######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0096180 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: القاضي محمد بن عبد الله أبو بكر بن العربي المعافري الاشبيلي المالكي (المتوفى: 543هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 543 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: النص الكامل لكتاب العواصم من القواصم #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0096180 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-96180 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/96180 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: الدكتور عمار طالبي #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة دار التراث، مصر #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | خطبة الكتاب # بسم الله الرحمن الرحيم (1) وصلى الله على سيدنا # محمد وآله وصحبه وسلم (2) # قال الشيخ الفقيه الإمام الأوحد، الحافظ، العلامة الأمجد (3)، أبو بكر بن ~~العربي (4)، رضى الله عنه (5)، ورحمه (6): الحمد لله رب العالمين، الله م ~~صل على محمد، وعلى آل محمد (7)، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد، ~~وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد، الله م ~~إنا نستدعي (8) من رضاك (9) المنحة، كما نستدفع بك المحنة، ونسألك العصمة، ~~كما نستوهب منك الرحمة، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، ويسر لنا العمل ~~(10) بما علمتنا، وأوزعنا شكر ما آتيتنا، وانهج لنا سبيلا تهدي (11) إليك، ~~وافتح بيننا وبينك بابا (12) نفد منه عليك، فلك (13) مقاليد السموات ~~والأرض، وأنت على كل شيء قدير. # أما بعد، فإن الله ببالغ حكمته، وغالب قدرته، وإن كان واحدا في ذاته، ~~واحدا في صفاته، واحدا في مخلوقاته، فإنه خلق الخلق نوعين، وأبدع من كل ~~زوجين اثنين، لأن الوحدة له خالصة، حقيقة وبيانا، فتكون PageV01P007 # الأثنينية (1) عليه دليلا وبرهانا، وفطر الآدمي، فركب عليه وفيه، ~~الازدواج ابتلاء، يختلف به الحال استفالا، واعتلاء، إشكالا (2)، وجلاء، ~~نعمة، وبلاء، قبولا، وإباء (3)، ليرفعه (4) في عليين، أو يقذفه في سجين، ~~قال سبحانه: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين} ~~[التين: 5] علمه البيان، بين منزلتي الدليل والعيان، وجعل فيه حقائق [و2 أ] ~~تشترك مع صفاته العلى، وأسمائه الحسنى، في الحد، وينفرد (5) عنها بالتعالي ~~والجد: ذلك ليستدل بها عليه، ويرجع في تحصيل العرفان (6) إليه. # وخلق له الملك، والشيطان، وأخبر الصادق واسطته (7) وسطته، أن العبد بين ~~لمتين (8) منهما يجتذبه (9)، كل (10) واحد (11) إلى جهته، ويحاول (12) وضعه ~~في حصته، وتحصيله في زمرته. # والرب قد أحكم العاقبة بحكمته، وأظهر هذا التدبر بقدرته، وأنشأ فيه العقل ~~والهوى، وخلق له الضلالة والهدى، وشرح (13) له النجدين استدراجا ليرد، وشرع ~~له الدين منهاجا ليقارب ويسدد، وجعل (14) على كل واحد من الطريقين علما، ~~ونصب عليه مناديا، فمنهم من تعرف فأجاب وعرف، ومنهم من صدف فأبى وحرف، ~~والخير والشر مقرونان ms001 في قرن (15)، والعقل والهوى معقودان في شطن (16)، ~~والدليل والشبهة يتجاذبان (17) في PageV01P008 # ميدان واحد، ويتسابقان إلى عطن (1)، والتويق والخذلان يتباريان على سنن. # والعلم السابق، والكلام الأول (2)، والكتاب الثاني، يبرم أعلاقها، ويفتح ~~أغلاقها، {ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حيي عن بينة وإن الله لسميع عليم} ~~[الأنفال: 42]، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وهو العزيز الحكيم، ومن أجل ~~هذا ومن جراه، جرى كل أحد (3) من الخلق مجراه، وتباينت المدارك، في المناجي ~~والمهالك، فلئن أضاء نهار الأدلة، لقد أغطش ليل الشبهات، ولئن اتضحت (4) ~~جادة التحقيق، لقد حفت (5) بها بينات، حتى خفيت واضحة الطريق، فاهتدى فريق، ~~وضل فريق وفريق (6). # و (7) أعلام الحق وإن كانت قد خفقت، فقد انتشرت ألوية الباطل واستشرفت، ~~والناس أتباع كل ناعق، [و3 أ]، لا يفرقون بين السابق واللاحق، وأبناء ~~ساعتهم، لا آباء (8) عاقبتهم، أشفت عليهم القواصم السابقة، وحلقت فوقهم ~~العواصم المتلاحقة، فإن أكبوا على ما هم فيه هلكوا، وإن لمحوا علوا، ~~اعتلقوا النجاة وأدركوا، ولكل سابقة من القواصم لاحقة من العواصم. # ونحن بتأييد الله ومعونته، نرتقي في هذا المعراج، إلى التمييز بين هذا ~~الازدواج، وتبين (9) ما فيه من قواصم المكر والاستدراج، وعواصم الإنفاذ ~~والإخراج، بفضل الله ورحمته، وهدايته وعصمته، لا رب غيره (10). # ولو شاء الله سبحانه لجرد الدلالات عن الشبهات، ولم يقسم المعارف إلى ~~الضرروريات والنظريات، ولا خلق العبد مشحونا بالشهوات، متقاعدا عن ~~العبادات، مائلا إلى الراحات، والكل (11) شاهد ودليل، بفعل أو قيل، كما ~~PageV01P009 # قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56]، وقال ~~تعالى: {ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} [السجدة: ~~13]، فتعارضت أسباب المقادير عليه، مع توجه الوظائف إليه، وصار لا يدري على ~~أي صدغيه (1) يقع، ولا من أي جهة يستضر (2) أو ينتفع، إن أقامه الشرع إلى ~~العبادة أقعدته الراحة، أو أراد العف (3) بالكف، جذبته (4) الاستباحة. ### || قاصمة # وصار بهذا الارتباك جملة عظيمة، في يد الاشتباك، هاوين في دركات الهلاك، ~~وتقطعت بهم الأسباب أيادي سبأ في الضلالات، وسلكوا من (5) الباطل في ~~متاهات، تعطيل من غير ms002 تحصيل، وكيد سابق (6) في تضليل، التقى الكل في حيرة ~~(7) النظر في أربعة مواقف. PageV01P010 ### | الموقف الأول # قالت طائفة: لا معلوم ولا مفهوم، وإنما المرء بوهة أو بوم (1) وما تشبثوا ~~(2) به خيالات لا تحقيق لها، أي شيء يوثق به، له ثبات (3)، [و3 ب] وأنت ترى ~~الظل يتحرك، وهو ساكن، والنبات ينمى وهو واقف، وتعاين الشمس في مساحة درقة، ~~والقمر في قدر (4) المجن، والكواكب كهيئة الدنانير المنثورة؟ وتقولون: إن ~~خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس، وإنه معلوم بالخبر والأدلة، ويقولون ~~(5) إن الدنيا خيالات، والحقائق في الآخرة، وإن الناس نيام، فإذا ماتوا ~~انتبهوا، وإذا كنت في نومك ترى أمورا، لا تشك (6) أنك (7) على رأس الحقائق ~~فيها، فإذا جاءت اليقظة (8) ذهبت من يديك (9)، وأفلت عنك ما كنت تظن أنك ~~آخذ بناصيته، قابض له بيد العرفان، تقوده بغاية البيان، فما يؤمنك أن تكون ~~يقظتك كذلك، وأنك الآن على ما أنت عليه، من حقيقة في غير حقيقة، وعلى عدم ~~من البيان في البيان (10). PageV01P011 ### || عاصمة # قال ابن (1) العربي رضي الله عنه (2) وهذا (3) موقف أول لا تدخله (4) ~~ليت، ولا أختها لعل، بل هو أحقر وأذل (5)، قال لي أبو علي الحضرمي (6)، ~~بالثغر (7)، حرسه الله، وكتبه لي بخطه، ليس هذا مذهبا لأحد، ولا مقالة ~~لبشر، وإنما قصدت الملحدة بذكر هذا التلاعب (8)، بالعالم، لتسترسل العامة، ~~وهو محال في محال، يسمى (9) بالعربية هوسا وهذيانا، ويسمى (10) باليونانية ~~سفسطة، يعنون خذلانا، وقال أبو حامد الغزالي: إن هذا الإشكال لا يتضح ~~بالدليل، وإنما (11) يروى منه الغليل، ويشفي العليل، ما يفيض من نفحات رحمة ~~الله على القلوب، ويشرق عليها من نوره، حتى إذا انشرحت الصدور، وصقلت ~~القلوب، تجلت فيها (12) الحقائق، مبادي وغآيات، وسوابق ولواحق، قام الإمام ~~الحافظ (13): وهذه ### || قاصمة # أعظم من الأولى، فإنها صدرت عمن اشتهر في العلم، وهذا (14) يحط عن ~~المرتبة العليا (15) إلى السفلى، ويخرج عن جملة (16) العقلاء، [و4 أ] ولا ~~ينجى منها (17) إلا أن تفهموا (18). # قاصمة: # إن هذه كلمات صدرت (19) على مناحي صوفية، لأنها تعتقد أن المعقول فوق ~~المحسوس، وأنا وإن كنا، في عالم ms003 الحس أبدانا، فنحن في عالم العقل ~~PageV01P012 # قلوب (1) والقلوب لا تزال تقطع بينها وببن الأبدان العلائق، وتحسم ~~القواطع (2) حتى لا يبقى (3) بينها وبين البدن علاقة، ولا نزال (4) الروح ~~كدرة (5) تترقى (6) من درجة إلى درجة في المعارف، وتتطلع من برج إلى برج ~~حتى تنتهي إلى حيث خرجت، وترجع من حيث جاءت. # وهذا الكلام كله بناء منهم في الباطن (7) على عقائد اختيارية، ركبوها ~~بزعمهم على قواعد عقلية، وأسكتوا (8) عنهم المعترضين، وسكتوا قلوب الشادين ~~بما رووه عن النبي (ص) أنه قال: "الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا"، وهذا ~~الحديث ليس له أصل في الدين، ولا يدخل في منزلة من منازل السقيم، فكيف ~~الصحيح من المسلمين، ولكنه جزء من خطبة عظم بها الخطب، وصار بها الناس (9) ~~ألبأ على ألب (10)، وقد كنت فاوضته في أمثالها، وأشرت بلمحة من لإمساك عن ~~الحديث إلا ما صح على قدر منزلتي منه، ويقول (11) لي: بضاعتي في الحديث ~~مزجاة، ولقد اخذ معي في الحديث (12) أبو بكر الفهري عند انكفائي من العراق، ~~فأعلمته بذلك من قوله، فلم يعذره كما لم أعذره، وليس يخفى على ذي لب، يتوقف ~~(13) هامنا قليلا بنفسه، ولا يعجل بالحوقلة، فقد امتلأت من هذا الكلام كل ~~حوصلة، وليتعرض للدليل (14)، و (15) إن كان كان ليس بموضع دليل، ولكن هاهنا ~~نكتة بديعة استفدناها في "نزهة المناظر وتحفة (16) الخواطر" وهي أن الحقائق ~~تارة تنكشف PageV01P013 # بالدليل، إذا كانت (1) في (2) معرض (3) الإشكال، وتارة تنكشف بالتفسير ~~(4)، إذا كان الإشكال في (5) وجه دلالة (6) الألفاظ، على المعاني، فإن ~~الشيء قد [و 4 ب] يكسى غير حليته (7)، فليبادر بكشف غريبه، واتخذ هذا ~~دستورا في الجدال (8)، إذا ناظرت، وفي الاسترشاد، إذا استرشدت (9). # وبعد هذه المقدمة نقول: إن غلاة الصوفية، ودعاة الباطية، يتشبهون ~~بالمبتدعة في تعلقهم بمشتبهات الآيات والآثار على محكماتها، فيخترعون ~~أحاديث (10) أو (11) تخترع لهم على قالب أغراضهم، ينسبونها إلى النبي، ~~ويتعلقون (12) بها علينا، فمنها حديث الناس نيام، وليس بخبر، وإنما هو مثل ~~ضربه بعض الحكماء (13) ليظهروا بذلك (14) فضل الآخرة على الدنيا، فأما ~~أولاء (15) فإنما انتحوا (16) به إلى (17) أن ما ms004 في الآخرة ليس على حقائق ~~ما في الدنيا، وأن ما في الدنيا من أمر (18) الآخرة، أسماء لا معاني حتى ~~نسبوا ذلك إلى ابن عباس، والصدر (19) الأول، ليرتبوا عليه أن أمور الآخرة ~~إنما هي أسماء محضة (20)، لا اشتراك بينها وبين معاني الدنيا في الوجود ~~نسبتها إلى ما (21) في الدنيا، نسبة البحر في المنام، والأسد والحمار (22)، ~~والدواني الذي (23) يختم كتاب الملك، إلى الملك، والشجاع وملك الموت، ~~والمؤذن قبل الفجر (24) في رمضان PageV01P014 # في الدنيا، بل هذان (1) أقرب من ذينك، ولهذه الأمثال والأخبار، معاني ~~صائبة، وفي (2) منهج (3) التحقيق سائرة. ### || صفة الجنة # وذلك أن البنية في الدنيا مبتدأة بترتيب وتوليد، وهي (4) في الآخرة منشأة ~~دفعة في كرة، وهي في الدنيا تستحيل، وفي الآخرة تثبت، وفي الدنيا تفنى وفي ~~الآخرة تدوم، وفي الدنيا منحصرة، وفي الآخرة لا تنحصر، وفي الدنيا نافعة من ~~وجه، ضارة من آخر، محمودة من نوع، مذمومة من غيره، محبوبة في حال، مكروهة ~~في (5) أخرى، وفي (6) الآخرة متحدة (7) كل صفة عن (8) مقابلتها، وهكذا أبدا ~~(9) حتى يكون الكل كاملا، صدر عن كامل، لا نقص فيه (10) إلا عن [و5 أ] كمال ~~وجب للإله الحق (11) من الأولية، والتقدس عن الحدث، وجواز تطرق الآفات ~~والنقص، لا سيما وقد علم بالدليل كل عاقل، أن الدنيا حقيقة على ما هي عليه، ~~والآخرة حقيقة على ما هي عليه، وليس ما يستغرب بينهما من التباين، وهما ~~مخلوقتان (12) بأغرب من التفاوت الذي بين الخالق والمخلوق في الذات ~~والصفات، ولكل واحد من هذين القسمين الأعلى الأشرف، والأسفل الأدنى، حقائق، ~~وما (13) بينهما من التفاوت، ولم (14) تبطل حقيقة الأكمل حقيقة الأنقص، بل ~~وجبت لكل واحد صفاته (15). ### || تمثيل من دليل # وقد أرسل الله الرسل إلى الخلق على اختلاف أطوارهم في أزمانهم، فما ~~PageV01P015 # قال أحد منهم: أنا في غير حقيقة، وإنما (1) كانوا ينفون الحقائق عن أقوال ~~(2) الرسل (3) في دعاويها التوسط، وهم متفقون على إقرار الحقائق (4) في ~~نصابها، وإتيانها من بابها، وإنما قابلوا أدلة الرسل بالشبهات، وجروا في ~~ميدان النظر والدلالات، فعاند من عاندة وسدد من سدد. ### || توجيه ms005 # ويحتمل أن يكون أبو حامد، قد بنى هذا على مذهب الصوفية، في أن العلم من ~~ثمرات العمل، وهو وإن صح كان قلبا للقوس (5) ركوة (6)، فليس في أول رتوة ~~(7)، وإنما يكون ذلك دعوى في النظريات، أو في الزيادة على مقتضى الأدلة، ~~وربما شبهوا (8) في ذلك بقوله تعالى (9): {واتقوا الله ويعلمكم الله} ~~[البقرة: 282]. فأفاد هذا الظاهر أن العلم ثمرة التقوى التي هي أصل ~~الأعمال، وترجمة (10) جميعها أو كلها، وأثروا (11) ذلك عن مالك رضي الله ~~عنه (12)، إسكاتا (13) لنا، واعتضادا بإمامته (14) علينا، من قوله: ليس ~~العلم بكثرة الرواية، وإنما هو نور يضعه الله في قلب من يشاء، قال القاضي ~~أبو بكر (15): وهذا مقطع شريف ليس من غرضهم في شيء [و5 ب] وإنما له ~~PageV01P016 # حقيقة معلومة، وهي أن العبد إذا واظب الطاعات، ونبذ المعاصي، لم يكن ذلك ~~إلا باستمرار علمه، واستدامه نيته، فإن العمل بالقصد، والقصد يرتبط بالعلم ~~فإنهما أخوان، فإذا دام العمل الصالح، دل على دوام العمل، وإذا علم ولم ~~يعمل، أوشك أن يذهب العلم، ويكون نقصان العمل، علامة على نقصان العلم أو ~~ذهابه. # فإن قيل: وكيف يذهب العلم بذهاب العمل، والعلم أصل، والعمل فرع عليه، ~~والفرع هو الذى يذهب بذهاب الأصل؟ قلت (1): عنه (2) جوابان، أحدهما: أنا ~~نمثل (3) لكم ما يحققه، فنقول: إنك ترى الغصن في الشجرة الناضرة ذابلا، ~~فتستدل به على نقصان مادة الأصل، التي كانت تمده (4) بالري، ولولا نضوب ~~المادة، وهي الأصل من الأصل لما ذوي الغصن (5)، في الشجرة الناضرة، فكان ~~ذهاب الفرع لذهاب الأصل، وعلامة عليه. # الثاني: وهو التحقيق، أن التقوى والعلم جميعا، من جملة الأعمال، وكلاهما ~~من الأعمال القلبية، وتنفرد التقوى بقسم منها، و (6) هو من عمل الجوارح، ~~وهي مأخوذة من الوقاية، وهي الحجاب الموضوع، دون المكروه، فإذا اتقيت الله ~~بقلبك أولا كما يجب، كان ذلك تعليما منه لك، بوضع الحجب التي تقيك عذابه، ~~ووقاية العلم به للعذاب، قبل وقاية العمل له للعذاب، فإذا نقص العمل، كان ~~لنقصان العلم ضرورة، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يزني الزاني ~~حين ms006 يزني وهو مؤمن" (7) أخبر به، أنه لا يقدم على الزنا إلا بعد فوات جزء ~~من العلم وقد بيناه في "قانون التأويل"، و"شرح الصحيحين" (8)، وورد في (9) ~~الحديث الصحيح: "تعرض (10) الفتن على القلوب، كالحصير (11) PageV01P017 # عودا عودا، فأي قلب أشربها، نكتت فيه نكتة سوداء فيصير أسود [و 6 أ] ~~مربادا (1) كالكوز، مجخبا (2)، لا يعرف معروفا، ولا ينكر إلا ما أشرب من ~~هواه" (3)، وهذا تنبيه بالغ، ونص فيما أردناه للخصم دافع. ### || مزيد تحقيق # ولا ينكر أحد (4) من الإسلاميين، لا من الفقهاء، ولا من المتكلمين، أن ~~صفاء القلب وطهارته، مقصود شرعي، إنما (5) المستنكر (6) أن (7) صفاءه (8) ~~يوجب تجلي العلوم فيه بذاته، إذ هو مقابل له في أصل الخلقة، وإنما الحق أن ~~القلب بمداومة الطاعات، والفكرة (9) في ملكوت الأرض والسموات، يكون ذلك من ~~إدامة المعرفة علما على النجاة، ويكون عمارة للبدن بالطاعات، وقد قام ~~الدليل العقلي على أن العلم هو (10) من العمل قبل العمل، وكذلك (11) قام ~~الدليل الشرعي، وشهدت له التجربة، على أنه {إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء} [فاطر: 28]، وكل من علم أن ملكوت الله في أرضه وسمائه الذي فيها ~~بدنه، وجملة، من مخلوقاته، لم يصرفه إلا في طاعته، فإن قصر فبفوات علمهم ~~(12) بما قصر فيه، وعما قصر عنه، وعما قصر به، وهذا كاف في الغرض. ### || تكملة # فنرجع إلى المراجعة مع القول الأول، للقوم الأول، فنقول لهم هذا ~~PageV01P018 # التشكيك والخيلان (1) ألا تردونه إلى الشهوات في البطن، والفرج، والمعاش، ~~في قوام آلات الحياة، فتدخلون فيها التشكيك، وتردون إليها الخيال ~~والاختبال، ولا يكون عندكم فيها فرق بين النظر والإهمال، ولا بين الحلو ~~والمر، والمستقذر والمستحب (2)، فإن لم ينقادوا إليه نبذناهم في يم ~~الاعتراض (3)، إن لم يكن بنا قدرة على القيام فيهم بالواجب والانتهاض. # فإن قيل: قد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما (4) سئل عن شرح ~~الصدر، قال: "هو نور يقذفه الله في القلوب، قيل له: وما علامته؟ قال: ~~التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار [و 6 ب] الخلود، والاستعداد ~~للموت" (5)، وقد قال - صلى الله عليه ms007 وسلم -: "إن الله خلق الخلق من ظلمة، ~~ثم رش عليهم من نوره"، فليركب عليهما قلنا: هذان حديثان موضوعان لا أصل ~~لهما، يا ليتك لم تصل عليه، ولم (6) تنسب الكذب إليه (7)، وما أنت في ذلك ~~إلا كمن يحلف ب الله الذي لا إله إلا هو لقد كان كذا وهو كاذب، فيا ليته لم ~~يعظمه ولم يكذب فيما يقرن تعظيمه من حديث. # أما أن الحديث الأول له معنى صحيح في الدين، فإن هجر الدنيا يدل على خلو ~~القلب من حبها، وأما الحديث الثاني ففاسد المعنى (8) لا أثر له في الشريعة، ~~ولا مبنى، ونعوذ ب الله من الغرور، والغرور، إنما خلق الإنسان من طين ثم ~~نفخ (9) فيه من روحه، والذي يعقل هو الطين بإقران الروح، فإن قيل: فقد قال ~~الله سبحانه (10): {وغرتهم الحياة الدنيا} [الأنعام: 70] فإن كان لها ~~حقيقة، فليس فيها غزور، قلنا: وليس عندكم قول ولا رب ولا دليل، ولا اعتراض، ~~فما لكم تدخلون دارا لستم مقرين بأنكم فيها، ثم PageV01P019 # تطمعون أن تتصرفوا في منافعها، لا تمكنون من ذلك انصرفوا صاغرين وانقلبوا ~~(1) خاسئين (2). # فإن قيل: أيها المرشد إن قال المسترشد هذا (3): أخرجت من الدار من # ليس منها، فما الجواب عن هذا السؤال (4) لمن هم من أهلها؟ قلنا له (5): ~~الدنيا حقيقة بذاتها، غرارة بمآلها، فإنها موجودة (6) حقيقة، فانية حقيقة، ~~منقضية حقيقة، فهي إذا نظرها القاصر (7)، المغلوب بالشهوات، المنهمك في ~~اللذات، ركن (8) إليها غرورا، وإذا نظرها العالم بفنائها، وأنها طريق لا ~~مأوى اتخذها لذلك مسلكا، فنال من بغيته دركا على ما بيناه آنفا. # فإن قيل: أنكرتم الحديث المنور (9)، والشريعة مملوءة منه؟ قلنا [و 7 أ]: ~~نحن لم ننكر إلا على تركيب ألفاظ عربية أو شرعية، على معان صابئة (10)، ~~ونسبتها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا هو الكذب متعمدا (11)، ولا ~~سيما إذا أفرغت على قالب، تبنى عليه أغراض مقصودة في نحل (12) معروفة، فأما ~~تنوير القلوب فهذا أمر شرعي. # قد كان من دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -، في مظان الإجابة، من آخر ~~الليل، وعند ms008 الخلوة على ما روي في الصحيح، أنه - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يقول في دعائه حينئذ:، " الله م اجعل (13) في قلبي نورا، وفي نفسي نورا، ~~وفي لساني نورا، وفي سمعي نورا، وفي بصري نورا، وفي شعري نورا، وفي بشري ~~نورا، وفي مخي نورا، وفي عظمي نورا، وفي لحمي نورا، وفي (14) يميني نورا، ~~وفي (15) يساري نورا، وفوقي نورا، وتحتي نورا، وأمامي نورا، وخلفي نورا، ~~وفي قبري نورا، وعند لقائك PageV01P020 # نورا، وعلى الصراط نورا، واجعلني نورا، واجعل لي نورا، وأعطني نورا، ~~وأعظم لي نورا". # فهذه ثلاثة وعشرون منها في صحيح مسلم سبع عشرة دعوة، والباقي صحت من طرق ~~سواه (1)، والخير كله نور، والشر كله ظلمة، حقيقة لا مجازا، وأخصه (2) أن ~~العلم نور، والجهل ظلمة، والسرور نور، والغم ظلمة، والحديث الذي ذكرتم (3) ~~رواه الترمذي (4) عن عبد الله بن عمرو (5) أن الله خلق الخلق في ظلمة فألقى ~~عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل، فلذلك (6) ~~أقول: جف القلم عن علم الله. # وهذا الحديث حسن الإسناد، لم يبلغ درجة الصحة ولكن يشهد له # ظاهر القرآن، لقوله تعالى: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون ~~شيئا} [النحل: 78]، فالمراد بالحديث أنه خلقهم في ظلمة، لا من ظلمة، المعنى ~~خلقهم جهالا، وضرب للجهل مثلا الظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فاستنار به ~~من هداه، وهو عبارة عن العلم الذي يخلقه الله لمن يشاء [و 7 ب] والقبول ~~الذي يهبه (7) لمن يريد (8). ### || تخبيل # قالوا: ليس عندنا معنى يوثق به، إذ الحس خائن، ألا ترى أنك لو أخذت قبسا ~~من نار، ثم حركته بسرعة، حركة مستقيمة على وضع الخط المستقيم، لرأيته خطا ~~مستقيما، ولو حركته دورية لصار كرة، وقد تأتي (9) PageV01P021 # بالحركة على صفة، تكون قوسا من دائرة، فتراه (1) تختلف عليه المرائي، وهو ~~(2) نقطة واحدة، ولو كانت له حقيقة ثابتة، لما اختلف (3) باختلاف الطوارئ، ~~على الذات من خارج. قلنا: هذا إيراد للحقائق (4) بأنها خيالات، وبيانه أن ~~القبس الذي ذكروه، له حقيقة مشاهدة، وله إذا سكن صورة، ms009 وإذا تحرك صورة، ~~فتختلف عليه الصور بالحركات، والسكون، وحقيقته واحدة، وهذه حقيقة الحقيقة، ~~ألا ترى أن الإنسان له حقيقة، وتختلف (5) عليه الصور، فتارة يكون ناطقا، ~~وساكتا، وقائما، وقاعدا، إلى غير ذلك من حالاته، وتصرفاته، ولا تتغير (6) ~~له حقيقة، باختلافها عليه، بل له حقيقة دائمة أبدا (7)، لا تتغير (8) ولهذه ~~الصفات حقائق في ذواتها (9)، على تغيرها (10)، معلومة محققة، وكل بذاته ~~متحيز، وفي سبيل العرفان سائر، وكذلك الأجسام كلها (11)، والعالم بأسره. ~~PageV01P022 ### | الموقف الثاني # ذهبت طائفة إلى تحقيق العلوم في مواقعها، واعترفت بتعلقها بمعلوماتها، ~~ولكنها ذهبت إلى أن الأدلة، وإن كان تفيدها، وتقتضيها، ولكن رحمة الله ~~ولطفه، إذا فاض على العبد جاءه به من العرفان ما يستغرق مقتضى الأدلة، من ~~البيان، وهذا نحو مما تقدم، ولكن تعلقت به طائفة جليلة، كالحارث بن أسد ~~المحاسبي (1) أولا، وأبي القاسم عبد الكريم بن هوازن (2) القشيري (3) ~~ثانيا، وبن الرجلين [و 8 أ] طوائف (4) لا يحصون كثرة، من مشهور ومذكور، ~~وهذان العالمان سلكا، طريقا متوسطة (5) بإين الغلو والتقصير، ونجمت في ~~آثارهما (6) أمم، انتسبت إلى الصوفية (7)، وكان منها من غلا وطفف، وكاد ~~الشريعة وحرف، وقالوا كما تقدم لا ينال العلم إلا بطهارة النفس، وتزكية ~~القلب، وقطع العلائق بينه وبين البدن (8)، وحسم مواد أسباب الدنيا، من ~~الجاه والمال، والخلطة بالجنس، والإقبال على الله بالكلية، علما دائما، ~~وعملا مستمرا، حتى تنكشف له الغيوب، فيرى الملائكة، ويسمع أقوالها (9)، ~~ويطلع PageV01P023 # على أرواح الأنبياء، ويسمع كلامهم وهذا (1) ووراء هذا غلو ينتهي إلى ~~القول بمشاهدة الله (2)، يدخلونه في باب الكرامات إذ (3) كان من الجوزات. ### || قاصمة: # ولقد فاوضت فيها أبا حامد الغزالي، حلا! ن لقائي له بمدينة (4) السلام، ~~في جمادى الآخرة سنة تسعين وأربعمائة، وقد كان راض نفسه بالطريقة الصوفية، ~~من سنة ست وثمان!! ن، إلى ذلك الوقت نحوا من خمسة أعوام، وتجرد لها، واصطحب ~~مع العزلة، ونبذكل فرقة، فتفرغ لي بسبب بيناه في! تاب ترتيب الرحلة، فقرأت ~~عليه جملة من كتبه، وسمعت كتابه الذي سماه بالإحياء (5) لعلوم الدين، ~~فسألته سؤال المسترشد عن عقيدته، المستكشف عن طريقته، ms010 لأقف من سر (6) تلك ~~الرموز، التي أومأ إليها في كتبه، على موقف تام المعرفة، وطفق يجاوبني، ~~مجاوبة الناهج لطريق التسديد، للمريد، لعظيم مرتبته، وسمو منزلته، وما ثبت ~~له في النفوس من تكرمته، فقال لي من لفظه، وكتبه لي بخطه: إن القلب إذا ~~تطهر عن علاقة البدن الحسوس، وتجرد للمعقول انشكفت له الحقائق، وهذ! أمور ~~لا تدرك إلا بالتجربة لها عند! و 8 ب، أربابها، بالكون معهم والصحبة لهم، ~~ويرشد إليه طريق من النظر وهو أن القلب جوهر صقيل، مستعد لتجلي المعلومات ~~فيه، عند مقابلتها عريا عن الحجب كالمرآة في ترائي المحسوسات، عند زوال ~~الحجب، من صدا لائط، أو ستر من ثوب أو حائط، لكنه بتراكم الافات عليه (7)، ~~يصدأ حتى لا يتجلى (8) فيه شيء، أو يتجلى (9) معلوم دون معلوم، بحسب مواراة ~~الحجاب له، من ازورار، أو كثاقة، أو شفف، فيتخيل (10) فيها مخيلة، غير ~~متجلية، # PageV01P024 # كأنه ينظر من وراء شف (1)، ألا ترى إلى (2) النائم إذا أفلت (3) قلبه من ~~يد الحواس، وانفك من أسرها، كيف تتجلى (4) له الحقائق، تارة بعينها، وأخرى ~~بمثالها. قال لي: وقد تقوى النفس، ويصفو القلب حتى يؤثر في العوالم، فإن ~~للنفس قوة تأثيرية موجدة (5)، ولكن كما قلنا، ما يتوارد عليها من شعوب ~~البدن، وعلائق الشهوات، يحول بينها وبين تأثيرها، حتى لا يبقى لها تأثير ~~إلا في محلها، وهو البدن خاصة (6)، كالرجل يمشي في الأرض، على عرض شبر، ولو ~~علا جدارا مرتفعا، عرضه ذراع، ما استطاع أن يبسط خطاه عليه فإنه (7) يتوهم ~~سقوطه عنه، فإذا استشعرت ذلك النفس (8) واستقرت عليه، انفعل (9) البدن لها، ~~وسقط مسرعا، وقد تقوى على أكثر من ذلك، فيكون تأثيرها في غير محلها من ~~جنسها، كما ينظر الرائي إلى جسم حسن، فيقع في قلبه استحسانه، فإذا نطق بذلك ~~عليه، تأثر بذلك الجسم فليط (10) به، أو هلك في ذاته، ومنه قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "إن العين لتدخل الرجل القبر، والجمل القدر" (11) وقد ~~PageV01P025 # تزيد (1) قوتها بصفائها (2) واستعدادها، فتعتقد إنزال الغيث، وإنبان ~~النبات، ونحو ذلك من معجزات خارقات للعادات، ms011 فإذا نطقت به كان على نحوه، ~~وهذه نفوس الأنبياء، وهي الآيات التي تأيدت بها أحوالهم. # [و 9 أ] ### || عاصمة # قال القاضي أبو بكر (3) رضي الله عنه (4): فلما وعيت هذا سماعا، وكتابة ~~عنه، وقراءة، رجعت إليه متأملا بصادق البصيرة، وعرضته على قواعد النظر، في ~~المعقول والمنقول، ونظرت في أفراده، ثم جمعه (5)، فرأيت أنه لا يخفى على ~~ناظر، أن النفس موجودة، والبدن موجود، والروح والنفس (6) والقلب والحياة، ~~ألفاظ واردة في الشرع، منطلقة في لسان العرب، على معان قد عرفوها، إذ لا ~~يصح أن يخاطبوا بما لم يفهموا ولا (7) أن يعبروا بما (8) لم يعلموا، وهي ~~بينة عند الطوائف كلها، عاقلوها ومتشرعوها. # فأما البدن فمحسوس، وأما القلب فمشاهد في بعض الأحوال ولكن عند التعطل من ~~عمله، وعند الانفصال عن محله، وأما الروح فمعقولة، وأما النفس فاختلفوا، ~~فمنهم من جعلها الدم، فتكون جسما محسوسا، ومنهم من جعلها معقولة بمنزلة ~~الروح، وحين دارت هذه الألفاظ على ألسنة الأنبياء والحكماء المتلقين (9) ~~عنهم، دارت على رسم التوارد، فقد يعبر بالروح عن القلب، والنفس، وعن القلب ~~بهما وعن النفس بالروح، وعن الروح والحياة بهما، وقد يتعدى بهذه الألفاظ ~~إلى غير العقلاء، بل إلى غير الأحياء، فتجعل في كل شيء، فيقال لكل شيء قلب، ~~ونفس، وروح، وحياة، استعارة، فمن لم يعقل وجه الاستعمال تاه (10) في مجاهل ~~لا عمارة بعدها، ومن أراد أن يلبس (11) PageV01P026 # بها وجد مجالا مشكلا للتلبيس، لكثرة الاستعمال. # والمعلوم في الجملة أنه (1) خلق آخر غير البدن، كما قال تعالى: {ولقد ~~خلقنا الإنسان من سلالة من طين (2) ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا ~~النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة، فخلقنا المضغة عظاما، فكسونا العظام لحما ~~ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن [و 9 ب] الخالقين [المؤمنون: 14]. ~~فبين أن الجسم خلق، والذي وراءه (3) خلق آخر، مجاور له، مغاير، وأنت ترى في ~~الجملة أن للبدن صفات، هي القدرة، والعلم، والكلام، والإرادة، والحياة، ~~والسمع والبصر، فهذه الصفات السبع، هي عماد التقدير، والتفكير (4)، ~~والإيجاد والتصرف، وليس يمكن أن يقال في الحياة، ms012 أكثر من أنها صفة بها ~~يستعد المحل لقبول الصفات الست (5) وهي الروح، وهي النفس، وأرادت طائفة ~~التشغيب، أن تفرد الروح ببيان، وتخصه بنوع من البرهان، حتى انتهى بهم ~~القول، إلى أن يقولوا: وما الإنسان؟. # لقد أخبرني أبو سعيد الزنجاني بالمسجد الأقصى طهره الله، عن الأستاذ أبي ~~المظفر شاهفور (6)، أن أعرابيا دخل البصرة، فرأى حلقة المتكلمين، فقصد ~~إليها فظن أنها حلقة ذكر، فوجدهم يتكلمون في حقيقة الإنسان، وقد كان عند ~~نفسه معلوما، فلما رأى أهل تلك الحلقة، قد أدخلوه (7) في مبادأة (8) من ~~يريد (9)، وأكثروا فيه من المراجعة والترديد، قام وهو ينشد: # إن كنت أدري فعلي بدنه … # من كثرة التخليط في من أنه # واحتاج شيخ السنة، وصاحبه (10) لسان الأمة، ومن دارت عليه من PageV01P027 # طبقاتهم الملة، وأعيان السنة الجلة إلى (1) أن يعقدوا (2) في ذلك أبوابا، ~~ويجمعوه (3) كتابا، فأحسنوا عن الحق منابا (4)، فإن الملحدة أدخلت هذه ~~الألفاظ في باب الإشكال، تشغيبا وتلبيسا، والأمر فيها بشهادة الله قريب ~~سجدا. # فإن قيل: كيف تقرب البعيد، الذي شهد الله ببعده، ولم يجعل لأحد فيه سبيلا ~~من بعده، فقال: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي، وما أوتيتم من ~~العلم إلا قليلا} [الإسراء: 85]؟ قلنا: قد [و10 أ] تكلمنا على هذه الآية في ~~"أنوار الفجر"، و"شرح الصحيحين"، بما لبابه، أن أحدا من المسلمين لم يسأل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الروح (5) لعلمهم بها، وذكرهم لها، في ~~كتابه الذي جاء به إليهم، وما كان ليأتيهم بمجهول، ولو جاء به، ما قبله ~~الأعراب (6) منه، وقد كانوا يترصدون وجها من الطعن (7)، فكيف إذا وجدوه ~~يأتي بما لا يعلم، ويتكلم بما لا يفهم، وإنما جاءت اليهود بعنادها، إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسألته عنها بطنه (8) وعادة، لم تزل ~~تتظاهر بفسادها، مقصدها أن يقول لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - (9): "هي ~~كذا"، فيراجعونه فيه، ويجادلونه عليها، فأمره الله أن يردعهم (10) عنها ~~صيانة له عن تشغيبهم، بما لا يعلمونه، ولا يفتقرون إليه، ولا يحتاجونه (11) ~~حتى قالت (12) جماعة (13): إنه كان من ms013 وصفه في التوراة، أنه لا يجيب عن هذا ~~السئال، وهذا وإن لم يرد في الصحيح لم PageV01P028 # يبعد (1)، لأنه من صفات العقلاء، فكيف بالأنبياء، أن لا يتكلموا في فضول ~~(2)، ولا يخوضوا في غير تحصيل، ولا يجوز هذا مع من يقصد التشغيب، والتضليل، ~~وأنت ترى، ما انتهى الفضول بعلمائنا في تعرضهم لحد العلم، أن بلغ (3) القول ~~فيه مع الخصوم، إلى عشرين عبارة ليس منها حرف يصح، وإنما هي خيالات، والعلم ~~لا يقتنص بشبكة الحد، وإذا لم يعلم العلم، فماذا يطلب، أو إلى أي شيء وراءه ~~يتطلع؟ (4) وإنما أنشأ هذا حثالة المعتزلة، وكلهم حثالة، لإضمارهم الإلحاد، ~~قصد إيقاع التشكيك والإلباس على الخلق في الحقائق، ليتذرعوا (5) بهذه ~~الطريقة إلى مقصدهم الفاسد، وجعلوا يفيضون في الاعتقاد والعلم حتى أنشأوا ~~كلاما يملأ الفضاء، حقه (6) أن يقابل بالإعراض وقد أشرنا إليه في التمحيص ~~(7) وغيره. # قال القاضي أبو بكر (8): وإذا انتهى النظر إلى هذا المقام، فنقول إنك ~~أيها المرء، بعد، لم [و 10 ب] تثبت لك معرفة النفس والروح، والقلب، على ما ~~تزعم، ولا استقرت عندك (9) حقيقة لذلك، كله (10) فكيف (11) تريد أن تركب ~~عليه، أنه يعلم المخلوقات، ويؤثر في الأرضين والسموات، لقد أبعدت مرماك، ~~حققه على ما يجب، وبعد فركب (12) عليه ما تركب. # وأما (13) الإشارة بتجرد النفس: أو القلب، عن علائق المحسوسات ليترقى ~~(14) إلى المعقولات، فعسى أن يكون ذلك إذا مات، فأما مع الحياة فيبعد ذلك، ~~أو يستحيل (15) عادة، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم -، يقول في ~~الحديث PageV01P029 # الصحيح (1): "إنه ليغان على قلبي فأتوب مائة مرة"، فكيف يصح أن يدعي ~~عاقل، فكيف عالم، قلبا لا يدركه غين، ولا تتطرق (2) إليه غفلة، حتى يترقى ~~إلى حالة الفناء، حتى يفنى عن نفسه، فلا يرى أهلا ولا حالا (3)؟ وقد حف ~~بالنبي الأزواج، وخالطهن بالوطء، وكيف يدعي أحد قطع علائق ربطها الله قبل، ~~ولم يأذن (4) بحلها، وكان النبي (5) يشدها، ويحت على النكاح، وعلى انتقاء ~~الأبكار، لا على انتفاء (6) الأفكار (7)، وأي نفس تكون ذلك أو أي قلب؟ و ~~(8) النبي عليه السلام، لم ms014 يرد الصحابة إلى ما زعموا من الطريقة، وإنما ~~ردهم إلى ألفاظ القرآن، وما كان معهم عليه، حتى استأثر الله به. # وأما قوله: إن ذلك ينال بالتجربة معهم، والصحبة لهم، فإن التعرض للتجربة ~~إنما يكون في الممكن، فيحك ما يمكن في مدق (9) التجربة، فأما (10) الذي لم ~~يثبت بدليل، ولا سبقت به عادة، فكيف يتعرض له بتجربة، والصحابة لم يسلكوا ~~طريقه، ولا نظروا تحقيقه، والذي يدل على بعده الحديث الصحيح، واللفظ لمسلم، ~~أن حنظلة الأسدي (11) وكان من كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: ~~(كنا عند رسول الله صلى الله عليه [و 10 ب] وسلم فوعظنا فذكرنا بالنار، ~~قال: فجئت إلى البيت فضاحكت الصبيان، ولاعبت المرأة، قال: فخرجت فلقينى أبو ~~بكر (12)، فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله! ~~ما تقول؟ قال: نكون عند PageV01P030 # رسول الله (1)، يذكرنا بالنار، والجنة، كأنا رأي عين، فإذا خرجنا (2)، من ~~عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (3)، عافسنا الأزواج، والأولاد، ~~والضيعات، فنسينا (4) كثيرا قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، ~~فانطلقت أنا وأبو بكر، فدخلنا على رسول الله (5)، قلت: نافق حنظلة يا رسول ~~الله (6)، فقال رسول الله (7): "وما ذاك؟ " قلت: يا رسول الله (8) نكون ~~عندك تذكرنا بالنار والجنة، كأنا رأي عين فإذا خرجنا من عندك عافسنا (9) ~~الأزواج والأولاد والضيعات، فنسينا كثيرا، فقال رسول الله (10): "والذي ~~نفسي بيده، لو تدومون (11) على ما تكونون عندي" (12) وفي الذكر، لصافحتكم ~~الملائكة على فرشكم، وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة) فتفطن الصحابة ~~لتغير القلب، عند مفارقة النبى - صلى الله عليه وسلم - عن الحالة التي يكون ~~(13) معه عليها، وسألوا النبي عن ذلك، فأخبرهم أن تلك الحالة، لو دامت ~~لصافحتهم الملائكة معاينة، وذلك ممنوع من الله للخلق فما يفضي إليه ممنوع، ~~وإلا فلم لم (14) يحضهم عليه، وهل كان فوق منزلة (15) الخلفاء منزلة، يرتقى ~~إليها، وما كلمهم ملك، ولا صافحهم؟. # وأما قوله: إنه (16) يتقدمه (17) نوع من النظر، وهو النظر في حقيقة ~~القلب، فليس له حقيقة، إلا التي لليد، ms015 وكلاهما وتيرة (18) وهل هما إلا جسم ~~مركب (19) من لحم، أو من لحم وعظم، وعصب فإن قال: اكشف لي (20) عن ~~PageV01P031 # حقيقة القلب، [و 11ب] قيل له، واكشف عن حقيقة اليد، ولعلك تظنها هذه (1) ~~الجارحة المشاهدة، لقد قصر نظرك إن أوقفته (2) عليها، هيهات بل (3) هي معنى ~~وراء ذلك، فإنك تشاهدها متصرفة (4) مقدرة، موجدة، منيلة معينة (5) ثم (6) ~~تارة (7) و (8) صاحبها قائم القناة (9) كالخرقة الملقاة، فلو رمت أنت وصاحب ~~الجيم (10) في طبه، والطائين (11) في طبيعتهما (12)، والفاء في إلاهيته، أن ~~يذكر في ذلك حرفا، يفيد علما، لم تستطيعوه (13) ولولا الطول (14) لسردت ~~عليكم (15) في ذلك مناظرات، من "نزهة المناظر وتحفة (16) الخواطر"، تعجبون ~~منها، فانظروها فيها. # وأما قوله: إن القلب مستعد بذاته، لتعلم (17) المعلومات، فهذا لا يجوز في ~~صفة الإله، فكيف أن يجعل ذلك للقلب؟ لا يصح أن يكون شيء يعلم بذاته، لا من ~~قديم ولا من محدث (18)، وهذا شيء أصلوه، ليركبوا عليه انكار الصفات، إنما ~~القلب واليد (19) موجودان خلقهما الله، ويخلق فيهما على الترتيب والتدريج، ~~ما شاء، ولكل واحد مجراه الذي جعل له، ليس لواحد منهما صفة، إلا أن يخلق ~~الله (20) فيهما ما شاء (21)، أو لا يخلق. # وأما المرآة، فلا يصح التمثيل (22) بها، في هذه القضية، وأنا أعلم ~~PageV01P032 # بسرهم (1) فيها، واعتقادهم في حقيقتها، فإنهم بنوها على أن الإدراك فيها، ~~إنما يكون بانعكاس الأشعة على زوايا في مرايا، وذلك مذكور في كتب المناظر ~~وخاصة المنسوبة إلى بني الهيثم، وإنما يذكرونها جبها (2) للناس، وتشكيكا ~~(3) لهم، وسكونا إلى أن علماءنا قد احتجوا بها، وعولوا في رؤية الباري ~~عليها، وأنه مرئي في غير جهة، ونحن الآن لا نفتقر إليها، فلا نسلمها، ولا ~~نخوض معهم فيها، وأنا أعلمكم أنهم إذا اجتمعوا مع إخوانهم المعتزلة، ~~فتذاكروا (4) أنا نحتج في [و 12 أ] مسألة رؤية الباري في غير جهة بمسألة ~~المرآة، ضحكوا منا، وفكهوا بنا، وحكموا بالجهالة علينا. # ولقد مشيت يوما بعسقلان، إلى محرس باب غزة (5) وقد كان القاضي حامد ~~المعتزلي الحنفي (6) ورد علينا بها، فاجتمع عليه (7) الشيعة، والقدرية، ~~وأهل السنة على طريقتهم، ms016 في قصد الواردين المتحلين (8) بالعلم، والمنتسبين ~~(9) إليه (10) وكانت (11) بيني وبينه معرفة في المسجد الأقصى، فقال له أحد ~~أصحابه: هل يحكم (12) بكفر الأشعرية، في قولهم: إن الباري يرى؟ فقال (13) ~~له القاضي حامد: لا يحكم (14) بكفرهم لأنهم يقولون: إنه يرى في غير جهة، ~~فيذكرون (15) ما لا يعقل، ومن قال ما (16) لا يعقل لا يكفر، وفي هذا الكلام ~~نظر يأتي بيانه (17)، إن شاء الله تعالى، وإنما ذكرته لكم لتعلموا قدرنا ~~(18) PageV01P033 # عندهم، ولولا أنكم لم تتمرنوا بالهندسة، لأريتكم (1) من خطئهم في المرآة ~~ما لا يخفى على من تعلق بشيء من الطريقة. # ولقد قلت يوما لبعض حذاقهم وقد تفاوضنا في المناظر (2)، بسبب القول في ~~رؤية الله عز وجل، على اتصال الأشعة، وانعكاسها بصقالة الأجسام فقلت له: ~~فهذا الماء الصقيل إذا نظرت إليه، رأيت نفسك معكوسا فيه، وأنت مستقيم عليه، ~~فإن كان الإدراك في الصقيل، لا يكون إلا بانعكاس الشعاع، فهذا أيضا (3) ~~انعكاس في انعكاس، فكيف التقيا على (4) خط، وانحرفا في زاوية؟ فبهت، وجرى ~~من الكلام ما لا فائدة لكم في ذلك (5) لأنه ليس من ألبابه (6)، فأنزلوا ~~معهم إلى أن (7) القلب محل العلم، فمن أين تقولون إنه صقيل، ولصقالته (8) ~~تجلت المعلومات فيه؟ فلا يجدون (9) شيئا يعولون عليه، إنما الباري يخلق في ~~القلوب (10)، إدراك العلوم، ابتداء ويركبه (11) فيجري التدبير فيها ~~والتقدير [و 12 ب] والتفكير على نظام، فذلك النظام (12) المستقيم الجاري ~~على القوام (13) والتقويم (14)، سماه سبحانه شرحا تارة، وتنويرا أخرى، ~~تعليما منه لخلقه حين (15) لم يتأت (16) لهم نظام، في الأفعال المحسوسة إلا ~~بأنوار الله (17)، النور المحسوس، والنور المعقول، فاعرفه، واعترف، وأقدره ~~قدره، وأنسبة إلى نسبته (18)، وأنزله (19) منزلته، ولا تعد به (20) عن ~~محله. PageV01P034 # وأما دعواهم رؤية الملائكة والأنبياء، وسماع كلامهم، فذلك ممكن للكافر ~~والمؤمن، فأما رؤية الكافر له (1)، فعقوبة، وحجة (2) وبلاء (3)، وفتنة، ~~وأما رؤية المؤمن (4) فكرامة، ولو كان رؤيتهم للملائكة - كما يقولون - ~~لصفاء القلب (5) فيتجلون فيه (6) لاقتصرت (7) رؤيتهم على القلب الصقيل، ولم ~~يرهم قلب لصدأ (8)، قد تراكم بالرين، وهذا مما يمنعونه سرا، ولا يقدرون ~~عليه جهرا، لأنهم يتظاهرون ms017 بالإسلام، فأما الفلاسفة فيمنعونه (9)، وسيأتي ~~الكلام معهم في طريقتهم (10)، في الأدلة، وعقيدتهم في الملة إن شاء الله ~~تعالى (11). وقد سمعت الصحابة كلام الملائكة، وسمعها من لم يؤمن، ورأوها ~~(12) في صورة الآدمي، ورأوها (13) في صورة النحل (14)، ولم يكونوا من صفاء ~~القلب، وقطع العلائق بحيث يشترطون في رؤيتهم، وإن كانوا من تقوى الإله، ~~وفضل المعرفة، بأوفى مرتبة، فهذه (15) دعاوى باطلة، لا أصل لها في منقول ~~ولا معقول. # وأما قولهم: إن النفس تؤثر من (16) ذاتها حتى تترقى إلى جنسها (17)، حتى ~~تترقى إلى العوالم (18)، فيبعد أن يتخيل هذا عاقل، فكيف عالم، إنه ليس لشيء ~~تأثير، ولا صنع (19)، ولا توليد، لما (20) ثبت من الأدلة في موضعه، فإنه ~~(21) لا خالق إلا الله، ولا يخرج من العدم إلى الوجود شيء إلا بقدرته [و 13 ~~أ]، وقد دللنا على ذلك في موضعه، واعطف على شيخنا بالكلام، دون غيره من ~~PageV01P035 # الأنام، لما بيني وبينه من مجلس ومقام، فأقول له (1): سبحان الله هل ~~أخذنا عنك في (2) كتاب، وقيدنا على كل باب، إلا (3) أن الله منفرد ~~بالإيجاد، متوحد بالاستبداد وأن ما سواه لا ينسب إليه فعل، ولا يناط به ~~حادث، وأين ما سردت في مناجاة النملة والقلم، حتى انتهيت إلى المنهج الأمم، ~~وأين التبري من الوقوف على تلك المنازل، في النوازل، والترقي على تلك ~~الدرجات في المدارج، حتى انتهيت إلى بحبوحة القدس، فالآن ترد التأثير إلى ~~النفس، هيهات، إن ما يخلقه الله في بدن العائن، هو كما يخلقه (4) في بدن ~~المسحور، كما يخلقه في بدن المضروب والمقتول، كما يخلق حركة الخاتم بحركة ~~اليد، أين ما قيدت، بعد أن انفردت في "الاقتصاد" و"المستصفى" وما رويت عن ~~إمام الحرمين في مدارك العقول، مما قيدناه في انفراد الباري بالإيجاد، ~~وحده، وكل مخلوق محل لمجاري مقادير الله؟. # فإن قلت: إن النفس تؤثر ذلك، عند تعلق القصد منها إليه، قلنا: هذا فاسد ~~من ثلاثة أوجه (5): الأول: إن هذا ما يجب أن يثبت أولا، مشاهدة، أو بخبر ~~(6) صدق، يوجب العلم، وحينئذ تنسبه (7) إلى الله إيجادا بالقدرة الأولية ms018 ~~(8) في الأصل، وتجعل النفس، وما تعلقت به محلا (9) لمجاري مخلوقات الله. ~~الثاني: إنه وإن كان (10) انكشفت له المعلومات، واتضحت له المعقولات، ~~واستبصر بالحقائق، والكائنات، فليس في قوة القلب، تأثير في الإيجاد، وإنما ~~غايته الإدراك، والكشف، فأما تعديه إلى الإيجاد، فلا يصح بحال. الثالث: إنك ~~إن (11) قلت: وجدناه (12) بالتجربة، فهذا عمر قد قال: يا سارية الجبل، وهذا ~~الأوزاعي قال لرجل يعظه [و 13ب]: لو أطعت الله، وقلت لهذا الجبل ادن لجاءك، ~~فتدكدك الجبل، وسعى حتى دنا من الأوزاعي، PageV01P036 # فقال له: إليك عني إنما هو مثل ضربته لصاحبنا (1) هذا، قلنا: هذا الآن ~~قول في كرامات الأولياء، وهي أصل الدين وعمدة من عمد المسلمين، لا ينكرها ~~إلا جاهل، اتفق عليها العلماء، واختلفوا هل هي (2) خرق عادة، أو إجابة ~~دعوة، ونحن الآن لا (3) نخوض في النظر فيها (4) فإنها (5) تجوز بخرق ~~العادة، على شروطها التي بيناها في أمالينا، ولكنها إذا جرت، لا تجري ~~بتأثير (6) نفس، وإنما يسأل العبد الصالح ربه فيجيب دعاءه في مطلبه (7)، ~~ويكشف له بالمعرفة عن خفايا جهله، وهذا من الجائز القليل الوقوع، لكن الناس ~~قد أكثروا فيه الرواية، وادعت (8) طوائف كثيرة هذه (9) المنزلة، فأحدث ~~الإكثار من ذلك إنكارا واستبعادا، في نفوس أكثر الخلق. # وأما اضطراب الجبل للأوزاعي (10)، فلا يلتفت إلى روايته، وإنما اضطربت ~~الجبال (11) بمكة والمدينة لمحمد (12) وأصحابه، وهذا باب آخر لا ينتفع به ~~قائلة فيما نحن فيه بسبيله، فقد بيناه، في موضعه بدليله. # قال القاضي أبو بكر (13) رحمه الله (14): والذي قيدت عنه وعن غيره قبله، ~~سماعا ورواية، أن النبوة ليست بصفة ذاتيه للنبي وإنما هي عبارة عن قول الله ~~تعالى (15) بلغ (16) إلى خلقي كلامي، وهذا مما لا يصل إليه أحد بعمل، ولو ~~كان أوفى (17) من عمل الملائكة والآدميين، وإنما يأتي موهبة من الله، وهذه ~~الموهبة التي ليس لأحد فيها حيلة (18)، دليل من الله، وهي خرق العوائد ~~وتأثيرات في PageV01P037 # العالم، من فعل الله تشهد بصدق الرسول، فلا يصح أن تكون شهادة، فيوردها ~~(1) في غير محلها، ولا تكون من فعل أحد غير الفاعل ms019 [و 13ب]، المطلق ~~بالحقيقة، وقد قيدنا عنه أن ذلك من قوى النفس، بالتأثير (2) في الأجسام ~~العلوية، وأن ذلك مما لا ينكر أن يكون للأنبياء، قال: وإنما ينكر اقتصارهم ~~عليه، ومنع قلب العصا ثعبانا، قال أبو بكر بن العربي (3): وأنا أقول: إني ~~لا أنكره، ولكني (4)، أقول: إن (5) هذا التأثير ليس (6) للنفوس، وإنما هو ~~مما يخلقه الله بقدرته، وإرادته، للنبي مع التحدي، ليكون معجزة، أو مع عدم ~~(7) التحدي فيكون آية وكرامة، فأما أن يجري (8) على حكم النفوس مجرى (9) ~~الأشياء المعتادة والتأثيرات (10) المتعارفة فلا، وسترى ذلك في الإملاء على ~~التهافت إن شاء الله. # وبعد النظر الطويل الذي هذه إشارته (11) خرجت عن هذه الغمرة التي أوجبها ~~استرسال مثله، في هذه الألفاظ القلقة، التي لا يصح (12) أن يكون فيها إذن ~~لأحد ليذكرها، فضلا عن أن يحققها، ويسطرها، وهي أخلاط غالبة على الفؤاد ~~(13)، ومعاني حائدة عن سنن السداد. PageV01P038 ### | الموقف الثالث # قالت طائفة لا معلوم إلا المحسوس المدرك من الحواس، أو (1) ما يظهر في ~~النفس ابتداء، مما لا ريبة فيه، كجواز الجائزات، واستحالة المستحيلات، فأما ~~هذه المعارض التي تدعي، ويتعرض لها بالاكتساب، والفكر، في تفاصيل طرقها، ~~حتى تحصل، فليس وراءها طائل، لاختلاطها وتشابهها وعدم الوصول إليها، ومتى ~~رأيت نظارين (2) اتفقا، أو دليلا (3) وقف بك على منتهى؟ بل ترجع (4) عنه ~~(5) تارة، وتشك أخرى، وهذا مما لا يوثق به، لا (6) سيما إذا تعارضت الطرق، ~~أو حمل معنى على معنى، ألا ترى أن الحذاء لو حذا نعلا على مثال، ثم حذا على ~~ذلك الثاني، ثالثا، وتمادى كذلك إلى سبعة أمثلة، مثلا (7)، فإنك إذا ركبت ~~السابع على الأول، [و 14ب]، لم تجده على مثاله، وهذا نظر في المحسوسات، ~~ولكنه لما بعد اضطرب، فكيف فيما يخرج عن سبيل الحس. ### || عاصمة # قال القاضي أبو بكر (8): قال لي أبو علي الحضرمي بالثغر: ليس هذا مذهبا ~~لأحد، وإنما أوردته الملحدة، من (9) الخرمية (10) والباطنية، تشكيكا، ~~وتشغيبا، وإلا فهم مقطوعون في أول كرة، بالطريقة التي افتتح بها العلماء ~~PageV01P039 # تصانيفهم، ونقول لهم بعد ذلك: هذا الكلام، تطردونه في ms020 الأعمال والعقائد، ~~أو تقصرونه؟ (1) فإن طردوه في الأعمال والتصرفات، وطلب المعاش (2)، فكلها ~~نظري، لا ضرورة فيه قطعا، أو قصروه (3) على الاعتقادات الباطنة، قيل لهم: ~~الأعمال التي سلمتم (4) جريان النظر فيها، إنما ترتبط بالعقائد، لأنها ~~تنعقد أولا، ثم ترتب بالنظر، ثم يبرز العمل ما انعقد من ذلك واستقر، فدل ~~ذلك على صحة النظر، فإذا (5) صح النظر فيها، لإفادته، دل على صحة النظر في ~~الاعتقاد وحده. # فإن قيل: علمنا صحه النظر في الأعمال بالعثور على المقصود قطعا، أو ~~بالخطأ فيه قطعا، قلنا: عنه جوابان: أحدهما (6): إن الذي قدم النظر في ~~الاعتقاد أولا، هو رجاء الحصول، كذلك في مسألتنا، ثم يكون بعد ذلك العثور ~~على شيء أو عدمه (7)، نظرا (8) آخر (9). # الثاني: أنا كذلك نعثر على المطلوب، بالنظر في باب الاعتقاد، والسقوط ~~عنه، وليس يلزم أن يستوي النظر (10) في (11) العقائد، كما لم (12) يلزم ~~(13) أن يستوي النظر في الأعمال، فإن منها ما يبدو قريبا، ومنها ما يبعد، ~~ومنها ما يقع العثور فيه على المطلوب، ومنها ما يخطئ (14)، ويعلم أنه من ~~تقصير، ومنها (15) ما يشكل عليه فيتوقف، ولا يعترض ذلك على أصل النظر، في ~~PageV01P040 # الأعمال بالإبطال [و 15 أ]، وقد يقال: أنتم إنما مقصدكم ترك (1) النظر، ~~حتى لا يكون ابتلاء ولا وظيفة (2) ولا يقبل من نبي قول، لأنكم لم تقدروا ~~على تحقيق ذلك، فنبذتموه، فأنت - كما قلت لمن حظر (3) - إذا نظرت في ~~الكيمياء عمرك وقد سمعت بعدها أو فقدها، فلم يقطعك ذلك عنها، وكذلك أنت ~~الذي خرجت تطلب الكنوز في القبور، وفي المواضع التي ترجوها فيها، أو لا ~~ترجوها، ويأتيك المنجم، فيقول لك ربعت هذه البقعة فاقتضت الطوالع أن فيها ~~مالا (4) فغدوت تعني (5) قلبك وبدنك فيها ومالك، بأي المحسوس أدركت ذلك؟ هل ~~فعلته إلا بنظر أصله طمع؟ فكيف لم تنظم (6)، في (7) أوليتك ومن أولك و (8) ~~وأخرك، ومن صورك وقدرك؟. # وهذا الغرض (9) لا تحتقره (10)، فإنا قد رددنا به عن الباطل، من (11) ~~اعتقده، وافهموا أنكم إذا أردتم أن تيقنوا (12) مشككا، أو تدلوا (13) ~~حائرا، لم يكن فيه شيء أنجع، ms021 من أخذه من بابه، وهذه سيرة الله في أدلته مع ~~أوليائه لأعدائه، وسنة أنبيائه في أنبائه. # وأما مسألة الحذاء، فإنما وقع الخطأ فيها، بتقصير الحذاء، في ضبط المثال، ~~وإلا (14) فلو ارتبط لتحصيله، ولم يعجل في تحصيله، لكان السابع كالأول، وقد ~~جربناه فوجدناه، ولكنه (15) إذا حذا قصر، فلا يظهر التقصير الأول لخفائه، ~~ولا الثاني حتى ائتلف الخطأ على المخطى فيه، جاء محسوسا، PageV01P041 # كالجوهر، فإذا ائتلف صار محسوسا، ولو فككت الجسم لانتهى إلى حد، يفوت ~~الآلات، حتى ينتهي إلى حد، يفوت الحس، وهو معقول، حتى ينتهي إلى حد، تقف ~~التجزية (1) عنده عقلا بالدليل حسبما بيناه في كتب (2) الأصول. # قال القاضي (3): وقد رأى هؤلاء المحرومون [و 15 ب] أن النظر في علم ~~الكلام، متفاوت في الجلاء والخفاء، حتى لقد بينت (4) لبعضهم، في طريق ~~الجدال تارة والإرشاد أخرى، إذا قال الرجل: اثنان في اثنين كم يكون ~~مجموعهما؟ فيقال أربعة. فيعيد السؤال عليه في الأربعة، فيقول له: ستة عشر، ~~ثم يعيد حتى ينتهي إلا أعداد مركبة، يفتقر فيها إلى أعمال الفكر، وربما لم ~~يصب (5) فيها إلا بعد لأي، وكذلك لو قال: أربعة ونصف، ثم يقول له: أربعة ~~(6) ونصف، ونصف (7) وثمن، ثم يقول له: أربعة ونصف، ونصف و (8) ثمن، وربع ~~ثلاثة أجزاء من ثمانية وتسعين، رأى نفسه في إشكال طويل فيضره ذلك (9)، ~~ولكنه يبرز الوجه فيه (10) بتفكير (11). # وإذا دخل في استخراج المجهول من المعلوم افتقر إلى نظر طويل، فيضجره ذلك، ~~ويتركه (12)، حتى إذا احتاج إلى قسمة حقل، أو دار، على فرائض مختلفة، لجأ ~~إلى سواه، واستغاث بغيره، وبذل له (13) ما له فيه، ونزل الدنية من الجهل، ~~والاستجداء (14) إلى من هو دونه، فإن كان ذلك محتاجا ظهر عليه بما له، ~~واشترى منه علمه، وإن كان غنيا، ترفع (15) عنه حتى يخضع له، فإن قال: هذا ~~وإن كان كذلك فإنه (16) يفضي إلى يقين، قلنا له: PageV01P042 # كذلك (1) النظر في العقائد الدينية يفضي (2) إلى يقين. # فإن قال: فلم اختلف الخلق فيه؟ قلنا: ليس خلاف من خالف في الحق مبطلا له، ~~إنما ms022 علينا أن نعرض عليه الفصول في الأصول (3)، حتى يقف على فائدة الدليل، ~~ونحن نقرر لكم، فنقول: إن معظم اختلاف النظار بالحقيقة، في العقائد، ليس ~~(4) اختلافهم (5) في القواعد، وإنما ذلك لعسر الطريق (6)، وكثرة العوائق، ~~وكلال الخاطر، وضعف الهمة (7)، وقلة الرغبة، واحتقار الفائدة، وإحدى هذه ~~تبطل الأرض، وإن الله شاء ببالغ حكمته، ونافذ قدرته، أن يجعل الخلق فريقين، ~~كما بينا [و 16 أ]، ويقسمهم إلى الهدى والضلال، وقسم علمه فيهم إلا الجلي ~~(8) الطريق والخفي (9) الطريق، ووضعه درجات، ليظهر شرف علمه، ولينزل كل أحد ~~منهم في درجة، حتى يتفاضل (10) الخلق، كما كتبه لهم، وأراده منهم، وإلا فأي ~~دليل لم يوصل إلى مدلول؟ {قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} [النمل: 64]. ~~والنظر في التفصيل، يبين التحصيل، وهذا كله مجاهدة على الدين، وحيل (11) في ~~هدم قواعد الشرائع، من الإباحية والتعطيلية (12). PageV01P043 ### | الموقف الرابع # قالت طائفة: العلم صحيح، ولا يخلق المرء به، بل يستفيده بالتعلم (1)، ~~والعلم لا يحصل إلا لمتعلم، وهو طالب العلم، ولا يصح أن يطلب إلا من أهله، ~~وليس له أهل إلا المعصوم، الذي لا يجوز عليه الخطأ، ولا يشك فيما يلقيه، ~~وهو الإمام المعصوم و (2) في كل وقت، يتناقلون العلم من معصوم إلى معصوم، ~~ويتوارثونه من إمام إلى إمام. # قال الإمام أبو بكر (3): وهذه (4) أول بدعة لقيت في رحلتي، فإني خرجت من ~~بلادي، حين (5) الفطرة، فلم ألق في طريقي إلا من كان على سنن الهدى، يغبطني ~~تديني (6)، ويزيدني في يقيني، حتى بلغت بلاد هذه الطائفة وزرت بها قبر ~~عمرو، ففجأني (7)، من أقوالهم، ما قاله في (8) عمارة (9) المذكور عمرو: # إذا المرء لم يترك طعاما يحبه … # ولم ينه قلبا غاويا حيث يمما # فلا بد أن يلقى له الدهر سبة … # إذا ذكرت أمثالها تملا الفما # كلمات غرارة، خاتمتها نبذ الحقيقة والشريعة، والاسترسال على الإباحة، فلو ~~فجئتني بدعة مشتبهة، كالقول بخلق القرآن، أو (10) نفي PageV01P044 # الصفات، أو (1) الإرجاء، لم (2) آمن بإغواء الشيطان، وانتدابه، أن يولجني ~~من (3) بابه، فلما رأيت هذه الحماقات أقمت على حذر. ### || عاصمة # وقلت: الحمد لله الذي أعذر ms023 وأنذر، وثبت [و 16 ب]، وبصر، هذه أرض ينبغي أن ~~يشد إلى الاعتصام فيها الحزام، ويفض عن غرر (4) هذه العورات الختام، وترددت ~~فيها على أقوام، لم يكن عندهم إلا العقائد السليمة، مع مقدمات من الأدلة، ~~لتحصين العقائد عن سورة شبهة، فلبثت فيهم (5) ثمانية أشهر، لم يبق باطل إلا ~~سمعته، ولا كفر إلا شوفهت به، ووعيته، {تكاد (6) السموات يتفطرن منه وتنشق ~~الأرض وتخر الجبال هدا} [مريم: 90] وهم لم يدعوا للرحمن ولدا، ولكنهم جاءوا ~~بأعظم من ذلك كفرا، وعندا، مع انهماك (7) في الكفر، واستهتار، وانحلال عن ~~ربقة الديانة، والمروءة والحشمة، وخلع عذار، فسبحان الممهل لهم من ملك ~~جبار، ثم خرجت عنهم إلى الشام، فوردت البيت المقدس، طهره الله، فألفيت فيه ~~ثماني (8) وعشرين حلقة، ومدرستين (9) إحداهما (10) للشافعية بباب الأسباط، ~~والأخرى (11) للحنفية، بإزاء قمامة تعرف بمدرسة أبى عقبة، وكان فيه من رؤوس ~~(12) العلماء، ورؤوس المبتدعة، على اختلاف طبقاتهم، كثير، ومن أحبار ~~اليهود، والنصارى، والسمرة جمل، لا تحصى، فأوفيت على المقصد، من طريقه، ~~ووعيت العلم بتحقيقه، ونظرت إلى كل طائفة تناظر (13)، وناظرتها بحضرة شيخنا ~~أبي بكر الفهري رحمه الله، وغيره من مشيخة أهل السنة، ثم نزلت إلى الساحل ~~لأغراض نصصتها في كتاب ترتيب الرحلة، وكان الساحل PageV01P045 # المذكور مملوءا من هذه النحل الملحدية، والمذاهب الباطنية، والإمامية، ~~فطوفت في مدن الساحل، لأجل تلك الأغراض الدينية، نحوا من خمسة أشهر، ونزلت ~~عكا منها، وكان رأس الإمامية بها حينئذ أبو الفتح العكي (1)، وبها من أهل ~~السنة شيخ، يقال له الفقيه الديبقي (2)، فاجتمعت بأبي الفتح في مجلسه، وأنا ~~ابن العشرين فلما [و 17أ] رآني صغير السن، كثير العلم، غزير القول، مصيب ~~القصد (3)، منذلقا (4) مدربا، ولع بي، وفيهم لعمر الله، وإن كانوا على مذهب ~~باطل، انطباع، وإنصاف، وإقرار للرجل بفضله، إذا ظهر، واعتراف، فكان لا ~~يفارقني ويسارعني في السؤال والجدال، ولا يفاترني، فتكلمت على إبطال (5) ~~مذهب الإمامية، والقول بالتعليم من الإمام (6) المعصوم، بما يطول ذكره في ~~هذه (7) العصم. # ومن جملة (8) كلامنا فيها أنهم يقولون: إن لله في عبيده أسرارا وله فيهم ms024 ~~(9) أحكاما (10)، والعقل لا يستقل (11) بدركها، ولا يقوى على نيل (12) ~~الحقيقة من رين ارتباك الشبه، فلا يعرف ذلك إلا من قبل إمام معصوم، وهذا ~~مما ينبغي أن تعلموا (13) أنه راجع إلى القول بالحلول (14)، وإنما عرجوا ~~عنه ليبعدوا منه، وهم عليه (15) محلقون، والية راجعون. # فقلت (16) لهم بعد أن فهمت أمرهم، وتحققت مقصدهم ووعيت عن بعضهم أنه ~~يورده بعبارة أخرى، فيقول: إن الله أمر بالحق، وعلم الصدق، PageV01P046 # على يدي (1) مبلغ معصوم وهو النبي - صلى الله عليه وسلم - (2)، وألا يكن ~~الأمر على هذا فقد زلقنا (3) عن درج الحق إلى الباطل، وعن منزلة اليقين إلى ~~الشك، وعن حالة (4) الثقة إلى الارتياب، فقلت (5): أمات الإمام المبلغ عن ~~الله لأول ما أمره بالتبليغ أم هو مخلد؟ فقال لي: مات، وليس هذا بمذهبه، ~~ولكنه تستر (6) معي به، وإنما حقيقة مذهبه أن الله سبحانه يحل في كل معصوم، ~~فيبلغ عنه، فالمبلغ هوالله، لكن بواسطة حلوله في آدمي، فقلت: هل خلفه أحد؟ ~~فقال: خلفه وصيه علي، فقلت (7) له: فهل قضى بالحق، وأنفذه أم لا؟ قال: لم ~~يتمكن لغلبة (8) المعاند، قلت له: فهل أنفذه حين قدر؟ قال: منعته التقية، ~~ولم تفارقه من يوم العهد إلى يوم الموت، إلا أنها كانت تقوى تارة، وتضعف ~~أخرى، فلما ولي، بقيت من التقية بقية، فلم يمكن إلا المداراة [و 17 ب] ~~للأصحاب لئلا ينفتح عليه، من الاختلال أبواب، قلت: وهذه المداراة هي حق أم ~~لا؟ قال: باطل أباحته الضرورة (9)، قلت: فأين العصمة؟ قال: إنما تتعين (10) ~~العصمة مع القدرة، قلت: فمن بعده إلى الآن وجدوا القدرة أم لا؟ قال: لا، ~~قلت: فالدين مهمل، والحق مجهول (11) مخمل (12)، قال: سيظهر، قلت: بمن؟ قال: ~~بالإمام المنتظر، قلت: لعله الدجال، قال: فما بقي أحد إلا ضحك، وقطعنا ~~الكلام على غرض مني، لأني خفت أن أفحمه فينتقم مني، في بلاده، قلت: ومن ~~أعجب ما في هذا الكلام، أن الإمام إذا أوعز إلى من لا قدرة له، فقد ضيع، ~~فلا عصمة له، وأعجب منه أن الباري على مذهبه، إذا علم أنه لا ms025 علم إلا ~~بالمعلم، وأرسله عاجزا مضعوفا، لا يمكنه أن يقول ما علم، فكأنه ما علمه، ~~وما بعثه، وهذا عجز منه وجور، لا سيما على مذهبهم، فرأوا من الكلام ما لم ~~يمكنهم أن يقوموا معه بقائمة، PageV01P047 # وخرج البحث (1)، وشاع به الحديث، فأراد رئيس الباطنية المسمين (2) ~~بالإسماعيلية (3)، أن يجتمع (4) معي فجاءني أبو الفتح إلى مجلس الفقيه ~~الديبقي، وقال لي: إن رئيس الإسماعيلية، رغب في الكلام معك، فقلت: أنا ~~مشغول، فقال: هاهنا موضع قريب (5) قد جاء إليه، وهو محرس (6) الطبرانيين، ~~مسجد في قصر على البحر، شامخ البنا مشيد البناء، وتحامل علي فقمت ما (7) ~~بين حشمة وحسبة، وللمحرس (8) المذكور رائعة طويلة فقطعتها، ودخلنا حشمة (9) ~~قصر المحرس (10)، وصعدنا إليه، فوجدتهم قد اجتمعوا في زاوية المحرس (11) ~~الشرقية، فرأيت النكر في وجوههم، فسلمت، ثم قصدت جهة المحراب، فركعت عنده ~~ركعتين، لا عمل لي فيه (12) إلا تدبير القول معهم، والخلاص منهم، فلعمر ~~(13) الذي قضى علي بالإقبال إلى أن أحدثكم أن كنت رجوت الخروج من (14) ذلك ~~المجلس أبدا، ولقد كنت أنظر إلى البحر يضرب في حجارة سود [و 18 أ] محددة ~~تحت طاقات المحرس، فأقول هذا قبري الذي يقذفون بي (15) فيه، وأنشد في سري: # ألا هل إلى الدنيا معا وهل لنا … # هوى البحر قبر أو سوى الماء أكفان وهي كانت الشدة الرابعة من شدائد عمري، ~~التي أنقذني الله منها. فلما سلمت، استقبلتهم، وسألتهم عن أحوالهم عادة، ~~وقد اجتمعت إلى نفسي، وقلت: أهون ميتة، وأشرفها، في أكرم موطن أناضل فيه عن ~~الدين، وأكون قيم المسلمين، فقال لي أبو الفتح، وأشار إلى فتى حسن الوجه: ~~هذا سيد PageV01P048 # الطائفة، ومقدمها، فدعوت له، وسكت، فبداني، وبدرني، وقال لي (1): قد ~~بلغتني (2) مجالسك، وانتهى إلى كلامك، وأنت تقول: قال الله، وفعل الله، فأي ~~شيء هو (3) الله، الذي تدعو إليه، وتكثر من ذكره؟ أخبرني، وبين لي، واخرج ~~عن هذه المخرقة التي جازت لك، على هذه الطائفة الضعيفة، وقد احتد (4) نفسا، ~~واحتدم حلبا (5)، وامتلأ حنقا وغيظا، وجثا على ركبته (6)، كما عاث بقولته ~~(7)، ولم أشك أنه لا يتم ms026 الكلام إلا وقد اختطفني أصحابه قبل الجواب، وعمدت ~~بتوفيق الله إلى كنانتي، واستخرجت (8) منها سهما صائبا، كان من عددي، فضربت ~~به حبة قلبه، فسقط لليدين وللفم، ولم تبق له كلمة تجري على القلم (9)، وشرح ~~ذلك أن الإمام أبا بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي الجرجاني (10) قال: كنت ~~أبغض الناس في من يقرأ علم الكلام، وذلك لأنه كان مقدما (11) في علم ~~الحديث، عارفا به (12) قال (13): فدخلت يوما الري فعمدت إلى جامعها فدخلته ~~واستقبلت سارية، أركع عندها، وإذا فيما يجاورني رجلان وهما يتذاكران (14) ~~علم الكلام، فتطيرت بهما، وقلت في نفسي (15) أول ما دخلت هذا (16) البلد ~~سمعت فيه ما أكره، وجعلت أخفف الصلاة، حتى أبعد منهما (17) فعلق بي من ~~قولهما: إن [و 18 ب]، هؤلاء الباطنية PageV01P049 # أسخف خلق الله عقولا، وينبغي للنحرير أن لا يتكلف لهم دليلا، ولكن (1) ~~يطالبهم بلم؟ فلا قبل لهم بها، ولا معدل معهم عنها، وسلمت مسرعا، وشاء الله ~~بعد ذلك أن يكون رجل من الإسماعيلية، ولفهم القرامطة يلقون الأمر إلى ~~معرفيهم (2)، فكشف القناع في الإلحاد وجعل يكاتب وشمكير الأمير، يدعوه إلى ~~الإلحاد، ويقول: إني لا أقبل دين محمد إلا بالمعجزة، فإن أظهرتموها رجعنا ~~إليكم، وانجرت الحال إلى أن اختاروا رجلا جلدا، منهم (3)، له دهاء ومنة، ~~فورد على وشمكير رسولا، فقال له: إنك أمير، ومن شأن الأمراء والملوك أن ~~تتخصص (4) عن العوام، ولا تقلد (5) في عقيدتها، وإنما حقهم أن يفحصوا عن ~~البراهين، فقال له وشمكير، اختر (6) رجلا من أهل مملكتي، ولا أنتدب ~~للمناظرة بنفسي، فيناظره (7) بين يدي فقال (8) له الملحد: اخترت أبا بكر ~~الإسماعيلي لعلمه بأنه ليس من أهل التوحيد، وإنما كان إماما في الحديث، ~~ولكن كان وشمكير (9) يعتقد فيه، أنه أعلم أهل الأرض، بأنواع العلوم، فقال ~~له وشمكير (10): تيك مرد أي رجل جيد، فأرسل الملك إلى أبي بكر الإسماعيلي، ~~بجرجان ليرحل إليه إلى غزنة، حتى يناظر الإسماعيلي، لما كان يسمع من ذكره، ~~وإمامته في الحديث، والملك بعاميته يعتقد أنه قائم على كل علم وأنه ليس ~~فوقه أحد، ولا وراءه مطلب، ms027 فلم يبق أحد من العلماء إلا يئس من الدين، وقال: ~~سيبهت الإسماعيلي، الكافر مذهبا، الإسماعيلي الحافظ نسبا، ولم يمكنهم أن ~~يقولوا للملك: لا علم عنده لئلا يتهمهم بالحسد، فلجأوا إلى الله أن ينصر ~~دينه وعولوا عليه. قال الإسماعيلي: فلما جاءني البريد، وأخذت في المسير، ~~وتدانت (11) الدار [و 19 أ]، قلت: إنا لله، وكيف أناظر، فيما لا أدري، ~~وأتكلم بما لا أعلم، PageV01P050 # هل أتبرأ عند الملك أولا، وأرشده إلى من يحسن الجدل، ويعلم حجج الله في ~~خلقه على صحة دينه، وندمت على ما سلف من عمري، ولم أنظر في شيء من علم ~~الكلام، ثم أذكرني الله ما كنت سمعته من الرجلين بجامع الري، فقويت نفسي، ~~وعولت على أن أجعل ذلك عمدتي، وبلغت البلد، وتلقاني الملك، واستراح (1)، ثم ~~جمع الخلق، وحضر الإسماعيلي المذهب مع الإسماعيلي النسب، وقال الملك ~~للإسماعيلي الباطني: اذكر قولك يسمعه الإمام، فلما أخذ في ذكره، واستوفاه ~~قال له الإسماعيلي الحافظ: لم؟ فلما سمعها الملحد قال: هذا إمام قد عرف ~~مقالتي، فبهت، فقال له الملك: (إذا ناشمند ورضين) (2) ورجع إلى أصحابه وهو ~~يشير إلى الإسماعيلي ويقول: (أجور مردد أنشمند) وروي. أنه قال: (يا كشنخان ~~(3) خوستي كه بيك) (4) فرد (5) مناظره وطرده، قال الإسماعيلي: فخرجت (6) من ~~ذلك، وأمرت بقراءة علم الكلام، وتحققت أنه عمدة من عمد الإسلام، قال القاضي ~~أبو بكر (7): وحين انتهى بي الأمر إلى المقام المتقدم، قلت: إن كان في ~~الأجل نساء (8)، فهذا شبيه بيوم الإسماعيلي، فرددت وجهي إلى أبي الفتح ~~الإمامي (9)، وقلت له: لقد كنت في لا شيء (10)، ولو خرجت من عكا، قبل أن ~~أجتمع بهذا العالم ما رحلت إلى غربنا (11) عن نادرة الأيام، أنظر إلى حذقه ~~بالكلام، ومعرفته، قال لي: أي شيء هوالله، ولا يسأل بمثل هذا (12) إلا مثله ~~(13)، ولكن بقيت ها (14) هنا نكتة لا بد من (15) أن نأخذها اليوم عنه، ~~وتكون ضيافتنا عنده، لم قلت أي شيء هوالله، PageV01P051 # فاقتصرت من حروف الاستهفام على أي، وتركت الهمزة، وهل، وكيف، وأين، وكم، ~~وما، وهي أيضا من [و 19 ب]، ms028 ثواني (1) حروف الاستفهام، وعدلت من الام، عن ~~حروفه فهذا سؤال ثان، عن حكمة ثانية، ولأي معنيان في الاستفهام، فأي ~~المعنيين قصدت بها؟ (2) ولم سألت بحرف يحتمل، ولم تسأل بحرف مصرح بمعن ~~واحد؟ هل ذلك وقع منك بغير علم ولا تحصيل ولا قصد لحكمة (3) أم لحكمة؟ (4) ~~فبينها لنا، فما هو إلا أن افتتحت هذا الكلام، واستخفرت (5) فيه، وهو يتغير ~~حتى اصفر آخرا من الوجل، كما اسود أولا، من الحقد، ومات قبل أن يموت، ورجع ~~أحد أصحابه الذي كان على يمينه إلى آخر كان بجنبه، وقال له: ما هذا الصبي ~~إلا بحر زاخر من العلم، ما رأينا مثله قط، وهم ما رأوا قط أحدا به (6) رمق ~~لأن الدولة لهم، ولولا مكاننا من رفعة الدولة، ملك الشام وأن (7) والي عكا ~~كان يحكمنا لأنا جلبنا إليه كتابه بأن يبالغ في برنا، وينتهي إلى الغاية في ~~مكارمتنا (8)، ما خلصت منهم في العادة أبدا و (9) حين سمعت تلك الكلمة من ~~إعظامي، طلبت ما أمامي وقلت: هذا مجلس عظيم، وكلام طويل، يبين أنه يفتقر ~~إلى تفصيل، ولكن نتواعد إلى يوم آخر، وقمت وخرجت، فقاموا كلهم معي، وقالوا ~~(10): لا بد أن تبقى قليلا، فقلت: لا، وأسرعت حافيا، فلما جئت الدرابزين ~~(11) لم أنزل على الدرج، و (12) وثبت في وسط القصر، وخرجت على الباب إلى ~~الرائعة (13) أعدو، حتى أشرفت على قارعة الطريق، وبقيت هنالك (14)، مبشرا ~~نفسي بالحياة، حتى خرجوا بعدي، وأخرجوا لي، لا لكتي (15) PageV01P052 # فلبستها ومشيت معهم، متضاحكا، ووعدني (1) بمجلس فلم أف لهم، إلى أن خرجت ~~عنهم، وخفت وفاتي، في وفائي، وفي ترتيب الرحلة بقية الحديث. قال القاضي أبو ~~بكر (2): وقد كان قال لي [و 20 أ]، أصحابنا النصرية (3) بالمسجد الأقصى: إن ~~شيخنا أبا الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي (4) اجتمع برئيس من الشيعة، فشكا ~~(5) إليه فساد الخلق، وأن هذا الأمر لا يصح إلا بخروج الإمام المنتظر، فقال ~~له نصر: هل لخروجه ميقات معلوم أم لا؟ قال الشيعي: نعم لخروجه ميقات، قال ~~أبو الفتح نصر: و (6) معلوم هو أو مجهول؟ قال ms029 له (7) الشيعي: معلوم، قال ~~نصر: و (8) متى يكون؟ قال الشيعي: إذا فسد الخلق، قال أبو الفتح نصر: فلم ~~تحبسونه عن الخلق؟ و (9) قد فسد جميعهم إلا أنتم فلو فسدتم لخرج، فأسرعوا ~~به، وأطلقوه من سجنه، أو نحو هذا، وعجلوا بالرجوع إلى مذهبنا، فبهت، وأظن ~~أنه سمعها من شيخه سليمان بن أيوب الرازي الإمام (10) الزاهد. ### || تكملة # وقولهم: إن العقول تقصر فلا بد من معلم صحيح، وقولهم: إن المعلم يكون ~~معصوما صحيح، ولكن هو (11) المعلم الأول الواسطة بين الله وبين الخلق، و ~~(12) يجوز أن يكون واحدا، ويجوز أن يكون ألفا، وقد بعث الله PageV01P053 # واحدا، واثنين وثلاثا (1)، فأما من يأخذ عن هذه الوسائط، فلا يلزم أن ~~يكون معصوما، فما دليلكم عليه؟ ولا كلام له بعد هذا يحكى. # قال القاضي أبو بكر: وجرت (2) مجالس سوى هذا بيانها في موضعها، منها أنه ~~لما شاع في البلدة المذكورة ذكري، واستفاض أمري، وتفاقم عليهم خطبي، وكان ~~بها أمير من أمراء الشيعة، له باع في الجدال، وميل (3) مع التشيع (4) إلى ~~مذهب الاعتزال، ودعاء إلى البدعة والضلال، فلما سمع بذكري، ترصد الاجتماع ~~بي (5)، فلم يتفق (6) إلا يوم التبريز للخروج إلى طبرية، فنزل في رحلي، ~~علي، في كبكبته، فجزعنا لعمر الله حين [و 20 ب] حل بنا، لأن الأمر لهم، ~~والدولة دولتهم، والبلاد بلادهم، فلما استوى به الدست، فاتحني (7) بالقول، ~~وفي القوم (8) بشهادة الله - وإن خالفونا في العقيدة - بر في اللقاء، ~~وحلاوة في المنطق، (9) واحتمال كثير، فقال لي: بلغني أنك جادلت أصحابنا ~~هاهنا، وسمعت بانفصالك، فأردت لقاءك، لأعلم ما عندك، فاطلع (10) قدرك، ~~فتراجعت إلي نفسي، ووطنتها (11) على ما عسى أن تلقى (12) من المكروه في ذات ~~الله، وكان يكلمني بكلام عذب، والنكراء على وجناته بادية، فقلت له: قد كان ~~بعض ما بلغ الأمير، وهو مشكور على اهتباله وبره، ومثله عرف لكل أحد، مبلغ ~~قدره، ولو أرسل إلي مشيت إليه، مبادرا متشرفا (13)، بلقائه (14)، مستسعدا ~~(15) برؤيته (16)، فقال لي (17): ما دليلك على أن الله تعالى عالم بعلم؟ ~~فقوي قلبي، وحضر لبي (18)، واسخنفزت (19)، PageV01P054 # فقلت (1): مثل ms030 الأمير في منصبه، وفهمه لا يرضى بهذا، فقال لي: وما هو؟ ~~قلت: حكمت علي بأني أقول: إن الله تعالى (2) عالم بعلم، ولم تسمع (3) ذلك ~~مني، ولا شهد (4) بذلك عندك علي، ولو سمعته (5)، فمن أدب الجدال السؤال ~~أولا عن المذهب، ثم بعد ذلك عن الدليل على صحته، فقال لي: قد علمت بالسماع ~~المتواتر أنك أشعري، قلت: هذان وهمان، أحدهما: أن الخبر المتواتر لا يوجب ~~عندك شيئا، وهو مذهب الإمامية، الثاني: أنك (6) إذا (7) سمعت أني أشعري، ~~كيف حكمت بأني مقلد له في جميع قوله؟ (8) وهل أنا إلا ناظر من النظار أدين ~~بالاختيار، وأتصرف في الأصول بمقتضى الدليل؟ فبأن سمعت أني ناظرت في مسائل ~~على مذهب الأشعري حكمت فيما لم تسمع، بما سمعت، أي نوع هذا من النظر؟ (9) ~~مثلك لا يرضى به في جلالة منصبه، فصرف وجهه إلى أبي الفتح شيخ الإمامية بها ~~وهو كان جليسي، ومناظري أيام [و 21 أ] كوني بها، في كل وقت فسارره، فأخذت ~~من تحريك شفتيه، أنه قال له: هذا صبي لا يطاق، فلما فهمتها، استزدت ~~استرسالا، وأفضت في الكلام إدلالا (10)، فقلت: وكان من حق الأمير أن يقبل ~~على مسائله المختصة به، ولا يسألني أولا عن مسألة ليست له، وإنما هي من ~~مسائل المعتزلة، فأردت أن تجادلني بكلامهم، وأن تفاوضني (11) بحجاجهم، ~~وتركت ما يختص بك دونهم كمسألة عصمة الإمام، وكونه المرجوع إليه، والمحكوم ~~في الدين بقوله، فهلا بدأت بها، وأظهرت علمك فيها، وفخرت على قومك بالكلام ~~عليها (12)، فلما رأى الشدة في الحدة، وقد تحلقت علينا الأجناد والعسكرية، ~~وتشوفت (13) القافلة، وخاف الظهور عليه، حل حبوة الجدال، ولاطف في ~~PageV01P055 # الكلام والاسترسال (1)، ودعا مقدم القافلة فقال له: أنظر من معك، واقد ~~قدر صاحبك، ولا تصل إلي إلا بكتابه شاكرا، وإلا فلا ترجع إلى البلد، ~~فشكرناه، ودعونا له، وقام، فخسر (2) ركابه، وحان (3) إيابه، وانصرف في ~~كبكبته، وقد عصمنا الله من سطوته، وخرجت عن عكا إلى طبرية، على حوران، ~~والبثنية (4)، وعدلت عن بصرى إلى دمشق، لوجوه بيناها في كتاب ترتيب الرحلة، ~~فمن هنالك ms031 (5) أشرق (6) الحق بنوره، واتصل المسير إلى دار السلام، فألفيت ~~بها (7) من رؤساء العلم، ورؤوسه، وأشياخ الملة، وأحبارها، ما يملأ ~~الخافقين، فقلت: هذه ضالتي التي كنت أنشد (8)، وكان فيها قاضيان عظيمان ~~دينا في الظاهر، أبو اليمن الحنفي (9)، وأبو سعد الهروي (10) فجالستهما ~~وسمعت كلامهما، وإذا بهما (11) على هذا المذهب وأحدهما وإن كان يلوح فأبو ~~سعد كان يصرح، ولم يكن يظن أن عندي من مذهب القوم، وأغراضهم علما (12) وفشا ~~ذلك في خراسان، من لدن موت أبي الفتح PageV01P056 # الملك العادل (1) وقتل (2) التاجية (3) لخواجا بزرك الملقب بنظام الملك ~~(4)، وزير أبي الفتح، وكان تاج الملك وزير خاتون باطنيا، وتحزبت الباطنية ~~إلى قلعة أصبهان، وثارت في الجبل (5) حتى بلغت همدان، ودعوا إلى الجدال، ~~فأرسل الملك إلى الغزالي، فصنف له كتابا سماه "حجة الحق في الرد على ~~الباطنية" بالعجمية، وكلفه الخليفة أن يضع له في ذلك شيئا، فأرسل إليه (6) ~~كتابا سماه "فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية" في كشف أعوارهم وهتك ~~أستارهم، وتبيين عوارهم، برع فيه، وإن كان القاضي (7) قد سبقه إليه، ولكن ~~أجاد هذا في الترتيب، فنوظروا بذلك (8) ونزلوا إلا طائفة بلدهم الجبل، حتى ~~استنزلوا بالحيل، وتفرقوا في البلاد أيادي سبا، ووقعت إلى العراق منهم ~~طائفة، فلقطوا بها لقط الطائر حب السمسم، وعقد لهم مجلس، وقرروا فيه، فمنهم ~~من أنكر، ومنهم من اعترف واستمر، ومنهم من تاب واستغفر، فقال الشافعية تقبل ~~توبتهم، وقال الحنفية: لا تقبل لهم توبة، وجرى في ذلك كلام بين أبي بكر ~~الشاشي (9) الشافعي، وبين الشريف أبي طالب الزيني (10) PageV01P057 # ودخل (1) المنشور بصورة المجلس، إلى الخليفة أحمد المستظهر ب الله (2) ~~رحمه الله، فوقع يقتلون دون قبول توبتهم، حسبما رآه إمام دار الهجرة مالك ~~(3) فإنهم أخبث الطوائف (4) مقالة، وأسخفها حجة ودلالة، أليس شاعرهم الذي ~~يقول: # حل برقادة المسيح … # حل بها آدم ونوح # حل بها الله ذو البرايا … # فكل خلق سواه ريح # وهو القائل مخبرا عن صاحب مظلته [و 22 أ]: # أمديرها من حيث دار لطالما (5) زاحمت (6) تحت ركابه جبريلا # وماذا يستبقي من هؤلاء؟ فكانت أول مسألة حكم فيها ms032 بمذهب مالك بمدينة ~~السلام، بعد أحوال وأعوام، وكانت بعدها أخرى نبينها (7) في موضعها. # وهذا الذي احتج به الخليفة عليهم، وهو الذي أشرت به عنهم (8) من قولهم: ~~إن (9) الله يحل في كل رسول وإمام، ويشافه الخلق، وعيسى من محاله، ومحمد، ~~وعلي، عندهم، وكل علوي مثلهم، يحل الإله فيهم، إلى سخافات وراءها، و (10) ~~تهتكات لا ينبغى ذكرها، ولولا أن الله سبحانه ذكر المقالة الفاسدة تحذيرا ~~عنها، وإقامة للدلالة عليها، ما قلنا هذا أبدا ولا رضينا بذكره، وما ضل من ~~اقتدى، ولا قصر من ناضل عن دين الله بالهدى (11)، ولقد أخبرني من أثقه غير ~~واحد، أن قاضي همدان، كان باطنيا، وأنه كان إذا سمع عن سني، قال لباطني: ~~ارفعه في الدعوة، فإذا رفعه إليه، ودخل داره، PageV01P058 # أمر بقتله، ورماه (1) في مغواة، فطلب ذلك الرجل فلم يوجد (2) له خبر ~~أبدا، وفشت الغيلة (3) فيهم على المسلمين (4)، حتى قام شيخنا أبو المظفر ~~حامد (5) بن رجاء المعراني (6) الشافعي خطيب أصبهان (7) على المنبر، وخطب ~~مؤيدا للدين، ومحرشا للموحدين، ومستنجدا لهم على ما يفعل بأهل السنة من ~~المؤمنين، وقال في خطبته: ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون، وسل ~~سيفه على المنبر، ونزل، فقتل (8) الباطنية، فما بقي منهم في ذلك اليوم ~~بأصبهان إلا من خفي أمره، أو أخفى نفسه وطهرها الله منهم إلى انكفائي عن ~~العراق. # قال القاضي أبو بكر (9): وكان قد ظهرت لهم في القراطيس الملقاة عندهم ~~جملة، ارتفع إلى الخليفة بعضها من مقالاتهم، قرطاس فيه: إن الحق مطلوب كل ~~[و 22 ب] عاقل، وطريق تحصيله أبدا معلوم، وهو أنه رفيق الوحدة، والباطل حيث ~~الكثرة، وهذا ينقلب عليهم فيقال لهم (10): الحق حيث الكثرة، والباطل حيث ~~الوحدة، ويد الله مع الجماعة، والحق ما كثرت الشهود عليه، وبعد أن نقلبه ~~(11) عليهم، لا يكون لهم كلام به احتفال أبدا، لأن أوله ليس له ثبات، فآخره ~~شر من أوله. ### || جواب آخر : # يقال لهم: بم عرفتم أن الحق في الوحدة؟ أبقول (12) الإمام أم (13) ~~بالتجربة، أو بالنظر؟ وليس لهم عن هذا جواب ms033 به احتفال، وكنا نورده، إلا أنا ~~كرهنا التطويل، ورجونا علمكم به. PageV01P059 ### || جواب آخر # هذا يبطل كل حقيقة، فإن قائلا لو قال: إن السموات سبع، وقال آخر (1): إن ~~السموات واحدة، لقلنا يلزمكم أن تقولوا إن السماء واحدة، لأن الحق في ~~الوحدة، وكذلك لو قال قائل: الإمام واحد، هو الحق، فمن قال: إنهم أيمة فهو ~~باطل، لأن الحق في الوحدة، وهذه مسكتة (2) لهم، وقد جربناها. ### || قرطاس # قالوا: إنما ينتقل إلى البدل مع عدم الأصل، كالتيمم (3)، والنظر بدل ~~الخبر، فإن كلام الله هو الأصل، فهو خلق الإنسان وعلمه البيان، والإمام هو ~~(4) خليفته، ومع وجود الخليفة الذي يبين (5) بقوله لا (6) ينتقل إلى النظر. # قال القاضي أبو بكر (7): هذه كلمات خبيثة ملفقة (8)، من جزء، عشر (9) ~~العشر فيه طيب، لكنه قرن إلى باطل، خبيث مبطل للكل، كلام الله هو الكل، ~~ولكن لا يبلغ إلى كلام الله إلا واسطته. # وقد قال الأستاذ أبو إسحق الإسفراييني (10): إن العاقل (11) لا يصح أن ~~يدرك بذاته كل العلوم حتى يبعث الله من يرشده، وهو الرسول (12)، وقولهم: إن ~~خليفة الله هو الذي يبلغ عنه صحيح (13)، ولكن الخليفة هو النبي الذي سن ~~(14) ثم استأثر (15) الله به [و 23 أ] ولا معصوم بعده، لكن الكل في ذاته ~~PageV01P060 # معصوم فإذا أخذ عن المعصوم قطعا فحسن، وإن أخذته (1) عن غير معصوم وعيته ~~(2) وسبرته بالقانون الذي بينه (3) المعصوم، وأفرغته في قالب العلم ~~المعصوم، فهو ينبيك عن قراره (4)، ومتنه يدلك (5) على غراره (6)، فلا يصح ~~لهم هذا الكلام بحال، لا سيما وهم يقولون: إن المعصوم غائب ولكنه (7) قد بث ~~الدعاة. # يقال لهم: ومعلمنا محمد (8)، قد بث الدعاة، فإن قيل: نحن إذا اختلفنا في ~~شيء رددناه إلى إمامنا (9) المعصوم. قلنا: ونحن إذا اختلفنا في شيء رددناه ~~إلى إمامنا المعصوم، الذي أكمل لنا التعليم، وقال لنا عن مرسله العظيم: ~~{اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} ~~[المائدة: 3]. ويقال لهم: ولعل معلمكم الغائب قد مات، وليس لهم بعد هذا إلا ~~(10) ما يحكى. ### || قاصمة # وكان هذا الداء في الإسلام ms034 لوجهين: أحدهما: أن المجوس الذين قاموا بين ~~أظهر (11) المسلمين (12) بالجزية، وعندهم (13) هذا العقد الخبيث فهم ~~بالمصاقبة (14) للمسلمين يبثونه فيهم فيتشككون (15) بتشكيكهم، ويرتدون (16) ~~إليهم، كما أن لمقام (17) النصارى بين أظهرنا، ترددت نحلتهم (18) عندنا ~~PageV01P061 # وعلمناها، وكانوا مغمورين (1) بالحق مقهورين، إلى أن أنشأ الله بني برمك: ~~يحيى بن خالد (2)، ومحمد بن خالد، فملك الوالي أمر الدين إياهما، وجعل ~~الخلافة بأيديهما، فكان محمد بن خالد حاجبها، ثم كان وزيرها، وصاحب أمرها ~~كله يحيى بن خالد ثم ابنه جعفر بن يحيى (3)، وكانوا باطنية يعتقدون رأي ~~الفلاسفة، فكادوا الدين، وأحيوا (4) المجوسية، واتخذوا البخور في المساجد، ~~وإنما كانت تطيب بالخلوق، فزادوا التجمير ليعمروها [و 23 ب]، بالنار ~~منقولة، حتى يجعلوها عند الإنس (5) ببخورها (6) ثابتة (7)، وتمكن العجم من ~~إفساد دولة العرب، والملحدة من الملة، والعبيد من الأحرار، وقد كان يضمرون ~~لها (8) حقدا، وينتظرون (9) لفسادها (10) وقتا، فانتقوا كل ضيق العطن، ~~مخلوع الرسن، وأظهروا الآراء الفلسفية بعد خفائها، وجلبوا الناس إلى أنفسهم ~~بعظيم العطاء، وسعة الإفضال، والتمكن من الملك، والإدناء من مقار العز، ~~فنفقت بعد كسادها، وعادت بعد نفادها، ولحظوا الخلق بعين التنفير (11)، ~~ليأخذوا من يوافقهم على هذا النظير (12)، فاعتاموا منهم من لا يهدي، ولا ~~يهتدي وصح (13): # عن المرء لا تسل وسل عن قرينه … # فكل قرين بالمقارن يقتدي (14) # وعقدوا مجلسا للضلال باسم الهدى، ونصبوا على الإسلام لذلك موعدا، يحضر ~~فيه من ينتحل علم الكلام من أصحابهم (15) المنتدبين للطعن على أهل الإسلام، ~~أولى عقائد فاسدة ونحل مضلة، وكان من رؤوس PageV01P062 # مجلسهم، وممن اختاروا للعون على ضلالتهم أربعة عشر رجلا (1) ثمانية (2) ~~من المعتزلة: أبو الهذيل محمد بن الهذيل العلاف (3)، وإبراهيم بن سيار ~~النظام (4) البصريان، وبشر (5) بن المعتمر البغدادي (6)، وجعفر بن حرب (7)، ~~وجعفر بن مبشر (8)، وثمامة بن أشرس (9)، ومنهم الصباح (10) بن الوليد ~~المرجي، شيخهم في زمانه، ومنهم أبو مالك الحضرمي (11) شيخ الشروية. # ومن الإمامية هشام بن الحكم الجزار (12) الكوفي (13)، وصاحبه السكاك، ~~وصاحباه أيضا (14) علي بن مقسم، وعلي بن منصور (15)، وإبراهيم بن مالك رجل ~~من أهل البصرة، يتفقه في ظاهر أمره، ويصر في الباطن ms035 (16) على أمر ~~PageV01P063 # عظيم، والموبذان قاضي المجوس، وكان هذا الموبذان المذكور خالصة القوم، ~~وعيبتهم (1) وشعارهم، ومن ذكرناه (2) [و 24 أ]، سواه دثارهم. # ولقد تكلموا في بعض مجالسهم في العشق، فقالوا ألفاظا صاغوها على مناقضة ~~الشريعة، حتى قال أبو الهذيل فيه: إنه (3) يختم على النواظر، ويطبع على ~~الأفئدة، ويتعدى في الأجساد، ومشرعه (4) في الأكباد، وصاحبه متصرف (5) في ~~(6) الظنون متفتق (7) الأوهام (8)، وقال بقيتهم نحوه، وقال الموبذان: إنه ~~نار تأجج في تامور (9) القلب، بين الجوانح واللب، فيوجد بوجود الأشخاص، ~~والتحام الأجرام، لأن منشأه عن حركات (10) حيوانية، وعلل هيولانية، ومصرفه ~~(11) الاستقصات، لأنها تولده، والنجوم تنتجه، والأسرار العلوية تصوره، وهو ~~من كرم العناصر، وتداعي الضمائر، واتفاق الأهواء، ولا يكون إلا من اعتدال ~~الصورة، وذكاء الفطنة، وصفاء المزاج، واستواء التركيب والتأليف. ### || عاصمة : # قال القاضي أبو بكر (12): فها أنتم أولاء ترون ما يأتون (13) به (14) من ~~القحة والتهتك، (15) ويقتحمون (16) في البطالات من الترهات والانهماك في ~~الضلالات. ويقال لهم، ما عارضهم به من قابل فاسدا بفاسد وهو باب من الجدل، ~~وطريق من طرق الحق في مقابلة الفاسد وهو باب من النظر قاطع بالخصم، قاصم ~~لظهره: إنكم لم تعلموا للعشق حقيقة، إنما هو معنى يهوى PageV01P064 # على مبهط (1) الصب، من قيضب القرب (2)، فيزعج (3) بلاعج الحب من فيقب (4) ~~القلب، فيذهل اللب، ويعظم الكرب فقربه البعد، وحياته القرب، ليس من مزاج ~~الأسطقس، ولا من مملكته (5)، ولا من تأثير (6) الكواكب، ولا أفلاكها، وإنما ~~هو علوي على العلويات بري من الهيولات، ومعنى إذا وقع خرق (7) أقطار ~~السموات، فنزل على غير ميقات، لا يتعلق بالأشباح ولا يمتزج بالحركات، ولا ~~يدركه عالم الحواس، ولا يعد في تصرفات الأمزجة، ولا يلحقه [و 24 ب]، تأليف، ~~لأنه (8) فرد عن فرد لفرد، يحرك الأفلاك، ولا تحركه: # أزمر (9) على البوق (10) إن صاحوا بشبوط (11) وقابل (12) القوم تخليطا ~~بتخليط # صوت بصوت وخير الصوت أفهمه … # فاسمع فها هو إفراط بتفريط # وقد ذكر الأستاذ المعظم أبو المظفر طاهر بن محمد الإسفراييني شاهفور أن ~~هذه المشيخة الركيكة، اجتمعوا مع نفر من أصحابهم (13) في مجلس لهم للخوض ms036 في ~~الباطل وتكلموا في مسألة ما يصح وصف الباري بالقدرة عليه (14) فزعمت أن ~~الظلم مقدور لله (15)، لكنه لا يفعله، لأن وقوعه منه يدل على حدوثه، فقيل ~~لهم ما دل على حدوثه لم يوصف بالقدرة عليه كالموت والحركات، فقال النظام: ~~لا يقدر الله على ما لو وقع منه كان ظلما وجورا، PageV01P065 # والمعنى فيه أنه لو قدر عليه لم يدر لعله قد جار أو كذب فيما مضى أو يجوز ~~ويكذب في المستقبل أو قد جار الآن في بعض أطراف الأرض (1) ولم يكن لنا من ~~جوره وكذبه أمان، إلا من جهة حسن الظن به، فأما دليل يؤمننا من وقوع ذلك ~~منه، فلا سبيل إليه، فقال له الأسواري (2): يلزمك على هذا الاعتلال أن لا ~~يكون قادرا على ما علم أنه لا يفعله، وأخبر بأنه لا يفعله (3)، لأنه لو قدر ~~على ذلك لم نأمن (4) وقوعه منه، فيما مضى أو (5) في المستقبل. قال له ~~النظام: هذا لازم، فما قولك فيه؟ فقال: أنا أسوي بينهما، فأقول: إنه لا ~~يقدر على فعل ما علم أنه لا يفعله، ولا على ما لو فعله لكان ظلما منه. فقال ~~النظام للأسواري: قولك هذا الحاد وكفر، فقال أبو الهذيل للأسواري: ما تقول ~~في فرعون ومن علم الله سبحانه [و 25 أ]، منهم أنهم لا يؤمنون؟ هل كانوا ~~قادرين على الإيمان أم لا؟ فإن زعمت (6) أنهم كانوا قادرين عليه، فما يؤمنك ~~من أن تكون (7) قد وقع من بعضهم ما علم الله أنه لا يفعله؟ أو (8) أخبر عنه ~~بأنه لا يفعله على قود (9) اعتلالك، واعتلال النظام، وإنكار كما قدرة الله ~~على الظلم والكذب، فقالا: هذا لازم لك (10) فما جوابك عنه؟ فقال: أنا أقول: ~~إن الله تعالى قادر على أن يظلم، ويكذب، وعلى أن يفعل (11) ما علم أنه لا ~~يفعله، فقالا له: أرأيت لو فعل الظلم والكذب كيف كان حال الدلائل التي دلت ~~على أن الله لا يظلم ولا يكذب؟ فقال: هذا محال، فقالا له: كيف يكون المحال ~~مقدورا لله تعالى؟ ولم أحلت وقوع ذلك ms037 منه مع كونه PageV01P066 # مقدورا له؟ فقال (1): لأنه لا يقع إلا عن آفة تدخل عليه، ومحال دخول ~~الآفات على الله تعالى، فقالا له: ومحال أيضا أن يكون قادرا على ما لا يقع ~~منه (2) إلا عن آفة تدخل عليه، فبهت فقال لهم بشر بن المعتمر: كل ما أنتم ~~فيه تخليط، فقالوا (3) له: فما تقول أنت؟ أتقول بأن الله قادر على أن يعذب ~~الطفل الذي لا ذنب له أم لا يقدر عليه؟ فقال أقول: بأنه (4) قادر على ذلك، ~~فقالوا له: أرأيت لو فعل ما قدر عليه من تعذيب الطفل، لا عن ذنب، ما كانت ~~حال الدلائل التي دلت على أنه لا يظلم؟ فقال: لو عذب المطفل ظالما له في ~~تعذيبه لكان الطفل بالغا عاقلا عاصيا مستحقا للعذاب (5) الذي أصابه، وكانت ~~الدلائل بحالها في دلالتها على عدل الله تعالى، فقالوا: سخفت عينك كيف يكون ~~عادلا بفعل ما هو ظلم؟ فقال لهم المردار (6): إنكم أكثرتم على أستاذي بشر ~~منكرا (7) عظيما (8)، وقد يغلط الأستاذ، فقال له بشر: كيف (9) تقول أنت؟ ~~قال: أقول: إن الله عز وجل (10) [و 25 ب] قادر على الظلم والكذب، ولو فعل ~~ذلك لكان إلها ظالما (11) كاذبا، فقالوا (12) له: هل كان مستحقا للعبادة أم ~~لا؟ فإن استحقها فالعبادة شكر المعبود، والظالم يستحق الذم لا الشكر، وإن ~~لم يستحق العبادة، فكيف يكون من لا يستحقها إلها؟ فقال لهم: إلا أنا نقول ~~إنه قادر على أن يظلم ويكذب، ولو ظلم وكذب كان صادقا عادلا، فقال له (13) ~~الإسكافي (14): كيف ينقلب الظلم عدلا، والكذب صدقا؟ فقالوا له: كيف تقول ~~أنت في هذا؟ فقال: أقول: لو فعل هذا (15) PageV01P067 # الجور والكذب ما كان العقل موجودا وما كان ذلك واقعا لمجنون (1) أو منقوص ~~(2). فقال له جعفر بن حرب: إنك تقول: إن الله يقدر على ظلم المجانين، ولا ~~يقدر على ظلم (3) العقلاء. فافترق يومئذ القوم على انقطاع كل واحد منهم (4) ~~وعجزه عن الانفصال عما ألزم على مذهبه، فلما انتهت نوبة الاعتزال (5) إلى ~~الجبائي (6) وابنه (7) أمسكا عن الجواب في هذه المسألة. # وذكر ms038 بعض أصحاب أبي هاشم (8) هذه المسألة في كتابه فقال: من قال (9): هل ~~يصح وقوع ما يقدر الله عليه من الظلم والكذب؟ قلنا له: لا (10) يصح وقوع ~~ذلك منه ما كان قادرا عليه، لأن القدرة على المحال محال. فإن قال: أفيجوز ~~وقوعه منه؟ قلنا: لا يجوز وقوعه منه لعلمه بقبحه وغناه عنه، فإن قال: ~~أخبرونا لو وقع مقدوره من الظلم والكذب، كيف يكون حاله في نفسه؟ هل كان يدل ~~وقوع الظلم والكذب منه على جهله أو حاجته؟ قلنا: ذلك محال، لأنا قد علمناه، ~~عالما غنيا، فإن قال [و 26 أ]، لو وقع منه الظلم والكذب، هل يجوز أن يقال: ~~أن ذلك لا يدل على جهله أو (11) حاجته؟ قلنا: لا يقال ذلك، لأنا قد علمنا ~~دلالة الظلم على جهل فاعله أو حاجته. فإن قال: فإنكم (12) لا تجيبون على ~~سؤال من سألكم، والكذب (13) منه على جهل فاعله أو حاجته (14) بإثبات ولا ~~نفي، قلنا كذلك نقول. PageV01P068 # فهؤلاء دعاة قدرية عصرنا، وقد أقروا وعجز أسلافهم عن الجواب في هذه ~~المسألة، ولو وفقوا للصواب فيها لرجعوا (1) إلى قول أصحابنا فإن (2) الله ~~تعالى (3) قادر على كل مقدور، ولو وقع كل مقدور له منه، لم يكن ظلما منه، ~~وأحالوا قدرته على كذب يصير به كاذبا، كما أحاله (4) أصحابنا، ولتخلصوا (5) ~~عن الإلزام من الوجوه التي حكيناها. # واعتذر الجبائي في امتناعه عن الجواب في هذه المسألة بنعم أو بلا، فذكر ~~مثل هذا السؤال في النبي (6)، فقال: أخبرونا عن قولكم في النبي لو فعل ظلما ~~أو (7) كذب (8)، كيف (9) يكون حاله؟ وزعم أن الجواب في ذلك غير ممكن (10)، ~~وهذا ظن منه. وجواب أصحابنا فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~معصوما عن الكذب والظلم، ولم يكن قادرا عليهما، ولا يجوز (11) أن يقع منه ~~ما لا يقدر عليه. # والمعتزلة كلهم غير النظام والأسواري قد وصفوا الله تعالى بالقدرة على ~~الظلم والكذب، ثم عجزوا عن إظهار حكمه أن لو فعل مقدوره منهما. # قال القاضي أبو بكر (12) رضي الله عنه: فقد بينت لك (13) أحوال ms039 (14) هذه ~~الطائفة الركيكة، إذا هزلوا تساخفوا (15) وتهتكوا، وإذا جدوا تحيروا ~~وتخاذلوا، ثم أنشأت البرامكة (16) طامة عظيمة بأن كلفوا الأخباث (17) أيضا ~~ترجمة كتبهم، طبا [و 26 ب]، وطبيعة (18) بالعربية فتولى ذلك يهودي أو ~~نصراني أو PageV01P069 # ملحد لا رأس مال له في الإسلام، فمزج ما نقل من الطب بألفاظ وعقائد تتعلق ~~بالإلحاد، وتعارض الشريعة، في فروعها وأصولها ليتوهم من ترحمت له أن (1) ~~أهذه الأمم الفاضلة التي تولت هذه العوم الغريبة (2)، كانت على هذه (3) ~~النحل، فطمحت نفوسهم إلى معرفة تفاصيلها، فاجتمعوا، وجمعوا آراءهم، كما ~~كانت أغراضهم، ولم يقدموا قاضيا في البلاد إلا أن يكون على هذه العقيدة، ~~ولا أميرا ولا كاتبا، إلا وهو فيها، ولا ينظم في سلك الخاصة إلا من كان ~~قائما بها، ولا يتوسع في العطاء إلا لأمثالهم (4): # وقد فتن الناس في دينهم … # وخلى (5) ابن برم شرا طويلا # فكادوا على الملك (6) في سعيهم … # وأعدوا على الدين داء دخيلا (7) # وعم الباطل، وظهرت الزندقة، وثارت البدع، وتوجهت المطالبة على البرامكة ~~(8) الذين كانوا يعضدون (9) القضاة والأمراء والعمال، والقائلين بذلك، فلما ~~لم يمكن مطالبتهم بهذه المعاني عند الخلافة لتعذر الطريق إلى ذلك، من إقامة ~~البينة، وتحصيل الشهادة، على وصف العدالة، وعدم (10) إمكانه تدرع الناس إلى ~~المطالبة من جهة الدولة، والحريم، وكانت الملة على الذهاب، فإنهم كانوا قد ~~بثوا (11) الدعاة في آفاق الأرض على وجه يطول شرحه، PageV01P070 # فتدارك الله الملة بأن سخر الملك لهدمهم فتقطعوا أيادي سبأ، وتفرقوا شذر ~~مذر (1)، وقد ملأوا الأرض من الباطل، واستخلفوا شياطين الإنسان على إضلال ~~الخلق، من فيلسوف وأديب، حتى لم يبق بيت إلا وفيه من كتب الأباطيل، ما بين ~~ناظر فيها حتى يعلم المراد منها، أو (2) مختار ما يصلح منها، وتارك ما ~~سواه، أو راد (3) عليه، لئلا يعتلق (4) [و 27 أ] بموحد فيختل (5) عقده، أو ~~يتزلزل، واستمر ما أورثوه من تركتهم، وأرثوا (6) من نارهم، وصار (7) باطلهم ~~(8) ينمى نمو الخضاب في اليد، ليتحقق الوعد الصادق في فساد الزمان، وذهاب ~~الأديان. ### || عاصمة # ولم يتعرض (9) لحماية الدين إلا آحاد اختارهم الله له، ونصبهم ms040 للذب عنه، ~~فأولهم أبو الحسن الأشعري (10) وعارضه ابن ورقاء أمير البصرة، فقام به، ~~وجرت بينهما حروب جدال مذكورة، وتواتر بعده الأصحاب في الأحقاب، على ~~الأعقاب، فحفظ الله دينه، على من أراد هدايته، فلم يبق وجه من البيان إلا ~~أوضحوه، ولا سبيل من الأدلة إلا نهجوها، وانتدب أبو الحسن (11) PageV01P071 # إلى كتاب الله فشرحه، في خمسمائة مجلد وسماه بالمختزن (1) فمنه أخذ الناس ~~كتبهم، ومنهم أخذ عبد الجبار الهمذاني (2) كتابه في تفسير القرآن الذي سماه ~~بالمحيط (3) في مائة سفر، قرأته (4) في خزانة المدرسة النظامية بمدينة ~~السلام، وانتدب له الصاحب بن عباد (5)، فبذل فيه عشرة آلاف دينار للخازن في ~~دار الخلافة، وألقى النار في الخوانة، واحترقت (6) الكتب وكانت تلك نسخة ~~واحدة لم يكن غيرها (7)، ففقدت من أيدي الناس، إلا أني رأيت الأستاذ الزاهد ~~الإمام أبا بكر بن فورك (8) يحكي عنه، فلا أدري وقع على بعضه أم أخذه من ~~أفواه الرجال (9)، فعليكم بكتب القوم، فهي الشفاء من الداء العياء. # وكانت هذه الطائفة الثائرة، في هذه الدولة الغوية (10) المسماة ~~بالبرمكية، قد سعت في كيد الإسلام، كما بينا، واصطنعت من ذكرنا، وتكاثرت، ~~فربت في حجرها طوائف كابن المقفع (11)، PageV01P072 # وابن الراوندي (1)، والجاحظ المعتزلي (2)، وكثير من أمثالهم قد استسنوا ~~(3) في البشر (4) أنه لا [و 27 ب] مدرك إلا العقول، وأنها تغني عن الرسل، ~~ولا مدرك في عقد، أو قول، أو عمل، إلا والعقل مستقل به وقسموه لمدارك أربعة ~~(5): ### ||| المدرك الأول: # معرفة الموجودات كالسماء وما اشتملت عليه (6) من أفلاك دائرات، وكواكب ~~نيرات، والأرض وما كان فيها من معدن ونبات، وعدوا (7) مركبات، وبسائط ~~مفردات، وهي الماء والهواء والتراب والنار، والمعادن واجتماعها مزاجا، ~~وافتراقها تعددا وازدواجا، على الجملة في كلها، وعلى التفصيل في النظر في ~~الإنسان وتركيبه، وما يختلف عليه من أحواله، والمطر (8) وما يرتبط به (9). ~~PageV01P073 ### ||| المدرك الثاني: # سموه ما وراء الطبيعة، وهو النظر في الصانع ما هو؟ وما هو عليه؟ وكيف ~~نشأت الموجودات عنه، وترتبت منه؟. ### ||| المدرك الثالث: # النظر في المصالح العامة التي تقوم بالقانون الإنساني في خلقه وخلقه، مما ~~يتعلق ms041 بصفاته، وتكرماته (1) ودناءاته، وشهواته (2)، وسهواته (3)، وساقوا ~~(4) ذلك كله على تدبير في نظر سموه سياسة وأدب (5) النفس وغير ذلك، ومهدوا ~~قبل ذلك كله، طريقا إلى تحصيل (6) هذه المدارك بالعقول سموه المنطق، مهدوا ~~(7) فيه بزعمهم، أنواع الأدلة، وشروط النظر، مستوفى بتفهيم المفردات منه، ~~ثم وجه التركيب عليه وقسموه ثمانية أقسام (8). # وكانت هذه أمورا (9) تكلمت فيها الأوائل (10) عند دروس الشرائع وفترات ~~الرسل، وتمكن الشيطان من الخلق في مزج الباطل بالحق، فأرسل فيهم جنود ~~الضلالات، بهذه المقالات. # وعندما بعث الله محمدا صلى الله عليه [و 28 أ] وسلم، على دروس (11) من ~~الملل، وانطماس من السبل، وفترة من الرسل، فأظهر (12) الآيات، وظهرت له ~~(13) ألف من المعجزات حسبما أمليناها (14) في كتاب "أنوار الفجر من مجالس ~~الذكر" فانقذ الله به الخلائق من الهلكة؛ وأعلى به من الإسلام الكلمة، ~~وأكمل PageV01P074 # به علينا النعمة، ثم استأثر به، وما زالت الحال تنقص، حسبما وعد (1) به، ~~حتى آلت الحال إلى ما آلت إليه ولا بد من نفوذ تمام الوعد الحق (2)، كما ~~نفذ ابتداؤه فصار عند الخلق بهذه المعاني. ### || قاصمة لم تبق لهم قائمة # ومن أغرب ما دسوه إلينا على لحم الخنزير، وأنه يناسب لحم بني آدم، فصار ~~لذلك (3) أعدل اللحوم. ### || عاصمة # قال القاضي أبو بكر (4) رضي الله عنه: يا لله ولذهاب ا (5) العقول! إلى ~~ذهاب الأديان! يترجم اليهودي والنصراني والملحد عن رجل يسمى جالينوس (6) لا ~~ندري (7) من هو، ولا على أي ملة كان، إلا ما حكوا عنه من أنفسهم، أو (8) ~~ترجموه (9) باختيارهم، فيجعل أصلا، ما ترجموه، في [ ... ] والعمل، وهبك ~~(10) أنا سمعنا ذلك من رأس الأطباء، يقال لهم: بم (11) علمتم (12) أن لحم ~~الخنزير، أعدل اللحوم؟ بشعره إذ (13) مسخ، أو بلونه إذا سلخ، أو بطعمه إذا ~~طبخ، أم بشحمه إذا سنخ (14)؟ وأي مناسبة بينه وبين الإنسان؟ إلا من جهة ~~الحيوانية، وذلك يشترك فيه معه (15) الثور والقرد (16)، هذا على رجلين، ~~وذلك على أربع، وأنت ترى لحم ذوات الأربع PageV01P075 # كيف تختلف (1) مراتبها، ويتباين (2) بعضها عن بعض في طبائعها، وكذلك ما ~~يمشي على بطنه من الحيوان ms042 (3)، تختلف مرتبتهم، وتتباين أكثر، من تباين ذوات ~~الأربع، وتبعد عن ذوات الأربع أبعادا عظيمة، وأن لحوم ذوات الأربع عندهم ~~لتتباين (4) في طبائعها ومنافعها ومضارها، على أنها (5) ذوات أوبار [و 28 ~~ب]، وأشعار، فماذا (6) يقرب (7) الخنزير ممن (8) يمشي على رجلين (9)؟ هل هو ~~(10) إلا إرادة منهم لا حياء دينهم، وعضد (11) لنحلتهم؟ وهلا قالوا: إن لحم ~~القرد أشبه بلحم الإنسان لحدة ذهنه، وعظيم فهمه؟ وإن كل حيوان (12) نسج ~~(13) بطبعه إلا الآدمي والقرد، أو لست تراه يصرف أنامله تصرف الإنسان؟ وهل ~~الأخلاق عندهم إلا آثار الخلقة؟ والحركات إلا أمارات الطبيعة؟ فأين هم؟ عن ~~هذا معرضون، قاتلهم الله أنى يؤفكون، وبصر (14) هذه الطائفة العمياء من ~~أصحابنا، ومن (15) أهل جلدتنا، فإنهم عن هذا غافلون. ### || مزيد بيان # إن الباري في مخلوقاته يفعل ما يريد، ويغاير في مخلوقاته بين الأجناس، ~~والأنواع، خلق الحيوان على أنواع، كما خلق النبات على أنواع (16) صارت ~~بغيرها (17) أجناسا، فمن الحيوان ماش على رجلين، ومنهم على أربع، ومنهم على ~~بطنه، والأصل ماء، أو ليقل (18) قائلهم ما شاء، فيلزمه (19) ذلك قرط ~~PageV01P076 # أذن، وطوق جيد، ووشاح خصر (1)، وخدم (2) قدم، وسوار ساعد، وقد جعل تعالى ~~كل الحيوان بلسان واحد، وجعل للحية لسانين، وكذلك كل حيوان، إذا قطعت له ~~رجل اندرج (3) على الأخرى إلا النعام، وجميع الحيوان له كرش ورئة إلا ~~الفرس، وكذلك الحوت ليست له (4) رئة، وجميع حوت الماء له لسان، وحوت البحر ~~له لسانان، وجميع بني آدم (5) (ركبهم في أرجلهم والبهائم ركبها في أيديها، ~~وقالوا: إن جميع بهائم الوحش كفوفها في أرجلها، إلا ابن آدم) (6) والقرد، ~~فإنها في الأيدي، وجميع الحيوان إذا نام أغلق (7) عينيه إلا الأرنب، ومن ~~أغرب ما قالوا عن الذئب أنه يغلق عينه الواحدة ينام بها، ويفتح الأخرى، ~~يحترس (8) بها، فإذا مضى نصف الليل داول بينهما، وقالوا: إن الأسد يفترس كل ~~شيء [و 29 أ]، إلا المرأة الحاثض إذا رميت إليه أعرض عنها، والنطف يختلف ~~(9) بقاؤها في الأرحام مع اتحاد (10) الحيوانية والتوليد، فأقله شهران ~~وأكثره للفيل سبع سنين، إلى أشياء غريبة، هم نقلوها ms043 وما عقلوها، ولا ردوا ~~إلى المشيئة والآثار أمرها، ولا جواب لهم عنها. # قال القاضي أبو بكر رضي الله عنه: وقد جاء الله كما قدمنا بطائفة عاصمة ~~(11)، تجردت لهم وانتدبت بتسخير الله، وتأييده، للرد عليهم، ممن (12) قدمنا ~~ذكره من أعيان الأيمة، إلا أنهم لم يكلموهم بلغتهم، ولا ردوا عليهم ~~بطريقتهم، وإنما ردوا عليهم وعلى إخوانهم المبتدعة، بما ذكره الله في ~~كتابه، وعلمه لنا على لسان رسوله، فلما لم يفهموا تلك الأغراض، بما استولى ~~على قلوبهم من صدإ الباطل، طفقوا يهزأون من تلك العبارات، ويطعنون في تلك ~~الدلالات، وينسبون قائلها إلى الجهالات، ويضحكون مع أقرانهم في الخلوات، ~~فانتدب للرد عليهم بلغتهم، ومكافحتهم بسلاحهم، والنقض PageV01P077 # عليهم بأدلتهم، أبو حامد الغزالي، فأجاد فيما أفاد، وأبدع في ذلك ما أراد ~~الله وأراد، وبلغ في فضيحتهم المراد، فأفسد قولهم من قولهم، وذبحهم بمداهم. ~~فكان من جيد ما أتاه، وأحسن ما رواه، ورآه، وأفرد عليهم (1) فيما يختصون به ~~دون مشاركة أهل البدع لهم، كتابا سماه "تهافت الفلاسفة" ظهرت (2) فيه منته، ~~ووضحت في درج المعارف مرتبته (3)، وأبدع في استخراج الأدلة من القرآن، على ~~رسم الترتيب في الوزن، الذي شرطوه على قوانين خمسة بديعة في كتاب سماه ~~"القسطاس" (4) ما شاء. وأخذ في "معيار العلم" عليهم طريق المنطق فرتبه (5) ~~[و 29 ب]، بالأمثلة الفقهية والكلامية، حتى محا فيه رسم الفلاسفة، ولم يترك ~~لهم مثالا، ولا ممثلا، وأخرجه خالصا عن دسائسهم، بيد أنه أدخل فيه أغراضا ~~صوفية، فيها غلو وإفراط، وتدآل (6) على الشرع وانبساط. # وقد كان تعرض سخيف من بادية بلدنا يعرف بابن حزم (7)، حين طالع شيئا من ~~كلام الكندي إلى أن يصنف (8) في المنطق، فجاء بما يشبه عقله، ويشاكل (9) ~~قدره (10)، وقد كان أبو حامد تاجا في هامة الليالي، وعقدا في لبة المعالي، ~~حتى أوغل في التصوف، وأكثر معهم التصرف، فخرج على PageV01P078 # الحقيقة، وحاد في أكثر أحواله عن الطريقة، وجاء بألفاظ لا تطاق، ومعان ~~ليس لها مع الشريعة انتظام ولا اتساق (1)، فكان علماء بغداد يقولون: لقد ~~أصابت الإسلام فيه عين، فإذا ms044 ذكروه جعلوه في حيز العدم، وقرعوا عليه (2) ~~السن من ندم، وقاموا في التأسف عليه على قدم، فإذا (3) لقيته رأيت (4) رجلا ~~قد علا في نفسه، ابن وقته، لا يبالي بغده ولا أمسه، فواحسرتي (5) عليه أي ~~شخص أفسد من ذاته، وأي علم خلط (6)، وخلط فيه مفرداته (7)، ماذا ألأم من ~~المحامد، وكم حايد عنه وحامد (8)، وكان ممن (9) ترجم عن الفلاسفة، ترتيب ~~الأدلة الذي سموه حد (10) المنطق، قد ضرب فيه الأمثلة الهندسية، ~~والطبائعية، والإلاهية، ليتدرب القارئ بذكرها، ويأنس بتكرارها، ويطمح إلى ~~مطالعتها، ويتشوق (11) ويستعد لاعتقادها، حتى يعلمها، وهي في كل ذلك تسدك ~~(12) بقلبه، ويطمح إليه بطرفه، ويتعلق منها بأمنيته، فتزل (13) به (14) ~~القدم. PageV01P079 # وعلى كل حال فالذي أراه لكم على الإطلاق، أن تقتصروا على كتب علمائنا ~~الأشعرية، وعلى العبارات الإسلامية، والأدلة [و 30 أ] القرآنية، وأنتم في ~~غنى عن ذلك كله، وخذوا (1) مني في ذلك نصيحة (2) مشحونة بنكت من الأدلة، ~~وهي أن الله سبحانه، رد على الكفار، على اختلاف أصنافهم، من ملحدة، وعبدة ~~أوثان، وأهل كتاب، وطبيعة، وصابئة (3) وشركة (4) ويهودية، بكلامه (5)، وساق ~~أفضل سياق أدلته، وجاء بها في أحكم نظام، وأبدع ترتيب، فعلى ذلك فعولوا، ~~فإن أبا حامد وغيره، وإن كان لبس للحال معهم لبوسها، وأخذ نعيمها، ورفض ~~بؤسها، وأحيا أرواحها ونفوسها، فليس كل قلب يحتمله، وقل وجود نفس تستقل به، ~~فهو وإن كان سبيلا للعلم، ولكنه مشحون بالغرر (6)، والشرع (7) قد نهى عنه، ~~والعقل يستحث على (8) الانكفاف والهروب منه. # أما أن الرجل إذا وجد من نفسه منة، أو تفرس فيه الشيخ المعلم له ذلك، فلا ~~بد من توقيفه على جميع (9) مآخذ الأدلة، واتساعه في درجات العلم، وتمكنه من ~~بحبوحات المعارف، حتى يكون مستقلا بأعباء الشريعة، مطيقا على حمل أثقالها، ~~بصيرا بالنضال عنها، والذب عن حرماتها، إذا احتيج إليه فيها (10). ~~PageV01P080 # وأما أصحاب الطبيعة فقصتهم بديعة، وذلك أن القدرية لما كانت تدين دينها، ~~وتسر (1) عقيدتها، وكان الجاحظ المفتري (2) على جهالته، وثمامة بن أشرس على ~~خساسته (3)، وابن المقفع على فهاهته (4)، وابن الراوندي على حماقته، ومن ~~تابع كل واحد ms045 منهم في صفاته، تسترت بالإسلام ولبست جلدته، لستر عورتها في ~~مخالفته، وجعلت تغتال (5) الدين، بمعان (6) ترهب بها على العامة، وتأخذها ~~من ظواهر الألفاظ، وتدس مذاهبها في عقائدها، كأنها تعضد (7) الإسلام وتتعلق ~~في ذلك بآيات متشابهات، وأحاديث مشكلات، فتركت (8) المحكم وراء [و 35 ب]، ~~ظهرها (9)، لأن (10) أرباب الطبيعة يدعون أن النشء في هذا العالم على ~~التركيب، إنما هو من تأثير البسائط في الأصل (11) و (12) وينشأ مركب عن ~~(13) مركب، هكذا على الترتيب، وذلك أنهم (14) رأوا تركيب الكون في ~~الموجودات المشاهدات، واحدا بعد واحد، فنسبوا الثاني إلى الأول، وعلقوا ~~اللاحق بالسابق، وألحقوا المتأخر بالمتقدم (15)، وجعلوه منه باقترانه به في ~~الوجود، وارتباطه معه في التواصل، وذهلوا عن المنشئ الحقيقي، فكانت بصائرهم ~~عبيدا لأبصارهم، وجدالهم أقوى من أبصارهم (16)، وتحيلت (17) المعتزلة ومن ~~دان دينها من القدرية فقالوا: إن الثاني تكون (18) عن الأول برسم التولد. ~~PageV01P081 # قال القاضي أبو بكر (1): هذه لفظة اخترعها لهم الجاحظ المفتري (2)، ~~مستفادة من الولادة، وهي خروج الشيء (3) من الشيء (4)، وكان هذا لما نشأ عن ~~هذا، ولم يقولوا أنشأه احترازا من المشاركة مع المنشئ المنفرد سبحانه، ~~فقالوا: نشأ (5) عنه، وعبروا عنه (6) بالتولد (7)، تحسينا له، وإخراجا له ~~بزعمهم من حيز المجهول إلى حيز المعلوم. # فأما الفلاسفة فبنوه على أصلهم في أن الفاعل لا يفتقر في كونه فاعلا، إلى ~~حياة وقدرة وإرادة، بل يكون شيء عن شيء، بأمور باردة، ورتب فاسدة، حتى أن ~~بعضهم يقول في تحقيقه، حين ظهر له، أن شيئا من الكوائن لا بد له من مكون: ~~إن الأفلاك تتحرك بعشق بعضها لبعض، إذ (8) المحرك (9) منها واحد للآخر، حتى ~~تنتهي إلى قبل الأخير (10)، فيقول لك (11): إنه يتحرك (12) بعشقه للأخير ~~الآخر (13) فهي حركة عشقية (14)، ففر هؤلاء من هذه المقالة، لأشنوعتها (15) ~~وقالوا: نشأ هذا عن هذا، وعبروا عنه بالتولد تحسينا له، كما قدمنا، وعلى ~~قاعدة الفلسفة قعدوا، و (16) حول دائرتهم دوروا، ولكن [و 31 أ] قاعدتهم ~~أهوت بهم، و (17) دائرتهم ضنت (18) عليهم. # وقد تمهدت القواعد الشرعية والعقلية في إثبات الصانع، ع وأنا أمهد لكم ~~(19) طريقين: PageV01P082 ### || الطريق ms046 الأول (1): # إن الخاطر إذا جال فيه أن التكوينات، في عالم الكون والفساد، في (2) محاط ~~فلك القمر، تترتب (3) في الوجود من ذواتها بطبعها أو من ذوات (4) أخرى (5) ~~طبعها فيها، وانطباع هذه لها حتى تنتهي (6) إلى (7) المراد. # فاحضر بذهنك، وردها إلى ما قبلها حتى تنتهي معهم إلى موقف أول، لا سابق ~~له، فإن أراد أن يتمادى، قيل (8) له: قف يا سيار، فقد (9) سال بك التيار ~~(10)، و (11) إن كنت تمشي في معقول، فلا تتعده إلى تعطيل، وتتيه في ~~التضليل، وتقع في غير معقول، بالتسلسل إلى ما ليس بمحصول، وإذ وقف الخاطر ~~أو المناظر، ولا بد له (12) من ذلك، قيل (13) لهما أو لأحدهما: هذا المنتهي ~~في النظر، المبتدأ في الكون، كيف يكون هذا عنه صادرا؟ يكون على وجه صدور ~~الفعل المفعول من الفاعل المعقول، ذي القدرة والحياة والعلم والإرادة ~~والتدبير والتقدير؟ أو صدور حركة الخاتم عن حركة اليد؟ ((14) فإن أوقفوه ~~على فاعل بتلك الصفات، فقد وقفت دائرة النظر على قطب التوحيد، وإن هم ~~قالوا: إنه يصدر عنه صدور حركة الخاتم عن حركة اليد) فيلزمهم أن لا يصدر عن ~~الأول إلا ثان يماثله، وهكذا إلى الآخر، فمن أين ينشأ التغير (15)، ويأتي ~~الضد عن الضد؟ والمختلف عن المتفق، والمعدد (16) عن المنفرد (17)؟ وعلى هذه ~~القاعدة في دلالة الصانع. نبه الله سبحانه بقوله: {وفي الأرض قطع متجاورات ~~وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير PageV01P083 # صنوان تسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم ~~[و 31 أ]، يعقلون} [الرعد: 4]، فنبه بهذه الآية، في الأحرف اليسيرة على ~~المعاني العظيمة، بالأدلة المعدودة (1)، فإنك (2) تنظر إلى الأرض، ما بين ~~سهل وحزن، وحجر (3) وتراب لدن أنواع مختلفة، وأزواج (4) مفترقة، زرع (5) ~~ونبات، وأشجار أشتات، أصل كل شيء منها واحد، حتى (6) تنظر (7) إلى الحبة ~~(8) التي تنبت (9) عنها ذات أجزاء متساوية، فإذا تزايدت للنبات، تزايلت عن ~~تلك الصفات، وانقسمت إلى عرق يعلوه قشر، يتراقى إلى غصن ينتهي إلى عذق، ~~ينقسم إلا ورق، وزهر، وثمر، الأرض واحدة، والماء واحد، والحبة (10) واحدة، ms047 ~~وكل ما ينشأ عنها لا يماثلها، ولا يتماثل (11) في نفسه، بل لكل (12) واحد ~~(13) هيئة مخصوصة، ولون مخصوص، وطعم مخصوص. والماء الذي من شأنه الرسوب ~~يصعد إلى الجميع، ويجرى فيه حتى يسيل على جميع جوانبه، ونواحيه، فيا أيها ~~الحاضر والناظر (14)، أين ألفاظك الرائقة، وحكمتك الفائقة، أبن لي هذه ~~الاختلافات كيف تتعدد (15)، والطبع واحد، دون شرط (16) الفاعل الواحد (17)، ~~المتصف بالصنع (18) حقيقة؟ هيهات ها أنا معك دائر، فقل ما أنت قائل، أو ~~(19) صر إلى ما أنت صائر، وأبن لي كيف دارت عليك الدوائر، وخذلتك الطبائع، ~~فما لك من قوة ولا ناصر؟ ودعني من نويبغة إذا وقف على هذا، زوى حاجبه، ~~وأدار قرنيه، وفرق - كالمبتسم - بين شفتيه، PageV01P084 # فليخرج ما يصدر، وليذكر ما شاء أن يذكر، فهذه الطريقة لأزمة له، فلا مبرح ~~(1) له عنها، ولا (2) محيص منها. ### || الطريقة الثانية: # لا خلاف بينهم أن النيرات السبعة في الأفلاك السبعة، هي الفاعلة المدبرة، ~~ولكل واحد منها جزء ينفرد به، ولكنهم جعلوا الآدمي بينهم عضين، وقسموه ~~عليهم، وأعطوا لكل واحد [و 32 أ]، منها جزءا من الآدمي، وشهرا من أيام ~~تربيته وحينا (3)، فيقال لهم: ليس هذا معلوما (4) ضرورة، فيتفق العقلاء ~~عليه، ولا وجدنا نظرا يوصل إليه، ولا روينا خبرا يدل عليه، هاتوا برهانكم ~~إن كنتم صادقين، فكل (5) ما ذكروه فقد تقدم ذكر (6) إبطاله. ### || مضايقة # إذا قلتم: إن الكون والفساد في مقعر فلك القمر (7) فمن أين يصل بينهما ~~تأثير ((8) ما فوقهما من باقي الصانعين؟ ولا يخلو أن يكون فلك القمر) (9) ~~محيطا بهذا العالم، أو يكتنف (10) بعضه، ويبقى البعض في خلاء عنه، وأيما ~~(11) قلتم فلا مخرج لكم منه، و (12) إن قلتم: إنه محيط به، وإن هذا العالم ~~في محاطه، كالدرة (13) في الدرج، فمن يجمع بينه وبين تأثير (14) ما فوقه، ~~وبينهما حجابه، وحجب غيره، إن كانوا على مثاله، ومحال وصول التأثير عندكم ~~من وراء حجاب (شفاف (15)، فكيف من وراء حجاب) (16) يملأ الفم PageV01P085 # ذكره، فكيف قدره؟ وإن قلتم: إنه لا يحيط فلك القمر بهذا العالم، فما يخرج ~~عن محاذاة فلك القمر؟ هل ms048 يحيط به خلاء، أو له محيط آخر سواه؟ فإن قلتم يحيط ~~به خلاء، فالعدم ليس بمحيط، ولا محاط به، ولا هو طريق لشيء، ولا عليه طريق ~~لا (1) محسوسا ولا معقولا، وإن قلتم إن هناك محيطا به، فعينوه. فإن (2) ~~قلتم: إنه يحيط به الذي فوقه، قلنا لكم: وما حكم الفلك (3) الثاني؟ الإحاطة ~~بجميع فلك القمر أو ببعضه (4)؟ فإن قلتم بجميعه، فما هذا التحكم؟ أو ما ~~دلكم عليه، وإن (5) قلتم: إنه أكبر منه، قيل لكم: وقد يكون الشيئات عظيمين ~~متقاربين (6) في حيزين مختلفين، وإن قلتم: إنه يحيط ببعضه، فهل يقابل ~~المحيط منه للمحيط من فلك القمر؟ أو يقابل الخالي من (7) إحاطته به (8)؟ ~~فإن قابل الخالي، فلم لا يصل تأثير الثاني أو الثالث إلى هذا [و 32 ب]، ~~المؤثر دون ترتيب مع هذا المؤثر الأول حتى يتعارضا فيما فعل كل واحد منهما، ~~فيفسد التدبير ويختل النظام؟. # و (9) قد جعلتك على هذا الأصل، فخذه بكل فصل، وأرده بجميع وجوهه، فليس ~~لهم عنه مناص (10). # وقد قلت في هذا المعنى لبعض أصحابنا أبياتا توحيدية: # كن للإله كما كان لك … # ولا متبل بمدار الفلك # فإن إلهك قد أحكمت … # معاليه من عال أو من ملك # ومن ذل أو عز (11) في موطن … # ومن عاش في نعمة أو هلك # فلا ترج ذلك من غيره … # ودع عنك من شك أو خذلك (12) # وخل المضلين في غيهم … # وقل للكواكب من أصلك PageV01P086 # وأنت تغور وأنت تمور … # فمن عاض (1) منك ومن بدلك # ولو فلك دار من ذاته … # أقام إذا شاءه أو سلك # وإن لم يكن ذاك من طوقه … # فأني يقال له ذاك لك؟ # فليس المغير إلا الذي … # تغاير عنك وما شاكلك # فيا أيها الندب (2) ما أعقلك … # ويا أيها الفدم (3) ما أغفل. # أمن كان عن كونه (4) عاجزا … # أترجوه للغير ما أجهلك؟ # تنبه فقد بان وجه الدليل … # وقد آن أن تعرف من دل لك (5) ### || تنزيل # لما تعلقت القدرية بذيل (6) الفلسفية في هذه المسأة، وألفيناها تحتها، ~~نزلنا في الكلام معها، وهتكنا سترها، وفصل القول معهم في التوليد معلوم، ms049 قد ~~طوله القاضي (7) والشيخ أبو الحسن (8) لكن بمناقضات لا بدلالات، فإنا أسخف ~~من أن يدل على فساده، وإنما أراد هؤلاء العلماء أنهم لم يفوا (9) به، وأنهم ~~تناقضوا (10) فيه، فشأنكم وإياه. وأما نحن فنورد عليهم طريقة قريبة المرام، ~~ضابطة لشغب (11) الكلام، فنقول: قد حررناها [و 33 أ]، قبل هذا بنصها في غير ~~ما املاء، حتى تكون (12) كالتكرار، لتوكيد (13) الألفاظ والمعاني، ~~PageV01P087 # فذلك أضبط لها. وأول من يؤثر عنه هذا المذهب معمر (1) القدري، والجاحظ ~~المفتري، وقد قام بحمد الله وتوفيقه الدليل على أن الله وحده خالق الأجسام، ~~والأعراض، وتبين أن العبد مكتسب غير فاعل، فإذا ثبت استحالة الفعل من الحي ~~العالم الذي يقبل الأمر والنهي فاستحالته من الأموات أثبت، ولأن الإحراق ~~الكائن مع اتصال النار بالأجسام المحترقة فعل محكم، إن أضيف إليها، بطل ~~الاستدلال بالفعل المحكم على الحياة والعلم، نعم وعلى الوجود (2)، وانقلبت ~~الحقائق وبطلت الأدلة، ولأن النار إن (3) أحرقت بذاتها، وجب أن تحرق كل ما ~~يتصل بها من حار (4) وبارد ورطب ويابس، فإن (5) كانت تحرق بصفة لها، وهي ~~الحرارة، فلا يخلو أن تنتقل إلى المحترق وذلك باطل، لاستحالة بقاء العرض، ~~فضلا عن انتقاله، أو تحرق الحرارة وهي قائمة بالنار، ففي (6) ذلك محال ~~شنيع، وهو (7) تجرد الأحكام للمحال، وللمعاني (8) القائمة، بمحال (9) آخر ~~(10)، فيبيض عمرو (11) ببياض (12) زيد، ويسود بكر بسواد خالد، فإن قيل أفي ~~المشاهدة تريد أن تشكك الخلق؟ قلنا: المشاهدة وجود الإحراق فأما نسبته إلى ~~النار فدعوى، فإن قيل وجدنا النسبة عربية شرعية، قلنا أضاف الله تعالى ~~المعاني إلى الأسباب عند وجودها على حكم اللغة العربية، والحقيقة وراء ذلك، ~~والذي يكشف الغطاء معهم في ذلك أن يقال لهم: ليس لكم عمدة إلا اقتران ~~الموجودين وهو اتصال النار بالأجسام، ووجود الإحراق حينئذ، فبجهلكم بحقيقة ~~الفاعل القادر، PageV01P088 # أضفتموه إلى الجماد، ولم تراقبوا (1) أن تقولوا (2): إن جمادا فاعل، قوي ~~محكم، فيلزمكم مثله في الاقترانات الموجودات في العالم كلها. [و 33 أ] ~~وأوقعها (3) حجة، وأوضحها محجة، الأب والأم (4) يتولد منهما (5) الولد، ~~فإذا أودع الأب النطفة في الرحم ms050 اقترن بذلك اختلاف الأوصاف على النطفة، ~~وانسلاك الروح فيها، والقوى المحركة المدركة، ولا يقال إنها موجودة به، ولا ~~مضافة إليه، وإن اقترن ذلك به، بل يحيلونها على الأول، بواسطة وبغير واسطة ~~من أسماء يسمونها ملائكة (6)، وماذا يقولون فيها من البهتان، ويتفوهون (7) ~~به من الطغيان، وذلك يلزمهم فيمن غمض عينيه، فلم ير شيئا ففتح عينيه فأدرك ~~الألوان، يقولون (8) إن فتح البصر ولد إدراك الألوان في العينين، وكذلك في ~~نور الشمس مثله، وفي اقترانات لا تحصى كثرة (9)، فبطل هذا التعلق جملة، ~~ولكنهم لما رأوها ألفاظا اعتادوها فدكت بقلوبهم، حتى لم يستطيعوا أن ~~ينزعوها عنها، وقد استوفينا ذلك في كتب الأصول وهذه نبذة منه. PageV01P089 ### || التفات # ونعود إلى القول مع من انتدبنا إليه فنقول: وأما المتالجة منهم، فهم أعظم ~~الطوائف فليقة (1)، وأردأهم طريقة، لا يعقد معهم على قول، ولا يستقر معهم ~~من التحقيق على منزل، ومآل الحاصل من تخليطهم إلى قدم العالم (2)، الذي ~~ينبني على عدم الصانع، ويعتقدون (3) استحالة الفناء الذي بنوه على إنكار ~~الحشر والنشر، والثواب والعقاب، ومنهم من يذكر الصانع والحشر والثواب أسماء ~~لا مسميات لها، كما قال الشاعر: # أجر (4) ووزر (5) على نار مضرمة … # أو في نعيم أركب أو على قدم # أسماء منقبة في غير مرتبة … # كالشيء يخبر عنه وهو في العدم # وإذا نظرت إلى كلامهم في ذلك كان لك (6) معهم طريقان [و 34 أ]، أحدهما ~~التعلق بما لم يطردوه على أصلهم، ولا وفوا بعهدة (7) المعقول (8) فيه، وهي ~~مناقضة عائدة على أصل من أصولهم الضرورية بالبطلان، وذلك أنهم يقولون: هذه ~~الهيئة لا نفاد لها ولا انقضاء، ولا استحالة، ولا تغير بأفلاكها وصفاتها ~~وحركاتها وأجسامها (9). # فيقال لهم: فإذا كانت حركة القمر في فلكه لا نهاية (10) لها، وحركة زحل ~~لا نهاية لها، فلا يصح أن تنسب إحداهما إلى الأخرى، لأن ما لا يتناهى (11) ~~لا ينسب مما لا يتناهى، فإن نسبوا فقد خرجوا عن المعقول، ولا بد لهم من ~~ذلك، وإن لم ينسبوا، فقد أبطلوا مذهبهم، وتدبيرهم، نسبة شيء إلى شيء منها، ~~أو بها. PageV01P090 # الثاني: ms051 أن نقول (1) لهم: كل ما كان له أول جاز (2) أن يكون له آخر، لأنه ~~لا يصح أن يوجد لنفسه، وما أوجده غيره، جاز (3) أن يعدمه، ولما وقف النظر ~~إلى هذا الموضع الذي لا بد منه أنكروا العدم في (4) الأول، و (5) أنكروا ~~الإعدام، وجوزوا وجود شيء لا (6) من شيء، وأحالوا عدمه منه، أو من غيره، ~~وكان في ذلك كلام طويل، ليس هذا موضعه. هذا القول يسكتهم عنه، ويجريهم (7) ~~معكم. # ومن الغرائب (8) أن صاحب الجيم (9) عندهم قال: لو كانت الشمس فانية ~~لأدركها الذبول بطول البقاء (10)، فيقال له: هذا فاسد على مذهبك، وعلى طريق ~~الحق. أما فساد ذلك على مذهبك، فالذبول عندك إنما يكون بنضب المادة، ولعل ~~مادة الشمس لم تنضب، وأما على مذهبنا، فلأن العدم إنما يكون عن قطع الأعراض ~~وذلك مبين (11) على التحقيق في الأصول بجميع وجوهه. # وقد قال الشيخ أبو الحسن [و 34 ب]: معرفة الصانع ضرورة (12)، وتحقيقه أنه ~~إن كان العالم صنعة فهي صادرة عن صانع قطعا، ضرورة المعنى واللفظ، وأما ~~الفناء الذي أحالوه فهو مشاهد في بعض العالم، وهو معلوم فيما لم يشاهد ~~بالدليل المتقدم، حسبما سطر في كتب الأصول. PageV01P091 # وأما إنكار الحشر فشاهده (1) في إعادة (2) النبات في الأرض بعد ~~الاستحصاد، وهم يقولون، هذا في عالم الكون والفساد، (قلت لهم: والإنسان من ~~ذلك العالم، فإن قيل إنما يقولون إنما ذلك بأسباب مرتبة من الكون والفساد) ~~(3) قلنا عنه جوابان: أحدهما: أنه إذا ثبت وجود الإعادة للفاني كجريان (4) ~~العادة فيه، على وجه لا يلزم أن تكون العادة واجبة، إلا على تقدير أن يكون ~~(5) العقل (6) من تلك الأسباب، وقد بينا فساده، فلم يبق إلا أنه يعيده ~~الفاعل متى شاء، كما أخبر، وقد قالوا: إن الصفة تعود على التفصيل والجملة ~~(7) بعد الدورة العظمى، وذلك لاثنين وسبعين ألفا دوريا في نقطتي الحمل ~~والجدي، فيقال لهم: فهل تعود بصفتها على الجملة والتفصيل، أو بالبعض؟ فإن ~~قيل تعود بالكل، قلنا: فلم لا نذكر أنفسنا الآن (8) كما كنا قبل (9)؟ وإن ~~(10) قيل تعود بالبعض لأنا قد فاتنا ms052 ذكر ذلك فينا (11)، قلنا (12): فالذي ~~فوت الذكر لتلك الصفة، يفوت منها (13) غيره (14)، ويقدمها (15)، ويؤخرها، ~~ويغيرها، وبطل بهذا وجوب نسبة شيء من ذلك إلى حركات الفلك، أو إلى ما (16) ~~ينسب إليه، لأن اختلال دقيقة منها، يوجب اختلال الجميع، فإن قيل (17): فقد ~~رويتم أن الله لما خلق آدم استخرج منه نسم بنيه فقال لهم: {ألست بربكم؟ ~~قالوا: بلى} [الأعراف: 173]، ثم أوجدهم [و 35 أ] فلم يذكروا، قلنا: نحن ~~نقول: إن الباري هو خالق الخلق، وصفاتهم، من حركة وسكون، وعلم، وذهول، وما ~~شاء أوجد، وأعاد، وما PageV01P092 # لم يشأ أخبر عنه فآمنا به، وهذا لازم لكم، ساقط عنا، كما بيناه، وكذلك ~~معرفة الثواب والعقاب، معلوم من جهة الخبر، وقد شبب (1) بعض الفلاسفة بأنه ~~مدرك بالعقل، في تخليط تكذب به القدرية (2). ### || وهلة # وقد (3) كان أبو حامد الغزالي يميل إلى ذلك ويستطرفه، قلت له: ما معنى ~~قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الكسوف: "ورأيت الجنة فتناولت ~~منها عنقودا، فلو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا"؟ كيف يكون صفة دوام ~~أكله ووجوده هل كان كلما أكل منه جزء خلفه آخر، وإذا فنيت حبة أينعت (4) ~~أخرى؟ فقال، وكتب بخط يده (5): ثمار الجنة غير مقطوعة ولا ممنوعة، والمعنى ~~في الحديث (6) أن ثمار الجنة إذا تعلقت بها آمال الناظرين، أو قابلتها ~~أبصارهم، حدثت أمثالها في نفوسهم، حدوث أمثال المرائي (7) في المرآة، ~~وأعيان المرائي لم تتبدل ذواتها، ولا رامت مكانها. # قال القاضي أبو بكر (8) رضي الله عنه: ### || تذكرة # ولم تتفق لي مراجعته (9)، وهذا مما لا نقول به اعتقادا، ولا نرضاه دينا، ~~فإنه لا يشهد له عقل، ولم يرد به نقل. فإن قيل: فهذا النائم يأكل حتى يشبع، ~~قلت له: يا نائم دعني من النائم، ولا تحمل الحقيقة على المجاز، ولا ترد ~~(10) النوم إلى اليقظة. وسنتكلم على الرؤيا في موضعها، وقد سبق منا ~~أمثالها، ولا سيما في محاسن الإنسان (11). PageV01P093 # ومن أعظم ما نسكتهم (1) به، أن نقول لهم: إنا نرى الله في المنام [و 35 ~~ب]، أدميا، أكذلك (2) هو؟ فبهتوا (3) وهذا ms053 أمر (4) صحيح، وذلك أن الأمور ~~المعقولة، إما أن تعلم مشاهدة، أو يهجم عليها العقل باتفاق (5)، أو تعلم ~~(6) بالدليل، من تمثيل أو تنظير، وهو لا (7) يقول بقياس في العقليات، وإن ~~قال به، فبمقدمتين تنتجان مطلوبا صحيحا، وهذا مما لم يعول فيه إلا على ~~الدعوى، والتمثيل بالمرآة التي لا تقوم على ساق. ### || معاد # (8): # وقد بينا أن قولهم الأصلي: إن كل شيء من ذاته بالابتداء، والانتهاء، ~~وبالتفصيل، وبتفصيل التفصيل، من ابتداء الوجود إلى منتهاه، بطبيعته، كل ذلك ~~دائر (9) على الحركات، كائن عنها، على جبر وانطباع، فيتحرك المتحرك ~~بتوابعه، وذلك موجود في (10) المحرك الأول. ### || عاصمة : # قلنا: هذا فاسد من ثمانية أوجه، الأول: إن قولهم: إن كل شيء من ذاته، ~~يريدون به طبيعة، كما صرحوا به (11) أو غير ذلك؟ فإن أرادوا غير ذلك، وليس ~~عندهم فليبرزوه، وإن أرادوا بالطبع، فما معناه؟ إذ ليس يرجع إلا (12) إلى ~~العادة، أن هذا وجد بعد هذا، فقالوا: إنه وجد عنه وبه، ولا نسلم لهم ذلك، ~~ولا يدلون عليه أبدا. # وإن قالوا به (13)، فإنا نقول لهم: إن كان يفعل شبهه PageV01P094 # المشاهدة، وأما مع الانفصال فدعوى، لا تثبت أبدا، من حرك الثاني للأول ~~وليس متصلا به (1)، وهكذا إلى آخر الصفقة، حتى اضطروا إلى أن يقولوا: إنه ~~يتحرك الثاني بعشقه للأول فيحكيه، قلنا (2) له: فإذا (3) عشقه، فمن الفاعل ~~ومن المفعول؟ ومن الواطئ ومن الموطوء؟ والعشق هو معنى (4) تطلع النفس إلى ~~اللذة (5)، وليس من شرطها (6) تساوي الأفعال، بل ربما كان الاختلاف فيها ~~شرطا، فانظروا إلى [و 36 أ]، هذا الخباط الذي يذكر في معنى بيان الحقائق ~~والأدلة. # الثالث (7): أن الفاعل إن كان يحرك فيحرك (8) الكل، وانتظم التدبير ~~بالحركة، فمن أين جاء السكون؟ فإن قالوا (9): من قطب الدائرة، لم نسلم (10) ~~لهم أن فيها ساكنا، ولو سلم (11) فالحركة هي الفاعلة عندهم، فما للسكون ~~والدخول فيه؟ والمعول على القطر (12) من (13) القطب، ونحن عندهم أهل القطب، ~~فما بالنا (14) في حركة دائمة ليس فيها (15) من السكون شيء. # الرابع: إنه إن كان المحرك الأول يفعل بطبعه (16)، فكيف نشأ ms054 عن الطبع ~~الواحد أربع (17) مختلفة، ولا ينشأ عن الشيء إلا مثله؟ فإن أشاروا إلى ~~الامتزاج، قيل لهم: وليس في الأول امتزاج، وهو إنما يفعل (18) بذاته، فمن ~~أين جاء الامتزاج (19)؟. PageV01P095 # الخامس: إن المحرك الأول إن كان لحركته ابتداء فاندفعت، فلم تفرقت ~~الكوائن، ولم يكن عنها في حالة واحدة ما (1) يقتضيه الطبع، وتوجبه الهيئة ~~والتدبير في فعل تتركب (2) عليه أفعال؟ وإن (3) كان فعله على الترتيب، فلم ~~كان (4) مختلفا كما تقدم؟ ومن أين جاء التعارض، والتمانع، والتضاد بين ~~الكوائن، والأصل واحد؟. # السادس: ويرجع إلى الأول، إذا كانت الحركة صدرت عنها الحركات فلم افترقت ~~(5) في الأفلاك إلا مستقبلة (6)، وراجعة، إلى مستقيمة ومعوجة (7)؟ إن كانت ~~هذه الأسماء على الحقيقة، فهي خلاف فاعلها، وإن كانت مجازا لا حقيقة لها ~~(8) فلم ركبتم عليها الحوادث؟. # السابع: إن الإسلاميين من الفلاسفة قد حكموا على (9) أفلاطون (10) ~~وأرستوطاليس (11) باستحالة الإيثار (12)، وإن صانعا مؤثرا لا يتصور، وهذا ~~(13) أحد أصول الإلحاد الأربعة، وهو الأول الآن معهم، فإنا نقول لهم: زعمتم ~~أن صدور الأشياء عن ذاته، صدور العلة عن المعلول، والدليل القاطع على (14) ~~استحالة [و 36 ب]، ذلك (15) أن العقل يقضي قطعا أن الصفتين الجائز ورودهما ~~على الحل على التعاقب، فورود (16) إحداهما (17) يستحيل أن PageV01P096 # يكون بغير سبب، يعين أحد الجائزين، ولا يجوز أن يضاف ذلك إلى القدرة، لأن ~~نسبتهما إليها (1) واحدة، وكذلك الحياة والعلم مثلها (2)، فلا بد من سبب ~~معقول يضاف إليه (3) التخصيص، يجده المرء لا يفتقر (4) إلى الحياة، وهم لا ~~يبالون بذلك كله، وإنما يأخذون السبيل إلى الإلحاد، كيف اطردت لهم. # والعمدة في ذلك أن يقال: أجمع العقلاء على أن الميت لا يعقل لمواتيته ~~(5)، وقد كان يعقل [و 37 أ] في حال حياته ولا يصح أن يضاف إلى شرط، سوى ~~الحياة، لأن كل صفة نضيفها (6) إليه، يستحيل أن نضيفها (7) إلى الميت، فكل ~~صفة نذكرها (8) هي مساوية لهذه في اشتراط وجود الحياة لها. وأما دعواهم أن ~~الأفلاك حية، فلا يقام عليه دليل أبدا، وهو غير مشاهد (9)، وليس لهم إلا ~~حركتها، وليس من شرط الحركة ms055 الحياة (10)، فإن الميت يتحرك، والخطب معهم ~~طويل بتخليطهم لمن لا يعلم مفاصل (11) الكلام (12) ومن يعلمها (13) يقطعهم ~~في الحال. وقد اندرج الوجه الثامن في هذا الكلام (14). ### || عاصمة # وأعظم الخطب، إنكارهم العلم أصلا، وهم لا يحتاجون إليه بزعمهم، فإن ما ~~يصدر بالطبع لا بالوضع، لا يفتقر إلى قدرة، ولا إلى علم، PageV01P097 # والقول في القدرة أقرب منه في العلم، لأن الآفة في (1) العجز معقولة ~~مشاهدة، والعلم وإن كان أظهر، فهو خفي عن المشاهدة، ولكن إتقانه المتعلق ~~به، يظهره قطعا، وهذه الصفات الأربعة (2) ثابتة للصانع قطعا، وهي القدرة، ~~والعلم، والإرادة، والحياة، ومنهم من يقر بالعلم، لكن يدعون أنه على وجوه، ~~منهم من يقول: إنه حادث، ويفتقر إلى علم يحدث به، ولا موجود محدث أقوى ~~احتياجا إلى العلم من العلم. # ومنهم من يقول: إنه عالم بالجمل لا بالتفصيل، لأنه عندهم أحدث الأصول (3) ~~بعلم، ثم رتب عليه الحوادث المتعلق بعضها ببعض، الكائن بعضها عن بعض، فلا ~~يخلقها ولا يعلمها. # قال القاضي أبو بكر (4) رضي الله عنه: وهذا من العجب ولولا أنه علمها على ~~التفصيل، ما خلق لها من يعلمها على التفصيل، ويوجدها على الإحكام والتريب، ~~فإذا أقروا بذلك، فقد (5) أقروا بأنه يعلمها على التفصيل، وإنما العجب كل ~~العجب من كلمات صدرت عن أبي المعالي (6) [و 37 ب] فادحة تحوم (7)، أو تشف ~~(8) على أن علم الباري، لا يتعلق بالمعلومات على التفصيل (9)، ونصها، قال: ~~(إذا تعلق علم الباري بجواهر لا تتناهى فمعنى PageV01P098 # تعلقه بها (1) استرساله عليها، من غير فرض تفصيل الآحاد (2)، مع نفي ~~النهاية فإن ما يحيل دخول ما لا يتناهى (3) في الوجود، يحيل وقوع تقديرات ~~(4) غير متناهية في العلم، فإن قالوا: إن الباري تعالى عالم بما لا يتناهى ~~(5) على التفصيل سفهنا (6) عقولهم) (7). PageV01P099 # وقد بسطنا القول على هذا الكلام في كتاب "التمحيص" (1) بما فيه بلاغ، ~~فلينظر هنالك بمقدماته ولواحقه، والمقدار الذي يعرفك (2) الآن بكنهه، ~~ويعطيك فائدة ما سطرنا (3) هنالك منه على الاختصار، إيراد بعض ما استطر ~~هنالك (4) من الفصول بلفظه الذي وقع الإملاء به. # اعلموا وفقكم الله أن ms056 المعلومات من جهة الكون تنقسم إلى واجب وجائز ~~ومستحيل (5)، والواجب على قسمين: واجب مطلق، وهوالله وحده، وصفاته. وواجب ~~من وجه، وهو ما خلقه الله تعالى من أصول العالم، كالجواهر والأجسام، ~~والأعراض. فهذه مما يجب كونها على هذه الصفة (6)، فلا يتصور خروج الجوهر عن ~~كونه جوهرا، ولا العرض عن كونه عرضا، ولا خروج الجسم عن كونه جسما. ومن ~~أصول هذه الأصول: أن الجوهر لا يخلو عن عرض، وأن العرض لا يصح وجوده دون ما ~~يقوم به من جوهر، أو جسم. وهذا كله متفق عليه بين العقلاء، و (7) معلوم ~~عندهم قطعا قبل النظر، ومنه ما هو معلوم بنظر، ويتركب عليه وجود الأكوان، ~~والألوان بالجواهر والأجسام، على البدل والانفراد، حسب نسبة كل واحد منها ~~(8) إلى الآخر، من ضد أو خلاف [و 38 أ] ويتركب عليه بعد ذلك النظز في أحكام ~~جميعه، بالنسبة إلى سبب (9) نشأت عنه، أو (10) إلى كيفية هي عليه، أو (11) ~~إلى تركيب في وجود أو عدم، أو صفة فناء أو بقاء، أو إلى حال تركيب ~~واستحالة، يكون بعده (12) نظر في انحصار الأعراض إلى ألوان (13)، وأكوان. ~~وانحصار الأكوان إلى حركة، وسكون. وانحصار الألوان إلى أحمر، وأسود، ~~PageV01P100 # وما بينهما من والسطة، ترجع إليهما، أو تقف بينهما، وأعظم من ذلك القول ~~في انحصار العالم إلى الموجودات على ترتيبها، وتدبيرها، ما بين وجود، وعدم، ~~وبقاء، وفناء، وتكليف، وإعفاء، وتعجيل، وإمهال، ودنيا، وآخرة، وثواب وعقاب، ~~في عموم ذلك. ومن هذا المتقدم أصل متفق عليه بين منزلي النفي والإثبات وهو ~~(1) الوجود، والعدم، والحركة، والسكون فرعا عليه (2)، ومنه متفق عليه بين ~~أهل الملل، ومنه متفق عليه بين أهل السنة. ومن جملة المتفق عليه مما تقدم، ~~أن الجوهر لا يخلو عن حركة، أو سكون. وعجبا لبعض علمائنا فإنه استدل عليه، ~~ولئن احتاج إلى دليل، لم يثبت لنا شيء بعده. # ومن المختلف فيه، القول في وجود لون خلاف ما شاهدناه، فمن قائل إن ~~الألوان منحصرة، ومن قائل إنها غير منحصرة، ومن واقف. وفي حديث المعراج ~~(حتى بلغت سدرة المنتهى فغشيتها ms057 (3) ألوان لا أدري ما هي) وقد تكلمنا عليه ~~في شرح الحديث. # ومسألة الانحصار (4)، هذه، مسألة مشكلة، فإن العلم الذي به أدرك (5) ~~المرء (6) انقسام الموجودات إلى جواهر وأعراض، به أدرك أن موجودا ليس بجوهر ~~ولا عرض (7)، ولا نعلمه (8)، وأن جهات المخلوق ستة لا سابع لها، وأن الكون ~~من حركة وسكون لا ثالث لهما، وأن السواد والحمرة [و 38 ب]، لا غاية ~~وراءهما، وإن كان بينهما وسائط، وأن العلم لا تعلق له بالعدم المحض، وإنما ~~يتعلق بمعدوم مقدر (9). فإن قدرت (10) عالما آخر، وأمكننا فهمه، فقدر ~~موجودا ليس بجوهر ولا عرض، وكونا ليس بحركة ولا سكون (11)، ولونا ما (12) ~~ليس بحمرة ولا سواد، وجهة سابعة (13) لمخلوق. فإن PageV01P101 # وجب أن ينحصر ذلك في المعلوم، فلا تسأل عما وراءه بنفي أو إثبات، وقد ~~بسطناه في موضعه. # قال القاضي أبو بكر (1): قال ابن الجويني: (والدليل على أنها منحصرة، ~~أنها لو كانت غير منحصرة لتعلق العلم منها (2)، بآحاد لا (3) تتناهى على ~~التفصيل وذلك محال) (4). # قال القاضي أبو بكر (5) رضي الله عنه: هذا كلام محذوف لأن قوله: (لو كانت ~~غير منحصرة) مقدمة واحدة لا تنتج شيئا باتفاق من العقلاء، فلا يصح أن يرتب ~~(6) عليها قوله: (لتعلق العلم منها (7) بآحاد لا تتناهى على التفصيل) حتى ~~يقول: هي منحصرة ولا بد أن تكون معلومة، فإن الحكم على المجهول بحصره أو ~~عدمه محال. وإذا كانت معلومة، فلا بد أن يتعلق بها العلم (8) على التفصيل، ~~والتفصيل هو الحصر (9)، فآل نفي الحصر إلى إثباته، فبطل في نفسه، وهذا هو ~~برهان الخلف. قال ابن الجويني: (فإن قالت الجهلة الباري عالم بما لا يتناهى ~~(10) على التفصيل سفهنا عقولهم) (10). قال القاضي أبو بكر (11) رضي الله ~~عنه: يريد أن التفصيل كما قدمنا، يقتضي الحصر والنهاية، فكيف يضاف إليه، ما ~~لا يقتضي النهاية والحصر، فإن كان للتفصيل عند أحد معنى غير الحصر والتناهي ~~فليركب عليه ما يليق به، وقدمنا أن (12) لفظ الجملة والتفصيل ليس شرعيا. ~~قال ابن الجويني: (إذا تعلق علم الله بجواهر PageV01P102 # [و 39 أ] لا تتناهى فمعنى ms058 تعلقه بها استرساله عليها في غير فرض تفصيل (1) ~~الآحاد مع نفي النهاية، فإن ما يحيل دخول ما لا يتناهى في الوجود يحيل وقوع ~~تقديرات (2) غير متناهية في العلم). قال القاضي أبو بكر (3) رضي الله عنه ~~(4): أما قول الجويني (5) أيضا: (وإن قالوا: إن الباري عالم بما لا يتناهى ~~على التفضيل سفهنا عقولهم)، فهو عبارة عن أنه كلام متناقض غير معقول (6)، ~~لما بينا من أن التفصيل عنده يقتضي الحصر، وما لا يتناهى ينفيه (7)، ~~فتناقضا، فالجمع (8) بينهما في الأخبار سفه في العقل. وكذلك كل (9) من جمع ~~بين متناقضين، ولذلك سفهنا عقل أبي هاشم، وسلبناه دينه، في تصويره عن ~~الجملة الجامعة بين (10) المتناقضين، قول القائل: محمد ومسيلمة صادقان أو ~~كاذبان، فإنه لا يصح الإخبار عنه بكل واحد من الخبرين، لأنه جمع في الخبر ~~عنه بين متناقضين، كما لو قلت: الإنسان والحجر حيوانان أو (11) مواتان ~~(12). # وأما قوله: (إن ما يحيل دخول ما لا يتناهى في الوجود يحيل وقوع تقديرات ~~(13) غير متناهية في العلم) فإنه كلام ناقص أيضا، مفتقر إلى تتميم، وحينئذ ~~يصلح للتعلم والتعليم (14)، لأن قوله: (ما يحيل دخول - ما لا يتناهى في ~~الوجود) يعني به في زمن متناه وإلا فدورات (15) الأفلاك عند الفلاسفة لا ~~نهاية لها، ونعيم الجنة عند الموحدين، لا نهاية له، وكل واحد منهما يوجد ~~متماديا عند من يرى الأول، و (16) على الحقيقة في (17) الثاني. ولكن ذلك ~~كله، PageV01P103 # إنما يحال الموجود (1) فيه على أزمنته الآتية، فيكون لكل موجود زمانه. ~~وقوله: (يحيل وقوع تقديرات (2) غير متناهية في العلم) يعني بقوله: (وقوع): ~~وجود، وقوله: (تقديرات) يريد تصوير موجودات (3)، (غير متناهية)، يعني في ~~زمان (4) متناه، وذلك مما لا يتعلق به علم، لأنه لا يتصور له ثبات، وقوله: ~~(تعلق علم بها على التفصيل مع نفي النهاية محال) [و 39 ب]، لأنه يريد ~~بالتفصيل، الحصر والانتهاء، (5) ثم قال: و (6) هذه الأجناس المختلفة التي ~~فيها الكلام يستحيل (7) استرسال العلم عليها لتباينها بالخواص، وهذا كلام ~~مفهوم (8). # [(9) وقوله: (تعلق بالعلم بها مع النهاية محال) مبني على أصله في أن ~~التفصيل ms059 هو الحصر والانتهاء] (9). # قال القاضي أبو بكر (10) رضي الله عنه: فنتخل (11) من هذا كله، أن هذه ~~الألفاظ من الجملة والتفصيل والحصر، ألفاظ مولدة، ركبت عليها المبتدعة ~~علومها، وخاض فيها علماؤنا معهم، ولكل واحد، فيها اصطلاح، تركيب معناه على ~~ما (12) اصطلح عليه فيها، ويختلف الاثنان في الوجه المصطلح عليه فيتباريان ~~ويتعارضان، ونحن إذا تكلمنا (13) على ذلك قلنا: دعونا من العبارات المحدثة ~~الفاسدة، الباري تعالى، عالم بعلم، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في ~~السماء، يعلم ما كان وما يكون، ولا يقدر شيء إلا وهو عالم به، نعم ~~PageV01P104 # وقد كتبه، فهذا عقد (1) صحيح، مدلول عليه. # فإن قلتم على التفصيل (2) يعلم، أو على الجملة؟ قلنا: لا ندرك ما تريدون، ~~فإن أردتم بقولكم: على التفصيل، أنه لا يخفى عليه شيء، فذلك صحيح، وإن ~~أردتم بالجملة، أنه يعلم شيئا، ويخفى عليه آخر، فلا يصح، لأن الدليل قد قام ~~على (3) أنه لا يخفى عليه شيء، فإنما نتكلم (4) معكم، في عموم علمه وخصوصه، ~~والجملة والتفصيل عبارات باردة، لا نلتفت لكم إليها، ولا نبني عليها حكما، ~~ولا نصف الباري بشيء منها، لا نفيا ولا (5) إثباتا، وإنما نصفه بما وصف به ~~نفسه، ودل الدليل عليه من سعة علمه، وتقدس ذاته وصفاته، وأنه لا يخفى عليه ~~شيء، كان أو لم يكن، تقدم أو تأخر، فعلى هذا عولوا، ودعوا بنيات الطرق، ~~والألفاظ المحدثة، وخذوا (6) ذات اليمين، وهو ما كان عليه السلف المتقدمون ~~من الصحابة والتابعين، وقد بينا ذلك كله، في كتب الأصول، وهذه إشارة إلى ~~جملة نكته (7)، عاصمة لكم في هذا الباب، قاصمة لظهورهم، وذلك أنا نقول: إن ~~(8) الفلاسفة على قسمين (9): منهم من يقول: إن الباري لا يعلم إلا نفسه ~~(10)، ومنهم من يقول: يعلم غيره (11)، ويلزمهم أن يقولوا: إنه لا يعلم ~~شيئا. وقد رأيت منهم من يقوله، فأما من يقول: إنه يعلم نفسه ولا يعلم غيره، ~~فيقال لهم: قولكم: إنه لا يعلم غيره، ما تعنون به؟ أتريدون لاستحالة ذلك ~~(12)، أو لأنه لم يتفق؟ فإن كان لا يعلم غيره، لاستحالة ذلك، ms060 فهو باطل ~~قطعا، لأن من يعلم نفسه يعلم غيره، وإن كان لأنه لم يتفق ذلك، فالذي يوجبه ~~(13) ذلك للعبد، عدم ارتباط كل واحد منهما بصاحبه، والموجودات كلها مرتبطة ~~PageV01P105 # بالأول، فكيف يعلم منها وأحدا غيره؟ هذا محال قطعا. وإن قالوا: إنه لا ~~يعلم شيئا فذلك من أفسد دعوى، فإنها إذا كانت عنه أو بعضها، فكيف يكون عنه ~~ومنه وبه، أو منه أو به أو عنه، وهو لا يعلم ذلك؟ وتصوره غير معقول. # وإن قالوا: إنه يعلمها جملة، ولا يعلمها تفصيلا، قلنا: إن كان لا يعلمها ~~تفصيلا، فلا يعلمها أيضا جملة، لأن كل جملة لها تفصيل، يكون عنها مرتبا، أو ~~فيها محكما، أو بها مولدا، فكيف (1) كانت عنه كذلك، ولا يعلم بها؟ و (2) ~~كيف كان عنه ما لم يعلم به، على وجهه؟ هذا لا يتصور. # فإن قيل: الإحاطة (3) بها على التفصيل وهي لا تتناهى (4) ولا يمكن ~~تحصيلها، قلنا: [هذا الكلام بإطلاقه تلبيس، لأنه يقال لهم: قولكم: لا يمكن ~~تحصيلها لمن] (5)؟ آللذي كانت عنه أو لغيره؟ فإن قلتم لغيره قلت صدقتم، فإن ~~الإنسان لا يدرك الأشياء كلها على التفصيل، لأنه (6) ليس شيء منها عنه، ~~وإنما يعلم منها ما علم، وكانت عنه، فمن ضرورة العالم، أن يعلم (7) ما يكون ~~عنه، ولا يستعظم علم ما لا يتناهى، كما لا يستعظم وجوده، وقدر الوجود ~~مقرونا بالعلم، وقدره من غير تعلم، وبغير آفة تطرأ (8) عليه، وبغير عدم ~~يلحقه، أو يسبقه، ولم تجد له نظيرا، فلم يلف (9) منك (10) نكيرا (11). ~~والإنسان على قصوره، يعلم ما كان، وما هو فيه، وما يكون باطراد العادة، كما ~~(12) أخبر الصادق، أنها (13) لا تتغير وهو لم يجد (14) ذلك، ولا ~~PageV01P106 # كان عنه. فقدر في الخالق المكون، قل بواسطة أو بغير واسطة، علم ذلك كله ~~على الكمال، والقوم في قصور من المعرفة عظيم، وتخليط كثير. # وقد فاوضتهم في الأقطار والأمصار بنفسي (1)، و (2) حضرت ذلك في مجالس ~~الأيمة والجهابذة بالشام والعراق، فما أثبت الله لهم قدما، ولا رفع لهم قط ~~علما. ولم يتكلموا على تقية إلا بغاية ms061 الحمية، وقوة الاعتقاد والنية، والله ~~يعيذنا (3) من حالهم، ويريهم وبال أمر مآلهم، بعزته (4). # قال القاضي أبو بكر (5) رضي الله عنه: وقد تقدم من ذكرنا لقولهم في ~~المفردات والبسائط إشارة، أنبهكم فيها، على نكتة، فأوضت فيها عظماءهم، ~~فاضطررت أكثرهم في النظر إلى أن يقول (6): إن البسيط المطلق لا يتحقق إلا ~~في القول. وذلك أني قلت له: الاسطقصات (7) التي كان ينبغي أن يسكتوا عنها ~~ما هي؟ فذكرها، قلت له: الماء بسيط أو مركب؟ ففكر وقدر وعلم ما ألزمته (8)، ~~فقال: مركب، قلت له: من الرطوبة والبرودة، قال: نعم، قلت: فالرطب المطلق ~~مجردا، والبارد المطلق مجردا لا ينضاف إليهما شيء، ما هو؟ وحينئذ يتحقق لك ~~البسط، قال لي: ذلك يكون في العدم، قلت له الله أكبر! العدم ليست له ذات، ~~تخبر عنها بما يعقل فيها، وكذلك لو وضعت يدك معه في الأفلاك فلكا فلكا، ~~اضطرتهم الأدلة إلى أن يقولوا: إن أحاد جميعها بسط (9) في العدم، فزحل ~~إلههم الأعظم، بارد يابس، فقد كان كل واحد منهما بسيطا، فمن جمع فيه ~~الضدين؟ ومن ركب (10) المتناقضين؟ في الله! وللعقول التي ذهبت في تضليل!. # قال القاضي أبو بكر (11) رضي الله عنه: وأما النظر معهم في الأيالة ~~PageV01P107 # العائدة لمصلحة (1) العالم الخاص، من البدن، والعالم العام، الخلق، فهو ~~قانون علقوه من الشرائع السالفة (2) مبدلا، [و 40 أ] ورتبوه مشحونا سخافة ~~وخللا، إذا قرأت لهم منه مسطورا، رأيته متهافتا منكورا، أخبرني الفقيه ~~الطرطوشي (3)، أخبرني الباجي (4) أنه كان يوما في باجة (5) أحمد بن هود (6) ~~ينتظر إذنه فجالسه ابنه الملقب بالمؤتمن (7)، وكان يتفلسف وجاذبه ذيل ~~الحديث، فقال له: هل قرأت أدب النفس لأفلاطون؟ قال له الباجي: إنما قرأت ~~أدب النفس لمحمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم -. قال القاضي أبو بكر ~~(8) رضي الله عنه (9): الذي رأيت لأفلاطون زجر (10) النفس، وعني الباجي ~~بقوله: أدب النفس لمحمد، ما تضمنت الشريعة من قرآن وسنة، في هداية السنن، ~~وإيضاح السنن، والقوم كما ذكرنا لكم، إنما رتبوها مسارقة (11) لقوانين ~~الشرائع، مركبة على الشهوات PageV01P108 # واللذات، مقرونة بمكارم حسبما ms062 تقتضيه الأهواء (1) وتميل إليه النفوس، من ~~غير نظر في العواقب الصحيحة المفيدة، ولو كان على ما زعموا، لكان الخلق ~~عبثا، ولما (2) كانت الخلقة حكمة، بما رتب عليها في الحشر من العاقبة. ### || قاصمة # وتبعته (3) طائفة كادت الدين، وبهرجت على المسلمين، وأرادت التلفيق بين ~~الفلسفة والملة، وحاولت الجمع بين الشرع المنقول، وقضيات العقول القاصرة، ~~عن غاية الدليل بذواتها، وجزمت القول بأنه لم يأت رسول (4) إلا بها، ولا ~~دار إلا حولها، ورتب نظامه في سلكها، ودار كلامه وعلمه عليها، وجعلت تتبع ~~ذلك فصلا فصلا، حتى عقدت أبوابا في شرح هذه المقاصد، ومن أعظم من انتدب ~~لذلك (5) القضاة الأربعة الذين لقبوا أنفسهم إخوان الصفاء فجمعوا الخمسين ~~رسالة، في كل علم رسالة، ولم يبقوا من رسوم (6) الإسلام أصلا إلا عقدوا فيه ~~فصلا، وكانوا في علومهم مقدمن، وعلى [و 40 ب]، الفصاحة مقتدرين، وبدرك ~~المدرك عارفين، وبالدولة معتضدين، ومن تمكن من تصريف لسانه وبنانه، لا ~~ينبغي أن يستغرب ما جاء من بيانه، فكم قائل من الحكماء: # في فمي ماء وهل ين … # طق من في فيه ماء (7) # وإنما يقصر بالقلوب الأصمعية (8)، والألسنة اللوذعية، والنفوس الأحوذية، ~~ما وراءها (9) من انتقاد الحساد، وتشنيع الأعادي (10)، فترى العالم صامتا ~~وما به عي، متماوتا وإنه لحي، ولما تمكنت هذه الطائفة كما قلنا، لم يبق فن ~~(11) من الحكم النبوية، والأغراض الفلسفية والأدلة الجلية والخفية، ~~PageV01P109 # والإشارات بعبارات غلاة الصوفية، إلا وقد رصدت عليه (1) أبنية (2)، ودست ~~فيه (3) بلايا، دع (4) بلية فإذا قرأها (5) من ليس من أهلها هلك فيها، وإذا ~~قرأها عالم جردها عن فاسدها، وأقامها من مائدها، وعدلها عن حائدها، وردها ~~إلى مالكها، وواجدها. ### || عاصمة # قال القاضي أبو بكم (6) رضي الله عنه: إن الله تعالى وله الحمد، أنزل ~~كتابه على نبيه نورا محكما، هدى تبيانا، لم يكن رموزا ولا كناية عما لا ~~يتوصل به (7) إليه سامعه، ولا يعلمه مخاطبه، وأقام عشرة أعوام، أو ثلاثة ~~عشر عاما (8)، أو خمسة عشر عاما، يجادل بالحجة جميع الكفرة، بألف (9) من آي ~~القرآن حسبما بيناه في "أنوار الفجر" فما بقي ms063 نوع من الأدلة، ولا وجه من ~~وجوه الحجج، إلا وجاء بها على أوضح منهج، وتناولت كل حجة طائفة من الملحدة، ~~وأصحاب الطبائع والصابئة بقدرها، واليهود والنصارى، والزائغين بقسطها، على ~~نحو ما قالت كل طائفة من الشرك، ولو شاء ربنا لكفهم عن هذه المقالات، وإذ ~~أطلقها على ألسنتهم، فقد نص كيف تنقض أقوالهم، حسبما تقرر من الأدلة، ومن ~~كيفية استعمال، في كتابه، وعلى لسان رسوله، وذلك [و 41 أ] كله بسابقة من ~~المشيئة، ووجوه من الحكمة، {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون ~~مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} [هود: 119] فأبان أنه خلقهم للاختلاف، ~~وليرحم من شاء منهم فيخلصه عن شائبة الخلاف، وما استأثر الله برسوله - صلى ~~الله عليه وسلم -، إلا والدليل قد اتسق، والدين بالعلم قد استوسق، والحرس ~~مبثوث (10) على جوانب الملة، لا يستطيع أحد خرقها (11)، لا في السماء بسلم، ~~ولا في الأرض بنفق، وإن PageV01P110 # اشتجر (1) الخلق اشتجار (2) أطباق الرأس، عقائد وأعمالا، وتفرقوا تعصبا ~~واختلالا، فمدت البدع أعناقها، وأطلقت المبطلة (3) ألسنتها، فإذا (4) كانت ~~الأمة على حاميتها، والولاية على حمايتها، خلع العذار الخلق في العاصي، ~~وأخذوا في طرف من البدعة. # فلما جاء الوعد الصدق بأن الدين بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، ولج في ~~الدين لصوص، من غير بابه، وتعلقوا (5) بإهابه، ومشوا له الضراء، وأسروا ~~حسوا في ارتغاء (6)، وخاطبك كل واحد منهم بلسان القرابة، وهو من البعداء، ~~وعاملك بالخلة وهو من الأعداء، وأتاك بالداء في صفة الدواء، ولم يخل الله ~~قط أمته، ولا ضيع شريعته، عن ذاب (7) عن حرمها، وحامل على مستقيمها، كما ~~أخبرنا أبو محمد جعفر بن أحمد بن الحسين (8)، بالمعلق من مدينة السلام، ~~تجاه دار الخلافة ثنا (9) أبو بكر أحمد بن علي الحافظ (10) ثنا (11) أبو ~~بكر أحمد بن عمر الدلال (12) ثنا (13) جعفر بن محمد بن نصير الخلدي (14)، ~~نا (15) خلف بن عمرو العسكري (16) حدثنا سعيد بن منصور (17)، نا عبد الرحمن ~~بن PageV01P111 # زياد (1)، نا شعبة (2) عن معاوية بن قرة (3) عن أبيه، عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، قال: ms064 "لا يزال (4) ناس من أمتي منصورين لا يضرهم من ~~خذلهم حتى تقوم، الساعة" (5) قال القاضي أبو بكر (6) رضي الله عنه (7): ~~وبعد هذا فليس يخفى على ذي لب، أن العقل والشرع صنوان. ### || منزلة الشرع من العقل (8): # وقد قال بعضهم: إن العقل مزكي الشرع، ولا يصح أن يأتي الشاهد، بتجريح ~~المزكي، ولا بتكذيبه، فإن ذلك إبطال له. وتحقيقه (9) أن المعقول (10) على ~~ثلاثة أقسام: واجب، وجائز، ومستحيل. فأما الواجب والمستحيل فلا يتعرض الشرع ~~إلى بيان حقيقتهما، وأما قسم الجواز فإن الشرع هو الذي يتصرف فيه بأن يعين ~~أحدهما، لأنه هو (11) الذي أوعز به، عالم الغيب والشهادة، أما أنه يذكر ~~الواجب، والمستحيل في معرض الأدلة، إذا كانا نظريين، ويذكرهما إذا كانا ~~ضروريين، تمهيدا (12) لتوطيد القسمين النظريين عليهما، وإذا لم يتناقضا، و ~~(13) لم (14) يتنافيا فعلى أي وجه يجمع بينهما؟ أما أنه جاءت ظواهر ضعفت ~~بعض قدر الخلق عنها، فوجد السبيل من كان له حرص على الزيغ عن الشريعة بها. ### || عاصمة (15): # وقد نزل القرآن بها، وتكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليها، ~~وأبلغ رسالة ربه PageV01P112 # فيها، فلو كان عند من تقدم من السلف الصالح والطالح، والكريم واللئيم ~~(1)، والمؤمن والكافر، منهم أجمعين من يشك فيها، أو يرى (2) إشكالها، لما ~~وقف مؤمن في شك، ولا سكت كافر عن طعن (3)، ولبادر إلى الاعتراض (4)، مع ما ~~كان في نفسه من عداوة الشرك، بل سلم جميعهم تسليم العالم بها، على حالته من ~~كفر أو إيمان، وما اعترض كافر (5) على الرسول (6) إلا في آحاد يسيرة من ~~الألفاظ، لم تكن (7) من باب الأخبار عن الله، ولو كان عندهم فيها شبهة، أو ~~للملحد بها متعلق، لقام صاحبها يشدو بها، ويشهرها، أو لصاحب طبيعة لقال له ~~(8): أنت تنسب (9) الكل إلى الله، وهو قد رد الكل إلى الطبيعة، وأحال على ~~الأسباب والمسببات، وربط الحوادث بحركات الأفلاك، أو لليهودي أو لنصراني [و ~~42 أ] لتبادروا (10) من قريب، وتناوشوا (11) من بعيد، متألبين عليه في ~~كلامه، وقد جاؤوه من الأطراف القاصية، فناظرهم به، أو لصاحب صنم، لثاروا ~~إليه ms065 يقولون له: ربك بعين ويد ورجل، وكف، وأصبع، وساعد، وجنب، ويأتي، ~~ويجيء، ويضحك، ويطأ برجله (12)، ويمشي، ويهرول، وينزل، ويخاصر (13)، ويمل ~~مع من يمل، ويعطي بيدين، وآدم مخلوق على صورته، باطنه بباطنه (14)، وظاهره ~~بظاهره (15)، فما ينكر من عبادة من تكتنفه الآفات؟ ويأخذ كل واحد (16) منهم ~~في طريقه، على مذهبه، ويجادلونه (17) بذلك كله، أو يدعيه كل واحد إلى نفسه، ~~ولكنهم علموا (18) خلافه لهم أجمعين في المقاصد، ومباينته لهم في الموارد ~~(19)، رادا (20) على PageV01P113 # جميعهم، وأنه لم يأتهم بمبهم، ولا كلمهم بتخليط ولا (1) محال، وأن معجزته ~~ظاهرة، ودليله على صدقه بين، فلجأوا إلى الحرب، والاحتماء بالطعن والضرب، ~~والانحياز إلى دار غير داره، أو تمسك كل واحد ببلاده، والإسلام يعلو ولا ~~يعلى، وكلمة الله لا بد أن تبلغ المنتهى. # فلما درست الملة، ونقصت الشريعة، صارت هذه الطوائف عليه عزين، ما بين ~~مدعين وطاعنين، وملبسين. ومنهم من يأتي بهيئة الناصر، ومذهبه التخذيل، ~~وينتدب هاديا، ومقصده التضليل، والحق قليل. ولم يلف (2) أحد في كتاب الله، ~~ولا حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - كلمة (3) يردها العقل، نعم، ولا ~~يخالفه، في شق الأنملة (4)، حتى يفتقر إلى التمييز بينهما، والفصل بمحز (5) ~~اختلافهما، فأبت هذه الطائفة الركيكة إلا أن يكون (6) يبرز (7) فيهما (8) ~~النزاع، وتنزل بزعمها في الفصل بينهما منزلة الانتفاع، في دين (9) قاصمة، ~~وهدم (10) قاعدة قائمة، وليس الأمر كما زعموا، والحمد لله. وسترى ذلك في ~~أثناء الكلام، عيانا، وتتحققه برهانا، إن شاء الله. ومنهم [و 42 ب] من ~~حملته القحة، وعظيم التهتك، مع التمكن من الهزء واللعب، على التغلغل في ~~الباطن (11)، فقالت (12): إن نزول القرآن ليس على وضع تأويله (13) تنزيله ~~(14)، بل وراءه بحار علوم، وكنآيات عن أغراض (15)، كما قدمنا عنهم، ~~فيقولون: إن البقرة لها معنى على (16) غير ما يظهر (17) من التنزيل، وإن ~~العجل PageV01P114 # أيضا (1) له معنى أيضا، خلاف تنزيله، إذ لا يصح أن يكون على تنزيله، فإن ~~أحدا من أصحاب موسى، ما كان ليتخذ العجل المصاغ (2) من الفضة آلها، من دون ~~الله، يخور بحليه وجوهره، إذ لا يخفى ذلك على من ms066 له أدق مسكة من نظر، فلذلك ~~(3) وجب أن يحال (4) على معنى، يمكن أن يقع فيه الاشتباه، ويحصل معه ~~الإشكال، فيرتبك فيه من يرتبك به. # وهذا مما فاوضتهم (5) في أنحائه مرارا، ووجه الرد عليهم بشاهد (6)، فإن ~~جد (7) هذا لمعترض لي، والمتكلم معي (8)، كان يعبد حجرا يأتي به من الطريق، ~~كما قال أبو رجاء العطاردي (9) في صحيح البخاري قال: (كنا نعبد حجرا (10) ~~فإذا وجدنا حجرا هو خير منه ألقيناه، وأخذنا الآخر (11)، فإذا لم نجد حجرا ~~جمعنا حثوة (12) من تراب، ثم جئنا بالشاة (13) فحلبنا عليه، ثم طفنا به، ~~فإذا دخل شهر رجب قلعنا (14) منصل الأسنة، فلا ندع رمحا فيه جليدة (15)، ~~ولا سيما فيه حديدة، إلا نزعناه وألقيناه)، وكان يقول: كنت يوم بعث رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، غلاما، أرعى الإبل على أهلي، فلما سمعنا ~~بخروجه، فررنا إلى النار، إلى مسيلمة الكذاب، وقد وقف على ذلك بعض الصحابة، ~~فاعتذر بأنها كانت عقولا كادها (16) باريها، وليس عبادتهم العجل، وقلبهم له ~~إلاها، بأغرب من قلبكم (17) أنتم ما نزل (18) قرآنا إلى (19) ما تدعونه ~~علما وبيانا. PageV01P115 # ولولا أنكم لا تحتملون ما أذكره عنهم، ولا ينبغي أن يهاج به أهل هذه ~~الأقطار، لأنهم لم يسمعوه، لذكرت لكم من ذلك غريبا، تفنون الدهر منه [و 43 ~~أ]، عجبا. وجملته أنهم لا يذكرون في تأويل آي من القرآن، ولا حديث عن ~~الرسول معنى يرده إلى غرضه، إلا قلبته له في معنى آخر، حتى إن من أراد من ~~الباطنية أن يرد جميع القرآن في علي، فترده (1) إلى العباس العباسية وترده ~~(2) إلى أبي بكر البكرية، وإلى عثمان العثمانية، ومن أراد من الإخوانية (3) ~~أن يرد الآيات، والآثار إلى أفعال الكواكب وتأتيراتها، وأن ذلك عبارة عنها ~~ردت (4) له (5) إلى غير ذلك. # فإن قال المبتدع أو الملحد: قد صح لي غرضي من أن الشرع لا تحصيل فيه، ~~قلنا له: لا يخلو (6) أن تتشرع به وتقبله، فما تدعي فيه، نبطله عليك، حتى ~~إذا ما انتفيت منه، وقلت: ليس بشيء، رجعت صاغرا بالدليل إلى قيد آخر من ms067 ~~النظر يفيدك (7) بأنه حق، وهكذا هي حقيقة الملة، من أراد أن يدخل فيها ~~داخلة، رد عنها إليها بأدلتها، في غوائب من النظر، كلها قرآنية سنية، حسبما ~~بينها الله في كتابه، لأوليائة، وحاج بها عن نفسه على أعدائه. و (8) في ~~أثناء هذه العواصم سترون دستور ذلك، وتتبينون، إذا لحظتموه بقلب شاهد، ونظر ~~جاهد، والله أعلم. ### || استدراج # إن المطلوب علمه ينقسم إلى معدوم وموجود، وفي ذلك كلام طويل، بيننا ~~وبينهم، ولكننا (9) نبني معهم، على أنا قد وقفنا، ها هنا، فنقول: [الكلام ~~معكم على وجهين: أحدهما: بما (10) يعترض في أثناء النظر، وترديد ~~PageV01P116 # القول، وقد قدمنا منه جزءا مما جرى بيننا وبينهم على صفته، من مجازه ~~وحقيقته. # الثاني: أن نتكلم معهم بلغة حبرهم الأول صاحب الطاء والفاء، ومن عبر عنه ~~من سين أو راء. فنقول، (1): لا خلاف أن الوجود ينقسم إلى واحد وإلى كثير، ~~والواحد الذي لا كثرة فيه هو ذات الباري، فإنه لا ينقسم بالفعل (2) ولا ~~يقبله، فهو واحد بالإمكان وبالوجود، والقوة والفعل، ولهذا لم يقبل (3) ~~لواحق الكثرة، من [و 43 ب]، الغيرية والتخالف، والتقابل، ونحوه من التساوي ~~والتشابه، ونحوه من (4) التساوي والتماثل، وعدم التناهي بكل وجه، ووجوب ~~الوجود له، و (5) لازم فيه باتفاق، التقدم لا بالزمان، ويبقى النظر بيننا ~~وبينهم في بقية مراتب التقدم الأربعة وهو (6) الشرف والطبع والذات، الذي ~~ينقسم إلى قسمين: أحدهما: أن تكون به، أو لا به، نعم! وهل يقال فيه: إنه ~~موجود بالقوة؟ فيه نظر طويل، وهذا كله لا يوصل إليه إلا بنظر طويل، وتفصيل ~~لا يتاق (7) عنه إلا إزالة (8) الحال معهم إلى الإمكان، على موافقة ~~المطلوب، لكن يبقى النظر الأعظم، في أن حقيقة موجود بلا ماهية لا يقبل ~~الكثرة كذا، كذا، كذا، كما ساقوه يصح أم لا؟ فإنكم إذا قلتم: علمنا الله، ~~قيل لكم: موجود بلا، ولا، ولا (9) كما وصفتم، علم بماذا؟ ولا (10) بد لكم ~~أن تعلقوه (11) بمفهوم تطمئن به العقول ويدخل في PageV01P117 # سلك العلوم، وليس لهم عن هذا جواب ينفع (1)، وإلا فهذا كلامي، وأنا حي أو ms068 ~~ميت فاحشروه (2) وانشروه ففي قوة كل ما أوردت عليكم معشر الموحدين أن (3) ~~تبطلوه (4)، بيد أننا نحن بفضل الله الذي أتانا على لسان رسوله من العلم ~~المثبوت ببركته (5)، نقول: من أراد أن يعلم الله، فسبيل ذلك لائحة، وهو أن ~~تتحقق أنه ليس مثلك، فكل ما علمت نفسك عليها، وقدرتها فليس هو عليها (6)، ~~فإن قلت: فهذا نفي محض، قلنا هو نفي لمثلك، وليس نفيا لصانعك وموجدك، لأنه ~~قد ثبت بك ومعك ومنك. # وانظروا رحمكم الله إلى (7) النبي كيف أنبأ عنه، بأن طريق معرفته أفعاله، ~~فأما هو سبحانه، فلا يستطيعه أحد، قد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~"أنت كما أثنيت على نفسك" (8) معناه: لا أقدر على صفتك إلا بما علمتني من ~~صفة نفسك، فإن أردت أن تنكره لم تقدر، وإن أردت أن تمثله [و 44 أ]، لم ~~تستطع، فإن أردت دركه كما وصف نفسه، ودل عليه فعله، أمكنك. وهذه ثلاتة ~~أقسام ضرورية فأنت العالم به حقا على قدرك، وهو العالم بنفسه كما ينبغي، ~~وإذا أردت الصراط المستقيم، المبلغك إليه كما أمر، من الاستدلال بأفعاله ~~عليه، فأقرب شيء إليك من أفعاله، أنت، فمنها فارق إليه، واعرج (9) في درج ~~(10) المعارف تقف (11) بك عنده بين يديه فتعلم إذا سلكت هذه السبيل الميثاء ~~(12)، أنه (13) قد جعل (14) الروح فيك آية عليه، فإنك إذا PageV01P118 # أردت إنكارها وجودا، لم تقدر عليه، وإن أردت له مثالا لم يمكنك، وإن ~~أقررت بها لدلالة آثارها عليها أصحبت. وتحقيقه (1): أن الفعل لا يصدر إلا ~~عن قادر، وهو عبارة عمن إذا شاء فعل، وإذا شاء لم يفعل (2)، وأنه عالم ~~بنفسه، وبكل معلوم، إذ أنت عالم بنفسك ولم توجدها (3)، فضلا عنه، وهو عالم ~~بغيره، كما تعلم أنت غيرك، وإن توقفت في أنه علم واحد، أو علوم، فلا تبال ~~به، فإنها مسألة نظر، والأصح أنه واحد، وأنه مريد لما يفعله، إذ الفعل عن ~~الفاعل يصدر طبعا أو عن إرادة، والطبع عند طا، وصحبه، وهما: الفاآن والسين، ~~هو الفعل المنفك عن العلم بالمعقول (4). وقد اتفقنا (5) على أن ms069 يعلم ويفعل ~~من غير طبع وذلك هو الإيثار (6)، والقول في العلم قد تقدم. # وإن نظرت في غيرك من أفعاله، فهو من الصراط المستقيم، لكنه محتوش (7) ~~بثنيات، يخاف على السالك أن يعرج (8) عليها (9)، فيتيه بعدها. # ومن ذلك الغير: عقل، ونفس، وجسم، والعقل عندهم جوهر لا ينقسم، ولا يتركب ~~(10)، ولا يشاهد. والنفس تقبل التأثير من العقل، وتؤثر (11) في الجسم. ~~والجسم يتأثر بالنفس ولا يؤثر، والعقل عندهم ينقسم (12) إلى بسيط ومركب، ~~إمكانا عقليا ووجوديا (13)، والبسيط في الأكثر PageV01P119 # عندهم (1)، هو الذي له طبيعة واحدة، كالهواء، والماء، والمركب الذي يجمع ~~طبيعتين [و 44 ب] كالطين (2). ولا خلاف عندهم، في أن البسيط أصل المركب، ~~كالحبر (3) لا وجود له في العفص والزاج (4). ومن البسيط ما لا يتركب، وهو ~~بالعمل ببساطته (5) ولي فيه معهم كلام. # ومن أعظم ما ينظر فيه، الأجسام السماوية، فيقولون: إنها متحركة بالإرادة، ~~لغرض هو شوق إلى العلوي، للتشبه به، لعلاقة بينها (6) وبين الأجسام يسمى ~~عقلا، قالوا: أو ملكا، ويدل عليه عدم التناهي في هذه الحركة، أزلا (7) ~~وأبدا، فلا بد لها من الاستمداد من قوة محركة، ويستحيل أن يكون في الجسم ~~قوة لا نهاية لها، لأن (8) له نهاية، فلا بد من (9) محرك مجرد عن المواد. ~~وذلك قسمان: كتحرك المعشوق والعاشق وكما يحرك الروح البدن، والثقل الجسم ~~إلى أسفل. فالأول ما لأجله الحركة، والثاني ما منه الحركة. والحركة الدورية ~~تفتقر إلى فاعل مباشر، تكون (10) منه الحركة، وذلك لا يكون إلا نفسا ~~متغيرا، لأن العقل المجرد الذي (11) لا يتغير لا تصدر (12) منه الحركة ~~المغيرة (13)، فتكون (14) النفس الفاعل للحركة، متناهي القوة، لكونه ~~جسمانيا، و (15) لكنه يمده موجود ليس بجسم، بقوته التي لا تتناهى، ويكون ~~(16) عريا (17) عن المادة، حتى تكون (18) قوته تخرج عن النهاية، ولا يكون ~~فاعلا للحركة، PageV01P120 # فتكون (1) لأجله الحركة، من حيث كونه معشوقا (2)، لا من حيث (3) كونه ~~مباشرا للحركة، ولا يتصور محرك (4) لا يتحرك بنفسه (5) إلا بطريق العشق، ~~فإذا (6) نظروا في الإدراك للأشياء، فقال أكثرهم: إنه لا يكون إلا للحس، ~~بإرادة حسية، وحركية (7)، خلاف النبات، إذا حركته ms070 طبع، تميز (8) به ~~الحيوان، وهي حركة شوقية، وحركة اختيارية، فالشوقية إلى المشتهى والمكروه، ~~والإرادية هي الحركة في الأعضاء للتصرف (9). والمدركة نوعان: نوع يدرك [و ~~45 أ]، الصورة المتكونة (10) بانطباعها في الهواء، ويستمر الانطباع حتى ~~ينتهي إلى رطوبة العين، وكذلك السمع، وسائر الحواس، لهم فيه تخليط. # وإذا مشوا في إدراك المعقولات، دخلوا في مجهلة تيه، لا علم لهم (11) بها ~~(12)، أصلها عندهم أن الحواس كلها تنقل المتلقي لها إلى سابقة (13) الدماغ، ~~من قدام، وليس للقلب في ذلك أثر، وهي أن قبلتها، ففي لحظة ليس لها ثبات ~~معها، بل تذهب عنها، لكن ربما ألقتها إلى قوة في آخر الدماغ، تسمى خيالية، ~~ثم عندهم قوة أخرى في محل من الدماغ آخر، له تركيب يسمى (14) الفكرية، ولهم ~~بعدها أخرى وهمية، يسمونها الحاكية (15)، وهي في الحيوانات كلها. وهذه ~~الكلمات شاركهم فيها الأطباء، وبنوا علاجهم عليها (16). PageV01P121 ### || عاصمة # قال القاضي أبو بكر (1) رضي الله عنه: قولهم: إن الذات الواحدة لا تنقسم ~~بالفعل، يقال لهم (2): نعم ولا بالقوة، فذكرهم (3) الفعل وحده، تقصير أو ~~تلبيس، وأما قولهم: إنه واحد بالإمكان، فجهل محض، وإنما (4) ينبغي أن ~~يقولوا: إنه واحد بالوجوب، واحد بالوجود، لأن الإمكان، ما جاز سواه، وهاهنا ~~يمتنع هذا، وقولهم: إنه واحد بالعقل، محال، لأنه العقل لا يخظر إليه (5)، ~~وأما قولهم: لم يقبل لواحق (6) الكثرة من الغيرية إلى آخر الفصل، فهو باطل، ~~بل الباري تعالى غير لخلقه، خلاف لهم. وقولهم: التقابل، فإنه يقبله على ~~رأيهم، وهذا إذا كان معنويا، فإنه سبحانه لا أول له، والخلق له أول، ولا ~~يعدم، والخلق يعدمون، وهكذا يتقابل معهم في صفات الجلال، هي له والكمال ~~(7)، والنقص للخلق، ولا يصح سوى هذا. # وأما التقابل بمعنى التوازي، فمحال عليه، وكذلك التساوي والتشابه، ~~والتماثل، محال عليه، وكذلك عدم التناهي. وقولهم: ووجوب الوجود ينقض ما سبق ~~من قولهم: إمكان الوجود (8)، كما بيناه، وأما [و 45 ب]، فضل (9) التقدم، ~~فإنه بمعنى الشرف، واجب للباري، ولا يقال: إن ذاته قبل الذوات، لأنه لا ~~يتطرق إليها القبل الزماني، ولا قبل الطبع، ولا ms071 شك في أن (10) كل شيء به، ~~ومنه، على معنى أنه الفاعل له بقدرته، ولا إشكال على مذهب الجميع، لأنه لا ~~يكون موجودا بالقوة، وأقوى ما فيه عليهم، أن من ضرورته (11) خروجه إلى ~~الفعل، أو جواز خروجه له (12)، وذلك محال ها هنا PageV01P122 # باتفاق، وثبت (1) أن الإله هو الذي ليس على حال من أحوال الموجودات (2) ~~كلها، وهذا ما لا خلاف فيه بين العقلاء منهم ومنا، بيد أنهم لا يفون هذا ~~الأصل حقه في التوابع. وأما العقل فإنه معلوم به، لا إشكال فيه عند أحد، ~~بيد أن الملحدة، والشيعة (3) أدخلته سوق الاشتباه قصد الالتباس، أو جهالة ~~فطرية، وطرأ عليه أيضا (4) استعمال العرب له في ثمراته وفائدته، في (5) بعض ~~مقدماته، فصار لذلك مشكلا على من هو دخيل في لسان العرب، وبهذا كله وجدت ~~الملحدة السبيل إلى دخيلتها. وأهل الفلسفة يطلقونه في (6) معان كثيرة، منه ~~عملي، وهي قوة تنشأ عنها قوة أخرى، منطلقة إلى ما يختار (7) من الجزئيات، ~~وهذا فيما لا يخلو أن يكون علما أو نظرا أو إرادة. ومنها عقل هيولاني، وهذا ~~تهويل، يعبرون به عن قوة في النفس صالحة لقبول ماهيات الأشياء مطلقة معراة ~~عن موادها، بها (8) فارق الكامل الصبي، والبهيمة، وهذا إنما يرجع إلى علوم ~~مركبة على غيرها، فالصبي يعلم، والدابة تعلم، لكن (9) علما مقصورا، والكامل ~~يعلم عليه زيادة، ومنها عندهم عقل فعال، وهي القوة التي تعلم (10) متى شاء ~~عقلها، وأحضرها بالفعل (11)، وهذا هو عبارة عن تجريد (12) النظر في الخفي ~~باستخراجه من المعلوم الحاضر، مع الذكر له، وليس في (13) شيء [و 46 أ]، من ~~ذلك إشكال، إلا من عباراتهم، وإلا فهي علوم كلها مرتبط بعضها بالبعض (14)، ~~ويتركب على (15) البعض، وكلها تترتب (16) على العلوم الضرورية، وتزيد ~~وتنقص، وتنسى وتذكر، وقد بينا في PageV01P123 # غير كتاب أن العقل هو العلم بنفسه، لا زيادة عليه، كيفما تصرفت أحواله، ~~وانتظمت (1)، لا تختلف (2) في ذلك. وأما إذا ذكروا العقل الفعال، فتنتفخ ~~أوداجهم، وتغشى وجوههم قترة، ويقولون: هو كل ماهية مجردة عن المادة، ~~ويقولون: إنه فعال، إذ من شأنه ms072 أنه يخرج الفعل الهيولاني من القوة إلى ~~الفعل، بإشراقه (3) عليه، وهذا كله تركيب فاسد، ونسبة فعل إلى غير فاعل، ~~ولا يصح أن يكون إخراج، ولا إدخال إلا في الأجسام، وما يستفاد من علم عن ~~علم، لا يقال فيه شيء من ذلك، والمادة والصورة ها هنا عبارتان فاسدتان على ~~حالهما من المجاز. # العلم المرتب ليفيد علما مادة، وحصوله عنه صورة، والتهويل بهذه الأباطيل ~~لا معنى له، وقد قدمنا القول في البسيط والمركب، ولا فائدة له في اللغة ~~العربية، إلا أن بناء: ب س ط للاتساع، وبناء: ر ك ب للاجتماع المرتب، فيصح ~~لهم هذا المعنى في المركب لغة ولا يصح لهم ذلك في البسيط، لأن معناه عندهم ~~مفرد ينضاف عليه حتى يصير مركبا. # وأما قولهم: إن نفوس السموات تتحرك بالإرادة (4) والسموات والأفلاك، فيا ~~سبحان الله، أكثرهم (5) ينكرون (6) الإيثار (7) والإرادة للأول، وينسبونها ~~للثاني (8)، والثاني أغني عنها من الأول، وأما تفسيرهم الحركة، أنها من (9) ~~شوق، فذلك خذلان، لم يرضه إخوانهم من القدرية. وهل ينبعث الشوق إلا عن نفس ~~حية، رطبة، مع بلة وبنية؟ فإن ركبوه على غيرها، كان ذلك دعوى لا تثبت أبدا، ~~وما ذكروه دعوى محال، سموها عقلا، وزعموا أنا نحن نسميها ملكا، فهذا كذب [و ~~46 ب]، علينا، ولغو منهم (10). فلم يصيبوا PageV01P124 # في وجه، ودسوا (1) ذلك، ليخرجوا ألفاظ الشرع إلى أغراضهم الفاسدة، وأما ~~قولهم: إنه يدل عليه (2) [عدم التناهي، فإنا لله (3) على تجويز المحال، أي ~~مناسبة بين (4) عدم التناهي لو ثبت، وبين ما ادعوه؟ فكيف ولا مناسبة بينهما ~~بحال؟ وهي في نفسها محال، على ما أصلوه، وما جرى في (5) جوازهم (6) هذا، ~~فإنه هذه الحركات الدورية، فإن كانت لا آخر لها عندهم، فلا بد أن يكون لها ~~أول، فقولهم: عدم التناهي أزلا (7) وأبدا، باطل في باطل، وقولهم: لا بد لها ~~من استمداد (8) من قوة محركة، لا يصح لأن ذلك يؤدي إلى طلب ما لا ينتهي (9) ~~فيها، وذلك محال. فقولهم (10): يستحيل أن تكون (11) قوة لا تتناهى (12) في ~~جسم متناه باطل، فإن ذلك إنما ms073 ينبني (13) على نسبتهم الأفعال إلى الأجسام، ~~وهي عندنا محال لأفعال الله، فيخلق الله قوى لا تتناهى في جسم متناه، على ~~التوارد، وقولهم: لا بد من محرك مجرد عن المواد (14)، قلنا: قولهم لا بد من ~~محرك صحيح، وقولهم: مجرد عن المواد، لا ندري ما هو، وإن دريناه لم نفسره ~~(15) لكم، ولا معكم، ولكنا نقول: لا بد من محرك لم يتحرك، ولا يتحرك، ~~وحينئذ، يصح أن يكون أصلا للمحركات (16) المتحركات، وأما قولهم: إن ذلك ~~كحركة المعشوق، فيا سبحان الله! يصعدون إلى العلو، ثم ينزلون إلى الهاوية ~~بخذلانهم، أي عشق ها هنا؟ وما يتجرد عن المواد، لا يعشق ولا يعشق، ولا ينزع ~~ولا يقلق، وقولهم: كما يحرك الروح (17) البدن، من أفسد شيء عندهم وعندنا، ~~ونحن لا نسلم أن الروح يحرك البدن، ولا PageV01P125 # يجوز ذلك عندنا عقلا، وأفسد منه، وأبعد قولهم: كما يحرك الثقل الجسم، فإن ~~ذلك لا يجوز بحال، وليس شيء (1) من ذلك لأجله، بل (2) إنه قد يكون الشيء من ~~الشيء، وبالشيء، على معنى بقدرته، والله قد خلق ما في السموات [و 47 أ]، ~~وما في الأرض جميعا صادرا منه بالقدرة، والعلم، والإرادة. كان لبعض ملوك ~~(3) خراسان صاحب ذمي (4) فقال له: إن عيسى أفضل من نبيكم محمد، بشهادة ~~نبيكم له بذلك، فقال له الملك: وأين؟ قال (5): إن محمدا أخبر عن ربه بأن ~~عيسى روح الله، وكلمته منه، فجعله من نفسه، ولم يجعل ذلك (6) لمحمد، فأرسل ~~الملك إلى بعض خواصه، وقال: دلني على عالم خراسان، فقال له: ما أعلمه إلا ~~أبا الطيب سهل بن محمد بن سليمان بن محمد بن سليم (7) الصعلوكي الحنفي (8)، ~~تفقه بأبيه، وحاز رياسة الدنيا، والدين. فأرسل إليه، وأعلمه بذلك فقال: لا ~~بد أن يكون جواب هذا السؤال في القرآن، ولكن يفرد لي منزل، أكون فيه، لا ~~يدل علي فيه أحد، ففعل ذلك به، فلما كان بعد ثلاث، قال: أخرجوني فأخرجوه، ~~فقال: قد قال الله (9): {وسخر لكم ما في السموات، وما في الأرض جميعا منه} ~~[الجاثية: 13] فليس في (10) ذلك اختصاص لعيسى، ms074 وقد رأيت رأسا من الملحدة ~~كان يجهل بمسألة من الأعراب على الطلبة، وهو أن يقول قوله: {وسخر (11) لكم ~~ما في السموات وما في الأرض جميعا} على من تعود (12) الهاء؟ فإذا رأى من ~~بلغ معه الغاية السابقة قال له: إن كل موجود، فهو من الوجود (13) الأول، ~~الثاني فاض عنه (14)، فيضان النور من الشمس، على PageV01P126 # سطوح الأجسام، بالترتيب المذكور عندهم، وإن رأى عاميا سلك معه مسلك الحق ~~الذي يعده (1) مسلك العوام، وإن رأى نبيلا لم يثق به، حقق عليه السؤال، ~~وشككه في المقام، ولم يبرم معه عقدة البيان، ولا هتك له قناع الإشكال. # قال القاضى أبو بكر (2) رضي الله عنه: قد (3) قال الله سبحانه وتعالى: # {قل كل من عند الله} [النساء: 78]. فأخبره بثلاثة أخبار لثلاثة معان: ~~الأول: أنه جعل الكل من عنده، الثاني: قال: {ما في السموات وما في الأرض ~~جميعا منه}، الثالث: قال عيسى: {بكلمة منه} [آل عمران: 45]. فالأول عام [و ~~47 ب]، والثاني خاص، والثالث خاص من الخاص، وقد قيل: الأول في العموم قوله: ~~{وسخر لكم (4) ما في السموات وما في الأرض جميعا منه}، والثاني: قوله: في ~~الفوائد، والمصائب: {قل (5) كل من عند الله} والثالث (6): قوله في عيسى: ~~{بكلمة منه} وتحقيق القول في ذلك، أن حرف "من" (7) أصله للغاية كما بينا في ~~"التمحيص" و"الملجئة" ويرد له ثلاث (8) عبارات: قد يكون للجنس، وللتسبب ~~(9)، وللبعضية. والثالث محال على الباري تعالى باتفاق منا ومنهم. والأول ~~محال عليه باتفاق من الكل. فلم يبق إلا الثاني، وذلك جائز في كل شيء، بل ~~واجب ذلك له فيه، وقد حققنا ذلك كله في موضوعه بما لبابه: # إن الله (10) خلق لنا ما في السموات والأرض جميعا، فالسماء سقف، والأرض ~~مهاد (11) والشمس ضياء، والقمر حساب (12) والماء حياة، و (13) النبات ~~PageV01P127 # والشجر أقوات (1)، فكل له وجه من الانتفاع لنا بجميع ذلك، هذه صفته على ~~الجملة والتفصيل، وكل ذلك عند أهل السنة من الله لا شريك له، في خلق ذلك، ~~ولا في شيء منه، بل كل ذلك خلقه، فأخلصوا له (2) العبادة، وعاد ms075 الضمير إلى ~~الله تعالى مقرونا بحرف "من" كما قدمنا على معنى التسبب، للابتداء (3) ~~المبين لافتتاح الشيء، المقتضي لغايته (4)، وقد (5) قال قوم: يعود إلى ~~البحر، فالصفوية (6) يقولون: يعود الضمير على الله ويكون معناه أنه - ~~سبحانه عما يقولون - نبه به على أن ذاته مبدأ لكل شيء، عنه كان كل شيء، على ~~ترتيب (7) العلل والمعلولات (8)، والتوليد والمولدات، والنشوء (9)، حالا ~~بعد حال، في المنشآت، فكانت الواحدة مبدأ للكثرة، وقد بينا قولهم في ذلك، ~~وأوضحنا سخافته، وفساده (10)، فيما تقدم، وسنكرر (11) ذلك فيما بعد. # وأما الطبائعية فيقولون: إن الهاء تعود على البحر، ومعناه عندهم: أن الله ~~نبه عليه فقال: {الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك [و 48 أ] فيه بأمره ~~ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (12) وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض ~~جميعا منه} ويعني من سحاب ومطر، ونبات وشجر، فإن المطر يصعد من البحر ~~بتدبيرهم الذي رتبوه، ويتصعد من (13) طريق السحاب، وينزل بترتيب إلى الأرض، ~~فتقبله، ويتولد النبات، فيكون ولدا من ازدواج PageV01P128 # الماء والأرض، فالماء أب، والأرض أم، والبحر معدن، والتصعيد كيفية (1)، ~~في (2) سخافة (3) لا ترضاها (4) الأنعام (5). قد نبهنا على فساد هذا ~~الترتيب كله، وحققنا بطلانه، وسنكرر ذلك، ويتأكد، إن شاء الله. # فكان هذا البائس يسر (6) هذه (7) المعاني (8)، في هذه الآية، ويلطخ بها ~~وجوه الطلبة، ولا يصرح لهم (9) بمذهب السنة، ليوهمهم أن في بيانها معنى ~~غريبا، ويطوي كشحه على هذه المستكنة (10)، فقد كشفها الله لكم، وله الحمد ~~والمنة. فإن قيل: فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا نشأت (11) بحرية ثم ~~تشامت (12)، فتلك عين غديقة" وقال الشاعر الجاهلي في صفة السحاب: شربن بماء ~~البحر. قلنا: {سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا} [الإسراء: 108] {يضل به ~~كثيرا، ويهدي به كثيرا} [البقرة: 26] إذا جاءنا حديث صحيح كقوله: (لولا بنو ~~إسرائيل لم يخنز اللحم) (13) وقوله (14): (أول من رأى الشيب إبراهيم) ~~وأمثاله، قلتم: هذا باطل، فإذا جاء حديث مقطوع ليست له رواية، ولا يعرف له ~~صاحب، يوافقكم، صادمتمونا (15) به، لا تقربونا (16) في حجة لكم، نحن أعلم ~~بمقاصد رسولنا، ms076 وكلام نبينا، ولغة قومنا منكم، معشر اليونانية والمانوية. # أما قول الجاهلي فجهل محض، و (17) أما الحديث فمقطوع السند، PageV01P129 # صحيح المعنى، أذن به النبي - صلى الله عليه وسلم -، في الاستدلال (1) ~~بالعوائد، فإن من البلاد، ما علامة مطره نشوء السحاب [هكذا، ومنها ما يكون ~~علامة مطره نشوء السحاب (2)] بخلافه، وكل بلدة بريحها [و 48 ب]، منها بلاد ~~تمطر بالدبور، ومنها بلاد تمطر بالصبا، سنة (3) الله، ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا، وصار معنى الآية: خلق لنا ما في السموات وما في الأرض للانتفاع، ~~وخلق الأفعال الحسنة (4) والسيئة (5) للابتلاء، وخلق عيسى آية في الأنبياء، ~~وهذا يحقق في "التفسير" و"المشكلين" على الاستيفاء، إن شاء الله (6). # وقولهم: إن الحركة الدورية تفتقر (7) إلى فاعل مباشر. كلام باطل وضعيف، ~~أما ضعفه فقولهم (8): كل حركة دورية. فيقال لهم: لا يصح اختصاص الدورية ~~بذلك، فإن غيرها فيها كذلك. وأما كون الحركة تفتقر إلى محرك مباشر، فباطل ~~قطعا، دليلا، وباطل منهم، فقد قال: إن حركة الفلك تشوق (9)، ولا مباشرة ~~فيها، وأنتم ترون هذا التفاوت في التهافت، وقولهم: إن ذلك لا يكون إلا نفسا ~~متغيرا. محال دليلا، ودعوى نظرا (10). وقولهم: إن العقل المجرد الذي لا ~~يتغير، لا (11) تصدر منه الحركة المغيرة. باطل، لا يصدر التغيير (12) إلا ~~ممن (13) لا يتغير، ولا يفعل شيء مثله أبدا، فإن ذلك محال قطعا يقينا، وما ~~ركبوه من واسطة (14) العشق، حتى يكون الفعل عنده، كلام غث، ما أخذ لهم! ~~بينما يكونون بزعمهم في برهان إذا (15) هم قد خرجوا إلا خطبة، ومثل، وشعر، ~~وخلع عذار، وذلك عندهم بعيد من البرهان. وأما النفس فهو عندهم بعيد (16) من ~~الألفاظ الإلهية، وهو عندهم عبارة PageV01P130 # عن معنى يشترك فيه الإنسان، والحيوان، والنبات بمعنى، (1) الإنسان ~~والملائكة المساوية بمعنى، وهو بالمعنى الأول جسم، وهو عندنا (2) عبارة عن ~~ذات كل شيء موجود، وعن الروح الذي تميز (3) به (4) الحيوان عن الموات. وما ~~ركبوه لأنفسهم من المعاني على الأسماء فهي دعاوي، لأنهم دخلوا في اللغة ~~فاستعاروا لأغراضهم أسماء، فلا [و 49 أ]، نبالي (5) بهم ولا نمنعهم (6) إلا ~~عما ms077 يتعلق من (7) ذلك بالشرع. # وأما الجسم، فهو عندهم عبارة عن معان، منها الممسوح بالأبعاد (8) الثلاثة ~~(9)، إما قوة، وإما فعل، في تفصيل بارد، وهو عندنا عبارة عن كل شيء مؤلف من ~~موجودين فصاعدا (10) لا تأليف فيهما (11). ### || قاصمة # لو سمعتم ترتيب صدور (12) الموجودات عن الإله، لسمعتم أحاديث أم عمرو، لا ~~(13) حديث خرافة، فإنه ليس لما (14) تعتقده (15) الكافة، أمر دون أمر، قال ~~راؤهم وسينهما (16): غاية التحقيق في ذلك أن الثابت (17)، كون الأول [واحدا ~~من كل جهة (18)، ولا يمكن أن يوجد (19) من الواحد، إلا واحد (20)]، فيصدر ~~عن الأول الواحد شيء واحد، يلزمه لا من جهة الأول (21) PageV01P131 # حكم (1)، فيكون فيه (2) كغيره (3) كثرة (4)، ويكون ذلك مبدأ للكثير (5)، ~~ووجه ذلك أن الأول واجب الوجود، وغيره ممكن الوجود، فهو (6) بحكم (7) ما هو ~~(8)، ممكن، وهو بقياس السبب، واجب، فيكون له حكمان فتكون الكثرة. ### || عاصمة # قال القاضي أبو بكر (9) رضي الله عنه: قلنا لهم: إن كان هذا طريق الكثرة، ~~فهو طريق السخافة والخذلان، وهما أخوان، وإن قيل لهم: لا سبيل أن يكون ~~الأول واحدا، فإن الوجود له، لا يتجرد عن علم، فإنه يعلم، ولا عن معان أخر، ~~أمهاتها عندكم (10)، ألا يكون وجود لسواه، إلا (11) منه، فائضا عن وجوده ~~بواسطة أو بغير واسطة، لا يتكثر بغيره (12)، ولا يتجزأ، فكما كان الوجود ~~الثاني كثرة، لأنه ممكن لغيره، كذلك يكون الأول كثرة، لأن غيره ممكن به، ~~والإمكان مضاف إليهما معا، وهذا لا (13) جواب عنه. # وإذا قلتم: إنه سبب لغيره، فأي واحد ها هنا؟ وإنما الوحدة - المحضة، ما ~~قاله أمثالهم، من أنه ليس هنالك شيء يذكر، ولا يقال، ولا يضاف إليه شيء، ~~ولا يكون عنه (14) شيء، فهذا (15) على (16) حاله (17)، ربما كان وحدة (18)، ~~PageV01P132 # ولا يقول (1) أحد منا به (2). وأما ما ذكرتموه فلا أعلم في الكثرة شيئا ~~أكثر منه [و 49 ب]. ### || قاصمة : # قالوا: صدر عن الأول عقل مجرد، وفيه تعديد (3) بالثنى (4) كما يجب فيما ~~قلنا، فكان فلكا وملكا. ### || عاصمة # قلنا (5): وهلا كان ماء، ونارا، ورطوبة، ويبوسة؟ وبأي دليل عينتم هذا؟ ~~ومن أي طريق عرفتموه؟ ms078 فلا سبيل لهم إلى (6) معرفة ذلك أبدا. قالوا: ونعني ~~بالملك، العقل المجرد، وينبغي أن يحصل للأشرف (7)، من الوصف، الأشرف، ~~والعقل أشرف، والوصف الذي له من الأول، هو الوجوب، أشرف، ويلزم عن العقل ~~الأول، ثان، ومن الثاني ثالث وفلك البروج، ومن الثالث، رابع وفلك زحل، ومن ~~الرابع، خامس وفلك المشتري، ومن الخامس، سادس وفلك الشمس، ومن السادس، سابع ~~وفلك المريخ، ومن السابع، ثامن وفلك الزهرة، ومن الثامن، تاسع وفلك عطارد، ~~ومن التاسع، عاشر وفلك القمر، وحصلت الموجودات الشريفة تسعة عشر، عشرة ~~عقول، وتسعة أفلاك، قلنا (8) مما (9) زاد في هذا التخليط، ضيق المارستان، ~~حتى صار في كل إنسان. {وما أشهدتهم خلق (10) السموات والأرض ولا خلق ~~أنفسهم، PageV01P133 # وما كنت متخذ المضلين عضدا} [الكهف: 51] (1) ما هذا التبجح (2) في ~~الدعوى؟ امتلأت رؤوسكم هوسا، وتمكنتم من الدولة والخلاء، فجئتم بما حقه أن ~~يقذف في الخلاء. # يا لك من قنبرة بمعمر … # خلالك الجو (3) فبيضي واصفري … # ونقري ما شئت أن تنقري … # من أين لكم هذا التركيب؟ فكيف بما بعده من الترتيب؟ ثم ما إليه من ~~التعديد (4)؟ ولعل هذه (5) الكواكب كلها في فلك واحد، ولكل كوكب مجراه، ~~ولمجراه هي (6) دائرته، وفلكه كالدار، لكل واحد فيها مسكنه، وليس لهم عن ~~هذا جواب، إلا أن يقولوا: رصدنا فأصبنا، قلنا (7) ونحن رصدناكم (8)، فلم ~~تصيبوا، وإذا رصد واحد، لا يتحقق صدقه تبنى (9) عليه السموات والأرض. فإن ~~قيل نعرف (10) ذلك بحساب الكسوف [و 55 أ]، قلنا: قد بينا أمر الكسوف في ~~موضعه بأبدع بيان، والآن في مناظرتكم نقول: هبكم أن ترتيب مجرى الشمس ~~والقمر على برهان حساب (11) من أين يعلم ترتيب غيره؟ وهذا الآن نظر في ~~الهيئة، ولا ينال (12) كيف كانت، وإنما افتقر إليه، ما تريدون أن تبنوا ~~عليه، فالدار تصلح للفجور، وللعمل (13) المبرور، ولا يقع التعيين (14) ~~بدليل عقلي، وإنما يكون بالوجود، أو بخبر الصادق، وذلك (15) المفهوم من ~~غرضهم: تركيب الامتزاجات من العلويات في السفليات، فنقول (16) أولا: تكثرون ~~من ذكر العلو والسفل، ونحن نقول: لا حقيقة له عندكم، هل كان PageV01P134 # علوا أو سفلا (1)، إلا ms079 بواسطة الإنسان، فمن يمشي على بطنه، أين علوه؟ ~~وقبل أن يوجد ذلك، ما العلو؟ وما (2) السفل؟ ولم كان الأول الذي صدرت عنه ~~هذه المعاني في العلو؟ ولم لا يكون محيطا؟ وإن كان محيطا، فلم لم ينزل ~~المطر من جهة الأرجل إلى الرؤوس، ويكون النبات على رأسه، وأصله في رأسه ~~(3)؟ أجروا ذلك على موجب الطبع، حتى يظهر في أثناء ذلك كل بدع، ثم من ~~المسكت لهم أن نقول (4) كيف (5) قلتم: إن الشمس لا تكون سببا لنضج الفواكه ~~(6) إلا بشرط قوة طبيعية، تكون في الفاكهة، قابلة لهذا التأثير؟ فمن الشمس ~~كانت هذه القوة لها، أم من غير الشمس؟ ومن أغرب (7) محالهم، أنهم قالوا: إن ~~مادة الهواء قابلة لصورة النار والماء، ولكن غلب البرد، فكان لقبول (8) ~~صورة الماء أولى، فيقال لهم: الجهل بهذا الكلام أولى، وأولى (9) لكم، ثم ~~أولى، إذا طولبتم بالدليل عليه، جفت أفواهكم، وخرست ألسنتكم. ### || قاصمة # لما رتبوا منازل الموجودات، حتى انتهت إلى الامتزاجات، جعلوا لها (10) في ~~بعض المراتب استقصات، وهي النار، والهواء، والماء، والأرض، ورتبوا لها في ~~الامتزاجات أحوالا وصفات مختلفة، جعلوا بعضها كمالا، وبعضها نقصانا، وبعضها ~~[و 55 ب]، خيرا، وبعضها شرا، ويتأتى ذلك باستعدادات، وإضافات كان أصلها ~~وجود العناصر، الأربعه، المختلفات في السفليات، ومنها ما يطلب الوسط، ومنها ~~ما يطلب المحيط، ولا بد من مادة مشتركة، لأجل أنه لا يجوز أن يكون سبب ~~وجودها السموات وحدها، في هذيان طويل، هذه مقدماته (11). PageV01P135 ### || عاصمة # ومن العجب أن الاستقص عندهم هو الجسم الأول، فهذه الأجسام الأول أوجدت عن ~~مثلها أو عن (1) خلافها؟ وما الذي أوجب امتزاجاتها؟ ولم اختلفت أحوالها ~~وصفاتها؟ ولم تزايدت ونقصت؟ ومن أين تنشأت (2) هذه الاستعدادات والإضافات؟ ~~أعن (3) أسباب متماثلة (4) أو مختلفة (5)؟ أضيفوا نوعا إلى نوع، وركبوا ~~مثلا على مثل، حتى يظهر تهافتكم في كلامكم، فيخرج من فيكم ما يكفيكم. وهذه ~~العناصر الأربعة، التي عينتم (6)، هلا كانت ستة أو ثلاثة؟ فمن أين (7) وجب ~~هذا التعديد فيها؟ وتعينت لها؟ والنار جرم بسيط، حار، يابس، طبعه الحركة ~~إلى الوسط (8)، من أين ms080 كان حارا، يابسا دون أن يكون رطبا؟ والحرارة من أين ~~جاءته؟ وكذلك اليبوسة؟ ولم (9) كان في قعر الفلك القمري (10)؟ وهلا كان في ~~مقعر فلك الشمس؟ وكذلك قلتم: الهواء (11) حار، رطب، من أين جاءه هذا؟ وهلا ~~انقلب الأمر فيه؟ ولم قلتم: إنه يتحرك إلى تحت كرة النار؟ وهلا كان فوقها؟ ~~أثبتوا ما قلتم من دعوى، وعللوها بعد الثبوت. وقلتم: الماء جرم بارد، رطب، ~~يتحرك بالطبع إلى تحت كرة الهواء، فوق الأرض، والأرض جسم بارد يابس (12)، ~~طبعه أن يكون متحركا إلى الوسط، نازلا فيه. أثبتوا هذه الدعاوي وعللوها على ~~مرتبتكم (13)، ولم كانت الأرض جسما (14)، ولم يكن الماء، والهواء، والنار ~~كذلك؟ ومن أين نسبتم ذلك إلى مادة؟ ولم جعلتم سبب وجودها معنى [و 51 أ] غير ~~السموات، ولم تحدث (15) غيرها فأحلتم فيها على العدم؟ ومن العجب أنهم ~~PageV01P136 # يريدون أن ينفوا البركة عن (1) الحركة، فيقولون: إنها كلمة، هي (2) عبارة ~~عن كمال أول بالقوة، أو خروج من القوة إلى الفعل، لا في آن واحد. وبالجملة ~~فكل تغير عندهم حركة، فهذا اصطلاح أحذر (3) أن يبنى (4) معهم (5) عليه حكم ~~(6)، إنما الحركة النقلة من جسم إلى جسم، أو ما هو في معنى الجسم، من ~~الجوهر، لا سيما وقد أدخلوا في حد الحركة الآن، وهو عندهم كلمة يعبر بها عن ~~ظرف (7) متوهم يشترك فيه الماضي والمستقبل، وهذه سخافة. وهو معقول، عبارة ~~عن الحال الكائنة التي طرأت ثم ذهبت، والعقل يقضي بين الطرو، والذهاب ~~بالفصل. ### || نكتة القضاء والقدر # ويقال لهم: إذا كان الأول كمالا وشرفا، أو ذا (8) كمال وشرف، وصدر عنه ~~تسعة عشر من هذا النوع، كما قلتم، فما هذا النقصان، والفساد، والشر عن (9) ~~غاية الكمال، والشرف والصلاح والخير؟ وأنتم تقولون: أن الخير فائض من ~~المبدأ (10) الأول على كل أحد (11)، بواسطة الذي سميتموه فلكا، أو (12) ~~ملائكة، لا سيما وهو عندكم فياض بالطبع، قالوا: ما يخلق الشر إلا والخير ~~فيه أغلب، كالنار والماء، الخير فيه أغلب من الشر، إذ لو (13) لم يخلق زحل، ~~والمريخ، والنار، والماء، والشهوة، والغضب، لبطل بسبب فقدها ms081 (14) خير كثير، ~~قلنا: ولم (15) لم يكن عن فياض الخير بطبعه إلا ما لا يفيض إلا خيرا، ~~PageV01P137 # من كل وجه كهو، قالوا (1): الخير المحض هو الموجود، والذي لا يتمحض خيره ~~وفيه شر، ممكن، ينبغي أن لا يوجد، وهو ممكن، فكأنكم (2) قلتم: لو لم تخلق ~~(3) النار ولا زحل، إلا بحيث لا يكون نارا، ولا زحلا، قلنا: هذا خذلان ~~وهذيان، ومن قال: إن قسم الخير الذي فيه شر، غير ممكن، قلنا: وكيف أمكن ~~وجود خير [و 51 ب] فيه شر، عن خير محض إن كان الموجود (4) بالذات؟ فلما ~~وجد، بطل هذا الأصل. # قالوا: الشر في العدم، وهو النقص عن الكمال، قلنا (5): الشر في وجودكم؟ ~~ولولاكم ما كان شر، والعدم عندكم هو أحد مبادئ الحادث، وهو أن لا يكون في ~~شيء، ذات شيء (6)، من شأنه أن يقبله، ويكون فيه، وليس العدم ما ذكرتم، إنما ~~العدم أن لا يكون شيء أصلا، قالوا: المفيد للخير بين (7) أن يخلق المطر (8) ~~بخيره العام، ولا يعبأ بالشر النادر فيه، الذي يلزم بالضرورة عنه، وبين أن ~~لا يخلق المطر، فيصير (9) الشر عاما، وإذا قوبل هذا بذلك (10)، علم قطعا أن ~~الخير في أن يخلق، قلنا: هذا الكلام على ركاكته، باطل، لأنه ترك منه قسم، ~~وهو أن يخلق المطر خيرا كله، أو يخلق (11) الخير (12) دونه، فما الذي اضطر ~~إلا أن يخلق على حاله؟ قالوا: وبهذا الترتيب كان PageV01P138 # القضاء والقدر، ومنع من (1) ذكره (2) سره (3)، لأنه (4) يوهم العوام ~~عجزا، فكان الصواب أن يقال لهم: الله قادر على كل شيء، ليوجب ذلك تعظيما، ~~ولو فصل لهم لتوهموا العجز، فهذا سر (5) القدر. قلنا (6): هذا شر (7) القدر ~~الشين المعجم بالنقط الثلاث، ليس للقدر سر (8)، بل القضاء (9) والقدر حكم ~~نافذ كله، ومن (10) شر القدر (11) ونعوذ ب الله منه، خلقكم، وخلق كلامكم ~~هذا، وكونكم في العالم ضلالا، مضلين، بألفاظ (12) هائلة، ومخرقة باردة، و ~~(13) قد قال ربنا تعالى: {وكل صغير وكبير مستطر} [القمر: 53] وقال نبينا - ~~صلى الله عليه وسلم -: "أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب فكتب ما يكون ms082 ~~إلى يوم القيامة" (14) وقال ربنا تعالى: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} ~~[الأنبياء: 23]، أما أن علماءنا قالوا: إن الله قد (15) أنبأنا عن صفاته ~~العلى، وأسمائه الحسنى، التي منها: العزيز، الملك، الغفار، المنتقم، فجرى ~~الخلق في صفاتهم وأفعالهم، على مقتضى صفاته، فلم يكن [و 52 أ]، بد، لأجل ~~كونه غفارا من أن يكون هناك ذنب، ولكونه منتقما، أن يكون هناك هتك حرمة، ~~واقتحام فاحشة، ولكونه (16) مغنيا، أن يكون هنالك محتاج، ولكونه (17) ~~راضيا، أن يكون هنالك خير، ولكونه (18) ساخطا، أن يكون هنالك شر، وليس في ~~المخلوقات صفة (19) إلا وهي تتعلق بنوع من الصفات، فالقضاء والقدر هو ~~PageV01P139 # تعلق المخلوقات بصفات الخالق، والتنويع والانقسام من متعلقات الإرادة، ~~التي لا يؤمنون بها، وهم لها منكرون، وإذا كان عزيزا، فالعزيز هو الذي لا ~~يرام بوهم، وتنفذ إرادته في كل موجود، ولا يوجد له مثل، ولا ينحط عن ~~المنزلة، ولا يبالي (1) بالعاقبة، ولا مخلص منه، ولا ملجأ إلا إليه، إليه ~~(2) منتهى (3) المطالب، ولا تلحقه آفة، ويفعل ما يشاء. # ومما ينبغى معشر الإخوان أن تعلموه (4)، أن كل حديث في النهي عن الخوض في ~~القدر، لا أصل له، وإنما أحدث النهي عنه أقوام (5) مثل من أحدث القول فيه، ~~كأنهم قصدوا حماية الشريعة بما ليس منها، والله غني عن العالمين، فكيف عن ~~الكاذبين. ### || عارضة # حضر (6) عندنا بعض الطلبة، بكتاب علق في آخره على عادة الناس مسطورا، هذا ~~نصه: كلام حكمة للاسكندر (7) في الاعتبار بالأجرام العلوية: بينما الاسكندر ~~على سريره (8)، في صحن داره، إذ تأمل طوالع (9) البروج، وأوافلها (10)، ~~وجواري السعود في مناقلها، وانتظام الكواكب في أقطارها وازديان فلكها، ~~بزينة مصابيحها، وسير دراريها، ولوامع شهبها، وميز كيف وضعت في مراكزها، ثم ~~تقبل في مسيرها، وتنعكس إلى (11) مغاربها، بتدوير الفلك إياها لا يردعه ~~عارض، عن (12) مراعاته، ولا يقطعه مانع، عن دوام حركته، ولا يعوقه أمر دون ~~المضي إلى ما (13) رتب له بطبيعته، فقال (14): أيها PageV01P140 # الفلك الدوار، المنبئ عن الحكمة، المنوط (1) بالأنوار المتلألئة، والنجوم ~~الزاهرة، والشمس المبصرة (2)، [و 52 ب] إن فضاء تظله لرحيب، ms083 وإن عالما ~~تؤثره لعجيب، وإن خطر ما ضمنته لجليل، وإن بصرا يلمح ما وراءك لغير كليل، ~~وإن سكانا عصبوا (3) فيك لفي معقل منيع، وإن حادثا يشتت أركانك، ويخر سقفك، ~~ويقلقل (4) ذرى (5) بنيانك، لفادح فظيع، وإن قيامة مبدؤها انتقاضك لعظيمة ~~(6) الخطب، فسبحان من أبدع جوهرك من غير عنصر، وأدنى أقاصيك إلى غير علاقة، ~~ووكد (7) أعاليك بلا سلم، وفسح حدودك بلا إحاطة، ما أدل كرور ليلك على ~~نهارك، ورجوع نهارك بعد انقضاء ليلك، على كرور أبداننا (8) بعد دروجها (9)، ~~وانقراضها، وارتداد النضارة في بالي الشجر، بعد نحولها، واهتزاز الأرض، ~~واخضرارها، بعد همودها واقشعرارها، على ارتداد الأرواح المقبوضة في ~~أجسامها، بعد تمزقها (10) واضمحلالها وأدل استسرار (11) القمر واستهلاله، ~~وتقسيط الحساب. بين فصول الأيام على عدالة الرجعة، وعدل حساب الكرة (12)، ~~فليت شعري إلى ماذا (13) تتناهى الحكمة بنا؟ وإلى أي الحالين يؤول الأمر؟ ~~وعلى أيها يجب العود (14)؟ بما (15) أريق بيننا وبين ملوك الأرض من الدماء. # قال القاضي أبو بكر رضي الله عنه (16): وهو بعقله (17) مولع بها، متعجب ~~منها (18) PageV01P141 # يدعوالله أن يفهمها له، ويسأله أن يفتح (1) له في معرفة مقاصدها، فأشفقت ~~منه وخفت عليه، وعلمت أنه بقلة معرفته، اغتز (2) بهذا اللفظ الهائل، الذي ~~ليس وراءه طائل، لكونه مختل المعاني، معتل المباني، فقلت في نقضه، وبيان ~~حقيقة التوحيد فيه (3): أيها الفلك المدار برغمه، لقد ضل من يسميك دائرا ~~بزعمه، فكيف من يعتقدك فاعلا بوهمه، هذا، وهو يرى عليك أثر التسخير باديا، ~~ويشاهد فيك سنن التدبير جاريا، هل أنت إلا محل نيرات، ومجرى حركات، ولزيم ~~تحويلات، وضعت على النافع [و 53 أ]، علامات، فيا ليست شعري بأي معنى عززت ~~(4)؟ وفي أي منصب من الفاعلين تنزلت (5)؟ أبحياتك تصرفت؟ أم بقدرتك أوجدت؟ ~~أم بإرادتك قدمت وأخرت؟ وماثلت وغايرت؟ أم بعلمك أتقنت وأحكمت؟ هذا (6) ~~وهيئتك لو تغيرت عما هي عليه، لم تكن في شيء مما ينسب (7) إليك، والتغير ~~(8) عليك جائز، فليس بينك وبين الحدث حاجز، والفاعل بالحقيقة هوالله (9) ~~الذي تصدر عنه الأفعال، ولا تتغير عليه الأحوال، هل ما يعتقده المغترون فيك ~~إلا ذكرة ms084 (10) خاطرة، وفكرة عابرة (11)، لم يصحبها ترديد (12) ولا تثقيف ~~(13) بقانون التسديد، هل أنت إلا (14) ما أنت بنفسك؟ فكيف أن تكون لنفسك؟ ~~فضلا عن نسبة شيء إليك من غيرك، فمن كان مستريبا بأفعالك، أو (15) معتقدا ~~لجلالك، فلينظر إلى أمثالك، فإنه يتحقق (16) أن الوحدانية لا توازن بمثال، ~~ولا تعارض بالأمثال، ولا بد منها في الاعتقاد والمقال، وأنتم سبعة أفلاك أو ~~تسعة، فعند من تبتغي (17) منكم النجمة؟ والواحد من له PageV01P142 # الاختصاص، والعبد المشترك بعيد عن الخلاص، ولتعلم (1) أنه لو أحيل عليك ~~بالجدال، فوجئت بالسؤال، وطولبت بالنظر والاستدلال، لكان لك في الجواب ~~اختلال، ولم ينصرك اعتلال (2)، فما وراءك يا عصام؟ أعدم أم وجود؟ أم بحر ~~ممدود (3)؟ أم نبات محصود (4)؟ وأي قسم ادعيت من ذلك، أو ادعي لك، فقد ~~أسلمك فيه النظر وخذلك، نحن وإن (5) خاطبنا منك (6) من لا يعقل الخطاب، ~~وقاولناك كأنك - ولست منهم (7) - من ذوي الألباب، فإن لسان العيرة (8) عنك ~~ناطق، بأنك صنيع (9) القادر الخالق. # قل لي وإن كنت الغني … # ي بصدق علمي عن سؤالك # ماذا أفدت (10) من الحوا … # دث في كرورك وانتقالك # بل أنت فيه مسخر … # ما بين حلك وترحالك # هلا ثبت في معظما … # وأدرت غيرك باحتيالك # حتى يكون (11) الكل يس … # عى في امتثالك لأمثالك # فالآن حين تبينت … # آيات نقصك واختلالك # [و 53 ب]، # أمن ذلك (12) أنشئت (13) أو (14) أبدعت أو أوردت (15) أو (16) أصدرت؟ ~~هيهات أن تنشأ مختلفات بديعة، عن ذات واحدة بالطبيعة، إذ لا يغاير (17) بين ~~المختلفات إلا الإيثار، ولا يدل على الأعيان إلا الآثار، فالزم قدرك، حتى ~~يأتي أمر الله فإنه لا يغتر بك إلا الغافل اللاهي. PageV01P143 ### || قاصمة : # إذا نزل القوم عن العلم الإلهي، وهو القول في الله وصفاته، إلى، ما دونه ~~ركبوا كلامهم فيه، على أربعة أركان هي (1) عندهم: الصورة، والهيولي، ~~والحركة، والمكان، وقد جرت فيما مضى (2) عرضا، فلتذكر الآن قصدا، وله ~~عندهم، ستة معان، فالذي هو الآن منتحاهم في الصورة، هي الحقيقة التي تقوم ~~بالمحل، وحده عندهم، أنه الوجود في شيء آخر، لا كجزء منه، قالوا: كصورة ~~الماء في ms085 هيولي الماء (3)، و (4) هيولي الماء إنما تحصل (5) بقبوله الصورة ~~الجسمية، وهي عندهم جوهر، وجوده بالفعل، ولا يحصل الفعل إلا بقبوله، ~~والحركة عندهم كما قدمنا هي الانتقال من مكان إلى مكان، أو (6) من صفة إلى ~~صفة. والمكان هو السطح الباطن (7) من الجرم (8). والزمان عندهم هو مقدار ~~الحركة (9) من جهة التقدم والتأخر. ### || عاصمة # أما الصورة فهي عبارة عن حقيقه الشيء في تركيبه وتأليفه، أو عن حقيقته في ~~ذاته، والأول حقيقة، والثاني مجاز، فإذا قال القوم: إنها موجودة (10) في ~~شيء لا تكون (11) جزءا منه، فذلك هو العرض عندنا، ولكن ليس على العموم، ~~يطلق على كل عرض، وأما قولهم: كصورة الماء في هيولي الماء (12)، فقد تبين ~~من تفسيرهم للهيولي (13)، أن الهيولي جوهر وجوده بالفعل (14)، أن ~~PageV01P144 # ذلك يرجع إلى المعلوم في العدم، المقدر وجوده، وعليه يحومون (1)، وإذا ~~كان هكذا، فصورة الماء هي الهيولي المقدرة قبل وجوده، وكان مقدرا على ثلاثة ~~أنحاء: [و 54 أ]. # النحو الأول: برودة مطلقة، والنحو الثاني: رطوبة مطلقة، والنحو الثالث: ~~جرم يقوم ذلك به، فهذا هو الجوهر، وتقديره، والعرض (2)، وقيامه به، إذا ~~وجد، فما هذا الهيولي في الهيولي؟ وأغرب (3) منه (4) أنهم (5) 1 يقولون: إن ~~الماء (6) كان عن انقلاب الهواء إليه، فقد خرجنا عن ذلك كله، وتهافتوا (7) ~~فيه، ولزمهم ما لا انفصال لهم عنه، وأما الحركة فقد بيناها، ولا معنى ~~لذكرها، على إرادة تغير الصفات، وإذا اصطلحوا كذلك عليها (8)، لم نمنعهم ~~(9)، ولكن لا يكون اصطلاحهم أصلا يركبون عليه معنى، فإن الاصطلاحات (10) لا ~~تتركب عليها المعاني. وأما المكان فلا نمنعهم (11) منه، ولا نبالي عنهم ~~(12) أكثر من أنهم زادوا في الحاوي، وليس من شرطه أن يكون حاويا، بل لو ~~فرضنا جوهرا بين أربعة جواهر لكان كل واحد مكانا لصاحبه، وكان (13) المحوي ~~منها واحدا (14). ### || قاصمة # قالوا: العرض عبارة عن معان، أكثروا فيها، قد أفسدناها في مواضعها (15)، ~~ومعولهم فيها الآن على الكمية والكيفية، والكمية عرض يقوم بالجوهر، من جهة ~~المقدار (16)، وهو عبارة عن كل ما يقبل التجزي. والكيفية هي (17) عندهم، ~~الهيئة في الأشخاص، احترازا عن الفصول، ms086 وهي عبارة عن PageV01P145 # كل هيئة (1) قارة في الجسم، لا توجب للجسم نسبة إلى خارج، ولا واقعة (2) ~~في أحد أجزائه، احترازا من الإضافة والوضع (3)، وإذا قرروا (4) الحرارة ~~والرطوبة واليبوسة؟ فهي أعراض تتعاقب (5) على الأجسام، وقد تزول البرودة عن ~~الماء، فلا يبطل كونه ماء، لأن ذلك معنى (6) في الهيولي، لا يدرك بالحواس ~~(7)، وقد قال قوم منهم لا يكون الماء حارا، لأن ذلك إبطال للطبع، ولكن ~~تمتزج (8) من أجزاء الناء، مع أجزاء الماء، إلى تخليط كثير في الامتزاج، ~~أصله [و 54 ب]، عندهم أن تمتزج العناصر وهي الأصول الأول، بحيث يفعل (9) ~~بعضها في بعض، وتتغير كيفيتها، حتى تستقر (10) للكل كيفية، متشابهة (11) ~~فيسمى ذلك الاستقرار امتزاجا، بأن يكسر (12) الحار من البرودة في البارد، ~~وعكسه، ونحوه الرطب واليابس، ولا بد أن تبقى (13) الصور (14) وهي القوى ~~الموجبة لهذه الكيفيات، لأنها لو بطلت، لكان ذلك فسادا، لا مزاجا، وقد قال ~~أرسطوطاليس (15): إن قوى العناصر الفاعلة باقية في الامتزاجات، ولا يوجد ~~امتزاج معتدل بحال (16)، والأرض ثلاث طبقات، والهواء أربعة (17)، والنار ~~واحدة. ### || عاصمة # أما الكمية والكيفية فهي عبارة عن المعاني التي (18) يسأل عنها بكم، ~~وبكيف، فيسأل بكم عن أشياء متألفة في الوجود المحقق أو المقدر، ويسأل ~~PageV01P146 # بكيف عن صفات، تكون تلك الأشياء عليها متوحدة أو مثناة. وقولهم: إنه ~~عبارة عما يقبل التجزي، صحيح في الجملة، ولكن أصله لا يتجزأ، وقولهم: ~~الكيفية (1) عبارة عن هيئات في (2) الأشخاص، قلنا: هذا باطل، بل هو منطلق ~~على ما يتشخص وما لا يتشخص، فهم إن اصطلحوا على هذا، لم نمنعهم، ما لم ~~يركبوا عليه مذهبا، وأما قولهم: إنها (3) هيئة قارة في الجسم فباطل قطعا، ~~بل يصح أن تكون (4) دائمة وزائلة، وأما قولهم: لا يوجب (5) نسبة، لا إلى ~~خارج، ولا واقعة (6) في الداخل. باطل، بل توجب (7) النسبة من طرفها (8) ~~الداخلة والخارجة. وأما قولهم: إن البرودة قد تزول عن الماء، فلا يبطل كونه ~~ماء، لأن ذلك معنى في الهيولي لا تدركه الحواس، فسخافة، لأن الأعراض ~~المتعاقبة على الجسم، لا يزول الجسم بزوال آحادها، وإنما يزول بزوال ms087 ~~جميعها، فلو فرضت في الماء زوال الرطوبة [و 55 أ]، كما فرضت زوال البرودة، ~~ما بقي ماء. وأغرب منه في إبطال مذهبهم، أن فرض زوال (9) البرودة يجوز ~~ويوجد، وفرض زوال الرطوبة (10) لا يجوز (11)، و (12) وجوده غير رطب، محال، ~~فلا يصح لهم مقال (13). وقولهم (14): إن الحرارة إن (15) زالت، لا يبطل ~~كونه ماء، لأن ذلك معنى في الهيولي، قلنا: فأفرض (16) زوال الرطوبة عنه ~~(17) أو (18) كلاهما، وتبقى (19) في الهيولي، ولا يصح لكم تقدير كون الشيء ~~على صفته في العدم بحال (20)، فلا تقطعوا قلوبكم في ذلك. PageV01P147 # وقول (1) من قال منهم: إن النار تمتزج مع الماء، فيصير الماء حارا، قلنا ~~على هذا الخباط: ولم لم (2) تكن النار باردة بهذا الامتزاج؟ وما الذي قضى ~~بذلك على الماء مع النار (3)، ولم يقض به للماء على النار؟. # وأما قولهم: إن العناصر الأول تمتزج فيفعل (4) بعضها في بعض. # فقولوا، من يمزجها؟. # لا تنسب المزج إلى طبعهما (5) إنك لا تدري من المازج # وارجع (6) إلى الله فإن الذي … # تخبر عنه همج هامج # وقولهم: إنه يفعل بعضها في بعض، كلمة باطل، أريد بها باطل. لا فاعل إلا ~~الله حقيقة، ولا فاعل مجازا (7) إلا الحيوان، وأما عنصر (8)، أو ماء، أو ~~نار (9)، أو حديد، فاعل (10) فلغو من الكلام باطل. ثم ما قالوا: إن كذا فعل ~~كذا، يعكس عليهم فيقال (11) لهم، لم (12) كان هذا فاعلا؟ وهلا كان الآخر ~~كذلك؟ وما الفيصل بين تلك الامتزاجات في التعادل؟ ومن المقدر لذلك ~~الاستقرار؟ وقولهم (13): إن الصور تبقى، محال، لو بقيت الصور، ما كان ~~امتزاج، وإن فسروا الصورة بما ليس بمشاهد فهو باطل، ولا يبقى مع الامتزاج ~~صورة، ولا هيولي لشيء من الممتزجين، إلا ما اشتركا فيه عنذ الانفصال، فذلك ~~الذي يبقى بعد الامتزاج. # وقول ارستوطاليس (14): إنه لا يكون امتزاج لمعتدل (15) أبدا، قلنا: وكيف ~~لم يكن من الخير المحض اعتدال في شيء مما (16) صدر عنه من الامتزاجات؟ ~~PageV01P148 # أعن عجز أم عن جهل؟ [و 55 ب] لقد ضل (1) من ضلت عليه المقاصد. وقد قالوا: ~~إن كل جسم بسيط فله شكل ms088 طبيعي، وهو الكرة، ومكان طبيعي، وهو الذي يوجد به، ~~فإن تحرك، فإنما يتحرك إلى مكانه الطبيعي (2)، فيقال (3) لهم: بل شكله ~~التربيع ولا فرق، وإن تعلقوا بهيئة الفلك، فقد (4) خاب من تحلق بذلك وهلك، ~~ثم يقال لهم (5): فإذا إمتزج البسيطان أو البسيط، وتركبا أو تركب، فهل يزول ~~ذلك الطبع؟ فإن قالوا: يزول، قلنا: ما من حقيقة تكون (6) لشيء تزول ~~بمجاورته (7) لغيره، وليس في العالم خلط، وإنما هو كله مجاورة، حتى لو خلطت ~~لبنا بماء، لكانا منفصلين (8)، بل لو خلطت ماء من كوز، بماء من كوز، لما ~~كانا إلا متجاورين، وهذا أصل من أصول الحقائق، ضلوا عنه، فتاهوا ولم ~~يهتدوا. # ثم يقال له (9): ومن أطبعه لذلك المكان؟ أنفسه أم غيره؟ فإن كانت نفسه، ~~فلم غير نفسه (10)؟ وإن كان غيره، فدع الغير يحكمه، ويكون ذلك الغير هو ~~الفاعل حقيقة. # وقولهم: فإن تحرك، يقال لهم: ولم يتحرك؟ ولا يقولون فيه ما ينفع. وقولهم: ~~فإن تحرك فإنما يتحرك إلى مكانه الطبيعي، وهذا تهافت عظيم، يكون في موضعه ~~بالطبع، ثم يتحرك منه إلى مكانه بالطبع فكل موضع له بالطبع (11) الذي هو ~~(12) فيه، والذي (13) ينتهي إليه. والذي يمر عليه، لا شك أنه أيضا بالطبع، ~~يخرج في حال من أحواله عن الطبع، هذه سخافات لا تعقل من أقوالهم. ~~PageV01P149 ### || قاصمة # قالوا في الامتزاج والتكوين والفساد: ما لا يحصى من الفساد والعناد، ~~ولكنا نضبط منه لكم الآن جهالتين: ### || الجهالة الأولى: # قالوا: إذا سخنت الشمس الأرض، بواسطة الضوء صعدت من الرطب بخارا، ومن ~~اليابس دخانا، وما ثخن (1) منها - وهو الجهالة الثانية: في باطن الأرض ~~معادن، فيتكون [و 56 أ] في الجهالة الأولى، من مادة البخار: الغيم والمطر، ~~والثلج والبرد، وأشياء ذكروها، فمتى ارتفع من الطبقة البخار (2) من الهواء ~~إلى النار (3)، ثقل وتكاثف (4) بالبرد، وانعقد (5) فصار غيما. # قالوا: ويتكون من مادة البخار (6) الريح، و (7) الصاعقة، والشهب، ~~والكواكب ذوات الأذناب، والرعد، والبرق. فإذا تصاعدت ارتفعت في وسط البخار ~~(8)، فهي أميل إلى جهة الفوق (9)، فإذا ضربه البرد، ثقل وانتكس، وتحامل على ~~الهواء دفعة (10)، وحركه ms089 الهواء بشدة (11)، فحصل الريح، وإن لم يضربه ~~البرد، تصاعد إلى الأثير، واشتعل النار فيه، وكان (12) استطال الدخان، كان ~~كوكبا، منقضا، وان كان لطيفا انقلب نارا فلا ترى (13) فإن النار تخرج عن ~~المشاهدة، بأن تصير ماء صرفا، أو تنطفئ فتصير هواء (14)، وإن بقي ~~PageV01P150 # شيء من الدخان في الغيم فتحرك بشدة صار رعدا، فإن قويت حركته صار نارا، ~~وهو البرق، وإن كان (1) كثيفا ثقل إلى الأرض، فصار صاعقة، ولا يخلو برق عن ~~رعد، ولكن بحدة البصر يرى (2) ولا يسمع (3)، لأن البصر يدرك بغير زمان، ~~والصوت لا (4) يسمع (5) ما لم يتحرك الهواء كله. ### || عاصمتها # أما قولهم: إذا ارتفع البخار من الهواء إلى النار (6)، باطل (7)، ليس ~~للهواء وصفان، إنما هو حار أو بارد. وقولهم: ارتفع البارد إلى الحار، تخليط ~~(8)، بل يرتفع الحار إلى البارد، لأن شأن الحار الارتفاع، وشأن البارد ~~الانخفاض. وأما قولهم: ثقل، فكيف بثقل حار؟ لقد انقلبت عليكم الأمور. ~~وقولهم: فيتكاثف (9) أقلب! لم يتكاثف (10) الحار بلقاء البارد ولم يتلطف ~~(11) البارد، بلقاء الحار؟ وقولهم: انعقد فصار غيما، يقال لهم: من يمسك ~~المتكاثف الذي شأنه الاستفال؟ ومن جعل النار تصعد إليه؟ والمتكاثف يثبت فلا ~~ينزل؟. وأما قولهم: يكون من مادة البخار الريح لأنه إذا [و 56 ب]، تصاعدت ~~... قلنا: من أين (12) هي المتصاعدة. قالوا: ارتفعت في وسط البخار. قلنا: ~~ولم لم تنته إلى الطرف؟ إذ هي أميل إلى جهة الفوق كما قلتم. وقولهم (13): ~~إذا ضربه (14) البرد ثقل. يقال لهم: فكيف يثبت (15) مع الانتكاس في مقره؟ ~~فإلى أين يبلغ (16)؟ وإلى أي حد انتكس؟ ومن قدر له هذا PageV01P151 # التقدير، ورتبه (1)؟ أطبع هو (2)؟ فقولوه (3)، أم أمر غيره؟ فعينوه (4). ~~وقولهم: إنه ينطح (5) الهواء (6) فتحصل الريح. قلنا: دعوى ويبطلها العيان، ~~نحن نشاهد الريح ولا بخار، ولا دخان، ولا غيم، إلا (7) الصفاء المحض، وقد ~~يكون الغيم أعظم ما كان حتى يظلم الأرض، ولا يكون عليها (8) ريح، وينجلي ~~(9) عن غير شيء. وقولهم: إن لم يضربه البرد تصاعد إلى الأثير. ما الذي ~~يمنعه عن ضرب (10) البرد له؟ أعدم البرد أم يلقاه فيحول ms090 بينه وبينه حائل؟ ~~ومن هذا الأثير الذي يصعد عليه؟ وربما حال بينه وبينه الوثير، فإن قالوا: ~~وما الوثير؟ قلنا لهم (11): أبو الأثير، خلطا بخلط، وتضلالا بتضليل (12). ~~وقولهم: تشتعل النار فيه. قلنا (13): أحطب هو؟ فإن قيل بطبعه يقبل ~~الاشتعال: قلنا: وما طبعه؟ فإن فسروه لم نعدم (14) إبطاله مما تقدم. ~~وقولهم: إن استطال الدخان صار كوكبا. يقال لهم: كذلك (15) النار (16)، إذا ~~اشتعلت صارت (17) ماء، يا حمقي (18) ما للدخان (19) المظلم، وللنور المضيء ~~إنهما (20) ضدان طبعا (21)، ووصفا، ومشاهدة، أسفسطة (22) تقولون (23) أم ~~على الله تفترون (24)، وقولهم: إن كان لطيفا انقلب نارا، في المحال مثله. ~~PageV01P152 # والطامة العظمى عليهم قولهم: إن النار المتكونة (1) من البخار إذا كان ~~لطيفا تصير (2) ماء صرفا. فيا (3) لله ولهذه العقول التي تسمع مثل هذا، دع ~~عنك التي تقوله (4). وقولهم: إن تحرك شيء من الدخان صار رعدا. قلنا: ليس ~~الاصطكاك لبخار متفكك (5)، إنما [و 57 أ]، يكون لجسم مصمت، ثم (6) من ~~يحركه؟ وإذا تحرك، من يمسك الآخر حتى يصدمه هذا؟ ولعله يدفعه فيندفع له. ~~وقولهم: فإن قويت حركته صار نارا. قلنا: و (7) لم يصير نارا؟ وهلا انقلب ~~رجلا مخذولا عندكم، يقول: إنه فعل الله له (8)؟ أو ينقلب ثورا؟ أو ينقلب ~~ترابا؟ أو (9) هواء؟ وقولهم: إن ثقل صار صاعقة (10)، قلنا: لا ندري ما ~~الصاعقة، إلا (11) صوت حيوان أو هدم بنيان؟ أو (12) يقال لهم: إذا لطف صار ~~نارا، وإذا كثف لم لا يصير طينا؟ وقولهم: لا يخلو برق عن رعد، المشاهدة ~~تكذبه، فإنا نرى البرق في الصحو الذي لا يكون معه غيم أبدا، ويتقدم البرق ~~الرعد قلب ما قالوا. ### || الجهالة الثانية: # فيما يتكون من المعادن في باطن الأرض ينطوي (13) على قاصمة، من جملة ~~الجهالة الأولى، وهي أن الشمس تصعد من الرطب بخارا، ومن اليابس دخانا، إذا ~~سخنت الأرض، فيتكون (14) في باطنها أبخرة، فيتصاعد من باطنها من تلك ~~الأبخرة، لما (15) سرى من حرارة الشمس فتنفش (16) وتتفرق (17) في الخروج ~~PageV01P153 # من مسام الأرض إلا ما يقع تحت الجبال الصلبة، فإنها لا تنفش (1)، فإذا ~~احتقن صار مادة للمعادن، وإذا ms091 وجد منفذا في شعب الجبال، فإن كان ضعيفا، ~~بردته (2) حرارة الشمس ورجع (3) هواء، وإن كان قويا، أو كانت حرارة الشمس ~~ضعيفة، ولم تؤثر الشمس فيه فيجتمع، وربما أعانت الريح على جمعه، بأن تسوق ~~البعض إلى البعض حتى يتلاحق، فإذا انتهى إلى الطبقة الباردة تكاثف (4)، ~~وعاد (5) ماء، وتقاطر، فيسمى (6) مطرا، فإن أدركه برد شديد جمد (7) ونزل ~~كالقطن المندوف، وإن (8) لم تدركها (9) برودة حتى اجتمعت قطرات ثم أدركتها ~~حرارة من الجوانب فانهزمت (10) البرودة إلى بواطنها صارت (11) بردا. ### || عاصمة # قال القاضي أبو بكر (12) رضي الله عنه: لهذا وأمثاله [و 57 ب]، قال ربنا ~~تعالى: {ما لكم كيف تحكمون أفلا تذكرون أم لكن سلطان مبين} [الصافات: 156]، ~~قولهم: إن الشمس تفعل كذا إلى قولهم دخانا (13). تحكم بغير علم، وتشهي (14) ~~بغير نيل (15)، وقولهم: إن تلك الأبخرة تنفش (16). ما الذي ينفشها (17)؟ ~~وقولهم: تخرج (18) من مسام الأرض، يريد من خللها، ما من PageV01P154 # مسم (1) إلا وتدخل عليه حرارة، فكيف (2) تخرج منه البرودة أو حرارة ~~مثلها؟ وقولهم: إلا ما يقع تحت الجبال الصلبة. فمن أين لم يمنع الجبل (3) ~~من دخول الحرارة، ويمنع (4) من خروج البخار؟ فإن دخل عليها حرارة، خرج عنها ~~بخار، ولم لا يكون (5) حر الشمس (6) يأخذ من الجبال (7) عمقا بمقدار ما ~~يأخذ من الأرض، ويكون الواحد في النفوذ إلى باطن الأرض، واحدا، سهلا أو ~~جبلا؟ وقولهم: إذا اختنق صار مادة للمعادن. وكيف يكون حر الشمس مادة، وهو ~~واحد، ذو طبع، وصورة لمعان متضادة؟ فقد بينا استحالته. ويقال لهم: حر الشمس ~~النافذ في جوف الأرض ولده، فكيف يقال إذا برز إليه برده؟ وكيف يصح أن يرجع ~~البخار هواء، أو (8) ينقلب الحال فيه؟ وهلا رجع نارا أو ماء؟ وقولهم: إذا ~~تكاثف صار ماء. قلنا لهم: هذا البخار لا تدرون قبل، إلى أي شيء تردونه، ~~تارة نارا، أو هواء، أو ماء، أو معادن، أو بروقا، أو غيما، أو رعدا، ~~فقولوا: إنه رجع صخرة، أو فيلا، أو حمارا، أو ثورا، أو (9) ما هذه الخذلة ~~(10)؟ ألا ترون (11) مروة (12) عن هذه السخافة؟ ومن اللطيفة ms092 (13) التي جعلت ~~الطبيعة الباردة في ذلك الوضع؟ ورطبت (14) تلك الطبقات، ترتيبكم التحكم ~~فيه؟ وهذه اللطيفة بسيط هي (15) أم مركب؟ مادة أم صورة؟ و (16) كيف ينتظم ~~هذا كله معها؟ فسروها وركبوا المعنى عليها، وذلك لا يتمعنى أبدا. # وقولهم: ربما أدركه برد شديد. ما البرد؟ فسروه وأي شيء [و 58 أ] أوصل ~~البرد إلى ذلك الموضع؟ ومن جعله فيه؟ وليس ذلك بغريب في PageV01P155 # قدرة الله، فإن الذي ركب لكم (1) هذا البرد. في كلامكم قادر على ذلك كله، ~~لو (2) نسبتموه إليه، كما ينبغي، لا كما تقولون. وقولهم: إذا (3) أدركته ~~حرارة صار بردا. ولم لا يصير نارا، أو رمادا؟ و (4) من جهالة، في جهالة. ### || قاصمة # قولهم: إن البخار إذا احتقن في الأرض كان كبريتا، وربما انعقد كالماء ~~الصافي فيصير (5) ياقوتا، إذا استحكم امتزاج (6) الدخان بالبخار كان نحاسا، ~~وذهبا، وفضة، ورصاصا، وقالوا خرافات (7) استحيي إيرادها، جملته (8) أن كل ~~ما عقده البرد يذيبه الحر. ### || عاصمة # قال القاضي أبو بكر (9) رضي الله عنه: نقول لهم: أين ما كنتم تهينمون ~~(10) به في لطافة المعاني، ودقة الألفاظ، ورقة الخواطر في الرياضيات (11)؟ ~~وما الذي يصير الدخان والبخار كبريتا؟ ولم صار، وهذا في بقعة، وهذا في أخرى ~~(12)؟ هلا انقلبت الحال؟ وما معنى قولكم: استحكم امتزاج البخار بالدخان ~~(13)؟ والبخار عندكم ما يفيض عن رطب، والدخان ما يفيض عن يابس (14)، والأرض ~~باردة، يابسة، ففاض الحار (15) [عندكم على البارد فبخره، وعلى اليابس ~~فدخنه، وهلا فاض على البارد،] (16) فوقف وعجز PageV01P156 # عن تأثير (1) فيه (2)؟ وهلا (3) بلغ الحار اليابس فأحرقه (4) كما تفعل ~~النار بالحطب إذا كانت يابسة؟ وإذا بخرت أو (5) دخنت، وكان التأثير للحار ~~في البخار والدخان، فالذي (6) يقلب البخار لؤلؤة، أو كبريتة (7)، أو نقرة ~~(8)، أن أدمغتكم لنقرة (9)، وما معنى قولكم: استحكم؟ أمن ذاته وبنفسه أم ~~بواسطة من غيره؟ وما الذي يقعد به عن الاستحكام ويجعله عزين؟ ومن يعارضه؟ ~~فلا تقولون (10) ما ينفع، وكل حرف تنطقون (11) به فجوابه منه، مع (12) ما ~~تقدم، فليرد إليه. ### || تكملة # (13): # قال القاضي أبو بكر (14) بن العربي رضي الله عنه: إنما سردنا لكم ms093 هذا كله ~~استدراجا لهم (15) لتسمعوا كلامهم [و 58 ب]، وتكشفوا غاية عقولهم، والطريق ~~التي بها (16) أرادوا أن يقفوا (17) على حقائق الأشياء، بزعمهم دون ~~الأنبياء، وهلا نسبوا ذلك كله إلى الله تعالى، وقالوا إنه الخالق لذلك كله، ~~شيئا بعد شيء، وطبقا بعد طبق، فالقوم بجهلهم رأوا تركيب شيء على شيء، ~~فنسبوا الثاني إلى الأولى، وذهلوا أو (18) قصدوا أن ينسبوا الثاني، وما ~~(19) PageV01P157 # بعده إلى ما نسبوا إليه الأول (1)، وسموه بأسماء (2)، وجعلوا له قوى. # فإن قيل لا يصح أن يكون شيء واحد مبدأ لشيئين (3) بحال - قلنا: هذا هو ~~(4) الواجب، فلم أحلتموه؟ فإن قالوا: إلى الطبع، قلنا: فلا يكون عن الأول ~~إلا مثله، وكذلك (5) يلزم في الثاني والثالث، فمن أين جاء هذا الاختلاف؟ ~~فإن أعادوا ذلك الكلام المتقدم من وجود التركيب بأسبابه (6) فقد تقدم ~~الجواب عنه. ### || قاصمة # نبغت طائفة تسترت بالإسلام (7) وهي تبطن (8) عقائد الأوائل (9)، فقالت: ~~لا يفتقر في معرفة الله، ولا في وجوب ذلك على كل (10) أحد، إلى شرع. وقالت ~~مؤكدة لذلك: إن القول بأن معرفة الله تقف على الشرع، يبطل (11) الشرع، وذلك ~~أن نبيا لو عرض دعواه، وأظهر آيته، ودعا الخلق إلى النظر في قوله (12)، ~~والإيمان به، وكان لا واجب إلا بالشرع، لقالوا له: لا يجب علينا في معجزتك ~~نظر، لأنه لا واجب إلا بشرع (13) متقرر (14)، ولم يتقرر بعد شرعك، ولا ظهر ~~صدقك، فآل إيقاف الوجوب على الشرع إلى نفي (15) الشرع. وهذه أعظم شبهة لهم، ~~قال علماؤنا قولا بديعا: إذا ظهزت المعجزة PageV01P158 # فقد دل (1) الشرع، واستقر الوجوب، ووجب على الخلق النظر، والإيمان، وليس ~~من شرط الوجوب على المكلف فيما أوجبناه عليه من ذلك، علمه بوجوبه، إنما ~~الشرط تمكنه من ذلك، وكونه بصفة من يصح [و 59 أ]، منه ذلك على معنى نفي ~~الآفات المضادة للقدرة والعلم، عنه، ولهذا قال علماؤنا لا يصح قصد التقرب ~~إلا الله بهذا الواجب الأول، لأن (2) من شرطه معرفة المتقرب إليه، ولما ~~يحصل بعد. ### || عاصمة # قال أبو بكر (3) رضي الله عنه: هذه طائفة لم تعلم العقل، ولا عقلته، ms094 ولا ~~علمت الوجوب. وقد بينا أن العقل إن (4) افتقر إلى بيان، ووقع فيه خلاف، ~~فامسحوا أيديكم عن أنفسكم، إنما أرادت الإلباس على الخلق من أول اللوح، ~~فماذا (5) ترجون (6) في أثنائه من البيان؟ أو (7) كيف تبلغون (8) إلى آخره؟ ~~وهم يقولون: إنه مشترك (9)، من معانيه (10)، صحة الفطرة، ومنها التجربة، ~~ومنها الوقار والسكينة، وزادوا على (11) إخوانهم الفلسفية، أنه علوم ~~ضرورية، وعلوم نظرية، وعملي، وهيولاني، وملكي، وفعلي، ومستفاد، وفعال. # أما الأول فقد نسبوه (12) إلى أرستوطاليس (13)، وفرق بينه وبين العلم ~~وقال: إنه تصورات، ومعان تحصل للنفس بأصل الفطرة، والعلم يحصل PageV01P159 # بالاكتساب، فتلقفه الخليل (1) منه، وقال: إن (2) العلم (3) معرفتان ~~مجتمعتان، فعرف زيدا قائما، حال لزيد، وعلمت زيدا قائما، مفعول ثان لعلمت، ~~وهذا اصطلاح بارد تلقفه الخليل رسطالية، وادعاه عربية، ولا سبيل إليه بحال. # لأن العقل هو العلم بعينه على ما نبينه إن شاء الله. قالوا (4): وأما ~~العقل النظري فقوة في النفس، تقبل بها ماهية الأمور الكلية، والحس يقبلها ~~جزئية وأما العملي (5) فهو قوة النفس مبدأ لتحريك (6) القوة التشوقية (7) ~~إلى ما يريده (8) من الجزئيات. وأما الهيولاني فهو كاستعداد الصبي للقبول، ~~وأما الملكي فهو أن ينتهي إلى حد التمييز، حتى إذا عرض عليه شيء وجد به ~~عارفا. وأما الفعلي (9) [فهو الذكر. وأما المستفاد فهو ما حصل واستقر، ولم ~~[و 59 ب] يفتقر إلى مادة. وأما الفعال] (10) قالوا: فهو نمط آخر، وهو كل ~~ماهية مجردة عن المادة فهو من جهة ما عقل جوهر صوري، ماهية (11) مجردة في ~~(12) ذاتها عن علائق المادة من جهة (13)، هي ماهية كل موجود، وهو فعال، ~~PageV01P160 # لأنه يخرج الفعل (1) الهيولاني من القوة إلى الفعل، بإشراقه (2) عليه. # قال القاضي أبو بكر (3) رضي الله عنه: فما ظنك بمعلوم بين يدخل في ~~الأشكال في هذه السوق الكاسدة، ويباع البيوعات (4) الفاسدة، العقل كما قال ~~الأول: # وقد ظهرت (5) فما تخفى على أحد … # إلا على أحد لا يعرف القمرا (6) # وهو في لسان العرب العلم، لا فرق عندهم بين عقلت وعرفت وعلمت، وما رتبه ~~النحاة من الذات والصفات في العبارات لا ينبني عليه ms095 (7) حكم، لأن العرب لم ~~تنتح به ما انتحوا، ولا أضمرت ما أضمروا، والقوم مشكورون على ما رتبوا غير ~~مأموم بهم (8)، فيما قدموا (9) من المعاني وصوروا، والخلق كما قال الله عز ~~وجل: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا} [النحل: 78] ثم يخلق ~~لهم العلم، العقل، المعرفة، التمييز، الإدراك، التفطن، الذكر، إلى آخر ~~الخطط والأسماء، رتبة بعد رتبة، وشيئا بعد شيء، وليس فيه استعداد لذلك من ~~عند الله (10) فيه إلا ما ينشئه (11) له، كما ينشئه (12) في الشجر، والحجر، ~~وطرف الظفر، والأنملة، لا يختص (13) ببنية، ولا يلزم (14) بحالة، فإن (15) ~~جرى شيء من ذلك على صفته، ففي عادة، لا (16) علة، وحالة عارضة باتفاق، من ~~صنع الله وإرادته لا واجبة في مخلوقاته، PageV01P161 # ويخلق له علما مركبا على علم يجده (1) متساويا في ثمرته وإفادته، فيكون ~~تجربة (2)، فإن ظهر على أقواله وأفعاله، كان منتفعا له، [لأنه المقصود منه، ~~وإن لم يظهر نفي عنه لوجهين، قد تقدما (3)] في قوله - صلى الله عليه وسلم - ~~(4) [و 60 أ]: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" (5)، أحدهما كمال (6) ~~العلم من طرفه، والثاني نفي ذاته إذ (7) لم تظهر فائدته في تلك الحالة. ~~فأما (8) القول بأنه علوم ضرورية (9) فإنما تعلق بها المتكلمون من علمائنا، ~~لأنهم رأوا أنه (10) لا يبتلي الله بأوامره ونواهيه، إلا من جعل فيه، ~~مقدمات من علومه، فتلك المقدمات، لما سماها الله عقلا، ظنوا أنه كل (11) ~~العقل، ولا يلزم ذلك، [لأن الله قد سماها علما فقال. {إن (12) في] ذلك لآية ~~(13) لقوم يعلمون} [النمل: 52] كما قال: {إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون} ~~[البقرة: 164] وأما قولهم: إن النظري (14) قوة في النفس تقبل بها الماهية ~~للأمور الكلية. فهو العلم السابق لا يكون بعده، ويترتب عليه، وتسميته (15) ~~قوة مجاز لا معنى له، وقولهم: يقبلها كلية، والحس يقبلها جزئية. كلام فاسد، ~~بل يقبلها جزئية تامة إلا أنه بتدريج، والحس يقبلها جزئية كرة، نعم من ~~المحسوسات ما لا يحصل إلا كليا، وهو الأكثر، وأما قولهم: إن العملي قوة هي ~~(16) مبدأ (17) التشوقي (18). فهي دعوى ما لا يوجد، ms096 وعبارة لا تفيد. أما ~~قوة فلا معنى لقولها، وأما قوله (19): بتحريك القوة التشوقيه (20) فكأنهم ~~يريدون الفكر، وهو ترديد النظر في PageV01P162 # التطلع (1)، والتشوق (2) إلى المطلوب، وهي كلها معارف وعلوم، تجمع وترتب، ~~لتفيد، وهو الذي يسمى النظر. وأما قولهم: إن الهيولاني (3). هو الاستعداد، ~~فمجاز (4) بعيد، لأن استعداد المحل لأن يكون (5) عاقلا (6) يسمى عقلا، إلا ~~مجازا بعيدا، كما تسمى النطفة إنسانا لاستعدادها للإنسانية. وأما عقلا، إلا ~~مجازا بعيدا، كما تسمى النطفة إنسانا لاستعدادها للإنسانية. وأما قولهم في ~~الملكي: فإنما عبروا به عما حصل من العلم، وملكة الإنسان، فهو يتوصل به، ~~ويتوسل، إلى ما وراءه. وأما قولهم: إن الفعلي هو الذكر (7) فلا يصح أن يسمى ~~فعليا، لأن الذكر ليس بيد (8) المرء لطول [و 65 ب] الذهول عنه (9)، فلا ~~يرده أبدا إليه، إلا أن يرده إليه واهبه ابتداء، أو بسبب (10) يخلقه له، ~~عنده، فالشيء بالشيء يذكر. وأما قولهم: إن المستفاد هو ما لم يفتقر إلى ~~مادة. فمعناه ما لم يحتج إلى أن يقتنص بنظر، ولا يسعى في تحصيله. # وهذا كله يبين (11) لكم أنه علوم، بعضها يتلو بعضا ويتوالى مع البعض، لا ~~سيما على مذهبهم في تلا (12)، وتوالى، على ما يفسر في موضعه. # قال القاضي أبو بكر (13) رضي الله عنه: وأما قولهم: في الفعال فذلك هو ~~الداء العضال، هو المبدأ الأول عندهم الذي (14) عن ذاته صدر الكل، من عقل، ~~وبسيط، ومركب، وكرة، ومربع، وحار، ورطب، وبارد، ويابس، ولكن اختاروا له ~~العقل لشرف الاسم، دون الكثرة، وغيرها من الأسماء، فله ماهية في ذاته ~~عندهم، وهو مادة كل ماهية، إذ يخرج الهيولي إلا الصورة PageV01P163 # والفعل، بفيضان (1) نوره عليه، لا بعلم، ولا بقدرة، ولا بإيثار، ولا بشيء ~~من تلك المعاني الواجبة له. وقد تبين لكم أن هذه أسماء، لا فائدة تحتها، ~~وتهويلات، لا طائل وراءها. # قال القاضي أبو بكر (2) رضي الله عنه: فإذا تقرر أن العقل هو العلم أصلا، ~~وتقرر بيننا وبين هذه الطائفة المتسترة بغطائنا فرعا، بنينا عليه غرضنا ~~معهم، وقلنا لهم: إذا كان العمل هو العلم (3)، أو ms097 نحو منه، أو صفة يتأتى ~~بها درك العلوم، وكان الوجوب عبارة عن فعل يتعلق به الذم (4) عندنا (5) أو ~~العقاب عندكم (6)، فأي معنى يربط أحدهما بالآخر أبدا؟ وتحقيقه أن الوجوب ~~ليست (7) بصفة تقوم بالموجب، كسائر صفات المعاني القائمة بالذوات، وإنما هو ~~عبارة عن لزوم الفعل لفاعله، واللزوم عبارة عن قول صدر عن الموجب اللزم، لم ~~تحصل (8) فيه مثنوية، ولا مكن فيه من تركه (9)، إن كان من طريق الابتلاء، ~~وإن كان من طريق الضرورة الآدمية [و 61 أ] كشرب العاطش، وأكل الجائع، فهو ~~عبارة عن استدعاء النفس فعلا، قام بذات المستدعى له، دل إليه، يذهب به ~~(10)، ما قام به، أو يجلب إليه، ما ينتفع به. ومعرفة الله صفة مكتسبة ~~بأمره، فما لم يكن منه أمر (11)، لم يكن له وجوب، لا (12) سيما وهم يقولون: ~~إن الوجوب يعرف باستحقاق العقاب، وذلك خبر عن فعل، يقع عقيب (13) فعل، وذلك ~~لا يعلم إلا بالخبر، أو بالعادة، وشيء من ذلك ليس عند المكلف. # فإن قيل: قد تقدم أنه يقوم بذات المكلف خاطر بأن له ربا أنعم PageV01P164 # عليه، وأن ذلك يعين شكره، ويحضر (1) خاطره، أنه إن شكره أثابه، وإن ترك ~~ذلك استحق عقابه، فيستحثه عقله على تخليص نفسه، قلنا: هذه مقدمات (2) فاسدة ~~في ذاتها (3)، فاسدة بنقصانها. أما قولهم: إنه يقوم بذات العبد، أن له ربا، ~~فإنه كلام ملتبس (4) ابتدئ به، وركب عليه مثله (5)، أما تصور قيام هذا ~~الخاطر بالقلب الفارغ عن أمثاله ففرض (6) محال عادة، فإن العبد (7) إنما ~~يعقل (8) عند نشأته منافعه الحسية، وملاذه، ووجه طرق تحصيلها بأسبابها التي ~~تشاركه في جملتها وتفصيلها البهيمة، وغيرها، إذ كل نفس سواها ربها، وألهمها ~~فجورها وتقواها وعبر عن المنفعة بالتقوى وهي منها، وعن المضرة بالفجور وهي ~~منها، بحكمة عظيمة بيناها في أمالي "أنوار الفجر". # فأما النظر في الصانع وحقيقته، والخاطر على أصل الوجود وصفته، فلا ينشأ ~~في الخاطر ابتداء في العادة بحال إلا أن يقرن بسماع أمثاله، من أشكاله، ~~فيما هو عليه من أصل الفطرة، لتوضح (9) الجادة التي يتفطن لها، وإنما ms098 يتصور ~~هذا كله بعد إرسال الرسل، والتعريف بالإله، وإلزام الشكر، فشاع ذلك في ~~ألسنة الخلق، فمن سمع بالتحقيق، فسلك الطريق، أفضى به إلى المورد، [و 61 ~~ب]، ومن سمع التحقيق وأخطأ (10) كأمثالكم الطريق، وقع في الهلكة. وقد يرى ~~بعضهم قوما يعبدون الأصنام والحجارة، لأنها - بزعمهم - تضر وتنفع، فيرى ~~بخاطر عارض بقدر (11) سماوي إلهي، أنها (12) ليس كذلك، فيعلو بهمته إلى ~~فوق، فيعبد الشعري العبور لضيائها، أو (13) القمر، أو الشمس. وقد يرى آخر ~~أن هذا ليس بشيء، أو يسمع (14) أن هنالك دينا خيرا PageV01P165 # من هذه الأديان، فيخرج في طلبها، فيسمع كلاما ممزوجا فيقبله، أو يعرض ~~عنه، وينتظر سواه، وقد سمعنا حال قس (1)، وورقة (2)، وكلام لبيد (3)، ~~والأعشى في التوحيد، والنابغة، وذلك كله بأطراف من التوحيد، كانت تتعلق ~~بهم، مما بقي بأيدي أتباع الأنبياء عليهم السلام من مقدمات الملل (4). وأما ~~قولهم: إنه يرى أنه يلزمه (5) شكره، فبأي (6) شيء يرى ذلك؟ إن قلتم: إنه ~~ينشأ له ضرورة فيلزم وجوده في جميع الخلق، لاشتراكهم في الضروريات (7)، أم ~~يخطر له نظرا، فإن كررتم النظر الأول، فقد تقدم التقصي (8) عنه وإن قلتم: ~~إنه يحمله على المنعمين من الخلق فما أفسده من نظر! كيف يشبه (9) أو يقاس، ~~من لا يجوز عليه الحظ، ولا يتعلق به النفع، والضر، ولا تقوم به اللذة، ولا ~~يتكثر بالقلة، ويطلب العوض، على ما تناله (10) الرغبة في (11) الحظوظ (12)، ~~واللذة، بالأسباب والتكثر من القلة، ويطلب العوض؟ و (13) هذا تشبيه فاسد، ~~وبهذا انطلقت صفة التشبيه على الطوائف كلها، خلال أهل السنة. وزادت هذه ~~الطائفة بأنها (14) عطلت في الصفات، وشبهت في الأفعال، فانسلت عن ربقة ~~التوحيد. PageV01P166 # وأما ذكرهم في الخاطرات (1) أنه إن شكر استحق ثوابه فما سبب هذا ~~الاستحقاق؟ هل نفس الفعل (2)؟ فهذا محال من طريق النظر، لأن الشكر جزاء ~~نعمة، فكيف [و 62 أ] يستحق الجزاء على الجزاء؟ وإن كان إنما يستحقه بالخبر ~~منه عن ذلك - وتقدير سواه محال - فالقول به (3) محال لأنه لم يكن هنالك بعد ~~مبلغ للخبر. وأما قولهم: إن قصر استحق عقابه. فما لم ms099 يكن سبيل إلى استحقاق ~~الثواب (4) لا يتصور معه استحقاق العقاب، لاتحاد الطريق. ### || قاصمة # نبغت طائفة قالت: إن المعول المرجوع إليه، هو قول الله وحكمه، وإن الموصل ~~له إلينا واسطته (5)، وهم رسله الذين أولهم آدم، وآخرهم محمد - صلى الله ~~عليه وسلم -، وهذه كلها دعوى (6)، فإن العقول ترشد إلى السياسة الأيالية ~~(7)، والقوانين الحكمية، وقانون التدبير الجامع للمصالح المنتظمة لعامة ~~الخلق، وإصلاح (8) الأخلاق، وتطهير الأبدان عن أوصاف النجاسات، والقلوب عن ~~أخلاق الدناءات، حتى يطرد الاصلاح (9) في الباطن والظاهر، ويستمر البقاء ~~على العيش الطيب، واستقامة الخاصة والعامة، وهذه كتب الحكماء (10)، بسيرهم ~~في أنفسهم، ووصاياهم لغيرهم، تتضمن جميع ذلك، فمن أراد النظر فيها فقد جليت ~~له في منصتها. وكفى بعد ذلك بإيضاح العقول رسلا، وبمقتضياتها (11) أدلة ~~مادة (12) إلى الغني الذي لا يصحبه فقر، والنعيم الذي لا يقترن به كدر، ~~والكمال الذي لا يتطرق إليه (13) نقصان، ولو عولنا في درك الحقائق على ~~PageV01P167 # الأنبياء، ما كنا نقف على حقيقة أبدا، فإنهم يقولون نحن رسل الله، ويأتون ~~بأفعال غريبة، تخرج عن حد العادة، فيتحدون (1) بها على صدقهم، بطريق أنها ~~فوق طوق البشر، يأتي الله بها على جهة العضد لهم، والتصديق لقولهم، وتلك ~~الأمور الغريبة التي يأتون بها، داخلة في طوق البشر، محمولة إما على خاصة ~~أدركوها، أو على وجوه من الحيل [و 62 ب]، نظموها على بعد وجمعوها، حتى ~~انتهمت إلى هذه (2) الحالة (3) التي أشهدوها (4) للخلق وأبرزوها، ولو لم ~~يكن في الدنيا إلا حجر المغناطيس الذي يجذب الحديد من بعد، ولا يجذب الذهب، ~~ولا هدبة الثوب (5)، ونحن نرى السحرة يأتون بالغرائب، حتى إن الواحد منهم ~~ليهزم الجيش، ويرد الجم الغفير فلا (6)، ويجري الماء على الأرض سيحا، وينزل ~~المطر صيبا (7)، ويريك الجدب خصبا (8)، ولا يحسب (9) في الحقائق فعله، ولا ~~يقبل (10) قوله، هذا إلى ما في الوصول إلى حالة القبول من الرسول من العقاب ~~التي لا (11) يقطعها بازل، ولا يكون الفكر عنها أبدا إلا نازل، منها معرفة ~~حقيقة النبوة (12)، وإثبات كلام الله تعالى الذي يترتب عليه إرسال الرسل، ~~جواز بعثة ms100 الله الرسول، ومنها تعيين ما تأتي به، فإنها إن قالت ما يعلم ~~(13) فلا يحتاج إليها، وإن قالت ما لا يعلم (14) فلا يقبل منها، مع أنا ~~رأيناهم يقولون أشياء يردها العقل، وأكثر الخلق لا يقبلونها، وأي فائدة في ~~مخاطبة من يعلم أنه لا يقبل. ومنها وجه المعرفة بأنه رسول، وقد بينا أن ذلك ~~يعسر، لاشتباه الأفعال، لا سيما وأنتم تقولون: إنه جائز على الله أن ~~PageV01P168 # يعم الخلق بالضلال (1) فما يؤمنكم أن يكون ما يأتي (2) به الرسول سببا ~~لإضلال الخلق، وقد قلتم أن للمعجزة ستة شروط، وعلى كل شرط منها من الأشكال ~~ما يملأ القراطيس فكيف يخلص من هذا؟ وهذا وأنتم بعد إلى الآن، لا تدرون هل ~~دلالة المعجزة عقلية أو عادية، فمتى تقطع هذه العقاب العشرة (3)، ويرتقي ~~(4) إلى يفاع (5) المعرفة؟ والناس ضعفاء، والشعوب كثيرة، والعمر قصير، ~~والذي يدعي أنه وصل قليل، والآلات معدومة، أو متعذرة، والسفر طويل، لقد ~~أبعدتم النجعة على الخلق في المطلوب. والذي يمكن أن ينظر الإنسان في أمهات ~~الفضائل [و 63 أ]، وهي الحكمة والشجاعة والعفة والعدالة (6)، فإذا (7) حصل ~~عليها فما وراءها مرمى، ولا بعدها مطلب، ولا يحتاج في ذلك إلى رسالة قد ~~أدركها خلق دون نبي. ### || عاصمة # قال القاضى أبو بكر (8) رضي الله عنه: هذا مذهب ليس عليه أحد من الخلق له ~~حصافة (9)، بيد أنه لما كان الابتلاء من الله بالوظائف، أمرا تعافه النفوس، ~~وتقف دونه القدرة، وتغلب عليه الراحة، ركنت النفوس الأمارة بالسوء إلى ~~البطالة، وكانت الجبلة مفطورة على الشهوات. وانتقاء (10) المختار بعيد عن ~~الخلق، وبينهم وبين كمال النظر حجاب. ركن إلى الدعة، وتعلق بذيل العجز، ~~الأكثر (11) في الوجود، الأقل في الاعتداد. وهم - وإن كانوا لا يتظاهرون به ~~لغلبة الإسلام - فإنهم يبطنونه، ولم ألق عليه مناظرا في رحلتي إلا ~~PageV01P169 # ابن عمار قاضي (1) الإسكندرية الملقب (2) بعز الملك، والقاضي حامد بن (3) ~~نزيل بيت المقدس، المنتسب إلى مذهب أبي حنيفة، والقاضي ابن الكحال (4) ~~ولكنهم إلى الفلسفة ينتسبون (5) وعليها يعولون، فأما الانخلاع عن ربقة ~~الفلسفة والشريعة فلم ألمحه بحال. # وأنا ms101 أبين بفضل الله وجه الاعتصام من هذه الضلالات، والتفصي (6) عن مجموع ~~هذه الشبهات، فنقول: إن الله تعالى قد خص هؤلاء بالذكر، وصدهم (7) بباهر ~~البيان، في أكرم مورد من الكلام فقال: {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما ~~أنزل الله على بشر من شيء} [الأنعام: 91] ووجه الدلالة من هذه الآية في هذه ~~السورة (8) الكريمة بديع مبين في كلامنا حيث وقع بترتيب برهانه وإزاحة ~~إشكاله بإيضاح بيانه، نخبته: أن الله تعالى أخبر أن من أنكر الرسل (9)، لم ~~يعلم الله حق علمه، وأمرنا (10) بالاحتجاج عليهم بنبوة موسى التي صحت (11) ~~بالمعجزات الظاهرة، والبراهين الباهرة، وهذا القول الذي نصب الله [و 63 ب]، ~~تعالى (12) بيانه، الدليل عليه، ليس المراد به أحدا من أهل الكتاب، لأنهم ~~مقرون (13) بالرسل فوقعت الحجة على منكريهم، برسل الله في أرضه إلى خلقه مذ ~~أوجدهم إلى محمد صلوات الله عليهم PageV01P170 # وسلامه (1)، وخص ذكر موسى لأنه أول الأنبياء ظهور آية ولأنه (2) معلوم ~~عند عبدة الأوثان من العرب المجاورة لأهل دينه، فإن أقروا به، فهذا مثله، ~~وإن أنكرت العرب ومن وإن دينها موسى كإنكارهم لسائر الرسل، فمن علمكم ما لم ~~تعلموا أنتم ولا آباؤكم الأصنام؟ فذلك محال أم غيرها فمن؟ وليس إلا الله، ~~والتعليم (3) لا يكون إلا بواسطة، ولا بد للوسائط أن تترقى (4) حتى تقف (5) ~~على معلم غير معلم (6) فهو الباري، وتعليمه، رسالته. وقوله بعد ذلك: ~~{تبدونها وتخفون كثيرا} [الأنعام: 91] بالتاء وبالياء (7) سهل المرام في ~~التأويل، مع قطعنا (8) أن اليهود غير مخاطبين في ذلك ولا أريدوا به (9). ~~والإشارة فيه (10) وجوه أقربها الآن أن الذين أنزل عليهم، قد أنكروه مع أنه ~~شرفهم، وكتموه [وغيروه، فلا عجب منكم، الذين لم ينزل عليكم، ولا رأيتموه في ~~أن تنكروه] (11) وحينئذ يجب الاعتراض (12)، لأنهم خرجوا عن النظر إلى ~~التخليط، فأقبل أنت على ربك، وذرهم في خوضهم يلعبون، حتى يأتيهم العذاب ~~بغتة وهم لايشعرون. ونعطف بعد ذلك عنان القول على طريقة أخرى (13) شرعية ~~عقلية فنقول: أما مرتبة العقل فغير منكرة في التمييز والتحصيل، ودرك ما أعد ~~له على ms102 الجملة والتفصيل، في قول من وحده أو عدده، فأما أن يكون العقل محصلا ~~لجميع المعلومات، فهذه دعوى حمقى، لا يقوم لهم قول على ساق في الدعوى، ~~والإيراد، والتصوير (14) فكيف بالتعرض للدليل (15)، وكل ذي علم يدعيه، من ~~أي العلوم كان، يعلم [و 64 أ] قطعا PageV01P171 # أنه لم يحط العقل به من أوليته حتى كانت العلماء، وهم الأنبياء الذين ~~يطرقون بيانه، ويوضحون قانونه، وخذ علم الهيئة، فليس في العقل (1) استقلال ~~أن يحيط (2) بمدار الأفلاك وترتيبها، وطلوع الكواكب وغروبها، في مجار (3) ~~مختلفة منها، وتمييز المنتقل من الثابت، وتفصيل انتقاله، وإن أدرك نفس ~~الانتقال، ويرى ما ذكروه قبل (4)، كيف كانت كلها دعاوي لا برهان عليها، حتى ~~إن صاحب الهيئة يبرهن، فإذا وقف عليه البرهان، طفر (5) فقال: رصدت أو رصد ~~(6) فلان، فبينما نحن معه في برهان عقلي، إذا بنا قد خرجنا معه إلى خبر ~~تكذيبي أو كذبي. # وخذ الطبيعيات وترتيبها في النشوء (7) وضبط الاستقصات في البدء (8)، و ~~(9) كيف خرج منها ما خرج إلى الجسمية، وكيف تحرك على رأيهم من الهيولي إلى ~~الصورة، وكيف تألفت الموجودات. وقد قدمنا عنهم في ذلك دعاوى لا أصل لها، ~~تصلح أن يسامر بها الملوك، لاستجلاب شارد المنام. # وخذ ضبط صحة الحيوانات بقانون، ورده (10) بالطب (11) عند عدول (12) ~~الأمزجة عن الاعتدال، وإدراك النبات (13) في درجاته، ومنافعه ومضاره، هل ~~يتفق في المعقول أن يدرك ذلك أحد بقضيات العقول؟ أما أنه إذا رتب له قانون، ~~أو ذكر له تمثيل، أو نصب له دليل، أمكن أن يتوصل به إلى ما يقتضيه وضعه. # وخذ النجومي فإنه يقال له: أيها الحاكم على ما يأتي بما يرى من نصبة، ~~ويطلع عليه (14) من رتبة، هل علمت ذلك بتجربة استمرت بها العادة ~~PageV01P172 # في وضع النصب، ومقارنة الحوادث لها؟ فهذا باطل من أربعة أوجه: # الأول: أن النصبة (1) كم مرة عادت عليك حتى تثبت (2) عليها؟ أو قل (3) ~~طريقا، حتى ترى عليه ما لم تحسب (4) تحقيقا. # الثاني: أن يقال لهم: كيف تحكمون للعقل بإدراك ما لا يدرك؟ وتسلكونه في ~~[و 64 ب] غير ms103 مسلك؟. # الثالث: أنهم يزعمون أن النصبة لا تعود على هيئتها إلا بعد ستة وثلاثين ~~ألف عام، فمتى تكررت مرتين أو ثلاثا حتى علم الترتيب عليها في كون الحوادث ~~(5)؟. # الرابع: أن ترتيب الحوادث على الكواكب، وتعليقها بتأثير (6) الأفلاك، لا ~~يليق على الجملة بما قدمناه من منعهم عن ذلك، فكيف بترتيب الأفعال كلها على ~~التفصيل عليها مع ما فيها من التعارض والتضاد من عمر أو (7) كسب؟ والعجب من ~~ترتيبهم الاثني عشر برجا، على اثني عشر بيتا، أسكنوا فيها من الحوادث ما لا ~~يسكن (8)، ونسبوا إليها ما لا ينسب (9). [وقد أحكمنا في المتقدم من الكلام ~~وجه قطع الحوادث عن الأفلاك والكواكب، حتى لا يبقى لهم (10) متكلم إلا ~~بدعوى، لا برهان عليها] (11). ومتى تكلمت مع منجم لا تتكلم معه في وضع ~~الأفلاك، لئلا يرجع لك مهندسا، فيقاتلك بغير سلاحك (12)، ولكن سلم له ~~الهيئة، ودافعه عن تعليق الأفعال بها، فإنه لا حيلة له في إثباتها. # وأما الذي زعموه من أوضاع الحكماء في السياسات، فإن أصله من PageV01P173 # الأنبياء، وما أبانته (1) من الشرائع، وحثت عليه من المكارم، وزجرت عنه ~~من الدناءات، بما أوضحت من القوانين، ووضعت من المصالح، ثم درس منها ما ~~درس، وبقي منها ما بقي، فبنوا عليه، وأضافوه إليه، فمنه ما نقلوه على وجهه، ~~ومنه ما أدركوه بما وافق الأغراض، وقام بداعية الانزجار والانتهاض، وجرى في ~~سنن المنى أو (2) الهوى. # وأما تطهير الأبدان عن الأقذار، فأمر جبلي، لا متعلق فيه، لأن الرسل لم ~~تأت لبيانه، أما أنها حضت عليه، وحثت، وندبت إليه، وألزمت (3). # وأما تطهير القلوب [و 65 أ] عن أوضار الدناءات، فيبعد (4) أن يصرف (5) ~~عنها وازع من الذات، فإنها مركبة في الحيوانات فطرة، وفي هيئة (6) الإنسان ~~جبلة (7)، وهو مركب على الغضب والشهوة والحرص (8) والغلبة، وعلى ذلك من ~~العقل رقيب، وبينهما مجاذبات كثيرة، مسلمة منا ومنهم، وإنما يكون التطهير ~~بعمل، هو جلاء القلوب، وبعد الجلاء يكون الحصول بمعاملة أو (9) مقابلة، ولا ~~نطول معهم في أن كيفية الجلاء تكون (10) بتوقيف عن بصير مبصر، بل نقف معهم ms104 ~~عن (11) المقابلة، فنقول: إنها لا تكون بتنبيه حتى جعله بعضهم خاطرا، وقد ~~لا يخطر (12) الخاطر، وإذا وجد قد يضعف (13) ولا يتسدد، فلا بد من داع، إن ~~كان له وازع (14)، والمجاهدات بين المتعارضات باب عظيم، يفتقر إلى قانون ~~طويل، ليس من بزهم، ولا يقوم به إلا العالم بتفاصيله وقانونه. PageV01P174 # فإن قيل قد سطره أفلاطون، وسقراط (1)، والفاضل بقراط (2)، قلنا: قد رأينا ~~ما سطروا، وطالعنا ما ذكروا، وتحققنا أنهم (3) قد قصروا، وعدا عليهم ما ~~ائتمروا، ولولا التطويل لسردنا عليكم من خرافاتهم، ما ينبئ عن سخافاتهم، ~~الله م تحقيقا (4) أن ذلك لمحمول (5) على المترجم (6)، ومحسوب في جهله أو ~~قصده إلى التخليط، وهم (7) قوم أخذوا (8) كلام الأنبياء وخصوصا محمدا - صلى ~~الله عليه وسلم - (9)، الذي أوتي من جوامع الكلم بأوساطه وأطرافه، وضم له ~~(10) من كل جوانبه، فبدلوه وحرفوه، ووضعوه على قوالب أغراضهم، فاستوضعوه، ~~حتى استضعفوه (11)، وهذا لأن (12) مترجم كلامهم من اليونانية إلى العربية، ~~لم يتوله عدل، بل فاسق، بل كافر، إلا (13) مستخف مهتوك زائغ، لا سيما ~~وللسعادة عندهم سبيل متخذة (14) للأمجاد، لا يدركها إلا الأفراد (15)، ~~وعليها من القواطع أسداد، سد ابن سود طريقها (16)، وغاب ابن بيض (17) عن ~~تحقيقها، ألا ترى أنهم لم يجتمعوا فيها على طاق، ولا قامت لهم فيها دلالة ~~على ساق، فإن تطلعوا إلى ذلك (18) مدعين، فقل هاتوا [و 65 ب] برهانكم إن ~~كنتم صادقين. ففي كل فصل قدمناه لكم (19) أصل في الرد عليهم، يوضح تناقضهم، ~~فلا معنى للتكرار (20). PageV01P175 # وأما قولهم: إن ما يأتي على أيديهم من الأفعال الغريبة لا يوثق به، ~~لوجودنا في الخواص أفعالا غريبة، فلا معنى له فإنا (1) قد حققنا أن (2) ~~المعجزات لا بد أن تكون خارقة للعادة، خرقا يتجاوز الأوهام المتعلقة بالحيل ~~والخواص، مما يعلم أنها من أفعال العباد خاصة. أو لا نرى (3) أن إبراء ~~الأكمه، وإحياء الموتى، لا ينال بحيلة، ولا يعد في خاصة؟ وما عرف الباري ~~إلا بأفعاله، التي لا يقدر عليها سواه، فما عرف به المرسل به، يعرف الرسول، ~~وهذه نكتة بديعة، لم أزحم عليها فافهموها واعتبروها ms105 تلفوها (4) كذلك. # وهؤلاء (5) أرباب الخواص قد جمعوها من وجوهها، وإنما هي أفعال مخصوصة، ~~بوجوه مخصوصة (6). فإن قيل فقد رويتم أن في الأرض ماء، إذا جعل على الميت ~~حي، فإن قلتم: هذا صحيح، فإن كان أدركه عيسى فهي معجزة، فإن ذلك لا يدرك ~~إلا بتجربة جميع مياه الأرض، ولعل ذلك كان مخصوصا بوقت ومحل. وأيضا فإن ~~خاصة ذلك (7) العين إحياء الموتى وإبراء الأكمة، وصحة الأبرص، والأجذم، من ~~أين يكون (8)، والخواص لا تشترك أفعالها؟ هذا ونحن لا نجعل للخاصية (9) ~~طبيعة في المحل، ولا صفة تقوم به، ولا قوة فيه، وإنما نقول: إن الباري ~~تعالى يخلق عند اقتران بعض الحال ببعض (10)، وبعض الأمور ببعض (11)، ما شاء ~~من الأفعال المعتادة أو الغريبة. هذا وقد اتفق العقلاء على أن الخواص مما ~~لا يدرك بالتجربة، وإنما تنال (12) بالعلم الإلهي. وقد يرى الطبيب دواء ~~(13) يفعل فعلا لا يناسبه في الذي PageV01P176 # أدرك من طبيعته، فيقول: يفعل كذا بطبعه، وكذا بخاصية فيه، فيسمى (1) ~~خاصية ما لم يطرد له، على (2) قياس طبعه (3). وليس هذا المقدار مما لا [و ~~66 أ] يدخل في (4) الآيات. # وهبكم قلنا: إنه خاصية (5)، فهذا (6) أمر خفي انفرد الله تعالى (7) به ~~(8) # لعلمه (9)، بأن خلقه فيه، وأنزله من داره التي أعده فيها لأوليائه، وقد ~~يجوز أن تكون (10) آية النبي (11) إظهار (12) علم الله الخفي (13) على يد ~~النبي، فتكون (14) آية، ولو كان نظيره خاصية. # وأما قولهم: يحتمل أن يكون ذلك حيلة، فلا بد من خروجه من مرتبة الحيل حتى ~~يصير في حد يفوت طوق (15) البشر، وعقلهم، فيخرج بذلك عن حد النظر، وأما ~~السحر، فسل به خبيرا يعلمه يقينا ورآه عيانا، ورأى البلاء (16) به. والفتنة ~~فيه، ويدري قصوره عن المعجزات بدرجة أعظم مما بين الأرض والسموات، [ويعلم ~~بطلانه في نفسه شرعا، وإبطاله عملا، كما يعلم بطلان الكفر، في نفسه شرعا، ~~وإبطاله حجة (17)]. # وقد تبين أنه عند المبطلين أقسام (18)، أعلاه التعلق بالكلام، وأدناه ~~الحركات في الأرض، بعضها على بعض في وجه، وبطريق، على إدارتها (19) في ~~PageV01P177 # السماء. فيحدث من ذلك (1) فعل غريب، وله ms106 بعد ذلك مراتب أحدها النفث في ~~العقد بكلام لا يتحصل، وضع الله جميع ذلك في الأرض فتنة، كما أخبر، وهو ~~الصادق الحكيم (2). # وأي ذلك (3) كان، فإن العصمة منه على الخاطر الفاسد، أو الألد المعاند، ~~من ثلاثة أوجه (4): # الأول: أنه لا بد من ارتفاع المعجزة عن حد ينال بما قلتم. # الثاني: أن السحر يختص بحال دون حال، وبشخص دون شخص، وبزمان دون زمان، ~~والمعجزة عامة. # الثالث: أن الساحر وإن رد الجيش، وخذل الجم الغفير، فليس هذا بغريب، فكم ~~من جيش تفرق بصيحة، وكم كتيبة تبددت بكذبة، وذلك لأن القلوب القلقة يؤثر ~~فيها أدق سبب، والقلوب الثابتة لا تزعزعها الجبال، فأما سحر يهزم يوم بدر ~~قوما لهم العدة والكراع والشبع والظهر، بقوم ليس لهم منعة إلا العري والجوع ~~(5) والرجلة (6) والعزلة، لا شكة (7) ولا شوكة، ويجفل (8) العدد الكثير يوم ~~الخندق، ويغلب المعاندين، ويقتل المستهزئين (9)، ويفني الحاسدين [و 66 ب]، ~~ويصرف جميع (10) قلوب الخلق، ويعم الأقطار، ويدوخ الأرض، ويهدم المالك، فهو ~~الذي يعتمد عليه، ويستند في الحق إليه. # وأما قولهم: إن فيه إشكالات عظيمة من معرفة حقيقة النبوة. فليس ~~PageV01P178 # عندكم شيء أبين منه، ولا أقرب منالا (1)، فإن الإنسان من حين يولد، إلى ~~أن ينتهي إلى حد العقل الثاني للتمييز في المرتبة، إنما يتدرج (2) عندهم في ~~مدارج النبوة، والعقل التمييزي، بالمجاورة (3)، هو الدرجة (4) الخامسة أو ~~(5) السادسة، فإما أن يتمادى فيطلع إليها وإما أن يقع عنها وإما أن يقف حيث ~~وقف به العقل، ولا بد من الترقي عندهم من (6) مرتبة هذا العقل، وعندنا، ~~فإما عندهم فقوة نفسية، ونور يسمون إلهيا، وليس الإلهي في الحقيقة، إذ ليس ~~لهذا الاسم عندهم معنى يتحقق فيدرك بها جميع العلوم، وتكون هذه الخاصية ~~يعبر بها عن النبوة، مدركا لكل خاصة وعامة حتى يجعله بعضهم أوصولا إلى الله ~~ويجعله (7) بعضهم اتصالا، حتى يقولوا: إنه جزء من الله أو كالجزء (8)، ولقد ~~سمعت بعضهم يقول: إنه لنصف (9) الله، وبعضهم يجعله حلولا من الله فيه، ~~وبعضهم يفر (10) عن لفظ الجزء، والبعضية إذ لا تنقسم عندهم ms107 تلك الذات، ~~فيعبر (11) عنه بالاتحاد. # وقد ظهر فساد هذا كله للعقلاء، بما أغنى عن التعب فيه، وتكلمنا نحن عليه ~~في موضعه (12) مع (13) دناءته (14)، وهم يشكلون بها، ويشككون فيها، أو (15) ~~يخلطون ويغلطون (16)، أو و (17) هو الحق يقولون على الله ما لا يعلمون، ~~PageV01P179 # وأما عندنا فأوضح مدلول عليه، وأحق حق يقصد إليه (1). # وأما ما ذكروه من كثرة الاعتراضات عليه، وازدحام الشبه فيه، فالمشرب ~~العذب كثير الزحام، ولولا تخليطكم ما نبس (2) أحد بما قلتم، ولا رضي أن ~~يتفوه [و 67 أ]، بما (3) تفوهتم، وما (4) اعترض أحد قط على الرسل، ممن كفر ~~وعاند بما قلتم، وإنما قالوا: هذا سحر، ولا تقبل منك معاندة، أو لا نفهم ما ~~تقول، أو (5) لو شاء ربك لأرسل غيرك. # وأما حقيقة النبوة فليست من بابتكم (6)، ولا يقف الأمر هناك معكم، وهي ~~مذكورة في موضعها لأهلها، واختصار معناه أنها عبارة عن قول الله لنبيه: أنت ~~رسول (7) إلى عبادي فبلغهم (8) كذا عني. وأما قولهم: إن الله لا يبعث ~~رسولا، فهذا كلام لا يقوله فلسفي، فإنه عندهم (9) إنما يكون ذلك من قبل ~~نفسه، وإنما يعترض (10) بهذا القدرية، الذين حشدوا الاعتراضات من أي قبيل ~~كانت، ولم يبالوا أن يقولوا ما خطر لهم من تخليط، قصد التشغيب، وعلى أنه ~~ليس من الباب (11)، فنقول (12) فيه (13): بم علمتم استحالته؟ أضرورة أو ~~نظرا؟ وتدار عليهم الأقسام المعروفة، وهذا (14) ينبني (15) على ركن التعديل ~~والتجوير، فإن عندنا أن للباريء أن يكلف ويأمر بواسطة هي الرسل، وبغير ~~واسطة. # وأما إثبات كلام الله تعالى، فهذا سؤال القدرية خاصة، ليس للفلاسفة أيضا ~~(16) PageV01P180 # فيه مدخل، ولا خلاف أنه عندنا وعندهم متكلم، وإن اختلفنا (1) في تفصيل ~~وصفه بذلك. ونكتته العقلية فيه أن من نظر إلى الخلق، علم جواز انسلاكهم تحت ~~أمر مطاع، ونهي متبع، وذلك يستند إلى آمر وناه، وهو الخالق سبحانه، لأن ذلك ~~(2)، لا يجوز لغيره، وأما تعيين ما يأتي به فإنه معلوم أنه (3) بعث ليرشد ~~إلى الأشعال المنجية من أهوال الآخرة التي لا يهتدي العقل إلى تفصيلها، ولا ~~يتمكن من تحصيلها، وذلك ms108 يرجع إلى تفاصيل عاجلة في الدنيا، وأحكام آجلة في ~~الآخرة، وذلك مما لا (4) يستقل (5) به الخاطر الذي يدعونه (6) وأما قولهم: ~~إن القوم يأتون بما (7) لا يعقل فهذه جهالة قد تكلم العلماء عليها [و 67 ~~ب]، وإنما (8) أحاكمكم فيها إلى رؤسائهم وأحبارهم وفلاسفتهم على الحالين، ~~فإنهم قد أجمعوا على أن معنى من معاني الأنبياء لا يتأتى شيء (9) منه إلا ~~على غاية الحكمة، وفي نهاية المصلحة، وإن من أبدع ما يدرك بنور التطهير ما ~~وصفت (10) الأنبياء من تنويع الصلاة إلى تلك الأفعال، وتضعيف السجود على ~~الركوع، والانحطاط بواسطة الركوع إلى السجود، ونصب (11) صلاة على نصف صلاة، ~~وعلى آخر ثلاثة أرباع، وأنها في (12) تركيب (13) أدوية القلوب، على ترتيب ~~أدوية الأبدان، على تناسب غريب، وإن قصد بقعة وخلع كسوة، وكشف رأس، وقذفا ~~(14) بحجر، كل ذلك على غاية الرياضة للنفس، في (15) ترتيب التأدب، وإظهار ~~المناحي (16) الرفيعة على الجوارح، والإشارة بذلك كله إلى مقاصد في القلوب ~~بديعة، فلا تسمع (17) PageV01P181 # هذه الاعتراضات منكم لذلك (1)، ولا من غيركم، لأن العقول عندنا لا تحسين ~~لها ولا تقبيح أصلا، ولا عند سواكم من مخالفينا اعتراض على ما تأتي به ~~الرسل (2) من المعاني التي لا تهتدي العقول إلى تفصيلها، وإنما تتلقى (3) ~~بالتسليم الحض لله سبحانه، وكلنا نتلقاها بالانقياد الصرف. ثم نقول: إن ~~قولهم هذا في وظائف العبادات من إدراك النسب في التقدير وإظهار الحكم في ~~التدبير فدعوى عريضة باردة. نعلم (4) أن (5) ذلك لا سبيل إليه، ويأتون (6) ~~ما بين (7) تمثيلهم لذلك (8) وبين تركيب الأدوية، ويا بعد ما بين الحالين ~~في المناسبة، وإلا فكل لبيب إذا رجع إلى نفسه يجد من تركيب الأدوية، نسبا ~~(9) ذكرها أرباب الصناعة، لا يقدر أن يردها إلى قانون أبدا. لولا التطويل ~~والخروج إلى ما ليس من الباب، لذكرت لكم منها جملة، حتى يقال هذا الدواء ~~يفعل مثل هذا [و 68 أ]، وإن استويا في الوزن، أو يفعل في مثل (10) هذا ~~الموضع (11) كما (12) يفعل الآخر بخاصة (13) أي بما لا يعقل طريقه (14)، ~~ولا يعرف تعليله، وكذلك لو فاوضتهم في قانون ms109 التشريح، فاعترضت عليهم فيما ~~يصورونه على طريقة التعليل، بزعمهم، بهتوا، وانقطعوا. # ولقد قلت: إن القلب معلوم الشكل فلم كان على تلك الصفة، واللون، ~~والمقدار، والوضع، والموضع (15)؟ فهذه خمسة أسئلة (16) لم يعرف عليها جواب ~~ينفع، ولا فائدة لكم في ذكر الانفصال عن هذا الاعتراض، لأنه PageV01P182 # خباط، وإذا كان القلب (1) في صورته الجسمانية لا يدرك تأصيله ولا تفصيله، ~~فكيف بالقول في الصورة المعنوية وتعلقها (2) بالمعقولات؟ فذلك أبعد لكم ~~معشر المدعين، فقفوا حيث وقف بكم الشرع، ترشدوا. # ولقد نظرت في كتاب دقلطيانش (3) في سر الخلقة وصنعة الطبيعة (4)، فرأيت ~~من الخباط ما لا عين رأت، ولا خطر على قلب مجنون، وكأنه أراد أن يضمها إلى ~~قانون بمضمار (5) العقل، فأخرجها عن أسلوب العقل، وقبل وبعد، فلم تنكرون في ~~الخبر (6) ما تجدونه في النظر. وأما قولهم: لا فائدة فيها، لأن أكثر الخلق ~~لا يقبلها. في غباوة، فإن كون الحق حقا في نفسه، لا يؤثر فيه رد الخلق له، ~~ألا ترى أن كل ما تذكرون (7) من الحقائق مردود عند أكثر الخلائق؟ أفتجعلون ~~(8) ذلك حجة عليكم في إبطال مذهبكم؟ فما ألزمتموه (9) يلزمكم. وأما قولهم: ~~إنه يمكن أن يكون باطلا لما (10) يريده الله من إضلال الخلق عندكم. فهذا ~~سؤال معتزلي ليس فيه للفلاسفة مدخل (11)، وإنما تتلكم به المعتزلة الذين لا ~~يجوز عندهم أن يضل الله الخلق بفعل منه ولا بقصد، والجواب عنه قد بيناه ~~مرارا، والذي تعولون عليه الآن أن تقولوا بأن الخبر أمننا (12) من ذلك، بأن ~~الله لا يضل الخلق عموما، ولا يضلهم على [و 68 ب] أيدي الرسل، وإنما فائدة ~~إرسالهم تمييز المهتدي من الضال، حتى يهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن ~~بينة. PageV01P183 # وأما قولهم: إنها من العقليات أو من العادات؟. وهذا من الفصول التي عظمها ~~الأيمة (1)، والأمر فيه قريب، فإن المعجزة (2) إذا جاءت على الشروط التي ~~رتبناها في "التوسط" (3) لا تخلو أن (4) تأتي خارقة للعادة، خارجة عن مقدور ~~البشر قطعا، فهذه دلالة بذاتها لنفسها لا تفتقر (5) إلى كونها مقارنة ~~للتحدي، موافقة للدعوى على ms110 الوجوه المذكورة، وإن كان مما يجري عادة، فوجه ~~الدلالة منها عدم المعارضة فيها، كما لو قال: آيتي: أن لا يحرك اليوم أحد ~~من الخلق يدا فسكنت (6) الأيدي، غير متصرفة بحكم الإرادة، مع تعرض الإرادة، ~~فهي تعلم قطعا بصدقه (7). وأما قولهم: إن المرء ضعيف. فعندكم أن أحدا لا ~~يضعف عن هذا، وعندنا الذي يضعف عن هذا بآفة توجب له ذلك غير مكلف به (8)، ~~وهذه الآفة (9) لا بد أن تكون في البدن أو في العقل فبهذين (10) يكون المرء ~~ضعيفا. وأما قولهم: زاد النظر قليلا (11) فليفسروا ماذا (12) يريدون (13) ~~بزاد النظر، فإنه مجاز، يصلح للوعظ، لا على طريق الدلالة، وزاد النظر، إن ~~فسرنا نحن فهو عند الناس كثير كامل، وذلك معرفة الطريق إلى المطلوب ومعرفة ~~ترتيبه في التدريج به (14)، و (15) الوصول PageV01P184 # إليه، وحرزها (1) من زيادة ما ليس منها (2)، أو نقصان ما هو منها، وأنتم ~~في "المنطق" بهذا تفخرون (3)، وعليه تحومون، وما اختل قط نظر إلا من إحدى ~~هذه الطرق الثلاث، أو (4) مجموعها، أو اثنتين (5) منها. وأما قولهم: إن ~~الشعوب (6) كثيرة. فلا ينبغي لهم أن يروا القذاة عندنا، ويدعوها (7) في ~~أعينهم جذعا، فإن شعوبكم في طريقكم أكثر، ومطلوبكم أشكل، وسفركم أطول، ~~ومطلوبكم [و 69 أ] أعسر دركا، وهذا بين بالاختبار، فافرضوا مسألة لأنفسكم ~~حتى أريكم مثلها، في مرتبتها على حالها، وكنت أذكرها لكم، لكن أكره ~~تنبيههم، والذي يتخذونه (8) دستورا معهم (9) نكتة، أبينها (10) لكم، وهي ~~(11) أنهم متى ذكروا مثالا من مبادئ نظرهم، فقابلهم بمثال من أوائل نظرك، ~~ومتى ذكروها من الثواني فاذكرها (12) كذلك من ثوانيك، ومتى ذكروا غاية أو ~~طويلا (13) كان ذلك جوابهم، وأراحوك من كد النظر. وأما قولهم: إن العمر ~~قصير فليس هذا بشيء من الدليل، وإنما هو وعظ، والعمر وإن قصر، فالتكليف ~~والابتلاء الذي ألزم الله العبد على قدره، لا ينقص (14) عنه شيء منه، وعلمه ~~أن يقوم بحق الأمر ما أرخى (15) له في الطول، وفسح له في المهل، وأنتم ~~تقولون: لا دار إلا هذه، فلو كانت له بأسرها ما كان مستوفيا أملا، ولا ~~قاضيا ms111 حوجاء (16). PageV01P185 # وأما قولهم: إن الواصل قليل. فإنه ينعكس عليهم (1) في الذي يدعون (2) أنه ~~الحق، ومطلوب، فالواصل إليه أقل، وهو عندكم معدوم. وأنتم تقولون: إن النبوة ~~ممكن دركها لكل أحد، والذي ينالها أقل من القليل. وأما (3) نحن فعندنا ممن ~~(4) يصل إلى مطلوبه عدد رمل يبرين ومهى (5) فلسطين. وقولهم: كيف تقطع هذه ~~العقاب الشاقة، فينعكس عليهم، وكذلك في قولهم: إن الآلات لقطعها ضعيفة مثله ~~في الانعكاس، وهذا تكرار منهم للقول، قد بينا أنها قريبة قوية فإنها (6) ~~العقل، فإن ادعوا آلة (7) فليذكروها. وقولهم: إن السفر طويل. بل قصير بلا ~~خلاف فإن مسافة السفر هي العمر (8)، وما (9) أقله! وليس (10) بعد ذهابه سفر ~~عندنا ولا عندهم، وإنما هو مقر جنة (11) أو سقر. وأما قولهم: لقد أبعدتهم ~~النجعة في نيل الحكمة، إلى آخر كلامهم المتقدم. فإنه يقال لهم: إن الذي ~~تقدم من كلامنا [و 69 ب]، في العقل والعلم يغني عن إعادته ولكنا نثني عليه ~~طرف العنان (12) لما قد ذكروه من العنان (13)، فنقول: إن وجه تغالطكم أو ~~غلطكم أن الحكمة خفيت عليكم، فزعمتم أنها قوة عقلية تتلقى (14) بها العلوم ~~من الملأ الأعلى، في كلام طويل، يركبون عليه مقاصدهم (15)، وليس للحكمة ~~معنى إلا العلم، ولا للعلم، معنى إلا العقل، إلا أن في الحكمة إشارة إلى ~~ثمرة العلم، وفائدته (16)، ولفظ العلم مجرد من دلالة على غير ذاته، وثمرة ~~العلم العمل بموجبه، والتصرف بحكمه، والجري على مقتضاه في جميع الأقوال ~~والأفعال، وبناء ع ق ل يقتضي أن تجري الأفعال والأقوال على قانون، ولا (17) ~~يسترسل PageV01P186 # على الممكنات، وكذلك بناء ح ك م مثله في اقتضاء ذلك، وعلى هذين المعنين ~~يصرف (1) هذان اللفظان حيث وردا، وإلى ذلك يرجع (2)، قال الله تعالى (3): ~~{ويعلمهم الكتاب والحكمة} [البقرة: 129]، وقال: {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي ~~خيرا كثيرا} [البقرة: 269] والمعني به في الأولى (4) علم الكتاب، وفي ~~الثانية العلم المطلق. وليس يمتنع في اللسان العربي أن يسمى العمل (5) ~~بمقتضى العلم حكمة، على معنى تسمية الشيء بثمرته، وفائدته، كما بيناه في ~~أصول الفقه، لا سيما وقد أعطاه لفظه، ms112 ودل عليه وضعه (6). # وإذا ثبت ذلك فليس يهب العلم نفسه، ولا يكون ذلك إلا من قبل العالم الذي ~~لا يوهب علما، ولا يتصور في جهته (7) طريق إلى تحصيل ما لم يكن قبل، ولا بد ~~للأشياء من مبادئ وتنتهي (8) إلى مبدأ لا (9) مبدأ قبله، وهذا عكس النهاية، ~~فإنه لا انقطاع لها، والعلوم على الصفة التي بيناها (10)، منها (11) ما ~~يوجد من الواهب ابتداء، ولا سبيل إلى تفصيلها، ومنها ما يترتب على أسباب، ~~وترتيبها على أسبابها [و 70 أ] ليس على كل وجه يتصور ويخطر، وإنما يجري ذلك ~~على قانون مدرك بالتعليم، ولا يعلم آخرا إلا واهب العلم (12) أولا، وإذا ~~تأمل المنصف وضع (13) الاعتقادات في النفس، والأعمال في الجوارح، وتركيب ~~بعضها على بعض، رأى أنه أمر لا يستقل به الآدمي، فإنه أمر (14) PageV01P187 # موضوع في أصله على تدبير (1)، فالذي دبر الوضع الأول، دبر الثاني، وأنت ~~إذا أضفت تدبيره إليه، وأحلت به عليه، مع علمك بأنه عارية فيه، فلا بأس ~~بذلك، فقد أذنت (2) فيه الشريعة، وإن أنت أعطيته الكل، وحكمت له بأنه أدركه ~~بذاته فقد جهلت نفسك ومن لا يعلم نفسه، كيف يعلم غيره؟. # ومن كلام الناس الذي لم يصح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"الحكمة ضالة المؤمن". يعني به العلم (3) المكتسب، ولا رأى الناس بعضهم ~~يقترف ما يقر بضرره ويعترف (4)، قالوا: إنه ليس بحكيم، أي ليس بعالم لأن ~~عمله (5) بخلاف ما استقر في علمه، دليل على (6) الجهل، بما ادعى أنه علمه. ~~وإلى هذا المعنى عاد قوله - صلى الله عليه وسلم - (7): "لا يزني الزاني حين ~~يزني وهو مؤمن" (8) حسبما بيناه في شرح الحديث وغيره، وأشرنا إليه آنفا ~~(9)، وكيف يصح أن يكون عالما بشيء، يقتحم (10) خلافه؟ كما لا يصح أن يضع ~~(11) أحد رأس سيفه في الأرض (12)، وذبابه بين ثدييه، ويتحامل عليه، وهو ~~عالم بأنه هالك به (13)، ولا أن يخرج عينه بيده، ومن فعل ذلك، فإنما هو ~~لذهاب عقله، أو ليدفع بذلك ضررا أشد منه، فيكون في الأول (14) عاملا بغير ~~علم، وفي الثاني عاملا بعلم، ms113 PageV01P188 # وهذا المعنى إذا فهمته زده تقريرا (1)، وركب عليه ما تحتاج (2) في ~~التفهيم (3)، أو في النظر إليه. # وأما فضيلة (4) الشجاعة فحقيقتها (5) إنما هو ثبات (6) النفس عند حلول ~~المصائب، وذلك يرجع إلى دوام العلم وحضوره، فإذا كان المرء عالما بالأمر، ~~وطرأ (7) عليه ما يذهله عما كان يعلمه صار [و 70 ب]، فعله غير محصل، أو ~~بعلم آخر طرأ عليه، أو وهم لم يتعلق بالموهوم على ما ينبغي، أو مشكل من ~~المعنى لم يتبصر وجه كشفه، وأعجلته الحالة عن تحقيقه (8)، فأما (9) إذا ~~حضره (10) العلم فلا يبالي عما ينزل به، من مصيبة، أو يطرأ عليه من مشكل، ~~فإنه يقابله بما عنده من الكشف والإيضاح. وقد قالوا: إن الشجاعة فضيلة ~~للقوة الغضبية، وهذه حقيقة، يريدون أن يركبوها على دعوى يدعونها، وليس ~~للغضب قوة، ولا للحمية التي يزعمون أنها تنضاف إليها، أو تتعاضد معها، لا ~~سيما على أصلهم في التوليد، فإنه أمر طبيعي، فلم يركبون عليه ما يجري مجرى ~~الخطبة (11) التي هي عندهم في غير طريق التحقيق والبرهان (12)؟ وقالوا: إن ~~التهور زيادة على اعتدال القوة الغضبية، والجبن نقصان منها. وهذا كله كما ~~يقول أهل بغداد: "بناء شاذوف (13) على قاذوف ليأتي منه لافوف". # فليس لهذه (14) الأقوال كلها معنى إلا نقصان العمل، بما يطرأ من الآفات، ~~فيصدر العمل على (15) جهل، فيقع بخلاف الطبق، وخارجا (16) عن الوفق. ~~PageV01P189 # وأما العفة فيعبرون على طريقتهم (1) عخها، بأنها فضيلة في القوة ~~الشهوانية (2)، وهو انقيادها للقوة العقلية، وعدولها (3) عن زيادة الشره ~~(4)، وجعلوا لذلك أسبابا من الحساب في الطعام والشراب، وحملوا تقليلها (5) ~~على قلتها، وتكثيرها (6) على كثرتها، وبنوا على ذلك حكمهم وحكمهم فيها، ~~وليس الأمر كما زعموا، لا سيما ورئيسهم الأعظم - ك! قدمنا - يقول: ليس يوجد ~~اعتدال بحال (7). وإنما بناء ال! ف ف " (8) وبناء "ك ف ف " على بعض ~~متناولات (9) بناء "ت رك " وذلك أن الترك (10) عبارة عن فعل، وتحقيق الترك ~~مما لم تعلمه (11) الفلاسفة، ولا القدرية وإنما أدركه أهل السنة، فتبين أن ~~العفة ترك الأفعال القبيحة إذا علم قبحها! و 71 أ، وتحقق (12) مضرتها، ms114 وهذه ~~الألفاظ التي يمستعملونها، ليس لها عندهم أصل، إذ لا قوة عندهم، ولا قدرة، ~~وإنما هي طبيعة (13) غالبة، ومعان مرتبة (14)، دائرة ضرورة (15) لا (16) ~~تتعلق (17) بإيثار، ولا تجري (18) على اختيار، فيريدون أن يدمجوا لفظ (19) ~~الطبيعة، ويخرجوا لفظ القوة، ليثبتوا (20) للجمادات قدرة، وينفوا قدرة ~~الفاعل الأول، فيخلطوا ويخلطوا (21)، وينظموا هوسهم في سلك الألفاظ ~~العربية، والنبوية، تيمنا بها واسترسالا للعامة عليها، ويخترعوا لذلك ~~أخبارا كن PageV01P190 # النبي - صلى الله عليه وسلم - (1) لا أصل لها، تلوح بالإشارات إلى أغراض ~~يوهمون (2) أنها أمور غامضة (3)، يقصر الخلق عنها، فيشار إلى الأفراد بها. # وأما العدل فهو عندهم عبارة عن اتساق قوى هذه الفضائل الثلاث في جهتي (4) ~~الإباء (5) والانقياد، على التناسب والسداد، ويقال لهم: ليس (6) هناك قوة ~~ولا قدرة، والانتظام إنما يكون على النظام الأسد الذي رتبه صاحب الشرع، ~~وأنتم لا تدرونه، وحقيقة العدل في اللغة أنه (7) مصدر، وحقيقته في الحقيقة، ~~ما للفاعل أن يفعله، فذلك هو العدالة، وهو (8) العدل، فلذلك كان الباري ~~تعالى (9) بالحقيقة وحده العدل (10)، لأنه له أن يفعل ما يشاء من تعذيب ~~جميع الخلق، أو تنعيمهم، فيكون في العدل أو الفضل أو (11) كليهما (12) سواء ~~(13) والعدل منا هو الذي يفعل ما أمر به، وإذا تتبعت ألفاظهم التي ~~استعاروها، ليغروا (14) ويغروا بها في تعبيرهم عن مقاصدهم، يخبطون (15) بها ~~قلوب السخفاء القاصرين (16) لم تجد (17) فيها شيئا يجري (18) على ~~الاستقامة. فيرجع (19) العدل والعدالة إلى العلم ارتباطا، لأنه إذا عمل بما ~~علم كان عدلا، وقد بينا ذلك في غير موضع، وهذه الإشارة، تكفي في هذه ~~العارضة. PageV01P191 ### || علاقة # أخبرني أبو القاسم بن المنفرج (1) بزقاق [و 71 ب] القناديل أنه سمع ابن ~~رضوان (2) الفيلسوف يقول حين قرئت عليه صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في حديث هند، وغيره: هذه الصفة لا تكون إلا لنبي، ولا يحتاج معها في ~~الدلالة إلى غيرها فإن اعتدال الخلقة (3) يدل على اعتدال الخلق، وإنها ~~جميلة (4) صدرت عن النور الساطع، والحق الذي ليس عنده باطل، وأنه لم يلق في ~~طريقه ظلمة، ولا آفة (5)، حتى خلص للوجود على نهاية الكمال ms115 في الصنع. وهذه ~~نزعة (6) القوم، فقد قال قبله ثمامة بن أشرس: إن النبوة لا تفتقر في دليلها ~~إلى آية (7) خارقة للعادة، ولا معجزة تبهر العباد، وإنما يكون دليل صدقه ~~اتساق كلامه، وعدالته في نفسه، وجرى جميع (8) ما يأتي به فعلا، أو يخبر به ~~(9) قولا، على استقامة (10)، مع إحكام ما يربطه من قانون، ويبلغه إلى الخلق ~~من توظيف، وسلامته من التثبيج (11) والتناقض. # قال القاضي أبو بكر (12) رضي الله عنه: أما قول ابن رضوان فغير مرضي عند ~~أحد، ولا تكلم به قائل عندنا ولا عندهم، لأن اعتدال البدن الجسماني لا ~~يتعلق بالروحانيات عندهم، وإنما يرتبط بها، ويكون في منوال معها، القلب، ~~وإنما أراد ابن رضوان أن يجعلها عندنا دفعة، ونحن لا نقبلها PageV01P192 # منه، ولا نحتاج (1) إليه فيه، ولا معنى لها في دينه، فصارت لغوا في حقه، ~~وأما قول ثمامة، فلا يساوي ثمامة (2)، وقد بينا في كتب الأصول أن هذا الذي ~~ذكره (3)، هو شرط النبوة، لا دليلها، وإنما بني (4) كلامه البائس المخذول ~~على مذهبهم، في أن النبوة مدركة بالاختيار، وأنه الذي يضع من قبل نفسه ~~القوانين فيرتب (5) الأمور. # وهذا مما يعلم بطلانه قطعا فإن من نظر إلى كلام محمد صلى الله [و 72 أ] ~~عليه وسلم، وما أبان من المعاني، وأوضح من المقاصد، وأخبر عنه من الكوائن، ~~ونظم من الترتيب، وقدر من التدبير، ودخول جميع (6) المعاني من جميع الخلق، ~~أفعالا وأقوالا، تحت ذلك النظام (7)، علم قطعا أنه أمر يفوق طاقة (8) ~~البشر، وأنه لا يحصيه فيهم إلا موجدهم، ولا يرتبه لهم إلا عالمهم وخالفهم. ~~وهذه غاية في العصمة، والحمد لله والمنة. ### || قاصمة (9): # ثم نظرنا في طائفة نبغت يقال لهم أصحاب الإشارات، جاءوا بألفاظ الشريعة ~~من بابها، وأقروها على نصابها، لكنهم زعموا أن وراءها معاني غامضة خفية، ~~وقعت الإشارة إليها من ظواهر هذه الألفاظ، فعبروا إليها بالفكر، واعتبروا ~~منها في سبيل الذكر، وزاحمتهم من الطوائف الأول زمرة، لبست لبستهم، وتكلمت ~~كلمتهم، ونحن نجمع بين الطائفتين في مكان، لأنه أخصر في البيان، وإن اعترض ~~غيرها لففناه ms116 فيها، وظاهر هذا القول أنهم قصدوا خيرا فأشادوا (10) علما، ~~وربما تراقى الأمر بالتتبع له، وإدخال ما ليس PageV01P193 # فيه إلى ما لا ينبغي منه، ومتعلقهم في ذلك أن السلف ما زالوا يبطنون (1) ~~مثل هذا المعنى، ويجعلونه من باطن علم القرآن الذي قالوا فيه إن للقرآن ~~ظاهرا وباطنا، وحدا ومطلعا حسبما قررناه في كتاب "قانون التأويل". ولقد ~~صحبت منهم كثيرا، وفاوضتهم طويلا، وهم عصبة بتلك الديار ورؤوسها (2) في ~~العلم، وفاوضتهم، وطلبت منهم، وطالبتهم بالأدلة، فتعلقوا بما قدمته من آثار ~~السلف، ومنهم من قال: هذا مقصود الشريعة من تأديب الخلق وإصلاحهم، بالتصريح ~~تارة، وبالإشارة أخرى، فإن القرآن نزل بلغة العرب، وهذه سيرة العربية، وما ~~من كلام إلا وهو في لسان العرب يحتمل وجوها، ويدل على معان [و 72 ب]، ولا ~~يدرك حقيقتها إلا الكامل بنور العلم، أو لا ترف ما ورد في الحديث الصحيح، ~~عن ابن عباس (3) أنه قال: كنت أقرئ رجالا من المهاجرين منهم عبد الرحمن بن ~~عوف (4)، فبينا أنا معه (5) في منزله بمنى وهو عند عمر (6) في آخر حجة حجها ~~إذ رجع عبد الرحمن بن عوف فقال: لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين اليوم ~~فقال: يا أمير المؤمنين هل لك في فلان يقول: لو قد مات عمر لبايعت فلانا، ~~فوالله ما كانت بيعة أبي بكر (7) إلا فلتة فتمت، فغضب عمر، وقال: إني إن ~~شاء الله لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم ~~أمورهم. قال عبد الرحمن: فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل فإن الموسم يجمع ~~رعاع الناس، وغوغاءهم، وإنهم هم الذين يغلبون على قولك (8) حين تقوم في ~~الناس، وأنا أخشى أن تقوم (9) فتقول مقالة يطيروها (10) عنك كل مطير (11)، ~~وأن لا يعوها، PageV01P194 # ولا يضعوها على مواضعها، فامهل حتى تقدم المدينة، فإنها دار الهجرة ~~والسنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكنا، فيعي أهل ~~العلم مقالتك فيضعونها (1) مواضعها (2). # قال القاضي أبو بكر (3) رضى الله عنه: فقد كان خوف سوء التأويل للقول، ~~وحمله على غير وجهه، مخوفا في الصدر ms117 الأول. قالوا: (4) ولم يكن لإشارة ~~القول وعبارته، والتجاوز به إلى كثير من معانيه، إلا حال النوم (5)، وهو ~~معدن إبصار (6) الحقائق، وفيه يبدي الملك غامض علمه، ويلقي الغيب على من ~~يشاء (7) الله من عباده. وقال لي محققهم الأكبر: هذه أمثال الله في كتابه، ~~وإشاراته (8) إلى علومه، وذكر أمثال (9) الأنوار للهدي والإيمان، وكذلك ~~أمثال النبات كقوله تعالى (10): {وضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة} ~~[إبراهيم: 24] وذكر أمثال الماء والنار في سورة الرعد، وما جرى على لسان ~~النبي منها في حديث أبي موسى (11) وغيره، وتشبيه العلم والإيمان فيه بالغيث ~~[و 73 أ]، والسامعين له بأنواع الأرض، وأخذ القوم من ذلك أنموذجا، منه (12) ~~قوله تعالى: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وسعى في ~~خرابها} [البقرة: 114] وقالوا: إن الله نبه بذلك على أنه لا أظلم ~~PageV01P195 # ممن خرب أركان الإيمان بالشهوات، وهي قلوب المؤمنيين وعمرها بالمنى ~~والشهوات، وشحنها بمحبة الدنيا، وفرغها (1) من محبة الله تعالى، ثم قال: ~~{ولله المشرق والمغرب} [البقرة: 115] وأشار بذلك إلى مشارق القلوب، وهي ~~نجوم العلوم التي تطوف وتسير في ظلمات المنى والشهوات، وشموس المعارف ~~فوقها، فإذا طلعت بعد ذلك شموس المعارف، خفيت النجوم الشارقة (2) قبلها، ~~وكل لله ومنه، وبعضها أنور من بعض، ومنه قول الخليل حين لاح له نجم العقل ~~فعلم الحق فقال: {هذا ربي} [الأنعام: 77] ثم أسفر الصبح، ومتع (3) النهار، ~~وطلع شمس العرفان، من برج مشرقها، فلم يبق للطلب (4) مكان، ولا للتجويز ~~حكم، ولا للتهمة قرار، فقال: {إني بريء مما تشركون} [الأنعام: 78]. ### || عاصمة # فتلقفت جميع ذلك ووعيت، وأنا إلى أصل الأخذ ناظر، وعلى أعطافه بالتفكر ~~مائل (5)، والذي (6) تحرر بعد تحرير الافتكار في سبيل النظر والاعتبار أن ~~الصريح عام في الدين، به جاء البرهان، وعليه دار البيان، فلا يجوز أن يعدل ~~بلفظ عن صريح معناه إلى سواه، فإن ذلك تعطيل (7) للبيان، وقلب له إلى ~~الإشكال (8)، فإذا تقرر الصريح في نصابه، فالإشارة بعد ذلك إلى الأمثال ~~والأشباه، والتنبيه (9) لوجه التشبيه (10)، أصل عظيم في العقل، وباب متسع ~~في الدين، وسبيل ms118 واضحة (11) في الشريعة، فإن كانت في الأحكام فهو باب ~~PageV01P196 # القياس، وإن كانت في التذكير والوعظ، فالعبرة مباحة، وإن كانت في التوحيد ~~ولم يذكر في معرض المثل، فهي على حقيقتها [و 73 ب]، لاحظ فيها لغير (1) ~~التنبيه بقدرة على قدرة، وبتقديس (2) على تقديس (3) وإن (4) ورد على طريق ~~المثل، فقد مهدت قاعدته، ومضى على محتملاته، قال الله تعالى: {وضرب الله ~~مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون} [الزمر: 29] فتولى هو ضرب المثل لنفسه، ~~ونهانا نحن أن نضرب له من قبل أنفسنا، فقال: {فلا تضربوا لله الأمثال، إن ~~الله يعلم وأنتم لا تعلمون} [النحل: 74] وإن نبهت (5) في المواعظ والتذكير، ~~فذلك مع اجتناب الغلو، وتوقي الإفراط، حتى يعود ذلك بزيادات لا تلزم، أو ~~(6) ينقلب الحال (7)، فيجعل المذكور تبعا، والمنبه عليه أصلا، والمشار إليه ~~مقصدا (8)، وأنا أضرب لكم في ذلك ثلاثة أمثال: # المثال (9) الأول: الآية المتقدمة: {ضرب الله مثلا رجلا} قيل (10) هو ~~الكافر، وقيل هو الصنم، وقيل هو العاصي، وقيل هو المقبل (11) على الدنيا. ~~{فيه شركاء} قيل الآلهة (12)، وقيل الشياطيين. و {متشاكسون}: مختلفون (13). ~~و {رجلا}: قيل المؤمن، وقيل المطيع، وقيل المقبل (14) على الله دون الدنيا ~~(15)، وقوله (16): {سلما (17) لرجل}: لله بالإيمان (18) لله بالطاعة، ~~بالإعراض عن غيره، {هل يستويان مثلا} فالرجل الأول ضربه الله (19) مثلا ~~للكافر، في قول، PageV01P197 # وللصنم في آخر، وللعاصي (1) في ثالث، وبالإشارة (2) إلى مقبل على الدنيا ~~في رابع، وقوله: {فيه شركاء} قيل الآلهة تدعيه، وقيل الشياطين، وقوله: ~~{ورجلا سلما لرجل}: قيل هو مثل للمؤمن، وقيل: للمطيع (3)، وقيل في الإشارة ~~للمقبل (4) على الله، للمعرض عن الدنيا، ولا إشكال في أن المثل المضروب ~~للمؤمن والكافر (5)، فهو الأصل الذي بعث لأجله (6) النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - (7)، والداء العضال، والطاعة والمعصية منه، والإقبال على الله ~~والإعراض عن الدنيا، وإن كان معنى صحيحا، فإنا لا نمطع (8) على أن الآية ~~سيقت له، ولا ينبغي أن يكون مرادا بها، ولكننا نقول: إن الأدلة المنصوصة من ~~القرآن، والسنة، قد جاءت فيه، فلا نفتقر إلى (9) أن نقول: من ها هنا [و 64 ~~أ]، نأخذه، فإنه ms119 لا خلاف بين الأمة في أن المسألة إذا وجد جوابها، وظهر ~~حكمها صريحا في دليل، لا يطلب بالتضمين (10) من غيره. # المثال الثاني: قالوا إن: قوله تعالى: {فاخلع نعليك} [طه: 12]، الإشارة ~~فيه إلى خلع الدنيا والآخرة من قلبه (11)، وقيل تنق (12) من (13) نوعي ~~أفعالك. وقالوا: في قوله: {ألق عصاك} [النمل: 10] أي (14) لا يكون لك ~~معتمد، ومستند (15) غيري. # قال القاضي أبو بكر رضي الله عنه (16): هذه إشارة بعيدة أو قل معدومة، ~~فإنها إلى غير مشار (17)، و (18) ما أمر بطرح النعل إلى لأحد وجهين: ~~PageV01P198 # إما لأنهما كانا من جلد غير (1) مذكى كما روي عن ابن مسعود (2)، أو لئلا ~~يطأ الأرض المقدسة بنعل تكرمة لها، كما لا يدخل الكعبة بها، وقال الطبري ~~(3): لو صح حديث ابن مسعود، لقلت به ولكن أمر بذلك كرامة، قال القاضي أبو ~~بكر (4) رضي الله عنه: ولو كانا (5) من جلد حمار ميت، لم يكن في ذلك درك، ~~لأن الشرع بعد لم يكن قد بلغه، وقد قيل في شرعنا يجوز الانتفاع بجلد الميتة ~~قبل الدباغ، فأما تفريغ قلبه فعند سماع كلام الله يفرغ (6) ضرورة، ألا ترى ~~أن النبي (7) إذا سمع كلام جبريل عليهما السلام (8) معه في الوحي لا يبقى ~~له فراغ لغيره، فكيف مع سماع كلام الله؟ فهذا معلوم، و (9) لا يحتاج إليه ~~بعبارة، ولا بإشارة، وهي حكمة شاذة وإشارة إلى برودات، أو إلى (10) تعطيل ~~بحسب المقاصد. وأما إلقاء العصا فقد بين الله تعالى (11) الفائدة فيه، ومن ~~يعتمد على عصا من طول القيام يقال له: إنه على غير الله يعتمد؟ هذه خرافة، ~~فدع عنك نهبا صيح في حجراته، وعول على كتاب الله ومعلوماته. # المثل الثالث: قال أصحاب الإشارة: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~(12): "لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة" (13) فبين النبي أن ~~الملائكة تتنزه عن دخول (14) بيت فيه كلب من الحيوان، أو صورة [و 74 ب]، من ~~التماثيل، وهذا حث على إبعادها، وحض على تفريغ البيوت منها، لتتمكن ~~الملائكة من الدخول إلى PageV01P199 # البيوت، لا أمرت به فيه من إحصاء ms120 أعمال أ (1) واحتياط على بدن، أو مال، ~~أو بركة تنزلها على ذي المنزل، أو رسالة تؤديها إليه، إذا كان لها صاحبا، ~~وذلك، مخصوص بالرسل، ومنهم (2) جاء أصل الحديث، وبعد تقرير هذا فهو تنبيه ~~على تطهير القلوب عن الحسد والحقد، والغضب، والبخل، والخديعة، والمكر، ~~وسائر الصفات الذميمة فإنها تمنع من الأعمال الصالحة (3) بالتنفير (4) لها، ~~والإقصاء (5) لأسبابها. ما تفعله الكلاب في منازلها، والقلوب منزل ~~للملائكة، ومعدن الإيمان، ومحل التقوى، وهي بين أصبعين من أصابع الرحمن، ~~وذلك عبارة عن الملائكة المدبرة لها. وإذا طهرت المنازل الحسية، عن أجسام ~~الكلاب الحسية (6) فتنزيه القلوب عن صفات المكروه أولى، فنقر (7) الحديث ~~على ظاهره ونعبر (8) منه على طريق الاعتبار، إلى هذا المعنى المشار إليه ~~فنلحقه به، ونكون عاملين بالوجهين، موفين حق اللفظ في المعنيين. وهذا حكم ~~الاعتبار والإلحاق. # قال القاضي أبو بكر (9) رضي الله عنه: هذه قدحة خاطر، ولمحة ناظر، لا ~~يحتاج إليها، وأصلها إنما (10) هو من القوم الذين قدمنا شأنهم في تعطيل ~~الشرائع، وإن كل ما جاء منها وجرى في ألفاظها، ليس على ظاهره وإنما هو كله ~~مبني على التعبير (11) عن باطن سواه، وغرض آخر غيره، على معنى الكتابة ~~والرموز، فأراد هذا القائل أن يتوسط، فذكر (12) ذلك على هذا الوجه، وهو ~~معنى فاسد من وجهين، أحدهما أنه يكاد يقطع بأن هذا لم يكن مقصودا للنبي ~~عليه السلام (13). الثاني: أنا (14) قد وجدنا التصريح بتطهير القلوب، عن ~~هذه PageV01P200 # الصفات الذميمة كلها [و 75 أ] منصوصا عليه، فما الذي يحوجنا إلى (1) أن ~~نأخذه على بعد من لفظ آخر بمعنى من (2) الاعتبار يبعد أو يقرب. هذا من الفن ~~الذي لا يحتاج إليه، وإنما هو (3) احتكاك بتلك الأغراض الفلسفية، وهي عن ~~منهج (4) الشريعة قصية، كادت بها الدين طائفة خبيثة، وقولهم: إن السلف ~~كانوا ينبطون (5) مثل هذا المعنى فغير مسلم، إنما (6) كانوا يستدلون ~~بالتنبيه العرفي (7)، أو الذي يقتضيه اللفظ من جهة اللسان. فأما الاعتبار ~~بالمعنى الباطن الذي يجري مجرى الرموز، فلم تفعله (8) قط، ولا يوجد (9) في ~~أغراضها من طريق (10) صحيحة. وأما قولهم: ms121 إن هذا هو المقصود في الشريعة من ~~التأديب والإصلاح، فكلا، إنما أدبت، وأصلحت الخلق، بما أذنت (11) به، ~~وصرحت، وما اقتضاه لسان المخاطبين. وأما حديث عمر رضي الله عنه (12) فأصل ~~صحيح، فإن الناس ما زالوا قديما وحديثا بأغراضهم الفاسدة، يقلبون القرآن، ~~ويبدلون ما سمعوا من النبي عليه السلام (13) كما قال عنهم: {يحرفونه من بعد ~~ما عقلوه} [البقرة: 75] وكانوا يقولون للنبي عليه السلام (14): {راعنا} ~~[البقرة: 104] وأنتم ممن يبدل كلام الله (15)، ولا تتأولونه (16) كما يجب، ~~وتضعونه في غير موضعه، ففهمها (17) من خوطب بها عنه، وقد أوضحناها (18) في ~~"أنواو الفجر" وفي "قانون التأويل" بنهاية البيان. # وأما الذي ذكروه (19) من الآية التي في قوله: {ومن أظلم ممن منع مساجد ~~الله} [البقرة: 114] فقد تقدم الجواب عن (20) مثله، فإن المراد به ~~PageV01P201 # المساجد ذوات الساحات المتخذة للصلوات، وقلوب المؤمنين معروف حالها، ~~مبينة بأكثر من هذا البيان، في مواضعها، ولا يحتاج (1) إلى ذلك فيها، ولا ~~يدل ذلك اللفظ عليها، وكذلك القول في آية الشرق والغرب هو نص [و 75 ب] في ~~الجهات، وما تتردد (2) عليه أحوال القلوب، ويجري في خواطر الصدور، معلوم ~~بدليله، منصوص في كثير من آي توحيد القرآن كقوله: {إنه عليم بذات الصدور ~~ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} [الملك: 14] فأخبر (3) أنه كله من خلق ~~الله، وأنه به عالم، فهو لله خلق، وقد يكون له تصديقا، وقد يكون به تكذيبا، ~~وقد يكون له محمودا، وقد يكون منه مذموما، وهذا كله له خلق (4)، وقضاء ~~وقدر، وقد دللنا عليه في موضعه، وأفسدنا قول إخوانهم (5) القدرية، الذين ~~اتفقوا معهم على هذه البلية (6). # وأما نازلة الخليل عليه السلام فهو خطب عليهم جليل، وأمر عندنا شريف ~~جليل، وقد بيناها في التفسير، ونكتة القول فيها أن شأن إبراهيم صلى الله ~~على نبينا وعليه (7)، كما شرح (8) المفسرون ليس فيه قطع بصحة، ولا دفع ~~ممكن، وبعد سردها اختلف العلماء في المعنى على أربعة أقوال: # الأول: {هذا ربي} في ظني، لأنها حال نظر واستدلال. # الثاني: أنه اعتقد ذلك. # الثالث: أنه كان طفلا. # الرابع: أنه قالها ms122 (9) منكرا لعبادة (10) الأصنام على قومه. فأما من قال: ~~إنه قالها في حال النظر والاستدلال، فليس طريق من طرق النظر يفضي في ~~PageV01P202 # ابتدائه، ولا في انتهائه، ولا في أثنائه، إلى أن الكوكب (1) رب مدبر (2) ~~ولو وقع النظر بالناظر على أنه (3) مدبر، ما أزاله (4) منه أنه آفل، لأنه ~~يظن (5) أنه ربما كان تدبيره وربانيته في أفوله وطلوعه (6). # وأما من قال: إنه اعتقد ذلك، فكذلك يلزمه ما قدمناه في حال النظر ~~والاستدلال المتقدمة. وقول من قال: إنه كان طفلا حين خروجه من الغار الذي ~~خبأته أمه فيه، خوفا من القتل عليه، فأخبر (7) بذلك عن بشاعة (8) قصور ~~النظر، إن كان نظرا (9)، أو عن فساد الاعتقاد إن كان لذلك معتقدا. وأما قول ~~من قال: إنه كان منكرا، [و 76 أ]، فصحيح حسن، فإن إبراهيم بعثه الله (10) ~~بين قوم عامة، يعبدون الأصنام التي ينحتون (11)، فإن (12) تخصص منهم أحد، ~~تعلق بالعلويات، ورأى أنها أشرف من هذه الأرضيات، في ظاهر الحال، فخرجت ~~الخواطر الحائرة (13)، بالمقادير (14)، فكل (15) أحد إلى كوكب، وقمر، وشمس، ~~وكان منهم خاصة، يرون أن هذه الكواكب الزاهرة، في الأفلاك الدائرة، هي ~~الفعالة، ويرجعون إليها بعبادتهم وتقديسهم، وطلباتهم، فلما اصطفاه الله ~~بخلته، وأدبه (16) بتكرمته، ورباه بتربيته لأوليائه، وأنبيائه (17)، بأن ~~كره إليهم الأباطيل، وطهر نفوسهم عن الأضاليل. وهذا يقين (18)، فإنك قد ~~ترى، وسمعت، بأن القلوب تختلف في الاعتقادات، فإذا كان هنالك من يربأ بنفسه ~~عن باطل، إلى آخر، يرى أنه PageV01P203 # أشرف منه، يدركه (1) بفكره، فكذلك (2) فاعلم أن الله يطهر من يشاء من ~~عباده، فيستله (3) ويصطفيه، فيكون سلالته ومصطفاه، ولا يمكن من قلبه إلا ~~الحق، وأنشأه على أكمل صفة، بين أنقص قوم، كشف (4) له عن ملكوت السموات ~~والأرض، وأراه تدبير الجملة والتفصيل، وجرد له أديمهما (5)، حتى (6) أدرك ~~لئيمها (7) وكريمها (8)، وخيرهما (9) وشرهما (10)، واطلع في جملة ذلك على ~~الشمس، والقمر، والنجوم في السموات، والجبال، والشجر، والبحار في الأرض، ~~ليكون (11) من الموقنين. وبعد هذا (12) ذكر (13) ما جرى له في الكواكب ~~بقوله (14) جل وعز (15): {فلما جن عليه الليل} [الأنعام: 76] فأخبر (16) أن ~~ذلك كان ms123 بعد اطلاعه على الملكوت، وهو تصريف المخلوقات من الملك بحكم الملك ~~المطلق، وبطل أن يكون ذلك ظنا (17) واعتقادا، ووجب أن يكون احتجاجا، فقال ~~لقومه جميعا أو (18) أشتاتا: {هذا ربي} إما على التنزيل في المناظرة ~~والتقدير (19) ليرتب عليه ما بعده من الدليل. وإما على طريق الإنكار، ~~والأول أقوى في طريق (20) النظر، وأظهر، بما (21) يدل عليه الكلام في الآية ~~فلما أفل [و 76 ب] قال للمتكلم معه: {لا أحب الآفلين}. تقدير (22) الكلام: ~~أنه قد ذهب، وأنت تسجد له، إذا طلع، ولا تسجد له إذا PageV01P204 # أفل، فالذي يراه ويراك في كل وقت أولى بالسجود له، وقال للذي سجد للقمر: ~~{هذا أكبر} جرما من ذلك، وأظهر فعلا، ولا سيما إن كانت له مقثوة (1) فإنه ~~لسخفه يعبر بها (2)، فلما غاب عنه قال له مثل ما قال للأول، وزاد أنه لو ~~دام على المقثوة لأفسدها، فقد زال الآخر الذي (3) هو أكبر جرما (4) منها ~~(5)، وأكثر فعلا فيها، فإياه فاعبد، فلما أفلت قال: ما هذا الباطل؟ لا (6) ~~سجود لمصرف محكوم، على مقدار معلوم، متداول مع غيره، معاقب له، بينهما برزخ ~~لا يبغيان، دل على أنهما محكومان. وما قدر هؤلاء الثلاث في جنب سائر ~~المكونات من السفليات والعلويات؟ ومع أنكم تقولون: إن الشمس دون زحل في ~~الرتبة وإن زحلا قد حاز (7) العلو، فما هذه الآراء المتهافتة، التي لا يضم ~~نشرها رأي (8)، ولا يحيط بأخبارها وعي؟ ارجعوا بعبادتكم إلى الذي دبر الكل، ~~وفطر الجميع، ولا تشتغلوا بالوسائط (9)، فليس لها حكم، وإنما هي أمثالكم في ~~التسخير والتقدير، فأفردوه بالعبادة دونها، ولا تشركوا (10) به أحدا. ~~ويعضده قوله: {وحاجه قومه} [الأنعام: 80] وقوله: {وتلك حجتنا آتيناها ~~إبراهيم على قومه} [الأنعام: 83] فإنها بأبصار، وعلمنا قطعا أنها كانت ~~محاجة لا شكا (11). فأما جواز اعتماد الأنبياء للباطل، والكفر قبل البعث ~~(12)، فكما يعلم (13) أن الله على كل شيء قدير، يعلم (14) قطعا، أنه قد ~~PageV01P205 # أمنهم من ذلك، وأخبر أنهم مطهرون من ذلك في الأزل (1). قيل للنبي (2) متى ~~وجبت لك النبوة؟ قال (3): وآدم بين الروح والجسد، وبين (4) الماء والطين. ~~خرجه ms124 الترمذي وصححه، وهو صحيح باللفظ الأول. فإن قيل: هذه الاستدلالات ~~ظنية، فإنه ليس يمتنع (5) أن يكون [و 77 أ] صبيا، ويشكل عليه الأمر، فكذلك ~~لا يبعد أن تكون (6) دلالة الحدوث عنده أكثر من دلالة الجسمية وأظهر، لا ~~(7) سيما وكان محبوسا في غار لأمه، خوفا من ملك زمانهم، يعيش من طرف أصبعه ~~(8)، وذكره لرؤية (9) ملكوت السموات والأرض، يجوز أن يكون الله ذى حال ~~نهايته ثم رجع إلى بدايته. قد قلنا (10) القول القطعي، بغاية البيان كما ~~تقدم، وليس ما ذكره الله بينا، ظنا - وهذا لا تفهمه الأعاجم - إن الله ~~تعالى قال مخبرا عن الخليل أنه قال لأبيه: {أتتخذ (11) أصناما آلهة إني ~~أراك وقومك في ضلال مبين} [الأنعام: 74] فلم يخبر عنه بشك فيها، ثم نظر ~~فاستيقن، وإنما أخبر عنه بتوحيد ظاهر، وقول بين، ثم عطف عليه فقال: {وكذلك ~~نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض} [الأنعام: 75] أي أنا أريناه وجه الحق ~~في الأصنام الأرضية، كذلك نريه وجه الحق في الأجسام العلوية ليكون من ~~الموقنين، ولم يخبر أنه أراه أجسامها، وإنما أخبر أنه أراها إياه، فرآها ~~ملكوتا مدبرة مسخرة، ومن كان محبوسا في غار لا يرى في الليل، ولا في النهار ~~فيخرج منه فيرى الكواكب لا يخطر بباله أن له ربا، فكيف أن يجعله كوكبا؟ ولا ~~شك أنه سمع (12) من أنيسه في الغار أحاديث الأخيار والأشرار. وما يقال: أنه ~~تحدث به عنه، وعن أمثاله، من أنه يخرب الملك، فسمع أن هنالك ملكا يخرب هذا ~~الملك، فتعلق (13) وهمه به، فإذا PageV01P206 # خرج ورأى الكوكب لا يخطر بباله عادة، قطعا، أنه المدبر، حتى يسمع منه ~~ركزا، و (1) يلقي إليه أحد ذكرا. وقوله: إن الباري ذكر حاله في نهايته ثم ~~رجع إلى ذكر بدايته. قلنا: ذلك محتمل لولا قوله: {وكذلك نري إبراهيم ملوكت ~~السموات والأرض} ويؤكد ذلك قوله: {ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به ~~عالمين، إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون} ~~[الأنبياء: 51 - 52] القصة إلى آخرها، فأخبر عنه بقول نظار [و 77 ب]، ms125 حكيم، ~~ثم أخبر عنه بأنه كما أتاه رشده في الأصنام، كذلك (2) يريه في المستقبل ~~آيات العلويات، فكشف له عنها عيانا، كما في الأثر، أو دلالة، وكان ~~الاستدلال بالتغير أقوى من التقرر، لأن المتغير مخلوق مربوب ضرورة، إذ ~~التغير لا يخلو أن يكون من قدم إلى قدم أو من قدم (3) إلى حدث، أو من حدث ~~إلى قدم أو من حدث إلى حدث، والأقسام الثلاثة محال (4) كما بيناه في كتب ~~(5) الأصول، فلم يبق إلى القسم الرابع، وهو أنه يتغير من حدث إلى حدث، وذلك ~~المقصود. والذي يعضد دلالة الخليل (6) في الاستدلال بالحدوث و (7) يمهد لكم ~~اليقين (8)، أنها (9) أقرب، وأبلغ (10)، من المساحة (11) والتشكيل، أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر الدجال، وذكر ما يفعل من الآيات، وما ~~يظهر على يديه من المعجزات، حتى إحياء الموتى، قال: "مهما يكن من شيء، ~~فإنكم تعلمون أن الدجال أعور، وأن ربكم ليس بأعور". في حديث أعور عين ~~اليمين. وفي حديث أعور عين الشمال (12). تختلف عليه صفات النقص، وتتوارد ~~(13)، ويلحقه التغيير، فهذا ينفي عنه الإلهية قطعا، وهذا بالغ لمن وفق ~~لفهمه، وب الله التوفيق. PageV01P207 ### || قاصمة # وقد بينا في غير موضع أن الكائدين للإسلام كثير، والمقصرون فيه كثير، ~~وأولياؤه المشتغلون (1) به قليل (2)، فممن كاده (3) الباطنية، وقد بينا ~~جملة أحوالهم. وممن كاده (4) الظاهرية (5)، وهم طائفتان: إحداهما (6): ~~المتبعون (7) للظاهر في العقائد والأصول (8). الثانية: المتبعون للظاهر في ~~الأصول، وكلا (9) الطائفتين في الأصل خبيثة (10)، وما تفرغ عنهما خبيث ~~مثلهما (11)، فالولد من غير نكاح لغية، والحية لا تلد إلا حية (12)، وهذه ~~الطائفة الآخذة بالظاهر في العقائد، هي في طرف التشبيه، كالأولى في ~~التعطيل، وقد بليت بهم في رحلتي [و 78 أ]، وتعرضوا لي كثيرا دون بغيتي، ~~وأكثر ما شاهدتهم بمصر والشام وبغداد، يقولون (13): إن الله تعالى أعلم ~~بنفسه وصفاته، وبمخلوقاته منا، وهو معلمنا، فإذا أخبرنا بأمره آمنا به، كما ~~أخبر، واعتقدناه، كما أمر. وقالوا حين سمعوا: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم ~~الله في ظلل من الغمام والملائكة} [البقرة: 210] {وجاء ربك والملك صفا صفا} ~~[الفجر: ms126 22] [فأتى الله بنيانهم من القواعد} [النحل: 26] "وينزل ربنا كل ~~ليلة إلى سماء الدنيا" (14)، أنه يتحرك وينتقل، ويجيء ويذهب من موضع إلى ~~موضع، ولما PageV01P208 # سمعوا قوله: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] قالوا: إنه جالس عليه، ~~متصل به، وأنه أكبر بأربع أصابع، إذ لا يصح أن يكون أصغر منه، لأنه العظيم، ~~ولا يكون (1) مثله، لأنه {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] فهو أكبر من العرش ~~بأربع أصابع. ولقد أخبرني (2) جماعة من أهل السنة بمدينة السلام (3)، أنه ~~ورد بها الأستاذ أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري، الصوفي، من ~~نيسابور (4)، فعقد مجلسا للذكر، وحضر فيه كافة الخلق، وقرأ القارئ: {الرحمن ~~على العرش استوى}. قال لي أخصهم: فرأيت - يعني (5) الحنابلة - يقومون في ~~أثناء المجلس ويقولون: قاعد، قاعد بأرفع صوت، وأبعده (6) مدى (7)، وثار ~~إليهم أهل السنة من أصحاب القشيري، ومن أهل الحضرة، وتثاور (8) الفئتنان، ~~وغلبت العامة، فأجحروهم (9) المدرسة النظامية، وحصروهم فيها، فرموهم ~~بالنشاب، فمات منهم قوم، وركب زعيم الكفاة، وبعض الدارية، فسكنوا ثورتهم، ~~وأطفوا (10) نورتهم (11)، وقالوا: إنه يتكلم بحرف وصوت، وعزوه إلى أحمد بن ~~حنبل (12)، وتعدى بهم الباطل، إلى أن يقولوا: إن الحروف قديمة، وقالوا: إنه ~~ذو يد، وأصابع، وساعد وذراع، وخاصرة، وساق، ورجل، يطأ بها حيث شاء، وأنه ~~يضحك ويمشي ويهرول، وأخبرني من أثق به من مشيختي أن أبا يعلى محمد بن ~~الحسين الفراء (13)، رئيس الحنابلة [و 78 ب]، ببغداد، كان يقول إذا ~~PageV01P209 # ذكر الله تعالى، وما ورد من هذه الظواهر في صفاته، يقول: ألزموني ما شئتم ~~فإني ألتزمه إلا اللحية والعورة، وانتهى (1) بهم القول إلى أن يقولوا: إن ~~أراد أحد أن يعلم الله، فلينظر إلى نفسه (2) فإنه (3) الله بعينه، إلا أن ~~الله (4) منزه عن الآفات قديم (5) لا أول له، دائم لا يفنى، لقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -. "إن الله خلق آدم على صورته" (6) وفي رواية: "على ~~صورة الرحمن" وهي صحيحة، فلله الوجه بعينه لا ننفيه (7)، ولا نتأوله (8) ~~إلا محالات لا يرضى بها ذو نهى. وكان رأس هذه الطائفة (9) بالشام أبو الفرج ~~الحنبلي (10) بدمشق، وابن ms127 الرميلي (11) المحدث ببيت المقدس، والقطرواني ~~بنواحي نابلس، والفاخوري بديار مصر، ولحقت منهم ببغداد أبا الحسين بن أبي ~~يعلى الفراء (12)، وكل منهم ذو أتباع من العوام، PageV01P210 # جمعا غفيرا (1)، عصبة (2) عصية (3) عن (4) الحق، وعصبية (5) على الخلق. ~~ولو كانت لهم أفهام، ورزقوا معرفة بدين الإسلام، لكان لهم من أنفسهم وازع، ~~لظهور التهافت على مقالاتهم، وعموم البطلان لكلماتهم. ولكن الفدامة (6) ~~استولت عليهم، فليس لهم قلوب يعقلون بها، ولا أعين يبصرون بها، ولا آذان ~~يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل (7). ولقد أخبرني غير واحد عن أبي ~~حامد أحمد بن أبي طاهر الاسفراييني (8) أنه خرج يوما على أصحابه مسرورا ~~فسألوه، فقال: ناظرت اليوم عاميا فظهرت عليه. فقيل له: وأنت تظهر على ~~الأيمة، فكيف تفرح بالظهور على العوام؟ فقال: العالم يرده علمه، وعقله (9)، ~~ودينه، والعامي (10) لا يرده فهم، ولا يردعه (11) دين، فغلبته نهزة (12) ~~ونادرة. # قال القاضي أبو بكر (13) رضي الله عنه: وأنبئكم بغريبة أني (14) ما لقيت ~~طائفة إلا وكانت لي معهم وقفة في مقالاتهم، عصمني الله بالنظر بتوفيقه منها ~~[و 79 أ] إلا الباطنية والمشبهة، فإنها زعنفة (15) تحققت (16) أنه ليس ~~وراءها معرفة. فقذفت نفسي كلامها من أول مرة. وسائر الطوائف لا بد أن يقف ~~الفكر عقلا وشرعا من أي وجه طلبت الدليل حتى يرشده (17) العقل والشرع، ~~PageV01P211 # إلى مأخذ النجاة، وقد كان صاحبنا أبو منصور ساتكين (1) التركي نزيل ~~الثغر، وأبو محمد عبد العزيز (2) قاضي البسكرة (3) في ديار (4) المشرق معنا ~~(5)، ولقد كانا أوتيا فهما، ورزقا، ذكاء، ونبلا، فغلبت (6) عليهما صحبة ابن ~~المناني، فاختارا (7) مذهب (8) القدرية، ولقد دخلت إليه، وسر بي، وسألني عن ~~اعتقادي، فأخبرته، فقال لي: ما منعك من اعتقاد الحق، من مذهب أهل التوحيد، ~~يعني نفسه، وأصحابه من القدرية. وهو مذهب مستند من ابن الفرج، إلى أبي (9) ~~الحسين، إلى عبد الجبار، إلى أبي هاشم إلى (10) الجبائي (11) إلى آل (12) ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه (13)، إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ~~فعلمت أنه قد تبطن الباطن، ولصق بأهل البيت، وأخذ مذهب القدرية سترة خلاف ~~(14) أبيه (15) رضي ms128 الله عنه، الذي كان يسميه القاضي أبو بكر بن الطيب (16) ~~"مؤمن آل فرعون". إذ كان حنفي الفروع، أشعري الأصول. # وما (17) رئي قط بخراسان، ولا بالعراق (18) حنفي (19) إلا معتزليا، أو ~~PageV01P212 # كراميا، خلا ما وراء النهر، ببلخ (1)، فإنهم إلى منقطع (2) المعمور سنية ~~(3)، على أوفى طريقة في الحق، وقمت عنه، وتركته، وكان فحلا من فحول الفقه، ~~سمعت كلامه في جامع المنصور مع الشاشي في مسألة القضاء على الغائب، فرأيت ~~رجلا قد أحكم الأدلة في مسائل الأحكام، وحكمها على الطريقة العراقية. ### || عاصمة : # قال القاضي أبو بكر (4) رضي الله عنه: وقبل وبعد، فينبغي (5) أن تعلموا ~~أن هذه الطائفة (6) في حفظ ظاهر هذه الأخبار، لا يقال: إنها بنت قصرا، أو ~~(7) هدمت مصرا، بل هدمت الكعبة، واستوطنت البيعة، وحذار (8) أن تنشؤوا معهم ~~دليلا، ولا تستأنفوا معهم من الكلام نقيرا ولا فتيلا (9)، فليسوا لذلك (10) ~~أهلا، ولا ينجع فيهم أن ينشر ذلك معهم، إلا أن تدخل إليهم من بابهم، وهو ~~أيسر طريق إليهم في الكشف لضلالهم ولا تلتزم معهم مذهبا إلا أن تبطل رأيهم، ~~ولا يظهر لك اعتقاد إلا رد الكلام إلى القرآن والسنة، وما أجمعت عليه هذه ~~الأمة، وهو قد خالفوا الكل، فالمهم إفساد مقالتهم، وبيان ضلالتهم، فيقال ~~لهم: ما لكم أصحاب إلا اليهود، فإنها ألفت (11) في التوارة: حين خلق الله ~~السموات والأرض، ذكر فيه أنه خلقها في ستة أيام، واستراح يوم السبت، فكذبهم ~~الله في قوله فقال: {ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما ~~مسنا من لغوب} [ق: 38] فأخذوا لفظ الراحة بظاهره، وهو إعفاء النفس من كد ~~التعب، بعد تسخيرها فيه، واعتقدته بحاله فكفرهم الله، وكذبهم. PageV01P213 # ثم نعطف عنان القول فنقول: قوله: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل ~~من الغمام والملائكة} وأنتم قد قلتم: إنه أكبر من العرش مقدارا، كيف يشتمل ~~(1) عليه ظل الغمام؟ وكيف يأتي الحق مع الخلق يوم الفصل أو يأتي البنيان ~~وهو أكبر من العرش، والعرش أكبر من السموات والأرض؟ وقوله: {الرحمن على ~~العرش استوى} يقال لهم: قال ms129 الله: {ثم استوى على العرش} ما العرش؟ وما معنى ~~استوى؟ وينبغي أن تعلموا كلكم أنتم وهم قبل وبعد أن بناء "ظ ه ر" مفيد في ~~العربية لكل شيء خرج عن حد الخفاء والجهل إلا العلم، كان من المحسوس يخفى ~~على البصر والسمع وسائر الحواس، أو من المعاني يخفى (2) على العقل. فاحذروا ~~من يأخذ الظاهر فيجعله في حد الباطن بتأويله له، أو يحكم بظاهر على معنى هو ~~خفي، فلما قال: {الرحمن على العرش استوى} كان معناها هنا في المطلوب ثلاثة ~~(3) معان: معنى الرحمن، ومعنى استوى، ومعنى العرش، فأما الرحمن فمعلوم لا ~~خلاف فيه ولا كلام. وأما العرش فهو في العربية لمعان فأيها تريدون، وكذا ~~استوى عليه، يحتمل (4) خمسة عشر معنى في اللغة، فأيها تريدون؟ أو أيها ~~تدعون ظاهرا منها؟ ولم قلتم: إن العرش ها هنا المراد به مخلوق مخصوص؟ ~~فادعيتموه على العربية والشريعة، ولم قلتم: إن معنى استوى، قعد أو جلس؟ ~~فتحكمون باتصاله به، ثم تقولون إنه أكبر منه من غير ظاهر، ولم يكن عظيما ~~بقدر (5) جسمي حتى تقولوا: إنه أكثر (6) أجزاء منه. ثم تحكمكم (7) بأنه ~~أكبر منه بأربع أصابع، تحكم لا معنى له. وكنت أقضي عجبا من هذه النازلة حتى ~~وردت من المشرق سنة خمس وتسعين (8) فرأيت غريبة مغربية دفعها (9) إلي عبد ~~الله (10) بن منصور القاضي، فيها كلام لبعض منتحلي صناعة الكلام ~~PageV01P214 # بالمغرب يقول فيها: إن الباري في جهة، وأنه فوق العرش، وإن العرش هو الذي ~~يليه من مخلوقاته، فرأيت قوما، قد استولت عليهم الغفلة، وغلبهم الجهل، حتى ~~قالوا: إن الباري يحاذي المخلوقات، والذي أوقعهم في ذلك، أنهم رأوا أحاديث ~~ليست بصحيحة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عدد السموات فذكرها حتى انتهى ~~إلى السماء السابعة، قال فيه (1): "والعرش فوق ذلك، والله فوق ذلك" (2). ~~وسمعوا القدرية يقولون: إن الله في كل مكان، وتكاثرت في ذلك الأقوال من ~~المؤالف والمخالف، فأنكروا ذلك عليهم، وقالوا: إن أطلق لفظ في هذا المعنى ~~فالذي ينطلق أنه على العرش وسامحوا (3) في "فوق" لأنه بمعنى علا ms130 وجل، ~~ورددوها (4) في الحديث المذكور آنفا، ثم جاءت طائفة ركبت عليه، فقالت: إنه ~~فوق العرش بذاته وعليها شيخ الغرب أبو محمد عبد الله بن أبي زيد (5) فقالها ~~للمعلمين فسدكت بقلوب الأطفال والكبار (6)، ثم جاء هذا الثاني (7) فقال: ~~وأنا ماذا أزيد مما يظهر منزلتي بأن أقول: وهو الذي يليه من مخلوقاته يعني ~~ليس بينه وبينه موجود، وهو يحاذيه، وجعل يفيض في المحاذاة والجهة، وما يفيض ~~بكلمة صحيحة، ولم يتفق بعد أن أنكر (8) على أهل بغداد، وبين أضلاعي هذا ~~الداء فنفيت (9) عنهم المسألة، وأوردتها، وأصدرت، وأمليت وجمعت. ولبابه: إن ~~الله تعالى لا يوصف إلا بما وصف به نفسه شرعا وعقلا، وإن كان في ذلك تفصيل ~~حققناه في موضعه، ونحن نعلم قطعا أنه كان موجودا قبل إيجاده العالم كله، ~~على اختلاف أصنافه، ثم خلقه مثنى وفرادى، فلم تتغير له صفة، ولا حدثت له ~~إضافة، محدثة (10)، أو صفة PageV01P215 # صفحة 216 ناقصة. # صفحة 217 مكررة # PageV01P216 # قالوا: إنه أكبر من العرش بمقدار يسير، فكيف ينزل إلى السماء وهو أكبر من ~~جميعها؟ أي حتى (1) بحمله تعالى على الوجهين، ولم يفهموا أن النبي إنما ~~خاطب بذلك العرب والفصحاء اللسن، وقد ثبت فيها أن التنزيل (2) على الوجهين ~~نزول حركة، ونزول إحسان وبركة، فإن من أعطاك قد نزل إليك (3) إلى درجة ~~النيل المحبوبة عندك عن درجة (4) المنع المكروهة، كما أنه نزل من وده (5) ~~لك (6) عن حال البغضاء والإعراض عنك، وهو نزل حقيقة في بابه، كما أن نزول ~~المرء على الجبل إلى السفح حقيقة في بابه ألا ترى إلى قول عنترة: # ولقد نزلت فلا تظني غيره … # مني بمنزلة المحب الأكرم (7) # وقال عمر رضي الله عنه في الإسلام: (وما ينزل بعبد مسلم من منزل شدة) وهو ~~معنوي، لا حركة فيه ولا انتقال، وفائدته أن الكريم إذا حل بموضع، ونزل ~~بأرض، ظهرت فيها أفعاله، وانتشرت بركته وبدت آثاره (8)، فما بث الله من ~~رحمته من السماء (9) الدنيا على الخلق في تلك الساعة عبر عنه بالنزول فيه، ~~عربية صحيحة (10). # وأما قولهم: إنه يتكلم بحرف وصوت ms131 فهو معنى أصلته القدرية لقولها بخلق ~~القرآن، وإن الله خلق في الشجرة كلاما فهمه موسى كما يفهم كلام الإنسان، ~~فجرى أولئك على فصل من البدعة فاسد الأصل، معلوم المعنى. فلما جاءت هذه ~~الطائفة، ووجدت (11) القول بخلق القرآن كفرا، أقروا الحرف والصوت، وأنكروا ~~الخلق، وقضوا بقدم الحرف والصوت، فجاءوا بما PageV01P217 # لا يعقل، ولا هو في حد النظر والمجادلة، ولهم ظواهر لا أصل لها في الصحة، ~~ليس فيها ما يعول عليه، ولا ثبتت صفة به (1) أمثله: حديث عبد الله بن أنيس ~~(2): (يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد فيناديهم بصوت) ذكره ~~البخاري في التراجم مقطوعا. ومعناه أن مناديه ذو صوت، ليس هو الذي له الصوت ~~صفة. وقد يضاف إلى الباري (3) ملكه كما تضاف (4) إليه صفته، فما جاز عليه ~~حمل الأخبار عنه، على الصفة، وما كان غير جائز، حمل الأخبار عنه به على ~~الملك، وإلا ففي الخبر: (ينادي بصوت) وليس فيه يتكلم بصوت. فلم تركتم ~~الظاهر، وجعلتم الكلام والصوت واحدا، وهما قد وردا في موطنين؟ وبين الكلام ~~والنداء ما بين السماء والأرض. وقد قال في حديث القيامة بعينه: (فيأتيهم في ~~صورة ثم يأتيهم في صورة (5) أخرى) أفيحمل (6) ذلك على أن الله يتبدل وينتقل ~~ويتحول؟ تعالى الله عن ذلك، فكما أن ذكر الصورة محمول على المعنى، كذلك ~~النداء بصوت محمول على المعنى. فإن قالوا بالصورة والصوت والتعبير ~~بالحوادث، لم يكونوا من أهل القبلة، وحكم بخروجهم أصلا وفرعا من (7) الملة، ~~ولم يفهم هذه الحقيقة أحد، فهم البخاري (8) رحمه الله فإنه قال: باب قول ~~الله تعالى: {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} [طه: 109] الآية. ~~ويذكر عن جابر بن عبد الله (9) عن عبد الله بن أنيس أنه قال: سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه ~~من بعد كما يسمعه من قرب أنا PageV01P218 # الملك أنا الديان" ثم قال عن أبي سعيد (1) الخدري بالسند الصحيح قال قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول الله عز وجل: "يا آدم يقول: ms132 لبيك وسعديك ~~فينادي بصوت، أن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلا النار" فبين سبحانه ~~أن المنادي عنه غيره لقوله: "إن الله يأمرك" والحمد لله. # وأما أحمد بن حنبل فإنما أبى أن يقول: إن القرآن مخلوق، وحمله الظالم على ~~أن يناظره، وقال له: القرآن شيء أو غير شيء فإن قلت: إنه غير شيء فقد (2) ~~كفرت، وإن قلت: إنه شيء فقد قال الله أنه (3): {خالق كل شيء} [الأنعام: ~~102] فهل يدخل القرآن فيه أم لا؟ فأبى أن يناظره حتى لا ينزل الحق والباطل ~~(4) في منزلة سواء، ولو جاء القائل أن القرآن مخلوق إلى أحمد بن حنبل مجيء ~~المسترشد لأرشده وأجابه. ولما نزل منزلة القدرة (5)، وعضده السلطان، سكت ~~عنه لئلا يقع منه ما يفتتن به الملك والناس، ورأى فداء الدين بنفسه فكانت ~~منزلة سنية لم تكن لأحد في الإسلام. وقد ورد في الصحيح حديث صحيح: (إذا قضى ~~الله في السماء أمرا سمعت الملائكة كهيئة السلسلة على الصفوان فيخرون سجدا، ~~حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، فيقولون: الحق ~~الحق) فتعلق به بعض هؤلاء المبتدعة، وقالوا (6): هذا نص في أن كلام الله ~~صوت، وقد بيناه في شرح الحديث وغيره. وتحقيق القول فيه أن الله تعالى أوحى ~~إلى رسوله إذا قضى الله، ولم يقل تكلم الله، ولا إذا قال الله. والقضاء في ~~اللغة والشرع يرد على معان كثيرة، وقد يحتمل أن يكون المعنى إذا قال الله ~~بواسطة، ففهم عنه تكلم إليهم، فيغشون لثقل قوله على الملائكة كما قال (7): ~~يغلب النبي ثقل القول فيغشى عليه. كأنه الجرس، وهو نحو من السلسلة على ~~الصفا، وبعض الملائكة أقوى من بعض كما أن بعض الآدميين أقوى من بعض، فقوة ~~جبريل PageV01P219 # في الملائكة على القبول من الله يناسب قوة محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~في الآدميين على قبول القول من جبريل، ولو كان كلام الله صوتا، لما كان صوت ~~جبريل لمحمد - صلى الله عليه وسلم - كالجرس، وكلام الله لجبريل كالسلسلة لا ~~يصح بهذا التقدير، نعم، ms133 ولا كالرعد، ولا أعظم منه. وأما كونه له يد ويمين ~~فإنه له (1)، ثابت قطعا، إذ هو نص القرآن وكذلك ذو عين، فإنه ثابت قطعا، ~~ولما جاء في القرآن كلاهما قال علماؤنا المتقدمون: أن اليدين صفة ثابتة في ~~القرآن ليس لها كيفية، وحملها المتأخرون من أصحابنا على القدرة. والذي قال ~~في آدم: {لما خلقت بيدي} [ص: 75] قال: {تبارك الذي بيده الملك} [الملك: 1] ~~وقال: {بل يداه مبسوطتان} [المائدة: 64] وقال: {والسموات مطويات بيمينه} ~~[الزمر: 67] وفي الحديث الصحيح: "وكلتا يديه يمين" (2) والذي خلق به آدم ~~ويطوي به السموات هو الذي به الملك، وهو يقبض به الأرض. في البخاري: يقبض ~~الله الأرض، ويطوى السماء بيمينه. وذكر الحديث وذلك كله عبارة عن القدرة، ~~وضرب الله اليد (3) مثلا إذ هي آلة التصرف عندنا، والمحاولة، فإنهما المراد ~~هنا (4)، وأوضح (5) العلم لنا منا، وذلك تصديق قوله: {وفي أنفسكم أفلا ~~تبصرون} [الذاريات: 21] وأما بعض أصحابنا فقد قال: إن معنى قوله: {والسموات ~~مطويات بيمينه} أي (6) بقسمه أن يفني الخلق، فقول ضعيف، وإنما هي كناية عن ~~القدرة كما بينا. وهبك وجد (7) للقسم ها هنا محتملا، فماذا يصنع (8) بذكر ~~اليمين في الحديث الصحيح. # وأما ذكر الكف فلم يرد في القرآن، ولكنه ورد في الحديث الصحيح، ولعلمائنا ~~نكتة بديعة، وذلك أنه ما جاء في القرآن من أحوال الصفات الثابتة نقلا قطعا، ~~قالوا: إنها صفات لا تتأول، وما جاء في أخبار الآحاد أولوها، PageV01P220 # ولم يوجبوا لله منها (1) صفة. وقوله: "إن الصدقة تقع في كف الرحمن" (2) ~~كلام صحيح يشهد له القرآن والسنة، فإن الله تعالى يقول في كتابه: {من ذا ~~الذي يقرض الله قرضا حسنا} [البقرة: 245] فعبر عن نفسه الكريمة بالمستقرض، ~~فمن دفع إليه شيئا فقد وقع ما دفع في كف المستقرض كما أنه قال: (فلم تعدني) ~~(3) أفيكون (4) المرض صفة؟ ولا شك (5) في أنه لا يكون، كذلك الكف. # وأما الساعد فليس في حديث صحيح، وكذلك ذكر الذراع، فلم يصح في الحديث أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أكثر من غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ~~ذراعا، ms134 وأن ضرسه مثل أحد، وأن مجلسه من جهنم كما بين مكة والمدينة" وهو ~~صحيح. وقال: "ولو أن رصاصة مثل هذه - وأشار إلى الجمجمة - أرسلت من السماء ~~إلى الأرض وهي مسيرة خمسمائة سنة لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت من ~~رأس السلسلة لسارت أربعين خريفا، الليل والنهار قبل أن يبلغ قعرها أو ~~أصلها". فأما ذكرها مضافا إلى الجبار فباطل، وأراد بساعد الله إن صح الذي ~~ينتقم الله به، كما أن سيف الله الذي ينتقم به من الكفار (6) ويستوفي به ~~القبض، وأراد بالذراع مملوكة كبيرة المساحة فأمر أن يذرع بها ما عنده من ~~المساحة، فإنه كما قال: {وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون} [الحج: 47] ~~و {كخمسين ألف سنة} (7) [المعارج: 4] فالأزمنة (8) تكون عنده في طول ~~المساحة ما يشبه به (9) فيأمره (10) بمقادر يناسبه. # وأما ذكر الأصابع فصحيح، ولكن لم ترد مضافة إليه، وإنما ورد: "أنه ~~PageV01P221 # يضع السموات على أصبع والأرضين (1) على أصبع ثم يهزهن" (2) الحديث، ولا ~~ينكر أن يكون لله أصابع، ولكن ليست صفات له، ولا متصلة له (3)، ولا يقتضي ~~الظاهر ذلك، فلا نرده (4) باطنا فيضيفوه (5) إلى الله، وقولوها مطلقة كما ~~جاءت تكونوا آخذين بالظاهر. والمعنى فيه أن الجامع (6) للمخاطب الأصابع، ~~فضرب له المثل به. فاحفظوا (7) نكتة بديعة وهي أن الشرع جاء باليدين واليد ~~والكف والأصابع، وقل بالساعد (8) والذراع مفردات فلا تصلوها، وتجعلوها ~~عضوا، وتضيفوها وتركبوها (9) بعضها إلى بعض فإنكم تخرجون من الظاهر إلى ~~باطن التشبيه والتمثيل الذي نفاه عن نفسه، فما فرق لا يجمع، وما جمع من ~~صفاته العليا (10) لا يفرق. # وأما ذكر القدم والرجل فصحيح، وردا مضافين إلى الله (11)، وأما الساق فلم ~~يرد مضافا إليه، لا في حديث صحيح ولا سقيم، وإنما قال الله: {يوم يكشف عن ~~ساق} [القلم: 42] ما الساق؟ وأي ساق؟ ولمن (12) من ذوي (13) السوق؟ وأما ~~الوطء بالقدم فلم يرد في حديث صحيح، أما أنه ورد في الحديث الضعيف (14) و ~~(آخر (15) وطأة وطئها الله تعالى بوج (16) يعني الطائف (17)، PageV01P222 # إشاره إلى أنها آخر غزوة انتقم فيها من الكفار، ms135 وذلك مشهور في لسان ~~المخاطبين بالقرآن، قال الشاعر: # وطئنا (1) وطيا على حنق … # وطي (2) المقيد ثابت الهرم # ولا يبعد أن يكشف عن ساق من يقول: إنه ذو ساق، ومن الذي يمنعهم أن ~~يقولوا: إنه هذا الساق؟ قال الشاعر (3): # عجبت من نفس ومن إشفاقها … # (4) ومن طرادي (5) الطير عن أرزاقها # في سنة قد كشفت عن ساقها # وأما حديث المخاصرة (6) فضعيف، وهو في اللغة مأخوذ من خصر (7) وقد تكون ~~(8) الجارحة، وقد تكون (9) من المخصرة وهي العصا، المعنى، يعطيه ما يعتمد ~~عليه، أ (10) ويدنيه منه بالمنى (11) والأمان، حتى يكون بمنزلة من خاصر ~~الملك. ثم يقال لهم: قوله: "يضع السموات على أصبع، وتقلب (12) القلوب ~~بأصابع الرحمن" من أين لكم أن أصابع الوضع المطلقة هي أصابع التقليب ~~المضافة إليه؟ ثم إنه قال: {ولتصنع على عيني} [طه: 39] وقال: {تجري ~~بأعيننا} [القمر: 14] من قال لكم: إنها عينان؟ وقال: {بيدي} [ص: 75] و ~~{يدي} [الحجرات: 1] من قال لكم: إنها أيدي؟ فإن قيك قوله: {والسماء بنيناها ~~بأيد} [الذاريات: 47] قلنا (13): اتفقت الأمة على أنها لا ياء فيها (14)، ~~فلا سبيل إلى (15) أن يكون (16) جمع يد، ثم يقال لكم: لم لا (17) تصلون بين ~~القدم والرجل والساق والخاصرة والجنب؟. والجنب عبارة عن PageV01P223 # جهة القصد، لأنه قال: {فرطت في جنب الله} [الزمر: 56] ولا يكون ذلك أبدا ~~إلا من جهة (1) طاعة، ولا تفريط في الجارحة (2) منا (3)، ولا في الصفة منه ~~سبحانه - ثم تصلون (4) الأصبع بالكف، والذراع والساعد، وتجمعون (5) صورة ~~فرقها العقل والشرع؟ إن هذا لهو الكفر العظيم، والخسران المبين. ثم (6) ~~الوطء هو وضع القدم بنقل (7)، وليس الباري ذا أجزاء تنتقل (8)، فإن قيل ففي ~~الحديث: "إن العرش ليئط به أطيط الرحل براكبه" قلنا: هذه باء السبب، ~~والمخلوقات كلها تئط به أي من أجله، فإن قيل: أجمعت الأمة على أن أصابع ~~الوضع هي أصابع تقليب القلب، قلنا: أجمعت الأمة على أنها ليست هي. فإن قيل ~~عمن؟ قيل له: وقل أنت عمن؟ وتحقيق المسألة أن أحدا لم يقل قط أن الأصابع ~~والكف صفة، و (9) إنما اختلفوا فيما جاء به (10) القرآن. فأما ms136 ما جاء من ~~طريق الآحاد، فلا يثبت العلماء بها (11) صفة، وإنما اقتحم ذلك هذه (12) ~~الطائفة العوجاء (13) وأما الضحك والفرح فحديث صحيح، ولكن أجمعت الأمة على ~~أنها ليست بصفات، وإنما الضحك عبارة عما يكون من فضله، ويفيض من عطائه، كما ~~يقال: ضحكت الأرض إذا أبرزت زينتها. قال (14) أبو نصير: # يضاحك الشمس منها كوكب شرق … # موزر بعميم النبت مكتهل # وقال آخر: # غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا … # علقت لضحكته (15) رقاب المال # والفرح عبارة عما يظهر عنده من الجود والسخاء والبشر والقبول وإلا ~~PageV01P224 # فيقال (1) لهم: علام (2) تقولون. إنه يفرح ويمشي ويهرول، ويأتي وينزل؟ ~~فهل يجوع ويعطش ويمرض ويحتاج ويعرى؟ فإن قالوا: لا، قلنا: فقد قال: "عبدي ~~مرضت فلم تعدني، جعت فلم تطعمني، عطشت فلم تسقني" وفي رواية: "استكسيتك فلم ~~تكسني" (3) فيقول: فكيف (4) يكون ذلك وأنت رب العالمين؟ يقول: كان ذلك ~~بعبدي فلان، ولو فعلت به ذلك لوجدتني عنده، في حديث طويل، هذا معناه. فإن ~~قالوا: لا نقول بهذه لأنها آفات، وهذه صفات. قلنا لهم بل هي جوارح، وأدوات ~~وهي كلها نقص وآفات، فإن هذه الجوارح (5) كلها إنما وضعت للعبد جبلة لنقصه ~~يتوصل، ويتوسل بها إلى قصده، ومن له الحول والقوة؟. وإنما هو إذا أراد شيئا ~~قال له: كن فيكون بلا (6) آلة له (7) ولا جارحة، فكما أضاف هذه الألفاظ ~~الجوارحية (8) عندنا إلى نفسه، كذلك [و 132 أ] أضاف البيت والدار إليه، فهل ~~بيته الذي هو الكعبة على قدره أو أكبر منه؟ وهل يدخله أم لا؟ وداره هل ~~يسكنها أو يدخلها؟ وأنتم معشر الغافلين أو قل الجاهلين وإن صرمتم فأصب (9) ~~بالضالين الكافرين مقتل الخطاب الصحيح فيهم: الأرض كلها لله، والمساجد لله، ~~والكعبة بيت الله، والجنة دار الله، وإذا أراد الله أن يشرف بيتا أو دارا، ~~أو آدم أو عيسى قال: إنه منه، وله، وبيده كان، وإلى جنبه يقعده، وعلى عرشه ~~ينزله معه، وكل ملك له، ويده (10) ورجله وقدمه، وذراعه وساعده، ولا سيما ~~إذا تصرف في طاعته، ألا ترى إلى (11) قوله في الحديث الذي رويتم: "فساعد ~~الله ms137 أشد، وموساه أحد" فجعل له ساعدا وموسى، والإضافة واحدة والكل صحيح ~~المعنى حق. PageV01P225 # وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - (1): "إن الله خلق آدم على صورته" فقد ~~تكلمنا على الحديث في مواضع، وأملينا فيه ما شاء الله أن يملى (2)، ولم ~~يتفق لأحد فيه (3) من الجمع ما اتفق لنا، ولبابه أن أصل القول، معناه ثلاثة ~~أوجه الأول: أن يكون المراد به صورة الرحمن. الثاني: أن المراد صورة آدم ~~نفسه. الثالث: أن المراد صفة (4) صورة العبد الملطوم (5) الذي جاء الحديث ~~على سببه، حين لطم وجهه فقال: "اجتنبوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورته" ~~فرجع (6) الثلاثة الأقوال إلى اثنين وهما أن يعود الضمير إلى آدم أصلا أو ~~تبعا، أو يعود إلى الله (7)، فإن قلنا: إنه يعود إلى آدم كان معناه: أكرمه ~~فإن أباك على صورته، وكان ذلك أوعظ له من أن يقول له (8): فإنك على صورته، ~~لأن المرء يمكن (9) أن يمتهن من نفسه ما لا (10) يمتهن من أبيه، فإن ~~الموجود إذا أشبه من له حرمة عندك راعيت شبهة جبلة (11) وشريعة (12) ومروءة ~~(13)، [و 132 ب] ألا ترى إلى قول القائل (14): # أحب لحببا السودان حتى … # أحب لحبها سود الكلاب # وقال الآخر (15): # أشبهت أعدائي فصرت أحبهم … # إذ صار (16) حظي منك (17) حظي منهم # وإن قلنا يعاد الضمير (18) إلى الله كان معناه تشريف العضو بأن فيه طرق ~~العلم كلها، البصر والسمع والشم والذوق واللمس، وفيه شروط (19) PageV01P226 # قيام العقل بالقلب، أو هو محل العقل، على اختلاف غير ضار (1) في الدين، ~~ولا يصح أن يكون آدم، ولا أحد على صورة الرحمن بإجماع، وإذا بطل الظاهر، ~~فلا معنى لاعتقاد الحال الذي يبطله العقل في الباطن، فإن العقل يزكي الشرع ~~(2)، والشاهد بعدالته (3)، ومن الحال أن يأتي الشاهد بجرحه المزكي وتكذيبه، ~~فإن ذلك عائد بإبطال قوله. وقد بينا ما كان يقوله أبو يعلى بن الفراء ~~الحنبلي: أنه يلتزم في صفة الباري كل شيء إلا اللحية والفرج، فانظروا نبهكم ~~(4) الله إلى هذا المفتري (5) على الشريعة في جنب الله تعالى، ويقال له: ~~فأين (6) التزام الظاهر؟ ms138 وأين صفات المعاني من العلم والقدرة (7) والكلام ~~والإرادة، والحياة (8) والسمع والبصر؟ وإذا ثبتت (9) الجوارح الظاهرة (10) ~~فأين الباطنة من القلب ونحوه؟ فإن (11) قال: هذه صفات نقص. يقال له: تكون ~~صفات كمال بأن تذهب (12) عنه الآلام واللذات، والقاذورات، كما ذكر تعالى عن ~~صفات أهل الجنة، وكما فعلتم في الجوارح الظاهرة، وإذا بلغتم إلى (13) هذا ~~المقام فاحمدوا الله على ما وهبكم من العصمة عن هذه البدعة (14) بل الكفر ~~الصراح (15). ومن استطاع على التأويل، وفهم المعنى فبها ونعمت، ومن قصر ~~نظره التزم الإيمان، ونفى التشبيه، واعتقد تقديس الرب (16) عن الآفات ~~والنظير، ولا (17) تصفوه إلا بما صح، ولا تنسبوا إليه إلا ما ثبت، فأنتم ~~(18) تعلمون أنه لا يقبل على أحد [و 133 أ]، من الخلق إلا العدل، فكيف (19) ~~تقبلون على ربكم، من لم يعرف (20) عينه، ولم تثبت عدالته PageV01P227 # فيضاف إليه، ويحكم به عليه. والأحاديث الصحيحة في هذا الباب على ثلاث (1) ~~مراتب، المرتبة (2) الأولى (3): ما (4) ورد من الألفاظ كمال محض ليس للآفات ~~والنقائص فيه حظ، فهذا يجب اعتقاده. الثانية: ما ورد وهو نقص محض، فهذا ليس ~~لله فيه (5) نصيب فلا يضاف إليه (6) إلا وهو محجوب عنها في المعنى ضرورة ~~كقوله: "عبدي مرضت فلم تعدني" وما أشبهه. # الثالثة: ما يكون كمالا، ولكنه يوهم تشبيها. فأما الذي ورد كمالا محضا ~~كالوحدانية، والعلم والقدرة والإرادة والحياة والسمع والبصر، والإحاطة ~~والتقدير والتدبير، وعدم المثل والنظير فلا كلام فيه، ولا توقف. وأما الذي ~~ورد بالآفات المحضة والنقائص كقوله: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا} ~~[الحديد: 11] وقوله: "جعت فلم تطعمني (7) وعطشت" فقد علم المحفوظون، ~~والملفوظون، والعالم، والجاهل أن ذلك كناية، وأنه واسطة عمن تتعلق (8) به ~~هذه النقائص، ولكنه أضافها إلى نفسه الكريمة المقدسة، تكرمة لوليه، ~~وتشريفا، واستلطافا للقلوب وتليينا (9). وهذا أيها العاقلون (10) تنبيه لكم ~~على ما ورد من الألفاظ المحتملة، فإنه ذكر الألفاظ الكاملة المعاني ~~السالمة، فوجبت له، وذكر الألفاظ الناقصة، و (11) المعاني الدنيئة فتنزه ~~(12) عنها قطعا، فإذا جعلت الألفاظ المحتملة التي تكون للكمال بوجه، ~~وللنقصان بوجه، وجب على كل مؤمن ms139 حصيف (13) أن يجعله كناية عن المعاني التي ~~تجوز عليه، وينفي (14) عنه ما لا يجوز عليه، فقوله في اليد والساعد والكف ~~والأصبع عبارات (15) بديعة [و 133 ب] تدل على معان شريفة، فإن الساعد عند ~~PageV01P228 # العرب عليه كانت تعول (1) في القوة والبطش والشدة، ألا ترى (2) إلى قول ~~الزبير (3) وقد ضرب، فأبان المضروب وفصله وتجاوز إلى ما تحته فقال له قائل: ~~إن هذا السيف (4) فقال: ما هو السيف (5)، إنما هو الساعد، ولهذا قال النبي ~~(6) في حديث أبي الأحوص (7) عن أبيه فيجدع هذه فيقول: "ضرر (8)، ويقول (9) ~~بحيرة فساعد الله أشد، وموساه أحد" (10) تهديدا (11) له على ما أتى من ~~الفعل القبيح، وتحذيرا له من النقمة والجزاء. وأضاف الساعد إلى الله، لأن ~~الأمر كله لله، كما أضاف الموسى إليه. وكذلك قوله: "إن الصدقة تقع في كف ~~الرحمن" عبر بها عن كف المسكين، تكرمة له، حتى لقد قال بعضهم: إن قوله: ~~"اليد العليا خير من اليد السفلى" المراد باليد العليا (12) يد (13) السائل ~~المعطى (14) الآخذ لهذا المعنى، وأضافها إليه تكرمة، كما قال: {ناقة الله} ~~[الشمس: 13] وأمثاله كثيرة. وقد بينا ذكر الأصابع وحكمته في ذكر التقليب به ~~(15)، وما يقلب بالأصابع (16)، يكون أيسر وأهون، ويكون أسرع، فأراد الباري ~~أن يهون عند قدرته، مقدار السموات والأرض (17) PageV01P229 # والمخلوقات، وأراد في جعل (1) القلب بين أصبعين، الإشارة (2) بذلك إلى ~~سرعة تقليبه (3) وخفائه وحقارته، وهو والمخلوقات سواء في هوان (4) ذلك ~~عنده، وحقارته (5) بالإضافة إلى قدرته. وقيل كنى بالأصبعين عن اللمتين لمة ~~من الملك له في الإيعاد بالخير، وتصديق الحق، و (6) من الشيطان لمة في ~~الإيعاد بالشر والتكذيب بالحق. وأما الذراع فقد بينا بأنه إنما ورد مطلقا ~~غير مضاف إلى الله (7)، قال الله سبحانه: {ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه} ~~[الحاقة: 32] والحديث الذي فيه (8) بذراع الجبار، لم يصح، كما قدمنا [و 134 ~~أ]، وإنما الصحيح في إسناده عن أبي هريرة (9): "غلظ جلد الكافر أربعون ~~ذراعا" (10) مطلقا غير مضاف، فلا يلتفت إلى حديث الإضافة. ### || عاصمة # مما يتعلق بهذا ويستذكر به، وجرى فيه توقف وغلط، أحاديث يعارض ظاهرها ~~المقتضى بالعقل، ms140 لا تتعلق بالباري ولا صفاته، ولكنها تتعلق بما أخبر # PageV01P230 # عنه من المعاني، وقد سبق بيانها (1) بأن (2) العقل والشرع صنوان، وأن ~~العقل مزكي الشرع، ولا يجرح الشاهد المزكي ولا يكذبه، فإن ذلك إبطال له. ~~وأحكام العقل ثلاثة واجب وجائز (3) ومستحيل، فأما الواجب والمستحيل فالشرع ~~لا يثبتهما ولا ينفيهما، لأنه لم يأت لبيان المحسوسات والضروريات، وإنما ~~جاء لتعيين جائز أو تبيين حكم ابتدائي (4)، وعلى الواجب والمستحيل بنى ~~الشرع الأدلة، وبهذا وقع (5) احتجاجه، وإليها في النظر كان مرجع البيان (6) ~~منه، فإذا جاء ما ينفي العقل ظاهره فلا بد أيضا من تأويله، لأن حمله على ~~ظاهره محال، فيكون غير مفهوم والشرع لا يأتي به، فلا بد من تأويله. ~~والأخبار على ثلاثة أقسام (7): متواتر وهو قليل بل عزيز. ومستفيض وهو كثير. ~~وآحاد، وهو جملة أخبار الشرع، وفي القرآن من المتواتر ما يغني، والمستفيض ~~والآحاد إذا جاءا في الآثار، يرد الآحاد جماعة، منهم مالك رضي الله عنه في ~~مواضع تعارضها (8) أصول الشرع. والقدرية لا تلتفت إليها. ولكنها تتناقض ~~فيها، وشد بينا حقيقة الأخبار في كتب الأصول، ونحن نورد من ذلك أمثلة ~~مختلفة المباني. ### || خبر : # قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من رآني في المنام فقد رآني في ~~اليقظة إن الشيطان لا يتمثل بي" (9) فهذا يعلم قطعا أنه لا يرى ذات النبي ~~(10) لوجهين: أحدهما أن ذاته لا تدرك في اليقظة فضلا عن المنام. الثاني: ~~أنه يراه في صورة تخالف صورته الكريمة. فدل على أن هنالك محذوفا تقديره: من ~~رأى مثالي فقد رآني، أي يكون ذلك دليلا على أنه رأى الحق، كما قال في رواية ~~أخرى: "فقد رأى PageV01P231 # الحق" إذ الشيطان وإن لعب بالإنسان في يقظته أو (1) منامه، فلا يلعب به ~~بواسطة النبي، فكان ذلك المثال الذي يرى في المنام، هو مثال النبي ضرب عنه ~~حقا. # وقد سألت دانشمند (2) عن الرجل يرى النبي في المنام فيقول له: كان كذا، ~~أو افعل كذا، مما يوافق الحق، أو يخالف ما روي عنه، أو ما يقتضيه القياس ~~فقال لي: ذلك ms141 لا يوجب حكما، ليس بشك في حقيقة المثال، وتصديق الرؤيا، ولكن ~~لأن الذي رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في منامه لا يوثق به في تحصيل ~~ما رأى، فإن المستيقظ قد يفوته التحصيل، ويذهب عن الوعي، بغفلة، أو ذهول، ~~أو نسيان، فكيف بحال النوم؟ انتهى قوله. # قال القاضي أبو بكر رضي الله عنه: وقد بينا أن الرؤيا أوهام، أو حقيقة ~~إدراك، على الاختلاف في ذلك. وعندي أنه حقيقة إدراك، ولكن الملك يضرب بها ~~المثل، وذلك مختص بحالة النوم تصرف فيه الأشياء عن ظواهرها، وتجري الكنايات ~~والمجازات البعيدة فيها، بإذن صاحب الشريعة ووضعه، كما أنه منع الكنايات في ~~بيان التوحيد، ووضع الأحكام وجرى كل على حكمه وبابه. ### || خبر # قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب ~~فكتب ما يكون إلى يوم الساعة" (3) قال القاضي أبو بكر رضي الله عنه: فقد ~~أخبر الله أنه خلق العرش والكرسي والقلم واللوح، وأمر القلم فكتب فاختلفت ~~ها هنا خمسة معان: المعنى الأول: العرش، ولا خلاف بين المصلين أن العرش ~~مخلوق جسم محدث عن أول سابق بعدم (4)، ولكنهم اختلفوا هل هو عبارة عن ~~PageV01P232 # المخلوقات أجمع أم عن مخلوق أعظم منها قدرا، وأعلى منها مكانا، والصحيح ~~إنهما جميعا صحيحان موجودان. # المعنى الثاني: الكرسي، وقد اختلف الناس فيه فمنهم من قال: إنه العلم، ~~وقيل: إنه موضع القدمين (1)، ومعناه أن العرش منصوب كهيئتي الدست، والكرسي، ~~موجود تحته كهيئة الكرسي الموضوع للملك في الدنيا يرقى إلى الدست عليه، ~~ويضع إذا جلس قدميه فيه، وهي جلسة الجبارين فيما شاهدتهم عليه، ولم يرد في ~~هيئته حديث يعول (2) عليه، فلا يلتفت إليه أما أنه من الجائز أن يكون كذلك ~~والله (3) أعلم بوجه الحكمة في خلقه، إذ لا يصح بحال من المعقول أن يكون ~~مقرا له، ونحن لا نعلم الحكمة في خلق الذر، فكيف أن نعلم (4) الحكمة في خلق ~~العرش والكرسي، فلا معارضة بين القولين، فيجب الإيمان بالورود والتجويز ~~للمعنيين، واعتقاد وجوب سعة العلم للكل، وتنزيه الرب عن ms142 الحلول والاتصال، ~~ونكون حينئذ من الراسخين بفضل الله. المعنى الثالث: القلم، ليس يمتنع أن ~~يكون جسما مؤلفا، ولا خلاف بين الأمة أنه كذلك، وقد تظاهرت الأخبار والآثار ~~أنها أقلام، وقد سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - في رواية الصحيح، صريفها ~~في ليلة الإسراء، في العلو الأعلى، ويحتمل أن يكون أول مخلوق قلما واحدا، ~~فكتب، ثم خلقت سائر الأقلام بعده، ويحتمل أن يكون قوله: "أول ما خلق الله ~~القلم" عبارة عن الجنس لا عن الواحد، والظاهر عندي أنه واحد خلقت بعده ~~أقلام سنواه، والله أعلم. # المعنى الرابع: أنه قال له: اكتب، قد بينا في "قانون التأويل" وجه الحاجة ~~إلى الكتابة، وفضل الله فيها على الخلق، وما يدفع من مضرتهم، ويرفع من ~~حاجتهم، ولما قال في الحديث: "فقال له اكتب" دل على أن هنالك مكتوبا فيه، ~~وهو المعنى الخامس عبر في آية باللوح (5) وفي آخر (6) بالرق PageV01P233 # المنشور، ويحتمل أن يكون (1) لفظين لمعنى واحد، وممكن أن يكونا لفظن ~~لمعنيين، والظاهر أنهما واحد له اسمان، بل له أسماء المذكور منها هذان، ~~الإسمان، وعند الانتهاء إلى هذا المام قالت طائفة: إن هذه (2) عبارة عن ~~انتقاش المعلومات في قلوب العالمين، وعبر عنه بالقلم والكتب مجازا، إذ معنى ~~الكتابة تثبيت صور العلوم، وذلك كله ثابت في قلوب العالمين فعبر (3) به (4) ~~عنه. وهذا المعنى وإن كان جائزا في ذاته صحيحا في وجوده، فلا نقف بالقول ~~فيه، بل نقول: إنه مكتوب في جسم بجسم (5)، وفي مؤلف بمؤلف، ويكون ذلك كله ~~من خلق الله وحكمه، وحكمته بأن كتبه محسوسا ومعقولا، وجعله بالمعنيين ~~موصولا. وإذا كان كل ذلك جائزا فهذا هو الظاهر، فإن الله قال: إنه أول ما ~~خلق، القلم، وقال له: اكتب، ولم يكن هنالك (6) عالم ينتقش في قلبه معلوم، ~~فعبر عنه بأنه مكتوب، وإنما خلق ما خلق، وكتب ما كتب، ثم أنشأ الخلق ~~أطوارا، وعلمهم بالقول البيان، وبالقلم الكتاب، وأخبر # عن الوجهين بقوله: {الرحمن علم القرآن خلق الإنسان، علمه البيان} ~~[الرحمن: 3] وبقوله: {اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم} [العلق: ms143 4] وقد ~~زاد بعضهم بأن هنالك (7) دواة، وجعلها مذكورة في قوله: {ن والقلم} [القلم: ~~1] وهذه دعوى من غير برهان، فإن المداد مادة لنا في تصوير القلم لما يكتبه ~~في وجه اللوح، وكتاب قلم الله، لا يحتاج إلى مادة، أما أنه لو ثبت طريق ~~وجودها لقلنا به، وإن لم يثبت فقد استغني عنه. ### || تكملة # وتبقى ها هنا نكتة، وهي أن كتابه يحتمل أن يكون بخلاف كتابة الخلق، ~~ويحتمل أن يكون مثلها، فقد روى الترمذي (8) وغيره عن عبد الله بن ~~PageV01P234 # عمر (1) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج يوما على أصحابه، وفي يده ~~كتابان فقال عن الذي في يده اليمنى: "هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء ~~أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل (2) على آخرهم، فلا يزاد فيهم ~~ولا ينقص منهم أبدا (3)، ثم قال للذي في شماله: هذا كتاب من رب العالمين ~~فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل (4) آخرهم فلا يزاد ~~فيهم ولا ينقص منهم أبدا، ثم قال بيديه، فنبذهما ثم قال: فرغ ربكم من ~~العباد فريق في الجنة، وفريق في السعير" ولو أراد أحد أن يكتب أسماء أهل ~~بلد في قراطيس تسع بيته، ما وسعت فيه، فكيف كفه؟ ولكن كتابة الباري على ما ~~تقتضيه قدرته (5). وخذوا (6) دستورا في كلامه العربي، الذي نظمه لرسوله ~~الأمي الذي أتاه جوامع الكلم (7)، وأنزل عليه القرآن معجزا للخلق، فذكر قصة ~~نوح في خمس وعشرين آية، أملينا عليكم فيها خمسمائة مسألة، وذكر قصة موسى في ~~تسعة آية، أملينا عليكم فيها ثمانمائة مسألة، وأفرد ليوسف سورة، أملينا ~~عليكم فيها ألف مسألة. وليس يقدر أحد من الخلق على أن يجمع في قدر ذلك من ~~الحروف، مقدارها من العلوم، فإذا شاهدتم هذه القدرة في المؤلف بين أظهركم، ~~فماذا تستغربون من أمر فيما غاب عنكم، فقدر نفسك على أن الأقلام أجسام تكتب ~~في الألواح (8) فوق السموات بصرير، وتصريف، وتقدير، وتصوير، وأن ذلك ~~المكتوب ينكتب في قلوب الملائكة، وينتقل منه إلى قلوبنا، ويثبت بصفته في كل ~~موضع بحسب حاله ms144 والكل جائز مقدور. والحديث (9) فيه صحيح مأثور. ### || خبر : # ثبت في الحديث الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يؤتى يوم ~~القيامة بالموت PageV01P235 # في صورة كبش أملح، فيوقف على الصور بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل ~~الجنة فيشرئبون ينظرون، ثم يقال: يا أهل النار، فيشرئبون ينظرون، فيقال ~~لهم: أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا (1) هو الموت فيذبح، ثم ينادي منادي يا ~~أهل الجنة خلود، فلا موت، ويا أهل النار خلود، فلا موت، فلولا أن الله قضى ~~لأهل الجنة الحياة، والبقاء، لماتوا فرحا، ولولا أن الله قضى لأهل النار ~~الحياة فيها والبقاء، لماتوا ترحا". # قال القاضي أبو بكر رضي الله عنه: لما سمع الناس هذا الحديث، من ذهاب ~~الصدر الأول، قالت طائفة: لا نقبله، فإنه خبر واحد، وأيضا فإن جاء بما ~~يناقض العقل، فإن الموت عرض، والعرض لا ينقلب جسما، ولا يعقل فيه ذبحا، ~~ولما استحال ذلك عقلا، وجب أن يمنح الحديث ردا. وقالت طائفة أخرى: إن كان ~~ظاهره محالا، فإن تأويله جائز، واختلفوا في وجه تأويله على أقوال قد بيناها ~~في كتاب "المشكلين"، أصلها (2) قولان: أحدهما أن هذا مثل، كما لو رأى أحد ~~ذلك في المنام في زمان وباء، فيقال له: هذا الوباء قد زال، ويقع في قلبه في ~~المنام، أن ذلك هو الوباء، وأنه بذبحه يرتفع عن المكان الذي هو فيه. وهذا ~~له رونق، وربما (3) تلفق وتنمق، وآخر الأمر لا يستمر ولا يتحقق. # الثاني: أن الذي يؤتى به متولي الموت، وكل ميت يعرفه، فإنه تولاه (4)، ~~فإذا استقرت المعرفة به، أعدم لهم، العدم الذي عهدوه ولو شاء ربنا (5) لخلق ~~لهم العلم بذلك ضرورة، ولكنه رتب لهم هذه القصة بهذه الحكمة، ويعبر عن ~~المتولي لذلك الشيء باسم ذلك الشيء (6) قال فصيحهم: # يا أيها الراكب المزجى (7) مطيته … # سائل بني أسد ما هذه الصوت # وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا … # قولا يبريكم أني أنا (8) الموت PageV01P236 # والذي يعضد هذا التأويل، ويحققه (1) قوله تعالى: {والذين كفروا أعمالهم ~~كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه ms145 لم يجد شيئا، ووجد الله عنده، ~~فوفاه حسابه} [النور: 39] فأخبر عن جزائه (2) بذاته الكريمة، فكذلك يخبر عن ~~الموت بمتوليه فاعلموا ذلك، وقد مهدنا القول مستوفى في تفاصيل الخبر، في ~~كتاب "المشكلين" بما لبابه: إن خروج الروح من الجسد إن لم يكن موتا، إذ (3) ~~كان الموت لا يكون حياة إلا برجوعه إلى الجسد، فإذا ذبح الكبش، ولم تخرج ~~(4) روحه، فلا يرى أحد الموت، وإن رآه بعد خروج روحه، فلم تذبح (5) الموت، ~~وإن رآه وقد خرج بعضه فليس بموت، والموت في حقيقته لا يتبعض، وإن توقفنا في ~~الروح هل يدخل أو يخرج (6)، وإن قال: أرى مقدماته، عاد إلى المجاز، وأهل ~~القيامة لم تبق (7) لهم غريبة لم يروها، ولا عادة منخرقة إلا عاينوها، ~~فإنهم رأوا الأجسام الثقال تعلو، وعاينوا في الصراط الأجسام الثقال تمشي ~~على المحدد (8) الدحض (9) ثابتة، وتجري كجرى الخيل، وتسير سير الريح، وتخطو ~~خطو البرق، وأحسوا بالظمأ قد ارتفع من شرب الحوض، ورأوا العرق يسيل (10)، ~~فيأخذ (11) كل إنسان عرقه على مقدار (12) ذنوبه، فيكون الشخصان متجاورين ~~كخبزة النقي (13)، وأحدهما قد غرق في العرق، حتى شرق، وجاره قد بلغ إلى نصف ~~ساقه، ورأوا القسطين على كراسي في الهواء قعودا (14) إلى غير ذلك من عظم ~~الآيات، وأعظم منه الحياة بعد الموت، والقيام من الوفاة إلى الحياة، فقد ~~تحققوا الحياة أولا، وثالثا، والموت ثانيا، فلا سالف إلا وقد حصل عندهم في ~~باب كان، وسحبوا عليه ذيل العرفان، فلو ذبح لهم الموت قبل البعث لقال ~~PageV01P237 # من رآه ولم يمت: إني قد استرحت من الموت، وإنما يرى الموت قد ذبح، وهو قد ~~ذبح قبل ذلك، وقطع آرابا ثم عاد حيا، فكيف يمتنع عنده أن يعود الموت بعد ~~الذبح حيا؟ فكيف يئس (1) بذبحه مع تجويز عوده؟ فأنى لهم نفس مطمئنة؟ أم كيف ~~يتحققون الخلود في نار أو جنة؟ هيهات ليست الحقائق في هذه الطرائق، ولا ~~تنال المعاني بالأماني، ولا تؤخذ التحف من الصحف، وإنما هي منقولة من ~~الفؤاد إلى الفؤاد، بواسطة اللسان والآذان، ونبذ المحال، بشد الرحال، ~~وأعمال ms146 المطي، إلى المكان القصي، وملاحظة الأعيان بالعيان، وتحقيق القول في ~~ذلك أن الروح تخرج (2) من الجسد في الدنيا على أنواع، تجمعهما حالتان: ~~إحداهما (3): أن تنتفض البنية، وتنفك الرتبة، والثانية: أن تزهق الروح ~~والبنية بحالها، من وقص أو رفس، ومع عمل من الآدمي كالخنق، ولدم القلب، ورض ~~الانثيين، وغير ذلك من الأنواع الخفي على الناس وجه اتصالها بالموت، والموت ~~وإن اعتقده المعتقدون خروج الروح من الجسد، وأن الروح جسم لا بد له من منفذ ~~لصفته (4) المذكورة، فإذا وقع الخنق، فمن أين تخرج (5) والمنفذ مستد؟ وإن ~~قال: هو جسم لطيف. قلنا: اللطيف والكثيف له محله، وسبيله بصفته، والذي يدل ~~عليه أن الريح التي هي شبيه (6) الروح في الحروف تأليفا، وفي الاشتقاق ~~وزنا، وتصريفا، وفي الكيفية ظنا وتخمينا، إذا سد (7) عليها المنفذ، لم يكن ~~لها مخرج، ولقد روى أن الخزانة فتحت على عاد (8) منفذ الريح في مسلك محصور ~~مثل حلقة الخاتم، وعتت، حتى فعلت ما فعلت بقدرة من مكنها فتمكنت، فأفاد أنه ~~لا يكون سلوكها إلا على مسلك بقدر فعلها، ومن يظن الروح لها دخول وخروج ~~كدخول الأجسام وخروجها في المعتاد فيها، هيهات له هيهات المدى، بل له معنى ~~بديع يبرزه النظر، ويشهد له الخبر، فإن قيل: فقد روي أن يحيى ذبح أو نشر ~~ولم يمت: PageV01P238 # قلنا أخبار من (1) غير أحبار، ولو صحت لقلنا: إنه ذبح ثم أحيي، وقد أحيي ~~بعد الموت في الدنيا جماعة، ولابن البهاء (2) كتاب فيهم، كبير مفيد، وقد ~~يمكن أن يذبح الحي فلا يموت، فإن قيل: فحركة المذبوح بعد الذبح، ما هي؟ ~~قلنا لهم: هي عندهم مستعارة، وحقيقتها نبينها إن شاء الله تعالى (3). # فإن قيل: فكيف يأكل أهل الجنة من لحم حيوانها أمع (4) بقاء الحياة؟ فقد ~~روي أنه يقع بين أيديهم مشويا. قلنا: ويجوز أن يكون مع ذلك حيا سويا، ويلقم ~~وهو يتكلم، وكما الشواء (5) من غاير استواء، كذلك يؤكل حيا مع الاستواء ~~(6)، وسقطت الذكاة لأن الجنة ليست بدار تكليف، ولما سقطت الذكاة، سقطت ~~متعلقاتها والله أعلم. وطريقة الكلام ms147 في المسألة المتقدمة أن الله يخلق لهم ~~العلم اليقيني، في دار اليقين، بأن الموت لا يعود أبدا. ولو خلق لهم هذا ~~العلم ابتداء دون ذبح شيء لكان ذلك واقعا موقعه، ولكنه بحكمته جعله مخلوقا ~~منوطا بسبب، كما كان عند العلم اليقيني في الدنيا، أن من ذبح أو مات لا ~~يعود فيها أبدا، فرتب لهم سبحانه شيئا يشبهه، حتى يكون العلم الثاني على ما ~~رتب عليه العلم الأول، وثبت (7) [و 79 أ] في نفوسهم العلم بالمراد كما ~~أثبته من قبل، وكان عود الحياة بعد الموت الأول بخبره، كذلك يكون امتناع ~~العود إلى الموت الثاني بخبره، وتطمئن نفوس أهل الجنة بالخلود، ويزيدهم ~~قوله لهم (8): أحل عليكم رضائي (9) فلا أسخط بعده أبدا. ويقع اليأس لأولئك، ~~وتطبق (10) عليهم النار، وينفذ (11) الحكم، ويقع الفصل، ويظهر الوعد الصدق، ~~والله يختم لنا ولكم بالحسنى برحمته. PageV01P239 ### || خبر : # ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى الأنبياء ليلة الإسراء رؤيا ~~عين، لا رؤيا قلب، في المنام، وذكر فيه أنه رأى جميع الأنبياء في السماء، ~~ورأى موسى عند قبره يصلي مع أنه رآه في السماء، وروي أنه رآهم في المسجد ~~الأقصى، وصلى بهم (1)، ورأى عيسى يهادي بين رجلين كأنما خرج من ديماس (2) ~~ورأى، أو قال كأني (3) أنظر إلى يونس يلبي، وتجيبه الجبال، وعليه عباءتان ~~قطوانيتان، ولأجل هذا قال جماعة: إن الإسراء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كان مناما، فأنكروا صحيحا جائزا، لأنه تعذر عليهم ثقيل يعلو، وميت (4) يحيا ~~من طريق العادة، واطمأنت به نفوس العلماء فإن اعتلاء الثقيل كنزوله، وإذا ~~نزل جبريل مع خفته (5) جاز أن يعلو محمد مع ثقله، والذي يمسك السموات بغير ~~عمد، والأرض معها بغير أمد محدد (6)، يجوز في حكمته (7)، ويتيسر في قدرته ~~أن يعلو بالثقيل إلى ذلك المنتهى، ويجوز أن يحيي له الأنبياء فيردهم (8) ~~الله إلى هيئتهم، ويريهم (9) إياه في مواضع مختلفة (10)، وفي أوقات متباينة ~~ونحن إنما نتكلم مع أهل الملة، ومن يتوجه إلى القبلة، فإن (11) تكلم معنا ~~سواهم، رجعنا معه إلى الأصل المتقدم، ويجوز ms148 أن يقول النبي (12) في يونس: ~~كأني أراه يلبي كما تقول أنت اليوم (13): كأني بالنبي محمد (14) في [و 80 ~~أ] عرفة (15)، في حجته. والناس حوله، وأسامه رديفه (16)، لأنك قد تحققته، ~~والأول (17) في جهة النبي (18) PageV01P240 # أصح إذ (1) قال: رأى، وهو (2) جائز إذ (3) قال: "كأني". ### || خبر : # ومن ذلك قوله في حديث الكسوف: "رأيت الجنة والنار في عرض هذا (4) الحائط، ~~ودنت، فأردت أن أتناول منها عنقودا" فقد علمنا أن عرض الحائط لا يتسع (5) ~~لأقل (6) حائط بالمدينة، فكيف للجنة؟ وإنما أراد أنه رآها في جهة القبلة، ~~وهذا مما لا يؤمن به القدرية أبدا، لأن الرؤية عندهم إنما هي اتصال الأشعة ~~من نور البصر إلى المرئي (7) على خطوط مستقيمة أو معوجة بحسب اختلاف ~~المناظر، وهي بواطل قد بيناها في غير موضع من كتبنا. وإنما الرؤية إدراك ~~يخلقه الله تعالى (8)، يجوز عندنا أن يجعله في الرأس والرجل والخد والظفر، ~~وإن كان أجرى العادة أن يكون في المقلة. فالمعنى في الحديث (9) أن الله ~~(10) خلق لرسوله (11) الإدراك، وهو في عرض الحائط، وخطر بباله أن يتناول ~~منها عنقودا، فلو حاول ذلك لأخذه، كما قال، لأنه قد كان ألقى في نفسه أو ~~سمعه، أنه إن شاء أن يتناول تمكن (12)، وليس من شرط التمكن اللمس، بل بمد ~~(13) يده وإرادته يأتي ذلك (14) إلى يده من مكان بعيد بل بإرادته (15) ~~وحدها. وهذا كله وإن كان خلاف العادة، فإنه مقتضى القدرة، ولما بعد ذلك عند ~~القدرية، قالوا: صقلت له صفحة الحائط فتمثلت له الجنة والنار، في ذلك الجسم ~~الصقيل. فيا (16) عجبا لهم هذا خلاف العادة، مما تقتضيه القدرة، وليست ~~القدرة في صحة ما يتعلق بها من الجائزات موقوفة PageV01P241 # على ما قالوه من الصقل (1) خاصة، بل هي جائزة في الصقل والنقل (2)، وإذا ~~جاز صقل الحائط فلا يرى [و 85 ب] فيه (3) الجنة ممن قابله إلا محمد (4)، ~~جاز أن يخلق له الإدراك وحده بها. ويحتمل أن يكون قوله: "رأيت الجنة والنار ~~في عرض الحائط" أي مستقرب يوازي في القرب عرض الحائط بما اطلع عليه منها، ~~وألقى ms149 إليه من التمكن (5) بها، وإذا أمكن المرء من البعيد صار قريبا، كما ~~أنه إذا لم يمكن، كان أبعد من السماء، وإن كان مصاقبا له، وهذا لا يخفى على ~~ناظر منصف، يعضده ما روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أسري به، ~~وقال لقريش: "كنت البارحة في بيت القدس" (6) فقالوا له: صفه لنا، قال: ~~"فكربت كربة لم يصبني قط مثلها، فأراني (7) الله إياه عند دار أبي جهم، ~~فطفقت أنظر إلى بابه (8)، وأخبرهم عنه" فإن كان نقل (9) رؤية (10)، فقدرة ~~وآية، وإن كان خلق له الإدراك حتى صار في التبيين له، كأنه قريب منه، كقرب ~~دار أبي جهم فآية، والكل جائز، وربنا عليه قادر. # قال القاضي أبو بكر (11) رضي الله عنه: وبعد هذا، أخبار كثيرة هذا ~~دستورها، وقد يضاف إليها بالجهل، ما ليس له أصل كقولهم: (أول ما خلق الله ~~(12) العقل (13) فقال له (14) أقبل) الحديث. وهذا لم يصح،؟ ولو تعدل راويه ~~(15) لكان له وجه بأن يخلقه في محل، ولكون الخبر عنه صحيحا معقولا، وقد ~~بينا أنة العلم، فإليه يرجع معناه، وإليه يتركب المراد به. وبقيت بعد ذلك ~~معضلة وهي أن القيامة يوم عظيم فيه أعلام وأحكام، وأجسام (16) فقد ~~PageV01P242 # روي (1) في الحوض والصراط أحاديث صحيحة، وأما (2) الميزان فإنما ذكر في ~~القرآن، وانفرد القرآن بذكر الميزان والوزن، وانفردت (3) السنة بذكر الصراط ~~والحوض. أما أنه روي عن [و 81 أ]، أنس (4) أنه قال للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: (أحب أن تشفع لي يوم القيامة، قال: "أنا فاعل" قال: قلت يا رسول ~~الله: أين أطلبك؟ قال: "اطلبني أول ما تطلبني على الصراط"، قلت: فإن لم ~~ألقك على الصراط، قال: "فاطلبني عند الميزان"، قال: فإن لم ألقك عند ~~الميزان، قال: "فاطلبني عند الحوض") والحديث لم يصح، بل أنه ثبت في ~~الأحاديث الصحاح (5) في الشفاعة (6): (أخرجوا من النار من في قلبه دينار، ~~نصف دينار، شعيرة، ذرة) وذلك مما لا يعرف إلا بالوزن، فكأنه نبه بالسنة على ~~ما صرح به (7) القرآن [من أمر الميزان، وصرح في السنة بما نبه ms150 به في ~~القرآن،] (8) من أمر الصراط والحوض، فلما كان هذا الأمر (9) هكذا، اختلف ~~الناس في ذلك، فمنهم من قال: إن الأعمال توزن حقيقة في ميزان له كفتان، ~~وشاهين في قبان، ويجعل في الكفتين صحائف الحسنات والسيئات، ويخلق الله ~~الاعتماد فيها على حسب علمه بها، وصفة أعمال عباده لها. وانبنى ذلك على ~~التعديل والتجوير والتحسين والتقبيح، وأن الله يفعل ما يشاء، ولا يترتب ~~عليه حكم في فعل يناسب عملا من أعمال (10) أهل الدنيا، وإنما هو الخبر كما ~~جاء والحكم لله العلي الكبير كما أراد. وتعارضت آيات الوعد والوعيد، وجرى ~~فيها ما بيناه في غير موضع، ومنهم من قال - وهم المبتدعة -: إنما يرجع ~~الخبر عن (11) الوزن إلى تعريف الله سبحانه (12) العباد بمقادير أعمالهم. ~~ونقل PageV01P243 # الطبري (1) وغيره عن مجاهد (2) أنه كان يميل إلى هذا القول، فإن كان هذا ~~النقل عنه صحيحا، إنه لمزلة قدم، وفاتحة لمن يرى قلب الألفاظ لغير ضرورة ~~(3)، مع إمكان حملها على ظاهرها، وليس يمتنع أن يكون الميزان، والوزن على ~~ظاهره، وإنما يبقى النظر في كيفية وزن الأعمال، وهي أعراض، فها هنا يقف من ~~وقف، ويمشي على هدى (4) [و 81 ب] من مشى، فمن كان رأيه الوقوف، فمن الأول ~~ينبغي أن يقف، ولئن (5) أراد المشيء ليجدن سبيلا ميثاء (6)، فإنه يجد، ~~هاهنا ثلاثة معان: ميزانا، ووزنا، وموزونا، وكل واحد [منها معلوم، وبعضها ~~مرتبط ببعض، لا يصح أن ينفرد (7)] (8) [منها واحد عن الآخر] (9) للملازمة ~~التي يقتضيها اللفظ، ويقضي بها العقل، قال (10) الله تعالى: {والوزن يومئذ ~~الحق} [الأعراف: 8] فعلمنا أن هنالك وزنا، وقال: {فمن ثقلت موازينه} ~~[الأعراف: 8] فعلمنا أن هنالك ميزانا نصا، وموزونا نصا (11) لأنه قال: ~~{موازينه} بعد قوله: {فمن ثقلت} فاقتضى ثقلا في ميزان، وذلك هو الموزون ~~فصارت الثلاثة كلها في القرآن، واقتضى ذلك موزونا يخف تارة، ويثقل أخرى، ~~فيخف الميزان به (12) ويثقل، ولم يبق إلا تعيين الموزون. وقد ورد في الحديث ~~الصحيح أنه يوزن عمله من إيمانه ومن حسناته (13)، وبه يخرج من النار، كما ~~أن بعمله السيئ دخلها، فإذا ثقلت السيئات ms151 ودخل النار، روعي له عند الخروج ~~الإيمان من ذرة إلى (14) شعيرة إلى دينار، ولو روعي له ذلك في الوزن الأول، ~~ما دخل النار لرجحانه له (15)، ولكنه تأخر، إما لوزن PageV01P244 # السيئات ورجحها، و (1) إما لأنه مدخر (2) للخروج من النار، وقد بينا ذلك ~~في موضعه من "المشكلين" فدل صحيح هذا الخبر، على أن أعمال الجوارح توزن ~~وبها (3) ينجو من العذاب، أو يقع فيه، وأنه يخرج بما في قلبه من إيمان (4)، ~~إذ الأعمال تضعفه، فإذا بقي له (5) مقدار (6) ذرة، عصم من الخلود به. ومن ~~مشى في طريق الوزن وتتبع (7) ألفاظه وجده صحيحا في كل لفظة (8)، حتى إذا ~~بلغ إلى تعيين الموزون، ولم يتبين له، لا ينبغي أن يرجع القهقري، فيبطل بأن ~~يبقى ما تقدم على حقيقته (9) وصحته، ويسعى (10) في تأويل هذا، وتبيينه ~~(11). [و 82 أ]، وإنما يكون الرجوع في قياس الخلف النظري (12) في المعقولات ~~على الوجه الذي بيناه في أبواب النظر، فلا نقول (13) إذا (14) لم نعلم (15) ~~عين الموزون، يسقط الكل، وإنما وجب الرد في قياس (16) الخلف، لابتناء (17) ~~بعض المقدمات على بعض، وأما ها هنا فألفاظ صحيحة، ومعان صائبة (18) وإمكان ~~موجود، فينبغي إذا عرض في أثناء ذلك التعذر أن يفرد بالنظر. وإذا ثبت هذا، ~~قلنا: قد ثبت أن أعمال العباد مكتوبة في صحائف تنشر له، فيقع الوزن في ~~الصحائف، ويخلق الله فيها (19) الثقل، والخفة على حسب عمله بها، وهذا كله ~~مبني على أصل يخالف (20) فيه الفلاسفة والقدرية، التي فرت من الوزن لأجله، ~~وذلك لأن الثقل والخفة عندهم، إنما هو بكثرة الأجزاء وقلتها، وعندنا (21) ~~بما يخلقه الله فيها، فجرت العادة في الدنيا بأن يتبع الثقل كثرة الأجزاء، ~~والخفة قلتها، فإذا خرق العادة ارتبط الثقل PageV01P245 # والخفة بخلقه، وزمان القيامة زمان خرق العادة عندنا وعندهم، ومجاهد لا ~~يحتاج معه إلى هذا (1) بل يلزمه الأمر من أول كرة، لمساعدته لنا في عموم ~~القدرة، وهذا (2) ربط به الثقل والخفة في الدنيا ليجعله سبيلا إلى معرفة ~~الخلق بالمقدار والمقدار في الآخرة إنما يكون بمادة عمله من الأعمال، لا ~~بنقل ولا ms152 بخفة فيها، لأنها ليست بأجزاء، وقد فعل الله (3) سبحانه في الدنيا ~~فعلا من ربط الثقل، والخفة بكثرة الأجزاء، عايناه وأخبرنا أنه يفعل في ~~الآخرة غيره، والقدرة عامة، فوجب (4) التصديق للخبر إذ (5) لا بد من الرجوع ~~إلى علمه بها باتفاق منا، ومنهم أجمعين. فإن قيل فيعلمهم، فأي حاجة إلى ~~الميزان؟ قلنا نصب الميزان ليس (6) [و 82 ب] لحاجة، ولا نصب الصراط لحجة، ~~وإنما ذلك لحكمة ليرى الخلق عيانا، ما كان أخبرهم عنه برهانا، وللعيان ~~تأثير لا بد منه في الدنيا والآخرة، كما أخبر به، فلا ترجعوا عن الظاهر إلى ~~الباطن، ولا تحترسوا في (7) أمر لا بد لكم منه، في كيفية أحوال الأعمال في ~~الآخرة، فإنه قد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أن البقرة وآل ~~عمران، معا يأتيان يوم القيامة، كأنهما غمامتان أو كأنهما خرقان، من طمر ~~صواف تظلان صاحبهم"، والسورة لا تأتي، والحروف (8) والأصوات لا تتشكل، ~~والخبر قد صح، وتأويل من قال يأتي ثوابها كلام مستور لا علم عنده، فيرسل ~~(9) عذبة (10) لسانه، في الذي ليس من شأنه بما لا تتحصل (11) حدوده، ولا ~~يثبت وجوده، وأنما يحمل على معان، منها أن الصحيفة التي قرأ فيها، أو كتب ~~الملك فيها، قراءته تظله (12)، أو ينشئ الله (13) له غمامة يقال: هذه سورتك ~~التي كنت تقرأ. # فإن قيل: فهذا هو الثواب. قلنا: نعم، ولكن ليست الغمامة PageV01P246 # السورة (1)، ولم يرد تسميتها ثوابا، فكيف يخبر # (2) عما يشكل بما يشكل، وإنما كان يقول: يأتي ثوابها، لو قاله النبى - ~~صلى الله عليه وسلم -، فيفسر، وأما تفسير المشكل - والمحتمل بمشكل محتمل، ~~فمما (3) لا يجوز شريعة، ولا يصح عربية. ### || خبر: # روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ذكر: آخر (4) أهل النار خروجا ~~من النار، فقال: "يؤتى مثل الدنيا وعشرة أمثالها وذلك أقل أهل الجنة ~~منزلة"، فلما سمع قوم هذا عظم ذلك عندهم (5) لوجهين خطأين أحدهما: جهلهم ~~بعموم قدرة الله، وعلمه، وسعة مخلوقاته قياسا على أنفسهم، وقصرا [و 83 أ]، ~~لخواطرهم القاصرة عن منتهى العلوم (6). الثاني: اعتقادهم أن الجنة (7) هي ms153 ~~السموات وهي لا تتسع (8) لهذا، وكيف وهي من الدنيا؟ فذلك أبعد. # قال القاضي أبو بكر (9) رضي الله عنه: فقال لي أبو حامد الغزالي: إنما ~~يؤتى مثل الدنيا في القيمة والقدر، لا في المساحة، وقيد شبر من الجنة خير ~~من الدنيا، بغير حصر بمثل (10)، ولا بعشرة أمثالها، ولا بأكثر من ذلك، كما ~~يقال: هذه الياقوتة خير من ألف مثقال، لا في الوزن، ولكن في القيمة ~~والمنفعة، لأنها تساوي بالتقويم أكثر من ألف. فقلت: هذا المذكور، يؤتى مثل ~~الدنيا في (11) عشر مرات مساحة وقيمة، فإن القيمة لا تنحصر، إذ نصيف حورية، ~~خير من الدنيا، والقدرة متسعة للمساحة والقيمة جميعا، والخلاء يحتملها، ~~فافرض ما شئت في العدم، وأخرجه إلى الوجود، جاز عقلا، وصح، إذا خلق وجودا ~~(12) وقد روي عن ابن عباس أنه قال: (ليس في الجنة من الدنيا إلا الأسماء) ~~وليس هذا بإخراج لها من حد المحسوس إلى المعقول، كما تقوله PageV01P247 # الفلاسفة، وإنما هو للفرق (1) بينهما من أوجه كثيرة أحدهما: أن الجنة لا ~~تفنى، والدنيا تفنى، والجنة لا تستحيل ولا تتغير، والدنيا، بخلافها (2)، ~~والجنة لا آفة فيها، والدنيا كلها آفات (3) من لغو، وهم، وغول، وملل (4)، ~~وغل، وحسد، ومنازعة، وكل ما يكدر نعم الدنيا، فالجنة منزهة عنه، في ذات ~~وصفات وأفعال. وبذلك تم النعيم، وكمل الأخذ (5)، وطاب العيش. والدنيا ما ~~يكون فيها ينشأ بتركيب وتدريب، وترتيب، والجنة إنما يقول العبد فيها للشيء ~~(6) كن فيكون، وكل شيء في الدنيا ينفع ويضر (7)، والجنة منفعة بجميع ما ~~فيها، لا مضرة معها، فهذه سبعة وجوه أصول، بله ما يتبعها من أعظم (8) ~~التفصيل. وبالجملة [و 83 ب]، فإذا (9) أردت أن تعقل أمرك في الجنة فتصور ~~نفسك وقدرها في جنتك، مع من تحب من أهلك لا ينقصك أمل، ولا يتوقع حول (10)، ~~وما تمنت نفسك وصل إليك، وما كرهته من شيء دفع عنك، واجتمع عندك الأمران: ~~نيل كل مطلوب على العموم، والأمن من كل مرهوب على العموم، ورضى ربك ورؤيته ~~أعظم من أن تقدر لذته، أو تتصور، واقرأ إذا أردت أن ms154 تعلم {فلا تعلم نفس ما ~~أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} [السجدة: 17]. ### || قاصمة # قد سبق أنه انقسم حال السامعين لكلام الله إلى من جعله كله باطنا، وآخر ~~جعله كله ظاهرا، وأن الذي جعله ظاهرا، بدأ بالباريء وصفاته فقال (11) فيها ~~ما تقدم، وقمنا بفرض البيان فيه (12)، بما أمكن، وعصمنا البيان فيه (13) ~~PageV01P248 # بما عصمناه به، وهنالك (1) من تعلق به في مسائل الأحكام خاصة وجعله ~~الدليل على الأحكام وحده، وأسقط الاستنباط، لأنه مستغنى عنه، قال: لأن (2) ~~الله لم يبق حكما إلا نص عليه، ولا مشكلا إلا بينه وأرشد إليه، فلا يؤخذ ~~حكم إلا منه ولا يوجد بيانه إلا فيه، والحكم بالرأي، والقول بالقياس ضلال ~~(3) في الدين، وعدول عن سنن المرسلين، ومشاقة لله ولرسوله (4) وللمؤمنين، ~~وهي أمة سخيفة، تسورت على مرتبة ليست لها، وتكلمت بكلام لم تفهمه، تلقفوه ~~من إخوانهم الخوارج، حين حكم علي، رضي الله عنه (5) يوم صفين فقالت: لاحكم ~~إلا لله، وكان أول بدعة لقيت في رحلتي كما قلت لكم، القول بالباطن، فلما ~~عدت وجدت القول بالظاهر (6) قد ملأ المغرب بسخيف (7) كان من بادية إشبيلية ~~يعرف بابن حزم (8) نشأ وتعلق بمذهب الشافعي (9) ثم انتسب [و 84 أ] إلى داود ~~(10)، ثم خلع الكل، واستقل بنفسه، وزعم أنه إمام الأمة يضع ويرفع، ويحكم ~~لنفسه، ويشرع (11)، وينسب إلى دين الله ما ليس فيه، ويقول على (12) العلماء ~~ما لم يقولوا، تنفيرا للقلوب (13) عنهم وتشنيعا عليهم (14)، وخرج (15) عن ~~طريق الشبهة في (16) ذات الله وصفاته فجاء بطوام قد بيناها في رسالة ~~"الغرة" واتفق له أن يكون بين أقوام لا نظر (17) لهم إلا المسائل (18)، ~~فإذا طالبهم بالدليل، كاعوا، PageV01P249 # فتضاحك مع أصحابه منهم (1)، وعضدته الرياسة، بما كان عنده من أدب، وشبه ~~(2) كان يوردها على الملوك مع عامتهم (3)، فكانوا يحملونه حفظا لقانون ~~الملك (4)، ويحمونه لما كان يلقى إليهم من شبه البدع والشرك. و (5) حين ~~عودتي من الرحلة ألفيت حضرتي منهم طافحة، ونار ضلالهم (6) و (6) لافحة، ~~فقاسيتهم مع غير أقران، وفي عدم أنصار، إلى حساد يطأون عقبي، فيدوسون ذيلي، ms155 ~~فإذا دنوا (7) عدموا (8) جانبي (9)، فتارة تذهب لهم نفس (10)، وأخرى تنكسر ~~لهم ضرس (11)، وأنا ما بين إعراض أو تشغيب بهم، ولم يكن هنالك من يقف ~~الأمر، على حد المناظرة، فينصر (12) الحق، ويظهر الصدق، فداريت (13) ~~الأنام، ودارت الأيام، وقد كان جاءني بعض الأصحاب بجزء لابن حزم سماه "نكت ~~الإسلام" فيه دواهي فجردت عليه نواهي، وجاءني برسالة "الدرة" في الاعتقاد، ~~فنقضتها برسالة "الغرة" والأمر أفحش من أن ينقض، وأفسد (14) من أن يفسد، إذ ~~ليس له ارتباط، ولا ينتهي إلى تحصيل، يقولون لا قول إلا ما قال الله، ولا ~~نتبع (15) إلا رسول الله، فإن الله لم يأمر بالاقتداء بأحد، ولا بالاهتداء ~~بهدي بشر، ولا بالانتقياد إلى أحد. ### || عاصمة # قال القاضي أبو بكر (16) رضي الله عنه: اعلموا أرشدكم الله إلى طريق ~~التعليم، ويسر لكم أسباب التفهيم، أنا قد مهدنا في "النواهي" عن ~~PageV01P250 # [84 ب] الدواهي "وجه الرد عليهم (1) وطريق الدخول إليهم، ويجب أن تتحققوا ~~أنهم ليس لهم دليل على قولهم (2)، ولا حجة على رأيهم، وإنما هي سخافة، في ~~تهويل. فأنا أوصيكم بوصيتين: إحداهما (3): ألا (4) تستدلوا عليهم، الثانية ~~(5): وأن تطالبوهم (6) بالدليل، فإن المبتدع إذا استدللت عليه شغب عليك، ~~وإذا دعوته إلى الاستدلال لم يجد إليه سبيلا، فإن الله تعالى (7) لم يجعل ~~له (8) على الباطل دليلا (9). فأما قولهم: لا قول إلا ما قال الله فحق، ~~ولكن أرني ما (10) قال الله. وأما قولهم: لا حكم إلا لله، فغير مسلم على ~~الإطلاق، بل من حكم الله أن جعل (11) الحكم لغيره، فيما قاله، وأخبر به، ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الثابت من الحديث: "إذا حاصرت أهل حصن ~~فطلبوا أن ينزلوا إليك، فلا تنزلهم على حكم الله، فإنك لا تدري ما حكم ~~الله، ولكن أنزلهم على حكمك" (12) وهذا نص في مسألتين بديعتين إحداهما: أنه ~~يجوز أن يقال: إن (13) لحكم إلي فيك شرعا، والثانية - وتقوي الأولى - أن ~~حكم الله لا يعلم إلا بقوله، وما لم يقل فيه شيئا لنا (14)، فلا نتركه دون ~~حكم، ولكنا نحكم فيه بما يقتضيه النظر في ms156 أمثال أحكامه وأشباهها، فيلا فكان ~~قوله: لاولكن أنزلهم على حكمك" بمعنى أنفذ فيهم ما تشتهي وما تريد. وإنما ~~أفاد بهذا هذه المسألة (15) البديعة، وهو أنه لا يقول المجتهد: هذا حكم ~~الله، وإنما يقول: هذا فرضي في عملي، وعلمي. PageV01P251 # وأما قولهم: إن الله لم يأمرنا بأن نقتدي بأحد (1)، ولا نهتدي بغيره ~~فكذبوا على الله وعلى رسوله (2)، فإنه ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: "عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي، عضوا عليها ~~بالنواجذ" وأمر بالاقتداء بسنة الخلفاء (3)، كما أمر [و 85 أ]، بالاقتداء ~~بسنته، وإنما يقتدى (4) بالخلفاء فيما (5) لم يكن عنه فيه نص، والا فما كان ~~فيه من النص، لا ينسب إلى الخلفاء، وهذا قاطع في أنه - صلى الله عليه وسلم ~~-، لم ينص على كل مسألة، إذ لو نص عليها، لما كان للخلفاء سنة غيرها، ويقال ~~لهم أيضا: قد صح أنه قال: "اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر" وهذا ~~كالأول في الاقتداء بهما فيما لم يكن فيه عن النبي (6) نص. وقد (7) قال - ~~صلى الله عليه وسلم -: "اهتدوا بهدي عما"،. وقد ثبت عنه - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدها بأمر الله عمر، وأصدقهم ~~حياء عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب (8)، وأفرضهم زيد بن ثابت (9)، ~~وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل (10)، ألا وإن لكل أمة أمينا، وإن ~~أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح (11) ولو كان كل الشريعة نصا، ما تفاوت ~~فيه هؤلاء الجلة، ولكان (12) دركه عندهم سواء، كما تقول أنت وشيعتك: إن كل ~~أحد يدركه، ويستغني عن كل أحد فيه. # وغريبه (13) أمرهم أنهم يقولون: لا رجوع إلا إلى النص عن الله وعن رسوله، ~~وهي كلمة مخترعة، لم تجر على (14) لسان أحد قبل الشافعي أخذتها منه الشيعة، ~~فقالت: إن النبي نص على علي في الإمامة والخلافه على الأمة، وكان ~~PageV01P252 # ابن حزم أولا قد تعلق بمذهب الشافعي ستره (1) متهكما مدة، ثم فضح نفسه ~~بمذهبه آخرا، وتعلق بكلمات من لدنه منها النص. فيقال لهم: ms157 بأي نص تردون ~~الأمر إلى النص وهم لا يجدونه أبدا، وتحقيق القول في ذلك، أن الله أنزل ~~كتابه محكما، ومتشابها، وأوعز إلى نبيه (2) بأن يبين (3) للناس ما نزل ~~إليهم، ولو كان مبينا، يدركه كل أحد، لما كان (4) محلا للبيان، فامتثل ما ~~أمره الله به، والبيان على أقسام [و 85 ب] كثيرة، عند العلماء، ولكل واحد ~~(5) طريقة في العبارة عنه. فأما طريقة الأصوليين فقد أثبتناها في مواضعه ~~(6) مقتدين بغيرنا فيها. وأما المحدثون الذين تتعلق (7) بحبلهم، وتزعم أنك ~~تتفيأ بظلهم (8) فهو عندهم على عشر (9) مراتب، الأولى (10): بيان التصريح، ~~كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الزمان قد استدار كهيئته (11) يوم خلق ~~الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات ~~(12) ذو القعدة، وذو الحجة ورجب مضر (13) الذي بين جمادى وشعبان" الثانية: ~~قال البراء (14): أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - بيده، ويدي أقصر من يد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "أربع (15) لا تضح (16) بهن: ~~العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها والعرجاء البين ضلعها، والعجفاء ~~التي لا تنقى". الثالثة: قال سمرة بن جندب (17). قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: (لا تسمين عبدك أفلح، ولا نجيحا ولا رباحا ولا PageV01P253 # يسارا" (1)، وانظر ألا تزيد (2) علي. الرابعة: قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: "أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه من بعده، فإنها لمن (3) يعطاها لا ~~ترجع إلى صاحبها أبدا". لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث. الخامسة: قام ~~رجل عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فسأله (4) عن الصلاة في ثوب واحد ~~فقال: "أو كلكم يجد ثوبين" (5). السادسة: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "يقبض العلم، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج"، قيل: يا رسول الله ما ~~الهرج؟ قال: هكذا بيده، وحرفها، يريد القتل. السابعة: قال رجل في حجة ~~الوداع: ذبحت قبل أن أرمي، فأومأ بيده وقال: "لا حرج". الثامنة: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تقوم الساعة حتى نقاتل أقواما (6) عراض ~~الوجوه، ذلف (7) الأنوف صغار العيون، كأن وجوههم الجان المطرقة". التاسعة: ~~جاء ms158 أبو بكرة (8) والقوم ركوع، فركع دون الصف ثم مشى، فلما قضى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - صلاته قال: "أيكم الذي ركع دون الصف ثم مشى؟ " قال ~~أبو بكرة (9): أنا يا رسول الله، قال: "زادك الله حرصا ولا تعد". العاشرة: ~~سؤال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الرطب بالتمر فقال: "أينقص (10) ~~الرطب إذا يبس؟ " قالوا: نعم، قال: "فلا إذن". # فانظروا رحمكم الله إلى بيان النبي - صلى الله عليه وسلم - للأحكام على ~~درجات، وأين النص من هذه المراتب؟ يزيده إيضاحا أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - صح أنه قال: "اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر" وقد اختلفا في ~~مسائل قطعا، منها الحد، وتفصيل التفضيل في العطاء، ولا يمكن الجمع بينهما، ~~في الاقتداء، فأين النص؟ ولكم أبين هذه المسألة لا لهم، ومن الاقتداء بهم ~~أن يرى الفقيه منكم، أن كل PageV01P254 # واحد منهم لم يرجع إلى صاحبه، ولا نظر (1) كل واحد (2) إلا لما (3) ~~يقتضيه اجتهاده، وكذلك فعل (4) سائر الصحابة دونهم، وكذلك فعل التابعون، ~~وكذلك فعل مالك، والشافعي، فليقتد بهما في ذلك، ومن الاهتداء بهدي عمار، أن ~~فقهه كان فيما إذا عارضه أمران، أحدهما أشد من الآخر، وأكثر احتياطا في ~~الدين، أخذ به، وهذا صحيح منه (5) فاقتدى به مالك، وجماعة، فرأوا إذا تعارض ~~الدليلان (6) أن يؤخذ بالأشد والأحوط منهما، ومن الاقتداء بعمر أن لا يقبل ~~حديث النبي (7) من كل راو (8)، فنراه (9) قد رد على أبي موسى حديثه، وطلب ~~منه البينة عليه. ومن الاقتداء بعلي، وهو أحد الخلفاء أنه كان لا يرى رأي ~~أبي بكر ولا عمر (10) في الحد، فقد تعارضوا، فكيف يكون الاقتداء؟ فعلى ~~قولهم [و 86 ب] ما بين النبي - صلى الله عليه وسلم - ما أنزل إليه (11)، ~~ولا أحال إلا على مشكل، ومن الاقتداء بعمر، ألا يمكن النالد! من أن يقولوا: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ولا يذيعوا أحاديث النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - حتى يحتاج إليها"، وإن درست، وهذا لحكمة (12) بديعة، وهي ~~أن الله قد بين المحرمات والمفروضات ms159 في كتابه، وقال تعالى: {لا تسألوا عن ~~أشياء إن تبد لكم تسؤكم} [المائدة: 101] وثبت عنه أنه قال: (إن (13) الله ~~أمركم بأشياء فامتثلوها، ونهاكم عن أشياء فاجتنبوها، وسكت لكم عن أشياء ~~رحمة منه، فلا تسألوا عنها) وقد اتفقت الصحابة على جمع القرآن لئلا يدرس، ~~وتركت الحديث يجري مع النوازل، وأكثر قوم من الصحابة التحديث (14) عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فسجنهم (15) عمر، فلو درس ما درس من الحديث ~~الوحداني، لما أثر في الشريعة، فإن كان يبقى PageV01P255 # مسكوتا عنه، فيكون عفوا، وما ضمن (1) الله الحفظ لحديث النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، وإنما ضمنه (2) للقرآن. على الاختلاف (3) أيضا بين العلماء في ~~تأويل قوله: {إنا نحن نزلنا الذكر، وإنا له لحافظون} [الحجر: 9] فإنا نقول ~~لهم: ليس المراد بالذكر ها هنا القرآن (4)، وإنما هو النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، أو الدين أو القرآن، وإنما حفظ النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بقوله: {والله يعصمك من الناس} المائدة: 67] وحفظ الدين بقوله: {اليوم ~~أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3] ~~وحفظ القرآن بأن الصحابة وفقوا لنسخه، وضبطه، وإرسال الأمهات إلى أمصار ~~المسلمين به (5)، ولو كان المراد به الحديث (6) لكان أول من يبادر بذلك ~~الصحابة رضي الله عنهم، حين قالوا لأبي بكر (7) أيان (8) استحر القتل ~~بالقراء يوم اليمامة: يا أمير المؤمنين أدرك القرآن وما جاء إليه أحد [و 87 ~~أ]، قال (9) له: أدرك حديث رسول الله (10). وأنت ترى حديث النبي يأتي في كل ~~زمان وعلى يد كل شيخ واحد بعد آخر، فلعل حفظه هو (11) هكذا، ولكن فيه أن ~~الأحكام تجري على بابها، ولا ينتظر بها (12) الأحاديث حتى إذا وجدت على ~~شرطها، وتبينت (13) البيان (14) الشافي المراد فيها، ومنها، لم يحل لأحد أن ~~يتعداها، وسنزيده (15) بيانا، والله أعلم، يحققه أنهم يقولون على الإجماع، ~~ولا إجماع عندهم إلا للصحابة خاصة، ولا يسمع إجماع الصحابة إلا بأن ينقل عن ~~كل واحد منهم، وهذا مما لم يوجد، فإذا (16) قالوا هم: لا حكم إلا بنص: ~~قلنا: ولا نص على من ترك ms160 النص. PageV01P256 # وهذا القول أصح (1)، لأنه (2) به قال (3) جماعة من العلماء، والذي قالوه ~~ما قال به (4) أحد قط، والاختبار (5) في ذلك كله يكشف الحقيقة، فإن قائله ~~أجهل الجهال، وأضل (6) الضلال، فإذا طالبتهم (7) بنص فذكروه، وجدت الاحتمال ~~يتطرق إليه، ضرورة، فإذا عارضتهم (8) فيه، لم يجدوا ملجأ، وذلك يبين بتتبع ~~(9) مسائل لهم، وهي كثيرة، فلا نكلمهم (10) فيما ساعدهم (11) عليه الشافعي، ~~أو أبو حنيفة (12) فإنهم يتكلمون بحجتهم (13)، ويتقوون بهم (14)، وإنما ~~نتكلم (15) معهم فيما ينفردون به، فترى (16) الفضيحة المعجلة (17) وما ~~سلكوا في الظاهر إلا سبيل إخوانهم من اليهود، فإنهم قيل لهم: لا تصطادوا ~~يوم السبت، فسكروا الأنهار في أوائلها، فلما كان في يوم الأحد أمكنهم ~~الحوت، فإن الحوت قبل ذلك كان يأتي يوم السبت، ولا يأتي في سائر الأيام، ~~فأخذوا بظاهر الأمر، فسدوا (18) أفواه الأنهار، فلم يجد الحوت منفذا فصادوه ~~(19)، فعوقبوا، ولم يعدلوا عن ظاهر ما أمروا حين تركوا المفهوم من ذلك، وهو ~~تفويت الحوت، وكذلك إخوانهم الروافض، قالوا: لا تكون الإمامة إلا بالنص من ~~النبي على أن فلانا خليفتي، وهذا باطل قطعا، ليس لهم في ذلك حديث يعول ~~عليه. ### || مسألة : # [و 87 ب]، قال أهل الخبال (20): لو أن رجلا بال في ماء دائم، لم يتوضأ ~~PageV01P257 # منه، ولو جرى فيه من بول في مجاورته، لم يمتنع الوضوء به، [وكذلك لو غاط ~~فيه لم يمنع (1) من الوضوء به] (2). فانظروا رحمكم الله إلى هذا الهوس في ~~الدين، والاعتداء على الشريعة، والاستخفاف بحرمة الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم -. إن كان المتبع لفظ الشارع بعينه فقد قال: "لا يبولن أحد في الماء ~~الدائم ثم يغتسل به" (3). فهذا يقتضي بظاهره، أن يقتصر (4) المنع على ~~البائل دون غيره، ويقتضي أنه لو بال (5) في كوز، وصبه فيه أن لا يمنع ذلك ~~من وضوئه (6) منه، ويقتضي أنه لو بال فيه قطرة من بول، لم يتوضأ به، ولو ~~غاط فيه رطلا لم يمتنع من الوضوء به، فانظروا (7) إلى ما يؤدي إليه مذهبهم، ~~ويعطيه غرضهم، كبر كلاما يخرج من أفواههم، إن يقولن (8) إلا محالا ms161 على ~~الشريعة، وافتراء وقبل وبعد، فليقولوا ما شاءوا وليخرجوا دقائق (9) ~~"المحلى" بالحاء المهملة، فعندنا فيه نقطة واحدة فوق حائهم، وأخرى (10) تحت ~~جيمنا فتجلى (11) به ما يقتضي أن يكون كتابهم متروكا لا يلتفت إليه. # قال القاضي أبو بكر (12) رضي الله عنه: وقد كنت أتتبع لكم مسائل داود ~~مسألة مسألة، إلا أن (13) ابن حزم لا يبالي عن داود، ولا عن سواه، فأكون ~~ضاربا معه في حديد بارد، ولكني أذكر لكم دستورا تقهرونه به قهرا، بأن ~~تقولوا له: قال الله تبارك وتعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [البقرة: ~~43] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صلوا كما رأيتموني أصلي" وحفظنا ~~صلاته فعلا، وما أمر (14) به غيره قولا (15)، وبقي علينا من نسي تكبيرة ~~الإحرام، أو القراءة (16) أو الركوع، أو السجود، أو الجلوس، أو السلام، أو ~~اثنتين من PageV01P258 # ذلك، ماذا عليه؟ أيجزيه (1) أم لا يجزيه؟ والنبي - صلى الله عليه وسلم ~~-[و 88 أ] فقد نسي وسجد في موضع، فهل كل موضع مثله أم لا؟ وما سجد فيه من ~~ترك السجود وقد رفع الله عنا قطعما ما نسينا فيه أو أخطأنا، فلا يقولون (2) ~~شيئا يقوم على ساق أبدا، لأنهم لا يجدون في كل حرف نصا، وكذلك القول في ~~أبواب الشريعة كلها منها (3). ### || مسألة # هي أشدها (4)، قول ابن حزم: إن الله قادر على أن يتخذ ولدا وأن يخلق إلها ~~إذا شاء ذلك وأراده، بقوله: {لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما ~~يشاء} [الزمر: 4] (5) فانظروا إلى هذه الداهية العظمى، كيف جهل الجائز من ~~المستحيل في العقل والمعقول المفهوم من الكلام دون ما لا يعتهل، فإن هذا ~~الكلام ليس له معنى مفهوم، إذ قوله: هل يقدر الله أن يتخذ ولدا، ليس يفهم، ~~لأن الله هو الذي لا يتصور أن يكون له ولد، ولا يمكن، فإذن، معنى ذلك من ~~قول القائل: هل يقدر الله الذي لا يصح أن يوجد (6) منه ولد، على أن يكون له ~~ولد، فنقض آخر الكلام أوله، فلم يكن له معنى معقول في نفسه فيستحق به ms162 ~~جوابا، و (7) كذلك قوله: هل يقدر الله على أن يخلق (8) إلها. لأن الله هو ~~الذي لا يصح أن يكون معه إله سواه، فنقض آخر الكلام أوله (9) ومن ينتهي إلى ~~هذا الحد، فقد سقطت مكالمته. وقال منتهكا (10) للشريعة، مستخفا بطرق (11) ~~الملة أن من ترك الصلاة متعمدا PageV01P259 # حتى خرج وقتها، فقد سقط عنه فرضها، ولم يتوجه عليه خطاب بها، وقد رأى ~~أصول الشريعة ثابتة في الذمة تقضي متى تعذر عملها، من صوم، وزكاة، وحج، ~~فهلا ارعوى، ولم يغو فيمن غوى، ولا ضج (1) على الدين وعوى. فإن قيل فقد قال ~~الله تعالى: {إن الصلاة كانت [و 88 ب] على المؤمنيين كتابا موقوتا} ~~[النساء: 53]، فربطها بوقت، كما ربطها بطهارة، فإذا زال رباطها (2)، سقط ~~الأمر بها. الجواب عن ذلك من خمسة أوجه الأول: أني (3) أعظكم بواحدة تكشف ~~خفاء المسألة، وتهتك سترها، وترفع حجابها، وهو أن تناقشوهم في الألفاظ حتى ~~لا يتمكنوا (4) من أن يخرجوا (5) عنها إلى المعاني، فإنهم تجدهم (6) لا ~~يتبعون لفظا، ولا يصح ذلك لبشر (7)، فبم يرون (8) أنهم مهتدون وهم ظالون؟ ~~قوله تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} فلفظ موقوت (9)، ~~مفعول من الوقت، والتقدير: إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا مفعولا في ~~وقت، ولا شك (10) في أن كل عبادة وعمل شرعي موقوت (11)، فتفسيرهم مرتبط ~~بوقت، لا يقتضيه اللفظ، فإن لفظة مفعول لا تقتضي (12) الارتباط بوقت ~~ببنائه، ولا بمعناه. الجواب الثاني: ليس بناء وقت من الزمان خاصة بل هو ~~موضوع لكل محدود، قد قال في الحديث الصحيح: (وقت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لأهل المدينة، ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن ~~المنازل) فاستعمل التوقيت في الأمكنة ليبين أنه لفظ موضوع للتحديد والتعيين ~~في الأقوال والأعمال، كانت لوقت، أو لمكان، أو لوصف. الجواب الثالث: إن ~~قوله: {موقوتا} يفيد أن الوقت شرط من شروطها، كالقبلة، وستر العورة (13)، ~~وكل شرط منها كلها إذا فقد لا يمنع من PageV01P260 # فعلها بإجماع، فكذلك فقد (1) الوقت، وليس في هذه الشروط كلها أحاديث، ~~يتعلقون بها، وإنما هي كلها ثابتة ms163 بالقياس. الجواب الرابع: نقول: إن النبي ~~[و 89 أ]- صلى الله عليه وسلم - قد أبان الحقيقة، وأوضح سواء الطريقة، في ~~نوم أصحابه عن الصلاة بحضرته (2) في ثلاثة أحوال، عرضت لهم معه: "من نام عن ~~صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" (3) ويفعلها (4) في قضائها حين لم يفعلها ~~معهم في وقتها، وقد تساوى معهم في الترك، وإن كانوا قد اختلفوا في سبب ~~الترك وقد بينا فيما سلف من كلامنا أن ما يعرو (5) رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - من هذه المعاني التي هي جبلة الآدمي (6) هي بركة على الأمة، ~~فإنها لهم فيما يصيبهم سلوة، ولأتباعهم له في ذلك أسوة، وقد تفطن لذلك حبر ~~(7) الأمة فيما روى عنه الأيمة قال مسروق (8) عن ابن عباس: (كان رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - في سفر، فعرسوا من الليل قال: فلم يستيقظوا حتى ~~طلعت الشمس. قال: فأمر بلالا فأذن ثم صلى ركعتين فما يسرني أن لي (9) بها ~~الدنيا وما فيها) (10) قال علماؤنا لما كان (11) في ذلك من التبيان (12) ~~لمن عراه بمثل ما عراه، وشغله عن طاعة ربه، أي (13) شغله حتى أذهله وأنساه ~~ثم عاد (14) إلى ذكراه، ولو كان قوله: {موقوتا} مربوطا بوقت مخصوص معين لم ~~تكن (15) في غيره، واقعة موقعها، لأن ذلك يبطل ارتباطه بها. فإن قيل ذلك ~~الوقت الذي ربطت به إنما يعلم من قبله فجعله (16) معينا للعالم، وجعله (17) ~~للذاهل أو النائم (18) وقت الذكر. قلنا: قد بينا أن اللفظ لا يقتضي ذلك، ~~ولا يعطيه الاشتقاق. وقد بينا أن الشريعة لا تخص بذلك، كل PageV01P261 # عمل محدود، لا بد له من وقت، إلا أنه قد يكون مطلقا، وقد يكون معينا بحسب ~~لا قامت عليه أدلة الشريعة من صلاة، وزكاة، وصوم، وحج وفرض ونفل. والجواب ~~الخامس: أنه لم تزل (1) الأمة من عصر الصحابة متفقة على أن من ترك [و 89 ب] ~~الصلاة بأي وجه تركها حتى يخرج الوقت الذي يقولون، إنه يلزمه قضاؤها أبدا ~~من نسيان أو سهو، أو نوم. واختلفوا في المغلوب على عقله بالإغماء والجنون ~~وقد تولجت ms164 تلك الأقطار الكريمة، ودخلت تلك (2) الأمصار العظيمة، وجبت ~~الآفاق القاصية نيفا على عشرة أعوام، فما رأيت أحدا تفوه بهذا الكلام، ولا ~~وجدته مسطورا في كتب أيمة الإسلام، ولو أن أهل بلدنا (3) إذ سمعوها تفلوا ~~(4) عليها، ولم يلفتوا (5) إليها إذنا، ولا قلبا، ولا ليتا (6)، لماتت. ~~إنما اختلفت العلماء قديما وحديثا فيمن ترك الصلاة متعمدا هل يكون بذلك ~~كافرا؟ فقال أحمد بن حنبل، وابن حبيب (7) من المشاهير: هو كافر، لألفاظ ~~وردت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - منها قوله: "العهد الذي بيننا وبينهم ~~الصلاة من تركها فقد كفر" (8) وهذا قول صريح في حديث صحيح، ولو لم يعارضه ~~سواه، لقلنا به، ولكن صدنا عن ذلك معان: المعنى الأول: أن لفظ "كفر" قد يرد ~~في الشريعة بمعنى أشرك، وخرج عن الملة، وقد يرد بمعنى لم يشكر حق النعمة، ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم - للسناء: "إني رأيتهن (9) أكثر أهل ~~النار". قالوا (10): بم يار رسول الله؟ قال: "بكفرهن" قيل أيكفرن ب الله؟ ~~قال: يكفرن الإحسان، ويكفرن العشير لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم أسأت ~~إليها يوما واحدا (11)، قالت: ما رأيت منك خيرا قط"، وقد يرد بمعنى ستر ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر" قيل: ستر ~~نفسه عمن يجب PageV01P262 # عليه إظهارها له، وقيل: إنه كالأول في أنه كفر نعمة سيده، أي لم يشكرها ~~كنحو قوله: {واشكروا لي ولا تكفرون} [البقرة: 152] فجعله من الكفر الذي هو ~~ضد الشكر، لا ضد الإيمان الذي هو [و 90 أ]، توحيد الله. المعنى الثاني: أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أخرجوا من النار من (1) في قلبه مثقال ~~ذرة من إيمان". المعنى الثالث: أن عبادة (2) روى عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، من جاء ~~بهن لم يضيع (3) منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند (4) الله عهد أن (5) ~~يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن، فليس له (6) عند الله عهد (7)، إن شاء عذبه، ~~وإن شاء غفر ms165 له" (8) وهذا نص قاطع، فإن الكافر لا يكون في مشيئة المغفرة ~~بما أخبر به عن ذلك سبحانه. ### || درجة : # أما أن العلماء اختلفوا في قتله إذا ترك الصلاة عمدا، فقال أبو حنيفة: لا ~~يحل (9) إراقة دمه، لكنه يؤدب على استخراج هذا الحق منه بالسوط، وإن أدى ~~ذلك إلى تلف نفسه. وقال مالك والشافعي: يقتل في آخر الوقت. قال متأخرو ~~علمائنا: لا يقتل ضربة بالسيف، ولكنه ينخس بالحديد حتى تفيض نفسه، أو يقوم ~~بالحق الذي عليه من فعلها، وبهذا أقول: قال أبو المعالي: لا أرى أن يسفك دم ~~امرئ مسلم على ترك الصلاة بغير نص من (10) كتاب الله (11)، ولا سنة، ولا ~~قياس جلي تناط بمثله المحظورات والذي حمل على ذلك أبا المعالي (12) نكتة ~~فارغة، تعلق بها أهل ما وراء النهر من أصحاب أبي PageV01P263 # حنيفة (1) وهي عسيرة (2) المبدأ، ولكنها سهلة المنتهى، قالوا: إن الشريعة ~~لم تبح قط (3) دما بترك المفروض (4) كالوضوء والصوم والزكاة والحج، وإنما ~~أباحت (5) الدم بفعل المحظور كالرق والقتل والحرابة. والذي انتهى إليه ~~التحقيق في ذلك، المتفق عليه (6) ما أوردناه في "مسائل الخلاف". لبابه ~~يتحصل في ثلاثة مسالك. المسلك الأول: منع الوضوء والصوم، وارتكاب إباحة دم ~~من تركها متعمدا. فأما الحج فهو على غير [و 90 ب] الفور عند قوم، فلا يتحقق ~~فيه الترك المتفق عليه. وأما الزكاة فمقصودها الأوكد وهو أخذ المال ممكن، ~~وتبقى النية وهو الركن الثاني فليس (7) يمتنع في الشريعة استقلال الأمر ~~بأحد ركنيه، وقد بيناه في "مسائل الخلاف"، فلا نطول به (8) في هذه الإشارة. ~~المسلك الثاني: أنا نقول لهم: قد اتفقنا على قتله إلا أنكم (9) قلتم يقتل ~~بالسوط، وقلنا يقتل بالحديد، والحقوق تستخرج بالحديد، كما تستخرج بالسوط، ~~ألا ترى أنا نستخرج حق الله في الإسلام من المرتد بالحديد. المسلك الثالث: ~~أن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من ترك الصلاة فقد كفر" وهذا وإن لم يفد ~~حقيقة الكفر، فليفد جزاء (10) الكفر، لئلا يبقى اللفظ عاريا عن إحدى ~~فائدتيه وهي الحقيقة أو المجاز (11). فإن قيل: فكيف نقول (12) في ms166 الأمثلة ~~التي استشهدتم بها وهي قوله في النساء، وفي العبد الآبق؟ قلنا: ليس هنالك ~~حق (13) يستخرج بالفعل المؤدي إلى تلف النفس، بخلاف مسألتنا فإنا اتفقنا ~~على أن يستخرج منه هذا الحق، وإن أدى إلى تلف نفسه وإراقة دمه، وإن اختلفنا ~~في صفة ذلك. PageV01P264 ### || درجة # فأما تخصيص التارك متعمدا (1) بدليل على وجوب القضاء وقد قدر الله تعالى ~~(2) أنه لا بد من النظر في ذلك مع هذه الطائفة الركيكة، فنأخذ ذلك من وجوه: ~~أحدها: أن نقول: إن الأمة أجمعت (3) أيام عصر السلف الأول على وجوب قضاء ~~الصلاة على المتعمد فلا يراعى ما طرأ في هذه الأوقات المغيرة (4) التي طرأت ~~عليها البدع المضلة، ولقد كان أهل البدع لا يستحدثون بمثل هذه الطامة حتى ~~أجراها الشيطان بقضاء الله وقدره على لسان من أجراها لتكون زيادة في ~~الإضلال [و 91 أ]. ولو راعينا كل خلاف يطرأ، لما استقر الدين على قاعدة. ~~الثاني: أن داود وأصحابه الذين أحدثوا بدعته لا يختلفون في قضاء المتعمد ~~لترك الصلاة، وذلك منصوص في كتبهم، فانظروا هنالك. الثالث: أن من الثابت ~~انعقاد الاجماع على أن من ثبت في ذمته شيء لا بد أن يخرج عنه، ومن تعينت ~~عليه عهدة لا غنى من (5) أن يتفصى عنها. وهذا متعمد (6) قد لزمته الصلاة، ~~وثبتت (7) في ذمته فلا يخرجه عنها (8) إلا أداؤها على حكم كل حق ثبت في ~~الذمة. فإن قيل هي (9) حق مؤقت أو مربوط بوقت، فقد سبق الجواب عنه (10)، ~~على أنه يبطل بالصوم فإنه مربوط بوقت، ويقضي تاركه متعمدا، وربط الصوم ~~بوقته أعظم من ربط الصلاة بوقتها. فإن قيل: قد زال وقت الأداء، فلا يجب ~~القضاء، إلا بأمر ثان. قلنا: ليس لآخرها حد إلا فعلها. # جواب آخر: إنا نقول: إذا توجه الأمر بالفرض، لم ينج المكلف من ذلك إلا ~~فعله، كان ذلك مذكورا في وقت، أو مطلقا، ولا نقول: إن الأداء والقضاء ~~غيران، الأداء هو القضاء، والقضاء هو الأداء، شرعا وعربية. وإنما ~~PageV01P265 # ذكر الفرق بينهما المتأخرون من أصحابنا اصطلاحا. وهذه الألفاظ التي اصطلح ms167 ~~عليها العلماء آخرا، لما احتاجوا إليه من البيان لا يجوز بناء الأحكام ~~الشرعية عليها، وإنما تبني الأحكام الشرعية على قول الله أو قول (1) ~~الرسول، أو العربية (2) التي نزل القرآن بها، وتكلم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بلسانها. الرابع: أنا نتعلق بظواهر الأحاديث التي يزعم ~~الجاهلون القائلون بذلك، أنها لهم، وهي ستة أحاديث: ### ||| الحديث الأول: # قوله: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، لا وقت ~~لها إلا ذلك" (3) فأخبر [و 91 ب] النبي (4) أن من نام عن صلاة، أو نسيها ~~(5)، أو تركها، أنه يصليها متى ذكرها. والنسيان في العربية قسمان: أحدهما ~~ذهول، والآخر تعمد، وذلك أشهر من أن يدل عليه. فبين النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنها متى تركت (6) بغير عقل كالنوم، أو بعقل كالذهول والعمد، أنه ~~يجب قضاؤها، ألا ترى أنه لم يقل من سها، وذكر من نسي، ليستوفي البيان - صلى ~~الله عليه وسلم - وقال: "إذا ذكرها، فالذاهل يذكر بعد ذلك فيلزمه وقت ~~الذكر، والمتعمد ذاكرا أبدا فيلزمه أبدا، إذ هي (7) مرتبة على الذكر، فمن ~~وجد منه (8) الذكر لزمته (9) حتى يفعل (10) [وقد قال - صلى الله عليه وسلم ~~-: "ولا يقولن أحدكم نسيت آية كذا بل هو نسي" وذلك لقوله: {أتتك آياتنا ~~فنسيتها، وكذلك اليوم تنسى} [طه: 126] (11). ### ||| الحديث الثاني: # قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد قال له رجل أو ~~امرأة: إن # فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا (12) أو أمي (13) وأنه (14) لا ~~يستطيع أن PageV01P266 # يحج، أفأحج عنه؟ قال: "أرأيت لو كان على أبيك أو أمك دين، أتقضيه" قال: ~~أو قالت: نعم، قال: "فدين (1) الله أحق أن يقضى" فبين (2) أن كل حق الله في ~~ذمة العبد لا يخرجه عنه إلا فعله، فإن عادوا إلى ذكر الوقت قلنا لهم: قد ~~بينا فساده. ### ||| الحديث الثالث: # قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "شغلونا عن الصلاة ~~الوسطى، صلاة العصر، حتى غابت الشمس، ملأ الله بيوتهم (3) وقبورهم نارا" ~~(4) ثم قضاها بعد غروب الشمس، ولم يكن تركها سهوا، وإنما كان اشتغالا ~~بالحرب والتدبير ms168 لها، والاحتراس من غرة المشركين. ### ||| الحديث الرابع: # روي في الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في ~~الخندق لأصحابه: "سيروا إلى قريظة ولا يصلين أحد منكم إلا فيها" فساروا ~~ففاجأتهم (5) العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نبلغها، وقال ~~بعضهم: لم يرد رسول الله هذا منا، وصلوا، فصوب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -[و 92 أ]، الطائفتين التي صلت والتي أخرت الصلاة عن وقتها متعمدة ~~وقضت، ولو كانت مقصورة الوجوب على الوقت، لا فعل لها إلا فيه لبين لهم ذلك، ~~وأعلمهم أن ما أتوا به بعد خروج الوقت تكلف. ### ||| الحديث الخامس: # قوله - صلى الله عليه وسلم -، فيما ثبت وصح: "أنه سيكون ~~بعدي أمراء يؤخرون الصلاة عن وقته" (6)، قال: فنصليها معهم؟ قال: "نعم" ولم ~~يقل: إن الصلاة لا تفعل إلا (7) في وقت مخصوص. # وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال - وهو الحديث السادس -: ~~"ليس التفريط في النوم، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى دخل (8) وقت ~~PageV01P267 # الأخرى" (1) وهذا نص في أن المفرط حتى يخرج الوقت يصلي، ولكنه يكون ~~مفرطا، وهذا القدر كاف لكم في المسألة # . والذي أراه ألا يكلم (2) قائل هذا إلا بالاستتابة (3)، أو بالقتل ~~لمخالفة إجماع الأمة. والله أعلم. ### || مسألة: # ومن أعظم ما جاء (4) من التخليط قول ابن حزم: والقرآن كلام الله تعالى ~~وهو علمه، ويعبر بالقرآن، و (5) بكلام الله عن خمس مسميات يعبر بذلك عن علم ~~الله، وعن المسموع في المحاريب، قال الله (6): {حتى يسمع كلام الله} ~~[التوبة: 6] وعن المحفوظ في الصدور، قال الله تعالى (7): {بل هو آيات بينات ~~في صدور الذين أوتوا العلم} [العنكبوت: 49] وعن المكتوب في الصحف. قال الله ~~تعالى: {بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ} [البروج: 21] وقال: {فمن شاء ذكره ~~في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة} [عبس: 16] ونهى عليه ~~السلام عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو. وعن المعاني المفهومة من ~~التلاوة. وكل (8) هذه الأربعة إذا أفردت، وعبر عنها بالصوت والخط - حاشا ~~لله (9) - فكل ذلك ms169 مخلوق. وإذا عبر عن علم الله فهو غير مخلوق، فكل ما وقع ~~من ذكر فرعون، والكفار، والسموات [و 92 ب]، والأرض، في القرآن فكل ذلك ~~مخلوق. وإذا أطلق جملة فهو غير مخلوق. قال الله تعالى: {وتمت كلمة ربك صدقا ~~وعدلا} [الأنعام: 115]، وهذا يدل على أنه غير مخلوق. وقال: {ولولا كلمة ~~سبقت من ربك لقضي بينهم} [يونس: 19] فصح يقينا أنه أراد علمه السابق، فعلمه ~~(10) هو كلامه وهو غير مخلوق. وقال: {وتمت كلمة ربك} [هود: 119] وقال: {قل ~~لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي} ~~PageV01P268 # [الكهف: 109] فدل على أن الذي تم (1)، غير الذي لا ينفد، والذي ثم (2) هو ~~ترتيبه لمقادير ما خلق. وقول الله غير كلام الله، والبرهان أن التكليم (3) ~~فضيلة قال الله تعالى: {منهم من كلم الله} [البقرة: 253] والقول رذيلة، قال ~~الله تعالى: {اخسئوا فيها ولا تكلمون} [المؤمنون: 108] (4). # قال القاضي أبو بكر (5) رضي الله عنه: ما لهذا مثل (6) إلا كما قال ~~الشاعر: # وخلا الغبي بما (7) يضلل نفسه … # كفرا كفعل الأسخط (8) المتهوج # عبثا يرد مقاله بمقاله … # فعل الجهول على الطريق الأعوج # هذا الكلام من تخليطه. قوله: كلام الله هو علمه: لا عقل ولا شرع، من أين ~~أخذ هذا؟ أدلة العقول تنفيه، والشرع لم يرد به، ثم قال: يعبر بكلام الله عن ~~خمس (9) مسميات: عن علم الله، وعن المسموع في المحاريب، والمسموع في الدور ~~(10)، والمسموع في السفر (11)، والمسموع في الكتيبة (12) إذا تلا القرآن ~~هنالك أحد، كلام من يكون؟ ثم قال: وعلى (13) المحفوظ في الصدور، قال لقوله: ~~{بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم} [ولا يصح أن تكون ذات القرآن ~~الذي هو كلام الله آيات (14) ثم قال] (15) {في صدور الذين أوتوا العلم} فإن ~~حفظه من لم يقرأ العلم كالصبي الصغير والعجوز والأعرابي الفدم، هل هو محفوظ ~~في صدره أم لا؟ والله لم يقل: إلا في صدور PageV01P269 # أهل العلم (1) [و 93 أ]، فلا يزد هو عليه (2)، ولا يجعل الخصوص عموما، ~~فإنه جهل محض بالطريقة، وخروج (3) عن الظاهرية، ثم ms170 قال: وعن المكتوب في ~~المصحف لقوله: {في لوح محفوظ} (4) واللوح المحفوظ هو عند الله، وليس بصحف ~~(5). وقال تعالى: {فمن شاء ذكره في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام ~~بررة} يعني ما (6) بأيدي الملائكة، فالذي يقتضيه القرآن أنه في صحف ~~الملائكة. فأما في صحف بني آدم أو (7) ألواحهم، فيفتقر فيه إلى (8) نص. فإن ~~قالوا (9): وأي (10) فرق بينهم؟ هذا مثل ذلك. قلنا: هذا قياس وإلحاق وتقدير ~~وتشبيه، وتنظير، وأين أصلك في أنه لا شيء إلا قول الله، وقول الرسول؟ وأما ~~نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو، فمتى ~~كان ذلك الوقت مصحف يسافر به؟ وقد كتب هو - صلى الله عليه وسلم - بالقرآن ~~إلى الروم وهم أنجاس. وإذا كان في صدور الرجال، وحملوا إلى أرض (11) العدو، ~~فكيف هذا ولا يحمل المصحف؟ والرجال المؤمنون أعظم حرمة. وقد قال بعض الناس: ~~لا يغزو العلماء. قال: ويعبر بالقرآن عن المعاني المفهومة من التلاوة. ومن ~~قال له هذا؟ وأين وجده؟ في كتاب الله، أو في سنة رسول الله (12)؟ وأنى له، ~~أن (13) الآيات يراد بها المعاني؟ ولعل يراد بها الألفاظ. ثم قال: وكل هذا ~~إذا عبر به عن غير الله، مخلوق، وإذا عبر به عن الله، غير مخلوق، فكيف (14) ~~تكون الحروف التي يكتب بها الله، ويعبر بها عنه غير مخلوقة، فإذا عبر بها ~~عن غيره تكون مخلوقة، وكلاهما موجود عن عدم؟. وهذا الكلام (15) ينفيه العقل ~~والشرع، ولا يرضى أن يتكلم به معتوه. وقوله: إن PageV01P270 # كلمات الله قد تمت، بمعنى مقاديره، وكلماته التي لا تنفد (1) غير مخلوقة ~~(2). سخافة، وكلمات [و 93 ب] الله على حقيقة واحدة تعالى أن يكون منها شيء ~~مخلوقا (3) أو من صفاته العلى (4)، أو من أسمائه الحسنى. ثم قال: وقول الله ~~غير كلام الله. وهذه سخافة قالتها المعتزلة، ولكن بطريقة معلومة من العربية ~~سلكوها، ومن البدع (5) معقولة ذكروها (6) يصح أن تسمع فيرد (7) عليها. وأما ~~هذا الذي قال: من (8) أن كلام الله فضيلة، وقوله رذيلة. فهذا خذلان لا (9) ~~ينتهي إليه ms171 جهلة النسوان. # يا لك ذا (10) من جعل (11) بمرحض … # خلا لك الجب فدحرج وارحض … # ولفها من قذر وحيض (12) … ### || مسألة غريبة # وهي أن الله سبحانه قال: {والذين يظاهرون من نسائهم، ثم يعودون لما قالوا ~~فتحرير رقبة} فأوجب الكفارة بالعود بعد الظهار، فقال البائس داود: إن (13) ~~معنى ذلك: يظاهر مرة أخرى بلسانه، ولم يحتشم من العربية (14)، ولا من الله، ~~ولا من رسوله (15)، ولا من الناس، وأنا أكلمه لكم (16) ظاهريا، حتى أبرزه ~~لكم بريا (17)، من المعرفة عريا. قال الله: {والذين يظاهرون من نسائهم ثم ~~يعودون لما قالوا} فننزل معه منزلة فنقول: أخبرني يا داود، كيف الظهار الذي ~~أخبر الله عنه؟ هل هو قول بالجنان أو قول باللسان؟ PageV01P271 # وجئني بذلك (1) نصا عن (2) النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث صحيح أو ~~سقيم، ولن تجد ذلك أبدا، وأخبرني يا داود عن صفة ترتيبه في الاعتقاد، وفي ~~نظم الحروف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (3)، أو عن أحد من الصحابة. ~~وهذه مسألة قد استرحنا معك فيها، فإنها ليست بإجماع، فإذا عين ما عين (4) ~~أو قال ما قال، قيل له: و (5) من أين تقول ذلك، وأنت لا تتكلم إلا بنص؟ ولا ~~سبيل أبدا إلى (6) أن تتكلم بحرف مما تقوله (7) إلا (8) وفيه من الله قول، ~~أو رسوله، فإن زاد على قول الله أو قول رسوله، حرفا فزد أنت حرفين [و 943 ~~أ]. ### || منزلة أخرى (9): # إنا نقول لك في الظهار إنه قول الرجل لزوجته في تشبيه ظهرها بظهر أمه، هل ~~هو قول محدد (10) أو أي قول كان؟ بأي صيغة (11) ظهر منه وورد؟ فإن (12) ~~قال: هو مثل قول: أنت علي كظهر أمي. قيل له: بل هو قوله: أنت علي مثل ظهر ~~أمي أو أنت (13) ظهر أمي تكون (14) علي (15) أو بطنك علي كظهر أمي، أو فرجك ~~أو جملتك كظهر أمي، أو يسقط الظهر من أمه، و (16) يجعله في الزوجة، ويقول ~~(17) ظهرك علي كأمي. وهذا هو صريح القرآن فيلزمه أن يجعل الظهار شيئا غير ~~هذا، ولو قال: إنه ظهرك علي كظهر أمي ms172 كان أميل إلى قرب (18) القرآن، وينبغي ~~(19) أن يقال له: إنه إذا قال ظهرك، فمن حرم عليه بطنها أو سائر أعضائها، ~~وهو يقول: لو طلق يدها لم تطلق، وإن قال: تطلق PageV01P272 # وقع في أشد من ذلك، وأطم، وطولب بالدليل، فإن رام أن يتعلق بالإجماع لم ~~يجده إلا من الفقهاء، ولا قدر لهم عنده، وإنما الإجماع الذي يرى، إجماع ~~الصحابة. # ويجب أن تعلموا أن البخاري ومسلما (1) لم يدخلا في الظهار حرفا واحدا من ~~الحديث. أما أن (2) الأيمة أدخلوا منها جملة فذكر أبو داود، والطبري حديث ~~خويلة (3): قالت: ظاهر مني زوجي، وذكرت نزول القرآن، وروى الترمذي أن رجلا ~~أتى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد ظاهر من امرأته، وروى أبو داود أن ~~رجلا جعل امرأته كظهر أمه، وهذا أقرب الألفاظ إلى التفسير (4)، فإنه لم ~~يذكر أحد منهم لفظه ولكن ظاهر هذا يقتضي أن نقول (5)، امرأتي كظهر أمي، ~~فينبغي أن يقتصر (6) يا داود عليه، ولئن فعلت ذلك لنقولن لك: هل (7) جعلها ~~بقوله، أو باعتقاده ذلك فيها؟ فإن قيل: ومن أين علمت ذلك؟ قلنا: قال لها: ~~اعتقدت فيك ألا أعلوك، كما لا أعلو أمي، أو قال لها: فرجك كفرج أمي. ### || منزلة أخرى : [و 94 ب]. # ثبت عن الترمذي وغيره أن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال ~~له (8): يا رسول الله: ظاهرت من امرأتي، فوقعت عليها قبل أن أكفر، قال: ~~"وما حملك على ذلك يرحمك الله؟! قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر، قال له ~~(9): "فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك به". فأعلمه ببقاء كفارة الظهار عليه، ~~وإن (10) كان قد وطئ، وبقي النظر في العود الذي أحال عليه (11) رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - (12)، PageV01P273 # ولم يثبته (1) فيرجع (2) إلية، فنقول (3): إن الله سبحانه قال: {ثم ~~يعودون لما قالوا} [المجادلة: 3] وأنت لم يتعين لك بعد قولهم الذي يرتبط به ~~الحكم، فترى (4) أن يكون العود إليه، هل هو قول القلب أم قول اللسان؟ وما ~~صفة ذلك القول؟ أو رأيت إن قاله ثم نسيه وأنت قد عينته؟ ms173 وإن قلت (5): أخذ ~~بالعموم فيه. فكل قول يكون ذلك فيه (6)، أقول به مهما كان فيه ذكر الظهر. ~~قلنا له: ويكون فيه ذكر الظهر (7) فيهما جميعا أو (8) في الزوجة وحدها، أو ~~في الأم (9) وحدها. ### || منزلة أخرى # يقال له: أرأيت إن لم يعد لما (10) قال، ولا كلم الزوجة؟ فليس له ما يقول ~~مما فيه أثر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وانظروا رحمكم الله إلى قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - للذي وقع على امرأته (11) المظاهر منها قبل ~~أن يكفر: "لا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به" وقال للآخر الذي وقع على ~~امرأته قبل أن يكفر: "أعتق رقبة أو أطعم" ولم يقل له: عد لما قلت، لأنه قد ~~رآه عاد لما قال، ومعنى الآية قد بيناه في "الأحكام" (12) وتحقيقه: أنه لما ~~قال: {ثم يعودون لما قالوا} أنهم لا يعودون إليه لأنه لما قال لها: أنت ~~(13) علي كظهر أمي، قد قال: أنه لا يطأها، فلما عاد إلى الوطء لزمته ~~الكفارة، أو إلى التمسك بالزوجية، أو إلى العزم (14) على ما بيناه هنالك ~~والله أعلم. [و 95 أ] أي (15)، وهكذا فخذ مسائلهم تجدها كما قلناه بتوفيق ~~الله، وتنخل (16) من ذلك كله، المعنى المطلوب وهو تنزيل الشريعة منازلها، ~~وتوفيتها مقاديرها، وعصمها بعواصم من PageV01P274 # مطالبيها (1) أو أعدائها (2)، حتى قام عمود الدين على أسه، واطرد نصره ~~(3) على رسه، واتسق بنيانه برصه، ورأى المطالب (4) الأعظم أن مداخل الإلحاد ~~لا تتحد، فعدد لها بعد ذلك سبلا (5) من الباطل، أسلك (6) فيها أمما، ونصل ~~(7) إليها عصبا، وجر (8) إليها خلقا كثيرا. ### || أصلها (9): # بعد (10) أن استأثر الله بنبيه - صلى الله عليه وسلم -، وقد أكمل له (11) ~~ولنا دينه، وأتم عليه وعلينا (12) نعمته، كما قال تعالى: {اليوم أكملت لكم ~~دينكم وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا} [المائدة: 3] وما من ~~شيء في الدنيا يكمل إلا وجاءه النقصان، ليكون الكمال الذي يراد به وجه الله ~~خاصة، وذلك العمل الصالح، والدار الآخرة، فهي دار الله الكاملة. قال أنس: ~~(ما نفضنا أيدينا من تراب قبر رسول الله - صلى ms174 الله عليه وسلم - حتى أنكرنا ~~نفوسنا) (13) واضطربت الحال، ثم تدارك الله الإسلام ببيعة أبي بكر، فكانت ~~موتة (14) النبي - صلى الله عليه وسلم -، قاصمة الظهر (15)، ومصيبة العمر. ~~فأما علي فاستخفى في بيته مع فاطمة. وأما عثمان فسكت. وأما عمر فأهجر (16) ~~وقال: (ما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإنما PageV01P275 # وعده الله كما وعد موسى، وليرجعن رسول الله (1) فليقطعن أيدي ناس ~~وأرجلهم) (2). وتعلق بال العباس (3) وعلي بأمر أنفسهما في مرض النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - (4)، فقال العباس لعلي: (إني أرى الموت في وجه بني عبد ~~الطلب، فتعال حتى نسأل (5) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن كان هذا ~~الأمر فينا علمناه) (6). وتعلق بال (7) علي والعباس (8) بميراثهما، فيما ~~تركه النبي (9) من فدك، وبني النضير، وخيبر [و 95 ب] واضطرب أمر الأنصار ~~يطلبون الأمر لأنفسهم، أو الشركة فيه مع المهاجرين، وانقطعت قلوب الجيش ~~الذي كان قد برز مع أسامة بن زيد (10) بالجرف. ### || عاصمة # فتدارك الله الإسلام والأنام، وانجابت (11) انجياب الغمام ونفذ وعد الله، ~~باستئثار رسول الله، وإقامة دينه على التمام، وإن كان قد أصاب، ما أصاب من ~~الرزية (12) الإسلام - بأبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكان إذ (13) مات ~~النبي غائبا في ماله بالسنح (14) فجاء إلى منزل ابنته عائشة رضي الله عنها، ~~وفيه مات النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكشف عن وجهه، وأكب عليه يقبله ~~وقال: (بأبي أنت (15) وأمي يا رسول الله (16) طبت حيا وميتا، والله لا يجمع ~~الله عليك الموتتين. أما PageV01P276 # الموتة التي كتب الله عليك فقدمتها (1)، ثم خرج إلى المسجد والناس فيه، ~~وعمر يأتي حجر من القول كما قدمنا، فرقي المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم ~~قال: (أما بعد، أيها الناس (2)، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن ~~كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت) ثم قرأ {وما محمد إلا رسول قد خلت من ~~قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم، ومن ينقلب على عقبيه فلن ~~يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين} [آل عمران: 144] فخرج الناس يتلونها ms175 ~~في سكك المدينة، كأنها لم تنزل إلا ذلك اليوم (3). واجتمعت الأنصار في ~~سقيفة بني ساعدة، يتشاورون ولا يدرون ما يفعلون، فقالوا: نرسل إليهم ~~يأتوننا، فقال أبو بكر: بل نمضي (4) إليهم، فسار إليهم المهاجرون منهم (5) ~~أبو بكر وعمر وأبو عبيدة، فتراجعوا (6) الكلام، فقال بعض الأنصار: منا أمير ~~ومنكم أمير. فقال أبو بكر كلاما كثيرا مصيبا يكثر، ويصيب منه: نحن الأمراء ~~وأنتم [و 96 أ] الوزراء، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "الأئمة ~~من قريش" (7)، وقال: "أوصيكم بالأنصار خيرا أن تقبلوا من محسنهم، وتتجاوزوا ~~(8) عن مسيئهم" (9) وإن (10) الله سمانا الصادقين، وسماكم المفلحين، وقد ~~أمركم أن تكونوا معنا حيث ما كنا فقال: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وكونوا مع الصادقين} [التوبة: 119] إلى غير ذلك من الأقوال المصيبة، ~~والأدلة القوية، فتذكرت الأنصار ذلك، وانقادت إليه، وبايعوا أبا بكر الصديق ~~رضي الله عنه، وقال أبو بكر لأسامة: أنفذ لأمر رسول الله. فقال له (11) ~~عمر: كيف (12) ترسل هذا الجيش والعرب قد اضطربت عليك؟ فقال: لو لعبت الكلاب ~~بخلاخيل (13) نساء أهل المدينة ما رددت جيشا أنفذه PageV01P277 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال له عمر وغيره: إذا منعتك (1) ~~العرب الزكاة فاصبر (2) عليهم. فقال: والله لو منعوني عقالا (3) كانوا ~~يؤدونه (4) إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقالتهم عليه (5) والله ~~لأقاتلن من فرق بين الزكاة والصلاة (6). قيل له (7): ومع من تقاتلهم؟ قال: ~~وحدي، حتى تنفرد سالفتي، وقدم الأمراء على الأجناد: والعمال في البلاد، ~~مختارا لهم، مرتئيا فيهم، فكان ذلك من أسد (8) عمل، وأفضل مقدمة للإسلام ~~(9)، وقال لفاطمة وعلي والعباس: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"لا نورث ما تركنا، صدقة" (10) فذكر الصحابة ذلك، وقال: سمعته يقول: "لا ~~يدفن نبي إلا حيث يموت" (11) وهو في ذلك كله رابط الجأش، ثابت العلم، ~~والقدم في الدين. ثم استخلف عمر، فظهرت بركة الإسلام، ونفذ الوعد الصادق في ~~الخليفتين، ثم جعلها عمر شورى فأخرج عبد الرحمن بن عوف (12) نفسه من الأمر، ~~حتى ينظر ويتحرى فيمن يقدم، فقدم عثمان، ms176 فكان عند الظن به، ما خالف له (13) ~~عهدا، ولا نكث عقدا، ولا اقتحم مكروها، ولا خالف سنة. وقد كان النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -[و 96 ب] أخبر بأن عمر شهيد، وبأن عثمان شهيد، وبأن (14) ~~له الجنة على بلوى تصيبه، وهو وزوجه رقية ابنة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أول مهاجر بعد إبراهيم الخليل - صلى الله عليه وسلم -. دخل به في ~~باب. أول من (15) ... وهو علم كبير جمعه الناس (16). ولما صحت PageV01P278 # أمامته قتل مظلوما، ليقضي الله أمرا كان مفعولا، ما نصب حربا، ولا جيش ~~عسكرا، ولا سعى إلى فتنة، ولا دعا إلى بيعة، ولا حاربه (1) ولا نازعه من هو ~~من أضرابه، ولا أشكاله، ولا يرجوها لنفسه. ولا خلاف أنه ليس لأحد أن يفعل ~~ذلك في غير عثمان، فكيف في عثمان رضي الله عنه؟ وقد سموا من قام عليه ~~فوجدناهم أهل أغراض سوء، حيل (2) بينهم وبينها. فوعظوا، وزجروا، وأقاموا ~~بحمص (3) عند عبد الرحمن بن خالد بن الوليد (4) يؤنبهم ويؤدبهم (5)، حتى ~~تابوا، وأرسل بهم إلى عثمان فتابوا، وخيرهم، فاختاروا التفرق في البلاد ~~فأرسلهم، فلما سار كل إلى ما اختار أنشأوا الفتنة وألبوا (6) الجماعة، ~~وجاءوا إليه في جملتهم، فاطلع عليهم من حائط داره، ووعظهم وذكرهم، وورعهم ~~عن دمه، وخرج طلحة (7) يبكي، ويورع الناس، وأرسل علي ولديه، وقال الناس لهم ~~(8): إنكم أرسلتم إلينا، أقبلوا إلى من غير سنة الله، فلما جئنا، قعد هذا ~~في بيته، يعنون عليا، وخرجت أنت تفيض عينيك، والله لا برحنا حتى نريق دمه. ~~وهذا قهر عظيم وافتيات على الصحابة، وكذب في وجوههم، بهت لهم، ولو أراد ~~عثمان لكان مستنصرا بالصحابة (9)، ولنصروه في لحظة، وإنما جاء القوم ~~مستجيرين (10) متظلمين، فوعظهم فاستشاطوا، فأراد الصحابة إليهم (11)، فأوعز ~~إليهم عثمان ألا يقاتل PageV01P279 # أحد بسببه أبدا، فاستسلم وأسلموه برضاه، وهي مسألة من الفقه كبيرة، هل ~~يجوز للرجل أن يستسلم أم يجب عليه أن يدافع عن نفسه؟ [و 97 أ] وإذا استسلم، ~~وحرم على أحد أن يدافع عنه بالقتل هل يجوز لغيره أن يدافع عنه ms177 (1)، ولا ~~يلتفت إلى رضاه؟ اختلف العلماء فيها. فلم يأت عثمان منكرا، لا في أول ~~الأمر، ولا في آخره، ولا جاء الصحابة بمنكر. وكل ما سمعت من خبر باطل، إياك ~~أن تلتفت إليه. ### || قاصمة # قالوا معتدين (2) متعلقين برواية كذابين: جاء عثمان في ولايته، بمظالم ~~ومناكير، منها: ضربه لعمار (3) حتى فتق أمعاءه، ولابن مسعود (4) حتى كسر ~~أضلاعه، ومنعه عطاءه، وابتدع في جمع القرآن وتأليفه، وفي حرق المصاحف، وحمي ~~الحمى، وأجلى أبا ذر (5) إلى الربذة، وأخرج إلى الشام أبا الدرداء (6)، ورد ~~الحكم (7) بعد أن نفاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأبطل سنة القصر ~~في الصلوات في السفر، وولي معاوية ومروان (8) ممن لم يكن (9) من أهل ~~الولاية، وأعطى مروان خمس أفريقية، وكان عمر يضرب بالدرة، وضرب هو بالعصا، ~~وكتب مع عبده على جهله كتابا إلى ابن أبي سرح (10) في قتل من ذكر فيه، ~~PageV01P280 # وعلا على درجة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد انحط عنها أبو بكر ~~وعمر، ولم يحضر بدرا وانهزم [يوم حنين، وفر] (1) يوم أحد، وغاب عن بيعة ~~الرضوان، وولى الوليد بن عقبة (2) وهو فاسق ليس من أهل الولاية، ولم يقتل ~~عبيد الله بن عمر (3) بالهرمزان (4) الذي أعطى السكين لأبي لؤلؤة (5) وحرضه ~~على عمر حتى قتله (6). ### || عاصمة # هذا كله باطل سندا ومتنا. أما قولهم: جاء عثمان بمظالم ومناكير فباطل. ~~وأما ضربه لعمار وابن مسعود، ومنعه عطاءه فزور، وضربه لعمار إفك مثله، ولو ~~فتق (7) أمعاءه ما عاش أبدا. وقد اعتذر عن ذلك العلماء (8) بوجوه، لا ينبغي ~~أن يشتغل بها، لأنها مبنية على باطل، ولا ينبني حق على باطل، ولا يذهب ~~الزمان في مماشاة الجهال (9) فإن ذلك لا آخر له. # وأما جمع القرآن فتلك حسنته العظمى، وخصلته الكبرى [و 97 ب]، وإن كان ~~وجدها كاملة، ولكنه أظهرها (10)، ورد الناس إليها، وحسم مادة الخلاف فيها، ~~وكان نفوذ وعد الله بحفظ القرآن على يديه، حسبما بيناه في PageV01P281 # "كتب القرآن" (1) وغيرها. روى الأيمة بأجمعهم أن زيد بن ثابت (2) قال: ~~(أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة ms178 فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال (3) أبو ~~بكر: إن عمر أتاني (4) فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، ~~وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى ~~أن تأمر بجمع القرآن قلت لعمر: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله ~~صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر) (5). قال زيد: قال لي (6) أبو بكر: ~~إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فتتبع القرآن فاجمعه. فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال، ما كان ~~أثقل علي مما أمروني (7) به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال (8) عمر (9) هذا والله خير فلم يزل ~~أبو بكر (10) يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، ~~فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف (11)، وصدور الرجال، حتى وجدت آخر ~~سورة التوبة مع أبي (12) خزيمة الأنصاري (13) لم أجدها مع أحد غيره {لقد ~~PageV01P282 # جاءكم رسول من أنفسكم} [التوبة: 128] حتى خاتمة براءة (1)، فكانت الصحف ~~عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة (2) بنت عمر حتى ~~قدم حذيفة بن اليمان (3) على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية ~~وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع (4) حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة ~~لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك [و 98 أ] هذه الأمة قبل أن يختلفوا في ~~الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصه أن أرسلي إلينا ~~بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر ~~زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير (5)، وسعيد بن العاص (6)، وعبد الرحمن بن ~~الحارث بن هشام (7) فنسخوها في المصاحف. وقال عثمان للرهط القرشيين ~~الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان ~~قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف ms179 في المصاحف، رد عثمان ~~الصحف (8) إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من ~~القرآن في كل صحيفة أو مصحف (9) أن يحرق. قال ابن شهاب (10): (وأخبرني ~~خارجة بن زيد بن ثابت (11) سمع زيد بن ثابت، قال: فقدت آية من الأحزاب حين ~~نسخنا الصحف، قد كنت أسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بها ~~فالتمسناها فوجدنا (12) مع PageV01P283 # خزيمه بن ثابت الأنصاري: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} ~~[الأحزاب: 23]، فألحقناها في سورتها في المصحف) (1) وأما ما روى أنه حرقها ~~أو خرقها (2) - بالحاء المهملة أو الخاء (3) المعجمة وكلاهما جائز - إذا ~~كان في بقائها فساد، أو كان فيها ما ليس من القرآن، أو ما نسخ منه، أو على ~~غير نظمه، وقد (4) سلم في ذلك الصحابة كلهم. إلا أنه روى عن ابن مسعود أنه ~~خطب بالكوفة، فقال: (أما بعد فإن الله قال: {ومن يغلل يأتي بما غل يوم ~~القيامة} [آل عمران: 161] إني غال مصحفي، فمن استطاع منكم أن يغل مصحفه ~~فليفعل) وأراد ابن مسعود أن يؤخذ بمصحفه، وأن يثبت ما يعلم فيه، فلما لم ~~يفعل ذلك له (5)، قال ما قال، فأكرهه عثمان على دفع (6) مصحفه، ومحا رسومه، ~~فلم تثبت (7) له قراءة أبدا، ونصر الله عثمان، والحق، بمحوها من الأرض. # وأما نفيه (8) [و 98 ب]، أبا ذر إلى الربذة فلم يفعل. كان أبو ذر زاهدا، ~~وكان يقرع عمال عثمان، ويتلو عليهم: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ~~ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم} [التوبة: 24] الآية ويراهم ~~يتسعون في المراكب، والملابس حين وجدوا، فينكر ذلك عليهم، ويريد تفريق جميع ~~ذلك من بين أيديهم، وهو غير لازم. قال ابن عمر وغيره (9) من الصحابة وهو ~~الحق (10): إن ما أديت زكاته فليس بكنز، فوقع بين أبي ذر، ومعاوية كلام ~~بالشام، فخرج إلى المدينة فاجتمع إليه الناس، فجعل يسلك تلك الطريق فقال له ~~عثمان: لو اعتزلت، [معناه: أنك على مذهب لا PageV01P284 # يصلح لمخالطة الناس، فإن للخلطة شروطا (1)، وللعزلة مثلها. ومن كان على ~~طريق أبي ms180 ذر، فحاله يقتضى أن ينفرد بنفسه، أو يخالط ويسلم لكل أحد حاله مما ~~ليس بحرام في الشريعة] (2). فخرج إلى الربذة زاهدا فاضلا، وترك جلة فضلاء. ~~وكل على خير، وبركة، وفضل. وحال أبي ذر أفضل ولا تمكن لجميع الخلق. فلو (3) ~~كانوا عليها لهلكوا، فسبحان مرتب المنازل ومن العجب أن يؤخذ عليه في أمر ~~فعله عمر! فقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سجن ابن مسعود في نفر من ~~الصحابة سنة (4) بالمدينة حتى استشهد، فأطلقهم عثمان، وكان سجنهم، لأن ~~القوم أكثروا الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ووقع بين أبي ذر ~~ومعاويه كلام، وكان أبو ذر يطلق (5) من الكلام بما لم يكن (6) يقوله في ~~زمان عمر، فأعلم معاوية بذلك عثمان، وخشي من (7) العامة أن تثور منهم فتنة. ~~فإن أبا ذر كان يحملهم على التزهد، وأمور لا يحتملها (8) الناس كلهم، وإنما ~~هي مخصوصة ببعضهم فكتب إليه عثمان كما قدمنا: أن يقدم (9) المدينة. فلما ~~قدم اجتمع إليه الناس فقال لعثمان: أريد الربذة فقال (10) له: افعل. ~~فاعتزل، ولم يكن يصلح له إلا ذلك؛ لطريقته. ووقع بين أبي الدرداء (11)؛ ~~ومعاويه كلام، وكان أبو الدرداء زاهدا فاضلا (12) قاضيا لهم، فلما اشتد في ~~الحق، وأخرج طريقة عمر في قوم لم يحتملوها [و 99 أ] عزلوه، فخرج إلى ~~المدينة. وهذه كلها مصالح لا تقدح في الدين، ولا تؤثر في منزلة أحد من ~~المسلمين بحال. وأبو الدرداء، وأبو ذر (13) براءة (14) من (15) عاب (16) ~~PageV01P285 # وعثمان بريء وأعظم براءة، وأكثر نزاهة. فمن روى أنه نفي، وروى سببا (1) ~~فهو كله باطل. # وأما رد الحكم فلم يصح. وقال علماؤنا في جوابه: قد كان أذن له فيه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال (2) لأبي بكر وعمر، فقالا له: إن كان ~~معك شهيد رددناه، فلما ولي قضي بعلمه في رده. وما كان عثمان ليصل مهجور ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولو كان أباه، ولا لينقض (3) حكمه. # وأما ترك القصر (4)، فاجتهاد، إذ (5)، سمع أن الناس افتتنوا بالقصر، ~~وفعلوا ذلك في منازلهم، فرأى ms181 أن السنة ربما أدت إلى إسقاط الفريضة فتركها ~~مصلحة (6) خوف الذريعة، مع أن جماعة العلماء قالوا: إن المسافر مخير بين ~~القصر والإتمام، واختلف في ذلك الصحابة. # وأما معاوية فعمر ولاه، وجمع له الشامات كلها وأقره عثمان، بل إنما ولاه ~~أبو بكر الصديق رضى الله عنه لأنه ولي أخاه يزيد، واستخلفه يزيد فأقره عمر، ~~لتعلقه بولاية أبي بكر، لأجل استخلاف واليه له، فتعلق عثمان بعمر وأقره. ~~فانظروا إلى هذه السلسلة (7) ما أوثق عراها، وأقدر سردها (8)، ولن يأتي (9) ~~مثلها بعدها أبدا. # وأما عبد الله بن كريز (10) فولاه كما قال، لأنه كريم العمات والخالات. ~~PageV01P286 # وأما تولية الوليد بن عقبة. فلأن (1) الناس على فساد في (2) النيات ~~أسرعوا إلى السيئات قبل الحسنات، فذكر الإسفرائنيون (3) أنه إنما ولاه ~~للمعنى الذي تكلم به. قال عثمان: ما وليت الوليد لأنه أخي، وإنما وليته ~~لأنه ابن أم حكيم البيضاء عمة رسول [و 99 ب] الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وتوأمة أبيه، وسيأتي بيانه إن شاء الله. والولاية اجتهاد. قد عزل عمر (4)، ~~سعد (5) بن أبي وقاص (6)، وقدم أقل منه درجة. # وأما إعطاؤه خمس أفريقية لواحد، فلم (7) يصح، على أنه قد ذهب مالك وجماعة ~~إلى أن الإمام يرى رأيه في الخمس، وينفذ فيه ما أداه إليه اجتهاده، وأن ~~عطاءه لواحد جائز (8). وقد بينا ذلك في مواضعه. # وأما قولهم: إنه ضرب بالعصا، فما سمعته ممن أطاع ولا عصا، وإنما هو باطل ~~يحكى، وزور ينثى، فيا لله وللنهى. # وأما علوه على درجة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فما سمعته ممن فيه ~~تقية (9) وإنما هي إشاعة منكر، ليروى (10)، ويذكر، فيتغير بها (11) قلب من ~~يتغير. قال علماؤنا: ولو صح ذلك فما في هذا ما يحل دمه، ولا يخلو أن يكون ~~ذلك حقا، فلم ينكره (12) الصحابة عليه، إذ رأت جوازه ابتداء، أو لسبب اقتضى ~~ذلك، وإن كان لم يكن فقد انقطع الكلام. # وأما انهزامه يوم حنين، وفراره يوم أحد، ومغيبه عن بدر، وبيعة الرضوان، ~~فقد بين عبد الله بن عمر، وجه الحكم في شأن البيعة، ms182 وبدر، PageV01P287 # وأحد. وأما (1)، يوم حنين فلم يبق إلا نفر يسير مع رسول الله (2) - صلى ~~الله عليه وسلم -، ولكن لم يجر في الأمر تفسير من بقي ممن مضى في الصحيح، ~~وإنما هي أقوال، منها أنه ما بقي معه إلا العباس وابناه عبد الله، وقثم ~~(3)، فناهيك بهذا (4) الاختلاف، وهو أمر قد اشترك فيه الصحابة، وقد (5)، ~~عفا الله عنه ورسوله، فلا يحل ذكر ما أسقطه الله ورسوله، والمؤمنون. خرج ~~البخاري: (جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن عثمان فذكر محاسن عمله، فقال: لعل ~~ذلك يسوؤك [و 100 أ]، قال: نعم، قال: فأرغم الله أنفك، ثم سأله عن علي فذكر ~~محاسن عمله، قال: هو ذاك (6) بيته أوسط بيوت النبي. ثم قال: لعل ذلك يسوؤك، ~~قال: أجل، قال: فأرغم الله أنفك، فانطلق (7) فاجهد علي جهدك) وقد تقدم في ~~حديث بني الإسلام على خمس زيادة فيه للبخاري (8) في علي وعثمان. وقد أخرج ~~البخاري (9) أيضا من حديث عثمان بن عبد الله بن موهب (10)، قال: جاء رجل من ~~أهل مصر يريد حج البيت، فرأى قوما جلوسا فقال: من هؤلاء القوم؟ فقالوا ~~(11): هؤلاء قريش، قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا (12): عبد الله بن عمر، قال: ~~يا ابن عمر إني سائلك عن شيء فحدثني، هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد؟ قال: ~~نعم، قال: تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهد؟ قال: نعم، قال: تعلم أنه تغيب عن ~~ييعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم، قال: الله أكبر. قال ابن عمر: تعال ~~أبين لك، أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله قد عفا عنه، وأما تغيبه عن بدر ~~فإنه كانت تحته زينب (13)، بنت PageV01P288 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكانت مريضة، فقال له رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا، وسهمه. وأما تغيبه عن بيعة ~~الرضوان، فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه، فبعث رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - عثمان (وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان) (1) إلى مكة ~~فقال رسول الله - صلى ms183 الله عليه وسلم - بيده اليمنى: (هذه يد عثمان) فضرب ~~بها على يده، وقال: (هذه لعثمان) ثم قال ابن عمر: اذهب بها الآن معك. # وأما أمر الحمى فكان قديما، فيقال: إنه عثمان زاد فيه لما زادت الرعية. # وإذا جاز أصله للحاجة إليه جازت الزيادة فيه لزيادة الحاجة. # وأما امتناعه من قتل عبيد الله بن عمر بن الخطاب بالهرمزان فإن ذلك باطل. ~~فإن (2) كان لم يفعل فالصحابة متوافرون، والأمر في أوله، وقد قيل: إن ~~الهرمزان [و 100 ب] سعى في قتل عمر، وحمل الخنجر، وظهر تحت ثيابه، وكان قتل ~~عبيد الله له وعثمان لم يل بعد. ولعل عثمان كان لا يرى على عبيد الله حقا. ~~لما ثبت عنده من حال الهرمزان وفعله، وأيضا فإن أحدا لم يقم بطلبه، فكيف ~~(3) يصح مع هذه الاحتمالات كلها، أن ينظر في أمر لم يصح. # وأما قول القائل في مروان، والوليد، فشديد عليهم، وحكمهم عليهم بالفسق، ~~فسق منهم. مروان رجل عدل من كبار الأمة عند الصحابة، والتابعين، وفقهاء ~~المسلمين. أما الصحابة فإن سهل بن معد الساعدي (4) روى عنه. وأما التابعون ~~فأصحابه في السنن (5) وإن كان جازهم (6) باسم الصحبة في أحد القولين. وأما ~~فقهاء الأمصار فكلهم على تعظيمه، واعتبار خلافه (7)، والتلفت (8) إلى ~~فتواه، والانقياد إلى روايته. وأما السفهاء من المؤرخين، والأدباء، فيقولون ~~على أقدارهم. PageV01P289 # وأما الوليد فقد روى بعض المفسرين أن الله سمام فاسقا في قوله {إن جاءكم ~~فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة} [الحجرات: 6] فإما في قولهم نزلت ~~فيه، أرسله النبي - صلى الله عليه وسلم - مصدقا (1) إلى بني المصطلق فأخبر ~~عنهم أنهم ارتدوا، فأرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم خالد بن ~~الوليد (2) فثبت في أمرهم، فبين بطلان قوله، وقد اختلف فيها، فقيل نزلت في ~~ذلك، وقيل في علي، والوليد في قصة أخرى، وقيل: إن الوليد سبق يوم الفح في ~~جملة الصبيان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فمسح رؤوسهم، وبرك ~~عليهم إلا هو، فقال: إنه كان على رأسي خلوق، فامتنع من مسه فمن ms184 يكون في هذا ~~السن يرسل مصدقا؟ وبهذا الاختلاف يسقط العلماء الأحاديث القوية. فكيف (3) ~~يفسق رجل يتمثل هذا الكلام؟ فكيف رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؟ # [و 101 أ] وأما حده في الخمر، فقد حد عمر، قدامة بن مظعون (4) على الخمر ~~وهو أمير وعزله، ثم قيل له (5): صالحه، وليست الذنوب مسقطة للعدالة إذا ~~وقعت منها التوبة. وقد قيل لعثمان: إنك وليت الوليد، لأنه أخوك لأمك أروى ~~بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس فقال: بل لأنه ابن عمة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أم حكيم البيضاء جدة عثمان، وجدة الوليد لأمهما، أروى ~~المذكورة، وكانت (6) أم حكيم توأمة عبد اللله أبي رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -. واي حرج على المرء أن يولي أخاه أو قريبه؟ وأما تعلقهم بأن ~~الكتاب وجد مع راكب، أو مع غلامه ولم يقل أحد قط (7) إنه كان غلامه - إلى ~~(8) عبد الله بن سعد بن أبي سرح يأمره بقتل حامليه (9) فقد قال لهم عثمان: ~~أما أن تقيموا PageV01P290 # شاهدين (1) علي بذلك (2)، وإلا فيميني أني ما كتبت ولا أمرت، وقد يكتب ~~على لسان الرجل، ويضرب على خطه، وينقش على خاتمه. فقالوا: تسلم لنا (3) ~~مروان. فقال: لا أفعل. ولو سلمه لكان ظالما، وإنما عليهم أن يطلبوا حقهم ~~عنده على مروان وسواه، فما ثبت كان هو منفذه، وآخذه إن كان له أخذه (4) ~~والممكن لمن يأخذه بالحق (5). ومع سابقته وفضيلته (6)، ومكانته، لم يثبت ~~عليه ما يوجب خلعه، فضلا عن قتله. وأمثل ما روى في قصته أنه بالقضاء ~~السابق، تألب عليه قوم، لأحقاد اعتقدوها، ممن (7) طلب أمرا فلم يصل إليه، ~~وحسد حسادة أظهر داءها (8)، وحمله على ذلك، قلة دين، وضعف يقين، وإيثار ~~للعاجلة (9) على الآحلة، وإذا نظرت إليه دلك صريح ذكرهم (10)،على دناءة ~~قدرهم (11) وبطلان أمرهم، كان الغافقي المصري أمر القوم (12)، وكنانة بن ~~بشر التجيبي (13)، وسودان بن حمران (14) وعبد الله بن بديل بن ورقاء ~~الخزاعي (15)، [و101 ب] وحكيم بن جبلة (16) من أهل البصرة، ومالك بن الحارث ~~الأشتر (17)، في طائفة، ms185 هؤلاء رؤوسهم، فناهيك PageV01P291 # بغيرهم (1)، وقد كانوا آثاروا فتنة، فأخرجهم عثمان بالاجتهاد، وصاروا في ~~جماعتهم عند معاوية، فذكرهم ب الله، وبالتقوى، لفساد الحال، وهتك حرمة ~~الأمة، حتى قال له زيد بن صوحان (2) يوما - فيما يروى -: كم تكثر علينا من ~~الأمرة (3)، وبقريش، فما زالت العرب تأكل من قوائم سيوفها، وقريش تجار. ~~فقال له معاوية: (لا أم لك، أذكرك بالإسلام، وتذكرني بالجاهلية، قبح الله ~~من كثر على أمير المؤمنين بكم، فما أنتم ممن ينفع، ولا يضر، أخرجوا عني) ~~(4). وأخبره ابن الكواء بأهل الفتنة في كل بلد، ومؤامراتهم فكتب إلى عثمان ~~يخبره بذلك، فأرسل إليه بإشخاهم عليه، فأخرجهم معاوية، فمروا بعبد الرحمن ~~بن خالد بن الوليد فحبسهم ووبخهم، وقال لهم؛ اذكروا لي (5) ما كنتم تذكرون ~~لمعاوية (6) وحصرهم، وأمشاهم بين يديه أذلاء، حتى تابوا بعد حول، وكتب إلى ~~عثمان بخبرهم، وكتب (7) إليه أن سرحهم إلي، فلما مثلوا بين يديه جددوا ~~التوبة، وحلفوا على صدقهم، وتبرأوا مما نسب إليهم فخيرهم حيث يسيرون، ~~فاختار كل واحد ما أراد من البلاد: كوفة، وبصرة، ومصر، فأخرجهم، فما ~~استقروا في جنب (8) ما ساروا حتى ثاروا. وألبوا، حتى انضاف إليهم جمع، ~~وساروا إليه، على أهل مصر: عبد الرحمن بن عديس البلوي (9)، وعلى أهل ~~البصرة: حكيم بن جبلة العبدي (10)، وعلى أهل الكوفة: الاشتر مالك بن الحارث ~~النخعي (11). فدخلوا المدينة هلال ذي القعدة سنة خمس وثلاثين، فاستقبلهم ~~عثمان، فقالوا ادع بالمصحف، فدعا به، فقالوا: افتح PageV01P292 # السابعة (1) -يعني يونس-فقالوا له (2): اقرأ، فقرأ، حتى انتهى إلى قوله ~~(3): # {آلله أذن لكم [و 102 أ] أم على الله تفترون} [يونس: 59] قالوا له: قف. # قالوا له: أرأيت ما حميت من الحمى؟ إذن الله لك (4) أم على الله افتريت؟ ~~قال: أمضه، إنما نزلت في كذا، وقد حمى عمر، وزادت الإبل، فزدت. فجعلوا ~~يتبعونه هكذا، وهو ظاهر عليهم، حتى قال لهم: ماذا (5) تريدون؟ فأخذوا ~~ميثاقه، وكتبوا عليه ستا أو خمسا: إن المنفي يقلب (6)، والمحروم يعطي، ~~ويوفر الفيء، ويعدل في القسم، ويستعمل ذو (7) الأمانة والقوة. فكتبوا (8) ~~ذلك في كتاب، وأخذ عليهم ms186 ألا يشقوا عصا، ولا يفرقوا جماعة، ثم رجعوا راضين، ~~وقيل: أرسل إليهم عليا فاتفقوا على الخمس (9) المذكورة، ورجعوا راضين. ~~فبينما هم (10)،كذلك، إذا راكب يتعرض لهم، ثم يفارقهم مرارا (11)، قالوا: ~~ما لك؟ قال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله يصر، ففتشوه فإذا هم بالكتاب ~~على لسان عثمان، عليه خاتمه، إلى عامل مصر، أن يصلبهم، ويقطع أيديهم ~~وأرجلهم، فأقبلوا حتى قدموا المدينة، فأتوا عليا، فقالوا له: ألم تر إلى ~~عدوالله كتب فينا بكذا؟ وقد أحل الله دمه. قالوا له: فقم معنا إليه قال: ~~والله لا أقوم معكم. قالوا له (12): فلم كتبت (13) إلينا؟ PageV01P293 # قال: والله ما كنت (1) إليكم، فنظر بعضهم إلى بعض، وخرج علي من المدينة، ~~فانطلقوا إلى عثمان، فقالوا له: كتبت فينا كذا قال لهم: أما أن تقيموا ~~اثنين من المسلمين أو بينة، كما تقدم ذكره. فلم يقبلوا ذلك (2) منه، ونقضوا ~~عهده، وحصروه. وقد روي أن عثمان جيء إليه بالأشتر فقال له: يريد القوم منك، ~~إما أن تحلع نفسك، أو تقص (3) منها، أو يقتلوك. فقال (4): أما خلعي فلا ~~أترك أمة محمد بعضها على بعض، وأما القصاص فصاحباي قبلي لم يقصا من ~~أنفسهما، ولا يحتمل ذلك بدني. # وروي أن رجلا قال له نذرت دمك [و102 ب]. قال له: خذ جنبي (5)، فشرط فيه ~~بالسيف شرطة (6) أراق منه دمه، ثم خرج الرجل، وركب راحلته، وانصرف في ~~الحين، ولقد دخل عليه ابن عمر فقال: انظر ما يقول هؤلاء، يقولون اخلع نفسك ~~أو نقتلك، فقال له: أمخلد أنت في الدنيا؟ قال: لا. قال: هل يزيدون على أن ~~يقتلوك؟ قال: لا. قال: هل يملكون لك جنة أو نارا؟ قال: لا. قال: فلا تخلع ~~قميص الله عنك (7)، فتكون سنة، كلما كره قوم خليفتهم خلعوه، أو قتلوه. وقد ~~أشرف عليهم عثمان، واحتج عليهم بالحديث الصحيح في بنيان المسجد، وحفر بئر ~~رومة، وقول النبي حين رجف بهم أحد، وأقروا له به في أشياء ذكرها. وقد ثبت ~~أن عثمان أشرف عليهم، وقال: أفيكم ابنا محدمج؟ (8) أنشدكما الله، ألستما ~~تعلمان أن عمر ms187 قال: إن ربيعة فاجر أو (9) غادر، وإني والله لا أجعل فرائضهم ~~وفرائض قوم جاءوا من مسيرة شهر (10)، وإنما مهر أحدهم عند طنيه (11)، وإني ~~زدتم في غزاة واحدة PageV01P294 # خمسمائة حتى ألحقتهم بهم؟. قالوا: بل قال: أذكركما الله، ألستما تعلمان ~~أنكما أتيتماني، فقلتما: إن كندة آكلة رأس، وإن ربيعة هي الرأس، وإن الاشعث ~~بن قيس (1) قد أكلهم فنزعته واستعملتكما؟ قالا: بلى. قال: الله م إنهم (2) ~~كفروا (3) معروفي، وبدلوا نعمتي، فلا ترضهم (4) عن إمامهم ولا ترض (5) ~~إماما عنهم. # وقد روى عبد الله بن عامر بن ربيعة (6)، قال: كنت مع عثمان في الدار ~~فقال: أعزم على كل من رأى أن عليه سمعا وطاعة، إلا كف يده وسلاحه، ثم قال: ~~قم يا ابن عمر- وعلى ابن عمر سيفه متقلدا - فاجر بين الناس، فخرج ابن عمر، ~~ودخلوا فقتلوه. وجاءه (7) زيد بن ثابت فقال له: إن هؤلاء الأنصار [و 103 أ] ~~بالباب يقولون: إن شئت كنا أنصار الله، مرتين (8) قال: لا حاجة لي في ذلك ~~كفوا. وقال له (9) أبو هريرة (10): اليوم طاب الضرب (11) معك- قال: عزمت ~~عليك لتخرجن. وكان الحسن بن علي (12) آخر من خرج # من عنده، فإنه جاء الحسن والحسين (13)، وابن عمر، وابن الزبير، ومروان، ~~فعزم عليهم في وضع سلاحهم، وخروجهم، ولزوم بيوتهم، فقال له ابن PageV01P295 # الزبير ومروان: نحن نعزم على أنفسنا ألا (1) نبرح، ففتح عثمان الباب، ~~ودخلوا عليه في أصح الأقوال، فقتله (2) الموت (3) الأسود، وقيل أخذ ابن أبي ~~بكر (4) بلحيته وذبحه رومان (5)، وقيل رجل من أهل مصر يقال له حمار، فسقطت ~~قطرة من دمه على المصحف على قوله: (فسيكفيكهم الله} [البقرة: 137] فإنها ~~(6) فيه ما حكت (7) إلى الآن. # وروي أن عائشة رضي الله عنها قالت: غضبت لكم من السوط، ولا أغضب لعثمان ~~من السيف استعتبتموه حتى إذا تركتموه كالغل (8) المصفى، ومصتموه (9) موص ~~(10) الإناء، وتركتموه كالثوب المنقى من الدنس ثم قتلتموه. قال مسروق: فقلت ~~لها: هذا عملك كتبت إلى الناس تأمرينهم (11) بالخروج عليه فقالت عائشة: ~~والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون ما كتبت إليهم PageV01P296 # سوادا في بياض. قال ms188 الأعمش (1): فكانوا يرون أنه كتب على لسانها. وقد روي ~~أنه ما قتله أحد إلا أعلاج من أهل مصر. # قال القاضي أبو مكر (2) رضي الله عنه: فهذا أشبه ما روي في الباب، وبه ~~يتبين، وبأصل المسألة، وسلوك (3) سبيل الحق، أن أحدا من الصحابة لم يسع ~~عليه، ولا قعد عنه ولو استنصر ما غلب ألف أو أربعة آلاف غرباء عشرين (4) ~~ألفا بلديين أو أكثر من ذلك، ولكنه ألقى بيده إلى المصيبة. وقد اختلف ~~العلماء فيمن نزل به مثلها، هل يلقى [و 103 ب] بيده أو يستنصر، وأجاز بعضهم ~~أن يستسلم، ويلقي بيده اقتداء بفعل عثمان، وبتوصية النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بذلك في الفتة. # قال القاضي أبو بكر (5) رضي الله عنه: ولقد حكمت بين الناس، فألزمتهم ~~الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى لم يكن (6)، يرى (7) في ~~الأرض منكر، واشتد الخطب على أهل الغصب (8) وعظم على الفسقة الكرب، فتألبوا ~~وألبوا، وثاروا إلي، واستلمت لأمر الله، وأمرت كل من حولي ألا يدفعوا عن ~~داري، وخرجت على السطوح بنفسي، فعاثوا علي، وأمسيت سليب الدار، ولولا ما ~~سبق من حسن المقدار، لكنت قتيل الدار. وكان الذي حملي على ذلك ثلاثة أمور: ~~أحدها: وصية (9) النبي (10) - صلى الله عليه وسلم -، المتقدمة (11). ~~الثاني: الاقتداء بعثمان. الثالث: سوء الأحدوثة التي (12) فر منها رسول ~~الله. المؤيد (13) بالوحي. فإن من غاب عني، بل من حضر من PageV01P297 # الحسدة معي، خفت أن يقول (1): إن الناس مشوا مستعينين به (2) مستغيثين ~~له، فأراق دماءهم. # وأمر عثمان كله سنة ماضية، وسيرة راضية، فإنه تحقق أنه مقتول بخبر الصادق ~~له بذلك، وأنه بشره بالجنة على بلوى تصيبه، وأنه شهيد. وروى أنه قال له في ~~المنام: إن شئت نصرتك، أو تفطر عندنا الليلة. وقد انتدب (3) المردة والجهلة ~~إلى أن يقولوا: إن كل فاضل من الصحابة كان عليه ساعيا (4) مؤلبا، وبما جرى ~~عليه راضيا، واخترعوا كتابا فيه (5)، فصاحة وأمثال، كتب عثمان به مستصرخا ~~إلى علي، وذلك كله مصنوع، ليوغر (6) قلوب المسلمين، على السلف الماضين؛، ~~والخلفاء الراشدين. # قال القاضي أبو ms189 بكر (7) رضي الله عنه (8): فالذي تنخل (9) من ذلك أن ~~عثمان [و 104 أ] مظلوم، محجوج بغير حجة، وأن الصحابة برآء عن دمه بأجمعهم، ~~لأنم أتوا إرادته، وسلموا له رأيه في إسلام نفسه، ولقد (10)، ثبت زائدا ~~(11)، إلى ما تقدم عنهم، أن عبد الله بن الزبير، قال لعثمان: أنا معك في ~~الدار عصابة مستبصرة، ينصر (12) الله بأقل منهم، فأذن لنا، فقال: اذكر الله ~~رجلا أراق لي (13)، دمه أو قال دما. قال (14) سلط بن أبي سليط (15): نهانا ~~عثمان PageV01P298 # عن قتالهم، فلو أذن لنا لضربناهم حتى نخرجهم من أقطارها (1). وقال عبد ~~الله بن عامر بن ربيعة: كنت مع عثمان في الدار، فقال: أعزم على كل من رأى ~~أن لي (2) عليه سمعا وطاعة، إلا كف يده وسلاحه، فإن أفضلكم غناء من كف يده ~~وسلاحه. وثبت أن الحسن والحسين وابن الزبير، وابن عمر، ومروان، كلهم شاك في ~~السلاح، حتى دخلوا الدار، فقال عثمان: أعزم عليكم لما رجعتم فوضعتم ~~أسلحتكم، ولزمتم بيوتكم (3). فلما قضى الله من أمره ما قضى، ومضى في قدره ~~ما مضى، علم أن الحق ألا (4)، يترك الناس سدى، وأن الخلق بعده مفتقرون إلى ~~خليفة، مفروض عليهم النظر فيه. ولم يكن بعد الثلاث (5) كالرابع قدرا، ~~وعلما، وتقى، ودينا، فانعقدت له البيعة ولولا الإسراع (6) بعقد البيعة ~~لعلي، لجري على من بها من الأوباش، ما لا يرقع خرقه، ولكن عزم عليه ~~المهاجرون والأنصار، ورأى ذلك فرضا عليه، فانقاد إليه، وعقد (7) له البيعة ~~طلحة فقال الناس: بايع عليا يد شلاء، والله لا يتم هذا الأمر. # فإن قيل بايعا مكرهين. قلنا: حاشا لله أن يكرها لهما ولمن بايعهما، ولو ~~كانا مكرهين ما أثر ذلك، لأن واحدا أو اثنين تنعقد بهما البيعة (8) وتتم، ~~ومن بايع (9) بعد ذلك فهو لازم له، وهو مكره على ذلك شرعا، ولو لم يبايعا ~~ما أثر ذلك فيهما، ولا في بيعة الإمام. وأما [و 104 ب] من قال: يد شلاء ~~وأمر لا يتم، فذلك ظن من القائل أن طلحة أول من بايع. ولم يكن كذلك. فإن ms190 ~~قيل: فقد قال طلحة: "بايعت واللج (10) على قفي" (11) قلنا: اخترع هذا ~~الحديث من أراد أن يجعل في "القفا" لغة: "قفي" (12) كما يجعل في "الهوى" ~~PageV01P299 # وهوى)) وتلك لغة (1) هذيل لا قريش، فكانت كذبة لم تدبر. وأما قولهم: "يد ~~شلاء" لو صح فلا متعلق لهم فيه. فإن يدا شلت في وقاية رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يتم لها كل أمر، ويتوقى بها من كل مكروه، وقد تم الأمر على ~~وجهه، ونفذ (2) القدر بعد ذلك على حكمه، وجهل المبتدع ذلك، فاخترع ما هو ~~حجة عليه. فإن قيل بايعوه على أن يقتل قتلة عثمان. قلنا: هذا لا يصح (3) في ~~شرط البيعة إنما (4) بايعوه (5) على الحكم بالحق، وهو أن (6) يحصر الطالب ~~للدم، ويحضر المطلوب، وتقع الدعوى، ويكون الجواب، وتقوم البينة، ويقع ~~الحكم، فأما على الهجم عليه بما كان من قول مطلق، أو فعل غير محقق، أو سماع ~~كلام، فليس ذلك في دين الإسلام. # قالت العثمانية: تخلف عنه من الصحابة جماعة منهم سعد بن أبي وقاص، ومحمد ~~بن مسلمة (7)، وابن عمر، وأسامة بن زيد، وسواهم من نظرائهم. قلنا: أما ~~بيعته (8) فلم يتخلف عنها أحد (9)، وأما نصرته فتخلف عنها قوم، منهم من ~~ذكرتم، لأنها كانت مسألة اجتهادية (10). فاجتهد كل واحد (11)، وأعمل نظره، ~~وأصاب قدره (12). ### || قاصمة # روى قوم أن البيعة لما تمت لعلي، استأذن طلحة والزبير عليا في الخروج إلى ~~مكة، فقال لهما علي: لعلكما تريدان البصرة والشام، فأقسما ألا يفعلا، ~~وكانت، عائشة بمكة، وهرب عبد الله بن عامر، عامل عثمان على البصرة إلى مكة، ~~ويعلى [و 105 أ] بن أمية (13)، عامل عثمان على اليمن، فاجتمعوا بمكة ~~PageV01P300 # كلهم، ومعهم مروان بن الحكم، واجتمعت بنو أمية، وحرضوا على دم عثمان. ~~وأعطى يعلى لطلحة والزبير وعائشة، أربعمائة ألف درهم، وأعطي لعائشة "عسكرا" ~~جملا اشتراه باليمن بمائتي دينار، فأرادوا الشام فصدهم ابن عامر، وقال: لا ~~ميعاد لكم بمعاوية، ولي بالبصرة صنائع، ولكن إليها، فجاءوا إلى ماء الحوأب ~~(1)، ونبحت كلابه، فسألت (2) عائشة (3) فقيل لها: هذا الحوأب، فردت خطامها ~~عنه، وذلك لما ms191 سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "أيتكن صاحبة الجمل ~~الأدبب (4) التي تنبحها (5) كلاب الحوأب" (6) فشهد طلحة. والزبير أنه ليس ~~هذا ماء (7) الحوأب (8)، وخمسون رجلا إليهم. وكانت أول شهادة زور، دارت في ~~الإسلام. # وخرج علي إلى الكوفة، وتعسكر الفريقان والتقوا، وقال عمار وقد دنا من ~~هودج عائشة: ما تطلبون؟ قالوا: نطلب دم عثمان. قال: قتل الله في هذا اليوم ~~الباغي، والطالب لغير (9) الحق، والتقى علي والزبير، فقال (10) له علي: ~~أتذكر (11) قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لي: أنك تقاتلي؟ فتركه، ورجع، ~~وراجعه ولده، فلم يقبل، وأتبعه الأحنف (12) من قتله. ونادى علي طلحة من ~~بعد، ما تطلب؟ قال: دم عثمان. قال: قتل (13) الله أولانا بدم عثمان. ألم ~~تسمع النبي - صلى الله عليه وسلم - (14) يقول: " اللهم وال من والاه، وعاد ~~من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله" وأنت أول من بايعني (15) ونكث. ~~PageV01P301 ### || عاصمة # أما خروجهم إلى البصرة فصحيح لا إشكال فيه، ولكن لأي شيء خرجوا؟ لم (1) ~~يصح فيه نقل، ولا يوثق فيه بأحد، لأن الثقة لم ينقله (2)، وكلام المتعصب ~~غير مقبول (3)، وقد دخل مع المتعصب من يريد الطعن في الإسلام، واستنفاص ~~الصحابة [و 105 ب] فيحتمل أنهم خرجوا خلعا لعلي، لأمر ظهر لهم. وهو (4) ~~أنهم بايعوا لتسكين النائرة (5)، وقاموا يطلبون الحق. ويحتمل أنهم خرجوا ~~ليتمكنوا من قتلة عثمان. ويمكن أنهم خرجوا لينظروا (6) في جمع طوائف ~~المسلمين وضم تشردهم (7)، وردهم إلى قانون واحد، حتى لا يضطربوا فيقتتلوا، ~~وهذا هو الصحيح لا شيء سواه، وبذلك وردت صحاح الأخبار. # فأما الأقسام الأول فكلها باطلة، وضعيفة، أما بيعتهم كرها فباطل، وقد (8) ~~بيناها (9). وأما خلعهم فباطل، لأن الخلع لا يكون إلا بنظر من الجميع، ~~فيمكن أن يولى واحد أو اثنان، ولا يكون الخلع إلا بعد الإثبات والبيان. ~~وأما خروجهم في أمر قتلة عثمان فيضعف، لأن الأصل قبله تأليف الكلمة. ويمكن ~~أن يجتمع الأمران، ويروى أن في تغيبهم قطعا (10)،للشغب (11)، بين الناس، ~~فخرج طلحة، والزبير، وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها (12)، رجاء أن يرجع ~~الناس إلى أمهم، ms192 فيرعوا (13) حرمة نبيهم، واحتجوا عليها (14) PageV01P302 # بقول الله تعالى (1): {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو ~~معروف أو إصلاح بين الناس} [النساء: 114] وقد خرج النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في الصلح، وأرسل فيه، فرجت المثوبة، واغتنمت الفرصة (2)، وخرجت حتى ~~بلغت الأقضية مقاديرها. وأحسن (3) بهم أهل البصرة، فحرض من كان فيها (4) من ~~المتألبين على عثمان الناس (5)، وقال: اخرجوا إليهم حتى تروا ما جاءوا ~~إليه، فبعث عثمان بن حنيف (6)، حكيم بن جبلة، فلقي طلحة والزبير بالزابوقة ~~(7)، فقتل حكيم، ولو خرج مسلما، مستسلما لا مدافعا، لما أصابه شيء، وأي خير ~~كان له في المدافعة؟ وعن أي شيء كان يدافع؟ وهم ما جاءوا مقاتلين، ولا ~~ولاة، وإنما جاءوا ساعين في الصلح، راغبين في تأليف الكلمة [و 106 أ]، فمن ~~خرج إليهم فدافعهم (8)، وقاتلهم، دافعوه (9) عن مقصدهم، كما يفعل في سائر ~~الأسفار والمقاصد. فلما وصلوا إلى البصرة، تلقاهم الناس بأعلى المربد (10)، ~~مجتمعين، حتى لو رمي حجر، ما وقع إلا على رأس إنسان. فتكلم طلحة، وتكلمت ~~عائشة رضي الله عنهما (11)، وكثر اللغط، وطلحة يقول: انصتوا، فجعلوا ~~يركبونه، ولا ينصتون (12)، فقال: أف، أف، فراش نار (13)، وذباب (14) طمع ~~(15)، وانقلبوا عن غير بيان، وانحدروا إلى بني PageV01P303 # نهد، فرماهم الناس بالحجارة، حتى نزلوا الجبل، والتقى طلحة، والزبير، ~~وعثمان بن حنيف (1) عامل علي، على البصرة، وكتبوا بينهم أن يكفوا عن ~~القتال، ولعثمان دار الإمارة، والمسجد، وبيت المال، وأن ينزل طلحة والزبير ~~من البصرة، حيث شاءا (2)، ولا يعرض بعضهم لبعض (3)، حتى يقدم علي. وروى أن ~~حكيم بن جبلة، عارضهم حينئذ، فقتل بعد الصلح. وقدم على البصرة، وتدانوا ~~ليتراءوا (4)، فلم يتركهم أصحاب الأهواء، وبادروا بإراقة الدماء، واشتجر ~~(5) بينهم (6) الحرب، وكثرت الغوغاء على البوغاء (7)، كل ذلك حتى لا يقع ~~برهان، ولا تقف الحال على بيان، ويخفى (8) قتلة عثمان. وأن واحدا في جيش ~~يفسد تدبيره (9)، فكيف بألف؟. # وقد روي أن مروان لما وقعت عينه في الاصطفاف، على طلحة، قال: لا أطلب ~~(10) أثرا بعد عين، ورماه بسهم فقتله. ومن يعلم هذا، إلا علام ms193 الغيوب، ولم ~~ينقله ثبت؟ وقد روى أنه (11) أصابه سهم بأمر مروان، لا (12) أنه رماه. وقد ~~خرج كعب بن سور (13) بمصحف منشور بيده، يناشد (14) الناس أن لا يريقوا (15) ~~دماءهم، فأصابه سهم غرب فقتله، ولعل طلحة مثله. ومعلوم أن عند الفتنة، و ~~(16) في ملحمة القتال، يتمكن أولو الإحن والحقود، من حل العرى، ونقض ~~العهود، وكانت آجالا حضرت، ومواعد (17) انتجزت. PageV01P304 # فإن قيل: فلم خرجت [و 106 ب]، عائشة (1) وقد قال النبي (2) لهن في حجة ~~الوداع: "هذه ثم (3) ظهور الحصر"؟ قلنا: حدث حديثين (4) امرأة، فإن أبت ~~فأربعة. يا عقول النسوان! ألم أعهد إليكم ألا ترووا أحاديث البهتان، وقدمنا ~~لكم على صحة خروج عائشة البرهان. فلم تقولون ما لا تعلمون؟ وتكررون ما وقع ~~الانفصال عنه، كأنكم لا تفهمون، {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين ~~لا يعقلون} [الأنفال: 22]. وأما الذي ذكرتم من الشهادة على ماء الحوأب (5)، ~~فقد بؤتم في ذكرها بأعظم حوب (6)، ما كان قط شيء (7) مما ذكرتم. و (8) لا ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك الحديث، ولا جرى ذلك الكلام (9)، ولا ~~شهد أحد بشهادتهم، وقد كتبت شهاداتكم بهذا الباطل، وسوف تسألون (10). ### || قاصمة # ودارت الحرب بين أهل الشام، وأهل العراق، هؤلاء يدعون إلى علي بالبيعة ~~(11)، وتأليف الكلمة على الإمام. وهؤلاء يدعون إلى التمكين من (12) قتلة ~~عثمان، ويقولون: لا نبايع من يأوي القتلة. وعلي يقول: لا أمكن طالبا من ~~مطلوب، ينفذ فيه مراده، بغير حكم ولا حاكم، ومعاوية يقول: لا نبايع متهما ~~بقتله أو قاتلا له، هو (13) أحد (14) من نطلب (15)، فكيف نحكمه، أو نبايعه؟ ~~وهو خليفة عداء، وتسور. وذكروا في تفاصيل ذلك كلمات، آلت إلى PageV01P305 # استفعال رسائل، واستخراج أقوال، وإنشاد (1) أشعار، وضرب أمثال، تخرج عن ~~سيرة السلف يقرأها الخلف، وينبذها الخلف. ### || عاصمة # أما وجود الحرب بينهم فمعلوم قطعا، أما كونه بهذا السبب فمعلوم كذلك ~~قطعا. وأما الصواب فيه فمع علي، لأن الطالب للدم لا يصح أن يحكم، وتهمة ~~الطالب للقاضي، لا توجب (2) عليه أن يخرج عليه، بل يطلب عنده فإن [و 107 ~~أ]، ظهر ms194 له قضاء، وإلا سكت، وصبر، فكم من حق يحكم الله فيه. وإن لم يكن له ~~دين فحينئذ يخرج عليه، فيقوم له عذر في الدنيا. ولئن اتهم علي بقتل عثمان، ~~فليس في المدينة أحد من أصحاب النبي إلا وهو متهم به، أو قل معلوم قطعا أنه ~~قتله، لأن ألف رجل لا يغلبون أربعين ألفا، جاءوا (3) لقتل عثمان. وهبك أن ~~عليا، وطلحة، والزبير تظافروا على قتل عثمان، فباقي الصحابة من المهاجرين ~~والأنصار، ومن اعتد فيهم، وضوى (4) إليهم، ماذا صنعوا بالقعود عن نصرته؟ ~~فلا (5) يخلو أن يكون لأنهم رأوا أولئك طلبوا حقا، وفعلوا حقا، فهذه شهادة ~~قائمة على عثمان، فلا كلام لأهل الشام. وإن كانوا قعدوا عنه استهزاء ~~بالدين، وأنهم لم يكن لهم رأس مال (6) في الحال، ولا مبالاة عندهم ~~بالإسلام، ولا فيما يجري فيه من اختلال، فهي (7) ردة ليست معصية. لأن ~~التهاون بحدود الدين والإسلام، وتعريض حرمات (8) الشريعة للتضييع كفر. وإن ~~كانوا قعدوا لأنهم لم يروا أن يتعدوا حد عثمان إشارته، فأي ذنب لهم فيه؟ ~~وأي حجة لمروان، وعبد الله بن الزبير، والحسن، والحسين، وابن عمر، وأعيان ~~العشرة معه في داره، يدخلون إليه، ويخرجون عنه في الشكة والسلاح، ~~والمطالبون (9) ينظرون؟ ولو كان لهم بهم قوة PageV01P306 # أو آووا (1) إلى ركن شديد، لما مكنوا أحدا أن يراه منهم، ولا يداخله، ~~وإنما كانوا نظارة. فلو قام في وجوههم الحسن، والحسين، وعبد الله بن عمر، ~~وعبد الله بن الزبير، ما جسروا، ولو قتلوهم ما بقي على الأرض منهم حي (2). ~~ولكن عثمان سلم نفسه، فترك ورأيه، وهي مسألة اجتهاد، كما قدمنا. وأي كلام ~~كان يكون لعلي لو كتبت عنده البيعة (3)، وحضر عنده ولي عثمان، قال له: يا ~~أيها [و 107 ب] الخليفة؟ - ومما تمالأ (4) عليه ألف نسمة حتى قتلوه وهم ~~معلومون - ماذا كان يقول إلا "أثبت وخذ" وفي يوم كان يثبت، إلا أن يثبتوا ~~هم أن عثمان كان مستحقا للقتل. وت الله (5) لتعلمن يا معشر المسلمين أنه ما ~~كان يثبت (6) على عثمان ظلم أبدا، وكان يكون الوقت ms195 أمكن للطلب، وأرفق في ~~الحال، وأيسر وصولا إلى المطلوب. # والذي يكشف الغطاء في ذلك أن معاوية لما صار إليه الأمر، لم يمكنه أن ~~يقتل من قتلة عثمان أحدا، إلا بحكم، إلا من قتل في حرب بتأويل، أو دس عليه ~~فيما قيل، حتى انتهى الأمر إلى زمان (7) الحجاج (8). وهم يقتلون بالتهمة، ~~لا بالحقيقة فتبين لكم أنهم ما كانوا (9) في ملكهم يفعلون، ما أضحوا (10) ~~له يطلبون. والذي تثلج به صدوركم، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر في ~~الفتن، وأشار، وبين، وأنذر الخوارج وقال: (تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق) ~~(11) فبين أن كل طائفة تتعلق بالحق، ولكن طائفة علي أدنى إليه. وقال تعالى: ~~{وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما ~~PageV01P307 # على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا ~~بينهما بالعدل، وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} [الحجرات: 9] فلم يخرجهم عن ~~الإيمان بالبغي بالتأويل، ولا سلبهم اسم الأخوة بقوله بعده: {إنما المؤمنون ~~إخوة فأصلحوا بين أخويكم} [الحجرات: 10] وقال في عمار (1): (تقتله الفئة ~~الباغية) (2)، وقال في الحسين: (ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين ~~فئتين عظيمتين من المسلمين) فحسن له خلعه نفسه وإصلاحه. # وكذلك يروي أنه أذن في الرؤيا لعثمان في أن يستسلم، ويفطر عنده الليلة. ~~فهذه كلها أمور جرت على رسم النزاع (3)، ولم تخرج عن طريق من [و 108 أ] طرق ~~(4) الفقه (5)، ولا تعدت (6) سبيل الاجتهاد، الذي يؤجر فيه المصيب عشرة، ~~والمخطئ أجرا واحدا. وما وقع من روايات في كتب التاريخ (7) - عدا ما ذكرنا ~~- فلا تلتفتوا إلى حرف (8) منها، فإنها كلها باطلة. ### || قاصمة التحكيم # وقد تحكم الناس في التحكيم، فقالوا فيه ما لا يرضى (9) الله، وإذا ~~لاحظتموه (10) بعين المرؤة، دون الديانة، رأيتم أنها سخافة، حمل على سطرها ~~في الكتب (11) - في الأكثر - عدم الدين، و - في الأقل - جهل مبين (12). ~~والذي صح من ذلك ما روى الأيمة كخليفة بن خياط (13)، والدارقطني (14) أنه ~~لما PageV01P308 # خرج الطائفة العراقية (1) في مائة ألف، والشامية في سبعين أو تسعين ألفا، ~~ونزلوا على ms196 الفرات بصفين، اقتتلوا في أول يوم - وهو الثلاثاء (2) - على ~~الماء فغلب أهل العراق عليه، ثم التقوا يوم الأربعاء لسبع خلون من صفر سنة ~~... (3) ويوم الخميس، ويوم الجمعة، وليلة السبت، ورفعت المصاحف من أهل (4) ~~الشام، ودعوا إلى الصلح، وتفرقوا على أن تجعل (5) كل طائفة أمرها إلى رجل، ~~حتى يكون الرجلان يحكمان بين الدعوتين بالحق، فكان من جهة علي، أبو موسى ~~الأشعري (6)، ومن جهة معاوية عمرو بن العاص (7)، وكان أبو موسى رجلا تقيا ~~(8)، ثقفا (9)، فقيها، عالما، حسبما بيناه في كتاب "سراج المريدين" (10) ~~أرسله النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن مع معاذ (11)، وقدمه عمر، ~~وأثنى عليه بالفهم [و 108ب]. # وزعمت (12) الطائفة التاريخية الركيكة أنه كان أبله ضعيف الرأي، مخدوعا ~~في القول، وأن ابن العاص (13) كان ذا دهاء (14)، وأدب (15)، حتى (16) ~~PageV01P309 # ضربت الأمثال بدهائه، تأكيدا لما أرادت (1) من الفساد. وتبع (2) في ذلك ~~بعض الجهال بعضا، وصنعوا (3) فيها حكايات. وغيره من الصحابة كان أحذق منه، ~~وأدهى. وإنما بنوا ذلك على (4) أن عمرا لما غدر أبا موسى في قصة التحكيم ~~(5)، صار له بذلك الذكر في الدهاء والمكر (6)، وقالوا: إنهما لما (7) ~~اجتمعا بأذرح من دومة الجندل، وتفاوضا اتفقا (8) على أن يخلعا الرجلين، ~~فقال عمرو لأبي موسى: اسبق بالقول، فتقدم فقال: إني نظرت فخلعت عليا عن ~~الأمر، ولينظر (9) المسلمون لأنفسهم، كما خلعت سيفي هذا عن عاتقي (10) ~~وأخرجه من عنقه، فوضعه في الأرض، وقام عمرو فوضع سيفه بالأرض (11) وقال: ~~إني نظرت فأثبت معاوية في الأمر، كما أثبت سيفي هذا في عاتقي، وتقلده، ~~فأنكر (12) أبو موسى فقال عمرو: كذلك (13) اتفقنا، وتفرق الجمع على ذلك من ~~الاختلاف. ### || عاصمة # قال القاضي أبو بكر (14) رضي الله عنه:! ذا كله كذب صراح، ما جرى # منه قط حرف، وإنما هو شيء اخترعته (15) البتدعة، ووضعته (16) التاريخية ~~للملوك، فتوارثه (17) أهل المجانة والجهارة (18) بمعاصي الله والبدع.! ~~رأنما الذي روى الأيمة الثقات الأثبات أنهما لما اجتمعا للنظر في الأمر في ~~عصئة كريمة من PageV01P310 # الناس، منهم عبد الله (1) بن عمر، ونحوه، عزل عمرو معاوية (2). # ذكر الدارقطني سنده (3) عن حصين بن ms197 المنذر قال: لما عزل عمرو معاوية (4) ~~[و 109 أ] جاء فضرب فسطاطه قريبا من فسطاط معاوية ثم جعل يتكلم (5) فبلغ ~~(6) ثناه معاوية، فأرسل إلي (7) فقال إنه بلغني عن هذا كذا وكذا، فاذهب ~~فانظر ما هذا الذي بلغني (8) عنه، فأتيته فقلت: أخبرني عن الأمر الذي وليت ~~أنت، وأبو موسى، كيف صنعتما فيه؟ قال: قد قال الناس في ذلك ما قالوا، والله ~~ما كان الأمر على ما قالوا، ولكن قلت لأبي موسى: ما ترى في هذا الأمر؟ قال: ~~أرى أنه في النفر الذين توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عنهم ~~راض. قلت: فأين تجعلني أنا ومعاوية؟ فقال: أن يستعن بكما ففيكما معونة (9)، ~~وأن يستغن عنكما، فطالما استغنى أمر الله عنكما. قال: فكانت (10) هي التي ~~قتل (11) معاوية نفسه منها (12)، فأتيته فأخبرته أن الذي بلغه عنه كما ~~بلغه، فأرسل إلى أبي الأعور الذكواني (13) فبعثه في خيلة، فخرج يركض فرسه، ~~ويقول: أين عدوالله؟ أين هذا الفاسق؟ قال أبو يوسف: أظنه قال: إنما يريد ~~حوباء نفسه، فخرج إلى فرس تحت فسطاطه فجال (14) عريانا (15) PageV01P311 # يركضه نحو فسطاط معاوية وهو يقول: "إن الضجور (1) قد تحتلب (2) العلبة ~~(3)، يا معاوية إن الضجور قد تحتلب (4) العلبة؟ " فقال معاوية: "احسبه، ~~وتريد (5) الحالب فتدق أنفه، وتكفأ إناءه" قال الدارقطني (6) - وذكر سندا ~~عدلا وساق الحديث - ثم (7) قال: ثنا (8) محمد بن عبد الله بن إبراهيم ودعلج ~~بن أحمد قالا: حدثنا (9) محمد بن أحمد بن النضر، ثنا (10) معاوية بن عمرو ~~ثنا (11) زائدة عن عبد الملك (12) بن عمير (13) عن ربعي عن (14) أبي موسى ~~عن عمرو بن العاص (15) قال: والله لئن كان أبو بكر وعمر تركا هذا المال، ~~وهو يحل لهما منه شيء لقد غبنا، ونقص رأيهما. وأيم الله ما كانا مغبونين، ~~ولا ناقصي الرأي، ولئن كانا امرأين يحرم عليهما من هذا المال الذي أصبناه ~~بعدهما، لقد هلكنا [و 109 ب]. وأيم الله! ما جاء الوهم إلا من قبلنا. فهذا ~~كان بدء الحديث ومنتهاه. فأعرضوا عن الغاوين، وازجروا العاوين، وعرجوا عن ~~سبيل الناكثين إلى سنن المهتدين، ms198 وأمسكوا الألسنة عن السابقين إلى الدين. ~~وإياكم أن تكونوا يوم القيامة من الهالكين بخصومة أصحاب PageV01P312 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد هلك من كان أصحاب النبي خصمه، ~~ودعوا ما مضى، فقد قضى الله فيه ما قضى. وخذوا لأنفسكم الجد (1) فيما ~~يلزمكم اعتقادا وعملا، ولا تسترسلوا بألسنتكم فيما لا يعنيكم مع كل ماجن ~~اتخذ الدين هملا (2)، وأحسنوا (3) فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، ورحم ~~الله الربيع بن خثيم (4)، فإنه لما (5) قيل له: قتل الحسين. قال: أقتلوه؟ ~~(6) قالوا: نعم. فقال: {الله م فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة ~~أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون} (7) [الزمر: 46] ولم يزد على ~~هذا أبدا. فهذا العقل والدين، والكف عن أحوال المسلمين، والتسليم لرب ~~العالمين. ### || قاصمة # فإن قيل: إنما يكون ذلك في المعاني التي تشكل، وأما هذه الأمور كلها فلا ~~إشكال فيها لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نص على استخلاف علي بعده، ~~فقال: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي" (8) " الله م ~~وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله" (9) فلم يبق ~~بعد هذا خلاف لمعاند، فتعدى عليه أبو بكر واقتعد (10) في غير موضعه، ثم ~~خلفه في التعدي عمر، ثم رجي أن يوفق عمر للرجوع إلى الحق فأبهم الحال، ~~وجعلها شورى قصدا للخلاف الذي سمع من النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم ~~تحيل ابن عوف حتى ردها عنه، إلى عثمان، ثم قتل عثمان لتسوره على الخلافة، ~~وعلى أحكام الشريعة، وصار الأمر إلى علي بالحق الإلاهي النبوي، فنازعه من ~~عاقده، وخالف عليه [و 110 أ] من بايعه (11)، ونقض عهده من شده، وانتدب أهل ~~PageV01P313 # الشام مع معاوية إلى الفسوق في الدين، بل الكفر. وهذه حقيقة مذهبهم أن ~~الكل منهم كفرة. لأن من مذهبهم التكفير بالذنوب. وكيف تقول (1) هذه الطائفة ~~التي تسمى بالإمامية: أن كل عاص بكبيرة كافر على رسم القدرية، ولا أعصى من ~~الخلفاء المذكورين، ومن ساعدهم على أمرهم. وأصحاب محمد أحرص الناس على ~~دنيا، ms199 وأقلهم حماية على دين، وأهدمهم لقاعدة شريعة. ### || عاصمة # قال القاضي أبو بكر (2) رضي الله عنه: يكفيك من شر سمعه، فكيف التململ ~~به. خمسمائة عام كملا (3) إلى يوم مقالي هذا لا ينقص منها (4) يوم، ولا ~~يزيد يوم (5) وهو مهل شعبان سنة (6) ست وثلاثين (7) وخمسمائة، ماذا يرجى ~~بعد التمام إلا النقص ما رضيت اليهود والنصارى (8) في أصحاب موسى وعيسى بما ~~(9) رضيت به الروافض في أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - حين حكموا عليهم ~~بأنهم قد اتفقوا على الكفر والباطل. فما يرجى من هؤلاء، وما يستبقى منهم؟ ~~وقد (10) قال الله تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم} [النور: 55] وهذا ~~قول صدق، ووعد حق. وقد انقرض عصرهم، ولا خليفة فيهم، ولا تمكين، ولا أمن ~~ولا سكون إلا في ظلم، وتعد (11)، وغضب، وهرج، وتشتيت كلمة، وإثارة ثائرة. # وقد أجمعت الأمة على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما نص على أحد يكون ~~من بعده، وقد (12) قال العباس لعلي فيما روى عبد الله ابنه قال عبد الله بن ~~عباس: خرج علي بن أبي طالب رضي الله عنه من عند رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في وجعه الذي توفي PageV01P314 # فيه، فقال الناس: يا أبا حسن كيف أصبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ ~~قال: أصبح بحمد الله بارئا. فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب، فقال له: أنت ~~والله بعد ثلاث عبد العصا [و 110 ب] وإني (1) والله (2) لأرى رسول الله (3) ~~سوف يتوفى من وجعه هذا، إني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت، اذهب بنا ~~إلى رسول الله (4) فلنسأله فيمن يكون (5) هذا الأمر بعده (6)، فإن كان فينا ~~علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا علمناه (7) فأوصى بنا (8). فقال علي: أنا ~~والله لئن سألناها رسول الله (9) فمنعناها (10) لا يعطيناها الناس بعده، ~~وإني والله لا أسألها رسول الله (11). # قال القاضي أبو بكر (12) رضي الله عنه: رأي العباس عندي أصح، وأقرب إلى ~~الآخرة، والتصريح بالتحقيق. وهذا يبطل قول مدعي (13) الإشارة باستخلاف علي، ~~فكيف أن يدعي فيه نص؟!. فأما أبو بكر فقد ms200 جاءت امرأة (14) إلى النبي فسألته ~~شيئا فأمرها أن ترجع إليه قالت له: فإن لم أجدك - كأنها تعني الموت - قال ~~(15): تجدين أبا بكر (16). وقال النبي لعمر وقد وقع بينه وبن أبي بكر كلام، ~~فتعفرثجه النبي (17)، حتى أشفق من ذلك أبو بكر، وقال النبي (18): هل أنتم ~~تاركوا لي صاحبي - مرتين - إني بعثت إليكم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر: صدقت، ~~ألا إني أبرأ إلى كل خليل من خلته (19)، PageV01P315 # وقال النبي (1): "لو كنت متخذا (2) في الإسلام خليلا، لاتخذت أبا بكر ~~خليلا، ولكن أخي وصاحبي، وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا، لا تبقين (3) في ~~المسجد خوخة إلا خوخة أبي (4) بكر". وقال قال النبي (5): "بينما أنا نائم ~~رأيتني على قليب (6) عليها دلو فنزعت منها ما شاء الله ثم أخذها ابن أبي ~~قحافة فنزع منها ذنوبا (7) أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له، ثم ~~استحالت غربا (8) فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع عمر، ~~حتى ضرب الناس بعطن" (9). # وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صعد أحدا، وأبو بكر وعمر وعثمان ~~(10) فرجف بهم فقال: "اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان) (11) وقال ~~(12): [و 111 أ]- صلى الله عليه وسلم -: "إنه (13) كان فيمن كان قبلكم من ~~بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن في أمتي منهم ~~أحد فعمر" (14) وقال النبي (15) لعائشة (16) في مرضه: "أدعي (17) لي أباك ~~(18) وأخاك حتى أكتب كتابا، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول: أنا أولى، ~~ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" (19) وقال ابن عباس: (إن رجلا أتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني أرى الليلة في المنام ظلة تنطف ~~السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون بأيديهم، فالمستكثر والمستقل، وأرى سببا ~~واصلا من السماء إلى الأرض، فأراك أخذت به (20) فعلوت ثم أخذ به رجل (من ~~بعدك فعلا، ثم PageV01P316 # أخذ به رجل آخر فعلا ثم أخذ به رجل) (1). آخر فانقطع. ثم وصل له فعلا - ~~وذكر الحديث - ثم عبرها أبو بكر فقال: أما (2) السبب الواصل من السماء (3) ~~فالحق ms201 الذي أنت عليه، فأخذته (4) فيعليك الله ثم يأخذ به رجل آخر (5) من ~~بعدك (6)، فيعلو به ثم يأخذه (7) رجل آخر، فيعلو به (8)، ثم يأخذه (9) رجل ~~آخر فينقطع به (10)، ثم يوصل له فيعلو به (11)، وصح أن النبي (12) قال ذات ~~يوم: "من رأى منكم رؤيا؟ " فقال رجل: أنا رأيت كأن ميزانا نزل من السماء ~~فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت، ووزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر، ووزن عمر ~~وعثمان فرجح عمر ثم رفع الميزان، فرأينا الكراهية في وجه رسول الله (13). # وهذه الأحاديث جبال في البيان، وجبال (14) في التسبيب (15) إلى الحق لمن ~~وفقه الله، ولو لم يكن معكم أيها السنية إلا قوله: {ألا تنصروه فقد نصره ~~الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار} (16) [التوبة: 40] ~~فجعلهم (17) في نصيب (18)، وجعل أبا بكر في نصيب (19) آخر. وقام معه (20) ~~جميع الصحابة. وإذا تبصرتم هذه الحقائق فليس يخفي عنها حال الخلفاء في ~~جلالهم (21)، وولايتهم، وترتيبهم خصوصا وعموما [و 111 ب] وقد قال تعالى: ~~{وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في PageV01P317 # الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، ~~وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا لا يشركون بي شيئا} [النور: 55] وإذا لم ينفذ ~~هذا الوعد في الخلفاء فلمن ينفذ؟ وإذا لم يكن فيهم ففيمن (1) يكون؟ والدليل ~~عليه انعقاد الإجماع أنه لم يتقدمهم في الفضيلة أحد إلى يومنا هذا وما (2) ~~بعدهم مختلف فيه، فأولئك مقطوع بهم، متيقن إمامتهم، ثابت نفوذ وعد الله ~~لهم، فإنهم ذبوا عن حوزة المسلمين وقاموا بسياسة الدين. قال علماؤنا: ومن ~~بعدهم تبع لهم من أيمة (3) الدين (4)، الذين هم أركان الملة، ودعائم ~~الشريعة، الناصحون لعباد الله، الهادون من استرشد إلى الله، فأما من كان من ~~الولاة الظلمة فضرره (5) مقصور على الدنيا وأحكامها. وأما (6) حفاظ الدين ~~فهم الأيمة العلماء الناصحون لدين الله، وهم أربعة أصناف. # الصنف الأول: حفظوا أخبار رسول الله (7)، وهم بمنزلة الخزان لأقوات ~~المعاش. # الصنف الثاني: علماء الأصول، ذبوا عن دين الله، أهل العناد، وأصحاب ~~البدع، فهم شجعان ms202 الإسلام، وأبطاله المداعسون (8) عنه في مآزق الضلال. # الصنف الثالث: قوم ضبطوا أصول العبادات، وقانون العاملات، وميزوا ~~المحللات من المحرمات، وأحكموا الجراح (9) والديات، وبينوا معاني الإيمان ~~والمنذورات (10)، وفصلوا الأحكام في الدعاوى، فهم في الدين بمنزلة الوكلاء ~~المتصرفين (11) في الأموال. PageV01P318 # الصنف الرابع: تجردوا للخدمة، ودأبوا على العبادة، واعتزلوا الخلق، وهم ~~في الآخرة كخواص الملك في الدنيا. # وقد أوضحنا في كتاب "سراج [و 112] المريدين" في القسم الرابع من علوم ~~القرآن أي المنازل (1) أفضل من هؤلاء الأصناف، وترتيب درجاتهم (2). قال ~~القاضي أبو بكر (3) رضي الله عنه: فهذه (4) كلها إشارات أو تصريحات أو ~~دلالات أو تنبيهات، و (5) مجموع ذلك يدل على صحة ما جرى، وتحقيق ما كان بين ~~الفضلاء (6)، ونقول - بعد هذا البيان - على مقام آخر: لو كان هنالك نص على ~~أبي بكر يذكر (7) أو على علي لم يكن بد من احتجاج علي به، أو يحتج له به ~~(8) غيره من المهاجرين والأنصار، فأما حديث غدير خم فلا حجة فيه، لأنه إنما ~~استخلفه في حياته على المدينه، كما استخلف موسى هارون في حياته عند سفره ~~للمناجاة، على بني إسرائيل، وقد اتفق الكل من إخوانهم اليهود قاطبة (9) على ~~أن موسى مات بعد هارون، فأين الخلافة؟. # وأما قوله: " اللهم وال من والاه" فكلام صحيح، ودعوة مجابة، وما نعلم ~~أحدا (10) عاداه إلا الرافضة، فإنهم أنزلوه في غير منزلته (11)، ونسبوا ~~إليه ما لا يليق بدرجته، والزيادة في الحد (12) نقصان من المحدود، ولو تعدى ~~عليها (13) أبو بكر، ما كان المتعدي وحده بل جميع الصحابة، كما قلنا؟ لأنهم ~~ساعدوه على الباطل. ولا تستغربوا هذا من قولهم، فإنهم يقولون: إن النبي كان ~~PageV01P319 # مداريا لهم (1) وممتحنا (2) بهم (3) على نفاق وتقية، وأين أعظم (4) من ~~قوله (5) - حين سمع قول عائشة رضي الله عنها (6) مروا (7) عمر فليصل بالناس ~~- إنكن (8) لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر. وقوله - حين سمع صوت (9) عمر ~~-: يأبى الله ذلك والمسلمون، مروا أبا بكر فليصل بالناس) (10). وما قدمنا ~~من تلك الأحاديث. لقد اقتحموا عظيما، ولقد (11) افتروا كبيرا: وما جعلها ~~عمر شورى إلا اقتداء بأبي ms203 بكر (12) إذ قال: (إن استخلف (13) فقد استخلف من ~~هو خير مني [و 112 ب] وإن لم أستخلف فإن رسول الله (14) لم يستخلف) (15) ~~فما رد هذه الكلمة (16) أحد. وقال: (اجعلها شورى في النفر الذين توفي رسول ~~الله (17) وهو عنهم راض) (18) وقد رضي عن أكثر منهم، ولكن (19) كانوا خيار ~~الرضا، وشهد لهم بالأهلية للخلافة (20). وأما قولهم: تحيل ابن عوف حتى ردها ~~لعثمان. فلئن كانت حيلة، ولم يكن سواها، فلأن الحول ليس إليه، وإنما كل ~~(21) عمل العباد حيلة، ولو (22) كان القضاء بالحول (23) فالحول (24) والقوة ~~لله. وقد علم كل أحد أنه لا يليها إلا واحد، PageV01P320 # فاستبد عبد الرحمن بن عوف بالأمر، بعد أن أخرج نفسه على أن يجتهد ~~للمسلمين في الأسد والأشد فكان كما فعل، و (1) ولاها من استحقها، ولم يكن ~~غيره أولى منه بها حسبما بيناه (2) في "مراتب الخلافة" من "أنوار الفجر" ~~(3) وفي غيره من الحديث. وقتل عثمان فلم يبق على الأرض أحق بعلي منها (4)، ~~فجاءته على قدر، في وقتها ومحلها، وبين الله على يده (5) من الأحكام ~~والعلوم ما شاء أن يبين. وقد قال عمر: لولا علي هلك (6) عمر. وظهر من فقهه ~~وعلمه في قتال أهل القبلة، من استدعائهم ومناظرتهم، وترك مبادأتهم (7)، ~~والتقدم إليهم قبل نصب الحرب معهم، وندائه: لا تبدأوا (8) بالحرب، ولا يتبع ~~مول، ولا يجهز على جريح، ولا تهاج امرأة، ولم (9) يغنم (10) لهم مالا، ~~وأمره بقبول شهادتهم، والصلاة خلفهم، حتى قال أهل العلم: لولا ما جرى، ما ~~عرفنا حكم قتال أهل البغي. # وأما خروج طلحة والزبير، فقد تقدم بيانه، وأما تكفيرهم للخلق، فهم ~~الكفار. وقد بينا أحوال أهل الذنوب الذين ليس منهم عليها (11) شر (12) في ~~غير ما كتاب، وشرحناها في كل باب. فإن قيل: فقد قال العباس في علي ما رواه ~~الأئمة [و 113 أ]، أن العباس وعليا اختصما عند عمر في شأن أوقاف رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - (13) فقال العباس لعمر: يا أمير المؤمنين: اقض بيني ~~وبين هذا الظالم، الكاذب، الغادر، الآثم، الخائن (14). فقال الرهط لعمر ~~(15): يا أمير PageV01P321 # المؤمنين ms204 (1) اقض بينهما، وأرح أحدهما من الآخر. فقال عمر: تئدكم (2) ~~أنشدكم (2) الله الذي بإذنه تقوم السماء (3) والأرض هل تعلمون أن رسول الله ~~(4) قال: "لا نورث ما تركناه (5) صدقة" يريد بذلك نفسه؟ قالوا: قد قال ذلك. ~~فأقبل على علي والعباس (6) فقال: أنشدكما (7) الله هل تعلمان أن رسول الله ~~(8) قال ذلك؟ قالا: نعم. قال عمر: إن الله خص رسوله (9) في هذا الفيء بشيء، ~~لم يعطه أحدا غيره، فعمل فيها رسول الله (10) حياته (11)، فقال أبو بكر: ~~أنا ولي رسول الله (12) فقبضها سنتين من إمارته، فعمل فيها بما عمل رسول ~~الله (13)، وأنتما تزعمان أن أبا بكر كاذب، غادر، خائن (14)، والله ليعلم ~~(15) أنه لصادق بار (16)، راشد، تابع للحق. وذكر الحديث. قلنا: أما قول ~~العباس لعلي، فقول الأب للابن، وذلك على الرأس محمول، وفي سبيل المغفرة ~~مبذول، وبين الكبار والصغار - فكيف الآباء والأبناء - مغفور موصول. وأما ~~قول عمر: إنهما اعتقدا أن أبا بكر ظالم خائن غادر، وكذلك اعتقدا فيه، فإنما ~~ذلك خبر عن الاختلاف في نازلة وقعت من الأحكام رأى فيها هذان رأيا، ورأى ~~فيها أولئك رأيا، فحكم أبو بكر وعمر بما رأيا، ولم ير العباس وعلي ذلك، ~~ولكن لما حكما سلما لحكمهما كما يسلم لحكم القاضي في المختلف فيه (17) ~~والمحكوم عليه يرى أنه قد وهم (18)، ولكنه (19) PageV01P322 # سكت وسلم. فإن قيل: إنما يكون ذلك - في أول الحال، والأمر لم يظهر (1) - ~~إذا كان الحكم باجتهاد، وإنما (2) كان (3) هذا الحكم على منع فاطمة والعباس ~~الميراث بقول (4) [و 113 ب] النبي: "لا نورث ما تركناه (5) صدقة" وعلمه ~~أزواج النبي وأصحابه العشرة، وشهدوا به. فبطل ما قلتموه قلنا: يحتمل أن ~~يكون ذلك في أول الحال والأمر لم يظهر بعد، فرأيا أن خبر الواحد في معارضة ~~القرآن، والأصول والحكم المشهور في الدين (6)، لا يعمل به حتى يتقرر (7) ~~الأمر، فلما تقرر (8) سلما، وانقادا بدليل ما قدمنا من الحديث الصحيح إلى ~~آخره. فلينظر فيه. وهذا أيضا ليس بنص في المسألة، لأن قوله: "لا نورث ما ~~تركناه (9) صدقة" يحتمل أن يكون: لا يصح ميراثنا، ولا ms205 أنا أهل له، لأنه ليس ~~لي ملك، ولا تلبست بشيء من الدنيا، ينتقل عني إلى غيري (10). ويحتمل أن ~~يكون (11) (لا نرث) حكم (12). وقوله: "ما تركنا صدقة" حكم آخر معين، أخبر ~~به أنه قد أنفذ الصدقة فيما كان بيده من سهمه (13) المتصير إليه بتسويغ ~~الله له. وكان من ذلك مخصوصا بما (14) لم يوجف (15) المسلمون عليه بخيل ولا ~~ركاب، وكان له سهمه (16) مع المسلمين فيما غنموه (17) مما (18) أخذ (19) ~~عنوة. وتحتمل أن تكون "صدقة" منصوبا على أن PageV01P323 # يكون حالا من المتروك. و (1) إلى هذا أشار أصحاب أبي حنيفة وهو ضعيف، وقد ~~بيناه في موضعه، بيد أنه يأتيك من (2) هذا أن المسألة مجرى الخلاف، ومحل ~~الاجتهاد، وأنها ليست بنص من النبي. فتحتمل (3) التصويب والتخطئه بين (4) ~~المجتهدين والله أعلم. ### || قاصمة # ثم قتل علي، قالت الرافضة: فعهد إلى الحسن فسلمها الحسن إلى معاوية فقيل ~~له: (مسود وجوه المؤمنين) وفسقته جماعة من الرافضة، وكفرته طائفة لأجل ذلك. ### || عاصمة # قال القاضي أبو بكر (5) رضي الله عنه: أما قول الرافضة إنه عهد إلى الحسن ~~فباطل، ما عهد إلى أحد [و 114 أ] ولكن البيعة للحسن منعقدة، وهو أحق من ~~معاوية، ومن كثير من غيره (6) وكان خروجه لمثل ما خرج إليه أبوه، من دعاء ~~الفئة الباغية إلى الانقياد إلى الحق، والدخول في الطاعة، فآلت الوساطة (7) ~~إلى أن تخلى عن الأمر صيانة لحقن (8) دماء الأمة، وتصديقا لوعد نبي ~~الملحمة، حيث قال على المنبر: (ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به (9) بين ~~فئتين عظيمتين (10) من المسلمين) فنفذ الميعاد، وصحت البيعة لمعاوية، وذلك ~~لتحقيق رجاء النبي - صلى الله عليه وسلم -، فمعاوية خليفة، وليس بملك، فإن ~~قيل فقد روي عن سفينة (11) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الخلافة ~~ثلاثون سنة ثم يعود ملكا" فإذا عددنا من ولاية أبي بكر إلى تسليم الحسن ~~كانت ثلاثين، لا تزيد، ولا تنقص يوما. قلنا: PageV01P324 # خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به … # في طلعة البدر (1) ما يغنيك عن زجل # هذا الحديث في ذكر الحسن بالبشارة، والثناء عليه، ms206 لجريان (2) الصلح على ~~يديه، وتسليمه الأمر لمعاوية عقد منه له. وهذا حديث لا يصح، ولو صح فهو ~~معارض بهذا (3) الصلح (4) المتفق عليه فوجب الرجوع إليه. فإن قيل: ألم يكن ~~في الصحابة أقعد بالأمر من معاوية؟ قلنا: كثير، ولكن معاوية اجتمعت فيه ~~خصال وهي أن عمر جمع له الشامات كلها، وأفرده بها (5)، لما رأى من حسن ~~سيرته، وقيامه بحمايه البيضة (6) وسد الثغور (7)، وإصلاح الجند، والظهور ~~على العدو وسياسة الخلق، وقد شهد النبي - صلى الله عليه وسلم - في صحيح ~~الحديث بالفقه (8)، وشهد بخلافته في حديث أمر حرام (9) أن ناسا من أمته ~~يركبون ثبج هذا البحر الأخضر ملوكا على الأسرة، أو مثل الملوك على الأسرة ~~(10) فكان (11) ذلك في ولايته، ويحتمل أن تكون (12) مراتب في الولاية خلافة ~~ثم [و 114 ب] ملك، فتكون (13) ولاية الخلافة للأربعة، وتكون ولاية الملك ~~لابتداء معاوية وقد قال الله (14) في داود - وهو خير من كل معاوية -: ~~{وآتاه الله الملك والحكمة} [البقرة: 251] فجعل النبوة ملكا. فلا تلتفتوا ~~إلى أحاديث ضعف سندها ومعناها (15). ولو اقتضت الحال النظر في الأمور لكان ~~- والله أعلم - رأي آخر للجمهور. ولكن انعقدت البيعة لمعاوية بالصفة التي ~~شاءها الله، على الوجه الذي وعد به رسول الله (16)، مادحا له، راضيا ~~PageV01P325 # عنه، راجيا هدنة الحال فيه لقول (1) النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ابني ~~(2) هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به (3) بين فئتين عظيمتين من المسلمين". ~~وقد تكلم العلماء في إمامة الفضول مع وجود من هو (4) أفضل منه. فليست ~~المسألة في الحد الذي تجعله (5) فيه العامة، وقد بيناها في موضعها. فإن قيل ~~فقد قتل حجر بن عدي (6) وهو من الصحابة، مشهور بالخير، صبرا أسيرا بقول ~~زياد (7). وبعثت إليه عائشة في أمره فوجدته قد فات بقتله. قلنا: قد (8) ~~علمنا قتل حجر كلنا، واختلفنا فقائل يقول: قتله ظلما، وقائل يقول: قتله ~~حقا. فإن قيل الأصل قتله ظلما إلا أن يثبت (9) عليه ما يوجب قتله. قلنا: ~~الأصل أن قتل الإمام بالحق، فمن ادعى أنه بالظلم فعليه الدليل (10)، ولو ~~كان ظلما محضا لما بقي ms207 بيت إلا لعن (11) فيه معاوية وهذه مدينة السلام (12) ~~دار خلافة بني العباس، وبينهم وبين بني أمية ما لم يخف على الناس، مكتوب ~~على أبواب مساجدها: "خير الناس بعد رسول الله (13) أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ~~ثم علي ثم (14) معاوية خال المؤمنين (15) رضي الله عنه". ولكن حجرا (16) ~~فيما يقال رأى من زياد أمورا منكرة، فحصبه، وخلعه، وأراد أن يقيم الخلق ~~للفتنة (17)، فجعله معاوية ممن سعى في الأرض [و 115 أ] فسادا، وقد كلمته ~~عائشة في أمره حين حج، فقال لها: دعيني وحجرا حتى نلتقي عند الله. و (18) ~~أنتم معشر المسلمين أولى أن تدعوهما حتى يقفا بين يدى الله مع صاحبهما ~~العدل، الأمين PageV01P326 # المصطفى، المكين. وأنتم (1) ودخولكم حيث لا تشعرون، فما لكم لا تسمعون ~~(2). فإن قيل قد دس على الحسن من سمه. قلنا: هذا محال من وجهين: أحدهما أنه ~~(3) ما كان ليتقي من الحسن بأسا وقد سلم إليه (4) الأمر. الثاني: أنه أمر ~~مغيب لا يعلمه إلا الله، فكيف تحملونه بغير بينة على أحد من خلقه في زمان ~~متباعد لم نثق (5) فيه بنقل ناقل، بين يدي قوم ذوي أهواء، وفي حال فتنة، ~~وعصبية، ينسب كل واحد (6) إلى صاحبه ما لا ينبغى؟ فلا يقبل منها (7) إلا ~~الصافي، ولا يسمع فيها (8) إلا من العدل الصميم (9). فإن قيل: فقد (10) عهد ~~إلى يزيد، وليس بأهل، وجرى بينه وبين عبد الله بن عمر، وابن الزبير والحسين ~~ما نصه (11): عن وهب (12) بن جرير (13) بن حازم عن أبيه وعن غيره لا أجمع ~~(14) معاوية على (15) أن يبايع لابنه يزيد، حج فقدم مكة في نحو ألف رجل، ~~فلما دنا من المدينة خرج ابن عمر وابن الزبير، وعبد الرحمن بن أبي بكر ~~(16)، فلما قدم معاوية المدينة صعد المنبر فحمد الله، وأثنى عليه، ثم ذكر ~~ابنه لزيد فقال (17): من أحق بهذا الأمر منه؟ ثم ارتحل، فقدم مكة فقضى ~~طوافه، ودخل منزله، فبعث إلى ابن عمر، فتشهد - وقال: أما بعد يا ابن عمر ~~فقد كنت تحدثني أنك لا تحب أن تبيت ليلة سوداء ليس ms208 عليك أمير، وإني أحذرك ~~أن تشق عصا المسلمين، وأن تسعى في فساد ذات بينهم. فلما سكت تكلم ابن عمر، ~~فحمد الله (18) وأثنى عليه ثم قال: أما بعد PageV01P327 # فإنه قد كانت قبلك خلفاء (1) [و 115 ب] لهم أبناء، ليس ابنك بخير (2) ~~منهم، فلم يروا في أبنائهم، ما رأيت في ابنك، ولكنهم اختاروا للمسلمين حيث ~~علموا الخيار، وإنك تحذرني أن أشق عصا المسلمين، ولم أكن لأفعل، إنما أنا ~~رجل من المسلمين، فإذا اجتمعوا على أمر (3)، فإنما أنا واحد (4) منهم، فخرج ~~ابن عمر، وأرسل إلى عبد الرحمن بن أبي بكر، فتشهد، ثم أخذ في الكلام، فقطع ~~عليه كلامه، فقال: إنك والله لوددت أنا وكلناك في أمر ابنك إلى الله، وإنا ~~والله لا نفعل، والله لتردن هذا الأمر شورى في المسلمين أو لتفررنها (5) ~~عليك جذعة (6) ثم وثب فقام. فقال معاوية: اللهم اكفنيه (7) بما شئت. ثم ~~قال: على رسلك أيها الرجل، لا تشرفن على أهل (8) الشام فإني أخاف أن ~~يسبقوني بنفسك، حتى أخبر العشية أنك قد بايعت ثم كن بعد (9)، على ما بدا لك ~~من أمرك. ثم أرسل إلى ابن الزبير فقال: يا ابن الزبير، إنما أنت ثعلب رواغ، ~~كلما خرج من جحر دخل في آخر، وإنك عمدت إلى هذين الرجلين، فنفخت في ~~مناخرهما. فقال ابن الزبير: إن كنت قد مللت الإمارة فاعتزلها، وهلم ابنك ~~فلنبايعه. أرأيت إذا بايعنا ابنك معك، لأيكما نسمع، لأيكما نطيع، لا تجتمع ~~البيعة لكما أبدا. ثم قال. فخرج معاوية فصعد المنبر فقال: إنا وجدنا أحاديث ~~الناس ذوات عوار (10)، زعموا (11) أن ابن عمر، وابن الزبير، وابن أبي بكر، ~~لم يبايعوا يزيد (12) قد سمعوا، وأطاعوا، وبايعوا له. فقال أهل الشام: لا ~~والله لا نرضى حتى يبايعوا على رؤوس PageV01P328 # الأشهاد، وإلا ضربنا أعناقهم. فقال: سبحان الله! ما أسرع الناس إلى قريش ~~بالشر (1). لا أسمع هذه المقالة من أحد بعد اليوم. ثم نزل، فقال: [و 116 ~~أ]، الناس: بايعوا، ويقولون هم لم (2) نبايع، ويقول الناس قد بايعتم. وروى ~~وهب من طريق أخرى (3) قال: خطب ms209 معاوية، فذكر ابن عمر وقال (4): والله ~~ليبايعن أو لأقتلنه، فخرج عبد الله بن عبد الله بن عمر (5) إلى أبيه، وسار ~~(6) إلى مكة ثلاثا وأخبره، فبكى ابن عمر، فبلغ الخبر إلى عبد الله بن صفوان ~~(7)، فدخل على ابن عمر فقال: أخطب هذا بكذا؟ (8) قال: نعم. قال (9): فما ~~تريد؟ أتريد قتاله؟ قال: يا ابن صفوان الصبر خير من ذلك. فقال ابن صفوان: ~~والله (10) لئن أراد ذلك لأقاتلنه (11). فقدم معاوية مكة فنزل ذا (12) طوى، ~~وخرج إليه عبد الله بن صفوان فقال: أنت الذي تزعم أنك تقتل ابن عمر إن لم ~~يبايع لابنك؟ قال: أنا أقتل ابن عمر؟ إني والله لا أقتله. وروى وهب من طريق ~~ثالثة (13) قال: إن معاوية لما راح عن بطن مر (14) قاصدا إلى مكة قال لصاحب ~~حرسه: لا تدع أحدا يسير معي إلا من حملته، فخرج يسير وحده، حتى إذا كان وسط ~~الأراك، لقيه الحسن بن علي، فوقف وقال: مرحبا وأهلا بابن بنت رسول الله ~~(15)، سيد شباب المسلمين. دابة لأبي عبد الله يركبها، فأتي ببرذون فتحول ~~عليه، ثم طلع عبد الرحمن ابن أبي بكر، فقال: مرحبا وأهلا بابن شيخ قريش، ~~وسيدهم، وابن صديق هذه الأمة. دابة لأبي محمد يركبها، فأتي ببرذون فركبه. ~~ثم طلع PageV01P329 # ابن عمر فقال: مرحبا وأهلا بصاحب رسول الله (1)، وابن الفاروق، وسيد ~~المسلمين، ودعا له بدابة فركبها، ثم طلع ابن الزبير فقال: مرحبا وأهلا بابن ~~حواري رسول الله (2) وابن الصديق، وابن عمة رسول الله (3)، ودعا له بدابة ~~فركبها. ثم أقبل يسير بينهم، لا يسايره غيرهم حتى دخل مكة [و 116 ب] ثم ~~كانوا أول داخل، وآخر خارج، ليس في الأرض صباح إلا لهم فيه حباء (4) ~~وكرامة، لا يعرض لهم بذكر شيء مما هو فيه، حتى قضى نسكه، وترحلت أثقاله، ~~وقرب مسيره إلى الشام، وأنيخت (5) رواحله، فأقبل بعض القوم على بعض فقالوا: ~~أيها القوم لا تخدعوا، إنه (6) والله ما صنع هذا بكم لحبكم ولا لكرامتكم ~~وما (7) صنعه إلا لما يريد، فأعدوا له جوابا، وأقبلوا على الحسن، فقالوا ~~(8): أنت ms210 يا أبا عبد الله. قال: وفيكم شيخ قريش وسيدها، وهو (9) أحق ~~بالكلام. فقالوا: أنت يا أبا محمد لعبد الرحمن بن أبي بكر، فقال: (لست ~~هناك، وفيكم صاحب رسول الله (10)، وابن سيد المسلمين) (11) - يعني ابن عمر ~~- فقالوا لابن عمر: أنت. فقال: لست بصاحبكم، ولكن ولوا الكلام ابن الزبير ~~يكفكم (12). قالوا: أنت يا ابن الزبير. قال: نعم. إن أعطيتموني عهودكم، ~~ومواثيقكم أن لا تخالفوني كفيتكم الرجل. قالوا (13): فلك ذلك. فخرج الآذن ~~فأذن لهم، فدخلوا، فتكلم معاوية فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: لقد علمتم ~~سيرتي فيكم، وصلتي لأرحامكم، وصفحي عنكم، وحملي (14) لا يكون منكم، ويزيد ~~ابن أمير المؤمنين أخوكم، وابن عمكم، وأحسن الناس لكم رأيا، وإنما أردت أن ~~تقدموه باسم الخلافة وتكونوا (15) أنتم الذين تنزعون، وتأمرون، وتجبون، ~~PageV01P330 # وتقسمون، لا يدخل عليكم في شيء من ذلك. فسكت القوم، فقال: ألا تجيبوني؟ ~~فسكت القوم (1). فقال: ألا تجيبوني؟ (2) فسكتوا (3). فأقبل على ابن الزبير، ~~فقال: هات يا ابن الزبير، فإنك لعمري صاحب خطبة القوم، فقال: نعم يا أمير ~~المؤمنين أخيرك بين ثلاث خصال أيها أخذت فهي لك رغبة. قال: لله أبوك أعرضهم ~~(4). قال: إن شئت صنعت ما صنع [و 117 أ] رسول الله (5)، وإن شئتما صنعت ما ~~صنع أبو بكر، فهو خير هذه الأمة بعد رسول الله (6)، وإن شئت صنعت ما صنع ~~عمر فهو خير هذه الأمة بعد أبي بكر. قال: لله أبوك، وما صنعوا؟ قال: قبض ~~رسول الله (7) ولم (8) يستخلف أحدا، فارتضى المسلمون أبا بكر، فإن شئت أن ~~تدع أمر هذه الأمة حتى يقضي الله فيه (9) قضاءه، فيختار (10) المسلمون ~~لأنفسهم. فقال إليه (11): ليس فيكم اليوم مثل أبي بكر، وإني لا آمن عليكم ~~الاختلاف. قال: فاصنع كما صنع أبو بكر، عهد إلى رجل من قاصية قريش ليس من ~~بني أبيه (12) فاستخلفه. قال: لله أبوك الثالثة. قال: تصنع ما صنع عمر، جعل ~~الأمور شورى في ستة نفر من قريش ليس أحد منهم من ولد أبيه. قال: هل عندكم ~~غير هذا؟ قال: لا. قال: فأنتم؟ قالوا: ونحن أيضا. ms211 قال: أما لا، فإني أحببت ~~أن أتقدم إليكم، أنه قد أعذر من أنذر، وأنه قد (13) كان يقوم القائم منكم ~~(14) إلي فيكذبني على رؤوس الناس، فأحتمل له ذلك. وإني قائم بمقالة، فإن ~~صدقت فلي صدقي، وإن كذبت فعلي كذبي. وإني أقسم بالله لكم لئن رد علي إنسان ~~منكم لا ترجع إليه كلمته حتى يسبق إلي (15) رأسه. ثم دعا PageV01P331 # صاحب (1) حرسه فقال: أقم على رأس (2) كل رجل (3) من هؤلاء رجلين من حرسك ~~فإن ذهب رجل (4) يرد على كلمة بصدق أو كذب فليضرباه بسيفهما. ثم خرج، ~~وخرجوا معه حتى رقي المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: إن هؤلاء ~~الرهط، سادة المسلمين وخيارهم، لا يستبد بأمر في وخم، ولا يمضي أمر (5) إلا ~~عن مشورتهم، وإنهم قد (6) ارتضوا (7) وبايعوا ليزيد بن أمير المؤمنين من ~~بعده، فبايعوا اسم الله، فضربوا على يده (8)، ثم جلس على راحلته [و 117 ب]، ~~وانصرف فلقيهم (9) الناس، فقالوا: زعمتم وزعمتم، فلما أرضيتم، وحبيتم، ~~فعلتم. قالوا: إنا والله ما فعلنا. قال: فما منعكم أن تردوا على الرجل إذ ~~كذب؟ (10) ثم بايع أهل المدينة والناس، ثم خرج إلى الشام. # قال القاضي أبو بكر (11) رضي الله عنه: لسنا ننكر (12) ولا تبلغ (13) بنا ~~الجهالة، ولا لنا في الحق حمية جاهلية، ولا ننطوي على غل لأحد من أصحاب ~~محمد (14)، بل نقول: {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا ~~تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم} [الحشر: 10] إلى أن ~~(15) نقول (16): إن معاوية ترك الأفضل في أن يجعلها PageV01P332 # شورى، ولا يخص بها أحدا (1) من قرابته، فكيف ولدا؟ وأن يقتدي بما أشار به ~~عبد الله بن الزبير في الترك أو الفعل (2)، فعدل إلى ولاية ابنه، وعقد له ~~البيعة، وبايعه الناس، وتخلف عنها من تخلف، فانعقدت البيعة شرعا، لأنها ~~تنعقد بواحد (3)، وقيل (4) باثنين. فإن قيل: لمن فيه شروط (5) الإمامة. ~~قلنا: ليس السن من شروطها ولم يثبت أنه يقصر يزيد عنها. فإن (6) قيل: كان ~~منها العدالة والعلم، ولم يكن يزيد عدلا ولا عالما. قلنا: وبأي شيء ms212 نعلم ~~(7) عدم علمه، أو عدم عدالته؟ ولو كان مسلوبهما لذكر ذلك الثلاثة الفضلاء ~~الذين أشاروا عليه بأن لا يفعل، وإنما رموا الأمر بعيب التحكم، وأرادوا أن ~~تكون شورى. فإن قيل: كان هنالك من هو أحق منه عدالة وعلما، منهم (8) مائة، ~~وربما ألف. قلنا: إمامة المفضول كما قدمنا مسألة خلاف بين العلماء على ما ~~(9) ذكر (10) العلماء في موضعه، وقد حسم البخاري [و 118 أ] الباب. ونهج ~~جادة الصواب فروى في صحيحه ما يبطل جميع هذا المتقدم. وهو أن معاوية خطب ~~وابن عمر حاضر في خطبته فيما رواه البخاري عن عكرمة بن خالد (11) عن ابن ~~عمر قال: دخلت على حفصة ونوساتها (12) تنطف (13) قلت: قد كان من أمر الناس ~~ما ترين فلم يجعل لي من الأمر شيء. فقالت: ألحق فإنهم ينتظرونك، وأخشى أن ~~يكون في احتباسك عنهم فرقة. فلم تدعه حتى ذهب، فلما تفرق الناس خطب معاوية ~~فقال: من كان (14) يريد أن يتكلم في هذا الأمر، فليطلع لنا قرنه، فلنحن أحق ~~به منه، ومن أبيه. قال حبيب بن مسلمة (15): فهلا أجبته؟ قال عبد الله: ~~فحللت حبوتي، وهمت أن أقول: أحق PageV01P333 # بهذا الأمر منك. من قاتلك وأباك على الإسلام، فخشيت أن أقول كلمة تفرق ~~الجمع، وتسفك الدم، وتحمل عني غير ذلك، فذكرت ما أعد الله في الجنان فقال ~~(1): حفظت وعصمت. وروى البخاري أن أهل المدينة لما خلعوا يزيد بن معاوية ~~جمع ابن عمر حشمه وولده، وقال: إني سمعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: "ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة" وإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيع ~~الله ورسوله، وإني لا أعلم غدرا أعظم من أن نبايع رجلا على بيع الله ~~ورسوله، ثم ننصب (2) له القتال، وإني لا أعلم أحدا منكم خلعه ولا بايعه (3) ~~في هذا الأمر، إلا كانت الفيصل بيني وبينه. فانظروا معشر المسلمين إلى ما ~~روى البخاري في الصحيح، وإلى ما سبق ذكرنا له من رواية بعضهم أن عبد الله ~~بن عمر لم يبايع، وأن معاوية كذب، وقال: قد بايع، ووكل ms213 به، من أمره (4) ~~بضرب عنقه إن كذبه. وهو [و 118 ب] قد قال في رواية البخاري: قد بايعناه على ~~بيع الله ورسوله، وما بينهما من التعارض، وخذوا لأنفسكم بالأرجح، في طلب ~~السلامة، والخلاص من بين الصحابة والتابعين. فلا تكونوا ولم تشاهدوهم، وقد ~~عصمكم الله من فتنتهم، ممن (5) دخل بلسانه في دمائهم، فيلغ فيها ولوغ الكلب ~~بقية الدم على الأرض بعد رفع الفريسة بلحمها، لم يلحق (6) الكلب منها إلا ~~بقية دم سقط على الأرض. وروى الثبت العدل عن عبد الرحمن بن مهدي (7) عن ~~سفيان (8) عن محمد بن المنكدر (9) قال: قال ابن عمر - حين بويع يزيد -: إن ~~كان خيرا PageV01P334 # رضينا (1)، وإن كان شرا (2) صبرنا. # وثبت عن حميد بن عبد الرحمن (3) قال: دخلنا على رجل من أصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - حين استخلف يزيد بن معاوية فقال: تقولون (4): إن يزيد ~~بن معاوية ليس بخير أمة محمد، لا (5) أفقهها فيها فقها، ولا أعظمها فيها ~~شرفا، وأنا أقول ذلك، ولكن والله لئن تجتمع أمة محمد أحب إلي من أن تفترق، ~~أرأيتم (6) بابا دخل فيه أمة محمد ووسعهم، أكان يعجز عن رجل واحد لو كان ~~(7) دخل فيه؟ قلنا: لا. قال: أرأيتم لو أن أمة محمد قال كل (8) رجل (9) ~~منهم: لا أريق دم أخي، ولا آخذ ماله، أكان (10) هذا يسعهم؟ قلنا: نعم. قال: ~~فذلك ما أقول لكم. ثم قال (11): قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا ~~يأتيك من الحياء إلا خير". # فهذه الأخبار الصحاح كلها تعطيك أن ابن عمر كان مسلما في أمرة (12) يزيد، ~~وأنه بايع، وعقد له، والتزم ما التزم الناس، ودخل فيما دخل فيه (13) ~~المسلمون، وحرم على نفسه، ومن إليه بعد ذلك، أن يخرج على (14) هذا أو ~~ينقضه، وظهر لك أن قول من قال: إن معاوية كذب في قوله: بايع ابن عمر، ولم ~~يبايع، وإن ابن عمر وأصحابه سئلوا فقالوا: لم نبايع، فقد كذب (15). وقد ~~(16) صدق البخاري في روايته [و 119 أ]، قول معاوية على المنبر: إن ابن عمر ~~قد بايع بإقرار ms214 ابن عمر بذلك، وتسليمه له، وتماديه عليه. فأي الفريقين أحق ~~بالصدق إن كنتم تعلمون؟ الفريق الذي فيه PageV01P335 # البخاري أو الذي فيه غيره؟ فخذوا لأنفسكم بالأحزم والأصح، أو اسكتوا عن ~~الكل، والله يتولى توفيقكم وحفظكم (1). # والصاحب الذي كنى عنه حميد بن عبد الرحمن هو ابن عمر، والله أعلم. وإن ~~كان غيره فقد أجمع (2) رجلان عظيمان على هذه المقالة، وهي تعضد ما (3) ~~أصلناه لكم من أن ولاية المفضول نافذة، وإن كان هنالك من هو أفضل منه إذا ~~عقدت له، وإلى حلها (4) وطلب الأفضل من استباحة ما لا يباح، وتشتيت الكلمة، ~~وتفريق أمر الأمة. فإن قيل: كان يزيد خمارا. قلنا: لا حد (5) إلا بشاهدين. ~~فمن شهد بذلك عليه؟ بل شهد العدول (6) بعدالته، فروى (7) يحى بن بكير (8) ~~عن (9) الليث بن سعد (10)، قال الليث: توفي أمير المؤمنين يزيد في تاريخ ~~كذا، فسماه الليث أمير المؤمنين (11) بعد ذهاب ملكهم وانقراض دولتهم، ولولا ~~كونه عنده كذلك ما قال إلا توفي يزيد. فإن قيل: لو (12) لم يكن ليزيد إلا ~~قتله للحسين (13) بن علي. قلنا: يا أسفي على المصائب مرة، ويا أسفي على ~~مصيبة الحسين ألف مرة! بوله (14) يجري على صدر النبي (15) فلا يغسل (16)، ~~ودمه يراق على البوغاء ولا يحقن، يا لله! ويا PageV01P336 # للمسلمين! وإن أمثل ما روي فيه أن يزيد كتب إلى الوليد بن عقبة ينعي له ~~معاوية، ويأمره أن يأخذ له البيعة على أهل المدينة - وقد كانت تقدمت - فدعا ~~مروان فأخبره (1)، وقال (2): أرسل إلى الحسين بن علي، وابن الزبير فإن ~~بايعوا وإلا فاضرب أعناقهم. قال: سبحان الله تقنل (3) الحسين بن علي وابن ~~الزبير، قال: هو ما أقول لك. فأرسل إليهما، فأتاه ابن الزبير فنعى له ~~معاوية، وسأله البيعة [و 119 ب]، فقال: ومثلي يبايع ها هنا، ارق المنبر، ~~أبايعك وأنا (4) مع الناس علانية فوثب مروان وقال: اضرب عنقه. فإنه صاحب ~~فتنة وشر. فقال: وإنك (5) لهنالك (6) يا ابن الزرقاء؟ واستبا. فقال الوليد: ~~أخرجهما (7) عني. وأرسل إلى الحسين ولم يكلمه بكلمة (8) في شيء وخرجا من ~~عنده وجعل الوليد عليهما ms215 الرصد، فلما دنا الصبح خرجا مسرعين إلى مكة ~~فالتقيا بها فقال له ابن الزبير: ما يمنعك من شيعتك، وشيعة أبيك؟ فوالله لو ~~أن لي مثلهم لذهبت إليهم. فهذا ما صح. # وذكر المؤرخون أن كتب أهل الكوفة وردت على الحسين وأنه أرسل مسلم بن عقيل ~~(9) ابن (10) عمه إليهم ليأخذ عليهم البيعة (11) وينظر هو في أتباعه، فنهاه ~~ابن عباس، وأعلمه أنهم خذلوا أباه وأخاه، وأشار عليه ابن الزبير بالخروج، ~~فخرج، فلم يبلغ الكوفة إلا ومسلم بن (12) عقيل قد قتل، وأسلمه من كان ~~استدعاء ويكفيك بهذا عظة لمن اتعظ فتمادى واستمر غضبا للدين وقياما بالحق. ~~ولكنه رضي الله عنه لم يقبل نصيحة أعلم أهل زمانه ابن عباس، وعدل عن رأي ~~شيخ الصحابة ابن عمر، وطلب الابتداء في PageV01P337 # الانتهاء، والاستقامة (1) من أهل (2) الاعوجاج، ونضارة الشبيبة (3) في ~~هشيم المشيخة، ليس حوله مثله، ولا له من الأنصار ما يرعى حقه، ولا من يبذل ~~نفسه دونه، فأردنا أن نطهر الأرض من خمر يزيد، فأرقنا دم الحسين، فجاءتنا ~~مصيبة لا يجبرها سرور الدهر، وما خرج إليه أحد إلا بتأويل، ولا قاتلوه (4) ~~إلا بما سمعوا من جده المهيمن على الرسل، المخبر بفساد الحال، المحذر عن ~~الدخول في الفتن، وأقواله في ذلك كثيرة منها: [ما روى مسلم عن زياد بن ~~علاقة (5)، عن عرفجة بن شريح] (6) قوله (7) صلى [و 120 أ]، الله عليه وسلم: ~~"أنها ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه ~~بالسيف كائنا من كان" فما خرج الناس إلا بهذا وأمثاله (8). ولو أن عظيمها ~~وابن عظيمها، وشريفها وابن شريفها، الحسن يسعه بيته، أو ضيعته، أو إبله، ~~ولو جاء الخلق يطلبونه ليقوم بالحق (9) وفي جملتهم ابن عباس وابن عمر لم ~~يلتفت إليهم، وحضره ما أنذر به النبي - صلى الله عليه وسلم - (10)، ومما ~~قال في أخيه، ورأى أنها (11) قد خرجت عن أخيه، ومعه جيوش الأرض، وكبار ~~الخلق يطلبونه (12)، فكيف ترجع (13) إليه بأوباش الكوفة وكبار الصحابة ~~ينهونه، وينأون عنه؟ ما أدري ما هذا (14) إلا التسليم لقضاء الله، ms216 والحزن ~~على ابن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (15) بقية الدهر. ولولا معرفة ~~أشياخ الصحابة (16) وأعيان الأمة PageV01P338 # بأنه أمر صرفه الله عن أهل البيت، وحال من الفتنة، لا ينبغي لأحد أن ~~يدخلها، ما أسلموه أبدا. # وهذا أحمد بن حنبل على تقشفه، وعظيم منزلته في الدين، وورعه قد أدخل عن ~~يزيد بن معاوية في كتاب الزهد (1) أنه كان يقول في خطبته: إذا مرض أحدكم ~~مرضا فابتلي (2)، ثم تماثل، فلينظر إلى أفضل عمل عنده فليلزمه، ولينظر إلى ~~أسوأ عمل عنده فليدعه. وهذا يدل على عظيم منزلته عنده، حتى يدخله في جملة ~~الزهاد من الصحابة والتابعين الذين يقتدى بقولهم، ويرعوى من وعظهم، ونعم! ~~(3) وما أدخله إلا في جملة ذكر الصحابة، قبل (4) أن يخرج إلى ذكر التابعين. ~~فأين هذا من ذكر المؤرخين له، في الخمور (5) وأنواع الفجور؟ ألا يستحيون ~~(6) فإذا سلبهم الله المروءة (7) والحياء. ألا ترعوون أنتم، وتزدجرون، ~~وتقتدون بالأحبار والرهبان من فضلاء الأمة، وترفضون الملحدة، والمجان، من ~~المنتمين إلى الملة؟ هذا بيان للناس، وهدى، وموعظة للمتقين، والحمد لله رب ~~العالمين. # وانظروا (8) إلى ابن الزبير [و 125 ب]، بعد ذلك، وما دخل فيه من البيعة ~~له بمكة والأرض كلها عليه. وانظروا (9) إلى ابن عباس وعقله، وإقباله على ~~أمر نفسه. وانظروا (10) إلى ابن عمر، وسنه، وتسليمه للدنيا، ونبذه لها. ولو ~~كان للقيام وجه، لكان الأولى (11) بذلك عبد الله بن عباس، فإن ولدي أخيه ~~عبيد الله (12) قد ذكر أنهما قتلا ظلما، ولكن رأى بعقله أن دم عثمان لم ~~يخلص إليه، فكيف بدم ولدي عبيد الله. وأن الأمر راهق (13)، قد خرجا عنه ~~(14) PageV01P339 # حفظا للأصل، وهو اجتماع أمر (1) الأمة، وحقن دمائها، وائتلاف كلمتها، ودع ~~الأمر يتولاه أسود مجدع حسبما أمر به صاحب الشرع، صلوات الله عليه وسلامه ~~(2) وكل منهم عظيم القدر، مجتهد فيما دخل فيه (3)، مصيب مأجور. ولله فيهم ~~حكم في الدنيا (4) قد (5) أنفذه، وحكم في الآخرة قد أحكمه وفرغ منه. ~~فاقدروا هذه (6) الأمور مقاديرها، وانظروا بما قابلها به ابن عباس وابن عمر ~~(7) فقابلوها، ولا تكونوا (8) من السفهاء ms217 الذين يرسلون ألسنتهم وأقلامهم ~~بما لا فائدة لهم فيه (9)، ولا يغني من الله، ولا من دنياهم شيئا عنهم، ~~وانظروا إلى الأيمة الأخيار، وفقهاء الأمصار، هل أقبلوا على هذه الخرافات، ~~و (10) تكلموا في مثل هذه الحماقات؟ بل علموا أنها عصبية (11) جاهلية، ~~وحمية باطليه (12)، لا تفيد إلا قطع الحبل بين الخلق، وتشتيت الشمل، ~~واختلاف الأهواء. وقد كان ما كان، وقال الإخباريون (13) ما قالوا، فإما ~~سكوت وإما (14) اقتداء بأهل العلم، وطرح لسخافات (15) المؤرخين والأدباء ~~والله يكمل علينا وعليكم النعماء برحمته. ### || نكتة : # وعجبا لاستكثار (16) الناس ولاية بني (17) أمية، وأول من (18) عقد لهم ~~الولاية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (19)، فإنه ولى يوم الفتح عتاب ~~(20) بن أسيد بن أبي PageV01P340 # العيص (1) بن أمية [و 121 أ]، مكة حرم الله، وخير بلاده، وهو فتي السن قد ~~أبقل (2) أو لم يبقل واستكتب معاوية بن أبي سفيان أمينا على وحيه. ثم ولى ~~أبو بكر، يزيد (3) بن أبي سفيان - أخاه (4) - الشام، وما زالوا بعد ذلك ~~يتوقلون (5) في سبيل المجد، ويترقون في درج العز، حتى أنهتهم (6) الأيام ~~إلى منازل الكرام. وقد روى الناس أحاديث فيهم لا أصل لها، منها حديث رؤية ~~النبي بني أمية ينزون على منبره كالقردة، فعز ذلك (7) عليه فأعطي ليلة ~~القدر، خير من ألف شهر، يملكها بنو (8) أمية بعده (9). ولو كان هذا صحيحا، ~~ما استفتح الحال بولايتهم، ولا مكن لهم في الأرض بأفضل بقاعها وهي مكة. ~~وهذا أصل يجب أن تشدوا (10) عليه اليد. # فإن قيل: أحدث معاوية في الإسلام الحكم بالباطل، والقضاء بما لا يحل من ~~استلحاق زياد. قلنا: قد بينا في غير موضع أن استلحاق زياد، إنما كان لأشياء ~~(11) صحيحة، وعمل مستقيم، نبينه بعد ذكر أمثل (12) ما ادعى فيه المدعون، من ~~الانحراف عن الاستقامة. إذ لا سبيل إلى تحصيل باطلهم، لأن خرق الباطل لا ~~يرقع، ولسانه أعظم منه فكيف به (13) لا يقطع. # قالوا: كان زياد ينسب (14) إلى (عبيد الثقفي)، من سمية، جارية الحارث بن ~~كلدة (15)، واشترى (16) ((17) عبيدا) (18) - أباه - بألف درهم فأعتقه. ~~PageV01P341 # قال أبو عثمان النهدي (1): فكنا ms218 نغبطه. واستعمله عمر على بعض صدقات ~~البصرة، وقيل: بل كتب لأبي موسى فلما لم يقطع الشهادة مع الشهود على ~~المغيرة (2) جلدهم وعزله، وقال: ما عزلتك لخزية (3)، ولكني كرهت أن أحمل ~~على الناس فضل عقلك. ورووا أن عمر أرسله إلى اليمن في إصلاح فساد، فرجع ~~وخطب الناس خطبة لم يسمع مثلها. فقال عمرو [و 121 ب] بن العاص (4): أما ~~والله لو كان هذا الغلام قرشيا لساق الناس بعصاه، فقال أبو سفيان: أما (5) ~~والله إني لأعرف الذي وضعه في رحم أمه. فقال له علي: ومن؟ قال: أنا قال: ~~مهلا يا أبا سفيان! فقال أبو سفيان أبياتا من الشعر (6): # أما والله لولا خوف شخص (7) … # يراني يا علي! من الأعادي # لأظهر أمره صخر بن حرب … # ولم تكن المقالة عن زياد # وقد طالت مخاتلتي ثقيفا … # وتركي فيهم ثمر الفؤاد # فذلك الذي (8) حمل معاوية. واستعمله علي على فارس، وحمى، وجبى (9)، وفتح، ~~وأصلح. وكاتبه معاوية يروم إفساده، فوجه بكتابه إلى علي بشرع، فكتب إليه ~~علي: (إني وليتك ما وليتك، وأنت أهل لذلك عندي، ولن (10) تدرك (11) ما تريد ~~مما (12) أنت فيه إلا بالصبر واليقين، وإنما كانت من أبي سفيان فلتة، ومن ~~عمر، لا تستحق (13) بها نسبا ولا ميراثا، وأن (14) معاوية يأتي المؤمن من ~~بين يديه ومن خلفه) فلما قرأ زياد الكتاب قال: (شهد لي أبو PageV01P342 # حسن ورب الكعبة!) فذلك الذي جرأ زيادا ومعاوية على ما (1) صنعا، ثم ادعاه ~~معاوية سنة أربع وأربعين، وزوج معاوية ابنته من ابنه محمد، وبلغ الخبر أبا ~~بكرة (2) - أخاه لأمه - فآلى يمينا ألا (3) يكلمه أبدا، وقال: (هذا زني ~~أمه، وانتفى من أبيه، والله ما رأت سمية أبا سفيان قط، وكيف يفعل بأم حبيبة ~~(4) أيراها فيهتك (5) حرمة رسول الله، و (6) إن حجبته فضحته) فقال زياد: ~~"جزى الله أبا بكرة (7) خيرا، فإنه لن (8) يدع النصيحة في حال" وتكلم فيه ~~الشعراء، ورووا عن سعيد بن المسيب (9) أنه قال: أول قضاء كان في الإسلام ~~بالباطل استلحاق زياد. # قال القاضي أبو بكر (10) رضي الله عنه: قد بينا في غير ms219 موضع هذا الخبر، ~~وتكلمنا عليه، بما يغني عن إعادته [و 122 أ]، ولكن (11) لا بد في هذه ~~الحالة من بيان المقصود منه فنقول: كل ما ذكرتم لا ننفيه ولا نثبته (12)، ~~لأنه لا يحتاج (13) إليه. والذي ندريه حقا، ونقطع عليه علما، أن زيادا من ~~الصحابة بالمولد والرؤية، لا بالتفقه والمعرفة. وأما أبوه، فما علمنا له، ~~أبا قبل دعوى معاوية، على التحقيق، وإنما هي أقوال غائرة (14) من المؤرخين. ~~وأما شراؤه له فمراعاة للحضانة (15)، فإنه حضنه عند (16) أمه (17) إذ دخل ~~عليه فيه شبهة (18) بالحضانة إليه، إن كان ذلك. وأما قولهم: إن أبا عثمان ~~غبطه بذلك، PageV01P343 # فهو بعيد على أبي عثمان. فإنه ليس في أن يبتاع أحد حاضنه (1) أو أباه، ~~فيعتقه من المرتبة (2)، بحيث يغبطه عليه أبو عثمان وأمثاله، لأن هذه مرتبة ~~يدركها الغني والفقير، والشريف والوضيع، ولا بذل من المال ما يعظم قدره، ~~فيدري (3) به، قدر مروءته، في إهانة الكثير (4) العظيم (5) في صلة الولي ~~(6) الحميم. وإنما ساقوا هذه الحكاية ليجعلوا له أبا، ويكون بمنزلة من ~~انتفى من أبيه. وأما استعمال عمر له فصحيح، وناهيك بذلك تزكية، وشرفا، ~~ودينا. وأما قولهم: إن عمر عزله لأنه لم يشهد بباطل (فباطل) (7). بل روي ~~أنه لما شهد أصحابه الثلاثة، وعمر يقول للمغيرة: ذهب ربعك، ذهب نصفك، ذهب ~~ثلاثة أرباعك. فلما جاء زياد وقال له: إني أراك صبيح الوجه، وإني لأرجو أن ~~لا يفضح الله على يديك رجلا من أصحاب محمد (8). وأما خطبته التي (9) ذكروا ~~أنه أعجب بها (10) عمرو (11)، فما كان عنده فضل علم، ولا فصاحة يفوق بها ~~(12) عمرا (13)، فمن فوقه أو دونه. وقد أدخل له الشيخ (14) المفتري خطبا ~~(15) ليست في الحد المذكور. وأما قولهم: إن أبا سفيان اعترف به، وقال شعرا ~~فيه، فلا يرتاب ذو تحصيل في أن أبا سفيان لو اعترف به في حياة [و 122 ب] ~~عمر، لم يخف شيئا. لأن الحال لم تكن تخلو (16) من أحد قسمين: أما أن يرى ~~عمر ألا ظنة (17) به، كما روى عنه في غيره، فيمضي ذلك. أو يرد ذلك، ms220 فلا ~~يلزم أبا سفيان شيء باقتراف ما كان في الجاهلية. PageV01P344 # فذكرهم هذه الحكاية المخترعة، الباردة، المتهافتة الخارجة عن حد الدين ~~والتحصيل لا معنى لها (1). وأما تولية علي له فتزكية. وأما بعث معاوية ~~إليه، ليكون معه فصحيح في الجملة. وأما تفصيل (2) ما كتب معاوية أو كتب (3) ~~زياد به إلى علي، أو جاوب به علي زيادا، فهذا كله مصنوع. # وأما قول علي: إنما كانت من أبى سفيان فلتة لا يستحق بها نسبا (4)، فلو ~~صح لكان ذلك شهادة، كما روي عن زياد، ولم يكن ذلك بمبطل لما فعل معاوية، ~~لأنها مسألة اتجهاد بين العلماء، فرأى علي شيئا، ورأى معاوية وغيره، غيره. ~~وأما نكتة الكلام وهو القول في استلحاق معاوية زيادا، و (5) أخذ الناس عليه ~~في ذلك. وأي أخذ عليه فيه إن (6) كان سمع ذلك من أبيه؟ وأي عار على أبي ~~سفيان في أن يليط بنفسه ولد زنا كان في الجاهلية؟ فمعلوم أن سمية لم تكن ~~لأبي سفيان، كما لم (7) تكن وليدة زمعة لعتبة، لكن كان لعتبة منازع تعين ~~القضاء له، ولم يكن لمعاوية منازع في زياد. اللهم أن هاهنا نكتة اختلف ~~العلماء فيها (8) وهي أن الأخ إذا استلحق أخا، يقول: هذا (9) ابن أبي، ولم ~~يكن له منازع، بل كان وحده، فقال مالك: يرث، ولا يثبت (10) النسب في جماعة ~~(11)، وقال الشافعي (12) في آخرين (13): يثبت النسب، ويأخذ المال. هذا إذا ~~كان المقر به غير معروف النسب. واحتج الشافعي (14) بقول النبي (15): "هو لك ~~يا عبد بن زمعة! الولد للفراش، وللعاهر الحجر" (16). PageV01P345 # فقضى بكون للفراش، وإثبات [و 123 أ] نسبه (1). قلنا: هذا جهل عظيم (2)، ~~وذلك أن قوله، إن النبي (3) قضى بكونه للفراش صحيح. وأما قوله، بثبوت النسب ~~فباطل لأن عبدا ادعى شيئين (4): أحدهما: الأخوة، والثاني: ولادة الفراش. ~~فلو قال له النبي (5): "هو أخوك، الولد للفراش"، لكان إثباتا للحكم، وذكرا ~~للعلة (6). بيد أن النبي (7) عدل عن الأخوة، ولم يتعرض لها، وأعرض عن ~~النسب، ولم يصرح به. وإنما في الصحيح في لفظ (هو أخوك)، وفي آخر (هو لك) ~~معناه ms221 فأنت أعلم به. وقد مهدنا ذلك في "مسائل الخلاف" (8). فالحارث بن كلدة ~~لم يدع زيادا، ولا كان إليه منسوبا، وإنما كان ابن أمته، ولد على فراشه أي ~~(9) في داره، فكل من ادعاه فهو له، إلا أن يعارضه من هو أولى به منه، فلم ~~يكن على معاوية في ذلك مغمز، بل فعل فيه الحق على مذهب مالك. فإن قيل: فلم ~~أنكر عليه الصحابة؟ قلنا: لأنها مسألة اجتهادية. فمن رأى أن النسب لا يلحق ~~(10) بالوارث الواحد أنكر ذلك وعظمه. فإن قيل: ولم لعنوه، وكانوا (11) ~~يحتجون بقول النبي (12): ملعون من انتسب لغير أبيه أو انتمى إلى غير ~~مواليه؟ قلنا: إنما لعنه من لعنه لوجهين: أحدهما: لأنه أثبت نسبه من هذا ~~الطريق. ومن لم ير لعنه لهذا، لعنه لغيره. قال (13): وكان زياد أهلا أن ~~يلعن عندهم لما أحدث بعد استلحاق (14) معاوية. فإن قيل: جعل النبي (15) ~~للزنا حرمة ورتب عليه (16) PageV01P346 # حكما حين قال: (احتجبي (1) منه يا سودة) وهذا يدل على أن الزنا يتعلق به ~~من حرمة الوطء ما يتعلق بالنكاح الصحيح. هكذا قال الكوفيون، ومالك في رواية ~~ابن القاسم (2)، يساعدهم على المسألة، ولا يساعدهم على دليلها من هذا ~~الوجه. وقد بيناها في كتاب النكاح. وقال الشافعي (3): العذر في أمر النبي ~~(4) لسودة بالاحتجاب مع ثبوت نسبه من زمعة، وصحة أخوته لها بدعوى عبد، أن ~~ذلك [و 123 ب] تعظيم لحرمة أزواج النبي (5) لأنهن لم يكن كأحد من النساء في ~~شرفهن، وفضلهن. قلنا: لو كان أخاها بنسب ثابت صحيح كما قلتم، ويكون قول ~~النبي (6) الولد للفرالش، تحقيقا للنسب، لما منع - صلى الله عليه وسلم - ~~سودة منه، كما لم يمنع عائشة رضي الله عنها (7) من الوجل الذي قالت: هو أخي ~~من الرضاعة وإنما قال: (انظرن من إخوانكم) وأما ما (8) روي عن سعيد بن ~~المسيب، فأخبر عن مذهبه في أن هذا الاستلحاق ليس بصحيح. وكذلك رأى غيره من ~~الصحابة والتابعين، وقد صارت المسألة إلى الخلاف بين الأمة، وفقهاء ~~الأمصار، فخرجت من حد الانتقاد إلى حد الاعتقاد، وقد صرح مالك ms222 في كتاب ~~الإسلام وهو الموطأ بنسبه، فقال في دولة بني العباس: إن (9) زياد بن أبي ~~سفيان. ولم يقل كما يقول المخاذل (10): زياد ابن أبيه. هذا على أنه لا يرى ~~النسب يثبت بقول واحد، ولكن في ذلك فقه بديع لم يتفطن (11) له أحد. وهو ~~أنها لما كانت مسألة خلاف، ونفذ الحكم فيها بأحد الوجهين، لم يكن لها رجوع. ~~فإن حكم القاضي في مسائل الخلاف بأحد القولين يمضيها (12)، ويرفع الخلاف ~~فيها. والله أعلم. PageV01P347 # وأما روايتهم أن عمر قال: كرهت أن أحمل فضل عقلك على الناس. فهذه زيادة ~~ليس لها أصل، من ناقص عقل، وأي عقل كان لزياد يزيد به (1) على الناس في ~~أيام (2) عمر، وغلام (3) كل واحد من الصحابة (4) كان أعقل من زياد وأعلم ~~منه؟ ولهذا كل من كمل عقله أكثر من الآخر فهو أولى أن يختلط مع الناس، ~~ويقولون: إنه كان داهية، وهي كلمة واهية الدهاء والأرب هو المعرفة ~~بالمعاني، والاستدلال على العواقب بالمبادئ، وكل أحد من الصحابة والتابعين ~~فوق زياد. وتلك البرودات التي (5) يروي (6) المؤرخون من كذبهم في حيل الحرب ~~[و 124 أ]، والفتك بالناس، كل أحد اليوم يقدر على مثلها وأكثر منها، ~~والحيلة إنما تكون بديعة وتنثي (7) وتروي إذا وافقت الدين، وأما كل حكاية ~~تخالف الدين، فليس من روايتها ولا في رواتها (8) خير ولا عقل، وكل الناس ~~كما قدمنا - وخذ من ولاة بني أمية خاصة - أعقل من زياد وأفصح منه. فلا ~~تلتفتوا إلى ما روي من الأباطيل. ### || نكتة # و (9) الولايات والعزلات لها معان (10) وحقائق لا يعلمها كثير من الناس ~~لقد علمتم أن رسول الله (11) مات عن زهاء اثني عشر ألفا من "الصحابه ~~معلومين، منهم ألفان أو نحوهما مشاهير في الجلالة ولى منهم أبو بكر، سعدا، ~~وأبا عبيدة، ويزيد، وخالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل (12)، ونفوا غيرهم ~~فوقهم، وولى أنس بن مالك ابن عشرين سنة على البحرين اقتداء بالنبي (13) في ~~PageV01P348 # عتاب، ومتى كان استوفى المشيخة حتى يأخذ من (1) الشبان؟ وولى عمر أيضا ~~كذلك، وبادر بعزل خالد، وذلك كله لفقه ms223 عظيم، ومعارف بديعة بيانها في موضعها ~~من كتب الإمامة والسياسة من الأصول، فخذوا في فن (2) غير هذا (3)، فليس هذا ~~الباب مما تلوكه أشداق أهل الآداب وأما ما روي عن معاوية أنه استدعى شهودا، ~~فشهد السلولي (4) وسواه فسل (5) من الحق، ما روي عن السلولي، فإنه لم يكن ~~قط، وأسعد بإسقاط (6) ما روي في القصة سعيد أو سعد (7). وأما كلام أبي بكرة ~~أخيه (8) لأمه، فغير ضائر له لأن ذلك رأي من (9) أبي بكرة واجتهاد (10). ~~وأما قولهم فيها عن أبي بكرة (11) (أنه زني أمه) فلو كان ذلك صحيحا لم يضر ~~أمه ما جرى (12) في الجاهلية، في الدين، فإن الله عفا عن أمر (13) الجاهلية ~~كلها بالإسلام، وأسقط الإثم والعار (14) منه، فلا يذكره إلا جاهل به. # قال القاضي أبو بكر رضي [و 124 ب] الله عنه: والناس إذا لم يجدوا عيبا ~~لأحد، وغلبهم حسدهم عليه، وعداوتهم له، أحدثوا له عيوبا، فاقبلوا الوصية، ~~ولا تلتفتوا إلا إلى ما صح من الأخبار، واجتنبوا - كما ذكرت لكم - أهل ~~التواريخ، فإنهم ذكروا عن السلف أخبارا صحيحة يسيرة (15)، ليتوسلوا بذلك ~~إلى رواية الأباطيل، فيقذفوا - كما قدمنا - في قلوب الناس ما لا ~~PageV01P349 # يرضاه الله تعالى، وليحتقروا (1) السلف ويهونوا الدين (2)، وهو أعز من ~~ذلك، وهم أكرم منا، فرضي الله عن جميعهم. # ومن نظر إلى أفعال الصحابة تبين منها بطلان هذه الهتوك (3) التي يختلق ~~(4) أهل التواريخ، فيدسونها في قلوب الضعفاء و (5) هذا زياد لما أحس ~~بالمنية (6) استخلف سمرة بن جندب من كبار الصحابة، فقبل خلافته، وكيف يظن ~~به على منزلته أنه يقبل ولاية ظالم لغير رشدة، وهو على ما هو عليه من ~~الصحبة، وذلك من غير إكراه، ولا تقية. إن هذا لهو الدليل المبين، فمع من ~~تحبون أن تكونوا، مع سمرة بن جندب أو مع المسعودي (7)، والمبرد (8)، وابن ~~قتيبة (9)، ونظرائهم؟ وهذا غاية في البيان. ### || قاصمة # كانت الجاهلية مبنية على العصبية، متعاملة بينها بالحمية، فلما جاء ~~الإسلام بالحق، وأظهر الله منته على الخلق، قال الله (10) سبحانه: {واذكروا ~~نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف ms224 بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا} [آل ~~عمران: 103] وقال لنبيه: {لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ~~ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم} (11) [الأنفال: 63] فكان PageV01P350 # بركة (1) النبي (2) تحميهم (3)، وتجمع (4) شملهم، وتصلح (5) قلوبهم، ~~وتمحو (6) ضغائنهم. فاستأثر (7) الله برسوله (8) ونفرت النفوس، وتماسكت ~~الظواهر منجزة ما دام الميزان قائما، فلما [و 125 أ]، رفع الميزان - كما ~~تقدم ذكره في الحديث - أخذ الله القلوب عن الألفة، ونشر جناحا من التقاطع، ~~حتى سوى جناحين بقتل عثمان، فطار في الآفاق، واتصل الهرج إلى يوم المساق ~~(9)، وصارت الخلائق عزين، في كل واحد من العصبية (10) يهيمون، فمنهم بكرية، ~~وعمرية، وعثمانية، وعلوية، وعباسية، كل يزعم أن الحق معها، وفي صاحبها ~~والباقي ظلوم غشوم، مقتر (11) من الخير عديم، وليس بمذهب، ولا فيه مقالة، ~~وإنما هي حماقات وجهالات، أو دسائس للضلالات (12)، حتى تضمحل الشريعة، ~~وتهزأ الملحدة من الملة، ويلهو بهم الشيطان ويلعب، وقد سار بهم في غير ~~مسير، ولا مذهب. # قال البكرية: أبو بكر نص عليه رسول الله (13) في الصلاة، ورضيته الأمة ~~للدنيا، وكان عند النبي (14) بتلك المنزلة العليا، والمحبة الخالصة، وولي ~~فعدل، واختار فأجاد. إلا أنه أوهم في عمر فإن أمره غلظ (15)، وفظاظته غلبت، ~~وذكروا معائب وأما عثمان فلم يخف ما عمل، وكذلك علي، وأما العباس فغير ~~مذكور. # وقال العمرية: أما أبو بكر ففاضل ضعيف، وعمر إمام عدل، قوي، بمدح النبي ~~(16) له في حديث الرؤيا والدلو، والعبقري كما تقدم. وأما عثمان PageV01P351 # فخارج عن الطريق ما اختار واليا، ولا وفى أحدا حقا، ولا كف أقاربه، ولا ~~اتبع سنن من كان قبله. وأما علي فجريء على الدماء. لقد سمعت في مجالس أن ~~ابن جريج (1) كان يقدم عمر على أبي بكر، وسمعت الطرطوشي يقول: لو قال أحد ~~بتقديم (2) عمر لتبعته (3). # و (4) قالت العثمانية: عثمان له السوابق المتقدمة، والفضائل، والفواصل في ~~الذات والمال، وقتل مظلوما. # وقالت العلوية: علي ابن عمه وصهره، وأبو سبطي النبي (5)، وولد النبي ~~حضانة. # وقال العباسي: [و 125 ب] هو أبو النبي (6) وأولاهم بالتقديم (7) بعده، ~~وطولوا في ذلك ms225 من الكلام ما لا معنى لذكره لدناءته. ورووا أحاديث لا يحل ~~لنا أن نذكرها، لعظيم الافتراء فيها، ودناءة رواتها، وأكثر الملحدة على ~~التعلق بأهل البيت، وتقدمة (8) علي على جميع الخلق، حتى أن الرافضة انقسمت ~~إلى عشرين فرقة، أعظمهم بأسا من يقول: إن عليا هو الله. والغرابية يقولون: ~~إنه رسول الله لكن جبريل عدل بالرسالة عنه إلى محمد حمية منه معه، في كفر ~~بارد، لا يسخنه (9) إلا حرارة السيف. فأما دفء المناظرة فلا يؤثر فيه. ### || عاصمة # إنما ذكرت لكم هذا، لتحترزوا من الخلق، وخاصة من المفسرين، والمؤرخين، ~~وأهل الآداب (10) فإنهم أهل جهالة بحرمات الدين، أو على (11) PageV01P352 # بدعة مصرين، فلا تبالوا بما (1) رووا ولا تقبلوا رواية إلا عن أيمة ~~الحديث، ولا تسمعوا لمؤرخ كلاما إلا للطبرى، وغير ذلك هو الموت الأحمر، ~~والداء الأكبر، فإنهم ينشئون أحاديث فيها استحقار الصحابة والسلف ~~والاستخفاف بهم، واختراع الاسترسال في الأقوال والأفعال عنهم، وخروج ~~مقاصدهم عن الدين إلى الدنيا، وعن الحق إلى الهوى. فإذا قطعتم أصل (2) ~~الباطل، واقتصرتم على رواية العدول (سلمتم من الحبائل، ولم تطووا كشحا على ~~هذه الغوائل) (3) ومن أشد شيء على الناس جاهل (4) عاقل، أو مبتدع محتال، ~~فأما الجاهل فهو ابن قتيبة، فلم يبق، ولم يذر (5) للصحابة رسما في كتاب ~~"الإمامة والسياسة" (6) إن صح عنه جميع ما فيه (6) وكالمبرد في كتابه ~~الأدبي (7)، وأين عقله من عقل ثعلب (8) الإمام المقدم (9) في أماليه، فإنه ~~ساقها بطريقة أدبية سالمة من الطعن على أفاضل الأمة. و (10) أما المبتدع ~~المحتال فالمسعودي (11)، فإنه بما (12) يأتي منه متاخمة (13) الإلحاد فيما ~~رواه من ذلك، وأما البدعة فلا شك فيه. فإذا [و 126 أ]، صنتم أسماعكم ~~وأبصاركم عن مطالعة الباطل، ولم تسمعوا في خليفة ممن نسب (14) إليه ما لا ~~يليق، ويذكر عنه ما لا يجوز فعله، (كنتم على منهج السلف سائرين، وعن سبيل ~~الباطل ناكبين) (15) فهذا مالك رضي الله عنه قد احتج بقضاء عبد الملك بن ~~مروان (16) في موطئه، وأبرزه في جملة قواعد الشريعة. وقال في رواية عن زياد ~~بن أبي سفيان، فنسبه ms226 إليه (17)، PageV01P353 # وقد علم قصته ولو كان عنده - كما (1) يقول العوام - باطلا (2) لما رضي أن ~~ينسبه، ولا يذكره في كتابه الذي أسسه للإسلام. وقد جمع ذلك كله في أيام بني ~~العباس، والدولة لهم، والحكم بأيديهم، فما غيروا عليه، ولا أنكروا ذلك منه، ~~لفضل علومهم، ومعرفتهم بأن مسألة زياد، مسألة قد اختلف الناس فيها، فمنهم ~~من جوزها ومنهم من منعها. فلم يكن لاعتراضهم إليها سبيل، وكذلك أعجبهم - ~~حين قرأ الخليفة على مالك الموطأ - ذكر عبد الملك بن مروان فيه، وإن كان من ~~بغضائه (3)، لأنه إذا احتج العلماء بقضائه، فسيحتج (4) بقضائه أيضا مثله، ~~وإذا طعن فيه، طعن فيه بمثله. # وأخرج البخاري عن عبد الله بن دينار (5)، قال شهدت ابن عمر حيث اجتمع ~~الناس على عبد الملك بن مروان كتب: "إني أقرأ بالسمع والطاعة لعبد الملك ~~أمير المؤمنين على سنة الله وسنة رسوله مما استطعت، وإن بني قد أقروا (6) ~~بمثل ذلك" وهذا المأمون (7) كان يقول بخلق القرآن، وكذلك الواثق (8)، ~~وأظهروا (9) بدعتهم، فصارت (10) مسألة معلومة، إذا ابتدع القاضي أو (11) ~~الإمام هل تصح ولايته (12) وتنفذ أحكامه أم هي مردودة؟ وهي مسألة معروفة. ~~وهذا أشد (13) من برودات ذكرها (14) أصحاب التواريخ من: أن فلانا الخليفة ~~شرب الخمر، أو غنى، أو فسق، وتزنى (15)، فإن هذا القول في PageV01P354 # القرآن بدعة أو (1) كفر على اختلالاف العلماء فيه، قد اشتهروا به، وهذه ~~المعاصي لم يتظاهروا بها، إن كانوا فعلوها، فكيف يثبت ذلك عليهم بأقوال [و ~~126 ب] المغنين، والبراد من المؤرخين، قصدوا (2) بذكر ذلك عنهم، تسهيل ~~المعاصي على الناس، وليقولوا: إذا كان خلفاؤنا يفعلون هذا، فما يستبعد ذلك ~~منا، وساعدهم الرؤساء على إشاعة هذه الكتب، وقراءتها، لرغبتهم في مثل ~~أفعالهم (3)، حتى صار المعروف منكرا، والمنكر معروفا، وحتى سامحوا الجاحظ ~~(4)، أن تقرأ (5) كتبه في المساجد، وفيها من الباطل والكذب والمناكير (6)، ~~ونسبة الأنبياء إلى أنهم ولدوا لغير رشدة، كما قال في إسحق - صلى الله عليه ~~وسلم - في كتاب الضلال والتضليل (7)، كما (8) مكنوا من قراءة كتب الفلاسفة ~~في إنكار الصانع، وإبطال الشرائع، لما لوزرائهم، وخواصهم ms227 في ذلك من الأغراض ~~الفاسدة، والمقاصد الباطلة. # فإن زل فقيه، أو أساء العبارة عالم: يكن ما أساء النار في رأس كبكبا (9) ~~وبالوقوف على هذه الفصول تحسن نياتكم (10)، وتسلم من (11) التغير قلوبكم ~~على ما سبق. وقد بينت لكم أنكم لا تقبلون على أنفسكم في دينار، بل في درهم ~~إلا عدلا بريئا من التهمة (12) سليما من (13) الشهوة. فكيف تقبلون في أحوال ~~السلف، وما جرى بين الأوائل، من ليس له مرتبة في الدين، فكيف في العدالة! ~~فرحم الله عمر بن عبد العزيز (14) حيث قال: - وقد تكلموا في الذي جرى بين ~~الصحابة - {تلك أمة قد خلت، لها ما كسبت، ولكم ما PageV01P355 # كسبتم، ولا تسألون عما كانوأ يفعلون} (1) [البقرة: 134]. ### || قاصمة وعاصمتها # قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أنزل القرآن (2) على سبعة أحرف ~~فاقرأوا ما تيسر منه" (3) عظم الناس هذا الحديث، وتكلموا على معناه، ~~واختلفوا فيه (4). وقد بينت أقوالهم، وحررت مقاطع الكلام في جزء مفرد، ووقع ~~(5) منثورا، حيثما جاء الكلام من "الأمالي" ومعنى الكلام [و 127 أ]: "أن ~~الله (6) وسع على هذه الأمة، وأذن للصحابة في أن يقرأ كل واحد (7) بما ~~استطاع من لغته، ولذلك أذن لعمر بن الخطاب (8)، وهشام بن حكيم (9)، في ~~قراءتهما، وكانا قرشيين، وأذن لأبي بن كعب الأنصاري (10) ومن خالفه (11) في ~~القراءة بأن يقرأ كل واحد منهما بما كان قرأ. قال أبي: فدخل قلبي ما لم ~~يدخله قط مذ أسلمت، فقال لي النبي (12): "إن هذا القرآن أنزل على سبعة ~~أحرف، فاقرأوا ما تيسر منه" واستمرت الحال هكذا حياة النبي رخصة من الله، ~~وتوسعة على الخلق، إذ لو كلفوا أن يقرأوا باللغة التي نزل القرآن بها، وهي ~~لغة قريش، لنفر قوم، وشق على آخرين، والشريعة سمحة، ولم يزل جبريل يتعاهد ~~النبي (13) بالقرآن (14) في رمضان ويدارسه (15)، حتى كان العام الذي توفي ~~فيه، دارسه به (16) مرتين فقال النبي (17): "أرى أجلي قد حضر" والنبي يضبط ~~كل الذي PageV01P356 # يدارسه به، ويمليه على كتابه، ويقيده (1) في الصحف ثم استأثر الله برسوله ~~(2)، واشتعلت الفتنة، واشتغلت (3) الصحابة بتمهيد الإسلام، وتوطيد الدين، ms228 ~~وتأليف القلوب على شعائر الإسلام، فلما كان يوم اليمامة في عهد أبي بكر، ~~واستحر القتل بالقراءة قال زيد بن ثابت: فأرسل إلي أبو بكر فجئته فإذا عمر ~~عنده، فقال لي أبو بكر: إن عمر جاءني فقال: إن القتل قد استحر بقراء ~~القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بهم في المواطن كلها، فيذهب قرآن كثير. ~~وذكر الحديث المتقدم في ذكر عثمان رضي الله عنه - إلى قوله -: ووجدت آخر ~~سورة التوبة عند خزيمة بن ثابت. فنفذ (4) وعد الله في ذلك بالحفظ على يدي ~~شريفي (5) الإسلام، وكريمي الدنيا والآخرة، (وسيدي كهول أهل الجنة من ~~الأولين والآخرين) (6). وكان هذا أصلا في استعمال الرأي في الدين، والحكم ~~من المصالح والمعاني بما لم يكن ذكره (7) النبي صلى الله [و 127 ب] عليه ~~وسلم. فلما كان زمان (8) تمم الله (9) هذه البقية على يديه، فجاءه حذيفة، ~~وكان بمغازي (10) فتح أرمينية، وأذربيجان، فقال له (11): يا أمير المؤمنين ~~أدرك الناس قبل أن يختلفوا في القرآن كما اختلفت اليهود والنصارى وكانت ~~الصحف الأول (12) قد استقرت عند أبي بكر، ثم عند عمر ثم عند حفصة، فأرسل ~~عثمان إلى حفصة أن أرسلي (13) إلي بالصحف ننسخها والمصاحف، ثم نردها إليك، ~~فأرسلت حفصة (14) إلى عثمان بها، فأرسل عثمان إلى زيد بن ثابت، وسعيد بن ~~العاص (15)، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الله بن الزبير، أن ~~انسخوا الصحف في المصاحف، فبعث عثمان إلى كل أفق بمصحف. وقال زيد: فقدت آية ~~من سورة الأحزاب، كنت أسمع PageV01P357 # رسول الله (1) يقرأها: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} ~~فوجدتها (2) مع خزيمة بن ثابت. قال الزهري: فاختلفوا يومئذ في التابوت، أو ~~التابوه (3)، فقال عثمان: اكتبوه بالتاء فإن القرآن نزل بلغة قريش. # وكتبت المصاحف (4)، ووجه بها عثمان إلى الآفاق. انتهى الحديث الصحيح. ثم ~~روي بعد ذلك أنه كتب سبعة (5) مصاحف: مصحف لمكة، وللبصرة، وللكوفة (6)، ~~وللشام (7)، ولليمن، وللبحرين، وحبس عنده واحدا. فأما مصحف اليمن والبحرين ~~فلم يسمع لهما خبر. و (8) يروى أنه أرسل ثلاثة (9) مصاحف إلى الشام والعراق ~~واليمن. وروي ms229 أنه أرسل أربعة إلى الشام، والحجاز، والكوفة، والبصرة، وحبس ~~واحدا عنده (10) وهو الأصح. وكانت هذه المصاحف تذكرة لئلا يضيع القرآن، ~~وتبصرة لئلا يضل الخلق بالاختلاف فإنه لو قرأوا آخرا كما كانت قراءتهم ~~أولا، لم ينضبط الأمر، وكان الخرق يتسع، والاختلاف يقع، فنسخ (11) الإجماع ~~الرفق (12) المتيسر في [و 128 أ] أول الإسلام بالمصلحة المتحققة آخرا (13)، ~~في ضبط الأمر، ورده إلى القانون الذي نزل القرآن عليه، فكانت المصاحف أصلا، ~~وكانت القراءة رواية أقرأت الصحابة التابعين، وكان نقل المصحف إلى نسخه ~~(14) على النحو الذي كانوا يكتبون لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتابة ~~عثمان، وزيد، وأبي، وسواهم، من غير نقط، ولا ضبط. واعتمدوا هذا النقل ليبقى ~~بعد جمع الناس على ما في المصحف، نوع من الرفق في القراءة باختلاف الضبط، ~~وفي أثناء النقل اختلفت (15) المصاحف في أحرف يسيرة، أربعة أو خمسة، ثم زاد ~~الأمر إلى أن اختلف (16) القراء في زيادة أربعين حرفا، منها واو، وألف، ~~وياء. وأما PageV01P358 # "كلمة" فلم تكن (1) إلا في حرفين أحدهما في "التوبة" والآخر (2) في ~~"الحديد" [{فإن الله هو الغني الحميد} [الحديد: 24] بزيادة "هو"، قرأت ~~الجماعة إلا نافعا (3) وابن عمر (4)] (5) وهذا أمر يسير، لا يؤثر في الدين، ~~ولا يحط من حفظ القرآن. # وقد رويت أحرف كثيرة زيدت من غير هذه الروايات المعروفة. فإن قيل: فهذه ~~الروايات المعروفة، ما شأنها؟ هل عندك بيانها؟ قلنا: نعم، قد تكلم عليها ~~العلماء وتعاطاها من أهلها، من ليس من أهلها، كما جرى في كل علم. فذكر أبو ~~حاتم (6)، القراء وأقوالهم (7) وقراءاتهم، وأسقط حمزة (8) والكسائي (9) ~~وابن عامر، وزاد عشرين رجلا، وجمع أبو عبيد (10) قراءات، وجمع إسماعيل ~~القاضي (11)، وجمع ابن مجاهد (12) وعد يعقوب (13) من السبعة ثم أسقطه (14) ~~بعد أن تكلم (15) فيه، وذكر الكسائي، والكسائي من حمزة كيعقوب من أبي عمرو ~~(16)، وقد قرأ أبو عمرو على ابن كثير (17). وقد ذكر PageV01P359 # الطبري في (1) كتاب القراءات، وذكر نحوا من عشرين قارئا. ذلك كله (2) ~~لتعلموا (3) أن ضبط الأمر على سبع قراء ليس له أصل في الشريعة، وقد جمع قوم ~~ثماني قراءات، ms230 وقد جمع آخرون عشر قراءات. والأصل في ذلك كله عندي: أن (4) ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لما (5) قال: "أنزل القرآن على سبعة أحرف" ~~انقسم الحال بقوم، فظن جاهلون (6) أنها سبع قراءات، وهذا ما لا يصح في علم ~~عالم، وتيمن آخرون بهذا اللفظ فقالوا (7): تعالى فلنجمع سبع قراءات، وكانت ~~الأمصار جمة (8)، وقد جمع قراؤها وقراءاتها، حتى خطر هذا الخاطر لمن خطر، ~~فجمع السبع وهو ابن مجاهد، وذكر يعقوب فأسقط بالسلطان، وذكر الكسائي، ~~وألزمت المملكة ذلك للناس، فجرى القول فيه كذلك، وجرت القراءة على حرف أبي ~~عمرو بالعراق إلى اليوم. ولما ظهرت الأموية على المغرب، وأرادت الإنفراد عن ~~العباسية، وجدت (9) المغرب على مذهب الأوزاعي (10) فأقامت - في قولها - رسم ~~السنة، وأخذت بمذهب أهل المدينة في فقههم وقراءتهم، وكانت أقرب من إليهم ~~قراءة ورش (11)، فحملت روايته، وألزم الناس بالمغرب حرف نافع، ومذهب مالك، ~~فجروا عليه، وصاروا لا يتعدونه، وحمل حرف قالون (12) إلى العراق، فهو فيه ~~أشهر من ورش، وكذلك هو، فإن إسماعيل القاضي نوه بذكر قالون. فأما ورش فلم ~~يحمل عنه من له ظهور في العلم. ودخلت بعد ذلك الكتب وتوطدت الدولة فأذن في ~~سائر العلوم، وترامت الحال إلى أن كثرت الروايات، في هذه القراءات، وعظم ~~الاختلاف، حتى انتهت في السبع إلى ألف وخمسمائة رواية، وفي شاذ السبع ~~PageV01P360 # إلى نحو الخمسمائة. وأكب الخلق على الحروف ليضبطوها فأهمولها، وليحصروها ~~فأرسلوها إلى غير غاية. وأراد بعضهم أن يردها إلى الأصل فقرأ بكل لغة، ~~وقال: هذه لغة بني فلان، وهذه لغة بني فلان. # قال القاضي أبو بكر رضي الله عنه: وبعد أن ضبط الله الحروف، والسور، لا ~~تبالون (1) بهذه التكليفات فإنها زيادات في التشغيب، وخالية من (2) الأجر، ~~بل ربما دخلت في الوزر. ولقد انتهى التكليف بقوم إلى أن رووا في بعض سور ~~القرآن، التهليل والتكبير. وما ثبت ذلك قط عن عدل، ولا نقل في صحيح. وانتهت ~~الحال ببعضهم إلى أن يرى (3) البسملة عند كل ابتداء، كان في أول السورة أو ~~لم يكن، حين رأى بعضهم قد قال: ms231 لا نبسمل (4) إلا في سورة مخصوصة، يتصل أول ~~سورة بآخر أخرى، على التضاد فيفصل بالبسملة، وغفل عن نوع كثير في القرآن من ~~ذلك كان ينبغي أن يبسمل فيه، أو يستعيذ، لئلا يتصل الشيء بنقيضه في المعنى. ~~فلئن قال: إن قوله في آخر (5) "الفجر": {وادخلي جنتي} [الفجر: 35] لا بد أن ~~يقول: بسم الله الرحمن الرحيم. وحينئذ {لا أقسم} [البلد: 1] لئلا يتصل ~~قولك: (لا) بقولك: {ادخلي جنتي} يقال له: فكيف يتصل قوله: {وكذلك حقت كلمة ~~ربك على الذين كفروا إنهم أصحاب النار الذين يحملون العرش ومن حوله} [غافر: ~~7] وهذا لازم، حتى انتهت الجهالة إلى البدعة بقوم، فكان المقرئ منهم (6) ~~بمكة في عشر الخمسمائة يبسمل في سورة "براءة" ويتلوه ويرويه (7). وهذه بدعة ~~خرقت إجماع الصحابة، والأمة، وهو كلة كذب موضوع، يلزم رواتها الأدب، ~~وقائلها الاستتابة. ### || كيفية القراءة (8) اليوم: # قال بعضهم: نقرأ بما اجتمعت فيه ثلاثة (9) شروط: ما صح نقله، PageV01P361 # وصح في العربية لفظه، ووافق خط المصحف. وقال إسماعيل القاضي: ما وافق خط ~~الصحف يقرأ به. وهذا كله إنما أوجبه، أن جمع السبع لم يكن بإجماع، وإنما ~~كان باختيار من واحد، أو آحاد، والمختار أن يقرأ المسلمون على خط المصحف ~~بكل (1) ما صح في النقل، ولا يخرجوا عنه، ولا يلتفتوا إلى قول من يقول: ~~نقرأ السورة الواحدة أو القرآن بحرف قارئ واحد، بل يقرأ بأي حرف أراد، ولا ~~يلزمه أن يجعل حرفا واحدا ديدنه (2)، ولا أصله. والكل قرآن صحيح، وضم حرف ~~إلى حرف، وقارئ إلى قارئ، ليس له في الشريعة أصل. وما من القراء واحد، إلا ~~وقد قرأ بما قرأ به الآخر، وإنما هذه اختياراتهم، وليس يلزمهم اختياراتهم ~~أحدا، فإنهم ليسوا بمعصومين، ولا دل دليل على لزوم قول واحد (3) من ~~الصحابة، فكيف بهؤلاء القراء! ولكن لما صارت هذه القراءة صناعة، رفرفوا ~~عليها، وناضلوا عنها، وأفنوا أعمارهم من غير حاجة إليهم، فيها. فيموت ~~أحدهم، وقد أقام القرآن، كما (4) يقام القدح لفظا، وكسر معانيه كسر الإناء، ~~فلم يلتئم عليه منها معنى، ولا فرق بين أن يقرأ ms232 كتاب أبي عبيد، أو الطبري، ~~وهما (5) خير من كتاب ابن مجاهد، وأصح. فعلى أحدهما عولوا إن أردتم النظر ~~في شيء من ضبط الحروف، فإن قيل: فما صح سنده من القراءات (6) وخالف خط ~~المصحف، ماذا (7) ترون؟ قلنا: لا يقرأ به بحال، فإن الإجماع قد انعقد على ~~تركه، ألا ترى إلى ابن مسعود، كره (8) نسخ زيد بن ثابت للمصاحف، وقال: يا ~~معشر المسلمين أأعزل (9) عن نسخ كتابة المصحف، ويتولاها رجل، والله، لقد ~~أسلمت، وإنه لفي صلب رجل كافر؟ يريد زيد بن ثابت وقال ابن مسعود: يا أهل ~~العراق إن الله يقول: {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة} [آل عمران: 161] ~~وأنا غال مصحفي، فمن استطاع منكم أن يغل مصحفه فليفعل، فكره ذلك من مقالة ~~PageV01P362 # ابن مسعود، رجال من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفي رواية: ~~أتأمروني (1) أن أقرأ على قراءة زيد، ولقد حفظت من في رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - كذا وكذا سورة، وإنه لفي صلب كافر. قلنا: هذا كله صحيح، وقد ~~بينا أنه كان يقرأ هو وأبي، وزيد، وعمر، وهشام، وكل أحد، والنبي يقرئ الكل، ~~ثم حدث من الأمر كما قدمنا، واستقرت الحال كما بينا، فكان الواجب على ابن ~~مسعود، وسواه، أن يرجع إلى المتفق عليه، ولا حجة لابن مسعود على عثمان في ~~اختياره لزيد، فإن أبا بكر وعمر، قد اختاراه، وعبد الله بن مسعود حي (2)، ~~حاضر، وسواه. واعلموا بهذا وغيره أن عثمان مظلوم في كل ما يؤخذ عليه فيه ~~فإنه (3) اقتدى بمن سبقه من الخلفاء، وبم (4) يخص بالملامة دونهم؟ وهذا من ~~فساد الناس، وقلة إنصافهم. ### || سبب الاختلاف # وقد قال بعض الناس: إن سبب اختلاف القراء بعد خط المصحف، أن الناس كانت ~~لهم قبل إرسال عثمان المصاحف، قراءات، فلما ردوا إلى خط المصحف، التزموا ~~ذلك فيما كات محفوظا، وقرأ كل واحد بما كان عنده ملفوظا، مما لم يعارض ~~الخط، وهذا ممكن ظاهر. والذي قلناه هو الأصل الذي يعول عليه. والله الموفق ~~للصواب برحمته. والذي اختاره لنفسي إذا قرأت، ms233 أكثر الحروف المنسوبة إلى ~~قالون، إلا الهمز فإني أتركه أصلا، إلا فيما يحيل المعنى، أو يلبسه مع ~~غيره، أو يسقط المعنى بإسقاطه. ولا أكسر باء "بيوت"، ولا عين "عيون" فإن ~~الخروج من كسر إلى ياء مضمومة لم أقدر عليه، ولا أكسر ميم "مت"، وما كنت ~~لأمد مد حمزة، ولا أقف على الساكن وقفته (5). ولا أقرأ بالإدغام الكبير ~~لأبي عمرو، ولو رواه في تسعين ألفا (6) قراءة، فكيف في رواية "بحرف من سبعة ~~أحرف". ولا أمد ميم ابن كثير. ولا أضم هاء "عليهم" و"إليهم" وذلك أخف. وهذه ~~كلها أو أكثرها عندي PageV01P363 # لغات، لا قراءات، لأنها لم يثبت منها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~(1) شيء، وإذا تأملتها رأيتها اختيارات مبنية على معان ولغات (2). # وأقوى القراءات سندا قراءة عاصم (3) عن ابن عبد الرحمن (4) عن علي، وعبد ~~الله بن عامر. فما اجتمع رواة (5) هؤلاء عليه فهو ثابت، وقراءة (6) أبي ~~جعفر ثابتة صحيحة، لا كلام فيها. وطلبت أسانيد الباقين فلم أجد فيها ~~مشهورا، ورأيت أمرها على اللغات، وخط المصحف مبينا (7) .. والله أعلم. ### || قاصمة # ولما نزلت هذه العواصم منازلها (8)، وأصابت من القواصم شواكلها، وخلصت ~~العقائد من شبهاتها في قواعدها، وحملت سائر حملها على معاقدها التي ربطناها ~~لها، واستعين عليها بما قرره العلماء في كتبهم، وبما أومأنا نحن إليه [و ~~128 ب]، في تعليقنا (9)، عطفنا عنان القول، على (10) مصائب نزلت بالعلماء ~~في طريق الفتوى. وقد كانت على مرتبتها في الصدر الأول، ثم نزلت (11) حتى ~~كثرت (12) البدع، وذهب العلماء، وتسترت المبتدعة بالشريعة، PageV01P364 # فتعاطت منصب الفقهاء، وتعلقت أطماع الجهال بها، فنالوها بفساد الزمان، ~~وبنفوذ وعد الصادق في قوله: اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير ~~علم فضلوا وأضلوا. ونحن نعقد في ذلك عواصم، تكون (1) رشدا من الضلال، وسلما ~~من الخبال، وتقيا (2) من (3) الخيال، بعون الله (4)، وذلك بين (5) في تعداد ~~القواصم (6)، واتباعها في عواصمها. ### || قاصمة في حكاية سبب هذا الخبال: # فإن من عرف السبب أمكنه دفع (7) المسبب، بقطع سببه، وأما قطع المسبب مع ~~بقاء (8) سببه (9) فعسير (10). وكان سبب ذلك أن ms234 الفتن لما (11) ضربت ~~رواقها، وتقالت العباسية والأموية، وبعدت أقطار الإسلام، وتعذر ضبطها ~~بالنظام، وانتشرت الرعية، نفذ (12) إلى هذه البلاد بعض الأموية، فألفى ~~هاهنا عصبية فثاروا به، وأظهر الحق، وقال: أحمي السنة، فلا فقه إلا فقه أهل ~~المدينة، ولا قراءة إلا قراءتهم. فألزموا (13) الناس العمل بمذهب مالك، ~~والقراءة على رواية (14) نافع، ولم يمكنهم من النظر والتخيير في (15) مقتضى ~~الأدلة، متى خرج ذلك عن رأي أهل المدينة، وذلك لما رأوه من تعظيم مالك ~~لسلفهم، ولما أرادوه من صرف قلوب (16) الناس (17) إليهم، في تعلقهم بسيرة ~~حرم رسول الله (18)، و (19) دار نبوته، ومقر سنته، PageV01P365 # فصار التقليد دينهم، والاقتداء يقينهم (1)، فكلما جاء أحد من المشرق ~~بعلم، دفعوا في صدره، وحقروا من أمره، إلا أن يستتر عندهم بالمالكية، ويجعل ~~ما عنده من علوم (2) [و 129 أ] على رسم التبعية، منهم بقي بن مخلد (3)، رحل ~~فلقي علماء الأمة، وسادة (4) العلم، ورفعاء (5) الملة، كأحمد بن حنبل ~~وأكرم، فارتبط، وظفر فاغتبط (6)، وجاء (7) بعلم عظيم، ودين قويم، ولم يكن ~~له أن يرتبط بمذهب أحد، وقد كان رقي من (8) العلم يفاعه، مع تفنن في ~~العلوم، [ ... ]. وجاء ابن وضاح (9) بمثله. فأما بقي بن مخلد (10) فكان ~~مهجورا حتى مات. وأما ابن وضاح فلقي سحنون (11)، وتشرف بأصحاب مالك، وتتلمذ ~~ليحيى بن يحيى (12)، وأعان الطالب لبقي، شهادة (13) فكأنه رقي المنازل، ~~وطار في الدولة بجناح، وبقيت الحال هكذا، فماتت العلوم إلا عند آحاد حبي ~~بشيء (14) من (15) الحديث، واستمر القرون على موت العلم وظهور (16) الجهل، ~~فكل من تخصص لم يقدر على أكثر من أن يتعلق ببدعة الظاهر، فيقول: اتبع ~~الرسول. فكان هذا عونا على الباطل، وذلك بقدر الله وقضائه. # ثم حدثت حوادث لم يلقوها (17) في منصوص المالكية فنظروا فيها بغير ~~PageV01P366 # علم فتاهوا (1)، وجعل الخلف منهم يتبع في ذلك السلف، حتى آلت الحال ألا ~~ينظر إلى قول مالك، وكبراء أصحابه، ويقال: قد قال في هذه المسألة أهل قرطبة ~~وأهل طلمنكة (2)، وأهل طلبيرة، وأهل طليطلة، فانتقلوا من المدينة وفقائها ~~(3)، إلى طلبيرة وطريقها وحدثت (4) قاصمة أخرى تعلم العلم، فصار الصبي ms235 ~~عندهم إذا عقل، فإن سلكوا به أمثل طريقة لهم، علموه كتاب الله (5)، فإذا ~~حذقه، نقلوه إلى الأدب، فإذا نهض فيه (6)، حفظوه "الموطأ"، فإذا لقنه، ~~نقلوه إلى "المدونة"، ثم ينقلونه (7) إلى "وثائق ابن العطار" (8) ثم يختمون ~~(9) له بأحكام بن سهل (10)، فقال: قال فلان الطليطلي، وفلان المجريطي، وابن ~~مغيث (11)، لا أغاث الله نداءه (12)، ولا أناله رجاءه (13)، فيرجع القهقري ~~أبدا، إلى وراء (14)، على (15) أمه الهاوية. # ولولا أن طائفة نفرت إلى دار العلم، وجاءت بلباب (16) منه، كالأصيلي ~~(17)، والباجي (18)، فرشت من ماء العلم (19) على هذه القلوب الميتة، وعطرت ~~[و 129 ب] أنفاس الأمة الزفرة (20)، لكان الدين قد ذهب. هذا مع PageV01P367 # أنه قد رحل (1) قوم من الضلال (2)، كمسلمة بن قاسم (3)، ومحمد بن مسرة ~~(4)، فجاءوا بكل مضرة، ومعرة، ورحل البلوطي (5)، ولقي (6) الجبائي، فجاء ~~(7) ببدعة القدرية في الاعتقاد، ونحلة الداودية في الأعمال. ولكن تدارك ~~الباري بقدرته ضرر هؤلاء بنفع أولئك، وتماسكت الحال قليلا. فإذا حلت بمسلم ~~نازلة في اعتقاده (8) ألفى (9) قاصمة الدهر من عقائد البلوطي، ومسلمة، وابن ~~مسرة، فأشركوا بالله (10) ما لم ينزل به سلطانا، وأروه (11) أنهم (12) لا ~~يألونه تحقيقا وبرهانا، أو يصادف في دينه العملي داوديا، فإذا بدينه قد ~~تدود، ونظام شرعه قد تبدد، فإن لقي مالكيا، وهي أشبه الحال، فيعرض (13) ~~عليه عقيدته، فيحمله على الحق من غير قصد، فيحصل السائل على الأجر، ويبوء ~~(14) هو بالوزر، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "القضاة ثلاثة، قاضيان ~~في النار، وقاض في الجنة، رجل قضى بغير الحق (15)، وهو يعلم (16) فذلك (17) ~~في النار، وقاض لا يعلم، فأهلك حقوق الناس، فهو في النار، وقاض قضى بالحق ~~هو في الجنة". وإن سأله عن مسألة من عمله في الدنيا (18) لم يقف عند سؤاله، ~~ولكنه إن كانت في حكومة لقنه، وتلقين الخصم، فيه ما فيه. وإن كانت (19) ~~فيما يختص به مثل يمين (20)، سأله عن كيفية يمينه (21)، PageV01P368 # وسببها (1) وهيئتها (2)، وبساطها، ونيته فيها، وجعل يفتله (3) في الذروة ~~والغارب، لعله أن يصرفه بالخيبة، عما رجاه في تلك القضية (4)، وهذه جهالة ~~عظمى. ### || قاصمة # فإن ظهر عندهم من له معرفة، ms236 أو جاءهم بفائدة في الدين، وطريقة من سلف ~~الصالحين، وسرد لهم البراهين، غمزوا (5) جانبه (6)، وقبحوا (7) عجائبه، ~~وعيبوا (8) حقه استكبارا، وعتوا، وجحدوا علمه، وقد استيقنته أنفسهم (9) ~~ظلما وعلوا، وسعوا في إخمال ذكره، وتحقير قدره، وافتعلوا عليه، وردوا كل ~~عظيمة إليه [و 130 أ]. ### || عاصمة # هذا الذي قدمنا ذكره من فساد الزمان، وتغير الأحوال، قد أنذر به المصطفى ~~- صلى الله عليه وسلم -، قبل وقوعه كما قدمنا وأخبر بأن الإسلام بدأ غريبا، ~~وسيعود غريبا كما بدأ، وأن المنكر يصير معروفا، والمعروف (10) منكرا. ومع ~~هذا فإنه قال: "لا تزال طائفة من أمتي منصورين على الحق، لا يضرهم من ~~خالفهم" وتدعي كل طائفة (11) ذلك، زين لها عملها، وجاءها (12) كتابها ~~وأجلها، وعلى المرء أن يجتهد في إبراز الدليل، وإظهار الحق، والهدى هدى ~~الله، يهبه لمن يشاء، وإذا بان الدليل، يبقى خلق القبول، فلا (13) أبين من ~~أدلة الله تعالى، PageV01P369 # على يدي رسل الله، بآياته الباهرة (1)، ثم يبقى القبول على قوم كخير لم ~~يرزقوه، والذي يجب على الولي في الصبي المسلم (2)، كان أبا أو وصيا، أو ~~حاضنا، أو الإمام، إذا عقل أن يلقنه الإيمان، ويعلمه الكتابة، والحساب، ~~ويحفظه أشعار العرب العاربة، ويعرفه العوامل في الإعراب، وشيئا من التصريف ~~ثم يحفظه إذا استقل واشتد (3) في العشر الثاني، كتاب الله. وهو أمر وسط ~~بيننا (4) وبين أهل الشرق، ثم يحفظه (5) أصول (6) سنن الرسول (7)، وهي نحو ~~من ألفي حديث في الأبواب، تضمنها (8) البخاري ومسلم، هي عماد الدين، ويأخذ ~~هو بعد ذلك نفسه بعلوم القرآن، ومعاني كلماته، ولا يشتغل برواية الحديث من ~~كل كتاب فالباطل فيه كثير، وما الصحيح من حديث النبي (9) إلا كنقطة من بحر ~~وليحذر كتب الصالحين (10)، ومن ينتمي إلى الوعظ، فإنهم لم يألوا في الكذب ~~على رسول الله (11) بقصد، وبغير قصد، ولا كتاب يعول (12) على حديث منها إلا ~~كتاب ابن المبارك (13)، وأحمد بن حنبل، وهناد بن السري (14). ولا يفرط في ~~علوم الفرائض فإنها أصل الدين، وهو أول ما يذهب من المسلمين، فبالسنة ~~يفرضها، وبالحساب يقسمها، ولا يخلي (15) نفسه عن (16) الأنساب، ms237 ولا عن شيء ~~من أصول (17) الطب، وليتخذ عبارة PageV01P370 # الرؤيا أصلا، ولا يقل متى أحصل هذا؟ فإنه ليس المطلوب منها الغاية، فإنها ~~لا تنالها إلا الأفراد، وإنما ينبغي لكل عاقل أن يتخصص بجزء جزء منها، ولا ~~يفرد نفسه ببعض العلوم، فيكون إنسانا في الذي يعم، بهيمة فيما لا يعلم، ولا ~~سيما من أقام عمره حسابا، أو نحويا، فقد هلك، فإنه بمنزلة من أراد صنعة ~~شيء، فحشد (1) الآلة عمره، ثم مات، قبل عمل صنعته، ولا يصغ إلى من يقول له: ~~تكن مقصرا في كل علم إذا فعلت هذا، والأولى بك أن تقف نفسك على علم واحد، ~~فإنه قول جاهل بالعلم. إذ أخذ المرء نفسه بهذا القانون الذي رسمناه، سيعتمد ~~(2) على ما يراه أوكد، ويجعل الباقي تبعا، وأنبئكم أني ما رأيت بعيني محيطا ~~بهذه العلوم التي ذكرت لكم، ولا مشاركا فيها إلا واحدا (3)، فبان أن ~~الإحاطة غير ممكنة، والمشاركة ممكنة، والإحاطة بعلم واحد غير ممكن. هذا ~~النحو، ما علمت من أحاط به إلا سبويه، (4)، والفارسي (5) البدعي، وقد أفسدت ~~عليه بدعته كثيرا من نحوه. وإذا فهمت هذا، فلا تنكر أن لا تجد عالما - إن ~~وجدته - إلا واحدا، فإن الإسلام بدأ غريبا، وسيعو غريبا كما بدأ، حتى إنه ~~لما بدأ من واحد، لا بد أن يعود إلى واحد، لا سيما في البلاد القاصية، ~~والثغور النائية، وحيث يكون الثوار لبعدهم عن مقر الخلافة، ومعدن الإمامة، ~~ولو شاهدتم الشام، والعراق في عشر تسعين وأربعمائة، لرأيتم دينا ظاهرا، ~~وعلما وافرا، وأمنا متسقا، وشملا منتظما، لا تمكن (6) عبارة عنه لبهرة ~~حاله، وزهرة كماله، فهبت عليه من المقادير جرجف من شمائل، وجنائب فتركت ~~الشام كأمس الذاهب، ومحت PageV01P371 # كلمة الإسلام عن المسجد الأقصى، وقتل فيها في غداة الجمعة لاثني عشر (1) ~~بقيت لشعبان سنة اثنين وتسعين وأربعمائة، ثلاثة آلاف (2) ما بين عابد، ~~وعالم، ذكر وأنثى، ومعتكف من مشهور الحالة، ومذكور بالديانة، وفيها قتلت ~~العالمة الشيرازية (3) بقية السلسلة، في جملة النساء، وبموت الملك العادل ~~(4) في سنة ست وثمانين، وبموت المقتدي بالله (5)، ظهرت الفتنة ms238 بأرض خراسان ~~قامت الباطنية، واختلفت أولاده، وتمكنت الروم فغزت الشام، واستولت على ثالث ~~مشاهد الإسلام، وخرجت، وقد أخذت من "أبي جاد" إلى "حطي" وبلغني أنها قد ~~استوفت (6) منه الظلمة الساكتة. وقد ذكرت في "ترتيب الرحلة" من سيرة ~~القضاة، والفقهاء، وانتسابهم للأقضية والأحكام ما فيه كفاية. لقد كنت يوما ~~جالسا بمدرسة الشافعي "بباب الأسباب" في "المسجد الأقصى"، وقد انعقد على ~~الطوائف، من الشافعية والحنفية، وهم في مجلس النظر، فإذا سائل قد وقف ~~علينا، وخاطب صاحب المدرسة القاضي الرشيد يحيى بن مفرج المقدسي (7)، وكان ~~أسن أصحاب نصر، فقال له: حلفت بالطلاق ثلاثا من امرأتي ألا آكل جوزا، ثم ~~أكلتها ناسيا، فنظر إليهم وقال: ما تقولون؟ فقالت الحنفية عن بكرة أبيها: ~~يحنث، واختلف قول PageV01P372 # الشافعية فيها فتبسم القاضي الرشيد، وقال له: اذهب لا شيء عليك. وكنت ~~أشاهد الإمام أبا بكر فخر الإسلام الشاشي (1) في مجلسه بباب العامة من دار ~~الخلافة يأتيه السائل فيقول له: حلفت ألا ألبس هذا الثوب، فيأخذ من هدبته ~~مقدار الأصبع ثم يقول له: البسه لا حنث عليك، وشاهدته إذا (2) جاءه رجل ~~وقال (3): حلفت ألا أفعل كذا، واضطررت إليه فيقول له: قل/ إذا وقع على ~~امرأتي طلاقي فهي طالق قبله ثلاثا. ثم يكتب له أنه قال كذا، فليفعل ما شاء، ~~وليطلق متى شاء فإنه لا يقع عليها طلاقه. فانظر إلى لينهم للخلق، وتسهيلهم ~~عليهم، وفي ذلك قدوة بعمر بن الخطاب. قال مالك في الموطأ: إن رجلا قال ~~لامرأته حبلك على غاربك فكتب إلى (4) عمر أن يوافيه بالوسم، فبينما هو يطوف ~~بالبيت إذ لقيه الرجل فسلم عليه، وقال له: أنت الذي أمرتني أن أقدم عليك؟ ~~فقال له (5) عمر: برب هذا البيت ما أردت بقولك: حبلك على غاربك؟ قال: أردت ~~الفراق. فقال عمر: هو ما أردت فانظر كيف رفق به على غلظته، وحلفه حين ~~أتهمه، ولم يبق لمن وضع قيد راحلته على غاربها فيه بقية من ربط، ولا جزء من ~~قيد، ولكن قلده دركة، وكفى به قدوة. وأما في المسألة (6) القاضي في ms239 رفع ~~الحنث عن الناسي فإنه دين، وما أخذ الله الناسي بحكم في الدنيا، ولا بذنب ~~في الآخرة، وكل من حنث ناسيا، فالحق أنه لا شيء عليه بحال. # وأما المسألة الثانية في الحنث ببعض الفعل، وعدم البر ببعضه، فمالك فيها ~~على الحق حسبما بيناه في موضعة. وأما المسألة السريجية فهي تلاعب بالدين لا ~~ينبغي أن يلتفت إليها، والحيل في تغيير الأحكام غير نافعة في دين الإسلام. ~~ولكن ينبغي للفقيه المجتهد، لا للحافظ للمسائل المقلد، إذا جاء من وقع في ~~أنشوطة من يمين أن يخلصه بمسألة ظاهرة، بين الصحابة والتابعين PageV01P373 # إذا رأى أنه إن لم يخلصه بها، وقع في أشد منها، وهو أن يستهين بالمسألة، ~~ويفتح فيها ما لا يجوز، فالأفضل للمفتي أن يفتح له بابا ويمشي به على طريق ~~(1) فإنه إن سد عليه باب الشرع، فتح هو إلى الحنث بابا يقتحمه، وأخذ في ~~طريق من المعصية يسلكه، ورأى أنه قد وقع في ورطة لا يبالي (2) ما صنع بعد ~~ذلك. وهذه سيرة العلماء المتقدمين وطريقة الأحبار الراسخين. قد كان مالك ~~رضوان الله عليه يفتي بأن من قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، أنها تطلق عليه ~~(3)، إذا تزوجها فلما سأله المخزومي عنها، له أو لغيره؟ قال له: لا شيء ~~عليه. وكذلك كان ابن القاسم يفتي فيمن حلف بالمشي إلى مكة فحنث، أنه يلزمه ~~المشي إليها. فلما وقعت المسألة لولده (4) أفتاه بمذهب عائشة رضي الله ~~عنها، أنه يجزيه كفارة يمين، مخافة (5) أن يكلفه المشيء، فلا يفعله، ~~فيستهين بمسألة في الدين، فيكون ذلك طريقا إلى غيرها، فيستهين أيضا بها، ~~فأراد أن يخرجه عنها. ويحتمل أن يكون رأي ذلك ابن القاسم، فقال له ما رأى، ~~والله أعلم. # وكذلك مسألة "الحلال عليه حرام" على اختلاف ألفاظها، وهي عشرة، وتعدد ~~أحكامها وهي خمسة عشر قولا، وقد بيناها في "أحكام القرآن" وغيره، و (6) في ~~المدونة في بعض الأقوال أنه لا شيء فيها. ومالك لم ير بهذا القول حرمة إلا ~~إذا قصد به الزوجة. فأما لو قال: الحلال عليه حرام، ms240 فجعلها علماؤنا كناية ~~(7) عن الزوجة، ينوي فيها في موضع، ولا ينوي في آخر. وقال في الحلال عليه ~~حرام، له أن يحاشيها بقلبه، ويقول لم أنوها. وليس معه ما يحرم سواها، فإذا ~~حاشاها بقي اللفظ لغوا (8) فلم يعده مالك بذيا (9) ورأى القول ساقطا. فإذا ~~ضعفت المسألة عند العالم، كان ما تركب عليها أضعف مثل أن يحلف بالحلال عليه ~~حرام، ألا يأكل كذا، فأكله ناسيا، فدخلت PageV01P374 # مسألة النسيان على مسألة الحرام فضعفتا (1)، وليس في القوة كمن يحلف ~~بالطلاق ناسيا، فيحنث، كما يقال في الحرام أنه ينوي ما قصد مما لم يقصد، ~~كذلك يقال له (2): إن يكن (3) في النسيان لم يقصده، فلا يدخل في اليمين. ~~وهذا جزء (4) من الفتوى عظيم في تركيب المتفق عليه على المختلف فيه، وهو ~~أمر خفي على علمائنا فافهموه. وكذلك مسألة الأيمان اللازمة، أعظم (5) القول ~~فيها المتأخرون وانتهى الحال ببعضهم، إلى أن يلزموه الطلاق الثلاث، ويعطوه ~~من كل أصل من الأيمان أقله، إلا الطلاق، فإنهم يلزمونه أكثره. ومالك قد ~~أعطاه الأقل في قوله (6): على أشد ما أخذه أحد على أحد. قال: يطلق نساءه ~~(7)، ومذهب مالك الصريح إنه إذا ألزم الرجل نفسه جميع الطلاق كان لغوا، ~~فأحرى إذا ألزم نفسه جميع الأيمان أن يكون لغوا. وهذا دستور في الفتوى ~~ينبغي أن ينظر به سواه. # فأما إن وقعت نازلة عظمى بالمسلمين، فلا ينبغي أن يقتصر فيها على عالم ~~واحد، كما كانت الصحابة تفعله، وليسأل عنها كل من يظن أن عنده علما، فإنها ~~إن وضعت (8) في يدي غير أهلها، كان ذلك عائدا بفساد الحال. وربما تعدى إلى ~~أكثر منه، وكفى بك داء أن تعرض علتك على غير طبيب، لا سيما إن كان هنالك ~~جسارة، وعلى إيثار الدنيا على الدين هوادة (9)، فتلك علة لا برء منها، ~~وعثرة لا لما (10) لها، كحادثة بقي بن مخلد، فإنه جاء بعلم عظيم، واستأثر ~~بمذهب لإمامته، ولم ير أن يقلد أحدا، فرمته القرطبية عن قوس واحد (11)، ~~فاستقل (12) ابن أبي هاشم الوزير (13)، بل قد أعانه (14) العزيز القدير ~~(15) PageV01P375 # وحماه، ومات ms241 على ظهور وجاه (1). ولقد سمعت يونس بن محمد (2)، وكان من جلة ~~القرطبية يقول: إن بقي بن مخلد، حضر في جنازة، احتفل فيها أهل الدولة ~~والوزير ابن أبي هاشم حاضر، وأقاموا ينتظرون الجنازة، فجذبوا ذيل الحديث، ~~إلى أن نظر الوزير، إلى تلك الشارة الزهراء، والأبهة العظمى والحفل (3) ~~الأكابر، فقال لبقي بن مخلد: يا فقيه أين هذه الهيبة والجلال من التي رأيت ~~بتلك البلاد؟ فقال له بقي جهرا: أنتم تزيدون عليهم بثلاثة أشياء، فاستشرق ~~الوزير إلى سماع كلامه، مستبشرا بما صرح به من الزيادة لهذه الحال على تلك، ~~فقال له: وما هذه الأشياء الثلاثة التي ذكرت: زدنا عليهم؟ (4) قال: الجهل، ~~والفقر، وقلة العقل. فخجل الوزير، وأبهت الكل، واحتملها ما (5) كان بينه ~~وبينه، ولأن الأصل فهو الحق، أن الله وقاه، وكذلك وجدت الحال أنا هناك، ~~وهاهنا بعد مائتين وثمانين عاما على تلك النسبة، وكذلك يكون إلى يوم ~~القيامة. والله أعلم (6). PageV01P376 ms242