######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_009263 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: القاضي عياض #META# 010.AuthorNAME :: القاضي عياض(م) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 544 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: كتاب الشفا(م) #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: سيرة النبي صلى الله عليه وسلم :: كتب سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: كتاب الشفا #META# 030.LibURI :: JK_009263 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # # | 1 ( القسم الأول في تعظيم العلي الأعلى لقدر هذا النبي قولا وفعلا ) 1 # | قال [ الفقيه ] القاضي الإمام أبو الفضل رضي الله عنه : | لا خفاء على ~~من مارس شيئا من العلم ، أو خص بأدنى لمحة من فهم ، بتعظيم الله تعالى قدر ~~نبينا عليه [ الصلاة و ] السلام ، وخصوصه إياه بفضائل ومحاسن ومناقب لا ~~تنضبط لزمام ، وتنويهه من عظيم قدره بما تكل عنه الألسنة والأقلام . | ~~فمنها ما صرح به الله تعالى في كتابه ، ونبه به على جليل نصابه ، وأثنى ~~عليه من أخلاقه وأدابه ، وحض العباد على التزامه ، وتقلد إيجابه ، فكان جل ~~جلاله هو الذي تفضل وأولى ، ثم طهر وزكى ، ثم مدح بذلك وأثنى ، ثم أثاب ~~عليه الجزاء الأوفى ، فله الفضل بدءا [ 6 ] وعودا ، والحمد أولى وأخرى . | ~~ومنها ماأبرزه للعيان من خلقه على أتم وجوه الكمال والجلال ، وتخصيصه ~~بالمحاسن الجميلة والأخلاق الحميدة ، والمذاهب الكريمة ، والفضائل العديدة ~~، وتأييده بالمعجزات الباهرة ، والبراهين الواضحة ، والكرامات البينة التي ~~شاهدها من عاصره ورآها من أدركه ، وعلمها علم يقين من جاء بعده ، حتى انتهى ~~علم ذلك إلينا ، وفاضت أنواره علينا ، صلى الله عليه وسلم كثيرا . | حدثنا ~~القاضي الشهيد أبو علي الحسين بن محمد الحافظ ، رحمه الله قراءة منى عليه ، ~~قال : أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار ، وأبو الفضل أحمد بن خيرون ، قالا ~~: حدثنا أبو يعلى البغدادي ، قال : حدثنا أبو علي السنجي ، قال : محمد بن ~~أحمد ابن محبوب ، قال : حدثنا أبو عيسى بن سورة الحافظ ، قال : حدثنا إسحاق ~~بن منصور ، PageV01P015 حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عن قتادة ، عن ~~أنس : أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بالبراق ليلة أسري به ملجما مسرجا ، ~~فاستصعب عليه ، فقال له جبريل : أبمحمد تفعل هذا ؟ فما ركبك أحد أكرم على ~~الله منه . قال : فارفض عرقا . # PageV01P016 # | 2 ( الباب الأول في ثناء الله تعالى عليه وإظهاره عظيم قدره لديه ) 2 # | اعلم أن في كتاب الله العزيز آيات كثيرة مفصحة بجميل ذكر المصطفى ، وعد ~~محاسنه ، وتعظيم أمره ، وتنويه قدره ، اعتمدنا منها على ما ظهر معناه ، ~~وبان فحواه ، وجمعنا ذلك ms001 في عشرة فصول : | # | 3 ( الفصل الأول ) 3 # | فيما جاء من ذلك مجيء المدح والثناء وتعداد المحاسن كقوله تعالى : لقد ~~جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم [ ~~سورة التوبة / 9 : الآية 128 ] . | قال السمرقندي [ 6 ] : وقرأ بعضهم : من ~~أنفسكم بفتح الفاء . وقراءة الجمهور بالضم . | قال القاضي الإمام أبو الفضل ~~[ وفقه الله ] أعلم الله تعالى المؤمنين ، أو العرب ، أو أهل مكة ، أو جميع ~~الناس ، على اختلاف المفسرين : من المواجه بهذا الخطاب أنه بعث فيهم رسولا ~~من أنفسهم يعرفونه ، ويتحققون مكانه ، ويعلمونه صدقه وأمانته ، فلا يتهمونه ~~بالكذب وترك النصيحة لهم ، لكونه منهم ، وأنه لم تكن في العرب قبيلة إلا ~~ولها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولادة أو قرابة ، [ وهو عند ابن ~~عباس PageV01P017 وغيره معنىقوله تعالى : إلا المودة في القربى ] وك ونه من ~~أشرفهم ، وأرفعهم ، وأفضلهم ، على قراءة الفتح ، وهذه نهاية المدح ، ثم ~~وصفه بعد بأوصاف حميدة ، وأثنى عليه بمحامد كثيرة ، من حرصه على هدايتهم ~~ورشدهم وإسلامهم ، وشدة ما يعنتهم ويضر بهم في دنياهم وأخراهم ، وعزته ~~ورأفته ورحمته بمؤمنهم . | قال بعضهم : أعطاه اسمين من أسمائه : رؤوف ، ~~رحيم . | و مثله في الآية الأخرى : قوله تعالى : لقد من الله على المؤمنين ~~إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين [ سورة آل عمران / 3 ، الآية : 164 ~~] | و في الآية الأخرى : هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم ~~آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين [ ~~سورة الجمعة / 62 : الآية 2 ] . | و قوله تعالى : كما أرسلنا فيكم رسولا ~~منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم ~~تكونوا تعلمون [ سورة البقرة / 2 : الآية 151 ] . | و روي عن علي بن أبي ~~طالب ، عنه صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : من أنفسكم قال : نسبا وصهرا ~~وحسبا ، ليس فى آبائي من لدن آدم سفاح ، كلنا نكاح . | PageV01P018 [ قال ~~ابن الكلبي : كتبت للنبي صلى ms002 الله عليه وسلم خمسمائة أم ، فما وجدت فيهن ~~سفاحا ولا شيئا مما كان عليه الجاهلية . | و عن ابن عباس رضي الله عنه في ~~قوله تعالى : وتقلبك في الساجدين قال : من نبي إلى نبي ، حتى أخرجك نبيا ] ~~. | و قال جعفر ابن محمد : علم الله عجز خلقه عن طاعته ، فعرفهم ذلك ، لكي ~~يعلموا أنهم لا ينالون الصفو من خدمته ، فأقام بينهم وبينه مخلوقا من جنسهم ~~في الصورة ، وألبسه من نعمته [ 7 ] الرأفة والرحمة ، وأخرجه إلى الخلق ~~سفيرا صادقا ، وجعل طاعته طاعته ، وموافقته ، فقال تعالى : من يطع الرسول ~~فقد أطاع الله . | و قال الله تعالى : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين [ ~~سورة الأنبياء - 21 : الآية 107 ] . | قال أبو بكر بن طاهر : زين الله ~~تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم بزينة الرحمة ، فكان كونه رحمة ، وجميع ~~شمائله وصفاته رحمة على الخلق ، فمن أصابه شيء من رحمته فهو الناجي في ~~الدارين من كل مكروه ، والواصل فيهما إلى كل محبوب ، ألا ترى أن الله يقول ~~: وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ، فكانت حياته رحمة ، ومماته رحمة ، كما ~~قال عليه السلام : حياتي خير لكم وموتي خير لكم وكما قال عليه الصلاة ~~والسلام : إذا أراد الله رحمة بأمة قبض نبيها قبلها ، فجعله لها فرطا وسلفا ~~. وقال السمر قندي : رحمة للعالمين : يعني للجن والإنس . | و قيل : لجميع ~~الخلق ، للمؤمن رحمة بالهداية ، ورحمة للمنافق بالأمان من القتل ، ورحمة ~~للكافر بتأخير العذاب . | PageV01P019 قال ابن عباس رضي الله عنهما : هو ~~رحمة للمؤمنين وللكافرين ، إذ عوفوا مما أصاب غيرهم من الأمم المكذبة . | و ~~حكى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لجبريل عليه السلام : هل أصابك من هذه ~~الرحمة شىء ؟ قال : نعم ، كنت أخشى العاقبة فأمنت لثناء الله عز وجل علي ~~بقوله : ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين [ سورة التكوير - 81 : ~~الآية 20 21 ] . | و روي عن جعفر بن محمد الصادق فى قوله تعالى : فسلام لك ~~من أصحاب اليمين . أي بك ، إنما وقعت سلامتهم من أجل كرامة محمد صلى الله ~~عليه وسلم ms003 . | و قال الله تعالى : الله نور السماوات والأرض مثل نوره ~~كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة ~~مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور ~~على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء ~~عليم [ سورة النور - 24 : الآية 35 ] . | قال كعب ، وابن جبير : المراد ~~بالنور الثاني هنا محمد عليه السلام [ 7 ] . وقوله تعالى مثل نوره أي نور ~~محمد صلى الله عليه وسلم . | و قال سهل بن عبد الله : المعنى : الله هادي ~~أهل السموات والأرض ، ثم قال : مثل نور محمد إذ كان مستودعا في الأصلاب ~~كمشكاة صفتها كذا ، وأراد بالمصباح قلبه ، وبالزجاجة صدره ، أي كأنه كوكب ~~دري لما فيه من الإيمان والحكمة يوقد من شجرة مباركة أي من نور إبراهيم . ~~وضرب المثل بالشجرة المباركة . | و قوله : يكاد زيتها يضيء أي تكاد نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم تبين للناس قبل كلامه كهذا الزيت . | و قيل في هذه ~~الآية غير هذا . والله أعلم . | و قد سماه الله تعالى في القرآن في غير هذا ~~الموضع نورا وسراجا منيرا ، فقال تعالى : قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ~~[ سورة المائدة - 5 : الآية 15 ] . | PageV01P020 و قال تعالى : إنا ~~أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا [ سورة ~~الأحزاب - 33 : الآية 45 46 ] . | و من ه ذا قوله تعالى : ألم نشرح لك صدرك ~~* ووضعنا عنك وزرك * الذي أنقض ظهرك * ورفعنا لك ذكرك * فإن مع العسر يسرا ~~* إن مع العسر يسرا * فإذا فرغت فانصب * وإلى ربك فارغب [ سورة الشرح - 94 ~~] . | شرح : وسع . والمراد بالصدر هنا : القلب . قال ابن عباس : شرحه ~~بالإسلام . | و قال سهل : بنور الرسالة . | و قال الحسن : ملأه حكما وعلما ~~. | و قيل : معناه ألم نطهر قلبك حتى لا يؤذيك الوسواس . ووضعنا عنك وزرك ~~الذي أنقض ظهرك : | قيل : ما سلف من ذنبك يعني قبل النبوة . | و قيل : أراد ~~ثقل أيام الجاهلية . | و قيل : أراد ما أثقل ms004 ظهره من الرسالة حتى بلغها . ~~حكاه الماوردي والسلمي . | و قيل : عصمناك ، ولولا ذلك لأثقلت الذنوب ظهرك ~~، حكاه السمرقندي . | ورفعنا لك ذكرك قال يحيى بن آدم : بالنبوة . وقيل : ~~إذا ذكرت ذكرت معي قول : لا إله إلا الله ، محمد رسول الله . وقيل : في ~~الأذان [ 8 ] . | قال القاضي أبو الفضل : هذا تقرير من الله جل اسمه لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم على عظيم نعمه لديه ، وشريف منزلته عنده ، وكرامته عليه ~~، بأن شرح قلبه للإيمان والهداية ، ووسعه لوعى العلم ، وحمل الحكمة ، ورفع ~~عنه ثقل أمور الجاهلية عليه ، وبغضه لسيرها ، وما كانت عليه بظهور دينه على ~~الدين كله ، وحط عنه عهدة أعباء الرسالة والنبوة لتبليغه للناس ما نزل ~~إليهم ، وتنويهه بعظيم مكانه ، وجليل رتبته ، ورفعه وذكره ، وقرانه مع اسمه ~~اسمه . | قال قتادة : رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة فليس خطيب ولا متشهد ~~ولا صاحب صلاة إلا يقول : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله . | ~~و روى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أتاني جبريل عليه ~~السلام ، فقال : إن PageV01P021 ربي وربك يقول : تدري كيف رفعت ذكرك ؟ قلت ~~: الله ورسوله أعلم . قال : إذا ذكرت ذكرت معي . | قال ابن عطاء : جعلت ~~تمام الإيمان بذكري معك . | و قال أيضا : جعلتك ذكرا من ذكرى ، فمن ذكرك ~~ذكرني . | و قال جعفر بن محمد الصادق : لا يذكرك أحد بالرسالة إلا ذكرني ~~بالربوبية . | و أشار بعضهم في ذلك إلى الشفاعة . | و من ذكره معه تعالى أن ~~قرن طاعته بطاعته واسمه باسمه ، فقال تعالى : أطيعوا الله والرسول . وآمنوا ~~بالله ورسوله ، فجمع بينهما بواو العطف المشركة . | و لا يجوز جمع هذا ~~الكلام في غير حقه عليه السلام . | حدثنا الشيخ أبو علي الحسين بن محمد ~~الجياني الحافظ فيما أجازنيه [ 8 ] ، وقرأته على الثقة عنه ، قال : حدثنا ~~أبو عمر النمري ، قال : حدثنا أبو محمد بن عبد المؤمن ، حدثنا أبو بكر بن ~~داسة : حدثنا أبو داود السجزي ، حدثنا أبو الوليد الطيالسي ، حدثنا شعبة ، ~~عن منصور ، عن عبد الله بن يسار ، عن ms005 حذيفة رضي الله عنه ، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، قال : لا يقولن أحدكم ما شاء الله وشاء فلان ، ولكن ما ~~شاء الله ثم شاء فلان . | قال الخطابي : أرشدهم صلى الله عليه وسلم إلى ~~الأدب في تقديم مشيئة الله تعالى على مشيئة من سواه ، واختارها بثم التي هي ~~للنسق والتراخي ، بخلاف الواو التي هي للإشتراك . | و مثله الحديث الآخر : ~~إن خطيبا خطب عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : من يطع الله ورسوله ~~فقد رشد ، ومن يعصهما . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : بئس خطيب القوم ~~أنت ! قم . أو قال : PageV01P022 اذهب . قال أبو سليمان : كره منه الجمع ~~بين الاسمين بحرف الكناية لما فيه من التسوية . | و ذهب غيره إلى أنه كره ~~له الوقوف على يعصهما . | و قول أبي سليمان أصح ، لما روي في الحديث الصحيح ~~أنه قال : ومن يعصهما فقد غوى ، ولم يذكر الوقوف على يعصهما . | و قد اختلف ~~المفسرون وأصحاب المعاني في قوله تعالى : إن الله وملائكته يصلون على النبي ~~، هل [ يصلون ] راجعة على الله تعالى والملائكة أم لا ؟ . | فأجازه بعضهم ، ~~ومنعه آخرون ، لعلة التشريك ، وخصوا الضميربالملائكة ، وقدروا االآية : إن ~~الله يصلي ، وملائكته يصلون . | و قد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال : من ~~فضيلتك عند الله أن جعل طاعتك طاعته ، فقال تعالى : من يطع الرسول فقد أطاع ~~الله [ سورة النساء - 4 : الآية 80 ] . | و قد قال [ 9 ] تعالى : قل إن ~~كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم * ~~قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين [ سورة آل ~~عمران - 3 : الآية 31 32 ] . | روي أنه لما نزلت هذه الآية قالوا : إن ~~محمدا يريد أن نتخذه حنانا كما اتخذت النصارى عيسى ، فأنزل الله تعالى : قل ~~أطيعوا الله والرسول فقرن طاعته بطاعته رغما لهم . وقد اختلف المفسرون في ~~معنى قوله تعالى في أم الكتاب : اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت ~~عليهم ، فقال أبو العالية ، والحسن البصر ي : الصراط المستقيم هو رسول ms006 الله ~~صلى الله عليه وسلم وخيار أ هل بيته وأصحابه ، حكاه عنهما أبو الحسن ~~المارودي وحكى مكي عنهما نحوه ، وقال : هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وصاحباه : أبو بكر وعمر رضي الله عنهما . | و حكى أبو الليث السمرقندي مثله ~~عن أبي العالية ، في قوله تعالى : صراط الذين أنعمت عليهم ، قال : فبلغ ذلك ~~الحسن ، فقال : صدق والله ونصح . | PageV01P023 و حكى الماوردي ذلك في ~~تفسير : صراط الذين أنعمت عليهم عن عبد الرحمن بن زيد . | و حكى أبو عبد ~~الرحمن السلمي ، عن بعضهم ، في تفسير قوله تعالى : فقد استمسك بالعروة ~~الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم أنه محمد صلى الله عليه وسلم . | و ~~قيل : الإسلام . | و قيل : شهادة التوحيد . | و قال سهل في قوله تعالى : ~~وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها قال : نعمته بمحمد صلى الله عليه وسلم . | و ~~قال تعالى : والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون * لهم ما يشاؤون ~~عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ( سورة الزمر - 39 : الآية 33 ، 34 ) . | أكثر ~~المفسرين على أن الذي جاء بالصدق هو محمد صلى الله عليه وسلم . | و قا ل ~~بعضهم : وهو الذي صدق به . | و قرىء : صدق بالتخفيف . | و قال غيرهم : الذي ~~صدق به المؤمنون [ 9 ] . | و قيل أبو بكر . وقيل علي . غير هذا من الأقوال ~~. | و عن مجاهد في قوله تعالى : ألا بذكر الله تطمئن القلوب قال : بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه . | # | 3 ( الفصل الثاني ) 3 # | في وصفه تعالى له بالشهادة وما يتعلق بها من الثناء والكرامة قال الله ~~تعالى : يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى الله ~~بإذنه وسراجا منيرا ( سورة الأحزاب / 33 : الآية 45 46 ) . | PageV01P024 ~~جمع الله تعالى في هذه الآية ضروبا من رتب الأثرة ، وجملة أوصاف من المدحة ~~فجعله شاهدا على أمته لنفسه بإبلاغهم الرسالة ، وهي من خصائصه صلى الله ~~عليه وسلم ، ومبشرا لأهل طاعته ، ونذيرا لأهل معصيته ، وداعيا إلى توحيده ~~وعبادته ، وسراجا منيرا يهتدى به للحق . | حدثنا الشيخ أبو محمد بن عتاب ms007 ~~رحمه الله ، حدثنا أبو القاسم حاتم بن محمد ، حدثنا أبو الحسن القابسي ، ~~حدثنا أبو زيد المروزي ، حدثنا أبو عبد الله محمد بن يوسف ، حدثنا البخاري ~~، حدثنا محمد بن سنان ، حدثنا فليح ، حدثنا هلال ، عن عطاء ابن يسار ، قال ~~: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص ، قلت : أخبرني عن صفة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال : أجل ، والله ، إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في ~~القرآن : يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ، وحرزا للأميين ، ~~أنت عبدي ورسولي ، سميتك المتوكل ، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ، ~~ولا يدفع بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويغفر ، ولن يقبضه الله حتى يقيم به ~~الملة العوجاء ، بأن يقولوا : لاإله إلا الله ، ويفتح به أعينا عميا ، ~~وآذانا صما ، وقلوبا غلفا . | و ذكر مثله عن عبد الله بن سلام [ 10 ] وكعب ~~الأحبار ، وفي بعض طرقه ، عن ابن إسحاق : ولا صخب في الأسواق ، ولا متزين ~~بالفحش ، ولا قوال للخنا ، أسدده لكل جميل ، وأهب له كل خلق كريم ، وأجعل ~~السكينة لباسه ، والبر شعاره ، والتقوى ضميره ، والحكمة معقوله ، والصدق ~~والوفاء طبيعته ، والعفو والمعروف خلقه ، والعدل سيرته ، والحق شريعته ، ~~والهدى إمامه ، والإسلا م ملته ، وأحمد اسمه ، أهدي به بعد الضلالة ، وأعلم ~~به بعد الجهالة ، وأرفع به بعد الخمالة ، وأسمي به بعد النكرة ، وأكثر به ~~بعد القلة ، وأغني به بعد العلة ، وأجمع به بعد الفرقة ، وأولف به بين قلوب ~~مختلفة ، PageV01P025 وأهواء متشتتة ، وأمم متفرقة ، وأجعل أمته خير أمة ~~أخرجت للناس . وفي حديث آخر : أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفته ~~في التوراة : عبدي أحمد المختار ، مولده بمكة ، ومهاج ره بالمدينة ، أو قال ~~: طيبة أمته الحمادون لله على كل حال . وقال تعالى الذين يتبعون الرسول ~~النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف ~~وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم ~~والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور ~~الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون * قل يا أيها ms008 الناس إني رسول الله إليكم ~~جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ~~ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون [ سورة ~~الأعراف / 7 : الآية 157 158 ] . | و قد قال تعالى : فبما رحمة من الله لنت ~~لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم ~~في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين [ سورة آل عمران ~~- 3 : الآية 159 ] . | قال السمرقندي : ذكرهم الله منته أنه جعل رسوله ~~رحيما بالمؤمنين ، رؤوفا لين الجانب ، ولو كان فظا خشنا في القول لتفرقوا ~~من حوله ، ولكن جعله الله تعالى سمحا ، سهلا طلقا برا لطيفا . | هكذا قاله ~~الضحاك . | و قال تعالى : وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ~~ويكون الرسول عليكم شهيدا [ سورة البقرة - 2 : الآية 143 ] . | قال أبو ~~الحسن القابسي : أبان الله تعالى فضل نبينا صلى الله عليه وسلم ، وفضل أمته ~~بهذه الآية ، وفي قوله في الآية [ 10 ] الأخرى : وفي هذا ليكون الرسول ~~شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس [ سورة الحج - 22 : الآية 78 ] . | و ~~كذلك قوله تعالى : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ~~[ سورة النساء - 4 : الآية 41 ] . | قوله تعالى : وسطا : أي عدلا خيارا . | ~~PageV01P026 و معنى هذه الآية : وكما هديناكم فكذلك خصصناكم وفضلناكم بأن ~~جعلناكم أمة خيارا عدولا ، لتشهدوا للأنبياء عليهم السلام على أممهم ، ~~ويشهد لكم الرسول بالصدق . | و قيل : إن الله جل جلاله إذا سأل الأنبياء : ~~هل بلغتم . فيقولون : نعم . فتقول أممهم : ما جاءنا من بشير ولا نذير ، ~~فتشهد أمة محمد صلى الله عليه وسلم للأ نبياء ، ويزكيهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم . | و قيل : معنى الآية : إنكم حجة على كل من خالفكم ، والرسول ~~حجة عليكم . حكاه السمرقندي . | و قال الله تعالى : وبشر الذين آمنوا أن ~~لهم قدم صدق عند ربهم [ سورة يونس - 10 : الآية 2 ] . | قال قتادة ، والحسن ~~، وزيد بن أسلم : قدم صدق : هو محمد صلى الله عليه ms009 وسلم ، يشفع لهم . | و ~~عن الحسن أيضا : هي مصيبتهم بنبيهم . | و عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ~~: هي شفاعة نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم ، هو شفيع صدق عند ربهم . | و ~~قال سهل بن عبد الله التستري : هي سابقة رحمة أودعها الله في محمد صلى الله ~~عليه وسلم . | و قال محمد بن علي الترمذي : هو إمام الصادقين والصديقين ، ~~الشفيع المطاع ، والسائل المجاب محمد صلى الله عليه وسلم ، حكاه عنه السلمي ~~. | PageV01P027 # | 3 ( الفصل الثالث ) 3 # | فيما ورد من خطابه إياه مورد الملاطفة والمبرة من ذلك قوله تعالى : عفا ~~الله عنك لم أذنت لهم [ سورة التوبة - 9 : الآية 43 ] . | قال أبو محمد مكي ~~: قيل هذا إفتتاح كلام بمنزلة : أصلحك الله ، وأعزك الله . | و قال عون بن ~~عبد الله : أخبره بالعفو قبل أن يخبره بالذنب . | و حكى السمرقندي عن بعضهم ~~أن معناه : عافاك الله يا سليم القلب : لم أذنت لهم ؟ . | قال : ولو بدأ ~~النبي صلى الله عليه وسلم بقوله ، لم أذنت لهم لخيف عليه أن ينشق قلبه من ~~هيبة هذا الكلام ، لكن الله تعالى برحمته أخبره بالعفو حتى سكن قلبه ، ثم ~~قال له : لم أذنت لهم بالتخلف حتى يتبين لك الصادق في عذره من الكاذب . | و ~~في هذا من عظيم منزلته عند الله ما لا يخفى على ذي لب . | و من إكرامه إياه ~~وبره به ما ينقطع دون معرفة غايته نياط القلب . قال نفطويه : ذهب ناس إلى ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم معاتب بهذه الآية ، وحاشاه من ذلك ، بل كان ~~مخيرا فلما أذن لهم أعلمه الله تعالى أنه لو لم يأذن لهم لقعدوا لنفاقهم ، ~~وأنه لا حرج عليه في الأذن لهم . | قال القاضي أبو الفضل : يجب على المسلم ~~المجاهد نفسه ، ا لرائض بزمام الشريعة خلقه أن يتأدب بأدب القرآن في قوله ~~وفعله ، ومعاطاته ومحاوراته ، فهو عنصر المعارف الحقيقية ، وروضة الأداب ~~الدينة والدنيوية ، وليتأمل هذه الملاطفة PageV01P028 العجيبة في السؤال من ~~رب الأرباب ، المنعم على الكل ، المستغني عن الجميع ، ويستثر ما فيها من ms010 ~~الفوائد ، وكيف ابتدأ بالإكرام قبل العتب ، وأنس بالعفو قبل ذكر الذنب إن ~~كان ثم ذنب . | و قال تعالى : ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا ~~قليلا [ سورة الإسراء - 17 : الآية 74 ] . | قال بعض المتكلمين : عاتب الله ~~تعالى الأنبياء عليهم السلام بعد [ 11 ] الزلات ، وعاتب نبيا عليه السلام ~~قبل وقوعه ، ليكون بذلك أشد انتهاء ومحافظة لشرائط المحبة ، وهذه غاية ~~العناية . | ثم انظر كيف بدأ بثباته وسلامته قبل ذكر ما عتبه عليه وخيف أن ~~يركن إليه ، ففي أثناء عتبه براءته ، وفي طي تخويفه تأمينه وكرامته . | و ~~مثله قوله تعالى : قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن ~~الظالمين بآيات الله يجحدون [ سورة الأنعام - 6 : الآية 33 ] . | قال علي ~~رضي الله عنه : قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا لا نكذبك ولكن ~~نكذب ما جئ ت به ، فأنزل الله تعالى : فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين ~~بآيات الله يجحدون . | و روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كذبه قومه ~~حزن ، فجاءه جبريل عليه السلام فقال : ما يحزنك ؟ قال : كذبني قومي ! فقال ~~: إنهم يعلمون أنك صادق ، فأنزل الله تعالى الآية . | ففي هذه الآية منزع ~~لطيف المأخذ ، من تسليته تعالى له عليه السلام ، وإلطافه به PageV01P029 في ~~القول ، بأن قرر عنده أنه صادق عندهم ، وأنهم غير مكذبين له ، معترفون ~~بصدقه قولا وإعتقادا ، وقد كانوا يسمونه قبل النبوة الأمين ، فدفع بهذا ~~التقرير ارتماض نفسه بسمة الكذب ، ثم جعل الذم لهم بتسميتهم جاحدين ظالمين ~~، فقال تعالى : ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون [ سورة الأنعام - 6 : ~~الآية 33 ] . | فحاشاه من الوصم ، وطوقهم بالمعاندة بتكذيب الآيات حقيقة ~~الظلم ، إذ الجحد إنما يكون ممن علم الشيء ثم أنكره ، كقوله تعالى : وجحدوا ~~بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا [ سورة النمل - 17 : الآية 14 ] . | ثم ~~عزاه وآنسه بما ذكره عمن قبله ، ووعده النصر بقوله تعالى : ولقد كذبت رسل ~~من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ~~ولقد جاءك من نبإ المرسلين [ سورة الأنعام - 6 ms011 : الآية 34 ] . | فمن قرأ ~~وإن يكذبوك بالتخفيف ، فمعناه : لا يجدونك كاذبا . وقال الفراء ، والكسائي ~~: لا يقولون إنك كاذب . | و قيل : لا يحتجون على كذبك ، ولا يثبتونه . | و ~~من قرأ بالتشديد فمعناه : لا ينسبوك إلى الكذب . وقيل : لا يعتقدون كذبك . ~~| و مما ذكر من خصائصه وبر الله تعالى به أن الله تعالى خاطب جميع الأنبياء ~~بأسمائهم ، فقال تعالى : يا آدم ، يا نوح ، يا موسى ، يا داود ، يا عيسى ، ~~يا زكريا ، يا يحيى . ولم يخاطب هو إلا : يأيها الرسول ، يأيها النبي ، يأ ~~يها المزمل ، يأيها المدثر . | # | 3 ( الفصل الرابع ) 3 # | في قسمه تعالى في عظيم قدره قال الله تعالى : لعمرك إنهم لفي سكرتهم ~~يعمهون [ سورة الحجر - 15 : الآية 72 ] . اتفق أهل التفسير في هذا أنه قسم ~~من الله جل جلاله بمدة حياة محمد صلى الله عليه وسلم ، وأصله ضم العين ، من ~~العمر ، ولكنها فتحت لكثرة الإستعمال . ومعناه : وبقائك يا محمد وقيل : ~~وعيشك . وقيل : وحياتك . | و هذه نهاية التعظيم ، وغاية البر والتشريف . ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما : ما PageV01P030 خلق الله تعالى ، وما ذرأ ، ~~وما برأ نفسا أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم ، وما سمعت الله تعالى ~~أقسم بحياة أحد غيره . | و قال أبو الجوزاء : ما أقسم الله تعالى بحياة أحد ~~غير محمد صلى الله عليه وسلم ، لأنه أكرم البرية عنده . | و قال تعالى : يس ~~* والقرآن الحكيم . | اختلف المفسرون في معنى يس على أقوال ، فحكى أبو محمد ~~مكي أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لي عند ربي عشرة أسماء ~~ذكر منها : طه ويس اسمان له . | و حكى أبو عبد الرحمن السلمي ، عن جعفر ~~الصادق أنه أراد : يا سيد ، مخاطبة لنبيه صلى الله عليه وسلم [ 12 ] . | و ~~عن ابن عباس : يس يا إنسان ، أراد محمدا صلى الله عليه وسلم . | و قال : هو ~~قسم ، وهو من أسماء الله تعالى . | و قال الزجاج : قيل معناه : يا محمد . ~~وقيل : يا رجل . وقيل : يا إنسان . | و عن ابن الحنفية : يس : يا محمد ms012 . | ~~و عن كعب : يس : قسم أقسم الله تعالى به قبل أن يخلق السماء والأرض بألفي ~~عام : يا محمد إنك لمن المرسلين . ثم قال : والقرآن الحكيم إنك لمن ~~المرسلين . | فإن قرر أنه بين أسمائه صلى الله عليه وسلم ، وضح فيه . أنه ~~قسم كان فيه من التعظيم ما تقدم ، ويؤكد فيه القسم عطف القسم الآخر عليه ، ~~وإن كان بمعنى النداء فقد جاء قسم آخر بعده لتحقيق رسالته ، والشهادة ~~بهدايته : أقسم الله تعالى باسمه وكتابه إنه لمن المرسلين بوحيه إلى عباده ~~، وعلى صراط مستقيم من إيمانه ، أي طريق لا اعوجاج فيه ، ولا عدول ~~PageV01P031 عن الحق . | قال النقاش : لم يقسم الله تعالى لأحد من أنبيائه ~~بالرساله في كتاب إلا له ، وفيه من تعظيمه وتمجيده عن تأويل من قال : أنه ~~يا سيد ما فيه ، وقد قال عليه السلام : أنا سيد ولد آدم ، ولا فخر . | و ~~قال تعالى : لا أقسم بهذا البلد * وأنت حل بهذا البلد [ سورة البلد - 90 : ~~الآية 2 ] . | قيل : لا أقسم به إذا لم تكن فيه بعد خروجك منه ، حكاه مكي . ~~| و قيل : [ لا ] زائدة ، أي أقسم به وأنت به يا محمد حلال . أو حل لك ما ~~فعلت فيه على التفسيرين . | و المراد بالبلد عند هؤلاء مكة . | و قال ~~الواسطي : أي نحلف لك بهذا البلد الذي شرفته بمكانك فيه حيا ، وببركتك ميتا ~~يعني المدينة . | و الأول أصح ، لأن السورة مكية ، وما بعده يصححه : قوله ~~تعالى وأنت حل بهذا البلد [ سورة البلد - 90 : الآية 2 ] . | و نحوه قول ~~ابن عطاء في تفسير قوله تعالى : وهذا البلد الأمين قال : أمنها الله تعالى ~~بمقامه فيها وكونه بها ، فإن كونه أمان حيث كان . | ثم قال : ووالد وما ولد ~~ومن قال : أراد آدم فهو عام ، ومن قال : هو إبراهيم وما ولد إن شاء الله ~~إشارة إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، فتتضمن السورة القسم به صلى الله عليه ~~وسلم في موضعين . | و قال تعالى : الم * ذلك الكتاب لا ريب فيه [ سورة ~~البقرة - 2 : الآيه 1 2 ] . | قال ابن ms013 عباس : هذه الحروف أقسام أقسم الله ~~تعالى بها . وعنه وعن غيره فيها غير ذلك . | و قال سهل ابن عبد الله التست ~~ري : الألف هو الله تعالى . واللام جبريل والميم محمد صلى الله عليه وسلم . ~~| PageV01P032 و حكى هذا القول السمرقندي ، ولم ينسبه إلى سهل ، وجعل معناه ~~: الله أنزل جبريل على محمد بهذا القرآن لا ريب فيه ، وعلى الوجه الأول ~~يحتمل القسم أن هذا الكتاب حق لا ريب فيه ، ثم فيه من فضيلة قرآن اسمه ~~باسمه نحو ما تقدم . | و قال ابن عطاء في قوله تعالى ق والقرآن المجيد أقسم ~~بقوة قلب حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم حيث حمل الخطاب والمشاهدة ولم يؤثر ~~ذلك فيه لعلو حاله . | و قيل : هو اسم للقرآن . وقيل : هو اسم لله تعالى . ~~وقيل : جبل محيط بالأرض . وقيل غير هذا . | و قال جعفر بن محمد في تفسير : ~~والنجم إذا هوى : إنه محمد صلى الله عليه وسلم ، وقال : النجم قلب محمد صلى ~~الله عليه وسلم : انشرح من الأنوار . | و قال : انقطع عن غير الله . | و ~~قال ابن عطاء في قوله تعالى والفجر * وليال عشر الفجر : محمد صلى الله عليه ~~وسلم ، لأنه منه تفجر الإيمان . | # | 3 ( الفصل الرابع ) 3 # | في قسمه تعالى جده ، له ، ليحقق مكانته عنده قال جل اسمه : والضحى * ~~والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى * وللآخرة خير لك من الأولى * ولسوف ~~يعطيك ربك فترضى * ألم يجدك يتيما فآوى * ووجدك ضالا فهدى * ووجدك عائلا ~~فأغنى * فأما اليتيم فلا تقهر * وأما السائل فلا تنهر * وأما بنعمة ربك ~~فحدث [ سورةالضحى - 93 : الآية 93 ] | اختلف في سبب نزول هذه السورة ، فقيل ~~: كان ترك النبي صلى الله عليه وسلم قيام الليل لعذر نزل به ، فتكلمت امرأة ~~في ذلك بكلام . | PageV01P033 و قيل : بل تكلم به المشركون عند فترة الوحي ~~، فنزلت السورة . | قال القاضي الإمام أبو الفضل : تضمنت هذه السورة من ~~كرامة الله تعلى له ، وتنويهه به وتعظيمه إياه ستة وجوه : | الاول : القسم ~~له عما أخبره به من حاله بقوله تعالى والضحى ms014 * والليل إذا سجى . أي ورب ~~الضحى ، و هذا من أعظم درجات المبرة . | الثاني : بيان مكانته عنده وحظوته ~~لديه بقوله تعالى : ما ودعك ربك وما قلى ، أي ماتركك وما أبغضك . وقيل : ما ~~أهملك بعد أن اصطفاك . | الثالث : قوله تعالى : وللآخرة خير لك من الأولى ، ~~قال ابن إسحاق : اي مالك في مرجعك ع ند الله أعظم مما أعطاك من كرامة ~~الدنيا . | و قال سهل : أي ما ما ذخرت لك من الشفاعة والمقام المحمود خير ~~لك مما أعطيتك في الدنيا . | الرابع : قوله تعالى ولسوف يعطيك ربك فترضى | ~~و هذه أيه جامعة لوجوه الكرامة ، وأنواع السعادة ، وشتات الإنعام في ~~الدارين . والزيادة . | قال ابن إسحاق : يرضيه بالفلج في الدنيا ، والثواب ~~في الأخرة . | و قيل : يعطيه الحوض والشفاعة . | و روي عن بعض آل النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال : ليس آية في القرآن أرجى منها ، ولا PageV01P034 ~~يرضى رسول صلى الله عليه وسلم أن يدخل أحد من أمته النار . | الخامس : ما ~~عدده تعالى عليه من نعمه ، وقرره من آلائه قبله في بقية السورة ، من هدايته ~~إلى ما هداه له ، أو هداية الناس به على اختلاف التفاسير ، ولا مال له ، ~~فأغناه بما آتاه ، أو بما جعله في قلبه من القناعة والغنى ، ويتيما فحدب ~~عليه عمه وآواه إليه . | و قيل : آواه إلى الله . وقيل : يتيما : لا مثال ~~لك ، فآواك إليه . | و قيل : المعنى : ألم يجدك فهدى بك ضالا ، وأغنى بك ~~عائلا ، وآوى بك يتيما ذكره بهذه المنن ، وأنه على المعلوم من التفسير لم ~~يهمله في حال صغره وعيلته ويتمه وقبل معرفته به ، ولا ودعه ولا قلاه ، فكيف ~~بعد اختصاصه واصطفائه ! | السادس : أمره بإظهار نعمته عليه وشكر ما شرفه ~~بنشره واشادة ذكره بقوله تعالى : وأما بنعمة ربك فحدث ، فإن من شكر النعمة ~~الحديث بها ، وهذا خاص له ، عام لأمته . | و قال تعالى : والنجم إذا هوى * ~~ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى * علمه ~~شديد القوى * ذو مرة فاستوى * وهو بالأفق الأعلى * ثم ms015 دنا فتدلى * فكان قاب ~~قوسين أو أدنى * فأوحى إلى عبده ما أوحى * ما كذب الفؤاد ما رأى * ~~أفتمارونه على ما يرى * ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة ~~المأوى * إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى * لقد رأى من آيات ~~ربه الكبرى [ سورة النجم - 53 : الآيات 1 : 18 ] . | اختلف المفسرون في ~~قوله تعالى : والنجم بأقاويل معروفة ، منها النجم على ظاهره ، ومنها القرآن ~~. | و عن جعفر بن محمد أنه محمد عليه السلام ، وقال : هو قلب محمد . | و قد ~~قيل في قوله تعالى : والسماء والطارق * وما أدراك ما الطارق * النجم ~~PageV01P035 الثاقب إن النجم هنا أيضا محمد صلى الله عليه وسلم ، حكاه ~~السلمي . | تضمنت هذه الأيات من فضله وشرفه العد ما يقف دونه العد ، وأقسم ~~جل اسمه على هداية المصطفى ، وتنزيهه عن الهوى ، وصدقه فيما تلا ، وأنه وحي ~~يوحى أوصله إليه عن الله جبريل ، وهو الشديد القوى . | ثم أخبر تعالى عن ~~فضيلته بقصة الإسراء ، وانتهائه إلى سدرة المنتهى ، وتصديق بصره فيما رأى ، ~~وأنه رأى من آيات ربه الكبرى . [ 14 ] . وقد نبه على مثل هذا في أول سورة ~~الإسراء . | و لما كان ما كاشفه به عليه السلام من ذلك الجبروت ، وشاهده من ~~عجائب الملكوت لا تحيط به العبارات ، ولاتستقل بحمل سماع أذناه العقول رمز ~~عنه تعالى بالإيماءة والكناية الدالة على التعظيم ، فقال تعالى : فأوحى إلى ~~عبده ما أوحى [ سورة النجم - 53 : الآية 10 ] . | و هذا النوع من الكلام ~~يسميه أهل النقد والبلاغة بالوحي والإشارة ، وهو عندهم أبلغ أبواب الإيجاز ~~. | و قال تعالى : لقد رأى من آيات ربه الكبرى انحسرت الأفهام عن تفصيل ما ~~أوحى ، وتاهت الأحلام في تعيين تلك الآيات الكبرى . | قال القاضي أبو الفضل ~~: اشتملت هذه الآيات على إعلام الله تعالى بتزكية جملته عليه السلام ، ~~وعصمتها من الآفات في هذا المسرى ، فزكى فؤاده ولسانه وجوارحه : فزكى قلبه ~~بقوله : ما كذب الفؤاد ما رأى . ولسانه بقوله : وما ينطق عن الهوى . و بصره ~~بقوله : ما زاغ البصر وما طغى [ سورة ms016 النجم - 53 : الآية 17 ] . | و قال ~~تعالى : فلا أقسم بالخنس * الجوار الكنس * والليل إذا عسعس * والصبح إذا ~~تنفس * إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين * ~~وما صاحبكم بمجنون * ولقد رآه بالأفق المبين * وما هو على الغيب بضنين * ~~وما هو بقول شيطان رجيم [ سورة التكوير - 81 : الأيات : 15 ، 25 ] . | لا ~~أقسم : أي أقسم . إنه لقول رسول كريم ، أي كريم عند مرسله . ذي PageV01P036 ~~قوة على تبليغ ما حمله من الوحي ، مكين : أي متمكن المنزلة من ربه ، رفيع ~~المحل عنده ، مطاع ثم : أي في السماء . أمين على الوحي . | قال علي بن عيسى ~~وغيره : الرسول الكريم هنا محمد صلى الله عليه وسلم ، فجميع الأوصاف بعد ~~على هذا له . | و قال غيره : هو جبريل ، فترجع الأوصاف إليه . | و لقد رآه ~~يعني محمدا . قيل : رأى ربه . وقيل : رأى جبريل في صورته . | وما هو على ~~الغيب بضنين ، أي : بمتهم . ومن قرأها بالضاد فمعناه : ما هو ببخيل با ~~لدعاء به ، والتذكير بحكمه وبعلمه ، وهذه لمحمد عليه السلام باتفاق . | و ~~قال تعالى : ن والقلم وما يسطرون * ما أنت بنعمة ربك بمجنون * وإن لك لأجرا ~~غير ممنون * وإنك لعلى خلق عظيم * فستبصر ويبصرون * بأيكم المفتون * إن ربك ~~هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين * فلا تطع المكذبين * ودوا لو ~~تدهن فيدهنون * ولا تطع كل حلاف مهين * هماز مشاء بنميم * مناع للخير معتد ~~أثيم * عتل بعد ذلك زنيم * أن كان ذا مال وبنين * إذا تتلى عليه آياتنا قال ~~أساطير الأولين * سنسمه على الخرطوم [ سورة القلم - 68 : الآيات : 1 ، 16 ] ~~. | أقسم الله تعالى بما أقسم به من عظيم قسمه على تنزيه المصطفى بما غمصته ~~، الكفرة به ، وتكذيبهم له ، وأنسه ، وبسط أمله بقوله محسنا خطابه : ما أنت ~~بنعمة ربك بمجنون . وهذه نهاية المبرة في المخاطبة ، وأعلى درجات الآداب في ~~المحاورة ، ثم أعلمه بماله عنده من نعيم دائم ، وثواب غير منقطع ، لا يأخذه ~~عد ، ولا يمتن به عليه ، فقال تعالى وإن لك لأجرا غير ممنون . | ثم ms017 أثنى ~~عليه بما منحه من هباته ، وهداه إليه ، وأكد ذلك تتميما للتمجيد ، بحرفي ~~التأكيد ، فقال تعال : وإنك لعلى خلق عظيم . قيل : القرآن وقيل : الإسلام . ~~وقيل : الطبع الكريم . وقيل : ليس لك همة إلا الله . PageV01P037 قال ~~الواسطي : أثنى عليه بحسن قبوله لما أسداه إليه من نعمه ، وفضله بذ لك على ~~غيره ، لأنه جبله على ذلك الخلق ، فسبحان اللطيف الكريم ، المحسن الجواد ، ~~الحميد الذي يسر للخير وهدى إليه ، ثم أثنى على فاعله ، وجازاه عليه سبحانه ~~، ما أغمز نواله ، وأوسع إفضاله ، ثم سلاه عن قولهم بعد هذا بما وعده به من ~~عقباهم ، وتوعدهم بقوله : فستبصر ويبصرون * بأيكم المفتون * إن ربك هو أعلم ~~بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين [ سورة القلم / 68 : الأيات : 5 ، 7 ] ~~. | ثم عطف بعد مدحه على ذم عدوه ، وذكره سوء خلقه ، و عد معايبه ، متوليا ~~ذلك بفضله ، ومنتصرا لنبيه ، فذكر بضع عشرة خصلة من خصال الذم فيه بقوله : ~~فلا تطع المكذبين * ودوا لو تدهن فيدهنون * ولا تطع كل حلاف مهين * هماز ~~مشاء بنميم * مناع للخير معتد أثيم * عتل بعد ذلك زنيم * أن كان ذا مال ~~وبنين * إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ثم ختم ذلك بالوعد الصادق ~~بتمام شقائه وختامه بواره بقوله : سنسمه على الخرطوم . فكانت هنصرة الله [ ~~15 ] له أتم من نصرته لنفسه ، ورده تعالى على عدوه أبلغ من رده ، وأثبت من ~~ديوان مجده . | # | 3 ( الفصل السادس ) 3 # | فيما ورد من قوله تعالى في جهته عليه السلام مورد الشفقة والإكرام قال ~~تعالى : طه * ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى [ سورة طه / 20 : الآية 1 ، 2 ] ~~قيل : طه : اسم من أسمائه عليه السلام . وقيل : هو اسم الله ، وقيل : معناه ~~يارجل . و قيل : يا إنسان . وقيل : هي حروف مقطعة لمعان . وقال الواسطي : ~~أراد يا طاهر ، يا هادي . وقيل : هو أمر من الوطء . والهاء كناية عن ~~PageV01P038 الأرض ، أي اعتمد على الأرض بقدميك ، ولا تتعب نفسك بالإعتماد ~~على قدم واحد ، وهو قوله تعالى : ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى . | نزلت ~~الآية فيما كان النبي ms018 صلى الله عليه وسلم يتكلفه من السهر والتعب وقيام ~~الليل . | أخبرنا القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن ، وغير واحد ، عن ~~القاضي أبي الوليد الباجي إجازة ، ومن أصله نقلت ، قال : حدثنا أبوذر ~~الحافظ ، حدثنا أبو محمد الحموي ، حدثنا إبراهيم بن خزيم الشاشي ، حدثنا ~~عبد بن حميد ، حدثنا هاشم بن القاسم ، عن أبي جعفر ، عن الربيع بن انس ، ~~قال : [ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى ، ~~فأنزل الله تعالى : طه يع ني طأ الأرض يا محمد ، ما أنزلنا عليك القرآن ~~لتشقى * إلا تذكرة لمن يخشى * تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى [ سورة ~~طه / 20 : الأيات 2 : 4 ] . | و لا خفاء بما في هذا كله من الإكرام وحسن ~~المعاملة . | و إن جعلنا طه من أسمائه عليه السلام كما قيل ، أو جعلت قسما ~~لحق الفصل بما قبله . | و مثل هذا من نمط الشفقة والمبرة قوله تعالى : ~~فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا ، أي قاتل نفسك ~~لذلك غضبا أو غيظا ، أو جزعا . | و مثله قوله تعالى أيضا : لعلك باخع نفسك ~~أن لا يكونوا مؤمنين ، ثم قال : إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين [ سورة الشعراء - 26 : الآية 4 ] . | و من هذا الباب ~~قوله تعالى : فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين * إنا كفيناك المستهزئين * ~~الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون * ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما ~~يقولون [ سورة الحجر - 15 : الآيات 94 : 97 ] . | و قوله : ولقد استهزئ ~~برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون [ سورة الأنعام ~~- 6 : آية 10 ، وسورة الأنبياء - 21 : الآية 41 ] . | قال مكي : سلاه بما ~~ذكر ، وهون عليه ما يلقى من المشركين ، وأعلمه أن من PageV01P039 تمادى على ~~ذلك يحل به ما بمن قبله . | و مثل هذه التسلية قوله تعالى : وإن يكذبوك فقد ~~كذبت رسل من قبلك [ سورة فاطر - 35 : الآية 4 ] . | و من هذا قوله تعالى : ~~كذلك ما أتى الذين ms019 من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون [ سورة ~~الذاريات - 51 : الآية 52 ] . | عزاه الله تعالى بما أخبر به عن الأمم ~~السالفة ومقاليها لأنبيائهم قبله ، ومحنتهم بهم ، وسلاه بذلك من محنته ~~بمثله من كفار مكة ، وأنه ليس أول من لقي ذلك ، ثم طيب نفسه ، وأبان عذره ~~بقوله تعالى : فتول عنهم ، أي أعرض عنهم ، فما أنت بملوم ، أي في أداء ما ~~بلغت وإبلاغ ما حملت . | و مثله قوله تعالى : واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ~~، أي اصبر على أذاهم فإنك بحيث نراك ونحفظك . | سلاه الله تعالى بهذا في آي ~~كثيرة من هذا المعنى . | # | 3 ( الفصل السابع ) 3 # | فيما أخبر الله تعالى به في كئتابه العزيز من عظيم قدره وشريف منزلته ~~وحظوة رتبته قوله تعالى : وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب ~~وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم ~~على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين [ سورة آل ~~عمران - 3 : الآية 81 ] . | قال أبو الحسن القابسي : استخص الله تعالى [ 16 ~~] محمدا صلى الله عليه وسلم بفضل لم يؤته PageV01P040 غيره ، أبانه به ، ~~وهو ما ذكره في هذه الآية ، قال المفسرون : أخذ الله الميثاق بالوحي ، فلم ~~يبعث نبيا إلا ذكر له محمدا ونعته ، وأخذ عليه ميثاقه إن أدركه ليؤمنن به . ~~| و قيل : أن يبينه لقومه ، ويأخذ ميثاقهم أن يبينوه لمن بعدهم . و قوله : ~~ثم جاءكم : الخطاب لأهل الكتاب المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم . | قال ~~علي بن أبي طالب رضي الله عنه : لم يبعث الله نبينا من آدم فمن بعده إلا ~~أخذ عليه العهد في محمد صلى الله عليه وسلم : لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ~~ولينصرنه ، ويأخذ العهد بذلك على قومه . | و نحوه عن السدي وقتادة في آي ~~تضمنت فضله من غير وجه واحد . | قال الله تعالى : وإذ أخذنا من النبيين ~~ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا ~~غليظا [ سورة الأحزاب - 33 : الآية 7 ] . | و قال ms020 تعالى : إنا أوحينا إليك ~~كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا * ~~ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما ~~* رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله ~~عزيزا حكيما * لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون ~~وكفى بالله شهيدا [ سورة النساء - 4 : الآيات 163 ، 166 ] . | روي عن عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال في كلام زكى به النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~فقال بأبي أنت وأمي يا رسول الله ! لقد بلغ من فضيلتك عند الله أن بعثك آخر ~~الأنبياء ، وذكرك في أولهم ، فقال : وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن ~~نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا [ سورة ~~الأحزاب / 33 : الآية 7 ] . | و قال تعالى : إنا أوحينا إليك كما أوحينا ~~إلى نوح وا لنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ~~والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا * ورسلا قد ~~قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما * رسلا ~~مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا ~~حكيما * لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى ~~بالله شهيدا [ سورة النساء - 4 : الآيات 163 ، 166 ] . | روي عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه أنه قال في كلام زكى به النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~فقال بأبي أنت وأمي يا رسول الله ! لقد بلغ من فضيلتك عند الله أن بعثك آخر ~~الأنبياء ، وذكرك في أولهم ، فقال : وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن ~~نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا [ سورة ~~الأحزاب / 33 : الآية 7 ] . | بأبي أنت وأمي يا رسول الله ! لقد بلغ من ~~فضيلتك عنده أن أهل النار يودون أن يكونوا أطاعوك وهم بين أطباقها يعذبون ~~يقولون : يا ليتنا ms021 أطعنا الله وأطعنا الرسولا [ سورة الأحزاب - 33 : الآية ~~66 ] . | قال قتادة : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كنت أول الأنبياء ~~في الخلق ، وآخرهم في PageV01P041 البعث ، فلذلك وقع ذكره مقدما هنا قبل ~~نوح وغيره . | قال السمر قندي : في هذا تفضيل نبيا صلى الله عليه وسلم ، ~~لتخصيصه بالذكر قبلهم ، وهو آخرهم . | المعنى : أخذ الله تعالى عليهم ~~الميثاق ، إذ أخرجهم من ظهر آدم كالذر . | و قوله تعالى : تلك الرسل فضلنا ~~بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم ~~البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ~~ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا [ سورة البقرة - 2 : الآية 253 ] . | قال ~~أهل التفسير : أراد بقوله : ورفع بعضهم درجات محمدا صلى الله عليه وسلم ، ~~لأنه بعث إلى الأحمر والأسود ، وأحلت له الغنائم ، وظهرت على يديه المعجزات ~~، وليس أحد من الأنبياء أعطي فضيلة أو كرامة إلا وقد أعطي محمد صلى الله ~~عليه وسلم مثلها . | قال بعضهم : ومن فضله أن الله تعالى خاطب الأنبياء ~~بأسمائهم ، وخاطبه بالنبوة والرسالة في كتابه ، فقال : يا أيها النبي ، ويا ~~أيها الرسول . | و حكى السمر قندي عن الكلبي في قوله تعالى : وإن من شيعته ~~لإبراهيم أن الهاء عائدة على محم د ، أي أن من شيعة محمد لإبراهيم ، أي على ~~دينه ومنهاجه . | و أجازه الفراء ، وحكاه عنه مكي . وقيل : المراد نوح عليه ~~السلام . | # | 3 ( الفصل الثامن ) 3 # | في إعلام الله تعالى خلقه بصلواته عليه وولايته له ورفعه العذاب بسببه ~~قال الله تعالى : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ، أي ما كنت بمكة ، فلما ~~خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة ، وبقي من المؤمنين نزل : وما كان ~~الله معذبهم وهم يستغفرون [ سورة الأنفال - 8 ، الآية 33 ] . | PageV01P042 ~~و هذا مثل قوله : لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما [ سورة ~~الفتح - 48 ، الآية 25 ] . | و قوله تعالى : ولولا رجال مؤمنون ونساء ~~مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في ms022 ~~رحمته من يشاء : فلما هاجر المؤمنون نزلت : وما لهم أن لا يعذبهم الله [ ~~سورة الأنفال - 8 ، الآية 34 ] . | و هذا من أبين ما يظهر مكانته صلى الله ~~عليه وسلم ، ودرأ به العذاب عن أهل مكة بسبب كونه ، ثم كون أصحابه بعده [ ~~17 ] بين أظهرهم ، فلما خلت مكة منهم عذبهم الله بتلسيط المؤمنين عليهم ، ~~وغلبتهم إياهم ، وحكم فيهم سيوفيهم ، وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم . | و ~~في الآية أيضا تأويل آخر : | حدثنا القاضي الشهيد أبو علي رحمه الله ~~بقراءتي عليه ، قال : حدثنا أبو الفضل بن خيرو ن ، وأبو الحسين الصيرفي ، ~~قالا : حدثنا أبو يعلى ابن زوج الحرة ، حدثنا أبو علي السنجي ، حدثنا محمد ~~بن محبوب المروزي ، حدثنا أبو عيسى الحافظ ، حدثنا سفيان بن وكيع ، حدثنا ~~ابن نمير ، عن إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر ، عن عباد بن يوسف ، عن أبي ~~بردة بن أبي موسى ، عن أبيه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~أنزل الله علي أمانين لأمتي ، وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله ~~معذبهم وهم يستغفرون فإذا مضيت تركت فيهم الإستغفار . | و نحو منه قوله ~~تعالى : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين [ سورة الأنبياء - 21 ، الآية 107 ] ~~. | و قال عليه السلام : أنا أمان لأصحابي . قيل : من البدع . | و قيل : من ~~الإختلاف والفتن . | PageV01P043 قال بعضهم : الرسول صلى الله عليه وسلم هو ~~الأمان الأعظم ما عاش ، وما دامت سنته باقية فهو باق ، فإذا أميتت سنته ~~فانتظر البلاء والفتن . | و قال الله تعالى : إن الله وملائكته يصلون على ~~النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [ سورة الأحزاب - 33 ، ~~الآية 56 ] . | أبان الله تعالى فضل نبيه صلى الله عليه وسلم بصلواته عليه ~~، ثم بصلاة ملائكته ، وأ مر عباده بالصلاة والتسليم عليه . | [ وقد حكى ~~أبوبكر بن فورك أن بعض العلماء تأول قوله عليه السلام : وجعلت قرة عيني في ~~الصلاة على هذا ، أي في صلاة الله تعالى علي وملائكته وأمره الأمة بذلك إلى ~~يوم القيامة ] . والصلاة من الملائكة [ استغفار ] ، ومنا له دعاء ، ومن ~~الله ms023 عز وجل رحمة . | و قيل : يصلون : يباركون . | و قد فرق النبي صلى الله ~~عليه وسلم حين علم الصلاة عليه بين لفظ الصلاة والبركة . | و سنذكر حكم ~~الصلاة عليه . | و ذكر بعض المتكلمين في تفسير حروف كهيعص أن الكاف من [ ~~كاف ] ، أي كفاية الله تعالى لنبيه ، قال تعالى : أليس الله بكاف عبده [ ~~سورة الزمر - 39 ، الآية 36 ] . | و الهاء هدايته له ، قال : ويهديك صراطا ~~مستقيما [ سورة الفتح - 48 ، الآية 2 ] . | و الياء تأييده ، قال : هو الذي ~~أيدك بنصره [ سورة الأنفال - 8 ، الآية 62 ] . | و العين عصمته له قال : ~~والله يعصمك من الناس [ س المائدة - 5 ، الآية 67 ] . | و الصاد : صلواته ~~عليه ، قال : إن الله وملائكته يصلون على النبي [ سورة الأحزاب - 33 ، ~~الآية 56 ] . | و قال تعالى : وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل ~~وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير ، مولاه أي وليه . وصالح المؤمنين : ~~قيل : الأنبياء . وقيل : | PageV01P044 الملائكة . وقيل : أبوبكر ، وعمر . ~~| و قيل : علي . وقيل : المؤمنون على ظاهره . | # | 3 ( الفصل التاسع ) 3 # | فيما تضمنته سورة الفتح من كراماته صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى ~~: إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم ~~نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما * وينصرك الله نصرا عزيزا * هو الذي أنزل ~~السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات ~~والأرض وكان الله عليما حكيما * ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا ~~عظيما * ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن ~~السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا ~~* ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما * إنا أرسلناك شاهدا ~~ومبشرا ونذيرا * لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا ~~* إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم [ سورة الفتح - ~~48 ، الآية 1 ، 10 ] . | تضمنت هذه الأيات من فضله الثناء عليه وكريم ~~منزلته عند الله تعالى ، ونعمته لديه ما ms024 يقصر الوصف عن الإنتهاء إليه ، ~~فابتدأ جل جلاله بإعلامه بما قضاه له من القضاء البين بظهور ه ، وغلبته على ~~عدوه ، وعلو كلمته وشريعته ، وأنه مغفور له ، غير مؤاخذ بما كان وما يكون . ~~| قال بعضهم : أراد غفران ما وقع وما لم يقع ، أي إنك مغفور لك . | و قال ~~مكي : جعل الله المنة سببا للمغفرة ، وكل من عنده ، لا إله غيره ، [ 18 ] ~~منة بعد منة ، وفضلا بعد فضل . | ثم قال : ويتم نعمته عليك : قيل بخضوع من ~~تكبر عليك . | و قيل : يفتح مكة والطائف . | و قيل : يرفع ذكرك في الدنيا ~~وينصرك ويغفر لك ، فأعلمه بتمام نعمته عليه بخضوع PageV01P045 متكبري عدوه ~~له ، وفتح أهم البلاد عليه وأحبها له ، ورفع ذكره ، وهدايته الصراط ~~المستقيم المبلغ الجنة والسعادة ، ونصره النصر العزيز ، ومنته على أمته ~~المؤمنين بالسكينة والطمأنينة التي جعلها في قلوبهم ، وبشارتهم بما لهم بعد ~~، وفوزهم العظيم ، والعفو عنهم ، والستر لذنوبهم ، وهلاك عدوه في الدنيا ~~والآخرة ، ولعنهم وبعدهم من رحمته ، وسوء منقلبهم . | ثم قال : إنا أرسلناك ~~شاهدا ومبشرا ونذيرا * لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة ~~وأصيلا [ سورة الفتح / 48 ، الآية 8 ، 9 ] . | فعد محاسنه وخصائصه ، من ~~شهادته على أمته لنفسه ، بتبليغه الرسالة لهم . | و قيل : شاهدا لهم ~~بالتوحيد ، ومبشرا لأمته بالثواب . وقيل : بالمغفرة . ومنذرا عدوه بالعذاب ~~. | و قيل : محذرا من الضلالات ليؤمنوا بالله ثم به صلى الله عليه وسلم من ~~سبقت له من الله الحسنى . ويعزروه ، ويجلونه . وقيل : ينصرونه . وقيل : ~~يبالغون في تعظيمه . ويوقروه ، أي يعظموه . | و قرأه بعضهم : تعززوه بزاءين ~~: من العز ، والأكثر والأظهر أن هذا في حق محمد صلى الله عليه وسلم . | ثم ~~قال : وتسبحوه ، فهذا راجع إلى الله تعالى . | قال ابن عطاء جمع للنبي صلى ~~الله عليه وسلم في هذه السور نعم مختلفة ، من الفتح المبين ، وهو من أعلام ~~الإجابة . والمغفرة ، وهي من أعلام المحبة ، وتمام النعمة ، وهي من أعلام ~~الإختصاص . والهداية ، وهي من أعلام الولاية ، فالمغفرة تبرئة من العيوب ، ~~وتمام النعمة إبلاغ الدرجة الكاملة ، والهداية وهي الدعوة إلىالمشاهدة . | ~~و قال جعفر ms025 بن محمد : من تمام نعمته عليه أن جعله حبيبه ، وأقسم بحياته ، ~~ونسخ به شرائع غيره ، وعرج به إلى المحل الأعلى ، وحفظه في المعراج حتى ما ~~زاغ البصر وما طغى ، وبعثه إلى الأحمر وا لأسود ، وأحل له ولأمته الغنائم ، ~~وجعله شفيعا مشفعا ، وسيد ولد آدم ، وقرن ذكره بذكره ، ورضاه برضاه ، وجعله ~~أحد ركني التوحيد . | ثم قال : إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يعني ~~بيعة الرضوان ، أي إنما يبايعون الله ببيعتهم إياك . | PageV01P046 يد الله ~~فوق أيديهم ، يريد عند البيعة . قيل : قوة الله ، وقيل : ثوابه . وقيل : ~~منته . وقيل : عقده ، وهذه استعارة ، وتجنيس في الكلام ، وتأكيد لعقد ~~بيعتهم إياه . وعظم شأن المبايع صلى الله عليه وسلم . | و قد يكون من هذا ~~قوله تعالى : فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ~~، وإن كان الأول في باب المجاز ، وهذا في باب الحقيقة ، لأن القاتل والرامي ~~بالحقيقة هو الله ، وهو خالق فعله ورميه ، وقدرته عليه ومسببه ، ولأنه ليس ~~في قدرة البشر توصيل تلك الرمية حيث وصلت ، حتى لم يبق منهم من لم تملأ ~~عينيه ، وكذلك قتل الملائكة لهم حقيقة . | و قد قيل في هذه الآية الأخرى ~~إنها على المجاز العربي ، ومقابلة اللفظ ومناسبته ، أي ما قتلتموهم ، وما ~~رميتهم أنت إذ رميت وجوههم بالحصباء والتراب ، ولكن الله رمى قلوبهم بالجزع ~~، أي إن [ 19 ] منفعة الرمي كانت من فعل الله ، فهو القاتل والرامي بالمعنى ~~وأنت بالاسم . | # | 3 ( الفصل العاشر ) 3 # | فيما أظهره الله تعالى في كتابه العزيز من كرامته عليه ومكانته عنده ~~وما خصه الله به من ذلك سوى ما انتظم فيما ذكرناه قبل و من ذلك ما قصه ~~تعالى في قصة الإسراء في سورة : سبحان ، والنجم ، وما انطوت عليه القصة من ~~عظيم منزلته وقربه ومشاهدته ما شاهد من العجائب . | و من ذلك عصمته من ~~الناس بقوله تعالى : والله يعصمك من الناس . وقوله تعالى : وإذ يمكر بك ~~الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير ~~الماكرين [ سورة الأنفال - 8 ، الآية ms026 30 ] . | و قوله : إلا تنصروه فقد ~~نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه ~~لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل ~~كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم . ~~PageV01P047 وما رفع الله به عنه في هذه القصة من أذاهم بعد تحزبهم لهلكه ~~وخلوصهم نجيا في أمره ، والأخذ على أبصرهم عند خروجه عليهم ، وذهولهم عن ~~طلبه في الغار ، وما ظهر في ذلك من آيات ، ونزول السكينة عليه ، وقصة سراقه ~~بن مالك حسب ماذكره أهل الحديث والسير في قصة الغار ، وحديث الهجر ة . | و ~~منه قوله تعلى : إنا أعطيناك الكوثر * فصل لربك وانحر * إن شانئك هو الأبتر ~~[ سورة الكوثر / 8 0 ] 0 | أعلمه الله تعال بما أعطاه . والكوثر حو ضه . ~~وقيل : نهر في الجنة . وقيل الخير الكثير . وقيل : الشفاعة . وقيل : ~~المعجزات الكثيرة . وقيل : النبوة . وقيل : المعرفة . ثم أجاب عنه عدوه ، ~~ورد عليه قوله ، فقال تعالى : إن شانئك هو الأبتر ، أي عدوك ومبغضك . ~~والأبتر : الحقير الذليل ، أو المفرد الوحيد ، أو الذي لاخير فيه . وقال ~~تعال : ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم [ سورة الحجر / 15 ، ~~الآية 7 8 ] . قيل : السبع المثاني السور الطوال الأول . والقرآن العظيم : ~~أم القرآن . وقيل : السبع المثاني : أم القرآن . والقرآن العظيم : سائره . ~~وقيل : السبع المثاني : ما في القرآن ، من أمر ، ونهى ، وبشرى ، وإنذار ، ~~وضرب مثل ، وإعداد نعم ، وآتيناك نبأ القرآن العظيم . | و قيل : سميت أم ~~القرآن مثاني لأنها تثني في كل ركعة . وقيل : بل الله تعالى اثتثناها لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم ، وذخرها له دون الأنبياء . | و سمي القرآن مثاني : لأن ~~القصص تثني فيه . وقيل : السبع المثاني : أكرمناك بسبع كرامات : الهدي ، ~~والنبوة ، والرحمة ، والشفاعة ، والولاية ، والتعظيم ، والسكينة . وقال : ~~وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون [ سورة النحل ~~، الآية / 16 ، الآية 44 ] . | و قال : وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ~~ونذيرا [ سورة سبأ - 34 ، الآية 28 ] . وقال تعالى : قل يا ms027 أيها الناس إني ~~رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات PageV01P048 والأرض لا إله إلا ~~هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته ~~واتبعوه لعلكم تهتدون [ سورة الأعراف - 7 ، الآية 158 ] . | قال القاضي : ~~فهذه من خصائصه . | و قال تعالى : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين ~~لهم ، فخصهم بقومهم ، وبعث محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الخلق كافة ، كما ~~قال عليه السلام : [ بعثت إلى الأحمر والأسود ] . | و قال تعالى : النبي ~~أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم . قال أهل التفسير : أولى ~~بالمؤمنين من أنفسهم : أي ما أنفذه فيهم من أمر فهو ماض عليهم كما يمضي حكم ~~السيد على عبده . | و قيل : اتباع أمره أولى من اتباع رأي النفس . وأزواجه ~~أمهاتهم ، أي هن في الحرمة كالأمهات ، حرم نكاحهن عليهم بعده ، تكرمت له ~~وخصوصية ، ولأنهن له أزواج في الآخرة . | و قد قرىء : وهو أب لهم . ولا ~~يقرأ به الأن [ 20 ] لمخالفته المصحف . | و قال الله تعالى : وأنزل الله ~~عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما [ سورة ~~النساء - 4 ، الآية 113 ] . | قيل : فضله العظيم بالنبوة . وقيل : بما سبق ~~له في الأزل . وأشار الواسطي إلى أنها إشارة إلى احتمال الرؤية التي لم ~~يحتملها موسى ، صلى الله عليهما . | PageV01P049 صفحة فارغة PageV01P050 # | الباب الثاني # # | 2 ( في تكميل الله تعالى له المحاسن خلقا وخلقا وقرانه جميع الفضائل ~~الدينية والدنيوية فيه نسقا ) 2 # | اعلم أيها المحب لهذا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ، الباحث عن ~~تفاصيل جمل قدره العظيم أن خصال الجلال والكمال في البشر نوعان : ضروري ~~دنيوي اقتضته الجبلة وضرورة الحياة الدنيا ، ومكتسب ديني ، وهو ما يحمد ~~فاعله ، ويقرب إلى الله تعالى زلفى . | ثم هي على فنين أيضا : منها ما ~~يتلخص لأحد الوصفين . ومنها ما يتمازج ويتداخل . | فأما الضروري المخص فما ~~ليس للمرء فيه اختيار ولا اكتساب ، مثل ما كان في جبلته من كمال خلقته ، ~~وجمال صورته ، وقوة عقله ، وصحة فهمه ، وفصاحة لسانه ، وقوة حواسه وأعضائه ~~، واعتدال حركاته ms028 ، وشرف نسبه ، وعزة قومه ، وكرم أرضه ، ويلحق به ما تدعوه ~~ضرورة حياته إليه ، من غذائه ونومه ، وملبسه ومسكنه ، ومنكحه ، وما له ~~وجاهه . | و قد تلحق هذه الخصال الآخرة بالأخروية إذا قصد بها التقوى ~~ومعونة البدن على سلوك طريقها ، وكانت على حدود الضرورة وقوانين الشريعة . ~~| و أما المكتسبة الأخروية فسائر الأخلاق العلية ، والأداب الشرعية : من ~~الدين والعلم ، والحلم ، والصبر ، والشكر ، والمروءة ، والزهد ، والتواضع ، ~~والعفو ، والعفة ، والجود ، والشجاعة ، والحياء ، والمروءة ، والصمت ، ~~والتؤدة ، والوقار ، والرحمة ، وحسن الأدب والمعاشرة ، وأخواتها ، وهي التي ~~جمعها حسن الخلق . | PageV01P051 و قد يكون من هذه الأخلاق ما هو في ~~الغريزة وأصل الجبلة لبعض الناس . | و بعضهم لا تكون فيه ، فيكتسبها ، ~~ولكنه لابد أن يكون فيه من أصولها في أصل الجبلة شعبة كما سنبينه إن شاء ~~الله . | و تكون هذه الأخلاق دنيوة إذا لم يرد بها وجه الله والدار الآخرة ~~، ولكنها كلها محاسن وفضائل باتفاق أصحاب العقول السليمة ، وإن اختلفوا في ~~موجب حسنها وتفضيلها . | # | 3 ( فصل في اجتماع الخصال المحمودة فيه صلى الله عليه وسلم ) 3 # | إذا كانت خصال الكمال والجمال ما ذكرناه ، ووجدنا الواحد منا يشرف ~~بواحدة منها أو باثنتين إن اتفقت له في كل عصر ، إما من نسب أو جمال ، أو ~~قوة ، أو علم ، أو حلم ، أو شجاعة ، أو سماحة ، حتى يعظم قدره ، ويضرب ~~باسمه الأمثال ، ويتقرر له بالوصف بذلك قي القلوب إثرة وعظمة ، وهو منذ ~~عصور خوال رمم بوال ، فما ظنك بعظيم قدر من اجتمعت فيه كل هذه الخصال إلى ~~ما لا يأخذه عد ، ولا يعبر عنه مقال ، ولا ينال بكسب ولا حيلة إلا بتخصيص ~~الكبير المتعال ، من فضيلة النبوة والرسالة ، والخلة والمحبة ، والإصطفاء ~~والإسراء والرؤية ، والقرب والدنو ، والوحي ، والشفاعة والوسيلة ، والفضيلة ~~والدرجة الرفيعة ، والمقام المحمود ، والبراق والمعراج ، والبعث إلى الأحمر ~~والأسود ، والصلاة بالأنبياء ، والشهادة بين الأنبياء والأمم ، وسيادة ولد ~~آدم [ 21 ] ، ولواء الحمد ، والبشارة ، والنذارة والمكانة عند ذي العرش ~~والطاعة ثم ، والأمانة والهداية ورحمة للعالمين ، وإعطاء الرضا والسول ، ~~والكوثر ، وسماع القول ، واتمام النعمة والعفو عما تقدم ms029 وتأخر ، وشرح الصدر ~~، ووضع الوزر ، ورفع الذكر وعزة النصر ، ونزول السكينة ، والتأييد ~~بالملائكة ، وإيتاء الكتاب والحكمة والسبع المثاني والقرآن العظيم ، وتزكية ~~الأمة والدعاء إلى الله ، وصلاة الله تعالى والملائكة ، والحكم بين الناس ~~بما أراه الله ، ووضع الإصر والأغلال عنهم ، والقسم باسمه ، وإجابة دعوته ، ~~وتكليم الجمادات والعجم ، وإحياء الموتى ، وإسماع الصم ، ونبع الماء من بين ~~أصابعه ، وتكثير القليل ، وانشفاق PageV01P052 القمر ، ورد الشمس ، وقلب ~~الأعيان ، والنصر بالرعب ، والإطلاع على الغيب ، وظل الغمام ، وتسبيح الحصا ~~، وإبراء الآلام ، والعصمة من الناس ، إلى ما لا يحويه محتفل ، ولا يحيط ~~بعلمه إلا مانحه ذلك ومفضله به ، لا إله غيره ، إلى ما أعد له في الدار ~~الآخرة من منازل الكرامة ، ودرجات القدس ، ومراتب السعادة والحسنى والزيادة ~~التي تقف دونها العقول ويحار دون أدانيها الوهم . # # | 3 ( فصل في تفصيل هذه الخصال المحمودة : صفاته الجسمية ) 3 # | إن قلت أكرمك الله : لا خفاء على القطع بالجملة أنه صلى الله عليه وسلم ~~أعلى الناس قدرا ، وأعظمهم محلا ، وأكملهم محاسن وفضلا ، وقد ذهب في تفاصيل ~~خصال الكمال مذهبا جميلا شوقني إلى أن أقف عليها من أوصافه صلى الله عليه ~~وسلم تفصيلا . . . فاعلم نور الله قلبي وقلبك ، وضاعف في هذا النبي الكريم ~~حبي وحبك أنك إذا نظرت إلى خصال الكمال التي هي غير مكتسبة في جبلة الخلقة ~~وجدته حائزا لجميعها ، محيطا بشتات محاسنها دون خلاف بين نقله الأخبار لذلك ~~، بل قد بلغ بعضها مبلغ القطع . أما الصورة وجمالها ، وتناسب أعضائه في ~~حسنها ، فقد جاءت الآثار الصحيحة والمشهورة الكثيرة بذلك ، من حديث علي ، ~~وأنس بن مالك ، وأبي هريرة ، والبراء بن عذب ، وعائشة أم المؤمنين ، و ابن ~~أبي هالة ، و أبي جحيفة ، وجابر بن سمرة ، وأم معبد ، وابن عباس ، ومعرض بن ~~معيقيب ، وأبي الطفيل ، والعداء بن خالد ، وخريم بن فاتك ، وحكيم بن حزام ، ~~وغيرهم ، من أنه صلى الله عليه وسلم كان أزهر اللون ، أدعج ، أنجل ، أشكل ، ~~PageV01P053 أهدب الأشفار ، أبلج ، أزج ، أقنى ، أفلج ، مدور ال وجه ، واسع ~~الجبي ، كث اللحية تملأ صدره ، سواء البطن والصدر ، واسع ms030 الصدر ، عظيم ~~المنكبين ، ضخم العظام ، عبل العضضين والذراعين والأسافل ، رحب الكفين ~~والقدمين ، سائل الأطراف ، أنور المتجرد ، دقيق المسربة ، ربعة القد ، ليس ~~بالطويل البائن ، ولا بالقصير المتردد ، مع ذلك فلم يكن يماشيه أحد ينسب ~~إلى الطول إلا طاله صلى الله عليه وسلم رجل الشعر ، إذا افتر ضاحكا افتر عن ~~مثل سنا البرق ، وعن مثل حب الغمام ، إذا تكلم رئى كالنور يخرج من ثناياه ، ~~أحسن الناس عنقا ، ليس بمعطهم ولا مكلثم ، متماسك البدن ، ضرب اللحم . قال ~~البراء بن عاذب : مارأيت من ذي لمه في حلة حمراء أحسن من رسول صلى الله ~~عليه وسلم [ 0 1 ] . | PageV01P054 و قال أبو هريرة رضي الله عنه : [ ~~مارأيت شيئا أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 22 ] ، كأن الشمس تجري ~~في وجهه ، وإذا ضحك يتلألأ في الجدر ] . | و قال جابر بن سمرة وقال له رجل ~~: كان وجهه صلى الله عليه وسلم مثل السيف ؟ فقال : [ لا ، بل مثل الشمس ~~والقمر . وكان مستديرا ] . | و قالت أم معبد في بعض ما وصفته به : [ أجمل ~~الناس من بعيد ، وأحلاه وأحسنه من قريب ] [ صلى الله عليه وسلم تسليما كلما ~~ذكره الذاكرون ، وغفل عن ذكره الغافلون ] . وفي حديث ابن أبي هالة : [ ~~يتلألأ وجهه تلألأ القمر ليلة البدر ] . وقال علي رضي الله عنه في آخر وصفة ~~له : [ من رآه بديهة هابه ، ومن خالطه معرفة أحبه ، يقول ناعته : لم أر ~~قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم ] . والأحاديث في بسط صفته مشهورة ~~كثيرة ، فلا نطول بسردها . وقد اختصرنا في وصفه نكت ما جاء فيها ، وجملة ~~مما فيه الكفاية في القصد إلى المطلوب ، وختمنا هذه الفصول بحديث جامع لذلك ~~تقف عليه هناك إن شاء الله . # # | 3 ( فصل في نظافة جسمه ، وطيب رائحته ، ونزاهته عن الأقذار وعورات ~~الجسد ) 3 # | و أما نظافة جسمه ، وطيب ريحه وعرقه ، ونزاهته عن الأقذار وعورات الجسد ~~فكان PageV01P055 قد خصه الله في ذلك بخصائص لم توجد في غيره ، ثم تممها ~~بنظافة الشرع وخصال الفطرة العشر ، وقال : [ بني الدين على النظافة ] . | ~~حدثنا ms031 سفيان بن العاصي وغير واحد ، قالوا : حدثنا أحمد بن عمر . حدثنا أبو ~~العباس الرازي ، حدثنا أبو أحمد الجلودي ، حدثنا ابن سفيان ، حدثنا مسلم ، ~~قال : حدثنا قتيبة ، حدثنا جعفر بن سليمان ، عن ثابت ، عن أنس ، قال : [ ما ~~شممت عنبرا قط ، ولا مسكا ، ولا شيئا أطيب من ريح رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ] . | و عن جابر بن سمرة : أنه صلى الله عليه وسلم مسح خده ، قال : ~~فوجدت ليده بردا وريحا ، كأنما أخرجها من جونة عطار . | قال غيره : مسها ~~بطيب أو لم يمسها ، يصافح المصافح فيظل يومه يجد ريحها ، ويضع يده على رأس ~~الصبي فيعرف من بين الصبيان بريحها . | و نام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في دار أنس فعرق ، فجاءت أمه بقارورة تجمع فيها عرقه فسألها PageV01P056 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فقالت : نجعله في طيبنا ، وهو من ~~أطيب الطيب . | و ذكر البخاري في تاريخه الكبير ، عن جابر : [ لم يكن النبي ~~صلى الله عليه وسلم يمر في طريق فيتبعه أحد إلا عرف أنه سلكه من طيبه ] . | ~~و ذكر اسحاق بن راهويه أن تلك كانت رائحته بلا طيب ، صلى الله عليه وسلم . ~~| [ وروى المزني : عن جابر : أردفني النبي صلى الله عليه وسلم خلفه ، ~~فالتقمت خاتم النبوة بفمي ، فكان ينم على مسكا ] . | و قد حكى بعض المعتنين ~~بأخباره وشمائله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أراد أن يتغوط انشقت الأرض ~~فابتلعت غائطه وبوله ، وفاحت لذلك رائحة طيبة . صلى الله عليه وسلم . | [ ~~وأسند محمد بن سعد كاتب الواقدي في هذا خبرا عن عائشة رضي الله عنها أنها ~~قالت للنبي صلى الله عليه وسلم : إنك تأتي الخلاء فلا نرى منك شيئا من ~~الأذى ! فقال : يا عائشة ، أو ما علمت أن الأرض تبتلع ما يخرج من الأنبياء ~~، فلا يرى منه شيء ] . | PageV01P057 و هذا الخبر ، وإن لم يكن مشهورا فقد ~~قال قوم من أهل العلم بظهارة الحدثين منه صلى الله عليه وسلم . وهو قول بعض ~~أصحاب الشافعية ، [ حكاه الإمام أبو نصر ابن الصباغ ms032 في شامله ] . | و قد ~~حكى القولين عن العلماء في ذلك أبو بكر بن سابق المالكي في كتابه البديع في ~~فروع المالكية ، وتخريج ما لم يقع لهم منها على مذهبهم من تفاريع الشافعية ~~. | و شاهد هذا أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن منه شيء يكره ، ولا غير طيب ~~. ومنه حديث علي رضي الله عنه : [ غسلت النبي صلى الله عليه وسلم ، فذهبت ~~أنظر ما يكون من الميت فلم أجد شيئا ، فقلت : طبت حيا وميتا ، قال : وسطعت ~~منه ريح طيبة لم نجد مثلها قط ] . | و مثله قال أبوبكر رضي الله عنه حين ~~قبل النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته . | و منه شرب مالك بن سنان دمه يوم ~~أحد ، ومصه إياه [ 23 ] ، وتسويغه صلى الله عليه وسلم ذلك له ، وقوله : لن ~~تصيبه النار . | و مثله شرب عبد الله بن الزبير دم حجامته ، فقال له عليه ~~السلام : ويل لك من الناس ، وويل لك منك ولم ينكره عليه . | و قد روي نحو ~~من هذا عنه في امرأة شربت بوله ، فقال لها : لن تشتكي وجع بطنك أبدا . ولم ~~يأمر واحدا منهم بغسل فم ، ولا نهاه عن عودة . | PageV01P058 و حديث هذه ~~المرأة التي شربت بوله صحيح ألزم الدار قطني مسلما والبخاري إخراجه في ~~الصحيح ، واسم هذه المرأة بركة . واختلف في نسبها . | و قيل : هي أم أيمن : ~~وكانت تخدم النبي صلى الله عليه وسلم ، قالت : وكان لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قدح من غيدان يوضع تحت سريره يبول فيه من الليل ، فبال فيه ليلة ~~، ثم افتقده ، فلم يجد فيه شيئا . فسأل بركة عنه ، فقالت : قمت وأنا عطشانة ~~فشربته وأنا لا أعلم . | روى حديثها ابن جريج وغيره . | و كان صلى الله ~~عليه وسلم قد ولد مختونا مقطوع السرة . | [ وروي عن أمه آمنة أنها قالت : ~~قد ولدته نظيفا ما به قذر ] . | PageV01P059 و عن عائشة رضي الله عنها : [ ~~ما رأيت فرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قط ] . | و عن علي رضي الله عنه ~~: أوصاني النبي صلى الله عليه ms033 وسلم لا يغسله غيري ، فإنه لا يرى أحد عورتي ~~إلا طمست عيناه . | و في حديث عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما : [ أنه ~~نام حتى سمع له غطيط ، فقام فصلى ولم يتوضأ ] ، قال عكرمة : لأنه صلى الله ~~عليه وسلم كان محفوظا . # # | 3 ( فصل وفور عقله ، وقوة حواسه ، وفصاحة لسانه ) 3 # | و أما وفور عقله ، وذكاء لبه ، وقوة حواسه ، وفصاحة لسانه ، واعتدال ~~حركاته ، وحسن شمائله فلا مرية أنه كان أعقل الناس وأذكاهم . | و من تأمل ~~تدبيره أمر بواطن الخلق وظواهرهم ، وسياسة العامة والخاصة ، مع عجيب شمائله ~~، وبديع سيره ، فضلا عما أفاضه من العلم ، وقرره من الشرع دون تعلم سبق ، ~~ولا ممارسة تقدمت ، ولا مطالعة للكتب منه ، لم يمتر في رجحان عقله ، وثقوب ~~فهمه لأول بديهة ، وهذا ما لا يحتاج إلى تقريره لتحقيقه . | و قد قال وهب ~~بن منبه : قرأت في أحد وسبعين كتابا ، فوجدت في جميعها أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أرجح الناس عقلا ، وأفضلهم رأيا . | و في رواية أخرى : فوجدت في ~~جميعها أن الله تعالى لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها من ~~العقل في جنب عقله صلى الله عليه وسلم إلا كحبة رمل من بين رمال الدنيا . | ~~و قال مجاهد : [ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام في الصلاة يرى ~~من خلفه كما يرى من بين يديه ] . وبه فسر قوله تعالى : وتقلبك في الساجدين ~~. | PageV01P060 و في الموطأ عنه عليه السلام : إني لأراكم من وراء ظهري . ~~| و نحوه عن أنس في الصحيحين ، وعن عائشة مثله ، قالت : زيادة زاده الله ~~إياها في حجته . | و في بعض الروايات : إني لأنظر من ورائي كما أنظر من بين ~~يدي . | و في أخرى : إني لأبصر من قفاي كما أبصر من بين يدي . | و حكى بقي ~~بن مخلد ، عن عائشة ، قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يرى في الظلمة ~~كما يرى في الضوء . | و الأخبار كثيرة صحيحة في رؤيته صلى الله عليه وسلم ~~للملائكة والشياطين . | و رفع النجاشي له حتى ms034 صلى عليه ، وبيت [ 24 ] ~~المقدس حين وصفه لقريش والكعبة حين بنى مسجده . | و قد حكي عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه كان يرى في الثريا أحد عشر نجما . | PageV01P061 و هذه كلها ~~محمولة على رؤية العين ، وهو قول أحمد بن حنبل وغيره . | و ذهب بعضهم إلى ~~ردها إلى العلم ، والظواهر تخالفه ، ولا إحالة في ذلك ، وهي من خواص ~~الأنبياء وخصالهم ، كما أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد العدل من كتابه ، ~~حدثنا أبو الحسن المقري الفرغاني ، حدثتنا أم القاسم بنت أبي بكر عن أبيها ~~، حدثنا الشريف أبو الحسن علي بن محمد الحسني ، حدثنا محمد بن محمد بن سعيد ~~، حدثنا محمدبن أحمد بن سليمان ، حدثنا محمد بن محمد بن مرزوق ، حدثنا همام ~~، قال : حدثنا الحسن ، عن قتادة ، عن يحيى بن وثاب ، عن أبي هريرة ، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لما تجلى الله لموسى عليه السلام كان ~~يبصر النملة على الصفا في الليلة الظلماء مسيرة عشرة فراسخ : ولا يبعد على ~~هذا أن يختص نبينا بما ذكرناه من هذا الباب بعد الإسراء والحظوة بما رأى من ~~أيات ربه الكبرى . | و قد جاءت الأخبار بأنه صرع أبا ركانة أشد أهل وقته ، ~~وكان دعاه إلى الإسلام وصارع أبا ركانة في الجاهلية ، وكان شديدا ، وعاوده ~~ثلاث مرات ، كل ذلك يصرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم . | و قال أبو ~~هريرة : ما رأيت أحدا أسرع من رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشيه ، ~~كأنما الأرض تطوى له ، إنا لنجهد أنفسنا وهو غير مكترث . | و في صفته أنه ~~ضحكه كان تبسما ، إذا إلتفت إلتفت معا ، وإذا مشى مشى تقلعا كأنما ينحط من ~~صبب . | # | 3 ( فصل فصاحة لسانه ، وبلاغة قوله ) 3 # | و أما فصاحة اللسان ، وبلاغة القول ، فقد كان صلى الله عليه وسلم من ~~ذلك بالمحل الأفضل والموضع الذي لايجهل ، سلاسة طبع ، وبراعة منزع ، وإجاز ~~مقطع ، ونصاعة لفظ . | PageV01P062 و جزالة قول ، وصحة معان ، وقلة تكلف ، ~~أوتي جوامع الكلم ، وخص ببدائع الحكم ، وعلم ألسنة العرب ، يخاطب كل أمة ms035 ~~منها بلسانها ، ويحاورها بلغتها ، ويباريها في منزع بلاغتها ، حتى كان كثير ~~من أصحابه يسألونه في غير موطن عن شرح كلامه وتفسير قوله . ومن تأمل حديثه ~~وسيره علم ذلك وتحققه ، وليس كلامه مع قريش والأنصار ، وأهل الحجاز ونجد ~~ككلامه مع [ ذي المشعار الهمداني ، وطهفه الهندي ] ، وقطن بن حارثة العليمي ~~، والأ شعث بن قيس ، ووائل بن حجر الكندي ، وغيرهم من أقيال حضرموت وملوك ~~اليمن . وانظر كتابة إلى همدان : إن لكم فراعها ووهاطها وعزازها ، تأ كلون ~~علافها وترعون عفاءها ، لنا من دفئهم وصرامهم ماسلموا بالميثاق والأمانة ، ~~ولهم من الصدقة الثلب والناب والفصيل ، والفارض والداجن ، والكبش ~~PageV01P063 الحوري ، وعليهم فيها الصالغ والقرح . | و قوله لنهد : اللهم ~~بارك لهم في محضها ومخضها ومذقها ، وابعث راعيها في الدثر ، وافجر له الثمد ~~، وبارك له في المال والولد ، من أقام الصلاة كان مسلما ، ومن آتىالزكاة ~~كان محسنا ، ومن شهد أن لا إله إلا الله كان مخلصا ، لكم يابني نهد ودائع ~~الشرك ، ووضائع الملك ، لاتلطط في الزكاة ، ولا تلحد في الحياة ، ولا ~~تتثاقل عن الصلاة . وكتب لهم : في الوظيفة الفريضة : ولكم الفارض والفريش ، ~~وذو العنان PageV01P064 الركوب ، والفلو الضبيس ، [ 5 2 ] ، لايمنع سرحكم ، ~~ولا يعضد طلحكم ، ولا يحبس دركم ما لم تضمروا الرماق ، وتأكلوا الرباق ، من ~~أقر فله الوفاء بالعهد والذمة ، ومن أبي فعليه الربوة . | و من كتابه لوائل ~~بن حجر . | إلى الأقيال العباهلة ، والأرواع المشابيب . وفيه : في التيعة ~~شاة ، لا مقورة الألياط ولا ضناك ، وأنطوا الثبجة ، وفي السيوب الخمس . ومن ~~زنى مم بكر فاصعقوه مائة ، واستوفضوه عاما ، ومن زنى مم ثيب فضرجوه ~~باللأضاميم ، ولا توصيم في الدين ولا غمة في فرائض الله ، وكل مسكر حرام . ~~ووائل بن حجر يترفل على الأقيال . PageV01P065 أين هذا من كتابة لأنس في ~~الصدقة المشهور . لما كان كلام هؤلاء على هذا الحد ، وب لاغتهم على هذا ~~النمط ، وأكثر استعمالهم هذه الألفاظ استعملها معهم ، ليبين للناس ما نزل ~~إليهم ، وليحدث الناس بما يعلمون . وكقوله في حديث عطية السعدي : [ فإن ~~اليد العليا هي المنطية واليد السفلى هي المنطاة ms036 ] . قال : فكلمنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بلغتنا . وقوله في حديث العامري حين سأله ، فقال ~~له النبي صلى الله عليه وسلم : سل عنك أي سل عم شئت ، وهي لغة بني عامر . ~~وأما كلامه المعتاد ، وفصاحته المعلومة ، وجوامع كلمه ، وحكمة المأثورة فقد ~~ألف الناس فيها الدواوين وجمعت في ألفاظها ومعانيها الكتب ، وفيها ما لا ~~يوازي فصاحة ، ولا يباري بلاغة ، كقوله : المسلمون تتكافأ دماؤهم ، ويسعى ~~بذمهم أدناهم ، وهم يد على من سواهم . PageV01P066 وقوله : الناس كأسنان ~~المشط . | و المرء مع من أحب . | و لا خير في صحبة من لايرى لك ما ترى له . ~~| و الناس معادن . | و ما هلك امروء عرف قدره . والمستشار مؤتمن ، وهو ~~بالخير ما لم PageV01P067 يتكلم . ورحم الله عبدا قال خيرا فغنم أو سكت ~~فسلم . وقوله : أسلم تسلم ، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين . وإن أحبكم إلي ~~وأقربكم مني مجالس يوم القيامة ، أحاسنكم أخلاقا الموطئون أكنافا الذين ~~يألفون ويؤلفون . وقوله : لعله كان يتكلم بما لا يعنيه ، ويبخل بما لا ~~يغنيه . PageV01P068 وقوله : ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها . ونهيه عن ~~قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال ، ومنع وهات ، وعقوق الأمهات ، ~~ووأد البنات . وقوله : اتق الله حيثما كنت ، وأتبع السيئة الحسنة تمحها ، ~~وخالق الناس بخلق حسن . | و قوله : وخير الأمور أوسطها . | و قوله : أحبب ~~حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما . | و قوله : الظلم ظلمات يوم ~~القيامة . | و قوله في بعض دعائه : اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها ~~قلبي ، وتجمع بها أمري ، وتلم بها شعثي ، وتصلح بها غائبي وترفع بها شاهدي ~~، وتزكي بها علمي ، وتلهمني بها رشدي ، وترد بها ألفتي ، وتعصمني بها من كل ~~سوء . | PageV01P069 اللهم إني أسألك الفوز في القضاء ، ونزل الشهداء ، ~~وعيش السعداء ، والنصر على الأعداء . | إلى ما روته الكافة عن الكافة عن ~~المقاماته ، ومحاض راته ، وخطبه ، وأدعيته ، ومخاطباته ، وعهوده ، مما لا ~~خلاف أنه نزل من ذلك مرتبة لا يقاس بها غيره ، وحاز فيها سبقا لا يقدر . ~~وقد جمعت من كلماته التي لم يسبق إليها ms037 ، ولا قدر أحد أن يفرغ في قالبه [ ~~26 ] عليها ، كقوله : حمي الوطيس . | و مات حتف أنفه ولا يلدغ المؤمن من ~~جحر مرتين . | و السعيد من وعظ بغيره . . في أخواته مما يدرك الناظر العجب ~~في مضمنها ، ويذهب به الفكر في أداني حكمها . | و قد قال له أصحابه : ما ~~رأينا الذي هو أفصح منك . فقال : وما يمنعني ؟ وإنما PageV01P070 أنزل ~~القرآن بلساني ، لسان عربي مبين . | و قال مرة أخرى : بيد أني من قريش ~~ونشأت في بني سعد . | فجمع له بذلك صلى الله عليه وسلم قوة عارضة البادية ~~وجزالتها ، ونصاعة ألفاظ الحاضرة ورونق كلامها ، إلى التأييد الإلهي الذي ~~مدده الوحي الذي لا يحيط بعلمه بشري . | و قالت أم معبد في وصفها له : | ~~حلو المنطق ، فضل لا نزر ولا هذر ، كأن منطقه خرزات نظمن . وكان جهير الصوت ~~، حسن النعمة صلى الله عليه وسلم . # # | 3 ( فصل شرف نسبه ، وكرم بلده ومنشئه ) 3 # | و أما شرف نسبه وكرم بلده ومنشئه فمما لا يحتاج إلى إقامة دليل عليه ، ~~ولا بيان مشكل ولا خفي منه ، فإنه نخبة من بني هاشم ، وسلالة قريش وصميمها ~~، وأشرف العرب ، وأعزهم نفرا من قبل أبيه وأمه ، ومن أهل مكة من أكرم بلاد ~~الله على الله وعلى عباده . | حدثنا قاضي القضاة حسين بن محمد الصدفي رحمه ~~الله ، قال : حدثنا القاضي أبو الوليد سليمان بن خلف ، حدثنا أبو ذر عبد بن ~~أحمد ، حدثنا أبو محمد السرخسي ، وابن إسحاق ، وأبو الهيثم : قالوا : حدثنا ~~محمد بن يوسف ، قال حدثنا محمد بن إسماعيل ، قال : حدثنا قتيبة بن سعيد ، ~~قال : حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن عمرو ، عن سعيد المقبري ، عن أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : بعثت من خير قرون بني آدم ~~قرنا فقرنا ، حتى كنت من القرن الذي كنت منه . | PageV01P071 و عن العباس ، ~~قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم ، ~~من خير قرنهم ، ثم تخير القبائل فجعلني من خير قبيلة ، ثم تخير البيوت ~~فجعلني من خير بيوتهم ms038 ، فأنا خيرهم نفسا ، وخيرهم بيتا . | و عن واثلة بن ~~الأسقع ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله اصطفى من ولد ~~إبراهيم إسماعيل ، واصطفى من بني كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم ، ~~واصطفاني من بني هاشم . | قال الترمذي : وهذا حديث صحيح . | و في حديث عن ~~ابن عمر ، رواه الطبري أنه صلى الله عليه وسلم قال : إن الله اختار خلقه ، ~~فاختار منهم بني آدم ، ثم اختار بني آدم فاختار منهم العرب ، ثم اختار ~~العرب فاختار منهم قريشا ، ثم اختار قريشا فاختار منهم بني هاشم ، ثم اختار ~~بني هاشم فاختارني منهم ، فلم أزل خيارا من خيار ، ألا من أحب العرب فبحبي ~~أحبهم ، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم . | و عن ابن عباس : إن قريشا كانت ~~نورا بين يدي الله تعالى قبل أن يخلق آدم بألفي عام ، يسبح ذلك النور ، ~~وتسبح الملائكة بتسبيحه ، فلما خلق الله آدم ألقى ذلك النور في صلبه ، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : فأهبطني الله إلى الأرض في صلب آدم ، ~~وجعلني في صلب نوح ، وقذف بي في صلب إبراهيم ، ثم لم يزل الله تعالى ينقلني ~~من الأصلاب الكريمة والأرحام الطاهرة ، حتى أخرجني من بين أبوي لم يلتقيا ~~على سفاح قط . ويشهد لصحة هذا الخبر شعر الع باس في مدح النبي صلى الله ~~عليه وسلم المشهور . # # | 3 ( فصل فيما تدعو إليه ضرورة الحياة إليه على ثلاثة ضروب ) 3 # | [ فرع ] الضرب الأول ما التمدح والكمال بقلته اتفاقا [ / فرع ] | [ 27 ~~] وأما ما تدعو ضرورة الحياة إليه مما فصلناه فعلى ثلاثة ضروب : ضرب ~~PageV01P072 الفضل في قلته ، وضرب الفضل في كثرته ، وضرب تختلف الأحوال فيه ~~. | فأما ما التمدح والكمل بقلته اتفاقا ، وعلى كل حال ، عادة وشريعة ، ~~كالغذاء والنوم ، ولم تزل العرب والحكماء تتمادح بقلتهما ، وتذم بكثرتهما ، ~~لأن كثرة الأكل والشرب دليل على النهم والحرص والشره ، وغلبة الشهوة مسبب ~~لمضارالدنيا والآخرة ، جالب لأدواء الجسد وخثار النفس ، وامتلاء الدماغ ، ~~وقلته دليل على القناعة ، وملك النفس ، وقمع الشهوة مسبب للصحة ، وصفاء ~~الخاطر ، وحدة ms039 الذهن ، كما أن كثرة النوم دليل على الفسولة والضعف ، وعدم ~~الذكاء والفطنة ، مسبب للكسل ، وعادة العجز ، وتضييع العمر في غير نفع ، ~~وقساوة القلب وغفلته وموته . | و الشاهد على هذا ما يعلم ضرورة ، ويوجد ~~مشاهدة ، وينقل متوترا من كلام الأمم المتقدمة ، والحكماء السابقين ، ~~وأشعار العرب وأخبارها ، وصحيح الحديث ، وآثار من سلف وخلف ، مما لا يحتاج ~~إلى الإستشهاد عليه اختصا را واقتصارا على اشتهار العلم به . | و كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم قد أخذ من هذين الفنين بالأقل . | هذا ما لا يدفع من ~~سيرته ، وهو الذي أمر به ، وحض عليه ، لاسيما بارتباط أحدهما بالآخر . | ~~حدثنا أبو علي الصدفي الحافظ بقراءتي عليه ، حدثنا أبو الفضل الأصبهاني ، ~~حدثنا أبو نعيم الحافظ ، حدثنا سليمان بن أحمد ، حدثنا أبو بكر بن سهل ، ~~حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثني معاوية بن صالح أن يحيى بن جابر حدثه عن ~~المقدام بن معد يكرب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما ملأ ابن آدم ~~وعاء شرا من بطنه ، حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه ، فإن كان لا محالة فثلث ~~لطعامه ، وثلث لشرابه ، وثلث لنفسه . | و لأن كثرة النوم من كثرة الأكل ~~والشرب . | PageV01P073 قال سفيان الثوري : بقلة الطعام يملك سهر الليل . | ~~و قال بعض السلف : لا تأكلوا كثيرا فتشربوا كثيرا ، فترقدوا كثيرا ، ~~فتخسروا كثيرا . | و قد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان أحب الطعام ~~إليه ما كان على ضعف ، أي كثرة الأيدي . وعن عا ئشة رضي الله عنها : لم ~~يمتلىء جوف النبي صلى الله عليه وسلم شبعا قط ، وأنه كان في أهله لا يسألهم ~~طعاما ولا يتشهاه ، إن أطعموه أكل ، وما أطعموه قبل ، وما سقوه شرب . | و ~~لا يعترض على هذا بحديث بريرة ، وقوله : ألم أر البرمة فيها لحم إذ لعل سبب ~~سؤاله ظنه صلى الله عليه وسلم اعتقاده أنه لا يحل له ، فأراد بيان سنته ، ~~إذ رآهم لم يقدموه إليه ، مع علمه أنهم لا يستأثرون عليه به ، فصدق عليهم ~~ظنه ، وبين لهم ما جهلوه ms040 من أمره بقوله : هو لها صدقة ولنا هدية | و في ~~حكمه لقمان : يابني ، إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة ، وخرست الحكمة ، ~~وقعدت العضاء عن العبادة . | و قال سحنون : لا يصلح العلم لمن يأكل حتى ~~يشبع . | و في صحيح الحديث قوله صلى الله عليه وسلم : أما أنا فلا آكل ~~متكئا . | و الإتكاء : هو التمكن للأكل ، والتقعدد في الجلوس له كالمتربع ، ~~وشبهه من تمكن الجلسات التي يعتمد عليها الجالس على ماتحته [ 28 ] ، ~~والجالس على هذه الهيئة يستدعي الأكل ويستكثر منه . | و النبي صلى الله ~~عليه وسلم إنما كان جلوسه للأكل جلوس المستوفز مقعيا ، ويقول : إنما أنا ~~PageV01P074 عبد آكل كما يأكل العبد ، وأجلس كما يجلس العبد . | و ليس معنى ~~الحدث في الإتكاء الميل على شق عند المحققين . | و كذلك نومه صلى الله عليه ~~وسلم كان قليلا ، شهدت بذلك الآثارالصحيحة ، ومع ذلك فقد قال : إن عيني ~~تنامان ولا ينام قلبي . | وكان نومه على جانبه الأيمن استظهارا على قلة ~~النوم ، لأنه على جانب الأيسر أهنأ ، لهدو القلب وما يتعلق به من الأعضاء ~~الباطنية حينئذ ، لميلها إلى الجانب الأيسر ، فيستدعي ذلك الإستثقال فيه ~~والطول . | و إذا نام النائم على الأيمن تعلق القلب وقلق ، فأسرع الإفاقة ~~ولم يغمره الإستغراق . # | فصل # | [ فرع ] الضرب الثاني : ما يتفق على المدح بكثرته [ / فرع ] | و الضرب ~~الثاني ما يتفق المدح بكثرته ، والفخر بوفوره ، كالنكاح والجاه : أما ~~النكاح فمتفق فيه شرعا وعادة ، فإنه دليل الكمال ، وصحة الذكورية ، ولم يزل ~~التفاخر بكثرته عادة معروفة ، والتمادح به سيرة ماضية . | و أما في الشرع ~~فسنة مأثورة ، وقد قال ابن عباس : أفضل هذه الأمة أكثرها نساء يشير إليه ~~صلى الله عليه وسلم . | و قد قال عليه السلام : تناكحوا تناسلوا ، فإني ~~مباه بكم الأمم يوم القيامة . | PageV01P075 و نهى عن التبتل مع ما فيه من ~~قمع الشهوة ، وغض البصر اللذين نبه عليهما صلى الله عليه وسلم بقوله : من ~~كان ذا طول فليتزوج ، فإنه أغض للبصر ، وأحصن للفرج حتى لم يره العلماء مما ~~يقدح في الز هد . | قال سهل بن عبد ms041 الله : قد حببن إلى سيد المرسلين ، فكيف ~~يزهد فيهن ؟ ونحوه لابن عيينه . | و قد كان زهاد الصحابة كثيري الزوجات ~~والسراري ، كثيري النكاح . | و حكي في ذلك على علي ، والحسن ، وابن عمر ، ~~وغيرهم غير شيء . | و قد كره غير واحد أن يلقى الله عزبا . | فإن قلت : كيف ~~يكون النكاح وكثرته من الفضائل ، وهذا يحيى بن زكريا عليه السلام قد أثنى ~~ال له تعالى عليه أنه كان حصورا ، فكيف يثني الله بالعجز عما تعده فضيلة ؟ ~~. | و هذا عيسى عليه السلام تبتل عنه النساء ، ولو كان كما قررته لنكح ؟ | ~~فاعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى بأنه حصور ليس كما قال بعضهم : | إنه ~~كان هيوبا ، أو لا ذكر له ، بل قد أنكر هذا حذاق المفسرين ونقاد العلماء ، ~~| و قالوا : هذه تقيصة وعيب ، ولا تليق بالأنبياء . | و إنما معناه أنه ~~معصوم من الذنوب ، أي لا تأتيها ، كأنه حصر عنها . وقيل : | مانعا نفسه من ~~الشهوات . | و قيل : ليست له شهرة في النساء . | فقد بان ذلك من هذا أن عدم ~~القدر على النكاح نقص ، وإنما الفضل في كونها PageV01P076 موجودة ، ثم ~~قمعها ، إما بمجاهدة ، كعيسى عليه السلام ، أو بكفاية من الله تعالى ، ~~كيحيى عليه السلام فضيلة زائدة لكونها شاغلة في كثير من الأوقات حاطة إلى ~~الدنيا . ثم هي في حق من أقدر عليها وملكها وقام بالواجب فيها ، ولم تشغله ~~عن ربه درجة عاليا ، وهي درجة نبينا صلى الله عليه وسلم الذي لم تشغله ~~كثرتهن عن عبادة ربه ، بل زاده ذلك عبادة لتحصينهن ، وقيامه بحقوقهن ، ~~واكتسابه لهن ، وهدايته إياهن ، بل صرح أنها ليست من حظوظ [ 29 ] دنياه هو ~~، وإن كانت من حظوظ دنيا غيره ، فقال : حبب إلي من دنياكم . فدل على أن حبه ~~لما ذكر من النساء والطيب اللذين هما من أمور دنيا غيره ، واستعماله لذلك ~~ليس لدنياه ، بل لآخرته ، للفوائد الذي ذكرناها في التزويج ، ~~وللقاءالملائكة في الطيب ، ولأنه أيضا مما يحض على الجماع ، ويعين عليه ، ~~ويحرك أسبابه . | و كان حبه لهاتين الخصلتين لأجل غيره ، وقمع شهوته ، وكان ms042 ~~حبه الحقيقي المختص بذاته في مشاهدته جبروت مولاه ومناجاته ، ولذلك ميز بين ~~الحبين ، وفصل بين الحالين ، فقال : وجعلت قرة عيني في الصلاة ، فقد ساوى ~~يحيى وعيسى في كفاية فتنتهن ، وزاد فضيلة بالقيام بهن . | و كان صلى الله ~~عليه وسلم ممن أقدر على القوة في هذا ، وأعطي الكثير منه ، ولهذا أبيح له ~~من عدد الحرائر ما لم يبح لغيره . | و قد روينا عن أنس أنه صلى الله عليه ~~وسلم كان يدور على نسائه في الساعة من الليل والنهار ، وهن إحدى عشرة . | ~~PageV01P077 و عن طاوس : أعطي عليه السلام قوة أربعين رجلا في الجماع . | و ~~مثله عن صفوان بن سليم . | و قالت سلمى مولاته : طاف النبي صلى الله عليه ~~وسلم ليلة على نسائه التسع ، وتطهر من كل واحدة قبل أن يأتي الأخر ى ، وقال ~~: هذا أطيب وأطهر . | قال أنس : وكنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين رجلا . ~~خرجه النسائي ، وروي نحوه عن أبي رافع . | و قد قال سليمان عليه السلام : [ ~~لأطوفن الليلة على مائة امرأة أو تسع وتسعين ] وأنه فعل ذلك . | قال ابن ~~عباس : كان في ظهر سليمان ماء مائة رجل أو تسع وتسعين ، وكانت له ثلاثمائة ~~امرأة وثلاثمائة سرية . | و حكى النقاش وغيره سبعمائة امرأة وثلاثمائة سرية ~~. | و قد كان لداود عليه السلام على زهده وأكله من عمل يده تسع وتسعون ~~امرأة ، وتمت بزوج أوريا مائة . | و قد نبه على ذلك في الكتاب العزيز بقوله ~~تعالى : إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة [ سورة ص - 38 ، الآية : 23 ] . | و ~~في حديث أنس عنه ، عليه السلام : فضلت على الناس بأربع : بالسخاء ، ~~والشجاعة ، وكثرة الجماع ، وقوة البطش . | PageV01P078 و أما الجاه فمحمود ~~عند العقلاء عادة وبقدر جاهه عظمه في القلوب . | و قد قال الله تعالى في ~~صفة عيسى عليه السلام : وجيها في الدنيا والآخرة ، لكن آفاته كثيرة ، فهو ~~مضر لبعض الناس لعقبى الأخرة ، فلذلك ذمه من ذمه ، ومدح ضده . | و ورد في ~~الشرع مدح الخمول ، وذم العلو في الأرض . | و كان صلى الله عليه وسلم قد ms043 ~~رزق من الحشمة ، والمكانة في القلوب ، والعظمة قبل النبوة عند الجاهلية ~~وبعدها ، وهم يكذبونه ويؤذون أصحابه ، ويقصدون أذاه في نفسه خفية حتى إذا ~~واجههم أعظموا أمره ، وقضوا حاجته . | و أخباره في ذلك معروفة سيأتي بعضها ~~. | و قد كان يبهت ويفرق لرؤيته من لم تره ، كما روي عن قيلة أنها لما رأته ~~أرعدت من الفرق ، فقال : يا مسكينة ، عليك السكينة . | و في حديث أبي مسعود ~~أن رجلا قام بين يديه فأرعد ، فقال : هون عليك فإني لست بملك . . لحديث . | ~~فأما عظم قدره بالنبوة ، وشريف منزلته بالرسالة ، وإنافة رتبته بالإصطفاء ~~والكرامة في الدنيا فأمر هو مبلغ النهاية ، ثم هو في الآخرة سيد ولد آدم . ~~| و على معنى هذا الفصل نظمنا هذا القسم بأسره . | # | فصل # [ فرع ] الضرب الثالث : ما تختلف الحالات في التمدح به [ / فرع ] | و أما ~~الضرب الثالث ، فهو ما تختلف الحالات في التمدح به والتفاخر بسببه ، ~~PageV01P079 والتفضيل [ 30 ] لأجله ، ككثرة المال فصاحبه على الجملة معظم ~~عند العامة ، لإعتقادها توصله به إلى حاجاته ، وتمكن أغراضه بسببه ، وإلا ~~فليس فضيلة في نفسه ، فمتى كان المال بهذه الصورة ، وصاحبه منفقا له في ~~مهمات من اعتراه وأمله ، وتصريفه في مواضعه مشتريا به المعالي والثناء ~~الحسن ، والمنزلة في القلوب كان فضيلة في صاحبه عند أهل الدنيا ، وإذا صرفه ~~في وجوه البر ، وأنفقه في سبيل الخير ، وقصد بذلك الله والدار الآخرة ، كان ~~فضيلة عند الكل بكل حال ، ومتى كان صاحبه ممسكا له غير موجهه وجوهه ، حريصا ~~على جمعه ، عاد كثرة كالعدم ، وكان منقصة في صاحبه ، ولم يقف به على جدد ~~السلامة ، بل أوقعه في هوة رذيلة البخل ، ومذمة النذالة ، فإذا التمدح ~~بالمال وفضيلته عند مفضله ليست لنفسه ، وإنما هو للتوصل به إلى غيره ، ~~وتصريفه في متصرفاته ، فجامعه إذا لم يضعه مواضعه ، ولا وجهه وجوهه غير ~~مليء بالحقيقة ولا غنى بالمعنى ، ولا ممتدح عند أحد من العقلاء ، بل هو ~~فقير أبدا غير واصل إلى غرض من أغراضه ، إذ ما بيده من المال الموصل لها لم ~~يسلط عليه ، فأشبه خازن ms044 مال غيره ، ولا مال له ، فكان ليس في يده منه شيء . ~~| و المنفق مليء وغني بتحصيله فوائد المال ، وإن لم يبق في يده من المال ~~شيء . | فانظر سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم وخلقه في المال تجده قد أوتي ~~خزائن الأرض ، ومفاتيح البلاد ، وأحلت له الغنائم ، ولم تحل لنبي قبله ، ~~وفتح عليه في حياته صلى الله عليه وسلم بلاد الحجاز واليمن ، وجميع جزيرة ~~العرب ، وما دانى ذلك من الشام والعراق ، وجلبت إليه من أخماسها وجزيتها ~~وصدقاتها ما لا يجني للملوك إلا بعضه ، وهادته جماعة من ملوك الأقاليم فيما ~~استأثر بشيء منه ، ولا مسك منه درهما ، بل صرفه مصارفه ، وأغنى به غيره ، ~~وقوى به المسلمين ، وقال : ما يسرني أن لي أحدا ذهبا يبيت عندي منه دينار ، ~~إلا دينارا أرصده لدين . | و أتته دنانير مرة فقسمها ، وبقيت منه ستة ، ~~فدفعها لبعض نسائه ، فلم يأخذه نوم PageV01P080 حتى قام وقسمها ، وقال : ~~الآن استرحت . | و مات ودرعه مرهونة في نفقة عياله . | و اقتصر من نفقته ~~وملبسه ومسكنه على ما تدعو ضرورته إليه . | و زهد فيما سواه ، فك ان يلبس ~~ما وجده ، فيلبس في الغالب الشملة ، والكساة الخشن ، والبرد الغليظ ، ويقسم ~~على من حضره أقيبة الديباج المخوصة بالذهب ، ويرفع لمن لم يحضره ، إذ ~~المباهاة في الملابس والتزين بها ليست من خصال الشرف والجلالة ، وهي من ~~سمات النساء . | و المحمود منها نقاوة الثوب ، والتوسط في جنسه ، وكونه لبس ~~مثله ، غير مسقط لمروءة جنسه مما لا يؤدي إلى الشهرة في الطرفين . | و قد ~~ذم الشرع ذلك ، وغاية الفخر فيه في العادة عند الناس إنما يعود إلى الفخر ~~بكثرة الموجود ، ووفور الحال . | و كذلك التباهي بجودة المسكن ، وسعة ~~المنزل ، وتكثير آلاته وخدمه ومركوباته . | و من ملك الأرض ، وجبي إليه ما ~~فيها ، فترك ذلك ذهدا وتنزها ، فهو حائز لفضيلة المال ، ومالك للفخر بهذه ~~الخصلة إن كانت فضيلة زائد عليها في الفخر ، ومعرق في المدح بإضرابه عنها ، ~~وزهدة في فانيها ، وبذلها في مظانها . # # | 3 ( فصل في الخصال المكتسية من الأخلاق الحميدة ms045 ) 3 # | و أما الخصال المكتسبة من الأخلاق الحميدة [ 31 ] والآداب الشريفة التي ~~اتفق جميع العقلاء على تفضيل صاحبها ، وتعظيم المتصف بالخلق الواحد منها ، ~~فضلا عما فوقه وأثنى على الشرع على جميعها ، وأمر بها ، ووعد السعادة ~~الدائمة للمتخلق بها ، ووصف PageV01P081 بعضها بأنه من أجزاء النبوة ، وهي ~~المسماة بحسن الخلق ، وهو الإعتدال في قوى النفس وأوصافها ، والتوسط فيها ~~دون الميل إلى منحرف أطرافها ، فجميعها ، قد كانت خلق نبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم على الإنتهاء في كمالها ، والإعتدال إلى غايتها ، حتى أثنى الله ~~بذلك عليه ، فقال تعالى : وإنك لعلى خلق عظيم [ سورة القلم - 68 ، الآية : ~~4 ] . | قالت عائشة رضي الله عنها : كان خلقه القرآن ، يرضى برضاه ، ويسخط ~~بسخطه . | و قال صلى الله عليه وسلم : بعثت لأتمم مكارم الأخلاق . | قال ~~انس : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا . | و عن علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه مثله . | و كان فيما ذكره المحقوق محبولا عليها في ~~أصل خلقته وأول فطرته ، لم تحصل له باكتساب ولا رياضة إلا بجود إلهي ، ~~وخصوصية رب انية . | و هكذا لسائر الأنبياء ، ومن طالع سيرهم منذ صباهم إلى ~~مبعثهم حقق ذلك ، كما عرف من حال عيسى وموسى ، ويحيى ، وسليمان ، وغيرهم ~~عليهم السلام . | بل غرزت فيهم هذه الأخلاق في الجبلة ، وأودعوا العلم ~~والحكمة في الفطرة ، قال الله تعالى : وآتيناه الحكم صبيا [ سورة مريم - 19 ~~، الآية : 12 ] . | قال المفسرون : أعطي يحيى العلم بكتاب الله تعالى في ~~حال صباه . | و قال معمر : كان يحيى ابن سنتين أو ثلاث ، فقال له الصبيان : ~~لم لا تلعب ؟ | فقال : أللعب خلقت ! . | و قيل في قوله تعالى : مصدقا بكلمة ~~من الله : صدق يحيى بعيسى ، وهو ابن ثلاث سنين ، فشهد له أنه كلمة الله ~~وروحه . | PageV01P082 و قيل : صدقه وهو في بطن أمه ، فكانت أم يحيى تقول ~~لمريم : إنى أجد ما في بطني يسجد لما في بطنك ، تحتة له . وقد نص الله ~~تعالى على كلام عيسى لأمه عند ولادتها إياه بقوله لها : أن لا تحزني على ms046 ~~قراءة من قرأ من تحتها وعلى قول من قال : إن المنادي عيسى . | و نص على ~~كلامه في مهده ' فقال : إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا . | و قال : ~~ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما [ سورة الأنبياء - 21 ، الآية : 79 ~~] . | و قد ذكر من حكم سليمان وهو صبي يلعب في قصة المجرومة ، وفي قصة ~~الصبي ما اقتدى به داود أبوه . | و حكى الطبري أن عمره كان حين أوتي الملك ~~اثني عشر عاما . | و كذلك قصة موسى مع فرعون وأخذه بلحيته وهو طفل . | و ~~وقال المفسرون في قوله تعالى : ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل ، أي هديناه ~~صغيرا ، قاله مجاهد وغيره . | و قال ابن عطاء : اصطفاه قبل إبداء خلقه . | ~~و قال بعضهم : لما ولد إبراهيم عليه السلام بعث الله تعالى إليه ملكا يأمره ~~عن الله أن يعرفه بقلبه ، ويذكره بلسانه ، فقال : قد فعلت ، ولم يقل أفعل ، ~~فذلك رشده . | PageV01P083 و قيل : إن إلقاء إبراهيم عليه السلام في النار ~~ومحنته كانت وهو ابن ست عشرة سنة ، وإن ابتلاء إسحاق بالذبح كان وهو ابن ~~سبع سنين ، وإن استدلال إبراهيم بالكوكب والقمر والشمس كان وهو ابن خمسة ~~عشر شهرا . | و قيل : أوحي إلى يوسف وهو صبي عندما هم إخوته بإلقائه في ~~الجب ، يقول الله تعالى : وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون ~~[ سورة يوسف - 12 ، الآية : 15 ] . | [ 32 ] إلى غير ذلك مما ذكرنا من ~~أخبارهم . | و قد حكى أهل السير أن آمنة بنت وهب أخبرت أن نبينا محمدا صلى ~~الله عليه وسلم ولد حين ولد باسطا يديه إلى الأرض ، رافعا رأسه إلى السماء ~~. | و قال في حديثه صلى الله عليه وسلم : لما نشأت بغضت إلي الأوثان . وبغض ~~إلى الشعر . | و لم أهم بشيء مما كانت الجاهلية تفعله إلا مرتين ، فعصمني ~~الله منهما ، ثم لم أعد . | ثم يتمكن الأمر لهم ، وتترادف نفحات الله عليهم ~~، وتشرق أنوار المعارف في قلوبهم ، حتى يصلوا الغاية ، ويبلغوا باصطفاء ~~الله تعالى لهم بالنبوة في تحصيل هذه الخصال الشريفة النهاية دون ممارسة ms047 ~~ولا رياضة ، قال الله تعالى : ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما [ سورة يوسف ~~- 12 ، الآية 22 ] . | و قد نجد غيرهم يطبع على بعض هذه الأخلاق دون جميعها ~~، ويولد عليها ، فيسهل عليه اكتساب تمامها عناية من الله تعالى ، كما نشاهد ~~من خلقه بعض الصبيان على حسن السمت ، أو الشهامة ، أو صدق اللسان ، أو ~~السماحة ، وكما نجد بعضهم على ضدها ، فبالإكتساب يكمل ناقصها ، وبالرياضة ~~والمجاهدة يستجلب معدومها ، ويعتدل منحرفها ، وباختلاف هذين الحالين يتفاوت ~~الناس فيها . وكل ميسر لما خلق له . ولهذا ما قد PageV01P084 اختلف السلف ~~فيها : هل هذا الخلق ج بلة أو مكتسبة ؟ . | فحكى الطبري عن بعض السلف أن ~~الخلق الحسن جبلة وغريزة في العبد ، وحكاه عن عبد الله بن مسعود ، والحسن ، ~~وبه قال هو . | و الصواب ما أصلناه . وقد روى سعد عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ، قال : كل الخلال يطبع عليها المؤمن إلا الخيانة والكذب . | و قال ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حديثه : والجرأة ، والجبن غرائز يضعها الله ~~حيث يشاء . وهذه الأخلاق المحمودة والخصال الجميلة كثيرة ، ولكنا نذكر ~~أصولها ، ونشير إلى جميعها ، ونحقق وصفه صلى الله عليه وسلم بها إن شاء ~~الله تعالى . | # | 3 ( فصل في بيان أصول هذه الأخلاق وتحقق وصف النبي بها ) 3 # | أما أصل فروعها ، وعنصر ينابيعها ، ونقطة دائرتها فالعقل الذي منه ~~ينبعث العلم والمعرفة ، ويتفرع عن هذا ثقوب الرأي ، وجودة الفطنة ، ~~والإصابة ، وصدق الظن ، والنظر للعواقب ومصالح النفس ، ومجاهدة الشهوة ، ~~وحسن السياسة والتدبير ، واقتناء الفضائل ، وتجنب الرذائل . | و قد أشرنا ~~إلى مكانه عليه السلام ، وبلوغه منه ومن العلم الغاية التي لم يبلغها بشر ~~سواه ، وإذ جلالة من ذلك ، ومما تفرع منه متحقق عند من تتبع مجاري أحواله ، ~~واطراد سيره ، وطالع جوامع كلامه . وحسن شمائله ، وبدائع سيره ، وحكم حديثه ~~، وعلمه بما في التوراة والإنجيل والكتب المنزلة ، وحكم الحكماء ، وسير ~~الأمم PageV01P085 الخالية ، وإياها وضرب الأمثال ، وسياسات الأنام ، ~~وتقرير الشرائع ، وتأصيل الأداب النفسية ، والشيم الحميدة إلى فنون العلوم ~~التي اتخذ أهلها كلامه عليه السلام فيها قدره ، وإشاراته ms048 حجة ، كالعبارة ، ~~والطب ، والحساب ، والفرائض ، والنسب ، وغير ذلك مما سنبينه في معجزاته إن ~~شاء الله ، دون تعليم ولا مدارس ، ولا مطالعة كتب من تقدم ، ولا الجلوس إلى ~~علم ائهم ، بل بني أمي لم يعرف بشيء [ 23 ] من ذلك ، حتى شرح الله صدره ، ~~وأبان أمره ، وعلمه ، وأقرأه ، يعلم ذلك بالمطالعة والبحث عن حاله ضرورة ، ~~وبالبرهان القاطع على نبوته نظرا ، فلا نطول بسرد الأقاصيص ، وآحاد القضايا ~~، إذ مجموعها مالا يأخذه حصر ، ولا يحيط به حفظ جمع ، وبحسب عقله كانت ~~معارفه صلى الله عليه وسلم إلى سائر ماعلمه الله تعالى ، وأطلعه عليه من ~~علم ما يكون وما كان ، وعجائب قدره ، وعظيم ملكوته ، قال تعالى وعلمك ما لم ~~تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما [ سورة النساء - 4 ، الآية : 113 ] | ~~حارث العقول في تقدير فضله عليه ، وخرست الألسن دون وصف يحيط بذلك أو ينهى ~~إليه . | # | 3 ( فصل في الفرق بين الحلم والإحتمال ، والعفو مع القدرة ، والصبر على ~~ما يكره ) 3 # | و أما الحلم والاحتمال ، والعفو مع القدرة ، والصبر على ما يكره ، وبين ~~هذه الألقاب فرق ، فإن الحلم حالة توقر وثبات عند الأسباب المحركات . ~~والاحتمال : حبس النفس عند الآلام والمؤذيات . ومثلها الصبر ، ومعانيها ~~متقاربة . | و أما العفو فهو ترك المؤاخذة . | و هذا كله مما أدب الله ~~تعالىبه نبيه صلى الله عليه وسلم ، فقال : خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن ~~الجاهلين [ سورة الأعراف - 7 ، الآية : 99 1 ] . | روي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم نزلت عليه هذه الآية سأل جبريل عليه السلام عن تأويلها ، فقال ~~له : أسأل العالم . | ثم ذهب فأتاه ، فقال : يامحمد . إن الله يأمرك أن تصل ~~من قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتعفو عمن ظلمك . | PageV01P086 وقال له : واصبر ~~على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور . | و قال تعالى : فاصبر كما صبر أولو ~~العزم من الرسل [ سورة الأحقاف - 6 4 ، الآية : 35 ] | قال : وليعفوا ~~وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم . | و قال : ولمن صبر ~~وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ms049 [ سورة الشورى - 42 ، الآية : 3 4 ] . | و لا ~~خفاء بما يؤثر من حلمه واحتماله ، وأن كل حليم قد عرفت منه زله ، وحفظت عنه ~~هفوه ، وهو صلى الله عليه وسلم لا يزيد مع كثرة الأذى إلا صبرا ، وعلى ~~اسراف الجاهل إلا حلما . | حدثنا القاضي أبو عبد الله محمد بن علي التغلبي ~~وغيره ، قالو ا : حدثنا محمد بن عتاب ، حدثنا أبو بكر بن وافد القاضي وغيره ~~، حدثنا أبو عيس ، حدثنا عبيد الله ، قال حدثنا يحيى بن يحيى ، حدثنا مالك ~~، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : ما خير رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في أمرين قط إلا اختار أيسرهم ما لم يكن اثما ، ~~فإن كان إثما كان أبعد الناس منه ، وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لنفسه إلا أن تنتهك حرمه الله تعالى ، فينتقم الله بها . | و روي أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم كسرت رباعيته وشج وجهه يوم أحد شق ذلك على أصحابه ~~شديدا ، وقالو : لو دعوت عليهم ! فقال : إني لم أبعث لعانا ، ولكني بعثت ~~داعيا ورحمة . اللهم اهد قومي فإنهم لايعلمون . | و روي عن عمر رضي الله ~~عنه أنه قال في بعض كلامه : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ! لقد دعا نوح على ~~قومه ، فقال : رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا . ولو دعوت علينا ~~مثلها لهلكنا من عند آخرنا ، فلقد وطيء ظهرك ، وأدمي PageV01P087 وجهك ، ~~وكسرت رباعيتك ، فأبيت أن تقول إلا خيرا ، فقلت : اللهم اغفر لقومي ، فإنهم ~~لا يعلمون . | قال القاضي أبو الفضل وفقه الله : انظر في هذا القول من جماع ~~الفضل ، ودرجات الإحسان ، وحسن الخلق ، وكرم النفس ، وغاية الصبر [ 34 ] ~~والحلم ، إذ لم يقتصر صلى الله عليه وسلم على السكوت عنهم حتى عفا عنهم ، ~~ثم أشفق عليهم ورحمهم ، ودعا وشفع لهم ، فقال : اغفر أو اهد ، ثم أظهر سبب ~~الشفقة والرحمة بقوله : لقومي ، ثم اعتذر عنهم بجهلهم ، فقال : فإنهم لا ~~يعلمون . | و لما قال له الرجل : اعدن ، فإن هذه قسمة ما ms050 أريد بها وجه الله ~~لم يزده في جوابه أن يبين له ما جهله . | و وعظ نفسه ، وذكرها بما قال له ، ~~فقال : ويحك ! فمن يعدل إن لم أعدل ! خبت وخسرت إن لم أعدل ! ونهى من أراد ~~من أصحابه قتله . | و لما تصدى له غورث بن الحارث ليفتك به ، ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم منتبذ تحت شجرة وحده قائلا ، والناس قائلون ، في غزاة ، ~~فلم ينتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وه وقائم والسيف صلتا في يده ، ~~فقال : من يمنعك مني ؟ فقال الله فسقط السيف من يده ، فأخذه النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، وقال : من يمنعك مني ؟ قال : كن خير آخذ ، فتركه وعفا عنه . ~~فجاء إلى قومه فقال : جئتكم من عند خير الناس . | و من عظيم خبره في العفو ~~عفوه عن اليهودية التي سمته في الشاة بعد اعترافها على الصحيح من الرواية . ~~| و أنه لم يؤاخذ لبيد بن الأعصم إذ سحره ، وقد أعلم به وأوحي إليه بشرح ~~أمره ، ولا PageV01P088 عتب عليه فضلا عن معاقبته . | و كذلك لم يؤخذ عبد ~~الله بن أبي وأشباهه من المنافقين بعظيم ما نقل عنهم في جهته قولا وفعلا ، ~~بل قال لمن أشار بقتل بعضهم : لا يتحدث أن محمدا يقتل أصحابه . | و عن أنس ~~رضي الله عنه : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وعليه برد غليظ الحاشية ~~، فجبذه الأعرابي بردائه جبذة شديدة حتى أثرت حاشية البرد في صفحة عاتقه ، ~~ثم قال : يا محمد ، احمل لي على بعيري هذين من مال الله الذي عندك ، فإنك ~~لا تحمل لي من مالك ومال أبيك . | فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال ~~: المال مال الله ، وأنا عبده . | ثم قال : ويقاد منك يا أعرابي ما فعلت بي ~~. | قال : لا . | قال : لم ؟ قال : لأنك لا تكافئ بالسيئة السيئة . | فضحك ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم أمر أن يحمل له على بعيره شعير ، وعلى الآخر ~~تمر . | قالت عائشة رضي الله عنهما : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~منتصرا من ms051 مظلمة ظلمها قط ما لم تكن حرمة من محارم الله . وما ضرب بيده ~~شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله . وما ضرب خادما قط ولا إمرأة . | و جيء ~~إليه برجل ، فقيل : هذا أراد أن يقتلك . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ~~: لن تراع ، لن PageV01P089 تراع ، ولو أردت ذلك لم تسلط علي . | و جاءه ~~زيد بن سعنة قبل إسلامه يتقضاه دينا عليه ، فجبذ ثوبه عن منكبه ، وأخذ ~~بمجامع ثيابه ، وأغلظ له ، ثم قال : إنكم ، يا نبي عبد المطلب ، مطل ، ~~فانتهره عمر وشدد له في القول ، والنبي صلى الله عليه وسلم يبتسم . | فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا وهو كنا إلى غير هذا أحوج منك يا عمر ، ~~تأمرني بحسن القضاء ، وتأمره بحسن التقاضي . | ثم قال : لقد بقي من أجله ~~ثلاث ، وأمر عمر يقضيه ماله ويزيده عشرين صاعا لما روعه ، فكان سبب إسلامه ~~. | ذلك انه كان يقول : ما بقي من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفتها في ~~محمد إلا اثنتين لم أخبرهما : يسبق حلمه جهله [ 35 ] ، ولا تزيده شدة الجهل ~~إلا حلما . فأختبره بهذا ، فوجده كما وصف . | و الحديث عن حلمه عليه السلام ~~وصبره وعفوه عند القدرة أكثر من أن تأتي عليه ، وحسبك ما ذكرناه مما في ~~الصحيح والمصنفات الثابتة إلى ما بلغ متواترا مبلغ اليقين : من صبره على ~~مقاساة قريش ، وأذى الجاهلية ، ومصابرته الشدائد الصعبة معهم إلى أن أظفره ~~الله عليهم ، وحكمه فيهم ، وهم لا يشكون في استئصال شأفتهم ، وإبادة ~~خضرائهم ، فما زاد على أن عفا وصفح ، وقال : ما تقولون أني فاعل بكم ؟ ~~قالوا : خيرا ، أخ كريم ، وابن أخ كريم ، فقال : أقول كما قال أخي يوسف : ~~لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ، اذهبوا فأنتم ~~الطلقاء . PageV01P090 وقال أنس : هبط ثمانون رجلا من التنعيم صلاة الصبح ~~ليقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذوا ، فأعقتهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى : وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ~~ببطن مكة من بعد أن ms052 أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا . وقال لأبي ~~سفيان وقد سيق إليه بعد أن جلب إليه الأحزاب ، وقتل عمه وأصحابه ومثل بهم ، ~~فعفا عنه ، ولاطفه في القول : ويحك يا أبا سفيان ! ألم يأن لك أن تعلم أن ~~لا إله إلا الله ؟ فقال : بأبي أنت وأمي ! ما أحلمك وأوصلك وأكرمك ؟ . | و ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبعد الناس غضبا ، وأسرعهم رضا ، صلى ~~الله عليه وسلم . | # | 3 ( فصل في معاني الجود والكرم ، والسخاء والسماحة ) 3 # | و أما الجود والكرم ، والسخاء والسماحة فمعانيها متقاربة . وقد فرق ~~بعضهم بينها بفروق ، فجعلوا الكرم الإنفاق بطيب النفس فيما يعظم خطره ونفعه ~~، وسموه أيضا حرية ، وهو ضد النذالة . | PageV01P091 و السماحة : التجافي ~~عما يستحقه المرء عند غيره بطيب نفس ، وهو ضد الشكاسة . | و السخاء : سهولة ~~الإنفاق ، وتجنب اكتساب ما لا يحمد ، وهو الجود ، وهو ضد التقتير . وكان ~~صلى الله عليه وسلم لا يوازى في هذه الأخلاق الكريمة ، ولا يبارى ، بهذا ~~وصفه كل من عرفه . | حدثنا القاضي الشهيد أبو على الصدفي رحمه الله ، حدثنا ~~القاضي أبو الوليد الباجي ، حدثنا أبو ذر الهروي ، حدثنا أبو الهيثم ~~الكشميهني ، وأبو محمد السرخسي ، وأبو إسحاق البلخي ، قالوا : حدثنا أبو ~~عبد الله الفربري ، قال : حدثنا البخاري ، قال حدثنا محمد بن كثير ، حدثنا ~~سفيان ، عن ابن المنكدر ، سمعت جابر بن عبد الله يقول : ما سئل النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن شيء فقال : لا . | و عن أنس ، وسهل بن سعد مثله . | و ~~قال ابن عباس : كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير ، وأجود ما ~~كان في شهر رمضان ، وكان إذا لقيه جبريل عليه السلام أجود بالخير من الريح ~~المرسلة . | و عن أنس أن رجلا سأله فأعطاه غنما بين جبلين ، فرجع إلى بلده ~~، وقال : أسلموا ، فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى فاقة . وأعطى غير واحد ~~مائة من الإبل ، وأعطى صفوان مائة ثم مائة ثم مائة ، وهذه كانت حاله صلى ~~الله عليه وسلم قبل أن يبعث . | PageV01P092 و قد قال له ورقة ms053 بن نوفل : ~~إنك تحمل الكل وتكسب العدوم . | و رد على هوازن سباياها ، وكانوا ستة آلاف ~~. | و أعطى العباس من الذهب ما لم يطق حمله . | و حمل إليه تسعون ألف درهم ~~، فوضعت على حصير ، ثم قام إليها يقسمها ، فما رد سائلا حتى فرغ منها . | و ~~جاءه رجل ، فسأله فقال : ما عندي شيء ولكن ابتع علي ، فإذا [ 36 ] جاءنا ~~شيء قضيناه . . . | فقال له عمر : ما كلفك الله ما لا تقدر عليه . | فكره ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذلك . فقال رجل من الأنصار : يا رسول الله ، أنفق ~~ولا تخف من ذي العرش إقلالا . | فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم ، وعرف ~~البشر في وجهه ، وقال : بهذا أمرت ذكره الترمذي . | و ذكر عن معوذ ابن ~~عفراء ، قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بقناع من رطب يريد طبقا ، ~~وأجر زغب يريد قثاء ، فأعطاني ملء كفه حليا وذهبا . | و قال أنس : كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخر شيئا لغد . | و الخير بجوده صلى الله ~~عليه وسلم وكرمه الكثير . | و عن أبي هريرة : أتى رجل النبي صلى الله عليه ~~وسلم يسأله ، فاستسلف له رسول الله صلى الله عليه وسلم نصف PageV01P093 وسق ~~، فجاء الرجل يتقاضاه ، فأعطاه وسقا ، وقال : نصفه قضاء ونصفه نائل . | # | 3 ( فصل في الشجاعة والنجدة ) 3 # | و أما الشجاعة والنجدة فالشجاعة فضيلة قوة الغضب وانقيادها للعقل ، ~~والنجدة : ثقة النفس عند استرسالها إلى الموت حيث يحمد فعلها دون خوف . | و ~~كان صلى الله عليه وسلم منهما بالمكان الذي لا يجهل ، قد حضر المواقف ~~الصعبة ، وفر الكماة والأبطال عنه غير مرة ، وهو ثابت لا يبرح ، ومقبل لا ~~يدبر ولا يتزحزح وما شجاع إلا وقد أحصيت له فرة ، وحفظت عنه جولة ، سواه . ~~| حدثنا أبو علي الجياني فيما كتب لي ، قال : حدثنا القاضي سراج ، حدثنا ~~أبو محمد الأصيلي ، قال : حدثنا أبو زيد الفقيه ، حدثنا محمد بن يوسف ، ~~حدثنا محمد بن اسماعيل ، حدثنا ابن بشار ، حدثنا غندر ، حدثنا شعبة ، عن ~~أبي اسحاق : سمع البراء وسأله رجل : أفررتم يوم حنين ms054 عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ؟ قال : لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر . | ثم قال : ~~لقد رأيته على بغلته البيضاء وأبو سفيان آخذ بلجامها ، والنبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول : أنا النبي لا كذب ، وزاده غيره : أنا ابن عبد المطلب . | ~~قيل : فما رئي يومئذ أحد كان أشد منه . | و قال غيره : نزل النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن بغلته . | و ذكر مسلم عن العباس ، قال : فلما التقى المسلمون ~~والكفار ولى المسلمون مدبرين ، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض ~~بغلته نحو الكفار ، وأنا آخذ بلجامها أكفها إرادة ألا تسرع ، وأبو سفيان ~~آخذ بركابه ، ثم نادى : يا للمسلمين . . . الحديث . | و قيل : وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا غضب ولا يغضب الله لم يقم لغضبه شيء . وقال : ~~ابن عمر : ما رأيت أشجع ، ولا أنجد ، ولا أجود ، ولا أرضى ، ولا أفضل من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم . | PageV01P094 و قال علي رضي الله عنه : ~~إنا كنا إذا حمي اليأس ويروى : اشتد البأس واحمرت الحدق اتقينا برسول الله ~~، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه ولقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم ، وهو أقربنا إلى العدو وكان من أشد الناس يومئذ بأسا . ~~| و قيل : كان الشجاع هو الذي يقترب منه صلى الله عليه وسلم إذا دنا العدو ~~، لقربه منه . عن أنس : كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس ، وأجود ~~الناس ، وأشجع الناس ، لقد فزع أهل المدينة ليلة ، فانطلق ناس قبل الصوت ، ~~فتلقاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا ، قد سبقهم إلى الصوت ، ~~واستبرق الخبر على فرس لأبي طلحة عرى ، والسيف [ 37 ] في عنقه ، وهو يقول : ~~لن تراعوا . | و قال عمران بن حصين : ما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كتيبة إلا كان أول من يضرب . | و لما رآه أبي بن خلف يوم أحد وهو يقول : ~~أين محمد ، لا نجوت إن نجا . | و قد كان يقول للنبي صلى الله عليه وسلم ms055 حين ~~افتدى يوم بدر : عندي فرس أعلفها كل يوم فرفا من ذرة أقتلك عليها . | فقال ~~: له النبي صلى الله عليه وسلم أنا أقتلك إن شاء الله . | فلما رآه يوم أحد ~~شد أبي على فرسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاعترضه رجال من ~~المسلمين ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هكذا ، أي خلوا طريقه وتناول ~~الحربة من الحارس بن الصمة ، فانتفض بها انتفاضة تطايروا عنه تطاير الشعراء ~~عن ظهر البعير إذا انتفض ، ثم PageV01P095 استقبله النبي صلى الله عليه ~~وسلم ، فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارا . | و قيل : بل كسر ~~ضلعا من أضلاعه ، فرجع إلى قريش يقول : قتلني محمد ، وهم يقولون لا بأس بك ~~. فقال : لو كان ما بي بجميع الناس لقتلهم ، أليس قد قال : أنا أقتلك ، ~~والله لو بصق علي لقتلني . فمات بسرف في قف ولهم إلى مكة . | # | فصل # وأما الحياء والإعضاء : فالحياء رقة تعتري وجه الإنسان عند فعل ما يتوقع ~~كراهته ، أو أو ما يكون تركه خيرا من فعله . | والإغضاء : التغافل عما يكره ~~الإنسان بطبيعته . | وكان النبي صلى الله عليه وسلم وسلم أشد الناس حياء ، ~~وأكثرهم عن العورات إغضاء ؛ قال الله سبحانه : ^ ( إن ذلكم كان يؤدي النبي ~~فيستحي منكم ، والله لا يستحيي من الحق . . . . ) ^ الآية . # حدثنا أبو محمد بن عتاب ، بقراءاتي عليه ؛ قال : حدثنا أبو القاسم حاتم ~~بن محمد ، حدثنا أبو الحسن القابسي ، حدثنا أبو زيد المروزي ، حدثنا محمد ~~بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا عبدان ، حدثنا عبد الله [ مولى ~~أنس ] ، حدثنا شعبة ، عن قتادة سمعت عبد الله مولى أنس ، يحدث عن أبي سعيد ~~الخدري رضي الله عنه : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من ~~العذراء في خدرها . وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه . # وكان صلى الله عليه وسلم لطيف البشرة ، رقيق الظاهر ، لا يشافه أحدا بما ~~يكرهه حياء وكرم نفس . | وعن عائشة رضي الله عنهما : كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا بلغه عن أحد ما يكرهه لم يقل ms056 : ما بال فلان يقول كذا ؟ ولكن ~~يقول : ما بال أقوام يصنعون ، أو يقولون كذا ينهى عنه ، ولا يسمى فاعله . ~~PageV01P096 | وروى أنس أنه دخل عليه رجل به أثر صفرة ، فلم يقل له شيئا - ~~وكان لا يواجه أحدا بما يكره - فلما خرج قال : ' لو قلتم له : يغسل هذا ' ~~ويروى : ' ينزعها ' . # قالت عائشة في الصحيح : لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا ~~متفحشا ولا سخابا بالأسواق ، ولا يجزي بالسيئة السيئة ، ولكن يعفو ويصفح . # وقد حكى مثل هذا الكلام عن التوارة ، من رواية [ عبد الله ] بن سلام ، ~~وعبد الله ابن عمرو بن العاص . | وروي عنه أنه كان من حيائه لا يثبت بصره ~~في وجه أحد . | وأنه كان يكنى عما اضطره الكلام إليه مما يكره . وعن عائشة ~~: ما رأيت فرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قط . | # | 3 ( فصل في حسن عشرته وأدبه وبسط خلقه ) 3 # | و أما حسن عشرته وأدبه وبسط خلقه صلى الله عليه وسلم مع أصناف الخلق ~~فبحيث انتشرت به الأخبار الصحيحة . | قال علي رضي الله عنه [ 38 ] في وصفه ~~عليه الصلاة والسلام : : كان أوسع الناس صدرا ، وأصدق الناس لهجة ، وألينهم ~~عريكة ، وأكرمهم عشرة . | حدثنا أبو الحسن علي بن مشرق الأنماطي فيما ~~أجازنيه ، وقرأتة على غيره ، قال : حدثنا أبو إسحاق الحبال ، حدثنا أبو ~~محمد بن النحاس ، حدثنا ابن الأعرابي ، حدثنا أبو داود ، حدثنا هشام أبو ~~مروان ، ومحمد بن المثني : قالا : حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا الأوزاعي ، ~~سمعت يحيى بن أبي كثير يقول : حدثني محمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن ~~PageV01P097 زرارة ، عن قيس بن سعد ، قال زارنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وذكر قصة في آخرها : فلما أراد الإنصراف قرب له سعد حمارا ، وطأ عليه ~~بقطيفة ، فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال سعد : يا قيس ، اصحب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم . | قال قيس : فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم اركب ، فأبيت . فقال : إما أن تركب وإما أن تنصرف . فانصرفت . | [ وفي ~~رواية أخرى : اركب أمامي ms057 ، ف صاحب الدابة أولى بمقدمها ] . | و كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يؤلفهم ، ولا ينفرهم ، ويكرم كريم كل قوم ويوليه ~~عليهم ، ويحذر الناس ، ويحترس منهم من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره ولا ~~خلقه ، يتفقدأصحابه ، ويعطي كل جلسائه نصيبه ، لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم ~~عليه منه . من جالسه أو قاربه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه ، ومن ~~سأله حاجة لم يرده إلا بها ، أو بميسور من القول ، قد وسع الناس بسطه وخلقه ~~، فصار لهم أبا ، وصاروا عنده في الحق سواء . | بهذا وصفه ابن أبي هالة ، ~~قال : وكان دائم البشر ، سهل الخلق ، لين الجانب ، ليس بفظ ولا غليظ ، ولا ~~سخاب ، ولا فحاش ولا عياب ، ولا مداح ، يتغافل عما لا يشتهي ولا يؤنس منه . ~~| و قال الله تعالى : فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب ~~لانفضوا من حولك [ سورة آل عمران - 3 ، الآية : 159 ] . | و قال تعالى : ~~ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون . | و كان يجيب من دعاه ، ~~ويقبل الهدية ولو كانت كراعا ويكافيء عليها . | قال أنس : خدمت رسول الله ~~عشر سنين ، فما قال لي أف قط ، وما قال لشيء PageV01P098 صنعته : لم صنعته ~~؟ ولا ل شيء تركته : لم تركته ؟ . | و عن عائشة رضي الله عنها : ما كان أحد ~~أحسن خلقا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ما دعاه أحد من أصحابه أو أهل ~~بيته إلا قال : لبيك . | و قال جرير بن عبد الله : ما حجبني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم منذ أسلمت ، ولا رآني إلا تبسم . | و كان يمازح أصحابه ، ~~ويخالطهم ويحادثهم ، ويداعب صبيانهم ، ويجلسهم في حجره ، ويجيب دعوة الحر ~~والعبد ، والأمة والمسكين ، ويعود المرضى في أقضى المدينة ، ويقبل عذر ~~المعتذر . | قال أنس : ما التقم أحد أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فينحي رأسه حتى يكون الرجل هو الذي ينحي رأسه ، وما أخذ أحد بيده فيرسل يد ~~حتى يرسلها الآخر ، ولم ير مقدما ركبتيه بين يدي جليس له ms058 . | و كان يبدأ من ~~لقيه بالسلام ، ويبدأ أصحابه ، بالمصافحة ، ولم ير قط مادا رجليه بين ~~أصحابه حتى يضيق بهما على أحد . يكرم من يدخل عليه ، وربما بسط له ثوبه ، ~~ويؤثره بالوسادة التي تحته ، ويعزم عليه في الجلوس عليها إن أبى ، ويكني ~~أصحابه ، ويدعوهم بأحب أسمائهم تكرمة لهم ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى ~~يتجوز فيقطعه بنهي أو قيام ويروي : بانتهاء أو قيام . | PageV01P099 و يروى ~~أنه كان [ 39 ] لا يجلس إليه أحد وهو يصلي إلا خفف صلاته ، وسأله عن حاجته ~~، فإذا فرغ عاد إلى صلاته . | و كان أكثر الناس تبسما ، وأطيبهم نفسا ، ما ~~لم ينزل عليه قرآن أو يعظ أو يخطب . | قال عبد الله بن الحارث : ما رأيت ~~أحدا أكثر تبسما من رسول الله صلى الله عليه وسلم . وعن أنس : خدم المدينة ~~يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الغداة بآنيتهم فيها الماء ، ~~فما يؤتى بآنية إلا غمس يده فيها ، وربما كان ذلك في الغداة الباردة يريدون ~~به التبرك . | # | 3 ( فصل في شفقته ورأفته ورحمته لجميع الخلق ) 3 # | و أما الشفقة والرأفة والرحمة لجميع الخلق فقد قال الله تعالى فيه : ~~عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم [ سورة التوبة - 9 ، ~~الآية : 128 ] . | و قال تعالى : وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين [ سورة ~~الأنبياء - 21 ، الآية : 107 ] . | قال بعضهم : من فضله عليه السلام أن ~~الله تعالى أعطاه اسمين من أسمائه ، فقال : بالمؤمنين رؤوف رحيم . | و حكى ~~نحوه الإمام أبو بكر بن فورك . حدثنا الفقيه أبو محمد عبد الله بن محمد ~~الخشبي بقراءتي عليه ، حدثنا إمام الحرمين أبو علي الطبري ، حدثنا عبد ~~الغافر الفارسي ، حدثنا أبو أحمد الجلودي ، حدثنا إبراهيم بن سفيان ، حدثنا ~~مسلم بن الحجاج ، حدثنا أبو الطاهر ، أنبأنا يونس ، عن ابن شهاب ، قال : ~~غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة ، وذكر حنينا ، قال : فأعطى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم صفوان بن أمية مائة من النعم ، ثم مائة ، ثم مائة ~~. | PageV01P100 قال ابن شهاب ، حدثنا سعيد بن المسيب ms059 أن صفوان قال : والله ~~لقد أعطاني ما أعطاني وإنه لأبغض الخلق إلي ، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب ~~الخلق إلي . | و روي أن أعرابيا جاءه يطلب منه شيئا ، فأعطاه ، ثم قال : ~~أحسنت إليك ؟ . قال الأعرابي : لا ، ولا أجملت . | فغضب المسلمون وقاموا ~~إليه ، فأشار إليهم أن كفوا ، ثم قام ودخل منزله ، وأرسل إليه ، وزاده شيئا ~~، ثم قال : [ أحسنت إليك ؟ ] قال : نعم ، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا . ~~| فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : إنك قلت ما قلت وفي أنفس أصحابي من ~~ذلك شيء ، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب ما في صدورهم ~~عليك . | قال : نعم . فلما كان الغد أو العشي جاء ، فقال صلى الله عليه ~~وسلم : إن هذا الأعرابي قال ما قال ، فزدناه أنه رضي ، أكذلك ؟ قال : نعم ، ~~فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا . | فقال صلى الله عليه وسلم : مثلي ومثل ~~هذا مثل رجل له ناقة شردت عليه ، فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفورا ، ~~فناداهم صاحبها : خلوا بيني وبين ناقتي ، فإني أرفق بها منكم وأعلم ، فتوجه ~~لها بين يديها ، فأخذ لها من قمام الأرض ، فردها حتى جاءت واستناخت ، وشد ~~عليها رحلها ، واستوى ، وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل ~~النار . | و روي عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال : لا يبلغني أحد منكم عن ~~أحد من أصحابي شيئا ، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر . | و من ~~شفقته على أمته عليه السلام تخفيفه وتسهيله عليهم ، وكراهته أشياء مخافة أن ~~تفرض عليهم ، كقوله : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء . | ~~PageV01P101 و خير صلاة الليل . | و نهيهم عن الوصال . | و كراهته دخول ~~الكعبة لئلا يعنت أمته . | و رغبته لربه أن يجعل سبه ولعنه لهم رحمة بهم | ~~و أنه كان يسمع بكاء الصبي فيتجوز في صلاته . | و من شفقته صلى الله عليه ~~وسلم [ 40 ] أن دعا ربه وعاهده ، فقال : أيما رجل سببته أو لعنته فاجعل ذلك ~~له زكاة ورحمة ، وصلاة وطهورا ms060 ، وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة . | و ~~لما كذبه قومه أتاه جبريل عليه السلام ، فقال له : إن الله تعالى قد سمع ~~قول قومك لك ، وما ردوا عليك ، وقد أمر ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم ، ~~فناداه ملك الجبال وسلم عليه ، وقال : مرني بما شئت ، وإن شئت أن أطبق ~~عليهم الأخشبين . | قال النبي صلى الله عليه وسلم : بل أرجو أن يخرج الله ~~من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا . | و روى أبن المنكدر أن ~~جبريل عليه السلام قال الن بي صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى أمر ~~السماء والأرض والجبال أن تطيعك . فقال : أؤخر عن أمتي لعل الله أن يتوب ~~عليهم . | قالت عائشة : ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا ~~اختار أيسرهما . | و قال ابن مسعود رضي الله عنه : كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة PageV01P102 علينا . | و عن عائشة ~~أنها ركبت بعيرا وفيه صعوبة ، فجعلت تردده ، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : عليك بالرفق . # # | 3 ( فصل خلقه في الوفاء وحسن العهد ، وصلة الرحم ) 3 # | و أما خلقه صلى الله عليه وسلم في الوفاء وحسن العهد ، وصلة الرحم ~~فحدثنا القاضي أبو عامر محمد بن اسماعيل بقراءتي عليه ، قال حدثنا أبو بكر ~~محمد بن محمد ، حدثنا أبو اسحاق الحبال ، حدثنا أبو محمد بن النحاس ، حدثنا ~~ابن الأعرابي ، قال : حدثنا أبو داود ، قال : حدثنا محمد بن يحيى ، قال : ~~حدثنا محمد بن سنان ؟ ، قال : حدثنا إبراهيم بن طهمان ، عن بديل ، عن عبد ~~الكريم بن عبد الله بن شفيق ، عن ابنه ، عن عبد الله بن أبي الحمساء ، قال ~~: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم ببيع قبل أن يبعث ، وبقيت له بقية ، ~~فوعدته أن آتيه بها في مكانه ، فنسيت ، ثم ذكرت بعد ثلاث ، فجئت فإذا هو في ~~مكانه ، فقال : [ يا فتى ، لقد شققت علي ، أنا ها هنا منذ ثلاث أنتظرك ] . ~~| و عن أنس : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتي بهدية قال ms061 : اذهبوا بها ~~إلى بيت فلانة ، فإنها كانت صديقة لخديجة ، إنها كانت تحب خديجة . | و عن ~~عائشة قالت : ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة ، لما كنت أسمعه يذكرها ، ~~وإن كان ليذبح الشاة فيهديها إلى خلائلها . | و استأذنت عليه أختها فارتاح ~~إليها . | PageV01P103 و دخلت عليه امرأة ، فهش لها ، وأحسن السؤال عنها ، ~~فلما خرجت قال : إنها كانت تأتينا أيام خديجة ، وإن حسن العهد من الإيمان . ~~| و وصفه بعضهم ، فقال : كان يصل ذوي رحمه من غير أن يؤ ثرهم على من هو ~~أفضل منهم . | و قال صلى الله عليه وسلم : إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء ~~غير أن لهم رحما سأبلها ببلالها . | و قد صلى عليه السلام بأمانة ابنة ~~ابنته يحملها على عاتقه ، فإذا سجد وضعها ، وإذا قام حملها . | و عن أبي ~~قتادة : وفد وفد للنجاشي ، فقام النبي يخدمهم ، فقال له أصحابه : نكفيك . ~~فقال : إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين ، وإني أحب أن أكافئهم . | و لما جيء ~~بأخته من الرضاعة الشيماء في سبايا هوزان ، وتعرفت له بسط لها رداءه ، وقال ~~لها : إن أحببت أقمت عندي مكرمة محبة ، أو متعتك ورجعت إلى قومك فاختارت ~~قومها فمتعها . | و قال أبو الطفيل [ 41 ] : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأنا غلام إذا أقبلت امرأة حتى دنت منه ، فبسط لها رداءه ، فجلست عليه ، ~~فقلت : من هذه ؟ قالوا : أمه التي أرضعته . | و عن عمر بن السائب أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا يوما ، فأقبل أبوه من الرضاعة ، فوضع له ~~بعض ثوبه ، فقعد عليه ، ثم أقبلت أمه فوضع لها شق ثوبه من جانبه الآخر ~~فجلست عليه ، ثم أقبل أخوه من الرضاعة ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأجلسه بين يديه . | PageV01P104 [ وكان يبعث إلى ثويبة مولاة أبي لهب ~~مرضعته بصلة وكسوة ، فلما ماتت سأل : من بقي من قرابتها فقيل لا أحد ] . | ~~وفي حديث خديجة رضي الله عنها أنها قالت له صلى الله عليه وسلم : أبشر ، ~~فوالله لا يحزنك الله أبدا ، إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتكسب ms062 المعدوم ~~، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق . | # | 3 ( فصل في تواضعه صلى الله عليه وسلم ) 3 # | و أما تواضعه صلى الله عليه وسلم ، على علو منصبه ورفعة رتبه فكان أشد ~~الناس تواضعا ، وأقلهم كبرا . | و حسبك أنه خير بين أن كان نبيا ملكا أو ~~نبيا عبدا ، فاختيار أن يكون نبيا عبدا ، فقال له إسرافيل عند ذلك : فإن ~~الله قد أعطاك بما تواضعت له أنك سيد ولد آدم يوم القيامة ، وأول من تنشق ~~الأرض عنه ، وأول شافع . | حدثنا أبو الوليد بن العواد الفقيه رحمه الله ~~بقراءي عليه في منزله بقرطبة سنة سبع وخمسمائة ، حدثنا أبو علي الحافظ ، ~~حدثنا أبو عمر ، حدثنا ابن عبد المؤمن ، حدثنا ابن داسه ، حدثنا أبو داود ، ~~حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا عبد الله بن نمير ، عن مسعد ، أبي ~~العنبس ، عن أبي العدبس ، عن أبي مرزوق ، عن أبي غالب ، عن أبي أمامة ، قال ~~: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا على عصا ، فقمنا له . قال ~~لا تقومو ا كما تقوم الأعاجم ، يعظم بعضهم بعضا . | و قال إنما أنا عبد آكل ~~كما يأكل العبد ، وأجلس كما يجلس العبد . | و كان يركب الحمار ، ويردف خلفه ~~، ويعود المساكين ، ويجالس الفقراء ، ويجيب دعوة العبد ، ويجلس بين أصحابه ~~مختلطا بهم حيثما انتهى به المجلس جلس . | PageV01P105 و في حديث عمر عنه : ~~لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ، إنما أنا عبد فقولوا : عبد الله ~~ورسوله . | و عن أنس أن امرأة كان في عقلها شيء جائته ، فقال : إن لي إليك ~~حاجة قال : اجلسي يا أم فلان في أي طرق المدينة شئت أجلس إليك حتى أقضي ~~حاجتك . | قال : فجلست ، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم إليها حتى فرغت من ~~حاجتها . | قال أنس : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركب الحمار ، ~~ويجيب دعوة العبد ، وكان يوم بني قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف عليه ~~إكاف . قال : وكان يدعى إلى خبز الشعير والإهالة السنخة فيجيب . | قال : ~~وحج صلى الله عليه وسلم على ms063 رحل رث ، وعليه قطيفة ماتساو ي أربعة دراهم ، ~~فقال : اللهم اجعله حجا لا رياء فيه ولا سمعة . | هذا ، وقد فتحت عليه ~~الأرض ، وأهدى في حجه ذلك ما أتى بدنة ولما فتحت عليه مكة ودخلها بجيوش ~~المسلمين طأطأ على رحله رأسه حتى كاد يمس قادمته تواضعا الله تعالى . | ~~PageV01P106 ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم قوله : لا تفضلوني على يونس بن ~~متى ، ولا تفضلوا بين الأنبياء ، ولا تخيروني على موسى ، ونحن أحق بالشك من ~~إبراهيم ولو لبس ما لبس يوسف [ 42 ] في السجن لأجبت الداعي . | و قال للذي ~~قال له : يا خير البرية : ذاك إبراهيم . | و سيأتي الكلام على هذه الأحاديث ~~بعد هذا إن شاء الله . | و عن عائشة ، والحسن ، وأبي سعيد وغيرهم في صفته ، ~~وبعضهم يزيد على بعض : وكان في بيته في مهنة أهله يفلي ثوبه ، ويحلب شاته ~~ويرقع ثوبه ، ويخصف نعله ، ويخدم نفسه ، ويقم البيت ، ويعقل البعير ، ويعلف ~~ناضحه ، ويأكل مع الخادم ، ويعجن معها ، ويحمل بضاعته من السوق . | و عن ~~أنس : إن كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت حتى تقضي حاجتها . | و دخل عليه رجل فأصابته ~~من هيبته رعدة فقال له : هون عليك فإني لست PageV01P107 بملك ، إنما أنا ~~ابن امرأة من قريش تأكل القديد . | و عن أبي هريرة : دخلت السوق مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، فاشترى سراويل وقال للوزان : زن وأرجح وذكر القصة قال ~~: فوثب إلى يد النبي صلى الله عليه وسلم يقبلها ، فجذب يده ، وقال : هذا ~~تفعله الأعاجم بملوكها ، ولست بملك ، إنما أنا رجل منكم . ثم أخذ السراويل ~~، فذهبت لأحمله ، فقال : صاحب الشيء أحق بشيئه أن يحمله . # # | 3 ( فصل عدله ، وأمانته ، وعفته ، وصدق لهجته ) 3 # | و أما عدله صلى الله عليه وسلم وأمانته وعفته وصدق لهجته فكان صلى الله ~~عليه وسلم آمن الناس ، وأعدل الناس ، وأعف الناس ، وأصدقهم لهجة منذ كان ، ~~اعترف له بذلك محادوه وعداه . | و كان يسمى قبل نبوته الأمين . | قال ابن ~~اسحاق : كان ms064 يسمى الأمين بما جمع الله فيه من الأخلاق الصالحة . | و قال ~~تعالى : مطاع ثم أمين : أكثر المفسرين على أنه محمد صلى الله عليه وسلم . | ~~و لما اختلف قريش وتحازبت عند بناء الكعبة فيمن يضع الحجر حكموا أول داخل ~~عليهم ، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم داخل وذلك قبل نبوته ، فقالوا : هذا ~~محمد الأمين قد رضينا به . | و عن الربيع بن خثيم : كان يتحاكم إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية قبل الإسلام . | و قال صلى الله عليه ~~وسلم : والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض . | حدثنا أبو علي الصدفي ~~الحافظ بقرائتي عليه ، حدثنا أبو الفضل بن خيرون ، حدثنا أبو يعلى ابن زوج ~~الحرة ، حدثنا أبو علي السنجي ، حدثنا محمد بن محبوب المروزي ، حدثنا أبو ~~عيسى الحافظ ، حدثنا أبو كريب ، حدثنا معاوية بن هشام ، عن سفيان ، عن أبي ~~PageV01P108 اسحاق ، عن ناجية بن كعب ، عن علي أن أبا جهل قال للنبي صلى ~~الله عليه وسلم : إنا لا نكذبك ، ولكن نكذب بما جئت به ، فأنزل الله تعالى ~~: فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون [ سورة الأنعام - 7 ، ~~الآية : 33 ] . | و روى غيره : لا نكذبك ولا أنت فينا بمكذب . | و قيل : إن ~~الأخنس بن شريق لقي أبا جهل يوم بدر ، فقال له : يا أبا الحكم ليس هنا غيري ~~وغيرك يسمع كلامنا ، تخبرني عن محمد ، صادق هو أو كاذب ؟ فقال أبو جهل : ~~والله إن محمدا لصادق وما كذب محمد قط . | و سأل هرقل عن أبا سفيان ، فقال ~~: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ | قال : لا . | و قال النضر ~~بن الحارس لقريش : قد كان محمد فيكم غلاما حدثا ، أرضاكم فيكم ، وأصدقكم ~~حديثأ ، وأعظمكم أمانة حتى [ 43 ] إذا رأيتم في صدغيه الشيب ، وجاءكم بما ~~جاءكم به قلتم : ساحر . لا ، والله ، ما هو بساحر . | و في الحديث عنه : ما ~~لمست يده امرأة قط لا يملك رقها . | و في حديث علي في وصفه صلى الله عليه ~~وسلم : أصدق الناس لهجة . | و قال ms065 في الصحيح : و يحكى ! فمن يعدل إن لم ~~أعدل ، خبت وخسرت إن لم أعدل . | قالت عائشة : ما خير رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما ، فإن كان إثما كان ~~أبعد الناس منه . | قال أبو العباس المبرد : قسم كسرى أيامه ، فقال : يصلح ~~يوم الريح للنوم ، ويوم الغيمه للصيد ، ويوم المطر للشرب واللهو ، ويوم ~~الشمس للحوائج . | قال ابن خالوية : ما كان أعرفهم بسياسة دنياهم ، يعلمون ~~ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون ، ولكن نبينا صلى الله عليه ~~وسلم جزء نهاره ثلاث أجزاء ، جزءا لله ، و | جزءا لأهله ، وجزءا لنفسه ثم ~~جزء جزأه بينه وبين الناس ، فكان يستعين بالخاصة على العامة ، PageV01P109 ~~ويقول : أبلغوا حاجة من لا يستطيع إبلاغي ، فإنه من أبلغ حاجة من لا يستطيع ~~إبلاغها آمنه الله يوم الفزع الأكبر . | و عن الحسن كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لا يأخذ أحدا بقرف أحد ، ولا يصدق أحدا على أحد . | و ذكر أبو ~~جعفر الطبري عن علي عنه صلى الله عليه وسلم : ما هممت بشيء مما كان أهل ~~الجاهلية يعملون به غير مرتين ، كل ذلك يحول الله بيني وبين ما أريد من ذلك ~~، ثم ما هممت بسوء حتى أكرمني الله برسالته ، قلت ليلة لغلام كان يرعى معي ~~: لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر بها كما يسمر الشباب . | فخرجت كذلك ~~حتى جئت أول دار من مكة سمعت عزفا بالدفوف والمزامير لعرس بعضهم . فجلست ~~أنظر ، فضرب على أذني فنمت ، فما أيقظني إلا مس الشمس ، فرجعت ولم أقض شيئا ~~. ثم عراني مرة أخرى مثل ذلك ، ثم لم أهم بعد ذلك بسوء . | # | 3 ( فصل وقاره صلى الله عليه وسلم ، وصمته ، وتؤدته وحسن هديه ) 3 # | و أما وقاره صلى الله عليه وسلم وصمته وتؤدته ومروءته وحسن هديه فحدثنا ~~أبو علي الجياني الحافظ إجازة ، وعارضت بكتابه ، قال : حدثنا أبو العابس ~~الدلائي ، أنبئنا أبو ذر الهروي ، أخبرنا أبو عبد الله الوراق ، حدثنا ~~اللؤلؤي ، حدثنا أبو داود ، حدثنا عبد ms066 الرحمن بن سلام ، حدثنا حجاج بن محمد ~~، عن عبد الرحمن ابن أبي الزناد عن عمر بن عبد العزيز بن وهيب : سمعت خارجة ~~بن زيد يقول : كان النبي صلى الله عليه وسلم أوقر الناس في مجلسه ، لا يكاد ~~يخرج شيئا من أطرافه . | و روى أبو سعيد الخدري : كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إذا جلس في مجلس احتبى بيديه ، وكذلك كان أكثر جلوسه لله محتبيا ~~. | PageV01P110 و عن جابر بن سمرة أنه تربع ، وربما جلس القرفصاء ، وهو في ~~حديث قيلة ، وكان كثير السكوت لا يتكلم في غير حاجة ، يعرض عمن تكلم بغير ~~جميل ، وكان ضحكه تبسما ، وكلامه فصلا لا فضول ولا تقصير ، وكان ضحك أصحابه ~~عنده التبسم ، توقيرا له ، واقتداء به . مجلسه مجلس حلم وحياء [ 44 ] ، ~~وخير وأمانة لا ترفع فيه الأصوات ، ولا تؤبن فيه الحرم ، إذا تكلم أطرق ~~جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير . | و في صفته : يخطو تكفؤا ، ويمشي هونا ~~كأنما ينحط من صبب . | و في الحديث الآخر : إذا مشى مشى مجتمعا ، يعرف في ~~مشيته أنه غير غرض ولا وكل ، أي غير ضجر وكسلان . | و قال عبد الله بن ~~مسعود : إن أحسن الهدى هدي محمد صلى الله عليه وسلم . | و عن جابر بن عبد ~~الله رضي الله عنهما : كان في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ترتيل أو ~~ترسيل . | قال ابن أبي هالة : كان سكوته على أربع : على الحلم ، والحذر ، ~~والتقدير والتفكر . | قالت عائشة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث ~~حديثا لو عده العاد أحصاه . | و كان صلى الله عليه وسلم يحب الطيب والرائحة ~~الحسنة ، ويستعملها كثيرا ، ويحض عليهما ، ويقول : حبب إلي من دنياكم ~~النساء ، وجعلت قرة عيني في الصلاة . | و من مروءته صلى الله عليه وسلم ~~نهيه عن النفخ في الطعام والشراب ، والأمر بالأكل مما يلي ، PageV01P111 ~~والأمر بالسواك ، وإنقاء البراجم والرواجب ، واستعمال خصال الفطرة . # # | 3 ( فصل زهده في الدنيا ) 3 # | و أما زهده في الدنيا فقد تقدم من الأخبار أثناء هذه السيرة ما يكفي . ~~وحسبك من ms067 تقلله منها ، واعراضه عن زهرتها ، وقد سيقت وقد سيقت إليه ~~بحذافيرها ، وترادفت عليه فتوحها إلي أن توفي صلى الله عليه وسلم ودرعه ~~مرهونة عند يهودي في نفقة عياله ، وهو يدعو ويقول : اللهم اجعل رزق آل محمد ~~قوتا . | حدثنا سفيان بن العاصي ، والحسين بن محمد الحافظ ، والقاضي أ أبو ~~عبد الله التيمي ، قالوا : حدثنا أحمد بن عمر ، قال : حدثنا أبو العباس ~~الرازي ، قال حدثنا أبو أحمد الجلودي ، حدثنا ابن سفيان ، حدثنا أبو حسين ~~مسلم بن الحجاج ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش ~~، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : ما شبع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثلاثة أيام تباعا من خبز حتى مضى لسبيله . | و في رواية أخرى : ~~من خبز شعير يومين متواليين ، ولو شاء الله لأعطاه ما لا يخطر ببال . | و ~~في رواية أخرى : ما شبع آل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبز بر حتى لقي ~~الله تعالى . | قالت عائشة : ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ~~ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا . | و في حديث عمرو بن الحارث : ما ترك إلا ~~سلاحه وبغلته وأرضا جعلها صدقة . | قالت عائشة : ولقد مات وما في بيتي شيء ~~يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي . | PageV01P112 و قال لي : إني عرض ~~علي أن تجعل لي بطحاء مكة ذهبا . فقلت : لا ، يا رب ، أجوع يوما وأشبع يوما ~~، فأما اليوم الذي أجوع فيه فأتضرع إليك وأدعوك ، وأما اليوم الذي أشبع فيه ~~فأحمدك وأثني عليك . | و في حديث آخر أن جبريل نزل عليه ، فقال له : إن ~~الله تعالى يقرئك السلام ، ويقول لك : أتحب أن أجعل هذه الجبال ذهبا ، ~~وتكون معك حيثما كنت ، فأطرق ساعة ، ثم قال : يا جبريل ، إن الدنيا دار من ~~لا دار له ، ومال من لا مال له ، قد يجمعها من لا عقل له . | فقال له جبريل ~~: ثبتك الله يا محمد بالقول الثابت . | و عن عائشة قالت : إن كنا آل محمد ~~لنمكث شهرا ms068 ما نستوقد نارا ، إن هو إلا التمر والماء . | و عن عبد الرحمن ~~بن عوف : هلك رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 45 ] ، ولم يشبع هو وأهل بيته ~~من خبز الشعير . | و عن عائشة وأبي أمامة ، وابن عباس نحوه . | PageV01P113 ~~قال ابن عباس : كان صلى الله عليه وسلم يبيت هو وأهله الليالي المتتابعة ~~طاويا لا يجدون عشاء . | و عن أنس : ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على خوان ولا في سكرجة ، ولا خبز له مرقق ، ولا رأى شاة سميطا قط . | و عن ~~عائشة : إنما كان فراشه الذي ينام عليه أدما حشوه ليف . | و عن حفصة قالت : ~~كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته مسحا نثنيه ثنيتين ، فينام ~~عليه ، فثنيناه له ليلة بأربع ، فلما أصبح قال : ما فرشتم لي الليلة ؟ ~~فذكرنا ذلك له ، فقال : ردوه بحاله فإن وطأته منعتني الليلة صلاتي . | و ~~كان صلى الله عليه وسلم ينام أحيانا على سرير مرمول بشريط حتى يؤثر في جنبه ~~. | و عن عائشة قالت : لم يمتلىء جوف النبي صلى الله عليه وسلم شبعا قط ولم ~~يبث شكوى إلى أحد وكانت الفاقة أحب إليه من الغنى ، وإن كان ليظل جائعا ~~يلتوي طول ليلته من الجوع فلا يمنعه صيام يومه ، ولو شاء سئل ربه جميع كنوز ~~الأرض وثمارها ورغد عيشها ، ولقد كنت أبكي له رحمة مما أرى به ، وأمسح بيدي ~~على بطنه مما به من الجوع ، وأقول : نفسي لك الفداء ، ولو تبلغت من الدنيا ~~بما يقوتك ! فيقول : يا عائشة ، ما لي وللدنيا ، إخواني من أولى العزم من ~~الرسل صبروا على ما هو أشد من هذا ، فمضوا على حالهم ، فقدموا على ربهم ، ~~فأكرم مآبهم ، وأجزل ثوابهم : فأجدني أستحيي إن ترفهت PageV01P114 في ~~معيشتي أن يقصر بي غدا دونهم ، وما من شيء هو أحب إلي من اللحوق بإخواني ~~وأخلائي . | قالت : فما أقام بعد إلا شهرا حتى توفى صلى الله عليه وسلم . | # | 3 ( فصل خوفه ربه ، وطاعته له ، وشدة عبادته ) 3 # | و أما خوفه ربه ، وطاعته له ms069 ، وشدة عبادته ، فعلى قدر علمه بربه ، ~~ولذلك قال فيما حدثناه أبو محمد بن عتاب قراءة مني عليه . قال : حدثنا أبو ~~القاسم الطرابلسي ، حدثنا أبو الحسن القابسي ، حدثنا أبو زيد المروزي ، ~~حدثنا أبو عبد الله الفربري ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا يحيى بن بكير ~~، عن الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة كان ~~يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ~~ولبكيتم كثيرا . | زاد في روايتنا ، عن أبي عيسى الترمذي رفعه إلى أبي ذر : ~~إني أرى ما لا ترون ، وأسمع ما لا تسمعون ، أطت السماء وحق لها أن تئط ، ما ~~فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله ، والله لو تعلمون ما ~~أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ، وما تلذذتم بالنساء على الفرش ، ولخرجتم ~~إلى الصعدات تجأرون إلى الله ، لوددت أني شجرة تعضد . | روي هذا الكلام : ~~وددت أني شجرة تعضد من قول أبي ذر نفسه ، وهو أصح . | و في حديث المغيرة : ~~صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتفخت قدماه . | و في رواية : كان ~~يصلى حتى ترم قدماه ، فقيل له : أتكلف هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر . قال : أفلا أكون عبدا شكورا ؟ . | و نحوه عن أبي سلمى وأبي هريرة . ~~| PageV01P115 و قالت عائشة : كان عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم ديمة ، ~~وأيكم يطيق [ 46 ] ما كان يطيق ! . | و قالت : كان يصوم حتى نقول : لا يفطر ~~. ويفطر حتى نقول : لا يصوم . | و نحوه عن ابن العباس ، وأم سلمى ، وأنس . ~~| و قالت : كنت لا تشاء أن تراه من الليل مصليا إلا رأيته مصليا ، ولا ~~نائما إلا رأيته نائما . | و قال عوف بن مالك : كنت مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ليلة فاستاك ثم توضأ ، ثم قام يصلي ، فقمت معه ، فبدأ فاستفتح ~~البقرة ، فلا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل ، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف ~~فتعوذ ، ثم ركع ، فمكث بقدر قيامه ، يقول : سبحان ذي ms070 الجبروت والملكوت ~~والعظمة ، ثم سجد وقال مثل ذلك ، ثم قرأ آل عمران ، ثم سورة سورة ، يفعل ~~مثل ذلك . | و عن حذيفة مثله ، وقال سجد نحوا من قيامه ، وجلس بين السجدتين ~~نحوامنه ، وقال : حتى قرأ البقرة ، وآل عمران ، والنساء ، والمائدة . | و ~~عن عائشة : قام رسول الله صلى الله عليه وس لم بأية من القرأن ليلة . | و ~~عن عبد الله بن الشخير : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ، ~~ولجوفه أزيز كأزيز المرجل . | و قال أبن أبي هالة : كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم متواصل الأحزان ، دائم الفكرة ، ليست له راحة . | فقال عليه ~~السلام : إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة وروي سبعين مرة . | و عن علي ~~رضي الله عنه ، قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سنته ، فقال : ~~المعرفة رأسمالي ، والعقل أصل ديني ، والحب أساسي ، والشوق مركبي ، وذكر ~~الله أنيسي ، والثقة كنزي ، والحزن رفيقي ، والعلم سلاحي ، والصبر ردائي ، ~~والرضا غنيمتي ، والعجز فخري ، والزهد حرفتي ، واليقين قوتي ، والصدق شفيعي ~~، والطاعة حسبي ، والجهاد PageV01P116 خلقي ، وقرة عيني في الصلاة . | و في ~~حديث آخر : وثمرة فؤادي في ذكره ، وغمي لأجل أمتي ، وشوقي إلى ربي . | # | 3 ( فصل تفضيل الله بعض الأنبياء على بعض ) 3 # | اعلم وفقنا الله وإياك أن صفات جميع الأنبياء صلوات الله عليهم ، من ~~كمال الخلق ، وحسن الصورة ، وشرف النسب ، وحسن الخلق ، وجميع المحاسن ، هي ~~هذه الصفة ، لأنها صفات الكمال ، والكمال والتمام البشري والفضل الجميع لهم ~~صلوات الله عليهم ، إذ رتبتهم أشرف الرتب ، ودرجاتهم أرفع الدرجات ، ولكن ~~فضل الله بعضهم على بعض ، قال الله تعالى : تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ~~. وقال : ولقد اخترناهم على علم على العالمين [ سورة الدخان - 44 ، الآية : ~~32 ] . | و قد قال عليه السلام : إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ~~ليلة البدر . | ثم قال آخر الحديث : على خلق رجل واحد ، على صورة ، أبيهم ~~آدم ، طوله ستون ذراعا في السماء . | و في حديث أبي هريرة : رأيت موسى فإذا ~~هو رجل ضرب ، رجل ، أقنى كأنه ms071 من رجال شنوءة ورأيت عيسى فإذا هو رجل ربعة ، ~~كثير خيلان الوجه ، أحمر كأنما خرج من ديماس . | و في حديث آخر : مبطن مثل ~~السيف ، قال : وأنا أشبه ولد إبراهيم به . | PageV01P117 و قال في حديث آخر ~~في صفة موسى : كأحسن ما أنت راء من أدم الرجال . | و في حديث أبي هريرة ، ~~عنه صلى الله عليه وسلم : ما بعث الله تعالى من بعد لوط نبيا إلا في ذروة ~~من قومه . | و يروى [ 47 ] : في ثروة ، أي كثرة ومنعة . | و حكى الترمذي ، ~~عن قتادة ، ورواه الدار قطني من حديث قتادة عن أنس : ما بعث الله نبيا حسن ~~الوجه ، حسن الصوت ، وكان نبيكم أحسنهم وجها ، وأحسنهم صوتا . | و في حديث ~~هرقل : وسألتك عن نسبه ، فذكرت أنه فيكم ذو نسب ، وكذلك الرسل تبعث في ~~أنساب قومها . | و قال تعالى في أيوب : إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه ~~أواب . | و قال تعالى : يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا * ~~وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا * وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا * وسلام ~~عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا [ سورة مريم - 19 ، الآيات : 12 ، 15 ~~] . | و قال : أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا ~~من الصالحين [ سورة آل عمران - 3 ، الآية : 39 ] . | و قال : إن الله اصطفى ~~آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين * ذرية بعضها من بعض والله ~~سميع عليم [ سورة آل عمران - 3 ، الآيات : 33 ، 34 ] . | و قال في نوح : ~~إنه كان عبدا شكورا [ سورة الإسراء - 17 ، الآية : 3 ] . | و قال : إن الله ~~يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن ~~المقربين * ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين . | PageV01P118 و قال ~~: إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا * وجعلني مباركا أين ما كنت ~~وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا [ سورة مريم - 19 ، الآية : 30 ] . | و ~~قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله ~~مما قالوا وكان عند ms072 الله وجيها [ سورة الأحزاب - 33 ، الآية : 69 ] . | قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم : كان موسى رجلا حييا ستيرا ما يرى من جسده شيء ~~استحياء . الحديث . | و قال تعالى عنه : فوهب لي ربي حكما وجعلني من ~~المرسلين . | و قال في وصف جماعة منهم : إني لكم رسول أمين [ سورة الشعراء ~~- 26 ، الآية : 107 ] . | و قال : إن خير من استأجرت القوي الأمين [ سورة ~~القصص - 28 ، الآية : 26 ] . | و قال : فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ~~[ سورة الأحقاف - 46 ، الآية : 35 ] . | و قال : ووهبنا له إسحاق ويعقوب ~~كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى ~~وهارون وكذلك نجزي ال محسنين * وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين * ~~وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين * ومن آبائهم ~~وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم * ذلك هدى الله ~~يهدي به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون * أولئك ~~الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها ~~قوما ليسوا بها بكافرين * أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده [ سورة ~~الأنعام - 6 ، الآيات : 84 ، 90 ] . | فوصفهم بأوصاف جمة من الصلاح والهدى ~~والاجتباء والحكم والنبوة . | و قال : فبشرناه بغلام حليم وعليم . | و قال ~~ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم * أن أدوا إلي عباد الله إني ~~لكم رسول أمين [ سورة الدخان - 44 ، الآية : 17 ، 18 ] . | و قال : ستجدني ~~إن شاء الله من الصابرين [ سورة الصافات - 37 ، الآية : 102 ] . | و قال في ~~إسماعيل : إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا * وكان يأمر أهله بالصلاة ~~والزكاة وكان عند ربه مرضيا [ سورة مريم - 19 ، الآية : 54 ، 55 ] . | و في ~~موسى : إنه كان مخلصا [ سورة مريم - 19 ، الآية : 51 ] . | PageV01P119 و ~~في سليمان : نعم العبد إنه أواب [ سورة ص / 38 ، الآية : 30 ، 44 ] . | و ~~قال : واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار * إنا ~~أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار * وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار . | و في ~~داود : إنه أواب [ سورة ms073 - 38 الآية : 17 ] . | ثم قال : وشددنا ملكه ~~وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب . | و قال عن يوسف : اجعلني على خزائن الأرض ~~إني حفيظ عليم . | و في موسى : ستجدني إن شاء الله صابر [ سورة الكهف - 18 ~~، الآية : 69 ] . | [ وقال تعالى عن شعيب : ستجدني إن شاء الله من الصالحين ~~] | و قال : وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما ~~استطعت [ سورة هود / ، 11 ، الآية : 88 ] . | و قال : ولوطا آتيناه حكما ~~وعلما [ سورة الأنبياء / 21 ، الآية : 74 ] . | و قال : إنهم كانوا يسارعون ~~في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين [ سورة الأنبياء / 21 ، ~~الآية : 90 ] . | قال سفيان : هو الحزن الدائم . | في آي كثيرة ، ذكر فيها ~~من خصالهم ومحاسن أخلاقهم الدالة على كمالهم . | و جاء من ذلك في الأحاديث ~~كثير ، كقوله : [ إنما الكريم ابن ا لكريم ابن الكريم ابن الكريم ، يوسف بن ~~يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي ] . | و في حديث ~~أنس : [ وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم ] . | و روى أن سليمان ~~كان مع ما أعطي من الملك لايرفع بصره إلى السماء تخشعا وتواضعا الله تعالى ~~. | و كان يطعم الناس لذائد الأطعمة ويأكل خبز الشعير . | و أوحى الله إليه ~~: يا رأس العابدين ، وابن محجة الزاهدين . | PageV01P120 و كانت العجوز ~~تعترضه وهو على الريح في جنوده ، فيأمر الريح فتقف فينظر في حاجتها ويمضي . ~~| و قيل ليوسف : مالك تجوع وأنت على خزائن الأرض ؟ أخاف أن أشبع فأنسى ~~الجائع [ 48 ] . | و روى أبو هريرة عنه صلى الله عليه وسلم : خفف على داود ~~القرآن ، فكان يأمر بدوابه ، فتسرج ، فيقرأ القرآن قبل أن تسرج ، ولا يأكل ~~إلا من عمل يده . | قال الله تعالى : وألنا له الحديد * أن اعمل سابغات ~~وقدر في السرد . | و كان سأل ربه أن يرزقه عملا بيده يغنيه عن بيت المال . ~~| و قال عليه السلام : أحب الصلاة إلى الله صلاة داود ، وأحب الصيام إلى ~~الله صيام داود : كان ينام نصف الليل ، ويقوم ثلثه ، وينام سدسه ، ويصوم ~~يوما ms074 ويفطر يوما وكان ي لبس الصوف ، ويفترش الشعر ، ويأكل خبز الشعير ~~بالملح والرماد ، ويمزج شرابه بالدموع ، ولم ير ضاحكا بعد الخطيئة ، ولا ~~شاخصا ببصره إلى السماء ، حياء من ربه ، ولم يزل باكيا حياته كلها . | و ~~قيل : بكى حتى نبت العشب نت دموعه ، وحتى اتخذت الدموع في خذه أخدودا . | و ~~قيل : كان يخرج متنكرا يتعرف سيرته ، فيستمع الثناء عليه ، فيزداد تواضعا . ~~| و قيل لعيسى عليه السلام : لو اتخذت حمارا . قال : أنا أكرم على الله من ~~أن يشغلني بحمار . | و كان يلبس الشعر ، ويأكل الشجر ، ولم يكن له بيت ~~أينما أدركه النوم نام . | PageV01P121 و كان أحب الأسامي إليه أن يقال له ~~مسكين . | و قيل : إن موسى عليه السلام لما ورد ماء مدين كانت ترى خضرة ~~البقل في بطنه من الهزال . | و قال عليه السلام : لقد كان الأنبياء قبلي ~~يبتلي أحدهم بالفقر والقمل ، وكان ذلك أحب إليهم من العطاء إليكم . | و قال ~~عيسى عليه السلام لخنزير لقيه : اذهب بسلام . فقيل له في ذلك ، فقال : أكره ~~أن أعود لساني المنطق بسوء . | و قال مجاهد : كان طعام يحيى العشب . | و ~~كان يبكي من شية الله حتى اتخذ الدمع مجرى في خده ، وكان يأكل من الوحش ~~لئلا يخالط الناس . | و حكى الطبري ، عن وهب ، أن موسىكان يستظل بعريش ، ~~ويأكل في نقرة من حجر ، ويكرع فيها إذا أراد أن يشرب كما تكرع الدابه ، ~~تواضعا لله بما أكرمه الله به من كلامه . | و أخبارهم في هذا كله مسطورة ، ~~وصفاتهم في الكمال وجميل الأخلاق ، وحسن الصور | و الشمائل معروفة مشهورة ، ~~فلا نطول بها ، ولا تلتفت إلى ما تجده في كتب بعض جهلة المؤرخين والمفسرين ~~مما يخالف هذا . | # | 3 ( فصل حديث جامع لوصفه ) 3 # | قد أتيناك أكرمك الله من ذكر الأخلاق الحميدة ، والفضائل المجيدة ، ~~وخصال الكمال العديدة ، وأريناك صحتها له صلى الله عليه وسلم ، وجلينا من ~~الآثار ما فيه مقنع ، والأمر أوسع ، فمجال هذا الباب في حقه صلى الله عليه ~~وسلم ممتد ، تنقطع دون نفاده الأدلاء ، وبحر علم خصائصه زاخر ms075 لا تكدره ~~الدلاء ، لكنا أتينا فيه بالمعروف مما أكثر في الصحيح والمشهور من المصنفات ~~، واقتصرنا في ذلك بقل من كل ، وغيض من فيض ، ورأينا أن نختم هذه الفصول ~~بذكر حديث الحسن ، عن أبي هالة ، لجمعه من شمائله وأوصافه كثيرا ، وإدماجه ~~PageV01P122 جملة كافية من سيره وفضائله ، ونصله بتنبيه لطيف على غريبه ~~ومشكله . | حدثنا القاضي أبو الحسن بن محمد الحافظ رحمه الله بقراءتي عليه ~~سنة ثمان وخمسمائة [ 49 ] ، قال : حدثنا الإمام أبو القاسم عبد الله بن ~~طاهر التميمي قراءة عليه ، أخبركم الفقيه الأديب أبو بكر محمد بن عبد الله ~~بن الحسن النيسابوري ، والشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الحسن ~~المحمدي ، والقاضي أبو علي الحسن بن علي بن جعفر الوحشي ، قالوا : حدثنا ~~أبو ا لقاسم علي بن أحمد بن محمد بن الحسن الخزاعي ، أخبرنا أبو سعيد ~~الهيثم بن كليب الشاشي ، أنبأنا أبو عيسى بن سورة الحافظ ، قال : حدثنا ~~سفيان بن وكيع ، حدثنا جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجلي إملاء من كتابه ، ~~قال : حدثني رجل من بني تميم من ولد أبي هالة زوج خديجة أم المؤمنين رضي ~~الله عنها ، يكنى أبا عبد الله ، عن ابن لأبي هالة ، عن الحسن بن علي أبي ~~طالب رحمه الله ، قال : سألت خالي هند بن أبي هالة . | قال القاضي أبو علي ~~رحمه الله : وقرأت على الشيخ أبي طاهر أحمد بن الحسن ابن أحمد بن خذاداذ ~~الكرجي الباقلاني ، قال : وأجاز لنا الشيخ الأجل أبو الفضل أحمد ابن الحسين ~~بن خيرون ، قالا : حدثنا أبو علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن الحسن ابن ~~محمد بن شاذان بن حرب بن مهران الفارسي قراءة عليه فأقر به ، قال : أخبرنا ~~أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبيد الله بن الحسين ~~بن علي ابن [ الحسين بن علي ] بن أبي طالب المعروف بابن أخي طاهر العلوي ~~قال : حدثنا إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن ~~علي بن أبي طالب ms076 ، قا ل : حدثني علي بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ، عن ~~أخيه موسى بن جعفر ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه محمد بن علي ، عن علي بن ~~الحسين ، قال : قال الحسن بن علي واللفظ لهذا السند : سألت خالي هند بن أبي ~~هالة عن حلية رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان وصافا وأنا أرجو أن يصفع ~~لي منها شيئا أتعلق به ، قال : | كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فخما ~~مفخما ، يتلألأ وجهه تلإلأ القمر ليلة البدر ، أطول من المربوع ، وأقصر من ~~المشذب ، عظيم الهامة ، رجل الشعر ، إن انفرقت عقيقته فرق ، وإلا فلا يجاوز ~~شعره شحمة أذنه ، إذا هو وفره ، أزهر اللون ، واسع الجبين ، أزج الحواجب ، ~~سوابغ ، من غير قرن ، بينهما عرق يدره الغضب ، أقنى العرنين ، له نور ~~PageV01P123 يعلوه ، ويحسبه من لم يتأمله أشم ، كث اللحية ، أدعج ، سهل ~~الخدين ، ضليع الفم أشنب ، مفلج الأسنان ، دقيق المسربة ، كأن عنقه جيد ~~دمية في صفاء الفضة ، معتدل الخق ، بادنا ، متماسكا ، سواء البطن والصدر ، ~~مشيح الصدر ، بعيد ما بين المنكبين ضخم الكراديس ، أنور المتجرد ، موصول ما ~~بين اللبة والسرة بشعر يجري كالحظ ، عاري الثديين ، م ا سوى ذلك ، أشعر ~~الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر ، طويل الزندين ، رحب الراحة ، شئن الكفين ~~والقدمين ، سائل الأطراف [ أو قال : سائن الأطراف ] ، سبط العصب ، خمصان ~~الأخمصين ، مسيح القدمين ، ينبو عنهما الماء ، إذا زال زال تقلعا ، ويخطو ~~تكفأ ، ويمشي هونا ، ذريع المشية ، إذا مشى كأنما ينحط من صبب ، وإذا التفت ~~التفت جميعا ، خافض الطرف ، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء ، جل ~~نظره الملاحظة ، يسوق أصحابه ، [ 50 ] ويبدأ من لقيه بالسلام . | قلت : صف ~~لي منطقه . | قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان ، ~~دائم الفكرة ، ليست له راحة ، ولا يتكلم في غير حاجة ، طويل السكوت ، يفتتح ~~الكلام ويختمه بأشداقه ، ويتكلم بجوامع الكلم فصلا ، لا فضول فيه ولا تقصير ~~، دمثا ليس بالجافي ولا المهين ، يعظم النعمة وإن دقت ، لا يذم شيئا ، لم ~~يكن يذم ذواقا ، ولا يمدحه ms077 ، ولا يقام لغضبه إذا تعرض للحق بشيء حتى ينتصر ~~له ، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها ، إذا أشار أشار بكفه كلها ، وإذا تعجب ~~قلبها وإذا تحدث اتصل بها ، فضرب بإبهامه اليمنى راحته اليسرى ، وإذا غضب ~~أعرض وأشاح ، وإذا فرح غض طرفه ، جل ضحكه التبسم ، ويفتر عن مثل حب الغمام ~~. | PageV01P124 قال الحسن : فكتمتها الحسين : فكتمتها الحسين بن علي زمانا ~~، ثم حدثته فوجدته قد سبقني إليه ، فسأل أباه عن مدخل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ومخرجه ومجلسه وشكله ، فلم يدع منه شيئا . | قال الحسين : سألت ~~أبي عن دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : | كان دخوله لنفسه ~~مأذونا له في ذلك ، فكان إذا أوى إلى منزله جزأ دخوله ثلاثة أجزاء : جزءا ~~لأهله ، وجزؤا لنفسه ، جزأ جزأه بينه وبين الناس ، فيرد ذلك على العامة ~~بالخاصة ، ولا يدخر عنهم شيئا ، فكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل ~~الفضل بإذنه وقسمته على قدر فضلهم في الدين ، منهم ذو الحاجة ، ومنهم ذو ~~الحاجتين ، ومنهم ذو الحوائج ، فيتشاغل بهم ، ويشغلهم فيما أصلحهم ، والأمة ~~من مسألته عنهم وإخبارهم بالذي ينبغي لهم ، ويقول : ليبلغ الشاهد منكم ~~الغائب ، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته ، فإنه من أبلغ سلطانا ~~حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبت الله قدميه يوم القيامة . لا يذكر عنده إلا ~~ذلك ، ولا يقبل من أحد غيره . | و قال في حديث سفيان بن وكيع : يدخلن روادا ~~، ولا يتفرقون إلا عن ذواق ، ويخرجون أدلة يعني فقهاء . | قلت : فأخبرني عن ~~مخرجه كيف كان يصنع فيه ؟ | قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخزن ~~لسانه إلا مما يعنيهم ويؤلفهم ولا يفرقهم ، يكرم كريم كل قوم ، ويوليه ~~عليهم ، ويحذر الناس ، ويحترس منهم ، من غير أن يطوي عن أحد بشره وخلقه ، ~~ويتفقد أصحابه ، ويسأل الناس ، ويحسن الحسن ويصوبه ، ويقبح القبيح ويوهنه ، ~~معتدل الأمر غير مختلف ، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملوا ، لكل حال عنده ~~عتاد ، لا يقتصر عن الحق ، ولا يجاوزه إلى غيره ، الذي يلونه من الناس ~~خيارهم ms078 ، وأفضلهم عند أعمهم نصيحة ، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ~~وموازرة . | فسألته عن مجلسه : عما كان يصنع فيه . | فقال : كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر ، ولا يوطن الأماكن ، ~~وينهى عن إيطانها ، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ، ويأمر ~~بذلك ، ويعطي كل جلسائه نصيبه حتى لا يحسب ، جليسه أن أحدا أكرم عليه فيه ، ~~من جالسه أو قاومه لحاجة صابره حتى [ 51 ] يكون هو المنصرف عنه . | ~~PageV01P125 من سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول . قد وسع ا ~~لناس ، بسطه وخلقه ، فصار لهم أبا ، وصاروا عنده في الحق سواء ، متقاربين ~~متفاضلين فيه التقوى . | و في الرواية الآخرى : صاروا عنده في الحق سواء ، ~~مجلسه مجلس حلم وحياء ، وصبر وأمانة ، لا ترفع فيه الأصوات ، ولا تؤبن فيه ~~الحرم ، ولا تثنى فلتاته ، وهذه الكلمة ، من غير الروايتين . | يتعاطون فيه ~~بالتقوى متواصفين ، يوقرون فيه الكبير ، ويرحمون الصغير ، ويرفدون ذا ~~الحاجة ، ويرحمون الغريب . | فسألته عن سيرته صلى الله عليه وسلم في جلسائه ~~. | فقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم البشر ، سهل الخلق ، لين ~~الجانب ، ليس بفظ ولا غليظ ، ولا سخاب ، ولا فحاش ، ولا عياب ولا مداح ، ~~يتغافل عما لا يشتهي ولا يوئس منه ، قد ترك نفسه من ثلاث : الرياء ، ~~والإكثار ، وما لا يعنيه ، وترك الناس من ثلاث : كان لا يذم أحدا ، ولا ~~يعيره ، ولا يطلب عورته ، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه ، إذا تكلم أطرق ~~جلساؤه كأنما على رؤسهم الطير ، إذا سكت تكلموا ، لا يتنازعون عنده الحديث ~~. من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ ، حديثهم حديث أولهم ، يضحك مما يضحكون ~~منه ، ويتعجب مما يتعجبون منه ، ويصبر للغريب على ال جفوة في المنطق ، ~~ويقول : إذا رأيتم صاحب الحجة يطلبها فأرفدوه ، ولا يطلب الثناء إلا من ~~مكافىء ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يتجوزه فيقطعه بانتهاء أو قيام . | ~~هنا انتهى حديث سفيان بن وكيع . | و زاد الآخر : كيف كان سكوته صلى الله ~~عليه وسلم ؟ | قال ms079 : كان سكوته على أربع : الحلم ، والحذر ، والتقدير ، ~~والتفكير . فأما تقديره ففي تسوية النظر والإستماع بين الناس ، وأما تفكره ~~ففيما يبقى ويفنى . | و جمع له الحلم صلى الله عليه وسلم في الصبر ، فكان ~~لا يغضبه شيء يستفزه ، وجمع له في الحذر أربع : أخذه بالحسن ليقتدى به ، ~~وتركه القبيح لينتهى عنه ، واجتهاد الرأي بما أصلح أمته ، والقيام لهم بما ~~جمع أمر الدنيا والآخرة . | انتهى الوصف بحمد الله وعونه . | PageV01P126 # | 3 ( فصل في تفسير غريب هذا الحديث ومشكله ) 3 # | قوله : المشذب ، أي البائن الطول في نحافة ، وهو مثل قوله في الحديث ~~الأخر : ليس بالطويل الممغنط . | و الشعر الرجل : الذي كأنه مشط فتكسر ~~قليلا ، ليس ببسط ولا جعد . | و العقيقة : شعر الرأس ، أراد إن انفرقت من ~~ذات نفسها فرقها ، وإلا تركها معقوصة . ويروى : عقيصته . | و أزهر اللون : ~~نيره . وقيل : أزهر : حسن . ومنه زهرة الحياة الدنيا ، أي زينتها . | و هذا ~~كما قال في الحديث الآخر : ليس بالأبيض الأمهق ، ولا بالآدم . | و الأمهق : ~~هو الناصع البياض . والآدم : الأسمر اللون . | و مثله في الحديث الآخر : ~~أبيض مشرب ، أي فيه حمرة . | و الحاجب الأزج : المقوس الطويل الوافر الشعر ~~. | و الأقنى : السائل الأنف ، المرتفع وسطه . | و الأشم : الطويل قصبة ~~الأنف . | و القرن : اتصال شعر الحاجبين . وضده البلج . | و وقع في حديث أم ~~معبد وصفه بالقرن . | و الأدعج : الشديد سواد الحدقة . | و في الحديث الآخر ~~: [ 52 ] أشكل العين ، وأسجر العين ، وهو الذي في بياضها حمرة . | و الضليع ~~: الواسع . | PageV01P127 و الشنب : رونق الأسنان ، وماؤها . | و قيل : ~~رقتها وتحزيز فيها ، كما يوجد في أسنان الشباب . | و الفلج : فرق بين ~~الثنايا . | و دقيق المسربة : خيط الشعر الذي بين الصدر والسرة . | بادن : ~~ذو لحم متماسك ، معتدل الخلق ، يمسك بعضه بعضا ، مثل قوله تعالى في الحديث ~~الأخر : لم يكن بالمطهم ، ولا بالمكلثم ، أي ليس بمسترخي اللحم . | و ~~المكلثم : القصير الذقن . | و سواء البطن والصدر ، أي مستويهما . | و مشيح ~~الصدر ، إن أصبحت هذه اللفظة فتكون من الإقبال ، وهو أحد معاني [ أشاح ] ، ~~أي أنه كان بادي الصدر ، ولم ms080 يكن في صدره قعس ، وهو تطامن فيه ، وبه يتضح ~~قوله قبل : سواء البطن والصدر ، أي ليس بمتقاعس الصدر ، ولا مفاض البطن . | ~~و لعل اللفظة : مسيح بالسين ، وفتح الميم ، بمعنى عريض ، كما وقع في ~~الرواية الأخرى . وحكاه ابن دريد . | و الكراديس : رؤوس العظام ، وهو مثل ~~قوله في الحديث الأخر : جليل المشاش والكتد . | و المشاش : رؤوس المناكب . ~~والكتد : مجتمع الكتفين . | و شثن الكفين والقدمين : لحيمهما . | و الزندان ~~: عظما الذراعين . | و سائل الأطراف : أي طويل الأصابع . | و ذكر ابن ~~الأنباري أنه روي سائل الأطراف ، وقال : سائن بالنون ، قال : وهما بمعنى ، ~~تبدل اللام من النون ، إن صحت الرواية بها . | و أما في الرواية الأخرى : ~~وسائر الأطراف فإشارة إلى فخامة جوارحه ، كما وقعت مفصلة في الحديث . | و ~~رحب الراحة ، أي واسعها . وقيل : كنى به عن سعة العطاء والجود . وخصمان ~~الأخمصين : أي متجافي أخمص القدم ، وهو الموضع الذي لا تناله PageV01P128 ~~الأرض من وسط القدم . | مسيح ا لقدمين : أي أمسهما ، ولهذا ، قال : ينبو ~~عنهما الماء . | و في حديث أبي هريرة خلاف هذا ، قال فيه : إذا وطىء بقدمه ~~وطىء بكلها ، ليس له أخمص . | و هذا يوافق معنى قوله : مسيح القدمين ، وبه ~~قالوا : سمي المسيح [ عيسى ] ابن مريم أي إنه لم يكن له أخمص . | و قيل ~~مسيح : لا لحم عليهما . | وهذا أيضا يخالف قوله : شئن القدمين . | و التقلع ~~: هو رفع الرجل بقوة . | و التكفؤ : الميل إلى سنن المشي ، وقصده . | ~~والهون : الرفق والوقار . | و الذريع : الواسع الخطو ، أي إن مشية كان يرفع ~~فيه رجليه بسرعة ، ويمد خطوه ، خلاف مشية المختال ، ويقصد سمته ، وكل ذلك ~~برفق وتثبت دون عجلة ، كما قال : كأنما ينحط من صبب . | و قوله : يفتتح ~~الكلام ويختمه بأشداقه : أي لسعه فمه . والعرب تتمادح بهذا وتذم بصغر الفم ~~. | و أشاح : مال وأنقبض . | و حب الغمام : ال برد . | و قوله : فيرد ذلك ~~بالخاصة على العامة ، أي جعل من جزءنفسه ما يوصل الخاصة إليه فتوصل عنه ~~للعامة . | و قيل : يجعل منه للخاصة ، ثم يبدلها في جزء آخر بالعامة . | و ~~يدخلون روادا ms081 ، أي محتاجين إليه وطالبين لما عنده . | و لا يتفرقون إلا عن ~~ذواق : قيل : عن علم يتعلمونه ، ويشبه أن يكون على ظاهره أي في الغالب ~~والأكثر . | و العتاد : العدة ، والشيء الحاضر المعد . | PageV01P129 و ~~الموازنة : المعاونة . | و قوله : لا يوطن الأماكن ، أي لا يتخذ لمصلاه ~~موضعا معلوما . | و قد [ 53 ] ورد نهيه عن هذا مفسرا في غير هذا الحديث . | ~~و صابره : أي حبس نفسه على مايريد صاحبه . | و لا تؤبن فيه الحرم : أي لا ~~يذكرن فيه بسوء . | و لا تثني فلتاته : أي لا يتحدث بها ، أي أم تكن فيه ~~فلتة ، و إن كانت من أحد سترت . | و يرفدون : يعينون . | و السخاب : الكثير ~~الصياح . | و قوله : ولا يقبل الثناء إلا من مكافىء . قيل مقتصد في ثنائه ~~ومدحه . | و قيل : إلا من مسلم . | و قيل : إلا مكافىء . على يد سبقت من ~~النبي صلى الله عليه وسلم له . | و يستفزه : يستخفه . | و في حديث أخر في ~~وصفه : منهوس العقب ، أي قليل لحمها . | و أهدب الأشفار : أي طويل شعرها . # PageV01P130 # | الباب الثالث # # | 2 ( فيما ورد من صحيح الأخبار ومشهورها بعظيم قدره عند ربه ومنزلته ، ~~وما خصه به في الدارين من كرامته صلى الله عليه وسلم ) 2 # | لا خلاف أنه أكرم البشر ، وسيد ولد آدم ، وأفضل الناس منزلة عند الله ~~وأعلاهم درجة ، واقربهم زلفى . | و اعلم أن الأحاديث الواردة في ذلك كثيرة ~~جدا ، وقد اقتصرنا منها على صحيحها ومنتشرها وحصرنا معاني ما ورد منها في ~~اثني عشر فصلا : | # | الفصل الأول # # | 3 ( فيما ورد من ذكر مكانته عند ربه ، والاصطفاء ، ورفعه الذكر ، ~~والتفضيل وسيادة ولد آدم ، وما خصه به في الدنيا من مزايا الرتب وبركة اسمه ~~الطيب ) 3 # | 131 | أخبرنا الشيخ أبو محمد عبد الله بن أحمد العدل إذنا بلقظه ، قال ~~: حدثنا أبو الحسن الفرغاني ، حدستنا أم القاسم بنت أبي بكر بن يعقوب ، عن ~~أبيها ، قال : حدثنا حاتم هو ابن عقيل ، عن يحيى هو ابن إسماعيل ، عن يحيى ~~الحماني ، قال : حدثنا قيس ، عن الأعمش ، عن عباية بن ربعي ، عن ms082 ابن عباس ، ~~قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله قسم الخلق قسمين ، ~~فجعلني من خيرهم قسما ، فذلك قوله : أصحاب اليمين ، وأصحاب الشمال ، فأنا ~~من أصحاب اليمين ، وأ نا خير أصحاب اليمين . | PageV01P131 ثم جعل القسمين ~~أثلاثا ، فجعلني في خيرها ثلثا ، وذلك قوله تعالى : فأصحاب الميمنة . ~~وأصحاب المشأمة ، والسابقون السابقون ، فأن من السابقون ، وأنا خير ~~السابقين ، ثم جعل الأثلاث قبائل ، فجعلني من خيرها قبيلة ، وذلك قوله : ~~وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم . | فأنا أتقى ~~ولد آدم وأكرمهم على الله ولا فخر . | ثم جعل القبائل بيوتا ، فجعلني من ~~خيرها بيتا ، فذلك قوله تعالى : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا [ سورة الأحزاب - 33 ، الآية : 33 ] . | و عن أبي سلمة ، عن ~~أبي هريرة ، قال : قالو : يا رسول الله ، متى وجبت لك النبوة ؟ | قال : ~~وآدم بين الروح والجسد . | و عن واثلة بن الأسقع قال : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : إن الله اصطفى من ولد إبراهيم وإسماعيل . واصطفى من ولد ~~إسماعيل بني كنانة ، واصطفى من بني كنانة قريشا ، واصطفى من قريش بني هاشم ~~، واصطفاني من بني هاشم . | و من حديث أنس : أنا أكرم ولد آدم على ربي ولا ~~فخر . | و في حديث ابن عباس : أنا أكرم الأولين وال أخرين ولا فخر . | و عن ~~عائشة ، عنه عليه السلام : أتاني جبريل ، فقال : قلبت مشارق الأرض ومغاربها ~~فلم أر رجلا أفضل من محمد ، ولم أر بني أب أفضل من بني هاشم . | و عن أنس : ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بالبراق ليلة أسري به ، فاستصعب عليه ، ~~فقال له PageV01P132 جبريل : بمحمد تفعل [ 54 ] هذا ؟ فما ركبك أحد أكرم ~~على الله منه ، فارفض عرقا | و عن ابن عباس ، عنه عليه السلام : لما خلق ~~الله آدم أهبطني في صلبه إلى الأرض ، وجعلني في صلب نوح في السفينة ، وقذف ~~بي في النار في صلب إبراهيم ، ثم لم يزل ينقلني في الأصلاب الكريمة إلى ~~الأرحام الطاهرة حتى أخرجني بين أبوي لم يلتقيا ms083 علىسفاح قط . | و إلى هذا ~~أشار العباس بن المطلب رضي الله عنه بقوله : | * من قبلها طبت في الظلال ~~وفي * * مستودع حيث يخصف الورق * | * ثم هبطت البلاد لا بشر * * أنت ولا ~~مضغة ولا علق * | * بل نطفة تركب السفين وقد * * ألجم نسرا وأهله الغرق * | ~~* تنقل من صالب إلى رحم * * إذا مضى عالم بدا طبق * | في يعض النسخ أبيات ~~أخر ، وهي قوله : | * حتى احتوى بيتك المهين من * * خندف علياء تحتها النطق ~~* | * و أنت لما ولدت أشرقت ال * * أرض وضاءت بنورك الأفق * | * فنحن في ~~ذلك الضياء وفي الن * * ور وسبل الرشاد نخترق * | * يا برد نار الخليل يا ~~سببا * * لعصمة النار وهي تحترق * | [ النطق : أوسط الجبال العالية ] . | ~~PageV01P133 و روى عنه صلى الله عليه وسلم ، أبو ذر ، وابن عمر ، وابن عباس ~~، وأبو هريرة ، وجابر ابن عبد الله أنه قال : أعطيت خمسا وفي بعضها ستا لم ~~يعطهن نبي قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، ~~وأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ، وأحلت لي الغنائم ، ولم تحل لنبي ~~قبلي ، وبعث إلى الناس كافة ، وأعطيت الشفاعة . | و في رواية بدل هذه ~~الكلمة : وقيل لي : سل تعطه . | و في رواية أخرى : وعرض علي أمتي فلم يخف ~~علي التابع من المتبوع . | و في رواية : بعثت إلى الأحمر والأسود . | و قيل ~~: السود : العرب ، لأن الغالب على ألوانهم الأدمة ، فهم من السود . والحمر ~~: العجم . | و قيل : البيض والسود من الأمم . | و قيل : الحمر : الأنس . ~~والسود : الجن . | و في الحديث الآخر عن أبي هريرة : نصرت بالرعب ، وأتيت ~~جوامع الكلم ، وبينا أنا نائ م إذا جيء بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي . ~~| و في رواية عنه : وختم بي النبيون . | و عن عقبة بن عامر أنه قال : قال ~~عليه السلام : إني فرط لكم ، وأنا شهيد عليكم . | PageV01P134 و إني والله ~~لأنظر إلى حوضي الآن ، وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض . وإني والله ما ~~أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ، ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها . | و عن ~~عبد الله بن عمرو أن رسول الله ms084 صلى الله عليه وسلم قال : أنا محمد النبي ~~الأمي ، لا نبي بعدي ، أوتيت جوامع الكلم وخواتمه ، وعلمت خزنة النار وحملة ~~العرش . | و عن ابن عمر : بعثت بين يدي الساعة . | و من رواية ابن وهب أنه ~~عليه السلام قال : قال الله تعالى : سل يا محمد . فقلت : ما أسأل يا رب ؟ ~~اتخذت إبراهيم خليلا ، وكلمت موسى تكليما ، واصطفيت نوحا ، وأعطيت سليمان ~~ملكا لا ينبغي لأحد من بعده ، فقال الله تعالى : ما أعطيتك خير من ذلك ، ~~أعطيتك الكوثر ، وجعلت اسمك مع اسمي ، ينادى به في جوف السماء ، وجعلت ~~الأرض طهورا لك ، ولأمتك ، وغفرت لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فأنت تمشي ~~في الناس مغفورا لك شفاعتك ، ولم أصنع ذلك لأحد قبلك ، وجعلت قلوب أمتك ~~مصاحفها ، وخبأت لك شفاعتك ، ولم أخبأها لنبي غيرك . | و في حديث آخر : ~~رواه حذيفة : بشرني يعني ربه : أول من يدخل الجنة ومعي من أمتي [ 55 ] ~~سبعون ألفا ، مع كل ألف سبعون ألفا ليس عليهم حساب ، وأعطاني ألا تجوع أمتي ~~ولا تغلب ، وأعطاني النصر والعزة والرعب يسعى بين يدي أمتي شهرا ، وطيب لي ~~ولأمتي المغانم ، وأحل لنا كثيرا مما شدد على من قبلنا ، ولم يجعل علينا في ~~الدين من حرج . | و عن أبي هريرة ، عنه عليه السلام : ما من نبي من ~~الأنبياء إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي ~~أوتيت وحيا أوحى الله إلي ، فأرجوا أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة . | ~~معنى هذا عند المحققين بقاء معجزته ما بقيت الدنيا ، وسائر معجزات الأنبياء ~~PageV01P135 ذهبت للحين ، ولم يشاهدها إلا الحاضر لها ، ومعجزة القرآن يقف ~~عليها قرن بعد قرن عيانا لا خبرا إلى القيامة . | و فيه كلام يطول هذا ~~نخبته . وقد بسطنا القول فيه ، وفيما ذكر فيه سوى هذا آخر باب المعجزات . | ~~و عن علي رضي الله عنه : كل نبي أعطي سبعة نجباء ، وأعطي نبيكم صلى الله ~~عليه وسلم أربعة عشر نجيبا ، م نهم أبو بكر ، وعمر ، وابن مسعود ، وعمار . ~~| و قال صلى الله عليه ms085 وسلم : إن الله قد حبس عن مكة الفيل ، وسلط عليها ~~رسوله والمؤمنين ، وإنها لا تحل لأحد بعدي ، وإنما أحلت لي ساعة من نهار . ~~| و عن العرباض بن سارية : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إني ~~عبد الله وخاتم النبيين ، وإن آدم لمنجدل في طينته ، وعدة أبي إبراهيم ، ~~وبشارة عيسى بن مريم . | و عن ابن عباس ، قال : إن الله فضل محمدا صلى الله ~~عليه وسلم على أهل السماء ، وعلى الأنبياء صلوات الله عليهم ، قالوا : فما ~~فضله على أهل السماء ؟ قال : إن الله تعالى قال لأهل السماء : ومن يقل منهم ~~إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين [ سورة الأنبياء - 21 ~~، الآية : 29 ] . | و قال لمحمد صلى الله عليه وسلم : إنا فتحنا لك فتحا ~~مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر [ سورة الفتح - 48 ، الآية ~~: 1 ، 2 ] . | قالوا : فما فضله على الأنبياء ؟ قال : إن الله تعالى قال ~~وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه [ سورة إبراهيم / 14 ، الآية : 4 ] . | ~~و قال لمحمد : وما أرسلناك إلا كافة للناس [ سورة سبأ / 34 ، الآية : 28 ] ~~. | و عن خالد بن معدان أن نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قالوا : يا رسول الله ، PageV01P136 أخبرنا عن نفسك . | و قد روى نحوه عن ~~أبي ذر ، وشداد بن أوس ، وأنس بن مالك ، فقال : نعم ، أنا دعوة أبي إبراهيم ~~يعني قوله : ربنا وابعث فيهم رسولا منهم . وبشرى عيسى . ورأت أمي حين حملت ~~بي أنه خرج منها نور أضاء له قصور بصرى من أرض الشام ، واسترضعت في بني سعد ~~بن بكر ، فبينا أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بهما لنا إذا جاءني رجلان ~~عليهما ثياب بيض . | و في حديث آخر : ثلاثة رجال بطست من ذهب مملوءة ثلجا ، ~~وأخذاني فشقا بطني . | قال في غير هذا الحديث : من نحري إلى مراق بطني ، ثم ~~استخرجا منه قلبي ، فشقاه ، فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها ، ثم غسلا ~~قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنفياه . | قال في حديث ms086 آخر : ثم تناول أحدهما ~~شيئا فإذا بخاتم في يده من نور يحار الناظر دونه ، فختم به قلبي ، فامتلأ ~~إيمانا وحكمة ، ثم أعاده مكانه ، وأمر الآخر يده على مفرق صدري فالتأم . | ~~و في رواية : إن جبريل قال : قلب وكيع ، أي سديد ، فيه عينان تبصران ، ~~وأذنان سميعتان ، ثم قال أحدهما [ 51 ] لصاحبه : زنه بعشرة من أمته ، ~~فوزنني فرجحتهم ، ثم قال : زنه بمائة من أمته ، فوزنني بهم فوزنتهم ، ثم ~~قال : زنه بألف من أمته ، فوزنني بهم فوزنتهم ، ثم قال : دعه عنك ، فلو ~~وزنته بأمته لوزنها . | قال في الحديث الآخر : ثم ضموني إلى صدورهم ، ~~وقبلوا رأسي ، وما بين عيني ، ثم قالوا : يا حبيب ، لم ترع ، إنك لو تدري ~~ما يراد بك من الخير لقرت عيناك . | و في بقية هذا الحديث من قولهم : ما ~~أكرمك على الله ! إن الله معك وملائكته . | قال في حديث أبي ذر : [ فما هو ~~إلا أن وليا عني ، فكأنما أرى الأمر معاينة ] . | PageV01P137 و حكى أبو ~~محمد مكي ، وأبو الليث السمر قندي وغيرهما أن آدم عند معصيته قال : [ اللهم ~~بحق محمد اغفر لي خطيئتي ] . | و يروى : تقبل توبتي . فقال له الله : [ من ~~أين عرفت محمدا ؟ فقال : رأيت في كل موضع من الجنة مكتوبا : لا إله إلا ~~الله ، محمد رسول الله ] . | و يروى : محمد عبدي ورسولي ، فعلمت أنه اكرم ~~خلقك عليك ، فتاب الله عليه ، وغفر له . | و هذا عند قائله تأويل قوله ~~تعالى : فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه . | و في رواية الأجري قال : ~~فقال آدم ، لما خلقتني ر فعت رأسي إلى عرشك فإذا فيه مكتوب : لا إله إلا ~~الله محمد رسول الله ، فعلمت أنه ليس أحد أعظم قدرا عندك ممن جعلت اسمه مع ~~اسمك ، فأوحى الله إليه : وعزتي وجلالي ، إنه لآخر النبين من ذريتك ولولاه ~~ما خلقتك . | قال : وكان آدم يكنى بأبي محمد ، وقيل بأبي البشر . | و روي ~~عن سريج بن يونس أنه قال : إن لله ملائكة سياحين عيادتها كل دار فيها أحمد ~~، أو محمد ، إكراما منهم لمحمد صلى الله عليه ms087 وسلم . | و روى ابن قانع ~~القاضي ، عن أبي الحمراء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لما ~~أسري بي إلى السماء إذا على العرش مكتوب : لا إله إلا الله ، محمد رسول ~~الله ، أيدته بعلي . | وفي التفسير ، عن ابن عباس في قوله تعالى : وكان ~~تحته كنز لهما . | قال : لوح من ذهب فيه مكتوب : عجبا لمن أيقن بالقدر كيف ~~ينصب ! عجبا لمن أيقن بالنار كيف يضحك ! عجبا لمن رأى الدنيا وتقبلها ~~بأهلها كيف يطمئن إليها ! أنا الله ، لا إله إلا أنا ، محمد عبدي ورسولي . ~~| PageV01P138 و عن ابن عباس : على باب الجنة مكتوب : إني أنا الله ، لا ~~إله إلا أنا ، محمد رسول الله ، لا أعذب من قالها . | و ذكر أنه وجد على ~~الحجارة القدي مة مكتوب : محمد تقي مصلح ، وسيد أمين . | و ذكر السمنطاري ~~أنه شاهد في بعض بلاد خراسان مولودا ولد على أحد جنبيه مكتوب : لا إله إلا ~~الله ، وعلى الآخر : الله رسول الله . | و ذكر الأخباريون أن ببلاد الهند ~~وردا أحمر مكتوبا عليه بالأبيض : لا إله إلا الله ، محمد رسول الله . | و ~~روي عن جعفر بن محمد ، عن أبيه : إذا كان يوم القيامة نادى مناد : ألا ليقم ~~من اسمه محمد ، فليدخل الجنة لكرامة اسمه عليه السلام . | و روى أبن القاسم ~~في سماعه ، وابن وهب في جامعه ، عن مالك : سمعت أهل مكة يقولون : ما من بيت ~~فيه اسم محمد إلا قد وقوا . | و عنه عليه السلام : ما ضر أحدكم أن يكون في ~~بيته محمد ومحمدان وثلاثة . | و عن عبد الله بن مسعود : إن الله نظر إلى ~~قلوب العباد ، واختار منها قلب محمد عليه السلام ، فاصطفاه لنفسه ، فبعثه ~~برسالته . | و حكى النقاش أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت : وما كان ~~لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند ~~الله عظيما قام خطيبا ، فقال يا معشر أهل الإيمان ، إن الله تعالى فضلني ~~عليكم تفضيلا ، وفضل نسائي علىنسائكم تفضي لا . . . الحديث . # PageV01P139 # | 3 ( فصل في ms088 تفضيله بما تضمنته كرامة الإسراء من المناجاة والرؤية ) 3 # | و من خصائصه عليه السلام قصة الإسراء وما انطوت عليه من درجات الرفعة ~~مما نبه عليه الكتاب العزيز ، وشرحته صحاح الأخبار ، قال الله تعالى سبحان ~~الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله ~~لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير [ سورة الإسراء - 17 ، الآية : 1 ] . ~~| و قال تعالى : والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن ~~الهوى * إن هو إلا وحي يوحى * علمه شديد القوى * ذو مرة فاستوى * وهو ~~بالأفق الأعلى * ثم دنا فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى * فأوحى إلى عبده ~~ما أوحى * ما كذب الفؤاد ما رأى * أفتمارونه على ما يرى * ولقد رآه نزلة ~~أخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى * إذ يغشى السدرة ما يغشى * ما ~~زاغ البصر وما طغى * لقد رأى من آيات ربه الكبرى [ سورة النجم - 53 ، الآية ~~: 1 ، 18 ] . | فلا خلاف بين المسلمين في صحة الإسراء به عليه السلام ، إذ ~~هو نص القرآن ، وجاءت بتفصيله ، وشرح عجائبه ، وخواص نبينا محمد عليه ~~السلام فيه أحاديث كثيرة منتشرة رأينا أن نقدم أكملها ، ونشير إلى زيادة م ~~ن غيره يجب ذكرها : | حدثنا القاضي الشهيد أبو علي ، والفقيه أبو بحربسماعي ~~عليهما ، والقاضي أبو عبد الله التميمي ، وغير واحد من شيوخنا ، قالوا : ~~حدثنا أبو العباس العذري ، [ قالوا ] : حدثنا أبو العباس الرازي ، حدثنا ~~أبو أحمد الجلودي ، حدثنا ابن سفيان ، حدثنا مسلم بن الحجاج حدثنا شيبان بن ~~فروخ ، حدثنا حماد بن سلمة ، حدثنا ثابت البناني ، عن أنس بن مالك رضي الله ~~عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أتيت بالبراق ، وهو دابة أبيض ~~طويل ، فوق الحمار ، ودون البغل ، يضع حافره عند منتهى طرفه قال : فركبته ~~حتى أتيت بيت المقدس ، فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء ، ثم دخلت ~~المسجد فصليت فيه ركعتين ، ثم خرجت ، فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من ~~لبن ، فاخترت اللبن ، فقال جبريل : اخترت الفطرة . | PageV01P140 ثم عرج ~~بنا إلى السماء ms089 ، فاستفتح جبريل ، فقيل : من أنت ؟ قال جبريل . قيل : ومن ~~معك ؟ قال : ومن معك ؟ قال محمد . قيل : وقد بعث إليه ؟ قال : قد بعث إليه ~~، ففتح لنا ، فإذا أنا بآدم صلى الله عليه وسلم ، فرحب بي ، ودعا لي بخير . ~~| ثم عرج بنا إلى السماء الثانية ، فاستفتح جبريل ، فقيل : من أنت : قال : ~~جبريل . قيل : ومن معك ؟ قال : محمد . قيل : وقد بعث إليه ؟ قال : قد بعث ~~إليه . ففتح لنا ، فإذا أنا بابني الخالة : عيسى ابن مريم ، ويحيى بن زكريا ~~صلى الله عليهما ، فرحبا بي ، ودعوا لي بخير . | ثم عرج بنا إلى السماء ~~الثالثة ، فذكر مثل الأول ، ففتح لنا ، فإذا أنا بيوسف صلى الله عليه وسلم ~~وإذا هو قد أعطى شطر الحسن ، فرحب بي ، ودعا لي بخير . | ثم عرج إلى السماء ~~الرابعة ، وذكر مثله ، فإذا أنا بإدريس ، فرحب بي ودعا لي بخير ، قال الله ~~تعالى : ورفعناه مكانا عليا [ سورة مريم - 19 ، الآية : 57 ] | ثم عرج بنا ~~إلى السماء الخامسة فذكر مثله ، فإذا أنا بهارون ، فرحب بي ، ودعا لي بخير ~~. | ثم عرج بنا إلى السماء السادسة ، فذكر مثله ، فإذا أنا بموسى ، فرحب بي ~~، ودعا لي بخير . | ثم عرج بنا إلىالسماء السابعة ، فذكر مثله ، فإذا أنا ~~إبراهيم مسندا ظهره إلى البيت المعمور ، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ~~ملك ، لا يعودون إليه . ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى ، وإذا ورقها كآذان ~~الفيلة ، وإذا ثمرها كالقلال ، قال : فلما غشيها من أمر الله غشي تغيرت ، ~~فما [ 58 ] أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها ، فأوحى الله إلى ما ~~أوحى ، ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة ، فنزلت إلىموس ، فقال : ما ~~فرض ربك على أمتك ؟ قلت خمسين صلاة . قال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف ، ~~فإن أمتك لا يطيقون ذلك ، فإني قد بلوت بني إسائيل وخبرتهم . | قال : فرجعت ~~إلى ربي ، فقلت : يا رب ، خفف عن أمتي . فحط عني خمسا ، فرجعت إلى موسى ، ~~فقلت : حط عني خمسا ، قال : إن أمتك لا يطيقون ذلك ، فارجع إلى ربك فاسأله ~~التخفيف ms090 . قال : فلم أزل أرجع بين ربي تعال وبين موسى حتى قال : يا ~~PageV01P141 محمد ، إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر ، فتلك خمسون ~~صلاة ، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ، فإن عملها كتبت له عشرا ومن ~~هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا فإن عملها كتبت سيئة واحدة . | قال : ~~فنزلت حتى إنتهيت إلى موسى ، فأخبرته ، فقال : ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف ~~. | قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فقلت : قد رجعت إلى ربي حتى ~~استحييت منه . | قال القاضي رضي الله عنه : جود ثابت رضي الله عنه هذا ~~الحديث عن أنس ما شاء ، ولم يأت أحد عنه بأصوب من هذا . | و قد خلط فيه ~~غيره عن أنس تخليطا كثيرا ، لا سيما من رواية شريك بن أبي نمر ، فقد ذكر في ~~أوله مجيء الملك له ، وشق بطنه ، وغسله بماء زمزم ، وهذا إنما كان وهو صبي ~~، وقبل الوحي . | و قد قال شريك في حديثه : وذلك قبل أن يوحي إليه ، وذكر ~~قصة الإسراء . ولا خلاف أنها كانت بعد الوحي . | و قد قال غير واحد : إنها ~~كانت قبل الهجرة بسنة ، وقيل : قبل هذا . | و قد روى ثابت عن أنس ، من ~~رواية حماد بن سلمة أيضا مجيء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يلعب ~~مع الغلمان عند ظئره ، وشقه قلبه تلك القصة مفردة من حديث الإسراء كما رواه ~~الناس ، فجود في القصتين ، وفي أن الإسراء إلى بيت المقدس وإلى سدرة ~~المنتهى كان قصة واحدة ، وأنه وصل إلى بيت المقدس ، ثم عرج به من هناك ، ~~فأزاح كل أشكال أوهمه غيره . | وقد روى يونس ، عن ابن شهاب ، عن أنس ، قال ~~: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فرج سقف بيتي ، ~~وأنا بمكة ، فنزل جبريل ، ففرج صدري ، ثم غسله من ماء زمزم ، ثم جاء بطست ~~من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا ، فأفرغها من صدري ، ثم أطبقه ، ثم أخذ بيدي ~~فعرج بنا إلى السماء . . . فذكر القصة . | و روى قتادة الحديث ، بمثله ms091 ، عن ~~أنس ، عن مالك بن صعصعة ، وفيها تقديم | PageV01P142 و تأخير ونقص ، وخلاف ~~في ترتيب الأنبياء في السموات . | و حديث ثابت ، عن أنس أتقن وأجود . | و ~~قد وقعت في حديث الإسراء ، زيادات نذكر منها نكتا مفيدة في عرضنا : | منها ~~حديث ابن شهاب ، وفيه : قول : كل نبي له : مرحبا بالنبي الصالح ، والأخ ~~الصالح ، | إلا آدم وإبراهيم فقالا له : والابن الصالح . | و فيه من طريق ~~ابن عباس : ثم عرج بي حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صريف الأقلام . | و عن أنس ~~: ثم انطلق بي حتى أتيت سدرة المنتهى ، فغشيها ألوان لا أدري ما هي ؟ قال : ~~ثم أدخلت الجنة . | و في حديث مالك بن صعصعة : فلما جاوزته يعني [ 59 ] ~~موسى بكى ، فنودي : ما يبكيك ؟ قال : رب ، هذا غلام بعثته بعدي يدخل من ~~أمته الجنة أكثر مما يدخل من أمتي . | و في حديث أبي هريرة رضي الله عنه : ~~وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء ، فحانت الصلاة ، فأممتهم ، فقال قائل : ~~يا محمد ، هذا مالك خازن النار ، فسلم عليه . فالتفت فبدأني بالسلام . | و ~~في حديث أبي هريرة : ثم سار حتى أتى إلى بيت المقدس ، فنزل فربط فرسه إلى ~~صخرة ، فصلى مع الملائكة ، فلما قضيت الصلاة قالوا : يا جبريل ، من هذا معك ~~؟ قال : هذا محمد رسول الله خاتم النبين : قالوا : وقد أرسل إليه ؟ قال : ~~نعم . قالوا : حياه الله من أخ وخليفة ، فنعم الأخ ونعم الخليفة ! ثم لقوا ~~أرواح الأنبياء فأثنوا على ربهم ، وذكر كلام كل واحد منهم ، وهم إبراهيم ، ~~وموسى وعيسى ، وداود ، وسليمان . | ثم ذكر كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~فقال : وإن محمدا صلى الله عليه وسلم أثنى على ربه عز وجل فقال : كلكم أثنى ~~على ربه ، وأنا أثنى على ربي . الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين ، ~~وكافة للناس بشيرا ونذيرا ، وأنزل علي الفرقان فيه تبيان كل شيء . وجعل ~~أمتي خير أمة ، وجعل أمتي أمة وسطا ، وجعل أمتي هم الأولون ، وهم الآخرون ، ~~وشرح لي صدري ، ووضع عني وزري ، ورفع لي ذكري ، وجعلني فاتحا وخاتما . | ~~فقال إبراهيم : بهذا فضلكم ms092 محمد . | PageV01P143 ثم ذكر أنه عرج به إلى ~~السماء الدنيا ، ومن سماء إلى سماء ، نحو ما تقدم . | و في حديث ابن مسعود ~~: وانتهي بي إلى سدرة المنتهى ، وهي في السماء السادسة ، إليها ينتهي ما ~~يعرج به من الأرض فيقبض منها ، وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها فيقبض منها ، ~~قال : إذ يغشى السدرة ما يغشى ، قال : فراش من ذهب . | و في رواية أبي ~~هريرة ، من طريق الربيع بن أنس . فقيل لي : هذه السدرة المنتهى ينتهي إليها ~~كل أحد من أمتك خلا على سبيلك ، وهي السدرة المنتهى ، يخرج من أصلها أنهار ~~من ماء غير آسن ، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ، وأنهار من خمر لذة ~~للشاربين ، وأنهار من عسل مصفى ، وهي شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين عاما ~~، وإن ورقة منها مظلة الخلق ، فغشيها نور ، وغشيتها الملائكة . | قال : فهو ~~قوله : إذ يغشى السدرة ما يغشى [ سورة النجم - 53 ، الآية : 16 ] . | فقال ~~الله تبارك وتعالى له : سل . فقال : إنك اتخذت إبراهيم خليلا وأعطيته ملكا ~~عظيما . وكلمت موسى تكليما ، وأعطيت داود ملكا عظيما ، وألنت له الحديد ~~وسخرت له الجبال وأعطيت سليمان ملكا عظيما ، وسخرت له الجن والإنس ~~والشياطين والرياح ، وأعطيته ملكا لا ينبغي لأحد من بعده ، وعلمت موسى ~~التوراة والإنجيل ، وجعلته يبريء الأكمه والأبرص ، وأعذته وأمه من الشيطان ~~الرجيم ، فلم يكن له عليهما سبيل . | فقال له ربه تعالى : قد اتخذتك خليلا ~~. فهو مكتوب في التوراة : محمد حبيب الرحمن ، وأرسلتك إلى الناس كافة ، وج ~~علت أمتك هم الأولون ، وهم الآخرون ، وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى ~~يشهدوا أنك عبدي ورسولي ، وجعلتك أول النبيين خلقا ، وآخرهم بعثا ، وأعطيتك ~~سبعا من المثاني ، ولم أعطيها نبيا قبلك ، وأعطيتك خواتيم سورة البقرة من ~~كنز تحت عرشي لم أعطيها نبيا قبلك [ 60 ] ، وجعلتك فاتحا وخاتما . | و في ~~الرواية الأخرى قال : فأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا : أعطي ~~الصلوات الخمس ، وأعطي خواتيم سورة البقرة ، وغفر لمن لا يشرك بالله شيئا ~~من أمته المقمحات . | و قال : ما كذب الفؤاد ما ms093 رأى * أفتمارونه على ما يرى ~~: رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح . | PageV01P144 و في حديث شريك أنه ~~رأى موسى في السابعة قال : بتفضيل كلام الله . | قال : ثم علا به فوق ذلك ~~بما لا يعلمه إلا الله ، فقال موسى : لم أظن أن يرفع علي أحد . | و قد روي ~~عن أنس أنه صلى الله عليه وسلم صلى بالأنبياء ببيت المقدس . | [ وعن أنس ~~رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بينما أنا قاعد ~~ذات يوم إذ دخل جبريل ، فوكز بين كتفي ، فقمت إلى شجرة فيها مثل وكري ~~الطائر ، فقعد في واحدة وقعدت في الأخرى ، فنمت حتى سدت ال خافقين . ولو ~~شئت لمست السماء ، وأنا أقلب طرفي ، ونظرت جبريل كأنه حلس لاطيء فعرفت فضل ~~علمه بالله علي ، وفتح لي باب السماء ، ورأيت النور الأعظم ، ولط دوني ~~الحجاب ، وفرجه الدر والياقوت . | ثم أوحى الله إلي ما شاء أن يوحي ] . | و ~~ذكر البزار عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه : [ لما أراد الله تعالى أن ~~يعلم رسوله الآذان جاء جبريل بدابة يقال لها البراق ، فذهب يركبها ، ~~فاستضعفت عليه ، فقال لها جبريل : اسكني ، فو الله ما ركبك عبد أكرم على ~~الله من محمد صلى الله عليه وسلم ، فركبها حتى أتى إلى الحجاب الذي يلي ~~الرحمن تعالى ، فبينما هو كذلك إذ خرج ملك من الحجاب ، فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : يا جبريل ، من هذا ؟ | قال : والذي بعثك بالحق ، إني ~~لأقرب الخلق مكانا ، وإن هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتي هذه . فقال ~~الملك : الله أكبر . الله أكبر . فقيل له من وراء الحجاب : صدق عبدي ، أنا ~~أكبر . أنا أكبر . | ثم قال الملك : أشهد أن لا إله إلا الله . فقيل له من ~~وراء الحجاب : صدق عبدي ، أنا الله لا إله إلا أنا . | و ذكر مثل هذا في ~~بقية الأذان ، إلا أنه لم يذكر جوابا عن قوله : حي على الصلاة ، حي على ~~الفلاح . | PageV01P145 و قال : [ ثم أخذ الملك بيد محمد ، فقدمه ، فأم أهل ms094 ~~السماء ، فيهم آدم ونوح ] . | قال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين ، راويه ~~: أكمل الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم الشرف على أهل السموات والأرض ~~. | قال القاضي رضي الله عنه : ما في هذا الحديث من ذكر الحجاب فهو في حق ~~المخلوق لا في حق الخالق ، فهم المحجوبون ، والباري جل اسمه منزه عما يحجبه ~~، إذ الحجب إنما تحيط بمقدر محسوس . ولكن حجبه على أبصار خلقه وبصائرهم ~~وإدراكاتهم بما شاء وكيف شاء ، ومتى شاء ، كقوله تعالى : كلا إنهم عن ربهم ~~يومئذ لمحجوبون [ سورة المطففين - 83 ، الآية : 15 ] . | فقوله في هذا ~~الحديث : الحجاب ، وإذ خرج ملك من الحجاب يجب أن يقال : إنه حجاب حجب به من ~~وراءه من ملائكته عن الإطلاع على ما دونه من سلطانه وعظمته ، وعجائب ملكوته ~~وجبروته . | و يدل عليه من الحديث قول جبريل عن الملك الذي خرج من ورائه : ~~إن هذا الملك ما رأيته منذ خلقت فبل ساعتي هذه . | فدل على أن هذا الحجاب ~~لم يختص بالذات . | و يدل عليه قول كعب في تفسير : سدرة المنتهى قال : ~~إليها ينتهي علم الملائ كة ، وعندها يجدون أمر الله ، لا يجاوزها علمهم . | ~~و أما قوله : الذي بلي الرحمن فيحمل على حذف المضاف ، أي بلي عرش الرحمن ، ~~أو أمرا ما من عظيم آياته ، أو مبادىء حقائق معارفه ، مما هو أعلم به ، كما ~~قال تعالى : واسأل القرية ، أي أهلها . | و قوله : فقيل من وراء الحجاب : ~~صدق [ 61 ] عبدي ، أنا أكبر فظاهره أنه سمع في هذا الموطن كلام الله ، ولكن ~~من وراء الحجاب ، كما قال : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ~~وراء حجاب ، أي وهو لا يراه ، حجب بصره عن رؤيته . | فإن صح القول بأن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه عز وجل فيحتمل أنه في غير هذا الموطن بعد ~~هذا أو قبله ، رفع الحجاب عن بصره حتى رآه . والله أعلم . | PageV01P146 # | 3 ( فصل هل كان الإسراء بالروح أو بالجسد ؟ ) 3 # | ثم اختلف السلف والعلماء : هل كان إسراء بروحه أو ms095 جسده ؟ على ثلاث ~~مقالات : فذهبت طائفة إلى أنه إسراء بالروح ، وأنه رؤيا منام ، مع اتفاقهم ~~أن رؤيا الأنبياء حق روحي ، وإلى هذا ذهب معاوية . | و حكى عن الحسن ، ~~والمشهور عنه خلافه ، وإليه أشار محمد بن اسحاق ، وحجتهم قوله تعالى : وما ~~جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس . | و ما حكوا عن عائشة رضي الله ~~عنها : ما فقدت جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم . | و قوله : بينا أنا ~~نائم . | و قول أنس : وهو نائم في المسجد الحرام . . . وذكر القصة ، ثم قال ~~في آخرها : فاستيقظت وأنا بالمسجد الحرام . | وذهب معظم السلف والمسلمين ~~إلى أنه إسراء بالجسد وفي اليقظة ، وهذا هو الحق ، وهو قول ابن عباس ، ~~وجابر ، وأنس ، وحذيفة ، وعمر ، وأبي هريرة ، ومالك بن صعصعة ، وأبي حبة ~~البدري ، وابن مسعود ، والضحاك ، وسعيد بن جبير ، وقتادة ، وابن المسيب ، ~~وابن شهاب ، وابن زيد ، والحسن ، وإبراهيم ، ومسروق ، ومجاهد ، وعكرمة ، ~~وابن جريج ، وهو دليل قول عائشة ، وهو قول الطبري ، وابن حنبل ، جما عة ~~عظيمة من المسلمين . وقول أكثر المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين ~~والمفسرين . | و قالت طائفة : كان الإسراء بالجسد يقظة إلى بيت المقدس ، ~~وإلى السماء بالروح ، واحتجوا بقوله تعالى : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من ~~المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، فجعل [ فجعل إلى المسجد الأقصى ] غاية ~~الإسراء الذي وقع التعجب فيه بعظيم القدرة ، والتمدح بتشريف النبي محمد ~~الله صلى الله عليه وسلم به ، وإظهار الكرامة له بالإسراء إليه . | قال ~~هؤلاء : ولو كان الإسراء بجسده إلى زائد على المسجد الأقصى لذكره ، فيكون ~~أبلغ في المدح . | ثم اختلفت هذه الفرقتان : هل صلى ببيت المقدس أم لا ؟ | ~~ففي حديث أنس وغيره ما تقدم من صلاته فيه . وأنكر ذلك حذيفة بن اليمان ، ~~PageV01P147 وقال : والله ما زال عن ظهر البراق حتى رجع . | قال القاضي ~~والحق من هذا والصحيح إن شاء الله إنه إسراء بالجسد والروح في القصة كلها ، ~~وعليه تدل الآية ، وصحيح الأخبار ، والإعتبار ، ولا يعدل عن الظاهر ~~والحقيقة إلى التأويل إلا عند الإستحالة ، وليس في الإسراء بجسده وحال ~~يقظته ms096 استحالة ، إذ لو كان مناما لقال : بروح عبده ، ولم يقل : بعبده . ~~وقوله تعالى : ما زاغ البصر وما طغى ، ولو كان مناما لما كانت فيه آية ولا ~~معجزة ، ولما استبعده الكفار ، ولا كذبوه فيه ، ولا ارتد به ضعفاء من أسلم ~~، وافتتنوا به ، إذ مثل هذا من المنامات لا ينكر ، بل لم يكن منهم ذلك [ 62 ~~] إلا وقد علموا أن خبره إنما كان عن جسمه وحال يقظته ، إلى ما ذكر في ~~الحديث من ذكر صلاته بالأنبياء ببيت المقدس في رواية أنس أو في السماء على ~~ما روي غيره وذكر مجيء جبريل له بالبراق وخبر المعراج ، واستفتاح السماء ، ~~فيقال : من معك ؟ فيقول : محمد ، ولقائه الأنبياء فيها ، وخبرهم معه ، ~~وترحيبهم به ، وشأنه في فرض الصلاة ومراجعته مع موسى في ذلك . | و في بعض ~~هذه الأخبار : فأخذ يعني جبريل بيدي فعرج بي إلى السماء . . . إلى قوله : ~~ثم عرج بي حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صريف الأقلام وأنه وصل إلى سدرة ~~المنتهى ، وأنه دخل الجنة ، ورأى فيها ما ذكره . | قال ابن عباس : هي رؤيا ~~عين رآها النبي صلى الله عليه وسلم لا رؤيا منام . | و عن الحسن فيه : بينا ~~أنا نائم في الحجر جاءني جبريل فهمزني بعقبة ، فقمت فجلست فلم أر شيئا ، ~~فعدت لمضجعي ذكر ذ لك ثلاثا ، فقال في الثالثة : فأخذ بعضدي فجرني إلى باب ~~المسجد فإذا بدابة . | و ذكر خبر البراق . | و عن أم هانىء : ما أسري برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو في بيتي ، تلك الليلة صلى العشاء الآخرة ، ~~ونام بيننا ، فلما كان قبيل الفجر أهبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~فلما صلى الصبح وصلينا قال : يا أم هانىء ، لقد صليت معكم العشاء الآخرة ~~كما رأيت بهذا الوادي ، ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه ، ثم صليت الغداة معكم ~~الآن كما ترون . | PageV01P148 و هذا بين في أنه بجسمه . | و عن أبي بكر من ~~رواية شداد بن أوس عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به : | ~~طلبتك يا رسول الله ms097 البارحة في مكانك فلم أجدك . فأجابه : إن جبريل عليه ~~السلام حملني إلى المسجد الأقصى . | و عن عمر رضي الله عنه ، قال : قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : صليت ليلة أسري بي في مقدم المسجد ، ثم ~~دخلت الصخرة فإذا بملك قائم معه آنية ثلاث . . وذكر الحديث . | و هذه ~~التصريحات ظاهرة غير مستحيلة ، فتحمل على ظاهرها . | و عن أبي ذر ، عنه صلى ~~الله عليه وسلم : فرج سقف بيتي وأنا بمكة ، فنزل جبريل ، فشرح صدري ، ثم غ ~~سله بماء زمزم . . . إلى آخر القصة ، ثم أخذ بيدي ، فعرج بي . وعن أنس : ~~أتيت فانطلق بي إلى زمزم ، فشرح عن صدري . | و عن أبي هريرة رضي الله عنه : ~~لقد رأيتني في الحجر ، وقريش تسألني عن مسراي ، فسألتني عن أشياء لم أثبتها ~~، فكربت كربا ما كربت مثله قط ، فرفعه الله لي أنظر إليه . | و نحوه عن ~~جابر . | و قد روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حديث الإسراء عنه صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال : ثم رجعت إلىخديجة وما تحولت عن جانبها . # # | 3 ( فصل في إبطال حجج من قال إنها نوم ) 3 # | احتجوا بقوله تعالى : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ، ~~فسماها رؤيا ؟ | قلنا : قوله سبحانه وتعالى : الذي أسرى بعبده يرده ، لأنه ~~لا يقال في النوم : أسرى . | PageV01P149 وقوله : فتنة للناس . يؤيد أنها ~~رؤيا عين ، وإسراء بشخص ، إذ ليس في الحلم فتنة . ولا يكذب به أحد ، لأن كل ~~أحد يرى مثل ذلك في منامه من الكون في سلعة واحدة في أقطار متباينة [ 63 ] ~~. | على أن المفسرين قد اختلفوا في هذه الآية ، فذهب بعضهم إلى أنها نزلت ~~في قضية الحديبية ، وما وقع في نفوس الناس من ذلك . وقيل غير هذا . | و أما ~~قولهم : إنه قد سماها في الحديث مناما . | و قوله في حديث آخر : بين النائم ~~واليقظان . | و قوله أيضا : وهو نائم . وقوله : ثم استيقظت فلا حجة فيه ، ~~إذ قد يحتمل أن أول وصول الملك إليه كان وهو نائم ، أو أول حمله والإسراء ~~به وهو ms098 نائم ، وليس في الحديث أنه كان نائما في القصة كلها إلا ما يدل عليه ~~: ثم استيقظت وأنا في المسجد الحرام ، فلعل قوله : استيقظت بمعنى أصبحت ، ~~أو استيقظ من نوم آخر بعد وصوله بيته . | و يدل عليه أن مسراه لم يكن طول ~~ليله ، وإنما كا ن في بعضه . | و قد يكون قوله : استيقظت وأنا في المسجد ~~الحرام لما كان غمره من عجائب ما طالع من ملكوت السموات والأرض ، وخامر ~~باطنه من مشاهدة الملأ الأعلى ، وما رأى من آيات ربه الكبرى ، فلم يستفق ~~ويرجع إلى حال البشرية إلا وهو بالمسجد الحرام . | و وجه ثالث أن يكون نومه ~~واستيقاظه حقيقة على مقتضى لفظه ، ولكنه أسرى بجسده وقلبه حاضر ، ورؤيا ~~الأنبياء حق ، تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم . | و قد مال بعض أصحاب ~~الإشارات إلى نحو من هذا . قال : تغميص عينيه لئلا يشغله شيء من المحسوسات ~~عن الله تعالى . | و لا يصح هذا أن يكون في وقت صلاته بالأنبياء ، ولعله ~~كانت له في هذا الإسراء حالات . | و وجه رابع ، وهو أن يعبر بالنوم ها هنا ~~عن هيئة النائم من الإضطجاع ، ويقويه قوله في رواية عبد بن حميد ، عن همام ~~: بينا أنا نائم وربما قال : مضطجع . | و في رواية هدبة ، عنه : بينا أنا ~~نائم في الحطيم وربما قال : في الحجر مضطجع وقوله في الرواية الأخرى : بين ~~النائم واليقظان . | فيكون سمى هيئة النائم غالبا . | PageV01P150 و ذهب ~~بعضهم إلى أن هذه الزيادات : من النوم ، وذكر شق البطن ، ودنو الرب عز وجل ~~الواق عة في هذا الحديث إنما هي من رواية شريك عن أنس ، فهي منكرة من ~~روايته ، إذشق البطن في الأحاديث الصحيحة إنما كان في صغره صلى الله عليه ~~وسلم وقبل النبوة ، ولأنه قال في الحديث : قبل أن يبعث ، والإسراء بإجماع ~~كان بعد المبعث ، فهذا كله يوهن ما وقع في رواية أنس ، مع أن أنسا قد بين ~~من غير طريق أنه إنما رواه عن غيره ، وأنه لم يسمعه من النبي صلى الله عليه ~~وسلم ، فقال مرة : عن مالك ms099 بن صعصعة ، وفي كتاب مسلم : لعله عن مالك بن ~~صعصعه على الشك . وقال مرة : كان أبو ذر يحدث . | و أما قول عائشة : ما فقد ~~جسده ، فعائشة لم تحدث به عن مشاهدة ، لأنها لم تكن حينئذ زوجه ، ولا في سن ~~من يضبط ، ولعلها لم تكن ولدت بعد ، على الخلاف في الإسراء متى كان ، فإن ~~الإسراء كان في أول الإسلام على قول الزهري ومن وافقه بعد المبعث بعام ونصف ~~، وكانت عائشة في الهجرة بنت نحو ثمانية أعوام . | و قد قيل : كان الإسراء ~~لخمس قبل الهجرة . وقيل : قبل الهجرة بعام . والأشبه إنه لخمس . | و الحجة ~~لذلك تقول ، [ 64 ] وليست من غرضنا ، فإذا لم تشاهد ذلك عائشة دل أنها حدثت ~~بذلك عن غيرها ، فلم يرجح خبرها على خبر غيرها ، وغي رها يقول خلافه مما ~~وقع نصا في حديث أم هانىء وغيره . | و أيضا فليس حديث عائشة رضي الله عنها ~~بالثابت ، والأحاديث الأخر أثبت ، ولسنا نعني حديث أم هانىء ، وما ذكرت فيه ~~خديجة . | و أيضا فقد رويى في حديث عائشة : [ مافقدت ] ، ولم يدخل بها ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلا بالمدينة . | و كل هذا يهنه ، بل الذي يدل ~~عليه صحيح قولها : إنه بجسده ، لإنكارها أن تكون رؤياه لربه رؤيا عين ، ولو ~~كانت عندها مناما لم تنكره . | فإن قيل : فقد قال تعالى : ما كذب الفؤاد ما ~~رأى فقد جعل ما رآه للقلب ، وهنا يدل على أنه رؤيا نوم ووحي ، لا مشاهدة ~~عين وحس . | قلنا : يقابله قوله تعالى : ما زاغ البصر وما طغى فقد أضاف ~~الأمر للبصر . | و قد قال أهل التفسير في قوله تعالى . ما كذب الفؤاد ما ~~رأى ، أي لم يوهم PageV01P151 القلب العين غير الحقيقة ، بل صدق رؤيتها . | ~~و قيل : ما أنكر قلبه ما رأته عينه . | # | 3 ( فصل في رؤيته لربه عز وجل واختلاف السلف فيها ) 3 # | و أما رؤيته صلى الله عليه وسلم لربه جل وعز فاختلف السلف فيها ، ~~فأنكرته عائشة . | حدثنا أبو الحسن سراج بن عبد الملك الحافظ بقراءتي عليه ~~، قال حدثني أبي ms100 وأبو عبد الله بن عتاب الفقيه ، قالا : حدثنا القاضي يونس ~~بن مغيث ، حدثنا أبو الفضل الصلقي ، حدثنا ثابت بن قاسم بن ثابت ، عن أبيه ~~وجده ، قالا : حدثنا عبد الله بن علي ، | قال : حدثنا محمود بن آدم ، حدثنا ~~وكيع ، عن ابن أبي خالد ، عن عامر عن مسروق أنه قال لعائشة رضي الله عنها ~~يا أم المؤمنين ، هل رأى محمد ربه ؟ فقالت : لقد قف شعري مما قلت . ثلاث من ~~حدثك بهن فقد كذب : من حدثك أن محمد ا رأى ربه فقد كذب ، ثم قرأت : لا ~~تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ، وذكر الحديث . | و قال ~~جماعة بقول عائشة رضي الله عنها ، وهو المشهور عن ابن مسعود . | و مثله عن ~~أبي هريرة أنه [ ا ] : إنما رأى جبريل . واختلف عنه . وقال بإنكار هذا ~~وامتناع رؤيته في الدنيا جماعة من المحدثين ، والفقهاء والمتكلمين . | و عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما أنه رآه بعينه . وروى عطاء عنه أنه رآه بقلبه . | ~~و عن أبي العالية ، عنه : رآه بفؤاده مرتين . | و ذكر ابن إسحاق أن عمر ~~أرسل إلى ابن عباس رضي الله عنهما يسأله : هل رأى محمد ربه ؟ فقال : نعم . ~~| و الأشهر عنه انه رأى ربه بعينه ، روي ذلك عنه من طرق ، وقال : إن الله ~~تعالى اختص موس بالكلام ، وإبراهيم بالخلة ، و محمدا بالرؤية وحجته قوله ~~تعالى : ما كذب الفؤاد ما رأى * أفتمارونه على ما يرى * ولقد رآه نزلة أخرى ~~[ سورة النجم / 53 ، الآية : 11 ، 13 ] . | PageV01P152 قال الماوردي : قيل ~~: إن الله تعالى قسم كلامه ورؤيته بين موس ، ومحمد صلى الله عليه وسلم ، فر ~~آه محمد مرتين ، وكلمه موس مرتين . | و حكى أبو الفتح الرازي ، وأبو الليث ~~السمرقدي الحكاية عن كعب . | و روى عبد الله بن الحارث ، قال : اجتمع ابن ~~عباس وكعب ، فقال ابن عباس : أما نحن بنو هاشم فنقول : إن محمد ا قد رأى ~~ربه مرتين ، فكبر كعب حتى جاوبته الجبال ، | و قال : إن الله قسم رؤيته ~~وكلامه بين محمد وموس ، فكلمه موسى ، ورآه محمد بقلبه ms101 . | و روى شريك [ 65 ~~] عن أبي ذر رضي الله عنه في تفسير الآية ، قال : رأى النبي صلى الله عليه ~~وسلم ربه . | و ح كى السمرقندي ، عن محمد بن كعب القرظي ، وربيع بن أنس أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم سئل : هل رأيت ربك ؟ قال : رأيته بقؤادي ، ولم ~~أره بعيني . | و روى مالك بن يخامر ، عن معاذ ، عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ، قال : رأيت ربي . . . وذكر كلمة ، فقال : يا محمد ، فيم يختصم الملأ ~~الأعلى الحديث . | و حكى عبد الرزاق أن الحسن كان يحلف با الله لقد رأى ~~محمد ربه . | و حكاه أبو عمر الطلمنكي عن عكرمة . | و حكى بعض المتكليمين ~~هذا المذهب عن ابن مسعود . | و حكى ابن إسحاق أن مروان سأل أبا هريرة . هل ~~رأى محمد ربه ؟ فقال : نعم . | و حكى النقاش ، عن أحمد بن حنبل : أنه قال : ~~أنا أقول بحديث ابن عباس بعينه رآه حتى انقطع نفسه يعني نفس أحمد . | و قال ~~أبو عمر : قال أحمد بن حنبل : رآه بقلبه ، وجبن عن القول برؤيته في الدنيا ~~بالأبصار . | و قال سعيدبن جبير : لا أقول رآه ، ولا لم يره . | و قد اختلف ~~في تأويل الآية عن ابن عباس ، وعكرمه ، والحسن ، وابن مسعود ، فحكى عن ابن ~~عباس وعكرمة : رآه بقلبه . وعن الحسن وابن مسعود : رأى جبريل . وحكى عبد ~~الله بن أحمد بن حن بل ، عن أبيه ، أنه قال : رآه . | وعن ابن عطاء في قوله ~~تعالى : ألم نشرح لك صدرك قال : شرح صدره PageV01P153 للرؤية وشرح صدر موسى ~~للكلام . | و قال أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري رضي الله عنه وجماعة من ~~أصحاب أنه رأى الله تعالى ببصره وعيني رأسه ، ، وقال : كل آية أوتيها نبي ~~من الأنبياء عليهم السلام فقد أتي مثلها نبينا ، وخص من بينهم بتفضيل ~~الرؤية . | و وقف بعض مشايخنا في هذا ، وقال : ليس عليه دليل واضح ، ولكنه ~~جائز أن يكون . | قال القاضي أبو الفضل : والحق الذي لا إمتراء فيه أن ~~رؤيته تعالى في الدنيا جائز عقلا ، وليس في العقل ما ms102 يحيلها . | و الدليل ~~على جوازها في الدنيا سؤال موس عليه السلام لها . ومحال أن يجهل نبي ما ~~يجوز على الله وما لا يجوز عليه ، بل لم يسأل إلا جائزا غير مستحيل ، ولكن ~~وقوعه ومشاهدته من الغيب الذي لا يعلمه إلا من علمه الله ، فقال له الله ~~تعالى : لن تراني ، أي لن تطيق ، ولا تحتمل رؤيتي ، ثم ضرب له مثلا مما هو ~~أقوى من بنية موس وأثبت ، وهو الجبل . | و كل هذا ليس فيه ما يحيل رؤيته في ~~الدنيا ، بل فيه جوازها على الجملة ، وليس في الشرح دليل قا طع على ~~استحالتها ولا امتناعها ، إذ كل موجود فرؤيته جائزة غير مستحيلة . | و لا ~~حجة لمن استدل على منعها بقوله تعالى : لا تدركه الأبصار ، لا ختلاف ~~التأويلات في الآية ، وإذ ليس يقتضي قول من قال في الدنيا الإستحالة . | و ~~قد استدل بعضهم بهذه الآية نفسها على جواز الرؤية وعدم استحالتها على ~~الجملة . | و قد قيل : لا تدركه أبصار الكفار . وقيل : لا تدركه الأبصار : ~~لا يحيط به ، وهو قول ابن عباس . وقد قيل : لا تدركه الأبصار ، وإنما يدركه ~~المبصرون . | و كل هذه التأويلات لا تقتضي منع الرؤية ولا استحالتها . ~~وكذلك لا حجة لهم بقوله تعالى : لن تراني . وقوله : تبت إليك لما قدمناه [ ~~66 ] ، ولأنها ليست على العموم ، ولأن من قال : معناها : لن تراني في ~~الدنيا إنما هو تأويل . | PageV01P154 و أيضا فليس فيه نص الإمتناع ، وإنما ~~جاءت في حق موس ، وحيث تتطرق التأويلات وتتسلط الإحتمالات ، فليس للقطع ~~إليه سبيل . | و قوله : تبت إليك ، أي من سؤالي ما لم يقدره لي . | و قد ~~قال أبو بكر الهذلي في قوله : لن تراني ، أي ليس لبشر أن يطيق أن ينظر إلي ~~في الدنيا ، وأنه من نظر إلي مات . | و قد رأيت لبعض السلف والمتأخرين ما ~~معناه : إن رؤية تعالى في الدنيا ممتعة ، لضعف تركيب أهل الدنيا ، وقواهم ، ~~وكونها متغيرة غرضا للأفات والفناء ، فلم تكن لهم قوة على الرؤية ، فإذا ~~كان في الأخرة وركبوا تركيبا أخر ، ورزقوا قوى ms103 ثابتة باقية ، وأتم أنوار ~~أبصارهم وقلوبهم قووا بها على الرؤية . | و قد رأيت نحو هذا لمالك بن أنس ~~رحمه الله ، قال : لم ير في الدنيا ، لأنه باق ، ولا يرى الباقي بالفاني ، ~~فإذا كان في الأخرة ورزقوا أبصارا باقية رئى الباقي بالباقي . | و هذا كلام ~~حسن مليح ، وليس فيه دليل على الإستحالة إلا من حيث ضعف القدرة ، فإذا قوى ~~الله تعالى من شاء من عباده ، وأقدره على حمل أعباء الرؤية لم تمتنع في حقه ~~. | و قد تقدم ما ذكر في قوة بصر موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام ، ونفوذ ~~إدراكها بقوة إلهية منحاها لإدراك ما أدركاه ، ورؤية ما رأياه . والله أعلم ~~. | و قد ذكر القاضي أبو بكر في أثناء أجوبته عن الآيتين ما معناه : إن ~~موسى عليه السلام رأى الله ، فلذلك خر صعقا ، وإن الجبل رأى ربه فصار دكا ~~بإدراك خلقه الله له واستنبط ذلك ، والله أعلم ، من قوله : ولكن انظر إلى ~~ال جبل فإن استقر مكانه فسوف تراني [ | سورة الأعراف / 7 ، الآية : 143 ] . ~~| ثم قال : فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا . | و تجليه للجبل ~~هو ظهوره له حتى رآه على هذا القول . | و قال جعقر بن محمد : شغله بالجبل ~~حتى تجلى ، ولولا ذلك لمات صعقا بلا إفاقة . | و قوله هذا يدل على أن موس ~~رآه . | و قد وقع لبعض المفسرين في الجبل أنه رآه ، وبرؤية الجبل له استدل ~~من قال PageV01P155 برؤية محمد نبينا له ، إذ جعله دليلا على الجواز . | و ~~لا مرية في الجواز ، إذ ليس في الآيات نص بالمنع . | و أما وجوبه لنبينا ~~صلى الله عليه وسلم ، والقول بأنه رآه بعينه فليس فيه قاطع أيضا ولا نص ، ~~إذ المعول فيه على آيتي [ النجم ] ، والتنازع فيهما مأثور ، والإحتمال لهما ~~ممكن ، ولا أثر قاطع متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك . | و حديث ~~ابن عباس خبر عن اعتقاده لم يسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فيجب ~~العمل باعتفاد مضمنه . | و مثله حديث أبي ذر في تفسير الآية ms104 . | و حديث ~~معاذ محتمل للتأويل ، وهو مضطرب الإسناد والمتن . | و حديث أبي ذر مختلف ~~محتمل مشكل . فروي : [ نور أني أراه ] . | و حكى بعض شيوخنا أنه روي [ ~~نوراني أراه ] . | و في حديثه الآخر : سألته ، فقال : [ رأيت نورا ] ، وليس ~~يمكن الاحتجاج بواحد منها على صحة الرؤية ، فإن كان الصحيح رأيت نورا فهو ~~قد أخبر أنه لم ير الله ، وإنما رأى نورا منعه وحجبه عن رؤية الله . | و ~~إلى هذا يرجع قوله : [ نور أنى أراه ] أي كيف أراه مع حجاب النور المغشي ~~للبصر ، وهذا مثل [ 167 ] ما في الحديث الآخر : حجابه النور . | و في ~~الحديث الآخر : لم أره بعيني ، ولكن رأيته بقلبي مرتين ، وتلا : ثم دنا ~~فتدلى والله قادر على خلق الإدراك الذي في البصر في القلب ، أو كيف شاء ، ~~لا إله غيره . | فإن ورد حديث نص بين في الباب اعتقد ووجب المصير إليه ، إذ ~~لا استحالة فيه ، ولا مانع قطعي يرده ، والله الموفق . | PageV01P156 # | 3 ( فصل فيما ورد في قصة الإسراء من مناجاته ربه ) 3 # | و أما ما ورد في هذه القصة من مناجاته لله تعالى وكلامه معه بقوله : ~~فأوحى إلى عبده ما أوحى إلى ما تضمنته الأحاديث فأكثر المفسرين على أن ~~الموحي الله عز وجل إلى جبريل ، وجبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم إلا ~~شذوذا منهم ، فذكر عن جعفر بن محمد الصادق ، قال : أوحى إليه بلا واسطة ، ~~ونحوه عن الواسطي ، وإلى هذا ذهب بعض المتكلمين أن محمدا كلم ربه في ~~الإسراء . | و حكي عن الأشعري ، وحكي عن ابن مسعود وابن عباس ، وأنكروه ~~آخرون . | و ذكر النقاش ، عن ابن عباس في قصة الإسراء ، عنه صلى الله عليه ~~وسلم في قوله : دنا فتدلى قال : فارقني جبريل ، وانقطعت الأصوات عني ، ~~فسمعت كلام ربي وهو : يقول ليهدأ روعك يا محمد ، ادن ، ادن . | و في حديث ~~أنس في الإسراء نحو منه . | و قد احتجوا في هذا بقوله تعالى : وما كان لبشر ~~أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما ms105 يشاء ~~، فقالوا : هي ثلاثة أقسام : من وراء حجاب كتكليم موسى ، وبإرسال الملائكة ~~كحال جميع الأنبياء وأكثر أحوال نبين ا صلى الله عليه وسلم . الثالث : قوله ~~: وحيا ، ولم يبق من تقسيم الكلام إلا المشافهة مع المشاهدة . | و قد قيل : ~~الوحي هنا : هو ما يلقيه في قلب النبي دون واسطة . | و قد ذكر أبو بكر ~~البزار ، عن علي في حديث الإسراء ما هو أوضح في سماع النبي صلى الله عليه ~~وسلم لكلام الله من الآية : فذكر فيه : فقال الملك : الله أكبر . الله أكبر ~~فقيل لي من وراء الحجاب : صدق عبدي ، أنا أكبر ، أنا أكبر . وقال في سائر ~~كلمات الآذان مثل ذلك . | و يجيء الكلام في مشكل هذين الحديثين في الفصل ~~بعد هذا مع ما يشبهه . وفي أول فصل من الباب منه . | و كلام الله تعالى ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم ومن اختصه من أنبيائه ، جائز غير ممتنع عقلا ، ~~ولا ورد في الشرع قاطع يمنعه ، فإن صح في ذلك خبر احتمل عليه ، وكلامه ~~تعالى لموسى كائن حق مقطوع به ، نص ذلك في الكتاب ، وأكده بالمصدر دلالة ~~على الحقيقة ، ورفع PageV01P157 مكانه على ما ورد في الحديث : في السماء ~~السابعة بسبب كلامه . ورفع محمدا فوق هذا كله حتى بلغ مستوى ، وسمع صريف ~~الأقلام ، فكيف يستحيل في حق هذا أو يبعد سماع الكلام ، فسبحان من خص من ~~شاء بما شاء ، وجعل بعضهم فوق بعض د رجات ! . | # | 3 ( فيما ورد في الحديث الإسراء من الدنو والقرب ) 3 # | وأما ما ورد في حديث الإسراء وظاهرة الآية : من الدنو والقرب من قوله : ~~دنا فتدلى * فكان قاب قوسين أو أدنى - وأكثر المفسرين أن الدنو والتدلي ~~منقسم ما بين محمد وجبريل عليه السلام ، أو مختص بأحدهما من الآخر ، أو من ~~السدرة المنتهى . | قال الرازي : وقال ابن عباس : هو محمد دنا فتدلى من ربه ~~. | وقيل : معنى [ 68 ] دنا قرب ، وتدلى زاد في القرب . وقيل : هما بمعنى ~~واحد ، أي قرب . | وحكى مكي ، والماوردي - عن ابن عباس : هو الرب دنا محمد ~~، فتدلى إليه ، أي ms106 أمره وحكمه . | وحكى النقاش عن الحسن ، قال : دنا من ~~عبده محمد صلى الله عليه وسلم ، فتدلى ، فقرب منه ، فأراه ما شاء أن يريه ~~من قدرته وعظمته . | قال : وقال ابن عباس : هو مقدم ومؤخر : تدلى الرفرف ~~لمحمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج ، فجلس عليه ، ثم رفع فدنا من ربه . ~~| قال : فارقني جبريل ، وانقطعت عني الأصوات ، وسمعت كلام ربي عز وجل . | ~~وعن أنس في الصحيح : عرج بي جبريل إلى سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة ، ~~فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى إليه بما شاء وأوحى إليه ~~خمسين صلاة . . . وذكر حديث الإسراء . | وعن محمد بن كعب : هو محمد دنا من ~~ربه ، فكان كقاب قوسين . | قال : وقال جعفر بن محمد : أدناه ربه منه حتى ~~كان منه كقاب قوسين . | و قال جعفر بن محمد : والدنو من الله لا حد له ، ~~ومن العباد بالحدود . | و قال أيضا : انقطعت الكيفية عن الدنو ، ألا ترى ~~كيف حجب جبريل عن دنوه ، ودنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى ما أودع قلبه من ~~المعرفة والإيمان ، فتدلى بسكون قلبه إلى ما أدناه ، وزال PageV01P158 عن ~~قلبه الشك والإرتياب . | قال القاضي أبو الفضل - : اعلم أن ماوقع من إضافة ~~الدنو والقرب هنا من الله ، أو إلى الله - فليس بدنو مكان ، ولا قرب مدى ، ~~بل كما ذكرناه - عن جعفر الصادق : ليس بدنو حد ، وإنما دنو النبي صلى الله ~~عليه وسلم من ربه وقربه منه إبانة عظيم منزلته ، وتشريف رتبته ، | وإشراق ~~أنوار معرفته ، ومشاهدة أسرار غيبه وقدرته ، ومن الله تعالى له مبرة وتأنيس ~~، وبسط ، وإكرام ، ويتأول فيه ما يتأول في قوله : ينزل ربنا إلى السماء ~~الدنيا على أحد الوجوه : نزول إفضال وإجمال ، وقبول وإحسان . | قال الواسطي ~~: من ت وهم أنه بنفسه دنا جعل ثم مسافة ، بل كلما دنا بنفسه من الحق تدلى ~~بعدا يعني عن درك حقيقته ، إذ لا دنو للحق ولا بعد . | وقوله : قاب قوسين ~~أو أدنى فمن جعل الضمير عائدا إلى الله ، لا إلى جبريل على هذا كان عبارة ~~عن ms107 نهاية القرب ، ولطف المحل ، وإيضاح المعرفة ، والإشراف على الحقيقة عن ~~محمد صلى الله عليه وسلم ، وعبارة عن إجابة الرغبة ، وقضاء المطالب ، ~~وإظهار التحفي ، وإنافة المنزل والمرتبة من الله له . | ويتأول فيه ما ~~يتأول في قوله : من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ، ومن أتاني يمشي أتيته ~~هرولة ، قرب بالأجابة والقبول ، وإتيان بالإحسان وتعجيل المأمول . | # | 3 ( فصل في ذكر تفضيله يوم القيامة بخصوص الكرامة ) 3 # | حدثنا [ القاضي ] ، أبو علي ، حدثنا أبو الفضل ، وأبو الحسين ، قالا : ~~حدثنا أبو يعلى السنجي ، حدثنا ابن محبوب ، حدثنا الترمذي ، حدثنا الحسين ~~بن يزيد الكوفي ، حدثنا عبدالسلام بن حرب ، عن ليث ، عن الربيع بن أنس ، عن ~~أنس رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 69 ] : أنا ~~أول الناس خروجا إذا بعثوا ، وأنا خطيبهم إذا وفدوا ، وأنا مبشرهم إذا ~~أيسوا ، لواء الحمد بيدي ، وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر . | ~~PageV01P159 وفي رواية ابن زحر ، عن الربيع بن أنس - في لفظ هذا الحديث : ~~أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا ، وأنا قائدهم إذا وفدوا ، وأنا خطيبهم إذا ~~أنصتوا وأنا شفيعهم إذا حبسوا وأنا مبشرهم إذا أبلسوا ، لواء الكرم بيدي ، ~~وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر ويطوف علي ألف خادم كأنهم لؤلؤ مكنون . ~~| وعن أبي هريرة رضي الله عنه : وأكسى حلة من حلل الجنة ، ثم أقوم عن يمين ~~العرش ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري . | وعن أبي سعيد ، قال : ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ، وبيدي ل ~~واء الحمد ولا فخر ، وما نبي يومئذ ، آدم فمن سواه ، إلا تحت لوائي ، وأنا ~~أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر . | و عن أبي هريرة ، عنه صلى الله عليه ~~وسلم : أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ، وأول من ينشق عنه القبر ، وأول شافع ~~، وأول مشفع . | و عن ابن عباس رضي الله عنهما : أنا حامل لواء الحمد يوم ~~القيامة ولا فخر ، وأنا أول شافع ، وأنا أول مشفع ، و لا ms108 فخر ، وأنا أول من ~~يحرك حلق الجنة ، فيفتح لي فأدخلها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر ، وأنا ~~أكرم الأولين والأخرين ولا فخر . | و عن أنس : أنا أول الناس يشفع في الجنة ~~، وأنا أكثر الناس تبعا . | و عن أنس رضي الله عنه ، قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم : أنا سيد الناس يوم القيامة ، وتدرون بم ذلك ؟ يجمع الله ~~الأولين والأخرين وذكر حديث الشفاعة . | و عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه ~~صلى الله عليه وسلم قال : أطمع أكون أعظم الأنبياء أجرا يوم القيامة . | و ~~في حديث آخر : أما ترضون أن يكون إبراهيم وعيسى فيكم يوم القيامة ثم قال ~~إنهما في أمتي يوم القيامة ، أما إبراهيم فيقول : أنت دعوتي وذريتي ، ~~فاجعلني من أ متك . وأما عيسى فالأنبياء إخوة بنو علات ، أمهاتهم شتى ، وإن ~~عيسى أخي ليس بيني وبينه نبي ، وأنا أولى الناس به . | PageV01P160 قوله : ~~أنا سيد الناس يوم القيامة : هو سيدهم في الدنيا ، ويوم القيامة . ولكن ~~أشار صلى الله عليه وسلم لإنفراده فيه بالسؤدد والشفاعة دون غيره ، إذ لجأ ~~الناس إليه في ذلك ، فلم يجدوا سواه . | و السيد : هو الذي يلجأ الناس إليه ~~في حوائجهم ، فكان حينئذ سيدا منفردا من بين البشر ، لم يزاحمه أحد في ذلك ~~، ولا ادعاه ، كما قال تعالى : لمن الملك اليوم لله الواحد القهار [ سورة ~~غافر - 40 ، الآية : 16 ] . | و الملك له تعالى في الدنيا والآخرة ، لكن في ~~الآخرة انقطعت دعوى المدعي لذلك في الدنيا . | و كذلك لجأ إلى محمد صلى ~~الله عليه وسلم جميع الناس في الشفاعة ، فكان سيدهم في الأخرى دون دعوى . | ~~و عن أنس رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله : آتي باب الجنة يوم القيامة ~~، فأستفتح فيقول الخازن : من أنت ؟ فأقول : محمد . فيقول : بك أمرت ألا ~~أفتح لأحد قبلك . | و عن عبد الله بن عمرو : قال : قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حوضي مسيرة شهر ، وزواياه سواء [ 70 ] ، وماؤه أبيض من الورق ، ~~وريحه أطيب من المسك ، وكيزانه كنجوم السماء ، من شرب منه لم يظمأ ms109 أبدا . | ~~و عن أبي ذر نحوه ، وقال : [ طوله ما بين عمان إلى أيلة ، يشخب فيه ميزابان ~~من الجنة ] . | و عن ثوبان مثله ، وقال : أحدهما من ذهب ، والآخر من ورق . ~~| و في رواية حارثة بن وهب : كما بين المدينة وصنعاء . | و قال أنس : أيلة ~~وصنعاء . | و قال ابن عمر : كما بين الكوفة والحجر الأسود . | PageV01P161 ~~و روى حديث الحوض أيضا أنس ، وجابر ، وسمرة ، وابن عمر ، وعقبة بن عامر ، ~~وحارثة بن وهب الخزاعي ، والمستورد ، وأبو برزة الأسلمي ، وحذيفة بن اليمان ~~، وأبو أمامة ، وزيد بن أرقم ، وابن مسعود ، وعبد الله بن زيد ، وسهل بن ~~سعد ، وسويد بن جبلة ، وأبو بكر ، وعمر بن الخطاب ، وابن بريدة ، وأبو سعيد ~~الخدري ، وعبد الله الصنابجي ، وأبو هريرة ، والبراء ، وجندب ، وعائشة ، ~~وأسماء بنت أبي بكر ، وأبو بكرة ، وخولة بنت قيس ، وغيرهم . # # | 3 ( فصل في تفضيله بالمحبة والخلة ) 3 # | جاءت بذلك الأثار الصحيحة ، واختص على ألسنة المسلمين بحبيب الله ، ~~أخبرنا أبو القاسم بن إبراهيم الخطيب وغيره ، عن كريمة بنت أحمد ، حدثنا ~~أبو الهيثم ، وحدثنا حسين بن محمد الحافظ سماعا عليه ، حدثنا القاضي أبو ~~الوليد ، حدثنا عبد بن أحمد ، حدثنا أبو الهيثم ، حدثنا أبو عبد الله محمد ~~بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا عبد بن محمد ، حدثنا أبو عامر ، ~~حدثنا فليح ، حدثنا أبو النضر ، عن بسر بن سعيد ، عن أبي سعيد ، عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال : لو كنت متخذا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر . ~~| PageV01P162 و في حديث آخر وإن صاحبكم خليل الله . | و من طريق عبد الله ~~بن مسعود : وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا . | و عن ابن عباس ، قال : جلس ناس ~~من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرونه ، قال : فخرج وعن ابن عباس ، ~~قال : جلس ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرونه ، قال : فخرج ~~حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون ، فسمع حديثهم ، فقال بعضهم : عجبا ! إن ~~الله اتخذ من خلقه خليلا ، اتخذ إبراهيم خليلا . | و قال آخر : ماذا بأعجب ~~من كلام موسى ، كلمه ms110 الل ه تكليما . | و قال آخر : فعيسى كلمه الله وروحه . ~~| و قال آخر : وآدم اصطفاه الله . | فخرج عليهم فسلم ، وقال : قد سمعت ~~كلامكم وعجبكم ، أن الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلا ، وهو كذلك ، وموسى نجي ~~الله وهو كذلك ، وموسى نجي الله ، وهو كذلك ، وعيسى روح الله ، وهو كذلك ، ~~وآدم اصطفاه الله ، وهو كذلك ، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر ، وأنا أول شافع ~~وأول مشفع ولا فخر ، وأما من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لي فيدخلنيها ومعي ~~فقراء المؤمنين ولا فخر ، وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر . | و في ~~حديث أبي هريرة رضي الله عنه من قول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : ~~إني اتخذتك خليلا ، فهو مكتوب في التوراة : أنت حبيب الرحمن . | قال القاضي ~~أبو الفضل : اختلف في تفسير الخلة ، واصل اشتقاقها ، فقيل : الخليل : ~~المنقطع إلى الله الذي ليس في انقطاعه إليه ومحبته له اختلال . | و قيل : ~~الخليل المختص ، واختار هذا القول غير واحد . | و قال بعضهم : أصل الخلة ~~الاستصفاء : وسمي إبراهيم [ 71 ] خليل الله ، لأنه يوالي فيه ويعادي فيه ، ~~وخلة الله له نصره ، وجعله إماما لمن بعده . | و قيل : ال خليل : أصله ~~الفقير المحتاج المنقطع ، مأخوذ من الخلة وهي الحاجة ، فسمي بها إبراهيم ، ~~لأنه قصر حاجته على ربه ، وانقطع إليه بهمه ، ولم يجعله قبل غيره ، وإذا ~~جاءه جبريل وهو في المنجنيق ، ليرمى به في النار ، فقال : ألك حاجة ؟ قال : ~~أما إليك فلا . | PageV01P163 و قال أبو بكر بن فورك : الخلة : صفاء المودة ~~التي توجب الاختصاص بتخلل الأسرار . | و قال بعضهم : أصل الخلة المحبة ، ~~ومعناها الإسعاف ، والإلطاف ، والترفيع ، والتشفيع ، وقد بين ذلك في كتابه ~~تعالى بقوله : وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم ~~بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك ~~السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير [ سورة المائدة - 5 ، الآية : 18 ~~] . | فأو جب للمحبوب ألا يؤاخذ بذنوبه . | قال : هذا ، والخلة أقوى من ~~النبوة ، لأن النبوة قد تكون فيها العداوة ، كما قال ms111 تعالى : إن من أزواجكم ~~وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم ~~[ سورة التغابن / 64 ، الآية : 14 ] . | و لا يصح أن تكون عداوة مع خلة ، ~~فإذا تسمية إبراهيم ومحمد عليهما السلام بالخلة إما بانقطاعهما إلى الله ~~ووقف حوائجهما عليه ، والانقطاع عمن دونه ، والإضراب عن الوسائط والأسباب ، ~~أو لزيادة الإختصاص منه تعالى لهما ، وخفي ألطافه عندهما ، وما خالل ~~بواطنهما من أسرار إلهيته ، ومكنون غيوبه ومعرفته ، أو لاستصفائه لهما ، ~~واستصفاء قلوبهما عمن سواه ، حتى لم يخاللهما حب لغيره ، ولهذا قال بعضهم : ~~الخليل من لايتسع قلبه لسواه وهو عندهم معنى قوله صلى الله عليه وسلم : ولو ~~كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، لكن أخوة الإسلام . | و اختلف ~~العلماء وأرباب القلوب : أيهما أرفع درجة : الخلة أو درجة المحبة ؟ | ~~فجعلهما بعضهم سواء فلا يكون الحبيب إلا خليلا ، ولا الخليل إلا حبيبا لكنه ~~خص إبراهيم بالخلة ، ومحمدا بالمحبة . | و بعضهم قال : درجة الخلة أرفع ، ~~واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم : لو كنت متخذا خليلا غير ربي عز وجل فلم ~~يتخذه . | و قد أطلق المحبة لفاطمة ، وابنيها ، وأسامة وغيرهم . | و أكثرهم ~~جعل المحبة أرفع من الخلة ، لأن درجة الحبيب نبينا أرفع من درجة الخليل ~~إبراهيم . | PageV01P164 و أصل المحبة الميل إلى ما يوافق المحب ، ولكن هذا ~~في حق من يصح الميل منه والإنتف اع بالوفق ، وهي درجة المخلوق ، فأما ~~الخالق جل جلاله فمنزه عن الأغراض ، فمحبته لعبده تمكينه من سعادته ، ~~وعصمته وتوفيقه وتهيئة أسباب القرب ، وإفاضة رحمته عليه ، وقصواها كشف ~~الحجب عن قلبه حتى يراه بقلبه ، وينظر إليه ببصيرته ، فيكون كما قال في ~~الحديث : فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ولسانه ~~الذي ينطق به . | و لا ينبغي أن يفهم من هذا سوى التجرد لله ، والإنقطاع ~~إلى الله ، والإعراض عن غير الله ، وصفاء القلب لله ، وإخلاص الحركات لله ، ~~كما قالت عائشة رضي الله عنه : كان خلقه القرآن ، برضاه يرضى ، وبسخطه يسخط ~~، ومن هذا عبر بعضهم عن الخلة بقوله : | * قد ms112 تخللت مسلك الروح مني * * و ~~بذا سمي الخليل خليلا * | * فإذا ما نطقت كنت حديثي * * وإذا ما سكت كنت ~~الغيلا * | فإذا [ 72 ] مزية الخلة وخصوصية المحبة حاصلة لنبينا صلى الله ~~عليه وسلم بما دلت عليه الآثار الصحيحة المنتشرة ، المتلقاة بالقبول من ~~الأمة ، وكفى بقوله تعالى : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ~~ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم . | حكى أهل التفسير أن هذه الآية لما ~~نزلت قا ل الكفار : إنما يريد محمد أن نتخذه حنانا كما اتخذت النصارى عيسى ~~بن مريم ، فأنزل الله غيظا لهم ورغما على مقالتهم هذه الآية : قل أطيعوا ~~الله والرسول ، فزاده شرفا بأمرهم بطاعته ، وقرنها بطاعته ، ثم توعدهم على ~~التولي عنه بقوله : فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين . | و قد نقل ~~الإمام أبو بكر بن فورك عن بعض المتكلمين كلاما في الفرق بين المحبة والخلة ~~يطول ، جملة اشارته إلى تفضيل مقام المحبة على الخلة ، ونحن نذكر منه طرفا ~~يهدي إلى ما بعده . | فمن ذلك قولهم : الخليل يصل بالواسطة ، من قوله تعالى ~~: وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين [ سورة ~~الأنعام - 6 ، الآية : 75 ] . | PageV01P165 و الحبيب يصل لحبيبه به ، من ~~قوله : فكان قاب قوسين أو أدنى . | و قيل : الخليل : الذي تكون مغفرته في ~~حد الطمع ، من قوله : والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين [ سورة ~~الشعراء - 26 ، الآية : 82 ] . | و الحبيب الذي مغفرته في حد اليقين ، من ~~قوله : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك ~~صراطا مستقيما [ سورة الفتح - 48 ، الآية : 2 ] . | و الخليل قال : ولا ~~تخزني يوم يبعثون [ سورة الشعراء - 26 ، الآية : 87 ] . | و الحبيب قيل له ~~: يوم لا يخزي الله النبي ، فابتدىء بالبشارة قبل السؤال . | و الخليل قال ~~في المحنة : حسبي الله [ سورة الزمر - 39 ، الآية : 38 ] . | و الحبيب قيل ~~له : يا أيها النبي حسبك الله [ سورة الأنفال - 8 ، الآية : 64 ] . | و ~~الخليل قال : اجعل لي لسان صدق في الآخرين [ سورة الشعراء - 26 ، الآية : ~~84 ms113 ] . والحبيب قيل له : ورفعنا لك ذكرك ، أعطي بلا سؤال . | و الخليل قال ~~: واجنبني وبني أن نعبد الأصنام [ سورة إبراهيم - 14 ، الآية : 35 ] . | و ~~الحبيب قيل له : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت | و فيما ~~ذكرناه تنبيه على مقصد أصحاب هذا المقال من تفضيل المقامات والأحوال ، وكل ~~يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا [ سورة الإسراء - 17 ، الآية ~~: 84 ] . | # | 3 ( فصل في تفصيله بالشفاعة والمقام المحمود ) 3 # | قال الله تعالى : عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا [ سورة الإسراء - 17 ، ~~الآية : 79 ] . | أخبرنا الشيخ أبو علي الغساني الجياني فيما كتب إلي بخطه ~~، حدثنا سراج بن عبد الله القاضي ، حدثنا أبو محمد الأصيلي ، حدثنا أبو زيد ~~، وأبو أحمد ، قالا : حدثنا محمد بن يوسف ، قال : حدثنا محمد بن إسماعيل ، ~~قال : حدثنا إسماعيل بن أبان ، حدثنا أبو الأحوص ، عن آدم بن علي ، قال : ~~سمعت ابن عمر يقول : إن الناس يصيرون PageV01P166 يوم القيامة جثى ، كل أمة ~~تتبع نبيها ، يقولون : يا فلان ، اشفع لنا ، يا فلان اشفع لنا ، حتى تنتهي ~~الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود ~~. | و عن أبي هريرة : سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني قوله : ~~عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ، فقال : هي الشفاعة . | و روى كعب بن مالك ~~، عنه صلى الله عليه وسلم : يحشر الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تل ~~ويكسوني ربي حلة خضراء ، ثم يؤذن لي فأقول ما شاء الله أن أقول ، فذلك ~~المقام المحمود . | و عن ابن عمر [ 73 ] رضي الله عنه وذكر حديث الشفاعة ~~قال : فيمشي حتى يأخذ بحلقة الجنة ، فيومئذ يبعثه الله المقام المحمود الذي ~~وعده . | و عن ابن مسعود عنه صلى الله عليه وسلم أنه قيامه عن يمين العرش ~~مقاما لا يقومه غيره ، يغبطه فيه الأولون والآخرون . | و نحوه عن كعب ~~والحسن . | و في رواية : هو المقام الذي أشفع لأمتي فيه . | عن ابن مسعود ، ~~قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني ms114 لقائم المقام المحمود . قيل ~~: وما هو ؟ قال : ذلك يوم ينزل الله تبارك وتعالى [ على كرسيه ] . . الحديث ~~. | و عن أبي موسى رضي الله عنه ، عنه صلى الله عليه وسلم : خيرت بين أن ~~يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة ، لأنها أعم ، أترونها ~~للمتقين ؟ لا ، ولكنها للمذنبين الخطائين . | و عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~، قال : قلت : يا رسول الله ، ماذا ورد عليك في الشفاعة ؟ فقال : شفاعتي ~~لمن شهد أن لا إله إلا الله مخلصا ، يصدق لسانه قلبه . | PageV01P167 و عن ~~أم حبيبة ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أريت ما تلقى من ~~بعدي ، وسفك بعضهم دماء بعض ، وسبق لم من الله ما سبق للأمم قبلهم ، فسألت ~~الله أن يؤتيني شفاعة يوم القيامة فيهم ، ففعل . | و قال حذيفة : يجمع الله ~~الناس ، في صعيد واحد حيث يسمعهم الداعي ، وينفذهم البصر ، حفاة عراة كما ~~خلقوا ، سكوتا لا تكلم نفس إلا بإذنه ، فينادى محمد فيقول : لبيك وسعديك ، ~~والخير في يديك ، والشر ليس إليك ، والمهتدي من هديت ، وعبدك بين يديك ، ~~ولك وإليك ، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك ، تباركت وتعاليت ، سبحانك رب ~~البيت قال : فذلك المقام المحمود الذي ذكر الله . | و قال ابن عباس رضي ~~الله عنه : إذا دخل أهل النار النار ، وأهل الجنة الجنة ، فتبقى آخر زمرة ~~من الجنة وآخر زمرة من النار ، فتقول زمرة النار لزمرة الجنة : ما نفعكم ~~إيمانكم ، فيدعون ربهم ويضجون ، فيسمعهم أهل الجنة فيسلون آدم وغيره بعده ~~في الشفاعة لهم ، فكل يعتذر حتى يأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم ، فيشفع ~~لهم ، فذلك المقام المحمود . | و نحوه عن ابن مسعود أيضا ، ومجاهد . | و ~~ذكر علي بن الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم . | و قال جابر بن عبد الله ~~ليزيد الفقير : سمعت بمقام محمد يعني الذي بعثه الله فيه ؟ | قلت : نعم . ~~قال : فإنه مقام محمد المحمود الذي يخر ج الله به من يخرج يعني من النار ~~وذكر حديث الشفاعة في إخراج الجهنميين . | و عن أنس نحوه ، وقال : فهذا ~~المقام ms115 المحمود الذي وعده . | [ وعن سلمان : المقام المحمود هو الشفاعة في ~~أمته يوم القيامة . | و مثله عن أبي هريرة رضي الله عنه . | و قال قتادة : ~~كان أهل العلم يرون المقام المحمود هو شفاعته يوم القيامة ، وعلى أن المقام ~~المحمود مقامه عليه الصلاة والسلام للشفاعة مذاهب السلف من الصحابة ~~PageV01P168 والتابعين وعامة أئمة المسلمين . | و بذلك جاءت الشفاعة مفسرة ~~في صحيح الأخبار عنه عليه الصلاة والسلام : وجاءت مقالة في تفسيرها شاذة عن ~~بعض السلف ، يجب ألا تثبت ، إذا لم يعضدها صحيح أثر ، ولا سند نظر . | ولو ~~صحت لكان لها تأويل غير مستنكر ، لكن ما فسره النبي صلى الله عليه وسلم في ~~صحيح الآثار برده ، فلا يجب أن يلتفت إليه ، مع أنه لم يأت في كتاب ولا سنة ~~، ولا اتفق على المقال أمة ، وفي إطلاق ظاهره منكر من القول وشنعة ] . | و ~~في رواية أنس وأبو هريرة وغيرهما ، دخل حديث بعضهم في حديث بعض : قال صلى ~~الله عليه وسلم : يجمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة فيهتمون أو قال : ~~فيلهمون فيقولون : لو استشفعنا إلى ربنا . | و من طريق آخر ، عنه : [ ماج ~~الناس بعضهم في بعض ] . | و عن أبي هريرة : وتدنو الشمس ، فيبلغ الناس من ~~الغم ما لا يطيقون ولا يحتملون ، فيقولون : ألا تنظرون من يشفع لكم ، ~~فيأتون آدم فيقولون ، زاد بعضهم : أنت آدم أبو البشر ، خلقك الله بيده ، ~~ونفخ فيك من روحه ، واسكنك جنته ، وأسجد لك ملائكته ، وعلمك أسماء كل شيء ، ~~اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا ، ألا ترى [ 74 ] ما نحن فيه ؟ . | ~~PageV01P169 فيقول : إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب مثله ، ولا يغضب بعده ~~مثله ، ونهائي عن الشجرة فعصيت ، نفسي ، نفسي ، اذهبوا إلى غيري ، اذهبوا ~~إلى نوح . | فيأتون نوحا فيقولون : أنت أول الرسل إلى أهل الأرض ، وسماك ~~الله عبدا شكورا ، ألا ترى ما نحن فيه ، ألا ترى ما بلغنا ! ألا تشفع لنا ~~إلى ربك ؟ فيقول : إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ، ولا يغضب ~~بعده مثله ، نفسي ! نفسي ! | قال في رواية ms116 أنس : ويذكر خطيئته التي أصاب : ~~سؤاله ربه بغير علم . | وفي رواية أبي هريرة رضي الله عنه : وقد كانت لي ~~دعوة دعوتها على قومي ، اذهبوا إلى غيري . اذهبوا إلى إبراهيم ، فإنه خليل ~~الله . | فيأتون إبراهيم ، فيقولون : أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض ، ~~اشفع لنا إلى ربك ، ألا ترى ما نحن فيه ؟ | فيقول : إن ربي قد غضب اليوم ~~غضبا . . . فذكر مثله ، ويذكر ثلاث كلمات كذبهن . نفسي ، نفسي ، لست لها ، ~~ولكن عليكم بموسى ، فإنه كليم الله . | وفي رواية : فإنه عبد آتاه الله ~~التوراة ، وكلمه وقربه نجيا . | قال : فيأتون موسى ، فيقول : لست لها ، ~~ويذكر خطيئته التي أصاب ، وقتله النفس ، نفسي ، نفسي ، ولكن عليكم بعيسى ، ~~فإنه روح الله وكلمته . | فيأتون عيسى ، فيقول : لست لها ، ولكن عليكم ~~بمحمد ، عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر . | فأوتى ، فأقول : أنا ~~لها . | فأنطلق فأستاذن على ربي ، فيؤذن لي ، فإذا رأيته وقعت ساجدا . | ~~وفي رواية : فآتي تحت العرش ، فأخر ساجدا . | وفي رواية : فأقوم بين يديه ، ~~فأحمد بمحامد لا أقدر عليها إلا أن يلهمنيها الله . | وفي رواية : فيفتح ~~الله علي من محامده ، وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي . | قال ~~في رواية أبي هريرة : فيقال : يا محمد ، ارفع رأسك ، سل ، تعطه ، واشفع ~~تشفع ، فأرفع رأسي ، فأقول : يا رب ، أمتي ، يا رب ، أمتي . في قول : أدخل ~~من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة ، وهم شركاء الناس ~~فيما سوى ذلك من الأبواب . | و لم يذكر في رواية أنس هذا الفصل ، وقال ~~مكانه : ثم أخر ساجدا ، فيقال لي : يا محمد ، ارفع رأسك ، وقل يسمع لك ، ~~واشفع تشفع ، وسل تعطه . فأقول : يا رب ، أمتي ، أمتي . فيقال : انطلق ، ~~فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان فأخرجه ، فأنطلق فأفعل ~~. | ثم أرجع إلى ربي ، فأحمده بتلك المحامد وذكر مثل الأول ، وقال فيه : ~~مثقال حبة من خردل . قال : فأفعل ، ثم أرجع . . . وذكر مثل ما تقدم ، وقال ~~فيه : من كان في قلبه أدنى أدنى ms117 أدنى من مثقال حبة من خردل ، فأفعل . | و ~~ذكر في المرة الرابعة : فيقال لي : ارفع رأسك ، وقل يسمع ، واشفع تشفع ، ~~وسل تعطه . | فأقول : يا رب ، ائذن لي فيمن قال : لا إله إلا الله . قال : ~~ليس ذلك إليك . | PageV01P170 و لكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن ~~من النار من قال : لا إله إلا الله . | و من رواية قتادة عنه ، قال : فأقول ~~يا رب ، ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ، أي وجب عليه الخلود . | و عن ~~أبي بكر ، وعقبة بن عامر ، وأبي سعيد ، وحذيفة مثله ، قال : فيأتون [ 75 ] ~~محمدا فيؤذن له ، وتأتي الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط . | وذكر في ~~رواية أبي مالك ، عن حذيفة : فيأتون محمدا فيشفع ، فيضرب الصراط فيمرون : ~~أولهم كالبرق ، ثم كالريح ، والطير ، وشد الرجال ، ونبيكم صلى الله عليه ~~وسلم على الصراط يقول : اللهم سلم سلم ، حتى يجتاز الناس . وذكر آخرهم ~~جوازا . . . الحديث . | و في رواية أبي هريرة : فأكون أول من يجيز . | و عن ~~ابن عباس ، عنه صلى الله عليه وسلم : يوضع للأنبياء منابر يجلسون عليها ، ~~ويبقى منبري لا أجلس عيله قائما ، بين يدي ربي منتصبا ، فيقول الله تبارك ~~وتعالى : ما تريد بأمتك ؟ فأقول : يا رب ، عجل حسابهم ، فيدعى بهم ، ~~فيحاسبون . | فمنهم من يدخل برحمته ، ومنهم من يدخل الجنة بشفاعتي ، ولا ~~أزال أشفع حتى أعطى صكاكا برجال قد أمر بهم إلى النار ، حتى إن خازن النار ~~ليقول : يا محمد ، ما تركت لغضب ربك في أمتك من نقمة . | ومن طريق زياد ~~النميري ، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أنا أول من تنفلق ~~الأرض عن جمجمته ولا فخر ، وأنا سيد الناس يوم القيا مة ولا فخر ، ومعي ~~لواء الحمد يوم القيامة ، وأنا أول من تفتح له الجنة ولا فخر ، فآتي فآخذ ~~بحلقة الجنة ، فيقال : من هذا ؟ فأقول : محمد ، فيفتح لي ، فيستقبلني ~~الجبار تعالى ، فأخر له ساجدا . . . وذكر نحو ما تقدم . | و من رواية أنس : ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لأشفعن يوم القيامة لأكثر مما ms118 في ~~الأرض من حجر وشجر . | PageV01P171 فقد اجتمع من اختلاف ألفاظ هذه الآثار ~~أن شفاعته صلى الله عليه وسلم ، ومقامه المحمود من أول الشفاعات إلى آخرها ~~، من حين يجتمع الناس للحشر ، وتضيق بهم الحناجر ، ويبلغ منهم العرق والشمس ~~والوقوف مبلغه ، وذلك قبل الحساب ، فيشفع حينئذ لإراحة الناس من الموقف ، ~~ثم يوضع الصراط ، ويحاسب الناس ، كما جاء في الحديث عن أبي هريرة وحذيفة . ~~| و هذا الحديث أتقن ، فيشفع في تعجيل من لا حساب عليه من أمته إلى الجنة ~~كما تقدم في الحديث ثم يشفع فيمن وجب عليه العذاب ، ودخل النار منهم حسب ما ~~تقضيه الأحاديث الصحيحة ، ثم فيمن قال : لا إله إلا الله . وليس هذا لسواه ~~صلى الله عليه وسلم . | و في الحديث المنتشر الصحيح : لكل نبي دعوة يدعو ~~بها ، واختبأت دعوتي شفاعة لأ متي يوم القيامة . | قال أهل العلم : معناه ~~دعوة أعلم أنها تستجاب لهم ، ويبلغ فيها مرغوبهم ، وإلا فكم لكل نبي منهم ~~من دعوة مستجابة ، ولنبينا صلى الله عليه وسلم منها ما لا يعد ، لكن حالهم ~~عند الدعاء بها بين الرجاء والخوف ، وضمنت لهم إجابة دعوة فيما شاءوه يدعون ~~بها على يقين من الإجابة . | و قد قال محمد بن زياد ، وأبو صالح ، عن أبي ~~هريرة في هذا الحديث : لكل نبي دعوة دعا بها في أمته ، فاستجيب له ، وأنا ~~أريد أن أدخر ، دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة . | و قي رواية أبو صالح : ~~لكل نبي دعوة مستجابة ، فتعجل كل نبي دعوته . | و نحوه في رواية أبي زرعة ~~عن أبي هريرة [ 76 ] . | و عن أنس مثل رواية ابن زياد ، عن أبي هريرة . | ~~فتكون هذه الدعوة المذكورة مخصوصة بالأمة مضمونة الإجابة ، والإ فقد أخبر ~~صلى الله عليه وسلم أنه سأل لأمته أشياء من أمور الدين والدنيا وأعطي بعضها ~~، ومنع بعضها ، وادخر لهم هذه الدعوة ليوم الفاقة ، وخاتمة المحن ، وعظيم ~~الشؤال والرغبة . | جزاه الله أحسن ما جزى نبيا عن أمته ، وصلى الله عليه ~~وسلم كثيرا . | PageV01P172 # | 3 ( فصل في تفضيله في الجنة بالوسيلة والدرجة الرفعية والكوثر ms119 والفضيلة ~~) 3 # | حدثنا القاضي أبو عبد الله محمد بن عيسى التيمي ، والفقيه أبو الوليد ~~هشام بن أحمد ، بقراءتي عليهما ، قالا : حدثنا أبو علي الغساني ، حدثنا ~~النمري ، حدثنا ابن عبد المؤمن ، حدثنا أبو بكر التمار ، حدثنا أبو داود ، ~~حدثنا محمد بن سلمة ، حدثنا ابن وهب ، عن ابن لهيعة ، وحيوة ، وسعيد بن أبي ~~أيوب ، عن كعب بن علقمة ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن عبد الله بن عمرو بن ~~العاص أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إذا سمعتم المؤذن فقولوا ~~مثل ما يقول ، ثم صلوا علي ، فإنه من صل علي مرة صلى الله عليه عشرا ، ثم ~~سلوا الله لي الوسيلة ، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد ~~الله ، وأرجو أن أكون أنا هو . فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة . ~~| و في حديث آخر عن أبي هريرة : الوسيلة أعلىدرجة في الجنة . | و عن أنس : ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بينا أنا أسير في الجنة إذ عرض لي نهر ~~حافتاه قباب اللؤلؤ . | قلت لجبريل : ما هذا ! قال : هذا الكوثر الذي ~~أعطاكه الله . قال : ثم ضرب بيده إلى طينه ، ف استخرج مسكا . | و عن عائشة ~~وعبد الله بن عمرو مثله ، قال : [ ومجراه على الدر والياقوت ، وماؤه أحلى ~~من العسل ، وأبيض من الثلج ] . | و في رواية عنه : [ فإذا هو يجري ، ولم ~~يشق شقا ، عليه حوض ترد عليه أمتي . . . ] وذكر حديث الحوض . | و نحوه عن ~~ابن عباس . | و عن [ ابن عباس أيضا ، قال : الكوثر الخير الذي أعطاه الله ~~إياه . | و قال سعيد بن جبير : والنهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه ~~الله . | PageV01P173 و عن حذيفة فيما ذكر صلى الله عليه وسلم عن ربه : ~~وأعطاني الكوثر ، وهو نهر في الجنة ، يسيل في حوضي . | و عن ابن عباس : في ~~قوله تعالى : ولسوف يعطيك ربك فترضى ، قال : ألف قصر من لؤلؤ ترابهن المسك ~~، وفيه ما يصلحهن . | و في رواية أخرى : وفيه ما ينبغي له من الأزواج ~~والخدم . | # | 3 ( فصل في ms120 بيان شبهة ترد على ما تقدم ) 3 # | فإن قلت : إذا تقرر من دليل القرآن ، وصحيح الأثر ، وإجماع الأمة كونه ~~أكرم البشر ، وأفضل الأنبياء فما معنى الأحاديث الواردة بنهيه عن التفضيل ؟ ~~كقوله فيما حدثنا الأسدي ، قال : حدثنا السمرقندي ، حدثنا الفارسي ، حدثنا ~~الجلودي ، حدثنا ابن سفيان ، حدثنا مسلم ، حدثنا ابن مثنى ، حدثنا محمد بن ~~جعفر ، حدثنا شعبة ، عن قتادة : سمعت أبا العالية يقول : حدثني ابن عم ~~نبيكم صلى الله عليه وسلم يعني ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~قال : ما ينبغي لعبد أن يقول : أنا خير من يونس بن متى . | و في غير هذا ~~الطريق عن أبي هريرة [ 77 ] قال يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما ~~ينبغي لعبد . . . الحديث . | و في حديث أبي هريرة في اليهودي الذي قال : ~~والذي اصطفى موسى على البشر ، فلطمه رجل من الأنصار ، وقال : تقول ذلك ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا . | فبلغ ذلك النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، فقال : لا تفضلوا بين الأنبياء . | و في رواية : لا تخبرني على ~~موسى فذكر الحديث . | و فيه : ولا أقول : إن أحدا أفضل من يونس بن متى . | ~~رواية عن أبي هريرة : [ من قال : أنا خير من يونس بن متى فقد كذب ] . | ~~رواية عن ابن مسعود : [ لا يقولون أحدكم أنا خير من يونس بن متى ] . | ~~PageV01P174 و في حديثه الآخر : فجاءه صلى الله عليه وسلم رجل ، فقال له : ~~يا خير البرية ، فقال : ذاك إبراهيم . . . . | فاعلم أن للعلماء في هذه ~~الأحاديث تأويلات : | أحدها : أن نهيه عن التفضيل كان قبل أن يعلم أنه سيد ~~ولد آدم ، فنهى عن التفضيل ، إذ يحتاج إلى توقيف ، وأن من فضل بلا علم فقد ~~كذب . | و كذلك قوله : لا أقول إن أحدا أفضل منه لا يقتضي تفضيله هو ، ~~وإنما هو في الظاهر كف عن التفضيل . | الوجه الثاني : أنه قاله صلى الله ~~عليه وسلم على طريق التواضع ، ونفى التكبر والعجب ، وهذا لا يسلم من ~~الإعتراض . | الوجه الثالث : ألا يفضل بينهم تفضيلا يؤدي إلى تنقص بعضهم ms121 ، ~~أو الغض منه ، لا سيما في جهة يونس عليه السلام ، إذ أخبر الله عنه بما ~~أخبر لئلا يقع في نفس من لا يعلم منه بذلك غضاضة وانحطاط من رتبته الرفيعة ~~، إذ قال تعالى عنه : إذ أبق إلى الفلك المشحون . إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن ~~نقدر عليه فربما يخيل لمن لا علم عنده حطيطته ، بذلك . | الوجه الرابع : ~~منع التفضيل في حق النبوة والرسالة ، فإن الأنبياء فيها على حد واحد ، إذ ~~هي شيء واحد لا يتفاضل ، وإنما التفاضل في زيادة الأحوال والخصوص ، ~~والكرامات ، و | الرتب ، والألطاف ، وأما النبوة في نفسها فلا تتفاضل ، ~~وإنما التفاضل بأمور أخر زائدة عليها ، ولذلك منهم رسل ، ومنهم أولو عزم من ~~الرسل ، ومنهم من رفع مكانا عليا ، ومنهم من أوتي الحكم صبيا ، وأوتي بعضهم ~~الزبر ، وبعضهم البينات ، ومنهم من كلم الله ، ورفع بعضهم فوق بعض درجات ، ~~قال الله تعالى : ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا [ سورة ~~الإسراء - 17 ، الآية : 55 ] . | و قال : تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض [ ~~سورة البقرة - 2 ، الآية : 253 ] . | قال بعض أهل العلم : والتفضيل المراد ~~لهم هنا في الدنيا ، وذلك بثلاثة أحوال : | أن تكون آياته ومعجزاته أبهر ، ~~وأشهر ، أو تكون أمته أزكى وأكثر ، أو يكون في ذاته أفضل وأطهر ، وفضله في ~~ذاته راجع إلى ما خصه الله به من كرامته ، واختصاصه من كلام أو خلة أو رؤية ~~أو ما شاء الله من ألطافه ، وتحف ولايته واختصاصه . | PageV01P175 و قد روي ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن للنبوة أثقالا ، وإن ي ونس تفسخ منها ~~تفسخ الربع فحفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم موضع الفتنة ، من أوهام من ~~يسبق إليه بسببها حرج في نبوته ، أو قدح في اصطفائه ، وحط عن رتبته ، ووهن ~~في عصمته ، شفقة منه صلى الله عليه وسلم على أمته . | وقد يتوجه على هذا ~~الترتيب ، وجه [ 78 ] خامس ، وهو أن يكون [ أنا ] راجعا إلى القائل نفسه ، ~~أي لا يظن أحد وإن بلغ من الذكاء والعصمة والطهارة ، ما بلغ ms122 أنه خير من ~~يونس ، لأجل ما حكى الله عنه ، فإن درجة النبوة أفضل وأعلى ، وإن تلك ~~الأقدار لم تحطه ، عنها حبة خردل ولا أدنى . | و سنزيد في القسم الثالث في ~~هذا بيانا إن شاء الله تعالى . | فقد بان لك الغرض ، وسقط بما حررناه شبهة ~~المعترض ، [ وبالله التوفيق ، وهو المستعان لا إله إلا هو ] . | # | 3 ( فصل في أسمائه : صلى الله عليه وسلم وما تضمنته من فضيلته ) 3 # | حدثنا أبو عمران موسى بن أبي تليد الفقيه ، قال : حدثنا أبو عمر الحافظ ~~، حدثنا سعيد بن نصر ، حدثنا قاسم بن أصبغ ، حدثنا محمد بن وضاح ، حدثنا ~~يحيى ، حدثنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن محمد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه ، ~~قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لي خمسة أسماء : أنا محمد ، وأنا ~~أحمد ، وأنا الماحي ، الذي يمحو الله بي الكفر ، | و أنا الحاشر الذي يحشر ~~الناس على قدمي ، وأنا العاقب . | و قد سماه الله تعالى في كتابه محمدا ، ~~وأحمد . | فمن خصائصه تعالى له أن ضمن أسماءه ثناءه ، وطوى أثناء ذكره عظيم ~~شكره . | فأما اسمه أحمد فأفعل مبالغة من صفة الحمد . | ومحمد : مفعل ، ~~مبالغة من كثرة الحمد ، فهو صلى الله عليه وسلم أجل من حمد ، وأفضل من ~~PageV01P176 حمد ، وأكثر الناس حمدا ، فهو أحمد المحمودين ، وأحمد الحامدين ~~، ومعه لواء الحمد يوم القيامة ليتم له كمال الحمد ، ويتشهر في تلك العرصات ~~بصفة الحمد ، ويبعثه ربه هناك مقاما محمودا كما وعده ، يحمده فيه الأولون ~~والآخرون بشفاعته لهم ، ويفتح عليه فيه من المحامد كما قال صلى الله عليه ~~وسل م ما لم يعط غيره ، وسمى أمته في كتب أنبيائه بالحمادين ، فحقيق أن ~~يسمى محمدا وأحمد . | ثم في هذين الاسمين من عجائب خصائصه ، وبدائع آياته ~~فن آخر ، وهو أن الله جل اسمه حمى أن يسمى بهما أحد قبل زمانه . | أما أحمد ~~الذي أتى في الكتب وبشرت به الأنبياء فمنع الله تعالى بحكمته أن يسمى به ~~أحد غيره ، ولا يدعى به مدعو قبله حتى لا يدخل لبس على ضعيف ms123 القلب أو شك . ~~| و كذلك محمد أيضا لم يسم به أحد من العرب ولاغيرهم إلى أن شاع قبيل وجوده ~~صلى الله عليه وسلم وميلاده أن نبيا يبعث اسمه محمد ، فسمى قوم قليل من ~~العرب أبناءهم بذلك ، رجاء أن يكون أحدهم هو . والله أعلم حيث يجمل رسالاته ~~، وهم : محمد بن أحيحة بن الجلاح الأوسي ، ومحمد بن مسلمة الأنصاري ، ومحمد ~~بن براء البكري ، ومحمد بن سفيان بن مجاشع ، ومحمد بن حمران الجعفي ، ومحمد ~~بن خراعي السلمي ، لا سابع لهم . | ويقال : أول من تسمى بمحمد محمد بن ~~سفيان . واليمن تقول : بل محمد بن اليحمد من الأزد . | ثم حمى الله كل من ~~تسمى به أن يدعي النبوة أو يدعيها أحد له ، أو يظهر عليه سبب يشك أحدا في ~~أمره حتى تحققت السمتان له صلى الله عليه وسلم ، ولم ينازع فيهما . | وأما ~~قوله صلى الله عليه وسلم : وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر ففسر في ~~الحديث : ويكون محو الكفر إما من مكة وبلاد العرب ، وما زوي له من الأرض ، ~~ووعد أنه يبلغه ملك أمته ، أو يكون المحو عاما ، بمعنى الظهور والغلبة ، ~~كما [ 79 ] قال تعالى : ليظهره على الدين كله [ سورة التوبة - 9 ، الآية : ~~33 ] . | [ وقد ورد تفسيره في الحديث أنه الذي محيت به سيئات من اتبعه ] . ~~| و قوله : وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي أي على زماني وعهدي ، أي ~~ليس بعدي نبي ، كما قال : وخاتم النبيين . | PageV01P177 وسمي عاقبا ، لأنه ~~عقب غيره من الأنبياء . | [ وفي الصحيح : انا العاقب الذي ليس بعدي نبي ] . ~~| و قيل : معنى على قدمي ، أي يحشر الناس بمشاهدتي ، كما قال تعالى : ~~لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا [ سورة البقرة - 2 ، ~~الآية : 143 ] . | [ وقيل على قدمي : على سابقتي ، قال الله تعالى : أن لهم ~~قدم صدق عند ربهم [ سورة يونس - 10 ، الآية : 2 ] . | و قيل : على قدمي : ~~أي قدامي ، وحولي ، أي يجتمعون إلي يوم القيامة . | و قيل على قدمي : على ~~سنتي ] . | ومعنى قوله : لي خمسة أسماء : قيل : إنها موجودة في الكتب ms124 ~~المتقدمة ، وعند أولى العلم من الأمم السالفة ، [ والله أعلم ] . | و قد ~~روي عنه صلى الله عليه وسلم : لي عشرة أسماء وذكر منها : طه ، ويس ، حكاه ~~مكي . | و قد قيل في بعض تفسير طه : إنه ياطاهر ياهادي . وفي يس : يا سيد ، ~~حكاه السلمي عن الواسطي ، وجعفر بن محمد . | و ذكر غيره : لي عشرة أسماء ~~فذكر الخمسة التي في الحديث الأول ، قال : وأنا رسول الرحمة ورسول الراحة ، ~~ورسول الملآحم ، وأنا المقتفي ، قفيت النبيين . | و أنا قيم ، والقيم : ~~الجامع الكامل ، كذا وجدته ، ولم أروه . | و أرى أن صوابه قثم بالثاء كما ~~ذكرناه بعد عن الحربي ، وهو أشبه بالتفسير . | و قد وقع أيضا في كتب ~~الأنبياء : قال داود عليه السلام : اللهم ابعث لنا محمد امقيم السنة بعد ~~الفترة ، فقد يكون القيم بمعناه . | وروى النقاش عنه صلى الله عليه وسلم : ~~لي في القرآن سبعة أسماء : محمد ، وأحمد ويس ، وطه ، والمدثر ، والمزمل ، ~~وعبد الل . | [ وفي حديث عن جبير بن مطعم رضي الله عنه : هي ست : محمد ، ~~وأحمد ، وخاتم ، وعاقب ، وحاشر ، وماح ] . | و في حديث أبي مو سى الأشعري ~~أنه كان صلى الله عليه وسلم يسمي لنا نفسه أسماء ، فيقول : أنا محمد وأحمد ~~، و المقفي ، ونبي التوبة ، ونبي الملحمة ، ونبي الرحمة . | PageV01P178 و ~~يروى : المرحمة ، والراحة . | و كل صحيح إن شاء الله . | و معنى المقفي ~~معنى القالب . | و أما نبي الرحمة والتوبة ، والمرحمة والراحة فقال تعال : ~~وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ، وكما وصفه بأنه يزكيهم ويعلمهم الكتاب ~~والحكمة . ويهديهم إلى صراط مستقيم . وبالمؤمنين رؤوف رحيم [ سورة التوبة / ~~9 ، الآية 128 ] . | و قال في صفة أمته : أنها أمة مرحومة . | و قال الله ~~تعالى فيهم : وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ، أي يرحم بعضهم بعضا ، ~~فبعثه ربه تعالى رحمة لأمته ورحمة للعالمين ، ورحيما بهم ، ومرتحما ~~ومستغفرا لهم ، وجعل أمته مرحومة ، ووصقها بالرحمة . | و أمرها صلى الله ~~عليه وسلم بالتراحم ، فقال وأثنى عليه فقال : إن الله يحب من عباده الرحماء ~~. | و قال : الراحمون يرحمهم الرحمن . ارحموا من في الأرض يرحمكم من في ~~السماء ms125 . | و أما رواية نبي الملحمة فإشارة إلى ما بعث به من القتال والسيف ~~صلى الله عليه وسلم ، وهي صحيح ة . | و روى حذيفة مثل حديث أبي موسى ، ونبي ~~الرحمة ، ونبي الملاحم . | و رو ي الحربي في حديثه صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال : أتاني ملك فقال لي : أنت قثم أي مجتمع . قال : والقثم : الجامع للخير ~~، وهذا اسم هو في أهل بيته معلوم . | و قد جاءت من ألقابة صلى الله عليه ~~وسلم وسماته في القرآن عدة كثيرة سوى ما ذكرناه ، كالنور ، والسراج المنير ~~، والمنذرو النذير ، والمبشر والبشير ، والشاهد ، و الشهيد ، والحق المبين ~~، وخاتم النبيين ، و الرؤوف الرحيم ، والأمين ، وقدم الصدق [ 80 ] ، ورحمة ~~للعالمين ، و نعمة الله والعروة الوثقى ، والصراط المستقيم ، والنجم الثاقب ~~والكريم ، PageV01P179 والنبي الأمي ، وداعي الله في أوصاف كثيرة ، وسمات ~~جليلة . | و جرى منها في كتب الله المتقدمة ، وكتب أنبيائه ، وأحاديث رسوله ~~، وإطلاق الأمة جملة شافية ، كتسميته بالمصطفى ، والمجتبى ، وأبي القاسم ، ~~والحبيب ، و رسول رب العالمين ، والشفيع المشفع ، والمتقي ، والمصلح ، ~~والطاهر ، والمهين والصادق ، والمصدوق ، والهادي ، وسيد ولد آدم ، وسيد ~~المرسلين ، وإمام المتقين ، و قائدالغر المحجلين ، وحبيب الله ، و خلي ل ~~الرحمن ، و صاحب الحوض المورود ، والشفاعة ، و المقام المحمود ، وصاحب ~~الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة ، وصاحب التاج ، والمعراج ، واللواء ، ~~والقضيب ، وراكب البراق ، والناقة ، والنجيب ، وصاحب الحجة والسلطان ، ~~والخاتم ، والعلامة والبرهان ، وصاحب الهراوة والنعلين . | و من أسمائه في ~~الكتب : المتوكل ، والمختار ، ومقيم السنة ، والمقدس . [ وروح القدس ] ، ~~وروح الحق ، وهو معنى البارقليط في الإنجيل . | و قال ثعلب : البارقليط : ~~الذي يفرق بين الحق والباطل . | و من أسمائه في الكتب السالفة ، ماذ ماذ ، ~~ومعناه طيب ، طيب ، وحمطايا ، و الخاتم ، والحاتم ، حكاه الأحبار . | قال ~~ثعلب : فالخاتم الذي ختم [ الله به ] الأنبياء . والحاتم : أحسن الأنبياء ~~خلقا وخلقا . | و يسمى بالسريانية : مشفع والمنحمنا ، واسمه في التوراة ~~أحيد روي ذلك عن ابن سيرين . | و معنى صاحب القضيب ، أي السيف ، وقع ذلك ~~مفسرا في الإنجيل ، قال : معه قضيب من حديد يقاتل به ، وأمته كذلك . | و قد ~~يحمل على أنه القضيب ms126 الممشوق الذي كان يمسكه صلى الله عليه وسلم ، وهو الآن ~~عند الخلفاء . | و أما الهراوة التي وصف بها فه ي في اللغة العصا ، وأراها ~~والله أعلم العصا المذكورة في حديث الحوض : أذود الناس عنه بعصايى لأهل ~~اليمن . | و أما التاج فالمراد به العمامة ، ولم تكن حينئذ إلا للعرب ، ~~والعمائم تيجان العرب . | PageV01P180 | و أوصافه وألقابه ، وسماته في ~~الكتب كثيرة ، وفيها ذكرناه منها مقنع إن شاء الله | [ و كانت كنيتة ~~المشهورة أبا القاسم . | وروي عن أنس أنه لما ولد إبراهيم جاءه جبريل فقال ~~له : السلام عليك ياأبا إبراهيم ] . | # | 3 ( في تشريف الله تعالى له بما سماه من أسمائه الحسنى ووصفه به من ~~صفاتة العلا ) 3 # | قال القاضي أبو الفضل وفقه الله تعالى : ما أحرى هذا الفصل بفصول الباب ~~الأول ، لانخراطه في سلك مضمونها ، وامتزاجه بعذب معينها ، لكن لم يشرح ~~الله الصدر للهداية إلى استنباطه ، ولا أنار الفكر لا ستخراج جوهره ~~والتقاطه إلا عند الخوض في الفصل الذي قبله ، فرأينا أن نضيفه إليه ، ونجمع ~~به شمله . | فاعلم أن الله تعالىخص كثيرا من الأنبياء بكرامة خلعها عليهم ~~من أسمائه ، كتسمية إسحاق ، وإسماعيل بعليم ، وحليم ، وإبراهيم بحليم ، ~~ونوح بشكور ، وعيسى ويحيى ببر موسى بكريم ، وقوى ، ويوسف بحفيظ عليم ، ~~وأيوب بصابر ، وإسماعيل بصادق الوعد ، كما [ 81 ] الكتاب العزيز من مواضع ~~ذكرهم . | و فضل محمدا صلى الله عليه وسلم : بأن حلاه منها في كتابه العزيز ~~، وعلى ألسنة أنبيائه بعدة كثيرة اجتمع لنا منها جملة بعد إعمال الفكر ، ~~وإحضار الذكر ، إذ لم نجد من جمع منها فوق اسمين ، ولا من تفرغ فيها لتأليف ~~فصلين . | و حررنا منها في هذا الفصل نحو ثلاثين اسما ، ولعل الله تعالى ~~كما ألهم إلى ما علم منها وحققه يتم النعمة بإبانة ما لم يظهره لنا الآن ، ~~ويفتح غلقه . | فمن أسمائه تعالى : الحميد ، ومعناه المحمود ، لأنه حمد ~~نفسه ، وحمده عباده ، ويكون أيضا بمعنى الحامد لنفسه ولأعمال الطاعات . | و ~~سمى الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم محمدا ، وأحمد ، فمحمد بمعنى ~~محمود ، وكذا وقع اسمه ms127 في زبور داود . | و أحمد بمعنى أكبر من حمد ، وأجل ~~من حمد ، وأشار إلى نحو هذا حسان بقوله : | * و شق له من اسمه ليجله * * ~~فذو العرش محمود وهذا محمد * | و من أسمائه : الرؤوف الرحيم ، وهما بمعنى ~~متقارب . | PageV01P181 و قد سماه في كتابه بذلك ، فقال : بالمؤمنين رؤوف ~~رحيم . | و من أسمائه تعالى الحق المبين . ومعنى الحق : الموجود ، والمتحقق ~~أمره ، وكذلك المبين ، أي البين أمره وإلهيته . | بان ، وأبان بمعنى واحد . ~~ويكون بمعنى المبين لعباده أمر دينهم ومعادهم . | و سمى النبي صلى الله ~~عليه وسلم بذلك في كتابه ، فقال : حتى جاءهم الحق ورسول مبين [ سورة الزخرف ~~- 43 ، الآية : 29 ] . | و قال تعالى : وقل إني أنا النذير المبين [ سورة ~~الحجر - 15 ، الآية : 89 ] . | و قال تعالى : قد جاءكم الحق من ربكم [ سورة ~~يونس - 10 ، الآي ة : 108 ] . | و قال : فقد كذبوا بالحق لما جاءهم ، قيل : ~~محمد . وقيل القرآن . ومعناه هنا ضد الباطل ، والمتحقق صدقه وأمره وهو ~~بمعنى الأول . | و المبين : البين أمره ورسالته ، أو المبين عن الله ما ~~بعثه به ، كما قال تعالى : لتبين للناس ما نزل إليهم [ سورة النحل - 16 ، ~~الآية : 44 ] . | و من أسمائه تعالى : النور ، ومعناه ذو النور ، أي خالقه ~~، أو منور السموات والأرض بالأنوار ، ومنور قلوب المؤمنين بالهداية . | ~~وسماه نور ا ، فقال : قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ، قيل محمد . وقيل ~~القرآن . | و قال فيه : وسراجا منيرا ، سمي بذلك لوضوح أمره ، وبيان نبوته ~~، وتنوير قلوب المؤمنينو العارفين بما جاء به . | و من أسمائه تعالى : ~~الشهيد ، ومعناه العالم . وقيل : الشاهد على عباده يوم القيامة . | وسماه ~~شهيدا وشاهدا ، فقال : إنا أرسلناك شاهدا . | و قال تعالى : ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا ، وهو بمعنى الأول . | و من أسمائه تعالى : الكريم ، ومعناه ~~الكثير الخير . | PageV01P182 و قيل : المفضل . وقيل العفو وقيل : العلي . ~~| و في الحديث المروي في أسمائه تعالى : الأكرم . | وسماه تعالى كريما بق ~~وله : إنه لقول رسول كريم ، قيل : محمد . وقيل : جبريل . | و قال صلى الله ~~عليه وسلم : أنا أكرم ولد آدم . | و معاني الاسم ms128 صحيحة في حقه صلى الله ~~عليه وسلم . | و من أسمائه تعالى : العظيم ، ومعناه الجليل الشأن ، الذي كل ~~شيء دونه . | و قال في النبي صلى الله عليه وسلم : وإنك لعلى خلق عظيم [ ~~سورة القلم - 68 ، الآية : 4 ] . | و وقع في أول سفر من التوراة عن إسماعيل ~~: وستلد عظيما لأمة [ 82 ] عظيمة ، فهو عظيم وعلى خلق عظيم . | و من أسمائه ~~تعالى : الجبار ، ومعناه المصلح ، وقيل القاهر . وقيل العلي العظيم الشأن . ~~وقيل المتكبر . | وسمي النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب داود بجبار ، فقال ~~: تقلد أيها الجبار سيفك ، فإن ناموسك وشرائعك مقرونة بهيبة يمينك . | و ~~معناه في حق النبي صلى الله عليه وسلم : إما لإصلاحه الأمة بالهداية ~~والتعليم ، أو لقهره أعداءه ، أو لعلو منزلته على البشر ، وعظيم خطره . | و ~~نفى عنه تعالى في القرآن جبرية التكبر التي لا تليق به ، فقال : وما أنت ~~عليهم بجبار [ سورة ق / 50 ، الآية : 45 ] . | و من أسمائه تعالى : الخبير ~~، ومعناه المطلع بكنه الشيء ، العالم بحقيقته . وقيل معناه المخبر . | و ~~قال الله تعالى : الرحمن فاسأل به خبيرا [ سورة الفرقان - 25 ، الآية : 59 ~~] . | و قال القاضي بكر بن العلاء : المأمور بالسؤال غير النبي صلى الله ~~عليه وسلم . والمسؤول الخبير هو النبي صلى الله عليه وسلم . | و قال غيره : ~~بل السائل النبي صلى الله عليه وسلم . والمسؤول هو الله تعالى ، فالنبي ~~خبير بالوجهين المذكورين ، قيل : لأنه عالم على غاية من العلم بما أعلمه ~~الله من مكنون علمه ، وعظيم PageV01P183 معرفته ، مخبر لأمته بما أذن له في ~~إعلامهم به . | و من أسمائه تعالى : الفتاح ، ومعناه الحاكم بين عباده ، أو ~~فاتح أبواب الرزق والرحمة ، والمنغلق من أمورهم عليهم ، أو يفتح قلوبهم ~~وبصائرهم لمعرفة الحق ، ويكون أيضا بمعنى الناصر ، كقوله تعالى : إن ~~تستفتحوا فقد جاءكم الفتح ، أي إن تستنصروا فقد جاءكم النصر ، وقيل : معناه ~~مبتدئ الفتح والنصر . | و سمى الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم بالفاتح ~~في حديث الإسراء الطويل من رواية الربيع ابن أنس ، عن أبي العالية وغيره ، ~~عن أبي هريرة رضي ms129 الله عنه ، وفيه : من قول الله تعالى : [ وجعلتك فاتحا ~~وخاتما ] . | و فيه من قول النبي صلى الله عليه وسلم في ثنائه على ربه ، ~~وتعديد مراتبه : [ ورفع لي ذكري ، وجعلني فاتحا وخاتما ] ، فيكون الفاتح ~~هنا بمعنى الحاكم ، أو الفاتح لأبواب الرحمة على أمته ، أو الفاتح لبصائرهم ~~لمعرفة الحق والإيمان بالله ، أو الناصر للحق ، أو المبتديء بهداية الأمة ، ~~أو المبدأ المقدم في الأنبياء والخاتم لهم ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ~~كنت أول الأنبياء في الخلق ، وآخرهم في البعث . | و من أسمائه تعالى في ~~الحديث : الشكور ، ومعناه المثيب على العمل القليل . وقيل المثني على ~~المطيعين ، ووصف بذلك نبيه نوحا عليه السلام فقال : إنه كان عبدا شكورا [ ~~سورة الإسراء - 17 ، الآية : 3 ] . | و قد وصف النبي صلى الله عليه وسلم ~~نفسه بذلك ، فقال : أفلا أكون عبدا شكورا أي معترفا بنعيم ربي ، عارفا بقدر ~~ذلك ، مثنيا عليه ، مجهدا نفسي في الزيادة من ذلك ، لقوله تعالى : لئن ~~شكرتم لأزيدنكم [ سورة إبراهيم - 14 ، الآية : 7 ] . | و من أسمائه تعالى : ~~العليم ، والعلام . وعالم الغيب والشهادة . | و وصفه نبيه صلى الله عليه ~~وسلم بالعلم ، وخصه بمزية منه ، فقال تعالى : وع لمك ما لم تكن تعلم وكان ~~فضل الله عليك عظيما [ سورة النساء 4 ، الآية : 113 ] . | و قال : ويعلمكم ~~الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون . | و من أسمائه تعالى : الأول ~~، والآخر ، ومعناهما السابق [ 83 ] للأشياء قبل وجودها ، والباقي بعد ~~فنائها . | و تحقيقه أنه ليس له أول ولا آخر . | PageV01P184 و قال صلى ~~الله عليه وسلم : كنت أول الأنبياء في الخلق ، وآخرهم في البعث . وفسر بهذا ~~قوله تعالى : وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح ، فقدم محمدا صلى ~~الله عليه وسلم . | و قد أشار إلى نحو منه عمر بن الخطاب رضي الله عنه . | ~~و منه قوله : ىنحن الآخرون السابقون . | و قوله : أنا أول من تنشق عنه ~~الأرض ، وأول من يدخل الجنة ، وأول شافع ، وأول مشفع وهو خاتم النبيين ، ~~وآخر الرسل صلى الله عليه وسلم . | و من أسمائه تعالى : القوي ms130 . وذو القوة ~~المتين ، ومعناه : القادر . | و قد وصفه الله تعالى بذلك ، فقال : ذي قوة ~~عند ذي العرش مكين ، قيل محمد . وقيل جبريل . | و من أسمائه تعالى : الصادق ~~، في الحديث المأثور . | و ورد في الحديث أيضا اسمه صلى الله عليه وسلم ~~بالصادق والمصد وق . | و من أسمائه تعالى : الولي ، والمولى ، ومعناهما ~~الناصر ، وقد قال الله تعالى : إنما وليكم الله ورسوله [ سورة المائدة - 5 ~~، الآية : 55 ] . | و قال صلى الله عليه وسلم : أنا ولي كل مؤمن . | و قال ~~الله تعالى : النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم [ سورة الأحزاب - 33 ، الآية ~~: 6 ] . | و قال صلى الله عليه وسلم : من كنت مولاه فعلي مولاه . | و من ~~أسمائه تعالى : العفو ، ومعناه الصفوح . | و قد وصف الله تعالى بهذا نبيه ~~في القرآن ، والتوراة ، وأمره بالعفو ، فقال تعالى : خذ العفو [ سورة ~~الأعراف - 7 ، الآية : 199 ] . | و قال : فاعف عنهم واصفح [ سورة المائدة - ~~5 ، الآية : 12 ] . | و قال له جبريل وقد سأله عن قوله : خذ العفو ، قال : ~~أن تعفو عمن ظلمك . | و قال في التوراة والإنجيل في الحديث المشهور ، في ~~صفته : ليس بفظ ولا غليظ ، ولكن يعفو ويصفح . | PageV01P185 و من أسمائه ~~تعالى : الهادي ، وهو بمعنى توفيق الله لمن أراد من عباده ، وبمعنى الدلالة ~~والدعاء . قال الله تعالى : والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى ~~صراط مستقيم . وأصل الجميع من الميل . وقيل : من ال تقديم . | و قيل في ~~تفسير طه إنه يا طاهر ، يا هادي ، يعني النبي صلى الله عليه وسلم . وقال ~~الله تعالى له : وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم [ سورة الشورى - 42 ، الآية : ~~52 ] . | و قال فيه : وداعيا إلى الله بإذنه [ سورة الأحزاب - 33 ، الآية : ~~46 ] . | فالله تعالى مختص بالمعنى الأول ، قال تعالى : إنك لا تهدي من ~~أحببت ولكن الله يهدي من يشاء [ سورة القصص - 28 ، الآية : 56 ] . | و ~~بمعنى الدلالة ينطلق على غيه تعالى . | و من أسمائه تعالى : المؤمن المهيمن ~~، قيل : هما بمعنى واحد ، فمعنى المؤمن في حقه تعالى : المصدق وعده عباده ، ~~والمصدق قوله الحق ، والمصدق ms131 لعباده المؤمنين ورسله . وقيل : الموحد نفسه . ~~وقيل : المؤمن عباده في الدنيامن ظلمه ، والمؤمنين في الآخرة من عذابه . | ~~و قيل : المهيمن بمعنى الأمين ، مصغر منه ، فقلبت الهمزة هاء . | و قد قيل ~~: إن قولهم في الدعاء : آمين إنه اسم من أسماء الله تعالى ، ومعناه معنى ~~المؤمن . | و قيل : المهيمن بمعنى الشاهد والحافظ . | و النبي صلى الله ~~عليه وسلم أمين ، ومهيمن ، ومؤمن ، وقد سماه الله تعالى أمينا ، فقال : ~~مطاع ثم أمين [ سورة الت كوير / 81 ، الآية : 21 ] . | و كان صلى الله عليه ~~وسلم يعرف بالأمين ، وشهر به قبل النبوة وبعدها ، وسماه العباس ، في شعره ~~مهيمنا في قوله [ 84 ] : | * ثم احتوى بيتك المهيمن من * * خندف علياء ~~تحتها النطق * | قيل : المراد : يأيها المهيمن ، قاله القتيبي ، والإمام ~~أبو القاسم القشيري . | PageV01P186 و قال تعالى : يؤمن بالله ويؤمن ~~للمؤمنين ، أي يصدق . | و قال صلى الله عليه وسلم : أنا أمنة لأصحابي ، ~~فهذا بمعنى المؤمن . | و من أسمائه تعالى : القدوس ، ومعناه المنزه عن ~~النقائص المطهر من سمات الحدث ، وسمي بيت المقدس ، لأنه يتطهر فيه من ~~الذنوب ، ومنه ، الوادي المقدس ، وروح القدس . | و وقع في كتب الأنبياء في ~~أسمائه صلى الله عليه وسلم : المقدس ، أي المطهر من الذنوب ، كما قال تعالى ~~: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر [ سورة الفتح - 48 ، الآية : 1 ] ~~. | أو الذي يتطهر به من الذنوب ، ويتنزه باتباعه عنه ، كما قال : ويزكيهم ~~. | و قال تعالى : ويخرجهم من الظلمات إلى النور [ سورة المائدة - 5 ، ~~الآية : 16 ] . | أو يكون مقدسا بمعنى مطهرا ، من الأخلاق الذميمة والأوصاف ~~ا لدنية . | و من أسمائه تعالى : العزيز ، ومعناه : الممتنع الغالب ، أو ~~الذي لا نظير له ، أو المعز لغيره ، وقال تعالى : ولله العزة ولرسوله ، أي ~~الامتناع وجلالة القدر . | و قد وصف الله تعالى نفسه بالبشارة والنذارة ، ~~فقال : يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان [ سورة التوبة - 9 ، الآية : 21 ] . | ~~و قال : أن الله يبشرك بيحيى : وبكلمة منه [ سورة آل عمران - 3 ، الآية : ~~45 ] . | و سماه الله تعالى مبشرا ، ونذيرا : أي مبشرا لأهل طاعته ، ونذيرا ~~لأهل ms132 معصيته . | و من أسمائه تعالى فيما ذكره بعض المفسرين : طه ، ويس . ~~وقد ذكر بعضهم أيضا أنهما من أسماء محمد صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم . # # | 3 ( في بيان أن الله تعالى لا يشبه شيئا من مخلوقاته ) 3 # | قال القاضي أبو الفضل : وفقه الله ، وهأنا أذكرنكتة أذيل بها هذا الفصل ~~، وأختم بها هذا القسم ، وأزيح الإشكال بها فيما تقدم عن كل ضعيف الوهم ، ~~سقيم الفهم ، تخلصه من مهاوي التشبيه ، وتزحزحه عن شبه التمويه ، وهو أن ~~يعتقد أن الله تعالى جل اسمه في عظمته وكبريائه وملكوته ، وحسنى أسمائه ، ~~وعلي صفاته ، لا يشبه شيئا من مخلوقاته ، ولا يشبه به ، وأن ما جاء مما ~~أطلقه الشرع على الخالق وعلى المخلوق ، فلا PageV01P187 تشابه بينهما في ~~المعنى الحقيقي ، إذ صفات القديم بخلاف صفات المخلوق ، فكما أن ذاته لا ~~تشبه الذوات كذلك صفاته لا تشبه صفات المخلوقين ، إذ صفاتهم لا تنفك عن ~~الأعراض والأغراض ، وهو تعالى منزه عن ذلك ، بل لم يزل بصفاته وأسمائه ، ~~وكفى في هذا قوله : ليس كمثله شيء [ سورة الشورى - 42 ، الآية : 11 ] . | و ~~لله در من قال من العلماء العارفين المحققين : التوحيد إثبات ذات غير مشبهة ~~للذوات ولا معطة عن الصفات . | و زاد هذه النكتة الواسطي رحمه الله بيانا ، ~~وهي مقصودنا ، فقال : ليس كذاته ذات ، ولا كأسمه اسم ، ولا كفعله فعل ، ولا ~~كصفته صفة ، إلا من جهة موافقة اللفظ اللفظ ، وجلت الذات القديمة أن تكون ~~لها صفة حديثة ، كما استحال أن تكون للذات المحدثة صفة قديمة . | و هذا كله ~~مذهب أهل الحق والسنة والجماعة رضي الله عنهم . | و قد فسر الإمام أبو ~~القاسم القشيري رحمه الله قوله [ 85 ] هذا ، ليزيد بيانا ، فقال : هذه ~~الحكاية تشتمل على جوامع مسائل التوحيد ، وكيف تشبه ذاته ذات المحدثات ، ~~وهي بوجودها مستغنية ، وكيف يشبه فعله فعل الخلق ، وهو لغير جلب أنس ، أو ~~دفع نقص حصل ، ولا لخواطر وأغراض وجد ، ولا بمباشرة ومعالجة ظهر ، وفعل ~~الخلق لا يخرج عن هذه الوجوه . | و قال آخر من مشايخنا : ما توهمتموه ~~بأوهامكم ms133 ، أو أدركتموه بعقولكم فهو محدث مثلكم . | و قال الإمام أبو ~~المعالي الجويني : من اطمأن إلى موجود انتهى إليه فكره ، فهو مشبه ، ومن ~~اطمأن إلى النفي المحض فهو معطل وإن قطع بموجود اعتراف بالعجز عن درك ~~حقيقته فهو موحد . | و ما أحسن قول ذي النون المصري : حقيقة التوحيد أن ~~تعلم أن قدرة الله تعالى في الأشياء بلا علاج ، وصنعه لها بلا مزاج ، وعلة ~~كل شيء صنعه ، ولا علة لصنعه ، وما تصور في وهمك فالله بخلاف ه . | و هذا ~~كلام عجيب نفيس محقق ، والفصل الآخر ، تفسير لقوله : ليس كمثله شيء [ سورة ~~الشورى - 42 ، الآية : 11 ] . | PageV01P188 و الثاني ، تفسير لقوله : لا ~~يسأل عما يفعل وهم يسألون والثالث ، تفسير لقوله : إنما قولنا لشيء إذا ~~أردناه أن نقول له كن فيكون [ سورة النحل - 16 ، الآية : 40 ] . | ثبتنا ~~الله وإياك على التوحيد والإثبات ، والتنزيه ، وجنبنا طرفي الضلالة ~~والغواية من التعطيل والتشبيه بمنه ورحمته . # | PageV01P189 # | الباب الرابع # # | 2 ( فصل فيما أظهره الله تعالى على يديه من المعجزات وشرفه به من ~~الخصائص والكرامات ) 2 # | قال القاضي أبو الفضل : حسب المتأمل أن يحقق أن كتابنا هذا لم نجمعه ~~لمنكر نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم ، ولا لطاعن في معجزاته ، فنحتاج إلى ~~نصب البراهين عليها ، وتحصين حوزتها ، حتى لا يتوصل المطاعن إليها ، ونذكر ~~شروط المعجز والتحدي وحده ، وفساد قول من أبطل نسخ الشرائع ، ورده ، بل ~~ألفناه لأهل ملته ، الملبين لدعوته ، المصدقين لنبوته ، ليكون تأكيدا في ~~محبتهم له ، ومنماة لأعمالهم ، وليزدادوا إيمانا مع إيمانهم . | و بنيتنا ~~أن نثبت في هذا الباب أمهات معجزاته ، ومشاهير آياته ، لتدل ، على عظيم ~~قدره عند ربه . وأتينا منها بالمحقق والصحيح الإسناد ، وأكثره مما بلغ ~~القطع ، أو كاد ، وأضفنا إليها بعض ما وقع في مشاهير كتب الأئمة . | و إذا ~~تأمل المتأمل المنصف ما قدمناه من جميل أثره ، وحميد سيره ، وبراعة علمه ، ~~ورجاحة عقله وحلمه ، وجملة كماله ، وجميع خصاله ، وشاهد حاله ، وصواب مقاله ~~لم يمتر في صحة نبوته ، وصدق دعوته . | و قد كفى هذا غير واحد في إسلامه ~~والإيمان ms134 به . | فروينا عن الترمذي ، وابن قانع وغيرهما بأسانيدهم أن عبد ~~الله بن سلام ، قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جئته ~~لأنظر إليه ، فلما استبنت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب . | حدثنا به ~~القاضي الشهيد أبو علي رحمه الله ، قال : حدثنا أبو الحسين الصيرفي ، وأبو ~~الفضل بن خيرون ، عن أبي يعلى البغدادي ، عن أبي علي [ 86 ] السنجي ، عن ~~ابن محبوب ، عن الترمذي ، حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا عبد الوهاب الثقفي ، ~~ومحمد بن جعفر ، وابن أبي عدي ، ويحيى بن سعيد ، عن عوف بن أبي جميلة ~~الأعرابي ، عن زرارة PageV01P190 ابن أوفى ، عن عبد الله بن سلام . . . ~~الحديث . | و عن أبي رمثة التيمي : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، ومعي ~~ابن لي ، فأريته ، فلما رأيته قلت : هذا نبي الله . | و روى مسلم وغيره أن ~~ضمادا لما وفد عليه ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : إن الحمد لله ~~نحمده ونستعينه ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد ~~أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله قال له : أعد ~~علي كلماتك هؤلاء ، فلقد بلغن قاموس البحر هات يدك أبايعك . | و قال جامع ~~بن شداد : كا ن رجل منا يقال له طارق ، فأخبر أنه رأى النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالمدينة ، فقال : هل معكم شيء تبيعونه ؟ قلنا : هذا البعير . قال : ~~بكم ؟ قلنا : بكذا وكذا وسقا من تمر ، فأخذ بخطامه ، وسار إلى المدينة ، ~~فقلنا : بعنا من رجل لا ندري من هو ، ومعنا ظعينة ، فقالت : أنا ضامنة لثمن ~~البعير ، رأيت وجه رجل مثل القمر ليلة البدر لا يخيس فيكم . | فأصبحنا ، ~~فجاء رجل بتمر فقال : أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم ، ~~يأمركم أن تأكلوا من هذا التمر ، وتكتالوا حتى تستوفوا . ففعلنا . | و في ~~خبر الجلندى ملك عمان لما بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى ~~الإسلام قال الجلندى : والله ، لقد دلني على هذا النبي الأمي أنه لا يأمر ms135 ~~بخير إلا كان أول آخذ به ، ولا ينهي عن شيء إلا كان أول تارك له ، وأنه ~~يغلب فلا يبطر ويغلب فلا يضجر ، ويفي بالعهد ، وينجر الموعود ، وأشهد أنه ~~نبي . | و قال نفطويه في قوله تعالى : يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار : ~~هذا مثل ضربه الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ، يقول : يكاد منظره يدل ~~على نبوته وإن لم يتل قرآنا كما قال ابن رواح ة : | لو لم تكن فيه آيات ~~مبينة لكان منظره ينبيك بالخبر | PageV01P191 و قد آن أن نأخذ في ذكر ~~النبوة والوحي والرسالة ، وبعده في معجزة القرآن ، وما فيه من برهان ودلالة ~~. | # | 3 ( فصل في أن الله قادر على خلق المعرفة في قلوب عباده ) 3 # | اعلم أن الله جل اسمه قادر على خلق المعرفة في قلوب عباده ، والعلم ~~بذاته وأسمائه وصفاته وجميع تكليفاته ابتداء دون واسطة لو شاء ، كما حكي عن ~~سنته في بعض الأنبياء ، وذكره بعض أهل التفسير في قوله : وما كان لبشر أن ~~يكلمه الله إلا وحيا [ سورة الشورى - 42 ، الآية : 51 ] . | و جائز أن يوصل ~~إليهم جميع ذلك بواسطة تبلغهم كلامه ، وتكون تلك الواسطة ، إما من غير ~~البشر ، كالملائكة مع الأنبياء أو من جنسهم ، كالأنبياء مع الأمم ، ولا ~~مانع لهذا من دليل العقل . | و إذا جاز هذا ولم يستحل ، وجاءت الرسل بما دل ~~على صدقهم من معجزاته وجب تصديقهم في جميع ما أتوا به ، لأن المعجزة مع ~~التحدي من النبي صلى الله عليه وسلم قائم مقام قول الله : صدق عبدي فأطيعوه ~~واتبعوه ، وشاهد على صدقه فيما يقوله ، وهذا كاف . | و التطويل فيه خارج عن ~~العرض [ 87 ] ، فمن أراد تتبعه وجده مستوفي في مصنفات أئمتنا رحمهم الله . ~~| فالنبوة في لغة من همز مأخوذة من النبأ ، وهو الخبر ، وقد لا تهمز على ~~هذا التأويل تسهيلا | . | و المعنى أن الله تعالى أطلعه على غيبه ، وأعلمه ~~أنه نب يه ، فيكون نبي منبأ فعيل بمعنى مفعول ، أو يكون مخبرا عما بعثه ~~الله تعالى به ، ومنبئا بما أطلعه الله ms136 عليه فعيل بمعنى فاعل ، ويكون عند ~~من لم يهمزه من النبوة ، وهو ما ارتفع من الأرض ، ومعناه أن له رتبة شريفة ~~، ومكانة نبيهة عند مولاه منيفة ، فالوصفان في حقه مؤتلفان . | و أما ~~الرسول فهو المرسل ، ولم يأت فعول بمعنى مفعل في اللغة إلا نادرا . وإرساله ~~أمر الله بالإبلاغ إلى من أرسله إليه ، واشتقاقه من التتابع ، ومنه قولهم : ~~جاء الناس أرسالا ، إذا اتبع بعضهم بعضا ، فكأنه ألزم تكرير التبليغ ، أو ~~ألزمت الأمة اتباعه . | و اختلف العلماء : هل النبي والرسول بمعنى ، أو ~~بمعنيين ؟ فقيل : هما سواء ، وأصله من الإنباء وهو الإعلام ، واستدلوا ~~بقوله تعالى : وما أرسلنا من قبلك من رسول PageV01P192 ولا نبي ، فقد أثبت ~~لهما معا الإرسال ، قال : ولا يكون النبي إلا رسولا ، ولا الرسول إلا نبيا ~~. | و قيل : هما مفترقان من وجه ، إذ قد اجتمعا في النبوة التي هي الاطلاع ~~على الغيب والإعلام بخواص النبوة أو الرفعة لمعرفة ذلك ، وحوز درجتها ، ~~وافترقا في زيادة الرسالة للرسول ، وهو الأمر بالإنذار والإعلام كما قل نا ~~. | و حجتهم من الآية نفسها التفريق بين الإسمين ، ولو كانا شيئا واحدا لما ~~حسن تكرارهما في الكلام البليغ ، قالوا : والمعنى : ما أرسلنا من رسول إلى ~~أمة أو نبي ليس بمرسل إلى أحد . | و قد ذهب بعضهم إلى أن الرسول من جاء ~~بشرع مبتدإ ، ومن لم يأت به نبي غير رسول ، وإن أمر بالإبلاغ والإنذار . | ~~و الصحيح ، والذي عليه الجماء الغفير ، أن كل رسول نبي ، وليس كل نبي رسولا ~~. | و أول الرسل آدم ، وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم . | و في حديث أبي ~~ذر رضي الله عنه : إن الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألف نبي . | و ذكر ~~أن الرسل ، منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر ، أولهم آدم عليه السلام . | فقد بان ~~لك معنى النبوة والرسالة ، وليستا عند المحققين ذاتا للنبي ، ولا وصف ذات ، ~~خلافا للكرامية ، وفي تطويل لهم ، وتهويل ، ليس عليه تعويل . | و أما الوحي ~~فأصله الإسراع ، فلما كان النبي يتلقى ما يأتيه من ربه بعجل سمي وحيا ، ~~وسميت أنواع الإلهامات ms137 وحيا ، تشبيها بالوحي إلى النبي ، وسمي الخط وحيا ، ~~لسرعة حركة يد كاتبه ، ووحي الحاجب واللحظ سرعة إشارتهما ومنه قوله تعالى : ~~فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا ، أي أومأ ورمز . وقيل : كتب ، ومنه قولهم ~~: الوحا ، الوحا ، أي السرعة . | و قيل أصل الوحي السر ولإخفاء ، ومنه سمي ~~الإلهام وحيا ، ومنه : وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ، أي يوسوسون في ~~صدروهم ، ومنه قوله : وأوحينا PageV01P193 إلى أم موسى ، أي ألقي في قلبها ~~. | و قد قيل ذلك في قوله تعالى : وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا [ ~~88 ] ، أي ما يلقيه في قلبه دون واسطة . | # | 3 ( فصل في معنى تسمية من جاءت به الأنبياء معجزة ) 3 # | اعلم أن تسميتنا ما جاءت به الأنبياء معجزة ، هو أن الخلق عجزوا عن ~~الإتيان بمثلها ، وهي على ضربين : ضرب هو من نوع قدره البشر ، فعجزوا عنه ، ~~فتعجيزهم عنه فعل لله دل على صدق نبيه ، كصرفهم عن تمني الموت . وتعجيزهم ~~عن الإتيان بمثل القرآن على رأي بعضهم ، ونحوه . | و ضرب هو خارج عن قدرته ~~، فلم يقدروا على الإتيان بمثله ، كإحياء الموتى ، وقلب العصا حية ، وإخراج ~~ناقة من صخرة ، و كلام شجرة ، ونبع الماء من الأصابع ، وانشقاق القمر ، مما ~~لا يمكن أن يفعله أحد ، إلا الله ، فكون ذلك على يد النبي صلى الله عليه ~~وسلم من فعل الله تعالى وتحديه من يكذبه أن يأتي بمثله تعجيز له . | و اعلم ~~أن المعجزات التي ظهرت على يد نبينا صلى الله عليه وسلم دلا ئل نبوته ~~وبراهين صدقه من هذين النوعين معا وهو أكثر الرسل معجرة ، وأبهرهم آية ، ~~وأظهرهم برهانا ، كما سنبينه ، وهي في كثرتها لا يحيط بها ضبط ، فإن واحدا ~~منها وهو القرآن لا يحصى عدد معجزاته بألف ولا ألفين ، ولا أكثر ، لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد تحدى بسورة منه فعجز عنها . | قال أهل العلم : ~~إنا أعطيناك الكوثر . فكل آية أو آيات منه بعددها وقدرها معجزة ، ثم فيها ~~نفسها معجزات على ما سنفصله فيما انطوى عليه من المعجزات . | ثم معجزاته ~~صلى ms138 الله عليه وسلم على قسمين : قسم منها علم قطعا ، ونقل إلينا متواترا ~~كالقرآن ، فلا مرية ، ولا خلاف ، بمجيء النبي به ، وظهوره من قبله ، ~~واستدلاله بحجته ، وإن أنكر هذا معاند جاحد ، فهو كإنكاره وجود محمد صلى ~~الله عليه وسلم في الدنيا . | و إنما جاء اعتراض الجاحدين في الحجة به ، ~~فهو في نفسه وجميع ما تضمنه من معجز معلوم ضرورة . | و وجه إعجازه معلوم ~~ضرورة ونظرا ، كما سنشرحه . | PageV01P194 قال بعض أئمتنا : ويجري هذا ~~المجرى على الجملة أنه قد جرى على يديه صلى الله عليه وسلم آيات وخوارق ~~عادات إن لم يبلغ واحد منها معينا القطع فيبلغه جميعها ، فلا مرية في جريان ~~معانيها على يديه ، ولا يختلف مؤمن ولا كافر أنه جرت على يديه عجائب ، ~~وإنما خلاف المعاند في كونها من قبل الله . | و قد قدمنا كونها من قبل الله ~~، وأن ذلك بمثابة قوله : صدقت . | فقد علم وقوع مثل هذا أيضا من نبينا ~~ضرورة لاتفاق معانيها ، كما يعلم ضرورة جود حاتم ، وشجاعة عنترة ، وحلم ~~أحنف ، لاتفاق الأخبار الواردة عن كل واحد منهم على كرم هذا ، وشجاعة هذا ، ~~وحلم هذا ، وإن كان كل خبر بنفسه لا يوجب العلم ، ولا يقطع بصحته . | و ~~القسم الثاني ما لم يبلغ مبلغ الضرورة والقطع ، وهو على نوعين : نوع مشتهر ~~منتشر ، رواه العدد ، وشاع الخبر به عند المحدثين والرواة ونقلة السير ~~والأخبار ، كنبع الماء من بين الأصابع ، وتكثير الطعام . | و نوع منه اختص ~~به الواحد والإثنان ، ورواه العدد اليسير ، ولم يشتهر اشتهار غيره ، لكنه ~~إذا جمع إلى مثله اتفقا في المعنى ، واجتمعا على الإتيان بالمعجز ، كما ~~قدمناه . | قال القاضي أبو الفضل [ 89 ] : وأنا أقول صدعا بالحق : إن كثيرا ~~من هذه لآيات المأثورة عنه صلى الله عليه وسلم معلومة بالقطع : | أما ~~انشقاق القمر فالقرآن نص بوقوعه ، وأخبرعن وجوده ، ولا يعدل عن ظاهر إلا ~~بدليل ، وجاء برفع احتماله صحيح الأخبار من طرق كثيرة ، ولا يوهن عزمنا ~~خلاف أخرق منحل عرى الدين ، ولا يلتفت إلى سخافة مبتدع يلقي الشك على قلوب ~~ضعفاء ms139 المؤمنين ، بل نرغم بهذا أنفه ، وننبذ بالعراء سخفه . | و كذلك قصة ~~نبع الماء ، وتكثير الطعام رواها الثقات والعدد الكثير عن ا لجماء الغفير ، ~~عن العدد الكثير من الصحابة . | و منها ما رواه الكافة عن الكافة متصلا عمن ~~حدث با من جملة الصحابة وإخبارهم أن ذلك كان في موطن اجتماع الكثير منهم في ~~يوم الخندق ، وفي غزوة بواط ، وعمرة PageV01P195 الحديبية ، وغزوة تبوك ، ~~وأمثالها من محافل المسلمين ومجمع العساكر ، ولم يؤثر عن أحد من الصحابة ~~مخالفة للراوي فيما حكاه ، ولا إنكار لما ذكر عنهم أنهم رأوه كما رآه ، ~~فسكوت الساكت منهم كنطق الناطق ، إذ هم المنزهون عن السكوت على باطل ، ~~والمداهنة في كذب ، وليس هناك رغبة ولا رهبةتمنعهم ، ولو كان ما سمعوه ~~منكرا عندهم وغير معروف لديهم لأنكره ، كما أنكر بعضهم على بعض أشياء رواها ~~من السنن والسير وحروف القرآن . وخطأ بعضهم بعضا ، ووهمه في ذلك ، مما هو ~~معلوم ، فهذا النوع كله يلحق بالقطعي من معجزاته لما بيناه . | و أيضا فإن ~~أمثال الأخبار التي لا أصل لها ، وبنيت على باطل ، لا بد بعد مرور الأزمان ~~وتداول الناس وأهل البحث من انكشاف ضعفها ، وخمول ذكرها ، كما يشاهد في ~~كثير من الأخبار الكاذبة ، والأراجيف الطارئة . وأعلام نبينا هذه الواردة ~~من طريق الأحاد لا تزداد مع مرور الزمان إلا ظهورا ، ومع تداول الفرق ، ~~وكثرة طعن العدو ، وحرصه على توهينها ، وتضعيف أصلها ، واجتهاد الملحد على ~~إطفاء نورها إلا قوة وقبولا ، وللطاعنين عليها إلا حسرة وغليلا . | و كذلك ~~إخباره عن الغيوب ، وإنباؤه بما يكون وكان معلوم من آياته على الجملة ~~بالضرورة . | و هذا حق لا غطاء عليه ، وقد قال به من أئمتنا القاضي ، ~~والأستاذ أبو بكر وغيرهما ، رحمهم الله ، وما عندي أوجب قول القائل : إن ~~هذه القصص المشهورة من باب خبر الواحد إلا قلة مطالعته للأخبار وروايتها ، ~~وشغله بغير ذلك من المعارف ، وإلا فمن اعتنى بطرق النقل ، وطالع الأحاديث ~~والسير لم يرتب في صحة هذه القصص المشهورة على الوجه الذي ذكرناه . | و لا ~~يبعد أن يحصل العلم ms140 يالتواتر عند واحد ولا يحصل عند آخر ، فإن أكثر الناس ~~يعلمون بالخبر كون بغداد موجودة ، وأنها مدينة عظيمة ، ودار الإمامة ~~والخلافة ، وآحاد من الناس لا يعلمون اسمها ، فضلا عن وصفها ، وهكذا يعلم ~~الفقهاء من أصحاب مالك بالضرورة وتواتر النقل عنه أن مذهبه إيجاب قراءة [ ~~90 ] أم القرآن في الصلاة للمنفرد والإمام ، وإجزاء النية في أول ليلة من ~~رمضان عما سواه ، وأن الشافعي يرى ت جديد النية كل ليلة ، والاقتصار في ~~المسح على بعض الرأس ، وأن مذهبهما القصاص في القتل بالمحدد وغيره ، وإيجاب ~~النية في الوضوء ، واشتراط الولي في PageV01P196 النكاح ، وأن أبا حنيفة ~~يخالفهما في هذه المسائل ، وغيرهم ممن لم يشتغل بمذاهبهم ولا روى أقوالهم ~~لا يعرف هذا من مذاهبهم فضلا عمن سواه . | و عند ذكرنا آحاد هذه المعجزات ~~نزيد الكلام فيها بيانا إن شاء الله تعالى . # # | 3 ( فصل في إعجاز القرآن الوجه الأول ) 3 # | [ قال القاضي أبو الفضل رحمه الله ] | اعلم وفقنا الله وإياك أن كتاب ~~الله العزيز منطو على وجوه من الإعجاز كثيرة ، وتحصيلها من جهة ضبط أنواعها ~~في أربعة وجوه : | أولها : حسن تأليفة ، والتئام كلمه ، وفصاحته ، ووجوه ~~إيجازه ، وبلاغته الخارقة عادة العرب ، وذلك أنهم كانوا أرباب هذا الشأن ، ~~وفرسان الكلام ، قد خصوا من البلاغة والحكم بما لم يخص به غيرهم من الأمم ، ~~وأوتوا من ذرابة اللسان ما لم يؤت إنسان ، ومن فضل الخطاب ما يقيد الألباب ~~جعل الله لهم ذلك طبعا وخلقة ، وفيهم غريزة وقوة ، يأتون منه على البديهة ~~بالعجب ، ويدلون به إلى كل سبب ، فيخطبون بديها في المقامات ، و | شديد ~~الخطب ، ويرتجزون به بين الطعن والضرب ، ويمدحون ويقدحون ، ويتوسلون ~~ويتوصلون ، ويرفعون ويضعون ، فيأتون من ذلك بالسحر الحلال ، ويطوقون من ~~أوصافهم أجمل من سمط اللآل ، فيخدعون الألباب ، ويذللون الصعاب ، ويذهبون ~~الإحن ، ويهيجون الدمن ، ويجرئون الجبان ، ويبسطون يد الجعد البنان ، ~~ويصيرون الناقص كاملا ويتركون النبيه خاملا . | منهم البدوي ذو اللفظ الجزل ~~، والق ول الفصل ، والكلام الفخم ، والطبع الجوهري ، والمنزع القوي . | و ~~منهم الحضري ذو البلاغة البارعة ، والألفاظ الناصعة ، والكلمات ms141 الجامعة ، ~~PageV01P197 والطبع السهل ، والتصرف في القول القليل الكفلة ، الكثير ~~الرونق ، الرقيق الحاشية . | و كلا البابين لهما في البلاغة الحجة البالغة ~~، والقوة الدامغة ، والقدح الفالج ، و المهيع الناهج ، ، لايشكون أن الكلام ~~طوع مزادهم ، والبلاغةملك قيادهم ، قد حووا فنونها واستنبطوا عيونها ، ~~ودخلوا من كل باب من أبوابها ، وعلوا صرحا لبلوغ أسبابها ، فقالوا في ~~الخطير والمهين ، وتفننوا في الغث والسمين ، وتقاولوا في القل والكثر ، ~~وتساجلوا في النظم والنثر ، فما راعهم إلا رسول كريم ، بكتاب عزيز لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد ، أحمكت آياته ، ~~وفصلت كلماته ، وبهرت بلاغته العقول ، وظهرت فصاحته على كل مقول ، وتظافر ~~إيجازه وإعجازه ، وتظاهرت حقيقته ومجازه ، وتبارت في الحسن مطالعه ومقاطعه ~~[ 91 ] ، وحوت كل البيان جوامعه وبدائعه ، واعتدل مع إيجازه حسن نظمه ، ~~وانطبق على كثرة فوائده مختار لفظه ، وهم أفسح ما كانوا في الباب مجالا ، ~~وأشهر في الخطابة رجالا ، وأكثر في السجع والشعر سجالا ، وأوسع في الغريب ~~واللغة مقالا ، بلغتهم التي بها يتحاورون ، ومنازعهم التي عنها يتناضلون ، ~~صارخا بهم في كل حين ، ومقرعا لهم بضعا وعشرين عاما على رؤوس الملأ أجمعين ~~: أم يقولون افتراه قل فاتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن ~~كنتم صادقين [ سورة يونس - 10 ، الآية : 38 ] . | وإن كنتم في ريب مما ~~نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم ~~صادقين * فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا . [ سورة البقرة - 2 ، الآية : 23 ، 24 ~~] . | و قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون ~~بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا [ سورة الإسراء - 17 ، الآية : 88 ] . | و ~~قل فاتوا بعشر سور مثله مفتريات . وذلك أن المفتري أسهل ووضع الباطل ~~والمختلق على الاختيار أقرب ، واللفظ إذا تبع المعنى الصحيح كان أصعب ، ~~ولهذا قيل : فلان يكتب كما يقال له ، وفلا يكتب كما يريد . | و للأول على ~~الثاني فضل ، وبينهما شأو بعيد . | PageV01P198 فلم يزل يقرعهم صلى الله ~~عليه وسلم أشد التقريع ، ويوبخهم غاية التوبيخ ms142 ، ويسفه أحلامهم ، ويحط ~~أعلامهم ، ويشتت نظامهم ، ويذم آلهتهم وآباءهم ، ويستبيح إرضهم وديارهم ~~وأموالهم ، وهم في كل هذا ناكصون عن معارضتيه ، محجمون عن مماثلته ، ~~يخادعون أنفسهم بالتشغيب والتكذيب ، والإغراء بالإفتراء ، وقولهم : إن هذا ~~إلا سحر يؤثر ، وسحر مستمر ، وإفك افتراه ، وأساطير الأولين ، والمباهتة ~~والرضا بالدنية ، كقولهم : قلوبنا غلف [ سورة البقرة - 2 ، الآية : ( 88 ) ~~. وسورة النساء - 4 ، الآية : 155 ] . | و في أكنة مما تدعونا إليه وفي ~~آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب . | و لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ~~لعلكم تغلبون [ سورة فصلت - 41 ، الآية : 26 ] . | و الادعاء مع العجز ~~بقولهم : لو نشاء لقلنا مثل هذا [ سورة الأنفال - 8 ، الآية : 31 ] . | و ~~قد قال لهم الله : ولن تفعلوا ، فما فعلوا ولا قدروا . ومن تعاطى ذلك من ~~سخفائهم كمسيلمة كشف عواره جميعهم ، وسلبهم الله ما ألفوه ، من فصيح كلامهم ~~، وإلا فلم يخف على أهل الميز منهم أنه ليس من نمط فصاحتهم ، ولا جنس ~~بلاغتهم ، بل ولوا عنه مدبرين ، وأتوا مذعنين من بين مهتد وبين مفتون . | و ~~لهذا لما سمع ال وليد بن مغيرة من النبي صلى الله عليه وسلم : | إن الله ~~يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي ~~يعظكم لعلكم تذكرون [ سورة النحل - 16 ، الآية : 90 ] . | قال : والله ، إن ~~له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أسفله لمغدق ، وإن أعلاه لمثمر ، ما ~~يقول هذا بشر . | و ذكر أبو عبيد أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ : | فاصدع بما ~~تؤمر وأعرض عن المشركين فسجد ، وقال : سجدت لفصاحته . | و سمع آخر رجلا ~~يقرأ : | فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا [ سورة يوسف - 12 ، الآية : 80 ] . ~~| PageV01P199 فقال : أشهد أن مخلوقا لا يقدر على مثل هذا الكلام . | و حكي ~~أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يوما نائما في المسجد فإذا هو بقائم على ~~رأسه يتشهد شهادة الحق ، واستخبره ، فأعلمه أنه من بطارقة الروم ممن يحسن ~~كلام العرب وغيرها ، وأنه سمع رجلا من أسرى المسلمين [ 92 ] يقرأ آية من ~~كتابكم فتأملتها ، فإذا [ هي ] قد جمع فيها ما ms143 أنزل على عيسى ابن مريم من ~~أحوال الدنيا والآخرة ، وهي قوله تعالى : ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ~~ويتقه فأولئك هم الفائزون [ سورة النور - 24 ، الآية : 52 ] . | و حكى ~~الأصمعي أنه سمع كلام جارية ، فقال لها : قاتلك الله ما أفصحك ! فقالت : أو ~~يعد هذا فصاحة بعد قول الله تعالى : وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا ~~خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من ~~المرسلين ، فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين ، وخبرين ، وبشارتين . | ~~فهذا نوع من إعجازه منفرد بذاته ، غير مضاف إلى غيره على التحقيق والصحيح ~~من القولين . | و كون القرآن من قبل النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه أتى ~~به معلوم ضرورة ، وكونه عليه السلام متحديا بع معلوم ضرورة ، وعجز العرب عن ~~الإتيان بع معلوم ضرورة ، وكونه في فصاحته خارقا للعادة معلوم ضرورة ~~للعالمين بالفصاحة ووجوه البلاغة ، وسبيل من ليس من أهلها علم ذلك بعجز ~~المفكرين من أهلها عن معارضته واعتراف المفسرين بإعجاز بلاغته . | و أنت ~~إذا تأملت قوله تعالى : ولكم في القصاص حياة [ سورة البقرة - 2 ، الآية : ~~179 ] . | و قوله : ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب . | و ~~قوله : ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم . | و ~~قوله : وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر ~~واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين [ سورة هود - 11 ، الآية : 44 ~~] . | و قوله : فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من ~~أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا [ سورة العنكبوت - ~~29 ، الآية : 40 ] . | PageV01P200 و أشباهها من الآي ، بل أكثر القرآن ~~حققت ما بينته من إيجار ألفاظها ، وكثرة معانيه ، وديباجة عبارتها ، وحسن ~~تأليف حروفها ، وتلاؤم كلمها ، وأن تحت كل لفظة منها جملا كثيرة ، وفصولا ~~جمة ، وعلوما زواخر ، ملئت الدواوين من بعض ما استفيد منها ، وكثرت ~~المقالات في المستنبطات عنها . | ثم هو في سرده القصص الطوال ، وأخبار ~~القرون السوالف ms144 ، التي يضعف في عادة الفصحاء عندها الكلام ، ويذهب ماء ~~البيان آية لمتأمله ، من ربط الكلام بعضه ببعض ، والتئام سرده ، وتناصف ~~وجوهه ، كقصة يوسف على طولها . | ثم إذا ترددت قصصه اختلفت العبارات عنها ~~على كثرة ترددها حتى تكاد كل واحدة تنسي في البيان صاحبتها ، وتناصف في ~~الحسن وجه مقابلتها ، ولا نفور للنفوس من ترديدها ، ولا معاداة لمعادها . | # | 3 ( فصل في إعجاز القرآن الوجه الثاني ) 3 # | الوجه الثاني من إعجازه صورة نظمه العجيب ، والأسلوب الغريب المخالف ~~لأساليب كلام العرب ومناهج نظمها ونثرها الذي جاء عليه ، ووقفت مقاطع آية ، ~~وانتهت فواصل كلماته إليه ، ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له ، ولا استطاع ~~أحد مماثلة شيء منه ، بل حارت فيه عقولهم ، وتدلهت دونه أحلامهم ، ولم ~~يهتدوا إلى مثله في جنس كلامهم من نثر أو نظم ، أو سجع أو رجز ، أو شعر . | ~~و لما سمع كلامه صلى الله عليه وسلم الوليد بن المغيرة ، وقرأ عليه القرآن ~~رق ، فجاءه أبو جهل منكرا عليه [ 93 ] قال : والله ما منكم أحد أعلم ~~بالأشعار مني ، والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا . | و في خبره الآخر ~~حين جمع قريش عند حضور الموسم ، وقال : إن وفود العرب ترد فأجمعوا فيه رأيا ~~، لا يكذب بعضكم بعضا ، فقالوا : نقول كاهن . قال : والله ما هو بكاهن . ما ~~هو بزمزمته ولا سجعه . | قالوا : مجنون : قال : ما ههو بمجنون ، ولا بخنقه ~~ولا وسوسته . | قالوا : فنقول شاعر . قال : ماهو بشاعر . قد عرفنا الشعر ~~كله ، رجزه ، وهزجه ، وقريضه ، ومبسوطه ، ومقبوضه ، ما هو بشاعر . | ~~PageV01P201 قالوا : فنقول ساحر . قال : ما هو بساحر ، ولا نفثه ولا عقده . ~~| قالوا : فما نقول : قال : ما أنتم بقائلين من هذا شيئا ، إلا وأنا أعرف ~~أنه باطل ، وإن أقرب القول أنه ساحر ، فإنه سحر يفرق بين المرء وابنه ، ~~والمرء وأخيه ، والمرء وزوجه ، والمرء وعشيرته . | فتفرقوا وجلسوا على ~~السبل يحذرون الناس ، فأنزل الله تعالى في الوليد : ذرني ومن خلقت وحيدا * ~~وجعلت له مالا ممدودا * وبنين شهودا * ومهدت له تمهيدا * ثم يطمع أن أزيد * ~~كلا إنه ms145 كان لآياتنا عنيدا * سأرهقه صعودا * إنه فكر وقدر * فقتل كيف قدر * ~~ثم قتل كيف قدر * ثم نظر * ثم عبس وبسر * ثم أدبر واستكبر * فقال إن هذا ~~إلا سحر يؤثر [ سورة المدثر - 74 ، الآية 11 ، 24 ] . | و قال عتبة بن ~~ربيعة حين سمع القرآن : يا قوم ، قد علمتم أني لم أترك شيئا إلا وقد علمته ~~وقرأته وقلته ، والله لقد سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط ، ما هو بالشعر ~~، ولا بالسحر ، ولا بالكهانة . | و قال النضر بن الحارث نحوه . | و في حديث ~~إسلام أبو ذر ووصف أخاه أنيسا ، فقال : والله ما سمعت بأشعر من أخي أنيس ، ~~لقد ناقض اثني عشر شاعرا في الجاهلية ، أنا أحدهم ، وإنه انطلق إلى مكة ، ~~وجاء إ لى أبي ذر بخبر النبي صلى الله عليه وسلم . قلت : فما يقول الناس ؟ ~~قال : يقولون : شاعر : كاهن ، ساحر ، لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم ، ~~ولقد وضعته على أقراء الشعر فلم يلتئم ، وما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه ~~شعر ، وإنه لصادق ، وإنهم لكاذبون . | و الأخبار في هذا صحيحة كثيرة . | و ~~الإعجاز بكل واحد من النوعين : الإيجاز والبلاغة بذاتها ، أو الأسلوب ~~الغريب بذاته ، كل واحد منهما نوع إعجازه على التحقيق ، لم تقدر العرب على ~~الإتيان بواحد منهما ، إذا كل واحد خارج عن قدرتها ، مباين لفصاحتها ~~وكلامها ، وإلى هذا ذهب غير واحد من أئمة المحققين . | و ذهب بعض [ ~~المحققين ] المقتدي بهم إلى أن الإعجاز في مجموع البلاغة والأسلوب ، وأتى ~~على ذلك بقول تمجه الأسماع ، وتنفر منه القلوب . | و الصحيح ما قدمناه ، ~~والعلم بهذا كله ضرورة قطعا . | PageV01P202 و من تفنن في علوم البلاغة ، ~~وأرهف خاطره ولسانه أدب هذه الصناعة لم يخف عليه ما قلناه . | و قد اختلف ~~أئمة أهل السنة في وجه عجزهم عنه ، فأكثرهم يقول : إنه ما جمع في قوة ~~جزالته ، ونصاعة ألفاظه ، وحسن نظمه ، وإيجازه ، وبديع تأليفه وأسلوبه لا ~~يصح أن يكون في مقدور البش ر ، وأنه من باب الخوارق الممتنعة عن إقدار ~~الخلق عليها ، كإحياء الموتى ، وقلب العصا ، وتسبيح ms146 الحصى . | و ذهب الشيخ ~~أبو الحسن إلى أن مما يمكن أن يدخل مثله تحت مقدور البشر ، ويقدرهم الله ~~عليه ، ولكنه لم يكن هذا ولا يكون ، فمنهم الله هذ 1 [ 94 ] ، وعجزهم عنه . ~~| و قال به جماعة من أصحابه . | و على الطريقين فعجز العرب عنه ثابت ، ~~وإقامة الحجة عليهم بما يصح أن يكون في مقدور البشر ، وتحديهم بأن يأتوا ~~بمثله قاطع ، وهو أبلغ في التعجيز ، وأحرى بالتقريع ، والإحتجاج بمجيء بشر ~~مثلهم بشيء ليس من قدرة البشر لا زم ، وهو أبهر آية ، وأقمع دلالة . | و ~~على كل حال فما أتوا في ذلك بمقال ، بل صبروا على الجلاء ، والقتل ، ~~وتجرعوا كاسات الصغار والذل ، وكانوا من شموخ الآنف ، وإباية الضيم ، بحيث ~~لا يؤثرون ذلك اختيارا ، ولا يرضونه إلا اضطرارا ، وإلا فالمعارضة لو كانت ~~من قدرهم ، الشغل بها أهون عليهم وأسرع بالنجح وقطع العذر وإفحام الخصم ~~لديهم ، وهم ممن لهم قدرة على الكلام ، وقدوة في المعرفة به لجميع الأنام ، ~~وما منهم إلا من جهد جهده ، واستنفد ما عنده في إخفاء ظهوره ، وإطفاء نوره ~~، فما جلوا في ذلك خبيئة من بنات شفاههم ، ولا أتوا بنطفة من معين مياههم ، ~~مع طول الأمد ، وكثرة العدد ، وتظاهر الوالد وما ولد ، بل أبلسوا فما نبسوا ~~، ومنعوا فانقطعوا ، فهذان نوعان من إعجازه . | # | 3 ( فصل في إعجاز القرآن الوجه الثالث ) 3 # | الوجه الثالث من الإعجاز ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات ، وما لم ~~يكن ولم يقع ، فوجد ، كما ورد ، وعلى الوجه الذي أخبر به ، كقوله تعالى : ~~لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين [ سورة الفتح - 48 ، الآية : 27 ] ~~. | PageV01P203 و قوله تعالى : وهم من بعد غلبهم سيغلبون [ سورة الروم - ~~30 ، الآية : 3 ] . | و قوله : ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون [ ~~سورة التوبة - 9 ، الآية : 33 ] . | و قوله : وعد الله الذين آمنوا منكم ~~وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن ~~لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون ~~بي شيئا ومن كفر بعد ذلك ms147 فأولئك هم الفاسقون [ سورة النور - 24 ، الآية : ~~55 ] . | و قوله : إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين ~~الله أفواجا * فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا [ سورة النصر - 110 ، ~~الآية : 1 ، 3 ] . | فكان جميع هذا ، كما قال ، فغلبت الروم فارس في بضع ~~سنين ، ودخل الناس في الإسلام أفواجا ، فما مات صلى الله عليه وسلم وفي ~~بلاد العرب كلها موضع لم يدخ له الإسلام . | و استخلف الله المؤمنين في ~~الأرض ، ومكن فيها دينهم ، وملكهم إياها من أقصى المشارق إلى أقصى المغارب ~~، كما قال عليه السلام : زويت إلى الأرض ، فأريت مشارقها ومغاربها ، وسيبلغ ~~ملك أمتي ما زوي لي منها . | و قوله : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ~~، فكان كذلك ، لا يكاد يعد من سعى في تغييره وتبديل محكمه من الملحدة ~~والمعطلة ، لا سيما القرامطة ، فأجمعوا كيدهم وحولهم وقوتهم ، اليوم نيفا ~~على خمسمائة عام ، فما قدروا على إطفاء شيء من نوره ، ولا تغيير كلمة من ~~كلامه ، ولا تشكيك المسلمين في حرف من حروفه ، والحمد لله . | و منه قوله : ~~سيهزم الجمع ويولون الدبر [ سورة القمر - 54 ، الآية : 45 ] . | و قوله : ~~قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين [ ~~سورة التوبة - 9 ، الآية : 14 ] . | و قوله : هو الذي أرسل رسوله بالهدى ~~ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون [ سورة التوبة - 9 ، ~~الآية : 33 ] . | PageV01P204 و قوله : لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم ~~يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون . فكان كل ذلك . | و ما فيه من كشف أسرار ~~المنافقين واليهود ، ومقالهم وكذبهم في حلفهم ، وتقريعهم بذلك ، كقوله : ~~ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول . | و قوله : يخفون في أنفسهم ~~ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم ~~في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في ~~صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور . | و قوله ومن الذين ~~هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين ms148 لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه ~~يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن ~~تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في ~~الدنيا خزي ولهم في الآخرة عذاب عظيم [ سورة المائدة - 5 الآية : 41 ] . | ~~و قوله : من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا ~~واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين [ 95 ] [ سورة النساء - ~~4 ، الآية : 46 ] . | و قد قال مبديا ، ما قدره الله واعتقده المؤمنين يوم ~~بدر : وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة ~~تكون لكم سورة الأنفال / 8 ، الآية : 7 ] . | و منه قوله تعالى : إنا ~~كفيناك المستهزئين [ سورة الحجر - 15 ، الآية : 95 ] . | و لما نزلت بشر ~~النبي صلى الله عليه وسلم نذلك أصحابه بأن الله كفاه إياهم ، وكان ~~المستهزئون نفرا بمكة ينفرون الناس عنه ويؤذونه فهلكوا . | و قوله والله ~~يعصمك من الناس ، فكان كذلك على كثرة من رام ضره ، وقصد قتله ، والأخبار ~~بذلك معروفة صحيحة . | # | 3 ( فصل في إعجاز القرآن الوجه الرابع ) 3 # | الوجه الرابع ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة ، والأمم البائدة ، ~~والشرائع الداثرة ، مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذ من أخبار ~~أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلم ذلك ، فيورده النبي صلى الله عليه وسلم ~~على وجهه ، ويأتي به على نصه ، فيعترف العالم بذلك PageV01P205 بصحته وصدقه ~~، وأن مثله لم ينله بتعليم . | و قد علموا أنه صلى الله عليه وسلم أمي لا ~~يقرأ ولا يكتب ، ولا اشتغل بمدارسة ولا مثافنة ، ولم يغب عنهم ، ولا جهل ~~حاله أحد منهم . | و قدكان أهل الكتاب كثيراما يسألونه صلى الله عليه وسلم ~~عن هذا ، فينزل عليه من القرآن ما يتلو عليهم منه ذكرا ، كقصص الأنبياء مع ~~قومهم ، وخبر موسى والخضر ، ويوسف وإخوته ، وأصحاب الكهف ، وذي القرنين ، ~~ولقمان وابنه ، وأشباه ذلك من الأنبياء [ و القصص ] ، وبدء الخلق وما في ~~التوراة ، والإنجيل ، والزبور ، وصحف إبراهيم وموسى ms149 ، مما صدقه فيه العلماء ~~بها ، ولم يقدروا على تكذيب ما ذكر منها ، بل أذعنوا لذلك ، فمن موفق آمن ~~بما سبق له من خير ، ومن شقي معاند حاسد ، ومع هذا لم يحك عن واحد من ~~النصارى واليهود على شدة عداوتهم له ، وحرصهم على تكذيبه ، وطول احتجاجه ~~عليهم بما في كتبهم ، وتقريعهم بما انطوت عليه مصاحفهم ، وكثرة سؤالهم له ~~صلى الله عليه وسلم ، وتعنيتهم إياه عن أخبار أنبيائهم ، وأسرار علومهم ، ~~ومستودعات سيرهم ، وإعلامه لهم بمكتوم شرائعهم ومضمنات كتبهم ، مثل سؤالهم ~~عن الروح ، وذي القرنين ، وأصحاب الكهف ، وعيسى ، وحكم الرجم وما حرم ~~إسرائيل على نفسه ، وما حرم عليهم من الأنعام ، ومن طيبات أحلت لهم فحرمت ~~عليهم ببغيهم . | و قوله : ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع ~~أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار [ ~~سورة الفتح - 48 ، الآية : 29 ] . | و غير ذلك من أمورهم التي نزل فيها ~~القرآن ، فأجابهم وعرفهم بما أوحى إليه من ذلك أنه أنكر ذلك أو كذبه ، بل ~~أكثرهم صرح بصحة نبوته ، وصدق مقالته ، واعترف بعناده وحسدهم إياه ، كأهل ~~بجران ، وابن صوريا ، وابني أخطب وغيرهم . | و من باهت في ذلك بعض المباهتة ~~، وادعى أن فيما عندهم من ذلك لما حكاه مخالفة دعي إلى إقامة حجته ، وكشف ~~دعوته ، فقيل له : قل فاتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين * فم ن افترى ~~على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون . | PageV01P206 فقرع ووبخ ، ~~ودعا إلى إحضار ممكن غير ممتنع ، فمن معترف بما جحده ، ومتواقح يلقي على ~~فضيحته من كتابه يده . | و لم يؤثر أن واحدا منهم أظهر خلاف قوله من كتبه ، ~~ولا أبدى صحيحا ولا سقيما من صفحه ، قال الله تعالى : يا أهل الكتاب قد ~~جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد ~~جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ~~ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم [ سورة ~~المائدة - 5 ، الآية : 15 ms150 ، 16 ] . | # | 3 ( فصل هذه الوجوه الأربعة من الإعجاز لا نزاع فيها ولا مرية ) 3 # | هذه الوجوه الأربعة من إعجازه بينة لا نزاع فيها ولا مرية . | و من ~~الوجوه البينة في إعجازه من غير هذه الوجوه آي وردت بتعجيز قوم في قضايا ، ~~وإعلامهم أنهم لا يفعلونها فما فعلوا ولا قدروا على ذلك ، كقوله لليهود : ~~قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن ~~كنتم صادقين * ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم [ سورة البقرة - 2 ، الآية ~~: 94 ، 95 ] . | قال أبو إسحاق الزجاج : في هذه الآية أعظم حجة وأظهر دلالة ~~على صحة الرسالة ، لأنه قال : فتمنوا الموت ، وأعلمهم أنهم لن يتمنوه أبدا ~~، فلم يتمنه واحدا منهم . | و عن النبي صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي ~~بيده لا يقولها رجل منهم إلا غص بريقه يعني يموت مكانه . | فصرفهم الله عن ~~تمنيه وجزعهم ، ليظهر صدق رسوله ، وصحة ما أوحي إليه ، إذا لم يتمنه أحد ~~منهم ، وكانوا على تكذيبه أحرص لو قدروا ، ولكن الله يفعل ما يريد ، فظهرت ~~بذلك معجزته ، وبانت حجته . | قال أبو محمد الأصيلي : من أعجب أمرهم أنه لا ~~يوجد منهم جماعة ، ولا واحد ، من يوم أمر الله بذلك نبيه يقدم عليه ، ولا ~~يجيب إليه . | و هذا موجود مشاهد لمن أراد أن يمتحنه منهم . | و كذلك آية ~~المباهلة من هذا المعنى ، حيث وفد عليه أساقفة نجران وأبوا الإسلام ، فأنزل ~~الله تعالى عليه آية المباهلة بقوله : فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من ~~العلم PageV01P207 فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم ~~وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين [ سورة آل عمران - ~~3 ، الآية : 61 ] . | فامتنعوا منها ، ورضوا بأداء الجزية ، وذلك أن [ ~~العاقب ] عظيمهم قال لهم : قد علمتم أنه نبي ، وأنه ما لاعن قوما نبي قط ~~فبقي كبيرهم ولا صغيرهم . | و مثله قوله : وإن كنتم في ريب مما نزلنا على ~~عبدنا فاتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين * ~~فإن لم تفعلوا ولن ms151 تفعلوا . | فأخبرهم أنهم لا يفعلون ، كما كان . | و هذه ~~الآية أدخل في باب الإخبار عن الغيب ، ولكن فيها من التعجيز ما في التي ~~قبلها . | # | 3 ( فصل من موجه الإعجاز : الروعة التي تلحق قلوب سامعي القرآن ) 3 # | و منها الروعة التي تلحق قلوب سامعيه وأسماعهم عند سماعه ، والهيبة ~~التي تعتريهم عند تلاوته لقوة حاله ، وإنافة خطره ، وهي على المكذبين به ~~أعظم ، حتى كانوا يستثقلون سماعه ، ويزيدهم نفورا ، كما قال تعالى ، ويودون ~~انقطاعه لكراهتهم له . | و لهذا قال صلى الله عليه وسلم : إن القرآن صعب ~~مستصعب على من كرهه ، وهو الحكم ، وأما المؤمن فلا تزال روعته به ، وهيبته ~~إياه ، مع تلاوته توليه انجذابا ، وتكسبه هشاشة ، لميل قلبه إليه ، وتصديقه ~~به ، قال تعالى : تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم ~~إلى ذكر الله [ سورة الزمر - 39 ، الآية : 23 ] . | و قال : لو أنزلنا هذا ~~القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها ~~للناس لعلهم يتفكرون [ سورة الحشر - 59 ، الآية : 21 ] . | و يدل على أن ~~هذا شيء خص به أنه يعتري من لا يفهم معانيه ، ولا يعلم تفاسيره ، كما روي ~~عن نصراني أنه مر بقارئ فوقف يبكي ، فقيل له : مم بكيت ؟ قال : للشجا ~~والنظم . | و هذه الروعة قد اعترت جماعة قبل الإسلام وبعده ، ف منهم من ~~أسلم لها لأول وهلة وآمن به ، ومنهم من كفر . | PageV01P208 فحكي في الصحيح ~~، عن جبير بن مطعم ، قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب ~~بالطور ، فلما بلغ هذه الآية : أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون * أم ~~خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون * أم عندهم خزائن ربك أم هم المصيطرون ~~كاد قلبي أن يطير للإسلام . | و في رواية : وذلك أول ما وقر الإيمان في ~~قلبي . | و عن عتبية بن ربيعة أنه كلم النبي صلى الله عليه وسلم فيما جاء ~~به من خلاف قومه ، فتلا عليهم : حم * تنزيل من الرحمن الرحيم * كتاب فصلت ~~آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون * بشيرا ونذيرا ms152 فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون ~~* وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك ~~حجاب فاعمل إننا عاملون * قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله ~~واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين * الذين لا يؤتون الزكاة وهم ~~بالآخرة هم كافرون * إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون * ~~قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب ~~العالمين * وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في ~~أربعة أيام سواء للسائلين * ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ~~ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين * فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى ~~في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز ~~العليم * فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود [ سورة فصلت - ~~41 ، الآية : 1 ، 13 ] . | فامسك عتبة بيده على في النبي صلى الله عليه ~~وسلم ، وناشده الرحم أن يكف . | و في رواية : فجعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقرأ وعتبة مصغ ملق يديه خلف ظهره ، معتمد عليهما ، حتى انتهى إلى ~~السجدة ، فسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، وقام عتبة لا يدري بما يراجعه ، ~~ورجع إلى أهله ، ولم يخرج إلى قومه حتى أتوه ، فاعتذر لهم ، وقال : والله ~~لقد كلمني بكلام والله ما سمعت أذناي بمثله قط فما دريت ما أقول له . | و ~~قد حكي عن غير واحد ممن رام معارضته أنه اعترته روعة وهيبة كف بها عن ذلك . ~~| فحكي أن ابن المقفع طلب ذلك ورامه ، وشرع فيه ، فمر بصبي يقرأ : وقيل يا ~~أرض ابلعي ماءك فرجع فمحا ما عمل ، وقال : أشهد أن هذا لا يعارض ، وما هو ~~PageV01P209 من كلام البشر ، وكان من أفصح أهل وقته . | و كان يحيى بن حكم ~~الغزال بليغ الأندلس في زمنه ، فحكي أنه رام شيئا من هذا فنظر في سورة ~~الإخلاص ليحذو على مثالها ، وينسج بزعمه على منوالها قال : فاعترتني خشية ~~ورقة حملتني على التوبة والإنابة . | # | 3 ( فصل ms153 في وجوه أخرى للإعجاز ) 3 # | و من وجوه إعجازه المعدودة كونه آية باقية لا تعدم ما بقيت الدنيا مع ~~تكفل الله بحفظه ، فقال : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون [ سورة ~~الحجر - 15 ، الآية : 9 ] . | و قال : لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه تنزيل من حكيم حميد . | و سائر معجزات الأنبياء انقضت بانقضاء أوقاتها ~~، فلم يبق إلا خبرها ، والقرآن العزيز ، الباهرة آياته ، الظاهرة معجزاته ~~على ما كان عليه اليوم مدة خمسمائة عام وخمس وثلاثين سنة لأول نزوله إلى ~~وقتنا هذا حجته قاهرة ، ومعارضته ممتنعة ، والأعصار كلها طافحة بأهل البيان ~~، وحملة علم اللسان ، وأئمة البلاغة ، وفرسان الكلام ، وجهابذة البراعة ، ~~والملحد فيهم كثير ، والمعادي للشرع عتيد ، فما منهم من أتى بشيء يؤثر في ~~معارضته ، ولا ألف كلمتين في مناقضته ، ولا قدر فيه على مطعن صحيح ، ولا ~~قدح المتكلف من ذهنه في ذلك إلا بزند شحيح ، بل المأثور عن كل من رام ذلك ~~إلقاؤه في العجز بيديه ، والنكوص على عقبيه . | # | 3 ( فصل في وجوه أخرى للإعجاز ) 3 # | و قد عد جماعة من الأثمة ومقلدي الأمة في إعجازه وجوها كثيرة ، منها أن ~~قارئه لا يمله ، وسامعه لا يمجه ، بل الإكباب على [ 97 ] تلاوته يزيد حلاوة ~~، وترديده يوجب له محبة ، لا يزال غضا طريا ، وغيره من الكلام ولو بلغ في ~~الحسن والبلاغة مبلغه يمل مع الترديد ، ويعادى إذا أعيد ، وكتابنا يستلذ به ~~في الخلوات ، ويونس بتلاوته في الأزمات ، وسواه من الكتب لا يوجد فيها ذلك ~~، حتى أحدث أصحابها لحونا وطرقا يستجلبون بتلك اللحون تنشيطهم على قراءتها ~~. | PageV01P210 و لهذا وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن بأنه لا ~~يخلق على كثرة الرد ، ولا تنقضي عبره ، ولا تفنى عجائبه ، هو الفصل ليس ~~بالهزل ، لا يشبع منه العلماء ، ولا تزيغ به الأهواء ، ولا تلتبس به ~~الألسنة ، هو الذي لم تنته الجن حين سمعته أن قالوا : إنا سمعنا قرآنا عجبا ~~* يهدي إلى الرشد [ سورة الجن - 72 ، الآية : 1 ، 2 ] . | و منها جمعه ~~لعلوم ومعارف لم ms154 تعهد العرب عامة ولا محمد صلى الله عليه وسلم قبل نبوته ~~خاصة ، بمعرفتها ، ولا القيام بها ، ولا يحيط بها أحد من علماء الأمم ، ولا ~~يشتمل عليها كتاب من ك تبهم ، فجمع فيه من بيان علم الشرائع ، والتنبيه على ~~طرق الحجج العقليات ، والرد على فرق الأمم ، ببراهين قوية ، وأدلة بينة ~~سهلة الألفاظ ، موجزة المقاصد ، رام المتخذلقون بعد أن ينصبوا أدلة مثلها ~~فلم يقدروا عليها كقوله تعالى : أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على ~~أن يخلق مثلهم [ سورة يس - 36 ، الآية : 81 ] . | و : قل يحييها الذي ~~أنشأها أول مرة [ سورة يس - 36 ، الآية : 79 ] . | و : لو كان فيهما آلهة ~~إلا الله لفسدتا [ سورة الأنبياء - 21 ، الآية : 22 ] . | إلى ما حواه من ~~علوم السير ، وأنباء الأمم ، والمواعظ ، والحكم ، وأخبار الدار الآخرة ، ~~ومحاسن الآداب والشيم . | قال الله جل اسمه : ما فرطنا في الكتاب من شيء [ ~~سورة الأنعام - 6 ، الآية : 38 ] . | و : ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل ~~شيء [ سورة النحل - 16 ، الآية : 89 ] . | و : ولقد ضربنا للناس في هذا ~~القرآن من كل مثل [ سورة الورم - 30 ، الآية : 58 ] . | و قال صلى الله ~~عليه وسلم : إن الله أنزل هذا القرآن آمرا وزاجرا ، وسنة خالية ، ومثلا ~~مضروبا ، فيه نبؤكم ، وخبر ما كان قبلكم ، ونبأ ما ب عدكم ، وحكم ما بينكم ~~، لا يخلقه طول الرد ، ولا تنقضي عجائبه ، هو الحق ليس بالهزل ، من قال به ~~صدق ، ومن حكم به عدل ، ومن خاصم به فلج ، ومن قسم به أقسط ، ومن عمل به ~~أجر ، ومن تمسك به هدي إلى صراط مستقيم ، ومن طلب الهدى من غيره أضله الله ~~، ومن حكم بغيره قصمه الله ، هو الذكر الحكيم ، والنور المبين ، والصراط ~~المستقيم ، وحبل الله المتين ، والشفاء النافع ، عصمة لمن تمسك به ، ونجاة ~~لمن اتبعه ، لا يعوج فيقوم ، ولا يزيغ فيستعتب ، ولا تنقضي عجائبه ، ولا ~~يخلق على كثرة الرد . | PageV01P211 و نحوه عن ابن مسعود ، وقال فيه : ولا ~~يختلف ولا يتشانا ، فيه نبأ الأولين والآخرين . | و في الحديث : قال الله ~~تعالى لمحمد صلى الله ms155 عليه وسلم : إني منزل عليك توراة حديثة ، تفتح بها ~~أعينا عميا ، وآذانا صما ، وقلوبا غلفا ، فيها ينابيع العلم ، وفهم الحكمة ~~، وربيع القلوب . | و عن كعب : عليكم بالقرآن ، فإنه فهم العقول ، و نور ~~الحكمة . | و قال الله تعالى : إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر ~~الذي هم فيه يختلفون [ سورة النمل - 27 ، الآية : 76 ] . | و قال : هذا ~~بيان للناس وهدى وموعظة للمت قين [ سورة آل عمران - 3 ، الآية : 138 ] . | ~~فجمع [ 98 ] فيه مع وجازة ألفاظه ، وجوامع كلمة أضعاف ما في الكتب قبله ~~التي ألفاظها على الضعف منه مرات . | و منها جمعه فيه بين الدليل ومدلوله ، ~~وذلك أنه احتج بنظم القرآن ، وحسن رصفه وإيجازه وبلاغته ، وأثناء هذه ~~البلاغة أمره ونهيه ، ووعده ووعيده ، فالتالي له يفهم موضع الحجة والتكليف ~~معا من كلام واحد وسورة منفردة . | و منها أن جعله في حيز المنظوم الذي لم ~~يعهد ، ولم يكن في حيز المنشور ، لأن المنظوم أسهل على النفوس ، وأوعى ~~للقلوب ، وأسمع في الآذان ، واحلى على الأفهام ، فالناس إليه أميل ، ~~والأهواء إليه أسرع . | و منها تيسيره تعالى حفظه لمتعلميه ، وتقريبه على ~~متحفظيه ، قال الله تعالى : ولقد يسرنا القرآن للذكر [ سورة القمر - 54 ، ~~الآية : 17 ] . | و سائر الأمم لا يحفظ كتبها الواحد منهم ، فكيف الجماء ~~على مرور السنين عليهم . والقرآن ميسر حفظه للغلمان في أقرب مدة . | و منها ~~مشاكلة بعض أجزائه بعضا ، وحسن ائتلاف أنواعها ، والتئام أقسامها ، وحسن ~~التخلص من قصة إلى أخرى ، والخروج من باب إلى غيره على اختلاف معانيه ، ~~وانقسام السورة الواحدة إلى أمر ونهي ، وخبر واستخبار ، ووعد ووعيد ، ~~وإثبات نبوة ، وتوحيد وتفريد ، وترغيب وترهيب ، إلى غير ذلك من فوائده ، ~~دون خلل يتخلل فصوله . | PageV01P212 و الكلام الفصيح إذا اعتروه مثل هذا ~~ضعفت قوته ، ولانت جزالته ، وقل رونقه ، وتقلقت ألفاظه . | فتأمل أول [ ص ] ~~، وما جمع فيها من أخبار الكفار وشقاقهم وتقريعهم بإهلاك القرون من قبلهم ، ~~وما ذكرمن تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وتعجبهم مما أتى به ، والخبر ~~عن اجتماع ملئهم على الكفر وما ظهر من ms156 الحسد في كلامهم ، وتعجيزهم وتوهينهم ~~، و وعيدهم بخزي الدنيا والأخرة ، و تكذيب الأمم قبلهم ، و إهلاك الله لهم ~~، ووعيد هؤلاء مثل مصابهم ، وتصبير النبي علىأذاهم وتسليته بكل ما تقدم ~~ذكره ، ثم أخذ في ذكر داود وقصص الأنبياء ، كل هذا في أوجز كلام وأحسن نظام ~~. | و منه الجملة الكثيرة التي انطوت عليها الكلمات القليلة ، وهذا كله ~~وكثير مما ذكرنا أنه ذكر في إعجاز القرآن ، إلى وجوه كثيرة ذكرها الأئمة لم ~~نذكرها ، إذ أكثرها داخل في باب بلاغته ، فلا يجب أن يعد فنا منفردا في ~~إعجازه ، إلا في باب تفضيل فنون البلاغة ، وكذلك كثير مما قدمنا ذكره عنهم ~~يع د في خواصه وفضائله ، لا إعجازه . | و حقيقة الإعجاز الوجوه الأربعة ~~التي ذكرنا ، فليعتمد عليها ، وما بعدها من خواص القرآن وعجائبه التي لا ~~تنقضي . والله ولي التوفيق . | # | 3 ( فصل في انشقاق القمر وحبس الشمس ) 3 # | قال الله تعالى : اقتربت الساعة وانشق القمر * وإن يروا آية يعرضوا ~~ويقولوا سحر مستمر [ سورة القمر - 54 ، الآية : 1 ، 2 ] . | أخبر تعالى ~~بوقوع انشقاقه بلفظ الماضي ، وإعراض الكفرة عن آياته ، وأجمع المفسرون وأهل ~~السنة على وقوعه . | أخبرنا الحسين بن محمد [ 99 ] الحافظ من كتابه ، حدثنا ~~القاضي سراج بن عبد الله ، حدثنا الأصيلي ، حدثنا المروزي ، حدثنا الفربري ~~، حدثنا البخاري ، حدثنا مسدد ، حدثنا يحي ، عن شعبة ، وسفيان ، عن الأعمش ~~، عن إبراهيم ، عن أبي معمر ، عن ابن مسعود رضي الله عنه ، قال : انشق ~~القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين : فرقة فوق الجبل ، ~~وفرقة دونه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اشهدوا . | و في رواية ~~مجاهد : و نحن مع النبي صلى الله عليه وسلم . | و في بعض طرق الأعمش : ونحن ~~بمنى . | PageV01P213 و رواه أيضا عن ابن مسعود الأسود ، وقال : حتى رأيت ~~الجبل بين فرجتي القمر . | و رواه عنه مسروق أنه كان بمكة وزاد : فقال كفار ~~قريش : سحركم ابن أبي كبشة ! | فقال رجل منهم : إن محمدا إن كان سحر القمر ~~فإنه لا يبلغ من سحره أن يسحر الأرض ms157 ، كلها ، فاسألوا من يأتيكم من بلد آخر ~~: هل رأوا هذا ؟ فأتوا ، فسألوهم فأخبروهم أنهم رأوا مثل ذلك . | و حكى ~~السمرقندي عن الضحاك نحوه ، وقال : فقال أبو جهل : هذا سحر ، فابعثوا إلى ~~أهل الآفاق حتى تنظروا : أرأوا ذلك أم لا ؟ | فأخبرأهل الآفاق أنهم رأوه ~~منشقا ، فقالوا يعني الكفار : هذا سحر مستمر . | و رواه أيضا عن ابن مسعود ~~علقمة ، فهؤلاء أربعة عن عبد الله . | و قد رواه غير ابن مسعود ، كما رواه ~~ابن مسعود ، منهم أنس ، وابن عباس وابن عمر ، وحذيفة ، وعلي ، وجبير بن ~~مطعم ، فقال علي من رواية أبي حذيفة الأرحبي : انشق القمر ونحن مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم . | و عن أنس : سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن يريهم آية ، فأراهم انشقاق القمر فرقتين حتى رأوا حراء بينهم . | رواه ~~عن أنس قتادة . | و في رواية معمر وغيره ، عن قتادة ، عنه : أراهم القمر ~~مرتين انشقاقه ، فنزلت : اقتربت الساعة وانشق القمر [ سورة القمر - 54 ، ~~الآية : 1 ] . | و رواه عن جبير بن مطعم ابنه محمد وابن ابنه جبير بن محمد ~~. | و رواه عن ابن عباس عبيد الله بن عبد الله بن عتبة . | و رواه عن ا بن ~~عمر مجاهد ، ورواه عن حذيفة أبو عبدالرحمن السلمي ومسلم بن PageV01P214 أبي ~~عمران الأزدي . | و أكثر طرق هذه اللأحاديث صحيحة ، والآية مصرحة ، ولا ~~يلتفت إلى اعتراض مخذول ، بأنه لو كان هذا لم يخف على أهل الأرض ، إذ هو ~~شيء ظاهر لجميعهم ، إذ لم ينقل لنا عن أهل الأرض أنهم رصدوه تلك الليلة فلم ~~يروه انشق ، ولو نقل إلينا عمن لا يجوز تمالؤهم لكثرتهم على الكذب ، لما ~~كانت علينا به حجة ، إذ ليس القمر في حد واحد لجميع أهل الأرض ، فقد يطلع ~~على قوم قبل أن يطلع على آخرين ، وقد يكون من قوم بضد ما هو من مقابليهم من ~~أقطار الأرض ، أو يحول بين قوم وبينه سحاب أو جبال ، ولهذا نجد الكسوفات في ~~بعض البلاد دون بعض ، وفي بعضها جزئية ، وفي بعضها كلية ، وفي بعضها ms158 لا ~~يعرفها إلا المدعوون لعلمها ، ذلك تقدير العزيز العليم . | و آية القمر ~~كانت ليلا ، والعادة من الناس بالليل الهدو والسكون وإيجاف الأبواب ، وقطع ~~التصرف ، ولا يكاد يعرف من أمور [ 100 ] السماء شيئا ، إلا من رصد ذلك ، ~~واهتبل به | و لذلك ما يكون الكسوف القمري كثيرافي البلاد ، وأكثرهم لا ~~يعلم به حتى ينجز ، وكثيرا ما يحدث الثقات بعجائب يشاهدونها من أنوار ونجوم ~~طوالع عظام تظهر في الأحيان بالليل في السماء ، ولا علم عند أحد منها . | و ~~خرج الطحاوي في مشكل الحديث ، عن أسماء بنت عميس من طريقين أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يوحي إليه ، ورأسه في حجر علي فلم يصل العصر حتى غربت ~~الشمس ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أصليت ياعلي ؟ قال : لا . | فقال ~~: اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس . | قالت أسماء : ~~فرأيتها غربت ، ثم طلعت بعد ما غربت ، ووقفت على الجبال والأرض ، وذلك ~~بالصهباء في خيبر . | قال وهذان الحديثان ثابتان ورواتهما ثقات . | و حكى ~~الطحاوي أن أحمد بن صالح كان يقول : لا ينبغي لمن يكون سبيله العلم المتخلف ~~عن حفظ حديث أسماء ، لأنه من علامات النبوة . | و روى يونس بن بكير في ~~زيادة المغازي في روايته عن ابن إسحاق : لما أسري PageV01P215 برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، وأخبر قومه بالرفقة والعلامة التي في العير قالوا : ~~متى تجيء ؟ قال : يوم الأربعاء ، فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينظرون وقد ~~ولى النهار ولم تجيء ؟ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فزيد له في ~~النهار ساعة ، وحبست عليه الشمس . | # | 3 ( فصل في نبع الماء من بين أصابعه وتكثيره بركة ) 3 # | [ قال المؤلف رحمه الله ] : | أما الأحاديث في هذا فكثيرة جدا . | روى ~~حديث نبع الماء من أصابعه صلى الله عليه وسلم جماعة من الصحابة ، منهم أنس ~~، وجابر ، وابن مسعود : | حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن جعفر الفقيه بقراءتي ~~عليه ، حدثنا القاضي عيسى بن سهل ، حدثنا أبو القاسم حاتم بن محمد ، حدثنا ~~أبو عمر بن الفخار ، حدثنا أبو ms159 عيسى ، حدثنا يحيى ، حدثنا مالك ، عن إسحاق ~~بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه : رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، وحانت صلاة العصر ، فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه ، ~~فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء ، فوضع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في ذلك الإناء يده ، وأمر الناس أن يتوضئوا منه . | قال : فرأيت الماء ~~ينبع من بين أصابعه ، فتوضأ حتى توضئوا من عند آخرهم . | و رواه أيضا عن ~~أنس قتادة ، وقال : بإناء فيه ماء يغمر أصابعه أو لا يكاد يغمر . | قال : ~~كم كنتم ؟ قال : كنا زهاء ثلاثمائة . | و في رواية عنه : وهم بالزوراء عند ~~السوق . | و رواه أيضا حميد ، وثابت والحسن ، عن أنس . | و في رواية حميد : ~~قلت : كم كانوا ؟ قال : ثمانين . | و نحوه عن ثابت عنه . | و عنه أيضا : ~~وهم نحو من سبعين رجلا . | PageV01P216 و أما ابن مسعود ففي الصحيح من ~~رواية علقمة : بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليس معنا ماء ~~، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : اطلبوا من معه فضل ماء ، فأتى ~~بماء فصبه في إناء ، ثم وضع كفه فيه ، فجعل الماء [ 101 ] ينبع من بين ~~أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم . | و في الصحيح عن سالم بن أبي الجعد ~~، عن جابر رضي الله عنه : عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بين يديه ركوة ، فتوضأ منها ، وأقبل الناس نحوه ، وقالوا : ليس عندنا ~~ماء إلا ما في ركوتك ، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده في الركوة ، فجعل ~~الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون . | و فيه : فقلت : كم كنتم ؟ ~~قالوا : لو كنا مائة ألف لكفانا ، كنا خمس عشرة مائة . | و روي مثله عن أنس ~~، عن جابر ، وفيه أنه كان بالحديبية . | و في رواية الوليد بن عبادة الصامت ~~عنه ، في حديث مسلم الطويل في ذكر غزوة بواط قال : | قال لي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : يا جابر ، ناد ، الوضوء ms160 . . . وذكر الحدي ث بطوله ، وأنه ~~لم يجد إلا قطرة في عزلاء شجب ، فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم ، فغمزه ~~وتكلم بشيء لا أدري ما هو ، وقال : ناد بجفنة الركب ، فأتيت بها ، فوضعتها ~~بين يديه ، وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم بسط يده في الجفنة ، وفرق ~~أصابعه ، وصب جابر عليه ، وقال : بسم الله [ كما أمره صلى الله عليه وسلم ] ~~، قال : فرأيت الماء يفور من بين أصابعه ، ثم فارت الجفنة واستدارت حتى ~~امتلأت ، وأمر الناس بالإستقاء ، فاستقوا حتى رووا . | فقلت : هل بقي أحد ~~له حاجة ؟ فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده من الجفنة وهي ملائ . | و ~~عن الشعبي : أتي النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره بإداوة ماء ، وقيل ~~: ما معنا يا رسول الله ماء غيرها ، فسكبها في ركوة ، ووضع إصبعه وسطها ، ~~وغمسها في الماء ، وجعل الناس يجيئون ويتوضئون ثم يقومون . | قال الترمذي ~~وفي الباب ، عن عمران بن حصين . | PageV01P217 و مثل هذا في هذه المواطن ~~الحفلة والجموع الكثيرة لا تتطرق التهمة إلى المحدث به ، لأنهم كانوا أسرع ~~شيء إلى تكذيبه ، لما جبلت عليه النفوس من ذلك ، ولأنهم كانوا ممن لا يسكت ~~على باطل ، فهؤلاء قد رووا هذا ، وأشاعوه ، ونسبوا حضور الجماء الغفير له ، ~~ولم ينكر أحد من الناس عليهم ما حدثوا به عنهم أنهم فعلوا وشاهدوه ، فصار ~~متصديق جميعهم له . | # | 3 ( فصل مما يشبه هذا من معجزاته ) 3 # | و مما يشبه هذا من معجزاته تفجير الماء ببركته ، وانبعاثه بمسه ودعوته ~~فيما روى مالك في الموطأ عن معاذ بن جبل في قصة غزوة تبوك ، وأنهم وردوا ~~العين وهي تبض بشيء من ماء مثل الشراك ، فغرفوا من العين بأيديهم حتى اجتمع ~~في شيء ، ثم غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه وجهه ويديه ، وأعادة ~~فيها ، فجرت بماء كثير ، فاستقى الناس . | قال في حديث ابن إسحاق : فانخرق ~~من الماء ما له حس كحس الصواعق . | ثم قال : يوشك يا معاذ ، إن طالت بك ~~حياة أن ترى ها هنا قد مليء ms161 جنانا . | و في حديث البراء ، ومسلمة بن الأكوع ~~وحديثه أتم في قصة الحديبية ، وهم أربع عشرة مائة ، وبئرها لا تروي خمسين ~~شاة ، فنزحناها فلم نترك فيها قطرة ، فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على جباها . | قال البراء ، وأتي بدلو منها ، فبصق [ 102 ] فدعا . | و قال ~~سلمة : فإما دعا ، وإما بصق فيها ، فجاشت ، فأرووا أنفسهم وركابهم . | و في ~~غير هذه الروايتين في هذه القصة من طريق ابن شهاب [ في الحديبية ] : | ~~فأخرج سهما من كنانته ، فو ضع في قعر قليب ليس فيه ماء ؟ فروي الناس حت ى ~~ضربوا بعطن . | و عن أبي قتادة وذكر أن الناس شكوا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم العطش في بعض PageV01P218 أسفاره ، فدعا بالميضأة ، فجعلها في ~~ضبنه ، ثم التقم فمها ، فالله أعلم نفث فيها أم لا ، فشرب الناس حتى رووا ~~وملئوا كل إناء معهم ، فخيل إلي أنها كما أخذها مني ، وكانوا اثنين وسبعين ~~رجلا . | و روى مثله عمران بن حصين . | و ذكر الطبري حديث أبي قتادة على ~~غير ما ذكره أهل الصحيح وأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بهم ممدا لأهل ~~مؤتة عندما بلغه قتل الأمراء : | و ذكر حديثا طويلا فيه معجزات وآيات للنبي ~~صلى الله عليه وسلم ، وفيه إعلامهم أنهم يفقدون الماء في غد . | و ذكر حديث ~~الميضأة ، قال : والقوم زهاء ثلاثمائة . | و في كتاب مسلم أنه قال لأبي ~~قتادة : احفظ علي ميضأتك ، فإنه سيكون لها نبأ . . وذكر نحوه . | و من ذلك ~~حديث عمران بن حصين حين أصاب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عطش في بعض ~~أسفارهم ، فوجه رجلين من أصحابه ، وأعلمهما أنهما يجدان امرأة بمكان كذا ~~معها بعير عليه مزادتان . . . الحديث ، فوجداها وأتيا بها إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، فج عل في إناء من مزادتيها ، وقال فيه ما شاء الله أن ~~يقول ، ثم أعاد الماء في المزادتين ، ثم فتحت عزاليهما ، وأمر الناس فملئوا ~~أسقيتهم حتى لم يدعوا شيئا إلا ملئوه . | قال عمران : وتخيل إلي أنهم لم ~~تزدادا إلا امتلاء ، ثم ms162 أمر فجمع للمرأة من الأزواد حتى ملأ ثوبها . وقال : ~~اذهبي ، فإنا لم نأخذ من مائك شيئا ، ولكن الله سقانا . . . الحديث بطوله . ~~| و عن سلمة بن الأكوع : قال نبي الله صلى الله عليه وسلم : هل من وضوء ؟ ~~فجاء رجل بإداوة فيها نطفة فأفرغها في قدح ، فتوضأنا كلنا ندغفقه دغفقة ~~أربع عشرة مائة . . . [ الحديث بطوله ] . | PageV01P219 و في حديث عمر في ~~جيش العسرة : وذكر ما أصابهم من العطش ، حتى إن الرجل لينحر بعيره ، فيعصر ~~فرثه فيشربه ، فرغب أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء ، فرفع ~~يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء فانسكبت ، فملئوا ما معهم من آنية ، ولم ~~تجاوز العسكر . | و عن عمر بن شعيب أن أبا طالب قال للنبي صلى الله عليه ~~وسلم ، وهو رديفه بذي المجاز : عطشت وليس عندي ماء ، فنزل النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، وضرب بقدمه الأرض ، فخرج الماء ، فقال : اشرب . | و الحديث في ~~هذا الباب كثير ، ومنه الإجابة بدعاء الاستسقاء وما جانسه . # # | 3 ( فصل و من معجزاته تكثير الطعام ودعائه ) 3 # | حدثنا القاضي الشهيد أبو علي رحمه الله ، حدثنا العذري ، حدثنا الرازي ~~، حدثنا الجلودي ، حدثنا ابن سفيان ، حدثنا مسلم بن الحجاج ، حدثنا سلمة بن ~~شبيب ، حدثنا الحسن بن أعين ، حدثنا معقل ، عن أبي الزبير ، عن جابر أن ~~رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم [ 103 ] يستطعمه ، فأطعمه شطر وسق شعير ~~، فما زال يأكل منه وامرأته وضيفه حتى كاله ، فأتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم ، فأخبره ، فقال : لو لم تكله لأكلتم منه ولقام بكم . | و من ذلك حديث ~~أبي طلحة المشهور ، وإطعامه صلى الله عليه وسلم ثمانين أو سبعين رجلا من ~~أقراص من شعير جاء بها أنس تحت يده ، أي إبطه ، فأمر بها ففتت ، وقال فيهما ~~ما شاء الله أن يقول . | و حديث جابر في إطعامه صلى الله عليه وسلم يوم ~~الخندق ألف رجل من صاع شعير وعناق . | و قال جابر : فأقسم بالله لأكلوا حتى ~~تركوه وانحرفوا ، وإن برمتنا لتغط كما هي ، وإن عجيننا ليخبز . | و ms163 كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بصق في العجين والبرمة ، وبارك . | ~~PageV01P220 رواه عن جابر سعيد بن ميناء ، وأيمن . | [ وعن ثابت مثله ، عن ~~رجل من الأنصار وامر أته ، ولم يسمهما ، قال : وجيء بمثل الكف ، فجعل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يبسطها في الإناء ويقول ما شاء الله ، فأكل منه من ~~في البيت والحجرة والدار ، وكان ذلك قد امتلأ ممن قدم معه صلى الله عليه ~~وسلم لذلك ، وبقي بعد ما شبعوا مثل ما كان في الإناء ] . | و حديث أبي أيوب ~~أنه صنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر من الطعام زهاء ما ~~يكفيهما ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ادع ثلاثين من أشراف الأنصار ~~فدعاهم فأكلوا حتى تركوا ، ثم قال : ادع ستين فكان مثل ذلك ، ثم قال : ادع ~~سبعين فأكلوا حتى تركوا ، وما خرج منهم أحد حتى أسلم وبايع . | قال أبو ~~أيوب : فأكل من طعامي مائة وثمانون رجلا . | و عن سمرة بن جندب : أتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم بقصعة فيها لحم ، فتعاقبوها من غدوة حتى الليل ، يقوم ~~قوم ويقعد آخرون . | و من ذلك حديث عبد الرحمن بن أبي بكر : كنا مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم ثلاثين ومائة ، وذكر في الحديث أنه عجن صاع من طعام ، ~~وصنعت شاة ، فشوي سواد بطنها قال : وأيم الله ، ما من الثلاثين ومائة إلا ~~وقد حز له حزة من سواد بطنها ثم جعل منا قصعتين ، فأكل نا منها أجمعون ، ~~وفضل في القصعتين ، فحملته على البعير . | و من ذلك حديث عبد الرحمن بن أبي ~~عمرة الأنصاري ، عن أبيه ، ومثله لسلمة بن الأكوع ، وأبي هريرة ، وعمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه ، فذكروا مخمصة أصابت الناس مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم في بعض مغازيه ، فدعا ببقية الأزواد ، فجاء الرجل بالحثية من الطعام ، ~~وفوق ذلك ، وأعلاهم الذي أتى بالصاع من التمر ، فجمعه على نطع . | قال سلمة ~~: فحزرته كربضة العنز ، ثم دعا الناس بأو عيتهم ، فما بقي في الجيش وعاء ~~إلا ملئوه وبقي منه . | و ms164 عن أبي هريرة : أمرني النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن ادعو له أهل الصفة ، فتتبعتهم حتى جمعتهم ، PageV01P221 فوضعت بين ~~أيدينا صفحة ، فأكلنا ما شئنا ، وفرغنا وهي مثلها حين وضعت إلا أن فيها أثر ~~الأصابع . | و عن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه : جمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بني عبد المطلب ، وكانوا أربعين ، منهم قوم يأكلون الجذعة ، ~~ويشربون الفرق ، فصنع لهم مدا من طعام فأكلوا حتى شبعوا ، وبقي كما هو ، ثم ~~دعا بعس ، فشربوا حتى رووا ، وبقي كأنه لم يشرب منه . | و قال أنس : إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم حين اب تنى بزينب أمره أن يدعو له قوما سماهم ، ~~وكل من لقيت ، حتى امتلأ البيت والحجرة ، وقدم إليهم تورا ، فيه قدر [ 104 ~~] مد من تمر جعل حيسا ، فوضعه قدامه ، وغمس ثلاث أصابعه ، وجعل القوم ~~يتغدون ويخرجون ، وبقي التور نحوا مما كان ، وكان القوم أحدا ، أو اثنين ~~وسبعين . | و في رواية أخرى في هذه القصة أو مثلها ، إن القوم كانوا زهاء ~~ثلاثمائة ، وأنهم أكلوا حتى شبعوا . وقال لي : ارفع ، فلا أدري حين وضعت ~~كانت أكثر أم حين رفعت . | و في حديث جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن علي رضي ~~الله عنه أن فاطمة طبخت قدرا لغذائها ووجهت عليا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم ليتغدى معهما ، فأمر فغرفت منها لجميع نسائه صفحة صفحة ، ثم له صلى ~~الله عليه وسلم ولعلي ، ثم لها ، ثم رفعت القدر ، وإنها لتفيض ، قال : ~~فأكلنا منها ما شاء الله . | و أمر عمر بن الخطاب أن يزود أربعمائة راكب من ~~أحمس ، فقال : يا رسول الله ، ما هي إلا أصوع . قال : اذهب ، فذهب فزودهم ~~منه ، وكان قدر الفصيل الرابض ، من التمر ، وبقي بحاله . | من ، رواية دكين ~~الأحمسي ، ومن رواية جرير . | و مثله من رواية النعمان بن مقرن الخبر بعينه ~~، إلا أنه قال : أربعمائة راكب من مزينة . | و من ذلك حديث جابر في دين ~~أبيه بعد موته ، وقد كان بذل لغرماء أبيه أصل PageV01P222 ماله ، فلم ~~يقبلوه ، ولم ms165 يكن في تمرها سنين كفاف دينهم ، فجاءه النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعد أن أمره بجدها ، وجعلها بيادر في أصولها ، فمشى فيها ، ودعا ، ~~فأوفى منه جابر غرماء أبيه ، وفضل مثل ما كانوا يجدون كل سنة . | و في ~~رواية مثل ما أعطاهم ، قال : وكان الغرماء يهود ، فعجبوا من ذلك . | و قال ~~أبو هريرة رضي الله عنه : أصاب الناس مخمصة . فقال لي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : هل من شيء قلت : نعم ، شيء من التمر في المزود . قال : فأتني ~~به فأدخل يده فأخرج قبضة ، فبسطها ودعا بالبركة ، ثم قال : ادع عشرة فأكلوا ~~حتى شبعوا ، ثم عشرة كذلك ، حتى أطعم الجيش كلهم وشبعوا . قال : خذ ما جئت ~~به ، وأدخل يدك ، واقبض منه ولا تكبه ، فقبضت على أكثر مما جئت به ، فأكلت ~~منه وأطعمت حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبي بكر ، وعمر ، إلى أن ~~قتل عثمان ، فانتهب مني ، فذهب . | و في رواية : فقد حملت من ذلك التمر كذا ~~وكذا من وسق في سبيل الله . | و ذكرت مثل هذه الحكاية في غزوة تبوك ، وأن ~~التمر كان بضع عشرة تمرة . | و منه أيضا حديث أبي هريرة حين أصابه الجوع ، ~~فاستتبعه النبي صلى الله عليه وسلم ، فوجد لبنا في قدح قد أهدي إليه ، ~~وأمره أن يدعو أهل الصفة . | قال : فقلت : ما هذا اللبن فيهم ؟ كنت أحق أن ~~أصبي منه شربة أتقوى بها . فدعوتهم . | و ذكر أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن يسقيهم ، فجعلت أعطي الرجل فيشرب حتى يروى ، ثم يأخذه الأخر حتى روي ~~جميعهم . | قال : فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم القدح ، وقال : بقيت أنا ~~وأنت ، اقعد فاشرب فشربت ، ثم قال : اشرب وما زال يقولها وأشرب حتى قلت : ~~لا ، والذي بعثك بالحق ، ما أجد له مسلكا [ 105 ] ، فأخذ القدح فحمد الله ~~وسمى وشرب الفضلة . | و في حديث خال بن عبد العزى أنه أجزر النبي صلى الله ~~عليه وسلم شاة ، وكان عيال خالد كثيرا يذبح الشاة فلا تبد عياله عظما عظما ~~، وإن النبي صلى ms166 الله عليه وسلم أكل من هذه الشاة وجعل فضلتها في دلو خالد ~~، ودعا له بالبركة ، فنثر ذلك لعياله ، فأكلوا وأفضلوا ذكر خبره الدولابي . ~~| و في حديث الآجري في إنكاح النبي صلى الله عليه وسلم لعلي فاطمة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أ مر بلالا PageV01P223 بقصعة من أربعة أمداد أو خمسة ، ~~ويذبح جزورا ليوليمتها قال : فأتيته بذلك فطعن في رأسها ، ثم أدخل الناس ~~رفقة رفقة يأكلون منها حتى فرغوا ، وبقيت منها فضلة ، فبرك فيها ، وأمر ~~بحملها إلى أزواجه ، وقال : كلن وأطعمن من غشيكن . | و في حديث أنس : تزوج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصنعت أمي أم سليم حيسا ، فجعلته في تور ، ~~فذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ضعه ، وادع لي فلانا ~~وفلانا ، ومن لقيت . | فدعوتهم ، ولم أدع أحدا لقيته إلا دعوته ، وذكر أنهم ~~كانوا زهاء ثلاثمائة حتى ملئوا الصفة والحجرة ، فقال لهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم : تحلقوا عشرة عشرة ، ووضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على ~~الطعام ، فدعا فيه ، وقال ما شاء الله أن يقول ، فأكلوا حتى شبعوا كلهم ، ~~فقال لي : ارفع فما أدري حين وضعت كانت أكثر أم حين رفعت . | و أكثر أحاديث ~~هذه الفصول الثلاثة في الصحيح . وقد اجتمع على معنى حديث هذا الفصل بضعة ~~عشر من الصحابة ، رواه عنهم أضعافهم من التابعين ، ثم من لا ينعد بعدهم . | ~~و أكثرها في قصص مشهورة ، ومجامع مشهودة ، ولا يمكن التحدث عنها إ لا بالحق ~~، ولا يسكت الحاضر لها على ما أنكر منها . | # | 3 ( فصل في كلام الشجرة وشهادتها له بالنبوة وإجابتها دعوته ) 3 # | حدثنا أحمد بن محمد بن غلون الشيخ الصالح فيما أجاز فيه عن أبي عمر ~~الطلمنكي ، عن أبي بكر بن المهندس ، عن أبي القاسم البغوي ، حدثنا أحمد بن ~~عمران الأخنسي ، حدثنا أبو حيان التيمي وكان صدوقا عن مجاهد ، عن ابن عمر ، ~~قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفره ، فدنا منه أعرابي ، ~~فقال ، يا أعرابي ، أين تريد ؟ قال ms167 : إلى أهلي . قال : هل لك إلى خير ؟ قال ~~: وما هو ؟ قال : تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا ~~عبده ورسوله قال : من يشهد لك على ما تقول ؟ قال : هذه الشجرة السمرة ، وهي ~~بشاطئ الوادي ، وادعها فإنها تجيبك . | PageV01P224 فأقبلت تخد الأرض حتى ~~قامت بين يديه ، فاستشهدها ثلاثا ، فشهدت أنه كما قال ، ثم رجعت إلى مكانها ~~. | و عن بريدة : سأل أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم آية ، فقال له : قل ~~لتلك الشجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعوك . | قال : فمالت الشجرة عن ~~يمينها وشمالها وبين يديها وخلفها ، فتقطعت عروقها ، ثم جاءت [ 106 ] تخد ~~الأرض تجر مغبرة حتى وقفت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : ~~السلام عليك يا رسول الله . | قال الأعرابي : مرها فلترجع إلى منبتها ، ~~فرجعت ، فدلت عروقها فاستوت . | فقال الأعرابي : ائذن لي أسجد لك . | قال : ~~لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها . | قال : فأذن لي ~~أن أقبل يديك ورجليك ، فأذن له . | و في الصحيح أ في حديث جابر بن عبد الله ~~الطويل : ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته ، فلم ير شيئا يستتر ~~به ، فإذا بشجرتين في شاطىء الوادي ، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى إحداهما ، فأخذ بغصن من أغصانها ، فقال : انقادي علي بإذن الله فانقادت ~~معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده . | و ذكر أنه فعل بالأخرى مثل ذلك ، ~~حتى إذا كان بالمصنف بينهما قال : التئما علي بإذن الله فالتأمتا . | رواية ~~أخرى : فقال : يا جابر ، قل لهذه الشجرة : يقول لك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : الحقي بصاحبتك حتى أجلس خلفكما ففعلت ، فرجعت حتى لحقت بصاحبتها ~~فجلس خلفهما ، فخرجت أحضر ، وجلست أحدث نفسي ، فالتفت فإذا برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مقبلا والشجرتان قد افترقتا ، فقامت كل واحدة منهما على ساق ~~، فوق ف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقفة ، فقال برأسه هكذا يمينا وشمالا ~~. | و روى أسامة بن زيد نحوه ، قال : قال رسول ms168 الله صلى الله عليه وسلم في ~~بعض مغازيه : هل تعني PageV01P225 مكانا لحاجة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ؟ فقلت : إن الوادي ما فيه موضع بالناس . فقال : هل ترى من نخل أو ~~حجارة ؟ قلت : أرى نخلات متقاربات . قال : انطلق وقل : لهن : إن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يأمركن أن تأتين لمخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~وقل للحجارة مثل ذلك . | فقلت ذلك لهن ، فو الذي بعثه بالحق ، لقد رايت ~~النخلات يتقاربن حتى اجتمعن ، والحجارة يتعاقدن حتى صرن زكاما خلقهن . | ~~فلما قضى حاجته قال لي : قل لهن يفترقن ، فو الذي نفسي بيده لرأيتهن ~~والحجارة يفترقن حتى عدن إلى مواضعهن . | و قال يعلى بن سيابة : كنت مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم في مسير . . . وذكر نحوا من هذين الحديثين ، وذكر ~~: فأمر وديتين فانضمتا . وفي رواية : أشاءتين . | و عن غيلان بن سلمة ~~الثقفي مثله : في شجرتين . | و عن ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~مثله في غزاة حنين . | و عن يعلى بن مرة وهو ابن سي ابة أيضا ، وذكر أشياء ~~رآها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر أن طلحة أو سمرة جاءت فأطافت ~~به ، ثم رجعت إلى منبتها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنها ~~استأذنت أن تسلم علي . | و في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : آذنت ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالجن ليلة [ 107 ] استمعوا له شجرة . | و عن ~~مجاهد ، عن ابن مسعود في هذا الحديث : إن الجن قالوا : من يشهد لك ؟ قال : ~~هذه الشجرة . تعالى يا شجرة ، فجاءت تجر عروقها لها قعاقع . . . | و ذكر ~~مثل الحديث الأول أو نحوه . | قال القاضي أبو الفضل : فهذا ابن عمر ، ~~وبريدة ، وجابر ، وابن مسعود ، ويعلى بن مرة ، وأسامة بن زيد ، وأنس بن ~~مالك ، وعلي بن أبي طالب ، وابن عباس ، وغيرهم وقد اتفقوا على هذه القصة ~~نفسها أو معناها . | PageV01P226 و قد رواها عنهم من التابعين أضعافهم ، ~~فصارت في انتشارها من القوة حيث هي . | و ذكر ابن فورك ms169 أنه صلى الله عليه ~~وسلم سار في غزوة الطائف ليلا ، وهو وسن ، فاعترضته سدرة ، فانفرجت له ~~نصفين حتى جاز بينهما ، وبقيت على ساقين إلى وقتنا هذا ، وهي هناك معروفة ~~معظمة . | و من ذلك حديث أنس رضي الله عنه أن جبريل عليه السلام قال للنبي ~~صلى الله عليه وسلم ورآه حزينا : أتحب أن أريك آية ؟ قال : نعم فنظر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى شجرة من وراء الوادي ، فقال : ادع تلك الشجرة ~~، فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه . | قال : مرها فلترجع ، فعادت إلى مكانها ~~. | و عن علي نحو هذا ، ولم يذكر فيها جبريل ، قال : اللهم أرني آية لا ~~أبالي من كذبني بعدها فدعا شجرة . . . وذكر مثله . | و حزنه صلى الله عليه ~~وسلم لتكذيب قومه وطلبه الآية لهم لا له . | و ذكر ابن إسحاق أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أرى ركانة مثل هذه الآية في شجرة دعاها فأتت حتى وقفت بين ~~يديه ، ثم قال : ارجعي ، فرجعت . | و عن الحسن أنه صلى الله عليه وسلم شكا ~~إلى ربه من قومه وأنهم يخوفونه ، وسأله آية يعلم بها ألا مخافة عليه ، ~~فأوحى إليه ائت وادي كذا فيه شجرة ، فادع غصنا منها يأتك . ففعل ، فجاء يخط ~~الأرض خطا حتى انتصب بين يديه ، فحبسه ما شاء الله ، ثم قال له : [ ارجع ~~كما جئت ] فرجع ، فقال : [ يا رب ، علمت أن لا مخافة علي ] . | و نحو منه ~~عن عمر ، وقال فيه : أرني آية لا أبالي من كذبني بعدها . . . وذكر نحوه . | ~~و عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قال لأعرابي : [ ~~أرأيت إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة أتشهد أني رسول الله ؟ ] قال : نعم ~~، فدعاه فجعل ينقر حتى PageV01P227 أتاه . فقال : ارجع فعاد إلى مكانه | و ~~خرجه الترمذي ، وقال : هذا حديث صحيح . | # | 3 ( فصل في قصة حنين الجذع ) 3 # | و يعضد هذه الأخبار حديث أنين الجذع ، وهو في نفسه مشهور منتشر ، ~~والخبر به متواتر ، قد خرجه أهل الصحيح ، ورواه من الصحابة بضعة عشر ، منهم ms170 ~~أبي بن كعب ، وجابر بن عبد الله ، وأنس بن مالك ، وعبد الله بن عمر ، وعبد ~~الله بن عباس ، وسهل بن سعد ، وأبو سعيد الخدري وبريدة ، وأم سلمة ، ~~والمطلب بن أبي وداعة ، كلهم يحدث بمعنى هذا الحديث . | قال الترمذي : ~~وحديث أنس صحيح . | قال جابر بن عبد الله [ 108 ] : كان المسجد مسقوفا على ~~جذوع نخل ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب يقوم إلى جذع منها ، ~~فلما صنع له المنبر سمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار . | و في رواية أنس ~~: حتى ارتج المسجد بخواره . | و في رواية سهل : وكثر بكاء الناس لما رأوا ~~به . | و في رواية المطلب [ و أبي ] : حتى تصدع وانشق ، حتى جاء النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، فوضع يده عليه فسكت . | زاد غيره : فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم : إن هذا بكى لما فقد من الذكر . | و زاد غيره : والذي نفسي بيده ~~: لو لم التزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة . تحزنا على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، فأمر به صلى الله عليه وسلم فدفن تحت المنبر . | كذا في ~~حديث المطلب ، وسهل بن سعد ، وإسحاق ، عن أنس . | [ وفي بعض الروايات عن ~~سهل : فدفنت تحت منبره ، أو جعلت في السقف ] . | و في حديث أبي : فكان إذا ~~صلى النبي صلى الله عليه وسلم إليه ، فلما هدم المسجد أخذه أبي ، فكان عنده ~~إلى أن أكلته الأرض ، وعاد رفاتا . | PageV01P228 وذكر الإسفرايني أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم دعاه إلى نفسه ، فجاء يخرق الأرض ، فالتزمه ، ثم أمره ~~فعاد إلى مكانه . | و في حديث بريده : فقال رسول الله النبي صلى الله عليه ~~وسلم : إن شئت أدرك إلى الحائط الذي كنت فيه تنبت لك عروقك ، ويكمل خلقك ، ~~ويجدد لك خوص وثمرة ، وإن شئت أغرسك في الجنة ، فيأكل أولياء الله من ثمرك ~~. ثم أصغى له النبي صلى الله عليه وسلم يسمع ما يقول . | فقال : تغرسني في ~~الجنة ، فيأكل مني أولياء الله ، وأكون في مكان لا أبلى فيه . | فسمعه من ~~يليه . | فقال النبي صلى الله عليه ms171 وسلم : قد فعلت ثم قال : اختار دار ~~البقاء على دار الفناء . | فكان الحسن إذا حدث بهذا بكى ، وقال : يا عباد ~~الله ، الخشبة تحن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شوقا إليه لمكانه ، ~~فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه . | رواه عن جابر حفص بن عبيد الله ويقال : ~~عبيد الله بن حفص ، وأيمن ، وأبو نضرة ، وابن المسيب ، وسعيد بن أبي كرب ، ~~وكريب ، وأبو صالح . | و رواه عن أنس بن مالك الحسن ، وثابت ، وإسحاق بن ~~أبي طلحة . | و رواه عن ابن عمر : نافع ، وأبو حية ، ورواه أبو نضرة ، وأبو ~~الوداك ، عن أبي سعيد ، وعمار بن أبي عمار ، عن ابن عباس ، وأبو حازم ، ~~وعباس بن سهل ، عن سهل بن سعد ، وكثير بن زيد عن المطلب ، وعبد الله بن ~~بريدة عن أبيه ، والطفيل بن أبي عن أبيه . | قال القاضي أبو الفضل : فهذا ~~حديث كما تراه خرجه أهل الصحة ، ورواه من الصحابة من ذكرنا ، وغيرهم من ~~التابعين ضعفهم ، إلى من لم نذكره ، وبمن دون هذا العدد يقع العلم لمن ~~اعتنى بهذا الباب . والله المثبت على الصواب . # # | فصل # # | 3 ( و مثل هذا في سائر الجمادات ) 3 # | [ 109 ] حدثنا القاضي أبو عبد الله محمد بن عيسى التميمي ، حدثنا ~~القاضي أبو عبد الله محمد بن المرابط ، حدثنا المهلب ، حدثنا أبو الحسن ~~القابسي ، حدثنا المروزي ، حدثنا الفربري ، حدثنا البخاري ، حدثنا محمد بن ~~المثنى ، حدثنا أبو أحمد الزبيري ، حدثنا إسرائيل ، عن منصور ، عن إبراهيم ~~، عن علقمة ، عن ابن مسعود ، قال : لقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل . | ~~PageV01P229 و في غير هذه الرواية عن ابن مسعود : كنا نأكل مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الطعام ونحن نسمع تسبيحه . | و قال أنس : أخذ النبي صلى ~~الله عليه وسلم كفا من حصى ، فسبحن في في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حتى سمعنا التسبيح ، ثم صبهن في يد أبي بكر رضي الله عنه فسبحن ، ثم في ~~أيدينا فما سبحن . | و روى مثله أبو ذر ، وذكر أنهم سبحن في كف عمر وعثمان ms172 ~~. | و قال علي كنا بمكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فخرج إلى بعض ~~نواحيها ما استقبله شجرة ولا جبل إلا قال له : السلام عليك يا رسول الله . ~~| و عن جابر بن سمرة عنه صلى الله عليه وسلم : إني لأعرف حجرا بمكة كان ~~يسلم علي . قيل : إنه الحجر الأسود . | و عن عائشة رضي الله عنها : لما ~~استقبلني جبريل عليه السلام بالرسالة جعلت لا أمر بحجر ولا شجر إلا قال : ~~السلام عليك يارسول الله . | و عن جابر بن عبد الله : لم يكن النبي صلى ~~الله عليه وسلم يمر بحجر ولا شجر إلا سجد له . | و في حديث العباس ، إذا ~~اشتمل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعلى بنيه ، بملاءة ، ودعالهم بالستر ~~من النار كستره إياهم بملاءته ، فأمنت أسكفة الباب وحوائط البيت : آمين ~~آمين . | و عن جعفر بن محمد ، عن أبيه : مرض النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأتاه جبريل بطبق فيه رمان وعنب فأكل منه النبي صلى الله عليه وسلم ، فسبح ~~. | و عن أنس : صعد النبي صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، ~~أحدا ، فرجف بهم ، فقال : اثبت أحد ، فإنما عليك نبي وصديق ، وشهيدان . | و ~~مثله عن أبي هريرة في حراء ، وزاد معه : علي وطلحة ، والزبير ، وقال : ~~فإنما PageV01P230 عليك نبي ، أو صديق ، أو شهيد . | و الخبر في حراء أيضا ~~عن عثمان ، قال : ومعه عشر من أصحابه أنا فيهم . | و زاد عبد الرحمن وسعدا ~~، قال : ونسيت الإثنين . | و في حديث سعيد بن زيد أيضا مثله ، وزاد عشرة ، ~~وزاد نفسه . | و قد روي أنه حين طلبته قريش قال له ثبير : اهبط يا رسول ~~الله ، فإني أخاف أن يقتلوك على ظهري فيعذبني الله . | فقال حراء : إلي يا ~~رسول الله . | و روى ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قرأ على المنبر : وما قدروا الله حق قدره ، ثم قال : يمجد الجبار نفسه ، ~~أنا الجبار ، أنا الجبار ، أنا الكبير المتعال ، فرجف المنبر حتى قلنا : ~~ليخرن عنه . | و عن ابن عباس : كان ms173 حول البيت ستون وثلاثمائة صنم مثبته ~~الأرجل بالرصاص بالحجارة ، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ~~عام الفتح جعل يشير بقضيب في يده إليها ولا يمسها ويقول : جاء الحق وزهق ~~الباطل إن الباطل كان زهوقا ، فما أشار إلى وجه صنم إلا وقع لقفاه ، ولا ~~لقفاه إلا وقع لوجهه ، حتى ما بقي منها صنم . | و مثله في حديث ابن مسعود ، ~~وقال : فجعل يطعنها ويقول : جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد . | و من ~~ذلك حديثه مع الراهب في ابتداء أمره ، إذ خرج تاجرا مع عمه ، وكان الراهب ~~لا يخرج لأحد ، فخرج يتخللهم ، حتى أخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~فقال : هذا سيد العالمين ، يبعثه الله رحمة للعالمين . | فقال له أشياخ من ~~قريش : ما علمك ، فقال : إنه لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجدا له ، ولا ~~تسجد إلا لنبي . . . وذكر القصة ، ثم قال : فأقبل صلى الله عليه وسلم وعليه ~~غمامة تظلله ، فلما دنا من القوم وجدهم سبقوه إلى فيء الشجرة ، فلما جلس ~~مال الفيء إليه . | PageV01P231 # | 3 ( فصل في الآيات في ضروب الحيوانات ) 3 # | حدثنا سراج بن عبد الملك ، حدثنا أبو الحسن الحاقظ ، حدثنا أبي ، حدثنا ~~القاضي يونس ، قال : حدثنا أبو الفضل الصلقي ، حدثنا ثابت بن قاسم بن ثابت ~~، من أبيه وجده ، قالا حدثنا أبو العلاء أحمد بن عمران ، حدثنا محمد بن ~~فضيل ، حدثنا يونس بن عمرو حدثنا مجاهد عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : ~~كان عندنا داجن ، فإذا كان عندنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قر وثبت ~~مكانه ، فلم يجيء ولم يذهب ، و إذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ~~وذهب . | و روى عن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في محفل من ~~أصحابه إذ جاء أعرابي قد صاد ضبا ، فقال ، ما هذا ؟ قالوا : نبي الله . ~~فقال : واللات والعزى ، لا آمنت بك أو يؤمن هذا الضب ، وطرحه بين يدي النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا ms174 ضب ، فأجابه بلسان ~~مبين يسمعه القوم جميعا : لبيك وسعديك يا زين من وافى القيامة . | قال : من ~~تعبد ؟ قال : الذي في السماء عرشه ، وفي الأرض سلطانه ، وفي البحر سبيله ، ~~وفي الجنة رحمته ، وفي النار عقابه . | قال : فمن أنا ؟ قال : رسول الله رب ~~العالمين ، وخاتم النبيين ، وقد أفلح من صدقك ، وخاب من كذبك . | فأسلم ~~الأعرابي . | و من ذلك قصة كلام الذئب المشهورة عن أبي سعيد الخذري : | ~~بينا راع يرعى غنما له عرض الذئب لشاة منها ، فأخذها الراعي منه ، فأقعى ~~الذئب ، وقال للراعي : ألا تتقي الله ! حلت بيني وبين رزقي ! قال الراعي : ~~العجب من ذئب يتكلم بكلام الإنس ! فقال الذئب : ألا أخبرك PageV01P232 ~~بأعجب من ذلك ؟ رسول الله بين الحرتين يحدث الناس بأنباء ما قد سبق . | ~~فأتى الراعي النبي الله فأخبره ، فقال النبي : قم فحدثهم ، ثم قال : صدق . ~~| و الحديث فيه قصة ، وفي بعضه طول . | و روي حديث الذئب عن أبي هريرة . | ~~و في بعض الطرق عن أبي هريرة رضي الله عنه ، فقال الذئب : أنت أعجب ! واقفا ~~على غنمك ، وتركت نبيا لم يبعث الله نبيا قط أعظم منه عنده [ 111 ] قدرا ، ~~قد فتحت له أبواب الجنة ، وأشرف أهلها على أصحابه ، ينظرون قتالهم ، وما ~~بينك وبينه إ لا هذا الشعب ، فتصير من جنود الله . | قال الراعي : من لي ~~بغنمي ؟ قال الذئب : أنا أرعاها حتى ترجع . | فأسلم الرجل إليه غنمه ومضى . ~~| و ذكر قصته وإسلامه ووجوده النبي صلى الله عليه وسلم يقاتل ، فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم : عد إلى غنمك تجدها بوفرها . | فوجدها كذلك ، ~~وذبح الذئب شاة منها . | و عن أهبان بن أوس : وأنه كان صاحب القصة ، ~~والمحدث بها ومكلم الذئب . | و عن سلمة بن عمرو بن الأكوع : وأنه كان صاحب ~~هذه القصة أيضا ، وسبب إسلامه بمثل حديث أبي سعيد . | و قد روى ابن وهب مثل ~~أنه جرى لأبي سفيان بن حرب ، وصفوان بن أمية ، مع ذئب وجداه أخذ ظبيا ، ~~فدخل الظبي الحرم ، فانصرف الذئب ، فعجبا من ذلك فقال الذئب : أعجب من ذلك ~~من ms175 ذلك محمد بنعبد الله بالمدينة يدعوكم إلى الجنة وتدعونه إلى النار . | ~~فقال أبو سفيان : والات والعزى ، لئن ذكرت هذا بمكة لتتركنها خلوفا | و قد ~~روي مثل هذا الخبر ، وأنه جرى لأبي جهل وأصحابه . | PageV01P233 و عن عباس ~~بن مرداس لما تعجب من كلام ضمار صنمه ، وإنشاده الشعر الذي ذكر فيه النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، فإذا طائر سقط ، فقال : ياعباس ، أتعجب من كلام ضمار ~~، ولا تعجب من نفسك ؟ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإسلام ~~وأنت جالس ، فكان سبب إسلامه . | و عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ، ~~عن رجل أتى النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به وهو على بعض حصون خيبر ، وكان ~~في غنم يرعاها لهم ، فقال يا رسول الله ، كيف بالغنم ؟ | قال : احصب وجوهها ~~، فإن الله سيؤدي عنك أمانتك ، ويردها إلى أهلها . | ففعل ، فسارت شاة حتى ~~دخلت إلى أهلها . | و عن أنس رضي الله عنه : دخل النبي صلى الله عليه وسلم ~~حائط أنصاري وأبو بكر وعمر ورجل من الأنصار رضي الله عنهم ، و في الحائط ~~غنم فسجدت له . فقال أبو بكر : نحن أحق بالسجود لك منها . . . الحديث . | و ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه : دخل النبي صلى الله عليه وسلم حائطا ، فجاء ~~بعير فسجد له ، وذكر مثله . | و مثله في الجمل ، عن ثعلبة بن مالك ، وجابر ~~بن عبد الله ، ويعلى بن مرة وعبد الله بن جعفر ، قال : وكان لايدخل أحد ~~الحائط إلا شد عليه الجمل ، فلما دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم دعاه ، ~~فوضع مشفره ، على الأرض ، وبرك بين يديه ، فخطمه ، وقال : ما بين السماء ~~والأرض شيء إلا يعلم أني رسول الله إلا عاصي الجن والإنس . | و مثله عن عبد ~~الله بن أبي أوفى . | و في خبر آخر في حديث الجمل أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم سألهم عن شأنه ، فاخبروه أنهم أرادوا ذبحه . | و في رواية أن النبي ~~صلى الله عليه وسل م قال لهم : إنه شكا كثرة العمل ، وقلة العلف من ms176 صغره ~~فقالوا : نعم . | و قد روي في قصة العضباء وكلامها النبي صلى الله عليه ~~وسلم ، وتعريفها له بنفسها ، ومبادرة العشب إليها في الرعي وتجنب الوحوش ~~عنها ، وندائهم لها : إنك لمحمد ، وإنها لم تأكل ولم تشرب بعد موته حين ~~ماتت . | PageV01P234 ذكره الإسفرايني . | و روى ابن وهب ، أن حمام مكة ~~أظلت النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتحها ، فدعا لها بالبركة . | و روي عن ~~أنس ، وزيد بن أرقم ، والمغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ~~ليلة الغار أمر الله شجرة ، فنبتت تجاه النبي صلى الله عليه وسلم فسترته ، ~~وأمر حمامتين فوقفتا بفم الغار . | و في حديث آخر : وأن العنكبوت نسجت على ~~بابه ، فلما أتى الطالبون له ، ورأوا ذلك قالوا : لو كان فيه أحد لم تكن ~~الحمامتا ن ببابه والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع كلامهم ، فانصرفوا . | و ~~عن عبد الله بن قرط : قرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بدنات خمس أو ~~سبع ، لينحرها يوم عيد ، فازدلفن إليه بأيهن يبدأ . | و عن أم سلمة : كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم في صحراء ، فنادته ظبية ، يا رسول الله ، قال : ~~ما حاجتك ؟ قالت : صادني هذا الأعرابي ، ولي خفشان في ذلك الجبل ، فأطلقني ~~حتى أذهب فأرضعهما وأرجع . | قال : وتفعلين ؟ قال : نعم . فأطلقها ، فذهبت ~~ورجعت ، فأوثقها ، فانتبه الأعرابي وقال : يا رسول الله ، ألك حاجة ؟ قال : ~~تطلق هذه الظبية فأطلقها فخرجت تعدو في الصحراء ، وتقول : أشهد أن لا إله ~~إلا الله ، وأنك رسول الله . | و من هذا الباب ماروي من تسخير الأسد لسفينة ~~مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذا وجهه إلى معاذ باليمن فلقي الأسد ~~فعرفه أنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه كتابه ، فهمهم وتنحى عن ~~الطريق ، وذكر في منصرفه مثل ذلك . | و في رواية أخرى عنه أن سفينة تكسرت ~~به ، فخرج إلى جزيرة فإذا الأسد ، فقلت له : أنا مولى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، فجعل يغمرني بمنكبه حتى أقامني على الطريق . | و أخذ عليه ~~السلام بأذن ms177 شاة لقوم من عند القيس بين إصبعه ، ثم خلاها فصار لها ميسما ، ~~وبقي ذلك الأثر وفي نسلها بعد . | و ما روي عن إبراهيم بن حماد بسنده من ~~كلام الحمار الذي أصابه بخيبر ، وقال PageV01P235 له : اسمي يزيد بن شهاب . ~~. | فسماه النبي صل ى الله عليه وسلم يعفورا ، وأنه كان يوجهه إلى دور ~~أصحابه ، فيضرب عليهم الباب برأسه ، ويستدعيهم ، وأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما مات تردى في بئر جزعا وحزنا ، فمات . | و حديث الناقة التي شهدت ~~عند النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبها أنه ما سرقها ، وأنها ملكه . | و في ~~العنز : التي أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم في عسكره ، وقد أصابهم عطش ~~، ونزلوا على غير ماء ، وهم زهاء ثلاثمائة ، فحلبها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، فأروى الجند ، ثم قال لرافع : | [ أملكها وما أراك ] فربطها ~~فوجدها قد انطلقت . | رواه ابن قانع وغيره ، وفيه : فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : إن الذي جاء بها هو الذي ذهب بها [ 113 ] . | و قال : ~~لفرسه عليه السلام وقد قام إلى الصلاة في بعض أسفاره : لا تبرح ، بارك الله ~~فيك حتى نفرغ من صلاتنا وجعله قبلته ، فما حرك عضوا حتى صلى صلى الله عليه ~~وسلم . | [ ويلتحق بهذا ما رواه الواقدي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~وجه رسله إلى الملوك ، فخرج ستة نفر منهم في يوم واحد ، فأصبح كل رجل منهم ~~يتكلم بلسان القوم الذين بعثه إليهم ] . | و الحدي ث في هذا الباب كثير ، ~~وقد جئنا منه بالمشهور ، وما وقع في كتب الأئمة . | # | 3 ( فصل في إحياء الموتى وكلامهم ، وكلام الصبيان والمراضع | و شهادتهم ~~لهم بالنبوة صلى الله عليه وسلم ) 3 # | حدثنا أبو الوليد هشام بن أحمد الفقيه بقراءتي عليه ، القاضي أبو ~~الوليد محمد بن رشد ، والقاضي أبو عبد الله محمد بن عيسى التميمي ، وغيره ~~واحد سماعا وإذانا ، قالوا : حدثنا أبو علي الحافظ قال : حدثنا أبو عمر ~~الحافظ ، حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن يحي ، حدثنا أحمد بن سعيد ، حدثنا ~~ابن ms178 الأعرابي . . . | حدثنا أبو داود ، حدثنا وهب بن بقية ، عن خالد هو ~~الطحان ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن ~~يهودية أهدت للنبي صلى الله عليه وسلم بخيبر PageV01P236 شاة مصلية سمتها ، ~~فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ، وأكل القوم ، فقال : ارفعوا ~~أيديكم ، فإنما أخبرتني أنها مسمومة . | فمات بشر بن البراء . | و قال ~~لليهودية : ما حملك على ما صنعت ؟ قالت : إن كنت نبيا لم يضرك الذي صنعت ، ~~وإن كنت ملكا أرحت الناس منك . | قال : فأمربها فقتلت . | و قد روى هذا ~~الحديث أنس ، وفيه : قالت : أردت قتلك . فقال : ماكان الله ليسلطك على ذلك ~~. | فقالوا : نقتلها ؟ | قال : لا | و كذالك رو ى عن أبي هريرة من غير وهب ~~، قال : فما عرض لها . | و رواه أيضا جابر بن عبد الله ، وفيه : أخبرني هذه ~~الذراع قال : ولم يعاقبها . | و في رواية الحسن : أن فخذها تكلمني أنها ~~مسمومة . | و في رواية أبي سلمة بن عبدالرحمن قالت : إني مسمومة . | و كذلك ~~ذكر الخبر ابن إسحاق ، وقال فيه : فتجاوزعنها . | و في الحديث الآخر ، عن ~~أنس ، قال : فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم . | و ~~في حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في وجعه الذي مات ~~فيه : ما زالت أكلة خيبر تعادني ، فالآن أوان قطعت أبهري . | و حكى ابن ~~إسحاق : إن كان المسلمون ليرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات شهيدا ~~مع ما أكرمه الله به من النبوة . | و قال ابن سحنون : أجمع أهل الحديث أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل اليهودية التي سمته . | PageV01P237 و قد ~~ذكرنا اختلاف الروايات في ذلك عن أبي هريرة ، وأنس ، وجابر . | و في رواية ~~ابن عباس رضي الله عنهما أنه دفعها لأولياء بشر بن البراء فقتلوها . | و ~~كذلك قد اختلف في قتله للذي سحره ، قال الواقدي : وعفوه عنه أثبت عندها . | ~~و روى الحديث البزار ، عن أبي سعيد ، فذكر مثله ، إلا أنه قال في ms179 آخره : ~~فبسط يده وقال : كلوا بسم الله ، فأكلنا ، وذكر اسم الله ، فلم تضر منا ~~أحدا . | قال القاضي أبو الفيصل : وقد خرج حديث الشاة المسمومة أهل الصحيح ~~، وخرجه الأئمة ، وهو حديث مشهور . | و اختلف أئمة النظر في هذا الباب ، ~~فمن قائل يقول : هو كلام يخلقه الله تعالى في الشاة [ 114 ] ويسمعها منها ~~دون تغيير أشكالها ، ونقلهاعن هيئتها . | وهو مذهب الشيخ أبي الحسن ، ~~والقاضي أبي بكر رحمهما الله . | و آخرون ذهبوا إلى إيجاد الحياة بها ، ثم ~~الكلام بعده . | و حكي هذا أيضا عن شيخنا أبي الحسن ، وكل محتمل ، والله ~~أعلم ، إذ لم نجعل الحياة شرطا لوجود الحروف والأصوات ، إذ لا يستحيل ~~وجودها مع عدم الحياة بمجردها . | فأما إذا كانت عبارة عن الكلام النفسي ~~فلا بد من شرط الحياة لها ، إذ لا يوجد كلام النفس إلا من حي ، خلافا ~~للجبائي من بين سائر متكلمي الفرق في إحالة وجود الكلام اللفظي والحروف ~~والأصوات إلا من حي مركب على تركيب من يصح منه النطق بالحروف والأصوات . | ~~و التزم ذلك في الحصى ، والجذع ، والذراع ، وقال : إن الله خلق فيها حياة ، ~~وخرق لها فما ولسانا ، وآلة أمكنها بها من الكلام . | و هذا لو كان لكان ~~نقله والتهمم به آكد من التهمم بنقل تسبيحه أو حنينه ، ولم ينقل أحد من أهل ~~السير والرواية شيئا من ذلك ، فدل على سقوط دعواه ، مع أنه لا ضرورة إليه ~~في النظر ، والموفق الله . | و روى وكيع رفعه عن فهد بن عطية أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أتي بصبي قد شب لم يتكلم قط ، فقال : من أنا ؟ فقال رسول ~~الله . | PageV01P238 و روي عن معرض بن معيقيب : رأيت من النبي صلى الله ~~عليه وسلم عجبا ، جيء بصبي يوم ولد . . . فذكر مثله . | و هو حديث مبارك ~~اليمامة ، ويعرف بحديث شاصونه : اسم راوية ، وفيه : فقال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم : صدقت بارك الله فيك . | ثم إن الغلام لم يتكلم بعدها حتى شب ، ~~فكان يسمى مبارك اليمامة . | و كانت هذه القصة بمكة في حجة الوداع ms180 . | و عن ~~الحسن : أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر أنه طرح بنية له في وادي ~~كذا ، فانطلق معه إلى الوادي ، وناداها باسمها : يا فلانة ، أجيبي نإذن ~~الله فخرجت وهي تقول : لبييك وسعديك ! فقال لها : إن أبويك قد أسلما ، فإن ~~أحببت أن أدرك عليهما ؟ قالت : لا حاجة لي فيهما ، وجدت الله خيرا منهما . ~~| و عن أنس أن شابا من الأنصار توفي وله أم عجوز عمياء ، فسجيناه ، وعزيناه ~~، فقالت : مات ابني ؟ قلنا : نعم . قالت : اللهم إن كنت تعلم أني هاجرت ~~إليك وإلى نبيك رجاء أن تعينني على كل شدة فلا تحملن علي هذه المصيبة . | ~~فما برحنا أن كشف الثوب عن وجهه ، فطعم وطعمنا . | و روي عن عبد الله بن ~~عبيد الله الأنصاري : كنت فيمن دفن ثابت بن قيس بن شماس ، وكان قتل ~~باليمامة ، فسمعناه حين أدخلناه القبر يقول : محمد رسول الله ، أبو بكر ~~الصديق ، عمر الشهيد ، عثمان البر الرحيم ، فنظرنا فإذا هو ميت . | و ذكر ~~عن النعمان بن بشير أن زيد بن خارجة خر ميتا في بعض أزقة المدينة ، فرفع ~~وسجي إذ سمعوه بين العشاءين والنساء يصرخن حوله يقول : أنصتوا ، أنصتوا ، ~~فحسر عن وجهه ، فقال : محمد [ 115 ] رسول الله ، النبي الأمي ، وخاتم ~~النبيين ، كان ذلك في الكتاب الأول ، ثم قال صدق ، صدق ، وذكر أبا بكر ، ~~وعمر ، وعثمان ، ثم قال : السلام عليك يا رسول الله ، ورحمة الله وبركاته ، ~~ثم عاد ميتا كما كان . | PageV01P239 # | 3 ( فصل في إبراء المرضى وذوي العاهات ) 3 # | أخبرنا أبو الحسن علي بن مشرف فيما أجازنيه وقرأته على غيره ، قال : ~~حدثنا أبو إسحاق الحبال ، قال : حدثنا أبو محمد بن النحاس ، حدثنا ابن ~~الورد ، عن البرقي ، عن ابن هشام ، عن زباد البكائي ، عن محمد بن إسحاق ، ~~حدثنا ابن شهاب ، وعاصم بن عمر بن قتادة وجماعة ذكرهم بقضية أحد بطولها ، ~~قال : وقالوا : قال سعد بن أبي وقاص : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليناولني السهم لا نصل له ، فيقول : ارم به وقد رمى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ms181 يومئذ عن قوسه حتى اندقت ، وأصيب يومئذ عين قتادة يعني ابن ~~النعمان حتى وقعت على وجنته ، فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكانت ~~أحسن عينيه . | و روى قصة قتادة عاصم بن عمر بن قتادة ، ويزيد بن عياض بن ~~عمر بن قتادة . | و رواها أبو سعيد الخدري عن قتادة . | و بصق على أثر سهم ~~في وجه أبي قتادة في يوم ذي قرد ، قال : فما ضرب علي ولا قاح . | و روى ~~النسائي ، عن عثمان بن حنيف أن أعمى قال : يا رسول الله ، ادعو الله أن ~~يكشف لي عن بصري . | قال : [ فانطلق فتوضأ : ثم صلى ركعتين ، ثم قل ، اللهم ~~إني أسألك وأتوجه إليك بنبي محمد نبي الرحمة ، يا محمد ، إني أتوجه بك إلى ~~ربك أن يكشف عن بصري ، اللهم شفعه في ] . | قال : فرجع وقد كشف الله عن ~~بصره . | و روي أن ابن الأسنة أصابه استسقاء ، فبعث إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، فأخذ بيده حثوة من الأرض ، فتفل عليها ، ثم أعطاها رسوله ، ~~فأخذها متعجبا ، يرى أنه قد هزىء به ، فأتاه بها ، وهو على شفا ، فشربها ، ~~فشفاه الله . | PageV01P240 و ذكر العقيلي عن حبيب بن فديك ، ويقال فريك أن ~~أباه ابيضت عيناه ، فكان لا يبصر بهما شيئا ، فنفث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في عينيه ، فأبصر ، فرأيته يدخل الخيط في الإبرة ، وهو ابن ثمانين . | ~~و رمي كلثوم بن الحصين يوم أحد في نحره ، فبصق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، فبرأ . | و تفل على شجة عبد الله بن أنيس فلم تمد . | و تفل في عيني ~~علي يوم خيبر ، وكان رمدا ، فأصبح بارئا . | و نفث علي ضربة بساق سلمة بن ~~الأكوع يوم خيبر فبرئت ، وفي رجل زيد بن معاذ حين أصابها السيف إلى الكعب ، ~~حين قتل ابن الأشرف ، فبرئت . وعلى ساق علي ابن الحكم يوم الخندق إذا ~~انكسرت ، فبرىء مكانه ، وما نزل عن فرسه . | و اشتكى علي بن أبي طالب ، ~~فجعل يدعو ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : [ اشفه ، أو عافه ] ثم ضرب ~~برجله ms182 ، فما اشتكى ذلك الوجع بعد . | و قطع أبو جهل يوم بدر يد معوذ بن ~~عفراء [ 116 ] ، فجاء يحمل يده ، فبصق عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~، وألصقها فلصقت . رواه ابن وهب . | و من روايته أيضا أن خبيب بن يساف أصيب ~~يوم بدر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بضربة على عاتقه حتى مال شقه ، ~~فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونفث عليه حتى صح . | و أتته امرأة من ~~خثعم ، معها صبي به بلاء لا يتكلم ، فأتي بماء فمضمض فاه ، وغسل يديه ، ثم ~~أعطاها إياه ، وأمرها بسقيه ومسه به ، فبرأ الغلام ، وعقل عقلا يفضل عقول ~~الناس . | و عن ابن عباس : جاءت امرأة بابن لها به جنون ، فمسح صره ، فثع ~~ثعة PageV01P241 فخرج من جوفه مثل الجرو الأسود ، فشفي . | و انكفأت القدر ~~على ذراع محمد بن حاطب وهو طفل ، فسمح عليه ودعا له ، وتفل فيه فبرأ لحينه ~~. | و كانت في كف شرحبيل الجعفي سلعة تمنعه القبض على السيف وعنان الدابة ، ~~فشكاها للنبي صلى الله عليه وسلم ، فما زال يطحنها بكفه حتى رفعها ، ولم ~~يبق ى لها أثر . | و سألته جارية طعاما ، وهو يأكل ، فناولها من بين يديه ، ~~وكانت قليلة الحياء ، فقالت إنما أريد من الذي في فيك ، فناولها ما في فيه ~~، ولم يكن يسأل شيئا فيمنعه . | فلما استقر في جوفها ألقي عليها من الحياء ~~ما لم تكن امرأة بالمدينة أشد حياء منها . | # | 3 ( فصل في إجابة دعائه صلى الله عليه وسلم ) 3 # | و هذا باب واسع جدا ، وإجابة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لجماعة بما ~~دعا لهم وعليهم متواتر على الجملة ، معلوم ضرورة . | و قد جاء في حديث ~~حذيفة رضي الله عنه : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعا لرجل أدركت ~~الدعوة ولده وولد ولده . | حدثنا أبو محمد العتابي بقراءتي عليه ، حدثنا ~~أبو القاسم حاتم بن محمد ، حدثنا أبو الحسن القابسي ، حدثنا أبو زيد ~~المروزي ، حدثنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا عبد الله بن ms183 ~~أبي الأسود ، حدثنا حرمي ، حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن أنس رضي الله عنه ، ~~قال : قالت أمي : يا رسول الله ، خادمك أنس ، ادع الله له . قال : اللهم ~~أكثر ماله وولده ، وبارك له فيما آتيته . | و من رواية عكرمة : قال أنس : ~~فوا الله إن مالي لكثير ، وإن ولدي وولد ولدي ليعادون اليوم على نحو المائة ~~. | و في رواية : وما أعلم أحدا أصاب من رخاء العيش ما أصبت ، ولقد دفنت ~~بيدي هاتين مائة من ولدي ، لا أقول سقطا ولا ولد ولد . | PageV01P242 و منه ~~دعاؤه لعبد الرحمن بن عوف بالبركة ، قال عبد الرحمن : فلو رفعت حجرا لرجوت ~~أن أصيب تحته ذهبا ، وفتح الل ه عليه ، ومات فحفر الذهب من تركته بالفؤوس ~~حتى مجلت فيه الأيدي ، وأخذت كل زوجة ثمانين ألفا وكن أربعا . وقيل مائة ~~ألف . وقيل : بل صولحت إحداهن ، لأنه طلقها في مرضه على نيف وثمانين ألفا ، ~~وأوصى بخمسين ألفا بعد صدقاته الفاشية في حياته ، وعوارفه العظيمة : أعتق ~~يوما ثلاثين عبدا ، وتصدق مرة بعير فيها سبعمائة بعير ، وردت عليه تحمل من ~~كل شيء [ 117 ] ، فتصدق بها وبما عليها ، وبأقتابها وأحلاسها . | و دعا ~~لمعاوية بالتمكين في البلاد ، فنال الخلافة . ولسعد بن أبي وقاص رضي الله ~~عنه أن يجيب الله دعوته ، فما دعا على أحد إلا استجيب له . | و دعا بعز ~~الإسلام بعمر رضي الله عنه ، أو بأبي جهل ، فاستجيب له في عمر . | قال ابن ~~مسعود رضي الله عنه : ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر . | و أصاب الناس في بعض ~~مغازيه عطش ، فسأله عمر الدعاء ، فدعا ، فجاءت سحابة ، فسقتهم حاجتهم ، ثم ~~أقلعت . | و دعا في الإستسقاء ، فسقوا ، ثم شكوا إليه المطر ، فدعا ، فصحوا ~~. | و قال لأبي قتادة : أفلح وجهك ، اللهم بارك له في شعره وبشره ، فمات ~~وهو ابن سبعين سنة ، وكأنه ابن خمس عشرة سنة . | و قال للنابغة : لا يفضض ~~الله فاك فما سقطت له سن . | و في رواية : فكان أحسن الناس ثغرا ، إذا سقطت ~~له سن نبتت له أخرى ، وعاش عشرين ومائة سنة ، وقيل : أكثر ms184 من هذا . | و دعا ~~لابن عباس : اللهم فقهه في الدين ، وعمله التأويل فسمي بعد الحبر وترجمان ~~القرآن . | و دعا لعبد الله بن جعفر بالبركة في صفقة يمينه ، فما اشترى ~~شيئا إلا ربح فيه . ودعا للقمداد بالبركة ، فكانت عنده غرائز المال . | ~~PageV01P243 و دعا بمثله لعروة بن أبي الجعد ، فقال : فلقد كنت أقوم ~~بالكناسة ، فما أرجع حتى أربح أربعين ألفا . | و قال البخاري في حديث : ~~فكان لو اشترى التراب ربح فيه . | و روي مثل هذا لغرقدة أيضا . | وندت له ~~ناقة ، فدعا فجاءه بها إعصار ريح ، ، حتى ردها عليه . | و دعا لأم أبي ~~هريرة فأسلمت . | و دعا لعلي أن يكفى الحر والقر ، فكان يلبس في الشتاء ~~ثياب الصيف ، وفي الصيف ثياب الشتاء ، ولا يصيبه حر ولا برد . | و دعا ~~لفاطمة ابنته الله ألا يجيعها ، قالت : فما جعت بعد . | و سأله الطفيل بن ~~عمرو آية لقومه ، فقال : اللهم نور له فسطع نور بين عينيه ، فقال : أخاف أن ~~يقولوا مثله ، فتحول إلى طرف سوطه ، ف كان يضيء في الليلة المظلمة ، فسمي ~~ذا النور . | و دعا على مضر فأقحطوا ، حتى استعطفته قريش ، فدعا لهم فسقوا ~~. | و دعا على كسرى حين مزق كتابه أن يمزق الله ملكه ، فلم تبق له باقية ، ~~ولا بقيت لفارس رياسة في أقطار الدنيا . | و دعا على صبي قطع عليه الصلاة ~~أن يقطع ا لله أثره ، فأقعد . | و قال لرجل يأكل بشماله : كل بيمينك فقال : ~~لا أستطيع . فقال : لا استطعت فلم يرفعها إلى فيه . | و قال لعتبة بن أبي ~~لهب : اللهم سلط عليه كلبا من كلابك ، فأكله الأسد . | [ وقال لامرأة : ~~أكلك الأسد فأكلها ] | و حديثه المشهور ، من رواية عبد الله بن مسعود رضي ~~الله عنه ، في دعائه على قريش حين وضعوا السلا على رقبته وهو ساجد مع الفرث ~~والدم ، وسماهم . قال : فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر . | PageV01P244 و دعا ~~على الحكم بن أبي العاص ، وكان يختلج بوجهه ، ويغمز عند النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، أي لا ، فرآه ، فقال : كذلك كن ، فلم يزل يختلج إلى ms185 أن مات . | ~~و دعا علي محلم بن جثامة فمات لسبع ، فلفظته الأرض ، ثم وروي فلفظته مرات ، ~~فألقوه بين صدين ، ورضموا عليه بالحجارة . | و الصد : جانب الوادي [ 118 ] ~~. | و جحده رجل بيع فرس وهي التي شهد فيها خزيمة للنبي صلى الله عليه وسلم ~~، فرد الفرس بعد النبي صلى الله عليه وسلم على الرجل ، وقال : اللهم إن كان ~~كاذبا فلا تبارك له فيها . فأصبحت شاصية برجلها ، أي رافعة . | و هذا الباب ~~أكثر من أن يحاط به . | # | 3 ( فصل في كراماته وبركاته وانقلاب الأعيان له فيما لمسه أو باشره ) 3 # | أخبرنا أحمد بن محمد ، حدثنا أبو ذر الهروي ، إجازة ، حدثنا القاضي أبو ~~علي سماعا ، والقاضي أبو عبد الله بن عبد الرحمن وغيرهما ، فقالوا : حدثنا ~~أبو الوليد القاضي ، حدثنا أبو ذر ، حدثنا أبو إسحاق ، وأبو الهيثم : قالوا ~~: حدثنا الفربري ، حدثنا البخاري ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا سعيد ، عن ~~قتادة ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن أهل المدينة فزعوا مرة ، فركب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فرسا لأبي طلحة كان يقطف ، أو به فطاف . وقال غيره ~~: يبطأ ، فلما رجع قال : وجدنا فرسك بحرا فكان بعد لا يجارى . | و نخس جمل ~~جابر ، وكان قد أعيا ، فنشط حتى كان ما يملك زمامه . | و صنع مثل ذلك بفرس ~~لجعيل الأشجعي ، خفقها بمخفقة معه ، وبرك عليها ، فلم يملك رأسها نشاطا ، ~~وابع من طبنها باثني عشرألفا . | [ وركب حمارا قطوفا لسعد بن عبادة فرده ~~هملاجا لا يساير ] . | PageV01P245 و كانت شعرات من شعره في قلنسوة خالد بن ~~الوليد ، فلم يشهد بها قتالا إلا رزق النصر . | و في الصحيح عن أسماء بنت ~~أبي بكر رضي الله عنها أنها أخرجت جبة طيالسة ، وقالت : كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يلبسها ، فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها . | و حدثنا القاضي ~~أبو علي ، عن شيخه أبي القاسم بن المأمون : قال : وكانت عندنا قصعة من قصاع ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، فكنا نجعل فيها الماء للمرضى ، فيستشفون بها . ~~| و أخذ جهجاه الغفاري القضيب من ms186 يد عثمان رضي الله عنه ليكسره على ركبته ، ~~فصاح الناس به ، فأخذته فيها الآكلة فقطعها ، ومات قبل الحول . | و سكب من ~~فضل وضوئه في بئر قباء فما نزفت بعد . | و بزق في بئر كانت في دار أنس ، ~~فلم يكن بالمدينة أعذب منها . | و مر على ماء ، فسأل عنه ، فقيل له : اسمه ~~بيسان ، وماؤه ملح ، فقال : بل هو نعمان وماؤه طيب فطاب . | و أتي بدلو من ~~ماء زمزم ، فمج فيه ، فصارت أطيب من المسك . | و أعطى الحسن والحسين لسانه ~~فمصاه ، وكان يبكيان عطشا فسكتا . | و كان لأم مالك عكة تهدي فيها للنبي ~~صلى الله عليه وسلم سمنا ، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم ألا تعصرها ، ~~ثم دفعها إليها ، فإذا هي مملوءة سمنا ، فيأتيها بنوها يسألونها الأدم ، ~~وليس عندهم شيء ، فتعمد إليها ، فتجد فيها سمنا ، فكانت تقيم أدمها حتى ~~عصرتها . | و كان يتفل في أفواه الصبيان المراضع فيجزئهم ريقه إلى الليل . ~~| و من ذلك بركة يده فيما لمسه وغرسه ، ولسلمان رضي الله عنه حين كاتبه ~~مواليه على ثلاثمائة ودية يغرسها لهم ، كلها تعلق وتطعم وعلى أربعين أوقية ~~من ذهب ، فقام صلى الله عليه وسلم وغرسها له بيده إلا واحدة [ 119 ] غرسها ~~غيره ، فأخذت كلها إلى تلك الواحدة ، فقلعها النبي صلى الله عليه وسلم ~~وردها ، فأخذت . | و في كتاب البزار : فأطعم النخل من عامه إلا الواحدة ، ~~فقلعها رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV01P246 وغرسها فأطعمت من عامها . ~~| و أعطاه مثل بيضة الدجاجة من ذهب بعد أن أدارها على لسانه ، فوزن منها ~~لمواليه أربعين أوقية وبقي عنده مثل ما أعطاهم . | و في حديث حنش بن عقيل : ~~سقاني رسول الله صلى الله عليه وسلم شربة من سويق شرب أولها وشربت آخرها ، ~~فما برحت أجد شبعها إذا جعت ، وريها إذا عطشت ، وبردها إذا ظمئت . | و أعطى ~~قتادة بن النعمان ، وصلى معه العشاء في ليلة مظلمة مطيرة عرجونا ، وقال : ~~انطلق به ، فإنه سيضيء لك من بين يديك عشرا ومن خلفك عشرا ، فإذا دخلت بيتك ~~ف سترى سوادا ms187 فاضربه حتى يخرج ، فإنه الشيطان . | فانطلق فأضاء له العرجون ~~حتى دخل بيته ، ووجد السواد فضربه حتى خرج . | و منها دفعه لعكاشة جدل حطب ~~، وقال : اضرب به حين انكسر سيفه يوم بدر ، فعاد في يده سيفا صارما ، طويل ~~القامة ، أبيض ، شديد المتن ، فقاتل به ، ثم لم يزل عنده يشهد به المواقف ~~إلى أن استشهد في قتال أهل الردة . | و كان هذا السيف يسمى [ العون ] . | و ~~دفعه لعبد الله بن جحش يوم أحد ، وقد ذهب سبفه عسيب نخل ، فرجع في يده سيفا ~~. | و منه بركته في درور الشياه الحوائل باللبن الكثير ، كقصة شاة أم معبد ~~، وأعنز معاوية بن ثور ، وشاة أنس ، وغنم حليمة مرضعته وشارفها ، وشاة عبد ~~الله بن مسعود ، وكانت لم ينز عليها فحل ، وشاة المقداد . | و من ذلك ~~تزويده أصحابه سقاء ماء بعد أن أوكأه ، ودعا فيه ، فلما حضرتم الصلاة نزلوا ~~فحلوه ، فإذا به لبن طيب وزبدة في فمه من رواية حماد بن سلمة . | و مسح على ~~رأس عمير بن سعد ، وبرك ، فمات وهو ابن ثمانين ، فما شاب . | PageV01P247 و ~~روي مثل هذه القصص عن غير واحد ، منهم السائب بن يزيد ، ومدلوك . | و كان ~~يوجد لعتبة بن فرقد طيب يغلب طيب نسائه ، لأن رسول الله صل ى الله عليه ~~وسلم مسح بيده على بطنه وظهره . | و سلت الدم عن وجه عائذ بن عمرو ، وكان ~~خرج يوم حنين ، ودعا له ، فكانت له غرة كغرة الفرس . | و مسح على رأس قيس ~~بن زيد الجذامى ، ودعا له ، فهلك وهو ابن مائة سنة ، ورأسه أبيض ، وموضع كف ~~النبي صلى الله عليه وسلم وما مرت يده عليه من شعره أسود ، كان يدعى الأغر ~~. | و روي مثل هذه الحكاية لعمرو بن ثعلبة الجهني . | و مسح وجه آخر ، فما ~~زال على وجهه نور . | و مسح وجه قتادة بن ملحان ، فكان لوجهه بريق حتى كان ~~ينظر في وجهه كما ينظر في المرأة . | و وضع يده على رأس حنظلة بن حزيم ، ~~وبرك عليه ، فكان حنظلة يؤتي بالرجل قد ورم وجهه ms188 ، والشاة قد ورم ضرعها ، ~~فيوضع [ 120 ] على موضع كف النبي صلى الله عليه وسلم فيذهب الورم . | و نضح ~~في وجه زينب بنت أم سلمة نضحة من ماء ، فما يعرف كان في وجه امرأة من ~~الجمال ما بها . | و مسح على رأس صبي به عاهة ، فبرأ ، واستوى شعره ، وعلى ~~غير واحد من الصبيان والمرضى والمجانين ، فبرءوا . | و أتاه رجل به أدرة ، ~~فأمره أن ينضحها بماء من عين مج فيها ، ففعل ، فبرأ . | و عن طاوس : لم يؤ ~~ت النبي صلى الله عليه وسلم بأحد به مس ، فصك في صدره إلا ذهب . | ~~PageV01P248 و المس : الجنون . | و مج في دلو من بئر ، ثم صب فيها ، ففاح ~~منها ريح المسك . | و أخذ قبضة من تراب يوم حنين ، ورمى بها في وجوه الكفار ~~، وقال : [ شاهت الوجوه ] فانصرفوا يمسحون القذى عن أعينهم . | [ وشكا إليه ~~أبو هريرة رضي الله عنه النسيان ، فأمره ببسط ثوبه ، وغرف بيده فيه ، ثم ~~أمره بضمه ، ففعل ، فما نسي شيئا بعد . | و ما يروى عنه في هذا كثير . | و ~~ضرب صدر جرير بن عبد الله ، ودعا له ، وكان ذكر له أنه لا يثبت على الخيل ، ~~فصار من أفرس العرب وأثبتهم . | و مسح على رأس عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ~~وهو صغير ، وكان دميما ، ودعا له بالبركة ، ففرع الرجال ، طولا وتماما ] . ~~| # | 3 ( فصل فيما أطلع عليه من الغيوب وما يكون ) 3 # | و من ذلك ما أطلع عليه من الغيوب وما يكون . والأحاديث في هذا الباب ~~بحر لا يدرك قعره ، ولا ينزف غمره . | و هذه المعجزة من جملة معجزاته ~~المعلومة على القطع الواصل إلينا خبرها على التواتر ، لكثرة رواتها ، ~~واتفاق معانيها على الاطلاع على الغيب : | حدثنا الإمام أبو بكر محمد بن ~~الوليد الفهري إجازة ، وقرأته على غيره : قال أبو بكر : حدثنا أبو علي ~~التستري ، حدثنا أبو عمر الهاشمي ، حدثنا اللؤلؤي ، حدثنا أبو داود ، حدثنا ~~عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا جرير ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن حذيفة ، ~~PageV01P249 قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه ms189 وسلم مقاما ، فما ترك ~~شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا ، حدثه ، حفظه من حفظه ، ونسيه ~~من نسيه ، قد علمه أصحابي هؤلاء ، وإنه ليكون منه الشيء فأعرفه فأذكره كما ~~يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ، ثم إذا رآه عرفه . | ثم قال حذيفة : ما ~~أدري ، أنسي أصحابي أم تناسوه ، ، والله ما ترك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدا إلا قد ~~سماه لنا با سمه ، واسم أبيه ، وقبيلته . | و قال أبو ذر : لقد تركنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وما يحرك طائر جناحيه في السماء ، إلا ذكرنا منه ~~علما . | و قد خرج أهل الصحيح والأئمة ما أعلم به أصحابه صلى الله عليه ~~وسلم مما وعدهم به من الظهور على أعدائه ، وفتح مكة ، وبيت المقدس ، واليمن ~~، والشام ، والعراق . | و ظهور الأمن ، حتى تظعن المرأة من الحيرة إلى مكة ~~، لا تخاف إلا الله . | و أن المدينة ستغزى ، وتفتح خيبر على يدي علي في غد ~~يومه . | و ما يفتح الله على أمته من الدنيا . ويؤتون من زهرتها . | و ~~قسمتهم كنوز كسرى وقيصر . | و ما يحدث بينهم من الفتون والاختلاف والأهواء ~~. | و سلوك سبيل من قبلهم ، وافتراقهم [ 121 ] على ثلاث وسبعين فرقة ، ~~الناجية منها واحدة . | PageV01P250 و أنها ستكون لهم أنماط ، ويغدو أحدهم ~~في حلة ، ويروح في أخرى ، وتوضع بين يديه صحفة وترفع أخرى ، ويسترون بيوتهم ~~كما تستر الكعبة . | ثم قال آخر الحديث : وأنتم اليوم خير منكم يومئذ ، ~~وأنهم إذا مشوا المطيطاء وخدمتهم بنات فارس والروم رد الله بأسهم بينهم ، ~~وسلط شرارهم على خيارهم . | و قتالهم الفرس ، والخزر ، وال روم ، وذهاب ~~كسرى وفارس حتى لا كسرى ولا فارس بعده ، وذهاب قيصر حتى لا قيصر بعده . | و ~~ذكر أن الروم ذات قرون إلى آخر الدهر . | و بذهاب الأمثل فالأمثل من الناس ~~، وتقارب الزمان ، وقبض العلم ، وظهور الفتن ، والهرج . | و قال : [ ويل ~~للعرب من شر قد اقترب ] . | و أنه زويت له الأرض فأري ms190 مشارقها ومغاربها ، ~~وسيبلغ ملك أمته ما زوي له منها . | و كذلك كان ، امتدت في المشارق ~~والمغارب مما بين أرض الهند أقصى المشرق إلى بحر طنجة حيث لا عمارة وراءه ، ~~وذلك ما لم تملكه أمة من الأمم ، ولم تمتد في الجنوب ولا في الشمال مثل ذلك ~~. | PageV01P251 و قوله : لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم ~~الساعة ذهب ابن المديني إلى أنهم العرب ، لأنهم المختصون بالسقي بالغرب وهي ~~الدلو . وغيره يذهب إلى أنهم أهل المغرب ، وقد ورد المغرب كذا في الحديث ~~بمعناه . | و في حديث آخر ، من رواية أبي أمامة : لا تزال طائفة من أمتي ~~ظاهرين على الحق ، قاهرين لعدوهم ، حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك . | قيل : ~~يا رسول الله ، وأين هم ، قال : بيت المقدس . | و أخبر بملك بني أمية ، ~~وولاية معاوية ، ووصاه ، واتخاذ بني أمية مال الله دولا ، وخروج ولد العباس ~~بالرايات السود ، وملكهم أضعاف ما ملكوا ، وخروج المهدي ، وما ينال أهل ~~بيته وتقتيلهم وتشريدهم ، وقتل علي ، وأن أشقاها الذي يخضب هذه من هذه ، أي ~~لحيته من رأسه ، وأنه قسيم النار ، يدخل أولياؤه النار ، فكان فيمن عاداه ~~الخوارج والناصبة ، وطائفة ممن ينسب إليه من الروافض كفروه . | و قال : ~~يقتل عثمان وهو يقرأ في المصحف وأن الله عسى أن يلبسه قميصا ، وأنهم يريدون ~~خلعه ، وأنه سيقطر دمه على قوله : فسيكفيكهم الله . | و أن الفتن لا تظهر ~~ما دام عمر حيا . | و بمحاربة الزبير لعلي ، وبنباح كلاب الحوأب على بعض ~~أزواجه ، وأنه يقتل حولها قتلى كثير ، وتنجو بعد ما كادت ، فنبحت على عائشة ~~عند خروجها إلى PageV01P252 البصرة . وأن عمارا تقلته الفئة الباغية ، ~~فقتله أصحاب معاوية . | و قال لعبد الله بن الزبير : ويل للناس منك ، وويل ~~لك من الناس [ 122 ] . | و قال في قزمان وقد أبلى مع المسلمين : إنه من أهل ~~النار فقتل نفسه . | و قال في جماعة فيهم أبو هريرة ، وسمرة بن جندب ، ~~وحذيفة : آخركم موتا في النار فكان بعضهم يسأل عن بعض ، فكان سمرة آخرهم ~~موتا ، هرم وخرف ، فاصطلى بالنار ms191 فاحترق فيها . | [ وقال في حنظلة الغسيل : ~~سلوا زوجته عنه ، فإني رأيت الملائكة تغسله فسألوها فقالت : إنه خرج جنبا ، ~~وأعجله الحال عن الغسل . | قال أبو سعيد رضي الله عنه : ووجدنا رأسه يقطر ~~ماء ] . | و قال : الخلافة في قريش . | و لن يزال هذا الأمر في قريش ما ~~أقاموا الدين . | و قال : يكون في ثقيف كذاب ومبير فرأوهما : الحجاج ، ~~والمختار . | و أن مسيلمة يعقره الله . | و إن فاطمة أول أهله لحوقا به . | ~~و أنذر بالردة ، وبأن الخلافة بعده ثلاثون سنة ، ثم تكون ملكا ، فكانت ذلك ~~بمدة الحسن بن علي . | PageV01P253 و قال : إن هذا الأمر بدا نبوة ورحمة ، ~~ثم يكون رحمة وخلافة ، ثم يكون ملكا عضوضا ، ثم يكون عتوا وجبروتا وفسادا ~~في الأمة . | و أخبر بشأن أويس القرني ، وبأمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها ، ~~وسيكون في أمته ثلاثون كاذبا فيهم أربع نسوة . | و في حديث آخر : ثلاثون ~~دجالا كذابا ، آخرهم الدجال الكذاب ، كلهم يكذب على الله ورسوله . | و قال ~~: يوشك أن يكثر فيكم العجم ، يأكلون فيئكم ، ويضربون رقابكم . | و لا تقوم ~~الساعة حتى يسوق الناس بعصاه رجل من قحطان . | و قال : خيركم قرني ، ثم ~~الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم . ثم يأتي بعد كذلك قوم يشهدون ولا ~~يستشهدون ، ويخونون ولا يؤتمنون ، وينذرون ولا يوفون ، [ ويظهر فيهم السمن ~~] . | و قال : لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه . | و قال : هلاك أمتي ~~على يدي أغيلمة من قريش . | قال أبو هريرة راويه : لو شئت سميتهم لكم : بنو ~~فلان ، وبنو فلان . | و أخبر بظهور القدرية والرافضة . | و سب آخر هذه ~~الأمة أولها . | و قلة الأنصار حتى يكونوا كالملح في الطعام ، فلم يزل ~~أمرهم يتبدد حتى لم يبق لهم جماعة . | PageV01P254 و أنهم سيقلون بعده أثرة ~~. | و أخبر بشأن الخوارج وصفتهم ، والمخدج الذي فيهم ، وأن سيماهم التحليق ~~. | و يرى رعاء الغنم رؤوس الناس ، والعراة الحفاة يتبارون في البنيان . | ~~و أن تلد الأمة ربتها . | و أن قريشا والأحزاب لا يغزونه أبدا ، وأنه هو ~~يغزوهم . | و أخبر بالموتان الذي يكون بعد فتح بيت ms192 المقدس . | و ما وعد من ~~سكنى البصرة ، وأنهم يغزون في البحر كالملوك على الأسراة . . . | و أن ~~الدين لو كان منوطا بالثريا لناله رجال من أبناء فارس . | و هاجت ريح في ~~غزاة ، فقال : هاجت لموت منافق ، فلما رجعوا إلى ا لمدينة وجدوا ذلك . | و ~~قال لقوم من جلسائه : ضرس أحدكم في النار أعظم من أحد . | قال أبو هريرة : ~~فذهب القوم يعني ماتوا ، وبقيت أنا ورجل ، فقتل مرتدا يوم اليمامة . | و ~~أعلم بالذي غل خرزا من خرز يهود ، فوجدت في رحله . وبالذي غل الشملة ، وحيث ~~هي . | PageV01P255 و ناقته حين ضلت ، وكيف تعلقت [ 123 ] بالشجرة بخطامها ~~. | و بشأن كتاي حاطب إلى أهل مكة . | و بقضية عمير مع صفوان حين ساره ~~وشارطه على قتل النبي صلى الله عليه وسلم . فلما جاء عميرللنبي صلى الله ~~عليه وسلم قاصدا لقتله ، وأطلعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأمر ~~والسر أسلم . | و أخبر بالمال الذي تركه عمه العباس رضي الله عنه عند أم ~~الفضل بعد أن كتمه ، | فقال : ما علمه غيري وغيرها ، فأسلم . | و أعلم بأنه ~~سيقتل أبي بن خلف . | و في عتبة بن أبي لهب يأكله كلاب الله . | و عن مصارع ~~أهل بدر ، فكان كما قال . | و قال في الحسن : إن ابني هذا سيد ، وسيصلح ~~الله به بين فئتين . | و لسعد : لعلك تخلف حتىينتفع بك أقوام ويستضر بك ~~آخرون . | و أخبر بقتل أهل مؤتة يوم قتلوا وبينهم ميسرة شهر أو أزيد . | و ~~بموت النجاشي يوم مات بأرضه . | وأخبر فير وز إذا ورد عليه رسولا من كسرى ~~بموت كسرى ذلك اليوم ، فلما حقق فيروز القصة أسلم . | و أخبر أبا ذر رضي ~~الله عنه بتطريده كما كان ، ووجده في المسجد نائما ، فقال له : كيف بك إذا ~~أخرجت منه ؟ قال : أسكن المسجد الحرام أحمد قال : فإذا أخرجت منه . . . ~~الحديث . | و بعيشه وحده ، وموته وحده . | PageV01P256 و أخبر أن أسرع ~~أزواجه به لحوقا أطولهن يدا ، فكانت زينب لطول يدها بالصدقة . | و أخبر ~~بقتل الحسين بالطف ، وأخرج بيده تربة ، وقال : فيها ms193 مضجعة . | و قال في زيد ~~بن صوحان : يسبقه عضو منه إلى الجنة فقطعت يده في الجهاد . | و قال في ~~الذين كانوا معه على حراء : اثبت فإنما عليك نبي وصديق وشهيد ، فقتل علي ، ~~وعمر وعثمان ، وطلحة ، والزبير ، وطعن سعد . | و قال لسراقة : كيف بك إذا ~~ألبست سواري كسرى ؟ فلما أتي بهما عمر ألبسهما إياه ، وقال : الحمد الله ~~الذي سلبهما كسرى وألبسهما سراقة . | و قال : تبنى مدينة بين دجلة ودجيل ~~وقطربل والصراة ، تجبى إليها خزائن الأرض ، يخسف بها يعني بغداد . | و قال ~~: سيكون في هذه الأمة رجل يقال له : الوليد ، هو شر لهذه الأمة من فرعون ~~لقومه . | و قال : لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان دعواهما واحدة . | و قال ~~اعمر في سهيل بن عمرو : عسى أن يقوم مقاما يسرك ياعمر ! فكان كذلك ، قام ~~بمكة مقام أبي بكر يوم بلغهم موت النبي صلى الله عليه وسلم ، وخطب بنحو ~~خطبته ، وثبتهم وقوى بصائرهم . | و قال لخالد حين وجهه لأكيدر : إنك تجده ~~يصيد البقر فوجدت هذه الأمور كلها في حياته وبعد موته كما قال صلى الله ~~عليه وسلم . | إلى ما أخبر به جلساءه من أسرارهم وبواطنهم ، و اطلع عليه من ~~أسرار المنافقين وكفرهم ، وقولهم فيه وفي المؤمنين ، حتى إن كان بعضهم ~~ليقول لصاحبه : اسكت ، فوالله PageV01P257 لو لم يكن عنده من يخبره لأخبرته ~~حجارة البطحاء . | و إعلامه بصفة السحر الذي سحره به لبيد بن الأعصم ، ~~وكونه في مشط ومشاقة ، في [ 124 ] جف طلع نخلة ذكر ، وأنه ألقى في بئر ~~ذروان ، فكان كما قال ، ووجد على تلك الصفة . | و إعلامه قريشا نأكل الأرضة ~~ما في صحيفتهم التي تظاهروا بها على بني هاشم ، وقطعوا بها رحمهم ، وأنها ~~أبقت فيها كل اسم الله ، فوجدوها كما قال . | و وصفه لكفار قريش بيت المقدس ~~حين كذبوه في خبر الإسراء ، ونعته إياه نعت من عرفه . | و أعلمهم بعيرهم ~~التي مر عليها في طريقه ، وأنذرهم بوقت وصولها ، فكان كله كما قال . | إلى ~~ما أخبر به من الحوادث التي تكون ولم يأت بعد ، منها ms194 ما ظهرت مقدماتها ، ~~كقوله : عمران بيت المقدس خراب يثرب ، وخراب يثرب خروج الملحمة ، وخروج ~~الملحمة فتح القسطنطينية . | و من أشراط الساعة وآيات حلولها ، وذكر النشر ~~والحشر ، وأخبار الأبرار والفجار ، والجنة والنار ، وعرصات القيامة . | و ~~بحسب هذا الفصل ان يكون ديوانا مفردا يشتمل على أجزاء وحده ، وفيما أشرنا ~~إليه من نكت الأحاديث التي ذكرنا كفاية ، وأكثرها في الصحيح ، وعند الأئمة ~~. | # | 3 ( فصل في عصمة الله تعالى له من الناس ) 3 # | و قال الله تعالى : والله يعصمك من الناس [ سورة المائدة - 5 ، الآية : ~~67 ] . | و قال تعالى : واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا [ سورة الطور - 52 ، ~~الآية : 48 ] . | و قال : أليس الله بكاف عبده [ سورة الزمر / 39 ، الآية : ~~36 ] . | PageV01P258 و قيل : بكاف محمدا صلى الله عليه وسلم أعداءه ~~المشركين . وقيل غير هذا . | و قال : إنا كفيناك المستهزئين [ سورة الحجر - ~~15 ، الآية : 95 ] . | و قال : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك ~~أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين [ سورة الأنفال - 8 ، ~~الآية : 30 ] . | أخبرنا القاضي الشهيد أبو علي الصدفي بقرائتي عليه ، ~~والفقيه الحافظ أبو بكر محمد عبد الله المعافري ، قالا : حدثنا أبو الحسن ~~الصيرفي ، قال : حدثنا أبو يعلى البغدادي ، حدثنا أبو علي السنجي ، حدثنا ~~أبو العباس المروزي ، حدثنا أبو عيسى الحافظ ، حدثنا عبد بن حميد ، حدثنا ~~مسلم بن إبراهيم ، حدثنا الحارث بن عبيد ، عن سعيد الجريري ، عن عبد الله ~~بن شفيق ، عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يحرس حتى نزلت هذه الآية : والله يعصمك من الناس فأخرج رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رأسه من القبة ، فقال لهم : يأيها الناس ، انصرفوا ، فقد عصمني ~~ربي عز وجل . | و روى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل منزلا اختار ~~له أصحابه شجرة يقيل تحتها ، فأتاه أعرابي فاخترط سيفه ثم قال : من يمنعك ~~مني ؟ فقال : الله عز وجل فرعدت يد الأعرابي ، وسقط سيفه ، وضرب برأسه ~~الشجرة حتى سال دماغه ، فنزلت الآية . | و قد رويت هذه القصة ms195 في الصحيح ، ~~وأن غورث بن الحارث صاحب هذه القصة ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم عفا عنه ~~، فرجع إلى قومه ، وقال : جئتكم من عند خير الناس . | و قد حكيت مثل هذه ~~الحكاية ، وأنها جرت له يوم بدر ، وقد انفرد من أصحابه لقضاء حاجته ، فتبعه ~~رجل من المنافقين . . . وذكر مثله . | و قد روي أنه وقع له مثلها في غزوة ~~غطفان بذي أمر ، مع رجل اسمه دعثور بن الحارث ، وأن [ 125 ] الرجل أسلم ، ~~فلما رجع إلى قومه الذين أغروه وكان سيدهم وأشجعهم قالوا له : أين ما كنت ~~تقول ، وقد أمكنك ؟ فقال : إني نظرت إلى رجل أبيض طويل دفع في صدري ، فوقعت ~~لظهري ، وسقط السيف ، فعرفت أنه ملك ، وأسلمت . | و فيه نز لت : يا أيها ~~الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف ~~أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون [ سورة المائدة - 5 ، ~~الآية : 11 ] . | و في رواية الخطابي أن غورث بن الحارث المحاربي أراد أن ~~يفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فلم PageV01P259 يشعر به إلا وهو قائم ~~على رأسه منتضيا سيفه ، فقال : اللهم اكفنيه بما شئت ، فانكب من وجهه من ~~زلخة زلخها بين كتفيه ، ونذر سيفه من يده . | الزلخة : وجع الظهر . | و قيل ~~في قصته غير هذا ، وذكر فيه نزلت : يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله ~~عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون [ سورة المائدة - 5 ، الآية : 11 ] . | و قيل : كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاف قريشا ، فلما نزلت هذه الآية استلقى ، ~~ثم قال : من شاء فليخذلني . | و ذكر عبد بن حميد ، قال : كانت حمالة الحطب ~~تضع العضاه وهي جمر على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم فكأنما يطؤها ~~كثيبا أهيل . | و ذكر ابن اسحاق عنها أنها لما بلغها نزول : تبت يدا أبي ~~لهب وتب ، وذكرها بما ذكرها الل ه مع زوجها من الذم أنت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ms196 وهو جالس في المسجد ومعه أبو بكر ، وفي يدها فهر من الحجارة . | ~~فلما وقفت عليهما لم تر إلا أبا بكر ، وأخذ الله تعالى ببصرها عن نبيه صلى ~~الله عليه وسلم ، فقالت : يا أبا بكر ، أين صاحبك ؟ فقد بلغني أنه يهجوني ، ~~والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه . | و عن الحكم بن أبي العاصي : ~~تواعدنا على النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا رأيناه سمعنا صوتا خلفنا ما ~~ظننا أنه بقي بتهامة أحد ، فوقعنا مغشيا علينا ، فما أفقنا حتى قضى صلاته ~~ورجع إلى أهله . | ثم تواعدنا ليلة أخرى ، فجئنا حتى إذا رأيناه جاءت الصفا ~~والمروة ، فحالت بيننا وبينه . | و عن عمر رضي الله عنه : تواعدت أنا وأبو ~~جهم بن حذيفة ليلة قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجئنا منزله ، ~~فسمعنا له ، فافتح وقرأ : الحاقة * ما الحاقة إلى : فهل PageV01P260 ترى ~~لهم من باقية [ سورة الحافة - 69 ، الآيات : 1 ، 8 ] . | فضرب أبو جهم على ~~عضد عمر ، وقال : انج ، وفرا هاربين ، فكانت من مقدمات إسلام عمر رضي الله ~~عنه . | و منه العبرة المشهورة ، والكفاية التامة عندما أخافته قريش ، ~~وأجمعت على قتله وبيتوه ، فخرج عليهم من بيته ، فقام على رؤوسهم ، وقد ضرب ~~الله تعالى على أبصارهم ، وذر التراب على رؤوسهم ، وخلص منهم . | و حمايته ~~عن رؤيتهم في الغار بما هيأ الله له من الآيات ، ومن العنكبوت الذي نسج ~~عليه ، حتى قال أمية بن خلف حين قالوا : تدخل الغار : ما أربكم فيه ، وعليه ~~من نسج العنكبوت ما أرى أنه قبل أن يولد محمد . | و وقعت حمامتان على فم ~~الغار ، فقالت قريش : لو كان فيه أحد لما كانت هناك الحمام . | و قصته مع ~~سراقة بن مالك بن جعشم حين الهجرة ، وقد [ 126 ] جعلت قريش فيه وفي أبي بكر ~~الجعائل ، فأنذر به ، فركب فرسه واتبعه حتى إذا قرب مه دعا عليه النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، فساخت قوائم فرسه ، فخر عنها ، واستقسم ، بالأزلام ، فخرج ~~له ما يكره . | ثم ركب ودنا حتى سمع قراءة النبي صلى الله عليه ms197 وسلم ، وهو ~~لا يلفت ، وأبو بكر رضي الله عنه يلتفت فقال للنبي صلى الله عليه وسلم : ~~أتينا . فقال : لا تحزن إن الله معنا فساخت ثانية إلى ركبتها ، وخر عنها ، ~~فزجرها فنهضت ولقوئمها مثل الدخان ، فناداهم بالأمان ، فكتب له النبي صلى ~~الله عليه وسلم أمانا ، كتبه ابن فهيرة ، وقيل أبو بكر ، وأ خبرهم بالأخبار ~~، وأمره النبي صلى الله عليه وسلم ألا يترك أحدا يلحق بهم . | فانصرف يقول ~~للناس : كفيتم ما ها هنا . | و قيل : بل قال لهما : أراكما دعوتما علي ، ~~فادعوا لي . | فنجا ، ووقع في نفسه ظهور النبي صلى الله عليه وسلم . | ~~PageV01P261 و في خبر آخر : أن راعيا عرف خبرهما ، فخرج يشتد ، يعلم قريشا ~~، فلما ورد مكة ضرب على قلبه ، فما يدري ما يصنع ، وأنسي ما خرج له حتى رجع ~~إلى موضعه . | و جاءه فيما ذكر ابن إسحاق وغيره أبو جهل ، بصخرة وهو ساجد ، ~~وقريش ينظرون ، ليطرحها عليه ، فلزقت بيده ، وبست يداه إلى عنقه ، وأقبل ~~يرجع القهقرى إلى خلفه ، ثم سأله أن يدعو له ، ففعل ، فانطلقت يداه ، وكان ~~قد تواعد مع قريش بذلك ، وحلف لئن رآه ليدمغنه ، فسألوه عن شأنه ، فذكر أنه ~~عرض لي دونه فحل ، ما رأيت مثله قط ، هم بي أن يأكلني . | فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم : ذاك جبريل ، لو دنا لأخذه . | و ذكر السمرقندي أن رجلا من ~~بني المغيرة أتى النبي صلى الله عليه وسلم ليقتله ، فطمس الله على بصره ، ~~فلم ير النبي صلى الله عليه وسلم ، وسمع قوله ، فرجع إلى أصحابه فلم يرهم ~~حتى نادوه . | و ذكر أن هاتين القصت ين ، نزلت : إنا جعلنا في أعناقهم ~~أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون * وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم ~~سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون [ سورة يس / 36 ، الآية : 8 ، 9 ] | و من ذلك ~~ما ذكره ابن أسحاق ، وغيره في قصته ، إذ خرج إلى بني قريظة ، في أصحابه ، ~~فجلس إلى جدار بعض آطامهم ، فانبعث عمرو بن جحاش أحدهم ليطرح عليه رحى ، ~~فقام النبي صلى الله عليه وسلم ms198 فانصرف إلى المدينة وأعلمهم بقصتهم . | و قد ~~قيل : أن قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم ~~قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون في هذه القصة نزلت . | و حكى السمرقندي أنه خرج إلى بني النضير ~~يستعين في عقل الكلابيين اللذين قتلهما عمرو بن أمية ، فقال له حيي بن أخطب ~~: اجلس يا أبا القاسم حتى نطعمك ونعطيك ما سألتنا . | فجلس النبي صلى الله ~~عليه وسلم مع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، وتوامر حيي معهم على قتله ، ~~فأعلم جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، فقام كأنه يريد ~~حاجته حتى دخل المدينة . | و ذكر أهل التفسير والحديث ، عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه أن أبا جهل وعد قريشا PageV01P262 لئن رأى محمدا يصلي ليطأن رقبته ~~. | فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم أعلموه ، فأقبل ، فلما قرب منه ولى ~~هاربا ناكصا على [ 127 ] عقبيه ، متقيا بيديه ، فسئل فقال : لما دنوت منه ~~أشرقت على خندق مملوء نارا كدت أهوي فيه ، وأبصرت هولا عظيما ، وخفق أجنحة ~~قد ملأت الأرض . | فقال النبي صلى الله عليه وسلم : تلك الملائكة ، لو دنا ~~لا ختطفته عضوا عضوا . | ثم أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم : كلا إن ~~الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى * إن إلى ربك الرجعى * أرأيت الذي ينهى * ~~عبدا إذا صلى * أرأيت إن كان على الهدى * أو أمر بالتقوى * أرأيت إن كذب ~~وتولى * ألم يعلم بأن الله يرى * كلا لئن لم ينته لنسفعا بالناصية * ناصية ~~كاذبة خاطئة * فليدع ناديه * سندع الزبانية * كلا لا تطعه واسجد واقترب [ ~~سورة العلق / 96 ، الآية : 6 ، 9 ] | و روي أن شيبة بن عثمان الحجبي أدركه ~~يوم حنين ، وكان حمزة قد تقل أباه وعمه ، فقال : اليوم أدرك ثأري من محمد . ~~| فلما اختلط الناس أتاه من خلفه ، ورفع سيفه ليصبه عليه ، قال : فلما دنوت ~~منه ارتفع إلي شواظ من نار أسرع من البرق ، فوليت هاربا ، وأحس بي النبي ~~صلى الله عليه ms199 وسلم فدعاني ، فوضع يده على صدري ، وهو أبغض الخلق إلي ، فما ~~رفعها إلا وهو أحب الخلق إلي ، [ وقال لي : ادن فقاتل فتقدمت أمامه أضرب ~~بسيفي وأقيه بنفسي ، ولو لقيت أبي تلك الساعة لأوقعت به دونه ] . | و عن ~~فضالة بن عمرو : أردت قتل النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح ، وهو يطوف ~~بالبيت ، فلما دنوت منه قال : أفضالة ؟ قلت : نعم . قال : ما كنت تحدث به ~~نفسك ؟ قلت : لا شيء . فضحك واستغفر لي ، ووضع يده على صدري ، فسكن قلبي ، ~~فو الله ما رفعها حتى ما خلق الله شيئا أحب إلي منه . | ومن مشهور ذلك خبر ~~عامر بن الطفيل ، وأربد بن قيس حين وفدا على النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~وكان عامر قال له : أنا أشغل عنك وجه محمد فاضربه أنت . فلم يره فعل شئيا ، ~~فلما كلمه في ذلك قال له : والله ما هممت أن أضربه إلا وجدتك بيني وبينه ، ~~أفأضربك . | و من عصمته له تعالى أن كثيرا من اليهود والكهنة أنذروا به ~~وعينوه لقريش ، PageV01P263 وأخبرهم بسطوته بهم ، وحضوهم عل قتله ، فعصمه ~~الله تعالى حتى بلغ فيه أمره . | و من ذلك نصره بالرعب أمامه مسيرة شهر ، ~~كما قال صلى الله عليه وسلم . | # | 3 ( فصل من معجزاته الباهرة ) 3 # | و من معجزاته الباهرة ما جمعه الله له من المعارف والعلوم ، وخصه به من ~~الاطلاع على جميع مصالح الدنيا والدين ، ومعرفته بأمور شرائعه ، وقوانين ~~دينه ، وسياسة عباده ، ومصالح أمته ، وما كان في الأمم قبله ، وقصص ~~الأنبياء والرسل والجبابرة والقرون الماضية من لدن آدم إلى زمنه ، وحفظ ~~شرائعهم وكتبهم ، ووعي سيرهم ، وسرد أنبائهم ، وأيام الله فيهم ، وصفات ~~أعيانهم واختلاف آرائهم ، والمعرفة بمددهم وأعمارهم ، وحكم حكمائهم ، ~~ومحاجة كل أمة من الكفرة ، ومعارضة كل فرقة من الكتابيين بما في كتبهم ، ~~وإعلامهم بأسرارها ومخبآت علومها ، وإخبارهم بما كتموا من ذلك وغيروه . | ~~إلى الإحتواء على لغات العرب ، وغريب ألفاظ فرقها ، والإحاطة بضروب ~~فصاحاتها ، والحفظ لأيامها وأمثالها ، وحكمها ومعاني أشعارها ، والتخصيص ~~بجوامع كلمها . | إلى المعرفة بضرب الأمثال الصحيحة ، والحكم البينة لتقريب ms200 ~~التفهيم للغامض ، والتبيين للمشكل ، إلى تمهيد قواعد الشرع الذي لا تناقض ~~فيه ولا تخاذل ، مع اشتمال شريعته على محاسن الأخلاق ومحامد الآداب [ 128 ] ~~وكل شيء مستحسن مفضل ، لم ينكر منه مل حد ذو عقل سليم شيئا إلا من جهت ~~الخذلان . | بل كل جاحد له وكافر من الجاهلية به إذا سمع ما يدعو إليه صوبه ~~، واستحسنه دون طلب إقامة برهان عليه . | ثم ما أحل لهم من الطيبات ، وحرم ~~عليهم من الخبائث ، و صان به أنفسهم وأعراضهم وأموالهم من المعاقبات ~~والحدودعاجلا ، والتخويف بالنار آجلا [ مما لا يعلم علمه ولا يقوم به ، إلا ~~من مارس الدرس والعكوف على الكتب ، ومثافنة بعض هذا ] . | إلى الاحتواء على ~~ضروب العلوم ، وفنون المعارف ، كالطب ، والعبارة ، والفرائض ، والحساب ، ~~والنسب ، وغير ذلك من العلوم مما اتخذ أهل هذه المعارف كلامه صلى الله عليه ~~وسلم فيها قدوة وأصولا في علمهم ، كقوله صلى الله عليه وسلم : الرؤيا لأول ~~عابر . وهي على PageV01P264 رجل طائر | . | و قوله : الرؤيا ثلاث ، رؤيا حق ~~، ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه ، ورؤيا تخزين من الشيطان . | و قوله : إذا ~~تقارب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب . | و قوله : أصل كل داء البردة . | ~~و ما روي عنه في حديث أبي هريرة رضي الله عنه من قوله : المعدة حوض البدن ، ~~والعروق إليها واردة وإن كان هذا حديثا لا نصححه وكونه موضوعا تكلم عليه ال ~~دار قطني . | و قوله : خير ما تداويتم به السعوط واللدود ، والحجامة ، ~~والمشي . | و خير الحجامة يوم سبع عشرة ، وتسع عشرة ، وإحدى وعشرين . | و ~~في العود الهندي سبعة أشفية ، منها ذات الجنب . | و قوله : ما ملأ ابن آدم ~~وعاء شرا من بطن ، فإن كان لا بد فثلث للطعام ، وثلث للشراب ، وثلث للنفس . ~~| و قوله وقد سئل عن سبأ : أرجل هو أم امرأة ، أم أرض ؟ فقال : رجل ولد ~~عشرة : تيامن منهم ستة ، وتشاءم أربعة . . . الحديث بطوله . | و كذلك جوابه ~~في نسب قضاعة ، وغير ذلك مما اضطرت العرب على شغلها PageV01P265 بالنسب إلى ~~سؤاله عما اختلفوا فيه من ذلك . | و قوله ms201 : حمير رأس العرب ونابها : ومذحج ~~هامتها وغلصمتها . والأزذ كاهلها وجمجمتها ، وهمدان غاربها وذروتها . | و ~~قوله : إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض . | و قوله ~~في الحوض : زواياه سواء . | و قوله في حديث الذكر : وإن الحسنة بعشر ~~أمثالها ، فتلك مائة وخمسون على اللسان ، وألف وخمسمائة في الميزان . | و ~~قوله وهو بموضع : نعم موضع الحمام هذا . | و قوله ما بين المشرق والمغرب ~~قبلة . | و قوله لعيينة ، أو الأقرع : أنا أفرس بالخيل منك . | و قوله ~~لكتابه : ضع القلم على أذنك ، فإنه أذكر للممل . | هذا مع أنه صلى الله ~~عليه وسلم كان لا يكتب ، ولكنه أوتي علم كل شيء ، حتى قد وردت آثار بمعرفته ~~حروف الخط وحسن تصويرها : | كقوله : : لا تمدوا بسم الله الرحمن الرحيم ~~رواه ابن شعبان من طريق ابن عباس . | و قوله في الحديث الآخر الذي يروى عن ~~معاوية أنه كان يكتب بين يديه صلى الله عليه وسلم فقال له : ألق الدواة ، ~~وحرف القلم ، وأقم الباء ، وفرق السين ، ولا تعور الميم ، وحسن الله ، ومد ~~الرحمن ، وجود الرحيم . | PageV01P266 و هذا ، وإن لم تصح الرواية أنه صلى ~~الله عليه وسلم كتب فلا يبعد [ 129 ] أن يرزق علم هذا ويمنع القراءة ~~والكتابة . | و أما علمه صلى الله عليه وسلم بلغات العرب ، وحفظه معاني ~~أشعارها ، فأمر مشهور ، قد نبهنا على بعضه أول الكتاب . | و كذلك حفظه ~~لكثير من لغات الأمم ، كقوله في الحديث : سنة ، سنة وهي حسنة بالحبشية . | ~~و قوله : ويكثر الهرج وهو القتل بها . | و قوله في حديث أبي هريرة : أشكنب ~~درد أي وجع البطن بالفارسية . | إلى غير ذلك ممالا يع لم بعض هذا ولا يقوم ~~به ولا ببعضه إلا من مارس الدرس والكوف على الكتب ومثافنة أهلها عمره . | و ~~هو رجل كما قال الله تعالى أمي ، لم يكتب ولم يقرأ ، ولا عرف بصحبه من هذه ~~صفته ، ولا نشأ بين قوم لهم علم ولا قراءة لشيء من هذه الأمور ، ولا عرف هو ~~قبل بشيء منها ، قال الله تعالى : وما كنت تتلو من ms202 قبله من كتاب ولا تخطه ~~بيمينك إذا لارتاب المبطلون [ سورة العنكبوت - 29 ، الآية : 48 ] . | إنما ~~كانت غاية معارف العرب النسب وأخبار أوائلها ، والشعر ، والبيان ، وإنما ~~حصل ذلك لهم بعد التفرغ لعلم ذلك ، والاشتغال بطلبه ، ومباحثة أهله عنه . | ~~وهذا الفن نقطة من بحر علمه صلى الله عليه وسلم . | و لا سبيل إلى جحد ~~الملحد لشيء مما ذكرناه ، ولا وجد الكفرة حيلة في دفع ما نصصناه إلا قولهم ~~: أساطير الأولين : إنما يعلمه بشر . | فرد الله قولهم بقوله : لسان الذي ~~يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين [ سورة النحل / 16 ، الآية : 103 ] ~~. | ثم ما قالوه مكابرة العيان ، فإن الذي نسبوا تعليمه إليه إما سلمان ، ~~أو العبد الرومي ، وسلمان إنما عرفه بعد الهجرة ، ونزول الكثير من القرآن ، ~~وظهور ما لا ينع د من الآيات . | و أما الرومي فكان أسلم وكان يقرأ على ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، واختلف في اسمه . | و قيل : بل كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يجلس عنده عند المروة ، وكلاهما أعجمي اللسان ، PageV01P267 ~~وهو الفصحاء اللد ، والخطباء السن ، قد عجزوا عن معارضة ما أتى به ، ~~والإتيان بمثله ، بل عن فهم رصفه ، وصورة تأليفه ونظمه ، فكيف بأعجمي ألكن ~~! . | نعم ، وقد كان سلمان ، أو بلعام الرومي ، أو يعيش ، أو جبر ، أو يسار ~~على اختلافهم في اسمه بين أظهرهم يكلمونه مدى أعمارهم ، فهل حكي عن واحد ~~منهم شيء من مثل ما كان يجيء به محمد صلى الله عليه وسلم ؟ وهل عرف واحد ~~منهم بمعرفة شيء من ذلك ؟ وما منع العدو حينئذ على كثرة عدده ، ودؤوب طلبه ~~، وقوة حسده - أن يجلس إلى هذا فيأخذ عليه أيضا ما يعارض به ويتعلم منه ما ~~يحتج به على شغبه ، كفعل النضر بن الحارث بما كان يمخرق به من أخبار كتبه . ~~| و لا غاب للنبي صلى الله عليه وسلم عن قومه ، ولا كثرت اختلافاته إلى ~~بلاد أهل الكتاب ، فيقال : إنه استمد منهم ، بل لم يزل بين أظهرهم يرعى في ~~صغره وشبابه ، على عادة أبنائهم ، ثم لم يخرج عن بلادهم ms203 إلى سفرة أو سفرتين ~~، لم يطل فيهما مكثه مدة يحتمل فيها تعليم القليل ، فكيف الكثير ! . | بل ~~كان في سفره في صحبة قومه ورفاقة عشيرته ، لم يغب عنهم ، ولا خالف حاله [ ~~130 ] مدة مقامه بمكة من تعليم واختلاف إلى حبر أو قس ، أو منجم أو كاهن . ~~| بل لو كان هذا بعد كله لكان مجيء ما أتى به من معجز القرآن قاطعا لكل عذر ~~، ومدحضا لكل حجة ، ومجليا لكل أمر . # # | 3 ( فصل من خصائصه وكراماته وباهر آياته أنباؤه مع الملائكة والجن ) 3 # | و من خصائصه صلى الله عليه وسلم ، وكراماته ، وباهر آياته أنباؤه مع ~~الملائكة والجن ، وإمداد الله له بالملائكة ، وطاعة الجن له ، ورؤية كثير ~~من أصحابهم لهم ، قال الله تعالى : وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه ~~وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير [ سورة التحريم - 66 ، الآية ~~: 4 ] . | و قال : إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا [ ~~سورة الأنفال - 8 ، الآية : 12 ] . | و قال : إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم ~~أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين * وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به ~~قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم [ سورة الأنفال - 8 ، ~~الآية : 9 ، 10 ] . | و قال : وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن ~~فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين [ سورة الأحقاف - ~~46 ، الآية : 29 ] . | PageV01P268 حدثنا سفيان بن العاص الفقيه بسماعي ~~عليه ، حدثنا أبو الليث السمرقندي ، قال : حدثنا عبد الغافر الفارسي ، ~~حدثنا أبو أحمد الجلودي ، حدثنا ابن سفيان ، حدثنا مسلم ، حدثنا عبيد الله ~~بن معاذ ، حدثنا أبي ، حدثنا شعبة ، عن سليمان الشيباني ، سمع زر بن حبيش ، ~~عن عبد الله ، قال : لقد رأى من آيات ربه الكبرى قال : رأى جبريل عليه ~~السلام في صورته ، له ستمائة جناح . | و الخبر في محادثته مع جبريل ~~وإسرافيل وغيرهم من الملائكة ، وما شاهده من كثرتهم وعظم صور بعضهم ليلة ~~الإسراء مشهور . | و قد رآهم بحضرته جماعة من أصحابه في مواطن مختلفة ، [ ~~فرأى أصحابه ms204 جبريل عليه السلام في صورة رجل يسأله عن الإسلام والإيمان ] . ~~| و رأى ابن عباس ، وأسامة بن زيد ، وغيرهما عنده جبريل في صورة دحية . | و ~~رأى سعد عن يمينه يساره جبريل وميكائيل في صورة رجلين عليهما ثياب بيض . | ~~و مثله غير واحد . | و سمع بعضهم زجر الملائكة خليها يوم بدر . | و بعضهم ~~رأى تطاير الرؤوس من الكفار ، ولا يرون الضارب . | و رأى أبو سفيان بن ~~الحارث يومئذ رجالا بيضاعلى خيل بلق بين السماء والأرض ، ما يقوم لها شيء . ~~| و قد كانت الملائكة تصافح عمران بن الحصين . | و أرى النبي صلى الله عليه ~~وسلم لحمزة جبريل في الكعبة ، فخر مغشيا عليه . | و رأى عبد الله بن مسعود ~~الجن ليلة الجن ، وسمع كل امهم ، وشبههم برجال PageV01P269 الزط . | و ذكر ~~ابن سعد أن مصعب بن عمير لما قتل يوم أحد أخذ الراية ملك على صورته ، فكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول له : تقدم يا مصعب فقال له الملك : لست ~~بمصعب ، فعلم أنه ملك . | وقد ذكر غير واحد من المصنفين عن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه أنه قال : بينا نحن جلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبل ~~شيخ بيده عصا ، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ، فرد عليه ، وقال صلى ~~الله عليه وسلم : نغمة الجن ! من أنت ؟ قال أنا هامة بن الهيم بن لاقس بن ~~إبليس ، فذكر أنه لقي نوحا ومن بعده . . . في حديث طويل ، وأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم علمه سورا من القرآن . | وذكر الواقدي قتل خالد عند هدمه ~~العزى للسوداء التي خرجت له ناشرة شعرها عريانة ، فجزلها بسيفه ، وأعلم ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له : تلك العزى . | وقال صلى الله عليه ~~وسلم : إن شيطانا تفلت البارحة ليقطع علي صلاتي ، فأمكنني الله منه ، ~~فأخذته فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم ، ~~فذكرت دعوة أخي سليمان : رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك ~~أنت الوهاب . ف رده الله ms205 خاسئا . | وهذا باب واسع . | # | 3 ( فصل من دلائل نبوته وعلامات رسالته ) 3 # | ومن دلائل نبوته وعلامات رسالته ما ترادفت به الأخبار عن الرهبان ~~والأحبار وعلماء أهل الكتاب ، من صفته وصفة أمته ، واسمه وعلاماته ، وذكر ~~الخاتم الذي بين كتفيه ، وما وجد من ذلك في أشعار الموحدين المتقدمين ، من ~~شعر تبع ، والأوس بن الحارثة ، وكعب ابن لؤي ، وسفيان بن مجاشع ، وقس بن ~~ساعدة . | وما ذكر عن سيف بن ذي يزن وغيرهم ، وعرف به من أمره زيد بن عمرو ~~بن نفيل ، PageV01P270 وورقة بن نوفل ، وعثكلان الحميري ، وعلماء يهود ، ~~وشامول عالمهم صاحب تبع من صفته وخبره . | وما ألفي من ذلك في التوراة ~~والإنجيل مما قد جمعه العلماء وبينوه ، ونقله عنهما ثقاه من أسلم منهم ، ~~مثل ابن سلام ، وابني سعية ، وابن يامين ، ومخيريق ، وكعب ، وأشباههم ممن ~~أسلم من علماء يهود ، وبحيرا ، ونصطور الحبشة ، وصاحب بصرى ، وضغاطر ، ~~وأسقف الشام ، والجارود ، وسلمان ، والنجاشي ، ونصارى الحبشة ، وأساقف ~~نجران ، وغيرهم ممن أسلم من علماء النصارى . | وقد اعترف بذلك هرقل ، وصاحب ~~رومة عالما النصارى ، ورئيساهم ، ومقوقس صاحب مصر ، والشيخ صاحبه ، وابن ~~صوريا ، وابن أخطب ، وأخ وه ، وكعب بن أسد ، والزبير بن باطيا ، وغيرهم من ~~علماء اليهود ، ممن حمله الحسد والنفاسة على البقاء على الشقاء . | ~~والأخبار في هذا كثيرة لا تنحصر . | وقد قرع أسماع اليهود والنصارى بما ذكر ~~أنه في كتبهم من صفته وصفة أصحابه ، واحتج عليهم بما انطوت عليه من ذلك ~~صحفهم ، وذمهم بتحريف ذلك وكتمانه ، وليهم ألسنتهم ببيان أمره ، ودعوتهم ~~إلى المباهلة على الكاذب ، فما منهم إلا من نفر عن معارضته ، وإبداء ما ~~ألزمهم من كتبهم إظهاره . | ولو وجدوا خلاف قوله لكان إظهاره أهون عليهم من ~~بذل النفوس والأموال وتخريب الديار ونبذ القتال ، وقد قال لهم : قل فاتوا ~~بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين [ سورة آل عمران / 3 ، الآية : 93 ] | إلى ~~ما أنذر به الكهان ، مثل شافع بن كليب ، وشق ، وسطيح ، وسراد بن قارب ، ~~وخنافر ، وأفعى بحران ، وجذل بن جذل الكندي ، وابن خلصة الدوسي ، وسعدى بنت ~~كريز ، وفاطمة بنت النعمان ms206 ، ومن لاينعد كثرة . | إلى ما ظهر على ألسنة ~~الأصنام من نبوته ، وحلول وقت رسالته ، وسمع من هواتف الجان ، ومن ذبائح ~~النصب ، وأجواف الصور ، وما وجد من اسم النبي صلى الله عليه وسلم والشهادة ~~له بالرسالة مكتوبا في الحجارة والقبو ر بالخط القديم ما أكثره مشهور ، ~~وإسلام من أسلم بسبب ذلك معلوم مذكور . | # | 3 ( فصل فيما ظهر من الأيات عند مولده ) 3 # | ومن ذلك ما ظهر من الآيات [ 132 ] عند مولده ، وما حكته أمه ومن حضره ~~من PageV01P271 العجائب ، وكونه رافعا رأسه عندما وضعته شاخصا ببصره إلى ~~السماء ، وما رأته من النور الذي خرج معه ولادته ، وما رأته إذ ذاك أم ~~عثمان بن أبي العاص من تدلي النجوم ، وظهور النور عند ولادته ، حتى ما تنظر ~~إلا النور . | و قول الشفاء أم عبد الرحمن بن عوف : لما سقط صلى الله عليه ~~وسلم على يدي واستهل سمعت قائلا يقول : رحمك الله ، وأضاء لي ما بين المشرق ~~والمغرب حتى نظرت إلى قصور الروم . | و ما تعرفت به حليمة وزوجها ظئراه من ~~بركته ، ودرور لبنها له ، ولبن شارفها وخصب غنمه ، وسرعة شبابه ، وحسن ~~نشأته . | و ما جرى من العجائب ليلة مولده ، من ارتجاج إيوان كسرى ، وسقوط ~~شرفاته ، وغيض بحيرة طبرية ، وخمود نار فارس ، وكان لها ألف عام لم تخمد . ~~| و أنه كان إذا أكل مع عمه أبي طالب وآله وهو صغير سبعوا وروروا ، فإذا ~~غاب فأكلوا في غيبته لم يشبعوا . | و كان سائر ولد أبي طالب يصبحون شعثا ~~ويصبح صلى الله عليه وسلم صقيلا دهينا كحيلا . | [ قالت أم أيمن حاضنته : ~~ما رأيته صلى الله عليه وسلم شكا ج وعا قط ولا عطشا صغيرا ولا كبيرا ] . | ~~و من ذلك حراسة السماء بالشهب ، وقطع رصد الشياطين ، ومنعهم استراق السمع . ~~| و ما نشأ عليه من بعض الأصنام ، والعفة عن أمور الجاهلية ، وما خصه الله ~~به من ذلك وحماه حتى في ستره في الخبر المشهور عند بناء الكعبة ، إذ أخذ ~~إزاره ليجعله على عاتقه ، ليحمل عليه الحجارة وتعرى ، فسقط إلى ms207 الأرض حتى ~~رد إزاره عليه . | فقال له عمه : ما بالك ؟ فقال : إني قد نهيت عن التعري . ~~| ومن ذلك إطلال الله له بالغمام في سفره . | و في رواية أن خديجة ونساؤها ~~رأينه لما قدم ، وماكان يظلانه ، فذكرت ذلك لميسرة ، فأخبرها أنه رأى ذلك ~~منذ خرج معه في سفره . | PageV01P272 [ وقد روي ان حليمة رأت غمامة تظله ، ~~وهو عندها . | وروي ذلك عن أخيه من الرضاعة ] . | و من ذلك انه نزل في بعض ~~أسفاره قبل مبعثه تحت شجرة يابسة ، فاعشوشب ما حولها وأينعت هي فأشرقت ~~وتدلت عليه أغضانها بمحضر من رآه . | و ميل فيء الشجرة إليه في الخبر الآخر ~~حتى أظلته . | و ما ذكر من أنه كان لا ظل لشخصيته في شمس ولا قمر ، لأنه ~~كان نورا . | و أن الذباب كان لا يقع على جسده ولا ثيابه . | و من ذلك ~~تحبيب الخلوة إليه حتى أوحي إليه ، ثم إعلامه بموته ودنو أجله ، وأن قبره ~~في المدينة وفي بيته ، وأن بين بيته ومنبره روضة من رياض الجنة ، وتخيير ~~الله له عند موته ، وما اشتمل عليه حديث الوفاة من كراماته ، وتشريفه ، ~~وصلاة الملائكة على جسده على ما رويناه في بعضها . | و استئذان ملك الموت ~~عليه ، ولم يستأذن على غيره قبله . | و نداؤهم الذي سمعوه ألا ينزعوا ~~القميص عنه عند غسله . | و ما روي من تعزية الخضر والملائكة أهل بيته عند ~~موته . | إلى ما ظهر على أصحابه من كرامته وبركته في حياته وموته ، ~~كاستسقاء عمر بعمه ، وتبرك غير واحد بذريته [ 133 ] . | # | 3 ( فصل معجزات نبينا أظهر من سائر معجزات الرسل من وجهين ) 3 # | قال القاضي أبو الفضل : قد أتينا في هذا الباب على نكت من معجزاته ~~واضحة ، وجمل من علامات نبوته مقنعة ، في واحد منها الكفاية والغنية ، ~~وتركنا الكثير سوى ما PageV01P273 ذكرنا ، واقتصرنا من الأحاديث الطوال على ~~عين الغرض وفص المقصد ، ومن كثير الأحاديث وغريبها على ما صح واشتهر إلا ~~يسيرا من غريبه مما ذكره مشاهير الأئمة ، وحذفنا الإسناد في جمهورها ، طلبا ~~للإختصار . | و يحسب هذا الباب لو ms208 تقصي أن يكون ديوانا جامعا يشتمل على ~~مجلدات عدة . | و معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم أظهر من سائر معجزات ~~الرسل بوجهين : | أحدهما : كثرتها ، وأنه لم يؤت نبي معجزة إلا وعند نبينا ~~مثلها ، أو ما هو أبلغ منها . | و قد نبه الناس على ذلك ، فإن أردته فتأمل ~~فصول هذا الباب ، ومعجزات من تقدم من الأنبياء تقف على ذلك إن شاء الله ~~تعالى . | و أما كونها كثيرة فهذا القرآن ، وكله معجز ، وأقل ما يقع ~~الإعجاز فيه عند بعض أئمة المحققين سورة : إنا أعطيناك الكوثر ، أو آية في ~~قدرها . | و ذهب بعضهم إلى أن كل آية منه كيف كانت معجزة . | و زاد آخرون ~~أن كل جملة منتظمة منه مع جزة ، وإن كانت من كلمة أو كلمتين . | و الحق ما ~~ذكرناه أولا ، لقوله تعالى : قل فاتوا بسورة مثله ، فهو أقل ما تحداهم به ، ~~مع ما ينصر هذا من نظر وتحقيق يطول بسطه . | و إذا كان هذا ففي القرآن من ~~الكلمات نحو من سبعة وسبعين ألف كلمة ونيف على عدد بعضهم ، وعدد كلمات : ~~إنا أعطيناك الكوثر عشر كلمات ، فتجزؤ القرآن على نسبة عدد إنا أعطيناك ~~الكوثر أزيد من سبعة آلاف جزء ، كل واحد منها معجز في نفسه . | ثم إعجازه ~~كما تقدم بوجهين : طريق بلاغته ، وطريق نظمه ، فصار في كل جزء من هذا العدد ~~معجزتان ، فتضاعف العدد من هذا الوجه . | ثم فيه وجوه إعجاز أخر من الإخبار ~~بعلوم الغيب ، فقد يكون في السورة الواحدة من هذه التجزئة الخبر عن أشياء ~~من الغيب ، كل خبر منها بنفسه معجز ، فتضاعف العدد كرة أخرى . | ثم وجوه ~~الإعجاز الأخر التي ذكرناها توجب التضعيف ، هذا في حق القرآن ، فلا يكاد ~~يأخذ العد معجزاته ، ولا يحوي الحصر براهينه . | PageV01P274 ثم الأحاديث ~~الواردة ، والأخبار الصادرة عنه صلى الله عليه وسلم في هذه الأبواب وعما دل ~~على أمره مما أشرنا إلى جمله يبلغ نحوا من هذا . | الوجه الثاني : وضوح ~~معجزاته صلى الله عليه وسلم ، فإن معجزات الرسل كانت بقدر همم أهل زمانهم ، ~~وبحسب الفن ms209 الذي سما فيه قرنه . | فلما كان موسى غاية أهل السحر بعث إليهم ~~موسى بمعجزة تشبيه ما يدعون قدرتهم عليه ، فجاءهم منها ما خرق عادتهم ، ولم ~~يكن في قدرتهم [ 134 ] ، وأبطل سحرهم . | و كذلك زمن عيسى أغنى ما كان الطب ~~، وأوفر ما كان أهله ، فجاءهم أمر لا يقدرون عليه ، وأتاهم ما لم يحتسبوه ~~من إحياء الميت ، وإبراء الأكمه والأبرص دون معالجة ولا طب . | و هكذا سائر ~~معجزات الأنبياء . | ثم إن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم ، ~~وجملة معارف العرب وعلومها أربعة : البلاغة ، والشعر ، والخبر ، والكهانة ، ~~فأنزل عليه القرآن الخارق لهذه الأربعة فصول من الفصاحة ، والإيجاز ، ~~والبلاغة الخارجة عن نمط كلامهم ، ومن النظم الغريب ، والأسلوب العجيب الذي ~~لم يهتدوا في المنظوم إلى طريقه ، ولا علموا في أساليب الأوزان منهجه ، ومن ~~الأخبار عن الكوائن والحوادث والأسرار والمخبآت والضمائر ، فتوجد على ما ~~كانت ، ويعترف المخبر عنها بصحة ذلك وصدقه ، وإن كان أ ' دى العدو . | ~~فأبطل الكهانة التي تصدق مرة وتكذيب عشرا ، ثم اجتثها من أصلها برحم الشهب ~~، ورصد النجوم . | و جاء من الأخبار عن القرون السالفة ، وأنباء الأنبياء ، ~~والأمم البائدة ، والحوادث الماضية ما يعجز من تفرغ لهذا العلم عن بعضه على ~~الوجوه التي بسطناها وبينا المعجز فيها . | ثم بقيت هذه المعجزة الجامعة ~~لهذا الوجوه إلى الفصول الأخر التي ذكرناها في معجزات القرآن ثابتة إلى يوم ~~القيامة بينة الحجة لكل أمة تأتي ، لا يخفى وجوه ذلك على من نظر فيه ، ~~وتأمل وجوه إعجازه . | إلى ما أخبر به من الغيوب على هذه السبيل ، فلا يمر ~~عصر ولا زمن إلا يظهر فيه صدقه بظهور مخبره على ما أخبر ، فيتجدد الإيمان ، ~~ويتظاهر البرهان ، وليس الخبر PageV01P275 كالعيان كما قيل . | و للمشاهدة ~~زيادة في اليقين ، والنفس أشد طمأنينة إلى عين اليقين منها إلى علم اليقين ~~، وإن كان كل عندها حقا . | و سائر معجزات الرسل انقرضت بانقراضهم ، وعدمت ~~بعدم ذواتها ، ومعجزة نبينا صلى الله عليه وسلم لا تبيد ولا تنقطع ، وآياته ~~تتجدد ولا تضمحل ، ولهذا أشار صلى الله عليه ms210 وسلم بقوله فيما حدثنا القاضي ~~الشهيد أبو علي ، حدثنا القاضي أبو الوليد ، حدثنا أبو ذر ، حدثنا أبو محمد ~~، وأبو إسحاق ، وأبو الهيثم ، قالوا : حدثنا الفربري ، حدثنا عبد العزيز بن ~~عبد الله ، حدثنا الليث ، عن سعيد ، عن أبيه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من ~~الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيت وحيا أوحاه الله إلي ~~، فأرجو أني أكثرهم تابعا يوم القيامة . | هذا معنى الحديث عن بعضهم ، وهو ~~الظاهر والصحيح إن شاء الله . | و ذهب غير واحد من العلماء في تأويل هذا ~~الحديث وظهور معجزة نبينا صلى الله عليه وسلم إلى معنى آخر من ظهورها ~~بكونها وحيا وكلاما لا يمكن التخييل فيه ، ولا التحيل عليه ، ولا التشيبه ، ~~فإن غيرها من معجزات الرسل قد رام المعاندون لها بأشياء طمعوا في التخييل ~~بها على الضعفاء كإلقاء السحرة حبالهم وعصيهم [ 135 ] وشبه هذا مما يخيله ~~الساحر ، أو يتحيل فيه . | و القرآن كلام ليس للحيلة ولا للسحر ، ولا ~~التخييل فيه عمل ، فكان من هذا الوجه عندهم أظهر من غيره من المعجزات ، كما ~~لا يتم لشاعر ولا لخطيب أن يكون شاعرا أو خطيبا بضرب من الحيل والتمويه . | ~~و التأويل الأول أخلص وأرضى . | و في هذا التأويل الثاني ما يغمض عليه ~~الجفن ، ويغضى . | و وجه ثا لث على مذهب من قال بالصرفة ، وأن المعارضة ~~كانت في مقدور البشر ، فصرفوا عنها ، أو على أحد مذهبي أهل السنة من أن ~~الإتيان بمثله من جنس مقدورهم ، ولكن لم يكن ذلك قبل ، ولا يكون بعد ، لأن ~~الله تعالى لم يقدرهم ، ولا يقدرهم عليه . | و بين المذهبين فرق بين ، ~~وعليهما جميعا فترك العرب الإتيان بما في مقدورهم ، أو ما هو من جنس ~~مقدورهم ، ورضاهم بالبلاء والجلاء ، والسباء والإذلال ، وتغيير الحال ، ~~وسلب النفوس والأموال ، والتقريع والتوبيخ ، والتعجيز والتهديد والوعيد ~~أبين آية للعجز عن الإتيان بمثله ، والنكول عن معارضته ، وأنهم منعوا عن ~~شيء هو من جنس مقدورهم . | PageV01P276 و ms211 إلى هذا ذهب الإمام أبو المعالي ~~الجويني وغيره ، قال : وهذا عندنا أبلغ في خرق العادة بالأفعال البديعة في ~~أنفسها ، كقلب العصا حية ونحوها ، فإنه قد يسبق إلى بال الناظر بدارا أن ~~ذلك من اختصاص صاحب ذلك بمزية معرفة في ذلك الفن ، وفضل علم إلى أن يرد ذلك ~~صحيح النظر . | و أما التحدي للخلائق مئين من السنين بكلام من جنس كلامهم ~~ليأتوا بمثله فلم يأتوا ، فلم يبق بعد توفر الدواعي على المعارضة ثم عدمها ~~إلا منع الله الخلق عنها بمثابة ما لو قال نبي : آيتي أن يمنع الله القيام ~~عن الناس مع مقدرتهم عليه ، وارتفاع الزمانة عنهم ، فكان ذلك ، وعجزهم الله ~~تعالى عن القيام لكان ذلك من أبهر آية ، وأظهر دلالة . وبالله التوفيق . | ~~و قد غاب عن بعض العلماء وجه ظهور آيته على سائر آيات الأنبياء ، حتى احتاج ~~للعذر عن ذلك بدقة أفهام العرب ، وذكاء ألبابها ، ووفور عقولها ، وأنهم ~~أدركوا المعجزة فيه بفطنتهم ، وجاءهم من ذلك بحسب إدراكهم ، وغيرهم من ~~القبط وبني إسرائيل وغيرهم لم يكونوا بهذه السبيل ، بل كانوا من الغباوة ~~وقلة الفطنة بحيث جوز عليهم فرعون أنه ربهم ، وجوز عليهم السامري ذلك في ~~العجل بعد إيمانهم ، وعبدوا المسيح مع أجماعهم على صلبه ، وما قتلوه وما ~~صلبوه ولكن شبه لهم ، فجاءتهم من الآيات الظاهرة البينة للأبصار بقدر غلظ ~~أفهامهم ما لا يشكون فيه ، ومع هذا فقالوا : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ~~. ولم يصبروا على المن والسلوى ، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير . | ~~و العرب على جاهليتها أكثرها يعترف بالصانع ، وإنما كانت تتقرب بالأصنام ~~إلى الله زلفى . | و منهم من آمن بالله وحده من قبل الرسول صلى الله عليه ~~وسلم [ 136 ] بدليل عقله وصفاء لبه . | و لما جاءهم الرسول بكتاب الله ~~فهموا حكمته ، وتبينوا بفضل إدراكهم لأول وهلة معجزته ، فآمنوا به ، ~~وازدادوا كل يوم إيمانا ، ورفضوا الدنيا كلها في صحبته ، وهجروا ديارهم ~~وأموالهم ، وقتلوا آباءهم وأبناءهم في نصرته ، وأتى في معنى هذا بما يلوح ~~له رونق ، ويعجب منه ms212 زبرج لو احتيج إليه وحقق ، لكنا قدمنا من بيان معجزة ~~نبينا صلى الله عليه وسلم وظهورها ما يغنى عن ركوب بطون هذه المسالك ~~وظهورها . | و بالله أستعين . [ وهو حسبي ، ونعم الوكيل ] آخر القسم الأول ~~ويليه القسم الثاني . # | PageV01P277 # | 1 ( القسم الثاني فيما يجب على الأنام من حقوقه عليه السلام ) 1 # | PageV02P003 # | 2 ( الباب الأول في فرض الإيمان به ووجوب طاعته واتباع سنته ) 2 # | إذا تقرر بما تقدم ثبوت نبوته وصحة رسالته ، وجب الإيمان به وتصديقه ~~فيما أتى به ، قال الله تعالى : فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا [ ~~سورة التغابن - 64 : الآية 8 ] . | و قال : إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ~~ونذيرا * لتؤمنوا بالله ورسوله [ سورة الفتح - 48 : الآية : 8 ، 9 ] . | و ~~قال : فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه ~~لعلكم تهتدون [ سورة الأعراف - 7 ، الآية : 158 ] . | فالإيمان بالنبي محمد ~~صلى الله عليه وسلم واجب متعين لا يتم إيمان إلا به ، ولا يصح إسلام إلا ~~معه ، قال الله تعالى : ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين ~~سعيرا [ سورة الفتح - 48 ، الآية : 13 ] . | حدثنا أبو محمد الخشني الفقيه ~~بقراءتي عليه ، حدثنا الإمام أبو علي الطبري ، حدثنا عبد الغافر الفارسي ، ~~حدثنا ابن عمرويه ، حدثنا ابن سفيان ، حدثنا أبو الحسين ، حدثنا أمية بن ~~بسطام ، حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا روح ، عن العلاء بن عبد الرحمن بن ~~يعقوب ، عن أبيه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، قال : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، ويؤمنوا ~~بي وبما جئت به ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، ~~وحسابهم على الله . | PageV02P004 قال القاضي أبوالفضل : | والإيمان به _ ~~صلى الله عليه وسلم هو تصديق نبوته ورسالة الله له ، وتصديقه في جميع ما جا ~~به وما قاله ، ومطابقة تصديق القلب بذلك شهادة اللسان بأنه رسول الله ، ~~فإذا اجتمع التصديق به بالقلب ، والنطق بالشهادة بذلك اللسان ، ثم الإيمان ~~به والتصديق له كما ورد في الحديث نفسه من ms213 رواية عبد الله بن عمر رضي الله ~~عنهما : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا ~~رسول الله . | وقد زاده وضوحا في حديث جبريل ، إذقال : أخبرني عن الإسلام ، ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم : أن تشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا ~~رسول الله . . . وذكر أركان الإسلام . | فقد قرر أن الإيمان به محتاج إلى ~~العقد بالجنان ، والإسلام به مضطر إلى النطق باللسان [ 137 ] . | وهذه ~~الحال المحمودة التامة . | وأما الحال المذمومة فالشهادة باللسان دون تصديق ~~القلب ، وهذا هو النفاق ، قال الله تعالى : إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد ~~إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ، ~~أي كاذبون في قولهم ذلك عن اعتقادهم وتصديقهم ، وهم لا يعتقدونه ، فلما لم ~~تصدق ذلك ضمائرهم لم ينفعهم أن يقولوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ، فخرجوا ~~عن اسم الإيمان ، ولم يكن لهم في الآخرة حكمه ، إذ لم يكن معهم إيمان ، ~~ولحقوا بالكافرين في الدرك الأسفل من النار ، وبقي عليهم حكم الإسلام ، ~~بإظهار شهادة الإسلام ، في أحكام الدنيا المتعلقة بالأئمة وحكام المسلمين ~~الذين أحكامهم على الظواهر ، بما أظهروه من علا مة الإسلام ، إذ لم يجعل ~~للبشر سبيل إلى السرائر ، ولا أمروا بالبحث عنها ، بل نهى النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن التحكم عليها ، وذم ذلك ، وقال : هلا شققت عن قلبه . | و ~~للفرق بين القول والعقد ما جعل في حديث جبريل : الشهادة من الإسلام ، ~~والتصديق من الإيمان . | PageV02P005 و بقيت حالتان أخريان بين هذين : | ~~إحداهما أن يصدق بقلبه ثم يخترم قبل اتساع وقت للشهادة بلسانه ، فاختلف فيه ~~، فشرط بعضهم من تمام الإيمان القول والشهادة به ، ورآه بعضهم مؤمنا ~~مستوجبا للجنة ، لقوله صلى الله عليه وسلم : يخرج من النار من كان في قلبه ~~مثقال ذر ة من إيمان ، فلم يذكر سوى ما في القلب . | و هذا مؤمن بقلبه ، ~~غير عاص ولا مفرط بترك غيره . | و هذا هو الصحيح في هذا الوجه . | الثانية ~~: أن يصدق بقلبه ويطول مهله ، وعلم ما يلزمه ms214 من الشهادة ، فلم ينطق بها ~~جملة ولا استشهد في عمره ولا مرة ، فهذا اختلف فيه أيضا ، فقيل : هو مؤمن ، ~~لأنه مصدق ، والشهادة من جملة الأعمال ، فهو عاص بتركها غير مخلد في النار ~~. | و قيل : ليس بمؤمن حتى يقارن عقده شهادة اللسان ، إذ الشهادة إنشاء عقد ~~، والتزام ايمان ، وهي مرتبطة مع العقد ، ولا يتم التصديق مع المهلة إلا ~~بها . | و هذا هو الصحيح . | و هذا نبذ يفضي إلى متسع من الكلام في الإسلام ~~والإيمان وأبوابهما ، وفي الزيادة فيهما والنقصان ، وهل التجزي ممتنع على ~~مجرد التصديق لا يصح فيه جملة ، وإنما يرجع إلى ما زاد عليه من عمل ، وقد ~~يعرض فيه لاختلاف صفاته وتباين حالاته ، من قوة يقين ، وتصميم اعتقاد ، ~~ووضوح معرفة ، ودوام حالة ، وحضور قلب . | و في بسط هذا خروج عن غرض ~~التأليف ، وفيما ذكرنا غنية فيما قصدنا إن شاء الله . | # | 3 ( فصل في وجوب طاعته ) 3 # | و أما وجوب طاعته ، فإذا وجب الإيمان به وتصديقه فيما جاء به وجبت ~~طاعته PageV02P006 لأن ذلك مما أتى به ، قال الله تعالى : يا أيها الذين ~~آمنوا أطيعوا الله ورسوله [ سورة الأنفال - 8 ، الآية : 20 ] . | و قال : ~~قل أطيعوا الله والرسول [ سورة آل عمران - 3 ، الآية : 32 ] . | و قال : ~~وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون [ سورة آل عمران - 3 ، الآية : 132 ] . ~~| و قال : وإن تطيعوه تهتدوا [ سورة النور - 24 ، الآية : 54 ] . | و قال : ~~من يطع الرسول فقد أطاع الله [ سورة النساء - 4 ، الآية : 80 ] . | و قال : ~~وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا [ سورة الحشر - 59 ، الآية : ~~7 ] . | و قال [ 138 ] : ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله ~~عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا [ سورة ~~النساء - 4 ، الآية : 69 ] . | و قال : وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن ~~الله ، فجعل تعالى طاعة رسوله طاعته ، وقرن طاعته بطاعته ، ووعد على ذلك ~~بجزيل الثواب ، وأوعد على مخالفته بسوء العقاب ، وأوجب امتثال أمره ، ~~واجتناب نهيه . | قال المفسر ون والأئمة : طاعة الرسول التزام سنته ms215 ~~والتسليم لما جاء به . | و قالوا : وما أرسل الله من رسول إلا فرض طاعته ~~على من أرسله إليه . | و قالوا من يطع الرسول في سنته يطع الله في فرائضه . ~~| و سئل سهل بن عبد الله عن شرائع الإسلام ، فقال : وما آتاكم الرسول فخذوه ~~[ سورة الحشر - 59 ، الآية : 7 ] . | و قال السمرقندي : يقال : أطيعوا الله ~~في فرائضه ، والرسول في سنته . وقيل : أطيعوا الله فيما حرم عليكم ، ~~والرسول فيما بلغكم . | و يقال : أطيعوا الله بالشهادة له بالربوبية ، ~~والنبي بالشهادة له بالنبوة . | حدثنا أبو محمد بن عتاب بقراءتي عليه ' ~~حدثنا حاتم بن محمد ، حدثنا أبو الحسن علي بن محمد بن خلف ، حدثنا محمد بن ~~أحمد ، حدثنا محمد بن يوسف ، حدثنا البخاري ، حدثنا عبدان ، أخبرنا عبد ~~الله ، حدثنا يونس ، عن الزهري ، أخبرني أبو سلمة ابن عبد الرحمن أنه سمع ~~أبا هريرة يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من PageV02P007 ~~أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن أطاع أميري فقد ~~أطاعني ، ومن عصى أميري فقد عصاني . | فطاعة الرسول من طاعة الله ، إذ الله ~~أمر بطاعته ، فطاعته امتثال لما أم ر الله به ، وطاعة له . | و قد حكى الله ~~عن الكفار في دركات جهنم : يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا ~~الله وأطعنا الرسولا ، فتمنوا طاعته حيث لاينفعهم التمني . | و قال صلى ~~الله عليه وسلم : نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما ~~استطعتم | و في حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، عنه صلى الله عليه وسلم : كل ~~أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى . | قالوا : يارسول الله ، ومن يأبى ؟ قال : ~~من أطاعني دخل الجنة ، ومن عصاني فقد أبى . | و في الحديث الأخر الصحيح ، ~~عنه صلى الله عليه وسلم : مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوما ، ~~فقال : يا قوم ، إني رأيت الجيش بعيني ، وإني أنا النذير العريان ، فالنجاء ~~، فأطاعه طائفة من قومه ، فأدلجوا ، فانطلقوا ، فانطلقوا على مهلهم فنجوا ، ~~وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم ، فصبحهم ، الجيش ms216 فأهلكهم واجتاحهم ، فذلك ~~مثل من أطاعني ، واتبع ما جئت به ، ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق . ~~| و في الحديث الآخر في مثله : كمثل من بنى دارا وجعل فيها مأدبة ، وبعث ~~PageV02P008 داعيا ، فمن أجاب الداعي دخل الدار ، وآكل من المأد بة ، ومن ~~لم يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة ، فالدار الجنة ، والداعي ~~محمد صلى الله عليه وسلم ، فمن أطاع محمدا فقد أطاع الله ، ومن عصى محمدا ~~فقد عصى الله ، ومحمد فرق بين الناس . | # | 3 ( فصل في وجوب اتباعه ، وامتثال أمره ، والإقتداء بهديه ) 3 # | و أما وجوب اتباعه وامتثال سنته والإقتداء بهديه ، فقد قال تعالى : قل ~~إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم [ سورة آل عمران ~~- 3 ، الآية 31 ] . | و قال : فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن ~~بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون [ سورة الأعراف - 7 ، الآية : 158 ] . ~~| و قال : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في ~~أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ، أي ينقادون لحكمك ، يقال : سلم ، ~~واستسلم ، وأسلم ، إذا انقاد . | و قال : لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن ~~كان يرجو الله واليوم الآخر ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد [ سورة ~~الممتحنة - 60 ، الآية : 6 ] . | قال محمد بن علي الترمذي : الأسوة في ~~الرسول الإقتداء به والاتباع لسنته ، وترك مخالفته في قول أو فعل . | و قال ~~غير واحد من المفسرين بمعناه . | و قيل : هو عتاب للمتخلفين عنه . | و قال ~~سهل في قوله تعالى : صراط الذين أنعمت عليهم قال : بمتابعة السنة ، فأمرهم ~~تعالى بذلك ، ووعدهم الإهداء باتباعه ، لأن الله تعالى أ رسله بالهدى ودين ~~الحق ليزكيهم الكتاب والحكمة ، ويهديهم إلى صراط مستقيم ، PageV02P009 ~~ووعدهم محبته تعالى في الآية الأخرى ومغفرته إذا اتبعوه ، وآثروه على ~~أهوائهم ، وما تجنح إليه نفوسهم ، وأن صحة إيمانهم بانقيادهم له ، ورضاهم ~~بحكمه ، وترك الإعتراض عليه . | و روى عن الحسن أن أقواما قالو ا : يا رسول ~~الله ، إنا نحب الله . فأنزل الله تعالى : قل ms217 إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم [ سورة آل عمران / 3 ، الآية ~~: 31 ] . | و روي أن الآية نزلت في كعب بن الأشرف وغيره ، وأنهم قالوا : ~~نحن أبناء الله وأحباؤه ، ونحن أشد حبا الله ، فانزل الله الآية . | و قال ~~الزجاج : معناه إن كنتم تحبون الله أن تقصدوا طاعته ، فافعلوا ماأمركم به ، ~~إذ محبة العبد الله ورسوله طاعته لهما ، ورضاه بما أمرا ، ومحبة الله لهم ~~عفوه عنهم ، وإنعامه عليهم برحمته . | و يقال : الحب من الله عصمة وتوفيق ، ~~ومن العباد طاعة ، كما قال القائل : | * تعصي الإله وأنت تظهر حبه * * هذا ~~لعمري في القياس بديع * | * كان حبك صادقا لأطعته * * إن المحب لمن يحب ~~مطيع * | و يقال : محبة العب د الله تعظيمه له وهيبته منه ، ومحبة الله له ~~رحمته له ، وإرادته الجميل له ، وتكون بمعنى مدحه وثنائه عليه . | قال ~~القشيري : فإذا كان بمعنى الرحمة والإرادة والمدح كان من صفات الذات . | و ~~سيأتي بعد في ذكر محبة العبد غير هذا بحول الله تعالى . | حدثنا أبو إسحاق ~~إبراهيم بن جعفر الفقيه ، قال : حدثنا أبو الأصبغ عيسى ابن سهل ، وحدثنا ~~أبو الحسن يونس بن مغيث الفقيه بقراءتي عليه ، قالا : حدثنا حاتم بن محمد ، ~~قال : حدثنا أيو حفص الجهني ، حدثنا أبو بكر الآجري ، حدثنا إبراهيم بن ~~موسى الجوزي ، حدثنا داود بن رشيد ، حدثنا الوليد بن مسلم ، عن ثور ، بن ~~يزيد ، عن خالد بن معدان ، عن عبد الرحمن بن عمرو الأسلمي ، وحجر الكلاعي ، ~~عن العرباض بن سارية في حديثه في موعظة النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ~~فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ، عضوا عليها بالنواجذ ، ~~وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن PageV02P010 كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة . ~~| زاد في حديث جابر بمعناه : وكل ضلالة في النار . | و في حديث أبي رافع ~~عنه صلى الله عليه وسلم : لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته ، يأتيه الأمر ~~من أمري ، مما أمرت به ، أو نهيت عنه ، فيقول : [ 140 ] لا أدري ، ما وجدنا ~~في كتاب الله اتبعناه . | و في ms218 حديث عائشة رضي الله عنها : صنع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم شيئا ترخص فيه فتنزه عنه قوم ، فبلغ ذلك النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، فحمد الله ، ثم قال : ما بال قوم يتنزهون عن الشيءأصنعه ، ~~فوالله إني لأعلمهم با الله ، و أشهدهم له خشية . | و روى عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال : القرآن صعب على من كرهه ، وهو الحكم حدثنا فمن استمسك ~~بحديثي وفهمه وحفظه جاء مع القرآن ، ومن تهاون بالقرآن وحديثي خسر الدنيا ~~والآخرة ، أمرت أمتي أن يأخذوا بقولي ، ويطيعوا أمري ، ويتبعوا سنتي ، فمن ~~رضي بقولي فقد رضي بالقرآن قال الله تعالى : وما آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب [ سورة الحشر - 59 ، ~~الآية : 7 ] . | و قال صلى الله عليه وسلم : من اقتدى بي فهو مني ، ومن رغب ~~عن سنتي فليس مني . | و عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال : إن أحسن الحديث كتاب الله ، وخير الهدي هدي محمد وشر ~~الأمور محدثاتها . | و عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال : ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم : العلم ثلاثة : فما سوى ذلك فهو فضل : آية ~~محكمة ، أو سنة قائمة ، أو فريضة عادلة . | و عن الحسن بن أبي الحسن رضي ~~الله عنه : قال صلى الله عليه وسلم : عمل قليل في سنة خير PageV02P011 من ~~عمل كثير في بدعة . | و قال صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى يدخل العبد ~~الجنة بالسنة تمسك بها . | و عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، قال : المتمسك بسنتي عند فساد أمتي له أجر مائة شهيد . | ~~و قال صلى الله عليه وسلم : إن بني إسرائيل افترقوا على اثنتين وسبعين ملة ~~، وإن أمتي تفترق على ثلاث وسبعين ، كلها في النار إلا واحدة . قالوا : ومن ~~هم يا رسول الله ؟ قال : الذي انا عليه اليوم وأصحابي . | و عن أنس قال صلى ~~الله عليه وسلم : من أحيا سنتي ms219 فقد أحياني ، و من أحياني كان معي في الجنة ~~. | و عن عمرو بن عوف المزنى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال بن ~~الحارث : من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي ، فإن له من الأجر مثل من عمل ~~بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ، ومن ابتدع بدعة ضلالة ترضي الله ~~ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها ، لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا . ~~| # | 3 ( فصل فيما ورد عن السلف والأئمة من اتباع سنته والإقتداء بهديه ~~وسيرته ) 3 # | و أما ما ورد عن السلف والأئمة من اتباع سنته وافقتداء بهديه وسيرته ، ~~فحدثنا الشيخ أبو عمر أن موسى بن عبد الرحمن بن أبي تليد الفقيه سماعا عليه ~~، قال : حدثنا أبو عمر الحافظ ، حدثنا سعيد بن نصر ، حدثنا قاسم بن أصبغ ، ~~ووهب بن مسرة ، قالا : حدثنا محمد بن وضاح ، حدثنا يحيى بن يحيى ، حدثنا ~~مالك ، عن ابن شهاب ، عن رجل من آل خالد بن أسيد أنه سأل عبد الله بن عمر ، ~~فقال : يا أبا عبد الرحمن ، PageV02P012 أنا نجد صلاة الخوف تعالى وصلاة ~~الحضر في [ 141 ] القرآن ، ولا نجد صلاة السفر ؟ فقال ابن عمر : يا بن أخي ~~، إن الله بعث إلينا محمدا صلى الله عليه وسلم ، ولا نعلم شيئا ، فإنما ~~نفعل كما رأيناه نفعل . | و قال عمر بن عبد العزيز : سن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وولاة الأمر بعده سننا ، الأخذ بها تصديق بكتاب الله ، واستعمال ~~بطاعة الله ، وقوة على دين الله ، ليس لأحد تغيرها ولا تبديلها ولا النظر ~~في رأي من خالفها ، من اقتدى بها فهو مهتد ، ومن انتصر بها منصور ، ومن ~~خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى ، وأصل اه جهنم وساءت ~~مصيرا . | و قال الحسن بن أبي الحسن : عمل قليل في سنة خير من عمل كثير في ~~بدعة . | و قال ابن شهاب : بلغنا عن رجال من أهل العلم ، قالوا : الاعتصام ~~بالسنة نجاة . | و كتب عمر بن الخطاب إلى عماله بتعلم السنة والفرائض ms220 ~~واللحن ، أي اللغة ، وقال : إن ناسا يجادلوكم يعني بالقرآن ، فخذوهم بالسنن ~~، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله . | و في خبره حين صلى بذي الحليفة ~~ركعتين ، فقال : أصنع كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع . | و عن ~~علي حين صلى فقال له عثمان : ترى أني انهي الناس عنه وتفعله ! قال : لم أكن ~~أدع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أحد من الناس . | و عنه : ألا ~~إني لست بنبي ولا يوحى إلي ، ولكني أعمل بكتاب الله وسنة محمد صلى الله ~~عليه وسلم ما استطعت . | و كان ابن مسعود يقول : القصد في السنة خير من ~~الاجتهاد في البدعة . | و قال ابن عمر : صلاة السفر ركعتان ، من خالف السنة ~~كفر . | PageV02P013 و قال أبي بن كعب : عليكم بالسبيل والسنة ، فإنه ما ~~على الأرض من عبد على السبيل والسنة ذكر الله في نفسه ففاضت عيناه من خشية ~~ربه ، فيعذبه الله أبدا ، وما على الأرض من عبد على السبيل والسنة ذكر الله ~~في نفسه فاقشعر جلده من خشية الله إلا كان مثله كمثل شجرة قد يبس ورقها ، ~~فهي كذلك إذا أصابتها ريح شديدة ، فتحات عنها ورقها إلا حط الله خطاياه كما ~~تحات عن الشجرة ورقها ، فإن اقتصادا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف ~~سبيل وسنة ، وموافقة بدعة ، وانظروا أن يكون عملكم إن كان اجتهادا واقتصادا ~~أن يكون على منهاج الأنبياء وسنتهم . | و كتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز ~~إلى عمر بحال بلده ، وكثرة لصوصه ، هل يأخذهم بالظنة أو يحملهم على البينة ~~وما جرت عليه السنة ؟ | فكتب إليه عمر : خذهم بالبينة وما جرت عليه السنة ، ~~فإن لم يصلحهم الحق فلا أصلحهم الله . | و عن عطاء في قوله : فإن تنازعتم ~~في شيء فردوه إلى الله والرسول : أي إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم . | و قال الشافعي : ليس في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلا اتباعها . | و قال عمر ونظر إلى الحجر الأسود : إنك حجر لا تنفع ms221 ولا [ ~~142 ] تضر ، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك ، ~~ثم قبله . | و رئي عبد الله بن عمر يدير ناقته في مكان ، فسئل عنه ، فقال : ~~لا أدري إلا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله ، ففعلته . | و ~~قال أبو عثمان الحيري : من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة ، ~~ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة . | و قال سهل التستري : أصول مذهبنا ~~ثلاثة : الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في الأخلاق والأفعال ، والأكل ~~من الحلال ، وإخلاص النية في جميع الأعمال . | PageV02P014 و جاء في تفسير ~~قوله تعالى : والعمل الصالح يرفعه إنه الاقتداء برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم . | و حكي عن أحمد بن حنبل : قال : كنت يوما مع جماعة تجردوا ودخلوا ~~الماء ، فاستعملت الحديث من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام ~~إلا بمئزر ولم أتجرد ، فرأيت تلك الليلة قائلا لي : يا أحمد أبشر ، فإن ~~الله قد غفر لك باستعمالك السنة ، وجعلك إماما يقتدى بك . | قلت من أنت ؟ ~~قال : جبريل . | # | 3 ( فصل في أن مخالفة أمره وتبديل سنته ضلال ) 3 # | و مخالفة أمره وتبديل سنته ضلال وبدعة متوعد من الله تعالى عليه ~~بالخذلان والعذاب ، قال الله تعالى : فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن ~~تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم [ سورة النور 24 ، الآية : 63 ] . | و قال ~~: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ~~ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا [ سورة النساء - 4 ، الآية : 115 ] . | ~~حدثنا أبو محمد عبد الله بن أبي جعفر ، وعبد الرحمن بن عتاب بقراءتي عليهما ~~، قالا : حدثنا أبو القاسم حاتم بن محمد ، حدثنا أبو الحسن القابسي ، حدثنا ~~أبو الحسين بن مسرور الدباغ ، حدثنا أحمد بن أبي سليمان ، حدثنا سحنون ابن ~~سعيد ، حدثنا ابن القاسم ، حدثنا مالك ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ~~، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة . . . ~~وذكر الحديث في صفة أمته ، وفيه ms222 : فليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير ~~الضال ، فأناديهم : ألا هلم ، فيقال : إنهم قد بدلوا بعدك . فأقول : فسحقا ~~، فسحقا ، فسحقا . | PageV02P015 و روى عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : من رغب عن سنتي فليس مني . | و قال : من أدخل في أمرنا ما ليس منه ~~فهو رد . | و روى ابن أبي رافع ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~قال : لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو ~~نهيت عنه ، فيقول : لا أدري ، ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه . | زاد في ~~حديث المقدام : ألا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرم ~~الله . | و قال صلى الله عليه وسلم : وجيء بكتاب في كتف : كفى بقوم حمقا أو ~~قال : ضلالا أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إلى غير نبيهم ، أو كتاب غير ~~كتابهم ، فنزلت : أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك ~~لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون . | و قال صلى الله عليه وسلم : هلك المتنطعون . | ~~و قال [ 143 ] أبو بكر الصديق رضي الله عنه : لست تاركا شيئا كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا عملت به ، إني أخشى إن تركت شيئا من أمره ~~أن أزيغ . | PageV02P016 # | 2 ( الباب الثاني في لزوم محبته صلى الله عليه وسلم ) 2 # | قال الله تعالى : قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم ~~وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم ~~من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي ~~القوم الفاسقين [ سورة التوبة - 9 ، الآية : 24 ] . | فكفى بهذا حضا ~~وتنبيها ودلالة وحجة على إلزام محبته ، ووجوب فرضها ، وعظم خطرها ، ~~واستحاقه لها صلى الله عليه وسلم ، إذ قرع تعالى من كان ماله وأهله وولده ~~أحب إليه من الله ورسوله ، وأوعدهم بقوله تعالى : فتربصوا حتى يأتي الله ~~بأمره [ سورة التوبة - 9 ، الآية : 24 ] . | ثم فسقهم بتمام الآية ، ~~وأعلمهم أنهم ممن ضل ولم يهده الله . | حدثنا ms223 أبو علي الغساني الحافظ فيما ~~أجازنيه ، وهو مما قرأته على غير واحد ، قال : حدثنا سراج بن عبد الله ~~القاضي ، حدثنا أبو محمد الأصيلي تعالى حدثنا المروزي ، حدثنا أبو عبد الله ~~محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ~~ابن علية ، عن عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ~~ولده ووالده والناس أجمعين . | و عن أبي هريرة نحوه . | و عن أنس ، عنه صلى ~~الله عليه وسلم : ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ~~PageV02P017 ورسوله أحب إليه مما سواهما . وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله ، ~~وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار . | و عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : لأنت أحب إلي من ~~شيء إلا نفسي التي بين جنبي . | فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لن يؤمن ~~أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه . | فقال عمر : والذي أنزل عليك الكتاب ~~لأنت أحب إلي من نفسي التي بين جنبي . | فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ~~الآن يا عمر . | قال سهل : من لم ير ولاية الرسول عليه في جميع الأحوال ، ~~ويرى نفسه في ملكه صلى الله عليه وسلم لا يذوق حلاوة سنته ، لأن النبي صالى ~~الله عليه وسلم قال لا يؤمن أحدكم حتى يكون أحب إليه من نفسه . | # | 3 ( فصل في ثواب محبته صلى الله عليه وسلم ) 3 # | حدثنا أبو محمد بن عتاب بقراءتي عليه ، حدثنا أبو القاسم حاتم بن محمد ~~، حدثنا أبو الحسن علي بن خلف ، حدثنا أبو زيد المروزي ، حدثنا محمد بن ~~يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا عبد الله ، حدثنا أبي ، حدثنا شعبة ، ~~عن عمرو بن مرة ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن أنس رضي الله عنه - أن رجلا ~~أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : متى الساعة يا ms224 رسول الله ؟ قال : ما ~~أعددت لها ؟ قال : ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة ، ولكني أحب ~~الله ورسوله . قال : أنت مع من أحببت . | و عن صفوان بن قدامة : هاجرت إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأتيته ، فقلت : يا رسول الله ، ناولني يدك ~~أبايعك . فناولني يده ، فقلت يا رسول الله ، إني أحبك . قال : المرء مع من ~~أحب . | PageV02P018 وروى هذا اللفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله ~~بن مسعود تعالى وأبو موسى ، وأنس ، وعن أبي ذر بمعناه . | و عن علي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيد حسن وحسين ، فقال : من أحبني وأحب هذين ~~وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة . | وروي أن رجلا أتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ، لأنت أحب إلي من أهلي ومالي ، ~~وإني لأذكرك فما أصبرحتى أجيء فأنظر إليك ، وإني ذكرت موتي وموتك تعالى ~~فعرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين ، وإن دخلتها لا أراك . فأنزل ~~الله تعالى : ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا فدعا به فقرأها ~~عليه . | وفي حديث آخر : كان رجل عند النبي صلى الله عليه وسلمينظر إليه لا ~~يطرف ، فقال ما بالك ؟ قال : بأبي وأمي ! أتمتع من النظر إليك ، فإذا كان ~~يوم القيامة رفعك الله بتفضيله ، فأنزل الله الآية . | و في حديث أنس رضي ~~الله عنه : من أحبني كان معي في الجنة . | # | 3 ( فصل فيما روي عن السلف والأئمة من محبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وشوقهم له ) 3 # | حدثنا القاضي الشهيد ، حدثنا الرازي ، حدثنا الجلودي ، حدثنا ابن سفيان ~~، حدثنا مسلم ، حدثنا قتيبة ، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن سهيل ، عن ~~أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من ~~أشد أمتي لي حبا يكونون بعدي ، يود أحدهم لو رآني بأهله وماله . | ~~PageV02P019 و مثله عن أبي ذر . | و قد تقدم حديث عمر رضي الله ms225 عنه ، وقوله ~~للنبي صلى الله عليه وسلم : لأنت أحب إلى من نفسي . وما تقدم عن الصحابة في ~~مثله . | و عن عمرو بن العاص رضي الله عنه : ما كان أحد أحب إلي من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم . | وعن عبدة بنت خالد بن معدان ، قالت : ما كان ~~خالد يأوي إلى فراش إلا وهو يذكر من شوقه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وإلى أصحابه من المهاجرين والأنصار يسميهم ويقول : هم أصلي وفصلي ، وإليهم ~~يحن قلبي ، طال شوقي ، فجعل رب قبضي إليك حتى يغلبه النوم . | وروي عن أبي ~~بكر رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : والذي بعثك بالحق ~~لإسلام أبي طالب كان أقر لعيني من إسلامه - يعني أباه أبا قحافة ، وذلك أن ~~إسلام أبي طالب كان أقر لعينك . | ونحوه عن عمر بن الخطاب ، قاله للعباس ~~رضي الله عنه : أن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب ، لأن ذلك أحب إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم . | و عن ابن إسحاق ان امرأة من الأنصار قتل أبوها ~~وأخوها وزوجها يوم أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : ما فعل ~~رسول الله صلىالله عليه وسلم ؟ قالوا : خيرا ، هو بحمد الله كما تحبين . ~~قالت : أرونيه حتى أنظر إليه . فلما رأته قالت : كل مصيبة بعدك جلل . | و ~~سئل علي بن أبي طالب رضي الله عنه : كيف كان حبكم لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم [ 145 ] وسلم ؟ قال : كان والله أحب إلينا من اموالنا وأولادنا ~~وأبائنا وأمهاتنا ، ومن الماء البارد على الظمأ . | و عن زيد بن أسلمك : ~~خرج عمر رضي اللله عنه ليلة يحرس الناس ، فرأى مصباحا في بيت ، وإذا عجوز ~~تنفش صوفا ، وتقول : | PageV02P020 * على محمد صلاة الأبرار * * صلى عليه ~~الطيبون الأخيار * | * قد كنت قواما بكا بالأسحار * * يا ليت شعري والمنايا ~~أطوار * | هل تجمعني وحبيبي الدار | تعني النبي صلى الله عليه وسلم . | ~~فجلس عمر رضي الله عنه يبكي ، وفي الحكاية ط ول . | وروي أن عبد الله بن ~~عمر خدرت ms226 رجله تعالى فقيل له : اذكر أحب الناس إليك يزل عنك . | فصاح : يا ~~محمداه ! فانتشرت . | و لما احتضر بلال رضي الله عنه نادت امرأته : ~~واحزاناه ! فقال : واطرباه ! غدا ألقى الأحبة . محمدا وحزبه . | [ ومثله عن ~~حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما ] . | و يروى أن امرأة قالت لعائشة رضي ~~الله عنها : اكشفي لي قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكشفته لها تعالى ~~فبكت حتى ماتت . | و لما أخرج أهل مكة زيد بن الدثنة من الحرم ليقتلوه قال ~~أبو سفيان ابن حرب : أنشدك بالله يا زيد ، أتحب أن محمدا الآن عندنا مكانك ~~تضرب عنقه ، وإنك في أهلك ؟ | فقال زيد : والله ما أحب أن محمدا الآن في ~~مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة وإني جالس في أهلي . | فقال أبو سفيان : ما ~~رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا ! . | وعن ابن عباس : ~~كان المرأة إذا أتت النبي صلى الله عليه وسلم حلفها بالله : ما خرجت من بغض ~~زوج ولا رغبة بأرض عن ارض ، وما خرجت إلا حبا لله ورسوله . | ووقف ابن عمر ~~على ابن الزبير رضي الله عنهما بعد قتله تعالى فاستغفر له ، وقال : كنت ~~والله ما علمت صواما قواما تحب الله ور سوله . # PageV02P021 # | 3 ( فصل في علامة محبته صلى الله عليه وسلم ) 3 # | اعلم أن من أحب شيئا آثره وآثر موافقته ، وإلا لم يكن صادقا في حبه ، ~~وكان مدعيا . فالصادق في حب النبي صلى الله عليه وسلم من تظهر علامة ذلك ~~عليه ، وأولها الاقتداء به ، واستعمال سنته ، واتباع أقواله وأفعاله ، ~~واجتناب نواهيه ، والتأدب بآدابه في عسره ويسره ، ومنشطه ومكرهه ، وشاهد ~~هذا قوله تعالى : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله [ سورة آل ~~عمران / 3 ، الآية : 31 ] . | وإيثار ما شرعه وحض عليه على هوى نفسه تعالى ~~وموافقة شهوته ، قال الله تعالى : والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم ~~يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على ~~أنفسهم ولو كان بهم خصاصة [ سورة الحشر / 59 ، الآية : 9 ] . | و ms227 إسخاط ~~العباد في رضا الله تعالى . | حدثنا القاضي أبو علي الحافظ ، حدثنا أبو ~~الحسن الصيرفي ، وأبو الفضل ابن خيرون ، قالا : حدثنا أبو يعلى البغدادي ، ~~حدثنا محمد بن محبوب ، حدثنا أبو عيسى ، حدثنا مسلم بن حاتم ، حدثنا محمد ~~بن عبد الله الأنصاري ، عن أبيه [ 146 ] عن علي بن زيد ، عن سعيد بن المسيب ~~، قال : قال أنس ب ن مالك رضي الله عنه : قال لي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : يا بني ، إن قدرت أن تصبح وتمسي ليس في قلبك غش لأحد فافعل . | ثم ~~قال لي : يا بني ، وذلك من سنتي ، ومن أحيا سنتي فقد أحبني ، ومن أحبني كان ~~معي في الجنة . | فمن اتصف بهذه الصفة فهو كامل المحبة لله ورسوله ، ومن ~~خالفها في بعض هذه الأمور فهو ناقص المحبة ، ولا يخرج عن اسمها . | و دليله ~~قوله صلى الله عليه وسلم للذي حده في الخمر فلعنه بعضهم ، وقال : ما أكثر ~~ما يؤتى به ! | فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تلعنه ، فإنه يحب الله ~~ورسوله . | و من علامات محبة النبي صلى الله عليه وسلم كثرة ذكره له ، فمن ~~أحب شيئا أكثر ذكره . | و منها كثرة شوقه إلى لقائه ، فكل حبيب يحب لقاء ~~حبيبه . | PageV02P022 و في حديث الأشعريين عند قدومهم المدينة أنهم كانوا ~~يرتجزوون : غدا نلقى الأحبة . محمدا وصحبه . | و تقدم قول بلال . | و مثله ~~قال عمار قبل قتله . وما ذكرناه من قصة خالد بن معدان . | و من علاماته مع ~~كثرة ذكره رسول الله تعظيمه له وتوفيره عند ذكره تعالى وإظهار الخشوع ~~والإنكسار مع سماع إسمه . | قال إسحاق التجيبي : كان أصحاب النبي ص لى الله ~~عليه وسلم بعده لا يذكرونه إلا خشعوا واقشعرت جلودهم وبكوا . | و كذلك كثير ~~من التابعين منهم من يفعل ذلك محبة له وشوقا إليه ، ومنهم من يفعله تهيبا ~~وتوقيرا . | و منها محبته لمن أحب النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن هو بسببه ~~من آل بيته وصحابته من المهاجرين والأنصار ، وعداوة من عاداهم ، وبغض من ~~أبغضهم وسبهم ، فمن أحب ms228 شيئا أحب من يحبه . | و قد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الحسن والحسين : اللهم أحبهما فأحبهما . | و في رواية - في الحسن : ~~اللهم إني أحبه فأحب من يحبه . | و قال : من أحبهما فقد أحبني ، ومن أحبني ~~فقد أحب الله ، ومن أبغضهما فقد أبغضني ، ومن أبغضني فقد أبغض الله . | و ~~قال : الله الله في أصحابي ، لا تتخذوهم غرضا بعدي ، فمن أحبهم فبحبي أحبهم ~~، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ، ومن آذاهم فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى ~~الله ، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه . | و قال رسول الله في فاطمة رضي الله ~~عنها : إنها بضعة مني ، يغضبني ما أغضبها . | PageV02P023 و قال لعائشة ~~رسول الله قي أسامة بن زيد : أحبيه فإني أحبه . | و قال : آية الإيمان حب ~~الأنصار ، وآية النفاق بغض هم . | و في حديث ابن عمر : من أحب العرب فبحبي ~~أحبهم ، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ، فبالحقيقة من أحب شيئا أحب كل شيء يحبه ~~. | و هذه سيرة السلف حتى في المباحات وشهوات النفس . | و قد قال أنس حين ~~رأى النبي صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء من حوالي القصعة : فما زلت أحب ~~الدباء من يومئذ . | و هذا الحسن بن علي ، وعبد الله بن عباس ، وابن جعفر ~~أتوا سلمى وسألوها أن تصنع لهم [ 147 ] طعاما مما كان يعجب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم . | و كان ابن عمر يلبس النعال السبتية ، ويصبغ بالصفرة ، ~~إذ رأى النبي صلى الله عليه وسلم يفعل نحو ذلك . | و منها بغض من أبغض الله ~~ورسوله ، ومعاداة من عاداه ، ومجانبة من خالف سنته وابتدع في دينه ، ~~واستثقاله كل أمر يخالف شريعته ، قال الله تعالى : لا تجد قوما يؤمنون ~~بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله [ سورة المجادلة / 58 ، ~~الآية : 22 ] . | و هؤلاء أصحابه صلى الله عليه وسلم قد قتلوا أحباءهم ، ~~وقاتلوا آباءهم وأبناءهم في مرضاته . | و قال له عبد الله بن عبد الله بن ~~أبي : لو شئت لأتيتك برأسه - يعني أباه . | و منها ان يحب القرآن الذي أتي ~~به ms229 صلى الله عليه وسلم ، وهذي به واهتدى ، وتخلق به حتى قالت عائشة رضي ~~الله عنها : كان خلقه القرآن ، وحبه للقرآن تلاوته ، والعمل به وتفهمه . | ~~PageV02P024 ويحب سنته ، ويقف عند حدودها . | قال سهل بن عبد الله : علامة ~~حب الله حب القرآن ، وعلامة حب القرآن حب النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~وعلامة حب النبي صلى الله عليه وسلم حب السنة ، وعلامة حب السنة حب الآخرة ~~، وعلامة حب الآخرة بغض الدنيا ، وعلامة بغض الدنيا ألا يدخر منها إلا زاذا ~~وبلغة إلى الآخرة . | وقال ابن مسعود : لا يسأل أحد عن نفسه إلا القرآن ، ~~فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله ورسوله . | ومن علامة حبه للنبي صلى الله ~~عليه وسلم شفقته على أمته ، ونصحه لهم ، وسعيه في مصالحهم ، ورفع المضار ~~عنهم ، كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين رؤوفا رحيما . | ومن ~~علامة تمام محبته زهد مدعيها في الدنيا ، وإيثار الفقر ، واتصافه به . | ~~وقد قال عليه الصلاة والسلام لأبي سعيد الخدري : إن الفقر إلى من يحبني ~~منكم أسرع من السيل من أعلى الوادي ، أو الجبل إلى أسفله . | وفي حديث عبد ~~الله بن مغفل : قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله ، إني أحبك ~~. فقال : انظ ر ما تقول . قال : والله إني أحبك ثلاث مرات . قال : إن كنت ~~تحبني فأعد للفقر تجفافا . | ثم ذكر نحو حديث أبي سعيد بمعناه . | # | 3 ( فصل في معنى المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم وحقيقتها ) 3 # | اختلف الناس في تفسير محبة الله ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~وكثرت عباراتهم في ذلك ، وليست ترجع بالحقيقة إلى اختلاف مقال ، ولكنها ~~اختلاف أحوال : | فقال سفيان : المحبة اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ، ~~كأنه التفت إلى قوله تعالى : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ~~ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم [ سورة آل عمران - 3 ، الآية : 31 ] . | ~~PageV02P025 وقال بعضهم : محبة الرسول اعتقاد نصرته ، والذب عن سنته ، ~~والانقياد لها ، وهيبة مخالفته . | و قال بعضهم : المحبة : دوام الذكر ~~للمحبوب . | و قال آخر : إيثار المحبوب ms230 . | و قال بعضهم : المحبة الشوق إلى ~~المحبوب . | و قال بعضهم : المحبة مواطأة القلب لمراد الرب ، يحب ما أحب ، ~~ويكره ما كره . | و قال آخر : المحبة ميل القلب إلى موافق له . | و أكثر ~~العبارت المتقدمة إشارة إلى ثمرات المحبة دون حقيقتها . | و حقيقة المحبة ~~الميل إلى ما يوافق الإنسان ، وتكون موافقته له إما لاستلذاذه بإدراكه ، ~~كحب الصور الجميلة ، والأصوات الحسنة ، والأطعمة والأشربة اللذيذة ، ~~وأشباهها مما كل طبع سليم مائل إليها لموافقتها له ، أو لاستلذاذه بإدراكه ~~بحاسة عقله وقلبه معاني باطنة شريفة ، كمحبة الصالحين والعلماء وأهل ~~المعروف ، والمأثور عنهم السير الجميلة والأفعال الحسنة ، فإن طبع الإنسان ~~مائل إلى الشغف بأمثال هؤلاء حتى يبلغ التعصب بقوم ، والتشيع من أمة في ~~آخرين ما يؤدي إلى الجلاء عن الأوطان ، وهتك الحرم ، واحترام النفوس ، أو ~~يكون حبه إياه لموافقته له من جهة إحسانه له وإنعامه عليه ، فقد جبلت ~~النفوس على حب من أحسن إليها . | فإذا تقرر هذا نظرت هذه الأسباب كلها في ~~حقه صلى الله عليه وسلم فعلمت أنه صلى | الله عليه وسلم جامع لهذه المعاني ~~الثلاثة الموجبة للمحبة : | أما جمال الصورة والظاهر ، وكمال الأخلاق ~~والباطن ، فقد قررنا منها قبل فيما مر في الكتاب ما لا يحتاج إلى زيادة . | ~~و أما إحسانه وأنعامه على أمته فكذلك قد مر منه في أوصاف الله تعالى له من ~~رأفته بهم ، ورحمته لهم ، وهدايته إياهم ، وشفقته عليهم ، واستنفاذهم به من ~~النار ، وأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم ، ورحمة للعالمين ، ومبشرا ونذيرا ، ~~وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ، ويتلوا عليهم آياته ، ويزكيهم ، ~~ويعلهم الكتاب والحكمة ، ويهديهم إل ى صراط مستقيم . | فأي إحسان أجل قدرا ~~، وأعظم خطرا من إحسانه إلى جميع المؤمنين ؟ وأي PageV02P026 إفضال أعم ~~منفعة وأكثر فائدة من إنعامه على كافة المسلمين ، إذ كان ذريعتهم إلى ~~الهداية ، ومنقذهم من العماية ، وداعيهم إلى الفلاح ، ووسيلتهم إلى ربهم ، ~~وشفيعهم والمتكلم عنهم ، والشاهد لهم ، والموجب لهم البقاء الدائم والنعيم ~~السرمد . | فقد استبان لك أنه صلى الله عليه وسلم مستوجب للمحبة الحقيقية ~~شرعا بما قدمناه من صحيح ms231 الآثار ، وعادة وجبلة بما ذكرناه آنفا ، لأفاضته ~~الإحسان ، وعمومه الإجمال ، فإذا كان الإنسان يحب من منحه في دنياه مرة أو ~~مرتين معروفأ ، أو استنقذه من هلكة أو مضرة مدة التأذي بها قليل منقطع فمن ~~منحه ما لا يبيد من النعيم ، ووقاه ما لا يفنى من عذاب الجحيم أولى بالحب . ~~| و إذا كان يحب بالطبع ملك لحسن سيرته ، أو حاكم لما يؤثر من قوام طريقته ~~، أو قاص بعيد الدار لما يشاد من علمه أو كرم شيمته فمن جمع هذه الخصال على ~~غاية مراتب الكمال أحق بالحب ، وأولى بالميل . | و قد قال علي رضي الله عنه ~~في صفته صلى الله عليه وسلم : من رآه بديهة هابه ، ومن خالطه معرفة أحبه . ~~| و ذكرنا عن بعض الصحابة أنه كان لايصرف بصره عنه محبة فيه [ 149 ] . | # | 3 ( فصل في وجوب مناصحته صلى الله عليه وسلم ) 3 # | قال الله تعالى : ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ~~ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم [ سورة التوبة - 9 ، الآية ~~: ( 91 ) ] . | قال أهل التفسير : إذا نصحوا لله ورسوله : إذا كانوا مخلصين ~~مسلمين في السر والعلانية . | حدثنا القاضي الفقيه أبو الوليد بقراءتي عليه ~~، حدثنا حسين بن محمد ، حدثنا يوسف بن عبد الله ، حدثنا ابن عبد المؤمن ، ~~حدثنا أبو بكر التمار ، حدثنا أبو داود ، حدثنا أحمد بن يونس ، حدثنا زهير ~~، حدثنا سهيل بن أبي صالح ، عن عطاء بن يزيد ، عن تميم الداري ، قال : قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الدين النصيحة . إن الدين النصيحة . إن ~~الدين النصيحة . قالوا : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ولكتابه ولرسوله ، ~~PageV02P027 وأئمة المسلمين وعامتهم واجبة . | قال أئمتنا : النصيحة لله ~~ولرسوله وأئمة المسلمين وعامتهم واجبة . | قال الإمام سليمان البستي : ~~النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة إرادة الخير للمنصوح له ، وليس يمكن أن يعبر ~~عنها بكلمة واحدة تحصرها . ومعناها في اللغة الإخلاص ، من قولهم : نصحت ~~العسل ، إذا خلصته من شمعه . | و قال أبو بكر بن أبي إسحاق الخفاف : النصح ms232 ~~فعل الشيء الذي به الصلاح والملاءمة ، مأخوذ من النصاح ، وهو الخيط الذي ~~يخاط به الثوب . | و قال أبو إسحاق الزجاج نحوه . | فنصيحة الله تعالى صحة ~~الإعتقاد له بالوحدانية ، ووصفه بما هو أهله ، وتنزيهه عما لا يجوز عليه ، ~~والرغبة في محابه ، والبعد من مساخطه ، والإخلاص في عبادته . | و النصيحة ~~لكتابه الإيمان به ، والعمل بما فيه ، وتحسين تلاوته ، والتخشع عنده ، ~~والتعظيم له ، وتفهمه والتفقه فيه ، والذب من تأويل الغالين ، وطعن ~~الملحدين . | و النصيحة لرسوله التصديق بنبوته ، وبذل الطاعة له فيما أمر ~~به ونهى عنه ، قاله أبو سليمان . | و قال أبو بكر : ومؤازرته ونصرته ~~وحمايته حيا وميتا ، وإحياء سنته بالطلب ، والذب عنها ، ونشرها ، والتخلق ~~بأخلاقه الكريمة وآدابه الجميلة . | وقال أبو إبراهيم [ إسحاق ] التجيبي : ~~نصيحة رسول الله صلى الله عليه وسلم التصديق بما جاء به ، والاعتصام بسنته ~~، ونشرها ، والحض عليها ، والدعوة إلى الله وإلى كتابه وإلى رسوله ، وإليها ~~وإلى العمل بها . | و قال أحمد بن محمد : من مفروضات ال قلوب اعتقاد ~~النصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم . | قال أبو بكر الآجري وغيره : ~~النصح له يقتضي نصحين : نصحا في حياته ، ونصحا بعد مماته ، ففي حياته نصح ~~أصحابه له بالنصر والمحاماة عنه ومعاداة من عاداه ، والسمع والطاعة له ، ~~وبذل النفوس والأموال دونه ، كما قال الله تعالى : رجال صدقوا ما عاهدوا ~~الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا [ سورة ~~الأحزاب - 33 ، الآية : 23 ] . | PageV02P028 و قال : وينصرون الله ورسوله ~~أولئك هم الصادقون [ سورة الحشر - 59 ، الآية : 8 ] . | و أما نصيحة ~~المسلمين له بعد وفاته فالتزام التوقير والإجلال ، وشدة المحبة له ، ~~والمثابرة على تعلم سنته [ 150 ] ، والتفقه في شريعته ، ومحبة آل بيته ~~وأصحابه ، ومجانبة من رغب عن سنته وانحرف عنها ، وبغضه والتحذير منه ، ~~والشفقة على أمته ، والبحث عن تعرف أخلاقه وسيره وآدابه ، والصبر على ذلك . ~~| فعلى ما ذكره تكون النصيحة إحدى ثمرات المحبة ، وعلامة من علاماتها كما ~~قدمنا . | و حكى الإمام أبو القاسم القشيري أن عمرو بن الليث أحد ملوك ~~خراسان ومشاهير الثوار ms233 المعرف بالصفار رئي في النوم ، فقيل له : ما فعل ~~الله بك ؟ فقال : غفر لي ، فقيل : بماذا ؟ قال : صعدت ذروة جبل يوما فأشرفت ~~على جنودي ، فأعجبتني كثرتهم ، فتمنيت أني حضرت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأعنته ونصرته ، فشكر الله لي ذلك وغفر لي . | و أما النصح لأئمة ~~المسلمين فطاعتهم في الحق ، ومعونتهم فيه ، وأمرهم به ، وتذكيرهم إياه على ~~أحسن وجه وتنبيههم على ما غفلوا عنه وكتم عنهم من أمور المسلمين ، وترك ~~الخروج عليهم ، وتضريب الناس وإفساد قلوبهم عليهم . | و النصح لعامة ~~المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم ، ومعونتهم في أمر دينهم ودنياهم بالقول ~~والفعل ، وتنبيه غافلهم ، وتبصير جاهلهم ، ورفد محتاجهم ، وستر عوراتهم ، ~~ودفع المضار عنهم ، وجلب المنافع إليهم . | PageV02P029 # | 2 ( الباب الثالث في تعظيم أمره ووجوب توقيره وبره ) 2 # | قال الله تعالى : يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا . ~~لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه [ سورة الفتح - 48 ، الآية : 9 ] . | ~~و قال يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله [ سورة الحجرات - ~~49 ، الآية : 1 ] . | و : يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت ~~النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا ~~تشعرون * إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله ~~قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم * إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ~~أكثرهم لا يعقلون [ سورة الحجرات - 49 ، الآية 2 ، 4 ] . | و قال تعالى : ~~لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا [ سورة النور / 24 ، الآية : ~~63 ] . | فأوجب الله تعالى تعزيزه وتوقيره ، وألزم إكرامه وتعظيمه . | قال ~~ابن عباس : تعزروه : تجلوه . وقال المبرد : تعزروه : تبالغوا في تعظيمه . | ~~و قال الأخفش : تنصرونه . وقال الطبري : تعينونه . | و قرىء : تعززوه ~~بزايين من العز . | و نهي عن التقدم بين يديه بالقول ، وسوءالأدب بسبقه ~~بالكلام ، على قول ابن PageV02P030 عباس وغيره ، وهو اختيار ثعلب . | قال ~~سهل بن عبد الله : لا تقولوا قبل أن يقول ، وإذا قال فاستمعوا له وأنصتوا . ~~| و نهوا عن التقدم والتعجل بقضاء أمر قبل قضائه ms234 فيه ، وأن يفتاتوا يشيء في ~~ذلك من قتال أو غيره من أمر دينهم ، ولا يسبقوه به . | و إلى هذا يرجع قول ~~الحسين ، ومجاهد ، والضحاك ، والسدي ، والثوري . | ثم وعظهم وحذرهم مخالفة ~~ذلك ، فقال : واتقوا الله إن الله سميع عليم | قال الماوردي : اتقوا يعني ~~في التقدم . | و قال السلمي : اتقوا الله في إهمال حقه وتضييع حرمته ، إنه ~~سميع لقولكم ، عليم بفعلكم . | ثم نهاهم عن رفع الصوت فوق صوته ، و الجهر ~~له بالقول كما يجهر بعضهم لبعض ويرفع صوته . | و قيل : كما ينادي بعضهم [ ~~151 ] بعضا باسمه . | قال أبو محمد مكي : أي لا تسابقوه بالكلام ، وتغلظوا ~~له بالخطاب ، ولا تنادوه باسمه نداء بعضكم بعضا ، ولكن عظموه ونادوه بأشرف ~~ما يحب أن ينادي به : يا رسول الله يا نبي الله . | و هذا كقوله في الآية ~~الأخرى : لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا على أحد التأويلين ~~. | و قال غيره لا تخاطبوه إلا م ستفهمين . | ثم خوفهم الله تعالى بحبط ~~أعمالهم إن هم فعلوا ذلك ، وحذرهم منه . | و قيل : نزلت الآية في وفد بني ~~تميم وقيل : في غيرهم ، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فنادوه : يا محمد ، ~~يا محمد ، اخرج إلينا . فذمهم الله تعالى بالجهل ، ووصفهم بأن أكثرهم لا ~~يعقلون . | و قيل : نزلت الآية في محاورة كانت بين أبي بكر وعمر بين يدي ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، PageV02P031 واختلاف جرى بينهما ، حتى ارتفعت ~~أصواتها . | و قيل : نزلت في ثابت بن قيس بن شماس خطيب النبي صلى الله عليه ~~وسلم في مفاخرة بني تميم ، وكان في أذنيه صمم ، فكان يرفع صوته ، فلما نزلت ~~هذه الآية أقام في منزله ، وخشي أن يكون حبط عمله ، ثم أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال : يا نبي الله ، لقد خشيت أن أكون هلكت ، نهانا الله أن ~~نجهر بالقول ، وأنا امرؤ جهير الصوت . | فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ~~أما ترضى أن تعيش حميدا ، وتقتل شهيدا ، وتدخل الجنة ! فقتل يوم اليمامة . ~~| وروي أن أبا بكر لما نزلت هذه الآية قال ms235 : والله يا رسول الله ، لا أكلمك ~~بعدها إلا كأخي السرار . | وأن عمر كان إذا حدثه كأخي السرار ، ما كان يسمع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه ، فأنزل الله ~~تعالى فيهم : إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله ~~قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم [ سورة الحجرات / 49 ، الآية : 3 ] . | ~~و قيل : نزلت : إن الذين ينادونك من وراء الحجرات في غير بني تميم ، نادوه ~~باسمه : | وروى صفوان بن عسال : بينا النبي صلى الله عليه وسلم في سفر إذا ~~ناداه أعرابي بصوت له جهوري : أبا محمد . قلنا له : اغضض من صوتك ، فإنك قد ~~نهيت عن رفع الصوت . | و قال الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا ~~راعنا [ سورة البقرة - 2 ، الآية : 104 ] . | قال بعض المفسرين : هي لغة ~~كانت في الأنصار ، نهوا عن قولها تعظيما PageV02P032 للنبي صلى الله عليه ~~وسلم ، وتبجيلا له ، لأن معناها : ارعنا نرعك ، فنهوا عن قولها ، إذا ~~مقتضاها كأنهم لا يرعونه إلا برعايته لهم ، بل حقه أن يرعى على كل حال . | ~~و قيل : كانت اليهود تعرض بها للنبي صلى الله عليه وسلم بالرعونة ، فنهى ~~المسلمون عن قولها ، قطعا للذريعة ، ومنعا للتشبيه بهم في قولها ، لمشاركة ~~اللفظة . وقيل غير هذا . | فصل : في عادة الصحابة في تعظيمه وتوقيره [ 152 ~~] وإجلاله | حدثنا القاضي أبو علي الصدفي ، وأبو بحر الأسدي بسماعي عليهما ~~في آخرين ، قالوا : حدثنا أحمد بن عمر ، حدثنا أحمد بن الحسن ، حدثنا محمد ~~بن عيسى ، حدثنا إبراهيم بن سفيان ، حدثنا مسلم ، حدثنا محمد بن مثنى ، ~~وأبو معن الرقاشي ، وإسحاق بن منصور ، قالوا حدثنا الضحاك بن مخلد ، أخبرنا ~~حيوة بن شريح ، حدثنا يزيد بن أبي حبيب ، عن ابن شماسة المهري ، قال : ~~حضرنا عمر ابن العاص . . . | فذكر حديثا طويلا فيه عن عمرو ، قال : وما كان ~~أحد أحب إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا أجل في عيني منه ، وما ~~كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له ، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت ms236 ، لأني لم ~~أكن أملا عيني منه . | و روى الترمذي عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كان يخرج على أصحابه من المهاجرين والأنصار وهم جلوس ، فيهم أبو بكر ، ~~وعمر ، فلا يرفع أحد منهم إليه بصره إلا أبو بكر وعمر ، فإنهما كانا ينظران ~~إليه وينظر إليهما ، ويتبسمان إليه ويبتسم إليهما . | و روى أسامة بن شريك ~~، قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حوله كأنما ع لى رؤوسهم الطير ~~. | وفي حديث صفته : إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير . | و ~~قال عروة بن مسعود حين وجهته قريش عام القضية إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، PageV02P033 ورأى من تعظيم أصحابه له ما رأى ، وأنه لا يتوضأ إلا ~~ابتدروا وضوءه ، وكادوا يقتتلون عليه ، ولا يبصق بصاقا ، ولا يتنخم نخامة ~~إلا تلقوها بأكفهم فدلكوا بها وجوههم وأجسادهم ، ولا تسقط منه شعرة إلا ~~ابتدروها ، وإذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره ، و إذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده ~~، وما يحدون إليه النظر تعظيما له . | فلما رجع إلى قريش قال : يا معشر ~~قريش ، إني جئت كسرى في ملكه ، وقيصر في ملكه والنجاشي في ملكه ، وإني ~~والله ما رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد في أصحابه . | و في رواية : إن رأيت ~~ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم محمدا أصحابه . وقد رأيت قوما لا يسلمونه ~~أبدا . | و عن أنس : لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحلاق يحلقه ~~، وقد أطاف به أصحابه ، فما يريدون أن تقع شعره إلا في يد رجل . | و من هذا ~~لما أذنت قريش لعثمان في الطواف بالبيت حين وجهه النبي صلى الله عليه وسلم ~~إليهم في القضية أبى ، وقال : ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم . | و في حديث طلحة : إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قالوا لأعرابي جاهل : سله عمن قضلى نحبه وكانوا يهابونه ويوقرونه ، فسأله ، ~~فاعرض عنه ، إذ طلع طلحة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هذا ممن قض ~~نحبه . | و ms237 في حديث قيلة : فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا ~~القرفصاء أرعدت من الفرق وذلك [ 153 ] هيبة له وتعظيما . | و في حديث ~~المغيرة : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرعون بابه بالأظافير . ~~| و قال البراء بن عازب : لقد كنت أريد أن أسأل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن الأمر فأؤخره سنين من هيبته . | PageV02P034 # | 3 ( فصل في تعظيم النبي بعد موته ) 3 # | و اعلم أن حرمة النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته ، وتوقيره وتعظيمه ، ~~لازم كما كان حال حياته ، وذلك عند ذكره صلى الله عليه وسلم ، وذكر حديثه ~~وسنته ، وسماع اسمه وسيرته ، ومعاملة آله وعترته ، وتعظيم أهل بيته وصحابته ~~. | و قال أبو إبراهيم التجيبي : واجب على كل مؤمن متى ذكره ، أو ذكر عنده ~~أن يخضع ويخشع ، ويتوقر ويسكن من حركته ، ويأخذ في هيبته وإجلاله بما كان ~~يأخذ به نفسه لو كان بين يديه ، ويتأدب بما أدبنا الله به . | قال القاضي ~~أبو الفضل : وهذه كانت سيرة سلفنا الصالح وأئمتنا الماضين رضي الله عنهم . ~~| حدثنا القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن الأشعري ، وأبو القاسم ~~أحمد ابن بقي الحاكم ، وغير واحد ، فيما أجازونيه ، قالوا : أنبأنا أبو ~~العباس أحمد بن عمر ابن دلهاث ، قال : حدثنا أبو الحسن علي بن فهر ، حدثنا ~~أبو بكر محمد بن أحمد ابن الفرج ، حدثنا أبو الحسن عبد الله بن المنتاب ، ~~حدثنا يعقوب بن إسحاق ابن أبي إسرائيل ، حدثنا ابن حميد ، قال ناظر أبو ~~جعفر أمير المؤمنين مالكا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له ~~مالك : يا أمير المؤمنين ، لا ترفع صوتك في هذا المسجد ، فإن الله تعالى ~~أدب قوما فقال : لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول ~~كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون [ سورة الحجرات - 49 ، ~~الآية : 2 ] . | و مدح قوما فقال : إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ~~أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم [ سورة الحجرات ~~- 49 ، الآية ms238 : 3 ] . | و ذم قوما فقال : إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ~~أكثرهم لا يعقلون وإن حرمته كحرمته حيا . | فاستكان لها أبو جعفر ، وقال : ~~يا أبا عبد الله ، أأستقبل القبلة وأدعوا أم أستقبل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ؟ فقال : ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه ~~PageV02P035 السلام إلى الله تعالى يوم القيامة ؟ بل استقبله واستشفع به ، ~~فيشفعك الله ، قال الله تعالى : ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا ~~الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما [ سورة النساء - 4 ، ~~الآية : 64 ] . | و قال مالك وقد سئل عن أيوب السختياني : ما حدثتكم عن أحد ~~إلا وأيوب أفضل منه : | و قال : وحج حجتين ، فكنت أرمقه ولا أسمع منه ، غير ~~أنه كان إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى أرحمه . | فلما رأيت منه ~~ما رأيت ، وإجلاله للنبي صلى الله عليه وسلم كتب عنه . | و قال مصعب بن عبد ~~الله : كان مالك إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يتغير لونه ، وينحني حتى ~~يصعب ذلك على جلسائه ، فقيل له يوما في ذلك ، فقال لو رأيتم ما رأيت لما ~~أنكرتم علي ما ترون ، ولقد كنت أرى محمد ابن المنكدر ، وكان سيد القراء لا ~~نكاد نسأله عن حديث أبدا إلا يبكي حتى نرحمه . | و لقد كنت أرى جعفر بن ~~محمد الصادق ، وكان كثير الدعابة والتبسم ، فإذا ذكر [ 154 ] عنده النبي ~~صلى الله عليه وسلم اصفر . وما رأيته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلا على طهارة . | و قد اختلفت إليه زمانا فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال ~~: إما مصليا ، وإما صامتا ، وإما يقرأ القرآن ، ولا يتكلم فيما لا يعنيه ، ~~وكان من العلماء والعباد الذين يخشون الله عز وجل . | و لقد كان عبد الرحمن ~~بن القاسم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم فينظر إلى لونه كأنه نزف منه الدم ~~، وقد جف لسانه في فمه هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم . | و لقد كنت ~~آتي عامر بن عبد الله ms239 بن الزبير فإذ ا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم ~~بكى حتى لا يبقى في عينيه دموع . | و لقد رأيت الزهري وكان من أهنأ الناس ~~وأقربهم ، فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم فكأنه ما عرفك ولا عرفته ~~. | و لقد كنت آتي صفوان بن سليم ، وكان من المتعبدين المجتهدين ، فإذا ذكر ~~PageV02P036 النبي صلى الله عليه وسلم بكى ، فلا يزال يبكي حتى يقوم الناس ~~عنه ويتركوه . | و روي عن قتادة أنه كان إذا سمع الحديث أخذه العويل ~~والزويل . | و لما كثر على مالك الناس قيل له : لو جعلت مستمليا يسمعهم ؟ ~~فقال : قال الله تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت ~~النبي وحرمته حيا وميتا سواء . | [ وكان ابن سيرين ربما يضحك ، فإذا ذكر ~~عنده حديث النبي صلى الله عليه وسلم خشع ] . | و كان عبد الرحمن بن مهدي ~~إذا قرأ حديث النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالسكوت ، وقال : لا ترفعوا ~~أصواتكم فوق صوت النبي ، ويتأول أنه يجب له من الإنصات عند قراءة حديثه ما ~~يجب له عند سماع قوله . | # | 3 ( فصل في سيرة السلف في تعظيم رواية حديث الرسول وسننه ) 3 # | حدثنا الحسين بن محمد الحافظ ، حدثنا أبو الفضل بن خيرون ، حدثنا أبو ~~بكر البرقاني وغيره ، حدثنا أبو الحسن الدار قطني ، حدثنا علي بن مبشر ، ~~حدثنا أحمد ابن سنان القطان ، حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا المسعودي ، عن ~~مسلم البطين ، عن عمرو بن ميمون ، قال : اختلفت إلى ابن مسعود سنة ، فما ~~سمعته يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إلا أنه حدث يوما فجرى ~~على لسانه : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم علاه كرب ، حتى رأيت ~~العرق يتحدر عن جبهته ، ثم قال : هكذا إن شاء الله ، أو فوق ذا ، أو ما دون ~~ذا ، أو ما هو قريب من ذا . | و في رواية : فتربد وجهه . | و في رواية : ~~وقد تغرغرت عيناه ، وانتفخت أوداجه . | و قال إبراهيم بن عبد الله بن قريم ~~الأنصاري قاضي المدينة : مر مالك ms240 بن أنس على أبي حازم ، وهو يحدث ، فجازه ، ~~وقال : إني لم أجد موضعا أجلس فيه ، فكرهت أن آخذ حديث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأنا قائم . | PageV02P037 و قال مالك : جاء رجل إلى ابن المسيب ~~، فسأله عن حديث وهو مضطجع ، فجلس وحدثه ، فقال له الرجل : وددت [ 155 ] ~~أنك لم تتعن ، فق ال : إني كرهت أن أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأنا مضطجع . | [ وروي عن محمد بن سيرين أنه قد يكون يضحك ، فإذا ذكر عنده ~~حديث النبي صلى الله عليه وسلم خشع ] . | و قال أبو مصعب : كان مالك بن أنس ~~لا يحدث بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو على وضوء ، إجلالا له ~~. | و حكى مالك ذلك عن جعفر بن محمد . | و قال مصعب بن عبد الله : كان مالك ~~بن أنس إذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ وتهيأ ، ولبس ثيابه ، ~~ثم يحدث . | قال مصعب : فسئل عن ذلك ، فقال : إنه حديث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم . | قال مطرف : كان إذا أتى الناس مالكا خرجت إليهم الجارية ~~فتقول لهم : يقول لكم الشيخ : تريدون الحديث أو المسائل ؟ فغن قالوا ~~المسائل خرج إليهم ، وإن قالوا الحديث دخل مغتسله ، واغتسل وتطيب ، ولبس ~~ثيابا جددا ، ولبس ساجه وتعمم ، ووضع على رأسه رداء ، وتلقى له منصة ، ~~فيجرخ فيجلس عليها ، وعليه الخشوع ، ولا يزال يبخر بالعود حتى يفرغ من حديث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم . | قال [ غيره ] : ولم يكن يجلس على تلك ~~المنصة إلا إذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . | قال ابن أب ي أويس ~~: فقيل لمالك في ذلك ، فقال : أحب أن أعظم حديث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، ولا أحدث به إلا عن طهارة متمكنا . | قال : وكان يكره أن يحدث في ~~الطريق ، أو وهو قائم ، أو مستعجل . | و قال : أحب أن أفهم حديث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم . | [ قال ضرارة بن مرة : كانوا يكرهون أن يحدثوا بحديث ~~على غير وضوء . | و نحوه ms241 عن قتادة . | و كان الأعمش إذا حدث وهو على غير ~~وضوء تيمم . | PageV02P038 و كان قتادة لا يحدث إلا على طهارة ، ولا يقرأ ~~حديث النبي صلى الله عليه وسلم إلا على وضوء ] . | قال عبد الله بن مبارك : ~~كنت عند مالك ، وهو يحدثنا ، فلدغته عقرب ست عشرة مرة ، وهو يتغير لونه ~~ويصفر ولا يقطع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . | فلما فرغ من المجلس ~~، وتفرق الناس عنه قلت له : يا أبا عبد الله ، لقد رأيت اليوم منك عجبا . ~~قال : نعم ، لدغتني عقرب ست عشرة مرة ، وأنا صابر في جميع ذلك ، وإنما صبرت ~~إجلالا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . | قال ابن مهدي : مشيت يوما ~~مع مالك إلى العقيق ، فسألته عن حديث ، فانتهزني وقال لي : كنت في عيني أجل ~~من أن تسأل عن حديث رسول الله صلى الله عليه وس لم ونحن نمشي . | و سأله ~~جرير بن عبد الحميد القاضي عن حديث وهو قائم ، فأمر بحبسه ، فقيل له : إنه ~~قاض . قال : القاضي أحق من أدب . | و ذكر أن هشام بن هشام بن الغازي سأل ~~مالكا عن حديث وهو واقف فضرب عشرين سوطا ، ثم أشفق عليه ، فحدثه عشرين ~~حديثا ، فقام هشام : وددت لو زادني سياطا ويزيدني حديثا . | قال عبد الله ~~بن صالح : كان ماك والليث لا يكتبان الحديث إلا وهما طاهران . | و كان ~~قتادة يستحب ألا تقرأ أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم [ 156 ] إلا على ~~وضوء ، ولا يحدث إلا على طهارة . | و كان الأعمش إذا أراد أن يحدث وهو على ~~وضوء تيمم . | # | 3 ( فصل في توقيره ، وبر آله ، وذريته ، وأمهات المؤمنين أزواجه ) 3 # | ومن توقيره صلى الله عليه وسلم وبره بر آله وذريته وأمهات المؤمنين ~~أزواجه ، كما حض عليه صلى الله عليه وسلم ، وسلكه السلف الصالح رضي الله ~~عنهم . | قال الله تعالى : إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا [ سورة الأحزاب - 33 ، الآية : 33 ] . | و قال تعالى : ~~وأزواجه أمهاتهم [ سورة الأحزاب - 33 ، الآية : 6 ] . | PageV02P039 أخبرنا ~~الشيخ أبو محمد ms242 بن أحمد العدل من كتابه ، وكتبت من أصله : حدثنا أبو الحسن ~~المقرئ الفرغاني ، حدثتني أم القاسم بنت الشيخ أبي بكر الخفاف ، قالت : ~~حدثني أبي ، حدثنا حاتم هو ابن عقيل ، حدثنا يحيى هو ابن إسماعيل ، حدثنا ~~يحيى هو الحماني ، حدثنا وكيع ، عن أبيه ، عن سعيد بن مسروق ، عن يزيد بن ~~حيان ، عن زيد بن أرقم ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنشدكم ~~رسول الله أهل بيتي . . . ثلاثا . | قلنا لزيد : من أهل بيته ؟ قال : آل ~~علي ، وآل جعفر ، وآل عقيل ، وآل العباس . | و قال صلى الله عليه وسلم : ~~إني تارك فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ، ~~فانظر وا كيف تخلفوني فيهما . | و قال صلى الله عليه وسلم : معرفة آل محمد ~~صلى الله عليه وسلم براءة من النار ، وحب آل محمد جواز على الصراط ، ~~والولاية لآل محمد أمان من العذاب . | قال بعض العلماء : معرفتهم هي معرفة ~~مكانهم من النبي صلى الله عليه وسلم ، وإذا عرفهم بذلك عرف وجوب حقهم ~~وحرمتهم بسببه . | و عن عمر بن أبي سلمة : لما نزلت : إنما يريد الله ليذهب ~~عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا وذلك في بيت أم سلمة دعا فاطمة وحسنا ~~وحسينا ، فجللهم بكساء ، وعلي خلف ظهره [ فجلله بكسائه ] ، ثم قال : اللهم ~~هؤلاء أهل بيتي ، فأذهب عنهم الرجس ، وطهرهم تطهيرا . | و عن سعد بن أبي ~~وقاص : لما نزلت آية المباهلة دعا النبي صلى الله عليه وسلم عليا وحسنا ~~والحسين وفاطمة ، وقال : اللهم هؤلاء أهلي . | و قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم في علي : من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، PageV02P040 ~~وعاد من عاداه . | و قال فيه : لا يحبك إلا مؤمن ، ولا يبغضك إلا منافق . | ~~و قال للعباس والذي نفسي بيده ، لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى يحبكم لله ~~ولرسوله . ومن آذى عمي فقد آذاني ، وإنما ع م الرجل صنو أبيه . | و قال ~~العباس : اغد علي يا عم مع ولدك ، فجمعهم وجللهم بملاءته ، وقال : هذا عمي ~~وصنو أبي ms243 ، وهؤلاء أهل بيتي ، فاسترهم من النار كستري إياهم فأمنت أسكفة ~~الباب وحوائط البيت : آمين . آمين . | و كان يأخذ أسامة بن زيد ، والحسن ، ~~ويقول : اللهم إني أحبهما فأحبهما . | و قال أبو بكر : ارقبوا محمدا في أهل ~~بيته . | و قال أيضا : والذي نفسي بيده لقرابة [ 157 ] رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي . | و قال صلى الله عليه وسلم : أحب ~~الله من أحب حسنا وحسينا . | و قال : من أحبني وأحب هذين وأشار إلى حسن ~~وحسين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة . | و قال صلى الله ~~عليه وسلم : من أهان قريشا أهانه الله . | و قال صلى الله عليه وسلم : ~~قدموا قريشا ولا تقدموها . | PageV02P041 و قال صلى الله عليه وسلم لأم ~~سلمة : لا تؤذيني في عائشة . | و عن عقبة بن الحارث : رأيت أبا بكر رضي ~~الله عنه ، وجعل الحسن على عنقه وهو يقول : بأبي شيبه بالنبي ، ليس شبيها ~~بعلي وعلي رضي الله عنه يضحك . | و روي عن عبد الله بن الحسن بن حسين ، قال ~~: أت يت عمر بن عبد العزيز في حاجة ، فقال : لي : إذا كانت لك حاجة فأرسل ~~إلي أو اكتب ، فإني أستحيي من الله أن يراك على بابي . | و عن الشعبي : صلى ~~زيد بن ثابت على جنازة أمه ، ثم قربت له بغلته ليركبها ، فجاء ابن عباس ~~فأخذ بركابه ، فقال زيد : خل عنه يا بن عم رسول الله . فقال : هكذا نفعل ~~بالعلماء . فقبل زيد يد ابن عباس ، وقال : هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت ~~نبينا . | و رأى ابن عمر محمد بن أسامة بن زيد ، فقال : ليت هذا عبدي ، ~~فقيل له : هو محمد بن أسامة . فطأطأ ابن عمر رأسه ونقر بيده الأرض ، وقال : ~~لو رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحبه . | و قال الأوزاعي : دخلت بنت ~~أسامة بن زيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمر بن عبد العزيز ~~ومعها مولى لها يمسك بيدها ، فقام لها عمر ، ومشى إليها حتى جعل يدها بين ~~يديه ms244 ، ويداه في ثيابه ، ومشى بها حتى أجلسها على مجسله ، وجلس بين يديها ، ~~وماترك لها حاجة إلا قضاها . | و لما فرض عمر بن الخطاب لابنه عبد الله في ~~ثلاثة آلاف ، ولأسامة بن زيد في ثلاثة آلاف وخمسمائة قال عبد الله لأبيه : ~~لم فضلته ، فو الله ما سبقني إلى مشهد ؟ فقال له : لأن زيدا كان أحب إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك ، وأسامة أحب إليك منك ، فآثرت حب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على حبي . | و بلغ معاوية أن كابس بن ربيعة ~~يشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما دخل عليه من باب الدار قام عن ~~سريره وتلقاه وقبل بين عينيه ، وأقطعه المرغاب لشبهه صورة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم . | و روي أن مالكا رحمه الله لما ضربه جعفر بن سليمان ، ~~ونال منه ما نال ، وحمل مغشيا عليه دخل عليه الناس فأفاق ، فقال : أشهدكم ~~أني جعلت ضاربي في حل . | PageV02P042 فسئل بعد ذلك ، فقال : خفت أن أموت ، ~~فألقى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأستحي منه أن يدخل بعض آله النار بسببي ~~. | و قيل : إن المنصور أقاده من جعفر ، فقال له : أعوذ بالله ! والله ما ~~ارتفع منها سوط عن جسمي [ 158 ] إلا وقد جعلته في حل لقرابته من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم . | و قال أبو بكر بن عياش : لو أتاني أبو بكر وعمر ~~وعلي لبدأت بحاجة علي قبلهما ، لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~ولأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أقدمه عليهما . | و قيل لابن ~~عباس : ما تت فلانة لبعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، فسجد ، فقيل له ~~: أتسجد هذه الساعة ؟ فقال : أليس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا ~~رأيتم آية فاسجدوا وأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم . ~~| [ وكان أبو بكر وعمر يزوران أم أيمن مولاة النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~ويقولان : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورهما . | و لما ms245 وردت حليمة ~~السعدية على النبي صلى الله عليه وسلم بسط لها رداءه وقضى حاجتها ، فلما ~~توفي وفدت على أبي بكر وعمر فصنعا بها مثل ذلك ] . | # | 3 ( فصل من توقيره وبره توقير أصحابه وبرهم ) 3 # | و من توقيره وبره صلى الله عليه وسلم توقير أصحابه وبرهم ومعرفة حقهم ، ~~والاقتداء بهم ، وحسن الثناء عليهم ، والاستغفار لهم ، والإمساك لهم ، ~~والإمساك عما شجر بينهم ، ومعاداة من عاداهم ، والإضراب عن أخبار المؤرخين ~~، وجهلة الرواة ، وضلال الشيعة والمبتدعين القادحة في أحد منهم ، وأن يلتمس ~~لهم فيما نقل عنهم من مثل ذلك فيما كان بينهم من الفتن أحسن التأويلات ، ~~ويخرج لهم أصواب المخارج : إذ هم أهل ذلك ، ولا يذكر أحد منهم بسوء ، ولا ~~يغمص عليه أمر ، بل تذكر حسناتهم وفضائلهم ، وحميد سيرتهم ، ويسكت عما وراء ~~ذلك ، كما قال صلى الله عليه وسلم : إذا ذكر أصحابي فأمسكوا . | ~~PageV02P043 قال الله تعالى : محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار ~~رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم ~~من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه ~~فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما [ سورة الفتح - 48 ، ~~الآية : 29 ] . | و قال : والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين ~~اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار ~~خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم [ سورة التوبة - 9 ، الآية : 100 ] . | ~~و قال الله تعالى : لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة [ ~~سورة الفتح - 48 ، الآية : 18 ] . | و قال : رجال صدقوا ما عاهدوا الله ~~عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا [ سورة الأحزاب - ~~33 ، الآية : 23 ] . | حدثنا القاضي أبو علي ، حدثنا أبو الحسين ، وأبو ~~الفضل ، قالا : حدثنا أبو يعلى ، حدثنا أبو علي السنجي ، حدثنا محمد بن ~~محبوب ، حدثنا الترمذي ، حدثنا الحسن بن الصباح ، حدثنا سفيان بن عيينة ، ~~عن زائدة ، عن عبد الملك ms246 بن عمير ، عن ربعي بن حراش ، عن حذيفة رضي الله ~~عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اقتدوا باللذين من بعدي : ~~أبي بكر ، وعمر . | و قال : أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم . | و عن ~~أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مثل أصحابي ~~كمثل الملح في الطعام ، لا يصلح الطعام إلا به . | و قال : الله لله في ~~اصحابي ، لا تتخذوهم غرضا بعدي ، فمن أحبهم فبحبي أحبهم ، ومن أبغضهم ~~فببغضي أبغضهم ، ومن آذاهم فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله ، ومن آذى ~~الله يوشك أن يأخذ . | و قال : لا تسبوا أصحابي ، فلو أنفق أحدكم مثل أحد ~~ذهبا ما بلغ مد أحدهم PageV02P044 ولا نصيفه . | و قال : [ 159 ] من سب ~~أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه صرفا ~~ولا عدلا . | و قال : إذا ذكر أصحابي فأمسكوا . | وقال في حديث جابر : إن ~~الله اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين ، واختار لي ~~منهم أربعة : أبا بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعليا ، فجعلهم خير أصحابي ، وفي ~~أصحابهم كلهم خير . | وقال : من أحب عمر فقد أحبني ، ومن أبغض عمر فقد ~~أبغضني . | وقال مالك بن أنس ، وغيره : من أبغض الصحابة وسبهم فلبيس له في ~~فيءالمسلمين حق ، ونزع بآية الحشر : وما أفاء الله على رسوله منهم فما ~~أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل ~~شيء قدير * ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما ~~آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب ~~. . . إلى قوله تعالى : والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ~~ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا ~~إنك رؤوف رحيم [ سورة الحشر / 59 ، الآيات : 5 ، 10 ] . | وقال : من غاظه ~~أصحاب محمد فهو كافر ، قال الله تعالى : ليغيظ بهم الكفار [ سورة الفتح ms247 - ~~48 ، الآية : 29 ] . | وقال عبد الله بن المبارك : خصلتان من كانتا فيه نجا ~~: الصدق ، وحب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم . | قال أيوب السختياني : من ~~أحب أبا بكر فقد أقام الدين ، ومن أحب عمر فقد أوضح السبيل ، ومن أحب عثمان ~~فقد استضاء بنور الله ، ومن أحب عليا فقد أخذ بالعروة الوثقى ، ومن أحسن ~~الثناء على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فقد برئ من النفاق ، ومن ~~PageV02P045 انتقض أحدا منهم فهو مبتدع مخالف للسنة والسلف الصالح ، وأخاف ~~ألا يصعد له عمل إلى السماء حتى يحبهم جميعا ، ويكون قلبه سليما . | و في ~~حديث خالد بن سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أيها الناس ، إني راض ~~عن أبي بكر فاعرفوا له ذلك . أيها لناس ، إني راض عن عمر ، وعن علي ، وعن ~~عثمان ، وطلحة ، والزبير ، وسعد ، وسعيد ، وعبد الرحمن بن عوف ، فاعرفوا ~~لهم ذلك . أيها الناس ، إن الله غفر لأهل بدر والحديبية ، أيها الناس ، ~~احفظوني في أصحابي وأصهاري وأختاني ، لا يطالبنكم أحد منهم بمظلمة ، فإنها ~~مظلمة لا توهب في القيامة غدا . | وقال رجل للمعافى بن عمران : أين عمر بن ~~عبد العزيز من معاوية ؟ قغضب وقال : لا يقاسب أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم أحد ، معاوية صاحبه وصهره ، وكاتبه وأمينه على وحي الله . | وأتي ~~النبي صلى الله عليه وسلم بجنازة رجل فلم يصل عليه ، وقال : كان يبغض عثمان ~~، فأبغضه الله . | وقال صلى الله عليه وسلم في الأنصار : اعفوا عن مسيئهم ، ~~واقبلوا من محسنهم . | و قال : احفظوني في أصحابي وأصهاري ، فإنه من حفظني ~~فيهم حفظه الله في الدنيا والآخرة ، ومن لم يحفظني فيهم تخلى الله منه ، ~~ومن تخلى الله منه يوشك أن يأخذه . | و عنه صلى الله عليه وسلم : من حفظني ~~في أصحابي كنت له حافظا يوم القيامة . | و قال : من حفظني في أصحابي ورد ~~علي الحوض ، ومن لم يحفظني في أصحابي لم يرد علي الحوض ، ولم يرني إلا من ~~بعيد . | قال مالك رحمه الله : هذا النبي مؤدب الخلق الدي هدانا الله به ، ~~وجعله ms248 رحمة للعالمين ، يخرج في جوف الليل إلى البقيع فيدعوا لهم ويستغفر ~~كالمودع لهم ، PageV02P046 وبذلك أمره الله ، وأمر النبي بحبهم ، وموالاتهم ~~، ومعاداة من عاداهم . | و روى عن كعب : ليس أحد من أصحاب محمد صلى الله ~~عليه وسلم إلا له شفاعة يوم القيامة . | و طلب من المغيرة بن نوفل أن يشفع ~~له يوم القيامة . | قال سهل بن عبد الله التسترى : لم يؤمن بالرسول من لم ~~يوقر أصحابه ، ولم يعز أوامره . | # | 3 ( فصل و من إعظامه وإكباره ) 3 # | و من إعظامه وإكباره إعظام جميع أسبابه ، وإكرام مشاهده وأمكنته من مكة ~~والمدينة ، ومعاهده ، وما لمسه صلى الله عليه وسلم ، أو أعرف به . | و روي ~~عن صفية بنت نجدة ، قالت : كان لأبي محذورة قصة في مقدم رأسه إذا قعد ~~ورأسها أصابت الأرض . فقيل له : ألا تحلفها ؟ فقال : لم أكن بالذي أحلفها ، ~~وقد مسها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده . | و كانت في قلنسوة خالد بن ~~الوليد شعرات صلى الله عليه وسلم ، فسقطت قلنسوته في بعض حروبه ، فشد عليها ~~شدة أنكر عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كثرة من قتل فيها ، فقال : ~~لم أفعلها بسبب القلنسوة ، بل لما تضمنه من شعره صلى الله عليه وسلم لئلا ~~أسلب بركتها وتقع في أيدي المشركين . | [ ورئي ابن عمر واضعا يده على مقعد ~~النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر ، ثم وضعها على وجهه ] . | و لهذا كان ~~مالك رحمه الله لا يركب بالمدينة دابة حدثنا وكان يقول : أستحي من الله أن ~~أطأ تربة فيها رسول الله بحافر دابة . | PageV02P047 و روي عنه أنه وهب ~~للشافعي كراعا كثيرا كان عنده ، فقال له الشافعي : أمسك منها دابة . فأجابه ~~بمثل هذا الجواب . | و قد حكى أبو عبد الرحمن السلمي عن أحمد بن فضلويه ~~الزاهد رسول الله وكان من الغزاة الرماة أنه قال : ما مسست القوس بيدي إلا ~~على طهارة منذ بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ القوس بيده . | و قد ~~أفتى مالك فيمن قال : تربة المدينة ردية يضرب ثلاثين درة ms249 ، وأمر بحبسه ، ~~وكان له قدر ، وقال : ما أحوجه إلى ضرب عنقه ! تربة دفن فيها النبي صلى ~~الله عليه وسلم يزعم أنها غير طيبة . | و في الصحيح أنه قال صلى الله عليه ~~وسلم في المدينة : من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا . | و حكي أن ~~جهجاها الغفاري أخذ قضيب النبي صلى الله عليه وسلم من يد عثمان رضي الله ~~عنه ، وتناول ليكسره على ركبته ، فصاح به الناس ، فأخذته الأكله في ركبته ~~فقطعها ، ومات قبل الحول . | و قال صلى الله عليه وسلم : من حلف على منبري ~~كاذبا فليتبوأ مقعده من النار . | و حدثت أن أبا الفضل الجوهري لما ورد ~~المدينة زائرا ، وقرب من بيوتها ترجل ومشى باكيا منشدا : | * و لما رأينا ~~رسم من لم يدع لنا * * فؤادا لعرفان الرسوم ولا لبا * | * نزلنا عن الأكوار ~~نمشي كرا مة * * لمن بان عنه أن نلم به ركبا * | و حكى عن بعض المريدين أنه ~~لما أشرف على مدينة الرسول أنشد يقول متمثلا [ 161 ] : | * رفع الحجاب لنا ~~فلاح لناظر * * قمر تقطع دونه الأوهام * | * و إذا المطي بنا بلغن محمدا * ~~* فظهورهن على الرجال حرام * | * قربننا من يخر من وطيء * * الثرى ولها ~~علينا حرمة وذمام * | PageV02P048 و حكي عن بعض المشايخ أنه حج ماشيا ، ~~فقيل له في ذلك ، فقال : العبد الآبق لا يأتي إلى بيت مولاه راكبا ! لو ~~قدرت أن أمشي على رأسي ما مشيت على قدمي . | قال القاضي : وجدير لمواطن ~~عمرت بالوحي والتنزيل ، وتردد بها جبريل وميكائيل ، وعرجت منها الملائكة ~~والروح ، وضجت عرصاتها بالتقديس والتسبيح ، واشتملت تربتها على جسد سيد ~~البشر ، وانتشر عنها من دين الله وسنة رسوله ما انتشر ، مدارس آيات ، ~~ومساجد وصلوات ، ومشاهد الفضائل والخيرات ، ومعاهد البراهين والمعجزات ، ~~ومناسك الدين ، ومشاعر المسلمين ، ومواقف سيد المرسلين ، ومتبوأ خاتم ~~النبيين ، حيث انفجرت النبوة ، وأين فاض عبابها ، ومواطن مهبط الرسالة ، ~~وأول أرض مس جلد المصطفى ترابها أن تعظم عرصاتها ، وتتنسم نفحاتها ، وتقبل ~~ربوعها وجدرانها : | * يا دار خير ms250 المرسلين ومن به * * هدي الأنام وخص ~~بالآيات * | * عندي لأجلك لوعة وصبابة * * و تشوق متوقد الجمرات * | * و ~~علي عهد إن ملأت محاجري * * من تكلم الجدران والعرصات * | * لاعفرن مصون ~~شيبي بينها * * من كثرة التقبيل والرشفات * | * لولا العوادي ، والأعادي ~~زرتها * * أبدا ولو سحبا على الوزجنات * | * لكن سأهدي من حفيل تحيتي * * ~~لقطين تلك الدار والحجرات * | * أزكى من المسك المفتق نفحة * * تغشاه ~~بالآصال والبكرات * | * و تخصه بزواكي الصلوات * * ونوامي التلسيم والبركات ~~* | PageV02P049 # | 2 ( الباب الرابع في حكم الصلاة عليه والتسليم وفرض ذلك وفضيلته ) 2 # | قال الله تعالى : إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ~~آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما [ سورة الأحزاب - 33 ، الآية : 56 ] . | قال ~~ابن عباس : معناه : إن الله وملائكته يباركون على النبي . | و قيل : إن ~~الله يترحم على النبي ، وملائكته يدعون له . | قال المبرد : وأصل الصلاة ~~الترحم ، فهي من الله رحمة ، ومن الملائكة رقة واستدعاء للرحمة من الله . | ~~و قد ورد في الحديث : صفة الملائكة على من جلس ينتظر الصلاة : اللهم اغفر ~~له ، اللهم ارحمه فهذا دعاء . | و قال أبو بكر القشيري : الصلاة من الله ~~تعالى لمن دون النبي صلى الله عليه وسلم رحمة ، وللنبي صلى الله عليه وسلم ~~تشريف وزيادة تكرمة . | و قال أبو العالية : صلاة الله ثناؤه عليه عند ~~الملائكة ، وصلاة الملائكة الدعاء . | قال القاضي أبو الفضل : وقد فرق ~~النبي صلى الله عليه وسلم في حديث تعليم الصلاة بين لفظ الصلاة ولفظ البركة ~~، فدل أنهما [ 162 ] بمعنيين . | و أما التسليم الذي أمر الله تعالى به ~~عباده فقال القاضي أبو بكر بن بكير : نزلت هذه الآية على النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، فأمر الله أصحابه أن يسلموا عليه ، وكذلك من بعدهم أمرو # PageV02P050 | أن يسلموا على النبي صلى الله عليه وسلم عند حضورهم قبره ، ~~وعند ذكره . | و في معنى السلام عليه ثلاثة وجوه : | أحدهما : السلامة لك ~~ومعك ، ويكون السلام مصدرا كاللذاذ واللذاذة . | الثاني : أي السلام على ~~حفظك ورعايتك متول له ، وكفيل به ، ويكون هنا السلام اسم الله . | الثالث : ~~أن السلام بمعنى المسالمة ms251 له والإنقياد ، كما قال : فلا وربك لا يؤمنون حتى ~~يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ~~[ سورة النساء - 4 ، الآية : 65 ] . | # | 3 ( فصل في حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ) 3 # اعلم أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فرض على الجملة ، غير محدد ~~بوقت ، لأمر الله تعالى بالصلاة عليه ، وحمل الأئمة والعلماء له على الوجوب ~~، وأجمعوا عليه . | و حكى أبو جعفر الطبري أن محمل الآية عنده على الندب ، ~~وادعى فيه الإجماع ، ولعله فيما زاد على مرة ، والواجب منه الذي يسقط به ~~الحرج ومأثم ترك الفرض مرة ، كالشهادة له بالنبوة ، وما عدا ذلك فمندوب ~~مرغب فيه ، من سنن الإسلام وشعار أهله . | قال القاضي أبو الحسن بن القصار ~~: المشهور عن أصحابنا أن ذلك واجب في الجملة على الإنسان ، وفرض عليه أن ~~يأتي بها مرة من دهره مع القدرة على ذلك . | و قال القاضي أبو بكر بن بكير ~~: افترض الله على خلقه أن يصلوا على نبيه ويسلموا تسليما ، ولم يجعل ذلك ~~لوقت معلوم ، فالواجب أن يكثر المرء منها ، ولا يغفل عنها . | قال القاضي ~~أبو محمد بن نصر : الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واجبة في الجملة . ~~| قال القاضي أبو عبد الله بن محمد بن سعيد : ذهب مالك وأصحابه وغيرهم من ~~أهل العلم أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فرض ب الجملة بعقد ~~الأيمان ، لا تتعين في الصلاة ، وأن من صلى علي مرة واحدة من عمره سقط ~~الفرض عنه . | و قال أصحاب الشافعي : الفرض منها الذي أمر الله تعالى به ~~رسوله صلى الله عليه وسلم هو في الصلاة . | PageV02P051 و قالوا : زو أما ~~في غيرها فلا خلاف أنها غير واجبة . | و أما في الصلاة فحكى الإمامان أبو ~~جعفر الطبري والطحاوي وغيرهما إجماع جميع المتقدمين والمتأخرين من علماء ~~الأمة على أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد غير واجبة . | ~~و شذ الشافعي في ذلك ، فقال : من لم يصل على ms252 النبي صلى الله عليه وسلم من ~~بعد التشهد الأخير وقبل السلام فصلاته فاسدة ، وإن صلى عليه قبل ذلك لم ~~تجزه ، ولا سلف له في هذا القول ولا سنة يتبعها . | و قد بلغ في إنكار هذه ~~المسألة عليه لمخالفته فيها من تقدمه جماعة ، وشنعوا عليه الخلاف فيها ، ~~منهم [ 163 ] الطبري ، والقشيري ، وغير واحد . | و قال أبو بكر بن المنذر : ~~يستحب ألا يصلي أحد صلاة إلا صلى فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~فإن ترك ذلك فصلاته مجزئة في مذهب مالك ، وأهل المدينة ، وسفيان الثوري ، ~~وأهل الكوفة من أصحاب الرأي وغير هم . وهو قول جمل أهل العلم . | و حكي عن ~~مالك وسفيان أنها في التشهد الأخير مستحبة ، وأن تاركها في التشهد مسيء . | ~~و شذ الشافعي فأوجب على تاركها في الصلاة الإعادة ، وأوجب إسحاق الإعادة مع ~~تعمد تركها دون النسيان . | و حكى أبو محمد بن أبي زيد ، عن محمد بن المواز ~~أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فريضة . | قال أبو محمد : يريد ~~ليست من فرائض الصلاة ، وقاله محمد بن عبد الحكم وغيره . | و حكى ابن ~~القصار وعبد الوهاب أن محمد بن الموازيراها فرضة في الصلاة كقول الشافعي . ~~| [ وحكى أبو يعلى العبدي المالكي عن المذهب . فيها ثلاثة أقوال في الصلاة ~~] : | الوجوب ، والسنة ، والندب . | و قد خالف الخطابي من أصحاب الشافعي ~~وغيره الشافعي في هذه المسألة ، | قال الخطابي : وليست بواجبة في الصلاة ، ~~وهو قول جماعة الفقهاء إلا الشافعي ، ولا PageV02P052 أعلم له فيها قدوة . ~~| و الدليل على أنها ليست من فروض الصلاة عمل السلف الصالح قبل الشافعي ، ~~وإجماعهم عليه . | و قد شنع الناس عليه في هذه المسألة جدا . | و هذا تشهد ~~ابن مسعود الذي اختاره الشافعي ، وهو الذي علمه له النبي صلى الله عليه ~~وسلم ، ليس فيه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذلك كل من روى ~~التشهد عن النبي صلى الله عليه وسلم ، كأبي هريرة ، وابن عباس ، وجابر وابن ~~عمر ، وأبي سعيد الخدري ، وأبي موسى الأشعري ، وعبد الله بن الزبير ms253 لم ~~يذكروا فيه صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم . | و قد قال ابن عباس ، ~~وجابر : كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من ~~القرآن . | و نحوه عن أبي سعيد . | و قال ابن عمر : كان أبو بكر يعلمنا ~~التشهد على المنبر كما يعلمون الصبيان في الكتاب . | و علمه أيضا على ~~المنبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه . | و في الحديث : لا صلاة لمن لم يصل ~~علي . | قال ابن القصار : معناه : كاملة ، أو لمن لم يصل علي مرة في عمره . ~~| و ضعف أهل الحديث كلهم رواية هذا الحديث . | و في حديث أبي جعفر ، عن ابن ~~مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : من صلى صلاة لم يصل فيها علي وعلى ~~أهل بيتي لم تقبل منه . | قال الدار قطني : الصواب أنه من قول أبي جعفر ~~محمد بن علي بن الحسين : لو صليت صلاة لم أصل فيها على النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولا على أله بيته لرأيت أ نها لا تتم . | PageV02P053 | # | 3 ( فصل في المواطن التي يستحب فيها الصلاة والسلام على النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويرغب ) 3 # من ذلك في تشهد الصلاة كما قدمناه ، وذلك بعد التشهد وقبل الدعاء : | [ ~~164 ] حدثنا القاضي أبو علي بقرائي عليه : حدثنا الإمام أبو القاسم البلخي ~~، قال : حدثنا الفارسي ، عن أبي القاسم الخزاعي ، عن الهيثم بن كليب ، عن ~~أبي عيسى الحافظ ، قال : حدثنا محمود بن غيلان ، حدثنا عبد الله بن يزيد ~~المقرئ ، حدثنا حيوة بن شريح ، حدثني أبو هانئ الخولاني أن عمرو بن مالك ~~الجنبي ، أخبره أنه سمع فضالة بن عبيد يقول : سمع النبي صلى الله عليه وسلم ~~رجلا يدعو في صلاته ، فلم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم : عجل هذا . ثم دعاه فقال له ولغيره : إذا صلى أحدكم ~~فليبدأ بتحميد الله والثناء عليه ، ثم ليصل على النبي ، ثم ليدع بعد بما ~~شاء . | و يروى من غير هذا السند بتمجيد الله ، وهو أصح . | و عن ms254 عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه ، قال : الدعاء والصلاة معلق بين السماء والأرض ، فلا ~~يصعد إلى الله منه شيء حتى يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم . | و عن علي ~~، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه ، وقال وعلى آل محمد . | و روي أن ~~الدعاء محجوب حتى يصلي الداعي على النبي صلى الله عليه وسلم . | و عن ابن ~~مسعود : إذا أراد أحدكم أن يسأل الله شيئا فليبدأ بمدحه والثناء عليه بما ~~هو أهله ، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم ليسأل ، فإنه أجدر أن ~~ينجح . | و عن جابر رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: لا تجعلوني كقدح الراكب ، فإن الراكب يملأ قدحه ثم يضعه ، ويرفع متاعه ، ~~فإن احتاج إلى شراب شربه أو الوضوء توضأ ، وإلا هراقه ، ولكن اجعلوني في ~~أول الدعاء وأوسطه وآخره . | PageV02P054 و قال ابن عطاء : للدعاء أركان ~~وأجنحة وأسباب وأوقات ، فإن وافق أركانه قوي ، وإن وافق أجنحته طار في ~~السماء ، وإن وافق مواقيته فاز ، وإن وافق أسبابه أنجح ، فأركانه حضور ~~القلب ، والرقة ، والإستكانة والخشوع ، وتعلق القلب بالله ، وقطعه الأسباب ~~. | و أجنحة الصدق ، ومواقيته الأسحار ، وأسبابه الصلاة على محمد صلى الله ~~عليه وسلم . | و في الحديث : الدعاء بين الصلاتين علي لا يرد . | و في حديث ~~آخر : كل دعاء محجوب دون السماء ، فإذا جاءت الصلاة علي صعد الدعاء . | و ~~في دعاء ابن عباس الذي رواه عنه حنش ، فقال في آخره : واستجب دعائي ، ثم ~~تبدأبالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فتقول : اللهم إني أسألك أن تصلي ~~على محمد عبدك ونبيك ورسولك أفضل ما صليت على أحد من خلقك أجمعين آمين . | ~~و من مواطن الصلاة عليه عند ذكره وسماع اسمه ، أو كتابته ، أو عند الأذان . ~~| و قد قال صلى الله عليه وسلم : رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي . | و ~~كره ابن حبيب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عند الذبح . | و كره سحنون ~~الصلاة عليه عند التعجب ، وقال : الصلاة يصلى عليه [ 165 ms255 ] إلا على طريق ~~الاحتساب وطلب الثواب . | قال أصبغ ، عن ابن القاسم : موطنان لا يذكر فيهما ~~إلا الله : الذبيحة ، والعطاس ، فلا تقل فيهما بعد ذكر الله : محمد رسول ~~الله . ولو قال بعد ذكر الله : صلى الله على محمد لم يكن تسمية له مع الله ~~. | و قاله أشهب ، قال : ولا ينبغي أن تجعل الصلاة على النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيه استنانا . | و روى النسائي ، عن أوس بن أوس ، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم : الأمر بالإكثار من الصلاة عليه يوم الجمعة ، ومن مواطن الصلاة ~~والسلام دخول المسجد : | PageV02P055 قال أبو إسحاق بن شعبان : وينبغي لمن ~~دخل المسجد أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلى آله ، ويترحم عليه ~~، وعلى آله ، ويبارك عليه وعلى آله ، ويسلم تسليما ، ويقول : اللهم اغفر لي ~~ذنوبي ، وافتح لي أبواب رحمتك . | و إذا خرج فعل مثل ذلك ، وجعل موضع رحمتك ~~فضلك . | و قال عمرو بن دينار في قوله تعالى : فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على ~~أنفسكم قال : إن لم يكن في البيت أحد فقل : السلام على النبي ورحمة الله ~~وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين . السلام على أهل البيت ~~ورحمة الله وبركاته . | قال ابن عباس : المراد بالبيوت هنا المساجد . | و ~~قال النخعي : إذا لم يكن في المسجد أحد فقل : السلام على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، وإذا لم يكن في البيت أحد فقل : السلام علينا وعلى عباد ~~الله الصالحين . | و عن علقمة : إذا دخلت المسجد أقول : السلام عليك أيها ~~النبي ورحمة الله وبركاته ، صلى الله وملائكته على محمد . | و نحوه عن كعب ~~: إذا دخل ، وإذا خرج ، ولم يذكر الصلاة . | و احتج ابن شعبان لما ذكر ~~بحديث فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يفعله إذا دخل المسجد . | و مثله عن أبي بكر بن عمرو بن حزم . وذكر ~~السلام والرحمة . | و قد ذكرنا هذا الحديث آخر القسم ، والاختلاف في ألفاظه ~~. | و من مواطن الصلاة عليه أيضا الصلاة على الجنائز ms256 . | و ذكر عن أبي ~~أمامة أنها من السنة . | و من مواطن الصلاة التي مضى عليها عمل الأمة ، ولم ~~تنكرها : الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وآله في الرسائل ، وما يكتب ~~بعد البسملة ، ولم يكن هذا في الصدر الأول ، وأحدث عند ولاية بني هاشم ، ~~فمضى به عمل الناس في أقطار الأرض . | و منهم من يختم به أيضا الكتب . | ~~PageV02P056 و قال صلى الله عليه وسلم : من صلى علي في كتاب لم تزل ~~الملائكة تستغفر له ما دام اسمي في ذلك الكتاب . | و من مواطن السلام على ~~النبي صلى الله عليه وسلم تشهد الصلاة : | حدثنا أبو القاسم خلف بن إبراهيم ~~المقرىء الخطيب رحمه الله ، وغيره قال : حدثتني كريمة بنت محمد ، قالت : ~~حدثنا أبو الهيثم ، حدثنا محمد بن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا ~~أبو نعيم ، حدثنا الأعمش ، عن شقيق بن سلمة ، عن عبد الله بن مسعود ، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إذا صلى أحدكم فليقل : التحيات لله ~~والصلاة [ 166 ] والطيبات ، السلام عل يك أيها النبي ورحمة وبركاته . ~~السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد ~~صالح في السماء والأرض . | هذا أحد مواطن التسليم عليه ، وسنته أول التشهد ~~. | و قد روى مالك عن ابن عمر أنه كان يقول ذلك إذا فرغ من تشهده وأراد أن ~~يسلم . | و استحب مالك في [ المبسوط ] أن يسلم بمثل ذلك قبل السلام . | قال ~~محمد بن مسلمة : أراد ما جاء عن عائشة وابن عمر أنهما كانا يقولان عند ~~سلامهما : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته . السلام علينا وعلى ~~عباد الله الصالحين . السلام عليكم . | و استحب أهل العلم أن ينوي الإنسان ~~حين سلامه كل عبد صالح في السماء والأرض من الملائكة وبني آدم والجن . | ~~قال مالك في [ المجموعة ] : وأحب للمأموم إذا سلم إمامه أن يقول : السلام ~~على النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين . ~~السلام عليكم . # PageV02P057 # | 3 ( فصل في كيفية الصلاة عليه والتسليم ) 3 # | حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن جعفر ms257 الفقيه بقراءتي عليه ، حدثنا القاضي ~~أبو الأصبغ ، حدثنا أبو عبد الله بن عتاب ، حدثنا أبو بكر بن واقد وغيره ، ~~قالوا : حدثنا أبو عيسى ، حدثنا عبيد الله ، حدثنا يحيى ، حدثنا مالك ، عن ~~عبد الله بن أبي بكر بن حزم ، عن أبيه ، عن عمرو بن سليم الزرقي أنه قال : ~~أخبرني أبو حميد الساعدي أنهم قالوا : يا رسول الله ، كيف نصلي عليك ؟ فقال ~~: قولوا : اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته ، كما صليت على آل إبراهيم ، ~~وبارك عل محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد . | ~~و في رواية مالك ، عن أبي مسعود الأنصاري ، قال : قولوا : اللهم صلي على ~~محمد وعلى آله كما صليت على آل إبراهيم ، وبارك على محمد كما باركت على آل ~~إبراهيم في العالمين ، إنك حميد مجيد . و السلام كما قد علمتم . | و في ~~رواية كعب بن عجزة : اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم ، ~~وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم ، إنك حميد مجيد . | و عن ~~عقبة بن عمرو في حديثه : اللهم صل على محمد النبي الأمي ، وعلى آل محمد . | ~~و في رواية أبي سعيد الخدري اللهم صل على محمد عبدك ورسولك . . . وذكر ~~معناه . | و حدثنا القاضي أبو عبد الله التميمي سماعا عليه ، وأبو علي ~~الحسن بن طريف النحوي بقراءتي عليه ، قالا : حدثنا أبو عبد الله بن سعدون ~~الفقيه ، حدثنا أبو بكر المطوعي ، [ حدثنا أبو عبد الله الحاكم ، عن أبي ~~بكر بن أبي دارم الحافظ ، عن علي ابن أحمد العجلي ] ، عن حرب بن الحسن ، عن ~~يحيى بن المساور ، عن عمرو ابن خالد ، عن زيد بن علي بن الحسين ، عن أبيه ~~علي ، عن أبيه الحسين ، عن أبيه علي PageV02P058 بن أبي طالب ، قال : عدهن ~~في يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : عدهن في يدي جبريل ، وقال : ~~هكذا نزلت من عند رب العزة ، اللهم صل [ 167 ] على محمد وعلى آل محمد كما ~~صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد ، اللهم وترحم ms258 على محمد ~~وعلى آل محمد كما ترحمت على إبراهيم ، إنك حميد مجيد . اللهم وتحنن على ~~محمد وعلى آل محمد كما تحننت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد ~~. | و عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : من سره أن يكتال ~~بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل : اللهم ص ل على محمد النبي ~~، وأزواجه أمهات المؤمنين ، وذريته وأهل بيته ، كما صليت على إبراهيم ، إنك ~~حميد مجيد . | و في رواية زيد بن خارجة الأنصاري : سألت النبي صلى الله ~~عليه وسلم : كيف نصلي عليك ؟ | فقال : صلوا واجتهدوا في الدعاء ، ثم قولوا ~~: اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد . ~~| و عن سلامة الكندي كان علييعلمنا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم : ~~اللهم داحي المدحوات ، وبارئ المسموكات ، اجعل شرائف صلواتك ، ونوامي ~~بركاتك ، ورأفة تحننك على محمد عبدك ورسولك ، الفاتح لما أغلق ، والخاتم ~~لما سبق ، والمعلن الحق بالحق ، والدامغ لجيشات الأباطيل ، كما حمل ، ~~فاضطلع بأمرك لطاعتك ، مستوفرا في مرضاتك ، واعيا لوحيك ، حافظا لعهدك ، ~~ماضيا على نفاذ أمرك ، حتى أورى قبسا لقابس ، آلاء الله تصل بأهله أسبابه ، ~~به هديت القلوب بعد خوضات الفتن والإثم ، وأنهج موضحات الأعلام ، ونائرات ~~الأحكام ، ومنيرات PageV02P059 الإسلام ، فهو أمينك المأمون ، وخازن علمك ~~المخزون ، وشهيدك يوم الدين ، وبعيثك نعمة ، ورسولك بالحق رحمة ، اللهم ~~أفسح له في عدنك ، واجره مضاعفات الخير من ف ضلك ، مهنئات له غير مكدرات من ~~فوز ثوابك المحلول ، وجزيل عطائك المعلول . | اللهم أعل على بناء الناس ~~بناه ، وأكرم مثواه لديك ونزله ، وأتم له نوره ، واجز من ابتعاثك له مقبول ~~الشهادة ، ومرضى المقالة ، ذا منطق عدل ، وخطة فصل ، وبرهان عظيم . | و عنه ~~أيضا في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله وملائكته يصلون على ~~النبي يأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما . | لبيك اللهم ربي ~~وسعديك ، صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين ، والنبيين والصديقين ~~، والشهداء والصالحين ، وما سبح لك من شيء يا رب العالمين ، على محمد بن ms259 ~~عبد الله ، خاتم النبيين ، وسيد المرسلين ، وإمام المتقين ، ورسول رب ~~العالمين ، الشاهد البشير ، الداعي إليك بإذنك ، السراج المنير ، وعليه ~~السلام . | و عن عبد الله بن مسعود : اللهم اجعل صلواتك وبركاتك ورحمتك على ~~سيد المرسلين [ 168 ] ، وإمام المتقين ، وخاتم النبيين ، محمد عبدك ورسولك ~~، إمام الخير ، ورسول الرحمة . | اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه فيه ~~الأولون والأخرون . | اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم ~~، إنك حميد مجيد ، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى ~~آل إبراهيم إنك حميد مجيد . | و كان الحسن البصري يقول : من أراد أن يشرب ~~بالكأس الأوفى من حوض المصطفى فليقل : اللهم صل على محمد وعلى آله وأصحابه ~~وأولاده وأزواجه وذريته وأهل بيته وأصهاره وأنصاره وأشباعه ومحبيه وأمته ، ~~وعلينا ، معهم أجمعين . يا أرحم الراحمين . | PageV02P060 و عن طاوس ، عن ~~ابن عباس أنه كان يقول : اللهم تقبل شفاعة محمد الكبرى ، وارفع درجته ~~العليا ، وآته سؤله في الآخرة والأولى ، كما آتيت إبراهيم وموسى . | و عن ~~وهيب بن الورد أنه كان يقول في دعائه : اللهم أعط محمدا أفضل ما سألك لنفسه ~~، وأعط محمدا أفضل ما سألك له أحد من خلقك . وأعط محمدا أفضل ما أنت مسؤول ~~له إلى يوم القيامة . | و عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يقول : إذا ~~صليتم على النبي صلى الله عليه وسلم فأحسنوا الصلاة عليه ، فإنكم لا تدرون ~~، لعل ذلك يعرض عليه ، وقولوا : اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد ~~المرسلين ، وإمام المتقين ، وخاتم النبيين ، محمد عبدك ورسولك إمام الخير ~~وقائد الخير ، ورسول الرحمة . | اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبط ه فيه ~~الأولون والآخرون ، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم ~~إنك حميد مجيد . | اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم ~~إنك حميد مجيد . | ما يؤثر في تطويل الصلاة وتكثير الثناء على أله البيت ~~وغيرهم كثير . | و قوله : والسلام كما قد علمتم : هو ماعلمهم الله في ~~التشهد من قوله ، السلام عليك أيها النبي ms260 ورحمة الله وبركاته ، السلام ~~علينا وعلى عباد الله الصالحين . | و في تشهد علي : السلام على نبي الله ، ~~السلام على أنبياء الله ورسله ، السلام على رسول الله ، السلام على محمد بن ~~عبد الله ، السلام علينا وعلى المؤمنين والمؤمنات ، من غاب منهم ومن شهد . ~~| اللهم اغفر لمحمد ، وتقبل شفاعته ، واغفر لأهل بيته ، واغفر لي ولوالدي ~~وما ولدا ، وارحمهما . | السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، السلام ~~عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته . | جاء في هذا الحديث عن علي : الدعاء ~~للنبي صلى الله عليه وسلم بالغفران . | [ وفي حديث الصلاة عليه أيضا قبل : ~~الدعاء له بالرحمة ، ولم يأت في غيره من الأحاديث المرفوعة المعروفة . | و ~~قد ذهب أبو عمر بن عبد البر وغيره إلى أنه لا يدع ى صلى الله عليه وسلم ~~بالرحمة ، وإنما يدعى PageV02P061 له بالصلاة والبركة التي تختص به ، ويدعى ~~لغيره بالرحمة والمغفرة . | و قد ذكر أبو محمد بن أبي زيد في الصلاة على ~~النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم ارحم محمدا وآل محمد كما ترحمت على ~~إبراهيم وآل إبراهيم . | و لم يأت هذا في حديث صحيح . وحجته قوله في السلام ~~: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته . | # | 3 ( فصل في فضيلة الصلاة على النبي والتسليم عليه والدعاء له ) 3 # | حدثنا أحمد بن محمد الشيخ الصالح من كتابه ، حدثنا القاضي يونس بن مغيث ~~، حدثنا أبو بكر بن معاوية ، حدثنا النسائي ، أخبرنا سويد بن نصر ، أخبرنا ~~عبد الله عن حيوة بن شريح ، قال : أخبرنا كعب بن علقمة ، أنه سمع عبد ~~الرحمن بن جبير مولى نافع أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول : سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول : إذا سمعتم المؤذن قولوا مثل ما يقول ، وصلوا [ ~~169 ] علي ، فإنه من صلى علي مرة واحدة صلى الله عشرا ، ثم سلوا لي الوسيلة ~~فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله ، وأرجو أن أكون أنا ~~هو ، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة . | و روى أنس بن مالك أن النبي ~~صلى ms261 الله عليه وسلم قال : من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشر صلوات ، وحط ~~عنه عشر خطيئات ، ورفع له عشر درجات . | و في رواية : وكتب له عشر حسنات . ~~| و عن أنس ، عنه صلى الله عليه وسلم : إن جبريل ناداني ، فقال : من صلى ~~عليك صلاة صلى الله عليه عشرا ، ورفعه عشر درجات . | و في رواية عبد الرحمن ~~بن عوف ، عنه صلى الله عليه وسلم : لقيت ج بريل فقال لي : إني أبشرك أن ~~الله تعالى يقول : من سلم عليك سلمت عليه ، ومن صلى عليك صليت عليه . | ~~PageV02P062 و نحوه من رواية أبي هريرة ، ومالك بن أوس بن الحدثان ، وعبيد ~~الله ابن أبي طلحة . | و عن زيد بن الحباب : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول : من قال : اللهم صل على محمد وأنزله المنزل المقرب عندك يوم القيامة ~~وجبت له شفاعتي . | و عن ابن مسعود : أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي ~~صلاة . | و عن أبي هريرة ، عنه صلى الله عليه وسلم : من صلى علي في كتاب لم ~~تزل الملائكة تستغفر له ما بقي اسمي في ذلك الكتاب . | و عن عامر بن ربيعة ~~: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : من صل علي صلاة صلت عليه الملائكة ~~ما صلى علي ، فليقلل من ذلك عبد أو ليكثر . | و عن أبي بن كعب : كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل قام فقال أيها الناس ، اذكروا ~~الله ، جاءت الراجفة تتبعها الرادفة ، جاء الموت بما فيه . | فقال أبي بن ~~كعب : يا رسول الله ، إني أكثر الصلاة عليك ، فكم أجعل لك من صلاتي ؟ | قال ~~: ما شئت . قال : الربع ؟ قال : [ ما شئت ، وإن زدت فهو خير ] . قال الثلث ~~؟ قال : [ ما شئت ، وإن زدت فهو خير ] . | قال : النصف ؟ قال : [ ما شئت ، ~~وإن زدت فهو خير ] . | قال : قال : الثلثين ؟ قال : [ ما شئت ، وإن زادت ~~فهو خير ] . قال : يا رسول الله ، فأجعل صلاتي كلها لك ؟ قال : [ إذا تكفى ~~ويغفر ذنبك ] . | و عن أبي طلحة : دخلت على النبي صلى الله ms262 عليه وسلم فرأيت ~~من بشره وطلاقته ما لم أره ، فسألته ، فقال : وما يمنعني وقد خرج جبريل ~~آنفا ، فأتاني ببشارة من ربي عز وجل : PageV02P063 إن الله بعثني إليك ~~أبشرك أنه ليس أحد من أمتك يصلي عليك إلا صلى عليه وملائكته بها عشرا . | و ~~عن جابر بن عبد الله ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : من قال حين ~~يسمع النداء : اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا لوسيلة ~~والفضيلة ، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له الشفاعة يوم القيامة . | ~~و عن سعد بن أبي وقاص ، من قال حين يسمع المؤذن : وأنا أشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده [ 170 ] لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، رضيت بالله ربا ~~وبمحمد رسولا ، وبالإسلام دينا غفر له . | و روى ابن وهب أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال : من سلم علي عشرا فكأنما أعتق رقبة . | و في بعض الآثار : ~~ليرد عن علي أقوام ما أعرفهم إلا بكثرة صلاتهم علي . | و في آخر : إن ~~أنجاكم يوم القيامة من أهوالها ومواطنها أكثركم علي صلاة . | و عن أبي بكر ~~: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أمحق للذنوب من الماء البارد للنار ~~، والسلام عليه أفضل من عتق الرقاب . # # | 3 ( فصل في ذم من لم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم وإثمه ) 3 # | حدثنا القاضي الشهيد أبو علي رحمه الله ، حدثنا أبو الفضل بن خيرون ، ~~وأبو الحسين الصيرفي ، قالا : حدثنا أبو يعلى ، حدثنا السنجي ، حدثنا محمد ~~ابن محبوب ، حدثنا أبو عيسى ، حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي ، حدثنا ربعي ~~ابن إبراهيم ، عن عبد الرحمن بن إسحاق ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن أبي ~~هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : | رغم أنف رجل ذكرت عنده ~~فلم يصل علي ، ورغم أنف رجل دخل رمضان ثم انسلخ قبل أن يغفر له ، ورغم أنف ~~رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه PageV02P064 الجنة . | قال عبد ~~الرحمن : وأظنه قال : أو أحدهما . | و في حديث آخر : أن النبي صلى ms263 الله ~~عليه وسلم صعد المنبر فقال : [ آمين ] ثم صعد ، فقال : [ آمين ] ، فسأله ~~معاذ عن ذلك ، فقال : إن جبريل أتاني فقال : يا محمد ، من سميت بين يديه ~~فلم يصل عليك فمات فدخل النار ، فأبعده الله ، قل آمين ، فقلت آمين . | و ~~قال فيمن أدرك رمضان فلم يقبل منه فمات مثل ذلك . | و من أدرك أبويه أو ~~أحدهما فلم يبرهما فمات مثله . | و عن علي بن أبي طالب : عنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال : ا لبخيل كل البخيل الذي ذكرت عنده فلم يصل علي . | و عن ~~جعفر بن محمد ، عن أبيه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من ذكرت عنده ~~فلم يصل علي أخطيء به طريق الجنة . | و عن علي بن أبي طالب : أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال : إن البخيل كل البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي . ~~| و عن أبي هريرة ، قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم : أيما قوم جلسوا ~~مجلسا ثم تفرقوا قبل أن يذكروا الله ويصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم ~~كانت عليهم من الله ترة إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم . | و عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه : من نسي الصلاة علي نسي طريق الجنة . | PageV02P065 و عن ~~قتادة ، عنه صلى الله عليه وسلم : من الجفاء أن أذكر عند الرجل فلا يصلي ~~علي . | و عن جابر ، عنه صلى الله عليه وسلم : ما جلس قوم مجلسا ثم تفرقوا ~~على غير صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إلا تفرقوا على أنتن من ريح ~~الجيفة . | و عن أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لا يجلس ~~قوم مجلسا لا يصلون فيه على النبي صلى الله عليه وسلم [ 171 ] إلا كان ~~عليهم حسرة وإن دخلوا الجنة لما يرون من الثواب . | و حك ى أبو عيسى ~~الترمذي ، عن بعض أهل العلم ، قال : إذا صلى الرجل على النبي صلى الله عليه ~~وسلم مرة في المجلس أجزأ عنه ما كان في ذلك المجلس . # # | 3 ( فصل في ms264 تخصيصه صلى الله عليه وسلم بتبليغ صلاة من صلى عليه وسلم من ~~الأنام ) 3 # | حدثنا القاضي عبد الله التميمي ، حدثنا الحسين بن محمد ، حدثنا أبو عمر ~~الحافظ ، حدثنا ابن عبد المؤمن ، حدثنا ابن داسة ، حدثنا أبو داود ، حدثنا ~~ابن عوف ، حدثنا المقرىء ، حدثنا حيوة ، عن أبي صخر حميد بن زياد ، عن يزيد ~~بن عبد الله ابن عبد الله بن قسيط ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال : ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي ~~حتى أرد عليه السلام . | و ذكر أبو بكر بن أبي شيبة ، عن أبي هريرة ، قال : ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من صلى علي عند قبري سمعته ، ومن صلى ~~علي نائيا بلغته . | و عن أبي مسعود : إن الله ملائكة سياحين في الأرض ~~ببلغوني عن أمتي السلام . | PageV02P066 و نحوه عن أبي هريرة . | و عن ابن ~~عمر : أكثروا من السلام على نبيكم كل جمعة ، فإنه يؤتي به منكم في كل جمعة ~~. | و في رواية : فإن أحدا لا يصلي علي إلا عرضت صلاته علي حين يفرغ منها . ~~| و عن الحسن ، عنه صلى الله عليه وسلم : حيثما كنتم فصلوا علي ، فإن ~~صلاتكم تبلغني . | و عن ابن عباس : ليس أحد من أمة محمد يسلم عليه ويصلي ~~عليه إلا بلغه . | و ذكر بعضهم أن العبد إذا صلى على النبي صلى الله عليه ~~وسلم عرض عليه اسمه . | و عن الحسن بن علي : إذا دخلت المسجد فسلم على ~~النبي صلى الله عليه وسلم فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا ~~تتخذوا بيتي عيدا ، ولا تتخذوا بيوتكم قبورا ، وصلوا علي حيث كنتم ، فإن ~~صلاتكم تبلغني حيث كنتم . | و في حديث أوس : أكثروا علي من الصلاة يوم ~~الجمعة ، فإن صلاتكم معروضة علي . | و عن سليمان بن سحيم : رأيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم في النوم ، فقلت : يا رسول الله ، هؤلاء الذين يأتونك ~~فيسلمون عليك ، أتفقه سلامهم ؟ قال : نعم وأرد عليهم . | و عن ابن ms265 شهاب : ~~بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أكثروا من الصلاة علي في ~~الليلة الزهراء ، واليوم الأزهر ، فإنهما يؤديان عنكم ، وإن الأرض لا تأكل ~~أجساد الأنبياء ، وما من مسلم يصلي علي إلا حملها ملك حتى يؤديها إلي ~~ويسميه حتى إنه ليقول : إن فلانا يقول كذا وكذا . | PageV02P067 # | 3 ( فصل في الاختلاف في الصلاة على غير النبي صلى الله عليه وسلم وسائر ~~الأنبياء عليهم السلام ) 3 # | قال القاضي وفقه الله : عامة أهل العلم متفقون على جواز الصلاة على غير ~~النبي صلى الله عليه وسلم . | و روي عن إبن عباس أنه لا تجوز الصلاة على ~~غير النبي صلى الله عليه وسلم . | وروي عنه : لا تنبغي الصلاة على أحد إلا ~~النبيين . | و قال سفيان : يكره أن يصلي إلا على نبي . | و وجدت بخط بعض ~~شيوخي : مذهب مالك أنه لايجوز أن يصلي على أحد من ألأنبياء سوى محمد صلى ~~الله عليه وسلم ، وهذا [ 172 ] غير معروف من مذهبه ، وقد قال مالك في ~~المبسوطة ليحيى بن إسحاق : أكره الصلاة على غير الأنبياء ، وما ينبغي لنا ~~أن نتعدى ما أمرنا به . | و قال يحيى بن يحيى : لست آخذ بقوله ، ولا بأس ~~بالصلاة على الأنبياء كلهم وعلى غيرهم ، واحتج بحديث ابن عمر ، وبما جاء في ~~حديث تعليم النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عليه ، وفيه : وعلى أزواجه ، ~~وعلى آله . | و قد جاء معلقا عن أبي عمران القابسي : روي عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما كراهة الصلاة على غير النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : وبه ~~نقول . ولم تكن تستعمل فيما مضى . | و قد روى عبد الرزاق عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صلوا على أنبياء الله ~~ورسله ، فإن الله بعثهم كما بعثني . | قالوا : والأسانيد عن ابن عباس لينة ~~، والصلاة في لسان العرب بمعنى الترحم والدعاء ، وذلك على الإطلاق حتى يمنع ~~منه حديث صحيح أو إجماع . | و قد قال تعالى : هو الذي يصلي عليكم وملائكته ~~ليخرجكم من الظلمات إلى ms266 النور وكان بالمؤمنين رحيما [ سورة الأحزاب - 33 ، ~~الآية : 43 ] . | و قال : خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم ~~إن صلاتك PageV02P068 سكن لهم والله سميع عليم [ سورة التوبة - 9 ، الآية : ~~103 ] . | و قال : أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة [ سورة البقرة - 2 ، ~~الآية : 157 ] . | و قال النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم صل على آل أبي ~~أوفى ، وكان إذا أتاه قوم بصدقتهم ، قال : اللهم صل على آل فلان . | و في ~~حديث الصلاة : اللهم صل على محمد ، وعلى أزاجه وذريته . | و في حديث آخر : ~~وعلى آل محمد : قيل أتباعه ، [ وقيل : آل بيته ] . وقيل : أمته . وقيل : ~~الأتباع ، والرهط ، والعشيرة . وقيل : آل الرجل ولده . وقيل : قومه . وقيل ~~: أهله الذين حرمت عليهم الصدقة . | و في رواية أنس : سئل النبي صلى الله ~~عليه وسلم : من آل محمد ؟ قال : كل تقي . | و يجي على مذهب الحسن أن المراد ~~بآل محمد محمد نفسه ، فإنه كان يقول في صلاته على النبي : اللهم اجعل ~~صلواتك وبركاتك على آل محمد يريد نفسه ، لآنه كان لا يخل بالفرض ، ويأتي ~~بالنفل ، لأن الفرض الذي أمر الله تعالى به هو الصلاة على محمد نفسه . | و ~~هذا مثل قوله صلى الله عليه وسلم : لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داود يريد ~~من مزامير داود . | و في حديث أبي حميد الساعدي في الصلاة : اللهم صل على ~~محمد وأزواجه وذريته . | و في حديث ابن عمر أنه كان يصلي على النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، وعلى أبي بكر وعمر ذكره مالك في الموطأ من رواية يحيى ~~الأندلسي . | و الصحيح من رواية غيره : ويدعو لأبي بكر وعمر . | و روى ابن ~~وهب ، عن أنس بن مالك : كنا ندعو لأصحابنا بالغيب ، فنقول : اللهم اجعل منك ~~على فلان صلوات قوم أبرار الذين يقومون بالليل ويصومون بالنهار . | ~~PageV02P069 قال القاضي أبو الفضل : والذي ذهب إليه المحققون ، وأميل إليه ~~ما قاله مالك وسفيان رحمهما الله ، وروي عن ابن عباس ، واختاره غير واحد من ~~الفقهاء والمتكلمين أنه لا يصلى على غير الأنبياء عند ذكرهم ms267 ، بل هو شيء ~~يختص به الأنبياء ، توقيرا لهم وتعزيزا ، كما يخص الله تعالى عند ذكره ~~بالتنزيه والتقديس والتعظيم ، ولا يشاركه فيه غيره ، كذلك يجب تخصيص النبي ~~صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء بالصلاة والتسليم ، ولا يشارك فيه سواهم ~~، كما أمر الله به بقوله : صلوا عليه وسلموا تسليما [ سورة الأحزاب - 33 ، ~~الآية : 56 ] . | و يذكر من سواهم من الأئمة وغيرهم بالغفران والرضا ، كما ~~قال تعالى : يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان [ سورة ~~الحشر - 9 ، الآية : 10 ] . | و قال : والسابقون الأولون من المهاجرين ~~والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم [ سورة التوبة - 9 ، الآية : ~~100 ] . | و أيضا فهو أمر لم يكن معروفا في الصدر الأول ، كما قال أبو ~~عمران ، وإنما أحدثته الرافضة والمتشيعة في بعض الأئمة ، فشاركوهم عند ~~الذكر لهم بالصلاة ، وساووهم بالنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك . | و أيضا ~~فإن التشبيه بأهل البدع منهي عنه ، فتجب مخالفتهم فيما التزموه من ذلك . | ~~و ذكر الصلاة على الآل والأزواج مع النبي صلى الله عليه وسلم بحكم التبع ~~والإضافة إليه لا على التخصيص . | [ قالوا ] : وصلاة النبي صلى الله عليه ~~وسلم على من صلى عليه مجراها مجرى الدعاء والمواجهة ، ليس فيها معنى ~~التعظيم والتوقير . | قالوا : وقد قال تعالى : لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم ~~كدعاء بعضكم بعضا ، فكذلك يجب أن يكون الدعاء له مخالفا لدعاء الناس بعضهم ~~لبعض . | و هذا اختيار الإمام أبي المظفر الإسفرايني من شيوخنا ، [ وبه قال ~~ابن عبد البر ] . | PageV02P070 # | 3 ( فصل في حكم زيارة قبره صلى الله عليه وسلم ، وفضيلة من زاره وسلم ~~عليه وكيف يسلم ويدعو له ) 3 # | و زيارة قبره صلى الله عليه وسلم سنة من سنن المسلمين مجمع عليها ، ~~وفضيلة مرغب فيها : روى عن ابن عمر رضي الله عنه . | حدثنا القاضي أبو علي ~~، قال : حدثنا أبو الفضل بن خيرون ، قال : حدثنا الحسن بن جعفر ، قال : ~~حدثنا أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني ، قال : حدثنا القاضي المحاملي ، قال ~~: حدثنا محمد بن عبد الرزاق ، قال : حدثنا موسى بن هلال ms268 ، عن عبد الله بن ~~عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما ، أنه قال : قال : النبي صلى ~~الله عليه وسلم من زار قبري وجبت له شفاعتي . | و عن أنس بن مالك ، قال : ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من زارني في المدينة محتسبا كان في ~~جواري ، وكنت له شفيعا يوم القيامة | و في حديث آخر : من زارني بعد موتي ~~فكأنما زارني في حياتي . | و كره مالك أن يقال : زرنا قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم . | و قد اختلف في معنى ذلك ، فقيل : كرامة الاسم ، لما ورد من ~~قوله صلى الله عليه وسلم : لعن الله زوارات القبور . | و هذا يرده قوله : ~~نهيتم عن زيارة القبور فزوروها . | و قوله : من زار قبري ، فقد أطلق اسم ~~الزيارة . | و قيل لأن ذلك لما قيل أن أفضل من المزور . | و هذا أيضا ليس ~~بشيء ، إذ ليس كل زائر بهذه الصفة ، وليس عموما ، وقد ورد في حديث أهل ~~الجنة : زيارتهم لربهم ، ولم يمنع هذا اللفظ في حقه تعالى . | و قال أبو ~~عمران رحمه الله : إنما كره مالك أن يقال : طواف الزيارة ، وزرنا قبر ~~PageV02P071 النبي صلى الله عليه وسلم ، لاستعمال الناس ذلك بينهم بعضهم ~~لبعض ، فكرة تسوية النبي صلى الله عليه وسلم مع الناس بهذا اللفظ ، وأحب أن ~~يخص بأن يقال : سلمنا على النبي صلى الله عليه وسلم . | و أيضا فإن الزيارة ~~مباحة بين الناس ، وواجب شد الرحال إلى قبره ، يريد بالوجوب هنا ندب وترغيب ~~وتأكيد ، لا وجوب فرض . | و الأولى عندي أن منعه وكراهة مالك له لإضافته ~~إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه لو قال : زرت النبي لم يكرهه ، ~~لقوله صلى الله عليه وسلم : اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد بعدي ، اشتد غضب ~~الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد . | فحمى إضافة هذا اللفظ إلى ~~القبر ، والتشبه بفعل أولئك ، قطعا للذريعة وحسما للباب والله أعلم . | قال ~~إسحاق بن إبراهيم الفقيه : ومما لم يزل من شأن من حج المرور بالمدينة ، ~~والقصد إلى الصلاة ms269 في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتبرك برؤية ~~روضته ومنبره وقبره ، ومجلسه ، وملامس يديه ، ومواطئ قدميه ، والعمود الذي ~~كان يستند إليه ، وينزل جبريل بالوحي فيه عليه ، وبمن عمره وقصده من ~~الصحابة وأئمة المسلمين ، والاعتبار بذلك كله . | [ 174 ] وقال ابن أبي ~~فديك : سمعت بعض من أدركت يقول : بلغنا أنه من وقف عند قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم فتلا هذه الآية : إن الله وملائكته يصلون على النبي قال : صلى ~~الله عليك يا محمد من يقولها سبعين مرة ناداه ملك : صلى الله عليك يا فلان ~~، ولم تسقط له حاجة . | و عن يزيد بن أبي سعيد المهري : قدمت على عمر بن ~~عبد العزيز ، فلما ودعته قال لي : إليك حاجة ، إذا أتيت المدينة سترى قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، فأقره مني السلام . | و قال غيره : وكان يبرد ~~إليه البريد من الشام . | قال بعضهم : رأيت أنس بن مالك أتى قبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، فوقف فرفع يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة ، فسلم على ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم انصرف . | و قال مالك في رواية ابن وه ب : ~~إذا سلم النبي صلى الله عليه وسلم ، ودعا ، يقف ووجهه إلى القبر الشريف لا ~~إللى القبلة ، ويدنو ، ويسلم ، ولا يمس القبر بيده . | PageV02P072 و قال ~~في المبسوط : لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ، ولكن ~~يسلم ويمضي . | قال ابن أبي مليكة : من أحب أن يقوم وجاه النبي صلى الله ~~عليه وسلم فليجعل القنديل الذي عند القبر على رأسه . | و قال نافع : كان ~~ابن عمر يسلم على القبر ، رأيته مائة مرة وأكثر يجيء إلى القبر فيقول : ~~السلام على النبي صلى الله عليه وسلم ، السلام على أبي بكر ، السلام على ~~أبي ، ثم ينصرف . | [ ورئي ابن عمر واضعا يده على مقعد النبي صلى الله عليه ~~وسلم من المنبر ، ثم وضعها على وجهه . | و عن ابن قسيط والعتبي : كان أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذا خلا المسجد جسوا رمانة المنبر التي ms270 تلي القبر ~~بميامنهم ، ثم استقبلوا القبلة يدعون ] . | و في الموطأ من رواية [ 176 ] ~~يحيى بن يحيى الليثي أنه كان يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي ~~على النبي ، وعلى أبي بكر ، وعمر . | و عن ابن القاسم والقعنبي : ويدعو ~~لأبي بكر ، وعمر . | قال مالك في رواي ة ابن وهب : يقول المسلم : السلام ~~عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته . | قال في المبسوط : ويسلم على أبي ~~بكر ، وعمر . | قال القاضي أبو الوليد الباجي : وعندي أنه يدعو للنبي صلى ~~الله عليه وسلم بلفظ الصلاة ، ولأبي بكر ، وعمر ، كما في حديث ابن عمر من ~~الخلاف . | و قال ابن حبيب : ويقول إذا دخل مسجد الرسول : بسم الله ، وسلام ~~على رسول الله عليه السلام ، السلام علينا من ربنا ، وصلى الله وملائكته ~~على محمد . | اللهم اغفر لي ذنوبي ، وافتح لي أبواب رحمتك وجنتك ، واحفظني ~~من الشيطان الرجيم ، ثم اقصد إلى الروضة ، وهي ما بين القبر والمنبر فاركع ~~فيها ركعتين قبل وقوفك بالقبر تحمد الله فيهما وتسأله تمام ما خرجت إليه ~~والعون عليه . | و إن كانت ركعتاك في غير الروضة أجزأتاك ، وفي الروضة أفضل ~~. | PageV02P073 و قد قال صلى الله عليه وسلم : ما بين منبري وقبري روضة من ~~رياض الجنة ، ومنبري على ترعة من ترع الجنة . | ثم تقف متواضعا متوقرا ، ~~فتصلي عليه وتثني بما يحضرك ، وتسلم على أبي بكر وعمر ، وتدعو لهما . | و ~~أكثر من الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالليل والنهار ، ولا ت ~~دع أن تأتي مسجد قباء وقبور الشهداء . | و قال مالك [ 175 ] في كتاب محمد : ~~ويسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فادخل وخرج يعني في المدينة وفيما بين ~~ذلك . | و قال محمد : وإذا خرج جعل آخر عهده الوقوف بالقبر ، وكذلك من خرج ~~مسافرا . | و روى ابن وهب عن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال : إذا دخلت المسجد فصل على النبي صلى الله عليه ~~وسلم ، وقل : اللهم اغفر لي ذنوبي ، وافتح لي أبواب رحمتك ms271 . وإذا خرجت فصل ~~على النبي صلى الله عليه وسلم ، وقل : اللهم اغفر لي ذنوبي ، وافتح لي ~~أبواب فضلك . | و في رواية أخرى : فليسلم مكان : فليصل فيه ، ويقول إذا خرج ~~: اللهم إني أسألك من فضلك . | و في أخرى : اللهم احفظني من الشيطان الرجيم ~~. | و عن محمد بن سيرين : كان الناس يقولون إذا دخلوا المسجد : صلى الله ~~وملائكته على محمد . السلام عليك أيها النبي ورحمة الله ، باسم الله دخلنا ~~، وباسم الله خرجنا ، وعلى الله توكلنا . | و كانوا يقولون إذا خرجوا مثل ~~ذلك . | و عن فاطمة أيضا : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد ~~قال : ص لى الله على محمد وسلم . ثم ذكر مثل حديث فاطمة قبل هذا . | ~~PageV02P074 و في رواية : حمد الله وسمى ، وصلى على النبي صلى الله عليه ~~وسلم ، وذكر مثله . | و في رواية : باسم الله ، و السلام على رسول الله . | ~~و عن غيرها : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد قال : اللهم ~~افتح لي أبواب رحمتك ، ويسر لي أبواب رزقك . | و عن أبي هريرة : إذا دخل ~~أحدكم المسجد فليصل على النبي صلى الله عليه وسلم ، وليقل : اللهم افتح لي ~~. | و قال مالك في المسبوط : و ليس يلزم من دخل المسجد وخرج منه من أهل ~~المدينة الوقو ف بالقبر ، وإنما ذلك للغرباء . | و قال فيه أيضا : لا بأس ~~لمن قدم من سفر أن يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، فيصلي عليه ~~ويدعو له ولأبي بكر وعمر . | فقيل له : فإن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون ~~من سفر ولايريدونه ، يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر ، ربما وقفوا في ~~الجمعة أو في الأيام المرة أو الأيام المرة والمرتين أو أكثر عند القبر ~~فيسلمون ويدعون ساعة ! . | فقال : لم يبلغني هذا على أحد من أهل الفقه ~~ببلدنا ، وتركه واسع ، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ، ولم ~~يبلغني ع ن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك ، ويكره إلا لمن ~~جاء من سفر أو ms272 أراده . | قال ابن القاسم : ورأيت أهل المدينة إذا خرجوا ~~منها أو دخلوها أتوا القبر فسلموا ، قال : وذلك رأيي . | قال الباجي : ففرق ~~بين أهل المدينة والغرباء ، لأن الغرباء قصدوا لذلك ، وأهل المدينة مقيمون ~~بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم . | و قال صلى الله عليه وسلم : ~~اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد ، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد . | و قال : لا تجعلوا قبري عيدا . | PageV02P075 و من كتاب ~~أحمد بن سعيد [ 176 ] الهندي فيمن وقف بالقبر : لا يلصق به ، ولا يمسه ، ~~ولا يقف عنده طويلا . | و في العتبية : يبدأ بالركوع قبل السلام في مسجد ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، وأحب مواضع التنقل فيه مصلى النبي حيث العمود ~~المخلق . | و أما في الفريضة فالتقدم إلى الصفوف والتنقل فيه للغرباء أحب ~~إلي من التنقل في البيوت . | # | فصل فيما من دخل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم من الأدب سوى ما قدمناه ~~، وفضله الصلاة فيه وفي مسجد مكة ، وذكر قبره ومنبره ، وفضل سكنى المدينة ~~ومكة # قال الله تعالى : ^ ( لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه ) ~~^ ( سورة التوبة / 33 ، الآية : 108 ) . | روى أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~سئل : أي مسجد هو ؟ قال : مسجدي هذا ' . # وهو قول ابن المسيب ، وزيد بن ثابت ، وابن عمر ، ، ومالك بن أنس ، وغيرهم ~~. وعن ابن عباس أنه مسجد قباء . | حدثنا هشام بن أحمد الفقيه بقراءتي عليه ~~: حدثنا الحسين بن محمد الحافظ ، حدثنا أبو عمر النمري ، حدثنا أبو محمد بن ~~عبد المؤمن ، حدثنا أبو بكر بن داسة ، حدثنا أبو داود ، حدثنا سفيان ، عن ~~الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ؛ قال : ' لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد ~~الحرام ، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى ' . | وقد تقدمت الأثار في الصلاة ~~والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم عند دخول المسجد . | وعن عبد الله بن ~~عمرو بن العاص - أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل ms273 المسجد قال : ' ~~أعوذ بالله العظيم ، وبوجهه الكريم ، وسلطانه القديم ، من الشيطان الرجيم ' ~~. | PageV02P076 | وقال مالك رحمه الله : سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~صوتا في المسجد فدعا بصاحبه ؛ فقال : ممن أنت ؟ قال : رجل من ثقيف . قال : ~~لو كنت من هاتين القريتين لأدبتك ؛ إن مسجدنا لا يرفع فيه الصوت . | قال ~~محمد بن مسلمة : لا ينبغي لأحد أن يعتمد المسجد برفع الصوت ، ولا بشيء من ~~الأذى ، وأن ينزه عما يكره . | قال القاضي : حكى ذلك كله القاضي إسماعيل في ~~مبسوطة ، في باب فضل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم . والعلماء كلهم متفقون ~~[ على ] ن حكم سائر المساجد الرسول صلى الله عليه وسلم الجهر في المصلين في ~~يخلط عليهم صلواتهم ، وليس بما تخص به المساجد رفع الصوت ، قد كره رفع ~~الصوت بالتلبية في مساجد الجماعات إلا المسجد الحرام ومسجد منى . | وقال ~~أبو هريرة ، عنه صلى الله عليه وسلم : ' صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة ~~فيما سواء إلا المسجد الحرام ' . | قال القاضي : اختلف الناس في معنى هذا ~~الاستثناء على اختلافهم في المفاضلة بين مكة والمدينة ؛ فذهب مالك في رواية ~~و أشهب عنه ، وقاله ابن نافع صاحبه ، وجماعة أصحابه - إلى أن [ 177 ] معنى ~~الحديث أن الصلاة في مسجد الرسول أفضل من الصلاة في سائر المساجد بألف صلاة ~~إلا المسجد الحرام ؛ فإن الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من ~~الصلاة فيه بدون الألف . | واحتجوا بما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~: صلاة في المسجد الحرام خير من مائة صلاة فيما سواه ؛ فتأتي فضيلة مسجد ~~الرسول الله صلى عليه وسلم بتسعمائة ، وعلى غيره بألف . | وهذا مبني على ~~تفضيل المدينة على مكة على ما قدمناه ، وهو قول عمر ابن الخطاب ، ومالك ، ~~وأكثر المدنيين . | وذهب أهل مكة والكوفة إلى تفضيل مكة ؛ وهو قول عطاء ، ~~وابن وهب ، وابن PageV02P077 حبيب من أصحاب مالك ، وحكاه الساجي عن الشافعي ~~؛ وحملوا الاستثناء في الحديث المتقدم على ظاهره ، وأن الصلاة في المسجد ~~الحرام أفضل ، واحتجوا بحديث [ عبد الله ] بن ms274 الزبير ، عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم بمثل حديث أبي هريرة ؛ وفيه : وصلاة في المسجد الحرام أفضل من ~~الصلاة في مسجدى هذا بمائة صلاة . | وروى قتادة مثله ؛ فيأتي فضل الصلاة في ~~المسجد الحرام على هذا على الصلاة في سائر المساجد بمائة ألف . | ولا خلاف ~~ن موضع قبره أفضل بقاع الأرض . | قال القاضي أبو الوليد اللجي : الذي ~~يقتضيه الحديث مخالفة حكم مسجد مكة لسائر المساجد ، ولا يعلم منه حكمها مع ~~المدينة . | وذهب الطحاوي إلى أن هذا التفضيل إنما هو في صلاة الفرض . | ~~وذهب مطرف من أصحابنا إلى أن ذلك في النافلة أيضا ؛ قال : وجمعه خير من ~~جمعه ، ورمضان خير من رمضان . # وقد ذكر عبد الرزاق في تفضيل رمضان بالمدينة وغيرها حديثا نحوه . | وقال ~~صلى الله عليه وسلم : ' ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ' . | ومثله ~~عن أبي هريرة وأبي سعيد ، وزادا : ومنبري على حوضي . | وفي حديث آخر : ~~منبري على ترعة من ترع الجنة . | قال الطبري : فيه معنيان : | أحدهما : أن ~~المراد بالبيت بيت سكناء على الظاهر ، مع أنه روي ما يبينه : بين حجرتي ~~ومنبري . | والثاني : أن البيت هنا القبر ؛ وهو قول زيد بن أسلم في هذا ~~الحديث ، كما روي : بين قبري ومنبري . قال الطبري : وإذا كان قبرة في بيته ~~اتفقت معاني الروايات ، ولم يكن بينها خلاف ؛ لآن قبره في حجرته ، وهو بيته ~~. | PageV02P078 # وقوله : ومنبري على حوضي : قيل يحتمل أنه منبره بعينه الذي كان في الدنيا ~~؛ وهو ظهر . | والثاني : أن يكون له هناك منبر . # والثالث : أن قصد منبره والحضور عنده لملازمة الأعمال الصالحة يورد الحوض ~~، ويوجب الشرب منه ، قاله الباجي . | وقوله : روضة من رياض الجنة يحتمل ~~معنيين : | أحدهما - أنه موجب لذلك ، وأن الدعاء والصلاة فيه يستحق ذلك من ~~الثواب ؛ كما قيل : الجنة تحت الظلال السيوف . # والثاني - أن تلك البقعة قد ينقلها الله فتكون في الجنة بعينها ، قاله ~~الداودي . # وروي [ 178 ] ابن عمر وجماعة من الصحابة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~في المدينة : لا يصبر على لأوائها وشدتها أحد إلا كنت ms275 له شهيدا أو شفيعا ~~يوم القيامة ' . | وقال فيمن تحمل عن المدينة : ' والمدينة خير لهم لو ~~كانوا يعملون ' . | وقال : ' إنما المدينة كالكير تنفي خبثها ، وينصح طيبها ~~' . | وقال : ' لا يخرج أحد من المدينة رغبة عنها إلا أبد لها خيرا منه ' . ~~| وروي عنه صلى الله عليه وسلم : ' من مات في أحد الحرمين حاجا أو معتمرا ~~بعثه الله يوم القيامة لا حساب عليه ولا عذاب ' . | وفي طريق آخر : ' بعث ~~من الآمنين يوم القيامة ' . | PageV02P079 # وعن ابن عمر : من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها ، فإني أشفع لمن ~~يموت بها ' . | وقال الله تعالى : ^ ( إن أول بيت وضع للناس ببكة مباركا ~~وهدى للعالمين . فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ) ^ ( سورة ~~آل عمران / 3 ، الآية : 96 ) . # قال بعض المفسرين : آمنا من النار . وقيل : كان يأمن من الطلب من أحدث ~~حدثا خارجا [ عن الحرم ] ، ولجأ إليه في الجاهلية ؛ وهذا مثل قوله : ^ ( ~~وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا ) ^ - على قول بعضهم . # وحكي أن قوما أتوا سعدون الخولاني بالمنستير فأعلموه أن كتامة قتلو رجلا ~~وأضرموا عليه النار طول الليل فلم تعمل فيه شيئا ، وبقي أبيض اللون ، فقال ~~: لعله حج ثلاث حجج ؟ قالوا : نعم . قال : حدثت أن من حج حجة أدى فرضه ، ~~ومن حج ثانية داين ربه ، ومن حج ثلاث حجج حرم الله شعره وبشره على النار . # ولما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قال : ' مرحبا بك من ~~بيت ؛ ما أعظمك وأعظم حرمتك ' . | وفي الحديث ، عنه صلى الله عليه وسلم : ' ~~ما من أحد يدعو الله تعالى عند الركن الأسود إلا استجاب الله له ، وكذلك ~~عند الميزاب ' . # وعنه صلى الله عليه وسلم : ' من صلى خلف المقام ركعتين غفر له ما تقدم من ~~ذنبه وما تأخر ، وحشر يوم القيامة من الآمنين ' . # قال الفقيه القاضي أبو الفضل : قرأت على القاضي الحافظ أبي علي رحمه الله ~~، حدثك أبو العباس العذري ؛ قال : حدثنا أبو أسامة محمد بن أحمد الهروي ، ~~حدثنا الحسن بن رشيق ، سمعت أبا الحسن محمد بن الحسن بن راشد ms276 ، سمعت أبا ~~بكر محمد بن إدريس ، سمعت الحميدي ؛ قال : سمعت سفيان بن عيينة ، قال : ~~سمعت عمرو بن دينار قال : سمعت ابن عباس يقول : سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول : ' ما دعا أحد بشيء في هذا الملتزم إلا استجيب له ' . | ~~PageV02P080 | قال ابن عباس : وأنا فما دعوت الله بشيء في هذا الملتزم منذ ~~سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا استجيب لي . # وقال عمرو بن دينار : وأنا فما دعوت الله تعالى بشيء في هذا الملتزم منذ ~~سمعت هذا من ابن عباس إلا استجيب لي . | وقال سفيان : وأنا فما دعوت الله ~~بشيء في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من عمرو إلا استجيب لي . | وقال الحميدي ~~: وأنا فما دعوت الله بشيء من هذا الملتزم منذ سمعت هذا من الحميدي إلا ~~استجيب لي . | وقال أبو الحسن محمد بن الحسن : وأنا فما دعوت الله بشيء في ~~هذا الملتزم منذ سمعت هذا من محمد بن إدريس إلا استجيب لي . | قال أبو ~~أسامة : وما أذكر الحسن بن رشيق قال فيه شيئا : وأنا فما دعوت الله شيء في ~~هذا الملتزم منذ سمعت هذا من الحسن بن رشيق إلا استجيب لي من أمر الدنيا ~~وأنا أرجو أن يستجاب لي من أمر الآخرة . # قال العذري : وأنا فما دعوت الله بشيء في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من ~~أبي أسامة إلا استجيب لي . | قال أبو علي : وأنا فقد دعوت الله فيه بأشياء ~~كثيرة استجيب لي بعضها ، وأرجو من سعة فضله أن يستجيب لي بقيتها . | قال ~~القاضي أبو الفضل : ذكرنا نبذا من هذه النكت في هذا الفصل وإن لم تكن من ~~الباب ، لتعلقها بالفصل الذي قبله حرصا على تمام الفائدة ؛ والله الموفق ~~للصواب برحمته . | PageV02P081 صفحة فارغة | PageV02P082 | 83 # | 1 ( القسم الثالث : فيما يجب للنبي صلى الله عليه وسلم ، وما يستحيل في ~~حقه ، أو يجوز عليه وما يمتنع أو يصح من الأحول البشرية أن يضاف إليه ) 1 # قال الله تعالى : ^ ( وما محمد إلا رسول الله قد خلت من قبله الرسل ms277 أفان ~~مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا ، ~~وسيجزي الله الشاكرين ) ^ [ سورة آل عمران / 3 ، الآية : 144 ] . # وقال تعالى : ^ ( ما المسيح ابن مريم لا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه ~~صديقة كانا يأكلان الطعام أنظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أني يؤفكون ) ^ ~~[ سورة المائدة / 5 ، الآية : 20 ] . | وقال : ^ ( وما أرسلنا قبلك من ~~المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ) ^ [ سورة الفرقان / ~~25 ، الآية : 20 ] | وقال تعالى ^ ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما ~~إلهكم إله واحد ) ^ [ سورة الكهف / 18 ، الآية : 110 ] | فمحمد صلى الله ~~عليه وسلم وسائر الأنبياء من البشر أرسلوا إلى البشر ، لولا ذلك لما أطلق ~~الناس مقاومتهم ، والقبول عنهم ، ومخاطبتهم . | قال الله تعالى : ^ ( ولو ~~جعلناه ملكا لجعلناه رجلا ) ^ ؛ أي لما كان إلا في صورة البشر الذين يمكنهم ~~مخالطتهم ؛ إذ لا تطيقون مقاومة الملك ومخاطبته ورؤيته إذا كان على صورته . ~~| وقال تعالى : ^ ( قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم ~~من | PageV02P083 السماء ملكا رسولا ) ^ أي لا يمكن في سنة الله إرسال ~~الملك إلا لمن هو من جنسه ، أو من خصه الله تعالى واصطفاه وقواه على ~~مقاومته ، كالأنبياء والرسل . | فالأنبياء والرسل عليهم السلام وسائط بين ~~الله تعالى وبين خلقه يبلغونهم أوامره ونواهيه ، ووعده ووعيده ، ويعرفونهم ~~بما لم يعلموه من أمره وخلقه ، وجلاله وسلطانه ، وجبروته وملكوته ؛ ~~فظواهرهم وأجسادهم وبنينهم متصفة بأوصاف البشر ؛ طارئ عليها ما يطرأ على ~~البشر من الأعراض والأسقام ، والموت ، والفناء ، ونعوت الإنسانية ، ~~وأرواحهم وبواطنهم متصفة باعلى من أوصاف البشر ، متعلقة بالملأ الأعلى ، ~~متشبهة بصفات الملائكة ورؤيتهم ، ومخاطبتهم ومخالتهم ، كما لا يطيقه غيرهم ~~من البشر . | ولو كانت أجسامهم وظواهرهم متسمة بنعوت الملائكة ، وبخلاف ~~صفات البشر ، لما أطاق البشر ومن أرسلوا إليهم مخالطتهم ، كما تقدم من قول ~~الله تعالى ؛ فجعلوا من جهة الأجسام والظواهر مع البشر ، ومن وجهة الأرواح ~~والبواطن مع الملائكة ؛ كما قال صلى الله عليه وسلم : ' لو كنت متخذا مت ~~أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر ms278 خليلا ؛ ولكن أخوة الإسلام ، لكن صاحبكم خليل ~~الرحمن ' . | وكما قال : ' تنام عيناي ولا ينام قلبي ' . | فبواطنهم منزهة ~~من الآفات ، مطهرة من النقائص والاعتلالات . | وهذه جملة لن يكتفي بمضمونها ~~كل ذي همة ؛ بل الأكثر يحتاج إلى بسط وتفصيل على ما تأتي به بعد هذا في ~~البابين بعون الله ؛ وهو حسبي ونعم الوكيل . PageV02P084 # | الباب الأول فيما يختص بالأمور الدينية والكلام في عصمة نبينا وسائر ~~الأنبياء صلوات الله عليهم # | قال القاضي أبو الفضل رضي الله عنه : اعلم أن الطوارئ من التغيرات على ~~آحاد البشر لا يخلوا أن تطرأ على جسمه ، أو على حواسه بغير قصد واختيار ؛ ~~كالأمراض والأسقام ، أو بقصد واختيار ؛ وكله في الحقيقة عمل وفعل ؟ ولكن ~~جرى رسم المشايخ بتفصيله إلى ثلاثة أنواع : عقد بالقلب ، وقول باللسان ، ~~وعمل بالجوارح . | وجميع البشر تطرأ عليهم الآفات والتغيرات بالاختيار ~~وبغير الاختيار في هذه الوجوه كلها . | والنبي صلى الله عليه وسلم ، وإن ~~كان من البشر ، ويجوز على جبلته ما يجوز على جبلة البشر ؛ فقد قامت ~~البراهين القاطعة ، وتمات كلمة الإجماع على خروجه عنهم ، وتنزيهه عن كثير ~~من الآفات التي تقع على الاختيار ، كما سنبينه - إن شاء الله - فيما يأتي ~~من التفاصيل . # | فصل في حكم عقد قلب النبي صلى الله عليه وسلم من وقت نبوته # | اعلم منحنا الله وإياك توفيقه ، أن ما تعلق منه بطريق التوحيد ، والعلم ~~بالله وصفاته والإيمان به ، وبما أوحي إليه - فعلى غاية المعرفة ووضوح ~~العلم واليقين ، والانتفاء عن الجهل بشيء من ذلك ، أو الشك أو الريب فيه ، ~~والعصمة من كل ما يضاد المعرفة بذلك واليقين . PageV02P085 | هذا ما وقع ~~إجماع المسلمين عليه ، ولا يصح بالبراهين الواضحة أن يكون في عقود الأنبياء ~~سواه ؛ ولا يعترض على هذا بقول إبراهيم إبراهيم عليه السلام . ^ ( قال : ~~بلى ، ولكن ليطئمن قلبى قلبى ) ^ ؛ إذ لم يشك إبراهيم في إخبار الله تعالى ~~له بإحياء الموتى ، ولكن اراد طمأنية القلب ، وترك المنازعة لمشاهدة ~~الإحياء ؛ فحصل له العلم الأول بوقوعه ، وأراد العلم الثاني بكيفيته ~~ومشاهدته . | الوجه الثاني : إن إبراهيم عليه السلام انما اراد ms279 اختبار [ ~~181 ] منزلته عند ربه ، وعلم إجابته دعوته بسؤال ذلك من ربه ؛ ويكون قوله ~~تعالى : ^ ( أو لم تؤمن ) ^ ؛ أي تصدق بمنزلتك مني ، وخلتك ، واصطفائك ؟ | ~~الوجه الثالث : أنه سأل زيادة يقين وقوة الطمأنينة ، وإن لم يكن في الأول ~~شك ، إذ العلوم الضروية والنظرية قد تتفاضل | في قوتها ، وطريان الشكوك على ~~الضروريات ممتنع ؛ ومجوز في النظريات ؛ فأراد الانتقال من النظر والخبر إلى ~~المشاهدة والترقي من علم اليقين إلى عين اليقين ؛ فليس الخبر كالمعانية ؛ ~~ولهذا قال سهل بن عبد الله : سأل كشف غطاء العيان ليزداد بنور اليقين تمكنا ~~في حاله . | الوجه الرابع : أنه لما احتج على المشركين بأن ربه يحيى ويميت ~~طلب ذلك من ربه ، ليصح احتجاجه عيانا . | الوجه الخامس : قول بعضهم هو سؤال ~~على طريق الأدب ؛ والمراد : أقدرني على إحياء الموتى ، وقوله : ^ ( ليطمئن ~~قلبي ) ^ - عن هذه الأمنية . | الوجه السادس : أنه أرى من نفسه الشك ، وما ~~الشك ، لكن ليجاوب فيزداد قربه . | وقول نبينا : ' نحن أحق بالشك من ~~إبراهيم ' - نفي لأن يكون إبراهيم شك وإبعاد للخواطر الضعيفة أن تظن هذا ~~بإبراهيم ؛ أي نحن موقنون بالبعث ، وإحياء الله الموتى ؛ فلو شك إبراهيم ~~لكنا أولى بالشك منه ؛ إما على طريق الأدب ، أو أم يريد أمته الذين يجوز ~~عليهم الشك ، أو على طريق التواضع والإشفاق إن حملت قصة إبراهيم على ~~اختباره حاله ، أو زيادة يقينه . | فإن قلت : فما معنى قوله : ^ ( فإن كنت ~~في شك مما أنزلنا إليك فأسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ~~ربك فلا تكونن من الممترين . ولا PageV02P086 تكونن من الذين كذبوا بآيات ~~الله فتكون من الخاسرين ) ^ [ سورة يونس / 10 ، الآية : 94 ، 95 ] | فاحذر ~~- ثبت الله قبلك - أن يخطر ببالك ما ذكره بعض المفسرين ، عن ابن عباس أو ~~غيره - من إثبات شك للنبي صلى الله عليه وسلم فيما أوحى إليه ، وأنه من ~~البشر ، فمثل هذا لا يجوز عليه جملة ؛ بل قد قال ابن عباس وغيره : لم يشك ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يسأل ' . | ونحوه عن ابن جبير ، والحسن . | ~~وحكى قتادة أن ms280 النبي صلى الله عليه وسلم قال : ' ما أشك ولا أسأل ' ، وعامة ~~المفسرين على هذا . | واختلفوا في معنى الآية : فقيل : المراد قل يا محمد ~~للشاك : ^ ( إن كنت في شك . ) [ سورة يونس / 10 ، الآية : 94 ] . | قالوا : ~~وفي السورة نفسها ما دل على هذا التأويل قوله : ^ ( قل يأيها الناس أن كنتم ~~في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ، ولكن أعبد الله الذي ~~يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين ) ^ [ سورة يونس / 10 ، الآية : 104 ] . ~~| وقيل المراد بالخطاب العرب وغير النبي صلى الله عليه وسلم ، كما قال : ^ ~~( لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ) ^ - الخطاب له ، والمراد ~~غيره . | ومثله : ^ ( فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ) ^ ؛ ونظيره كثير . | ~~قال بكر بن العلاء : ألا تراه يقول : ^ ( ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات ~~الله فتكون من الخاسرين ) ^ وهو صلى الله عليه وسلم كان المكذب فيما يدعو ~~إليه ؛ فكيف يكون ممن كذب به ؟ فهذا كله يدل على أن المراد بالخطاب غيره . ~~| ومثل هذه الآية قوله : ^ ( الرحمن فاسأل به خيبرا ) ^ - المأمور هاهنا ~~غير النبي صلى الله عليه وسلم ليسأل النبي ، والنبي صلى الله عليه وسلم هو ~~[ 182 ] الخبير المسؤول ، ولا المستخبر السائل . | وقال : إن هذا الشك الذي ~~أمر به غير النبي صلى الله عليه وسلم بسؤال الذين يقرؤون الكتاب إنما هو ~~فيما قصه الله من أخبار الأمم ، لا فيما دعا إليه من التوحيد والشريعة . ~~PageV02P087 | ومثل هذا قوله تعالى : ^ ( واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا ~~: أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ) ^ ؟ المراد به المشركون ، والخطاب ~~مواجهة للنبي صلى الله عليه وسلم ، قال العتبي . | وقيل معناه : سلنا عمن ~~أرسلنا من قبلك ؛ فحذف الخافض ، وتم الكلام ؛ ثم ابتدأ : ^ ( أجعلنا من دون ~~الرحمن . . . ) ^ إلى آخر الآية ، على طريق الإنكار ؛ أي ما جعلنا ؛ حكاه ~~مكي . | وقيل : أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسأل الأنبياء ليلة ~~الإسراء عن ذلك ؛ فكان أشد يقينا من أن يحتاج إلى السؤال . | فروي أنه قال ~~: ' لا أسأل ؛ قد اكتفيت ' ؛ قاله ابن زيد . | وقيل : سل ms281 امم من أرسلنا ؛ ~~هل جاؤوهم بغير التوحيد ؟ وهو معنى قول مجاهد ، والسدي ، والضحاك ، وقتادة ~~. | والمراد بهذا والذي قبله إعلامه بما بعثت به الرسل ، وأنه تعالى لم ~~يأذن في عبادة غيره لأحد ؛ ردا على مشركي العرب وغيرهم ؛ في قولهم : إنما ~~نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى , | وكذلك قوله تعالى : ^ ( والذين آتيناهم ~~الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق ، فلا تكونن من الممترين ) ^ ؛ أي في ~~علمهم بنك رسول الله ، وإن لم يقروا بذلك ؛ وليس المراد به شكه فيما ذكر في ~~أول الآية . | وقد يكون أيضا على مثل ما تقدم ؛ أي قل يا محمد لمن أمترى في ~~ذلك : لا تكونن من الممترين ، بدليل قوله أول الآية ^ ( أفغير الله ابتغى ~~حكما ، وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعملون أنه ~~منزل من ربك بالحق ، فلا تكونن من الممترين ) ^ ؛ وأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم يخاطب بذلك غيره . | وقيل : هو قرير ؛ كقوله تعالى : ^ ( أأنت قلت ~~للناس اتخذوني وأمي الهين من دون الله ) ^ - وقد علم أنه لم يقل . | وقيل : ~~معناه ما كنت في شك فاسأل تزدد طمأنينة وعلما إلى علمك ويقينك . ~~PageV02P088 | وقيل : إن كنت تشك فيما شرفناك وفضلناك به فسلهم عن صفتك في ~~الكتب ونشر فضائلك . | وحكي عن أبي عبيدة أن المراد : إن كنت في شك من غيرك ~~فيما أنزلناه . | فإن قيل : فما معنى قوله : ^ ( حتى إذا استيأس الرسل ~~وظنوا أنهم قد كذبوا ) ^ - على قراءة التخفيف ؟ | قلنا : المعنى في ذلك ما ~~قالته عائشة رضي الله عنها - : معاذ الله أن تظن ذلك الرسل بربها ؛ وإنما ~~معنى ذلك أن الرسل لما استيأسوا ظنوا أن من وعدهم النصر من أتباعهم كذبوهم ~~؛ وعلى هذا أكثر المفسرين . | وقيل إن الضمير في ' ظنوا ' عائد على الأتباع ~~والأمم ، لا على الأنبياء والرسل : وهو قول ابن عباس ، والنخعي ، وابن جبير ~~، وجماعة من العلماء . | وبهذا المعنى قرأ مجاهد ' كذبوا ' - بالفتح ؛ فلا ~~تشغل بالك من شاذ التفسير بسواه مما لا يليق بمنصب العلماء ، فكيف ~~بالأنبياء ! . | وكذلك ما ورد في حديث السيرة ، ومبتدأ الوحي ؛ من قوله ms282 صلى ~~الله عليه وسلم لخديجة : ' لقد خشيت على نفسي ' - ليس معناه الشك فيما آتاه ~~الله بعد رؤية الملك ؛ ولكن لعله خشي ألا تحتمل قوته مقاومة الملك [ 183 ] ~~وأعباء الوحى ، فينخلع قلبه ، أو تزهق نفسه . | وهذا على ما ورد في الصحيح ~~: أنه قاله بعد لقائه الملك ؛ أو يكون ذلك قبل لقياه وإعلام الله تعالى له ~~بالنبوة لأول ما عرضت عليه من العجائب ، وسلم عليه الحجر والشجر ، وبدأته ~~المنامات والتباشير ؛ كما روي في بعض طرق هذا الحديث : إن ذلك كان أولا في ~~المنام ، ثم أري في اليقظة مثل ذلك ؛ تأنيسا له عليه السلام ؛ لئلا يفجأه ~~الأمر مشاهدة ومشافهة ؛ فلا تحتمله لأول حالة بنيه البشرية . | وفي الصحيح ~~عن عائشة رضي الله عنها : ' أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الوحي الرؤيا الصادقة ؛ قالت : ثم حبب إليه الخلاء ؛ وقالت : إلى أن جاءه ~~الحق وهو في غار حراء ' . . . الحديث . | PageV02P089 | وعن ابن عباس : ' ~~مكث النبي صلى الله عليه وسلم بمكة خمسة عشرة سنة يسمع الصوت ، ويرى الضوء ~~سبع سنين ولا يري شيئا ؛ وثمان سنين يوحى إليه . | وقد روى ابن إسحاق عن ~~بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال - وذكر جواره بغار حراء ؛ قال : ' ~~فجاءني وأنا نائم فقال : اقرأ ، فقلت : ما أقرأ ؟ وذكر نحو حديث عائشة في ~~غطه له وإقرائه [ إياه ] : ^ ( اقرأ باسم ربك . . . . ) ^ السورة - [ ثلاثا ~~] ' . | قال : ' فانصرف عني وهببت من نومي كأنما صورت في قلبي ، ولم يكن ~~أبغض إلي من شاعر أو مجنون ' . | ' ثم قلت : لا تحدث عني قريش بهذا أبدا ؛ ~~لأعمدن إلى خالق هذا الجبل فلأطرحن نفسي منه ، فلأقتلتها ' . | فينا أنا ~~عامد لذلك إذ سمعت مناديا ينادي من السماء : يا محمد ، أتت رسول الله ، ~~وأنا جبريل ؛ فرفعت رأسي فإذا جبريل على صورة رجل . . . وذكر الحديث . | ~~فقد بين لك في هذا أن قوله لما قال ، وقصده لما قصد ، إنما كان قبل لقاء ~~جبريل عليهما السلام ، وقبل إعلام الله تعالى له بالنبوة ، وإظهاره اصطفاءه ~~له بالرسالة . | ومثله حديث عمرو بن شرحبيل - أنه ms283 صلى الله عليه وسلم قال ~~لخديجة : ' إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء ، وقد خشيت - والله - أن يكون هذا ~~الأمر ' . | ومن رواية حماد بن سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لخديجة : ' إني لأسمع صوتا ، وأرى ضوءا ، وأخشى أن يكون بي جنون ' . | وعلى ~~هذا يتأول لو صح قوله في بعض هذه الأحاديث : إن الأبعد شاعر أو مجنون ؛ ~~وألفاظا يفهم منها معاني الشك في تصحيح ما رآه ؛ وأنه كان كله في ابتداء ~~PageV02P090 امره ، وقيل لقاء الملك له ، وإعلام الله أنه رسوله ؛ فكيف ~~وبعض هذه الألفاظ لا تصح طرفها . | وأما بعد إعلام الله تعالى له ولقائه ~~الملك فلا يصح فيه ريب ، ولا يجوز عليه شك فيما ألقي إليه . | وقد روي ابن ~~إسحاق عن شيوخه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرقى بمكة من العين ~~قبل أن ينزل عليه ، فلما نزل عليه القرآن أصابه نحو ما كان يصيبه ؛ فقالت ~~له خديجة : أوجه إليك من يرقبك ؟ قال : ' أما الآن فلا ' . | وحديث خديجة ~~واختبارها أمر جبريل رأسها . الحديث - إنما ذلك في حق خديجة لتتحقق صحة ~~نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن الذي يأتيه [ 184 ] ملك ، ويزول ~~الشك عنها ، لا أنها فعلت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وليختبر هو حاله ~~بذلك . | بل قد ورد في حديث عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة ، عن هشام ، ~~عن أبيه عن عائشة - أن ورقة أمر خديجة أن تخبر الأمر بذلك . | وفي حديث ~~اسماعيل بن أبي حكيم أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ' يا بن عم ~~؛ هل تستطيع أن تخبرني بصاحبك إذا جاءك ؟ قال : نعم ؛ فلما جاءه جبريل ~~أخبرها ، فقالت له : اجلس إلى شقي . . . . ' وذكر الحديث إلى آخره ؛ وفيه : ~~قالت : ما هذا بشيطان ؛ هذا الملك يا بن عم ، فاثبت وأبشر ، وآمنت به . | ~~فهذا يدل على أنها مستثبتة بما فعلته لنفسها ، ومستظهرة لإيمانها ، لا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم . | وقول معمر في فترة الوحي : فحزن النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيما يلغنا حزنا ms284 غدا منه مرارا كاد يتردى من شواهق الجبال - ~~لا يقدح في هذا أصل ، لقول معمر عنه فيما بلغنا ، ولم يسنده ، ولا ذكر ~~رواته ، ولا من حدث به ، ولا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله ؛ ولا يعرف ~~مثل هذا إلا من جهة النبي صلى الله عليه وسلم ، مع أنه قد يحمل على أنه كان ~~أول الأمر كما ذكرناه ؛ أو أنه فعل ذلك لما أحرجه من تكذيب من بلغه ، كما ~~قال تعالى : ^ ( فلعلك باخع نفسك على PageV02P091 آثارهم غن لم يؤمنوا بهذا ~~الحديث أسفا ) ^ [ سورة الكهف / 18 ، الآية : ( 6 ) ] | ويصحح معنى هذا ~~التأويل حديث رواه شريك ، عن محمد بن عبد الله بن عقيل ، عن جابر بن عبد ~~الله - أن المشركين لما اجتمعوا بدار الندوة للتشاور في شأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، واتفق رأيهم على أن يقولوا : إنه ساحر - اشتد ذلك عليه ، وتزمل ~~في ثيابه ، وتدثر فيها ؛ فأتاه جبريل فقال : ^ ( جبريل فقال : ^ ( يأيها ~~المزمل ) ^ ^ ( يأيها المدثر ) ^ [ سورة المزمل / 74 ، الآية : ( 1 ) ] | ~~أو خاف أن الفترة لأمر أو سبب منه ، فخشي أن تكون عقوبة من ربه ، ففعل ذلك ~~بنفسه ، ولم يرد شرع بالنهي عن ذلك ، فيعترض به . | ونحو هذا فرار يونس ~~عليه السلام خشية تكذيب قومه له ، لما وعدهم به من العذاب ؛ وقول الله ~~تعالى في يونس : ^ ( فظن أن لن نقدر عليه ) ^ - معناه أن لن نضيق عليه . | ~~قال مكي طمع في رحمة وألا يضيق عليه مسلكه في خروجه . | وقيل : حسن ظنه ~~بمولاه أنه لا يقضي عليه العقوبة . | وقيل : نقدر عليه ما أصابه . | وقد ~~قرئ : نقدر عليه - بالتشديد . | وقيل : نواخذه بغضبه وذهابه . | وقال أبو ~~زيد : معناه : أفظن أن لن نقدر عليه - على الاستفهام . | ولا يليق أن يظن ~~بنبي أنه يجهل صفة من صفات ربه . | وكذلك قوله : ^ ( إذ ذهب مغاضبا ) ^ - ~~الصحيح مغاضبا لقومه لكفرهم ؛ وهو قول ابن عباس ، والضحاك ، وغيرهما ؛ لا ~~لربه عز وجل ؛ إذ مغاضبة الله معاداة له ؛ ومعاداة الله كفر لا يليق ~~بالمؤمنين ، فكيف بالأنبياء ! | وقيل : مستحييا من قومه أن يسموه بالكذب أو ms285 ~~يقتلوه ، كما ورد في الخبر . | وقيل : مغاضبا لبعض الملوك فيما أمره به من ~~التوجه إلى أمر أمره الله به على لسان نبي آخر ؛ فقال له يونس : غيري أقوى ~~عليه مني ؛ فعزم عليه [ 185 ] . فخرج لذلك مغاضبا . PageV02P092 | وقد روي ~~عن ابن عباس ، أن إرسال يونس ونبوته إنما كان بعد أن نبذه الحوت ، واستدل ~~من الآية بقوله : ^ ( فنبذناه بالعراء وهو سقيم وأنبتنا عليه شجرة من يقطين ~~. وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون ) ^ [ سورة الصافات / 37 ، الآية : ( ~~145 ، 146 ، 147 ) . | ويستدل أيضا بقوله : ^ ( ولا تكن كصاحب الحوت . . . ~~. ) ^ وذكر القصة . | ثم قال : ^ ( فاجتباه ربه فجعله من الصالحين ) ^ ؛ ~~فتكون هذه القصة إذا قبل نبوته . | فإن قيل : فما معنى قوله صلى الله عليه ~~وسلم : ' إنه ليغان على قلبي ، فاستغفر الله في كل يوم مائة مرة ' | وفي ~~طريق : في اليوم أكثر من سبعين مرة . | فاحذر أن يقع ببالك أن يكون هذا ~~الغين وسوسة ربنا وقع في قلبه عليه السلام ؛ بل أصل الغين في هذا : ما ~~يتغشى القلب ويغطيه ؛ قاله أو عبيد ؛ واصله من غين السماء ، وهو أطباق ~~الغيم عليها . | وقال غيره : والغين شيء يغشي القلب ولا يغطيه كل التغطية ، ~~كالغيم الرقيق الذي يعرض في الهواء ، فلا يمنع ضوء الشمس . | وكذلك لا يفهم ~~من الحديث أنه يغان على قلبه مائة مرة أو أكثر من سبعين مرة في اليوم إذ ~~ليس يقتضيه لفظه الذي ذكرناه ؛ وهو أكثر الروايات ؛ وإنما هذاعدد للاستغفار ~~لا للغين ؛ فيكون المراد بهذا الغين إشارة إلى غفلات قلبه وفترات نفسه ، ~~وسهوها عن مداومة الذكر ومشاهدة الحق بما كان صلى الله عليه وسلم دفع إليه ~~من مقاساة البشر ، وسياسة الأمة ، ومعاناة ؛ الأهل ، ومقاومة الولي والعدو ~~ومصلحة النفس ؛ وكلفه من أعباء أداء الرسالة ، وحمل الأمانة ؛ وهو في كل ~~هذا في طاعة ربه وعبادة خالقه ؛ ولكن لما كان صلى الله عليه وسلم أرفع ~~الخلق عند الله مكانه ، وأعلاهم درجة ، وأتمهم به معرفة ؛ وكانت حاله عند ~~خلوص قلبه ، وخلو همته ، وتفرده بربه ، وإقباله بكليته عليه ، ومقامه هنالك ~~أرفع حاليه رأى ms286 صلى الله عليه وسلم حال فترته عنها ، وشغله بسواها ، غضبا ~~من علي حاله ، وخفضا من رفع مقامه ؛ فاستغفر الله من ذلك . | وهذا أولى ~~وجوه الحديث وأشهرها . PageV02P093 | وإلى معنى ما أشرنا به مال كثير من ~~الناس ، وحام حوله ؛ فقارب ولم يرد . | وقد قربنا غامض معناه ، وكشفنا ~~للمستفيد محياه ؛ وهو مبني على جواز الفترات ، والغفلات ، والسهو في غير ~~طريق البلاغ ، كما سيأتي . | وذهبت طائفة من أرباب القلوب ، ومشيخة ~~المتصوفة ، ممن قال بتنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا جميلة ، وأجله ~~أن يجوز عليه في حال سهو أو فترة - إلى أ ، معنى الحديث : ما يهم خاطرة ، ~~وبغم فكره من أمر أمته صلى الله عليه وسلم ؛ لاهتمامه بهم ، وكثرة شفقته ~~عليهم ؛ فيستغفر لهم . | قالوا : وقد يكون الغين هنا على قلبه السكينة التي ~~تتغشاه ؛ لقوله تعالى : ^ ( فأنزل الله سكينته عليه ) ^ ويكون استغفاره صلى ~~الله عليه وسلم عندها إظهارا للعبودية والافتقار . | وقال ابن عطاء : ~~استغفاره وفعله [ 186 ] هذا تعريف للأمة بحملهم على الاستغفار . | وقال ~~غيره : ويستشعرون الحذر ، ولا يركنون إلى الأمن . | وقد يحتمل أن تكون هذه ~~الإغانة حالة خشية وإعظام تغشى قلبه ، فيستغفر حينئذ شكرا لله ، وملازمة ~~لعبوديته ؛ كما قال في ملازمة العبادة : أفلا أكون عبدا شكورا . | وعلى هذه ~~الوجوه الأخيرة يحمل ما روي في بعض طرق هذا الحديث عنه صلى الله عليه وسلم ~~: ' إنه ليغان على قلبي في اليوم أكثر من سبعين مرة ، فأستغفر الله ' . | ~~فإن قلت : فما معنى قوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم : ^ ( ولو شاء ~~الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين ) ^ [ سورة الأنعام / 6 ، ~~الآية ( 35 ) . | وقوله لنوح عليه السلام : ^ ( فلا تسألن ما ليس لك به علم ~~إني أعظك إن تكون من الجاهلين ) ^ [ سورة هود / 11 ، الآية ( 46 ) . | ~~فاعلم أنه لا يلتفت في ذلك إلى قول من قال في آية نبينا صلى الله عليه وسلم ~~: ' لا تكونن ممن يجهل أن الله شاء لجمعهم على الهدى . وفي آية نوح لا ~~تكونن ممن يجهل أن وعد الله حق ؛ لقوله : ^ ( وإن وعدك ms287 الحق ) ^ ؛ إذ فيه ~~إثبات الجهل بصفة من صفات الله ؛ وذلك لا يجوز على الأنبياء . PageV02P094 ~~| والمقصود وعظهم ألا يشتهوا في أمورهم بسمات الجاهلين ، كما قال : ^ ( إني ~~أعظك ) ^ . وليس في آية منهما دليل على كونهم على تلك الصفة التي نهاهم عن ~~الكون عليها ؛ فكيف وآية نوح قبلها : ^ ( فلا تسألن ما ليس لك به علم ) ^ . ~~فحمل ما بعدها على ما قبلها أولى ؛ لأن مثل هذا قد يحتاج إلى إذن . | وقد ~~يجوز إباحة السؤال فيه ابتداء ؛ فنهاه الله أن يسأله عما طوى عنه علمه ، ~~وأكنه من غيبة من السبب الموجب لهلاك ابنه . | ثم أكمل الله تعالى نعمته ~~عليه بإعلامه ذلك بقوله : ^ ( إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح ) ^ . حكى ~~معناه مكي . | كذلك أمر نبينا في الآية الأخرى بالتزام الصبر على إعراض ~~قومه ؛ ولا يخرج عند ذلك ، فيقارب حال الجاهل بشدة التحسر . حكاه ابن فورك ~~. | وقيل معنى لأمة محمد ، أى فلا تكونوا من الجاهلين . حكاه أبو محمد مكي ~~؛ وقال : مثله في القرآن كثير . | فهذا الفضل أوجب القول بعصمة الأنبياء ~~منه بعد النبوة قطعا . | فإن قلت : فإذا قررت عصمتهم من هذا ، وأنه لا يجوز ~~عليهم شيء من ذلك ، فما معنى إذا وعيد الله لنبينا صلى الله عليه وسلم على ~~ذلك غن فعله ، وتحذيره منه ، كقوله : ^ ( لئن أشركت ليحبطن عملك ولنكونن من ~~الخاسرين ) ^ [ سورة الزمر / 39 ، الآية : 65 ] . | وقوله تعالى : ^ ( ولا ~~تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين ) ^ [ ~~سورة يونس / 10 ، الآية : 106 ] . | وقوله تعالى : ^ ( ولولا أن ثبتناك لقد ~~كدت تركن إليهم شيئا قليلا . إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد ~~لك علينا نصيرا ) ^ [ سورة الإسراء / 17 ، الآية 74 ، 75 ] . | وقوله : ^ ( ~~لأخذنا منه باليمين ) ^ [ سورة الحاقة / 69 ، الآية : 45 ] | وقوله : ^ ( ~~وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ) ^ [ سورة الأنعام / 6 ، ~~الآية 116 ] . | وقوله : ^ ( فإن يشأ الله يختم على قلبك ) ^ [ سورة الشورى ~~/ 42 ، الآية : 24 ] . PageV02P095 | وقوله : ^ ( وإن لم تفعل فما بلغت ~~رسالته ) ^ [ سورة المائدة ms288 / 5 ، الآية : 67 ] | وقوله : ^ ( اتق الله ولا ~~تطع الكافرين والمنافقين ) ^ [ سورة لأحزاب / 33 ، الآية : 1 ] | فاعلم - ~~وفقنا الله وإياك - أنه صلى الله عليه وسلم لا يصح ، ولا يجوز عليه ، ألا ~~يبلغ ، وأن يخالف أمر ربه ، ولا أن يشرك به ، ولا يتقول على الله [ 187 ] ~~مالا يحب ، أو يفتري عليه ، أو يضل أو يختم على قلبه ، أو يطيع الكافرين ؛ ~~لكن الله يسر أمره بالمكاشفة والبيان في البلاغ للمخالفين ، وأن إبلاغه إن ~~لم يكن بهذه السبيل فكأنه ما بلغ . | وطيب نفسه ، وقوى قلبه بقوله ^ ( ~~والله يعصمك من الناس ) ^ ؛ كما قال لموسى وهارون : ^ ( لا تخلفا إنني ~~معكما ) ^ ؛ لتشتد بصائرهم في الإبلاغ وإظهار دين الله ، ويذهب عنهم خوف ~~العدو المضعف للنفس . | وأما قوله تعالى : ^ ( ولو تقول علينا بعض الأقاويل ~~لأخذنا منه باليمين . ثم لقطعنا منه الوتين ) ^ [ سورة الحاقة / 69 ، الآية ~~44 ، 45 ، 46 ] | وقوله : ^ ( إذ لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ) ^ - ~~فمعناه أن هذا جزاء من فعل هذا ، وجزاؤك لو كنت ممن يفعله ، وهو لا يفعله . ~~| وكذلك قوله : ^ ( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله ) ^ ؛ ~~فالمراد غيره ؛ كما قال : ^ ( إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم ~~فتنقلبوا خاسرين ) ^ [ سورة آل عمران / 3 ، الآية : 149 ] | وقوله : ^ ( ~~فإن يشأ الله يختم على قلبك ) ^ و ^ ( لئن أشركت ليحبطن عملك ) ^ - وما ~~أشبهه ، فالمراد غيره ، وأن هذه حال من أشرك ؛ والنبي صلى الله عليه وسلم ~~لا يجوز عليه هذا . | وقوله : ^ ( اتق الله ولا تطع الكافرين ) ^ - فليس ~~فيه أنه أطاعهم ، والله ينهاه عما يشاء ويأمره بما يشاء ؛ كما قال : ^ ( ~~ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم ~~من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين ) [ سورة ~~الأنعام / 6 : الآية 53 ] . PageV02P096 وما كان طردهم صلى الله عليه وسلم ~~، ولا كان من الظالمين . # | فصل في عصمة الأنبياء قبل النبوة من الجهل بالله وصفاته والتشكك في شيء ~~من ذلك # | وأما عصمتهم من هذا الفن قبل النبوة فللناس فيه خلاف ؛ والصواب أنهم ~~معصمون ms289 قبل النبوة من الجهل بالله وصفاته والتشكك في شيء من ذلك . | وقد ~~تعاضدت الاخبار والآثار عن الأنبياء بتنزيههم عن هذه النقيصة منذ ولدوا ، ~~ونشأتهم على التوحيد والإيمان ، بل على إشراق أنوار المعارف ، ونفحات ألطاف ~~السعادة ، كما نبهنا عليه في الباب الثاني من القسم الأول من كتابنا هذا . ~~| ولم ينقل أحد من أهل الأخبار أن أحدا نبيء واصطفى ممن عرف بكفر وإشراك ~~قبل ذلك . ومستند هذا الباب النقل ؛ وقد استدل بعضهم بأن القلوب تنفر عمن ~~كانت هذه سبيله . | وانا اقول إن قريشا قد رمت نبينا بكل ما افترته ، وعير ~~كفار الأمم أنبيائهم بكل ما أمكنها واختلفته ، مما نص الله تعالى عليه ، أو ~~نقلته إلينا الرواة ، ولم نجد في شيء من ذلك تغييرا لواحد منهم برفضه آلهته ~~، وتقريعه بذمة بترك ما كان قد جامعهم عليه . | ولو كان هذا لكانوا بذلك ~~مبادرين ، ويتلونه في معبوده محتجين ، ولكان توبيخهم له ينهيهم عما كان ~~يعبد قبل افظع وأقطع في الحجة من توبيخه بنهيهم عن تركهم آلهتهم ، وما كان ~~يعبد آباؤهم من قبل . | ففي إطباقهم على الإعراض لعنه دليل على أنهم لم ~~يجدوا سبيل إليه ؛ إذ لو كان لنقل ، وما سكتوا عنه ، كما لم يسكتوا عند ~~تحويل القبلة ، وقالوا : ^ ( ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها ) ^ ، ~~كما حكاه الله عنهم . | وقد استدل القاضي القشيري على تنزيههم عن هذا بقوله ~~تعالى : ^ ( وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى ~~وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ) ^ [ سورة الأحزاب / 33 ، الآية ~~: 7 ] . PageV02P097 | وبقوله تعالى : ^ ( وإذا أخذ الله ميثاق النبيين لما ~~آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول الله مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه ~~) ^ [ سورة عمران / 3 ، الآية : 81 ] . | قال : فطهره الله في الميثاق . | ~~وبعيد أن يأخذ منه الميثاق قبل خلقه ، ثم يأخذ ميثاق النيين [ 188 ] ~~بالإيمان به ونصره قبل مولده بدهور ، ويجوز عليه الشرك أو غيره من الذنوب . ~~هذا ما لا يجوزه إلا ملحد . | هذا معنى كلامه . | وكيف يكون ذلك وقد أتاه ~~جبريل عليه السلام ms290 ، وشق قلبه صغيرا ، واستخرج منه علقة ، وقال : هذا حظ ~~الشيطان منك ، ثم غسله وملأه حكمة وإيمانا ، كما تظاهرت به أخبار المبدأ . ~~| ولا يشبه عليك بقول إبراهيم في الكوكب والقمر والشمس : ^ ( هذا ربي ) ^ ؛ ~~فإن قد قيل : كان هذا في سن الطفولية ، وابتداء النظر والاستدلال ؛ وقبل ~~لزوم التكليف . | وذهب معظم الحذاق من العلماء المفسرين إلى أنه إنما قال ~~ذلك مبكتا لقومه ، ومستدلا عليهم . | وقيل : معناه الاستفهام الوارد ~~الإنكار ؛ والمراد : فهذا ربي . | قال الزجاج : قوله : ^ ( هذا ربي ) ^ - ~~أي على قولكم ؛ كما قال : ^ ( أين شركائي ) ^ أي عندكم . | ويدل على أنه لم ~~يعبد شيئا من ذلك ، ولا أشرك قط بالله طرفة عين : قول الله عز وجل عنه : ^ ~~( إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون ) ^ [ سورة الشعراء / 26 ، الآية : 70 ] . ~~| ثم قال : ^ ( أفرايتم ما كنتم تعبدون . أنتم وآباؤكم الأقدمون . فإنهم ~~عدو لي إلا رب العالمين ) ^ [ سورة الشعراء / 26 ، الآية : 75 ، 77 ] . | ~~وقال : ^ ( إذ جاء ربه بقلب سليم ) ^ ؛ أي من الشرك . | PageV02P098 | ~~وقوله : ^ ( واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ) ^ [ سورة إبارهيم / 14 ، الآية ~~: 35 ] . | فإن قلت : فما معنى قوله : ^ ( لئن لم يهدني ربي لأكونن من ~~القوم الضالين ) ^ [ سورة الأنعام / 6 ، الآية : 77 ] . | قيل : غنه أن لم ~~يؤيدني الله بمعونته أكن مثلكم في ضلالتكم وعبادتكم ، على معنى الإنشقاق ~~والحذر ؛ وإلا فهو معصوم في الأزل من الضلال . | فإن قلت : فما معنى قوله : ~~^ ( وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا ) ^ ؛ ~~ثم قال بعد عن الرسل : ^ ( قد أفترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد ~~إذ نجانا الله منها ) ^ ؛ فلا تشكل عليك لفظة العود ، وأنها تقتضي أنهم ~~إنما يعودون إلى ما كانوا فيه من ملتهم ؛ فقد تأتي هذه اللفظة في كلام ~~العرب لغير ما ليس له ابتداء بمعنى الصيرورة ؛ كما جاء في حديث الجهنميين : ~~' عادوا حمما ' ولم يكونوا قبل ذلك . | ومثله قول الشاعر : # % [ تلك المكارم لاقعبان من لبن % % شيبا بماء ] فعاذا بعد أبوالا % % ~~وما كانا قبل كذلك . | فإن قلت : فما معنى قوله : ^ ( ووجدك ضالا فهدى ) ^ ~~؛ فليس هو من الضلال ms291 الذي هو الكفر ؛ قيل : ضالا عن النبوة فهداك إليها ؛ ~~قاله الطبري . | وقيل : وجدك بين أهل الضلال ، فعصمك من ذلك ، وهداك ~~للإيمان ، وإلى إرشادهم . | ونحوه عن السدي وغير واحد . | وقيل : ضالا عن ~~شريعتك ؛ أي لا تعرفها فهداك إليها . | والضلال هنا التحير ؛ ولهذا كان صلى ~~الله عليه وسلم يخلو بغار حراء في طلب ما يتوجه به إلى ربه ، ويتشرع به حتى ~~هداه إلى افسلام ، حكى معناه القشيري . | PageV02P099 # وقيل : لا تعرف الحق ، فهداك إليه . وهذا مثل قوله تعالى : ^ ( وعلمك ما ~~لم تكن تعلم ) ^ قاله علي بن عيسى . | قال ابن عباس : لم تكن له ضلالة ~~معصية . | وقيل : هدى ، ؛ أي بين أمرك بالبراهين . | وقيل : وجدك ضالا بين ~~مكة والمدينة ؛ [ فهداك إلى المدينة ] . | وقيل : المعنى وجدك فهدى بك ضالا ~~. | وعن جعفر بن محمد : ووجدك [ 189 ] ضالا عن محبتي لك في في الأزل ؛ أي ~~لا تعرفها ؛ فمننت عليك بمعرفتي . | وقرأ الحسن بن علي : وجدك ضال فهدى ؛ ~~أي اهتدى بك . | وقال ابن عطاء : ووجدك ضالا ؛ أمحبا لمعرفتي . والضال ~~المحب ؛ كما قال : ^ ( إنك لفي ضلالك القديم ) ^ ؛ أي محبتك القديمة ؛ ولم ~~يروا يريدوا ها هنا من الدين ؛ إذا قالوا ذلك في نبي الله فقد لكفروا . | ~~ومثله عند هذا قوله : ^ ( إنا لنراها في ضلال مبين ) ^ ؛ أي محبة بينة . | ~~وقال الجيد : وجدك : ووجدك متحيرا في بيان ما أنزل إليك فهداك لبيانه ؛ ~~كقوله : ^ ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ) ~~^ [ سورة النحل / 16 ، الآية : 44 ] . | وقيل : وجدك لم يعرفك أحد بالنبوة ~~حتى أظهرك ، فهدى بك السعداء ، ولا أعلم أحدا قال من المفسرين فيها : ضالا ~~عن الإيمان . | وكذلك في قصة موسى عليه السلام قوله : ^ ( فعلتها إذا وأنا ~~من الضالين ) ^ ؛ أي من المخطئين الفاعلين شيئا بغير قصد ؛ قاله ابن عرفة . ~~| وقال الأزهري : معناه من الناسين . | وقد قيل ذلك في قوله : ^ ( ووجدك ~~ضالا فهدى ؛ أي ناسيا ؛ كما قال | PageV02P100 | تعالى : ^ ( إن تضل ~~إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ) ^ [ سورة البقرة / 2 ، الآية : 282 ] . | ~~فإن قلت : فما معنى قوله : ^ ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت ms292 ~~تدري ما الكتاب ولا الإيمان ) ^ [ سورة الشورى / 42 ، الآية : 52 ] . | ~~فالجواب أن السمرقندي قال : معناه : ما كنت تدري قبل الوحي أن تقرأ القرآن ~~، ولا كيف تدعو الخلق إلى الإيمان . | وقال أبو بكر القاضي نحوه ؛ قال : ~~ولا الإيمان الذي هو الفرائض والأحكام ؛ قال : فكان صلى الله عليه وسلم قبل ~~مؤمنا بتوحيده ؛ ثم نزلت الفرائض التي لم يكن يدربها قبل ؛ فزاد بالتكليف ~~إيمانا ؛ [ وهو أحسن وجوهه . | فإن قلت : فما معنى قوله : ^ ( وإن كنت من ~~قبله لمن الغافلين ) ^ ؟ فاعلم أنه ليس بمعنى قوله : ^ ( والذين هم عن ~~آياتنا غافلون ) ^ ؛ بل قد حكى أبو عبيد الهروي أن معناه لمن الغافلين عن ~~قصة يوسف ؛ إذا لم تعلمها إلا بوحينا ] . | وكذلك الحديث الذي يرويه عثمان ~~بن أبي شيبة بسنده عن جابر رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قد ~~كان يشهد مع المشركين مشاهدهم ، فسمع ملكين خلفه وعهده باستلام الأصنام ؛ ~~فلم يشهدهم بعد . | فهذا حديث أنكره أحمد بن حنبل جدا ، وقال : هو موضوع ، ~~أو شبيه بالموضوع . | وقال الدارقطني : يقال إن عثمان وهم في إسناده . | ~~والحديث بالجملة منكر غير متفق على إسناده ؛ فلا يلتفت إليه . | والمعروف ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه عند أهل العلم من قوله : ' بغضت إلي ~~الأصنام ' . | وقوله في الحديث الآخر الذي روته أم أيمن حين كلمة عمه وآله ~~في حضور بعض أعيادهم ، وعزموا عليه فيه بعد كراهته لذلك ؛ فخرج معهم ، ورجع ~~مرعوبا ؛ PageV02P101 فقال : كلما دنوت منها من صنم تمثل لي شخص أبيض طويل ~~يصيح بي : وراءك ، لا تمسه ؛ فما شهد بعد لهم عيدا . | وقوله - في قصة ~~بحيرا حين استخلف النبي صلى الله عليه وسلم باللات والعزى إذ لقيه بالشام ~~في سفرته مع عمه أبي طالب وهو صبي ، ورأى فيه علامات النبوة ، فاحتبره بذلك ~~، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ' لا تسألني بهما ، فوالله ما أبغضت ~~شيئا قط بغضهما ' . | فقال له بحيرا : فبالله إلا ما أخبرتني عما [ 190 ] ~~أسألك عنه . فقال : سل عما بدا لك ' . | وكذلك المعروف من سيرته صلى الله ms293 ~~عليه وسلم وتوفيق الله له أنه كان قبل نبوته يخالف المشركين في وقوفهم ~~بمزدلفة في الحج ؛ فكان يقف هو بعرفة ، لأنه كان موقف إبراهيم عليه السلام ~~. # | فصل في حكم عقد النبي في التوحيد والشرع والمعارف والأمور الدينية # | قال القاضي أبو الفضل رضي الله عنه : قد بان بما قدمناه عقود الأنبياء ~~في التوحيد والإيمان والوحي وعصمتهم في ذلك على ما بيناه . | فأما ما عدا ~~هذا الباب من عقود قلوبهم فجماعها أنها مملوءة علما ويقينا على الجملة ، ~~وأنها قد احتوت من المعرفة والعلم بأمور الدين والدنيا مالا شيء فوقه . | ~~ومن طالع الأخبار ، واعتنى بالحديث ، وتأمل ما قلناه وجده . | وقد قدمنا ~~منه في حق نبينا في الباب الرابع أول قسم من هذا الكتاب ما ينبه على ما ~~وراءه ، إلا أ ، أحوالهم في هذه النعارف تختلف . | فأما ما تعلق منها بأمر ~~الدنيا فلا يشترط في حق الأنبياء العصمة من عدم معرفة الأنبياء ببعضها أو ~~اعتقادها على خلاف ما هي عليه ، ولا وصم عليهم [ فيه ] ؛ إذ هممهم متعلقة ~~بالآخرة وأنبائها ، وأمر الشريعة وقوانينها . وأمور الدنيا تضادها ، بخلاف ~~| PageV02P102 غيرهم من أهل الدنيا الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ~~وهم عن الآخرة هم غافلون ، كما سنبين هذا في الباب الثاني إن شاء الله ؛ ~~ولكنه لا يقال : إنهم لا يعلمون شيئا من أمر الدنيا ؛ فإن ذلك يؤدي إلى ~~الغفلة والبلة ، وهم المنزهون عنه ؛ بل قد أرسلوا إلى أهل الدنيا ، وقلدوا ~~سياستهم وهدايتهم والنظر في مصالح دينهم ودنياهم ؛ وهذا لا يكون مع عدم ~~العلم بأمور الدنيا بالكلية ؛ وبأحوال الأنبياء وسيرهم في هذا الباب معلومة ~~، ومعرفتهم بذلك كله مشهورة . | وأما إن كان هذا العقد مما يتعلق بالدين ~~فلا يصح من النبي صلى الله عليه وسلم إلا العلم به ، ولا يجوز عليه جهله ~~جملة ؛ لأنه لا يخلو أن يكون حصل عنده ذلك عن وحي من الله ، فهو لا يصح ~~الشك منه فيه على ما قدمناه ، فكيف الجهل ؛ بل حصل له العلم اليقين . أو ~~يكون فعل ذلك باجتهاده فيما لم ينزل عليه ms294 فيه شيء على القول بتجويز وقوع ~~الاجتهاد منه في ذلك على قول المحققين ؛ وعلى مقتضى حديث أم سلمة : ' إني ~~إنما أقضى بينكم برأيي فيما لم ينزل علي فيه شيء ' . خرجه الثقات . | وكقصة ~~أسرى بدر ، والإذن للمتحلفين على رأي بعضهم ، فلا يكون أيضا ما يعتقده مما ~~يثمره اجتهاده إلا حقا وصحيحا . | هذا هو الحق الذي لا يلتفت إلى خلاف من ~~خالف فيه [ ممن أجاز عليه الخطأ في الاجتهاد ] ، لا على القول بتصويب ~~المجتهدين الذي هو الحق والصواب عندنا ؛ ولا على القول الآخر بأن الحق في ~~طرف واحد لعصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الخطأ في الاجتهاد في الشرعيات ~~؛ ولأن القول في تخطئة المجتهدين إنما هو بعد استقرار الشرع ؛ ونظر النبي ~~صلى الله عليه وسلم واجتهاده إنما هو فيما لم ينزل عليه فيه [ 191 ] شيء ، ~~ولم يشرع له قبل ؛ هذا فيما عقد عليه صلى الله عليه وسلم قلبه ، فأما ما لم ~~يعقد عليه من أمر النوازل الشرعية ؛ فقد كان لا يعلم منها أولا إلا ما علمه ~~الله شيئا فشيئا حتى استقر علم جميعها عنده ؛ إما بوحي من الله ، أو إذن له ~~أن يشرع في ذلك ويحكم بما أراه الله . | وقد كان ينتظر الوحي في كثير منها ~~؛ ولكنه لم يمت حتى استقر علم جميعها عنده صلى الله عليه وسلم ، وتقررت ~~معارفها لديه على التحقيق ، ورفع الشك والريب ، وانتفاء الجهل . ~~PageV02P103 | وبالجملة فلا يصح منه الجهل بشيء من تفاصيل الشرع الذي أمر ~~بالدعوة إليه ؛ إذ لا تصح دعوته إلى ما لا يعلمه . | وأما ما تعلق بعقده من ~~ملكوت السموات والأرض ، وخلق الله تعالى ، وتعيين أسمائه الحسنى | وآياته ~~الكبرى ، وأمور الآخرة ، وأشراط الساعة ، وأحوال السعداء والأشقياء ، وعلم ~~ما كان وما يكون مما لم يعلمه إلا بوحي - فعلى ما تقدم من أنه معصوم فيه ، ~~لا يأخذه فيما أعلم منه شك ولا ريب ؛ بل هو فيه على غاية اليقين ؛ لكنه لا ~~يشترط له العلم بجميع تفاصيل ذلك ، وإن كان عنده من علم ذلك ما ليس عند ~~جميع ms295 البشر لقوله : ' إني لا أعلم إلا ما علمني ربي ' . ولقوله : ' ولا خطر ~~على قلب بشر ' ، ولا تعلم ما أخفي لهم من قرة أعين . | وقول موسى للخضر : ^ ~~( هل اتبعك على أن على أن تعلمني مما علمت رشدا ) ^ [ سورة الكهف / 18 ، ~~الآية : 66 ] | وقوله : ' اسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك ، واستأثرت به ~~في علم الغيب عندك ' . | وقد قال تعالى : ^ ( وفوق كل ذي علم عليم ) ^ - ~~قال زيد بن أسلم وغيره : حتى ينتهى العلم إلى الله . | وهذا ما لا خفاء به ~~؛ إذ معلوماته لا يحاط بها ولا منتهى لها . # هذا حكم عقد النبي صلى الله عليه وسلم في التوحيد والشرع والمعارف ~~والأمور الدينية . # | فصل في إجماع الأمة على عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الشيطان # | واعلم أن الأمة مجمعة على النبي صلى الله عليه وسلم من الشيطان وكفايته ~~منه ، لا في جسمه بأنواع الأذى ، ولا على خاطره بالوساوس . | وقد أخبرنا ~~القاضي الحافظ أو علي - رحمه الله - قال : حدثنا أبو الفضل بن خيرون العدل ~~، حدثنا أبو بكر البرقاني وغيره ، حدثنا أبو الحسن الدارقطني ، حدثنا ~~إسماعيل الصفار ، حدثنا عيسى الترقفي ، محمد بن يوسف ، حدثنا سفيان ، عن ~~PageV02P104 منصور ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن مسرور ، عن عبد الله بن ~~مسعود ؛ قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' ما منكم من أحد إلا ~~وكل به قرينه من الجن ، وقرينه من الملائكة ' . | قالوا : وإياك يا رسول ؟ ~~قال : ' وإياي ؛ ولكن الله تعالى أعانني عليه فأسلم ' . زاد غيره - عن ~~منصور : فلا يأمرني إلا بخير . | ون عائشة بمعناه . | وروى : فأسلم - بضم ~~الميم ؛ أي فاسلم أنا منه . وصحح بعضهم هذه الرواية ورجحها . | وروي فأسلم ~~- يعني - القرين - أنه انتقل من حال كفره إلى الإسلام ؛ فصار لا يأمر إلا ~~بخير ، كالملك . | وهو ظاهر الحديث . | ورواه بعضهم : فاستسلم . | قال ~~القاضي أبو الفضل : فإذا [ 192 ] كان هذا حكم شيطانه وقرينه المسلط على بني ~~آدم ، فكيف بمن بعد منه ، ولم يلزم صحبته ، ولا أقدر على الدنو منه . | وقد ~~جاءت الآثار بتصدى الشياطين له في ms296 غير موطن ؛ رغبة في إطفاء نوره وإماتة ~~نفسه ، وإدخال ثغل عليه ؛ إذ يئسوا من إغوائه فانقلبوا خاسرين ، كتعرضه له ~~في صلاته ؛ فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم ' إن الشيطان عرض لي ' . | قال ~~عبد الرزاق : في صورة هر ، فشد علي يقطع علي الصلاة فأمكنني الله منه ، ~~فذعته . ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا تنظرون إليه ، فذكرت قول ~~أخي سليمان ^ ( رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي ) ^ ، فرده ~~الله خاسئا . PageV02P105 | وفي حديث أبي الدرداء عنه صلى الله عليه وسلم : ~~ط إن عدو الله إبليس جاءني بشهاب من نار ليجعله وجهي ' والنبي صلى الله ~~عليه وسلم في الصلاة ، وذكر تعوذه بالله منه ، ولعنه له ؛ ثم أردت آخذه ، ~~وذكر نحوه ؛ وقال : ' لأصبح موثقا يتلاعب به ولدان أهل المدينة ' . | وكذلك ~~في حديثه في الإسراء وطلب عفريت له بشعلة نار ، فعلمه جبريل ما يتعوذ به ~~منه - وذكره في الموطأ ؛ ولما لم يقدر على أذاه بمباشرته تسبب بالتوسط إلى ~~عداه ؛ كقضيته مع قريش في الائتمار بقتل النبي صلى الله عليه وسلم وتصوره ~~في صورة الشيخ النجدي . # ومرة أخرى في غزوة بدر في صورة سراقة بن مالك ، وهو قوله : ^ ( وإذ زين ~~لهم الشيطان وقال لا غالب لكم اليوم من الناس ) ^ [ سورة الأنفال / 8 ، ~~الآية : 48 ] . | ومرة ينذر بشأنه عند بيعة العقبة . | وكل هذا فقد كفاه ~~الله أمره ، وعصمه ضره وشره . | وقد قال صلى الله عليه وسلم : ' إن عيسى ~~عليه السلام كفي من لمسه ، فجاء ليطعن بيده في خاصرته حين ولد ، فطعن في ~~الحجاب ' . | وقال صلى الله عليه وسلم حين لد في مرضه ، وقيل له : خشينا أن ~~يكون بك ذات الجنب - فقال : ' إنها من الشيطان ، ولم يكن الله ليسلطه علي ' ~~. | فإن قيل : فما معنى قوله تعالى : وإما ينزعنك من الشيطان نزع فاستعذ ~~بالله إنه سميع عليم ) ^ - فقد قال بعض المفسرين : إنها راجعة إلى قوله : ^ ~~( وأعرض عن الجاهلين ) ^ ؛ ثم قال : وإما ينزغنك ؛ أي يستخفنك غضب يحملك ~~على ترك PageV02P106 الإعراض عنهم فاستعذ بالله تعالى . | وقيل ms297 : النزع ها ~~هنا الفساد ، كما قال تعالى : ^ ( من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين أخوتي ) ~~^ [ سورة يوسف / 12 ، الآية : 100 ] | وقيل : ينزغنك : يغرينك ويحركتك . ~~والنزع : أدنى الوسوسة ، فأمره الله تعالى أنه متى تحرك عليه غضب على عدوه ~~، أو رام الشيطان من إغرائه به وخواطر أداني وساوسه ، لم يجعل له سبيل إليه ~~- إن يستعيذ منه ، فيكفي أمره ، ويكون سبب تمام عصمته ، إذ لم يسلط عليه ~~بأكثر من التعرض له ، ولم أجعل به قدره عليه . | وقد قيل في هذه الآية غير ~~هذا . | وكذلك لا يصح أن يتصور له الشيطان في صورة الملك ، ويلبس عليه ، لا ~~في أول الرسالة ولا بعدها . | والاعتماد في ذلك دليل المعجزة بل لا يشك [ ~~193 ] النبي أن يأتيه من الله الملك ورسوله حقيقة إما بعلم ضروري بخلقه ~~الله له ، أو ببرهان يظهره لديه ، لتتم ، كلمة ربك صدقا وعدلا ، لا مبدل ~~لكلماته . | فإن قيل : فما معنى قوله تعالى : ^ ( وما أرسلنا من قبلك من ~~رسول الله ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في ثم يحكم الله آياته والله ~~عليم حكيم ) ^ [ سورة الحج / 45 ، الآية : 52 ] . | فاعلم أن للناس في معنى ~~هذه الآية أقاويل منها السهل والوعث ، والسمين والغث ؛ وأولى ما يقال فيها ~~ما عليه الجمهور من المفسرين : أن التمنها هنا التلاوة ، وإلقاء الشيطان ~~فيها شغله بخواطر وأذكار من أمور الدنيا للتالي حتى يدخل عليه الوهم ~~والنسيان فيما تلاه ، أو يدخل غير ذلك على أفهام السامعين من التحريف وسوء ~~التأويل ما يزيله الله وينسخه ، ويكشف لبسه ، ويحكم آياته . | وسيأتي ~~الكلام على هذه الآية بأشبع من هذا إن شاء الله . | وقد حكى السمرقندي ~~إنكار قول من قال بتسلط الشيطان على ملك سليمان ، PageV02P107 وغلبته عليه ~~، وأن مثل هذا لا يصح . | وقد ذكرنا قصة سليمان مبينة بعد هذا ، ومن قال : ~~إن الجسد هو الولد الذي ولد له . | وقال أبو محمد مكي في قصة أيوب وقوله : ~~^ ( إني مسني الشيطان بنصب وعذاب ) ^ - إنه لا يجوز لأحد أن يتأول أن ~~الشيطان هو الذي أمرضه ، وألقى الضر ms298 في بدنه ، ولا يكون ذلك إلا بفعل الله ~~وأمره ، ليبتليهم ويثبتهم . | قال مكي : وقيل : إن الذي أصابه به الشيطان ~~ما وسوس به إلى أهله . | فإن قلت : فما معنى قوله تعالى - عن يوشع : ^ ( ~~وما أنسانيه إلا الشيطان ) ^ . | وقوله - عن يوسف : ^ ( فأنساه الشيطان ذكر ~~ربه ) ^ [ سورة يوسف / 12 الآية الآية : 42 ] . | وقول نبينا صلى الله عليه ~~وسلم ، حين نام على الصلاة يوم الوادي : ' إن هذا من عمل الشيطان ) ^ [ ~~سورة القصص / 28 ، الآية : 15 ] | فاعلم أن هذا الكلام قد يرد في جميع هذا ~~على مورد مستمر كلام العرب في وصفهم كل قبيح ، من شخص أو فعل بالشيطان أو ~~فعله ؛ كما قال تعالى : ^ ( طلعها كأنه رؤوس الشياطين ) ^ [ سورة الصافات / ~~37 ، الآية : 65 ] . | وقال صلى الله عليه وسلم : ' فليقاتله فإنما هو ~~شيطان ' . | وأيضا فإن قول يوشع لا يلزمنا الجواب عنه ، إذا لم يثبت له في ~~ذلك الوقت نبوة موسى ؛ قال الله تعالى : ^ ( وإذ قال موسى لفتاه ) ^ [ سورة ~~الكهف / 18 ، الآية : 60 ] | والمروي أنه إنما نبيء بعد موت موسى ، وقيل : ~~قبيل موته . | وقول موسى كان قبل نبوته بدليل القرآن . | وقصة يوسف قد ذكر ~~أنها كانت قبل نبوته . | وقد قال المفسرون في قوله تعالى : ^ ( فأنساه ~~الشيطان ) ^ - قولين : أحدهما : PageV02P108 أن الذي أنساه الشيطان ذكر ربه ~~أحد صاحبي السجن ، وربه الملك ؛ أي أنساه أن بذكر للملك شأن يوسف عليه ~~السلام . | وأيضا فإن مثل هذا من فعل الشيطان ليس فيه تسلط على يوسف ويوشع ~~| بوساوس ونزغ ، وإنما هو بشغل خواطرهما بأمور آخر ، وتذكيرهما من أمورهما ~~ما ينسيهما ما نسيا . | وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ' إن هذا واد به ~~شيطان ' . [ 194 ] فليس فيه ذكر تسلطه عليه ، ولا وسوسته له ؛ بل إن كان ~~بمقتضى ظاهره فقد بين أمر ذلك الشيطان بقوله : إن الشيطان أتى بلالا ، فلم ~~يزل يهدئه كما يهدأ الصبي حتى نام ' . | فاعلم أن تسلط الشيطان في ذلك ~~الوادي الذي عرس به إنما كان على بلال الموكل بكلاءة الفجر . | هذا إن ~~جعلنا قوله : إن هذا واد به شيطان ؛ تنبيها على ms299 سبب النوم عن الصلاة . | ~~وإما جعلناه تنبيها على سبب الرحيل عن الوادي ، وعلة لترك الصلاة به ، وهو ~~دليل مساق حديث زيد بن أسلم - فلا اعتراض به في هذا الباب ؛ لبيانه ، ~~وارتفاع إشكاله . # | 2 ( فصل في عصمة النبي صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله ) 2 # | و أما أقواله صلى الله عليه وسلم فقامت الدلائل الواضحة بصحة المعجزة ~~على صدقه ، وأجمعت الأمة فيما كان طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من الإخبار ~~عن شيء منها بخلاف ما هو به ، لا قصدا وعمدا ، ولا سهوا وغلطا . | أما تعمد ~~الخلف في ذلك فمنتف ، بدليل المعجزة القائمة مقام قول الله فيما قال اتفاقا ~~، وبإطباق أهل الملة إجماعا . | و أما وقوعه على جهة الغلط في ذلك فبهذه ~~السبيل عند الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني ومن قال بقوله ، ومن جهة الإجماع ~~فقط ، وورود الشرع بانتقاء ذلك ، وعصمة النبي صلى الله عليه وسلم لا من ~~مقتضى المعجزة نفسها عند القاضي أبي بكر الباقلاني ومن PageV02P109 وافقه ~~لاختلاف بينهم في مقتضى دليل المعجزة لا تطول بذكره ، فنخرج عن غرض الكتاب ~~، فلنعتمد على ما وقع عليه إجماع المسلمين رسول أنه لا يجوز عليه خلف في ~~القول في إبلاغ الشريعة ، والإعلام بما أخبر به عن ربه ، وما أوحاه إليه من ~~وحيه ، لا على وجه العمد ، ولا على غير عمد ، ولا في حالي الرضا والسخط ، ~~والصحة والمرض . | و في حديث عبد الله بن عمرو : قلت يا رسول الله ، أكتب ~~كل ما أسمع من ك ؟ قال : [ نعم ] . قلت : في الرضا والغضب ؟ قال : [ نعم ، ~~فإني لا أقول في ذلك كله إلا حقا ] . | و لنزد ما أشرنا إليه من دليل ~~المعجزة عليه بيانا ، فنقول : | إذا قامت المعجزة على صدقه ، وأنه لا يقول ~~إلا حقا ، ولا يبلغ عن الله إلا صدقا ، وأن المعجزة قائمة مقام قول الله له ~~: صدقت فيما تذكره عني ، وهو يقول : إني رسول الله إليكم لأبلغكم ما أرسلت ~~به إليكم ، وأبين لكم ما نزل عليكم ، وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي ~~يوحى [ سورة ms300 النجم - 53 ، الآية 3 ، 4 ] . | و قد جاءكم الرسول بالحق من ~~ربكم [ سورة النساء / 4 ، الآية : 170 ] . | وما آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا ، فلا يصح أن يوجد منه في هذا الباب خبر بخلاف مخبره على ~~أي وجه كان . | و لو جوزنا عليه الغلط والسهو لما تميز لنا من غيره ، ولا ~~اختلط الحق بالباطل ، فالمعجزة مشتملة على تصديقه جملة واحدة من غير خصوص ، ~~فتنزيه النبي عن ذلك كله واجب برهانا وإجماعا كما قاله أبو إسحاق . # # | 2 ( فصل سؤالات لبعض الطاعنين ) 2 # | و قد توجهت هنا لبعض الطاعنين [ 195 ] سؤالات ، منها : | ما روي من أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ والنجم ، وقال : أفرأيتم اللات والعزى * ~~ومناة الثالثة الأخرى - قال : تلك الغرانيق العلا ، وإن شفاعتها لترتجى ~~PageV02P110 ويروى : ترتضى . وفي رواية : إن شفاعتها لترتجي ، وإنها لمع ~~الغرانيق العلا . | و في أخرى : والغرانقة العلا ، تلك للشفاعة ترتجى . | ~~فلما ختم السورة سجد ، وسجد معه المسلمون والكفار لما سمعوه أثنى على ~~آلهتهم . | و ما وقع في بعض الروايات أن الشيطان ألقاها على لسانه ، وأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان تمنى أن لو نزل عليه شيء يقارب بينه وبين ~~قومه . | و في رواية أخرى : ألا ينزل عليه شيء ينفرهم عنه ، وذكر هذه القصة ~~، وأن جبريل عليه السلام جاء فعرض عليه السورة ، فلما بلغ الكلمتين قال له ~~: ما جئتك بهاتين . فحزن لذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى ~~تسلية له : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان ~~في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم ~~[ سورة الحج - 22 ، الآية : 52 ] . | و قوله : وإن كادوا ليفتنونك عن الذي ~~أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا * ولولا أن ثبتناك لقد ~~كدت تركن إليهم شيئا قليلا [ سورة الإسراء - 17 ، الآية : 73 ، 74 ] . | ~~فاعلم أكرمك الله أن لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين : | أحدهما ~~: في توهين أصله ، والثاني على تسليمه . | أما ms301 المأخذ الأول فيكفيك أن هذا ~~حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل ، وإنما ~~أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب ، المتلقفون من الصحف ~~كل صحيح وسقيم . | و صدق القاضي بكر بن العلاء المالكي حيث قال : لقد بلي ~~الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير ، وتعلق بذلك الملحدون مع ضعف نقلته ~~واضطراب رواياته ، وانقطاع إسناده ، واختلاف كلماته ، فقائل يقول : إنه في ~~الصلاة ، وآخر يقول : قالها في نادي قومه حين أنزلت عليه السورة ، وآخر ~~يقول : قالها وقد أصابته سنة ، وآخر يقول : بل حدث نفسه فسها ، وآخر يقول : ~~إن الشيطان قالها على لسانه ، وإن النبي صلى الله عليه وسلم لما عرضها على ~~جبريل قال : ما هكذا أقرأتك ، وآخر يقول : بل أعلمهم الشيطان أن النبي ~~PageV02P111 صلى الله ع ليه وسلم قرأها ، فلما بلغ النبي صلى الله عليه ~~وسلم ذلك قال : والله ما هكذا نزلت إلى غير ذلك من اختلاف الرواة . | و من ~~حكيت هذه الحكاية عنه من المفسرين والتابعين لم يسندها أحد منهم ، ولا ~~رفعها إلى صاحب ، وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية ، والمرفوع فيه حديث ~~شعبة : عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال فيما أحسب الشك في ~~الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بمكة . . . وذكر القصة . | قال أبو ~~بكر البزار : هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد ~~متصل يجوز ذكره إلا هذا ، ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد ، وغيره ~~يرسله عن سعيد بن جبير ، وإنما يعرف عن الكلبي ، ، عن أبي صالح ، عن ابن ~~عباس فقد بين لك أبو بكر رحمه الله أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا ~~. | و فيه من [ 196 ] الضعف ما نبه عليه مع وقوع الشك فيه ، كما ذكرناه ، ~~الذي لا يوثق به ، ولا حقيقة معه . | و أما حديث الكلبي فمما لا تجوز ~~الراوية عنه ولا ذكره لقوة ضعفه وكذبه ، كما أشار إليه البراز : رحمه الله ~~. | و الذي منه في ms302 الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ : والنجم وهو ~~بمكة ، فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس . | هذا توهينه من طريق ~~النقل فأما من جهة المعنى فقد قامت الحجة ، وأجمهت الأمة على عصمته صلى ~~الله عليه وسلم ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة ، إما من تمنيه أن ينزل عليه ~~مثل هذا من مدح آلهة غير الله ، وهو كفر ، أو أن يتسور عليه الشيطان ، ~~ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه ، ويعتقد النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن من القرآن ما ليس منه حتى ينبهه جبريل عليه السلام ، وذلك كله ~~ممتنع في حقه صلى الله عليه وسلم ، أو يقول ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ~~من قيل نفسه عمدا ، وذلك كفر ، أو سهوا ، وهو معصوم من هذا كله . | و قد ~~قررنا بالبراهين والإجماع عصمته صلى الله عليه وسلم من جريان الكفر على ~~قلبه أو لسانه ، لا عمدا ولا سهوا ، أو أن يشبه عليه ما يلقيه الملك بما ~~يلقي الشيطان ، أو يكون للشيطان عليه سبيل ، أو أن يتقول على الله ، لا ~~عمدا ولا سهوا ، ما لم ينزل عليه ، وقد قال الله تعالى : ولو تقول علينا ~~بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه PageV02P112 الوتين [ ~~سورة الحاقة - 69 ، الآية : [ 44 ، 46 ] . | قال تعالى : إذا لأذقنا ك ضعف ~~الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا [ سورة الإسراء / 17 ، الآية ~~75 ] . | و وجه ثان ، وهو استحالة هذه القصة نظرا وعرفا ، وذلك أن هذا ~~الكلام لو كان كما روي لكان بعيد الالتئام ، لكونه متناقص الأقسام ، ممتزج ~~المدح بالذم ، متخاذل التأليف والنظم . ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~ولا من بحضرته من المسلمين ، وصناديد المشركين ممن يخفى عليه ذلك ، وهذا لا ~~يخفى على أدنى متأمل ، فكيف بمن رجع حلمه ، واتسع في باب البيان ومعرفة ~~فصيح الكلام علمه . | و وجه ثالث أنه علم من عادة المنافقين ، ومعاندي ~~المشركين ، وضعفة القلوب ، والجهلة من المسلمين نفوزهم لأول وهلة ، وتخليط ~~العدو على النبي صلى الله عليه وسلم ms303 لأقل فتنة ، وتعييرهم المسلمين ، ~~والشمات بهم الفينة بعد الفينة ، وارتداد من في قلبه مرض ممن أظهر الإسلام ~~لأدنى شبهة ، ولم يحك أحد في هذه القصة شيئا سوى هذه الرواية الضعيفة الأصل ~~، ولو كان ذلك لوجدت قريش بها على المسلمين الصولة ، ولأقامت بها اليهود ~~عليهم الحجة ، كما فعلوا مكابرة في قصة الإسراء حتى كانت في ذلك لبعض ~~الضعفاء ردة ، وكذلك ما روى في قصة القضية ، ولا فتنة أعظم من هذه البينة ~~لو وجدت ، ولا تشغيب للمعادي حينئذ أشد من هذه الحادثة لو أمكنت ، فما روى ~~عن معاند فيها كلمة ، ولا عن مسلم بسببها بنت شفة ، فدل على بطلها واجتثاث ~~أصلها . | و لا شك في إدخال بعض شياطين الإنس أو [ 197 ] الجن هذا الحديث ~~على بعض مغفلي المحدثين ، ليلبس به على ضعفاء المسلمين . | و وجه رابع : ~~ذكر الرواة لهذه القضية أن فيها نزلت : وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا ~~إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا * ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن ~~إليهم شيئا قليلا [ سورة الإسراء - 17 ، الآيتان : 73 ، 74 ] . | و هاتان ~~الآيتان يردان الخبر الذي رووه ، لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه ~~حتى يفتري ، وأنه ثبته لكاد يركن إليهم . | فمضمون هذا ومفهومه أن الله ~~تعالى عصمه من أن يفتري ، وثبته حتى لم يركن PageV02P113 إليهم قليلا ، ~~فكيف كثيرا ! وهم يروون أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون والإفتراء بمدح ~~آلهتهم وأنه قال صلى الله عليه وسلم : افتريت على الله ، وقلت ما لم يقل ، ~~وهذا ضد مفهوم الآية ، وهي تضعف الحديث لو صح ، فكيف ولا صحة له . | و هذا ~~مثل قوله تعالى في الآية الأخرى : ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة ~~منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء [ سورة النساء - 4 ، ~~الآية : 113 ] . | و قد روي عن ابن عباس : كل ما في القرآن كاد فهو ما لا ~~يكون ، قال الله تعالى : يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار ، ولم يذهب . وأكاد ~~أخفيها ، ولم يفعل . | قال القشيري القاضي : ولقد طالبته ms304 قريش وثقيف إذ مر ~~بآلهتهم أن يقبل بوجهه إليها ووعدوه الإيمان به إن فعل ، فما فعل ، ولا كان ~~ليفعل . | قال ابن الأنباري : ما قارب الرسول ولا ركن . | و قد ذكرت في ~~معنى هذه الآية تفاسير أخر ما ذكرناه من نص الله على عصمة رسوله يرد ~~سفسافها ، فلم يبق في الآية إلا أن الله تعالى امتن على رسوله بعصمته ~~وتثبيته مما كاده به الكفار ، وراموا من فتنته ، ومرادنا من ذلك تنزيهه ~~وعصمته صلى الله عليه وسلم ، وهو مفهوم الآية . | و أما المأخذ الثاني فهو ~~مبني على تسليم الحديث لو صح ، وقد أعاذنا الله من صحته ، ولكن على كل حال ~~فقد أجاب على ذلك أئمة المسلمين بأجوبة ، منها الغث والسمين ، فمنها ما روى ~~قتادة ومقاتل أن النبي صلى الله عليه وسلم أصابته سنة عند قراءته هذه ~~السورة فج رى هذا الكلام على لسانه بحكم النوم . | و هذا لا يصح ، إذ لا ~~يجوز على النبي مثله في حالة من أحواله ، ولا يخلقه الله على لسانه ، ولا ~~يستولي الشيطان عليه في نوم ولا يقظة لعصمته في هذا الباب من جميع العمد ~~والسهو . | و في قول الكلبي : إن النبي صلى الله عليه وسلم حدث نفسه ، فقال ~~ذلك الشيطان على لسانه . | و في رواية ابن شهاب ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن ~~، قال : وسها ، فلما أخبر PageV02P114 بذلك قال : إنما ذلك من الشيطان . | ~~و كل هذا لا يصح أن يقوله النبي صلى الله عليه وسلم لا سهوا ولا قصدا ، ولا ~~يتقوله الشيطان على لسانه . | و قيل : لعل النبي صلى الله عليه وسلم قال في ~~أثناء تلاوته على تقدير التقرير والتوبيخ للكفار ، كقول إبراهيم عليه ~~السلام : هذا ربي على أحد التأويلات . | و كقوله : بل فعله كبيرهم هذا بعد ~~السكت وبيان الفصل بين الكلامين ، ثم رجع إلى تلاوته . | و هذا [ 198 ] ~~ممكن مع بيان الفصل وقرينة تدل على المراد ، وأنه ليس من المتلو ، وهو أحد ~~ما ذكره القاضي أبو بكر . | و لا يعترض على هذا بما روي أنه كان ms305 في الصلاة ~~، فقد كان الكلام قبل فيها غير ممنوع . | و الذي يظهر ويترجح في تأويله ~~عنده وعند غيره من المحققين على تسليمه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~كما أمره ربه يرتل القرآن ترتيلا ، ويفصل الآي تفصيلا في قراءته ، كما رواه ~~الثقات عنه ، فيمكن ترصد الشيطان لتلك السكتات ودسه فيها ما اختلقه من تلك ~~الكلمات محاكيا نغمة النبي صلى الله عليه وسلم بحيث يسمعه من دنا إليه من ~~الكفار ، فظنوها من قول النبي صلى الله عليه وسلم ، وأشاعوها ، ولم يقدح ~~ذلك عند المسلمين بحفظ السورة قبل ذلك على ما أنزلها الله وتحققهم من حال ~~النبي صلى الله عليه وسلم في ذم الأوثان وعيبها على ما عرف منه . | [ وقد ~~حكى موسى بن عقبة في مغازيه نحو هذا ، وقال : إن المسلمين لم يسمعوها ، ~~وإنما ألقى الشيطان ذلك في أسماع المشركين وقلوبهم ] ، ويكون ما روي من حزن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الإشاعة والشبهة ، وسبب هذه الفتنة . | و قد ~~قال الله تعالى : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى ~~الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله ~~عليم حكيم ، فمعنى تمنى : تلا ، قال الله تعالى : لا يعلمون الكتاب إلا ~~أماني ، أي تلاوة . | PageV02P115 و قوله : ف ينسخ الله ما يلقي الشيطان ، ~~أي يذهبه ، ويزيل اللبس به ، ويحكم آياته . | و قيل : معنى الآية هو ما يقع ~~للنبي صلى الله عليه وسلم من السهو إذا قرأ فينتبه لذلك ويرجع عنه . | و ~~هذا نحو قول الكلبي في الآية : إنه حدث نفسه ، وقال : إذا تمنى ، أي حدث ~~نفسه . | و في رواية أبي بكر بن عبد الرحمن نحوه . | و هذا السهو في ~~القراءة إنما يصح فيما ليس طريقه تغيير المعاني ، وتبديل الألفاظ ، وزيادة ~~ما ليس من القرآن ، بل السهو عن إسقاط آية منه أو كلمة ، ولكنه لا يقر على ~~هذا السهو ، بل ينبه عليه ، ويذكر به للحين على ما سنذكره في حكم ما يجوز ~~عليه من السهو ms306 وما لا يجوز . | و مما يظهر في تأويله أيضا أن مجاهدا روى ~~هذه القصة : والغرانقة العلا ، فإن سلمنا القصة قلنا : لا يبعد أن هذا كان ~~قرآنا ، والمراد بالغرانقة العلا ، وأن شفاعتهن لترتجى : الملائكة على هذه ~~الرواية . | و بهذا فسر الكلبي الغرانقة أنها الملائكة ، وذلك أن الكفار ~~كانوا يعتقدون الأوثان والملائكة بنات الله ، كما حكى عنهم ورد عليهم في ~~هذه السورة بقوله : ألكم الذكر وله الأنثى ، فأنكر الله هذا من قولهم ، ~~ورجاء الشفاعة من الملائكة صحيح ، فلما تأوله المشركون على أن المراد بهذا ~~الذكر آلهتهم ، ولبس عليهم الشيطان ذلك ، وزينة في قلوبهم وألقاه ، إليهم ~~نسخ الله ما ألقى الشيطان ، وأحكم آياته ، ورفع تلاوة تلك اللفظتين اللتين ~~وجد الشيطان بهما سبيلا للإلباس ، كما نسخ كثير من القرآن ورفعت تلاوته ، ~~وكان في إنزال الله تعالى لذلك حكمة ، وفي نسخه حكمة ، ليضل به من يشاء ~~ويهدي من يشاء ، وما يضل به إلا الفاسقين ، وليجعل ما يلقي الشيطان فتنة ~~للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد * وليعلم ~~الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله ~~لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم [ سورة الحج - 22 ، الآيتان : 53 ، 54 ] ~~. | و قيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه السورة ، وبلغ ذكر ~~اللات والعزى ومناة الثالثة PageV02P116 الأخرى خاف الكفار أن يأتي بشيء من ~~ذمها فسبقوا إلى مدحها بتلك الكلمتين ليخلطوا في تلاوة النبي صلى الله عليه ~~وسلم ، ويشغبوا عليه على عادتهم وقولهم : لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ~~لعلكم تغلبون [ سورة فصلت ، الآية : 26 ] . | و نسب هذا الفعل إلى الشيطان ~~لحمله لهم عليه ، وأشاعوا ذلك وأذاعوه ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله ~~، فحزن لذلك من كذبهم وافترائهم عليه ، فسلاه الله | تعالى بقوله : | وما ~~أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ، ~~وبين للناس الحق من ذلك من الباطل ، وحفظ القرآن ، وأحكم آياته ، ودفع ما ~~لبس به العدو ، كما ضمنه ms307 تعالى من قوله : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له ~~لحافظون [ سورة الحجر - 15 ، الآية : 9 ] . | و من ذلك ما روي من قصة يونس ~~عليه السلام وأنه وعد قومه بالعذاب عن ربه ، فلما تابوا كشف عنهم العذاب ، ~~فقال : لا أرجع كذابا أبدا ، فذهب مغاضبا . | فاعلم أكرمك الله أن ليس في ~~خبر من الأخبار الواردة في هذا الكتاب أن يونس عليه السلام قال لهم : إن ~~الله مهلككم ، وإنما فيه أنه دعا عليهم بالهلاك ، والدعاء ليس بخبر يطلب ~~صدقة من كذبه ، لكنه قال لهم : إن العذاب مصبحكم وقت كذا ، فكان ذلك ، كما ~~قال ، ثم رفع الله تعالى عنهم العذاب وتداركهم ، قال الله تعالى : فلولا ~~كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب ~~الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين [ سورة يونس - 10 ، الآية : 98 ] ~~. | و روي في الأخبار انهم رأوا دلائل العذاب ومخايله ، قاله ابن مسعود . | ~~و قال سعيد بن جبير : غشاهم العذاب كما يغشى الثواب القبر . | فإن قلت : ~~فما معنى ما روي من أن عبد الله بن أبي سرح كان يكتب لرسول صلى الله عليه ~~وسلم ، ثم ارتد مشركا ، وصار إلى قريش تعالى فقال لهم : إني كنت أصرف محمدا ~~حيث أريد ، كان يملى على [ عزيزحكيم ] فأقول أو [ عليم حكيم ] ؟ فيقول : ~~نعم ، كل صواب . | و في حديث أخر : فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم : ~~اكتب كذا فيقول : أكتب كذا ؟ فيقول : اكتب كيف شئت ويقول : اكتب عليما ~~حكيما ، فيقول أكتب : سيمعا بصيرا ، فيقول له : اكتب كيف شئت . | ~~PageV02P117 و في الصحيح عن أنس رضي الله عنه أن نصرانيا كان يكتب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم بعد ما أسلم ثم ارتد ، وكان يقول : ما يدري محمد إلا ما ~~كتبت له . | فاعلم ثبتنا الله وإياك على الحق ، ولا جعل للشيطان وتلبيسه ~~الحق بالباطل إلينا سبيلا أن مثل هذه الحكاية أولا لا توقع في قلب مؤمن ~~رينا ، إذ هي حكاية عمن ارتد وكفر بالله ، ونحن لا نقبل خبر المسلم المتهم ~~، فكيف بكافر ms308 اف ترى هو ومثله على الله ورسله ما هو أعظم من هذا ! . | و ~~العجب لسليم العقل بشغل بمثل [ 200 ] هذه الحكاية سره ، وقد صدرت من عدو ~~كافر مبغض للدين ، مفتر على الله ورسوله ، ولم ترد عن أحد من المسلمين ، ~~ولا ذكر أحد من الصحابة أنه شاهد ما قاله وافتراه على نبي الله ، وإنما ~~يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله ، وأولئك هم الكاذبون . | [ وما ~~وقع من ذكرها في حديث أنس رضي الله عنه وظاهر حكايتها ، فليس فيه ما يدل ~~على أنه شاهدها ، ولعله حكى ما سمع . | و قد علل البزار حديثه ذلك ، وقال : ~~رواه ثابت عنه ، ولم يتابع عليه ، ورواه حميد عن أنس ، قال : وأظن إنما ~~سمعه من ثابت . | قال القاضي أبو الفضل وفقه الله : ولهذا ، والله أعلم ، ~~لم يخرج أهل الصحيح حديث ثابت ولا حميد . والصحيح حديث عبد العزيز بن رفيع ~~عن أنس رضي الله عنه الذي خرجه أهل الصحة وذكرناه ، وليس فيه عن أنس قول ~~شيء من ذلك من قبل نفسه إلا من حكايته عن المرتد النصراني ] ، ولو كانت ~~صحيحة لما كان فيها قدح ولا تو هيم للنبي صلى الله عليه وسلم فيما أوحي ~~إليه ، ولا جواز للنسيان والغلط عليه والتحريف فيما بل غه ولا طعن في نظم ~~القرآن ، وأنه من عند الله ، إذ ليس فيه لو صح أكثر من أن الكاتب قال له : ~~عليم حكيم وكتبه ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : كذلك هو ، فسبقه ~~لسانه أو قلمه لكلمة أو كلمتين مما نزل على الرسول قبل إظهار الرسول لها ، ~~إذ كان ما تقدم مما أملاه الرسول يدل عليها ويقتضي وقوعها بقوة قدرة الكاتب ~~على الكلام ومعرفته به ، وجودة حسه وفطنته ، كما يتفق ذلك للعارف إذا سمع ~~البيت أن يسبق إلى قافيته ، أو مبتدأ الكلام الحسن إلى ما يتم به ، ولا ~~يتفق في جملة الكلام ، كما لا يتفق ذلك في آية ولا سورة . | PageV02P118 و ~~كذلك قوله صلى الله عليه وسلم : كل صواب إن صح ، فقد يكون هذا ms309 فيما كان فيه ~~من مقاطع الآي وجهان وقراءتان أنزلتا جميعا على النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~فأملى إحداها ، وتوصل الكاتب بفطنته ومعرفته بمقتضى الكلام إلى الأخرى ، ~~فذكرها للنبي صلى الله عليه وسلم كما قدمناه ، فصوبها له النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، ثم أحكم الله من ذلك ما أحكم ، ونسخ ما نسخ كما قد وجد ذلك في ~~بعض مقاطع الآي ، مثل قوله تعالى : إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم ~~فإنك أنت العزيز الحكيم [ س ورة المائدة / 5 ، الآية : 118 ] . | و هذه ~~قراءة الجمهور وقد قرأ جماعة : [ فإنك أنت الغفور الحكيم ] . وليست من ~~المصحف . | و كذلك كلمات جاءت على وجهين في غير المقاطع ، قرأ بهما جميعا ~~الجمهور ، وثبتنا في المصحف ، مثل : وانظر إلى العظام كيف ننشزها وننشزها ~~ويقتضي الحق ويقص الحق . | و كل هذا لا يوجب رينا ، ولا ينسب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم غلطة ولا وهما . | و قد قيل : إن هذا يحتمل أن يكون فيما ~~يكتبه عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس غير القرآن ، فيصف الله ~~ويسميه في ذلك كيف يشاء . # # | 2 ( فيما يتصل بأمور الدنيا وأحوال نفسه ) 2 # | هذا القول فيما طريقه البلاغ ، وأما ما ليس سبيله من الأخبار التي لا ~~مستند لها إلى الأحكام ، ولا أخبار المعاد ، ولا تضاف إلى وحي ، بل في أمور ~~الدنيا وأحوال نفسه فالذي يجب اعتقاده تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~يقع خبره في شيء من ذلك بخلاف مخبره ، لا عمدا ولا سهوا ولا غلطا ، وأنه ~~معصوم من ذلك في حال رضاه وفي سخطه ، وجده ومزحه وصحته ومرضه . | و دليل ~~ذلك اتفاق السلف وإجماعهم عليه ، وذلك أنا نعلم من دين الصحابة وعادتهم ~~مبادرتهم إلى تصديق جميع أحواله ، والثقة بجميع أخباره في أي باب كانت ، ~~وعن أي شيء وقعت ، وأنه لم يكن لهم توقف ولا تردد في شيء منها ، ولا ~~استثبات عن حاله عند ذلك ، هل وقع فيها سهو أم لا ؟ | PageV02P119 و لما [ ~~201 ] احتج ابن أبي الحقيق اليهودي على عمر ms310 حين أجلاهم من خيبر بإقرار رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، واحتج عليه عمر رضي الله عنه بقوله صلى الله ~~عليه وسلم : كيف بك إذا أخرجت من خيبر ؟ فقال اليهودي : كانت هزيلة من أبي ~~القاسم . فقال عمر : كذبت يا عدو الله . | و أيضا فإن أخباره وآثاره وسيره ~~وشمائله م عتنى بها مستقصى تفاصيلها ، ولم يرد في شيء منها استدراكه صلى ~~الله عليه وسلم لغلط في قول قاله ، أو اعترافه بوهم في شيء أخبربه ، ولو ~~كان ذلك لنقل كما نقل من قصته عليه السلام في رجوعه صلى الله عليه وسلم عما ~~أشار به على الأنصار في تلقيح النخل وكان ذلك رأيا لا خبرا ، وغير ذلك من ~~الأمور التي ليست من هذا الباب ، كقوله صلى الله عليه وسلم : والله لا أحلف ~~على يمين ، فأرى غيرها خيرا منها إلا فعلت الذي حلفت عليه وكفرت عن يميني . ~~| و قوله : إنكم تختصمون إلي . . . الحديث . | قوله : اسق يا زبير حتى يبلغ ~~الماء الجدر كما سنبين كل ما في هذا من مشكل ما في هذا الباب والذي بعده إن ~~شاء الله ، مع أشباهها . | و أيضا فإن الكذب متى عرف من أحد في شيء من ~~الأخبار بخلاف ما هو على أي وجه كان استريب بخيره ، واتهم في حديثه ، ولم ~~يقع قوله في النفوس موقعا ، ولهذا ما ترك المحدثون والعلماء الحديث عمن عرف ~~بالوهم والغفلة وسوء الحفظ ، وكثرة الغلط للمروءة ، مع ثقة . | و أيضا فإن ~~تعمد الكذب في أمور الدنيا معصية ، والإكثار منه كبيرة بإجماع ، مسقط ~~للمروءة . | و كل هذا مما ينزه عنه منصب النب وة ، والمرة الواحدة منه فيا ~~يستبشع ويستشنع ويشيع مما يخل بصاحبها ، ويزري بقائلها لا حقة بذلك . | ~~PageV02P120 و أما فيما لا يقع هذا الموقع فإن عددناها من الصغائر فهل يجري ~~على حكمها في الخلاف فيها ؟ مختلف فيه . والصواب تنزيه النبوة عن قليله ~~وكثيره ، سهوه وعمده ، إذ عمدة النبوة البلاغ والإعلام والتبين ، وتصديق ما ~~جاء به النبي صلى الله عليه وسلم . وتجويز شيء من هذا قادح ms311 في ذلك ، ومشكك ~~فيه ، مناقض للمعجزة ، فلنقطع عن يقين بأنه لا يجوز على الأنبياء خلف في ~~القول في وجه من الوجوه ، لا بقصد ولا بغير قصد ، ولا تتسامح مع من سامح في ~~تجويز ذلك عليهم حال السهو مما ليس طريقه البلاغ ، نعم ، وبأنه لا يجوز ~~عليهم الكذب قبل النبوة ، ولا الاتسام به في أمورهم وأحوال دنياهم ، لأن ~~ذلك كان يزري ويريب ، وينفر القلوب عن تصديقهم بعد . | و انظر أحوال أهل ~~عصر النبي صلى الله عليه وسلم من قريش وغيرها من الأمم وسؤالهم عن حاله في ~~صدق لسانه ، وما عرفوا به من ذلك واعترفوا به مما عرف ، واتفق النقل على ~~عصمة نبينا صلى الله عليه وسلم منه قبل وبعد ، وقد ذكرنا من الآثار فيه في ~~الباب الثاني أول الكتاب ما يبين ل ك صحة ما أشرنا إليه . | # | 2 ( فصل في حديث السهو ) 2 # | فإن قلت : فما معنى قوله صلى الله عليه وسلم في حديث السهو الذي حدثنا ~~به الفقيه أبو إسحاق [ 202 ] إبراهيم بن جعفر حدثنا القاضي أبو الأصبغ بن ~~سهل ، حدثنا حاتم بن محمد ، حدثنا أبو عبد الله بن الفخار ، حدثنا أبو عيسى ~~، حدثنا عبيد الله ، حدثنا يحيى ، عن مالك ، عن داود بن الحصين ، عن أبي ~~سفيان مولى ابن أبي أحمد أنه قال : سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول : صلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر ، فسلم في ركعتين ، فقام ذو ~~اليدين ، فقال : يا رسول الله ، أقصرت الصلاة أم نسيت ؟ فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم : كل ذلك لم يكن . | و في الرواية الآخرى : ما قصرت وما ~~نسيت . . الحديث بقصته ، فأخبره بنفي الحالتين ، وأنها لم تكن ، وقد كان ~~أحد ذلك كما قال ذو اليدين : قد كان بعض ذلك يا رسول الله . . . | فاعلم ~~وفقنا لله وإياك أن للعلماء في ذلك أجوبة ، بعضها بصدد الإنصاف ، ومنها ما ~~هو بنية التعسف والاعتساف ، وهأنا أقول : | PageV02P121 أما على القول ~~بتجويز الوهم والغلط فيما ليس طريقه من القول البلاغ ، وهو الذي زيفناه من ms312 ~~القولين فلا اعتراض بهذا الحديث وشبهه . | و أما على مذهب من يمنع السهو في ~~أفعاله جملة ، ويرى أنه في مثل هذا عامد لصورة النسيان ليسن ، فهو صادق في ~~خبره ، لأنه لم ينس ولا قصرت ، ولكنه على هذا القول تعمد هذا الفعل في هذه ~~الصورة لمن اعتراه مثله ، وهو قول مرغوب عنه ونذكره في موضعه | و أما على ~~إحالة السهو عليه في الأقوال وتجويز السهو عليه فيما ليس طريقه القول كما ~~سنذكره ففيه أجوبة ، منها : | أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن اعتقاده ~~وضميره ، أما إنكار القصر فحق وصدق باطنا وظاهرا . وأما النسيان فأخبر صلى ~~الله عليه وسلم عن اعتقاده ، وأنه لم ينس في ظنه ، فكأنه قصد الخبر عن ظنه ~~وإن لم ينطق به ، وهذا صدق أيضا . | و وجه ثاني : أن قوله : ولم أنس راجع ~~إلى السلام ، أي إني سلمت قصدا ، وسهوت عن العدد ، أي لم أسه في نفس السلام ~~، وهذا محتمل ، وفيه بعد . | و وجه ثالث وهو أبعدهما ما ذهب إليه بعضهم ، ~~وإن احتمله اللفظ من قوله : كل ذلك لم يكن : أي لم يجتمع القصر والنسيان ، ~~بل كان أحدهما . ومفهوم اللفظ خلافه مع الرواية الأخرى الصحيحة ، وهو قوله ~~: ما قصرت الصلاة وما نسيت . | هذا ما رأيت فيه لأئمتنا ، وكل من ه ذه ~~الوجوه محتمل للفظ على بعد بعضها وتعسف الآخر منها . | قال القاضي أبو ~~الفضل رحمه الله : والذي أقول ويظهر لي أنه أقرب من هذه الوجوه كلها أن ~~قوله صلى الله عليه وسلم : لم أنس إنكار للفظ الذي نفاه عن نفسه ، وأنكره ~~على غيره بقوله : بئس ما لأحدكم أن يقول : نسيت آية كذا وكذا ، ولكنه نسي . ~~| و بقوله في بعض روايات الحديث الآخر : لست أنسى ، ولكن أنسى . فلما قال ~~له السائل : أقصرت الصلاة أم نسيت ؟ أنكر قصرها كما كان ، ونسيانه هو من ~~قبل نفسه ، وإنه إن كان جرى شيء من ذلك فقد نسي حتى سأل غيره ، فتحقق أنه ~~نسي ، وأجرى عليه ذلك [ 203 ] ليسن ، فقوله على هذا : لم أنس ms313 ولم تقتصر ، ~~وكل ذلك لم يكن صدق وحق ، لم تقصر ، ولم ينس حقيقة ، ولكنه نسي . | و وجه ~~آخر استثرته من كلام بعض المشايخ ، وذلك أنه قال : إن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان PageV02P122 يسهو ولا ينسى ، ولذلك نفى عن نفسه النسيان ، قال : ~~لأن النسيان غفلة وآفة ، والسهو إنما هو شغل بال ، قال : فكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يسهو في صلاته ولا يغفل عنها ، وكان يشغله عن حركات الصلاة ~~ما في الصلاة ، شغلا بها لا غفلة عنها . | فهذا إن تحقق على هذا المعنى لم ~~يكن في قوله : ما قصرت ولا نسيت خلف في قول . | [ وعندي أن قوله : ما قصرت ~~الصلاة وما نسيت بمعنى الترك الذي هو أحد وجهي النسيان ، أراد والله أعلم ~~أني لم أسلم من ركعتين تاركا لإكمال الصلاة ، ولكني نسيت ، ولم يكن من ~~تلقاء نفسي . | و الدليل على ذلك قوله في الحديث الصحيح : إني لأنسى أو ~~أنسى لأسن ] . | و أما قصة كلمات إبراهيم المذكورة في الحديث أنها كذباته ~~الثلاث المنصوصة في القرآن منها اثنتان : قوله : إني سقيم . وقوله : قالوا ~~أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم * قال بل فعله كبيرهم هذا . وقوله للملك ~~عن زوجته : إنها أختي فاعلم أكرمك الله أن هذه كلها خارجة عن الكذب ، لا في ~~القصد ولا في غيره ، وهي داخلة في باب المعاريض التي فيها مندوحة عن الكذب ~~. | أما قوله : إني سقيم فقال الحسن وغيره : معناه سأسقم ، أي إن كل مخلوق ~~معرض لذلك ، فاعتذر لقومه من الخروج معهم إلى عيدهم بهذا . | و قيل : بل ~~سقيم بما قدر علي من الموت . | و قيل : سقيم القلب بما أشاهده من كفركم ~~وعنادكم . | و قيل : بل كانت الحمى تأخذه عند طلوع نجم معلوم ، فلما رآه ~~اعتذر ب عادته . | و كل هذا ليس فيه كذب ، بل هو خبر صحيح صدق . | و قيل : ~~بل عرض بسقم حجته عليهم ، وضعف ما أراد بيانه لهم من جهة النجوم التي كانوا ~~يشتغلون بها ، وأنه أثناء نظره في ذلك ، وقبل استقامة حجته عليهم في حال ms314 ~~PageV02P123 سقم ومرض حال ، مع أنه لم يشك هو ولا ضعف إيمانه ، ولكنه ضعف ~~في استدلاله عليهم وسقم نظره ، كما يقال : حجة سقيمة ، ونظر معلول ، حتى ~~ألهمه الله باستلاله وصحة حجته عليهم بالكواكب والشمس والقمر ما نصه الله ~~تعالى ، وقد قد منا بيانه . | و أما قوله : بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن ~~كانوا ينطقون فإنه علق خبره بشرط نطقه ، كأنه قال : إن كان ينطق فهو فعله ~~على طريق التبكيت لقومه . وهذا صدق أيضا ، ولا خلف فيه . | و ما قوله : ~~أختي فقد بين في الحديث ، وقال : فإنك أختي في الإسلام ، وهو صدق ، والله ~~تعالى يقول : إنما المؤمنون إخوة [ سورة الحجرات - 49 ، الآية : 10 ] . | ~~فإن قلت : فهذا النبي صلى الله عليه وسلم قد سماها كذبات ، وقال : لم يكذب ~~إبراهيم إلا ثلاث كذبات وقال في حديث الشفاعة : ويذكر كذباته فمعناه أنه لم ~~يتكلم بكلام صورته صورة الكذب وإن كان حقا في الباطن إلا هذه الكلمات . | و ~~لما كان مفهوم ظاهرها خلاف باطنها أشفق إبراهيم عليه الصلاة والسلام من ~~مؤاخذته بها . | و أما الحديث : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد ~~غزوة ورى بغيرها فليس فيه خلف في القول ، إنما هو ستر مقصده ، لئلا يأخذ ~~عدوه حذره ، وكتم وجه ذهابه بذكر السؤال عن موضع آخر والبحث عن أخباره ~~والتعريض بذكره ، لا أنه [ 204 ] يقول : تجهزوا إلى غزوة كذا ، أو وجهتنا ~~إلى موضع كذا خلاف مقصده ، فهذا لم يكن ، والأول ليس فيه خبر يدخله الخلف . ~~| فإن قلت : فما معنى قول موسى عليه السلام وقد سئل : أي الناس أعلم ؟ فقال ~~: أنا أعلم ، فعتب الله عليه ذلك ، إذ يرد العلم إليه الحديث ، وفيه قال : ~~بل عبد لنا بمجمع البحرين أعلم منك . | و هذا خبر قد أنبأنا الله أنه ليس ~~كذلك . | فاعلم أنه قد وقع في هذا الحديث من بعض طرقه الصحيحة ، عن ابن ~~عباس : PageV02P124 هل تعلم أحدا أعلم منك ؟ . | فإذا كان جوابه على علمه ~~فهو خبر حق وصدق لا خلف فيه ولا شبهة . | و على الطريق الآخر ms315 فمحمله على ~~ظنه ومعتقده ، كما لو صرح به ، لأن حاله في النبوة والاصطفاء يقتضي ذلك ، ~~فيكون إخباره بذلك أيضا عن اعتقاده وحسب انه صدقا لا خلف فيه . | و قد يريد ~~بقوله : أنا أعلم بما تقتضيه وظائف النبوة من علوم التوحيد ، وأمور الشريعة ~~، وسياسة الأمة ، ويكون الخضر أعلم منه بأمور أخر مما لا يعلمه أحد إلا ~~بإعلام الله من علوم غيبه ، كالقصص المذكورة في خبرهما ، فكان موسى عليه ~~السلام أعلم على الجملة بما تقدم . وهذا أعلم على الخصوص بما أعلم . | و ~~يدل عليه قوله تعالى : وعلمناه من لدنا علما [ سورة الكهف - 18 ، الآية : ~~65 ] . | و عتب الله ذلك عليه فيما قاله العلماء إنكار هذا القول عليه ، ~~لأنه لم يرد العلم إليه ، كما قالت الملائكة : لا علم لنا إلا ما علمتنا ، ~~أو لأنه لم يرض قوله شرعا ، وذلك والله أعلم لئلا يقتدي به فيه من لم يبلغ ~~كماله في تزكية نفسه وعلو درجته من أمته ، فيهلك لما تضمنه من مدح الإنسان ~~نفسه ، ويورثه ذلك من الكبر والعجب والتعاطي والدعوى ، وإن نزه عن هذه ~~الرذائل الأنبياء فغيرهم بمدرجة سبيلها ودرك ليلها إلا من عصمه الله ، ~~فالتحفظ أولى لنفسه ، وليقتدى به ، ولذا قال صلى الله عليه وسلم تحفظا من ~~مثل هذا مما قد أعلم به : أنا سيد ولد آدم ولا فخر . | و هذا الحديث إحدى ~~حجج القائلين بنبوة الخضر ، لقوله فيه : أنا أعلم من موسى . ولا يكون الولي ~~أعلم من النبي . | و أما الأنبياء فيتفاضلون في المعارف . | و بقوله : وما ~~فعلته عن أمري ، فدل أنه بوحي . ومن قال : إنه ليس بنبي قال : يحتمل أن ~~يكون فعله بأمر نبي آخر . | و هذا يضعف ، لأنه ما علمنا أنه كان في زمن ~~موسى نبي غيره إلا أخاه هارون ، وما نقل أحد من أهل الأخبار في ذلك شيئا ~~يعول عليه . | و إذا جعلنا [ أعلم منك ] ليس على العموم ، وإنما هو على ~~الخصوص ، وفي PageV02P125 قضايا معينة لم يحتج إلى إثبات نبوة الخضر ، ~~ولهذا قال بعض الشيوخ : كان موسى أعلم ms316 من الخضر فيما أخذ عن الله ، والخضر ~~أعلم فيما رفع إليه من موسى . | و قال آخر : إنما ألجيء موسى إلى الخضر ~~للتأديب لا للتعليم . | # | 2 ( فصل في عصمة الأنبياء من الفواحش والكبائر الموبقات ) 2 # | و أما ما يتعلق بالجوارح من الأعمال ، ولا يخرج من جملتها القول ~~باللسان فيما عدا الخبر الذي وقع فيه الكلام والاعتماد بالقلب فيما عدا ~~التوحيد ، وما قدمناه من معارفه المختصة به فأجمع المسلمون على عصمة ~~الأنبياء من الفواحش والكبائر الموبقات . [ 205 ] ومستند الجمهور في ذلك ~~الإجماع الذي ذكرناه . | و هو مذهب القاضي أبي بكر ، ومنعها غيره بدليل ~~العقل مع الإجماع ، وهو قول الكافة واختاره الأستاذ أبو اسحاق . | و كذلك ~~لا خلاف أنهم معصومون من كتمان الرسالة والتقصير في التبليغ ، لأن كل ذلك ~~تقتضي العصمة منه المعجزة ، مع الإجماع على ذلك من الكافة . | و الجمهور ~~قائلون بأنهم معصومون من ذلك من قبل الله معتصمون باختيارهم وكسبهم إلا ~~حسينا النجار ، فإنه قال : لا قدرة لهم على المعاصي أصلا . | و أما الصغائر ~~فجوزها جماعة من السلف وغيرهم على الأنبياء ، وهو مذهب أبي جعفر الطبري ~~وغيره من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين . وسنورد بعد هذا ما احتجوا به . | ~~و ذهب طائفة أخرى إلى الوقف ، وقالوا : العقل لا يحيل وقوعها منهم ، ولم ~~يأت في الش رع قاطع بأحد الوجهين . | و ذهبت طائفة أخرى من المحققيبن ~~والمتكلمين إلى عصمتهم من الصغائر كعصمتهم من الكبائر ، قالوا : لا ختلاف ~~الناس في الصغائر وتعيينها من الكبائر وإشكال ذلك ، وقول ابن عباس وغيره : ~~إن كل ما عصي الله به فهو كبيرة ، وأنه إنما سمي منها الصغير بالإضافة إلى ~~ما هو أكبر منه ، ومخالفة الباري في أمر كان يجب كونه كبيرة . | قال القاضي ~~أبو محمد عبد الوهاب : لا يمكن أن يقال : إن في معاصي الله PageV02P126 ~~صغيرة إلا على معنى أنها تغتفر باجتناب الكبائر ، ولا يكون لها حكم مع ذلك ~~بخلاف الكبائر إذا لم يتب منها فلا يحبطها شيء . والمشيئة في العفو عنها ~~إلى الله تعالى ، وهو قول القاضي أبي ms317 بكر وجماعةأئمة الأشعرية وكثير من ~~أئمة الفقهاء . | قال القاضي رحمه الله : وقال بعض أئمتنا : ولا يجب على ~~القولين أن يختلف أنهم معصومون عن تكرار الصغائر وكثرتها ، إذ يلحقها ذلك ~~بالكبائر ، ولا في صغيرة أدت إلى إزالة الحشمة ، وأسقطت المروءة ، وأوجبت ~~الازراء والخساسة ، فهذا أيضا مما يعصم عنه الأنبياء إجماعا ، لأن مثل هذا ~~يحط منصبه المتسم به ، ويزري بصاحبه ، وينفر القلوب عنه ، والأنبياء منزهون ~~عن ذلك بل يلحق بهذا ما كان من قبل المباح ، فأدى إلى مثله ، لخروجه بما ~~أدى إليه عن اسم المباح إلى الحظر . | و قد ذهب بعضهم إلى عصمتهم من مواقعه ~~المكروه قصدا . | و قد استدل بعض الأئمة على عصمتهم من الصغائر بالمصير إلى ~~امتثال أفعالهم ، واتباع آثارهم وسيرهم مطلقا . | و جمهور الفقهاء على ذلك ~~من أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة من غير التزام قرينة ، بل مطلقا عند ~~بعضهم ، وإن اختلفوا حكم ذلك . | و حكى ابن خويز منذا ذو أبو الفرج ، عن ~~مالك ، التزام ذلك وجوبا ، وهو قول الأبهري وابن القصار وأكثر أصحابنا . | ~~و قول أكثر أهل العراق وابن سريج والإصطخري ، وابن خيران من الشافعية . | و ~~أثر الشافعية على أن ذلك ندب . | و ذهب طائفة إلى الإباحة . | و قيد بعضهم ~~الاتباع فيما كان من الأمور الدينية وعلم به مقصد القربة . | و من قال ~~بالإباحة في أفعاله لم يقيد . قال : فلو جوزنا عليهم الصغائر لم يمكن ~~الاقتداء بهم في أفعالهم ، إذ ليس كل فعل من أفعاله يتميز مقصده [ 206 ] من ~~القربة أو الإباحة ، أو الخطر ، أو المعصية . ولا يصح أن يؤمر المرء ~~بامتثال أمر لعله معصية ، لا سيما على من يرى من الأصوليين تقديم ا لفعل ~~على القول إذا تعارضا . | و نزيد هذا حجة بأن نقول : من جوز الصغائر ومن ~~نفاها عن نبينا صلى الله عليه وسلم مجمعون PageV02P127 على أنه لا يقر على ~~منكر من قول أو فعل ، وأنه متى رأى شيئا فسكت عنه صلى الله عليه وسلم دل ~~على جوازه ، فكيف يكون هذا حاله في حق غيره ، ثم ms318 يجوز وقوعه منه في نفسه . ~~| و على هذا المأخذتجب عصمتهم من مواقعه المكروه ، كما قيل . وإذ الحظر أو ~~الندب على الاقتداء بفعله ينافي الزجر والنهي عن فعل المكروه . | و أيضا ~~فقد علم من دين الصحابة قطعا الاقتداء بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم كيف ~~توجهت ، ومن كل فن كالاقتداء باقواله ، فقد نبذوا خواتيمهم حين نبذ خاتمه ، ~~وخلعوا نعالهم حين خلع ، واحتجاجهم برؤية ابن عمر إياه جالسا لقضاء حاجته ~~مستقبلا بيت المقدس . | و احتج غير واحد منهم في غير شيء مما بابه العبادة ~~أو العادةبقوله : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله ، وقال : هلا ~~خبرتيها أني أقبل وأنا صائم ! وقالت عائشة محتجة : كنت أفعله أنا ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم . | و غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أخبر ~~بمثل هذا عنه ، وقال : يحل الله لرسوله ما يشاء : إن ي لأخشاكم الله ~~وأعلمكم بحدوده . | و الآثار في هذا أكثر من أن نحيط عليها ، لكنه يعلم من ~~مجموعها على القطع اتباعهم أفعاله واقتداؤهم بها . ولو جوزوا عليه المخالفة ~~في شيء منها لما اتسق هذا ، ولنقل عنهم وظهر بحثهم عن ذلك ، ولما أنكر صلى ~~الله عليه وسلم على الآخر قوله واعتذاره بما ذكرناه . | و أما المباحات ~~فجائز وقوعها منهم ، إذ ليس فيها قدح ، بل هي مأذون فيها ، وأيديهم كأيدي ~~غيرهم مسلطة عليها ، إلا أنهم بما خصوا به من رفيع المنزلة ، وشرحت له ~~صدورهم من أنوار المعرفة ، واصطفوا به من تعلق هممهم با الله والدار الآخرة ~~لا يأخذون من المباحات إلا الضرورات مما يتقوون به على سلوك طريقهم ، وصلاح ~~دينهم ، وضرورة دنياهم ، وما أخذ على هذه السبيل التحق طاعة ، وصار قربة ، ~~كما بينا منه أول الكتاب طرفا في نبينا صلى الله عليه وسلم ، فبان لك عظيم ~~فضل لله على نبينا PageV02P128 وعلى سائر أنبيائه عليهم السلام بأن جعل ~~أفعالهم قربات وطاعات بعيدة عن وجه المخالفة ورسم المعصية . # # | 2 ( فصل في عصمة الأنبياء قبل النبوة ) 2 # | و قد اختلف في عصمتهم من المعاصي ms319 قبل النبوة ، فمنعها قوم ، وجوزها ~~آخرون . والصحيح أن شاء الله تنزيههم من كل عيب ، وعصمتهم من كل ما يوجب ~~الريب ، فكيف والمسألة تصورها كالممتنع ، فإن المعاصي والنواهي إنما تكون ~~بعد تقرر الشرع . | و قد اختلف الناس في حال نبينا صلى الله عليه وسلم قبل ~~أن يوحى إليه ، قل كان متبعا لشرع [ 207 ] قبله أم لا ؟ فقال جماعة : لم ~~يكن متبعا لشيء ، وهذا قول الجمهور ، فالمعاصي على هذا القول غير موجودة ~~ولا معتبرة في حقه حينئذ ، إذ الأحكام الشرعية إنما تتعلق بالأوامر ~~والنواهي وتقرر الشريعة . | ثم اختلف حجج القائلين بهذه المقالة عليها ، ~~فذهب سيف السنة ، ومقتدى فرق الأمة القاضي أبو بكر إلى أن طريق العلم بذلك ~~النقل وموارد الخبر من طريق السمع ، وحجته أنه لو كان ذلك لنقل ، ولما أمكن ~~كتمه وستره في العادة ، إذ كان من مهم أمره ، وأولى ما اهتبل به سيرته ، ~~ولفخر به أهل تلك الشريعة ، ولا حتجوا به عليه ، ولم يؤثر شيء من ذلك جملة ~~. | و ذهبت طائفة إلى امتناع ذلك عقلا ، قالوا : لأنه يبعد أن يكون متبوعا ~~من عرف تابعا ، وبنوا هذا على التحسين والتقبيح ، وهي طريقة غير سديدة ، ~~واستناد ذلك إلى النقل كما تقدم للقاضي أبي بكر أولى وأظهر . | و قالت فرقة ~~أخرى بالوقف في أمره صلى الله عليه وسلم وترك قطع الحكم عليه بشيء في ذلك ، ~~إذ لم يحل أحد الوجهين منها العقل ، ولا استبان في أحدهما طريق النقل ، وهو ~~مذهب أبي المعالي . | و قالت فرقة ثالثة : إنه كان عاملا بشرع من قبله ، ثم ~~اختلفوا : هل يتعين ذلك الشرع أم لا ؟ فوقف بعضهم عن تعيينه ، وأحجم . وجسر ~~بعضهم على التعيين وصمم . ثم اختلفت هذه المعينة فيمن كان يتبع ، فقيل نوح ~~، وقيل إبراهيم ، وقيل موسى ، وقيل عيسى صلوات الله عليهم . فهذه جملة ~~المذاهب في هذه المسألة . | PageV02P129 و الأظهر فيها ما ذهب إليه القاضي ~~أبو بكر ، وأبعدها مذاهب المعينين ، إذ لو كان شيء من ذلك لنقل كما قدمنا ، ~~ولم يخف جملة ، ولا حجة لهم في أن ms320 عيسى آخر الأنبياء ، فلزمت شريعته من جاء ~~بعدها ، إذ لم يثبت عموم دعوة عيسى ، بل الصحيح أنه لم يكن لنبي دعوة عامة ~~إلا لنبينا صلى الله عليه وسلم ، ولا حجة أيضا للآخرة في قوله : أن اتبع ~~ملة إبراهيم حنيفا ، ولا للآخرين في قوله تعالى : شرع لكم من الدين ما وصى ~~به نوحا ، فتحمل هذه الآية على اتباع في التوحيد ، كقوله تعالى : أولئك ~~الذين هدى الله فبهداهم اقتده [ سورة الأنعام - 6 ، الآية : 90 ] . | و قد ~~سمى الله تعالى فيهم من لم يبعث ، ولم تكن له شريعة تخصه ، كيوسف بن يعقوب ~~على قول من يقول : إنه ليس برسول . | و قد سمى الله تعالى جماعة منهم في ~~هذه الآية شرائعهم مختلفة لا يمكن الجمع بينها ، فدل أن المراد ما اجتمعوا ~~عليه من التوحيد وعبادة الله تعالى . | و بعد هذا فهل يلزم من قال بمنع ~~الاتباع هذا القول في سائر الأنبياء غير نبينا صلى الله عليه وسلم ، أو ~~يخالفون نبيهم ؟ . | أما من منع الاتباع عقلا فيطرد أصله في كل رسول بلا ~~مرية . وأما من مال إلى النقل فأينما تصور له وتقرر اتبعه . | و من قال ~~بالوقف فعلى أصله . ومن قال بوجوب الاتباع لمن قبله فيلتزمه بمساق حجته في ~~كل نبي . | # | فصل # | هذا حكم ما يكون المخالفة فيه من الأعمال عن قصد ؛ وهو ما يسمى معصية ، ~~ويدخل تحت التكليف . وأما ما يكون بغير قصد وتعمد [ 208 ] ؛ كالسهو ~~والنسيان في الوظائف الشرعية مما تقرر الشرع بعدم تعلق الخطاب به ، وترك ~~المؤاخذة عليه ؛ وأحوال الأنبياء في ترك المؤاخذة به ، وكونه ليس بمعصية ~~لعهم مع أممهم سواء . ثم ذلك على نوعين : ما طريقه البلاغ ، وتقرير الشرع ، ~~وتعلق الأحكام ، وتعليم الأمة بالفعل ، وأخذهم باتباعه فيه وما هو خارج عن ~~هذا مما يختص بنفسه . | أما الأول فحكمه عند جماعة من العلماء حكم السهو في ~~القول في هذا الباب . | PageV02P130 | وقد ذكرنا الاتفاق على امتناع ذلك في ~~حق النبي صلى الله عليه وسلم ، وعصمته من جوازه عليه قصدا أو سهوا ؛ فكذلك ~~قالوا ms321 : الأفعال في هذا الباب لا يجوز طرو المخالفة فيها لا عمدا ولا سهوا ~~؛ لأنها بمعنى القول من جهة التبليغ والأداء ، وطرو هذه العوارض عليها يوجب ~~التشكيك ، ويسبب المطاعن . # وعتذروا عن أحاديث السهو بتوجيهات نذكرها بعد هذا . وإلى هذا مال أبو ~~إسحاق . | وذهب الأكثر من الفقهاء والمتكلمين إلى أن المخالفة في الأفعال ~~البلاغية والأحكام الشرعية سهوا وعن غيرا قصد منه - جائزة عليه ، كما تقرر ~~من أحاديث السهو في الصلاة ، وفرقوا بين ذلك وبين الأقوال البلاغية لقيام ~~المعجزة على الصدق في القول ومخالفة ذلك يناقضها . | وأما السهو في الأفعال ~~فغير مناقض لها ، ولا قادح في النبوة ، بل غلطات الفعل وغفلات القلب من ~~سمات البشر ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ' إنما أنا بشر ، أنسى كما ~~تنسون ، فإذا نسيت فذكروني ' ، نعم ، بل حالة النسيان والسهو هنا في حقه ~~صلى الله عليه وسلم سبب إفادة علم وتقرير شرع ، كما قال صلى الله عليه وسلم ~~: ' إني لأنسى أو أنسى لأسن ' . # بل قد روي : لست أنسى ، ولكن أنسى . | وهذه الحالة زيادة في التبيلغ ، ~~وتمام عليه في النعمة بعيدة عن سمات النقص واعتراض الطعن ؛ فإن القائلين ~~بتجويز ذلك يشترطون أن الرسل لا تقر على السهو والغلط ، بل ينبهون عليه ، ~~ويعرفون حكمه بالفور على قول بعضهم ، وهو الصحيح وقبل انقراضهم على قول ~~الآخرين . | وأما ما ليس طريقه البلاغ ، ولا بيان الأحكام من أفعاله صلى ~~الله عليه وسلم ، وما يختص به من أمور دينه وأذكار قلبه مما لم يفعله ليتبع ~~فيه - فالأكثر من طبقات علماء الأمة على جواز السهو والغلط عليه فيها ، ~~ولحوق الفترات والغفلات بقلبه ؛ وذلك بما كلفه من مقاساة الخلق ، وسياسات ~~الأمة ، ومعاناة الأهل ، وملاحظة الأعداء ؛ ولكن ليس على سبيل التكرار ، ~~ولا الاتصال ، بل على سبيل النذور ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ' إنه ~~ليغان على قلبي ، فاستغفر الله ' . # PageV02P131 ليس في هذا شيء يحط من رتبته ويناقض معجزته . | وذهبت طائفة ~~إلى منع السهو والغفلات والفترات في حقه صلى الله عليه وسلم عليه وسلم جملة ~~. | وهو مذهب جماعة ms322 المتصوفة وأصحاب علم القلوب والمقامات ، ولهم في هذه ~~الأحاديث مذاهب نذكرها بعد هذا إن شاء الله . # | 2 ( فصل في الكلام على الأحاديث المذكور فيها السهو منه صلى الله عليه ~~وسلم ) 2 # | في الكلام على الأحاديث [ 209 ] المذكور فيها السهو منه صلى الله عليه ~~وسلم . | فقد قدمنا في الفصول قبل هذا ما يجوز فيه عليه السهو صلى الله ~~عليه وسلم وما يمتنع ، وأحلناه في الأخبار جملة ، وفي الأقوال الدينية قطعا ~~، وأجزنا وقوعه في الأفعال الدينية على الوجه الذي رتبناه ، وأشرنا إلى ما ~~ورد في ذلك ، ونحن نبسط القول فيه ونقول : الصحيح من الأحاديث الواردة في ~~سهوه صلى الله عليه وسلم في الصلاة ثلاثة أحاديث : | أولها : حديث ذي ~~اليدين في السلام من اثنتين . | الثاني : حديث ابن بحينة في القيام من ~~اثنتين . | الثالث : حديث ابن مسعود رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم صلى الظهر خمسا . | و هذه الأحاديث مبنية على السهو في الفعل الذي ~~قررناه ، وحكمة الله فيه ليستن به ، إذ البلاغ بالفعل أجلى منه بالقول ، ~~وأرفع للاحتمال ، وشرطه ألا يقر على السهو ، بل يشعر به ليرتفع الالتباس ، ~~وتظهر فائدة الحكمة فيه كما قدمناه ، فإن النسيان والسهو في الفعل في حقه ~~صلى الله عليه وسلم غير مضاد للمعجزة ، ولا قادح في التصديق ، وقد قال صلى ~~الله عليه وسلم : إنما أنا بشر أنسى كما تنسون ، فإذا نسيت فذكروني . | ~~PageV02P132 و قال صلى الله عليه وسلم : رحم الله فلانا ، لقد أذكرني كذا ~~وكذا آية كنت أسقطهن ويروى : أنسيهن . | و قال صلى الله عليه وسلم : إني ~~لأنسى ، أو أنسى ، لأسن . | قيل : هذا اللفظ شك من الراوي . وقد روى : إني ~~لا أنسى ، ولكن أنسى لأسن . | و ذهب ابن نافع ، وعيسى بن دينار أنه ليس بشك ~~، فإن معناه التقسيم ، أي أنسى أنا ، أو ينسيني الله . | قال القاضي أبو ~~الوليد الباجي : يحتمل ما قالاه أن يريد أني أنسى في اليقظة ، وأنسى في ~~النوم ، أو أنسى على سبيل عادة البشر من الذهول عن الشيء والسهو ، وأنسى مع ~~إقبالي ms323 عليه وتفرغي له ، فأضاف أحد النسيانين إلى نفسه ، إذ كان له بعض ~~السبب فيه ، ونفى الآخر عن نفسه ، إذ هو فيه كالمضطر . | و ذهبت طائفة من ~~أصحاب المعاني والكلام على الحديث إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يسهو في الصلاة ولا ينسى ، لأن النسيان ذهول وغفلة وآفة ، قال : والنبي صلى ~~الله عليه وسلم منزه عنها ، والسهو شغل ، فكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يسهو في صلاته ، ويشغله عن حركات ال صلاة ما في الصلاة ، شغلا بها لا غفلة ~~عنها . | و احتج بقوله في الرواية الأخرى : إني لا أنسى . | و ذهبت طائفة ~~إلى منع هذا كله عنه ، وقالوا : إن سهوه عليه السلام كان عمدا وقصدا ليسن . ~~| و هذا قول مرغوب عنه ، متناقض المقاصد ، لا يحلى منه بطائل ، لأنه كيف ~~يكون معتمدا ساهيا في حال . ولا حجة لهم في قولهم : إنه أمر بتعمد صورة ~~النسيان ليسن ، لقوله : إني لأنسى أو أنسى . وقد أثبت أحد الوصفين ، ونفى ~~مناقضة التعمد والقصد ، وقال : إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون ، [ فإذا ~~نسيت فذكروني ] . | و قد مال إلى هذا عظيم من المحققين من أئمتنا ، وهو أبو ~~المظفر الإسفرايني ، ولم يرتضه غيره منهم ، ولا أرتضيه ، ولا حجة لهاتين ~~الطائفتين في قوله : إني لا أنسى [ 210 ] ، ولكن أنسى ، إذ ليس فيه نفي حكم ~~النسيان بالجملة ، وإنما فيه نفي لفظه PageV02P133 وكراهة لقبه ، كقوله : ~~بئس ما لأحدكم أن يقول : نسيت آية كذا ، ولكنه نسي ، أو نفي الغفلة وقلة ~~الاهتمام بأمر الصلاة عن قلبه ، لكن شغل بها عنها ، ونسي بعضها ببعضها ، ~~كما ترك الصلاة يوم الخندق حتى خرج وقتها ، وشغل بالتحرز من العدو عنها ، ~~فشغل بطاعة عن طاعة . | و قي ل : إن الذي ترك يوم الخندق أربع صلوات : ~~الظهر ، والعصر ، والمغرب ، والعشاء ، وبه احتج من ذهب إلى جواز تأخير ~~الصلاة في الخوف ، إذا لم يتمكن من أدائها إلى وقت الأمن ، وهو مذهب ~~الشاميين . | و الصحيح أن حكم الصلاة الخوف كان بعد هذا ، فهو ناسخ له . | ~~فإن قلت : فما تقول ms324 في نومه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة يوم الوادي ، وقد ~~قال : إن عيني تنامان ولا ينام قلبي . | فاعلم أن للعلماء في ذلك أجوبة ، ~~منها : أن المراد بأن هذا حكم قلبه عند نومه وعينيه في غالب الأوقات ، وقد ~~يندر منه غير ذلك ، كما يندر منة غيره خلاف عادته . | و يصحح هذا التأويل ~~قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث نفسه : إن الله قبض أرواحنا . | و قول ~~بلال فيه : ما ألقيت علي نومه مثلها قط ، ولكن مثل هذا إنما يكون منه لأمر ~~يريده الله من إثبات حكم ، وتأسيس سنة ، وإظهار شرع ، كما قال في الحديث ~~الآخر : لو شاء الله لأيقظنا ، ولكن أراد أن يكون لمن بعدكم . | الثاني أن ~~قلبه لا يستغرقه النوم حتى يكون منه الحدث فيه ، لما روي أنه كان محروسا ، ~~وأنه كان ينام حتى ينفخ ، وحتى يسمع غطيطه ثم يصلي ولا يتوصأ . | و حديث ~~ابن عباس المذكور فيه وضوءه عند قيامه من النوم ، فيه نومه مع أهله ، فلا ~~يمكن الاحتجاج به على وضوئه بمجرد النوم إذ لعل ذلك لملامسته الأهل أو لحدث ~~آخر ، فكيف وفي آخر الحديث نفسه : ثم نام حتى سمعت غطيطه ، ثم أقيمت الصلاة ~~فصلى ولم يتوضأ . | PageV02P134 و قيل : لا ينام قلبه من أجل أنه يوحى إليه ~~في النوم ، وليس في قصة الوادي إلا نوم عينه عن رؤية الشمس . وليس هذا من ~~فعل القلب ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : إن الله قبض أرواحنا ولو شاء ~~لردها إلينا في حين غير هذا . | فإن قيل : فلولا عادته من استغراق النوم ~~لما قال لبلال : أكلا لنا الصبح . | فقيل في الجواب : إنه كان من شأنه صلى ~~الله عليه وسلم التفليس بالصبح ، ومراعاة أول الفجر لا تصح ممن نامت عينه ، ~~إذ هو ظاهر يدرك بالجوارح ، فوكل بلالا بمراعاة أوله ليعلمه بذلك ، كما لو ~~شغل بشغل غير النوم عن مراعاته . | فإن قيل : فما معنى نهيه صلى الله عليه ~~وسلم عن القول : نسيت ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : إني أنسى كما تنسون ms325 ، ~~فإذا نسيت فذكروني . ولقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أنسيتها . | فاعلن أكرمك ~~الله أنه لا تعارض في هذه الألفاظ ، أما نهيه عن أن يقال ن سيت آية كذا ~~فمحمول على ما نسخ حفظه من القرآن ، أي إن الغفلة في هذا لم تكن منه ، ولكن ~~الله تعالى اضطره إليها ليمحو ما يشاء ويثبت . وما كان من سهو أو غفلة من [ ~~211 ] قبله تذكرها صلح أن يقال فيه : أنسى . | و قد قيل : إن هذه منه صلى ~~الله عليه وسلم على طريق الاستحباب أن يضيف الفعل إلى خالقه ، والآخر على ~~طريق الجواز لاكتساب العبد فيه ، وإسقاطه صلى الله عليه وسلم لما أسقط من ~~هذه الآيات جائز عليه بعد بلاغ ما أمر ببلاغه ، وتوصيله إلى عباده ، ثم ~~يستذكرها من أمته ، أو من قبل نفسه ، إلا ما قضى الله نسخه ومحوه من القلوب ~~وترك استذكاره . | و قد يجوز أن ينسى النبي صلى الله عليه وسلم ما هذا ~~سبيله كرة ، ويجوز أن ينسيه منه قبل البلاغ ما لا يغير نظما ، ولا يخلط ~~حكما ، مما لا يدخل خللا في الخبر ، ثم يذكره إياه ويستحيل دوام نسيانه له ~~، لحفظ الله كتابه ، وتكليفه بلاغه . | PageV02P135 # | 2 ( فصل في الرد على من أجاز عليهم الصغائر ) 2 # | اعلم أن المجوزين للصغائر على الأنبياء من الفقهاء والمحدثين ومن ~~شايعهم على ذلك من المتكلمين احتجوا على ذلك بظواهر كثيرة من القرآن ~~والحديث إن التزموا ظواهرها أفضت بهم إلى تجويز الكبائر وخرق الإجماع ، وهو ~~ما لا يقول به مسلم ، فكيف وكل ما احتجوا به مما اختلف المفسرون في معناه ، ~~وتقابلت الاحتمالات في مقتضاه ، وجاءت أقاويل فيها للسلف بخلاف ما التزموه ~~من ذلك ، فإذا لم يكن مذهبهم إجماعا ، وكان الخلاف فيما احتجوا به قديما ، ~~وقامت الدلالة على خطأ قولهم ، وصحة غيره ، وجب تركه ، والمصير إلى ما صح . ~~| و ها نحن نأخذ في النظر فيها إن شاء الله . | فمن ذلك قوله تعالى لنبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم : | ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ms326 [ ~~سورة الفتح - 48 ، الآية : 2 ] . | و قوله : واستغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات [ سورة محمد - 47 ، الآية : 19 ] . | و قوله : ووضعنا عنك وزرك * ~~الذي أنقض ظهرك [ سورة الشرح - 94 ، الآية : 2 ، 3 ] . | و قوله : عفا الله ~~عنك لم أذنت لهم [ سورة التوبة - 9 ، الآية : 43 ] . | و قوله : لولا كتاب ~~من ا لله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم [ سورة الأنفال - 8 ، الآية : 68 ~~] . | و قوله : عبس وتولى * أن جاءه الأعمى الآية . | و ما قص من قصص غيره ~~من الأنبياء ، كقوله : وعصى آدم ربه فغوى [ سورة طه - 20 ، الآية : 121 ] . ~~| و قوله : فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما ~~يشركون [ سورة الأعراف - 7 الآية : 190 ] . | و قوله : ربنا ظلمنا أنفسنا ~~وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين [ سورة الأعراف - 7 ، الآية : ~~23 ] . | PageV02P136 و قوله عن يونس : سبحانك إني كنت من الظالمين [ سورة ~~الأنبياء - 21 ، الآية : 87 ] . | و ما ذكر من قصته وقصة داود ، وقوله : ~~وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب * فغفرنا له ذلك وإن له ~~عندنا لزلفى وحسن مآب [ سورة ص - 38 ، الآية : 24 ، 25 ] . | و قوله : ولقد ~~همت به وهم بها ، وما قص من قصته مع إخوته . | و قوله عن موسى : فوكزه موسى ~~فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان [ سورة القصص - 28 ، الآية : 15 ] . | و ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه : اغفر لي ما قدمت وما أخرت ، وما ~~أسررت وما أعلنت ونحوه م ن أدعيته صلى الله عليه وسلم . | و ذكر الأنبياء ~~في الموقف ذنوبهم في حديث الشفاعة . | و قوله : إنه ليغان على قلبي فأستغفر ~~الله . | و في حديث أبي هريرة : إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر ~~من سبعين مرة . وقوله تعالى عن نوح : وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين ~~. | و قد كان [ 212 ] قال الله له : ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم ~~مغرقون [ سورة هود - 11 ، الآية : 37 ] . | و قال عن إبراهيم : والذي أطمع ~~أن يغفر لي ms327 خطيئتي يوم الدين [ سورة الشعراء - 26 ، الآية : 82 ] . وقوله ~~عن موسى : تبت إليك [ سورة الأعراف - 7 ، الآية : 143 ] . | و قوله : ولقد ~~فتنا سليمان . . . إلى ما أشبه هذه الظواهر . | قال القاضي رحمه الله : ~~فأما احتجاجهم بقوله : ليغفر لك الله ما تقدم من PageV02P137 ذنبك وما تأخر ~~: فهذا قد اختلف فيه المفسرون ، فقيل : المراد ما كان قبل النبوة وبعدها . ~~| و قيل : المراد ما وقع لك من ذنب وما لم يقع أعلمه أنه مغفور له . | و ~~قيل : المتقدم ما كان قبل النبوة ، والمتأخر عصمتك بعدها ، حكاه أحمد بن ~~نصر . | و قيل : المراد بذلك أمته . | و قيل : المراد ما كان عن سهو وغفلة ~~، وتأويل ، حكاه الطبري ، واختاره القشيري . | و قيل : ما تقدم لأبيك آدم ، ~~وما تأخر من ذنوب أمتك ، حكاه السمرقندي والسلمي عن ابن عطاء . | و بمثله ~~والذي قبله يتأول قوله : واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ، | قال مكي : ~~مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم ها هنا هي مخاطبة لأمته . | و قيل : إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر أن يقول : وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ~~سر بذلك الكفار ، فأنزل الله تعالى : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر الآية ، وبمآل المؤمنين في الآية الأخرى بعدها ، قاله ابن عباس ، ~~فمقصد الآية : إنك مغفور لك غير مؤاخذ بذنب إن لو كان . قال بعضهم : ~~المغفرة ها هنا تبرئة من العيوب . | و أما قوله : ووضعنا عنك وزرك * الذي ~~أنقض ظهرك ، فقيل : ما سلف من ذنبك قبل النبوة ، وهو قول ابن زيد والحسن ، ~~ومعنى قول قتادة . | و قيل : معناه أنه حفظ قبل نبوته منها ، وعصم ، ولولا ~~ذلك لأثقلت ظهره ، حكى معناه السمرقندي . | و قيل : المراد بذلك ما أثقل ~~ظهره من أعباء الرسالة حتى بلغها ، حكاه الماوردي ، والسلمي . | و قيل : ~~حططنا عنك ثقل أيام الجاهلية ، حكاه مكي . | PageV02P138 و قيل : ثقل شغل ~~سرك وحيرتك وطلب شريعتك حتى شرعنا ذلك لك ، حكى معناه القشيري . | و قيل ~~المعنى : خففنا عليك ما حملت بحفظنا لما استحفظت ، وحفظ عليك . | و معنى ~~أنقض ms328 ظهرك ، أي كاد ينقضه ، فيكون المعنى على من جعل ذلك لما قبل النبوة ~~اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بأمور فعلها قبل نبوته ، وحرمت عليه بعد ~~النبوة ، فعدها أوزار ، وثقلت عليه ، وأشفق منها . | أو يكون الوضع عصمة ~~الله له وكفايته من ذنوب لو كانت لأنقضت ظهره . | أو يكون من ثقل الرسالة ، ~~أو ما ثقل عليه وشغل قلبه من أمور الجاهلية ، وإعلام الله تعالى له بحفظ ما ~~استحفظه من وحيه . | و أما قوله : عفا الله عنك لم أذنت لهم فأمر لم يتقدم ~~للنبي صلى الله عليه وسلم من الله تعالى نهي فيعد معصية ، ولا عده الله ~~تعالى عليه معصية ، بل لم يعده أهل العلم معاتبة . وغلطوا من ذهب إلى ذلك ، ~~قال نفطويه [ 213 ] : وقد حاشاه الله تعالى من ذلك ، بل كان مخيرا في أمرين ~~، قالوا : وقد كان له أن يفعل ما شاء فيما لم ينزل عليه فيه وحي ، فكيف وقد ~~قال الله تعالى : فأذن لمن شئت منهم . فلما أذن لهم أعلمه الله بما لم يطلع ~~عليه من سرهم أنه لو لم يأذن لهم لقعدوا ، وأنه لا حرج عليه فيما فعل ، ~~وليس عفا هنا بمعنى غفر ، بل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : عفا الله ~~لكم عن صدقة الخيل والرقيق . ولم تجب عليهم قط ، أي لم يلزمكم ذلك . | و ~~نحوه للقشيري ، قال : وإنما يقول العفو : لا يكون إلا عن ذنب من لم يعرف ~~كلام العرب ، ومعنى عفا الله عنك أي لم يلزمك ذنبا . | قال الداودي : روي ~~أنها تكرمة . | و قال مكي : هو استفتاح كلام ، مثل أصلحك الله وأعزك . | و ~~حكى السمرقندي أن معناه عفاك الله . | و أما قوله في أسارى بدر : ما كان ~~لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد ~~الآخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله PageV02P139 سبق لمسكم فيما ~~أخذتم عذاب عظيم . فليس فيه إلزام ذنب للنبي صلى الله عليه وسلم ، بل فيه ~~بيان ما خص به وفضل من بين سائر الأنبياء ms329 ، فكأنه قال : ما كان هذا لنبي ~~غيرك ، كما قال صلى الله عليه وسلم : أحلت لي الغنائم ، ولم تحل لنبي قبلي ~~. | فإن قيل : فما معنى قوله تعالى : تريدون عرض الدني ا والله يريد الآخرة ~~والله عزيز حكيم [ سورة الأنفال - 8 ، الآية : 67 ] . | قيل : المعنى ~~بالخطاب لمن أراد ذلك منهم ، وتجرد غرضه لعرض الدنيا وحده ، والاستكثار ~~منها ، وليس المراد بهذا النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا عليه أصحابه ، بل ~~قد روى عن الضحاك أنها نزلت حين انهزم المشركون يوم بدر ، واشتغل الناس ~~بالسلب وجمع الغنائم عن القتال ، حتى خشي عمر أن يعطف عليهم العدو . | ثم ~~قال تعالى : لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ، فاختلف ~~المفسرون في معنى الآية ، فقيل : معناها لولا أنه سبق مني أن لا أعذب أحدا ~~إلا بعد النهي لعذبتكم . | فهذا ينفي أن يكون أمر الأسرى معصية . | و قيل : ~~المعنى لو لا إيمانكم بالقرآن ، وهو الكتاب السابق فاستوجبتم به الصفح | ~~لعوقبتم على الغنائم . | و يزاد هذا القول تفسيرا وبيانا بأن يقال : لو لا ~~ما كنتم مؤمنين بالقرآن ، وكنتم ممن أحلت لهم الغنائم لعوقبتم ، كما عوقب ~~من تعدى . | و قيل : لولا أنه سبق في اللوح المحفوظ أنها حلال لكم لعوقبتم ~~. | فهذا كله ينفي الذنب والمعصية ، لأن من فعل ما أحل له لم يعص ، قال ~~الله تعالى : فكلوا مما غنمتم حلالا طي با [ سورة الأنفال - 8 ، الآية : 69 ~~] . | و قيل : بل كان صلى الله عليه وسلم قد خير في ذلك ، وقد روي عن علي ~~رضي الله عنه ، قال : جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~يوم بدر ، فقال : خير أصحابك في الأساري ، إن شاءوا القتل ، وإن شاءوا ~~الفداء ، على أن يقتل منهم في العام المقبل مثلهم . | PageV02P140 فقالوا : ~~الفداء ويقتل منا . | و هذا دليل على صحة ما قلناه ، وأنهم لم يفعلوا إلا ~~ما أذن لهم فيه ، ولكن بعضهم مال إلى أضعف الوجهين مما كان الأصلح غيره من ~~الإثخان والقتل ، فعوتبوا على ذلك ، وبين لهم ضعف اختيارهم ms330 وتصويب اختيار ~~غيرهم ، ، وكلهم غير عصاة ولا مذنبين ، وإلى نحو هذا أشار الطبري . | و ~~قوله صلى الله عليه وسلم في هذه القضية : لو نزل من السماء عذاب ما نجا منه ~~إلا عمر . [ 412 ] إشارة إلى هذا من تصويب رأيه ورأي من أخذ بمأخذه ، في ~~إعزاز الدين وإظهار كلمته ، وإبادة عدوه ، وأن هذه القضية لو استوجبت عذابا ~~نجا منه عمر ومثله ، وعين عمر لأنه أول من أشار بقتلهم ، ولكن الله لم يقدر ~~عليهم في ذلك عذابا لحله لهم فيما سبق . | و قال الداودي : والخبر بهذا لا ~~يثبت ، ولو ثبت لما جاز أن يظن أن النبي صلى الله عليه وسلم حكم لما لا نص ~~فيه ولا دليل من نص ، ولا جعل الأمر فيه إليه ، وقد نزهه الله تعالى عن ذلك ~~. | و قال القاضي بكر بن العلاء : أخبر الله تعالى نبيه في هذه الآية أن ~~تأويله وافق ما كتبه له من إحلال الغنائم والفداء ، وقد كان قبل هذا فادوا ~~في سرية عبد الله بن جحش التي قتل فيها ابن الحضرمي بالحكم بن كيسان وصاحبه ~~، فما عتب الله ذلك عليهم ، وذلك قبل بدر بأزيد من عام . | فهذا كله يدل ~~على أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم في شأن الأسرى كان على تأويل وبصيرة ، ~~وعلى ما تقدم قبل مثله ، فلم ينكره الله تعالى عليهم ، لكن الله تعالى أراد ~~لعظم أمر بدر وكثرة أسراها ، والله أعلم إظهار نعمته ، وتأكيد منته ، ~~بتعريفهم ما كتبه في اللوح المحفوظ من حل ذلك لهم ، لا على وجه عتاب وإنكار ~~وتذبيب . هذا معنى كلامه . | و أما قوله : عبس وتولى * أن جاءه الأعمى [ ~~سورة عبس - 80 ، الآية : 1 ] . | فليس له إثبات ذنب له صلى الله عليه وسلم ~~، بل إعلام الله أن ذلك المتصدي له ممن لا PageV02P141 يتزكى ، وان الصواب ~~والأولى لو كشف لك حال الرجلين الإقبال على الأعمى . | و فعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما فعل ، وتصديه لذلك الكافر ، كان طاعة لله وتبليغا عنه ~~واستئلافا له ، كما شرعه الله له ms331 ، لا معصية ، ولا مخالفة له . | و ما قصه ~~الله عليه من ذلك إعلام بحال الرجلين وتوهين أمر الكافر عنده والإشارة إلى ~~الإعراض عنه ، بقوله : وما عليك أن لا يزكى [ سورة عبس - 80 ، الآية : 3 ] ~~. | و قيل : أراد ب [ عبس ] ، و [ تولى ] الكافر الذي كان مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، قاله أبو تمام . | و أما قصة آدم عليه السلام ، وقوله ~~تعالى : فأكلا منها بعد قوله : ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين . ~~وقوله ألم أنهكما عن تلكما الشجرة ، وتصريحه تعالى عليه بالمعصية بقوله ~~تعالى : وعصى آدم ربه فغوى ، أي جهل . | و قيل أخطأ ، فإن الله تعالى قد ~~أخبر بعذره بقوله : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما ، قال ~~ابن زيد : نسي عداوة إبليس له ، وما عهد الله إليه من ذلك بقوله : إن هذا ~~عدو لك ولزوجك الآية . | و قيل : نسي ذلك بما أظهر لهما . | و قال ابن عباس ~~: إنما سمي الإنسان إنسانا لأنه عهد إليه فنسي . | و قيل : لم يقصد ~~المخالفة است حلالا لها ، ولكنهما اغترا بحلف إبليس لهما : إني لكما لمن ~~الناصحين ، وتوهما أن أحدا لا يحلف بالله حانثا . | و قد روي عذر آدم بمثل ~~هذا في بعض الآثار . | و قال ابن جبير : حلف بالله لهما حتى غرهما ، ~~والمؤمن يخدع . | و قد قيل : نسي ، ولو ينو المخالفة ، فلذلك قال : ولم نجد ~~له عزما ، وأي قصدا [ 215 ] للمخالفة . | PageV02P142 و أكثر المفسرين على ~~أن العزم هنا الجزم والصبر . | و قيل : كان عند أكله سكران ، وهذا فيه ضعف ~~، لأن الله تعالى وصف خمر الجنة أنها لا تسكر ، فإذا كان ناسيا لم تكن ~~معصية ، وكذلك إن كان ملبسا عليه غالطا ، إذ الاتفاق على خروج الناسي ~~والساهي عن حكم التكليف . | قال الشيخ أبو بكر بن فورك وغيره : إنه يمكن أن ~~يكون ذلك قبل النبوة ، ودليل ذلك قوله تعالى : وعصى آدم ربه فغوى * ثم ~~اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ، فذكر أن الاجتباء والهداية كانا بعد العصيان . ~~| و قيل : بل أكلها متأولا ms332 ، وهو يعلم أنها الشجرة التي نهي عنها ، لأنه ~~تأول نهي الله عن شجرة مخصوصة لا على الجنس ، ولهذا قيل : إنما كانت التوبة ~~من ترك التحفظ ، لا من المخالفة . | و قيل : تأول أن الله لم ينهه عنه ا ~~نهي تحريم . | فإن قيل : فعلى كل حال فقد قال الله تعالى : وعصى آدم ربه ، ~~وقال : فتاب عليه وهدى . وقوله في حديث الشفاعة : ويذكر ذنبه ، وقال : إني ~~نهيت عن أكل الشجرة فعصيت ، فسيأتي الجواب عنه وعن أشباهه مجملا آخر الفصل ~~إن شاء الله . | و أما قصة يونس فقد مضى الكلام على بعضها آنفا ، وليس في ~~قصة يونس نص على ذنب ، وإنما فيها : أبق وذهب مغاضبا وقد تكلمنا عليه . | و ~~قيل : إنما نقم الله عليه خروجه عن قومه فارا من نزول العذاب . | و قيل : ~~بل لما وعدهم العذاب ثم عفا الله عنهم قال : والله لا ألقاهم بوجه كذاب ~~أبدا . | و قيل : بل كانوا يقتلون من كذب فخاف ذلك . | و قيل : ضعف عن حمل ~~أعباء الرسالة . وقد يقدم الكلام أنه لم يكذبهم . | و هذا كله ليس فيه نص ~~على معصية إلا على قول مرغوب عنه . | و قوله : إذ أبق إلى الفلك المشحون ~~قال المفسرون تباعد . | PageV02P143 و أما قوله : إني كنت من الظالمين ، ~~فالظلم وضع الشيء في غير موضعه ، فهذا اعتراف منه عند بعضهم بذنبه ، فإما ~~أن يكون لخروجه عن قومه بغير إذن ربه ، أو لضعفه عماحمله ، أو لدعائه ~~بالعذاب على قومه . وقد دعا نوح بهلاك قومه فلم يؤاخذ . | و ق ال الواسطي ~~في معناه : نزه ربه عن الظلم ، وأضاف الظلم إلى نفسه اعترافا واستحقاقا . ~~ومثل هذا قول آدم وحواء : ربنا ظلمنا أنفسنا ، إذ كانا السبب في وضعهما غير ~~الموضع الذي أنزلا فيه ، واخراجهما من الجنة ، وإنزالهما إلى الأرض . | و ~~أما قصة داود عليه السلام فلا يجب أن يلتفت إلى ما سطره فيه الأخباريون من ~~أهل الكتاب الذين بدلوا وغيروا ، ونقله بعض المفسرين . ولم ينص الله على ~~شيء من ذلك ، ولا ورد في حديث صحيح . والذي نص ms333 عليه قوله : وظن داود أنما ~~فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب * فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى ~~وحسن مآب [ سورة ص - 38 ، الآية : 24 ، 25 ] . | و قوله فيه : أواب . | ~~فمعنى فتناه : اختبرناه . وأواب : قال قتادة : مطيع . | و هذا التفسير أولى ~~. | و قال ابن عباس ، وابن مسعود : ما زاد داود على أن قال للرجل : انزل لي ~~عن امرأتك وأكفلنيها ، فعاتبه الله على ذلك ، ونبهه عليه ، وأنكر عليه [ ~~216 ] شغله بالدنيا ، وهذا الذي ينبغي أن يعول عليه من أمره . | و قيل : ~~خطبها على خطبته . | و قيل : بل أحب بقلبه أن تستشهد . | و حكى السمرقندي ~~أن ذنبه الذي اس تغفر منه قوله لأحد الخصمين : لقد ظلمك ، فظلمه بقول خصمه ~~. | و قيل : بل لما خشي على نفسه ، وظن من الفتنة بما بسط له من الملك ~~والدنيا . | و إلى نفي ما أضيف في الأخبار إلى داود من ذلك ذهب أحمد بن نصر ~~، وأبو تمام ، PageV02P144 وغيرهما من المحققين . | و قال الداودي : ليس في ~~قصة داود وأوريا خبر يثبت ، ولا يظن بنبي محبة قتل مسلم . | [ وقيل : إن ~~الخصمين اللذين اختصما إليه رجلان في نعاج غنم ، على ظاهر الآية ] . | و ~~أما قصة يوسف وإخوته فليس على يوسف فيها تعقب ، وأما إخوته فلم تثبت نبوتهم ~~فليزم الكلام على أفعالهم . وذكر الأسباط وعدهم في القرآن عند ذكر الأنبياء ~~ليس صريحا في كونهم من أهل الأنبياء . | قال المفسرون : يريد من نبئ من ~~أنباء الأسباط . | و قد قيل : إنهم كانوا حين فعلوا بيوسف ما فعلوه صغار ~~الأسنان ، ولهذا لم يميزوا يوسف حين اجتمعوا به ، ولهذا قالوا : أرسله معنا ~~غدا نرتع ونلعب ، وإن ثبتت لهم نبوة فبعد هذا ، والله أعلم . | و أما قول ~~الله تعالى فيه : ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه فعلى طريق ~~كثير من الفقهاء المحدثين أن هم النفس لا يؤاخذ به ، وليس سيئة ، لقوله صلى ~~الله عليه وسلم عن ربه : [ إذا هم عبدي بسيئة فلم يعلمها كتبت له حسنة ] ، ~~فلا معصية في همه إذا . | و ms334 أما على مذهب المحققين من الفقهاء والمتكلمين ~~فإن الهم إذا وطنت عليه النفس سيئة . وأما ما لم توطن عليه النفس من همومها ~~وخواطرها فهو المعفو عنه . | هذا هو الحق ، فيكون إن شاء الله هم يوسف من ~~هذا ، ويكون قوله : وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ~~إن ربي غفور رحيم [ سورة يوسف - 1 ، الآية : 53 ] . | ي ما أبرئها من هذا ~~الهم ، أو يكون ذلك منه على طريق التواضع والإعتراف بمخالفة النفس لما زكي ~~قبل وبرىء ، فكيف وقدحكى أبو حاتم عن أبي عبيدة أن يوسف لم يهم ، وان ~~الكلام فيه تقديم وتأخير ، أي : ولقد همت به ، ولولا أن رأى برهان ربه لهم ~~بها ، وقد قال الله تعالى عن المرأة : لقد راودته عن نفسه PageV02P145 ~~فاستعصم . وقال تعالى : كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء . قال تعالى : وغلقت ~~الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي الآية . | قيل في ~~ربي الله تعالى . وقيل : الملك . | و قيل : هم بها ، أي بزجرها ووعظها | و ~~قيل هم بها ، أي غمها امتناعه عنها . | و قي ل هم بها : نظر إليها . | و ~~قيل هم بضربها ودفعها . | و قيل هذا كله كان قبل نبوته . | و قد ذكر بعضهم ~~: ما زال النساء يملن إلى يوسف ميل شهوة حتى نبأه الله ، فألقى عليه هيبة ~~النبوة ، فشغلت هيبته كل من رآه عن حسنه . | و أما خبر موسى صلى الله عليه ~~وسلم مع قتيله الذي وكزه فقد نص الله تعالى أنه من عدوه ، قال : كان من ~~القبط الذين على دين فرعون . | و دليل السورة في هذا كله أنه قبل نبوة موسى ~~. | و قال قتادة : وكزه بالعصا ، ولم يتعمد قتله ، فعلى هذا لا معصية في ~~ذلك . | و قوله : هذا من عمل الشيطان . وقوله : [ 217 ] ظلمت نفسي فاغفر لي ~~قال ابن جريح : قال ذلك من أجل أنه لا ينبغي لنبي أن يقتل حتى يؤمر . | و ~~قال النقاش : لم يقتله عن عمد مريدا للقتل ، وإنما وكزه وكزة يريد بها دفع ~~ظلمة ms335 ، قال : وقد قيل : إن هذا كان قبل النبوة ، وهو مقتضى التلاوة . | و ~~قوله تعالى في قصته : : وفتناك فتونا ، أي ابتليناك ابتلاء بعد ابتلاء . ~~قبل في هذه القصة وما جرى له مع فرعون . وقيل : إلقاؤه في التابوت واليم ، ~~وغيرذلك . | و قيل : معناه أخلصناك إخلاصا ، قاله ابن جبير ومجاهد ، من ~~قولهم : فتنت الفضة في النار إذا خلصتها . وأصل الفتنة معنى الاختبار ، ~~وإظهار ما بطن ، إلا أنه استعمل في عرف الشرع في اختبار أدى إلى ما يكره . ~~| PageV02P146 و كذلك ما روي في الخبر الصحيح ، من ان ملك الموت جاءه فلطم ~~عينه ففقأها . . . | ألحديث . . ليس فيه ما يحكم به على موسى بالتعدي وفعل ~~ما لايجب له ، إذ هو ظاهر الأمر ، بين الوجه ، جائز الفعل ، لأن موسى دافع ~~عن نفسه من أتاه لإتلافها ، وقد تصور به في صورة آدمي ، ولا يمكن أنه علم ~~حينئذ أنه ملك الموت ، فدافعه عن نفسه مدافعة أدت إلى ذهاب عين تلك الصور ~~التي تصور له فيها الملك امتحانا من الله ، فلما جاءه بعد ، وأعلمه الله ~~تعالى أنه رسوله إليه استسلم . | و للمتقدمين والمتأخرين على هذا الحديث ~~أجوبةهذا أسدها عندي ، وهو تأويل شيخنا الإمام أبي عبد الله المازري . | و ~~قد تأوله قديما ابن عائشة وغيره على صكه ولطمه بالحجة ، وفقء عين حجته ، ~~وهو كلام مستعمل في هذا الباب في اللغة معروف . | و أما قصة سليمان وما حكى ~~فيها أهل التفاسير من ذنبه وقوله : ولقد فتنا سليمان ، فمعناه ابتلينا ، ~~وابتلاؤه : ما حكي عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال : لأطوفن الليلة ~~على مائة امراة أو تسع وتسعين كلهن يأتين بفارس يجاهد في سبيل الله . فقال ~~له صاحبه : قل إن شاء الله ، فلم يقل . فلم تحمل منهم إلا امرأة واحدة جاءت ~~بشق رجل . قال النبي صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده لو قال إن شاء ~~الله لجاهدوا في سبيل الله . | قال أصحاب المعاني : والشق هو الجسد الذي ~~ألقى على كرسيه حين عرض عليه ، وهي عقوبته ومحنته . | و قيل بل مات فألقي ms336 ~~على كرسيه ميتا . | و قيل : ذنبه حرصه على ذلك وتمنيه . | و قيل : لأنه لم ~~يستثن لما استغرقه من الحرص ، وغلب عليه من التمني . | PageV02P147 و قيل : ~~عقوبته أن سلب ملكه ، وذنبه أن احب بقلبه أن يكون الحق لأختانه على خصمهم . ~~| و قيل : أوخذ بذنب قارفه بعض نسائه . ولا يصح ما نقله الأخباريون من تشبه ~~الشيطان به ، وتسلطه على ملكه تعالى وتصرفه في في أمته بالجور في حكمه ، ~~لأن الشياطين لا يسلطون على مثل هذا ، وقد عصم الانبياء من مثله [ 218 ] . ~~| و إن سئل : لم لم يقل سليمان في القصة المذكورة : إن شاء الله فعنه أجوبة ~~: | أحدها : ما روي في الحديث الصحيح أنه نسى أن يقولها ، وذلك لينفذ مراد ~~الله تعالى . | و الثاني : أنه لم يسمع صاحبه وشغل عنه . | و قوله : وهب لي ~~ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي . لم يفعل هذا سليمان غيره على الدنيا ولا ~~نفاسة بها ، ولكن مقصده في ذلك على ما ذكره المفسرون ألا يسلط عليه أحد كما ~~سلط عليه الشيطان الذي سلبه إياه مدة امتحانه على قول من قال ذلك . | و قيل ~~: بل أراد أن يكون له من الله فضيلة وخاصة يختص بها كاختصاص غيره من أنبياء ~~الله ورسله بخواص منه . | و قيل : ليكون ذلك دليلا وحجة على نبوته ، كالإنة ~~الحديد لأبيه ، وإحياء الموتى لعيسى ، واختصاص محمد صلى الله عليه وسلم ~~بالشفاعة ، ونحو هذا . | و أما قصة نوح عليه السلام فظاهرة العذر ، وإنه ~~أخذ فيها بالتأويل وظاهر اللفظ ، لقوله تعالى : [ وأهلك ] ، فطلب مقتضى هذا ~~اللفظ ، وأراد علم ما طوي عليه من ذلك ، لا أنه شك في وعد الله تعالى ، ~~فتبين الله عليه أنه ليس من أهله الذين وعده بنجاتهم لكفره وعمله الذي هو ~~غير صالح ، وقد أعلمه أنه مغرق الذين ظلموا ، ونهاه عن مخاطبته فيهم ، ~~فووخذ بهذا التأويل ، وعتب عليه ، وأشفق هو من إقدامه على ربه لسؤاله ما لم ~~يؤذن له في السؤال فيه ، وكان نوح فيما حكاه النقاش لا يعلم بكفر ابنه . | ~~و قيل في الآية ms337 غير هذا ، وكل هذا لا يقضي على نوح بمعصية سوى ما ذكرنا ~~PageV02P148 من تأويله وإقدامه بالسؤال فيما لم يؤذن له فيه ، ولا نهى عنه ~~. | و ما روي في الصحيح من أن نبيا قرصته نملة فحرق قرية النمل ، فأوحى ~~الله إليه : أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح . . . فليس في هذا ~~الحديث أن هذا الذي أتى معصية ، بل فعل ما رآه مصلحة وصوابا بقتل من يؤذي ~~جنسه ، ويمنع المنفعة مما أباح الله . | ألا ترى أن هذا النبي كان نازلا ~~تحت الشجرة ، فلما آذته النملة تحول برجله عنها مخافة تكرار الأذى عليه ~~وليس فيما أوحى الله إليه ما يوجب معصية ، بل ندبه إلى احتمال الصبر وترك ~~التشفي ، كما قال تعالى : ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ، إذا ظاهر فعله ~~إنما كان لأجل أنها آذته هو في خاصته ، فكان انتقاما لنفسه ، وقطع مضرة ~~يتوقعها من بقية النمل هناك ، ولم يأت في كل هذا أمرا نهي عنه ، فيعصى به ، ~~ولا نص فيما أوحى الله إليه بذلك ، ولا بالتوبة والاستغفار منه . والله ~~أعلم . | فإن قيل : فما معنى قوله عليه السلام : ما من أحد إلا ألم بذنب أو ~~كاد إلا يحيى بن زكريا ، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم . | فالجواب ~~عنه : كما تقدم م ن ذنوب الأنبياء التي وقعت عن غير قصد وعن سهو وغفلة ] . # # | 2 ( فصل معقود لدفع شبه نشأت مما قدمه ) 2 # | فإن قلت : فإذا نفيت عنهم صلوات الله عليهم الذنوب والمعاصي بما ذكزته ~~من اختلاف المفسرين وتأويل المحققين فما معنى قوله تعالى : وعصى آدم ربه ~~فغوى ، وما تكرر في القرآن والحديث الصحيح من اعتراف الأنبياء بذنوبهم ~~PageV02P149 وتوبتهم واستغفارهم [ 219 ] ، وبكائهم على ما سلف منهم ، ~~وإشفاقهم . وهل يشفق ويتاب ويستغفر من لا شيء ؟ . | فاعلم وفقنا الله وإياك ~~أن درجة الأنبياء في الرفعة والعلو والمعرفة با الله ، وسنته في عباده وعظم ~~سلطانه ، وقوة بطشه ، مما يحملهم على الخوف منه جل جلاله ، والإشفاق من ~~المؤاخذة بما لا يؤاخذ به غيرهم ، وأنهم في تصرفهم بأمور ms338 لم ينهوا عنها ، و ~~لا أمروا بها ، ثم أخذوا عليها ، وعوتبوا بسببها ، أو حذروا من المؤاخذة ~~بها ، وأتوها على وجه التأويل أو السهو ، أو تزيد من أمور الدنيا المباحة ~~خائفون وجلون ، وهي ذنوب بالإضافة إلى علي منصبهم ، ومعاص بالنسبة إلى كمال ~~طاعتهم ، لا أنها كذنوب غيرهم ومعاصيهم ، فإن الذنب مأخوذ من الشيء الدني ~~الرذل ، ومنه ذنب كل شيء أي آخره . وأذناب الناس رذالهم ، فكأن هذه أدنى ~~أفعالهم ، وأسوأ ما يجر ي من أحوالهم لتطهيرهم وتنزيههم ، وعمارة بواطنهم ~~وظواهرهم بالعمل الصالح ، والكلم الطيب ، والذكر الظاهر والخفي ، والخشية ~~الله ، وإعظامه في السر والعلانية ، وغيرهم يتلوث من الكبائر والقبائح ~~والفواحش ما تكون بالإضافة إليه هذه الهنات في حقه كالحسنات ، كما قيل : ~~حسنات الأبرار سيئات المقربين ، أي يرونها بالإضافة إلى علي أحوالهم ~~كالسيئات . | و كذلك العصيان الترك والمخالفة ، فعلى مقتضى اللفظة كيفما ~~كانت من سهو أو تأويل فهي مخالفة وترك . | قوله تعالى : غوى ، أي جهل أن ~~تلك الشجرة هي التي نهي عنها ، و الغي : الجهل . | و قيل : أخطأ ما طلب من ~~الخلود ، إذ أكلها وخابت أمنيته . | و هذا يوسف عليه السلام قد أوخذ بقوله ~~لأحد صاحبي السجن : اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن ~~بضع سنين [ سورة بوسف / 12 الآية : 42 ] . | قيل : أنسي يوسف ذكره الله . | ~~و قيل : أنسي صاحبه أن يذكره لسيده الملك ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ~~لولا كلمة يوسف PageV02P150 مالبث في السجن ما لبث . | قال ابن دينار : لما ~~قال ذلك يوسف قيل له : اتخذت من دوني وكيلا ، لأطيلن حبسك . فقال : يارب ، ~~أنسى قلبي كثر ة البلوى . | و قال بعضهم : يؤاخذ الأنبياء بمثا قيل الذر ، ~~لمكانتهم عنده ، ويجاوز عن سائر الخلق لقلة مبالاته بهم في أضعاف ما أتوا ~~به من سوء الأدب . | و قد قال المحتج للفرقة الأولى على سياق ما قلناه : ~~إذا كان الأنبياء يؤاخذون بهذا مما لا يؤاخذ به غيرهم من السهو والنسيان ، ~~وما ذكرته ، وحالهم أرفع فحالهم إذا في هذا أسوأ حالا من غيرهم . | فاعلم ms339 ~~أكرمك الله أنا لا نثبت لك المؤاخذة في هذا على حد مؤاخذة غيرهم ، بل نقول ~~: إنهم يؤاخذون بذلك في الدنيا ، ليكون ذلك زيادة في درجاتهم ، ويبتلون ~~بذلك ، ليكون استشعارهم له سببا لمنماة رتبهم ، كما قال : ثم اجتباه ربه ~~فتاب عليه وهدى [ سورة طه / 20 ، الآية : 122 ] . | قال [ 220 ] لداود : ~~فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب [ سورة ص / 23 ، الآية : 25 ] . ~~| قال بعد قول موسى : تبت إليك : إني اصطفيتك على الناس . | و قال بعد ذكر ~~فتنة سليمان وإنابته : فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب * ~~والشياطين كل بناء وغواص * وآخرين مقرنين في الأصفاد * هذا عطاؤنا فامنن أو ~~أمسك بغير حساب * وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب [ سورة ص / 38 ، الآية : 36 ~~، 40 ] . | و قال بعض المتكلمين : زلات الأنبياء في الظاهر زلات ، وفي ~~الحقيقة كرامات وزلف ، وأشار إلى نحو مما قدمناه . | و أيضا فلينبه غيرهم ~~من البشر منهم ، أو ممن ليس في درجتهم بمؤاخذتهم بذلك ، فيستشعروا الحذر ، ~~ويعتقدوا المحاسبة ليلتزموا الشكر على النعم ، ويعدوا الصبر على المحن ~~بملاحظة ما وقع بأهل هذا النصاب الرفيع المعصوم ، فكيف بمن سواهم ، ولهذا ~~قال صالح المري : ذكر داود بسطة للتوابين . | PageV02P151 قال ابن عطاء : ~~لم يكن ما نص الله تعالى عليه من قضية صاحب الحوت نقصا له ، ولكن استزادة ~~من نبينا صلى الله عليه وسلم . | و أيضا فيقال لهم : فإنكم ومن وافقكم ~~تقولون بغفران الصغائر باجتناب الكبائر . | و لا خلاف في عصمة الأنبياء من ~~الكبائر ، فما جوزتم من وقوع الصغائر عليهم هي مغفورة على هذا ، فما معنى ~~المؤاخذة بها إذا عندكم وخوف الأنبياء وتوبتهم منها ، وهي مغفورة لو كانت ؟ ~~| فما أجابوا به فهو جوابنا عن المؤاخذة بأعمال السهو والتأويل . | و قد ~~قيل : إن كثرة استغفار النبي صلى الله عليه وسلم وتوبته ، وغيره من ~~الأنبياء على وجه ملازمة الخضوع والعبودية ، والاعتراف بالتقصير ، شكرا الل ~~ه على نعمه ، كما قال صلى الله عليه وسلم وقد أمن من المؤاخذة مما تقدم ~~وتأخر : أفلا أكون عبدا شكورا ms340 . | و قال : إني أخشاكم الله ، وأعلمكم بما ~~أتقي . | قال الحارث بن أسد : خوف الملائكة والأنبياء خوف إعظام وتعبد الله ~~، لأنهم آمنون . | و قيل : فعلوا ذلك ليقتدي بهم ، وتستن بهم أممهم ، كما ~~قال صلى الله عليه وسلم : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا . ~~| و أيضا فإن في التوبة والإستغفار معنى آخر لطيفا أشار إليه بعض العلماء ، ~~وهو استدعاء محبة الله ، قال الله تعالى : إن الله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين [ سورة البقرة - 2 ، الآية : 222 ] . | فإحداث الرسل والأنبياء ~~الإستغفار والتوبة والإنابة والأوبة في كل حين استدعاء لمحبة الله ! ~~والإستغفار فيه معنى التوبة ، وقد قال الله لنبيه بعد أن غفر له ما تقدم من ~~ذنبه وما تأخر : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار [ سورة التوبة ~~- 9 ، الآية : 117 ] . | و قال تعالى : فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان ~~توابا [ سورة النصر - 110 ، الآية : 3 ] . | # | 2 ( فصل في تنزيه النبي عما لا يجب أن يضاف إليه ) 2 # | قد استبان لك أيها أبها الناظر بما قررناه ، ما هو الحق من عصمته صلى ~~الله عليه وسلم عن الجهل با لله وصفاته ، وكونه علىحاله تنافي العلم بشيء ~~من ذلك كله بعد النبوة عقلا PageV02P152 واجماعا ، وقبلها سمعا ونقلا ، ولا ~~بشيء مما قرره من أمور الشرع ، وأداه عن ربه من الوحي قطعا عقلا وشرعا ، ~~وعصمته عن الكذب وخلف القول منذ نبأه الله وأرسله قصدا أو غير قصد ، ~~واستحالة ذلك عليه شرعا وإجماعا ، ونظرا وبرهانا ، وتنزيهه عنه قبل النبوة ~~قطعا ، وتنزيهه [ 221 ] عن الكبائر إجماعا وعن الصغائر تحقيقا ، وعن ~~استدامة السهو والغفلة ، واستمرار الغلط والنسيان عليه فيما شرعه للأمة ، ~~وعصمته في كل حالاته ، من رضا وغضب ، وجد ومزح ، فيجب عليك أن تتلقاه ~~باليمين ، وتشد عليه يد الضنين وتقدر هذه الفصول حق قدرها ، وتعلم عظيم ~~فائدتها وخطرها ، فإن من يجهل ما يجب للنبي صلى الله عليه وسلم ، أو يجوز ~~له ، أو يستحيل عليه ، ولا يعرف صور أحكامه ، لا يأمن أن يعتقد في بعضها ~~خلاف ما هي عليه ، ولا ينزهه ms341 عما لا يجب أن يضاف إليه ، فيهلك من حيث لا ~~يدري ، ويس قط في هوة الدرك الأسفل من النار حدثنا إذ ظن الباطل به ، ~~واعتقاده ما لا يجوز عليه يحل بصاحبه دار البوار . | و لهذا ما احتاط عليه ~~السلام على الرجلين اللذين رأياه ليلا ، وهو معتكف في المسجد مع صفية ، ~~فقال لهما : إنها صفية . ثم قال لهما : إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى ~~الدم ، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا فتهلكا . | هذه أكرمك الله إحدى ~~فوائد ما تكلمنا عليه في هذه الفصول ، ولعل جاهلا لا يعلم بجهله إذا سمع ~~شيئا منها برى أن الكلام فيها جملة من فصول العلم ، وأن السكوت أولى . وقد ~~استبان لك أنه متعين للفائدة التي ذكرناها . | و فائدة ثانية يضطر إليها في ~~أصول الفقه ، وتبني عليها مسائل لا تنعد من الفقه ، يتخلص بها من تشغيب ~~مختلفي الفقهاء في عدة منها ، وهي الحكم في أقوال النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأفعاله ، وهو باب عظيم ، وأصل كبير من أصول الفقه ، ولا بد من بنائه على ~~صدق النبي صلى الله عليه وسلم في إخباره وبلاغه ، وأنه لا يجوز عليه السهو ~~فيه تعالى وعصمته من المخالفة في أفعاله عمدا ، وبحسب اختلافهم في وقوع ~~الصغائر وقع خلاف في امتثال الفعل ، بسط بيانه في كتب ذلك العلم حدثنا فلا ~~نطول به . | PageV02P153 و فائدة ثالثة يحتاج إليها الحاكم والمفتى فيمن ~~أضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم شيئا من هذه الأمور ، ووصفه بها ، فمن ~~لم يعرف ما يجوز وما يمتنع عليه ، وما وقع الإجماع فيه والخلاف ، كيف يصمم ~~في الفتيا في ذلك ، ومن أين يدري ؟ هل ما قاله فيه نقص أو مدح ، فإما أن ~~يجترىء على سفك دم مسلم حرام ، أو يسقط حقا ، أو يضيع حرمه للنبي صلى الله ~~عليه وسلم . | و اسبيل هذا ما قد اختلف أرباب الأصول وأئمة العلماء ~~والمحققين في عصمة الملائكة . | # | 2 ( فصل في القول في عصمة الملائكة ) 2 # | أجمع المسلمون على أن الملائكة مؤمنون فضلاء ، واتفق ms342 أئمة المسلمين أن ~~حكم المرسلين منهم حكم النبيين سواء في العصمة مما ذكرنا عصمتهم منه ، ~~وأنهم في حقوق الأنبياء والتبليغ إليهم كالأنبياء مع الأمم . | واختلفوا في ~~غير المرسلين منهم ، فذهبت طائفة إلى عصمة جميعهم عن المعاصي ، واحتجوا ~~بقوله تعالى : لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون . وبقوله : وما ~~منا إلا له مقام معلوم * وإنا لنحن الصافون * وإنا لنحن المسبحون . [ 222 ] ~~وبقوله : ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون * يسبحون الليل ~~والنهار لا يفترون . وبقوله : إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ~~ويسبحونه وله يسجدون . وبقوله : كرام بررة ولا يمسه إلا المطهرون ، ونحوه ~~من السمعيات . | و ذهبت طائفة إلى أن هذا خصوص للمرسلين منهم والمقربين . ~~واحتجوا بأشياء ذكرها أهل الأخبار والتفاسير ، نحن نذكرها إن شاء الله بعد ~~، ونبين الوجه فيها إن شاء الله . | PageV02P154 و الصواب عصمة جميعهم ، ~~وتنزيه نصابهم الرفيع عن جميع ما يحط من رتبتهم ومنزلتهم عن جليل مقدارهم . ~~| ورأيت بعض شيوخنا أشرا أن لا حاجة بالفقيه إلى الكلام في عصمتهم ، وأنا ~~أقول : إن للكلام في ذلك ما للكلام في عصمة الأنبياء من الفوائد التي ~~ذكرناها سوى فائدة الكلام في الأقوال والأفعال ، فهي ساقطة ها هنا . | فما ~~احتج به من لم يوجب عصمة جميعهم قصة هاروت وماروت ، وما ذكر فيها أهل ~~الأخبار ونقله المفسرين ، وما روي عن علي وابن عباس في خبرهما وابتلائهما . ~~| فاعلم أكرمك الله أن هذه الأخبار لم يرو منها شيء لا سقيم ولا صحيح عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليس هو شيئا يؤخذ بقياس . | و الذي منه في ~~القرآن اختلف المفسرون في معناه ، وأنكر ما قال بعضهم فيه كثير من السلف ~~كما سنذكره . وهذه الأخبار من كتب اليهود وافترائهم ، كما نصه الله أول ~~الآيات من افترئهم بذلك على سليمان وتكفيرهم إياه . | و قد انطوت القصة على ~~شنع عظيمة . وها نحن نخبر في ذلك ما يكشف غطاء هذه الإشكالات إن شاء الله : ~~| فاختلف أولا في هاروت وماروت ، هل هما ملكان أو إنسيان ؟ وهل ms343 هما المراد ~~بالملكين أم لا ؟ وهل القراءة ملكين أو ملكين ؟ وهل ما في قوله : وما أنزل ~~على الملكين . وما يعلمان من أحد نافية أو موجبة ! . | فأكثر المفسرين أن ~~الله تعالى امتحن الناس بالملكين لتعليم السحر وتبيينه ، وأن عمله كفر ، ~~فمن تعلمه كفر ، ومن تركه آمن ، وقال الله تعالى : إنما نحن فتنة فلا تكفر ~~وتعليمها الناس له تعليم إنذار ، أي يقولان لمن جاء يطلب تعلمه : لا تفعلوا ~~كذا : فإنه يفرق بين المرء وزوجه ، ولا تتحيلوا بكذا ، فإنه سحر ، فلا ~~تكفروا . | PageV02P155 فعلى هذا فعل الملكين طاعة ، وتصر فهما فيما أمرا ~~به ليس بمعصية ، وهي لغيرهما فتنة . | و روى ابن وهب ، عن خالد بن أبي ~~عمران أنه ذكر عنده هاروت وماروت ، وأنهما يعلمان السحر ، فقال : نحن ~~ننزههما عن هذا . | فقرأ بعضهم : وما أنزل على الملكين . فقال خالد : لم ~~ينزل عليهما . | فهذا خالد على جلالته وعلمه نزههما عن تعليم السحر الذي قد ~~ذكر غيره أنهما مأذون لهما في تعليمه بشريطة أن يبينا أنه كفر ، ، وأنه ~~امتحان من الله وابتلاء ، فكيف لا ينزههما عن كبائر المعاصي والكفر ~~المذكورة في تلك الأخبار . | و قول خالد : [ 223 ] لم ينزل : يريد أن ما ~~نافية ، وهو قول ابن عباس ، قال مكي : وتقدير الكلام : وما كفر سليمان يريد ~~بالسحر الذي افتعلته الشياطين ، فاتبعتهم في ذلك اليهود ، وم ا أنزل على ~~الملكين ، قال مكي : هما جبريل وميكائيل : | ادعى اليهود عليهما المجيء به ~~، كما ادعوا على سليمان ، فأكذبهم الله في ذلك . | و لكن الشياطين كفروا ~~يعلمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت قيل : هما رجلان تعلماه . | قال ~~الحسن : هاروت وماروت علجان من أهل بابل ، وقرأ : وما أنزل على الملكين ~~بكسر اللام ، وتكون [ ما ] ايجابا على هذا . | و كذلك قراءة عبد الرحمن بن ~~أبزى بكسر اللام ، ولكنه قال : الملكان هنا داود وسليمان ، وتكون [ ما ] ~~نفيا على ما تقدم . | و قيل : كانا ملكين من بني اسرائيل ، فمسخهما الله ، ~~حكاه السمرقندي . | و القراءة بكسر اللام شاذة ، فحمل الآية على تقدير أبي ~~محمد مكي حسن ينزه الملائكة ms344 ويذهب الرجس عنهم ، ويطهرهم تطهيرا . | و قد ~~وصفهم الله مطهرون ، وكرام بررة ، ولا يعصون الله ما أمرهم . | و مما ~~يذكرونه قصة إبليس ، وأنه كان من الملائكة ورئيسا فيهم ، ومن خزان الجنة . ~~. . إلى آخر ما حكوه ، وأنه استثناه من الملائكة بقوله : فسجدوا إلا إبليس ~~| PageV02P156 و هذا أيضا لم يتفق عليه ، بل الأكثر ينفون ذلك ، وأنه أبو ~~الجن ، كما أن آدم أبو الإنس ، وهو قول الحسن ، وقتادة ، وابن زيد . | و ~~قال شهر بن حوشب : كان من الجن الذين طردتهم الملائكة في الأرض حين أفسدوا ~~، والاستثناء من غير الجنس شائع في كلام العرب سائغ ، وقد قال الله تعالى : ~~ما لهم به من علم إلا اتباع الظن [ سورة النساء - 4 ، الآية : 157 ] . | و ~~مما رووه من الأخبار أن خلقا من الملائكة عصوا الله فحرقوا ، وأمروا أن ~~يسجدوا لأدم فأبوا فحرقوا ، ثم آخرون كذلك ، حتى سجدوا له من ذكر الله إلا ~~إبليس ، في أخبار لا أصل لها تردها صحاح الأخبار ، فلا يشتغل بها . والله ~~أعلم . | PageV02P157 # | الباب الثاني : فيما يخصهم في الأمور الدنيوية ويطرأ عليهم من العوارض ~~البشرية # | قد قدمنا أنه صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء والرسل من البشر ، وأن ~~جسمه ، وظاهره خالص للبشر ، يجوز عليه من الآفات والتغييرات ، والآلام ~~والأسقام ، وتجرع كأس الحمام ما يجوز على البشر ، وهذا كله ليس بنقيصة فيه ~~، لأن الشيء إنما يسمى ناقصا بالإضافة إلى ما هو أتم وأكمل من نوعه ، وقد ~~كتب الله تعالى على أهل هذه الدار : فيها تحيون ، وفيها تموتون ، ومنها ~~تخرجون ، ، وخلق جميع البشر بمدرجة الغير ، فقد مرض صلى الله عليه وسلم ، ~~واشتكى ، وأصابه الحر والقر ، وأدركه الجوع والعطش ، ولحقه الغضب والضجر ، ~~وناله الإعياء والتعب ، ومسه الضعف والكبر ، وسقط فجحش شقه ، وشجه الكفار ، ~~وكسروا رباعيته ، وسقي السم ، وسحر ، [ 224 ] وتداوى ، واحتجم ، وتنشر ~~وتعوذ ، ثم قضى نحبه فتوفي صلى الله عليه وسلم ، ولحق بالرفيق الأعلى ، ~~وتخلص من دار الامتحان والبلوى ، وهذه سمات البشر التي لا محيص عنها ، ~~وأصاب غيره من الأنبياء ما هو أعظم منه ، فقتلوا قتلا ms345 . | PageV02P158 و ~~رموا في النار ، ووشروا بالمياشير . ومنهم من وقاه الله ذلك في بعض الأوقات ~~. ومنهم من عصمه كما عصم بعد نبينا من الناس ، فلئن لم يكف نبينا ربه يد ~~ابن قميئة يوم أحد ، ولا حجبه عن عيون عداه عند دعوته أهل الطائف ، فلقد ~~أخذ على عيون قريش عند خروجه إلى ثور ، وأمسك عنه سيف غورث ، وحجر أبي جهل ~~، وفرس سراقة ، ولئن لم يقه من سحر ابن الأعصم فلقد وقاه ما هو أعظم ، من ~~سم اليهودية . | و هكذا سائر أنبيائه مبتلى ومعافى ، وذلك من تمام حكمته ، ~~ليظهر شرفهم في هذه المقامات ، ويبين أمرهم ، ويتم كلمته فيهم ، وليحقق ~~بامتحانهم بشريتهم ، ويرتفع الالتباس عن أهل الضعف فيهم لئلا يضلوا بما ~~يظهر من العجائب على أيديهم ضلال النصارى بعيسى ابن مريم ، وليكون في محنهم ~~تسلية لأممهم ، ووفور لأجورهم عند ربهم تماما على الذي أحسن إليهم . | قال ~~بعض المحققين : وهذه الطوارئ والتغيرات المذكورة إنما تختص بأجسامهم ~~البشرية المقصود بها مقاومة البشر ، ومعاناة بني آدم لمشاكلة الجنس . | و ~~أما بواطنهم فمنزهة غالبا عن ذلك معصومة منه ، متعلقة بالملأ الأعلى ~~والملائكة لأخذها عنهم ، وتلقيها الوحي منهم . | قال : وقد قال صلى الله ~~عليه وسلم : إن عيني تنامان ولا ينا م قلبي . | و قال : إني لست كهيئتكم ، ~~إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني . | و قال : لست أنسى ، ولكن أنسى ، ليستن بي ~~. | فأخبر أن سره وباطنه وروحه بخلاف جسمه وظاهره ، وأن الآفات التي تحل ~~ظاهره من ضعف وجوع ، وسهر ونوم ، لا يحل منها شيء باطنه ، بخلاف غيره من ~~البشر في حكم الباطن ، لأن غيره إذا نام استغرق النوم جسمه وقلبه ، وهو صلى ~~الله عليه وسلم في نومه حاضر القلب كما هو في يقظته حتى قد جاء في بعض ~~الآثار أنه كان محروسا من الحدث PageV02P159 في نومه لكونه قلبه يقظان كما ~~ذكرناه . | و كذلك غيره إذا جاع ضعف لذلك جسمه ، وخارت قوته ، فبطلت ~~بالكلية جملته ، وهو صلى الله عليه وسلم قد أخبر أنه لا يعتريه ذلك ، وأنه ~~بخلافهم ، لقوله : لست كهيئتكم : إني ms346 أبيت يطعمني ربي ويسقيني . | و كذلك ~~أقول : إنه في هذه الأحوال كلها ، من وصب ومرض ، وسحر وغضب ، لم يجز على ~~باطنه ما يحل به ، ولا فاض منه على لسانه وجوارحه ما لا يريق به ، كما ~~يعتري غيره من البشر مما نأخذ بعد في بيانه . | # | 2 ( فصل الأخبار التي وردت في أنه صلى الله عليه وسلم سحر ) 2 # | فإن قلت : فقد جاءت الأخبار الصحيحة أنه صلى الله عليه وسلم سحر كما ~~حدثنا الشيخ أبو محمد العتابي بقراءتي عليه ، قال : حدثنا حاتم بن محمد ، ~~حدثنا أبو الحسن علي بن خلف ، حدثنا محمد بن أحمد [ 225 ] ، حدثنا محمد بن ~~يوسف ، حدثنا البخاري ، حدثنا عبيد بن إسماعيل ، قال : حدثنا أبو أسامة ، ~~عن هاشم بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : سحر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى إنه ليخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله . | و ~~في رواية أخرى : حتى كان يخيل إليه أنه كان يأتي النساء ولا يأتيهن . . ~~الحديث . | و إذا كان هذا من التباس الأمر على المسحور فكيف حال النبي صلى ~~الله عليه وسلم في ذلك ؟ وكيف جاز عليه وهو معصوم ؟ . | فاعلم وفقنا الله ~~وإياك أن هذا الحديث صحيح متفق عليه ، وقد طعنت فيه الملحدة ، وتدرعت به ~~لسخف عقولها وتلبيسها على أمثالها إلى التشكيك في الشرع ، وقد نزه الله ~~الشرع والنبي عما يدخل في أمره لبسأ وإنما السحر مرض من الأمراض ، وعارض من ~~العلل ، يجوز عليه كأنواع الأمراض مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته . | و أما ~~ما ورد أنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولا يفعله فليس في هذا ما يدخل ~~PageV02P160 عليه داخله في شيء من تبلغيه أو شريعته ، أو يقدح في صدقه ، ~~لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا ، وإنما هذا ، فيما يجوز طروءة ~~عليه في أمر دنياه التي لم يبعث بسببها ، ولا فضل من أجلها ، وهو فيها ~~للأفات كسائر البشر ، فغير بعيد أن يخيل إليه من أمورها ما لا حقيقة له ، ~~ثم ينجلي عنه ms347 ، كما كان . | و أيضا فقد فسر هذا الفصل الحديث الآخر من قوله ~~: حتى يخيل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتيهن . | و قد قال سفيان وهذا أشد ما ~~يكون من السحر ، ولم يأت في خبر منها أنه نقل عنه في ذلك قول بخلاف ما كان ~~أخبر أنه فعله ولم يفعله ، وإنما كانت خواطر وتخيلات . | و قد قيل : إن ~~المراد بالحديث أنه : كان يتخيل الشيء أنه فعله ، وما فعله ، لكنه تخييل لا ~~يعتقد صحته ، فتكون اعتقاداته كلها على السداد ، وأقواله على الصحة . | هذا ~~ما وقفت عليه لأئمتنا من الأجوبة عن هذا الحديث مع ما أوضحناه من معنى ~~كلامهم ، وزدناه بيانا من تلويحاتهم . وكل وجه منها مقنع ، لكنه قد ظهر لي ~~في الحديث تأويل أجلى وأبعد من مطاعن ذوي الأضاليل يستفاد من نفس الحديث ، ~~وهو أن عبد الرزاق قد روى هذا الحديث عن ابن المسيب ، وعروة بن الزبير ، ~~وقال فيه عنهما : سحر يهود بني زريق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعلوه ~~في بئر حتى كاد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينكر بصره ، ثم دله الله ~~على ما صنعوا فاستخرجه من البئر . | [ وروي نحوه عن ، عن الواقدي ، وعن عبد ~~الرحمن بن كعب ، وعمر بن الحكم ] . | و ذكر عن عطاء الخرساني ، عن يحيى بن ~~يعمر : حبس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عائشة سنة ، فبينا هو نائم ~~أتاه ملكان ، فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه . . . الحديث . | قال ~~عبد الرزاق : حبس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عائشة خاصة سنة حتى أنكر ~~بصره . | [ وروى محمد بن سعد ، عن ابن عباس : مرض رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، فحبس عن النساء والطعام والشراب ، فهبط عليه ماكان . . . وذكر القصة ~~] . | فقد استبان لك من مضمون هذه الروايات أن السحر إنما تسلط على ظاهره ~~وجوارحه [ 226 ] ، لا على قلبه واعتقاده وعقله ، وأنه إنما أثر في بصره ، ~~وحبسه عن PageV02P161 وطء نسائه [ وطعامه ، وأضعف جسمه وأمرضه ] ، ويكون ~~معنى قوله : يخيل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتيهن ms348 ، أي يظه ر له من نشاطه ~~ومتقدم عادته القدرة على النساء ، فإذا دنا منهن أصابته أخذة السحر ، فلم ~~يقدر على إتيانهن ، كما يعتري من أخذ واعترض . | و لعله لمثل هذا أشار ~~سفيان بقوله : وهذا أشد ما يكون من السحر . ويكون قول عائشة في الرواية ~~الآخرى : إنه ليخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله ، من باب ما اختل من بصره ~~، كما ذكر في الحديث ، فيظن أنه رأى شخصا من بعض أزواجه ، أو شاهد فعلا من ~~غيره ، ولم يكن على ما يحيل إليه لما أصابه في بصره وضعف نظره ، لا لشيء ~~طرأ عليه في ميزه . | و إذا كان هذا لم يكن فيما ذكر من إصابته السحر له ~~وتأثيره فيه ما يدخل لبسا ولا يجد به الملحد المعترض أنسا . # # | 2 ( فصل في أحواله صلى الله عليه وسلم في أمور الدنيا ) 2 # | هذه حاله في جسمه ، فأما أحواله في أمور الدنيا فنحن نسبرها على ~~أسلوبنا المتقدم بالعقد والقول والفعل . | أما العقد منها فقد يعتقد في ~~أمور الدنيا الشيء على وجه ويظهر خلافه ، أو يكون منه على شك أو ظن بخلاف ~~أمور الشرع ، كما حدثنا أبو بحر سفيان بن العاصي وغير واحد سماعا وقراءة ، ~~قالوا : حدثنا أبو العباس أحمد بن عمر ، ، قال : حدثنا أبو العباس الرازي ، ~~حدثنا أبو أحمد بن عمرويه ، حدثنا ابن سفيان ، حدثنا مسلم ، حدثنا عبد الله ~~بن الرومي ، وعباس العنبري ، وأحمد المعقري ، قالوا : حدثنا النضر بن محمد ~~، قال : حدثني عكرمة ، حدثنا أبو النجاشي ، قال : حدثنا رافع بن خديج ، قال ~~: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يأبرون النخل ، فقال : ما ~~تصنعون ؟ قالوا : كنا نصنعه . قال : لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا ، فتركوه ~~، فنقصت ، فذكروا ذلك له ، فقال : إنما أنا بشر ، إذا أمرتكم بشيء من دينكم ~~فخذوا به ، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر . | PageV02P162 و في ~~رواية أنس : أنتم أعلم بأمر دنياكم . | و في حديث آخر : إنما ظننت ظنا ، ~~فلا تؤاخذوني بالظن . | و في حديث ابن عباس في قصة ms349 الخرص ، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : إنما أنا بشر فما حدثتكم عن الله فهو حق ، وما قلت ~~فيه من قبل نفسي فإنما أنا بشر أخطيء وأصيب . | و هذا على ما قررناه فيما ~~قاله من قبل نفسه في أمور الدنيا وظنه من أحوالها ، لا ما قاله من قبل نفسه ~~واجتهاده في شرع شرعه ، وسنة سنها . | و كما حكى ابن إسحاق أنه صلى الله ~~عليه وسلم لما نزل بأدنى مياه بدر قال له الحباب بن المنذر : أهذا منزل ~~أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ | قال : [ ~~لا ، بل هو الرأي والحرب والمكيدة ] . قال : فإنه ليس بمنزل ، انهض حتى ~~نأتي أدنى ماء من القوم ، فننزله ، ثم نعور ما وراءه من القلب ، فنشرب ولا ~~يشربون . فقال : [ أشرت بالرأي ] ، وفعل ما قاله . | و قد قال له الله [ ~~227 ] تعالى : وشاورهم في الأمر [ سورة آل عمران - 3 ، الآية : 159 ] . | و ~~أراد مصالحة بعض عدوه على ثلث ثمر المدينة ، فاستشار الأنصار . فلما أخبروه ~~برأيهم رجع عنه . | فمثل هذا وأشباهه من أمور الدنيا التي لا مدخل فيها ~~لعلم ديانة ولا اعتقادها ولا تعليمها ، يجوز عليه في ه ما ذكرناه ، إذ ليس ~~في هذا كله نقيصة ولا محطة ، وإنما هي أمور اعتيادية يعرفها من جربها ، ~~وجعلها همة ، وشغل نفسه بها ، والنبي صلى الله عليه وسلم مشحون القلب ~~بمعرفة الربوبية ملآن الجوانح بعلوم الشريعة ، مقيد البال بمصالح الأمة ~~الدينية والدنيوية ، ولكن هذا إنما يكون في بعض الأمور ، ويجوز في النادر ~~فيما سبيله التدقيق في حراسة الدنيا واستثمارها ، لا في الكثير المؤذن ~~بالبله والغفلة . | PageV02P163 و قد تواتر بالنقل عنه صلى الله عليه وسلم ~~من المعرفة بأمور الدنيا ودقائق مصالحها ، وسياسة فرق أهلها ما هو معجز في ~~البشر مما قد نبهها عليه في باب معجزاته من هذا الكتاب . | # | 2 ( فصل فيما يعتقد من أمور أحكام البشر الجارية على يديه وقضاياهم ) 2 # | و أما ما يعتقد في أمور أحكام البشر الجارية على يديه وقضاياهم ، ~~ومعرفة المحق من ms350 المبطل ، وعلم المصلح من المفسد ، فبهذه السبيل ، لقوله ~~صلى الله عليه وسلم : إنما أنا بشر ، وإنكم تختصمون إلي ، ولعل بعضكم أن ~~يكون ألحن بحجته من بعض ، فأقضي له على نحو مما أسمع ، فمن قضيت له من حق ~~أخيه بشيء فلا يأخذ منه شيئا ، فإنما أقطع له قطعة من النار . | حدثنا ~~الفقيه أبو الوليد رحمه الله ، حدثنا الحسين بن محمد الحافظ ، حدثنا أبو ~~عمر ، حدثنا أبو محمد ، حدثنا أبو بكر ، حدثنا أبو داود ، حدثنا محمد بن ~~كثير ، أخبرنا سفيان ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن زينب بنت أم سلمة ، ~~قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . . . الحديث . | و في رواية ~~الزهري ، عن عروة : فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض ، فأحسب أنه صادق فأقضي ~~له . | و تجري أحكامه صلى الله عليه وسلم على الظاهر وموجب غلبات الظن ~~بشهادة الشاهد ، ويمين الحالف ، ومراعاة الأشبه ، ومعرفة العفاص والوكاء ، ~~مع مقتضى حكمه الله في ذلك ، فإنه تعالى لو شاء لأطلعه على سرائر عباده ~~ومخبآت ضمائر أمته ، فتولى الحكم بينهم بمجرد يقينه وعلمه دون حاجة إلى ~~اعتراف أو بينة أو يمين أو شبهة ، ولكن لما أمر الله أمته باتباعه ~~والإقتداء به في أفعاله وأحواله وقضاياه وسيره ، وكان هذا لو كان مما يختص ~~بعلمه ويؤثره الله به ، لم يكن للأمة سبيل إلى الاقتداء به في شيء من ذلك ، ~~ولا قامت حجة بقضية من قضاياه لأحد في شريعته ، لأنا لا نعلم ما أطلع عليه ~~هو في تلك القضية لحكمه هو إذا في ذلك بالمكنون من إعلام الله له بما أطلعه ~~PageV02P164 عليه من سرائرهم ، وهذا ما لا تعلمه الأمة ، فأجرى الله تعالى ~~أحكامه على ظواهرهم التي يستوي في ذلك هو وغيره من البشر ، ليتم اقتداء ~~أمته به في تعيين قضاياه ، وتنزيل أحكامه ، ويأتون ما أتوا من ذلك [ 228 ] ~~على علم ويقين من سنته ، إذ البيان بالفعل أوقع منه بالقول ، وأدفع لاحتمال ~~اللفظ وتأويل المتأول ، وكان حكمه على الظاهر أجلى في البيان ، وأوضح في ~~وجوه الأحكام ، وأكثر ms351 فائدة لموجبات التشاجر والخصام ، وليقتدي بذلك كله ~~حكام أمته ، ويستوثق بما يؤثر عنه ، وينضبط قانون شريعته ، وطي ذلك عنه من ~~علم الغيب الذي استأثر به عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى ~~م ن رسول ، فيعلمه منه بما شاء ، ويستأثر بما شاء ، ولا يقدح هذا في نبوته ~~، ولا يفصم عروة عن عصمته . | # | 2 ( فصل و أما أقواله الدنيوية ) 2 # | و أما أقواله الدنيوية من أخباره عن أحواله وأحوال غيره وما يفعله أو ~~فعله فقد قدمنا أن الخلف فيها ممتنع عليه في كل حال ، وعلى أي وجه ، من عمد ~~أو سهو ، أو صحة أو مرض ، أو رضا أو غضب ، وأنه معصوم منه صلى الله عليه ~~وسلم . | هذا فيما طريقه الخبر المحض مما يدخله الصدق والكذب ، فأما ~~المعاريض الموهم ظاهرها خلاف باطنها فجائز ورودها منه في الأمور الدنيوية ~~لا سيما لقصد المصلحة ، كتوريته عن وجه مغازيه لئلا يأخذ العدو جذره . | و ~~كما روي من ممازحته ودعابته لبسط أمته وتطييب قلوب المؤمنين من صحابته ، ~~وتأكيدا في تحببهم ومسرة نفوسهم ، كقوله : لأحملنك على ابن الناقة . وقوله ~~للمرأة التي سألته عن زوجها : أهو الذي بعينه بياض . | و هذا كله صدق ، لأن ~~كل جمل ابن ناقة ، وكل إنسان بعينه بياض وقد قال صلى الله عليه وسلم : إني ~~لأمزح ولا أقول إلا حقا . | هذا كله فيما بابه الخبر ، فأما ما بابه غير ~~الخبر مما صورته صورة الأمر والنهي PageV02P165 في الأمور الدنيوية فلا يصح ~~منه أيضا ، ولا يجوز عليه أن يأمر أحدا بشيء أو ينهي أحدا عن شيء وهو يبطن ~~خلافه . | وقد قال صلى الله عليه وسلم : ما كان لنبي أن تكون له خائنة ~~الأعين ، فكيف أن تكون له خيانة قلب . | فإن قلت : فما معنى إذا قوله تعالى ~~في قصة زيد : وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك ~~واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه [ ~~سورة الأحزاب - 33 ، الآية : 37 ] . | فاعلم أكرمك الله ، ولا ms352 تسترب في ~~تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الظاهر | و أن يأمر زيدا بإمساكها ~~وهو يحب تطليقه إياها ، كما ذكر عن جماعة من المفسرين . | و أصح ما في هذا ~~ما حكاه أهل التفسير عن علي بن حسين أن الله تعالى كان أعلم نبيه أن زينب ~~ستكون من أزواجه ، فلما شكاها إليه زيد قال له : أمسك عليك زوجك واتق الله ~~. وأخفى في نفسه ما أعلمه الله به من أنه سيتزوجها مما الله مبديه ومظهره ~~بتمام التزويج وتطليق زيد لها . | وروى نحوه عمرو بن فائد ، عن الزهري ، ~~قال : نزل جبريل على النبي يعلمه أن الله يزوجه زينب بنت جحش ، فذلك الذي ~~أخفى في نفسه ويصحح هذا قول المفسرين في قوله تعالى بعد هذا : وكان أمر ~~الله مفعولا ، أي لا بد لك [ 229 ] أن تتزوجها . | ويوضح هذا أن الله لم ~~يبد من أمره معها غير زواجه لها ، فدل أنه الذي أخفاه صلى الله عليه وسلم ~~مما كان أعلمه به تعالى . | و قوله تعالى في القصة : ما كان على النبي من ~~حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا ~~مقدورا [ سورة الأحزاب - 33 ، الآية : 37 ] . | فدل أنه لم يكن عليه حرج في ~~الأمر . | قال الطبري : ما كان الله ليؤثم نبيه فيما أحل مثال فعله لمن ~~قبله من الرسل ، PageV02P166 قال الله تعالى : سنة الله في الذين خلوا من ~~قبل ، أي من النبيين فيما أحل لهم ، ولو كان على ما روي في حديث قتادة من ~~وقوعها من قلب النبي صلى الله عليه وسلم عندما أعجبته ، ومحبته طلاق زيد ~~لها لكان فيه أعظم الحرج ، وما لا يليق به من مد عينيه لما نهي عنه من زهرة ~~الحياة الدنيا ، ولكان هذا نفس الحسر المذموم الذي لا يرضاه ولا يتسم به ~~الأتقياء ، فكيف سيد الأنبياء ؟ . | قال القشيري : وهذا إقدام عظيم من ~~قائله ، وقلة معرفة بحق النبي صلى الله عليه وسلم وبفضله . | و كيف يقال : ~~رآها فأعجبته وهي بنت عمه ms353 ، ولم يزل يراها منذ ولدت ، ولا كان النساء | ~~يحتجبن منه صلى الله عليه وسلم ، وهو زوجها لزيد ، وإنما جعل الله طلاق زيد ~~لها ، وتزويج النبي صلى الله عليه وسلم إياها ، لإزالة حرمة التبني وإبطال ~~سنته ، كما قال : ما كان محمد أبا أحد من رجالكم . وقال : لكي لا يكون على ~~المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم [ سورة الأحزاب - 33 ، الآية : 40 ] . | و ~~نحوه لابن فورك . | و قال أبو الليث السمرقندي : فإن قيل : فما الفائدة في ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بإمساكها ؟ فهو أن الله أعلم نبيه أنها ~~زوجته ، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن طلاقها ، إذ لم تكن بينهما ألفة ~~، وأخفى في نفسه ما أعلمه الله به فلما طلقها زيد خشي قول الناس : يتزوج ~~إمرأة ابنه ، فأمره الله بزواجها ليباح مثل ذلك لأمته ، كما قال تعالى : ~~لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا [ سورة ~~الأحزاب - 33 ، الآية : 37 ] . | و قد قيل : كان أمره لزيد بإمساكها قمعا ~~للشهوة ، وردا للنفس عن هواها . وهذا إذا جوزنا عليه أنه رآها فجأة ~~واستحسنها . ومثل هذا لا نكرة فيه ، لما طبع عليه ابن آدم من استحسانه ~~للحسن ، ونظرة الفجاءة معفو عنها ، ثم قمع نفسه عنها ، وأمر زيدا بإمساكها ~~، وإنما تنكر تلك الزيادات في القصة . والتعوي ل والأولى ما ذكرناه عن علي ~~بن حسين ، وحكاه السمرقندي ، وهو قول ابن عطاء ، وصححه واستحسنه القاضي ~~القشيري ، [ وعليه عول أبو بكر بن فورك ، وقال : إنه معنى ذلك عند المحققين ~~من أهل التفسير ، قال : والنبي صلى الله عليه وسلم منزه عن استعمال النفاق ~~في ذلك ، وإظهار خلاف ما في نفسه ، وقد نزهه الله عن ذلك بقوله تعالى : ما ~~كان على النبي من حرج فيما فرض PageV02P167 الله له ، ومن ذلك بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم فقد أخطأ . | قال : وليس معنى الخشية هنا الخوف ، وإنما ~~معناه الاستحياء ، أي يستحي منهم أن يقولوا : تزوج زوجة ابنة ] . | و أن ~~خشيته صلى الله عليه وسلم من الناس كانت ms354 من إرجاف المنافقين واليهود ~~وتشغيبهم على المسلمين بقولهم : تزوج زوجة ابنه بعد نهيه عن نكاح حلائل ~~الأبناء ، كما كان ، فعتبة الله على هذا ، ونزهه عن الالتفاف إليهم فيما ~~أحله له ، كما عتبه على مراعاة رضا أزواجه في سورة التحريم بقوله : لم تحرم ~~ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم . وكذلك قوله له ها هنا ~~: وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه [ سورة الأحزاب - 33 ، الآية : 37 ] . | ~~و قد روي عن الحسن وعائشة : لو كتم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا كتم ~~هذه الآية لما في من عتبه [ 230 ] وإبداء ما أخفاه . # # | 2 ( فصل في معنى الحديث في وصيته صلى الله عليه وسلم ) 2 # | فإن قلت : قد قررت عصمته صلى الله عليه وسلم في أقواله في جميع أحواله ~~، وأنه لا يصح منه فيها خلف ولا اضطراب في عمد ولا سهو ، ولا صحة ولا مرض ، ~~ولا جد ولا هزل ، ولا رضا ولا غضب . ولكن ما معنى الحديث في وصيته صلى الله ~~عليه وسلم الذي حدثنا به القاضي الشهيد أبو علي رحمه الله ، قال : حدثنا ~~القاضي أبو الوليد ، حدثنا أبو ذر ، حدثنا أبو محمد ، وأبو الهيثم ، وأبو ~~إسحاق ، قالوا : حدثنا محمد ابن يوسف ، حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا علي ~~بن عبد الله ، حدثنا عبد الرزاق ابن همام ، أنبأنا معمر ، عن الزهري ، عن ~~عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، قال : لما حضر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وفي البيت رجال فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هلموا أكتب ~~كتابا لن تضلوا بعده . | فقال بعضهم : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ~~غلبه الوجع . . . الحديث . | و في رواية : ائتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا ~~بعدي أبدا ، فتنازعوا فقالوا : ماله PageV02P168 أهجر ! استفهموه ، فقال ~~دعوني ، فإن الذي أنا فيه خير . | و في بعض طرقه : أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم يهجر . | و في رواية : هجر . ويروى : أهجر . ويروى : أهجرا . | و فيه ~~فقال عمر : إن النبي صلى الله عليه وسلم قد ms355 اشتد به الوجع ، وعندنا كتاب ~~الله حسبنا . | و كثر اللغط ، فقال : قوموا عني . | و في رواية : واختلف ~~أهل البيت واختصموا ، فمنهم من يقول : قربوا يكتب لكم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كتابا . | و منهم من يقول ما قال عمر . | قال أئمتنا في هذا ~~الحديث : النبي صلى الله عليه وسلم غير معصوم من الأمراض ، وما يكون من ~~عوارضها من شدة وجع وغشي ونحوه مما يطرأ على جسمه ، معصوم أن يكون منه من ~~القول أثناء ذلك ما يطعن في معجزته ، ويؤدي إلى فساد في شريعته من هذيان ~~واختلال كلام . | و على هذا لا يصح ظاهر رواية من روى في الحديث : هجر إذ ~~معناه هذى يقال : هجر هجرا ، إذا هذى . وأهجر هجرا ، إذا أفحش ، وأهجر ~~تعديه هجر ، وإنما الأصح والأولى أهجر ، على طريق الإنكار على من قال : لا ~~نكتب . | و هكذا روايتنا فيه في صحيح البخاري من رواية جميع الرواة في حديث ~~الزهري المتقدم ، وفي حديث محمد بن سلام ، عن عيينة ، وكذا ضبطه الأصيلي ~~بخطه في كتابه ، وغيره من هذه الطرق ، وكذا رويناه عن مسلم في حديث سفيان ، ~~وعن غيره . | و قد تحمل عليه رواية من رواه هجر على حذف ألف الاستفهام ، ~~والتقدير : | أهجر ، أو أن يحمل قول القائل هجر أو أهجر دهشة من قائل ذلك ~~وحيرة لعظيم ما شاهد من حال الرسول صلى الله عليه وسلم ، وشدة وجعه ، وهو ~~المقام الذي اختلف فيه عليه ، والأمر الذي هم بالكتاب فيه ، حتى لم يضبط ~~هذا القائل لفظه ، وأجرى الهجر مجرى شدة الوجع ، لا أنه اعتقد أنه يجوز ~~عليه الهجر ، كما حملهم الإشفاق على حراسته ، والله تعالى يقول : والله ~~يعصمك من الناس ، ونحو هذا . | و أما على [ 261 ] رواية : أهجرا وهي رواية ~~أبي إسحاق المستملي في PageV02P169 الصحيح في حديث ابن جبير ، عن ابن عباس ~~، من رواية قتيبة فقد يكون هذا راجعا إلى المختلفين عنده صلى الله عليه ~~وسلم ، ومخاطبة لهم من بعضهم ، أي جئتم باختلافكم على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وبين يديه ms356 هجرا ومنكرا من القول . | و الهجر بضم الهاء : الفحش ~~في المنطق . | و قد اختلف العلماء في معنى هذا الحديث ، وكيف اختلفوا بعد ~~أمره لهم عليه السلام أن يأتوه بالكتاب ، فقال بعضهم ، أوامر النبي صلى ~~الله علي ه وسلم يفهم إجابها من ندبها من إباحتها بقرائن ، فلعله قد ظهر من ~~قرائن قوله صلى الله عليه وسلم لبعضهم ما فهموا أنه لم تكن منه عزمة ، بل ~~أمر رده إلى اختيارهم ، وبعضهم لم يفهم ذلك ، فقال : استفهموه ، فلما ~~اختلفوا كف عنه ، إذا لم يكن عزمة ، ولما رأوه من صواب رأي عمر ، ثم هؤلاء ~~قالوا ويكون امتناع عمر إما إشفاقا على النبي صلى الله عليه وسلم من تكليفه ~~في تلك الحال إملاء الكتاب ، أو تدخل عليه مشقة من ذلك ، كما قال : أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم اشتد به الوجع . | و قيل : خشي عمر أن يكتب أمورا ~~يعجزون عنها فيحصلون في الحرج بالمخالفة ، ورأى أن الأفق بالأمة في تلك ~~الأمور سعة الاجتهاد ، وحكم النظر ، وطلب الصواب ، فيكون المصيب والمخطيء ~~مأجورا . | و قد علم عمر تقرر الشرع ، وتأسيس الملة ، وأن الله تعالى قال : ~~اليوم أكملت لكم دينكم . وقوله صلى الله عليه وسلم أوصيكم بكتاب الله ~~وعترتي . | و قول عمر : حسبنا كتاب الله رد على من نازعه ، لا على أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم . | و قد قيل : إن عمر تطرق المنافقين ومن في ~~قلبه مرض لما كتب في ذلك الكتاب في الخلوة ، وأن يتقولوا في ذل ك الأقاويل ~~، كادعاء الرافضة الوصية وغير ذلك . | [ وقيل : إنه كان من النبي صلى الله ~~عليه وسلم لهم على طريق المشورة والاختيار . هل يتفقون على ذلك أم يختلفون ~~؟ فلما اختلفوا تركه ] . | و قالت طائفة أخرى : إن معنى الحديث أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان مجيبا في هذا الكتاب لما طلب منه ، لا أنه ابتدأ ~~بالأمر به ، بل اقتضاه منه بعض أصحابه ، فأجاب رغبتهم ، PageV02P170 وكره ~~ذلك غيرهم للعلل التي ذكرناها . | و استدل في مثل هذه القصة بقول العباس ~~لعلي : انطلق ms357 بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن كان الأمر فينا ~~علمناه ، وكراهة علي هذا ، وقوله : والله لا أفعل . . . الحديث . | و استدل ~~بقوله : دعوني ، فإن الذي أنا فيه خير ، أي الذي أنا فيه خير من إرسال ~~الأمر وترككم وكتاب الله . وأن تدعوني مما طلبتم . | و ذكر أن الذي طلب ~~كتابه أمر الخلافة بعده ، وتعيين ذلك . | # | 2 ( فصل في وجه حديث . . . . إنما محمد بشر . . . ) 2 # | فإن قيل : فما وجه حديثه أيضا الذي حدثناه الفقيه أبو محمد الخشني ~~بقراءتي عليه ، حدثنا أبو علي الطبري ، حدثنا عبد الغافر الفارسي ، حدثنا ~~أبو أحمد الجلودي ، قال : حدثنا إبراهيم بن سفيان ، حدثنا مسلم بن حجاج ، ~~حدثنا قتيبة ، حدثنا ليت ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن سالم مولى النصريين ، ~~قال : سمعت أبا هريرة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اللهم ~~إنما محمد بشر [ 232 ] ، يغضب كما يغضب البشر ، وإني قداتخذت عندك عهدا لن ~~تخلفنيه ، فأيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته فاجعلها كفارة له ، وقربه ~~تقربه بها إليك يوم القيامة . | و في رواية : فأيم أحد دعوت عليه دعوة . | ~~و في رواية : ليس لها بأهل . وفي رواية : فأيما رجل من المسلمين سببته أو ~~لعنته أو جلدته فاجعلها له زكاة وصلاة ورحمة . | و كيف يصح أن يلعن النبي ~~صلى الله عليه وسلم من لا يستحق اللعن ، ويسب من لا يستحق السب ، ويجلد من ~~لا يستحق الجلد ، أو يفعل مثل ذلك عند الغضب ، وهو معصوم عن هذا كله ؟ . | ~~فاعلم شرح الله صدرك أن قوله صلى الله عليه وسلم أولا : ليس لها بأهل ، أي ~~عندك يا ر ب ، في باطن أمره ، فإن حكمه صلى الله عليه وسلم على الظاهر ، ~~كما قال : وللحكمة التي ذكرناها ، فحكم صلى الله عليه وسلم بجلده ، أو أدبه ~~بسبه أو لعنه بما افتضاه عنده حال ظاهره ، ثم PageV02P171 دعا صلى الله ~~عليه وسلم لشفقته على أمته ، ورأفته ورحمته له مؤمنين ، التي وصفه الله بها ~~، وحذره أن يتقبل الله فيمن دعا عليه دعوة أن يجعل ms358 دعاءه ولعنه له رحمة ، ~~فهو معنى قوله : ليس لها بأهل ، لا أنه صلى الله عليه وسلم يحمله الغضب ~~ويستفزه الضجر لأن يفعل مثل هذا بمن لا يستحقه من مسلم . | و هذا معنى صحيح ~~، ولا يفهم من قوله : أغضب كما يغضب البشر أن الغضب حمله على ما لا يجب ~~فعله ، بل يجوز أن يكون المراد بهذا أن الغضب لله حمله على معاقبته بلعنه ~~أو سبه ، وأنه مما كان يحتمل ويجوز عفوه عنه ، أو كان مما خير بين المعاقبة ~~فيه والعفو عنه . | و قد يحمل على أنه خرج مخرج الإشفاق وتعليم أمته الخوف ~~والحذر من تعدي حدود الله تعالى . | و قد يحمل ما ورد من دعائه هنا ، ومن ~~دعواته على غير واحد في غير موطن ، على غير العقد والقصد ، بل بما جرت به ~~عادة العرب ، وليس المراد بها الإجابة ، كقوله : تربت يمينك . | و لا أشبع ~~ا لله بطنك . ووعقري حلقي . وغيها من دعواته . | و قد ورد في صفته في غير ~~حديث أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن فحاشا وقال أنس لم يكن سبابا ، ولا ~~فاحشا ، ولا لعانا ، وكان يقول لأحدنا عند المعتبة ، ماله ! ترب جبينه ! . ~~| فيكون حمل الحديث على هذا المعنى ، ثم أشفق صلى الله عليه وسلم من موافقة ~~أمثالها إجابة ، فعاهد ربه ، كما قال في الحديث ، أن يجعل ذلك للمقول زكاة ~~ورحمة وقربة . | و قد يكون ذلك إشفاقا على المدعو عليه ، وتأنيسا له ، لئلا ~~يلحقه من استشعار الخوف والحذر من لعن النبي صلى الله عليه وسلم ، وتقبل ~~دعائه ، ما يحمله على اليأس والقنوط . | و قد يكون ذلك سؤالا منه لربه لمن ~~جلده ، أو سبه على حق وبوجه صحيح أن يجعل ذلك له كفارة لما أصابه ، وتمحيه ~~لما اجترم ، وأن تكون عقوبته له في الدنيا سبب العفو والغفران ، كما جاء في ~~الحديث الآخر : ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب PageV02P172 به في الدنيا فهو ~~له كفارة . | فإن قلت : فما معنى حديث الزبير وقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم [ 233 ] حين تخاصمه مع ms359 الأنصاري في شراج الحرة : اسق يا زبير حتى يبلغ ~~الكعبين . فقال له الأنصاري : إن كان ابن عمتك يا رسول الله ! فتلون وجه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : اسق يازبير ثم احبس حتى يبلغ ~~الجدر . . الحديث . | فالجواب أن النبي صلى الله عليه وسلم منزه أن يقع ~~بنفس مسلم منه في هذه القصة أمر يريب ، ولكنه صلى الله عليه وسلم ندب ~~الزبير أولا إلى الاقتصار على بعض حقه على طريق التوسط والصلح ، فلما لم ~~يرض بذلك الآخر ، ولج وقال ما لا يجب استوفى النبي صلى الله عليه وسلم ~~للزبير حقه . | و لهذا ترجم البخاري على هذا الحديث : باب . إذا أشار ~~الإمام بالصلح فأبى حكم عليه بالحكم . | و ذكر في آخر الحديث : فاستوعى ~~رسول الله حينئذ للزبير حقه . | و قدجعل المسلمون هذا الحديث أصلا في قضيته ~~. | و فيه الاقتداء به صلى الله عليه وسلم في كل ما فعله في حال غضبه ورضاه ~~، وأنه وإن نهى أن يقضي القاضي وهو غضبان ، فإنه في حكمه في حال الغضب ~~والرضا سواء لكونه فيهما معصوما . وغضب النبي صلى الله عليه وسلم في هذا ~~إنما كان الله تعالى لا لنفسه ، كما جاء في الحديث . | و كذلك الحديث في ~~إقادته عكاشة من نفسه لم يكن لتعد حمله الغضب عليه ، بل وقع في الحديث نفسه ~~أن عكاشة قال له : وضربتني بالقضيب ، فلا أدري أعمد ا ، أم أردت ضرب الناقة ~~؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أعيذك با الله يا عكاشة أن يتعمدك رسول ~~الله . | و كذلك في حديثه الآخر مع الأعرابي حين طلب عليه السلام الاقتصاص ~~منه ، PageV02P173 فقال الأعرابي قد عفوت عنك . وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد ضربه بالسوط لتعلقه بزمام ناقته مرة بعد أخرى ، والنبي صلى الله ~~عليه وسلم ينهاه ويقول له : تدرك حاجتك ، وهو يأبى ، فضربه بعد ثلاث مرات . ~~| و هذا منه صلى الله عليه وسلم لمن لم يقف عند نهيه صواب وموضع أدب ، لكنه ~~عليه الصلاة السلام : أشفق إذ كان حق نفسه ms360 من الأمر حتى عفا عنه . | و أما ~~حديث سواد بن عمرو : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا متخلق ، فقال عليه ~~الصلاة السلام : ورس ! ورس ! حط ، حط ! وغشيني بقضيب في يده في بطني ~~فاوجعني . | قلت : القصاص يا رسول الله . فكشف لي عن بطنه . | و إنما ضربه ~~صلى الله عليه وسلم لمنكر رآه به ، ولعله لم يرد بضربه بالقضيب إلا تنبيهه ~~، فلما كان منه إيجاع لم يقصده طلب التحلل منه على ما قدمنا . # # | 2 ( فصل في أفعاله . صلى الله عليه وسلم الدنيوية ) 2 # | و أما أفعاله صلى الله عليه وسلم الدنيوية فحكمه فيها من توفى المعاصي ~~والمكروهات ما قد قدمناه ، ومن جواز السهو الغلط في بعضها ما ذكرناه . | و ~~كله غير قادح في النبوة ، بلى ، إن هذا فيها على الندور ، إذ عامة أفعاله ~~على السداد والصواب ، بل أكثرها أو كلها جارية مجرى العبادات والقرب على ما ~~بينا إذ كان صلى الله عليه وسلم لا يأخذ منها لنفسه إلا ضرورتة ، وما يقيم ~~رمق جسمه ، وفيه مصلحة ذاته التي بها يعبد ربه ، ويقيم شريعته ، ويسوس أمته ~~، وما كان فيما بينه وبين الناس من ذلك فبين معروف يصنعه ، أو بر [ 234 ] ~~يوسعه ، أو كلام حسن يقوله أو يسمعه ، أو تألف شارد ، أو قهر معاند ، أو ~~مداراة حاسد ، وكل هذا لاحق بصالح أعماله ، متتظم في زاكي وظائف عباداته ، ~~وقدكان يخالف في أفعاله الدنيوية بحسب اختلاف الحوال ، ويعد للأمور أشباهها ~~، فيركب في تصرفه لما قرب الحمار ، وفي أسفاره الراحلة ، ويركب البغلة في ~~معارك الحرب دليلا على الثبات ، ويركب الخيل ويعدها ليوم الفزع وإجابه ~~الصارخ . | و كذلك في لباسه وسائر أحواله بحسب اعتبار مصالحه ومصالح أمته . ~~| و كذلك يفعل الفعل في أمور الدنيا مساعدة لأمته وسياسة وكراهية لخلافها ~~وإن PageV02P174 كان قد يرى غيره خيرا منه ، كما يترك الفعل لهذا ، وقد يرى ~~فعله خيرا منه وقديفعل هذا في الأمور الدينية مما له الخيرة في أحد وجهيه ، ~~كخروجه من المدينة لاحد ، وكان مذهبه التحصن بها ، وتركه قتل المنافقين ، ~~وهو ms361 على يقين من أمرهم مؤالفة لغيرهم ، ورعاية للمؤمنين من قرابتهم ، ~~وكراهة لأن يقول الناس : إن محمدا يقتل أصحابه ، كما جاء في الحديث ، وتركه ~~بناء الكعبة على قواعد إبراهيم مراعاة لقلوب قريش وتعظيمهم لتغييرها ، ~~وحذرا من نفار قلوبهم لذلك ، وتحريك متقدم عداوتهم للدين وأهله ، فقال ~~لعائشة في الحديث الصحيح : لولا حدثان قومك بالكفر لأتممت البيت على قواعد ~~إبراهيم . | و يفعل الفعل ثم يتركه ، لكون غيره خيرا منه ، كانتقاله من ~~أدنى مياه بدر إلى أقربها للعدو من قريش ، وقوله : لو استقبلت من أمري ما ~~استدبرت ما سقت الهدي . | و بسط وجهه للكافر والعدو رجاء استئلافه . | و ~~يصبر للجاهل ، رواية يقول كان إن من شرار الناس من اتقاه الناس لشره . ~~ويبذل له الرغائب ليحبب إليه شريعته ودين ربه . ويتولى في منزله ما يتولى ~~الخادم من مهنته ، ويتسمت في ملئه ، حتى لا يبدو شيء من أطرافه ، وحتى كأن ~~على رؤوس جلسائه الطير ، ويتحدث مع جلسائه بحديث أولهم ، ويتعجب مما ~~يتعجبون منه ، ويضحك مما يضحكون منه ، قد وسع الناس بشره وعدله ، لا يستفزه ~~الغضب ، ولا يقصر عن الحق ولا يبطن على جلسائه ، يقول ما كان لنبي أن تكون ~~له خائنة الأعين . | فإن قلت : فما معنى قوله لعائشة رضي الله عنها في داخل ~~عليه : بئس ابن العشيرة . فلما دخل ألان له القول وضحك معه ، فلما سأله عن ~~ذلك قال كان إن من شر PageV02P175 الناس من اتقاه الناس لشره . | و كيف جاز ~~أن يظهر لهما خلاف ما يبطن ، ويقول في ظهره ما قال ؟ | فالجواب أن فعله صلى ~~الله عليه وسلم كان استئلافا لمثله ، وتطييبا لنفسه ، ليتمكن إيمانه ، ~~ويدخل في الإسلام بسبب أتباعه ، ويراه مثله فينجذب بذلك إلى الإسلام . ومثل ~~هذا على هذا الوجه قد خرج من حد مداراة الدنيا إلى السياسة الدينية . وقد ~~كان النبي يستألفهم بأموال الله العريضة فكيف بالكلمة اللينة ؟ . | قال ~~صفوان : لقد أعطاني [ 235 ] وهو أبغض الخلق إيلي ، فما زال يعطيني حتى صار ~~أحب الخلق إلي . | و قوله فيه : بئس ابن العشيرة هو غير ms362 غيبة ، بل هو تعريف ~~ما علمه منه لمن لم يعلم ليحذر حاله ، ويحترز منه ، ولا يوثق بجانبه كل ~~الثقة ولا سيما وكان مطاعا متبوعا . | و مثل هذا إذا كان لضرورة ودفع مضرة ~~لم يكن بغيبة ، بل كان جائزا ، بل واجبا في بعض الأحيان كعادة المحدثين في ~~تجريح الرواة والمزكين في الشهود . | فإن قيل : فما معنى المفضل الوارد في ~~حديث بريرة من قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة ، وقد أخبرته أن موالي بريرة ~~أبو بيعها إلا أن يكون لهم الولاء ، فقال صلى الله عليه وسلم : اشتريها ~~واشترطي لهم الولاء . | ففعلت ، ثم قام خطيبا ، فقال : ما بال أقوام ~~يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ، كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ~~والنبي صلى الله عليه وسلم قد أمرها بالشرط لهم ، وعليه باعوها ، ولولاه ~~والله أعلم لما باعوها من عائشة ، كما لم يبيعوها قبل حتى شرطوا ذلك عليها ~~، ثم أبطله صلى الله عليه وسلم ، وهو قد حرم الغش والخديعة . | فاعلم أكرمك ~~الله أن النبي صلى الله عليه وسلم منزه عما يقع في بال الجاهل من هذا ، ~~ولتنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ما قد أنكر قوم هذه الزيادة : ~~قوله : اشتر لهم الولاء ، إذ ليست في أكثر طرق ا لحديث ، ومع ثباتها فلا ~~اعتراض بها ، إذ يقع لهم بمعنى PageV02P176 عليهم ، قال الله تعالى : أولئك ~~لهم اللعنة . وقال : وإن أسأتم فلها [ سورة الإسراء / 17 ، الآية : 7 ] . | ~~فعلى هذا اشترطي عليهم الولاء لك ، ويكون قيام النبي صلى الله عليه وسلم ~~ووعظه لما سلف من شرط الولاء لأنفسهم قبل ذلك . | و وجه ثاني : أن قوله صلى ~~الله عليه وسلم : اشترطي لهم الولاء ، ليس على معنى الأمر ، لكن على معنى ~~التسوية والإعلام بأن شرطه لهم لا ينفعم بعد بيان النبي صلى الله عليه وسلم ~~لهم قبل أن الولاء لمن أعتق ، فكأنه قال : اشترطي أو لا تشترطي ، فإنه شرط ~~غير نافع . | و إلى هذا ذهب الداودي وغيره ، وتوبيخ النبي صلى الله عليه ~~وسلم لهم ، وتقريعهم على ms363 ذلك يدل على علمهم به قبل هذا . | الوجه الثالث : ~~أن معنى قوله : اشترطي لهم الولاء ، أي أظهري لهم حكمه ، وبيني سنتة بأن ~~الولاء إنما هو لمن أعتق . ثم بعد هذا قام هو صلى الله عليه وسلم مبينا ذلك ~~وموبخا على مخالفة ما تقدم منه فيه . | فإن قيل : فما معنى فعل يوسف عليه ~~السلام بأخيه ، إذ جعل السقاية في رحله وأخذه باسم سرقتها ، وما جرى ~~علىإخوته في ذلك وقوله تعالى : إنكم لسارقون ، ولم يسرقوا . | فاعلم أكرمك ~~الله أن الآية تدل على أن فعل يوسف كان عن أمر الله ، لقوله تعالى : كذلك ~~كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من ~~نشاء وفوق كل ذي علم عليم [ سورة يوسف / 12 ، الآية : 76 ] . | فإذا كان ~~كذلك فلا اعتراض به ، كان فيه ما فيه . | و أيضا فإن يوسف كان أعلم أخاه ~~بأني أنا أخوك فلا تبتئس ، فكان ما جرى عليه بعد هذا من وفقه ورغبته ، وعلى ~~يقين من عقبى الخير له به ، وإزاحة السوء والمضرة [ 236 ] عنه بذلك . و أما ~~قوله : أيتها العير إنكم لسارقون ، فليس من قول يوسف . فيلزم عليه جواب لحل ~~شبهه . ولعل قائله إن حسن له التأويل كائنا من كان ظن على صورة الحال ذلك ~~PageV02P177 وقد قيل قال ذلك لفعلهم قبل بيوسف وبيعهم له وقيل غير هذا : ~~ولا يلزم أن نقول الأنبياء ما لم تأت انهم قالوه ، حتى يطلب الخلاص منه ، ~~ولا يلزم الا عتزار عن زلات غيرهم . | # | 2 ( فصل بيان الحكمة في إجراء الأمراض وشدتها عليه وعلى غيره من ~~الأنبياء ) 2 # | فإن قيل : فما الحكمة في إجراء الأمراض وشدتها عليه وعلى غيره من ~~الأنبياء على | جميعهم السلام ؟ وما الوجه فيما ابتلاهم الله به من البلاء ~~، وامتحانهم بما امتحنوا به كأيوب ، ويعقوب ودانيال ، ويحيى ، وزكريا ، ~~وعيسى ، وإبراهيم ، ويوسف ، وغيرهم ، صلوات الله عليهم ، وهم خيرته من خلقه ~~واحباؤه وأصفياؤه . | فاعلم وفقنا الله وإياك أن أفعال الله تعالى كلها عدل ~~، وكلماته جميعها صدق لا مبدل لكلماته ms364 ، يبتلي عباده كما قال تعالى لهم : ~~لننظر كيف تعملون [ سورة يونس / 10 ، الآية : 14 ] . | و ليبلوكم أيكم أحسن ~~عملا [ سورة هود - 49 ، الآية : 7 ] . | وليعلم الله الذين آمنوا [ سورة آل ~~عمران - 3 ، الآية : 140 ] . | ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم ~~الصابرين [ سورة آل عمران / 3 ، الآية : 142 ] . | ولنبلونكم حتى نعلم ~~المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم [ سورة محمد / 47 ، الآية : 31 ] . ~~| فامتحانه إياهم بضروب المحن زيادة في مكانتهم ، ورفعه في درجاتهم ، ~~وأسباب لاستخراج حالات الصبر والرضا ، والشكر والتسليم ، والتوكل ، ~~والتفويض ، والدعاء ، والتضرع منهم ، وتأكيد لبصائرهم في رحمة الممتحنين ، ~~والشفقة على المبتلين ، وتذكرة لغيرهم ، وموعظة لسواهم ليتأسوا في البلاء ~~بهم ، فيتسلوا في المحن بما جرى عليهم ، ويقتدوا بهم في الصبر ، ومحو لهنات ~~فرطت منهم ، أو غفلات سلفت لهم ، ليلقوا الله طيبين مهذبين ، وليكون أجرهم ~~أكمل ، وثوابهم أوفر وأجزل . | حدثنا القاضي أبو علي الحافظ ، حدثنا أبو ~~الحسين الصيرفي وأبو الفضل ابن خيرون ، قالا : حدثنا أبو يعلى البغدادي ، ~~حدثنا أبو علي السنجي ، حدثنا محمد ابن محبوب ، حدثنا أبو عيسى الترمزي ، ~~حدثنا قتيبة ، حدثنا حماد بن زيد ، عن عاصم بن بهدلة ، عن مصعب بن سعد ، عن ~~أبيه حدثنا قال : قلت يا رسول الله ، أي الناس أشد PageV02P178 بلاء ؟ قال ~~الأنبياء ، ثم الأمثل فالأمثل ، يبتلى الرجل على حسب دينه ، فما يبرح ~~البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة . | و كما قال ~~تعالى : وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل ~~الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين * وما كان قولهم إلا أن ~~قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على ~~القوم الكافرين * فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب ~~المحسنين [ سورة آل عمران / 3 ، الآيات : 146 ، 148 ] . | و عن أبي هريرة : ~~ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما ~~عليه خطيئة . | و عن أنس ، عنه صلى الله عليه وسلم : إذا أراد الله بعبده ~~الخير عجل له ms365 العقوبة في الدنيا ، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه ~~بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة . | و في حديث آخر إذا أحب الله عبدا ~~ابتلاه ليسمع تضرعه . | و حكى السمرقندي أن كل من كان أكرم على الله تعالى ~~كان بلاؤه أشد كي يتبين فضله ، ويتسوجب الثواب ، كما روي عن لقمان أنه قال ~~: يابني ، الذهب والفضة يختبران بالنار ، والمؤمن يختبر بالبلاء . | و قد ~~حكي أن ابتلاء يعقوب بيوسف كان سببه التفاته في صلواته إليه ، ويوسف نائم ~~محبة [ 237 ] له . | و قيل : بل اجتمع يوما هو وابنه يوسف على أكل حمل مشوي ~~، وهما يضحكان ، وكان لهم جار يتيم ، فشم ريحه واشتهاه وبكى ، وبكت له جدة ~~له عجوز لبكائه ، وبينهما جدار ، ولا علم عند يعقوب وابنه ، فعوقب يعقوب ~~بالبكاء أسفا على يوسف إلى أن سالت حدقتاه ، وابيضت عيناه من الحزن . فلما ~~علم بذلك كان بقية حياته يأمر مناديا ينادي على سطحه : ألا من كان مفطرا ~~فليتغذ عن آل يعقوب . PageV02P179 وعوقب يوسف بالمحنة التي نص الله عليها . ~~| و روى عن الليث أن سبب بلاء أيوب أنه دخل مع أهل قريته على ملكهم فكلموه ~~في ظلمه ، وأغلظوا له إلا أيوب ، فإنه رفق به مخافة على زرعه ، فعاقبه الله ~~ببلائه . | و منحه سليمان لما ذكرناه من نيته في كون الحق في جنبه أصهاره ، ~~أو للعمل بالمعصية في داره ، ولا علم عنده . | و هذه فائدة شدة المرض ~~والوجع بالنبي صلى الله عليه وسلم ، قالت عائشة : ما رأيت الوجع على أحد ~~أشد منه على رسول الله صلى الله عليه وسلم . | و عن عبد الله : رأيت النبي ~~صلى الله عليه وسلم في مرضه ، يوعك وعكا شديدا ، قال : أجل ، إن أوعك كما ~~يوعك رجلان منكم . قلت : ذلك أن الأجر مرتين ، قال : أجل ، ذلك كذلك . | و ~~ف ي حديث أبي سعيد أن رجلا وضع يده على النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ~~والله ما أطيق أضع يدي عليك من شدة حماك . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ~~إنا معشر الأنبياء يضاعف ms366 لنا البلاء ، إن كان النبي ليبتلى بالقمل حتى ~~يقتله ، وإن كان النبي ليبتل ى بالفقر ، وإن كانوا ليفرحون بالبلاء كما ~~تفرحون بالرخاء . | و عن أنس ، عنه صلى الله عليه وسلم أن عظم الجزاء مع ~~عظم البلاء ، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم ، فمن رضي فله الرضا ، ومن سخط ~~فله السخط . | و قد قال المفسرون في قوله تعالى : من يعمل سوءا يجز به ، إن ~~المسلم يجزى بمصائب الدنيا فتكون له كفارة . وروى هذا عن عائشة وأبي ، ~~ومجاهد . | PageV02P180 و قال أبو هريرة ، عنه صلى الله عليه وسلم : من يرد ~~الله به خيرا يصب منه . | و قال في رواية عائشة : ما من مصيبة تصيب المسلم ~~إلا يكفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاركها . | و قال في رواية أبي سعيد : ~~ما يصيب المؤمن من نصب ولا وصب ، وقيل ولا هم ولا حزن ، ولا أذى ولا غم ، ~~حتى الشوكة يشاكلها إلا كفر الله بها من خطاياه . | و في حديث ابن مسعود : ~~ما من مسلم يصيبه أذى إلا حات الله عنه خطاياه كما تحات ورق الشجر . | و ~~حكمة أخرى أودعها الله في الأمراض لأجسامهم ، وتعاقب الأوجاع عليها وشدتها ~~عند مماتهم ، لتضعف قوى نفوسهم ، فيسهل خروجها عند قبضهم ، وتخف عليهم مؤنة ~~النزع ، وشدة السكرات بتقدم المرض ، وضعف الجسم والنفس لذلك . | و هذا خلاف ~~موت الفجاء ة وأخذه ، كما يشاهد من اختلاف أحوال الموتى في الشدة واللين ، ~~والصعوبة والسهولة . وقد قال صلى الله عليه وسلم : مثل المؤمن مثل خامة [ ~~238 ] الزرع تفيئها الريح هكذا وهكذا . | و في رواية أبي هريرة عنه : من ~~حيث أتتها الريح تكفؤها ، فإذا سكنت اعتدلت ، وكذلك المؤمن يكفأ بالبلاء . ~~ومثل الكافر كمثل الأرزة صماء معتدلة حتى يقصمه الله . | PageV02P181 معناه ~~أن المؤمن مرزا ، مصاب بالبلاء والأمراض ، راض بتصريفه بين أقدار الله ~~تعالى ، منطاع لذلك ، لين الجانب برضاه وقلة سخطه ، كطاعة خامة الزرع ~~وانقيادها للرياح ، وتمايلها لهبوبها وترتحها من حيث ما أتتها ، فإذا أزاح ~~الله عن المؤمن رياح البلايا ، واعتدل صحيحا كما اعتدلت خامة الزرع عند ms367 ~~سكون رياح الجو رجع إلى شكر ربه معرفة نعمته عليه بلائه ، منتظرا رحمته ~~وثوابه عليه . | فإذا كان بهذه السبيل لم يصعب عليه مرض الموت ، ولا نزوله ~~، ولا اشتدت عليه سكراته ونزعه ، لعادته بما تقدم من الآلام ومعرفة ما له ~~فيها من الأجر وتوطينه نفسه على المصائب ورقتها وضعفها بتوالي المرض أو ~~شدته ، والكافر بخلاف هذا ، معافى في غالب حاله ، ممتع بصحة جسمه ، كالأرز ~~ة الصماء ، حتى إذا أراد الله هلاكه قصمه لحينه على غرة ، وأخذه بغتة من ~~غير لطف ولا رفق ، فكان موته أشد عليه حسرة ، ومقاساة نزعه مع قوة نفسه ~~وصحة جسمه أشد ألما وعذابا ، ولعذاب الآخرة أشد ، كانجعاف الأرزة . وكما ~~قال تعالى : فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون [ سورة الأعراف - 7 ، الآية : 95 ~~] . | و كذلك عادة الله تعالى في أعدائه ، كما قال تعالى : فكلا أخذنا ~~بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به ~~الأرض ومنهم من أغرقنا ، ففجأ جميعهم بالموت على حال عتو وغفلة وصبحهم به ~~على غير استعداد بغتة ، ولهذا ما كره السلف موت الفجاءة . | و منه في حديث ~~إبراهيم : كانوا يكرهون أخذة كأخذة الأسف : أي الغضب ، يريد موت الفجاءة . ~~وحكمه ثالثة أن الأمراض نذير الممات ، وبقدر شدة الخوف من نزول الموت ، ~~فيستعد من أصابته ، وعلم تعاهدها له ، للقاء ربه ، ويعرض عن دار الدنيا ~~الكثيرة الأنكاد ، ويكون قلبه معلقا بالمعاد ، فيتنصل من كل ما يخشى تباعته ~~من قبل الله ، وقبل العباد ، ويؤدي الحقوق إلى أهلها ، وينظر فيما يحتاج ~~إليه من وصية فيمن يخلفه أو أمر يعهده . | و هذا نبين ا صلى الله عليه وسلم ~~المغفور له ما تقدم وما تأخر ، قد طلب التنصل في مرضه ممن PageV02P182 كان ~~له عليه مال أو حق في بدن ، وأقاد من نفسه وماله ، وأمكن من القصاص منه ، ~~على ما ورد حديث في الفضل ، وحديث الوفاة ، وأوصى بالثقلين بعده : كتاب ~~الله ، وعترته وبالأنصار عيبته ، ودعى إلى كتب كتاب لئلا تضل أمته بعده ، ~~إما في النص على الخلافة ، أو ms368 الله أعلم بمراده . ثم رأى الإمساك عنه أفضل ~~وخيرا . | و هكذا سيرة عباد الله المؤمنين وأوليائه المتقين . | و هذا كله ~~يحرمه غالبا الكفار ، لإملاء الله لهم ، ليزدادوا إثما ، وليستدرجهم من حيث ~~لا يعلمون ، قال الله تعالى : ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون ~~* فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون [ سورة يس - 36 ، الأيتان : 49 ~~، 50 ] . | و لذلك قال صلى الله عليه وسلم في رجل مات فجأة : سبحان الله ! ~~كأنه على غضب ، المحروم من حرم وصيته . وقال : موت الفجأة راحة للمؤمن ، ~~وأخذه أسف للكافر والفاجر ، وذلك لأن الموت يأتي المؤمن ، وهو غالبا مستعد ~~له منتظر لحلوله ، فهان أمر عليه كيفما جاء ، وأقضى إلى راحته من نصب ~~الدنيا وأذاها ، كما قال صل ى الله عليه وسلم : مستريح ومستراح منه . وتأتي ~~الكافر والفاجر منيته على غير استعداد ولا أهبة ولا مقدمات منذرة مزعجة ، ~~بل تأتيهم بغتة فتبهتهم ، فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون ، فكان الموت ~~أشد شيء عليه . | و فراق الدنيا أفظع أمر صدمه ، وأكره شيء له ، وإلى هذا ~~المعنى أشار صلى الله عليه وسلم بقوله : من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ، ~~ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه . | PageV02P183 صفحة فارغة PageV02P184 # | 1 ( القسم الرابع في تصرف وجوه الأحكام فيمن تنقصه أو سبه صلى الله ~~عليه وسلم ) 1 # | قال القاضي أبو الفضل رضي الله عنه : قد تقدم من الكتاب والسنة وإجماع ~~الأمة ما يجب من الحقوق للنبي صلى الله عليه وسلم ، وما يتعين له من بر ~~وتوقير ، وتعظيم وإكرام ، وبحسب هذا حرم الله تعالى أذاه في كتابه ، وأجمعت ~~الأمة على قتل متنقصه من المسلمين وسابه ، قال الله تعالى : إن الذين يؤذون ~~الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا [ سورة ~~الأحزاب - 33 ، الآية : 57 ] . | و قال تعالى : والذين يؤذون رسول الله لهم ~~عذاب أليم [ سورة التوبة - 9 ، الآية : 61 ] . | و قال الله تعالى : وما ~~كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ms369 ذلكم كان ~~عند الله عظيما [ سورة الأحزاب - 33 ، الآية : 53 ] . | و قال تعالى : في ~~تحريم التعريض به : يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا ~~واسمعوا وللكافرين عذاب أليم [ سورة البقرة - 2 ، الآية : 104 ] . | و ذلك ~~أن اليهود كانوا يقولون : راعنا يا محمد ، أي أرعنا سمعك ، واسمع منا ، ~~ويعرضون بالكلمة ، يريدون الرعونة ، فنهى الله المؤمنين عن التشبه بهم ، ~~وقطع الذريعة بنهي المؤمنين عنها ، لئلا يتوصل بها الكافر والمنافق إلى سبه ~~والاستهزاء به . | و قيل : بل لما من مشاركة اللفظ ، لأنها عند اليهود ~~بمعنى اسمع لا سمعت . | و قيل : بل لما فيها من قله الأدب ، وعدم توقير ~~النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه ، لأنها في لغة PageV02P185 الأنصار ~~بمعنى ارعنا نرعك ، فنهوا عن ذلك ، إذ مضمنه أنهم لا يرعونه إلا برعايته ~~لهم ، وهو صلى الله عليه وسلم واجب الرعاية بكل حال ، وهذا هو صلى الله ~~عليه وسلم قد نهى عن التكني بكنيته ، فقال : تسموا باسمي ، ولا تكنوا ~~بكنيتي ، صيانة لنفسه ، وحماية عن أذاه ، إذ كان صلى الله عليه وسلم استجاب ~~لرجل نادى : يا أبا القاسم ، فقال : لم أعنك ، إنما دعوت هذا ، فنهى حينئذ ~~عن التكني بكنيته لئلا يتأذى بإجابة دعوة غيره لمن لم يدعه ، ويجد بذلك ~~المنافقون والمستهزئون ذريعة إلى أذاه دعوة غيره فينادونه ، فإذا التفت ~~قالوا : إنما أردنا هذا لسواه تعنيتا له ، واستخفافا بحقه على عادة المجان ~~والمستهزئين ، فحمى صلى الله عليه وسلم حمى أذاه [ 240 ] بكل وجه ، فحمل ~~محققوا العلماء نهيه عن هذا على مدة حياته ، وأجازوه بعد وفاته لارتفاع ~~العلة . | و للناس في هذا الحديث مذاهب ليس هذا موضعها ، وما ذكرناه هو ~~مذهب الجمهور ، والصواب إن شاء الله . وإن ذلك على طريق تعظيمه وتوقيره ، ~~وعلى سبيل الندب والاستحباب ، لا على التحريم ، ولذلك لم ينه عن اسمه ، ~~لأنه قد كان الله منع من ندائه به بقوله : لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم ~~كدعاء بعضكم بعضا ، وإنما كان المسلمون يدعونه برسول الله ، وبنبي الله ، ~~وقد يدعوه بكنيته أبا القاسم بعضهم في ms370 بعض الأحوال . | و قد روى أنس رضي ~~الله عنه ، عنه صلى الله عليه وسلم ، ما يدل على كراهة التسمي باسمه ، ~~وتنزيهه عن ذلك ، إذا لم يوقر ، فقال : تسمون أولادكم محمدا ثم تلعنوهم . | ~~و روى أن عمر رضي الله عنه كتب إلى أهل الكوفة : لايسمى أحد باسم النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، حكاه أبو جعفر الطبري . | [ وحكى محمد بن سعد أنه نظر إلى ~~رجل اسمه محمد ، ورجل يسبه ويقول له : فعل الله PageV02P186 بك يا محمد ~~وصنع . فقال عمر لابن أخيه محمد بن زيد بن الخطاب : لا أرى محمدا صلى الله ~~عليه وسلم يسب بك ، والله لا تدعى محمدا ما دمت حيا ، وسماه عبد الرحمن ، ~~وأراد أن يمنع أن يسم ى أحد بأسماء الأنبياء إكراما لهم بذلك ، وغير أسماء ~~جماعة تسموا بأسماء الأنبياء ، ثم أمسك ] . | و الصواب جواز هذا كله بعده ~~صلى الله عليه وسلم ، بدليل إطباق الصحابة على ذلك . | و قد سمى جماعة منهم ~~ابنه محمدا ، وكناه بأبي القاسم . | و روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن ~~في ذلك لعلي رضي الله عنه . | و قد أخبر صلى الله عليه وسلم أن ذلك اسم ~~الهدي وكنيته . | [ وقد سمي به النبي صلى الله عليه وسلم محمد بن طلحة ، ~~ومحمد بن عمرو بن حزم ، ومحمد بن ثابت بن قيس ، وغير واحد ، وقال : ما ضر ~~أحدكم أن يكون في بيته محمد ومحمدان وثلاثة ] . | و قد فصلت الكلام في هذا ~~القسم على بابين كما قدمناه : | PageV02P187 # | الباب الأول : في بيان ما هو في حقه صلى الله عليه وسلم سب أو نقص ، من ~~تعريض أو نص # | اعلم وفقنا الله وإياك أن جميع من سب النبي صلى الله عليه وسلم ، أو ~~عابه ، أو ألحق به نقصا في نفسه أو نسبه أو دينه ، أو خصلة من خصاله ، أو ~~عرض به ، أو شبهه بشيء على طريق السب له ، أو الإزراء عليه ، أو التصغير ~~لشأنه ، أو الغض منه ، والعيب له ، فهو ساب له ، والحكم فيه حكم الساب ، ~~يقتل كما نبينه ، ولا ms371 نستثني فصلا من فصول هذا الباب على هذا المقصد ، ولا ~~نمتري فيه تصريحا كان أو تلويحا . وكذلك من لعنه أو دعا عليه ، أو تمنى ~~مضرة له ، أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم ، أو عبث في جهته ~~العزيزة بسخف من الكلام وهجر ، ومنكر من القول وزور ، أو عيره بشيء مما جرى ~~من البلاء والمحنة عليه ، أو غمصه ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة ~~لديه . | و هذا كله إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من لدن الصحابة رضوان ~~الله عليهم إلى هلم جرا . | و قال أبو بكر بن المنذر : أجمع عوام أهل العلم ~~على أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم يقتل ، وممن قال ذلك مالك بن أنس ، ~~والليث ، وأحمد ، وإسحاق ، وهو م ذهب الشافعي . | قال القاضي أبو الفضل : ~~وهو مقتضى قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، ولا PageV02P188 تقبل توبته ~~عند هؤلاء المذكورين : | و بمثله قال أبو حنيفة ، وأصحابه ، والثوري وأهل ~~الكوفة ، والأوزاعي في المسلم ، لكنهم قالوا : هي ردة . | روى مثله الوليد ~~بن مسلم عن مالك . | و حكى الطبري مثله عن أبي حنيفة وأصحابه فيمن تنقصه ~~صلى الله عليه وسلم ، أو برئ منه أو كذبه . | و قال سحنون فيمن سبه : ذلك ~~ردة كالزندقة . | و على هذا وقع الخلاف في استتابته وتكفيره ، وهل قتله حد ~~أو كفر ، كما سنبينه في الباب الثاني إن شاء الله تعالى ، ولا نعلم خلافا ~~في استباحة دمه بين علماء الأمصار وسلف الأمة ، وقد ذكر غير واحد الإجماع ~~على قتله وتكفيره ، وأشار بعض الظاهرية وهو أبو محمد علي بن أحمد الفارسي ~~إلى الخلاف في تكفير المستخف به . | و المعروف ما قدمناه ، قال محمد بن ~~سحنون : أجمع العلماء أن شاتم النبي صلى الله عليه وسلم المتقص له كافر . ~~والوعيد جار عليه بعذاب الله ، وحكمه عند الأمة القتل ، ومن شك في كفره ~~وعذابه كفر . | و احتج إبراهيم بن حسين بن خالد الفق يه في مثل هذا بقتل ~~خالد بن الوليد مالك بن نويرة لقوله عن النبي صلى ms372 الله عليه وسلم صاحبكم . ~~| و قال أبو سليمان الخطابي : لا أعلم أحدا من المسلمين اختلف في وجوب قتله ~~إذا كان مسلما . | و قال ابن القاسم عن مالك في كتاب ابن سحنون ، والمبسوط ~~، والعتبية ، وحكاه مطرف عن مالك في كتاب ابن حبيب : من سب النبي صلى الله ~~عليه وسلم من المسلمين قتل ، ولم يستتب . | قال ابن القاسم في العتبية : من ~~سبه أو شتمه أو عابه أو تنقصه فإنه يقتل ، وحكمه عند الأمة القتل كالزنديق ~~. | و قد فرض الله تعالى توقيره وبره . وفي المبسوط عن عثمان بن كنانة : من ~~شتم PageV02P189 النبي صلى الله عليه وسلم من المسلمين قتل أو صلب حيا ولم ~~يستتب والإمام مخير في صلبه حيا أو قتله . | و من رواية أبي المصعب ، وابن ~~أبي أويس : سمعنا مالكا يقول : من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو ~~شتمه ، أو عابة ، أو تنقصه قتل مسلما كان أو كافرا ، ولا يستتاب . | و في ~~كتاب محمد : أخبرنا أصحاب مالك أنه قال : من سب النبي صلى الله عليه وسلم ~~أو غيره من النبيين من مسلم أو كافر قتل ولم يستتب . | و قال أصبغ : يقتل ~~على كل حال أسر ذلك أو ظهره ، ولا يستتاب ، لأن توبته لا تعرف . | و قال ~~عبد الله بن الحكم : من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو كافر قتل ولم يستتب ~~. | و حكى الطبري مثله عن أشهب ، عن مالك . | و روى ابن وهب ، عن مالك : من ~~قال : إن رداء النبي صلى الله عليه وسلم ويروى زر النبي صلى الله عليه وسلم ~~وسخ ، أراد عيبه قتل . | قال بعض علمائنا : أجمع العلماء على أن من دعا على ~~نبي من الأنبياء بالويل ، أو بشيء من المكروه أنه يقتل بلا استتابة . | و ~~أفتى أبو الحسن القابسي فيمن قال في النبي صلى الله عليه وسلم : الحمال ~~يتيم أبي طالب [ 242 ] بالقتل . | و أفتى أبو محمد بن أبي زيد بقتل رجل سمع ~~قوما يتذاكرون صفة النبي صلى الله عليه وسلم إذ مر بهم رجل قبيح ms373 الوجه ~~واللحية ، فقال لهم : تريدون تعرفون صفته ، هي في صفة هذا المار في خلقه ~~ولحيته . قال : ولا تقبل توبته . | و قد كذب لعنه الله ، وليس يخرج من قلب ~~سليم الإيمان . | و قال أحمد بن أبي سليمان صاحب سحنون : من قال : إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان أسود يقتل . | و قال في رجل قيل له : لا ، وحق رسول ~~الله . فقال فعل الله برسول الله كذا وكذا وذكر كلاما قبيحا ، فقيل له : ما ~~تقول يا عدو الله ؟ فقال أشد من كلامه الأول ، ثم قال : إنما أردت برسول ~~الله العقرب . فقال ابن أبي سليمان للذي سأله : اشهد عليه وأنا شريكك يريد ~~في قتله وثواب ذلك . | قال حبيب بن الربيع : لأن ادعاءه التأويل في لفظ ~~صراح لا يقبل ، لأنه امتهان ، PageV02P190 وهو غير معزز لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، ولا موقر له ، فوجب إباحة دمه . | وأفتى أبو عبد الله بن ~~عتاب في عشار ، قال لرجل : أد واشك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال : ~~إن سألت أو جعلت فقد جهل وسأل النبي صلى الله عليه وسلم بالقتل . | وأفتى ~~فقهاء الأندلس بقتل ابن حاتم المتفقه الطليطلي وصلبه بما شهد عليه به من ~~استخفافه بحق النبي صلى الله عليه وسلم وتسميته إياه أثناء مناظرته باليتيم ~~، وختن حيدرة ، وزعمه أن زهده لم يكن قصدا ، ولو قدر على الطيبات أكلها ، ~~إلى أشباه لهذا . | و أفتى فقهاء القيروان وأصحاب سحنون بقتل إبراهيم ~~الفزاري ، وكان شاعرا متفننا في كثير من العلوم ، وكان ممن يحضر مجلس ~~القاضي أبي العباس بن طالب للمناظرة ، فرفعت عليه أمور منكرة من هذا الباب ~~في الاستهزاء بالله وأنبيائه ونبينا صلى الله عليه وسلم ، فأحضر له القاضي ~~يحيى بن عمر وغيره من الفقهاء ، وأمر بقتله وصلبه ، فطعن بالسكين ، وصلب ~~منكسا ، ثم أنزل وأحرق بالنار . | وحكى بعض المؤرخين أنه لما رفعت خشبته ، ~~وزالت عنها الأيدي استدارت ، وحولته عن القبلة ، فكان آية للجميع ، وكبر ~~الناس ، وجاء كلب فولغ في دمه ، فقال يحيى بن عمر : صدق رسول الله صلى ms374 الله ~~عليه وسلم ، وذكر حديثا عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا يلغ الكلب في ~~دم مسلم . | و قال القاضي أبو عبد الله بن المرابط : من قال : إن النبي صلى ~~الله عليه وسلم هزم يستتاب ، فإن تاب وإلا قتل ، لأنه تنقص ، إذ لا يجوز ~~ذلك عليه في خاصته ، إذ هو على بصيرة من أمره ، ويقين من عصمته . | و قال ~~حبيب بن ربيع القروي : مذهب مالك وأصحابه أن من قال فيه صلى الله عليه وسلم ~~: ما فيه نقص قتل دون استتابة . | و قال ابن عتاب : الكتاب والسنة موجبان ~~أن من قصد النبي صلى الله عليه وسلم بأذى أو نقص ، معرضا أو مصرحا ، وإن قل ~~فقتله واجب ، فهذا الباب كله مما عده ا لعلماء سبا أو تنقصا يجب قتل قائله ~~، لم يختلف في ذلك متقدمهم ولا متأخرهم ، وإن اختلفوا في حكم قتله على ما ~~أشرنا إليه [ 243 ] ونبيه بعد . | PageV02P191 و كذلك أقول حكم من غمصه أو ~~عيره برعاية الغنم أو السهو أو النسيان أو السحر ، أو ما أصابه من جرح أو ~~هزيمة لبعض جيوشه ، أو أذى من عدوه ، أو شدة من زمنه ، أو بالميل إلى نسائه ~~، فحكم هذا كله لمن قصد به نقصه القتل . | و قد مضى من مذاهب العلماء في ~~ذلك ، ويأتي ما يدل عليه . # # | 2 ( فصل في الحجة في إيجاب قتل من سبه أو عابه صلى الله عليه وسلم ) 2 # | فمن القرآن لعنه تعالى لمؤذ به في الدنيا والآخرة ، وقرانه تعالى أذاه ~~بأذاه ، ولا خلاف في قتل من سب الله ، وأن اللعن إنما يستوجبه من هو كافر ، ~~وحكم الكافر القتل ، فقال : إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في ~~الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا [ سورة الأحزاب - 33 ، الآية : 57 ] . ~~| و قال في قاتل المؤمن مثل ذلك ، فمن لعنته في الدنيا القتل ، قال الله ~~تعالى : لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة ~~لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا * ملعونين أينما ثقفوا أخذوا ~~وقتلوا ms375 تقتيلا [ سورة الأحزاب - 33 ، الآية : 60 ، 61 ] . | و قال في ~~المحاربين ، وذكر عقوبتهم إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في ~~الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا ~~من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا [ سورة المائدة - 5 ، الآية : 33 ] . | و ~~قد يقع القتل بمعنى اللعن ، قال الله تعالى : قتل الخراصون . وقاتلهم الله ~~أنى يؤفكون ، أي لعنهم الله ، ولأنه فرق بين أذاهما وأذى المؤمنين ، وفي ~~أذى المؤمنين ما دون القتل ، من الضرب والنكال ، فكان حكم مؤذي الله ونبيه ~~أشد من ذلك ، وهو القتل . وقال تعالى : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما ~~شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما [ سورة ~~النساء - 4 ، الآية : 65 ] . | فسلب اسم الإيمان عمن وجد في صدره حرجا من ~~قضائه ، ولم يسلم له ، ومن تنقضه فقد ناقض هذا . | PageV02P192 و قال الله ~~تعالى : يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا ~~له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون [ سورة الحجرات ~~- 49 ، الآية : 2 ] . | و لا يحبط العمل إلا الكفر ، والكافر يقتل . | و ~~قال تعالى : وإذا جاؤوك حيوك بما لم يحيك به الله ثم قال : حسبهم جهنم ~~يصلونها فبئس المصير [ سورة المجادلة - 58 ، الآية : 8 ] . | و قال تعالى : ~~ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن . ثم قال : والذين يؤذون رسول الله ~~لهم عذاب أليم [ سورة التوبة - 9 ، الآية : 61 ] . | و قال تعالى : ولئن ~~سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون ~~* لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم ~~كانوا مجرمين [ سورة التوبة - 9 ، الآية : 65 ، 66 ] . | قال أهل التفسير : ~~كفرتم بقولكم في رسول الله صلى الله عليه وسلم . | و أما الإجماع فقد ~~ذكرناه . | و أما الآثار فحدثنا الشيخ أبو عبد الله أحمد بن غلبون ، عن ~~الشيخ أبي ذر الهروي إجازة ، قال : حدثنا أبو الحسن الدار قطني ، وأبو ms376 عمر ~~ابن حيوة ، حدثنا محمد بن نوح ، حدثنا عبد العزيز بن محمد بن الحسن بن ~~زبالة ، حدثنا عبد الله بن موسى بن جعفر ، عن علي بن موسى ، عن أبيه ، عن ~~جده ، عن محمد بن علي بن الحسين ، عن أبيه ، عن الحسين بن علي ، عن أبيه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من سب نبينا فاقتلوه ، ومن سب أصحابي ~~فاضربوه . | و في الحديث الصحيح : أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل كعب ~~ابن الأشرف . وقوله : من لكعب بن الأشرف ! فإنه يؤذي الله ورسوله . ووجه ~~إليه من قتله غيلة دون دعوة ، بخلاف غيره من المشركين ، وعلل قتله بأذاه له ~~، فدل أن قتله إياه لغير الإشراك ، بل للأذى . | و كذلك قتل أبا رافع ، قال ~~البراء : وكان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويعين عليه . | ~~PageV02P193 و كذلك أمره يوم الفتح بقتل ابن خطل [ 244 ] وجاريته اللتين ~~كانتا تغنيان بسبه صلى الله عليه وسلم . | و في حديث آخر أن رجلا كان يسبه ~~صلى الله عليه وسلم ، فقال : من يكفيني عدوي ؟ فقال خالد : أنا . فبعثه صلى ~~الله عليه وسلم فقتله . | و كذلك لم يقل جماعة ممن كان يؤذيه من الكفار ~~ويسبه ، كالنضر بن الحارث ، وعقبة بن أبي معيط . | و عهد بقتل جماعة منهم ~~قبل الفتح وبعده ، فقتلوا إلا من بادر بإسلامه قبل القدرة عليه . | و قد ~~روى البزار ، عن ابن عباس أن عقبة بن أبي معيط نادى : يا معشر قريش ، مالي ~~أقتل من بينكم صبرا ! فقال له صلى الله عليه وسلم : بكفرك وافترائك على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم . | و ذكر عبد الرزاق أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم سبه رجل ، فقال : من يكفيني عدوي ؟ فقال الزبير : أنا ، فبارزه فقتله ~~الزبير . | و روى أيضا أن امرأة كانت تسبه صلى الله عليه وسلم ، فقال : ~~فقال : من يكفيني عدوي ؟ فخرج إليها خالد بن الوليد فقتلها . | و روى أن ~~رجلا كذب على النبي صلى الله عليه وسلم ، فبعث عليا والزبير إليه ليقتلاه . ~~| و روى ابن ms377 قانع أن رجلا جاء إلى النبي صل ى الله عليه وسلم ، فقال : يا ~~رسول الله ، سمعت أبي يقول فيك قولا قبيحا فقتلته ! فلم يشق ذلك على النبي ~~صلى الله عليه وسلم . | و بلغ المهاجر بن أبي أمية أمير اليمن لأبي بكر رضي ~~الله عنه أن امرأة هناك في الردة غنت بسب النبي صلى الله عليه وسلم فقطع ~~يدها ، ونزع ثنيتها ، فبلغ أبا بكر رضي الله عنه ذلك ، فقال له : لولا ما ~~فعلت لأمرتك بقتلها ، لأن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود . وعن ابن عباس : ~~هجت امرأة من خطمة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : من لي بها ؟ فقال ~~PageV02P194 رجل من قومها : أنا رسول الله . فنهض فقتلها ، فأخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، فقال : لا ينتطح فيها عنزان . | و عن ابن عباس أن أعمى ~~كانت له أم ولد تسب النبي صلى الله عليه وسلم فيزجرها فلا تنزجر ، فلما ~~كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي صلى الله عليه وسلم وتشتمه ، فقتلها ، ~~وأعلم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، فأهدر دمها . | و في حديث أبي برزة ~~الأسلمي : كنت يوما جالسا عند أبي بكر الصديق ، فغضب على رجل من المسلمين ~~وحكى القاضي إسماعيل وغير واحد من الأئمة في هذا الحديث أنه سب أبا بكر . | ~~و رواه النسائي : أتيت أبا بكر ، وقد أغلظ لرجل فرد عليه ، قال : فقلت : يا ~~خليفة رسول الله ، دعني أضرب عنقه . فقال : اجلس ، فليس ذلك لأحد إلا لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم . | قال القاضي أبو محمد بن نصر : ولم يخالف عليه ~~أحد ، فاستدل الأئمة بهذا الحديث على قتل من أغضب النبي صلى الله عليه وسلم ~~بكل ما أغضبه أو أذاه أو سبه . | و من ذلك كتاب عمر بن عبد العزيز إلى ~~عامله بالكوفة ، وقد استشاره في قتل رجل سب عمر رضي الله عنه ، فكتب إليه ~~عمر : إنه لا يحل قتل امرئ مسلم بسب أحد من الناس إلا رجلا سب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، فمن سبه [ 245 ] فقد حل ms378 دمه . | و سأل الرشيد مالكا ~~في رجل شتم النبي صلى الله عليه وسلم ، وذكر له أن فقهاء العراق أفتوه ~~بجلده ، فغضب مالك ، وقال : يا أمير المؤمنين ، ما بقاء الأمة بعد شتم ~~نبيها ! من شتم الأنبياء قتل ، ومن شتم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جلد ~~. | قال القاضي أبو الفضل رحمه الله تعالى : كذا وقع في هذه الحكاية ، ~~رواها غير واحد من أصحاب مناقب مالك ومؤلفي أخباره وغيرهم ، ولا أدري من ~~هؤلاء الفقهاء بالعراق الذين أفتوا الرشيد بما ذكر ! وقد ذكرنا مذهب ~~العراقيين يقتله ، ولعلهم ممن لم يشهر بعلم ، أو من لا يوثق بفتواه ، أو ~~يميل به هواه ، أو يكون ما قاله يحمل على غير السب ، فيكون الخلاف : هل هو ~~سب أو غير سب ؟ أو يكون رجع وتاب من سبه ، فلم PageV02P195 يقله لمالك على ~~أصله ، وإلا فالإجماع على قتل من سبه كما قدمناه . | و يدل على قتله من جهة ~~النظر والاعتبار أن من سبه أو تنقصه صلى الله عليه وسلم فقد ظهرت علامة مرض ~~قلبه ، وبرهان سر طويته وكفره ، ولهذا ما حكم له كثير من العلمء بالردة ، ~~وهي رواية الشاميين عن مالك والأوزاعي ، وقول الثوري ، وأبو حنيفة ، ~~والكوفيين . | و القول الآخر أنه دليل على الكفر فيقتل حدا ، وإن لم يحكم ~~له بالكفر إلا أن يكون متماديا على قوله ، غير منكر له ، ولا مقلع عنه ، ~~فهذا كافر ، وقوله : إما صريح كفر كالتكذيب ونحوه ، أو من كلمات الاستهزاء ~~والذم ، فاعترافه بها وترك توبته عنها دليل استحلاله لذلك ، وهو كفر أيضا ، ~~فهذا كافر بلا خلاف ، قال الله تعالى في مثله : يحلفون بالله ما قالوا ولقد ~~قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم [ سورة التوبة - 9 ، الآية : 74 ] . | ~~قال أهل التفسير : هي قول هم : إن كان ما يقول محمد حقا لنحن شر من الحمير ~~. | و قيل : قول بعضهم : ما مثلنا ومثل محمد إلا قول القائل : سمن كلبك ~~يأكلك ، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأغر منها الأذل . | و قد قيل إن ~~قائل مثل هذا إن كان مستترا ms379 به إن حكمه حكم الزنديق يقتل ، ولأنه قد غير ~~دينه ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : من غير دينه فاضربوا عنقه ، ولأن لحكم ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الحرمة مزية على أمته ، وساب الحر من أمته يحد ~~، فكانت العقوبة لمن سبه صلى الله عليه وسلم القتل ، لعظيم قدره ، وشفوف ~~منزلته على غيره . | # | 3 ( فصل لم لم يقتل النبي اليهودي الذي قال له : السام عليكم ؟ ) 3 # | فإن قلت : فلم لم يقتل النبي صلى الله عليه وسلم اليهودي الذي قال له : ~~السام عليكم ، وهذا دعاء عليه ، ولا قتل الآخر الذي قال له : إن هذه لقسمة ~~ما أريد بها وجه الله ، وقد تأذى النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك ، وقال : ~~قد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر ، ولا قتل المنافقين الذين كانوا يؤذونه في ~~أكثر الأحيان . | فاعلم وفقنا الله وإياك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~أول الإسلام يستألف عليه الناس ويميل قلوبهم ، ويحبب إليهم الإيمان ، ~~ويزينه في قلويهم ويداريهم ، ويقول PageV02P196 لأصحابه : إنما بعثتم ~~مبشرين ولم تبعثوا منفرين . | و يقول : يسروا ولا تعسروا ، وسكنوا ولا ~~تنفروا . | و يقول [ 246 ] : لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه . | و ~~كان صلى الله عليه وسلم يداري الكفار والمنافقين ، ويجمل صحبتهم ، ويغضي ~~عنهم ، ويحتمل من أذاهم ويصبر على جفائهم ما لا يجوز لنا اليوم الصبر لهم ~~عليه ، وكان يرفقهم بالعطاء والإحسان ، وبذلك أمره الله تعالى ، فقال تعالى ~~: ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصف ح إن الله ~~يحب المحسنين [ سورة المائدة / 5 ، الآية : 13 ] . | و قال تعالى : ادفع ~~بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم [ سورة فصلت / 41 ~~، الآية : 34 ] . | و ذلك لحاجة الناس للتألف أول الإسلام ، وجمع الكلمة ~~عليه ، فلما استقر وأظهره الله على الدين كله قتل من قدر عليه ، واشتهر ~~أمره ، كفعله بابن خطل ، ومن عهد بقتله يوم الفتح ، ومن أمكنه قتله غيلة من ~~يهود وغيرهم ، أو غلبه ممن لم ينظمه قبل سلك ms380 صحبته ، والانخراط في جملة ~~مظري الإيمان له ممن كان يؤذيه ، كابن الأشرف ، وأبي رافع ، والنضر ، وعقبة ~~. | و كذلك نذر دم جماعة سواهم ، ككعب بن زهير ، وابن الزبعري وغيرهما ممن ~~آذاه حتى ألقوا بأيديهم ، ولقوه مسلمين . | و بواطن المنافقين مستترة ، ~~وحكمه صلى الله عليه وسلم على الظاهر ، وأكثر تلك الكلمات إنما كان يقولها ~~القائل منهم خفية ومع أمثاله ، ويحلفون عليها إذا نميت ، وينكرونها ، ~~ويحلفون با الله ما قالوا ، ولقد قالوا كلمة الكفر ، وكان مع هذا يطمع في ~~فيئتهم ، ورجوعهم إلى الإسلام وتوبتهم ، فيصبر صلى الله عليه وسلم على ~~هناتهم وجفوتهم ، كما صبر أولوا العزم من الرس ل حتى فاء كثير منهم باطنا ، ~~كما فاء ظاهرا ، وأخلص سرا كما أظهر جهرا ، ونفع الله بعد بكثير منهم ، ~~وقام منهم للدين وزراء وأعوان وحماة وانصار كما جاءت به الأخبار . | ~~PageV02P197 و بهذا أجاب بعض أئمتنا رحمهم الله عن هذا السؤال . | و قال : ~~لعله لم يثبت عنده صلى الله عليه وسلم من أقوالهم ما رفع ، وإنما نقله ~~الواحد ومن لم يصل رتبة الشهادة في مثل هذا الباب ، من صبي أو عبد أو امرأة ~~، والدماء لا تستباح إلا بعدلين . | و على هذا يحمل أمر اليهود من السلام ، ~~وأنهم لووا ألسنتهم ، ولم يبينوه ، ألا ترى كيف نبهت عليه عائشة ، ولوكان ~~صرح بذلك لم تنفرد بعلمه ، ولهذا نبه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على ~~فعلهم ، وقلة صدقهم في سلامهم ، وخيانتهم في ذلك ليا بألسنتهم ، وطعنا في ~~الدين ، فقال : إن اليهود إذا سلم أحدهم فإنما يقول : السام عليكم ، فقولوا ~~: عليكم . | و كذلك قال بعض أصحابنا البغداديين : إن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لم يقتل المنافقين بعلمه فيهم ، ولم يأت أنه قامت بينة على نفاقهم ، ~~فلذلك تركهم . | و أيضا فإن الأمر كان سرا وباطنا ، وظاهرهم الإسلام ~~والإيمان ، وإن كان من أهل الذمة بالعهد والجوار ، والناس قريب عهدهم ~~بالإسلام ، ولم يتميز بعد الخبيث من الطيب . | و قد شاع عن المذكورين في ~~العرب كون من يتهم بالنفاق من جملة المؤمنين وصحابة سيد ms381 المرسلين ، وأنصار ~~الدين بحكم ظاهرهم ، فلو قتلهم النبي صلى الله عليه وسلم لنفاقهم وما يبدر ~~منهم ، وعلمه بما أسروا [ 247 ] في أنفسهم لوجد المنفر ما يقول ، ولارتاب ~~الشارد ، وأرجف المعاند ، وارتاع من صحبه النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~والدخول في الإسلام غير واحد ، ولزعم الزاعم ، وظن العدو الظالم أن القتل ~~إنما كان للعداوة وطلب أخذ الترة . | و قد رأيت معنى ما حررته منسوبا إلى ~~مالك بن أنس رحمه الله ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لا يتحدث الناس أن ~~محمدا يقتل أصحابه . وقال : أؤلئك الذين نهاني الله عن قتلهم . | و هذا ~~بخلاف إجراء الأحكام الظاهرة عليهم من حدود الزنا والقتل وشبهه ، لظهورها ~~واستواء الناس في علمها . | PageV02P198 و قد قال محمد بن المواز : لو أظهر ~~المنافقون نفاقهم لقتلهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وقاله القاضي أبو ~~الحسن بن القصار . | و قال قتادة في تفسير قوله تعالى : لئن لم ينته ~~المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا ~~يجاورونك فيها إلا قليلا * ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا * سنة ~~الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا [ سورةالأحذاب / 33 ، ~~الآية : 60 ، 62 ] . | قال : معناه إذا أظهروا النفاق . | و حكى محمد بن ~~مسلمة في المبسوط ، عن زيد بن أسلم أن قوله تعالى : يا أيها النبي جاهد ~~الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ، نسخها ما كان قبلها . | و قال بعض مشايخنا ~~: لعل القائل : هذه قسمة ما أريد وجه الله : وقوله : اعدل لم يفهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم منه الطعن عليه والتهمة له ، وإنما رآها من وجه الغلط ~~في الرأي ، وأمور الدنيا والاجتهاد في مصالح أهلها ، فلم ير ذلك سبا ، ورأى ~~أنه من الأذى له العفو عنه والصبر عليه ، فلذلك لم يعاقبه . | و كذلك يقال ~~في اليهود إذا قالوا : السام عليكم ليس فيه صريح سب ولا دعاء إلا بما لا بد ~~منه من الموت الذي لا بد من لحاقه جميع البشر . | و قيل : بل المراد تسأمون ~~دينكم . والسأم والسآمة ms382 : الملال . | و هذا دعاء على سآمة الدين ليس بصريح ~~سب ، ولهذا ترجم البخاري على هذا الحديث ، باب إذا عرض الذمي أو غيره بسبب ~~النبي صلى الله عليه وسلم . | قال بعض علمائنا : وليس هذا بتعريض بالسب ، ~~وإنما هو تعريض بالأذى . | قال القاضي أبو الفضل : قد قدمنا أن الأذى والسب ~~في حقه صلى الله عليه وسلم سواء . | و قال القاضي أبو محمد بن نصر مجيبا عن ~~هذا الحديث ببعض ما تقدم ، ثم قال : ولم يذكر في الحديث : هل كان هذا ~~اليهودي من أهل العهد والذمة أو الحرب ، ولا يترك موجب الدلة للأمر المحتمل ~~. | و الأولى في ذلك كله والأظهر من هذه الوجوه مقصد الاستئلاف والمدارة ~~على الدين لعلهم يؤمنون . | PageV02P199 و لذلك ترجم البخاري على حديث ~~القسمة والخوارج : باب من ترك قتال الخوارج للتألف . | و لئلا ينفر الناس ~~عنه ، ولما ذكرنا معناه عن مالك ، وقررناه قبل . | و قد صبر لهم صلى الله ~~عليه وسلم على سحره وسمه ، وهو أعظم من سبه إلى أن نصره الله عليهم ، وأذن ~~له في قتل من حينه منهم وإنزالهم من صياصيهم ، وقذف في قلوبهم الرعب ، وكتب ~~[ 248 ] على من شاء منهم الجلاء ، وأخرجهم من ديارهم ، وخرب بيوتهم بأيديهم ~~وأيدي المؤمنين ، وكاشفهم بالسب ، فقال : يا إخوةالقردة والخنازير ، وحكم ~~فيهم سي وف المسلمين ، وأجلا هم من جوارهم [ وأورثهم أرضهم وديارهم ~~وأموالهم ، لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى ] . | فإن ~~قلت : فقد جاء في الحديث الصحيح ، عن عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله ~~عليه وسلم ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه قط ، إلا أن تنتهك حرمة الله ، ~~فينتقم لله . | فاعلم أن هذا لا يقتضي أنه لم ينتقم ممن سبه أو آذاه أو ~~كذبه ، فإن هذه من حرمات الله التي انتقم لها ، وإنما يكون ما لا ينتقم له ~~فيما تعلق بسوء أدب أو معاملة من القول أو الفعل بالنفس والمال مما لم يقصد ~~فاعله به أذاه ، لكن مما جبلت عليه الأعراب من الجفاء ، والجهل ، أو جبل ~~عليه البشر ms383 من الغفلة ، كجبذ الأعرابي بإزاره حتى أثر في عنقه ، وكرفع صوت ~~الآخر عنده ، وكحجد الأعرابي شراءه منه فرسه التي شهد فيها خزيمة ، ولما ~~كان من تظاهر زوجيه عليه ، وأشباه هذا مما يحسن الصفح عنه . | [ وقد قال ~~بعض علمائنا : إن أذى النبي صلى الله عليه وسلم حرام لا يجوز بفعل مباح ولا ~~غيره . | و أما غيره فيجوز بفعل مباح ما لا يجوز للإنسان فعله ، وإن تأذى ~~به غيره . واحتج بعموم قوله تعالى : إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله ~~في الدنيا والآخرة ، وبقوله صلى الله عليه وسلم في حديث فاطمة : إنها بضعة ~~مني ، يؤذيني ما يؤذيها ، ألا وإني لا أحرم ما أحل الله ، ولكن لا تجتمع ~~ابنة رسول الله وابنة عدو الله عند رجل أبدا ] أو يكون هذا مما آذاه به ~~كافر وجاء بعد ذلك إسلامه ، كعفوه عن اليهودي الذي سحره ، وعن الأعرابي ~~PageV02P200 الذي أراد قتله ، وعن اليهودية التي سمته ، وقد قيل : قتلها . ~~| و مثل هذا مما يبلغه من أذى أهل الكتاب والمنافقين ، فصفح عنهم رجاء ~~استئلافهم واستئلاف غيرهم كما قررناه قبل ، وبالله التوفيق . | # | 3 ( فصل الوجه الثاني : إذا كان غير قاصد للسب . . ) 3 # | تقدم الكلام في قتل القاصد لسبه والإزراء به ، وغمصه بأي وجه كان من ~~ممكن أو محال ، فهذا وجه بين لا إشكال فيه . | الوجه الثاني لاحق به في ~~البيان والجلاء ، وهو أن يكون القائل لما قال في جهته صلى الله عليه وسلم ~~غير قاصد للسب والإزراء ، ولا معتقد له ، ولكنه تكلم في جهته صلى الله عليه ~~وسلم بكلمة الكفر ، من لعنه أو سبه أو تكذيبه أو إضافة ما لا يجوز عليه ، ~~أو نفى ما يجب له مما هو في حقه صلى الله عليه وسلم نقيصة ، مثل أن ينسب ~~إليه إتيان كبيرة ، أو مداهنة في تبليغ الرسالة ، أو في حكم بين الناس ، أو ~~يغض من مرتبته ، أو شرف نسبه ، أو وفور علمه أو زهده ، أو يكذب بما اشتهر ~~من أمور أخبر بها صلى الله عليه وسلم وتواتر الخبر بها ms384 عنه عن قصد لرد خبره ~~، أو يأتى بسفه من القول ، وقبيح من الكلام ، ونوع من السب في جهته ، وإن ~~ظهر بدليل حاله أنه لم يعتمد ذمه ، ولم يقصد سبه ، إما لجهالة حملته على ما ~~قاله ، أو لضجر أو سكر اضطره إليه ، أو قلة مراقبة وضبط للسانه وعجرفة ~~وتهور في كلامه ، فحكم هذا الوجه حكم الوجه الأول القتل دون تلعثم ، إذ لا ~~يعذر أحد في ا لكفر بالجهالة ، ولا بدعوى زلل اللسان ، ولا بشيء مما ذكرناه ~~، إذ كان عقله في فطرته سليما ، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان . | و ~~بهذا أفتى الأندلسيون على ابن حاتم في نفيه الزهد عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الذي قدمناه . | و قال محمد بن سحنون في المأسور يسب النبي صلى ~~الله عليه وسلم في أيدي العدو : يقتل إلا أن يعلم تنصره أو إكراهه . | ~~PageV02P201 و عن [ 249 ] أبي محمد بن أبي زيد : لا يعذر بدعوى زلل اللسان ~~في مثل هذا . | و أفتى أبو الحسن القابسي فيمن شتم النبي صلى الله عليه ~~وسلم في سكره : يقتل ، لأنه يظن به أنه يعتقد هذا ويفعل في صحوه . | و أيضا ~~فإنه حد لا يسقطه السكر ، كالقذف ، والقتل ، وسائر الحدود ، لأنه أدخله على ~~نفسه ، لأن من شرب الخمر على علم من زوال عقله بها ، وإتيان ما ينكر منه ، ~~فهو كالعامد لما بسببه . | و على هذا ألزمناه الطلاق والعتاق ، والقصاص ~~والحدود . | و لا يعترض على هذا بحديث حمزة وقوله للنبي صلى الله عليه وسلم ~~: وهل أنتم إلا عبيد لأبي ! . | قال : فعرف النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~ثمل فانصرف ، لأن الخمر كانت حنيئذ غير محرمة ، فلم يكن في جناياتها إثم ، ~~وك ان حكم ما يحدث عنها معفوا عنه كما يحدث من النوم وشرب الدواء المأمون . ~~| # | 3 ( فصل الوجه الثالث أن يقصد إلى تكذيبه فيما قاله وأتى به . . ) 3 # | الوجه الثالث أن يقصد إلى تكذيبه فيما قاله وأتى به ، أو ينفي نبوته أو ~~رسالته ، أو وجوده ، أو يكفر به ، انتقل بقوله ذلك ms385 إلى دين آخر غير ملته أم ~~لا ، فهذا كافر بإجماع ، يجب قتله ، ثم ينظر فإن كان مصرحا بذلك كان حكمه ~~أشبه بحكم المرتد ، وقوي الخلاف في استتابته . | و على القول الآخر لا يسقط ~~عنه توبته لحق النبي صلى الله عليه وسلم ، إن كان ذكره بنقيصة فيما قاله من ~~كذب أو غيره ، وإن كان مستسرا بذلك فحكمه حكم الزنديق لا تسقط قتله التوبة ~~عندنا كما سنبينه . | قال أبو حنيفة وأصحابه : من بريء من محمد ، أو كذب به ~~، فهو مرتد حلال الدم إلا أن يرجع . | و قال ابن القاسم في المسلم إذا قال ~~: إن محمدا ليس بنبي ، أو لم يرسل ، أو PageV02P202 لم ينزل عليه قرآن ، ~~وإنما هو شيء تقوله : يقتل . | قال : ومن كفر برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأنكره من المسلمين ، فهو بمنزلة المرتد ، وكذلك من أعلى بتكذيبه أنه ~~كالمرتد يستتاب . | و كذلك قال فيمن تنبأ ، وزعم أنه يوحى إليه ، وقاله ~~سحنون . | قال ابن القاسم : دعا إلى ذلك سرا وجهرا . | قال أصبغ : وهو ~~كالمرتد ، لأنه قد كفر بكتاب الله مع الفرية على الله . | و قال أشهب في ~~يهودي تنبأ أو زعم أنه أرسل إلى الناس ، أو قال : بعد نبيكم نبي أنه يستتاب ~~إن كان معلنا بذلك ، فإن تاب وإلا قتل ، وذلك لأنه مكذب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم في قوله ، لا نبي بعدي ، مفتر على الله في دعواه عليه الرسالة ~~والنبوة . | و قال محمد بن سحنون : من شك في حرف مما جاء به النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن الله فهو كافر جاحد . | و قال : من كذب النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان حكمه عند الأمة القتل . | و قال أحمد بن أبي سليمان صاحب سحنون : ~~من قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم أسود قتل ، لم يكن النبي صلى الله ~~عليه وسلم بأسود . | و قال نحوه أبو عثمان الحداد ، قال : لو قال : إنه مات ~~قبل أن يلتحي ، أو إنه كان بتاهرت ولم يكن بتهامة قتل ، لأن هذا نفي . | ~~قال حبيب بن ms386 ربيع تبديل صفته ومواضعه كفر ، والمظهر [ 250 ] له كافر ، وفيه ~~الاستتابة والمسر له زنديق ، يقتعل دون استتابة . | # | 3 ( فصل الوجه الرابع أن يأتي من الكلام بمجمل ويلفظ من القول بمشكل ~~يمكن حمله على النبي أو غيره . . ) 3 # | الوجه الرابع أن يأتي من الكلام بمجمل ، وبلفظ من القول بمشكل يمكن ~~حمله على النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره ، أو يتردد في المراد به من ~~سلامته من المكروه أو شره ، فها هنا متردد النظر وحيرة العبر ، ومظنة ~~اختلاف المجتهدين ، ووقفة استبراء المقلدين ، ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيى ~~من حي عن بينة ، فمنهم من غلب حرمة النبي صلى الله عليه وسلم ، وحمى حمى ~~عرضه ، فجسر على القتل ، ومنهم من عظم حرمة الدم ، ودرأ الحد بالشبهة ~~لاحتمال القول . | PageV02P203 و قد اختلف أئمتنا في رجل أغضبه غريمه ، ~~فقال له : صل على النبي محمد ، فقال له الطالب : لا صلى الله على من صلى ~~عليه ، فقيل لسحنون : هل هو كمن شتم النبي صلى الله عليه وسلم ، أو شتم ~~الملائكة الذين يصلون عليه ، قال : لا ، إذا كان على ما وصفت من الغضب ، ~~لأنه لم يكن مضمرا الشتم . | و قال أبو إسحاق البرقي ، وأصبغ بن الفرج : لا ~~يقتل ، لأنه إنما شتم الناس ، وهذا نحو قول سحنون : لأنه لم يعذره بالغضب ~~في شتم النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكنه لما احتمل الكلام عنده ، ولم تكن ~~معه قرينة على شتم النبي صلى الله عليه وسلم ، أو شتم الملائكة صلوات الله ~~عليهم ، ولا مقدمة يحمل عليها كلامه ، بل القرينة تدل على أن مراده الناس ~~غير هؤلاء ، لأجل قول الآخر له : صل على النبي ، فحمل قوله وسبه لمن يصلي ~~عليه الأن لأجل أمر الآخر له بهذا عند غضبه . | هذا معنى قول سحنون ، وهو ~~مطابق لعلة صاحبيه . | و ذهب الحارث بن مسكين القاضي وغيره في مثل هذا إلى ~~القتل . | و توقف أبو الحسن القابسي في قتل رجل قال : كل صاحب فندق قرنان ، ~~ولو كان نبيا مرسلا ، فأمر بشده بالقيود والتضييق عليه حتى ms387 تستفهم البينة ~~عن جملة ألفاظه ، وما يدل على مقصده ، هل أراد أصحاب الفنادق الآن فمعلوم ~~أنه ليس فيهم نبي مرسل ، فيكون أمره أخف . | قال : ولتكن ظاهر لفظه العموم ~~لكل صاحب فندق من المتقدمين والمتأخرين . وقد كان فيمن تقدم من الأنبياء ~~والرسل من اكتسب المال . | قال : ودم المسلم لا يقدم عليه إلا بأمر بين . ~~وما ترد إليه التأويلات لا بد من إنعام النظر فيه . هذا معنى كلامه . | و ~~حكي عن أبي محمد بن أبي زيد رحمه الله فيمن قال : لعن الله العرب ، ولعن ~~الله بني إسرائيل ، ولعن الله بني آدم ، وذكر أنه لم يرد الأنبياء ، وإنما ~~أردت الظالمين منهم إن عليه الأدب بقدر إجتهاد السلطان . | و كذلك أفتى ~~فيمن قال : لعن الله من حرم المسكر ، وقال : لم أعلم من حرمه . | و فيمن ~~لعن حديث : لا يبع حاضر لباد . ولعن من جاء به إنه إن كان يعذر بالجهل وعدم ~~معرفة السنن فعليه الأدب الوجيع ، وذلك أن هذا لم يقصد بظاهرة حاله ~~PageV02P204 سب الله ولا سب رسوله ، وإنما لعن من حرمه من الناس على نحو ~~فتوى سحنون وأصحابه في المسألة المتقدمة . | و مثل هذا ما يجري في كلام ~~سفهاء الناس [ 251 ] في قول بعضهم لبعض : يا بن ألف خنزير ، وابن مائة كلب ~~، وشبهه من هجر القول . | و لا شك أنه يدخل في مثل هذا العدد من آبائه ~~وأجداده جماعة من الأنبياء ، ولعل بعض هذا العدد منقطع إلى آدم عليه السلام ~~، فينبغي الزجر عنه ، وتبيين ما جهله قائله منه وشدة الأدب فيه . | و لو ~~علم أنه قصد سب من في آبائه من الأنبياء على علم لقتل . | و قد يقيض القول ~~في نحو هذا لو قال لرجل هاشمي : لعن الله بني هاشم وقال : أردت الظالمين ~~منهم ، أو قال لرجل من ذرية النبي صلى الله عليه وسلم قولا قبيحا في أبائه ~~أو من نسله أو ولده على علم من ه أنه من ذرية النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~ولم تكن قرينة في المسألتين تقتضي تخصيص بعض ms388 أبائه ، وإخراج النبي صلى الله ~~عليه وسلم ممن سبه منهم . | [ وقد رأيت لأبي موسى عيسى بن مناس في من قال ~~لرجل : لعنك الله إلى آدم عليه السلام أنه إن ثبت عليه ذلك قتل ] . | و قد ~~كان اختلف شيوخنا فيمن قال لشاهد شهد عليه بشيء ثم قال له : تتهمني ؟ قال ~~له الآخر : الأنبياء يتهمون ، فكيف أنت ؟ فكان شيخنا أبو إسحاق بن جعفر يرى ~~قتله ، لبشاعة ظاهر اللفظ . | و كان القاضي أبو محمد بن منصور يتوقف عن ~~القتل لأحتمل اللفظ عنده أن يكون خبرا عمن أتهمهم من الكفار . | و أفتى ~~فيها قاضي قرطبة أبو عبد الله ابن الحاج بنحو هذا . | و شدد القاضي أبو ~~محمد تصفيده ، وأطال سجنه ، ثم استحلفه بعد على تكذيب ما شهد به عليه ، إذ ~~دخل في شهادة بعض من شهد عليه وهن ، ثم أطلقه . | و شاهدت شيخنا القاضي أبو ~~عبد الله محمد بن عيسى أيام قضائه أتى برجل هاتر رجلا ، ثم قصد إلى كلب ~~فضربه برجله وقال له : قم يا محمد ، فأنكر الرجل أن PageV02P205 يكون قال ~~ذلك ، وشهد عليه لفيف من الناس ، فأمر به إلى السجن ، وتقصى عن حاله ، وهل ~~يصحب من يستر اب بدينه ؟ فلما لم يجد ما يقوي الريبة باعتقاده ضربه بالسوط ~~وأطلقه . | # | 3 ( الوجه الخامس ألا يقصد نقصا . . ) 3 # | الوجه الخامس ألا يقصد نقصا ، ولا يذكر عيبا ولا سبا ، لكنه ينزع بذكر ~~بعض أوصافه ، أو يستشهد ببعض أحواله صلى الله عليه وسلم الجائزة عليه في ~~الدنيا على طريق ضرب المثل ، والحجة لنفسه أو لغيره ، أو على التشبه به ، ~~أو عند هضمية نالته ، أو غضاضة لحقته ، ليس على طريق التأسي وطريق التحقيق ~~، بل على مقصد الترفيع لنفسه أو لغيره ، أو على سبيل التمثيل وعدم التوقير ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم ، أو على قصد الهزل والتندير بقوله ، كقول القائل ~~: إن قيل في السوء فقد قيل في النبي ، وإن كذبت فقد كذب الأنبياء ، أو إن ~~أذنبت فقد أذنبوا ، أو أنا أسلم من ألسنة الناس ولم يسلم منهم أنبياء ms389 الله ~~ورسوله ، أو قد صبرت كما صبر أولوا العزم ، أو كصبر أيوب ، أو قد صبر نبي ~~الله عن عداه ، وحلم على أكثر مما صبرت ، وكقول المتنبي : | * أنا في أمة ~~تداركها * * الله غريب كصالح في ثمود * | و نحوه من أشعار المتعجرفين في ~~القول ، المتساهلين في الكلام ، كقول المعري : | * كنت موسى وافته بنت شعيب ~~* * غير أن ليس فيكما من فقير * | على أن آخر البيت شديد ، وداخل في باب ~~الإزراء والت حقير بالنبي [ 252 ] صلى الله عليه وسلم ، وتفضيل حال غيره ~~عليه . | و كذلك قوله : | * لولا انقطاع الوحي بعد محمد * * قلنا محمد من ~~أبيه بديل * | * هو مثله في الفضل إلا أنه * * لم يأته برسالة جبريل * | ~~فصدر البيت الثاني من هذا الفصل شديد ، لتشبيهه غير النبي في فضله بالنبي ، ~~PageV02P206 والعجز محتمل لوجهين : أحدهما أن هذا الفضيلة نقصت الممدوح ، ~~والآخر استغناؤه عنها . وهذا أشد . | و نحو منه قول الآخر : | * و إذا ما ~~رفعت راياته * * صفقت بين جناحي جبرين * | و قول الآخر من أهل العصر : | * ~~فر من الخلد واستجار بنا * * فصبر الله قلب رضوان * | و كقول حسان المصيصي ~~من شعراء الأندلس في محمد بن عباد المعروف بالمعتمد ووزيره أبي بكر بن ~~زيدون : | * كأن أبا بكر أبو بكر الرضا * * وحسان حسان وأنت محمد * | و ~~إنما أكثرنا شاهدنا مع استثقالنا حكايتها لتعريف أمثلتها ولتساهل كثير من ~~الناس في ولوج هذا الباب الضنك ، واستخفافهم فادح هذا العبء وقلة علمهم ~~بعظيم ما فيه من الوزر ، وكلامهم منه بما ليس لهم به علم ، ويحسبونه هينا ~~وهو عند الله عظيم ، لا سيما الشعراء . وأشدهم فيه تصريحا ، وللسانه تسريحا ~~، ول لسانه تسريحا ابن هانيءالأندلسي ، وابن سليمان المعري ، بل قد خرج ~~كثير من كلامهما إلى حد الاستخفاف والنقص وصريح الكفر . | و قد أجبنا عنه ، ~~وغرضنا الآن الكلام في الفصل الذي سقنا أمثلته ، فإن هذه كلها وإن لم تتضمن ~~سبا ، ولا أضافت إلى الملائكة والأنبياء نقصا ، ولست أعني عجزى بيتي المعري ~~، ولا قصد قائلها إزراء وغضا ، فما وقر النبوة ، ولا عظم الرسالة ، ولا عزز ~~حرمة ms390 الاصطفاء ، ولا عزز حظوة الكرامة حتى شبه من شبه في كرامة نالها ، أو ~~معرة قصد الانتقاء منها ، أو ضرب مثل لتطيب مجلسه ، أو إغلاء في وصف لتحسين ~~كلامه بمن عظم الله خطره ، وشرف قدره ، وألزم توقيره وبره ، ونهى عن جهر ~~القول له ، ورفع الصوت عنده . | فحق هذا إن درئ عنه القتل الأدب والسجن ~~وقوة تعزيزه بحسب شنعة مقاله ، ومقتضى قبح ما نطق به ، ومألوف عادته لمثله ~~، أو ندوره ، وقرينة كلامه ، أو ندمه على PageV02P207 ما سبق منه ، ولم يزل ~~المتقدمون ينكرون مثل هذا ممن جاء به ، وقد أنكر الرشيد على أبي نواس قوله ~~: | * فإن يك باقي سحر فرعون فيكم * * فإن عصا موسى بكف خصيب * | و قال له ~~: يا بن اللخناء ، أنت المستهزئ بعصا موسى ! وأمر بإخ راجه عن عسكره من ~~ليلته . | و ذكر القتبي أن مما أخذ عليه أيضا ، وكفر فيه ، أو قارب قوله في ~~محمد الأمين وتشبيهه إياه بالنبي صلى الله عليه وسلم ، حيث قال : | * تنازع ~~الأحمدان الشبه فاشتبها * * خلقا وخلقا كما قد الشرا كان * | [ 253 ] وقد ~~أنكروا عليه أيضا قوله : | * كيف لا يدنيك من أمل * * من رسول الله من نفره ~~* | لأن حق الرسول وموجب تعظيمه وإنافة منزلته أن يضاف إليه ، ولا يضاف . | ~~فالحكم في أمثال هذا ما بسطناه في طريق الفتيا على هذا المنهج جاءت فتيا ~~إمام مذهبنا مالك بن أنس رحمه الله وأصحابه : | ففي النوادر من رواية ابن ~~أبي مريم عنه في رجل عير رجلا بالفقر ، فقال : تعيرني بالفقر وقد رعى النبي ~~صلى الله عليه وسلم الغنم ؟ فقال مالك : قد عرض بذكر النبي صلى الله عليه ~~وسلم في غير موضعه ، أرى أن يؤدب ، قال : ولا ينبغي لأهل الذنوب إذا عوتبوا ~~أن يقولوا : قد أخطأت الأنبياء قبلنا . | و قال عمر بن عبد العزيز لرجل : ~~انظر لنا كاتبا يكون أبوه عربيا . فقال كاتب له : قد كان أبو النبي كافرا ، ~~فقال : جعلت هذا مثلا ! فعزله ، وقال : لا تكتب لي أبدا . | و قد كره سحنون ~~أن يصلى على النبي صلى الله عليه ms391 وسلم عند التعجب إلا على طريق الثواب ~~والاحتساب ، توقيرا له وتعظيما ، كما أمرنا الله . | و سئل القابسي عن رجل ~~قال لرجل قبيح كأنه وجه نكير ، ولرجل عبوس كأنه وجه مالك الغضبان ، فقال : ~~أي شيء أراد بهذا ، ونكير أحد فتاني القبر ، وهما ملكان ، فما الذي أراد ! ~~أروع دخل عليه حين رآه من وجهه ، أم عاف النظر إليه لدمامة خلقه ، فإن ~~PageV02P208 كان هذا فهو شديد ، لأنه جرى مجرى التحقير والتهوين ، فهو أشد ~~عقوبة ، وليس فيه تصريح بالسب للملك ، وإنما السب واقع على المخاطب . وفي ~~الأدب بالسوط والسجن نكال للسفهاء ، قال : وأما ذاكر مالك خازن النار فقد ~~جفا الذي ذكره عندما أنكر حاله من عبوس الآخر إلا أن يكون المعبس له يد ~~فيرهب بعبسته ، فيشبهه القائل على طريق الذم لهذا في فعله ، ولزومه في ظلمه ~~صفة مالك الملك المطيع لربه في فعله ، فيقول كأنه لله يغضب غضب مالك ، ~~فيكون أخف ، وما كان ينبغي له التعرض لمثل هذا ، ولو كان أثنى على العبوس ~~يعبسته ، واحتج بصفة مالك كان أشد ، ويعاقب المعاقبة الشديدة ، وليس في هذا ~~ذم للملك ، ولو قصد ذمه لقتل . | و قال أبو الحسن أيضا في شاب معروف ب ~~الخير قال لرجل شيئا ، فقال الرجل : | اسكت ، فإنك أمي . فقال الشاب : أليس ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم أميا ! فشنع عليه مقاله ، وكفره الناس ، ~~وأشفق الشاب مما قال ، وأظهر الندم عليه ، فقال أبو الحسن : أما إطلاق ~~الكفر عليه فخطأ في استشهاده بصفة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكون النبي ~~أميا له ، وكون هذا أميا نقيصة فيه وجهالة . | و من جهالته احتجاجه بصفة ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، لكنه إذا استغفر وتاب ، واعترف ولجأ إلى الله ~~فيترك ، لأن قوله لا ينتهي إلى حد القتل ، وما طريقه الأدب فطوع فاعله ~~بالندم عليه يوجب الكف عنه . | و نزلت أيضا مسألة استفتى فيها بعض قضاة ~~الأندلس شيخا القاضي أبا محمد ابن منصور رحمه الله في رجل تنقصه . [ 256 ] ~~آخر بشيء ، فقال له : إنما تريد نقصي بقولك ، وأنا بشر ms392 ، وجميع البشر ~~يلحقهم النقص حتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فأفتاه بإطالة سجنه ، وإيجاع ~~أدبه ، إذ لم يقصد السب ، وكان بعض فقهاء الأندلس أفتى بقتله . | # | 3 ( الوجه السادس أن يقول ذلك حاكيا عن غيره ) 3 # | الوجه السادس أن يقول القائل ذلك حاكيا عن غيره ، وآثرا له عن سواه ، ~~فهذا ينظر في صورة حكايته وقرينة مقالته ، ويختلف الحكم باختلاف ذلك على ~~أربعة وجوه : الوجوب ، والندب ، والكراهة ، التحريم ، فإن كان أخبر به على ~~وجه الشهادة والتعريف بقائله ، والإنكار والإعلام بقوله ، والتنفير منه ، ~~والتجريح له فهذا مما ينبغي امتثاله ، ويحمد فاعله ، وكذلك إن حكاه في كتاب ~~أو في مجلس على طريق الرد له والنقض على قائله ، وللفتيا بما يلزمه . | ~~PageV02P209 و هذا منه ما يجب ، ومنه ما يستحب بحسب حالات الحاكي لذلك ~~والمحكي عنه ، فإن كان القائل لذلك ممن تصدى لأن يؤخذ عنه العلم أو رواية ~~الحديث ، أو يقطع بحكمه أو شهادته ، أو فتياه في الحقوق وجب على سامعه ~~الإشادة بما سمع منه والتنفير للناس عنه ، والشهادة عليه بما قاله ، ووجب ~~على من بلغه ذلك من أئمة المسلمين إنكاره ، وبيان كفره ، وفساد قوله ، لقطع ~~ضرره عن المسلمين ، وقياما بحق سيد المرسلين ، وكذلك إن كان ممن يعظ العامة ~~، أو يؤدب الصبيان فإن من هذه سريرته لا يؤمن على إلقاء ذلك في قلوبهم ، ~~فيتأكد في هؤلاء ا لإيجاب لحق النبي صلى الله عليه وسلم ، ولحق شريعته . | ~~و إن لم يكن القائل بهذه السبيل فالقيام بحق النبي صلى الله عليه وسلم واجب ~~، وحماية عرضه متعين ، ونصرته عن الأذى حيا وميتا مستحق على كل مؤمن ، لكنه ~~إذا قام بهذا من ظهر به الحق ، وفصلت به القضية ، وبان به الأمر سقط عن ~~الباقي الفرض ، وبقي الاستحباب في تكثير الشهادة عليه ، وعضد التحذير منه . ~~| و قد أجمع السلف على بيان حال المتهم في الحديث ، فكيف بمثل هذا ؟ . | و ~~قد سئل أبو محمد بن أبي زيد عن الشاهد يسمع مثل هذا في حق الله تعالى : ~~أيسعه ألا يؤدي شهادته ؟ قال : إن ms393 رجا نفاذ الحكم بشهادته فليشهد . | و ~~كذلك إن علم أن الحاكم لا يرى القتل بما شهد به ، ويرى الاستتابة والأدب ~~فليشهد ، ويلزمه ذلك . | و أما الإباحة لحكاية قوله لغير هذين المقصدين ، ~~فلا أرى لها مدخلا في هذا الباب ، فليس التفكه بعرض رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، والتمضمض بسوء ذكره لأحد ، لا ذاكرا ولا آثرا لغير غرض شرعي ~~بمباح . | و أما للأغراض المتقدمة فمتردد بين الايجاب والاستحباب . | و قد ~~حكى الله تعالى مقالات المفترين عليه وعلى رسله في كتابه على وجه الإنكار ~~لق ولهم ، والتحذير من كفرهم ، والوعيد عليه ، والرد عليهم بما تلاه الله ~~علينا في محكم كتابه . | و كذلك وقع من أمثاله في أحاديث النبي الله صلى ~~الله عليه وسلم الصحيحة على الوجوه المتقدمة ، وأجمع السلف والخلف من أئمة ~~الهدى على حكايات مقالات الكفرة والملحدين في كتبهم مجالسهم ليبينوها للناس ~~، وينقضوا شبهها عليهم [ 255 ] ، وإن PageV02P210 كان ورد لأحمد بن حنبل ~~إنكار لبعض هذا على الحارث ابن أسد ، فقد صنع أحمد مثله في رده على الجهمية ~~والقائلين بالمخلوق . | هذه الوجوه السائغة الحكاية عنها ، فأما ذكرها على ~~غير هذا من حكاية سبه والإزراء بمنصبه على وجه الحكايات والأسمار والطرف ~~وأحاديث الناس ومقالاتهم في الغث والسمين ، ومضاحك المجان ، ونوادر السخفاء ~~، والخوض في قيل وقال ، وما لا يعني فكل هذا ممنوع ، وبعضه أشد في المنع ~~والعقوبة من بعض ، فما كان من قائله الحاكي له على غير قصد أو معرفة بمقدار ~~ما حكاه ، أو لم تكن عادته ، أو لم يكن الكلام من البشاعة حيث هو ، ولم ~~يظهر على حاكيه استحسانه واستصوابه زجر عن ذلك ، ونهي عن العودة إليه ، وإن ~~قوم ببعض الأدب فهو مستوجب له ، وإ ، كان لفظه من الب شاعة حيث هو كان ~~الأدب أشد . | و قد حكي أن رجلا سأل مالكا عمن يقول : القرآن مخلوق . فقال ~~مالك : كافر فاقتلوه . فقال : إنما حكيته عن غيري . فقال مالك : إنما ~~سمعناه منك . | و هذا من مالك على طريق الزجر والتغليظ ، بدليل أنه لم ينفذ ~~قتله ms394 . | و إن اتهم هذا الحاكي فيما حكاه أنه اختلقه ، ونسبه إلى غيره ، أو ~~كانت تلك عادة له ، أو ظهر استحسانه لذلك ، أو كان مولعا بمثله ، ~~والاستخفاف له ، أو التحفظ لمثله ، وطلبه ، ورواية أشعار هجوه صلى الله ~~عليه وسلم وسبه ، فحكم هذا حكم الساب نفسه ، يؤاخذ بقوله ، ولا تنفعه نسبته ~~إلى غيره ، فيبادر بقتله ويعجل إلى الهاوية أمه . | قال أبو عبيد القاسم بن ~~سلام فيمن حفظ شطر بيت مما هجي به النبي صلى الله عليه وسلم فهو كفر . | و ~~قد ذكر بعض من ألف في الإجماع إجماع المسلمين على تحريم رواية ما هجي به ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، وكتابته وقراءته ، وتركه متى وجد دون محو ورحم ~~الله أسلافنا المتقين المتحرزين لدينهم ، فقد أسقطوا من أحاديث المغازي ~~والسير ما كان هذا سبيله ، وتركوا روايته إلا أشياء ذكروها يسيرة وغير ~~مستبشعة ، على نحو الوجوه الأول ، ليروا نقمة الله من قائلها ، وأخذه ~~المفتري عليه بذنبه . | و هذا أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله قد تحرى ~~فيما اضطر إلى الاستشهاد به من أهاجي أشعار العرب في كتبه ، فكنى عن اسم ~~المهجو بوزن اسمه ، استبراء لدينه ، وتحفظا من المشاركة في ذم أحد أو نشره ~~، فكيف بما يتطرق إلى عرض سيد البشر صلى الله عليه وسلم . | PageV02P211 # | 3 ( فصل الوجه السابع أن يذكر ما يجوز على النبي ، أو يختلف في جوازه ) ~~3 # | الوجه السابع أن يذكر ما يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم ، أو يختلف ~~في جوازه عليه ، وما يطرأ من الأمور البشرية به ، وتمكن إضافتها إليه ، أو ~~يذكر ما امتحن به ، وصبر في ذات الله على شدته من مقاساة أعدائه ، وأذاهم ~~له ، ومعرفة ، ابتداء حاله وسيرته ، وما لقيه من بؤس زمنه ، ومر عليه من ~~معاناة عيشه ، كل ذلك على طريق الرواية ، ومذاكرة العلم ، ومعرفة ما صحت ~~منه العصمة للأنبياء ، وما يجوز عليهم فهذا فن خارج عن هذه الفنون الستة ، ~~إذ ليس فيه غمص ولا نقص ، ولا إزراء ولا استخفاف ، لا في ظاهر اللفظ [ 256 ms395 ~~] ولا في مقصد اللافظ ، لكن يجب أن يكون الكلام فيه مع أهل العلم وفهماء ~~طلبة الدين ممن يفهم مقاصده . ويحققون فوائده ، وينجب ذلك من عساه لا يفقه ~~، أو يخشى به فتنته ، فقدكره بعض السلف تعليم النساء سورة يوسف ، لما انطوت ~~عليه من تلك القصص لضعف معرفتهن ، ونقص عقولهن وإدراكهن ، فقد قال صلى الله ~~عليه وسلم الله مخبرا عن نفسه باستيجار لرعاية الغنم في ابتداء حاله ، وقال ~~: ما من نبي إلا وقد رعى الغنم . | و أخبرنا الل ه تعالى بذلك عن موسى عليه ~~السلام ، وهذا لا غضاضة فيه جملة واحدة لمن ذكره على وجهه ، بخلاف من قصد ~~به الغضاضة والتحقير ، بل كانت عادة جميع العرب . | نعم ، في ذلك للأنبياء ~~حكمة بالغة ، وتدريج لله تعالى لهم إلى كرامته ، وتدريب برعايتها لسياسة ~~أممهم من خليقته بما سبق لهم من الكرامة في الأزل ، ومتقدم العلم . | و ~~كذلك قد ذكر الله يتمه وعيلته على طريق المنة عليه ، والتعريف بكرامته له ، ~~فذكر الذاكر لها على وجه تعريف حاله ، والخبر عن مبتدئه ، والتعجب من منح ~~الله قبله ، وعظيم منته عنده ليس فيه غضاضة ، بل فيه دلالة على نبوته وصحة ~~دعوته ، إذ أظهره الله تعالى بعد هذا على صناديد العرب ومن ناوأه من ~~أشرافهم شيئا فشيئا ، ونمى أمره حتى قهرهم ، وتمكن من ملك مقاليدهم ، ~~واستباحة ممالك كثير من الأمم غيرهم ، بإظهار الله تعالى له ، وتأييده ~~بنصره وبالمؤمنين ، وألف بين قلوبهم ، وإمداده بالملائكة المسومين ، ولو ~~كان ابن ملك أو ذا أشيع متقدمين لحسب كثير من الجهال PageV02P212 أن ذلك ~~موجب ظهوره ، ومقتضى علوه ، ولهذا قال هرقل حين سأل أبا سفيان عنه : هل في ~~آبائه من ملك ؟ فقال : لا . ثم قال : ولو كان في آبائه ملك لقلنا : رجل ~~يطلب ملك أبيه ، وإذا اليتيم من صفته وإحدى علاماته في الكتب المتقدمة ~~وأخبار الأمم السالفة . | و كذا وقع ذكره في كتاب أرميا ، وبهذا وصفه ابن ~~ذي يزن لعبد المطلب ، وبحيرا لأبي طالب . | و كذلك إذا وصف بأنه أمي كما ~~وصفه الله به فهي ms396 مدحه له وفضيلة ثابتة فيه ، وقاعدة معجزته ، إذ معجزته ~~العظمى في القرآن العظيم إنما هي متعلقة بطريق المعارف والعلوم ، مع ما منح ~~صلى الله عليه وسلم ، وفضل به من ذلك ، كما قدمناه في القسم الأول . | و ~~وجود مثل ذلك من رجل لم يقرأ ولم يكتب ولم يدارس ولا لقن مقتضى العجب ، ~~ومنتهى العبر ، ومعجزة البشر . | و ليس في ذلك نقيصة ، إذ المطلوب من ~~الكتابة والقراءة المعرفة ، وإنما هي آلة لها ، وواسطة موصلة إليها غير ~~مرادة في نفسها ، فإذا حصلت الثمرة والمطلوب استغني عن الواسطة والسبب . | ~~و الأمية في غيره نقيصة ، لأنها سبب الجهالة ، وعنوان الغباوة ، فسبحان من ~~باين أمره من أمر غيره ، وجعل شرفه فيما فيه محطة سواه ، وجعل حياته فيما ~~فيه هلاك من عداه ، هذا شق قلبه ، وإخراج حشوته ، كان تمام حياته ، وغاية ~~قوة نفسه ، وثبات روعه ، وهو فيمن سواه منتهى هلاكه وحتم موته وفنائه ، ~~وهلم جرا إلى سائر ما روي من أخباره وسيره ، وتقلله من الدنيا [ 257 ] ومن ~~الملبس والمطعم والمركب ، وتواضعه ومهنته نفسه في أموره ، وخدمة بيته زهدا ~~ورغبة عن الدنيا ، وتسوية بين حقيرها وخطيرها ، لسرعة فناء أمورها ، وتقلب ~~أحوالها ، كل هذا من فضائله ومآثره وشرفه كما ذكرناه ، فمن أورد سيئا منها ~~موردة وقصد بها مقصدة كان حسنا ، ومن أورد ذلك على غير وجهه ، وعلم منه ~~بذلك سوء قصده لحق بالفصول التي قدمناها . | و كذلك ما ورد من أخباره ~~وأخبار سائر الأنبياء عليهم السلام في الأحاديث مما في ظاهره إشكال يقتضي ~~أمورا لا تليق بهم بحال ، ويحتاج إلى تأويل وتردد احتمال ، فلا | يجب أن ~~يتحدث منها إلا بالصحيح ، ولا يروى منها إلا المعلوم الثابت . | ~~PageV02P213 و رحم الله مالكا ، فلقد كره التحدث بمثل ذلك من الأحاديث ~~الموهمة للتشبيه والمشكلة المعنى ، وقال : ما يدعو إلى التحدث بمثل هذا ؟ ~~فقيل له : إن ابن عجلان يحدث بها ، فقال : لم يكن من الفقهاء ، وليت الناس ~~وافقوه على ترك الحديث بها ، وساعدوه على طيها ، فأكثرها ليس تحته عمل . | ~~و قد حكي عن جماعة ms397 من السلف ، بل عنهم على الجملة أنهم كانوا يكرهون الكلام ~~فيما ليس تحته عمل ، والنبي صلى الله عليه وسلم أوردها على قوم عرب يفهمون ~~كلام العرب على وجهه ، وتصرفاتهم في حقيقته ومجازه ، واستعارته ، وبليغه ~~وإيجازه ، فلم تكن في حقهم مشكلة ، ثم جاء من غلبت عليه العجمة ، داخلته ~~الأمية ، فلا يكاد يفهم من مقاصد العرب إلا نصها وصريحها ، ولا يتحقق ~~بإشاراتها إلى غرض الإيجاز ، ووحيها وتبليغها ، وتلويحها ، فتفرقوا من ~~تأويلها [ وحملها على ظاهرها ] شذر مذر ، فمنهم من آمن به ، ومنهم من كفر . ~~| فأما ما لا يصح من هذه الأحاديث فواجب ألا يذكر منها شيء في حق الله ولا ~~في حق أنبيائه ، ولا يتحدث بها ، ولا يتكلف الكلام على معانيها . والصواب ~~طرحها ، وترك الشغل بها إلا أن تذكر على وجه التعريف بأنها ضعيفة المقاد ~~واهية الإسناد . | و قد أنكر الأشياخ على أبي بكر بن فورك تكلفه في مشكلة ~~الكلام على أحاديث ضعيفة موضوعة لا أصل لها ، أو منقولة عن أهل الكتاب ~~الذين يلبسون الحق بالباطل كان يكفيه طرحها ، ويغنيه عن الكلام التنبيه على ~~ضعفها ، إذ المقصود بالكلام على مشكل ما فيها إزالة اللبس ، واجتثاثها من ~~أصلها ، وطرحها أكشف للبس وأشفى للنفس . # # | 3 ( فصل الالتزام عند ذكر النبي بالواجب من توقيره وتعظيمه ) 3 # | و مما يجب على المتكلم فيما يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم وما لا ~~يجوز ، والذاكر من حالاته ما قدمناه في الفصل قبل هذا على طريق المذاكرة ~~والتعليم أن يلتزم في كلامه عند ذكره صلى الله عليه وسلم ، وذكر تلك ~~الأحوال الواجب من توقيره وتعظيمه ، ويراقب حال لسانه ، ولا يهمله ، وتظهر ~~عليه علامات الأدب عند ذكره ، فإذا ذكر ما قاساه من الشدائد ظهر عليه ~~الإشفاق والإرتماض ، والغيط على عدوه ، ومودة الفداء للنبي صلى الله عليه ~~وسلم PageV02P214 لو قدر عليه ، والنصرة له لو أمكنته . | و إذا أخذ في ~~أبواب العصمة ، وتكلم على مجاري أعماله وأقواله صلى الله عليه وسلم تحرى ~~أحسن [ 258 ] اللفظ وأدب العبارة ما أمكنه ، واجتنب بشيع ذلك ms398 ، وهجر من ~~العبارة ما يقبح ، كلفظة الجهل والكذب والمعصية ، فإذا تكلم في الأقوال قال ~~: هل يجوز عليه الخلف في القول والإخبار بخلاف ما وقع سهوا أو غلطا ، ونحوه ~~من العبارة ، ويتجنب لفظة الكذب جملة واحدة . | و إذا تكلم على العلم قال : ~~هل يجوز ألا يعلم إلا ما علم ؟ وهل يمكن ألا يكون عنده علم من بعض الأشياء ~~حتى يوح ى إليه ، ولا يقول يجهل ، لقبح اللفظ وبشاعته . | و إذا تكلم في ~~الأفعال قال : هل يجوز منه المخالفة في بعض الأوامر والنواهي ومواقعة بعض ~~الصغائر ؟ فهو أولى وآدب من قوله : هل يجوز أن يعصي أو يذنب أو يفعل كذا ~~وكذا ، من أنواع المعاصي ؟ فهذا من حق توقيره صلى الله عليه وسلم ، وما يجب ~~له من تعزيز وإعظام . | و قد رأيت بعض العلماء لم يتحفظ من هذا ، فقبح منه ~~، ولم أستصوب عبارته فيه . | و وجدت بعض الجائرين قوله لأجل ترك تحفظه في ~~العبارة ما لم يقله ، وشنع عليه بما يأباه ، ويكفر قائله . | و إذا كان مثل ~~هذا بين الناس مستعملا في آدابهم وحسن معاشرتهم وخطابهم ، فاستعماله في حقه ~~صلى الله عليه وسلم أوجب ، والتزامه آكد . | فجودة العبارة تقبح الشيء أو ~~تحسنه ، وتحريرها وتهذيبها تعظم الأمر أو تهونه ، ولهذا قال صلى الله عليه ~~وسلم : إن من البيان لسحرا . | فأما ما أورده على جهة النفي عنه والتنزيه ~~فلا حرج في تسريح العبارة وتصريحها فيه ، كقوله : لا يجوز عليه الكذب جملة ~~، ولا إتيان الكبائر بوجه ، ولا الجور في الحكم على حال ، ولكن مع هذا يجب ~~ظهور توقيره وتعظيمه عند ذكره مجردا ، فكيف عند ذكر مثل هذا . | ~~PageV02P215 و قد كان السلف تظهر عليهم حالات شديدة عند مجرد ذكره ، كما ~~قدمناه في القسم الثاني . | و قد كان بعضهم يلتزم مثل ذلك عند تلاوة آي من ~~القرآن ، حكى الله تعالى فيها مقال عداه ، ومن كفر بآياته ، وافترى عليه ~~الكذب ، فكان يخفض بها صوته إعظاما لربه ، وإجلالا له ، وإشفاقا من التشبه ~~بمن كفر به . # PageV02P216 # | 2 ( الباب الثاني في حكم ms399 سابه وشاتمه ومتنقصه ومؤذيه وعقوبته ) 2 # | قد قدمنا ما هو سب وأذى في حقه صلى الله عليه وسلم ، وذكرنا إجماع ~~العلماء على قتل فاعل ذلك وقائله ، أو تخيير الإمام في قتله أو صلبه على ما ~~ذكرناه ، وقررنا الحجج عليه . | و بعد فاعلم أن مشهور مذهب مالك وأصحابه ، ~~وقول السلف وجمهور العلماء قتله حدا لا كفرا إن أظهر التوبة منه ، ولهذا لا ~~تقبل عندهم توبته ، ولا تنفعه استقالته ولا فيئته كما قدمناه قبل ، وحكمه ~~حكم الزنديق ، ومسر الكفر في هذا القول ، وسواء كانت توبته على هذا بعد ~~القدرة عليه والشهادة على قوله ، أو جاء تائبا من قبل نفسه ، لأنه حد لا ~~تسقطه التوبة كسائر الحدود . | قال الشيخ أبو الحسن القابسي رحمه الله : ~~إذا أقر بالسب ، وتاب منه ، وأظهر التوبة قتل بالسب ، لأنه هو حده . | [ ~~259 ] وقال أبو محمد بن أبي زيد في مثله ، وأما ما بينه وبين الله فتوبته ~~تنفعه . | و قال ابن سحنون : من شتم النبي صلى الله عليه وسلم من الموحدين ~~، ثم تاب عن ذلك لم تزل توبته عنه القتل . | و كذلك قد اختلف في الزنديق ~~إذا جاء تائبا ، فحكى القاضي أبو الحسن بن القصار في ذ لك قولين : | قال : ~~من شيوخنا من قال : أقتله بإقراره ، لأنه كان يقدر على ستر نفسه ، فلما ~~PageV02P217 اعترف خفنا أنه خشي الظهور عليه فبادر لذلك . | و منهم من قال ~~: أقبل توبته ، لأني أستبدل على صحتها بمجيئه ، فكأننا وقفنا على باطنه ، ~~بخلاف من أسرته البينة . | قال القاضي أبو الفضل : وهذا قول أصبغ ، ومسألة ~~ساب النبي صلى الله عليه وسلم أقوى ، لا يتصور فيها الخلاف على الأصل ~~المتقدم ، لأنه حق متعلق للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته بسبه لا تسقطه ~~التوبة كسائر حقوق الآدميين . | و الزنديق إذا تاب بعد القدرة عليه فعند ~~مالك ، والليث ، وإسحاق ، وأحمد ، لا تقبل توبته . | و عند الشافعي تقبل . ~~| و اختلف فيه أبي حنيفة وأبي يوسف . | و حكى ابن المنذر ، عن علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه : يستتاب . | قال محمد ms400 بن سحنون : ولم يزل القتل عن ~~المسلم بالتوبة من سبه صلى الله عليه وسلم ، لأنه لم ينتقل من دين إلى غيره ~~، وإنما فعل شيئا حده عندنا القتل لا عفو فيه لأحد ، كالزنديق ، لأنه لم ~~ينتقل من ظاهر إلى ظاهر . | و قال القاضي أبو محمد بن نصر محتجا لسقوط ~~اعتبار توبته : والفرق بينه وب ين من سب الله تعالى على مشهور القول ~~باستتابته أن النبي صلى الله عليه وسلم بشر ، والبشر جنس تلحقه المعرة إلا ~~من أكرمه الله بنبوته ، والبارئ تعالى منزه عن جميع المعايب قطعا ، وليس من ~~جنس تلحق المعرة بجنسه ، وليس سبه صلى الله عليه وسلم كالارتداد المقبول ~~فيه التوبة ، لأن الارتداد معنى ينفرد به المرتد ، لا حق فيه لغيره من ~~الآدميين ، فقبلت توبته . ومن سب النبي صلى الله عليه وسلم تعلق فيه حق ~~لآدمي ، فكان كالمرتد يقتل حين ارتداده أو يقذف ، فإن توبته لا تسقط عند حد ~~القتل والقذف . | و أيضا فإن توبة المرتد إذا قبلت لا تسقط ذنوبه من زنا ~~وسرقة وغيرها ، ولم يقتل ساب النبي صلى الله عليه وسلم لكفره ، لكن لمعنى ~~يرجع إلى تعظيم حرمته وزوال المعرة به ، وذلك لا تسقطه التوبة . | قال ~~القاضي أبو الفضل : يريد والله أعلم : لأن سبه لم يكن بكلمة تقتضي الكفر ، ~~ولكن بمعنى الإزراء والإستخفاف ، أو لأن بتوبته وإظهار إنابته ارتفع عنه ~~اسم الكفر ظاهرا ، والله أعلم بسريرته ، وبقي حكم السب عليه . | ~~PageV02P218 [ وقال أبو عمران القابسي : من سب النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~ثم ارتد عن الإسلام قتل ول م يستتب ، لأن السب من حقوق الآدميين التي لا ~~تسقط عن المرتد ] . وكلام شيوخنا هؤلاء مبني على القول بقتله ، حدا لا كفرا ~~، وهو يحتاج إلى تفصيل . | و أما على رواية الوليد بن مسلم عن مالك وافقه ~~على ذلك ممن ذكرناه وقال به من أهل العلم فقد صرحوا أنه ردة ، قالوا : ~~ويستتاب منها ، فإن تاب نكل ، وإن أبى قتل ، فحكم له بحكم المرتد مطلقا في ~~هذا الوجه . | و الوجه الأول أشهر وأظهر ms401 لما قدمناه ، ونحن نبسط الكلام فيه ~~، فنقول [ 260 ] : | من لم يره رده فهو يوجب القتل فيه حدا ، وإنما نقول ~~ذلك مع فصلين : إما مع إنكاره ما شهد به عليه ، وإظهاره الإقلاع والتوبة ~~عنه ، فنقتله حدا لثبات كلمة الكفر عليه في حق النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~وتحقيره ما عظم الله من حقه ، وأجرينا حكمه في ميرائه ، وغير ذلك حكم ~~الزنديق إذا ظهر عليه وأنكر أو تاب . | فإن قيل : فكيف تثبتون عليه الكفر ، ~~ويشهد عليه [ بكلمة الكفر ] ولا تحكمون عليه بحكمه من الاستتابة وتوابعها ! ~~| قلنا : نحن وإن أثبتنا له حكم الكافر فلا نقطع عليه بذلك ، لإقراره ~~بالتوحيد والنبوة ، وإنكاره ما شهد به عليه ، أو زعمه أن ذلك كان منه وهلا ~~ومعص ية ، وأنه مقلع عن ذلك نادم عليه ، ولا يمتنع إثبات بعض أحكام الكفر ~~على بعض الأشخاص وإن لم تثبت له خصائصه ، كقتل الصلاة . | و أما من علم أنه ~~سبه معتقدا استحلاله فلا شك في كفره بذلك . | و كذلك إن كان سبه في نفسه ~~كفر ، كتكذيبه أو تكفيره ونحوه ، فهذا مما لا إشكال فيه ، ويقتل وإن تاب ~~منه ، لأنا لا نقبل توبته ، ونقتله بعد التوبة حدا ، لقوله ، ومتقدم كفره ، ~~وأرمه بعد إلى الله المطلع على صحة إقلاعه ، العالم بسره . | و كذلك من لم ~~يظهر التوبة ، واعتراف بما شهد به عليه ، وصمم عليه فهذا كافر بقوله ~~وباستحلاله . هتك حرمة الله وحرمة نبيه صلى الله عليه وسلم يقتل كافرا بلا ~~خلاف . | فعلى هذه التفصيلات خذ كلام العلماء ، ونزل مختلف عباراتهم في ~~الاحتجاج PageV02P219 عليها ، وأجر اختلافهم في الموارثة وغيرها على ~~ترتيبها تتضح لك مقاصدهم إن شاء الله تعالى . | # | 3 ( فصل استتابة الساب والشاتم كالاستتابة للمرتد ) 3 # | إذا قلنا بالاستتابة حيث تصح فالاختلاف فيها على الاختلاف في توبة ~~المرتد ، إذ لا فرق . | و قد اختلف السلف في وجوبها وصورتها ومدتها ، فذهب ~~جمهور أهل العلم إلى أن المرتد يستتاب . | و حكى ابن القصار أنه إجماع من ~~الصحابة على تصويب قول عمر في الاستتابة ، ولم ينكره واحد ms402 منهم ، وهو قول ~~عثمان ، وعلي ، وابن مسعود ، وبه قال عطاء بن أبي رباح ، والنخعي ، والثوري ~~، ومالك ، وأصحابه ، والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأصحاب الرأي ~~. | و ذهب طاوس ، محمد بن الحسن ، وعبيد بن عمير ، والحسن في إحدى ~~الروايتين عنه أنه لا يستتاب ، وقاله عبد العزيز بن أبي سلمة ، وذكره عن ~~معاذ ، وأنكره سحنون عن معاذ ، وحكاه الطحاوي عن أبي يوسف ، وهو قول أهل ~~الظاهر ، قالوا : وتنفعه توبته عند الله ، ولكن لا ندرأ القتل عنه ، لقوله ~~صلى الله عليه وسلم ، من بدل دينه فاقتلوه . | و حكي أيضا عن عطاء : إن كان ~~ممن ولد في الإسلام لم يستتب ، ويستتاب الإسلامي . | و جمهور العلماء على ~~أن المرتد والمر تدة في ذلك سواء . | و روي عن علي رضي الله عنه : لا تقل ~~المرتدة ، وتسترق ، وقاله عطاء ، وقتادة . | و روي عن ابن عباس : لا تقتل ~~النساء في الردة ، وبه قال أبو حنيفة . | قال مالك : والحر والعبد والذكر ~~والأنثى في ذلك سواء . | و أما مدتها فمذهب الجمهور ، وروي عن عمر ، أنه ~~يستتاب ثلاثة أيام يحبس فيها ، وقد [ 261 ] اختلف فيه عن عمر ، وهو أحد ~~قولي الشافعي ، وقول أحمد ، PageV02P220 وإسحاق ، واستحسنه مالك ، وقال : ~~لا يأتي الاستظهار إلا بخير ، وليس عليه جماعة الناس . . | قال الشيخ أبو ~~محمد بن أبي زيد : يريد في الاستثناء ثلاثا . | و قال مالك أيضا : أخذ به ~~في المرتد قول عمر : يحبس ثلاثة أيام ، ويعرض عليه كل يوم ، فإن تاب وإلا ~~قتل . | و قال أبو الحسن بن القصار في تأخيره ثلاثا روايتان عن مالك : هل ~~ذلك واجب أو مستحب ؟ واستحسن الاستتابة والاستيناء ثلاثا أصحاب الرأي . | و ~~روي عن أبي بكر الصديق أنه استتاب امرأة فلم تتب فقتلها ، وقاله الشافعي ~~مرة ، فقال : إن لم يتب قتل مكانه . واستحسنه المزني . | و قال الزهري : ~~يدعى إلى الإسلام ثلاث مر ات ، فإن أبى قتل . | و روي عن علي رضي الله عنه ~~: يستتاب شهرين . وقال النخعي : يستتاب أبدا ، وبه أخذ الثوري ما رجيت ~~توبته . وحكى ابن القصار عن أبي حنيفة أنه يستتاب ms403 ثلاث مرات في ثلاثة أيام ~~أو ثلاث جمع كل يوم أو جمعة مرة . | و في كتاب محمد ، عن القاسم : يدعى ~~المرتد إلى الإسلام ثلاث مرات ، فإن أبى ضربت عنقه . | و اختلف على هذا هل ~~يهدد أو يشدد عليه أيام الاستتابة ليتوب أم لا ؟ فقال مالك : ما علمت في ~~الاستتابة تجويعا ولا تعطشا ، ويؤتى من الطعام بما لا يضره . | و قال أصبغ ~~: يخوف أيام الاستتابة بالقتل ، ويعرض عليه الإسلام . | و في كتاب أبي ~~الحسن الطابثي : يوعظ في تلك الأيام ، ويذكر بالجنة ، ويخوف بالنار . | قال ~~أصبغ : وأي المواضع حبس فيها من السجون مع الناس أو وحده إذا استوثق منه ~~سواء ، ويوقف ماله إذا خيف أن يتلفه على المسلمين ، ويطعم منه ، ويسقى . | ~~و كذلك يستتاب كلما رجع وارتد أبدا ، وقد استتاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم نبهان الذي ارتد أربع مرات أو خمسا . | PageV02P221 و قال ابن وهب ، ~~عن مالك : يستتاب أبدا كلما رجع ، وهو قول الشافعي ، وأحمد ، وقاله ابن ~~القاسم . | و قال إسحاق : يقتل في الرابعة . | و قال أصحاب الرأي : إن لم ~~يتب في الرابعة قتل دون استتابة ، وإن تاب ضرب ضربا وجيعا ، ولم يخرج من ~~السجن حتى يظهر عليه خشوع التوبة . | قال ابن المنذر : ولا نعلم أحدا أوجب ~~على المرتد في المرة الأولى أدبا إذا رجع . وهو على مذهب مالك والشافعي ~~والكوفي . | # | 3 ( فصل في حكم من لم تتم الشهادة عليه . . ) 3 # | هذا حكم من ثبت عليه ذلك بما يجب ثبوته من إقرار أو عدول لم يدفع فيهم ~~، فأما من لم تتم الشهادة عليه بما شهد عليه الواحد أو اللفيف من الناس ، ~~أو ثبت قوله لكن احتمل ولم يكن صريحا . | و كذلك إن تاب على القول بقبول ~~توبته فهذا يدرأ عنه القتل ، ويتسلط عليه اجتهاد الإمام بقدر شهرة حاله ، ~~وقوة الشهادة عليه ، وضعفها ، وكثرة السماع عنه ، وصورة حاله من التهمة في ~~الدين والنبر بالسفه والمجون ، فمن قوي أمره أذاقه من شديد النكال من ~~التضيق في السجن ، والشد في القيود إلى الغاية ms404 التي [ 262 ] هي منتهى طاقته ~~لما لا يمنعه القيام لضرورته ، ولا يقعده عن صلاته ، وهو حكم كل من وجب ~~عليه القتل ، لكن وقف عن قتله لمعنى أوجبه ، وتربص به لإشكال وعائق اقتضاه ~~أمره ، وحالات الشدة في نكاله تختلف بحسب اختلاف حاله . | و قد روى الوليد ~~عن مالك والأوزاعي أنها ردة ، فإذا تاب نكل . | و لمالك في العتبية وكتاب ~~محمد ، من رواية أشهب : إذا تاب المرتد فلا عقوبة عليه وقاله سحنون . | و ~~أفتى أبو عبد الله بن عتاب فيمن سب النبي صلى الله عليه وسلم ، فشهد عليه ~~شاهدان ع دل أحدهما بالأدب الموجع والتنكيل والسجن الطويل حتى تظهر توبته . ~~| و قال القابسي في مثل هذا : ومن كان أقصى أمره القتل فعاق عائق أشكل في ~~القتل لم ينبع أن يطلق من السجن ، ويستطال سجنه ، ولو كان فيه من المدة ما ~~عسى PageV02P222 أن يقيم ، ويحمل عليه من القيد ما يطيق . | و قال في مثله ~~ممن أشكل أمره : يشد في القيود شدا ، ، ويضيق عليه في السجن حتى ينظر فيما ~~يجب عليه . | و قال في مسألة أخرى مثلها : ولا تهراق الدماء إلا بالأمر ~~الواضح ، وفي الأدب بالسوط والسجن نكال للسفهاء ، ويعاقب عقوبة شديدة ، ~~فأما إن لم يشهد عليه سوى شاهدين ، وأثبت من عداوتهما أو جرحتهما ما ~~أسقطهما عنه ، ولم يسمع ذلك من غيرها فأمره أخف لسقوط الحكم عنه ، وكأنه لم ~~يشهد عليه ، إلا أن يكون مما لا يليق به ذلك ، ويكون الشاهدان من أهل ~~التبريز فأسقطهما بعداوة ، فهو وإن لم ينفذ الحكم عليه بشهادتهما فلا يدفع ~~الظن صدقهما ، وللحاكم هنا في تنكيله موضع اجتهاد . | و الله ولي الإرشاد . ~~| # | 3 ( فصل حكم الذمي إذا صرح بسبه ، أو عرض . . ) 3 # | هذا حكم المسلم ، فأما الذمي إذا صرح بسبه أو عرض ، أو استخف بقدره ، | ~~أو وصفه بغير الوجه الذي ، كفر به فلا خلاف عندنا في قتله إن لم يسلم ، ~~لأنا لم نعطه الذمة أو العهد على هذا ، وهو قول عامة الفقهاء ، إلا أبا ~~حنيفة والثوري وأتباعهما من أهل ms405 الكوفة ، فإنهم قالوا : لا يقتل ، ما هو ~~عليه من الشرك أعظم ، ولكن يؤدب ويعزز . | و استدل بعض شيوخنا على قتله ~~بقوله تعالى : وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا ~~أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون [ سورة التوبة / 9 ، الآية : 12 ~~] . | و يستدل عليه أيضا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم لا بن الأشرف ~~وأشباهه ، ولأنا لم نعاهدهم ، ولم نعطهم الذمة على هذا ، ولا يجوز لنا أن ~~نفعل ذلك معهم ، فإذا أتوا ما لم يعطوا عليه العهد ولا الذمة فقد نقضوا ~~ذمتهم ، وصاروا كفارا يقتلون لكفرهم . | و أيضا فإن ذمتهم لا تسقط حدود ~~الإسلام عنهم ، من القطع في سرقة أموالهم ، والقتل لمن قتلوه منهم ، وإن ~~كان ذلك حلالا عندهم فكذلك سبهم النبي صلى الله عليه وسلم يقتلون به . | و ~~وردت لأصحابنا ظ واهر تقتضي الخلاف إذا ذكره الذمي بالوجه الذي كفر به ، ~~ستقف عليها من كلام ابن القاسم وابن سحنون بعد . | [ 263 ] وحكى أبو المعصب ~~الخلاف فيها عن أصحابه المدنيين . PageV02P223 واختلفوا إذا سبه ثم أسلم ، ~~فقيل : يسقط إسلامه قتله ، لأن الإسلام يجب ما قبله ، بخلاف المسلم إذا سبه ~~ثم تاب ، لأن نعلم باطنه الكافر في بغضه له ، وتنقصه بقلبه ، لكنا منعناه ~~من إظهاره ، فلم يزدنا ما أظهره إلا مخالفة للأمر ، ونقض للعهد ، فإذا رجع ~~عن دينه الأول إلى الإسلام سقط ما قبله ، قال الله تعالى : قل للذين كفروا ~~إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف [ سورة الأنفال / 8 ، الآية : 38 ] . | و ~~المسلم بخلافه ، إذا كان ظننا يباطنه حكم ظاهره ، وخلاف ما بدا منه الأن ، ~~فلم نقبل بعد رجوعه ، ولا استنمنا إلى باطنه ، إذ قد بدت سرائره ، وما ثبت ~~عليه من الأحكام باقية عليه لا يسقطها شيء . | و قيل : لا يسقط إسلام الذمي ~~الساب قتله ، لأنه حق النبي صلى الله عليه وسلم وجب عليه ، لانتهاكه حرمته ~~، وقصده إلحاق النقيصة والمعرة به ، فلم يكن رجوعه إلى الإسلام بالذي يسقطه ~~، كما وجب عليه من حقوق المسلمين من قبل إسلامه ms406 منقتل وقذف ، وإذا كنا لا ~~نقبل توبة المسلم فإنا لا نقبل توبة الكافر أولى . | و قال مالك في كتاب ~~ابن حبيب والمبسوط ، وابن القاسم ، وابن الماجشون ، وابن عبد الحكم ، وأصبغ ~~فيمن شتم نبينا من أهل الذمة أو أحدا من الأنبياء عليهم السلام قتل إلا أن ~~يسلم ، وقاله ابن القاسم في العتبية ، وعند محمد ، وابن سحنون . | و قال ~~سحنون وأصبغ : لا يقال له أسلم ، ولا لا تسلم ، ولكن إن أسلم فذلك له توبة ~~. | و في كتاب محمد : أخبرنا أصحاب مالك أنه قال : منسب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أو غيره من الأنبياء من مسلم أو كافر قتل ولم يستتب . | و روي ~~لنا عن مالك : إلا أن يسلم الكافر . | و قد روى ابن وهب ، عن ابن عمر أن ~~راهبا تناول النبي صلى الله عليه وسلم ! فقال ابن عمر : فهلا قتلتموه ! . | ~~و روى عيسى عن ابن القاسم في ذمي قال : إن محمدا لم يرسل إلينا ، إنما أرسل ~~إليكم ، وإنما نبينا موسى أو عيسى ، ونحو هذا : لا شيء عليهم ، لأن الله ~~تعالى أقرهم على مثله . | و أما إن سبه فقال : ليس بنبي ، أو لم يرسل ، أو ~~لم ينزل عليه القرآن ، وإنما شيء تقوله أو نحو هذا فيقتل . | PageV02P224 و ~~قال ابن القاسم : وإذا قال النصراني : ديننا خير من دينكم ، وإنما دينكم ~~دين الحمير ، ونحو هذا من القبيح أو سمع المؤذن يقول : أشهد أن محمدا رسول ~~الله ، | فقال : كذلك يعطيكم الله ، ففي هذا الأدب الموجع والسجن الطويل . ~~| قال : وأما إن شتم النبي صلى الله عليه وسلم وسلم شتما يعرف فإنه يقتل ~~إلا أن يسلم ، قاله مالك غير مرة ، ولم يقل يستتاب . | قال ابن القاسم : ~~ومحمل قوله عندي إن أسلم طائعا . | و قال ابن سحنون في سؤالات سليمان بن ~~سالم في اليهودي يقول للمؤذن ، إذا تشهد : كذبت يعاقب العقوبة الموجعة مع ~~السجن الطويل . | و في النوادر من رواية سحنون عنه : من شتم الأنبياء من ~~اليهود والنصارى بغير الوجه الذي به كفروا ضربت عنقه إلا أن يسلم ms407 . | قال ~~محمد بن سحنون : فإن قيل : لم قتلته في سب النبي صلى الله عليه وسلم ومن ~~دينه سبه وتكذيبه ؟ قيل : لأنا لم نعطهم [ 264 ] العهد على ذلك ، ولا على ~~قتلنا ، وأخذ أموالنا ، فإذا قتل واحد منا قتلناه ، وإن كان من دينه ~~استحلاله ، فكذلك إظهاره لسب نبينا صلى الله عليه وسلم . | قال سحنون : كما ~~لو بذل لنا أهل الحرب الجزية ع لى اقرارهم على سبه لم يجز لنا ذلك في قول ~~قائل . | و كذلك ينتقص عهد من سب منهم ، ويحل لنا دمه فكما لم يحصن الإسلام ~~من سبه من القتل كذلك لا تحصنه الذمة . | قال القاضي أبو الفضل : ما ذكره ~~ابن سحنون عن نفسه وعن أبيه مخالف لقول ابن القاسم فيما خفف عقوبتهم فيه ~~مما به كفروا ، فتأمله . | و يدل على أنه خلاف ما روي عن المدنيين في ذلك ، ~~فحكى أبو المصعب الزهري ، قال : أتيت بنصراني قال : والذي اصطفى عيسى على ~~محمد ، فاختلف على فيه ، فضربته حتى قتلته ، أو عاش يوما وليلة ، وأمرت من ~~جر برجله ، وطرح على مزبلة ، فأكلته الكلاب . | و سئل أبو المصعب عن نصراني ~~قال : عيسى خلق محمدا . فقال : يقتل . | و قال ابن القاسم : سألنا مالكا عن ~~نصراني بمصر شهد عليه أنه قال : مسكين محمد ، يخبرك أنه في الجنة ، ماله لم ~~ينفع نفسه ! إذ كانت الكلاب تأكل ساقيه ، لو قتلوه استراح منه الناس . | ~~PageV02P225 قال مالك : أرى أن تضرب عنقه . | قال ولقد كدت ألا أتكلم فيها ~~بشيء ، ثم رأيت أنه لا يسعني الصمت . | قال ابن كنانة في المبسوطة : من شتم ~~النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى فأرى للإمام أ ن يحرقه بالنار ~~، وإن شاء قتله ثم حرق جثته ، وإن شاء أحرقه بالنار حيا إذا تهافتوا في سبه ~~. | و قد كتب إلى مالك من مصر مسألة ابن قاسم المتقدمة ، قال : فأمرني مالك ~~، فكتبت بأن يقتل ، وأن يضرب عنقه ، فكتبت ، ثم قلت : يا أبا عبد الله ، ~~وأكتب : ثم يحرق بالنار ؟ فقال كان إنه لحقيق بذلك ، وما أولاه به . | ~~فكتبته ms408 بيدي بين يديه ، فما أنكره ولا عابه ، ونفذت الصحيفة بذلك فقتل وحرق ~~. | و أفتى عبيد الله ابن يحيى وابن لبابة في جماعة سلف أصحابنا الأندلسيين ~~بقتل نصرانية استهلت بنفي الربوبية وبنوة عيسى الله ، وبتكذيب محمد في ~~النبوة ، وبقبول إسلامها ودرأ القتل عنها به . | و به قال غير واحد من ~~المتأخرين منهم القابسي ، وابن الكتاب . | و قال أبو القاسم بن الجلاب في ~~كتابه : من سب الله ورسوله من مسلم أو كافر قتل ولا يستتاب . | و حكى ~~القاضي أبو محمد في الذمي يسب روايتين في درء القتل عنه بإسلامه . | و قال ~~ابن سحنون : وحد القذف وشبهه من حقوق العباد لا يسقطه عن الذمي إسلامه ، ~~وإنما يسقط عنه بإسلامه حدود الله . | فأما حد القذف فحق للعباد ، كان ذلك ~~لنبي أو غيره ، فأوجب على الذمي إذا قذف النبي صلى الله عليه وسلم ثم أسلم ~~حد القذف . | و لكن انظر ماذا يجب عليه ؟ هل حد القذف في حق النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، وهو القتل لزيادة حرمة النبي صلى الله عليه وسلم على غيره ، أم ~~هل يسقط القتل بإسلامه ، ويحد ثمانين ؟ فتأمله . | PageV02P226 # | 3 ( فصل من ميراث من قتل بسبب النبي ، وغسله ، والصلاة عليه ) 3 # | اختلف العلماء في ميراث من قتل بسبب النبي صلى الله عليه وسلم ، فذهب ~~سحنون إلى أنه لجماعة المسلمين من قبل أن شتم النبي صلى الله عليه وسلم كفر ~~يشبه كفر الزندقة . | و قال أصبغ : ميراثه لورثته من المسلمين إن كان ~~مستسرا بذلك ، وإن كان مظهرا له مستهلا به فميراثه للمسلمين ، ويقتل على كل ~~حال ولا يستتاب . | و قال أبو الحسن القابسي : إن قتل وهو منكر للشهادة ~~عليه فالحكم في ميراثه على ما أظهره من إقراره يعني لورثته ، والقتل حد ثبت ~~عليه ليس من الميراث في شيء . | و كذلك لو أقر بالسب وأظهر التوبة لقتل ، ~~إذ هو حده . وحكمه في ميراثه ، وسائر أحكامه حكم الإسلام . | و لو أقر ~~بالسب ، وتمادى عليه ، وأبى التوبة منه ، فقتل على ذلك كان كافرا ، وميراثه ~~للمسلمين ، ولا ms409 يغتسل ولا يصلى عليه ، ولا يكفن وتستر عورته ، ويوارى كما ~~يفعل بالكفار . | و قول الشيخ أبي الحسن في المجاهرالمتمادي بين لا يمكن ~~الخلاف فيه ، لأنه كافر مرتد غير تائب مقلع . | و هو مثل قول أصبغ ، وكذلك ~~في كتاب ابن سحنون في الزنديق يتمادى على قوله . | و مثله لابن القاسم في ~~العتبية ولجماعة من أصحاب مالك في كتاب ابن حبيب فيمن أعلن كفره مثله . | ~~قال ابن القاسم : وحكمه حكم المرتد لا يرثه ورثته من المسلمين ، ولا من أهل ~~الدين الذي ارتد إليه ، ولا تجوز وصاياه ولا عتقه ، وقاله أصبغ ، قتل على ~~ذلك أو مات عليه . | و قال أبو محمد بن أبي زيد : وإنما يختلف في ميراث ~~الزنديق الذي يستهل بالتوبة ، فلا تقبل منه ، فأما المتمادي فلا خلاف أنه ~~لا يورث . | PageV02P227 و قال أبو محمد فيمن سب الله تعالى ثم مات ولم ~~تعدل عليه بينة ، أو لم تقبل : إنه يصلى عليه . | و روى أصبغ عن ابن القاسم ~~في كتاب ابن حبيب فيمن كذب برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأعلن دينا مما ~~يفارق به الإسلام أن ميراثه للمسلمين . | و قال بقول مالك : إن ميراث ~~المرتد للمسلمين ، ولا ترثه ورثته ربيعة ، والشافعي ، وأبو ثور ، وابن أبي ~~ليلى ، واختلف فيه عن أحمد . | و قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وابن ~~مسعود ، وابن المسيب ، والحسن ، والشعبي ، وعمر بن عبد العزيز ، والحكم ، ~~والأوزاعي ، والليث ، وإسحاق ، وأبو حنيفة ترثه ورثته من المسلمين . | و ~~قيل ذلك فيما كسبه قبل ارتداده ، وما يكسبه في الإرتداد فللمسلمين . | قال ~~القاضي أبو الفضل : وتفصيل أبي الحسن في باقي جوابه حسن بين ، وهو على رأي ~~أصبغ ، وخلاف قول سحنون ، واختلافهما على قولي مالك في ميراث الزنديق ، ~~فمرة ورثه ورثته من المسلمين قامت بذلك بينة فأنكرها ، أو اعترف بذلك وأظهر ~~التوبة . | و قاله أصبغ ، ومحمد بن مسلمة ، وغير واحد من أصحابه ، لأنه ~~مظهر للإسلام بإنكاره أو توبته ، وحكمه حكم المنافقين الذين كانوا على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم . | و روى ms410 ابن نافع عنه في العتبية ، وكتاب ~~محمد أن ميراثه لجماعة المسلمين ، لأن ماله تبع لدمه . | و قال به أيضا ~~جماعة من أصحابه ، وقاله أشهب ، والمغيرة ، وعبد الملك ، ومحمد ، وسحنون . ~~| و ذهب [ 266 ] ابن القاسم في العتبية إلى أنه إن اعترف بما شهد عليه به ~~وتاب فقتل فلا يورث . وإن لم يقر حتى قتل أو مات ورث . | قال : وكذلك كل من ~~أسر كفرا فإنهم يتوارثون بوراثة الإسلام . | و سئل أبو القاسم ابن الكا تب ~~عن النصراني يسب النبي صلى الله عليه وسلم فيقتل ، هل يرثه أهل دينه أم ~~المسلمون ؟ | فأجاب بأنه للمسلمين ليس على جهة الميراث ، لأنه لا توارث بين ~~أهل ملتين ، ولكن لأنه من فيئهم ، لنقضه العهد ، وهذا معنى قوله واختصاره . # PageV02P228 # | 2 ( الباب الثالث في حكم من سب الله تعالى وملائكته وكتبه ، وأنبياءه ، ~~وآل النبي وأزواجه وصحبه ) 2 # | لا خلاف أن ساب الله تعالى من المسلمين كافر حلال الدم . واختلف في ~~استتابته ، فقال ابن القاسم في المبسوط ، وفي كتاب ابن سحنون ، ومحمد ، ~~ورواه ابن القاسم عن مالك في كتاب إسحاق بن يحيى : من سب الله تعالى من ~~المسلمين قتل ولم يستتب إلا أن يكون افتراء على الله بارتداده إلى دين دان ~~به وأظهره فيستتاب ، وإن لم يظهره لم يستتب . | و قال في المبسوطة مطرف ~~وعبد الملك مثله . | و قال المخزومي ، ومحمد بن سلمة ، وابن أبي حازم : لا ~~يقتل المسلم بالسب حتى يستتاب . | و كذلك اليهودي والنصراني ، فإن تابوا ~~قبل منهم ، وإن لم يتوبوا قتلوا ولا بد من الاستتابة ، وذلك كله كالردة ، ~~وهو الذي حكاه القاضي بن نصر عن المذهب . | و أفتى أبو محمد بن أبي زيد ~~فيما حكي عنه في رجل لعن رجلا ولعن الله ، فقال : إنما أردت أن ألعن ~~الشيطان فزل لساني ، فقال : يقتل بظاهر كفره ، ولا يقبل عذره . | و أما ~~فيما بينه وبين الله تعالى فمعذور . | و اختلف فقهاء قرطبة في مسألة هارون ~~بن حبيب أخي عبد الملك الفقيه ، وكان ضيق الصدر ، كثير التبرم ، وكان قد ~~شهد عليه ms411 بشهادات ، منها أنه قال عند PageV02P229 استقلاله من مرض : لقيت ~~في مرضى هذا ما لو قتلت أبا بكر وعمر لم أستوجب هذا كله . | فأفتى إبراهيم ~~بن حسين بن خالد بقتله ، وأن مضمن قوله تجوير لله تعالى وتظلم منه ، ~~والتعريض فيه كالتصريح . | و أفتى أخوه عبد الملك بن حبيب ، وإبراهيم بن ~~حسين بن عاصم ، وسعيد بن سليمان القاضي بطرح القتل عنه ، إلا أن القاضي رأى ~~عليه التثقيل في الحبس ، والشدة في الأدب ، لاحتمال كلامه ، وصرفه إلى ~~التشكي ، فوجه من قال في ساب الله بالاستتابة إنه كفر وردة محضة لم يتعلق ~~بها حق لغير الله ، فأشبه قصد الكفر بغير سب الله ، وإظهار الانتقال إلى ~~دين آخر من الأديان المخالفة للإسلام . | و وجه ترك استتابته أنه لما ظهر ~~منه ذلك بعد إظهار الإسلام قبل اتهمناه وظننا أن لسانه لم ينطق به إلا وهو ~~معتقد له ، إذ لا يتساهل في هذا أحد ، فحكم له بحكم الزنديق ، ولم تقبل ~~توبته ، وإذا انتقل من دين إلى آخر ، وأظهر السب بمعنى الارتداد فهذا قد ~~أعلم أنه خلع ربقة الإسلام من عنقه ، بخلاف الأول [ 267 ] المتمسك به ، ~~وحكم هذا حكم ا لمرتد : يستتاب على مشهور مذاهب أكثر أهل العلم ، وهو مذهب ~~مالك وأصحابه على ما بيناه قبل ، وذكرنا الخلاف في فصوله . | # | 3 ( فصل حكم من أضاف إلى الله تعالى ما لا يليق به ) 3 # | و أما من أضاف إلى الله تعالى ما لا يليق به ليس على طريق السب ولا ~~الردة وقصد الكفر ، ولكن على طريق التأويل والاجتهاد والخطأ المفضي إلى ~~الهوى والبدعة ، من تشبيه أو نعت بجارحة أو نفي صفة كمال ، فهذا مما اختلف ~~السلف ، والخلف في تكفير قائله ومعتقده . | و اختلف قول مالك وأصحابه في ~~ذلك ، ولم يختلفوا في قتالهم إذا تحيزوا فئة ، وأنهم يستتابون ، فإن تابوا ~~وإلا قتلوا وإنما اختلفوا في المنفرد منهم ، وأكثر قول مالك وأصحابه ترك ~~القول بتكفيرهم ، وترك قتلهم ، والمبالغة في عقوبتهم ، وإطالة سجنهم ، حتى ~~يظهر إقلاعهم ، وتستبين توبتهم ، كما فعل عمر رضي ms412 الله عنه بصبيغ . | ~~PageV02P230 و هذا قول محمد بن المواز في الخوارج وعبد الملك بن الماجشون ، ~~وقول سحنون في جميع أهل الأهواء ، وبه فسر قول مالك في الموطأ ، وما رواه ~~عن عمر بن عبد العزيز وجده وعمه ، من قولهم في القدرية يستتابون ، فإن ~~تابوا وإلا قتلوا . | و قال عيسى عن ابن القاسم في أهل الهواء من الإباضية ~~والقدرية وشبههم ممن خالف الجماعة من أهل البدع والتحريف ، لتأويل كتاب ~~الله : يستتابون أظهروا ذلك أو أسروه . فإن تابوا إلا قتلوا ، وميراثهم ~~لورثتهم . | و قال مثله أيضا ابن القاسم في كتاب محمد في أهل القدر وغيرهم ~~، قال : واستتابتهم أن يقال لهم : اتركوا ما أنتم عليه . | و مثله له في ~~المبسوط في الإباضية والقدرية وسائر أهل البدع ، قال : وهم مسلمون ، وإنما ~~قتلوا لرأيهم السوء ، وبهذا عمل عمر بن عبد العزيز . | قال ابن القاسم : من ~~قال : إن الله لم يكلم موس تكليما استتيب ، فإن تاب وإلا قتل . | و ابن ~~حبيب وغيره من أصحابنا يرى تكفيرهم وتكفير أمثالهم من الخوارج والقدرية ~~والمرجئة . | و قد روي أيضا عن سحنون مثله فيمن قال : ليس لله كلام ، إنه ~~كافر . | و اختلفت الروايات عن مالك ، فاطلق في رواية الشاميين : أبي مسهر ~~، ومروان ابن محمد الطاطري الكفر عليهم ، وقد شوور في زواج القدري ، فقال : ~~لا تزوجه ، قال الله تعالى : ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم [ سورة ~~البقرة - 2 ، الآية : 221 ] . | و قال : من وصف شيئا من ذات الله تعالى ، ~~وأشار إلى شيء من جسده : يد ، أو سمع ، أو بصر ، قطع ذلك منه ، لأنه شبه ~~الله بنفسه . | و قال فيمن قال : ا لقرآن مخلوق كافر فاقتلوه . | و قال ~~أيضا في رواية ابن نافع يجلد ، ويوجع ، ضربا ، ويحبس حتى يتوب . | و في ~~رواية بشر بن بكر التنيسي عنه : يقتل ولا تقبل توبته . | قال القاضي أبو ~~عبد الله البرنكاني ، والقاضي أبو عبد الله التستري من أئمة العراقيين : ~~جوابه مختلف ، يقتل المستبصر الداعية . | و على هذا الخلاف اختلف قوله في ~~إعادة الصلاة خلفهم . | PageV02P231 و حكى ms413 ابن المنذر ، عن الشافعي : لا [ ~~268 ] يستتاب القدري . | و أكثر أقوال السلف تكفيرهم ، وممن قال به الليث ، ~~وابن عيينة وابن لهيعة ، وروي عنهم ذلك فيمن قال بخلق القرآن ، وقاله ابن ~~المبارك ، والأودي ، ووكيع ، وحفص بن غياث ، وأبو إسحاق الفزاري ، وهشيم ، ~~وعلي بن عاصم في آخرين ، وهو من قول أكثر المحدثين والفقهاء والمتكلمين ~~فيهم وفي الخوارج والقدرية وأهل الأهواء المضلة وأصحاب البدع المتأولين ، ~~وهو قول أحمد بن حنبل ، وكذلك قالوا في الواقفة والشاكة في هذه الأصول . | ~~و ممن روي عن معنى القول الآخر بترك تكفيرهم علي بن أبي طالب ، وابن عمر ، ~~والحسن البصري ، وهو رأي جماعة من الفقهاء والنظار والمتكلمين ، واحتجوا ~~بتو ريث الصحابة والتابعين ورثة أهل حروراء ، ومن عرف بالقدر ممن مات منهم ~~، ودفنهم في مقابر المسلمين ، وجري أحكام الإسلام عليهم . | قال إسماعيل ~~القاضي : وإنما قال مالك في القدرية وسائر أهل البدع : يستتابون ، فإن ~~تابوا وإلا قتلوا ، لأنه من الفساد في الأرض ، كما قال في المحارب : إن رأى ~~الإمام قتله ، وإن لم يقتل ، قتله ، وفساد المحارب إنما هو في الأموال ~~ومصالح الدنيا ، وإن كان قد يدخل أيضا في أمر الدين من سبيل الحج والجهاد ، ~~وفساد أهل البدع معظمه على الدين ، وقد يدخل في أمر الدنيا بما يلقون بين ~~المسلمين من العداوة . # # | 3 ( فصل في تحقيق القول في إكفار المتأولين ) 3 # | قد ذكرنا مذاهب السلف في إكفار أهل البدع والأهواء المتأولين ممن قال ~~قولا يؤديه مساقه إلى كفر ، وهو إذا وقف عليه لا يقول بما يؤديه قوله إليه ~~. | و على اختلافهم اختلف الفقهاء والمتكلمون في ذلك ، فمنهم من صوب ~~التكفير الذي قال به الجمهور من السلف ، ومنهم من أباه ولم ير إخراجهم من ~~سواد المؤمنين ، وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين ، وقالوا : هم فساق عصاة ~~ضلال ، ونوارثهم من المسلمين ، ونحكم لهم بأحكامهم ، ولهذا قال سحنون : لا ~~إعادة على من صلى خلفهم ، قال : وهو قول جميع أصحاب مالك [ كلهم ] : ~~المغيرة ، وابن كنانة ، وأشهب ، قال : لأنه مسلم ، وذنبه لم يخرجه من ~~الإسلام . | PageV02P232 و اضطرب ms414 آخرون في ذلك ، ووقفوا على القول بالتكفير ~~وضده . واختلاف قولي مالك في ذلك ، وتوقفه عن إعادة الصلاة خلفهم منه وإلى ~~نحو من هذا ذهب القاضي أبو بكر إمام أهل التحقيق والحق ، وقال : إنها من ~~المعوصات ، إذا القوم لم يصرحوا بالكفر ، وإنما قالوا قولا يؤدي إليه . | و ~~اضطرب قوله في المسألة على نحو اضطراب قول إمامه مالك بن أنس حتى قال في ~~بعض كلامه : إن هم على رأي من كفرهم بالتأويل لا تحل مناكحتهم ، ولا أكل ~~ذبائحهم ، ولا الصلاة على ميتهم . | و يختلف في موارثتهم على الخلاف في ~~ميراث المرتد . | و قال أيضا : نورث ميتهم ورثتهم من المسلمين ، ولا نورثهم ~~هم من المسلمين ، وأكثر ميله إلى تركه التكفير بالمآل ، وكذلك اضطراب فيه ~~قول شيخه أبي الحسن الأشعري ، وأكثر قوله ترك التكفير ، وأن الكفر خصلة ~~واحدة ، وهو الجهل [ 269 ] بوجود الباري تعالى . | و قال مرة : من اعتقد أن ~~الله جسم ، أو المسيح ، أو بعض من يلقاه في الطرق ، فليس بعارف به وهو كافر ~~. | و لمثل هذا ذهب أبو المعالي رحمه الله في أجوبته لأبي محمد عبد الحق ، ~~وكان سأله عن المسالة ، واعتذر له بأن الغلط فيها يصعب ، لأن إدخال كافر في ~~الملة ، أو إخراج مسلم عنها عظيم في الدين . | و قال غيرهما من المحققين : ~~الذي يجب الاحتراز من التكفير في أهل التأويل ، فإن استبحاة الموحدين خطأ ، ~~والخطأ في ترك ألف كافر أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم واحد . | و ~~قد قال صلى الله عليه وسلم : فإذا قالوها يعني الشهادة عصموا مني دماءهم ~~وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله . | فالعصمة مقطوع بها من الش هادة ~~، ولا ترتفع ويستباح خلافها إلا بقاطع ، ولا قاطع من شرع ولا قياس عليه . | ~~و ألفاظ الأحاديث الواردة في الباب معرضة للتأويل ، فما جاء منها في ~~التصريح بكفر القدرية ، وقوله : لا سهم لهم في الإسلام ، وتسميته الرافضة ~~بالشرك ، وإطلاق PageV02P233 اللعنة عليهم ، وكذلك في الخوارج وغيرهم من ~~أهل الأهواء ، فقد يحتج بها من يقول بالتفكير ، وقد يجيب ms415 الآخر عنها بأنه ~~قد ورد في الحديث مثل هذه الألفاظ في غير الكفرة على طريق التغليط ، وكفر ~~دون كفر ، وإشراك دون إشراك . | و قد ورد مثله في الرياء وعقوق الوالدين ، ~~والزوج ، والزور ، وغير معصية . | و إذا كان محتملا للأمرين فلا يقطع على ~~أحدهما إلا بدليل قاطع . | و قوله في الخوارج : هم من شر البرية ، وهذه صفة ~~الكفار . | و قال : شر قبيل تحت أديم السماء ، طوبى لمن قتلهم أو قتلوه . | ~~و قال : فإذا وجدتموهم فاقتلوهم قتل عاد . | فظاهر هذا الكفر لا سيما مع ~~تشبيههم بعاد ، فيحتج به من يرى تكفيرهم ، فيقول له الآخر : إنما ذلك من ~~قتلهم لخروجهم على المسلمين وبغيهم عليهم ، بدليل من الحديث نفسه : يقتلون ~~أهل الإسلام ، فقتلهم ها هنا حد لا كفر . | و ذكر عاد تشبيه للقتل وحله لا ~~للمقتول ، وليس كل من حكم بقتله يحكم بكفره . ويعارضه بقول خالد في الحديث ~~: دعني أضرب عنقه يا رسول الله . فقال : لعله يصلي . | فإن احتجوا بقوله ~~صلى الله عليه وسلم : يقروؤن القرآن لا يجاوز حناجرهم فأخبر أن الإيمان لم ~~يدخل قلوبهم . | و كذلك قوله : يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ، ثم ~~لا يعودون إليه حق يعود السهم على فوقه . | و بقوله : سبق الفرث والدم يدل ~~على أنه لم يتعلق من الإسلام بشيء . | أجابه الآخرون : إن معنى لا يجاوز ~~حناجرهم : لا بفهمون معانيه بقلوبهم ، ولا تنشرح له صدورهم ، ولا تعمل به ~~جوارحهم ، وعارضوهم بقوله ، ويتمارى في الفوق . | و هذا يقتضي التشكك في ~~حاله . | PageV02P234 و احتجوا بقول أبي سعيد الخدري في هذا الحديث : سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : يخرج في هذه الأمة ولم يقل : من هذه [ ~~270 ] ، وتحرير أبي سعيد الرواية ، وإتقانه اللفظ . | أجابهم الآخرون بأن ~~العبارة : في لا تقتضي تصريحا بكونهم من غير الأمة ، بخلاف لفظة من التي هي ~~للتبعيض . وكونهم من الأمة مع أنه قد روي عن أبي ذر ، وعلي ، وأبي أمامة ~~وغيرهم في هذا الحديث : يخرج من أمتي وسيكون من أمتي ، وحروف المعاني ~~مشتركة ، فلا ms416 تعويل على إخراجهم من الأمة ب [ في ] ، ولا على إدخالهم فيها ~~ب [ من ] ، لكن أبا سعيد رضي الله عنه أجاد ما شاء في التنبيه الذي نبه ~~عليه . وهذا مما يدل على سعة فقه الصحابة وتحقيقهم للمعاني واستنباطها من ~~الألفاظ ، وتحريرهم لها ، وتوقيهم في الرواية هذه المذاهب المعروفة لأهل ~~السنة . | و لغيرهم من الفرق فيها مقالات كثيرة مضطربة سخيفة ، أقر بها قول ~~جهم ومحمد بن شبيب : إن الكفر بالله الجهل به ، لا يكفر أحد بغير ذلك . | و ~~قال أبو الهذيل : إن كل متأول كان تأويله تشبيها لله بخلقه ، وتجويرا له في ~~فعله ، وتكذيبا لخبره فهو كافر . | و كل من أثبت شيئا قديما لا يقال له ~~الله فهو كافر . | و قال بعض المتكلمين : إن كان ممن عرف الأصل وبنى عليه ، ~~وكان فيما هو من أوصاف الله فهو كافر ، وإن لم يكن من هذا الباب ففاسق ، ~~إلا أن يكون ممن لم يعرف الأصل فهو مخطئ غير كافر . | و ذهب عبيد الله بن ~~الحسن العنبري إلى تصويب أقوال المجتهدين في أصول الدين فيما كان عرضه ~~للتأويل ، وفارق في ذلك فرق الأمة ، إذ أجمعوا سواه على أن الحق في أصول ~~الدين في واحد ، والمخطئ فيه آثم عاص فاسق . وإنما الخلاف في تكفيره . | و ~~قد حكى القاضي أبو بكر الباقلاني مثل قول عبيد الله عن داود الأصبهاني ، | ~~قال : وحكى قوم عنهما أنهما قالا ذلك في كل من علم الله سبحانه من حاله ~~استفراغ الوسع في طلب الحق من أهل ملتنا أو من غيرهم . | و قال نحو هذا ~~القول الجاحظ ، وثمامة ، في أن كثيرا من العامة والنساء والبله ومقلدة ~~النصارى واليهود وغيرهم لا حجة لله عليهم ، إذ لم تكن لهم طباع يمكن معها ~~الاستدلال . | PageV02P235 و قد نحا الغزالي من هذا المنحى في كتاب التفرقة ~~. | و قائل هذا كله كافر بالإجماع على كفر من لم يكفر أحدا من النصارى ~~واليهود وكل من فارق دين المسلمين ، أو وقف في تكفيرهم ، أو شك . | قال ~~القاضي أبو بكر : لأن التوقيف والإجماع ms417 على كفرهم ، فمن وقف في ذلك فقد كذب ~~النص ، والتوقيف ، أو شك فيه . والتكذيب أو الشك فيه لا يقع إلا من كافر . # # | 3 ( فصل في بيان ما هو من المقالات كفر ، وما يتوقف أو يختلف فيه ، وما ~~ليس بكفر ) 3 # | اعلم أن تحقيق هذا الفصل وكشف اللبس فيه مورده الشرع ، ولا مجال للعقل ~~فيه ، والفصل البين في هذا أن كل مقالة صرحت بنفي الربوبية أو الوحدانية أو ~~عبادة أحد غير الله ، أو مع الله فهو كفر ، كمقالة الدهرية ، وسائر فرق ~~أصحاب الاثنين من الديصانية أو المانوية وأشباههم من الصائبين والنصارى ~~والمجوس [ 271 ] ، والذين أشركوا بعبادة الأوثان أو الملائكة ، أو الشياطين ~~، أو الشمس ، أو النجوم أو النار أو أحد غير الله من مشركي العرب ، وأهل ~~الهند والصين والسودان وغيرهم ممن لا يرجع إلى كتاب . | و كذلك القرامطة ~~وأصحاب الحلول والتناسخ من الباطنية والطيارة من الرافضة والجناحية ~~والبيانية والغرابية . | و كذلك من اعترف بإلالهية الله ووحدانيته ، ولكنه ~~اعتقد أنه غير حي أو غير قديم ، وأنه محدث أو مصور ، أو ادعى له ولدا أو ~~صاحبة أو والدا ، أو أنه متولد من شيء أو كائن عنه ، أو أن معه في الأزل ~~شيئا قديما غيره ، أو أن ثم صانعا للعالم سواه ، أو مدبرا غيره ، فذلك كله ~~كفر بإجماع المسلمين ، كقول الإلهيين من الفلاسفة وا لمنجمين والطبائعيين . ~~وكذلك من ادعى مجالسة الله ، والعروج إليه ، ومكالمته ، أو حلوله في أحد ~~الأشخاص ، كقول بعض المتصوفة والباطنية ، والنصارى ، والقرامطة . | و كذلك ~~نقطع على كفر من قال بقدم العالم ، أو بقائه ، أو شك في ذلك على مذهب بعض ~~الفلاسفة والدهرية ، أو قال بتناسخ الأرواح وانتقالها أبد الآباد في ~~الأشخاص ، وتعذيبها أو تنعيمها فيها بحسب زكائها وخبثها . وكذلك من اعترف ~~بالإلهية والوحدانية ، ولكنه جحد النبوة من أصلها عموما ، أو نبوة نبينا ~~صلى الله عليه وسلم خصوصا ، أو PageV02P236 أحد من الأنبياء الذين نص الله ~~عليهم بعد علمه بذلك ، فهو كافر بلا ريب ، كالبراهمة ، ومعظم اليهود ~~والأروسية من النصارى ، والغرابية من الروافض الزاعمين ms418 أن عليا كان المبعوث ~~إليه جبريل ، وكالمعطلة والقرامطة والإسماعيلية والعنبرية من الرافضة ، وإن ~~كان بعض هؤلاء قد أشركوا في كفر آخر مع من قبلهم . | و كذلك من دان ~~بالوحدانية وصحة النبوة ، ونبوة نبينا صلى الله عليه وسلم ، ولكن جوز على ~~الأنبياء الكذب فيما أتوا به ، ادعى في ذلك المصلحة بزعمه أو لم يدعها فهو ~~كافر بإجماع ، كالمتفلسفين ، وبعض الباطنية ، وا لروافض ، وغلاة المتصوفة ، ~~وأصحاب الإباحة ، فإن هؤلاء زعموا أن ظواهر الشرع ، وأكثر ما جاءت به الرسل ~~من الأخبار عما كان ويكون من أمور الآخرة والحشر والقيامة ، والجنة والنار ~~، ليس منها شيء على مقتضى لفظها ومفهوم خطابها ، وإنما خاطبوا بها الخلق ~~على جهة المصلحة لهم ، إذ لم يمكنهم التصريح لقصور أفهامهم ، فمضمن ~~مقالاتهم إبطال الشرائع ، وتعطيل الأوامر والنواهي ، وتكذيب الرسل ، ~~والإرتياب فيما أتوا به . | و كذلك من أضاف إلى نبينا صلى الله عليه وسلم ~~تعمد الكذب فيما بلغه وأخبر به ، أو شك في صدقه ، أو سبه ، أو قال : إنه لم ~~يبلغ ، أواستخف به ، أو بأحد من الأنبياء ، أو أزرى عليهم ، أو آذاهم ، أو ~~قتل نبيا ، أو حاربه ، فهو كافر بإجماع . | و كذلك نكفر من ذهب مذهب ~~القدماء في أن في كل جنس من الحيوان نذيرا أو نبيا من القردة والخنازير ~~والدواب والدود . ويحتج بقوله تعالى : وإن من أمة إلا خلا فيها نذير . إذ ~~ذلك يؤدي إلى أن يوصف أنبياء هذه الأجناس بصفاتهم المذمومة . وفيه من ~~الإزراء على هذا المنصب [ 272 ] المنيف ما فيه ، مع إجماع المسلمين على ~~خلافه ، وتكذيب قائله . | وكذلك نكفر من ا عترف من الأصول الصحيحة بما تقدم ~~، وبنبوة نبينا صلى الله عليه وسلم ، ولكن قال : كان أسود ، أو مات قبل أن ~~يلتحي ، وليس الذي كان بمكة والحجاز ، أو ليس بقرشي ، لأن وصفه بغير صفاته ~~المعلومة نفي له وتكذيب به . | وكذلك من ادعى نبوة أحد مع نبينا صلى الله ~~عليه وسلم أو بعده ، كالعيسوية من اليهود القائلين بتخصيص رسالته إلى العرب ~~، وكالخرمية القائلين بتواتر الرسل ، وكأكثر الرافضة القائلين بمشاركة ms419 علي ~~في الرسالة للنبي صلى الله عليه وسلم وبعده ، وكذلك كل إمام عند هؤلاء يقوم ~~PageV02P237 مقامه في النبوة والحجة ، وكالبزيعية والبيانية منهم القائلين ~~بنيوة بزيع وبيان وأشباه هؤلاء . أو من ادعى النبوة لنفسه ، أو جوز ~~اكتسابها والبلوغ بصفاء القلب إلى مرتبتها ، كالفلاسفة وغلاة المتصوفة . | ~~و كذلك من ادعى منهم أنه يوحى إليه وإن لم يدع النبوة ، أو أنه يصعد إلى ~~السماء ويدخل إلى الجنة ، ويأكل من ثمارها ، ويعانق الحور العين ، فهؤلاء ~~كلهم كفار مكذبون للنبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه أخبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه خاتم النبيين ، لا نبي بعده . وأخبر عن الله تعالى أنه خاتم ~~النبيين ، وأنه أرسل كافة للناس . | و أجمعت الأمة على حمل هذا الكلام على ~~ظاهره ، وأن مفهومه المراد منه دون تأويل ولا تخصيص ، فلا شك في كفر هؤلاء ~~الطوائف كلها قطعا إجماعا وسمعا . | و كذلك وقع الإجماع على تكفير كل من ~~دافع نص الكتاب ، أو خص حديثا مجمعا على نقله مقطوعا به ، مجمعا على حمله ~~على ظاهره ، كتكفير الخوارج بإبطال الرجم ، ولهذا نكفر من دان بغيرملة ~~المسلمين من الملل ، أو وقف فيهم ، أو شك ، أو صحح مذهبهم ، وإن أظهر مع ~~ذلك الإسلام ، واعتقده ، واعتقد إبطال كل مذهب سواه ، فهو كافر بإظهاره ما ~~أظهر من خلاف ذلك . | و كذلك نقطع بتكفير كل قائل قال قولا يتوصل به إلى ~~تضليل الأمة وتكفير جميع الصحابة ، كقول الكميلية من الرافضة بتكفير جميع ~~الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، إذ لم تقدم عليا . وكفرت عليا ، إذ ~~لم يتقدم ويطلب حقه في التقديم ، فهؤلاء قد كفروا من وجوه ، لأنهم أبطلوا ~~الشريعة بأسرها ، إذ قد انقطع نقلها ونقل القرآن ، إذ ناقلوه كفرة على ~~زعمهم ، وإلى هذا والله أعلم أشار مالك في أحد قوليه بقتل من كفر الصحابة . ~~| ثم كفروامن وجه آخر بسبهم النبي صلى الله عليه وسلم على مقتضى قولهم ~~وزعمهم أنه عهد إلى علي رضي الله عنه وهو يعلم انه يكفر بعده على قولهم ، ~~لعنة الله عليهم ، وصلى ms420 الله على رسوله وآله . | و كذلك نكفر بكل فعل أجمع ~~المسلمون أنه لا يصدر من كافر وإن كان صاحبه مصرحا بالإسلام مع فعله ذلك ~~الفعل ، كالسجود للصنم ، وللشمس والقمر ، والصليب والنار ، والسعي إلى ~~الكنائس والبيع مع أهلها بزيهم : من شد الزنانير ، وفحص الرؤوس ، فقد أجمع ~~المسلمون أن هذا [ الفعل ] لا يوجد [ 273 ] إلا من PageV02P238 كافر ، وأن ~~هذه الأفعال علامة على الكفر وإن صرح فاعلها بالإسلام . | و كذلك أجمع ~~المسلمون على تكفير كل من استحل القتل أو شرب الخمر أو الزنا مما حرم الله ~~بعد علمه بتحريمه ، كأصحاب الإباحة من القرامطة وبعض غلاة المتصوفة . | و ~~كذلك نقطع بتكفير كل من كذب وأنكر قاعدة من قواعد الشرع ، وما عرف يقينا ~~بالنقل المتواتر من فعل الرسول ، ووقع الإجماع المتصل عليه ، كمن أنكر وجوب ~~الخمس الصلوات أو عدد ركعاتها وسجداتها ، ويقول : إنما أوجب الله علينا في ~~كتابه الصلاة على الجملة ، وكونها خمسا ، وعلى هذه الصفات والشروط لا أعلمه ~~، إذ لم يرد فيه في القرآن نص جلي ، والخبر به عن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم خبر واحد . | و كذلك أجمع المسلمون على تكفير من قال من الخوارج : إن ~~الصلاة طرفي النهار ، وعلى تكفير الباطنية في قولهم : إن الفرائض أسماء ~~رجال أمروا بولايتهم ، والخبائث والمحارم أسماء رجال أمروا بالبراء منهم . ~~| و قول بعض المتصوفة : إن العبادة وطول المجاهدة إذا صفت نفوسهم أفضت بهم ~~إلى إسقاطها وإباحة كل شيء لهم ، ورفع عهد الشرائع عنهم . | و كذلك إن أنكر ~~منكر مكة ، أو البيت ، أو المسجد الحرام ، أو صفة الحج ، أو قال : الحج ~~واجب في القرآن ، واستقبال القبلة كذلك ، ولكن كونه على هذه الهيئة ~~المتعارفة ، أن تلك البقعة هي مكة والبيت والمسجد الحرام ، لا أدري هي تلك ~~أو غيرها ، ولعل الناقلين أن النبي صلى الله عليه وسلم فسرها بهذه التفاسير ~~غلطوا ووهموا ، فهذا ومثله لا مرية في تكفيره إن كان ممن يظن به علم ذلك ، ~~وممن يخالط المسلمين ، [ وامتدت صحبته لهم ، إلا أن يكون حديث عهد بإسلام ، ~~فيقال له ms421 : سبيلك أن تسأل عن هذا الذي لم تعلمه بعد كافة المسلمين ] ، فلا ~~تجد بينهم خلافا ، كافة عن كافة ، إلى معاصري الرسول صلى الله عليه وسلم أن ~~هذه الأمور كما قيل لك ، وأن تلك البقعة هي مكة والبيت الذي فيها هو الكعبة ~~، والقبلة التي صلى لها الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون ، وحجوا إليها ~~، وطافوا بها ، وان تلك الأفعال هي صفة عبادة الحج ، والمراد به ، وهي التي ~~فعلها النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون ، وأن صفات الصلاةالمذكورة هي ~~التي فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، وشرح مراد الله بذلك ، وأبان حدودها ، ~~فيقع لك العلم كما وقع لهم ، ولا ترتاب بذلك بعد ، والمرتاب في ذلك ، أو ~~المنكر بعد البحث وصحبة المسلمين كافر باتفاق ، لا يعذر بقوله : لا ~~PageV02P239 أدري ، ولا يصدق فيه ، بل ظاهره التستر عن التكذيب ، إذ لا ~~يمكن أنه لا يدري . | و أيضا فإنه إذا جوز على جميع الأمة الوهم والغلط ~~فيما نقلوه من ذلك ، وأجمعوا أنه قول الرسول وفعله وتفسير مراد الله به ~~أدخل الاسترابة في جميع الشريعة ، إذ هم الناقلون لها وللقرآن ، وانحلت عرا ~~الدين كرة ، ومن قال هذا كافر . | و كذلك من أنكرالقرآن ، أو حرفا منه ، أو ~~غيره شيئا منه ، أو زاد فيه ، كفعل الباطنية والإسماعيلي ، أو زعم أنه ليس ~~بحجة للنبي صلى الله عليه وسلم [ 274 ] ، أو ليس فيه حجة ولا معجزة ، كقول ~~هشام الفوطي ، ومعمر الضمري : إنه لا يدل على الله ، ولا حجة فيه لرسوله ، ~~ولا يدل على ثواب ولا عقاب ، ولا حكم ، ولا محالة في كفرهما بذلك القول . | ~~و كذلك تكفيرهما بإنكارهما أن يكون في سائر معجزات النبي صلى الله عليه ~~وسلم حجة له ، أو في خلق السموات والأرض دليل على الله ، لمخالفتهم الإجماع ~~والنقل المتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم باحتجاجه بهذا كله وتصريح ~~القرآن به . | و كذلك من أنكر شيئا مما نص فيه القرآن بعد علمه أنه من ~~القرآن الذي في أيدي الناس ومصاحف المسلمين ، ولم يكن جاهلا به ، ولا قريب ~~عهد ms422 بالإسلام ، واحتج لإنكاره إما بأنه لم يصح النقل عنده ، ولا بلغه العلم ~~به ، أو لتجويزه الوهم على ناقليه ، فنكفره بالطريقين المتقدمين ، لأنه ~~مكذب [ للقرآن ، مكذب ] للنبي صلى الله عليه وسلم ، لكنه تستر بدعواه . | و ~~كذلك من أنكر الجنة أو النار ، أو البعث أو الحساب أو القيامة فهو كافر ~~بإجماع للنص عليه ، وإجماع الأمة على صحة نقله متواترا ، وكذلك من اعتراف ~~بذلك ، ولكنه قال : إن المراد بالجنة والنار ، والحشر والنشر ، والثواب ~~والعقاب معنى غير ظاهره ، وإنها لذات روحانية ، ومعان باطنة ، كقول النصارى ~~والفلاسفة والباطنية وبعض المتصوفة ، وزعمهم أن معنى القيامة الموت أو فناء ~~محض ، وانتقاض هيئة الأفلاك ، وتحليل العالم ، كقول بعض الفلاسفة . | و ~~كذلك نقطع بتكفير غلاة الرافضة في قولهم : إن الأئمة أفضل من الأنبياء . | ~~فأما من أنكر ما عرف بالتواتر من الأخبار والسير والبلاد التي لا ترجع إلى ~~إبطال PageV02P240 شريعة ، ولا تفضي إلى إنكار قاعدة من الدين ، كإنكار ~~غزوة تبوك أو مؤتة ، أو وجود أبي بكر وعمر ، أو قتل عثمان ، وخلافة علي ، ~~مما علم بالنقل ضرورة ، وليس في إنكاره جحد شريعة ، فلا سبيل إلى تكفيره ~~بجحد ذلك ، وإنكاره وقوع العلم له ، إذ ليس في ذلك أكثر من المباهتة ، ~~كإنكار هشام وعباد وقعة الجمل ، ومحاربة علي من خالفه . | فأما إن ضعف ذلك ~~من أجل تهمة الناقلين ، ووهم المسلمين أجمع ، فنكفره بذلك لسريانه إلى ~~إبطال الشريعة . | فأما من أنكر الإجماع المجرد الذي ليس طريقه النقل ~~المتواتر عن الشارع فأكثر المتكلمين من الفقهاء والنظار في هذا الباب قالوا ~~بتكفيركل من خالف الإجماع الصحيح الجامع لشروط الإجماع المتفق عليه عموما . ~~| و حجتهم قوله تعالى : ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع ~~غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونص له جهنم وساءت مصيرا [ سورة النساء - 4 ~~، الآية : 115 ] . | و قوله صلى الله عليه وسلم : من خالف الجماعة قيد شبر ~~فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه . وحكوا الإجماع على تكفير من خالف الإجماع . ~~| و ذهب آخرون إلى الوقوف عن القطع بتكفير من خالف ms423 الإجماع [ الذي يختص ~~بنقله العلماء . | و ذهب آخرون إلى التوقف في تكفير من خالف الإجماع ] ~~الكائن عن نظر ، كتكفير النظام بإنكاره الإجماع ، لأنه بقوله هذا مخالف ~~إجماع السلف على احتجاجهم به ، خارق للإجماع . | قال القاضي أبو بكر : ~~القول عندي أن الكفر بالله هو الجهل بوجوده ، والإيمان بالله [ 275 ] هو ~~العلم بوجوده ، وأنه لا يكفر أحد بقول ولا رأي إلا أن يكون هو الجهل بالله ~~، فإن عص بقول أو فعل نص الله ورسوله ، أو أجمع المسلمون ، أنه لا يوجد إلا ~~من كافر ، أو يقوم دليل على ذلك ، فقد كفر ، ليس لأجل قوله أو فعله ، لكن ~~لما يقارنه من الكفر ، فالكفر بالله لا يكون إلا بأحد ثلاثة أمور : أحدها ~~الجهل بالله تعالى . والثاني أن يأتي فعلا أو يقول قولا يخبر الله ورسوله ، ~~أو يجمع المسلمون ، أن ذلك لا يكون إلا من كافر ، كالسجود للصنم ، والمشي ~~إلى الكنائس بالتزام الزنار مع أصحابها في أعيادهم ، أو أن يكون ذلك القول ~~أو الفعل لا يمكن معه العلم بالله تعالى . | PageV02P241 قال : فهذان ~~الضربان ، وإن لم يكونا جهلا بالله فهما علم أن فاعلهما كافر منسلخ من ~~الإيمان ، فأما من نفى صفة من صفات الله تعالى الذاتية ، أو جحدها مستبصرا ~~في ذلك ، كقوله : ليس بعالم ولا قادر ولا مريد ولا متكلم ، وشبه ذلط من ~~صفات الكمال الواجبة له تعالى ، فقد نص أئمتنا على الإجماع على كفر من نفى ~~عنه تعالى الوصف بها ، وأعراه عنها . | وعلى هذا حمل قول سحنون : من قال : ~~ليس لله كلام ، فهو كافر ، وهو لا يكفر المتأولين كما قدمناه . | فأما من ~~جهل صفة من هذه الصفات فاختلف العلماء ها هنا ، فكفره بعضهم ، وحكي ذلك عن ~~أبي جعفر الطبري وغيره ، وقال به أبو الحسن الأشعري مرة . | و ذهبت طائفة ~~إلى أن هذا لا يخرجه عن اسم الإيمان ، وإليه رجع الأشعري ، قال : لأنه لم ~~يعتقد ذلك اعتقادا يقطع بصوابه ، ويراه دينا وشرعا وإنما نكفر من اعتقد أن ~~مقاله حق . | واحتج هؤلاء بحديث السوداء ، وأن النبي صلى الله ms424 عليه وسلم ~~إنما طلب منها التوحيد لا غير ، وبحديث القائل : لئن قدر الله علي وفي ~~رواية فيه : لعلي أضل الله | . ثم قال : فغفر الله له . | قالوا : ولو بوحث ~~أكثر الناس عن الصفات وكوشفوا عنها لما وجد من يعلمها إلا الأقل . | وقد ~~أجاب الآخر عن هذا الحديث بوجوه ، منها أن قدر بمعنى قدر ، ولا يكون شكه في ~~القدرة على إحيائه ، بل في نفس البعث الذي لا يعلم إلا بشرع ، ولعله ورد ~~عندهم به شرع يقطع عليه ، فيكون الشك به حينئذ فيه كفرا . | فأما ما لم يرد ~~شرع فهو من مجوزات العقول ، أو يكون قدر بمعنى ضيق ، ويكون ما فعله إزراء ~~عليها وغضبا لعصيانها . | و قيل : قال ما قاله وهو غير عاقل لكلامه ولا ~~ضابط للفظه مما استولى عليه من PageV02P242 الجزع والخشية التي أذهبت لبه ، ~~فلم يؤاخذ به . | [ وقيل : كان هذا في زمن الفترة ، وحيث ينفع مجرد التوحيد ~~] . | و قيل : بل هذا من مجاز كلام العرب الذي صورته الشك ، ومعناه التحقيق ~~، وهو يسمى تجاهل العارف ، وله أمثلة في كلامهم ، كقوله تعالى : لعله يتذكر ~~أو يخشى . وقوله : وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين [ سورة سبأ - 34 ~~، الآية : 24 ] . | فأما من أثبت الوصف ونفى الصفة فقال : أقول عالم ولكن ~~لا علم له ، ومتكلم ولكن لا كلام له . وهكذا في سائر الصفات على مذهب ~~المعتزل ة [ 276 ] : فمن قال بالمآل لما يؤديه إليه قوله ، ويسوقه إليه ~~مذهبه كفره ، لأنه إذا نفى العلم انتفى وصف عالم ، إذ لا يوصف بعالم إلا من ~~له علم فكأنهم صرحوا عنده بما أدى إليه قوله لهم . وهكذا عند هذا سائر فرق ~~أهل التأويل من المشبهة والقدرية وغيرهم . | و من لم ير أخذهم بمآل قولهم ، ~~ولا ألزمهم موجب مذهبهم ، لم ير إكفارهم ، قال : لأنهم إذا وقفوا على هذا ~~قالوا : لا نقول ليس بعالم ، ونحن ننتفي من القول بالمآل الذي ألزمتوه لنا ~~، ونعتقد نحن وأنتم أنه كفر ، بل نقول : إن قولنا لا يؤول إليه على ما ~~أصلناه . | فعلى هذين ms425 المأخذين اختلف الناس في إكفار أهل التأويل ، وإذا ~~فهمته اتضح لك الموجب لاختلاف الناس في ذلك . | و الصواب ترك إكفارهم ~~والإعراض عن الحتم عليهم بالخسران وإجراء حكم الإسلام عليهم في قصاصهم ~~ووراثاتهم ، ومناكحاتهم ، ودياتهم ، والصلاة عليهم ، ودفنهم في مقابر ~~المسلمين ، وسائر معاملاتهم ، لكنهم يغلط عليهم بوجيع الأدب ، وشديد الزجر ~~والهجر ، حتى يرجعوا عن بدعتهم . | و هذه كانت سيرة الصدر الأول فيهم ، فقد ~~كان نشأ على زمان الصحابة وبعدهم في التابعين من قال بهذه الأقوال من القد ~~ر ورأى الخوارج والاعتزال ، فما أزاحو لهم قبرا ، ولا قطعوا لأحد منهم ~~ميراثا ، لكنهم هجروهم وأدبوهم بالضرب والنفي والقتل على قدر أحوالهم ، ~~لأنه فساق ضلال عصاة أصحاب كبائر عند المحققين وأهل السنة PageV02P243 ممن ~~لم يقل بكفرهم منهم خلافا لمن رأى غير ذلك . والله الموفق للصواب . قال ~~القاضي أبو بكر وأما مسائل الوعد والوعيد ، والرؤية والمخلوق ، وخلق ~~الأفعال ، وبقاء الأعراض ، والتولد وشبهها من الدقائق فالمنع في إكفار ~~المتأولين فيها أوضح ، إذ ليس في الجهل بشيء منها جهل بالله تعالى ، ولا ~~أجمع المسلمون على إكفار من جهل شيئا منها . | و قد قدمنا في الفصل قبله من ~~الكلام وصورة الخلاف في هذا ما أغنى عن إعادته بحول الله تعالى . | # | 3 ( فصل في حكم الساب إذا كان ذميا ) 3 # | هذا حكم المسلم الساب لله تعالى . وأما الذمي فروي عن عبد الله بن عمر ~~في ذمي تناول من حرمه الله تعالى غير ما هو عليه من دينه ، وحاج فيه ، فخرج ~~ابن عمر عليه بالسيف فطلبه فهرب . | و قال مالك في كتاب ابن حبيب والمبسوطة ~~وابن القاسم في المبسوط ، وكتاب محمد وابن سحنون : من شتم الله من اليهود ~~والنصارى بغير الوجه الذي به كفروا قتل ولم يستتب . | قال ابن القاسم : إلا ~~أن يسلم . قال في المبسوطة : طوعا . | قال أصبغ : لأن الوجه الذي به كفروا ~~هو دينهم ، وعليه عوهدوا من دعوى الصاحبة والشريك والولد . | و أما غير هذا ~~من الفرية والشتم فلم يعاهدوا عليه ، فهو نقض للعهد . | قال ابن القاسم في ms426 ~~كتاب محمد : ومن شتم من غير أهل الأديان الله تعالى بغير الوجه الذي ذكر في ~~كتابه قتل إلا أن يسلم . | و قال المخزومي في المبسوطة ، ومحمد بن سلمة ، ~~وابن أبي حازم : لا يقتل حتى يستتاب مسلما كان أو كافرا ، فإن تاب وإلا قتل ~~[ 277 ] . | و قال مطرف وعبد الملك مثل قول مالك . | و قال أبو محمد بن أبي ~~زي د : من سب الله تعالى بغير الوجه الذي به كفر قتل إلا أن يسلم . | و قد ~~ذكرنا قول ابن الجلاب قبل ، وذكرنا قول عبيد الله ، وابن لبابة ، وشيوخ ~~PageV02P244 الأندلسيين في النصرانية وفتياهم بقتلها لسبها ، بالوجه الذي ~~كفرت به ، لله وللنبي ، وإجماعهم على ذلك ، وهو نحو القول الآخر فيمن سب ~~النبي صلى الله عليه وسلم منهم بالوجه الذي كفر به ، ولا فرق في ذلك بين سب ~~الله وسب نبيه ، لأنا عاهدناهم على ألا يظهروا لنا شيئا من كفرهم ، وألا ~~يسمعونا شيئا من ذلك ، فمتى فعلوا شيئا منه فهو نقض لعهدهم . | و اختلف ~~العلماء في الذمي إذا تزندق ، فقال مالك ، ومطرف ، وابن عبد الحكم ، وأصيغ ~~: لا يقتل ، لأنه خرج من كفر إلى كفر . | و قال عبد الملأ بن الماجشون : ~~يقتل لأنه دين لا يقر عليه أحد ، ولا تؤخذ عليه جزية . | # | 3 ( فصل في مفترى الكذب على الله تبارك وتعالى بادعاء الإلهية ) 3 # | هذا حكم من صرح بسبه وإضافة ما لا يليق بجلاله وإلاهيته ، فأما مفتري ~~الكذب عليه تبارك وتعالى بادعاء الإلاهية أو الرسالة أو النافي أن يكون ~~الله خالقه أو ربه ، أو قال : ليس رب ، أو المتكلم بما لا يعقل من ذلك في ~~سكره أو غمرة جنونه فلا خلاف في كفر قائل ذلك ومدعيه مع سلامة عقله كما ~~قدمنا ، لكنه تقبل توبته على المشهور ، وتنفعه إنابته ، وتنجيه من القتل ~~فيئته ، لكنه لا يسلم من عظيم النكال ، ولا يرفه عن شديد العقاب ، ليكون ~~ذلك زجرا لمثله عن قوله ، وله عن العودة لكفره أو جهله ، إلا من تكرر منه ~~ذلك ، وعرف استهانته بما أتى به ms427 ، فهو دليل على سوء طويته ، وكذب توبته ، ~~وصار كالزنديق الذي لا نأمن باطنه ، ولا نقبل رجوعه . وحكم السكران في ذلك ~~حكم الصاحي . | و أما المجنون والمعتوه فما علم أنه قاله من ذلك في حال ~~غمرته وذهاب ميزه بالكلية فلا نظر فيه ، وما فعله من ذلك في حال ميزه وإن ~~لم يكن معه عقله وسقط تكليفه أدب على ذلك لينزجر عنه ، كما يؤدب على قبائح ~~الأفعال ، ويوالى أدبه على ذلك حتى يكف عنه ، كما تؤدب البهيمة على سوء ~~الخلق حتى تراض . | و قد حرق علي بن أبي طالب رضي الله عنه من ادعى له ~~الإلهية ، وقد قتل عبد الملك بن مروان الحارث المتنبي وصلبه ، وفعل ذلك غير ~~واحد من الخلفاء والملوك بأشباههم . | PageV02P245 و أجمع علماء وقتهم على ~~صواب فعلهم ، والمخالف في ذلك من كفرهم كافر . | و أجمع فقهاء بغداد أيام ~~المقتدر من المالكية وقاضي قضاتها أبو عمر المالكي على قتل الحلاج وصلبه ، ~~لدعواه الإلهية ، والقول بالحلول ، وقوله : أن الحق ، مع تمسكه في الظاهر ~~بالشريعة ، ولم يقبلوا توبته . | و كذلك حكموا في ابن أبي الغراقيد ، وكان ~~على نحو مذهب الحلاج بعد هذا أيام الراضي بالله ، وقاضي قضاة بغداد يومئذ ~~أبو الحسين بن أبي عمر [ 278 ] المالكي . | و قال ابن عبد الحكم في المبسوط ~~: من تنبأ قتل . | و قال أبو حنيفة وأصحابه : من حجد أن الله تعالى خالقه ~~أو ربه ، أو قال : ليس لي رب ، فهو مرتد . | و قال ابن القاسم في كتاب ابن ~~حبيب ، ومحمد في العتيبة فيمن تنبأ يستتاب أسر ذلك أو أعلنه ، وهو كالمرتد ~~. | و قال سحنون وغيره ، وقاله أشهب في يهودي تنبأ ، وادعى أنه رسول إلينا ~~إن كان معلنا بذلك استتيب ، فإن تاب وإل ا قتل . | و قال أبو محمد بن أبي ~~زيد فيمن لعن بارئه ، وادعى أن لسانه زل ، وإنما أراد لعن الشيطان يقتل ~~بكفره ، ولا يقبل عذره . | و هذا على القول الآخر من أنه لا تقبل توبته . | ~~و قال أبو الحسن القابسي في سكران ، قال : أنا الله ms428 ، أنا الله ، إن تاب ~~أدب ، فإن عاد إلى مثل قوله طولب مطالبة الزنديق ، لأن هذا كفر المتلاعبين ~~. # # | 3 ( فصل فيمن تكلم بسقط القول وسخف اللفظ ، ممن لم يضبط كلامه ) 3 # | و أما من تكلم من سقط القول وسخف اللفظ ممن لم يضبط كلامه وأهمل لسانه ~~بما يقتضي الاستخاف بعظمة ربه وجلالة مولاه ، أو تمثل في بعض الأشياء ببعض ~~ما عظم الله من ملكوته ، أو نزع من الكلام لمخلوق بما لا يليق إلا في حق ~~خالقه غير قاصد للكفر والاستخفاف ، ولا عامد للإلحاد ، فإن تكرر هذا منه ، ~~وعرف به ، دل على تلاعبه بدينه ، واستخفافه بحرمة ربه ، وجهله بعظيم عزته ~~وكبريائه ، وهذا كفر لا مرية فيه . | PageV02P246 و كذلك إن كان ما أورده ~~يوجب الاستخفاف والتنقص لربه . | و قد أفتى ابن حبيب وأصبغ بن خليل من ~~فقهاء قرطبة بقتل المعروف بابن أخي عجب ، وكان خرج يوما ، فأخذه المطر ، ~~بدأ الخراز يرش جلوده . | و كان بعض الفقهاء بها : أبو زيد صاحب الثمانية ، ~~وعبد الأعلى بن وهب ، وأبان بن عيسى ، قد توقفوا عن سفك دمه ، وأشاروا إلى ~~أنه عبث من القول يكفي فيه الأدب . | و أفتى بمثله القاضي حينئذ موسى بن ~~زياد ، فقال ابن حبيب : دمه في عنقي ، أيشتم رب عبدناه ، ثم لا ننتصر له ، ~~إنا إذا لعبيد سوء ، وما نحن له بعابدين ، وبكى ورفع المجلس إلى الأمير بها ~~عبد الرح من بن الحكم الأموي . | و كان عجب عمة هذا المطلوب من حظاياه ، ~~وأعلم باختلاف الفقهاء ، فخرج الإذن من عنده بالأخذ بقول ابن حبيب وصاحبه ، ~~وأمر بقتله ، فقتل وصلب بحضرة الفقهين ، وعزل القاضي لتهمته بالمداهنة في ~~هذه القصة ، ووبخ بقية الفقهاء وسبهم . | و أما من صدرت عنه من ذلك الهنة ~~الواحدة والفلتة الشاردة ، ما لم تكن تنقصا وإزراء فيعاقب عليها ويؤدب بقدر ~~مقتضاها وشنعة معناها ، وصورة حال قائلها ، وشرح سببها ومقارنها . | و قد ~~سئل ابن القاسم رحمه الله عن رجل نادى رجلا باسمه ، فأجابه : لبيك ، اللهم ~~لبيك . | قال : إن كان جاهلا ، أو قاله على وجه ms429 سفه فلا شيء عليه . | قال : ~~القاضي أبو الفضل : وشرح قوله أنه لا قتل عليه ، والجاهل يزجر ويعلم ، ~~والسفيه يؤدب ، ولو قالها على اعتقاد إنزاله منزلة ربه لكفر [ 279 ] . | ~~هذا مقتضى قوله . | و قد أسرف كثير من سخفاء الشعراء ومتهميهم في هذا الباب ~~، واستخفوا عظيم هذه الحرمة ، فأتوا من ذلك بما ننزه كتابنا ولساننا ~~وأقلامنا عن ذكره ، ولولا أنا قصدنا نص مسائل حكيناها ما ذكرنا شيئا مما ~~يثقل ذكره علينا مما حكيناه في هذه الفصول . | PageV02P247 فأما ما ورد في ~~هذا من أهل الجهالة وأغاليط اللسان ، كقوله بعض الأعراب : | * رب العباد ما ~~لنا ومالكا * * قد كنت تسقينا فما بدا لكا * | أنزل علينا الغيث لا أبا لكا ~~| في أشباه لهذا من كلام الجهال . | و من لم يقومه ثقاف تأديب الشريعة ~~والعلم في هذا الباب ، فقل ما يصدر إلا من جاهل يجب تعليمه وزجره والإغلاط ~~له عن العودة إلى مثله . | قال أبو سليمان الخطابي : وهذا تهور من القول ، ~~، والله منزه عن هذه الأمور . | و قد روينا عن بن عبد الله أنه قال : ليعظم ~~أحدكم ربه أن يذكر اسمه في كل شيء حتى يقول : أخزي الله الكلب ، وفعل به ~~كذا وكذا . | قال : وكان بعض من أدركنا من مشايخنا قل ما يذكر اسم الله ~~تعالى إلا فيما يتصل بطاعته . وكان يقول للإنسان : جزيت خيرا . وقل ما يقول ~~: جزاك الله خيرا ، إعظاما لاسمه تعالى أن يمتهن في غيره قربة . | و حدثنا ~~الثقة أن الإمام أبا بكر الشاشي كان يعيب على أهل الكلام كثرة خوضهم فيه ~~تعالى وفي ذكر صفاته ، إجلالا لاسمه تعالى ويقول : هؤلاء يتمندلون بالله عز ~~وجل . | و ينزل الكلام في هذا الباب تنزيله في باب ساب النبي صلى الله عليه ~~وسلم على الوجوه التي فصلناها . والله الموفق . | # | 3 ( فصل في حكم من سب سائر أنبياء الله تعالى وملائكته واستخف بهم أو ~~كذبهم ) 3 # | و حكم من سب سائر أنبياء الله تعالى وملائكته ، واستخف بهم أو كذبهم ~~فيما أتوا به ، أو أنكرهم وجحدهم ، وحكم نبينا صلى ms430 الله عليه وسلم على مساق ~~ما قدمناه ، قال الله تعالى : إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن ~~يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ~~ذلك سبيلا * أولئك هم الكافرون حقا [ سورة النساء - 4 ، الآيتان : 150 ، ~~151 ] . | و قال تعالى : قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي ~~النبيون من ربهم لا PageV02P248 نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون [ سورة ~~البقرة - 2 ، الآية : 136 ] . | و قال : كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~لا نفرق بين أحد من رسله [ سورة البقرة - 2 ، الآية : 285 ] . | قال مالك ~~في كتاب ابن حبيب ومحمد ، وقال ابن القاسم ، وابن الماجشون وابن عبد الحكم ~~وأصبغ وسحنون فيمن شتم الأنبياء أو أحدا منهم أو تنقصه قتل ولم يستتب . ومن ~~سبهم من أهل الذمة قتل إلا أن يسلم . | و روى سحنون عن ابن القاسم : من سب ~~الأنبياء من اليهود أو النصارى بغير الوجه الذي بي كفر ضرب عنقه إلا أن ~~يسلم . | و قد تقدم الخلاف في هذا الأصل . | و قال القاضي بقرطبة سعيد ابن ~~سليمان في بعض أجوبته : من سب الله وملائكته قتل . | و قال سحنون : من شتم ~~ملكا من الملائكة فعليه القتل . | و في النوادر عن مالك فيمن قال : إن ~~جبريل أخطأ بالوحي ، وإنما كان النبي علي بن أبي طالب استتيب ، فإن تاب ~~وإلا قتل . | و نحوه عن سحنون [ 280 ] . وهذا قول الغرابية من الروافض ، ~~سموا بذلك لقولهم : كان النبي صلى الله عليه وسلم أشبه بعلي من الغراب ~~بالغراب . | و قال أبو حنيفة وأصحابه على أصلهم : من كذب بأحد من الأنبياء ~~، أو تنقص أحدا منهم ، أو برىء منه فهو مرتد . | و قال أبو الحسن القابسي ~~في الذي قال لآخر ، كأنه وجه مالك القضبان ، لو عرف أنه قصد ذم الملك قتل . ~~| قال القاضي أبو الفضل : وهذا كله فيمن تكلم فيهم بما قلناه علىجملة ~~الملائكة والنبيين ، أو على معين ممن حققنا كونه ms431 من الملائكة والنبيين ممن ~~نص الله عليه في كتابه ، أو حققنا علمه بالخبر المتواتر ، وال مشتهر المتفق ~~عليه بالإجماع القاطع ، كجبريل ، وميكائيل ، ومالك ، وخزنة الجنة ، وجهنم ~~والزبانيه ، وحملةالعرش المذكورين في القرآن من الملائكة ، ومن سمي فيه من ~~الأنبياء ، وكعزرائيل ، وإسرافيل ، ورضوان ، والحفظة ، ومنكر ونكير من ~~الملائكة المتفق على قبول الخبر بهما ، فأما من لم تثبت الأخبار بتعينه ، ~~ولا وقع الإجماع على كونه من الملائكة أو PageV02P249 الأنبياء ، كهاروت ~~وماروت في الملائكة والخضر ، ولقمان ، وذي القرنين ، ومريم ، وآسية ، وخالد ~~ابن سنان المذكور أنه نبي أهل الرس ، وزرادشت الذي يدعي المجوس المؤرخون ~~نبوته ، فليس الحكم في سابهم والكافر بهم كالحكم فيمن قدمناه إذ لم تثبت ~~لهم تلك الحرمة ، ولكن يزجر من تنقصهم وآذاهم ، ويؤدب بقدر حال المقول فيهم ~~، لا سيما من عرفت صديقيته وفضله منهم ، وإن لم تثبت نبوته . | و أما إنكار ~~نبوتهم أو كون الآخر من الملائكة فإن كان المتكلم في ذلك من أهل العلم فلا ~~حرج لا ختلاف العلماء في ذلك ، وإن كان من عوام الناس زجر عن الخوض في مثل ~~هذا ، فإن عاد أدب ، إذ ليس لهم الكلام في مثل هذا . | و قد كره السلف ~~الكلام في مثل هذا مما ليس تحته عمل لأهل العل م ، فكيف للعامة . | # | 3 ( فصل في حكم من استخف بالقرآن أو المصحف أو بشيء فيه ، أو سبهما ) 3 # | اعلم أن من استخف بالقرآن أو الصحف أو بشيء منه ، أو سبهما ، أو جحده ، ~~أو حرفا منه أو آية أو كذب به أو بشيء منه ، أو كذب بشيء مما صرح به فيه من ~~حكم أو خبر ، أو أثبت ما نفاه أو نفى ما أثبته على علم منه بذلك ، أو شك في ~~شيء من ذلك فهو كافر عند أهل العلم بإجماع ، قال الله تعالى : لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد [ سورة فصلت / 41 ، ~~الآية : 42 ] . | حدثنا الفقيه أبو الوليد هشام بن أحمد رحمه الله ، حدثنا ~~أبو علي ، حدثنا ابن عبد البر ms432 ، حدثنا ابن عبد المؤمن ، حدثنا ابن داسة ، ~~حدثنا أبو داود ، حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا يزيد بن هارون ، حدثنا محمد بن ~~عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ~~المراء في القرآن كفر ، تؤول بمعنى الشك وبمعنى الجدال وعن ابن عباس ، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من جحد آية من كتاب الله من المسلمين فقد حل ضرب ~~عنقه وكذلك إن جحد التوراة والإنجيل وكتب الله المنزلة ، أو كفر بها ، أو ~~لعنها ، أو سبها ، أو استخف بها فهو كافر . | و قد [ 281 ] أجمع المس لمون ~~أن القرآن المتلو في جمبع أقطار الأرض المكتوب PageV02P250 في المصحف بأيدي ~~المسلمين ، مما جمعه الدفتان من أول الحمد لله رب العالمين إلى آخر : قل ~~أعوذ برب الناس أنه كلام الله ووحيه المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه ~~وسلم ، وأن جميع ما فيه حق ، وأن من نقص منه حرفا قاصدا لذلك ، أو بدله ~~بحرف آخر مكانه ، أو زاد فيه حرفا مما لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع ~~الإجماع عليه ، وأجمع على انه ليس من القرآن عامدا لكل هذا أنه كافر . | و ~~لهذا رأى مالك قتل من سب عائشة رضي الله عنها بالفرية ، لأنه خالف القرآن ، ~~ومن خالف القرآن قتل ، لأنه كذب بما فيه . | و قال ابن القاسم كان منا إن ~~الله تعالى لم يكلم موسى تكليما يقتل ، وقاله عبد الرحمن بن مهدي . | و قال ~~محمد بن سحنون فيمن قال : المعوذتان ليستا من كتاب الله يضرب عتقه إلا أن ~~يتوب . | و كذلك كل من كذب بحرف منه . قال : وكذلك إن شهد شاهد على من قال ~~: إن الله لم يكلم موسى تكليما ، وشهد آخر عليه أنه قال : إن الله ما اتخذ ~~إبراهيم خليلا ، لأنهما اجتمعا علىأنه كذب النبي صلى الله عليه وسلم . | و ~~قال أبو عثمان بن الحداد : جميع من ينت حل التوحيد متفقون أن الجحد لحرف من ~~التنزيل كفر . | و كان أبو العالية إذا قرأ عنده رجل لم يقل له ms433 ليس كما ~~فرأت ، ويقول : أما أنا فأقرأ كذا ، فبلغ ذلك إبراهيم ، فقال : أراه سمع ~~أنه من كفر بحرف منه فقد كفر به كله . | و قال أصبغ بن الفرج كان من كذب ~~ببعض القرآن فقد كذب به كله ، ومن كذب به فقد كفر به ومن كفر به فقد كفر با ~~الله . | و قد سئل القابسي عمن خاصم يهوديا فحلف له بالتوراة ، فقال الآخر ~~لعن الله التوراة ، فشهد عليه بذلك شاهد ، ثم شهد آخر أنه سأله عن القضية ~~فقال : إنما لعنت توراة اليهود ، فقال أبو الحسن : الشاهد الواحد لا يوجب ~~القتل ، والثاني علق PageV02P251 الأمر بصفة تحتمل التأويل ، إذ لعله لا ~~يرى اليهود متمسكين بشيء من عند الله لتبديلهم وتحريفهم . | و لو اتفق ~~الشاهدان على لعن التوراة مجردا لضاق التأويل . | و قد اتفق فقهاء بغداد ~~على استتابه ابن شنبوذ المقريءأحد أئمة المقرئين المتصدرين بها مع ابن ~~مجاهد ، لقراءته وإقرائه بشواذ من الحروف مما ليس في المصحف ، وعقدوا عليه ~~بالرجوع عنه والتوبة عنه سجلا أشهد فيه بذلك على نفسه في مجلس الوزير أبي ~~علي بن مقلة سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة ، وك ان فيمن أفتى عليه بذلك أبو ~~بكر الأبهري وغيره . | و أفتى أبو محمد بن أبي زيد بالأدب فيمن قال لصبي : ~~لعن الله معلمك وما علمك . قال : أردت سوء الأدب ، ولم أرد القرآن . | قال ~~أبو محمد : وأما من لعن المصحف فإنه يقتل . # # | 3 ( فصل في حكم ساب آل بيت النبي ) 3 # | و سب آل بيته وأزواجه وأصحابه صلى الله عليه وسلم وتنقصهم حرام ملعون ~~فاعله . | حدثنا القاضي الشهيدأبو علي رحمه الله ، حدثنا أبو الحسين [ 282 ~~] الصيرفي وأبو الفضل العدل ، حدثنا أبو يعلى ، حدثنا أبو علي السنجي ، ~~حدثنا ابن محبوب ، حدثنا الترمذي ، حدثنا محمد بن يحيى ، حدثنا يعقوب بن ~~إبراهيم ، حدثنا عبيدة بن أبي رابطة ، عن عبد الرحمن بن زياد ، عن عبد الله ~~بن مغفل ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله ، الله في أصحابي ~~، قيل لا تتخذوهم غرضا بعدي ، فمن أحبهم فبحبي ms434 أحبهم ، ومن أبغضهم فببغضي ~~أبغضهم ، ومن آذاهم فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله ، ومن آذى الله ~~يوشك أن يأخذه . | و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تسبوا أصحابي ، ~~فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه صرفا ~~ولا عدلا . | و قال صلى الله عليه وسلم : لا تسبوا أصحابي ، فإنه يجيء قوم ~~في آخر الزمان يسبون أصحابي فلا تصلوا عليهم ، ولا تصلوا معهم ، ولا ~~تناكحوهم ، ولا تجالسوهم ، وإن مرضوا فلا تعودوهم . | PageV02P252 وعنه صلى ~~الله عليه وسلم : من سب أصحابي فاضربوه . | وقد أعلم النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن سبهم وأذاهم يؤذيه ، وأذى النبي صلى الله عليه وسلم حرام ، فقال : ~~لا تؤذوني في أصحابي ، ومن آذاهم فقد آذاني . | و قال : لا تؤذوني في عائشة ~~. | و قال في فاطمة : بضعة مني يؤذيني ما آذاها . | و قد اختلف العلماء في ~~هذا ، فمشهور مذهب مالك في ذلك الاجتهاد والأدب الموجع ؟ قال مالك رحمه ~~الله : من شتم النبي صلى الله عليه وسلم قتل ، ومن شتم أصحابه أدب . | و ~~قال أيضا : من شتم أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : أبا بكر ، أو ~~عمر ، أو عثمان ، أو معاوية ، أو عمرو بن العاص ، فإن قال : كانوا على ضلال ~~وكفر قتل ، وإن شتمهم بغير هذا من مشاتمة الناس نكل نكالا شديدا . | و قال ~~ابن حبيب : من غلا من الشيعة إلى بغض عثمان والبراءة منه أدب أدبا شديدا ، ~~ومن زاد إلى بعض أبي بكر وعمر فالعقوبة عليه أشد ، ويكرر ضربه ، ويطال سجنه ~~حتى يموت ، ولا يبلغ به القتل إلا في سب النبي صلى الله عليه وسلم . | و ~~قال سحنون : من كفر أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : عليا ، أو ~~عثمان ، أو غيرهما يوجع ضربا . | وحكى أبو محمد بن أبي يزيد ، عن سحنون : ~~من قال في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي : إنهم كانوا على ضلالة وكفر قتل . ومن ~~شتم غيرهم من الصحابة بمثل ذلك نكل النكال الشديد . | وروي عن مالك : من ms435 سب ~~أبا بكر جلد ، ومن سب عائشة قتل . قيل له : لم ؟ قال : من رماها فقد خالف ~~القرآن . | و قال ابن شعبان عنه : لأن الله يقول : يعظكم الله أن تعودوا ~~لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين ، فمن عاد لمثله فقد كفر . | وحكى أبو الحسن ~~الصقلي أن القاضي أبا بكر بن الطيب قال : إن الله تعالى إذا ذكر في القرآن ~~ما نسبه إليه المشركون سبح نفسه لنفسه ، كقوله : وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ~~سبحانه . . . في آي كثيرة . | PageV02P253 و ذكر تعالى ما نسبه المنافقون ~~إلى عائشة فقال : ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك ~~هذا بهتان عظيم سبح نفسه في تبرئتها من السوء ، كما سبح نفسه في تبرئته من ~~السوء . | [ 283 ] وهذا يشهد لقول مالك في قتل من سب عائشة . | و معنى هذا ~~، والله أعلم ، أن الله ، لما عظم سبها كما عظم سبه ، وكن سبها سبا لنبيه ، ~~وقرن سب نبيه وأذاه بأذاه تعالى ، وكان حكم مؤذيه تعالى القت ل كان مؤذي ~~نبيه كذلك كما قدمناه . | و شتم رجل عائشة بالكوفة ، فقدم إلى موسى بن عيسى ~~العباسي ، فقال : من حضر هذا ؟ فقال ابن أبي ليلى : أنا ، فجلده ثمانين ، ~~وحلق رأسه ، وأسلمه إلى الحجامين . | [ وروي عن عمر بن الخطاب أنه نذر قطع ~~لسان عبيد الله بن عمر ، إذ شتم المقداد بن الأسود ، فكلم في ذلك ، فقال : ~~دعوني أقطع لسانه حتى لا يشتم أحد بعد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ] . ~~| وروى أبو ذر الهروي أن عمر بن الخطاب أتي بأعرابي يهجو الأنصار ، فقال : ~~لولا أن له صحبة لكفيتموه . | قال مالك : من انتقص أحدا من أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم فليس له في هذا الفيء حق ، قد قسم الله الفيء في ثلاثة ~~أنصاف ، فقال : للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون ~~فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون [ سورة الحشر ~~/ 59 ، الآية : 8 ] . | ثم قال : والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم ~~يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم ms436 حاجة مما أوتوا ويؤثرون على ~~أنفسهم ولو كان بهم خصاصة [ سورة الحشر - 59 ، الآية : 9 ] . | و هؤلاء هم ~~الأنصار . | ثم قال : والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ~~ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا ~~إنك رؤوف رحيم [ سورة الحشر - 59 ، الآية : 10 ] . | PageV02P254 فمن ~~تنقصهم فلا حق له في فيء المسلمين . | و في كتاب ابن شعبان : من قال في ~~واحد منهم إنه ابن زانية وأمه مسلمة حد عند بعض أصحابنا حدين : حدا له ، ~~وحدا لأمه ، ولا أجعله كقاذف الجماعة في كلمة لفضل هذا على غيره ، ولقوله ~~صلى الله عليه وسلم : من سب أصحابي فاجلدوه ، قال : ومن قذف أم أحدهم وهي ~~كافرة حد حد الفرية ، لأنه سب له ، فإن كان أحد من ولد هذا الصحابي حيا قام ~~بما يجب له ، وإلا فمن قام به من المسلمين كان على الإمام قبول قيامه ، قال ~~: وليس هذا كحقوق غير الصحابة لحرمة هؤلاء بنبيهم صلى الله عليه وسلم ، ولو ~~سمعه الإمام ، وأشهد عليه ، كان ولي القيام به ، قال : ومن سب غير عائشة من ~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ففيها قولان : | أحدهما : يقتل ، لأنه سب ~~النبي صلى الله عليه وسلم بسب حليلته . | و الآخر : أنها كسائر الصحابة ، ~~يجلد حد المفتري ، ، قال : وبالأول أقول . | و روى أبو مصعب ، عن مالك فيمن ~~انتسب إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم يضرب ضربا وجيعا ، ويشهر ، ويحبس ~~طويلا حتى تظهر توبته ، لأنه استخفاف بحق الرسول صلى الله عليه وسلم . | و ~~أفتى أبو المطرف الشعبي فقيه مالقة في رجل أنكر تلحيف امرأة بالليل ، وقال ~~: لو كانت بنت أبي بكر الصديق ما حلفت إلا بالنهار ، وصوب قوله بعض ~~المتسمين بالفقه ، فقال أبو المطرف : ذكر هذا لابنة أبي بكر في مثل هذا ~~يوجب عليه الضرب الشديد والسجن الطويل . | و الفقيه الذي صوب قوله أحق باسم ~~الفسق من اسم الفقه ، فيتقدم له في ذلك ، ويزجر ، ولا تقبل فتواه ولا ~~شهادته ، وهي جرحة ثابتة فيه ، ويبغض في الله ms437 . | [ وقال أبو عمران في رجل ~~قال : لو شهد علي أبو بكر الصديق : أنه إن كان في مثل هذا لا يجوز فيه ~~الشاهد الوحد ، فلا شيء عليه ، وإن كان أراد غير هذا فيضرب ضربا يبلغ به حد ~~الموت ] ، وذكروها رواية . | قال القاضي أبو الفضل : هنا انتهى القول بنا ~~فيما حررناه [ 284 ] ، وانتجز الغرض الذي انتحيناه ، واستوفى الشرط الذي ~~شرطناه ، مما أرجو أن يكون في كل قسم منه للمريد مقنع ، وفي كل باب منهج ~~إلى بغيته ومنزع . | PageV02P255 و قد سفرت فيه عن نكت تستغرب وتستبدع ، ~~وكرعت في مشارب من التحقيق لم يورد لها قبل في أكثر التصانيف مشرع ، ~~وأودعته غير ما فصل ، وددت لو وجدت من بسط قبلي الكلام فيه ، أو مقتدى ~~يفيدنيه عن كتاب أو فيه ، لأكتفي بما أرويه عما أرويه . | و إلى الله تعالى ~~جزيل الضراعة في المنة بقبول ما منه لوجهه ، والعفو عما تخلله من تزين ~~وتصنع لغيره ، وأن يهب لنا ذلك بجميل كرمه وعفوه لما أو دعناه من شرف ~~مصطفاه ، وأمين وحيه ، وأسهرنا به جفوننا لتتبع فضائله ، وأعملنا فيه ~~خواطرنا من إبراز خصائصه ووسائله ، ويحمي أعراضنا عن ناره الموقدة لحمايتنا ~~كريم عرضه ، ويجعلنا | ممن لا يذاد إذا ذيد المبدل عن حوضه ، ويجعله لنا ~~ولمن تهمم باكتتابه واكتسابه سببا يصلنا بأسببابه ، وذخيرة نجدها يوم تجد ~~كل نفس ما عملت من خير وحضرا نحوز بها رضاه ، وجزيل ثوابه ، ويخصنا بخصيصي ~~زمرة نبينا وجماعته ، ويحشرنا في الرعيل الأول وأهل الباب الأيمن من أهل ~~شفاعته ، ونحمده تعالى على ما هدى إليه من جمعه وألهم ، وفتح البصيرة لدرك ~~حقائق ما أودعناه وفهم ، ونستعيذه جل اسمه من دعاء لا يسمع ، وعلم لا ينفع ~~، وعمل لا يرفع ، فهم الجواد الذي لا يخيب من أمله ، ولا ينتصر من خذله ، ~~ولا يرد دعوة القاصدين ، ولا يصلح عمل المفسدين ، وهو حسبنا ونعم الوكيل ، ~~وصلاته على سيدنا ونبينا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين ، وسلم ~~تسليما كثيرا . # PageV02P256 ms438