك كقولهم: شكرت فلانا وشكرت له، ونصحت فلانا ونصحت له، واخترت ~~أهلي فلانا واخترت من أهلي فلانا، سواء كان الفعل في التعدي مقتصرا أو ~~متعديا أيضا؛ وقد بيناه في الملجئة. # المسألة الرابعة قوله: {وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون} [المطففين: 3]؛ ~~فبدأ بالكيل قبل الوزن؛ والوزن هو الأصل، والكيل مركب عليه، وكلاهما ~~للتقدير، لكن البارئ سبحانه وضع الميزان لمعرفة الأشياء بمقاديرها؛ إذ ~~يعلمها سبحانه بغير واسطة ولا مقدر. ثم قد يأتي الكيل على الميزان بالعرف، ~~كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المكيال مكيال أهل المدينة، ~~والميزان ميزان أهل مكة» فالأقوات والأدهان يعتبر فيها الكيل [دون الوزن، ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث وهي تكتال بالمدينة فجرى فيها ~~الكيل]، وكذلك الأموال الربوية يعتبر فيها المماثلة بالكيل دون الوزن، حاشا ~~النقدين، حتى أن الدقيق والحنطة يعتبر فيهما الكيل، وليس للوزن فيهما طريق، ~~وإن ظهر بينهما زيغ فهو كظهوره بين البرين، وذلك غير معتبر، وقد بيناه في ~~مسائل الفقه. # المسألة الخامسة روى ابن القاسم عن مالك أنه قرأ: {ويل للمطففين} ~~[المطففين: 1] [مرتين قال: مسح المدينة من التطفيف وكرهه كراهية شديدة. ~~وروى أشهب قال: قرأ مالك: {ويل للمطففين} [المطففين: 1]]، فقال: لا تطفف ~~ولا تجلب ولكن أرسل وصب عليه صبا، حتى إذا استوى أرسل يدك ولا تمسك. # PageV04P365 # وقال عبد الملك بن الماجشون: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ~~التطفيف» # وقال: إن البركة في رأسه. قال: بلغني أن كيل فرعون كان طفافا مسحا ~~بالحديدة. ### | [مسألة التطفيف في كل شيء] # المسألة السادسة قال علماء الدين: التطفيف في كل شيء في الصلاة والوضوء ~~والكيل والميزان # قال ابن العربي: كما أن السرقة في كل شيء، وأسوأ السرقة من يسرق صلاته؛ ~~فلا يتم ركوعها ولا سجودها. ### | [الآية الثانية قوله تعالى يوم يقوم الناس لرب العالمين] # } [المطففين: 6] فيها مسألتان: # المسألة الأولى روى مالك عن ابن عمر، «عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~يقوم الناس لرب العالمين، حتى أن أحدهم ليغيب في رشحه إلى أنصاف أذنيه». # وعنه أيضا، ms1650 «عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: يقوم مائة سنة» المسألة ~~الثانية القيام لله رب العالمين سبحانه حقير بالإضافة إلى عظمته وحقه؛ فأما ~~قيام الناس بعضهم لبعض فاختلف الناس فيه، فمنهم من أجازه، ومنهم من منعه. # وقد روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام إلى جعفر بن أبي طالب ~~واعتنقه» وقام طلحة لكعب بن مالك يوم تيب عليه. # «وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - للأنصار حين طلع عليه سعد بن معاذ: ~~قوموا لسيدكم». # PageV04P366 # وقال أيضا: «من سره أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار». # وقد بينا في شرح الحديث أن ذلك راجع إلى حال الرجل ونيته، فإن انتظر لذلك ~~واعتقده لنفسه حقا فهو ممنوع، وإن كان على طريق البشاشة والوصلة فإنه جائز، ~~وخاصة عند الأسباب، كالقدوم من السفر ونحوه. # PageV04P367 ### | [سورة الانشقاق فيها آية واحدة] # [قوله تعالى فلا أقسم بالشفق] ### | قوله تعالى: {فلا أقسم بالشفق} # [الانشقاق: 16] فيها مسألتان: # المسألة الأولى في الشفق: قال أشهب، وعبد الله، وابن القاسم، وغيرهم، ~~وكثير عددهم، عن مالك: الشفق: الحمرة التي تكون في المغرب، فإذا ذهبت ~~الحمرة فقد خرج وقت المغرب، ووجبت صلاة العشاء. وقال ابن القاسم، عن مالك: ~~الشفق: الحمرة فيما يقولون، ولا أدرى حقيقة ذلك، ولكني أرى الشفق الحمرة. ~~قال ابن القاسم قال مالك وإنه ليقع في قلبي. وما هو إلا شيء فكرت فيه منذ ~~قريب: أن البياض الذي يكون بعد حمرة الشفق أنه مثل البياض الذي يكون قبل ~~الفجر، فكما لا يمنع طعاما ولا شرابا من أراد الصيام، فلا أدري هذا يمنع ~~الصلاة. والله أعلم. # وبه قال ابن عمر، وقتادة، وشداد بن أوس، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس، ~~ومعاذ في كثير من التابعين. وروي عن ابن عباس أنه البياض، وعن أبي هريرة، ~~وعمر بن عبد العزيز، والأوزاعي وأبي حنيفة وجماعة. وروي عن ابن عمر مثله. # وقد اختلف في ذلك أهل اللغة اختلافا كثيرا، واعتضد بعضهم بالاشتقاق وأنه ~~مأخوذ من الرقة، والذي يعضده قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح ms1651 ~~«وقت صلاة العشاء ما # PageV04P368 # لم يسقط نور الشفق»، فهذا يدل على أنه على حالين: كثير وقليل، وهو الذي ~~توقف فيه # مالك من جهة اشتقاقه، واختلاف إطلاقه، ثم فكر فيه منذ قريب، وذكر كلاما ~~مجملا، تحقيقه أن الطوالع أربعة: الفجر الأول، والثاني، والحمرة، والشمس. ~~وكذلك الغوارب أربعة: البياض الآخر، والبياض الذي يليه، الحمرة، الشفق. # وقال أبو حنيفة: كما يتعلق الحكم في الصلاة والصوم بالطالع الثاني من ~~الأول في الطوالع، كذلك ينبغي أن يتعلق الحكم بالغارب من الآخر، وهو ~~البياض. # وقال علماؤهم المحققون: وكما قال {حتى مطلع الفجر} [القدر: 5] فكان الحكم ~~متعلقا بالفجر الثاني، كذلك إذا قال حتى يغيب الشفق بتعلق الحكم بالشفق ~~الثاني؛ وهذه تحقيقات قوية علينا. # واعتمد علماؤنا على «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى العشاء حين غاب ~~الشفق» والحكم يتعلق بأول الاسم، وكذلك كنا نقول في الفجر، إلا أن النص قطع ~~بنا عن ذلك فقال: ليس الفجر أن يكون هذا ورفع يده إلى فوق، ولكنه أن يكون ~~هكذا وبسطها وقال: ليس المستطيل، ولكنه المستطير يعني المنتشر، ولأن ~~النعمان بن بشير قال: «أنا أعلمكم بوقت صلاة العشاء الآخرة، كان النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يصليها لسقوط القمر لثلثيه» وقال الخليل: رقبت مغيب ~~البياض فوجدته يتمادى إلى ثلث الليل. وقال ابن أبي أويس: رأيته يتمادى إلى ~~طلوع الفجر فلما لم يتحدد وقته منه سقط اعتباره. ### | [مسألة قوله تعالى وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون] # المسألة الثانية قوله: {وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون} [الانشقاق: 21] ~~ثبت في الصحيح «أن أبا هريرة قرأ: {إذا السماء انشقت} [الانشقاق: 1] فسجد ~~فيها، فلما انصرف أخبرهم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سجد فيها» ~~وقد قال مالك: إنها ليست من عزائم السجود والصحيح أنها منه، وهي رواية ~~المدنيين عنه. وقد اعتضد فيها القرآن والسنة. # قال ابن العربي: لما أممت بالناس تركت قراءتها؛ لأني إن سجدت أنكروه، وإن ~~تركتها كان تقصيرا مني، فاجتنبتها إلا إذا صليت وحدي. وهذا تحقيق وعد ~~الصادق # PageV04P369 # بأن يكون المعروف منكرا والمنكر ms1652 معروفا. # وقد «قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة # لولا حدثان عهد قومك بالكفر لهدمت البيت ورددته على قواعد إبراهيم.» # وقال كان شيخنا أبو بكر الفهري يرفع يديه عند الركوع، وعند رفع الرأس ~~منه، وهذا مذهب مالك والشافعي، وتفعله الشيعة، فحضر عندي يوما بمحرس ابن ~~الشواء بالثغر موضع تدريسي عند صلاة الظهر، ودخل المسجد من المحرس المذكور، ~~فتقدم إلى الصف الأول وأنا في مؤخره قاعد على طاقات البحر، أتنسم الريح من ~~شدة الحر، ومعه في صف واحد أبو ثمنة رئيس البحر وقائده، مع نفر من أصحابه ~~ينتظر الصلاة، ويتطلع على مراكب تحت الميناء، فلما رفع الشيخ يديه في ~~الركوع وفي رفع الرأس منه قال أبو ثمنة وأصحابه: ألا ترون إلى هذا المشرقي ~~كيف دخل مسجدنا؟ فقوموا إليه فاقتلوه وارموا به في البحر، فلا يراكم أحد. ~~فطار قلبي من بين جوانحي، وقلت: سبحان الله، هذا الطرطوشي فقيه الوقت. ~~فقالوا لي: ولم يرفع يديه؟ فقلت: كذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يفعل، وهو مذهب مالك في رواية أهل المدينة عنه. وجعلت أسكنهم وأسكتهم، حتى ~~فرغ من صلاته، وقمت معه إلى المسكن من المحرس، ورأى تغير وجهي، فأنكره، ~~وسألني فأعلمته فضحك، وقال: ومن أين لي أن أقتل على سنة، فقلت له: ولا يحل ~~لك هذا فإنك بين قوم إن قمت بها قاموا عليك، وربما ذهب دمك. فقال: دع هذا ~~الكلام وخذ في غيره. # وفي الحديث الصحيح، عن أبي رافع قال: «صليت خلف أبي هريرة صلاة العشاء ~~يعني العتمة فقرأ {إذا السماء انشقت} [الانشقاق: 1] فسجد فيها، فلما فرغ ~~قلت: يا أبا هريرة، وإن هذه السجدة ما كنا نسجدها. قال: سجدها أبو القاسم - ~~صلى الله عليه وسلم - وأنا خلفه، فلا أزال أسجدها حتى ألقى أبا القاسم». ~~وكان عمر بن عبد العزيز يسجد فيها مرة، ومرة لا يسجد، كأنه لا يراها من ~~العزائم عزائم القرآن وقد بينا الصحيح في ذلك # والله أعلم [بغيبه وأحكم]. # PageV04P370 ### | [سورة البروج فيها آيتان] # [الآية الأولى قوله تعالى وشاهد ومشهود] ### | الآية ms1653 الأولى قوله تعالى: {وشاهد ومشهود} # [البروج: 3]: فيها مسألتان: # المسألة الأولى الشاهد فاعل من شهد، والمشهود مفعول منه، ولم يأت حديث ~~صحيح بعينه، فيجب أن يطلق على كل شاهد ومشهود. وقد روى عباد بن مطر الرهاوي ~~عن مالك عن عمارة بن عبد الله بن صياد، عن نافع بن جبير عن أبيه، «عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - في قوله: {وشاهد ومشهود} [البروج: 3] قال: الشاهد ~~يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة». # وقد روي عن ابن عباس أنه قال: الشاهد محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويصح ~~أن يكون الله ورسله والملائكة والمؤمنين والحجر الأسود. وقد يكون المشهود ~~عليه الإنسان، والمشهود فيه يوم الجمعة، ويوم عرفة، ويوم النحر، وأيام ~~المناسك كلها، ويوم القيامة، وليس إلى التخصيص سبيل بغير أثر صحيح. # المسألة الثانية إذا كان الشاهد الله فقد بينا معناه ومتعلقه في الأمد ~~الأقصى، وإذا كان الرسول والمؤمنين فقد قال سبحانه: {لتكونوا شهداء على ~~الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} [البقرة: 143] وهذا إذا تتبعته بالأخبار ~~وجدته كثيرا في جماعة. وأما المشهود فعلقه بكل مشهود فيه، ومشهود عليه، ~~ومشهود به، حسب متعلقات الفعل بأقسام المفعول فإنه في ذلك كله صحيح سائغ ~~لغة ومعنى، فاحمله عليه وعممه فيه. # PageV04P371 ### | [الآية الثانية قوله تعالى قتل أصحاب الأخدود] # } [البروج: 4]: فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى ثبت عن صهيب واللفظ لمسلم أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: «كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: ~~قد كبرت، فابعث لي غلاما أعلمه السحر؛ فبعث إليه غلاما يعلمه، فكان في ~~طريقه إذا سلك راهب قعد إليه، وسمع كلامه، وأعجبه، فكان إذا أتى الساحر مر ~~بالراهب، فقعد إليه، وإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا ~~خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل حبسني الساحر، فبينما هو ~~كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل ~~أم الراهب أفضل، فأخذ حجرا وقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر ~~الساحر ms1654 فاقتل هذه الدابة، حتى يمضي الناس، فرماها فقتلها، ومضى الناس؛ فأتى ~~إلى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أي بني، أنت اليوم أفضل مني، قد بلغ من ~~أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدل علي؛ فكان الغلام يبرئ ~~الأكمه والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع به جليس الملك وكان قد ~~عمي فأتاه بهدايا كثيرة، فقال: لك ما هنالك أجمع إن شفيتني قال: إني لا ~~أشفي أحدا، إنما يشفي الله، فإن أنت آمنت بالله دعوت لك فشفاك. فآمن بالله؛ ~~فشفاه الله. فأتى الملك فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من رد عليك ~~بصرك؟ قال: ربي. قال: ولك رب غيري، قال: ربي وربك الله. فأخذه فلم يزل به ~~حتى دل على الغلام. فجيء بالغلام، فقال له الملك: أي بني، قد بلغ من سحرك ~~ما تبرئ الأكمه والأبرص، وتفعل وتفعل، فقال: إني لا أشفي أحدا إنما يشفي ~~الله. فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب، فجيء بالراهب، فقيل له: # PageV04P372 # ارجع عن دينك، فأبى، فدعا بالمنشار، فوضع المنشار على مفرق رأسه، فشقه، ~~حتى وقع شقاه # ثم جيء بجليس الملك، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فوضع المنشار في مفرق ~~رأسه، فشقه حتى وقع شقاه؛ ثم جيء بالغلام فقال له: ارجع عن دينك فأبى، ~~فدفعه إلى نفر، من أصحابه، فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا كذا، فاصعدوا به ~~الجبل، فإذا بلغتم ذروته، فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه، فصعدوا به الجبل، ~~فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل، فسقطوا، وجاء يمشي إلى ~~الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ فقال: كفانيهم الله. فدفعه إلى نفر ~~من أصحابه، فقال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور، فتوسطوا به البحر، فإن رجع ~~عن دينه وإلا فاقذفوه. فذهبوا به. فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانكفأت ~~بهم السفينة، فغرقوا، وجاء يمشي إلى الملك؛ فقال له: ما فعل أصحابك؟ فقال: ~~كفانيهم الله. فقال للملك: إنك لست بقاتلي، حتى تفعل ما آمرك به. قال: وما ~~هو؟ قال: ms1655 تجمع الناس في صعيد واحد، وتصلبني على جذع، ثم خذ سهما من كنانتي، ~~ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: بسم الله، رب الغلام، ثم ارمني؛ فإنك إذا ~~فعلت ذلك قتلتني. فجمع الناس في صعيد واحد، وصلبه على جذع، ثم أخذ سهما من ~~كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: بسم الله رب الغلام، ثم رماه ~~فوقع السهم في صدغه، فوضع يده على صدغه في موضع السهم فمات. فقال الناس: ~~آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، فأتى الملك، فقيل له: ~~أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس برب الغلام؛ فأمر ~~بالأخدود في أفواه السكك؛ فخدت، وأضرم النار، وقال: من لم يرجع عن دينه ~~فأحموه فيها، أو قيل له: # PageV04P373 # اقتحم ففعلوا، حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها، فتقاعست أن تقع فيها، فقال ~~الغلام: يا أمه، اصبري، فإنك على الحق، فاقتحمت». # المسألة الثانية أصحاب الأخدود هم الذين حفروه من الكفار، وهم الذين رموا ~~فيه المؤمنين، فكان لفظ الصحبة محتملا، إلا أنه بينه وخصصه آخر القول في ~~الآية الثالثة لها والرابعة منها، وهما قوله: {إذ هم عليها قعود} [البروج: ~~6] {وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود} [البروج: 7]. المسألة الثالثة هذا ~~الحديث سترون إن شاء الله تفسيره في مختصر النيرين، والذي يختص به من ~~الأحكام ههنا أن المرأة والغلام صبرا على العذاب من القتل، والصلب، وإلقاء ~~النفس في النار، دون الإيمان. وهذا منسوخ عندنا حسبما تقرر في سورة النحل. # PageV04P374 ### | [سورة الطارق فيها ثلاث آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى فلينظر الإنسان مم خلق] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {فلينظر الإنسان مم خلق} # [الطارق: 5] {خلق من ماء دافق} [الطارق: 6]: فيها مسألتان: # المسألة الأولى بين الله تعالى محل الماء الذي ينتزع منه، وأنه بين الصلب ~~والترائب، تزعجه القدرة، وتميزه الحكمة، وقد قال الأطباء: إنه الدم الذي ~~تطبخه الطبيعة بواسطة الشهوة، وهذا ما لا سبيل إلى معرفته أبدا إلا بخبر ~~صادق. # وأما القياس فلا مدخل له فيه، والنظر العقلي ms1656 لا ينتهى إليه، وكل ما يصفون ~~فيه دعوى يمكن أن تكون حقا، بيد أنه لا سبيل إلى تعيينها كما قدمنا؛ ولا ~~دليل على تخصيصها حسبما أوضحنا. والذي يدل على صحة ذلك من جهة الخبر قوله ~~تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} [المؤمنون: 12] {ثم جعلناه ~~نطفة في قرار مكين} [المؤمنون: 13] {ثم خلقنا النطفة علقة} [المؤمنون: 14] ~~وهي الدم؛ فأخبر تعالى أن الدم هو الطور الثالث، وعند الأطباء أنه الطور ~~الأول، وهذا تحكم ممن يجهل. # فإن قيل وهي: # المسألة الثانية فلم قلتم: إنه نجس؟ قلنا: قد بينا ذلك في مسائل الخلاف، ~~وقد دللنا عليه بما فيه مقنع، وأخذنا معهم # PageV04P375 # فيه كل طريق، وملكنا عليهم بثبت الأدلة كل ثنية للنظر. فلم يجدوا للسلوك ~~إلى مرامهم من أنه طاهر سبيلا، وأقربه أنه يخرج على ثقب البول عند طرف ~~الكمرة فيتنجس بمروره على محل نجس. ### | [الآية الثانية قوله تعالى يوم تبلى السرائر] # } [الطارق: 9]: فيها ثلاث مسائل: المسألة الأولى قوله: {يوم تبلى ~~السرائر} [الطارق: 9] يعني تختبر الضمائر، وتكشف ما كان فيها. والسرائر ~~تختلف بحسب اختلاف أحوال التكليف والأفعال. # المسألة الثانية أما السرائر فقال مالك في رواية أشهب عنه وسأله عن قوله ~~تعالى: {يوم تبلى السرائر} [الطارق: 9] أبلغك أن الوضوء من السرائر؟ قال: ~~قد بلغني ذلك فيما يقول الناس، فأما حديث أخذته فلا. والصلاة من السرائر، ~~والصيام من السرائر، إن شاء قال: صليت ولم يصل. ومن السرائر ما في القلوب ~~يجزي الله به العباد. # قال القاضي: قال ابن مسعود: يغفر للشهيد إلا الأمانة، والوضوء من ~~الأمانة، والصلاة والزكاة من الأمانة، الوديعة من الأمانة، وأشد ذلك ~~الوديعة، تمثل له على هيئتها يوم أخذها، فيرمى بها في قعر جهنم، فيقال له: ~~أخرجها فيتبعها فيجعلها في عنقه، فإذا رجا أن يخرج بها زلت منه وهو يتبعها، ~~فهو كذلك دهر الداهرين. # وقال أبي بن كعب. من الأمانة أن ائتمنت المرأة على فرجها. قال أشهب: قال ~~لي سفيان: في الحيضة والحمل إذا قالت: لم أحض، وأنا حامل، صدقت ما لم تأت ms1657 ~~بما يعرف فيه أنها كاذبة. وفي الحديث: «غسل الجنابة من الأمانة». # المسألة الثالثة قد بينا أنه كل ما لا يعلمه إلا الله. # PageV04P376 ### | [الآية الثالثة قوله تعالى إنه لقول فصل وما هو بالهزل] # الآية الثالثة قوله تعالى: {إنه لقول فصل} [الطارق: 13] {وما هو بالهزل} ~~[الطارق: 14]: قد بينا أنه ليس في الشريعة هزل، وإنما هي جد كلها؛ فلا يهزل ~~أحد بعقد أو قول أو عمل إلا وينفذ عليه؛ لأن الله تعالى لم يجعل في قوله ~~هزلا؛ وذلك لأن الهزل محل للكذب، وللباطل يفعل، وللعب يمتثل. وقد بينا هذا ~~الغرض في الآيات الواردة فيه وفي مسائل الفقه. # PageV04P377 ### | [سورة الأعلى فيها أربع آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى سنقرئك فلا تنسى] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {سنقرئك فلا تنسى} # [الأعلى: 6]: فيها مسألتان: # المسألة الأولى قوله: {سنقرئك} [الأعلى: 6] أي سنجعلك قارئا، فلا تنسى ما ~~نقرئك. وقد تقدم ذكره. وقد روى ابن وهب قال: سألت مالكا عن قوله: {سنقرئك ~~فلا تنسى} [الأعلى: 6] قال: فتحفظ. قال علماؤنا: يريد مالك أن الله لم ~~يأمره بترك النسيان؛ إذ كان ليس من استطاعته، ولكنه قدم له تركه، وحكم له ~~بأنه لا ينسى ما أنزل عليه. # قال القاضي: وهذا صحيح؛ لأن تكليف الناسي في حال نسيانه أن يصرف نسيانه ~~لا يعقل قولا، فكيف يكون مكلفا به فعلا. # فإن قيل: فقد قال الله عز وجل. {ولا تنس نصيبك من الدنيا} [القصص: 77]. # قلنا. معناه لا تترك. وقد بينا أن النسيان هو الترك لغة. والترك على ~~قسمين: ترك بقصد، وترك بغير قصد. والتكليف إنما يتعلق بما يرتبط بالقصد من ~~الترك والله أعلم. ### | [مسألة قراءة سورة الأعلى والغاشية في العيدين] # . المسألة الثانية ثبت «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في ~~العيدين ب {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1] و {هل # PageV04P378 # أتاك حديث الغاشية} [الغاشية: 1]» من طريق سمرة بن جندب، والنعمان بن ~~بشير. خرجه النسائي، وغيره زاد النعمان: في الجمعة والعيدين. # وفي الصحيح «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال للذي طول صلاته ~~بالناس: اقرأ ب ms1658 {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1] {والشمس وضحاها} [الشمس: ~~1] ونحو ذلك». ### | [الآية الثانية قوله تعالى قد أفلح من تزكى] # } [الأعلى: 14]: فيها مسألتان: # المسألة الأولى قال أبو العالية: نزلت في صدقة الفطر يزكي ثم يصلي. # المسألة الثانية في سرد أقوال العلماء في ذلك: قال عكرمة: كان الرجل يقول ~~أقدم زكاتي بين يدي صلاتي. فقال سفيان: قال الله تعالى: {قد أفلح من تزكى} ~~[الأعلى: 14] {وذكر اسم ربه فصلى} [الأعلى: 15]. # وروى سفيان عن جعفر بن برقان، قال: كتب إلينا عمر بن عبد العزيز: إن هذا ~~الرجف شيء يعاقب الله به العباد، وقد كتبت إلى أهل الأمصار أن يخرجوا في ~~يوم كذا من شهر كذا، فمن استطاع منكم أن يتصدق فليفعل؛ فإن الله تعالى ~~يقول: {قد أفلح من تزكى} [الأعلى: 14] {وذكر اسم ربه فصلى} [الأعلى: 15] # وكان عمر بن عبد العزيز يخطب الناس على المنبر يقول: قدموا صدقة الفطر ~~قبل الصلاة؛ فإن الله يقول: {قد أفلح من تزكى} [الأعلى: 14] {وذكر اسم ربه ~~فصلى} [الأعلى: 15] # وكذلك كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمر بها ويخرجها. # وقول عمر بن عبد العزيز: إن هذا الرجف شيء يعاقب الله به عباده يعني ~~الزلازل. # PageV04P379 ### | [الآية الثالثة قوله تعالى وذكر اسم ربه فصلى] # } [الأعلى: 15]: فيها مسألتان: # المسألة الأولى قد بينا أن الذكر حقيقته إنما هو في القلب؛ لأنه محل ~~النسيان الذي هو ضده، والضدان إنما يتضادان في المحل الواجب؛ فأوجب الله ~~بهذه الآية النية في الصلاة خصوصا، وإن كان قد اقتضاها عموما قوله تعالى: ~~{وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} [البينة: 5]. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات». والصلاة أم ~~الأعمال، ورأس العبادات، ومحل النية في الصلاة مع تكبيرة الإحرام؛ فإن ~~الأفضل في كل نية بفعل أن تكون مع الفعل لا قبله؛ وإنما رخص في تقديم نية ~~الصوم لأجل تعذر اقتران النية فيه # بأول الفعل عند الفجر، لوجوده والناس في غفلة، وبقيت سائر العبادات على ~~الأصل وتوهم بعض القاصرين عن معرفة الحق أن تقديم النية على الصلاة جائز ms1659 ~~بناء على ما قال علماؤنا من تجويز تقديم النية على الوضوء في الذي يمشي إلى ~~النهر في الغسل؛ فإذا وصل واغتسل نسي أن يجزئه قال: فكذلك الصلاة. # وهذا القائل ممن دخل في قوله تعالى: {أفمن يمشي مكبا على وجهه} [الملك: ~~22]؛ وقد بيناه في كل موضع يعترى فيه، وحققنا أن الصلاة أصل متفق عليه في ~~وجوب النية، والوضوء فرع مختلف فيه، فكيف يقاس المتفق عليه على المختلف ~~فيه، ويحمل الأصل على الفرع؟ ### | [مسألة الذكر بالقلب واللسان] # . المسألة الثانية قوله تعالى: {وذكر اسم ربه فصلى} [الأعلى: 15]. [إذا ~~قلنا: إنه] الذكر الثاني باللسان المخبر عن ذكر القلب المعبر عنه بأنه ~~مشروع في الصلاة مفتتح به في أولها باتفاق من الأئمة؛ لكنهم اختلفوا في ~~تعيينه؛ فمنهم من قال: إنه كل ذكر حتى لو قال: " سبحان الله " بدل التكبير ~~أجزأه، بل لو قال بدل (الله أكبر): بزرك خداي لأجزأه، منهم أبو حنيفة. # PageV04P380 # وقال أبو يوسف: يجزئه " الله الكبير " والله أكبر، والله الأكبر. # وقال الشافعي: يجزئه الله أكبر والله الأكبر. [وقال مالك: لا يجزئه إلا ~~قوله:] الله أكبر. # فأما تعلق أبي حنيفة في الذكر بالعجمية بقوله تعالى: {إن هذا لفي الصحف ~~الأولى} [الأعلى: 18] {صحف إبراهيم وموسى} [الأعلى: 19] فيأتي ذكر وجه ~~التقصي عنه في الآية التي بعد هذه إن شاء الله تعالى. # وأما قوله: إنه الذكر مطلقا بقوله العام: {وذكر اسم ربه فصلى} [الأعلى: ~~15] فهذا العام قد عينه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وفعله؛ أما قوله ~~فهو في الحديث المشهور: «تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم». وأما الفعل ~~فإنه كان يقول في صلاته كلها: الله أكبر. # وأما التعلق للشافعي بقوله: إن زيادة الألف واللام فيه لا تغير بناءه ولا ~~معناه. # فالجواب أن التعبد إذا وقع بقول أو فعل لم يجز أن يعبر عما شرع فيه بما ~~لا يغير؛ لأنها شرعة في الشريعة، واعتبار من غير اضطرار؛ وذلك لا يجوز. # وجواب ثان؛ وذلك أن الألف واللام تدخل للجنس وللعهد، وكلاهما ممنوع ~~هاهنا، أما الجنس فإن البارئ تعالى لا جنس ms1660 له. وأما العهد فلأن التعبير ~~بالكبرية عن الله تعالى وصف، فلا معنى للزيادة فيه حيث لا تتصور الزيادة. ~~وإذا بطل مذهب الشافعي فمذهب أبي يوسف أبطل. # فإن قيل: قوله: {وذكر اسم ربه فصلى} [الأعلى: 15] عموم في كل ذكر، وقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: الله أكبر في الصلاة تخصيص لبعض ذلك العموم، ~~فيحمل على الاستحباب، وإنما كان يحمل على الوجوب لو كان بيانا لمجمل واحد. ~~وهذا سؤال قوي لأصحاب أبي حنيفة، وقد تقصينا عنه في مسائل الخلاف، ونعول ~~الآن هنا على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «صلوا كما رأيتموني ~~أصلي». وهو إنما كان يكبر ولا يتعرض لكل ذكر، فتعين التكبير بأمره باتباعه ~~في صلاته، فهو المبين لذلك كله. # PageV04P381 ### | [الآية الرابعة قوله تعالى إن هذا لفي الصحف الأولى] # } [الأعلى: 18] {صحف إبراهيم وموسى} [الأعلى: 19]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى في معناه: فيه ثلاثة أقوال: الأول أنه القرآن. # الثاني أنه ما قصه الله سبحانه في هذه السورة. # الثالث: أن هذا يعني أحكام القرآن. # المسألة الثانية تحقيق قوله تعالى: {إن هذا لفي الصحف الأولى} [الأعلى: ~~18] يعني القرآن مطلقا قول ضعيف؛ لأنه باطل قطعا. # وأما القول بأنه فيه أحكامه فإن أراد معظم الأحكام فقد بينا تحقيق ذلك في ~~قوله: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك} [الشورى: 13]. ~~وأما إن أراد به ما في هذه السورة فهو الأولى من الأقوال؛ وهو الصحيح منها. ~~والله أعلم. ### | [مسألة القراءة في الصلاة بالعجمية] # المسألة الثالثة تعلق أبو حنيفة وأصحابه في جواز القراءة في الصلاة ~~بالعجمية بقوله تعالى: {إن هذا لفي الصحف الأولى} [الأعلى: 18] {صحف ~~إبراهيم وموسى} [الأعلى: 19]. قالوا: فقد أخبر الله أن كتابه وقرآنه في صحف ~~إبراهيم وموسى بالعبرانية؛ فدل على جواز الإخبار بها عنه وبأمثالها من سائر ~~الألسن التي تخالفه. # والجواب عنه من وجهين: الأول: أنا نقول: إن الله سبحانه بعث الرسل وأنزل ~~عليهم الكتب، وما بعث الله # PageV04P382 # من رسول إلا بلسان قومه، كما أخبر، وما أنزل من كتاب إلا بلغتهم، فقال ms1661 ~~سبحانه وتعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} [إبراهيم: 4]؛ كل ذلك ~~تيسير منه عليهم، وتقريب للتفهيم إليهم، وكل مفهم بلغته، متعبد بشريعته، ~~ولكل كتاب بلغتهم اسم؛ فاسمه بلغة موسى التوراة، واسمه بلغة عيسى الإنجيل، ~~واسمه بلغة محمد القرآن، فقيل لنا: اقرءوا القرآن، فيلزمنا أن نعبد الله ~~بما يسمى قرآنا. # الثاني: هبكم سلمنا لكم أن يكون في صحف موسى بالعبرانية فما الذي يقتضي ~~أنه تجوز قراءته بالفارسية؟ فإن قيل: بالقياس. # قلت: ليس هذا موضعه لا سيما عندكم، وقد بيناه في أصول الفقه ومسائل ~~الخلاف على التمام، فلينظر هنالك إن شاء الله تعالى. # PageV04P383 ### | [سورة الغاشية فيها آية واحدة] # [قوله تعالى فذكر إنما أنت مذكر] # ] وهي ### | قوله تعالى: {فذكر إنما أنت مذكر} # [الغاشية: 21] {لست عليهم بمسيطر} [الغاشية: 22]: فيها مسألتان: # المسألة الأولى المسيطر هو المسلط الذي يقهر ويغلب على ما يقول. # المسألة الثانية كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في أول أمره معرفا ~~برسالته، مذكرا بنبوته، يدعو الخلق إلى الله، ويذكرهم عهده، ويبشرهم وعده، ~~ويحذرهم وعيده، ويعرفهم دينه، حتى وضحت المحجة، وقامت لله سبحانه الحجة؛ ~~فلما استمر الخلق على فساد رأيهم، ولجوا في طغيانهم وغلوائهم، أمره الله ~~بالقتال، وسوق الخلق إلى الإيمان قسرا، ونسخ هذه الآية وأمثالها حسبما ~~بيناه. # وروى الترمذي وغيره أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم ~~إلا بحقها. وحسابهم على الله، ثم قرأ: {فذكر إنما أنت مذكر} [الغاشية: 21] ~~{لست عليهم بمسيطر} [الغاشية: 22]»: بمسلط على سرائرهم، مفسرا معنى الآية، ~~وكاشفا خفي الخفاء عنها. المعنى إذا قال الناس: لا إله إلا الله فلست بمسلط ~~على سرائرهم، وإنما عليك بالظاهر، وقد كان قبل ذلك لا يطالب لا بالظاهر ولا ~~بالباطن، فلما استولى الله بأمره وتكليفه القتال على الظاهر، وكل سرائرهم ~~إليه. وهذا الحديث [صحيح السند]، صحيح المعنى. والله أعلم. # PageV04P384 ### | [سورة الفجر فيها خمس آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى والفجر] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {والفجر} # [الفجر: 1]: فيها مسألتان:. ms1662 # المسألة الأولى الفجر: هو أول أوقات النهار الذي هو أحد قسمي الزمان؛ وهو ~~كما قدمنا فجران: أحدهما البياض الذي يبدو أولا ثم يخفى؛ وهو الذي تسميه ~~العرب ذنب السرحان لطرآنه ثم إقلاعه. والثاني: هو البادي متماديا؛ ويسمى ~~الأول المستطيل؛ لأنه يبدو كالحبل المعلق من الأفق أو الرمح القائم فيه؛ ~~ويسمى الثاني المستطير؛ لأنه ينتشر عرضا في الأفق، ويسمى الأول الكاذب؛ ~~وليس يتعلق به حكم. ويسمى الثاني الصادق لثبوته؛ وبه تتعلق الأحكام كما ~~تقدم. # ومن حديث سمرة بن جندب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يمنعكم ~~من السحور أذان بلال، ولا الصبح المستطيل، ولكن المستطير بالأفق». # المسألة الثانية فيما يترتب عليه من أحكام؛ وقد تقدم. ولأجله قال مالك في ~~رواية ابن القاسم، وأشهب عنه: الفجر أمره بين، وهو البياض المعترض في ~~الأفق. # PageV04P385 ### | [الآية الثانية قوله تعالى وليال عشر] # } [الفجر: 2]: فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى في تعيينها أربعة أقوال: الأول أنها عشر ذي الحجة؛ روي عن ~~ابن عباس، وقاله جابر، ورواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يصح. # الثاني: عشر المحرم؛ قاله الطبري. # الثالث: أنها العشر الأواخر من رمضان. # الرابع أنها العشر التي أتمها الله لموسى - عليه السلام - في ميقاته معه. # المسألة الثانية أما كل مكرمة فداخلة معه في هذا اللفظ بالمعنى لا بمقتضى ~~اللفظ؛ لأنها نكرة في إثبات، والنكرة في الإثبات لا تقتضي العموم، ولا توجب ~~الشمول؛ وإنما تتعلق بالعموم مع النفي؛ فهذا القول يوجب دخول ليال عشر فيه، ~~ولا يتعين المقصود منه، فربك أعلم بما هي؛ لكن تبقى هاهنا نكتة؛ وهي أن ~~تقول: فهل من سبيل إلى تعيينها وهي: # المسألة الثالثة قلنا: نحن نعينها بضرب من النظر، وهي العشر الأواخر من ~~رمضان؛ لأنا لم نر في هذه الليالي المعتبرات أفضل منها، لا سيما وفيها ليلة ~~القدر التي هي خير من ألف شهر؛ فلا يعادلها وقت من الزمان. # PageV04P386 # المسألة الرابعة قال ابن وهب عن مالك: {وليال عشر} [الفجر: 2]؛ قال: ~~الأيام مع الليالي، والليل قبل النهار، وهو حساب القمر ms1663 الذي وقت الله عليه ~~العبادات كما رتب على حساب الشمس الذي يتقدم فيه النهار على الليل بالعادات ~~في المعاش والأوقات. # وقد ذكر شيخ اللغة وحبرها أبو عمرو الزاهد أن من العرب من يحسب النهار ~~قبل الليل، ويجعل الليلة لليوم الماضي، وعلى هذا يخرج «قول عائشة في حديث ~~إيلاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نسائه، فلما كان صبيحة تسع ~~وعشرين ليلة أعدهن عدا دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قلت: يا ~~رسول الله، ألم تكن آليت شهرا فقال: إن الشهر تسع وعشرون»، ولو كانت الليلة ~~لليوم الآتي لكان قد غاب عنهن ثمانية وعشرين يوما، وهذا التفسير بالغ طالما ~~سقته سؤالا للعلماء باللسان # وتقليبا للدفاتر بالبيان حتى وجدت أبا عمرو وقد ذكر هذا؛ فإما أن تكون ~~لغة نقلها، وإما أن تكون نكتة أخذها من هذا الحديث واستنبطها. # والغالب في ألسنة الصحابة والتابعين غلبة الليالي للأيام، حتى إن من ~~كلامهم: " صمنا خمسا " يعبرون به عن الليالي، وإن كان الصوم في النهار. ~~والله أعلم. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى والشفع والوتر] # } [الفجر: 3]: فيها خمس مسائل: # المسألة الأولى للعلماء في تعيينها ثمانية أقوال: الأول: أن الصلاة شفع ~~كلها، والمغرب وتر؛ قاله عمران بن حصين عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-[خرجه الترمذي]. # الثاني: أن الشفع أيام النحر، والوتر يوم عرفة، رواه جابر عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -. # الثالث: أن الشفع يوم منى، والوتر: الثالث من أيام منى، وهو الثالث عشر ~~من ذي الحجة. # PageV04P387 # الرابع أن الشفع عشر ذي الحجة، والوتر أيام منى لأنها ثلاثة. # الخامس الشفع: الخلق، والوتر الله تعالى؛ قاله قتادة. # السادس أنه الخلق كله؛ لأن منه شفعا ومنه وترا. # السابع أنه آدم؛ وتر شفعته زوجته، فكانت شفعا له؛ قاله الحسن. # الثامن أن العدد منه شفع، ومنه وتر. # المسألة الثانية هذه الآية خلاف التي قبلها؛ لأن ذكر الشفع كان بالألف ~~واللام المقتضية للعهد لاستغراق الجنس، ما لم يكن هنالك عهد؛ وليس بممتنع ~~أن يكون المراد بالشفع والوتر كل شفع ووتر ms1664 مما ذكر ومما لم يذكر، وإن كان ~~ما ذكر يستغرق ما ترك في الظاهر. والله أعلم. # المسألة الثالثة لكن إن قلنا: إن الليالي العشر عشر ذي الحجة، فيبعد أن ~~يكون المراد بالشفع والوتر يوم النحر؛ لأنه قد ذكر في القسم المتقدم، وكذلك ~~من قال: إنه عشر ذي الحجة لهذه العلة. # وأما القول الخامس فوجه القسم فيه وحق الخلق والخالق لهم. # وأما القول السادس فمعناه وحق الخلق. # ووجه القول السابع وحق آدم وزوجته. # ووجه القول الثامن أنه قال: وحق العدد الذي جعله الله قوام الخلق وتماما ~~لهم، حتى لقد غلا فيه الغالون حتى جعلوه أصل التوحيد والتكليف، وسر العالم ~~وتفاصيل المخلوقات التي تدور عليه، وهو هوس كله، وقد استوفيناه في كتاب ~~المشكلين. ### | [مسألة المراد بالصلاة في قولة تعالى والشفع والوتر] # . المسألة الرابعة إذا قلنا إن المراد به الصلاة فمنها شفع، وهي الصلوات ~~الأربع، ومنها وتر وهي صلاة المغرب؛ ولذلك قال علماؤنا: إنها لا تعاد في ~~جماعة خلافا للشافعي لأنها لو # PageV04P388 # طلب بها فضل الجماعة لانقلبت شفعا، حتى تناهى علماؤنا في ذلك فقالوا: لو ~~أعادها رجل [في جماعة] غفلة لقيل له: أعدها ثالثة؛ حتى تكون وترا تسع ~~ركعات، وهذا باطل؛ فإن المغرب لو صارت بالإعادة في الجماعة شفعا لصارت ~~الظهر بإعادتها ثمانيا، ويعود ذلك في حال التخليط الذي يضرب به المثل فيقال ~~فيه: # فوالله ما أدري إذا ما ذكرتها ... أثنتين صليت الضحى أم ثمانيا # فكما لا تتضاعف الظهر بالإعادة، فكذلك لا تتضاعف المغرب، وأشده الصلاة ~~الثالثة، فإنه من الغلو في الدين. ### | [مسألة أقل النفل] # المسألة الخامسة لما قال علماؤنا: إن أقل النفل ركعتان. # قلنا: إن قول الله تعالى: {والشفع} [الفجر: 3] يصح أن يكون المراد به ~~الصلوات كلها فرضها ونفلها. # وقوله تعالى: {والوتر} [الفجر: 3] ينطلق على الوتر وحده الذي هو فرد. # وفي صحيح الحديث واللفظ لمسلم: «الاستجمار وتر، والطواف وتر، والفرد ~~كثير»، وما أشرنا إليه يكفي فيه. ### | [الآية الرابعة قوله تعالى والليل إذا يسر] # } [الفجر: 4]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى أقسم الله بالليل ms1665 والنهار، كما أقسم بسائر المخلوقات ~~عموما وخصوصا، وجملة وتفصيلا، وخصه هاهنا بالسرى لنكتة هي: # المسألة الثانية أن الله تعالى قال: {هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه} ~~[يونس: 67]. # PageV04P389 # وقال: {وجعلنا الليل لباسا} [النبأ: 10] {وجعلنا النهار معاشا} [النبأ: ~~11] وأشار هاهنا إلى أن الليل قد يتصرف فيه للمعاش، كما يتصرف في النهار، ~~ويتقلب في الحال فيه للحاجة إليه. # وفي الصحيح «أن جابر بن عبد الله أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بليل، فقال له: السرى يا جابر». وخاصة المسافر، كما تقدم بيانه. # المسألة الثالثة كنت قد قيدت في فوائدي بالمنار أن الأخفش قال لمؤرج: ما ~~وجه من حذف من عدا ابن كثير الياء من قوله: يسري؟ فسكت عنها سنة، ثم قلنا ~~له: نختلف إليك نسألك منذ عام عن هذه. # المسألة فلا تجيبنا؟ فقال: إنما حذفها لأن الليل يسرى فيه ولا يسري. ~~فعجبت من هذا الجواب المقصر من غير مبصر؛ فقال لي بعض أشياخي: تمامه في ~~بيانه أن ذلك لفقه، هو أن الحذف يدل على الحذف، وهو مثل الأول. # والجواب الصحيح قد بيناه في الملجئة. ### | [الآية الخامسة قوله تعالى ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد] # الآية الخامسة قوله تعالى: {ألم تر كيف فعل ربك بعاد} [الفجر: 6] {إرم ~~ذات العماد} [الفجر: 7]: فيها ست مسائل: # المسألة الأولى أما " عاد " فمعلومة قد جرى ذكرها في القرآن كثيرا، وعظم ~~أمرها. # المسألة الثانية قوله: إرم فيه ستة أقوال: الأول أنه اسم جد عاد؛ قاله ~~محمد بن إسحاق. الثاني: إرم: أمة من الأمم؛ قاله مجاهد. # PageV04P390 # الثالث: أنه اسم قبيلة من عاد؛ قاله قتادة. وقيل وهو: الرابع هو إرم بن ~~عوص بن سام بن نوح - عليه السلام -. الخامس أن إرم الهلاك: يقال: أرم بنو ~~فلان أي هلكوا. السادس أنه اسم القرية. # المسألة الثالثة قال القاضي: لو أن قوله: إرم يكون مضافا إلى عاد لكان ~~يحتمل أن يكون مضافا إلى جده أو إلى إرم. فأما قوله عاد منون فيحتمل أن ~~يكون بدلا من جده، ويحتمل أن يكون ms1666 وصفا زائدا لعاد على القول بأنها أمة، ~~وكذلك إذا كان قبيلة منها، وكذلك إذا كان اسم القرية. ويحتمل إذا كان بمعنى ~~الهلاك أن يكون بدلا، لولا أن المصدر فيها إرم بكسر الفاء. فالله أعلم بما ~~تحت ذلك من الخفاء. # المسألة الرابعة قوله: {ذات العماد} [الفجر: 7]: فيه أربعة أقوال: الأول ~~أنهم كانوا أهل عمود ينتجعون القطر. الثاني: أنه الطول، كانوا أطول أجساما ~~وأشد قوة. وزعم قتادة أن طول الرجل منهم اثنا عشر ذراعا. وروي عن ابن عباس ~~سبعون ذراعا، وهو باطل؛ لأن في الصحيح أن الله خلق آدم طوله ستون ذراعا في ~~الهواء، فلم يزل الخلق ينقص إلى الآن. الثالث: أن العماد القوة، ويشهد له ~~القرآن. الرابع أنه ذات البناء المحكم، يقال: إن فيها أربعمائة ألف عمود. # المسألة الخامسة في تعيينها: وفيه قولان: # الأول أن أشهب قال عن مالك: هي دمشق؛ وقال محمد بن كعب القرظي: هي # PageV04P391 # الإسكندرية. وتحقيقها أنها دمشق؛ لأنها ليس في البلاد مثلها وقد ذكرت ~~صفتها وخبرها في كتاب ترتيب الرحلة للترغيب في الملة، وإليها أوت مريم، ~~وبها كان آدم، وعلى الغراب جبلها دم هابيل في الحجر جار لم تغيره الليالي، ~~ولا أثرت فيه الأيام، ولا ابتلعته الأرض، باطنها كظاهرها، مدينة بأعلاها، ~~ومدينة بأسفلها، تشقها تسعة أنهار؛ للقصبة نهر، وللجامع نهر، وباقيها ~~للبلد، وتجري الأنهار من تحتها كما تجري من فوقها، ليس فيها كظامة ولا ~~كنيف، ولا فيها دار، ولا سوق، ولا حمام، إلا ويشقه الماء ليلا ونهارا دائما ~~أبدا، وفيها أرباب دور قد مكنوا أنفسهم من سعة الأحوال بالماء، حتى إن ~~مستوقدهم عليه ساقية، فإذا طبخ الطعام وضع في القصعة، وأرسل في الساقية؛ ~~فيجرف إلى المجلس فيوضع في المائدة، ثم ترد القصعة من الناحية الأخرى إلى ~~المستوقد فارغة، فترسل أخرى ملأى، وهكذا حتى يتم الطعام. وإذا كثر الغبار ~~في الطرقات أمر صاحب الماء أن يطلق النهر على الأسواق والأرباض فيجري الماء ~~عليها، حتى يلجأ الناس في الأسواق والطرقات إلى الدكاكين، فإذا كسح غبارها ~~سكر الساقياني أنهارها، فمشيت ms1667 في الطرق على برد الهواء ونقاء الأرض، ولها ~~باب جيرون بن سعد بن عبادة؛ وعنده القبة العظيمة والميقاتات لمعرفة ~~الساعات، عليها باب الفراديس ليس في الأرض مثله، عنده كان مقري، وإليه من ~~الوحشة كان مفري، وإليه كان انفرادي للدرس والتقري. وفيها الغوطة مجمع ~~الفاكهات، ومناط الشهوات، عليها تجري المياه، ومنها تجنى الثمرات؛ وإن في ~~الإسكندرية لعجائب لو لم يكن إلا المنار فإنها مبنية الظاهر والباطن على ~~العمد، ولكن لها أمثال، فأما دمشق فلا مثال لها. # وقد روى معن عن مالك أن كتابا وجد بالإسكندرية فلم يدر ما هو، فإذا فيه: ~~أنا شداد بن عاد الذي رفع العماد، بنيتها حين لا شيب ولا موت قال مالك: إن ~~كان لتمر بهم مائة سنة لا يرون بها جنازة. # وذكر عن ثور بن زيد أنه قال: أنا شداد بن عاد، أنا الذي رفعت العماد، أنا ~~الذي كنزت كنزا على سبعة أذرع، لا يخرجه إلا أمة محمد - صلى الله عليه وسلم ~~-. # PageV04P392 ### | [مسألة التطاول في البنيان] # المسألة السادسة فيها من طريق الأحكام التحذير من التطاول في البنيان، ~~والتعاظم بتشييد الحجارة، والندب إلى تحصيل الأعمال التي توصل إلى الدار ~~الآخرة، ومن أشراط الساعة التطاول في البنيان، «وقد عرض على النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بنيان مسجده، فقال: عريش كعريش موسى». والبنيان أهون من ~~ذلك. # ولقد توفي وما وضع لبنة على لبنة، ثم تطاولنا في بنياننا، وزخرفنا ~~مساجدنا، وعطلنا قلوبنا وأبداننا. والله المستعان. # PageV04P393 ### | [سورة البلد فيها ثلاث آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى لا أقسم بهذا البلد] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {لا أقسم بهذا البلد} # [البلد: 1]: فيها خمس مسائل: # المسألة الأولى في قراءتها: قرأ الحسن، والأعمش، وابن كثير: لأقسم من غير ~~ألف زائدة على اللام إثباتا. وقرأها الناس بالألف نفيا المسألة الثانية ~~اختلف الناس إذا كان حرف " لا " مخطوطا بألف على صورة النفي، هل يكون ~~المعنى نفيا كالصورة أم لا؟ فمنهم من قال: تكون صلة في اللفظ، كما تكون " ~~ما " صلة فيه؛ وذلك في حرف " ما " كثير؛ فأما حرف ms1668 لا فقد جاءت [كذلك] في ~~قول الشاعر: # تذكرت ليلى فاعترتني صبابة ... وكاد ضمير القلب لا يتقطع # أي يتقطع، ودخل حرف " لا " صلة. # ومنهم من قال: [يكون] توكيدا، كقول القائل: لا والله، وكقول أبي كبشة ~~[امرئ القيس]: # فلا وأبيك ابنة العامري ... لا يدعي القوم أني أفر # قال أبو بكر بن عياش: ومنهم من قال: إنها رد لكلام من أنكر البعث، ثم ~~ابتدأ # PageV04P394 # القسم؛ فقال: أقسم، ليكون فرقا بين اليمين المبتدأة وبين اليمين التي ~~تكون ردا؛ قاله الفراء. # المسألة الثالثة أما كونها صلة فقد ذكروا في قوله: {ما منعك ألا تسجد إذ ~~أمرتك} [الأعراف: 12] في سورة الأعراف أنه صلة، بدليل قوله في ص: {ما منعك ~~أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت} [ص: 75] # والنازلة واحدة، والمقصود واحد، والمعنى سواء؛ فالاختلاف إنما يعود إلى ~~اللفظ خاصة. # وأما من قال: إنه توكيد فلا معنى له هاهنا؛ لأن التوكيد إنما يكون إذا ~~ظهر المؤكد؛ كقوله: لا والله لا أقوم، فإذا لم يكن هناك مؤكد فلا وجه ~~للتأكيد، ألا ترى إلى قوله: # فلا وأبيك ابنة العامري ... لا يدعي القوم أني أفر # [كيف] أكد النفي وهو لا يدعي بمثله. # ومن أغرب هذا أنه قد تضمر وينفى معناها، كما قال أبو كبشة: # فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي # في قول. وقد حققنا ذلك في رسالة الإلجاء للفقهاء إلى معرفة غوامض ~~الأدباء. # وأما من قال: إنها رد فهو قول ليس له رد؛ لأنه يصح به المعنى، ويتمكن ~~اللفظ والمراد. # المسألة الرابعة وأما من قرأها: لأقسم فاختلفوا؛ فمنهم من حذفها في الخط ~~كما حذفها في اللفظ، وهذا لا يجوز؛ فإن خط المصحف أصل ثبت بإجماع الصحابة. ~~ومنهم من قال: أكتبها ولا ألفظ بها، كما كتبوا " لا إلى الجحيم ". و " لا ~~إلى الله تحشرون " بألف، ولم يلفظوا بها، وهذا يلزمهم في قوله: {فلا أقسم ~~بمواقع النجوم} [الواقعة: 75] وشبهه، ولم يقولوا به. # PageV04P395 # فإن قيل: إنما تكون صلة في أثناء الكلام، كقوله: {لئلا يعلم أهل الكتاب} ~~[الحديد: 29] وقوله: {ألا تسجد ms1669 إذ أمرتك} [الأعراف: 12] ونحوه؛ فأما في ~~ابتداء الكلام فلا يوصل بها إلا مقرونة بألف، كقوله: {ألا إن وعد الله حق} ~~[يونس: 55]. # فأجابوا عنه بأن قالوا: إن القرآن ككلمة واحدة، وليس كما زعموا؛ لأنه لو ~~وصل بها ما قبلها لكانت: أهل التقوى وأهل المغفرة لا أقسم بيوم القيامة. # وهذا لا يجوز، حتى إن قوما كرهوا في القراءة أن يصلوها بها، ووقفوا حتى ~~يفرقوا بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم، ليقطعوا الوصل المتوهم. # والجواب الصحيح أن نقول: إن الصلة بها في أول الكلام كصلة آخره بها، ~~كذكرها في أثنائه؛ بل ذكرها في أثنائه أبلغ في الإشكال، كقوله: {ما منعك ~~ألا تسجد} [الأعراف: 12] ولو كان هذا كله خارجا عن أسلوب البلاغة، قادحا في ~~زين الفصاحة، مثبجا قوانين العربية التي طال القرآن بها أنواع الكلام، ~~ولاعترض عليه به الفصحاء البلغ، والعرب العرب، والخصماء اللد، فلما سلموا ~~فيه تبين أنه على أسلوبهم جار، وفي رأس فصاحتهم منظوم، وعلى قطب عربيتهم ~~دائر، وقد عبر عنه سعيد بن جبير وغيره من محققي المفسرين، فقالوا: قوله: ~~{لا أقسم} [البلد: 1] قسم. # المسألة الخامسة فإن قيل: كيف أقسم الله سبحانه بغيره. # قلنا: هذا قد بينا الجواب عنه على البلاغ في كتاب قانون التأويل، وقلنا: ~~للباري تعالى أن يقسم بما شاء من مخلوقاته تعظيما لها. # فإن قيل: فلم منع النبي - صلى الله عليه وسلم - من القسم بغير الله؟ ~~قلنا: لا تعلل العبادات. ولله أن يشرع ما شاء، ويمنع ما شاء [ويبيح ما ~~شاء]، وينوع المباح والمباح له، ويغاير بين المشتركين، ويماثل بين ~~المختلفين، ولا اعتراض عليه فيما كلف من ذلك، وحمل فإنه لا يسأل عما يفعل ~~وهم يسألون. # فإن قيل. فلم قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح ~~للأعرابي الذي قص عليه دعائم # PageV04P396 # الإسلام وفرائض الإيمان، فقال: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص: أفلح ~~وأبيه إن صدق. [قلت: قد رأيته في نسخة مشرقية في الإسكندرية: أفلح والله إن ~~صدق، ويمكن] أن يتصحف قوله: والله بقوله: وأبيه. جواب آخر بأن ms1670 هذا منسوخ ~~بقوله: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم». # جواب آخر إن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما نهى عنه عبادة، فإذا جرى ~~ذلك على الألسن # عادة فلا يمنع، فقد كانت العرب تقسم في ذلك بمن تكره، فكيف بمن تعظم؛ قال ~~ابن ميادة: # أظنت سفاها من سفاهة رأيها ... لأهجوها لما هجتني محارب # فلا وأبيها إنني بعشيرتي ... ونفسي عن هذا المقام لراغب # وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أحد فقهاء المدينة السبعة: # لعمر أبي الواشين أيان نلتقي ... لما لا تلاقيها من الدهر أكثر # يعدون يوما واحدا إن لقيتها ... وينسون أياما على النأي تهجر # وقال آخر: # لعمر أبي الواشين لا عمر غيرهم ... لقد كلفتني خطة لا أريدها # وقال آخر: # فلا وأبي أعدائها لا أزورها # وإذا كان هذا شائعا كان من هذا الوجه سائغا. ### | [الآية الثانية قوله تعالى وأنت حل بهذا البلد] # } [البلد: 2]: فيها ثلاث مسائل: # PageV04P397 # المسألة الأولى في قوله: {وأنت حل بهذا البلد} [البلد: 2]: فيها أربعة ~~أقوال: أحدها وأنت ساكن، تقدير الكلام أقسم بهذا البلد الذي أنت [فيه ~~لكرامتك علي، وحبي لك؛ وتكون هذه الجملة على نحو الحال، كأنه قال: أقسم ~~بهذا البلد وأنت] فيه. # الثاني: وأنت حل بهذا البلد يحل لك فيه القتل. وقد قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: «إن مكة حرمها الله يوم خلق السموات والأرض، لم تحل لأحد ~~قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما حلت لي ساعة من نهار، ثم عادت حرمتها اليوم ~~كحرمتها بالأمس». # الثالث: ويرجع إلى الثاني أنه يحل لك دخوله بغير إحرام؛ «دخل النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - مكة وعلى رأسه المغفر، ولم يكن محرما». # الرابع قال مجاهد: وأنت حل بهذا البلد ليس عليك ما على الناس فيه من ~~الإثم: يريد أن الله عصمك. وقد بيناه. # المسألة الثانية أما قوله: {وأنت حل بهذا البلد} [البلد: 2] أي ساكن فيه؛ ~~فيحتمل اللفظ، وتقتضيه الكرامة، ويشهد له عظم المنزلة. # وأما القول الثاني فقد تقدم القول في جواز القتل بمكة وإقامة الحدود فيها ~~في غير ما موضع ms1671 من كتابنا هذا؛ خلافا لأبي حنيفة، وفي غير هذا الكتاب. # وأما دخوله مكة بغير إحرام فقد كان ذلك. # وأما دخول الناس مكة فعلى قسمين: إما لتردد المعاش، وإما لحاجة عرضت؛ فإن ~~كان لتردد المعاش فيدخلها حلالا؛ لأنه لو كلف الإحرام في كل وقت لم يطقه، ~~وقد رفع تكليف هذا عنا. وأما إن كان لحاجة عرضت فلا يخلو؛ إما أن تكون حجة ~~أو عمرة أو غيرهما؛ فإن كان حجة أو عمرة فلا خلاف في وجوب الإحرام، وإن كان ~~غيرهما فاختلفت الرواية فيه؛ ففي المشهور عن مالك أنه لا بد من الإحرام، ~~وروي عنه تركه. # PageV04P398 # واختلف العلماء مثل هذا الاختلاف. والصحيح وجوب الإحرام، لقوله - عليه ~~السلام -: «لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من ~~نهار». وهذا عام. ### | [مسألة معنى قوله تعالى بهذا البلد] # المسألة الثالثة قوله: {بهذا البلد} [البلد: 1] مكة باتفاق من الأمة، ~~وذلك أن السورة مكية، وقد أشار له ربه بهذا، وذكر له البلد بالألف واللام؛ ~~فاقتضى ذلك [ضرورة] التعريف المعهود. وفيه قولان: أحدهما أنه مكة. # والثاني أنه الحرم كله. وهو الصحيح؛ لأن البلد بحريمه، كما أن الدار ~~بحريمها، فحريم الدار ما أحاط بجدرانها، واتصل بحدودها، وحريم بابها ما كان ~~للمدخل والمخرج، وحريم البئر في الحديث أربعون ذراعا، وعند علمائنا يختلف ~~ذلك بحسب اختلاف الأراضي في الصلابة والرخاوة، ولها حريم السقي بحيث لا ~~تختلط الماشية بالماشية من البئر الأخرى في المسقى والمبرك، ومن حاز حريما ~~أو مناخا قبل صاحبه فهو له. # وحريم الشجرة ما عمرت به في العادة # وفي كتاب أبي داود؛ عن أبي سعيد الخدري قال: «اختصم إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - رجلان في حريم نخلة، فأمر بها» وفي رواية له: «فأمر ~~بجريدة من جرائدها فذرعت، فوجدت سبعة أذرع». وفي رواية له أيضا: «خمسة أذرع ~~فقضى بذلك». # والذي يقضي به ما قلناه من أنه يأخذ حقه في العمارة التامة من ناحية ~~الأرض، ويأخذ دوحتها في الهواء، إلا أن تسترسل أغصانها على أرض رجل ms1672 فإنه ~~يقطع منها ما أضر به. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى فلا اقتحم العقبة] # } [البلد: 11]: فيها ثمان مسائل: # PageV04P399 # المسألة الأولى العقبة: فيها خمسة أقوال: الأول: أنها طريق النجاة؛ قاله ~~ابن زيد. الثاني جبل في جهنم؛ قاله ابن عمر. الثالث: عقبة في جهنم هي سبعون ~~درجة، قاله كعب. الرابع أنها نار دون الحشر. الخامس أن يحاسب نفسه وهواه ~~وعدوه الشيطان؛ قاله الحسن: عقبة والله شديدة. # المسألة الثانية العقبة في اللغة هي الأمر الشاق، وهو في الدنيا بامتثال ~~الأمر والطاعة، وفي الآخرة بالمقاساة للأهوال وتعيين أحد الأمرين لا يمكن ~~إلا بخبر الصادق. # المسألة الثالثة " اقتحم " معناه قطع الوادي بسلوكه فيه. وقال الليث: هو ~~رميه في وهدة بنفسه. وقال علي: من سره أن يقتحم جراثيم جهنم فليقض بين الجد ~~والإخوة. وإنما فسرناه بعد العقبة لأن الموصوف تقدم في الشرح على الصفة ~~بحكم النظر الحقيقي حسبما بيناه في أصول الفقه. ### | [مسألة قوله تعالى وما أدراك ما العقبة] # المسألة الرابعة اختار البخاري من هذا التقسيم قول مجاهد: إنه لم يقتحم ~~العقبة في الدنيا؛ وإنما اختار ذلك؛ لأنه قال بعد ذلك في الآية الثالثة: ~~{وما أدراك ما العقبة} [البلد: 12]. # ثم قال في الآية الرابعة: {فك رقبة} [البلد: 13]. وفي الآية الخامسة: {أو ~~إطعام في يوم ذي مسغبة} [البلد: 14]. ثم قال في الآية السادسة: {يتيما ذا ~~مقربة} [البلد: 15]. ثم قال في الآية السابعة: {أو مسكينا ذا متربة} ~~[البلد: 16]، فهذه الأعمال إنما تكون في الدنيا. # المعنى فلم يأت في الدنيا بما يسهل له سلوك العقبة في الآخرة. # PageV04P400 # تحقيقه: وما أدراك ما العقبة؛ أي شيء يقتحم به العقبة؛ لأن الاقتحام يدل ~~على مقتحم به، وهو ما فسره من الأعمال الصالحة: أولها فك رقبة. والفك هو حل ~~القيد، والرق قيد، وسمي المرقوق رقبة لأنه كالأسير الذي يربط بالقيد في ~~عنقه قال حسان: # كم من أسير فككناه بلا ثمن ... وجز ناصية كنا مواليها # وفك الأسير من العدو مثله؛ بل أولى منه على ما بيناه فيما قبل. # وفي الحديث: «من أعتق امرأ مسلما كان ms1673 فكاكه من النار». وفي الحديث «من ~~أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار حتى الفرج ~~بالفرج». وهو حديث صحيح عظيم في تكفير الزنا بالعتق. # وفي كتب المالكية «أن واثلة بن الأسقع سأل أن يحدث بحديث لا وهم فيه ولا ~~نقصان، فغضب واثلة، وقال: المصاحف تجددون فيها النظر بكرة وعشية وأنتم ~~تهمون تزيدون وتنقصون، ثم قال: جاء ناس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فقالوا: يا رسول الله، صاحبنا هذا قد أوجب. قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: مروه فليعتق رقبة؛ فإن له بكل عضو من المعتق عضوا منه من النار». # وروى الوليد بن مسلم عن مالك بن أنس عن إبراهيم بن أبي علية، حدثهم عن ~~إبراهيم بن عبد الله الديلي عن واثلة بن الأسقع بنحو مثله المسألة الخامسة ~~قال أصبغ: الرقبة الكافرة ذات الثمن أفضل في العتق من الرقبة المؤمنة ~~القليلة الثمن، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد سئل أي الرقاب أفضل؟ ~~قال: «أغلاها ثمنا، وأنفسها عند أهلها». # والمراد في هذا الحديث من المسلمين، بدليل قوله - عليه السلام -: «من ~~أعتق امرأ مسلما»، «ومن أعتق رقبة مؤمنة»، وما ذكره أصبغ وهلة. وإنما نظر ~~إلى تنقيص المال، والنظر إلى تجريد المعتق للعبادة؛ وتفريغه للتوحيد أولى. ~~وقد بيناه في كتاب الصريح من مختصر النيرين. # PageV04P401 ### | [مسألة إطعام الطعام] # المسألة السادسة إطعام الطعام قد بينا فضله، وهو مع السغب الذي هو الجوع ~~أفضل من إطعامه لمجرد الحاجة، أو على مقتضى الشهوة. وإطعام اليتيم الذي لا ~~كافل له أفضل من إطعام ذي الأبوين لوجود الكافل وقيام الناصر، وهي: # المسألة السابعة. ### | [مسألة قوله تعالى ذا مقربة] # والمسألة الثامنة قوله تعالى: {ذا مقربة} [البلد: 15] يفيد أن الصدقة على ~~القريب أفضل منها على البعيد؛ ولذلك بدأ به قبل المسكين، وذلك عند مالك في ~~النفل؛ وقد بينا ذلك فيما تقدم مع قوله تعالى: {أو مسكينا ذا متربة} ~~[البلد: 16] والمتربة: الفقر البالغ الذي لا يجد صاحبه طعاما إلا التراب ~~ولا فراشا سواه. والله أعلم. ms1674 # PageV04P402 ### | [سورة الشمس فيها آية واحدة] # [قوله تعالى ولا يخاف عقباها] ### | قوله تعالى: {ولا يخاف عقباها} # [الشمس: 15]: روى ابن وهب وابن القاسم عن مالك قالا: أخرج إلينا مالك ~~مصحفا لجده زعم أنه كتبه في أيام عثمان بن عفان، حين كتب المصاحف، مما فيه: ~~ولا يخاف عقباها بالواو، وهكذا قرأ أبو عمرو من القراء السبعة وغيره. # فإن قيل: لم يقرأ به نافع، وقد قال مالك: السنة قراءة نافع. # قلنا: ليس كل أحد من أصحابه، ولا كل سامع يفهم عنه في قراءة نافع الهمز ~~وحذفه، والمد وتركه، والتفخيم والترقيق، والإدغام والإظهار، في نظائر له من ~~الخلاف في القراءات؛ فدل على أنه أراد السنة في توسع الخلق في القراءة بهذه ~~الوجوه من غير ارتباط إلى شيء مخصوص منها. # وقد بينا ذلك في تأويل قوله: «أنزل القرآن على سبعة أحرف»، وقد ثبت «عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لمعاذ: لا تكن فتانا، اقرأ {سبح اسم ~~ربك الأعلى} [الأعلى: 1] {والشمس وضحاها} [الشمس: 1] ونحوهما»، فخصهما ~~بالذكر. # PageV04P403 ### | [سورة الليل فيها آيتان] # [الآية الأولى قوله تعالى وما خلق الذكر والأنثى] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {وما خلق الذكر والأنثى} # [الليل: 3]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى في معنى القسم فيها: وفيه ثلاثة أقوال: الأول: إن معناه ~~ورب الذكر والأنثى. وهذا المحذوف مقدر في كل قسم أقسم الله به من ~~المخلوقات. وقد تقدم ذكر القسم بها. # الثاني: أن معنى قوله تعالى: {وما خلق الذكر والأنثى} [الليل: 3] والشفع ~~والوتر كما تقدم يعني آدم وحواء، وآدم خلق وحده قبل خلق حواء حسبما سبق ~~بيانه. # المسألة الثانية قراءة العامة وصورة المصحف {وما خلق الذكر والأنثى} ~~[الليل: 3] وقد ثبت في الصحيح أن أبا الدرداء وابن مسعود، كانا يقرآن: ~~والذكر والأنثى. قال إبراهيم: قدم أصحاب عبد الله على أبي الدرداء فطلبهم ~~فوجدهم، فقال: أيكم يقرأ على قراءة عبد الله؟ قالوا: كلنا. قال تقرءون: ~~{والليل إذا يغشى} [الليل: 1]؟ قال علقمة: والذكر والأنثى. قال: أشهد أني ~~سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ هكذا، وهؤلاء يريدون أن ms1675 أقرأ: ~~وما خلق الذكر والأنثى، والله لا أتابعهم. # قال القاضي: هذا مما لا يلتفت إليه بشر، إنما المعول عليه ما في الصحف؛ ~~فلا # PageV04P404 # تجوز مخالفته لأحد، ثم بعد ذلك يقع النظر فيما يوافق خطه مما لم يثبت ~~ضبطه، حسبما بيناه في موضعه؛ فإن القرآن لا يثبت بنقل الواحد، وإن كان ~~عدلا؛ وإنما يثبت بالتواتر الذي يقع به العلم، وينقطع معه العذر وتقوم به ~~الحجة على الخلق. ### | [الآية الثانية قوله تعالى فأما من أعطى واتقى] # } [الليل: 5] {وصدق بالحسنى} [الليل: 6] {فسنيسره لليسرى} [الليل: 7] ~~{وأما من بخل واستغنى} [الليل: 8] {وكذب بالحسنى} [الليل: 9] {فسنيسره ~~للعسرى} [الليل: 10] # فيها ثمان مسائل: # المسألة الأولى في سبب نزولها: روي في ذلك روايات: الرواية الأولى عن أبي ~~الدرداء قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ما من يوم طلعت فيه ~~شمسه إلا وبجنبتيها ملكان يناديان، يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين: ~~اللهم أعط منفقا خلفا، وأعط ممسكا تلفا»؛ فأنزل الله تعالى في ذلك: {فأما ~~من أعطى واتقى} [الليل: 5] {وصدق بالحسنى} [الليل: 6] {فسنيسره لليسرى} ~~[الليل: 7] # الرواية الثانية عن عامر بن عبد الله بن الزبير قال: كان أبو بكر يعتق ~~على الإسلام بمكة، وكان يعتق نساء وعجائز؛ فقال له أبوه: أي بني، أراك تعتق ~~أناسا ضعفاء، فلو أنك أعتقت رجالا جلدا يقومون معك، ويدفعون عنك، ويمنعونك، ~~فقال: أي أبت؛ إنما أريد ما عند الله. قال: فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه ~~الآية نزلت فيه: {فأما من أعطى واتقى} [الليل: 5]. # المسألة الثانية قوله: {من أعطى} [الليل: 5]: حقيقة العطاء هي المناولة، ~~وهي في اللغة والاستعمال عبارة عن كل نفع أو ضر يصل من الغير إلى الغير، ~~وقد بيناه في كتاب الأمد الأقصى وغيره. # PageV04P405 # المسألة الثالثة قوله تعالى: {واتقى} [الليل: 5]: وقد تقدم الكلام في ~~حقيقة التقوى، وأنها عبارة عن حجاب معنوي يتخذه العبد بينه وبين العقاب، ~~كما أن الحجاب المحسوس يتخذه العبد مانعا بينه وبين ما يكرهه. # المسألة الرابعة قوله تعالى: {وصدق بالحسنى} [الليل: 6]: # فيها ثلاثة أقوال: الأول: أنها الخلف من المعطي؛ قاله ms1676 ابن عباس. # الثاني: أنها لا إله إلا الله؛ قاله ابن عباس أيضا. # الثالث: أنها الجنة؛ قاله قتادة. # المسألة الخامسة في المختار: كل معنى ممدوح فهو حسنى، وكل عمل مذموم فهو ~~سوأى وعسرى، وأول الحسنى التوحيد، وآخره الجنة؛ وكل قول أو عمل بينهما فهو ~~حسنى، وأول السوأى كلمة الكفر، وآخره النار، وغير ذلك مما يتعلق بهما فهو ~~منهما ومراد باللفظ المعبر عنهما. # واختار الطبري أن الحسنى الخلف، وكل ذلك يرجع إلى الثواب الذي هو الجنة. # المسألة السادسة قوله: {فسنيسره} [الليل: 7] يعني نهيئه بخلق أسبابه، ~~وإيجاد مقدماته، ثم نخلقه بعد ذلك. فإن كان حسنا سمي يسرى، وإن مذموما سمي ~~عسرى، والباري سبحانه خالق الكل، فإن أراد السعادة هيأ أسبابها للعبد ~~وخلقها فيه، وإن أراد الشقاء هيأ أسبابه للعبد، وخلقها فيه؛ وذلك مروي أيضا ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق صحيحة، يعضد ما قامت عليه أدلة ~~القول، ويعتضد بالشرع المنقول، منه ما روي عن علي: «كنا في جنازة بالبقيع، ~~فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجلس، وجلسنا، ومعه عود ينكت به في ~~الأرض، فرفع رأسه إلى السماء فقال: ما منكم من نفس منفوسة إلا كتب مدخلها. ~~فقلنا: يا رسول الله؛ ألا نتكل على كتابنا؟ فقال: بل اعملوا فكل ميسر، فأما ~~من كان من أهل السعادة فإنه ييسر لعمل # PageV04P406 # أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاوة فإنه ييسر لعمل الشقاء. ثم قرأ: ~~{فأما من أعطى واتقى} [الليل: 5] {وصدق بالحسنى} [الليل: 6] {فسنيسره ~~لليسرى} [الليل: 7] {وأما من بخل واستغنى} [الليل: 8] إلى قوله: {للعسرى} ~~[الليل: 10]». # «وسأل غلامان شابان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالا: العمل فيما ~~جفت به الأقلام، وجرت به المقادير أم في شيء يستأنف؟ فقال: بل فيما جفت به ~~الأقلام وجرت به المقادير. # فقالا: ففيم العمل إذن؟ قال: اعملوا فكل ميسر لعمله الذي خلق له. قالا: ~~فالآن نجد ونعمل». # المسألة السابعة قوله: {بخل} [الليل: 8]: قد بينا حقيقة البخل فيما تقدم، ~~وأنه منع الواجب؛ وقد ذكرنا قول النبي - صلى الله عليه ms1677 وسلم -: «مثل البخيل ~~والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد.» الحديث إلى آخره. # المسألة الثامنة قوله: {واستغنى} [الليل: 8]: قال ابن عباس: استغنى عن ~~الله، وهو كفر؛ فإن الله غني عن العالمين، وهم فقراء إليه، وهو الغني ~~الحميد. ويشبه أن يكون المراد استغنى بالدنيا عن الآخرة، فركن إلى المحسوس، ~~وآمن به، وضل عن المعقول، وكذب به، ورأى أن راحة النقد خير من راحة ~~النسيئة، وضل عن وجه النجاة، وربح التجارة التي اتفق العقلاء على طلبها ~~بإسلام درهم إلى غني وفي ليأخذ عشرة في المستقبل، والله تبارك وتعالى لا ~~يخلف الميعاد، وهو الغني له ما في السموات وما في الأرض، والخلق ملكه، أمر ~~بالعمل وندب إلى النصب، ووعد عليه بالثواب؛ فالحرام معقولا، والواجب منقولا ~~امتثال أمره، وارتقاب وعده، وهذا منتهى الحكم في الآية، وما يتعلق به وراء ~~ذلك من البيان ما يخرج عن المقصود فأرجأته إلى مكانه بمشيئة الله وعونه. # PageV04P407 ### | [سورة الضحى فيها ثلاث آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى والضحى] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {والضحى} # [الضحى: 1]: فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى قوله: {والضحى} [الضحى: 1]: هو ضوء النهار حين تشرق ~~الشمس، وهي مؤنثة، يقال: ارتفعت الضحى، ومعناها هو الضوء مذكر، وتصغيره ~~ضحيا، فإذا فتحت مددت، قال الشاعر: # أعجلها أقدحي الضحاء ضحى ... وهي تناصي ذوائب السلم # يصف أنه نام عن إبل، فأخذها ضحى قبل أن تبلغ الضحاء. وتبين بهذا أن ~~الضحاء بعد الضحى، حق إنه ليتمادى إلى نصف النهار، ففي الحديث: «إن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قدم المدينة حين هاجر، وقد اشتد الضحاء، وكادت الشمس ~~تزول». # المسألة الثانية في سبب نزولها: وفيه قولان: أحدهما «أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - رمي بالحجر في إصبعه فدميت؛ فقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: هل أنت إلا إصبع دميت. وفي سبيل الله ما لقيت. قال: فمكث ليلة أو ~~ليلتين أو ثلاثا لا يقوم، فقالت امرأة له: يا محمد؛ ما أرى شيطانك إلا قد ~~تركك؛ فنزلت السورة». # الثاني: روى جندب بن سفيان في الصحيح قال: «اشتكى ms1678 رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فلم يقم # PageV04P408 # ليلتين أو ثلاثا، فجاءت امرأة فقالت: يا محمد، إني لأرجو أن يكون شيطانك ~~قد تركك». وفي رواية: ما أرى صاحبك إلا أبطأك، فنزلت. وهذا أصح. ### | [مسألة قيام الليل] # المسألة الثالثة بوب عليه البخاري في باب " ترك القيام للمريض " وأدخل ~~الحديث ليتبين # بذلك وجوب قيام الليل. وقد قدمنا القول المحقق فيه في سورة المزمل، وأن ~~ذلك كان فرضا على النبي - صلى الله عليه وسلم - وحده. # المسألة الرابعة الحديث «بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اشتكى، ~~فترك القيام» صحيح وذكره فيه: «هل أنت إلا إصبع دميت. وفي سبيل الله ما ~~لقيت». غير صحيح [وقوله: «فلم يقم ليلة أو ليلتين» أسقطه الترمذي والبخاري ~~في كتابيهما، وهو صحيح، خرجه القاضي أبو إسحاق وغيره من طريق صحيحة، وقد ~~ذكرناه في صريح الصحيح]. ### | [الآية الثانية قوله تعالى وأما السائل فلا تنهر] # } [الضحى: 10]: فيها مسألتان: # المسألة الأولى ذكر المفسرون فيها قولين: الأول: وأما السائل [للبر] فلا ~~تنهر أي رده بلين ورحمة؛ قاله قتادة. # الثاني: سائل الدين للبيان لا تنهره بالجفوة والغلظة. المسألة الثانية ~~أما من قال: إنه سائل البر فقد قدمنا وجوه السؤال في غير موضع وكيفية العمل ~~فيه، وقول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى، فكيف بالأذى دون الصدقة. ~~وأما السائل عن الدين فجوابه فرض على العالم على الكفاية كإعطاء سائل البر ~~سواء، # PageV04P409 # وقد كان أبو الدرداء ينظر إلى أصحاب الحديث، ويبسط رداءه لهم، ويقول: ~~مرحبا بأحبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وفي حديث أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري قال: كنا إذا أتينا أبا ~~سعيد الخدري يقول: مرحبا بوصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الناس لكم تبع، وإن رجالا يأتونكم من ~~أقطار الأرض يتفقهون، فإذا أتوكم فاستوصوا بهم خيرا». وفي رواية: «يأتيكم ~~رجال من قبل المشرق» فذكره. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى وأما بنعمة ربك فحدث] # } [الضحى: 11]: فيها مسألتان: # المسألة الأولى في قوله: [وأما بنعمة ms1679 ربك فحدث] ثلاثة أقوال: أحدها أنها ~~النبوة. # الثاني: أنها القرآن. # الثالث: إذا أصبت خيرا أو عملت خيرا فحدث به الثقة من إخوانك؛ قاله ~~الحسن. # المسألة الثانية أما من قال إنها النبوة فقد روى عبد الله بن شداد بن ~~الهاد، قال: «جاء جبريل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا محمد، ~~اقرأ. قال: وما أقرأ؟ قال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} [العلق: 1] حتى بلغ ~~{علم الإنسان ما لم يعلم} [العلق: 5] فقال لخديجة: يا خديجة؛ ما أراني إلا ~~قد عرض لي. فقالت خديجة: كلا والله، ما كان ربك ليفعل ذلك بك، وما أتيت ~~فاحشة قط. قال: فأتت خديجة ورقة بن نوفل، فذكرت ذلك له؛ فقال ورقة: إن ~~تكوني صادقة فزوجك نبي، وليلقين من أمته شدة، فاحتبس جبريل عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - # PageV04P410 # فقالت خديجة: يا محمد، ما أرى ربك إلا قد قلاك، فأنزل الله تعالى: ~~{والضحى} [الضحى: 1]» يعني السورة. فهذا حديثه بالنبوة. # وأما حديثه بالقرآن فتبليغه إياه، قالت عائشة - رضي الله عنها -: لو كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كاتما من الوحي شيئا لكتم هذه الآية: ~~{وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك} [الأحزاب: 37]. ~~وقالت عائشة - رضي الله عنها -: من زعم أن محمدا كتم شيئا من الوحي فقد ~~أعظم على الله الفرية، والله يقول: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ~~ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} [المائدة: 67]. # وأما تحدثه بعمل فإن ذلك يكون بإخلاص من النية عند أهل الثقة، فإنه ربما ~~خرج إلى الرياء، وأساء الظن بسامعه. وقد روى أيوب؛ قال: دخلت على أبي رجاء ~~العطاردي، فقال: لقد رزق الله البارحة خيرا، صليت كذا وسبحت كذا. قال: قال: ~~أيوب: فاحتملت ذلك لأبي رجاء. # ومن الحديث بالنعمة إظهارها بالملبس والمركب قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: «إن الله إذا أنعم على عبد بنعمة أحب أن يرى أثر نعمته»؛ وإظهارها ~~بالملبس والمركب. # وإظهارها بالجديد والقوي من الثياب النقي، وليس بالخلق الوسخ، وفي المركب ~~اقتناؤه ms1680 للجهاد أو لسبيل الحلال، حسبما تقدم بيانه. # PageV04P411 ### | [سورة الانشراح فيها ثلاث آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى ألم نشرح لك صدرك] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {ألم نشرح لك صدرك} # [الشرح: 1]: شرحه حقيقة حسية، وذلك حين كان عند ظئره، وحين أسري به، ~~وشرحه معنى حين جمع له التوحيد في صدره والقرآن، وعلمه ما لم يكن يعلم، ~~وكان فضل الله عليه عظيما، وشرحه حين خلق له القبول لكل ما ألقى إليه ~~والعمل به، وذلك هو تمام الشرح وزوال الترح. ### | [الآية الثانية قوله تعالى ورفعنا لك ذكرك] # } [الشرح: 4]: يعني قرناه بذكرنا في التوحيد والأذان، وقد تقدم. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى فإذا فرغت فانصب] # } [الشرح: 7]: فيها مسألتان: # المسألة الأولى اتفق الموحدون والمفسرون على أن معناه: إذا فرغت من ~~الصلاة فانصب للأخرى بلا فتور ولا كسل، وقد اختلفوا في تعيينهما على أربعة ~~أقوال: الأول إذا فرغت من الفرائض فتأهب لقيام الليل. # PageV04P412 # الثاني: إذا فرغت من الصلاة فانصب للدعاء. # الثالث: إذا فرغت من الجهاد فاعبد ربك. # الرابع إذا فرغت من أمر دنياك فانصب لأمر آخرتك. # ومن المبتدعة من قرأ هذه الآية فأنصب بكسر الصاد والهمز في أوله، وقالوا: ~~معناه أنصب الإمام الذي يستخلف؛ وهذا باطل في القراءة، باطل في المعنى؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستخلف أحدا. وقرأها بعض الجهال فانصب ~~بتشديد الباء معناه إذا فرغت من الغزو فجد إلى بلدك. # وهذا باطل أيضا قراءة لمخالفة الإجماع، لكن معناه # صحيح؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «السفر قطعة من العذاب، يمنع ~~أحدكم نومه وطعامه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نهمته فليعجل الرجوع إلى أهله». # وأشد الناس عذابا وأسوأهم مآبا ومباء من أخذ معنى صحيحا، فركب عليه من ~~قبل نفسه قراءة أو حديثا، فيكون كاذبا على الله، كاذبا على رسوله، ومن أظلم ~~ممن افترى على الله كذبا. أما أنه قد روي وهي: # المسألة الثانية عن شريح أنه مر بقوم يلعبون يوم عيد، فقال: ما بهذا أمر ~~الشارع. # وفيه نظر؛ فإن «الحبش كانوا يلعبون بالدرق والحراب في المسجد ms1681 يوم العيد، ~~والنبي - صلى الله عليه وسلم - ينظر». # «ودخل أبو بكر بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عائشة وعندها ~~جاريتان من جواري الأنصار تغنيان، فقال أبو بكر: أمزمارة الشيطان في بيت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: دعهما يا أبا بكر، فإنه يوم عيد». # وليس يلزم الدءوب على العمل، بل هو مكروه للخلق، حسبما تقدم بيانه في غير ~~موضع. # PageV04P413 ### | [سورة التين فيها خمس آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى والتين والزيتون] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {والتين والزيتون} # [التين: 1]: قيل: هو حقيقة. وقيل: عبر به عن دمشق أو جبلها، أو مسجدها، ~~ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل. # وإنما أقسم الله سبحانه بالتين ليبين فيه [وجه] المنة العظمى، فإنه جميل ~~المنظر، طيب المخبر، نشر الرائحة، سهل الجني، على قدر المضغة، وقد أحسن ~~القائل فيه: # انظر إلى التين في الغصون ضحى ... ممزق الجلد مائل العنق # كأنه رب نعمة سلبت ... فعاد بعد الجديد في الخلق # أصغر ما في النهود أكبره ... لكن ينادى عليه في الطرق # ولامتنان الباري سبحانه، وتعظيم النعمة فيه، فإنه مقتات مدخر، فلذلك قلنا ~~بوجوب الزكاة فيه. # وإنما فر كثير من العلماء من التصريح بوجوب الزكاة فيه تقية جور الولاة ~~فإنهم يتحاملون في الأموال الزكائية، فيأخذونها مغرما، حسبما أنذر به ~~الصادق - صلى الله عليه وسلم - فكره العلماء أن يجعلوا لهم سبيلا إلى مال ~~آخر يتشططون فيه. # ولكن ينبغي للمرء أن يخرج عن نعمة ربه بأداء حقه. وقد قال الشافعي لهذه ~~العلة أو غيرها: لا زكاة في الزيتون. والصحيح وجوب الزكاة فيهما. ### | [الآية الثانية قوله تعالى وهذا البلد الأمين] # } [التين: 3]: # PageV04P414 # [يعني مكة لما خلق الله فيه من الأمن حسبما تقدم بيانه في آل عمران ~~والعنكبوت وغيرهما]، وبهذا احتج من قال: إنه أراد بالتين دمشق، وبالزيتون ~~بيت المقدس، فأقسم الله بجبل # دمشق؛ لأنه مأوى عيسى - عليه السلام - وبجبل بيت المقدس؛ لأنه مقام ~~الأنبياء كلهم، وبمكة؛ لأنه أثر إبراهيم ودار محمد - صلى الله عليهما وسلم ~~-. ### | [الآية الثالثة والرابعة قوله تعالى لقد ms1682 خلقنا الإنسان في أحسن تقويم] # الآية الثالثة قوله تعالى: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} [التين: ~~4]: قال ابن العربي - رضي الله عنه -: ليس لله تعالى خلق هو أحسن من ~~الإنسان، فإن الله خلقه حيا عالما، قادرا، مريدا، متكلما، سميعا، بصيرا، ~~مدبرا، حكيما، وهذه صفات الرب، وعنها عبر بعض العلماء، ووقع البيان بقوله: ~~«إن الله خلق آدم على صورته»، يعني على صفاته التي قدمنا ذكرها. # وفي رواية على صورة الرحمن. ومن أين تكون للرجل صفة مشخصة، فلم يبق إلا ~~أن تكون معاني، وقد تكلمنا على الحديث في موضعه بما فيه بيانه. # وقد أخبرنا المبارك بن عبد الجبار الأزدي، أخبرنا القاضي أبو القاسم علي ~~بن أبي علي القاضي المحسن عن أبيه قال: كان عيسى بن موسى الهاشمي يحب زوجه ~~حبا شديدا قال لها يوما: أنت طالق ثلاثا إن لم تكوني أحسن من القمر، فنهضت ~~واحتجبت عنه، وقالت: طلقني. وبات بليلة عظيمة. ولما أصبح غدا إلى دار ~~المنصور، فأخبره الخبر [وقال: يا أمير المؤمنين، إن تم علي طلاقها تصلفت ~~نفسي غما، وكان الموت أحب إلي من الحياة]؛ وأظهر للمنصور جزعا عظيما، ~~فاستحضر الفقهاء، واستفتاهم، فقال جميع من حضر: قد طلقت، إلا رجلا واحدا من ~~أصحاب أبي حنيفة، فإنه كان ساكتا، فقال له المنصور: مالك لا تتكلم؟ فقال له ~~الرجل: بسم الله الرحمن الرحيم. {والتين والزيتون} [التين: 1] {وطور سينين ~~- وهذا البلد الأمين} [التين: 2 - 3] {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} ~~[التين: 4] يا أمير المؤمنين، الإنسان أحسن الأشياء، ولا شيء أحسن منه ~~[فقال المنصور لعيسى بن موسى: الأمر كما قال؛ فأقبل على زوجك]، فأرسل أبو ~~جعفر المنصور إلى زوجه أن أطيعي زوجك، ولا تعصيه، فما طلقك. # PageV04P415 # فهذا يدلك على أن الإنسان أحسن خلق الله باطنا و [هو أحسن خلق الله] ~~ظاهرا # جمال هيئة، وبديع تركيب: الرأس بما فيه، والصدر بما جمعه، والبطن بما ~~حواه، والفرج وما طواه، واليدان وما بطشتاه، والرجلان وما احتملتاه؛ ولذلك ~~قالت الفلاسفة: إنه العالم الأصغر؛ إذ كل ما في المخلوقات أجمع ms1683 فيه هذا على ~~الجملة وكيف على التفصيل، بتناسب المحاسن، فهو أحسن من الشمس والقمر ~~بالعينين جميعا. وقد بينا القول في ذلك في كتاب المشكلين، وبهذه الصفات ~~الجليلة التي ركب عليها الإنسان استولى على جماعة الكفران، وغلب على طائفة ~~الطغيان، حتى قال: أنا ربكم الأعلى، وحين علم الله هذا من عبده، وقضاؤه ~~صادر من عنده، رده أسفل سافلين وهي: الآية الرابعة بأن جعله مملوءا قذرا، ~~مشحونا نجاسة، وأخرجها على ظاهره إخراجا منكرا على وجه الاختيار تارة، وعلى ~~وجه الغلبة أخرى، حتى إذا شاهد ذلك من أمره رجع إلى قدره. ### | [الآية الخامسة قوله تعالى أليس الله بأحكم الحاكمين] # } [التين: 8]: قد روى الترمذي وغيره عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: «إذا قرأ أحدكم: {أليس الله بأحكم الحاكمين} [التين: 8] ~~فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين». # ومن رواية غيره: «إذا قرأ أحدكم أو سمع أليس الله بأحكم الحاكمين، أليس ~~ذلك بقادر على أن يحيي الموتى فليقل: بلى». وهذه أخبار ضعيفة، أما إن ذلك ~~يتعين في الاعتقاد لأجل ما يلزم في فهم القرآن # PageV04P416 # من الانتقاد. # وقد روى مالك عن البراء بن عازب قال: «صليت مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - العتمة، فصلى فيها بالتين والزيتون»، وهو صحيح. # وفي البخاري: سمعت البراء يقول: «إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في ~~سفر، فقرأ في إحدى الركعتين بالتين والزيتون»، ففسر المعنى الذي أوجب ~~قراءتها مع قصرها في صلاة العشاء وهو السفر. # PageV04P417 ### | [سورة العلق فيها خمس آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى اقرأ باسم ربك الذي خلق] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} # [العلق: 1]: فيها مسألة واحدة. # القول: في أول ما نزل من القرآن، وفيه أربعة أقوال: الأول: هذه السورة؛ ~~قالته عائشة، وابن عباس، وابن الزبير، وغيرهم. # الثاني: أنه نزل {يا أيها المدثر} [المدثر: 1]؛ قاله جابر. # الثالث: قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: أول ما نزل من القرآن: ~~{قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} [الأنعام: 151]. # الرابع قال أبو ms1684 ميسرة الهمداني: أول ما نزل فاتحة الكتاب. # والصحيح ما رواه الأئمة واللفظ للبخاري عن عائشة - رضي الله عنها -؛ ~~قالت: «كان أول ما بدئ به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرؤيا الصادقة ~~في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، ~~فكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه. والتحنث التعبد الليالي ذوات العدد قبل ~~أن يرجع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود بمثل ذلك، حتى ~~فجئه الوحي، وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم ~~أرسلني فقال: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} [العلق: 1] {خلق الإنسان من علق} ~~[العلق: 2] إلى قوله: {علم الإنسان ما لم يعلم} [العلق: 5]. فرجع بها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - # PageV04P418 # وفؤاده يرجف؛ حتى # دخل على خديجة، فقال: زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة: أي ~~خديجة، ما لي؟ لقد خشيت على نفسي. فأخبرها الخبر، فقالت خديجة: كلا، أبشر. ~~فوالله لا يخزيك الله أبدا، فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل ~~الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق. فانطلقت به خديجة ~~حتى أتت به ورقة بن نوفل وهو ابن عم خديجة أخو أبيها، وكان امرأ تنصر في ~~الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، ويكتب الإنجيل بالعربية ما شاء الله ~~أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت خديجة: يا بن عم، اسمع من ابن ~~أخيك. قال ورقة: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- خبر ما رأى. فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل على موسى، ليتني فيها ~~جذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: أومخرجي هم، قال ورقة: نعم، لم يأت أحد بما جئت به إلا أوذي، وإن يدركني ~~يومك حيا أنصرك نصرا مؤزرا. ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي فترة، حتى ~~حزن رسول الله - صلى الله ms1685 عليه وسلم -». # قال محمد بن شهاب: فأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله ~~الأنصاري قال: «قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يحدث عن فترة ~~الوحي قال في حديثه: بينا أنا أمشي سمعت صوتا، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي ~~قد جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، ففزعت منه، فرجعت فقلت: ~~زملوني، دثروني، فدثروه، فأنزل الله تبارك وتعالى: {يا أيها المدثر} ~~[المدثر: 1] {قم فأنذر} [المدثر: 2] {وربك فكبر} [المدثر: 3] {وثيابك فطهر} ~~[المدثر: 4] {والرجز فاهجر} [المدثر: 5]». # قال أبو سلمة: وهي الأوثان التي كانت الجاهلية تعبدها، ثم تتابع الوحي. ### | [الآية الثانية قوله تعالى خلق الإنسان من علق] # } [العلق: 2]: فيها دليل على أن الإنسان مخلوق من العلق، وأنه قبل أن ~~يكون علقة ليس بإنسان، وقد بينا ذلك في غير موضع. # PageV04P419 ### | [الآية الثالثة قوله تعالى الذي علم بالقلم] # } [العلق: 4]: فيها خمس مسائل: # المسألة الأولى الأقلام في الأصل ثلاثة: القلم الأول كما ثبت في الحديث: ~~«أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فكتب ما كان وما يكون إلى يوم ~~الساعة، فهو عنده في الذكر فوق عرشه». # القلم الثاني: ما جعل الله بأيدي الملائكة يكتبون به المقادير والكوائن ~~والأعمال، وذلك قوله تعالى: {كراما كاتبين} [الانفطار: 11] {يعلمون ما ~~تفعلون} [الانفطار: 12] خلق الله لهم الأقلام، وعلمهم الكتاب بها. # القلم الثالث أقلام الناس، جعلها الله تعالى بأيديهم يكتبون بها كلامهم، ~~ويصلون بها إلى مآربهم، والله أخرج الخلق من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا، ~~وخلق لهم السمع والبصر والنطق حسبما بيناه في كتاب قانون التأويل، ثم رزقهم ~~معرفة العبادة باللسان على ثمانية وعشرين [وجها، وقيل] حرفا يضطرب بها ~~اللسان بين الحنك والأسنان فيتقطع الصوت تقطيعا يثبت عنه مقطعاته على نظام ~~متسق قرنت به معارف في أفرادها وفي تأليفها، وألقى إلى العبد معرفة أدائها، ~~فذلك قوله: {وعلمك ما لم تكن تعلم} [النساء: 113]. # ثم خلق الله اليد والقدرة، ورزقه العلم [والرتبة]، وصور له حروفا تعادل ~~له الصور المحسوسة في إظهار المعنى المنقول في النطق، فيقابل هذا ms1686 مكتوبا ~~ذلك الملفوظ، ويقابل الملفوظ ما ترتب في القلب، ويكون الكل سواء، ويحصل به ~~العلم، {هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه} [لقمان: 11]. # المسألة الثانية جعل الله هذا كله مرتبا للخلق، ونظاما للآدميين، ويسره ~~فيهم؛ فكان أقل الخلق # PageV04P420 # به معرفة العرب، وأقل العرب به معرفة [الحجازيون، وأعدم الحجازيين به ~~معرفة] المصطفى - صلى الله عليه وسلم -[صرفه] عن علمه، ليكون ذلك أثبت ~~لمعجزته، وأقوى في حجته. # المسألة الثالثة ولكل أمة تقطيع في الأصوات على نظام يعبر عما في النفس، ~~ولهم صورة في الخط تعبر عما يجري به اللسان، وفي اختلاف ألسنتكم وألوانكم ~~دليل قاطع على ربكم القادر العليم الحكيم الحاكم؛ وأم اللغات وأشرفها ~~العربية، لما هي عليه من إيجاز اللفظ، وبلوغ المعنى، وتصريف الأفعال ~~وفاعليها ومفعوليها، كلها على لفظ واحد، الحروف واحدة، والأبنية في الترتيب ~~مختلفة، وهذه قدرة وسيعة وآية بديعة. # المسألة الرابعة لكل أمة حروف مصورة بالقلم موضوعة على الموافقة لما في ~~نفوسهم من الكلم، على حسب مراتب لغاتهم، من عبراني، ويوناني، وفارسي، وغير ~~ذلك من أنواع اللغات أو عربي؛ وهو أشرفها، وذلك كله مما علم الله لآدم - ~~عليه السلام - حسبما جاء في القرآن في قوله: {وعلم آدم الأسماء كلها} ~~[البقرة: 31]؛ فلم يبق شيء إلا وعلم الله سبحانه آدم اسمه بكل لغة، وذكره ~~آدم للملائكة كما علمه، وبذلك ظهر فضله، وعظم قدره، وتبين علمه، وثبتت ~~نبوته، وقامت حجة الله على الملائكة، وحجته، وامتثلت الملائكة لما رأت من ~~شرف الحال، ورأت من جلال القدرة، وسمعت من عظيم الأمر، ثم توارثت ذلك ذريته ~~خلفا بعد سلف، وتناقلوه قوما عن قوم، تحفظه أمة وتضيعه أخرى، والبارئ ~~سبحانه يضبط على الخلق بالوحي منه ما شاء على من شاء من الأمم على مقاديرها ~~ومجرى حكمه فيها، حتى جاء إسماعيل بن إبراهيم - عليهما السلام - وتعلم ~~العربية من جيرته جرهما، وزوجوه فيهم، واستقر بالحرم، فنزل عليه جبريل ~~فعلمه العربية غضة طرية، وألقاها إليه صحيحة فصيحة سوية، واستطرب على ~~الأعقاب في الأحقاب إلى أن وصلنا إلى ms1687 محمد - صلى الله عليه وسلم - فشرف ~~وشرفت بالقرآن العظيم، وأوتي جوامع الكلام، وظهرت حكمته وحكمه، وأشرق على ~~الآفاق فهمه وعلمه، والحمد لله. # PageV04P421 ### | [مسألة أول من وضع الخط] # المسألة الخامسة قال أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي: أول من ~~وضع الخط نفر من طيئ، وهم صوار بن مرة؛ ويقال مرار بن مرة، وأسلم بن سدرة، ~~وعامر بن خدرة # فساروا إلى مكة، فتعلمه منهم شيبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن الحارث، وهشام ~~بن المغيرة، ثم أتوا الأنبار فتعلمه نفر منهم، ثم أتوا الحيرة، فعلموه ~~جماعة، منهم: سفيان بن مجاشع بن عبد الله بن دارم، وولده، يسمون بالكوفة ~~بني الكاتب. # قال ابن العربي: الكلبي متهم لا يؤثر نقله، ولا يصح ما ذكره بلفظه من ~~طريق يعول عليها أن الله علم الخط بالعربية، ونقله الكافة فالكافة حتى ~~انتهى إلى العرب عن غيرهم من الأمم، فيمكن أن يقال: إن أول من نقل الخط إلى ~~بلاد العرب فلان. وأما أن يقال: أول من وضع الخط فلان، فالخط ليس بموضوع، ~~وإنما هو منقول، وقد كان قبل طيئ بما لا يحصى من السنين عددا، فأما وضعه ~~فليس لأحد من خلق الله ولا ينبغي له. # وقد روي عن كعب أن أول من كتب الكتاب العربي والسرياني والمسند، وهو كتاب ~~حمير، كتبه آدم - عليه السلام - ووضعها في الطين وطبخها فلما أصاب الأرض ~~الغرق، وانجلى، وخلق الله بعد ذلك من خلق وجدت كل أمة كتابها، فأصاب ~~إسماعيل كتاب العرب. # وروي عن ابن عباس أن أول من وضع الكتاب العربي إسماعيل على لفظه ومنطقه ~~كتابا واحدا، مثل الأصول فتعرفه ولده من بعده وروي عن عروة: أول ما وضع ~~أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت، وأسند إلى عمرو. وهذه كلها روايات ضعيفة ليس ~~لها أصل يعتمد عليه فيها، وأعجب من هذا أن القول في ذلك خوض فيما لا يعتمد، ~~ولا يتعلق عليه حكم، ولا يتعلق به فائدة شرعية، وإنما أشرنا إليه ليعلم ~~الطالب ما جرى، ويفهم من ذلك الأولى بالدين والأحرى. ms1688 والله أعلم. # وقد بينا أن إسماعيل إنما تعلم العربية من جرهم، حسبما ثبت في الصحيح، ~~والله # PageV04P422 # أعلم، في الحديث الطويل لقصة إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - وذكره ~~إلى قوله: «فكانت كذلك هاجر حتى مرت بهم رفقة من جرهم مقبلين من طرق كداء ~~أو أهل بيت من طريق كداء، أو أهل بيت من جرهم، نزلوا في أسفل مكة، فرأوا ~~طائرا عليهما فقالوا: إن هذا الطائر يدور على ماء لعهدنا بهذا الوادي وما ~~فيه ماء، فأرسلوا جريا أو جريين # فإذا هم بالماء، فرجعوا فأخبروهم بالماء فأقبلوا. قال وأم إسماعيل - عليه ~~السلام - عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم، ولكن لا ~~حق لكم في الماء. قالوا: نعم. قال ابن عباس: قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: قالت ذلك أم إسماعيل وهي تحب الإنس، فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم، ~~فنزلوا معهم، حتى إذا كانوا بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام، وتعلم العربية ~~منهم وأنفسهم وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم» وساق الحديث. ### | [الآية الرابعة قوله تعالى أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى] # الآية الرابعة قوله تعالى: {أرأيت الذي ينهى} [العلق: 9] {عبدا إذا صلى} ~~[العلق: 10]: فيها مسألتان: # المسألة الأولى ثبت عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه ~~لما قال أبو جهل: لئن رأيت محمدا لأطأن على عنقه. فقال محمد - صلى الله ~~عليه وسلم -: لو فعل لأخذته الملائكة عيانا» خرجه الترمذي وغيره. # وروى الترمذي أيضا عن ابن عباس قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يصلي، فجاء أبو جهل فقال: ألم أنهك عن هذا؟ ألم أنهك عن هذا؟ فانصرف النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فزبره، فقال أبو جهل: إنك لتعلم ما بها ناد أكثر ~~مني، فنزلت: {فليدع ناديه} [العلق: 17] {سندع الزبانية} [العلق: 18] فقال ~~ابن عباس: والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله». # PageV04P423 ### | [مسألة رأى الماء وهو في أثناء الصلاة متيمما] # المسألة الثانية تعلق بها بعض الناس في مسائل منها: لو رأى الماء وهو في ~~أثناء الصلاة [متيمما]؛ فقال أبو حنيفة ms1689 وغيره: يقطع الصلاة، ولا يجوز له أن ~~يتمادى عليها. # وقال بعضهم: إنه يدخل في الذم في قوله: {أرأيت الذي ينهى} [العلق: 9] ~~{عبدا إذا صلى} [العلق: 10]. # وهذا غير لازم؛ لأن الخلاف بيننا وبينهم هل يكون في صلاة إذا رأى الماء ~~فلا يتناوله الذم إلا إذا كانت الصلاة باقية، ونحن قلنا لهم: إذا أمرتموه ~~بقطعها برؤية الماء فقد دخلتم في العموم المذموم. قالوا: لا ندخل؛ لأنا ~~نرفع الطهارة بالتراب بمعارضها وهو رؤية الماء. # قلنا: لا تكون رؤية الماء معارضة للطهارة بالتراب، إلا إذا كانت القدرة ~~على استعمال # الماء مقارنة للرؤية، ولا قدرة مع الصلاة، ولا تبطل الطهارة إلا برؤية مع ~~قدرة، فمانع فبقيت الصلاة بحالها. # وقد بينا ذلك في مسائل الخلاف، وبينا أن المسألة قطعية؛ لأنها تتعلق ~~بحدوث العالم. ### | [الآية الخامسة قوله تعالى كلا لا تطعه واسجد واقترب] # } [العلق: 19]: فيها مسألتان: # المسألة الأولى قوله: {واسجد} [العلق: 19] فيها طريقة القربة، فهو يتأكد ~~على الوجوب على ما بيناه في أصول الفقه، لكنه يحتمل أن يكون سجود الصلاة، ~~ويحتمل أن يكون سجود التلاوة. والظاهر أنه سجود الصلاة، لقوله: {أرأيت الذي ~~ينهى} [العلق: 9] {عبدا إذا صلى} [العلق: 10] إلى قوله: (كلا لا تطعه واسجد ~~واقترب)، لولا ما ثبت في الصحيح من رواية مسلم وغيره من الأئمة عن «أبي ~~هريرة أنه قال: سجدت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في: {إذا السماء ~~انشقت} [الانشقاق: 1] وفي: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} [العلق: 1] سجدتين»، ~~فكان هذا نصا على أن المراد به سجود التلاوة. # PageV04P424 # وقد روى ابن وهب، عن حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش، عن علي ~~بن أبي طالب، قال: عزائم السجود أربع: {الم - تنزيل} [السجدة: 1 - 2] و {حم ~~- تنزيل من الرحمن الرحيم} [فصلت: 1 - 2] و {والنجم} [النجم: 1] و {اقرأ ~~باسم ربك} [العلق: 1]. وهذا إن صح يلزمه عليه السجود الثاني من سورة الحج، ~~وإن كان مقترنا بالركوع، لأنه يكون معناه اركعوا [في موضع الركوع]، واسجدوا ~~في موضع السجود. # المسألة الثانية قوله: {واقترب} [العلق: 19]: المعنى اكتسب ms1690 القرب من ربك ~~في السجود فإنه أقرب ما يكون العبد من ربه في سجوده؛ لأنها نهاية العبودية ~~والذلة لله، ولله غاية العزة، وله العزة التي لا مقدار لها، فلما بعدت من ~~صفته قربت من جنته، ودنوت من جواره في داره. # وفي الحديث الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أما الركوع ~~فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء؛ فإنه قمن أن يستجاب ~~لكم». # وقد قال ابن نافع، ومطرف: وكان مالك يسجد في خاصة نفسه بخاتمة هذه ~~السورة، وابن وهب يراها من العزائم. # PageV04P425 ### | [سورة القدر فيها ثلاث آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى إنا أنزلناه في ليلة القدر] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} # [القدر: 1]: فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى قد بينا في كتاب المشكلين وقسم الأفعال من الأمد الأقصى ~~معنى النزول في القرآن، وأن الملك علمه في العلو وأنهاه في السفل، فعبر عنه ~~بالنزول مجازا في المعنى عن الحس إلى العقل؛ إذ المحسوس هو الأول، والمعقول ~~هو الرتب عليه. # المسألة الثانية في تمييز المنزل، وهو القرآن، وإن لم يتقدم له ذكر، ~~ولكنه وقع للمخاطبين به العلم، قال الله تعالى: {حتى توارت بالحجاب} [ص: ~~32] ومنه كثير في الكتاب، كما قال تعالى فيه: {حم} [الدخان: 1] {والكتاب ~~المبين - إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين} [الدخان: 2 - 3]. ### | [مسألة نزول القرآن في ليلة] # المسألة الثالثة قوله {في ليلة} [القدر: 1] قد بينا أن القرآن نزل ليلا ~~إلى السماء الدنيا من اللوح المحفوظ في رمضان، كما أخبر عنه تبارك وتعالى ~~في قوله: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} [البقرة: 185]، وأنزله من الشهر ~~في الليلة المباركة ليلة القدر # PageV04P426 ### | [مسألة قوله تعالى ليلة القدر] # المسألة الرابعة قوله: {ليلة القدر} [القدر: 1] قيل: ليلة الشرف والفضل. ~~وقيل: ليلة التدبير والتقدير. وهو أقرب لقوله: {فيها يفرق كل أمر حكيم} ~~[الدخان: 4] ويدخل فيه الشرف والرفعة. ومن شرفها نزول القرآن فيها إلى ~~السماء الدنيا جملة، ومن شرفها بركتها وسلامتها التي يأتي إن شاء الله ~~تعالى بيانها. # ومعنى ms1691 التقدير والتدبير فيها أن الله قد دبر الحوادث والكوائن قبل خلقها ~~بغير مدة، وقدر المقادير قبل خلق السموات والأرض من غير تحديد، وعلم ~~الأشياء قبل حدوثها بغير أمد؛ ومن جهالة المفسرين أنهم قالوا: إن السفرة ~~ألقته إلى جبريل في عشرين ليلة # وألقاه جبريل إلى محمد - عليهما السلام - في عشرين سنة. وهذا باطل ليس ~~بين جبريل وبين [الله واسطة. ولا بين جبريل ومحمد صلى الله عليهما واسطة]. # قال علماؤنا: فيحدث الله عز وجل في رمضان في ليلة القدر كل شيء يكون في ~~السنة من الأرزاق والمصائب، وما يقسم من السعادة والشقاوة، والحياة والموت، ~~والمطر والرزق، حتى يكتب فلان يحج في العام، ويكتب ذلك في أم الكتاب. # وقال آخرون: يكتب كل شيء إلا السعادة والشقاوة، والموت والحياة، فقد فرغ ~~من ذلك، ونسخ لملك الموت من يموت ليلة القدر إلى مثلها، فتجد الرجل ينكح ~~النساء، ويغرس الغروس، واسمه في الأموات مكتوب. ### | [الآية الثانية قوله تعالى ليلة القدر خير من ألف شهر] # } [القدر: 3]: فيها ثلاث مسائل: # PageV04P427 # المسألة الأولى في سبب هبتها لهذه الأمة والمنة عليهم، وفي ذلك ثلاثة ~~أقوال: الأول: أنه فضل من ربك. # الثاني أنه «ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما أربعة من بني ~~إسرائيل، فقال: عبدوا الله ثمانين عاما لم يعصوه طرفة عين، فذكر أيوب ~~وزكريا، وحزقيل بن العجوز، ويوشع بن نون، فعجب أصحاب النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - من ذلك، فأتاه جبريل، فقال: يا محمد، عجبت أمتك من عبادة هؤلاء ~~النفر ثمانين سنة لم يعصوا الله طرفة عين، فقد أنزل الله عليك خيرا من ذلك، ~~ثم قرأ: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} [القدر: 1] وهذا أفضل مما عجبت أنت ~~وأمتك منه. قال: فسر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -». # الثالث: قال مالك في الموطأ من رواية ابن القاسم وغيره عنه: سمعت من أثق ~~به يقول: «إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أري أعمار الأمم قبله، ~~فكأنه تقاصر أعمار أمته ألا يبلغوا من العمل مثل ما بلغ غيرهم في ms1692 طول ~~العمر، فأعطاه الله ليلة القدر، وجعلها خيرا من ألف شهر». # قال القاضي: والصحيح هو الأول: أن ذلك فضل من الله، ولقد أعطيت أمة محمد ~~من الفضل ما لم تعطه أمة في طول عمرها، فأولها أن كتب لها خمسون صلاة بخمس ~~صلوات، وكتب لها صوم سنة بشهر رمضان، بل صوم سنة بثلاثين سنة في رواية عبد ~~الله بن عمر وحسبما بيناه في الصحيح، وطهر مالها بربع العشر، وأعطيت خواتيم ~~سورة البقرة من قرأها في ليلة كفتاه يعني عن قيام الليل، وكتب لها أن من ~~صلى الصبح في جماعة فكأنما قام ليلة، ومن صلى العشاء في جماعة فكأنما قام ~~نصف ليلة. فهذه ليلة ونصف في كل ليلة؛ إلى غير ذلك مما يطول تعداده. # ومن أفضل ما أعطوا ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر؛ وهذا فضل [لا ~~يوازيه فضل]، ومنة لا يقابلها شكر. # PageV04P428 # المسألة الثانية روي فيها قول رابع أخرجه الترمذي وغيره أن محمود بن ~~غيلان حدثه قال: حدثنا أبو داود الطيالسي قال: حدثنا القاسم بن الفضل ~~الحداني عن يوسف بن سعد قال: «قام رجل إلى الحسن بن علي بعدما بايع معاوية، ~~فقال: سودت وجوه المؤمنين أو يا مسود وجوه المؤمنين، فقال: لا تؤنبني رحمك ~~الله؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أري بني أمية على منبره، فساءه ~~ذلك، فنزلت: {إنا أعطيناك الكوثر} [الكوثر: 1] يعني نهرا في الجنة، ونزلت: ~~{إنا أنزلناه في ليلة القدر} [القدر: 1] {وما أدراك ما ليلة القدر} [القدر: ~~2] {ليلة القدر خير من ألف شهر} [القدر: 3] يملكها بنو أمية يا محمد، قال ~~القاسم: فعددناها فإذا هي ألف لا تزيد يوما ولا تنقص يوما». ### | [مسألة قوله تعالى ليلة القدر خير من ألف شهر] # المسألة الثالثة قوله تعالى: {ليلة القدر خير من ألف شهر} [القدر: 3] ليس ~~فيها ليلة القدر في قول المفسرين؛ لأنها [لا يصح أن] تكون خيرا من نفسها، ~~وتركب على هذا قول النحاة: إنه لا يجوز: زيد أفضل إخوته؛ لأنه من الإخوة، ~~يريدون ولا [يجوز أن] يكون الشيء ms1693 أفضل من نفسه. وهذا تدقيق لا يئول إلى ~~تحقيق. # أما ليلة القدر فإنها خير من ألف شهر، فيها ليلة القدر، فيكون العمل فيها ~~خيرا من ألف شهر هي من جملتها، فإذا عمر الرجل بعد البلوغ عاما كتب الله له ~~بليلة القدر ألف شهر # فيها ليلة القدر، ولا يكتب له ليلة القدر، وألف شهر زائدا عليها، وركب ~~على هذا بقية الأعوام. # وأما قولهم: زيد أفضل إخوته فهذا تجوز جائز؛ لأن العرب قد سحبت على هذا ~~الغرض ذيل الغلط، وأجرته على مساق الجواز في النطق، فإنها تقول الاثنان نصف ~~الأربعة؛ تتجوز بذلك، لأن الاثنين من الأربعة. # PageV04P429 # وتحقيق القول في نسبتها لشيء تركب مثله، وفي قولهم: الواحد ثلث الثلاثة ~~شيء تركب مثليه، وهكذا إلى آخر النسب، ولكنها لم تتحاش عن هذا المذهب؛ لأن ~~اللفظ منظوم، والمعنى مفهوم؛ ووجه المجاز فيه ظاهر. والله أعلم. ### | [الآية الثالثة قوله تعالى سلام هي حتى مطلع الفجر] # } [القدر: 5]: فيها أربع مسائل: # المسألة الأولى قوله تعالى: {سلام هي} [القدر: 5]، فقد تقدم معناه في عدة ~~مواضع، وذكر العلماء فيه هاهنا ثلاثة أقوال: الأول إن ليلة القدر سلامة من ~~كل شيء، لا يحدث فيها حدث، ولا يرسل فيها شيطان. # الثاني إن ليلة القدر هي كلها خير وبركة. # الثالث إن الملائكة لتسلم على المؤمنين في ليلة القدر إلى مطلع الفجر؛ ~~قاله مجاهد، وقتادة. وذلك كله صحيح فيها على ما تقدم بيانه من العموم في ~~الإثبات إذا كان مصدرا أو معنى يحتمله اللفظ؛ بخلاف الأشخاص والأعلام، ~~فإنها لا تحتمل العموم بالإثبات، وقد بيناه في الملجئة وأصول الفقه. ### | [مسألة تحرير ليلة القدر] # المسألة الثانية قوله: " هي " نزع بذلك كثير من العلماء إلى أنها في ليلة ~~سبع وعشرين؛ لأنهم عدوا حروف السورة، فلما بلغوا إلى قولهم: (هي) وجدوها ~~سبعة وعشرين حرفا، فحكموا عليه بها، وهو أمر بين، وعلى النظر بعد التفطن له ~~هين، ولا يهتدي له إلا من كان صادق الفكر، شديد العبرة، وقد أشبعت القول في ~~هذه المسألة # في كتاب شرح # PageV04P430 # الصحيحين. ولبابه اللائق ms1694 بالأحكام أن العلماء اختلفوا في تحريرها على ~~ثلاثة عشر قولا: الأول أنها في العام كله. سئل ابن مسعود عن ليلة القدر؛ ~~فقال: من يقم الحول يصب ليلة القدر. # الثاني أنها في شهر رمضان دون سائر شهور العام؛ قاله سائر الأئمة عدا ما ~~سميناه. # الثالث: أنها ليلة سبع عشرة من الشهر؛ قاله عبد الله بن الزبير. # الرابع أنها ليلة إحدى وعشرين. # الخامس أنها ليلة ثلاث وعشرين. # السادس أنها ليلة خمس وعشرين. # السابع أنها ليلة سبع وعشرين. # الثامن أنها ليلة تسع وعشرين. # التاسع أنها في الأشفاع للأفراد الخمسة؛ فإذا أضفتها إلى الثمانية ~~الأقوال اجتمع فيها ثلاثة عشر قولا، أصولها هذه التسعة التي أشرنا إليها. # توجيه الأقوال وأدلتها: أما قول ابن مسعود إنها في العام كله، فنزع إلى ~~أنها موجودة شرعا، مخبر عنها قطعا ولم يتعين لتوقيتها دليل، فبقيت مترقبة ~~في الزمان كله، وقد رآه ابن مسعود مع فقهه في كتاب الله وعلمه به. # وأما من قال: إنها في شهر رمضان فلأن «النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~اعتكف العشر الأول يطلبها، واعتكف العشر الأواخر»، ولو كانت مخصصة بجزء منه ~~ما تقلب في جميعه يطلبها فيه. # وأما من قال: إنها ليلة سبع عشرة فإن عبد الله بن الزبير نزع بقوله ~~تعالى: {وما # PageV04P431 # أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان} [الأنفال: 41] وكان ذلك ~~ليلة سبع عشرة. # وأما قول من قال: إنها إحدى وعشرين فمعوله على حديث أبي سعيد الخدري # قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجاوز العشر التي في أول ~~الشهر، ثم اعتكف العشر الأواسط في قبة تركية على سدتها حصير، ثم قال: إني ~~أوتيت، وقيل لي: إنها في العشر الأواخر، وإني رأيتها ليلة وتر، وكأني أسجد ~~صبيحتها في ماء وطين. فأصبح من ليلة إحدى وعشرين، وقد صلى الصبح، فمطرت ~~السماء، ووكف المسجد؛ فخرج حين فرغ من صلاة الصبح، وجبينه وأرنبة أنفه ~~فيهما أثر الطين والماء». # وأما من قال: إنها ليلة ثلاثة وعشرين فلوجهين: أحدهما «أن عبد الله بن ~~أنيس قال للنبي ms1695 - صلى الله عليه وسلم -: مرني بليلة أنزل فيها إليك. فقال ~~له النبي - صلى الله عليه وسلم -: انزل ليلة ثلاث وعشرين». # وفي صحيح مسلم «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إني رأيت أني أسجد ~~في صبيحتها في ماء وطين. قال عبد الله بن أنيس: فرأيته في صبيحة ثلاث ~~وعشرين سجد في الماء والطين، كما أخبر - صلى الله عليه وسلم -». # وأما من قال: إنها ليلة خمس وعشرين؛ ففي الحديث الصحيح عن أبي سعيد ~~الخدري «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: التمسوها في العشر ~~الأواخر في تاسعة تبقى في سابعة تبقى، وفي خامسة تبقى»، زاد النسائي على ~~مسلم «أو ثلث آخر ليلة». # وأما من قال: إنها ليلة سبع وعشرين فاحتج بالحديث الصحيح في مسلم عن أبي ~~بن كعب، «قال زر بن حبيش: سألت أبي بن كعب، فقلت: إن أخاك ابن مسعود يقول: ~~من يقم الحول يصب ليلة القدر. فقال - رحمه الله -: أراد ألا يتكل الناس، ~~أما إنه قد علم أنها في شهر رمضان، وأنها في العشر الأواخر، وأنها ليلة سبع ~~وعشرين، ثم حلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين. فقلت: بأي شيء تقول ذلك يا ~~أبا المنذر؟ # PageV04P432 # فقال: بالعلامة التي أخبرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي الشمس ~~من صبيحتها أنها تطلع يومئذ لا شعاع لها». # وأما من قال: إنها ليلة تسع وعشرين فنزع بحديث النسائي المتقدم. # وأما من قال: إنها في الأشفاع فنزع بالحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري ~~قال: «اعتكف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العشر الأواسط من رمضان، ~~يلتمس ليلة القدر قبل أن تبان له، فلما انقضين أمر بالبناء فقوض، ثم أبينت ~~له أنها في العشر الأواخر، فأمر بالبناء فأعيد، ثم خرج على الناس فقال: يا ~~أيها الناس؛ إنه كانت أبينت لي ليلة القدر، وإني خرجت لأخبركم بها، فجاء ~~رجلان يختصمان معهما الشيطان، فنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر من ~~رمضان، التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة». # قال أبو نضرة راوي الحديث: قلت لأبي سعيد: إنكم أعلم ms1696 بالعدد منا. قال: ~~أجل، نحن أحق بذلك منكم. قال: فقلت: فما التاسعة والسابعة والخامسة؟ قال: ~~إذا مضت واحدة وعشرون فالتي تليها اثنتان وعشرون فهي التاسعة، وإذا مضت ~~ثلاث وعشرون فالتي تليها السابعة، وإذا مضت خمس وعشرون فالتي تليها وهي ~~الخامسة. # المسألة الثانية في الصحيح فيها وترجيح سبل النظر الموصلة إلى الحق منها: ~~وذلك أنا نقول: إن الله تبارك وتعالى قال: {ليلة القدر خير من ألف شهر} ~~[القدر: 3] فأفاد هذا بمطلقه، لو لم يكن كلام سواه أنها في العام كله لقوله ~~تعالى {إنا أنزلناه في ليلة القدر} [القدر: 1] فأنبأنا أنه أنزله في ليلة ~~من العام. # فقلنا: من يقم الحول يصب ليلة القدر، ثم نظرنا إلى قوله تعالى {شهر رمضان ~~الذي أنزل فيه القرآن} [البقرة: 185] فأفادنا ذلك أن تلك الليلة هي ليلة من ~~شهر رمضان؛ لإخبار الله أن القرآن أنزل فيها، فقلنا: من يقم شهر رمضان يصب ~~ليلة القدر، وقد طلبها الرسول - صلى الله عليه وسلم - في أوله وفي أوسطه ~~وفي آخره رجاء الحصول. # وقال: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا # PageV04P433 # غفر له ما تقدم من ذنبه»؛ ولم يعمه بالطلب لما كان يظنه من التخصيص، ~~ورجاء ألا يشق على أمته، ثم أنبأه الله بها، فخرج ليخبر بها فأنسيها لشغله ~~مع المتخاصمين، لكن بقي له من العلم الذي كان أخبر به أنها في العشر ~~الأواخر، ثم أخبر في الصحيح أنها في العشر الأواخر. [وتواطأت روايات ~~الصحابة على أنها في العشر الأواخر]، كما قال هو - صلى الله عليه وسلم - ~~واقتضت رؤياه أنها في العشر الأواخر من طريق أبي سعيد الخدري في ليلة إحدى ~~وعشرين. # [ومن طريق عبد الله بن أنيس أنها ليلة # ثلاث وعشرين]؛ ثم أنبأ عنها بعلامة، وهي طلوع الشمس بيضاء لا شعاع لها ~~يعني من كثرة الأنوار في تلك الليلة، فوجد ذلك الصحابة ليلة سبع وعشرين، ~~ولم نصلح لرؤية ذلك النور لكثرة ظلمة الذنوب، فإن رآها أحد من المذنبين ~~فحجة عليه إن مات ونقمة منه إن بقي كما كان، ثم خص السبع الأواخر ms1697 من جملة ~~الشهر، فحث على التماسها فيها، ثم وجدناها بالرؤيا الحق ليلة إحدى وعشرين ~~في عام، ثم وجدناها بالرؤيا الصدق في ليلة ثلاث وعشرين في عام، ثم وجدناها ~~بالعلامة الحق ليلة سبع وعشرين؛ فعلمنا أنها تنتقل في الأعوام، لتعم بركتها ~~من العشر الأواخر جميع الأيام، وخبأها عن التعيين ليكون ذلك أبرك على الأمة ~~في القيام في طلبها شهرا أو أياما، فيحصل مع ليلة القدر ثواب غيرها، كما ~~خبأ الكبائر في الذنوب وساعة الجمعة في اليوم حسبما قدمناه. # فهذه سبل النظر المجتمعة في القرآن والحديث أجمع، فتبصروها لمما، ~~واسلكوها أمما إن شاء الله تعالى. ### | [مسألة قال لزوجته أنت طالق في ليلة القدر] # المسألة الرابعة من قال لزوجته: أنت طالق في ليلة القدر وللعلماء فيه ~~ثلاثة أقوال: الأول لا تطلق حتى يتم العام من أول يمينه، لأنه يحتمل أن ~~تكون ليلة القدر في العام، فلا يبطل [يقين] النكاح بالشك في الطلاق إجماعا ~~من أكثر الأئمة. # الثاني إذا كان آخر ليلة من شهر رمضان طلقت؛ لأنها في شهر رمضان كما ثبت ~~في الآثار؛ ولا يتعين تعيينها إلا بدخول سبع وعشرين، فلا يقع يقين الفراق ~~الذي يرتفع به يقين النكاح إلا حينئذ. # PageV04P434 # الثالث: أنها تطلق في حين قوله ذلك قاله مالك وليس مبنيا على الطلاق ~~بالشك؛ فإن مالكا لم يطلق قط بشك، ولا يرفع الشك عنده اليقين بحال. وقد جهل ~~ذلك علماؤنا، وقد بيناه في مسائل الفقه وشرح الحديث، وإنما تطلق عند مالك ~~بأن من علق طلاق زوجته على أجل آت لا محالة فإنها تطلق الآن؛ لأن الفروج لا ~~تقبل تأقيتا؛ ولذلك أبطل العلماء نكاح المتعة. وهذا بمنزلة ما إذا قال ~~لزوجته: أنت طالق في شهر قبل ما بعد قبله رمضان، وقد بيناه في جزء منفرد، ~~وهذا القدر يكفي هاهنا. # PageV04P435 ### | [سورة البينة فيها آيتان] # [الآية الأولى قوله تعالى لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب # والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة} [البينة: 1]. # الآية فيها ms1698 أربع مسائل: # المسألة الأولى في قراءتها: قرأها أبي: {لم يكن الذين كفروا من أهل ~~الكتاب} [البينة: 1]؛ وفي قراءة ابن مسعود: لم يكن المشركون وأهل الكتاب ~~منفكين. وهذه قراءة على التفسير؛ وهي جائزة في معرض البيان، لا في معرض ~~التلاوة؛ فقد قرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - في رواية الصحيح: «فطلقوهن ~~لقبل عدتهن»، وهو تفسير؛ فإن التلاوة ما كان في خط المصحف. # المسألة الثانية روى ابن إسحاق بن بشر الكاهلي عن مالك بن أنس عن يحيى بن ~~سعيد عن ابن المسيب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لو يعلم الناس ما ~~في {لم يكن الذين كفروا} [البينة: 1] لعطلوا الأهل والمال، ولتعلموها». # وهذا حديث باطل؛ وإنما الحديث الصحيح ما روي عن أنس بن مالك «أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال لأبي بن كعب: إن الله قد أمرني أن أقرأ عليك {لم ~~يكن الذين كفروا} [البينة: 1] وقال: وسماني لك؟ قال: نعم، فبكى». # PageV04P436 # المسألة الثالثة قوله: {منفكين} [البينة: 1] يعني زائلين عن دينهم، حتى ~~تأتيهم البينة ببطلان ما هم عليه، وتلك البينة هي: {رسول من الله يتلو صحفا ~~مطهرة} [البينة: 2]، وهي: # المسألة الرابعة قالوا: {مطهرة} [البينة: 2] من الشرك، وقالوا: مطهرة ~~بحسن الذكر، وقلب مطهر من كل عيب. # وقد قال مالك في الآية التي في {عبس وتولى} [عبس: 1]: {مكرمة} [عبس: 13] ~~{مرفوعة مطهرة} [عبس: 14] إنها # القرآن وإنه لا يمسه إلا المطهرون، كما قال في سورة الواقعة؛ وهذه الآية ~~توافق [ذلك وتؤكده فلا يمسها إلا طاهر شرعا ودينا، فإن وجد غير ذلك فباطل ~~لا ينفى] ذلك في كرامتها، ولا يبطل حرمتها، كما لو قتل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لم تبطل نبوته، ولا أسقط ذلك حرمته، ولا اقتضى ذلك تكذيبه؛ بل ~~يكون زيادة في مرتبته في الدارين. ### | [الآية الثانية قوله تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله] # مخلصين له الدين} [البينة: 5]: فيها مسألتان: # المسألة الأولى أمر الله عباده بعبادته، وهي أداء الطاعة له بصفة القربة، ~~وذلك بإخلاص النية بتجريد العمل عن كل شيء إلا لوجهه، وذلك هو الإخلاص ms1699 الذي ~~تقدم بيانه. # المسألة الثانية إذا ثبت هذا فالنية واجبة في التوحيد؛ لأنها عبادة؛ ~~فدخلت تحت هذا العموم دخول الصلاة. # فإن قيل: فلم خرجت عنه طهارة النجاسة، وذلك يعترض عليكم في الوضوء؟ قلنا: ~~إزالة النجاسة معقولة المعنى؛ لأن الغرض منها إزالة العين، لكن بمزيل # PageV04P437 # مخصوص، فقد جمعت عقل المعنى وضربا من التعبد، كالعدة جمعت بين براءة ~~الرحم والتعبد، حتى صارت على الصغيرة واليائسة التي تحقق براءة رحمهما ~~قطعا، لا سيما وما غرض ناجز؛ وهو النظافة؛ فيستقل به، وليس في الوضوء [غرض ~~ناجز] إلا مجرد التعبد، بدليل أنه لو أكمل الوضوء وأعضاؤه تجري بالماء وخرج ~~منه ريح بطل وضوءه، وقد حققنا القول فيها في كتاب تخليص التلخيص. # PageV04P438 ### | [سورة الزلزلة] # اختلف العلماء في هذه السورة؛ فمنهم من قال: [إنها مكية، ومنهم من قال]: ~~إنها مدنية: وفضلها كثير، وتحتوي على عظيم؛ قال إبراهيم التميمي: لقد أدركت ~~سبعين شيخا في مسجدنا هذا، أصغرهم الحارث بن سويد، وسمعته يقرأ: {إذا زلزلت ~~الأرض} [الزلزلة: 1]، حتى إذا بلغ إلى قوله: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} ~~[الزلزلة: 7] {ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: 8] بكى ثم قال: إن ~~هذه لإحكام شديد. # ولقد روى العلماء الأثبات أن «هذه الآية نزلت على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وأبو بكر يأكل؛ فأمسك؛ فقال؛ يا رسول الله؛ أوإنا لنرى ما عملنا من ~~خير وشر؟ قال: أرأيت ما تكره فهو مثاقيل ذر الشر، ويدخر لكم مثاقيل ذر ~~الخير حتى تعطوه يوم القيامة». # قال أبو إدريس: إن مصداقه من كتاب الله: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت ~~أيديكم ويعفو عن كثير} [الشورى: 30]. # وروى القاضي أبو إسحاق أن «النبي - صلى الله عليه وسلم - دفع رجلا إلى ~~رجل يعلمه حتى إذا بلغ: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} [الزلزلة: 7] {ومن ~~يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: 8] قال: حسبي. قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: دعوه، فإنه قد فقه». # وروى كعب الأحبار أنه قال: لقد أنزل الله على محمد آيتين أحصتا ما في ~~التوراة والإنجيل ألا ms1700 تجدون: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} [الزلزلة: 7] ~~{ومن يعمل مثقال # PageV04P439 # ذرة شرا يره} [الزلزلة: 8] قال جلساؤه: بلى. قال: فإنهما قد أحصتا ما في ~~التوراة والإنجيل. وذكر الحديث. # وقد تقدم حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الخيل ثلاثة: ~~لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر» وذكر الحديث إلى قوله: «فسئل رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - عن الحمر، فقال: ما أنزل علي فيها شيء إلا هذه ~~الآية الجامعة الفاذة: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} [الزلزلة: 7] {ومن ~~يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: 8]». # وقد اتفق العلماء على عموم هذه الآية القائلون بالعموم ومن لم يقل به، ~~وقد بين ما فسرنا به أن الرؤية قد تكون في الدنيا بالبلاء كما تكون في ~~الآخرة بالجزاء، وقد بينا ذلك في كتاب المشكلين. # قال القاضي: وقد سردنا من القول في هذه السورة ما سردنا، وحديث أبي هريرة ~~هذا قد بيناه في شرح الحديث، ومن تمامه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~سئل عن الحمر، وسكت عن البغال، والجواب فيهما واحد؛ لأن البغل والحمار لا ~~كر فيهما ولا فر. فلما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ما في الخيل من ~~الأجر الدائم والثواب المستمر سأل السائل عن الحمر لأنهم لم يكن عندهم ~~يومئذ بغل، ولا دخل الحجاز منها [شيء] إلا بغلة النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-[الدلدل] التي أهداها له المقوقس، فأفتاه في الحمير بعموم الآية، وإن في ~~الحمار مثاقيل ذر كثيرة. # وقد بينا في سورة آل عمران وجه هذا الدليل ونوعه، وأنه من باب القياس أو ~~غيره وتحقيقه في كتب الأصول. # PageV04P440 ### | [سورة العاديات] # أقسم الله بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فقال {يس} [يس: 1] {والقرآن ~~الحكيم} [يس: 2]. # وأقسم بحياته، فقال: {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} [الحجر: 72]. # وأقسم بخيله وصهيلها وغبارها وقدح حوافرها الدار من الحجر، فقال: ~~{والعاديات ضبحا} [العاديات: 1] الآيات الخمس. # والمقسم عليه: {إن الإنسان لربه لكنود} [العاديات: 6]. {وإنه لحب الخير ~~لشديد} [العاديات: 8] وهو المال. # وقد تبين فيما تقدم [حال المال] في ms1701 الخير والشر، والنفع والضر، والفائدة ~~والخيبة. # PageV04P441 ### | [سورة التكاثر فيها آيتان] # [الآية الأولى قوله تعالى ألهاكم التكاثر] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {ألهاكم التكاثر} # [التكاثر: 1]: فيها مسألتان: # المسألة الأولى: قال المفسرون: إنها مكية، وروى البخاري أنها مدنية. قال ~~ابن شهاب: أخبرني أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~«لو أن لابن آدم واديا من ذهب أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا ~~التراب. ويتوب الله على من تاب». فقال ثابت عن أنس عن أبي قال: كنا نرى هذا ~~من القرآن حتى نزلت {ألهاكم التكاثر} [التكاثر: 1]. # وهذا نص صحيح مليح غاب عن أهل التفسير، فجهلوا وجهلوا، والحمد لله على ~~المعرفة. # المسألة الثانية: قد كنا أملينا فيها مائة وثمانين مجلسا، وذكرنا ~~أنموذجها في قانون التأويل فلينظر فيه، فهو مدخل عظيم. # PageV04P442 ### | [الآية الثانية قوله تعالى ثم لتسألن يومئذ عن النعيم] # } [التكاثر: 8]. # فيها مسألتان: # المسألة الأولى ذكر المفسرون في النعيم أقوالا كثيرة، لبابها خمسة: ~~الأولى: الأمن والصحة. # الثاني: السلامة. # الثالث: لذة المأكل والمشرب؛ قاله جابر بن عبد الله. # الرابع: الغداء والعشاء؛ قاله الحسن. # الخامس: شبع البطن، وشرب الماء البارد. ### | [مسألة تحقيق معنى النعيم] # المسألة الثانية تحقيق النعيم من النعم، وبناء (ن ع م) للموافقة، وأعظمها ~~موافقة # ما قال مالك - رحمه الله - في رواية كادح بن رحمة أنه صحة البدن وطيب ~~النفس، وقد أخذه الشاعر، فقال: # إذا القوت يأتي لك والصحة والأمن ... وأصبحت أخا حزن فلا فارقك الحزن # وقد كان هذا يتأتى قبل اليوم، فأما في هذا الزمان فإنه عسير التكوين، ~~وقليل الوجود. # ويرى [كثير من العلماء] أن مالكا أخذه من حكم لقمان؛ ففيها أن لقمان ~~الحكيم قال لابنه: ليس غنى كصحة، ولا نعيم كطيب نفس. # وقد روى الترمذي، عن الزبير بن العوام قال: «لما نزلت: {ثم لتسألن يومئذ ~~عن النعيم} [التكاثر: 8] قال الزبير: يا رسول الله عن أي نعيم نسأل، وإنما ~~هما الأسودان التمر والماء؟ قال: أما إنه سيكون». # وفيه عن أبي هريرة قال: «لما نزلت هذه الآية: {ثم لتسألن ms1702 يومئذ عن # PageV04P443 # النعيم} [التكاثر: 8] قال الناس: يا رسول الله؛ عن أي النعيم نسأل؟ فإنما ~~هما الأسودان؛ والعدو حاضر، وسيوفنا على عواتقنا؟ قال: أما إنه سيكون». # قال القاضي: وهذا يدل على أن السورة مدنية، نزلت بعد شرع القتال. # وروى ابن القاسم عن مالك قال: بلغني «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- دخل المسجد، فوجد أبا بكر وعمر فقالا: أخرجنا الجوع. فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: وأنا أخرجني الجوع؛ فذهبوا إلى أبي الهيثم بن ~~التيهان، فأمر لهم بشعير من عنده فعمل، وقام فذبح لهم شاة، واستعذب لهم ~~ماء، فعلق في نخلة، ثم أتوا بذلك الطعام، فأكلوا منه، وشربوا من ذلك الماء، ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتسألن عن نعيم هذا اليوم». قال ~~القاضي - رضي الله عنه -: والحديث مسند مشهور في الصحاح وغيرها # ، وهذا نعيم المأكل والمشرب، وأصله الذي لا تنعم فيه جلف الخبز والماء، ~~«وحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه»، هكذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-. # وقد يكون النعيم في الخادم كما حدث الهجيع بن قيس «أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قيل له: ما يكفي ابن آدم من الدنيا؟ قال: ما أشبع جوعتك، ~~وستر عورتك؛ فمن كان له خادم فهناك النعيم، فهناك النعيم». # ومن حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن أول ~~ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من النعيم أن يقال له: ألم أصح جسمك؟ ألم ~~أروك من الماء البارد». خرجه الترمذي وغيره. وقد روى البيهقي هذا الحديث ~~فقال: إن «أبا الهيثم بن التيهان قال: إن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - ~~خرج فإذا هو بعمر بن الخطاب جالس في المسجد، فعمد نحوه، فوقف فسلم فرد عمر ~~عليه السلام، فقال له أبو بكر: ما أخرجك هذه الساعة؟ قال: وأنت ما أخرجك ~~هذه الساعة؟ قال أبو بكر: أنا سألت قبل أن تسألني. قال: أخرجني الجوع. قال ~~أبو بكر: وأنا أخرجني الذي أخرجك. فجلسا يتحدثان، فطلع رسول الله - صلى ms1703 ~~الله عليه وسلم - فعمد نحوهما حتى وقف عليهما، فسلم فردا عليه السلام فقال: ~~ما أخرجكما هذه الساعة؟ فنظر كل واحد منهما إلى صاحبه ليس منهما واحد إلا ~~يكره # PageV04P444 # أن يخبره. فقال أبو بكر: خرج يا رسول الله، وخرجت بعده، فسألته ما أخرجك ~~هذه الساعة؟ قال: بل أنت ما أخرجك هذه الساعة؟ فقلت: أنا سألتك قبل أن ~~تسألني. قال: أخرجني الجوع. قال: فقلت له: أخرجني الذي أخرجك. فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: وأنا أخرجني الذي أخرجكما. قال: ثم قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: تعلمان من أحد نضيفه اليوم؟ قالا: نعم، أبو ~~الهيثم بن التيهان حري إن جئناه أن نجد عنده فضلا من تمر يعالج جنانه هو ~~وامرأته لا يبيعان منه شيئا. قال: فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وصاحباه حتى دخلوا الحائط، فسلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فسمعت ~~أم الهيثم تسليمه ففدته بالأب والأم، وأخرجت حلسا لها من شعر، فطرحته، فجلس ~~عليه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - # أين أبو الهيثم؟ قالت: ذهب يستعذب لنا من الماء. قال: فطلع أبو الهيثم ~~بالقربة على رقبته، فلما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين ظهراني ~~النخل أسندها إلى جذع، وأقبل يفدي بالأب والأم، فلما رأى وجوههم عرف الذي ~~بهم. فقال لأم الهيثم: هل أطعمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه ~~شيئا؟ فقالت: إنما جلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الساعة. قال: فما ~~عندك؟ قالت: عندي حبات من شعير. قال: كركريها واعجني، واخبزي، إذ لم يكونوا ~~يعرفون الخمير. وأخذ شفرة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إياك ~~وذوات الدر فقال: يا رسول الله، إنما أريد عناقا في الغنم. قال: فذبح، فلم ~~يلبث أن جاء بذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فأكل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وصاحباه قال: فشبعوا شبعة لا عهد لهم بمثلها، فما مكث ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا يسيرا، حتى أتي بأسير من اليمن، ms1704 ~~فجاءت فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تشكو إليه العمل وتربة ~~يدها، وتسأله إياه. قال: لا، ولكن أعطيه أبا الهيثم، فقد رأيت ما لقيه هو ~~ومريته يوم ضفناهم. قال: فأرسل إليه فأعطاه إياه، فقال: خذ هذا الغلام ~~يعينك على حائطك، واستوص به خيرا. قال: فمكث الغلام عند أبي الهيثم ما شاء ~~الله أن يمكث، ثم قال: يا غلام، لقد كنت مستقلا وأنا وصاحبتي بحائطنا، ~~اذهب، فلا رب لك إلا الله. قال: فخرج الغلام إلى الشام». # وروى «عكراش بن ذؤيب: قال بعثني بنو مرة بن عبيد بصدقات أموالهم إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقدمت عليه المدينة، فوجدته جالسا بين ~~المهاجرين والأنصار قال: ثم أخذ بيدي فانطلق بي إلى بيت أم سلمة، فقال: هل ~~من طعام؟ فأتينا بجفنة كثيرة # PageV04P445 # الثريد والودك، وأقبلنا نأكل منها، فخبطت بيدي في نواحيها، وأكل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - من بين يديه، فقبض بيده اليسرى على يدي ~~اليمنى، ثم قال: يا عكراش؛ كل من موضع واحد، فإنه طعام واحد. ثم أتينا بطبق ~~فيه ألوان الرطب؛ أو من عبيد الله شك قال: فجعلت آكل من بين يدي، وجالت يد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الطبق # وقال: يا عكراش؛ كل من حيث شئت، فإنه من غير لون واحد، ثم أتينا بماء، ~~فغسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه، ومسح ببلل يديه وجهه وذراعيه ~~ورأسه، وقال: يا عكراش؛ هذا الوضوء مما غيرت النار». # وقال القاضي - رضي الله عنه -: فهذا كله يدل على أنه يجوز للمرء أن يتوسع ~~في الطعام ويتلذذ، ويسمي الله عز وجل ويحمده، ولا يصرف قوته المستفادة بذلك ~~في معصيته، فإن سئل وجذبته سعادته فسيوفق للجواب إن شاء الله عز وجل. # PageV04P446 ### | [سورة العصر فيها آية واحدة] # [قوله تعالى والعصر] # ] وهي ### | قوله تعالى: {والعصر} # [العصر: 1]: قال مالك: من حلف ألا يكلم رجلا عصرا لم يكلمه سنة، ولو حلف ~~ألا يكلمه العصر لم يكلمه أبدا؛ لأن العصر هو الدهر. # قال ابن العربي: ms1705 بناء (ع ص ر) ينطلق على كثير من المعاني، فأما ما يتعلق ~~بالزمان ففيه أربعة أقوال: الأول: العصر الدهر. # الثاني: الليل والنهار. [قال الشاعر: # ولن يلبث العصران يوم وليلة ... إذا طلبا أن يدركا ما تيمما # الثالث العصر: الغداة والعشي. قال الشاعر: # وأمطله العصرين حتى يملني ... ويرضى بنصف الدين والأنف راغم # وقد قيل: إن العصر مثل الدهر]؛ قال الشاعر: # سبيل الهوى وعر وبحر الهوى غمر ... ويوم الهوى شهر وشهر الهوى دهر # يريد عاما. # الرابع أن العصر [ساعة من] ساعات النهار قاله مطرف، وقتادة. # PageV04P447 # قال القاضي - رضي الله عنه -: إنما حمل مالك يمين الحالف ألا يكلم امرأ ~~عصرا على السنة؛ لأنه أكثر ما قيل فيه، وذلك على أصله في تغليظ المعنى في ~~الأيمان. # وقال الشافعي: يبر بساعة إلا أن تكون له نية؛ وبه أقول، إلا أن يكون ~~الحالف عربيا، فيقال له: ما أردت؟ فإذا فسره بما يحتمل قبل منه، وإن كان ~~الأقل، ويجيء على مذهب مالك أن يحمل على ما يفسر. والله أعلم. # PageV04P448 ### | [سورة الفيل] # قال ابن وهب عن مالك: ولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفيل. ~~[وقال قيس بن مخرمة: ولدت أنا ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام ~~الفيل]. # وقد روى الناس عن مالك أنه قال: ليس من مروءة الرجل أن يخبر بسنه؛ فإنه ~~إن كان صغيرا استحقروه، وإن كان كبيرا استهرموه. وهذا قول ضعيف؛ لأن مالكا ~~لا يخبر بسن النبي - صلى الله عليه وسلم - ويكتم سنه، وهو من أعظم العلماء ~~قدوة به؛ فلا بأس أن يخبر الإنسان بسنه، كان صغيرا أو كبيرا. # قيل لبعض القضاة: كم سنك؟ قال: سن عتاب بن أسيد حين ولاه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - مكة، وكانت سنه يومئذ دون العشرين. # PageV04P449 ### | [سورة قريش فيها آية واحدة] # [قوله تعالى إيلافهم رحلة الشتاء والصيف] # ] وهي ### | قوله تعالى: {إيلافهم رحلة الشتاء والصيف} # [قريش: 2]: فيها خمس مسائل: # المسألة الأولى قوله {لإيلاف} [قريش: 1] وهو مصدر ألف يألف على غير ~~المصدر، وقيل: آلف يؤالف؛ قاله الخليل، وإيلافهم هذا ms1706 يدل من الأول على معنى ~~البيان. # وهو متعلق بما قبله ولا يجوز أن يكون متعلقا بما بعده، وهو قوله تعالى: ~~{فليعبدوا رب هذا البيت} [قريش: 3]، وقد بيناه في الملجئة، فإذا ثبت أنه ~~متعلق بالسورة الأخرى، وقد قطع عنه بكلام مبتدإ واستئناف بيان، وسطر: بسم ~~الله الرحمن الرحيم [فقد تبين] وهي: # المسألة الثانية جواز الوقف في القراءة في القرآن قبل تمام الكلام، وليست ~~المواقف التي تنزع بها القراء شرعا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرويا، ~~وإنما أرادوا به تعليم الطلبة المعاني، فإذا علموها وقفوا حيث شاءوا؛ فأما ~~الوقف عند انقطاع النفس فلا خلاف فيه، ولا تعد ما قبله إذا اعتراك ذلك، ~~ولكن ابدأ من حيث وقف بك نفسك، [هذا رأيي فيه، ولا دليل على ما قالوه بحال، ~~ولكني أعتمد الوقف على] التمام، كراهية الخروج عنهم، وأطرق القول من عي. # PageV04P450 ### | [مسألة حلف ألا يكلم امرأ حتى يدخل الشتاء] # المسألة الثالثة قال مالك: الشتاء نصف السنة، والصيف نصفها. ولم أزل أرى ~~ربيعة بن أبي عبد الرحمن ومن معه لا يخلعون عمائمهم حتى تطلع الثريا، وهو ~~يوم التاسع عشر من بشنس، وهو يوم خمسة وعشرين من عدد الروم أو الفرس، وأراد ~~بطلوع الثريا أن يخرج السعاة وتسير الناس بمواشيهم إلى مياههم. وأن طلوع ~~الثريا قبل الصيف ودبر الشتاء، وهذا مما لا خلاف فيه بين أصحابه عنه. # وقال أشهب عنه وحده: إذا سقطت الهقعة نقص الليل، فلما جعل طلوع الثريا ~~أول الصيف وجب أن يكون له شطر السنة ستة أشهر، ثم يستقبل الشتاء من بعد ~~ذهاب الصيف ستة أشهر. # وقد سئل محمد بن عبد الحكم عمن حلف ألا يكلم امرأ حتى يدخل الشتاء. # فقال: لا يكلمه حتى يمضي سبعة عشر من هاتور. ولو قال: حتى يدخل الصيف لم ~~يكلمه حتى يمضي سبعة عشر من بشنس؛ فهو سهو؛ إنما هو تسعة عشر من بشنس؛ لأنك ~~إذا حسبت المنازل على ما هي عليه من ثلاث عشر ليلة كل منزلة، علمت أن ما ~~بين تسع عشرة من ms1707 هاتور لا تنقضي منازله إلا بتسع عشرة من بشنس. والله أعلم. ### | [مسألة أقسام الزمان] # المسألة الرابعة قال قوم: الزمان أربعة أقسام: شتاء [وربيع، وصيف، وخريف. # وقال قوم: هو شتاء] وصيف، وقيظ، وخريف. # والذي قال مالك أصح لأجل قسمة الله الزمان قسمين، ولم يجعل لهما ثالثا. ~~وقد حققناه في مسائل الفقه. # المسألة الخامسة لما امتن الله على قريش برحلتين: [رحلة الشتاء والصيف؛ ~~رحلة الشتاء] إلى # PageV04P451 # اليمن؛ لأنها بلاد حامية، ورحلة الصيف إلى الشام؛ لأنها بلاد باردة، وقيل ~~بتنقلها بين الشتاء والصيف إلى مكة والطائف كان هذا دليلا على جواز تصرف ~~الرجل في الزمانين بين محلين يكون حالهما في كل زمان أنعم من الآخر، ~~كالجلوس في المجلس البحري في الصيف، وفي القبلي في الشتاء، وفي اتخاذ ~~البادهنجات والخيش للتبريد، واللبد واليانوسة للدفء. والله أعلم. # PageV04P452 ### | [سورة الماعون فيها ثلاث آيات] # [الآية الأولى قوله تعالى الذين هم عن صلاتهم ساهون] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {الذين هم عن صلاتهم ساهون} # [الماعون: 5]: فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى قد بينا أن النسيان هو الترك، وقد يكون بقصد، وقد يكون ~~بغير قصد؛ فإن كان بقصد فاسمه العمد، وإن كان بغير قصد فاسمه السهو، ولا ~~يتعلق به تكليف وهي: # المسألة الثانية فإن تكليف الساهي محال؛ لأن من لا يعقل الخطاب كيف ~~يخاطب؟ فإن قال: فكيف ذم من لا يعقل الذم؛ أو كلف من لا يصح منه التكليف؟ ~~قلنا: إنما ذلك على وجهين: أحدهما أن يعقد نيته على تركها، فيتعلق به الذم ~~إذا جاء الوقت. وإن كان حينئذ غافلا أو لمن يكون الترك لها عادته، فهذا ~~يتعلق به الذم دائما، ولا يدخل فيه من يسهو في صلاته وهي: # PageV04P453 # المسألة الثالثة لأن السلامة عن السهو محال فلا تكليف. وقد سها النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في صلاته والصحابة، وكل من لا يسهو في صلاته فذلك رجل ~~لا يتدبرها ولا يعقل قراءتها، وإنما همه في إعدادها وهذا رجل يأكل القشور ~~ويرمي اللب، وما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يسهو في صلاته ms1708 إلا ~~لفكرته في أعظم منها، اللهم إلا أنه قد يسهو في صلاته من يقبل على وسواس ~~الشيطان إذا قال له: اذكر كذا [لما لم يكن يذكره] حتى يضل الرجل أن يدري كم ~~صلى. ### | [الآية الثانية قوله تعالى الذين هم يراءون ويمنعون الماعون] # الآية الثانية قوله تعالى: {الذين هم يراءون} [الماعون: 6] {ويمنعون ~~الماعون} [الماعون: 7]. # قال ابن وهب: قال مالك: هم المنافقون الذين يراءون بصلاتهم؛ يري المنافق ~~الناس أنه يصلي طاعة وهو يصلي تقية، والفاسق أنه يصلي عبادة وهو يصلي ليقال ~~إنه يصلي. # وحقيقة الرياء طلب ما في الدنيا بالعبادات، وأصله طلب المنزلة في قلوب ~~الناس؛ فأولها تحسين السمت؛ وهو من أجزاء النبوة، ويريد بذلك الجاه ~~والثناء. ثانيهما الرياء بالثياب القصار والخشنة، ليأخذ بذلك هيئة الزهد في ~~الدنيا. ثالثهما الرياء بالقول بإظهار التسخط على أهل الدنيا، وإظهار الوعظ ~~والتأسف على ما يفوت من الخير والطاعة. رابعهما الرياء بإظهار الصلاة ~~والصدقة، أو بتحسين الصلاة لأجل رؤية الناس، وذلك يطول؛ وهذا دليله. # PageV04P454 ### | [الآية الثالثة قوله تعالى ويمنعون الماعون] # } [الماعون: 7]: فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى في تحقيق الكلمة: الماعون: مفعول من أعان يعين، والعون هو ~~الإمداد بالقوة والآلة والأسباب الميسرة للأمر المسألة الثانية في أقوال ~~العلماء فيه، وذلك ستة أقوال: الأول: قال مالك: هي الزكاة، والمراد بها ~~المنافق يمنعها. وقد روى أبو بكر بن عبد العزيز عن مالك قال: بلغني أن قول ~~الله تعالى: {فويل للمصلين} [الماعون: 4] {الذين هم عن صلاتهم ساهون} ~~[الماعون: 5] {الذين هم يراءون} [الماعون: 6] {ويمنعون الماعون} [الماعون: ~~7] # قال: إن المنافق إذا صلى صلى لا لله، بل رياء، وإن فاتته لم يندم عليها؛ ~~ويمنعون الماعون: الزكاة التي فرض الله عليهم قال زيد بن أسلم: لو خففت لهم ~~الصلاة كما خففت لهم الزكاة ما صلوها. الثاني: قال ابن شهاب: الماعون ~~المال. الثالث: قال ابن عباس: هو ما يتعاطاه الناس بينهم. # الرابع هو القدر والدلو والفأس وأشباه ذلك الخامس هو الماء والكلأ. ~~السادس هو الماء وحده، وأنشد الفراء: # يمج صبيره الماعون صبا # PageV04P455 # المسألة الثالثة لما ms1709 بينا أن الماعون من العون كان كل ما ذكره العلماء في ~~تفسيره عونا، وأعظمه الزكاة إلى المحلاب، وعلى قدر الماعون والحاجة إليه ~~يكون الذم في منعه، إلا أن الذم إنما هو على منع الواجب، والعارية ليست ~~بواجبة على التفصيل؛ بل إنها واجبة على الجملة. والله أعلم؛ لأن الويل لا ~~يكون إلا لمن منع الواجب، فاعلموه وتحققوه. # PageV04P456 ### | [سورة الكوثر فيها آيتان] # [الآية الأولى قوله تعالى إنا أعطيناك الكوثر] ### | الآية الأولى قوله تعالى: {إنا أعطيناك الكوثر} # [الكوثر: 1]: ثبت في الصحيح «أن جبريل نزل على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال له: بسم الله الرحمن الرحيم {إنا أعطيناك الكوثر} [الكوثر: ~~1]». وقد بينا أن بسم الله الرحمن الرحيم ليست آية من الفاتحة ولا من سور ~~القرآن، وإنما هي واحدة من القرآن في سورة النمل قوله: {إنه من سليمان وإنه ~~بسم الله الرحمن الرحيم} [النمل: 30] {ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين} ~~[النمل: 31] بما يغني عن إعادته هاهنا، واستوفيناه في مسائل الخلاف من ~~التلخيص والإنصاف. ### | [الآية الثانية فصل لربك وانحر] # الآية الثانية قوله تعالى: {فصل لربك وانحر} [الكوثر: 2] فيها خمس مسائل: # المسألة الأولى قوله تعالى: {فصل} [الكوثر: 2] فيه أربعة أقوال: # الأول اعبد. # الثاني: صل الصلوات الخمس. # الثالث: صل يوم العيد. # الرابع: صل الصبح بجمع. # المسألة الثانية قوله: {وانحر} [الكوثر: 2] فيه قولان: # PageV04P457 # أحدهما اجعل يدك على نحرك إذا صليت. # الثاني: انحر البدن والضحايا. # المسألة الثالثة في تحقيق المراد من هذه الأقوال لهذه الآية: أما من قال: ~~إنها العبادة فاحتج بأنها أصل الصلاة لغة وحقيقة على كل معنى، وبكل اشتقاق، ~~فكأنه قال تعالى له - صلى الله عليه وسلم -: فاعبد ربك ولا تعبد غيره، ~~وانحر له # ولا تنحر لسواه من الأصنام والأوثان والأنصاب حسبما كانت عليه العرب ~~وقريش في جاهليتها. # وأما من قال: إنها الصلوات الخمس فلأنها ركن العبادات، وقاعدة الإسلام، ~~وأعظم دعائم الدين. # وأما من قال: إنها صلاة الصبح بالمزدلفة فلأنها مقرونة بالنحر، وهو في ~~ذلك اليوم، ولا صلاة فيه قبل النحر غيرها، فخصصها من جملة الصلوات ~~لاقترانها بالنحر، ms1710 فأما مالك فقال: ما سمعت فيه شيئا. والذي يقع في نفسي أن ~~المراد بذلك صلاة الصبح يوم النحر والنحر بعدها. # قال القاضي - رضي الله عنه -: قد سمعنا فيه أشياء، وروينا محاسن: قال ~~علي: قوله: فصل لربك وانحر. قال: ضع يدك اليمنى على ساعدك [اليسرى] ثم ~~ضعهما على نحرك قاله [ابن عباس، وقاله] أبو الجوزاء. # وقال مجاهد: قوله: {وانحر} [الكوثر: 2] يوم النحر. # وقال الحكم: قوله: {لربك وانحر} [الكوثر: 2] صلاة الفجر والنحر. # وعن جعفر بن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: الصلاة الصلاة، النحر ~~النحر. # وقال سعيد بن جبير: الصلاة ركعتان يوم النحر بمنى ثم اذبح. # وقال عطاء: موقفهم بجمع صلاتهم، والنحر النحر. # قال مجاهد: النحر لنا والذبح لبني إسرائيل. # وقال عطاء: إن شاء ذبح، وإن شاء نحر. # وقال عطاء أيضا: فصل لربك وانحر: إذا صليت الصبح فانحر. # PageV04P458 # وقال محمد بن كعب القرظي: إنا أعطيناك الكوثر فلا تكن صلاتك ولا نحرك إلا ~~لله. # وروى أبو معاوية البجلي عن سعيد بن جبير أن سبب هذه الآية «يوم الحديبية؛ ~~أتاه جبريل، فقال: انحر وارجع. فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخطب ~~خطبة الفطر والأضحى، ثم ركع ركعتين، ثم انصرف إلى البدن فنحرها؛ فذلك حين ~~يقول: {فصل لربك وانحر} [الكوثر: 2]». # قال قتادة: صلاة الأضحى والنحر نحر البدن. # فهذه أقوال أقران مالك ومتقدميه فيها كثير. وقد تركنا أمثالها. # والذي أراد مالك أنه أخذه من الأقران بين الصلاة والنحر، ولا يقرنان إلا ~~يوم النحر، والاستدلال بالقرآن ضعيف في نفسه ما لم يعتضد بدليل من غيره. # والذي عندي أنه أراد: اعبد ربك وانحر له، ولا يكن عملك إلا لمن خصك ~~بالكوثر، وبالحري أن يكون جميع العمل يوازي هذه الخصيصة من الكوثر، وهو ~~الخير الكثير الذي أعطاك الله إياه، أو النهر الذي طينته مسك، وعدد آنيته ~~عدد نجوم السماء، أما أن يوازي هذا صلاة يوم النحر وذبح كبش أو بقرة أو ~~بدنة فذلك بعيد في التقدير والتدبير وموازنة الثواب للعباد. # إذا ثبت هذا فلا بد أن نفرغ ms1711 على قالب القولين وننسج على منوال الفريقين، ~~فنقول: أما إذا قلنا إن المراد به النحر يوم الضحى فقد تقدم ذكره وسببه في ~~سورة " والصافات " وغيرها. والأصل في ذلك قصة إبراهيم في ولده إسماعيل، وما ~~بينه الله فيه للأمة، وجعله لهم قدوة، وشرع تلك الملة. # وقد اختلف العلماء فيه على أربعة أقوال: القول الأول أنها واجبة؛ قاله ~~أبو حنيفة، وابن حبيب. # وقال ابن القاسم: إن اشتراها وجبت. وهو الثاني. # الثالث أنها سنة واجبة؛ قاله محمد بن المواز. # الرابع أنها سنة مستحسنة، وهو أشهر الأقوال عندنا. # وقيل لعبد الله بن عمر: الأضحية واجبة هي؟ فقال: ضحى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وضحى المسلمون، كما قال: أوتر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فأوتر المسلمون. # PageV04P459 # وتعلق من أوجبها بقوله: {فصل لربك وانحر} [الكوثر: 2]، وبقوله: {ملة ~~أبيكم إبراهيم} [الحج: 78]. # وقد تقرب بدم واجب في يوم النحر، فليتقرب كل من كان على ملته بدم واجب؛ ~~لأن الجميع قد ألزم الملة المذكورة. # وقد روى مسلم في صحيحه: «على أهل كل بيت أضحاة وعتيرة». والعتيرة هي ~~الرجبية. # «وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي بردة بن نيار حين ذبح الجذعة في ~~الأضحية: تجزيك، ولن تجزي عن أحد بعدك». ولا يقال تجزي إلا في الواجب. # قلنا: أما قوله: {فصل لربك وانحر} [الكوثر: 2] فقد بينا اختلاف الناس ~~فيه، وما اخترناه من ذلك فلاحتماله تسقط الحجة منه. # وأما قوله: {ملة أبيكم} [الحج: 78] فملة أبينا إبراهيم تشتمل على فرائض ~~وفضائل وسنن، ولا بد في تعيين كل قسم منها من دليل. # وأما قوله - عليه السلام -: «تجزيك ولن تجزي عن أحد بعدك»، فكذلك يقال ~~تجزيك في السنة كما يقال في الفرض، فلكل واحد شرعه، وفيه شرطه، ومنه إجزاؤه ~~أو رده. # وأما قوله: «على أهل كل بيت أضحاة وعتيرة» فيعارضه حديث شعبة عن مالك ~~خرجه مسلم: «من رأى منكم هلال ذي الحجة، وأراد أن يضحي فلا يحلقن شعرا، ولا ~~يقلمن ظفرا حتى ينحر ضحيته». فعلق الأضحية بالإرادة، والواجب لا يتوقف ~~عليها؛ بل هو ms1712 فرض أراد المكلف أو لم يرد. # وقد روى النسائي، وأبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: «أمرت بيوم الأضحى، عيد جعله الله لهذه الأمة. قال ~~رجل: أرأيت إن لم أجد إلا منيحة أهلي أضحي بها؟ قال: لا، ولكن تأخذ من شعرك ~~وأظافرك، وتقص شاربك، وتحلق عانتك؛ فذلك تمام أضحيتك». # قال القاضي أبو بكر بن محمد بن العربي: أنبأنا قراءة عليه عن أبي يوسف ~~البغدادي # PageV04P460 # عن أبي ذر عن عمر بن أحمد بن عثمان، حدثنا محمد بن هارون الحضرمي، حدثنا ~~معتمر بن سليمان، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن مطرف، عن عامر بن حذيفة بن ~~أسيد، قال: لقد رأيت أبا بكر وعمر وهما يضحيان عن أهلهما خشية أن يستن ~~بهما. قال: فلما جئت # بلادكم هذه حملني أهلي على الجفاء بعد ما علمت السنة، فقد تعارضت الأدلة، ~~والأصل براءة الذمة، وهذا محقق في مسائل الخلاف، وهذا القدر يكفي من القرآن ~~والسنة. ### | [مسألة الأضحية قبل الصلاة] # المسألة الرابعة من عجيب الأمر أن الشافعي قال: إن من ضحى قبل الصلاة ~~أجزأه، والله تعالى يقول في كتابه: {فصل لربك وانحر} [الكوثر: 2] فبدأ ~~بالصلاة قبل النحر. # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - أيضا في البخاري وغيره، وعن البراء ~~بن عازب، قال: «أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي، ثم نرجع فننحر؛ من ~~فعل فقد أصاب نسكنا، ومن ذبح قبل فإنما هو لحم قدمه لأهله، ليس من النسك في ~~شيء». وأصحابه ينكرونه، وحبذا الموافقة؛ وبقية مسائل الأضاحي في كتب الفقه، ~~وشرح الحديث. ### | [مسألة معنى قوله تعالى وانحر] # المسألة الخامسة وأما [إن قلنا] إن معنى قوله: {وانحر} [الكوثر: 2] ضع ~~يدك على نحرك، فقد اختلف في ذلك علماؤنا على ثلاثة أقوال: الأول لا توضع في ~~فريضة ولا نافلة؛ لأن ذلك من باب الاعتماد، ولا يجوز في الفرض، ولا يستحب ~~في النفل. # الثاني: أنه لا يفعلها في الفريضة، ويفعلها في النافلة، استعانة، لأنه ~~موضع ترخص. # الثالث يفعلها في ms1713 الفريضة وفي النافلة، وهو الصحيح روى مسلم عن وائل بن ~~الأوزاعي أنه «رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه حين يدخل في ~~الصلاة حيال أذنيه، ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى» الحديث. # PageV04P461 # وقد روى البخاري، «عن سهل بن سعيد قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل ~~يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة». قال أبو حازم: لا أعلمه ينمي ذلك ~~إلا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. # PageV04P462 ### | [سورة النصر فيها آية واحدة] # [قوله تعالى فسبح بحمد ربك واستغفره] ### | قوله تعالى: {فسبح بحمد ربك واستغفره # إنه كان توابا} [النصر: 3]. # فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى روى البخاري وغيره، عن ابن عباس: كان عمر يدخلني مع أشياخ ~~بدر فكأن بعضهم وجد نفسه، فقال: لم يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال ~~عمر: إنه من قد علمتم. فدعاني ذات يوم فأدخلني معهم، فما رأيت أنه دعاني ~~يومئذ إلا ليريهم، فقال: ما تقولون في قوله تعالى: {إذا جاء نصر الله ~~والفتح} [النصر: 1]؟ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله، ونستغفره إذا جاء نصر ~~الله، وفتح علينا. وسكت بعضهم، فلم يقل شيئا. فقال لي: كذلك تقول يا ابن ~~عباس؟ قلت: لا. قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أعلمه به؛ قال له: {إذا جاء نصر الله والفتح} [النصر: 1] في ذلك علامة ~~أجلك، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا. فقال: لا أعلم منها إلا ما ~~تقول. # المسألة الثانية روى الأئمة عن عائشة - رضي الله عنها - واللفظ للبخاري ~~قالت: «ما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة بعد إذ نزلت عليه ~~سورة: {إذا جاء نصر الله والفتح} [النصر: 1] إلا يكثر أن يقول: سبحانك ~~اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي». # PageV04P463 # وعن مسروق عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم ~~اغفر لي يتأول القرآن». # «وقال أبو بكر يا رسول الله، علمني دعاء أدعو به ms1714 في صلاتي. قال: قل ~~سبحانك اللهم وبحمدك، ربي إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، وإني أعلم أنه لا يغفر ~~الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم». ### | [مسألة استغفار النبي] # المسألة الثالثة ماذا يغفر للنبي - صلى الله عليه وسلم -؟ روى الأئمة أنه ~~- صلى الله عليه وسلم - كان يقول: «رب اغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في ~~أمري كله، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي خطئي وعمدي وجهلي وهزلي، وكل ~~ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت ~~المقدم وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدير». # قال القاضي: وأنا أقول: كل ذلك عندي مضاعف، وهو - صلى الله عليه وسلم - ~~منه بريء. ولكن كان يستقصر نفسه لعظيم ما أنعم الله عليه، ويرى قصوره عن ~~القيام بحق ذلك ذنوبا؛ فأما أنا فإنما ذنوبي بالعمد المحض، والترك التام، ~~والمخالفة البينة، والله يفتح بالتوبة ويمن بالعصمة بمنه وفضله ورحمته، لا ~~رب سواه. # PageV04P464 ### | [سورة تبت] ### | [مسألة في سبب نزولها] # [وفيها ثلاث مسائل]. المسألة الأولى في سبب نزولها: روى البخاري وغيره عن ~~ابن عباس من طريق الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير [عنه] قال: «لما ~~نزلت: {وأنذر عشيرتك الأقربين} [الشعراء: 214] ورهطك منهم المخلصين خرج ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى صعد الصفا وهتف: يا صباحاه فقالوا: ~~من هذا؟ فاجتمعوا إليه، فقال: أنا نذير لكم بين يدي عذاب شديد، أرأيتكم لو ~~أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل، وأن العدو مصبحكم أو ممسيكم، أكنتم ~~مصدقي؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. ~~فقال أبو لهب: ألهذا جمعتنا؟ تبا لك، فأنزل الله عز وجل: {تبت يدا أبي لهب ~~وتب} [المسد: 1]. إلى آخرها». # هكذا قرأها الأعمش علينا يومئذ، زاد الحميدي وغيره: «فلما سمعت امرأته ما ~~نزل في زوجها وفيها من القرآن، أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ~~جالس في المسجد عند الكعبة، ومعه أبو بكر - رضي ms1715 الله عنه - وفي يدها فهر من ~~حجارة، فلما وقفت عليه أخذ الله ببصرها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فلم تر إلا أبا بكر. فقالت: يا أبا بكر، أين صاحبك؟ فقد بلغني أنه ~~يهجوني، فوالله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه، والله إني لشاعرة: # مذمما عصينا ... وأمره أبينا # ودينه قلينا # ثم انصرفت. فقال أبو بكر: يا رسول الله، أما تراها رأتك؟ قال: ما رأتني، ~~لقد أخذ الله ببصرها عني». # PageV04P465 # وكانت قريش إنما تسمي النبي - صلى الله عليه وسلم - مذمما، ثم يسبونه، ~~فكان يقول: ألا تعجبون لما يصرف الله عني من أذى قريش يسبون ويهجون مذمما ~~وأنا محمد. # المسألة الثانية قوله: {تبت يدا أبي لهب وتب} [المسد: 1]: اسمه عبد ~~العزى، واسم امرأته العوراء أم جميل، أخت أبي سفيان بن حرب، فظن قوم أن هذا ~~دليل على جواز تكنية المشرك، حسبما بيناه في سورة طه في قوله: {فقولا له ~~قولا لينا} [طه: 44] " يعني كنياه على أحد الأقوال. # وهذا باطل؛ إنما كناه الله تعالى عند العلماء بمعان أربعة: الأول أنه ~~[لما] كان اسمه عبد العزى، فلم يضف الله العبودية إلى صنم في كتابه الكريم. # الثاني: أنه كان تكنيته أشهر منه باسمه؛ فصرح به. # الثالث أن الاسم أشرف من الكنية، فحطه الله عن الأشرف إلى الأنقص؛ إذ لم ~~يكن بد من الخيار عنه، ولذلك دعا الله أنبياءه بأسمائهم، ولم يكن عن أحد ~~منهم. # ويدلك على شرف الاسم [على الكنية] أن الله يسمي ولا يكني وإن كان ذلك ~~لظهوره وبيانه واستحالة نسبة الكنية إليه لتقدسه عنها. # الرابع أن الله تعالى أراد أن يحقق نسبه بأن يدخله النار، فيكون أبا لها، ~~تحقيقا للنسب، وإمضاء للفأل والطيرة التي اختار لنفسه [لذلك]. # وقد قيل: إن أهله إنما كانوا سموه أبا لهب لتلهب وجهه وحسنه؛ فصرفهم الله ~~عن أن يقولوا له: أبو نور، وأبو الضياء، الذي هو مشترك بين المحبوب ~~والمكروه وأجرى على ألسنتهم أن يضيفوه إلى اللهب الذي هو مخصوص بالمكروه ~~والمذموم، وهو النار، ثم تحقق ذلك ms1716 فيه بأن جعلها مقره. # PageV04P466 # المسألة الثالثة مرت في هذه السورة قراءتان: إحداهما قوله: " وأنذر ~~عشيرتك الأقربين. ورهطك منهم المخلصين ". والثانية قوله تعالى: تبت يدا أبي ~~لهب وقد تب. # وهما شاذتان، وإن كان العدل رواهما عن العدل، ولكنه كما بينا لا يقرأ إلا ~~بما بين الدفتين واتفق عليه أهل الإسلام. # PageV04P467 ### | [سورة الإخلاص] ### | [مسألة في سبب نزولها] # [وقيل] التوحيد. فيها ثلاث مسائل: # المسألة الأولى في سبب نزولها: روى محمد بن إسحاق عن سعيد بن جبير مقطوعا ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا أنه قال: «أتى رهط من يهود رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا محمد، هذا الله خلق الخلق. فمن ~~خلقه؟ فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى انتقع لونه، ثم ساورهم ~~غضبا لربه، فجاء جبريل - عليه السلام - فسكنه، فقال: خفض عليك يا محمد، ~~وجاءه من الله بجواب ما سألوه: {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] السورة». وفي ~~ذلك أحاديث باطلة هذا أمثلها. # المسألة الثانية في فضلها، وفي الحديث الصحيح، عن مالك وغيره «أن رجلا ~~سمع رجلا يقرأ: {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] يرددها، فلما أصبح جاء رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك له، وكان الرجل يتقالها، فقال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: والذي نفسي بيده، إنها لتعدل ثلث القرآن»، فهذا ~~فضلها، وقد قررناه في شرح الحديث والمشكلين. ### | [مسألة تكرار سورة في كل ركعة] # المسألة الثالثة روي أن «رجلا كان يؤم قومه، فيقرأ في كل ركعة بقل هو ~~الله أحد، فذكر ذلك قومه للنبي - صلى الله عليه وسلم - فأرسل إليه فقال: ~~إني أحبها، فقال له: حبك إياها أدخلك الجنة». فكان هذا دليلا على أنه يجوز ~~تكرار سورة في كل ركعة. وقد رأيت على باب الأسباط فيما يقرب منه إماما من ~~جملة الثمانية والعشرين إماما كان فيه يصلي التراويح في رمضان بالأتراك، ~~فيقرأ في كل ركعة بالحمد لله، وقل هو الله أحد، حتى يتم التراويح تخفيفا ~~عليهم ورغبة في فضلها. وليس من السنة ختم القرآن في رمضان، حسبما ms1717 ذكرناه في ~~شرح الحديث والمسائل. # PageV04P468 ### | [سورة الفلق والناس] ### | [مسألة في سبب نزولهما] # [فيهما ثلاث مسائل]: # المسألة الأولى في سبب نزولهما: روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~سحر حتى كان يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء ولا يفعله، فمكث كذلك ما شاء ~~الله أن يمكث، ثم قال: يا عائشة، أشعرت أن الله أفتاني فيما استفتيته فيه؟ ~~أتاني ملكان، فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي قال الذي عند رأسي ~~للذي عند رجلي: ما شأن الرجل؟ قال: مطبوب. قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن ~~الأعصم. فقال: فبماذا؟ قال: في مشط ومشاطة، في جف طلعة ذكر، تحت راعوفة في ~~بئر ذروان. فجاء البئر واستخرجه». انتهى الصحيح زاد غيره: «فوجد فيها إحدى ~~عشر عقدة، فنزل جبريل - عليه السلام - عليه بالمعوذتين إحدى عشر آية، فجعل ~~كلما قرأ آية انحلت عقدة، حتى انحلت العقد، وقام كأنما أنشط من عقال». ~~أفادنيها شيخنا الزاهد أبو بكر بن أحمد بن علي بن بدران الصوفي. # المسألة الثانية قوله تعالى: {ومن شر غاسق إذا وقب} [الفلق: 3]: روي أنه ~~الذكر. وروي أنه الليل. وروي أنه القمر، وذلك صحيح خرجه الترمذي. # ووجه أنه الذكر أو الليل لا يخفى. ووجه أنه القمر لما يتعلق به من جهة ~~الجهل وعبادته واعتقاد الطبائعيين أنه يفعل الفاكهة أو تنفعل عنه، أو لأنه ~~إذا طلع بالليل انتشرت عنه الحشرات بالإذايات، وهذا يضعف لأجل انتشارها ~~بالليل أكثر من انتشارها بالقمر. وفيما ذكرنا ما يغني عن الزيادة عليه. # PageV04P469 # المسألة الثالثة روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أنزلت علي ~~آيات لم أر مثلهن، فذكر السورتين: الفلق، والناس» صححه الترمذي. وفي الصحيح ~~واللفظ للبخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان ينفث على نفسه في ~~المرض الذي مات فيه بالمعوذتين قالت عائشة: فلما ثقل كنت أنفث عليه بهن، ~~وأمسح بيد نفسه لبركتها». # قلت للزهري: كيف ينفث؟ قال: ينفث على يديه ويمسح بهما وجهه. # وقال ابن وهب: قال مالك: هما من القرآن. وقد بينا ذلك في كتاب المشكلين. # قال الإمام ms1718 القاضي ابن العربي - رضي الله عنه -: قد أتينا على ما شرطنا ~~في علوم القرآن حسب الإمكان على حال الزمان، والله المستعان على عوارض لا ~~تعارض ما بين معاش [يراش]، ومساورة عدو أو هراش، وسماع للحديث ليس له دفاع، ~~وطالب لا بد من مساعدته في المطالب، إلى همم لأهل هذه الأقطار قاصرة، ~~وأفهام متقاصرة، وتقاعد عن الاطلاع إلى بقاء الاستبصار، واقتناع بالقشر عن ~~اللباب، وإقصار واجتزاء بالنفاية عن النقاوة، وزهد في طريق الحقائق، بيد ~~أنه لم يسعنا والحالة هذه إلا نشر ما جمعناه، ونثر ما وعيناه، والإمساك عما ~~لا يليق بهم ولا تبلغه إحاطتهم. # وكمل القول الموجز في التوحيد والأحكام، والناسخ والمنسوخ، من عريض ~~بيانه، وطويل تبيانه، وكثير برهانه، وبقي القول في علم التذكير وهو بحر ليس ~~لمده حد، ومجموع لا يحصره العد، وقد كنا أملينا عليكم في ثلاثين سنة ما لو ~~قيض له تحصيل # PageV04P470 # لكانت له جملة تدل على التفصيل، ولما ذهب [به] المقدار، فسيعلم الغافل ~~لمن عقبى الدار. والله المستعان، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. ~~[قال القاضي أبو بكر بن العربي - رحمه الله -: انتهى القول في ذي القعدة ~~سنة ثلاث وخمسمائة والحمد لله كثيرا كما هو أهله]. PageV04P471 ms1719