######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0097927 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: القاضي محمد بن عبد الله أبو بكر بن العربي المعافري الاشبيلي المالكي (المتوفى: 543هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 543 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: قانون التأويل #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: علوم القرآن #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0097927 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-97927 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/97927 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد السليماني #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1406 هـ - 1986 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار القبلة للثقافة الإسلامية، جدة، مؤسسة علوم القرآن، بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # كتاب "قانون التأويل" # PageV01P409 # # بسم الله الرحمن الرحيم # رب أعن بفضلك وكرمك # قال الشيخ الفقيه الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي ~~المعافري رحمة الله عليه: # هذه رسالة من المستبصر بنقصه، المستقصر لنفسه، المضطر إلى ربه، المستغفر ~~لذنبه، إلى جميع الطالبين، والراغبين، والسالكين سبيل المهتدين. # إلى من صدقت إليه رغبته، واستمرت عليه عزيمته في تحرير مجموع في علوم ~~القرآن، يكون مفتاحا للبيان، ولج (1) عند التوقف عن ذلك في العتاب (2)، ~~وطمس في وجه الأعتاب (3)، وأغلق إلى المعذرة كل باب. PageV01P411 # # واحتج بما شاهد من كلامي عليه إبان كنت أليح (1) إلى من حضر من المسلمين ~~بأنوار الفجر في مجالس الذكر. # وجذب مع نفسه جماعة لجوا بلجاجه، وعجوا (2) بعجاجه .. وصمموا على أن ~~العذر لا يلوح في هذا، لأن تلك الأقوال التي كنا نسمع، لو تقيدت في قراطيس، ~~لكانت رحضا لو ضر الجهالة، وحسما لداء الحسادة، وبهتا لمن أحظر عناده، ~~ولعمت منفعتها من تقبلها وردها، ومثلها كالغيث إذا همع (3) أصاب الأباطح ~~والرياض، وصاب (4) على الحدائق والغياض. فيكون منها طائفة تمر عليها كالسيل ~~في الانحدار، وأخرى تقبلته فحفظته على من يرد مع مرور الأعصار، وثالثة ~~صرفته بوجوه التفطن والاستبصار، ورابعة جمعت فيه بين العلم به والعمل في ~~الأذكار. # قالوا: ولو لم نشاهد إيرادك فيه لما يعجز أهل الوقت، ويوجب عليهم في ترك ~~الاعتراف لك بالمقت، ولا سمعنا منك تلك الدرر، PageV01P412 # # والجواهر منظومة في سلك الأبداد (1)، قاضية لك بالانفراد في العلم ~~والاستبداد، وبالغة من البيان إلى غاية المراد، لكنا نغبر في وجه الاعتراض ~~عليك، ونلقي بمقاليد القول إليك .. # فأما وقد كان من بيانك ما كان، وبان للخلق منه ما بان، فلا يسعك والحالة ~~هذه إلا أن تقوم بهذا الحق المتعين عليك، أو تخرج عن ذلك بعذر يقبل وجه ~~القبول إليك (2): # فقلت: معاشر المريدين، أبلعوني ريقي، تعرفوا تحقيقي، وخذوا خاتمة كلامي ~~يتبين لكم الفصل بين مرامكم ومرامي، واجمعوا ساعة على إسعادي، فربما ~~ساعدتموني بعد على مرادي. # إن الله سبحانه -له الحمد وله الشكر، وبيده الخير والشر ms001 (3)، ومنه ~~PageV01P413 # # النفع والضر -يسر لي طلب العلم على الوجه الذي كنا رتبنا بيانه في كتاب ~~"ترتيب الرحلة للترغيب في الملة" (1)، فلما شذ في معرض المقادير، واستلبته ~~الحوادث بما سبق في علم الله من التدبير، رأينا أن نجدد ما سلم في الرقاع ~~الموجودة، مع ما حضر في الذكر، ليكون عنوانا لما جرى، وتنبيها على فضل من ~~تأوب، وسرا وحجة لمن قال: قد تعدى من تمنى أن يكون مثل من تعنى (2)، ونقرن ~~به من نكت المعارف، ما يقوم به مائل العذر، ويتضح منه ما استبهم لكم من ~~الأمر، ونشير إلى الممكن من "قانون في التأويل لعلوم التنزيل" يرشد ~~المبتدىء إلى ضالة الطلاب، ويفتح على المنتهي ما أرتج (3) من الأبواب. ### | ذكر ابتداء طلب العلم # عجبا لقوم يقادون بالحكمة (4) إلى الحكمة، وإلى العلم بالسلاسل، وآخرين ~~مهملين بالعدل على الاسترسال في الشهوات، والتخلي في غمرة PageV01P414 # # البطالات، ولما خلق الإنسان من نتن وقذر بسابق القدر، ثم حلي بعقل وسمع ~~وبصر، كانت الرذيلة صفة لازمة، وعادت الفضيلة مكتسبة، وقد خلق على الفطرة، ~~وصار من أصل يكون عليه، وفرع يعاد إليه. # وكان من حسن قضاء الله أني كنت في عنفوان الشباب وريان (1) الحداثة، وعند ~~ريعان (2) النشأة، رتب لي أبي (3) - رحمه الله - معلما لكتاب الله، حتى ~~حذقت (4) القرآن في العام التاسع، ثم قرن بي ثلاثة من المعلمين، أحدهم هو ~~لضبط القرآن بأحرفه السبعة التي جمعها الله فيه، ونبه الصادق - صلى الله ~~عليه وسلم - عليها في قوله: "أنزل القرآن على سبعة أحرف" (5) في تفصيل ~~فيها. PageV01P415 # # والثاني لعلم العربية. # والثالث للتدريب في الحسبان. # فلم يأت على ابتداء الأشد في العام السادس عشر من العدد، إلا وأنا قد ~~قرأت من أحرف القرآن نحوا من عشرة، بما يتبعها من إدغام، وإظهار، وقصر، ~~ومد، وتخفيف، وشد، وتحريك، وتسكين، وحذف، وتتميم، وترقيق، وتفخيم. # وقد جمعت من العربية فنونا، وتصرفت فيها تمرينا، منها كتاب "الإيضاح" ~~للفارسي (1)، والجمل (2)، وكتاب النحاس (3)، و "الأصول" PageV01P416 # # لابن السراج (1)، والدريود (2) وسمعت كتاب الثمالي (3)، وكتاب الصناعة ~~الأصلي الذي أنهى الخليل (4) إلى سيبويه (5) تصنيفه، ms002 ثم تولى سيبويه ~~PageV01P417 # # نظمه وترتيبه، وقرأت من الأشعار جملة، منها الستة (1)، وشعر الطائي (2)، ~~والجعفي (3)، وكثيرا من أشعار العرب والمحدثين. # وقرأت في اللغة كتاب ثعلب (4)، و "إصلاح المنطق" (5) و"الأمالي" (6) ~~وغيرها. # وسمعت جملة من الحديث على المشيخة. # وقرأت علم الحسبان: المعاملات، والجبر، والفرائض عملا، ثم كتاب ~~PageV01P418 # # إقليدس (1) وما يليه إلى الشكل القطاع (2)، وعدلت بالأزياج الثلاثة (3)، ~~ونظرت في الأسطرلاب (4)، وفي مسقط النقطة ونحوه. # يتعاقب على هؤلاء المعلمون من صلاة الصبح إلى أذان العصر، ثم ينصرفون ~~عني، وآخذ في الراحة إلى صبح اليوم الثاني، فلا تتركني نفسي فارغا من ~~مطالعة، أو مذاكرة، أو تعليق فائدة، وأنا بغرارة الشباب أجمع من هذه الجمل ~~ما يجمل وما لا يجمل، والقدر يخبؤها عندي للانتفاع بها في الرد على ~~الملحدين، والتمهيد لأصول الدين. # ثم حالت هذه الحالة الخاصة بالاستحالة العامة عند دخول المرابطين ~~PageV01P419 # # بلدنا سنة أربع وثمانين وأربعمئة (1)، ووقع علينا من تلك الحوادث ما كان ~~مدة أسف (2) فوقنا، وصاب بأرضنا شؤبوب فتنة يا طال ما دارت سحابة بنا، ~~فانصدع الالتئام، وتعدد ذلك النظام، وكان لنا خيرة وللإسلام، ولم يكن ~~بأرضنا المقام. ### | ذكر الرحلة في طلب العلم # فدعت الضرورة إلى الرحلة، فخرجنا والأعداء يشمتون بنا، وآيات القرآن تنزع ~~لنا، وفي علم الباري جلت قدرته أنه ما مر علي يوم من الدهر كان أعجب عندي ~~من يوم خروجي من بلدي، ذاهبا إلى ربي، ولقد كنت مع غزارة السبيبة (3)، ~~ونضارة الشبيبة، أحرص على طلب العلم في الآفاق، وأتمنى له حال الصفاق ~~الأفاق (4)، وأرى أن التمكن من ذلك في جنب ذهاب الجاه والمال، وبعد الأهل ~~بتغير الحال، ربح في التجارة، ونجح في المطلب. وكان الباعث على هذا التشبث ~~-مع هول الأمر- همة لزمت، وعزمة لجمت (5)، ساقتها رحمة سبقت. PageV01P420 # # ولقد كنت يوما مع بعض المعلمين، فجلس إلينا أبي -رحمة الله عليه- يطالع ~~ما انتهى إليه علمي في لحظة سرقها من زمانه مع عظيم أشغاله، وجلس بجلوسه من ~~حضر من قاصديه، فدخل إلينا أحد السماسرة وعلى يديه رزمة كتب، فحل شناقها ~~(1) وأرسل وثاقها، فإذا بها من ms003 تأليف السمناني (2) شيخ الباجي (3). فسمعت ~~جميعهم يقولون: هذه كتب عظيمة، وعلوم جليلة، جلبها الباجي من المشرق، فصدعت ~~هذه الكلمة كبدي، وقرعت خلدي، وجعلوا يوردون في ذكره ويصدرون، ويحكون أن ~~فقهاء بلادنا لا يفهمون عنه ولا يعقلون، وناهيك من أمة يجلب إليها هذا ~~القدر الطفيف، فلا يكون منهم أحد يضاف إليه، إلا بصفة العاجز الضعيف، ونذرت ~~في نفسي طية، لئن ملكت أمري لأهاجرن إلى هذه المقامات، PageV01P421 # # ولأفدن على أولاء الرجالات، ولأتمرسن بما لديهم من المعاقد والمقالات ~~واكتتمتها عزيمة غير مثنوية، فلما وقعت هذه الحال، كنت مع تفاقم الخطب، ~~وتعاظم الأمر الواردين علي، نعمة سابغة، ونعمة بالغة، أتسلى بما كان في ~~طيتي من الرحلة، فترى كل من فقد نعمة يبتئس، وإذا نظرت إلي وجدتني أتأنس. # فخرجنا (1) مكرمين، أو قل مكرهين، آمنين وإن شئت خائفين، وفررت منكم لما ~~خفتكم، فوهب لي ربي حكما وجعلني من العالمين. وكتبني في أتباع من قال: {إني ~~ذاهب إلى ربي سيهدين} [الصافات: 99]. PageV01P422 # ### | ذكر ما لقيته في العلم من المترسمين والعلماء الراسخين في أثناء رحلتي المشار إليها # فكان أول بلدة دخلت مالقة (1)، فألفيت بها أمة رأسهم الشعبي (2) أشهر ما ~~عنده نسبه، وعنده رواية ومسائل، ولديه حشمة، وله عند الأمراء قدم وجاه. ثم ~~طفرت من أغرناطة (3) إلى المرية (4)، فرأيت بها رجالات PageV01P423 # # في المسائل والقراءات، وأدباء متوسطي المنزلة بين درجتي التقصير والكمال، ~~في أيام قلائل لبثت بها لم أخبر بها حالهم، فربك أعلم بهم، إلا أني جالست ~~قاضيها ومقرئها ابن شفيع (1). # وركبت البحر محفوزا، فأرفأنا (2) إلى بجاية (3)، فرأيت فيها جماعة من أهل ~~المسائل، ولقيت بها محمد بن عمار الميورقي (4) رأسا فيهم، مشاركا في معارف ~~حديث ومسائل وأدب، وربما كانت عنده في الأصول إشارة لا تومىء إلى المراد، ~~منسوجة على منوال الباجي ونظرائه. ولقيت خاصة دولتها، ورأيت رأس وزعتها ~~(5): القاسم بن عبد الرحمن (6)، رواء وروية، وإتقان في الأدب، وقوة على ~~الصناعة الكتابية، جمال قطره، أو قل جلال عصره، PageV01P424 # # قصدنا إلى منزلنا وهو على محل من الدولة عظيم، وفي رؤسائها مقدم زعيم، في ms004 ~~حجرة بخان (1) السلطان كنا تبوأناها، ولم ير عليه في ذلك غضاضة، كما يفعله ~~من كان في المعلومات قراضة (2). فسألنا عن حالنا وطريقنا ومقصدنا، وتفاوضنا ~~معه، والحديث يسحب ذيله، ويولج في نهاره ليله، وهو في أكثر كلامه ينتحى ~~قيلة، والكلام -كما جاء في المثل- ذو شجون (3)، وفيه الصفاء والأجون، ولا ~~يستنكر فيه الجد والمجون، حتى وقعنا في حديث جريج (4)، فقلت له: سمعت ~~التنوخي (5) شيخ العربية عندنا يقول: ليس في كلام العرب اسم فيه فاء الفعل ~~حرفا واحدا إلا قوله في هذا الحديث: يا بابوس (6). فقال على البديهة: وأين ~~هو من دد (7)، فأعجبني PageV01P425 # # استدراكه في بلده وهو فتى، على شيخ بلدي في معرفته وسنه. وكان ذلك بما ~~رغبني في تحصيل العربية وضبط غريب الحديث. وقرأنا فيها كتاب أبي داود ~~برواية التمار (1). # ثم خرجت عنها تارة متساحلين نقطع البحر قطع القفر، وحالة مصحرين نطوي ~~السباسب (2) طي التجار للسبائب (3)، فلقيت ببونة (4) فقيهها المسمى بسعد ~~(5) من أصحاب السيوري (6) شيخ متوسط في الطريقة. # ودخلنا تونس فكان بها قوم دون هذا الشيخ في المرتبة، وعندهم صلاح وإقبال ~~على الأعمال. # ثم دخلت سوسة والمهدية (7)، فلقيت بها جملة من أصحاب السيوري، ~~PageV01P426 # # وغيرهم من فقهاء القيروان (1) كابن حبيب (2) وحسان (3) واللبيدي (4)، ~~وأبي الحسن بن الحداد (5) في القراءات والأدب والكلام، ومن أصحاب ابن ~~القديم (6) جملة، وكان متكلما مخصوصا به، فلما لمح لي هذا الكوكب بطريقة ~~القيروان (7)، واستنارت لي فيها بنوع من البرهان، واستبرأتها بواضح من ~~الدلالات غض النبات والأفنان، قلت: هذا مطلبي. PageV01P427 # # فأخذت في قراءة شيء من أصول الدين، والمناظرة فيها مع الطالبين، ولزمت ~~مجالس المتفقهين، وكان فيها الأدب على حالة وسطى. # فلما حان وقت إقلاع المركب في البحر إلى ديار الحجاز، اعتزمنا فركبناه ~~بعد أن وعيت جملا من المعلومات، تفسيرها في موضعها مسطور، فركبناه، وقد سبق ~~(1) في علم الله أن يعظم علينا البحر بزوله (2) ويغرقنا في هوله. فخرجنا من ~~البحر خروج الميت من القبر، وانتهينا بعد خطب طويل إلى بيوت بني كعب من ~~سليم (3)، ونحن من السغب (4) على عطب، ومن العري في ms005 أقبح زي، قد قذف البحر ~~زقاق زيت مزقت الحجارة هيئتها، ودسمت الأدهان وبرها وجلدتها، فاحتزمناها ~~أزرا، واشتملناها لففا، تمجنا الأبصار، وتخذلنا الأنصار، فعطف أميرهم علينا ~~لعرق كان فيه من الحضر، وخفرنا (5) بحرمة أورثتها عنده سجية مصرية، إذ كان ~~نشأ في PageV01P428 # # ديار الإسكندرية، ودرت عليه هناك الدرة الدينية، فآوينا إليه فآوانا، ~~وأطعمنا الله على يديه وسقانا، وأكرم مثوانا وكسانا، بأمر حقير طفيف، وفن ~~من العلم طريف، وشرحه: # إنا لما وقفنا على بابه، ألفيناه وهو يدير بأعواد الشاه (1)، فعل السامد ~~(2) اللاه. فدنوت منه في تلك الأطمار (3)، وسمح لي بيادقته (4)، إذ كنت من ~~الصغر في حد يسمح فيه للأغمار، ووقف بإزائهم، أنظر إلى تصرفهم من ورائهم، ~~إذ كان علق بنفسي بعض ذلك من بعض القرابة في مجلس البطالة، مع غلبة الصبوة ~~والجهالة. فقلت للبيادقة: PageV01P429 # # الأمير أعلم من صاحبه، فلمحوني شزرا، وعظمت في عيونهم بعد أن كنت نزرا، ~~وتقدم إلى الأمير من نقل إليه الكلام، فاستدناني، فدنوت منه، فسألني: هل لي ~~بما هم فيه بصر؟. # فقلت: لي فيه بعض نظر سيبدو لك ويظهر: حرك تيك القطعة، ففعل، وعارضه ~~صاحبه، فأمرته أن يحرك أخرى، وما زالت الحركات بينهم كذلك تترى حتى هزمه ~~الأمير، وانقطع التدبير، فقالوا: ما أنت بصغير، وكان في أثناء تلك الحركات ~~قد ترنم ابن عم الأمير منشدا: # وأحلى الهوى ما شك في الوصل ربه ... وفي الهجر فهو الدهر يرجو ويتقي (1) # فقال: لعن الله أبا الطيب، أو يشك الرب؟. # فقلت له في الحال: ليس كما ظن صاحبك أيها الأمير، إنما أراد بالرب ها هنا ~~الصاحب، تقول: ألذ الهوى ما كان العاشق فيه من الوصال وبلوغ الآمال على ~~ريب، فهو في وقته كله، بين رجاء لما يؤمله، وتقاة لما يقطع به، كما قال: ~~PageV01P430 # # إذا لم يكن في الحب سخط ولا رضى ... فأين حلاوات الرسائل والكتب (1) # وأخذنا نضيف إلى ذلك من الأغراض، في طرفي الإبرام والانتقاض، ما حرك فيهم ~~إلى مبرتي داعي الانتهاض، وأقبلوا يتعجبون مني، ويسألون كم سني، ~~ويستكشفونني عني، فبقرت لهم حديثي، وذكرت ms006 لهم نجيثي (2)، وأعلمت الأمير بأن ~~أبي معي، فاستدعاه، وقمنا الثلاثة إلى ماواه، فخلع علينا خلعه، وأسبل ~~أدمعه، وجاء كل خوان (3) بأفنان الألوان (4)، فقال لنا: لا تسرفوا فإن ~~الشبع بأثر الجوع معطب، وكأني بكم لم ينزل بكم سغب. # وأقمنا عنده حتى ثابت إلينا نفوسنا، وذهب عنا بؤسنا، وسألنا الإقامة عنده ~~على أن يصير إلينا صدقات بني سليم كلها، فأبينا إلا الاستمرار على العزيمة ~~الأولى، والتصميم إلى المرتبة الكريمة التي كانت بنا أولى، ففارقناه على ~~ضنانة بنا وحرص علينا، وإلى الآن يرد علي ذكره PageV01P431 # # وسلامه، وينال كل من ذكرني عنده بره وإكرامه. # فانظر (1) إلى هذا العلم الذي هو إلى الجهل أقرب، مع تلك الصبابة اليسيرة ~~من الأدب، كيف أنقذت من العطب، وهذا الذكر يرشدكم -إن عقلتم- إلى المطلب. # وسرنا حتى انتهينا إلى ديار مصر، فألفينا بها جماعة من المحدثين والفقهاء ~~والمتكلمين، والسلطان عليهم جري (2)، وهم من الخمول في سرب خفي، ومن هجران ~~الخلق بحيث لا يرشد إليهم جريء، لا ينسبون إلى العلم ببنت شفة، ولا ينتسب ~~أحد منهم في فن إلى المعرفة، بله الأدب، فنظرنا فيه مع قوم، منهم أبو عبد ~~الله محمد بن قاسم العثماني (3)، والسالمي (4)، وشعيب العبدري (5) وآخرون ~~سواهم ذكرناهم في موضعهم وسميناهم (6). # وترددت في لقاء الناس بين أسفل وفوق، بما كنت فيه من المعارف PageV01P432 # # من التوق، وناظرت الشيعة (1) والقدرية (2)، وتدربت في جمل من الجدل، ~~ونظرت في نبذ من علم الكلام، وتفطنت من سخافة هذه الطائفة بنفسي، إلى معان ~~تممها لي النظر في المعارف والتمرس بالمشايخ. أمة غلب عليها سوء الاعتقاد، ~~ونشئت من غير فطم بلبن العناد، واستولى اليأس منهم بما هم فيه من الفساد. ### | ذكر دخول بيت المقدس # ثم رحلنا عن ديار مصر إلى الشام، وأملنا الإمام، فدخلنا الأرض المقدسة، ~~وبلغنا المسجد الأقصى، فلاح لي بدر المعرفة، فاستنرت به أزيد من ثلاثة ~~أعوام، وحين صليت بالمسجد الأقصى فاتحة دخولي له، عمدت إلى مدرسة الشافعية ~~(3) بباب الأسباط (4)، فألفيت بها جماعة من علمائهم PageV01P433 # # في يوم اجتماعهم للمناظرة عند شيخهم القاضي الرشيد (1) يحيى ms007 الذي كان ~~استخلفه عليهم شيخنا الإمام الزاهد نصر بن إبراهيم النابلسي المقدسي (2)، ~~وهم يتناظرون على عادتهم، فكانت أول كلمة سمعتها من شيخ من علمائهم يقال له ~~مجلي (3): "بقعة لو وقع القتل فيها لاستوفي القصاص بها، وكذلك إذا وقع في ~~غيرها أصله الحل". # فلم أفهم من كلامه حرفا، ولا تحققت منه نكرا ولا عرفا، وأقمت حتى انتهى ~~المجلس، فكررت راجعا إلى منزلي وقد تأوبني حرصي القديم، وغلبني على جدي في ~~التحصيل والتعليم، فقلت لأبي رحمة الله عليه: إن كانت لك نية في الحج، فامض ~~لعزمك، فإني لست برائم عن هذه البلدة حتى أعلم علم من فيها، وأجعل ذلك ~~دستورا للعلم وسلما إلى مراقيها، فساعدني حين رأى جدي، وكانت صحبته لي من ~~أعظم أسباب PageV01P434 # # جدي. ونظرنا في الإقامة بها وخزلنا أنفسنا عن صحبة كنا نظمنا بهم في ~~المشي إلى الحجاز، إذ كانوا في غاية الانحفاز. # ومشيت إلى شيخنا أبي بكر الفهري (1) رحمة الله عليه، وكان ملتزما من ~~المسجد الأقصى -طهره الله- بموضع يقال له الغوير بين باب الأسباط ومحراب ~~زكريا عليه السلام (2) فلم نلقه به، واقتفينا أثره إلى موضع منه يقال له ~~السكينة فألفيناه بها، فشاهدت هديه، وسمعت كلامه، فامتلأت عيني وأذني منه، ~~وأعلمه أبي بنيتي فأناب، وطالعه بعزيمتي فأجاب، وانفتح لي به إلى العلم كل ~~باب، ونفعني الله به في العلم والعمل، ويسر لي على يديه أعظم أمل، فاتخذت ~~بيت المقدس مباءة، والتزمت فيه القراءة، لا أقبل على دنيا، ولا أكلم إنسيا، ~~نواصل الليل بالنهار فيه، وخصوصا بقبة السلسلة (3)، منه تطلع الشمس على ~~الطور (4) PageV01P435 # # وتغرب على محراب داود (1)، فيخلفها البدر طالعا وغاربا على الموضعين ~~المكرمين، وأدخل إلى مدارس الحنفية والشافعية في كل يوم، لحضور التناظر بين ~~الطوائف، لا تلهينا تجارة، ولا تشغلنا صلة رحم، ولا تقطعنا مواصلة ولي، ~~وتقاة عدو. # فلم تمر بنا إلا مدة يسيرة حتى حضر عندنا بالغوير ونحن نتناظر فقيه ~~الشافعية عطاء المقدسي (2) فسمعني وأنا أستدل على أن مد (3) عجوة (4) ~~ودرهم، بمدي عجوة لا يجوز، وقلت: الصفقة إذا جمعت ms008 مالي ربا ومعهما أو مع ~~أحدهما ما يخالفه في القيمة سواء كان من جنسه، أو من غير جنسه، فإن ذلك لا ~~يجوز، لما فيه من التفاضل عند تقدير التقسيط والنظر والتقويم في المقابلة ~~بين الأعواض، وهذا أصل عظيم في تحصيل مسائل الربا (5). PageV01P436 # # فأعجب الفهري ذلك، والتفت إلى عطاء وقال له: قيضت (1) فراخنا! فقال له ~~عطاء: بل طارت. # وذلك في الشهر الخامس أو السادس من ابتداء قراءتي. # وكنا نفاوض الكرامية (2) والمعتزلة والمشبهة (3) واليهود، وكان لليهود ~~بها حبر منهم يقال له: التستري، لقنا فيهم، ذكيا بطريقهم. وخاصمنا النصارى ~~بها، وكانت البلاد لهم، يأكرون (4) ضياعها، ويلتزمون أديارهم، ويعمرون ~~كنائسها. PageV01P437 # # وقد حضرنا يوما مجلسا عظيما فيه الطوائف، وتكلم التستري الحبر اليهودي ~~على دينه فقال: اتفقنا على أن موسى نبي مؤيد بالمعجزات، معلم بالكلمات، فمن ~~ادعى أن غيره نبي فعليه الدليل. وأراد من طريق الجدال أن يرد الدليل في ~~جهتنا حتى يطرد له المرام، وتمتد أطناب الكلام. # فقال له الفهري: إن أردت موسى الذي أيد بالمعجزات وعلم الكلمات وبشر ~~بأحمد، فقد اتفقنا عليه معكم، وآمنا به وصدقناه، وان أردت به موسى آخر فلا ~~نعلم ما هو. # فاستحسن ذلك الحاضرون وأطنبوا في الثناء عليه، وكانت نكتة جدلية عقلة ~~قوية، فبهت الخصم وانقضى الحكم. # ولم نزل على تلك السجية، حتى اطلعت -بفضل الله- على أغراض العلوم ~~الثلاثة: علم الكلام وأصول الفقه ومسائل الخلاف التي هي عمدة الدين والطريق ~~المهيع إلى التدرب في معرفة أحكام المكلفين، الحاوية للمسألة والدليل، ~~والجامعة للتفريع والتعليل، وقرأنا "المدونة" بالطريقتين القيروانية في ~~التنظير والتمثيل، والعراقية على ما تقدم من معرفة الدليل. # وفي أثناء ذلك، ورد علينا برسم زيارة الخليل صلوات الله عليه وسلامه ~~وبنية الصلاة في المسجد الأقصى جماعة من علماء خراسان (1) كالزوزني (2) ~~PageV01P438 # # والصاغاني (1) والزنجاني (2) والقاضي الريحاني (3)، ومن الطلبة جماعة ~~كالبسكري (4) وساتكين التركي (5)، فلما سمعت كلامهم رأيت أنها درجة عالية، ~~ومزية ثانية، وبز (6) من المعارف أغلى، ومنزلة في العلوم أعلى، وكأني إذ ~~سمعت كلامهم ما قرأت ما يعني، ولا يكفي في المطلوب ولا يغني. ms009 # وكان من غريب الاتفاق الإلهي، أن المسألة التي سمعت أول دخولي بيت ~~المقدس، ولم أفهم كلام القوم فيها، هي التى سمعت الصاغاني يتكلم عليها، ~~فرأيت أنه أغوص على جواهر كتاب الله، واستنباط لا يدركه إلا من اصطفاه ~~الله، وكذلك سمعت كلام الزوزني في مسائل منها: قتل المسلم بالذمي، فرأيته ~~يقرطس (7) على غرض الصاغاني، وينظرون إلى المطلوب من حدقة واحدة، ويلجون ~~بيت المعارف من باب واحد، فاستخرت الله تعالى على المشي إلى العراق، وصورة ~~المسألة، وتسطير الكلامين، يكشف لك قناع الطريقتين. PageV01P439 # # قال مجلي في أول مجلس: من قتل في الحرم، أو في الحل، فلجأ إلى الحرم قتل، ~~لأن الحرم بقعة لو وقع القتل فيها لاستوفي القصاص بها، فكذلك إذا وقع القتل ~~في غيرها، أصله الحل. # فقال له خصمه (1): لا يمتنع أن يقع القتل فيها ولا تعصمه، وإذا قتل في ~~غيرها ولجأ إليها عصمته، كالصيد إذا لجأ إلى الحرم عصمه، ولو صال على أحد ~~في الحرم لما عصمه، وهذا الفقه صحيح (2)، وذلك أن القاتل في غير الحرم إذا ~~لجأ إليه فقد استعاذ بحرمته واستلاذ بأمنته وقد قال سبحانه: {ومن دخله كان ~~آمنا} [آل عمران: 97]. وإذا قتل فيه فقد هتك حرمته، وضيع أمنته، فكيف ~~يعصمه؟. # فقال له مجلي: هذا الذي ذكرت لا يصح ولا يلزمني لأن الحرم لم يحترم بحرمة ~~القاتل، ولا باعتقاده واحترامه، وإنما احترم بحرمة الله سبحانه التي جعلها ~~الله فيه وحكم بها له، فسواء أقام القاتل هذه الحرمة أم لم يقمها لا يسقط ~~شيء منها، فكان من حقك أن تعصمه على كل حال، لقيام الحرمة في الحرم لنفسه، ~~وحكم الله بها له، ويخالف الصيد، فإن الله حرم الصيد علينا ما دمنا حرما، ~~أي محرمين أو كائنين في الحرم، لكن الصيد إذا صال على أحد لم يجز قتله ~~ولكنه يدفعه عن نفسه وإن أدى إلى قتله، كالمسلم فإنه احترم بحرمة الإسلام، ~~وعصم دمه بالشهادتين، فإذ صال على أحد وجب دفعه وإن أدى ذلك إلى ذهاب نفسه. ~~PageV01P440 # # وأما قوله سبحانه: {ومن دخله ms010 كان آمنا} فإنما عني به ما كان عليه الحرم ~~في الجاهلية من تعظيم الكفار له، وأمن اللائذ منهم به. ودار الكلام على هذا ~~النحو (1). # ثم دخل علينا مدرسة أبي عقبة الحنفية ببيت المقدس بعد ذلك بمدة الصاغاني ~~في جبة راع، وسلم واخترق الحلقة إلى أن قعد بإزاء الشيخ وعليه سيماء الثروة ~~وأسمال الرغبة، ففطن الشيخ -وهو القاضي الريحاني- له فقال: لعل الشيخ من ~~أهل هذه الرفقة المسلوبة بالأمس. # فقال له الصاغاني: نعم. # فاسترجع له ودعا بالخير، ثم قال له: وهو من أهل العلم والله أعلم؟. # فقال: ما أنا إلا قرأت شيئا يسيرا. # فقال القاضي للأصحاب مبادرا: سلوه؟. # فسألوه عن هذه المسألة فقال: إذا الجاني لجأ إلى الحرم لا يقتل. # ففرح القاضي وقال: وكأن الشيخ حنفي! PageV01P441 # # قال له: نعم. # فسئل عن الدليل: فاستدل بقوله سبحانه: {ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام ~~حتى يقاتلوكم فيه} [البقرة: 191]. ثم قال: قرىء: {ولا تقاتلوهم} و {لا ~~تقتلوهم} (1)، فإن قلنا بقراءة من قرأ {ولا تقتلوهم} * فهو نص في مسألتنا، ~~وإذا قلنا: بقراءة من قرأ: {ولا تقاتلوهم} * كان تنبيها، لأنه إذا نهى عن ~~القتال -وهو سبب القتل- فالنهي عن المسبب الذي هو القتل أولى. # قال له القاضي الريحاني: هذه الآية منسوخة بقوله: {فاقتلوا المشركين حيث ~~وجدتموهم} [التوبة: 5]. # قال له الصاغاني: القاضي أجل قدرا من أن يتكلم بهذا، وكيف ينسخ الخاص ~~العام؟ وإنما ينسخ القول القول إذا عارضه. # فبهت القاضي، وهذا ما لا جواب عنه لأحد. # وأعجب لبعض المغاربة (2) ممن قرأ الأصول يحكي عن أبي حنيفة إن العام ينسخ ~~الخاص إذا كان متأخرا عنه، وهذا ما قال به قط، ولولا أن أبا حنيفة ناقض ~~فقال: لا يبايع في الحرم، ولا يكلم، ولا يجالس ولا يعان بمأكل ولا بمشرب ~~ولا بملبس حتى يخرج عنه فتؤخذ العقوبة منه، ما قام له في هذه المسألة أحد ~~(3)، إلى مناظرات كثيرة ومسائل من التحقيق عديدة. PageV01P442 # # وخرجت حينئذ إلى عسقلان (1) متساحلا، فألفيت بها بحر أدب يعب عبابه، ويغب ~~(2) ميزابه، فأقمت بها لا أرتوي منه نحوا من ستة ms011 أشهر، فلما كان في بعض ~~الأوان، كنت منقلبا عن بعض الإخوان إلى أن جئت لقم (3) طريق وقد امتلأ ~~بالناس وهم منقصفون (4) على جارية تغني في طاق (5)، فوقفت أطلب طريقا أو ~~أفكر في المشي على غيره وهي تترنم للتهامي (6): # أقول لها والعيس تحدج للنوى ... أعدي لفقدي ما استطعت من الصبر # أليس من الخسران أن لياليا ... تمر بلا نفع وتحسب من عمري # فقلت لنفسي: محمد، هذا بشهادة الله وحي صوفي وهاتف ديني، PageV01P443 # # أنت المراد وعليك دار هذا الترداد، ارحل من حينك إلى نيتك الأولى، وخذ ~~بنفسك إلى ما هو الأحرى بك والأولى. # وبادرت إلى داري وقلت لأبي: الرحيل الرحيل، فليس هذا المنزل بمقيل، فسر ~~بذلك، إذ كان من قبل يراودني عليه، وأنا أمانعه عليه. # ودخلنا البحر في الحين إلى عكا (1)، وأنجدنا (2) إلى طبرية (3) وحوران ~~(4)، وصمدنا دمشق، وفيها جماعة من العلماء رأسهم شيخ الوقت سناء وسنا، ~~وعلما ودينا نصر بن إبراهيم المقدسي (5) النابلسي، وأصحابه. متوافرون، وهم ~~على سبيل أهل الأرض المقدسة سائرون، وفي مدرجتهم سالكون، وبتلك الدرجة ~~متمكنون. # فلزمنا شيخنا نصر بن إبراهيم في السماع وانتهينا إلى سماع "كتاب البخاري" ~~بعد تقدم غيره عليه، وكان يقرؤه علينا بلفظه لثقل سمعه، فلما PageV01P444 # # بلغنا حديث أم زرع قال لي: كنت أسمع الخطيب أبا بكر البغدادي (1) يقول في ~~هذا الحديث (*): إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في آخره لعائشة: كنت ~~لك كأبي زرع لأم زرع غير أنه طلقا وأنا لا أطلقك (2). فحفظتها سريرة ~~وطويتها ذخيرة حتى دخلت مدينة السلام فذاكرت بها أحفظ من لقيت فيها محمد بن ~~سعدون (3) فقال: لا أعرفها، ولقي أبا الحسين الطيوري (4) قبلي فسأله عنها ~~فقال: نعم أعرفها، فأخرجها إليه وفيها حديث أم زرع كاملا بأسماء النسوة ~~ونسبهن وفيها هذه الزيادة بعد ذكرهن، فقرأ ذلك عليه وأخبرني به عنه، ثم ~~لقيت أبا PageV01P445 # # الحسن فكتبتها عنه وقرأتها عليه من طريق الزبير (1)، ثم قرأتها بعد ذلك ~~على أبي المطهر القاضي (2) الوافد علينا من أصبهان حاجا سنة تسعين -من طريق ~~الحارث بن أبي أسامة (3) وفيها ms012 حتى ذكر كلب أم زرع، وقرأتها بعد ذلك على ~~أبي عبد الله محمد ابن أبي العلاء (4) من طريق الخطيب التي كان الشيخ نصر ~~ابن إبراهيم أشار إليها. ### | ذكر الرحلة إلى العراق # ثم خرجنا إلى العراق، فلما نزلنا ضميرا (5) آخر السواد (6) وأول السماوة ~~(7)، PageV01P446 # # سقينا واستقينا، ثم خرجنا عنه مصحرين في السماوة عشي يوم الأحد منسلخ ~~شعبان سنة تسع وثمانين وأربعمائة. فبينا نحن نقطع المفازة إلى ماء يقال له ~~الأطواء (1)، أهل علينا هلال رمضان، فكبر الناس والتفت إلي أبي رحمة الله ~~عليه يكبر بتكبيرهم، فما صرفت بصري إليه كراهة في جهة المغرب التي كان بها ~~وتشوقا إلى جهة المشرق التي كنت أؤملها .. # واستمر بنا المسير تظلنا السماء، وتقلنا السماوة حتى بلغنا بغداد فنزلنا ~~بها، وخرجت إلى جامع الخليفة يوم الجمعة فصليت وجلست إلى حلقة حسين الطبري ~~(2) النائب في ولاية التدريس بالدار النظامية في ذلك الوقت، فسمعتهم ~~يتكلمون في مسألة إجبار السيد عبده على النكاح، ولا يفوتني من كلامهم شيء ~~من الفساد والصلاح، ونظرت إلى حالي أول دخولي بيت المقدس وأنا أسمع كلام ~~مجلي في مسألة الحرم، وحالي حين دخولي بغداد وسماعي مسألة إجبار العبد على ~~النكاح، فهم قلبي يغيظ وكاد لساني يفيض، ثم تماسكت وليتني تكلمت، وعلى هذه ~~الحال فإني قلت لبعض الطلبة الذي كان يجاورني: كلام المستدل أقوى من كلام ~~المعترض، PageV01P447 # # فرمقني منكرا! وقال لما رأى علي من صغر السنن متعجبا: أنى لك هذا؟. # فقلت: أمر ظهر إلي، وأعرضت عنه لئلا يتصل الكلام فيفطن لي. # وخرجت بعد ذلك إلى مجلس مسجد الإسلام مؤيد السنة أبي سعد الحلواني (1) ~~بدرب الجاكرية، ولما دخلت عليه جلست في مجلس متوسط منه وهم يتكلمون، فلما ~~فرغوا من تلك المسألة وأخذوا في أخرى وهي البكر الزانية هل تستنطق في ~~النكاح، فاستدل شافعي منهم على أن حكمها حكم الثيب، فقال لي الحلواني: أيها ~~الشيخ، إن كان عندك علم فتكلم. # وخصني حين رآني ارتقيت إلى مجلس رفيع، وتهمم بي، فقلت: إن أذن سيدنا ~~فعلت. # فقال: نعم. # فقلت: استدل الشيخ ms013 الإمام بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "الثيب ~~يعرب عنها لسانها" [وهذه ثيب، وهذا لا حجة فيه لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "الثيب يعرب عنها لسانها]، والبكر تستأمر في نفسها" (2) فعلق ~~الحكم على الثيوبة والبكارة، PageV01P448 # # وهما اسمان مشتقان، وإذا علق الشارع الحكم على اسم جامد أفاد ما تفيده ~~الإشارة وهي بيان المحل خاصة، وإذا علق الحكم على اسم مشتق أفاد تعليل ~~الحكم بمعنى الاسم، وهذا بين في الأصول معلوم بالدليل، والثيوبة والبكارة ~~اسمان مشتقان، فعلق الحكم بمعنى البكارة وهو الاستحياء، ولذلك قال في ~~الحديث: # "والبكر تستأمر في نفسها، قالوا: يا رسول الله: إنها تستحي، قال: إذنها ~~صماتها". # فعلل الصمات بالحياء، وهي بعد الزنا أشد حياء منها قبل الزنا، مع ما في ~~النطق من إشاعة الفاحشة (1)، فأعجب الحلواني كلامي وقال: وكذلك والله أعربت ~~عن نفسك وأبنت عن مكانك، وأدنى مجلسي، وبقيت لديه مكرما حتى فارقته. # ثم فاوضت بعد ذلك العلماء، وواظبت المجالس، واختصصت بفخر الإسلام أبي بكر ~~الشاشي (2)، فقيه الوقت وإمامه، فطلعت لي شموس المعارف، فقلت: الله أكبر ~~هذا هو المطلوب الذي كنت أصمد، والوقت الذي كنت أرقب وأرصد (3)، فدرست ~~وقيدت وارتويت وسمعت ووعيت PageV01P449 # # حتى (1) ورد علينا دانشمند (2)، فنزل برباط (3) أبي سعد بإزاء المدرسة ~~النظامية (4) معرضا عن الدنيا، مقبلا على الله تعالى، فمشينا إليه وعرضنا ~~أمنيتنا عليه، وقلت له: أنت ضالتنا الذي كنا ننشد، وإمامنا الذي به نسترشد، ~~فلقينا لقاء المعرفة، وشاهدنا منه ما كان فوق الصفة، وتحققنا أن الذي نقل ~~إلينا من أن الخبر عن الغائب فوق المشاهدة ليس على العموم، ولو رآه علي ابن ~~العباس (5) لما قال: # إذا ما مدحت امرءا غائبا ... فلا تغل في مدحه واقصد # فإنك إن تغل تغل الظنو ... ن فيه إلى الأمد الأبعد # فيصغر من حيث عظمته ... لفضل المغيب على المشهد (6) # فإنه كان رجلا إذا عاينته رأيت جمالا ظاهرا، وإذا عالمته وجدت بحرا ~~زاخرا، وكلما اختبرت احتبرت. فقصدت رباطه، ولزمت بساطه، واغتنمت ~~PageV01P450 # # خلولته ونشاطه، وكأنما فرغ لي لأبلغ منه أملي، وأباح لي مكانه، ms014 فكنت ~~ألقاه في الصباح والمساء والظهيرة والعشاء، كان في بزته (1) أو بذلته (2)، ~~وأنا مستقل في السؤال، عالم حيث تؤكل كتف الاستدلال، وألفيته حفيا بي في ~~التعليم، وفيا بعهدة التكريم (3). # وكان من صنع الله الجميل بي توفيقه لي إلى الإقامة بأرض الشام، في بقعة ~~مباركة وبين علماء حتى صار ذلك درجا للقاء المحققين الذين ينتقدون ما جهلت، ~~ويفسرون ما أجملت، ويوضحون ما أبهمت، ويكملون ما نقصت، وصار ما حصل عندي من ~~تلك المقدمات، استعدادا لقبول الحقائق فيها، وتقييد الشارد من معانيها، ~~وصار ذلك كمن يدخل المعدن فيجمع النضار (4) برغامه (5)، ويحمله إلى دار ~~السبك لتخليصه. # ثم شرعت في القراءة عليه والسماع، والمباحثة والتتبع للمشكلات بالكشف عن ~~خباياها، والدخول إلى زواياها، واشتفاف رواياها، PageV01P451 # # واستطعمته التحقيق، وباحثته عنه خالصا من غير مشارك، واستقصيته عن ما كان ~~إمام الحرمين (1) رحمه الله يحوم في كتبه عليه، ويشير في أثناء كلامه إليه، ~~فواساني مواساة الوالد، وآساني بل لم تنله قط الجماعة ولا الواحد. فلما طلع ~~لي ذلك النور، وانجلى عني ما كان يغشاني من الديجور. # قلت: هذا مطلوبي حقا، هذا بأمانة الله منتهى السالكين، وغاية الطالبين ~~للعلم المبين، إني تارك لما تطلبون، ونابذ ما كنتم تقولون، وقد علم الإمام ~~أني من السالكين في سبيل المهتدين، فسددني إلى سوائها، وأوجد لي معلوم ~~دليلها، وأرشدني إلى لقم ظاهرها وتأويلها، وليس التحصيل بطول الصحبة، وإنما ~~هو فضل من الله وموهبة، فقد صحب النضر بن شميل (2) الخليل بضع عشرة سنة، ~~وصحبه سيبويه سنوات، فانظر إلى ما بين التحصيلين في المدتين، والمنزلتين ~~فيما بين وبين. # ولقينا شيخ الشيوخ وصاحب الباب في العلم والرسوخ إسماعيل الطوسي (3)، وقد ~~بينا شرح ذلك في كتاب "عيان الأعيان" (4). PageV01P452 # ### | ذكر المعرفة بأمير المؤمنين حين كان عونا على طلب علم الدين # وكان أبو الحسن المبارك بن سعيد البغدادي (1) قد ورد علينا تاجرا سنة ~~ثلاث وثمانين وأربعمئة، فأنزله المعتمد بن عباد (2) عندنا، فأكرمه أبي غاية ~~الإكرام، وعقد عليه مجلسنا في السماع، وتخلى له عن مناظرته في مسجده، وصدر ~~الرجل عنا ms015 راضيا، فبينا نحن نمشي بعد ورودنا مدينة السلام بأيام قلائل في ~~سوق الريحانيين (3) بها، إذ لقينا أبا الحسن بن الخشاب المذكور فعانقنا ~~ودعا لنا وقال: ها هنا أنتم، وكيف جئتم؟ فرس له أبي الحديث وبقر له عن ~~النجيث، فمشى إلى الوزير عميد الدولة ابن جهير (4)، فأعلمه بنا، وكنا قد ~~حملنا من دمشق كتاب واليها وجماعة من رؤسائها إلى الوزير عميد الدولة، ~~وكتاب القاضي نجم القضاة الشهرستاني (5). بالتقريض لنا والتنبيه على ~~مكاننا، فدخلنا الديوان إلى الوزير، ووقف على ما كان عندنا، ورفع ~~PageV01P453 # # إلى أمير المؤمنين (1) أمرنا، فأمر بتكرمتنا وإدنائنا (2)، وأجرى معروفا ~~كبيرا لنا، وأباح الديوان لمدخلنا ومخرجنا، فوقرتنا العلماء، وأكرمتنا ~~المشيخة، وأظهرت الجماعة لنا المزية، ونعم العون على العلم الرئاسة (3). ### | ذكر التوصل إلى المطلوب من العلم # وكنت إبان طلبي في الأقطار، ودرسي آناء الليل والنهار، ولقائي أولي ~~البصائر والأبصار، لا أمل لي إلا التشوف إلى المقصد الأسنى، المنتحى في كل ~~معنى، وهو معرفة الله تعالى؛ لأنا إن نظرنا في العالم لم ننظر فيه من حيث ~~إنه متقن الصنعة، أو جميل المنظرة، أو عام المنفعة، أو كبير الجرم، وإنما ~~نبتهل به، ونقبل بوجه النظر إليه، من حيث إنه صنعة الله. # وإن نظرنا في النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ننظر فيه من حيث أنه آدمي ~~أو قرشي أو ذو منظر بهي، وإنما ننظر فيه من حيث أنه رسول الله. PageV01P454 # # وإن نظرنا في أعمالنا لم ننظر فيها من حيث أنها حركات تجلب منفعة أو تدفع ~~مضرة، وإنما ننظر فيها من حيث أنها خدمة الله أو تخالف أمر الله، فالمقصود ~~بكل نظر وفي كل قول وعمل إنما هو الله سبحانه. # وحين استنورت الطريق، ولاحت لي جادة التحقيق، وتحقق عندي أن كتاب الله هو ~~المرشد إليه، والدليل عليه، لم آل في الترقي إلى درج المعرفة، وإذا لم يأت ~~العبد من الله سداده، ولا كان من بحره استمداده، لم يغن عنه اجتهاده. # فقرأت (1) من كتب التفسير كثيرا، ووعيت من حديث رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم ms016 - عيونا، كتفسير الثعالبي (2) الذي كان وقفا في كتب الصخرة ~~المقدسة، ونسخة الطرطوشي (3)، فزاد فيه ونقص فجاء تأليفا له، وكتاب ~~الماوردي (4) ومختصر (5) PageV01P455 # # الطبري، وكتاب ابن فورك (1) وهو أقلها حجما وأكثرها علما وأبدعها تحقيقا، ~~وهو ملامح من كتاب "المختزن" الذي جمعه في التفسير الشيخ أبو الحسن في ~~خمسمائة مجلد (2)، وكتاب النقاش (3) وفيه حشو كثير، ومن كتب المخالفين ~~كثيرا، ومن المسانيد جما غفيرا، وأكثر ما قرأت للمخالفين كتاب عبد الجبار ~~الهمداني الذي سماه ب "المحيط" (4) مئة مجلد، وكتاب الرماني (5) عشر ~~مجلدات، وفاوضت فيه علماء المؤالفين والمخالفين وأهل PageV01P456 # # السنة والمبتدعين، فاستفدت من أهل السنة، وجادلت بالتي هي أحسن أهل ~~البدعة، وأفنيت عظيما من الزمان في طريقة الصوفيين، ولقيت رجالاتهم في تلك ~~البلاد أجمعين، وما كنت أسمع بأحد يشار إليه بالأصابع أو تثنى عليه ~~الخناصر، أو تصيخ إلى ذكره الآذان، أو ترفع إلى منظرته الأحداق، إلا رحلت ~~إليه قصيا، أو دخلت إليه قريا. وقد كان تأصل عندي بما قدمته تثقيف الدليل ~~وقانون التأويل، فولجت من ذلك جنة لا يتكدر تسنيمها (1)، ولا يتغير نعيمها. ~~وقد كان دانشمند - رحمه الله - حين عرضي عليه، زيف ما زيف، وعرف ما عرف، ~~فتخلص الاعتقاد، وتحصل المراد، ووقف الأمر على قسمين: # أحدهما معرفة النفس، والثاني معرفة الرب. ### | ذكر معرفة النفس # اعلموا -أنالكم الله آمالكم في المعلومات- أن معرفة العبد نفسه من أولى ~~ما عليه وأوكده، إذ (2) لا يعرف ربه إلا من عرف نفسه: قال الله سبحانه: ~~{وفي أنفسكم أفلا تبصرون} [الذاريات: 21]. # وقال: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين} [المؤمنون: 12] PageV01P457 # # ولو شاء ربنا لخلق المعرفة لعبده ابتداء من غير أن ينصب له عليه دليلا، ~~ويعرفه بوجه الدليل، ولكنه بحكمته خلقه غير عالم، ثم رتب فيه العلم درجات ~~(1)، كما قال تعالى: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل ~~لكم السمع والأبصار والأفئدة} [النحل: 78] (2). # فلا إخراج أنفسهم علموه، ولا وصف ربهم عرفوه، ولا شاورهم فيه، ولا علموا ~~بحالة من أحواله. فخلق السمع لخطابه، والبصر للاعتبار به، والأفئدة لمقر ~~علمه (3). # وعرف العبد نفسه ms017 في قوله: {من سلالة من طين} [المؤمنون: 12] لئلا يعجب ~~بنفسه ولئلا يتعجب أحد أيضا من سوء فعله، ثم قال سبحانه: {ثم أنشأناه خلقا ~~آخر} [المؤمنون: 14]. # ليعرفك أن الشرف والقدر إنما هو للتربية لا للتربة (4). # فإذا نظر العبد في نفسه علم أنه موجود لغيره، وتحقق أن ذلك الغير لا ~~PageV01P458 # # يصح أن يوجده غيره؛ لأنه لو كان أيضا موجودا لغيره لافتقر ذلك الغير الي ~~مثله، وتسلسل (1) الأمر ولم يتحصل، وعنه وقع البيان بقوله سبحانه: {وأن إلى ~~ربك المنتهى} [النجم: 42]. # فإنك بأي شيء بدأت، فعند الباري تعالى تقف، ابتداء خلق الأشياء من عنده، ~~وانتهاؤها إليه، وفاتحة العلوم من قبله، وغايتها عنده، لا معلوم بعده، فصح ~~أنه لا بد من الوقوف بالعلم على موجد، لا موجد سواه. # وإذا رأى العبد ما هو عليه من الخروج من حالة عدم إلى حالة وجود، ~~والانتقال من صفة إلى صفة، والاختصاص بحالة دون حالة، بالمزايا الشريفة من ~~العلم والنطق والتدبير والحياة والقدرة، علم أنه موجود لموجد (2) قادر، ~~وعليه دل بقوله: # {وهو على كل شيء قدير (1)} [الملك: 1] (3). PageV01P459 # # ويدل إتقان جبلته وإحكام صنعته على أنه عالم (1)، إذ لا يصح تقدير موجد ~~لا علم له ولا قدرة ويتحقق بعد أنه حي، إذ القدرة والعلم يستحيل وصف الموات ~~بهما. # قال تعالى: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} [البقرة: 255]. # قال سبحانه: {هو الحي} [غافر: 65] (2). # ويثبت عنده أنه مريد لأنه يرى نفسه على أحوال وصفات تقرر عنده أن كون ~~المحل على غيرها بدلا منها ممكن، فلا بد والحالة هذه من معنى تستند إليه ~~هذه الخصيصة، وهي صفة شأنها تمييز الشيء عن مثله وهي الإرادة، عبر عنها ~~قوله سبحانه: {فعال لما يريد} [البروج: 16] (3). # ليس عليه حجر، ولا فوقه أحد (4). PageV01P460 # # ولا بد من الاعتقاد بأنه سميع بصير، وقد اختلفت أغراض (1) العلماء في ~~الدليل على ذلك، فقال الأستاذ أبو إسحاق (2): لأنه قد خلقهما للعبد (3) ~~ومحال أن يخلق ما لا يعلم، وعليه نبه بقوله: # {ألا يعلم من خلق} [الملك: 14] (4). # وعول الجويني على أن الأمة قد أجمعت على ms018 نفي الآفات عن الباري تعالى، ولا ~~مستند إلا السمع، وما قاله المتكلمون لا يرتضيه (5). PageV01P461 # # قال الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن العربي رضي الله عنه: # وإنما ذكرنا لكم هذا لتتخذوه قانونا، وتعجبوا من رأس المحققين يعول في ~~نفي الآفات على السمع، ولا يجوز أن يكون السمع طريقا إلى معرفة الباري ولا ~~شيء من صفاته، لأن السمع منه، فلا يعلم السمع إلا به ولا يعلم هو إلا ~~بالسمع، فيتعارض ذلك ويتناقض (1)، وقد مهدناه في المقسط وغيره. # وقد رام الجويني أن يتخلص من ذلك بأسئلته وأجوبته فلم يستطع (2). # وعول الطوسي على أن الكمال واجب لله تعالى ومن المحال أن يكون للعبد صفة ~~كمال ليست للخالق تعالى (3)، وهو أقوى من كلام الجويني، ولكن المعول على ما ~~سبق للأستاذ وفيه تتبع عظيم يتبين في موضعه. # وكذلك لا يجوز أن يشبه بشيء من خلقه؛ لأنه لو كان مثله، لما كان أحدهما ~~أولى بأن يكون الموجد من الآخر. PageV01P462 # # ولا يجوز أن يكون له شبه في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وكل من ~~أضاف ذلك إليه فهو مشبه، ولذلك كان جميع من يخرج عن رسم الموحدين مشبها ~~(1)، وقد أحكم الله بيان ذلك بقوله: {فكبكبوا فيها هم والغاوون (94) وجنود ~~إبليس أجمعون (95) قالوا وهم فيها يختصمون (96) تالله إن كنا لفي ضلال مبين ~~(97) إذ نسويكم برب العالمين (98) وما أضلنا إلا المجرمون} [الشعراء: 94 - ~~99]. # ومن أئمة المجرمين القدرية (2) الذين ساووا الثنوية (3)، فقالوا: "إن ~~العباد يخلقون الشر دون الله"، فسووا بينهم وبين الخالق، وأخذوا منه ما ~~أثبته لنفسه في قوله: {والله خلقكم وما تعملون} [الصافات: 96]. # فأخبر سبحانه أنه خلق أعمالهم كخلقه لهم. ألا ترى كيف زاده بيانا ليثبته ~~برهانا فقال عنهم وعن أمثالهم: {إن المجرمين في ضلال وسعر (47) يوم يسحبون ~~في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر (48) إنا كل شيء خلقناه بقدر} [القمر: 47 ~~- 49] (4). PageV01P463 # # وهكذا تستدل أيها العبد بنفسك على ربك، حتى لقد غلا في ذلك بعضهم فقال: ~~إن الإنسان هو العالم الأصغر، والسموات والأرض بما تشتمل عليه هو العالم ms019 ~~الأكبر، وأفرط في التشبيه بينهما والمناسبة لهما، وليس ذلك بمعترض على ~~الدين، ولا قادح في عقيدة المسلمين، ولا بعيد من حكمة الملك الحق المبين. ~~فلا معنى لإنكاره، فإنك لا تنظر إلى معنى في نفسك إلا ولله فيك دليل شاهد ~~على أنه واحد. # وإن العبد منا ليؤلف كتابا موعبا في علم، ثم يختصره في طريق، ثم يشير إلى ~~نكته في آخر، فيأتي عمله بسيطا ووجيزا وخلاصة، ويدل الأول على الآخر، ~~ويقتضي القليل الكثير. # وإذا تأملت هذا تأملا محققا، وأمعنت النظر، لم يبعد أن يخلق الباري ~~سبحانه الجنة والنار وهو الخلق الأعظم، ثم خلق السموات والأرض بما فيهن ~~وبينهن، وهو الخلق الأوسط وخلق الإنسان آخرا، وخاتمة بعد تمام المخلوقات ~~كلها، وهو الخلق الأصغر (1). # ومن حكمة الله سبحانه وتعالى أن خلق العالم الأكبر كله للعالم الأصغر ~~نعيما للطائع وعذابا للعاصي، ولذلك جعل العالم الأصغر فريقين، لما خلق ~~العالم الأكبر دارين، وبهذه المعاني سمي الخالق البارىء المصور، فإن الخالق ~~هو الموجد المقدر، والباري هو الموجد المصور، والمصور هو PageV01P464 # # المظهر لتركيبها وصورها، والخالق أيضا هو المخترع، والباري هو المصور على ~~مثال، والمصور هو الجاعل له على هيئات وليس إيجاده لما أوجده على مثال ~~للحاجة إليه، ولكنه سبحانه هو القادر المريد، إن شاء أن يوجد ابتداء أوجد، ~~وإن شاء أن يوجد على مثال أوجد، وله في ذلك القدرة الواسعة والحكمة ~~البالغة. # وقد خلق أصول العالم أولا من غير شيء، ثم رتب بعضها على بعض، ومن جملة ~~ذلك ترتيب "آدم" على خلق "حواء" منه على ما ورد به الأثر الصحيح في قوله: ~~"إن المرأة خلقت من ضلع إن ذهبت أن تقيمها كسرتها، وإن استمتعت بها استمتعت ~~بها على عوج" (1). # ولهذا منع العبد من التصوير لئلا يضاهي خلق الله (2)، وقد ارتبطت هذه ~~الأسماء الثلاثة في حق الباري سبحانه بجميع المخلوقات ارتباطا عاما على ~~اختلاف متعلقاتها كلها عموما وخصوصا حسبما رتبناه مبينا في كتاب "الأمد ~~الأقصى في الأسماء الحسنى والصفات العلى والأفعال العدلى" PageV01P465 # # فلينظر (1) ففيه العجب العجاب من لباب ms020 الألباب، ومنه يفتح إلى المعرفة في ~~ذلك كل باب. # وهذا تحقيق عظيم فيه كلام طويل تنفجر منه ينابيع معارف لا تحصر، هذا ~~قانون فيها. # وقد روي أن العالم الأصغر إذا انتهى إلى العالم الأكبر تمنى أخيرا أن يرى ~~منه ما رأى في الأولى، فروي أنه يتمنى في الجنة أن يكون له ولد (2) وإبل، ~~وفرس (3)، وسوق (4)، وزرع (5)، وقيل لهم: قولوا ما تريدون فإنه كائن. ~~PageV01P466 # # {وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون} [الزخرف: 71]. # ولدينا مزيد مما لا تعلمون. ### | ذكر معرفة الرب # قد سردنا من معرفة الرب في معرفة النفس أنموذجا يتبين به المطلوب، ويظهر ~~منه وجه الدليل، ويحكم به لمن قال "من عرف نفسه عرف ربه بالعلم" (1). # وإذا أضاء لك الفجر على الطريق فاسلكه، حتى تطلع الشمس فيرتفع اللبس، وقد ~~قال العلماء قولا متفرقا نظمنا من كلامهم فائدة مجموعة: # إن الله خلق العبد جسما مواتا، ثم نفخ فيه الروح، فإذا به قد صار ~~PageV01P467 # # حيا عالما، قادرا، سميعا، بصيرا، حكيما، مدبرا. فإذا رد العبد نظره إلى ~~نفسه، ورآها على هذه الصفات، متمكنا في هذه المرتبة باقتران معنى موجود ~~بالذات سماه الله روحا تارة، وسماه نفسا أخرى، ولم يقدر العبد على إدراك ~~حقيقة هذا المعنى الذي اقتضى اقترانه بالذات وجود هذه الصفات، كان ذلك ~~دليلا على صحة الاستدلال على وجود الله تعالى بأفعاله، وإن لم تدرك ماهية ~~ذاته، ولا يقدر عاقل أن ينكر وجود الروح مع نفسه لوجود أفعاله، وإن كان لم ~~يدرك حقيقته، كذلك لا يقدر أن ينكر وجود الباري سبحانه الذي دلت أفعاله ~~عليه وإن لم يدرك حقيقته. ### | ذكر المرآة # قالوا: وكذلك خلق الله المرآة يتشكل فيها لصفائها ما قابلها، فيرى العبد ~~نفسه فيها، ولا يقدر أن يقول رأيت شخصي في المرآة، ولا مثالي؛ لأن المرآة ~~قشرة رقيقة لا تحمل طول الصورة ولا عرضها، ولا تتسع لإقبالها إذا أقبلت على ~~المرآة، ولا تتسع أيضا لإدبارها إذا أدبرت عنها. فثبت أن الذي يرى في ~~المرآة نفسه بواسطة مقابلة المرآة له، ويستحيل ms021 أن يكون الإنسان من نفسه في ~~جهة (1)، وقد أطنبنا القول في ذلك في كتاب "المقسط" وغيره (2). وبذلك يعلم ~~بواسطتها وتجلي الصور فيها تجلي الحقائق للنفس مما PageV01P468 # # تلقي إليها الحواس من المعاني، وهي تطلع عليها من حيث لا تشعر النفس بها، ~~ولا يتفطن العبد لوجهها، وقد يشعر إذا كان مقبلا على الحقائق وطريق ~~تحصيلها، وعلى النظر في الأدلة وتفاصيلها، ولم تشغله العوائق، ولا صرفته ~~الخواطر، ولا شعبت عليه الأطماع، ولا جذبته علائق الآمال (1). ### | ذكر حقيقة النوم وحكمته # وكذلك خلق الله للعبد النوم، ليعلم به كيفية الانتقال من حال إلى حال، ~~وصفة الخروج من دار إلى دار، فإنه موت أصغر، وقد يقال بنظر آخر أنه يقظة ~~صغرى، فإن نظرنا إليه من حيث عدم الحركة والحس والتصرف بالأفعال معه، قلنا ~~هو موت (2) لعدم ذلك كله به، وقد قال تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها ~~والتي لم تمت في منامها} [الزمر: 42] وقال - صلى الله عليه وسلم -: "أخذ ~~بنفسي الذي أخذ بنفسك" (3). # وإن نظرنا إليه من حيث إنه انقطاع عن عالم التصرف الأدنى مع الآدميين ~~والإكباب على الدنيا ومعانيها، وأنه إقبال على الملائكة المقربين، ~~PageV01P469 # # وتفريغ القلب لإدراك الحقائق بطريق الأمثال، واطلاع على ما يكون غدا (1)، ~~رأينا أنه حياة صحيحة، ويقظة محققة بدلا عن موت مفقد، ونوم مفسد. # وقد يرى نفسه في الرؤيا كبيرا، وهو صغير، وصغيرا وهو كبير، وطائرا وهو ~~يمشي، وبهيمة وهو آدمي، وقريبا وهو بعيد، وبعيدا وهو قريب، ومدركا لما لا ~~يناله في يقظته بحال، فلا يستنكر أن يكون له حالة وجود أخرى، يوجد ذلك كله ~~فيها وهي الجنة، فيرتقي فيها إلى درجة عظيمة بتسخير الباري سبحانه له جميع ~~الموجودات فيقول للشيء كن فيكون كما قال وأراد. # وقد يرى ذلك في منامه متفرقا ومجتمعا، وكذلك لا يبعد أن يكون جبريل عليه ~~السلام تارة كبيرا حتى يملأ بجسمه الآفاق (2)، وتارة صغيرا PageV01P470 # # حتى يكون على قدر دحية (1)، ويأتي مرة في صفة طائر (2) وأخرى في هيئة ~~آدمي (3)، وربما ظن جاهل (4) أن حالة النوم (5) حالة تخيل، وهذا ms022 جهل عظيم، ~~وقد بينا الكلام عليه في كتبنا وخاصة في رسالة "محاسن الإحسان في جوابات ~~أهل تلمسان" (6)، والمشاهدة تدفع قوله، فإن المرء يرى الرؤيا نائما ~~PageV01P471 # # ويرى تفسيرها يقظة، وهذا مما يدركه المتقي، ويتأتى من الكافر كما يتأتى ~~من المؤمن. # ومن الغريب أنا كنا نحاصر بلدا من بلاد الروم، وكان معنا ذمي معاهد حضر ~~في غمار العسكرية بذمة سبقت له، فقاتلنا ذلك اليوم حتى كدنا نيأس منه، فلما ~~كان صبيحة يوم جاءنا فتكلمنا في هذا الغرض، فقال لي: أظن البلد مأخوذا، ~~فإني كنت أرى البارحة حية تلسع الناس فكنت آخذها وأفتح بطنها ويخرج أولاد ~~صغار فأرمي بهم في كظامة؟. # فقلت لترجمان بيني وبينه: رؤيا صحيحة، وسأنظر. # فقال الكافر: قد فسرتها: الحية التي تلسع الناس هذه البلدة، وهي مأخوذة، ~~وسيرمى بأهلها فيخرجون إلى بلادهم، فإنها مزابل عندكم، والرؤيا لكم ليس لنا ~~فيها حظ. # فعجبت من صدق رؤياه، وتفسيره لما رآه، وكذلك كان، فتحناها بعد يومين ومن ~~الأمير على من كان بها فخرجوا إلى بلادهم. PageV01P472 # # وقد اتفقت العقلاء في كل ملة عليها، وقام الدليل القاطع شرعا وعقلا على ~~صحتها، وقد استدل النبي - صلى الله عليه وسلم - بها، وأخبرنا عنها تارة ~~يقول: رأيت ربي، وأخرى، رأيت نفسي وثالثة رأيت أصحابي، ورابعة رأيت أمتي، ~~وخامسة رأيت الدنيا، وسادسة الدار الأخرى، وقال ما لا يحصى: رأيت من ~~الأحوال كذا ... # فقد ثبت والحالة هذه صحة ذلك، وهذا قانون من التأويل على جهة التمثيل، ~~وعلم خفي من الدليل على صحة الحقائق من المخلوقات، ووجود الباري وما هو ~~عليه من الصفات. ### | ذكر حقيقة المثل # (1) # وهو باب من التأويل عظيم، وقانون إلى المعرفة مستقيم. # إن الله -سبحانه وله الحمد- لو شاء لتجلى لعباده حتى يعلموا حقيقة ذاته، ~~ولكنه احتجب عنهم بعظمته وكبريائه، وعرفهم نفسه بالأدلة، ولو شاء أيضا لجعل ~~الأدلة بابا واحدا، حتى يصل الخلق إلى العلم به من طريق واحدة، ولكنه ~~بحكمته نصبها جلية وخفية حتى يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا ~~العلم درجات، ويسفل المعرضين، وأهل الجهل PageV01P473 # # درجات، ms023 ليأخذ فريقا حكم الهدى والنجاة، وآخر قضاء الضلال والهلكة، لتحق ~~الكلمة، وتمتلىء جهنم والجنة. # فمن خفي أدلته ضرب الأمثال، وهو سبحانه: {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11]. # والمثل بكسر الميم وفتحها وإسكان الثاء وفتحها عند قوم بمعنى واحد، ~~كقولهم: شبه وشبه، وعند المحققين (1): المثل بكسر الفاء وإسكان العين، ~~عبارة عن شبه المحسوس، وبفتحها عبارة عن شبه المعاني المعقولة، فالإنسان ~~مخالف للأسد في صورته، مشبه له في جرأته وحدته، فيقال للشجاع أسد أي يشبه ~~الأسد في الجرأة، وكذلك يخالف الإنسان الغيث في صورته، والكريم من الإنسان ~~يشابهه في عموم منفعته (2). وأنتم عارفون بشبه المعاني، فلا معنى للإطناب ~~معكم فيه، وإذا عرفتم هذه الحقيقة، فقد ضرب الله لنفسه الأمثال في مواضع ~~كثيرة من كتابه في معاني توحيده وربانيته، قال: # {الله نور السماوات والأرض -إلى قوله: تمسسه نار} [النور: 35]. ~~PageV01P474 # ### | ذكر قانون من التأويل في آية معينة # وهذه آية من التوحيد كريمة، وعلى مرتبة في العلم عظيمة، ضربها الله مثلا ~~للعلم والإيمان، كما ضرب للجهل والكفر مثلا ما بعدها في قوله: # {أو كظلمات في بحر لجي يغشاه -إلى قوله- فما له من نور} [النور: 40] # قال علماؤنا: أراد الله منور السموات بما خلق فيها من الأنوار المحسوسة ~~كالكواكب، ومنور القلوب بما خلق فيها من الهدى، ولذلك قالوا: نور بمعنى: ~~هادي (1) التفاتا إلى هذا المعنى (2). PageV01P475 # # وقالوا: مثل نوره يعني في قلب المؤمن (1)، تأكيدا للمعنى المذكور، ولا ~~يستقيم التنوير بالهدى إلا بعد العلم والعقل، ونهايته اليقين، ومن شروطه ~~العمل الصالح. # فقال قوم: نور السموات بالعقل، وقيل بالعلم، وقيل باليقين، وقيل بالقبول، ~~ويرجع معناه إلى أهل السموات والأرض، وكلها ترجع إلى هادي لاستعمام الهدى ~~لذلك كله، ولكل نور من هذه الأنوار مطرح شعاع، ومنتهى استضاءة، فالنهايات ~~فيها هو الكمال، والتقصير عنها هو النقصان، ويكون ذلك على وجه لا يعترض على ~~الأصل، وقد يعترض عليه. # ومنه قوله- صلى الله عليه وسلم -: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" ~~(2). PageV01P476 # # فإن الشعاع المنبث من النور لم يصل إليه، فلم ير ما في الزنا من الفحشاء، ms024 ~~وكذلك جميع المحرمات. وقال: # "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين" (1). # وهذا مطرح للشعاع ضيق، ونقصان مؤثر ذاهب إلى العدم، وتحقيق للظلمة في ~~القلب وقال: "لا يؤمن أحدكم حتى يأمن جاره بوائقه" (2). # فهذا محل من المعرفة، ومجال للتكليف لم ينته إليه الشعاع، ولا كانت للنور ~~فيه إضاءة، فلما أظلم عليه اقتحم الإذاية للجار، وهي حالة نقصان لا تقتضي ~~عدم الإيمان. # وهكذا تركب عليه جميع أنواع التوحيد، من معرفة ذات وصفات وخصائص الرسول ~~وجميع أعمال الطاعات، وتدريج بعضها على بعض في المراتب فيما تقدم، وفيما ~~يتعلق به من كفر وفسق وتبديع، ومقابلة ظاهر بتأويل، ويدخل في مهامه من ~~التفسير لا عمارة لها (3)، وتركب بحورا من المعارف لا ساحل لها. ~~PageV01P477 # # ثم قال سبحانه: {مثل نوره كمشكاة} [النور: 35]. # فقال قوم: إن هذا مثل لذاته وضلوا. # وخذوا مني نكتة هي خير لكم ما طلعت عليه الشمس. ### | ذكر تنزيه الذات عن الأمثال # اعلموا -أفادكم الله علمه، وأوسعكم حلمه- أن الباري تعالى نصب الأدلة على ~~معرفة صفاته، وحجب الخلق عن ماهية ذاته حتى يعلموه إذا شاهدوه، فللعيان ~~مزية في البيان، أنشدني القاضي الرشيد (1) رحمه الله بالمسجد الأقصى طهره ~~الله (2): # لئن أصبحت مرتحلا بشخصي (3) ... فروحي عندكم أبدا مقيم # ولكن للعيان لطيف معنى ... له سأل المعاينة الكليم # فخبأ -والله أعلم- معرفة ذاته لمشاهدته، وأقام الأدلة على صفاته ~~بمخلوقاته، ولذلك إذا نظرت إلى الأمثال في الكتاب والسنة وجدتها على الصفات ~~محالة، وفي بيانها واردة، والذات مخبوءة تحت أستار الجلال والعظمة، يخبر ~~عنها بالتقديس، فتبين أن هذا المثل وغيره لصفاته. # فضرب الله المثل في هذه الآية لعشر بعشر: PageV01P478 # # نور، مشكاة، مصباح، زجاجة، كوكب، إضاءة، إيقاد، بركة، شجرة، زيت، مرتبا ~~على حذف واختصار، واستدلال بمذكور على متروك، وسبب على مسبب، وحال على محل. # والعشرة اللواتي في جانب المثل: # هدى، قلب، إيمان، صدر، صفاء، انشراح، الاستضاء به في المعارف والأعمال. # فضرب مثلا للهدى (1) النور، وللقلب المشكاة، وللإيمان المصباح، وللصدر ~~الزجاجة، ولصفاء الصدر وانشراحه الكوكب المضيء، وللاستضاءة سداد المعارف ~~وصلاح ms025 الأعمال، وللإيقاد من الزيت الاستمداد من بحر المعارف، وللشجرة ~~انقسام القلوب. والمعارف من أصل العلم الأول، على أغصان إلى أوراق إلى ثمار ~~على اختلاف أنواع الشجر وصفات الأغصان واختلاف حال الثمار في الهيئات ~~والطعوم، وإمكان الجني وتعذره، وحلوه ومره، إلى غير ذلك من معان لا تبلغها ~~القدرة البشرية، ولا تنتهي إليها العلوم الجزئية، فبها تمام العشرة في ~~المثل، وتشعبت، فلم يمكن إيرادها في هذه العجالة، وامتزجت فلم يمكن تخليصها ~~مع هذه الحالة. # وقد مهدنا لكم في سبيل هذه الآية في أمالي "أنوار الفجر" وكتاب ~~"المشكلين" ما تستدلون به على أساليب كثيرة من الكلام في علوم القرآن. # ووراء هذا وجوه من التأويل في الظاهر، ومعان في الباطن، هذا وسط منها في ~~الحالين، فخذوها دستورا، واتخذوها قانونا. # PageV01P479 # # وخص الشجرة بالبركة، لأن العلم يدعو بعضه إلى بعض، ويدل معنى منه على ~~معنى، والبركة هي النماء والزيادة (1). # وإنما أردنا أن نريكم نوعا من التفسير، ونشرع لكم سبيلا في فن من فنون ~~التأويل، ونوضح لكم عن مشكل من التوحيد، ونعقد عندكم وصلا من ربط المعاني ~~بعضها إلى بعض، ونخلع لكم قشرا من الظواهر عن لباب الباطن. ### | ذكر تمام الوصول إلى المقصود من معرفة النفس والرب # وهيهات عنكم من هذا المطلوب إن كنتم تظنون أنه يكفيكم ما تقدم فيه، حتى ~~يكون كل منكم جد بصير بنفسه وتفاصيلها وأحوالها وصفاتها، فبقدر ما يحصل لك ~~منها في معرفة نفسك بذلك القدر، يحصل لك من معرفة ربك، وفي هذا المقام زل ~~من زل عن معرفة نفسه، فضل عن علم ربه، ولا تتم معرفتك لنفسك إلا بعد أن ~~تنعم النظر في عجائب صنع الله فيها، فهيت لكم. # إنه تعالى خلقك -كما أشرنا إليه- على نوعين: مدرك بالبصر وهو الجسد، ~~ومدرك بالبصيرة وهو الروح، وجعل ما بين الجسد والروح رابطة الحواس، وبذلك ~~انتظم الخلق وقام الدليل على وجود الحق، وقد قال سبحانه: {ونفس وما سواها ~~(7) فألهمها فجورها وتقواها} [الشمس: 7 - 8] (2). PageV01P480 # # فدل على التوحيد بتسويتها حسنة الخلقة في أحسن تقويم من اعتدال الصفة، ms026 ~~ونبه على العلم والعمل، وذكر نكتة ينبغي أن تزدادوا بها تبصيرا، ولا تألوا ~~في كل آية لها تذكيرا، وهي قوله: {فألهمها}: والإلهام (1) هو الذي يخلقه ~~الله ابتداء في النفس، ويأتي للعبد من غير نظر، فجاء بلفظ الإلهام حين أراد ~~العموم في الآدمي والبهيمة، ولما ذكر الآدمي وحده قال: {وهديناه النجدين} ~~[البلد: 10] (2). # وهكذا متى جاء ذكر الآدمي وحده على الاختصاص، ذكر الهدى، ومتى جاء مضافا ~~إلي غير جنسه، ذكر من الألفاظ ما يعم الجنسين من حقيقة ما هما عليه من ~~المتعلقين. # ثم بين الفجور والتقوى، وشرح النفع والضر، وأمر ونهي، ووعد وأوعد، ودبر ~~وقدر، ونبه على الفضيلة التي بها ينتظم حال الرد على الرذيلة ويتيسر بها ~~جمع شملها في الوجودين، وللتقوى والفجور بواعث وعليها روادع وحثائث، ولهذا ~~معين، ومن تلك قاطع، وجند الله منقسمة على PageV01P481 # # الوجهين، والعبد من حكم الله بين لمتين، ومن كل شيء خلق سبحانه زوجين، ~~وهذا بحر آخر من التأويل لا ساحل له. # وأصول الفضائل التي هي علامات النجاة للنفس باكتسابها لها، واكتسابها ~~بخلع الله عليها أربعة: الحكمة، والشجاعة، والعفة، والعدالة (1). # أما الحكمة (2) فهي العلم الذي تنزه عن تطرق الجهل والشك إليه والعمل ~~بخلافه قال الله سبحانه: {يؤتي الحكمة من يشاء -إلى قوله- كثيرا} [البقرة: ~~269]. # وبها (تتطهر النفس عن البله والخبث، وذلك بأن تطيع داعي الحق وتعصي داعي ~~الهوى، وأن تحكم نفسك، ولا تحكم نفسك عليك، فتميل إلى رعونات البشرية، ~~وتزيغ عن مقتضى الصفات الإلهية، وتركب عليها معنى الحكمة وتفسيرها ~~وصواحباتها الثلاثة ومعانيها. # ووصف الله بالحكيم (3) الذي هو أصل هذا العلم والتعليم، وكيف PageV01P482 # # تتعلق هذه المعلومات بعضها ببعض، وترجع إلى وصف الله العلي واسمه الحسن. # وأما الشجاعة (1) فهي ثبوت القلب عند تعارض المضادات من المخاوف ~~والمرجوات، ولم يحز أحد في الإسلام هذه الصفة حاشا أبي بكر الصديق رضي الله ~~عنه، فإنه كان أشجع الأمة (2) بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إذ ~~ثبت قلبه في مواضع زاغت فيها القلوب، وذلك إذ نزلت المصيبة العظمى بموت (3) ~~رسول الله - صلى الله ms027 عليه وسلم -، فاختلط عمر (4)، وخرس عثمان (5)، ~~واستخفى علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، واستسلم سائر الخلق، فكان ~~من أبي بكر في ذلك ما قصرت عنه جميع الأمة، قال (6) للناس: "ما مات رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما واعده الله كما واعد موسى (7)، وليرجعن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فليقطعن أيدي الناس وأرجلهم، فجاء أبو ~~بكر رضي الله عنه وكان غائبا في منزله بالسنح (8)، فدخل منزل ابنته عائشة ~~ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسجى بثوبه، PageV01P483 # # فكشف عن وجهه وقبله، وقال بأبي أنت وأمي طبت حيا وميتا ... الحديث (1). ~~إلى أن خرج وصعد المنبر فقال: أيها الناس: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد ~~مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت {وما محمد إلا رسول قد خلت من ~~قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ### | ..... # الآية} [آل عمران: 144]. # فخرج الناس في سكك المدينة يتلونها كأنها لم تنزل إلا ذلك اليوم (2). # واختلف الناس أين يدفن؟ فقال قوم: يدفن بالبقيع، وقال قوم: بمكة، وقال ~~قوم: ببيت المقدس إذا فتحت يحمل إليها. فقال لهم أبو بكر: سمعته - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: "ما دفن قط نبي إلا حيث مات" (3). واختلفوا في ميراثه، ~~فقال أبو بكر: سمعته يقول: "لا نورث" (4) فتذكروا قوله ورضوا حكمه، وارتدت ~~العرب بمنع الزكاة فجزع جميع الناس وأشاروا عليه بترك الزكاة حتى يتمكن ~~الإسلام فقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة (5). # وأرسل جيش أسامة (6) على ما كان بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~في حياته. # فقالوا: كيف تترك المدينة والعرب قد ارتدت حولها؟ فقال: والله لو لعبت ~~PageV01P484 # # الكلاب بخلاخيل نساء أهل المدينة ما رددت جيشا أنفذه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أبدا، فقيل له: ومع من تقاتل العرب؟ قال: وحدي حتى تنفرد ~~سالفتي (1). # وهمت الأنصار بالاستبداد بالبيعة، فبادر إليهم، ودخل مجلسهم عليهم، وخطب ~~خطبته المشهورة (2) فيهم ثابت القلب، حاضر العلم، ذلق اللسان، بصيرا بمقاطع ~~الأدلة والبيان، حتى انقادوا إلى خلافته، ms028 واختاروا أمراء الأجناد في ~~الأقطار، فما وجد بعدهم أحد ينوب منابهم، هذا وفي نزعه ضعف، فكيف لو كانت ~~فيه مرة؟. # وبفضيلة الشجاعة تتطهر النفس من رذيلة الهلع والتهور. # وأما العفة (3): فهي كف النفس عن المكروه، وبها يكون الحياء والصبر ~~والسخاء والورع والقصد والتؤدة وحسن السجية، وبها تتنزه النفس عن الشره ~~والجمود. # وأما العدالة (4): فهي انتظام العلم والعمل على وفق المقصود من الخصال ~~الثلاثة المتقدمة، وهي المراد عند بعضهم (5) بقوله - صلى الله عليه وسلم - ~~في PageV01P485 # # المنام لمن رآه "شيبتني هود" لقوله تعالى: {فاستقم كما أمرت} [هود: 112]. # وهي العدالة والصراط المستقيم الذي حملنا الله عليه، ودعانا إليه، وتركب ~~ذلك كله من حال النفس وأحكامها وتصرفها على الآيتين، وترد ذلك كله إلى ~~العدالة وتبين فضيلتها. # وبهذه الفضيلة تتطهر النفس عن الجور، وهو الخروج عن المعنى الملائم للعقل ~~والشرع. ### | ذكر أقسام حال النفس # وقسم الله حال النفس (1) قسما به يتبين أمرها وتزيد المعرفة بها، ويدل ~~PageV01P486 # # على وجود ربها، وصفاته، وحكمته في أحكامه، وذلك على ثلاثة أقسام لثلاثة ~~أحوال: أمارة بالسوء ولوامة، ومطمئنة. # فالأمارة بالسوء (1) هي التي لا يلوح لها طمع إلا تعرضت له، ولا تبدو لها ~~شهوة إلا اقتضتها، لم تسلك سبيل الرشاد، ولا استضاءت بنور السداد، ولا ~~أحكمتها الرياضة، فهي تهيم من البطالة في كل واد، وذلك الذي يعبر عنه ~~بالهوى. # وأما اللوامة: فإن الله كتب على ابن آدم حظه من المعصية، وأدرك ما قدره ~~الله تعالى لا محالة، وخلق له الشهوة تقتضيها المعصية، وخلق له العقل ~~يقتضيه الكف عنها، وخلق الملك معينا للعقل، وخلق الشيطان معينا للشهوة، ~~ولكل واحد منهما إليه لمة، والقدر فوق ذلك كله فإن كف عن المعصية بسابق ~~الفضل له بالعصمة فبها ونعمت، وإن وقع فيها بنافذ القدر، وأدركته رحمة، ~~فأعقب ذلك ندامة على ما فعل، وملامة لنفسه فتلك حالة محمودة ولها -إن شاء ~~الله- عاقبة جميلة لخلوص التربة، وهي حالة أكثر الخلق. PageV01P487 # # ولفضل هذه الحالة، أقسم الله سبحانه بها فقال: {ولا أقسم بالنفس اللوامة} ~~[القيامة: 2]. # وقيل التي أقسم الله ms029 بها هي التي تلوم على التقصير في الطاعة (1). # وقيل: لم يقسم الله قط بنفس، وإنما نفى القسم بها، وقوله: {لا أقسم} ~~أصلية في النفي، وقيل: هي زائدة ولكن القسم على تقدير محذوف كأنه قال: أقسم ~~برب يوم القيامة ونحوه (2). # وأما النفس المطمئنة (3) فهي التي استقرت وتمكنت، ولها في الاستقرار ~~منازل (4) لم يحط بها العلماء. # المنزلة الأولى: الطمأنينة بالتوحيد، حتى لا يكون بها انزعاج بريب. # المنزلة الثانية: الطمأنينة بذكر الله، حتى لا يكون لغيره عندها (5) قدر، ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم - "سيروا هذا جمدان، سبق المفردون قالوا: ~~وما المفردون يا رسول الله؟ قال: الذاكرون الله كثيرا والذاكرات" (6). # المنزلة الثالثة: الطمأنينة باليقين حتى لا يجري عليها وسواس، وهذا ليس ~~لأحد (7)، قال الله سبحانه لنبيه: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ ~~PageV01P488 # # بالله} [فصلت: 36]. وقال الصحابة يا رسول الله إنا نجد في أنفسنا شيئا ~~لأن نخر من الماء فتخطفنا الطير أخف علينا من ذلك، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: أوقد وجدتموه؟ قالوا: نعم، قال: ذلك صريح الإيمان (1). # يعني مجاهدة دفعه، إذ لا بد من وقعه، فرحم الله الخلق حين ابتلاهم به بأن ~~جعل مجاهدتهم في دفعه إيمانا صريحا. # المنزلة الرابعة: الطمأنينة بطاعة الله، حتى لا يكون له في المعصية حظ، ~~وهذا ممكن في الكبائر لكل أحد، وفي الصغائر للأنبياء -صلوات الله عليهم- ~~والأولياء. # المنزلة الخامسة: الطمأنينة بالتوبة، حتى لا يبقى للمعصية في النفس أثر. # المنزلة السادسة: الطمأنينة بالبشارة، كقول الصادق - صلى الله عليه وسلم ~~-: فلان في الجنة، أو قد غفر له (2). # المنزلة السابعة: الطمأنينة بالبشرى عند الموت، كقول الملك للميت (3) ~~اخرجي أيتها الروح المطمئنة إلى رحمة الله ورضوانه، وذلك PageV01P489 # # قوله تعالى: {لهم البشرى في الحياة الدنيا} [يونس: 64]. # وترتب عليه سائر البشارات المترادفة في القبر والنشر والعرصات عند نزول ~~المخاوف بما يشاهد من عظيم الهول وشدة الكرب وجواز الصراط وتطاير الصحف ~~ونصب الميزان وزفرة جهنم ونداء الرب المتحابين والمقسطين. # فهذه أقسام النفس وأحوالها، وأصول مراتب كل قسم منها، ووجه ترتيبها في ~~العلم وذكرها ms030 عند التعليم وما يرتبط بها، وسوقها عند التعبير والتأويل، ~~وتركيبها على الآيات حيث ما وردت في كتاب الله، وضم نشرها بذكر ما يتصل ~~بها، وينفصل عنها، وإذا عرفت معنى النفس وحالها، وانقسامها في صفاتها، ~~ونقصانها أو كمالها، وتصرفها في أفعالها، وأحكامها في انكفافها واسترسالها، ~~وتوصلها إلى بارئها باستدلالها، فقد اختلف الناس كما قدمنا في القسم بها: # وتحقيق ذلك أن المخلوقات منها ما عظم الله، -وكل عظيم-، لأن الله خلقه، ~~ومنها ما صغره، لأن الله ذمه وحقره، أو يقال فيه أنه صغير بمعنى أن قدرة ~~الله أعظم منه. # ولقد كنت يوما في جامع الخليفة ببغداد لصلاة الجمعة، وإذا بصبي واقف عند ~~حائط المقصورة لم يبلغ ثمانية أعوام بحال، وهو يتكلم في التوحيد ويورد فيه ~~مسطورا بديعا، تعجز المشيخة عنه قد كان لقنه، فذكر أن عبد الله ابن المبارك ~~سئل عن التوحيد فقال: هو ترك التعجب، ومعنى هذا: ألا ترى شيئا بديعا متقنا ~~فتعجب منه لأن قدرة الله أعظم منه، فجعلت أنا أعجب وأطرق مدة متفكرا في ~~جودة حفظه، وحسن إيراده على فرط صغر سنه. # قلنا: أن نعظم ما عظم الله لأنه خلق الله، ولنا أن نصغره لأن الله أعظم # PageV01P490 # # منه، أو بإضافة إلى غيره. وعلى هذا المعنى خرج قول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: "يا أبا عمير، ما فعل النغير" (1). # ليس لنا نحن تصرف في الاعتقاد والقول في هذا إلا هكذا. # فأما الرب سبحانه فله أن يعظم ما شاء من مخلوقاته، ومن تعظيمها عنده أن ~~يقسم بها، ألا ترى أنه أقسم بحياة محمد - صلى الله عليه وسلم - إكراما له ~~وتشريفا فقال: {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} [الحجر: 72] (2). # ثم زاده تشريفا بأن أقسم بخيله وضباحها، وضربها في الأرض وانقداحها ~~وغاراتها في صباحها، وإذا قال ذلك سبحانه وعظم وأقسم بها وتكلم فيكون هذا ~~مخصوصا بالباري على قول (3)، وفي آخر يكون لنا أن نقسم بما أقسم به خاصة ~~دون غيره من المخلوقات، وذلك لأن القسم بغير الله كان ممنوعا في صدر ~~الإسلام قطعا، لذريعة ms031 تعظيم الخلق لغير الله، واعتقادهم أن لهم أثرا في نفع ~~أو ضر، فنهوا عن ذلك حسما للباب، حتى استقر التوحيد في القلوب وقدر الكل ~~الله حق قدره، ولذلك روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أفلح وأبيه ~~إن صدق، دخل الجنة إن صدق (4). PageV01P491 # # وقيل إنما أقسم بها لما فيها من عظيم القدرة لله، وكل قسم أقسم الله به ~~في كتابه فإنه بمخلوقاته، إلا في خمسة مواضع فإنه أقسم فيها بنفسه. # الأول: قوله {فورب السماء والأرض} [الذاريات: 23]. # الثاني: قوله {قل إي وربي إنه لحق} [يونس: 53]. # الثالث: قوله {فلا وربك لا يؤمنون} [النساء: 65]. # الرابع: قوله {قل بلى وربي لتبعثن} [التغابن: 7]. # الخامس: قوله {فلا أقسم برب المشارق والمغارب} [المعارج: 40]. # والنكتة العظمى والفائدة الكبرى في ذكره لهذا القسم الخامس بإدخال حرف ~~"لا" فيه أن يكون مساق قسمه فيه بنفسه مساق قسمه بمخلوقاته، لئلا يظن مقصر ~~أنها زائدة، وذكر القول في تلك الأقسام على تقدير محذوف كما تقدم، فإن هذا ~~كله ممتع في قوله {فلا أقسم برب المشارق والمغارب} وهو شاف كاف لكل متكلف ~~رمى بالقول في تلك الآيات من حيث لم يعلم، فافهموه ترشدوا، وتيقنوا أنها ~~ليست بنفي، ولا برادة لكلام متقدم، فقد رده قوله: {كلا إنا خلقناهم مما ~~يعلمون} [المعارج: 39]. # ثم وقال: {فلا أقسم برب المشارق والمغارب}. PageV01P492 # # وأنا أقول إنه لو أقسم بها مقسم لما أقسم بها إلا بالصيغة التي ذكر الله، ~~مثل أن يقول: لا أحلف بمواقع النجوم أنه لقد كان كذا وكذا ... والصحيح ~~الاقتداء بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من كان حالفا فليحلف بالله ~~أو ليصمت" (1). # فقد أقسم الله بما أقسم، فقوله الحق، وأمر النبي بما أمر، وشرعه متبع، ~~ويحق للنفس أن تعظم فإن لها خصالا وصفات، وهي جادة المعرفة وطريق التوحيد، ~~وبينها وبين الجسد منازعات. ### | ذكر المنازعة بين الجسد والنفس # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أصبح ابن آدم كفرت أعضاؤه ~~اللسان تقول: اتق الله فينا، فإنك إذا استقمت استقمنا، وإذا اعوججت ~~اعوججنا" (2). # فظاهر هذا أن ms032 الجسد تحت حكم النفس، وأنه يتقي الهلاك منها بما تلقي إليه، ~~وكفر الجسد اللسان أي سلم عليه بالخضوع والانحناء وهو PageV01P493 # # سلام الأعاجم، وعبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن السلام بتكفير ~~الأعاجم؛ لأنهما أعجميان، ولأنه الغاية في الخضوع، فضرب المثل به لعظيم ~~التقية فيه. وفي الحديث حكم استوفينا شرحها في "مختصر النيرين". # ومنها أن يقول: كيف كفر الجسد اللسان دون النفس وهي الحاكمة للسان؟. # لأنها ملك البدن أو فارسه على اختلاف المقاصد في ضرب الأمثال، وبهذا ~~استقرت في البدن استقرار الملك، والحواس جواسيس لها، ولكل واحد مطلع، فمطلع ~~البصر الألوان، ومطلع السمع الأصوات، وهكذا إلى آخرها، فينهون إلى النفس ما ~~يطلعون عليه. # وعن كعب (1) "إن الإنسان عيناة هاد، وأذناه قمع، ولسانه ترجمان، ويداه ~~جناحان، ورجلاه بريدان، والقلب ملك، فإذا طاب الملك طابت جنوده" (2). ~~PageV01P494 # # وفي جامع عبد الرزاق (1) عن أبي هريرة (2) قال: "القلب ملك وله جنود، ~~فإذا أصلح الله الملك صلحت جنوده، وإذا فسد فسدت جنوده، الأذنان قمع، ~~والعينان مسلحة، واللسان ترجمان، واليدان جناحان، والرجلان بريدان، الكبد ~~رحمة، والطحال ضحك، والكليتان مكر، والرئة تنفس، فإذا صلح الملك صلحت ~~جنوده" (3) وتصرف في ذلك كله. ### | ذكر الآيات الواردة في النفس والقلب والجوارح # وإذا ذكرت الفلاسفة معنى هذه الأمثال، ففيها حجة عليها في قولها إن النفس ~~تتجلى لها الحقائق دون نظر، وإذا كان اللسان خادما للنفس فكيف تكفره ~~الأعضاء دونها؟. # ونحن نقول: إن هذه التمثيلات الواردة في القرآن والحديث لا مطمع في ~~الإحاطة بمتعلقاتها، وإنما يأخذ كل واحد منها بمقدار ما تفيض رحمة الله ~~عليه منها، ولعل الجسد إنما يقصد اللسان لأنه الأدنى إليه والظاهر له. ~~PageV01P495 # # وقيل المعنى أنه يورعه بالله تعالى كما فعلت الصديقة حين قالت: {قالت إني ~~أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا} [مريم: 18]. # وهذا مثل ضربه الله لجناية اللسان على البدن، فإنه يتكلم بما فيه هلاكه ~~وهلاك البدن معه. # ومن الرباط الذي بين الجسد والنفس مثال غريب ضربه العلماء، وأسنده بعضهم ~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإلى ابن عباس (1) ولم ms033 يصح، قالوا: "بلغ ~~من الخصومة بين الخلق يوم القيامة إلى الروح والجسد، فيقول الروح: رب هذا ~~الذي عمل العمل، فخلد عليه العذاب، فيقول له الجسد: وما كنت أنا؟ إنما كنت ~~أبسط به، وأقبض به، وأعمل به، وأقوم به وأقعد، فيقال لهما: أرأيتما لو أن ~~أعمى ومقعدا أدخلا حائطا مثمرا، فقال البصير للأعمى: أنا لا أناله، فقال له ~~الأعمى: أنا أحملك على عنقي حتى تدركه، فأخذه فحمله حتى أخذ من الثمر وأكلا ~~جميعا، على من يكون العذاب؟ فيقول: عليهما جميعا (2). # ولعظيم موقع معرفة النفس من معرفة الرب قال تعالى: {ولا تكونوا كالذين ~~نسوا الله فأنساهم أنفسهم} [الحشر: 19]. PageV01P496 # # فإنك لا تغفل عن شيء من نفسك إلا وقد تركبت عليه غفلة بربك، لأن كل شيء ~~منك دليل عليه، وطريق مهيع إليه، والباري سبحانه يبصرك نفسه بنفسك، قال ~~تعالى: {وفي الأرض آيات للموقنين (20) وفي أنفسكم أفلا تبصرون} [الذاريات: ~~20 - 21]. # وفي كل شيء له آية، في السموات والأرض، وما بينهما، وفي النفس، ونفسك ~~أقرب إليك وأقعد بك. # فهذا طريق وأصل في التفسير، وقانون من التأويل، فخذ به، وركب عليه ما في ~~ابن آدم من الآيات، وقد قال تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ~~حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} [فصلت: 53]. # قيل: تستدل بكل شيء من المخلوقات على الباري، فإذا عرفته، استدللت به على ~~كل شيء، وقوله: "في الآفاق": من تغير الأحوال، وتبديل الدول، واختلاف الليل ~~والنهار، والغيم والصحو، وظهور الإسلام، وخمول الكفر، إلى غير ذلك من بحار ~~التأويل، ومهامه التفسير، وتركب عليه ما يليق به من التنظير. ### | نكتة في الباب # ولا يخفى فضل الروح على الجسد، فإن الله سبحانه لما ذكره قال: {إني خالق ~~بشرا من طين} [ص: 71]. # فأضاف الجسد إلى الطين، ولما ذكر الروح أضافها إلى نفسه تشريفا # PageV01P497 # # فقال: {ونفخت فيه من روحي} [ص: 72]. # وقد قام الدليل على أن الجسد يفنى والروح يبقى، والباقي أشرف من الفاني، ~~وحقيقة التفضيل انما يكون عندنا بالصفات لا بالذوات، فإن ms034 الدليل قد قام على ~~أن الذوات متجانسة. # مزيد بيان فيه: # قال الله تعالى: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ### | .... # الآية} [الإسراء: 85] (1). # فحجبها عن الخلق، فتسلطوا عليها، وتابعت الصوفية الفلاسفة (2) في ~~PageV01P498 # # شيء من أغراضها فيها، قالوا: العالم عالمان، عالم الخلق، وعالم الأمر، ~~والروح (1) من عالم الأمر، وأشاروا إلى أن الخلق من العالم ما كان كميا (2) ~~مقدرا، والأمر ما لم يكن مقدرا، والروح عندهم حادث ولا يكون عندهم محدث في ~~احترازات من مقاصد لا خير فيها قد بيناها في كتب "الأصول"، وأوضحنا أن ~~العالم وكل ما سوى الله مخلوق داخل في الكمية مقدر، وإنما الذي يتقدس عن ~~الكمية ويتعالى عن التقدير هو الله وحده، ويكاد يكون هذا القول تحليقا على ~~مذاهب الحلولية، واعتصاما بمذهب النصارى في عيسى، والقول مستوفى في كتب ~~"الأصول" على فساد ذلك كله بالدليل وما أبعده عن التحصيل وأفسده في ~~التأويل، ولقد عجبت من حكايته الطوسي (3) له، ولقد تأملته معه مذ فارقته، ~~تأمل المنصف له، المجتهد في بيانه، فما وجدت له في الثبوت قدما، ولا استمر ~~على سبيل التحقيق لقاصد أمما. وكذلك تسور القاضي عليها، وأطنب القول فيها، ~~وأبان بالدليل أنها مخلوقة، وإذا ثبت ذلك، فلا يخلو أن تكون جوهرا أو عرضا، ~~وأشار إلى أنها عرض على الوجه المعلوم في كتبه (4)، ومال الجويني إلى أنها ~~PageV01P499 # # جسم تعويلا على ظواهر الشرع فيما أضاف إليها من الأفعال، وأخبر عنها من ~~الأحوال، وخاصة في العروج والانتقال والأكل في الجنان، وذلك من خصائص ~~الأجسام (1). # وأشار جماعة إلى أن الروح تفارق البدن، وهي عرض فتقوم بجزء من الجسم تضاف ~~إليه هذه الأوصاف كلها التي تستحيل على الأعراض، ولعل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إنما أشار إلى هذا المعنى بقوله في الحديث الصحيح: "كل ابن آدم ~~يفنى تأكله الأرض إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب" (2) فتعارضت هذه ~~الأعراض المشار إليها، فتوقف قوم عنها، والذي يتحصل من ذلك كله أمران: # أحدهما: أن الروح بالدليل القاطع العقلي مخلوق من غير إشكال، يكفر جاحد ~~ذلك. ms035 # الثاني: أن الروح بالدليل القاطع الشرعي باقية لا فناء لها، والنظر ~~PageV01P500 # # بعد ذلك في أنها عرض لوجود أو جوهر؟ فهذا موضع الإشكال، ومحل الاجتهاد، ~~وسبيل العذر في ذلك ممهد لمن اضطرب فيه قوله، واختلف عليه رأيه، والأقوى ~~أنها عرض لا جوهر، وصفة غير موصوف، فإن التحامل على الألفاظ في تأويلها ~~وصرفها من الحقيقة إلى المجاز، أقرب في النظر من الاضطراب فيكم، الأدلة ~~العقلية التي توجب أنها لا تقوم بنفسها حسب ما سطرناه في كتب "الأصول" من ~~كلامنا ونقلناه منتحلا عن علمائنا (1)، وهو قانون عظيم، فتمسكوا به في ~~الأغراض العلمية، وصرفوه في الإبرام والانتقاض عند التصرف في وجوه التأويل. ### | ذكر الاعتذار عن عدول العلماء عن الكتاب إلى أدلة العقول # فإن قيل فما عذر علمائكم في الإفراط بالتعلق بأدلة العقول دون الشرع ~~المنقول في معرفة الرب، واستوغلوا في ذلك (2)؟. # قلنا: لم يكن هذا لأنه خفي عليهم، إن كتاب الله مفتاح المعارف، ومعدن ~~الأدلة، لقد علموا أنه ليس إلى غيره سبيل، ولا بعده دليل، ولا وراءه ~~للمعرفة معرس ولا مقيل، وإنما أرادوا وجهين: PageV01P501 # # أحدهما: أن الأدلة العقلية وقعت في كتاب الله مختصرة بالفصاحة، مشارا ~~إليها بالبلاغة، مذكورا في مساقها الأصول، دون التوابع والمتعلقات من ~~الفروع، فكمل العلماء ذلك الاختصار، وعبروا عن تلك الإشارة بتتمة البيان، ~~واستوفوا الفروع والمتعلقات بالإيراد. # الثاني: أنهم أرادوا أن يبصروا الملاحدة، ويعرفوا المبتدعة أن مجرد ~~العقول التي يدعونها لأنفسهم، ويعتقدون أنها معيارهم، لا حظ لهم فيها، ~~وزادوا ألفاظا حرروها بينهم، وساقوها في سبيلهم، قصدا للتقريب ومشاركة لهم ~~في ذلك من منازعتهم، حتى يتبين لهم أنه كيف دارت الحال معهم من كلامهم ~~بمنقول أو معقول، فإنهم فيه على غير تحصيل (1)، وذلك يتبين بتتبع أدلتهم في ~~الفصول. فقد علمتم أن الله سبحانه قد أوعب القول في حدث العالم، ونبه ~~باختلاف الأعراض عليها في الانتقالات (2)، وكذلك كرر PageV01P502 # # القول في دلالة التوحيد بالتمانع (1) في قوله: {ولعلا بعضهم على بعض} ~~[المؤمنون: 91]. # وقوله: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} [الأنبياء: 22]. # وهذان الدليلان همان اللذان ms036 بسط العلماء ومهدوا بما يتعلق بهما من فصول ~~وتوابع، ثم تكلموا مع المخالفين بمجرد الأدلة العقلية غير هذين ليرى الملحد ~~أنه محجوج بكل طريق، وقد مهدنا ذلك في كتب "الأصول"، فلينظر فيها ولينقل ~~منها. PageV01P503 # # وقد غلا بعض الناس فقال: ليس من كلام الناس شيء إلا وهو في القرآن، وتكلف ~~سرد ذلك، فما ظنك بأدلة العقول وما سطره العلماء، إنه بذلك لأجد وفيه ~~لأوحد. ### | ذكر الخبر عن علوم القرآن # وقد تحقق كل عالم أن كتاب الله وسنة نبيه بيان لكل معلوم، فإن العقول وإن ~~كانت خلقت مستعدة لقبول المعارف وتمييز الحقائق، فليس في الإمكان إحاطتها ~~بجملتها، فإن الإحاطة لا تكون إلا للمحيط، وذلك معلوم قطعا، حتى أن الأوائل ~~قالوا: إن الجزء يستحيل أن يكون مسيطرا على PageV01P504 # # الكل، واستحسنه إمام الحرمين (1)، وليس ذلك بحسن، فإنه أمر معلوم من طريق ~~العادة، ليس من طريق الوجوب العقلي، إذ من الجائز أن ييسر الله للعقول ~~إدراك كل معقول، كما يتيسر بإذنه في الدار الآخرة (2)، وقد بينا ذلك في كتب ~~الأصول. وإيجاز شرحه: أن المعلومات على قسمين معدوم وموجود، والموجودات على ~~قسمين: خالق ومخلوق، والأوقات قسمان: دنيا وأخرى، والأعمال قسمان: نافع ~~وضار. # وعلى هذا تخرج جميع علوم القرآن، وهو مما اتفق عليه العقلاء من ~~المتشرعين، وإنما اختلف المختلفون وتشبث الملحدون بتفسير هذه المعاني، ~~ففسرها قوم بمعاني فارغة، وآخرون بمعاني باطنة، وطائفة بظاهر، وجملة بتأويل ~~مجازي، ولمة برد كلي، واستيفاء القول في هذه المعاني في كتب "الأصول"، ~~وبيانها كلها على ما هي عليه من حقائق الصفات في كتاب الله تعالى. ~~PageV01P505 # # بلى: إن علماءنا -رحمة الله عليهم- قالوا: "ليس يمكن بالعقول إدراك كل ~~معقول". بيد أن الباري سبحانه وتعالى يصطفي من عباده من يطلعه على العلوم ~~(1)، فيصل إلى الخلق بواسطة، وذلك المصطفى منه يكون التعليم، وعنه يؤخذ ~~القانون، وعليه يكون التعويل، وبه يتوصل إلى الدليل، ووحي الله هو تبيان ~~لكل شيء، وهدى لكل مشكل، إلا أن المرء لا تمكنه الإحاطة بجميع العلوم، فإن ~~العمر الطويل لا يتسع لها، فكيف ms037 أعمارنا القاصرة، وهذه الدار لم تخلق له، ~~والآدمي لم يعد لها كما هو عليه، وإنما الممكن الاطلاع على جمل العلوم، ~~والإشراف على مقاصدها دون درك التفاصيل، فإذا وصل إلى هذه المرتبة، وقف ~~عندها، وعطف على المقصود الأوفى، وتعرض للمطلوب الأعلى، ولو أن عبدا تجرد ~~لعلم واحد ليدرك تفاصيله، ويضاعف له عمره ما أحاط به. # بلى: إنه إذا بلغ مرتبة الإشراف يجد من نفسه منة على درك التفاصيل، حتى ~~إذا تعرض لذلك نالها بالقانون، فإذا وصلت هذه المرتبة، فاجتهد لنفسك أن ~~تكون من العاملين، فإن لم تقدر فمن المبلغين فكلاهما في نضرة ونعيم. قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها فأداها ~~كما سمعها، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه غير فقيه (2). ### | ذكر أقسام العلوم # وإذا كانت العلوم مطلوبة للتوصل إلى العلم الأقصى، وهو معرفة الله ~~PageV01P506 # # تعالى، فلتقدم على طلب العلوم معرفة أقسامها، وهي على طريق التفصيل لا ~~تحصى، وإنما مدركها الجمل، والذي يعلمها على التفصيل والجملة هو الله وحده. # قال الله سبحانه: {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن ~~تنفد كلمات ربي ### | ..... # } [الكهف: 109]. # وقال: {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام ### | ..... # الآية} [لقمان: 27]. # وليست الكلمات ها هنا المعلومات (1) كما ظنه أهل الجهالات، وإنما المعنى ~~فيه ما سردناه في كتاب "المشكلين" لبابه: أن العلم لا بد أن يقوم عنه في ~~النفس خبر، وذلك الخبر هو الكلام (2)، وهو من الله صدق لموافقته العلم، ~~ويتصور أن يكون في العبد صدق، وهو ما وافق علمه، ويكون كذبا، وهو ما جاء ~~بخلاف العلم، والكذب مستحيل على الله تعالى؛ لأن العبد له حالة علم وشك، ~~وظن وجهل ووسواس، فكل معنى من هذه المعاني قام عنه خبر في نفسه، والصدق ~~منها ما وافق العلم، واستحال على الله كل هذه الحالات إلا العلم فإنه له ~~واجب، فخبره صدق قطعا، لاستحالة وجود أحدهما دون الآخر، فلهذه القربى ~~والملازمة بين العلم والكلام في الحقيقة، جاز بأن يعبر ms038 بأحدهما عن الآخر. ~~وقد زل الجويني في هذه المسألة زلة عظيمة لا تقوم بها استقامة العمر كله، ~~وذلك أنه أشار في كتاب PageV01P507 # # "البرهان" (1) إلى استحالة تعلق علم الله بالمعلومات على طريق التفصيل، ~~وقال فيما أخبرني الطوسي والزنجاني عنه -"الذي يقطع به، انحصار PageV01P508 # # الأجناس كالألوان، فإنها لو كانت غير منحصرة لتعلق العلم بآحاد لا تتناهى ~~على التفصيل. وذلك محال، ولا يقال الباري عالم بما لا يتناهى. فمعنى ذلك من ~~غير تفصيل الآحاد، فإن من يحيل دخول ما لا يتناهى في الوجود يحيل وقوع ~~تقديرات غير متناهية في العلم ... " (1). # وكان "أبو حامد" صاحبه يعظم هذا عليه، ولا يلتفت إليه، وهي هفوة عظيمة، ~~يجهل بها ولا يكفر على مذهب المأولة، فإن الذي قاله محال كله، وقد بيناه في ~~كتب "الأصول" (2)، إيجازه: # إن تعلق العلم بآحاد لا تتناهى على التفصيل جائز، ونسبة المحال إليه دعوى ~~لا مساعد فيها، ولا برهان عليها، والباري سبحانه عالم بالجملة عالم ~~بالتفصيل، يعلم ذلك بدليل العقل، فإن قدم علمه وعمومه واستحالة الجهل عليه ~~وتقدسه عن الغفلة ووجوب علمه لما خلقه على التفصيل، معلوم قطعا، مبين في ~~القرآن في مواضع شتى شرعا. # وقوله: "إن ما يحيل دخول ما لا يتناهى في الوجود، يحيل وقوع PageV01P509 # # تقديرات غير متناهية في العلم". لأن العلم يتعلق بالمعدوم الذي يستحيل ~~وجوده فلا يمتنع تعلق العلم بتقديرات لا توجد، ومن أفسد دليل اعتبار ~~المعدوم بالموجود، وقد قال قبل هذا بأسطر "أنه لا قياس في العقليات، وإنما ~~تثبت كل مسألة بدليلها، فإن قام فيها -يريد قياسه على الثابت- دليل مثل ما ~~قام في الثابت، فالدليل أثبته ليس القياس، فالآن نريد اعتبار تعلق العلم ~~بما لا يتناهى تقديرا باستحالة وجود ما لا يتناهى تحقيقا" (1) وما أفسد هذا ~~التنظير في الفقهيات! فضلا عن العقليات وما هذا إلا هيام في الغفلات. # عدنا إلى منتحانا فقلنا: أما معرفة العلوم لنا على الجملة فممكن، وضبطها ~~بالتقسيم جامع لنشرها. # وهي من وجه على ثلاثة أقسام: # علم باللفظ، وعلم بالمعنى، وعلم بوجه دلالة اللفظ على ms039 المعنى. # وهي تنقسم من وجه آخر على أقسام أخر، والتقسيم نوع من العلوم، فإن الشيء ~~ينقسم من ذاته ومن صفاته، ومن متعلقاته، وقد لا ينقسم من الذات بطريق (2). ~~PageV01P510 # # وقد كنت أضرب لكم في ذلك الأمثال، وأشير إلى جمل من الاستدلال، إلا أني ~~لم أقصد للتوابع وإنما انتحيت المقاصد. # وتنقسم (1) أيضا إلى خالق ومخلوق، فالخالق هو المقصود، والمخلوق هو منهاج ~~السالكين. PageV01P511 # # وينقسم العلم بالمخلوق إلى قسمين: # علم دنيا، وعلم آخرة. # فتناول علم الدنيا قوله: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا} [المؤمنون: 115]. # وتنقسم العلوم من وجه آخر إلى ظاهر وباطن، وفي الأثر: "لكل آية ظهر وبطن، ~~ولكل حرف حد، ولكل حد مطلع" (1). # وتنقسم من وجه آخر إلى نظري وعملي. # وتنقسم من وجه آخر إلى علم عقد، وعلم عمل. # فأما انقسامها إلى ثلاثة، وهو علم باللفظ إلى آخره، فهو فن لغوي، وذلك ~~بمعرفة وقوع العبارة على المعنى المراد، كعلمك بالبيان أنه الدليل (2)، ~~وبالنسخ أنه الإزالة (3)، وهذا يقرب تارة ويبعد أخرى. # وأما معرفة وجه دلالة اللفظ على المعنى، فينقسم إلى ثلاثة أقسام: (4) ~~PageV01P512 # # الأول: دلالة المطابقة، كقولك: "بيت" (1). # ودلالة التضمن، كدلالة البيت على السقف. # ودلالة الالتزام، كدلالة السقف على الحائط (2). # الثاني: أن الألفاظ بالإضافة إلى خصوص المعنى وعمومه تنقسم إلى لفظ يدل ~~على عين واحدة كقولك: هذا زيد، وسواد، وإلى ما يدل على أشياء متعددة كقولك: ~~السواد ولنسمه المطلق (3). # الثالث: أن الألفاظ إذا تعدت بالإضافة إلى المسميات على أربع مراتب: # المترادفة (4): كالليث والأسد. # والمتواطئة (5): كالرجل والجسم. PageV01P513 # # المشتركة (1): كالعين تطلق على مسميات كثيرة. # المتباينة (2): كالعلم والقدرة، وهي أكثر في الألفاظ. # وهذا أنموذج لا غنى عنه في معرفة التأويل، وهو أصل ينظم الدليل ولا غنى ~~للناظر عنه. # وأما علم المعنى فهو المطلوب الذي يوصلك إليه هذان العلمان. # وأما انقسامها إلى ظاهر وباطن. فالظاهر كاللغات وتفسيرها والقراءات ~~وتقييدها، والباطن كعلم أصول الفقه مثلا. # وفي تحقيق الظاهر من الباطن كلام ورجام بيانه في كتاب، "شرح المشكلين". ~~ونعني بالظاهر الآن ما تبادر إلى الأفهام من الألفاظ ونعني بالباطن ما ~~يفتقر إلى نظر، ms040 فإذا تأملنا الألفاظ التي هي طريق العلم بالمعنى، فهي ~~متعلقات كثيرة جدا، متشعبة. وتحصيل القراءات والروايات علم اللغة، علم ~~النحو وقد نقل القرآن نقل تواتر يوجب العلم، ويقطع العذر، وقراءاته (3) ~~نقلت نقل آحاد، وقد بينا ذلك في تفسير قوله: "أنزل القرآن على سبعة أحرف" ~~(4). # وعلم الحروف (5) فإن الكلمة منه تتركب، والكلام يتركب من PageV01P514 # # الكلمات، وهو أيضا متشعب إلى معرفة مخارجه وفوائده، وروابطه ومتعلقاته، ~~ولم يكن أحد أعلم به من "سيبويه"، وأبرزه من مخبآت إشارات "سيبويه" ~~"الفارسي" و"ابن جني" (1)، وذلك أن الباري تعالى خلق الكلام في النفس لزيم، ~~العلم وقرينه كما بيناه (2)، فيجد المرء نفسه عالما مخبرا عن علمه، كل ذلك ~~في نفسه، ثم افتقر إلى إعلام الغير بما هو به عالم، لأجل ضرورات الاصطحاب ~~والاجتماع والتعاون على الانتفاع، فجعل اللسان دليلا على الفؤاد، وخلقه ~~رطبا ذلقا ليقطع بعده الأصوات المخلوقة لأداء المعاني المفهومة، وجعلت ~~الأسنان له سندا، والشفتين قادة ليعتمد في التقطيع عليها فيكون ذلك أثبت في ~~التقطيع، وأبين عند الجمع وموالاة ترداد القطع والاتصال بين الحركات، وخلق ~~من الحروف ما لا يفتقر إلى اللسان وما معه، وهي التي تسمى حروف الحلق، ~~ولاستبدادها جعل لها قوة القلب فيما يخرج من الأسنان والشفتين، فيقولها ~~اللسان مفردة، ويقولها إذا شاء مجموعة، فيقول "ألف" "لام" "هاء" ثم يقول: ~~"الله" فيكون ذلك مطابقا للمعنى القائم بالنفس الملائم للعلم، فيعبر عنه في ~~كتاب الله قراءة، ويعبر عن غيره بأسمائه، كالإنشاد في الشعر، ويعم هذا ~~اللفظ لكتاب الله وغيره (3). PageV01P515 # # فإذا كانت قراءة، اختلفت جهة التعبير فيها باختلاف اللغات، فلم يكن بد من ~~ضبط الأمرين لاختلاف المعنى باختلافهما، حتى يترتب المعنى على اللغات، ~~وقانونها وهو النحو لتغير المعنى بتغيرهما. # وكذلك "علم الحديث" (1) يفتقر المحدث فيه إلى هذا. # وعلوم الحديث ستون علما، وعلوم القرآن (2) أكثر، ومن علوم القرآن ما لا ~~مدخل له في الحديث، ومن علوم الحديث ما لا مدخل له في القرآن، وهذا يتبين ~~بتتع الآيات والأحاديث حتى تظهر لك ما ألقي إليك علمه عينا. # ألا ترى ms041 إلى قوله سبحانه: {فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف} ~~[البقرة: 178]. # فقد اختلف العلماء في المقتول عمدا، هل يكون لوليه القتل خاصة؟ أم هو ~~مخير بين القتل والدية؟ ومبنى هذا الاختلاف على معرفة معنى العفو، فإنه في ~~اللغة على سبعة معاني، منها البدل، ومنها الإسقاط، فلا بد من تركيب الآية ~~على جميع معاني العفو حتى يبقى معنى البدل والإسقاط تحت النظر والترجيح، ~~فتقابله بمعنى "بدل" وتقابله بمعنى "إسقاط"، فأيهما كان به ألوط ولمعانيه ~~أضبط فقل به، وأسقط الآخر، وبيانه في كتاب "أحكام القرآن" (3). # وقوله: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} [المائدة: 95] (4). # يقال أحرم الرجل إذا دخل في الشهر الحرام، ولا شيء على من قتل ~~PageV01P516 # # فيه، ويقال أحرم إذا تلبس بالإحرام، ومن قتل فيه، عليه الجزاء اتفاقا، ~~ويقال أحرم الرجل إذا دخل في الحرم، واختلفوا في جزاء ما قتل فيه؟ وهذا ~~مدرك اللغة فليطلب منها. # وكذلك اختلفوا فيمن قتل صيدا، هل عليه القيمة، أو المثل من النعم؟ لأجل ~~اختلاف القراءات في قوله: {فجزاء مثل} [المائدة: 95] بإضافة الجزاء إلى ~~المثل، أو وضعه نعتا له (1)، فلم يكن بد من معرفة القراءات واللغات ~~وقانونها النحو، وتركيب الأحكام على ذلك مما اضطر الناس إليه حين فسد عليهم ~~الكلام العربي وافتقروا إلى تحصيله بالتعليم الصناعي. # ولما أراد الله من حفظ دينه وضبط شريعته وإنجاز وعده في إكمال دينه اختار ~~"الخليل" نشأة فارسية، وأمر فاختطف من بينهم، ويسر له ضبط اللغة، وترتيب ~~قوانينها، وجاء بالمعجز للعالم في ذلك، وألقى ما علم منه إلى حذاق من ~~أصحابه فلم يكن فيهم من لقنه إلا "سيبويه" وزاد "الخليل" بأن أخذ في علم ~~الألحان ليضبط على العرب الأوزان التي لا يتم الشعر إلا بها، PageV01P517 # # وهو ديوانها، وقد كانت تسترسل والماء في كلامها نمير (1)، والغصن نضير، ~~فكيف، وقد كدرته الدلاء، وجففته حرارة الانتواء (2). ### | ذكر الباطن من علوم القرآن # وأما علم الباطن، فقد ضلت فيه الأمم فأوغدوا (3) في هذا الباب وأوعدوا ~~(4)، حتى كفرت منهم طائفة لا يحكى قولها الآن لسخافته، وتسورت عليه أخرى، ms042 ~~وادعى كل واحد منهم أن علمه في كتاب الله، ليحرص عليه من يطلبه. # وإنما عني العلماء بقولهم: "إن العلوم كلها في كتاب الله" ما كان علما ~~لذاته، لا ما وقعت الدعوى فيه أنه علم وهو جهل، وذلك يرجع إلى العلوم ~~الشرعية، والحقائق العقلية، فإن جميعها مضمن في كتاب الله، والدليل عليه ~~مبين، وكل جهالة وسخافة ادعتها طائفة فالرد عليها في كتاب الله موجود أيضا ~~مبين. # وتكلفت طائفة ما يستغنى عنه وهم جماعة من الصوفية أنحاء غريبة ~~PageV01P518 # # منها قولهم "إن الله لما خلق آدم قال للملائكة: {إني جاعل في الأرض ~~خليفة} [البقرة: 30] (1) ولم يقل: إني خالق عرشا ولا سماء ولا أرضا ولا جنة ~~ولا نارا ولا شجرا ولا حيوانا، حتى خلق آدم، وقال لهم: {إني جاعل في الأرض ~~خليفة} فما الحكمة فيه؟ ". # ثم اختلفت مدارك خواطرهم في بيان ما تكلفوا سؤاله، فركب كل واحد منهم على ~~ذلك فنا من فنون المقاصد عظيما، وولجوا مفازة لا تقطعها المهارى ولا يزال ~~الفكر فيها حيارى، حتى أدخلها المتأخرون في كل آية وحرف، وغادروا في سبيلها ~~رذية كل جلدية وحرف (2)، ولم أزل أطلب هذا الفن في مظانه، وفي مراجعة شيوخه ~~حتى وقفت على حقيقة مذهبه. # ولقد سألني بعض أصحابه من السالكين عن قول صاحب الحقائق (3): ما الحكمة ~~في قول الله: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف PageV01P519 # # له إلا هو وإن يردك بخير ... } [يونس: 107]. فأضاف الضر إلى المس، والخير ~~إلى الإرادة؟. # فأمليت في ذلك على طريقة القوم ما نصه: # سألتني -وفقك الله- عن قوله سبحانه: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا ~~هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير} [الأنعام: 17]. # وقال في الآية الأخرى: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك ~~بخير فلا راد لفضله} [يونس: 107]. # ما الحكاية على مذهب الأشياخ في ذكره المس في الضر، والإرادة في الخير؟. # فقلت: فيه إشارة للقوم لا يحتملها أهل هذا القطر، منها ما فيه إشكال، ~~ومنها ما هو داخل في قسم الاختلال، والذي ms043 حضر منها الآن سبعة أقوال: # الأول: قوله: وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير في ~~(سورة الأنعام) في الموضعين، وتفرقته بينهما في (سورة يونس) بيان؛ لأنه ~~سبحانه خالق الضر ومنشئه ومبدعه ومخترعه على الانفراد، فذكر بأبلغ أنواع ~~الخلق وهو الإيصال له إلى العبد والاتصال به ردا على من يقول: إنه لا يخلق ~~إلا الخير والضر الذي لا كسب فيه للعبد، فأما المضرة التي يكتسبها العبد ~~لنفسه PageV01P520 # # فلا يخلقها عند المبتدعة (1) إلا العبد، والضرر عندنا هو الألم الذي لا ~~نفع يوازيه أو يوفى عليه، ويقع جزاء أو قصاصا أو عقابا. # وهذه الآية رد على هؤلاء المبتدعة، فإنه أضافه إلى نفسه، وأخبر أنه متصل ~~بالعبد بفعله، فهو المنفرد بخلق الضرر من غير شريك يعضده، وكذلك ينفرد ~~بكشفه من غير نصير ينجده، فإن خصصوا الأول، خصصنا الثاني، وعاد الكلام إلى ~~فن الأصول، والأدلة فيه قاطعة. # الثاني: أنه أراد أن يضيفه إلى نفسه باللفظ الأخص الأقرب ليكون أهون على ~~الحبيب وأعذب (2)، ألا ترى إلى قولهم: "الحنظلة من كف من تحب مستعذبة" (3). # وقال الناظم في المخلوق: # أستودع الله في أبياتكم قمرا ... تراه بالشوق عيني وهو محجوب # أرضى أو أسخط أو أنوي تجنبه ... فكل ما يفعل المحبوب محبوب # فالله أحق. # الثالث: أراد بقوله: {وإن يمسسك الله بضر} من السرور والطرب فإن ~~PageV01P521 # # الركون إلى ذلك غفلة وغرور وأمن من المكر، وإنما ينبغي للمحب أن يكون مع ~~حبيبه متدرجا على بساط الوصل الظاهر بتحفظ وتيقظ وتوقف وتشوف. # الرابع: أنه قال: {وإن يردك بخير} والإرادة أحد أسباب التقدير والإيجاد، ~~فربما اقترنت بما هو في ذلك معها معجلا أو مؤجلا حسبما وقع به العلم، ~~والإمساس إيجاد وقع بالقدرة والإرادة وسائر الأسباب والشروط، فعلق الخير ~~المتركب بالإرادة، وعلق الضر المتوقع المغفول عنه بالإيجاد، ليعلم العباد ~~أنهم وإن غفلوا عنه فهو أقرب إليهم. # والخامس: أنه عرف التفسير بإضافته إليه كما قدمناه، فلما أوجب عين الضر ~~من الخوف، أبدل مكانه بقوله {وإن يمسسك} ما لا يقدر قدره من ms044 السرور والطرب ~~كأنه قال: إن كان الضر يخلقه في أو ينزله بي، فذلك من الذكرى والاهتمام ~~فغشيهم لذلك طرب حيث ذكرهم مولاهم وإن كان بما ساءهم كما قال الناظم في ~~المخلوق: # لئن ساءني أن نلتني بمساءة ... لقد سرني أني خطرت ببالك (1). # السادس: أن الضر عبر عنه بالإمساس لما فيه من عظيم الإحساس، PageV01P522 # # فإن الخير لا يحس بذواته ولا بأوقاته، بل يذهب معجلا وتمر أوقاته سريعة، ~~والضر يؤلم موقعه، ويرى موضعه، ويطول وقته، ويمنع المنزول به عن كل شيء ~~سواه، فعبر بحاله الواقعة وصفته اللازمة، ألا ترى إلى قول العبد الصالح ~~{مسني الضر وأنت أرحم الراحمين} [الأنبياء: 83] فعبر عنه بأبلغ صفاته، ~~وأعظم مواقعه وهي الإمساس لما فيه من عظيم الإحساس، ولم يعن في قوله بالضر ~~ما نال جسمه من البلاء، وإنما أراد ما ناله به الشيطان من الوسوسة في نفسه ~~باستطالة النبلاء وعظيم الضراء، وما ناله في أهله بما كان قد فاوضها فيه إذ ~~لقيها في صورة رجل في الطريق على ما ورد في الأخبار (1)، ولذلك نسبه إلى ~~الشيطان فقال: {أني مسني الشيطان بنصب وعذاب} [ص: 41]. # وقيل لم يضفه إلى الباري سبحانه أدبا كما فعل "إبراهيم الخليل" في قوله: ~~{وإذا مرضت فهو يشفين} [الشعراء: 80] وأضاف الأفعال كلها إلى الباري سبحانه ~~وهي به ومنه، وأضاف المرض إلى نفسه وهو من فعل الله حقيقة أدبا لئلا يكون ~~في معرض التشكي، فآثرا جميعا الاستسلام إلى الله سبحانه، وتأدبا بإضافة ~~الضرر إلى نفسهما، وهو من الله خلق، وفيهما حق. # السابع: أن الألفاظ كلها سواء لو وضع كل واحد منهما موضع الآخر لأجزأ، ~~فقد قال في سورة الأنعام: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن ~~يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير} [الأنعام: 17]. # وفي سورة يونس: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن PageV01P523 # # يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء ... } الآية. # وقال في سورة الزمر: 38: {أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله ~~بضر هل هن كاشفات ms045 ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته}. فتارة أضاف ~~الإرادة إلى الخير والضر، وتارة أضافهما إلى الإمساس، وتارة غاير، وكل صحيح ~~فصيح، وهذا هو المختار وأطيب ما يجلب في الإيثار، وهو قولي من جملة الأقوال ~~(1). وقد سمعت بعض شيوخ الزهاد يقول: إن الله رد "موسى" على أمه في لحظة، ~~ورد "يوسف" في مدة، فيه سبعة أوجه من الحكمة: # الأول: أن أم موسى كانت ضعيفة بالأنوثة، وكان يعقوب قويا بالذكورة. # الثاني: أن رمي موسى كان من الله، وذهاب يوسف كان من الناس باستحفاظه ~~لإخوته، فخانوا فيه، فأدب لئلا يستحفظ أحد غير الله. # الثالث: أن أم موسى وثقت بوعد الله، ورجا يعقوب شفقة الإخوة. # الرابع: أن أم موسى وعدها الله فأنجز وعده، ويعقوب لم يكن له من الله ~~وعد، وإنما بقي بين الأسباب مترددا حتى ساقته إليه المقادير على كلمة ~~وتقدير. # الخامس: أن "موسى" رمي صغيرا فسبب الله له كفيلا. # السادس: أن "يوسف" لو قال حين أخرج من الجب: أنا حر وابن نبي وهؤلاء ~~إخوتي وهذه قريتي، لما اشتروه، ولكنه استسلم، فأسلمه الله إلى الحكمة حتى ~~يجعله سنة لمن بعده، وموسى صغير فتولى الله سلامته ورده في الحال. ~~PageV01P524 # # السابع: أن إخوة "يوسف" قالوا اطرحوه أرضا، والأرض أم الآدمي ومقره، فلم ~~يلق بمضيعة، وموسى رمي في البحر فلم يكن له بد من هلكة أو نجاه، فكانت ~~النجاة السابقة في علم الله. # وأقرب منه أنا كنا يوما بمحرس الكومين بالثغر (1) حرسها الله، فسئل ~~"الفهري" (2) عن قوله: {إن ربك سريع العقاب} في سورة الأنعام (165). # وقال: {لسريع العقاب} في الأعراف (167) بزيادة اللام، فما الحكمة في ذلك؟ ~~فقال: "الفهري" إن الله سبحانه أخبر في سورة الأنعام أنه جعل الخلق خلائف ~~الأرض ليبتليهم، ووعدهم وتوعدهم، وأمهلهم إلى الدار الآخرة ولم يهملهم، ~~وأخبر في سورة (الأعراف) عن بني إسرائيل وما اقتحموه وما نزل بهم في الحال، ~~وعجل لهم من العذاب فأكده باللام لما كان فيه من سرعة الجزاء وتعجيل العذاب ~~(3). # وقد أخذ قوم هذا القصد في طريق السؤال، ms046 وعلى فن من الفقه فقالوا ما ~~الحكمة في أن الله تبارك وتعالى بدأ كتابه بحمد نفسه، وقد نهى أن يحمد أحد ~~نفسه؟. # وهذا قشر من لباب هذه الأسئلة، وفن فقهي في جمع المتعارض PageV01P525 # # من الألفاظ، والسؤال في نفسه فاسد لأنه متناقض، إذ معناه أن الله حمد ~~نفسه ونهى المخلوق عن حمد نفسه، وأي تعارض في هذا؟ وأصل التعارض بين ~~الشيئين، إنما ينبني على تساويهما في المرتبة، ولا مساواة بين الله والخلق، ~~فلا معارضة. # تحقيقه: أن التعارض بين الشيئين إنما يكون إذا تعلقا بمعنى واحد من جهة ~~واحدة في حق شخص واحد في وقت واحد، والذي ينبغي أن يعول عليه في هذا الباب ~~كتاب "ابن فورك" في "مشكل القرآن" (1) فإنه لم يؤلف مثله، وقد جمع على نحوه ~~"الرماني" في "تفسير القرآن" عشر مجلدات حسنا في وصفه، باطلا في مقطعه، ~~فإنه مبتدع لا ينبغي لأحد أن يقرأ كتابه إلا أن يكون سبوحا في لجة بحار ~~الشبه، لئلا تتعلق بقلبه شبهة يظنها شهدا وهي صبر، ويرى فيه ما يعجبه فإذا ~~به قذارة وهلكة. وقد كنت في إملاء "أنوار الفجر في مجالس الذكر" أسلك هذا ~~الباب كثيرا، وأورد فيه عظيما كما سمعتم، وكانت اللواقط تكثر في مجلسي، فما ~~ظفرت قط بشيء من السواقط، لأن طرق كلامي كانت محفوظة بالحرس، محققة بين ~~النفس والنفس، وهو معنى عظيم، وقد فتحت لكم بابه، وهتكت حجابه، وشرعت ~~سبيله، وأوضحت دليله، فمن كان له منكم قلب فقد وعاه ومن علم الباطن أن ~~تستدل من مدلول اللفظ على نظير المعنى، وهذا باب جرى في كتب التفسير كثيرا، ~~وأحسن ما ألف فيه "اللطائف والإشارات" للقشيري (2) رضي الله عنه، وإن فيه ~~لتكلفا أوقعه فيه ما سلكه من مقاصد الصوفية، فخذوا ما تعلمون وقفوا دون ما ~~تجهلون، ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون. PageV01P526 # ### | ذكر الحروف المذكورة في أوائل السور # (1) # ومن الباطن (2) علم الحروف المقطعة في أوائل السور، وقد قيدت فيها أزيد ~~من عشرين قولا (3)، ولم يخلق الله أحدا يحكم عليها بعلم، ms047 ولا يدعي في ~~المراد منها فهما، بله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # بيد أني أذكر لكم فيها قولا بديعا لم أسبق إليه، ولا زوحمت عليه في أسباب ~~سلوكي إلى الله سبحانه، وذلك أن الله بعث نبيه - صلى الله عليه وسلم - إلى ~~الخلق بمعجز تحدى به العرب خاصة وهو القرآن، واستفتح بعض سوره بهذه الحروف ~~المقطعة، والعرب قد شنفت (4) له، وقومه جراءة عليه، يرقبون منه زلة، ~~PageV01P527 # # ويتربصون به سقطة، فلو كانت هذه الحروف سالكة سبيل الإشكال غير داخلة في ~~فن من فنون فصاحتهم، لا تهتدي إليها معارفهم، ما تركوه أن ينتقل عنها شبرا ~~حتى يحدث لهم فيه ذكرا، ويظهر إليهم بها علما، وقد قال للمبتدئين منهم ~~بالإذاية، المشتهرين بالنكاية، المستهزئين بكل دليل وآية: {ص والقرآن ذي ~~الذكر} [ص: 1]. {حم (1) تنزيل من الرحمن الرحيم} [فصلت: 1 - 2]. # والأندية حافلة بالأعاد، والنفوس متشوقة إلى عثرة من الحساد، فأذعنوا ~~لفصاحة القول باتفاق، ولم يقولوا: هذا اختلاط، بل قالوا هذا اختلاق، وليس ~~يقدح في علم من علوم الدين جهل من جهله من المسلمين، ولو كان هذا مما ينال ~~بالاجتهاد، ويجرى عليه بالظن لقلت لكم فيه: إن الأقرب إلى الصواب قول من ~~قال: إنه إشارة إلى تعجيز العرب على ما يأتي بيانه إن شاء الله. ### | ذكر دخول الاجتهاد في علوم القرآن بطريقة # اعلموا -أوصلكم الله إلى درجته وبوأكم مقعد صدق في مرتبته- أن مدارك ~~العلوم تنقسم من وجه إلى ثلاثة أقسام: # مدركة ضرورية (1): كعلوم الحواس، وما ثبت في النفس ابتداء، كعلم الإنسان ~~بنفسه وصحته وسقمه، وأن الاثنين أكثر من الواحد، وأن الضدين لا يجتمعان. # ومدركة بالأدلة، والأدلة على قسمين: عقلية وسمعية. PageV01P528 # # والدليل: كل ما يوصل إلى اليقين (1)، وبعد ذلك أمارات (2) تفيد غلبة الظن ~~في النفس لأحد المحتملين على الآخر لا يمكن سواه. # فأما العلم الضروري والبديهي فقد عرفتموه. # وأما العلم النظري (3) ففيه تاهت الفرق، وجار من جار، وقصد من قصد، ولا ~~يمكن بيانه في التفصيل إلا بذكر كل مسألة بما يتعلق به من الدليل. # والأمارات أعظم في ms048 الإشكال، وما يفيد الظن أقرب إلى الاختلاف وأدعى إلى ~~الاختلال. # والذي أفتقر إليه الآن: أن تعلموا أن كل ما كان المطلوب منه حصول العلم ~~فلا تسلك إليه إلا جادة الدليل الموقفة بك عليه، ولا تستعد لسواه فإنك تقع ~~في مهواة لا قعر لها، وتسلك مغواة لا هداية فيها. # وكل ما كان المطلوب فيه الظن، فاطلب له أمارته، ولعلي أستغني عن ~~PageV01P529 # # التوصية في هذا الموضع بالتثبت، فإن الدليل القطعي لا يمكنك من الظن ولا ~~يمر بك عليه، فكيف ينهيك إليه؟. # والأمارة الظنية هي التي ينخدع بها الشادي، والذي يضبط هذا الأصل أن ما ~~كان من باب التكليف، فإنه تارة يعلم قطعا بدليل القطع وتارة يفيد ظنا ~~بأمارة الظن، ويجوز أن يسمى دليلا. # وأما ما خرج عن باب التكليف والعمل فطريقه القطع، والمطلوب فيه العلم، ~~فلا تسلك إليه على منهج الظن، ومن ذلك أخبار الآخرة من كيفية الميزان ~~وأحوال الصراط وترتيبه على الحوض ونحو ذلك. # ومنه ما تقدم من القول في كيفية تأويل أوائل السور فإنه ليس من باب ~~التكليف، وإنما هو من باب العلم فلا سبيل إلى الظن فيه، ولا يوجد دليل ~~القطع عليه فوجب التوقف. # ومن جملة العشرين قولا ما لا سبيل إلى معرفته بالعقل، وإنما يعلم بالنقل ~~الشرعي ومنها ما يعلم بالنقل اللغوي لو وجد من طريق صحيحة ولكنهما معدومان. # فلو جاء خبر صحيح بأنه اسم من أسماء الله (1) أو من أسماء السور (2) أو ~~القرآن (3) لاخترناه واعتقدناه، وكما أنه لو جاءنا من طريق اللغة أن {يس} ~~PageV01P530 # # معناه: يا سيد، أو "طه" معناه: يا رجل (1)، أو "حم" معناه "يا سلام" ~~لسلمناه له، غير أن الإنصاف دين فنقول: لما رأينا العرب الأعادي والأولياء ~~والشادين والعلماء لم يقدحوا فيه ولا مالوا عنه قطعنا على أنه كان مفهوما ~~عندهم جاريا على سبيل العربية، وهذا مقام علم، فإما أن يكون بعض حرف يستدل ~~به على باقي الكلمة، وإما أن يكون استفتاح كلام، وإما أن يكون إشارة إلى ~~وجه التعجيز، كأنه قال لهم: هذا كلام ms049 عربي فصيح مؤلف من {المص} [الأعراف: ~~1] ومن {كهيعص} [مريم: 1] و {حم (1) عسق} [الشورى: 1 - 2] فإن كان عندي ~~منظوما، ومن تلقاء نفسي مقولا فشأنكم والحروف، تجردوا للنظم والتأليف بها ~~في معارضتي، وأنتم جماعة وأنا واحد ولا أملك إلا عمري ولكم في المعارضة ~~الدهر كله إلى يوم الدين. # فتخصيص بعض الأغراض والزيادة عليها مقام ظن، والظن لا مدخل له في هذا، ~~لأنه ليس من باب التكليف، فالأولى التوقف دونه. # أولا ترون إلى نكتة بديعة وهي أن الله سبحانه لما أمر رسوله بكتابة ~~القرآن وجرد له النبي - صلى الله عليه وسلم - حذاق أصحابه من الكتاب، ~~ونقلته الصحابة عند الحاجة إلى إرساله إلى البلدان، وانتقوا كتابه، فاتفقوا ~~على أن أفصحهم "سعيد بن العاص" (2) وأحفظهم "زيد بن ثابت" (3) فانتدبا ~~لذلك، ونقلوه كما PageV01P531 # # وقع (1)، وقيدوه بلغة قريش واختلفوا في التابوت (2)، قال زيد: يكتب ~~بالهاء، وقال سعيد: بالتاء فقال عثمان: يكتب بالتاء فإن القرآن نزل بلغة ~~قريش، يريد وهي لغة قريش. وقد اتفقوا على قراءته بالتاء لا خلاف بينهم فيه، ~~فأراد زيد أن تكون قراءته بالهاء، وكتبته مثله، وهي لغة الأنصار، فآثروا ~~لغة قريش إذ بها نزل القرآن. # وكتبوا (كهيعص) الخمسة الأحرف موصولة، وكتبوا {حم (1) عسق} الخمسة الأحرف ~~مفصولة، وكتبوا {ق والقرآن المجيد} [ق: 1] {ن والقلم} [القلم: 1] حرف صوت ~~لا حرف هجاء، أي: لم يكتبوه "قاف" ولا كتبوه "نون" ولو كتبوه هجاء لكان ~~الأصح من الأقوال فيه قول من قال: إنه الحوت الذي تحت المخلوقات كلها، ~~والقلم الذي فوق المخلوقات كلها (3)، ولو كتبوه "قاف" حرف هجاء لظهر قول من ~~قال: إنه الجبل المحيط بالأرض (4)، ولو كان المعنى فيه ما قاله بعضهم من ~~أنه شطر كلمة لكتب أيضا PageV01P532 # # "قاف" حرف هجاء كما كتبوا قولهم: # قلت لها: قفي، فقالت لي: قاف (1). كلمة هجاء من ثلاثة أحرف. # فهذا كله يفتح لك أبوابا من التفسير إلى ما لا يحصى من المعارف، ويعطيك ~~قانونا في مأخذ التأويل. ### | ذكر دلالة العلم على الكلام وربط ما بين اللسان والقلب # إن الله سبحانه لما خلق ms050 العبد ناطقا، وعلم أنه لا بد له من غيره، خلق له ~~الأصوات والحروف ليلقي بها إلى من سواه ما عنده من علم، بعبارة عن كلامه ~~الموافق لعلمه حسبما بيناه من قبل، وخلق له الأصوات والحروف على جهة تستوفي ~~بيان ما عنده، تقطيعها كما سلف، وقسم تقطيعها الدال على النطق ثمانية ~~وعشرين قسما، منها واحد مركب، والباقي أصول فأوصل العلم بهذا التقطيع، وهو ~~الحروف للبيان إلى من داناه، وعلم الحكيم أنه محتاج الى أن يوصل ما عنده من ~~العلم إلى من نأى عنه، فخلق القلم، وعلم به الإنسان ما لم يعلم، وشر له ~~معرفة الحروف، ورتب صورها على هيئات تلائم في العدد صفة الحروف في الكلام، ~~فيلقى العلم ما يقتضيه الصوت، ويلقى الصوت ما تضمنه الحروف. PageV01P533 # # ويدل الحرف على ما أحس في القلب، ووقع ما في القلب موافقا للعلم، فكلم ~~الله موسى في طور سيناء بغير صوت ولا حرف، وكلمه في موطن آخر على لسان ~~جبريل بصوت وحرف، وكتب له في مواطن أخر في الألواح بقلم، فاجتمعت له ~~الحقائق كلها. # واجتمع لمحمد - صلى الله عليه وسلم - أن كلمه ليلة الإسراء (1) بغير صوت ~~ولا حرف ودون واسطة، وكلمه على لسان جبريل بصوت وحرف (2)، وكتب له كتابا ~~بقلمه الذي لا يشبه الأقلام، وكتابته التي لا تشبه هذه الكتابة، فخرج النبي ~~صلى الله عليه وسلم يوما على أصحابه وفي يده كتابان، فقال: وأشار بالذي في ~~يمينه: هذا كتاب من ربي فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم، فلا يزاد فيهم ~~ولا ينقص منهم، وأشار إلى الذي في يده الشمال فقال: هذا كتاب من ربي فيه ~~أسماء أهل النار وأسماء آبائهم فلا يزاد فيهم، ولا ينقص منهم (3). # ولا يخفى عليكم لو أن أهل بلد كتبوا بأسمائهم وأسماء آبائهم في مهاريق ~~لملأت الأفق ولضاق بها الفضاء، فكيف بأسماء الخلق كلهم؟!. # وبهذه الفضيلة وغيرها، تميز محمد - صلى الله عليه وسلم - على إخوته من ~~الأنبياء صلى PageV01P534 # # الله عليهم أجمعين، وإليه وقعت الإشارة بقوله تعالى: {ورفعنا بعضهم فوق ~~بعض درجات} ms051 [الزخرف: 32]. # فأقرنه بنظيره يحصل لك منه باب من التفسير عظيم، واستعن عليه بما جمعناه ~~في "خصائص محمد - صلى الله عليه وسلم - ومعجزاته الألف" التي أمليناها ~~عليكم في مجالس "أنوار الفجر" (1). # وهذا الكتاب بالقلم والدواة والقراءة بالصوت على كل لغة وعند كل أمة وفي ~~كل معنى، معلم لآدم صلى الله عليه، وبهذه المزية في رأي جماعة ماز آدم ~~الملائكة، فإنهم خلقوا للطاعة التي لا تتعداهم وهي التسبيح، وأعطي آدم ~~العلم الذي يتعدى والمتعدي أفضل من اللازم (2)، وذلك محقق فيما أمليناه ~~عليكم في "أنوار الفجر" في ذكر التفضيل بين الملائكة والأنبياء، وقد ذكره ~~العلماء (3)، ولنا فيه فضل الترتيب والاستيفاء، والحكمة العظمى في ذلك كله، ~~والفائدة الكبرى فيه، ما نذكره لكم ونستوفيه، وبه تتم جميع معانيه. ### | ذكر الحكمة العظمى في خلق الكلام وتسخير القلم # إن الخلق قصروا عن فهم كلام الله قصورهم عن فهم معرفة ذاته، فإن ذاته ~~وصفاته مقدسة عن أن تنال بوهم، أو تعلم بغير واسطة، مع ما هم PageV01P535 # # الخلق عليه من القصور، فنصب المخلوقات دليلا عليه، كما وضع الحروف ~~والأصوات دليلا على كلامه، وكما أن ذاته العلية مخبوءة تحت أستار الدلائل، ~~فكذلك كلامه العظيم مخبوء تحت أستار العبارات، فلا ينال بالعبارات من كلامه ~~إلا ما ينال بالدلائل من ذاته، وهو العلم المطلق الجملي دون التفاصيل ~~المحيطة بالجلي، وهذا معنى قوله: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات ~~محكمات} [آل عمران: 7]، وقوله: {وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة ... } ~~[البقرة: 231]، فإنه سبحانه وصفاته في علو التقديس عن الإدراك، فأنزله من ~~علو التقديس ورياضه إلى بقاع العلم -منا به- وحياضه، فمن الناس من يشربه ~~بكأس الصفاء، ومنهم من تكدر عليه وحالت الحجب دونه، وهي كثيرة أمهاتها ~~أربعة: # الأول: عدم الهادي، فلا غنى عن معلم عالم ليكون ما يلقيه ألقن إلى القلب، ~~وأدخل في النفس. # الثاني: الابتداء بمعنى الحروف والأصوات، كالمقرئين في هذا الزمان، فإنهم ~~يقبلون على الحروف ويضيعون العلوم. قال تعالى: {ومنهم أميون لا يعلمون ~~الكتاب إلا أماني} [البقرة: 78]، يعني "تلاوة" في أحد الأقوال ms052 (1)، وفي ~~الحديث: يأتي على الناس زمان يحفظون فيه حروفه ويضيعون حدوده (2). ~~PageV01P536 # # الثالث: الاقتناع بقول من مضى دون أن تتحرى في النظر، وتكون ممن حكم ~~بعلمه وقضى. # الرابع: الالتباس بالمعاصي، وما أعظمها من حجاب. # تتميم: # ومن علم الباطن عندهم معرفة الله وصفاته، والدار الآخرة، ومنه معرفة ~~الأدلة في الرد على جميع المخالفين للملة من القرآن والسنة وقواعد العقائد ~~واستنباط أحكام أفعال المكلفين الخمسة، ومناط متعلقها في أدلتها وهي "أصول ~~الفقه" (1). # فإن أراد هؤلاء بحسبان هذه من الباطن أنها تفتقر إلى نظر وتأمل وتأويل، ~~وبخلاف دلالات الألفاظ على المعاني اللغوية، فإنه معنى يقف عليه المرء من ~~غير تأمل، وبخلاف معرفة النصوص من الأدلة الشرعية، والبداية من الأدلة ~~العقلية. # أو أرادوا بأنه باطن أنه لا يوصل إليه إلا بعد معرفة غيره، فهو باطن ~~بالإضافة إليه، فهذا كله ممكن صحيح القصد لا مشاحة فيه، بيد أنه قد صار ~~اليوم معرفة النحو واللغة عندنا باطن، لأنه يفتقر إلى تعلم، حتى قد صنف في ~~غريب القرآن ونحوه كتب كثيرة استغرقت العمر، وأتعبت النفس فصارت باطنا، وقد ~~كان عند الصحابة ظاهرا يقينا. # ولما قال المتقدمون من السلف: لكل حرف ظاهر وباطن، وحد PageV01P537 # # ومطلع (1)، نصبنا له مثالا يتبين فيه قانونه: # قوله تعالى: {وطهر بيتي للطائفين} [الحج: 26]. # فحد البيت أنه مركب من الباحة والحائط والسقف. ومطلعه اقتضاؤه اللبن ~~والخشب بطريق، وبأقصى منه، اقتضاؤه البناء والنجار ونحوه. # وظاهره: قوله في الكعبة "بيتي" يعني الذي كرمته بأن دحوت منه الأرض، ~~وجعلته مثابة للناس وأمنا، وقياما للخليقة وحصنا، وبعثت منه محمدا - صلى ~~الله عليه وسلم - وأمرت الخلق بقصده، وأضفته إلى نفسي دون غيره إلى سائر ~~فضائله، وأسرد ذلك كله (2). # وباطنه: قلب عبدي المؤمن الذي كرمته بأن جعلته محل معرفتي وشرحته بنور ~~هدايتي، وملأته حكمة من علمي، وخصصته بأن أحييته بروحي (3). # قال علماؤنا: ونحن نقطع على أن المراد بخطاب إبراهيم هذا الكعبة، ولكن ~~الناظر العالم يتجاوز من الكعبة إلى القلب بطريق الاعتبار (4) عند قوم، ~~وبطريق الأولى عند آخرين، ولهذا إذا جاء النائم إلى ms053 المعبر فقال: رأيت في ~~PageV01P538 # # منامي بيتي مملوءا تعشيشا أو أدناسا يقول له: طهر قلبك من شغوب الدنيا، ~~وأرحاض المعاصي التي هي العجب والحسد والحقد ونحوه، وكما تطهر الكعبة من ~~القمامة والنخامة والمشركين كذلك، يلزم أن يطهر القلب من علائق الدنيا ~~القاطعة عن الله تعالى، وعن المعاصي التي تفترس الحسنات كما يفترس الذئب ~~الشاة. # ومن باطنه أيضا إلحاق سائر المساجد به في التطهير لاستوائها في حرمة ~~المسجدية معه، وقد أضافها الباري إلى نفسه فقال: {وأن المساجد لله} [الجن: ~~18]. # وهذا باطن فقهي ونظر عملي. # ومن باطنه عند قوم العبور به -بعد تقريره- من المشركين الذين قيل فيهم: ~~{فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} [التوبة: 28]، إلى غير ذلك من ~~الأجناس بتأميل أحد من الناس وتعظيمه. ولذلك قال العلماء: "من تواضع لغني ~~ذهب ثلثا دينه" (1). لأن الدين اعتقاد وقول وعمل، فإذا هش إلى الغني لغناه، ~~وسلم عليه لدنياه، وأعرض عليه بهواه، ذهب ثلثا دينه في الهش والسلام، وبقي ~~له الثلث في الاعتقاد. # ولو هديت لهذه الفرقة الضالة من الشيعة والباطنية لما كانت عن ~~PageV01P539 # # سبيل الحق ناكبة، وقالت إن المراد بقوله {وطهر بيتي} القلب، ولا حظ ~~للكعبة فيه (1)، ولكنه كما أخبر تعالى عنه: {يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا ~~وما يضل به إلا الفاسقين} [البقرة: 26]. # وقد ركب العلماء على هذا كلاما، فقالوا (2): إن علوم القرآن خمسون علما ~~وأربعمئة علم، وسبعة آلاف، وسبعون ألف علم على عدد كلم القرآن، مضروبة في ~~أربعة، إذ لكل كلمة منها ظاهر وباطن، وحد ومطلع، هذا مطلق دون اعتبار ~~تركيبه، ونضد بعضه إلى بعض وما بينها من روابط على الاستيفاء في ذلك كله، ~~وهذا مما لا يحصى، ولا يعلمه إلا الله تعالى. ### | ذكر العلم النظري والعلم العملي # وقد تردد في أثناء التقسيم الانتحاء إلى هذين القسمين، حتى قلنا: إن ~~النظر في الوحي يكون فيما يفضي إلى العلم، وفيما يفضي إلى الظن. # والنظري: معرفة الله وصفاته وأقواله، والمعاد فاحكمه بالأصول. ~~PageV01P540 # # والعملي: أحكام أفعال المكلفين واحكمه بأصول الفقه، ويكفي في الأول ~~"المتوسط"، وفي ms054 الثاني "المحصول". # وكذلك قولنا في انقسامها إلى عقد وقول وعمل يندرج تحت هذا. فإن العقد فيه ~~علم وهو معرفة الله، وفيه عمل وهو معرفة الجسد والغرور والنية والتوكل، وما ~~ضارع الجنسين. # والقول فيه علم وهو الإيمان بالله وصفاته وما يرتبط بذلك، وإلى عمل وهو ~~الذكر ونحوه. وكذلك العمل فيه ما هو معلوم الطريق، فيكون حكمه قطعيا ~~كالنصوص فيما تقتضيه والإجماع فيها تكون عليه، ومنه ما يكون من طريق الآحاد ~~فيكون ظنيا وهو غالبه (1). ### | ذكر القسم الخاص # (2) # والذي أختاره من هذا التقسيم في طريق البيان، وعليه كنت أعول في طريق ~~الإيراد قديما، أن علومه على ثلاثة أقسام: توحيد، وتذكير، وأحكام. # فقسم التوحيد فيه تدخل معرفة المخلوقات بحقائقها (3)، ومعرفة الخالق ~~بأسمائه وصفاته وأفعاله. # ويدخل في علم التذكير: الوعد والوعيد، والجنة والنار، والحشر، وتصفية ~~الباطن والظاهر عن أخلاط المعاصي. PageV01P541 # # ويدخل في الأحكام: التكليف كله من العمل في قسم النافع منه والضار، وحظ ~~الأمر والنهي والندب. # فالأول: كقوله: {وإلهكم إله واحد} [البقرة: 163] فركب عليه قسم التوحيد ~~كله في الذات والصفات والأفعال. # الثاني: قسم التذكير قوله: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} [الذاريات: ~~55] وهذا مخصوص بالعظة في المتعارف، متناول للكل بالحقيقة. # الثالث: قوله: {وأن احكم بينهم} [المائدة: 49]. # كما ترجع علوم القرآن إلى آيتين كقوله: {الله الذي خلق سبع سماوات ومن ~~الأرض مثلهن ### | .... # إلى ... علما} [الطلاق: 12]. # الثانية: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56]. # وقد ترجع إلى آية واحدة كقوله: {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما ~~لاعبين} [الدخان: 38]. # وقوله: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون} [المؤمنون: ~~115]. # ولذلك قال جماعة من العلماء في تفسير قوله: {قل هو الله أحد} [الإخلاص: ~~1] إنها تعدل ثلث القرآن (1) في الأجر، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. # وقالت جماعة: تعدل ثلث القرآن في المعنى لأن القرآن ثلاثة أقسام ~~PageV01P542 # # كما قدمنا (1)، فقسم التوحيد اشتملت عليه هذه السورة على الخصوص، وبهذا ~~صارت الفاتحة أم الكتاب لأن فيها الأقسام الثلاثة. # فأما قسم التوحيد فمن أولها إلى قوله: {يوم الدين} [الفاتحة: 4]. # وأما القسم الأحكام ف ms055 {إياك نعبد وإياك نستعين} [الفاتحة: 5]. # ومن قوله: {اهدنا} [الفاتحة: 6] إلى آخرها تذكير. # فصارت بهذا أما يتفرع عنها كل بنت. # وقيل: صارت أما لأنها متقدمة على القرآن بالقبلية، والأم قبل البنت. # وقيل: سميت فاتحة لأنها تفتح أبواب الجنة على وجوه بيانها في موضعها، ألا ~~ترى إلى قوله: {منه آيات محكمات هن أم الكتاب} [آل عمران: 7]. # فسميت المحكمات أما للمتشابهات، لأن المتشابهات إذا أشكل أمرها ردت إلى ~~المحكمات فعرف تأويلها، كما ترد البنت إلى "الأم" فيعرف نسبها، وخص الأم ~~دون الأب لأنها التي يعلم كون الولد منها قطعا، ثم يضاف إلى الأب ظنا ~~بواسطة الوجود الكافي في الأم قطعا، وبذلك فضلت جميع سور القرآن: قال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - لأبي بن كعب: لأعلمنك سورة ما أنزل في التوراة ولا ~~في الإنجيل ولا في القرآن مثلها .. وذكرا له (2). # وليس في الفاتحة حديث صحيح إلا هذا، وقوله: "قسمت الصلاة بيني ~~PageV01P543 # # وبين عبدي" (1) فلا يلتفت إلى سواهما (2)، فإن شغل القلب واللسان بما لا ~~يصح إثم في الآخرة وتضييع للزمان. # كما أنه ليس في سورة {قل هو الله أحد} حديث صحيح إلا المتقدم (3)، وقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في الذي سمعه يقراها "وجبت، (4) يعني الجنة. # أما إن فيها خصيصة ليست في السور، وذلك أن بعضها يفسر بعضا، لأنك تقول: ~~من هو؟ فيقال لك: الله. ويقال لك من الله؟ فيقال لك: الأحد، فتقول: من ~~الأحد؟ فيقال لك: الصمد. # فتقول: من الصمد؟ فيقال لك: الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد. ~~ثم ترجع إلى أولها، فإنك إذا قلت: ومن الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له ~~كفؤا أحد؟ فيقال لك: الله. # وهذا أيضا -بهذا الترتيب- فن من فنون الفصاحة غريب، يعز وجوده في القرآن، ~~ونظيره من السنة في المعنى قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أفضل ما ~~قلته أنا والنبيون من قبلي، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله ~~الحمد، وهو على كل شيء قدير" (5). PageV01P544 # # وهي كلمات يسيرة تضمنت ms056 التوحيد كله لله سبحانه. # وأخبرنا أبو الفضائل بن طوق المعدل (1) قال: أخبرنا الأستاذ أبو القاسم ~~القشيري قال: سمعت الإمام أبو بكر بن فورك يقول -وكان من عظماء الصوفية ~~والعلماء-: إن كلمة "هو" مستقلة بنفسها في العبارة عن توحيد الباري سبحانه، ~~تدل على أن ابتداء الأشياء منه وانتهاؤها إليه وكلها به، لأن الهاء من حروف ~~الحلق وهو الابتداء في الكلام، والواو من حروف الشفتين وهي الانتهاء في ~~الكلام، وما بينهما حروف الكلام (2)، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - لأبي ~~بن كعب (3): أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال له: {الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم} [البقرة: 255] قال له النبي: ليهنك العلم يا أبا المنذر" (4). # وإنما صارت أعظم بعظم مقتضاها، فإن الشيء إنما يشرف بشرف ذاته ومقتضاه ~~ومتعلقاته، وهي في آي القرآن كقل هو الله أحد في سوره، إلا أن سورة الإخلاص ~~تفضلها بوجهين: PageV01P545 # # أحدهما: أنها سورة وهذه آية، والسورة أعظم؛ لأنه وقع التحدي بها، والسورة ~~إذا وقع بها التحدي أفضل من الآية التي لم يقع بها التحدي. # الثاني: أن سورة الإخلاص اقتضت التوحيد في خمس عشرة كلمة، وآية الكرسي ~~اقتضت التوحيد في خمسين حرفا. # فظهرت القدرة في الإعجاز، بوضع معنى يعبر عنه مكتوب مدده السبعة الأبحر ~~ولا ينفذ، عدد حروفه خمسون كلمة، ثم يعبر عن معنى الخمسين كلمة خمس عشرة ~~كلمة، وذلك كله بيان لعظيم القدرة والانفراد بالوحدانية (1). # تنقيح: # قال أبو حامد: "إن أم القرآن إنما صارت فاتحة الكتاب لأنها مفتاح الجنة، ~~والجنة ثمانية أبواب، وفاتحة الكتاب ثمانية معان: ذات، صفات، وأفعال، ~~الصراط المستقيم بجميع طرقه، التزكية، التعلية، ذكر نعمة الأولياء، وغضب ~~الأعداء، ولم يخرج عنها إلا محاجة الكفار وهو علم الكلام وأحكام الفقه .. " ~~(2) إلى آخر قوله. PageV01P546 # # قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: # قد بينا -وهو الصحيح- أن فاتحة الكتاب أم القرآن، وحققنا أن علوم القرآن ~~فيها، وساعدنا على ذلك جماعة من العلماء وهو منهم، فكيف يرجع فيحذف منها ما ~~ذكر أنه فيها، بل لو قلنا أن ms057 القرآن كله مفتاح الجنة لكان أصوب، فكيف وقد ~~بين صاحب الشريعة خاصية الأبواب وأسماءها فقال: "من كان من أهل الصلاة دعي ~~من باب الصلاة ... الحديث" (1) فبين - صلى الله عليه وسلم - جنس الأبواب ~~وأنها أبواب عمل تطلب في فروع الشريعة وأنواع الأفعال. # وقد كملها قوم فقالوا: إنها ثمانية أبواب: # باب الإيمان. # باب الصلاة. # باب الصدقة. # باب الصيام. PageV01P547 # # باب الحج. # باب الجهاد. # باب العدل. # باب التوبة. # ولو قال قائل: إنها مفتاح الجنة، لأنها سبع آيات تنغلق أبواب النار ~~السبعة دونها، وليس بعد النار دار إلا الجنة، لم يبعد نظرا، لكنه لا يعلمه، ~~إذ لا طريق إلى العلم به كما بيناه. # وقد عددوا أبواب النار فقالوا: # باب الشرك. # باب الإثم. # باب الفساد. # باب العدوان. # باب الفحشاء. # باب المنكر والبغي. # تجري على الجوارح السبعة، وهي الحواس الخمس، منها اليدان والرجلان، ~~وسابعها القلب (1)، وهذا كله تحكم لأنه قول بالظن في معنى لا يعلم بالقياس، ~~ولا يجري فيه إلا القطع. # وقد روى الترمذي عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لجهنم ~~سبعة أبواب، باب منها لمن سل السيف على أمتي" (2). PageV01P548 # # وهذا فن لم ينتبه هؤلاء له، وكل ما قالوه -كما قدمنا- لا دليل عليه. # وقد أبهم الباري سبحانه أبواب الجنة في الطاعات ليلتزم الراجي لدخولها ~~جميعها، كما أبهم ساعة الجمعة في اليوم، وليلة القدر في الشهر، وأبهم ~~الكبائر في المعاصي كلها، ليكون ذلك أدعى لعموم فعل الذكر والطاعة في اليوم ~~كله والشهر كله في اجتناب المعاصي، ولو أخذ رجل يطلب أمهات الطاعات فيرتب ~~الأبواب لكان ذلك استعمالا للظن في مواضع القطع وهو إتيان البيوت من ~~أدبارها، وربما دخل في قوله: # {أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم} [الملك: ~~22]، ولم يترك الشيطان الناس مع هذا الحديث ولا مع هذه الآية -وذلك كاف- ~~حتى أضل من عمل لهم الأحاديث في فضائل الآيات والسور (1)، فروى لهم في "آية ~~الكرسي" أنها سيدة آيات القرآن (2)، و {يس} PageV01P549 # # قلب القرآن (1)، وأمثالها، فلا تحفلوا بذلك كله، وأقبلوا ms058 على ما صح ففيه ~~الغنية. # وكما أنه "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" (2) فليس منا من لم يتغن بصحيح ~~الآثار، وطلب سقيم الآثار مضافا إلى صحيحها، يقرب من قراءة الإنجيل ~~والتوارة مضافا إلى القرآن. ### | ذكر استيفاء الغرض في التقسيم # قد علمتم -في الجملة- أن العلوم ثلاثة أقسام، وأن المعلومات أربعة: ~~النفس، والرب، والعمل النافع، والضار. # وأن معرفة النفس تكون بالنظر في ذاتها وصفاتها، وانتقالاتها في أحوالها ~~وابتدائها وانتهائها واستعلائها في شرفها، واستقلالها في نقصها، حسب ما وقع ~~التنبيه عليه في قوله تعالى: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (4) ثم ~~رددناه أسفل سافلين} [التين: 4 - 5] وذلك أنه خلقه سميعا بصيرا حيا متكلما ~~قادرا مريدا، وهذه نهاية في مراتب الشرف، وخلقه من نطفة مدرة، ويصيره جيفة ~~قذرة، ويحمل بعد ذلك عذره. # أنشدنا ابن طوق (3)، قال: أنشدنا القشيري: PageV01P550 # # كيف يزهى من رجيعه ... أبد الدهر ضجيعه # فهو منه وإليه ... وأخوه ورضيعه # وهو يدعو إلى الحشر ... بصغر فيطيعه # وتبين لك أن معرفة الرب تكون بالعلم (1) بذاته العظمى وصفاته العلى ~~وأسمائه الحسنى وأفعاله العدلى، وقد بيناه في كتاب "الأمد الأقصى" فمن أراد ~~أن يعرف الله تعالى كذلك فعليه به، فإن عرضه إشكال فحله في كتاب "المتوسط". ~~وفي كتاب "الأمد الأقصى" ما للعبد من حالة في هذه الأسماء، والفرق بينه ~~وبين الرب في كل اسم انطلق على الله بالكمال، فأطلق على العبد بلفظه وبيان ~~المنزلة العليا للرب فيه، والسفلى للعبد فيما يعطيه لفظه من معانيه. ### | ذكر معرفة ركني الحياة # وتبين أن معرفة العمل النافع هو ما يحصل به المطلوب في تزكية النفس ~~بمعاشها، وما ينال به المرغوب، مع صفة السلامة في دوام النقاء من الآفات، ~~ومعرفة العمل الضار وهو ضده، فإذا تم له ذلك أو بعضه، فهنالك ركنان وهما: # العمل النافع في جلب النعيم الأكبر في البقاء الدائم بالعلم الذي هو ~~PageV01P551 # # أصله. وعليه مبناه، لأن العلم أول، والعمل ثان، ولا يتأتى العمل إلا ~~بالعلم، إذ لا تتفق عبادة إلا بعد معرفة المعبود. # وقد زلت في هذه طوائف يهولك ms059 أمرهم فقالوا: "إن العمل قبل العلم". # وغلت أخرى فقلبت القوس ركوة وقالوا: "إنما يتوصل إلى العلم بالعمل" (1). ### | ذكر بيان أن العلم قبل العمل # لأن محل العلم وهو القلب، خلق مستعدا للعلوم، وهو صقيل يصدأ بالذنوب، فإن ~~أحجم العبد عن الذنوب بقي بصفائه، وإن أقلع عن الذنوب بالتوبة فهي صقالة، ~~فيتجلى حينئذ فيه العلم (2). # وتشبثوا بقوله: {واتقوا الله ويعلمكم الله} [البقرة: 282] (3). # وقالوا: ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - الفتن فقال: "تعرض الفتن على ~~القلوب عودا عودا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت ~~فيه PageV01P552 # # نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت ~~السموات والأرض، والآخر: أسود مربادا (1)، كالكوز مجخيا (2)، لا يعرف ~~معروفا ولا ينكر منكرا" (3). # وهذا كلام يحوم على مقاصد الفلاسفة، فإنهم يدعون أن العبد إذا أقبل على ~~الله بالكلية، واشتغل بمحو ما ينبغي عن النفس، وواظب على اكتساب ما ينبغي، ~~ولازم الذكر حتى يجري منه مجرى النفس، صفا قلبه، فتجلت فيه جميع المعلومات، ~~إذ خلق القلب صقيلا كالمرآة (4)، فإذا قابلته المعلومات تجلت فيه ما لم ~~يصدأ، فإذا طهر بدفع المعاصي والفضول، بقي صقيلا فتجلت فيه الحقائق ولا ~~يفتقر إلى تعلم. # تبصير: # تأملوا -وفقكم الله وبصركم- ما أبسطه لكم ها هنا من الكلام، فإنه وإن كان ~~صعب المرام يفضي بكم إلى أرحب مقام. PageV01P553 # # هذا القول الذي أملت الفلاسفة (1)، وانخدع به زمرة من الصوفية (2)، فيه ~~نظر من ثلاثة أوجه: PageV01P554 # # النظر الأول: إن هذا الذي قالوه من طلب تصفية القلب وتطهيره، إلى قولهم: ~~"صفا قلبه"، كلام صحيح موافق للشريعة، لا درك فيه. # وقولهم بعد ذلك: "إنه إذا صفا قلبه تجلت فيه المعلومات" خطأ بحت، ودعوى ~~عريضة لا برهان عليها من العقل، ولا من جهة السمع (1). # وقد كان ذلك جائزا لو فعله الباري سبحانه ودل عليه، وأخبر عنه، فلا معنى ~~لإنكاره جملة، وهذا التقصير هو الذي يزل فيه المدعون للعلم، فإنهم ينكرون ~~القول كله لامتزاجه بالباطل، وإنما ينبغي أن يفرق بينهما ويخلص أحدهما من ~~الآخر، ms060 والإنصاف دين. # النظر الثاني: هو أن الصوفية لما وجدت كلامهم (2) إلى قوله: "صفا قلبه" ~~سليما تركت ما بعده وركبت عليه. فقالت: "صفا قلبه فيتفكر في ملكوت الله ~~وآلائه حتى تنكشف له أسرارها". # فقولهم: "فيتفكر في ملكوت الله وآلائه" صحيح، وهو النظر المفضي -بشروطه- ~~إلى العلم، وكأنهم أرادوا أن سلوك الطريق إلى الله تعالى بالنظر في آلائه ~~والتفكر في ملكوت أرضه وسمائه ليوصل إليه، ويقف بالناظر عنده، لا يكون إلا ~~للمتقين، فأما المذنبون المنهمكون في الشهوات المقبلون على الدنيا، فليسوا ~~في جملة السالكين، ولا يعدونهم -بما حصل عندهم- من PageV01P555 # # جملة العالمين بالله، وهذا أيضا كلام صحيح، فقد نفت ظواهر الشريعة عن ~~العاصي الإيمان والعلم في الإطلاق، كما نفته عن الكافر أيضا في الإطلاق، ~~وهذا القول بإطلاقه لا يرده ظاهر الشرع، ولكن يفتقر إلى مزيد تحقيق. # النظر الثالث: قولهم: "حتى تنكشف له أسرارها" فينبغي أن يكاشفوا عن هذا ~~السر، ولهم فيه ثلاث طرق: # الطريقة الأولى: أن يقولوا: هو معرفة الله والملائكة، والأنبياء وآيات ~~الآفاق والسموات والكواكب والآثار العلوية وأقسام الموجودات وكيفية وجودها ~~وارتباط بعضها ببعض حتى تنتهي إلى الله، ومعرفة القيامة والحشر والجنة ~~والنار والجن، وتحقيق أن ما سبق إلى أفهام العامة من أن الله فوق العرش في ~~مكان، وما اعتقدوه في أحوال الآخرة، هل هي خيالات؟ أو لها معان سوى الفهوم؟ ~~وهذا قول خلف. # أما معرفة الله: فهي بالتفكر في آياته. # وأما معرفة الأنبياء: فإنها تقع بمعجزاتهم. # وأما معرفة الملائكة والشياطين: فلا سبيل لدخول دليل العقل فيه، وإنما هو ~~الشرع، لأن طريقه الخبر. # وأما حقائقهم: فإنهم أجسام خلقهم الله على صفة يتأتى معها التصور في ~~الهيئات، كما خلقنا على هيئة يتأتى لنا بها التصرف في الحركات. # وأما آيات الآفاق: فهي دحو الأرض وتباين مناكبها، وإرساؤها بالجبال ~~واتساع القفار بها، واختصاص بعضها دون بعض بما خصت به من منفعة أو حالة. # PageV01P556 # # وقيل آيات الآفاق: اختلاف الدول، وغير ذلك مما طريقه معلوم للعامة ~~والخاصة. # وأما السماء: فمعلوم أنها أجسام، وكذلك الأرض. # وأما الكواكب: فهي أجسام ms061 نورية مشاهدة. # وأما مسيرها وتصرفها في أفلاكها: فيعلم مشاهدة للأنبياء، أو بالحساب في ~~جزء يسير منها، لا بالطاعة والعبادة. # وأما الآثار العلوية: فإن أرادوا به الغيث والسحاب والرعد والبرق، فذلك ~~كله مشاهد محسوس، وإن أرادوا كيفية نشأته وصفة سياق وجوده وكونه في الحساب ~~وصونه حتى يقع علينا، فلا يعلم ذلك بدليل العقل، وإنما طريقه الخبر بعلم ~~ذلك قطعا، وقد بيناه في كتب "الأصول". # وما جرى في أشعار العرب من استمداد السحاب من البحر، فإن ذلك مما تلقفته ~~من أقوال العامة الجاري على ألسنتهم بما سمعته من سواقط كلام الأوائل (1). # وعجبا ممن يأخذ الحقائق من الأشعار، أو من متردد الألسنة العامية ~~بالآثار. # وأما أقسام الموجودات: فمنه ما يعلم بالمشاهدة، ومنه ما يعلم بالنظر، ~~ومنه ما يعلم بالخبر. PageV01P557 # # وأما كيفية ارتباط بعضها ببعض حتى تصل إلى الله تعالى، فمنه ما يعلم ~~بالمشاهدة وبالنظر وبالخبر، وليست الطاعات إليه طريقا، ولا شرطا، بل يحصل ~~ذلك كله دونها (1). # فإن أرادوا أن صفاء القلوب يكشف هذه العلوم فباطل قطعا. # وإن أرادوا أن الفكر في المخلوقات والآيات يوصل إليها فباطل أيضا قطعا، ~~وما أعلمني بما يحومون حوله ويسفون عليه. # الطريقة الثانية: # قولهم: "وتحقيق ما سبق مما تخيلته العوام ... " كما سردناه عليكم، وليس ~~يخفى أن من اعتقد أن الباري يحويه المكان أو يشتمل عليه زمان، باطل بالأدلة ~~المعلومة فيه القاطعة عليه، وقد كفينا شأنه معكم (2). # وأما من اعتقد في الدار الآخرة أنها خيالات وتمثيلات، فلا يخلو أن يريد ~~به أنه لا معنى لها، ولا حقيقة وراءها، فهذا مذهب النصارى والفلاسفة (3) ~~وهو باطل قطعا، لأن فيه تكذيب الرسل، والحكم عليهم بالاستخفاف بالناس ~~والتغرير بهم. PageV01P558 # # وأما من اعتقد أن لها معاني سوى المفهوم منها، فهو عدول عن الظاهر لغير ~~ضرورة، وما أخبر الله عنه من البعث والحشر والصراط والحوض والجنة ونعيمها ~~والنار وعذابها، كل ذلك ممكن في القدرة، فلا شيء يرد ظاهره، وإنما يطلب ~~تأويل الخبر إذا عارض ظاهره دليل من الأدلة العقلية، وهذا يتبين لكم بتتبع ~~الآيات والأخبار، فإنه ms062 لم يرد منها شيء يرد ظاهره العقل حتى يفتقر فيه إلى ~~تأويل. # فإن قيل: بل قد ورد في الخبر ما يعترض على العقل في مواطن كثيرة من أدناه ~~قول الصادق: "إن أقل أهل الجنة منزلة يؤتى مثل الدنيا وعشر أمثالها" (1) ~~وهذا بعيد عقلا. # قلنا: من أي طريق يبعد وخالق الدنيا مرة يجوز أن يخلقها ألف مرة، وليت ~~شعري ما الذي أحرج بعض الأشياخ إلى أن يقول (2): إنه يؤتى مثل PageV01P559 # # عشرة أمثال الدنيا قيمة، كما يقال: الياقوتة عشرة أمثال الدنيا أي: في ~~القيمة وإن كانت أقل منه في الوزن، والمخبر عن ذلك قادر على أن يجعلها عشرة ~~أمثال الدنيا قيمة ووزنا ومساحة، وخلقه وعطاؤه وإحياؤه وإماتته ومنعه كلام ~~كله إذا أراد شيئا أن يقول له كن، فيكون (1) بغير روية ولا مثنوية ولا كلفة ~~ولا معونة، فماذا يقف عليه؟ أو يمتنع منه؟ وقد قام الدليل الشرعي على بطلان ~~هذا، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما أخبر به عن الجنة: "قاب قوس ~~أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها، والنصيف في الجنة خير من الدنيا ~~وما فيها" (2). # فالذي أعطي عشرا من الحور أو عشرا من غيرهن فقد أوتي مثل الدنيا عشرا، ~~وبهذا القدر كانت المنة تقع لمن له القدرة. # هيهات لقد عظمت هذه وهلة، وكأني بمن طالع شيئا من علوم الأوائل إذا بلغ ~~هذا المنتهى، وقرأ كلامنا ها هنا، زوى حاجبيه تقبضا، أو أوحى بشفتيه تبسما، ~~فإن كان عني راضيا، أو كنت عنده عالما قال: داهن فلان، وإن كان عني ساخطا ~~وكنت عنده جاهلا قال: ما أجهل هذا الإنسان. # انتصاف: # فأنا أجادله بالحسنى حين عجزت عن عقوبة الدنيا، وأقول: يعلم الله وتشهد ~~كتبي ومسائلي وكلامي مع الفرق، بأني جد بصير بأغراض القوم ومقاصدهم، فإن ~~معلمي (3) كان فحلا من فحولهم وعظيما من عظمائهم، PageV01P560 # # وتالله إني كنت محتشما له غير راض عنه، وقد رددت عليه فيما أمكن، واحتشمت ~~جانبه فيما تيسر، وقد كنت أقبل على هذا المنكر، وأتتبع الرد على هذا ~~المعترض من ms063 جميع جوانبه، إلا أنه مسطور في سائر كتب العلماء، فلا يمكن أن ~~أخرج عن الغرض إليه، ويكفي ما نبهتكم منه عليه. # الطريقة الثالثة: قولهم "إن الخبر وإن كان ورد بهذه المعاني كلها ~~والأسماء بجملتها وهي محمولة على ظاهرها، فلها عبرة إلى سواها مما في ~~معناها". # ونحن نقول: إنه يمنع الاعتبار بالافتكار والتجاوز بالدليل من نظير إلى ~~نظير، وهذا كلام صحيح للصوفية، وعلم بديع من علومهم، ومنهم من غلا (3) فيه، ~~ومنهم من اقتصد، ولكنه معروض على قوانين الشريعة، فما لم يعترض عليها، ولا ~~قاد إلى مناقضتها فهو صحيح. # النظر الرابع: هو أنا نقول: قد قام الدليل العقلي على أن العلم قبل العمل ~~كما قام الدليل الشرعي على أن العالم بالله هو الذي لا يعصي، قال الله ~~سبحانه: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} [فاطر: 28]. # فكل من علم أن الملكوت كله لله، وأن بدنه ونفسه من جملة ملكوته، وهو ملك ~~له، لم يصرفه إلا بأمره، فإن عصاه فما قدره حق قدره، ولا تحقق ما بلغ إليه ~~من تحذيره. # فإن في: قد رأينا جماعة من المتبحرين في الفقه تعصي؟ # قلنا: هذا الذي حصل له نوع من المعرفة، لا يختص بالباري تعالى # PageV01P561 # # ولا يرتقي به إلى الدرجة العليا، وقد يتفق أن يحسن فيه النية، فيكون ~~قربة، لكنه دون العلم الأفضل الذي هو معرفة نفسه وربه بدوام حضوره في ~~القلب، وحسن الحال في اكتسابه كما جاء في بيانه، والمشتغل بهذا العلم وحده ~~من العاكفين على الدنيا، لم يختصوا بالمولى، فذلك الذي أوقعهم في الترخص ~~بالذنوب، والترخص بالعيوب. # فإن قيل: فإن لم يكن عالما، أيكون جاهلا؟ أو تحكمون عليه بالكفر كما قالت ~~فرقة (1)؟. # قلنا: لما كان هذا موضع إشكال على العامة، اضطربت فيه آراؤهم، وقد أوردنا ~~تحقيقه بالغاية في كتاب "المشكلين". # وهذه نكتة منه يسيرة بحسب ما يحتمله هذا "القانون" وهي أنا نقول: إذا ~~واقع العبد المعصية فلا يخلو إما أن يكون لاهيا عن الوعيد أو ذاكرا له، ~~فإذا كان لاهيا عنه لم يحضره ذكره فهو ms064 من {الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم} ~~(2). # وممن آتاه آياته فأعرض عنها، لأنه يجب عليه أن يحضر ذكر التحريم في هذا ~~المقام العظيم، فإذا لم يخلق الله الذكر له فقد أراد هلكته، وعليه إثم ~~PageV01P562 # # الذاكر، لأن أمره لم يكن بأول مرة، ولكنه كان بالانهماك في أسباب ~~المعاصي، والإكباب على الشهوات المباحة أولا، ثم المشتبهات ثانيا، ثم ~~المحرمات المحضة ثالثا، ثم تغلبه الشهوة، وتجره العادة، فيقع من غير إرادة، ~~وهذا هو حقيقة الاستدراج الذي قال فيه سبحانه: {سنستدرجهم من حيث لا ~~يعلمون} [القلم: 44]. # فتذكر ذلك في تفسير الآية، وتركب عليه استدراج الكفار وتممه واستوفه. # وأما إذا كان ذاكرا، وحضرت المعصية، وحضر ذكر المحرم والتحريم وعقوبته، ~~وصدق المخبر بالعقوبة في خبره، وقدرته على إنفاذ حكمه، فلا بد أن يكف عن ~~الإقدام، أو يدخله الشك في واحد من هذه الوجوه أو ما يرتبط بها، فإن داخله ~~شك فهو كافر. # وإن قال: ليس عندي تكذيب، وإنما عندي تسويف أقضي شهوتي وأنتظر توبتي، أو ~~تسعفني رحمة ربي، فهذا مغرور، وهو أحد أقسام المغرورين، بل ينبغي أن يقوم ~~بحق الطاعة بملازمتها، ويعصي النفس الأمارة بالسوء دائما، فيرشد الله ~~أقواله ويسدد أعماله، والخير إلى الخير ولاية، والشر إلى الشر غواية، ~~واتباع الشهوات عماية، والعفة هداية، {ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة ~~أعمى وأضل سبيلا} (1). # فقد ثبت أن العلوم إنما تحصل بالنظر، وأن القلب الصافي من كدورات المعاصي ~~شرط لبقائها واتصالها، وإن من اتقى الله علمه، أي أبقى له ما علم، أو نفعه ~~به، فإن لم ينتفع بعلمه كمن لم يكن معه، بل هو شر منه، على أن أرباب الظاهر ~~من الفقهاء قالوا: إن معنى قوله: PageV01P563 # # {واتقوا الله ويعلمكم الله} [البقرة: 282] (1). معناه: كيف تتقوه، فإن ~~الآية هي آية الدين فبصرهم أحكامها وأمرهم بامتثالها وحذرهم عن مخالفتها، ~~مع ما سبق من الربا قبلها، ثم قال: {وإن تفعلوا} يعني ما نهيتكم عنه {فإنه ~~فسوق بكم واتقوا الله} [البقرة: 282] في اجتناب ما نهيتكم عنه {ويعلمكم ~~الله} ما تفعلون وما تتركون ms065 (2). # وقد قيل: إنهم إذا أكلوا الربا عزبت أحلامهم، واسترسلت أفعالهم، وتحيروا ~~{كالذي يتخبطه الشيطان من المس} (3). ### | ذكر علم الأنبياء عليهم السلام # فأما الأنبياء فالذي علمته ليس بصفاء قلب منهم قابله مقر العلوم فتجلت ~~فيه، وإنما يتوصلون إلى المعرفة بتعليم جبريل، وهو المعلم الثاني. # وقد فضلت الأنبياء الخليقة في علومها بوجهين: PageV01P564 # # الأول: أنهم علموا علمهم ضرورة بما شاهدوا من الملكوت واطلعوا عليه من ~~أمور الآخرة. # الثاني: توالي الأدلة عليهم باتصال المعارف وتتابع الطاعات، ولذلك كان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول إذا دخل بيته وعافس أهله: # "فإنه ليغان على قلبي فأستغفر الله" (1) فكان يعتقد أن تلك الفترة لا ~~يجبرها إلا استغفاره، وهي عندنا نحن عبادة لما فيها لنا من العون على ~~الطاعة، فإن الراحة بين العبادتين طاعة لنا لعجزنا عن الموالاة في الطاعة، ~~وضعف أبداننا عن توالي العبادة، ولذلك نهانا النبي- صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق" (2). # وقال: "إن الله لا يمل حتى تملوا" (3). # فأما نحن فقد دعينا إلى النظر والاعتبار على مناهج مشروعة، ونحن مأمورون ~~بها، فمن قصد لقمها فهو واصل، ومن حاد عنها فهو ناصل. # وأما الأولياء فهم أمثالنا في المعرفة، ولكنهم قوم واصلوا الطاعة فوصلوا، ~~وقد بينا أن مواصلة الطاعة سبب لكل فضيلة. PageV01P565 # # تكملة: # ولا تستبعد على القوم أن يضربوا الأمثال في كلامهم لعلمهم بالدرر في ~~البحار وأنواع الثمار، فإن الله مرج البحرين، وخلق من كل شيء زوجين، وخاصة ~~صنف الثمار، فإنه على ثلاثة أقسام: # صنف يؤكل كله، وصنف يؤكل داخله، وصنف يؤكل خارجه. # والذي يؤكل باطنه منه ما له ظاهران: # أحدهما وسط بين الظاهر الأظهر وبين الباطن الأبطن، فأي مانع من أن يقال: ~~إن من العلم ما يكون على ثلاث مراتب بعضها أجلى من بعض، وهي درجات تمثيلا. # وكذلك البحر فيه منافع وينطوي على جواهر، ولكل شيء من ذلك متعلق بالقدرة، ~~وحظ من الحكمة. # وضرب الأمثال جائز كما ضربها الله في القرآن، ووكل الملك بضربها أيضا في ~~المنام. # ونحن نذكر إن شاء ms066 الله منها ما يستدل به على الغرض، ويكون عونا على ما ~~يعن من ذلك ويعرض بفضل الله ورحمته. ### | ذكر حكمة الأمثال # ليس كل أحد يدرك حقيقة الأمثال، ولا ينال رتبة التشاكل والمثال على وجه ~~تصديق الله لهذا المقال، كما أخبر وهو الكبير المتعال حين قال: # PageV01P566 # # {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} [العنكبوت: 43]. # ولا يصغي لها كل نفور القلب نكود الحال، والذي تضمنت من الحكمة كثير، ~~يكفيكم منها ظاهر واحد وباطن. # أما المعنى الظاهر فإن الفصاحة العربية والبلاغة السليقية، وهي التي ~~يتميز بها القرآن، وعنها وصلت المعاني إلى القلوب، فإن القول إذا كان بديع ~~النظم حسن الرصف، ألوط بالنفس، وأسرع إلى القبول والفهم، وبهذا كانت العرب ~~تتبالغ في خطابها، وتتبارى في كلامها، فجاءهم الله من ذلك بما لا طاقة لهم ~~به وإن جرى في أساليبهم. # وأما الباطن فإن الله أراد أن يعلم الخلق كيف يتجاوزون في العبرة من ~~المشاهدة إلى الغيب. # وزعمت طائفة من الصوفية أن الباري إنما ضرب الأمثال في المنام لانتقاش ~~العلوم في اللوح المحفوظ دون الكشف الصريح "والناس نيام، فإذا ماتوا ~~انتبهوا" (1) فتظهر لهم عند الموت حقائق كانت عندهم مشروحة PageV01P567 # # بالمثال (1)، وهذه نزعة فلسفية، وأغراض عن الحق قصية، بل نحن الآن في ~~حقائق واضحة، وأمور عبرت عنها عبارات لائحة، وقد بينا فساد هذا الغرض (2). ### | ذكر نموذج من الأمثال تمهيدا لما تقدم # مثل قوله تعالى: {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب ~~الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون} [البقرة: 17]. # فضرب فيه لأربعة بأربعة: # منافق آمن بلسانه، ذهب الله بنوره وبقي في ظلمات الكفر، بأربعة: موقد ~~النار أطفأ ناره ضعفها وما هب عليها، فوقع في ظلمة الليل. # فالمنافق في مقابلة الموقد، شخصا بشخص، ونار الموقد الذي استضاء بها، ~~بنور المنافق الذي استفاده من كلمة الإسلام الجارية على لسانه في عصمة ماله ~~ودمه، لحظة، ثم هبت عليه ريح المنية فأطفات ذلك النور ووقع في ظلمة الكفر ~~(3). PageV01P568 # ### | ذكر الاستطراد من كلام رب العالمين إلى كلام المخلوقين ms067 في هذا الغرض # وقد زاد بعض الناس في هذا المعنى صلة له، وهذا كما قال الشاعر (1): # حين تم (2) الهوى وقلنا سررنا ... وحسبنا من الفراق أمنا # بعث البين رسله في خفاء ... فأبادوا من شملنا ما جمعنا # وركب معنى البيتين على حال المنافق المذكورة، وهذا فن من توابع التفسير ~~اعتنت به الصوفية حتى غلب في بلاد المشرق من تركستان (3) إلى الشام، فلا ~~يقدر أحد على دفعه، وإنما ركبته على مذهبها في أن كل شيء إنما هو لله، قصد ~~ذلك صاحبه أو لم يقصده، وأن العباد بأقوالهم وأفعالهم لله، حتى إذا قال ~~الكافر: الله ثالث ثلاثة -تعالى (4) - فهذا القول لله خلقا، وعلى نفوذ ~~إرادته ومشيئته دليلا، وبوحدانيته شاهدا، {وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن ~~لا تفقهون تسبيحهم} (5)، يسبح الجماد بحاله، والحي بمقاله، كيف ما كان من ~~إيمان أو كفر أو صدق أو كذب، لا يخرج شيء من ذلك عن ملكه، ولا يدل على ~~غيره، وهذا وإن كان يتعلق من التوحيد بحبل، ويرجع إليه بوجه، فإني لا أرى ~~لأحد أن يشتغل به، فإنه فضول، وكأن الشيطان قصد به القطع عن كتاب الله ~~بمقدار يربح فيه من العبد الانتقال PageV01P569 # # من كلام الله إلى كلام الناس، والشيطان بفسقه إن قدر أن ينقل العبد من ~~طاعة إلى معصية فعل، فإن غلبه، خدعه بأن ينقله عن طاعة إلى أدنى منها، ~~فيربح معه ذلك المقدار، وأكثر ما يحفل بهذا الوعاظ لاستجلاب قلوب العوام ~~واستدرار خلف أموالهم. # ولقد سمعت بعض كبير المتصوفة يتكلم عن قوله: {إنك ميت وإنهم ميتون} ~~[الزمر: 30] وقد رتب الكلام وساقه أحسن مساق في أجمل نظام، ثم جعل يمسح ~~أعضاءه، ولوى أعطافه حتى ركب عليه قول الشاعر: # كتابي إليكم بعد موتي بليلة ... ولم أدر أني بعد موتي أكتب (1) # بكلام غريب على طريقتهم لست له، ولا أنتم فأعرضنا عنه. # مثل قوله تعالى: {ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة ### | .... # } الآية [إبراهيم: 24]. # فتلك الشجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين. فضرب الله ~~المثل بسبعة لسبعة: ms068 # "الشجرة" للإيمان. # "وأصلها" للتوحيد. # "وثبوته" استقراره في القلب حتى لا تزعزعه رياح الشكوك، وترحضه أدناس ~~الوساوس. PageV01P570 # # "وفرعها" العمل. # "وسماؤها" ظهور العمل. # "واعتلاؤه" {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} (1). # "وأكلها": حلاوة الطاعة (2). # وبقى مما لم يجر له ذكر في المثل، أوراق الشجر، ومثالها الأخلاق الجميلة ~~للعبد، فإن الورق كما يستر الثمار ويحجبها عن الآفات حتى تتمكن من الطيب ~~على قدر، كذلك الأخلاق الجميلة تحجب الأعمال الصالحة عن أسباب المعاصي. # وقيل أكلها ثمرات الجنة، وهي لا مقطوعة ولا ممنوعة ولا ذات آفة. # ثم تركب عليه أيضا وتقول: والشجرة لا بد لها من ماء يسقيها لتدوم ~~نضارتها، وتزيد أجزاؤها، وغير ذلك من صفاتها، فتطلب له نظيرا من الدين. # ثم تقول: وللشجرة آفات، فتعدد آفات الشجرة في أصلها وأغصانها وأوراقها ~~وثمارها. # وتركب عليها نظيرا من المعاصي بحسب قوتك في العلم ووعيك للمحفوظ، فإن ~~اتفق عالم يجتمع له الحفظ والفهم، ركب الدين كله على هذا المثل علما وعملا. # وقد ضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه المثل بهذه الشجرة (3) ~~فقال: "إن من PageV01P571 # # الشجر شجرة لا يسقط ورقها، مثلها مثل المؤمن، خبروني ما هي (1)؟." # وذكر من التمثيل خصالا، فإذا يسر الله للعالم الحفظ، ركب أحوال المؤمن ~~على أحوال الشجرة، ودعا متعلقاتها فجاء بجميعها، فتفطنوا لضم هذا النشر ~~فإنه يستغرق الأعمار لا أقول العمر. # مثل قوله تعالى: {ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون} [الزمر: 29]. # اختلف الناس في تأويله على أربعة أقوال (2): # الأول: أنه مثل للمشرك الكافر مع الشياطين (3) وللمؤمن مع الله .. # الثاني: أنه مثل للكافر مع الأصنام. # الثالث: أنه مثل للصنم يدعيه جماعة يقول هذا أنا صنعته ويقول الآخر أنا ~~جلبته (4). # الرابع: أنه مثل للحق والباطل، والشركاء في الباطل هم الأوثان، والمؤمن ~~لله وحده في قول (5). PageV01P572 # # زادت الصوفية فيه. # الخامس: وهو أن الأول مثل للمقبل على الدنيا المشتغل بزخرفها وطلبها، ~~والعيال ومؤنتهم، والأهل ولذتهم، ولمؤمن أخلص لله وحده ذو حظ من صلاة وصيام ~~(1). # وهذه الزيادة قريبة من رسم التفسير. # وفي هذا المثل بديعة من التوحيد ms069 وهي أن الله سبحانه قال: {ورجلا سلما} ~~[الزمر: 29] يعني به المؤمن. # وقال "لرجل" كناية عنه سبحانه وتعالى وهو العظيم المبين، كيف أنعم علينا ~~وقرب البيان لنا، حتى كنى برجل محدث مخلوق ناقص، عن قديم خالق عظيم كامل ~~على سبيل البلوغ إلى غاية البيان كما قال تعالى: {من ذا الذي يقرض الله ~~قرضا حسنا} [البقرة: 245]. ولا يستقرض إلا محتاج وهو الغني له ما في ~~السموات وما في الأرض (2)، ولذلك قال المفسرون معناه "من ذا الذي يقرض عبد ~~الله الفقير" (3). # وليس يفتقر إلى هذا التأويل، فإنه سبحانه قد ردد هذا المعنى في أمثلة ~~كثيرة: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يقول الله: عبدي مرضت فلم ~~تعدني، وجعت فلم تطعمني، وعطشت فلم تسقني، فيقول: وكيف تجوع وتمرض، وتعطش ~~وأنت رب العالمين، فيقول: مرض عبدي فلان، وجاع عبدي فلان، وعطش عبدي فلان، ~~فلو عدته وسقيته وأطعمته، لوجدتني عنده" (4). PageV01P573 # # وقال: "وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه ~~الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به" (1). # فكنى بنفسه عن الجارحتين المصونتين عن المعاصي، وكنى بلطفه بعيادة المريض ~~الجائع العاطش بنفسه، وهو المقدس عن الآفات، المتعالي عن النقائص (2). وركب ~~عليه قوله: "إن الصدقة لتقع في كف الرحمن قبل أن تقع في كف السائل" (3). # وقوله: {يد الله} (4). PageV01P574 # # وقوله: "حتى يضع الجبار فيها قدمه أو رجله " (1). # وقوله: "قلب المؤمن بين اصبعين من أصابع الرحمن" (2) # وتخلص من علم التوحيد الذات عن الآفات، وتقدس بالدليل الباري عن الجوارح، ~~وتبين من علم التذكير على طريق التأويل في التوحيد وجه PageV01P575 # # الاستنباط الذي اقتضاه قوله تعالى: {الله لطيف بعباده} [الشورى: 19] ~~وسبيل الاستنزال من الكناية بالمرض والجوع والعطش المستحيلة عليه، كما قال: ~~"ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا" (1). # واسرد الأقوال في ذلك بقدر حفظك، وأبطل المستحيل عقلا بأدلة العقل، ~~والممتنع لغة بأدلة اللغة، والممتنع شرعا بأدلة الشرع، وأبق الجائز من ذلك ~~كله بأدلته المذكورة، ورجح بين الجائزات من ذلك كله إن لم يمكن اجتماعها في ~~التأويل، ولا تخرج في ذلك ms070 عن منهاج العلماء، فقد اهتدى من اقتدى، ولن يأتي ~~أحد بأحسن مما أتى به من سبق أبدا. PageV01P576 # # وخلص من علم اللغة معرفة الكف، والقدم، والرجل، والقلب، وانظر في وجه ~~الاستعارة لذلك بين الشيئين عند استوائهما في روح المعنى المعبر به عنهما. # واعلم أن روح الكف القبض والتحصيل، وأن روح القدم السعي عليها تارة ~~والرفس بها أخرى عند الغضب، وأن روح النزول إحياء البقعة بالتحسين والتحصين ~~بتفقد الأحوال وإصلاح الاختلال، فهو سبحانه الذي تنزل وينزل وهو خير ~~المنزلين (1). # والكل فعله لا وصف يقوم بذاته، وإلى هذا المعنى أشار الأوزاعي (2) -حبر ~~الشام- رضي الله عنه حين سئل عن قوله: "ينزل ربنا" قال: "يفعل الله ما ~~يشاء" (3). # ورتب على هذا لطائف الباري بعبده بحسب ما تنتهي قوتك في الحفظ والتركيب. # وإن عجزت، أو خفت وعر الطريق وخطر المشي، وما يحدث في PageV01P577 # # المفازات من الآفات، وزادك في الحفظ طفيف، ومطيتك التي هي فكرتك نضو، فقف ~~عند الإيمان والتسليم بما ورد له، واعتقد التقديس لمن قال وصمم على أنه: ~~{ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] (1) فإنها مهيع نجاة، إليها لجأ السلف ~~لوجهين: # أحدهما: تقية التغرير بالعامة. # والثاني: خطر الطريق، ومعاينتهم لما جرى فيها من الابتداع لمن سلكها نضوا ~~بغير زاد، فأفضوا إلى البدعة. # وإن أردت أن تسلك في قانون التأويل طريقة أخرى، فالطرق إلى الله كثيرة، ~~فانظر في مورد القول قرآنا وسنة، فإن كان قرآنا فقد سقط عنك النظر في ~~طريقه، وتجرد النظر في المورد. # وإن كان سنة تعين عليك النظر في طريقه أولا كما ثبت في كتب "الأصول"، ثم ~~تقرن كما بيناه في سلوك طريق العلم إلى العلم، والظن إلى الظن، وتنظر في ~~دلالة اللفظ على المعنى، ثم تنظر هل هو اعتقادي أو عملي؟ في رب أو مربوب؟ ~~وتأخذ لكل واحد قانونه من مواضعه التي بيناها في "المتوسط" (2) وغيره، وإن ~~تعذر عليك شيء في طريق النظر فالمعيار الأكبر كتاب "المشكلين". PageV01P578 # # مثل قوله تعالى: {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ... إلى قوله ~~... كذلك يضرب الله الأمثال} [الرعد: ms071 17]. # قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: # ها هنا خمسة معان: # الأول: ضرب المثل بالماء كناية عن الوحي، وضرب المثل بالمعادن الجوهرية ~~في حلية أو متاع كناية عن الحق. # الثاني: ضرب المثل بالزبد كناية عن الباطل. # الثالث: ذكر تقسيم الماء، وذكر تقسيم الجواهر. # الرابع: تخصيص الماء وحكمته. # الخامس: تخصيص النار وذكرها. # مقدمة: # لو ذكر الله {أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ... إلى ... الأرض} ~~ولم يقل {كذلك يضرب الله الأمثال} لجرى الكلام على ظاهره، ولم نتعرض ~~لتأويله، ولا قررناه دلالة على التوحيد؛ لأنه تنزيل لا يفتقر إلى تأويل، ~~وإنما هو مجرد إنعام وخبر عن امتنان بما ذكر من تعديد النعم في الماء ~~والمعادن، فلما قال تعالى: {كذلك يضرب الله الحق والباطل} علمنا أنه في ~~مقتضاه ضرب مثل للحق والباطل، ففهمنا ما فهمنا ربنا. # وشيوخ الصوفية تسلك هذا في كل آية، فربما أوقعهم ذلك في غواية، لأنه تكلف ~~ليس له نهاية. # PageV01P579 # # مقدمة ثانية: # فإذا عرفتم هذا، فلا بد من معرفة الحق والباطل أولا، وقد بيناهما في كتب ~~"الأصول" وأحسن بيان في كتاب "الأمد الأقصى" (1) لاختصاره لفظا واستيفائه ~~معنى، فالحق ما فيه فائدة مقصودة، والباطل ضده (2)، وفي ذلك تقابلات بين ~~المثل والممثل به. # فضرب الله للحق والباطل الماء مثلا، فإنه خلقه حياة للأبدان، كما أنزل ~~القرآن حياة للقلوب، وهو التقابل الأول. # كما ضرب امتلاء الأودية بالماء امتلاء القلوب بالعلم، وهو التقابل ~~الثاني. PageV01P580 # # وضرب الأودية الجامعة للماء مثلا للقلوب الجامعة للعلم، وهو التقابل ~~الثالث. # وضرب قدر الأودية في احتمال الماء لسعتها وضيقها وصغرها وكبرها مثلا لقدر ~~القلوب في سعتها بانشراحها، وضيقها بالحرج فيها، وهو التقابل الرابع (1). # وضرب مثلا للسيل واحتماله ودفعه ما يلقى في طريقه من الحصيد والهشيم وما ~~يجري به من الجميل، لما يدفعه القرآن من الجهالة والزيغ ووسواس الشيطان ~~والشكوك، وهو التقابل الخامس. # وضرب مثلا رمي الزبد وذهابه جفاء عاليا، لما يدفعه القرآن من ذلك الفاسد ~~كله إذا جرى عليه، ويقذفه عن العلم اليقين الثابت فيه، لأنه في ms072 جريان ~~مستمر، والعلم له في قذف دائم، وهو التقابل السادس. # وضرب مثلا لمكث العلم واستقراره في القلوب للانتفاع والحمل والإبلاغ، ~~استقرار الماء ومكثه لانتفاع الناس به في السقي والازدراع، وهو التقابل ~~السابع. # وأما المثل ففيه مقابلات بين المثل والممثل: # ضرب الله المثل بما توقد عليه النار في ابتغاء الحلية والمتاع، لما في ~~القرآن من فائدة العلم والعمل، فالحلية المتخذة من معدن الذهب والفضة ~~PageV01P581 # # مثل للعلم الواجب اعتقاده في القرآن، وهو التقابل الأول. # والمتاع مثل ضرب لما في القرآن من العمل المنتفع به كالانتفاع بالمتاع في ~~جميع تصرفات أنواع العالم، وهو التقابل الثاني. # وكما أن الذهب والفضة موضوعة في العالم لمعرفة مقادير الأشياء، فكذلك ~~القرآن منزل لمعرفة العلوم في العقائد والأعمال، وهو التقابل الثالث. # وكما أن المعادن من الحديد والرصاص والنحاس موضوعة للانتفاع، وكذلك ~~الأعمال موظفة للانتفاع، وهو التقابل الرابع. # وكما أن هذه المعادن لها زبد وخبث، فكذلك الأعمال، وهو التقابل الخامس. # وكما أن النار يتميز -إذا عرضت عليها هذه المعادن- الطيب من الخبيث، ~~فكذلك نور الإسلام وهو القرآن إذا عرضت عليه العلوم ميز الحق من الباطل ~~فيها، أو الأعمال ميز النافع من الضار منها، وهو التقابل السادس. # فكل آية من القرآن في العقائد فهي وزان الذهب والفضة، وكل آية في الأعمال ~~فهي وزان المعادن، ويحتمل أن يقال: الذهب والفضة مثال القرآن والسنة، وهو ~~التقابل السابع. # ويبقى وراء هذين القسمين اللذين أشرنا إليهما وبينا التقابل عليهما جواهر ~~من الياقوت والدر والزبرجد والمرجان. # واختلف العلماء في ذلك، فمنهم من أطلق القول، وجعل الكل بابا واحدا، ~~لقوله تعالى: {ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله} [الرعد: 17]. # وهذه كلها حلي، ودخلت فيه لأنه يتحلى بها معه، فجعل ذكره أحدهما، ~~والتنبيه على وجه ذكره يوجب دخول هذه معه. # PageV01P582 # # ومنهم من جعلها أمثالا لعلوم متعددة ومعاني لحكم منفردة فقال: "إن ~~الياقوت الأحمر معرفة الله، وما يليه منها معرفة صفاته، وما يتلوهما في ~~النفاسة معرفة أفعاله، وما يلحق بذلك معرفة رسله، وما يتبع الكل معرفة ~~الأعمال، وما يرتدف عليها ms073 معرفة المعاد". # وإذا عرفتم هذه الأنموذجات التي ذكرنا لكم لم يخف عليكم قانون التأويل في ~~التنزيل لجميع علومه. # مثل قوله تعالى: {إنما مثل الحياة الدنيا ### | .... # } الآية [يونس: 24]. # هذا (1) مثل ضربه الله للإنسان في ذاته وتصرفه وزينته وطمعه وجمعه، ثم ~~كبر سنه وتعجيز أحواله وهجم المنية عليه وتبدد أشلائه وذهاب أحواله، كالماء ~~ينزل من السماء فتنبت به الأرض، ويخضر الصعيد، وتظهر الثمار فتسكن إليها ~~نفوس أربابها، فإذا بالجائحة قد أتت عليها، فلم تبق لها أثرا وجعلتها غبرا، ~~وتركتها بعد أن كانت معاينة خبرا. # وقد سمعت بعض الشيوخ يسوق الكلام على هذه الآية سوقا يصف به حال الإنسان ~~من ابتدائه إلى انتهائه ثم ينشد: PageV01P583 # # فقدناه لما تم واعتز بالعلا ... كذلك فقد البدر عند تمامه (1) # والبدر مثل الإنسان في أحواله، به شبهه المتطببون والمحسنون لوجهه، ~~المحملون والمرفعون لمكانه والمعظمون، وتأخذ المعاني هكذا إلى آخرها على ~~قدر الحفظ وسعة الباع في التركيب، وبحسب ذلك نقول: # إن قدرت أن الماء الذي به كان في الدنيا ما كان، لا يستنزل بالحيلة، كذلك ~~الدنيا لا تستنزل إلا بالقسمة، قال الله تعالى: {نحن قسمنا بينهم معيشتهم ~~في الحياة الدنيا} [الزخرف: 32] (2). # وأبدع من ذلك: # إن المطر وإن كان لا يتأتى إلا بالتقدير، فقد يستسقى على الرزق وإن كان ~~بالقسمة، فإنه يتعرض فيه للكسب، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لو ~~أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقتم كما ترزق الطير تغدوا خماصا وتروح ~~بطانا" (3). PageV01P584 # # فيعترض لك ها هنا مقام التوكل فتقتصر فيه على قدر طاقتك ومقام التفويض ~~فاذكر منه ما يحسن، وركب عليه الاستسقاء بمجاديح (1) السماء، والاكتساب ~~للمعيشة التي بها قوام الحوباء (2). # وتزيد عليه إن استطعت فتقول: بأن الماء فيه حكمة عظيمة، وهو أنه سبب ~~الحياة في حين، فإذا طغى كان سبب الهلاك في الحين، وكذلك المال في المعنى، ~~إذا ملكه العبد على قدر قام به معاشه، ويتفرغ لعبادة ربه، وإذا طغى عليه ~~أهلك دينه. # وتتسع فتضرب الأمثال وتسوق الأخبار، وتبدأ بما عرض للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - مع ms074 # ثعلبة إلى آخر زمانك. # وتذكر عليه كما حديث ينظر إليه كقوله: "إن الدنيا خضرة حلوة" (3). # وكذلك: "إن الخير لا يأتي إلا بالخير" (4). # وإن المال قد يكون شرا، وتجمع في ذلك بين الأثر والنظر، وتنشد إن كنت ~~صوفيا: # نعم الله لا تعاب ولكن ... ربما استقبحت على الأصحاب PageV01P585 # # وتبين أن العيب إنما هو في العبد لا في المال، فإن المال آلة كالسيف يقتل ~~به الكافر جهادا ويقتل المؤمن به فسادا في الأرض وعنادا. # وأغرب من ذلك أن الماء إذا كان جاريا طاب، وإذا لبث أجن، وكذلك الدنيا، ~~والمال إن جدت بالعطاء طاب ولم ينقطع، وإن حبست بالبخل أنتن. # وأغرب منها أن الماء إذا كان طاهرا حل للشرب والطهارة، وإذا كان نجسا ~~فبالعكس منه، فكذلك المال إذا كان من حله طابت نفقته وقبلت صدقته، وإذا كان ~~حراما فإنما يأكل في بطنه نارا (1)، وكان كما قال الأول: # كمطعمة الرمان من كسب فرجها ... فيا ليت لم تزن ولم تصدق (2) # وإذا زدت في التمثيل واستوغلت مع أرباب الإشارة، وأخذت من أقوالهم ما ~~يقرب قلت: إن الربيع إذا تم نورت أشجاره، وظهرت أزهاره، وتهدلت ثماره، ~~واخضرت رباعه، وتزينت بالنبات وهاده وتلاعه، فلا بد أن تنزل بذلك كله آفة ~~من غير ارتقاب، ويأتي عليها ما لم يكن في حساب، كذلك الدنيا، بينما المرء ~~يكون فيها مقبلا في شبابه بين أترابه، إذا به قد استلب من أثوابه، فإذا رآه ~~المعتبر أنشد: # عين أصابتك إن العين صائبة ... والعين تسرع أحيانا إلى الحسن (3) ~~PageV01P586 # # وبينما تكون للعبد أحواله الصافية وأعماله الزاكية، تدركه سوء الخاتمة، ~~فتتكدر مشاربه، وتخبث مذاهبه، فإذا رآه العالم قرأ: {واتل عليهم نبأ الذي ~~آتيناه آياتنا فانسلخ منها ### | ...... # } الآية [الأعراف: 175]. # ويأخذ في بيان حكمة الله سبحانه في إنفاذ إرادته، ووجوب تقديره، وحسن ~~تدبيره وعدله في قضائه، وأنه الظاهر (1) بما ترى من الاستدراج لأعدائه، ~~الباطن (2) بما يظهر من غيب قضائه، كما أنه الظاهر لأوليائه بما يظهر من ~~بلائه، الباطن بما يعطي من ثوابه. # وتسوق في ذلك كله ما يحضرك من أمثاله، ms075 وتختم القول بأن الهدى هدى الله، ~~{ومن يهد الله فهو المهتد} (3). وهذا قانون بديع مستوفى. # تمثيل: # ونحوه من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أيها الناس، والله ما أخشى ~~عليكم إلا ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا، قالوا يا رسول الله، وما زهرة ~~الدنيا؟ قال: بركات الأرض، فقالوا أو قال رجل: أيأتي الخير بالشر، قال: ~~فسكت عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقلنا: ما شأنك تكلم رسول الله ~~ولا يكلمك؟ قال: ورأينا أنه ينزل عليه، فأفاق يمسح عنه الرحضاء، وقال: أين ~~السائل وكأنه حمده فقال: إنه لا يأتي الخير إلا بالخير ثلاثا، وإن مما ينبت ~~PageV01P587 # # الربيع يقتل حبطا أو يلم، إلا آكلة الخضر، فإنها أكلت، حتى إذا امتلأت ~~خاصرتاها استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت، ثم رتعت، وإن هذا المال خضر حلو، ~~ونعم صاحب المسلم لمن أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل، وإن من يأخذه ~~بغير حقه، فهو كالذي يأكل ولا يشبع" (1). # فضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - مثلا لستة: # الربيع، البهيمة الهالكة بالأكل، آكلة الخضر، الشمس، ثلطت وبالت، عادت ~~فأكلت لستة: لصاحب المال، الهالك بجمعه وإيعابه، المجتزىء منه باليسير ~~الكافي، نور الإسلام، إذا لحق عاد فاكتسب. # فانظروا -رحمكم الله- كيف يتحصل هذا المثل للمعتبرين مع سلوك سبيل ~~المهتدين، لكن بالإيجاز مع هذا الاستيفاء. # وذلك أن المال في لسان الشريعة خير محمود، ومعنى ممدوح، كما قال: "نعم ~~صاحب المسلم هو" بعد ذلك، ومع أنه خير في القرآن، ونعم الصاحب في الحديث، ~~فإنه مخوف العاقبة، لاحتماله النفع والضر، ووجود PageV01P588 # # ذلك مشاهد فيه، والسائل في الحديث: أيكون الخير المرجو يأتي بالشر ~~المخوف؟ سأل ذاهلا عن انقسام حال المال، وعن غلبة الشهوة في اكتسابه، وتصرف ~~النفس فيه بأنواع لذاتها. # فبين لنا النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أن الخير لا يأتي إلا بالخير"، ~~بالوحي المنزل عليه، وأكد ذلك ليقوي ثبوته في قلب السائل، ويتحقق أن ما صدر ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان عن علم أسمعه بيانه بعد ذلك. # فوقع التمثيل في البيان ms076 بين المال والمكتسب له، والبهيمة ورتعها في زهرة ~~الربيع، وهو التقابل الأول. # وبين القتل حبطا أو الإشراف على الموت حسا، وبين الهلاك في الدين، أو ~~مقاربته حكما إن لم يتداركه، وهو التقابل الثاني. # وبين المقتصر على كسب المال بقدر الكفاية، وبين البهيمة المجتزئة بالخضر، ~~وهو التقابل الثالث. # وبين الاهتداء بنور الشريعة في المال، وبين استقبال الماشية الشمس على ~~طريق الاستمراء والاستراحة مع الرتع، وهو التقابل الرابع. # وبين الثلط والبول اللذين كان يعودان -لو بقيا- على الماشية بالهلكة، ~~وبين أداء الحق، وهو التقابل الخامس. # وبين العود إلى الأكل بعد الاستراحة، وإخراج الفضل، وبين العود إلى كسب ~~المال بعد أداء الحق وهو التقابل السادس (1). # وهذا التقسيم واجب في الحديث، ظاهر في التأويل، صحيح في PageV01P589 # # التمثيل، لا غبار عليه، إلا قولنا: إن الثلط والبول مثلين لممثل واحد، ~~وقد يحتمل أن يكونا مثلين لممثلين وهو أظهر، وإن كان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قد قال في الصدقة: "إنما هى أوساخ الناس" (1). ولذلك لم تحل لمحمد، ~~وآل محمد في أحد القولين (2). # ومثلها النبي - صلى الله عليه وسلم - مرة أخرى برحاضة رجل بادن في يوم ~~حار (3)، وتلك # قذارة عظيمة. # ولعله أراد به تمثيل مثلين وهما الزكاة والنفقة في سبيل الله، أو الزكاة ~~والحقوق التي تعرف على قول من يقول: إن في المال حقا سوى الزكاة والحقوق ~~القريبة والمنافع البدنية المختصة بمنفعة الإنسان. # ومما قيدناه في الحديث قوله: "إلا آكلة الخضر" فإنها تقيد بفتح الخاء ~~وكسر الضاد، وتقيد أيضا برفع الخاء وفتح الضاد. # واختلف الناس في تفسيره، فمنهم من جعل "الخضر" -بفتح الخاء وكسر الضاد- ~~بعض الخضر -بضم الخاء وفتح الضاد-، والصحيح أنه واحد PageV01P590 # # كناية عن الشيء المعجب، وضرب مثل له، والذي قيده بفتح الخاء وكسر الضاد ~~ذكر أنه نبات صيفي تجتزىء به الماشية (1). # والصحيح في التمثيل أنه نبات معجب يحلو للماشية، فمنها ما يرتع حتى يحبط، ~~ومنها ما يرتع حتى إذا امتلأ استراح إلى الثلط في عين الشمس ... الحديث إلى ~~آخره ... # فهذا نكتته، واستفاؤه على العموم مذكور في ms077 "شرح الصحيحين". # وقد كنت في وقت قراءتي هذا الحديث على أبي بكر النجيب بن الأسعد ابن ~~المبارز الزاهد (2) بمدينة السلام، أخبرني عن الأزهري (3) أنه قال: # "في هذا الحديث مثلان ضربهما النبي - صلى الله عليه وسلم -، أحدهما ~~للمقتصد في جمع الدنيا، والثاني للمفرط فيها". # ثم تأملته فجمعته على هذا الترتيب المستوفي للغرض المقصود. فإن قيل: لقد ~~جلبت أمثالا لا نعلم لها مثالا، وسردت أقوالا جدت فيها مقالا، ورتبت فصولا ~~نظمتها تثقيفا وتحصيلا، فهل نسري بها في ليل الإشكال، ونضربها في جميع ~~الأحوال؟. PageV01P591 # # فالجواب أنا نقول: # الأصل ألا نضرب للباري مثالا؛ لأنه لا مثل له في ذاته، ولا في صفاته، ولا ~~في أفعاله، وقد قال: {فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا ~~تعلمون} [النحل: 74]. # وتمم المعنى في آية أخرى فقال: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} [الأنبياء: ~~23]. # ومن أخذ معرفة الحق من الخلق بالمعنى المطلق فقد ألحد وأخفق. # والقانون في ذلك يدور على ثلاثة أقطاب: # القطب الأول: # إن كل معنى دار بين المخلوقين، فدونكم وإياه، واضربوا له الأمثال، وكثروا ~~فيه بالمثال، ونوعوا فيه بالأقوال، واسترسلوا على نظام المعنى في المقال، ~~وأما المعنى المتعلق بالباري سبحانه، فلا تضربوا لله الأمثال ابتداء، إلا ~~ما ضرب لنفسه، وغايتكم فهم المقصود. # ومن هنا زاغت طائفة كثيرة من الصوفية، فاسترسلت في ضرب الأمثال واستعارت ~~الألفاظ، ونقلتها من المخلوق إلى الخالق، وذلك ابتداع. # القطب الثاني: # الاستدلال على ذاته وصفاته من مخلوقاته بوجوه الأدلة التي رتبها العلماء ~~وحصروها في أربعة أشياء: # PageV01P592 # # "العلة والمعلول، والحقيقة والمحقق، والشرط والمشروط، والدليل والمدلول" ~~(1). # ونحن لا نراها، فإنها بحار لا ساحل لها، وإن كان ركبها علماؤنا في سفائن ~~نجاة، فما أراهم عن الوهم فيها بنجاة، والأولى بكم العدول عنها إلى وجوه ~~الأدلة التي رتبناها في "المتوسط" (2) و"المقسط" و"المشكلين" وسائر العقائد ~~والتأليفات، إلا أن يجد المرء لبانة (3) في ذهنه، وفراغا من وقته، وهمة ~~تنتهي به إلى المقصود، فلا بأس بها له، ليرى فضل سائر الطرق عليها، ويشرف ~~على المقصود منها. # القطب الثالث: # وهو ms078 الرد على المبتدعة في كل ما شبهوا به ربهم ومثلوه بخلقه، فتسامح ~~العلماء إذا رأوا لها مثالا أن ينشؤوا لهم تمثالا ينقض مثالهم، ليضربوا بين ~~أقوالهم حتى يظهر غلطهم، ويتضح سقطهم، وذلك بين في أمثلة الصلاح ~~PageV01P593 # # والأصلح (1)، والتعديل والتجوير (2)، وهو جائز باتفاق من الأمة. # ونضرب لكم منها مثالين: # المثال الأول: # قال القدرية (3): "الباري لا يفعل القبيح لعلمه بقبحه وغناه عنه، بل يجب ~~عليه فعل الحسن النافع المصلح للخلق". # وضربوا لذلك مثالا: # "إن حكيما لو مر بأرض مضيعة فيها غريب مهين، فالحكمة تستحثه على إنقاذه، ~~والباري أحكم الحاكمين". # قال لهم العلماء (4): الحكيم منا إذا علم من عبده أنه إذا أمده ~~PageV01P594 # # بالعدد والعدة، ووسع عليه في المال والنعمة عصاه وصرفه في مخالفته، لم ~~يؤته شيئا من ذلك، وإن آتاه إياه سلبه إذا رآه عصاه، والباري يرى المردة ~~وما يفعلون في نعمه عندهم، وقد علم ذلك منهم قبل فعلهم، وعلمه بعد فعلهم ~~وتركهم، وهذا لأن الأفعال في حقه لا تتفاوت. # والحكيم الذي يلقى الإنسان بالمضيعة يحمله على استنقاذه رقة الجنسية وطلب ~~المحمدة، والرب يتعالى عن ذلك. # المثال الثاني (1): # قال المبتدعة: يجب على الله رعاية الأصلح. # قال لهم علماؤنا: ما قولكم في ثلاثة أطفال، مات أحدهم صغيرا، وعمر الآخر ~~مسلما مطيعا، وأخر الثالث كافرا؟. # فالعدل عندكم أن يخلد الكافر في النار، وأن تكون رتبة المسلم البالغ في ~~الجنة أعظم من رتبة الصبي. PageV01P595 # # فإذا قال الصبي: يا رب لم حططت رتبتي عن هذا؟. # قال: لأنه أطاعني. # فيقول له: أنت قطعت بي، لو عمرتني عمره لأطعتك طاعته، فلا جواب عندهم له، ~~إلا أن يقول: علمت أني إن فعلت ذلك كفرت، فيناديه الكافر من أطباق الجحيم: ~~فإن علمت بكفري لم عمرتني؟. # فلا جواب لله عندهم عنه -تعالى الله عن قول الظالمين علوا كبيرا-. # وعندنا أن الباري يفعل ما يشاء من غير وجوب، ويحكم ما يريد سبحانه. # PageV01P596 # ### | ذكر أمثلة من القانون عند الانتهاء إلى هذا المقام من بيان مقدماته # وهي ثلاثة أنواع في العلوم، الثلاثة تنبهك على الغرض. ms079 ### | النوع الأول: في الوحيد # قوله تعالى: {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} (1) [البقرة: ~~163] PageV01P597 # # هذه الآية أصل في التوحيد فقصدنا إليه لبيان المطلوب، وذكرنا فيه اثنين ~~وعشرين سؤالا: # الأول: علام عطف قوله: {وإلهكم}؟ # الثاني: ما معنى قوله: {إله}؟ # الثالث: لم عدل عن قوله: {الله} إلى قوله: {وإلهكم}؟. # الرابع: ما وجه هذه الإضافة؟. # الخامس: أي الإضافتين أشرف، قوله: {وإلهكم} أو قوله: {إن عبادي} ~~[الإسراء: 65]. # السادس: ما وجه تكرار قوله: {إله} وكان يكفي أن يقول: وإلهكم واحد؟. # السابع: ما معنى قوله: {واحد}؟ # الثامن: ما معنى النفي في قوله: {لا إله إلا هو}؟ # التاسع: ما المنفي بالنفي؟. # العاشر: ما معنى قوله: {إلا}؟. # الحادى عشر: ما المثبت؟. # الثاني عشر: ما المنفي؟. # الثالث عشر: ما معنى قوله: {هو}؟ # الرابع عشر: وجه تكرار {لا إله إلا هو} وقوله: {واحد} يقتضيه؟. # الخامس عشر: ما معنى قوله: {الرحمن}؟. # السادس عشر: ما معنى {الرحيم}؟ # PageV01P598 # # السابع عشر: ما متعلقهما؟. # الثامن عشر: ما دليل التوحيد؟. # التاسع عشر: ما دليل وجوبه؟. # الموفي عشرين: ما وجه تكرار {الرحمن الرحيم}؟ # الحادي والعشرون: ما وجه الحجر بتسمية "الله" والإذن في سواه؟. # الثاني والعشرون: ما وجه الحكمة في أنه ختم الآية {الرحمن الرحيم} دون ~~غيره من الأسماء؟. # وفيها أسئلة كثيرة هذه أمهاتها، وما يجري في إثباتها يدل عليها. # فأما الجواب فتنفرج أبوابه، وتمتد أطنابه، وليس فيها سؤال إلا ويحتمل ~~مجالس وأقلها مجلس واحد، ولكنا نليح لنكت من أغراض العلماء يسيرة تشير إلى ~~ما وراءها من البيان فنقول: # أما ### | السؤال الأول # فإنما عطف قوله: {وإلهكم} على ما سبق من ذكره سبحانه بالإلهية والملك ~~والخلق والعبادة والهداية والاختراع والتصريف والتقدير والتدبير والتكليف، ~~ثم قال: وإلهكم الذي له ذلك كله، واحد ليس له شريك ولا نظير ولا وزير ولا ~~مشير. # وأما ### | السؤال الثاني # فقد بينا معنى "الإله والإلهية" في كتاب "الأمد الأقصى" (1) و"شرح ~~المشكلين" فلينظر فيه. PageV01P599 # # ونكتته: أن الإله هو المعبود، وهي الفائدة التي لأجلها خلق الخلق، قال ~~سبحانه: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56]. # وأحد ms080 معاني قوله: {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق} ~~[الحجر: 85]. # وهو الثابت وجوده ووجوبه، الزاهق ضده وهو الباطل المبين في قوله: {ربنا ~~ما خلقت هذا باطلا} [آل عمران: 191]. # مع فائدته الثانية وهي الثواب والعقاب. # وأما ### | السؤال الثالث # فإن قولنا: "الله" أكمل وأفضل من قولنا: "إله" ولكنه لما أراد في ذلك ~~الإضافة، عدل إلى الاسم الذي تنتظم معه الإضافة ها هنا، هذا أقوى ما فيه، ~~وقد أملينا غيره في "أنوار الفجر في مجالس الذكر". # وأما ### | السؤال الرابع # ففيه أجوبة أقواها أنهم كانوا يضيفون أنفسهم إلى اللات والعزى والكعبة ~~وغيرها، فأضافهم إلى نفسه، كأنه قال: ومعبودكم ورازقكم وكافيكم ومبتليكم ~~ومكلفكم ومصرفكم وهاديكم ومضلكم واحد، ليس له شريك، وهو الرحمن الرحيم. # وأما ### | السؤال الخامس # فإن إضافة الإلهية أشرت من إضافة العبودية؛ لأن العبودية وصفك، والإلهية ~~وصفه، ولأن العبودية وصف خاص، والإلهية وصف عام يتضمن العبادة وسواها. # PageV01P600 # # وأما ### | السؤال السادس # ففيه جواب أول في النظر وهو: التأكيد، وذلك مقصود في الفصاحة، كثير في ~~الورود. # وفيه جواب ثان بعد التأمل، وهو أنه لما أضافه إليهم ليعرفهم به، حدده ~~ليفرده بالوحدانية حتى تبين الإضافة، إلى غير ذلك من فنون المعنى وهي طويلة ~~جدا. # وأما ### | السؤال السابع # فإن كلامه صعب عريض، هو عند العلماء مختصر أريض (1)، تقول هو واحد لا ~~يتجزأ واحد لا نظير له، واحد لا يثنى، واحد في ذاته، واحد في صفاته، واحد ~~في مخلوقاته (2)، وابسطه فإنه يملأ الأرض. PageV01P601 # # وأما ### | السؤال الثامن # فإن النفي هو عدم الموجود، أو رد المقول عن الصحة والقبول. # وأما ### | السؤال التاسع # فإن المنفي ب "لا" هو الثاني أبدا في الجملة، وذلك لنكتة بديعة وهي أن ~~النفي متى تعلق بالمقول فإنه يتعلق بالواحد والثاني وما بعده أبدا، ومتى ~~تعلق بالقول لم يكن إلا في الثاني وما بعده. # وأما ### | السؤال العاشر # فإن كلمة "إلا" موضوعة للاستدراك فيما فات بيانه بالقول الأول، فتخرجه عن ~~ذلك إلى ضده، وفيها تطويل بيانه في كتب "أصول الفقه" (1). PageV01P602 # # وأما ### | السؤال الحادي عشر # فإن المثبت بها هو ms081 الأول الذي قصد بالنفي بعده نفي الاشتراك معه، ولم ~~يمكن النفي إلا بأن يأتي بعده إثبات للحكمة التي بيناها. # وأما ### | السؤال الثاني عشر # فإن المثبت هو المنفي، لكن بأخص من لفظ النفي مع كمال المعنى. # وأما ### | السؤال الثالث عشر # فإن كلمة "هو" ضمير في اللغة صار بعرف الإلهية والانفراد بالملك ظاهرا في ~~الله، وقد قدمنا قول أهل الزهد فيه (1). # وأما ### | السؤال الرابع عشر # فالجواب مأخوذ فيه من فن الكلام مع الكفار بما نصب الله من الأدلة في ~~كتابه عليه، وأعظم ما فيه ما قدمناه مما نبه عليه في قوله: {ولعلا بعضهم ~~على بعض} [المؤمنون: 91]. # فتمسكوا به، فلا أبلغ منه، واذكر سواه، وابسط تمامه، واستوفي المقصود وقد ~~وجدت مكان القول ذا سعة، فإن وجدت لسانا قائلا فقل. # وأما ### | السؤال الخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر # فقد بيناه في كتاب "الأمد الأقصى" (2) مختصرا، وفي كتاب "المشكلين" ~~مستوفى. PageV01P603 # # وأما ### | السؤال الثامن عشر # وهو وجوب دليل التوحيد، فإنها دقيقة لم يتفطن لها العلماء، وقد مهدناها ~~في موضعها، لبابه: # إن ظاهر هذا الدليل يعطيك أنه لو كان في السموات والأرض، إلهان لفسدتا، ~~وتمامه أن يقال: فهبكم فسدتا، فماذا يلزم عليه؟ وماذا يؤول إليه؟ وماذا ~~ينبني على فساد المخلوقات كلها إذا لم يتعرض ذلك إلى الخالق، ولا عاد ~~عليه؟. # وهذا سؤال حاد وجهته المعتزلة، إذ كرهت هذه الدلالة لأنها قرآنية وعدلت ~~إلى دلالة الفلاسفة، وهي استحالة الكثرة في العلة (1). # الجواب عنه ظاهر من طرق، أعربها ما قصد إليه لسان الأمة (2) من أن ذلك ~~يؤدي إلى تناهي المقدورات، وإنما قصد ذلك لأنهم بقولهم: "إن العبد خالق" ~~تتناهى مقدورات الله، فأراد أن ينكاهم في قرحتهم. PageV01P604 # # وأما أنا فأقول بقول غيره، وهو أنه يؤدي إلى سلب القدرة، وإبطال الإلهية، ~~وذهاب الوجودية، وقد مهدناه في موضعه. # وأما ### | السؤال التاسع عشر # ففائدته أنه كما كرر "إله" في الإثات لمزيد البيان، كرر النفي زيادة ~~للبيان، فإن قوله: "واحد" إثبات ونفي، فأكد بقوله {لا إله إلا هو} معنى ~~النفي الذي اقتضاه قوله "واحد". ms082 # وأما ### | السؤال الموفي عشرون # فقد بلغنا من البيان فيه الأمد في كتاب "الأمد" (1) والرحمة باب واسع في ~~المقال والفعال، والله يوجب لنا منه أفضل المنال، وفيه بيان "الرحيم" ~~والمتعلق بهما وتكرارهما. # وأما ### | السؤال الحادي والعشرون # في الحجر والإذن، فهو غريب، وللعلماء فيه منازع، أقواها الآن عندي أن ~~الباري سبحانه قبض العباد عن بعض الأفعال، وأرسلهم على جميع الأقوال، فجعل ~~من أعظم دلالته عليه قبض أقوالهم عن اسم من أسمائه. # وقال أهل الزهد: بدأ الآية باسم الإلهية، فلو ختمهما بها لهلكوا، ولكنه ~~تداركهم بوصف الرحمة فبقوا. PageV01P605 # # وأما ### | السؤال الثاني والعشرون # فقد اندرج أحد الجوابين فيه الآن في السؤال الحادي والعشرين، وفيه جواب ~~آخر وهو أنه ختمه بأعم الأوصاف في تناول الأفعال، وقد قيل غير ذلك. # وفي هذا كفاية أنموذج القانون، ودستور في التأويل. # وفي حديث أبي عاصم النبيل (1) أن هذه الآية وقوله: {الم (1) الله لا إله ~~إلا هو الحي القيوم} [آل عمران: 1 - 2]، هو اسم الله الأعظم (2)، وذلك بما ~~تضمنتا من أسماء الجمال، وصفات الكمال، ومتعلقات الأفعال لله سبحانه. # وقد حضر عندي بعض المفتين في الوقت، وأنا أتكلم على هذه الآية في مجلس ~~الذكر ثم كمل، وأتبعته القول في زكاة الفائدة وتفريقها في اجتماعها مع زكاة ~~الدين وانفرادها، فلما أكملت قال لي: ما ظننت أن في الدنيا من يعلم هذا، ~~ولكنه أمر لا يقدر عليه. # وكان بعد ذلك اليوم معترفا بالتقصير، مسلما في العلم. PageV01P606 # ### | النوع الثاني: في الأحكام # قوله تعالى: {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك} [الأحزاب: 50] (1). # فيها سبع عشرة مسألة: ### | المسألة الأولى # قوله تعالى: {إنا أحللنا لك أزواجك} يحتمل أن يريد به أزواجك اللاتي ~~نكحت، وهن أربع وعشرون (2) بيانها في شرح الصحيح (3)، ويحتمل أن يكون ~~المراد به من تنكح. ### | المسألة الثانية # قوله: {اللاتي آتيت أجورهن} فسمى الصداق أجرا وجعله عوضا كالبيع، وتحقيق ~~ذلك قد مضى في سورتي "النساء" (4) و"القصص" (5) من كتابنا أعني كتاب "أحكام ~~القرآن". PageV01P607 # ### | المسألة الثالثة # قوله: {إنا أحللنا لك أزواجك} يصح أن يكون خبرا عما مضى، ويحتمل ms083 أن يكون ~~إذنا في المستقبل، فإذا كان خبرا عن المستقبل، ففائدته أن الله تعالى أباح ~~نكاح من آتاه أجره من النساء، أو وهب له نفسه، وإن كان خبرا عن ما مضى، ~~فتكون فائدته الامتنان عليه. ### | المسألة الرابعة # قوله: {وما ملكت يمينك} أباح الله له ما شاء من الإماء من غير حجر ولا ~~تعديد، فكان له منهن: مارية القبطية (1)، وريحانة اليهودية (2)، وصفية بنت ~~حيي (3)، ثم تزوجها بعد فانتقلت إلى الأزواج. ### | المسألة الخامسة # قوله: {وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك}، النبي عليه ~~الصلاة والسلام كل الخلق من النساء مباح له أن يتزوجه، وإنما خص القرابة ~~لوجهين: # أحدهما: به أمس وإليه أقرب. PageV01P608 # # الثاني: أن المفسرين قالوا: إن الآية نزلت على سبب، وذلك أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - خطب أم هانىء (1) بنت عمه أبي طالب، فاعتذرت إليه، ثم ~~أنزل الله: {وبنات عمك ... الآية إلى قوله: اللاتي هاجرن معك} وكانت أم ~~هانئ من الطلقاء فلم يحل الله له نكاحها (2). ### | المسألة السادسة # قوله: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي} وفي سبب نزول ذلك خمسة أقوال: # الأول: أنها نزلت في شأن ميمونة بنت الحارث (3) خطبها للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - جعفر بن أبي طالب (4)، فجعلت أمرها إلى العباس (5) عمه (6)، ~~وقيل وهبت PageV01P609 # # نفسها له، قاله الزهري (1)، وعكرمة (2)، ومحمد بن كعب (3)، وقتادة (4). # الثاني: أنها نزلت في أم شريك (5) الأزدية، وقيل العامرية (6) واسمها ~~غزية وهو الصواب (7)، قاله: علي بن الحسين (8)، وعروة (9)، PageV01P610 # # والشعبي (1). # الثالث: أنها زينب بنت خزيمة أم المساكين (2). # الرابع: أنها أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط (3) # الخامس: أنها خولة بنت حكيم السلمية (4). # تحقيق: # أما نزول الآية فلم يرد من طريق صحيح، وهذه الأقوال ليس لها خطم ولا ~~أزمة. PageV01P611 # # وقد روي عن ابن عباس ومجاهد (1) أنهما قالا: لم تكن عند النبي- صلى الله ~~عليه وسلم - امرأة موهوبة (2). # وروى مالك والأئمة أن امرأة جاءت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا ~~رسول الله! إني قد وهبت نفسي لك. فقامت قياما طويلا، فقام رجل، فقال: يا ~~رسول الله زوجنيها، ms084 إن لم تكن لك بها حاجة. # فقال رسول الله: هل عندك شيء تصدقها إياه؟. # فقال: ما عندي إلا إزاري هذا!. # فقال رسول الله: إن أعطيتها إياه بقيت لا إزار لك، فالتمس شيئا. # قال: ما أجد شيئا!. # قال: فالتمس ولو خاتما من حديد. # فلم يجد شيئا. فقال له رسول الله: هل معك من القرآن شيء؟. # قال: نعم، سورة كذا، وسورة كذا، سماهما. # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أنكحتكها بما معك من القرآن (3). ~~PageV01P612 # # وقد تكلمنا على الحديث في سورة النساء (1) والقصص (2) بما يتعلق بالقرآن ~~منه، واستوفيناه في شرح الحديث، وهذا هو المقدار منه في ذكر الموهوبة الذي ~~صح نقله وثبت سنده. # والغرض الأعظم منه ها هنا هو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قالت ~~له المرأة: "قد وهبت لك نفسي" سكت، فلو كان هذا مما لا يجوز، لما سكت عليه؛ ~~لأن سكوته على الحرام محال كما بيناه في "أصول الفقه" (3). # فإما أن يكون سكت لأن الآية قد كانت نزلت بالإحلال، وإما أن يكون سكوته ~~منتظرا بيانا، فنزلت عليه الآية والبيان بالإحلال والتخيير، فاختار تركها، ~~وزوجها من غيره. # وروى مسلم (4) عن عائشة أنها قالت: كنت أغار على اللائي وهبن أنفسهن ~~لرسول الله، قالت: أما تستحي امرأة أن تهب نفسها؟. PageV01P613 # # حتى أنزل الله تعالى: {ترجي من تشاء منهن} [الأحزاب: 51]. # فقالت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك. # فاقتضى هذا اللفظ أن التي وهبت نفسها عدد من النساء، لكنا لا ندري هل نكح ~~منهن واحدة أم لا من طريق صحيح؟. ### | المسألة السابعة # قوله: {وامرأة} معناه: وأحللنا لك امرأة تهب نفسها من غير صداق، فإنه أحل ~~له في الآية قبلها أزواجه اللاتي آتى أجورهن، وهذا معنى يشاركه فيه غيره، ~~فزاده من فضله على أمته فضلا بهذه الآية، أن أحل الله له الموهوبة، ولا تحل ~~لأحد غيره، وهذا إجماع من الأمة. ### | المسألة الثامنة # قوله: {مؤمنة} بيان، لأن الكافرة لا تحل له، لأن تخصيصها بالذكر تعليل ~~للحكم، كما تقدم بيانه في سورة النساء (1). # وقال ms085 الجويني: "اختلف في تحريم الحرة الكافرة عليه". # والصحيح عندي تحريمها، وبهذا يتميز علينا، فإنه ما كان من جانب الفضائل ~~فحظه فيه أكبر، وما كان من جانب النقائص فجانبه عنه مطهر، يجوز لنا نكاح ~~الحرائر الكوافر من أهل الكتاب، وأحل له المؤمنة خاصة، والذي يحقق ذلك ~~أمران: PageV01P614 # # أحدهما: أن نكاح الكافرة ومعاشرتها لا يليق بمنصبه الكريم. # الثاني: أنا قد بينا أن من آمن ولم يهاجر لم تحل له لنقصان مرتبتها، فكيف ~~تحل له من لم تؤمن؟ وهي أدنى مرتبة. ### | المسألة التاسعة # قوله: {إن} قراءة الجماعة بالكسر على معنى الشرط تقديره: "وأحللنا لك ~~امرأة إن وهبت نفسها لك" لا يجوز تقدير سوى ذلك. # وقد قال بعضهم: يجوز أن يكون جواب {إن وهبت} محذوفا، وتقديره: "إن وهبت ~~نفسها للنبي حلت له". # وهذا فاسد من طريق العربية، وذلك بين في "الرسالة الملجئة". # ويعزى إلى الحسن (1) أنه قرأ بفتح الهمزة (2)، وذلك يقتضي أن تكون امرأة ~~واحدة حلت له لأجل أن وهبت له. # وهذا فاسد من ثلاثة أوجه: PageV01P615 # # أحدهما: لا يقتضي هذا الإعراب المعنى، وقد بيناه في "الملجئة". # الثاني: أنها على خلاف قراءة الجماعة، والشاذ من القراءة لا يجوز تلاوة، ~~ولا يوجب حكما. # الثالث: أنه يوجب أن يكون إحلالها لأجل هبتها لنفسها، وهذا باطل فإنها ~~حلال له قبل الهبة بالصداق. # وقد نسب إلى ابن مسعود (1) أنه أسقط في قراءته {إن} (2) فإن صح ذلك فإنما ~~كان يريد أن يبين ما ذكرناه من أن الإحلال لا يقف في الموهوبة على الهبة، ~~بل هو ثابت فيها قبل ذلك، وسقوط الصداق مفهوم من قوله: {خالصة لك} لا من ~~جهة الشرط، وقد بينا أمثاله في سورة النور. ### | المسألة العاشرة # قوله: {إن أراد النبي أن يستنكحها} معناه أن الخيار بعد هبتها نفسها ~~للنبي، وهذا معلوم، ولكنه خصه بالبيان؛ لأن من مكارم الأخلاق بيننا قبول ~~الهبة في الأموال المبتذلة، فكيف فيمن بذل نفسه، فجعل الله لرسوله الخيار ~~ليرفع عنه هذه الكلفة، وينزهه عن هذه العادة، ويهون على الواهبة الرد. ### | المسألة الحادية عشر # قوله: ms086 {يستنكحها} ولم يقل ينكحها، وكأن الاستفعال تكلف PageV01P616 # # الفعل، فجعل الله لرسوله -كما قلنا- في هذه الكلفة الخيار. ### | المسألة الثانية عشر # قوله: {خالصة لك}، اختلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال (1): # أحدها: أن يتزوجها بغير مهر ولا ولي، قاله قتادة (2). # الثاني: بغير صداق، قاله ابن المسيب (3). # الثالث: بعقد نكاحها بلفظ الهبة، ولا يجوز ذلك لغيره (4). # قال الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي رضي الله عنه: # القول الأول والثاني راجعان إلى معنى واحد، إلا أن الثاني أصح لأن ذكر ~~الصداق ورد مذكررا في القرآن، ولم يجر للولي ذكر، إلا أنه لما سكت عن ~~الولي، وجرى ذكر الحكم بين الموهوبة والنبي، مع المعنى الذي قد بينا ~~PageV01P617 # # في سورة البقرة (1) من أن الولي مشروط لفائدة ولسبب هو معدوم في النبي ~~(2)، أشبه القول الأول أن يكون مرادا بها هذه القرينة. # وقد خص الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - في أحكام الشريعة بثلاثة أنواع ~~(3): # الفرض، التحريم، التحليل، ومنها متفق عليه، ومنها مختلف فيه. # الإشارة إليه: # أما قسم الفريضة فثمانية (4): # الأول: التهجد بالليل. # الثاني: الضحى. # الثالث: الأضحى. # الرابع: الوتر، وهو داخل في قسم التهجد. # الخامس: السواك. # السادس: قضاء دين من مات معسرا. # السابع: مشاورة ذوي الأحلام. # الثامن: تخييره النساء. PageV01P618 # # وأما قسم التحريم فجملته عشرة: # الأول: الزكاة (1). # الثاني: صدقة التطوع. # الثالث: خائنة الأعين، وهو أن يظهر خلاف ما يضمر، ويخدع عما يحب. # الرابع: إذا لبس لأمته حرم عليه نزعها حتى يباشر الحرب ويكافح العدو. # الخامس: الأكل متكئا. # السادس: أكل الأطعمة الكريهة الرائحة. # السابع: التبدل بأزواجه. # الثامن: نكاح امرأة تكره صحبته. # التاسع: نكاح الحرة الكتابية. # العاشر: نكاح الأمة. # وفي ذلك كله تفصيل واختلاف، وقد أشرنا إليه في موضعه. # وأما قسم التحليل فخمسة عشر: # الأول: صفي المغنم. # الثاني: الاستبداد بخمس الخمس. # الثالث: الوصال. # الرابع: الزيادة على أربع نسوة. # الخامس: النكاح بلفظ الهبة. # السادس: النكاح بغير ولي، وقد تقدم (2). PageV01P619 # # السابع: نكاحه بغير شهود، وفيه خلاف. # الثامن: نكاحه في حال الإحرام، وقد تقدم (1). # التاسع: سقوط القسم عنه، ويأتي إن شاء الله. # العاشر: إذا وقع ms087 بصره على امرأة وجب على زوجها طلاقها، وحل له نكاحها ~~(2)، وهذا أمر بيناه في قصة زيد. PageV01P620 # # الحادي عشر: أنه أعتق صفية ولزمها نكاحه وجعل عتقها صداقها، وفيه خلاف. # الثاني عشر: دخول مكة بغير إحرام، وفيه خلاف. # الثالث عشر: أنه لا يورث، وقد جعلناه في قسم التحليل لأن الرجل إذا ~~PageV01P621 # # مات أو قارب الموت بالمرض زال عنه ملكه أو أكثره، وبقي ملك رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بعد موته على الوجه الذي قررناه في آية المواريث (1). # الرابع عشر: بقاء عصمته بعد الموت. # الخامس عشر: إذا طلق امرأة، هل تنكح؟ أم حرمته باقية فيها؟ ويأتي ذلك ~~مبينا إن شاء الله. ### | المسألة الثالثة عشر # إعراب قوله: {خالصة لك} وقد بيناه في "الرسالة الملجئة" ونكتته: أنه حال ~~من ضمير متصل بفعل مضمر دل عليه المظهر، تقديره: أحللنا لك أزواجك، وأحللنا ~~لك امرأة مؤمنة، وأحللناها خالصة بلفظ الهبة أو بغير صداق، وعليه انبنى ~~معنى الخلوص ها هنا (2). # فإن قيل: أراد به خلوص النكاح بلفظ دون غيره. # فالجواب عنه بأربعة أوجه: # أحدها: أنا نقول: إن نكاح النبي - صلى الله عليه وسلم - لا بد فيه من ~~الولي، وعليه يدل قوله لعمر بن أبي سلمة (3) ربيبه حين تزوج أمه أم سلمة ~~(4): قم يا غلام فزوج PageV01P622 # # أمك (1). فلا يصح أن يكون المراد بهذه الآية هذا، لأن قول الموهوبة: ~~"وهبت نفسي لك" لا ينعقد به نكاح، ولا بد له من عقده مع الولي، فهل ينعقد ~~بلفظه وصفته أم لا؟ مسألة أخرى لا ذكر في الآية لها. # الثاني: إن المقصود بالآية خلو النكاح عن الصداق، وله حالتان كما قدمنا، ~~وإليه يرجع الخلوص. # الثالث: أنه قال بعد ذلك: {إن أراد النبي أن يستنكحها} فذكره في جنبته ~~بلفظ النكاح المخصوص لهذا العقد، فهذا يدل على أن المرأة وهبت نفسها بغير ~~صداق، فإن أراد النبي أن يتزوج تزوج، فيكون النكاح حكما مستأنفا لا تعلق له ~~بلفظ الهبة إلا في المقصود من الهبة، وهو سقوط العوض وهو الصداق. # الرابع: أنا لا نقول إن النكاح ms088 بلفظ الهبة في حقه - صلى الله عليه وسلم - ~~جائز من هذا اللفظ، فإن تقدير الكلام على ما بيناه: أحللنا لك أزواجك، ~~وأحللنا لك المرأة الواهبة نفسها خالصة، فلو جعلنا قوله: {خالصة} حالا من ~~الصفة التي هي ذكر الهبة دون الموصوف الذي هو المرأة وسقوط الصداق: لكان ~~اختلالا من القول، وعدولا عن المقصود، وذلك لا يجوز عربية ولا معنى. # ألا ترى أنك لو قلت: أحدثك بالحديث الرباعي خالصا لك دون أصحابك، لما كان ~~رجوع الحال إلا إلى المقصود الموصوف، وهو الحديث هذا، وهو على نظام ~~التقدير. PageV01P623 # # فلو قلت على لفظه: أحدثك بحديث إن وجد بأربع رواة (1) خالصا لك دون ~~أصحابك، لرجعت الحال إلى المقصود الموصوف أيضا دون الصفة، وهذا لا يفهمه ~~إلا المتحققون بالعربية، وما أرى من عزى إلى الشافعي أنه قال: # قوله: {خالصة} يرجع إلى النكاح بلفظ الهبة (2) إلا قد وهم، لأجل مكانته ~~من العربية. # والنكاح بلفظ الهبة جائز عند علمائنا، مأخوذ من دليله في موضعه حسب ما ~~بيناه في "مسائل الخلاف" والله أعلم. ### | المسألة الرابعة عشر # قوله: {من دون المؤمنين} وقد علم كل سامع أن قوله: {خالصة لك} تقتضي ~~استبداده بذلك، وانفراده دون سواه، ولكنه أكد ذلك تبيانا أنه مختص به دون ~~غيره من المؤمنين الذين يشركونه في النكاح وشروطه وكان يكفي أن يقول: دون ~~غيرك من الناس، ولكنه لحرمة اشتراكهم معه وصف بوصف المدح الذي هو الإيمان. ### | المسألة الخامسة عشر # قوله: {قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم} قد بينا ~~علم الله وحقيقته ومتعلقه من ماض ومستقبل وحال في PageV01P624 # # موضعه (1) وشرحنا وجه التعلق بكل واحد منها منه. # والمراد بقوله ها هنا: أن الله بين لرسوله حكمه في النكاح، وقرره عليه، ~~وبين للمؤمنين حكمهم في النكاح وقرره لهم، وميز كل واحد من الفريقين في ~~حكمه، وفرضه، وشرطه، ووصفه، وعدده، وحاله. # {لكيلا يكون عليك حرج} المعنى: إنا وسعنا عليك في النكاح لاحتمالك المشقة ~~فيه، وقدرتك على القيام بشروطه، ووفائك بما يتعين عليك فيه، ومع هذه الحال ~~لو ms089 سوى بينه وبين غيره ممن لا يطيق طاقته ولا يكتفي بالوفاء بشروط النكاح ~~ووفاه، لم يكن عدلا، ولا كانت تسوية، ولكان حرجا، والله تعالى قد رفع الحرج ~~عن أهل الملة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - منهم، وأعظمهم حرمة ومنزلة، ~~كما أنه سبحانه قصر الأمة عما أباح لرسوله في ذلك وجعلهم دون منزلته، وأحط ~~من مرتبته لأنهم لا يطيقون طاقته كما تقدم، ولا يكتفون اكتفاءه، وإلى هذا ~~المعنى وقعت الإشارة بقوله: {ذلك أدنى ألا تعولوا} [النساء: 3]. # ولم يجعل الله مرتبة النكاح سواء في حق المؤمنين، فكيف في حق الرسول ~~معهم؟ ألا ترى كيف فاضل بين الحر والعبد في النكاح، فجعل مرتبة الحر فوق ~~مرتبة العبد على تفصيل مختلف فيه بين العلماء، وإن كان PageV01P625 # # الكل منهم قد أجمع على أن الحر أوسع في باب التحليل، فإنه تطلق عليه ~~بالحرية ثلاثا، وتطلق على العبد بالعبودية طلقتين، فإذا تفاوت في ذلك مرتبة ~~الأمة بين الرق والحرية، فأولى وأحرى أن يفضل في ذلك مرتبة النبوة لهم، ~~وتكون أوفى من منزلتهم. ### | المسألة السادسة عشر # قوله: {ما فرضنا} وقد قدمنا قوله: {فرضنا} في موارد اللغة والشريعة بأبلغ ~~بيان، ومنها أن معنى قوله: {فرضنا}: أوجبنا وألزمنا، ومنه قدرنا، وليس يتجه ~~أن يكون معنى قوله تعالى ها هنا: {قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم} ~~بمعنى أوجبنا وألزمنا، لأن منه ما هو وجوب وإلزام، ومنه ما هو تحريم وحظر، ~~وقد جرى ذلك، فلو قلنا أن معنى قوله: {فرضنا} أوجبنا وألزمنا، لرجع ذلك إلى ~~بعض ما تقدم ذكره، واقتضى بيان بعض ما وقع التكليف به في المعنى، فوجب أن ~~يرجع التفسير إلى معنى ينظم الكل ويتناول الجميع وهو قوله: (قدرنا) فإن ~~الذي كتب تعالى وأوجب وألزم مقدر، والذي حرم وحظر ومنع مقدر، والتقدير يأتي ~~على ذلك كله، فيجب أن يقال أن معنى قوله: {قد علمنا ما فرضنا عليهم في ~~أزواجهم} أي قدرنا من فرض ومحظور وشرط ومشروط. ### | المسألة السابعة عشر # {وكان الله غفورا رحيما} تقدم تفسير قوله: {غفورا} وتفسير قوله: ms090 {رحيما}، ~~ووجه الإخبار عنه بكان في كتاب "الأمد الأقصى" (1) و "المشكلين" فلا معنى ~~لتكراره. PageV01P626 # # والذي يتعلق به من البيان ها هنا وجه انتظامه مع ما سبق من بيان هذه ~~الأحكام وهو ظاهر عند التأويل، ومعناه: أنه سبحانه لم يؤاخذ الناس بذنوبهم، ~~بل غفر لهم ورحمهم، وشرف رسوله الكريم فجعله فوقهم، ولم يعط الخلق على ~~مقدار ما يستحقون، فإنهم كانوا يجرمون، بل عاد عليهم بفضله ورحمته التي هي ~~خير مما يجمعون، وعمهم برفقه ولطفه فأعطى الكل، ووسع على الجميع، وقدم ~~منازل الأنبياء، وتلتهم الخليقة على مقاديرهم، والله أعلم. # PageV01P627 # ### | النوع الثالث: علم التذكير # وهو معظم القرآن، فإنه ينبني على معرفة الوعد والوعيد، والخوف والرجاء ~~والقرب، والذنوب وما يرتبط بها ويدعو إليها ويكون عنها، وذلك معنى تتسع ~~أبوابه، وتمتد أطنابه. # وحكمه: أن يؤخذ كل باب منه مفردا، ثم يضاف في البيان إلى نظيره، ولا يمكن ~~شرحه إلا بالمشافهة أو بسط البيان بالقلم، إلا أنا نذكر منها ها هنا ~~أنموذجا في سورة {ألهاكم التكاثر} فإنا قد كنا تكلمنا عليها وعلى معانيها ~~في ستة أشهر (1)، وذلك النشر ينتظم لكم مجملا في ثمان عشرة مسألة. ### | المسألة الأولى # قوله: {ألهاكم} اللهو (2): الاشتغال بالشيء عن الشيء بالقصد PageV01P628 # # إليه، والاشتغال: هو الاشتغال المطلق بترك عمل بقصد وبغير قصد، وعليه ~~يحمل قوله - صلى الله عليه وسلم - (1): # "اذهبوا بهذه الخميصة (2) إلى أبي جهم (3)، وائتوني بتركية (4) فإنها ~~ألهتني آنفا عن صلاتي" وما يفعل ذلك بقصد إليه، ولكنه جرى كذلك فأطلق عليه ~~اللفظ الخاص، كقوله: # "لا حسد إلا في اثنتين" (5) وإنما هو الغبطة الاسم الخاص. ### | المسألة الثانية # قوله: {التكاثر} وهو التفاعل من الكثرة، يطلب كل واحد أن يكون أكثر من ~~صاحبه في الأموال والأولاد والأحباب. # قال أهل الإشارة: اشتغلوا بالأموال عن الأعمال، وبالأولاد عن أهل الوداد، ~~والأحباب عن دار الثواب، وإن القلب إذا كان فارغا امتلأ من الله ~~PageV01P629 # # بالكلية، وإذا اشتغل كله، خرج عن حب الله كله، وإذا اشتغل منه جزء فبذلك ~~القدر يذهب من حب الله. # وقد كانت مريم إذا سلمت من ms091 صلاتها وجدت فطرها، فلما ولدت عيسى وأخذ جزءا ~~من قلبها قيل لها: {وهزي إليك بجذع النخلة} [مريم: 25]. # ويتسع الكلام ها هنا في التكاثر بذكر الآيات والأخبار والآثار في ذكر ~~الأموال والأولاد والأحباب. ### | المسألة الثالثة # عدل عن قوله: "شغلكم" إلى قوله: {ألهكم} لأنه أخص به وأكثر ذما لهم. ### | المسألة الرابعة # إن قيل عن أي شيء ألهاكم؟. # قلنا: عما قال أهل الإشارة. ### | المسألة الخامسة # قوله: {حتى زرتم المقابر} يقال: زار الرجل إذا انضاف إليه ونزل به، ومنه ~~قيل للضيوف زور. # ومن غريب الفصاحة أن الزيارة تكون بالقصد، واستعملها ها هنا مع عدم ~~القصد، وذلك لما علم من وجوب حلولها، وأن المصير الآخر إليها، وأن فائدة ما ~~في الدنيا من أمر إنما هو عندها. # PageV01P630 # ### | المسألة السادسة # قوله: {المقابر} وهي الدار الآخرة، والدنيا هي الدار الأولى، وهو حفرة من ~~حفر النار أو روضة من رياض الجنة (1)، وتسرد الأحاديث في هذا كله. ### | المسألة السابعة # في عذاب القبر، فإن قوله: ({كلا سوف تعلمون} [التكاثر: 3]: # معناه: إذا زرتم المقابر، وذلك تهديد عظيم، بما يدرك إذا حل فيه، وتذكر ~~عذاب القبر كله، وأنواع الهول فيه الذي يتعلق بكل واحد منها تهديد. ### | المسألة الثامنة # قوله: {كلا} وقد اختلف فيها النحاة والمفسرون، وتذكر أقوالهم (2)، ~~والصحيح أنه نفي، كأنه قال: كل لا، المعنى: ليس كما زعمتم أو أردتم، حيثما ~~وقع وكثر استعماله، فجعلت الكلمتان كلمة واحدة، ونصبت الكاف لتدل الإضافة ~~على التغيير. ### | المسألة التاسعة # قوله: {سوف تعلمون}، وقال في موضع آخر: {سيعلمون غدا} PageV01P631 # # [القمر: 26] بالسين وهما عند أهل العربية واحد، وعند أهل الإشارة أنهما ~~بمعنيين، وكأن سوف أمد في المهل، كما قال سبحانه: {فطال عليهم الأمد فقست ~~قلوبهم} [الحديد: 16]. # وتورد ما يناظره ويتعلق به. ### | المسألة العاشرة # قوله: {تعلمون} كأنهم كانوا في جهالة وغمرة من البطالة، فانتقلوا إلى ~~اليقظة، "والناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا" (1)، ومنه قوله: {فذرهم في ~~غمرتهم حتى حين} [المؤمنون: 54]. # وتذكر الاستغراق في الشهوات، وتستوفي آياته وآثاره، وتذكر تلبيس إبليس ~~وتزيينه -إن قدر- أو تسويفه، وذلك معنى دقيق طويل. # وقد قال ms092 لي شيخنا الطوسي: إن أمهلت فسأفرد كتابا "لتلبيس إبليس" (2). ### | المسألة الحادية عشر: في التكرار # (3): # قد قدمنا القول فيه فيما سبق من علوم القرآن في مواضعه وأشبعناه، ~~PageV01P632 # # فلينقل من هنالك، ومن أحسن ما فيه عن الأستاذ أبي إسحاق (1) أنه قال: كرر ~~الله قصص الأنبياء في غير موضع من كتابه ثم ساق قصة يوسف مساقا واحدا إشارة ~~إلى أن الله قد عجز به العرب وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم: ~~قد سقت قصة يوسف مساقا واحدا، وكررت قصص الأنبياء، فإن كان من تلقاء نفسي ~~مقدرة على الفصاحة، ودربة في البلاغة، فافعلوا في قصة يوسف ما فعلته في ~~سائر القصص، وهو أعظم قد أوردناه في "المعجزات". ### | المسألة الثانية عشر # قوله: {كلا لو تعلمون علم اليقين} [التكاثر: 5] قد قدمنا (2) أن الاختيار ~~في "كلا" أن يكون نفيا، فكيف جاء النفي بعد قوله: {سوف تعلمون}؟. # قلنا: عاد النفي إلى الأول تأكيدا له أيضا، دل عليه ما بعده وهي: المسألة ~~الثالثة عشر. ### | المسألة الرابعة عشر # قوله: {علم اليقين} القول في العلم معلوم (3)، وأقسامه ومتعلقاته ~~PageV01P633 # # معروفة، وأما اليقين، فقيل هو المشاهدة، وقيل العلم الذي لا يدركه ريب ~~وإن كان نظريا، وقال أهل الإشارة: اليقين هو العلم الحاصل عن العمل (1) وقد ~~تقدم الكلام عليهم، وإنما أرادوا به انتفاء الريب فاساؤوا العبارة والطريق، ~~وفي الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في عثمان بن مظعون ~~(2): # "أما هو فقد جاءه اليقين" (3) والله ما أدري ما يفعل به فكشف - صلى الله ~~عليه وسلم - عن معنى اليقين، والدليل عليه أن الله فسره فقال: {علم اليقين ~~(5) لترون الجحيم} [التكاثر: 5 - 6]. وإذا مات ابن آدم عرض عليه مقعده ~~بالغداة والعشي (4)، فهو من يقينه، وهي المسألة الخامسة عشر. # ثم قال: {لترونها عين اليقين} [التكاثر: 7] وهي المسألة السادسة عشر: ~~يريد عند الورود، وتفسره، وتورده، والقول فيه إطناب (5) وله أطناب (6). ~~PageV01P634 # ### | المسألة السابعة عشر # قوله: {ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} [التكاثر: 8] وهو ظرف، قال بعضهم: ~~لعين اليقين، وقال غيرهم: له ولليقين الأول، والسؤال يومئذ إنما ms093 يكون لعين ~~اليقين، فأما اليقين فليس فيه إلا السؤال عقد الإيمان خاصة، وتورد ها هنا ~~الأسئلة كلها وتفاصيلها ومحالها. ### | المسألة الثامنة عشر: عن النعيم # (1): # قيل: هو محمد - صلى الله عليه وسلم -، قاله أهل الإشارة (2). # وقيل: هو تخفيف التكليف بالشرائع (3). # وقيل: الرخص (4). # وقيل: هو الماء البارد في الصيف، والحار في الشتاء (4). # وقيل: الصحة من البدن (5). # وقيل: الفراغ (5). # وقيل: سعة الرزق (5). # وقيل: القناعة (6) # وقيل: الرضاء بالقضاء (6). PageV01P635 # # وحقيقته: # كل موافق للنفس والبدن دينا أو دنيا، وإذا بسط هذا اتسع مقداره. # فإن قيل: هذه طرق طويلة، وبحار متسعة، فكيف السبيل إلى سلوكها وركوبها؟ ~~وأني بالتبليغ نحوها حتى نبلغ إليها (1)؟ ومن أين يكون وجه القصد إلى هذا ~~القانون؟. ### | ذكر وجه التبليغ إلى المرتبة المستولية على علوم التنزيل بالتجميل، وطريقة التوصل إلى الله سبحانه # اعلموا -نور الله بصائركم- أنا قد أوضحنا أن السبيل إلى معرفة العلوم هو ~~التعليم، فإن التزمته بشروطه، وتماديت عليه، وصلت إليه. وشروط ذلك ووظائفه ~~(2) تنيف على المئتين، لكن الأمهات التي ترجع إليها البنات سبعة شروط (2): ### | الشرط الأول # (3): # إخلاص النية، فهو أصل الأصول، وشرط الشروط. PageV01P636 # ### | الشرط الثاني # التواضع للعلم، فحيث علم العلم قصده، وممن سمعه أخذه، "فالحكمة ضالة ~~المؤمن" (1) ولا تستصغر كلمة، فإنه من تكبر على العلم ذهب عنه، فإن: # العلم حرب للفتى المتعالي ... كالسيل حرب للمكان العالي (2) ### | الشرط الثالث # التواضع للمعلم، حتى لو تحقق خطؤه، فليعظمه، فلو لم يكن إلا فضل المتقدم ~~والتجربة، ألا ترى إلى حديث موسى والخضر (3). # ويلزمه أن يعتقد له حق أبيه قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنما أنا ~~لكم مثل الوالد لولده أعلمكم" (4)، والمعلم خير من الأب. ### | الشرط الرابع # ألا يخالف معلمه فيما يشير به عليه إن ظهر إليه غيره. # فاوضت يوما الطوسي في ذكر تآليفه، فأعرض عن بعضها، ثم نظرت PageV01P637 # # في كتاب "المعيار" (1) فأعجبني فاستحسنته، وجئت إليه وعلى كمي كراسة منه، ~~فقال لي: ما معك؟ فاستحييت ودفعته إليه فقرأه مليا، وأنا أسارقه النظر ~~وأرفض عرقا، ثم رفع رأسه إلي وقال لي: كتاب حسن، ولكن لا تغتر بمخالفتنا ms094 ~~فيه. ### | الشرط الخامس # أن لا يخوض في التعليم دفعة، بل يقبل على الأهم، فإذا أكمله انتقل إلى ~~غيره، قال سبحانه: {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته} [البقرة: 121]. # قيل فيه: لا ينتقلون عن فن حتى يحكموه علما وعملا (2). كما روي عن عبد ~~الله بن عمر (3) أنه أقام على سورة البقرة ثمان سنين حتى أحكمها (4). # وقيل: يتلونه حق تلاوته بحضور قلب. PageV01P638 # ### | الشرط السادس # أن يذكر ما حفظ وعلم، ولا ينبذه وراء ظهره. ### | الشرط السابع # أن يعمل بما علم فذلك أثبت له حفظا ونجاة. # فهذه أمهاتها (1)، وهي مفتقرة إلى الدؤوب عليها دون فتور، فإن علم من ~~نفسه منة واتساع باع، وقبولا للبلوغ إلى النهاية، فليأخذ في معرفة الباري ~~من أسمائه الحسنى، فإنها تحيطه بالكل، وبها يعرف العالم، فلكل اسم من ~~أسمائه جزء مقسوم منه، وقد قيدناه في "الأمد الأقصى" وهو الغاية، وبه يعرف ~~الترقي من درجة إلى درجة. # وحذار من أن يطمع عبد في استقلاله بنفسه في العلوم، حتى يحتك بين يدي ~~المعلم، فما ضل من ضل إلا من الصحف، بل إذا وصل إلى درجة PageV01P639 # # النظر، فله أن يستبد بنفسه، بل هو فرضه، وذلك موقوف على شرح الصدور، فمن ~~يرد الله أن يعلمه يشرح صدره للتعليم وهما مصدران: ### | ذكر شرح الصدور # وهما صدران: صدر نبي، وصدر صديق. # فأما النبي فشرح صدره بأن يرفع عنه الجهل بالعلم، والغفلة بالذكر، ~~والمعصية بالطاعة، والوسواس بالعصمة. # فإن قيل: وكيف هذا وقد قال تعالى: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ ### | ..... # } الآية [فصلت: 36]؟ قلنا: ذلك في التعريض لا في التمريض. # فإن قيل: فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "إنه ليغان على قلبي ... " ~~الحديث (1)؟. # قلنا: ليست غفلته عن طاعة بمباح، إنما كان في ذكر دائم، وعلم قائم، فإذا ~~عافس الأهل ثم فزع، رأى أنه في نقصان، حيث أقبل على غيره، ولكن ضرورة ~~البشرية، فيعود إلى الاستغفار حتى يكون عمله البشري في حكم العمل التكليفي. # وأما الصديق فهو من أسماء الكمال، ومعناه: الذي صدق علمه بعمله (2)، ~~وأعظم ذلك في أبي بكر الصديق ms095 رضي الله عنه (3)، ألا ترى PageV01P640 # # إلى قوله جواب من أخبره بأن النبي أسري به إلى بيت المقدس في ليلة فقال: ~~"إن كان قالها فقد صدق، وأنا أصدقه فيما هو أعظم" (1). # وانظر إلى إقباله إليه بجميع ماله، وقوله: "أبقيت لنفسي الله ورسوله" ~~(2). # ولما احتاج إلى علمه ويقينه وجده، ووجد المسلمون بركته. # فإن قيل فقد أذعنا لك فزد بيانا، قلنا: "حدث حديثين امرأة، فإن أبت فأربع ~~أو فأربعة" (3) على اختلاف الرواية في هذا المثل عدوها أربعة على تأويل ~~العامة في المثل. # اعلموا -بصركم الله الخفي وثبت لكم الجلي- أن مساق الكلام في PageV01P641 # # هذا القانون هو طريق التعليم، وقد أخذت عليكم في شرطه ألا تذهلوا عما ~~تعلموا حتى تركبوا عليه ما تفهموا تفقهوا، ولكنكم تجدوني -إن شاء الله ~~سبحانه- سمحا لينا، متخونا (1) ليس خائنا، اسلكوا سبيلي، وتوضحوا دليلي، ~~فإنكم تهتدون إلى سبيل السلام، وتستنيرون في غياهب الظلام. # ولقد قلت لبعض أصحابي وقد فاوضني في هذه الأغراض: ### | ذكر معاني الفاتحة # إذا أردت تحصيل التفسير بالقانون: فاعمد إلى سورة "الفاتحة" بنية خالصة، ~~ثم سطر الحمد ومعناه، والشكر ومغزاه، وانفصالهما في متعلقهما، والرب وشرحه، ~~والعالمين وما يتناول من الموجودين، وكيف صرف العالمين وربى متولدات ~~الموجودين، والرحمن ومتعلقه، والرحيم وفائدته، والجمع وتركيبه واستفتاح ~~كتابه بذلك، ونعمته، والملك وخصيصته، والدين وحقيقته وماذا تناول، وعظيم ما ~~اجتمع فيه، والعبادة وصفتها، والاستعانة وفائدتها، والصراط وزحمته، والنعمة ~~وعمومها، والمعصية وخصوصها، والغضب ومعناه، والضلال وهو ضد الهداية، فإنك ~~تعلم تفسير الفاتحة بحسب ما تنتهي إليك قدرتك، فاجتهد، وواصل السير بالجد ~~فإن السبيل باد. # فلقد رحلت طالب علم وحج فما عدمت قاطعا يلويني، وشيطانا يغويني ولا فقدت ~~ناصحا يقدمني، وعالما يرشدني، حتى خلصت إلى المطلوب. PageV01P642 # # V ### | ذكر ترتيب الطلب # ولكن ربما فات كثير من الناس كيفية الطلب: (1) # وأولها المقصد إلى تعلم علم العربية والأشعار، فإنهما ديوان العرب التي ~~دفعت إليها ضرورة فساد اللغات. PageV01P643 # # ثم تنتقل إلى الحساب، فتتمرن فيه حتى ترى القوانين، فإنه علم عظيم، له ~~خلفت السموات والأرض، وقد نبه الله سبحانه على حكمة ms096 الأرض والسموات من ~~المعاملات إلى منتهى الحركات. # ثم انتقل إلى درس القرآن فإنه يتيسر لك بهذه المقدمات، ويا غفلة بلادنا ~~في أن تأخذ الطفل بكتاب الله في أول أمره، فيقرأ ما لا يفهم، وينصب في أمر ~~غيره حينئذ عنده أهم، ولا يبسط هذا المطلوب العظيم بساطه ويعد له نشاطه. # ثم تنظر في أصول الدين، ولا أقل مما تضمنه كتاب "المتوسط" ويطلع على شيء ~~من أصول الفقه "المحصول" أو "نكته" إن استطاله. # ثم تنظر في علم الجدل وهو في "المحصول" ولا تضيعه فإنه العلم الذي بدأ به ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - مع العرب عشرة أعوام. # ثم تروي حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا تشتغل بغير الصحيح، ~~فيذهب عمرك ودينك ضياعا، إلا أن تحكم ذلك كله، فلا بد من الاطلاع على مهمات ~~علوم الحديث ومنها معرفة السقيم من الصحيح (1). # ثم تتعلم تركيب الجميع على آي القرآن، كما رتبناه لك في PageV01P644 # # "المشكلين" و"الأحكام" تفصيلا، وكما أشرنا إليه ها هنا مجملا، وإن كان من ~~جودة الذهن والجدة وفراغ الوقت للنظر في علمين من هذه العلوم في حالة يقرب ~~عليه مدى التحصيل فليفعل. فقد عرفنا كم القوانين، وبسطنا لكم في التمكين، ~~فإذا لم تسمعوا، أو سمعتم فلم تفهموا، فلا رجاء في علم ما تعلموا. # ومثل من يعلم من نفسه قوة في التبسط على هذه العلوم ويقصر عنها، كمثل من ~~يقف على النهر الأعظم فيترك الاغتراف منه، ويغترف من الجداول والخلجان، ~~والمذانب (1) والماديانات والحياض والقلات (2)، والنهر الأعظم هو الذي لا ~~تكدره الدلاء، ولا يغيضه (3) الاستقاء. وهذه عرضة للنصب والمغيظ، بعيدة من ~~المادة والمفيض. # ومن تعذرت عليه منكم الرحلة ببدنه، فليرحل إلى الله تعالى بقلبه، ولا يظن ~~أحد أن الرحلة تفيد بصورتها، كم راحل قرأ وما قرأ، وروى وما درى، ولم يتحصل ~~له كيف ولا أين؟ فعاد على ظهره بحنين، دع خفيه الاثنين (4). PageV01P645 # # فارحل من عالم الشهوات إلى عالم القربات، وسافر من المحسوسات إلى ~~المعقولات، وانظر في الزاد فلا بد منه، والدليل وهو العلم، ms097 فلا غنى عنه، ~~فمن وجد معلما فهو النعيم يهدي إلى السبيل، وينظم الدليل، ويحمي عن البدعة ~~والتعطيل، فإن لم تجدوه، فقد أبدينا لكم سبيل السلوك، فتنوروها، ولكنكم ~~آمنون ما كنتم في الظواهر تجولون، حتى إذا سلكتم بحبوحة التوحيد ودلائله ~~ومتعلقاته، فيعرض لكم مهاوي مظلمة، ومغويات ملبسة. ### | ذكر وجه الشبه القادحة في التأويل، وطريق الخلاص منه بهداية الدليل # قد قدمنا أن العقول لا تستقل بدرك العلوم حتى يصطفي الله من خلقه من يلقي ~~إليه ما يقصر العقل عن دركه، لكنه إذا عرضه عليه كالرجل ينسى الآية أو ~~المسألة أو الشخص فإذا قرئت عليه أو ذكرت له أو رآه عرفه. # ولا يصح أن يأتي في الشرع ما يضاد العقل، فإنه الذي يشهد بصحة الشرع ~~ويزكيه من وجه دلالة المعجزة على صدق الرسول، فكيف يأتي الشاهد بتكذيب ~~المزكي (1)؟ هذا محال عقلا، وعلى هذا الأصل انبنت مسائل PageV01P646 # # الدور (1)، أما إنه قد تأتي آيات متشابهات، وأحاديث مشكلات يعارض بعضها ~~بعضا، ويناقض بعضها دليل الشرع، وها هنا علم عقلي يستضاء به في هذه السرية ~~(2)، ودليل شرعي يرشد في هذه المضلة. # إن العقل والشرع إذا تعارضا، فإنما ذلك في الظاهر بتقصير الناظر، وقد ~~يظهر للناظر المقصر أن يجعل الشرع أصلا فيرد إليه العقل. # وقد يرى غيره أن يجعل العقل أصلا فيرد الشرع إليه. # وقد يتوسط آخر فيجعل كل واحد منهما أصلا لنفسه. # فالناظر الذي قدم المعقول سيأتيه من ظاهر الشرع ما يقلب حقيقة الشرع، ولا ~~سبيل إليه. # والذي يجعل العقل أصلا، والشرع تبعا، إن أخذه كذلك مطلقا ورد ما ينكره ~~القلب ببادىء الرأي في مورد الشرع مما يستحيل في العقل، فإن وقف في وجه ~~الشرع فهو مكذب، وإن قال بما في الشرع فهو متناقض، وإن توسط فهو الناظر ~~العدل، يجعل كل واحد منهما أصلا، عقلا ونقلا، وينظم سلك المعرفة من دررهما. ~~PageV01P647 # # ولا يعتقد أحد منكم أنه يأتي موضع يعسر فيه التأويل، أما إنه قد تأتي في ~~الشريعة ألفاظ لا يبين الشرع معناها، ولا يهتدي العقل إلى معرفتها، ms098 فيلزم ~~إثباتها عقدا، وأما العلم الشرعي، فإن الآية والخبر إذا تعارضا فالآية ~~مقدمة لأنها مقطوع بصحتها، والخبر لا يقطع به (1). ### | ذكر المعنى الذي أوجب العثور في النظر # أما أنه نبعت طائفة أرادوا أن يلفقوا بين موارد الشرع وأغراض الفلاسفة، ~~وادعوا أنها متلائمة، وأن كلام النبي مع كلام الفيلسوف يخرج عن مشكاة ~~واحدة، ومن ها هنا دخلت المطاعن في التنزيل، ودرست على السالكين السبيل، ~~وحار الناظرون في الدليل. # وهذا باطل، فإن القوم تكلموا قابعقول صرة، في معان خفية، وذلك بين من ~~كتاب الله بالكلام (2) في إيراد مجادلة الكفار للأنبياء، فما من أمة إلا ~~والرد عليهم في كتاب الله. # ولقد فاوضت في ذلك بعض العلماء (3) في مسائل أورد عليكم منها ما تجعلونه ~~أصلا لغيرها. PageV01P648 # ### | المسألة الأولى # قوله تعالى: {الذين يأكلون الربا لا يقومون ... إلى قوله ... المس} ~~[البقرة: 275]، هذا مثل ضربه الله للكفار الذين يسترسلون على التصرف في ~~الأموال برأيهم، ولا يقفون عند حدود الشرع. # فقال لي: هذا مثل ضربه الله للكفار الذين يتصرفون في وجوه الاستدلال ~~بعقولهم دون القانون. # فقلت له: لا أمنعك من هذا التأويل، ولا أبعده في طريق الدليل، وطال القول ~~إلى أن كانت زبدته: # إنه لا بد من إثبات الشياطين (1) أولا وجودا، وإثبات أنهم أجسام متغذية، ~~وأن الله ملكهم تيسير التصوير كما ملكنا تيسير الحركات، وأن الله يخلق عند ~~كلامهم خواطر في قلوبنا، وأفعالا في أبداننا، فيقع للمرء بذلك خبط، كما ~~يلحق عند كلام العائن في البدن، ما يلفظ به المرء، وتنهدم به الدار، ويتبدد ~~به المال، وعن هذه عبر بقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الشيطان يجري من ابن ~~آدم مجرى الدم"، وكما يتصرف الدم فينا بالسريان، كذلك تتصرف ثمرة وسوسته ~~فينا بالجريان، فيجري الدم فينا بحكم التغذية، ويجري الحكم المثمر للوسواس ~~علينا بحكمة الله في المعصية. # ولما جهلت الفلاسفة هذا قالت: "إن الصرع أخلاط تدور فيثور في البدن منها ~~ما يثور"، وهذا كان جائزا غير منكر عندنا، فكذلك قد بينا أن خلقا ~~PageV01P649 # # حالهم ما وصفنا، يكون لهم ms099 فعل يترتب عليه حكم، وذلك جائز عقلا، وله مثال ~~من إصابة العين حسا. وفيه بيان من الله ورسوله دليلا، فلا يقدر ذو لب على ~~إنكاره. # فبهت حين سمع هذا، وانقاد بحزامة الدليل في أنف الأنفة إلى القبول. # وفي لقاء جبريل للنبي وإلقائه الوحي إليه شبه بين الوحي والوسواس، حتى ~~قال الجاحدون: "هذا مجنون"، ولكن لما عرضت هذه الشبهة رفعها الله بأن كان ~~جبريل يفارق النبي فيبقى بعده قويا نشيطا ضاحكا نير الوجه كالبدر، صحيح ~~القول، لا خلل في كلامه، ولا كسل في قيامه، ولا ألم في بدنه، والمجنون كاسف ~~اللون، مختل القول، كسلان النفس، مريض البدن. # مثال آخر: في مسألة: # جرى بيني وبين بعض الأشياخ (1) كلام في قول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، في حديث الكسوف حين قال (2) في عنقود العنب: "فلو أخذته لأكلتم منه ما ~~بقيت الدنيا" PageV01P650 # # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV01P651 # # فأشار إلى أن ثمار الجنة لا مقطوعة ولا ممنوعة، وأن معنى أكلها: أن يخلق ~~للعبد في نفسه مثلها، لا أن تنتقل من الغصن إلى البطن، كما ينتقل مثال ~~العلم من النفس إلى النفس بوساطة التعبير، وهذا تقصير عظيم فإنه تمثيل ~~أجساد بأعراض. # واعجبوا لهذا الكلام، فإنه قلب للتأويل، وقد قام الدليل على أن ما في ~~الجنة أجساد مخلوقة، بيد أنها معصومة عن الاستحالة والتعفن بدوام البقاء، ~~وقد كان يجوز أن يكون طعام الدنيا كذلك، إلا أن العادة جرت باستحالته، ~~ولهذا خلق، وتلك خلقت للسلامة عن الآفات، ولذلك صارت دار السلام. فإذا قطعت ~~ثمار دار الدنيا أخلقت بعد حول، وإذا قطعت: ثمار الجنة أخلفت في الحال، ~~وبهذا كانوا يأكلون منه ما بقيت الدنيا، فلا مفارقة بين الطعامين إلا في ~~وجود الدوام، وعدم الاستحالة، وهذا أولى من قلبها من صفات الأجسام إلى حكم ~~المعاني، فقلب الحقائق لا معنى له، وهو رأي فلسفي مبناه على أن الدار ~~الآخرة لا حقائق لها، وإنما هي أمثال، وقد بينا فساد ذلك في كتب "الأصول". ### | المسألة الثانية # في قوله تعالى: {والوزن يومئذ الحق} [الأعراف: 8] إلى آخر الآيتين، لما ~~قرع ms100 هذا الكلام سمع العلماء قالوا: كلام الله صدق، ولا بد من وزن الأعمال، ~~ثم اعترضتهم أنها أعراض، فكيف توزن؟. # PageV01P652 # # فقالت طائفة: لا وزن، ويخلق الله في كل كفة من الاعتماد بحسب ما علم فيها ~~من الإخلاص والسواد (1). # وقالت طائفة، لا كفة ولا شاهين، ولكن يعرف الله العباد بمقادير أعمالهم ~~بما يخلق لهم في قلوبهم، فتقوم الحجة عليهم بما عملوا فيما علموا، قاله ~~مجاهد، وعجب له. ولكن ليس في هذه المسألة تبديع ولا تكفير، وإنما هي جهل ~~بوجه الدليل، إذ قد اتفق الكل على أنه لا بد من الاستعارة في هذه الآية. # فأهل السنة تجاوزوا في الأعمال على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه ~~مقامه، والمعتزلة وضعوا المجاز في الوزن، فقالوا: يعبر به عن العلم، إذ ~~فائدة الوزن العلم، والعرب تعبر عن الشيء بفائدته في سبيل المجاز، كما تعبر ~~عنه بمقدمته. قال بعض علمائنا: فإن حكمنا في هذا الموضع بتغليب أحد ~~الوجهين، كنا حاكمين في موضع المطلوب فيه القطع بالظن (2). PageV01P653 # # وهذا العالم على علو مرتبته في التأويل غلبت عليه ها هنا دقيقة، وذلك أن ~~الله سبحانه لما قال: {والوزن يومئذ الحق} آمنا به وعرفناه، فتشوقت نفوسنا ~~إلى الموزون، فأخبرنا أنها الأعمال المكتوبة في الصحائف، فقلنا في نظرنا، ~~وكيف توزن الأعمال وهي أعراض؟ فقيل لنا (1): توزن صحفها وعبر بها عنها ~~لأنها محلها، على تقدير حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وذلك في كلام ~~العرب "أكثر من رمل بيرين ومهى فلسطين" (2). # قيل لنا: وكيف تعرف مقادير الأعمال من الصحف؟. # قلنا: يخلق الله في صحيفة من الثقل بقدر ما علم من العمل، فنكون قد حملنا ~~قوله: "والوزن" وقوله "ثقلت" وقوله "خفت" وقوله "موازينه" وهي أربعة ألفاظ ~~على الحقائق، ويكون المجاز في واحد، ولا يحمل جميعها على المجاز بسبب لفظ ~~واحد، رأينا في ذلك أهدى سبيلا، وأقوم قيلا. # فناشدتكم الله، إلا ما تأملتم هذا الكلام بسياقه، وحكمتم فيه بيني وبين ~~معلمي، فإني استجرأت عليه بما تعلمت منه، و"الحديد بالحديد يفلح" (3) وقد ~~قال تعالى: {يوم تجد كل ms101 نفس ما عملت من خير محضرا} [آل عمران: 30] فكيف يجد ~~عمله وقد فني عمله قبل أن يفنى، ولكنه مؤول PageV01P654 # # قطعا، فإما أن يكون معناه: يوم تجد كل نفس ما عملت مكتوبا، أو موزونا، أو ~~ثوابا، أو عطاء، وكله مجاز على الوجه الذي قدمناه فاحمله عليه. # فإن قيل: فهلا جمعت في القرآن كتابا على نحو ما ذكرته لنا ها هنا مثالا ~~(1)، فيكون لك أجرا جاريا بعدك، ومنفعة للناس في استبصارهم بك، فأما هذا ~~القانون فإنما هو منهاج للعالم المستبصر، ووصية للذكي اللوذعي، والناس ~~رجلان: عاجز بسوسه (2) أو بسبب من أسباب الدنيا، أو مقصر، وكلاهما كان يجد ~~هذا الكتاب ملجأ وملاذا وسلما للمعرفتين: # أحدهما: التوصل إلى الغاية. # والثانية: إطلاع المقصر على طريق، إن لم يقدر على سلوكها أمن بها. # فالجواب: # إنا كنا أملينا في القرآن كما قدمنا كتابا موعبا "أنوار الفجر في مجالس ~~الذكر" قريبا من عشرين ألف ورقة (3)، في نحو من عشرين عاما، ولكنه لم ينضبط ~~للخلق، وإنما حصل كل واحد منهم جزءا دون جزء، وفي وقت دون وقت، بحسب الفشل ~~والنشاط، وعلى قدر عدم العوائق. PageV01P655 # # أما أنه قد تحصل منه، "أسماء الله تعالى" في أربعمئة ورقة، ويحصل منه ~~كتاب "النبي - صلى الله عليه وسلم - أسمائه ومعجزاته وجمل من أخباره" في ~~نحو من ألفي ورقة، وكتاب "المشكلين" من القرآن والحديث ألف ورقة وخمسمئة ~~ورقة، رؤوس مسائله في كتاب "الأفعال" من "الأمد"، وتحصل منه "مختصر ~~الأحكام" في ألف ورقة، فإذا وقفتم على هذه المجموعات، كنتم قد حصلتم كثيرا، ~~وتوسلتم بها إلى باقيها، وقد كان يمكن ما ذكرت، ولكن وقفت عند مقام ترددت ~~فيه، وهو أنه هل يصنف على السور؟ أو على الأبواب كما رتب الحديث على ~~المسند؟ أو على التصنيف فيجعل من أسماء الصحابة مسندا؟ أو على العبادات ~~والبيوع والنكاح مبوبا؟ فإذا رتب تفسير القرآن على الأبواب كان للعلماء، ~~وإذا رتب على السور كان لكافة الناس، لكنه يعرض فيه التكرار، ويعسر ضبطه ~~على المؤلف، وفهمه على القارئ، فإن المعنى يكون في سورة ms102 كاملا، ويكون في ~~أخرى مفترقا أجزاؤه على السور، فيفتقر إلى مزيد ضبط، ويتسع فيه الخرق، لأنك ~~إذا شرحت في كل موضع وهو الحق، فإن الله لما كرره مطلقا كرره أيضا أنت ~~مطلقا، وإذا كرره مقيدا، كرره أيضا أنت مقيدا، يأتيك منه نشر يملأ الأفق، ~~وإن اختصرت وأشرت، لم تبلغ رضا من سألك، ولا مهدت السبيل لمن سلك. # هذا من إكباب الخلق على الدنيا، وقصورهم عن التعليم، وكسلهم عن السعي في ~~الترقي إلى درجات الكمال، واقتناعهم بما يتألف من دنياهم، ويستعجلون به ~~منفعتهم، فالنقد القليل عندهم خير من الكالئ الكثير، مع ما يعانون من درك ~~المراتب الدنيوية بمسألة تقيد، أو عقد يعقد، أو رواية يجتزأ بها لقصد الناس ~~إليه فيها، وتصدره بينهم لأجلها، وهذا كله نظر للدنيا، وإعراض عن الدار ~~الأخرى. # PageV01P656 # # وما شغلني عن ذلك معاش أريشه، ولا ولاية استجدها، وإنما أقعدني ضعف ~~الطالب لها، وكثرة المطالب عليها، وذلك الذي أدخلني في معرفة السلطان، فإن ~~الجاهل أو الفقير لا يفتقر إليه، والغني قبل اليوم كان في غنى عنه. # وأما وقد امتدت الأطماع إلى الأموال، وضاقت عن مآل الرجال، فتدعو الضرورة ~~إلى السلطان لأكثر الأغنياء، ولا سيما أصحاب الضياع؛ لأن المملكة في كل أمة ~~قد سحبت ذيلها على الضياع، وقويت على الأموال الأطماع، فصاحب الضيعة مدفوع ~~إلى معرفة الأمير، ولا يرى ضرورة ليدفع عن نفسه معرة، ولتحقيق وعد الصادق ~~صلوات الله عليه حين دخل دار رجل من الأنصار فرأى فيه آلة الحرث فنظر إليها ~~وقال: "ما دخلت قط دار قوم إلا وأدخلت الذل" (1)، وقد تدرك الآفة للمعتزل ~~للعبادة من وجوه ذكرناها في "مسائل الصحبة والعزلة". # وأما العلم المفتقر إلى السلطان، فإنه إن كان فقيرا أو غنيا وسكت عن ~~العلم حصل أحد الرجلين المتقدمين، وإن تكلم بالعلم وأظهره حسده المقصرون عن ~~درجته، إذ ليس لهم من الدين ما ينصفون به، فيقرون له بالشفوف (2) عليهم في ~~مرتبته، إذ يتوقعون على دنياهم أن يحوزها دونهم أو ينقصهم، فينسبونه إما ~~إلى البدعة، وإما إلى التخليط وهي ms103 سالمة، فذاك الذي دعاني إلى مداخله ~~السلطان، ولنا في ذلك أعظم أسوة، فقد كان الأنبياء فيما سلف على قسمين: # منهم من يعضده الله بالقوة والجند، ويأذن له في القتال. PageV01P657 # # ومنهم من يكون مخلى مع الخلق، فيبعث الله إليه ملكا من ملوك الدنيا يعضده ~~على تبليغ أمر ربه، ويحميه وإن كان لا يعتقد ما يقوله. # ومنهم من لا يعضده بجند ولا قوة، ولا يكيف له من البشر أحدا، فيجترىء ~~عليه الملأ بالإهانة والقتل، فإن شاء حماه كما فعل بنوح، وإن شاء ابتلاه ~~كما فعل بيحيى. # وهذه كلها سنن الله في عباده، وأسوته في خلقه، فإنه خالف أحوال الأنبياء ~~ونوعها بين النعمة والبلاء، لتكون سلوة لمن أتى، وإليه الإشارة عند بعضهم ~~بقوله: {يوم ندعو كل أناس بإمامهم} [الإسراء: 71]. # قيل بمعبودهم، وقيل: برسولهم (1). # وقيل: بمن قلدوا كمالك والشافعي (2). # وقيل في طرف آخر بإبليس في الجن، وآدم في الإنس. # وقيل في طريق آخر بإبراهيم في الموقنين، ويعقوب في المحزونين، وبيوسف في ~~المسجونين، وبأيوب في الصابرين، وبموسى في المخلصين، وبعيسى في الزاهدين، ~~وبمحمد إمام الخلق أجمعين. # فإن قيل: فقد نهجت في التفسير سبلا وأوضحت للسالك دللا، # فكيف التخلص للسائر فيها مع الوعيد الوارد في تفسير القرآن بالرأي (3)، ~~وأنى يسوغ التسور مع ذلك عليها بالأقوال من غير نقل. PageV01P658 # ### | ذكر القول في تفسير القرآن بالرأي # قلنا: ليس في الوعيد على ذلك حديث صحيح، لكنه معنى صريح في الملة حتى في ~~الدين. # والرأي مصدر رأيت بقلبي، كما أن الرؤية مصدر رأيت بعيني (1)، ومن رأي ~~القلب ما يكون باطلا، ومنه ما يكون حقا. # فأما الحق فكل رأي يكون عن دليل. # وأما الباطل ما كان عن هوى مجرد. # وتحقيق الغرض المطلوب أن للناظر في القرآن مآخذ كثيرة أمهاتها ثلاث: # الأولى: النقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا هو الطراز الأول، ~~لكن حذار أن تعولوا فيه إلا على ما صح، ودعوا ما سودت فيه الأوراق، فإنه ~~سواد في القلوب والوجوه (2). PageV01P659 # # الثانية: الأخذ بمطلق اللغة، فإن القرآن أنزل بلسان عربي مبين. ms104 # الثالثة: التفسير بالمقتضى من معنى الكلام، والمقتضب من قوة المنزع، وهذا ~~هو الذي أخبر عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - تأويل دعائه الله في هبته ~~لابن عباس فقال: # "اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل" (1) وهي أحد أقوال العلماء: الحكمة ~~التي يؤتيها الله من يشاء في قوله: {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا} ~~[البقرة: 269]. # ومن ها هنا اختلف الصحابة في معنى الآية (2)؟ فأخذ كل أحد في رأيه على ~~منتهى نظره في المقتضى. # والضابط لهذا كله أن يكون الناظر في القرآن يلحظه بعين التقوى، ولا يميل ~~به إلى رأي أحد للهوى، وإنما ينظر إليه من ذاته ابتغاء علم الله ومرضاته، ~~وهو الأول. # الثاني: أن يكون نظره بعد استقلاله بشروط النظر كما قدمنا، ولا يسترسل ~~على جميعه، وهو لم يستوف شروط الناظر فيه، فإن أصل التخليط في تفسير من ~~تسور -ممن لا يستكمل شروط النظر فيه- عليه. PageV01P660 # ### | خاتمة الكتاب # فإذا وصلتم إلى هذا المقام من اليقين بصحة الاعتقاد، والنص بالنظر ~~والاستبداد، فقد خرجتم عن عهدة الجهل التي لزمتكم في قوله: # {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا} [النحل: 78]، وتعين عليكم ~~الخروج عن عهدة الخدمة بشكر النعمة فيما أسدى إليكم، وأنعم عليكم، حسب ما ~~توجه من التكليف إليكم، وخذوا خبرا تستفيدون منه بصرا: # دخلت يوما على بعض الأشياخ (1) وعلى كمي أوراق قد قيدتها، وكراريس قد ~~استحسنتها، فقال لي: أراك تستكثر منها! واعلم أنك لا تقيد حرفا ولا تضبط ~~كلمة، إلا وأنت مطلوب على العمل بها، ويكون يوم القيامة حجة عليك، وأنى ~~تطيق ذلك؟ فانظر لنفسك. وحملني الحرص على الطلب PageV01P661 # # على الاستكثار من التقييد، ووقعت الآن فيما حذرني منه، فإني لا أقدر على ~~العمل بما علمت، والله المستعان. # فإن قيل: وهل يقدر أحد على العمل بما علم؟. # قلنا: إن الله سبحانه لم يكلف عباده إلا ما يطيقون (1)، وقد سألوه ألا ~~يحملهم ما لا طاقة لهم به فقالوا: # {ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} [البقرة: 286] قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: قال الله ms105 تعالى: نعم، وقد فعلت (2). # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما ~~استطعتم" (3) ولكن هذا إنما يكون في الأوامر، فأما النواهي فالعبد مأمور ~~بالانكفاف عنها على الإطلاق، إذ ليس فيه كلفة إلا من جهة مجاهدة النفس، ~~وحذف الشهوات، وذلك ممكن عادة، فأما القيام بحق الخدمة في باب الأوامر، ~~فذلك القدر هو الذي وقع عنه العجز، وهو الذي كره النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - تعاطيه للخلق فقال: "عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل ~~حتى تملوا" (4). # وكما جعل العلم قسمين: منه ما يدركه الخلق، ومنه ما لا يدركه الخلق، وجعل ~~الكتاب قسمين: منه محكم هو أم الكتاب، وآخر متشابه، PageV01P662 # # كذلك جعل العمل قسمين: منه ما يتأتى تكليفه، ومنه ما يعسر على جبلة ~~البشرية تعاطيه. # فإن قيل: وعلى الذكرى فما معنى كونه محكما ومتشابها؟. ### | ذكر المحكم والمتشابه # فقل: قال تعالى: {منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} [آل ~~عمران: 7]. قلنا: قد بيناه في كتاب "المشكلين" عند ذكر هذه الآية بيانا ~~مستوفيا، لبابه: # إن القرآن محكم كله، كما قال: {كتاب أحكمت آياته} [هود: 1]. # وهو أيضا متشابه كله كما قال تعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتابا ~~متشابها} [الزمر: 23]. # ومنه محكم، ومنه متشابه، كما قال تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه ~~آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} [آل عمران: 7]، والمعنى الذي به ~~صار القرآن كله محكما، بذلك المعنى صار كله مشابها، والمعنى الذي به صار ~~منه آيات محكمات، بذلك المعنى صار منه آيات متشابهات (1). PageV01P663 # # فأما كونه محكما كله فبمعان كثيرة: # منها اطراده في البلاغة، وانتظامه في سلك الفصاحة، واستواء أجزاء كلماته ~~في أداء المعنى، من غير حشو يستغنى عنه، أو نقصان يخل به، واختصار القول ~~الطويل الدال على المعنى الكثير. # قال الأصمعي (1): كنت في بعض أحياء العرب، فإذا بجارية صغيرة السنن وهي ~~تقول: # قبلت محبوبا بغير حلة ... مثل الغزال قائما في دلة (2) # فقلت لها: ما أبلغ كلامك! وأفصح مقالك!. # قالت: أبلغ من ذلك من جمع في ms106 آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين، ~~وبشارتين، وذلك قوله: {وأوحينا إلى أم موسى ### | .... # -إلى قوله- المرسلين} [القصص: 7]. # فقدله: {وأوحينا} وقوله {فإذا خفت عليه} خبران. # وقوله: {ولا تخافي ولا تحزني} نهيان. # وقوله: {إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين} بشارتان. # وقد قال أهل الإشارة: في القرآن ثلاث آيات جمعت بين عذرين PageV01P664 # # ونسخين وأمرين ونهيين ورخصتين وكرامتين: # فأما العذران فقوله: # {كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون (183) أياما معدودات} [البقرة: ~~183 - 184] كأنه قال لهذه الأمة: لم تختصوا بهذا، ولا ابتدئتم به، بل فرض ~~على من كان قبلكم، ثم إنه لم يجعل الدهر كله، وإنما جعل أياما قلائل. # وأما النسخان فنسخ قوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه} [البقرة: 184]، ونسخ ~~تحريم الوطء بعد النوم في أثناء الليل. # وأما الأمران فالتكبير، وإكمال العدة، قوله تعالى: {ولتكملوا العدة ~~ولتكبروا الله على ما هداكم} [البقرة: 185]. # وأما النهيان: فالأكل والجماع وهو حقيقة الصوم. # وأما الرخصتان: فالفدية للشيخ، والفطر في السفر. # وأما الكرامتان: فإنزال القرآن في شهر رمضان، وليلة القدر. # فترى كيف قصر القول وطال المعنى، وفيه أيضا حسن التصريف بالعبارة في ~~التصريح والإشارة، ورصف الألفاظ المطردة، ورس المعاني، وربط المقاصد، وحسن ~~الأداء إلى الأسماع. # وأما كونه متشابها: فبمعنى واحد، وهو ما وصفناه به من الأحكام الذي يجري ~~في جميع سوره بل في آياته. # وأما الذي به كان منه آيات محكمات هي الأم، ومنه آيات متشابهات، فذلك في ~~طريق البيان والعلم، إذ منه آيات محكمات يعلم معناها، ويفهم # PageV01P665 # # المراد معها، ومنه آيات متشابهات لا يفهم معناها لاشتباهها بما يصح أن ~~يكون موافقا للمحكم، وربما لا يوافقه، أو لانغلاق باب المعرفة، فهذا أصل ~~المحكم والمتشابه، فابن عليه، وله أمثلة كثيرة منها: # قوله: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5]. # وقد ذكرنا فيها في "شرح المشكلين" خمسة عشر قولا (1). # واختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال: # فمنهم من قال تمر كما جاءت ولا يتكلم فيها (2). # الثاني ومنهم من قال يتكلم فيها مع من يتحقق حسن عقيدته ويقين استرشاده، ~~ألا ترى إلى قول إمام الأئمة مالك: "الاستواء ms107 معلوم والكيفية مجهولة، ~~والسؤال عنه بدعة" (3). PageV01P666 # # الثالث: ومنهم من أطلق القول كسفيان بن عيينة (1) قال: وقد سئل عن قوله ~~تعالى: {الرحمن على العرش استوى} [طه: 5] فقال: هي وقوله: {ثم استوى إلى ~~السماء وهي دخا} ن [فصلت: 11] سواء (2). # وأشبه قول فيه ثلاثة: قول سفيان هذا، وقول من قال إنه بمعنى استولى (3)، ~~PageV01P667 # # وقول من قال: فعل في العرش فعلا سماه استواء (1). # وقد قال لنا محمد بن طاهر المقدسي (2)، قال أبو المظفر شاهفور ~~الإسفراييني (3) معناه: منع أن يكون فوق العرش شيء، وهو أحد معنى قولنا: ~~استوى فلان على المرتبة (4)، وهو بديع عظيم، قد قررناه عنه بلفظه في "شرح ~~المشكلين" واختصرناه ها هنا لطوله، وما ذكرناه دلالة على جميعه (5)، وإذا ~~PageV01P668 # # أردت الآيات فهي آيات الوعيد والقيامة، وكل آية عبر الله فيها عن نفسه ~~بفعل يستحيل ظاهره عليه، والحروف المتشابهات في أوائل السور. ### | ذكر تيسير العمل بالعلم # وبعد البلوغ إلى هذا المنتهى من الحث على العمل بما علم، وكشف الغطاء عن ~~فرضية ذلك، وتعلقه بالعلم، وتأثيره فيه، ومعونته عليه، والخلاص به منه، ~~فالعمل له محلان: # أحدهما القلب، والآخر الجوارح. # وعلى القلب أمران: # أحدهما الاعتقاد، والآخر الإخلاص. # فأما الاعتقاد الصحيح بتجريده عن الشبه، فممكن متيسر بتوفيق الله ومنه، ~~وإجراء عادته فيه على خلقه، وقد شاهدنا ذلك في جماعة منهم لا تحصى. ~~PageV01P669 # # وأما إخلاص (1) القلب في القيام بالأعمال فهو لعمر الله عسير، عنده وقفت ~~الخليقة حين سمعت قوله: # {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} [البينة: 5] (2) وكذلك ~~أيضا سمعوا قوله: # {ألا لله الدين الخالص} [الزمر: 3] والخلوص هو الصفاء، يقال لبن خالص، ~~إذا لم يشب، وذلك يكون لصفائه في الابتداء، فيعقد عقدا سليما ويعمل كذلك ~~(3). # وقد تشينه الذنوب، فتخلصه أيضا التوبة، ويصفيه الندم. والإخلاص درجة ~~عظيمة في الدين، كما أن الزنا دركة عظيمة في المعاصي. # وقد سطر علماء القلوب في الوجهين جميعا بدائع، وأنا أشير لكم فيها إلى ما ~~يسهل سبيله، ويقرب مجاهدة النفس الأمارة بالسوء والذي يجلبه إليك أن تقطع ~~نيتك عن تعليق العمل بغير الله، ms108 فلا تقصد بعملك إلا الذي أمرك به. # مثل الذي يعمل لغير الله كما روي في الحديث الصحيح أن يحيى بن زكريا قال ~~لبني إسرائيل: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بها وآمركم أن تعملوا بها: ~~أولهن: أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وإن مثل من أشرك بالله كمثل رجل ~~اشترى عبدا من خالص ماله بذهب أو ورق وقال له: هذه داري، وهذا عملي، فأد كل ~~عمل لي، فكأن يعمل ويؤدي إلى PageV01P670 # # غير سيده، فأيكم يرضى أن يكون كذلك؟ وذكر الخصال الخمس إلى آخرها (1) ... ~~وتحقيقه: ألا تقصد بعملك حظ نفسك المختصة بك، فكيف أن تعلقه بغيرك، فإن ~~تطيبت مثلا، فلا تقل هذا الطيب لعطري وعطر أهلي، ولكن قل: هو لملائكة ربي ~~والاقتداء بسنة نبيي، وهذا الأكل ليس للذتي، وإنما للقوة على عبادة ربي. # وفي الحديث الصحيح قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أول الناس يقضى ~~فيه يوم القيامة رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه فعرفها فيقول له: فما عملت ~~فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت، قال الله: كذبت، ولكنك أردت أن يقال ~~فلان شجاع، فقد قيل، ويؤمر به في النار. # ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ ألقرآن فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما ~~عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال كذبت ولكنك ~~أردت أن يقال فلان قارىء وقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في ~~النار"، وذكر في الجواد مثله (2). # ومما يعينك على صحة الإخلاص وتجريد النية من الشوائب لغير الله: الصدق ~~(3): فإنك إن قررت السؤال عن علمك في دنياك وآخرتك، PageV01P671 # # وافتقرت أن تخبر عن باطن نيتك بخلاف ما هي عليه مقت ومقت نفسك كما تقدم ~~في الحديث آنفا. # فاحفظ لسانك عن الكذب (1): واعلم أنه المعبر عنك، المعبر لك عن طريق ~~العلم، ورأس العمل، وفيه خصلة واحدة وهي الصدق وفيه نحو من عشرين آفة (2) ~~أمهاتها أربع وهي: # الكذب، والغيبة، والمراء، والمزاح، وبكفك عن هذه الأربعة يهون عليك الكف ~~عن باقيها. # أما الكذب فحرام ms109 إلا في ثلاث: # الإصلاح بين الناس (3)، والحرب، ووعد الرجل أهله. # لكن جواز الكذب في هذه المواطن الثلاثة إنما يكون بالمعاريض، لا ~~بالتصريح، إلا أن لا يفهم مفاوضك فيه بالتعريض فتصرح بالكذب باللسان ~~PageV01P672 # # دون الاعتقاد، وذلك فيما يخاف الضرر منه في النفس والمال عليك وعلى غيرك، ~~بل قد يكون الكذب فرضا، وذلك إذا طلب الظالم العادل، وسأل المسلم عنه فيجب ~~عليه أن يعمي عليه طريقه بالكذب الصراح، ويخفي عنه موضعه، لأن الكذب لم ~~يحرم لعينه، وإنما حرم لما فيه من المضرة، فإذا كان الصدق مضرة كان الكذب ~~خيرا منه، وبهذا يتبين بطلان أصل القدرية في قولهم إن الحسن حسن لذاته، ~~والقبيح قبيح لذاته، وقد قررنا الرد عليهم في كتب "الأصول" وحققنا أن العقل ~~هو العلم (1)، وأنه لا يغير شيئا مما يتعلق به عن صفته، وإنما يتعلق ~~بالمعلوم على ما هو به. # وأكدنا ذلك بأن القتل الواقع اعتداء يجانس القتل المستوفي قصاصا في ~~الصورة والصفة، بدليل أن الغافل المستند فيهما لا يميز بينهما، وهذا قاطع ~~في فنه. # وأما الغيبة فمحرمة قرآنا وسنة وبإجماع الأمة. # وحقيقتها (2): أن يذكر عن المرء ما يكره أن يسمعه بما هو عليه، فإن لم ~~يكن عليه فهو بهتان (3) وفيه الكذب والغيبة فتأكدت حرمته وعظم إثمه، وهي ~~خصلة مذهبة للحسنات، ضرب الله لها مثلا أكل الميت فقال: PageV01P673 # # {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه} [الحجرات: 12] وكذلك ~~فاكرهوا غيبته، وإن الاغتياب قرض في العرض، وهو أعظم من قرض اللحم بالمقراض ~~أو مثله، ولذلك قال شاعر العرب: # "وجرح اللسان كجرح اليد" (1) # وحقق الله التشبيه في قوله: {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا} للغايب ~~بالميت، لأنه غاب عن ذكره كما يغيب الميت عن ذكر كل أحد، والأكل إذاية، وبه ~~يضرب ملك الرؤيا المثل للمغتاب، أما أنه رخص فيها في أربعة مواضع: # منها التظلم عند من ترجى نصرته، بدعوة يدعو لك بها، أو بقضاء يقضي لك ~~عليه، ومنها عند الاستياء كقول هند بنت عتبة (2) لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "إن ms110 أبا سفيان رجل مسيك" (3). # ومنها تحذير المغتر به عنه إن أراد أن يصحبه، أو سألك عنه، ومنها اللقب ~~الغالب عليه وفيه اختلاف (4). PageV01P674 # # وأما المراء (1) فهي المجادلة فيما تعلم أنه باطل، أو على معنى البدعة، ~~فإن المبتدع يجادل في آي القرآن عن اعتقاد ونية في ذلك أنه حق وهو باطل، ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "المراء في القرآن كفر" (2) وإنما كان ~~كفرا لأنه يكفي أن يعتقد هو بدعته في نفسه، حتى يدعي أن الله أرادها معه، ~~وهذه جرأة على الله وكفر به سبحانه وتعالى، وهذا مما لا نظير له، وما ~~وجدناه لغيرنا. # وأما المزاح، فهو تكلم بما لا يعني، وتركه من محاسن الإسلام. # قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا ~~يعنيه" (3). # وقد سمعت الطرطوشي يقول: المازح جاهل، قال الله سبحانه مخبرا عن بني ~~إسرائيل وموسى: # {أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} [البقرة: 67]، قلت: ~~والذي عندي أنه إذا كان في جواب الدين كان جهلا، وإذا كان في لهو الدنيا ~~فهو بمنزلة الكلام حكمه حكمه، وصفته صفته. # فإذا طهرت قلبك من غير الله، ولسانك عن هذه الآفات، فقد أسست PageV01P675 # # للولاية ركنين عظيمين، وبقيت سائر الأعمال التكليفية، فحافظ منها على ~~ركنيين آخرين ليتأسس لك بيت الإسلام: # الركن الأول: دعائم الدين الخمس. # الركن الثاني: اجتناب الكبائر. # قال الله سبحانه: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} ~~[النساء: 31]، ولا يعلمها أحد على التحقيق إلا الله، خبأها الله بلطفه في ~~المنهيات، كما خبأ ساعة الجمعة في الساعات، وليلة القدر في الليلات. # وقد جمعها بعض الأشياخ، ونظمها على الجوارح، وبلغها سبع عشرة (1) كبيرة، ~~فيا ليتكم تركتموها، فإنكم كنتم تكونون لغيرها أترك، وكانت سائر الذنوب ~~تكفر عنكم "بالصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهن ما اجتنبت ~~الكبائر" (2)، فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث أن ~~الصلوات تكفر ما بينهما ما لم تكن كبيرة، فإن كانت معه كبيرة فهل تكفر له ~~الصغائر؟ أم يكون وجود ms111 الكبائر قاطعا به في تكفير الصغائر بالصلوات حسبما ~~يقتضيه ظاهر الحديث، وما فيه من شرط اليقين المطلق باجتناب الكبائر، هو ~~موضع توقف يفتقر إلى دليل آخر من غيره، فوجدنا في ذلك آثارا كثيرة منها ~~قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا توضأ العبد المؤمن خرجت خطاياه (3) ... ~~" الحديث. PageV01P676 # # ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم -: فضل صلاة الجمع على صلاة الفذ إلى أن ~~قال: ذلك بأنه لا يخطو خطوة إلا كتب الله له بها حسنة ومحا عنه سيئة، ورفع ~~له درجة" (1). ### | تعديد الكبائر من مجموع الأخبار وقسمتها على الجوارح قصد الضبط والاختصار # (2) # أربعة في القلب: # الشرك، الإصرار، القنوط، الأمن من المكر. # أربعة في اللسان: # شهادة الزور، القذف، اليمين الغموس، السحر (3)، وعند مالك رحمه الله أن ~~السحر كفر (4)، فيدخل في قسم الشرك، وتعوض عنه النميمة. # وثلاث في البطن: # شرب الخمر، أكل مال اليتيم، أكل الربا. PageV01P677 # # وإثنان في الفرج: # الزنا واللواط. # وإثنان في اليدين وهما: # القتل والسرقة. # وواحدة في الرجلين وهي: # الفرار عند الزحف. # وواحدة في جميع البدن: # وهي عقوق الوالدين. # وبحصرها من وجه آخر أن تجتنب ما بينك وبين العباد، فإنه عظيم لا جبر له، ~~وأما الذي بينك وبين الله فإنه أخف. وأكثر بعد ذلك من تلاوة القرآن بتدبر، ~~وإن لم يكن فتلاوة مجردة، فإن مثل الذي يقرأ القرآن ولا يعمل به كالذي جاء ~~على ألسنة الحكماء، وهو بديع في الأمثال. # قالوا: لو أن ملكا أرسل إلى عماله كتابا يأمرهم فيه بتحصين البيضة وسد ~~الثغور، والعدل في الرعية، والإنصاف بين الناس، وإيصال الحقوق إلى أربابها، ~~وسائر ذلك من وظائف الإمارة، فلما وصل كتابه إلى عماله، كان منهم من تلقاه ~~بالمبرة والتعظيم، وقرأه على غاية التفهيم، وجعل يمتثل ما أمره به، ويقيم ~~حدود ما وظف عليه، وكان من العمال من تلقاه بالبر والتعظيم، وجعله نصب ~~عينيه في مطالعته، والوقوف عليه، وأعرض عن امتثال ما فيه، # PageV01P678 # # ثم اجتمعوا مع الملك فتخيل حال الرجلين، وتحقق الفرق بين المنزلتين. # والزم بعد ذلك بالألفاظ الصحيحة ذكر الله والدعاء إليه ms112 بالأدعية الصحيحة، ~~ولا تلتفت إلى ذكر الله بما لم يصح، ولا التضرع إليه بما لم يثبت، فإن ~~الشيطان إذا لم يقدر عن صرف العبد عن ذكر الله، أقبل عليه، فجعل يشغله ~~بالأذكار والأدعية التي لم تصح، فيربح معه العدول عن صحيح الحديث إلى ~~سقيمه، فربما اعتقد في حديث أنه صحيح، وفي ذكر ودعاء أنه حق، وهو باطل (1)، ~~فيدخل تحت وعيد النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من حدث عني حديثا يرى ~~أنه كذب فهو أحد الكاذبين" (2). # فإذا التزمت هذا كله -وهو يسير بتوفيق الله وتيسيره- فتح الله لك أبواب ~~الرحمة، وجرت على لسانك ينابيع الحكمة، وقرب لك امتثال ما بقي عليك من ~~المأمورات، ويسر عليك اجتناب سائر المنهيات، ودعيت عظيما في ملكوت الأرض ~~والسموات، والله سبحانه يجعلنا ممن طلب العلم والحكمة، ودأب على كتاب الله ~~واحترمه، وألقاه إلى سواه، وأفهمه، ف "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" (3). # ويقربنا بعد ذلك من رضوانه ويبؤئنا الفردوس الأعلى من جنانه، PageV01P679 # # يفضله ورحمته، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. # كمل كتاب "قانون التأويل" لأبي بكر بن العربي رحمه الله. PageV01P680 ms113