######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0001753 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو الفضل القاضي عياض بن موسى اليحصبي (المتوفى: 544هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 544 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الشفا بتعريف حقوق المصطفى - مذيلا بالحاشية المسماة مزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: السيرة والشمائل #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0001753 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-1753 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/1753 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الفكر الطباعة والنشر والتوزيع #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1409 هـ - 1988 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # الشفا بتعريف حقوق المصطفى # للعلامة القاضي أبي الفضل عياض اليحصبي 544 ه # مذيلا بالحاشية المسماة مزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء # للعلامة أحمد بن محمد بن محمد الشمنى 873 # دار الفكر الطباعة والنشر والتوزيع # PageV00P000 # جميع حقوق إعادة الطبع محفوظة # للناشر 1409 ه - 1988 م # دار الفكر بيروت لبنان # المكاتب: البناية المركزية - هاتف: 244739 - # ص ب: 7061 / 11 المطابع والمعمل: حارة حريك - شارع عبد النور - # هاتف: 390663 (838202 - 837898) برقيا: فكسى. # تلكس: 41392 فكر 41392 LE FIKR # PageV00P000 ### | كلمة الناشر: # بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على ~~سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم ~~الدين. # أما بعد: فلما كان نشر العلم فضيلة وكانت السنة الشريفة من أجل علوم ~~الشريعة وأرفعها قدرا) وكان على المسلم أن يتخذ من أقوال وأفعال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - نورا وضياء ينير له الطريق لفهم دينه وأحكامه، ~~ومحركا لسلوكه في عاجلته وذخرا لآخرته، فقد اهتمت دار الفكر منذ تأسيسها ~~بطبع كتب السنة المحمدية والحديث الشريف، مثل: صحيح البخاري وشرحه فتح ~~الباري وصحيح مسلم وشروحاته وتصنيفاته، والموطأ وكافة كتب الصحاح وشروحا ~~إلى جانب أعظم تفاسير القرآن الكريم وأنفعها مثل: الدر المنثور في التفسير ~~بالمأثور ومعالم التنزيل في التفسير والتأويل للبغوي، والتفسير الكبير ~~للفخر الرازي، وجامع اليبان عن تأويل آي القرآن للطبري وغير ذلك من أمهات ~~الكتب في التفسير وعلوم القرآن والحديث والفقه على مختلف المذاهب والتاريخ ~~واللغة وسائر العلوم والفنون الاسلامية. # وتقدم اليوم احياء للسنة المحمدية كتاب: شفاء القاضي عياض المسمى: الشفا ~~بتعريف حقوق المصطفى في طبعة جديدة ومصححة ومتقنة، واتماما للفائدة أضفنا ~~للكتاب كحاشية له. # درة مفيدة هي: حاشية العلامة الشمنى المسماة: مزيل الخفاء عن ألفاظ ~~الشفاء التي لم تطبع قبل الآن. # وفيما يلي نبذة يسيرة للتعريف بمؤلفي الكتاب والحاشية: # PageV00P000 ### | ترجمة القاضى عياض # (1) # هو أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرون بن موسى بن عياض بن محمد بن ~~عبد الله بن موسى بن عياض اليحصبي، الإمام ms001 العلامة، يكنى أبا الفضل، ستى ~~الدار والميلاد: أندلسى الأصل. # قال ولده محمد: كان أجدادنا في القديم بالأندلس، ثم انتقلوا إلى مدينة ~~فاس وكان لهم استقرار بالقيروان لا أدرى قبل حلولهم بالأندلس أو بعد ذلك. # وانتقل عمرون إلى سبتة بعد سكنى فاس. # وكان القاضي أبو الفضل إمام وقته في الحديث وعلومه، عالما بالتفسير # وجميع علومه، فقيها أصوليا عالما بالنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم ~~وأنسابهم، بصيرا بالأحكام، عاقدا للشروط، بصيرا حافظ لمذهب مالك رحمه الله ~~تعالى، شاعرا مجيدا ويا نا من علم الأدب، خطيبا بليغا صبورا حليما جميل ~~العشرة، جوادا سمحا كثير الصدقة، دؤوبا على العمل، صلبا في الحق. # رحل إلى الأندلس سنة تسع وخمسمائة طالبا العلم، فأخذ بقرطبة عن القاضي ~~أبي عبد الله محمد بن علي بن حمدين، وأبى الحسين بن سراج، وعن أبي محمد بن ~~عتاب وغيرهم وأجاز له أبو علي الغساني، وأخذ بالمشرق عن القاضي أبي على ~~حسين بن محمد الصدفى وغيره، وعنى بلقاء الشيوخ والأخذ عنهم، وأخذ عن أبي ~~عبد الله المازينى: كتب إليه يستجيزه، وأجاز له الشيخ أبو بكر الطرطوشى. # ومن شيوخه. # القاضي أبو الوليد بن رشد. # قال صاحب الصلة البشكوالية: وأظنه سمع عن أبى زيد، وقد إجتمع له من ~~الشيوخ بين من سمع منه وبين من أجاز له مائة شيخ وذكر ولده محمد منهم: أحمد ~~بن بقي، وأحمد بن محمد بن محمد ابن مكحول، وأبو الطاهر أحمد بن محمد ~~السلفي، والحسن بن محمد بن سكره، والقاضى أبو بكر بن العربي، والحسن بن علي ~~بن طريف، وخلف بن إبراهيم بن النحاس، ومحمد بن أحمد بن الحاج القرطبى، وعبد ~~الله بن محمد الخشنى وغيرهم ممن يطول ذكرهم. PageV00P000 # قال صاحب الصلة: وجمع من الحديث كثيرا وله عناية كبيرة به واهتمام بجمعه ~~وتقييده وهو من أهل التفنن في العلم واليقظة والفهم، وبعد عودته من الأندلس ~~أجله أهل سبتة للناظرة عليه في المدونة وهو ابن ثلاثين سنة أو ينيف عنها، ~~ثم أجلس للشورى ثم ولى قضاء بلده مدة طويلة حمدت سيرته ms002 فيها، ثم نقل إلى ~~قضاء غرناطة في سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة ولم يطل أمره بها، ثم ولى قضاء ~~سبتة ثانيا. # قال صاحب الصلة: وقدم علينا قرطبة فأخذنا عنه بعض ما عنده. # قال الخطيب: وبنى الزيادة الغربية في الجامع الأعظم وبنى في جانب المينا # الراتبة الشهيرة وعظم صيته. # ولما ظهر أمر الموحدين بادر إلى المسابقة بالدخول في طاعتهم ورحل إلى ~~لقاء أميرهم بمدينة سلا، فأجزل صلته، وأوجب بره، إلى أن اضطربت أمور ~~الموحدين عام ثلاثة وأربعين وخمسمائة فتلاشت حاله، ولحق بمراكش مشردا به عن ~~وطنه فكانت بها وفاته. # وله التصانيف المفيدة البديعة منها كمال المعلم: في شرح صحيح مسلم، ومنها ~~كتاب الشفا: بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم أبدع فيه كل الإبداع، ~~وسلم له أكفاؤه كفاءته فيه ولم ينازعه أحد في الانفراد به ولا أنكروا مزية ~~السبق إليه بل تشوفوا للوقوف عليه، وأنصفوا في الاستفادة منه، وحمله الناس ~~عنه، وطارت نسخه شرقا وغربا، وكتاب مشارق الأنوار في تفسير غريب حديث ~~الموطأ والبخاري ومسلم وضبط الألفاظ والتنبيه على مواضع الأوهام والتصحيفات ~~وضبط أسماء الرجال وهو كتاب لو كتب بالذهب أو وزن بالجوهر لكان قليلا في ~~حقه، وفيه أنشد بعضهم: مشارق أنوار تبدت بسبتة * ومن عجب كون المشارق ~~بالغرب وكتاب التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة: جمع فيه غرائب من ضبط ~~الألفاظ وتحرير المسائل، وكتاب ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام ~~مذهب مالك وكتاب الإعلام بحدود قواعد الإسلام، وكتاب الإلماع في ضبط ~~الرواية وتقييد السماع، وكتاب بغية الرائد لما تضمنه حديث أم زرع من ~~الفوائد، وكتاب الغنيمة في شيوخه، وكتاب المعجم في شيوخ ابن سكره، وكتاب ~~نظم البرهان على حجة جزم الأذان، وكتاب مسألة الأهل المشروط بينهم التزاور، ~~ومما لم يكمله: المقاصد الحسان فيما يلزم الإنسان، وكتاب العيون الستة في ~~أخبار سبتة، وكتاب غنية الكاتب وبغية الطالب في الصدور # PageV00P000 # والترسل، وكتاب الأجوبة المحبرة على الأسئلة المتخيرة، وكتاب أجوبة ~~القرطبيين، وكتاب أجوبته عما نزلت في أيام قضائه من نوازل الأحكام في سفر، ~~وكتاب سر ms003 السراة في أدب القضاة، وكتاب خطبه وكان لا يخطب إلا بإنشائه، وله ~~شعر كثير حسن رائق فمنه قوله: # يا من تحمل عنى غير مكترث * لكنه للضنى والسقم أوصى بى # تركتني مسهام القلب ذا حرق * أخا جوى وتباريح وأوصاب # أراقب النجم في جنح الدجى سمرا * كأننى راصد للنجم أو صابى # وله رحمه الله تعالى: # الله يعلم أنى منذ لم أركم * كطائر خانه ريش الجناحين # ولو قدرت ركبت الريح نحوكم * فإن بعدكم عنى جنى حينى # وله من أبيات: # إن البخيل بلحظه أو لفظه * أو عطفه أو رفقه لبخيل وله في خامات الزرع ~~بينها شقائق النعمان هبت عليها أرياح: انظر إلى الزرع وخاماته * تحكى وقد ~~ماست أمام الرياح كتيبة خضراء مهزومة * شقائق النعمان فيها جراح # وله غير ذلك. # كان مولد القاضى عياض بسبتة في شهر شعبان سنة ست وتسعين وأربعمائة، وتوفى ~~بمراكش في شهر جمادى الأخيرة وقيل في شهر رمضان سنة أربع وأربعين وخمسمائة، ~~وقيل إنه مات مسموما سمه يهودى. # ودفن رحمه الله تعالى بباب إيلان داخل المدينة. # و (عياض) بكسر العين المهملة وفتح الياء المثناة التحتية وبعد الألف ضاد ~~معجمة و (اليحصبى) بفتح الياء المثناة التحتية وسكون الحاء المهملة وضم ~~الصاد المهملة وفتحها وكسرها وبعدها ياء موحدة نسبة إلى يحصب بن مالك قبيلة ~~من حمير، وسبتة مدينة مشهورة، وغرناطة: مدينة بالأندلس وهى بفتح الغين ~~المعجمة وسكون الراء المهملة ثم نون مفتوحة بعدها ألف وبعد الألف طاء مهملة ~~ثم هاء ويقال فيها أغرناطة بألف قبل الغين. # PageV00P000 ### | ترجمة العلامة الشمني (1) صاحب الحاشية # هو أحمد بن محمد بن محمد حسن بن علي بن يحيى بن محمد التقى السكندرى ~~المولد القاهرى المنشأ الحنفي ويعرف بالشمنى بضم المعجمة والميم ثم نون ~~مشددة نسبة لمزرعة ببلاد المغرب أو لقرية بها ولد في العشر الأخير من رمضان ~~سنة إحدى وثمانمائة واشتغل أولا مالكيا ثم تحول حنفيا لكون البساطى فيما ~~قيل قدم عليه بعض من هو دونه من رفقائه وبرع في الفقه والأصلين والعربية ~~والمعاني والبيان والمنطق والصرف والهندسة والهيئة ms004 والحساب وسمع الحديث على ~~جماعة وبحث على شيخنا دروسا من شرح ألفية العراقى ولازمه بعد والده فأحسن ~~إليه وساعده في استخلاص مبلغ ممن وثب عليه في بعض وظائف أبيه وزاد إقبالا ~~عليه حين وقع السؤال عن حكمة الترقي من الذرة إلى الحبة إلى الشعيرة في ~~حديث ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلق فليخلقوا ذرة الحديث. # وأجاب التقى بديهة بأن صنع الأشياء الدقيقة فيه صعبوة والأمر بمعنى ~~التعجيز فناسب التدلى من الأعلى إلى الأدنى فاستحسنه شيخنا فزاد في إكرامه ~~والتعريف بفضيلة وتصدى للإقراء، وصنف حاشية على المغنى لخصها من حاشية ~~الدماميني وزاد عليها أشياء نفيسة سماها المنصف من الكلام على مغنى ابن ~~هشام، وتعليقا لطيفا في ضبط ألفاظ الشفاء لخصه من شرح البرهان الحلبي وأتى ~~بتتمات يسيرة فيها تحقيقات دقيقة سماه (مزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء) وغير ~~ذلك وأقراء في العقليات بدون ملاحظة كراس ولا حاشية وقد اتفق دخول اثنين من ~~فضلاء العجم الجمالية فوجداه يقرئ في المطول بدون كراس فجلسا عنده وبحثا ~~معه واستشكلا عليه فلم ينقطع منهما بل أفحمهما بحيث امتلأت أعينهما من ~~جلالته وصرحا بعد انفصالهما عنه لبعض أخصائه بأنهما لم يظنا أن في أبناء ~~العرب من ينهض فحكاه للشيخ فتبسم وقال بذلك قد أقرأته اثنى عشر مرة بغير ~~مطالعة وكان إماما علامة سنيا متين الديانة ممن ينسب إلى التصوف لم يتدنس ~~بما يحط مقداره وقد عم النفع به حتى بقى جل الفضلاء من سائر المذاهب من اهل ~~مصر بل وغيرها من تلامذته PageV00P000 # واشتدت رغبتهم في الأخذ عنه وتزاحموا عليه وهرعوا صباحا ومساء إليه، ~~وامتدحه من الشعراء: الشهاب المنصوري وغيره كل ذلك من الشهامة وحسن الشكالة ~~والأبهة وبشاشة الوجه ومحبة الحديث وأهله وقد حضرت كثيرا من دروسه وتقنعه ~~بخلوة في الجمالية يسكنها وأمة سوداء لقضاء وطره وغير ذلك وقد استقر به ~~قانباى الجركسى في خطابة تربته ومشيخة الصوفية بها وتحول إليها ولم يكن ~~يحابى في الدين أحدا بحيث التمس منه بعض الشبان من ذوى البيوت إذنه له في ms005 ~~التدريس بعد أن أهدى إليه شيئا فبادر لرد الهدية وامتنع من الإذن وربما كتب ~~فيما لا يرتضيه لقصد جميل ككتابته على كراس من تفسير البقاعي الذى سماه ~~المناسبات فإنه قال لى حين عاتبتة على ذلك إنما كتبت لصونه عما رام تمريغا ~~أن يوقعه به ووالله ما طالعته وليس هو عندي في زمرة العلماء ولم تكن له ~~رغبة في الكتابة على الفتوى مع سؤالهم له ولا في حضور عقود المجالس وقد ~~خطبه الشهاب ابن العينى أيام ضخامته للحضور عنده وأح عليه وكان قرره متصدرا ~~فيما جده بمدرسة جده فلم يجد بدا من إجابته وجاء العبادي ليجلس فوقه بينه ~~وبين الحنفي فما مكنه الشهاب وحول العبادي إلى جهة يمينه، بل خطب لقضاء ~~الحنفية فأبى بعد مجئ كاتب السر إليه وإخباره بأنه إن لم يجب نزل إليه ~~السلطان فصمم وقال الاختفاء ممكن فقال له كاتب السر فبماذا تجيب إذا سألك ~~الله تعالى عن امتناعك بعد تعينه عليك فقال يفتح الله تعالى حينئذ بالجواب ~~ولم يزل على وجاهته إلى أن تعلل ومات في ليلة الأحد سابع عشر ذى الحجة سنة ~~اثنين وسبعين وثمانمائة بمنزل سكنه من التربة المشار إليها وصلى عليه عند ~~بابها ودفن بها وخلف ذكرين وأنثى من جارية وألف دينار وحفظت جهاته لولديه ~~رحمه الله تعالى وإيانا. # PageV00P000 # بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صلى على محمد وآله وسلم. # قال الفقيه القاضي الإمام الحافظ أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبى ~~رحمة الله عليه: # الحمد لله المنفرد باسمه الأسمى، المختص بالعز الأحمى، الذي ليس دونه ~~منتهى ولا وراءه مرمى، الظاهر لا تخيلا ولا وهما، الباطن بسم الله الرحمن ~~الرحيم أما بعد حمد الله على إفضاله. # وصلواته على نبيه محمد وآله، فيقول الفقير إلى الله تعالى: أحمد بن محمد ~~بن محمد بن حسن الشمنى، ختم الله بالسعادة أغماله، وجعل الجنة منقلبه ~~ومآله: قد يسر الله تعالى عند إقرائي للشفاء شيئا من تفسير مفرداته، ونبذا ~~من فتح مغلقاته، وحل مشكلاته، فجمعت ذلك نفعا لطالبيه، وإعانة ms006 لمحصليه ~~وقارئيه، وسميته # بمزيل الخفاء عن الفاظ الشفاء # ومن الله أطلب التوفيق، والهداية إلى سواء الطريق. # (قوله المختص) أي المنفرد والممتاز (قوله ليس دونه منتهى) في الصحاح دون ~~نقيض فوق وهو تقصير عن الغاية، ويقال هذا دون ذاك أي أقرب منه انتهى. # والمعنى هنا أنه تعالى ليس في جهة وحيز، ولا على مسافة وامتداد لأن كل ذى ~~جهة ومسافة للقرب منه نهاية، وليس للقرب منه تعالى نهاية، فليس في جهة، فهو ~~من باب نفى الشئ بنفى لازمه (قوله ولا ورائه مرمى) قال ابن الأثير في ~~النهاية: أي ليس بعد الله لطالب مطلب، فإليه انتهت العقول فليس وراء معرفته ~~والإيمان به غاية تقصد. # والمرمى في الأصل: الغرض الذى ينتهى إليه سهم الرامى (قوله الظاهر) أي ~~بالدلالة الدالة على وجوده قطعا ويقينا لا تخيلا ووهما (قوله الباطن) أي ~~بحقيقته فلا تدرك كنهه العقول. # (*) # PageV01P001 # تقدسا لا عدما، وسع كل شئ رحمة وعلما، وأسبغ على أوليائه نعما عما، وبعث ~~فيهم رسولا من أنفسهم أنفسهم عربا وعجما، وأزكاهم محتدا ومنمى، وأرجحهم ~~عقلا وحلما، وأوفرهم علما وفهما، وأقواهم يقينا وعزما، وأشدهم بهم رأفة ~~ورحما، زكاه روحا وجسما، وحاشاه # عيبا ووصما وآتاه حكمة وحكما، وفتح به أعينا عميا وقلوبا غلفا وآذانا ~~صما، فآمن به وعزره ونصره من جعل الله له في مغنم السعادة قسما، وكذب به ~~وصدف عن آياته من كتب الله عليه الشقاء حتما، PageV01P002 # (ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى) صلى الله عليه وسلم صلاة تنمو ~~وتنمى، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. # (أما بعد) أشرق الله قلبي وقلبك بأنوار اليقين، ولطف لي ولك بما لطف ~~بأوليائه المتقين: الذين شرفهم الله بنزل قدسه، وأوحشهم من الخليفة بأنسه، ~~وخصهم من معرفته، ومشاهدة عجائب PageV01P003 # ملكوته وآثار قدرته: بما ملأ قلوبهم حبرة، ووله عقولهم في عظمته حيرة، ~~فجعلوا همهم به واحدا، ولم يروا في الدارين غيره مشاهدا، فهم بمشاهدة جماله ~~وجلاله يتنعمون، وبين آثاري قدرته وعجائب عظمته يترددون، وبالانقطاع إليه ~~والتوكل عليه يتعززون، لهجين بصادق قوله قل ms007 اللهم ثم ذرهم في خوضهم يلعبون، ~~فإنك كررت علي السؤال في مجموع يتضمن التعريف بقدر المصطفى عليه الصلاة ~~والسلام، وما يجب له من توقير وإكرام، وما حكم من لم يوف واجب عظيم ذلك ~~القدر، أو قصر في حق منصبه الجليل قلامة ظفر، وأن أجمع لك ما لأسلافنا ~~وأئمتنا في ذلك من مقال، وأبينه بتنزيل صور وأمثال، فاعلم أكرمك الله أنك ~~حملتني من ذلك أمرا إمرا، وأرهقتني فيما ندبتني إليه عسرا، وأرقيتني بما ~~كلفتني مر تقى صعبا، ملأ قلى رعبا، فإن الكلام في ذلك يستدعي تقدير ~~PageV01P004 # أصول، وتحرير فصول، والكشف عن غوامض ودقائق، من علم الحقائق، مما يجب ~~للنبي ويضاف إليه، أو يمتنع أو يجوز عليه، ومعرفة النبي والرسول والرسالة ~~والنبوة، والمحبة والخلة وخصائص هذه الدرجة العلية، وههنا مهامه فيح تحار ~~فيها القطا، وتقصر بها الخطا، ومجاهل تضل فيها الأحلام إن لم تهتد بعلم علم ~~ونظر سديد) ومداحض تزل بها الأقدام إن لم تعتمد على توفيق من الله وتأييد، ~~لكني لما رجوته لي ولك في هذا السؤال والجواب، من نوال وثواب، بتعريف قدره ~~الجسيم، وخلقه العظيم، وبيان خصائصه التي لم تجتمع قبل في مخلوق، وما يدان ~~الله تعالى به من حقه الذي هو أرفع الحقوق (ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ~~ويزداد الذين آمنوا إيمانا) PageV01P005 # ولما أخذ الله تعالى على الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه، ~~ولما حدثنا به أبو الوليد هشام بن أحمد الفقيه رحمه الله بقراءتي عليه، قال ~~حدثنا الحسين بن محمد حدثنا أبو عمر النمري حدثنا أبو محمد بن عبد المؤمن ~~حدثنا أبو بكر محمد بن بكر حدثنا سليمان ابن الأشعث حدثنا موسى بن إسماعيل ~~حدثنا حماد أخبرنا علي بن الحكم عن عطاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام ~~من نار يوم القيامة، فبادرت إلى نكت سافرة عن وجه الغرض، مؤديا من ذلك الحق ~~المفترض، اختلستها على استعجال، لما المرء بصدده من شغل ms008 البدن والبال، بما ~~قلده من مقاليد المحنة التي ابتلي بها PageV01P006 # فكادت تشغل عن كل فرض ونفل، وترد بعد حسن التقويم إلى أسفل سفل، ولو أراد ~~الله بالإنسان خيرا لجعل شغله وهمه كله، فيما يحمد غدا ولا يذم محله، فليس ~~ثم سوى نضرة النعيم أو عذاب الجحيم، ولكان عليه بخويصته، واستنقاذ مهجته، ~~وعمل صالح يستزيده، وعلم نافع يفيده أو يستفيد، جبر الله تعالى صدع قلوبنا، ~~وغفر عظيم ذنوبنا، وجعل جميع استعدادنا لمعادنا، وتوفر دواعينا فيما ينجينا ~~ويقربنا إليه زلفى، ويحظينا بمنه ورحمته. # ولما نويت تقريبه، ودجت تبويبه، ومهدت تأصيله وخلصت تفصيله، وانتحيت حصره ~~PageV01P007 # وتحصيله. # ترجمته (بالشفا بتعريف حقوق المصطفى) وحصرت الكلام فيه في أربعة أقسام: # (القسم الأول) في تعظيم العلي الأعلى، لقدر هذا النبي قولا وفعلا # وتوجه الكلام فيه في أربعة أبواب: # الباب الأول: في ثنائه تعالى عليه وإظهاره عظيم قدره لديه، وفيه عشرة ~~فصول. # الباب الثاني: في تكميله تعالى له المحاسن خلقا وخلقا وقرانه جميع ~~الفضائل الدينية والدنيوية فيه نسقا، وفيه سبعة وعشرين فصلا. # الباب الثالث: فيما ورد من صحيح الأخبار ومشهورها بعظيم قدره عند ربه ~~ومنزلته وما خصه الله به في الدارين من كرامته، وفيه اثنا عشر فصلا. # الباب الرابع: فيما أظهره الله تعالى على يديه من الآيات والمعجزات وشرفه ~~به من الخصائص والكرامات، وفيه ثلاثون فصلا. # (القسم الثاني) فيما يجب على الأنام من حقوقه عليه الصلاة والسلام # ويترتب القول فيه في أربعة أبواب: # الباب الأول: في فرض الإيمان به ووجوب طاعته واتباع سنته، وفيه خمسة ~~فصول. # الباب الثاني: في لزوم محبته ومناصحته، وفيه ستة فصول. # الباب الثالث: في تعظيم أمره ولزوم توقيره وبره، وفيه سبعة فصول # PageV01P008 # الباب الرابع: في حكم الصلاة عليه والتسليم وفرض ذلك وفضيلته، وفيه عشرة ~~فصول. # (القسم الثالث) فيما يستحيل في حقه صلى الله عليه وسلم وما يجوز عليه وما ~~يمتنع ويصح من الأمور البشرية أن يضاف إليه # وهذا القسم - أكرمك الله تعالى - هو سر الكتاب، ولباب ثمرة هذه الأبواب، ~~وما قبله له كالقواعد والتمهيدات، ms009 والدلائل على ما نورده فيه من النكت ~~البينات، وهو الحاكم على ما بعده، والمنجز من غرض هذا التأليف وعده، وعند ~~التقصى لموهدته، والتفصي عن عهدته، يشرق صدر العدو اللعين، ويشرق قلب ~~المؤمن باليقين، وتملأ أنواره جوانح صدره، ويقدر العاقل النبي حق قدره، ~~ويتحرر الكلام فيه في بابين: # الباب الأول: فيما يختص بالأمور الدينية ويتشبث به القول في العصمة وفيه ~~ستة عشر فصلا. PageV01P009 # الباب الثاني: في أحواله الدنيوية وما يجوز طروه عليه من الأعراض ~~البشرية، وفيه تسعة فصول. # (القسم الرابع) في تصرف وجوه الأحكام على من تنقصه أو سبه # صلى الله عليه وسلم، وينقسم الكلام فيه في بابين: # الباب الأول: في بيان ما هو في حقه سب ونقص من تعريض أو نص وفيه عشرة ~~فصول. # الباب الثاني: في حكم شانئه ومؤذيه ومنتقصه وعقوبته وذكر استتابته ~~والصلاة عليه ووراثته، وفيه عشرة فصول # وختمناه بباب ثالث جعلناه تكملة لهذه المسألة ووصلة للبابين اللذين قبله ~~في حكم من سب الله تعالى ورسله وملائكته وكتبه وآل النبي صلى الله عليه ~~وسلم وصحبه، واختصر الكلام فيه في خمسة فصول # وبتمامها ينتجز الكتاب، وتتم الأقسام والأبواب، ويلوح في غرة الإيمان ~~لمعة PageV01P010 # منيرة أو في تاج التراجم درة خطيرة، تزيح كل لبس، وتوضح كل تخمين وحدس: ~~وتشفي صدور قوم مؤمنين وتصدع بالحق وتعرض عن الجاهلين، وبالله تعالى - لا ~~إله سواه - أستعين. ### | القسم الأول (في تعظيم العلي الأعلى لقدر النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا) # قال الفقيه القاضي الإمام أبو الفضل وفقه الله تعالى وسدده: لاخفاء على ~~من مارس شيئا من العلم، أو خص بأدنى لمحة من الفهم: بتعظيم الله قدر نبينا ~~صلى الله عليه وسلم وخصوصه إياه بفضائل ومحاسن ومناقب لا تنضبط لزمام: ~~وتنويهه من عظيم قدره بما تكل عنه الألسنة والأقلام، فمنها ما صرح به تعالى ~~في كتاب: ونبه به على جليل PageV01P011 # نصابه، وأثنى به عليه من أخلاقه وآدابه، وحض العباد على التزامه وتقلد ~~إيجابه: فكان جل جلاله هو الذي تفضل وأولى. # ثم طهر وزكى، ms010 ثم مدح بذلك وأثنى، ثم أثاب عليه الجزاء الأوفى، فله الفضل ~~بدأ وعودا، والحمد أولى وأخرى، ومنها ما أبرزه للعيان من خلقه على أتم وجوه ~~الكمال والجلال، وتخصيصه بالمحاسن الجميلة والأخلاق الحميدة والمذاهب ~~الكريمة والفضائل العديدة وتأييده بالمعجزات الباهرة والبراهين الواضحة ~~والكرامات البينة: التي شاهدها من عاصره، ورآها من أدركه، وعلمها علم يقين ~~من جاء بعده، حتى انتهى علم حقيقة ذلك إلينا، وفاضت أنواره علينا: صلى الله ~~عليه وسلم كثيرا * حدثنا القاضي الشهيد أبو علي الحسين بن محمد الحافظ ~~قراءة مني عليه، قال حدثنا أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار وأبو الفضل ~~أحمد بن خيرون، قالا حدثنا أبو يعلى البغدادي، قال حدثنا أبو علي السنجي، ~~قال حدثنا محمد بن أحمد بن محبوب، قال حدثنا أبو عيسى بن سورة الحافظ. # قال حدثنا إسحاق بن منصور، PageV01P012 # حدثنا عبد الرزاق. # أنبأنا معمر عن قتادة عن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أتى بانبراق ليلة أسري به ملجما مسرجا، فاستصعب عليه، فقال له جبرئيل: ~~أبمحمد تفعل هذا، فما ركبك أحد أكرم على الله منه؟ قال فافرض عرقا. ### | الباب الأول في ثناء الله تعالى عليه وإظهاره عظيم قدره لديه # اعلم أن في كتاب الله العزيز آيات كثيرة مفصخة بجميل ذكر PageV01P013 # المصطفى صلى الله عليه وسلم وعد محاسنه وتعظيم أمره وتنويه قدره، اعتمدنا ~~منها على ما ظهر معناه وبان فحواه، وجمعنا ذلك في عشرة فصول: ### | (الفصل الأول) فيما جاء من ذلك مجئ المدح والثناء وتعداد المحاسن # كقوله تعالى (لقد جاءكم رسول من أنفسكم) الآية. # قال السمرقندي: وقرأ بعضهم (من أنفسكم) بفتح الفاء. # وقراءة الجمهور بالضم، قال الفقيه القاضي أبو الفضل وفقه الله تعالى: ~~أعلم الله تعالى المؤمنين أو العرب أو أهل مكة أو جميع الناس على اختلاف ~~المفسرين من المواجه بهذا الخطاب: أنه بعث فيهم رسولا من أنفسهم يعرفونه ~~ويتحققون مكانه ويعلمون صدقه وأمانته فلا يتهمونه بالكذب وترك النصيحة لهم: ~~لكونه منهم، وأنه لم تكن في العرب قبيلة إلا ولها على رسول ms011 الله عليه وسلم ~~ولادة أو قرابة، وهو عند ابن عباس وغيره معنى قوله تعالى (إلا المودة في ~~القربى) وكونه من أشرفهم وأرفعهم وأفضلهم على قراءة الفتح هذه نهاية المدح، ~~ثم وصفه بعد بأوصاف حميدة، وأثنى عليه بمحامد كثيرة: PageV01P014 # من حرصه على هدايتهم ورشدهم وإسلامهم وشدة ما يعنتهم ويضر بهم في دنياهم ~~وأخراهم وعزته عليه ورأفته ورحمته بمؤمنيهم، قال بعضهم أعطاه اسمين من ~~أسمائه رؤف رحيم ومثله في الآية الأخرى قوله تعالى (لفد من الله على ~~المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم) الآية وفي الآية الأخرى (هو الذي ~~بعث في الأميين رسولا منهم) الآية وقوله تعالى (كما أرسلنا فيكم رسولا ~~منكم) الآية، وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عنه صلى الله عليه وسلم ~~في قوله تعالى (من أنفسكم) قال نسبا وصهرا وحسبا ليس في آبائي من لدن آدم ~~سفاح كلها نكاح قال ابن الكلبي كتبت للنبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة أم ~~فما وجدت فيهم سفاحا ولا شيئا مما كان عليه الجاهلية، وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما في قوله تعالى (وتقلبك في الساجدين) قال من نبي إلى نبي حتى ~~PageV01P015 # أخرجتك نبيا، وقال جعفر بن محمد علم الله تعالى عجز خلقه عن طاعته فعرفهم ~~ذلك لكي يعلموا أنهم لا ينالون الصفو من خدمته، فأقام بينه وبينهم مخلوقا ~~من جلسهم في الصورة، ألبسه من نعته الرأفة والرحمة، وأخرجه إلى الخلق سفيرا ~~صادقا، وجعل طاعته طاعته، وموافقته موافقته فقال تعالى (من يطع الرسول فقد ~~أطاع الله) وقال الله تعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) قال أبو بكر ~~محمد بن طاهر: زين الله تعالى محمد صلى الله عليه وسلم بزينة الرحمة فكان ~~كونه رحمة وجميع شمائله وصفاته رحمة على الخلق، فمن أصابه شئ من رحمته فهو ~~الناجي في الدارين من كل مكروه والواصل فيهما إلى كل محبوب، ألا ترى أن ~~الله تعالى يقول (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) فكانت حياته رحمة ومماته ~~رحمة كما قال صلى الله عليه وسلم (حياتي ms012 خير لكم وموتي خير لكم) وكما قال ~~عليه الصلاة والسلام (إذا أراد الله رحمة بأمة قبض نبيها قبلها فجعله لها ~~فرطا وسلفا) وقال PageV01P016 # السمرقندي (رحمة للعالمين) يعني للجن والإنس، قيل لجميع الخلق: للمؤمن ~~رحمة بالهداية، ورحمة للمنافق بالأمان من القتل، ورحمة للكافر بتأخير ~~العذاب قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو رحمة للمؤمنين والكافرين، إذ عوفوا ~~مما أصاب غيرهم من الأمم المكذبة، وحكي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لجبريل عليه السلام (هل أصابك من هذه الرحمة شئ) قال: نعم، كنت أخشى ~~العاقبة فأمنت لثناء الله عز وجل علي بقوله (ذي قوة عند ذي العرش مكين. ~~مطاع ثم أمين) وروي عن جعفر بن محمد الصادق في قوله تعالى (فسلام لك من ~~أصحاب اليمين) أي بك إنما وقعت سلامتهم من أجل كرامة محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وقال الله تعالى (الله نور السماوات والأرض) - الآية قال كعب الأحبار ~~وابن جبير: المراد بالنور الثاني هنا: محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله ~~تعالى (مثل نوره) أي نور محمد صلى الله عليه وسلم، وقال سهل بن عبد الله: ~~المعنى الله هادي أهل السماوات والأرض، ثم قال مثل نور PageV01P017 # محمد إذ كان مستودعا في الأصلاب كمشكاة صفتها كذا، وأراد بالمصباح قلبه، ~~والزجاجة صدره: أي كأنه كوكب دري لما فيه من الإيمان والحكمة، يوقد من شجرة ~~مباركة: أي من نور إبراهيم عليه الصلاة والسلام، وضرب المثل بالشجرة ~~المباركة، وقوله: يكاد زيتها يضئ: أي تكاد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~تبين للناس قبل كلامه كهذا الزيت، وقد قيل في هذه الآية غير هذا والله ~~أعلم، وقد سماه الله تعالى في القرآن في غير هذا الموضع نورا وسراجا منيرا ~~فقال تعالى (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين) وقال تعالى (إنا أرسلناك ~~شاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا) ومن هذا قوله ~~تعالى (ألم نشرح لك صدرك) إلى آخر السورة، شرح: وسع، والمراد بالصدر هنا: ~~القلب، قال ابن عباس رضي الله عنهما: شرحه بنور ms013 الإسلام، وقال سهل: بنور ~~الرسالة، وقال الحسن: ملأه حكما وعلما، وقيل معناه: ألم يطهر قلبك حتى لا ~~يقبل الوسواس؟ (ووضعنا عنك وزرك، الذى أنقض PageV01P018 # ظهرك) : قيل ما سلف من ذنبك يعني قبل النبوة، وقيل أراد ثقل أيام ~~الجاهلية، وقيل أراد ما أثقل ظهره من الرسالة حتى بلغها. # حكاه الماوردي والسلمي، وقيل عصمناك ولولا ذلك لأثقلت الذنوب ظهرك. # حكاه السمرقندي، (ورفعنا لك ذكرك) : قال يحيى بن آدم: بالنبوة، وقيل إذا ~~ذكرت ذكرت معي في قول لا إله إلا الله محمد رسول الله، وقيل في الأذان ~~والإقامة، قال الفقيه القاضي أبو الفضل: هذا تقرير من الله جل اسمه لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم على عظيم نعمه لديه وشريف منزلته عنده وكرامته عليه بأن ~~شرح قلبه للإيمان والهداية ووسعه لوعي العلم وحمل الحكمة ورفع عنه ثقل أمور ~~الجاهلية عليه وبغضه لسيرها وما كانت عليه بظهور دينه على الدين كله وحط ~~عنه عهدة أعباء الرسالة والنبوة لتبليغه للناس ما نزل إليهم وتنويهه بعظيم ~~مكانه وجليل رتبته ورفعة ذكره وقرانه مع اسمه اسمه، قال قتادة: رفع الله ~~تعالى ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا يقول ~~أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله: وروى أبو سعيد الخدري رضي ~~الله عنه أن النبي صلى PageV01P019 # الله عليه وسلم قال: (أتاني جبريل عليه السلام فقال إن ربي وربك يقول: ~~تدري كيف رفعت ذكرك؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: إذا ذكرت ذكرت معي) قال ~~ابن عطاء: جعلت تمام الإيمان بذكرك معي، وقال أيضا: جعلتك ذكرا من ذكري فمن ~~ذكرك ذكرني. # وقال جعفر بن محمد الصادق: لا يذكرك أحد بالرسالة إلا ذكرني بالربوبية، ~~وأشار بعضهم في ذلك إلى مقام الشفاعة، ومن ذكره معه تعالى أن قرن طاعته ~~بطاعته واسمه باسمه فقال تعالى (وأطيعوا الله والرسول) ، (وآمنوا بالله ~~ورسوله) فجمع بينهما بواو العطف المشركة، ولا يجوز جمع هذا الكلام في غير ~~حقه صلى الله عليه وسلم. # حدثنا الشيخ أبو علي الحسين بن محمد ms014 الجياني الحافظ فيما أجازنيه وقرأته ~~على الثقة عنه، قال حدثنا أبو عمر النمري قال حدثنا أبو محمد بن عبد المؤمن ~~حدثنا أبو بكر بن داسة حدثنا أبو داود السجزي حدثنا أبو الوليد الطيالسي ~~حدثنا شعبة عن منصور عن عبد الله ابن يسار عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال PageV01P020 # لا يقولن أحدكم ما شاء الله وشاء فلان، ولكن ما شاء الله ثم شاء فلان، ~~قال الخطابي: أرشدهم صلى الله عليه وسلم إلى الأدب في تقديم مشيئة الله ~~تعالى على مشيئة من سواه، واختارها بثم التي هي للنسق والتراخي بخلاف الواو ~~التي هي للاشتراك، ومثله الحديث الآخر: أن خطيبا خطب عند النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصمها، فقال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم (بئس خطيب القوم أنت، قم - أو قال - اذهب) قال أبو سليمان: ~~كره منه الجمع بين الاسمين بحرف الكناية لما فيه من التسوية، وذهب غيره إلى ~~أنه إنما كره له الوقوف على يعصهما. # وقول أبي سليمان أصح لما روي في الحديث الصحيح أنه قال: ومن يعصهما فقد ~~غوى، ولم يذكر الوقوف على يعصهما، وقد اختلف المفسرون وأصحاب المعاني في ~~قوله تعالى (إن الله وملائكته PageV01P021 # يصلون على النبي) هل يصلون راجعة على الله تعالى والملائكة أم لا؟ فأجازه ~~بعضهم، ومنعه آخرون لعلة التشريك وخصوا الضمير بالملائكة وقدروا الآية: إن ~~الله يصلي وملائكته يصلون، وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: من فضيلتك ~~عند الله أن جعل طاعتك طاعته فقد قال تعالى) من يطع الرسول فقد أطاع الله) ~~وقد قال تعالى (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) الآيتين، وروي ~~أنه لما نزلت هذه الآية قالوا إن محمدا يريد أن نتخذه حنابا كما اتخذت ~~النصارى عيسى، فأنزل الله تعالى (قل أطيعوا الله والرسول) فقرن طاعته ~~بطاعته رغما لهم، وقد اختلف المفسرون في معنى قوله تعالى في أم الكتاب ~~(اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت ms015 عليهم) قفال أبو العالية والحسن ~~البصري: الصراط المستقيم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وخيار أهل بيته ~~وأصحابه، حكاه عنهما أبو الحسن الماوردي، وحكى مكي عنهما نحوه وقال هو رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وحكى أبو ~~الليث السمرقندي مثله عن أبي العالية في قوله تعالى PageV01P022 # (صراط الذين أنعمت عليهم) قال فبلغ ذلك الحسن فقال صدق والله ونصح. # وحكى الماوردي ذلك في تفسير (صراط الذين أنعمت عليهم) عن عبد الرحمان بن ~~زيد. # وحكى أبو عبد الرحمان السلمي عن بعضهم في تفسير قوله تعالى (فقد استمسك ~~بالعروة الوثقى) أنه محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل الإسلام، وقيل شهادة ~~التوحيد، وقال سهل في قوله تعالى (وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها) قال ~~نعمته بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقال تعالى (والذي جاء بالصدق وصدق به ~~أولئك هم المتقون) الآيتين: أكثر المفسرين على أن الذي جاء بالصدق هو محمد ~~صلى الله عليه وسلم، قال بعضهم: وهو الذي صدق به، وقرئ صدق بالتخفيف، وقال ~~غيرهم الذي صدق به المؤمنون، وقيل أبو بكر، وقيل على، وقيل غير هذا من ~~الأقوال، وعن مجاهد في قوله تعالى (ألا بذكر الله تطمئن القلوب) قال بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ### | ### | الفصل الثاني (في وصفه تعالى له بالشهادة وما يتعلق بها من الثناء والكرامة) # # قال الله تعالى (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا) الآية، ~~جمع الله تعالى له في هذه الآية ضروبا من رتب # PageV01P023 # الأثرة، وجملة أوصاف من المدحة، فجعله شاهدا على أمته لنفسه بإبلاغهم ~~الرسالة، وهي من خصائصه صلى الله عليه وسلم، ومبشرا لأهل طاعته، ونذيرا ~~لأهل معصيته، وداعيا إلى توحيده وعبادته، وسراجا منيرا يهتدى به للحق * ~~حدثنا الشيخ أبو محمد بن عتاب، حدثنا أبو القاسم حاتم بن محمد، حدثنا أبو ~~الحسن القابسي، حدثنا أبو زيد المروزي، حدثنا أبو عبد الله محمد بن يوسف، ~~حدثنا البخاري، حدثنا # محمد بن سنان، حدثنا فليح، حدثنا هلال عن عطاء بن ms016 يسار، قال: لقيت عبد ~~الله بن عمرو بن العاص فقلت أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~قال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي ~~إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك ~~PageV01P024 # المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة ~~السيئة ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء: بأن ~~يقولوا لا إله إلا الله، ويفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا) ~~وذكر مثله عن عبد الله بن سلام وكعب الأحبار، وفي بعض طرقه عن ابن إسحاق: ~~ولا صخب في الأسواق ولا متزيل بالفحش: ولا قوال للخنا، أسدده لكل جميل، ~~وأهب له كل خلق كريم، وأجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، والتقوى # ضميره، والحكمة معقوله، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، ~~والعدل سيرته، والحق شريعته، والهدى إمامه، والإسلام ملته، وأحمد اسمه، ~~أهدي به بعد الضلالة، وأعلم به PageV01P025 # بعد الجهالة، ورفع به بعد الخمالة، وأسمي به بعد النكرة، وأكثر به بعد ~~القلة، وأغني به بعد العيلة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين قلوب ~~مختلفة وأهواء متشتتة وأمم متفرقة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس) . # وفي حديث آخر: أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفته في التوراة: ~~(عبدي أحمد المختار، مولده بمكة، ومهاجره بالمدينة - أو قال طيبة - أمته ~~الحمادون لله على كل حال، وقال تعالى (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي) ~~الآيتين، وقد قال تعالى (فبما رحمة من الله لنت لهم) الآية، قال السمرقندي: # ذكرهم الله تعالى منته أنه جعل رسوله صلى الله عليه وسلم رحيما ~~بالمؤمنين، رئوفا، لين الجانت، ولو كان فظا خشنا في القول: لتفرقوا من ~~حوله، ولكن جعله الله تعالى: سمحا، سهلا، طلقا، برا، لطيفا: هكذا قاله ~~الضحاك. # وقال تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون ~~الرسول عليكم شهيدا) قال PageV01P026 # أبو الحسن القابسي: أبان الله تعالى فضل نبينا صلى الله عليه وسلم وفضل ~~أمته بهذه ms017 الآية، وفي قوله في الآية الأخرى (وفي هذا ليكون الرسول شهيدا ~~عليكم وتكونوا شهداء على الناس) وكذلك قوله تعالى (فكيف إذا جئنا من كل أمة ~~بشهيد) الآية، وقوله تعالى (وسطا) أي عدولا خيارا، ومعنى هذه الآية: وكما ~~هديناكم فكذلك خصصناكم وفضلناكم بأن جعلناكم أمة خيارا عدولا لتشهدوا ~~للأنبياء عليهم الصلاة والسلام على أممهم ويشهد لكم الرسول بالصدق، قيل إن ~~الله جل جلاله إذا سأل الأنبياء: هل بلغتم؟ فيقولون: نعم، فتقول أممهم: ما ~~جاءنا من بشير ولا نذير، فتشهد أمة محمد صلى الله عليه وسلم للأنبياء، ~~ويزكيهم النبي صلى الله عليه وسلم وقيل معنى الآية: إنكم حجة على كل من ~~خالفكم، # والرسول صلى الله عليه وسلم حجة عليكم، حكاه السمرقندي، وقال تعالى (وبشر ~~الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم) قال قتادة والحسن وزيد بن أسلم: قدم ~~صدق هو محمد صلى الله عليه وسلم يشفع لهم، وعن الحسن أيضا: هي مصيبتهم ~~بنبيهم، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه هي شفاعة نبيهم محمد صلى الله ~~عليه وسلم، هو شفيع صدق عند ربهم وقال سهل بن عبد الله التستري: هي سابقة ~~رحمة أودعها في محمد صلى الله # PageV01P027 # عليه وسلم وقال محمد بن علي الترمذي: هو إمام الصادقين والصديقين: الشفيع ~~المطاع، والسائل المجاب: محمد صلى الله عليه وسلم. # حكاه عنه السلمي ### | الفصل الثالث فيما ورد من خطابه إياه مورد الملاطفة والمبرة # فمن ذلك قوله تعالى (عفا الله عنك لم أذنت لهم) قال أبو محمد مكي قيل هذا ~~افتتاح كلام بمنزلة: أصلحك الله، وأعزك الله. # وقال عون بن عبد الله: أخبره بالعفو قبل أن يخبره بالذنب، حكى السمرقندي ~~عن بعضهم أن معناه: عافاك الله با سليم القلب لم أذنت لهم، قال ولو بدأ ~~النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: لم أذنت لهم، لخيف عليه أن ينشق قلبه من ~~هيبة هذا الكلام، لكن الله تعالى برحمته أخبره بالعفو حتى سكن قلبه، ثم قال ~~له: لم أذنت لهم بالتخلف حتى يتبين لك الصادق في عذره ms018 من الكاذب؟ وفي هذا ~~من عظيم منزلته عند الله ما لا يخفى على ذي لب، ومن إكرامه إياه وبره به ما ~~ينقطع دون معرفة غايته نياط القلب، قال PageV01P028 # نفطويه: ذهب ناس إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم معاتب بهذه الآية، ~~وحاشاه من ذلك، بل كان مخيرا، فلما أذن لهم أعلمه الله تعالى أنه لو لم ~~يأذن لهم لقعدوا لنفاقهم، وأنه لا حرج عليه في الإذن لهم. # قال الفقيه القاضي وفقه الله تعالى: يجب على المسلم المجاهد نفسه ارائض ~~بزمام الشريعة خلقه أن يتأدب بآداب القرآن في قوله وفعله ومعاطاته ~~ومحاوراته، فهو عنصر المعارف الحقيقة وروضة الآداب الدينية والدنيوية، ~~وليتأمل هذه الملاطفة العجيبة في السؤال من رب الأرباب: المنعم على الكل، ~~المستغني عن الجميع ويستشير ما فيها من الفوائد وكيف ابتدأ بالإكرام قبل ~~العتب، وآنس بالعفو قبل ذكر الذنب إن كان ثم ذنب. # وقال تعالى (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم PageV01P029 # شيئا قليلا) قال بعض المتكلمين: عاتل الله الأنبياء صلوات اللهم عليهم ~~بعد الزلات، وعاتب نبينا صلى الله عليه وسلم قبل وقوعه، ليكون بذلك أشد ~~انتهاء ومحافظة لشرائط المحبة، وهذه غاية العناية، ثم انظر كيف بدأ بثباته ~~وسلامته قبل ذكر ما عتبه عليه وخيف أن يركن إليه. # ففي أثناء عتبه براءته، وفي طي تخويفه تأمينه وكرامته، ومثله قوله تعالى ~~(قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك) الآية. # قال علي رضي الله عنه: قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا ~~نكذبك، ولكن نكذب مما جئت به، فأنزل الله تعالى (فإنهم لا يكذبونك) الآية. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كذبه قومه: حزن، فجاءه جبرئيل عليه ~~السلام فقال: ما يحزنك؟ قال: كذبني قومي، فقال إنهم يعلمون أنك صادق، فأنزل ~~الله تعالى الآية، ففي هذه الآية منزع لطيف المأخذ من تسليته تعالى له صلى ~~الله عليه وسلم، وإلطافه في القول: بأن قرر عنده أنه صادق عندهم، وأنهم غير ~~مكذبين له، معترفون بصدقه قولا واعتقادا، وقد ms019 كانوا يسمونه قبل النبوة ~~الأمين، فدفع بهذا التقرير ارتماض نفسه بسمة الكذب، ثم جعل PageV01P030 # الذم لهم بتسميتهم جاحدين ظالمين فقال تعالى (ولكن الظالمين بآيات الله ~~يجحدون) وحاشاه من الوصم، وطرقهم بالمعاندة بتكذيب الآيات حقيقة الظلم، إذ ~~الجحد إنما يكون ممن علم الشئ ثم أنكره كقوله تعالى (وجحدوا بها واستيقنتها ~~أنفسهم ظلما وعلوا) ثم عزاه وآنسه بما ذكره عمن قبله ووعده بالنصر بقوله ~~تعالى (ولقد كذبت رسل من قبلك) الآية، فمن قرأ لا يكذبونك بالتخفيف فمعاه ~~لا يجدونك كاذبا، وقال الفراء والكسائي: لا يقولون إنك كاذب، وقيل لا ~~يحتجون على كذبك ولا يثبتونه، ومن قرأ بالتشديد فمعناه لا ينسبونك إلى ~~الكذب، وقيل لا يتعقدون كذبك. # ومما ذكر من خصائصه وبر الله تعالى به أن الله تعالى خاطب جميع الأنبياء ~~بأسمائهم، فقال: يا آدم يا نوح يا إبراهيم يا موسى يا داود يا عيسى يا ~~زكريا يا يحيى، ولم يخاطب هو إلا: يا أيها الرسول، يا أيها النبي، يا أيها ~~المزمل، يا أيها المدثر. ### | الفصل الرابع في قسمه تعالى بعظيم قدره # قال الله تعالى: لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون) # اتفق أهل التفسير في هذا أنه قسم من الله جل جلاله بمدة حياة محمد صلى ~~الله عليه PageV01P031 # وسلم، وأصله ضم العين من العمر ولكنها فتحت لكثرة الاستعمال، ومعناه: ~~وبقائك يا محمد، وقيل وعيشك، وقيل: وحياتك، وهذه نهاية التعظيم وغاية البر ~~والتشريف. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما خلق # الله تعالى وما ذرأ وما برأ نفسا أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم. # وما سمعت الله تعالى أقسم بحياة أحد غيره، وقال أبو الجوزاء: ما أقسم ~~الله تعالى بحياة أحد غير محمد صلى الله عليه وسلم لأنه أكرم البرية عنده، ~~وقال تعالى (يس والقرآن الحكيم) الآيات، اختلف المفسرون في معنى (يس) على ~~أقوال، فحكى أبو محمد مكي أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لي ~~عند ربي عشرة أسماء ذكر منها منها أن طه ويس اسمان له، وحكى أبو ms020 عبد ~~الرحمان السلمي عن جعفر الصادق أنه أراد يا سيد مخاطبة لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم، وعن ابن عباس (يس) يا إنسان أراد محمدا صلى الله عليه وسلم، وقال هو ~~قسم وهو من أسماء الله تعالى وقال الزجاج قيل معناه يا محمد وقيل يا رجل ~~وقيل يا إنسان، وعن ابن الحنفية يس يا محمد وعن كعب يس قسم أقسم الله تعالى ~~به قبل أن يخلق السماء والأرض بألفي عام يا محمد إنك لمن المرسلين، ~~PageV01P032 # ثم قال (والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين) فإن قدر أنه من أسمائه صلى ~~الله عليه وسلم وصح فيه أنه قسم كان فيه من التعظيم ما تقدم ويؤكد فيه ~~القسم عطف القسم الآخر عليه وإن كان بمعنى النداء فقد جاء قسم آخر بعده ~~لتحقيق رسالته والشهادة بهدايته أقسم الله تعالى باسمه وكتابه أنه لمن ~~المرسلين بوحيه إلى عباده وعلى # صراط مستقيم من إيمانه أي طريق لا اعوجاج فيه ولا عدول عن الحق، قال ~~النقاش: لم يقسم الله تعالى لأحد من أنبيائه بالرسالة في كتابه إلا له. # وفيه من تعظيمه وتمجيده على تأويل من قال أنه يا سيد ما فيه، وقد قال صلى ~~الله عليه وسلم (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) وقال تعالى (لا أقسم بهذا البلد ~~وأنت حل بهذا البلد) قيل لا أقسم به إذا لم تكن فيه بعد خروجك منه حكاه ~~مكي، وقيل لا زائدة أي أقسم به وأنت به يا محمد حلال أو حل لك ما فعلت فيه ~~على التفسيرين، والمراد بالبلد عند هؤلاء مكة، وقال الواسى أي يحلف لك بهذا ~~البلد الذي شرفته بمكانك فيه حيا وببركتك ميتا يعني المدينة والأول أصح لأن ~~السورة مكية وما بعده يصححه قوله تعالى (حل بهذا البلد) ونحوه قول ابن عطاء ~~في تفسير قوله تعالى (وهذا البلد الأمين) قال أمنها الله تعالى بمقامه فيها ~~وكونه بها فإن كونه أمان حيث كان PageV01P033 # ثم قال تعالى (ووالد وما ولد) من قال أراد آدم فهو عام ومن قال هو ~~إبراهيم ms021 وما ولد فهي إن شاء الله تعالى إشارة إلى محمد صلى الله عليه وسلم ~~فتتضمن السورة القسم به صلى الله عليه وسلم في موضعين * وقال تعالى (الم ~~ذلك الكتاب لا ريب فيه) قال ابن عباس هذه الحروف أقسام أقسم الله تعالى ~~بها، وعنه وعن غيره فيها غير ذلك وقال سهل بن عبد الله التستري: الألف هو ~~الله تعالى واللام جبرئيل والميم محمد صلى الله عليه وسلم، وحكى هذا القول ~~السمرقندي ولم ينسبه إلى سهل وجعل معناه الله أنزل جبريل على محمد بهذا ~~القرآن لا ريب فيه، وعلى الوجه الأول يحتمل القسم أن هذا الكتاب حق لا ريب ~~فيه ثم # فيه من فضيلة قران اسمه باسمه نحو ما تقدم، وقال ابن عطاء في قوله تعالى ~~(ق والقرآن المجيد) أقسم بقوة قلب حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم حيث حمل ~~الخطاب والمشاهدة ولم يؤثر ذلك فيه لعلو حاله وقيل هو اسم للقرآن وقيل هو ~~اسم لله تعالى وقيل جبل محيط بالأرض وقيل غير هذا، وقال جعفر بن محمد في ~~تفسير (والنجم إذا هوى) أنه محمد صلى الله عليه وسلم وقال: النجم قلب محمد ~~صلى الله عليه وسلم، هوى انشرح من الأنوار وقال انقطع عن غير الله وقال ابن ~~عطاء في قوله تعالى (والفجر وليال عشر) الفجر محمد صلى الله عليه وسلم لأن ~~منه تفجر الإيمان. # PageV01P034 ### | الفصل الخامس في قسمه تعالى جده له لتحقق مكانته عنده # قال جل اسمه (والضحى والليل إذا سجى) السورة، اختلف في سبب نزول هذه ~~السورة فقيل كان ترك النبي صلى الله عليه وسلم قيام الليل لعذر نزل به ~~فتكلمت امرأة في ذلك بكلام وقيل بل تكلم به المشركون عند فترة الوحي فنزلت ~~السورة. # قال الفقيه القاضي وفقه الله تعالى: تضمنت هذه السورة من كرامة الله ~~تعالى له وتنويهه به وتعظيمه إياه ستة وجوه: الأول القسم له عما أخبره به ~~من حاله بقوله تعالى (والضحى والليل إذا سجى) أي ورب الضحى وهذا من أعظم ~~درجات المبرة، الثاني بيان مكانته ms022 عنده وحظوته لديه بقوله تعالى (ما ودعك ~~ربك وما قلى) أي ما تركك وما أبغضك وقيل ما أهملك بعد أن اصطفاك، الثالث ~~قوله تعالى (وللآخرة خير لك من الأولى) قال ابن إسحق أي مالك في مرجعك عند ~~الله أعظم مما أعطاك من كرامة الدنيا، وقال سهل: أي ما ادخرت لك من الشفاعة ~~والمقام المحمود خير لك PageV01P035 # مما أعطيتك في الدنيا، الرابع قوله تعالى (ولسوف يعطيك ربك فترضى) وهذه ~~آية جامعة لوجوه الكرامة وأنواع السعادة وشتات الإنعام في الدارين ~~والزيادة، قال ابن إسحق يرضيه بالفلج في الدنيا والثواب في الآخرة وقيل ~~يعطيه الحوض والشفاعة، وروي عن بعض آل النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~ليس آية في القرآن أرجى منها، ولا يرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يدخل أحد من أمته النار، الخامس ما عده تعالى عليه من نعمه وقرره من آلائه ~~قبله في بقية السورة منه دايته إلى ما هداه له أو هداية الناس به على ~~اختلاف التفاسير ولا مال له فأغناه بما آناه أو بما جعله في قلبه ~~PageV01P036 # من القناعة والغنى ويتيما فحدب عليه عمه وآواه إليه وقيل آواه إلى الله ~~وقيل يتيما لا مثال لك فآواك إليه، وقيل المعنى ألم يجدك فهدى بك ضالا ~~وأغنى بك عائلا وآوى بك يتيما؟ ذكره بهذه المنن وأنه على المعلوم من ~~التفسير لم يهمله في حال صغره وعيلته ويتمه وقبل معرفته به ولا ودعه ولا ~~قلاه فكيف بعد اختصاصه واصطفائه؟ السادس أمره بإظهار نعمته عليه وشكر ما ~~شرفه به بنشره وإشادة ذكره بقوله تعالى (وأما بنعمة ربك فحدث) فإن من شكر ~~النعمة التحدث بها وهذا خاص له عام لأمته * وقال تعالى (والنجم إذا هوى) ~~إلى قوله تعالى (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) اختلف المفسرون في قوله تعالى ~~(والنجم) بأقاويل معروفة منها النجم على ظاهره ومنها القرآن وعن جعفر بن ~~محمد أنه محمد صلى الله عليه وسلم وقال هو قلب محمد صلى الله عليه وسلم وقد ~~قيل في قوله ms023 تعالى (والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب) إن ~~النجم هنا أيضا محمد صلى الله عليه وسلم حكاه السلمي، تضمنت هذه الآيات من ~~فضله وشرفه العد ما يقف دونه العد وأقسم جل اسمه على PageV01P037 # هداية المصطفى وتنزيهه عن الهوى وصدقه فيما تلا وأنه وحي يوحى أوصله إليه ~~عن الله جبرئيل وهو الشديد القوى ثم أخبر تعالى عن قضيلته بقصة الإسراء ~~وانتهائه إلى سدرة المنتهى وتصديق بصره فيما رأى وأنه رأى من آيات ربه ~~الكبرى وقد نبه على مثل هذا في أول سورة الإسراء، ولما كان ما كاشفه صلى ~~الله عليه وسلم من ذلك الجبروت وشاهده من عجائب الملكوت لا تحيط به ~~العبارات ولا تستقل بحمل سماع أدناه العقول رمز عنه تعالى بالإيماء ~~والكناية الدالة على التعظيم فقال تعالى (فأوحى إلى عبده ما أوحى) وهذا ~~النوع من الكلام يسميه أهل النقد والبلاغة بالوحي والإشارة وهو عندهم أبلغ ~~أبواب الإيجاز وقال لقد رأى من آيات ربه الكبرى انحسرت الأفهام عن تفصيل ما ~~أوحى وتاهت الأحلام في تعيين تلك الآيات الكبرى، قال القاضي أبو الفضل ~~اشتملت هذه الآيات على إعلام الله تعالى بتزكية جملته صلى الله عليه وسلم ~~وعصمتها من الآفات في هذا المسرى فزكى فؤاده ولسانه وجوارحه، فقلبه بقوه ~~تعالى (ما كذب الفؤاد ما رأى) ولسانه بقوله (وما ينطق عن الهوى) وبصره ~~بقوله (ما زاغ البصر وما طغى * وقال تعالى (فلا أقسم بالخنس الجوار الكنس) ~~إلى قوله (وما هو بقول شيطان رجيم) PageV01P038 # لا أقسم أي أقسم إنه لقول رسول كريم أي كريم عند مرسله ذي قوة على تبليغ ~~ما حمله من الوحي مكين أي متمكن المنزلة من ربه رفيع المحل عنده مطاع ثم أي ~~في السماء أمين على الوحي، قال # علي بن عيسى وغيره: الرسول الكريم هنا محمد صلى الله عليه وسلم فجميع ~~الأوصاف بعد على هذا له وقال غيره هو جبريل فترجع الأوصاف إليه ولقد رآه ~~يعني محمد صلى الله عليه وسلم قيل رأى ربه وقيل رأى جبريل في صورته ms024 وما هو ~~على الغيب بظنين أي بمتهم ومن قرأها بالضاد فمعناه ما هو ببخيل بالدعاء به ~~والتذكير بحكمه وبعلمه وهذه لمحمد صلى الله عليه وسلم باتفاق * وقال تعالى ~~(ن والقلم) الآيات أقسم الله تعالى بما أقسم به من عظيم قسمه على تنزيه ~~المصطفى مما غمصته الكفرة به وتكذيبهم له وآنسه وبسط أمله بقوله محسنا ~~خطابه (ما أنت بنعمة ربك بمجنون) وهذه نهاية المبرة في المخاطبة وأعلى ~~درجات الآداب في المحاورة ثم أعلمه بما له عنده من نعيم دائم وثواب غير ~~منقطع لا يأخذه عد ولا يمن به عليه فقال وإن لك لأجرا غير ممنون ثم أثنى ~~عليه بما منحه من PageV01P039 # هباته وهداه إليه وأكد ذلك تتميما للتمجيد بحرفى التأكيد فقال تعالى ~~(وإنك لعلى خلق عظيم) قيل القرآن وقيل الإسلام وقيل الطبع الكريم وقيل ليس ~~لك همة إلا الله، قال الواسطي أثنى عليه بحسن قبوله لما أسداه إليه من نعمه ~~وفضله بذلك على غيره لأنه جبله على ذلك الخلق فسبحان اللطيف الكريم المحسن ~~الجواد الحميد الذي يسر للخير وهدى إليه، ثم أثنى على فاعله وجازاه عليه ~~سبحانه # ما أغمر نواله وأوسع إفضاله ثم سلاه عن قولهم بعد هذا بما وعده به من ~~عقابهم وتوعدهم بقوله (فستبصر ويبصرون) الثلاث الآيات ثم عطف بعد مدحه على ~~ذم عدوه وذكر سوء خلقه وعد معايبه متوليا ذلك بفضله ومنتصرا لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم فذكر بضع عشرة خصلة من خصال الذم فيه بقوله تعالى (فلا تطع ~~المكذبين) إلى قوله (أساطير الأولين) ثم ختم ذلك بالوعيد الصادق بتمام ~~شقائه وخاتمة بواره بقوله تعالى (سنسمه على الخرطوم) فكانت نصرة الله تعالى ~~لم أتم من نصرته لنفسه ورده تعالى على عدوه أبلغ من رده وأثبت في ديوان ~~مجده. PageV01P040 ### | الفصل السادس فيما ورد من قوله تعالى في جهته صلى الله عليه وسلم مورد الشفقة والإكرام # قال تعالى (طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) قيل طه اسم من أسمائه صلى ~~الله عليه وسلم وقيل هو اسم لله وقيل معناه يا ms025 رجل وقيل يا إنسان وقيل هي ~~حروف مقطعة لمعان، قال الواسطي أراد يا طاهر يا هادي وقيل هو أمر من الوطء ~~والهاء كناية عن الأرض أي اعتمد على الأرض بقدميك ولا تتعب نفسك بالاعتماد ~~على قدم واحدة # وهو قوله تعالى (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) نزلت الآية فيما كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يتكلفه من السهر والتعب وقيام الليل، أخبرنا القاضي أبو ~~عبد الله محمد بن عبد الرحمن وغير واحد عن القاضي أبو الوليد الباجي إجازة ~~ومن أصله نقلت قال حدثنا أبو ذر الحافظ PageV01P041 # حدثنا أبو محمد الحموي حدثنا إبراهيم بن خزيم الشاشي حدثنا عبد ابن حميد ~~حدثنا هاشم بن القاسم عن أبي جعفر عن الربيع بن أنس قال كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى فأنزل الله تعالى (طه) يعني طإ ~~الأرض يا محمد (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) الآية، ولا خفاء بما في هذا ~~كله من الإكرام وحسن المعاملة، وإن جعلنا طه من أسمائه صلى الله عليه وسلم ~~كما قيل أو جعلت قسما لحق الفصل بما قبله، ومثل هذا من نمط الشفقة والمبرة ~~قوله تعالى (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا) أي ~~قاتل نفسك لذلك غضبا أو غيظا أو جزعا ومثله قوله تعالى أيضا (لعلك باخع ~~نفسك ألا يكونوا مؤمنين) ثم قال تعالى (إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية ~~فظلت # أعناقهم لها خاضعين) * ومن هذا الباب قوله تعالى (فاصدع بما تؤمر وأعرض ~~عن المشركين) إلى قوله تعالى (ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون) إلى آخر ~~السورة وقوله (ولقد استهزئ برسل من قبلك) الآية قال مكي سلاه تعالى بما ذكر ~~وهون عليه PageV01P042 # ما يلقاه من المشركين وأعلمه أن من تمادى على ذلك يحل به ما حل بمن قبله ~~ومثل هذه التسلية قوله تعالى (وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك) ومن هذا ~~قوله تعالى (كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر ms026 أو مجنون) ~~عزاه الله تعالى بما أخبر به عن الأمم السالفة ومقالتها لأنبيائهم قبله ~~ومحنتهم بهم وسلاه بذلك عن محنته بمثله من كفار مكة وأنه ليس أول من لقي ~~ذلك ثم طيب نفسه وأبان عذره بقوله تعالى (فتول عنهم) أي أعرض عنهم (فما أنت ~~بملوم) أي في أداء ما بلغت وإبلاغ ما حملت ومثله قوله تعالى (واصبر لحكم ~~ربك فإنك بأعيننا) أي اصبر على أذاهم فإنك بحيث نراك ونحفظك، سلاه الله ~~تعالى بهذا في آي كثيرة من هذا المعنى. ### | الفصل السابع فيما أخبر الله تعالى به في كتابه العزيز من عظيم قدره وشريف منزلته على الأنبياء وحظوة رتبته عليهم # قال الله تعالى (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة) ~~إلى قوله (من الشاهدين) قال أبو الحسن القابسى استخص PageV01P043 # الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسقلم بفضل لم يؤته غيره أبانه به وهو ما ~~ذكره في هذه الآية، قال المفسرون أخذ الله الميثاق بالوحي فلم يبعث نبيا ~~إلا ذكر له محمدا ونعته وأخذ عليه ميثاقه إن أدركه لا يؤمنن به وقيل أن ~~يبينه لقومه ويأخذ ميثاقهم أن يبينوه لمن بعدهم، وقوله ثم جاءكم: الخطاب ~~لأهل الكتاب المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم، قال علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه لم يبعث الله نبيا من آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد ~~صلى الله عليه وسلم لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ويأخذن العهد بذلك ~~على قومه. # ونحوه عن السدي وقتادة في آي تضمنت فضله من غير وجه وحد: قال الله تعالى ~~(وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح) الآية وقال تعالى (إنا أوحينا ~~إليك كما أوحينا إلى نوح - إلى قوله - PageV01P044 # شهيدا) روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال في كلام بكى به النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك عند ~~الله أن بعثك آخر الأنبياء وذكرك في أولهم فقال (وإذ أخذنا ms027 من النبيين ~~ميثاقهم ومنك ومن نوح) الآية بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد بلغ من فضيلتك ~~عنده أن أهل النار يودون أن يكونوا أطاعوك وهم بين أطباقها يعذبون يقولون ~~يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا: قال قتادة إن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال كنت أول الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث فلذلك وقع ذكره مقدما ~~هنا قبل نوح وغيره قال السمرقندي في هذا تفضيل نبينا صلى الله عليه وسلم ~~لتخصيصه بالذكر قبلهم وهو آخرهم بعثا، المعنى أخذ الله تعالى عليهم الميثاق ~~إذ أخرجهم من ظهر آدم كالذر وقال تعالى (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) ~~الآية قال أهل التفسير أراد بقوله ورفع بعضهم درجات محمدا صلى الله عليه ~~وسلم لأنه بعث إلى الأحمر والأسود وأحلت له الغنائم وظهرت على يديه ~~المعجزات وليس أحد من الأنبياء أعطي فضيلة أو كرامة إلا وقد أعطى محمدا صلى ~~الله عليه وسلم مثلها قال بعضهم ومن فضله أن الله تعالى خاطب الأنبياء ~~بأسمائهم وخاطبه PageV01P045 # بالنبوة والرسالة في كتابه فقال يا أيها النبي ويا أيها الرسول وحكى ~~السمرقندي عن الكلبي في قوله تعالى (وإن من شيعته لإبراهيم) أن الهاء عائدة ~~على محمد صلى الله عليه وسلم أي إن من شيعة محمد لإبراهيم أي على دينه ~~ومنهاجه، وأجازه الفراء وحكاه عنه مكي، وقيل المراد نوح عليه السلام. ### | الفصل الثامن في إعلال الله تعالى خلقه بصلاته عليه وولايته له ورفعه العذاب بسببه # قال الله تعالى (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) أي ما كنت بمكة فلما ~~خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة وبقي فيها من بقي من المؤمنين نزل ~~(وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) وهذا مثل قوله (لو تزيلوا لعذبنا) ~~الآية وقوله تعالى (ولولا رجال مؤمنون) الآية فلما هاجر المؤمنون نزلت (وما ~~لهم ألا يعذبهم الله) وهذا من أبين ما يظهر مكانته صلى الله عليه وسلم ~~ودرأته العذاب عن أهل مكة بسبب كونه ثم كون أصحابه بعده بين أظهرهم فلما ~~خلت مكة منهم ms028 عذبهم الله بتسليط المؤمنين عليهم وغلبتهم إياهم وحكم فيهم ~~سيوفهم وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم وفي الآية أيضا تأويل آخر * حدثنا ~~القاضي الشهيد أبو علي رحمه الله بقراءتي عليه قال حدثنا أبو الفضل ~~PageV01P046 # ابن خيرون وأبو الحسين الصيرفي قالا حدثنا أبو يعلى بن زوج الحرة حدثنا ~~أبو علي السنجي حدثنا محمد بن محبوب المروزي حدثنا أبو عيسى الحافظ حدثنا ~~سفيان بن وكيع حدثنا ابن نمير عن إسمعيل بن إبراهيم # ابن مهاجر عن عباد بن يوسف عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل الله علي أمانين لأمتى: ما كان الله ~~ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون فإذا مضيت تركت فيكم ~~الاستغفار، ونحو منه قوله تعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) قال صلى ~~الله عليه وسلم أنا أمان لأصحابي. # قيل من البدع وقيل من الاختلاف والفتن قال بعضهم الرسول صلى الله عليه ~~وسلم هو الأمان الأعظم ما عاش وما دامت سنته باقية فهو باق فإذا أميتت سنته ~~فانتظروا البلاء والفتن وقال الله تعالى (إن الله وملائكته يلون على النبي) ~~الآية، أبان الله تعالى فضل نبيه صلى الله عليه وسلم بصلاته عليه ثم بصلاة ~~ملائكته وأمر عباده بالصلاة والتسليم عليه وقد حكى أبو بكر بن فورك أن بعض ~~العلماء تأول قوله صلى الله عليه وسلم وجعلت قرة عيني في الصلاة على هذا أي ~~في صلاة الله تعالى على PageV01P047 # وملائكته وأمره الأمة بذلك إلى يوم القيامة والصلاة من الملائكة ومنا له ~~دعاء ومن الله عز وجل رحمة وقيل يصلون يباركون وقد فرق النبي صلى الله عليه ~~وسلم حين علم الصلاة عليه بين لفظ الصلاة والبركة وسنذكر حكم الصلاة عليه ~~وذكر بعض المتكلمين في تفسير حروف (كهيعص) أن الكاف من كاف أي كفاية الله ~~لنبيه قال تعالى # (أليس الله بكاف عبده) والهاء هدايته له قال (ويهديك صراطا مستقيما) ~~والياء تأييده قال (وأيدك بنصره) والعين عصمته له قال: (والله يعصمك من ~~الناس) والصاد صلاته ms029 عليه قال (إن الله وملائكته يصلون على النبي) وقال ~~تعالى (وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه) الآية مولاه أي وليه وصالح ~~المؤمنين قيل الأنبياء وقيل الملائكة وقيل أبو بكر وعمر وقيل علي رضي الله ~~عنهم أجمعين وقيل المؤمنون على ظاهره. ### | الفصل التاسع فيما تضمنته سورة الفتح من كراماته صلى الله عليه وسلم # قال الله تعالى (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) إلى قوله تعالى (يد الله فوق ~~أيديهم) تضمنت هذه الآيات من فضله والثناء عليه وكريم منزلته عند الله ~~تعالى ونعمته لديه ما يقصر الوصف عن الانتهاء إليه فابتدأ جل جلاله بإعلامه ~~بما قضاه له من القضاء البين بظهور # PageV01P048 # وغلبته على عدوه وعلو كلمته وشريعته وأنه مغفور له غير مؤاخذ بما كان وما ~~يكون قال بعضهم أراد غفران ما وقع وما لم يقع أي أنك مغفور لك وقال مكي جعل ~~الله المنة سببا للمغفرة وكل من عنده لا إله غيره منة بعد منة وفضلا بعد ~~فضل ثم قال ويتم نعمته عليك قيل بخضوع من تكبر لك وقيل بفتح مكة والطائف ~~وقيل يرفع ذكرك في الدنيا وينصرك ويغفر لك فأعلمه تمام نعمته عليه بخضوع ~~متكبري عدوه له وفتح أهم البلاد عليه وأحبها له ورفع ذكره وهدايته الصراط ~~المستقيم المبلغ الجنة والسعادة ونصره النصر العزيز ومنته على أمته # المؤمنين بالسكينة والطمأنينة التي جعلها في قلوبهم وبشارتهم بما لهم عند ~~ربهم بعد وفوزهم العظيم والعفو عنهم والستر لذنوبهم وهلاك عدوه في الدنيا ~~والآخرة ولعنهم وبعدهم من رحمته وسوء منقلبهم ثم قال (إنا أرسلناك شاهدا ~~ومبشرا ونذيرا) الآية فعد محاسنه وخصائصه من شهادته على أمته لنفسه بتبليغه ~~الرسالة لهم وقيل شاهدا لهم بالتوحيد ومبشرا لأمته بالثواب وقيل بالمغفرة ~~ومنذرا عدوه بالعذاب وقيل مخدرا من الضلالات ليؤمن بالله تم به من سبقت له ~~من الله الحسنى ويعزروه أي يجلونه وقيل ينصرونه وقيل يبالغون في تعظيمه ~~ويوقروه أي يعظمونه وقرأه PageV01P049 # بعضهم (ويعززوه) بزاءين من العز والأكثر والأظهر أن هذا في حق محمد صلى ~~الله عليه وسلم ms030 ثم قال (ويسبحوه) فهذا راجع إلى الله تعالى قال ابن عطاء ~~جمع للنبي صلى الله عليه وسلم في هذه السورة نعم مختلفة من الفتح المبين ~~وهي من أعلام الإجابة والمغفرة وهي من أعلام المحبة وتمام النعمة وهي من ~~أعلام الاختصاص والهداية وهي من أعلام الولاية فالمغفرة تبرئه من العيوب ~~وتمام النعمة إبلاغ الدرجة الكاملة والهداية وهي الدعوة إلى المشاهدة: وقال ~~جعفر بن محمد من تمام نعمته عليه أن جعله حبيبه وأقسم بحياته ونسخ به شرائع ~~غيره وعرج به إلى المحل الأعلى وحفظه في المعراج حتى ما زاغ البصر وما طغى ~~وبعثه إلى الأحمر والأسود وأحل له ولأمته الغنائم وجعله شفعا مشفعا وسيد ~~ولد آدم وقرن ذكره بذكره ورضاه برضاه وجعله أحد ركني التوحيد # ثم قال (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله) يعني بيعة الرضوان أي إنما ~~يبايعون الله ببيعتهم إياك (يد الله فوق أيديهم) يريد عند البيعة قيل قوة ~~الله وقيل ثوابه وقيل منته وقيل عقده، وهذه استعارات وتجنيس في الكلام ~~وتأكيد لعقد بيعتهم إياه وعظم شأن المبايع صلى الله عليه وسلم وقد يكون من ~~هذا قوله تعالى (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله ~~رمى) وإن كان الأول PageV01P050 # في باب المجاز وهذا في باب الحقيقة لأن القاتل والرامي بالحقيقة هو الله ~~وهو خالق فعله ورميه وقدرته عليه ومشيئته ولأنه ليس في قدرة البشر توصيل ~~تلك الرمية حيث وصلت حتى لم يبق منهم من لم تملأ عينيه وكذلك قتل الملائكة ~~لهم حقيقة وقد قيل في هذه الآية الأخرى إنها على المجاز العربي ومقابلة ~~اللفظ ومناسبته أي ما قتلتموهم وما رميتهم أنت إذا رميت وجوههم بالحصباء ~~والتراب ولكن الله رمى قلوبهم بالجزع أي أن منفعة الرمي كانت من فعل الله ~~فهو القاتل والرامي بالمعنى وأنت بالاسم. ### | الفصل العاشر فيما أظهره الله تعالى في كتابه العزيز من كرامته عليه ومكانته عنده وما خصه به من ذلك سوى ما انتظم فيما ذكرناه قبل: # من ذلك ما قصه تعالى من ms031 قصة الإسراء في سورة سبحان، والنجم، وما انطوت ~~عليه القصة من عظيم منزلته وقربه ومشاهدته ما شاهد من العجائب، ومن ذلك ~~عصمته من الناس بقوله تعالى (والله يعصمك من الناس) وقوله تعالى (وإذ يمكر ~~بك الذين كفروا) الآية وقوله (إلا تنصروه فقد نصره الله) وما دفع الله به ~~عنه في هذه القصة من أذاهم بعد تحريهم لهلكه وخلوصهم بحيا في أمر ~~PageV01P051 # والأخذ على أبصارهم عند خروجه عليهم وذهولهم عن طلبه في الاغر وما ظهر في ~~ذلك من الآيات ونزول السكينة عليه وقصة سراقة بن مالك حسبما ذكره أهل ~~الحديث والسير في قصة الغار وحديث الهجرة ومنه قوله تعالى (إنا أعطيناك ~~الكوثر، فصل لربك وانحر، إن شانئك هو الأبتر) أعلمه الله تعالى بما أعطاه، ~~والكوثر حوضه وقيل نهر في الجنة وقيل الخبر الكثير وقيل الشفاعة وقيل ~~المعجزات الكثيرة وقيل النبوة وقيل المعرفة، ثم أجاب عنه عدووه ورد عليه ~~قوله فقال تعالى (إن شانئك هو الأبتر) أي عدوك ومبغضك، والأبتر الحقير ~~الذليل أو المفرد الوحيد أو الذي لا خير فيه وقال تعالى (ولقد آتيناك سبعا ~~من المثاني والقرآن العظيم) قيل السبع المثاني السور الطوال الأول والقرآن ~~العظيم أم القرآن، وقيل السبع المثاني أم القرآن والقرآن العظيم سائره وقيل ~~السبع المثاني ما في القرآن من أمر ونهي وبشرى وإنذار وضرب مثل PageV01P052 # وإعداد نعم وآتيناك نبأ القرآن العظيم وقيل سميت أم القرآن مثاني لأنها ~~نثى في كل ركعة وقيل بل الله تعالى استثناها لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وذخرها له دون الأنبياء وسمي القرآن مثاني لأن القصص نثى فيه وقيل السبع ~~المثاني أكرمناك بسبع كرامات: الهدى والنبوة والرحمة والشفاعة والولاية ~~والتعظيم والكسينة وقال (وأنزلنا إليك الذكر) الآية وقال (وما أرسلناك إلا ~~كافة للناس بشيرا ونذيرا) وقال تعالى (قل يا أيها الناس إني رسول الله ~~إليكم جميعا) الآية قال القاضي رحمه الله فهذه من خصائصه وقال تعالى (وما ~~أرسلنا من رسول إلا بلسنان قومه ليبين لهم) فخصهم بقومهم وبعث محمدا صلى ~~الله عليه وسلم إلى ms032 الخلق كافة كما قال صلى الله عليه وسلم (بعثت إلى ~~الأحمر والأسود) وقال تعالى (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه ~~أمهاتهم) قال أهل التفسير أولى بالمؤمنين من أنفسهم أي ما أنفذه فيهم من ~~أمر فهو ماض عليه كما يمضي حكم السيد على عبده وقيل اتباع أمره أولى من ~~اتباع رأي النفس وأزواجه أمهاتهم أي هن في الحرمة كالأمهات حرم نكاحهن ~~عليهم بعده تكرمة له وخصوصية ولأنهن له أزواج في الجنة وقد قرئ وهو أب لهم ~~ولا يقرأ به الآن لمخالفته المصحف وقال الله تعالى PageV01P053 # (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة) الآية قيل فضله العظيم بالنبوة وقيل ~~بما سبق له في الأزل وأشار الواسطي إلى أنها إشارة إلى احتمال الرؤية التي ~~لم يحتملها موسى عليه السلام. ### | الباب الثاني في تكميل الله تعالى له المحاسن خلقا وخلقا وقرانه جميع الفضائل الدينية والدنيوية فيه نسقا # اعلم أيها المحب لهذا النبي الكريم الباحث عن تفاصيل جمل قدره العظيم أن ~~خصال الجمال والكمال في البشر نوعان: ضروري دنيوي اقتضته الجبلة وضرورة ~~الحياة الدنيا، ومكتسب ديني وهو ما يحمد فاعله ويقرب إلى الله تعالى زلفى، ~~ثم هي على فنين أيضا منها ما يتخلص لأحد الوصفين ومنها ما يتمازج ويتداخل ~~فأما الضروري المحض فما ليس للمرء فيه اختيار ولا اكتساب مثل ما كان في ~~حملته من كمال خلقته وجمال صورته وقوة عقله وصحة فهمه وفصاحة لسانه وقوة ~~حواسه وأعظائه واعتدال حركاته وشرف نسبه وعزة قومه وكرم أرضه ويلحق به ما ~~تدعوه ضرورة حياته إليه من غذائه ونومه PageV01P054 # وملبسه ومسكنه ومنكحه وماله وجاهه، وقد تلحق هذه الخصال الآخرة بالأخروية ~~إذا قصد بها التقوى ومعونة البدن على سلوك طريقها وكانت على حدود الضرورة ~~وقواعد الشريعة، وأما المكتسبة الأخروية فسائر الأخلاق العلمية والآداب ~~الشرعية من الدين والعلم والحلم والصبر والشكر والعدل والزهد والتواضع ~~والعفو والعفة والجود والشجاعة والحياء والمروءة والصمت والتؤدة والوقار ~~والرحمة وحسن الأدب والمعاشرة وأخواتها وهي التي جماعها: حسن الخلق. # وقد يكون من هذه الأخلاق ما هو في الغريزة ms033 وأصل الجبلة لبعض الناس وبعضهم ~~لا نكون فيه فيكتسبها ولكنه لا بد أن يكون فيه من أصولها في أصل الجبلة ~~شعبة كما سنبينه إن شاء الله تعالى وتكون هذه الأخلاق دنيوية إذا لم يرد ~~بها وجه الله والدار الآخرة ولكنها كلها محاسن وفضائل باتفاق أصحاب العقول ~~السليمة وإن اختلفوا في موجب حسنها وتفضيلها. ### | (فصل) # قال القاضي إذا كانت خصال الكمال والجلال ما ذكرناه ورأينا الواحد منا ~~يتشرف بواحدة منها أو اثنتين إن اتفقت له في كل عصر إما من نسب أو جمال أو ~~قوة أو علم أو حلم أو شجاعة PageV01P055 # أو سماحة حتى يعظم قدره ويضرب باسمه الأمثال ويتقرر له بالوصف بذلك في ~~القلوب أثرة وعظمة وهو منذ عصور خوال رمم بوال فما ظنك بعظيم قدر من اجتمعت ~~فيه كل هذه الخصال إلى ما لا يأخذه عد ولا يعبر عنه مقال ولا ينال بكسب ولا ~~حيلة إلا بتخصيص الكبير المتعال من فضيلة النبوة والرسالة والخلة والمحبة ~~والاصطفاء والإسراء والرؤية والقرب والدنو والوحي والشفاعة والوسيلة ~~والفضيلة والدرجة الرفيعة والمقام المحمود والبراق والمعراج والبعث إلى ~~الأحمر والأسود والصلاة بالأنبياء والشهادة بين الأنبياء والأمم وسيادة ولد ~~آدم ولواء الحمد والبشارة والنذارة والمكانة عند ذي العرش والطاعة ثم ~~والأمانة والهداية ورحمة للعالمين وإعطاء الرضى والسؤل والكوثر وسماع القول ~~وإتمام النعمة والعفو عما تقدم وما تأخر وشرح الصدر ووضع الإصر ورفع الذكر ~~وعزة النصر ونزول السكينة والتأييد بالملائكة وإيناء الكتاب والحكمة والسبع ~~PageV01P056 # المثاني والقرآن العظيم وتزكيه الأمة والدعاء إلى الله وصلاة الله تعالى ~~والملائكة والحكم بين الناس بما أراه الله ووضع الإصر والأغلال عنهم والقسم ~~باسمه وإجابة دعوته وتكليم الجمادات والعجم وإحياء الموتى وإسماع الصم ونبع ~~الماء من بين أصابعه وتكثير القليل وانشقاق # القمر ورد الشمس وقلب الأعيان والنصر بالرعب والاطلاع على الغيب وظل ~~الغمام وتسبيح الحصى وإبراء الآلام والعصمة من الناس إلى مالا بحويه محتفل ~~ولا يحيط بعلمه إلا ما نحه ذلك ومفضله به لا إله غيره إلى ما أعد له في ~~الدار الآخرة ms034 من منازل الكرامة ودرجات القدس ومراتب السعادة والحسنى ~~والزيادة التي تقف دونها العقول ويحار دون إدراكها الوهم. # (فصل) # إن قلت أكرمك الله لا خفاء على القطع بالجملة أنه صلى الله عليه وسلم ~~أعلى الناس قدرا وأعظمهم محلا وأكملهم محاسن PageV01P057 # وفضلا وقد ذهبت في تفاصيل خصال الكمال مذهبا جميلا شوقني إلى أن أقف ~~عليها من أوصافه صلى الله عليه وسلم تفصيلا * فاعلم نور الله قلبي وقلبك ~~وضاعف في هذا النبي الكريم حبي وحبك أنك إذا نظرت إلى خصال الكمال التي هي ~~غير مكتسبة وفي جبلة الخلقة وجدته صلى الله عليه وسلم حائزا لجميعها محيطا ~~بشتات محاسنها دون خلاف بين نقلة الأخبار لذلك بل قد بلغ بعضها مبلغ القطع، ~~أما الصورة وجمالها تناسب أعضائه في حسنها فقد جاءت الآثار الصحيحة # والمشهورة الكثيرة بذلك من حديث علي وأنس بن مالك وأبي هريرة والبراء بن ~~عازب وعائشة أم المؤمنين وابن أبي هالة PageV01P058 # وأبي جحيفة وجابر بن سمرة وأم معبد وابن عباس ومعرض بن معيقيب وأبي ~~الطفيل والعداء بن خالد وخريم بن فاتك وحكيم بن حزام وغيرهم رضي الله عنهم ~~من أنه صلى الله عليه وسلم كان أزهر اللون أدعج أبحل أشكل أهدب الأشفار ~~أبلج أزج أقنى أفلج مدور الوجه واسع PageV01P059 # الجبين كث اللحية تملأ صدره سواء البطن والصدر واسع الصدر عظيم المنكبين ~~ضخم العظام عبل العضدين والذراعين والأسافل رحب الكفين والقدمين سائل ~~الأطراف أنور المتجرد دقيق المسربة ربعة القد ليس بالطويل البائن ولا ~~القصير المتردد ومع ذلك فلم يكن # يماشيه أحد ينسب إلى الطول إلا طاله صلى الله عليه وسلم رجل الشعر إذا ~~افتر ضاحكا افتر عن مثل سنا البرق وعن مثل حب الغمام، إذا تكلم رئ كالنور ~~يخرج من ثناياه، أحسن الناس عنقا ليس بمطهم ولا مكلثم متماسك البدن ضرب ~~اللحم، قال البراء ما رأيت PageV01P060 # من ذي لمة في حلة حمراء أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أبو ~~هريرة رضي الله عنه ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله صلى ms035 الله عليه وسلم كأن ~~الشمس تجري في وجهه وإذا ضحك يتلألأ في الجدر وقال جابر بن سمرة وقال له ~~رجل: كان وجهه صلى الله عليه وسلم مثل # السيف؟ فقال لا بل مثل الشمس والقمر وكان مستديرا وقالت أم معبد في بعض ~~ما وصفته به: أجمل الناس من بعيد وأحلاه وأحسنه من قريب وفي حديث ابن أبي ~~هالة يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر وقال علي رضي الله عنه في آخر ~~وصفه له: من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه يقول ناعته لم أر قبله ~~ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم، والأحاديث في بسط صفته مشهورة كثيرة فلا ~~نطول بسردها وقد اختصرنا في وصفه نكت ما جاء فيها وجملة مما فيه كفاية في ~~القصد إلى المطلوب وختمنا هذه الفصول بحديث جامع لذلك نقف عليه هناك إن شاء ~~الله تعالى. ### | (فصل) وأما نظافة جسمه وطيب ريحه وعرقه ونزاهته عن الأقذار وعورات الجسد # فكان قد خصه الله تعالى في ذلك بخصائص لم توجد في غيره ثم تممها بنظافة ~~الشرع وخصال الفطرة العشر وقال PageV01P061 # بني الدين على النظافة * حدثنا سفيان بن العاصي وغير واحد قالوا حدثنا ~~أحمد بن عمر قال حدثنا أبو العباس الرازي قال حدثنا أبو أحمد الجلودي قال ~~حدثنا ابن سفيان قال حدثنا مسلم قال حدثنا قتيبة حدثنا جعفر بن سليمان عن ~~ثابت عن أنس قال ما شممت عنبرا قط ولا مسكا ولا شيئا أطيب من ريح رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم * وعن جابر بن سمرة أنه صلى الله عليه وسلم مسح خده قال ~~فوجدت ليده بردا # وريحا كأنما أخرجها من جؤنة عطار قال غيره مسها بطيب أم لم يمسها يصافح ~~المصافح فيظل يومه يجد ريحها ويضع يده على رأس الصبي فيعرف من بين الصبيان ~~بريحها ونام رسول الله صلى الله عليه PageV01P062 # وسلم في دار أنس فعرق فجاءت أمه بقارورة تجمع فيها عرقه فسألها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقالت نجعله في طيبنا وهو من أطيب ms036 الطيب وذكر ~~البخاري في تاريخه الكبير عن جابر لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يمر في ~~طريق فيتبعه أحد إلا عرف أنه سلكه من طيبه وذكر إسحاق بن راهويه أن تلك ~~كانت رائحته بلا طيب صلى الله عليه وسلم وروى المزني والحربي عن جابر ~~أردفني النبي صلى الله عليه وسلم خلفه فالتقمت خاتم النبوة بفمي فكان ينم ~~علي مسكا وقد # حكى بعض المعتنين بأخباره وشمائله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أراد ~~أن يتغوط انشقت الأرض فابتلعت غائطه وبوله وفاحت لذلك رائحة طيبة صلى الله ~~عليه وسلم وأسند محمد بن سعد كاتب الواقدي في هذا خبرا عن عائشة رضي الله ~~عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم إنك تأتي الخلاء فلا نرى منك شيئا ~~من الأذى فقال يا عائشة أو ما علمت أن الأرض تبتلع ما يخرج من الأنبياء فلا ~~يرى منه شئ؟ وهذا PageV01P063 # الخبر وإن لم يكن مشهورا فقد قال قوم من أهل العلم بطهارة هذين الحدثين ~~منه صلى الله عليه وسلم وهو قول بعض أصحاب الشافعي حكاه الإمام أبو نصر بن ~~الصباغ في شامله وقد حكى القولين عن العلماء في ذلك أبو بكر بن سابق ~~المالكي في كتابه البديع في فروع المالكية وتخريج ما لم يقع لهم منها على ~~مذهبهم من تفاريع الشافعية وشاهد هذا أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن منه شئ ~~يكره ولا غير طيب * ومنه حديث علي رضي الله عنه غسلت النبي صلى الله عليه ~~وسلم فذهبت أنظر ما يكون من الميت فلم أجد شيئا فقلت طبت حيا وميتا قال ~~وسطعت منه ريح طيبة لم نجد مثلها قط ومثله قال أبو بكر رضي الله عنه حين ~~قبل النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته * ومنه شرب مالك بن سنان دمه يوم ~~أحد ومصه إياه وتسويغه صلى الله # عليه وسلم ذلك له وقوله له لن تصيبه النار، ومثله شرب عبد الله بن الزبير ~~دم حجامته فقال عليه السلام ويل لك من الناس ms037 وويل لهم منك PageV01P064 # ولم ينكر عليه وقد روي نحو من هذا عنه في امرأة شربت بوله فقال لها لن ~~تشتكي وجع بطنك أبدا، ولم يأمر واحدا منهم بغسل فم ولا نهاه عن عودة. # وحديث هذه المرأة التي شربت بوله صحيح ألزم الدارقطني مسلما والبخاري ~~إخراجه في الصحيح، واسم هذه المرأة بركة واختلف في نسبها وقيل هي أم أيمن ~~وكانت تخدم النبي صلى الله عليه وسلم، قالت وكان لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قدح من عيدان يوضع تحت سريره يبول فيه من الليل فبال فيه ليلة ثم ~~افتقده فلم يجد فيه شيئا فسأل بركة عنه فقالت قمت وأنا عطشانة فشربته وأنا ~~لا أعلم، روى حديثها ابن جريج وغيره وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد ولد ~~مختونا PageV01P065 # مقطوع السرة وروي عن أمه آمنة أنها قالت ولدته نظيفا ما به قذر، وعن ~~عائشة رضي الله عنها ما رأيت فرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قط، وعن علي ~~رضي الله عنه أوصاني النبي صلى الله عليه وسلم لا يغسله غيري فإنه لا يرى ~~أحد عورتي إلا طمست عيناه، وفي حديث عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه ~~صلى الله عليه وسلم نام حتى سمع له غطيط فقام فصلى ولم يتوظأ قال عكرمة ~~لأنه صلى الله عليه وسلم كان محفوظا. ### | (فصل) وأما وفور عقله وذكاء لبه وقوة حواسه وفصاحة لسانه واعتدال حركاته وحسن شمائله # فلا مرية أنه كان أعقل الناس وأذكاهم، ومن تأمل تدبيره أمر بواطن الخلق ~~وظواهرهم وسياسة العامة والخاصة PageV01P066 # مع عجب شمائله وبديع سيره فضلا عما أفاضه من العلم وقرره من الشرع دون ~~تعلم سبق ولا ممارسة تقدمت ولا مطالعة للكتب منه: لم يمتر في رجحان عقله ~~وثقوب فهمه لأول بديهة، وهذا مما لا يحتاج إلى تقريره لتحققه وقد قال وهب ~~بن منبه قرأت في أحد وسبعين كتابا فوجدت في جميعها أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أرجح الناس عقلا وأفضلهم رأيا وفي رواية أخرى فوجدت في جميعها أن ms038 الله ~~تعالى لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها من العقل في جنب عقله ~~صلى الله عليه وسلم إلا كحبة رمل من بين رمال الدنيا، وقال مجاهد كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا قام في الصلاة يرى من خلفه كما يرى من بين ~~يديه وبه فسر قوله تعالى (وتقلبك في الساجدين) وفي # الموطأ عنه عليه السلام (إني لأراكم من وراء ظهري) ونحوه عن أنس في ~~الصحيحين، وعن عائشة رضي الله عنها مثله قالت زيادة زاده الله PageV01P067 # إياها في حجته وفي بعض الروايات إني لأنظر من ورائي كما أنظر من بين يدي ~~وفي أخرى إني لأبصر من قفاي كما أبصر من بين يدي وحكى بقي بن مخلد عن عائشة ~~رضي الله عنها كان النبي صلى الله عليه وسلم يرى في الظلمة كما يرى في ~~الضوء. # والأخبار كثيرة صحيحة في رؤيته صلى الله عليه وسلم الملائكة والشياطين، ~~ورفع النجاشي له حتى صلى عليه وبيت المقدس حين وصفه لقريش والكعبة حين بنى ~~مسجده. # وقد حكي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يرى في الثريا أحد عشر نجما وهذه ~~كلها محمولة على رؤية العين وهو قول أحمد بن حنبل وغيره وذهب بعضهم إلى ~~ردها إلى العلم، والظواهر تخالفه ولا إحالة في ذلك وهي من خواص الأنبياء ~~وخصالهم كما أخبرنا أبو محمد عبد الله ابن أحمد العدل من كتابه حدثنا أبو ~~الحسن المقري الفرغاني حدثتنا # أم القاسم بنت أبي بكر عن أبها حدثنا الشريف أبو الحسن علي بن محمد ~~الحسني حدثنا محمد بن محمد بن سعيد حدثنا محمد بن أحمد بن PageV01P068 # محمد بن سليمان حدثنا محمد بن مرزوق حدثنا همام حدثنا الحسن عن قتادة عن ~~يحيى بن وثاب عن أبى هرير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~(لما تجلى الله عز وجل لموسى عليه السلام كان يبصر النملة على الصفا في ~~الليلة الظلماء مسيرة عشرة فراسخ) ولا يبعد على هذا أن يختص نبينا صلى الله ~~عليه ms039 وسلم بما ذكرناه من هذا الباب بعد الإسراء والحظوة بما رأى من آيات ~~ربه الكبرى * وقد جاءت الأخبار بأنه صرع ركانه أشد أهل وقته وكان دعاه إلى ~~الإسلام وصارع أبا ركانة في الجاهلية وكان شديدا وعاوده ثلاث مرات كل ذلك ~~يصرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أبو هريرة رضي الله عنه ما رأيت ~~أحدا أسرع من رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشيه كأنما الأرض تطوى له، ~~إنا لنجهد أنفسنا وهو غير مكترث. PageV01P069 # وفي صفته عليه السلام أن ضحكه كان تبسما إذا التفت التفت معا وإذا مشي ~~مشي تقلعا كأنما ينحط من صبب. ### | (فصل) وأما فصاحة اللسان وبلاغة القول # فقد كان صلى الله عليه وسلم من ذلك بالمحل الأفضل والموضع الذي لا يحهل ~~سلاسة طبع وبراعة منزع وإيجاز مقطع ونصاعة لفظ وجزالة قول وصحة معان وقلة ~~تكلف أوتي جوامع الكلم وخص ببدائع الحكم وعلم ألسنة العرب فكان يخاطب كل ~~أمة منها بلسانها ويحاورها بلغتها ويباريها في منزع بلاغتها حتى كان كثير ~~من أصحابه يسألونه في غير موطن عن شرح كلامه وتفسير قوله. # من تأمل حديثه وسيره علم ذلك وتحققه وليس كلامه مع قريش والأنصار وأهل ~~الحجاز ونجد ككلامه مع ذى المشعار PageV01P070 # الهمداني وطهفة النهدي، وقطن بن حارثة العليمي والأشعث بن قيس ووائل بن ~~حجر الكندي وغيرهم من أقيال حضرموت وملوك اليمن، وانظر كتابه إلى همدان: ~~(إن لكم فراعها ووهاطها وعزازها. # تأكلون علافها، وترعون عفاءها، لنا من دفئهم وصرامهم ما سلموا بالميثاق ~~والأمانة. # ولهم من الصدقة الثلب PageV01P071 # والناب والفصيل والفارض الداجن والكبش الحواري وعليهم فيها الصالغ ~~والقارح وقوله لنهد: (اللهم بارك لهم في محضها ومخضها ومذقها وابعث راعيها ~~في الدثر وافجر له الثمد وبارك لهم في المال والولد، من أقام الصلاة كان ~~مسلما، ومن آتى الزكاة كان محسنا، ومن شهد أن لا إله إلا الله كان مخلصا، ~~لكم يا بني نهد ودائع PageV01P072 # الشرك ووضائع الملك، لا نلطط في الزكاة ولا تلحد في الحياة ولا تتثاقل عن ~~الصلاة، وكتب ms040 لهم، في الوظيفة الفريضة ولكم الفارض والقريش وذو العنان ~~الركوب والفلو الضبيس، لا يمنع سرحكم PageV01P073 # ولا يعضد طلحكم ولا يحبس دركم ما لم تضمروا الرماق وتأكلوا الرباق، من ~~أقر فله الوفاء بالعهد والذمة ومن أبى فعليه الربوة) * ومن كتابه لوائل بن ~~حجر: (إلى الأقيال العباهلة والأوراع المشابيب، PageV01P074 # وفيه: في التيعة شاة لا مقورة الألياط ولا ضناك وأنطوا الشبجة وفي السيوب ~~الخمس ومن زنى مم بكر فاصقعوه مائة PageV01P075 # واستوفضون عاما ومن زنى مم ثيب فضرجوه بالأضاميم ولا توصيم في الدين ولا ~~عمه في فرائض الله وكل مسكر حرام) ووائل بن حجر يترفل على الأقيال. # أين هذا من كتابه لأنس في الصدقة المشهور لما كان كلام هؤلاء على هذا ~~الحد وبلاغتهم على هذا النمط وأكثر استعمالهم هذه الألفاظ؟ استعملها معهم ~~ليبين للناس ما نزل إليهم وليحدث الناس # بما يعلمون، وكقوله في حديث عطية السعدي: (فإن اليد العليا هي المنطية ~~PageV01P076 # واليد السفلى هي المنطاة قال فكلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بلغتنا. # وقوله في حديث العامري حين سأله فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (سل ~~عنك) أي سل عما شئت وهي لغة بني عامر وأما كلامه المعتاد # وفصاحته المعلومة وجوامع كلمه وحكمه المأثورة فقد ألف الناس فيها ~~الدواوين وجمعت في ألفاظها ومعانيها الكتب، ومنها مالا يوازى فصاحة ولا ~~يبارى بلاغة كقوله: (المسلمون تتكافؤ دماؤهم ويسعى PageV01P077 # بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم) * وقوله (الناس كأسنان المشط # والمرء مع من أحب ولا خير في صحبة من لا يرى لك ما ترى له والناس معادن ~~وما هلك امرؤ عرف قدره والمستشار مؤتمن وهو بالخيار ما لم يتكلم ورحم الله ~~عبدا قال خيرا فغنم أو سكت فسلم) * وقوله (أسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرك ~~مرتين، وإن أحبكم إلي وأقربكم مني مجالس يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا ~~الموطؤن أكنافا الذين يألفون ويؤلفون) وقوله (لعله كان يتكلم بمالا يعنيه ~~ويبخل بما لا يغنيه) وقوله (ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها ونهيه عن ~~قبل وقال وكثرة السؤال ms041 وإضاعة المال ومنع وهات وعقوق الأمهات PageV01P078 # ووأد البنات وقوله (اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق ~~الناس بخلق حسن وخير الأمور أوساطها) وقوله (أحبب حبيبك هونا ما عسى أن ~~يكون بغيضك يوما ما) وقوله (الظلم ظلمات يوم القيامة) وقوله في بعض دعائه ~~(اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي وتجمع بها أمري وتلم بها شعثي ~~وتصلح بها غائبي وترفع بها شاهدي وتزكي بها عملي وتلهمني بها رشدي وترد بها ~~ألفتي وتعصمني بها من كل سوء اللهم إني أسألك الفوز عند القضاء ونزل ~~الشهداء وعيش السعداء والنصر على الأعداء) إلى ما روته الكافة عن الكافة من ~~مقاماته ومحاضراته وخطبه وأدعيته ومخاطباته وعهوده مما لا خلاف أنه نزل من ~~ذلك مرتبة لا يقاس بها غيره وحاز فيها سبقا لا يقدر قدره وقد جمعت من ~~كلماته التي لم يسبق PageV01P079 # إليها ولا قدر أحد أن يفرغ في قالبه عليها كقوله، حمي الوطيس، ومات # حتف أنفه، لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين والسعيد من وعظ بغيره) في أخواتها ~~ما يدرك الناظر العجب في مضمنها ويذهب به الفكر في أداني حكمها وقد قال له ~~أصحابه ما رأينا الذي هو أفصح منك فقال، وما يمنعني وإنما أنزل القرآن ~~بلساني لسان عربي مبين وقال مرة أخرى) أنا أفصح العرب بيد أني من قريش ~~ونشأت في بني سعد، فجمع له بذلك صلى الله عليه وسلم قوة عارضة البادية ~~وجزالتها ونصاعة ألفاظ الحاضرة ورونق كلامها إلى التأييد الإلهي الذى مدده ~~الوحي الذي لا يحيط بعلمه بشري. # وقالت أم معبد في وصفها له PageV01P080 # حلو المنطق فصل لا نزر ولا هذر كأن منطقه خرزات نظمن وكان جهير الصوت حسن ~~النغمة صلى الله عليه وسلم. ### | (فصل) وأما شرف نسبه وكرم بلده ومنشئه فما لا يحتاج إلى إقامة دليل عليه ولا بيان مشكل ولا خفي منه # فإنه نخبة بني هاشم وسلالة قريش وصميمها وأشرف العرب وأعزهم نفرا من قبل ~~أبيه وأمه ومن أهل مكة من أكرم بلاد الله على الله ms042 وعلى عباده، حدثنا قاضي ~~القضاة حسين بن محمد الصدفي رحمه الله قال حدثنا القاضي أبو الوليد سليمان ~~بن خلف قال حدثنا أبو ذر عبد بن أحمد حدثنا أبو محمد السرخسى وأبو إسحق ~~وأبو الهيثم قالوا حدثنا محمد بن يوسف قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا ~~قتيبة بن سعيد قال حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن عمرو عن سعيد المقبري عن ~~PageV01P081 # أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (بعثت من ~~خير قرون بني آدم قرنا فقرنا حتى كنت من القرن الذي كنت منه) # وعن العباس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله خلق ~~الخلق فجعلني من خيرهم من خير قرنهم ثم تخير القبائل فجعلني من خير قبيلة ~~ثم تخير البيوت فجعلني من خير بيوتهم فأنا خيرهم نفسا وخيرهما بيتا، وعن ~~واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله اصطفى من ~~ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة واصطفى من بني كنانة ~~قريشا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم) قال الترمذي وهذا ~~حديث صحيح، وفي حديث عن ابن عمر رضي الله عنهما رواه الطبري أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال (إن الله عز وجل اختار خلقه فاختار منهم بني آدم ثم اختار ~~بني آدم فاختار منهم العرب ثم اختار العرب فاختار منهم قريشا ثم اختار ~~قريشا فاختار منهم بني هاشم ثم اختار بني هاشم فاختارني منهم فلم أزل خيارا ~~من خيار ألا من أحب العرب فبحبي أحبهم ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم) وعن ~~ابن PageV01P082 # عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت روحه نورا بين يدي الله تعالى قبل ~~أن يخلق آدم بألفي عام يسبح ذلك النور وتسبح الملائكة بتسبيحه فلما خلق ~~الله آدم ألقى ذلك النور في صلبه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~(فأهبطني الله إلى الأرض في صلب آدم وجعلني في صلب نوح وقذف بي في ms043 صلب ~~إبراهيم ثم لم يزل الله تعالى ينقلني من الأصلاب الكريمة والأرحام الطاهرة ~~حتى أخرجني من أبوي لم يلتقيا على سفاح قط، ويشهد بصحة هذا الخير شعر ~~العباس المشهور في مديح النبي صلى الله عليه وسلم. ### | (فصل) وأما ما تدعو ضرورة الحياة إليه مما فصلناه فعلى ثلاثة أضرب: # ضرب الفضل في قلته وضرب الفضل في كثرته وضرب تختلف الأحوال فيه، فأما ما ~~التمدح والكمال بقلته اتفاقا وعلى كل حال عادة وشريعة كالغذاء والنوم، ولم ~~تزل العرب والحكماء تتمادح بقلتهما وتذم بكثرتهما لأن كثرة الأكل والشرب ~~دليل على النهم والحرص والشره وغلبة الشهوة، مسبب لمضار الدنيا والآخرة ~~جالب لأدواء PageV01P083 # الجسد وخثارة النفس وامتلاء الدماغ، وقلته دليل على القناعة وملك النفس، ~~وقمع الشهوة مسبب للصحة وصفاء الخاطر وحدة الذهن، كما أن كثرة النوم دليل ~~على الفسولة والضعف، وعدم الذكاء والفطنة مسبب للكسل وعادة العجز وتضييع ~~العمر في غير نفع وقساوة القلب وغفلته # وموته، والشاهد على هذا ما يعلم ضرورة ويوجد مشاهدة وينقل متواترا من ~~كلام الأمم المتقدمة والحكماء السالفين وأشعار العرب وأخبارها وصحيح الحديث ~~وآثار من سلف وخلف مما لا يحتاج إلى الاستشهاد عليه وإنما تركنا ذكره هنا ~~اختصارا واقتصارا على اشتهار العلم به، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد ~~أخذ من هذين الفنين بالأقل، هذا ما لا يدفع من سيرته وهو الذي أمر به وحض ~~عليه لا سيما بارتباط أحدهما بالآخر: حدثنا أبو علي الصدفي الحافظ بقراءتي ~~عليه قال حدثنا أبو الفضل الأصفهاني قال حدثنا أبو نعيم الحافظ قال حدثنا ~~PageV01P084 # سليمان بن أحمد قال حدثنا أبو بكر بن سهل قال حدثنا عبد الله بن صالح ~~حدثني معاوية بن صالح أن يحيى بن جابر حدثه عن المقدام ابن معد يكرب أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، حسب ~~ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان # لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه) ، ولأن كثرة النوم من كثرة ~~الأكل والشرب قال سفيان ms044 الثوري بقلة الطعام يملك سهر الليل، وقال بعض ~~السلف: لا تأكلوا كثيرا فتشربوا كثيرا فترقدوا كثيرا فتخسروا كثيرا، وقد ~~روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان أحب الطعام إليه ما كان على ضفف (أي ~~كثرة الأيدي) وعن عائشة رضي الله عنها: لم يمتلئ جوف النبي صلى الله عليه ~~وسلم شبعا قط، وأنه كان في أهله لا يسألهم طعاما ولا يتشهاه إن أطعموه أكل ~~وما أطعموه قبل وما سقوه شرب، ولا يعترض على هذا بحديث بريرة وقوله (ألم أر ~~البرمة فيها لحم) إذ لعل سبب سؤاله ظنه صلى الله عليه وسلم اعتقادهم أنه لا ~~يحل له فأراد بيان سنته، إذ رآهم لم يقدموه إليه PageV01P085 # مع علمه أنهم لا يستأثرون عليه به فصدق عليهم ظنه وبين لهم ما جهلوه من ~~أمره بقوله (هو لها صدقة ولنا هدية) وفي حكمة لقمان: يا بني إذا امتلأت ~~المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة، وقال سحنون: لا ~~يصلح العلم لمن يأكل حتى يشبع، وفي صحيح الحديث قوله صلى الله عليه وسلم ~~(أما أنا فلا # آكل متكئا) والاتكاء هو التمكن للأكل والتقعدد في الجلوس له كالمتربع ~~وشبهه من تمكن الجلسات التي يعتمد فيها الجالس على ما تحته والجالس على هذه ~~الهيئة يستدعي الأكل ويستكثر منه، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما كان ~~جلوسه للأكل جلوس المستوفز مقعيا ويقول (إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد ~~وأجلس كما يجلس العبد) وليس معنى الحديث في الاتكاء الميل على شق عند ~~المحققين. # وكذلك نومه صلى الله عليه وسلم كان قليلا شهدت بذلك الآثار الصحيحة، ومع ~~ذلك فقد قال صلى الله عليه وسلم (إن عيني تنامان ولا ينام قلبي) وكان نومه ~~على جانبه الأيمن استظهارا على قلة النوم لأنه على الجانب الأيسر أهنأ لهدو ~~القلب وما يتعلق به من الأعضاء الباطنة PageV01P086 # حينئذ لميلها إلى الجانب الأيسر فيستدعي ذلك الاستثقال فيه والطول، وإذا ~~نام النائم على الأيمن تعلق القلب وقلق فأسرع الافافة ولم يغمره الاستغراق. ### | (فصل) والضرب الثاني ms045 ما يتفق التمدح بكثرته والفخر بوفوره كالنكاح والجاه. # أما النكاح فمتفق فيه شرعا وعادة فإنه دليل الكمال وصحة # الذكورية ولم يزل التفاخر بكثرته عادة معروفة والتمادح به سيرة ماضية، ~~وأما في الشرع فسنة مأثورة، وقد قال ابن عباس: أفضل هذه الأمة أكثرها نساء، ~~مشيرا إليه صلى الله عليه وسلم وقد قال صلى الله عليه وسلم (تناكحوا ~~تناسلوا فإني مباه بكم الأمم) ونهى عن التبتل مع ما فيه من قمع الشهوة وغض ~~البصر اللذين نبه عليهما صلى الله عليه وسلم بقوله (من كان ذا طول فليتزوج ~~فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج) حتى لم يره العلماء مما يقدح في الزهد، قال ~~سهل ابن عبد الله: قد حببن إلى سيد المرسلين فكيف يزهد فيهن؟ ونحوه ~~PageV01P087 # لابن عيينة، وقد كان زهاد الصحابة رضي الله عنهم كثيري الزوجات والسراري ~~كثيري النكاح، وحكي في ذلك عن علي والحسن وابن عمر وغيرهم غير شئ، وقد كره ~~غير واحد أن يلقى الله عزبا. # فإن قيل كيف يكون النكاح وكثرته من الفضائل وهذا يحيى بن زكريا عليه ~~السلام قد أثنى الله تعالى عليه أنه كان حصورا، فكيف يثني الله عليه بالعجز ~~عما تعده فضيلة وهذا عيسى ابن مريم عليه السلام تبتل من النساء ولو كان كما ~~قررته لنكح؟ فاعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى بأنه حصور ليس كما قال ~~بعضهم أنه كان هيوبا أو لا ذكر له بل قد أنكر هذا حذاق المفسرين ونقاد ~~العلماء وقالوا هذه نقيصة وعيب ولا يليق بالأنبياء عليهم السلام وإنما ~~معناه أنه # معصوم من الذنوب أي لا يأتيها كأنه حصر عنها، وقيل مانعا نفسه من ~~الشهوات، وقيل ليست له شهوة في النساء. # فقد بان لك من هذا أن عدم القدرة على النكاح نقص وإنما الفضل في كونها ~~موجودة ثم قمعها إما بمجاهدة كعيسى عليه السلام أو بكفاية من الله تعالى ~~كيحيى PageV01P088 # عليه السلام فضيلة زائدة لكونها مشغلة في كثير من الأوقات حاطة إلى ~~الدنيا، ثم هي في حق من أقدر عليها وملكها وقام ms046 بالواجب فيها ولم يشغله عن ~~ربه درجة علياء وهي درجة نبينا صلى الله عليه وسلم الذي لم تشغله كثرتهن عن ~~عبادة ربه بل زاده ذلك عبادة لتحصينهن وقيامه بحقوقهن واكتسابه لهن وهدايته ~~إياهن بل صرح أنها ليست من حظوظ دنياه هو وإن كانت من حظوظ دنيا غيره فقال ~~عليه السلام (حبب إلي من دنياكم) فدل أن حبه لما ذكر من النساء والطيب ~~اللذين هما من أمر دنيا غيره واستعماله لذلك ليس لدنياه بل لآخرته، للفوائد ~~التي ذكرناها في التزويج وللقاء الملائكة في الطيب ولأنه أيضا مما يحض على ~~الجماع ويعين عليه ويحرك أسبابه، وكان حبه لهاتين الخصلتين لأجل غيره وقمع ~~شهوته وكان حبه الحقيقي المختص بذاته في مشاهدة جبروت مولاه ومناجاته ولذلك ~~ميز بين الحبين # وفصل بين الحالين فقال (وجعلت قرة عيني في الصلاة) فقد ساوى يحيى وعيسى ~~في كفاية فتنتهن وزاد فضيلة بالقيام بهن، وكان صلى الله عليه وسلم ممن أقدر ~~على القوة في هذا وأعطي الكثير منه ولهذا أبيح له من عدد الحرائر ما لم يبح ~~لغيره، وقد روينا عن أنس أنه صلى الله عليه PageV01P089 # وسلم كان بدور على نسائه في الساعة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة، قال ~~أنس وكنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين رجلا خرجه النسائي، وروي نحوه عن أبي ~~رافع، وعن طاووس أعطي عليه السلام قوة أربعين رجلا في الجماع، ومثله عن ~~صفوان بن سليم، وقالت سلمى مولاته: طاف النبي صلى الله عليه وسلم ليلة على ~~نسائه التسع PageV01P090 # وتطهر من كل واحدة قبل أن يأتي الأخرى وقال (هذا أطيب وأطهر) ، وقد قال ~~سليمان عليه السلام لأطوفن الليلة على مائة امرأة أو تسع وتسعين، وأنه فعل ~~ذلك، قال ابن عباس: كان في ظهر سليمان ماء مائة رجل وكان له ثلاثمائة امرأة ~~وثلاثمائة سرية، وحكى النقاش وغيره سبعمائة امرأة وثلاثمائة سرية، وقد كان ~~لداود عليه السلام على زهده وأكله من عمل يده تسع وتسعون امرأة وتمت بزوج ~~أو رياء مائة، وقد نبه على ذلك في الكتاب ms047 العزيز بقوله تعالى (إن هذا أخي ~~له تسع وتسعون نعجة) وفي حديث أنس عنه عليه السلام) فضلت على الناس بأربع: ~~بالسخاء والشجاعة وكثرة الجماع وقوة البطش) * وأما الجاه فمحمود عند ~~العقلاء عادة وبقدر جاهه عظمه في القلوب وقد قال الله تعالى في صفة عيسى ~~عليه السلام (وجيها في الدنيا والآخرة) لكن آفاته كثيرة فهو مضر لبعض الناس ~~لعقبى الآخرة: فلذلك ذمه من ذمه PageV01P091 # ومدح ضده وورد في الشرع مدح الخمول وذم العلو في الأرض، وكان صلى الله ~~عليه وسلم قد رزق من الحشمة والمكانة في القلوب والعظمة قبل النبوة عند ~~الجاهلية وبعدها وهم يكذبونه ويؤذون أصحابه ويقصدون أذاه في نفسه خفية حتى ~~إذا واجههم أعظموا أمره وقضوا حاجته. # وأخباره في ذلك معروفة سيأتي بعضها، وقد كان يبهت ويفرق لرؤيته من لم يره ~~كما روي عن قيلة أنها لما رأته أرعدت من الفرق فقال (يا مسكينة عليك ~~السكينة) ، وفي حديث أبي مسعود أن رجلا قام بين يديه فأرعد فقال له (هون ~~عليك فإني لست بملك) الحديث * فأما عظيم قدره * بالنبوة وشريف منزلته ~~بالرسالة وإنافة رتبته بالاصطفاء والكرامة في الدنيا فأمر هو مبلغ النهاية، ~~ثم هو في الآخرة سيد ولد آدم. # وعلى معنى هذا الفصل نظمنا هذا القسم بأسره. ### | (فصل) وأما الضرب الثالث فهو ما تختلف الحالات في التمدح # PageV01P092 # به والتفاخر بسببه والتفضيل لأجله ككثرة المال فصاحبه على الجملة معظم ~~عند العامة لاعتقادها توصله به إلى حاجاته وتمكن أعراضه بسببه وإلا فليس ~~فضيلة في نفسه، فمتى كان المال بهذه الصورة وصاحبه منفقا له في مهماته ~~ومهمات من اعتراه وأمله وتصريفه في مواضعه مشتريا به المعالي والثناء الحسن ~~والمنزلة من القلوب كان فضيلة في صاحبه عند أهل الدنيا، وإذا صرفه في وجوه ~~البر وأنفقه في سبل الخير وقصد بذلك الله والدار الآخرة كان فضيلة عند الكل ~~بكل حال، ومتى كان صاحبه ممسكا له غير موجهه وجوهه حريصا على جمعه عاد كثره ~~كالعدم وكان منقصة في صاحبه ولم يقف به على جدد السلامة بل ms048 أوقعه في هوة ~~رذيلة البخل ومذمة النذالة، فإذا التمدح بالمال وفضيلته عند مفضله ليس ~~لنفسه وإنما هو للتوصل به إلى غيره وتصريفه في متصرفاته، فجامعه إذا لم ~~يضعه مواضعه ولا وجه وجوهه غير ملئ بالحقيقة ولا غني بالمعنى ولا ممتدح ~~PageV01P093 # عند أحد من العقلاء بل هو فقير أبدا غير واصل إلى غرض من أغراضه، إذ ما ~~بيده من المال الموصل لها لم يسلط عليه، فأشبه خازن مال غيره ولا مال له ~~فكأنه ليس في يده منه شئ، والمنفق ملي غني بتحصيله فوائد المال وإن لم يبق ~~في يده من المال شئ. # فانظر سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم وخلقه في المال تجده قد أوتي خزائن ~~الأرض ومفاتيح البلاد وأحلت له الغنائم ولم تحل لنبي قبله وفتح عليه في ~~حياته صلى الله عليه وسلم بلاد الحجاز واليمن وجميع جزيرة العرب وما دابى ~~ذلك من الشام والعراق وجلبت إليه من أخماسها وجزيتها وصدقاتها ما لا يجبى ~~للملوك إلا بعضه، وهادته جماعة من ملوك الأقاليم فما استأثر بشئ منه ولا ~~أمسك منه درهما بل صرفه مصارفه وأغنى به غيره وقوى به المسلمين وقال (ما ~~يسرني أن لي أحدا ذهبا يبيت عندي منه دينار إلا دينار أرصده لدين) وأتته ~~دنانير مرة فقسمها وبقيت PageV01P094 # منها ستة فدفعها لبعض نسائه فلم يأخذه نوم حتى قام وقسمها وقال: (الآن ~~استرحت) ومات ودرعه مرهونة في نفقة عياله واقتصر من نفقته وملبسه ومسكنه ~~على ما تدعوه ضرورته إليه وزهد فيما سواه، فكان يلبس ما وجده فيلبس في ~~الغالب الشملة والكساء الخشن والبرد الغليظ ويقسم على من حضره أقبية ~~الديباج المخوصة بالذهب ويرفع لمن لم يحضر، إذ المباهاة في الملابس والتزين ~~بها ليست من خصال الشرف والجلالة وهي من سمات النساء، والمحمود منها نقاوة ~~الثوب والتوسط في جنسه وكونه لبس مثله غير مسقط لمروءة جنسه مما لا يؤدي ~~إلى الشهرة في الطرفين وقد ذم الشرع ذلك، وغاية الفخر فيه في العادة عند ~~الناس إنما يعود إلى الفخر بكثرة الموجود ووفور ms049 الحال وكذلك التباهي بجودة ~~المسكن وسعة المنزل وتكثير آلاته وخدمه PageV01P095 # ومركوباته، ومن ملك الأرض وجبي إليه ما فيها وترك ذلك زهدا وتنزها فهو ~~حائز لفضيلة المالية ومالك للفخر بهذا الخصلة إن كانت فضيلة زائد عليها في ~~الفخر ومعرق في المدح بإضرابه عنها وزهده في فانيها وبذلها في مظانها. ### | (فصل) وأما الخصال المكتسبة من الأخلاق الحميدة والآداب الشريفة التي اتفق جميع العقلاء على تفضيل صاحبها # وتعظيم المتصف بالخلق الواحد منها فضلا عما فوقه وأثنى الشرع على جميعها ~~وأمر بها ووعد السعادة الدائمة للمتخلق بها ووصف بعضها بأنه من أجزاء ~~النبوة وهي المسماة بحسن الخلق وهو الاعتدال في قوى النفس وأوصافها والتوسط ~~فيها دون الميل إلى منحرف أطرافها، فجميعها قد كانت خلق نبينا صلى الله ~~عليه وسلم على الانتهاء في كمالها والاعتدال إلى غايتها حتى أثنى الله عليه ~~بذلك فقال تعالى (وإنك لعلى خلق عظيم) قالت عائشة رضي الله عنها: كان خلقه ~~القرآن يرضى برضاه ويسخط بسخطه، وقال صلى الله عليه وسلم (بعثت لأتمم مكارم ~~الأخلاق) ، قال أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا، وعن ~~علي بن PageV01P096 # أبي طالب رضي الله عنه مثله، وكان فيما ذكره المحققون مجبولا عليها في ~~أصل خلقته وأول فطرته لم تحصل له باكتساب ولا رياضة إلا بجود إلهى وخصوصية ~~ربانية، وهكذا لسائر الأنبياء، ومن طالع # سيرهم منذ صباهم إلى مبعثهم حقق ذلك كما عرف من حال عيسى وموسى ويحيى ~~وسليمان وغيرهم عليهم السلام بل غرزت فيهم هذه الأخلاق في الجبلة وأودعوا ~~العلم والحكمة في الفطرة قال الله تعالى (وآتيناه الحكم صبيا) قال ~~المفسرون: أعطى الله يحيى العلم بكتاب الله تعالى في حال صباه، وقال معمر: ~~كان ابن سنتين أو ثلاث فقال له الصبيان لم لا تلعب؟ فقال (أللعب خلقت) ؟ ~~وقيل في قوله تعالى (مصدقا بكلمة من الله) صدق يحيى بعيسى وهو ابن ثلاث ~~سنين فشهد له أنه كلمة الله وروحه، وقيل صدقه وهو في بطن أمه فكانت أم يحيى ~~تقول لمريم إني أجد ms050 ما في بطني يسجد لما في بطنك تحية له، وقد نص الله ~~تعالى على كلام عيسى لأمه عند ولادتها إياه بقوله لها (لا تحزني) على قراءة ~~من قرأ (من تحتها) وعلى قول من قال إن المنادي عيسى ونص على كلامه في مهده ~~فقال (إني عبد الله PageV01P097 # آتاني الكتاب وجعلني نبيا) وقال تعالى (ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما ~~وعلما) وقد ذكر من حكم سليمان وهو صبي يلعب في قضية المرجومة وفي قصة الصبي ~~ما اقتدى به داود أبوه، وقال الطبري إن عمره حين أوتي الملك اثنا عشر عاما، ~~وكذلك قصة # موسى مع فرعون وأخذه بلحيته وهو طفل. # وقال المفسرون في قوله تعالى (ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل) أي هديناه ~~صغيرا، قاله مجاهد وغيره، وقال ابن عطاء: اصطفاه قبل إبداء خلقه، وقال ~~بعضهم: لما ولد إبراهيم عليه السلام بعث الله تعالى إليه ملكا يأمره عن ~~الله أن يعرفه بقلبه ويذكره بلسانه فقال: قد فعلت ولم يقل أفعل PageV01P098 # فذلك رشده، وقيل إن إلقاء إبراهيم عليه السلام في النار ومحنته كانت وهو ~~ابن ست عشرة سنة وإن ابتلاء إسحاق بالذبح كان وهو ابن سبع سنين، وإن ~~استدلال إبراهيم بالكوكب والقمر PageV01P099 # والشمس كان وهو ابن خمسة عشر شهرا، وقيل أوحى الله تعالى إلى # يوسف وهو صبي عند ما هم إخوته بإلقائه في الجب يقول الله تعالى (وأوحينا ~~إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا) الآية إلى غير ذلك مما ذكر من أخبارهم. # وقد حكى أهل السير أكن آمنة بنت وهب أخبرت أن نبينا محمدا صلى الله عليه ~~وسلم ولد حين ولد باسطا يديه إلى الأرض رافعا رأسه إلى السماء، وقال في ~~حديثه صلى الله عليه وسلم (لما نشأت بغضت إلي الأوثان وبغض إلي الشعر ولم ~~أهم بشئ مما كانت الجاهلية تفعله إلا مرتين فعصمني الله منهما ثم لم أعد) ~~ثم يتمكن الأمر لهم وتترادف نفحات الله تعالى علهيم وتشرق أنوار المعارف في ~~قلوبهم حتى يصلوا إلى الغاية ويبلغوا باصطفاء الله تعالى لهم بالنبوة في ~~تحصيل هذه الخصال ms051 الشريفة النهاية دون ممارسة ولا رياضة قال الله تعالى ~~(ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما) وقد PageV01P100 # نجد غيرهم يطبع على بعض هذه الأخلاق دون جميعها ويولد عليها فيسهل # عليه اكتساب تمامها عناية من الله تعالى كما نشاهد من خلقه بعض الصبيان ~~على حسن السمت أو الشهامة أو صدق اللسان أو السماحة وكما نجد بعضهم على ~~ضدها، فبالاكتساب يكمل ناقصها وبالرياضة والمجاهدة يستجلب معدومها ويعتدل ~~منحرفها، وباختلاف هذين الحالين يتفاوت الناس فيها، وكل ميسر لما خلق له، ~~ولهذا ما قد اختلف السلف فيها: هل هذا الخلق جبلة أو مكتسبة؟ وحكى الطبري ~~عن بعض السلف أن الخلق الحسن جبلة وغريزة في العبد، وحكاه عن عبد الله بن ~~مسعود والحسن وبه قال هو، والصحيح ما أصلناه. # وقد روى سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (كل الخلال يطبع عليها ~~المؤمن إلا الخيانة والكذب) وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حديثه: ~~والجرأة والجبن غرائز يضعهما الله حيث يشاء. # وهذه الأخلاق المحمودة والخصال الجميلة الشريفة كثيرة ولكننا نذكر أصولها ~~ونشير إلى جميعها ونحقق وصفه صلى الله عليه وسلم بها إن شاء الله. ~~PageV01P101 ### | (فصل) أما أصل فروعها وعنصر ينابيعها ونقطة دائرتها فالعقل # الذي منه ينبعث العلم والمعرفة ويتفرع من هذا ثقوب الرأي وجودة الفطنة ~~والإصابة وصدق الظن والنظر للعواقب ومصالح النفس ومجاهدة الشهوة وحسن ~~السياسة والتدبير واقتناء الفضائل # وتجنب الرذائل، وقد أشرنا إلى مكانه منه صلى الله عليه وسلم وبلوغه منه ~~ومن العلم الغاية القصوى التي لم يبلغها بشر سواه وإذ جلالة محله من ذلك ~~ومما تفرع منه متحققة عند من تتبع مجاري أحواله واطراد سيره وطالع جوامع ~~كلامه وحسن شمائله وبدائع سيره وحكم حديثه وعلمه بما في التوراة والإنجيل ~~والكتب المنزلة وحكم الحكماء وسير الأمم الخالية وأيامها وضرب الأمثال ~~وسياسات الأنام وتقرير الشرائع وتأصيل الآداب النفيسة والشيم الحميدة إلى ~~فنون العلوم التي اتخذ أهلها كلامه صلى الله عليه وسلم فيها قدوة وإشاراته ~~حجة كالعبارة والطب والحساب والفرائض والنسب وغير ذلك مما ms052 سنبينه في ~~معجزاته إن شاء الله تعالى دون تعليم ولا مدارسة ولا مطالعة كتب من تقدم ~~ولا الجلوس إلى علمائهم بل نبى أمي PageV01P102 # لم يعرف بشئ من ذلك حتى شرح الله صدره وأبان أمره وعلمه وأقرأه، يعلم ذلك ~~بالمطالعة والبحث عن حاله ضرورة وبالبرهان القاطع على نبوته نظرا فلا نطول ~~بسرد الأقاصيص وآحاد القضايا، إذ مجموعها ما لا يأخذه حصر ولا يحيط به حفظ ~~جامع، وبحسب عقله كانت معارفه صلى الله عليه وسلم إلى سائر ما علمه الله ~~تعالى وأطلعه عليه من علم ما يكون وما كان وعجائب قدرته وعظيم # ملكوته قال الله تعالى (وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما) ~~حارت العقول في تقدير فضله عليه وخرست الألسن دون وصف يحيط بذلك أو ينتهي ~~إليه ### | (فصل) وأما الحلم والاحتمال والعفو مع المقدرة والصبر على ما يكره # وبين هذه الألقاب فرق فإن الحلم حالة توقر وثبات عند الأسباب المحركات، ~~والاحتمال حبس النفس عند الآلام والمؤذيات ومثلها الصبر ومعانيها متقاربة، ~~وأما العفو فهو ترك المؤاخذة وهذا كله مما أدب الله تعالى به نبيه صلى الله ~~عليه وسلم فقال تعالى (خذ العفو وأمر بالعرف) PageV01P103 # الآية، روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم نزلت عليه هذه الآية سأل ~~جبريل عليه السلام عن تأويلها فقال له حتى أسأل العالم ثم ذهب فأتاه فقال ~~يا محمد إن الله يأمرك أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك وقال ~~له (واصبر على ما أصابك) الآية وقال تعالى (فاصبر كما صبر أولوا العزم من ~~الرسل) وقال (وليعفوا وليصفحوا) الآية وقال تعالى (ولمن صبر وغفر إن ذلك ~~لمن عزم الأمور) ولا خفاء بما يؤثر من حلمه واحتماله، وأن كل حليم قد عرفت ~~منه زلة وحفظت عنه هفوة وهو # صلى الله عليه وسلم لا يزيد مع كثرة الأذى إلا صبرا وعلى إسراف الجاهل ~~إلا حلما * حدثنا القاضي أبو عبد الله محمد بن علي التغلبي وغيره قالوا ~~حدثنا محمد بن عتاب حدثنا أبو بكر ms053 بن واقد القاضي وغيره حدثنا أبو عيسى ~~حدثنا عبيد الله حدثنا يحيى بن يحيى حدثنا مالك عن ابن شهاب عن عروة عن ~~عائشة رضي الله عنها قالت PageV01P104 # (ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمرين قط إلا اختار أيسرهما ما ~~لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله تعالى فينتقم لله بها. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كسرت رباعيته وشج وجهه يوم أحد شق ~~ذلك على أصحابه شقا شديدا وقالوا لو دعوت عليهم فقال (إني لم أبعث لعانا ~~ولكني بعثت داعيا ورحمة، اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون) وروي عن عمر رضي ~~الله عنه أنه قال في بعض PageV01P105 # كلامه: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد دعا نوح على قومه فقال (رب لا تذر ~~على الأرض من الكافرين ديارا) ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا ~~فلقد وطئ ظهرك وأدمي وجهك وكسرت رباعيتك فأتبى أن تقول إلا خيرا فقلت اللهم ~~اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، قال القاضي أبو الفضل وفقه الله: انظر ما في ~~هذا القول من جماع # الفضل ودرجات الإحسان وحسن الخلق وكرم النفس وغاية الصبر والحلم، إذ لم ~~يقتصر صلى الله عليه وسلم على السكوت عنهم حتى عفا عنهم ثم أشفق عليهم ~~ورحمهم ودعا وشفع لهم فقال اغفر أو اهد، ثم أظهر سبب الشفقة والرحمة بقوله ~~لقومي، ثم اعتذر عنهم بجهلهم فقال فإنهم لا يعلمون، ولما قال له الرجل اعدل ~~فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله: لم يزده في جوابه أن بين له ما جهله ~~ووعظ نفسه وذكرها بما قال له فقال ويحك (فمن يعدل إن لم أعدل؟ خبت وخسرت إن ~~لم أعدل) ونهى من أراد من أصحابه قتله، ولما تصدى PageV01P106 # له غورث بن الحارث ليفتك به ورسول الله صلى الله عليه وسلم منتبذ تحت ~~شجرة وحده قائلا والناس قائلون في غزاة فلم ينتبه ms054 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلا وهو قائم والسيف صلتا في يده فقال من يمنعك مني؟ فقال: الله، فسقط ~~السيف من يده: فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم وقال من يمنعك مني؟ قال كن ~~خير آخذ، فتركه وعفا عنه، فجاء إلى قومه فقال جئتكم من عند خير الناس * ومن ~~عظيم خبره في العفو عفوه عن اليهودية التي سمته في الشاة بعد اعترافها على ~~الصحيح من الرواية، وأنه لم يؤاخذ لبيد بن الأعصم إذ سحره وقد أعلم به ~~وأوحي إليه لشرح أمره، ولا عتب عليه فضلا عن معاقبته PageV01P107 # وكذلك لم يؤاخذ عبد الله بن أبي وأشباهه من المنافقين بعظيم ما نقل عنهم ~~في جهته قولا وفعلا بل قال لمن أشار بقتل بعضهم (لا، لئلا يتحدث أن محمدا ~~يقتل أصحابه) وعن أنس رضي الله عنه كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ~~برد غليظ الحاشية فجبذه أعرابي بردائه جبذة شديدة حتى أثرت حاشية البرد في ~~صفحة عاتقه ثم قال يا محمد احمل لي على بعيري هذين من مال الله الذي عندك ~~فإنك لا تحمل لي من مالك ولا من مال أبيك، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ~~ثم قال (المال مال الله وأنا عبده - ثم قال ويقاد منك يا أعرابي ما فعلت # بي) قال لا، قال (لم؟) قال لأنك لا نكافي بالسيئة السيئة فضحك النبي صلى ~~الله عليه وسلم ثم أمر أن يحمل له على بعير شعير وعلى الآخر تمر، قالت ~~عائشة رضي الله عنها ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم منتصرا من مظلمة ~~ظلمها قط ما لم تكن حرمة من محارم الله وما ضرب بيده شيئا قط إلا أن يجاهد ~~في سبيل الله وما ضرب خادما ولا امرأة، وجئ إليه برجل فقيل هذا أراد أن ~~يقتلك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (لن تراع لن تراع ولو أردت ذلك لم ~~تسلط علي) وجاءه PageV01P108 # زيد بن سعنة قبل إسلامه يتقاضاه دينا عليه فجبذ ثوبه عن منكبه وأخذ ms055 ~~بمجامع نيابه وأغلظ له ثم قال: إنكم يا بني عبد المطلب مطل فانتهره عمر ~~وشدد له في القول والنبي صلى الله عليه وسلم بتبسم فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم (وأنا وهو كنا إلى غير هذا منك أحوج يا عمر: تأمرني بحسن القضاء ~~وتأمره بحسن التقاضي، ثم قال لقد بقي من أجله ثلاث، وأمر عمر يقضيه ماله ~~ويزيده عشرين صاعا لما روعه فكان سبب إسلامه، وذلك أنه كان يقول ما بقي من ~~علامات النبوة شئ إلا وقد عرفتها في وجه محمد إلا اثنتين لم أخبرهما: يسبق ~~حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل إلا حلما، فأخبرته بهذا فوجدته كما وصف، ~~والحديث عن # حلمه صلى الله عليه وسلم وصبر وعفوه عند المقدرة أكثر من أن تأتى عليه، ~~وحسبك ما ذكرناه مما في الصحيح والمصنفات الثابتة إلى ما بلغ متواترا مبلغ ~~اليقين من صبره على مقاساة قريش وأذى الجاهلية ومصابرة الشدائد الصعبة معهم ~~إلى أن أظفره الله عليهم وحكمه فيهم PageV01P109 # وهم لا يشكون في استئصال شأفتهم وإبادة خضرائهم فما زاد على أن عنا وصفح، ~~وقال (ما تقولون إني فاعل بكم؟ قالوا خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم، فقال ~~أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم الآية، اذهبوا فأنتم الطلقاء) وقال ~~أنس هبط ثمانون رجلا من التنعيم صلاة الصبح ليقتلوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأخذوا فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى ~~(وهو الذي كف أيديهم عنكم) الآية وقال لأبي سفيان وقد سيق إليه بعد أن جلب ~~إليه الأحزاب وقتل عمه وأصحابه ومثل بهم فعفا عنه ولا طفه في القول: (ويحك ~~يا أبا سفيان ألم يئن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ فقال بأبي أنت وأمي ~~ما أحلمك وأوصلك وأكرمك) وكان رسول الله صلى الله # عليه وسلم أبعد الناس غضبا وأسرعهم رضى، صلى الله عليه وسلم. PageV01P110 ### | (فصل) وأما الجود والكرم والسخاء والسماحة # ومعانيها متقاربة وقد فرق بعضهم بينها بفروق فجعلوا الكرم الإنفاق بطيب ~~النفس فيما ms056 يعظم خطره ونفعه وسموه أيضا جرأة وهو ضد النذالة، والسماحة ~~التجا في عما يستحقه المرء عند غيره بطيب نفس وهو ضد الشكاسة، والسخاء ~~سهولة الإنفاق وتجنب اكتساب مالا يحمد وهو الجود وهو ضد التقتير، فكان صلى ~~الله عليه وسلم لا يوازى في هذه الأخلاق الكريمة ولا يبارى بهذا، وصفه كل ~~من عرفه. # حدثنا القاضي الشهيد أبو علي الصدفي رحمه الله حدثنا القاضي أبو الوليد ~~الباجي حدثنا أبو ذر الهروي حدثنا أبو الهيثم الكشميهني وأبو محمد السرخسي ~~وأبو إسحاق البلخى قالوا حدثنا أبو عبد الله الفربري حدثنا البخاري حدثنا ~~محمد بن كثير حدثنا # سفيان عن ابن المنكدر سمعت جابر بن عبد الله يقول: ما سئل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن شئ فقال لا. # وعن أنس رضي الله عنه وسهل ابن سعد رضي الله عنه مثله، وقال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير وأجود ما كان ~~في شهر رمضان PageV01P111 # وكان إذا لقيه جبريل عليه السلام أجود بالخير من الريح المرسلة، وعن أنس ~~أن رجلا سأله فأعطاه غنما بين جبلين فرجع إلى قومه وقال أسلموا فإن محمدا ~~يعطي عطاء من لا يخشى فاقة، وأعطى غير واحد مائة من الإبل، وأعطى صفوان ~~مائة ثم مائة ثم مائة، وهذه كانت خلقه صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث وقد ~~قال له ورقة بن نوفل: إنك تحمل الكل وتكسب المعدوم. # ورد على هوازن سباياها PageV01P112 # وكانت ستة آلاف وأعطى العباس من الذهب ما لم يطق حمله وحمل إليه تسعون ~~ألف درهم فوضعت على حصير ثم قام إليها فقسمها فما رد سائلا حتى فرغ منها ~~وجاءه رجل فسأله فقال ما عندي شئ ولكن ابتع علي فإذا جاءنا شئ قضيناه فقال ~~له عمر ما كلفك الله مالا تقدر عليه فكره النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ~~فقال رجل من الأنصار # يا رسول الله أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالا فتبسم صلى الله عليه وسلم ~~وعرف البشر في وجهه ms057 وقال بهذا أمرت. # ذكره الترمذي. # وذكر عن معوذ بن عفراء قال أتيت النبي صلى الله عليه PageV01P113 # وسلم بقناع من رطب يريد طبقا وأجر زغب يريد قثاء فأعطاني ملء كفه حليا ~~وذهبا، قال أنس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخر شيئا لغد. # والخبر بجوده صلى الله عليه وسلم كرمه كثير. # وعن أبي هريرة: أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم يسأله فاستلف له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم نصف وسق فجاء الرجل يتقاضاه فأعطاه وسقا وقال ~~(نصفه قضاء ونصفه نائل) . ### | (فصل) وأما الشجاعة والنجدة: # فالشجاعة فضيلة قوة الغضب وانقيادها للعقل، والنجدة ثقة النفس عند ~~استرسالها إلى الموت حيث يحمد فعلها دون خوف، وكان صلى الله عليه وسلم ~~منهما بالمكان الذي لا يجهل قد حضر المواقف الصعبة وفر الكماة والأبطال عنه ~~غير مرة وهو ثابت لا يبرح ومقبل لا يدبر ولا يتزحزح، وما شجاع إلا وقد ~~أحصيت له فرة وحفظت عنه جولة سواه. # حدثنا أبو علي PageV01P114 # الجياني فيما كتب لي حدثنا القاضي سراج حدثنا أبو محمد الأصيلي حدثنا أبو ~~زيد الفقيه حدثنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا ابن بشار حدثنا ~~غندر حدثنا شعبة عن أبي إسحاق سمع البراء وسأله رجل: أفررتم يوم حنين عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ~~يفر ثم قال لقد رأيته على بغلته البيضاء وأبو سفيان آخذ بلجامها والنبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: أنا النبي لا كذب، وزاد غيره: أنا ابن عبد المطلب، ~~قيل فما روى يومئذ أحد # كان أشد منه، وقال غيره نزل النبي صلى الله عليه وسلم عن بغلته، وذكر ~~مسلم عن العباس قال فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين فطفق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض بغلته نحو الكفار وأنا آخذ بلجامها ~~أكفها إرادة أن لا تسرع وأبو سفيان آخذ بركابه PageV01P115 # ثم نادى يا للمسلمين - الحديث - وقيل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا غضب ms058 ولا يغضب إلا لله - لم يقم لغضبه شئ، وقال ابن عمر ما رأيت أشجع ~~ولا أنجد ولا أجود ولا أرضى من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال علي رضي ~~الله عنه إنا كنا إذا حمي البأس ويروى اشتد البأس واحمرت الحدق اتقينا ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه ولقد ~~رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو أقربنا إلى العدو ~~كان من أشد الناس يومئذ بأسا # وقيل كان الشجاع هو الذي يقرب منه صلى الله عليه وسلم إذا دنا العدو ~~لقربه منه، وعن أنس كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس وأجود الناس ~~وأشجع الناس لقد فزع أهل المدينة ليلة فانطلق ناس قبل الصوت فتلقاهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم راجعا قد سبقهم إلى الصوت وقد استبرأ الخبر على ~~فرس لأبي طلحة عري والسيف في عنقه وهو يقول لن تراعوا، وقال عمران بن حصين ~~ما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم كتيبة إلا كان أول من يضرب ولما رآه ~~أبي بن خلف يوم أحد وهو يقول أين محمد لا نجوت إن نجا وقد كان يقول للنبي ~~صلى الله عليه وسلم حين افتدى يوم بدر عندي فرس أعلفها كل يوم فرقا من ~~PageV01P116 # ذرة أقتلك عليها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم أنا أقتلك إن شاء الله ~~فلما رآه يوم أحد شد أبي على فرسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فاعترضه رجال من المسلمين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هكذا أي خلوا ~~طريقة وتناول الحربة من الحارث بن الصمة فانتفض بها انتفاضة تطايروا عنه ~~تطاير الشعراء عن ظهر البعير إذا انتفض ثم استقبله النبي صلى الله عليه ~~وسلم فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارا وقيل بل كسر ضلعا من ~~أضلاعه فرجع إلى قريش يقول قتلني محمد وهم يقولون لا بأس عليك فقال لو كان ~~ما بي بجميع الناس لقتلهم PageV01P117 # أليس قد ms059 قال أنا أقتلك والله لو بصق علي لقتلني فمات بسرف في قولهم إلى ~~مكة. ### | (فصل) وأما الحياء والإغضاء: # فالحياء رقة تعتري وجه الإنسان عند فعل ما يتوقع كراهيته أو ما يكون تركه ~~خيرا من فعله والإغضاء التغافل عما يكره الإنسان بطبيعته وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم أشد الناس حياء وأكثرهم عن العورات إغضاء قال الله تعالى ~~(إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم) الآية * حدثنا أبو محمد بن عتاب ~~بقراءتي عليه حدثنا أبو القاسم حاتم بن محمد حدثنا أبو الحسن القابسي حدثنا ~~أبو زيد المروزي حدثنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا عبدان ~~حدثنا عبد الله أخبرنا شعبة عن قتادة سمعت عبد الله مولى أنس يحدث عن أبي ~~سعيد الخدري رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من ~~العذراء في خذرها، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه وكان صلى الله عليه ~~وسلم لطيف البشرة رقيق الظاهر لا يشافه أحدا بما يكرهه حياء وكرم نفس، وعن ~~عائشة رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغه عن أحد ما ~~يكرهه لم يقل ما بال PageV01P118 # فلان يقول كذا ولكن يقول ما بال أقوام يصنعون أو يقولون كذا ينهى عنه ولا ~~يسمي فاعله. # وروي أنس أنه دخل عليه رجل به أثر صفرة فلم يقل له شيئا وكان لا يواجه ~~أحدا بما يكره فلما خرج قال لو قلتم له يغسل هذا، ويروى ينزعها: قالت عائشة ~~رضي الله عنها في الصحيح: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم فحاشا ولا ~~متفحشا ولا سخابا في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح، وقد ~~حكي مثل هذا الكلام عن التوراة من رواية ابن سلام وعبد الله بن عمرو بن ~~العاص، وروي عنه أنه كان من حيائه لا يثبت بصره في وجه أحد وأنه كان يكني ~~عما اضطره الكلام إليه مما يكره، وعن عائشة رضي الله عنها ما رأيت فرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ms060 قط. ### | (فصل) وأما حسن عشرته وأدبه وبسط خلقه صلى الله عليه وسلم مع أصناف الخلق # فبحيث انتشرت به الأخبار الصحيحة قال علي رضي الله عنه في وصفه عليه ~~الصلاة والسلام: كان أوسع الناس صدرا وأصدق الناس لهجة وألينهم عريكة ~~وأكرمهم عشرة * حدثنا # أبو الحسن علي بن مشرف الأنماطي فيما أجازنيه وقرأته على غيره قال حدثنا ~~أبو إسحاق الحبال حدثنا أبو محمد بن النحاس حدثنا ابن الأعرابي PageV01P119 # حدثنا أبو داود حدثنا هشام بن مروان ومحمد بن المثنى قالا حدثنا الوليد ~~بن مسلم حدثنا الأوزاعي سمعت يحيى بن أبي كثير يقول حدثني محمد بن عبد ~~الرحمن بن أسعد بن زرارة عن قيس بن سعد قال زارنا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وذكر قصة في آخرها فلما أراد الانصراف قرب له سعد حمارا وطأ عليه ~~بقطيفة فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال سعد يا قيس اصحب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال قيس فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اركب فأبيت فقال إما أن تركب وإما أن تنصرف فانصرفت وفي رواية أخرى اركب ~~أمامي فصاحب الدابة أولى بمقدمها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يؤلفهم ولا ينفرهم ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم ويحذر الناس ويحترس منهم ~~من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره ولا خلقه، يتعهد أصحابه ويعطي كل جلسائه ~~نصيبه، لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه، من جالسه أو قاربه لحاجة ~~صابره حتى يكون هو المنصرف عنه ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من ~~القول قد وسع الناس بسطه وخلقه فصار لهم أبا وصاروا عنده في الحق سواء، ~~بهذا وصفه ابن أبي هالة، قال وكان دائم البشر سهل الخلق لين # الجانب ليس بفظ ولا غليظ ولا سحاب ولا فحاش ولا عياب ولا مداح يتغافل عما ~~لا يشتهي ولا يؤيس منه، وقال الله تعالى (فبما رحمة PageV01P120 # من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من ms061 حولك) وقال تعالى ~~(ادفع بالتي هي أحسن) الآية، وكان يجيب من دعاه ويقبل الهدية ولو كانت ~~كراعا ويكافئ عليها. # قال أنس رضي الله عنه خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما ~~قال لي أف قط وما قال لشئ صنعته لم صنعته ولا لشئ تركته لم تركته، وعن ~~عائشة رضي الله عنها ما كان أحد أحسن خلقا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ما دعاه أحد من أصحابه ولا أهل بيته إلا قال لبيك، وقال جرير بن عبد الله ~~ما حجبني رسول الله صلى الله عليه وسلم قط منذ أسلمت ولا رآني إلا تبسم ~~وكان يمازح أصحابه ويخالطهم ويحادثهم ويداعب صبيانهم ويجلسهم في حجره ويجيب ~~دعوة الحر والعبد والأمة والمسكين ويعود المرضى في أقصى المدينة ويقبل عذر ~~المعتذر، قال أنس ما التقم أحد أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فينحي ~~رأسه حتى يكون الرجل هو الذي ينحى PageV01P121 # رأسه وما أخذ أحد بيده فيرسل يده حتى يرسلها الآخذ ولم ير مقدما ركبتيه ~~بين يدي جليس له وكان يبدأ من لقيه بالسلام ويبدأ أصحابه بالمصافحة لم ير ~~قط مادا رجليه بين أصحابه حتى يضيق بهما على أحد، يكرم من يدخل عليه وربما ~~بسط له ثوبه ويؤثره بالوسادة التي تحته ويعزم عليه في الجلوس عليها إن أبى ~~ويكني أصحابه ويدعوهم بأحب أسمائهم تكرمة لهم ولا يقطع على أحد حديثه حتى ~~يتجوز فيقطعه بنهي أو قيام ويروى بانتهاء أو قيام وروي أنه كان لا يجلس ~~إليه أحد وهو يصلي إلا خفف صلاته وسأله عن حاجته فإذا فرغ عاد إلى صلاته، ~~وكان أكثر الناس تبسما وأطيبهم نفسا ما لم ينزل عليه قرآن أو يعظ أو يخطب، ~~وقال عبد الله بن الحارث ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وعن أنس كان خدم المدينة يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذا صلى الغداة بآنيتهم فيها الماء فما يؤتى بآنية إلا غمس يده فيها وربما ~~كان ذلك ms062 في الغداة الباردة يريدون به التبرك. ### | (فصل) وأما الشفقة والرأفة والرحمة لجميع الخلق # فقد قال الله تعالى فيه (عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف ~~رحيم) وقال تعالى (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) قال بعضهم من فضله صلى ~~الله عليه وسلم أن الله تعالى أعطاه اسمين من أسمائه فقال (بالمؤمنين رؤف ~~رحيم) وحكى نحوه الإمام أبو بكر بن فورك حدثنا # PageV01P122 # الفقيه أبو محمد عبد الله بن محمد الخشني بقراءتي عليه حدثنا إمام ~~الحرمين أبو علي الطبري حدثنا عبد الغافر الفارسي حدثنا أبو أحمد الجلودي # حدثنا إبراهيم بن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج حدثنا أبو الطاهر أنبأنا ~~ابن وهب أنبأنا يونس عن ابن شهاب قال غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~غزوة وذكر حنينا قال فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفوان بن أمية ~~مائة من النعم ثم مائة ثم مائة قال ابن شهاب حدثنا سعيد ابن المسيب أن ~~صفوان قال والله لقد أعطاني ما أعطاني وإنه لأبغض الخلق إلي فما زال يعطيني ~~حتى إنه لأحب الخلق إلي. # وروي أن أعرابيا جاءه يطلب منه شيئا فأعطاه ثم قال أحسنت إليك، قال ~~الأعرابي لا ولا أجملت، فغضب المسلمون وقاموا إليه فأشار إليهم أن كفوا ثم ~~قام ودخل منزله وأرسل إليه صلى الله عليه وسلم وزاده شيئا PageV01P123 # ثم قال: أحسنت إليك قال: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا، فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم: إنك قلت ما قلت وفي نفس # أصحابي من ذلك شئ فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب ما ~~في صدورهم عليك، قال: نعم. # فلما كان الغد أو العشي جاء فقال صلى الله عليه وسلم إن هذا الأعرابي قال ~~ما قال فزدناه فزعم أنه رضي أكذلك؟ قال: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة ~~خيرا. # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: مثلي ومثل هذا مثل رجل له ناقة شردت عليه ~~فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفورا فناداهم صاحبها خلوا بيني وبين ناقتي ms063 ~~فإني أرفق بها منكم وأعلم فتوجه لها بين يديها فأخذ لها من قمام الأرض ~~فردها حتى جاءت واستناخت وشد عليها رحلها واستوى عليها وإني لو تركتكم حيث ~~قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار) وروي عنه أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال: لا يبلغني أحد منكم عن أحد من أصحابي شيئا فإني أحب أن أخرج إليكم ~~وأنا سليم الصدر) ومن شفقته على أمته صلى الله عليه وسلم تخفيفه وتسهيله ~~عليهم. # وكراهته أشياء مخافة أن تفرض عليهم كقوله عليه الصلاة والسلام: لولا أن ~~أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك PageV01P124 # مع كل وضوء وخبر صلاة الليل ونهيهم عن الوصال، وكراهته دخول الكعبة لئلا ~~تتعنت أمته، ورغبته لربه أن يجعل سبه ولعنه لهم رحمة بهم، وأنه كان يسمع ~~بكاء الصبي فيتجوز في صلاته * ومن شفقته صلى الله عليه وسلم أن دعا ربه ~~وعاهده فقال أيما رجل سببته أو لعنته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة وصلاة وطهورا ~~وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة، ولما كذبه قومه أتاه جبريل عليه السلام ~~فقال له إن الله تعالى قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد # أمر ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداه ملك الجبال وسلم عليه وقال ~~مرني بما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا، وروى ~~ابن المنكدر أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن الله ~~تعالى أمر السماء والأرض والجبال أن تطيعك فقال أؤخر عن أمتي لعل الله أن ~~يتوب عليهم، قالت عائشة رضي الله عنها ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بين أمرين إلا اختار أيسرهما، قال ابن مسعود رضي الله عنه كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا، PageV01P125 # وعن عائشة أنها ركبت بعيرا وفيه صعوبة فجعلت تردده فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: عليك بالرفق. ### | (فصل) وأما خلقه ms064 صلى الله عليه وسلم في الوفاء وحسن العهد وصلة الرحم # فحدثنا القاضي أبو عامر محمد بن إسماعيل بقراءتي عليه قال حدثنا أبو بكر ~~محمد بن محمد حدثنا أبو إسحق الحبال حدثنا أبو محمد بن النحاس حدثنا ابن ~~الأعرابي حدثنا أبو داود حدثنا محمد بن يحيى حدثنا محمد بن سنان حدثنا ~~إبراهيم بن طهمان عن بديل عن عبد الكريم ابن عبد الله بن شقيق عن أبيه عن ~~عبد الله عن أبي الحمساء قال بايعت النبي صلى الله عليه وسلم ببيع قبل أن ~~يبعث وبقيت له # بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه فنسيت ثم ذكرت بعد ثلاث فجئت فإذا هو ~~في مكانه فقال يا فتى لقد شققت علي أنا ههنا منذ ثلاث أنتظرك * وعن أنس كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتي بهدية قال اذهبوا بها إلى بيت فلانة ~~فإنها كانت صديقة لخديجة إنها كانت تحب خديجة، وعن عائشة رضي الله عنها ~~قالت ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة لما كنت أسمعه يذكرها وإن كان ~~ليذبح الشاه فيهديها PageV01P126 # إلى خلائلها واستأذنت عليه أختها فارتاح إليها، ودخلت عليه امرأة فهش لها ~~وأحسن السؤال عنها فلما خرجت قال (إنها كانت تأتينا أيام خديجة وإن حسن ~~العهد من الإيمان) ، ووصفه بعضهم فقال كان يصل ذوي رحمه من غير أن يؤثرهم ~~على من هو أفضل منهم. # وقال صلى الله عليه وسلم (إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء، غير أن لهم ~~رحما سأبلها ببلالها) * وقد صلى عليه الصلاة والسلام بأمامة ابنة ابنته ~~زينب يحملها على عاتقه فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها، وعن أبي قتادة وفد ~~وفد للنجاشي فقام النبي صلى الله عليه وسلم يخدمهم فقال له أصحابه نكفيك ~~فقال (إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين وإنى أحب PageV01P127 # أن أكافئهم) * ولما جئ بأخته من الرضاعة الشيماء في سبايا هوازن وتعرفت ~~له بسط لها رداءه وقال لها إن أحببت أقمت عندي مكرمة محببة أو متعتك ورجعت ~~إلى قومك، فاختارت قومها فمتعها، وقال أبو الطفيل رأيت ms065 النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأنا غلام إذ أقبلت امرأة حتى دنت منه فبسط لها رداءه فجلست عليه فقلت ~~من هذه قالوا أمه التي أرضعته، وعن عمرو بن السائب أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان جالسا يوما فأقبل أبوه من الرضاعة فوضع له بعض ثوبه فقعد ~~PageV01P128 # عليه ثم أقبلت أمه فوضع لها شق ثوبه من جانبه الآخر فجلست عليه، ثم أقبل ~~أخوه من الرضاعة فقام صلى الله عليه وسلم فأجلسه بين يديه. # وكان يبعث إلى ثويبة مولاة أبي لهب مرضعته بصلة وكسوة، فلما ماتت سأل: من ~~بقي من قرابتها؟ فقيل لا أحد، وفي حديث خديجة رضي الله عنها أنها قالت له ~~صلى الله عليه وسلم: أبشر فو الله لا يحزنك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتحمل ~~الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق. ### | (فصل) وأما تواضعه صلى الله عليه وسلم على علو منصبه ورفعة # PageV01P129 # رتبته فكان أشد الناس تواضعا وأعدمهم كبرا، وحسبك أنه خير بين أن يكون ~~نبيا ملكا أو نبيا عبدا فاختار أن يكون نبيا عبدا، فقال له إسرافيل عند ~~ذلك: فإن الله قد أعطاك بما تواضعت له أنك سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ~~تنشق الأرض عنه وأول شافع * حدثنا أبو الوليد بن العواد الفقيه رحمه الله ~~بقراءتي عليه في منزله بقرطبة سنة سبع وخمسمائة قال: حدثنا أبو علي الحافظ ~~حدثنا أبو عمر # حدثنا ابن عبد المؤمن حدثنا ابن داسة حدثنا أبو داود حدثنا أبو بكر بن ~~أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير عن مسعر عن أبي العنبس عن أبي العدبس عن ~~أبي مرزوق عن أبي غالب عن أبي أمامة رضي الله عنه، قال خرج علينا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم PageV01P130 # متوكئا على عصا فقمنا له فقال (لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضهم ~~بعضا) وقال (إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد) وكان ~~صلى الله عليه وسلم يركب الحمار ويردف خلفه ويعود المساكين ويجالس الفقراء ~~ويجيب ms066 دعوة العبد ويجلس بين أصحابه مختلطا بهم حيثما انتهى به المجلس جلس. # وفي حديث عمر عنه صلى الله عليه وسلم (لا تطروني كما أطرت النصارى ابن ~~مريم إنما أنا # عبد فقولوا عبد الله ورسوله) وعن أنس رضي الله عنه أن امرأة كان في عقلها ~~شئ جاءته فقالت: إن لي إليك حاجة، قال: اجلسي يا أم فلان في أي طرق المدينة ~~شئت أجلس إليك حتى أقضي حاجتك، قال فجلست فجلس النبي صلى الله عليه وسلم ~~إليها حتى فرغت من حاجتها. # قال أنس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركب الحمار ويجيب دعوة العبد ~~وكان يوم بني قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف عليه إكاف. # قال: وكان يدعى إلى خبز الشعير والإهالة السنخة فيجيب قال: وحج صلى الله ~~عليه وسلم على رحل رث وعليه قطيفة ما تساوى PageV01P131 # أربعة دراهم فقال (اللهم اجعله حجا مبرورا لا رياء فيه ولا سمعة. # هذا وقد فتحت عليه الأرض وأهدى في حجته ذلك مائة بدنة ولما فتحت عليه مكة ~~ودخلها بجيوش المسلمين طأطأ على رحله رأسه حتى كاد يمس قادمته تواضعا لله ~~تعالى * ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم قوله (لا تفضلوني على يونس - بن متى ~~- ولا تفضلوا بين الأنبياء ولا تخيروني على موسى ونحن أحق بالشك من ~~إبراهيم، ولو لبثت ما لبث يوسف في السجن لأجبت الداعي) وقال للذي قال له: ~~يا خير البرية (ذاك إبراهيم) # وسيأتي الكلام على هذه الأحاديث بعد هذا إن شاء الله تعالى * وعن عائشة ~~والحسن وأبي سعيد وغيرهم في صفته وبعضهم يزيد على بعض. # كان في بيته في مهنة أهله يفلي ثوبه ويحلب شاته ويرقع ثوبه ويخصف نعله ~~ويخدم نفسه ويقم البيت ويعقل البعير ويعلف PageV01P132 # ناضحه ويأكل مع الخادم ويعجن معها ويحمل بضاعته من السوق * وعن أنس رضي ~~الله عنه إن كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت حتى تقضي حاجتها. # ودخل عليه رجل فأصابته من هيبته رعدة ms067 فقال له (هون عليك فإني لسته بملك ~~إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد) وعن أبي هريرة رضي الله عنه دخلت ~~السوق مع النبي صلى الله عليه وسلم فاشتري سراويل وقال للوزان (زن وأرجح) ~~وذكر القصة، قال: فوثب إلى يد النبي صلى الله عليه وسلم يقبلها فجذب يده ~~وقال (هذا تفعله الأعاجم بملوكها ولست بملك إنما أنا رجل منكم) ثم أخذ ~~السراويل فذهبت لأحمله فقال (صاحب الشئ أحق بشيئه أن يحمله) ### | (فصل) وأما عدله صلى الله عليه وسلم وأمانته وعفته وصدق لهجته، # فكان صلى الله عليه وسلم آمن الناس وأعدل الناس وأعف الناس أصدقهم لهجة ~~منذ كان اعترف له بذلك محادوه وعداه وكان يسمى PageV01P133 # قبل نبوته: الأمين، قال ابن إسحاق كان يسمى الأمين بما جمع الله فيه من ~~الأخلاق الصالحة. # وقال تعالى (مطاع ثم أمين) أكثر المفسرين على أنه محمد صلى الله عليه ~~وسلم، ولما اختلفت قريش وتحازبت عند بناء الكعبة فيمن يضع الحجر حكموا أول ~~داخل عليهم فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم داخل وذلك قبل نبوته فقالوا: ~~هذا محمد؟ هذا الأمين قد رضينا به. # وعن الربيع بن خثيم: كان يتحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الجاهلية قبل الإسلام. # وقال صلى الله عليه وسلم (والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض) ~~حدثنا أبو علي الصدفي الحافظ بقراءتي عليه حدثنا أبو الفضل # ابن خيرون حدثنا أبو يعلى بن زوج الحرة حدثنا أبو علي السنجي حدثنا محمد ~~بن محبوب المروزي حدثنا أبو عيسى الحافظ حدثنا أبو كريب حدثنا معاوية بن ~~هشام عن سفيان عن أبي إسحاق عن ناجية بن كعب عن علي رضي الله عنه، أن أبا ~~جهل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا نكذبك ولكن نكذب بما جئت به، ~~فأنزل الله تعالى (فإنهم لا يكذبونك) الآية وروى غيره. # لا نكذبك وما أنت فينا بمكذب. # وقيل إن الأخنس بن شريق PageV01P134 # لقي أبا جهل يوم بدر فقال له: يا أبا الحكم ليس هنا غيري وغيرك ms068 يسمع ~~كلامنا، تخبرني عن محمد صادق هو أم كاذب؟ فقال أبو جهل: والله إن محمدا ~~لصادق وما كذب محمد قط. # وسأل هرقل عنه أبا سفيان فقال: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما ~~قال؟ قال: لا، وقال النضر بن الحارث لقريش: قد كان محمد فيكم غلاما حدثا ~~أرضاكم فيكم وأصدقكم حديثا وأعظمكم أمانة حتى إذا رأيتم في صدغيه الشيب ~~وجاءكم بما جاءكم به قلتم ساحر، لا والله ما هو بساحر. # وفي الحديث عنه: ما لمست يده يد امرأة قط لا يملك رقها. # وفي حديث علي في وصفه صلى الله عليه وسلم: أصدق الناس لهجة، وقال في ~~الصحيح (ويحك فمن يعدل إن # لم أعدل؟ خبت وخسرت إن لم أعدل، قالت عائشة رضي الله عنها: ما خير رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما ~~PageV01P135 # فإن كان إثما كان أبعد الناس منه (قال أبو العباس المبرد: قسم كسرى أيامه ~~فقال يصلح يوم الريح للنوم ويوم الغيم للصيد ويوم المطر للشرب واللهو ويوم ~~الشمس للحوائج. # قال ابن خالويه ما كان أعرفهم بسياسة دنياهم (يعلمون ظاهرا من الحياة ~~الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون) ولكن نبينا صلى الله عليه وسلم جزأ نهاره ~~ثلاثة أجزاء: جزءا لله وجزءا لأهله وجزءا لنفسه، ثم جزأ جزأه بينه وبين ~~الناس فكان يستعين بالخاصة على العامة ويقول (أبلغوا حاجة من لا يستطيع ~~إبلاغي فإنه من أبلغ حاجة من لا يستطيع إبلاغها آمنه الله يوم الفزع ~~الأكبر) وعن الحسن: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأخذ أحدا بقرف ~~أحد ولا يصدق # أحدا على أحد، وذكر أبو جعفر الطبري عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم (ما هممت بشئ مما كان أهل الجاهلية يعملون به غير مرتين كل ~~ذلك يحول الله بيني وبين ما أريد من ذلك، ثم ما هممت بسوء حتى أكرمني الله ~~برسالته، قلت ليلة لغلام كان يرعى معي: لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل ms069 مكة ~~فأسمر بها كما يسمر الشباب، فخرجت لذلك حتى جئت أول دار من مكة سمعت عزفا ~~بالدفوف والمزامير لعرس PageV01P136 # بعضهم فجلست أنظر، فضرب على أذني فنمت فما أيقظني إلا مس الشمس فرجعت ولم ~~أقض شيئا، ثم عراني مرة أخرى مثل ذلك ثم لم أهم بعد ذلك بسوء) ### | (فصل) وأما وقاره صلى الله عليه وسلم وصمته وتؤدته ومروؤته وحسن هديه # فحدثنا أبو علي الجياني الحافظ إجازة وعارضت بكتابه قال: حدثنا أبو ~~العباس الدلائي أخبرنا أبو ذر الهروي أخبرنا أبو عبد الله الوراق حدثنا ~~اللؤلؤي حدثنا أبو داود حدثنا عبد الرحمن بن سلام حدثنا الحجاج بن محمد عن ~~عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عمر بن عبد العزيز ابن وهب سمعت خارجة بن زيد ~~يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم أوقر الناس في مجلسه لا يكاد يخرج شيئا ~~من أطرافه. # وروى أبو سعيد الخدري: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جلس في ~~المجلس احتبى بيديه وكذلك كان أكثر جلوسه صلى الله عليه وسلم محتبيا. # وعن جابر بن سمرة: أنه تربع وربما جلس القرفصاء وهو PageV01P137 # في حديث قيلة. # وكان كثير السكوت لا يتكلم في غير حاجة، تعرض عمن نكلم بغير جميل، وكان ~~ضحكه تبسما وكلامه فصلا لا فضول ولا تقصير، وكان ضحك أصحابه عنده التبسم ~~توقيرا له واقتداء به. # مجلسه مجلس حلم وحياء وخير وأمانة لا ترفع فيه الأصوات ولا تؤبن فيه ~~الحرم، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤسهم الطير. # وفي صفته: يخطو تكفؤا ويمشي هونا كأنما ينحط من صبب: وفي الحديث الآخر: ~~إذا مشى مشى مجتمعا يعرف في مشيته أنه غير غرض ولا وكل أي PageV01P138 # غير ضجر ولا كسلان وقال عبد الله بن مسعود: إن أحسن الهدي هدي محمد صلى ~~الله عليه وآله وسلم. # وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: كان في كلام رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ترتيل أو ترسيل. # قال ابن أبي هالة: كان سكوته على أربع: على الحلم والحذر والتقدير ~~والتفكر: ms070 قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث حديثا لو عده ~~العاد أحصاه، وكان صلى الله عليه وسلم يحب الطيب والرائحة الحسنة ~~ويستعملهما كثيرا ويحض عليهما ويقول (حبب إلي من دنياكم النساء والطيب ~~وجعلت قرة عيني في الصلاة، ومن مروءته صلى الله عليه وسلم نهيه عن النفخ في ~~الطعام والشراب، والأمر بالأكل مما يلي، والأمر بالسواك وإنقاء البراجم ~~والرواجب واستعمال خصال الفطرة. ### | (فصل) وأما زهده في الدنيا # فقد تقدم من الأخبار أثناء هذه PageV01P139 # السيرة ما يكفي، وحسبك من تقلله منها وإعراضه عن زهرتها، وقد سيقت إليه ~~بحذافيرها وترادفت عليه فتوحها إلى أن توفي صلى الله عليه وسلم ودرعه ~~مرهونة عند يهودي في نفقة عياله وهو يدعو ويقول (اللهم اجعل رزق آل محمد ~~قوتا) * حدثنا سفيان بن العاصي والحسين بن محمد الحافظ والقاضي أبو عبد ~~الله التميمي قالوا: حدثنا أحمد ابن عمر قال: حدثنا أبو العباس الرازي قال: ~~حدثنا أبو أحمد الجلودي حدثنا ابن سفيان حدثنا أبو الحسين مسلم بن الحجاج ~~حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن ~~الأسود عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثلاثة أيام تباعا من خبز حتى مضى لسبيله، وفي رواية أخرى من # خبز شعير يومين متواليين ولو شاء لأعطاه الله ما لا يخطر ببال، وفي رواية ~~أخرى: ما شبع آل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبز بر حتى لقى الله عز ~~وجل، وقالت عائشة رضي الله عنها: ما ترك رسول الله PageV01P140 # صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا، وفي حديث عمرو ~~بن الحارث ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا سلاحه وبغلته وأرضا ~~جعلها صدقة، قالت عائشة رضي الله عنها ولقد مات وما في بيتى شئ يأكله ذو ~~كبد إلا شطر شعير في رف لي وقال لي (إني عرض علي أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا ~~فقلت لا يا رب أجوع ms071 يوما وأشبع يوما فأما اليوم الذي أجوع فيه فأتضرع إليك ~~وأدعوك وأما اليوم الذي أشبع فيه فأحمدك وأثني عليك) وفي حديث آخر أن جبريل ~~نزل عليه فقال له: إن الله تعالى يقرئك السلام ويقول لك (أتحب أن أجعل هذه ~~الجبال ذهبا وتكون معك حيثما كنت؟) فأطرق ساعة ثم قال (يا جبريل إن الدنيا ~~دار من لا دار له ومال من لا مال له قد يجمعها من لا عقل له) فقال له جبريل ~~ثبتك الله يا محمد بالقول الثابت، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: إن كنا آل ~~محمد لنمكث شهرا ما نستوقد نارا إن هو إلا التمر والماء، وعن عبد الرحمن بن ~~عوف هلك رسول الله صلى الله عليه وسلم # ولم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشعير، وعن عائشة وأبي أمامة وابن عباس ~~نحوه قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV01P141 # يبيت هو وأهله الليالي المتتابعة طاويا لا يجدون عشاء، وعن أنس رضي الله ~~عنه قال: ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خوان ولا في سكرجة ولا ~~خبز له مرقق ولا رأى شاة سميطا قط، وعن عائشة رضي الله عنها: إنما كان ~~فراشه صلى الله عليه وسلم الذي ينام عليه أدما حشوه ليف، وعن حفصة رضي الله ~~عنها قالت: كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته مسحا نثنيه ~~ثنتين فينام عليه فثنيناه له ليلة بأربع فلما أصبح قال: ما فرشتموا لي ~~الليلة فذكرنا ذلك له فقال ردوه بحاله فإن وطأته منعتني الليلة صلاتي وكان ~~ينام أحيانا على سرير مزمول بشريط حتى يؤثر في جنبه. # وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لم يمتلى جوف النبي صلى الله عليه وسلم ~~شبعا قط ولم يبث شكوى إلى أحد وكانت الفاقة PageV01P142 # أحب إليه من الغنى وإن كان ليظل جائعا ليلتوى طول ليلته من الجوع فلا ~~يمنعه صيام يومه ولو شاء سأل ربه جميع كنور الأرض وثمارها ورغد عيشها ولقد ~~كنت أبكي له رحمة مما ms072 أرى به وأمسح بيدي على بطنه مما به من الجوع وأقول ~~نفسي لك الفداء لو تبلغت من الدنيا بما يقوتك فيقول (يا عائشة مالى ~~وللدنيا؟ إخواني من أولي العزم من الرسل صبروا على ما هو أشد من هذا فمضوا ~~على حالهم فقدموا على ربهم فأكرم مآبهم وأجزل ثوابهم فأجدني أستحيي إن ~~ترفهت في معيشتي أن يقصر بي غدا دونهم وما من شئ هو أحب إلي من اللحوق ~~بإخواني وأخلائي، قالت فما أقام بعد إلا شهرا حتى توفي صلى الله عليه وسلم. ### | ### | (فصل) # وأما خوفه ربه وطاعته له وشدة عبادته فعلى قدر علمه بربه ولذلك ~~قال فيما حدثا أبو محمد بن عتاب قراءة مني عليه قال حدثنا أبو القاسم ~~الطرابلسي حدثنا أبو الحسن القابسي حدثنا أبو زيد # المروزي حدثنا أبو عبد الله الفربري حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا يحيى ~~ابن بكير عن الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب PageV01P143 # أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~(لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا) ، زاد في روايتنا ~~PageV01P144 # عن أبي عيسى الترمذي رفعه إلى أبي ذر رضي الله عنه (إني أرى مالا ترون ~~وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا ~~وملك واضع جبهته ساجدا لله، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم ~~كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى ~~الله) لوددت أني شجرة تعضد، روي هذا الكلام: وددت أني شجرة تعضد، من قول ~~أبي ذر نفسه وهو أصح وفي حديث المغيرة: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حتى انتفخت قدماه، وفي رواية: كان يصلي حتى ترم قدماه، فقيل له: أتكلف هذا ~~وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدا شكورا. # ونحوه عن أبي # سلمة وأبي هريرة وقالت عائشة رضي الله عنها: كان عمل رسول الله صلى الله ~~عليه وسم ديمة، وأيكم ms073 يطيق. # وقالت: كان يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم * ونحوه عن ابن ~~عباس وأم سلمة وأنس وقال: كنت لا تشاء أن تراه في الليل مصليا إلا رأيته ~~مصليا PageV01P145 # ولا نائما إلا رأيته نائما. # وقال عوف بن مالك: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستاك ثم توضأ ~~ثم قام يصلي، فقمت معه فبدأ فاستفتح البقرة، فلا يمر بآية رحمة إلا وقف ~~فسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف فتعوذ، ثم ركع فمكث بقدر قيامه يقول: ~~سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، ثم سجد وقال مثل ذلك ثم قرأ ~~آل عمران، ثم سورة سورة، يفعل مثل ذلك. # وعن حذيفة مثله وقال: سجد نحوا من قيامه، وجلس بين السجدتين نحوا منه ~~وقام حتى قرأ البقرة وآل عمران والنساء والمائدة * وعن عائشة قالت: قام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بآية من القرآن ليلة. # وعن عبد الله بن الشخير: # أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل. # قال ابن أبي هالة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان دائم ~~الفكرة ليست له راحة. # وقال صلى الله عليه وسلم: (إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة) وروي ~~(سبعين مرة) * وعن علي رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن سنته فقال (المعرفة رأس مالي والعقل أصل ديني والحب أساسي والشوق ~~مركبي PageV01P146 # وذكر الله أنيسي والثقة كنزي والحزن رفيقي والعلم سلاحي والصبر ردائي ~~والرضاء غنيمتي والعجز فخري والزهد حرفتي واليقين قوتي والصدق شفيعي ~~والطاعة حسبي والجهاد خلقي وقرة عيني في الصلاة) وفي حديث آخر: وثمرة فؤادي ~~في ذكره وغمي لأجل أمتي. # وشوقي إلى ربي عز وجل. ### | ### | (فصل) # اعلم وفقنا الله وإياك أن صفات جميع الأنبياء والرسل صلوات الله ~~عليهم من كمال الخلق حسن الصورة وشرف النسب وحسن الخلق وجميع المحاسن هي ~~هذه الصفة لأنها صفات الكمال والكمال والتمام البشري والفضل الجميع لهم ~~صلوات اللهم عليهم إذ رتبتهم أشرف ms074 الرتب ودرجاتهم أرفع الدرجات ولكن فضل ~~الله بعضهم على بعض قال الله تعالى (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) وقال ~~(ولقد اخترناهم على علم على العالمين) وقد قال صلى الله عليه وسلم إن أول ~~زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر ثم قال آخر الحديث على خلق ~~رجل واحد على صورة أبيهم آدم عليه السلام طوله ستون ذراعا في السماء وفي ~~حديث أبي هريرة رأيت موسى فإذا PageV01P147 # هو رجل ضرب رجل أقنى كأنه من رجال شنوءة ورأيت عيسى فإذا هو رجل ربعة ~~كثير خيلان الوجه أحمر كأنما خرج من ديماس وفي حديث آخر مبطن مثل السيف قال ~~وأنا أشبه ولد إبراهيم به وقال في حديث آخر في صفة موسى كأحسن ما أنت راء ~~من أدم الرجال * وفي حديث آخر في صفة موسى كأحسن ما أنت راء من أدم الرجال ~~* وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عنه صلى الله عليه وسلم ما بعث الله ~~تعالى من بعد لوط نبيا إلا في ذروة من قومه ويروى في ثروة أي كثرة ومنعة ~~وحكى الترمذي عن قتادة ورواه الدارقطني من حديث قتادة عن أنس ما بعث الله ~~تعالى نبيا إلا حسن الوجه حسن الصوت وكان نبيكم PageV01P148 # أحصنهم وجها وأحسنهم صوتا صلى الله عليه وسلم * وفي حديث هرقل وسألتك عن ~~نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب وكذلك الرسل تبعث في أنساب قومها وقال تعالى في ~~أيوب (إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب) وقال تعالى (يا يحيى خذ الكتاب ~~بقوة) إلى قوله (ويوم يبعث حيا) وقال (أن الله يبشرك بيحيى - إلى - ~~الصالحين) وقال (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران) الآيتين ~~وقال في نوح (إنه كان عبدا شكورا) وقال (أن الله يبشرك بكلمة منه اسمه ~~المسيح - إلى - الصالحين) وقال (إني عبد الله آتاني الكتاب - إلى - مادمت ~~حيا) وقال (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى) الآية قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: كان موسى رجلا حييا ستيرا ما يرى ms075 من جسده شئ ~~استحياء الحديث وقال تعالى عنه (فوهب # لي ربي حكما) الآية وقال في وصف جماعة منهم (إني لكم رسول أمين) وقال (إن ~~خير من استأجرت القوي الأمين) وقال (فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل) ~~وقال (ووهبنا له إسحق ويعقوب كلا هدينا) إلى قوله (فبهداهم اقتده) فوصفهم ~~بأوصاف جمة من الصلاح والهدى والاجتباء والحكم والنبوة وقال (فبشرناه بغلام ~~عليم - إلى - وحليم) وقال (ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم PageV01P149 # رسول كريم - إلى - أمين) وقال (ستجدني إن شاء الله من الصابرين) وقال في ~~إسماعيل (إنه كان صادق الوعد) الآيتين وفي موسى (إنه كان مخلصا) وفي سليمان ~~(نعم العبد إنه أواب) وقال (واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي ~~الأيدي والأبصار - إلى - الأخيار) وفى داود (إنه أواب) ثم قال (وشددنا ملكه ~~وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب) وقال عن يوسف (اجعلني على خزائن الأرض إني ~~حفيظ عليم) وفي موسى (ستجدني إن شاء الله صابرا) وقال تعالى عن شعيب ~~(ستجدني إن شاء الله من الصحالين) وقال (ما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم ~~عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت) وقال (ولوطا آتيناه حكما وعلما) وقال ~~(إنهم كانوا يسارعون في الخيرات) الآية قال سفيان هو الحزن الدائم في آي ~~كثيرة ذكر فيها من خصالهم ومحاسن أخلاقهم الدالة على كمالهم وجاء من ذلك في ~~الأحاديث كثير كقوله صلى الله عليه وسلم: إنما الكريم ابن الكريم ابن ~~الكريم ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن اسحق بن إبراهيم نبي ابن نبي ابن نبي ~~ابن نبي. # وفي حديث أنس وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم وروي أن سليمان ~~كان مع ما أعطي من الملك لا يرفع بصره إلى السماء تخشعا وتواضعا لله تعالى ~~وكان يطعم الناس لذائذ الأطعمة ويأكل خبز الشعير وأوحي إليه يا رأس ~~العابدين وابن محجة الزاهدين وكانت العجوز تعترضه وهو على الريح في جنوده # PageV01P150 # فيأمر الريح فتقف فينظر في حاجتها ويمضي وقيل ليوسف مالك تجوع وأنت على ~~خزائن الأرض قال أخاف أن أشبع فأنسى الجائع ms076 وروى أبو هريرة رضي الله عنه، ~~عنه صلى الله عليه وسلم: خفف على داود القرآن فكان يأمر بدابته فتسرج فيقرأ ~~القرآن قبل أن تسرج ولا يأكل إلا من عمل يده قال الله تعالى (وألنا له ~~الحديد أن اعمل سابغات وقدر في السرد) وكان سأل ربه أن يرزقه عملا بيده ~~يعنيه عن بيت المال وقال صلى الله عليه وسلم أحب الصلاة إلى الله صلاة داود ~~وأحب الصيام إلى الله صيام داود وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه ~~ويصوم يوما ويفطر يوما وكان يلبس الصوف ويفترش الشعر ويأكل خبز الشعير ~~بالملح والرماد ويمزج شرابه بالدموع ولم ير ضاحكا بعد الخطيئة ولا شاخصا ~~ببصره إلى السماء حياء من ربه عز وجل ولم يزل باكيا حياته كلها وقيل بكى ~~حتى نبته العشب من دموعه وحتى اتخذت الدموع في خده أخددا وقيل كان يخرج ~~متنكرا يتعرف سيرته فيسمع الثناء عليه فيزداد تواضعا، وقيل لعيسى عليه ~~السلام لو اتخذت حمارا قال أنا أكرم على الله تعالى من أن يشغلني بحمار ~~وكان يلبس # الشعر ويأكل الشجر ولم يكن له بيت أينما أدركه النوم نام وكان أحب ~~PageV01P151 # الأسامي إليه أن يقال له مسكين وقيل إن موسى عليه السلام لما ورد ماء ~~مدين كانت ترى خضرة البقل في بطنه من الهزال وقال صلى الله عليه وسلم لقد ~~كان الأنبياء قبلي يبتلى أحدهم بالفقر والقمل وكان أحب إليهم من العطاء ~~إليكم وقال عيسى عليه السلام لخنزير لقيه (اذهب بسلام) فقيل له في ذلك فقال ~~أكره أن أعود لساني المنطبق بسوء وقال مجاهد كان طعام يحيى العشب وكان يبكي ~~من خشية الله حتى اتخذ الدمع مجرى في خده وكان يأكل مع الوحش لئلا يخالط ~~الناس وحكى الطبري عن وهب أن موسى عليه السلام كان يستظل بعريش وكان يأكل ~~في نقرة من حجر ويكرع فيها إذا أراد أن يشرب كما تكرع الدابة تواضعا لله ~~بما أكرمه الله به من كلامه وأخبارهم في هذا كله مسطورة وصفاتهم في الكمال ~~وجميل الأخلاق ms077 وحسن الصور والشمائل معروفة مشهورة فلا نطول بها ولا تلتفت ~~إلى ما تجده في كتب بعض جهلة المؤرخين والمفسرين مما يخالف هذا. ### | (فصل) # قد آتيناك أكرمك الله من ذكر الأخلاق الحميدة والفضائل المجيدة وخصال ~~الكمال العديدة وأريناك صحتها له صلى الله عليه وسلم وجلبنا من الآثار ما ~~فيه مقنع والأمر أوسع فمجال هذا PageV01P152 # الباب في حقه صلى الله عليه وسلم ممتد ينقطع دون نفاده الأدلاء وبحر علم ~~خصائصه زاخر لا تكدره الدلاء ولكنا أتينا فيه بالمعروف مما أكثره في الصحيح ~~والمشهور من المصنفات واقتصرنا في ذلك بقل من كل وغيض من فيض ورأينا أن ~~نختم هذه الفصول بذكر حديث الحسن عن ابن أبي هالة لجمعه من شمائله وأوصافه ~~كثيرا وإدماجه جملة كافية من سيره وفضائله ونصله بتنبيه لطيف على غريبه ~~ومشكله حدثنا القاضي أبو علي الحسين بن محمد الحافظ رحمه الله بقراءتي عليه ~~سنة ثمان وخمسمائة قال حدثنا الإمام أبو القاسم عبد الله بن طاهر التميمي ~~فيما قرأت عليه أخبركم الفقيه الأديب أبو بكر محمد بن عبد الله بن الحسن ~~النيسابوري والشيخ الفقيه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن الحسن المحمدي ~~والقاضي أبو علي الحسن بن علي بن جعفر الوخشي قالوا حدثنا أبو القاسم على ~~ابن أحمد بن محمد بن الحسن الخزاعي أخبرنا أبو سعيد الهيثم بن كليب الشاشى ~~PageV01P153 # أخبرنا أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة الحافظ قال حدثنا سفيان بن وكيع # حدثنا جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجلي إملاء من كتابه قال حدثني رجل من ~~بني تميم من ولد أبي هالة زوج خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها يكنى أبا ~~عبد الله عن ابن لأبي هالة عن الحسن بن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه قال ~~سألت خالي هند بن أبي هالة قال القاضي أبو علي رحمه الله وقرأت على الشيخ ~~أبي طاهر أحمد بن الحسن ابن أحمد بن خذادادا الكرجي الباقلاني قال وأجاز ~~لنا الشيخ الأجل أبو الفضل أحمد بن الحسن ابن خيرون قالا ms078 حدثنا أبو علي ~~الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن الحسن ابن محمد بن شاذان بن حرب بن مهران ~~الفارسي قراءة عليه فأقر به قال أخبرنا أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى بن ~~الحسن بن جعفر بن عبد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ~~المعروف بابن أخي طاهر العلوي قال حدثنا PageV01P154 # إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ~~أبي طالب قال حدثني علي بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين # عن أخيه موسى بن جعفر عن جعفر بن محمد عن أبيه محمد بن علي عن علي بن ~~الحسين قال قال الحسن بن علي واللفظ لهذا السند سألت خالي هند بن أبي هالة ~~عن حلية رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان وصافا وأنا أرجو أن يصف لي منها ~~شيئا أتعلق به قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فخما مفخما يتلألأ ~~وجهه تلألء القمر ليلة البدر أطول من المربوع وأنصر من المشذب عظيم الهامة ~~رجل الشعر إن انفرقت عقيقته فرق وإلا فلا يحاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو ~~وفره أزهر اللون واسع الجبين أزج الحواجب سوابغ من غير قرن بينهما عرق يدره ~~الغضب أقنى العرنين له نور يعلوه ويحسبه من لم يتأمله أشم كث اللحية أدعج ~~سهل الخدين ضليع الفم PageV01P155 # أشنب مفلج الأسنان دقيق المسربة كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة معتدل ~~الخلق بادنا متماسكا سواء البطن والصدر مشيخ الصدر بعيد ما بين المنكبين ~~ضخم الكراديس أنور المتجرد موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط عاري ~~الثديين ما سوى ذلك أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر طويل الزندين رحب ~~الراحة # شثن الكفين والقدمين سائل الأطراف أو قال سائن الأطراف وسائر الأطراف سبط ~~العصب خمصان الأخمصين مسيح القدمين ينبو PageV01P156 # عنهما الماء إذا زال زال تقلعا ويخطو تكفؤا ويمشي هونا ذريع المشية إذا ~~مشى كأنما ينحط من صبب وإذا التفت التفت جميعا خافض الطرف ms079 نظره إلى الأرض ~~أطول من نظره إلى السماء جل نظره الملاحظة يسوق أصحابه ويبدأ من لقيه ~~بالسلام قلت صف لي منطقه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل ~~الأحزان دائم الفكرة # ليست له راحة ولا يتكلم في غير حاجة طويل السكوت يفتتح الكلام ويختمه ~~بأشداقه ويتكلم بجوامع الكلم فضلا لا فضول فيه ولا تقصير دمثا ليس بالجنا ~~في ولا المهين يعضم النعمة وإن دقت لا يذم شئيا لم يكن يذم ذواقا ولا يمدحه ~~ولا يقام لغضبه إذا تعرض PageV01P157 # للحق بشئ حتى ينتصر له ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها إذا أشار أشار بكفه ~~كلها وإذا تعجب قلبها وإذا تحدث اتصل بها فضرب بإبهامه اليمنى راحته اليسرى ~~وإذا غضب أعرض وأشاح وإذا فرح غض طرفه جل ضحكه التبسم ويفتر عن مثل حب ~~الغمام قال الحسن فكتمتها عن الحسين بن علي زمانا ثم حدثته فوجدته قد سبقني # إليه فسأل أباه عن مدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومخرجه ومجلسه ~~وشكله فلم يدع منه شيئا قال الحسين سألت أبي عن دخول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال كان دخوله لنفسه مأذونا له في ذلك فكان إذا أوى إلى منزله ~~جزأ دخوله ثلاثة أجزاء جزءا لله وجزئا لأهله وجزءا لنفسه ثم جزأ جزأه بينه ~~وبين الناس فيرد ذلك على العامة بالخاصة ولا يدخر عنهم شيئا فكان من سيرته ~~في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه وقسمته على قدر فضلهم في الدين منهم ذو ~~الحاجة ومنهم ذو الحاجتين ومنهم ذو الحوائج فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما ~~PageV01P158 # يصلحهم والأمة من مسألته عنهم وأخبارهم بالذي ينبغي لهم ويقول ليبلغ ~~الشاهد منكم الغائب وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته فإنه من أبلغ ~~سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها ثبت الله قدميه يوم القيامة لا يذكر عنده ~~إلا ذلك ولا يقبل من أحد غيره قال في حديث سفيان بن وكيع: يدخلون روادا ولا ~~يتفرقون إلا عن ذواق ويخرجون أدلة يعني فقهاء قلت فأخبرني عن مخرجه ms080 كيف كان ~~يصنع فيه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخزن لسانه إلا مما يعنيهم # ويؤلفهم ولا يفرقهم يكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم ويحذر الناس ويحترس ~~منهم من غير أن يطوي عن أحد بشره وخلقه ويتفقد أصحابه ويسأل الناس عما في ~~الناس ويحسن الحسن ويصوبه ويقبح القبيح ويوهنه معتدل الأمر غير مختلف لا ~~يغفل مخافة أن يغفلوا أو يملوا لكل حال عنده عتاد لا يقصر عن الحق ولا ~~يجاوزه إلى غيره الذين يلونه من الناس خيارهم وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة ~~وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة وموازرة فسألته عن مجلسه عما كان يصنع ~~فيه فقال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر ~~ولا يوطن الأماكن وينهى عن إيطانها وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به ~~المجلس ويأمر بذلك ويعطي كل جلسائه نصيبه PageV01P159 # حتى لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه من جالسه أو قاومه لحاجة صابره ~~حتى يكون هو المنصرف عنه من سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول ~~قد وسع الناس بسطه وخلقه فصار لهم أبا وصاروا عنده في الحق متقاربين ~~متفاضلين فيه بالتقوى وفي الرواية الأخرى صاروا عنده في الحق سواء مجلسه ~~مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة لا ترفع فيه الأصوات ولا تؤبن فيه الحرم، ولا ~~تنشى فلتاته وهذه الكلمة من غير الروايتين يتعاطفون بالتقوى متواضعين ~~يوقرون فيه الكبير ويرحمون الصغير ويرفدون ذا الحاجة ويرحمون الغريب فسألته ~~عن سيرته صلى الله عليه وسلم في جلسائه فقال كان رسول الله # صلى الله عليه وسلم دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ~~ولا سخاب ولا فحاش ولا عياب ولا مداح يتغافل عما لا يشتهي ولا يؤيس منه قد ~~ترك نفسه من ثلاث: الرياء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك الناس من ثلاث: ~~كان لا يذم أحدا، ولا يعيره ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ~~ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤسهم ms081 الطير وإذا سكت تكلموا لا ~~يتنازعون عنده الحديث من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم حديث أولهم ~~يضحك مما يضحكون منه ويتعجب مما يتعجبون منه ويصبر للغريب PageV01P160 # على الجفوة في المنطق ويقول إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها فأرفدوه ولا ~~يطلب الثناء إلا من مكافئ ولا يقطع على أحد حديثه حتى يتجوزه فيقطعه ~~بانتهاء أو قيام، هنا انتهى حديث سفيان بن وكيع، وزاد الآخر قلت كيف كان ~~سكوته صلى الله عليه وسلم؟ قال: كان سكوته على أربع: على الحلم، والحذر، ~~والتقدير، والتفكر * فأما تقديره ففي تسوية النظير والاستماع بين الناس * ~~وأما تفكره ففيما يبقى ويفنى وجمع له الحلم صلى الله عليه وسلم في الصبر ~~فكان لا يغضبه شئ يسنفزه وجميع له في الحذر أربع: أخذه بالحسن ليقتدى به ~~وتركه القبيح لينتهى عنه واجتهاد الرأي بما أصلح أمته والقيام لهم بما جمع ~~لهم أمر الدنيا والآخرة. # انتهى الوصف بحمد الله وعونه. ### | (فصل في تفسير غريب هذا الحديث ومشكله) # قوله المشذب أي البائن الطول في نحافة وهو مثل قوله في الحديث الآخر ليس ~~بالطويل الممغط، والشعر الرجل الذي كأنه مشط فتكسر قليلا ليس بسبط ولا جعد، ~~والعقيقة شعر الرأس أراد إن انفرقته من ذات نفسها فرقها وإلا تركها معقوصة ~~ويروى عقيصته، وأزهر اللون نيره وقيل أزهر حسن ومنه زهرة الحياة الدنيا أي ~~زينتها وهذا كما قال في الحديث PageV01P161 # الآخر ليس بالأبيض الأمهق ولا بالآدم، والأمهق: هو الناصع البياض والآدم ~~الأسمر اللون، ومثله في الحديث الآخر: أببض مشرب أي فيه حمرة، والحاجب ~~الأزج المقوس الطويل الوافر الشعر، والأقنى: السائل الأنف المرتفع وسطه، ~~والأشم: الطويل قصبة الأنف، والقرن: اتصال شعر الحاجبين، وضده البلج ووقع ~~في حديث أم معبد وصفه بالقرن، والأدعج: الشديد سواد الحدقة. # وفي الحديث الآخر: أشكل العين، وأسجر العين، وهو الذي في بياضها حمرة، ~~والضليع: الواسع والشنب: رونق الأسنان وماؤها، وقيل: رقتها وتحزيز فيها كما ~~يوجد في أسنان الشباب، والفلج فرق بين الثنايا، ودقيق المسربة خيط الشعر ~~الذي بين الصدر والسرة، بادن ms082 ذو لحم ومتماسك معتدل الخلق يمسك. # بعضه بعضا مثل قوله في الحديث الآخر لم يكن بالمطهم ولا بالمكلثم # أي ليس بمسترخي اللحم. # والمكلثم القصير الذقن، وسواء البطن والصدر أي مستويهما مشيح الصدر إن ~~صحت هذه اللفظة فتكون من الإقبال وهو أحد معاني أشاح أي أنه كان بادي الصدر ~~ولم يكن في صدره قعس وهو تطامن فيه وبه يتضح قوله قبل سواء البطن والصدر أي ~~ليس بمتقاعس الصدر، ولا مفاض البطن، ولمل اللفظ مسيح: بالسين وفتح الميم ~~بمعنى عريض كما وقع في الرواية الأخرى، وحكاه ابن دريد والكراديس رؤس ~~العظام، وهو مثل قوله في الحديث الآخر جليل # PageV01P162 # المشاش والكتد والمشاش: رؤس المناكب، والكتد: مجتمع الكنفين وشثن الكفين ~~والقدمين لحيمهما، والزندان: عظما الذراعين، وسائل الأطراف أي طويل ~~الأصابع، وذكر ابن الأنباري أنه روي سائل الأطراف أو قال سائن بالنون قال ~~وهما بمعنى تبدل اللام من النون إن صحت الرواية بها وأما على الرواية ~~الأخرى وسائر الأطراف فإشارة إلى فخامة جوارحه كما وقعت مفصلة في الحديث ~~ورحب الراحة أي واسعها وقيل كنى به عن سعة العطاء والجود، وخمصان الأخمصين ~~أي متجا في أخمص القدم وهو الموضع الذي لا تناله الأرض من وسط القدم، ومسيح ~~القدمين أي أملسهما ولهذا قال ينبو عنهما الماء وفي حديث أبي هريرة خلاف ~~هذا قال فيه إذا وطئ بقدمه وطئ بكلها ليس له أخمص وهذا يوافق معنى قوله ~~مسيح القدمين وبه قالوا سمي المسيح ابن مريم أي لم يكن له أخمص وقيل مسيح ~~لا لحم عليهما وهذا أيضا يخالف قوله شئن القدمين والتقلع رفع الرجل بقوة، ~~والتكفؤ: الميل إلى سنن الممشى وقصده، والهون: الرفق والوقار، والذريع: ~~الواسع الخطو أي أن مشيه كان يرفع فيه رجليه بسرعة ويمد خطوه خلاف مشية ~~المختال ويقصد سمته. # وكل ذلك برفق وتثبت دون عجلة كما قال كأنما ينحط من صبب، وقوله يفتتح ~~الكلام ويختمه بأشداقه أي لسعة فمه، والعرب تتمادح بهذا، وتذم بصغر الفم، ~~وأشاح: مال وانقبض، وحب الغمام: البرد، وقوله: فيرد ذلك بالخاصة ms083 على العامة ~~PageV01P163 # أي جعل من جزء نفسه ما يوصل الخاصة إليه فتوصل عنه للعامة، وقيل يجعل منه ~~للخاصة ثم يبدلها في جزء آخر بالعامة: ويدخلون روادا أي محتاجين إليه ~~وطالبين لما عنده ولا ينصرفون إلا عن ذواق، قيل: عن علم يتعلمونه: ويشبه أن ~~يكون على ظاهره أي في الغالب والأكثر، والعتاد العدة والشئ الحاضر المعد، ~~والموازرة المعاونة وقوله لا يوطن الأماكن أي لا يتخذ لمصلاه موضعا معلوما، ~~وقد ورد نهيه عن هذا مفسرا في غير هذا الحديث، وصابره أي حبس نفسه على ما ~~يريد صاحبه ولا نؤبن فيه الحرم أي لا يذكرن فيه بسوء ولا تنثى فلتاته أي لا ~~يتحدث بها أي لم تكن فيه فلتة وإن كانت من أحد سترت، ويرفدون: يعينون، ~~والسخاب: الكثير الصياح، وقوله ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ، قيل مقتصد في ~~ثنائه ومدحه، وقيل إلا من مسلم، وقيل: إلا من مكافئ على يد سبقت من النبي ~~صلى الله عليه وسلم له، ويستفزه: يستخفه، وفي حديث آخر في وصفه صلى الله ~~عليه وسلم منهوس العقب أي قليل لحمها، وأهدب الأشفار: أي طويل شعرها ~~PageV01P164 ### | (الباب الثالث) فيما ورد من صحيح الأخبار ومشهورها بعظيم قدره عند ربه ومنزلته وما خصه به في الدارين من كرامته صلى الله عليه وسلم # * لا خلاف أنه أكرم البشر، وسيد ولد آدم، وأفضل الناس منزلة عند الله، ~~وأعلاهم درجة، وأقربهم زلفى. # واعلم أن الأحاديث الواردة في ذلك كثيرة جدا وقد اقتصرنا منها على صحيحها ~~ومنتشرها وحصرنا معاني ما ورد منها في اثني عشر فصلا ### | (الفصل الأول) فيما ورد من ذكر مكانته عند ربه عز وجل والاصطفاء ورفعة الذكر والتفضيل، وسيادة ولد آدم وما خصه به في الدنيا من مزايا الرتب وبركة اسمه الطيب: # أخبرنا الشيخ أبو محمد عبد الله ابن أحمد العدل إذ نا بلفظه حدثنا أبو ~~الحسن الفرغاني حدثتنا أم القاسم بنت أبي بكر بن يعقوب عن أبيها حدثنا حاتم ~~وهو ابن عقيل عن يحيى وهو ابن إسماعيل عن يحيى الحماني حدثنا ms084 قيس عن الأعمش ~~عن عباية ابن ربعى عن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم (أن الله تعالى قسم الخلق قسمين فجعلني من خيرهم قسما. # فذلك قوله تعالى أصحاب اليمين وأصحاب الشمال فأنا من أصحاب اليمين وأنا ~~خير أصحاب PageV01P165 # اليمين ثم جعل القسمين أثلاثا فجعلني في خيرها ثلثا وذلك قوله تعالى ~~فأصحاب الميمنة وأصحاب المشئمة والسابقون السابقون فأنا من السابقين وأنا ~~خير السابقين ثم جعل الأثلاث قبائل فجعلني من خيرها قبيلة وذلك قوله تعالى ~~(وجعلناكم شعوبا وقبائل) الآية فأنا أتقى ولد آدم وأكرمهم على الله ولا ~~فخر، ثم جعل القبائل بيوتا فجعلني من خيرها بيتا فذلك قوله تعالى (إنما ~~يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) الآية، وعن أبي سلمة عن أبي هريرة ~~قال قالوا يا رسول الله متى وجبت لك النبوة قال (وآدم بين الروح والجسد) ~~وعن واثلة ابن الأسقع قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الله اصطفى ~~من ولد إبراهيم إسماعيل واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة واصطفى من بني ~~كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم) ومن حديث أنس ~~رضي الله عنه (أنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر) وفي حديث ابن عباس) أنا ~~أكرم الأولين والآخرين ولا فخر وعن عائشة رضي الله عنها عنه صلى الله عليه ~~وسلم (أتاني جبريل عليه السلام فقال قلبت مشارق الأرض ومغاربها فلم أر رجلا ~~أفضل من محمد ولم أر بني أب أفضل من بني هاشم) وعن أنس رضي الله عنه أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أتي بالبراق ليلة أسري به فاستصعب عليه فقال له ~~جبريل بمحمد تفعل هذا؟ فما ركبك أحد أكرم على الله منه، فارفض عرقا. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما # PageV01P166 # عنه صلى الله عليه وسلم (لما خلق الله آدم أهبطني في صلبه إلى الأرض ~~وجعلني في صلب نوح في السفينة وقذف بي في النار في صلب إبراهيم ثم لم يزل ~~ينقلني في الأصلاب ms085 الكريمة إلى الأرحام الطاهرة حتى أخرجني بين أبوي لم ~~يلتقيا على سفاح قط) وإلى هذا أشار العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه ~~بقوله: من قبلها طبت في الظلال وفي * مستودع حيث يخصف الورق ثم هبطت البلاد ~~لا بشر * أنت ولا مضغة ولا علق بل نطفة تركب السفين وقد * ألجم نسرا وأهله ~~الغرق تنقل من صالب إلى رحم * إذا مضى عالم بدا طبق PageV01P167 # ثم احتوى بيتك المهيمن من * خندف علياء تحتها النطق وأنت لما ولدت أشرقت ~~الأرض وضاءت بنورك الأفق فنحن في ذلك الضياء وفي النور * وسبل الرشاد نخترق ~~يا برد نار الخليل يا سببا * لعصمة النار وهي تحترق وروى عنه صلى الله عليه ~~وسلم أبو ذر وابن عمر وابن عباس وأبو هريرة وجابر بن عبد الله أنه قال ~~(أعطيت خمسا - وفي بعضها ستا - لم يعطهن نسى قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر ~~وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأحلت ~~لي الغنائم ولم تحل لنبي قبلي وبعثت إلى الناس كافة وأعطيت الشفاعة) وفي ~~رواية بدل هذه الكلمة: (وقيل لي سل تعطه) وفي رواية أخرى (وعرض علي أمتي ~~فلم يخف علي التابع من المتبوع) وفي رواية بعثت PageV01P168 # إلى الأحمر والأسود) قيل السود العرب لأن الغالب على ألوانهم الأدمة فهم ~~من السود، والحمر العجم، وقيل البيض والسود من الأمم، وقيل الحمر الإنس ~~والسود الجن * وفي الحديث الآخر عن أبي هريرة رضي الله عنه (نصرت بالرعب ~~وأوتيت جوامع الكلم وبينا أنا نائم إذ جئ بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في ~~يدي) * وفي رواية عنه (وختم بي النبيون) وعن عقبة بن عامر أنه قال: قال صلى ~~الله عليه وسلم (إني فرط لكم وأنا شهيد عليكم وإني والله لأنظر إلى حوضي ~~الآن وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا ~~بعدي ولكني أخاف عليكم أن تنافسوا فيها) وعن عبد الله ابن عمرو رضي الله ~~عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (أنا PageV01P169 # محمد النبي ms086 الأمي لا نبي بعدي أوتيت جوامع الكلم وخواتمه وعلمت خزنة ~~النار وحملة العرش * وعن ابن عمر (بعثت بين يدي الساعة) ومن رواية ابن وهب ~~أنه صلى الله عليه وسلم قال (قال الله تعالى سل يا محمد فقلت ما أسأل يا رب ~~اتخذت إبراهيم خليلا وكلمت موسى تكليما، واصطفيت نوحا، وأعطيت سليمان ملكا ~~لا ينبغي لأحد من بعده، فقال الله تعالى ما أعطيتك خير من ذلك، أعطيتك ~~الكوثر وجعلت اسمك مع اسمي ينادى به في جوف السماء وجعلت الأرض طهورا لك ~~ولأمتك وغفرت لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فأنت تمشي في الناس مغفورا لك، ~~ولم أصنع ذلك لأحد قبلك، وجعلت قلوب أمتك مصاحفها، وخبأت لك شفاعتك ولم ~~أخبأها لنبي غيرك) * وفي حديث آخر، رواه حذيفة (بشرني - يعني ربه عز وجل - ~~أول من يدخل الجنة معي من أمتي سبعون ألفا مع كل ألف سبعون ألفا ليس عليهم ~~حساب، وأعطاني أن لا تجوع أمتي ولا تغلب، وأعطاني النصر والعزة والرعب يسعى ~~بين يدي أمتي شهرا، وطيب لي ولأمتي المغانم، وأحل لنا كثيرا مما شدد على من ~~قبلنا، ولم يجعل علينا في الدين من حرج) * وعن أبي هريرة عنه صلى الله عليه ~~وسلم (ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أعطى من PageV01P170 # الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا # أوحى الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة) معنى هذا عند ~~المحققين بقاء معجزته ما بقيت الدنيا، وسائر معجزات الأنبياء ذهبت للحين ~~ولم يشاهدها إلا الحاضر لها ومعجزة القرآن يقف عليها قرن بعد قرن عيانا لا ~~خبرا إلى يوم القيامة، وفيه كلام يطول هذا نخبته، وقد بسطنا القول فيه، ~~وفيما ذكر فيه سوى هذا آخر باب المعجزات * وعن علي رضي الله عنه كل نبي ~~أعطى سبعة بحباء وزراء رفقاء من أمته، وأعطي نبيكم صلى الله عليه وسلم ~~أربعة عشر بحيبا منهم أبو بكر وعمر وابن مسعود وعمار، وقال صلى الله عليه ~~وسلم (إن الله قد حبس عن ms087 مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنها لا ~~تحل لأحد بعدي وإنما أحلت لي ساعة من نهار) وعن العرباض بن سارية سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول (إني عبد الله وخاتم النبيين) وإن آدم لمنجدل ~~في طينته وعدة أبي إبراهيم وبشارة عيسى ابن مريم) وعن ابن عباس قال إن الله ~~فضل محمدا صلى الله عليه وسلم على أهل السماء وعلى الأنبياء صلوات الله ~~وسلامه عليهم قالوا فما فضله على أهل السماء قال إن الله تعالى قال لأهل ~~السماء (ومن يقل منهم إني إله من دونه) الآية - وقال PageV01P171 # لمحمد صلى الله عليه وسلم (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) الآية، قالوا: فما ~~فضله على الأنبياء؟ قال: إن الله تعالى قال: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان ~~قومه) الآية، وقال لمحمد (وما أرسلناك إلا كافة للناس) # وعن خالد بن معدان أن نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: ~~يا رسول الله أخبرنا عن نفسك، وقد روي نحوه عن أبي ذر وشداد ابن أوس، وأنس ~~بن مالك رضي الله عنهم فقال: نعم أنا دعوة أبي إبراهيم يعني قوله: (ربنا ~~وابعث فيهم رسولا منهم) وبشر بي عيسى ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها ~~نور أضاء له قصور بصرى من أرض الشام، واسترضعت في بني سعد بن بكير فبينا ~~أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بهما لنا إذ جاءني رجلان عليهما ثياب بيض، ~~وفي حديث آخر ثلاثة رجال بطت من ذهب مملوة ثلجا فأخذاني فشقا بطني قال في ~~غير هذا الحديث من نحري إلى مراق بطني ثم استخرجا PageV01P172 # منه قلبي فشقاه فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها ثم غسلا قلبي وبطني بذلك ~~الثلج حتى أنقياه، قال في حديث آخر ثم تناول أحدهما شيئا فإذا بخاتم في يده ~~من نور يحار الناظر دونه فختم به قلبي فامتلأ إيمانا وحكمة ثم أعاده مكانه ~~وأمر الآخر يده على مفرق صدري # فالتأم وفي رواية إن جبريل قال قلب وكيع أي شديد فيه عينان ms088 تبصران وأذنان ~~سمعتان ثم قال أحدهما لصاحبه زنه بعشرة من أمته فوزنني بهم فرجحتهم، ثم قال ~~زنه بمائة من أمته فوزنني بهم فوزننهم ثم قال: زنه بألف من أمته فوزنني بهم ~~فوزنتهم ثم قال: دعه عنك فلو وزنته بأمته لوزنها قال في الحديث الآخر ثم ~~ضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني ثم قالوا يا حبيب لم ترع إنك لو ~~تدري ما يراد بك من الخير لقرت عيناك وفي بقية هذا الحديث من قولهم ما ~~أكرمك على الله إن الله معك وملائكته، قال في حديث أبي ذر: فما هو إلا أن ~~وليا عني فكأنما أرى الأمر معاينة وحكى أبو محمد المكى أبو الليث السمرقندي ~~وغيرهما أن آدم عند معصيته قال اللهم بحق محمد اغفر لي خطيئتي ويروى وتقبل ~~توبتي فقال له الله: من أين عرفت محمدا. # قال: رأيت في كل موضع من الجنة مكتوبا لا إله إلا الله محمد PageV01P173 # رسول الله ويروى محمد عبدي ورسولي فعلمت أنه أكرم خلقك عليك فتاب الله ~~عليه وغفر له، وهذا عند قائله تأويل قوله تعالى (فتلقى آدم من ربه كلمات) ~~وفي رواية أخرى فقال آدم: لما خلقتني رفعت رأسي إلى عرشك فإذا فيه مكتوب: ~~لا إله إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنه ليس أحد أعظم قدرا عندك ممن جعلت ~~اسمه مع اسمك فأوحى الله إليه (وعزتئ وجلالي إنه لآخر النبيين من ذريتك ~~ولولاه ما خلقتك # قال: وكان آدم يكنى بأبي محمد، وقيل بأبي البشر وروي عن سريج بن يونس أنه ~~قال إن لله ملائكة سياحين عبادتها على كل دار فيها أحمد أو محمد إكراما ~~منهم لمحمد صلى الله عليه وسلم وروى ابن قانع القاضي عن أبي الحمراء قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أسري بي إلى السماء إذا على العرش ~~مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله أيدته بعلي وفي التفسير عن ابن عباس ~~في قوله تعالى: (وكان تحته كنز لهما) قال PageV01P174 # لوح من ذهب فيه مكتوب: (عجبا ms089 لمن أيقن بالقدر كيف ينصب! عجبا لمن أيقن ~~بالنار كيف يضحك! عجبا لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها! أنا ~~الله لا إله إلا أنا محمد عبدي ورسولي) وعن ابن عباس رضي الله عنهما: على ~~باب الجنة مكتوب إني أنا الله لا إله إلا أنا محمد رسول الله لا أعذب من ~~قالها، وذكر أنه وجد على الحجارة القديمة مكتوب: محمد تقي مصلح، وسيد أمين، ~~وذكر السمنطاري أنه شاهد في بعض بلاد خراسان مولودا ولد على أحد جنبيه ~~مكتوب لا إله إلا الله # وعلى الآخر محمد رسول الله، وذكر الأخباريون أن ببلاد الهند وردا ~~PageV01P175 # أحمر مكتوبا عليه بالأبيض لا إله إلا الله محمد رسول الله وروي عن جعفر ~~بن محمد عن أبيه إذا كان يوم القيامة نادى مناد إلا ليقم من اسمه. # محمد فليدخل الجنة لكرامة اسمه صلى الله عليه وسلم، وروى ابن القاسم في ~~سماعه وابن وهب في جامعه عن مالك سمعت أهل مكة يقولون ما من بيت فيه اسم ~~محمد إلا نمى ورزقوا ورزق جيرانهم، وعنه صلى الله عليه وسلم (ماضر أحدكم أن ~~يكون في بيته محمد ومحمدان وثلاثة) # وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن الله تعالى نظر إلى قلوب العباد ~~فاختار منها قلب محمد صلى الله عليه وسلم فاصطفاه لنفسه فبعثه برسالته، ~~وحكى النقاش أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت (وما كان لكم أن تؤذوا ~~رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا) الآية. # قام خطيبا فقال (يا معشر أهل الإيمان إن الله تعالى فضلني عليكم تفضيلا ~~وفضل نسائي على نسائكم تفضيلا) الحديث ### | (فصل) في تفضيله بما تضمنته كرامة الإسراء # من المناجاة والرؤية وإمامة الأنبياء والعروج به إلى سدرة المنتهى وما ~~رأى من آيات ربه الكبرى: ومن خصائصه صلى الله عليه وسلم قصة الإسراء وما ~~انطوت عليه من درجات الرفعة مما نبه عليه الكتاب العزيز وشرحته صحاح ~~الأخبار قال الله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من PageV01P176 # المسجد الحرام) الآية وقال ms090 تعالى (والنجم إذا هوى) إلى قوله (لقد رأى من ~~آيات ربه الكبرى) فلا خلاف بين المسلمين في صحة الإسراء به صلى الله عليه ~~وسلم إذ هو نص القرآن وجائت بتفصيله وشرح عجائبه وخواص نبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم فيه أحاديث كثيرة منتشرة رأينا أن نقدم أكمالها ونشير إلى زيادة ~~من غيره يجب ذكرها حدثنا القاضي الشهيد أبو علي والفقيه أبو بحر بسماعي ~~عليهما والقاضي أبو عبد الله التميمي وغير واحد من شيوخنا قالوا حدثنا أبو ~~العباس العذري حدثنا أبو العباس الرازي حدثنا أبو أحمد الجلودي حدثنا ابن ~~سفيان حدثنا مسلم ابن الحجاج حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا حماد بن سلمة حدثنا # ثابت البناني عن أنس ين مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: (أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع ~~حافره عند منتهى طرفه قال فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي ~~يربط بها الأنبياء ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبرئيل ~~بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبرئيل: اخترت الفطرة ثم عرج ~~بنا إلى السماء فاستفتح جبرئيل فقيل من أنت، قال: جبريل قيل ومن معك ~~PageV01P177 # قال: محمد، قيل وقد بعث إليه قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بآدم ~~صلى الله عليه وسلم فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء الثانية ~~فاستفتح جبرئيل، فقيل من أنت؟ قال: جبرئيل: قيل ومن معك قال محمد قيل وقد ~~بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة عيسى ابن مريم ~~ويحيى بن زكريا صلى الله عليهما فرحبا بي ودعوا لي بخير ثم عرج بنا إلى ~~السماء الثالثة فذكر مثل الأول ففتح لنا فإذا أنا بيوسف صلى الله عليه وسلم ~~وإذا هو قد أعطي شطر الحسن فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء ~~الرابعة وذكر مثله فإذا أنا بإدريس فرحب بي ودعا لي بخير قال الله ms091 تعالى ~~(ورفعناه مكانا عليا) ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فذكر مثله فإذا أنا ~~بهارون فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء # السادسة فذكر مثله فإذا أنا بموسى فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى ~~السماء السابعة فذكر مثله فإذا أنا بإبراهيم مسندا ظهره إلى البيت المعمور ~~وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعوذون PageV01P178 # إليه ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى وإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها ~~كالقلال، قال فلما غشيها من أمر الله ما غشى تعيرت فما أحد من خلق الله ~~يستطيع أن ينعتها من حسنها فأوحى الله إلي ما أوحى ففرض علي خمسين صلاة في ~~كل يوم وليلة فنزلت إلى موسى فقال ما فرض ربك على أمتك قلت خمسين صلاة قال ~~ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا يطيقون ذلك فإني قد بلوت بني ~~إسرائيل وخبرتهم قال فرجعت إلى ربي فقلت يا رب خفف عن أمتي فحط عني خمسا ~~فرجعت إلى موسى فقلت حط عني خمسا قال إن أمتك لا يطيقون ذلك فارجع إلى ربك ~~فاسأله التخفيف قال فلم أزل أرجع بين ربي تعالى وبين موسى حتى قال يا محمد ~~إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فتلك خمسون صلاة ومن هم بحسنة ~~فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشرا ومن هم بسيئة فلم يعملها ~~لم تكتب شيئا فإن عملها كتبت سيئة واحدة قال فنزلت حتى انتخيت إلى موسى ~~فأخبرته # فقال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقلت قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه) قال القاضي وفقه الله جود ثابت رحمه ~~الله هذا الحديث عن أنس ما شاء ولم يأت أحد عنه بأصوب PageV01P179 # من هذا وقد خلط فيه غيره عن أنس تخلطا كثير لاسيما من رواية شريك بن أبي ~~نمر فقد ذكر في أوله مجئ الملك له وشق بطنه وغسله بماء زمزم وهذا إنما كان ~~وهو صبي ms092 وقبل الوحي وقد قال شريك في حديثه وذلك قبل أن يوحى إليه وذكر قصة ~~الإسراء ولا خلاف أنها كانت بعد الوحي وقد قال غير واحد إنها كانت قبل ~~الهجرة بسنة وقيل قبل هذا وقد روى ثابت عن أنس من رواية حماد بن سلمة أيضا ~~مجئ جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يلعب مع الغلمان عند ظئره وشقه ~~قلبه تلك القصة مفردة من حديث الإسراء كما رواه الناس فجود في القصتين وفي ~~أن الإسراء إلى بيت المقدس وإلى سدرة المنتهى كان قصة واحدة وأنه وصل إلى ~~بيت المقدس ثم عرج من هناك فأزاح كل إشكال أو همه غيره وقد روى يونس عن ابن ~~شهاب عن أنس قال كان أبو ذر يحدث أن رسول الله ثلى الله عليه وسلم قال (فرج ~~سقف بيتي فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله من ماء زمزم ثم جاء بطست من ذهب ~~ممتلئ حكمة وإيمانا فأفرغها في صدري ثم أطبقه ثم أخذ بيدي فعرج بنا إلى ~~السماء فذكر القصة وروى قتادة # الحديث بمثله عن أنس عن مالك بن صعصعة وفيها تقديم وتأخير وزيادة ونقص ~~وخلاف في ترتيب الأنبياء في السماوات وحديث ثابت عن أنس أتقن وأجود وقد ~~وقعت في حديث الإسراء PageV01P180 # زيادان نذكر منها نكتا مفيدة في غرضنا منها في حديث ابن شهاب وفيه قول كل ~~نبي له مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح إلا آدم وإبراهيم فقالا له والابن ~~الصالح وفيه من طريق ابن عباس ثم عرج بي حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صريف ~~الأقلام، وعن أنس ثم انطلق بي حتى أتيت سدرة المنتهى فغشيها ألوان لا أدري ~~ما هي قال ثم أدخلت الجنة وفي حديث مالك بن صعصعة فلما جاوزته يعني موسى ~~بكى فنودي ما يبكيك قال رب هذا غلام بعثته بعدي يدخل من أمته الجنة أكثر ~~مما يدخل من أمتي وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه وقد رأيتني في جماعة من ~~الأنبياء فحانت الصلاة فأممتهم فقال قائل يا محمد هذا مالك خازن ms093 النار فسلم ~~عليه فالتفت فبدأني بالسلام وفي حديث أبي هريرة ثم سار حتى أتى بيت المقدس ~~فنزل PageV01P181 # فربط فرسه إلى صخرة فصلى مع الملائكة فلما قضيت الصلاة قالوا يا جبريل من ~~هذا معك قال هذا محمد رسول الله خاتم النبيين قالوا وقد أرسل إليه قال نعم ~~قالوا حياه الله من أخ وخليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ثم لقوا أرواح ~~الأنبياء فأثنوا على ربهم وذكر كلام كل واحد منهم وهم إبراهيم وموسى وعيسى ~~وداود وسليمان ثم ذكر كلام النبي صلى الله عليه وسلم فقال وإن محمدا صلى ~~الله عليه وسلم أثنى على ربه عز وجل فقال كلكم أثنى على ربه وأنا أثني على ~~ربي الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين وكافة للناس بشيرا ونذيرا وأنزل ~~علي الفرقان فيه تبيان كل شئ وجعل أمتي خير أمة وجعل أمتي أمة وسطا وجعل ~~أمتي هم الأولون وهم الآخرون وشرح لي صدري ووضع عني وزري ورفع لي ذكري ~~وجعلني فاتحا وخاتما فقال إبراهيم بهذا فضلكم محمد ثم ذكر أنه عرج به إلى ~~السماء الدنيا ومن سماء إلى سماء نحو ما تقدم. # وفي حديث ابن مسعود وانتهي بي إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة ~~إليها ينتهى ما يعرج به من الأرض فيقبض منها وإليهخا ينتهي ما يهبط من ~~فوقها فيقبض منها قال تعالى (إذ يغشى السدرة ما يغشى) قال فراش من ذهب وفي ~~رواية أبي هريرة من PageV01P182 # طريق الربيع بن أنس فقيل لي هذه السدرة المنتهى ينتهي إليها كل أحد من ~~أمتك خلا على سبيلك وهي السدرة المنتهى يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن ~~وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل ~~مصفى وهي شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين عاما وأن ورقة منها مظلة الخلق ~~فغشيها نور وغشيتها الملائكة قال فهو قوله (إذ يغشى السدرة ما يغشى) فقال ~~تبارك وتعالى له سل فقال إنك اتخذت إبراهيم خليلا وأعطيته ملكا عظيما وكلمت ~~موسى تكليما وأعطيت داود ملكا ms094 عظيما وألنت له الحديد وسخرت له الجبال، ~~وأعطيت سليمان ملكا عظيما وسخرت له الجن والإنس والشياطين والرياح وأعطيته ~~ملكا لا ينبغي لأحد من بعده وعلمت عيسى التوراة والإنجيل وجعلته يبرئ ~~الأكمه والأبرص وأعذته وأمه من الشيطان الرجيم فلم يكن له عليهما سبيل فقال ~~له ربه تعالى قد اتخذتك خليلا وحبيبا فهو مكتوب في التوراة محمد حبيب ~~الرحمن وأرسلتك إلى الناس كافة وجعلت أمتك هم الأولون وهم الآخرون وجعلت ~~أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي وجعلتك أول النبيين خلقا ~~وآخرهم بعثا وأعطيتك سبعا من المثانى PageV01P183 # ولم أعطها نبيا قبلك وأعطيتك خواتيم سورة البقرة من كنز تحت عرشي لم ~~أعطها نبيا قبلك وجعلتك فاتحا وخاتما وفي الرواية الأخرى قال فأعطي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ثلاث: أعطي الصلوات الخمس وأعطي خواتيم سورة ~~البقرة وغفر لمن لا يشرك بالله شيئا من أمته المقحمات وقال (ما كذب الفؤاد ~~ما رأى) الآيتين رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح وفي حديث شريك أنه رأى ~~موسى في السابعة قال بتفضيل كلام الله قال ثم علي به فوق ذلك بما لا يعلمه ~~إلا الله فقال موسى لم أظن أن يرفع علي أحد وروي عن أنس أنه صلى الله عليه ~~وسلم صلى بالأنبياء بيت المقدس وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم (بينا أنا قاعد ذات يوم إذ دخل جبريل عليه السلام فوكز ~~بين كتفي فقمت إلى شجرة فيها مثل وكري الطائر PageV01P184 # فقعد في واحدة وقعدت في الأخرى فنمت حتى سدت الخافقين ولو شئت لمسست ~~السماء وأنا أقلب طرفي ونظرت جبريل كأنه حلس لاطئ فعرفت فضل علمه بالله علي ~~وفتح لي باب السماء ورأيت النور الأعظم ولط دوني الحجاب وفرجه الدر ~~والياقوت ثم أوحى الله إلي ما شاء أن يوحي) وذكر البزار عن علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه لما أراد الله تعالى أن يعلم رسوله صلى الله عليه وسلم الأذان ~~جاءه جبريل بدابة يقال لها ms095 البراق فذهب يركبها فاستصعبت عليه فقال لها ~~جبريل اسكني فو الله ما ركبك عبد أكرم على الله من محمد صلى الله عليه وسلم ~~فركبها حتى أتى بها إلى الحجاب الذي يلي الرحمن تعالى فبينا هو كذلك إذ خرج ~~ملك من الحجاب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا جبريل من هذا قال ~~والذي بعثك بالحق إني لأقرب الخلق مكانا وإن هذا الملك ما رأيته منذ خلقت ~~قبل ساعتي هذه فقال الملك الله أكبر الله أكبر فقيل له من وراء الحجاب صدق ~~عبدي أنا أكبر PageV01P185 # أنا أكبر ثم قال الملك أشهد أن لا إله إلا الله فقيل له من وراء الحجاب ~~صدق عبدي أنا الله لا إله إلا أنا وذكر مثل هذا في بقية الأذان إلا أنه لم ~~يذكر جوابا عن قوله حي على الصلاة حي على الفلاح وقال ثم أخذ الملك بيد ~~محمد صلى الله عليه وسلم فقدمه فأم أهل السماء فيهم آدم ونوح قال أبو جعفر ~~محمد بن علي بن الحسين رواية أكمل الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~الشرف على أهل السموات والأرض قال القاضي وفقه الله ما في هذا الحديث من ~~ذكر الحجاب فهو في حق المخلوق لا في حق الخالق فهم المحجوبون والباري جل ~~اسمه منزه عما يحجبه إذ الحجب إنما تحيط بمقدر محسوس ولكن حجبه على أبصار ~~خلقه وبصائرهم وإدراكاتهم بما شاء وكيف شاء ومتى شاء كقوله تعالى (كلا إنهم ~~عن ربهم يومئذ لمحجوبون) فقوله في هذا الحديث الحجاب وإذ خرج ملك من الحجاب ~~يجب أن يقال إنه حجاب حجب به من وراءه من ملائكته عن الاطلاع على ما دونه ~~من سلطانه وعظمته وعجائب ملكوته وجبروته ويدل عليه من الحديث قوله جبريل عن ~~الملك الذي خرج من ورائه إن هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتي هذه فدل ~~على أن هذا الحجاب لم يختص بالذات ويدل عليه قول كعب في تفسير سدرة المنتهى ~~قال إليها ينتهي علم الملائكة وعندها # يجدون أمر الله ms096 لا يجاوزها علمهم وأما قوله الذي يلي الرحمن فيحمل على ~~حذف المضاف أي يلي عرش الرحمن أو أمرا ما من عظيم آياته أو # PageV01P186 # مبادى حقائق معارفه مما هو أعلم به كما قال تعالى (واسال القرية) أي ~~أهلها وقوله فقيل من وراء الحجاب صدق عبدي أنا أكبر فظاهره أنه سمع في هذا ~~الموطن كلام الله تعالى ولكن من وراء حجاب كما قال تعالى (وما كان لبشر أن ~~يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب) أي وهو لا يراه حجب بصره عن رؤيته، ~~فإن صح القول بأن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه عز وجل فيحتمل أنه في ~~غير هذا الموطن بعد هذا أو قبله رفع الحجاب عن بصره حتى رآه والله أعلم. ### | (فصل) ثم اختلف السلف والعلماء هل كان إسراؤه بروحه أو جسده # على ثلاث مقالات فذهبت طائفة إلى أنه إسراء بالروح وأنه رؤيا منام مع ~~اتفاقهم أن رؤيا الأنبياء حق ووحي وإلى هذا ذهب معاوية وحكي عن الحسن ~~والمشهور عنه خلافه وإليه أشار محمد بن إسحاق وحجتهم قوله تعالى (وما جعلنا ~~الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس) وما حكوا عن عائشة رضي الله عنها ما ~~فقدت جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله بينا أنا نائم وقوله أنس وهو ~~نائم في المسجد PageV01P187 # الحرام وذكر القصة ثم قال في آخرها فاستيقظت وأنا بالمسجد الحرام وذهب ~~معظم السلف والمسلمين إلى أنه إسراء بالجسد وفي اليقظة وهذا هو الحق وهو ~~قول ابن عباس وجابر وأنس وحذيفة وعمر وأبي هريرة ومالك بن صعصعة وأبي حبة ~~البدري وابن مسعود والضحاك وسعيد بن جبير وقتادة وابن المسيب وابن شهاب ~~وابن زيد والحسن وإبراهيم ومسروق ومجاهد وعكرمة وابن جريج وهو دليل قول ~~عائشة وهو قول الطبري وابن حنبل وجماعة عظيمة من المسلمين وهو قول أكثر ~~المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين والمفسرين وقالت طائفة كان ~~الإسراء بالجسد يقظة من المسجد الحرام إلى بيت المقدس وإلى السماء بالروح ~~واحتجوا بقوله تعالى (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا ms097 من المسجد الحرام إلى ~~المسجد الأقصى) فجعل إلى المسجد الأقصى غاية الإسراء الذي وقع التعجب فيه ~~بعظيم القدرة والتمدح بتشريف النبي محمد صلى الله عليه وسلم به وإظهار ~~الكرامة له بالإسراء إليه قال هؤلاء ولو كان الإسراء بجسده إلى زائد على ~~المسجد الأقصى لذكره فيكون أبلغ في المدح، ثم اختلفت هذه الفرقتان هل صلى ~~ببيت المقدس أم لا؟ ففي حديث أنس وغيره ما تقدم من صلاته فيه وأنكر ~~PageV01P188 # ذلك حذيفة بن اليمان وقال والله ما زالا عن ظهر البراق حتى رجعا قال ~~القاضي وفقه الله والحق من هذا والصحيح إن شاء الله أنه إسراء بالجسد ~~والروح في القصة كلها وعليه تدل الآية وصحيح الأخبار والاعتبار ولا يعدل عن ~~الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند الاستحالة وليس في الإسراء بجسده وحال ~~يقظته استحالة إذ لو كان مناما لقال بروح عبده ولم يقل بعبده وقوله تعالى ~~(ما زاغ البصر وما طغى) ولو كان مناما لما كانت فيه آية ولا معجزة ولما ~~استبعده الكفار ولا كذبوه فيه ولا ارتد به ضعفاء من أسلم وافتتنوا به إذ ~~مثل هذا من المنامات لا ينكر بل لم يكن ذلك منهم إلا وقد علموا أن خبره ~~إنما كان عن جسمه وحال يقظته إلى ما ذكر في الحديث من ذكر صلاته بالأنبياء ~~ببيت المقدس في رواية أنس أو في السماء على ما روى غيره وذكر مجئ جبريل له ~~بالبراق وخبر المعراج واستفتاح السماء فيقال ومن معك فيقول محمد ولقائه ~~الأنبياء فيها وخبرهم معه وترحيبهم به وشأنه في فرض الصلاة ومراجعته مع ~~موسى في ذلك وفي بعض هذه الأخبار: فأخذ يعني جبريل بيدي فعرج بي إلى السماء ~~إلى قوله ثم عرج بي حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صريف الأقلام وأنه وصل إلى ~~سدرة المنتهى وأنه دخل الجنة ورأى فيها ما ذكره قال ابن عباس هي رؤيا عين ~~رآها صلى الله عليه وسلم لا رؤيا منام وعن الحسن فيه بينا أنا نائم في ~~الحجر جاءني جبريل فهمزني بعقبه فقمت # PageV01P189 # فجلست ms098 فلم أر شيئا فعدت لمضجعي، ذكر ذلك ثلاثا، فقال في الثالثة فأخذ ~~بعضدي فجرني إلى باب المسجد فإذا بدابة وذكر خبر البراق. # وعن أم هانئ ما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو في بيتي تلك ~~الليلة صلى العشاء الآخرة ونام بيننا فلما كان قبيل الفجر أهبنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فلما صلى الصبح وصلينا قال يا أم هانئ لقد صليت معكم ~~العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه ثم صليت ~~الغداة معكم الآن كما ترون، وهذا بين في أنه بجسمه، وعن أبي بكر من رواية ~~شداد بن أوس عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به طلبتك يا ~~رسول الله PageV01P190 # البارحة في مكانك فلم أجدك فأجابه أن جبريل عليه السلام حملني إلى # المسجد الأقصى، وعن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم (صليت ليلة أسري بي في مقدم المسجد ثم دخلت الصخرة فإذا بملك قائم معه ~~آنية ثلاث، وذكر الحديث. # وهذه التصريحات ظاهرة غير مستحيلة فتحمل على ظاهرها، وعن أبي ذر عنه صلى ~~الله عليه وسلم: فرج سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل فشرح صدري ثم غسله بماء ~~زمزم إلى آخر القصة ثم أخذ بيدي فعرج بي. # وعن أنس (أتيت فانطلقوا بي إلى زمزم فشرح عن صدري) وعن أبي هريرة رضي ~~الله عنه (لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسراي فسألتني عن أشياء لم ~~أثبتها فكربت كربا ما كربت مثله قط فرفعه الله لي أنظر إليه) ونحوه عن جابر ~~وقد روى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حديث الإسراء عنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال (ثم رجعت إلى خديجة وما تحولت عن جانبها) . ### | (فصل) في إبطال حجج من قال إنها نوم # احتجوا بقوله تعالى (وما جعلنا الرؤيا التى أريناك) فسماها رؤيا قلنا ~~قوله (سبحان الذي أسرى بعبده) يرده لأنه لا يقال في النوم أسرى، وقوله فتنة ~~للناس يؤيد أنها ms099 رؤيا عين وإسراء بشخص إذ ليس في الحلم فتنة ولا يكذب به ~~أحد لأن كل أحد يرى مثل ذلك في منامه من الكون في ساعة واحدة في أقطار ~~متباينة، على PageV01P191 # أن المفسرين قد اختلفوا في هذه الآية فذهب بعضهم إلى أنها نزلت في قضية ~~الحديبية وما وقع في نفوس الناس من ذلك وقيل غير هذا وأما # قولهم إنه قد سماها في الحديث مناما وقوله في حديث آخر بين النائم ~~واليقظان وقوله أيضا وهو نائم وقوله ثم استيقظت فلا حجة فيه إذ قد يحتمل أن ~~أول وصول الملك إليه كان وهو نائم أو أول حمله والإسراء به وهو نائم وليس ~~في الحديث أنه كان نائما في القصة كلها إلا ما يدل عليه قوله ثم استيقظت ~~وأنا في المسجد الحرام، فلعل قوله استيقظت بمعنى أصبحت أو استيقظ من نوم ~~آخر بعد وصوله بيته ويدل عليه أن مسراه لم يكن طول ليله وإنما كان في بعضه ~~وقد يكون قوله استيقظت وأنا في المسجد الحرام لما كان غمره من عجائب ما ~~طالع من ملكوت السموات والأرض وخامر باطنه من مشاهدة الملأ الأعلى وما رأى ~~من آيات ربه الكبرى فلم يستفق ويرجع إلى حال البشرية إلا وهو بالمسجد ~~الحرام ووجه ثالث أن يكون نومه واستيقاظه حقيقة على مقتضى لفظه ولكنه أسري ~~بجسده وقلبه حاضر ورؤيا الأنبياء حق تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم وقد مال ~~بعض أصحاب الإشارات إلى نحو من هذا قال تغميض PageV01P192 # عينيه لئلا يشغله شئ من المحسوسات عن الله تعالى ولا يصح هذا أن يكون في ~~وقت صلاته بالأنبياء ولعله كانت له في هذا الإسراء حالات * ووجه رابع وهو ~~أن يعبر بالنوم ههنا عن هيئة النائم من الاضطجاع ويقويه قوله في رواية عبد ~~بن حميد عن همام: بينا # أنا نائم وربما قال مضطجع وفي رواية هدبة عنه بينا أنا نائم في الحطيم ~~وربما قال في الحجر مضطجع وقوله في الرواية الأخرى بينا النائم واليقظان ~~فيكون سمى هيئته بالنوم لما كانت هيئة النائم غالبا ms100 وذهب بعضهم إلى أن هذه ~~الزيادات من النوم وذكر شق البطن ودنو الرب عز وجل الواقعة في هذا الحديث ~~إنما هي من رواية شريك عن أنس فيه منكرة من روايته إذ شق البطن في الأحاديث ~~الصحيحة إنما كان في صغره صلى الله عليه وسلم وقبل النبوة ولأنه قال في ~~الحديث قيل أن يبعث. # والإسراء بإجماع كان بعد المبعث. # فهذا كله يوهن ما وقع في رواية أنس مع أن أنسا قد بين من غير طريق أنه ~~إنما رواه عن غيره وأنه لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم فقال مرة عن ~~مالك ابن صعصعة وفي كتاب مسلم لعله عن مالك بن صعصعة على الشك وقال ~~PageV01P193 # مرة كان أبو ذر يحدث وأما قول عائشة ما فقدت جسده فعائشة لم تحدث به عن ~~مشاهدة لأنها لم تكن حينئذ زوجه ولا في سن من يضبط ولعلها لم تكن ولدت بعد ~~على الخلاف في الإسراء متى كان فإن الإسراء كان في أول الإسلام على قول ~~الزهري ومن وافقه بعد المبعث بعام ونصف وكانت عائشة في الهجرة بنت نحو ~~ثمانية أعوام وقد قيل كان الإسراء لخمس قبل الهجرة وقيل قبل الهجرة بعام ~~والأشبه أنه لخمس والحجة لذلك تطول ليست من غرضنا فإذا لم تشاهد ذلك # عائشة دل أنها حدثت بذلك عن غيرها فلم يرجح خبرها على خبر غيرها وغيرها ~~يقول خلافه مما وقع نضأ في حديث أم هانئ وغيره وأيضا فليس حديث عائشة رضي ~~الله عنها بالثابت والأحاديث الأخر أثبت لسنا نعني حديث أم هانئ وما ذكرت ~~فيه خديجة وأيضا فقد روي في حديث عائشة ما فقدت ولم يدخل بها النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلا بالمدينة وكل هذا يوهنه بل الذي يدل عليه صحيح قولها ~~إنه بجسده لإنكارها أن تكون رؤياه لربه رؤيا عين ولو كانت عندها مناما لم ~~تنكره فإن قيل فقد قال تعالى (ما كذب الفؤاد من رأى) فقد جعل ما رآه ~~PageV01P194 # للقلب وهذا يدل على أنه رؤيا نوم ووحي لا مشاهدة ms101 عين وحس قلنا يقابله ~~قوله تعالى (ما زاغ البصر وما طغى) فقد أضاف الأمر للبصر وقد قال أهل ~~التفسير في قوله تعالى (ما كذب الفؤاد ما رأى) أي لم يوهم القلب العين غير ~~الحقيقة بل صدق رؤيتها وقيل ما أنكر قلبه ما رأته عينه. ### | (فصل) وأما رؤيته صلى الله عليه وسلم لربه جل وعز # فاختلف السلف فيها فأنكرته عائشة رضي الله عنها * حدثنا أبو الحسين سراج ~~ابن عبد الملك الحافظ بقراءتي عليه قال حدثني أبي وأبو عبد الله بن # عتاب الفقيه قالا حدثنا القاضي يونس بن مغيث حدثنا أبو الفضل الصقيلى ~~حدثنا ثابت بن قاسم بن ثابت عن أبيه وجده قالا حدثنا عبد الله بن علي حدثنا ~~محمود بن آدم حدثنا وكيع عن ابن أبي خالد عن عامر عن مسروق أنه قال لعائشة ~~رضي الله عنها يا أم المؤمنين هل رأى محمد ربه فقالت لقد قف شعري مما قلت ~~ثلاث من حدثك بهن فقد كذب من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب ثم قرأت (لا ~~تدركه الأبصار) الآية وذكر الحديث وقال جماعة بقول عائشة رضي الله عنها وهو ~~المشهور عن ابن مسعود ومثله عن أبي هريرة أنه قال إنما PageV01P195 # رأى جبريل واختلف عنه. # وقال بإنكار هذا وامتناع رؤيته في الدنيا جماعة من المحدثين والفقهاء ~~والمتكلمين وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه رآه بعينه وروى عطاء عنه أنه ~~رآه بقلبه وعن أبي العالية عنه رآه بفؤاده مرتين وذكر ابن إسحاق أن ابن عمر ~~أرسل إلى ابن عباس رضي الله عنهما يسأله هل رأى محمد ربه فقال نعم والأشهر ~~عنه أنه رأى ربه بعينه روي ذلك عنه من طرق وقال إن الله تعالى اختص موسى ~~بالكلام وإبراهيم بالخلة ومحمدا بالرؤية وحجته قوله تعالى (ما كذب الفؤاد ~~ما رأى أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى) قال الماوردي قيل إن الله ~~تعالى قسم كلامه ورؤيته بين موسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم فرآه محمد ~~مرتين وكلمه موسى مرتين * # وحكى أبو ms102 الفتح الرازي وأبو الليث السمرقندي الحكاية عن كعب وروى عبد ~~الله بن الحارث قال اجتمع ابن عباس وكعب فقال ابن عباس أما نحن بنو هاشم ~~فنقول إن محمدا قد رأى ربه مرتين فكبر كعب حتى جاوبته الجبال وقال إن الله ~~قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى فكلمه موسى ورآه محمد بقلبه وروى شريك عن ~~أبي ذر رضي الله عنه في تفسير الآية قال رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه ~~* وحكى السمرقندي عن PageV01P196 # محمد بن كعب القرظي وربيع بن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل هل ~~رأيت ربك قال رأيته بفؤادي ولم أره بعيني وروى مالك ابن يخامر عن معاذ عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال رأيت ربي وذكر كلمة فقال يا محمد فيم يختصم ~~الملأ الأعلى الحديث * وحكى عبد الرزاق أن الحسن كان يحلف بالله لقد رأى ~~محمد ربه وحكاه أبو عمر الطلمنكي عن عكرمة * وحكى بعض المتكلمين هذا المذهب ~~عن ابن مسعود * وحكى ابن إسحاق أن مروان سأل أبا هريرة هل رأى محمد ربه ~~فقال نعم * وحكى النقاش عن أحمد بن حنبل أنه قال أنا أقول بحديث ابن عباس ~~بعينه: رآه رآه حتى انقطع نفسه يعني نفس أحمد وقال أبو عمر قال أحمد بن ~~حنبل رآه بقلبه وجبن عن القول برؤيته في الدنيا بالأبصار وقال سعيد بن جبير ~~لا أقول رآه ولا لم يره وقد اختلف في تأويل الآية عن ابن عباس وعكرمة # والحسن وابن مسعود فحكى عن ابن عباس وعكرمة رآه بقلبه وعن PageV01P197 # الحسن وابن مسعود رأى جبريل وحكى عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه أنه ~~قال رآه وعن ابن عطاء في قوله تعالى (ألم نشرح لك صدرك) قال شرح صدره ~~للرؤية وشرح صدر موسى للكلام وقال أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري رضي ~~الله عنه وجماعة من أصحابه أنه رأى الله تعالى ببصره وعيسى رأسه وقال كل ~~آية أوتيها نبي من الأنبياء عليهم السلام فقد أوتي مثلها نبينا صلى الله ~~عليه ms103 وسلم وخص من بينهم بتفضيل الرؤية ووقف بعض مشايخنا في هذا وقال ليس ~~عليه دليل واضح ولكنه جائز أن يكون. # قال القاضي أبو الفضل وفقه الله والحق الذي لا امتراء فيه أن رؤيته تعالى ~~في الدنيا جائزة عقلا وليس في العقل ما يحيلها والدليل على جوازها في ~~الدنيا سؤال موسى عليه السلام لها ومحال أن يجهل نبي ما يجوز على الله وما ~~لا يجوز عليه بل لم يسأل إلا جائزا غير مستحيل ولكن وقوعه ومشاهداته من ~~الغيب الذي لا يعلمه إلا من علمه الله فقال له الله تعالى (لن تراني) أي لن ~~تطيق ولا تحتمل # رؤيتي ثم ضرب له مثلا مما هو أقوى من بنية موسى وأثبت وهو الجبل وكل هذا ~~ليس فيه ما يحيل رؤيته في الدنيا بل فيه جوازها على الجملة وليس في الشرع ~~دليل قاطع على استحالتها ولا امتناعها إذ كل موجود فرؤيته جائزة غير ~~مستحيلة ولا حجة لمن استدل على منعها بقوله تعالى (لا تدركه الأبصار) ~~لاختلاف التأويلات في الآية وإذ ليس # PageV01P198 # يقتضي قول من قال في الدنيا الاستحالة وقد استدل بعضهم بهذه الآية نفسها ~~على جواز الرؤية وعدم استحالتها على الجملة وقد قيل لا تدركه أبصار الكفار ~~وقيل (لا تدركه الأبصار) لا تحيط به وهو قول ابن عباس وقد قيل لا تدركه ~~الأبصار وإنما يدركه المبصرون وكل هذه التأويلات لا تقتضي منع الرؤية ولا ~~استحالتها وكذلك لا حجة لهم بقوله تعالى (لن تراني) وقوله (تبت إليك) لما ~~قدمناه ولأنها ليس على العموم ولأن من قال معناها لن تراني في الدنيا إنما ~~هو تأويل وأيضا فليس فيه نص الامتناع وإنما جاءت في حق موسى وحيث تتطرق ~~التأويلات تتسلط الاحتمالات فليس للقطع إليه سبيل وقوله (تبت إليك) أي من ~~سؤالي ما لم تقدره لي وقد قال أبو بكر الهذلي في قوله (لن تراني) أي ليس ~~لبشر أن يطيق أن ينظر إلي في الدنيا وأنه من نظر إلي مات وقد رأيت لبعض ~~السلف والمتأخرين ما معناه أن رؤيته ms104 تعالى في الدنيا ممتنعة لضعف تركيب أهل ~~الدنيا وقواهم وكونها متغيرة عرضا للآفات والفناء فلم تكن لهم قوة على ~~الرؤية فإذا كان في الآخرة وركبوا تركيبا آخر ورزقوا قوى ثابتة باقية وأتم ~~أنوار أبصارهم وقلوبهم قووا بها # على الرؤية وقد رأيت نحو هذا لمالك بن أنس رحمه الله قال PageV01P199 # لم ير في الدنيا لأنه باق ولا يرى الباقي بالفاني فإذا كان في الآخرة ~~ورزقوا أبصار باقية رئي الباقي بالباقي وهذا كلام حسن مليح وليس فيه دليل ~~على الاستحالة إلا من حيث ضعف القدرة فإذا قوى الله تعالى من شاء من عباده ~~وأقدره على حمل أعباء الرؤية لم تمتنع في حقه وقد تقدم ما ذكر في قوة بصر ~~موسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم ونفوذ إدراكهما بقوة إلهية منحاها لإدراك ~~ما أدركاه ورؤية ما رأياه والله أعلم. # وقد ذكر القاضي أبو بكر في أثناء أجوبته عن الآيتين ما معناه أن موسى ~~عليه السلام رأى الله فلذلك خر صعقا وأن الجبل رأى ربه فصار دكا بإدراك ~~خلقه الله له واستنبط ذلك والله أعلم من قوله (ولكن انظر إلى الجبل فإن ~~استقر مكانه فسوف تراني) ثم قال (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى ~~صعقا) وتجليه للجبل هو ظهوره له حتى رآه على هذا القول وقال جعفر بن محمد ~~شغله بالجبل حتى تجلى ولولا ذلك لمات صعقا بلا إفافة وقوله هذا يدل على أن ~~موسى رآه وقد وقع لبعض المفسرين في الجبل أنه رآه وبرؤية الجبل له استدل من ~~قال برؤية محمد نبينا PageV01P200 # له إذ جعله دليلا على الجواز ولا مرية في الجواز إذ ليس في الآيات نص في ~~المنع. # وأما وجوبه لنبينا صلى الله عليه وسلم والقول بأنه رآه بعينه فليس فيه ~~قاطع أيضا ولا نص إذ المعول فيه على آيتي النجم والتنازع فيهما مأثور ~~والاحتمال لهما ممكن ولا أثر قاطع متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ~~وحديث ابن عباس خبر عن اعتقاده لم يسنده إلى النبي صلى الله ms105 عليه وسلم فيجب ~~العمل باعتقاد مضمنه ومثله حديث أبي ذر في تفسير الآية وحديث معاذ محتمل ~~للتاويل وهو مضطرب الإسناد والمتن وحديث أبي ذر الآخر مختلف محتمل مشكل ~~فروي: نور أني أراه، وحكى بعض شيوخنا أنه روي: نوراني أراه، وفي حديثه ~~الآخر سألته فقال رأيت نورا وليس يمكن الاحتجاج بواحد منها على صحة الرؤية ~~فإن كان الصحيح رأيت نورا فهو قد أخبر أنه لم ير الله تعالى وإنما رأى نورا ~~منعه وحجبه عن رؤية الله تعالى وإلى هذا يرجع قوله نور أنى أره أي كيف أراه ~~مع حجاب النور المغشي للبصر وهذا مثل ما في الحديث الآخر حجابه النور وفى ~~PageV01P201 # الحديث الآخر لم أره بعيني ولكن رأيته بقلبي مرتين وتلا (ثم دنا فتدلى) ~~والله تعالى قادر على خلق الإدراك الذي في البصر في القلب أو كيف شاء لا ~~إله غيره فإن ورد حديث نص بين في الباب اعتقد ووجب المصير إليه إذ لا ~~استحالة فيه ولا مانع قطعي يرده والله الموفق للصواب. ### | (فصل) وأما ما ورد في هذه القصة من مناجاته لله تعالى وكلامه معه # بقوله (فأوحى إلى عبده ما أوحى) إلى ما تضمنته الأحاديث فأكثر المفسرين ~~على أن الموحي هو الله عز وجل إلى جبريل وجبريل إلى محمد صلى الله عليه ~~وسلم إلا شذوذا منهم فذكر عن جعفر بن محمد الصادق قال أوحى إليه بلا واسطة ~~ونحوه عن الواسطي وإلى هذا ذهب بعض المتكلمين أن محمدا كلم ربه في الإسراء ~~وحكي عن الأشعري وحكوه عن ابن مسعود وابن عباس وأنكره آخرون وذكر النقاش عن ~~ابن عباس في قصة الإسراء عنه صلى الله عليه وسلم في قوله دنا فتدلى قال ~~فارقني جبريل فانقطعت الأصوات عني فسمعت كلام ربي وهو يقول: ليهدأ روعك يا ~~محمد ادن ادن. # وفي حديث أنس في الإسراء نحو منه وقد احتجوا في هذا بقوله تعالى (وما كان ~~لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب PageV01P202 # أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء) فقالوا هي ms106 ثلاثة أقسام من وراء حجاب ~~كتكليم موسى وبإرسال الملائكة كحال جميع الأنبياء وأكثر أحوال نبينا صلى ~~الله عليه وسلم الثالث قوله وحيا ولم يبق من تقسيم صور الكلام إلا المشافهة ~~مع المشاهدة وقد قيل الوحي هنا هو ما يلقيه في قلب النبي دون واسطة وقد ذكر ~~أبو بكر البزار عن علي في حديث الإسراء ما هو أوضح في سماع النبي صلى الله ~~عليه وسلم لكلام الله من الآية فذكر فيه: فقال الملك الله أكبر الله أكبر ~~فقيل لي من وراء الحجاب صدق عبدي أنا أكبر أنا أكبر وقال في سائر كلمات ~~الآذان مثل ذلك ويجئ الكلام في مشكل هذين الحديثين في الفضل بعد هذا مع ما ~~يشبهه وفي أول فصل من الباب منه وكلام الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~ومن اختصه من أنبيائه جائز غير ممتنع عقلا ولا ورد في الشرع قاطع يمنعه فإن ~~صح في ذلك خبر اعتمد عليه وكلامه تعالى لموسى كائن حق مقطوع به نص ذلك في ~~الكتاب وأكده بالمصدر دلالة على الحقيقة ورفع مكانه على ما ورد في الحديث ~~في السماء السابعة بسبب كلامه ورفع محمدا فوق هذا كله حتى بلغ مستوى وسمع ~~صريف الأقلام فكيف يستحيل في حق هذا أو يبعد سماع الكلام؟ فسبحان من خص من ~~شاء بما شاء وجعل بعضهم فوق بعض درجات. ### | (فصل) وأما ما ورد في حديث الإسراء # وظاهر الآية من الدنو # PageV01P203 # والقرب من قوله (دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى) فأكثر المفسرين أن ~~الدنو والتدلي منقسم ما بين محمد وجبريل عليهما السلام أو مختص # بأحدهما من الآخر أو من السدرة المنتهى قال الرازي وقال ابن عباس هو محمد ~~دنا فتدلى من ربه وقيل معنى دنا قرب وتدلى زاد في القرب وقيل هما بمعنى ~~واحد أي قرب وحكى مكي والماوردي عن ابن عباس هو الرب دنا من محمد فتدلى ~~إليه أي أمره وحكمه * وحكى النقاش عن الحسن قال دنا من عبده محمد صلى الله ~~عليه وسلم فتدلى فقرب ms107 منه فأراه ما شاء أن يريه من قدرته وعظمته قال وقال ~~ابن عباس هو مقدم ومؤخر تدلى الرفرف لمحمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج ~~فجلس عليه ثم رفع فدنا من ربه قال فارقني جبريل وانقطعت عني الأصوات وسمعت ~~كلام ربي عز وجل وعن أنس في الصحيح (عرج بي جبريل إلى سدرة المنتهى ودنا ~~الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى فأوحى إليه بما شاء ~~وأوحى إليه خمسين صلاة) وذكر حديث الإسراء وعن محمد بن PageV01P204 # كعب هو محمد دنا من ربه فكان قاب قوسين. # وقال جعفر بن محمد أدناه ربه منه حتى كان منه كقاب قوسين. # وقال جعفر بن محمد والدنو من الله لا حد له ومن العباد بالحدود. # وقال أيضا انقطعت الكيفية # عن الدنو: ألا ترى كيف حجب جبريل عن دنوه ودنا محمد إلى ما أودع قلبه من ~~المعرفة والإيمان فتدلى بسكون قلبه إلى ما أدناه وزال عن قلبه الشك ~~والارتياب؟ قال القاضي أبو الفضل وفقه الله: اعلم أن ما وقع من إضافة الدنو ~~والقرب هنا من الله أو إلى الله فليس بدنو مكان ولا قرب مدى بل كما ذكرنا ~~عن جعفر بن محمد الصادق ليس بدنو حد وإنما دنو النبي صلى الله عليه وسلم من ~~ربه. # وقربه منه إبانة عظيمه منزلته وتشريف رتبته وإشراق أنوار معرفته ومشاهدة ~~أسرار غيبه وقدرته ومن الله تعالى له مبرة وتأنيس وبسط وإكرام ويتأول فيه ~~ما يتأول في قوله: ينزل ربنا إلى سماء الدنيا. # على أحد الوجوه نزول إفضال وإجمال وقبول وإحسان قال الواسطي من توهم أنه ~~بنفسه دنا جعل ثم مسافة بل كل ما دنا بنفسه من الحق تدلى بعدا يعني عن درك ~~حقيقته إذ لا دنو للحق ولا بعد وقوله قاب قوسين أو أدنى فمن جعل الضمير ~~عائدا إلى الله تعالى لا إلى جبريل على هذا كان عبارة عن نهاية القرب ولطف ~~المحل وإيضاح المعرفة والإشراف على الحقيقة من محمد صلى الله عليه وسلم ~~وعبارة عن إجابة ms108 لرغبة وقضاء PageV01P205 # المطالب وإظهار التحفي وإنافة المنزلة والمرتبة من الله له ويتأول فيه ما ~~يتأول في قوله (من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ومن أتاني يمشي أتيته ~~هرولة) قرب بالإجابة والقبول وإتيان بالإحسان وتعجيل المأمول. ### | (فصل) في ذكر تفضيله صلى الله عليه وسلم في القيامة بخصوص الكرامة # حدثنا القاضي أبو علي حدثنا أبو الفضل وأبو الحسين قالا أخبرنا أبو يعلى ~~حدثنا السنجي حدثنا ابن محبوب حدثنا الترمذي حدثنا الحسين ابن يزيد الكوفي ~~حدثنا عبد السلام بن حرب عن ليث عن الربيع ابن أنس عن أنس رضي الله عنه قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا وأنا ~~خطيبهم إذا وفدوا وأنا مبشرهم إذا أيسوا، لواء الحمد بيدي وأنا أكرم ولد ~~آدم على ربي ولا فخر) * وفي رواية ابن زخر عن الربيع بن أنس في لفظ هذا ~~الحديث PageV01P206 # (أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا وأنا قائدهم إذا وفدوا وأنا خطيبهم إذا ~~أنصتوا وأنا شفيعهم إذا حبسوا وأنا مبشرهم إذا أبلسوا لواء الكرم بيدي وأنا ~~أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر ويطوف علي ألف خادم كأنهم لؤلؤ مكنون) وعن ~~أبي هريرة رضي الله عنه (وأكسى حلة من حلل الجنة ثم أقوم عن يمين العرش ليس ~~أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري) وعن أبي سعيد الخدري قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وبيدي لواء الحمد ~~ولا فخر وما نبي يومئذ # آدم فمن سواه إلا تحت لوائي وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر) وعن أبي ~~هريرة عنه صلى الله عليه وسلم أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق ~~عنه القبر وأول شافع وأول مشفع) وعن ابن عباس رضي الله عنهما (أنا حامل ~~لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر وأنا أول ~~من يحرك حلق الجنة فيفتح لي فأدخلها فيدخلها معي فقراء المؤمنين ولا فخر ~~وأنا أكرم الأولين ms109 والآخرين ولا فخر) وعن أنس (أنا أول الناس يشفع في الجنة ~~وأنا أكثر الناس تبعا) وعن أنس PageV01P207 # رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم (أنا سيد الناس يوم ~~القيامة وتدرون لم ذلك؟ يجمع الله الأولين والآخرين. # ) وذكر حديث الشفاعة وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال (أطمع أن أكون أعظم الأنبياء أجرا يوم القيامة) وفي حديث آخر (أما ~~ترضون أن يكون إبراهيم وعيسى فيكم يوم القيامة؟ ثم قال إنهما في أمتي يوم ~~القيامة: أما إبراهيم فيقول أنت دعوتي وذريتي فاجعلني من أمتك وأما عيسى ~~فالأنبياء إخوة بنو علات أمهاتهم شتى وإن عيسى أخي ليس بيني وبينه نبي وأنا ~~أولى الناس به) قوله أنا سيد الناس يوم القيامة هو سيدهم في الدنيا ويوم ~~القيامة ولكن أشار صلى الله عليه وسلم لانفراده فيه بالسودد والشفاعة دون ~~غيره إذ لجأ الناس إليه في ذلك فلم يجدوا # سواه والسيد هو الذي يلجأ الناس إليه في حوائجهم فكان حينئذ سيدا منفردا ~~من بين البشر لم يزاحمه أحد في ذلك ولا ادعاه كما قال تعالى (لمن الملك ~~اليوم لله الواحد القهار) والملك له تعالى في الدنيا والآخرة لكن في الآخرة ~~انقطعت دعوى المدعين لذلك في الدنيا وكذلك لجأ إلى محمد صلى الله عليه وسلم ~~جميع الناس في الشفاعة فكان PageV01P208 # سيدهم في الأخرى دون دعوى وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم (آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن من أنت ~~فأقول محمد فيقول بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك) وعن عبد الله بن عمرو قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (حوضي مسيرة شهر وزواياه سواء وماؤه أبيض ~~من الورق وريحه أطيب من المسك كيزانه كنجوم السماء من شرب منه لم يظمأ ~~أبدا) وعن أبي ذر نحوه وقال طوله ما بين عمان إلى أيلة يشخب فيه ميزابان من ~~الجنة * وعن ثوبان مثله وقال أحدهما من ذهب والآخر من ورق، ms110 وفي رواية حارثة ~~بن وهب كما بين المدينة وصنعاء PageV01P209 # وقال أنس أيلة وصنعاء وقال ابن عمر كما بين الكوفة والحجر الأسود، وروى ~~حديث الحوض أيضا أنس وجابر بن سمرة وابن عمر وعقبة ابن عامر وحارثة بن وهب ~~الخزاعي والمستورد وأبو برزة الأسلمي وحذيفة بن اليمان وأبو أمامة وزيد بن ~~أرقم وابن مسعود وعبد الله ابن زيد وسهل بن سعد وسويد بن جبلة وأبو بكر ~~وعمر بن الخطاب وابن بريدة وأبو سعيد الخدري وعبد الله الصنابحي وأبو هريرة ~~والبراء وجندب وعائشة وأسماء بنتا أبي بكر وأبو بكرة وخولة بنت قيس، وغيرهم ~~رضي الله عنهم أجمعين. ### | (فصل) في تفضيله بالمحبة والخلة: # جاءت بذلك الآثار الصحيحة واختص على ألسنة المسلمين بحبيب الله. # أخبرنا أبو القاسم بن إبراهيم الخطيب وغيره عن كريمة بنت أحمد حدثنا أبو ~~الهيثم وحدثنا حسين PageV01P210 # ابن محمد الحافظ سماعا عليه حدثنا القاضي أبو الوليد حدثنا عبد بن أحمد ~~حدثنا أبو الهيثم حدثنا أبو عبد الله محمد بن يوسف حدثنا محمد ابن إسماعيل ~~حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا أبو عامر حدثنا فليح حدثنا أبو النضر عن بسر ~~بن سعيد عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لو كنت متخذا ~~خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر) وفي حديث آخر (وإن صاحبكم خليل الله) ومن ~~طريق عبد الله بن مسعود وفد اتخذ الله صاحبكم خليلا، وعن ابن عباس قال جلس ~~ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ينتظرونه قال فخرج حتى إذا دنا منهم ~~سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم فقال بعضهم عجبا إن الله اتخذ إبراهيم من خلقه # خليلا وقال آخر ماذا بأعجب من كلام موسى كلمه الله تكليما وقال آخر فعيسى ~~كلمة الله وروحه وقال آخر آدم اصطفاه الله، فخرج عليهم فسلم وقال (قد سمعت ~~كلامكم وعجبكم إن الله تعالى اتخذ إبراهيم خليلا وهو كذلك وموسى نجي الله ~~وهو كذلك وعسيى روح الله وهو كذلك وموسى نجي الله وهو كذلك وعيسى روح الله ~~وهو كذلك وآدم اصطفاه ms111 الله وهو كذلك، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر وأنا حامل ~~لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر PageV01P211 # وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله ~~لى فيد خلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا ~~فخر) في حديث أبي هريرة رضي الله عنه من قول الله تعالى لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم: إني اتخذتك خليلا فهو مكتوب في التوراة اس حبيب الرحمن قال ~~القاضي أبو الفضل وفقه الله: اختلف في تفسير الخلة وأصل اشتقاقها فقيل ~~الخليل المنقطع إلى الله الذي ليس في انقطاعه إليه ومحبته له اختلال وقيل ~~الخليل المختص واختار هذا القول غير واحد وقال بعضهم أصل الخلة الاستصفاء ~~وسمي إبراهيم خليل الله لأنه يوالي فيه ويعادي فيه وخلة الله له نصره وجعله ~~إماما لمن بعده وقيل الخليل أصله الفقير المحتاج المنقطع مأخوذ من الخلة ~~وهي الحاجة فسمي بها إبراهيم لأنه قصر حاجته على ربه وانقطع إليه بهمه ولم ~~يهمه ولم يجعله قبل # غيره إذ جاءه جبريل وهو في المنجنيق ليرمى به في النار فقال ألك حاجة؟ ~~PageV01P212 # قال: أما إليك فلا، وقال أبو بكر بن فورك: الخلة صفاء المودة التي توجب ~~الاختصاص بتخلل الأسرار وقال بعضهم أصل الخلة المحبة ومعناها الإسعاف ~~والإلطاف والترفيع والتشفيع، وقد بين ذلك في كتابه تعالى بقوله (وقالت ~~اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه، قل فلم يعذبكم بذنوبكم) فأوجب ~~للمحبوب أن لا يؤاخذ بذنوبه قال هذا والخلة أقوى من البنوة لأن البنوة قد ~~تكون فيها العداوة كما قال تعالى (إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم ~~فاحذروهم) الآية ولا يصح أن تكون عداوة مع خلة فإذا تسمية إبراهيم ومحمد ~~عليهما السلام بالخلة إما بانقطاعهما إلى الله ووقف حوائجهما عليه ~~والانقطاع عمن دونه والإضراب عن الوسائط والأسباب أو لزيادة الاختصاص منه ~~تعالى لهما وخفي إلطافه عندهما وما خالل بواطنهما من أسرار إلهيته ومكنون ~~غيوبه ومعرفته أو لاستصفائه لهما واستصفاء قلوبهما عمن سواه حتى # لم يخاللهما حب لغيره ms112 ولهذا قال بعضهم الخليل من لا يتسع قلبه لسواه وهو ~~عندهم معنى قوله صلى الله عليه وسلم (ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر ~~خليلا) لكن أخوة الإسلام واختلف العلماء أرباب القلوب أيهما أرفع: درجة ~~الخلة أو درجة المحبة؟ فجعلهما بعضهم سواء فلا يكون الحبيب إلا خليلا ولا ~~الخليل إلا حبيبا لكنه خص إبراهيم بالخلة ومحمدا PageV01P213 # بالمحبة وبعضهم قال درجة الخلة أرفع واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم (لو ~~كنت متخذا خليلا غير ربي عز وجل) فلم يتخذه وقد أطلق المحبة لفاطمة وابنيها ~~وأسامة وغيرهم وأكثرهم جعل المحبة أرفع من الخلة لأن درجة الحبيب نبينا ~~أرفع من درجة الخليل إبراهيم وأصل المحبة الميل إلى ما يوافق المحب ولكن ~~هذا في حق من يصح الميل منه والانتفاع بالوفق وهي درجة المخلوق فأما الخالق ~~فمنزه عن الأعراض فمحبته لعبده تمكينه من سعادته وعصمته وتوفيقه وتهيئة ~~أسباب القرب وإفاضة رحمته عليه وقصواها كشف الحجب عن قلبه حتى يراه بقلبه ~~وينظر إليه ببصيرته فيكون كما قال في الحديث (فإذا أحببته كنت سمعه الذي ~~يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به) ولا ينبغي أن يفهم من هذا ~~سوى التجرد لله والانقطاع إلى الله والإعراض عن غير الله وصفاء القلب لله ~~وإخلاص الحركات لله كما قالت عائشة رضي الله عنها كان خلقه القرآن برضاه ~~يرضى وبسخطه يسخط، ومن هذا عبر بعضهم عن الخلة بقوله: # قد تخللت مسلك الروح مني * وبذا سمي الخليل خليلا فإذا ما نطقت كنت حديثي ~~* وإذا ما سكت كنت الغليلا فإذا مزية الخلة وخصوصية المحبة حاصلة لنبينا ~~محمد صلى الله عليه PageV01P214 # وسلم بما دلت عليه الآثار الصحيحة المنتشرة المتلقاة بالقبول من الأمة ~~وكفى بقوله تعالى (قل إن كنتم تحبون الله) الآية، حكى أهل التفسير أن هذه ~~الآية لما نزلت قال الكفار إنما يريد محمد أن نتخذه حنانا كما اتخذت ~~النصارى عيسى ابن مريم فأنزل الله غيظا لهم ورغما على مقالتهم هذه الآية ~~(قل أطيعوا الله والرسول) فزاده شرفا بأمرهم بطاعته ms113 وقرنها بطاعته ثم ~~توعدهم على التولي عنه بقوله تعالى (فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين) * ~~وقد نقل الإمام أبو بكر بن فورك عن بعض المتكلمين كلاما في الفرق بين ~~المحبة والخلة يطول جملة إشاراته إلى تفضيل مقام المحبة على الخلة ونحن ~~نذكر منه طرفا يهدي إلى ما بعده، فمن ذلك قولهم: الخليل يصل بالواسطة من ~~قوله (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض) والحبيب يصل إليه به من ~~قوله (فكان قاب قوسين أو أدنى) وقيل الخليل الذي تكون مغفرته في حد الطمع ~~من قوله (والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي والحبيب الذي مغفرته في حد اليقين ~~من قوله (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) الآية والخليل قال (ولا ~~تخزني يوم يبعثون) والحبيب قيل له (يوم لا يخزي الله النبي) فابتديئ ~~بالبشارة قبل # السؤال والخليل قال في المحنة حسبي الله والحبيب قيل له (يا أيها النبي ~~حسبك الله) والخليل قال (واجعل لى لسانه صدق في الآخرين) والحبيب قيل له ~~(ورفعنا لك ذكرك) أعطي بلا سؤال، والخليل قال # PageV01P215 # (واجنبني وبى أن نعبد الأصنام) والحبيب قيل له (إنما يريد الله ليذهب ~~عنكم الرجس أهل البيت) وفيما ذكرناه تنبيه على مقصد أصحاب المقال من تفضيل ~~المقامات والأحوال و (كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا) ### | فصل في تفضيله صلى الله عليه وسلم بالشفاعة والمقام المحمود # قال الله تعالى (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) أخبرنا الشيخ أبو علي ~~الغساني الجياني فيما كتب به إلى نحطه حدثنا سراج بن عبد الله القاضي حدثنا ~~أبو محمد الأصيلي حدثنا أبو زيد وأبو أحمد قالا حدثنا محمد بن يوسف حدثنا ~~محمد بن إسماعيل حدثنا إسماعيل بن أبان حدثنا أبو الأحوص عن آدم بن علي قال ~~سمعت ابن عمر يقول إن الناس يصيرون يوم القيامة جثى كل أمة تتبع نبيها ~~يقولون يا فلان اشفع لنا يا فلان اشفع لنا حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى ~~الله عليه PageV01P216 # وسلم فذلك يوم يبعثه الله المقام ms114 المحمود) وعن أبي هريرة سئل عنها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يعني قوله (عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا) فقال ~~هي الشفاعة * وروى كعب بن مالك عنه صلى الله عليه وسلم (يحشر الناس يوم ~~القيامة فأكون أنا وأمتي على تل ويكسوني ربي حلة خضراء ثم يؤذن لي فأقول ما ~~شاء الله أن أقول فذلك المقام المحمود) * وعن ابن عمر رضي الله عنهما وذكر ~~حديث الشفاعة قال فيمشي حتى يأخذ بحلقة الجنة فيومئذ يبعثه الله المقام ~~المحمود الذي وعده * وعن ابن مسعود عنه صلى الله عليه وسلم أنه قيامه عن ~~يمين العرش مقاما لا يقومه غيره يغبطه فيه الأولون والآخرون، ونحوه عن كعب ~~والحسن، وفي رواية هو المقام الذي أشفع لأمتي فيه * وعن ابن مسعود قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم (إني لقائم المقام المحمود قيل وما هو قال ~~ذلك يوم ينزل الله تبارك وتعالى على كرسيه) الحديث * وعن أبي موسى رضي الله ~~عنه عنه صلى القله عليه وسلم (خيرت بين أن يدخل نصف أمتي الجنة وبين ~~الشفاعة فاخترت الشفاعة لأنها أعم أترونها للمتقين، ولكنها للمذنبين ~~الخطائين) * وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قلت PageV01P217 # يا رسول الله ماذا ورد عليك في الشفاعة فقال (شفاعتي لمن شهد أن لا إله ~~إلا الله مخلصا يصدق لسانه قلبه) * وعن أم حبيبة قالت قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم (أريت ما تلقى أمتي من بعدي وسفك بعضهم دماء بعض وسبق لهم ~~من الله ما سبق للأمم قبلهم فسألت الله أن يؤتيني شفاعة يوم القيامة فيهم ~~ففعل) * وقال حذيفة يجمع الله الناس في صعيد واحد حيث يسمعهم الداعي ~~وينفذهم البصر حفاة عراة كما خلقوا سكونا لا تكلم نفس إلا بإذنه فينادى: ~~محمد فيقول لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك والمهتدي من هديت ~~وعبدك بين يديك ولك وإليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك تبارك وتعاليت ~~سبحانك رب البيت قال فذلك المقام المحمود الذي ذكر الله) * وقال ابن عباس ms115 ~~رضي الله عنهما إذا دخل أهل النار النار وأهل الجنة الجنة فيبقى آخر زمرة ~~من الجنة وآخر زمرة من النار فتقول زمرة النار لزمرة الجنة ما نفعكم ~~إيمانكم فيدعون ربهم PageV01P218 # ويضجون فيسمعهم أهل الجنة فيسألون آدم وغيره بعده في الشفاعة لهم فكل ~~يعتذر حتى يأتو محمد صلى الله عليه سلم فيشفع لهم فذلك المقام المحمود، ~~ونحوه عن بن مسعود أيضا ومجاهد وذكره علي بن الحسين عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقال جابر بن عبد الله ليزيد الفقير سمعت بمقام محمد، يعني الذي يبعثه ~~الله فيه قال قلت نعم قال فإنه مقام محمد المحمود الذي يخرج الله به من ~~يخرج يعني من النار، وذكر حديث الشفاعة في إخراج الجهنميين) وعن أنس نحوه ~~وقال فهذا المقام المحمود الذي وعده، وفي رواية أنس وأبي هريرة وغيرهما دخل ~~حديث بعضهم في حديث بعض قال صلى الله عليه وسلم (يجمع الله الأولين ~~والآخرين يوم القيامة فيهتمون - أو قال فيلهمون - فيقولون لو استشفعنا إلى ~~ربنا) ومن طريق آخر عنه ماج الناس بعضهم في بعض، وعن أبي هريرة: وتدنو ~~الشمس فيبلغ الناس من الغم مالا يطيقون ولا يحتملون فيقولون ألا تنظرون من ~~يشفع لكم فيأتون آدم فيقولون زاد بعضهم أنت آدم أبو البشر خلقك الله بيده ~~ونفخ فيك من روحه وأسكنك جنته وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شئ اشفع لنا ~~عند ربك حتى يريحنا من مكاننا ألا ترى ما نحن فيه فيقول إن ربي غضب اليوم ~~غضبا لم يغضب قبله PageV01P219 # مثله ولا يغضب بعده مثله ونهاني عن الشجرة فعصيت نفسي نفسي اذهبوا إلى ~~غيري اذهبوا إلى نوح فيأتون نوحا فيقولون أنت أول الرسل إلى أهل الأرض ~~وسماك الله عبدا شكورا ألا ترى ما نحن فيه ألا ترى ما بلغنا ألا تشفع لنا ~~إلى ربك فيقول إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله ~~نفسي نفسي قال في رواية أنس ويذكر خطيئته التي أصاب سؤاله ربه بغير علم وفي ~~رواية أبي ms116 هريرة رضي الله عنه: وقد كانت لي دعوة دعوتها على قومي اذهبوا ~~إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم فإنه خليل الله فيأتون إبراهيم فيقولون أنت ~~نبي الله وخليله من أهل الأرض اشفع لنا إلى ربك ألا ترى ما نحن فيه فيقول ~~إن ربي قد غضب اليوم غضبا فذكر مثله ويذكر ثلاث كلمات كذبهن نفسي نفسي لست ~~لها ولكن عليكم بموسى فإنه كليم الله وفي رواية فإنه عبد آتاه الله التوراة ~~وكلمه وقربه نجيا قال فيأتون موسى فيقول لست لها ويذكر خطيئته التي أصاب ~~وقتله النفس نفسي نفسي ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته فيأتون عيسى ~~فيقول لست لها ولكن عليكم بمحمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ~~فأوتى فأقول أنا لها فأنطلق فأستادن على ربى فتؤذن لي فإذا رأيته ~~PageV01P220 # وقعت ساجدا وفي رواية فآتي تحت العرش فأخر ساجدا، وفي رواية فأقوم # بين يديه فأحمده بمحامد لا أقدر عليها إلا أنه يلهمنيها الله، وفي رواية ~~فيفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على أحد قبلي، ~~قال في رواية أبي هريرة فيقال يا محمد ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفع فأرفع ~~رأسي فأقول يا رب أمتي يا رب أمتي فيقول أدخل من أمتك من لا حساب عليه من ~~الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ولم ~~يذكر في رواية أنس هذا الفصل وقال مكانه ثم أخر ساجدا فيقال لي يا محمد ~~ارفع رأسك وقل يسمع لك واشفع تشفع وسل تعطه فأقول يا رب أمتي أمتي فيقال ~~انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان فأخرجه فأنطلق ~~فأفعل ثم أرجع إلى ربي فأحمده بتلك المحامد وذكر مثل الأول وقال فيه مثقال ~~حبة من خردل قال فأفعل ثم أرجع وذكر مثل ما تقدم وقال فيه من كان في قلبه ~~أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل فأفعل وذكر في المرة الرابعة فيقال لي ~~ارفع ms117 رأسك وقل يسمع لك واشفع تشفع وسل تعطه فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال ~~لا إله إلا الله قال ليس ذلك إليك ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي ~~لأخرجن من النار من قال لا إله إلا الله، ومن رواية قتادة عنه قال فلا أدري ~~في الثالثة أو الرابعة فأقول يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن أي ~~من وجب عليه PageV01P221 # الخلود * وعن أبي بكر وعقبة بن عامر وأبي سعيد وحذيفة مثله قال فيأتون ~~محمدا فيؤذن له وتأتي الأمانة والرحم فتقومان جنبتي الصراط، وذكر في رواية ~~أبي مالك عن حذيفة فيأتون محمدا فيشفع فيضرب # الصراط فيمرون أولهم كالبرق ثم كالريح والطير شد الرجال ونبيكم صلى الله ~~عليه وسلم على الصراط يقول اللهم سلم سلم حتى يجتاز الناس وذكر آخرهم جوازا ~~الحديث، وفي رواية أبي هريرة فأكون أول من يجيز، وعن ابن عباس عنه صلى الله ~~عليه وسلم (يوضع للأنبياء منابر يجلسون عليها ويبقى منبري لا أجلس عليه ~~قائما بين يدي ربي منتصبا فيقول الله تبارك وتعالى ما تريد أن أصنع بأمتك ~~فأقول يا رب عجل حسابهم فيدعى بهم فيحاسبون فمنهم من يدخل الجنة برحمته ~~ومنهم من يدخل الجنة بشفاعتي ولا أزال أشفع حتى أعطى صكاكا برجال قد أمر ~~بهم إلى النار حتى إن خازن النار ليقول يا محمد ما تركت لغضب ربك في أمتك ~~من نقمة، ومن طريق زياد النميري عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال (أنا أول من تنفلق الأرض عن جمجمته ولا فخر وأنا سيد الناس يوم القيامة ~~ولا فخر ومعي لواء الحمد يوم القيامة وأنا أول من تفتح له الجنة ولا فخر ~~فآتي فآخذ بحلقة الجنة فيقال من هذا؟ فأقول محمد، فيفتح لى فيستقبلى الجبار ~~تعالى فأخر ساجدا) وذكر PageV01P222 # نحو ما تقدم، ومن رواية أنيس سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~(لأشفعن يوم القيامة لأكثر مما في الأرض من حجر وشجر) فقد اجتمع من اختلاف ~~ألفاظ هذه الآثار أن ms118 شفاعته صلى الله عليه وسلم ومقامه المحمود من أول ~~الشفاعات إلى آخرها من حين يجتمع الناس للحشر وتضيق بهم الحاجر ويبلغ منهم ~~العرق والشمس والوقوف مبلغه # وذلك قبل الحساب فيشفع حينئذ لإراحة الناس من الموقف ثم يوضع الصراط ~~ويحاسب الناس كما جاء في الحديث عن أبي هريرة وحذيفة وهذا الحديث أتقن ~~فيشفع في تعجيل من لا حساب عليه من أمته إلى الجنة كما تقدم في الحديث ثم ~~يشفع فيمن وجب عليه العذاب ودخل النار منهم حسبما تقتضيه الأحاديث الصحيحة ~~ثم فيمن قال لا إله إلا الله وليس هذا لسواه صلى الله عليه وسلم وفي الحديث ~~المنتشر الصحيح (لكل نبي دعوة يدعو بها واختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم ~~القيامة) قال أهل العلم معناه دعوة أعلم أنها تستجاب لهم ويبلغ فيها ~~مرغوبهم وإلا فكم لكل نبي منهم من دعوة مستجابة ولنبينا صلى الله عليه وسلم ~~منها ما لا يعد لكن حالهم عند الدعاء بها بين الرجاء والخوف وضمنت لهم ~~إجابة دعوة فيما شاؤه يدعون بها على يقين من الإجابة، وقد قال محمد بن زياد ~~وأبو صالح عن أبي هريرة في هذا الحديث PageV01P223 # (لكل نبي دعوة دعا بها في أمته فاستجيب له وأنا أريد أن أؤخر دعوتي شفاعة ~~لأمتي يوم اليامة) وفي رواية أبي صالح (لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي ~~دعوته) ونحوه في رواية أبي زرعة عن أبي هريرة وعن أنس مثل رواية ابن زياد ~~عن أبي هريرة، فتكون هذه الدعوة المذكورة مخصوصة بالأمة مضمونة الإجابة ~~وإلا فقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنه سأل لأمته أشياء من أمور الدين ~~والدنيا أعطي بعضها ومنع بعضها وادخر لهم هذه الدعوة ليوم الفاقة # وخاتمة المحن وعظيم السؤال والرغبة: جزاه الله أحسن ما جزى نبيا عن أمته ~~وصلى الله عليه وسلم كثيرا. ### | ### | فصل # في تفضيله صلى الله عليه وسلم في الجنة بالوسيلة والدرجة الرفيعة والكوثر ~~والفضيلة حدثنا القاضي أبو عبد الله محمد بن عيسى التميمي والفقيه ~~أبو الوليد هشام بن أحمد بقراءتي عليهما قالا ms119 حدثنا أبو علي الغساني حدثنا ~~النمري حدثنا ابن عبد المؤمن حدثنا أبو بكر التمار حدثنا أبو داود حدثنا ~~محمد بن سلمة حدثنا ابن وهب عن ابن لهيعة وحيوة وسعيد بن أبي أيوب عن كعب ~~بن علقمة عن عبد الرحمن بن جبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه سمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم ~~صلوا PageV01P224 # علي فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة ~~فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو ~~فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة) * وفي حديث آخر عن أبي هريرة: ~~الوسيلة أعلى درجة في الجنة * وعن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم (بينا أنا أسير في الجنة إذ عرض لي نهر حافتاه قباب اللؤلؤ قلت لجبريل ~~ما هذا قال هذا الكوثر الذي أعطاكه الله قال ثم ضرب بيده إلى طينته فاستخرج ~~مسكا) وعن عائشة عبد الله بن عمرو مثله قال ومجراه على الدر والياقوت وماؤه ~~أحلى من العسل وأبيض من الثلج وفي رواية عنه فإذا هو يجري ولم يشق شقا عليه ~~حوض ترد عليه أمتي # وذكر حديث الحوض ونحوه عن ابن عباس. # وعن ابن عباس أيضا قال الكوثر الخير الذي أعطاه الله إياه وقال سعيد بن ~~جبير والنهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله * وعن حذيفة فيما ذكر ~~صلى الله عليه وسلم عن ربه (وأعطاني الكوثر نهرا من الجنة يسيل في حوضي) ~~وعن ابن عباس في قوله تعالى (ولسوف يعطيك ربك فترضى) قال ألف قصر من لؤلؤ ~~ترابهن المسك وفيه ما يصلحهن * وفي رواية أخرى وفيه ما ينبغي له من الأزواج ~~والخدم. ### | (فصل) # فإن قلت إذا تقرر من دليل القرآن وصحيح الأثر PageV01P225 # وإجماع الأمة كونه أكرم البشر وأفضل الأنبياء فما معنى الأحاديث الواردة ~~بنهيه عن التفضيل كقوله فيما حدثناه الأسدي قال حدثنا السمرقندي حدثنا ~~الفارسي ms120 حدثنا الجلودي حدثنا ابن سفيان حدثنا مسلم حدثنا محمد بن مثنى ~~حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن قتادة سمعت أبا العالية يقول حدثني ابن ~~عم نبيكم صلى الله عليه وسلم يعني ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال (ما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى) وفي غير هذا الطريق عن ~~أبي هريرة قال يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما ينبغي لعبد - الحديث) ~~وفي حديث أبي هريرة في اليهودي الذي قال والذي اصطفى موسى على البشر فلطمه ~~رجل من الأنصار وقال تقول ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا ~~فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال لا تفضلوا بين الأنبياء وفي رواية # لا تخيروني على موسى فذكر الحديث وفيه ولا أقول إن أحدا أفضل من يونس بن ~~متى * وعن أبي هريرة من قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب * وعن ابن ~~مسعود لا يقولن أحدكم أنا خير من يونس بن متى وفي حديثه الآخر فجاءه رجل ~~فقال يا خير البرية فقال ذاك إبراهيم، فاعلم أن للعلماء في هذه الأحاديث ~~تأويلات (أحدها) أن نهيه عن التفضيل كان قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم فنهى ~~عن التفضيل إذ يحتاج إلى توقيف وأن من فضل بلا علم فقد كذب وكذلك قوله لا ~~أقول إن أحدا أفضل منه لا يقتضي تفضيله هو وإنما # PageV01P226 # هو في الظاهر كف عن التفضيل (الوجه الثاني) أنه قاله صلى الله عليه وسلم ~~على طريق التواضع ونفي التكبر والعجب وهذا لا يسلم من الاعتراض (الوجه ~~الثالث) ألا يفضل بينهم تضيلا يؤدي إلى تنقص بعضهم أو الغض منه لا سيما في ~~جهة يونس عليه السلام إذ أخبر الله عنه بما أخبر لئلا يقع في نفس من لا ~~يعلم منه بذلك غضاضة وانحطاط من رتبته الرفيعة إذ قال تعالى عنه (إذ أبق ~~إلى الفلك المشحون - إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه) فربما يخيل لمن لا ~~علم ms121 عنده حطيطته بذلك (الوجه رابع) منع التفضيل في حق النبوة والرسالة فإن ~~الأنبياء فيها على حد واحد إذ هي شئ واحد لا يتفاضل وإنما التفاضل في زيادة ~~الأحوال والخصوص والكرامات والرتب والألطاف وأما النبوة في نفسها فلا ~~تتفاضل وإنما التفاضل بأمور أخر زائدة عليها ولذلك منهم رسل ومنهم أولو عزم ~~من الرسل ومنهم من رفع مكانا عليا ومنهم من أوتي الحكم صبيا وأوتي بعضهم ~~الزبور # وبعضهم البينات ومنهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات قال الله تعالى (ولقد ~~فضلنا بعض النبيين على بعض) الآية وقال (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) ~~الآية قال بعض أهل العلم والتفضيل المراد لهم هنا في الدنيا وذلك بثلاثة ~~أحوال أن تكون آيته ومعجزاته أبهر وأشهر أو تكون أمته أزكى وأكثر أو يكون ~~في ذاته أفضل وأظهر وفضله في ذاته راجع إلى ما خصه الله به من كرامته ~~واختصاصه # PageV01P227 # من كلام أو خلة أو رؤية أو ما شاء الله من ألطافه وتحف ولايته واختصاصه ~~وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن للنبوة أثقالا وإن يونس تفسخ ~~منها تفسخ الربع فحفظ صلى الله عليه وسلم موضع الفتنة من أوهام من يسبق ~~إليه بسببها جرح في نبوته أو قدح في اصطفائه وخط في رتبته ووهن في عصمته ~~شفقة منه صلى الله عليه وسلم على أمته وقد يتوجه على هذا الترتيب وجه خامس ~~وهو أن يكون (أنا) راجعا إلى القائل نفسه أي لا يظن أحد وإن بلغ من الذكاء ~~والعصمة والطهارة ما بلغ أنه خير من يونس لأجل ما حكى الله عنه فإن درجة ~~النبوة أفضل وأعلى وإن تلك الأقدار لم تحطه عنها حبة خردل ولا أدنى، وسنزيد ~~في القسم الثالث في هذا بيانا إن شاء الله تعالى فقد بان لك الغرض وسقط بما ~~حررناه شبهة المعترض وبالله التوفيق وهو المستعان لا إله إلا هو. ### | فصل في أسمائه صلى الله عليه وسلم وما تضمنته من فضيلته # حدثنا أبو عمران موسى بن أبي تليد الفقيه قال ms122 حدثنا أبو عمر الحافظ حدثنا ~~سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن وضاح PageV01P228 # حدثنا يحيى حدثنا مالك عن ابن شهاب عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لي خمسة أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا ~~الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا ~~العاقب) وقد سماه الله تعالى في كتابه محمدا وأحمد فمن خصائصه تعالى له أن ~~ضمن أسماءه ثناءه فطوى أثناء ذكره عظيم شكره فأما اسمه أحمد فأفعل مبالغة ~~من صفة الحمد ومحمد مفعل مبالغة من كثرة الحمد فهو صلى الله عليه وسلم أجل ~~من حمد وأفضل من حمد وأكثر الناس حمدا فهو أحمد المحمودين وأحمد الحامدين ~~ومعه لواء الحمد يوم القيامة وليتم له كمال الحمد ويتشهر في تلك العرصات ~~بصفة الحمد، ويبعثه ربه هناك مقاما محمودا كما وعده يحمده فيه الأولون ~~والآخرون بشفاعته لهم ويفتح عليه فيه من المحامد كما قال صلى الله عليه ~~وسلم ما لم يعط غيره وسمى أمته في كتب أنبيائه بالحمادين فحقيق أن يسمى ~~محمدا وأحمد ثم في هذين الاسمين من عجائب خصائصه وبدائع آياته فن آخر هو إن ~~الله جل اسمه حمى أن يمسى بهما أحد قبل زمانه أما أحمد الذي أتى في ~~PageV01P229 # الكتب وبشرت به الأنبياء فمنع الله تعالى بحكمته أن يسمى به أحد غيره ولا ~~يدعى به مدعو قبله حتى لا يدخل لبس على ضعيف القلب أو شك وكذلك محمد أيضا ~~لم يسم به أحد من العرب ولا غيرهم إلى أن شاع قبيل وجوده صلى الله عليه ~~وسلم وميلاده أن نبيا يبعث اسمه محمد فسمى قوم قليل من العرب أبناءهم بذلك ~~رجاء أن يكون أحدهم هو والله أعلم حيث يجعل رسالته وهم محمد بن أحيحة بن ~~الجلاح الأوسي ومحمد بن مسلمة الأنصاري ومحمد بن براء البكري ومحمد ابن ~~سفيان بن مجاشع ومحمد بن حمران الجعفي ومحمد بن خزاعي السلمي لا سابع لهم ~~ويقال ms123 أول من سمي محمدا محمد بن سفيان واليمن تقول بل محمد بن اليحمد من ~~الأزد ثم حمى الله كل من تسمى به أن يدعي النبوة أو يدعيها أحد له أو يظهر ~~عليه سبب يشكك أحدا في PageV01P230 # أمره حتى تحققت السمتان له صلى الله عليه وسلم ولم ينازع فيهما وأما قوله ~~صلى الله عليه وسلم وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر ففسر في الحديث ~~ويكون محو الكفر إما من مكة وبلاد العرب وما زوي له من الأرض ووعد أنه ~~يبلغه ملك أمته أو يكون المحو عاما بمعنى الظهور والغلبة كما قال تعالى ~~(ليظهره على الدين كله) وقد ورد تفسيره في الحديث أنه الذي محيت به سيئات ~~من اتبعه وقوله وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي أي على زماني وعهدي ~~أي ليس بعدي نبي كما قال (وخاتم النبيين) وسمى عاقبا لأنه عقب غيره من ~~الأنبياء وفي الصحيح أما العاقب الذي ليس بعدي نبي وقيل معني على قدمي أي ~~يحشر الناس بمشاهدتي كما قال تعالى (لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا) وقيل على قدمي على سابقتي قال الله تعالى (أن لهم قدم صدق عند ~~ربهم) وقيل على قدمي أي قدامي وحولي أي يجتمعون إلي يوم القيامة وقيل قدمي ~~على سنتي ومعني قوله (لي خمسة أسماء) قيل إنها موجودة في الكتب المتقدمة ~~وعند أولي العلم من الأمم السالفة، وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم: لي ~~عشرة أسماء، وذكر منها: طه ويس، حكاه مكي وقد قيل في بعض تفاسير طه إنه يا ~~طاهر يا هادي، وفي يس يا سيد، حكاه السلمي عن الواسطي وجعفر بن محمد، وذكر ~~غيره، لي عشرة أسماء فذكر الخمسة التي في الحديث الأول، قال: وأنا رسول ~~الرحمة ورسول # PageV01P231 # الراحة ورسول الملاحم وأنا المقفي قفيت النبيين وأنا قيم والقيم الجامع ~~الكامل كذا وجدته ولم أروه وأرى أن صوابه قثم بالثاء كما ذكرناه بعد عن ~~الحربي وهو أشبه بالتفسير وقد وقع أيضا في كتب الأنبياء قال داود عليه ms124 ~~السلام اللهم ابعث لنا محمدا مقيم السنة بعد الفترة فقد يكون القيم بمعناه ~~وروى النقاش عنه صلى الله عليه وسلم: لي في القرآن سبعة أسماء: محمد وأحمد ~~ويس وطه والمدثر والمزمل وعبد الله) وفي حديث عن جبير بن مطعم رضي الله عنه ~~هي ست: محمد وأحمد وخاتم وعاقب وحاشر وماح، وفي حديث أبي موسى الأشعري أنه ~~كان صلى القله عليه وسلم يسمي لنا نفسه أسماء فيقول (أنا محمد وأحمد ~~والمقفي والحاشر ونبي التوبة ونبي الملحمة) ويروى المرحمة والراحة وكل صحيح ~~إن شاء الله ومعني المقفي معني العاقب وأما نبي الرحمة والتوبة والمرحمة ~~والراحة فقد قال الله تعالى (وأما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) وكما وصفه ~~بأنه يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويهديهم إلى صراط مستقيم وبالمؤمنين ~~رؤف رحيم وقد قال في صفة أمته إنها أمة مرحومة وقد قال تعالى فيهم (وتواصوا ~~بالصبر وتواصر بالمرحمة) أي يرحم بعضهم بعضا فبعثه صلى الله عليه وسلم ربه ~~تعالى رحمة لأمته ورحمة للعالمين ورحيما بهم ومترحما ومستغفرا لهم وجعل ~~وأمته أمة مرحومة PageV01P232 # ووصفها بالرحمة وأمرها صلى الله عليه وسلم بالتراحم وأثنى عليه فقال # إن الله يحب من عباده الرحماء وقال الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في ~~الأرض يرحمكم من في السماء وأما رواية نبي الملحمة فإشارة إلى ما بعث به من ~~القتال والسيف صلى الله عليه وسلم وهي صحيحة وروى حذيفة مثل حديث أبي موسى ~~وفيه ونبى الرحمة ونبي التوبة ونبي الملاحم وروى الحربي في حديثه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال أتاني ملك فقال لي أنت قثم أي مجتمع قال والقثوم الجامع ~~للخير وهذا اسم هو في أهل بيته صلى الله عليه وسلم معلوم وقد جاءت من ~~ألقابه صلى الله عليه وسلم وسماته في القرآن عدة كثيرة سوى ما ذكرناه ~~كالنور والسراج المنير والمنذر والنذير والمبشر والبشير والشاهد والشهيد ~~والحق المبين وخاتم النبيين والرؤف الرحيم والأمين وقدم الصدق ورحمة ~~للعالمين ونعمة الله والعروة الوثقى والصراط المستقيم والنجم الثاقب ~~والكريم والنبي الأمي وداعي الله في أوصاف ms125 كثيرة وسمات جليلة وجرى منها في ~~كتب الله المتقدمة وكتب أنبيائه وأحاديث رسوله وإطلاق الأمة جملة شافية ~~كتسميته بالمصطفى والمجتبى وأبي القاسم والحبيب ورسول رب العالمين والشفيع ~~المشفع والمتقي والمصلح والظاهر والمهيمن والصادق والمصدوق والهادي وسيد ~~ولد آدم وسيد المرسلين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين وحبيب الله وخليل ~~الرحمن وصاحب الحوض المورود والشفاعة والمقام المحمود وصاحب الوسيلة ~~والفضيلة والدرجة الرفيعة # PageV01P233 # وصاحب التاج والمعراج واللواء والقضيب وراكب البراق والناقة والنجيب ~~وصاحب الحجة والسلطان والخاتم والعلامة والبراهان وصاحب الهراوة والنعلين، ~~ومن أسمائه في الكتب المتوكل والمختار ومقيم السنة والمقدس وروح القدس وروح ~~الحق وهو معني (البار قليط # في الإنجيل) وقال ثعلب البار قليط الذي يفرق بين الحق والباطل ومن أسمائه ~~في الكتب السالفة ماذ ماذ ومعناه طيب وطيب وجمطايا والخاتم والحاتم. # حكاه كعب الأحبار وقال ثعلب فالخاتم الذي ختم الأنبياء والحاتم أحسن ~~الأنبياء خلقا وخلقا. # ويسمى بالسريانية مشقح والمنحمنا واسمه أيضا في التوراة أحيد روى ذلك عن ~~ابن سيرين PageV01P234 # ومعني صاحب القضيب أي السيف وقع ذلك مفسرا في الإنجيل قال # معه قضيب من حديد يقاتل به وأمته كذلك وقد يحمل على أنه القضيب الممشوق ~~الذي كان يمسكه صلى الله عليه وسلم وهو الآن عند الخلفاء وأما الهراوة التي ~~وصف بها فهي في اللغة العصا وأراها والله أعلم العصا المذكورة في حديث ~~الحوض أذود الناس عنه بعصاي لأهل اليمن * وأما التاج فالمراد به العمامة ~~ولم تكن حينئذ إلا للعرب والعمائم تيجان العرب وأوصفاه وألقابه وسمانه في ~~الكتب كثيرة وفيما ذكرناه منها مقنع إن شاء الله وكانت كنيته المشهورة أبا ~~القاسم * وروي عن أنس أنه لما ولد له إبراهيم جاءه جبريل فقال له السلام ~~عليك يا أبا إبراهيم. ### | ### | فصل # في تشريف الله تعالى بما سماه به من أسمائه الحسنى ووصفه به من صفاته ~~العلى قال القاضي أبو الفضل وفقه الله تعالى ما أحرى هذا الفصل ~~بفصول الباب الأول لانخراطه في سلك مضمونها وامتراجه بعذب معينها لكن ~~PageV01P235 # لم يشرح الله الصدر للهداية إلى استنباطه ولا ms126 أنار الفكر لاستخراج جوهره ~~والتقاطه إلا عند الخوض في الفصل الذي قبله فرأينا أن نضيفه إليه ونجمع به ~~شمله فاعلم أن الله تعالى خص كثيرا من الأنبياء بكرامة خلعها عليهم من ~~أسمائه كتسمية إسحق وإسماعيل بعليم وحليم وإبراهيم بحليم، ونوح بشكور، ~~وعيسى ويحيى ببر وموسى بكريم وقوي ويوسف بحفيظ عليم وأيوب بصابر وإسماعيل ~~بصادق الوعد كما نطق بذلك الكتاب العزيز من مواضع ذكرهم وفضل نبينا محمدا ~~صلى الله عليه وسلم بأن حلاه منها في كتابه العزيز وعلى ألسنة أنبيائه بعدة ~~كثيرة اجتمع لنا منها جملة بعد إعمال الفكر وإحضار الذكر إذ لم نجد من جمع ~~منها فوق اسمين ولا من تفرغ فيها لتأليف فصلين وحررنا منها في هذا الفصل ~~نحو ثلاثين اسما ولعل الله تعالى كما ألهم إلى ما علم منها وحققه يتم ~~النعمة بإبانة ما لم يظهره لنا الآن ويفتح غلقه. # فمن أسمائه تعالى الحميد ومعناه المحمود لأنه حمد نفسه وحمده عباده ويكون ~~أيضا بمعني الحامد لنفسه ولأعمال الطاعات وسمى النبي صلى الله عليه وسلم ~~محمدا وأحمد فمحمد بمعني محمود وكذا وقع اسمه في زبر داود وأحمد بمعني أكبر ~~من حمد وأجل من حمد وقد أشار إلى نحو هذا حسان بقوله: (قوله وموسى بكريم) ~~في سورة الدخان (وقد جاءهم رسول كريم) (قوله بأن حلاه) بفتح الحاء المهملة ~~وتشديد اللام (قوله غلقة) بفتح الغين المعجمة واللام ما ينغلق به (قوله ~~حسان) هو ابن ثابت الأنصاري عاش هو والثلاثة فوقه من آبائه كل (*) # PageV01P236 # وشق له من اسمه ليجله * فذو العرش محمود وهذا محمد ومن أسمائه تعالى ~~الرؤف الرحيم وهما بمعني متقارب وسماه في كتابه بذلك فقال (بالمؤمنين رؤف ~~رحيم) ومن أسمائه تعالى الحق المبين ومعني الحق الموجود والمتحقق أمره ~~وكذلك المبين أي البين أمره وإلهيته بان وأبان بمعني واحد ويكون بمعني ~~المبين لعباده أمر دينهم ومعادهم وسمى النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في ~~كتابه فقال (حتى جاءهم الحق # ورسول مبين) . # وقال (وقل إني أنا النذير المبين) وقال (قد جاءكم الحق ms127 من ربكم) وقال ~~(فقد كذبوا بالحق لما جاءهم) قيل محمد وقيل القرآن ومعناه هنا ضد الباطل ~~والمتحقق صدقه وأمره وهو بمعنى الأول والمبين البين أمره ورسالته أو المبين ~~عن الله تعالى ما بعثه به كما قال تعالى (لتبين للناس ما نزل إليهم) . # ومن أسمائه تعالى النور ومعناه ذو النور أي خالقه أو منور السموات والأرض ~~بالأنوار ومنور قلوب المؤمنين بالهداية وسماه نورا فقال (قد جاءكم من الله ~~نور وكتاب مبين) قيل محمد وقيل القرآن وقال فيه (وسراجا منيرا) سمي بذلك ~~لوضوح أمره PageV01P237 # وبيان نبوته وتنوير قلوب المؤمنين والعارفين بما جاء به * ومن أسمائه ~~تعالى الشهيد ومعناه العالم وقيل الشاهد على عباده يوم القيامة وسماه شهيدا ~~وشاهدا فقال (إنا أرسلناك شاهدا) وقال (ويكون الرسول عليكم شهيدا) وهو ~~بمعني الأول * ومن أسمائه تعالى الكريم ومعناه الكثير الخير وقيل المفضل ~~وقيل العفو قيل العلي وفي الحديث المروي في أسمائه تعالى الأكرم وسماه ~~تعالى كريما بقوله (إنه لقول رسول كريم) قيل محمد وقيل جبريل وقال صلى الله ~~عليه وسلم (أنا أكرم # ولد آدم) ومعاني الاسم صحيحة في حقه صلى الله عليه وسلم * ومن أسمائه ~~تعالى العظيم ومعناه الجليل الشأن الذي كل شئ دونه وقال في النبي صلى الله ~~عليه وسلم (وإنك لعلى خلق عظيم) ووقع في أول سفر من التوراة عن إسماعيل ~~وسيلد عظيما لأمة عظيمة فهو عظيم وعلى خلق عظيم) ومن أسمائه تعالى الجبار ~~ومعناه المصلح وقيل القاهر وقيل العلي العظيم الشأن وقيل المتكبر وسمي ~~النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب داود بجبار فقال: تقلد أيها الجبار سيفك ~~فإن ناموسك وشرائعك مقرونة بهيبة يمينك ومعناه في حق النبي صلى الله عليه ~~وسلم إما لإصلاحه الأمة بالهداية والتعليم أو لقهره أعداءه أو لعلو منزلته ~~على البشر وعظيم خطره ونفى عنه تعالى في القرآن جبرية التكبر التي لا تليق ~~به فقال (وما أنت عليهم بجبار) ومن أسمائه تعالى الخبير ومعناه المطلع يكنه ~~الشئ العالم بحقيقته وقيل معناه المخبر وقال الله تعالى (الرحمن # PageV01P238 # فاسأل به ms128 خبيرا) قال القاضي بكر بن العلاء المأمور بالسؤال غير النبي صلى ~~الله عليه وسلم والمسؤول الخبير هو النبي صلى الله عليه وسلم وقال غيره بل ~~السائل النبي صلى الله عليه وسلم والمسؤول هو الله تعالى فالنبي خبير ~~بالوجهين المذكورين قيل لأنه عالم على غاية من العلم بما أعلمه الله من ~~مكنون علمه وعظيم معرفته مخبر لأمته بما أذن له في إعلامهم به ومن أسمائه ~~تعالى الفتاح ومعناه الحاكم بين عباده أو فاتح أبواب الرزق والرحمة ~~والمنغلق من أمورهم عليهم أو يفتح قلوبهم وبصائرهم بمعرفة الحق ويكون أيضا ~~بمعني الناصر كقوله تعالى (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح) أي إن تستنصروا ~~فقد جاءكم النصر وقيل معناه مبتدئ الفتح والنصر وسمى الله تعالى نبيه # محمدا صلى الله عليه وسلم بالفاتح في حديث الإسراء الطويل من رواية ~~الربيع بن أنس عن أبي العالية وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه وفيه من ~~قوله الله تعالى وجعلتك فاتحا وخاتما وفيه من قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~في ثنائه على ربه وتعديد مراتبه: ورفع لي ذكري وجعلني فاتحا وخاتما، فيكون ~~الفاتح هنا بمعنى الحاكم أو الفاتح لأبواب الرحمة على أمته والفاتح ~~لبصائرهم بمعرفة الحق والإيمان بالله أو الناصر للحق أو المبتدى بهداية ~~الأمة أو المبدي المقدم في الأنبياء والخاتم لهم كما قال صلى الله عليه ~~وسلم (كنت أول الأنبياء في الخلق # PageV01P239 # وآخرهم في البعث. # ومن أسمائه تعالى في الحديث الشكور ومعناه المشيب على العمل القليل وقيل ~~المثني على المطيعين ووصف بذلك نبيه نوحا عليه السلام فقال (إنه كان عبدا ~~شكورا) وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم نفسه بذلك فقال أفلا أكون عبدا ~~شكورا أي معترفا بنعم ربي عارفا بقدر ذلك مثنيا عليه مجهدا نفسي في الزيادة ~~من ذلك لقوله (لئن شكرتم لأزيدنكم) . # ومن أسمائه تعالى العليم والعلام وعالم الغيب والشهادة. # ووصف نبيه صلى الله عليه وسلم بالعلم وخصه بمزية منه فقال (وعلمك ما لم ~~تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما) وقال (ويعلمكم الكتاب ms129 والحكمة ويعلمكم ~~ما لم تكونوا تعلمون) ومن أسمائه تعالى الأول والآخر ومعناهما السابق ~~للأشياء قبل وجودها والباقي بعد فنائها وتحقيقه أنه ليس له أول ولا آخر ~~وقال صلى الله عليه وسلم كنت أول الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث وفسر ~~بهذا قوله تعالى (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن # نوح) فقدم محمدا صلى الله عليه وسلم وقد أشار إلى نحو منه عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه ومنه قوله (نحن الآخرون السابقون) وقوله (أنا أول من تنشق ~~الأرض عنه وأول من يدخل الجنة أول شافع وأول مشفع، وهو خاتم النبيين وآخر ~~الرسل صلى الله عليه وسلم. # ومن أسمائه تعالى القوي وذو القوة المتين ومعناه القادر وقد وصفه الله ~~تعالى بذلك فقال (ذي قوة عند ذي العرش مكين) قيل محمد وقيل جبريل. # ومن أسمائه # PageV01P240 # تعالى الصادق في الحديث المأثور وورد في الحديث أيضا اسمه صلى الله عليه ~~وسلم بالصادق المصدوق * ومن أسمائه تعالى الولي والمولى ومعناهما الناصر ~~وقد قال الله تعالى (إنما وليكم الله ورسوله) وقال صلى الله عليه وسلم (أنا ~~ولي كل مؤمن) وقال الله تعالى (النبي أولى بالمؤمنين) وقال صلى الله عليه ~~وسلم (من كنت مولاه، فعلي مولاه، ومن أسمائه تعالى العفو ومعناه الصفوح وقد ~~وصف الله تعالى بهذا نبيه في القرآن والتوراة وأمره بالعفو فقال (خذ العفو) ~~وقال (فاعف عنهم واصفح) وقال له جبريل وقد سأله عن قوله (خذ العفو) قال أن ~~تعفوا عمن ظلمك وقال في التوراة والإنجيل في الحديث المشهور في صفته: ليس ~~بفظ ولا غليظ ولكن يعفو ويصفح. # ومن أسمائه تعالى الهادى وهو معنى توفيق الله لمن أراد من عباده وبمعني ~~الدلالة والدعاء قال الله تعالى (والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء ~~إلى صراط مستقيم) وأصل الجميع من الميل وقيل من التقديم وقيل في تفسير طه ~~إنه يا طاهر يا هادي يعني النبي صلى الله عليه وسلم وقال تعالى له (وإنك ~~لتهدي إلى صراط مستقيم) وقال فيه (وداعيا إلى الله بإذنه) فالله ms130 تعالى # مختص بالمعنى الأول، قال الله تعالى (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله ~~يهدي من يشاء) وبمعني الدلالة يطلق على غيره تعالى ومن أسمائه تعالى المؤمن ~~المهيمن قيل هما بمعنى واحد فمعنى المؤمن في حقه تعالى المصدق وعده عباده ~~والمصدق قوله الحق والمصدق لعباده (16 - 1) # PageV01P241 # المؤمنين ورسله وقيل الموحد نفسه وقيل المؤمن عباده في الدنيا من ظلمه ~~والمؤمنين في الآخرة من عذابه وقيل المهيمن بمعني الأمين مصغر منه فقلبت ~~الهمزة هاء وقد قيل إن قولهم في الدعاء آمين إنه اسم من أسماء الله تعالى ~~(ومعناه معنى المؤمن وقيل المهيمن بمعنى الشاهد والحافظ والنبي صلى الله ~~عليه وسلم أمين ومهيمن ومؤمن وقد سماه الله تعالى أمينا فقال (مطاع ثم ~~أمين) وكان صلى الله عليه وسلم يعرف بالأمين وشهر به قبل النبوة وبعدها ~~وسماه العباس في شعره مهيمنا في قوله. # ثم احتوى بيتك المهيمن من * خندف علياء تحتها النطق قيل المراد يا أيها ~~المهيمن، قاله القتيبي والإمام أبو القاسم القشيري وقال تعالى (يؤمن بالله ~~ويؤمن للمؤمنين) أي يصدق وقال صلى الله عليه وسلم (أنا أمنة لأصحابي) فهذا ~~بمعني المؤمن. # ومن أسمائه تعالى القدوس ومعناه المنزه عن النقائص المطهر عن سمات الحدث ~~وسمي بيت المقدس لأنه يتطهر فيه من الذنوب ومنه الوادي المقدس وروح القدس ~~ووقع في كتب الأنبياء في أسمائه صلى الله عليه وسلم المقدس أي PageV01P242 # المطهر من الذنوب كما قال تعالى (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر) أو الذي يتطهر به من الذنوب ويتنزه باتباعه عنها كما قال تعالى ~~(ويزكيهم) وقال (ويخرجهم من الظلمات إلى النور) أو يكون مقدسا بمعني مطهرا ~~من الأخلاق الذميمة والأوصاف الدنيئة. # ومن أسمائه تعالى العزيز ومعناه الممتنع الغالب أو الذي لا نظير له أو ~~المعز لغيره وقال تعالى (ولله العزة ولرسوله) أي الامتناع وجلالة القدر وقد ~~وصف الله تعالى نفسه بالبشارة والنذارة فقال (يبشرهم ربهم برحمة منه ~~ورضوان) وقال (أن الله يبشرك بيحيى * وبكلمة منه) وسماه الله تعالى مبشرا ~~ونذيرا وبشيرا أي ms131 مبشرا لأهل طاعته ونذيرا لأهل معصيته ومن أسمائه تعالى ~~فيما ذكره بعض المفسرين طه ويس وقد ذكر بعضهم أيضا أنهما من أسماء محمد صلى ~~الله تعالى عليه وعلى آله وسلم وشرف وكرم. ### | (فصل) # قال القاضي أبو الفضل وفقه الله تعالى وها أنا أذكر نكتة أذيل بها هذا ~~الفصل وأختم بها هذا القسم وأزيح الإشكال بها فيما تقدم عن كل ضعيف الوهم ~~سقيم الفهم تخلصه من مهاوي التشبيه وتزحزحه عن شبه التمويه وهو أن يعتقد أن ~~الله تعالى جل اسمه PageV01P243 # في عظمته وكبريائه وملكوته وحسنى أسمائه وعلي صفاته لا يشبه شيئا من ~~مخلوقاته ولا يشبه به وأن ما جاء مما أطلقه الشرع على الخالق وعلى المخلوق ~~فلا تشابه بينهما في المعني الحقيقي: إذ صفات القديم بخلاف صفات المخلوق ~~فكما أن ذاته تعالى لا تشبه الذوات كذلك صفاته لا تشبه صفات المخلوقين إذ ~~صفاتهم لا تنفك عن الأعراض والأغراض وهو تعالى منزه عن ذلك بل لم يزل ~~بصفاته وأسمائه وكفى في هذا قوله (ليس كمثله شئ) ولله در من قال من العلماء ~~والعارفين المحققين: التوحيد إثبات ذات غير مشبهة للذوات ولا معطلة عن ~~الصفات، وزاد هذه النكتة الواسطي رحمه الله بيانا وهي مقصودنا فقال ليس ~~كذاته ذات ولا كاسمه اسم ولا كفعله فعل ولا كصفته صفة إلا من جهة موافقة ~~اللفظ اللفظ وجلت الذات القديمة أن تكون لها صفة حديثة كما استحال أن تكون ~~للذات المحدثة صفة قديمة وهذا كله مذهب أهل الحق والسنة والجماعة رضي الله ~~عنهم وقد فسر الإمام أبو القاسم القشيري رحمه الله قوله هذا ليزيده بيانا ~~فقال: هذه الحكاية تشتمل على جوامع مسائل التوحيد وكيف PageV01P244 # تشبه ذاته ذات المحدثات وهي بوجودها مستغنية وكيف يشبه فعله فعل الخلق ~~وهو لغير جلب أنس أو دفع نقص حصل ولا # بخواطر وأغراض وجد ولا بمباشرة ومعالجة ظهر وفعل الخلق لا يخرج عن هذه ~~الوجوه، وقال آخر من مشايخنا: ما توهمتموه بأوهامكم أو أدركتموه بعقولكم ~~فهو محدث مثلكم، وقال الإمام أبو المعالي: الجويني: ms132 من اطمأن إلى موجود ~~انتهى إليه فكره فهو مشبه ومن اطمأن إلى النفي المحض فهو معطل وإن قطع ~~بموجود اعترف بالعجز عن درك حقيقته فهو موحد، وما أحسن قول ذي النون ~~المصري: حقيقة التوحيد أن تعلم أن قدرة الله تعالى في الأشياء بلا علاج ~~وصنعه لها بلا مزاج وعلة كل شئ صنعه ولا علة لصنعه وما تصور في وهمك فالله ~~بخلافه، وهذا كلام عجيب نفيس محقق الفصل الآخر تفسير لقوله (ليس كمثله شئ) ~~والثاني تفسير لقوله (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون) والثالث تفسير لقوله ~~(إنما قولنا لشئ إذا أردناه PageV01P245 # أن نقول له كن فيكون) ثبتنا الله وإياك على التوحيد والإثبات والتنزيه ~~وجنبنا طرفي الضلالة والغواية من التعطيل والتشبيه بمنه ورحمته. ### | الباب الرابع ففيما أظهره الله تعالى على يديه من المعجزات وشرفه به من الخصائص والكرامات # قال القاضي أبو الفضل: حسب المتأمل أن يحقق أن كتابنا هذا لم نجمعه لمنكر ~~نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم ولا لطاعن في معجزاته فنحتاج إلى نصب ~~البراهين عليها وتحصين حوزتها حتى لا يتوصل المطاعن إليها وتذكر شروط ~~المعجز والتحدي وحده وفساد قول من أبطل نسخ الشرائع ورده، بل ألفناه لأهل ~~ملته الملبين لدعوته المصدقين لنبوته ليكون تأكيدا في محبتهم له ومنماة ~~لأعمالهم وليزدادوا إيمانا مع إيمانهم، ونيتنا أن نثبت في هذا الباب أمهات ~~معجزاته ومشاهير آياته لتدل على عظيم قدره عند ربه وأتينا منها بالمحقق ~~والصحيح الإسناد وأكثره مما بلغ القطع أو كاد وأضفنا إليها بعض ما وقع في ~~مشاهير كتب الأئمة، وإذا تأمل المتأمل PageV01P246 # المنصف ما قدمناه من جميل أثره وحميد سيره وبراعة علمه ورجاحة عقله وحلمه ~~وجملة كماله وجميع خصاله وشاهد حاله وصواب مقاله لم يمتر في صحة نبوته وصدق ~~دعوته وقد كفى هذا غير واحد في إسلامه والإيمان به فروينا عن الترمذي وابن ~~قانع وغيرهما بأسانيدهم أن عبد الله بن سلام قال لما قدم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم المدينة جئته لأنظر إليه فلما استبنت وجهه عرفت # أن وجهه ms133 ليس بوجه كذاب، حدثنا به القاضي الشهيد أبو علي رحمه الله قال ~~حدثنا أبو الحسين الصيرفي وأبو الفضل بن خيرون عن أبي يعلى البغدادي عن أبي ~~علي السنجي عن ابن محبوب عن الترمذي حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الوهاب ~~الثقفي ومحمد بن جعفر وابن أبي عدي ويحيى بن سعيد عن عوف بن أبي جميلة ~~الأعرابي عن زرارة ابن أوفى عن عبد الله بن سلام الحديث، وعن أبي رمثة ~~التيمي: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ومعي ابن لي فأريته فلما رأيته قلت ~~هذا نبي الله، وروى مسلم وغيره أن ضمادا لما وفد عليه فقال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم: أن الحمد لله نحمده ونستعينه من يهده الله فلا PageV01P247 # مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ~~وأن محمدا عبده ورسوله قال له أعد علي كلماتك هؤلاء فلقد بلغان قاموسي ~~البحر هات يدك أبايعك) وقال جامع بن شداد كان رجل منا يقال له طارق فأخبر ~~أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقال هل معكم شئ تييعونه قلنا ~~هذا البعير قال بكم قلنا بكذا وكذا وسقا من تمر فأخذ بخطامه وسار إلى ~~المدينة فقلنا بعنا من رجل لا ندري من هو ومعنا ظعينة فقالت أنا ضامنة # لثمن البعير رأيت وجه رجل مثل القمر ليلة البدر لا يخيس بكم فأصبحنا فجاء ~~رجل بتمر فقال أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم يأمركم أن ~~تأكلوا من هذا التمر وتكتالوا حتى تستوفوا ففعلنا، وفي خبر الجلندى ملك ~~عمان لما بلغه أن رسول الله صلى الله PageV01P248 # عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام قال الجلندى والله لقد دلني على هذا النبي ~~الأمي أنه لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ به ولا ينهى عن شئ إلا كان أول ~~تارك له وأنه يغلب فلا يبطر ويغلب فلا يضجر ويفي بالعهد وينجز الموعود ~~وأشهد أنه نبي وقال نفطويه في قوله تعالى (يكاد زيتها يضئ ولو ms134 لم تمسسه ~~نار) هذا مثل ضربه الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم يقول يكاد منظره ~~يدل على نبوته وإن لم يتل قرآنا كما قال ابن رواحة # لو لم تكن فيه آيات مبينة * لكان منظره ينبيك بالخبر وقد آن أن نأخذ في ~~ذكر النبوة والوحي والرسالة وبعده في معجزة القرآن وما فيه من برهان ~~ودلالة. ### | (فصل) اعلم أن الله جل اسمه قادر على خلق المعرفة في قلوب عباده # والعلم بذاته وأسمائه وصفاته وجيمع تكليفاته ابتداء دون واسطة لو شاء كما ~~حكي عن سنته في بعض الأنبياء وذكر بعض أهل التفسير في قوله تعالى (وما كان ~~لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا) وجائز أن يوصل إليهم جميع ذلك بواسطة تبلغهم ~~كلامه وتكون تلك الواسطة إما من غرى البشر كالملائكة مع الأنبياء أو من ~~جنسهم كالأنبياء مع الأمم ولا مانع لهذا من دليل العقل وإذا جاز هذا ولم ~~يستحل وجاءت الرسل بما دل على صدقهم من معجزاتهم وجب نصديقهم في جميع ما ~~أتوا به لأن المعجز مع التحدي من النبي صلى الله عليه وسلم # PageV01P249 # قائم مقام قول الله صدق عبدي فأطيعوه واتبعوه وشاهد على صدقه فيما يقوله ~~وهذا كاف والتطويل فيه خارج عن الغرض فمن أراد تتبعه وجده مستوفى في مصنفات ~~أئمتنا رحمهم الله فالنبوة في لعة من همز مأخودة من النبإ وهو الخبر وقد لا ~~يهمز على هذا التأويل تسهيلا والمعنى أن الله تعالى أطلعه على غيبه وأسلمه ~~أنه نبيه فيكون نبي منبأ فعيل بمعني مفعول أو يكون مخبرا عما بعثه الله ~~تعالى به ومنبئا بما أطلعه الله عليه فعيل بمعني فاعل ويكون عند من لم ~~يهمزه من النبوة وهو ما ارتفع من الأرض معناه أن له رتبة شريفة ومكانة ~~نبيهة عند مولاه منيفة قالو صفان في حقه مؤتلفان وأما الرسول فهو المرسل ~~ولم يأت # فعول بمعني مفعل في اللغة إلا نادرا وإرساله أمر الله له بالإبلاغ إلى من ~~أرسله إليه واشتقاقه من التتابع ومنه قولهم جاء الناس أرسالا إذا تبع ms135 بعضهم ~~بعضا فكأنه ألزم تكرير التبليغ أو ألزمت الأمة اتباعه واختلف العلماء هل ~~النبي والرسول بمعني أو بمعنيين فقيل هما سواء وأصله من الإنباء وهو ~~الإعلام واستدلوا بقوله تعالى (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبى) فقد ~~أثبت لهما الإرسال معا، قال ولا يكون النبي إلا رسولا ولا الرسول إلا نبيا ~~وقيل هما مفترقان من وجه إذ قد اجتمعا في النبوة التي هي الإطلاع على الغيب ~~والإعلام بخواص النبوة أو الرفعة لمعرفة ذلك وحوز درجتها وافترقا في زيادة ~~الرسالة للرسول وهو الأمر بالإنذار والإعلام # PageV01P250 # كما قلنا وحجتهم من الآية نفسها التفريق بين الاسمين ولو كانا شيئا واحدا ~~لما حسن تكرارهما في الكلام البليغ قالوا والمعنى وما أرسلنا من رسول إلى ~~أمة أو نبي وليس بمرسل إلى أحد وقد ذهب بعضهم إلى أن الرسول من جاء بشرع ~~مبتدإ ومن لم يأت به نبي غير رسول وإن أمر بالإبلاغ والإنذار والصحيح والذي ~~عليه الجماء الغفير أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولا وأول الرسل آدم ~~وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه أن الأنبياء ~~مائة ألف وأربعة وعشرون ألف نبي وذكر أن رسل منهم ثلثمائة وثلاثة عشر أولهم ~~آدم عليه السلام، فقد بان لك معني النبوة والرسالة وليستا عند المحققين ~~ذاتا للنبي ولا وصف ذات خلافا للكرامية في تطويل لهم وتهويل ليس عليه تعويل ~~وأما PageV01P251 # الوحي فأصله الإسراع فلما كان النبي يتلقى ما يأتيه من ربه بعجل سمي وحيا ~~وسميت أنواع الإلهامات وحيا تشبيها بالوحي إلى النبي وسمي الخط وحيا لسرعة ~~حركة يد كاتبه ووحي الحاجب واللحظ سرعة إشراتهما ومنه قوله تعالى (فأوحى ~~إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا) أي أومأ ورمز وقيل كتب ومنه قولهم الوحا الوحا ~~أي السرعة السرعة وقيل أصل الوحي السر والإخفاء ومنه سمي الإلهام وحيا ومنه ~~قوله تعالى (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم) أي يوسوسون في صدورهم ومنه ~~قوله (وأوحينا إلى أم موسى) أي ألقي في قلبها وقد قيل ذلك ms136 في قوله تعالى ~~(وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا) أي ما يلقيه في قلبه دون واسطة. ### | (فصل) اعلم أن معني تسميتنا ما جاءت به الأنبياء معجزة # هو أن الخلق عجزوا عن الإتيان بمثلها وهي على ضربين ضرب هو من نوع قدرة ~~البشر فعجزوا عنه فتعجيزهم عنه فعل لله دل على صدق نبيه كصرفهم عن تمني ~~الموت وتعجيزهم عن الإتيان بمثل القرآن PageV01P252 # على رأي بعضهم ونحوه وضرب هو خارج عن قدرتهم فلم يقدروا على الإتيان ~~بمثله كإحياء الموتى وقلب العصا حية وإخراج ناقة من صخرة وكلام شجرة ونبع ~~الماء من الأصابع وانشقاق القمر مما لا يمكن أن يفعله أحد إلا الله فيكون ~~ذلك على يد النبي صلى الله عليه وسلم من فعل الله تعالى وتحديه من يكذبه أن ~~يأتي بمثله تعجيز له. # واعلم أن المعجزات التي ظهرت على يد نبينا صلى الله عليه وسلم ودلائل ~~نبوته وبراهين صدقه من هذين النوعين معا وهو أكثر الرسل معجزة وأبهرهم آية ~~وأظهرهم برهانا كما سنبينه وهي في كثرتها لا يحيط بها ضبط فإن واحدا منها ~~وهو القرآن لا يحصى عدد معجزاته بألف ولا ألفين ولا أكثر لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قد تحدى بسورة منه فعجز عنها، قال أهل العلم وأقصر السور ~~(إنا أعطيناك الكوثر) فكل آية أو آيات منه بعددها وقدرها معجزة ثم فيها ~~نفسها معجزات على ما سنفصله فيما انطوى عليه من المعجزات ثم معجزاته صلى ~~الله عليه وسلم على قسمين قسم منها علم قطعا ونقل إلينا متواتر كالقرآن فلا ~~مرية ولا خلاف بمجئ النبي به وظهوره من قبله واستدلاله بحجته وإن أنكر هذا ~~معاند جاحد فهو كإنكاره وجود محمد صلى الله عليه وسلم في الدنيا وإنما جاء ~~اعتراض الجاحدين في الحجة به فهو في نفسه وجميع ما تضمنه من معجز معلوم ~~ضرورة ووجه إعجازه معلوم ضرورة ونظرا كما سنشرحه، قال بعض أئمتنا (*) # PageV01P253 # ويجري هذا المجرى على الجملة أنه قد جرى على يديه صلى الله عليه وسلم ~~آيات وخوارق ms137 عادات إن لم يبلغا واحد منها معينا القطع فيبلغها جميعها فلا ~~مرية في جريان معانيها على يديه ولا يختلف مؤمن ولا كافر أنه جرت على يديه ~~عجائب وإنما خلاف المعاند في كونها من قبل الله وقد قدمنا كونها من قبل ~~الله وأن ذلك بمثابة قوله صدقت فقد علم وقوع مثل هذا أيضا من نبينا ضرورة ~~لا نفاق معانيها كما يعلم ضرورة جود حاتم وشجاعة عنترة وحلم أحنف لاتفاق ~~الأخبار الواردة عن كل واحد منهم على كرم هذا وشجاعة هذا وحلم هذا وإن كان ~~كل خبر بنفسه لا يوجب العلم ولا يقطع بصحته والقسم الثاني ما لم يبلغ مبلغ ~~الضرورة والقطع وهو على نوعين نوع مشتهر منتشر رواه العدد وشاع الخبر به ~~عند المحدثين والرواة ونقلة السير والأخبار كنبع الماء من بين الأصابع ~~وتكثير الطعام ونوع منه اختص به الواحد والاثنان ورواه العدد اليسير ولم ~~يشتهر اشتهار غيره لكنه إذا جمع إلى مثله اتفقا في المعنى واجتمعا على ~~الإتيان بالمعجز PageV01P254 # كما قدمناه قال القاضي أبو الفضل وأنا أقول صدعا بالحق إن كثيرا من هذه ~~الآيات المأثورة عنه صلى الله عليه وسلم معلومة بالقطع أما انشقاق القمر ~~قالقرآن نص بوقوعه وأحبر عن وجوده ولا يعدل عن ظاهر إلا بدليل وجاء برفع ~~احتماله صحيح الأخبار من طرق كثيرة ولا يوهن عزمنا خلاف أحرق منحل عرى ~~الدين ولا يلتفت إلى سخافة مبتدع يلقي الشك على قلوب ضعفاء للمؤمنين بل ~~نرغم بهذا أنفه ونئبذ بالعراء سخفه وكذلك قصة نبع الماء ونكثير الطعام ~~رواها الثقات والعدد الكثير عن الجماء الغفير عن العدد الكثير من الصحابة ~~ومنها ما رواه الكافة عن الكافة متصلا عمن حدث بها من جملة الصحابة ~~وأخيارهم أن ذلك كان في موطن اجتماع الكثير منهم في يوم الخندق وفي غزوة ~~بواط وعمرة الحديبية وغزوة تبوك وأمثالها من PageV01P255 # محافل المسلمين ومجمع العساكر ولم يؤثر عن أحد من الصحابة مخالفة للراوي ~~فيما حكاه ولا إنكار عما ذكر عنهم أنهم رأوه، كما رواه فسكوت الساكت منهم ~~كنطق، ms138 الناطق، إذ هم المنزهون عن السكوت على باطل والمداهنة في كذب وليس ~~هناك رغبة ولا رهبة تمنعهم ولو كان ما سمعوه منكرا عندهم وغير معروف لديهم ~~لأنكروه كما أنكر بعضهم على بعض أشياء رواها من السنن والسير وحروف القرآن ~~وخطأ بعضهم بعضا ووهمه في ذلك مما هو معلوم فهذا النوع كله يلحق بالقطعي من ~~معجزاته لما بيناه وأيضا فإن أمثال الأخبار التي لا أصل لها وبنيت على باطل ~~لابد مع مرور الأزمان وتداول الناس وأهل البحث من انكشاف ضعفها وخمول ذكرها ~~كما يشاهد في كثير من الأخبار الكاذبة والأراجيف الطارئة وأعلام نبينا صلى ~~الله عليه وسلم هذه الواردة من طريق الآحاد لا تزداد مع مرور الزمان إلا ~~ظهورا ومع تداول الفرق وكثرة طعن العدو وحرصه على توهينها وتضعيف أصلها ~~وإجهاد الملحد على إطفاء نورها إلا قوة وقبولا ولا للطاعن عليها إلا حسرة ~~وغليلا وكذلك إخباره عن الغيوب وإنباؤه بما يكون وكان، معلوم من آياته على ~~الجملة بالضرورة وهذا حق لا غطاء عليه وقد قال به من أئمتنا القاضي ~~والأستاذ أبو بكر وغيرهما رحمهم الله وما عندي أوجب قول القائل. ~~PageV01P256 # إن هذه القصص المشهورة من باب خبر الواحد إلا قلة مطالعته للأخبار # وروايتها وشغله بغير ذلك من المعارف وإلا فمن اعتنى بطرق النقل وطالع ~~الأحاديث والسير لم يرتب في صحة هذه القصص المشهورة على الوجه الذي ذكرناه ~~ولا يبعد أن يحصل العلم بالتواتر عند واحد ولا يحصل عند آخر فإن أكثر الناس ~~يعلمون بالخبر كون بغداد موجودة وأنها مدينة عظيمة ودار الإمامة والخلافة ~~وآخاد من الناس لا يعلمون اسمها فضلا عن وصفها وهكذا يعلم الفقهاء من أصحاب ~~مالك بالضرورة وتواتر النقل عنه أن مذهبه إيجاب قراءة أم القرآن في الصلاة ~~للمنفرد والإمام وإجزاء السية في أول ليلة من رمضان عما سواه وأن الشعافعى ~~يرى تجديد النية كل ليلة والاقتصار في المسح على بعض الرأس وأن مذهبهما ~~القصاص في القتل بالمحدد وغيره وإيجاب النية في الوضوء واشتراط الولي في ~~النكاح وأن أبا ms139 حنيفة يخالفهما في هذه المسائل وغيرهم ممن لم يشتغل ~~بمذاهبهم ولا روى أقوالهم لا يعرف هذا من مذاهبهم فضلا عمن سواه وعند ذكرنا ~~آحاد هذه المعجزات نزيد الكلام فيها ببانا إن شاء الله تعالى. PageV01P257 ### | فصل في إعجاز القرآن # اعلم وفقنا الله وإياك أن كتاب الله العزيز منطو على وجوه من الإعجاز ~~كثيرة وتحصيلها من جهة ضبط أواعها في أربعة وجوه: أولها # حسن تأليفه والتئام كلمه وفصاحته ووجوه إيجازه وبلاغته لخارقة عادة العرب ~~وذلك أنهم كانوا أرباب هذا الشأن وفرسان الكلام قد خصوا من البلاغة والحكم ~~ما لم يخص به غيرهم من الأمم وأوتوا من ذرابة اللسان ما لم يؤت إنسان ومن ~~فصل الخطاب ما يقيد الألباب جعل الله لهم ذلك طبعا وخلقة وفيهم غريزة وقوة ~~يأتون منه على البديهة بالعجب ويدلون به إلى كل سبب فيخطبون بديها في ~~المقامات وشديد الخطب ويرتجزون به بين الطعن والضرب ويمدحون ويقدحون ~~ويتوسلون ويتوصلون ويرفعون ويضعون فيأتون من ذلك بالسحر الحلال ويطوقون من ~~أوصافهم أجمل من سمط اللآل فيخدعون الألباب ويذللون الصعاب ويذهبون الإحن ~~ويهجون الدمن ويجرؤن الجبان ويبسطون يد الجعد PageV01P258 # البنان ويصيورن الناقص كاملا ويتركون النبيه خاملا منهم البدوي ذو اللفظ ~~الجزل والقول المصل والكلام الفخم والطبع الجوهري والمنزع القوي ومنهم ~~الحصرى ذو البلاغة البارعة والألفاظ الناطعة والكلمات الجامعة والطبع السهل ~~والتصرف في القول القليل الكلفة الكثير الرونق الرقيق الحاشية وكلا البابين ~~فلهما في البلاغة الحجة البالغة والقوة الدامغة والقدح الفالج والمهيع ~~الناهج لا يشكون أن الكلام طوع مرادهم والبلاغة ملك فيادهم قد حووا فنونها ~~واستنبطوا عيوبها ودخلوا من كل باب من أبوابها وعلوا صرحا لبلوغ أسبابها ~~فقالوا في الخطير والمهين وتفننوا في الغث والسمين وتقاولوا في القل والكثر ~~وتساجلوا في النظم والنثر PageV01P259 # فما راعهم إلا رسول كريم بكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه # ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد أحكمت آياته وفصلت كلماته وبهرت بلاغته ~~العقول وظهرت فصاحته على كل مقول وتظافر إيجازه وإعجازه وتظاهرت حقيقته ~~ومجازه وتبارت في ms140 الحسن مطالعه ومقاطعه وحوت كل البيان جوامعه وبدائعه ~~واعتدل مع إيجازه حسن نظمه وانطبق على كثرة فوائده مختار لفظه وهم أفسح ما ~~كانوا في هذا الباب مجالا وأشهر في الخطابة رجالا وأكثر في السجع والشعر ~~سجالا وأوسع في الغريب واللغة مقالا بلغتهم التي بها يتحاورون ومنازعهم ~~التى عنها يتناضلون صارخا بهم في كل حين ومقرعا لهم بعضا وعشرين عاما على ~~رؤس الملأ أجمعين (أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم ~~من دون الله إن كنتم صادقين، وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا ~~بسورة من مثله) إلى قوله (ولن تفعلوا) و (قل لئن اجتمع الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن) الآية و (قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات) وذلك أن ~~المفترى PageV01P260 # أسهل ووضع الباطل والمختلق على الاختيار أقرب واللفظ إذا تبع المعنى ~~الصحيح كان أصعب ولهذا قيل فلان يكتب كما يقال له وفلان يكتب # كما يريد وللأول على الثاني فضل وبينهما شأو بعيد فلم يزل يقرعهم صلى ~~الله عليه وسلم أشد التقريع ويوبخهم غاية التوبيخ ويسفه أحلامهم ويحط ~~أعلامهم ويشتت نظامهم ويذم آلهتهم وإياهم ويستبيح أرضهم وديارهم وأموالهم ~~وهم في كل هذا ناكصون عن معارضته محجمون عن مماثلته يخادعون أنفسهم ~~بالتشغيب بالتكذيب والإغراء بالافتراء وقولهم: إن هذا إلا قول البشر، إن ~~هذا إلا سحر يؤثر، وسحر مستمر وإفك افتراه، وأساطير الأولين. # والمباهنة والرضى بالدنيئة كقولهم قلوبنا غلف، وفي أكة مما تدعونا إليه ~~وفى آداننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب: ولا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه ~~لعلكم تغلبون. # والادعاء مع العجز بقولهم (لو نشاء لقلنا مثل هذا) وقد قال لهم الله (ولن ~~تفعلوا) فما فعلوا ولا قدروا ومن تعاطى ذلك من سخفائهم كمسيلمة كشف عواره ~~لجميعهم وسلبهم الله ما ألفوه من فصيح كلامهم وإلا فلم يخف على أهل الميز ~~منهم أنه ليس من نمط فصاحتهم ولا جنس بلاغتهم بل ولوا عنه مدبرين وأتوا ~~مذعنين من بين مهتدى وبين مفتون PageV01P261 # ولهذا لما سمع الوليد بن ms141 المغيرة من النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله ~~يأمر بالعدل والإحسان) الآية قال والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن ~~أسفله لمغدق وإن أعلاه لمثمر ما يقول هذا بشر، وذكر أبو عبيد # أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ (فاصدع بما تؤمر) فسجد وقال سجدت لفصاحته، وسمع ~~آخر رجلا يقرأ (فلما استيئسوا منه خلصوا نجيا فقال أشهد أن مخلوقا لا يقدر ~~على مثل هذا الكلام وحكي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يوما نائما في ~~المسجد فإذا هو بقائم على رأسه يتشهد شهادة الحق فاستخبره فأعلمه أنه من ~~بطارقة الروم ممن يحسن كلام العرب وغيرها وأنه سمع رجلا من أسرى المسلمين ~~يقرأ آية من كتابكم فتأملتها فإذا قد جمع فيها ما أنزل الله على عيسى ~~PageV01P262 # ابن مريم من أحوال الدنيا والآخرة وهي قوله (ومن يطع الله ورسوله ويحش ~~الله ويتقه) الآية، وحكى الأصمعي أنه سمع كلام جارية فقام # لها: قاتلك الله ما أفصحك؟ فقالت أو يعد هذا فصاحة بعد قول الله تعالى ~~(وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه) الآية فجمع في الآية واحدة بين أمرين ~~ونهيين وخبرين وبشارتين فهذا نوع من إعجازه منفرد بذاته غير مضاف إلى غيره ~~على التحقيق والصحيح من القولين وكون القرآن من قبل النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأنه أتى به معلوم ضرورة وكونه صلى الله عليه وسلم متحديا به معلوم ~~ضرورة وعجز العرب عن الإتيان به معلوم ضرورة وكونه في فصاحته خارقا للعادة ~~معلوم ضرورة للعالمين بالفصاحة ووجوه البلاغة وسبيل من ليس من أهلها علم ~~ذلك بعجز المنكرين من أهلها عن معارضته واعتراف المقرين بإعجاز بلاغته وأنت ~~إذا تأملت قوله تعالى (ولكم في القصاص حياة) وقوله (ولو ترى إذ فزعوا فلا ~~فوت وأخذوا من مكان قريب) وقوله (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه ~~عداوة كأنه ولي حميم) وقوله: (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي) ~~الآية، وقوله (فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا) الآية ~~وأشباهها من الآي بل ms142 أكثر القرآن حققت ما بينته من إيجاز PageV01P263 # الفاظها وكثرة معانيها وديباجة عبارتها وحسن تأليف حروفها وتلاؤم كلمها ~~وأن تحت كل لفظة منها جملا كثيرة وفصولا جمة وعلوما زواخر ملئت الدواوين من ~~بعض ما استفيد منها وكثرت المقالات في المستنبطات عنها ثم هو في سرد القصص ~~الطوال وأخبار القرون السوالف # التي يضعف في عادة الفصحاء عندها الكلام ويذهب ماء البيان آية لمتأمله من ~~ربط الكلام بعضه ببعض والتئام سرده وتناصف وجوهه كقصة يوسف على طولها ثم ~~إذا ترددت قصصه اختلفت العبارات عنها على كثرة ترددها حتى تكاد كل واحدة ~~تنسي في البيان صاحبتها وتناصف في الحسن وجه مقابلتها ولا نفور للنفوس من ~~ترديدها ولا معاداة لمعادها. ### | (فصل) الوجه الثاني من إعجازه صورة نظمه العجيب والأسلوب الغريب # المخالف لأساليب كلام العرب ومناهج نظمها ونثرها الذي جاء عليه ووقفت ~~مقاطع آيه وانتهت فواصل كلمات إليه ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له ولا ~~استطاع أحد مماثلة شئ منه بل حارت فيه عقولهم وتدلهت دونه أحلامهم ولم ~~يهتدوا إلى مثله في جنس كلامهم من نثر أو نظم أو سجع أو رجز أو شعر ولما ~~سمع كلامه صلى الله عليه وسلم الوليد بن المغيرة وقرأ عليه القرآن رق فجاءه ~~أبو جهل منكرا عليه قال والله ما منكم أحد أعلم بالأشعار مني والله ما يشبه ~~الذي يقول شيئا من هذا، وفي خبره الآخر حين جمع قريشا عند حضور PageV01P264 # الموسم وقال إن وفود العرب ترد فأجمعوا فيه رأيا لا يكذب بعضكم بعضا ~~فقالوا نقول كاهن قال والله ما هو بكاهن ما هو بزمزمته ولا سجعه قالوا ~~مجنون قال ما هو بمجنون ولا بخنقه ولا وسوسته قالوا فنقول شاعر قال ما هو ~~بشاعر قد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ومبسوطه ومقبوضه ما هو بشاعر ~~قالوا فنقول ساحر قال ما هو بساحر ولا نفثه ولا عقده قالوا: فما نقول قال ~~ما أنتم بقائلين من هذا # شيئا إلا وأنا أعرف أنه باطل وإن أقرب القول أنه ساحر فإنه سحر ms143 يفرق بين ~~المرء وابنه والمرء وأخيه والمرء وزوجه والمرء وعشيرته فتفرقوا وجلسوا على ~~السبل يحذرون الناس فأنزل الله تعالى في الوليد (ذرني ومن خلقت وحيدا) ~~الآيات وقال عتبة بن ربيعة حين سمع القرآن: يا قوم قد علمتم أني لم أترك ~~شيئا إلا وقد علمته وقرأته وقلته والله لقد سمعت قولا والله ما سمعت مثله ~~قط ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، وقال النضر بن الحارث نحوه وفي ~~حديث إسلام أبى ذر PageV01P265 # ووصف أخاه أنيسا فقال والله ما سمعت بأشعر من أخي أنيس لقد ناقض اثني عشر ~~شاعرا في الجاهلية أنا أحدهم وأنه انطلق إلى مكة وجاء إلى أبي ذر بخبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم قلت فما يقول الناس قال يقولون شاعر كاهن ساحر ~~لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم ولقد وضعته على أقراء الشعر فلم يلتئم ~~وما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر وإنه لصادق وإنهم لكاذبون، والأخبار ~~في هذا صحيحة كثيرة والإعجاز بكل واحد من النوعين الإيجاز والبلاغة بذاتها ~~والأسلوب الغريب بذاته # كل واحد منهما نوع إعجاز على التحقيق لم تقدر العرب على الإتيان بواحد ~~منهما إذ كل واحد خارج عن قدرتها مباين لفصاحتها وكلامها، وإلى هذا ذهب غير ~~واحد من أئمة المحققين وذهب بعض المقتدى بهم إلى أن الإعجاز في مجموع ~~البلاغة والأسلوب وأتى على ذلك بقول تمجه الأسماع وتنفر منه القلوب والصحيح ~~ما قدمناه والعلم بهذا كله ضرورة وقطعا ومن تفنن في علوم البلاغة وأرهف ~~خاطره ولسانه أدب هذه الصناعة لم يخف عليه ما قلنا وقد اختلف أئمة أهل ~~السنة في وجه عجزهم عنه فأكثرهم يقول إنه مما جمع في قوة جزالته ونصاعة ~~ألفاظه وحسن نظمه وإيجازه وبديع تأليفهم وأسلوبه لا يصح أن يكون في ~~PageV01P266 # مقدور البشر وأنه من باب الخوارق الممتنعة عن أقدار الخلق عليها كإحياء ~~الموتى وقلب العصا وتسبيح الحصا وذهب الشيخ أبو الحسن إلى أنه مما يمكن أن ~~يدخل مثله تحت مقدور البشر ويقدرهم الله عليه ولكنه لم يكن هذا ms144 ولا يكون ~~فمنعهم الله هذا وعجزهم عنه وقال به جماعة من أصحابه وعلى الطريقين فعجز ~~العرب عنه ثابت وإقامة الحجة عليهم بما يصح أن يكون في مقدور البشر وتحديهم ~~بأن يأتوا بمثله قاطع وهو أبلغ في التعجيز وأحرى بالتقريع والاحتاج بمجئ ~~بشر مثلهم بشئ ليس من قدرة البشر لازم وهو أبهر آية وأقمع دلالة وعلى كل ~~حال فما أتوا في ذلك بمقال # بل صبروا على الجلاء والقتل وتجرعوا كاسات الصغار والذل وكانوا من شموخ ~~الأنف وإباءة الضيم بحيث لا يؤثرون ذلك اختيارا ولا يرضونه إلا اضطرارا ~~وإلا فالمعارضة لو كانت من قدرهم والشغل بها أهون عليهم وأسرع بالنجح وقطع ~~العذر وإفحام الخصم لديهم وهم ممن لهم قدرة على الكلام وقدوة في المعرفة به ~~لجميع الأنام وما منهم إلا من جهد جهده واستنفذ ما عنده في إخفاء ظهوره ~~وإطفاء نوره فما جلا في ذلك خبيثة من بنات شفاههم ولا أتوا بنطفة من معين ~~مياههم * PageV01P267 # مع طول الأمد وكثرة العدد وتظاهر الوالد وما ولد بل أبلسوا فما نبسوا ~~ومنعوا فانقطعوا فهذان النوعان من إعجازه. ### | (فصل) الوجه الثالث من الإعجاز ما انطوى عليه من الأخبار بالمغيبات # وما لم يكن ولم يقع فوجد كما ورد على الوجه الذي أخبر كقوله تعالى ~~(لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين) وقوله تعالى (وهم من بعد غلبهم ~~سيغلبون) وقوله (ليظهره عليه الدين كله) وقوله (وعد الله الذين آمنوا منكم ~~وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض) الآية وقوله (إذا جاء نصر الله ~~والفتح) إلى آخرها فكان جميع هذا كما قال فغلبت الروم فارس في بضع سنين، ~~ودخل الناس في الإسلام أفواجا فما مات صلى الله عليه وسلم وفي بلاد العرب ~~كلها موضع لم يدخله الإسلام واستخلف الله المؤمنين في الأرض ومكن فيها ~~دينهم وملكهم إياها من أقصى المشار إلى أقصى المغارب كما قال صلى الله عليه ~~وسلم ذويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما روى لي منها ~~وقوله (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) لكان ms145 كذلك لا يكاد يعد من سعى ~~في تغييره وتبديل محكمه من الملحدة والمعطلة لا سيما القرامطة فأجمعوا ~~كيدهم وحولهم وقوتهم اليوم نيفا PageV01P268 # على خمسمائة عام فما قدروا على إطفاء شئ من نوره ولا تغيير كلمة من كلامه ~~ولا تشكبك المسلمين في حرف من حروفه والحمد لله منه قوله (سيهزم الجمع، ~~يولون الدبر) وقوله (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم) الآية وقوله (هو الذي ~~أرسل رسوله بالهدى) الآية وقوله (لن يضروكم إلا أذى إن يقاتلوكم) الآية ~~فكان كل ذلك وما فيه من كشف أسرار المنافقين واليهود ومقالهم وكذبهم في ~~حلفهم وتقريعهم بذلك كقوله (ويقولون في أنفسهم لولا يعذبا الله مما نقول) ~~وقوله (يخفون في أنفسهم مالا يبدون لك) لآية وقوله (من الذين هادوا سماعون ~~للكذب) الآية، وقوله (من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه - إلى قوله - ~~في الدين) وقد قال مبديا ما قدره الله واعتقده المؤمنون يوم بدر (وإذ يعدكم ~~الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم) ومنه ~~قوله تعالى (إنا كفيناك المستهزئين) ولما نزلت بشر النبي صلى الله عليه ~~وسلم # بذلك أصحابه بأن الله كفاه إياهم وكان المستهزؤن نفرا بمكة ينفرون الناس ~~عنه ويؤذونه فهلكوا، وقوله (والله يعصمك من الناس) فكان كذلك على كثرة من ~~رام ضره وقصد قتله والأخبار بذلك معروفة صحيحة. ### | (فصل) الوجه الرابع ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة # والأمم البائدة والشرائع الداثرة مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا ~~الفذ PageV01P269 # من أخبار أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلم ذلك فيورده النبي صلى الله ~~عليه وسلم على وجهه ويأتي به على نصه فيعترف العالم بذلك بصحته وصدقه وأن ~~مثله لم ينله بتعليم وقد علموا أنه صلى الله عليه وسلم أمي لا يقرأ ولا ~~يكتب ولا اشتغل بمدارسة ولا مثافنة ولم يغب عنهم ولا جهل حاله أحد منهم وقد ~~كان أهل الكتاب كثيرا ما يسالونه صلى الله عليه وسلم عن هذا فينزل عليه من ~~القرآن ما يتلو عليهم منه ذكرا كقصص الأنبياء ms146 مع قومهم وخبر موسى والخضر ~~ويوسف وإخوته PageV01P270 # وأصحاب الكهف وذي القرنين ولقمان وابنه وأشباه ذلك من الأنباء وبدء الخلق ~~وما في التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى مما صدقه فيه العلماء ~~بها ولم يقدروا على تكذيب ما ذكر منها بل أذعنوا لذلك فمن موفق آمن بما سبق ~~له من خير ومن شقي معاند حاسد ومع هذا لم يحك عن واحد من النصارى واليهود ~~على شدة عداوتهم له وحرصهم على تكذيبه وطول احتجاجه عليهم بما في كتبهم ~~وتقريعهم بما انظوت عليه مصاحفهم وكثرة سؤالهم له صلى الله عليه وسلم ~~وتعنيتهم إياه عن أخبار أنبيائهم وأسرار علومهم ومستودعات سيرهم وإعلامه ~~لهم بمكتوم شرائعهم ومضمنات كتبهم مثل سؤالهم عن الروح وذي القرنين وأصحاب ~~الكهف وعيسى وحكم الرجم وما حرم إسرائيل على نفسه وما حرم عليهم من الأنعام ~~ومن طيبات كانت أحلت لهم فحرمت عليهم ببغيهم وقوله ذلك مثلهم # في التوراة ومثلهم في الإنجيل وغير ذلك من أمورهم التي نزل فيها القرآن ~~PageV01P271 # فأجابهم وعرفهم بما أوحي إليه من ذلك أنه أنكر ذلك أو كذبه بل أكثرهم صرح ~~بصحة نبوته وصدق مقالته واعترف بعاده وحسده إياه كأهل بحران وابن صوريا ~~وابني أخطب وغيرهم ومن باهت في ذلك بعض المباهتة وادعى أن فيما عندهم من ~~ذلك لما حكاه مخالفة دعي إلى إقامة حجته وكشف دعوته فقيل له (قل فأتوا ~~بالتوراة قاتلوها إن كنتم صادقين) إلى قوله (الظالمون) فقرع وونخ ودعا إلى ~~إحظار ممكن غير ممتنع فمن معترف بما جحده ومتواقح يلقي على فضيحته من كتابه ~~يده ولم يؤثر أن واحدا منهم أظهر خلاف قوله من كتبه ولا أبدى صحيحا ولا ~~سقيما من صحفه قال الله تعالى (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم ~~كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير) الآيتين. ### | (فصل) هذه الوجوه الأربعة من إعجازه # بينه لا نزاع فيها ولا مرية ومن الوجوه البينة في إعجازه من غير هذه ~~الوجوه آي وردت بتعجيز قوم في قضايا وإعلامهم أنهم لا يفعلونها فما ms147 فعلوا ~~ولا قدروا على ذلك كقوله لليهود (قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله ~~خالصة) الآية قال أبو إسحاق الزجاج في هذه الآية أعظم حجة وأظهر دلالة على ~~صحة الرسالة لأنه قال لهم فتمنوا الموت وأعلمهم أنهم لن يتمنوه أبدا فلم ~~يتمنه واحد منهم وعن النبي صلى الله عليه وسلم # PageV01P272 # والذي نفسي بيده لا يقولها رجل منهم إلا غص بريقه يعني يموت مكانه فصرفهم ~~الله عن تمنيه وجزعهم ليظهر صدق رسوله وصحة ما أوحي إليه إذ لم يتمنه أحد ~~منهم وكانوا على تكذيبه أحرص لو قدروا ولكن الله يفعل ما يريد فظهرت بذلك ~~معجزته وبانت حجته: قال أبو محمد الأصيلي من أعجب أمرهم أنه لا يوجد منهم ~~جماعة ولا واحد من يوم أمر الله بذلك نبيه يقدم عليه ولا يجيب إليه وهذا ~~موجود مشاهد لمن أراد أن يمتحنه منهم، وكذلك آية المباهلة من هذا المعنى ~~حيث وفد عليه أساقفة نجران وأبوا الإسلام فأنزل الله تعالى عليه آية ~~المباهلة بقوله (فمن حاجك فيه) الآية قامتنعوا منها ورضوا بأداء الجزية ~~وذلك أن العاقب عظيمهم قال لهم قد علمتهم أنه نبي وأنه مالا عن قوما نبي قط ~~فبقي كبيرهم ولا صغيرهم ومثله قوله (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا) ~~إلى قوله (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا) فأخبرهم أنهم لا يفعلون كما كان وهذه ~~الآية أدخل في باب الإخبار عن الغيب ولكن فيها من التعجيز ما في التي ~~قبلها. ### | (فصل) ومنها الروعة التي تلحق قلوب سامعيه # وأسماعهم عند سماعه والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته لقوة حاله وإنامة ~~خطره وهى PageV01P273 # على المكذبين به أعظم حتى كانوا يستثقلون سماعه ويزيدهم نفورا كما قال ~~تعالى ويودون انقطاعه لكراهتهم له ولهذا قال صلى الله عليه وسلم إن القرآن ~~صعب مستصعب على من كرهه وهو الحكم وأما المؤمن فلا تزال روعته به وهيبته ~~إياه مع تلاوته توليه انجذابا وتكسبه هشاشة لميل قلبه إليه وتصديقه به قال ~~الله تعالى (تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين ms148 جلودهم وقلوبهم إلى ~~ذكر الله) وقال (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل) الآية ويدل على أن هذا شئ ~~خص يه أنه يعتري من لا يفهم معانيه ولا يعلم تفاسيره كما روي عن نصراني أنه ~~مر بقارئ فوقف يبكي فقيل له مم بكيت قال للشجا والنظم وهذه الروعة قد اعترت ~~جماعة قبل الإسلام وبعده فمنهم من أسلم لها لأول وهلة وآمن به ومنهم من ~~كفر، فحكي في الصحيح عن جبير بن مطعم قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ هذه الآية (أم خلقوا من غير شئ أم هم ~~الخالقون) إلى قوله (المصيطرون) كاد قلبي أن يطير للإسلام، وفي رواية وذلك ~~أول ما وقر الإسلام في قلبي، وعن عتبة بن ربيعة أنه كلم النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيما جاء به من خلاف قومه فتلا عليهم (حم) فصلت إلى قوله (صاعقة ~~مثل صاعقة عاد وثمود) فأمسك عتبة بيده على في النبي صلى الله عليه وسلم ~~وناشده PageV01P274 # الرحم أن يكف وفي رواية فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ وعتبة مصغ ~~ملق يديه خلف ظهره معتمد عليهما حتى انتهى إلى السجدة فسجد النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقام عتبة لا يدري بم يراجعه ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قومه ~~حتى أتوه فاعتذر لهم وقال والله لقد كلمتي بكلام والله ما سمعت أذناي بمثله ~~قط فما دريت ما أقول له، وقد حكي عن غير واحد ممن رام معارضته أنه اعترته ~~روعة وهيبة كف بها عن ذلك فحكي أن ابن المقفع طلب ذلك ورامه وشرع فيه فمر ~~بصبي يقرأ (وقيل يا أرض ابلعي ماءك) فرجع فمحى ما عمل وقال أشهد أن هذا لا ~~يعارض وما هو من كلام البشر وكان من أفصح أهل وقته وكان يحيى بن حكم الغزال ~~بليغ الأندلس في زمنه فحكي أنه رام شيئا من هذا فنظر في سورة الإخلاص ليحذو ~~على مثالها وينسج بزعمه على منوالها قال فاعترتني منه خشية ورفة حملتني على ~~التوبة ms149 والإنابة. ### | (فصل) ومن وجوه إعجازه المعدودة كونه آية باقية # لا تعدم ما بقيت الدنيا مع تكفل الله تعالى بحفظه فقال (إنا نحن نزلنا ~~الذكر وإنا له لحافظون) وقال (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) ~~الآية وسائر معجزات الأنبياء انقضت بانقضاء أوقاتها فلم يبق إلا ~~PageV01P275 # خبرها والقرآن العزيز الباهرة آياته الظاهرة معجزاته على ما كان عليه ~~اليوم مدة خمسمائة عام وخمس وثلاثين سنة لأول نزوله إلى وقتنا هذا حجته ~~قاهرة ومعارضته ممتنعة الأعصار كلها طافحة بأهل البيان وحملة علم اللسان ~~وأئمة البلاغة وفرسان الكلام وجهابذة البراعة والملحد فيهم كثير والمعادى ~~للشرح عتيد فما منهم من أتى بشئ يوثر في معارضته ولا ألف كلمتين في مناقضته ~~ولا قدر فيه على مطعن صحيح ولا قدح المتكلف من ذهنه في ذلك إلا بزند شحيح ~~بل المأثور عن كل من رام ذلك إلقاؤه في العجز بيديه والنكوص على عقيبه ### | (فصل) وقد عد جماعة من الأئمة ومقلدي الأمة في إعجازه وجوها كثيرة # منها أن قارئه لا يمله وسامعه لا يمجه بل الإكباب على تلاوته يزيده حلاوة ~~وترديده يوجب له محبة لا يزال غضا طريا وغيره من الكلام ولو بلغ في الحسن ~~والبلاغة مبلغه يمل مع الترديد ويعادى إذا أعيد وكتابنا يستلذ به في ~~الخلوات ويؤنس بتلاوته في الأزلمات وسواء من الكتب لا يوجد فيها ذلك حتى ~~أحدث أصحابها لها لحونا وطرقا PageV01P276 # يستجلبون بتلك اللحون تنشيطهم على قراءتها ولهذا وصف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم القرآن بأنه لا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عبره ولا تفنى ~~عجائبه، هو الفصل ليس بالهزل لا يشبع منه العلماء ولا تزيغ به الأهواء ولا ~~تلتبس به الألسنة هو الذي لم تنته الجن حين سمعته أن قالوا (إنا سمعنا ~~قرآنا عجبا يهدى إلى الرشد) ومنها جمعه لعلوم ومعارف لم تعهد العرب عامة ~~ولا محمد صلى الله عليه وسلم قبل نبوته خاصة بمعرفتها ولا القيام بها ولا ~~يحيط بها أحد من علماء الأمم ولا يشتمل عليها كتاب من ms150 كتبهم فجمع فيه من ~~بيان علم الشرائع والتنبيه على طرق الحجج العقليات والرد على فرق الأمم ~~ببراهين قوية وأدلة بينة سهلة الألفاظ موجزة المقاصد رام المتحذلقون بعد أن ~~ينصبوا أدلة مثلها فلم يقدروا عليها كقوله تعالى (أو ليس الذي خلق السموات ~~والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم؟ بلى) و (قل يحييها الذي أنشأها أول مرة) و ~~(لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) إلى ما حواه من علوم السير وأنباء ~~الأمم والمواعظ والحكم وأخبار الدار الآخرة ومحاسن الآداب والشيم قال الله ~~جل اسمه (ما فرطنا في الكتاب من شئ) (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ) ، ~~(ولقد PageV01P277 # ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل) وقال صلى الله عليه وسلم: أن الله ~~أنزل هذا القرآن آمرا وزاجرا وسنة خالية ومثلا مضروبة فيه نبؤكم # وخبر ما كان قبلكم ونبأ ما بعدكم وحكم ما بينكم لا يخلقه طول الرد ولا ~~تنقضي عجائبه، هو الحق ليس بالهزل من قال به صدق ومن حكم به عدل ومن خاصم ~~به فلج ومن قسم به أقسط ومن عمل به أجر ومن تمسك به هدي إلى صراط مستقيم ~~ومن طلب الهدى من غيره أضله الله ومن حكم بغيره قصمه الله، هو الذكر الحكيم ~~والنور المبين والصراط المستقيم وحبل الله المتين والشفاء النافع، عصمة لمن ~~تمسك به ونجاة لمن اتبعه، لا يعوج فيقوم ولا يزيغ فيستعتب ولا تنقضي عجائبه ~~ولا يخلق على كثرة الرد، ونحوه عن ابن مسعود وقال فيه ولا يختلف ولا يتشان، ~~فيه نبأ الأولين والآخرين، وفي الحديث قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم (إني منزل عليك توراة حديثة تفتح بها أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا ~~غلفا فيها ينابيع العلم وفهم الحكمة وربيع القلوب) PageV01P278 # وعن كعب (عليكم بالقرآن فإنه فهم العقول ونور الحكمة) وقال تعالى (إن هذا ~~القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون) وقال (هذا بيان ~~للناس وهدى) الآية، فجمع فيه مع وجازة ألفاظه # وجوامع كلمه أضعاف ما في الكتب قبله ms151 التي ألفاظها على الضعف منه مرات * ~~ومنها جمعه فيه بين الدليل ومدلوله وذلك أنه احتج بنظم القرآن وحسن وصفه ~~وإيجازه وبلاغته وأثناء هذه البلاغة أمره ونهيه ووعده ووعيده فالتالي له ~~يفهم موضع الحجة والتكليف معا من كلام واحد وسورة منفردة * ومنها أن جعله ~~في حيز المنظوم الذي لم يعهد ولم يكن في حيز المنثور لأن المنظوم أسهل على ~~النفوس وأوعى للقلوب وأسمع في الآذان وأحلى على الأفهام فالناس إليه أميل ~~والأهواء إليه أسرع * ومنها تيسيره تعالى حفظه لمتعلميه وتقريبه على ~~متحفظيه قال الله تعالى (ولقد يسرنا القرآن للذكر) وسائر الأمم لا يحفظ ~~كتبها الواحد منهم فكيف الجماء على مرور السنين عليهم والقرآن ميسر حفظه ~~للغلمان في أقرب مدة * ومنها مشاكلة بعض أجزائه بعضا وحسن ائتلاف أنواعها ~~والتيئام أقسامها وحسن التخلص من قصة إلى أخرى والخروج من باب إلى غيره على ~~اختلاف معانيه وانقسام السورة الواحدة إلى أمر ونهي وخبر واستخبار ووعد ~~ووعيد وإثبات نبوة وتوحيد وتفريد وترغيب وترهيب إلى غير ذلك من فوائده دون ~~خلل يتخلل فسوله، والكلام الفصيح إذا اعتوره مثل هذا ضعفت قوته # PageV01P279 # ولانت جزالته وقل رونقه وتقلقلت ألفاظه: فتأمل أول (ص) وما جمع فيها من ~~أخبار الكفار وشقاقهم وتقريعهم بإهلاك القرون من قبلهم وما ذكر من تكذيبهم ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم وتعجبهم مما أتى به والخبر، عن اجتماع ملئهم على ~~الكفر وما ظهر من الحسد في كلامهم وتعجيزهم وتوهينهم ووعيدهم بخزي الدنيا ~~والآخرة وتكذيب الأمم قبلهم وإهلاك الله لهم ووعيد هؤلاء مثل مصابهم وتصبير ~~النبي صلى الله عليه وسلم على أذاهم وتسليته بكل ما تقدم ذكره ثم أخذ في ~~ذكر داود وقصص الأنبياء، كل هذا في أوجز كلام وأحسن نظام ومنه الجملة ~~الكثيرة التي انطوت عليها الكلمات القليلة وهذا كله وكثير مما ذكرنا أنه ~~ذكر في إعجاز القرآن إلى وجوه كثيرة ذكرها الأثمة لم نذكرها إذ أكثرها داخل ~~في باب بلاغته فلا. # نحب أن يعد فنا منفردا في إعجازه إلا في باب تفصيل فنون البلاغة وكذلك ms152 ~~كثير مما قدمنا ذكره عنهم يعد في خواصه وفضائله لا في إعجازه، وحقيقة ~~الإعجاز الوجوه الأربعة التي ذكرنا فليعتمد عليها وما بعدها من خواص القرآن ~~وعجائبه التي لا تنقضي والله ولي التوفيق ### | فصل انشقاق القمر وحبس الشمس # قال الله تعالى (اقتربت الساعة وانشق القمر، وإن يروا آية يعرضوا # PageV01P280 # ويقولوا سحر مستمر) أخبر تعالى بوقوع انشقاقه بلفظ الماضي وإعراض الكفرة ~~عن آياته وأجمع المفسرون وأهل السنة على وقوعه: أخبرنا الحسين بن محمد ~~الحافظ من كتابه حدثنا القاضي سراج بن عبد الله حدثنا الأصيلي حدثنا ~~المروزي حدثنا الفربري حدثنا البخاري حدثنا مسدد حدثنا يحيى عن شعبة وسفيان ~~عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر عن ابن مسعود رضي الله عنه قال انشق ~~القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين فرقة فوق الجبل وفرقة ~~دونه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اشهدوا، وفي رواية مجاهد ونحن مع ~~النبي صلى الله عليه # وسلم وفي بعض طرق الأعمش بمنى ورواه أيضا عن ابن مسعود الأسود وقال حتى ~~رأيت الجبل بين فرجتي القمر ورواه عنه مسروق أنه كان بمكة وزاد فقال كفار ~~قريش سحركم ابن أبي كبشة فقال رجل منهم إن محمدا إن كان سحر القمر فإنه لا ~~يبلغ من سحره أن يسحر الأرض كلها فاسألوا من يأتيكم من بلد آخر هل رأوا هذا ~~فأتوا فسألوهم PageV01P281 # فأخبروهم أنهم رأوا مثل ذلك وحكى السمرقندي عن الضحاك نحوه وقال فقال أبو ~~جهل هذا سحر فابعثوا إلى أهل الآفاق حتى تنظروا أرأوا ذلك أم لا فأخبر أهل ~~الآفاق أنهم رأوه منشقا فقالوا يعنى الكافر هذا سحر مستمر ورواه أيضا عن ~~ابن مسعود علقمة فهؤلاء الأربعة عن عبد الله وقد رواه غير ابن مسعود كما ~~رواه ابن مسعود منهم أنس وابن عباس وابن عمر وحذيفة وعلي وجبير بن مطعم ~~فقال علي من رواية أبي حذيفة الأرحبي انشق القمر ونحن مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم * وعن أنس سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن ms153 يريهم آية ~~فأراهم انشقاق القمر مرتين حتى رأوا حراء بينهما، وراه عن أنس قتادة * وفي ~~رواية معمر وغيره عن قتادة عنه أراهم القمر مرتين انشقاقه # فنزلت (اقتربت الساعة وانشق القمر) ورواه عن جبير بن مطعم ابنه محمد وابن ~~ابنه جبير بن محمد ورواه عن ابن عباس عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ورواه ~~عن ابن عمر مجاهد ورواه عن حذيفة أبو عبد PageV01P282 # الرحمن السلمي ومسلم بن أبي عمران الأزدي وأكثر طرق هذه الأحاديث صحيحة ~~والآية مصرحة ولا يلتفت إلى اعتراض مخذول بأنه لو كان هذا لم يخف عل أهل ~~الأرض إذ هو شئ ظاهر لجميعهم إذ لم ينقل لنا عن أهل الأرض رصدوه تلك الليلة ~~فلم يروه انشق ولو نقل إلينا عمن لا يجوز تمالؤهم لكثرتهم على الكذب لما ~~كانت علينا به حجة إذ ليس القمر في حد واحد لجميع أهل الأرض فقد يطلع على ~~قوم قبل أن يطلع على الآخرين وقد يكون من قوم بضد ما هو من مقابلهم من ~~أقطار الأرض أو يحول بين قوم وبينه سحاب أو جبال ولهذا نجد الكسوفات في بعض ~~البلاد دون بعض وفي بعضها جزئية وفي بعضها كلية وفي بعضها لا يعرفها إلا ~~المدعون لعلمها، ذلك تقدير العزيز العليم، وآية القمر كانت ليلا والعادة من ~~الناس بالليل الهدو والسكون وإيجاف الأبواب وقطع التصرف ولا يكاد يعرف من # أمور السماء شيئا إلا من رصد ذلك واهتبل به ولذلك ما يكون الكسوف القمري ~~كثيرا في البلاد وأكثرهم لا يعلم به حتى يخبر وكثيرا ما يحدث الثقات بعجائب ~~يشاهدونها من أنوار ونجوم طوالع عظام تظهر في الأحيان بالليل في السماء ولا ~~علم عند أحد منها * وخرج الطحاوي في PageV01P283 # مشكل الحديث عن أسماء بنت عميس من طريقين أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يوحى إليه ورأسه في حجر علي فلم يصل العصر حتى غربت الشمس فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أصليت يا علي قال لا فقال اللهم إنه كان في طاعتك ~~وطاعة رسولك ms154 فاردد عليه الشمس قالت أسماء فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ~~ما غربت ووقفت على الجبال والأرض وذلك بالصهباء في خيبر قال وهذان الحديثان ~~ثابتان ورواتهما ثقات * وحكى الطحاوي أن أحمد بن صالح كان يقول لا ينبغي ~~لمن سبله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء لأنه من علامات النبوة * وروى ~~يونس بن بكير في زيادة المغازي روايته عن ابن إسحق لما أسري برسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأخبر قومه بالرفقة والعلامة التي في العير قالوا متى تجئ ~~قال يوم الأربعاء فلما كان ذلك اليوم أشرفت PageV01P284 # قريش ينظرون وقد ولى النهار ولم تجئ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فزيد له في النهار ساعة وفحبست عليه الشمس. ### | فصل في نبع الماء من بين أصابعه وتكثير ببركته # أما الأحاديث في هذا فكثيرة جدا روى حديث نبع الماء من أصابعه صلى الله ~~عليه وسلم جماعة من الصحابة منهم أنس وجابر وابن مسعود: حدثنا أبو إسحاق ~~إبراهيم بن جعفر الفقيه رحمه الله بقراءتي عليه حدثنا القاضي عيسى بن سهل ~~حدثنا أبو القاسم حاتم بن محمد حدثنا أبو عمر ابن الفخار حدثنا أبو عيسى ~~حدثنا يحيى حدثنا مالك عن إسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة عن أنس بن مالك ~~رضي الله عنه رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحانت صلاة العصر فالتمس ~~الناس الوضوء فلم يجدوه فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء فوضع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الإناء يده وأمر الناس أن يتوضؤا منه قال ~~فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه فتوضأ الناس حتى توضؤا من عند آخرهم، ورواه ~~أيضا عن أنس قتادة وقال بإناء فيه ماء يغمر أصابعه أو لا يكاد يغمر قال كم ~~كنتم قال زهاء ثلاثمائة وفي رواية عنه وهم بالزوراء PageV01P285 # عند السوق ورواه أيضا حميد وثابت والحسن عن أنس وفي رواية حميد قلت كم ~~كانوا قال ثمانين رجلا ونحوه عن ثابت عنه وعنه أيضا وهم نحو من سبعين رجلا ~~* وأما ابن ms155 مسعود ففي الصحيح من رواية علقمة عنه بينما نحن مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وليس. # معنا ماء فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم اطلبوا من معه فضل ماء ~~فأتي بماء فصبه في إناء ثم وضع كفه فيه فجعل الماء ينبع من بين أصابع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم * وفي الصحيح عن سالم بن أبي الجعد عن جابر رضي ~~الله عنه عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه ~~ركوة فتوضأ منها وأقبل الناس نحوه وقالوا ليس عندنا ماء إلا ما في ركوتك ~~فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين ~~أصابعه كأمثال العيون وفيه فقلت كم كنتم قال لو كنا مائة ألف لكفانا: كنا ~~خمس عشرة مائة، وروي مثله عن أنس عن جابر وفيه أنه كان بالحديبية * وفي ~~رواية الوليد بن عبادة بن الصامت عنه في حديث مسلم الطويل في ذكر غزوة بواط ~~قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا جابر ناد الوضوء وذكر الحديث ~~بطوله وأنه لم يجد إلا قطرة في عزلاء شجب PageV01P286 # فأتي به النبي صلى الله عليه وسلم فغمزه وتكلم بشئ لا أدري ما هو وقال ~~ناد بجفنة الركب فأتيت فوضعتها بين يديه وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بسط يده في الجفنة وفرق أصابعه وصب جابر عليه وقال بسم الله قال فرأيت ~~الماء يفور من بين أصابعه ثم فارته الجفنة واستدارت حتى امتلأت وأمر الناس ~~بالاستقاء فاستقوا حتى رووا فقلت هل بقي أحد له حاجة فرفع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يده من الجفنة وهي ملأى * وعن الشعبي أتي النبي صلى الله ~~عليه وسلم في أسفاره بإداوة ماء وقيل ما معنا يا رسول الله ماء غيرها ~~فسكبها في ركوة ووضع إصبعه وسطها وغمسها في الماء وجعل الناس يجيئون ~~ويتوضؤن ثم يقومون، قال الترمذي وفي الباب عن عمران بن حصين ومثل هذا في ~~هذه المواطن الحفلة والجموع ms156 الكثيرة لا تتطرق التهمة إلى المحدث به لأنهم ~~كانوا أسرع شئ إلى تكذيبه لما جبلت عليه النفوس من ذلك ولأنهم كانوا ممن لا ~~يسكت على باطل، فهؤلاء قد رووا هذا وأشاعوه ونسبوا حضور الجماء الغفير له ~~ولم ينكر أحد من الناس عليهم ما حدثوا به عنهم أنهم فعلوه وشاهدوه فصار ~~كتصديق جميعهم له ### | (فصل) ومما يشبه هذا من معجزاته تفجير الماء ببركته وابتعاثه بمسه ودعوته * # فيما روى مالك في الموطأ عن معاذ بن جبل في قصة غزوة PageV01P287 # تبوك وأنهم وردوا العين وهي تبض بشئ من ماء مثل الشراك فغرفوا # من العين بأيديهم حتى اجتمع في شئ ثم غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فيه وجهه ويديه وأعاده فيها فجرت بماء كثير فاستقى الناس قال في حديث ابن ~~إسحاق فانخرق من الماء ماله حس كحس الصواعق ثم قال: يوشك يا معاذ إن طالت ~~بك حياة أن ترى ما ها هنا قد ملئ جنانا * وفي حديث البراء وسلمة بن الأكوع ~~وحديثه أتم في قصة الحديبية وهم أربع عشرة مائة وبئرها لا تروي خمسين شاة ~~فنزحناها فلم نترك فيها قطرة فقعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على جباها ~~قال البراء وأتى بدلوا منا فبصق فدعا وقال سلمة فإما دعا وإما بصق فيها ~~فجاشت فأرووا أنفسهم وركابهم وفي غير هاتين الروايتين في هذه القصة من طريق ~~ابن شهاب في الحديبية فأخرج سهما من كنانته فوضعه في قعر قليب ليس فيه ماء ~~فروي الناس حتى ضربوا بعطن * وعن أبي قتادة وذكر أن الناس شكوا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه PageV01P288 # وسلم العطش في بعض أسفاره فدعا بالميضأة فجعلها في ضبنه ثم التقم فمها ~~فالله أعلم نفث فيها أم لا فشرب الناس حتى رووا وملوا كل إناء معهم فخيل ~~إلي أنها كما أخذها مني وكانوا اثنين وسبعين رجلا، وروى # مثله عمران بن حصين وذكر الطبري حديث أبي قتادة على غير ما ذكره أهل ~~الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بهم ممدا لأهل ms157 مؤتة عند ما بلغه ~~قتل الأمراء وذكر حديثا طويلا فيه معجزات وآيات للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وفيه إعلامهم أنهم يفقدون الماء في غد وذكر حديث الميضأة قال والقوم زهاء ~~ثلثمائة وفي كتاب مسلم أنه قال لأبي قتادة احفظ علي ميضأتك فإله سيكون لها ~~نبأ وذكر نحوه ومن ذلك حديث عمران بن حصين حين أصاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه عطش في بعض أسفارهم فوجه رجلين من أصحابه وأعلمها أنهما يجدان ~~امرأة بمكان كذا معها بغير عليه مزادتان الحديث فوجداها وأتيابها إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فجعل في إناء من مزادتيها PageV01P289 # وقال فيه ما شاء الله أن يقول ثم أعاد الماء في المزادتين ثم فتحت ~~عزاليهما وأمر الناس فملؤا أسقيتهم حتى لم يدعوا شيئا إلا ملؤه قال عمران ~~ويخيل إلي أنهما لم تزداد إلا امتلاء ثم أمر فجمع للمرأة من الأزواد حتى ~~ملأ ثوبها وقال الذهبي فإنا لم نأخذ من مائك شيئا ولكن الله سقايا - الحديث ~~بطوله - وعن سلمة بن الأكوع: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم هل من وضوء ~~فجاء رجل بإداوة فيها نطفة فأفرغها في قدح فتوضأنا كلنا ندغفقه دغفقة أربع ~~عشرة مائة وفي حديث عمر في جيش العسرة وذكر ما أصابهم من العطش حتى إن ~~الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه فرغب أبو بكر رضي الله عنه إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم في الدعاء فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء ~~فانسكبت فملؤا ما معهم من آنية ولم تجاوز العسكر وعن عمرو بن شعيب أن أبا ~~طالب قال للنبي صلى الله عليه وسلم وهو رديفه بذي المجاز عطشت وليس عندي ~~ماء فنزل النبي صلى الله عليه وسلم وضرب بقدمه الأرض فخرج الماء فقال اشرب ~~والحديث في هذا الباب الكثير ومنه الإجابة بدعاء الاستسقاء وما جالسه. ~~PageV01P290 ### | فصل ومن معجزاته تكثير الطعام ببركته ودعائه # حدثنا القاضي الشهيد أبو علي رحمه الله حدثنا العذري حدثنا الرازي حدثنا ~~الجلودي حدثنا ابن سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج حدثنا ms158 سلمة ابن شبيب حدثنا ~~الحسن بن أعين حدثنا معقل عن أبي الزبير عن جابر أن رجلا أتى النبي صلى ~~الله عليه وسلم يستطعمه فأطعمه شطر وسق شعير فما زال يأكل منه وامرأته ~~وضيفه حتى كاله فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال لو لم تكله ~~لأكلتم منه ولقام بكم * ومن ذلك حديث أبي طلحة المشهور وإطعامه صلى الله ~~عليه وسلم ثمانين أو سبعين رجلا من أقراص من شعير جاء بها أنس تحت يده أي ~~إبطه فأمر بها فقتت وقال فيها ما شاء الله أن يقول، وحديث جابر في إطعامه ~~صلى الله عليه وسلم يوم الخندق ألف رجل من صاع شعير وعناق وقال جابر فأقسم ~~بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا وإن برمتنا لتغط كما هي وإن عجيننا ليخبز ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بصق في العجين والبرمة وبارك، رواه عن ~~جابر سعيد بن ميناء وأيمن وعن ثابت مثله عن رجل من الأنصار وامرأته ولم ~~يسمهما قال وجئ بمثل الكف فجعل PageV01P291 # رسول الله صلى الله عليه وسلم يبسطها في الإناء ويقول ما شاء الله فأكل ~~منه من في البيت والحجرة والدار وكان ذلك قد امتلأ ممن قدم معه صلى الله ~~عليه وسلم لذلك وبقي بعد ما شبعوا مثل ما كان في الإناء، وحديث أبي أيوب ~~أنه صنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر من الطغام زهاء ما ~~يكفيهما فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ادع ثلاثين من أشراف الأنصار ~~فدعاهم فأكلوا حتى تركوا ثم قال ادع ستين فكان مثل ذلك ثم قال ادع سبعين ~~فأكلوا حتى تركوه وما خرج منهم أحد # حتى أسلم وبايع قال أبو أيوب فأكل من طعامي مائة وثمانون رجلا، وعن سمرة ~~بن جندب أتي النبي صلى الله عليه وسلم بقصعة فيها لخم فتعاقبوها من غدوة ~~حتى الليل يقوم قوم ويقعد آخرون، ومن ذلك حديث عبد الرحمن بن أبي بكر كنا ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثين ومائة وذكر في الحديث أنه ms159 عجن صاع من ~~طعام وصنعت شاة فشوي سواد بطنها قال وأيم الله ما من الثلاثين ومائة إلا ~~وقد حز له حزة من سواد بطنها ثم جعل منها قصعتين فأكلنا أجمعون وفضل في ~~القصعتين PageV01P292 # فحملته على البعير، ومن ذلك حديث عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري عن ~~أبيه ومثله لسلمة بن الأكوع وأبي هريرة وعمر بن الخطاب رضي الله عنه فذكروا ~~مخمصة أصابت الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه فدعا ببقية ~~الأزواد فجاء الرجل بالحثية من الطعام وفوق ذلك وأعلاهم الذي أتى بالصاع من ~~التمر فجمعه على نطع قال سلمة فحزرته كربضة العنز ثم دعا الناس بأوعيتهم ~~فما بقي في الجيش وعاء إلا ملؤوه وبقي منه قدر ما جعل وأكثر ولو ورده أهل ~~الأرض لكفاهم وعن أبي هريرة أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أدعوا له # أهل الصفة فتتبعتهم حتى جمعتهم فوضعت بين أيدينا صحفة فأكلنا ما شئنا ~~وفرغنا وهي مثلها حين وضعت إلا أنا فيها أثر الأصابع، وعن علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب وكانوا ~~أربعين منهم قوم يأكلون الجذعة ويشربون الفرق فصنع لهم مدا من طعام فأكلوا ~~حتى شبعوا وبقي كما هو ثم دعا PageV01P293 # بعص فشربوا حتى رووا وبقي كأنه لم يشرب منه وقال أنس إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم حين ابتنى بزينب أمره أن يدعو له قوما سماهم وكل من لقيت حتى ~~امتلأ البيت والحجرة وقدم إليهم تورا فيه قدر مد من تمر جعل حيسا فوضعه ~~قدامه وغمس ثلاث أصابعه وجعل القوم يتغدون ويخرجون وبقي التور نحوا مما كان ~~وكان القوم أحدا أو اثنين وسبعين وفي رواية أخرى في هذه القصة أو مثلها إن ~~القوم كانوا زهاء ثلثمائة وإنهم أكلوا حتى شبعوا وقال لي ارفع فلا أدري حين ~~وضعت كانت أكثر أم حين رفعت وفي حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن علي رضي الله ~~عنه أن فاطمة طبخت قدرا لغدائهما ms160 ووجهت عليا # إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليتغدى معهما فأمرها فغرفت منها لجميع ~~نسائه صحفة صحفة ثم له صلى الله عليه وسلم ولعلي ثم لها ثم رفعت القدر ~~وإنها لتفيض قالت فأكلنا منها ما شاء الله * وأمر عمر بن الخطاب ~~PageV01P294 # أن يزود أربعمائة راكب من أحمس فقال يا رسول الله ما هي إلا أصوع قال ~~اذهب فذهب فزودهم منه وكان قدر الفصيل الرابض من التمر وبقي بحاله من رواية ~~دكين الأحمسي ومن رواية جرير ومثله من رواية النعمان بن مقرن الخبر بعينه ~~إلا أنه قال أربعمائة راكب من مزينة ومن ذلك حديث حابر في دين أبيه بعد ~~موته وقد كان بذل لغرماء أبيه أصل ماله فلم يقبلوه ولم يكن في ثمرها سنتين ~~كفاف دينهم فجاء النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أمره بحدها وجعلها بيادر ~~في أصولها فمشى فيها ودعا فأوفى منه جابر غرماء أبيه وفضل مثل ما كانوا ~~يجدون كل سنة وفي رواية مثل ما أعطاهم قال وكان الغرماء يهود فعجبوا من ~~ذلك) وقال أبو هريرة رضي الله عنه أصاب الناس # مخمصة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم هل من شئ قلت نعم شئ من ~~التمر في المزود قال فأتني به فأدخل يده. # فأخرج قبضة فبسطها ودعا بالبركة ثم قال ادع عشرة فأكلوا حتى شبعوا ثم ~~عشرة كذلك حتى أطعم الجيش كلهم وشبعوا قال خذ ما جئت به وأدخل PageV01P295 # يدك واقبض منه ولا تكبه فقبضت على أكثر مما جئت به فأكلت منه وأطعمت حياة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر إلى أن قتل عثمان فانتهب مني ~~فذهب وفي رواية فقد حملت من ذلك التمر كذا وكذا من وسق في سبيل الله وذكرت ~~مثل هذه الحكاية في غزوة تبوك وأن التمر كان بضع عشرة تمرة ومنه أيضا حديث ~~أبي هريرة حين أصابه الجوع فاستتبعه النبي صلى الله عليه وسلم فوجد لبنا في ~~قدح قد أهدي إليه وأمره أن يدعو أهل الصفة قال فقلت ms161 ما هذا اللبن فيهم كنت ~~أحق أن أصيب منه شربة أتقوى بها فدعوتهم وذكر أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~له أن يسقيهم فجعلت أعطي الرجل فيشرب حتى يروى ثم يأخذه الآخر حتى روي ~~جميعهم قال فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم القدح وقال بقيت أنا وأنت اقعد ~~فاشرب فشربت ثم قال اشرب وما زال يقولها وأشرب حتى قلت لا والذي بعثك بالحق ~~ما أجد له # مسلكا فأخذ القدح فحمد الله وسمى وشرب الفضلة وفي حديث خالد بن عبد العزى ~~أنه أجزر النبي صلى الله عليه وسلم شاة وكان عيال خالد كثيرا PageV01P296 # يذبح الشاة فلا تبد عياله عظما وإن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من هذه ~~الشاة وجعل فضلتها في دلو خالد ودعا له بالبركة فنثر ذلك لعياله فأكلوا ~~وأفضلوا ذكر خبره الدولابي وفي حديث الآجري في إنكاح النبي صلى الله عليه ~~وسلم لعلي فاطمة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلالا بقصعة من أربعة ~~أمداد أو خمسة ويذبح جوزرا لوليتها قال فأتيته بذلك فطعن في رأسها ثم أدخل ~~الناس رفقة رفقة يأكلون منها حتى فرغوا وبقيت منها فضلة فبرك فيها وأمر ~~بحملها إلى أزواجه وقال كلن وأطعمن من غشيكن وفي حديث أنس رضي الله عنه ~~تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصنعت أمي أم سليم حيسا فجعلته في تور ~~فذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ضعه وادع لي فلانا وفلانا ~~ومن لقيت فدعوتهم ولم أدع أحدا لقيته إلا دعوته وذكر أنهم كانوا زهاء ~~ثلثمائة حتى ملؤوا الصفة والحجرة فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم تحلقوا ~~عشرة عشرة ووضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على الطعام فدعا فيه وقال ما ~~شاء الله أن يقول فأكلوا حتى شبعوا كلهم فقال لي ارفع فما أدري حين وضعت ~~كانت # أكثر أم حين رفعت وأكثر أحاديث هذه الفصول الثلاثة في الصحيح وقد اجتمع ~~على معنى حديث هذا الفضل بضعة عشر من الصحابة رواه PageV01P297 # عنهم أضعافهم ms162 من التابعين ثم من لا ينعد بعدهم وأكثرها في قصص مشهورة ~~ومجامع مشهودة ولا يسكت الحاضر لها على ما أنكر منها ### | فصل (في كلام الشجر وشهادتها له بالنبوة وإجابتها دعوته) # قال حدثنا أحمد بن محمد بن غلبون الشيخ الصالح فيما أجازينه عن أبي عمرو ~~الطلمنكي عن أبي بكر بن المهندس عن أبي القاسم البغوي حدثنا أحمد بن عمران ~~الأخلمى حدثنا أبو حيان التيمي وكان صدوقا عن مجاهد عن ابن عمر قال كنا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فدنا منه أعرابي فقال يا أعرابي أين ~~تريد قال إلى أهلي قال هل لك إلى خير قال وما هو قال تشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله قال من يشهد لك على ما تقول ~~قال هذه الشجرة السمرة وهي بشاطئ الوادي فأقبلت تخد الأرض حتى قامت بين ~~يديه فاستشهدها PageV01P298 # ثلاثا فشهدت أنه كما قال ثم رجعت إلى مكانها، وعن بريدة سأل أعرابي النبي ~~صلى الله عليه وسلم آية فقال له قل لتلك الشجرة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يدعوك قال فمالت الشجرة عن يمينها وشمالها وبين يديها وخلفها فتقطعت ~~عروقها ثم جاءت تخد الأرض تجر عروقها مغبرة حتى وقفت بين يدي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقالت السلام عليك يا رسول الله قال الأعرابي مرها فلترجع ~~إلى منبتها فرجعت فدلت عروقها فاستوت فقال الأعرابي ائذن لي أسجد لك قال لو ~~أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها قال فأذن لي أن أقبل ~~يديك ورجليك فأذن له، وفي الصحيح في حديث جابر بن عبد الله الطويل ذهب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته فلم ير شيئا يستتر به فإذا بشجرتين ~~بشاطئ الوادي فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إحداهما فأخذ بغصن ~~من أغصانها فقال انقادي علي بإذن الله فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي ~~يصانع قائده وذكر أنه فعل بالأخرى مثل ذلك حتى إذا كان ms163 بالمنصف بينهما قال ~~التئما علي بإذن الله فالتأمتا وفي رواية أخرى فقال يا جابر قل لهذه الشجرة ~~يقول لك رسول الله PageV01P299 # صلى الله عليه وسلم الحقي بصاحبتك حتى أجلس خلفكما فزحفت حتى لحقت ~~بصاحبتها فجلس خلفها فخرجت أحضر وجلست أحدث نفسي فالتفت فإذا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مقبلا والشجرتان قد افترقتا فقامت كل واحدة منهما على ساق ~~فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقفة فقال برأسه هكذا يمينا وشمالا وروى ~~أسامة بن زيد نحوه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه ~~هل يعني مكانا لحاجة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت إن الوادي ما فيه ~~مواضع بالناس فقال هل ترى من نخل أو حجارة قلت أرى نخلات متقاربات قال ~~انطلق وقل لهن إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركن أن تأتين لمخرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقل للحجارة مثل ذلك فقلت ذلك لهن فو الذى بعثه ~~بالحق لقد رأيت النخلات يتقاربن حتى اجتمعن والحجارة يتعاقدن حتى صرن ركاما ~~خلفهن فلما قضى حاجته قال لي قل لهن يفترقن فو الذى نفسي بيده لرأيتهن ~~والحجارة يفترقن حتى عدن إلى مواضعتهن * وقال يعلى بن سباية كنت مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم في مسير وذكر نحوا من هذين الحديثين وذكر فأمر ~~PageV01P300 # وديتين فانضمتا وفي رواية أشاءتين وعن غيلان بن سلمة الثقفي مثله في ~~شجرتين وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله في غزاة حنين وعن ~~يعلى بن مرة وهو ابن سيابة أيضا وذكر أشياء رآها من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فذكر أن طلحة أو سمرة جاءت فأطافت به ثم رجعت إلى منبتها فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها استأذنت أن تسلم علي، وفي حديث عبد الله ~~بن مسعود رضي الله عنه آذنت النبي صلى الله عليه وسلم بالجن ليلة استمعوا ~~له شجرة وعن مجاهد عن ابن مسعود في هذا الحديث أن الجن قالوا من ms164 يشهد لك ~~قال هذه الشجرة تعالي يا شجرة فجاءت تجر عروقها لها قعاقع وذكر مثل الحديث ~~الأول أو نحوه قال القاضي أبو الفضل فهذا ابن عمر وبريدة وجابر وابن مسعود ~~ويعلى بن مرة وأسامة بن زيد وأنس بن مالك وعلي بن أبي طالب وابن عباس ~~وغيرهم قد اتفقوا على هذه القصة نفسها أو معناها ورواها عنهم من التابعين ~~أضافعهم فصارت في انتشارها من القوة حيث هي، وذكر ابن فورك أنه صلى الله ~~عليه وسلم سار PageV01P301 # في غزوة الطائف ليلا وهو وسن فاعترضته سدرة فانفرجت له نصفين حتى جاز ~~بينهما وبقيت على ساقين إلى وقتنا هي هناك معروفة معظمة * ومن ذلك حديث أنس ~~رضي الله عنه أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم ورآه ~~حزينا أتحب أن أريك آية قال نعم فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~شجرة من وراء الوادي فقال ادع تلك الشجرة فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه قال ~~مرها فلترجع فعادت إلى مكانها، وعن علي نحو هذا ولم يذكر فيها جبريل قال ~~اللهم أرني آية لا أبالي من كذبني بعدها فدعا شجرة مثله وذكر، وحزنه صلى ~~الله عليه وسلم لتكذيب قومه وطلبه الآية لهم لا له وذكر ابن إسحاق أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أرى ركانة مثل هذه الآية في شجرة دعاها فأتت حتى وقفت ~~بين يديه ثم قال ارجعي فرجعت وعن الحسن أنه صلى الله عليه وسلم شكى إلى ربه ~~من قومه وأنهم يخوفونه وسأله آية يعلم بها أن لا مخافة عليه فأوحي إليه أن ~~ائت وادي كذا فيه شجرة فادع غصنا PageV01P302 # منها يأتك ففعل فجاء يخط الأرض خطا حتى انتصب بين يديه فحبسه # ما شاء الله ثم قال له ارجع كما جئت فرجع فقال يا رب علمت أن لا مخافة ~~علي * ونحو منه عن عمر وقال فيه أرني آية لا أبالي من كذبني بعدها وذكر ~~نحوه وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قال لأعرابي ms165 ~~أرأيت إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة أتشهد أني رسول الله قال نعم فدعاه ~~فجعل ينقز حتى أتاه فقال ارجع فعاد إلى مكانه وخرجه الترمذي وقال هذا حديث ~~صحيح. ### | فصل في قصة حنين الجذع # ويعضد هذه الأخبار حديث أنين الجذع وهو في نفسه مشهور منتشر والخبر به ~~متواتر قد خرجه أهل الصحيح ورواه من الصحابة بضعة عشر منهم أبي بن كعب ~~وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وسهل ~~بن سعد وأبو سعيد الخدري وبريدة وأم سلمة والمطلب بن أبي وداعة كلهم يحدث ~~بمعنى هذا الحديث قال الترمذي وحديث أنس صحيح قال جابر بن عبد الله كان ~~المسجد مسقوفا على جذوع نخل فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا PageV01P303 # خطب يقوم إلى جذع منها فلما صنع له المنبر سمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت ~~العشار. # وفي رواية أنس حتى ارتج المسجد بخواره وفي رواية سهل وكثر بكاء الناس لما ~~رأوا به. # وفي رواية المطلب وأبي حتى تصدع وانشق حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم ~~فوضع يده # عليه فسكت، زاد غيره فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن هذا بكى لما فقد ~~من الذكر وزاد غيره والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم ~~القيامة تحزنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فدفن تحت المنبر كذا في حديث المطلب وسهل ابن سعد وإسحاق عن ~~أنس وفي بعض الروايات عن سهل فدفنت تحت منبره أو جعلت في السقف. # وفي حديث أبي فكان إذا صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلى إليه فلما هدم ~~المسجد أخذه أبي فكان عنده إلى أن أكلته الأرض وعاد رفاتا. # وذكر الإسفرائني أن النبي صلى الله عليه وسلم دعاه إلى نفسه فجاءه يخرق ~~الأرض فالتزمه ثم أمره فعاد إلى مكانه. # وفي حديث بريدة فقال يعني النبي صلى الله عليه وسلم إن شئت أردك إلى ~~الحائط الذي كنت ms166 فيه تنبت لك عروقك ويكمل خلقك PageV01P304 # ويجدد لك خوص وثمرة وإن شئت أغرسك في الجنة فيأكل أولياء الله من ثمرك، ~~ثم أصغى له النبي صلى الله عليه وسلم يستمع ما يقول فقال: بل تغرسني في ~~الجنة فيأكل مني أولياء الله وأكون في مكان لا أبلى فيه فسمعه من يليه فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد فعلت ثم قال اختار دار البقاء على دار الفناء ~~فكان الحسن إذا حدث بهذا بكى وقال يا عباد الله الخشبة تحن إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم شوقا إليه لمكانه فأنتم # أحق أن تشتاقوا إلى لقائه، رواه عن جابر حفص بن عبيد الله ويقال عبد الله ~~بن حفص وأيمن وأبو نضرة وابن المسيب وسعيد بن أبي كرب وكريب وأبو صالح ~~ورواه عن أنس بن مالك الحسن وثابت وإسحاق بن أبي طلحة ورواه عن ابن عمر ~~نافع وأبو حية ورواه أبو نضرة وأبو الوداك عن أبي سعيد وعمار بن أبي عمار ~~عن ابن عباس وأبو حازم وعباس بن سهل عن سهل بن سعد وكثير بن زيد عن المطلب ~~وعبد الله بن بريدة عن أبيه والطفيل بن أبي عن أبيه قال القاضي أبو الفضل ~~وفقه الله فهذا PageV01P305 # حديث كما تراه خرجه أهل الصحة من ذكرنا وغيرهم من التابعين ضعفهم إلى من ~~لم نذكره وبدون هذا العدد يقع العلم لمن اعتنى بهذا الباب والله المثبت على ~~الصواب. ### | فصل ومثل هذا في سائر الجمادات # حدثنا القاضي أبو عبد الله محمد بن عيسى التيمي حدثنا القاضي أبو عبد ~~الله محمد بن المرابط حدثنا المهلب حدثنا أبو القاسم حدثنا أبو الحسن ~~القابسي حدثنا المروزي حدثنا الفربري حدثنا البخاري حدثنا محمد # بن المثنى حدثنا أبو أحمد الزبيري قال حدثنا إسرائيل عن منصور عن إبراهيم ~~عن علقمة عن ابن مسعود قال لقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل، وفي غير ~~هذه الرواية عن ابن مسعود كنا نأكل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الطعام ~~ونحن نسمع تسبيحه، وقال أنس أخذ ms167 النبي صلى الله عليه وسلم كفا من حصى فسبحن ~~في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعت التسبيح ثم صبهن في يد أبي ~~بكر رضي الله عنه فسبحن ثم في أيدينا فما سبحن * وروى مثله أبو ذر وذكر ~~أنهن سبحن في كف عمر وعثمان رضي الله عنهما وقال علي كنا بمكة مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فخرج إلى بعض نواحيها فما استقبله PageV01P306 # شجرة ولا جبل إلا قال له السلام عليك يا رسول الله * وعن جابر بن سمرة ~~عنه صلى الله عليه وسلم إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي، قيل إنه الحجر ~~الأسود * وعن عائشة رضي الله عنها لما استقبلني جبريل عليه السلام بالرسالة ~~جعلت لا أمر بحجر ولا شجر إلا قال السلام عليك يا رسول الله. # وعن جابر بن عبد الله لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يمر بحجر ولا شجر ~~إلا سجد له. # وفي حديث العباس إذا اشتمل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعلى بنيه ~~بملاءة ودعا لهم بالستر من النار كستره إياهم بملاءته فأمنت أسكفة الباب ~~وحوائط البيت آمين آمين. # وعن جعفر بن محمد عن أبيه مرض النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه جبريل بطبق ~~فيه رمان وعنب فأكل منه النبي صلى الله عليه وسلم # فسبح. # وعن أنس صعد النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان أحدا فرجف ~~بهم فقال اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان ومثله عن أبي هريرة في ~~حراء وزاد معه وعلي وطلحة والزبير وقال فإنما عليك نبي أو صديق أو شهيد ~~والخبر في حراء أيضا عن عثمان قال ومعه عشرة من أصحابه أنا فيهم وزاد عبد ~~الرحمن وسعدا قال ونسيت الاثنين. # وفي حديث سعيد ابن زيد أيضا مثله وذكر عشرة وزاد نفسه PageV01P307 # وقد روي أنه حين طلبته قريش قال له ثير اهبط يا رسول الله فإني أخاف أن ~~يقتلوك على ظهري فيعذبين الله فمال حراء إلي يا رسول الله. # وروى ابن عمر رضي الله ms168 عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ على المنبر ~~(وما قدروا الله حق قدره) ثم قال يمجد الجبار نفسه يقول أنا الجبار أنا ~~الجبار أنا الكبير المتعال فرجف المنبر حتى قلنا ليخرن عنه وعن ابن عباس ~~كان حول البيت ستون وثلثمائة ضم مثبتة الأرجل بالرصاص في الحجارة فأما دخل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد عام الفتح جعل يشير بقضيب في يده ~~إليها ولا يمسها ويقول (جاء الحق وزهق الباطل) الآية فما أشار إلى وجه صنم ~~إلا وقع لقفاه ولا لقفاه إلى وقع لوجهه حتى ما بقي منها صنم، ومثله في حديث ~~ابن مسعود وقال فجعل يطعنها ويقول جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد، ومن ~~ذلك حديثه مع الراهب في ابتداء أمره إذ خرج تاجرا مع عمه وكان الراهب لا ~~يخرج إلى أحد فخرج وجعل PageV01P308 # بتخللهم حتى أخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هذا سيد العالمين ~~يبعثه الله رحمة للعالمين فقال له أشياخ من قريش ما علمك فقال إنه لم يبق ~~شجر ولا حجر إلا خر ساجدا له ولا يسجد إلا لنبي وذكر القصة ثم قال وأقبل ~~صلى اقله عليه وسلم وعليه غمامة تظله فلما دنا من القوم وجدهم سبقوه إلى فئ ~~الشجرة فلما جلس مال الفئ إليه ### | فصل في الآيات في ضروب الحيوانات # حدثنا سراج بن عبد الملك أبو الحسين الحافظ حدثنا أبي حدثنا القاضى أبو ~~يونس حدثنا أبو الفضل الصقلي حدثنا ثابت بن قاسم بن ثابت عن أبيه وجده قالا ~~حدثنا أبو العلاء أحمد بن عمران حدثنا محمد ابن فضيل حدثنا يونس بن عمرو ~~حدثنا مجاهد عن عائشة رضي الله عنها قالت كان عندنا داجن فإذا كان عندنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قر وثبت مكانه فلم يحئ ولم يذهب وإذا خرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء وذهب، وروي عن عمر أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كان في محفل من أصحابه إذ جاء أعرابي قد صاد ضبا ms169 فقال من هذا ~~قالوا # نبي الله فقال واللات والعزى لا آمنت بك أو يؤمن بك هذا الضب وطرحه بين ~~يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم PageV01P309 # له ياضب، فأجابه بلسان مبين يسمعه القوم جميعا لبيك وسعديك يا زين من ~~وافى القيامة، قال من تعبد؟ قال الذي في السماء عرشه وفي الأرض سلطانه وفي ~~البحر سبيله وفي الجنة رحمته وفي النار عقابه: قال فمن أنا؟ قال رسول رب ~~العالمين وخاتم النبيين وقد أفلح من صدقك وخاب من كذبك. # فأسلم الأعرابي * ومن ذلك قصة كلام الذئب المشهورة عن أبي سعيد الخدري: ~~بينا راع يرعى غنما له عرض الذئب لشاة منها فأخذها منه فأقعى الذئب وقال ~~للراعي ألا تتقي الله حلت بيني وبين رزقي قال الراعي العجب من ذئب يتكلم ~~بكلام الإنس، فقال الذئب ألا أخبرك بأعجب من ذلك؟ رسول الله بين الحرتين ~~يحدث الناس بأنباء ما قد سبق، فأتى الراعي النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم له قم فحدثهم، ثم قال صدق، والحديث فيه قصة ~~وفي بعضه طول وروي حديث الذئب عن أبي هريرة وفي بعض الطرق عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه فقال الذئب أنت أعجب واقفا على غنمك وتركت نبيا لم يبعث الله نبيا ~~قط أعظم منه عنده قدرا قد فتحت له أبواب الجنة وأشرف أهلها على أصحابه ~~ينظرون قتالهم وما بينك وبينه إلا هذا الشعب فتصير في جنود الله، قال ~~الراعى من لى بغنمي؟ قال الذئب أنا أرعاها حتى ترجع فأسلم الرجل إليه غنمه ~~ومضى وذكر PageV01P310 # قصته وإسلامه ووجوده النبي صلى الله عليه وسلم يقاتل فقال له النبي صلى ~~الله عليه وسلم عد إلى غنمك تجدها بوفرها فوجدها كذلك وذبح لذئب شاة منها، ~~وعن أهبان بن أوس وأنه كان صاحب القصة والمحدث بها ومكلم الذئب وعن سلمة بن ~~عمرو بن الأكوع وأنه كان صاحب هذه القصة أيضا وسبب إسلامه بمثل حديث أبي ~~سعيد وقد روى ابن وهب مثل ms170 هذا أنه جرى لأبي سفيان بن حرب وصفوان بن أمية مع ~~ذئب وجداه أخذ ظبيا فدخل الظبي الحرم فانصرف الذئب فعجبا من ذلك فقال الذئب ~~أعجب من ذلك محمد بن عبد الله بالمدينة يدعوكم إلى الجنة وتدعونه إلى النار ~~فقال أبو سفيان واللات والعزى لئن ذكرت هذا بمكة لتتركنها خلوفا، وقد روي ~~مثل هذا الخبر وأنه جرى لأبي جهل وأصحابه وعن عباس بن مرداس لما تعجب من ~~كلام ضمار صنمه وإنشاده الشعر الذي ذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم فإذا ~~طائر سقط فقال يا عباس أتعجب من كلام ضمار ولا تعجب من نفسك إن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الإسلام وأنت جالس فكان سبب إسلامه، وعن جابر ~~بن عبد الله رضي الله عنهما عن رجل أتى النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به ~~وهو على بعض حصون خيبر وكان في غنم PageV01P311 # يرعاها لهم فقال يا رسول الله كيف بالغنم قال أحصب وجوهها فإن الله سيؤدي ~~عنك أمانتك ويردها إلى أهلها ففعل فسارت كل شاة حتى دخلت إلى أهلها، وعن ~~أنس رضي الله عنه دخل النبي صلى الله عليه وسلم حائط أنصاري وأبو بكر وعمر ~~ورجل من الأنصار رضي الله عنهم وفي الحائط غنم فسجدت له فقال أبو بكر نحن ~~أحق بالسجود لك منها - الحديث - وعن أبي هريرة رضي الله عنه دخل النبي صلى ~~الله عليه وسلم حائطا فجاء بعير فسجد له وذكر مثله، ومثله في الجمل عن ~~ثعلبة ابن مالك وجابر بن عبد الله ويعلى بن مرة وعبد الله بن جعفر قال وكان ~~لا يدخل أحد الحائط إلا شد عليه الجمل فلما دخل عليه النبي صلى الله عليه ~~وسلم دعاه فوضع مشفره على الأرض وترك بين يديه فخطمه وقال ما بين السماء ~~والأرض شئ إلا يعلم أني رسول الله إلا عاصي الجن والإنس ومثله عن عبد الله ~~بن أبي أوفى وفي خبر آخر في حديث الجمل أن النبي صلى الله عليه وسلم سألهم ~~عن شأنه فأخبروه ms171 أنهم أرادوا ذبحه وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال لهم إنه شكى كثرة العمل وقلة العلف، وفي رواية إنه شكى إلى أنكم ~~PageV01P312 # أردتم ذبحه بعد أن استعملتموه في شاق العمل من صغره فقالوا # نعم وقد روي في قصة العضباء وكلامها للنبي صلى الله عليه وسلم وتعريفها ~~له بنفسها ومبادرة العشب إليها في الرعي وتجنب الوحوش عنها وندائهم لها إنك ~~لمحمد وأنها لم تأكل ولم تشرب بعد موته حتى ماتت، ذكره الإسفرائني، وروى ~~ابن وهب أن حمام مكة أظلت النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتحها فدعا لها ~~بالبركة وروي عن أنس وزيد بن أرقم والمغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال أمر الله ليلة الغار شجرة فنبتت تجاه النبي صلى الله عليه وسلم ~~فسترته وأمر حمامتين فوقفتا بفم الغار، وفي حديث آخر وأن العنكبوت نسجت على ~~بابه فلما أتى الطالبون له ورأوا ذلك قالوا لو كان فيه أحد لم تكن ~~الحمامتان ببابه والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع كلامهم فانصرفوا، وعن عبد ~~الله بن قرط قرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بدنات خمس أو ست أو سبع ~~لينحرها يوم PageV01P313 # عيد فاردلفن إليه بأيهن يبدأ وعن أم سلمة كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~في صحراء فنادته ظبية يا رسول الله قال ما حاجتك قالت صادني هذا الأعرابي ~~ولي خشفان في ذلك الجبل فأطلقني حتى أذهب فأرضعهما وأرجع # قال: أو تفعلين؟ قالت: نعم فأطلقها فذهبت ورجعت فأوثقها فانتبه الأعرابي ~~وقال يا رسول الله ألك حاجة؟ قال تطلق هذه الظبية، فأطلقها فخرجت تعدو في ~~الصحراء وتقول أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، ومن هذا الباب ما ~~روي من تسخير الأسد لسفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ وجهه إلى ~~معاذ باليمن فلقي الأسد فعرفه أنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ~~كتابه فهمهم وتنحى عن الطريق وذكر في منصرفه مثل ذلك وفي رواية أخرى عنه أن ~~سفينة تكسرت ms172 به فخرج إلى جزيرة فإذا الأسد فقلت أنا مولى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فجعل يغمزني بمنكبه حتى أقامني على الطريق وأخذ عليه السلام ~~بأذن شاة لقوم من عبد القيس بين إصبعيه ثم خلاها فصار لها ميسما وبقي ذلك ~~الأثر فيها وفي نسلها بعد وما روي عن إبراهيم بن حماد بسنده من كلام الحمار ~~الذي أصابه بخيبر وقال له اسمي يزيد بن شهاب فسماه النبي صلى الله عليه ~~وسلم يعفورا وأنه كان يوجهه إلى دور اصحابه فيضرب PageV01P314 # عليهم الباب برأسه ويستدعيهم وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما مات تردى ~~في بئر جزعا وحزنا فمات، وحديث الناقة التي شهدت عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم لصاحبها أنه ما سرقها وأنها ملكه، وفي حديث العنز التي أتت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في عسكره وقد أصابهم عطش ونزلوا على غير ماء وهم زهاء ~~ثلثمائة فحلبها رسول الله صلى الله عليه وسلم # فأروى الجند ثم قال لرافع أملكها وما أراك فربطها فوجدها قد انطلقت، رواه ~~ابن قانع وغيره، وفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الذي جاء بها ~~هو الذي ذهب بها وقال لفرسه عليه السلام وقد قام إلى الصلاة في بعض أسفاره ~~لا تبرح بارك الله فيك حتى نفرغ من صلاتنا وجعله قبلته فما حرك عضوا حتى ~~صلى صلى الله عليه وسلم، ويلتحق بهذا ما رواه الواقدي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما وجه رسله إلى الملوك فخرج ستة نفر منهم في يوم واحد فأصبح كل ~~رجل منهم يتكلم بلسان القوم الذين بعثه إليهم، والحديث في هذا الباب كثير ~~وقد جئنا منه بالمشهور وما وقع في كتب الأئمة. PageV01P315 ### | فصل في إحياء الموتى وكلامهم (وكلام الصبيان والمراضع وشهادتهم له بالنبوة صلى الله عليه وسلم) # حدثنا أبو الوليد هشام بن أحمد الفقيه بقراءتي عليه والقاضي أبو الوليد ~~محمد بن رشد والقاضي أبو عبد الله محمد بن عيسى التميمي وغير واحد سماعا ~~وإذنا قالوا حدثنا أبو علي الحافظ حدثنا ms173 أبو عمر الحافظ حدثنا أبو زيد عبد ~~الرحمن بن يحيى حدثنا أحمد بن سعيد حدثنا ابن الأعرابي حدثنا أبو داود ~~حدثنا وهب بن بقية عن خالد هو الطحان عن محمد بن عمر وعن أبي سلمة عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه أن يهودية أهدت للنبي صلى الله عليه وسلم بخيبر شاة ~~مصلية سمتها فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها وأكل القوم فقال ~~ارفعوا أيديكم فإنها أخبرتني أنها مسمومة فمات بشر بن البراء وقال للهيودية ~~ما حملك على ما صنعت؟ قالت: إن كنت نبيا لم بضرك الذي صنعت وإن كنت ملكا ~~أرحت الناس منك قال فأمر بها فقتلت. # وقد روى هذا الحديث أنس وفيه قالت أردت قتلك فقال (ما كان الله ليسلطك ~~على ذلك) فقالوا: تقتلها قال (لا) وكذلك PageV01P316 # روي عن أبي هريرة من رواية غير وهب قال فما عرض لها، ورواه أيضا جابر بن ~~عبد الله وفيه أخبرتني به هذه الذراع قال ولم يعاقبها وفي رواية الحسن أن ~~فخذها تكلمني أنها مسمومة، وفي رواية أبى سلمة ابن عبد الرحمن قالت إني ~~مسمومة، وكذلك ذكر الخبر ابن إسحاق وقال فيه فتجاوز عنها، وفي الحديث الآخر ~~عن أنس أنه قال فما زلت أعرفها في لهوات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي ~~حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في وجعه الذي مات فيه ~~(ما زالت أكلة خيبر تعادني فالآن أوان قطعت أبهري) وحكى ابن إسحاق إن كان ~~المسلمون ليرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات شهيدا مع ما أكرمه ~~الله به من النبوة، وقال ابن سحنون أجمع أهل الحديث أن رسول الله صلى الله # عليه وسلم قتل اليهودية التي سمته، وقد ذكرنا اختلاف الروايات في ذلك عن ~~أبي هريرة وأنس وجابر وفي رواية ابن عباس رضي الله عنهما PageV01P317 # أنه دفعها لأولياء بشر بن البراء فقتلوها، وكذلك قد اختلف في قتله للذي ~~سحره، قال الواقدي وعفوه عنه أثبت عندنا وقد روي عنه أنه قتله ms174 وروى الحديث ~~البزار عن أبي سعيد فذكر مثله إلا أنه قال في آخره فبسط يده وقال كلوا بسم ~~الله فأكلنا وذكر اسم الله فلم تضر منا أحدا قال القاضي أبو الفضل وقد خرج ~~حديث الشاة المسمومة أهل الصحيح وخرجه الأئمة وهو حديث مشهور واختلف أئمة ~~أهل النظر في هذا الباب فمن قائل يقول هو كلام يخلقه الله تعالى في الشاة ~~الميتة أو الحجر أو الشجر وحروف وأصوات يحدثها الله فيها ويسمعها منها دون ~~تغيير أشكالها ونقلها عن هيئتها وهو مذهب الشيخ أبي الحسن والقاضي أبي بكر ~~رحمهما الله وآخرون ذهبوا إلى إيجاد الحياة بها أولا ثم الكلام بعده، وحكي ~~هذا أيضا عن شيخنا أبي الحسن وكل محتمل والله PageV01P318 # أعلم إذ لم يجعل الحياة شرطا لوجود الحروف والأصوات إذ لا يستحيل وجودها ~~مع عدم الحياة بمجردها فأما إذا كانت عبارة عن الكلام النفسي فلا بد من شرط ~~الحياة لها إذ لا يوجد كلام النفس إلا من حي خلافا للجبائي من بين سائر ~~متكلمي الفرق في إحالة وجود الكلام اللفظي والحروف والأصوات إلا من حي مركب ~~على تركيب من يصح منه النطق بالحروف والأصوات والتزم ذلك في الخصا والجذع ~~والذراع وقال إن الله خلق فيها حياة وخرق لها فما ولسانه وآلة أمكنها بها ~~من الكلام وهذا لو كان لكان نقله والتهمم به آكد من التهمم بنقل تسبيحه أو ~~حنينه ولم ينقل أحد من أهل السير والرواية شيئا من ذلك فدل على سقوط دعواه ~~مع أنه لا ضرورة إليه في النظر والموفق الله، # وروى وكيع رفعه عن فهد بن عطية أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بصبي قد ~~شب لم يتكلم قط فقال من أنا فقال رسول الله، وروي عن معرض بن معيقيب رأيت ~~من النبي صلى الله عليه وسلم عجبا جئ بصبي يوم ولد فذكر مثله، وهو حديث ~~مبارك اليمامة ويعرف PageV01P319 # بحديث شاصوته اسم راويه وفيه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (صدقت ~~بارك الله فيك) ثم إن الغلام لم ms175 يتكلم بعدها حتى شب فكان يسمى مبارك ~~اليمامة، وكانت هذه القصة بمكة في حجة الوداع، وعن الحسن أتى رجل النبي صلى ~~الله عليه وسلم فذكر له أنه طرح بنية له في وادي كذا فانطلق معه إلى ~~الوادي. # وناداها باسمها يا فلانة أجيبي بإذن الله فخرجت وهي تقول لبيك وسعديك ~~فقال لها إن أبويك قد أسلما فإن أحببت أن أردك عليهما قالت لا حاجة لي ~~فيهما وجدت الله خيرا لي منهما، وعن أنس أن شابا من الأنصار توفي وله أم ~~عجوز عمياء فسجيناه وعزيناها فقالت مات ابني قلنا نعم قالت اللهم إن كنت ~~تعلم أني هاجرت إليك وإلى رسولك رجاء أن تعينني على كل شدة فلا تحملن علي ~~هذه المصيبة فما برحنا أن كشف الثوب عن وجهه فطعم وطعمنا وروي عن عبد الله ~~بن عبيد الله الأنصاري كنت فيمن دفن ثابت بن قيس بن شماس وكان قتل باليمامة ~~فسمعناه حين # أدخلناه القبر يقول: محمد رسول الله، أبو بكر الصديق، عمر الشهيد، عثمان ~~البر الرحيم فنظرنا فإذا هو ميت، وذكر عن النعمان بن بشير أن زيد بن خارجة ~~خر ميتا في بعض أزقة المدينة فرفع وسجي إذ سمعوه PageV01P320 # بين العشاءين والنساء يصرخن حوله يقول أنصتوا أنصتوا فحسر عن وجهه فقال ~~محمد رسول الله النبي الأمي وخاتم النبيين كان ذلك في الكتاب الأول ثم قال ~~صدق صدق، وذكر أبا بكر وعمر وعثمان ثم قال السلام عليك يا رسول الله ورحمة ~~الله وبركاته ثم عاد ميتا كما كان ### | فصل في إبراء المرضى وذوي العاهات # أخبرنا أبو الحسن علي بن مشرف فيما أجازنيه وقرأته على غيره قال حدثنا ~~أبو إسحاق الحبال حدثنا أبو محمد بن النحاس حدثنا أبو الورد عن البرقي عن ~~ابن هشام عن زياد البكائي عن محمد بن إسحاق حدثنا ابن شهاب وعاصم بن عمر بن ~~قتادة وجماعة ذكرهم بقضية أحد بطولها قال وقالوا قال سعد بن أبي وقاص إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليناولني السهم لا نصل له فيقول ارم ms176 به وقد ~~رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ عن قوسه حتى اندقت وأصيب يومئذ ~~PageV01P321 # عين قتادة يعني ابن النعمان حتى وقعت على وجنته فردها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فكانت أحسن عينيه وروى قصة قتادة عاصم بن عمر بن قتادة ويزيد بن ~~عياض بن عمر بن قتادة ورواها أبو سعيد الخدري عن قتادة وبصق على أثر سهم في ~~وجه أبي قتادة في يوم ذي قرد قال فما ضرب علي ولا قاح، وروى النسائي عن ~~عثمان بن حنيف أن أعمى قال يا رسول الله ادع الله أن يكشف لي عن بصري قال ~~فانطلق فتوضأ ثم صل ركعتين ثم قل اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبى محمد ~~نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك أن يكشف عن بصري اللهم شفعه في ~~قال فرجع وقد كشف الله عن بصره، وروي أن ابن ملاعب الأسنة أصابه استسقاء ~~فبعث إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ بيده حثوة من الأرض فتفل عليها ثم ~~أعطاها رسوله فأخذها متعجبا يرى أن قد هزئ به فأتاه بها وهو على الشفا ~~فشربها فشفاه الله، PageV01P322 # وذكر العقيلي عن حبيب بن فديك ويقال فريك أن أباه ابيضت عيناه فكان لا ~~يبصر بهما شيئا فنفث رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه فأبصر فرأيته ~~يدخل الخيط في الإبرة وهو ابن ثمانين، ورمي كلثوم بن الحصين يوم أحد في ~~نحره فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه فبرأ وتفل على شجة عبد الله بن ~~أنيس فلم تمد، وتفل في عيني علي يوم خيبر وكان رمدا فأصبح بارئا ونفث على ~~ضربة بساق سلمة ابن الأكوع يوم خيبر فبرئت وفي رجل زيد بن معاذ حين أصابها ~~السيف، إلى الكعب حين قتل ابن الأشرف فبرئت وعلى ساق علي بن الحكم يوم ~~الخندق إذ انكسرت فبرئ مكانه وما نزل عن فرسه واشتكى علي بن أبي طالب فجعل ~~يدعو فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم اشفه أو عافه ثم ضربه ms177 برجله فما ~~اشتكى ذلك الوجع بعد PageV01P323 # وقطع أبو جهل يوم بدر يد معوذ بن عفراء فجاء يحمل يده فبصق عليها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وألصقها فلصقت، رواه ابن وهب * ومن روايته أيضا أن ~~خبيب بن يساف أصيب يوم بدر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بضربة على ~~عاتقه حتى مال شقه فرده رسول الله صلى الله عليه وسلم ونفث عليه حتى صح، ~~وأتته امرأة من خثعم معها صبي به بلاء لا يتكلم فأتي بماء فمضمض فاه وغسل ~~يديه ثم أعطاها إياه وأمرها بسقيه ومسه به فبرأ الغلام وعقل عقلا يفضل عقول ~~الناس * وعن ابن عباس جاءت امرأة بابن لها به جنون فمسح صدره فثع ثعة فخرج ~~من جوفه مثل الجرو الأسود فسعى، وانكفأت القدر على ذراع محمد بن حاطب وهو ~~طفل فمسح عليه ودعا له وتفل فيه فبرأ لحينه وكانت في كف شرحبيل الجعفي سلمة ~~تمنعه القبض على السيف وعنان PageV01P324 # الدابة فشكاها للنبي صلى الله عليه وسلم فما زال يطحنها بكفه حتى رفعها ~~ولم يبق لها أثر وسألته جارية طعاما وهو يأكل فناولها من بين يديه وكانت ~~قليلة الحياء فقالت إنما أريد من الذي في فيك فناولها ما في فيه، ولم يكن ~~يسأل شيئا فيمنعه فلما استقر في جوفها ألقي عليها من الحياء ما لم تكن ~~امرأة بالمدينة أشد حياء منها. ### | فصل في إجابة دعائه صلى الله عليه وسلم # (وهذا باب واسع جدا) وإجابة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لجماعة بما ~~دعا لهم وعليهم متواتر على الجملة معلوم ضرورة * وقد جاء في حديث حذيفة: ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعا لرجل أدركت الدعوة ولده وولد ~~ولده * حدثنا أبو محمد العتابي بقراءتي عليه حدثنا أبو القاسم حاتم بن محمد ~~حدثنا أبو الحسن القابسي حدثنا أبو زيد المروزي حدثنا محمد بن يوسف حدثنا ~~محمد بن إسماعيل حدثنا عبد الله بن أبي الأسود حدثنا # حرمي حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس رضي الله عنه قال قالت ms178 أمي يا رسول الله ~~خادمك أنس ادع الله له قال اللهم أكثر ما له وولده وبارك له فيما آتيته، ~~ومن رواية عكرمة قال أنس فو الله إن مالي لكثير وإن ولدى PageV01P325 # وولد ولدي ليعادون اليوم على نحو المائة، وفي رواية فما أعلم أحدا أصاب ~~من رخاء العيش ما أصبت ولقد دفنت بيدي هاتين مائة من ولدي لا أقول سقطا ولا ~~ولد ولد * ومنه دعاؤه لعبد الرحمن بن عوف بالبركة قال عبد الرحمن فلو رفعت ~~حجرا لرجوت أن أصيب تحته ذهبا وفتح الله عليه ومات فحفر الذهب من تركته ~~بالفؤس حتى مجلت فيه الأيدي وأخذت كل زوجة ثمانين ألفا وكن أربعا وقيل مائة ~~ألف وقيل بل صولحت إحداهن لأنه طلقها في مرضه على نيف وثمانين ألفا وأوصى ~~بخمسين ألفا بعد صدقاته الفاشية في حياته وعوارفه العظيمة أعتق يوما ثلاثين ~~عبدا وتصدق مرة بعير فيها سبعمائة بعير وردت عليه تحمل PageV01P326 # من كل شئ فتصدق بها وبما عليها وبأقتابها وأحلاسها ودعا لمعاوية بالتمكين ~~فنال الخلافة، ولسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن يجيب الله دعوته فما دعا ~~على أحد إلا استجيب له، ودعا لعز الإسلام بعمر رضي الله عنه أو بأبي جهل ~~فاستجيب له في عمر، وقال ابن مسعود رضي الله عنه ما زلنا أعتزة منذ أسلم ~~عمر، وأصاب الناس في بعض مغازيه عطش فسأله عمر الدعاء فدعا فجاءت سحابة ~~فسقتهم حاجتهم ثم أقلعت ودعا في الاستسقاء فسقوا ثم شكوا إليه المطر فدعا ~~فصحوا وقال لأبي قتادة أفلح وجهك اللهم بارك له في شعره وبشره فمات وهو ابن ~~سبعين سنة وكأنه ابن خمس عشرة سنة، وقال للنابغة لا يفضض الله فاك فما سقطت ~~له سن وفي رواية فكان أحسن الناس ثغرا إذا سقطت له سن نبتت له أخرى وعاش ~~عشرين ومائة وقيل أكثر من هذا، ودعا لابن عباس اللهم فقهه في الدين وعلمه ~~التأويل فسمي بعد الحبر. # وترجمان القرآن، ودعا لعبد الله بن جعفر بالبركة في صفقة يمينه فما اشترى ~~شيئا إلا ms179 ربح فيه، ودعا للمقداد بالبركة فكانت عنده غرائر من # المال ودعا بمثله لعروة بن أبي الجعد فقال فلقد كنت أقوم بالكناسة ~~PageV01P327 # فما أرجع حتى أربح أربعين ألفا، وقال البخاري في حديثه فكان لو اشترى ~~التراب ربح فيه، وروي مثل هذا لغرقدة أيضا وندت له ناقة فدعا فجاءه بها ~~إعصار ريح حتى ردها عليه، ودعا لأم أبي هريرة فأسلمت، ودعا لعلي أن يكفى ~~الحر والقر فكان يلبس في الشتاء ثياب الصيف وفي الصيف ثياب الشتاء ولا ~~يصيبه حر ولا برد، ودعا الله لفاطمة ابنته أن لا يجيعها قالت فما جعت بعد ~~وسأله الطفيل بن عمرو آية لقومه فقال اللهم نور له فسطع له نور بين عينيه ~~فقال يا رب أخاف أن يقولوا مثلة فتحول إلى طرف سوطه فكان يضئ في الليلة ~~المظلمة فسمي ذا النور، ودعا على مضر فأقحطوا حتى استعطفته قريش فدعا لهم ~~فسقوا، ودعا على كسرى حين مزق كتابه أن يمزق الله ملكه فلم تبق له باقية ~~ولا بقيت لفارس رياسة في أقطار الدنيا ودعا على صبي قطع عليه الصلاة أن ~~يقطع الله أثره فأقعد، وقال لرجل رآه يأكل بشماله كل بيمينك PageV01P328 # فقال: لا أستطيع فقال: لا استطعت فلم يرفعها إلى فيه، وقال لعتبة ابن أبي ~~لهب اللهم سلط عليه كلبا من كلابك فأكله الأسد، وقال لامرأة أكلك الأسد ~~فأكلها، وحديثه المشهور من رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في دعائه ~~على قريش حين وضعوا السلا على رقبته وهو ساجد مع الفرث والدم وسماهم وقال ~~فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر، ودعا على الحكم بن أبي العاص وكان يختلج بوجهه ~~ويغمز عند النبي صلى الله عليه وسلم أي لا. # فرآه فقال كذلك كن فلم يزل يختلج إلى أن مات، ودعا على محلم بن جثامة ~~فمات لسبع فلفظته الأرض ثم ووري فلفظته مرات فألقوه بين صدين ورضموا عليه ~~بالحجارة - الصد جانب الوادي PageV01P329 # وجحده رجل بيع فرس وهي التي شهد فيها خزيمة للنبي صلى الله عليه وسلم فرد ~~الفرس بعد ms180 النبي صلى الله عليه وسلم على الرجل وقال اللهم إن كان كاذبا فلا ~~تبارك له فيها فأصبحت شاصية برجلها - أي رافعة - وهذا الباب أكثر من أن ~~يحاط به. ### | فصل في كرامته وبركاته وانقلاب الأعيان له فيما لمسه أو باشره صلى الله عليه وسلم # أخبرنا أحمد بن محمد حدثنا أبو ذر الهروي إجازة وحدثنا القاضي أبو علي ~~سماعا والقاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن وغيرهما قالوا حدثنا أبو ~~الوليد القاضي حدثنا أبو ذر الهروي حدثنا أبو محمد وأبو إسحاق وأبو الهيثم ~~قالوا حدثنا الفربري حدثنا البخاري حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد عن قتادة ~~عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن أهل المدينة فزعوا مرة فركب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فرسا لأبي طلحة كان يقطف أو به قطاف وقال غيره يبطأ فلما ~~رجع قال وجدنا فرسك بحرا فكان بعدلا يجارى PageV01P330 # ونخس جمل جابر وكان قد أعيا فنشط حتى كان ما يملك زمامه وصنع مثل ذلك ~~بفرس لجعيل الأشجعي خفقها بمخفقة معه وبرك عليها فلم يملك رأسها نشاطا وباع ~~من بطنها باثني عشر ألفا وركب حمارا قطوفا لسعد بن عبادة فرده هملاجا لا ~~يساير وكانت شعرات من شعره في قلنسوة خالد بن الوليد فلم يشهد بها قتالا ~~إلا رزق النصر وفي الصحيح عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أنها أخرجت ~~جبة طيالسة وقالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها فنحن نغسلها ~~للمرضى يستشفى بها وحدثنا القاضي أبو علي عن شيخه أبي القاسم بن المأمون ~~قال كانت عندنا قصة من قصاع النبي صلى الله عليه وسلم فكنا نجعل فيها الماء ~~للمرضى فيستشفون بها وأخذ جهجاه الغفاري القضيب من يد عثمان رضي الله عنه ~~ليكسره على ركبتيه فصاح الناس به فأخذته فيها الآكلة فقطعها ومات قبل الحول ~~وسكب من فضل وضوئه في بئر قباء فما نزفت بعد وبزق في بئر كانت في دار أنس ~~فلم يكن بالمدينة أعذب PageV01P331 # منها ومر ماء فسأل عنه فقيل له ms181 اسمه بيسان وماءه ملح فقال بل هو نعمان ~~وماءه طيب فطاب وأتي بدلو من ماء زمزم فمج فيه فصار أطيب من المسك وأعطى ~~الحسن والحسين لسانه فمصاه وكانا يبكيان عطشا فسكتا وكان لأم مالك عكة تهدي ~~فيها للنبي صلى الله عليه وسلم سمنا فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن لا ~~نعصرها ثم دفعها إليها فإذا هي مملوءة سمنا فيأتيها بنوها يسألونها الأدم ~~وليس عندهم شئ فتعمد إليها فتجد فيها سمنا فكانت تقسيم أدمها حتى عصرتها ~~وكان يتفل في أفواه الصبيان المراضع فيجزههم ريقه إلى الليل ومن ذلك بركة ~~يده فيما لمسه وغرسه لسلمان رضي الله عنه حين كاتبه مواليه على ثلثمائة ~~ودية يغرسها لهم كلها تعلق وتطعم وعلى أربعين أو قية من ذهب فقام صلى الله ~~عليه وسلم وغرسها له بيده إلا واحدة غرسها غيره فأخذت كلها إلا تلك الواحدة ~~فقلعها النبي صلى الله عليه وسلم وردها فأخذت وفي كتاب البزار فأطعم النخل ~~من عامه إلا الواحدة فقلعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وغرسها فاطمعت من ~~عامها وأعطاه مثل بيضة الدجاجة PageV01P332 # من ذهب بعد أن أدراها على لسانه فوزن منها لمواليه أربعين أوقية وبقي ~~عنده مثل ما أعطاهم وفي حديث حنش بن عقيل سقاني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم شربة من سويق شرب أولها وشربت آخرها فما برحت أجد شبعها إذا جعت وريها ~~إذا عطشت وبردها إذا ظمئت وأعطى قتادة بن النعمان وصلى معه العشاء في ليلة ~~مظلمة مطيرة عرجونا وقال انطلق به فإنه سيضئ لك من بين يديك عشرا ومن خلفك ~~عشرا فإذا دخلت بيتك فسترى سوادا فاضربه حتى يخرج فإنه الشيطان فانطلق ~~فأضاء له العرجون حتى دخل بيته ووجد السواد فضربه حتى خرج ومنها دفعه ~~لعكاشة جذل حطب وقال اضرب به حين انكسر سيفه يوم بدر فعاد في يده سيفا صار ~~ما طويل القامة أبيض شديد المتن فقاتل به ثم لم يزل عنده يشهد به المواقف ~~إلى أن استشهد في قتال أهل الردة وكان هذا ms182 السيف يسمى العون ودفعه لعبد ~~الله بن جحش يوم أحد وقد ذهب سيفه عسيب نخل فرجع في يده سيفا ومنه بركته في ~~دور الشياه الحوائل باللبن الكثير كقصة شاة أم معبد وأعنز معاوية ابن ثور ~~وشاة أنس وغنم حليمة مرضعته وشارفها وشاة عبد الله بن مسعود PageV01P333 # وكانت لم ينز عليها فحل وشاة المقداد ومن ذلك تزيده أصحابه سقاء ماء بعد ~~أن أوكاه ودعا فيه فلما حضرتهم الصلاة نزلوا فحلوه فإذا به # لبن طيب وزبدة في فمه من رواية حماد بن سلمة ومسح على رأس عمير بن سعد ~~وبرك فمات وهو ابن ثمانين فما شاب وروي مثل هذه القصص. # عن غير واحد منهم السائب بن يزيد ومدلوك وكان يوجد لعتبة بن فرقد طيب ~~يغلب طيب نسائه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح بديه على بطنه وظهره ~~وسلت الدم عن وجه عائذ بن عمرو وكان جرح يوم حنين ودعا له فكانت له غرة ~~كغرة الفرس ومسح على رأس قيس بن زيد الجذامي ودعا له فهلك وهو ابن مائة سنة ~~ورأسه أبيض وموضع كف النبي صلى الله عليه وسلم وما مرت يده عليه من شعره ~~أسود فكان يدعى الأغر وروي مثل هذه الحكاية لعمرو بن ثعلبة الجهى ومسح وجه ~~آخر فما زال على وجهه نور ومسح وجه قتادة بن ملحان فكان لوجهه بريق حتى كان ~~ينظر في وجهه كما ينظر في المرآة ووضع يده على رأس حنظلة بن حذيم وبرك عليه ~~فكان حنظلة يؤتى بالرجل قد ورم وجهه والشاة قد ورم ضرعها فيوضع على موضع كف ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيذهب الورم ونضح في وجه زينب بنت أم سلمة نضحة ~~من ماء فما يعرف كان في وجه امرأة من الجمال ما بها ومسح على رأس ~~PageV01P334 # صبي به عاهة فبرأ واستوى شعره ومثله روي في خبر المهلب بن قبالة وعلى غير ~~واحد من الصبيان والمرضى والمجانين فبرؤا، وأتاه رجل به أدرة فأمره أن ~~ينضحها بماء من عين مج فيه ففعل فبرأ ms183 * وعن طاوس لم يؤت النبي صلى الله ~~عليه وسلم بأحد به مس فصك في صدره إلا ذهب المس # الجنون، ومج في دلو من بئر ثم صب فيها ففاح منها ريح المسك، وأخذا قبضة ~~من تراب يوم حنين ورمى بها في وجوه الكفار وقال شاهت الوجوه فانصرفوا ~~يمسحون القذى عن أعينهم، وشكا إليه أبو هريرة رضي الله عنه النسيان فأمره ~~ببسط ثوبه وغرف بيده فيه ثم أمره بضمه ففعل فما نسي شيئا بعد، وما يروى في ~~هذا كثير وضرب صدر جرير بن عبد الله ودعا له وكان ذكر له أنه لا يثبت على ~~الخيل فصار من أفرس العرب وأثبتهم، ومسح رأس عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ~~وهو صغير وكان دميما ودعا له بالبركة ففرع الرجال طولا وتماما ### | فصل (ومن ذلك ما اطلع عليه من الغيوب وما يكون) # والأحاديث في هذا الباب بحر لا يدرك قعره ولا ينزف غمره وهذه PageV01P335 # المعجزة من جملة معجزاته المعلومة على القطع الواصل إلينا خبرها على ~~التواتر لكثرة رواتها واتفاق معانيها على الاطلاع على الغيب * حدثنا الإمام ~~أبو بكر محمد بن الوليد الفهري إجازة وقرأته على غيره قال أبو بكر حدثنا ~~أبو علي التستري حدثنا أبو عمر الهاشمي حدثنا اللؤلؤي حدثنا أبو داود حدثنا ~~عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن # أبي وائل عن حذيفة قال قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما فما ~~ترك شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدثه حفظه من حفظه ونسيه ~~من نسيه قد علمه أصحابي هؤلاء وإنه ليكون منه الشئ فأعرفه فأذكره كما يذكر ~~الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ثم إذا رآه عرفه ثم قال حذيفة ما أدري أنسي ~~أصحابي أم تناسوه والله ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم من قائد فتنة ~~إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدا إلا قد سماه لنا باسمه ~~واسم أبيه وقبيلته وقال أبو ذر لقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ms184 وما ~~يحرك طائر جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علما وقد خرج أهل الصحيح والأئمة ~~ما أعلم به أصحابه صلى الله عليه وسلم عليه مما وعدهم به من الظهور على ~~أعدائه وفتح مكة وبيت المقدس واليمن والشام والعراق وظهور الأمن حتى تظعن ~~المرأة من الحيرة إلى مكة لا تخاف إلا الله PageV01P336 # وأن المدينة ستغزى وتفتح خيبر على يدي علي في غد يومه وما يفتح الله على ~~أمته من الدنيا ومؤمنون من زهرتها وقسمتهم كنوز كسرى وقيصر وما يحدث بينهم ~~من الفتون والاختلاف والأهواء وسلوك سبيل من قبلهم افتراقهم على ثلاث ~~وسبعين فرقة الناجية منها فرقة واحدة وأنها ستكون لهم أنماط ويغدو أحدهم في ~~حلة ويروح في أخرى وتوضع بين يديه صحفة وترفع أخرى ويسترون بيوتهم كما تستر ~~الكعبة ثم قال آخر الحديث وأنتم اليوم خير منكم يومئذ وأنهم إذا مشوا # المطيطاء وخدمتهم بنات فارس والروم رد الله بأسهم بينهم وسلط شرارهم على ~~خيارهم وقتالهم الترك والخزر والروم وذهاب كسرى وفارس حتى لا كسرى ولا فارس ~~بعده وذهاب قيصر حتى لا قيصر بعده وذكر أن الروم ذات القرون إلى آخر الدهر ~~وبذهاب الأمثل فالأمثل من الناس وتقارب الزمان وقبض العلم وظهور الفتن ~~والهرج، وقال (ويل للعرب من شر قد اقترب) وأنه زويت له الأرض فأري مشارفها ~~ومغاربها وسيبلغ * PageV01P337 # ملك أمته ما زوي له منها ولذلك كان امتدت في المشارق والمغارب ما بين أرض ~~الهند أقصى المشرق إلى نحر طنجة حيث لا عمارة وراءه وذلك ما لم تملكه أمة ~~من الأمم ولم تمتد في الجنوب ولا في الشمال مثل ذلك (وقوله) لا يزال أهل ~~الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة ذهب ابن المديني إلى أنهم العرب ~~لأنهم المختصون بالسقي بالغرب وهي الدلو وغيره يذهب إلى أنهم أهل المغرب ~~وقد ورد المغرب كذا في الحديث بمعناه * وفي حديث آخر من رواية أبي أمامة ~~(لا تزال طائفة من أمتى ظاهر بن على الحق قاهرين لعدوهم حتى يأتيهم أمر ~~الله وهم # كذلك، قيل يا ms185 رسول الله وأين هم؟ قال ببيت المقدس) وأخبر بملك بني أمية ~~وولاية معاوية ووصاه، واتخاذ بني أمية مال الله دولا، وخروج ولد العباس ~~بالرايات السود وملكهم أضعاف ما ملكوا وخروج المهدي وما ينال أهل بيته ~~وتقتيلهم وتشريدهم وقتل علي وأن أشقاها الذي يخضب هذه من هذه أي لحيته من ~~رأسه وأنه قسيم النار يدخل أو لياؤه * PageV01P338 # الجنة وأعداؤه النار فكان فيمن عاداه الخوارج والناصبة وطائفة ممن ينسب ~~إليه من الروافض كفروه وقال يقتل عثمان وهو يقرأ المصحف وأن الله عسى أن ~~يلبسه قميصا وأنهم يريدون خلعه وأنه سيقطر دمه على قوله تعالى (فسيكفيكهم ~~الله) وأن الفتن لا تظهر مادام عمر حيا وبمحاربة الزبير لعلي وبنباح كلاب ~~الحوأب على بعض أزواجه وأنه يقتل حولها قتلى كثيرة وتنجو بعد ما كادت فنبحت ~~على عائشة عند خروجها إلى البصرة وأن عمارا تقتله الفئة الباغية فقتله ~~أصحاب معاوية وقال لعبد الله بن الزبير ويل للناس منك وويل لك من الناس ~~وقال في قزمان وقد أبلى مع المسلمين أنه من أهل النار # فقتل نفسه، وقال في جماعة فيهم أبو هريرة وسمرة بن جندب وحذيفة آخركم ~~موتا في النار فكان بعضهم يسأل عن بعض فكان سمرة آخرهم موتا هرم وخرف ~~فاصطفى بالنار فاحترق فيها، وقال في حنظلة الغسيل (سلوا زوجته عنه فابى ~~رأيت الملائكة تغسله) فسألوها فقالت إنه خرج جنبا وأعجله الحال عن الغسل ~~قال أبو سعيد رضي الله عنه ووجدنا رأسه يقطر ماء، وقال (الخلافة في قريش ~~ولن يزال هذا الأمر PageV01P339 # في قريش ما أفاموا الدين (وقال) يكون في ثقيف كذاب ومبير فرأوهما الحجاج ~~والمختار، وأن مسيلمة يعقره الله، وأن فاطمة أول أهله لحوقا به، وأنذر ~~بالردة وبأن الخلافة بعده ثلاثون سنة ثم تكون ملكا فكانت كذلك بمدة الحسن ~~بن علي (وقال إن هذا لأمر بدأ نبوة ورحمة ثم يكون رحمة وخلافة ثم يكون ملكا ~~عضوضا ثم يكون عتوا وجبروتا وفسادا في الأمة) وأخبر بشأن أويس القرني ~~وبأمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها وسيكون في أمته ms186 ثلاثون كذابا فيهم أربع ~~نسوة، وفي حديث آخر ثلاثون دجالا كذابا أحدهم الدجال الكذاب كلهم يكذب على ~~الله ورسوله، وقال (يوشك PageV01P340 # أن يكثر فيكم العجم يأكلون فيئكم ويضربون رقابكم ولا تقوم الساعة حتى ~~يسوق الناس بعصاه رجل من قحطان (وقال) خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذى ~~يلونهم ثم يأتي بعد ذلك قوم يشهون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون ~~وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن (وقال) لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر ~~منه (وقال) هلاك أمتي على يدي أغيلمة من قريش وقال أبو هريرة راويه لو شئت ~~سميتهم لكم بنو فلان وبنو فلان وأخبر بظهور القدرية والرافصة وسب آخر هذه ~~الأمة أولها وقلة الأنصار حتى يكونوا كالملح في الطعام فلم يزل أمرهم يتبدد ~~حتى لم يبق لهم جماعة، وأنهم سيلقون بعده أثرة، وأخبر بشأن الخوارج وصفتهم ~~والمخدج الذي فيهم وأن سيماهم التحليق وترى PageV01P341 # رعاة الغنم رؤس الناس والعراة الحفاء يتبارون في البنيان وأن تلد الأمة ~~ربتها وأن قريشا والأحزاب لا يغزونه أبدا وأنه هو يغزوهم، وأخبر بالموتان ~~الذي يكون بعد فتح بيت المقدس وما وعد من سكنى البصرة وأنهم يغزون في البحر ~~كالملوك على الأسرة وأن الدين لو كان منوطا بالثريا لنا له رجال من أبناء ~~فارس وهاجت ريح في غزاته فقال هاجت لموت منافق فلما رجعوا إلى المدينة ~~وجدوا ذلك، وقال لقوم من جلسائه ضرس أحدكم في النار أعظم من أحد قال أبو ~~هريرة فذهب القوم يعني ماتوا وبقيت أنا ورجل فقتل مرتدا يوم اليمامة، وأعلم ~~بالذي غل خرزا من خرز يهود فوجدت في رحله وبالذي غل الشملة وحيث هي وناقته ~~حين ضلت وكيف تعلقت بالشجرة بخطامها وبشأن كتاب حاطب إلى أهل # مكة وبقضية عمير مع صفوان حين ساره وشارطه على قتل النبي صلى الله عليه ~~وسلم فلما جاء عمير النبي صلى الله عليه وسلم قاصدا لقتله وأطلعه ~~PageV01P342 # رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأمر والسر أسلم: وأخبر بالمال الذي ~~تركه عمه العباس رضي الله عنه عند ms187 أم الفضل بعد أن كتمه فقال ما علمه غيرى ~~وغيرهما فأسلم، وأعلمه بأنه سيقتل بأبى بن خلف وفي عتبة بن أبي لهب أنه ~~يأكله كلب الله وعن مصارع أهل بدر فكان كما قال، وقال في الحسن (إن ابني ~~هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين) ولسعد لعلك تخلف حتى ينتفع بك أقوام ~~ويستضر بك آخرون) وأخبر بقتل أهل مؤتة يوم قتلوا وبينهم مسيرة شهر أو أزيد ~~وبموت النجاشي يوم مات وهو بأرضه، وأخبر فيروز إذ ورد عليه رسولا من كسرى ~~بموت كسرى ذلك اليوم فلما حقق فيروز القصة أسلم وأخبر أبا ذر رضي الله عنه ~~بتطر يده كما كان ووجده في المسجد نائما فقال له كيف بك إذا أخرجت # منه قال أسكن المسجد الحرام قال فإذا أخرجت منه - الحديث - وبعيشه وحده ~~وموته وحده وأخبر أن أسرع أزواجه به لحوقا أطولهن يدا فكانت زينب لطول يدها ~~بالصدقة وأخبر بقتل الحسين بالطف، وأخرج بيده تربة وقال فيها مضجعه، وقال ~~في زيد بن صوحان يسبقه عضو منه إلى الجنة فقطعت يده في الجهاد، وقال في ~~الذين كانوا معه على حراء: اثبت PageV01P343 # فإنما عليك نبي وصديق وشهيد) فقتل علي وعمر وعثمان وطلحة والزبير وطعن ~~سعد رضي الله عنهم، وقال للسراقة كيف بك إذا لبست سواري كسرى فلما أتي بهما ~~عمر ألبسهما إياه وقال الحمد لله الذي سلبهما كسرى وألبسهما سراقة وقال ~~تبنى مدينة بين دجلة ودجيل وقطربل والصراة تجبى إليها خزائن الأرض يخسف بها ~~يعني بغداد، وقال سيكون في هذه الأمة رجل يقال له الوليد هو شر لهذه الأمة ~~من فرعون لقومه وقال لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان دعواهما واحدة وقال ~~لعمر في سهيل بن عمرو عسى أن يقوم مقاما يسرك يا عمر) فكان كذلك قام بمكة ~~مقام أبي بكر يوم بلعهم موت النبي صلى الله عليه وسلم وخطب بنحو خطبته ~~وثبتهم وقوى بصائرهم، وقال لخالد حين وجهه لأكيدر (إنك تجده يصيد البقر) ~~فوجدت هذه الأمور كلها في حياته وبعد PageV01P344 # موته كما قال ms188 صلى الله عليه وسلم إلى ما أحبر به جلساءه من أسرارهم ~~وبواطنهم واطلع عليه من أسرار المنافقين وكفرهم وقولهم فيه وفي المؤمنين ~~حتى إن كان بعضهم ليقول لصاحبه اسكت فو الله لو لم يكن عنده من يخبر ~~لأخبرنه حجارة البطحاء، وإعلامه بصفة السحر الذي سحره به لبيد بن الأعصم ~~وكونه في مشط ومشافة في جف طلع نحلة ذكر وأنه ألقي في بئر ذروان فكان كما ~~قال ووجد على تلك الصفة وإعلامه قريشا بأكل الأرضة ما في صحيفتهم التي ~~تظاهروا بها على بني هاشم وقطعوا بها رحمهم وأنها أبقت فيها كل اسم لله ~~فوجدوها كما قال ووصفه لكفار قريش بيت المقدس حين كذبوه في خبر الإسراء ~~ونعته إياه نعت من عرفه وإعلامهم بعيرهم التي مر عليها في طريقه وإنذارهم ~~بوقت وصولها فكان كله كما قال إلى ما أخبر به من الحوادث التي تكون ولم ~~PageV01P345 # تأت بعد منها مظهرت مقدماتها كقوله (عمران بيت المدس خراب يثرب وخراب ~~يثرب خروج الملحمة وخروج الملحمة فتح القسطنطينية) ومن أشراط الساعة وآيات ~~حلولها وذكر النشر والحشر وأخبار الأبرار والفجار والجنة والنار وعرصات ~~القيامة. # وبحسب هذا الفصل أن يكون ديوانا مفردا يشتمل على أجزاء وحده وفيما أشرنا ~~إليه من نكت الأحاديث التي ذكرناها كفاية وأكثرها في الصحيح وعند الأئمة. ### | فصل في عصمة الله تعالى له من الناس وكفايته من آذاه # قال الله تعالى (والله يعصمك من الناس) وقال تعالى (واصبر لحكم ربك فإنك ~~بأعيننا) وقال (أليس الله بكاف عبده) قيل بكاف محمدا صلى الله عليه وسلم ~~أعداءه المشركين وقيل غير هذا وقال (إنا # كفيناك المستهزئين) وقال (وإذ يمكر بك الذين كفروا) الآية * أخبرنا ~~القاضي الشهيد أبو علي الصدفي بقراءتي عليه والفقيه الحافظ أبو بكر محمد بن ~~عبد الله المعافري قالا حدثنا أبو الحسين الصيرفي قال حدثنا أبو يعلى ~~البغدادي حدثنا أبو علي السنجي حدثنا أبو العباس المروزي حدثنا PageV01P346 # أبو عيسى الحافظ حدثنا عبد بن حميد حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا الحارث ~~ابن عبيد عن سعيد الجريري عن ms189 عبد الله بن شقيق عن عائشة رضي الله عنها قالت ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس حتى نزلت هذه الآية (والله يعصمك من ~~الناس) فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة فقال لهم (يا ~~أيها الناس انصرفوا فقد عصمني ربي عز وجل) وروي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا نزل منزلا اختار له أصحابه شجرة يقيل تحتها فأناه أعرابي ~~فاحترط سيفه ثم قال من يمنعك مني؟ فقال: الله عز وجل، فرعدت يد الأعرابي ~~وسقط سيفه وضرب برأسه الشجرة حتى سال دماغه فنزلت الآية، وقد رويت هذه ~~القصة في الصحيح وأن غورث بن الحارث صاحب هذه القصة وإن النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم عفا عنه فرجع إلى قومه وقال جئكم من عند خير الناس وقد حكيت ~~مثل هذه الحكاية أنها جرت له يوم بدر وقد انفرد من أصحابه لقضاء حاجته ~~فتبعه رجل من المنافقين وذكر مثله وقد # روي أنه وقع لها مثلها في غزوة غطفان بذي أمر مع رجل اسمه دعثور ~~PageV01P347 # ابن الحارث وأن الرجل أسلم فلما رجع إلى قومه الذى أغروه وكان سيدهم ~~وأشجعهم قالوا له أين ما كنت تقول وقد أمكنك فقال إني نظرت إلى رجل أبيض ~~طويل دفع في صدري فوقعت لظهري وسقط السيف فعرفت أنه ملك وأسلمت، قيل وفيه ~~نزلت (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا ~~إليكم أيديهم) الآية * وفي رواية الخطابي أن غورث بن الحارث المحاربي أراد ~~أن يفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم فلم يشعر به إلا وهو قائم على رأسه ~~منتضيا سيفه فقال اللهم اكفنيه بما شئت فانكب من وجهه من زلحة زلخها بين ~~كتفيه وندر سيفه من يده (والزلخة) وجع الظهر وقيل في قصته غير هذا، وذكر أن ~~فيه نزلت (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم) الآية ~~وقيل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاف قريشا فلما نزلت هذه الآية ~~استلقى ثم قال ms190 من شاء فليخذلني * وذكر عبد بن حميد قال كانت حمالة الحطب # تضع العضاه وهي جمر على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم فكأنما ~~PageV01P348 # يطؤها كثيبا أهيل، وذكر ابن إسحاق عنها أنها لما بلغها نزول (تبت يدا أبي ~~لهب) وذكرهما بما ذكرها الله مع زوجها من اللم أتت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو جالس في المسجد ومعه أبو بكر وفي يدها فهر من حجارة فلما وقفت ~~عليهما لم تر إلا أبا بكر وأخذ الله تعالى ببصرها عن نبيه صلى الله عليه ~~وسلم فقالت يا أبا بكر أين صاحبك فقد بلغني أنه يهجوني والله لو وجدته ~~لضربت بهذا الفهر فاه، وعن الحكم ابن أبي العاصي قال تواعدنا على النبي صلى ~~الله عليه وسلم حتى إذا رأيناه سمعنا صوتا خلفنا ما ظننا أنه بقي بتهامة ~~أحد فوقعنا مغشيا علينا فما أفقنا حتى قضى صلاته ورجع إلى أهله ثم تواعدنا ~~ليلة أخرى فجئنا حتى إذا رأيناه جاءت الصفا والمروة فحالت بيننا وبينه، وعن ~~عمر رضي الله عنه تواعدت أنا وأبو جهم ابن حذيفة ليلة قتل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فجئنا منزله فسمعنا له فافتتح وقرأ (الحاقة ما الحاقة) إلى ~~(فهل ترى لهم من باقية) فضرب أبو جهم # على عضد عمر وقال انج وفرا هاربين فكانت من مقدمات إسلام عمر رضي الله ~~عنه، ومنه العترة المشهورة والكفاية التامة عند ما أخافته قريش وأجمعت على ~~قتله وبيتوه فخرج عليهم من بيته فقام على رؤسهم وقد ضرب الله تعالى على ~~أبصارهم وذر التراب على رؤسهم وخلص PageV01P349 # منهم وحمايته عن رؤيتهم في الغار بما هيأ الله له من الآيات ومن العنكبوت ~~الذي نسج عليه حتى قال أمية بن خلف حين قالوا ندخل الغار ما أربكم فيه ~~وعليه من نسج العنكبوت ما أرى أنه قبل أن يولد محمد ووقفت حمامتان على فم ~~الغار فقالت قريش لو كان فيه أحد لما كانت هناك الحمام، وقصته مع سراقة بن ~~مالك بن جعشم حين الهجرة وقد جعلت ms191 قريش فيه وفي أبي بكر الجعائل فأنذر به ~~فركب فرسه واتبعه حتى إذا قرب منه دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم فساخت ~~قوائم فرسه فخر عنها واستقسم بالأزلام فخرج له ما يكره ثم ركب ودنا حتى سمع ~~قراءة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبو بكر رضي الله عنه ~~يلتفت وقال للنبي صلى الله عليه وسلم أتينا فقال لا تحزن إن الله معنا ~~فساخت ثانية إلى ركبتها وخر عنها فزجرها فنهضت ولقواءمها مثل الدخان ~~فناداهم بالأمام فكتب له النبي صلى الله عليه وسلم أمانا كتبه ابن فهيرة ~~وقيل أبو بكر وأحبرهم بالأخبار PageV01P350 # وأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يترك أحدا يلحق بهم فانصرف يقول ~~للناس كفيتم ماهها وقيل بل قال لهما أراكما دعوتما علي فادعوا لي فنجا ووقع ~~في نفسه ظهور النبي صلى الله عليه وسلم وفي خبر آخر أن راعيا عرف خبرهما ~~فخرج يشتد يعلم قريشا فلما ورد مكة ضرب على قلبه فما يدري ما يصنع وأنسي ما ~~خرج له حتى رجع إلى موضعه وجاء، فيما ذكر ابن إسحاق وغيره أبو جهل بصخرة ~~وهو ساجد وقريش ينظرون ليطرحها عليه فلزقت بيده ويبسته يداه إلى عنقه وأقبل ~~يرجع القهقرى إلى خلفه ثم سأله أن يدعو له ففعل فانطلقت يداه وكان قد تواعد ~~مع قريش بذلك وحلف لئن رآه ليدمغنه فسألوه عن شأنه فذكر أنه عرض لي دونه ~~فحل ما رأيت مثله قط هم بي أن يأكلني فقال النبي صلى الله عليه وسلم ذاك ~~جبريل لو دنا لأخذه، وذكر السمرقندي أن رجلا من بني المغيرة أتى النبي صلى ~~الله عليه وسلم ليقتله فطمس الله على بصره فلم ير النبي صلى الله عليه وسلم ~~وسمع قوله فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه # وذكر أن في هاتين الفضتين نزلت (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا) الآيتين، ~~ومن ذلك ما ذكره ابن إسحاق في قصته إذ خرج لى بنى قريظة PageV01P351 # في أصحابه فجلس إلى جدار بعض آطامهم فانبعث ms192 عمرو بن جحاش أحدهم ليطرح ~~عليه وحى فقام النبي صلى الله عليه وسلم فانصرف إلى المدينة وأعلمهم بقصتهم ~~وقد قيل إن قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم ~~قوم) في هذه القصة نزلت، وحكى السمرقندي أنه خرج إلى بني النضير يستعين في ~~عقل الكلابيين اللذين قتلهما عمرو بن أمية فقال له حيي بن أخطب اجلس يا أبا ~~القاسم حتى نطعمك ونعطيك ما سألتنا فجلس النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي ~~بكر وعمر رضي الله عنهما وتوامر حيي معهم على قتله فأعلم جبريل عليه السلام ~~النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقام كأنه يريد حاجته حتى دخل المدينة وذكر ~~أهل التفسير معني الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن أبا جهل وعد قريشا ~~لئن رأى محمدا يصلي ليطأن رقبته فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم أعلموه ~~فأقبل فلما قرب منه ولى هاربا ناكصا على عقبيه متقيا بيديه فسئل فقال لما ~~دنوت منه أشرفت على خندق مملوء نارا كدت أهوي فيه وأبصرت هولا عظما وخفق ~~أجنحة قد ملأت الأرض فقال صلى الله عليه وسلم PageV01P352 # تلك الملائكة لو دنا لاختطفته عضوا عضوا ثم أنزل على النبي صلى الله عليه ~~وسلم (كلا إن الإنسان ليطغى) إلى آخر السورة، ويروى أن شيبة بن عثمان ~~الحجبي أدركه يوم حنين وكان حمزة قد قتل أباه وعمه فقال اليوم أدرك ثاري من ~~محمد فلما اختلط الناس أتاه من خلفه ورفع سيفه ليصبه عليه قال فلما دنوت ~~منه ارتفع إلي شواظ من نار أسرع من البرق فوليت هاربا وأحس بي النبي صلى ~~الله عليه وسلم فدعاني فوضع يده على صدري وهو أبغض الخلق إلي فما رفعها إلا ~~وهو أحب الخلق إلي وقال لي ادن فقاتل فتقدمت أمامه أضرب بسيفي وأقيه بنفسي ~~ولو لقيته أبي تلك الساعة لأوقعت به دونه، وعن فضالة بن عمرو قال أردت قتل ~~النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح هو يطوف بالبيت فلما دنوت منه قال: ~~أفضالة؟ ms193 قلت نعم، قال (ما كنت تحدث به نفسك؟) قلت: لا شئ، فضحك واستغفر لي ~~ووضع يده على صدري فسكن قلبي، فو الله ما رفعها حتى ما خلق الله شيئا أحب ~~إلي منه، ومن مشهور ذلك خبر عامر بن الطفيل وأربد بن قيس حين وفدا على ~~النبي صلى الله عليه وسلم وكان عامر قال له أنا أشغل عنك وجه محمد فاضربه ~~أنت فلم يره فعل PageV01P353 # شيئا فلما كله في ذلك قال له والله ما هممت أن أضربه إلا وجدتك بيني ~~وبينه أفأضربك؟ ومن عصمته له تعالى أن كثيرا من اليهود والكهنة أنذروا به ~~وعينوه لقريش وأخبروهم بسوطته بهم وحضوهم على قتله فعصمه الله تعالى حتى ~~بلغ فيه أمره، ومن ذلك نصره بالرعب أمامه مسيرة شهر كما قال صلى الله عليه ~~وسلم ### | فصل ومن معجزاته الباهرة ما جمعه الله له من المعارف والعلوم # وخصه به من الاطلاع على جميع مصالح الدنيا والدين ومعرفته بأمور شرائعه ~~وقوانين دينه وسياسة عباده ومصالح أمته وما كان في الأمم قبله وقصص ~~الأنبياء والرسل والجبابرة والقرون الماضية من لدن آدم إلى زمنه وحفظ ~~شرائعهم وكتبهم ووعي سيرهم وسرد أنبائهم وأيام الله فيهم وصفات أعيانهم ~~واختلاف آرائهم والمعرفة بمددهم وأعمارهم وحكم حكمائهم ومحاجة كل أمة من ~~الكفرة ومعارضة كل فرقة من الكتابيين بما في كتبهم وإعلامهم بأسرار ومخبآت ~~علومها وإخبارهم بما كتموه من ذلك وغيروه إلى الاحتواء على لغات العرب ~~وغريب ألفاظ فرقها والإحاطة بضروب فصاحتها والحقظ لأيامها وأمثالها وحكمها ~~ومعاني أشعارها والتخصيص بجوامع كلمها إلى المعرفة بضرب الأمثال الصحيحة ~~والحكم البينة PageV01P354 # لتقريب التفهيم للغامض والتبيين للمشكل إلى تمهيد قواعد الشرع # الذي لا تناقض فيه ولا تخاذل مع اشتمال شريعته على محاسن الأخلاق محامد ~~الآداب وكل شئ مستحسن مفصل لم ينكر منه ملحد ذو عقل سليم شيئا إلا من جهة ~~الخذلان بل كل جاحد له وكافر من الجاهلية به إذا سمع ما يدعو إلى صوبه ~~واستحسنه دون طلب إقامة برهان عليه ثم ما أحل لهم من الطيبات وحرم ms194 عليهم من ~~الخبائث وصان به أنفسهم وأعراضهم وأموالهم من المعاقبات والحدود عاجلا ~~والتخويف بالنار آجلا مما لا يعلم علمه ولا يقوم به ولا ببعضه إلا من مارس ~~الدرس والعكوف على الكتب ومثافنة بغض هذا إلى الاحتواء على ضروب العلم ~~وفنون المعارف كالطب والعبارة والفرائض والحساب والنسب وغير ذلك من العلوم ~~مما اتخذ أهل هذه المعارف كلامه صلى الله عليه وسلم فيها قدوة وأصولا في ~~علمهم كقوله صلى الله عليه وسلم (الرؤيا لأول عابر وهي على رجل طائر) وقوله ~~(الرؤيا ثلاث رؤيا حق ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه ورؤيا تحزين من الشيطان) ~~وقوله (إذا تقارب الزمان لم تكد رؤيا PageV01P355 # المؤمن تكذب) وقوله (أصل كل داء البردة) وما روي عنه في حديث أبي هريرة ~~رضي الله عنه من قوله (المعدة حوض البدن والعروق إليها # واردة) وإن كان هذا حديثا لا نصحهه لضعفه وكونه موضوعا تكلم عليه ~~الدارقطني، وقوله (خير ما تداويتم به السعوط واللدود والحجامة والمشي وخير ~~الحجامة يوم سبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين وفي العود الهندي سبعة أشفية ~~منها ذات الجنب) وقوله (ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن - إلى قوله - فإن ~~كان لا بد فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس وقوله وقد سئل عن سبإ أرجل ~~هو أم امرأة أم أرض؟ فقال (رجل ولد عشرة نيا من منهم ستة وثشأم أربعة) ~~الحديث بطوله، وكذلك جوابه في نسب قضاعة وغير ذلك مما اضطرت العرب على ~~شغلها بالنسب إلى سؤاله عما اختلفوا فيه من ذلك، وقوله PageV01P356 # (حمير رأس العرب ونابها ومذحج هامتها وغلصمتها والأزد كاهلها وجمجمتها ~~وهمدان غاربها وذروتها) وقوله (إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله ~~السموات والأرض) وقوله (في الحوض زواياه سواء) وقوله في حديث الذكر (وإن ~~الحسنة بعشر أمثالها، فتلك مائة # وخمسون على اللسان وألف وخمسمائة في الميزان وقوله وهو بموضع (نعم موضع ~~الحمام هذا) وقوله (ما بين المشرق والمغرب قبلة) وقوله لعيينة أو الأقرع ~~أنا أفرس بالخيل منك) وقوله لكاتبه (ضع القلم على أذنك فإنه ms195 أذكر للممل) ~~هذا مع أنه صلى الله عليه وسلم لا يكتب ولكنه أوتي علم كل شئ حتى قد وردت ~~آثار بمعرفته حروف الخط وحسن تصويرها كقوله (لا تمدوا باسم الله الرحمن ~~الرحيم) رواه أن شعبان من طريق ابن عباس، وقوله في الحديث الآخر الذي يروى ~~عن معاوية أنه كان يكتب بين يديه صلى الله عليه وسلم فقال له PageV01P357 # (ألق الدواة وحرف القلم وأقم الباء وفرق السين ولا تعور الميم وحسن الله ~~ومد الرحمن وجود الرحيم) وهذا وإن لم تصح الرواية أنه صلى الله عليه وسلم ~~كتب فلا يبعد أن يرزق علم هذا ويمنع الكتابة والقراءة * وأما علمه صلى الله ~~عليه وسلم بلغات العرب وحفظه معاني أشعارها فأمر مشهور قد نبهنا على بعضه ~~أول الكتاب وكذلك حفظه لكثير من لغات الأمم كقوله في الحديث (سنة سنة) وهي ~~حسنة # بالحبشية، وقوله (ويكثر الهرج) وهو القتل بها، وقوله في حديث أبي هريرة ~~(أشكنب درد) أي وجع البطن بالفارسية إلى غير ذلك مما لا يعلم بعض هذا ولا ~~يقوم به ولا ببعضه إلا من مارس الدرس والعكوف على الكتاب ومثافنة أهلها ~~عمره وهو رجل كما قال الله تعالى أمي لم يكتب ولم يقرأ ولا عرف بصحبة من ~~هذه صفته ولا نشأ بين قوم لهم علم ولا قراءة لشئ من هذه الأمور ولا عرف هو ~~قبل بشئ منها قال الله تعالى (وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه ~~بيمينك) PageV01P358 # الآية: إنما كانت غاية معارف العر بالنسب وأخبار أوائلها والشعر والبيان ~~وإنما حصل ذلك لهم بعد التفرق لعلم ذلك والاشتغال بطلبه ومباحثه أهله عنه، ~~وهذا الفن نقطة من بحر علمه صلى الله عليه وسلم ولا سبيل إلى جحد الملحد ~~لشئ مما ذكرناه ولا وجد الكفرة حيلة في دفع ما نصصناه إلا قولهم (أساطير ~~الأولين) (وإنما يعلمه بشر) فرد الله قولهم بقوله (لسان الذي يلحدون إليه ~~أعجمي وهذا لسان عربي مبين) ثم ما قالوه مكابرة العيان فإن الذي نسبوا ~~تعليمه إليه إما سلمان # أو العبد ms196 الرومي وسلمان إما عرفه بعد الهجرة ونزول الكثير من القرآن ~~وظهور ما لا ينعد من الآيات، وأما الرومي فكان أسلم وكان يقرأ على النبي ~~صلى الله عليه وسلم، واختلف في اسمه وقيل بل كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يجلس عنده عند المروة وكلاهما أعجمي اللسان وهم الفصحاء اللد والخطباء ~~اللسن قد عجزوا عن معارضة ما أتى به والإتيان بمثله بل عن فهم وصفه وصورة ~~تأليفه ونظمه فكيف بأعجمي ألكن؟ نعم وقد كان سلمان أو بلعام الرومي أو يعيش ~~أو جبر ويسار على اختلافهم في اسمه بين أظهرهم يكلمونهم مدى أعمارهم فهل ~~حكي عن واحد منهم شئ من مثل ما كان يجئ به محمد صلى الله عليه وسلم؟ وهل ~~عرف PageV01P359 # واحد منهم بمعرفة شئ من ذلك وما منع العدو حينئذ على كثرة عدده دؤوب طلبه ~~وقوة حسده أن يجلس إلى هذا فيأخذ عنه أيضا ما يعارض به ويتعلم منه ما يحتج ~~به على شيعته كفعل النضر بن الحارث بما كان يمخرق به من أخبار كتبه ولا غاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن قومه ولا كثرت اختلافاته إلى بلاد أهل الكتاب ~~فيقال إنه استمد منهم بل لم يزل بين أظهرهم يرعى في صغره وشبابه على عادة ~~أنبيائهم ثم لم يخرج عن بلادهم إلا في سفرة أو سفرتين لم يطل فيهما مكثه ~~مدة يحتمل فيها تعليم القليل فكيف الكثير؟ بل كان في سفره في صحبة قومه ~~ورفاقه وعشيرته لم يغب عنهم ولا خالف حاله مدة مقامه بمكة # من تعليم واختلاف إلى حبر أو قس أو كاهن بل لو كان هذا بعد كله لكان مجئ ~~ما أتى به في معجز القرآن قاطعا لكل عذر ومدحضا لكل حجة ومجليا لكل أمر # فصل ومن خصائصه صلى الله عليه وسلم وكراماته وباهرآياته إنباؤه ~~PageV01P360 # مع الملائكة والجن وإمداد الله له بالملائكة وطاعة الجن له ورؤية كثيرا ~~من أصحابه لهم * قال الله تعالى (وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه ~~وجبريل) الآية وقال (إذ يوحي ربك إلى ms197 الملائكة أني معكم فثبتوا الذين ~~آمنوا) وقال (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم) الآيتين، وقال (وإذ ~~صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن الآية * حدثنا سفيان بن العاص ~~الفقيه بسماعي عليه حدثنا أبو الليث السمرقندي قال حدثنا عبد الغافر ~~الفارسي حدثنا أبو أحمد الجلودي حدثنا ابن سفيان نا مسلم حدثنا عبد الله بن ~~معاذ حدثنا أبي حدثنا شعبة عن سلمان الشيباني سمع زر بن حبيش عن عبد الله ~~قال (لقد رأى من آيات ربه الكبرى) قال رأى جبريل عليه السلام في صورته له ~~ستمائة جناح، والخبر في محادثته مع جبريل وإسرافيل وغيرهما من الملائكة وما ~~شاهده من كثرتهم وعظم صور بعضهم ليلة الإسراء مشهور وقد رآهم بحضرته جماعة ~~من أصحابه في مواطن مختلفة فرأى أصحابه جبريل عليه السلام في صورة رجل ~~يسأله عن الإسلام والإيمان ورأى ابن عباس وأسامة بن زيد وغيرهما عند جبريل ~~في صورة دحية ورأى سعد على يمينه ويساره جبريل وميكائيل في صورة رجلين ~~عليهما ثياب بيض ومثله PageV01P361 # عن غير واحد، وسمع بعضهم زجر الملائكة خيلها يوم بدر وبعضهم رأى تطاير ~~الرؤس من الكفار ولا يرون الضارب ورأى أبو سفيان بن الحارث يومئذ رجالا ~~بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض ما يقوم لها شئ وقد كانت الملائكة ~~تصافح عمران بن حصين وأرى النبي صلى الله عليه وسلم لحمزة جبريل في الكعبة ~~فخر مغشيا عليه ورأى عبد الله بن مسعود الجن ليلة الجن وسمع كلامهم وشبههم ~~برجال الزط، وذكر ابن سعد أن مصعب بن عمير لما قتل يوم أحد أخذ الراية ملك ~~على صورته فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول له (تقدم يا مصعب) فقال له ~~الملك لست بمصعب فعلم أنه ملك، وقد ذكر غير واحد من المصنفين عن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه أنه قال: بينا نحن جلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذ أقبل شيخ بيده عصا فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد عليه وقال صلى ~~الله عليه وسلم ms198 (نغمة الجن، من أنت؟ قال أنا هامة بن الهيم بن لاقس بن ~~إبليس) فذكر أنه لقي نوحا ومن # بعده في حديث طويل وأن النبي صلى الله عليه وسلم علمه سورا من القرآن، ~~وذكر الواقدي قتل خالد عند هدمه العزى للسوداء التي PageV01P362 # خرجت له ناشرة شعرها عريانة فجزلها بسيفه وأعلم النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال له تلك العزى. # وقال صلى الله عليه وسلم (إن شيطانا تفلت البارحة ليقطع علي صلاتي ~~فأمكنني الله منه فأخذته فأردت أن 7 أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى ~~تنظروا إليه كلكم فذكرت دعوة أخي سليمان (رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي ~~لأحد من بعدي) فرده الله خاسئا، وهذا باب واسع ### | فصل ومن دلائل نبوته وعلامات رسالته ما ترادفت به الأخبار عن الرهبان والأحبار # وعلماء أهل الكتب من صفته وصفة أمته واسمه وعلاماتاه وذكر الخاتم الذي ~~بين كتفيه وما وجد من ذلك في أشعار الموحدين المتقدمين من شعر تبع والأوس ~~بن حارثة وكعب بن لؤي وسفيان بن مجاشع وقس بن ساعدة وما ذكر عن سيف بن ذي ~~يزن وغيرهم وما عرف به من أمره زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وعثكلان ~~الحميري وعلماء يهود وشامول عالمهم PageV01P363 # صاحب تبع من صفته وخبره وما ألفي من ذلك في التوراة والإنجيل مما قد جمعه ~~العلماء وبينوه ونقله عنهما ثقات من أسلم منهم مثل ابن سلام وابنى سعية ~~وابن يامين ومخيريق وكعب وأشباههم ممن أسلم من علماء يهود وبحيراء ونسطور ~~الحبشة وصاحب بصرى وضغاطر وأسقف الشام والجارود وسلمان والنجاشي ونصارى ~~الحبشة وأساقف نجران غيرهم ممن أسلم من علماء النصارى وقد اعترف بذلك هرقل ~~وصاحب رومة عالما النصارى ورئيساهم ومقوقس صاحب مصر والشيخ صاحبه وابن صويا ~~وابن أخطب وأخوه وكعب بن أسد والزبير بن باطيا وغيرهم من علماء اليهود ممن ~~حمله الحذ والنفاسة على البقاء على الشقاء PageV01P364 # والأخبار في هذا كثيرة لا تنحصر وقد قرع أسماع اليهود والنصارى بما ذكر ~~أنه في كتبهم من صفته وصفة ms199 أصحابه واحتج عليهم بما انطوت عليه من ذلك صحفهم ~~وذمهم بتحريف ذلك وكتمانه وليهم ألسنتهم ببيان أمره ودعوتهم إلى المباهلة ~~على الكاذب فما منهم إلا من نفر عن معارضته وإبداء ما ألزمهم من كتبهم ~~إظهاره ولو وجدوا خلاف قوله لكان إظهاره أهون عليهم من بذل النفوس والأموال ~~وتخريب الديار ونبذ القتال وقد قال لهم (قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم ~~صادقين) إلى ما أنذر به الكهان مثل شافع بن كليب وشق وسطيح وسواد بن قارب ~~وخنافر وأفعى نجران وجذل بن جذل الكندي وابن خلصة الدوسي وسعد بن بنت كريز ~~وفاطمة بنت النعمان ومن لا ينعد كثرة إلى ما ظهر على ألسنته الأصنام من ~~نبوته وحلول PageV01P365 # وقت رسالته وسمع من هواتف الجان ومن ذبائح النصب وأجواف الصور وما وجد من ~~اسم النبي صلى الله عليه وسلم والشهادة له بالرسالة مكتوبا في الحجارة ~~والقبور بالخط القديم ما أكثره مشهور وإسلام من أسلم بسبب ذلك معلوم مذكور ### | فصل ومن ذلك ما ظهر من الآيات عند مولده وما حكته أمه ومن حضره من العجائب # وكونه رافعا رأسه عندما وضعته شاخصا ببصره إلى السماء وما رأته من النور ~~الذي خرج معه عند ولادته وما رأته إذ ذاك أم عثمان ابن أبي العاص من تدلي ~~النجوم وظهور النور عند ولاته حتى ما تنظر إلا النور وقول الشفا أم عبد ~~الرحمن بن عوف: لما سقط صلى الله عليه وسلم على يدى واستهل سمعت قائلا يقول ~~رحمك الله وأضاء لي ما بين المشرق والمغرب حتى نظرت إلى قصور الروم. # وما تعرفت به حليمة وزوجها ظئراه من بركته ودرور لبنيها له ولبن شارفها ~~وخصب غنمها وسرعة شبابه وحسن نشأته وما جرى من العجائب ليلة مولده من ~~ارتجاج إيوان كسرى وسقوط شرفاته وغيض بحيرة طبرية وخمود نار PageV01P366 # فارس وكان لها ألف عام لم تخمد وأنه كان إذا أكل مع عمه أبي طالب وآله ~~وهو صغير شبعوا ورووا فإذا غاب فأكلوا في غيبته لم يشبعوا وكان سائر ولد ~~أبي طالب يصبحون ms200 شعثا ويصبح صلى الله عليه وسلم صقلا دهينا كحيلا قالت أم ~~أيمن حاضنته: ما رأيته صلى الله عليه وسلم شكى جوعا ولا عطشا صغيرا ولا ~~كبيرا * ومن ذلك حراسة السماء بالشهب وقطع رصد الشياطين ومنعهم استراق ~~السمع وما نشأ عليه من بغض الأصنام والعفة عن أمور الجاهلية وما خصه الله ~~به من ذلك وحماه حتى في ستره في الخير المشهور عند بناء الكعبة إذ أخذ ~~إزاره ليجعله على عاتقه ليحمل عليه الحجارة وتعرى فسقط إلى الأرض حتى رد ~~إزاره عليه فقال له عمه ما بالك؟ فقال (إني نهيت عن التعري) ومن ذلك إظلال ~~الله وهي داخلة في الأرض المقدسة بينها وبين بيت المقدس مرحلتين وبحيرتها ~~معروفة والمعروف بالغيض إنما هو بحيرة ساوة كما هو في بعض النسخ إلا أن ~~يريد المصنف عند خروج يأجوج ومأجوج فإنه ورد أن أوائل يأجوج ومأجوج يشرب ~~بحيرة طبرية ويجئ آخرهم فيقول لقد كان بها ماء (قوله لم يخمد) يجوز فيه ضم ~~الميم وفتحها فإنه ورد من باب نصر ينصر وباب علم يعلم (قوله وكان سائر ولد ~~أبي طالب) قال الحريري في درة الغواص في أوهام الخواص ومن أوهامهم الفاضحة ~~وأغلاطهم الواضحة أنهم يستعملون سائر بمعنى الجميع وهو في كلام العرب بمعنى ~~الباقي انتهى، وقال أبو عمرو ابن الصلاح لا يلتفت إلى قول صاحب الصحاح سائر ~~الناس جميعهم فانه لا يقبل ما يتفرد # به، وقال النووي إن سائر بمعنى جميع لغة صحيحة لم يتفرد بها صاحب الصحاح ~~بل ذكرها الجواليقى في شرح أدب الكاتب (قوله حتى في ستره) بفتح السين ~~المهملة وسكون المثناة الفوقية (*) # PageV01P367 # له بالغمام في سفره. # وفي رواية أن خديجة ونساءها رأينه لما قدم وملكان يظلانه فذكرت ذلك ~~لميسرة فأخبرها أنه رأى ذلك منذ خرج معه في سفره، وقد روي أن حليمة رأت ~~غمامة نظله وهو عندها، وروي ذلك عن أخيه من الرضاعة * ومن ذلك أنه نزل في ~~بعض أسفاره قبل مبعثه تحت شجرة يابسة فاعشوشب ما حولها وأينعت هي فأشرقت ~~وتدلت عليه ms201 أغصانها بمحضر من رآه وميل فئ الشجرة إليه في الخير الآخر بحتى ~~أظلته وما ذكر من أنه كان لا ظل شخصه في شمس ولا قمر لأنه كان نورا وأن ~~الذباب كان لا يقع على جسده ولا ثيابه * ومن ذلك تحبيب الخلوة إليه حتى ~~أوحي إليه. # ثم إعلامه بموته ودنو أجله وأن قبره في المدينة وفي بيته وأن بين بيته ~~وبين منبره روضة من رياض الجنة وتخيير الله له عند موته وما اشتمل عليه ~~حديث الوفاة من كراماته وتشريفه وصلاة الملائكة على جسده على ما رويناه في ~~بغضها واستئذان ملك الموت عليه ولم يستأذن على غيره قبله وندائهم الذي ~~سمعوه أن لا تنزعوا القميص عنه عند غسله وما روي من تعزية الخضر والملائكة ~~أهل بيته عند موته إلى ما ظهر على أصحابه من كرامته وبركته في حياته وموته ~~كاستسقاء عمر بعمه وتبرك غير واحد بذريته. PageV01P368 ### | فصل قال القاضي أبو الفضل رحمه الله قد أتينا في هذا الباب على نكت من معجزاته واضحة # وجمل من علامات نبوته مقنعة في واحد منها الكفاية والغنية وتركنا الكثير ~~سوى ما ذكرنا واقتصرنا من الأحاديث الطوال على عين الغرض وفص المقصد ومن ~~كثير الأحاديث وغريبها على ما صح واشتهر إلا يسيرا من غريبه مما ذكره ~~مشاهير الأئمة وحذفنا الإسناد في جمهورها طلبا للاختصار وبحسب هذا الباب لو ~~تقصي أن يكون ديوانا جامعا يشتمل على مجلدات عدة * ومعجزات نبينا صلى الله ~~عليه وسلم أظهر من سائر معجزات الرسل بوجهين أحدهما كثرتها وأنه لم يؤت نبي ~~معجزة إلا وعند نبينا مثلها مو ما هو أبلغا منها وقد نبه الناس على ذلك فإن ~~أردته فتأمل فصول هذا الباب ومعجزات من تقدم من الأنبياء تقف على ذلك إن ~~شاء الله، وأما كونها كثيرة فهذا القرآن، وكله معجز وأقل ما يقع الإعجاز ~~فيه عند بعض أئمة المحققين سورة (إنا أعطيناك الكوثر) أو آية في قدرها وذهب ~~بعضهم إلى أن كل آية منه كيف كانت معجزة وزاد آخرون أن كل جملة منتظمة ms202 منه ~~معجزة وإن كانت من كلمة أو كلمتين والحق ما ذكرناه أولا لقول تعالى (فأتوا ~~بسورة من مثله) فهو أقل ما تحداهم به مع ما ينصر هذا من نظر وتحقيق يطول ~~بسطه وإذا كان هذا ففي القرآن من الكلمات نحو PageV01P369 # من سبعة وسبعين ألف كلمة ونيف على عدد بعضهم وعدد (إنا أعطيناك الكوثر) ~~عشر كلمات فتجزئ القرآن على نسبة عدد كلمات (إنا أعطيناك الكوثر) أزيد من ~~سبعة آلاف جزء كل واحد منها معجز في نفسه، ثم إعجازه كما تقدم بوجهين: طريق ~~بلاغته وطريق نظمه فصار في كل جزء من هذا العدد معجزتان فتضاعف العدد من ~~هذا الوجه ثم فيه وجوه إعجاز أخر من الإخبار بعلوم الغايب فقد يكون في ~~السورة الواحدة من هذه التجزئة الخبر عن أشياء من الغيب كل خبر منها بنفسه ~~معجز فتضاعف العدد كرة أخرى ثم وجوه الإعجاز الأخر التي ذكرناها توجب ~~التضعيف، هذا في حق القرآن فلا يكاد يأخذ العد معجزاته ولا يحوي الحصر ~~براهينه، ثم الأحاديث الواردة والأخبار الصادرة عنه صلى الله عليه وسلم في ~~هذه، الأبواب وعما دل على أمره مما أشرنا إلى جمله يبلغ نحوا من هذا * ~~الوجه الثاني وضوح معجزاته صلى الله عليه وسلم فإن معجزات الرسل كانت بقدر ~~همم أهل زمانهم وبحسب الفن الذي سما فيه قرنه فلما كان زمن موسى غاية علم ~~أهله السحر بعث إليهم موسى بمعجزة تشبه ما يدعون قدرتهم عليه فجاءهم منها ~~ما خرق عادتهم ولم يكن في قدرتهم وأبطل سحرهم، وكذلك زمن عيسى أغنى ما كان ~~الطب وأوفر ما كان أهله فجاءهم أمر لا يقدرون عليه وأتاهم ما لم يحتسبوه من ~~إحياء الميت وإبراء الأكمه والأبرص دون معالجة ولا طب وهكذا سائر معجزات ~~الأنبياء، ثم إن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم وجملة معارف ~~العرب وعلومها # PageV01P370 # أربعة: البلاغة والشعر والخبر والكهانة فأنزل الله عليه القرآن الخارق ~~لهذه الأربعة فصول من الفصاحة والإيجاز والبلاغة الخارجة عن نمط # كلامهم ومن النظم الغريب والأسلوب العجيب الذي لم ms203 يهتدوا في المنظوم إلى ~~طريقه ولاعلموا في أساليب الأوزان منهجه ومن الأخبار عن الكوائن والحوادث ~~والأسرار والمخبآت والضمائر فتوجد على ما كانت ويعترف المخبر عنها بصحة ذلك ~~وصدقه وإن كان أعدى العدو فأبطل الكهانة التي تصدق مرة وتكذب عشرا ثم ~~اجتثها من أصلها برجم الشهب ورصد النجوم وجاء من الأخبار عن القرون السالفة ~~وأنباء الأنبياء والأمم البائدة والحوادث الماضية ما يعجز من تفرغ لهذه ~~العلم عن بعضه على الوجوه التي بسطناها وبينا المعجز فيها ثم بقيت هذه ~~المعجزة الجامعة لهذه الوجوه إلى الفصول الأخر التي ذكرناها في معجزات ~~القرآن ثابتة إلى يوم القيامة بينة الحجة لكل أمة تأتي لا يخفى وجوه ذلك ~~على من نظر فيه وتأمل وجوه إعجازه إلى ما أخبر به من الغيوب على هذه السبيل ~~فلا يمر عصر ولا زمن إلا ويظهر في صدقه بظهور مخبره على ما أخبر فيتجدد ~~الإيمان ويتظاهر البرهان وليس الخبر كالعيان، وللمشاهدة زيادة في اليقين ~~والنفس أشد طمأنينة إلى عين اليقين منها إلى علم اليقين وإن كان كل عندها ~~حقا وسائر معجزات الرسل انقرضت PageV01P371 # بانقراضهم وعدمت بعدم ذواتها ومعجزة نبينا صلى الله عليه وسلم لا تبيد ~~ولا تنقطع وأياته تتجدد ولا تضمحل ولهذا أشار صلى الله عليه وسلم بقوله ~~فيما حدثنا القاضي الشهيد أبو علي حدثنا القاضي أبو الوليد # حدثنا أبو ذر حدثنا أبو محمد وأبو إسحاق وأبو الهيثم قالوا حدثنا الفربري ~~حدثنا البخاري حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا الليث عن سعيد عن أبيه ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (ما من ~~الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنما كان الذي ~~أوتيت وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة) هذا ~~معني الحديث عند بعضهم وهو الظاهر والصحيح إن شاء الله وذهب غير واحد من ~~العلماء في تأويل هذا الحديث وظهور معجزة نبينا صلى الله عليه وسلم إلى ~~معنى آخر من ظهورها بكونها وحيا وكلاما ms204 لا يمكن التخيل فيه ولا التحيل عليه ~~ولا التشبيه فإن غيرها من معجزات الرسل قد رام المعاندون لها بأشياء طمعوا ~~في التخبيل بها على الضعفاء كإلقاء السحرة حبالهم وعصيهم وشه هذا مما يخيله ~~الساحر أو يتحيل فيه، والقرآن كلام ليس للحيلة ولا للسحر في التخييل فيه ~~عمل فكان من هذا الوجه عندهم أظهر من غيره من المعجزات كما لا يتم لشاعر ~~ولا خطيب أن يكون شاعرا أو خطيبا بضرب من الحيل والتمويه، والتأويل الأول ~~أخلص وأرضى وفي هذا التأويل الثاني ما يغمض عليه الجفن PageV01P372 # ويغضى * وجه ثالث على مذهب من قال بالصرفة وأن المعارضة كانت في مقدور ~~البشر فصرفوا عنها أو على أحد مذهبي أهل السنة من أن الإتيان بمثله من جلس ~~مقدورهم ولكن لم يكن ذلك قبل ولا يكون بعد لأن الله تعالى لم يقدرهم ولا ~~يقدرهم عليه وبين المذهبين فرق بين وعليهما # جميعا فترك العرب الإتيان بما في مقدورهم أو ما هو من جنس مقدورهم ورضاهم ~~بالبلاء والجلاء والسباء والإذلال وتغيير الحال وسلب النفوس والأموال ~~والتقريع والتوبيخ والتعجيز والتهديد والوعيد أبين آية للعجز عن الإتيان ~~بمثله والنكول عن معارضته وأنهم منعوا عن شئ هو من جنس مقدورهم، وإلي هذا ~~ذهب الإمام أبو المعالي الجويني وغيره قال وهذا عندنا أبلغ في خرق العادة ~~بالأفعال البديعة في أنفسهما كقلب العصا حية ونحوها فإنه قد يسبق إلى بال ~~الناظر بدارا أن ذلك من اختصاص صاحب ذلك بمزيد معرفة في ذلك الفن وفضل علم ~~إلى أن يرد ذلك صحيح النظر وأما التحدي للخلائق المئين من السنين بكلام من ~~جنس كلامهم ليأتوا بمثله فلم يأتوا فلم يبق بعد توفر الداعي على المعارضة ~~ثم عذمها إلا أن منع الله الخلق عنها بمثابة ما لو قال نبي آيتي أن يمنع ~~الله القيام عن الناس مع مقدرتهم عليه وارتفاع الزمانة عنهم فلو كان ذلك ~~وعجزهم الله تعالى عن القيام لكان ذلك من أبهر آية وأظهر دلالة وبالله ~~التوفيق، وقد غاب عن بعض العلماء وجه ظهور آيته ms205 على سائر آيات الأنبياء حتى ~~احتاج للعذر عن PageV01P373 # ذلك بدقة أفهام العرب وذكاء ألبابها ووفور عقولها وأنهم أدركوا المعجزة ~~فيه بفطنتهم وجاءهم من ذلك بحسب إدراكهم، وغيره من القبط وبني إسرائيل ~~وغيرهم لم يكونوا بهذه السبيل بل كانو من الغباوة وقلة الفطنة بحيث جوز ~~عليهم فرعون أنه ربهم وجوز عليهم السامري ذلك في العجل بعد إيمانهم وعبدوا ~~المسيح مع إجماعهم على صلبه (وما قتله وما صلبوه ولكن شبه لهم) ، فجاءتهم ~~من الآيات الظاهرة البينة للأبصار بقدر غلظ أفهامهم ما لا يشكون فيه ومع ~~هذا فقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ولم يصبروا على المن والسلوى ~~واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، والعرب على جاهليتها أكثرها يعترف ~~بالصانع وإنما كانت تتقرب بالأصنام إلى الله زلفى ومنهم من آمن بالله وحده ~~من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم بدليل عقله وصفاء لبه، ولما جاءهم الرسول ~~بكتاب الله فهموا حكمته وتبينوا بفضل إدراكهم لأول وهلة معجزته فآمنوا به ~~وازدادوا كل يوم إيمانا ورفضوا الدنيا كلها في صحبته وهجروا ديارهم ~~وأموالهم وقتلوا آباءهم وأبناءهم في نصرته، وأتي في معني هذا بما يلوح له ~~رونق ويعجب منه زبرج لو احتيج إليه وحقق، لكنا قدمنا من بيان معجزة نبينا ~~صلى الله عليه وسلم وظهورها ما يغني عن ركوب بطون هذه المسالك وظهورها ~~وبالله أستعين وهو حسبي ونعم الوكيل PageV00P000 # الشفا بتعريف حقوق المصطفى - القاضي عياض ج 2ي # الشفا بتعريف حقوق المصطفى # القاضي عياض ج 2 # PageV00P000 # الشفا بتعريف حقوق المصطفى العلامة القاضى أبى الفضل عياض اليحصبى 544 ه ~~مذيلا بالحاشية المسماة مزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء للعلامة أحمد بن محمد ~~بن محمد الشمني 873 ه الجزء الثاني دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع # PageV02P001 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | القسم الثاني (فيما يجب على الأنام من حقوقه صلى الله عليه وسلم) # قال القاضي أبو الفضل وفقه الله وهذا قسم لخصنا فيه الكلام في أربعة ~~أبواب على ما ذكرناه في أول الكتاب ومجموعها في وجوب تصديقه واتباعه في ~~سنته ms206 وطاعته ومحبته ومناصحته وتوقيره وبره وحكم الصلاة عليه والتسليم ~~وزيارة قبره صلى الله عليه وسلم. ### | (الباب الأول) (في فرض الإيمان به ووجوب طاعته وأتباع سنته) # إذا تقرر بما قدمناه ثبوت نبوته وصحة رسالته وجب الإيمان به وتصديقه فيما ~~أتى به * قال الله تعالى: (فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا) ، ~~وقال: (إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، لتؤمنوا بالله ورسوله) وقال ~~(فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي) الآية، فالايمان بالنبي محمد صلى الله ~~عليه وسلم واجب متعين لا يتم إيمان إلا به ولا يصح إسلام إلا معه قال ~~تعالى: (ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا # PageV02P002 # للكافرين سعيرا) * حدثنا أبو محمد الخشني الفقيه بقراءتي عليه حدثنا إمام ~~أبو علي الطبري حدثنا عبد الغافر الفارسي حدثنا ابن عمرويه حدثنا ابن سفيان ~~حدثنا أبو الحسين حدثنا أمية بن بسطام حدثنا يزيد بن زريع حدثنا روح عن ~~العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إلا ~~إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم ~~وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله) * قال القاضي أبو الفضل وفقه الله، ~~والإيمان به صلى الله عليه وسلم هو تصديق نبوته ورسالة الله له وتصديقه في ~~جميع ما جاء به وما قاله ومطابقة تصديق القلب بذلك شهادة اللسان بأنه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فإذا اجتمع التصديق به بالقلب والنطق بالشهادة ~~بذلك باللسان تم الإيمان به والتصديق له كما ورد في هذا الحديث نفسه من ~~رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما (أمرت) أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن ~~لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) وقد زاده وضوحا في حديث جبريل إذ قال ~~أخبرني عن الإسلام فقال النبي صلى الله عليه وسلم (أن تشهد أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله) وذكر أركان الإسلام ثم سأله عن الإيمان فقال: ms207 ~~(أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله) الحديث، فقد قرر أن الإيمان به محتاج ~~إلى العقد بالجنان والإسلام به مضطر إلى النطق باللسان PageV02P003 # وهذه الحالة المحمودة التامة، وأما الحال المذمومة فالشهادة باللسان دون ~~تصديق القلب وهذا هو النفاق، قال الله تعالى: (إذا جاءك المنافقون قالوا ~~نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين ~~لكاذبون) أي كاذبون في قولهم ذلك عن اعتقادهم وتصديقهم وهم لا يعتقدونه ~~فلما لم تصدق ذلك ضمائرهم لم ينفعهم أن يقولوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ~~فخرجوا عن اسم الإيمان ولم يكن لهم في الآخرة حكمه إذ لم يكن معهم إيمان ~~ولحقوا بالكافرين في الدرك الأسفل من النار وبقي عليهم حكم الإسلام بإظهار ~~شهادة اللسان في أحكام الدنيا المتعلقة بالأئمة وحكام المسلمن الذين ~~أحكامهم على الظواهر بما أظهروه من علامة الإسلام إذ لم يجعل للبشر سبيل ~~إلى السرائر ولا أمروا بالبحث عنها بل نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~التحكم عليها وذم ذلك وقال (هلا شققت عن قلبه؟) والفرق بين القول والعقد ما ~~جعل في حديث جبريل: الشهادة من الإسلام والتصديق من الإيمان، وبقيت حالتان ~~أخريان بين هذين إحداهما: أن يصدق بقلبه ثم يخترم قبل اتساع وقت للشهادة ~~بلسانه فاحتلف فيه فشرط بعضهم من تمام الإيمان القول والشهادة به ورآه ~~بعضهم مؤمنا مستوجبا للجنة لقوله صلى الله عليه وسلم (يخرج من النار من كان ~~في قلبه مثقال ذرة من إيمان فلم يذكر سوى ما في القلب وهذا مؤمن بقلبه غير ~~عاص ولا مفرط بترك غيره وهذا هو الصحيح في هذا الوجه. # الثانية PageV02P004 # أن يصدق بقلبه ويطول مهله، وعلم ما يلزمه من الشهادة فلم ينطق بها # جملة ولا استشهد في عمره ولا مرة، فهذا اختلف فيه أيضا فقيل هو مؤمن لأنه ~~مصدق والشهادة من جملة الأعمال فهو عاص بتركها غير مخلد، وقيل ليس بمؤمن ~~حتى يقارن عقده شاهدة اللسان، إذ الشهادة إنشاء عقد والتزام إيمان وهي ~~مرتبطة مع العقد ولا يتم التصديق مع المهلة ms208 إلا بها وهذا هو الصحيح وهذا ~~نبذ يفضي إلى متسع من الكلام في الإسلام والإيمان أبوابهما وفي الزيادة ~~فيهما والنقصان، وهل التجزي ممتنع على مجرد التصديق لا يصح فيه جملة وإنما ~~يرجع إلى ما زاد عليه من عمل، أو قد يعرض فيه لاختلاف صفاته وتباين حالاته ~~من قوة يقين وتصميم اعتقاد ووضوح معرفة ودوام حالة وحضور قلب؟ وفي بسط هذا ~~خروج عن غرض التأليف وفيما ذكرنا غنية فيما قصدنا إن شاء الله تعالى ~~PageV02P005 ### | فصل وأما وجوب طاعته: # فإذا وجب الإيمان به وتصديقه فيما جاء به وجبت طاعته لأن ذلك مما أتى به ~~قال الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله) وقال (قل أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول) وقال: (وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون) وقال (وإن ~~تطيعوه تهتدوا) وقال (من يطع الرسول فقد أطاع الله) وقال (وما آتاكم الرسول ~~فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) وقال (ومن يطع الله والرسول فأولئك) الآية، ~~وقال (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله) فجعل تعالى طاعة رسوله ~~طاعته وقرن طاعته بطاعته ووعد على ذلك بجزيل الثواب وأوعد على مخالفته بسوء ~~العقاب وأوجب امتثال أمره واجتناب نهيه، قال المفسرون والأئمة طاعة الرسول ~~في التزام سنته والتسليم لما جاء به وقالوا: ما أرسل الله من رسول إلا فرض ~~طاعته على من أرسله إليه وقالوا من يطع الرسول في سنته يطع الله في فرائضه، ~~وسئل سهل بن عبد الله عن شرائع الإسلام فقال (وما آتاكم الرسول فخذوه) : ~~وقال السمرقندي يقال: أطيعوا الله في فرائضه والرسول في سنته وقيل: أطيعوا ~~الله فيما حرم عليكم والرسول فيما بلغكم ويقال: أطيعوا الله بالشهادة له ~~بالربوبية، والنبي بالشهادة له بالنبوة * حدثنا أبو محمد بن عتاب بقراءتي ~~عليه حدثنا حاتم بن محمد حدثنا أبو الحسن علي بن محمد بن خلف حدثنا محمد بن # PageV02P006 # يوسف حدثنا البخاري حدثنا عبدان أخبرنا عبد الله أخبرنا يونس عن الزهري ~~أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع أبا هريرة يقول: إن رسول الله صلى ~~الله ms209 عليه وسلم قال (من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ومن ~~أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني) فطاعة الرسول من طاعة ~~الله، إذ الله أمر بطاعته، فطاعته امتثال لما أمر الله به وطاعة له * وقد ~~حكى الله عن الكفار في دركات جهنم (يوم # تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا) فتمنوا ~~طاعته حيث لا ينفعهم التمني، وقال صلى الله عليه وسلم (إذا نهيتكم عن شئ ~~فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) * وفي حديث أبي هريرة رضي ~~الله عنه، عنه صلى الله عليه وسلم (كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى) قالوا ~~يا رسول الله ومن يأبى؟ قال: (من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى) وفي ~~الحديث الآخر الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم (مثلي ومثل ما بعثني الله به ~~كمثل رجل أتى قوما فقال يا قوم إني رأيت الجيش بعيني وإني أنا النذير ~~العريان فالنجاء فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا فانطلقوا على مهلهم فنجوا ~~وكذبت PageV02P007 # طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مثل من ~~أطاعني واتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق) وفي الحديث ~~الآخر في مثله: كمثل من بنى دارا وجعل فيها مأدبة وبعث داعيا فمن أجاب ~~الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ومن يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل ~~من المأدبة فالدار الجنة والداعي محمد صلى الله عليه وسلم فمن أطاع محمد ~~فقد أطاع الله ومن عصى محمدا فقد عصى الله ومحمد فرق بين الناس) . ### | فصل وأما وجوب اتباعه وامتثال سنته والاقتداء بهديه # فقد قال الله تعالى (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر ~~لكم ذنوبكم) وقال (فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله ~~وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون) وقال (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما ~~شجر بينهم - إلى قوله - تسليما) أي ينقادوا لحكمك، يقال سلم واستسلم وأسلم ~~إذا انقاد. # وقال تعالى (لقد ms210 كان لكم في رسول PageV02P008 # الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) الآية، قال محمد بن علي ~~الترمذي: الأسوة في الرسول الاقتداء به والاتباع لسنته وترك مخالفته في قول ~~أو فعل وقال غير واحد من المفسرين بمعناه وقيل هو عتاب للمتخلفين عنه وقال ~~سهل في قوله تعالى (صراط الذين أنعمت عليهم) قال بمتابعة السنة فأمرهم ~~تعالى بذلك ووعدهم الاهتداء باتباعه لأن الله تعالى أرسله بالهدى ودين الحق ~~ليزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويهديهم إلى صراط فمستقيم ووعدهم محبته ~~تعالى في الآية الأخرى ومغفرته إذا اتبعوه وآثروه على أهوائهم وما تجنح ~~إليه نفوسهم وأن صحة إيمانهم بانقيادهم له ورضاهم بحكمه وترك الاعتراض ~~عليه، وروي عن # الحسن أن أقواما قالوا يا رسول الله أنا نحب الله فأنزل الله تعالى (قل ~~إن كنتم تحبون الله) الآية، وروي أن الآية نزلت في كعب بن الأشرف وغيره ~~وأنهم قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه ونحن أشد حبا لله، فأنزل الله الآية، ~~وقال الزجاج معناه (إن كنتم تحبون الله) أن تقصدوا طاعته فافعلوا ما أمركم ~~به، إذ محبة العبد لله والرسول طاعته لهما ورضاه بما أمرا ومحبة الله لهم ~~عفوه عنهم وإنعامه عليهم برحمته، ويقال الحب من الله عصمة وتوفيق ومن ~~العباد طاعة، كما قال القائل: تعصي الإله وأنت تظهر حبه؟ * هذا لعمري في ~~القياس بديع! # PageV02P009 # لو كان حبك صادقا لأطعته * إن المحب لمن يحب مطيع! ويقال محبة العبد لله ~~تعظيمه له وهيبته منه ومحبة الله له رحمته له وإرادته الجيل له وتكون بمعني ~~مدحه وثنائه عليه، قال القشيري فإذا كان بمعني الرحمة والإرادة والمدح كان ~~من صفات الذات وسيأتي بعد في ذكر محبة محبة العبد غير هذا بحول الله تعالى ~~حدثنا أبو إسحاق إبراهيم ابن جعفر الفقيه قال حدثنا أبو الأصبغ عيسى بن سهل ~~وحدثنا أبو الحسن يونس بن مغيث الفقيه بقراءتي عليه قالا حدثنا حاتم بن ~~محمد قال حدثنا أبو حفص الجهني حدثنا أبو بكر الآجري حدثنا إبراهيم بن موسى ~~الجوزي حدثنا داود بن رشيد ms211 حدثنا الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد عن خالد بن ~~معدان عن عبد الرحمن بن عمرو الأسلمي وحجر الكلاعي عن العرباض بن سارية في ~~حديثه في موعظة النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (فعليكم بسنتي وسنة ~~الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن ~~كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) زاد PageV02P010 # في حديث جابر بمعناه (وكل ضلالة في النار) وفي حديث أبي رافع عنه صلى ~~الله عليه وسلم (لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما ~~أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه) وفي ~~حديث عائشة رضي الله عنها صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ترخص فيه ~~فتنزه عنه قوم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله ثم قال (ما بال ~~قوم يتنزهون عن الشئ أصنعه؟ فو الله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية، ~~وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (القرآن صعب مستصعب على من كرهه، وهو ~~الحكم، فمن استمسك بحديثي وفهمه وحفظه جاء مع القرآن، ومن تهاون بالقرآن ~~وحديثي خسر الدنيا والآخرة، أمرت أمتي أن يأخذوا بقولي ويطيعوا أمري ~~ويتبعوا سنتي، فمن رضي بقوله فقدر رضي بالقرآن) قال الله تعالى (وما آتاكم ~~الرسول فخذوه) الآية وقال صلى الله عليه وسلم (من اقتدى بي فهو مني ومن رغب ~~عن سنتي فليس مني) وعن أبي هريرة رضي الله عنه PageV02P011 # عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (إن أحسن الحديث كتاب الله وخير ~~الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها) وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رصي ~~الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم (العلم ثلاثة فما سوى ذلك فهو فضل: ~~آية محكمة أو سنة قائمة أو فريضة عادلة) وعن الحسن بن أبي الحسن رحمهما ~~الله تعالى قال صلى الله عليه وسلم عمل قليل في سنة خير من عمل كثير في ~~بدعة) وقال صلى الله عليه السلام وسلم (إن الله ms212 تعالى يدخل العبد الجنة ~~بالسنة تمسك بها) وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال (المتمسك بسنتي عند فساد أمتي له أجر مائة شهيد) وقال صلى الله عليه ~~وسلم (إن بني إسرائيل افترقوا على اثنتين وسبعين ملة وإن أمتي تفترق على ~~ثلاث وسبعين كلها في النار إلا واحدة) قالوا ومن هم يا رسول الله؟ قال ~~(الذي أنا عليه اليوم وأصحابي) وعن أنس، قال صلى الله عليه وسلم (من أحيا ~~سنتي فقد أحياني ومن أحياني كان معي في الجنة) وعن عمرو بن عوف المزني أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال بن الحارث (من أحيا سنة من سنتي قد ~~أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل PageV02P012 # من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضي ~~الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس ~~شيئا) ### | (فصل) وأما ورد عن السلف والأئمة من اتباع سنته والاقتداء بهديه وسيرته # فحدثنا الشيخ أبو عمران موسى بن عبد الرحمن بن أبي تليد الفقيه سماعا ~~عليه قال حدثنا أبو عمر الحافظ حدثنا سعيد بن نصر حدثنا قاسم بن أصبغ ووهب ~~بن مسرة قالا حدثنا محمد بن وضاح حدثنا يحيى بن يحيى حدثنا مالك عن ابن ~~شهاب عن رجل من آل خالد بن أسيد أنه سأل عبد الله بن عمر فقال يا أبا عبد ~~الرحمن إنا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن ولا نجد صلاة السفر فقال ~~ابن عمر رضي الله عنهما يا ابن أخي إن الله بعث إلينا محمدا صلى الله عليه ~~وسلم ولا نعلم شيئا وإنما نفعل كما رأيناه يفعل، وقال عمر بن عبد العزيز سن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر بعده سننا الأخذ بها تصديق بكتاب ~~الله واستعمال لطاعة الله وقوة على دين الله ليس لأحد تغييرها ولا تبديلها ~~ولا النظر في رأي من خالفها، من اقتدى بها فهو مهتد ومن ms213 انتصر بها فهو ~~منصور ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم ~~وساءت مصيرا، وقال الحسن بن أبي الحسن: عمل قليل في سنة خير من PageV02P013 # عمل كثير في بدعة، وقال ابن شهاب بلغنا عن رجال من أهل العلم قالوا: ~~الاعتصام بالسنة نجاة، وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى عماله بتعلم ~~السنة والفرائض واللحن أي اللغة وقال إن ناسا يجادلونكم - يعني بالقرآن - ~~فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله، وفي خبره حين صلى بذي ~~الحليفة ركعتين فقال أصنع كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع، وعن ~~علي حين قرن فقال له عثمان ترى أني أنهى الناس عنه وتفعله؟ قال لم أكن أدع ~~سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أحد من الناس، وعنه: إلا أني لست ~~بنبي ولا يوحى إلي ولكني أعمل بكتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه ~~وسلم ما استطعت، وكان ابن مسعود يقول: القصد في السنة خير من الاجتهاد في ~~البدعة، وقال ابن عمر: صلاة السفر ركعتان من خالف السنة كفر، وقال أبي بن ~~كعب عليكم بالسبيل والسنة فإنه ما على الأرض من عبد على السبيل والسنة ذكر ~~الله في نفسه ففاضت عيناه من خشية ربه فيعذبه الله أبدا، وما على الأرض من ~~عبد على السبيل والسنة ذكر الله في نفسه فاقشعر جلده من خشية الله إلا كان ~~مثله كمثل شجرة قد يبس ورقها فهي كذلك إذ PageV02P014 # أصابتها ريح شديدة فتحات عنها ورقها إلا حط عنه خطاياه كما تحات عن ~~الشجرة ورقها، فإن اقتصادا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنة ~~وموافقة بدعة، وانظروا أن يكون عملكم إن كان اجتهدا أو اقتصادا أن يكون على ~~منهاج الأنبياء وسنتهم * وكتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز إلى عمر بحال ~~بلده وكثرة لصوصه: هل يأخذهم بالظنة أو يحملهم على البينة وما جرت عليه ~~السنة؟ فكتب إليه عمر خذهم بالبينة وما جرت عليه السنة فإن لم يصلحهم ms214 الحق ~~فلا أصلحهم الله، وعن عطاء في قوله تعالى (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى ~~الله والرسول) أي إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى اله عله وسلم، وقال ~~الشافعي: ليس في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا اتباعها، وقال عمر ~~ونظر إلى الحجر الأسود إنك حجر لا تنفع ولا تضر ولولا أني رأيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك ثم قبله، رؤى عبد الله بن عمر يدبر ~~ناقته في مكان فسئل عنه فقال لا أدري إلا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فعله ففعلته، وقال أبو عثمان الحيري: من أمر السنة على نفسه قولا ~~وفعلا نطق بالحكمة ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة، وقال PageV02P015 # سهل التستري أصول مذهبنا ثلاثة: الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم # في الأخلاق والأفعال، والأكل من الحلال، وإخلاص النية في جميع الأعمال، ~~وجاء في تفسير قوله تعالى: (والعمل الصالح يرفعه) أنه الاقتداء برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وحكي عن أحمد بن حنبل قال كنت يوما مع جماعة تجردوا ~~ودخلوا الماء فاستعملت الحديث (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل ~~الحمام إلا بمئزر) ولم أتجرد فرأيت تلك الليلة قائلا لي يا أحمد أبشر فإن ~~الله قد غفر لك باستعمالك السنة وجعلك إماما يقتدى بك، قلت من أنت؟ قال: ~~جبريل. ### | فصل ومخالفة أمره وتبديل سنته ضلال وبدعة متوعد من الله عليه بالخذلان والعذاق # قال الله تعالى (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم ~~عذاب أليم) وقال: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير ~~سبيل المؤمنين نوله ما تولى) الآية، حدثنا أبو محمد عبد الله بن أبي جعفر ~~وعبد الرحمن بن عتاب بقراءتي عليهما قالا حدثنا أبو القاسم خاتم بن محمد ~~حدثنا أبو الحسن القابسي حدثنا أبو الحسين بن مسرور الدباغ حدثنا أحمد بن ~~أبي سليمان حدثنا سحنون ابن سعيد حدثنا ابن القاسم حدثنا مالك عن العلاء بن ~~عبد الرحمن عن ms215 # PageV02P016 # عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة ~~وذكر الحديث في صفة أمته وفيه (فليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال ~~فأناديهم ألا هلم ألا هلم فيقال إنهم قد بدلوا بعدك فأقول فسحقا فسحقا ~~فسحقا) وروى أنس أنت النبي صلى الله عليه وسلم قال (فمن رغب عن سنتي فليس ~~مني) وقال (من أدخل في أمرنا ما ليس # منه فهو رد) وروى ابن أبي رافع عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~(لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت ~~عنه فيقول لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه) زاد في حديث المقداد ~~(ألا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما حرم الله) وقال صلى ~~الله عليه وسلم وجئ بكتاب في كتف (كفى بقوم حمقا - أو قال ضلال - أن يرغبوا ~~عما جاء به نبيهم إلى غير نبيهم أو كتاب غير كتابهم) فنزلت (أو لم يكفهم ~~أنا أنزنا عليك الكتاب يتلى عليهم) الآية، وقال صلى الله عليه وسلم (هل ~~كالمتنطعون) وقال أبو بكر PageV02P017 # الصديق رضي الله عنه لست تاركا شيئا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يعمل به إلا عملت به إني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ ### | الباب الثاني: في لزوم محبته صلى الله عليه وسلم # قال الله تعالى (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم ~~وأموال اقترفتموها) الآية، فكفى بهذا حصا وتنبيها ودلالة # وحجة على إلزام محبته ووجوب فرضا وعظم خطرها واستحقاقه لها صلى الله عليه ~~وسلم إذ قرع تعالى من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله ~~وأوعدهم بقوله تعالى (فتربصوا حتى يأتي الله بأمره ثم فسقهم بتمام الآية ~~وأعلمهم أنهم من ضل ولم يهده الله، حدثنا أبو علي الغساني الحافظ فيما ~~أجازنيه وهو مما قرأته على غير واحد قال حدثنا سراج بن عبد الله القاضي ~~حدثنا أبو محمد الأصيلي حدثنا ms216 المروزي حدثنا أبو عبد الله محمد بن يوسف ~~حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا يعقوب ابن إبراهيم حدثنا ابن علية عن عبد ~~العزيز بن صهيب عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~(لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين) وعن أبي ~~هريرة رضي الله عنه نحوه وعن أنس عنه صلى الله عليه وسلم (ثلاث من كن فيه ~~وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب ~~PageV02P018 # المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في ~~النار) وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم ~~لأنت أحب إلي من كل شئ إلا نفسي التي بين جنبي فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم (لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه) فقال عمر والذي أنزل عليك ~~الكتاب لأنت أحب إلي من نفسي التي بين جنبي فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم (الآن يا عمر) قال سهل من لم ير ولاية الرسول عليه في جميع الأحوال ~~ويرى نفسه في ملكه صلى الله عليه وسلم لا يذوق حلاوة سنته لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال (لا يؤمن أحدكم # حتى أكون أحب إليه من نفسه) الحديث. ### | فصل في ثواب محبته صلى الله عليه وسلم # حدثنا أبو محمد بن عتاب بقراءتي عليه حدثنا أبو القاسم حاتم بن محمد ~~حدثنا أبو الحسن علي بن خلف حدثنا أبو زيد المروزي حدثنا محمد ابن يوسف ~~حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا عبدان حدثنا أبي حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن ~~سالم بن أبي الجعد عن أنس رضي الله عنه أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال متى الساعة يا رسول الله؟ قال: PageV02P019 # ما أعددت لها؟) قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة ولكني ~~أحب الله ورسوله قال: (أنت مع من أحببت) وعن ms217 صفوان ابن قدامة هاجرت إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأتيته فقلت: يا رسول الله ناولني يدك أبايعك ~~فناولني يده فقلت: يا رسول الله إني أحبك قال (المرء مع من أحب) وروى هذا ~~اللفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله ابن مسعود وأبو موسى وأنس وعن ~~أبي ذر بمعناه وعن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيد حسن وحسين فقال ~~(من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة) وروي أن ~~رجلا أتي النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله لأنت أحب إلي من أهلي ~~ومالي وإني لأذكرك فما أصبر حتى أجئ فأنظر إليك وإني ذكرت موتي وموتك فعرفت ~~أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبين وإن دخلتها # لا أراك فأنزل الله تعالى (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم ~~الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا) ~~فدعا به فقرأها عليه * وفي حديث آخر كان رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~ينظر إليه لا يطرف فقال (ما بالك؟) قال بأبي أنت وأمي أتمتع من النظر إليك ~~فإذا كان يوم القيامة رفعك الله PageV02P020 # بتفضيله فأنزل الله الآية * وفي حديث أنس رضي الله عنه (من أحبني كان معي ~~في الجنة) ### | فصل فيما روي عن السلف والأئمة (من محبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم وشوقهم له) # حدثنا القاضي الشهيد حدثنا العذري حدثنا الرازي حدثنا الجلودي حدثنا ابن ~~سفيان حدثنا مسلم حدثنا قتيبة حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن سهيل عن أبيه ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (من أشد ~~أمتي لي حبا ناس يكونون بعدى يوم أحدهم لو رآني بأهله وماله) ومثله عن أبي ~~ذر، وتقدم حديث عمر رضي الله عنه وقوله للنبي صلى الله عليه وسلم لأنت أحب ~~إلي من نفسي وما تقدم عن الصحابة في مثله، وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه ~~ما كان أحد أحب إلي من ms218 رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن عبدة بنت خالد بن ~~معدان قالت ما كان خالد يأوي إلى فراش إلا وهو يذكر من شوقه إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وإلى أصحابه من المهاجرين والأنصار يسميهم ويقول هم ~~أصلي وفصلي وإليهم يحن قلبي طال شوقي إليهم فعجل رب قبضي إليك حتى يغلبه ~~النوم، وروي عن أبي بكر رضي الله عنه PageV02P021 # أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم والذي بعثك بالحق لإسلام أبي طالب كان ~~أقر لعيني من إسلامه - يعنى أباه أبا قحافة - وذلك أن إسلام أبي طالب كان ~~أقر لعينك ونحوه عن عمر بن الخطاب قال للعباس رضي الله عنه أن تسلم أحب إلي ~~من أن يسلم الخطاب لأن ذلك أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن ابن ~~إسحاق أن امرأة من الأنصار قتل أبوها وأخوها وزوجها يوم أحد مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقالت ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا خيرا ~~هو بحمد الله كما تحبين قالت أرنيه حتى أنظر إليه فلما رأته قالت كل مصيبة ~~بعدك جلل، وسئل علي بن أبي طالب رضي الله عنه كيف كان حبكم لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؟ قال كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا ~~وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمإ، وعن زيد بن أسلم خرج عمر رضي الله ~~عنه ليلة يحرس الناس فرأى مصباحا في بيت وإذا عجوز تنقش صوفا وتقول: على ~~محمد صلاة الأبرار * صلى عليه الطيبون الأخيار PageV02P022 # قد كنت قواما بكا بالأسحار * يا ليت شعري والمنايا أطوار هل تجمعني ~~وحبيبي الدار تعني النبي صلى الله عليه وسلم، فجلس عمر رضي الله عنه يبكي ~~وفي الحكاية طول * وروي أن عبد الله بن عمر خدرت رجله فقيل له اذكر أحب ~~الناس إليك يزل عنك فصاح يا محمداه فانتشرت، ولما احتضر بلال رضي الله عنه ~~نادت امرأته: واحزناه فقال واضرباه غدا ألقى الأحبة محمدا وحزبه * ويروى أن ~~امرأة قالت لعائشة رضي الله ms219 عنها اكشفي لي قبر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فكشفته لها فبكت حتى ماتت، ولما أخرج أهل مكة زيد بن الدثنة من الحرم ~~ليقتلوه قال له أبو سفيان بن حرب أنشدك الله يا زيد أتحب أن محمدا الآن ~~عندنا مكانك يضرب عنقه وأنك في أهلك؟ فقال زيد: والله ما أحب أن محمدا الآن ~~في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة وأني جالس في أهلي، فقال أبو سفيان ما ~~رأيت من الناس أحدا يحب أحدا كحب أصحاب محمد محمدا * وعن ابن عباس كانت ~~المرأة إذا أتت النبي صلى الله عليه وسلم حلفها بالله ما خرجت من بغض زوج ~~PageV02P023 # ولا رغبة بأرض عن أرض وما خرجت إلا حبا لله ورسوله، ووقف ابن عمر على ابن ~~الزبير رضي الله عنهما بعد قتله فاستغفر له وقال كنت والله ما علمت صواما ~~قواما تحب الله ورسوله. ### | فصل في علامة محبته صلى الله عليه وسلم # اعلم أن من أحب شيئا آثره وآثر موافقته وإلا لم يكن صادقا في حبه وكان ~~مدعيا فالصادق في حب النبي صلى الله عليه وسلم من تظهر علامة ذلك عليه ~~وأولها: الاقتداء به واستعمال سنته واتباع أقواله وأفعاله وامتثال أوامره ~~واجتناب نواهيه والتأدب بآدابه في عسره ويسره ومنشطه ومكرهه وشاهد هذا قوله ~~تعالى (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحبكم الله) وإيثار ما شرعه وحض ~~عليه على هوى نفسه وموافقة شهوته قال الله تعالى (والذين تبوؤا الدار ~~والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ~~ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) وإسخاط العباد في رضى الله تعالى * ~~حدثنا القاضي أبو علي الحافظ حدثنا أبو الحسين الصيرفي وأبو الفضل بن خيرون ~~قالا حدثنا أبو يعلى البغدادي حدثنا أبو علي السنجي حدثنا محمد ابن محبوب ~~حدثنا أبو عيسى حدثنا مسلم بن حاتم حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري عن ~~أبيه عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال أنس بن PageV02P024 # مالك رضي الله عنه قال ms220 لي رسول الله صلى الله عليه وسلم (يا بني إن قدرت ~~أن تصبح وتمسي ليس في قلبك غش لأحد فافعل) ثم قال لي (يا بني وذلك من سنتي، ~~ومن أحيا سنتي فقد أحبني ومن أحبى كان معي في الجنة) فمن اتصف بهذه الصفة ~~فهو كامل المحبة لله ورسوله ومن خالفها في بعض هذه الأمور فهو ناقص المحبة ~~ولا يخرج عن اسمها، ودليله قوله صلى الله عليه وسلم للذي حده في الخمر ~~فلعنة بعضهم وقال ما أكثر ما يؤتى به فقال النبي صلى الله عليه وسلم (لا ~~تلعنه فإنه يحب الله ورسوله) ومن علامات محبة النبي صلى الله عليه وسلم ~~كثرة ذكره له فمن أحب شيئا أكثر ذكره ومنها كثرة شوقه إلى لقائه فكل حبيب ~~يحب لقاء حبيبه وفي حديث الأشعريين عند قدومهم المدينة أنهم كانوا يرتجزون ~~(غدا نلق الأحبه * محمدا وصحبه) وتقدم قول بلال ومثله قال عمار قبل قتله ~~وما ذكرناه من قصة خالد بن معدان * ومن علاماته مع كثرة PageV02P025 # ذكره تعظيمه له وتوقيره عند ذكره وإظهار الخشوع والانكسار مع سماع اسمه، ~~قال إسحاق التجيبي كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعده لا يذكرونه إلا ~~خشعوا واقشعرت جلودهم وبكوا وكذلك كثير من التابعين منهم من يفعل ذلك محبة ~~له وشوقا إليه، ومنهم من يفعله تهيبا وتوقيرا * ومنها محبته لمن أحب النبي ~~صلى الله عليه وسلم ومن هو بسببه من آل بيته وصحابته من المهاجرين والأنصار ~~وعداوة من عاداهم وبغض من أبغضهم وسبهم فمن أحب شيئا أحب من يحب وقد قال ~~صلى الله عليه وسلم في الحسن والحسين (اللهم إني أحبهما فأحبهما) وفي رواية ~~في الحسن (اللهم إني أحبه فأحب من يحبه) وقال (من أحبهما فقد أحبني ومن ~~أحبني فقد أحب الله ومن أبغضهما فقد أبغضني ومن أبغضني فقد أبغض الله) وقال ~~(الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فيحبى أحبهم ومن ~~أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى ~~الله ms221 يوشك أن يأخذه) وقال في فاطمة رضي الله عنها (إنها بضعة من يغضبني ما ~~أغضيها) وقال لعائشة في أسامة بن زيد (أحيه فإني أحبه) ، وقال: (آية ~~الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغضهم) وفي حديث ابن عمر (من أحب العرب ~~فبحبي PageV02P026 # أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم فبالحقيقة من أحب شيئا أحب كل # شئ يحبه) وهذه سيرة السلف حتى في المباحات وشهوات النفس وقد قال أنس حين ~~رأى النبي صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء من حوالي القصعة فما زلت أحب ~~الدباء من يومئذ، وهذا الحسن بن علي وعبد الله ابن عباس وابن جعفر أتوا ~~سلمى وسألوها أن تصنع لهم طعاما مما كان يعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وكان ابن عمر يلبس النعال السبتية ويصبغ بالصفرة إذ رأى النبي صلى الله ~~عليه وسلم يفعل نحو ذلك * ومنها بغض من أبغض الله ورسوله ومعاداة من عاداه ~~ومجانبة من خالف سنته وابتدع في دينه واستثقاله كل أمر يخالف شريعته قال ~~الله تعالى (لا نجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ~~ورسوله) وهؤلاء أصحابه صلى الله عليه وسلم قد قتلوا أحباءهم وقاتلوا آباءهم ~~وأبناءهم في مرضاته وقال له عبد الله بن عبد الله بن أبي: لو شئت لأتيتك ~~برأسه PageV02P027 # يعني أباه. # ومنها أن يحب القرآن الذي أتى به صلى الله عليه وسلم وهدى به واهتدى ~~وتخلق به حتى قالت عائشة رضي الله عنها كان خلقه القرآن # وحبه للقرآن تلاوته والعمل به وتفهمه ويحب سنته ويقف عند حدودها، قال سهل ~~بن عبد الله: علامة حب الله حب القرآن وعلامة حب القرآن حب النبي صلى الله ~~عليه وسلم وعلامة حب النبي صلى الله عليه وسلم حب السنة وعلامة حب السنة حب ~~الآخرة وعلامة حب الآخرة بغض الدنيا وعلامة بغض الدنيا أن لا يدخر منها إلا ~~زادا وبلغة إلى الآخرة، وقال ابن مسعود لا يسأل أحد عن نفسه إلا القرآن فإن ~~كان يحب القرآن فهو يحب الله ورسوله. # ومن علامات حبه للنبي صلى ms222 الله عليه وسلم شفقته على أمته ونصحه لهم وسعيه ~~في مصالحهم ورفع المضار عنهم، كما كان صلى الله عليه وسلم بالمؤمنين رؤوفا ~~رحيما. # ومن علامة تمام محبته زهد مدعيها في الدنيا وإيثاره الفقر واتصافه به وقد ~~قال صلى الله عليه وسلم لأبي سعيد الخدري: (إن الفقر إلى من يحبني منكم ~~أسرع من السيل من أعلى لوادى أو الجبل إلى أسفله) وفي حديث عبد الله بن ~~مغفل قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله إني أحبك فقال (انظر ~~ما تقول) قال والله إني أحبك - ثلاث مرات - قال (إن كنت تحبني فأعد للفقر ~~تجفافا) ثم ذكر نحو حديث أبي سعيد بمعناه. PageV02P028 ### | فصل في معني المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم وحقيقتها # اختلف الناس في تفسير محبة الله ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم وكثرت ~~عباراتهم في ذلك وليست ترجع بالحقيقة إلى اختلاف مقال ولكنها اختلاف أحوال ~~فقال سفيان المحبة اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم كأنه التفت إلى قوله ~~تعالى (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني) الآية، وقال بعضهم محبة الرسول ~~اعتقاد نصرته والذب عن سنته والانقياد لها وهيبة مخالفته، وقال بعضهم ~~المحبة دوام الذكر للمحبوب، وقال آخر: إيثار المحبوب، وقال بعضهم المحبة ~~الشوق إلى المحبوب، وقال بعضهم المحبة مواطأة القلب لمراد الرب يحب ما أحب ~~ويكره ما كره، وقال آخر: المحبة ميل القلب إلى موافق له وأكثر العبارات ~~المتقدمة إشارة إلى ثمرات المحبة دون حقيقتها وحقيقة المحبة الميل إلى ما ~~يوافق الإنسان وتكون موافقته له إما لاستلذاذه بإدراكه كحب الصور الجميلة ~~والأصوات الحسنة والأطعمة والأشربة الذيذة وأشباهها مما كل طبع سليم مائل ~~إليها لموافقتها له، أو لاستلذاذه بإدراكه بحاسة عقله وقلبه معاني باطنة ~~شريفة كحب الصالحين والعلماء وأهل المعروف # PageV02P029 # المأثور عنهم السير الجميلة والأفعال الحسنة فإن طبع الإنسان مائل إلى ~~الشغف بأمثال هؤلاء حتى يبلغ التعصب بقوم لقوم والتشيع من أمة في آخرين ما ~~يؤدي إلى الجلاء عن الأوطان وهتك الحرم واخترام النفوس أو يكون حبه إياه ~~لموافقته ms223 له من جهة إحسانه له وإنعامه عليه فقد جبلت النفوس على حب من أحسن ~~إليها، فإذا تقرر لك هذا نظرت هذه الأسباب كلها في حقه صلى الله عليه وسلم ~~فعلمت أنه صلى الله عليه وسلم # جامع لهذه المعاني الثلاثة الموجبة للمحبة. # أما جمال الصورة والظاهر وكمال الأخلاق والباطن فقد قررنا منها قبل فيما ~~مر من الكتاب مالا يحتاج إلى زيادة. # وأما إحسانه وإنعامه على أمته فكذلك قد مر منه في أوصاف الله تعالى له من ~~رأفته بهم ورحمته لهم وهدايته إياهم وشفقته عليهم واستنقاذهم به من النار ~~وأنه بالمؤمنين رؤف رحيم ورحمة للعالمين ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله ~~بإذنه ويتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة ويهديهم إلى صراط ~~مستقيم، فأي إحسان أجل قدرا وأعظم خطرا من إحسانه إلى جميع المؤمنين، وأي ~~إفضال أعم منفعة وأكثر فائدة من إنعامه على كافة المسلمين؟ إذ كان ذريعتهم ~~إلى الهداية ومنقذهم من العماية وداعيهم إلى الفلاح والكرامة ووسيلتهم إلى ~~ربهم وشفيعهم والمتكلم عنهم والشاهد لهم والموجب لهم البقاء الدائم والنعيم ~~السرمد فقد استبان لك أنه صلى الله عليه وسلم مستوجب للمحبة الحقيقة شرعا ~~PageV02P030 # بما قدمناه من صحيح الآثار وعادة وجبلة بما ذكرناه آنفا لإفاضته الإحسان ~~وعمومه الإجمال، فإذا كان الإنسان يحب من منحه في دنياه مرة أو مرتين ~~معروفا أو استنقذه من هلكة أو مضرة مدة التأذي بها قليل منقطع فمن منحه ما ~~لا يبيد من النعيم ووقاه ما لا يفى من عذاب الجحيم أولى بالحب، وإذا كان ~~يحب بالطبع ملك لحسن سيرته أو حاكم لما يؤثر من قوام طريقته أو قاص بعيد ~~الدار لما يشاد من علمه أو كرم شيمته فمن جمع هذه الخصال على غاية مراتب ~~الكمال أحق بالحب وأولى بالميل، وقد قال علي رضي الله عنه في صفته صلى الله ~~عليه وسلم من رآه # بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه وذكرنا عن بعض الصحابة أنه كان لا يصرف ~~بصره عنه محبة فيه. ### | فصل في وجوب مناصفته صلى الله عليه وسلم ms224 # قال الله تعالى (ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ~~ورسوله، ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم) قال أهل التفسير إذا ~~نصحوا لله ورسوله إذا كانوا مخلصين مسلمين في السر والعلانية. # حدثنا الفقيه أبو الوليد بقراءتي عليه حدثنا حسين بن محمد حدثنا يوسف بن ~~عبد الله حدثنا ابن عبد المؤمن حدثنا أبو بكر PageV02P031 # لتمار حدثنا أبو داود حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا سهيل بن أبي ~~صالح عن عطاء بن يزيد عن تميم الداري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~(إن الدين النصيحة، إن الدين النصيحة، إن الدين النصيحة قالوا: لمن يا رسول ~~الله؟ قال (لله ولكتابه ولرسوله وأئمة المسلمين وعامتهم) قال أئمتنا: ~~النصيحة لله ولرسوله وأئمة المسلمين وعامتهم) قال أئمتنا: النصيحة لله ~~ولرسوله وأئمة المسلمين وعامتهم واجبة قال الإمام أبو سليمان البستي: ~~النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة إرادة الخير للمنصوح له وليس يمكن أن يعبر ~~عنها بكلمة واحدة تحصرها، ومعناها في اللغة الإخلاص من قولهم نصحت العسل ~~إذا خلصته من شمعه وقال أبو بكر # ابن أبي إسحاق الخفاف: النصح فعل الشئ الذي فيه الصلاح والملاءمة، مأخوذ ~~من النصاح وهو الخيط الذي يخاط به الثو، وقال أبو إسحاق الزجاج نحوه، ~~فنصيحة الله تعالى صحة الاعتقاد له بالوحدانية ووصفه بما هو أهله وتنزيهه ~~عما لا يجوز عليه والرغبة في محابه والبعد من مساخطه والإخلاص في عبادته ~~والنصحية لكتابه: الإيمان به والعمل PageV02P032 # بما فيه وتحسين تلاوته والتخسع عنده وتعظم له وتفهمه والتفقه فيه والذب ~~عنه من تأويل الغالين وطعن الملحدين، والصحيحة لرسوله التصديق بنبوته وبذل ~~الطاعة له فيما أمر به ونهى عنه قاله أبو سليمان، وقال أبو بكر: وموازرته ~~ونصرته وحمايته حيا وميتا، وإحياء سنته بالطلب والذب عنها ونشرها، والتخلق ~~بأخلاقه الكريمة وآدابه الجملية، وقال أبو إبراهيم إسحاق التجيبي: نصيحة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم التصديق بما جاء به والاعتصام بسنته ونشرها ~~والحض عليها والدعوة إلى الله وإلى كتابه وإلى رسوله ms225 وإليها إلى العمل بها، ~~وقال أحمد بن محمد # من مفروضات القلوب اعتقاد النصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال ~~أبو بكر الآجري وغيره النصح له يقتضي نصحين نصحا في حياته ونصحا بعد مماته ~~ففي حياته نصح أصحابه له بالنصر والمحاماة عنه ومعاداة من عاداه والسمع ~~والطاعة له وبذل النفوس وأموال دونه كما قال الله تعالى (رجال صدقوا ما ~~عاهدوا الله عليه) الآية، وقال (وينصرون الله ورسوله) الآية، وأما نصيحة ~~المسلمين له بعد وفاته فالتزام التوقير والإجلال وشدة المحبة له والمثابرة ~~على تعلم سنته والنفقة في شريعته ومحبة آل بيته وأصحابه ومجانبة من رغب عن ~~سنته وانحرف عنها وبغضه والتحذير منه والشفقة على أمته والبحث عن تعرف ~~أخلاقه وسيره وآدابه والصبر على ذلك: فعلى ما ذكره تكون النصيحة إحدى ثمرات ~~المحبة وعلامة من علاماتها كما قدمناه، وحكى (قوله التجيبى) بضم المثناة ~~الفوقانية وفتحها وكسر الجيم (3 - 2) (*) # PageV02P033 # الإمام أبو القاسم القشيري أن عمرو بن الليث أحد ملوك خراسان ومشاهير ~~الثوار المعروف بالصفار رؤى في النوم فقيل له ما فعل الله بك؟ فقال غفر لي، ~~فقيل بماذا؟ قال صعدت ذروة جبل يوما فأشرفت على جنودي فأعجبتى كثرتهم ~~فتمنيت أني حضرت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعنته ونصرته فشكر الله لي ~~ذلك وغفر لي * وما النصح لأئمة المسلمين فطاعتهم في الحق ومعونتهم فيه ~~وأمرهم به وتذكيرهم إياه على أحسن وجه وتنبيههم على ما غفلوا عنه وكتم عنهم ~~من أمور المسلمين وترك الخروج عليهم وتضريب الناس وإفساد قلوبهم عليهم ~~والصح لعامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم ومعونتهم في أمر دينهم # ودنياهم بالقول والفعل وتنبيه غافلهم وتبصير جاهلهم ورفد محتاجهم وستر ~~عوراتهم ودفع المضار عنهم وجل المنافع إليهم ### | الباب الثالث (في تعظيم أمره ووجوب توقيره وبره) # قال الله تعالى (إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله ~~وتعزروه وتوقروه) وقال (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا PageV02P034 # بين يدي الله ورسوله، و: (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت ~~النبي) الثلاث آيات وقال تعالى ms226 (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم ~~بعضا) فأوجب تعالى تعذيره وتوقيره وألزم إكرامه وتعظيمه، وقال ابن عباس ~~تعزروه تجلوه وقال المبرد تعزروه تبالغوا في تعظيمه، وقال الأخفش تنصرونه، ~~وقال الطبري تعينونه، وقرئ تعززوه براءين من العز، ونهى عن التقدم بين يديه ~~بالقول وسوء الأدب بسبقه بالكلام على قول ابن عباس وغيره هو اختيار ثعلب، ~~قال سهل ابن عبد الله لا تقولوا قبل أن يقول وإذا قال فاستمعوا له وأنصتوا، ~~ونهوا عن التقدم والتعجل بقضاء أمر قبل قضاء فيه وأن يفتاتوا بشئ في ذلك من ~~قتال أو غيره من أمر دينهم إلا بأمره ولا يسبقوه به، وإلى هذا يرجع قوله ~~الحسن ومجاهد والصحاك والسدي والثوري ثم # وعظهم وحذرهم مخالفة ذلك فقال (واتقوا الله إن الله سميع عليم) قال ~~الماوردي اتقوه يعني في التقدم، وقال السلمي اتقوا الله في إهمال حقه ~~وتضييع حرمته إنه سميع لقولكم عليم بفعلكم، ثم نهاهم عن رفع الصوت فوق صوته ~~والجهر له بالقول كما يجهر بعضهم لبعض ويرفع صوته، وقيل كما ينادي بعضهم ~~بعضا باسمه قال أبو محمد مكي أي لا تسابقوه بالكلام وتغلظوا له بالخطاب ولا ~~تنادوه باسمه نداء بعضكم PageV02P035 # لبعض ولكن عظموه ووقروه ونادوه بأشرف ما يحب أن ينادى به: يا رسول الله ~~يا نبي الله، وهذا كقوله في الآية الأخرى (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم ~~كدعاء بعضكم بعضا) على أحد التأويلين وقال غيره لا تحاطبوه إلا مستفهمين، ~~ثم حوفهم الله تعالى بحبط أعمالهم إن هم فعلوا ذلك وحذرهم منه، قيل نزلت ~~الآية في وفد بني تميم وقيل في غيرهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فنادوه ~~يا محمد يا محمد اخرج إلينا فذمهم الله تعالى بالجهل ووصفهم بأن أكثرهم لا ~~يعقلون، وقيل نزلت الآية الأولى في محاورة كانت بين أبي بكر وعمر بين يدي ~~النبي صلى الله عليه وسلم واختلاف جري بينهما حتى ارتفعت أصواتهما وقيل ~~نزلت في ثابت بن قيس بن شماس خطيب النبي صلى الله عليه وسلم في مخافرة بني ~~تميم ms227 وكان في أذنيه صمم فكان يرفع صوته، فلما نزلت هذه الآية أقام في منزله ~~وخشي أن يكون حبط عمله ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا نبي الله ~~لقد خشيت أن أكون هلكت، نهانا الله أن نجهر بالقول وأنا امرؤ جهير الصوت، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم (يا ثابت أما ترضى أن تعيش # حميدا وتقتل شهيدا وتدخل الجنة؟) فقتل يوم اليمامة، وروي أن أبا بكر لما ~~نزلت هذه الآية قال والله يا رسول الله لا أكلمك بعدها إلا كأخي السرار وأن ~~عمر كان إذا حدثه حدثه كأخي السرار ما كان يسمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه فأنزل الله PageV02P036 # تعالى فيهم (إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن ~~الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم) وقيل نزلت (إن الذين ينادونك من ~~وراء الحجرات) في غير بني تميم نادوه باسمه، وروى صفوان بن عسال بينا النبي ~~صلى الله عليه وسلم في سفر إذ ناداه أعرابي بصوت له جهوري أيا محمد أيا ~~محمد أيا محمد فقلنا له اغضض من صوتك فإنك قد نهيت عن رفع الصوت، وقال الله ~~تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا) قال بعض المفسرين هي لغة كانت ~~في الأنصار نهوا عن قولها تعظيما للنبي صلى الله عليه وسلم وتبجيلا له لأن ~~معناها ارعنا نرعك فنهوا عن قولها إذ مقتضاها كأنهم لا يرعونه إلا برعايته ~~لهم بل حقه أن يرعى على كل حال وقيل كانت اليهود تعرض بها للنبي صلى الله ~~عليه وسلم بالرعونة فنهي المسلمون عن قولها قطعا للذريعة ومنها للتشبه بهم ~~في قولها لمشاركة اللفظة. # وقيل غير هذا ### | فصل في عادة الصحابة في تعظيمه صلى الله عليه وسلم وتوقيره وإجلاله # حدثنا القاضي أبو علي الصدفي وأبو بحر الأسدي بسماعي عليهما في آخرين ~~قالوا حدثنا أحمد بن عمر حدثنا أحمد بن الحسن حدثنا محمد بن PageV02P037 # عيسى حدثنا إبراهيم بن سفيان حدثنا مسلم حدثنا محمد بن مثنى ms228 وأبو معن ~~الرقاشي وإسحاق بن منصور قالوا حدثنا الضحاك بن مخلد حدثنا حيوة بن شريح ~~حدثني يزيد بن أبي حبيب عن ابن شماسة المهري قال حضرنا عمرو بن العاص فذكر ~~حديثا طويلا فيه عن عمرو قال وما كان أحد أحب إلي من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولا أجل في عيني منه وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له ~~ولو سئلت أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عينى وروى الترمذي عن أنس أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج على أصحابه من المهاجرين والأنصار ~~وهم جلوس فيهم أبو بكر وعمر فلا يرفع أحد منهم إليه بصره إلا أبو بكر وعمر ~~فإنهما كانا ينظران إليه وينظر إليهما ويتبسمان إليه ويتبسم لهما، وروى ~~أسامة بن شريك قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حوله كأنما على ~~رؤسهم الطير، وفي حديث صفته إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤسهم الطير، ~~وقال عروة بن مسعود حين PageV02P038 # وجهته قريش عام القضية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى من تعظيم ~~أصحابه له ما رأى وأنه لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوئه وكادوا يقتتلون عليه ولا ~~يبصق بصاقا ولا يتخم نخامة إلا تلقوها بأكفهم فدلكوا بها وجوههم وأجسادهم ~~ولا تسقط منه شعرة إلا ابتدروها وإذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره وإذا تكلم ~~خفضوا أصواتهم عنده وما يحدون إليه النظر تعظيما له فلما رجع إلى قريش قال ~~يا معشر قريش إني جئت كسرى في ملكه وقيصر في ملكه والنجاشي في ملكه وإني ~~والله ما رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد في أصحابه، وفي رواية إن رأيت ملكا ~~قط يعظمه أصحابه ما يعظم محمد أصحابه، وقد رأيت قوما لا يسلمونه أبدا، وعن ~~أنس لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحلاق يحلقه وأطاف به أصحابه ~~فما يرويدن أن تقع شعرة إلا في يد رجل ومن هذا لما أذنت قريش لعثمان في ~~الطواف بالبيت حين وجهه النبي صلى الله عليه ms229 وسلم إليهم في القضية أبى وقال ~~ما كنت لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي حديث طلحة أن ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV02P039 # قالوا لأعرابي جاهل سله عمن قضى نحبه، وكانوا يهابونه ويوقرونه، فسأله ~~فأعرض عنه إذ طلع طلحة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم # (هذا ممن قضى نحبه، وفي حديث قيلة: فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم جالسا القرفصاء أرعدت من الفرق وذلك هيبة له وتعظيما، وفي حديث ~~المغيرة كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرعون بابه بالأظافر، ~~وقال البراء بن عازب لقد كنت أريد أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الأمر فأؤخر سنين من هيبته ### | فصل واعلم أن حرمة النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته وتوقيره وتعظيمه لازم كما كان حال حياته # وذلك عند ذكره صلى الله عليه وسلم وذكر حديثه وسنته وسماع اسمه وسيرته ~~ومعاملة آله وعترته وتعظيم أهل بيته وصحابته قال أبو إبراهيم التجيبي واجب ~~على كل مؤمن متى ذكره أو ذكر عنده أن يخضع ويخشع ويتوقر ويسكن من حركته ~~ويأخذ في هيبته وإجلاله بما كان يأخذ به نفسه لو كان بين يديه ويتأدب بما ~~أدبنا الله به، قال القاضي أبو الفضل وهذه كانت سيرة سلفنا الصالح وأئمتنا ~~الماضين رضي الله عنهم حدثنا القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن ~~PageV02P040 # الأشعري وأبو القاسم أحمد بن بقي الحاكم وغير واحد فيما أجازونيه قالو ~~أخبرنا أبو العباس أحمد بن عمر بن دلهاث قال حدثنا أبو الحسن علي بن فهر ~~حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد بن الفرج حدثنا أبو الحسن عبد الله بن المنتاب ~~حدثنا يعقوب بن إسحاق بن أبي إسرائيل حدثنا ابن # حميد قال ناظرا أبو جعفر أمير المؤمنين مالكا في مسجد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال له مالك يا أمير المؤمنين لا ترفع صوتك في هذا المسجد فإن ~~الله تعالى أدب قوما فقال (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت ms230 النبي) الآية، ومدح ~~قوما فقال (إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله) الآية، وذم قوما فقال ~~(إن الذين ينادونك) الآية وإن حرمته ميتا كحرمته حيا فاستكان لها أبو جعفر ~~وقال يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم؟ فقال ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عيه السلام ~~إلى الله تعالى يوم القيامة؟ بل استقبله واستشفع به فيشفعه الله قال الله ~~تعالى (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم) الآية وقال مالك - وقد سئل عن أيوب ~~السختياني - ما حدثتكم عن أحد إلا وأيوب أفضل منه، قال وحج حجتين فكنت ~~أرمقه ولا اسمع منه غيرا أنه كان إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى ~~أرحمه فلما رأيت منه ما رأيت وإجلاله للنبي صلى الله وسلم كتبت عنه، وقال ~~مصعب بن عبد الله PageV02P041 # كان مالك إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم يتغير لونه وينحني حتى يصعب ~~ذلك على جلسائه فقيل له يوما في ذلك فقال لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم علي ~~ما ترون ولقد كنت أرى محمد بن المنكدر وكان سيد القراء لا نكاد سأله عن ~~حديث أبدا إلا يبكي حتى نرحمه ولقد كنت أرى جعفر بن محمد وكان كثير الدعابة ~~والتبسم فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم اصفر وما رأته يحدث عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على طهارة، ولقد اختلفت إليه زمانا فما ~~كنت أراه إلا على ثلاث خصال إما مصليا وإما صامتا وإما يقرأ القرآن ولا ~~يتكلم فيما لا يعنيه وكان من العلماء والعباد الذين يخشون الله عز وجل، ~~ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم فينظر إلى ~~لونه كأنه نزف منه الدم وقد جف لسانه في فمه هيبة منه لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولقد كنت آتي عامر بن عبد الله بن الزبير فإذا ذكر عنده النبي ~~صلى الله عليه وسلم بكى حتى لا يبقى في عينيه ms231 دموع، ولقد رأيت الزهري وكان ~~من أهنأ الناس وأقربهم فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم فكأنه ما ~~عرفك ولا عرفته، لقد كنت آتي صفوان بن سليم وكان من المتعبدين PageV02P042 # المجتهدين فإذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى فلا يزال يبكي حتى يقوم ~~الناس عنه ويتركوه، وروي عن قتادة أنه كان إذا سمع الحديث أحذه العويل ~~والزويل ولما كثر على مالك الناس قيل له لو جعلت مستمليا يسمعهم، فقال قال ~~الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) وحرمته ~~حيا وميتا سواء، وكان ابن سيرين ربما يضحك فإذا ذكر عنده حديث النبي صلى ~~الله عليه وسلم خشع وكان عبد الرحمن بن مهدي إذا قرأ حديث النبي صلى الله ~~عليه وسلم أمرهم بالسكوت وقال (لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) وبتأول ~~أنه # يجيب له من الإنصات عند قراءة حديثه ما يجب له عند سماع قوله ### | فصل في سيرة السلف في تعظيم رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته # حدثنا الحسين بن محمد الحافظ حدثنا أبو الفضل بن خيرون حدثنا أبو بكر ~~البرقاني وغيره حدثنا أبو الحسن الدارقطني حدثنا علي بن مبشر حدثنا أحمد بن ~~سنان القطان حدثنا يزيد بن هارون حدثنا المسعودي عن مسلم البطين عن عمرو بن ~~ميمون قال اختلفت إلى ابن PageV02P043 # مسعود سنة فما سمعته يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنه حدث ~~يوما فجرى على لسانه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم علاه كرب حتى ~~رأيت العرق يتحدر عن جبهته ثم قال هكذا إن شاء الله أو فوق ذا أو ما دون ذا ~~أو ما هو قريب من ذا، وفي رواية فتربد وجهه وفي رواية وقد تغرغرت عيناه ~~وانفخت أوداجه: وقال إبراهيم بن عبد الله بن قريم الأنصاري قاضي المدينة مر ~~مالك ابن أنس على أبي حازم وهو يحدث فجازه وقال إني لم أجد موضعا أجلس فيه ~~فكرهت أن آخذ حديث رسول الله صلى الله ms232 عليه وسلم وأنا قائم وقال مالك جاء ~~رجل إلى ابن المسيب فسأله عن حديث وهو مضطجع فجلس وحدثه فقال له الرجل وددت ~~أنك لم تتعن فقال # إني كرهت أن أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مضطجع * وروي عن ~~محمد بن سيرين أنه قد يكون يضحك فإذا ذكر عنده حديث النبي صلى الله عليه ~~وسلم خشع * وقال أبو مصعب كان مالك بن أنس لا يحدث بحديث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلا وهو على وضوء إجلالا له * وحكى مالك ذلك عن جعفر بن ~~محمد، وقال مصعب ابن عبد الله كان مالك بن أنس إذا حدث عن رسول الله صلى ~~الله عليه PageV02P044 # وسلم توضأ وتهيأ ولبس ثيابه ثم يحدث قال مصعب فسئل عن ذلك فقال إنه حديث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مطرف كان إذا أتى الناس مالكا خرجت إليهم ~~الجارية فتقول لهم يقول لكم الشيخ تريدون الحديث أو المسائل؟ فإن قالوا ~~المسائل خرج إليهم وإن قالوا الحديث دخل مغتسله واغتسل وبطيب ولبس ثيابا ~~جددا ولبس ساجه وتعمم ووضع على رأسه رداءه وتلقى له مصة فيخرج فيجلس عليها ~~وعليه الخشوع ولا يزال يبخر بالعود حتى يفرغ من حديث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال غيره ولم يكن يجلس على تلك المنصة إلا إذا حدث عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، قال ابن أبي أويس فقيل لمالك في ذلك فقال أحب أن أنظم ~~حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحدث به إلا على طهارة متمكنا، قال ~~وكان يكره أن يحدث في الطريق أو وهو قائم أو مستعجل وقال أحب أن أفهم # حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ضرار بن مرة كانوا يكرهون أن ~~يحدثوا على غير وضوء ونحوه عن قتادة وكان الأعمش PageV02P045 # إذا حدث وهو على غير وضوء تيمم، قال عبد الله بن المبارك كنت عند مالك ~~وهو يحدثنا فلدغته عقرب ست عشرة مرة وهو يتغير لونه ويصفر ولا يقطع حديث ms233 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما فرغ من المجلس وتفرق عنه الناس قلت له ~~يا أبا عبد الله لقد رأيت منك اليوم عجبا قال نعم إنما صبرت إجلالا لحديث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال ابن مهدي مشيت يوما مع مالك إلى العقيق فسألته عن حديث فاتتهرنى وقال ~~لي كنت في عيني أجل من أن تسأل عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ~~نمشي، وسأله جرير ابن عبد الحميد القاضي عن حديث وهو قائم فأمر بحبسه، فقيل ~~له إنه قاض، قال: القاضي أحق من أدب، وذكر أن هشام بن الغازي # سأل مالكا عن حديث وهو واقف فضربه عشرين سوطا ثم أشفق عليه فحدثه عشرين ~~حديثا فقال هشام وددت لو زادني سياطا ويزيدني حديثا، قال عبد الله بن صالح ~~كان مالك والليث لا يكتبان الحديث إلا وهما طاهران، وكان قتادة يستحب أن لا ~~يقرأ أحاديث PageV02P046 # النبي صلى الله عليه وسلم إلا على وضوء ولا يحدث إلا على طهارة، وكان ~~الأعمش إذا أراد أن يحدث وهو على غير وضوء تيمم ### | فصل ومن توقيره صلى الله عليه وسلم وبره بر آله وذريته وأمهات المؤمنين # أزواجه كما حض عليه صلى الله عليه وسلم وسلكه السلف الصالح رضي الله عنهم ~~قال الله تعالى (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) الآية: وقال ~~تعالى (وأزواجه أمهاتهم) * أخبرنا الشيخ أبو محمد بن أحمد العدل من كتابه ~~وكتبت من أصله حدثنا أبو الحسن المقري الفرغاني حدثتني أم القاسم بنت الشيخ ~~أبي بكر الخفاف قالت حدثني أبي حديثا حاتم هو ابن عقيل حدثنا يحيى هو ابن ~~إسماعيل حدثنا يحيى هو الحماني حدثنا وكيع عن أبيه عن سعيد بن مسروق عن ~~يزيد بن حيان عن زيد بن أرقم رضي الله عنه # قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أنشدكم الله أهل بيتي - ثلاثا -) ~~قلنا لزيد من أهل بيته؟ قال آل علي وآل جعفر وآل عقيل وآل العباس، وقال صلى ~~الله عليه وسلم (إني تارك ms234 فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا: كتاب الله وعترتي ~~أهل بيتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما) وقال صلى الله عليه وسلم معرفة آل ~~محمد صلى الله عليه وسلم براءة PageV02P047 # من النار وحب آل محمد جواز على الصراط والولاية لآل محمد أمان من العذاب ~~قال بعض العلماء معرفتهم هي معرفة مكانهم من النبي صلى الله عليه وسلم وإذا ~~عرفهم بذلك عرف وجوب حقهم وحرمتهم بسببه * وعن عمر بن أبي سلمة لما نزلت ~~(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) الآية - وذلك في بيت أم سلمة ~~- دعا فاطمة وحسنا وحسينا فجللهم بكساء وعلي خلف ظهره ثم قال اللهم هؤلاء ~~أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا * وعن سعد بن أبي وقاص لما نزلت ~~آية المباهلة دعا النبي صلى الله عليه وسلم عليا وحسنا وحسينا وفاطمة وقال ~~(اللهم هؤلاء أهلي) وقال النبي صلى الله عليه وسلم في علي (من كنت مولاه ~~فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه) وقال فيه (لا يحبك إلا مومن ~~ولا يبغضك إلا منافق) وقال للعباس (والذي نفسه بيده لا يدخل قلب رجل ~~الإيمان حتى يحبك لله ورسوله ومن آذى عمي فقد آذاني، وإنما عم الرجل صنو ~~أبيه) وقال للعباس (اغد علي يا عم مع ولدك) فجمعهم وجللهم بملاءته وقال ~~(هذا عمي وصنو # أبي وهؤلاء أهل بيتي فاسترهم من النار كستري إياهم) فأمنت أسكفة الباب ~~وحوائط البيت آمين آمين، وكان يأخذ بيد أسامة بن زيد والحسن PageV02P048 # ويقول (اللهم إني أحبهما فأحبهما) وقال أبو بكر رضي الله عنه ارقبوا ~~محمدا في أهل بيته، وقال أيضا والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي، وقال صلى الله عليه وسلم (أحب الله من ~~أحب حسنا) وقال (من أحبني وأحب هذين - وأشار إلى حسن وحسين - وأباهما ~~وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة) وقال صلى الله عليه وسلم (من أهان ~~قريشا أهانه الله) وقال صلى الله عليه وسلم (قدموا قريشا ولا تقدموها) ms235 وقال ~~صلى الله عليه وسلم لأم سلمة (لا تؤذيني في عائشة) ومن عقبة بن الحارث رأيت ~~أبا بكر رضي الله عنه وجعل الحسن على عنقه وهو يقول: بأبي شبيه بالنبي * ~~ليس شبيها بعلي. # وعلي رضي الله عنه يضحك * وروي عن عبد الله بن حسن بن حسين قال أتيت عمر ~~بن عبد العزيز في حاجة فقال لي إذا كان لك حاجة فأرسل إلي أو اكتب فإني ~~أستحيي من الله أن يراك على بابي * وعن الشعبى PageV02P049 # قال صلى زيد بن ثابت على جنازة أمه ثم قربت له بغلته ليركبها فجاء ابن ~~عباس فأخذ بركابه فقال زيد خل عنه يا ابن عم رسول الله فقال هكذا نفعل ~~بالعلماء فقبل زيد يد ابن عباس وقال هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا، ~~ورأى ابن عمر محمد بن أسامة بن زيد فقال ليت هذا عبدي فقيل له هو محمد بن ~~أسامة، فطأطأ ابن عمر رأسه ونقر بيده الأرض وقال لو رآه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لأحبه، وقال الأوزاعي دخلت بنت أسامة بن زيد صاحب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على عمر بن عبد العزيز ومعها مولى لها يمسك بيدها فقام لها ~~عمر ومشى إليها حتى جعل يديها بين يديه ويداه في ثيابه ومشى بها حتى أجلسها ~~على مجلسه وجلس بين يديها وما ترك لها حاجة إلا قصاها ولما فرص عمر بن ~~الخطاب لابنه عبد الله في ثلاثة آلاف ولأسامة بن زيد في ثلاثة آلاف ~~وخمسمائة PageV02P050 # قال عبد الله لأبيه لم فضلته فو الله ما سبقني إلى مشهد؟ فقال له لأن ~~زيدا كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك وأسامة أحب إليه ~~منك فآثرت حب رسول الله صلى الله عليه وسلم على حبي * وبلغ معاوية أن كابس ~~بن ربيعة يشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم فلما دخل عليه من باب الدار ~~قام عن سريره وتلقاه وقبل بين عينيه وأقطعه المرعاب لشبهه صورة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ms236 * وروي أن مالكا رحمه الله لما ضربه جعفر بن سلميان ~~ونال منه ما نال وحمل مغشيا عليه دخل عليه الناس فأفاق فقال أشهدكم أني ~~جعلت ضاربي في حل، فسئل بعد ذلك فعال خفت أن أموت فألقى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأستحيي منه أن يدخل بعض آله النار بسببي. # وقيل إن المنصور أفاده من جعفر فقال له أعوذ بالله والله ما ارتفع منها ~~سوط عن جسمي إلا وقد جعلته في حل لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وقال أبو بكر بن عياش لو أتاني أبو بكر وعمر PageV02P051 # وعلي لبدأت بحاجة علي قبلهما لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ولأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلى من أن أقدمه عليهما، وقيل لابن عباس ~~ماتت فلانة - لبعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم - فسجد فقيل له أتسجد ~~هذه الساعة؟ فقال أليس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا رأيتم آية ~~فاسجدوا) ؟ وأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم؟ وكان أبو ~~بكر وعمر يزوران أم أيمن مولاة النبي صلى الله عليه وسلم ويقولان كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يزورها ولما وردت حليمة السعدية على النبي صلى ~~الله عليه وسلم بسط لها رداءه وقضى حاجتها، فلما توفي وفدت على أبي بكر ~~وعمر فصنعا بها مثل ذلك. ### | فصل ومن توقيره وبره صلى الله عليه وسلم توقير أصحابه # وبرهم ومعرفة حقهم والاقتداء بهم وحسن الثناء عليهم والاستغفار لهم ~~والإمساك عما شجر بينهم ومعاداة من عاداهم والإضراب عن أخبار المؤرخين ~~وجهلة الرواة وضلال الشيعة والمبتدعين القادحة في أحد منهم وأن يلتمس لهم ~~فيما نقل عنهم من مثل ذلك فيما كان بينهم من الفتن أحسن التأويلات ويخرج ~~لهم أصوب المخارج إذ هم أهل ذلك ولا يذكر PageV02P052 # أحد منهم بسوء ولا يغمص عليه أمر بل نذكر حسناتهم وفضائلهم وحميد سيرهم ~~ويسكت عما وراء ذلك كما قال صلى الله عليه وسلم (إذا ذكر أصحابي فأمسكوا) ~~قال الله تعالى ms237 (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم) ~~إلى آخر السورة، وقال (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار) الآية ~~وقال تعالى (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) وقال (رجال ~~صدقوا ما عاهدوا الله عليه) الآية. # حدثنا القاضي أبو علي حدثنا أبو الحسين وأبو الفضل قالا حدثنا أبو يعلى ~~حدثنا أبو علي السنجي حدثنا محمد بن محبوب حدثنا الترمذي حدثنا الحسن بن ~~الصباح حدثنا سفيان بن عيينة عن زائدة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن ~~حراش عن حذيفة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اقتدا باللذين من ~~بعدي أبي بكر وعمر) وقال (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) وعن أنس ~~رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (مثل أصحابي كمثل الملح ~~في الطعام لا يصلح الطعام إلا به) وقال (الله الله في أصحابي لا تتخذوهم ~~غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد ~~آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن PageV02P053 # يأخذه وقال لا تسبوا أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ~~ولا نصيفه وقال من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا ~~يقبل الله منه صرفا ولا عدلا وقال إذا ذكر أصحابي فأمسكوا وقال في حديث ~~جابر إن الله اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين واختار ~~لي منهم أربعة أبا بكر وعمر وعثمان وعليا فجعلهم خير أصحابي وفي أصحابي ~~كلهم خير) وقال (من أحب عمر فقد أحبني ومن أبغض عمر فقد أبغضني وقال مالك ~~بن أنس وغيره: من أبغض الصحابة وسبهم فليس له في فئ المسلمين حق ونزع بآية ~~الحشر (والذين جاؤا من بعدهم) الآية، وقال: من غاظه أصحاب محمد فهو كافر ~~قال الله تعالى (ليغيظ بهم الكفار) وقال عبد الله بن المبارك: خصلتان من ~~كانتا فيه نجا: الصدق وحب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، قال أيوب ~~السختياني: من أحب أبا بكر ms238 فقد أقام الدين ومن أحب عمر فقد أوضح السبيل ومن ~~أحب عثمان فقد استضاء بنور الله ومن أحب عليا فقد أخذ بالعروة الوثقى ومن ~~أحسن الثناء على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فقد برئ من النفاق ومن ~~انتقص أحدا منهم فهو مبتدع مخالف للسنة والسلف الصالح وأخاف أن PageV02P054 # لا يصعد له عمل إلى السماء حتى يحبهم جميعا ويكون قلبه سليما * وفي حديث ~~خالد بن سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أيها الناس إني راض عن أبي ~~بكر فاعرفوا له ذلك أيها الناس إني راض عن عمر وعن علي وعن عثمان وطلحة ~~والزبير وسعد سعيد وعبد الرحمن بن عوف فاعرفوا لهم ذلك أيها الناس إن الله ~~غفر لأهل بدر والحديبية، أيها الناس احفظوني في أصحابي وأصهاري وأختاني لا ~~يطالبنكم أحد منهم بمظلمة فإنها مظلمة لا توهب في القيامة غدا) وقال رجل ~~للمعافى بن عمران: أين عمر بن عبد العزيز من معاوية فغضب وقال لا يقاس ~~بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد: معاوية صاحبه وصهره وكاتبه وأمينه ~~على وحي الله، وأتي النبي صلى الله عليه وسلم بجنازة رجل فلم يصل عليه وقال ~~(كان يغض عثمانا فأبغضه الله، وقال صلى الله عليه وسلم في الأنصار (اعفوا ~~عن مسيئهم واقبلوا من محسنهم) وقال (احفظوني في أصحابي وأصهاري فإنه من ~~حفظني فيهم حفظه الله في الدنيا والآخرة ومن لم يحفظني فيهم تخلى الله منه ~~ومن تخلى الله منه يوشك أن يأخذه) وعنه صلى الله عليه وسلم (من حفظني في ~~أصحابي كنت له حافظا يوم القيامة) وقال (من حفظني في PageV02P055 # أصحابي ورد علي الحوض ومن لم يحفظني في أصحابي لم يرد علي الحوض ولم يرني ~~إلا من بعيد) قال مالك رحمه الله هذا النبي مؤدب الخلق الذي هدانا الله به ~~وجعله رحمة للعالمين يخرج في جوف الليل إلى البقيع فيدعو لهم ويستغفر ~~كالمودع لهم وبذلك أمره الله وأمر النبي بحبهم وموالاتهم ومعاداة من ~~عاداهم، وروي عن كعب ليس أحد من أصحاب محمد ms239 صلى الله عليه وسلم إلا له ~~شفاعة يوم القيامة، وطلب من المغيرة بن نوفل أن يشفع له يوم القيامة قال ~~سهل بن عبد الله التستري: لم يؤمن بالرسول من لم يوقر أصحابه ولم يعز ~~أوامره ### | فصل ومن إعظامه وإكباره إعظام جميع أسبابه وإكرام مشاهده وأمكنته من مكة والمدينة ومعاهده وما لمسه صلى الله عليه وسلم أو عرف به # وروي عن صفية بنت نجدة قالت كان لأبي محذورة قصة في مقدم رأسه إذا قعد ~~وأرسلها أصابت الأرض فقيل له ألا تحلقها فقال لم أكن بالذي أحلقها وقد مسها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، وكانت قلنسوة خالد بن الوليد شعرات من ~~شعره صلى الله عليه وسلم فسقطت قلنسوته في بعض حروبه فشد عليها شدة أنكر ~~عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كثرة من قتل فيها فقال لم أفعلها بسبب ~~القلنسوة بل لما تضمنته PageV02P056 # من شعره صلى الله عليه وسلم لئلا أسلب بركتها وتقع في أيدي المشركين، ~~ورؤى ابن عمر واضعا يده على مقعد النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر ثم ~~وضعها على وجهه، ولهذا كان مالك رحمه الله لا يركب بالمدينة دابة # وكان يقول أستحيي من الله أن أطأ تربة فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بحافر دابة، وروي عنه أنه وهب للشافعي كراعا كثيرا كان عنده فقال الشافعي ~~أمسك منها دابة فأجابه بمثل هذا الجواب وقد حكى أبو عبد الرحمن السلمي عن ~~أحمد بن فضلويه الزاهد وكان من العزاة الرماة أنه قال: ما مسست القوس بيدي ~~إلا على طهارة منذ بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ القوس بيده، وقد ~~أفتى مالك فيمن قال تربة المدينة ردية يضرب ثلاثين درة وأمر بحسبه وكان له ~~قدر وقال ما أحوجه إلى ضرب عنقه: تربة دفن فيها النبي صلى الله عليه وسلم ~~يزعم أنها غير طيبة! وفي الصحيح أنه قال صلى الله عليه وسلم في المدينة (من ~~أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس ms240 أجمعين لا ~~يقبل الله منه صرفا ولا عدلا) وحكي أن جهجاها الغفاري أخذ قضيب النبي صلى ~~الله عليه وسلم من يد عثمان رضي الله عنه وتناوله ليكسره على ركبته ~~PageV02P057 # فصاح به الناس فأخذته الأكلة في ركبته فقطعها ومات قبل الحول وقال صلى ~~الله عليه وسلم (من خلف على منبري كاذبا فليتبوأ مقعد، من النار) وحدثت أن ~~أبا الفضل الجوهري لما ورد المدينة زائرا وقرب من بيوتها ترجل ومشى باكيا ~~منشدا # ولما رأينا رسم من لم يدع لنا * فؤادا لعرفان الرسوم ولا لبا نزلنا عن ~~الأكوار نمشي كرامة * لمن بان عنه أن نلم به ركبا وحكي عن بعض المريدين أنه ~~لما أشرف على مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم أنشأ يقول متمثلا رفع الحجاب ~~لنا فلاح لناظر * قمر تقطع دونه الأوهام وإذا المطي بنا بلعن محمدا * ~~فظهورهن على الرحال حرام قربننا من خير من وطئ الثرى * فلها عليا حرمة ~~وذمام وحكي عن بعض المشايخ أنه حج ماشى فقيل له في ذلك فقال العبد الأبق ~~يأتي إلى بيت مولاه راكبا لو قدرت أن أمشي على رأسي ما مشيت على قدمي، قال ~~القاضي وجدير لمواطن عمرت بالوحي والتنزيل وتردد بها جبريل وميكائيل وعرجت ~~منها الملائكة والروح وضجت عرصاتها بالتقديس والتسبيح واشتملت تربتها على ~~جسد سيد البشر PageV02P058 # وانتشر عنها من دين الله وسنة رسوله ما انتشر مدارس آيات ومساجد وصلوات ~~ومشاهد الفضائل والخيرات ومعاهد البراهين والمعجزات ومناسك الدين ومشاعر ~~المسلمين ومواقف سيد المرسلين ومتبوأ خاتم النبيين حيث انفجرت النبوة وأين ~~فاض عبابها ومواطن طويت فيها لرسالة وأول أرض مس جلد المصطفى ترابها أن ~~نعظم عرصاتها وتتنسم نفحاتها # وتقبل ربوعها وجدراتها يا دار خير المرسلين ومن به * هدى الأنام وخص ~~بالآيات عندي لأجلك لوعة وصبابة * وتشوق متوقد الجمرات وعلي عهد إن ملأت ~~محاجري * من تلكم الجدرات والعرصات لأعفرن مصون شيبي بينها * من كثرة ~~التقبيل والرشفات لولا العوادي والأعادي زرتها * أبدا ولو سحبا على الوجنات ~~لكن سأهدي من حفيل تحيتي * لقطين تلك الدار والحجرات أزكى من ms241 المسك المفتق ~~نفحة * تغشاه بالآصال والبكرات وتخصه بزواكي الصلوات * ونوامي التسليم ~~والبركات PageV02P059 ### | الباب الرابع في حكم الصلاة عليه والتسليم وفرض ذلك وفضيلته # قال الله تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي) الآية، قال ابن عباس ~~معناه أن الله وملائكته يباركون على النبي، وقيل إن الله يترحم على النبي ~~وملائكته يدعون له قال المبرد وأصل الصلاة الترحم فهي من الله رحمة فهي من ~~الله رحمة ومن الملائكة رقة واستدعاء للرحمة من الله، وقد ورد في # الحديث (صفة صلاة الملائكة على من جلس ينتظر الصلاة اللهم اغفر له اللهم ~~ارحمه) فهذا دعاء، وقال بكر القشيري: الصلاة من الله تعالى لمن دون النبي ~~صلى الله عليه وسلم رحمة وللنبي صلى الله عليه وسلم تشريف وزيادة تكرمة، ~~وقال أبو العالية: صلاة الله وثناؤه عليه عند الملائكة وصلاة الملائكة ~~الدعاء قال القاضي أبو الفضل: وقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ~~تعليم الصلاة عليه بين لفظ الصلاة ولفظ البركة فدل أنهما بمعنيين، وأما ~~التسليم الذي أمر الله تعالى به عباده فقال القاضي أبو بكر بن بكير نزلت ~~هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم فأمر الله أصحابه أن يسلموا عليه ~~وكذلك من بعدهم أمروا أن يسلموا على النبي صلى الله عليه وسلم عند حضورهم ~~قبره وعند ذكره، وفي معني السلام عليه ثلاثة وجوه: أحدهما السلامة لك ومعك، ~~ويكون السلام مصدرا كاللذاذ واللذاذة. # الثاني أي السلام على حفظك ورعايتك متول # PageV02P060 # له وكفيل به ويكون هنا السلام اسم الله. # الثالث أن السلام بمعني المسالمة له والانقياد كما قال (فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما) ### | فصل اعلم أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فرض على الجملة غير محدد بوقت # لأمر الله تعالى بالصلاة عليه وحمل الأئمة والعلماء له على الوجوب ~~وأجمعوا عليه وحكى أبو جعفر الطبري أن محمل الآية عنده على الندب وادعى فيه ~~الإجماع ولعله فيما زاد على مرة ms242 والواجب منه الذي يسقط به الحرج ومأثم ترك ~~الفرض مرة كالشهادة له بالنبوة وما عدا ذلك فمندوب مرغب فيه من سنن الإسلام ~~وشعار أهله، قال القاضي أبو الحسن بن القصار: المشهور عن أصحابنا أن ذلك ~~واجب في الجملة على الإنسان وفرض عليه أن يأتي بها مرة من دهره مع القدرة ~~على ذلك، وقال القاضي أبو بكر بن بكير: افترض الله على خلقه أن يصلوا على ~~نبيه ويسلموا تسليما ولم يجعل ذلك لوقت معلوم فالواجب أن يكثر المرء منها ~~ولا يغفل عنها، قال القاضي أبو محمد بن نصر: الصلاة على النبي صلى الله ~~عليه وسلم واجبة في الجملة قال القاضي أبو عبد الله محمد بن سعيد: ذهب مالك ~~وأصحابه وغيرهم من أهل العلم أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فرض ~~بالجملة بعقد الإيمان لا يتعين في الصلاة # PageV02P061 # وأن من صلى عليه مرة واحدة من عمره سقط الفرض عنه. # وقال أصحاب الشافعي: الفرض منها الذي أمر الله تعالى به ورسوله صلى الله ~~عليه وسلم هو في الصلاة، وقالوا وأما في غيرها فلا خلاف أنها غير واجبة ~~وأما في الصلاة فحكى الإمامان أبو جعفر الطبري والصحاوى وغيرهما إجماع جميع ~~المتقدمين والمتأخرين من علماء الأمة على أن الصلاة على النبي صلى الله ~~عليه وسلم في التشهد غير واجبة، وشذ الشافعي في ذلك فقال من لم يصل على ~~النبي صلى الله عليه وسلم من بعده التشهد الآخر قبل السلام فصلاته فاسدة ~~وإن صلى عليه قبل ذلك لم تجزه ولا سلف له في هذا القول ولا سنة يتبعها وقد ~~بالغ في إنكار هذه المسألة عليه لمخالفته فيها من تقدمه جماعة وشنعوا عليه ~~الخلاف فيها منهم الطبري والقشيري وغير واحد، وقال أبو بكر بن المنذر: ~~يستحب أن لا يصلي أحد صلاة إلى صلى فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فإن ترك ذلك تارك فصلاته مجزئة في مذهب مالك وأهل المدينة وسفيان الثوري ~~وأهل الكوفة من أصحاب الرأي وغيرهم وهو قول جمل أهل العلم ms243 وحكي عن مالك ~~وسفيان PageV02P062 # أنها في التشهد الأخر مستحبة وأن تاركها في التشهد مسئ، وشذا الشافعي ~~فأوجب على تاركها في الصلاة الإعادة وأوجب إسحاق الإعادة مع تعمد تركها دون ~~النسيان وحكى أبو محمد بن أبي زيد عن محمد بن المواز أن الصلاة على النبي ~~صلى الله عليه وسلم فريضة، قال أبو محمد يريد ليست من فرائض الصلاة، وقاله ~~محمد بن عبد الحكم وغيره وحكى ابن القصار وعبد الوهاب أن محمد بن المواز ~~يراها فريضة في الصلاة كقول الشافعي وحكى أبو يعلى العبدي المالكي عن ~~المذهب فيها ثلاثة أقوال: الوجوب والسنة والندب وقد خالف الخطابي من أصحاب ~~الشافعي وغيره الشافعي في هذه المسألة قال الخطابي وليست بواجبة في الصلاة ~~وهو قول جماعة الفقهاء إلا الشافعي ولا أعلم له فيها قدوة والدليل على أنها ~~ليست من فروض الصلاة عمل السلف الصالح قبل الشافعي وإجماعهم عليه، وقد شنع ~~الناس عليه هذه المسألة جد وهذا تشهد ابن مسعود الذي اختاره الشافعي وهو ~~الذي علمه له النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيه الصلاة على النبي صلى # الله عليه وسلم وكذلك كل من روى التشهد عن النبي صلى الله عليه وسلم كأبي ~~هريرة وابن عباس وجابر وابن عمر وأبي سعيد الخدري وأبي موسى الأشعري وعبد ~~الله بن الزبير لم يذكروا فيه صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وقد ~~PageV02P063 # قال ابن عباس وجابر كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما ~~يعلمنا السورة من القرآن، ونحوه عن أبي سعيد، وقال ابن عمر كان أبو بكر ~~يعلمنا التشهد على المنبر كما يعلمون الصبيان في الكتاب، وعلمه أيضا على ~~المنبر عمر بن الخطاب رضي الله عنه وفي الحديث (لا صلاة لمن لم يصل علي) ~~قال ابن القصار معناه كاملة أو لمن لم يصل علي مرة في عمره، وضعف أهل ~~الحديث كلهم رواية هذا الحديث وفي حديث أبي جعفر عن ابن مسعود عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم (من صلى صلاة لم يصل فيها علي وعلى أهل ms244 بيتي لم تقبل منه) ~~قال الدارقطني: الصواب أنه من قول أبي جعفر محمد بن الحسين لو صليت صلاة لم ~~أصل فيها على النبي صلى الله عليه وسلم ولا على أهل بيته لرأيت أنها لا تتم ### | فصل في المواطن التي يستحب فيها الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم # ويرغب من ذلك في تشهد الصلاة كما قدمناه وذلك بعد التشهد وقبل الدعاء ~~حدثنا القاضي أبو علي رحمه الله بقراءتي عليه قال حدثنا الإمام أبو القاسم ~~البلخي قال حدثنا الفارسي عن أبي القاسم الخزاعي عن أبي # الهيثم بن كليب عن أبي عسيى الحافظ حدثنا محمود بن غيلان حدثنا عبد الله ~~بن يزيد المقرى حدثنا حيوة بن شريح حدثني أبو هانئ الخولاني أن عمرو بن ~~PageV02P064 # مالك الجنبي أخبره أنه سمع فضالة بن عبيد يقول سمع النبي صلى الله عليه ~~وسلم رجلا يدعو في صلاته فلم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم (عجل هذا) ثم دعاه فقال له ولغيره (إذا صلى أحدكم ~~فتيبدأ بتحميد الله والثناء عليه ثم ليصل على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ~~ليدع بعد بما شاء) ويروى من غير هذا السد بتمجيد الله وهو أصح * وعن عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه قال الدعاء والصلاة معلق بين السماء والأرض فلا يصعد ~~إلى الله منه شئ حتى يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم وعن علي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم بمعناه: وعن علي، وعلى آل محمد وروي أن الدعاء محجوب ~~حتى يصلي الداعي على النبي صلى الله عليه وسلم، وعن ابن مسعود إذا أراد ~~أحدكم أن يسأل الله شيئا فتيبدأ بمدحه والثناء عليه بما هو أهله ثم يصل على ~~النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليسأل فإنه أجدر أن ينجح، وعن جابر رضي الله ~~عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تجعلوني كقدح الراكب فإن ~~الراكب يملأ قدحه ثم يضعه ويرفع متاعه فإن احتاج إلى شراب شربه أو ms245 الوضوء ~~وضأ وإلا هراقه ولكن اجعلوني في أول الدعاء وأوسطه وآخره) * وقال ابن عطاء: ~~للدعاء أركان وأجنحة وأسباب وأوقات فإن وافق أركانه قوي وإن وافق اجنحته ~~طار في السماء وإن PageV02P065 # وافق مواقيته فاز وإن وافق أسبابه أنجح فأركانه حضور القلب والرقة ~~والاستكانة والخشوع وتعلق القلب بالله وقطعه من الأسباب وأجنحته الصدق ~~ومواقيته الأسحار وأسبابه الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم. # وفي الحديث (الدعاء بين الصلاتين لا يرد) وفي حديث آخر (كل دعاء محجوب ~~دون السماء فإذا جاءت الصلاة علي صعد الدعاء) وفي دعاء ابن عباس الذي رواه ~~عنه حنش فقال في آخره (واستجب دعائي) ثم تبدأ بالصلاة على النبي صلى الله ~~عليه وسلم فتقول: اللهم إني أسألك أن تصلي على محمد عبدك ونبيك ورسولك أفضل ~~ما صليت على أحد من خلقك أجمعين آمين، ومن مواطن الصلاة عليه عند ذكره ~~وسماع اسمه أو كتابه أو عند الآذان وقد قال صلى الله عليه وسلم (رغم أنف ~~رجل ذكرت عنده فلم يصل على) وكره ابن حبيب ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ~~عند الذبح وكره سحنون الصلاة عليه عند التعجب وقال لا يصلى عليه إلا على ~~طريق الاحتساب وطلب الثواب، وقال أصبغ عن ابن القاسم موطنان لا يذكر فيهما ~~إلا الله الذبيحة والعطاس فلا نقل فيهما تعد ذكر الله محمد رسول الله ولو ~~قال بعد ذكر الله صلى الله على محمد لم يكن تسمية له مع الله، وقاله أشهب ~~قال ولا ينبغي أن تجعل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيه استبانا ~~وروى # النسائي عن أوس بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بالإكثار من ~~الصلاة عليه يوم الجمعة، ومن مواطن الصلاة والسلام دخول المسجد قال أبو ~~إسحاق بن شعبان وينبغي لمن دخل المسجد أن يصلي على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وعلى آله ويترحم عليه ويبارك عليه وعلى آله ويسلم تسليما ويقول ~~PageV02P066 # اللهم اغفر لي دوبى وافتح لي أبواب رحمتك وإذا خرج فعل مثل ذلك وجعل موضع ~~رحمتك ms246 فصلك، وقال عمرو بن دينار في قوله تعالى: (فإذا دخلتم بيوتا فسلموا ~~على أنفسكم) قال إن لم يكن في البيت أحد فقل السلام على النبي ورحمة الله ~~وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين السلام على أهل بيت ورحمة ~~الله وبركاته قال قال ابن عباس المراد بالبيوت هنا المساجد وقال النخعي إذا ~~لم يكن في المسجد أحد فقل: السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا ~~لم يكن في البيت أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. # وعن علقمة إذا دخلت المسجد أقول السلام عليك أيها النبي ورحمة الله ~~وبركاته صلى الله وملائكته على محمد، ونحوه عن كعب إذا دخل وإذا خرج ولم ~~يذكر الصلاة: واحتج ابن شعبان لما ذكره بحديث فاطمة بنت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله إذا دخل المسجد. # ومثله عن أبي بكر ابن عمرو بن حزم وذكر السلام والرحمة وقد ذكرنا هذا ~~الحديث آخر القسم والاختلاف في ألفاظه ومن مواطن الصلاة عليه أيضا الصلاة ~~على الجنائز وذكر عن أبي أمامة أنها من السنة * ومن مواطن الصلاة التي مضى ~~عليها عمل الأمة ولم تنكرها: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وآله في ~~الرسائل وما يسكتب بعد البسملة PageV02P067 # ولم يكن هذا في الصدر الأول وأحدث عند ولاية بنى هاشم فمصى به عمل الناس ~~في اقطار الأرض ومنهم من يختم به أيضا الكتب، وقال صلى الله عليه وسلم (من ~~صلى علي في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له ما دام اسمي في ذلك الكتاب) ومن ~~مواطن السلام على النبي صلى الله عليه وسلم تشهد الصلاة * حدثنا أبو القاسم ~~خلف بن إبراهيم المقري الخطيب رحمه الله وغيره قال حدثتني كريمة بنت محمد ~~قالت حدثنا أبو الهيثم حدثنا محمد ابن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا ~~أبو نعيم حدثنا الأعمش عن شقيق بن سلمة عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال (إذا صلى أحدكم فليقل: ms247 التحيات لله والصلوات والطيبات، ~~السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله ~~الصالحين - فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض هذا أحد ~~مواطن التسليم عليه، وسنته أول التشهد وقد روى مالك عن ابن عمر أنه كان ~~يقول ذلك إذا فرغ من تشهد وأراد أن يسلم، واستحب مالك في المبسوط أن يسلم ~~بمثل ذلك قبل السلام قال محمد بن مسلمة أراد ما جاء عن عائشة وابن عمر أنها ~~كانا يقولان عند سلامهما. # السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله ~~الصالحين، السلام عليكم، واستحب أهل العلم أن يروى الإنسان حين سلامه كل ~~عبد صالح في السماء والأرض من الملائكة وبني آدم والجن، قال مالك في؟ ؟ ؟ ؟ ~~؟ ؟ ؟ ؟ وأحب للمأموم إذا # سلم إمامه أن يقول السلام على النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا ~~وعلى عباد الله الصالحين السلام عليكم # PageV02P068 ### | فصل في كيفية الصلاة عليه والتسليم # حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن جعفر الفقيه بقراءتي عليه حدثنا القاضي أبو ~~الأصبغ نا أبو عبد الله بن عتاب حدثنا أبو بكر بن واقد وغيره حدثنا أبو ~~عيسى حدثنا عبيد الله حدثنا يحيى حدثنا مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم ~~عن أبيه عن عمرو بن سليم الزرقي أنه قال أخبرني أبو حميد الساعدي أنهم ~~قالوا: يا رسول الله كيف نصلي عليك؟ فقال: (قولوا اللهم صل على محمد ~~وأزواجه: ذريته كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما ~~باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) وفي رواية مالك عن أبي مسعود الأنصاري ~~قال (قولوا اللهم صلى عليه محمد وعلى آله كما صليت على آل إبراهيم وبارك ~~على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم في العالمين إنك حميد ~~مجيد، والسلام كما قد علمتم، وفي رواية كعب بن عجرة (اللهم صل على محمد وآل ~~محمد كما صليت على إبراهيم وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم ~~إنك حميد مجيد وعن ms248 عقبة بن عمرو في حديثه (اللهم صل على محمد النبي الأمي ~~وعلى آل محمد) وفي رواية أبي سعيد الخدري (اللهم صل على محمد عبدك ورسولك) ~~وذكر معناه وحدثنا القاضي أبو عبد الله التميمي سماعا عليه وأبو علي الحسن ~~بن طريف النحوي بقراءتي عليه قالا حدثنا أبو عبد الله بن سعدان الفقيه ~~حدثنا PageV02P069 # أبو بكر المطوعي قال حدثنا أبو عبد الله الحاكم عن أبي بكر بن أبي دارم ~~الحافظ عن علي بن أحمد العجلي عن حرب بن الحسن عن يحيى بن المساور عن عمرو ~~بن خالد عن زيد بن علي بن الحسين عن أبيه علي عن أبيه الحسين عن أبيه علي ~~بن أبي طالب قال عدهن في يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال (عدهن في ~~يدي جبريل وقال هكذا نزلت من عند رب العزة اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ~~كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد ~~وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم ~~وترحم على محمد وعلى آل محمد كما ترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك ~~حميد مجيد اللهم وتحنن على محمد وعلى آل محمد كما تحننت على إبراهيم وعلى ~~آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم وسلم على محمد وعلى آل محمد كما سلمت على ~~إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد) * وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم (من سره أن يكتال بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل ~~اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت ~~على آل إبراهيم إنك حميد مجيد) وفي رواية زيد بن خارجة الأنصاري سألت النبي ~~صلى الله عليه وسلم كيف نصلي عليك؟ فقال: (صلوا واجتهدوا في الدعاء ثم ~~قولوا اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد ~~مجيد) وعن سلامة الكندي كان علي يعلمنا الصلاة على النبي صلى الله عليه ~~وسلم اللهم ms249 داحى المدحوات وبارئ المسموكات اجعل شرائف PageV02P070 # صلوات ونوامي بركاتك ورأفة تحننك على محمد عبدك ورسولك الفاتح لما أغلق ~~والخاتم لما سبق والمعلن الحق بالحق والدامغ لجيشات الأباطيل كما حمل فاطلع ~~بأمرك لطاعتك مستوفزا في مرضاتك واعيا لوحيك حافظ لعهدك ماضيا على نفاذ ~~أمرك حتى أورى قبسا لقابس، آلاء الله تصل بأهله أسبابه، به هديت القلوب بعد ~~خوضات الفتن والإثم وأبهج موضحات الأعلام ونائرات الأحكام ومنيرات الإسلام ~~فهو أميك المأمول وخازن عليك المخزون وشهيدك يوم الدين وبعيثك نعمة ورسولك ~~بالحق رحمة اللهم افصح له في عدنك واجزه مضاعفات الخير من فضلك مهيئات له ~~غير مكدرات من فوز ثوابك المحلول وجزيل عطائك المعلول اللهم أعسل على بناء ~~الناس بناءه وأكرم مثواه لديك نزله وأتم له نوره واجزه من ابتعاثك له مقبول ~~الشهادة ومرضى PageV02P071 # المقالة ذا منطق عدل وخصة فصل وبرهان عظيم * وعنه أيضا في الصلاة على ~~النبي صلى الله عليه وسلم (إن الله وملائكته يصلون على النبي) الآية لبيك ~~اللهم ربي وسعديك صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين والنبيين ~~والصديقين والشهداء والصحالين وما سنح لك من شئ يا رب العالمين على محمد بن ~~عبد الله خاتم النبيين وسيد المرسلين وإمام المتقين ورسول رب العالمين ~~الشاهد البشير الداعي إليك بإذنك السراج المنير وعليه السلام) * وعن عبد ~~الله بن مسعود اللهم اجعل صلواتك وبركاتك ورحمتك على سيد المرسلين وإمام ~~المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك إمام الخير ورسول الرحمة اللهم ~~ابعثه مقاما محمودا يغبطه فيه الأولون والآخرون اللهم صل على محمد وعلى آل ~~محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما ~~باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد) * وكان الحسن البصري ~~يقول: من أراد أن يشرب بالكاس الأوفى من حوض المصطفى فليقل اللهم صل على ~~محمد وعلى آله وأصحابه وأولاده وأزواجه وذريته وأهل بيته وأصهاره وأنصاره ~~وأشياعه ومحبيه وأمته عليا معهم أجمعين يا أرحم الراحمين * وعن طاوس عن ابن ~~عباس أنه كان يقول اللهم تقبل ms250 شفاعة محمد الكبرى وارفع درجته العليا وآته ~~سؤله في الآخرة والأولى كما آتيت إبراهيم وموسى * وعن وهيب بن الورد أنه ~~كان يقول في دعائه اللهم أعط محمدا PageV02P072 # أفضل ما سألك لنفسه وأعط محمدا أفضل ما سألك له أحد من خلقك وأعط محمدا ~~أفضل ما أنت مسؤل له إلي يوم القيامة وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان ~~يقول إذا صليتم على النبي صلى الله عليه وسلم فأحسنوا الصلاة عليه فإنكم لا ~~تدرون لعل ذلك يعرض عليه وقولوا اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد ~~المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك إمام الخير وقائد ~~الخير ورسول الرحمة اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه فيه الأولون والآخرون ~~اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك ~~على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد * وما يؤثر من ~~تطويل الصلاة وتكثير الثناء عن أهل البيت وغيرهم كثير وقوله والسلام كما قد ~~علمتم هو ما علمهم في التشهد من قوله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله ~~وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وفي تشهد علي السلام على نبي ~~الله السلام على أنبياء الله ورسله السلام على رسول الله السلام على محمد ~~بن عبد الله السلام علينا وعلى المؤمنين والمؤمنات من غاب منهم ومن شهد ~~الله اغفر لمحمد وتقبل شفاعته واغفر لأهل بيته واغفر لي ولوالدي وما ولدا ~~وارحمهما السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين السلام عليك أيها النبي ~~ورحمة الله وبركاته جاء في هذا الحديث عن علي: الدعاء للنبي # صلى الله عليه وسلم بالغفران * وفي حديث الصلاة عليه عنه أيضا قبل: ~~الدعاء له بالرمة ولم يأت في غيره من الأحاديث المرفوعة المعروفة وقد ذهب ~~أبو عمر بن عبد البر وغيره إلى أنه لا يدعى للنبي صلى الله عليه وسلم ~~PageV02P073 # بالرحمة وإنما يدعى له بالصلاة والبركة التي تختص به ويدعى لغيره بالرحمة ~~والمغفرة وقد ذكر أبو محمد بن أبي زيد في الصلاة ms251 على النبي صلى عليه وسلم ~~اللهم ارحم محمدا وآل محمد كما ترحمت على إبراهيم وآل إبراهيم ولم يأت هذا ~~في حديث صحيح وحجته قوله في السلام: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله ~~وبركاته ### | فصل في فضيلة الصلاة على النبي والتسليم عليه والدعاء له # حدثنا أحمد بن محمد الشيخ الصالح من كتابه حدثنا القاضي يونس بن مغيث ~~حدثنا أبو بكر بن معاوية حدثنا النسائي أنبأنا سويد بن نصر أخبرنا عبد الله ~~عن حيوة بن شريح قال أخبرني كعب بن علقمة أنه سمع عبد الرحمن بن جبير مولى ~~نافع أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول وصلوا علي فإنه من صلى علي مرة ~~واحدة صلى الله عليه عشرا ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا ~~تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي لوسيلة حلت ~~عليه الشفاعة وروى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (مر صلى ~~علي صلاة صلى الله عليه عشر صلوات وحط عنه عشر خطئات ورفع له عشر درجات) ~~وفي # رواية وكتب له عشر حسنات. # وعز أنس عنه صلى الله عليه وسلم (إن PageV02P074 # جبريل ناداني فقال من صلى عليك صلاة صلى الله عليه عشرا ورفعه عشر درجات) ~~ومن رواية عبد الرحمن بن عوف عنه صلى الله عليه وسلم (لقيت جبريل فقال لي ~~إني أبشرك أن الله تعالى يقول من سلم عليك سلمت عليه ومن صلى عليك صليت ~~عليه. # ونحوه من رواية أبي هريرة ومالك بن أوس بن الحدثان وعبيد الله بن أبي ~~طلحة وعن زيد بن الحباب سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول (من قال اللهم ~~صل على محمد وأنزله المنزل المقرب عندك يوم القيامة وجبت له شفاعتي) وعن ~~ابن مسعود أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة) وعن أبي هريرة عنه ~~صلى الله عليه وسلم (من صلى علي في كتاب ms252 لم تزل الملائكة تستغفر له ما بقي ~~اسمي في ذلك الكتاب) وعن عامر بن ربيعة سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ~~من صلى صلاة صلت عليه الملائكة ما صلى علي فليقل من ذلك عبد أو ليكثر) وعن ~~أبي بن كعب كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل قام فقال ~~(يا أيها الناس اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها PageV02P075 # الرادفة جاء الموت بما فيه) فقال أبي بن كعب يا رسول الله إني أكثر ~~الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: (ما شئت) قال: الربع؟ قال: (ما شئت ~~وإن زدت فهو خير) قال: الثلث؟ قال: (ما شئت وإن زدت فهو خير) قال، النصف؟ ~~قال: (ما شئت وإن زدت فهو خير) قال: الثلثين؟ قال: (ما شئت وإن زدت فهو ~~خير) قال: يا رسول الله فاجعل صلاتي كلها لك قال إذا تكفى ويغفر ذنبك. # وعن أبي طلحة: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فرأيت من بشره وطلافته ~~ولم أره قط فسألته، فقال (وما يمنعى وقد خرج جبريل آنفا فأتاني ببشارة من ~~ربي عز وجل إن الله تعالى بعثني إليك أبشرك أنه ليس أحد من أمتك يصلي عليك ~~إلا صلى الله عليه وسلم وملائكته بها عشرا وعن جابر بن عبد الله قال قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة ~~التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا ~~الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة) وعن سعد بن أبي وقاص من قال حين ~~يسمع المؤذن وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ~~ورسوله رضيت بالله ربا وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا غفر له. # وروى ابن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من سلم علي عشرا فكأنما ~~أعتق رقبة) وفي بعض الآثار (ليردن علي أقوام ما أعرفهم إلا بكثرة صلاتهم ~~علي) وفي آخر إن أنجاكم يوم القيامة من أهوالها # ومواطنها أكثركم علي صلاة) ms253 وعن أبي بكر الصديق الصلاة على النبي صلى الله ~~PageV02P076 # عليه وسلم أمحق للذنوب من الماء البارد للنار، والسلام عليه أفضل من عتق ~~الرقاب ### | فصل في ذم من لم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم وإثمه # حدثنا القاضي الشهيد أبو علي رحمه الله حدثنا أبو الفضل بن خيرون وأبو ~~الحسن الصيرفي قالا حدثنا أبو يعلى حدثنا السنجي حدثنا محمد ابن محبوب ~~حدثنا أبو عيسى حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي حدثنا ربعي ابن إبراهيم عن ~~عبد الرحمن بن إسحاق عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل على ورغم أنف رجل دخل ~~رمصان ثم انسلخ قبل أن يغفر له ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم ~~يدخلاه الجنة) قال عبد الرحمن وأظنه قال أو أحدهما. # وفي حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فقال آمين ثم صعد ~~فقال آمين ثم صعد فقال آمين فسأله معاذ عن ذلك فقال (إن جبريل أتاني فقال ~~يا محمد من سميت بين يديه فلم يصل عليك فمات يدخل النار فأبعده الله قل ~~آمين فقلت آمين وقال فيمن أدرك رمضان فلم يقبل منه فمات مثل ذلك ومن أدرك ~~أبويه أو أحدهما فلم يبرهما فمات مثله) وعن علي بن أبي طالب عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال (البخيل الذي ذكرت عنده فلم PageV02P077 # يصل علي) وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~(من ذكرت عنده فلم يصل على أحطئ به طريق الجنة. # وعن علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إن البخيل كل ~~البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي) وعن أبي هريرة قال أبو القاسم صلى الله ~~عليه وسلم (أيما قوم جلسوا مجلسا ثم تفرقوا قبل أن يذكروا الله ويصلوا على ~~النبي صلى الله عليه وسلم كانت عليهم من الله ترة إن شاء عذبهم وإن شاء ms254 غفر ~~لهم) وعن أبي هريرة رضي الله عنه (من نسي الصلاة علي نسي طريق الجنة) وعن ~~قتادة عنه صلى الله عليه وسلم (من الجفاء أن أذكر عند الرجل فلا يصلي علي) ~~وعن جابر عنه صلى الله عليه وسلم (ما جلس قوم مجلسا ثم تفرقوا على غير صلاة ~~على النبي صلى الله عليه وسلم إلا تفرقوا على أنتن من ريح الجيفة) وعن أبي ~~سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يجلس قوم مجلسا لا يصلون فيه ~~على النبي صلى الله عليه وسلم إلا كان عليهم حسرة وإن دخلوا الجنة لما يرون ~~من الثواب وحكى أبو عيسى الترمذي عن بعض أهل العلم قال: إذا صلى الرجل على ~~النبي صلى الله عليه وسلم مرة في المجلس أجزأ عنه ما كان في ذلك المجلس ### | فصل في تخصيصه صلى الله عليه وسلم بتبليغ صلاة من صلى عليه أو سلم من الأنام # حدثنا القاضي أبو عبد الله التميمي حدثنا الحسين بن محمد حدثنا أبو عمر ~~PageV02P078 # الحافظ حدثنا ابن عبد المؤمن حدثنا ابن داسة حدثنا أبو داود حدثنا ابن ~~عوف حدثنا المقرئ حدثنا حيوة عن أبي صخر حميد بن زياد عن يزيد بن عبد الله ~~بن قسيط عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~(ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام) وذكر أبو ~~بكر بن أبي شيبة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من ~~صلى علي عند قبري سمعته ومن صلى علي نائيا بلغته) . # وعن ابن مسعود: إن الله ملائكة سياحين في الأرض بلغوني عن أمتي السلام) ~~ونحوه عن أبي هريرة. # وعن ابن عمر: أكثروا من السلام على نبيكم كل جمعة فإنه يؤتى به منكم في ~~كل جمعة. # وفي رواية: فإن أحدا لا يصلي علي إلا عرضت صلاته علي حين يفرغ منها. # وعن الحسن عنه صلى الله عليه وسلم (حيثما كنتم فصلوا علي فإن صلاتكم ~~تبلغني) ms255 . # وعن ابن عباس ليس أحد من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يسلم عليه ويصلي ~~عليه إلا بلغه. # وذكر بعضهم أن العبد إذا صلى على النبي صلى الله عليه وسلم عرض عليه ~~اسمه. # وعن الحسن بن علي إذا دخلت المسجد فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فإن ~~رسول الله PageV02P079 # صلى الله عليه وسلم قال لا تتخذوا بيتي عيدا، ولا تتخذوا بيوتكم قبورا ~~وصلوا علي حيث كنتم فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم) وفي حديث أوس (أكثروا علي ~~من الصلاة يوم الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي) وعن سليمان بن سحيم: رأيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقلت يا رسول الله هؤلاء الذين يأتونك ~~فيسلمون عليك أتفقه سلامهم؟ قال (نعم وأرد عليهم) وعن ابن شهاب: بلغنا أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أكثروا من الصلاة علي في الليلة ~~الزهراء واليوم الأزهر فإنهما يؤديان عنكم وإن الأرض لا نأكل أجساد ~~الأنبياء وما من مسلم يصلي علي إلا حملها ملك حتى يؤديها إلي ويسميه حتى ~~إنه ليقول إن فلانا يقول كذا وكذا) ### | فصل في الاختلاف في الصلاة على غير النبي صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء عليهم السلام # قال القاضي وفقه الله عامة أهل العلم متفقون على جواز الصلاة على غير ~~النبي صلى الله عليه وسلم وروي عن ابن عباس أنه لا تجوز الصلاة على غير ~~PageV02P080 # النبي صلى الله عليه وسلم، وروي عنه لا تنبغي الصلاة على أحد إلا ~~النبيين، وقال سفيان يكره أن يصلى إلا على نبي، ووجدت بخط بعض شيوخ: مذهب ~~مالك أنه لا يجوز أن يصل على أحد من الأنبياء سوى محمد صلى الله عليه وسلم ~~وهذا غير معروف من مذهبه، وقد قال مالك في المبسوط ليحيى ابن إسحاق أكره ~~الصلاة على غير الأنيباء وما ينبغى لما أن نتعدى ما أمرنا به قال يحيى بن ~~يحيى لست آخذ بقوله ولا بأس بالصلاة على الأنبياء كلهم وعلى غيرهم. # واحتج بحديث ابن عمر وبما جاء في حديث تعليم النبي ms256 صلى الله عليه وسلم ~~الصلاة عليه وفيه وعلى أزواجه وعلى آله وقد وجدت معلقا عن أبى عمران ~~الفارسى روى عن ابن عباس رضي الله عنهما كراهة الصلاة على غير النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال وبه نقول ولم يكن يستعمل فيما مضى، وقد روى عبد الرزاق ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (صلوا ~~على أنبياء الله ورسله فإن الله بعثهم كما بعثنى) قالوا: والأساند عن ابن ~~عباس لينة والصلاة في لسان العرب بمعني الترحم والدعاء وذلك على الإطلاق ~~حتى يمنع منه حديث صحيح أو إجماع، وقد قال تعالى: هو الذي يصلي عليكم ~~وملائكته الآية وقال: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم ~~الآية. # وقال: أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~اللهم صل على آل أبي أوفى وكان إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللم صل على آل ~~فلان، وفي حديث الصلاة: اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته، وفي آخر: ~~وعلى آل محمد، قيل أتباعه وقيل أمته وقيل آل # بيته وقيل الأتباع ولرهط والعشيرة وقيل آل الرجل ولده وقيل قومه، (6 - 2) ~~(*) # PageV02P081 # وقيل أهله الذين حرمت عليهم الصدقة، وفي رواية أنس سئل النبي صلى الله ~~عليه وسلم من آل محمد؟ قال (كل نفسي) ويجئ على مذهب الحسن أن المراد بآل ~~محمد محمد نفسه فإنه كان يقول في صلاته على النبي صلى الله عليه وسلم اللهم ~~اجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد يريد نفسه لأنه كان لا يخل بالفرض ويأتي ~~بالنفل لأن الفرض الذي أمر الله تعالى به هو الصلاة على محمد نفسه وهذا مثل ~~قوله صلى الله عليه وسلم (لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داود) يريد من ~~مزامير داود، وفي حديث أبي حميد الساعدي في الصلاة اللهم صل على محمد ~~وأزواجه وذريته، وفي حديث ابن عمر أنه كان يصلي على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وعلى أبي بكر وعمر ذكره مالك في الموطإ من رواية ms257 يحيى الأندلسي ~~والصحيح من رواية غيره ويدعو لأبي بكر وعمر. # وروى ابن وهب عن أنس بن مالك كنا ندعو لأصحابنا بالغيب فنقول اللهم اجعل ~~منك على فلان صلوات قوم أبرار الذين يقومون بالليل ويصومون بالنهار قال ~~القاضي والذي ذهب إليه المحققون وأميل إليه ما قاله مالك وسفيان رحمهما ~~الله، وروي عن ابن عباس، واختاره غير واحد من الفقهاء والمتكلمين أنه لا ~~يصلى على غير الأنبياء عند ذكرهم بل هو شئ يختص به الأنبياء توقيرا وتعزيزا ~~كما يخص الله تعالى عند ذكره بالتنزيه والتقديس والتعظيم ولا يشاركه فيه ~~غيره كذلك يجب تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء بالصلاة ~~والتسليم ولا يشارك فيه سواهم كما أمر الله به بقوله (صلوا عليه وسلموا ~~تسليما) ويذكر من سواهم # من الأئمة وغيرهم بالغفران والرضى كما قال تعالى (يقولون ربنا اغفر لنا ~~ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان) وقال (والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله # PageV02P082 # عنهم) أيضا فهو أمر لم يكن معروفا في الصدر الأول كما قال أبو عمران ~~وإنما أحدثه الرافضة والمتشيعة في بعض الأئمة فشاركوهم عند الذكر لهم ~~بالصلاة وساووهم بالنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك وأيضا فإن التشبه بأهل ~~البدع منهي عنه فتجب مخالفتهم فيما التزموه من ذلك وذكر الصلاة على الآل ~~والأزواج مع النبي صلى الله عليه وسلم بحكم التبع والإضافة إليه لا على ~~التخصيص قالوا وصلاة النبي صلى الله عليه وسلم على من صلى عليه مجراها مجرى ~~الدعاء والمواجهة ليس فيها معني التعظيم والتوقير قالوا وقد قال تعالى (لا ~~تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا) فكذلك يجب أن يكون الدعاء له ~~مخالفا لدعاء الناس بعضهم لبعض، وهذا اختيار الإمام أبي المظفر الإسفرائني ~~من شيوخنا، وبه قال أبو عمر بن عبد البر ### | فصل في حكم زيارة قبره صلى الله عليه وسلم وفضيلة من زاره سلم عليه وكيف يسلم ويدعو # وزيارة قبره صلى الله عليه وسلم سنة من سنن المسلمين مجمع عليها وفضيلة ~~مرغب فيها * حدثنا القاضي أبو علي حدثنا أبو الفضل ms258 بن خيرون قال حدثنا ~~الحسن بن جعفر قال حدثنا أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني قال حدثنا القاضي ~~المحاملي قال حدثنا محمد بن عبد الرزاق قال حدثنا موسى بن هلال عن عبيد ~~الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم (من زار قبري وجبت له شفاعتي) وعن أنس بن مالك قال قال رسول الله ~~صلى اله عليه وسلم (من زارني في المدينة محتسبا كان في جواري وكنت له شفيعا ~~يوم القيامة) وفي حديث آخر (من زارني بعد موتي # PageV02P083 # فكأنما زارني في حياتي) وكره مالك أن يقال زرنا قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وقد اختلف في معني ذلك فقيل كراهية الاسم لما ورد من قوله صلى الله ~~عليه وسلم (لعن الله زوارات القبور) وهذا يرده قوله (نهيتم عن زيارة القبور ~~فزوروها وقوله (من زار قبري) فقد أطلق اسم الزيارة وقيل لأن ذلك لما قيل إن ~~الزائر أفضل من المزور وهذا أيضا ليس بشئ إذ ليس كل زائر بهذه الصفة وليس ~~هذا عموما، وقد ورد في حديث أهل الجنة زيارتهم لربهم ولم يمنع هذا اللفظ في ~~حقه تعالى وقال أبو عمران رحمه الله إنما كره مالك أن يقال طواف الزيارة ~~وزرنا قبر النبي صلى الله عليه وسلم لاستعمال الناس ذلك بينهم بعضهم لبعض ~~وكره تسوية النبي صلى الله عليه وسلم مع الناس بهذا اللفظ وأحب أن يخص بأن ~~يقال سلمنا على النبي صلى الله عليه وسلم وأيضا فإن الزيارة مباحة بين ~~الناس وواجب شد المطي إلى قبره صلى الله عليه وسلم يريد بالوجوب هنا وجوب ~~ندب وترغيب وتأكيد لا وجوب فرض والأولى عندي أن منعه وكراهة مالك له ~~لإضافته إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأنه لو قال زرنا النبي لم يكرهه ~~لقوله صلى الله عليه وسلم (اللهم لا تعجعل قبري وثنا يعبد بعدي، اشتد غضب ~~الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) PageV02P084 # فحمى إضافة هذا اللفظ إلى القبر والتشبه ms259 بفعل أولئك قطعا للذريعة وحسما ~~للباب والله أعلم، قال إسحاق بن إبراهيم الفقيه: ومما لم يزل من شأن من حج ~~المرور بالمدينة والقصد إلى الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والتبرك برؤية روضته ومنبره وقبره ومجلسه وملامس يديه ومواطئ قدميه والعمود ~~الذى كان يستبد إليه وينزل جبريل بالوحي فيه عليه وبمن عمره وقصده من ~~الصحابة وأئمة المسلمين والاعتبار بذلك كله، وقال ابن أبي فديك سمعت بعض من ~~أدركت يقول: بلغنا أنه من وقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فتلا هذه ~~الآية: (إن الله وملائكته يصلون على النبي) ثم قال صلى الله عليك يا محمد ~~من يقولها سبعين مرة، ناداه ملك صلى الله عليك يا فلان ولم تسقط له حاجة ~~وعن يزيد ابن أبي سعيد المهري قدمت على عمر بن عبد العزيز فلما ودعته قال: ~~لي إليك حاجة: إذا أتيت المدينة سترى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فأقره ~~مني السلام، قال غيره وكان يبرد إليه البريد من الشام قال بعضهم رأيت أنس ~~بن مالك أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فوقف فرفع يديه حتى ظننت أنه ~~افتتح الصلاة فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم انصرف وقال مالك في ~~رواية ابن وهب إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا يقف ووجه إلى ~~القبر لا إلى القبلة ويدنو ويسلم ولا يمس القبر بيده وقال في المبسوط لا ~~أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ولكن يسلم ويمضي، قال ~~ابن أبي مليكة من أحب أن يقوم وجاء PageV02P085 # النبي صلى الله عليه وسلم فليجعل القنديل الذي في القبلة عند القبر على ~~رأسه، وقال نافع: كان ابن عمر يسلم على القبر رأيته مائة مرة وأكثر يجئ إلى ~~القبر فيقول السلام على النبي صلى الله عليه وسلم السلام على أبي بكر ~~السلام على أبي ثم ينصرف، وروى ابن عمر واضعا يده على مقعد النبي صلى الله ~~عليه وسلم من المنبر ثم وضعها ms260 على وجهه. # وعن ابن قسيط والعتبي كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا خلا المسجد ~~حسوا رمانة المنبر التي تلي القبر بميامنهم ثم استقبلوا القبلة يدعون، وفي ~~الموطأ من رواية يحيى بن يحيى الليثي أنه كان يقف على قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيصلي على النبي وعلى أبي بكر وعمر وعند ابن القاسم والقعنبي ~~ويدعو لأبي بكر وعمر قال مالك في رواية ابن وهب يقول المسلم السلام عليك ~~أيها النبي ورحمة الله وبركاته، قال في المبسوط ويسلم على أبي بكر وعمر قال ~~القاضي أبو الوليد الباجي وعندي أنه يدعو للنبي صلى الله عليه وسلم بلفظ ~~الصلاة ولأبي بكر وعمر كما في حديث ابن عمر من الخلاف، وقال ابن حبيب ويقول ~~إذا دخل مسجد الرسول باسم الله وسلام على رسول الله السلام علينا من ربنا ~~وصلى الله وملائكة على محمد اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك ~~وجنتك واحفظني من الشيطان الرجيم ثم اقصد إلى الروضة وهي ما بين القبر ~~والمنبر فاركع فيها ركعتين قبل وقوفك بالقبر تحمد الله فبهما وتسأله تمام ~~ما خرجت PageV02P086 # إليه والعون عليه وإن كانت كعتاك في غير الروضة أجزأناك وفي الروضة أفضل ~~وقد قال صلى الله عليه وسلم (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ~~ومنبري على ترعة من ترع الجنة) ثم تقف بالقبر متواضعا متوقرا فتصلي عليه ~~وتثني بما يحضرك وتسلم على أبي بكر وعمر وتدعو لهما وأكثر من الصلاة في ~~مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالليل والنهار ولا تدع أن تأتي مسجد قبا ~~وقبور الشهداء، قال مالك في كتاب محمد: ويسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذا دخل وخرج يعني في المدينة وفيما بين ذلك قال محمد وإذا خرج جعل آخر ~~عهده الوقوف بالقبر وكذلك من خرج مسافرا، وروى ابن وهب عن فاطمة بنت النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إذا دخلت المسجد فصل ~~على النبي صلى الله عليه وسلم وقل اللهم ms261 اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب ~~رحمتك وإذا خرجت فصل على النبي صلى الله عليه وسلم وقل اللهم اغفر لي ذنوبي ~~وافتح لي أبواب فضلك وفي رواية أخرى فليسلم مكان فليصل فيه ويقول إذا خرج ~~اللهم إني أسألك من فضلك وفي أخرى (اللهم احفظني من الشيطان الرجيم) وعن ~~محمد بن سيرين: كان الناس يقولون إذا دخلوا المسجد صلى الله وملائكته على ~~محمد السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته باسم الله دخلنا وباسم ~~الله خرجنا وعلى الله توكلنا، وكانوا يقولون إذا خرجوا مثل ذلك، وعن فاطمة ~~أيضا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد قال صلى الله على محمد، ~~ثم ذكر مثل حديث فاطمة قبل هذا وفي رواية حمد الله وسمى وصلى على النبي صلى ~~الله عليه وسلم وذكر مثله، وفي رواية باسم الله والسلام على رسول الله، وعن ~~غيرها # PageV02P087 # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد قال (اللهم افتح لي ~~أبواب رحمتك ويسر لي أبواب رزقك) وعن أبي هريرة إذا دخل أحدكم المسجد فليصل ~~على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل (اللهم افتح لي) وقال مالك في المبسوط ~~وليس يلزم من دخل المسجد وخرج منه من أهل المدينة الوقوف بالقبر وإنما ذلك ~~للغرباء وقال فيه أيضا لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على ~~قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر فقيل له ~~إن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم ~~مرة أو أكثر وربما وقفوا في الجمعة أو في الأيام المرة أو المرتين أو أكثر ~~عند القبر فيسلمون ويدعو ساعة فقال لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ~~ببلدنا وتركه واسع ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ولم يبلغني عن ~~أول هذه الأمة وصدرها انهم كانوا يفعلون ذلك: ويكره إلا لمن جاء من سفر أو ~~أراده، قال ابن القاسم ورأيت أهل ms262 المدينة إذا خرجوا منها أو دخلوها أتوا ~~القبر فسلموا، قال وذلك رأي قال الباجي ففرق بين أهل المدينة والغرباء لأن ~~الغرباء قصدوا لذلك وأهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر ~~والتسليم، وقال صلى الله عليه وسلم، اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد ~~غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) وقال (لا تجعلوا قبري عيدا) ~~ومن كتاب أحمد بن سعيد الهندي فيمن وقف بالقبر: لا يلصق به ولا يمسه ولا ~~يقف عنده طويلا، وفي العتبية يبدأ بالركوع قبل السلام في مسجد النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأحب مواضع التنفل # PageV02P088 # فيه مصلى النبي حيث العمود المخلق، وأما في الفريضة فالتقدم إلى الصفوف ~~والتنفل فيه للغرباء أحب إلى من التنفل في البيوت ### | فصل فيما يلزم من دخل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم من الأدب سوى ما قدمناه وفضله وفضل الصلاة فيه وفي مسجد مكة وذكر قبره ومنبره وفصل سكنى المدينة ومكة. # قال الله تعالى (لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه) روي ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي مسجد هو؟ قال (مسجدي هذا) وهو قول ابن ~~المسيب وزيد بن ثابت وابن عمر ومالك بن أنس وغيرهم. # وعن ابن عباس أنه مسجد قباء حدثنا هشام بن أحمد الفقيه بقراءتي عليه قال ~~حدثنا الحسين بن محمد الحافظ حدثنا أبو عمر النمري حدثنا أبو محمد بن عبد ~~المومن حدثنا أبو بكر بن داسة حدثنا أبو داود حدثنا مسدد حدثنا سفيان عن ~~الزهري عن سعيد ابن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي ~~هذا والمسجد الأقصى) وقد تقدمت الآثار في الصلاة والسلام على النبي صلى ~~الله عليه وسلم عند دخول المسجد) وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل المسجد قال: أعوذ بالله العظيم وبوجهه ~~الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم ms263 وقال مالك PageV02P089 # رحمه الله سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه صوتا في المسجد فدعا بصاحبه # فقال ممن أنت؟ قال: رجل من ثقيف، قال لو كنت من هاتين القريتين لأدبتك إن ~~مسجدنا لا يرفع فيه الصوت، قال محمد بن مسلمة: لا ينبغي لأحد أن يعتمد ~~المسجد برفع الصوت ولا بشئ من الأذى وأن ينزه عما يكره، قال القاضي حكى ذلك ~~كله القاضي إسماعيل في مبسوطه في باب فضل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ~~والعلماء كلهم متفقون أن حكم سائر المساجد هذا الحكم، قال القاضي إسماعيل ~~وقال محمد بن مسلمة ويكره في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم الجهر على ~~المصلين فيما يخلط عليهم صلاتهم وليس مما يخص به المساجد رفع الصوت وقد كره ~~رفع الصوت بالتلبية في مساجد الجماعات إلا المسجد الحرام ومسجدنا وقال أبو ~~هريرة عنه صلى الله عليه وسلم (صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما ~~سواه إلا المسجد الحرام) قال القاضي اختلف الناس في معني هذا الاستثناء على ~~اختلفاهم في المفاضلة بين مكة والمدينة فذهب مالك في رواية أشهب عنه وقاله ~~ابن نافه صاحبه وجماعة أصحابه إلى أن معني الحديث أن الصلاة في مسجد الرسول ~~أفضل من الصلاة في سائر المساجد بألف PageV02P090 # صلاة إلا المسجد الحرام فإن الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ~~أفضل من الصلاة فيه بدون الألف، واحتجوا بما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه (صلاة في المسجد الحرام خير من مائة صلاة فيما سواه فتأتي فضيلة مسجد ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بتسعمائة وعلى غيره بألف وهذا مبني على تفضيل ~~المدينة على مكة على ما قدمناه وهو قول عمر بن الخطاب ومالك وأكثر المدنيين ~~وذهب أهل مكة والكوفة إلى تفضيل مكة وهو قول عطاء وابن وهب وابن حبيب من ~~أصحاب مالك وحكاه الباجي عن الشافعي وحملوا الاستثناء في الحديث المتقدم ~~على ظاهره وأن الصلاة في المسجد الحرام أفضل واحتجوا بحديث عبد الله بن ~~الزبير عن النبي صلى ms264 الله عليه وسلم بمثل حديث أبي هريرة وفيه (وصلاة في ~~المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة) * وروى قتادة مثله، ~~فيأتي فضل الصلاة في المسجد الحرام على هذا على الصلاة في سائر المساجد ~~بمائة ألف ولا خلاف أن موضع قبره أفضل بقاع الأرض، قال القاضي أبو الوليد ~~الباجي: الذي يقتضيه الحديث مخالفة حكم مسجد مكة لسائر المساجد ولا يعلم ~~منه حكمها مع المدينة، وذهب الطحاوي إلى أن هذا التفضيل إنما هو في صلاة ~~الفرض، وذهب مطرف من أصحابنا إلى أن ذلك في النافلة أيضا قال وجمعة خير من ~~جمعة ورمضان خير من رمضان وقد ذكر عبد الرزاق في تفضيل رمضان بالمدينة ~~وغيرها حديثا نحوه وقال صلى الله عليه وسلم ما بين بيتى ومنبرى PageV02P091 # روضة من رياض الجنة) ومثله عن أبي هريرة وأبي سعيد وزاد (ومنبري على ~~حوضي) وفي حديث آخر (منبري على ترعة من ترع الجنة) قال الطبري فيه معنيان ~~أحدهما أن المراد بالبيت بيت سكناه على الظاهر مع أنه روي ما يبينه (بين ~~حجرتي ومنبري) والثاني أن البيت هنا القبر وهو قول زيد بن أسلم في هذا ~~الحديث كما روي بين قبري ومنبري، قال الطبري وإذا كان قبره في بيته اتفقت ~~معاني الروايات ولم يكن بينها خلاف لأن قبره في حجرته وهو بيته، وقوله ~~(ومنبري على حوضي) قيل يحتمل أنه منبره بعينه الذي كان في الدنيا وهو أظهر ~~والثاني أن يكون له هناك منبر والثالث أن قصد منبره والحضور عنده لملازمة ~~الأعمال الصلالحة يورد الحوض ويوجب الشرب منه قاله الباجي، وقوله (روضة من ~~رياض الجنة) يحتمل معنيين أحدهما أنه موجب لذلك وأن الدعاء والصلاة فيه ~~يستحق ذلك من الثواب كما قيل: الجنة تحت ظلال السيوف والثانى أن تلك البقعة ~~قد ينقلها الله فتكون في الجنة بعينها، قاله الداودي * وروى ابن عمر وجماعة ~~من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المدينة (لا يصبر على ~~لأوائها وشدتها أحد إلا كنت له شهيدا أو شفيعا يوم ms265 القيامة) وقال فيمن تحمل ~~عن المدينة (والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون) وقال (إنما المدينة كالكير ~~تنفي خبثها وينصع طيبها) وقال (لا يخرج PageV02P092 # أحد من المدينة رغبة عنها إلا أبدلها الله خيرا منه. # وروي عنه صلى الله عليه وسلم (من مات في أحد الحرمين حاجا أو معتمرا بعثه ~~الله يوم القيامة لا حساب عليه ولا عذاب) وفي طريق آخر (بعث من الآمنين يوم ~~القيامة) وعن ابن عمر (من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها فإني أشفع لمن ~~يموت بها) * وقال تعالى: (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا) إلى ~~قوله: (آمنا) قال بعض المفسرين آمنا من النار وقيل كان يأمن من الطلب من ~~أحدث حدثا خارجا عن الحرم ولجأ إليه في الجاهلية. # وهذا مثل قوله: (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا) على قوله بعضهم * ~~وحكي أن قوما أتوا سعدون الخولاني بالمنستير فأعلموه أن كتامة قتلوا رجلا ~~وأضرموا عليه النار طول الليل فلم تعمل فيه شيئا وبقي أبيض البدن فقال: ~~لعله حج ثلاث حجج؟ قالوا نعم، قال حدثت أن من حج حجة أدى فرضه ومن حج ثانية ~~داين ربه، ومن حج ثلاث حجج حرم الله شعره وبشره على النار، ولما نظر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة قال: (مرحبا بك من بيت ما أعظمك وأعظم ~~حرمتك) وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم (ما من أحد يدعو الله تعالى عند ~~الركن الأسود إلا استجاب الله له) وكذلك عند الميزاب، وعنه صلى الله عليه ~~وسلم (من صلى خلف المقام ركعتين غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وحشر يوم ~~القيامة من الآمنين) قال الفقيه PageV02P093 # القاضي أبو الفضل فرأت على القاضى الحافظى أبي علي حدثنا أبو العباس ~~العذري قال حدثنا أبو أسامة محمد بن أحمد بن محمد الهروي حدثنا الحسن ابن ~~رشيق سمعت أبا الحسن محمد بن الحسن بن راشد سمعت أبا بكر محمد بن إدريس ~~سمعت الحميدي قال: سمعت سفيان بن عيينة قال سمعت عمرو بن دينار قال ms266 سمعت ~~ابن عباس يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (ما دعا أحد شئ في ~~هذا الملتزم إلا استجيب له) قال ابن عباس وأنا فما دعوت الله شئ في هذا ~~الملتزم منذ سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا استجيب لي، وقال ~~عمرو بن دينار وأنا فما دعوت الله تعالى بشئ في هذا الملتزم منذ سمعت هذا ~~من ابن عباس إلا استجيب لي، وقال سفيان وأنا فما دعوت الله بشئ في هذا ~~الملتزم منذ سمعت هذا من عمرو إلا استجيب لي، قال الحميدي وأنا فما دعوت ~~الله شئ في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من سفيان إلا استجيب لي، وقال محمد بن ~~إدريس وأنا فما دعوت الله بشئ في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من الحميدي إلا ~~استجيب لي، وقال أبو الحسن محمد بن الحسن وأنا فما دعوت الله بشئ في هذا ~~الملتزم منذ سمعت هذا من محمد بن إدريس إلا استجيب لي: قال أبو أسامة وما ~~أذكر الحسن بن رشيق قال فيه شيئا وأنا فما دعوت الله بشئ في هذا الملتزم ~~منذ سمعت هذا من الحسن بن رشيق إلا استجيب لي من أمر الدنيا وأنا أرجو أن ~~يستجاب لي من أمر الآخرة قال العذري وأنا فما دعوت الله بشئ في هذا الملتزم ~~منذ سمعت هذا من أبي أسامة إلا استجيب لي قال أبو علي وأنا فقد دعوت الله ~~فيه بأشياء كثيرة استجيب PageV02P094 # لي بعضها وأنا أرجو من سعة فضله أن يستجيب لي بقيتها، قال القاضي أبو ~~الفضل ذكرنا نبذا من هذه النكت في هذا الفصل وإن لم تكن من الباب لتملقها ~~بالفصل الذي قبله حرصا على تمام الفائدة والله الموفق للصواب برحمته ### | القسم الثالث فيما يجب للنبي صلى الله عليه وسلم وما يستحيل في حقه # أو يجوز عليه وما يمتنع أو يصح من الأحوال البشرية أن يضاف إليه: # قال الله تعالى (وما محمد إلا رسول قد حلت من قبله الرسل أفائن مات أو ~~قتل) ms267 الآية، وقال تعالى (ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ~~وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام) وقال (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا ~~إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق) وقال تعالى (قل إنما أنا بشر مثلكم ~~يوحى إلي) الآية فمحمد صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء من البشر أرسلوا ~~إلى البشر ولولا ذلك لما أطاق الناس مقاومتهم والقبول عنهم ومخاطبتهم قال ~~الله تعالى) ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا) أي لما كان إلا في صورة البشر ~~الذين يمكنكم مخالطتهم إذ لا تطيقون مقاومة الملك ومحاطبته ورؤيته إذا كان ~~على صورته، وقال تعالى (قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا ~~عليهم من السماء ملكا رسولا) أي لا يمكن في سنة الله إرسال الملك إلا لمن ~~هو من جنسه أو من خصه الله تعالى واصطفاه وفواه على مقاومته كالأنبياء ~~والرسل فالأنبياء والرسل عليهم السلام وسائط بين الله تعالى وبين # PageV02P095 # خنقه يبلغونهم أوامره ونواهيه ووعده ووعيده ويعرفونهم بما لم يعلموه من ~~أمره وحلقه وجلاله وسلطانه وجبروته وملكوته فظواهرهم وأجسادهم وبنيتهم ~~متصفة بأوصاف البشر طارئ عليها ما يطرأ على البشر من الأعراض والأسقام ~~والموت والفناء ونعوت الإنسانية وأرواحهم وبواطنهم متصفة بأعلى من أوصاف ~~البشر متعلقة بالملإ الأعلى متشبهة بصفات الملائكة سليمة من التغير والآفات ~~لا يلحفها غالبا عجز البشرية ولا ضعف الإنسانية إذ لو كانت بواطنهم خالصة ~~للبشيرة كظواهرهم لما أطاقوا الأخذ عن الملائكة ورؤيتهم ومخاطبتهم ومخالتهم ~~كما لا يطيقه غيرهم من البشر ولو كانت أجسادهم وظواهرهم متسمة بنعوت ~~الملائكة وبخلاف صفات البشر لما أطاق البشر ومن أرسلوا إليه مخالطتهم كما ~~تقدم من قول الله تعالى. # فجعلوا من جهة الأجسام والظواهر مع البشر ومن جهة الأرواح والبواطن مع ~~الملائكة، كما قال صلى الله عليه وسلم (لو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت ~~أبا بكر خليلا ولكن أحوة الإسلام لكن صاحبكم خليل الرحمن) وكما قال (تام ~~عيناي ولا ينام قلبي) إني لست كهيئتكم إني أظل يطعمني ربي ويسقيني فبواطنهم ~~منزهة عن ms268 الآفات مطهرة عن القائص والاعتلالات، وهذا جملة لن يكتفي بمضمونها ~~كل ذي همة بل الأكثر يحتاج إلى بسط وتفضيل على ما نأتي به بعد هذا في ~~البابين بعون الله تعالى وهو حسبي ونعم الوكيل PageV02P096 ### | الباب الأول فيما يختص بالأمور الدينية والكلام في عصمة نبينا عليه الصلاة والسلام وسائر الأنبياء صلوات الله عليهم: # قال القاضي أبو الفضل وفقه الله: اعلم أن الطوارئ من التغيرات والآفات ~~على آحاد البشر لا يخلو أن تطرأ على جسمه أو على حواسه بغير قصد واختيار ~~كالأمراض والأسقام أو تطرأ بقصد واحتيار وكله في الحقيقة عمل وفعل ولكن جرى ~~رسم المشايخ بتفصيله إلى ثلاثة أنواع: عقد بالقلب وقول باللسان وعمل ~~بالجوارح وجميع البشر تطرأ عليهم الآفات والتغيرات بالاحتيار وبغير ~~الاختيار في هذه الوجوه كلها والنبي صلى الله عليه وسلم وإن كان من البشر ~~ويجوز على جبله يجوز على جبلة البشر فقد قامت البراهين القاطعة ونمت كلمة ~~الإجماع على خروجه عنهم وتنزيهه عن كثير من الآفات التي تقع على الاختيار ~~وعلى غير الاختيار كما سنبينه إن شاء الله تعالى فيما نأتي به من التفاصيل ### | فصل في حكم عقد قلب النبي صلى الله عليبه وسلم من وقت نبوته # اعلم منحنا الله إياك توفيقه أن ما تعلق منه بطريق التوحيد والعلم بالله ~~وصفاته والإيمان به وبما أوحي إليه فعلى غاية المعرفة ووضوح العلم واليقين ~~والانتفاء عن الجهل شئ من ذلك والشك أو الريب فيه. # العصمة من كل ما يضاد المعرفة بذلك واليقين، هذا ومع إجماع المسلمين ~~عليه، ولا يصح بالبراهين الواضحة أن يكون في عقود الأنبياء سواه ولا يعترص ~~على هذا بقول إبراهيم عليه [7 - 2] # PageV02P097 # السلام قال بلى ولكن ليطمئن قلبي، إذ لم يشك إبراهيم في إخبار الله تعالى ~~له بإحياء الموتى ولكن أراد طمأنينة القلب وترك المنازعة لمشاهدة الإحياء ~~فحصل له العلم الأول بوقوعه وأراد العلم الثاني بكيفيته ومشاهدته * الوجه ~~الثاني أن إبراهيم عليه السلام إنما أراد احتبار منزلته عند ربه وعلم ~~إجابته دعوته بسؤال ذلك من ربه ويكون ms269 قوله تعالى (أو لم تؤمن) أي تصدق ~~بمنزلتك مني وخلتك واصطفائك * الوجه الثالث أنه سأل زيادة يقين وقوة ~~طمأنينة وإن لم يكن في الأول شك إذ العلوم الضرورية والنظرية قد تتفاضل في ~~قوتها، وطريان الشكوك على الضروريات ممتنع ومجوز في النظريات، فأراد ~~الانتقال من النظر أو الخير إلى مشاهدة والترقي من علم اليقين إلى عين ~~اليقين فليس الخبر كالمعاينة، ولهذا قال سهل بن عبد الله سأل كشف غطاء ~~العيان ليزداد بنور اليقين تمكنا في حاله * الوجه الرابع أنه لما احتج على ~~المشركين بأن ربه يحيي ويميت طلب ذلك من ربه ليصح احتجاجه عيانا * الوجه ~~الخامس قول بعضهم هو سؤال على طريق الأدب، المراد أقدرني على إحياء الموتى، ~~وقوله ليطمئن قلبي عن هذه الأمنية * الوجه السادس أنه أرى من نفسه الشك وما ~~شك لكن ليجاوب فيزداد قربه وقول نبينا صلى الله عليه وسلم نحن أحق بالشك من ~~إبراهيم نفي لأن يكون إبراهيم شك وإبعاد للخواطر الضعفية أن تظن هذا ~~بإبراهيم أي نحن موقنون بالبعث وإحياء الله موتى، فلو شك إبراهيم لكنا أولى ~~بالشك منه إما على طريق الأدب PageV02P098 # أو أن يريد أمته الذين يجوز عليهم الشك أو على طريق التواضع والإشفاق أن ~~حملت قصة إبراهيم على اختيار حاله أو زيادة يقينه * فإن قلت فما معني قوله ~~(فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك) الآيتين ~~- فاحذر ثبت الله قلبك أن يخطر ببالك ما ذكره فيه بعض المفسرين عن ابن عباس ~~أو غيره من إثبات شك للنبي صلى الله عليه وسلم فيما أوحي إليه وأنه من ~~البشر، فمثل هذا لا يجوز عليه جملة بل قد قال ابن عباس لم يشك النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولم يسأل، ونحوه عن ابن جبير والحسن، وحكى قتادة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال ما أشك ولا أسأل، وعامة المفسرين على هذا، واختلفوا ~~في معني الآية فقيل المراد قل يا محمد للشاك (فإن كنت في شك) الآية، قالوا ~~وفي السورة ms270 نفسها ما دل على هذا التأويل: قوله (قل يا أيها الانس إن كنتم ~~في شك من ديني) الآية، وقيل المراد بالخطاب العرب وغير النبي صلى الله عليه ~~وسلم كما قال (لئن أشركت ليحبطن عملك) الآية، الخطاب له والمراد غيره ومثله ~~(فلا تك في مربة مما يعبد هؤلاء) ونظيره كثير، قال بكر بن العلاء ألا تراه ~~يقوله (ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله) الآية وهو صلى الله عليه وسلم ~~كان المكذب فيما يدعو إليه فكيف يكون ممن كذب به؟ فهذا كله يدل على أن ~~المراد بالخطاب غيره ومثل هذه الآية قوله (الرحمن فاسأل به خبيرا) المأمور ~~ههنا غير النبي صلى الله عليه وسلم ليسأل النبي والنبي صلى الله عليه وسلم ~~هو الخبير المسئول لا المستخبر السائل وقال إن هذا الشك الذي أمر به غير ~~النبي صلى الله عليه وسلم بسؤال الذين يقرؤن الكتاب إنما هو فيما قصه الله ~~من أخبار الأمم # PageV02P099 # لا فيما دعا إليه من التوحيد والشريعة ومثل هذا قوله تعالى (واسأل من ~~أرسلنا من قبلك من رسلنا) الآية المراد به المشركون والخطاب مواجهة للنبي ~~صلى الله وسلم قاله العتبى، وقيل معناه سلنا عمن أرسلنا من قبلك فحذف ~~الخافض وتم الكلام ثم ابدأ (أجعلنا من دون الرحمن) إلى آخر الآية على طريق ~~الإنكار أي ما جعلنا، حكاه مكي، وقيل أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسأل ~~الأنبياء ليلة الإسراء عن ذلك فكان أشد يقينا من أن يحتاج إلى السؤال فروي ~~أنه قال (لا أسأل قد اكفيت) قاله ابن زيد، وقيل سل أمم من أرسلنا هل جاؤهم ~~بغير التوحيد؟ وهو معني قول مجاهد والسدي والضحاك وقتادة والمراد بهذا ~~والذي قبله إعلامه صلى الله عليه وسلم بما بعثت به الرسل وأنه تعالى لم ~~يأذن في عبادة غيره لأحد ردا على مشركي العرب وغيرهم في قولهم: إنما نعبدهم ~~ليقربو إلى الله زلفى، وكذلك قوله تعالى: (والذين آتيناهم الكتاب يعلمون ~~أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين) أي في علمهم ms271 بأنك رسول الله ~~وإن لم يقروا بذلك وليس المراد به شكه فيما ذكر في أول الآية وقد يكون أيضا ~~على مثل ما تقدم أي قل يا محمد لمن امترى في ذلك لا تكونن من الممترين ~~بدليل قوله أول الآية: (أفغير الله أبتغي حكما) الآية: وأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم يخاطب بذلك غيره وقيل PageV02P100 # هو تقرير كقوله (أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟) وقد ~~علم أنه لم يقل، وقيل معناه ما كنت في شك فاسأل تزدد طمأنينة وعلما إلى ~~علمك ويقينك، وقيل إن كنت تشك فيما شرفناك وفضلناك به فاسألهم عن صفتك في ~~الكتب ونشر فضائلك، وحكي عن أبي عبيدة أن المراد إن كنت في شك من غيرك فيما ~~أنزلنا. # فما معني قوله (حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا) على قراءة ~~التخفيف؟ قلنا المعنى في ذلك ما قالته عائشة رضي الله عنها (معاذ الله أن ~~تظن ذلك الرسل بربها وإنما معني ذلك أن الرسل لما استيأسوا ظنوا أن من ~~وعدهم النصر من أتباعهم كذبوهم وعلى هذا أكثر المفسرين) وقيل إن ضمير ~~(ظنوا) عائد على الأتباع والأمم لا على الأنبياء والرسل، وهو قول ابن عباس ~~والنخعي وابن جبير وجماعة من العلماء وبهذا المعنى قرأ مجاهد كذبوا بالفتح ~~فلا تشغل بالك من شاذ التفسير بسواه مما لا يلق بمنصب العلماء فكيف ~~بالأنبياء؟ وكذلك ما ورد في حديث السيرة ومبدإ الوحي من قوله صلى الله عليه ~~وسلم لخديجة (لقد خشيت على نفسي) ليس معناه الشك فيما آتاه الله بعد رؤية ~~الملك ولكن لعله خشي أن لا تحتمل قوته مقاومة الملك وأعباء الوحي فينخلع ~~قلبه أو تزهق نفسه، هذا على ما ورد في الصحيح أنه قاله بعد لقائه الملك أو ~~يكون ذلك قبل لقائه وإعلام الله تعالى له بالنبوة لأول ما عرضت عليه من ~~العجائب وسلم عليه الحجر والشجر وبدأته المنامات والتباشير كما روي في بعض ~~طرق هذا الحديث أن ذلك كان أولا في المنام ثم أري في اليقظة ms272 مثل ذلك تأنيسا ~~له عليه السلام لئلا يفجأه الأمر مشاهدة ومشافهة فلا يحتمل لأول حالة بنية ~~البشرية وفي الصحيح # PageV02P101 # عن عائشة رضي الله عنها: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الوحي الرؤيا الصادقة، قالت ثم حبب إليه الخلاء، وقالت إلى أن جاءه الحق ~~وهو في غار حراء (الحديث) وعن ابن عباس: مكث النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ~~خمس عشرة سنة يسمع الصوت ويرى الضوء سبع سنين ولا يرى شيئا وثمان سنين يوحى ~~إليه، وقد روى ابن إسحاق عن بعضهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وذكر ~~جواره بغار حراء، قال (فجاءني وأنا نائم فقال: اقرأ، فقلت: ما أقرأ؟) وذكر ~~نحو حديث عائشة في غطه له وإقرائه له (اقرأ باسم ربك) السورة قال: (فانصرف ~~عني وهببت من نومي كأنما صورت في قلبي ولم يكن أبغض إلي من شاعر أو مجنون، ~~قلت لا تحدث عني قريش بهذا أبدا لأعمدن إلى حالق من الجبل فلأطرحن نفسي سنة ~~فلأقتلنها: فبينا أنا عامد لذلك إذ سمعت مناديا ينادي من السماء يا محمد ~~أنت رسول الله وأنا جبريل فرفعت رأسي فإذا جبريل على صورة رجل - وذكر ~~الحديث) فقد بين في هذا أن قوله لما قال وقصده لما قصد إنما كان قبل لقاء ~~جبريل عليهما السلام وقيل إعلام الله تعالى له PageV02P102 # بالنبوة وإظهاره واصطفائه له بالرسالة ومثله حديث عمرو بن شرحبيل أنه صلى ~~الله عليه وسلم قال لخديجة (إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء وقد خشيت والله أن ~~يكون هذا لأمر) ومن رواية حماد بن سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لخديجة: إني لأسمع صوتا وأرى ضوءا وأخشى أن يكون بي جنون وعلى هذا يتأول لو ~~صح قوله في بعض هذه الأحاديث إن الأبعد شاعر أو مجنون وألفاظا يفهم منها ~~معاني الشك في تصحيح ما رآه وأنه كان كله في ابتداء أمره وقبل لقاء الملك ~~له وإعلام الله له أنه رسوله فكيف وبعض هذه الألفاظ لا تصح طرقها، ms273 وأما بعد ~~إعلام الله تعالى له ولقائه الملك فلا يصح فيه ريب ولا يجوز عليه شك فيما ~~ألقي إليه وقد روى ابن إسحاق عن شيوخه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يرقى بمكة من العين قبل أن ينزل عليه فلما نزل عليه القرآن أصابه نحو ما ~~كان يصيبه فقالت له خديجة أوجه إليك من يرقيك قال أما الآن فلا، وحديث ~~خديجة واختبارها أمر جبريل بكشف رأسها (الحديث) إنما ذلك في حق خديجة لتحقق ~~صحة نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن الذي يأتيه ملك ويزول الشك عنها ~~لأنها فعلت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وليختبر هو حاله بذلك بل قد ورد ~~في حديث عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة عن هشام عن أبيه عن عائشة أن ~~ورقة أمر خديجة أن تخبر الأمر بذلك، وفي حديث إسماعيل ابن أبي حكيم أنها ~~قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا ابن عم هل PageV02P103 # تستطيع أن تخبرني بصاحبك إذا جاءك؟ قال نعم فلما جاء جبريل # أخبرها فقالت له اجلس إلى شقي، وذكر الحديث إلى آخره وفيه فقالت ما هذا ~~بشيطان هذا الملك يا ابن عم فاثبت وأبشر، وآمنت به، فهذا يدل على أنها ~~مستثبتة بما فعلته لنفسها ومستظهرة لإيمانها لا للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وقول معمر في فترة الوحي فحزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغناه حزنا ~~غدا منه مرارا كي يتردى من شواهق الجبال: لا يقدح في هذا الأصل، لقول معمر ~~عنه فيما بلغنا ولم يسده ولا ذكر رواته ولا من حدث به ولا أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قاله ولا يعرف مثل هذا إلا من جهة النبي صلى الله عليه وسلم ~~مع أنه قد يحمل على أنه كان أول الأمر كما ذكرناه أو أنه فعل ذلك لما أخرجه ~~من تكذيب من بلغه كما قال تعالى. # (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا) ويصحح معني ~~هذا التأويل حديث رواه ms274 شريك عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد ~~الله أن المشركين لما اجتمعوا بدار الندوة للتشاور في شأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم واتفق رأيهم على أن يقولوا إنه ساحر اشتد ذلك عليه وتزمل في ~~ثيابه وتدثر فيها فأتاه جبريل فقال: (يا أيها المزمل، يا أيها المدثر) أو ~~خاف PageV02P104 # أن الفترة لأمر أو سبب منه فخشي أن تكون عقوبة من ربه ففعل ذلك بنفسه ولم ~~يرد بعد شرع بالنهي عن ذلك فيعترض به، ونحو # هذا فرار يونس عليه السلام خشية تكذيب قومه له لما وعدهم به من العذاب ~~وقول الله في يونس (فظن أن لن نقدر عليه) معناه أن لن نضيق عليه، قال مكي ~~طمع في رحمة الله وأن لا يضيق عليه ملكه في خروجه وقيل حسن ظنه بمولاه أنه ~~لا يقصى عليه العقوبة وقيل نقدر عليه ما أصابه، وقد قرئ نقدر عليه بالتشديد ~~وقيل نواحذه بغضبه وذهابه، وقال ابن زيد معناه أفظن أن لن نقدر عليه؟ على ~~الاستفهام ولا يليق أن يظن بنبي أن يجهل صفة من صفات ربه، وكذلك قوله (إذ ~~ذهب مغاضبا الصحيح مغاضبا لقومه لكفرهم وهو قول ابن عباس والضحاك وغيرهما ~~لا لربه عز وجل إذ مغاضبة الله معاداة له ومعاداة الله كفر لا لميق ~~بالمؤمنين فكيف بالأنبياء؟ وقيل مستحيبا من قومه أن يسموه بالكذب أو يقتلوه ~~كما ورد في الخبر وقيل مغاضبا لبعض الملوك فيما أمره به من التوجه إلى أمر ~~أمره الله به على لسان نبي آخر فقال له يونس غيري أقوى عليه مني فعزم عليه ~~فخرج لذلك مغاضبا، وقد روي عن ابن عباس أن إرسال يونس ونبوته إنما كان بعد ~~أن نبذه الحوت واستدل من الآية بقوله (فنبذناه بالعراء. # هو سقيم، وأنبتنا عليه شجرة من يقطين، وأرسلناه إلى مائة ألف) ويستدل ~~أيضا بقوله (ولا تكن كصاحب الحوت) وذكر القصة ثم قال (فاجتباه ربه فجعله من ~~الصالحين) فتكون هذه القصة إذا PageV02P105 # قبل نبوته فإن قيل فما معني قوله صلى الله ms275 عليه وسلم (أنه ليغان على قلبي ~~فأستغفر الله كل يوم مائة مرة) وفي طريق (في اليوم أكثر من سبعين # مرة) فاحذر أن يقع ببالك أن يكون هذا الغين وسوسة أو ريبا وقع في قلبه ~~عليه السلام بل أصل الغين في هذا ما يتغشى القلب ويغطيه، قاله أبو عبيد ~~وأصله من غين السماء وهو إطباق الغيم عليها، وقال غيره والغين شئ يغشي ~~القلب ولا يغطيه كل التغطية كالغيم الرقيق الذي يعرض في الهواء فلا يمنع ~~ضوء الشمس وكذلك لا يفهم من الحديث أنه يغان على قلبه مائة مرة أو أكثر من ~~سبعين في اليوم إذ ليس يقتضيه لفظه الذي ذكرناه وهو أكثر الروايات وإنما ~~هذا عدد للاستغفار لا للغين فيكون المراد بهذا الغين إشارة إلى غفلات قلبه ~~وفترات نفسه وسهوها عن مداومة الذكر ومشاهدة الحق بما كان صلى الله عليه ~~وسلم دفع إليه من مقاساة البشر وسياسة الأمة ومعناة الأهل ومقاومة الولي ~~والعدو ومصلحة النفس وكلفه من أعباء أداء الرسالة وحمل الأمانة وهو في كل ~~هذا في طاعة ربه وعبادة خالقه ولكن لما كان صلى الله عليه وسلم أرفع الخلق ~~عند الله مكانة وأعلاهم درجة وأتمهم به معرفة وكانت حاله عند خلوص قلبه ~~وخلو همه وتفرده بربه وإقباله بكليته عليه ومقامه هنا لك أرفع حاليه رأى ~~صلى الله عليه وسلم حال فترته عنها وشغله بسواها غضا من علي حاله وخفضا من ~~رفيع مقامه فاستغفر الله من ذلك، هذا أولى وجوه الحديث وأشهرها وإلى معني ~~ما أشرنا به مال كثير من الناس وحام حوله فقارب ولم يرد وقد قربنا غامض ~~معناه وكشفنا للمستفيد محياه وهو مبني على جواز الفترات والغفلات والسهو في ~~غير طريق البلاغ على ما سيأتي # PageV02P106 # وذهبت طائفة من أرباب القلوب ومشيخة المتصوفة ممن قال بتنزيه النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن هذا جملة وأجله أن يجوز عليه في حال سهو # أو فترة إلى أن معني الحديث ما يهم خاطره ويغم فكره من أمر أمته صلى الله ~~عليه وسلم لاهتمامه ms276 بهم وكثرة شفقته عليهم فيستغفر لهم، قالوا وقد يكون ~~الغين هنا على قلبه السكينة تتغشاه لقوله تعالى (فأنزل الله سكينته عليه) ~~ويكون استغفاره صلى الله عليه وسلم عندها إظهارا للعبودية والافتقار، قال ~~ابن عطاء استغفاره وفعله هذا تعريف للأمة يحملهم على الاستغفار، قال غيره ~~ويستشعرون الحذر ولا يركنون إلى الأمن، وقد يحتمل أن تكون هذه الإعانة حالة ~~حشية وإعظام تغشى قلبه فيستغفر حينئذ شكرا لله وملازمة لعبوديته كما قال في ~~ملازمة العبادة (أفلا أكون عبدا شكورا؟) وعلى هذه الوجوه الأخيرة يحمل ما ~~روي في بعض طرق هذا الحديث عنه صلى الله عليه وسلم إنه ليغان على قلبي في ~~اليوم أكثر من سبعين مرة فأستغفر الله فإن قلت فما معني قوله تعالى لمحمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من ~~الجاهلين) وقوله لنوح عليه السلام (فلا تسألني ما ليس لك به علم إني أعظك ~~أن تكون من الجاهلين) ؟ فاعلم أنه لا يلتفت في ذلك إلى قول من قال في آية ~~نبينا صلى الله عليه وسلم لا تكونن من يجهل أن الله لو شاء لجمعهم على ~~الهدى وفي آية نوح لا تكونن ممن يجهل أن وعد الله حق لقوله وإن وعدك الحق ~~إذ فيه إثبات الجهل بصفة من صفات الله وذلك لا يجوز على الأنبياء والمقصود ~~وعظهم أن لا يتشبهوا في أمورهم PageV02P107 # بسمات الجاهلين كما قال إني أعظك وليس في آية منها دليل على كونهم على ~~تلك الصفة التي نهاهم عن الكون عليها فكيف وآية نوح قبلها (فلا # تسألني ما ليس لك به علم) فحمل ما بعدها على ما قبلها أولى لأن مثل هذا ~~قد يحتاج إلى إذن وقد تجوز إباحة السؤال فيه ابتداء فنهاه الله أن يساله ~~عما طوى عنه علمه وأكنه من غيبه من السبب الموجب لهلاك ابنه ثم أكل الله ~~تعالى نعمته عليه بإعلامه ذلك بقوله (إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح) ~~حكى معناه مكي كذلك أمر نبينا في الآية ms277 الأخرى بالتزام الصبر على إعراض ~~قومه ولا يحرج عند ذلك فيقارب حال الجاهل بشدة التحسر، حكاه أبو بكر بن ~~فورك وقيل معنى الخطاب لأمة محمد أي فلا تكونوا من الجالين، حكاه أبو محمد ~~مكي، وقال مثله في القرآن كثير، فبهذا الفضل وجب القول بعصمة الأنبياء منه ~~بعد النبوة قطعا فإن قلت فإذ قررت عصمتهم من هذا وأنه لا يجوز عليهم شئ من ~~ذلك فما معني إذا وعيد الله لنبينا صلى الله عليه وسلم على ذلك إن فعله ~~وتحذيره منه كقوله (لئن أشركت ليحبطن عملك) الآية وقوله تعالى (ولا تدع من ~~دون الله مالا ينفعك ولا يضرك) الآية وقوله تعالى (إذا لأذقناك ضعف الحياة) ~~الآية وقوله (لأخذنا منه باليمين) وقوله (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك ~~عن سبيل الله) وقوله (وأن يشإ الله يختم على قلبك) وقوله (فإن لم تفعل فما ~~بلغت رسالته) وقوله (اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين) فاعلم وفقنا ~~الله وإياك أنه صلى الله عليه وسلم لا يصح ولا يجوز عليه أن لا يبلغ ولا ~~يخالف أمر ربه ولا أن يشرك به ولا يتقول على الله ما لا يحب أو يفتري عليه ~~أو يضل أو يختم # PageV02P108 # على؟ ؟ ؟ أو يطيع الكافرين لكن يسر أمره بالمكاشفة والبيان في البلاغ ~~للمخالفين وأن إبلاغه إن لم يكن بهذه السبيل فكأنه ما بلغ وطيب # نفسه وقوي قلبه بقوله (والله يعصمك من الناس) كما قال لموسى وهارون (لا ~~تخافا) لتشد بصائرهم في الإبلاغ وإظهار دين الله ويذهب عنهم خوف العدو ~~المضعف للنفس * وأما قوله تعالى (ولو نقول علينا بعض الأقاويل) الآية وقوله ~~(إذا لأذقناك ضعف الحياة) فمعناه أن هذا جزاء من فعل هذا وجزاؤك لو كنت ممن ~~يفعله وهو لا يفعله وكذلك قوله (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل ~~الله) فالمراد غيره كما قال (إن تطيعوا الذين كفروا) الآية وقوله (فإن يشإ ~~الله يخسم على قلبك) : (ولئن أشركت ليحبطن عملك) وما أشبهه فالمراد غيره ~~وأن هذه حال من أشرك والنبي ms278 صلى الله عليه وسلم لا يجوز عليه هذا وقوله ~~(اتق الله ولا تطع الكافرين) فليس فيه أنه أطاعهم والله ينهاء عما يشاء ~~ويأمره بما يشاء كما قال (ولا تطرد الذين يدعون ربهم) الآية: وما كان طردهم ~~صلى الله عليه وسلم ولا كان من الظالمين ### | ### | فصل # وأما عصمتهم من هذا الفن قبل النبوة فللناس فيه خلاف * والصواب ~~أنهم معصومون قبل النبوة من الجهل بالله وصفاته والتشكك في شئ من ذلك وقد ~~تعاضدت الأخبار والآثار عن الأنبياء بتنزيههم عن هذه النقيصة منذ ولدوا ~~ونشأتهم على التوحيد والإيمان بل على إشراق أنوار المعارف نفحات ألطاف ~~السعادة كما نبهنا عليه في الباب الثاني من القسم الأول من كتابنا هذا ولم ~~ينقل أحد من أهل الأخبار أن أحد النبي # PageV02P109 # واصطفي ممن عرف بكفر وإشراك قبل ذلك ومستند هذا الباب النقل وقد استدل ~~بعضهم بأن القلوب تنفر عمن كانت هذه سبيله وأنا أقول إن قريشا قد رمت نبينا ~~بكل ما افترته، وغير كفار الأمم أنبياءها بكل ما أمكنها واختلقته مما نص ~~الله تعالى عليه أو نقلته إلينا الرواة ولم نجد في شئ من ذلك تعييرا لواحد ~~منهم برفضه آلهته وتقريعه بذمة بترك ما كان قد جامعهم عليه ولو كان هذا ~~لكانوا بذلك مبادرين وبتلونه في معبوده محتجين ولكان توبيخهم له بنهيهم عما ~~كان يعبد قبل أفظع وأقطع في الحجة من توبيخه بنهيهم عن تركهم آلهتهم وما ~~كان يعبد آباؤهم من قبل ففي إطباقهم على الإعراض عنه دليل على أنهم لم ~~يجدوا سبيلا إليه إذ لو كان لنقل وما سكتوا عنه كما لم يسكتوا عند تحويل ~~القبلة وقالوا ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها كما حكاه الله عنهم وقد ~~استدل القاضي القشيري على تنزيههم عن هذا بقوله تعالى (وإذ أخذنا من ~~النبيين ميثاقهم ومنك) الآية وبقوله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين) ~~إلى قوله: (لتؤمنن به ولتنصرنه) قال وطهره الله في الميثاق وبعيد أن يأخذ ~~منه الميثاق قبل خلقه ثم يأخذ ميثاق النبيين بالإيمان به ونصره ms279 قبل مولده ~~بدهور ويجوز عليه الشرك أو غيره من الذنوب، بهذا ما لا يجوزه إلا ملحد، هذا ~~معني كلامه، وكيف يكون ذلك وقد أتاه جبريل عليه السلام وشق قلبه صغيرا ~~واستخرج منه علقة وقال هذا حظ PageV02P110 # الشيطان منك ثم غسله وملأه حكمة وإيمانا كما تظاهرت به أخبار المبدإ ولا ~~يشبه عليك بقول إبراهيم في الكوكب والقمر والشمس هذا # ربي فإنه قد قيل كان هذا في سن الطفولية وابتداء النظر والاستدلال وقبل ~~لزوم التكليف وذهب معظم الحذاق من العلماء والمفسرين إلى أنه إنما قال ذلك ~~مبكتا لقومه ومستدلا عليهم وقيل معناه الاستفهام الوارد مورد الإنكار، ~~والمراد فهذا ربي، قال الزجاج قوله (هذا ربي) أي على قولكم كما قال أين ~~شركائي؟ أي عندكم، ويدل على أنه لم يعبد شيئا من ذلك ولا أشرك قط بالله ~~طرفة عين: قول الله عز وجل عنه (إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون) ثم قال: ~~(أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون؟ فإنهم عدو لي إلا رب ~~العالمين) وقال: (إذ جاء ربه بقلب سليم) أي من الشرك، وقوله: (واجنبني وبني ~~أن نعبد الأصنام) فإن قلت فما معني قوله: (لئن لم يهدني ربي لأكونن من ~~القوم الضالين) قيل إنه إن لم يؤيدني بمعونته أكن مثلكم في ضلالتكم ~~وعبادتكم على معني الإشفاق والحذر وإلا فهو معصوم في الأزل من الضلال فإن ~~قلت فما معني قوله: (وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن ~~في ملتنا) ثم قال بعد عن الرسل (قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم ~~بعد إذ نجانا الله منها) فلا يشكل عليك لفظة العود وأنها تقتضي أنهم إنما ~~يعودون إلى ما كانوا فيه من ملتهم فقد تأتي هذه اللفظة في كلام العرب لغير ~~ما ليس PageV02P111 # له ابتداء بمعني الصيرورة كما جاء في حديث الجهنميين عادوا حمما ولم ~~يكونوا قبل كذلك، ومثل قول الشاعر: - تلك المكارم لا قعبان من لبن * شيبا ~~بماء فعادا بعد أبوالا # وما كان قبل كذلك، فإن قلت فما معنى قوله: ms280 (وجدك ضالا فهدى) فليس هو من ~~الضلال الذي هو الكفر؟ قيل ضالا عن النبوة فهداك إليها، قاله الطبري، وقيل ~~وجدك بين أهل الضلال فعصمك من ذلك وهداك بالإيمان وإلى إرشادهم ونحوه عن ~~السدي وغير واحد، وقيل ضالا عن شريعتك أي لا تعرفها فهداك إليها، والضلال ~~ههنا التحير ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يخلو بغار حراء في طلب ما يتوجه ~~به إلى ربه ويتشرع به حتى هداه الله إلى الإسلام قال معناه المشيرى وقيل لا ~~تعرف الحق فهداك إليه، وهذا مثل قوله تعالى:) وعلمك ما لم تكن تعلم) قاله ~~علي بن عيسى، قال ابن عباس لم تكن له ضلالة معصية وقيل هدى: أي بين أمرك ~~بالبراهين وقيل: (وجدك ضالا) بين مكة والمدينة فهدك إلى المدينة وقيل ~~المعنى وجدك فهدى بك ضالا * وعن جعفر ابن محمد (ووجدك ضالا) عن محبتي لك في ~~الأزل أي لا تعرفها فمننت عليك بمعرفتي، وقرأ الحسن بن علي (ووجدك ضال ~~فهدى) أي اهتدى بك، وقال ابن عطاء: (ووجدك ضالا) أي: محبا لمعرفتي والضال ~~المحب كما قال: (إنك لفي ضلالك القديم) أي محبتك القديمة PageV02P112 # ولم يريدوا ههنا في الدين إذ لو قالوا ذلك في نبي الله لكفروا ومثله عند ~~هذا قوله إنا لنراها في ضلال مبين أي محبة بينة، وقال الجنيد ووجدك متحيرا ~~في بيان ما أنزل إليك فهداك لبيانه لقوله (وأنزلناه # إليك الذكر) الآية، وقيل ووجدك لم يعرفك أحد بالنبوة حتى أظهرك فهدى بك ~~السعداء ولا أعلم أحدا قال من المفسرين فيها ضالا عن الإيمان، وكذلك في قصة ~~موسى عليه السلام قوله: (فعلتها إذا وأنا من الضالين) أي من المخطئين ~~الفاعلين شيئا بغير قصد. # قاله ابن عرفة، وقال الأزهري: معناه من الناسين وقد قيل ذلك في قوله ~~(ووجدك ضالا فهدى) أي ناسيا كما قال تعالى: (أن تضل إحداهما) فإن قلت فما ~~معني قوله: (ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان) فالجواب: أن السمرقندي ~~قال: معناه ما كنت تدري قبل الوحي أن تقرأ القرآن ولا كيف تدعو ms281 الخلق إلى ~~الإيمان، وقال بكر القاضي نحوه، قال ولا الإيمان الذي هو الفرائض والأحكام، ~~قال: فكان قيل مؤمنا بتوحيده ثم نزلت الفرائض التي لم يكن يدريها قبل ~~PageV02P113 # فزاد بالتكليف إيمانا وهو أحسن وجوهه قلت فما معني قوله: # (وإن كنت من قبله لمن الغافلين) فاعلم أنه ليس بمعنى قوله: (والذين هم عن ~~آياتنا غافلون) بل حكى أبو عبد الله الهروي أن معناه لمن الغافلين عن قصة ~~يسف إذ لم تعلمها إلا بوحينا وكذلك الحديث الذي يرويه عثمان بن أبي شيبة ~~بسنده عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يشهد من ~~المشركين مشاهدهم فسمع ملكين حلفه أحدهما يقول لصاحبه اذهب حتى تقوم خلفه ~~فقال الآخر كيف أقوم خلفه وعهده بالستلاء الأصنام؟ فلم يشهدهم بعد، فهذا ~~حديث أنكره أحمد بن حنبل جدا وقال هو موضوع أو شبيه بالموضوع، وقال ~~الدارقطني يقال إن عثمان وهم في إسناده، والحديث بالجملة منكر غير متفق على ~~إسناده فلا يلتفت إليه، والمعروف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خلافه ~~عند أهل العلم من قوله (بغضت إلي الأصنام) وقوله في الحديث الآخر الذي روته ~~أم أيمن حين كلمه عمه وآله في حضور بعض أعيادهم وعزموا عليه بعد كراهته ~~لذلك فخرج معهم ورجع مرعوبا فقال (كلما دنوت منها من صنم تمثل لي شخص أبيض ~~طويل يصيح بي وراءك لا تمسه) فما شهد بعد لهم عيدا، وقوله في قصة بحيرا حين ~~استحلف النبي صلى الله عليه وسلم باللات والعزى إذ لقيه بالشام في سفرته مع ~~عمه أبي طالب وهو صبي ورأى فيه سلامات النبوة فاختبره بذلك فقال له النبي ~~صلى الله عليه وسلم (لا تسألني بهما فو الله ما أبغضت شيئا قط بغضهما) فقال ~~له بحيرا فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه، فقال (سل عما بدا لك) وكذلك ~~المعروف من سيرته صلى الله عليه وسلم وتوفيق الله له أنه كان # PageV02P114 # قبل نبوته يخالف المشركين في وقوفهم بمزدلفة في الحج فكان يقف # هو بعرفة ms282 لأنه كان موقف إبراهيم عليه السلام. ### | فصل # قال القاضي أبو الفضل وفقه الله قد بان بما قدمناه عقود الأنبياء في ~~التوحيد والإيمان والوحي وعصمتهم في ذلك علي ما بيناه، فأما ما عدا هذا ~~الباب من عقود قلوبهم فجماعها أنها مملوءة علما ويقينا على الجملة، وأنها ~~قد احتوت من المعرفة والعلم بأمور الدين والدنيا ما لا شئ فوقه ومن طالع ~~الأحبار واعتني بالحديث وتأمل ما قلناه وجده وقد قدمنا منه في حق نبينا صلى ~~الله عليه وسلم في الباب الرابع أول قسم من هذا الكتاب ما ينبه على ما ~~وراءه الا أن أحوالهم في هذه المعارف تختلف، فأما ما تعلق منها بأمر الدنيا ~~فلا يشترط في حق الأنبياء العصمة من عدم معرفة الأنبياء ببعضها أو اعتقادها ~~على خلاف ما هي عليه ولا وصم عليهم فيه إذ هممهم متعلقة بالآخرة وأنبائها ~~وأمر الشريعة وقوانينها، وأمور الدنيا تضادها بخلاف غيرهم من أهل الدنيا ~~الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون كما سنبين ~~هذا في الباب الثاني أن شاء الله ولكنه لا يقال انهم لا يعلمون شيئا من أمر ~~الدنيا فان ذلك يؤدي إلى الغفلة والبله وهم المنزهون عنه بل قد أرسلوا إلى ~~أهل الدنيا وقلدوا سياستهم وهدايتهم والنظر في مصالح دينهم ودنياهم، وهذا ~~لا يكون مع عدم العلم بأمور الدنيا بالكلية، وأحوال الأنبياء وسيرهم في هذا ~~الباب معلومة ومعرفتهم بذلك كله مشهورة وأما إن كان هذا # PageV02P115 # العقد مما يتعلق بالدين فلا يصح من النبي صلى الله عليه وسلم إلا العلم ~~به ولا يجوز عليه جهله جملة لأنه لا يخلو أن يكون حصل عنده ذلك # عن وحي من الله فهو ما لا يصح الشك منه فيه على ما قدمناه فكيف الجهل؟ بل ~~حصل له العلم اليقين أو يكون فعل ذلك باجتهاده فيما لم ينزل عليه فيه شئ ~~على القول بتجويز وقوع الاجتهاد منه في ذلك على قول المحققين وعلى مقتضى ~~حديث أم سلمة إني إنما أقضى بينكم برأى فيما لم ms283 ينزل على فيه شئ خرجه ~~الثقات، وكقصة أسرى بدر والإذن للمتخلفين على رأي بعضهم فلا يكون أيضا ما ~~يعتقده مما يثمره اجتهاده إلا حقا وصحيحا، هذا هو الحق الذي لا يلتفت إلى ~~خلاف من خالف فيه ممن أجاز عليه الخطإ في الاجتهاد لا على القول بتصويب ~~المجتدين الذي هو الحق والصواب عندنا ولا على القول الآخر بأن الحق في طرف ~~واحد لعصمة نبي صلى الله عليه وسلم من الخطإ في الاجتهاد في الشرعيات ولأن ~~القول في تخطئة المجتهدين إنما هو بعد استقرار الشرع ونظر النبي صلى الله ~~عليه وسلم واجتهاده إنما هو فيما لم ينزل عليه فيه شئ ولم يشرع له قبل، هذا ~~فيما عقد عليه النبي صلى الله عليه وسلم قلبه فأما ما لم يعقد عليه قلبه من ~~أمر النوازل الشرعية فقد كان لا يعلم منها أولا إلا ما علمه الله شيئا شيئا ~~حتى استقر علم جملتها عنده إما بوحي من الله أو إذن أن يشرع في ذلك ويحكم ~~بما أراه الله وقد كان ينتظر الوحي في كثير منها ولكنه لم يمت حتى استفرغ ~~علم جميعها عنده صلى الله عليه وسلم وتقررت معارفها لديه على التحقيق ورفع ~~الشك والريب وانتفاء الجهل وبالجملة فلا يصح منه الجهل بشئ من تفاصيل الشرع ~~الذي أمر بالدعوة إليه إذ # PageV02P116 # لا تصح دعوته إلى ما لا يعلمه وأما ما تعلق بعقده من ملكوت السموات ~~والأرض وخلق الله وتعيين أسمائه الحسنى وآياته الكبرى وأمور الآخرة وأشراط ~~الساعة وأحوال السعداء والأشقياء وعلم ما كان وما يكون مما لم يعلمه إلا ~~بوحي فعلى ما تقدم من أنه معصوم فيه لا يأخذه فيما أعلم منه شك ولا ريب بل ~~هو فيه على غاية اليقين لكنه لا يشترط له العلم بجميع تفاصيل ذلك وإن كان ~~عنده من علم ذلك ما ليس عند جميع البشر لقوله صلى الله عليه وسلم (إني لا ~~أعلم إلا ما علمني ربي) ولقوله ولا خطر على قلب بشر (فلا تعلم نفس ما أخفي ~~لهم من ms284 قرة أعين) وقول موسى للخضر (هل أتبعك لى أن تعلمن مما علمت رشدا) ~~وقوله صلى الله عليه وسلم (أسألك بأسمائك الحسنى ما علمت منها وما لم أعلم) ~~وقوله (أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو لتأثرت به في علم الغيب عندك) ~~وقد قال الله تعالى (وفوق كل ذي علم عليم) قال زيد بن أسلم وغيره حتى ينتهي ~~العلم إلى الله وهذا ما لا خفاء به إذ معلوماته تعالى لا يحاط بها ولا ~~منتهى لها، هذا حكم عقد النبي صلى الله عليه وسلم في التوحيد والشرع ~~والمعارف والأمور الدينية ### | فصل واعلم أن الأمة مجمعة على عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الشيطان # وكفايته منه لا في جسمه بأنواع الأذى ولا على خاطره بالوساوس وقد أخبرنا ~~القاضي الحافظ أبو علي رحمه الله قال حدثنا أبو الفضل بن خيرون العدل حدثنا ~~أبو بكر البرقاني وغيره حدثنا أبو الحسن # PageV02P117 # الدارقطني حدثنا إسماعيل الصفار حدثنا عباس الترقفي حدثنا محمد بن يوسف ~~حدثنا سفيان عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن مسروق عن عبد الله بن مسعود ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) ما منكم # من أحد إلا وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة) قالوا وإياك يا ~~رسول الله؟ قال (وإياي ولكن الله تعالى أعاني عليه فأسلم) * زاد غيره عن ~~منصور (فلا يأمرني إلا بخير) وعن عائشة بمعناه روي فأسلم بضم الميم أي ~~فأسلم أنا منه وصحح بعضهم هذه الرواية ورجحها، وروي فأسلم يعني القرين أنه ~~انتقل عن حال كفره إلى الإسلام فصار لا يأمر إلا بخير كالملك، وهو ظاهر ~~الحديث، ورواه بعضهم فاستسلم قال القاضي أبو الفضل وفقه الله فإذا كان هذا ~~حكم شيطانه وقرينه المسلط على بني آدم فكيف بمن بعد منه ولم يلزم صحبته ولا ~~أقدر على الدنو منه؟ وقد جاءت الآثار بتصدي الشياطين له في غير موطن رغبة ~~في إطماء نوره وإماتة نفسه وإدخال شغل عليه إذ يئسوا من إغوائه فانقلبوا ~~خاسرين كتعرضه له ms285 في صلاته فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم وأسره * ففي ~~الصحاح قال أبو هريرة عنه صلى الله عليه وسلم (إن الشيطان عرض لي - قال عبد ~~الرزاق في صورة؟ ؟ ؟ - فشد علي يقطع علي الصلاة فأمكنني الله PageV02P118 # منه فذعته ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا تنظرون إليه فذكرت ~~قول أخي سليمان (رب اغفر لي وهب لي ملكا) الآية، فرده # الله خاسئا) * وفي حديث أبي الدرداء عنه صلى الله عليه وسلم (إن عدو الله ~~إبليس جاءني بشهاب من نار ليجعله في وجهي، والنبي صلى الله عليه وسلم في ~~الصلاة وذكر تعوذه بالله منه ولعنه له ثم أردت آخذه) ، وذكر نحوه وقال ~~(لأصبح موثقا يتلاعب به ولدان أهل المدينة) وكذلك في حديثه في الإسراء ~~(وطلب عفريت له بشعلة نار فعلمه جبريل ما يتعوذ به منه) ذكره في الموطإ، ~~ولما لم يقدر على أداه بمباشرته تسبب بالتوسط إلى عداه كقضيته مع قريش في ~~الائتمار بقتل النبي صلى الله عليه وسلم وتصوره في صورة الشيخ النجدي ومرة ~~أخرى في غزوة يوم بدر في صورة سراقة بن مالك وهو قوله (وإذ زين لهم الشيطان ~~أعمالهم) الآية، ومرة ينذر بشأنه عند بيعة العفية، وكل هذا فقد كفاه الله ~~أمره وعصمه ضره وشره وقد قال صلى الله عليه وسلم (إن عيسى عليه السلام كفي ~~من لمسه فجاء ليطعن بيده في خاصرته حين ولد فطعن في الحجاب) وقال صلى الله ~~عليه وسلم حين لد في مرضه وقيل له خشينا أن يكون بك PageV02P119 # ذات الجنب فقال (إنها من الشيطان ولم يكن الله ليسلطه علي) فإن قيل # فما معني قوله تعالى (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله) الآية؟ ~~فقد قال بعض المفسرين إنها راجعة إلى قوله (وأعرض عن الجاهلين) ثم قال وإما ~~ينزغنك أي يستخفنك غضب يحملك على ترك الإعراض عنهم فاستعذ بالله، وقيل ~~النزع هنا الفساد كما قال (من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي) وقيل ~~ينرغنك يغرينك ويخركنك، والنزع أدنى الوسوسة فأمره الله تعالى أنه متى ms286 تحرك ~~عليه غضب على عدوه أو رام الشيطان من إغرائه به وخواطر أدنى وساوسه ما لم ~~يجعل له سبيل إليه أن يستعيذ منه فيكفى أمره ويكون سبب نمام عصمته إذ لم ~~يسلط عليه بأكثر من التعرض له ولم يجعل له قدرة عليه وقد قيل في هذه الآية ~~غير هذا وكذلك لا يصح أن يتصور له الشيطان في صورة الملك ويلبس عليه لا في ~~أول الرسالة ولا بعدها والاعتماد في ذلك دليل المعجزة بل لا يشك النبي أن ~~ما يأتيه من الله الملك ورسوله حقيقة إما بعلم ضروري يخلقه الله له أو ~~ببرهان يظهره لديه لتتم كلمة ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلماته. # فإن قيل فما معني قوله تعالى: (وما أرسلنا منى قبلك من رسول ولا نبي إلا ~~إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته) الآية؟ فاعلم أن للناس في معني هذه الآية ~~أقاويل منها السهل والوعث * PageV02P120 # والسمين والغث، وأولى ما يقال فيها ما عليه الجمهور من المفسرين أن # التمنى ههنا التلاوة وإلقاء الشيطان فيها إشغاله بخواطر وأذكار من أمور ~~الدنيا لليالي حتى يدخل عليه الوهم والنسيان فيما تلاه أو يدخل غير ذلك على ~~أفهام السامعين من التحريف وسوء التأويل ما يزيله الله وينسخه ويكشف لبسه ~~ويحكم آياته وسيأتي الكلام على هذه الآية بعد بأشبع من هذا إن شاء الله، ~~وقد حكى السمرقندي إنكار قول من قال بتسلط الشيطان على ملك سليمان وغلبته ~~عليه وأن مثل هذا لا يصح وقد ذكرنا قصة سليمان مبينة بعد هذا ومن قال إن ~~الجسد هو الولد الذي ولد له، وقال أبو محمد مكي في قصة أيوب وقوله: (أني ~~مسني الشيطان بنصب وعذاب) أنه لا يجوز لأحد أن ينازل أن الشيطان هو الذي ~~أمرضه وألقى الضر في بدنه ولا يكون ذلك إلا بفعل الله وأمره ليبتليهم ~~ويثيبهم. # قال مكي: وقيل إن الذي أصابه الشيطان ما وسوس به إلى أهله فإن قلت: فما ~~معني قوله تعالى عن يوشع: - وما أنسانيه إلا الشيطان) وقوله عن يوسف: ~~(فأنساه الشيطان ذكر ms287 ربه) وقول نبينا صلى الله عليه وسلم حين نام عن الصلاة ~~يوم الوادي: (إن هذا واد به شيطان) وقول موسى عليه السلام في وكزته: (هذا ~~من عمل الشيطان) فاعلم أن هذا الكلام قد يرد في جميع خذا على مورد مستمر ~~كلام العرب في وصفهم كل قبح من شخص أو فعل بالشيطان أو فعله كما قال تعالى: ~~(طلعها كأنه رؤس الشياطين) وقال صلى الله عليه وسلم: (فليقاتله فإنما هو ~~شيطان) ، وأيضا فإن قول يوشع لا يلزمنا الجواب PageV02P121 # عنه، إذ لم يثبت له في ذلك الوقت نبوة مع موسى، قال الله تعالى: (وإذ قال ~~موسى لفتاه) والمروي أنه إنما نبى بعد موت موسى وقيل: قبيل موته، وقول موسى ~~كان قبل نبوته بدليل القرآن وقصة يوسف قد ذكر # أنها كانت قبل نبوته، وقد قال المفسرون في قوله: (أنساه الشيطان) قولين: ~~أحدهما: أن الذي أنساه الشيطان ذكر ربه أحد صاحبي السجن وربه الملك: أي ~~أنساه أن يذكر للملك شأن يوسف عليه السلام، وأيضا فإن مثل هذا من فعل ~~الشيطان ليس فيه تسلط على يوسف ويوشع بوساوس ونزغ وإنما هو بشغل خواطر هما ~~بأمور أخر وتذكيرهما من أمورهما ما ينسيهما ما نسيا، وأما قوله صلى الله ~~عليه وسلم: (إن هذا واد به شيطان) فليس فيه ذكر تسلطه عليه ولا وسوسته له ~~بل إن كان بمقتضى ظاهره فقد بين أمر ذلك الشيطان بقوله: (إن شيطان أتى ~~بلالا فلم يزل يهدئه كما يهدأ الصبي حتى نام) فاعلم أن تسلط الشيطان في ذلك ~~الوادي إنما كان على بلال الموكل بكلاءة الفجر، هذا إن جعلنا قوله: (إن هذا ~~واد به شيطان) تنبيها على سبب النوم عن الصلاة، وأما إن جعلناه تنبيها على ~~سبب الرحيل عن الوادي وعلة لترك الصلاة به وهو دليل مساق حديث زيد بن أسلم ~~فلا اعتراض به في هذا الباب لبيانه وإرتفاع إشكاله. PageV02P122 ### | فصل وأما أقواله صلى الله عليه وسلم فقد قامت الدلائل الواضحة بصحة المعجزة على صدقه # وأجمعت الأمة فيما كان طريقه البلاغ أنه معصوم ms288 فيه من الأخبار عن شئ منها ~~بخلاف ما هو به لا قصدا ولا عمدا ولا سهوا ولا غلطا أما تعمد الخنف في ذلك ~~فمنتف بدليل المعجزة القائمة مقام # قول الله صدق فيما قال اتفاقا، وبإطباق أهل الملة إجماعا وأما وقوعه على ~~جهة الغلط في ذلك فبهذه السبيل عند الأستاذ أبي إسحاق الإسفرائني ومن قال ~~بقوله ومن جهة الإجماع فقط وورود الشرع بانتفاء ذلك وعصمة النبي لا من ~~مقتضى المعجزة نفسها عند القاضي أبي بكر الباقلاني ومن وافقه لاختلاف بينهم ~~في مقتضى دليل المعجزة لا نطول بذكره فنخرج عن غرض الكتاب فلنعتمد على ما ~~وقع عليه إجماع المسلمين أنه لا يجوز عليه خلف في القول إبلاغ الشريعة ~~والإعلام بما أخبر به عن ربه وما أوحاه إليه من وحيه لا على وجه العمد ولا ~~على غير عمد ولا في حالي الرضى والسخط والصحة والمرض، وفي حديث عبد الله ~~ابن عمرو قلت يا رسول الله أأكتب كل ما أسمع منك؟ قال (نعم) قلت في الرضى ~~والغضب؟ قال نعم فإني لا أقول في ذلك كله إلا حقا) ولنزد ما أشرنا إليه من ~~دليل المعجزة عليه بيانا: فنقول إذا قامت المعجزة على صدقه وأنه لا يقول ~~إلا حقا ولا يبلغ عن الله إلا صدقا وأن المعجزة قائمة مقام قول الله له ~~صدقت فيما تذكره عني وهو يقول إني رسول الله إليكم لا بلغكم ما أرسلت به ~~إليكم وأبين لكم ما نزل عليكم (وما ينطق # PageV02P123 # عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) وقد جاءكم الرسول بالحق من ربكم، وما آتاكم ~~الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا، فلا يصح أن يوجد منه في هذا الباب خبر ~~بخلاف مخبره على أي وجه كان، فلو جوزنا عليه الغلط والسهو لما تميز لنا من ~~غيره ولا اختلط الحق بالباطل، فالمعجزة مشتملة على تصديقه جملة واحدة من ~~غير خصوص فتبريه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك كله واجب برهانا وإجماعا ~~كما قاله أبو إسحاق ### | فصل وقد توجهت ههنا لبعض الطاعنين ms289 سؤالات # منها ما روي من أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ سورة والنجم وقال ~~(أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى) قال تلك الغرانيق العلى وإن ~~شفاعتها لترتجى ويروى ترتضى، وفي رواية إن شفاعتها لترتجى، وأنها لمع ~~الغرانيق العلى وفي أخرى والغرانقة العلى تلك الشفاعة ترتجى، فلما ختم ~~السورة سجد وسجد معه المسلمون والكفار لما سمعوه أثنى على آلهتهم وما وقع ~~في بعض الروايات أن الشيطان ألفاها على لسانه وأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان يتمنى أن لو نزل عليه شئ يقارب بينه وبين قومه * وفي رواية أخرى ~~PageV02P124 # أن لا ينزل عليه شئ ينفرهم عنه وذكر هذه القصة وأن جبريل عليه السلام ~~جاءه فعرض عليه السورة فلما بلغ الكلمتين قال له ما جئتك بهاتين، فحزن لذلك ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى تسلية له (وما أرسلنا من قبلك ~~من رسول ولا نبى) الآية وقوله (وإن كادوا ليفتنونك) الآية، فاعلم أكرمك ~~الله أن لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين أحدهما في توهين أصله ~~والثاني على تسليمه، أما المأخذ الأول فيكفيك أن هذا حديث لم يخرجه أحد من ~~أهل الصحة ولا رواه # ثقة بسند سليم متصل وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون ~~بكل غريب المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم وصدق القاضي بكر بن العلاء ~~المالكي حيث قال لقد بلي الناس ببعض أهل الأهواء والتفسير وتعلق بذلك ~~الملحدون مع ضعف نقلته واضطراب رواياته وانقطاع إسناده واختلاف كلماته ~~فقائل يقول إنه في الصلاة، وآخر يقول قالها في نادي قومه حين أنزلت عليه ~~السورة، وآخر يقول قالها وقد أصابته سنة، وآخر يقول بل حدث نفسه فيها، وآخر ~~يقول إن الشيطان قالها على لسانه وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما عرضها ~~على جبريل قال ما هكذا أقرأتك، وآخر يقول بل أعلمهم الشيطان أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قرأها، فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قال والله ما ~~هكذا نزلت، إلى غير ذلك من اختلاف ms290 الرواة، ومن حكيت هذه الحكاية عنه من ~~المفسرين والتابعين لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى PageV02P125 # صاحب وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية والمرفوع فيه حديث شعبة عن أبي ~~بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال فيما أحسب الشك في الحديث أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان بمكة وذكر القصة قال أبو بكر البزار هذا الحديث لا ~~نعلمه يروى عن النبي صلى الله علبه وسلم بإسناد متصل يجوز ذكره إلا هذا ولم ~~يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد وغيره يرسله عن سعيد بن جبير وإنما يعرف عن ~~الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس فقد بين لك أبو بكر رحمه الله أنه لا يعرف ~~من طريق يجوز # ذكره سوى هذا وفيه من الضعف ما نبه عليه مع وقوع الشك فيه كما ذكرناه ~~الذي لا يوثق به ولا حقيقة معه، وأما حديث الكلبي فمما لا تجوز الرواية عنه ~~ولا ذكره لقوة ضعفه وكذبه كما أشار إليه البزار رحمه الله والذي منه في ~~الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ والنجم وهو بمكة فسجد معه المسلمون ~~والمشركون والجن والإنس، هذا توهينه من طريق النقل، فأما من جهة المعنى فقد ~~قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته صلى الله عليه وسلم ونزاهته عن مثل هذه ~~الرذبلة إما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله وهو كفر ~~أو أن يتسور عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه ~~ويعتقد النبي صلى الله عليه وسلم أن من القرآن ما ليس منه حتى ينبهه جبريل ~~عليه السلام وذلك كله ممتنع في حقه صلى الله عليه وسلم أو يقول ذلك النبي ~~صلى الله عليه وسلم من قبل نفسه عمدا - وذلك كفر - أو سهوا وهو معصوم من ~~هذا كله وقد قررنا بالبراهين والإجماع عصمته صلى الله عليه وسلم من جريان ~~PageV02P126 # الكفر على قلبه أو لسانه لا عمدا ولا سهوا أو أن يتشبه عليه ما يلقيه ~~الملك ms291 مما يلقي الشيطان أو يكون للشيطان عليه سبيل أو أن يتقول على الله لا ~~عمدا ولا سهوا ما لم ينزل عليه وقد قال الله تعالى: (ولو تقول علينا بعض ~~الأقاويل) الآية، وقال تعالى (إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات) الآية، ~~ووجه ثان وهو استحالة هذه القصة نظرا وعرفا وذلك أن هذا الكلام لو كان كما ~~روي لكان بعيد الالتئام متناقض الأقسام ممتزج المدح بالضم متخاذل التأليف ~~والنظم ولما # كان النبي صلى الله عليه وسلم ولا من بحضرته من المسلمين وصناديد ~~المشركين ممن يخفى عليه ذلك وهذا لا يخفى على أدنى متأمل فكيف بمن رجح حلمه ~~واتسع في باب البيان؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ فصيح الكلام علمه، ووجه ثالث أنه قد علم من ~~عادة المنافقين ومعاندي المشركين وضعفه القلوب والجهلة من المسلمين نفورهم ~~لأول وهلة وتخليط العدو على النبي صلى الله عليه وسلم لأقل فتنة وتعييرهم ~~المسلمين والشماتة بهم الفينة بعد الفينة وارتداد من في قلبه مرض ممن أظهر ~~الإسلام لأدنى شبهة ولم يحك أحد في هذه القصة شيئا سوى هذه الرواية الضعيفة ~~الأصل ولو كان ذلك لوجدت قريش بها على المسلمين الصولة ولأقامت بها اليهود ~~عليهم الحجة كما فعلوا مكابرة في قصة الإسراء حتى كانت في ذلك لبعض ~~PageV02P127 # الضعفاء ردة وكذلك ما روي في قصة القضية ولا فتنة أعظم من هذه البلية لو ~~وجدت ولا تشغيب للمعادي حينئذ أشد من هذه الحادثة لو أمكنت فما روي عن ~~معاند فيها كلمة ولا عن مسلم بسببها بنت شفة فدل على بطلها واجتثاث أصلها ~~ولا شك في إدخال بعض شياطين الإنس أو الجن هذا الحديث على بعض مغفلي ~~المحدثين ليلبسن به على ضعفاء المسلمين. # ووجه رابع ذكر الرواة لهذه القضية أن فيها نزلت (وإن كادوا ليفتنونك) ~~الآيتين، وهاتان الآيتان تردان الخبر الذي # رووه لأن الله تعالى ذكر انهم كادوا يفتنونه حتى يفتري وأنه لولا أن ثبته ~~لكاد يركن إليهم فمضمون هذا ومفهومه أن الله تعالى عصمه من أن يفترى وثبته ~~حتى لم يركن اليهم قليلا فكيف كثيرا ms292 وهم يرون في أخبارهم الواهية أنه زاد ~~على الركون والافتراء بمدح آلهتهم وأنه قال صلى الله عليه وسلم: (افتريت ~~على الله وقلت ما لم يقل) وهذا ضد مفهوم الآية وهي تضعف الحديث لو صح فكيف ~~ولا صحة له؟ وهذا مثل قوله تعالى في الآية الأخرى (ولولا فضل الله عليك ~~ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ) ~~وقد روي عن ابن عباس كل ما في القرآن كاد فهو ما لا يكون قال الله تعالى ~~(يكاد سنابرقه يذهب بالأبصار) ولم يذهب وأكاد أخفيها ولم يفعل، قال القشيري ~~القاضي ولقد طالبه قريش وثقيف إذ مر بآلهتهم أن يقبل بوجهه إليها ووعدوه ~~الإيمان به إن فعل فما فعل ولا كان ليفعل، قال ابن الأنباري ما قارب الرسول ~~ولا ركن وقد ذكرت في معني هذه الآية تفاسير # PageV02P128 # أخر ما ذكرناه من نص الله على عصمة رسوله ترد سفسافها فلم يبق في الآية ~~إلا أن الله تعالى امتن على رسوله بعصمته وتثبيته بما كاده به الكفار ~~وراموا من فتنته ومرادنا من ذلك تنزيهه وعصمته صلى الله عليه وسلم وهو ~~مفهوم الآية، وأما المأخذ الثاني فهو مبني على تسليم الحديث لو صح وقد ~~أعاذنا الله من صحته ولكن على كل حال فقد أجاب عن ذلك أئمة المسلمين بأجوبة ~~منها الغث والسمين فمنها ما روى قتادة ومقاتل أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أصابته سنة عند قراءته هذه السورة فجرى هذا الكلام على لسانه بحكم النوم ~~وهذا لا يصح إذ لا يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم مثله في حالة من ~~أحواله ولا يخلقه الله على لسانه ولا يستولي الشيطان عليه في نوم ولا يقظة ~~لعصمته في هذا الباب من جميع العمد والسهو وفي قول الكلبي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم حدث نفسه فقال ذلك الشيطان على لسانه، وفي رواية ابن شهاب ~~عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال وسها فلما أخبر بذلك قال إنما ذلك من الشيطان ~~وكل ms293 هذه لا يصح أن يقوله النبي صلى الله عليه وسلم لا سهوا ولا قصدا ولا ~~يتقوله الشيطان على لسانه وقيل لعل النبي صلى الله عليه وسلم قاله أثناء ~~تلاوته على تقدير التقرير والتوبيخ للكفار كقول إبراهيم عليه السلام هذا ~~ربي على أحد التأويلات وكقوله بل فعله كبيرهم هذا بعد السكت وبيان الفصل ~~بين الكلامين ثم رجع إلى تلاوته وهذا يمكن مع بيان الفصل وقرينة تدل على ~~المراد وأنه ليس من المتلو وهو أحد ما ذكره القاضي أبو بكر ولا يعترض على ~~هذا بما روي أنه PageV02P129 # كان في الصلاة فقد كان الكلام قبل فيها غير ممنوع والذي يظهر ويترجح في ~~تأويله عنده وعند غيره من المحققين على تسليمه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان كما أمره ربه يرتل القرآن ترتيلا ويفصل الآي تفصيلا في قراءته كما رواه ~~الثقات عنه فيمكن ترصد الشيطان لتلك السكتات ودسه فيها ما اختلفه من تلك ~~الكلمات محاكيا نغمة النبي صلى الله عليه وسلم بحيث يسمعه من دنا إليه من ~~الكفا فظنوها من قول النبي صلى الله عليه وسلم وأشاعوها ولم يقدح ذلك عند ~~المسلمين بحفظ # السورة قبل ذلك على ما أنزلها الله وتحققهم من حال النبي صلى الله عليه ~~وسلم في ذم الأوثان وعيبها عرف منه وقد حكى موسى بن عقبة في مغازيه نحو ~~هذا، وقال إن المسلمين لم يسمعوها وإنما ألقى الشيطان ذلك في أسماع ~~المشركين وقلوبهم ويكون ما روي من حزن النبي صلى الله عليه وسلم لهذه ~~الإشاعة والشبهة وسبب هذه الفتنة وقد قال الله تعالى (وما أرسلنا من قبلكم ~~من رسول ولا نبى) الآية فمعني تمنى: تلا، قال الله تعالى: (لا يعلمون ~~الكتاب إلا أماني) أي تلاوة وقوله (فينسخ الله ما يلقي الشيطان) أي يذهبه ~~ويزيل اللبس به ويحكم آياته، وقيل معني الآية هو ما يقع للنبي صلى الله ~~عليه وسلم من السهو إذا قرأ فينتبه لذلك ويرجع عنه وهذا نحو قول الكلبي في ~~الآية أنه حدث نفسه وقال إذا تمنى أي ms294 حدث نفسه، وفي رواية أبي بكر بن عبد ~~الرحمن نحوه وهذا السهو في القراءة إنما يصح فيما ليس طريقه تغيير المعاني ~~وتبديل الألفاظ PageV02P130 # وزيادة ما ليس من القرآن بل السهو عن إسقاط آية منه أو كلمة ولكنه لا يقر ~~على هذا السهو بل ينبه عليه ويذكر به للحين على ما سنذكره في حكم ما يجوز ~~عليه من السهو وما لا يجوز ومما يظهر في تأويله أيضا أن مجاهدا روى هذه ~~القصة والغرانقة العلى فإن سلمنا القصة قلنا لا يبعد أن هذا كان قرآنا ~~والمراد بالغرانقة العلى وأن شفاعتهن لتربحي الملائكة على هذه الرواية ~~وبهذا فسر لكلى الغرانقة أنها الملائكة وذلك أن الكفار كانوا يعتقدون ~~الأوثان والملائكة بنات الله كما حكى الله عنهم # ورد عليهم في هذه السورة بقوله (ألكم الذكر وله الأنثى) فأنكر الله كل ~~هذا من قولهم ورجاء الشفاعة من الملائكة صحيح فلما تأوله المشركون على أن ~~المراد بهذا الذكر آلهتهم وليس عليهم الشيطان ذلك وزينه في قلوبهم وألقاه ~~إليهم نسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم آياته ورفع تلاوة تلك اللفظتين ~~اللتين وجد الشيطان بهما سبيلا للإلباس كما نسخ كثير من القرآن ورفعت ~~تلاوته وكان في إنزال الله تعالى لذلك حكمة وفي نسخه حكمة ليضل به من يشاء ~~ويهدي من يشاء وما يضل به إلا الفاسقين و (ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة ~~للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد وليعلم ~~الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم) الآية - ~~وقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه السورة وبلغ ذكرت اللات ~~والعزى ومناة الثالثة الأخرى خاف الكفار أن يأتي بشئ من ذمها فسبقوا إلى ~~مدحها PageV02P131 # بتلك الكلمتين ليخلطوا في تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم وبشنعوا عليه ~~على عادتهم وقولهم (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون) ونسب ~~هذا الفعل إلى الشيطان لحمله لهم عليه وأشاعوا ذلك وأذاعوه وأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قاله فحزن لذلك من ms295 كذبهم وافترائهم عليه فسلاه الله تعالى ~~بقوله (وما أرسلنا من قبلك) الآية، وبين للناس الحق من ذلك من الباطل وحفظ ~~القرآن وأحكم آياته ودفع ما لبس به العدو كما ضمنه تعالى من قوله (إنا نحن ~~نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) ومن # ذلك ما روي من قصة يونس عليه السلام أنه وعد قومه العذاب عن ربه فلما ~~تابوا كشف عنهم العذاب فقال لا أرجع إليهم كذابا أبدا فذهب مغاضبا. # فاعلم أكرمك الله أن ليس في خبر من الأخبار الواردة في هذا الباب أن يونس ~~عليه السلام قال لهم إن الله مهلكهم وإنما فيه أنه دعا عليهم بالهلاك، ~~والدعاء ليس بخبر يطلب صدقه من كذبه، لكنه قال لهم إن العذاب مصبحكم وقت ~~كذا وكذا فكان ذلك كما قال ثم رفع الله تعالى عنهم العذاب وتداركهم، قال ~~الله تعالى (إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي) الآية وروي في ~~الأخبار أنهم رأوا دلائل الأعذاب ومخايله، قاله ابن مسعود، وقال سعيد بن ~~جبير غشاهم العذاب كما يغشى الثوب القبر. # فإن قلت فما معني ما روي أن عبد الله بن أبي سرح كان يكتب لرسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم ثم ارتد مشركا وصار إلى قريش فقال لهم إني كنت أصرف ~~محمدا حيث أريد كان يملي علي عزيز حكيم PageV02P132 # فأقول أو عليم حكيم؟ فيقول نعم كل صواب، وفي حديث آخر فيقول له النبي صلى ~~الله عليه وسلم (اكتب كذا) فيقول أكتب كذا: فيقول: (اكتب كيف شئت) ويقول ~~اكتب عليما حكيما فيقول اكتب سميعا بصيرا؟ فيقول له اكتب كيف شئت، وفي ~~الصحيح عن أنس رضي الله عنه أن نصرانيا كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~بعد ما أسلم ثم ارتد وكان يقول ما يدري محمد إلا ما كتبت له: اعلم ثبتنا ~~الله وإياك على الحق ولا جعل للشيطان وتلبيسه الحق بالباطل إلينا سبيلا أن ~~مثل هذه # الحكاة أولا لا توقع في قلب مؤمن ريبا إذ هي حكاية عمن ارتد وكفر بالله ~~ونحن ms296 لا نقبل خبر المسلم المتهم فكيف بكافر افترى هو ومثله على الله ورسوله ~~ما هو أعظم من هذا؟ والعجب لسليم العقل يشغل بمثل هذه الحكاية سره وقد صدرت ~~من عدو كافر مبغض للدين مفتر على الله ورسوله ولم يرد على أحد من السملمين ~~ولا ذكر أحد من الصحابة أنه شاهد ما قاله وافتراه على نبي الله وإنما يفتري ~~الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون، وما وقع من ذكرها في ~~حديث أنس رضي الله عنه وظاهر حكايتها فليس فيه ما يدل على أنه شاهدها ولعله ~~حكى ما سمع وقد علل البزاز حديثه ذلك وقال: رواه ثابت عنه ولم يتابع عليه، ~~ورواه حميد عن أنس قال وأظن حميدا إنما سمعه من ثابت، قال القاضي أبو الفضل ~~وفقه الله ولهذا والله أعلم لم يخرج أهل الصحيح حديث ثابت ولا حميد ~~والحصحيح حديث عبد الله بن عزيز بن رفيع عن أنس رضي الله عنه الذي خرجه أهل ~~الصحة وذكرناه وليس فيه عن أنس قول شئ من ذلك من قبل نفسه إلا من حكايته عن ~~المرتد النصراني # PageV02P133 # ولو كانت صحيحة لما كان فيها قدح ولا توهيم للنبي صلى الله عليه وسلم ~~فيما أوحي إليه ولا جواز للنسيان والغلط عليه والتحريف فيما بلغه ولا طعن ~~في نظم القرآن وأن من عند الله إذ ليس فيه لو صح أكثر من أن الكاتب قال له ~~عليم حكيم أو كتبه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم كذلك هو فسبقه لسانه ~~أو قلمه لكلمة أو كلمتين مما نزل على الرسول قبل إظهار الرسول لها إذ كان ~~ما تقدم مما أملاه الرسول يدل عليها ويقتضي وقوعها بقوة قدرة الكاتب على ~~الكلام ومعرفته به وجودة حسه # وفطنته كما يتفق ذلك للعارف إذا سمع البيت أن يسبق إلى قافيته أو مبتدإ ~~الكلام الحسن إلى ما يتم به ولا يتفق ذلك في جملة الكلام كما لا يتفق ذلك ~~في آية ولا سورة، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم أن صح ms297 كل صواب فقد يكون ~~هذا فيما فيه من مقاطع الآي وجهان وقراءتان أنزلنا جميعا على النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأملى إحداهما وتوصل الكاتب بفطنته ومعرفته بمقتضى الكلام ~~إلى الأخرى فذكرها للنبي صلى الله عليه وسلم فصوبها له النبي صلى الله عليه ~~وسلم ثم أحكم الله من ذلك ما أحكم ونسخ ما نسخ كما قد وجد ذلك في بعض ~~مقاطيع الآى مثله قوله تعالى: (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك ~~أنت العزيز الحكيم) وهذه قراءة الجمهور وقد قرأ جماعة فإنك أنت الغفور ~~الرحيم وليست من المصحف وكذلك كلمات جاءت على وجهين في غير المقاطع قرأ ~~بهما معا الجمهور وثبتتا في المصحف مثل (وانظر إلى العظام كيف ننشرها، ~~وننشزها - - ويقضى اللحق، ويقص الحق) وكل هذا لا يوجب ريبا ولا يسبب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم غلطا ولا وهما وقد قيل إن هذا يحتمل # PageV02P134 # أن يكون فيما يكتبه عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس غير القرآن ~~فيصف الله ويسميه في ذلك كيف شاء. ### | فصل هذا القول فيما طريقه البلاغ # وأما ما ليس سبيله سبيل البلاغ من الأخبار التي لا مستند لها إلى الأحكام ~~ولا أخبار المعاد ولا تضاف إلى وحي بل في أمور الدنيا وأحوال نفسه فالذي ~~يجب تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يقع خبره في شئ من ذلك بخلاف ~~مخبره لا عمدا # ولا سهوا ولا غلطا وأنه معصوم من ذلك في حال رضاه وفي حال سخطه وجده ~~ومزحه وصحته ومرضه ودليل ذلك اتفاق السلف وإجماعهم عليه وذلك أنا نعلم من ~~دين الصحابة وعادتهم مبادرتهم إلى تصديق جميع أحواله وللثقة بجميع أخباره ~~في أي باب كانت وعن أي شئ وقعت وأنه لم يكن لهم توقف ولا تردد في شئ منها ~~ولا استثبات عن حاله عند ذلك هل وقع فيها سهو أم لا، ولما احتج ابن أبي ~~الحقيق اليهودي على عمر حين أجلاهم من خيبر بإقرار رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لهم واحتج عليه عمر ms298 رضي الله عنه بقوله صلى الله عليه وسلم: (كيف بك ~~إذا أخرجت من خيبر؟) فقال اليهودي كانت هزيلة من أبي القاسم فقال له عمر ~~كذبت يا عدو الله وأيضا فإن أخباره وآثاره وسيره وشمائله معتنى بها مستقصى ~~تفاصيلها ولم يرد في شئ منها استدراكه صلى الله عليه وسلم لغلط في قول قاله ~~أو اعترافه بوهم في شئ أخبر به ولو كان PageV02P135 # ذلك لنقل كما نقل من قصته عليه السلام رجوعه صلى الله عليه وسلم عما أشار ~~به على الأنصار في تلقيح النحل وكان ذلك رأيا لا خبرا وغير ذلك من الأمور ~~التي ليست من هذا الباب كقوله والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها ~~إلا فعلت الذي حلفت عليه وكفرت عن يميني، وقوله إنكم تختصمون إلي - الحديث ~~- وقوله اسق يا زبير حتى يبلغ الماء الجدر كما سنبين كل ما في هذا من مشكل ~~ما في هذا الباب والذي بعده إن شاء الله مع أشباههما وأيضا فإن الكذب متى ~~عرف من أحد في شئ من الأخبار بخلاف ما هو على أي وجه كان استريب بخبره ~~واتهم في حديثه ولم # يقع قوله في النفوس موقعا ولهذا ترك المحدثون والعلماء الحديث عمن عرف ~~بالوهم والغفلة وسوء الحفظ وكثرة الغلط مع ثقته وأيضا فإن تعمد الكذب في ~~أمور الدنيا معصية والإكثار منه كبيرة بإجماع مسقط للمروءة وكل هذا مما ~~ينزه عنه منصب النبوة والمرة الواحدة منه فيما يستبشع ويستشنع مما يخل ~~بصاحبها ويزري بقائلها لا حقة بذلك وأما فيما لا يقع هذا الموقع فإن ~~عددناها من الصغائر فهل تجري على حكمها في الخلاف فيها مختلف فيه والصواب ~~تنزيه النبوة عن قليله وكثيره وسهوه وعمده إذ عمدة النبوة البلاغ والإعلام ~~والتبيين وتصديق ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وتجويز شئ من هذا قادح ~~في ذلك ومشكك فيه مناقض للمعجزة فلنقطع عن يقين بأنه لا يجوز PageV02P136 # على الأنبياء خلف في القول في وجه من الوجوه لا بقصد ولا بغير قصد ولا ~~نتسامح ms299 مع من تسامح في تجوز ذلك عليهم حال السهو فيما ليس طريقه البلاغ، ~~نعم وبأنه لا يجوز عليهم الكذب قبل النبوة ولا الاتسام به في أمورهم وأحوال ~~دنياهم لأن ذلك كان يزري ويريب بهم وينفر القلوب عن تصديقهم بعد وانظر ~~أحوال عصر النبي صلى الله عليه وسلم من قريش وغيرها من الأمم وسؤالهم عن ~~حاله في صدق لسانه وما عرفوا به من ذلك واعترفوا به مما عرف واتفق النقل ~~على عصمة نبينا صلى الله عليه وسلم منه قبل وبعد وقد ذكرنا من الآثار فيه ~~في الباب الثاني أول الكتاب ما يبين لك صحة ما أشرنا إليه ### | فصل فإن قلت فما معني قوله صلى الله عليه وسلم في حديث السهو # الذي حدثنا به الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن جعفر حدثنا القاضي أبو الأصبغ ~~ابن سهل حدثنا حاتم بن محمد حدثنا أبو عبد الله بن الفخار حدثنا أبو عيسى ~~حدثنا عبيد الله نا يحيى عن داود بن الحصين عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد ~~أنه قال سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول صلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم صلاة العصر فسلم في ركعتين فقام ذو اليدين فقال PageV02P137 # يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كل ذلك لم يكن وفي الرواية الأخرى ما قصرت الصلاة وما نسيت - الحديث بقصته ~~- فأخبر بنفي الحالتين وأنها لم تكن وقد كان أحد ذلك كما قال ذو اليدين قد ~~كان بعض ذلك يا رسول الله، فاعلم وفقنا الله ذلك كما قال ذو اليدين قد كان ~~بعض ذلك يا رسول الله، فاعلم وفقنا الله وإياك أن للعلماء في ذلك أجوبة ~~بعضها بصدد الإنصاف ومنها ما هو بنية التعسف والاعتساف وها أنا أقول أما ~~على القول بتجويز الوهم والغلط مما ليس طريقه من القول البلاغ وهو الذي ~~زيفناه من القولين فلا اعتراض بهذا الحديث وشبهه وأما على مذهب من يمنع ~~السهو والنسيان في أفعاله جملة ويرى أنه في مثل هذا ms300 عامد لصورة النسيان ~~ليسن فهو # صادق في خبره لأنه لم ينس ولا قصرت ولكنه على هذا القول تعمد هذا الفعل ~~في هذه الصورة ليسنه لمن اعتراه مثله وهو قول مرغوب عنه نذكره في موضعه ~~وأما على إحالة السهو عليه في الأقوال وتجويز السهو عليه فيما ليس طريقه ~~القول كما سنذكره ففيه أجوبة منها أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن ~~اعتقاده وضميره أما إنكار القصر فحق وصدق باطنا وظاهرا وأما النسيان فأخبر ~~صلى الله عليه وسلم عن اعتقاده وأنه لم ينس في ظنه فكأنه قصد الخبر بهذا عن ~~ظنه وإن لم ينطق به وهذا صدق أيضا PageV02P138 # ووجه ثان أن قوله ولم أنس راجع إلى السلام أي أني سلمت قصدا وسهوت عن ~~العدد أي لم أسه في نفس السلام وهذا محتمل وفيه بعد ووجه ثالث وهو أبعدها ~~ما ذهب إليه بعضهم وإن احتمله اللفظ من قوله كل ذلك لم يكن أي لم يجتمع ~~القصر والنسيان بل كان احدهما ومفهوم اللفظ خلافه مع الرواية الأخرى ~~الصحيحة وهو قوله ما قصرت الصلاة وما نسيت، هذا ما رأيت فيه لأئمتنا وكل من ~~هذه الوجوه محتمل للفظ على بعد بعضها وتعسف الآخر منها، قال القاضي أبو ~~الفضل وفقه الله والذي أقول ويظهر لي أنه أقرب من هذه الوجوه كلها أن قوله ~~لم أنس إنكار للفظ الذي نفاه عن نفسه وأنكره على غيره بقوله: بئسما # لأحدكم أن يقول نسيت آية كذا وكذا ولكنه نسي، وبقوله في بعض روايات ~~الحديث الآخر لست أنسى ولكن أنسى فلما قال له السائل أقصرت الصلاة أم نسيت ~~أنكر قصرها كما كان ونسيانه هو من قبل نفسه وأنه إن كان جرى شئ من ذلك فقد ~~نسي حتى سأل غير فتحقق أنه نسي وأجري عليه ذلك ليسن فقوله على هذا لم أنس ~~ولم تقصر وكل ذلك لم يكن صدق وحق لم تقصر ولم ينس حقيقة ولكنه نسي * ووجه ~~آخر استثرته من كلام بعض المشايخ وذلك أنه قال إن النبي صلى الله عليه ms301 وسلم ~~كان يسهو ولا ينسى ولذلك نفى عن نفسه النسيان قال لأن النسيان غفلة وآفة ~~والسهو إنما هو شغل. # قال فكان النبي صلى الله عليه وسلم يسهو في صلاته ولا يغفل عنها وكان ~~يشغله عن حركات الصلاة ما في الصلاة PageV02P139 # شغلا بها لا غفلة عنها فهذا إن تحقق على هذا المعنى لم يكن في قوله (ما ~~قصرت وما نسيت) خلف في قول وعند أن قوله: (ما قصرت الصلاة وما نسيت) بمعني ~~الترك الذي هو أحد وجهي النسيان أراد والله أعلم أني لم أسلم من ركعتين ~~تاركا لإكمال الصلاة ولكني نسيت ولم يكن ذلك من تلقاء نفسي والدليل على ذلك ~~قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح إني لأنسى أو أنسى، لأسن. # وأما قصة كلمات إبراهيم المذكورة أنها كذباته الثلاث المنصوصة في القرآن ~~منها اثنتان قوله: (إني سقيم - بل فعله كبيرهم هذا) وقوله للملك عن زوجته: ~~إنها أختي: فاعلم أكرمك الله أن هذه كلها خارجة عن الكذب لا في القصد ولا ~~في # غيره وهي داخلة في باب المعاريض التي فيها مندوحة عن الكذب أما قوله: ~~(إني سقيم) فقال الحسن وغيره معناه: سأسقم أي: أن كل مخلوق معرض لذلك ~~فاعتذر لقومه من الخروج معهم إلى عيدهم بهذا وقيل بل سقيم بما قدر علي من ~~الموت وقيل سقيم القلب بما أشاهده من كفركم وعنادكم وقيل بل كانت الحمى ~~تأخذه عند طلوع نجم معلوم فلما رآه PageV02P140 # اعتذر بعادته وكل هذا ليس فيه كذب بل خبر صحيح صدق وقيل: بل عرض بسقم ~~حجته عليهم وضعف ما أراد بيانه لهم من جهة النجوم التي كانوا يشتغلون بها ~~وأنه أثناء نظره في ذلك وقبل استقامة حجته عليهم في حال سقم ومرض مع أنه لم ~~يشك هو ولا ضعف إيمانه ولكنه ضعف في استدلاله عليهم وسقم نظره كمال يقا حجة ~~سقيمة ونظر معلول حتى ألهمه الله باستدلاله وصحة حجته عليهم بالكواكب ~~والشمس والقمر ما نصه الله تعالى وقدمنا بيانه وأما قوله: (بل فعله كبيرهم ~~هذا) الآية فإنه ms302 علق خبره بشرط نطقه كأنه قال إن كان ينطق فهو # فعله على طريق التبكيت لقومه وهذا صدق أيضا ولا خلف فيه، وأما قوله أختي ~~فقد بين في الحديث وقال: فإنك أختي في الإسلام وهو صدق والله تعالى يقول: ~~(إنما المؤمنون إخوة) فإن قلت: فهذا النبي صلى الله عليه وسلم قد سماها ~~كذبات وقال لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات وقال في حديث الشفاعة ويذكر ~~كذباته فمعناه أنه لم يتكلم بكلام صورته صورة الكذب وإن كان حقا في الباطن ~~إلا هذه الكلام ولما كان مفهوم ظاهرها خلاف باطنها أشفق إبراهيم عليه ~~السلام بمؤاخذته بها وأما الحديث كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد ~~PageV02P141 # غزوة ورى بغيرها فليس فيه خلف في القول إنما هو ستر مقصده لئلا يأخذ عدوه ~~حذره وكتم وجه ذهابه بذكر السؤال عن موضع آخر والبحث عن أخباره والتعريض ~~بذكره لا أنه يقول تجهزوا إلى غزوة كذا أو وجهتنا إلى موضع كذا خلاف مقصده ~~فهذا لم يكن والأول ليس فيه خبر يدخله الخلف. # فإن قلت فما معني قوله موسى عليه السلام، وقد سئل أي الناس أعلم؟ فقال ~~أنا أعلم فتعب الله عليه ذلك إذ لم يرد العلم إليه - الحديث - وفيه قال بل ~~عبد لنا بمجمع البحرين أعلم منك وهذا # خبر قد أنبأ الله أنه ليس كذلك فاعلم أنه وقع في هذا الحديث من بعض طرقه ~~الصحيحة عن ابن عباس هل تعلم أحدا أعلم منك؟ فإذا كان جوابه على علمه فهو ~~خبر حق وصدق لا خلف فيه ولا شبهة، وعلى الطريق الآخر فمحمله على ظنه ~~ومعتقده كما لو صرح به لأن حاله في النبوة والاصطفاء يقتضي ذلك فيكون ~~إخباره بذلك أيضا عن اعتقاده وحسبانه صدقا لا خلف فيه وقد يريد بقوله أنا ~~أعلم بما يقتضيه وظائف النبوة من علوم التوحيد وأمور الشريعة وسياسة الأمة ~~ويكون الخضر أعلم منه بأمور أخر مما لا يعلمه أحد إلا بإعلام الله من علوم ~~غيبه كالقصص المذكورة في خبرهما فكان موسى عليه السلام أعلم ms303 على الجملة بما ~~تقدم وهذا أعلم على الخصوص بما أعلم ويدل عليه قوله تعالى: (وعلمناه من ~~لدنا علما) وعتب الله ذلك عليه فيما قاله العلماء إنكار هذا القول عليه ~~لأنه لم يرد العلم إليه كما قالت الملائكة لا علم لنا إلا ما علمتنا أو ~~لأنه لم يرض قوله شرعا وذلك والله أعلم لئلا يقتدي به فيه من لم يبلغ كماله ~~في تزكية نفسه وعلو درجته من أمته فيهلك لما تضمنه من مدح الإنسان نفسه # PageV02P142 # ويروثه ذلك من الكبر والعجب والتعاطي والدعوى وإن نزه عن هذه الرذائل ~~الأنبياء فغيرهم بمدرجة سبيلها ودرك ليلها إلا من عصمه الله فالتحفظ منها ~~أولى لنفسه وليقتدى به، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم تحفظا من مثل هذا مما ~~قد علم به (أنا سيد ولد آدم ولا فخر) وهذا الحديث إحدى حججا لقائلين بنبوة ~~الخضر لقوله فيه أنا أعلم من موسى ولا يكون الولي أعلم من النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وأما الأنبياء فيتفاضلون في المعارف وبقوله وما فعلته عن أمري، ~~فدل أنه بوحي، # ومن قال أنه ليس بنبي قال يحتمل أن يكون فعله بأمر نبي آخر، وهذا يضعف ~~لأنه ما علما أنه كان في زمن موسى نبي غيره إلا أخاه هارون وما نقل أحد من ~~أهل الأخبار في ذلك شيئا يعول عليه، وإذا جعلنا أعلم منك ليس على العموم ~~وإنما هو على الخصوص وفي قضايا معينة لم يحتج إلى إثبات النبوة خضر، ولهذا ~~قال بعض الشيوخ كان موسى أعلم من الخضر فيما أخذ عن الله والخضر أعلم فيما ~~دفع إليه من موسى، وقال آخر إنما ألجئ موسى إلى الخضر للتأديب لا للتعليم ### | فصل وأما ما يتعلق بالجوارح من الأعمال # ولا يخرج من جملتها القول باللسان PageV02P143 # فيما عدا الخبر الذي وقع فيه الكلام ولا الاعتقاد بالقلب فيما عدا ~~التوحيد وما قدمناه من معارفه المختصة به فأجمع المسلمون على عصمة الأنبياء ~~من الفواحش والكبائر الموبقات ومستند الجمهور في ذلك الإجماع الذي ذكرناه ~~وهو مذهب القاضي أبو بكر ms304 ومنعها غيره بدليل العقل مع الإجماع وهو قول ~~الكافة، واختار الأستاذ أبو إسحاق وكذلك لا خلاف أنهم معصومون من كتمان ~~الرسالة والتقصير في التبليغ، لأن كل ذلك # يقتضي العصمة منه المعجزة مع الإجماع على ذلك من الكافة، والجمهور قائل ~~بأنهم معصومون من ذلك من قبل الله معتصمون باختيارهم وكسبهم إلا حسينا ~~النجار فإنه قال لا قدر لهم على المعاصي أصلا، وأما الصغائر فجوزها جماعة ~~من السلف وغيرهم على الأنبياء وهو مذهب أبي جعفر الطبري وغيره من الفقهاء ~~والمحدثين والمتكلمين، وسنورد بعد هذا ما احتجوا به، وذهبت طائفة أخرى إلى ~~الوقف وقالوا العقل لا يحيل وقوعها منهم ولم يأت في الشرع قاطع بأحد ~~الوجهين، وذهبت طائفة أخرى من المحققين من الفقهاء والمتكلمين إلى عصمتهم ~~من الصغائر كعصمتهم من الكبائر، قالوا: لاختلاف الناس في الصغائر وتعيينها ~~من الكبائر، وإشكال ذلك وقول ابن عباس وغيره إن كل ما عصي الله به فهو ~~كبيرة وأنه إنما سمي منها الصغير بالإضافة إلى ما هو أكبر منه ومخالفة ~~الباري في أي أمر كان يجب كونه كبيرة، قال القاضي أبو محمد PageV02P144 # عبد الوهاب لا يمكن أن يقال إن في معاصي الله صغيرة إلا على معني أنها ~~تغتفر باجتناب الكبائر ولا يكون لها حكم مع ذلك بخلاف الكبائر إذا لم يتب ~~منها فلا يحبطها شئ والمشيئة في العفو عنها إلى الله تعالى وهو قول القاضي ~~أبي بكر وجماعة أئمة الأشعرية وكثير من أئمة الفقهاء، وقال بعض أئمتنا: ولا ~~يجب على القولين أن يختلف أنهم معصومون عن تكرار الصغائر وكثرتها إذ يلحقها ~~ذلك بالكبائر ولا في صغيرة أدت # إلى إزالة الحشمة وأسقطت المروؤة وأوجبت الإزراء والخساسة، فهذا أيضا مما ~~يعصم عنه الأنبياء إجماعا، لأن مثل هذا يحط منصب المتسيم به ويزري بصاحبه ~~وينفر القلوب عنه والأنبياء منزهون عن ذلك، بل يلحق بهذا ما كان من قبيل ~~المباح فأدى إلى مثله لخروجه بما أدى إليه عن اسم المباح إلى الحظر، وقد ~~ذهب بعضهم إلى عصمتهم من مواقعة المكروه قصدا، وقد ms305 استدل بعض الأئمة على ~~عصمتهم من الصغائر بالمصير إلى امتثال أفعالهم واتباع آثارهم وسيرهم مطلقا، ~~وجمهور الفقهاء على ذلك من أصحاب مالك والشافعي وأبي حنيفة من غير التزام ~~قرينة بل مطلقا عند بعضهم وإن اختلفوا في حكم ذلك، وحكى ابن خويز منداذ ~~وأبو الفرج عن مالك التزام ذلك وجوبا وهو قول الأبهري وابن القصار وأكثر ~~أصحابنا وقول أكثر أهل العراق وابن سريج والإصطخري PageV02P145 # وابن خيران من الشافعية وأكثر الشافعية على أن ذلك ندب، وذهبت طائفة إلى ~~الإباحة. # وقيد بعضهم الاتباع فيما كان من الأمور الدينية وعلم به مقصد القربة ومن ~~قال بالإباحة في أفعاله لم يقبد قال فلو جوزنا عليهم الصغائر لم يمكن ~~الاقتداء بهم في أفعالهم، إذ ليس كل فعل من أفعاله يتميز مقصد به من القربة ~~أو الإباحة أو الحظر أو المعصية، # ولا يصح أو يؤمر المرء بامتثال أمر لعله معصية لا سيما على من يرى من ~~الأصوليين تقديم الفعل على القول إذا تعارضا، ونزيد هذا حجة بأن نقول من ~~جوز الصغائر ومن نفاها عن نبينا صلى الله عليه وسلم مجمعون على أنه لا يقر ~~على منكر من قول أو فعل وأنه متى رأى شيئا فسكت عنه صلى الله عليه وسلم دل ~~على جوازه فكيف يكون هذا حاله في حق غيرهن ثم يجوز وقوعه منه في نفسه وعلى ~~هذا المأخذ تجب عصمته من مواقعة المكروه كما قيل وإذ الحظر أو الندب على ~~الاقتداء بفعله ينافي الزجر والنهي عن فعل المكروه، وأيضا فقد علم من دين ~~الصحابة قطعا الاقتداء بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم كيف توجهت وفي كل؟ ~~؟ كالاقتداء بأمواله فقد نبذوا خواتيمهم حين نبذ خاتمه، وخلعوا نعالهم حين ~~خلع واحتجاجهم برؤية ابن عمر إياه جالسا لقضاء حاجته مستقبلا بيت المقدس ~~واحتج غير واحد منهم في غير شئ مما بابه العبادة أو العادة بقوله رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يفعله وقال: (هلا خبرتيها أني أقبل وأنا صائم) ~~وقالت عائشة محتجة: (كنت أفعله أنا ورسول الله صلى ms306 الله عليه وسلم وغضب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على الذي أخبر بمثل هذا عنه PageV02P146 # فقال يحل الله لرسوله ما يشاء وقال: (إني لأخشاكم لله وأعلمكم بحدوده) ~~والآثار في هذا أعظم من أن نحيط بها لكنه يعلم من مجموعها على القطع ~~اتباعهم أفعاله واقتداؤهم بها ولو جوزوا عليه المخالفة في شئ منها لما اتسق ~~هذا وليقل عنهم وظهر بحثهم عن ذلك ولما أنكر صلى الله عليه وسلم على الآخر ~~قوله واعتذاره بما ذكرناه، وأما المباحات فجائز وقوعها منم إذ ليس فيها قدح ~~بل هي مأذون فيها وأيديهم كأيدي غيرهم مسلمة عليها # إلا أنهم بما خصوا به من رفيع المنزلة وشرحت لهم صدورهم من أنوار المعرفة ~~واصطفوا به من تعلق بالهم بالله والدار الآخرة لا يأخذون من المباحات إلا ~~الضرورات مما يتقون به على سلوك طريقهم وصلاح دينهم وضرورة دنياهم وما أخذ ~~على هذه السبيل التحقق طاعة وصار قربة كما بينا منه أول الكتاب طرفا في ~~خصال نبينا صلى الله عليه وسلم، فبان لك عظيم فضل الله على نبينا وعلى سائر ~~أنيبائه عليهم السلام بأن جعل أفعالهم قربات وطاعات بعيدة عن وجه المخالفة ~~ورسم المعصية. ### | فصل وقد اختلف في عصمتهم من المعاصي قبل النبوة # فمنعها قوم وجوزها آخرون والصحيح إن شاء الله تنزيههم من كل عيب وعصمتهم ~~من كل ما يوجب الريب فكيف والمسألة تصورها كالممتنع فإن المعاصي والنواهي ~~إنما تكون بعد تقرر الشرع وقد اختلف الناس في حال نبينا صلى الله عليه وسلم ~~قبل أن يوحى إليه هل كان متبعا لشرع قبله أم لا؟ # PageV02P147 # فقال جماعة لم يكن متبعا لشئ وهذا قول الجمهور فالمعاصي على هذا القول ~~غير موجودة ولا معتبرة في حقه حينئذ إذ الأحكام الشرعية إنما تتعلق ~~بالأوامر والنواهي وتقرر الشريعة ثم احتلفت حجج القائلين بهذه المقالة ~~عليها فذهب سيف السنة ومقتدى فرق الأمة القاضي أبو بكر إلى أن طريق العلم ~~بذلك النقل وموارد الخبر من طريق السمع وحجته أنه لو كان ذلك لنقل ولما ~~أمكن كتمه ms307 وستره في العادة إذ كان من مهم أمره وأولى ما اهتبل به من سيرته ~~ولفخر به أهل تلك الشريعة ولا احتجوا به عليه ولم يؤثر شئ من ذلك جملة، ~~وذهبت طائفة إلى امتناع ذلك # عقلا قالوا: لأنه يبعد أن يكون متبوعا من عرفا تابعا، وبنوا هذا على ~~التحسين والتقبيح وهى طريفة غير سديدة واستناد ذلك إلى النقل كما تقدم ~~للقاضى أبى بكر أولى وأظهر، وقالت فرقة أخرى بالوقف في أمره صلى الله عليه ~~وسلم وترك قطع الحكم عليه بشئ في ذلك إذ لم يحل الوجهين منها العقل ولا ~~استبان عندها في أحدهما طريق النقل وهو مذهب أبي المعالي، وقالت فرقة ثالثة ~~إنه كان عاملا بشرع من قبله، ثم اختلوا هل يتعين ذلك انشرع أم لا فوقف ~~بعضهم عن تعيينه وأحجم وجسر بعضهم على التعيين وصمم، ثم اختلفت هذه المعينة ~~فيمن كان يتبع فقيل نوح وقيل إبراهيم وقيل موسى وقيل عيسى صلوات الله ~~عليهم، فهذه جملة المذاهب في هذه المسألة والأظهر فيها ما ذهب إليه القاضي ~~أبو بكر وأبعدها مذاهب المعينين إذ لو كان شئ من ذلك لنقل كما قدمناه ولم ~~يخف جملة ولا حجة لهم في أن عيسى آخر الأنبياء فلزمت شريعته من جاء بعدها ~~إذ لم يثبت عموم دعوة عيسى بل الصحيح أنه لم # PageV02P148 # يكن لنبي دعوة عامة إلا لنبيا صلى الله عليه وسلم، ولا حجة أيضا للآخر في ~~قوله (أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا) ولا للآخرين في قوله تعالى (شرع لكم من ~~الدين ما وصى به نوحا) فمحمل هذه الآية على إتباعهم في التوحيد كقوله تعالى ~~(أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) وقد سمى الله تعالى فيهم من لم يبعث ~~ولم تكن له شريعة تخصه كيوسف ابن يعقوب على قول من يقول إنه ليس برسول وقد ~~سمى الله تعالى جماعة منهم في هذه الآية شرائعهم مختلفة لا يمكن الجمع ~~بينها، فدل أن المراد ما اجتمعوا عليه من التوحيد وعبادة الله تعالى وبعد ~~هذا فهل يلزم من قال # بمنع ms308 الاتباع هذا القول في سائر الأنبياء غير نبينا صلى الله عليه وسلم ~~أو يخالفون بينهم أما من منع الاتباع عقلا فيطرد أصله في كل رسول بلا مرية ~~وأما من مال إلى النقل فأينما تصور له وتقرر اتبعه، ومن قال بالوقف فعلى ~~اصله، ومن قال بوجوب الاتباع لمن قبله يلتزمه بمساق حجته في كل نبي ### | فصل هذا حكم ما تكون المخالفة فيه من الأعمال عن قصد # وهو ما يسمى معصية ويدخل تحت التكلف، وأما ما يكون بغير قصد وتعمد كالسهو ~~والنسيان في الوضائف الشرعية مما تقرر الشرع بعدم تعلق الخطاب به وترك ~~المؤاخذة عليه فأحوال الأنبياء في ترك المؤاخذة به وكونه ليس بمعصية لهم مع ~~أممهم سواء ثم ذلك على نوعين ما طريقه البلاغ وتقرير الشرع وتعلق الأحكام ~~وتعليم الأمة بالفعل وأخذهم باتباعه فيه وما # PageV02P149 # هو خارج عن هذا مما يختص بنفسه، أما الأول فحكمه عند جماعة من العلماء ~~حكم السهو في القول في هذا الباب، وقد ذكرنا الاتفاق على امتناع ذلك في حق ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعصمته من جوازه عليه قصدا أو سهوا، فكذلك قالوا ~~الأفعال في هذا الباب لا يجوز طرو المخالفة فيها لا عمدا ولا سهوا لأنها ~~بمعني القول من جهة التبليغ والأداء وطرو هذه العوارض عليها يوجب التشكيك ~~ويسبب المطاعن، واعتذوا عن أحاديث السهو بتوجيهات نذكرها بعد هذا وإلى هذا ~~مال أبو إسحاق، وذهب الأكثر من الفقهاء والمتكلمين إلى أن المخالفة في ~~الأفعال البلاغية والأحكام الشرعية سهوا وعن غير قصد منه جائز عليه كما ~~تفرر من أحاديث السهو في # الصلاة وترقوا بين ذلك وبين الأقوال البلاغية لقيام المعجزة على الصدق في ~~القول ومخالفة ذلك تناقضها وأما السهو في الأفعال فغير مناقص لها ولا قادح ~~في النبوة بل غلطات الفعل وعفلات القلب من سمات البشر كما قال صلى الله ~~عليه وسلم (إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني) نعم بل حاله ~~النسيان والسهو هنا في حقه صلى الله عليه وسلم سبب إفادة علم وتقرير ms309 شرع ~~كما قال صلى الله عليه وسلم (إني لأنسى أو أنسى لأسن) بل قد روي (لست أنسى ~~ولكن أنسى لأسن) وهذه الحالة زيادة له في التبليغ وتمام عليه في النعمة ~~بعيدة عن سمات النقص وأغراض الطعن فإن القائلين بتجويز ذلك يشترطون أن ~~الرسل لا تقر على السهو والغلط بل ينبهون عليه ويعرفون حكمه بالفور على قول ~~بعضهم وهو الصحيح وقبل انقراضهم على قول الآخرين وأما ما ليس طريقه البلاغ ~~ولا بيان الأحكام من PageV02P150 # أفعاله صلى الله عليه وسلم وما يختص به من أمور دينه وأذكار قلبه مما لم ~~يفعله ليتبع فيه فالأكثر من طبقات علماء الأمة على جواز السهو والغلط عليه ~~فيها ولحوق الفترات والغفلات بقلبه وذلك بما كلفه من مقاساة الخلق وسياسات ~~الأمة ومعاناة الأهلي وملاحظة الاعداء ولكن ليس على سبيل التكرار ولا ~~الاتصال بل على سبيل الندور كما قال صلى الله عليه وسلم (إنه ليغان على ~~قلبي فأستغفر الله) وليس في هذا شئ يحط من رتبته ويناقض معجزته وذهبت طائفة ~~إلى منع السهو والنسيان والغفلات والفترات في حقه صلى الله عليه وسلم جملة ~~وهو مذهب جماعة المتصوفة وأصحاب علم القلوب والمقامات ولهم في هذه الأحاديث ~~مذاهب نذكرها بعد هذا إن شاء الله. ### | فصل في الكلام على الأحاديث المذكور فيها السهو منه صلى الله عليه وسلم # وقد قدمنا في الفصول قبل هذا ما يجوز فيه عليه السهو صلى الله عليه وسلم ~~وما يمتنع وأحلناه في الأخبار جملة، وفي الأقوال الدينية قطعا، وأجزنا ~~وقوعه في الأفعال الدينية على الوجه الذي رتبناه وأشرنا إلى ما ورد في ذلك ~~ونحن نبسط القول فيه الصحيح من الأحاديث الواردة في سهوه صلى الله عليه ~~وسلم في الصلاة ثلاثة أحاديث: أولها حديث ذي اليدين في السلام من اثنتين، ~~الثاني حديث ابن بحينة في القام من اثنتين، PageV02P151 # الثالث حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ~~الظهر خمسا، وهذه الأحاديث مبنية على السهو في الفعل الذي قررناه، وحكمة ~~الله فيه ليستن ms310 به إذ البلاغ بالفعل أجلى منه بالقول وأرفع للاحتمال وشرطه ~~أنه لا يقر على السهو بل يشعر به ليرتفع الالتباس وتظهر فائدة الحكمة كما ~~قدمناه وأن النسيان والسهو في الفعل في حقه صلى الله عليه وسلم غير مضاد ~~للمعجزة ولا قادح في التصديق، وقد قال صلى الله عليه وسلم (إنما أنا بشر ~~أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني) وقال (رحم الله فلانا لقد أذكرني كذا ~~وكذا آية كنت أسقطهن - ويروى - أنسيتهن) وقال صلى الله عليه وسلم (إني ~~لأنسى أو أنسى لأسن) قيل هذا اللفظ شك من الراوي وقد روي (إني لا أنسى ولكن ~~أنسى لأسن) وذهب ابن نافع وعيسى بن دينار أنه # ليس بشك وأن معناه التقسيم أي: أنسى أنا أو ينسيني الله، قال القاضي أبو ~~الوليد الباجي يحتمل ما قالاه أن يريد إني أنسى في اليقظة وأنسى في النوم ~~أو أنسى على سبيل عادة البشر من الذهول عن الشئ والسهو أو أنسى مع إقبالي ~~عليه وتفرغي له فأضاف أحد النسيانين إلى نفسه إذ كان له بعض السبب فيه ونفى ~~الآخر عن نفسه إذ هو فيه كالمضطر، وذهبت طائفة من أصحاب المعاني والكلام ~~على الحديث إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسهو في الصلاة ولا ينسى ~~لأن النسيان ذهول وغفلة وآفة قال والنبي صلى الله عليه وسلم منزة عنها ~~والسهو شغل فكان صلى الله عليه وسلم يسهو في صلاته ويشغله عن حركات الصلاة ~~ما في الصلاة شغلا PageV02P152 # بها لا غفلة عنها واحتج بقوله في الرواية الأخرى إني لا أنسى، وذهبت ~~طائفة إلى منع هذا كله عنه وقالوا: إن سهوة عليه السلام كان عمدا وقصدا ~~ليسن وهذا قول مرغوب عنه متناقض المقاصد لا يحلى منه بطائل لأنه كيف يكون ~~متعمدا ساهيا في حال ولا حجة لهم في قولهم إنه أمر بتعمد صورة النسيان ليسن ~~لقوله: (إني لأنسى أو أنسى) وقد أثبت أحد الوصفين ونفى مناقضة التعمد ~~والقصد وقال (إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون) وقد مال إلى. # هذا ms311 عظيم من المحققين من أئمتنا وهو أبو المظفر الاسفرائني ولم يرتضه ~~غيره منهم ولا أرتضيه ولا حجة لهاتين الطائفتين في قوله (إني لا أنسى ولكن ~~أنسى) إذ ليس فيه نفي حكم النسيان بالجملة وإنما فيه نفي لفظه وكراهة لقبله ~~كقوله # (بئسما لأحدكم أن يقول نسيت آية كذا ولكنه نسي) أو نفي الغفلة وقله ~~الاهتمام بأمر الصلاة عن قلبه لكن شغل بها عنها ونسى بعضها ببعضها كما ترك ~~الصلاة يوم الخندق حتى خرج وقتها وشغل بالتحرز من العدو عنها فشغل بطاعة عن ~~طاعة وقيل إن الذي ترك يوم الخندق اربع صلوات، الظهر، والعصر، والمغرب، ~~والعشاء، وبه احتج من ذهب إلى جواز تأخير الصلاة في الخوف إذا لم يتمكن من ~~أدائها إلى وقت الأمن وهو مذهب الشاميين والصحيح أن حكم صلاة الخوف كان بعد ~~هذا فهو ناسخ له. # فإن قلت فما تقول في نومه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة يوم الوادي وقد ~~قال: (إن عيني تنامان ولا ينام قلبي) : فاعلم أن للعلماء عن ذلك أجوبة منها ~~أن المراد بأن هذا حكم قلبه عند نومه وعينيه في PageV02P153 # غافل الأوقات وقد يندر منه غير ذلك كما يندر من غيره خلاف عادته ويصحح ~~هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث نفسه (إن الله قبض أرواحنا) ~~وقول بلال فيه: ما ألقيت علي؟ ومة مثلها قط، ولكن مثل هذا إنما يكون منه ~~لأمر يريده الله من إثبات حكم وتأسيس سنة وإظهار شرع، وكما قال في الحديث ~~الآخر لو شاء الله لأيقظنا ولكن أراد أن يكون لمن بعدكم، الثاني أن قلبه لا ~~يستغرقه النوم حتى يكون منه الحدث فيما لما روي أنه كان محروسا وأنه كان ~~ينام حتى ينفخ وحتى يسمع غطيطه ثم يصلي ولا يتوضأ وحديث ابن عباس المذكور ~~فيه وضوءه عند قيامه من النوم فيه نومه مع أهله فلا يمكن الاحتجاج به على ~~وضوئه بمجرد النوم إذ لعل ذلك لملامة الأهل أو لحدث آخر فكيف # وفي آخر الحديث نفسه ثم نام حتى سمعت ms312 غطيطه ثم أقيمت الصلاة فصلى ولم ~~يتوضأ وقيل لا ينام قلبه من أجل أنه يوحى إليه في النوم وليس في قصة الوادي ~~إلا نوم عينيه عن رؤية الشمس وليس هذا من فعل القلب وقد قال صلى الله عليه ~~وسلم: إن الله قبض أرواحا ولو شاء لردها إلينا في حين غير هذا. # فإن قيل فلولا عادته من استغراق النوم لما قال لبلال أكلأ لنا الصبح، ~~فقيل في الجواب إنه كان من شأنه صلى الله عليه وسلم التغليس بالصبح ومراعاة ~~أول الفجر لا تصح ممن نامت عينه إذ هو ظاهر يدرك بالجوارح الظاهرة فوكل ~~بلالا بمراعاة أوله ليعلمه بذلك كما لو شغل بشغل غير النوم عن مراعاته. # فإن قيل فما معني نهيه صلى الله عليه وسلم عن القول نسيت وقد قال صلى ~~الله عليه وسلم (إني أنسى PageV02P154 # كما تنسون فإذا نسيت فذكروني) وقال (لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت ~~أنسيتها) فاعلم أكرمك الله أنه لا تعارض في هذه الألفاظ، أما نهيه عن أن ~~يقال نسيت آية كذا فمحمول على ما نسخ نقله من القرآن أي أن العفلة في هذا ~~لم تكن منه ولكن الله تعالى اضطره إليها ليمحو ما يشاء ويثبت وما كان من ~~سهو أو غفلة من قبله تذكرها صلح أن يقال في أنس يوقد قيل إن هذا منه صلى ~~الله عليه وسلم على طريق الاستحباب أن يضيف الفعل إلى خالقه والآخر على ~~طريق الجواز لاكتساب العبد فيه وإسقاطه صلى الله عليه وسلم لما أسقط من هذه ~~الآيات جائز عليه بعد بلاغ ما أمر ببلاغة وتوصيله إلى عباده ثم يستذكرها من ~~أمته أو من قبل نفسه إلا ما قضى الله نسخه ومحوه من # القلوب وترك استذكاره، وقد يجوز أن ينسى النبي صلى الله عليه وسلم ما هذا ~~سبيله كرة ويجوز أن ينسيه منه قبل البلاغ ما لا يغير نظما ولا يخلط حكما ~~مما لا يدخل خللا في الخبر ثم يذكره إياه ويستحيل دوام نسيانه له لحفظ الله ~~كتابه وتكليفه بلاغه. ### | فصل ms313 في الرد على من أجاز عليهم الصغائر # والكلام على ما احتجوا به في ذلك اعلم أن المجوزين للصغائر على الأنبياء ~~من الفقهاء والمحدثين ومن شايعهم على ذلك من المتكلمين احتجوا على ذلك ~~بظواهر كثيرة من PageV02P155 # القرآن والحديث إن التزموا ظواهرها أفضت بهم إلى تجويز الكبائر وخرق ~~الإجماع وما لا يقول به مسلم فكيف وكل ما احتجوا به مما اختلف المفسرون في ~~معناه وتقابلت الاحتمالات في مقتضاه وجاءت أقاويل فيها للسلف بخلاف ما ~~التزموه من ذلك فإذا لم يكن مذهبهم إجماعا وكان الخلاف فيما احتجوا به ~~قديما وقامت الدلالة على خطإ قولهم وصحة غيره وجب تركه والمصير إلى ما صح ~~وها نحن نأخذ في النظر فيها إن شاء الله، فمن ذلك قوله تعالى لنبينا صلى ~~الله عليه وسلم (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) ، وقوله (فاستغفر ~~لذنبك والمؤمنين والمؤمنات) وقوله (ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك) وقوله ~~(عفا الله عنك لم أذنت لهم) وقوله (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم ~~عذاب عظيم) وقوله (عبس # وتولى أن جاءه الأعمى) الآية وما قص من قصص غيره من الأنبياء كقوله (وعصى ~~آدم ربه فغوى) وقوله (فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء) الآية وقوله عنه ~~(ربنا ظلمنا أنفسنا) الآية وقوله عن يونس (سبحانك إني كنت من الظالمين) وما ~~ذكره من قصة داود، وقوله (وظن داود أنما فتاه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب) ~~إلى قوله (مآب) وقوله (ولقد همت به وهم بها) وما قص من قصته مع إخوته، ~~وقوله عن موسى (فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان) وقول النبي ~~صلى القله عليه وسلم في دعائه (اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت ~~وما أعلنت) ونحوه من أدعيته صلى الله عليه وسلم # PageV02P156 # وذكر الأنبياء في الموقف ذنوبهم في حديث الشفاعة، وقوله (إنه ليغان على ~~قلبي فأستغفر الله) وفي حديث أبي هريرة (إني لأستغفر الله وأتوب إليه في ~~اليوم أكثر من سبعين مرة) وقوله تعالى عن نوح (وإلا ms314 تغفر لى وترحمني) ~~الآية، وقد كان قال الله له (ولا تخاطبي في الذين ظلموا إنهم مغرقون) وقال ~~عن إبراهيم (والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين) وقوله عن موسى (تبت ~~إليك) وقوله (ولقد فتنا سليمان) إلى ما أشبه هذه الظواهر، فأما احتجاجهم ~~يقوله (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) فهذا قد اختلف فيه ~~المفسرون، فقيل المراد ما كان قبل النبوة وبعدها، وقيل المراد ما وقع لك من ~~ذنب وما لم يقع أعلمه أنه مغفور له، وقيل المتقدم ما كان قبل النبوة ~~والمتأخر عصمتك بعدها، حكاه أحمد بن نصر، وقيل المراد بذلك أمته صلى الله ~~عليه وسلم وقيل المراد ما كان عن سهو وغفلة وتأويل، حكاه الطبري واختاره # القشيري، وقيل ما تقدم لأبيك آدم وما تأخر من ذنوب أمتك، حكاه السمرقندي ~~والسلمي عن ابن عطاء وبمثله والذي قبله يتأول قوله: (واستغفر لذنبك ~~وللمؤمنين والمؤمنات) قال مكي مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم ههنا هي ~~مخالطبة لأمته، وقيل إن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر أن يقول (وما ~~أدري ما يفعل بي ولا بكم) سر بذلك الكفار فأنزل الله تعالى (ليغفر لك الله ~~ما تقدم من ذنبك وما تأخر) الآية وبمآل المؤمنين في الآية الأخرى بعدها، ~~قاله ابن عباس، فمقصد الآية أنك مغفور لك غير مؤاخذ بذنب أن لو كان، قال ~~بعضهم: المغفرة ههنا تبرئة من العيوب، وأما قوله (ووضعنا عنك وزرك الذي ~~أنقض ظهرك) # PageV02P157 # فقيل ما سلف من ذنبك قبل النبوة وهو قول ابن زيد والحسن ومعني قول قتادة، ~~وقيل معناه أنه حفظ قبل نبوته منها وعصم، ولولا ذلك لأثقلت ظهره، حكى معناه ~~السمرقندي، وقيل المراد بذلك ما أثقل ظهره من أعباء الرسالة حتى بلغها) ~~حكاه الماوردي والسلمي، وقيل حططنا عنك ثقل أيام الجاهلية، حكاه مكي، وقيل ~~ثقل شغل سرك وحيرتك وطلب شريعتك حتى شرعنا ذلك لك، حكى معناه القشيري، وقيل ~~معناه خففنا عليك ما حملت بحفظنا لما استحفظت وحفظى عليك، ومعنى انقض ظهرك ~~أي كاد ms315 ينقصه فيكون المعنى على من جعل ذلك لم قبل النبوة اهتمام النبي صلى ~~الله عليه وسلم بأمور فعلها قبل النبوة وحرمت عليه بعد النبوة فعدها أوزارا ~~وثقلت عليه وأشفق منها، أو يكون الوضع عصمة الله له وكفايته من ذنوب لو ~~كانت لأنفضت ظهره، أو يكون من ثقل الرسالة أو ما ثقل عليه وشغل قلبه من ~~أمور الجاهلية وإعلام الله تعالى له # بحفظ ما استحفظيه من وحيه، وأما قوله (عفا الله عنك لم أذنت لهم) فأمر لم ~~يتقدم للنبي صلى الله عليه وسلم فيه من الله تعالى نهي فيعد معصية ولا عده ~~الله تعالى عليه معصية بل لم يعده أهل العلم معاتبة، وغلطوا من ذهب إلى ~~ذلك، قال نفطويه وقد حاشاه الله تعالى من ذلك بل كان مخيرا في أمرين قالوا ~~وقد كان له أن يفعل ما شاء فيما لم ينزل عليه فيه وحي فكيف وقد قال الله ~~تعالى (فأذن لمن شئت منهم) فلما أذن لهم أعلمه الله بما لم يطلع عليه من ~~سرهم أنه لو لم يأذن لهم لقعدوا وأنه لا حرج عليه فيما فعل وليس (عفا) ههنا ~~بمعني غفر بل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم) عفا الله لكم عن صدقة ~~الخيل والرقيق) ولم # PageV02P158 # تجب عليهم قط أي لم يلزمكم ذلك، ونحوه للقشيري، قال: وإنما يقول العفو لا ~~يكون إلا عن ذنب: من لم يعرف كلام العرب، قال ومعني عفا الله عنك أي لم ~~يلزمك ذنبا، قال الداودي: روي أنها كانت تكرمه، قال مكى هو استفحتاح كلام ~~مثل أصلحك الله وأعزك، وحكى السمرقندي أن معناه عافاك الله، وأما قوله في ~~أسارى بد (ما كان لنبي أن يكون له أسرى) الآيتين فليس فيه إلزام ذنب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم بل فيه بيان ما خص به وفضل من بين سائر الأنبياء فكأنه ~~قال ما كان هذا لنبي غيرك كما قال صلى الله عليه وسلم (أحلت لي الغنائم ولم ~~تحل لنبي قبلي) فإن قيل فما معني قوله تعالى: (تريدون عرض ms316 الدنيا) الآية، ~~قيل معنى: الخطاب لمن أراد ذلك منهم وتجرد غرضه لغرض الدنيا وحده ~~والاستكثار منها وليس المراد بهذا النبي صلى الله عليه ولم ولا عليه ~~أصحابه، بل قد روي عن الضحاك أنها نزلت حين انهزم المشركون يوم # بدر واشتغل الناس بالسلب وجمع الغنائم عن القتال حتى خشي عمر أن يعطف ~~عليهم العدو ثم قال تعالى: (لولا كتاب من الله سبق) فاختلف المفسرون في ~~معني الآية فقيل: معناها لولا أنه سبق مني أن لا أعذب أحدا إلا بعد النهي ~~لعذبتكم، فهذا ينفي أن يكون أمر الأسرى معصية، وقيل المعنى: لولا إيمانكم ~~بالقرآن وهو الكتاب السابق فاستوجبتم به الصفح لعوقبتم على الغنائم، ويزاد ~~هذا القول تفسيرا PageV02P159 # وبيانا بأن يقال لولا ما كنتم مؤمنين بالقرآن وكنتم ممن أحلت لهم الغنائم ~~لعوقبتم كما عوقب من تعدى، وقيل: لولا أنه سبق في اللوح المحفوظ أنها حلال ~~لكم لعوقبتم، فهذا كله ينفي الذنب والمعصية لأن من فعل ما أحل له لم يعص، ~~قال الله تعالى: (فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا) وقيل: بل كان صلى الله عليه ~~وسلم قد خير في ذلك، وقد روي عن علي رضي الله عنه قال جاء جبريل عليه ~~السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر فقال خير أصحابك في الأسارى ~~إن شاؤا القتل وإن شاؤا الفداء على أن يقتل منهم في العام المقبل مثلهم، ~~فقالوا الفداء ويقتل منا، وهذا دليل على صحة ما قلنا وأنهم لم يفعلوا إلا ~~ما أذن لهم فيه لكن بعضهم مال إلى أضعف الوجهين مما كان الأصلح غيره من ~~الإثخان والقتل فعونبوا على ذلك وبين لهم ضعف اختيارهم وتصويب اختيار غيرهم ~~وكلهم غير عصاة ولا مذنبين وإلى نحو هذا أشار الطبري، وقوله صلى الله عليه ~~وسلم في هذه القضية # (لو نزل من السماء عذاب ما نجا منه إلا عمر) إشارة إلى هذا من تصويب رأيه ~~ورأي من أخذ بمأخذه في إعزاز الدين وإظهار كلمته وإبادة عدوه وأن هذه ~~القضية لو استوجبت عذابا نجا منه عمر ms317 وعين عمر لأنه أول من أشار بقتلهم ~~ولكن الله لم يقدر عليهم في ذلك عذابا لحله لهم فيما سبق، وقال الداودي ~~والخبر بهذا لا يثبت، ولو ثبت لما جاز أن يظن أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~حكم بما لا نص فيه ولا دليل من نص ولا جعل الأمر فيه إليه وقد نزهه الله ~~تعالى عن ذلك، وقال القاضي بكر بن العلاء أخبر الله تعالى نبه في هذه الآية ~~أن تأويله وافق ما كتبه له من إحلال # PageV02P160 # الغنائم والفداء وقد كان قبل هذا فادوا في سرية عبد الله بن جحش التي قتل ~~فيها ابن الحضرمي بالحكم بن كيسان وصاحبه فما عتب الله عليهم وذلك قبل بدر ~~بأزيد من عام، فهذا كله يدل على أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم في شأن ~~الأسرى كان على تأويل وبصيرة وعلى ما تقدم قبل مثله فلم ينكره الله تعالى ~~عليهم لكن الله تعالى أراد لعظم أمر بدر وكثرة أسراها والله اعلم إظهار ~~نعمته وتأكيد منته بتعريفهم ما كتبه في اللوح المحفوظ من حل ذلك لهم لا على ~~وجه عتاب وإنكار وتذنيب، هذا معني كلامه، وأما قوله (عبس وتولى) الآيات ~~فليس فيه إثبات ذنب له صلى الله عليه وسلم بل إعلام الله أن ذلك المتصدي له ~~ممن لا يتزكى وأن الصواب والأولى كان لو كشف لك حال الرجلين الإقبال على ~~الأعمى وفعل النبي صلى الله عليه وسلم لما فعل وتصديه لذاك الكافر كان طاعة ~~لله وتبليغا عنه واستئلافا له كما شرعه الله له لا معصية ومخالفة له وما ~~قصة الله عليه من ذلك إعلام بحال الرجلين وتوهين أمر الكافر # عنده والإشارة إلى الإعراض عنه بقوله وما عليك ألا يزكى وقيل أراد بعبس ~~وتولى الكافر الذي كان مع النبي صلى الله عليه وسلم قاله أبو تمام * وأما ~~قصة آدم عليه السلام وقوله تعالى (فأكلا منها) بعد قوله (ولا تقربا هذه ~~الشجرة فتكونا من الظالمين) وقوله (ألم أنهكما عن تلكما الشجرة) ~~PageV02P161 # وتصريحه تعالى عليه بالمعصية بقوله ms318 تعالى (وعصى آدم ربه فغوى) أي جهل ~~وقيل أخطأ فإن الله تعالى قد أخبر بعذره بقوله (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل ~~فنسي ولم نجد له عزما) قال ابن زيد نسي عداوة إبليس له وما عهد الله إليه ~~من ذلك بقوله (إن هذا عدو لك لزومك) الآية، قيل نسي ذلك بما أظهر لهما، ~~وقال ابن عباس إنما سمي الإنسان إنسانا لأنه عهد إليه فنسي وقيل لم يقصد ~~المخالفة استحلالا لها ولكنهما اغترا بحلف إبليس لهما (إني لكما لمن ~~الناصحين) توهما أن أحدا لا يحلف بالله حانثا وقد روي عذر آدم بمثل هذا في ~~بعض الآثار، وقال ابن جبير حلف بالله لهما حتى غرهما والمؤمن يخدع وقد قيل ~~نسي ولم ينو المخالفة فلذلك قال (ولم نجد له عزما) أي قصدا للمخالفة وأكثر ~~المفسرين على أن العزم هنا الحزم والصبر وقيل كان عند أكله سكران وهذا فيه ~~ضعف لأن الله تعالى وصف خمر الجنة أنها لا تسكر فإذا كان ناسيا لم تكن ~~معصية وكذلك إن كان ملبسا عليه غالطا إذ الاتفاق على خروج الناسي والساهي ~~عن حكم # التكليف، وقال الشيخ أبو بكر بن فورك وغيره إنه يمكن أن يكون ذلك قبل ~~النبوة ودليل ذلك قوله (وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى) ~~فذكر أن الاجتباء والهداية كان بعد العصيان وقيل بل أكلها متأولا وهو لا ~~يعلم أنها الشجرة التي نهي عنها لأنه تأول نهى الله عن شجرة مخصوصه لا على ~~الجنس، ولهذا قيل إنما كانت التوبة من ترك التحفظ لا من المخالفة، وقيل ~~تأول أن الله لم ينهه عنها نهي تحريم. # فإن قيل فعلى كل حال فقد قال الله تعالى (وعصى آدم ربه فغوى، وقال: فتاب ~~عليه وهدى) وقوله في حديث الشفاعة ويذكر ذنبه وإني # PageV02P162 # نهيت عن أكل الشجرة فعصيت: فسيأتي الجواب عنه وعن أشباهه مجملا آخر الفصل ~~إن شاء الله، وأما قصة يونس فقد مضى الكلام على بعضها آنفا وليس في قصة ~~يونس نص على ذنب وإنما فيها ms319 أبق وذهب مغاضبا وقد تكلمنا عليه، وقيل إنما ~~نقم الله عليه خروجه عن قومه فارا من نزول العذاب، وقيل بل لما وعدهم ~~العذاب ثم عفا الله عنهم قال: والله لا ألقاهم بوجه كذاب ابدا وقيل بل ~~كانوا يقتلون من كذب فخاف ذلك، وقيل ضعف عن حمل أعباء الرسالة. # وقد تقدم الكلام أنه لم يكذبهم، وهذا كله ليس فيه نص عليه معصية إلا على ~~قوله مرغوب عنه وقوله (أبق إلى الفلك المشحون) قال المفسرون تباعد، وأما ~~قوله (إني كنت من الظالمين) فاظلم وضع الشئ في غير موضعه فهذا اعتراف منه ~~عند بعضهم بذنبه فإما أن يكون لخروجه عن قومه بغير إذن ربه أو لضعفه عما ~~حمله أو لدعائه بالعذاب على قومه، وقد دعا نوح بهلاك قومه فلم يؤاخذ، وقال ~~الواسطي في معناه نزه ربه عن الظلم وأضاف الظلم إلى نفسه اعترافا واستحقاقا ~~ومثل هذا قول آدم وحواء (ربنا ظلمنا أنفسنا) إذ كانا السبب في وضعهما في ~~غير الموضع الذي انزلا فيه وإخراجهما من الجنة وإنزالهما إلى الأرض * وأما ~~قصة داود عليه السلام فلا يجب أن يلتفت إلى ما سطره فيه الأخباريون عن أهل ~~الكتاب الذين بدلوا وغيروا ونقله بعض المفسرين ولم ينص الله على شئ من ذلك ~~ولا ورد في حديث صحيح والذي نص الله عليه قوله: (وظن داود أنما فتناه) إلى ~~قوله: (وحسن مآب) وقوله في أواب فمعنى PageV02P163 # فتناه اخبرناه وأواب قال قتادة مطيع وهذا التفسير أولى، قال ابن عباس ~~وابن مسعود: ما زاد داود على أن قال للرجل أنزل لي عن امرأتك وأكفلنيها ~~فعاتبه الله على ذلك ونبهه عليه وأنكر عليه شغله بالدنيا وهذا الذي ينبغي ~~أن يعول عليه من أمره وقيل خطبها على خطبته، وقيل بل أخب بقلبه أن يستشهد، ~~وحكى السمرقندي أن ذنبه الذي استغفر منه قوله لأحد الخصمين لقد ظلمك فظلمه ~~بقول خصمه، وقيل بل لما خشي على نفسه وظن من الفتنة بما بسط له من الملك ~~والدنيا، ولى نفي ما أضيف في الأخبار إلى داود ms320 ذهب أحمد بن نصر وأبو تمام ~~وغيرهما من المحققين، قال الداودي: ليس في قصة داود وأوريا خبر يثبت ولا ~~يظن بنبي محبة قتل مسلم وقيل إن الخصمين اللذين اختصما إليه رجلان في نتاج ~~غنم على ظاهر الآية * وأما قصة يوسف وإخوته فليس على يوسف منها تعقب وأما ~~إخوته فلم تثبت نبوتهم فيلزم الكلام على أفعالهم وذكر الأسباط وعدهم في ~~القرآن عند ذكر الأنبياء، قال المفسرون # يريد من نبي من أبناء الأسباط وقد قيل إنهم كانوا حين فعلوا بيوسف ما ~~فعلوه صغار الأسنان ولهذا لم يميزوا يوسف حين اجتمعوا به ولهذا قالوا أرسله ~~معنا غدا نرتع ونلعب وإن ثبتت لهم نبوة فبعد هذا والله أعلم، وأما قول الله ~~تعالى فيه (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه) فعلى مذهب كثير من ~~الفقهاء والمحدثين أنهم النفس لا يؤاخذ به وليس سيئة لقوله صلى الله عليه ~~وسلم عن ربه (إذ هم عبدي بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة) فلا معصية في همه ~~إذا PageV02P164 # وأما على مذهب المحققين من الفقهاء والمتكلمين فإن الهم إذا وظنت عليه ~~النفس سيئة وأما ما لم توطن عليه النفس من همومها وخواطرها فهو المعفو عنه ~~وهذا هو الحق فيكون إن شاء الله هم يوسف من هذا ويكون قوله (وما أبرى نفسي) ~~الآية أي ما أبرئها من هذا الهم أو يكون ذلك منه على طرق التواضع والاعتراف ~~بمخالفة النفس لما زكي قبل وبرى فكيف وقد حكى أبو حاتم عن أبي عبيدة أن ~~يوسف لم يهم وأن الكلام فيه تقديم وتأخير أي ولقد همت به ولولا أن رأى ~~برهان ربه لهم بها وقد قال الله تبارك وتعالى عن المرأة (ولقد راودته عن ~~نفسه فاستعصم) وقال تعالى (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء) وقال تعالى ~~(وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنى ربي أحسن مثواي) الآية قيل ~~في ربي الله وقيل الملك وقيل هم بها أي بزجرها ووعظها وقيل هم بها أي غمها ~~امتناعه عنها وقيل هم بها ms321 نظر إليها وقيل هم بضربها دفعها وقيل هذا كله كان ~~قبل نبوته، وقد ذكر # بعضهم ما زال النساء يملن إلى يوسف ميل شهوة حتى نبأه الله فألقى عليه ~~هيبة النبوة فشغلت هيبته كل من رآه عن حسنه * وأما خبر موسى صلى الله عليه ~~وسلم مع قتيله الذي وكزه وقد نص الله تعالى أنه من عدوه وقيل كان من القبط ~~الذين على دين فرعون ودليل السورة في هذا كله أنه قبل نبوة موسى، وقال ~~قتادة وكزه بالعصا ولم يتعمد قتله فعلى هذا لا معصية في ذلك، وقوله هذا من ~~عمل الشطان وقوله ظلمت نفسي فاغفر لى PageV02P165 # قال ابن جريج قال ذلك من أجل أنه لا ينبغي لنبي أن يقتل حتى يؤمر، وقال ~~النقاش: لم يقتله عن عمد مريدا للقتل وإنما وكزه وكزة يريد بها دفع ظلمه ~~قال وقد قيل أن هذا كان قبل النبوة وهو مقتضى للتلاوة وقوله تعالى في قصته ~~(وفتناك فتنا) أي ابتليناك ابتلاء بعد ابتلاء قيل في هذه القصة وما جرى له ~~مع فرعون وقيل إلماؤه في التابوت واليم وغير ذلك وقيل معناه أخلصناك إخلاصا ~~قاله ابن جبير ومجاهد من قولهم فتنت الفضة في النار إذا خلصتها وأصل الفتنة ~~معنى الاحتبار وإظهار ما بطن إلا أنه استعمل في عرف الشرع وفى اختبار أدى ~~إلى ما يكره وكذلك ما روي في الخبر الصحيح من أن ملك الموت جاءه فلطم عينه ~~ففقأها (الحديث) ليس فيه ما يحكم على موسى عليه السلام بالتعدي وفعل ما لا ~~يجب إذ هو ظاهر الأمر بين الوجه جائز الفعل لأن موسى دافع عن نفسه من أتاه ~~لإتلافها وقد تصور له في صورة آدمي ولا يمكن أنه علم حينئذ أنه ملك الموت ~~فدافعه عن نفسه مدافعة أدت إلى ذهاب عين تلك الصورة التي تصور له فيها ~~الملك امتحانا من الله فلما جاءه بعد وأعلمه الله تعالى أنه رسوله إليه ~~استسلم، # وللمتقدمين والمتأخرين على هذا الحديث أجوبة هذا أسدها عندي وهو تأويل ~~شيخنا الإمام أبي عبد الله ms322 المازري وقد تأوله قديما ابن عائشة وغيره على ~~صكه ولطمه بالحجة وفقء عين حجته وهو كلام مستعمل في هذا الباب في اللغة ~~ومعروف * وأما قصة سليمان وما حكى فيها أهل التفاسير من ذنبه وقوله ولقد ~~فتنا سليمان فمعناه ابتليناه وابتلاؤه ما حكي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: (لأطوفن الليلة على مائة امرأة أو تسع وتسعين PageV02P166 # كلهن يأتين بفارس يجاهد في سبيل الله) فقال له صاحبه: قل إن شاء الله فلم ~~يقل. # فلم تحمل منهن إلا واحدة جاءت بشق رجل قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~(والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله) قال أصحاب ~~المعاني: والشق هو الجسد الذي ألقي على كرسيه حين عرض عليه وهي عقوبته ~~ومحنته وقيل بل مات فألقي على كرسيه ميتا، وقيل ذنبه حرصه على ذلك وتمنيه، ~~وقيل لأنه لم يستثن لما استغرقه من الحرص وغلب عليه من التمني وقيل عقوبته ~~أن سلب ملكه وذنبه أن أحب بقلبه أن يكون الحق لأختانه على خصمهم وقيل أوخذ ~~بذنب قارفه بعض نسائه ولا يصح ما نقله الأخباريون من تشبه الشيطان به ~~وتسلطه على ملكه وتصرفه في أمته بالجور في حكمه لأن الشياطين لا يسلطون على ~~مثل هذا، وقد عصم الأنبياء من مثله، وإن سئل لم لم يقل سليمان في القصة ~~المذكورة إن شاء الله؟ فعنه أجوبة أحدها ما روي في الحديث الصحيح أنه نسي ~~أن يقولها وذلك ليفذ مراد الله، والثاني أنه لم يسمع صاحبه وشغل عنه وقوله ~~(وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد # من بعدي) لم يفعل هذا سليمان غيره على الدنيا ولا نقاسة بها ولكن مقصده ~~في ذلك على ما ذكره المفسرون أن لا يسلط عليه أحد كما سلط عليه الشيطان ~~الذي سلبه إياه مسدة امتحانه على قوله من قال ذلك. # وقيل بل أراد أن يكون له من الله فضيلة وخاصة يختص بها كاختصاص غيره من ~~أنبياء الله ورسله بخواص منه، وقيل ليكون دليلا وحجة على نبوته كإلابة ms323 ~~الحديد لأبيه وإحياء الموتى لعيسى واختصاص محمد صلى الله عليه وسلم ~~بالشفاعة ونحو هذا * وأما قصة نوح عليه السلام # PageV02P167 # فظاهرة العذر وأنه أخذ فيها بالتأويل وظاهر اللفظ لقوله تعالى وأهلك، ~~فطلب مقتضى هذا اللفظ وأراد علم ما طوي عنه من ذلك لا أنه شك في وعد الله ~~فبين الله عليه أنه ليس من أهله الذين وعده بنجاتهم لكفره وعمله الذي هو ~~غير صالح وقد أعلمه أنه مغرق الذين ظلموا ونهاه عن مخاطبته فيهم فووخذ بهذا ~~التأويل وعتب عليه وأشفق هو من إقدامه على ربه لسؤاله ما لم يؤذن له في ~~السؤال فيه وكان نوح فيما حكاه النقاش لا يعلم بكفر ابنه وقيل في الآية غير ~~هذا وكل هذا لا يقضي على نوح بمعصية سوى ما ذكرناه من تأويله وإقدامه ~~بالسؤال فيمن لم يؤذن له فيه ولا نهي عنه، وما روي في الصحيح من أن نبيا ~~قرصته نملة فحرق قرية النمل فأوحى الله إليه: (إن قرصتك نملة أحرقت أمة من ~~الأمم تسبح) فليس في هذا الحديث أن هذا الذي أتى معصية بل فعل ما رآه مصلحة ~~وصوابا بقتل من يؤذي جنسه ويمنع المنفعة بما أباح الله، ألا ترى أن هذا ~~النبي كان نازلا تحت الشجرة فلما آذته النملة تحول برحله عنها مخافة تكرار ~~الأذى عليه وليس فيما أوحى الله إليه ما يوجب عليه معصية بل ندبه إلى ~~احتمال الصبر وترك التشفي كما # قال تعالى: (ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) إذ ظاهر فعله إنما كان لأجل ~~أنها آذته هو في خاصته فكان نتقاما لنفسه وقطع مضره يتوقعها من بقية النمل ~~هناك ولم يأت في كل هذا أمرا نهي عنه فيعصى به ولا نص فيها أوحى الله إليه ~~بذلك ولا بالتوبة والاستغفار منه والله أعلم PageV02P168 # فإن قيل فما معني قوله عليه السلام ما من أحد إلا ألم بذنب أو كاد إلا ~~يحيى ابن زكريا أو كما قال عليه السلام؟ فالجواب عنه كما تقدم من ذنوب ~~الأنبياء التي وقعت عن غير قصد وعن سهو ms324 وغفلة ### | فصل فإن قلت فإذا نفيت عنهم صلوات الله عليهم الذنوب والمعاصي # بما ذكرته من اختلاف المفسرين وتأويل المحققين فما معني قوله تعالى: ~~(وعصى آدم ربه فغوى) وما تكرر في القرآن والحديث الصحيح من اعتراف الأنبياء ~~بذنوبهم وتوبتهنم واستغفارهم وبكائهم على ما سلف منهم وإشفاقهم وهل يشفق ~~ويتاب ويستغفر من لا شئ؟ فاعلم وفقنا الله وإياك أن درجة الأنبياء في ~~الرفعة والعلو والمعرفة بالله وسنته في عبادة وعظم سلطانه وقوة بطشه مما ~~يحملهم على الخوف منه جل جلاله والإشفاق من المؤاخذة بما لا يؤاخذ به غيرهم ~~وأنهم في تصرفهم بأمور لم ينهوا عنها ولا أمروا بها ثم ووخذوا عليها ~~وعوتبوا بسببها وحذروا من المؤاخذة بها وأتوها على وجه التأويل أو السهو أو ~~تزيد من أمور الدنيا المباحة خائفون وجلون وهي ذنوب بالإضافة إلى علي ~~منصبهم ومعاص بالنسبة إلى كمال طاعتهم لا أنها كذنوب غيرهم ومعاصيهم فإن ~~الذنب مأخوذ من الشئ الدنى الرذل ومنه ذنب كل شئ أي آخره وأذناب الناس ~~PageV02P169 # رذالهم فكان هذه أدنى أفعالهم وأسوأ ما يجري من أحوالهم لتطهيرهم ~~وتنزيههم وعمارة بواطنهم وظواهرهم بالعمل الصالح والكلم الطيب والذكر ~~الظاهر والخفي والخشية لله وإعظامه في السر والعلانية وغيرهم يتلوث من ~~الكبائر والقبائح والفواحش ما تكون بالإضافة إلى هذه الهنات في حقه ~~كالحسنات كما قيل حسنات الأبرار سيئات المقربين أي يرونها بالإضافة إلى علي ~~أحوالهم كالسيئات وكذلك العصيان الترك والمخالفة فعلى مقتضى اللفظة كيفما ~~كانت من سهو أو تأويل فهى مخالفة وترك وقوله غوى أي جهل أن تلك الشجرة هي ~~التي نهي عنها والغي الجهل وقيل أخطأ ما طلب من الخلود إذ أكلها وخابت ~~أمنيته وهذا يوسف عليه السلام قد ووخذ بقوله لأحد صاحبي السجن (اذكرني عند ~~ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين) قيل أنسي يوسف ذكر ~~الله، وقيل أنسي صاحبه أن يذكره لسيده الملك، قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~(لولا كلمة يوسف ما لبث في السجن ما لبث) قال ابن دينار: لما قال ذلك ms325 يوسف ~~قيل له اتخذت من دوني وكيلا لأطيلن حبسك، فقال: يا رب أنسى قلبي كثرة ~~البلوى، وقال بعضهم: يؤاخذ الأنبياء بمثاقيل الذر لمكانتهم عنده ويجاوز عن ~~سائر الخلق لقلة # مبالاته بهم في أضعاف ما أتوا به من سوء الأدب وقد قال المحتج للفرقة ~~PageV02P170 # الأولى على سياق ما قلناه إذا كان الأنبياء يؤاخذون بهذا مما لا يؤاخذ به ~~غيرهم من السهو والنسيان وما ذكرته وحالهم ارفع فحالهم إذا في هذا أسوأ ~~حالا من غيرهم، فاعلم أكرمك الله أنا لا نثبت لك المؤاخذة في هذا على حد ~~مؤاخذة غيرهم، بل نقول إنهم يؤاخذون بذلك في الدنيا ليكون ذلك زيادة في ~~درجاتهم ويبتلون بذلك ليكون استشعارهم له سببا لمنماة رتبهم كما قال (ثم ~~اجتباه ربه فتاب عليه وهدى) وقال لداود (فغفرنا له ذلك) لآية وقال بعد قول ~~موسى تبت إليك. # (إني اصطفيتك على الناس) وقال بعد ذكر فتنة سليمان وإنابته (فسخرنا له ~~الريح) إلى (وحسن مآب) وقال بعض المتكلمين زلات الأنبياء في الظاهر زلات ~~وفي الحقيقة كرامات وزلف وأشار إلى نحو مما قدمناه وأيضا فلينبه غيرهم من ~~البشر منهم أو ممن ليس في درجتهم بمؤاخذتهم بذلك فيستشعروا الحذر ويعتقدوا ~~المحاسبة ليلتزموا الشكر على النعم ويعدوا الصبر على المحن بملاحظة ما وقع ~~بأهل هذا النصاب الرفيع المعصوم فكيف بمن سواهم، ولهذا قال صالح المري ذكر ~~داود بسطة للتوابين، قال ابن عطاء لم يكن ما نص الله تعالى من قصة صاحب ~~الحوت نقصا له ولكن استزادة من نبينا صلى الله عليه وسلم وأيضا فيقال لهم ~~فإنكم ومن وافقكم تقولون # بغفران الصغائر باجتناب الكبائر ولا خلاف في عصمة الأنبياء من الكبائر ~~فما جوزتم من وقوع الصغائر علهيم هي مغفورة على هذا فما معني PageV02P171 # المؤاخذة بها إذا عندكم وخوف الأنبياء وتوبتهم منها وهي مغفورة لو كانت ~~فما أجابوا به فهو جوابنا عن المؤاخذة بأفعال السهو والتأويل، وقد قيل إن ~~كثرة استغفار النبي صلى الله عليه وسلم وتوبته وغيره من الأنبياء على وجه ~~ملازمة الخضوع والعبودية والاعتراف بالتقصير ms326 شكرا لله على نعمه كما قال صلى ~~الله عليه وسلم وقد أمن من المؤاخذة بما تقدم وما تأخر (أفلا أكون عبدا ~~شكورا) وقال (إني أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي) قال الحارث بن أسد: خوف ~~الملائكة والأنبياء خوف إعظام وتعبد لله لأنهم آمنون. # وقيل فعلوا ذلك ليقتدى بهم وتستن بهم أممهم كما قال صلى الله عليه وسلم ~~(لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا) وأيضا فإن في التوبة ~~والاستغفار معني آخر لطيفا أشار إليه بعض العلماء وهو استدعاء محبة الله ~~قال الله تعالى (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) فإحداث الرسل ~~والأنبياء الاستغفار والتوبة والإنابة والأوبة في كل حين استدعاء لمحبة ~~الله والاستغفار فيه معني التوبة، وقد قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~بعد أن غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر (لقد تاب الله على النبي ~~والمهاجرين والأنصار) الآية وقال تعالى (فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان ~~توابا) ### | فصل قد استبان لك أيها الناظر مما قررناه # ما هو الحق من عصمته صلى الله PageV02P172 # عليه وسلم عن الجهل بالله وصفاته أو كونه على حالة تنافي العلم شئ من ذلك ~~كله جملة بعد النبوة عقلا وإجماعا وقبلها سماعا ونقلا ولا بشئ مما قررناه ~~من أمور الشرع وأداه عن ربه من الوحي قطعا وعقلا وشرعا وعصمته عن الكذب ~~وخلف القول منذ نبأه الله وأرسله قصدا أو غير قصد واستحالة ذلك عليه شرعا ~~وإجماعا ونظرا وبرهانا وتنزيهه عنه قبل النبوة قطعا وتنزيهه عن الكبائر ~~إجماعا وعن الصغائر تحقيقا وعن استدامة السهو والغفلة واستمرار الغلط ~~والنسيان عليه فيما شرعه للأمة وعصمته في كل حالاته من رضى وغضب وجد ومزح ~~فيجب عليك أن تتلقاه باليمين وتشد عليه يد الضنين وتقدر هذه الفصول حق ~~قدرها وتعلم عظيم قائدتها وخطرها فإن من يجهل ما يجب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم أو يجوز أو يستحيل عليه ولا يعرف صور أحكامه لا يأمن أن يعتقد في ~~بعضها خلاف ما هي عليه ولا ينزهه عما لا يجب أن ms327 يضاف إليه فيهلك من حيث لا ~~يدري ويسقط في هوة الدرك الأسفل من النار إذ ظن الباطل به اعتقاد ما لا ~~يجوز عليه يحل بصاحبه دار البوار ولهذا ما احتاط عليه السلام على الرجلين ~~اللذين رأياه ليلا وهو معتكف في المسجد مع صفية فقال لهما: إنه صفية، ثم ~~قال لهما: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في ~~قلوبكما شيئا فتهلكا) * هذه أكرمك # الله إحدى فوائد ما تكلمنا عليه في هذه الفصول ولعل جاهلا لا يعلم ~~PageV02P173 # بجهله إذا سمع شيئا منها يرى أن الكلام فيها جملة من فضول العلم وأن ~~السكوت أولى وقد استبان لك أنه متعين للفائدة التي ذكرناها وفائدة ثانية ~~يظطر إليها في أصول الفقه ويبتنى عليها مسائل لا تتعد من الفقه ويتخلص بها ~~من تشعيب مختلفي الفقهاء في عدة منها وهي الحكم في أقوال النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأفعاله وهو باب عظيم وأصل كبير من أصول الفقه ولا بد من بنائه ~~على صدق النبي صلى الله عليه وسلم في أخباره وبلاغه وأنه لا يجوز عليه ~~السهو فيه وعصمته من المخالفة في أفعاله عمدا وبحسب اختلافهم في وقوع ~~الصغائر وقع خلاف في امتثال الفعل بسط بيانه في كتب ذلك العلم فلا نطول به ~~وفائدة ثالثة يحتاج إليها الحاكم والمفتي فيمن أضاف إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم شيئا من هذه الأمور ووصفه بها فعن لم يعرف ما يجوز وما يمتنع ~~عليه وما وقع الإجماع فيه والخلاف كيف يصمم في الفتيا في ذلك ومن أين يدري ~~هل ما قاله في نقص أو مدح فإما أن يجترئ على سفك دم مسلم حرام أو يسقط حقا ~~ويضيع حرمة للنبي صلى الله عليه وسلم؟ وبسبيل هذا ما قد اختلف أرباب الأصول ~~وأئمة العلماء والمحققين في عصمة الملائكة ### | فصل في القول في عصمة الملائكة # أجمع المسلمون على أن الملائكة مؤمنون فضلاء وأتفق أئمة المسلمين أن حكم ~~المرسلين منهم حكم النبيين سواء في العصمة مما ذكرنا عصمتهم منه ms328 وأنهم في ~~حقوق الأنبياء والتبليغ إليهم كالأنبياء مع الأمم واختلفوا في غير المرسلين ~~منهم فذهبت طائفة إلى عصمة جميعهم عن # PageV02P174 # المعاصي واحتجوا بقوله تعالى (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) ~~وبقوله (وما منا إلا له مقام معلوم وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون) ~~وبقوله (ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار ~~لا يفترون) وبقوله (إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته) الآية، وبقوله ~~(كرام بررة) و (لا يمسه إلا المطهرون) ونحوه من السمعيات، وذهبت طائفة إن ~~أن هذا خصوص للمرسلين منهم والمقربين، واحتجوا بأشياء ذكرها أهل الأخبار ~~والتفاسير نحن نذكرها إن شاء الله بعد وتبين الوجه فيها أن شاء الله، ~~والصواب عصمة جميعهم وتنزيه نصابهم الرفيع عن جميع ما يحط من رتبتهم ~~ومنزلتهم عن جليل مقدارهم ورأيت بعض شيوخنا أشار بأن لا حاجة بالفقيه إلى ~~الكلام في عصمتهم. # وأنا أقول إن للكلام في ذلك ما للكلام في عصمة الأنبياء من الفوائد التي ~~ذكرناها سوى فائدة الكلام في الأقوال والأفعال فهي ساقطة ههنا، فما احتج به ~~من لم يوجب عصمة جميعهم قصة هاروت وماروت وما ذكر فيها أهل الأخبار ونقلة ~~المفسرين وما روي عن علي وابن عباس في خبرهما وابتلائهما، فاعلم أكرمك الله ~~أن هذه الأخبار لم يرو منها شئ لا سقيم ولا صحيح عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وليس هو شيئا يؤخذ بقياس والذي منه في القرآن اختلف المفسرون في ~~معناه، وأنكر ما قال بعضهم فيه كثير من السلف كما سنذكره، وهذه الأخبار من ~~كتب اليهود وافترائهم كما نصه الله أول # الآيات من افترائهم بذلك على سليمان وتكفيرهم إياه، وقد انطوت القصة على ~~شنع عظيمة وها نحن نحبر في ذلك ما يشكف غطاء هذه # PageV02P175 # الإشكالات إن شاء الله فاختلف أولا في هاروت وماروت هل هما ملكان أو ~~إنسيان، وهل هما المراد بالملكين أم لا، وهل القراءة ملكين أو ملكين، وهل ~~ما في قوله (وما أنزل) (وما يعلمان من أحد) نافية أو ms329 موجية؟ فأكثر المفسرين ~~أن الله تعالى أمتحن الناس بالملكين لتعليم السحر وتبيينه وأن عمله كفر، ~~فمن تعلمه كفر، ومن تركه آمن، قال الله تعالى (إنما نحن فتنة فلا تكفر) ~~وتعليمهما الناس له تعليم إنذار أي يقولان لمن جاء يطلب تعلمه لا تفعلوا ~~كذا فإنه يفرق بين المرء وزوجه ولا تتخيلوا بكذا فإنه سحر فلا تكفروا فعلى ~~هذا فعل الملكين طاعة وتصرفهما فيما أمرا به ليس بمعصية وهي لغيرهما فتنة، ~~وروى ابن وهب عن خالد بن أبي عمران أنه ذكر عنده هاروت وماروت وأنهما ~~يعلمان السحر فقال نحن ننزههما عن هذا فقرأ بعضهم (وما أنزل على الملكين) ~~فقال خالد لم ينزل عليهما فهذا خالد على جلالته وعلمه نزههما عن تعليم ~~السحر الذي قد ذكر غيره انهما مأذون لهما في تعليمه بشريطة أن يبيننا أنه ~~كفر وأنه امتحان من الله وابتلاء، فكيف لا ينزههما عن كبائر المعاصي والكفر ~~المذكورة في تلك الأخبار، وقوله خالد لم ينزل يريد أن (ما) نافية وهو قول ~~ابن عباس، قال مكي وتقدير الكلام وما كفر سليمان يريد بالسحر الذي افتعلته ~~عليه الشياطين واتبعهم في ذلك اليهود وما أنزل على الملكين، قال مكي هما ~~جبريل وميكائيل ادعى اليهود عليهما المجئ به كما ادعوا على سليمان فأكذبهم ~~الله في ذلك # ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر. # ببابل هاروت وماروت: # PageV02P176 # قيل: هما رجلان تعلماه، قال الحسن: هاروت وماروت علجان من أهل بابل، ~~وقرأ، وما أنزل على الملكين بكسر اللام وتكون (ما) إيجابا على هذا، وكذلك ~~قراءة عبد الرحمن بن أبزى بكسر اللام، ولكنه قال الملكان هنا داود وسليمان ~~وتكون (ما) نفيا على ما تقدم، وقيل: كانا ملكين من بني إسرائيل فمسخهما ~~الله، حكاه السمرقندي والقراءة بكسر اللام شاذة فمحمل الآية على تقدير أبي ~~محمد مكي حسن ينزه الملائكة ويذهب الرجس عنهم ويطهرهم تطهيرا وقد وصفهم ~~الله بأنهم مطهرون و (كرام بررة) و (لا يعصون الله ما أمرهم) ومما يذكرونه ~~قصة إبليس وأنه كان من الملائكة ورئيسا فبهم ومن خزان الجنة ms330 إلى آخر ما ~~حكوه وأنه استثناه من الملائكة بقوله (فسجدوا إلا إبليس) وهذا أيضا لم يتفق ~~عليه بل الأكثر ينفون ذلك وأنه أبو الجن كما آدم أو الإنس وهو قوله الحسن ~~وقتادة وابن زيد، وقال شهر بن حوشب كان من الجن الذين طردتهم الملائكة في ~~الأرض حين أفسدوا، والاستثناء من غير الجنس شائع في كلام العرب سائغ وقد ~~قال الله تعالى (ما لهم به من علم إلا اتباع الظن) ومما رووه في الأخبار أن ~~خلقا من الملائكة عصوا الله فحرقوا وأمروا أن يسجدوا لآدم فأبوا فحرقوا ثم ~~أخرون كذلك حتى سجد له من ذكر الله إلا إبليس في أخبار لا أصل لها تردها ~~صحاح الأخبار فلا يشتغل بها والله أعلم PageV02P177 ### | الباب الثاني فيما يخصهم في الأمور الدنيوية وما يطرأ عليهم من العوارض البشرية # قد قدمنا أنه صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء والرسل من البشر وأن ~~جسمه وظاهره خالص للبشر يجوز عليه من الآفات والتغييرات والآلام والأسقام ~~وتجزع كأس الحمام ما يجوز على البشر وهذا كله ليس بنقيصة فيه لأن الشئ إنما ~~يسمى ناقصا بالإضافة إلى ما هو أتم منه وأكمل من نوعه وقد كتب الله تعالى ~~على أهل هذه الدار فيها يحيون وفيها يموتون ومنها يخرجون وخلق جميع البشر ~~بمدرجة الغير فقد مرض صلى الله عليه وسلم واشتكى وأصابه الحر والقر وأدركه ~~الجوع والعطش ولحقه الغضب والضجر وناله الإعياء والتعب ومسسه الضعف والكبر ~~وسقط فجحش شقه وشجه الكفار وكسروا رباعيته وسقي السم وسحر وتداوى واحتجم ~~وتنشر وتعوذ ثم قضى نحبه فتوفي صلى الله عليه وسلم ولحق بالرفيق الأعلى ~~وتخلص من دار الامتحان والبلوى وهذه سمات البشر PageV02P178 # التي لا محيص عنها وأصاب غيره من الأنبياء ما هو أعظم منه فقتلوا قتلا ~~ورموا في النار ونشروا بالمناشير ومنهم من وقاه الله ذلك في بعض الأوقات ~~ومنهم من عصمه كما عصم بعد نبينا من الناس فلئن لم يكف نبينا ربه يد ابن ~~قمئة يوم أحد ولا حجبه عن عيون عداه عند دعوته ms331 أهل الطائف فلقد أخذ على ~~عيون قريش عند خروجه إلى ثور وأمسك عنه سيف غورث وحجر أبي جهل وفرس سراقة ~~ولئن لم يقه من سحر ابن الأعصم فلقد وقاه ما هو أعظم من سم اليهودية وهكذا ~~سائر أنبيائه مبتلى ومعافى وذلك من تمام حكمته ليظهر شرفهم في هذه المقامات ~~ويبين أمرهم ويتم كلمته فيهم وليحقق بامتحانهم بشريتهم ويرتفع الالتباس عن ~~أهل الضعف فيهم لئلا يضلوا بما يظهر من العجائب على أيديهم ضلال النصاري ~~بعيسى ابن مريم وليكون في محنهم تسلية لأممهم ووفور لأجورهم عند ربهم تماما ~~على الذي أحسن إليهم، قال بعض المحققين وهذه الطوارى والتغييرات المذكورة ~~إنما تختص بأجسامهم البشرية المقصود بها مقاومة البشر ومعناة بني آدم ~~لمشاكلة الجنس وأما بواطنهم فمنزهه غالبا عن ذلك معصومة منه متعلقة بالملإ ~~الأعلى والملائكة لأخذها عنهم وتلقيها الوحي منهم قال وقد قال صلى الله ~~عليه وسلم (إن عيني تنامان ولا ينام قلبي) وقال (إني لست كهيئتكم إني أبيت ~~يطعمني ربي ويسقيني) وقال (لست # أنسى ولكن أنسى ليستن بي) فأخبر أن سره وباطنه وروحه خلاف جسمه وظاهره ~~وأن الآفات التي تحل ظاهرة من ضعف وجوع وسهر PageV02P179 # ونوم لا يحل منها شئ باطنه بخلاف غيره من البشر في حكم الباطن لأن غيره ~~إذا نام استغرق النوم جسمه وقلبه وهو صلى الله عليه وسلم في نومه حاضر ~~القلب كما هو في يقظته حتى قد جاء في بعض الآثار أنه كان محروسا من الحدث ~~في نومه لكون قلبه يقظان كما ذكرناه وكذلك غيره إذا جاع ضعف لذلك جسمه ~~وخارت قوته فبطلت بالكلية جملته وهو صلى الله عليه وسلم قد أخبر أنه لا ~~يعتريه ذلك وأنه بخلافهم لقوله (إني لست كهيئتكم إني أبيت يطعمني ربي ~~ويسقيني وكذلك أقول إنه في هذه الأحوال كلها من وصب ومرض وسحر وغضب لم يجر ~~على باطنه ما يخل به ولا فاض منه على لسانه وجوارحه ما لا يليق به كما ~~يعتري غيره من البشر مما نأخذ بعد في بيانه ### | فصل فإن ms332 قلت فقد جاءت الأخبار الصحيحة أنه صلى الله عليه وسلم سحر # كما حدثنا الشيخ أبو محمد العتابي بقراءتي عليه قال نا حاتم بن محمد نا ~~أبو الحسن علي بن خلف نا محمد بن أحمد نا محمد بن يوسف نا البخاري نا عبيد ~~ابن إسماعيل نا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها ~~قالت سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إنه ليخيل إليه أنه فعل الشئ ~~وما فعله وفي رواية أخرى حتى كان يخيل إليه أنه كان يأتي النساء ولا يأتيهن ~~(الحديث) وإذا كان هذا من التباس الأمر على المسحور PageV02P180 # فكيف حال النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك وكيف جاز عليه وهو معصوم؟ ~~فاعلم وفقنا الله وإياك أن هذا الحديث صحيح متفق عليه وقد طعنت فيه الملحدة ~~وتدرعت به لسخف عقولها وتلبيسها على أمثالها إلى التشكيك في الشرع وقد نزه ~~الله الشرع والنبي عما يدخل في أمره لبسا وإنما السحر مرض من الأمراض وعارض ~~من العلل يجوز عليه كأنواع الأمراض مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته * وأما ~~ما ورد أنه كان يخيل إليه أنه فعل الشئ ولا يفعله فليس في هذا ما يدخل عليه ~~داخلة في شئ من تبليغه أو شريعته أو يقدح في صدقه لقيام الدليل والإجماع ~~على عصمته من هذا وإنما هذا فيما يجوز طروه عليه في أمر دنياه التي لم يبعث ~~بسببها ولا فضل من أجلها وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر فغير بعيد أن ~~يخيل إليه من أمورها ما لا حقيقة له ثم ينجلي عنه كما كان وأيضا فقد فسر ~~هذا الفضل الحديث الآخر من قوله (حتى يخيل إليه أنى يأتي أهله ولا يأتيهن) ~~وقد قال سفيان: هذا أشد ما يكون من السحر ولم يأت في خير منها أنه نقبل عنه ~~في ذلك قول بخلاف ما كان أخبر أنه فعله ولم يفعله وإنما كانت خواطر ~~وتخييلات. # وقد قيل إن المراد بالحديث أنه كان يتخيل الشئ أنه فعله ms333 وما فعله لكنه ~~تخييل لا يعتقد صحته فتكون اعتقاداته كلها على السداد وأقواله على الصحة، ~~هذا ما وقفت عليه لأئمتنا من الأجوبة عن هذا الحديث مع # ما أوضحنا من معني كلامهم وزدناه بيانا من تلويحاتهم وكل وجه منها مقنع ~~لكنه قد ظهر لي في الحديث تأويل أجلى وأبعد من مطاعن PageV02P181 # ذوي الأضاليل يستفاد من نفس الحديث وهو أن عبد الرزاق قد روى هذا الحديث ~~عن ابن المسيب وعروة بن الزبير، وقال فيه عنهما سحر يهود بني زريق رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فجعلوه في بئر حتى كاد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن ينكر بصره ثم دله الله على ما صنعوا فاستخرجه من البئر، وروي نحوه ~~عن الواقدي وعن عبد الرحمن بن كعب وعمر بن الحكم وذكر عن عطاء الخراساني عن ~~يحيى بن يعمر حبس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عائشة سنة فبينا هو نائم ~~أتاه ملكان فقعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه (الحديث) ، قال عبد ~~الرزاق: حبس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عائشة خاصة سنة حتى أنكر ~~بصره، وروى محمد بن سعد عن ابن عباس مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم فحبس ~~عن النساء والطعام والشراب فهبط عليه ملكان وذكر القصة، فقد استبان لك من ~~مضمون هذه الروايات أن السحر إنما تسلط على ظاهره وجوارحه لا على قلبه ~~واعتقاده وعقله وأنه إنما أثر في بصره وحبسه عن وطء نسائه وطعامه وأضعف ~~جسمه وأمرضه ويكون معني قوله: يخيل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتيهن، أي: ~~يظهر له من نشاطه ومتقدم عادته القدرة على النساء فإذا دنا منهن أصابته ~~أخذه السحر فلم يقدر على إتيانهن كما يعتري من أخذ واعترض، ولعله لمثل هذا ~~أشار سفيان بقوله: وهذا أشد ما يكون PageV02P182 # من السحر ويكون قوله عائشة في الرواية الأخرى إنه ليخيل إليه أنه فعل ~~الشئ وما فعله من باب اما اختل من بصره كما ذكر في الحديث فيظن أنه رأى ~~شخصا من بعض أزواجه ms334 أو شاهد فعلا من غيره ولم يكن على ما يخيل إليه لما ~~أصابه في بصره وضعف نظره لا لشئ طرأ عليه في ميزه وإذا كان هذا لم يكن فيما ~~ذكر من إصابة السحر له وتأثيره فيه ما يدخل لبسا ولا يجد به الملحد المعترض ~~أنسا ### | فصل هذا حاله في جسمه، # فأما أحواله في أمور الدنيا فنحن نسبرها على أسلوبها المتقدم بالعقد ~~والقول والفعل، أما العقد منها فقد يعتقد في أمور الدنيا الشئ على وجه ~~ويظهر خلافه أو يكون منه على شك أو ظن بخلاف أمور الشرع كما حدثنا أبو بحر ~~سفيان بن العاص وغير واحد سماعا وقراءة قالوا حدثنا أبو العباس أحمد بن ~~عمر، قال حدثنا أبو العباس الرازي حدثنا أبو أحمد بن عمرويه حدثنا ابن ~~سفيان حدثنا مسلم حدثنا عبد الله بن الرومي وعباس العنبري وأحمد المعقري ~~قالوا حدثنا النضر بن محمد قال حدثني عكرمة حدثنا أبو النجاشي قال حدثنا ~~رافع PageV02P183 # ابن خديج قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يأبرون ~~النخل فقال: (ما تصنعون؟) قالوا: كنا نصنعه، قال: (لعلكم لو لم تفعلوا كان ~~خيرا) فتركوه فنفضت، فذكروا ذلك له فقال: (إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشئ من ~~دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشئ من رأى فإنما أنا بشر) وفي رواية أنس (أنتم ~~أعلم بأمر دنياكم) وفي حديث آخر (إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذني بالظن) وفي ~~حديث ابن عباس في قصة الخرص فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إنما أنا ~~بشر فما حدثتكم عن الله فهو حق وما قلت فيه من قبل نفسي فإنما أنا بشر أخطئ ~~وأصيب) وهذا على ما قررناه فيما قاله من قبل نفسه في أمور الدنيا وظنه من ~~أحوالها لا ما قاله من قبل نفسه واجتهاده في شرع شرعه وسنة سنها وكما حكى ~~ابن إسحاق إنه صلى الله عليه وسلم لما نزل بأدنى مياه بدر قال له الحباب ~~ابن المنذر: أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه أم هو الرأي ms335 والحرب ~~والمكيدة؟ قال (لا بل هو الرأي والحرب والمكيدة) قال فإنه ليس بمنزل، أنهض ~~حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله ثم نغور ما وراءه PageV02P184 # من القلب فنشرب ولا يشربون، فقال (أشرت بالرأي) وفعل ما قاله، وقد قال ~~الله تعالى له صلى الله عليه وسلم (وشاورهم في الأمر) وأراد مصالحة بعض ~~عدوه على ثلث تمر المدينة فاستشار الأنصار فلما أخبروه برأيهم رجع عنه، ~~فمثل هذا وأشباهه من أمور الدنيا التي لا مدخل فيها لعلم ديانة ولا ~~اعتقادها ولا تعليمها يجوز عليه فيها ما ذكرناه، إذ ليس في هذا كله نقيصة ~~ولا محطة وإنما هي أمور اعتيادية يعرفها من جربها وجعلها همه وشغل نفسه بها ~~والنبي صلى الله عليه وسلم مشحون القلب بمعرفة الربوبية ملآن الجوانح بعلوم ~~الشريعة مقيد البال بمصالح الأمة الدينية والدنيوية ولكن هذا إنما يكون في ~~بعض الأمور ويجوز في النادر وفيما سبيله التدقيق في حراسة الدنيا ~~واستثمارها لا في الكثير المؤذن بالبله والغفلة وقد تواتر بالنقل عنه صلى ~~الله عليه وسلم من المعرفة بأمور الدنيا ودقائق مصالحها وسياسة فرق أهلها ~~ما هو معجز في البشر مما قد نبهنا عليه في باب معجزاته من هذا الكتاب. ### | فصل وأما ما يعتقده في أمور أحكام البشر الجارية على يديه # وقضاياهم ومعرفة المحق من المبطل وعلم المصلح من المفسد فبهذه السبيل ~~لقوله صلى الله عليه وسلم (إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن ~~يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو مما أسمع، PageV02P185 # فمن قضيت له من حق أخيه بشئ فلا يأخذ منه شيئا فإنما أقطع له قطعة من ~~النار) * حدثنا الفقيه أبو الوليد رحمه الله حدثنا الحسين بن محمد الحافظ ~~حدثنا أبو عمر حدثنا أبو محمد حدثنا أبو بكر حدثنا أبو داود حدثنا محمد بن ~~كثير أخبرنا سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة ~~قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الحديث) وفي رواية الزهري عن عروة) ~~فلعل ms336 بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنه صادق فأقضي له) ويجري أحكامه صلى ~~الله عليه وسلم على الظاهر وموجب غلبات الظن بشهادة الشاهد ويمين الحالف ~~ومراعاة الأشبه ومعرفة العفاص والوكاء مع مقتضى حكمة الله في ذلك فإنه ~~تعالى لو شاء لأطلعه على سرائر عباده ومخبآت ضمائر أمته فتولى الحكم بينهم ~~بمجرد يقينه وعلمه دون حاجة إلى اعتراف أو بينة أو يمين أو شبهة ولكن لما ~~أمر الله أمته باتباعه والاقتداء به في أفعاله وأحواله وقضاياه وسيره وكان ~~هذا # لو كان مما يختص بعلمه ويؤثره الله به لم يكن للأمة سبيل إلى الاقتداء به ~~في شئ من ذلك ولا قامت حجة بقضية من قضاياه لأحد في شريعته لأنا لا نعلم ما ~~أطلع عليه هو في تلك القضية بحكمه هو إذا في ذلك PageV02P186 # بالمكنون من إعلام الله له بما أطلعه عليه من سرائرهم وهذا ما لا تعلمه ~~الأمة فأجرى الله تعالى أحكامه على ظواهرهم التي يستوي في ذلك هو وغيره من ~~البشر ليتم اقتداء أمته به في تعيين قضاياه وتنزيل أحكامه ويأتون ما أتوا ~~من ذلك على علم ويقين من سنته، إذ البيان بالفعل أوقع منه بالقول وأرفع ~~الاحتمال اللفظ وتأويل المتأول وكان حكمه على الظاهر أجلى في البيان وأوضح ~~في وجوه الأحكام وأكثر فائدة لموجبات التشاجر والخصام وليقتدي بذلك كله ~~حكام أمته ويستوثق بما يؤثر عنه وينضبط قانون شريعته وطي ذلك عنه من علم ~~الغيب الذي استأثر به عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من ~~رسول فيعلمه منه بما شاء ويستأثر بما شاء ولا يقدح هذا في نبوته ولا يفصم ~~عروة من عصمته ### | فصل وأما أقواله الدنيوية من أخباره عن أحواله وأحوال غيره # وما يفعله أو فعله فقد قدمنا أن الخلف فيها ممتنع عليه في كل حال وعلى أي ~~وجه من عمد أو سهو أو صحة أو مرض أو رضي أو غضب وأنه معصوم منه صلى الله ~~عليه وسلم. # هذا فيما طريقه الخبر المحض مما يدخله ms337 الصدق والكذب فأما المعاريض الموهم ~~ظاهرها خلاف باطنها فجائز ورودها منه في الأمور الدنيوية لا سيما لقصد ~~المصلحة كتوريته عن وجه PageV02P187 # مغازيه لئلا يأخذ العدو حذره وكما روي من ممازحته ودعابته لبسط أمته ~~وتطبيب قلوب المؤمنين من صحابته وتأكيدا في تحببهم ومسرة نفوسهم كقوله ~~لأحملنك على ابن الناقة وقوله للمرأة التي سألته عن زوجها: (أهو الذي بعينه ~~بياض؟) وهذا كله صدق لأن كل جمل ابن ناقة وكل إنسان بعينه بياض؟) وقد قال ~~صلى الله عليه وسلم (إني لأمزح ولا أقول إلا حقا، هذا كله فيما بابه الخبر ~~* فأما ما بابه غير الخبر مما صورته صورة الأمر والنهي في الأمور الدنيوية ~~فلا يصح منه أيضا ولا يجوز عليه أن يأمرا أحدا بشئ أو ينهي أحدا عن شئ وهو ~~يبطن خلافه وقد قال صلى الله عليه وسلم (ما كان لنبي أن تكون له خائنة ~~الأعين) فكيف أن تكون له خائنة قلب؟ فإن قلت فما معني قوله تعالى في قصة ~~زيد (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك) الآية؟ ~~فاعلم أكرمك الله ولا تسترب في تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا ~~الظاهر وأن يأمر زيدا بإمساكها وهو يحب تطليقه إياها كما ذكر عن جماعة من ~~المفسرين وأصح ما في هذا ما حكاه أهل التفسير عن علي بن حسين أن الله تعالى ~~كان أعلم نبيه أن زينب ستكون من أزواجه فلما PageV02P188 # شكاها إليه زيد قال له (أمسك عليك زوجك واتق الله) وأخفى منه في نفسه ما ~~أعلمه الله به من أنه يتزوجها بما الله مبديه ومظهره بتمام التزويج وطلاق ~~زيد لها، وروى نحو عمرو بن فائد عن الزهري قال نزل جبريل على النبي صلى ~~الله عليه وسلم يعلمه أن الله يزوجه زينب بنت جحش فذلك الذي أخفى في نفسه، ~~ويصحح هذا قول المفسرين في قوله تعالى بعد هذا (وكان أمر الله مفعولا) أي ~~لا بد لك أن تتزوجها، ويوضح هذا أن الله لم يبد من أمره معها غير ms338 زواجه ~~لها، فدل أنه الذي أخفاه صلى الله عليه وسلم مما كان أعلمه به تعالى وقوله ~~تعالى في القصة: (ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله) ~~الآية، فدل أنه لم يكن عليه حرج في الأمر، قال الطبري ما كان الله ليؤثم ~~نبيه فيما أحل له مثال فعله لمن قبله من الرسل، قال الله تعالى: (سنة الله ~~في الذين خلوا من قبل) أي من النبيين فيما أحل لهم ولو كان على ما روي في ~~حديث قتادة من وقوعها من قلب النبي صلى الله عليه وسلم عند ما أعجبته ~~ومحبته طلاق زيد لها لكان فيه أعظم الحرج وما لا يليق به من مد عينيه لما # نهي عنه من زهرة الحياة الدنيا ولكان هذا نفس الحسد المذموم الذي لا ~~يرضاه ولا يتسم به الأتقياء، فكيف سيد الأنبياء؟ قال القشيري وهذا إقدام ~~عظيم من قائله وقلة معرفة بحق النبي صلى الله عليه وسلم وبفضله وكيف يقال ~~رآها فأعجبته وهي بنت عمته ولم يزل يراها PageV02P189 # منذ ولدت ولا كان النساء يحتجبن منه صلى الله عليه وسلم وهو زوجها لزيد؟ ~~وإنما جعل الله طلاق زيد لها وتزويج النبي صلى الله عليه وسلم إياها لإزالة ~~حرمة التبني وإبطال سنته كما قال: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم) * وقال ~~(لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم) ، ونحوه لابن فورك، وقال ~~أبو الليث السمرقندي فإن قيل فما الفائدة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~لزيد بإمساكها فهو أن الله أعلم نبيه أنها زوجته فنهاه النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن طلاقها إذ لم تكن بينهما ألفة وأخفى في نفسه ما أعلمه الله به فلما ~~طلقها زيد خشي قول الناس يتزوج امرأة ابنه فأمره الله بزواجها ليباح مثل ~~ذلك لأمته كما قال تعالى (لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم) ~~وقد قيل كان أمره لزيد بإمساكها قمعا للشهوة وردا للنفس عن هواها وهذا إذا ~~جوزنا عليه أنه رآها فجأة واستحسنها ومثل ms339 هذا لا نكرة فيه لما طبع عليه ابن ~~آدم من استحسانه الحسن ونظرة الفجأة معفو عنها ثم قمع نفسه عنها وأمر زيدا ~~بإمساكها وإنما تنكر # تلك الزيادات التي في القصة والتعويل والأولى ما ذكرناه عن علي بن حسين ~~وحكاه السمرقندي وهو قول ابن عطاء واستحسنه القاضي القشيري وعليه عول أبو ~~بكر بن فورك وقال إنه معني ذلك عند المحققين من أهل التفسير، قال والنبي ~~صلى الله عليه وسلم منزه عن استعمال النفاق في ذلك وإظهار خلاف ما في نفسه ~~وقد نزهه الله عن ذلك بقوله تعالى (ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله ~~له) قال ومن ظن ذلك PageV02P190 # بالنبي صلى الله عليه وسلم فقد أخطأ قال وليس معني الخشية هنا الخوف ~~وإنما معناه الاستحياء أي يستحيي منهم أن يقولوا تزوج زوجة ابنه وأن خشيته ~~صلى الله عليه وسلم من الناس كانت من إرجاف المنافقين واليهود تشغيبهم على ~~المسلمين بقولهم تزوج زوجة ابنه بعد نهيه عن نكاح حلائل الأبناء كما كان ~~فعتبه الله على هذا ونزهه عن الالتفات إليهم فيما أحله له كما عتبه على ~~مراعاة رضي أزواجه في سورة التحريم بقوله: (لم تحرم ما أحل الله لك) الآية، ~~كذلك قوله: له ههنا (وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه) وقد روي عن الحسن ~~وعائشة: لو كتم رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا لكتم هذا الآية لما فيها ~~من عتبه وإبداء ما أخفاه ### | فصل فإن قلت قد تقررت عصمته صلى الله عليه وسلم # في أقواله في جميع أحواله وأنه لا يصح منه فيها خلف ولا اضطراب في عمد ~~ولا سهو ولا صحة ولا مرض ولا جد ولا مزح ولا رضى ولا غضب ولكن ما معني ~~الحديث في وصيته صلى الله عليه وسلم الذي حدثنا به القاضي الشهيد أبو علي ~~رحمه الله قال حدثنا القاضي أبو الوليد حدثنا أبو ذر حدثنا أبو محمد وأبو ~~الهيثم وأبو إسحاق قالوا حدثنا محمد بن يوسف حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا ~~علي بن عبد ms340 الله حدثنا عبد الرزاق بن همام أخبرنا معمر عن الزهري عن عبيد ~~الله PageV02P191 # ابن عبد الله عن ابن عباس قال لما احتضر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وفي البيت رجال فقال النبي صلى الله عليه وسلم (هلموا أكتب لكم كتابا لن ~~تضلوا بعده) فقال بعضهم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غلبه الوجع ~~(الحديث) وفي رواية (آتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعدي أبدا) فتنازعوا ~~فقالوا ماله أهجر: استفهموه، فقال (دعوني فإن الذي أنا فيه خير) وفي بعض ~~طرقه: إن النبي صلى الله عليه وسلم يهجر. # وفي رواية هجر ويروى أهجر، ويروى أهجرا، وفيه فقال عمر إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قد اشتد به الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا وكثر اللعط فمال قوموا ~~عني وفي رواية واختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا ومنهم من يقول ما قال عمر، قال أئمتنا ~~في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم غير معصوم من الأمراض وما يكون ~~من عوارضها من شدة وجع غشى ونحوه مما يطرأ على جسمه معصوم أن يكون منه من ~~القول أثناء ذلك ما يطعن في معجزته ويؤدي إلى فساد في شريعته من هذيان أو ~~اختلال في الكلام. # وعلى هذا لا يصح ظاهر رواية من روى في الحديث هجر PageV02P192 # إذ معناه هذى يقال هجر هجرا إذ هذى، وأهجر هجرا إذا أفحش، وأهجر تعدية ~~هجر، وإنما الأصح والأولى أهجر؟ على طريق الإنكار على من قال لا يكتب، هكذا ~~روايتنا فيه في صحيح البخاري من رواية جميع الرواة في حديث الزهري المتقدم، ~~وفي حديث محمد بن سلام عن ابن عيينة وكذا ضبطه الأصيلي بخطه في كتابه وغيره ~~من هذه الطرق وكذا رويناه عن مسلم في حديث سفيان وعن غيره وقد تحمل عليه ~~رواية من رواه هجر على حذف ألف الاستفهام والتقدير أهجر؟ أو أن يحمل قول ~~القائل هجر أو أهجر دهشة من قائل ذلك وحيرة لعظيم ms341 ما شاهد من حال الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وشدة وجعه والمقام الذي اختلف فيه عليه والأمر الذي هم ~~بالكتاب فيه حتى لم يضبط هذا القائل لفظه وأجرى الهجر مجرى شدة الوجع لا ~~أنه اعتقد أنه يجوز عليه الهجر كما حملهم الإشفاق على حراسته والله يقول ~~(والله يعصمك من الناس) ونحو هذا * وأما على رواية أهجرا - وهي رواية أبي ~~إسحاق المستملي في الصحيح في حديث ابن جبير عن ابن عباس من رواية قتيبة - ~~فقد يكون هذا راجعا إلى المختلفين عنده صلى الله عليه وسلم ومخاطبة لهم من ~~بعضهم أي # جئتم باختلافكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين يديه هجرا ومنكرا ~~PageV02P193 # من القول، والهجر بضم الهاء: الفحش في المنطق وقد اختلف العلماء في معني ~~هذا الحديث وكيف اختلفوا بعد أمره صلى الله عليه وسلم أن يأتوه بالكتاب، ~~فقال بعضهم أوامر النبي صلى الله عليه وسلم يفهم إيجابها من ندبها من ~~إباحتها بقرائن، فلعل قد ظهر من قرائن قوله صلى الله عليه وسلم لبعضهم ما ~~فهموا أنه لم تكن منه عزمة بل أمر رده إلى اختيارهم وبعضهم لم يفهم ذلك ~~فقال: استفهموه، فلما اختلفوا كف عنه إذ لم يكن عزمة ولما رأوه من صواب رأي ~~عمر: ثم هؤلاء قالوا ويكون امتناع عمر إما إشفاقا على النبي صلى الله عليه ~~وسلم من تكليفه في تلك الحال إملاء الكتاب وأن تدخل عليه مشقة من ذلك كما ~~قال إن النبي صلى الله عليه وسلم اشتد به الوجع، وقيل خشي عمر أن يكتب ~~أمورا يعجزون عنها فيحصلون في الحرج بالمخالفة ورأى أن الأرفق بالأمة في ~~تلك الأمور سعة الاجتهاد وحكم النظر وطلب الصواب فيكون المصيب والمخطئ ~~مأجورا، وقد علم عمر تقرر الشرع وتأسيس الملة وأن الله تعالى قال: (اليوم ~~أكملت لكم # دينكم) وقوله صلى الله عليه وسلم (أوصيكم بكتاب الله وعترتي) وقوله عمر: ~~حسبنا كتاب الله رد على ما نازعه لا على أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ~~قيل: إن عمر خشي تطرق ms342 المنافقين ومن في قلبه مرض لما كتب في ذلك الكتاب في ~~الخلوة وأن يتقولوا في ذلك الأقاويل كادعاء الرافضة الوصية وغير ذلك، وقيل ~~إنه كان من النبي صلى الله عليه وسلم لهم على طريق المشورة والاختبار وهل ~~يتفقون على ذلك أم يختلفوا) PageV02P194 # فلما اختلفوا تركه، وقالت طائفة أخرى: أن معني الحديث أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان مجيبا في هذا الكتاب لما طلب منه لا أنه ابتدا بالأمر به بل ~~اقتضاه منه بعض أصحابه فأجاب رغبتهم وكره ذلك غيرهم للعلل التي ذكرناها، ~~واستدل في مثل هذه القصة بقول العباس لعلي: انطلق بنا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فإن كان الأمر فينا علمناه، وكراهة علي هذا وقوله: والله لا ~~أفعل - الحديث - واستدل بقوله دعوني فإن الذي أنا فيه خير: أي الذي أنا فيه ~~خير من إرسال الأمر وترككم وكتاب الله وأن تدعوني مما طلبتم، وذكر أن الذي ~~طلب كتابه أمر الخلافة بعده وتعيين ذلك ### | فصل فإن قيل فما وجه حديثه أيضا # الذى حدثنا الفقيه أبو محمد الخشني بقراءتي عليه حدثنا أبو علي الطبري ~~حدثنا عبد الغافر الفارسي حدثنا أبو أحمد الجلودي قال حدثنا إبراهيم بن ~~سفيان حدثنا مسلم بن الحجاج حدثنا قتيبة حدثنا ليث عن سعيد بن أبي سعيد عن ~~سالم مولى النصريين قال: سمعت أبا هريرة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: (اللهم إنما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر وإني قد اتخذت عندك ~~عهدا لن تخلفنيه فأيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته فاجعلها له كفارة ~~وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة) * وفي رواية (فأيما أحد دعوت عليه ~~PageV02P195 # دعوة، وفي رواية (ليس لها بأهل) ، وفي رواية (فأيما رجل من المسلمين ~~سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها له زكاة وصلاة ورحمة) وكيف يصح أن يلعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من لا يستحق اللعن ويسب من لا يستحق السب ويجلد ~~من لا يستحق الجلد أو يفعل مثل ذلك عند الغضب وهو معصوم من هذا ms343 كله، فاعلم ~~شرح الله صدرك أن قوله صلى الله عليه وسلم أولا (ليس لها بأهل) أي عندك يا ~~رب في باطن أمره فإن أمره فإن حكمه صلى الله عليه وسلم على الظاهر كما قال ~~وللحكمة التي ذكرناها فحكم صلى الله عليه وسلم بجلده أو أدبه بسبه أو لعنه ~~بما اقتضاه عنده حال ظاهره ثم دعا له صلى الله عليه وسلم لشفقته على أمته ~~ورأفته ورحمته للمؤمنين التي وصفه الله بها وحذره أن يتقبل الله فيمن دعا ~~عليه دعوته أن يجعل دعاءه وفعله له رحمة وهو معنى قوله (ليس لها بأهل) ، لا ~~أنه صلى الله عليه وسلم يحمله الغضب ويستفزه الضجر لأن يفعل مثل هذا بمن لا ~~يستحقه من مسلم، وهذا معنى صحيح، ولا يفهم من قوله (أغضب كما يغضب البشر أن ~~الغضب حمله على ما لا يجب بل يجوز أن يكون المراد بهذا أن الغضب لله حمله ~~على معاقبته بلعنه أو سبه وأنه مما كان يحتمل ويجوز عفوه عنه # أو كان مما خير بين المعاقبة فيه والعفو عنه، وقد يحمل على أنه خرج مخرج ~~الإشفاق وتعليم أمته الخوف والحذر من تعدي حدود الله وقد يحمل ما ورد من ~~دعائه هنا ومن دعواته على غير واحد في غير موطن على غير العقد والقصد بل ~~بما جرت به عادة العرب وليس المراد بها الإجابة # PageV02P196 # كقوله، تربت يمينك، ولا أشبع الله بطنك، وعقرى حلقى) وغيرها من دعواته، ~~وقد ورد في صفته في غير حديث أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن فحاشا، وقال ~~أنس لم يكن سبابا ولا فاحشا ولا لعانا وكان يقول لأحدنا عند المعتبة (ما ~~له؟ ترب جبينه) فيكون حمل الحديث على هذا المعنى، ثم أشفق صلى الله عليه ~~وسلم من موافقة أمثالها إجابة فعاهد ربه كما قال في الحديث أن يجعل ذلك ~~للمقول له زكاة ورحمة وقربة، وقد يكون ذلك إشفاقا على المدعو عليه وتأنيسا ~~له لئلا يلحقه من استشعار الخوف والحذر من لعن النبي صلى الله عليه وسلم ~~وتقبل ms344 دعائه ما يحمله على اليأس والقنوط، وقد يكون ذلك سؤالا منه لربه لمن ~~جلده أو سبه على حق وبوجه صحيح أن يجعل ذلك له كفارة لما أصابه وتمحية لما ~~اجترم وأن تكون عقوبته له في الدنيا سبب العفو والغفران كما جاء في الحديث ~~الآخر (ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو له كفارة، فإن قلت فما ~~معني حديث الزبير وقول النبي صلى الله عليه وسلم له حين تخاصمه مع الأنصاري ~~في شراج الحرة (اسق يا زبير حتى يبلغ الكعبين) فقال له PageV02P197 # الأنصاري أن كان يا رسول الله ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثم قال: (اسق يا زبير ثم احبس حتى يبلغ الجدر) الحديث فالجواب أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم منزه أن يقع بنفس مسلم منه في هذه القصة أمر يريب ~~ولكنه صلى الله عليه وسلم ندب الزبير أولا إلى الاقتصار على بعض حقه على ~~طريق التوسط والصلح فلما لم يرض بذلك الآخر ولج وقال ما لا يجب استوفى ~~النبي صلى الله عليه وسلم للزبير حقه ولهذا ترجم البخاري على هذا الحديث: ~~(باب إذا أشار الإمام بالصلح فأبى) حكم عليه بالحكم: وذكر في آخر الحديث: ~~فاستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم حينئذ للزبير حقه. # وقد جعل المسلمون هذا الحديث أصلا في قضيته، وفيه الاقتداء به صلى الله ~~عليه وسلم في كل ما فعله في حال غضبه ورضاه وأنه وإن نهى أن يقضي القاضي ~~وهو غضبان فإنه في حكمه في حال الغضب والرضى سواء لكونه فيها معصوما، وغضب ~~النبي صلى الله عليه وسلم في هذا إنما كان لله تعالى لا لنفسه كما جاء في ~~الحديث الصحيح، وكذلك الحديث في إقادته عكاشة من نفسه لم يكن لتعمد حمله ~~الغضب عليه بل وقع في الحديث نفسه أن عكاشة قال له: وضربتني بالقضيب، فلا ~~أدري أعمدا أم أردت ضرب الناقة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم (أعيذك # بالله يا عكاشة أن يتعمدك رسول الله صلى ms345 الله عليه وسلم) وكذلك في حديثه ~~الآخر مع الأعرابي حين طلب عليه السلام الاقتصاص منه، فقال الأعرابي ~~PageV02P198 # قد عفوت عنك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد ضربه بالسوط لتعلقه بزمام ~~ناقته مرة بعد أخرى والنبي صلى الله عليه وسلم ينهاه ويقول له (تدرك حاجتك) ~~وهو يأتي فضربه بعد ثلاث مرات، وهذا منه صلى الله عليه وسلم لمن لم يقف منذ ~~نهيه صواب وموضع أدب، لكنه عليه السلام أشفق إذ كان حق نفسه من الأمر حتى ~~عفا عنه: وأما حديث سواد بن عمرو: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ~~متخلق فقال (ورس ورس حط حط) وغشيني بقضيب في يده في بطني فأوجعني، قلت ~~القصاص يا رسول الله، فكشف لي عن بطنه: إنما ضربه صلى الله عليه وسلم لمنكر ~~رآه به ولعله لم يرد بضربه بالقضيب إلا تنبيهه، فلما كان منه إيجاع لم ~~يقصده طلب التحلل منه عن ما قدمناه ### | فصل وأما أفعاله صلى الله عليه وسلم الدنيوية # فحكمه فيها من ترقي المعاصي والمكروهات ما قدمناه ومن جواز السهو والغلط ~~في بعضها ما ذكرناه وكله غير قادح في النبوة بل إن هذا فيها على الندور إذ ~~عامة أفعله على السداد والصواب بل أكثرها أو كلها جارية مجرى العبادات ~~والقرب على ما بينا إذ كان صلى الله عليه وسلم لا يأخذ منها لنفسه إلا ~~ضرورته وما يقيم رمق جسمه وفيه مصلحة ذاته التي بها يعبد ربه ويقيم شريعته ~~ويسوس أمته PageV02P199 # وما كان فيما بينه وبين الناس من ذلك فبين معروف يصنعه أو بر يوسعه أو ~~كلام حسن يقوله أو يسمعه أو تألف شارد أو قهر معاند، أو مداراة حاسد وكل ~~هذا لاحق بصالح أعماله منتظم في زاكي وظائف عباداته وقد كان يخالف في ~~أفعاله الدنيوية بحسب اختلاف الأحوال ويعد للأمور أشباهها فيركب في تصرفه ~~لما قرب الحمار وفي أسفاره الراحلة ويركب البغلة في معارك الحرب دليلا على ~~الثبات ويركب الخيل ويعدها ليوم الفزع وإجابة الصارخ وكذلك في لباسه وسائر ~~أحواله بحسب ms346 اعتبار مصالحه ومصالح أمته وكذلك يفعل الفعل من أمور الدنيا ~~مساعدة لأمته وسياسة وكراهية لخلافها وإن كان قد يرى غيره خيرا منه كما ~~يترك الفعل لهذا وقد يرى فعله خيرا منه وقد يفعل هذا في الأمور الدينية مما ~~له الخيرة في أحد وجهيه كخروجه من المدينة لأحد وكان مذهبه التحصن بها ~~وتركه قتل المنافقين وهو على يقين من أمرهم مؤالفة لغيرهم ورعاية للمؤمنين ~~من قرابتهم وكراهة لأن يقول الناس إن محمدا يقتل أصحابه كما جاء في الحديث ~~وتركه بناء الكعبة على قواعد إبراهيم مراعاة لقلوب قريش وتعظيمهم لتغيرها ~~وحذرا من نفار قلوبهم لذلك وتحريك متقدم عداوتهم للدين وأهله فقال لعائشة ~~في الحديث الصحيح: (لولا حدثان قومك بالكفر لأتممت البيت على قواعد ~~إبراهيم) ويفعل الفعل ثم يتركه لكون PageV02P200 # غيره خيرا منه كانتقاله من أدنى مياه بدر إلى أقربها للعدو من قريش ~~وكقوله: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدى) ويبسط وجهه للكاف ~~والعدو رجاء استئلافه ويصبر للجاهل ويقول: (إن من شر الناس من اتقاه الناس ~~لشر) ويبذل له الرغائب ليحبب إليه شريعته ودين ربه ويتولى في منزله ما ~~يتولى الخادم من مهنته، ويتسمت في ملاءته حتى لا يبدو منه شئ من أطرافه ~~وحتى كأن على رؤس جلسائه الطير ويتحدث مع جلسائه بحديث أولهم ويتعجب مما ~~يتعجبون منه ويضحك مما يضحكون منه وقد وسع الناس بشره وعدله لا يستفزه ~~الغضب ولا يقصر عن الحق ولا يبطن على جلسائه يقول: (ما كان لنبي أن تكون له ~~خائنة الأعين) فإن قلت فما معني قوله لعائشة رضي الله عنها في الداخل عليه ~~(بئس ابن العشيرة) فلما دخل ألان له القول وضحك معه، فلما خرج سالته عن ذلك ~~قال: (إن من شر الناس من اتقاه الناس لشره، وكيف جاز أن يظهر له خلاف ما ~~يبطن ويقول في ظهره ما قال؟ فالجواب أن فعله صلى الله عليه وسلم كان ~~استئلافا لمثله وتطييبا لنفسه ليتمكن إيمانه ويدخل في الإسلام بسببه أتباعه ~~ويراه مثله فينجذب بذلك إلى ms347 الإسلام، ومثل هذا على هذا الوجه قد خرج من حد ~~مداراة الدنيا إلى السياسة الدينية وقد كان يستألفهم بأموال الله العريضة ~~فكيف بالكلمة اللينة؟ قال صفوان لقد أعطاني وهو أبغض الخلق إلي فما زال ~~يعطيني حتى صار أحب PageV02P201 # الخلق إلى، قوله فيه بئس ابن العشيرة هو غير غيبة بل هو تعريف ما علمه ~~منه لمن لم يعلم ليحذر حاله ويحترز منه ولا يوثق بجانبه كل الثقة لا سيما ~~وكان مطاعا متبوعا، ومثل هذا إذا كان لضرورة ودفع مضرة لم يكن بغيبة بل كان ~~جائزا بل واجبا في بعض الأحيان كعادة المحدثين في تجريح الرواة والمزكين في ~~الشهود، فإن قيل فما معني المعضل الوارد في حديث بريرة من قوله صلى الله ~~عليه وسلم لعائشة وقد أخبرته أن موالي بريرة أبوا بيعها إلا أن يكون لهم ~~الولاء فقال لها صلى الله عليه وسلم (اشتريها واشترطي لهم الولاء) ففعلت، ~~ثم قام خطيبا فقال: (ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله؟ كل شرط ~~ليس في كتاب الله فهو باطل) والنبي صلى الله عليه وسلم قد أمرها بالشرط لهم ~~وعليه باعوا ولولاه والله أعلم لما باعوها من عائشة كما لم يبيعوها قبل حتى ~~شرطوا ذلك عليها ثم أبطله صلى الله عليه وسلم وهو قد حرم الغش والخديعة؟ ~~فأعلم أكرمك الله أن النبي صلى الله عليه وسلم منزة عما يقع في بال الجاهل ~~من هذا ولتنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ما قد أنكر قوم هذا ~~الزيادة قوله (اشترطي لهم الولاء) إذ ليس في أكثر طرق الحديث ومع ثباتها ~~فلا اعتراض بها إذ يقع لهم بمعني عليهم قال الله تعالى: (أولئك لهم اللعنة) ~~وقال (وإن أسأتم فلها) فعلى هذا اشترطي عليهم الولاء لك ويكون قيام النبي ~~صلى الله عليه وسلم ووعظه PageV02P202 # لما سلف لهم من شرط الولاء لأنفسهم قبل ذلك * ووجه ثان أن قوله صلى الله ~~عليه وسلم (اشترط لهم الولاء) ليس على معني الأمر لكن على معني التسوية ~~والإعلام بأن شرطه ms348 لهم لا ينفعهم بعد بيان النبي صلى الله عليه وسلم لهم ~~قبل أن الولاء لمن أعتق فكأنه قال: (اشترطي أولا تشترطي فإنه شرط غير نافع، ~~وإلى هذا ذهب الداوودى وغيره وتوبيخ النبي صلى الله عليه وسلم لهم وتقريعهم ~~على ذلك يدل على علمهم به قبل هذا * الوجه الثالث أن معني قوله (اشترطي لهم ~~الولاء) أي: أظهري لهم حكمه وبيني عندهم سنته أن الولاء إنما هو لمن أعتق، ~~ثم بعد هذا قام هو صلى الله عليه وسلم مبينا ذلك وموبخا على مخالفة ما تقدم ~~منه فيه، فإن قيل فما معني فعل يوسف عليه السلام بأخيه إذ جعل السقاية في ~~رحله وأخذه باسم سرقتها وما جرى على إخوته في ذلك وقوله إنكم لسارقون ولم ~~يسرقوا؟ فاعلم أكرمك الله أن الآية تدل على أن فعل يوسف كان من أمر الله ~~لقومه تعالى (كذلك؟ ؟ ؟ ؟ ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن ~~يشاء الله) الآية فإذا كان كذلك فلا اعتراض به كان فيه ما فيه، وأيضا فإن ~~يوسف كان أعلم أخاه بأني أنا أخوك فلا تبتئس فكان ما جرى عليه بعد هذا من ~~وفقه ورغبته وعلى يقين من عقى الخير له به وإزاحة السوء والمضرة عنه بذلك، ~~وأما قوله (أيتها العير إنكم لسارقون) فليس من قول يوسف فيلزم عليه جواب ~~يحل شبهه ولعل قائله PageV02P203 # إن حسن له التأويل كائنا من كان ظن على صورة الحال ذلك وقد قيل قال # ذلك لفعلهم قبل بيوسف وبيعهم له وقيل غير هذا ولا يلزم أن نقول الأنبياء ~~ما لم يأت أنهم قالوه حتى يطلب الخلاص منه ولا يلزم الاعتذار عن زلات ~~غيرهم. ### | فصل فإن قيل فما الحكمة في إجراء الأمراض وشدتها عليه # وعلى غيره من الأنبياء على جميعهم السلام، وما الوجه فيما ابتلاهم الله ~~به من البلاء وامتحانهم بما امتحنوا به كأيوب ويعقوب ودنيال ويحيى وزكريا ~~وعيسى وإبراهيم ويوسف وغيرهم صلوات الله عليهم وهم خيرته من خلقه وأحباؤه ~~وأصفياؤه؟ فاعلم وفقنا الله وإياك أن أفعال الله ms349 تعالى كلها عدل وكلماته ~~جميعا صدق لا مبدل لكلماته يبتلي عباده كما قال لهم لننظر كيف تعلمون، ~~(وليبلوكم أيكم أحسن عملا) وليعلم الله الذين آمنوا منكم، ولما يعلم الله ~~الذين جاهوا منكم ويعلم الصابرين، ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ~~والصابرين ونبلو أخباركم) فامتحانه إياهم بضروب المحن زيادة في مكانتهم ~~ورفعة في درجاتهم وأسباب لاستخراج حالات الصبر والرضى والشكر والتسليم ~~والتوكل والتفويض والدعاء والتضرع منهم وتأكيد لبصائرهم في رحمة الممتحنين ~~والشفقة على المسلمين وتذكرة لغيرهم وموعظة لسواهم ليتأسوا في البلاء بهم ~~ويتسلوا # PageV02P204 # في المحن بما جرى عليهم ويقتدوا بهم في الصبر محو لهنات فرطت منهم أو ~~غفلات سلفت لهم ليلقوا الله طيبين مهذبين وليكون أجرهم أكمل وثوابهم أوفر ~~وأجزل. # حدثنا القاضي أبو علي الحافظ حدثنا أبو الحسين الصيرفي وأبو الفضل بن ~~خيرون قالا حدثنا أبو يعلى البغدادي # حدثنا أبو علي السنجي حدثنا محمد بن محبوب حدثنا أبو عيسى الترمذي حدثنا ~~قتيبة حدثنا حماد بن زيد عن عاصم بن بهدلة عن مصعب بن سعد عن أبيه قال قلت ~~يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال (الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى ~~الرجل على حسب دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما ~~عليه خطيئته) ، وكما قال تعالى (وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير) الآيات ~~الثلاث وعن أبي هريرة ما يزال البلاء بالمؤمن في نفسه وولده وماله حتى يلقى ~~الله وما عليه خطيئة، وعن أنس عنه صلى الله عليه وسلم (إذ أراد الله بعبده ~~الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه ~~حتى يوافي به يوم القيامة) وفي حديث آخر (إذا أحب الله عبدا ابتلاه ليسمع ~~تضرعه) وحكى السمرقندي أن كل من كان أكرم على الله تعالى كان بلاؤه أشد كى ~~يتبين فضله ويستوجب الثواب كما روي عن لقمان أنه قال يا بني الذهب والفضة ~~يختبران بالنار والمؤمن يختبر بالبلاء، وقد حكي أن ابتلاء يعقوب بيوسف كان ~~سببه التفاته في صلاته إليه ويوسف ms350 نائم PageV02P205 # محبة له، وقيل: بل اجتمع يوما هو وابنه يوسف على أكل حمل مشوي وهما ~~يضحكان وكان لهم جار يتيم فشم ريحه واشتهاه وبكى وبكت له جدة له عجوز ~~لبكائه وبينهما جدار ولا علم عند يعقوب وابنه فعوقب يعقوب بالبكاء أسفا على ~~يوسف إلى أن سألت حدثتاه وابيضت عيناه من الحزن فلما علم بذلك كان بقية ~~حياته يأمر مناديا ينادي على سطحه # ألا من كان مفطرا فليتغد عند آل يعقوب وعوقب يوسف بالمحنة التي نص الله ~~عليها، وروي عن الليث أن سبب بلاء أيوب أنه دخل مع أهل قريته على ملكهم ~~فكلموه في ظلمه وأغلظوا له إلا أيوب فإنه رفق به مخافة على زرعه فعاقبه ~~الله ببلائه، ومحنة سليمان لما ذكرناه من نيته في كون الحق في جنبه أصهاره ~~أو للعمل بالمعصية في داره ولا علم عنده وهذه فائدة شدة المرض والوجع ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم، قالت عائشة ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن عبد الله رأيت النبي صلى الله عليه وسلم ~~في مرضه يوعك وعكا شديدا فقلت إنك لتوعك وعكا شديدا، قال أجل إني أوعك كما ~~يوعك رجلان منكم) قلت ذلك أن لك الأجر مرتين قال (أجل ذلك كذلك) وفي حديث ~~أبي سعيد أن رجلا وضع يده على النبي صلى الله عليه وسلم فقال والله ما أطيق ~~PageV02P206 # أضع يدي عليك من شدة حماك فقال النبي صلى الله عليه وسلم (إنا معشر ~~الأنبياء يضاعف لنا البلاء إن كان النبي ليبتلى بالقمل حتى يقتله وإن كان ~~النبي ليبتلى بالفقر وإن كانوا ليفرحون بالبلاء كما يفرحون بالرخاء) وعن ~~أنس عنه صلى الله عليه وسلم (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله # أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله السخط) وقد قال المفسرون ~~في قوله تعالى (من يعمل سوءا يجز به) أن المسلم يجزى بمصائب الدنيا فتكون ~~له كفارة، وروي هذا عن عائشة وأبي ومجاهد، وقال أبو هريرة عنه ms351 صلى الله ~~عليه وسلم (من يرد الله به خيرا يصب منه) وقال في رواية عائشة (ما من مصيبة ~~تصيب المسلم إلا يكفر الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها) وقال في رواية أبي ~~سعيد (ما يصيب المؤمن من نصف ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى ~~الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه) وفي حديث ابن مسعود (ما من مسلم ~~يصيبه أذى إلا حات الله عنه خطاياه كما يحت ورق الشجر) وحكمة أخرى أودعها ~~الله في الأمراض لأجسامهم ونعاقب الأوجاع وشدتها عند مماتهم لتضعف قوى ~~نفوسهم فيسهل خروجها عند قبضهم وتخف عليهم مونة النزع وشدة السكرات بتقدم ~~المرض وضعف الجسم والنفس لذلك خلاف موت الفجأة وأخذه كما يشاهد من اختلاف ~~أحوال الموتى في الشدة واللين والصعوبة وقد قال صلى الله عليه وسلم (مثل ~~PageV02P207 # المؤمن مثل خامة الزرع تفيئها الريح هكذا وهكذا) وفي رواية أبي هريرة (من ~~حيث أتتها الريح تكفؤها فإذا سكنت اعتدلت، وكذلك المؤمن يكفأ بالبلاء، ومثل ~~الكافر كمثل الأرزة صماء معتدلة حتى يقصمه الله) معناه أن المؤمن مرزء مصاب ~~بالبلاء والأمراض راض بتصريفه بين أقدار الله تعالى منطاع لذلك لين الجانب ~~برضاه وقلة سخطه # كطاعة خامة الزرع وانقيادها للرياح وتمايلها لهبوبها وترنحها من حيث ما ~~أتتها فإذا أزاح الله عن المؤمن رياح البلايا واعتدل صحيحا كما اعتدلت خامة ~~الزرع عند سكون رياح الجو رجع إلى شكر ربه ومعرفة نعمته عليه برفع بلائه ~~منتظرا رحمته وثوابه عليه، فإذا كان بهذه السبيل لم يصعب عليه مرض الموت ~~ولا نزوله ولا اشتدت عليه سكراته ونزعه لعادته بما تقدمه من الآلام ومعرفة ~~ما له فيها من الأجر وتوطينه نفسه على المصائب ورقتها وضعفها بتوالي المرض ~~أو شدته والكافر بخلاف هذا معافي في غالب حاله ممتع بصحة جسمه كالأرزة ~~الصماء حتى إذا أراد الله هلاكه قصمه لحينه PageV02P208 # على غرة وأخذه بغتة من غير لطف ولا رفق فكان موته أشد عليه حسرة ومقاساة ~~نزعه مع قوة نفسه وصحة جسمه أشد ms352 ألما وعذابا ولعذاب الآخرة أشد كانجعاف ~~الأرزة وكما قال تعالى (فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون) وكذلك عاده الله ~~تعالى في أعدائه كما قال الله تعالى (فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا ~~عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة) # الآية، ففجأ جميعهم بالموت على حال عتو وغفلة وصبحهم به على غير استعداد ~~بغتة ولهذا ذكر عن السلف أنهم كانوا يكرهون موت الفجأة ومنه في حديث ~~إبراهيم كانوا يكرهون أخذة كأخذة الأسف أي الغضب يريد موت الفجأة * وحكمة ~~ثالثة أن الأمراض نذير الممات وبقدر شدتها شدة الخوف من نزول الموت فيستعد ~~من إصابته وعلم تعهدها له للبقاء ربه ويعرض عن دار الدنيا الكثيرة الأنكاد ~~ويكون قلبه معلقا بالمعاد فيتنصل من كل ما يخشى تباعته من قبل الله وقبل ~~العباد ويؤدي الحقوق إلى أهلها وينظر فيما يحتاج إليه من وصية فيمن يخلفه ~~أو أمر يعهده وهذا نبينا صلى الله عليه وسلم المغفور له ما تقدم وما تأخر ~~قد طلب التنصل في مرضه ممن كان له عليه مال أو حق في بدن وأقاد من نفسه ~~وماله وأمكن من القصاص منه على ما ورد في حديث الفضل وحديث PageV02P209 # الوفاة وأوصى بالثقلين بعده: كتاب الله وعترته، وبالأنصار عيبته، ودعا ~~إلى كتب كتاب لئلا تضل أمته بعده إما في النص عليه الخلافة أو الله أعلم ~~بمراده ثم رأى الإمساك عنه أفضل وخيرا وهكذا سيرة عباد الله المؤمنين ~~وأوليائه المتقين وهذا كله يحرمه غالبا الكفار لإملاء الله لهم # ليزدادوا إثما وليستدرجهم من حيث لا يعلمون، قال الله تعالى (ما ينظرون ~~إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم ~~يرجعون) ولذلك قال صلى الله عليه وسلم في رجل مات فجأة: (سبحان الله كأنه ~~على غضب المحروم من حرم وصيته) وقال: (موت الفجأة راحة للمؤمن وأخذة أسف ~~للكافر أو الفاجر) وذلك لأن الموت يأتي المؤمن غالبا مستعد له منتظر لحلوله ~~فهان أمره عليه كيفما جاء وأفضى إلى راحته من نصب الدنيا وأذاها كما قال ~~صلى الله عليه ms353 وسلم (مستريح ومستراح منه، وتأتي الكافر والفاجر منيته على ~~غير استعداد ولا أهبة ولا مقدمات منذرة مزعجة (بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا ~~يستطيعون ردها ولا هم ينظرون) فكان الموت أشد شئ عليه وفراق الدنيا أفظع ~~أمر صدمه وأكره شئ له. # وإلى هذا المعنى أشار صلى الله عليه وسلم بقوله: (من أحب لقاء الله أحب ~~الله لقاءه، ومنكره لقاء الله كره الله لقاءه) PageV02P210 ### | القسم الرابع في تصرف وجوه الأحكام فيمن تنقصه أو سبه عليه الصلاة والسلام # قال القاضي أبو الفضل وفقه الله قد تقدم من الكتاب والسنة وإجماع الأمة ~~ما يجب من الحقوق للنبي صلى الله عليه وسلم وما يتعين له من بر وتوقير ~~وتعظيم وإكرام وبحسب هذا حرم الله تعالى أذاه في كتابه وأجمعت الأمة على ~~قتل متنقصه من المسلمين وسابك قال الله تعالى: # (إن الذى يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا ~~مهينا) وقال: (والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم) وقال الله تعالى: ~~(وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ~~ذلكم كان عند الله عظيما) وقال تعالى في تحريم التعريض له: (يا أيها الذين ~~آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا) الآية، وذلك أن اليهود كانوا ~~يقولون راعنا يا محمد: أي أرعنا سمعك واسمع منا، ويعرضون بالكلمة يريدون ~~الرعوبة فنهى الله المؤمنين عن التشبه بهم وقطع الذريعة بنهي المؤمنين عنها ~~لئلا يتوصل بها الكافر والمنافق إلى سبه والاستهزاء به وقيل بل لما فيه من ~~مشاركة اللفظ لأنها عند اليهود بمعني اسمع لا سمعت، وقيل: بل لما فيها من ~~قلة الأدب وعدم توقير النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه لأنها في لغة ~~الأنصار بمعني ارعنا نرعك فنهوا عن ذلك إذ مضمنه أنهم لا يرعون إلا برعايته ~~لهم PageV02P211 # وهو صلى الله عليه وسلم واجب الرعاية بكل حال وهذا هو صلى الله عليه وسلم ~~قد نهى عن التكني بكنيته فقال: (سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي) صيانة لنفسه ~~وحماية عن ms354 أذاه إذ كان صلى الله عليه وسلم استجاب لرجل نادى يا أبا القاسم، ~~فقال: لم أعنك، إنما دعوت هذا، فنهى حينئذ عن التكني بكنيته لئلا يتأذى ~~بإجابة. # دعوة غيره لمن لم يدعه ويجد بذلك المنافقون والمستهزؤن ذريعة إلى أذاه ~~والإزراء به فينادونه فإذا التفت قالوا: إنما أردنا هذا لسواه. # تعنيتا له واستخفافا بحقه على عادة # المجان والمستهزئين فحمى صلى الله عليه وسلم حمى أذاه بكل وجه، فحمل ~~محققوا العلماء نهيه عن هذا على مدة حياته وأجازوه بعد وفاته لارتفاع ~~العلة، وللناس في هذا الحديث مذاهب ليس هذا موضعها وما ذكرناه هو مذهب ~~الجمهور والصواب إن شاء الله أن ذلك على طريق تعظيمه وتوقيره وعلى سبيل ~~الندب والاستحباب لا على التحريم ولذلك لم ينه عن اسمه لأنه قد كان الله ~~منع من ندائه به بقوله: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا) ~~وإنما كان المسلمون يدعونه يا رسول الله يا نبي الله وقد يدعونه بكنيته أبا ~~القاسم بعضهم في بعض الأحوال، وقد روى أنس رضي الله عنه عنه صلى الله عليه ~~وسلم ما يدل على كراهة التسمي باسمه وتنزيهه عن ذلك إذا لم يوقر، فقال ~~(تسمون أولادكم محمدا ثم تلعنونهم) وروي PageV02P212 # أن عمر رضي الله عنه كتب إلى أهل الكوفة لا يسمى أحد باسم النبي صلى الله ~~عليه وسلم) حكاه أبو جعفر الطبري، وحكى محمد بن سعد أنه نظر إلى رجل اسمه ~~محمد ورجل يسبه ويقول له فعل الله بك يا محمد وصنع، فقال عمر لابن أخيه ~~محمد بن زيد بن الخطاب: لا أرى محمدا صلى الله عليه وسلم يسب بك والله لا ~~تدعى محمدا ما دمت حيا وسماه عبد الرحمن وأراد أن يمنع لهذا أن يسمى أحد ~~بأسماء لأنبياء إكراما لهم بذلك وغير أسماءهم وقال لا تسموا بأسماء ~~الأنبياء ثم أمسك، والصواب جواز هذا كله بعده # صلى الله عليه وسلم بدليل إطباق الصحابة على ذلك وقد سمى جماعة منهم ابته ~~محمدا وكناه بأبي القاسم وروي أن النبي صلى الله ms355 عليه وسلم أذن في ذلك لعلي ~~رضي الله عنه وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن ذلك اسم المهدي وكنيته وقد ~~سمى به النبي صلى الله عليه وسلم محمد بن طلحة ومحمد بن عمرو ابن حزم ومحمد ~~بن ثابت بن قيس وغير واحد وقال: (ما ضر أحدكم أن يكون في بيته محمد ومحمدان ~~وثلاثة، وقد فصلت الكلام في هذا القسم على بابين كما قدمناه PageV02P213 ### | الباب الأول في بيان ما هو في حقه صلى الله عليه وسلم سب أو نقص من تعريض أو نص # اعلم وفقنا الله وإياك أن جميع من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو عابه ~~أو ألحق به نقصا في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله أو عرض به أو ~~شبهة بشئ على طريق السب له أو الأزراء عليه أو التصغير لشأنه أو الغض منه ~~والعيب له فهو ساب له والحكم فيه حكم الساب يقتل كما نبينه ولا نستثني فصلا ~~من فصول هذا الباب على هذا المقصد ولا يمترى فيه تصريحا كان أو تلويحا ~~وكذلك من لعنه أو دعا عليه أو تمنى مضرة له أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه ~~على طريق الذم أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام وهجر ومنكر من القول ~~وزور أو عيره بشئ مما جرى من البلاء والمحنة عليه أو غمصه ببعض العوارض ~~البشرية الجائزة والمعهودة لديه وهذا كله إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من ~~لدن الصحابة رضوان الله عليهم إلى هلم جرا، قال أبو بكر بن PageV02P214 # المنذر أجمع عوام أهلى العلم على أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم يقتل ~~وممن قال ذلك مالك بن أنس والليث وأحمد وإسحاق وهو مذهب الشافعي قال القاضي ~~أبو الفضل وهو مقتضى قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه ولا تقبل توبته عند ~~هؤلاء، وبمثله قال أبو حنيفة وأصحابه # والثوري وأهل الكوفة والأوزاعي في المسلمين لكنهم قالوا: هي ردة، وروى ~~مثله الوليد بن مسلم عن مالك وحكى الطبري مثله ms356 عن أبي حنيفة وأصحابه فيمن ~~تنقصه صلى الله عليه وسلم أو برئ منه أو كذبه وقال سحنون فيمن سبه: ذلك ردة ~~كالزندقة وعلى هذا وقع الخلاف في استنابته وتكفيره وهل قتله حد أو كفر كما ~~سنبينه في الباب الثاني أن شاء الله تعالى، ولا نعلم خلافا في استباحه دمه ~~بين علماء الأمصار وسلف الأمة وقد ذكر غير واحد الإجماع على قتله وتكفيره ~~وأشار بعض الظاهرية وهو أبو محمد علي بن أحمد الفارسي إلى الخلاف في تكفير ~~المسخف به والمعروف ما قدمناه قال محمد بن سحنون أجمع العلماء أن شاتم ~~النبي صلى الله عليه وسلم المتنقص له كافر والوعيد جار عليه بعذاب ~~PageV02P215 # الله له وحكمه عند الأمة قتل ومن شك في كفره وعذابه كفر، واحتج إبراهيم ~~بن حسين بن خالد الفقيه في مثل هذا بقتل خالد بن الوليد مالك ابن نويرة ~~لقوله عن النبي صلى الله عليه وسلم صاحبكم، وقال أبو سليمان الخطابي لا ~~أعلم أحدا من المسلمين اختلف في وجوب قتله إذا كان مسلما، وقال ابن القاسم ~~عن مالك في كتاب ابن سحنون والمبسوط والعتبية وحكاه مطرف عن مالك في كتاب ~~ابن حبيب من سب النبي صلى الله عليه # وسلم من المسلمين قتل ولم يستتب، قال ابن القاسم في العتبية من سبه أو ~~شتمه أو عابه أو تنقصه فإنه يقتل وحكمه عند الأمة القتل كالزنديق وقد فرض ~~الله تعالى توقيره وبره وفي المبسوط عن عثمان بن كنانة من شتم النبي صلى ~~الله عليه وسلم من المسلمين قتل أو صلب حيا ولم يستتب، والإمام مخير في ~~صلبه حيا أو قتله، ومن رواية أبي المصعب وابن أبي أويس سمعنا مالكا يقول: ~~من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو شتمه أو عابه أو تنقصه قتل: مسلما ~~كان أو كافرا ولا يستتاب، وفي كتاب محمد أخبرنا أصحاب مالك أنه قال: من سب ~~النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره من النبيين من مسلم أو كافر قتل ولم ~~يستتب، وقال أصبغ، يقتل على ms357 كل حال أسر ذلك أو أظهره ولا يستتاب لأن توبته ~~لا تعرف، وقال عبد الله بن عبد الحكم من سب النبي صلى الله عليه وسلم من ~~مسلم أو كافر قتل ولم يستتب) وحكى الطبري مثله PageV02P216 # عن أشهب عن مالك، وروى ابن وهب عن مالك من قال إن رداءه النبي صلى الله ~~عليه وسلم - ويروى زر النبي صلى الله عليه وسلم - وسخ أراد به عيبه قتل، ~~وقال بعض علمائنا أجمع العلماء على أن من دعا على نبي من الأنبياء بالويل ~~أو بشئ من المكروه أنه يقتل بلا استتابة وأفتى أبو الحسن القابسي فيمن قال ~~في النبي صلى الله عليه وسلم الجمال يتيم أبي طالب بالقتل، وأفتى أبو محمد ~~بن أبي زيد بقتل رجل سمع قوما يتذاكرون صفة النبي صلى الله عليه وسلم إذ مر ~~بهم رجل قبيح الوجه واللحية فقال لهم تريدون تعرفون صفته هي في صفة هذا ~~المار في خلقه ولحيته قال ولا تقب لتوبته وقد كذب لعنة الله وليس يخرج من ~~قلب سليم الإيمان # وقال أحمد بن أبي سليمان صاحب سحنون من قال إن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان أسود، يقتل، وقال في رجل قيل له لا وحق رسول الله، فقال فعل الله برسول ~~الله كذا - وذكر كلاما قبيحا - فقيل له ما تقول يا عدو الله؟ فقال أشد من ~~كلامه الأول ثم قال: إنما أردت برسول الله العقرب فقال ابن أبي سليمان للذي ~~سأله أشهد عليه وأنا شريكك، يريد في قتله وثواب ذلك. # قال حبيب بن أبى الربيع لأن ادعاء التأويل في لفظ صراح لا يقبل أنه ~~استهان وهو غير معزر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا موقر له فوجب إباحة ~~دمه، وأفتى أبو عبد الله بن عتاب في عشار قال لرجل أد واشك إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقال إن سألت أو جهلت PageV02P217 # فقد جهل وسأل النبي صلى الله عليه وسلم: بالقتل وأفتى فقهاء الأندلس بقتل ~~ابن حاتم المتفقة الطليطلي وصلبه بما شهد عليه به ms358 من استخفافه بحق النبي ~~صلى الله عليه وسلم وتسميته إياه أثناء مناظرته باليتيم وختن حيدرة وزعمه ~~أن زهده لم يكن قصدا ولو قدر على الطيبات أكلها إلى أشباه لهذا، وأفنى ~~فقهاء القيروان وأصحاب سحنون بقتل إبراهيم الفزاري وكان شاعرا متفننا في ~~كثير من العلوم وكان ممن يحضر مجلس القاضي أبي العباس بن طالب للمناظرة ~~فرفعت عليه أمور منكرة من هذا الباب في الاستهزاء بالله وأنبيائه ونبينا ~~صلى الله عليه وسلم فأحضر له القاضي يحيى بن عمر وغيره من الفقهاء وأمر ~~بقتله وصلبه فطعن بالسكين وصلب منكسا ثم أنزل وأحرق بالنار، وحكى بعض ~~المؤرخين أنه لما رفعت خشبته وزالت عنها الأيدي استدارت وحوله عن # القبلة فكان آية للجميع وكبر الناس، وجاء كلب فولغ في دمه فقال يحيى بن ~~عمر صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر حديثا عنه صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: (لا يلغ الكلب في دم مسلم) وقال PageV02P218 # القاضي أبو عبد الله بن المرابط: (من قال إن النبي صلى الله عليه وسلم ~~القاضي أبو عبد الله بن المرابط: (من قال إن النبي صلى الله عليه وسلم هزم ~~يستتاب فإن تاب وإلا قتل لا أنه تنقص إذ لا يجوز ذلك عليه في خاصته إذ هو ~~على بصيرة من أمره ويقين من عصمته، وقال حبيب بن ربيع القروي: مذهب مالك ~~وأصحابه أن من قال فيه صلى الله عليه وسلم ما فيه نقص قتل دون استتابة، ~~وقال ابن عتاب: الكتاب والسنة موجبان أن من قصد النبي صلى الله عليه وسلم ~~بأذى أو نقص معرضا أو مصرحا وإن قل فقتله واجب، فهذا الباب كله مما عده ~~العلماء سبا أو تنقصا يجب قتل قائله لم يختلف في ذلك متقدمهم ولا متأخرهم ~~وإن اختلفوا في حكم قتله عى ما أشرنا إليه ونبينه بعد وكذلك أقول حكم من ~~غمصه أو غيره برعاية الغنم أو السهو أو النسيان أو السحر أو ما أصابه من # جرح أو هزيمة لبعض جيوشه أو أذى من عدوه أو شدة ms359 من زمنه أو بالميل إلى ~~نسائه فحكم هذا كله لمن قصد به نقصه القتل وقد مضى من مذاهب العلماء في ذلك ~~ويأتي ما يدل عليه. ### | فصل في الحجة في إيجاب قتل من سبه أو عابه صلى الله عليه وسلم # فمن القرآن لعنه الله تعالى لمؤذيه في الدنيا والآخرة وقرانه تعالى أذاه ~~بأذاه ولا خلاف في قتل من سب الله وأن اللعن إنما يستوجبه من هو كافر وحكم ~~الكافر القتل فقال (إن الذين يؤذون الله ورسوله) الآية وقال في قاتل المؤمن ~~مثل ذلك فمن لعنته في الدنيا القتل قال الله تعالى # PageV02P219 # (ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتولا تقتيلا) وقال في المحاربين وذكر ~~عقوبتهم (ذلك لهم خزي في الدنيا) وقد يقع القتل بمعني اللعن قال (قتل ~~الخراصون) و (قاتلهم الله أنى يؤفكون) أي لعنهم الله ولأنه فرق بين أذاهما ~~وأذى المؤمنين وفي أذى المؤمنين ما دون القتل من الضرب والنكال فكان حكم ~~مؤذي الله ونبيه أشد من ذلك وهو القتل وقال الله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون ~~حتى يحكموك فيما شجر بينهم) الآية فسلب اسم الإيمان عمن وجد في صدره حرجا ~~من قضائه ولم يسلم له ومن تنقصه فقد ناقض هذا وقال الله تعالى (يا أيها ~~الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي - إلى قوله - أن تحبط ~~أعمالكم) ولا يحبط العمل إلا الكفر والكافر يقتل وقال الله تعالى (وإذا ~~جاؤك حيوك بما لم يحيك به الله) ثم قال (حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير) ~~وقال تعالى (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن) ثم قال (والذين يؤذون ~~الرسول الله لهم عذاب # أليم) وقال تعالى (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نحوذ ونلعب) إلى قوله (قد ~~كفرتم بعد إيمانكم) قال أهل التفسير كفرتم بقولكم في رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأما الإجماع فقد ذكرناه وأما الآثار فحدثنا الشيخ أبو عبد الله ~~أحمد بن محمد بن غلبون عن الشيخ أبي ذر الهروي إجازة قال حدثنا أبو الحسن ~~الدارقطني وأبو عمر بن حيويه حدثنا محمد بن ms360 نوح حدثنا عبد العزيز بن محمد ~~بن الحسن بن زبالة حدثنا PageV02P220 # عبد الله بن موسى بن جعفر عن علي بن موسى عن أبيه عن جده عن محمد بن علي ~~بت الحسين عن أبيه عن الحسين بن علي عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال (من سب نبيا فاقتلوه ومن سب أصحابي فاضربوه) * وفي الحديث الصحيح ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل كعب ابن الأشرف وقوله: (من لكعب بن ~~الأشرف فإنه يؤذي الله ورسوله) ووجه إليه من قتله غيلة دون دعوة بخلاف غيره ~~من المشركين وعلل بأذاه له فدل أن قتله إياه لغير الإشراك بل للأذى وكذلك ~~قتل أبا رافع، قال البراء وكان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعين ~~عليه وكذلك أمره يوم الفتح بقتل ابن خطل وجاريتيه اللتين كانتا تغنيان بسبه ~~صلى الله عليه وسلم * وفي حديث آخر أن رجلا كان يسبه صلى الله عليه وسلم ~~فقال (من يكفيني عدوي؟) فقال خالد أنا فبعثه النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقتله وكذلك أمر بقتل جماعة ممن كان يؤذيه من الكفار ويسبه كالنضر بن ~~الحارث وعقبة بن أبي معيط وعهد بقتل جماعة منهم قبل الفتح وبعده فقتلوا إلا ~~من بادر بإسلامه قبل القدرة عليه # وقد روى البزار عن ابن عباس أن عقبة بن أبي معيط نادى يا معاشر قريش مالى ~~أقتل من بينكم صبرا؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم (بكفرك وافترائك على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم) وذكر عبد الرزاق أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم سبه رجل فقال (من يكفيني عدوي؟ فقال PageV02P221 # الزبير: أنا، فبارزه فقتله الزبير. # وروي أيضا أن امرأة كانت تسبه صلى الله عليه وسلم فقال (من يكفيني ~~عدوتي؟) فخرج إليها خالد بن الوليد فقتلها، وروي أن رجلا كذب على النبي صلى ~~الله عليه وسلم فبعث عليا والزبير إليه ليقتلاه، وروى ابن قانع أن رجلا جاء ~~إلى النبي صلى القه عليه وسلم فقال يا رسول الله سمعت أبي يقول فيك ms361 قولا ~~قبيحا فقتله فلم يشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، وبلغ المهاجر بن ~~أبي أمية أمير اليمن لأبي بكر رضي الله عنه أن امرأة هناك في الردة غنت بسب ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقطع يدها ونزع ثنيتها فبلغ أبا بكر رضي الله عنه ~~ذلك فقال له لولا ما فعلت لأمرتك بقتلها لأن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود ~~وعن ابن عباس هجت امرأة من خطمة النبي صلى الله عليه وسلم فقال (من لي ~~بها؟) فقال رجل من قومها أنا يا رسول الله فنهض فقتلها فأخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال (لا ينتطح فيها عنزان) وعن أبى عباس أن أعمى كانت له ~~أم ولد تسب النبي صلى الله عليه وسلم فيزجرها فلا تنزجر فلما كانت ذات ليلة ~~جعلت تقع في النبي صلى الله عليه وسلم وتشتمه فقتلها وأعلم النبي صلى الله ~~عليه وسلم بذلك فأهدر دمها، وفي حديث أبي برزة الأسلمي كنت يوما جالسا عند ~~أبي بكر الصديق فغضب على رجل من المسلمين # وحكى القاضي إسماعيل وغير واحد من الأئمة في هذا الحديث أنه سب أبا بكر ~~ورواه النسائي: أتيت أبا بكر وقد أغلظ لرجل فرد عليه قال فقلت PageV02P222 # يا خليفة رسول الله دعني أضرب عنقه فقال: اجلس فليس ذلك لأحد إلا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، قال القاضي أبو محمد بن نصر ولم يخالف عليه أحد، ~~فاستدل الأئمة بهذا الحديث على قتل من أغضب النبي صلى الله عليه وسلم بكل ~~ما أغضبه أو آداه أو سبه ومن ذلك كتاب عمر بن عبد العزيز إلى عامله بالكوفة ~~وقد استشاره في قتل رجل سب عمر رضي الله عنه فكتب إليه عمر: أنه لا يحل قتل ~~امرئ مسلم بسب أحد من الناس إلا رجلا سب رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن ~~سبه فقد حل دمه، وسأل الرشيد مالكا في رجل شتم النبي صلى الله عليه وسلم ~~وذكر له أن فقهاء العراق افتوه بجلده فغضب مالك وقال: يا أمير ms362 المؤمنين ما ~~بقاء الأمة بعد شتم نبيها؟ من شتم الأنبياء قتل ومن شتم أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم جلد. # قال القاضي أبو الفضل: كذا وقع في هذه الحكاية رواها غير واحد من أصحاب ~~مناقب مالك ومؤلفي أخباره وغيرهم ولا أدري من هؤلاء الفقهاء بالعراق الذين ~~أفتوا الرشيد بما ذكر وقد ذكرنا مذهب العراقيين بقتله ولعلهم ممن لم يشهر ~~بعلم أو من لا يوثق بفتواه أو يميل به هواه أو يكون ما قاله يحمل على غير ~~السب فيكون الخلاف هل هو سب أو غير سب أو يكون رجع وتاب عن سبه فلم يقله ~~لمالك على أصله وإلا فالإجماع على قتل من سبه كما قدمناه ويدل على قتله من # جهة النظر والاعتبار أن من سبه أو تنقصه صلى الله عليه وسلم فقد ظهرت ~~علامة مرض قلبه وبرهان سرطويته وكفره، ولهذا ما حكم له كثير من # PageV02P223 # العلماء بالردة وهي رواية الشاميين عن مالك والأوزاعي وقول الثوري وأبي ~~حنيفة والكوفيين والقول الآخر أنه دليل على الكفر فيقتل حدا وإن لم يحكم له ~~بالكفر إلا أن يكون متماديا على قوله غير منكر له ولا مقلع عنه فهذا كافر، ~~وقوله إما صريح كفر كالتكذيب ونحوه أو من كلمات الاستهزاء والذم فاعترافه ~~بها وترك توبته عنها دليل استحلاله لذلك وهو كفر أيضا فهذا كافر بلا خلاف ~~قال الله تعالى في مثله (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر ~~وكفروا بعد إسلامهم) قال أهل التفسير هي قولهم إن كان ما يقول محمد حقا ~~لنحن شر من الحمير وقيل بل قول بعضهم ما مثلنا ومثل محمد إلا قول القائل ~~سمن كلبك يأكلك و (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) وقد قيل ~~إن قائل مثل هذا إن كان مستترا به أن حكمه حكم الزنديق يقتل ولأنه قد غير ~~دينه وقد قال صلى الله عليه وسلم (من غير دينه فاضربوا عنقه) ولأن لحكم ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الحرمة مزية على أمته وساب الحر من أمته ms363 يحد ~~فكانت العقوبة لمن سبه صلى الله عليه وسلم القتل لعظيم قدره وشفوف منزلته ~~على غيره ### | فصل فإن قلت فلم لم يقتل النبي صلى الله عليه وسلم اليهودي الذي قال له السام عليكم # وهذا دعاء عليه ولا قتل الآخر الذي قال له إن هذه لقسمة PageV02P224 # ما أريد بها وجه الله وقد تأذى النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك وقال قد ~~أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر ولا قتل المنافقين الذين كانوا يؤذونه في أكثر ~~الأحيان؟ فاعلم وفقنا الله وإياك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول ~~الإسلام يستألف عليه الناس ويميل قلوبهم ويميل إليه ويجيب إليهم الإيمان ~~ويزينه في قلوبهم ويدارئهم ويقول لأصحابه إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا ~~منفرين ويقول (يسروا ولا تعسروا وسكنوا ولا تنفروا) ويقول (لا يتحدث الناس ~~أن محمدا يقتل أصحابه) وكان صلى الله عليه وسلم يداري الكفار والمنافقين ~~ويجمل صحبتهم ويغضي عنهم ويحتمل من أذاهم ويصبر على جفائهم ما لا يجوز لنا ~~اليوم الصبر لهم عليه وكان يرفقهم بالعطاء والإحسان وبذلك أمره الله تعالى ~~فقال تعالى (ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح ~~إن الله يحب المحسنين) وقال تعالى (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك ~~وبينه عداوة كأنه ولى حميم) وذلك لحاجة الناس للتألف أول الإسلام وجمع ~~الكلمة عليه فلما استقر وأظهره الله على الدين كله قتل من قدر عليه واشتهر ~~أمره كفعله بابن خطل ومن عهد بقتله يوم الفتح ومن أمكنه قتله غيلة من يهود ~~وغيرهم أو غلبة ممن لم ينظمه قبل سلك صحبته والانحراط في جملة مظهري ~~الإيمان به ممن كان يؤذيه كابن PageV02P225 # الأشرف وأبي رافع والنظر وعقبة وكذلك ندر دم جماعة سواهم ككعب ابن زهير ~~وابن زبعر وغيرهما ممن آذاه حتى ألقوا بأيديهم ولقوه مسلمين وبواطن ~~المنافقين مستترة وحكمه صلى الله عليه وسلم على الظاهر وأكثر تلك الكلمات ~~إنما كان يقولها القائل منهم خفية ومع أمثاله ويحلفون عليها إذا نميت ~~وينكرونها ويحلفون بالله ما قالوا ms364 ولقد قالوا كلمة الكفر وكان مع هذا يطمع ~~في فيأتهم ورجوعهم إلى الإسلام وتوبتهم فيصبر صلى الله عليه وسلم على ~~هناتهم وجفوتهم كما صبر أولو العزم من الرسل حتى فاء كثير منهم باطنا كما ~~فاء ظاهرا وأخلص سرا كما أظهر جهرا ونفع الله بعد بكثير منهم وقام منهم ~~للدين وزراء وأعوان وحماة وأنصار كما جاءت به الأخبار وبهذا أجاب بعض ~~أئمتنا رحمهم الله عن هذا السؤال قال ولعله لم يثبت عنده صلى الله عليه ~~وسلم من أقوالهم ما رفع وإنما نقله الواحد ومن لم يصل رتبة الشهادة في هذا ~~الباب من صبي أو عبد أو امرأة والدماء لا تستباح إلا بعدلين وعلى هذا يحمل ~~أمر اليهودي في السلام وأنهم لووا به ألسنتهم ولم يبينوه ألا ترى كيف نبهت ~~عليه عائشة ولو كان صرح بذلك لم تنفرد بعلمه ولهذا نبه النبي صلى الله عليه ~~وسلم أصحابه على فعلهم وقلة صدقهم في فعلهم وقلة صدقهم في PageV02P226 # سلامهم وخيانتهم في ذلك ليا بألسنتهم وطعنا في الدين فقال إن اليهود إذا ~~سلم أحدهم فإنما يقول السام عليكم فقولوا عليكم وكذلك قال بعض # أصحابنا البغداديين إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل المنافقين بعلمه ~~فيهم ولم يأت أنه قامت بينه على نفاقهم فلذلك تركهم وأيضا فإن الأمر كان ~~سرا وباطنا وظاهرهم الإسلام والإيمان وإن كان من أهل الذمة بالعهد والجوار ~~والناس قريب عهدهم بالإسلام لم يتميز بعد الخبيث من الطيب وقد شاع عن ~~المذكورين في العرب كون من يتهم بالنفاق من جملة المؤمنين وصحابة سيد ~~المرسلين وأنصار الدين بحكم ظاهرهم فلو قتلهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~لنفاقهم وما يبدر منهم وعلمه بما أسروا في أنفسهم لوجد المنفر ما يقول ولا ~~ارتبا الشارد وأرجف المعاند وارتاع من صحبة النبي صلى الله عليه وسلم ~~والدخول في الإسلام غير واحد ولزعم الزاعم وظن العدو الظالم أن القتل إنما ~~كان للعداوة وطلب أخذ الترة وقد رأيت معني ما حررته منسوبا إلى مالك بن أنس ~~رحمه الله ولهذا ms365 قال صلى الله عليه وسلم لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل ~~أصحابه، وقال أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم وهذا بخلاف إجراء الأحكام ~~الظاهرة عليهم من حدود الزنا والقتل وشبهه لظهورها واستواء الناس في علمها ~~وقد قال محمد بن المواز لو أظهر المنافقون نفاقهم لقتلهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وقاله القاضي أبو الحسن بن القصار، وقال قتادة في تفسير ~~PageV02P227 # قوله تعالى: (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في ~~المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ملعونين أينما ثقفوا ~~أخذوا وقتلوا تقتيلا سنة الله) الآية، قال معناه إذا أظهروا النفاق، وحكى ~~محمد بن مسلمة في المبسوط عن زيد بن أسلم أن قوله # تعالى (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) نسخها ما كان ~~قبلها وقال بعض مشايخنا لعل القائل هذه قسمة ما أريد بها وجه الله وقوله ~~أعدل لم يفهم النبي صلى الله عليه وسلم منه اطعن عليه والتهمة له وإنما ~~رآها من وجه الغلط في الرأي وأمور الدنيا والاجتهاد في مصالح أهلها فلم ير ~~ذلك سبا ورأى أنه من الأذى الذي له العفو عنه والصبر عليه فلذلك لم يعاقبه ~~وكذلك يقال في اليهود إذ قالوا السام عليكم ليس فيه صريح سب ولا دعاء إلا ~~بما لا بد منه من الموت الذي لا بد من لحاقه جميع البشر وقيل بل المراد؟ ؟ ~~؟ لون دينكم والسأم والسآمة الملال وهذا دعاء على سآمة الدين ليس بصريح سب ~~ولهذا ترجم البخاري على هذا الحديث (باب إذا عرض الذمي أو غيره بسب النبي ~~صلى الله عليه وسلم) قال بعض علمائنا وليس هذا بتعريض بالسب وإنما هو تعريض ~~بالأذى قال القاضي أبو الفضل قد قدمنا أن الأذى والسب في حقه صلى الله عليه ~~وسلم سواء وقال القاضي أبو محمد بن نصر مجيبا عن هذا الحديث ببعض ما تقدم ~~ثم قال ولم يذكر PageV02P228 # في الحديث هل كان هذا اليهودي من أهل العهد والذمة أو الحرب ولا يترك ~~موجب الأدلة للأمر المحتمل ms366 والأولى في ذلك كله والأظهر من هذه الوجوه مقصد ~~الاستئلاف والمداراة على الدين لعلهم يؤمنون ولذلك ترجم البخاري على حديث ~~القسمة والخوارج (باب من ترك قتال الخوارج # للتألف ولئلا ينفر الناس عنه) ولما ذكرنا معناه عن مالك وقررناه قبل وقد ~~صبر لهم صلى الله عليه وسلم على سحره وسمه وهو أعظم من سبه إلى أن نصره ~~الله عليهم وأذن له في قتل من حينه منهم وإنزالهم من صياصبهم وقذف في ~~قلوبهم الرعب وكتب على من شاء منهم الجلاء وأخرجهم من ديارهم وخرب بيوتهم ~~بأيديهم وأيدي المؤمنين وكاشفهم بالسب فقال يا إخوة القردة والخنازير وحكم ~~فيهم سيوف المسلمين وأجلاهم من جوارهم وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم ~~لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى فإن قلت فقد جاء في ~~الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم (ما انتقم ~~لنفسه في شئ يؤتى إليه قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله) فاعلم أن هذا ~~لا يقتضي أنه لم ينتقم ممن سبه أو آذاه أو كذبه فإن هذه من حرمات الله التي ~~انتقم لها وإنما يكون ما لا ينتقم منه له فيما تعلق بسوء أدب أو معاملة من ~~القول والفعل بالنفس والمال مما لم يقصد فاعله به أذاه لكن مما جبلت عليه ~~PageV02P229 # الأعراب من الجفاء والجهل أو جبل عليه البشر من السفه كجبذ الأعرابي ~~إزاره حتى أثر في عنقه وكرفع صوت الآخر عنده وكجحد الأعرابي شراءه منه فرسه ~~التي شهد فيها خزيمة وكما كان من تظاهر زوجيه عليه وأشباه هذا مما يحسن ~~الصفح عنه وقد قال بعض علمائنا إن أذى النبي صلى الله عليه وسلم حرام لا ~~يجوز بفعل مباح ولا غيره وأما غيره فيجوز بفعل مباح مما يجوز للانسان فعله ~~وإن تأذى به غيره واحتج بعموم قوله # تعالى: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة) ~~وبقوله صلى الله عليه وسلم في حديث فاطمة (إنما بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها ~~ألا وإني لا أحرم ms367 ما أحل الله ولكن لا تجتمع ابنة رسول الله وابنة عدو الله ~~عند رجل أبدا) أو يكون هذا مما آذاه به كافر رجا بعد ذلك إسلامه كعفوه عن ~~اليهودي الذي سحره وعن الأعرابي الذي أراد قتله وعن اليهودية التي سمته وقد ~~قيل قتلها ومثل هذا مما يبلغه من أذى أهل الكتاب والمنافقين فصفح عنهم رجاء ~~استئلافهم واستئلاف غيرهم كما قررناه قبل وبالله التوفيق PageV02P230 ### | فصل قال القاضي تقدم الكلام في قتل القاصد لسبه والإزراء به # وغمصه بأي وجه كان من ممكن أو محال فهذا وجه بين لا إشكال فيه * الوجه ~~الثاني لا حق به في البيان والجلاء وهو أن يكون القائل لما قال في جهته صلى ~~الله عليه وسلم غير قاصد للسب والإزراء ولا معتقد له ولكنه تكلم في جهته ~~صلى الله عليه وسلم بكلمة الكفر من لعنه أو سبه أو تكذيبه أو إضافة ما لا ~~يجوز عليه أو نفي ما يجيب له مما هو في حقه صلى الله عليه وسلم نقيصة مثل ~~أن ينسب إليه إتيان كبيرة أو مداهنة في تبليغ الرسالة أو في حكم بين الناس ~~أو يغض من مرتبته أو شرف نسبه أو وفور علمه أو زهده أو يكذب بما اشتهر من ~~أمور أخبر بها صلى الله عليه وسلم وتواتر الخبر بها عن قصد لرد خبره أو ~~يأتي بسفه من القول أو قبيح من الكلام ونوع من السب في جهته وإن ظهر بدليل ~~حاله أنه لم يعتمد ذمه ولم يقصد سبه إما لجهالة حملته على ما قاله أو لضجر ~~أو سكر أضطره إليه أو قلة مراقبة وضبط للسانه. # وعجرفة وتهور في كلامه فحكم هذا الوجه حكم الوجه الأول القتل دون تلعثم ~~إذ لا يعذر أحد في الكفر بالجهالة ولا بدعوى زلل اللسان ولا بشئ مما ذكرناه ~~إذا PageV02P231 # كان عقله في فطرته سليما إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان وبهذا أفتى ~~الأندلسيون على ابن حاتم في نفيه الزهد عن رسول الله صلى الله تعالى عليه ~~وآله وسلم الذي قدمناه ms368 وقال محمد بن سحنون في المأمور يسب النبي صلى الله ~~تعالى عليه وسلم في أيدي العدو يقتل إلا أن يعلم تبصره أو إكراهه وعن أبي ~~محمد ابن أبي زيد لا يعذر بدعوى زلل اللسان في مثل هذا وأفتى أبو الحسن ~~القابسي فيمن شتم النبي صلى الله عليه وسلم في سكره يقتل لأنه يظن به أنه ~~يعتقد هذا ويفعله في صحوه وأيضا فإنه حد لا يسقطه السكر كالقذف والقتل ~~وسائر الحدود لأنه أدخله على نفسه لأن من شرب الخمر على علم من زوال عقله ~~بها وإتيان ما ينكر منه فهو كالعامد لما يكون بسببه وعلى هذا ألزمناه ~~الطلاق والعتاق والقصاص والحدود ولا يعترض على هذا بحديث حمزة وقوله للنبي ~~صلى الله عليه وسلم وهل أنتم إلا عبيد لأبى قال فعرف النبي صلى # الله عليه وسلم أنه ثمل فانصرف لأن الخمر كانت حينئذ غير محرمة فلم يكن ~~في جناياتها إثم وكان حكم ما يحدث عنها معفوا عنه كما يحدث من النوم وشرب ~~الدواء المأمون ### | فصل الوجه الثالث أن يقصد إلى تكذيبه فيما قاله # أو أتى به أو وجوده أو يكفر أو ينفي نبوته أو رسالته به انتقل بقوله ذلك ~~إلى دين آخر غير PageV02P232 # ملته أم لا؟ فهذا كافر بإجماع يجب قتله ثم ينظر فإن كان مصرحا بذلك كان ~~حكمه أشبه بحكم المرتد وقوي الخلاف في استتابته وعلى القول الآخر لا تسقط ~~القتل عنه توبته لحق النبي صلى الله عليه وسلم إن كان ذكره بنقيصة فيما ~~قاله من كذب أو غيره وإن كان متسترا بذلك فحكمه حكم الزنديق لا تسقط قتله ~~التوبة عندنا كما سنبينه قال أبو حنيفة وأصحابه من برئ من محمد أو كذب به ~~فهو مرتد حلال الدم إلا أن يرجع وقال ابن القاسم في المسلم إذا قال إن ~~محمدا ليس بنبي أو لم يرسل أو لم ينزل عليه قرآن وإنما هو شئ تقوله يقتل ~~وقال ومن كفر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنكره من المسلمين فهو بمنزلة ~~المرتد وكذلك ms369 من أعلن بتكذيبه أنه كالمرتد يستتاب وكذلك قال فيمن تنبأ وزعم ~~أنه يوحى إليه وقاله سحنون وقال ابن القاسم دعا إلى ذلك أو جهرا وقال أصبغ ~~وهو كالمرتد لأنه قد كفر بكتاب الله مع الفرية على الله وقال أشهب في يهودي ~~تنبأ أو زعم أنه # أرسل إلى الناس أو قال بعد نبيكم نبي أنه يستتاب إن كان معلنا بذلك فإن ~~تاب وإلا قتل وذلك لأنه مكذب للنبي صلى الله عليه وسلم في قوله لا نبي بعدي ~~مفتر على الله في دعواه عليه الرسالة والنبوة، وقال محمد بن سحنون من شك في ~~حرف مما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم عن الله فهو كافر جاحد، وقال: من ~~كذب النبي صلى الله عليه وسلم كان حكمه عند # PageV02P233 # الأمة القتل، وقال أحمد بن أبي سليمان صاحب سحنون: من قال إن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أسود قتل. # لم يمكن النبي صلى الله عليه وسلم بأسود وقال نحوه أبو عثمان الحداد قال: ~~لو قال إنه مات قبل أن يلتحي أو أنه كان بناهرت ولم يكن بتهامة قتل لأن هذا ~~نفي قال حبيب بن ربيع تبديل صفته ومواضعه كفر والمظهر له كافر وفيه ~~الاستتابة والمسر له زنديق يقتل دون استتابة ### | فصل الوجه الرابع أن يأتي من الكلام بمجمل ويلفظ من القول بمشكل # يمكن حمله على النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره أو يتردد في المراد به ~~من سلامته من المكروه أو شره فههنا متردد النظر وحيرة العبر ومظنه اختلاف ~~المجتهدين ووقفة استبراء المقلدين ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن ~~بينة فمنهم من غلب حرمة النبي صلى الله عليه وسلم وحمى حمى عرضه فجسر على ~~القتل ومنهم من عظم حرمة الدم PageV02P234 # ودرأ الحد بالشبهة لاحتمال القول وقد اختلف أئمتنا في رجل أغضبه غريمه ~~فقال له صل على محمد صلى الله عليه وسلم فقال له الطالب لا صلى الله على من ~~صلى عليه فقيل لسحنون هل هو كمن شتم النبي صلى الله ms370 عليه وسلم أو شتم ~~الملائكة الذين يصلون عليه؟ قال: لا إذا كان على ما وصفت من الغضب لأنه لم ~~يكن مضمرا الشتم، وقال أبو إسحاق البرقي وأصبغ بن الفرج لا يقتل لأنه إنما ~~شتم الناس وهذا نحو قول سحنون لأنه لم يعذره بالغضب في شتم النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولكنه لما احتمل الكلام عنده ولم تكن معه قرينة تدل على شتم ~~النبي صلى الله عليه وسلم أو شتم الملائكة صلوات الله عليهم ولا مقدمة يحمل ~~عليها كلامه بل القرينة تدل على أن مراده الناس غير هؤلاء لأجل قول الآخر ~~له صلى على النبي فحمل قوله وسبه لمن يصلي عليه الآن لأجل أمر الآخر له ~~بهذا عند غضبه هذا معنى قوله سحنون وهو مطابق لعلة صاحبيه وذهب الحارث بن ~~مسكين القاضي وغيره في مثل هذا لإلى القتل وتوقف أبو الحسن القابسي في قتل ~~رجل قال كل صاحب فندق قرنان ولو كان نبيا مرسلا فأمر بشده بالقيود والتضييق ~~عليه حتى يستفهم البينة عن جملة ألفاظه وما يدل على مقصده هل أراد أصحاب ~~الفنادق الآن فمعلوم أنه ليس فيهم نبي مرسل فيكون أمره أخف قال ولكن # ظاهر لفظه العموم لكل صاحب فندق من المتقدمين والمتأخرين # PageV02P235 # وقد كان فيمن تقدم من الأنبياء والرسل من اكتسب المال قال ودم المسلم لا ~~يقدم عليه إلا بأمر بين وما ترد إليه التأويلات لا بد من إمعان النظر فيه ~~هذا معني كلامه وحكي عن أبي محمد بن أبي زيد رحمه الله فيمن قال لعن الله ~~العرب ولعن الله بني إسرائيل ولعن الله بني آدم وذكر أنه لم يرد الأنبياء ~~وإنما أردت الظالمين منهم أن عليه الأدب بقدر اجتهاد السلطان وكذلك أفتى ~~فيمن قال: لعن الله من حرم المسكر وقال لم أعلم من حرمة وفيمن لعن حديث لا ~~يبع حاضر لباد ولعن ما جاء به أنه إن كان يعذر بالجهل وعدم معرفة السنن ~~فعليه الأدب الوجيع وذلك أن هذا لم يقصد بظاهر حاله سب الله ولا سب رسوله ms371 ~~وإنما لعن من حرمه من الناس على نحو فتوى سحنون وأصحابه في المسألة ~~المتقدمة ومثل هذا ما يجري في كلام سفهاء الناس من قوله بعضهم لبعض - يا ~~ابن ألف خنزير، ويا ابن مائة كلب - وشبهه من هجر القول ولا شك أنه يدخل في ~~مثل هذا العدد من آبائه وأجداده جماعة من الأنبياء ولعل بعض هذا العدد ~~منقطع إلى آدم عليه السلام فيبلغني الزجر عنه وتبيين ما جهل قائله منه وشدة ~~الأدب فيه ولو علم أنه قصد سب من في آبائه من الأنبياء على علم لقتل وقد ~~يضيق القول في نحو هذا لو قال لرجل هاشمى لعن الله بنى هاشم، وقال: أردت ~~الظالمين منهم أو قال لرجل من ذرية النبي صلى الله عليه وسلم قولا قبيحا في ~~آبائه أو من نسله أو ولده على علم منه أنه من ذرية النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولم تكن # PageV02P236 # قرينة في المسألتين تقتضي تخصيص بعض آبائه وإخراج النبي صلى الله عليه ~~وسلم ممن سبه منهم وقد رأيت لأبي موسى بن مناس فيمن قال لرجل لعنك الله إلى ~~آدم عليه السلام أنه إن ثبت عليه ذلك قتل قال القاضي وفقه الله وقد كان ~~اختلف شيوخنا فيمن قال لشاهد شهد عليه بشئ ثم قال له تتهمني؟ فقال له ~~الآخر: الأنبياء يتهمون فكيف أنت؟ فكان شيخنا أبو إسحاق بن جعفر يرى قتله ~~لبشاعة ظاهر اللفظ وكان القاضي أبو محمد بن منصور يتوقف عن القتل الاحتمال ~~اللفظ عنده أن يكون خبرا عمن اتهمهم من الكفار وأفتى فيها قاضي قرطبة أبو ~~عبد الله بن الحاج بنحو من هذا وشدد القاضي أبو محمد تصفيده وأطال سجنه ثم ~~استحلفه بعد على تكذيب ما شهد به عليه إذ دخل في شهادة بعض من شهد عليه وهن ~~ثم أطلقه وشاهدت شيخنا القاضي أبا عبد الله بن عيسى أيام قضائه أتي برجل ~~هاتر رجلا اسمه محمد ثم قصد إلى كلب فضربه برجله وقال له: قم يا محمد فأنكر ~~الرجل أن يكون قال ذلك وشهد ms372 عليه لفف من الناس فأمر به إلى السجن وتقصى عن ~~حاله وهل يصحب من يستراب بدينه فلما لم يجد ما يقوى الريبة باعتقاده ضربه ~~بالسوط وأطلقه PageV02P237 ### | فصل الوجه الخامس أن لا يقصد نقصا ولا يذكر عيبا # ولا سبا لكنه ينزع بذكر بعض أوصافه أو يستشهد ببعض أحواله صلى الله عليه ~~وسلم الجائزة عليه في الدنيا على طريق ضرب المثل والحجة لنفسه أو لغيره أو ~~على التشبه به أو عند هضيمة نالته أو غضاضة لحقته ليس على طريق التأسي ~~وطريق التحقيق بل على مقصد الترفيع لنفسه أو لغيره أو على سبيل التمثيل ~~وعدم التوقير لنبيه صلى الله عليه وسلم أو قصد الهزل والتنذير بقوله كقول ~~القائل إن قيل في السوء فقد قيل في النبي أو إن كذبت فقد كذب الأنبياء أو ~~إن أذنبت فقد أذنبوا أو أنا أسلم من ألسنة الناس ولم يسلم منهم أنبياء الله ~~ورسله أو قد صبرت كما صبر أولو العزم أو كصبر أيوب أو قد صبر نبي الله عن ~~عداة وحلم على أكثر مما صبرت وكقول المتنى: أنا في أمة تداركها الله غريب ~~كصالح في ثمود PageV02P238 # ونحوه من أشعار المتعجرفين في القول المتساهلين في الكلام كقول المعري ~~كنت موسى وافته بنت شعيب * غير أن ليس فيكما من فقير # على أن آخر البيت شديد وداخل في الإزراء والتحقير بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم وتفضيل حال غيره عليه وكذلك قوله لولا انقطاع الوحي بعد محمد * قلنا ~~محمد عن أبيه بديل هو مثله في الفضل إلا أنه * لم يأته برسالة جبريل فصدر ~~البيت الثاني من هذا الفصل شديد لتشبيهه غير النبي صلى الله عليه وسلم في ~~فضله بالنبي والعجز محتمل لوجهين أحدهما أن هذه الفضيلة نقصت الممدوح ~~والآخر استغناؤه عنها وهذه أشد ونحو منه قول الآخر وإذا ما رفعت راياته * ~~صفقت بين جناحي جبرين وقول الآخر من أهل العصر فر من الخلد واستجار بنا * ~~فصبر الله قلب رضوان وكقول حسان المصيصي من شعراء الأندلس في محمد بن عباد ~~المعروف بالمعتمد ms373 ووزيره أبي بكر بن زيدون PageV02P239 # كأن أبا بكر أبو بكر الرضا * وحسان حسان وأنت محمد إلى أمثال هذا وإنما ~~أكثرنا بشاهدها مع استثقالنا حكايتها لتعريف أمثلتها ولتساهل كثير من الناس ~~في ولوج هذا الباب الضنك واستخفافهم فادح هذا العبء وقلة علمهم بعظيم ما ~~فيه من الوزر وكلامهم منه بما ليس لهم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله ~~عظيم لا سيما الشعراء وأشدهم فيه تصريحا وللسانه تسريحا ابن هانئ الأندلسي ~~وابن سليمان المعري بل قد خرج كثير من كلامهما إلى حد الاستخفاف والنقص ~~وصريح الكفر وقد أجبنا عنه وغضرنا الآن الكلام في هذا الفصل الذي سقنا ~~أمثلته فإن هذا كلها وإن لم تتضمن سبا ولا أضافت إلى الملائكة والأنبياء ~~نقصا ولست أعني عجزي بيتي المعري ولا قصد قائلها إزارة وغضا فما وقر النبوة ~~ولا عظم الرسالة ولا غزر حرمة الاصطفاء ولا عزز حظوة الكرامة حتى شبه من ~~شبه في كرامة نالها أو معرة قصد الانتفاء منها أو ضرب مثل لتطبيب مجلسه أو ~~إغلاء في وصف لتحسين كلامه بمن عظم الله خطره وشرف قدره وألزم توقيره وبره ~~ونهى عن جهر PageV02P240 # القول له ورفع الصوت عنده فحق هذا إن درئ عنه القتل: الأدب والسجن وقوة ~~تعزيره بحسب شنعة مقاله ومقتضى قبح ما نطق به ومألوف عادته لمثله أو ندوره ~~وقرينة كلامه أو ندمه على ما سبق منه ولم يزل المتقدمون ينكرون مثل هذا ممن ~~جاء به وقد أنكر الرشيد على أبي نواس قوله فإن يك باقي سحر فرعون فيكم * ~~فإن عصا موسى بكف خصيب وقال له يابن اللخناء أنت المستهزئ بعصا موسى وأمر ~~بإخراجه عن عسكره من ليلته وذكر اليقتبى أن مما أخذ عليه أيضا وكفر # فيه أو قارب قوله في محمد الأمين وتشبيهه إياه بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~حيث قال: تنازع الأحمدان الشبه فاشتبها * خلقا وخلقا كما قد الشراكان وقد ~~أنكروا عليه أيضا قوله كيف لا يدينك من أمل * من رسول الله من نفره ~~PageV02P241 # لأن حق الرسول وموجب تعظيمه وإناقة ms374 منزلته أن يضاف إليه ولا يضاف فالحكم ~~في أمثال هذا ما بسطناه في طريق الفتيا على هذا المنهج جاءت فتيا إمام ~~مذهبنا مالك بن أنس رحمه الله وأصحابه في النوادر من رواية ابن أبي مريم في ~~رجل غير رجلا بالفقر فقال: تعيرني بالفقر وقد رعى النبي صلى الله عليه وسلم ~~الغنم فقال مالك قد عرض بذكر النبي صلى الله عليه وسلم في غير موضعه أرى أن ~~يؤدب قال: ولا ينبغي لأهل الذنوب إذا عوتبوا أن يقولوا قد أخطأت الأنبياء ~~قبلنا، وقال عمر بن عبد العزيز لرجل: (أنظر لنا كاتبا يكون أبوه عربيا) ~~فقال كاتب له: قد كان # أبو النبي كافرا. # فقال: (جعلت هذا مثلا) فعزله وقال: (لا تكتب لي أبدا) وقد كره سحنون أن ~~يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم عند التعجب إلا على طريق الثواب ~~والاحتساب توقيرا له وتعظيما كما أمرنا الله وسئل القابسي عن رجل قال لرجل ~~قبيح كأنه وجه نكير، ولرجل عبوس كأنه وجه مالك الغضبان فقال أي شئ أراد ~~بهذا ونكير أحد فتاني القبر وهما ملكان فما الذي أراد أروع دخل عليه حين ~~رآه من وجهه أم عاف النظر إليه لدمامة خلقه فإن كان هذا فهو شديد لأنه جرى ~~مجرى التحقير والتهوين فهو أشد عقوبة وليس فيه تصريح بالسب للملك ~~PageV02P242 # وأنما السب واقع على المخاطب وفي الأدب بالسوط والسجن نكال للسفهاء، قال: ~~(وأما ذاكر مالك خازن النار فقد جفا الذي ذكره عند ما أنكر حاله من عبوس ~~الآخر إلا أن يكون المعبس له يد فيرهب بعبسته فيشبهه القائل على طريق الذم ~~لهذا في فعليه ولزومه في ظلمه صفة مالك الملك المطيع لربه في فعله فيقول ~~كأنه لله يغضب غضبه مالك فيكون أخف وما كان ينبغي له التعرض لمثل هذا ولو ~~كان أثنى على العبوس بعبسته واحتج بصفة مالك كان أشد ويعاقب المعاقبة ~~الشديدة وليس في هذا ذم للملك ولو قصد ذمه لقتل وقال أبو الحسن أيضا في شاب ~~معروف بالخير قال لرجل شيئا فقال له ms375 الرجل اسكت فإنك أمي فقال الشاب أليس ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم أميا فشنع عليه مقاله وكفره الناس وأشفق ~~الشاب مما قال وأظهر الندم عليه فقال أبو الحسن # أما إطلاق الكفر عليه فخطأ لكنه مخطئ في استشهادته بصفة النبي صلى الله ~~عليه وسلم وكون النبي أميا آية له وكون هذا أميا نقيصة فيه وجهالة ومن ~~جهالته احتجاجه بصفة النبي صلى الله عليه وسلم لكنه إذا استغفر وتاب واعترف ~~ولجأ إلى الله فيترك لأن قوله: (لا ينتهي إلى حد القتل وما طريقه الأدب ~~فطوع فاعله بالدم عليه يوجب الكف عنه ونزلت أيضا مسألة استفتى فيها بعض ~~قضاة الأندلس شيخنا القاضي أبا محمد بن منصور رحمه الله في رجل تنقصه آخر ~~بشئ فقال له إنما تريد # PageV02P243 # نقضي بقولك - وأنا بشر وجميع البشر يلحقهم النقص حتى النبي صلى الله عليه ~~وسلم - فأفتاه بإطالة سجنه وإيجاع أدبه إذ لم يقصد السب وكان بعض فقهاء ~~الأندلس أفتى بقتله ### | فصل الوجه السادس أن يقول القائل ذلك حاكيا عن غيره # وآثرا له عن سواه فهذا ينظر في صورة حكايته وقرينة مقالته ويختلف الحكم ~~باختلاف ذلك على أربعة وجوه: الوجوب، والندب، والكراهة، والتحريم فإن كان ~~أخبر به على وجه الشهادة والتعريف بقائله والإنكار والإعلام بقوله والتنفير ~~منه والتجريح له فهذا مما ينبغي امتثاله ويحمد فاعله وكذلك إن حكاه في كتاب ~~أو في مجلس على طريق الرد له والنقض على قائله والفتيا بما يلزمه وهذا منه ~~ما يجب ومنه ما يستحب بحسب حالات الحاكي لذلك والمحكي عنه فإن كان القائل ~~لذلك ممن تصدى لأن يؤخذ عنه العلم أو رواية الحديث أو يقطع بحكمه أو شهادته ~~أو فتياه في الحقوق وجب على سامعه الإشادة بما سمع منه والتنفير للناس عنه ~~والشهادة عليه بما قاله ووجب على من بلغه ذلك من أئمة المسلمين إنكاره ~~وبيان كفره وفساد قوله بقطع ضرره عن المسلمين وقياما بحق سيد المرسلين ~~وكذلك إن كان ممن يعظ العامة أو يؤدب الصبيان فإن من هذه سريرته لا ms376 يؤمن ~~على إلقاء ذلك في قلوبهم فيتأكد في هؤلاء الإيجاب لحق النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولحق شريعته # PageV02P244 # وإن لم يكن القائل بهذه السبيل فالقيام بحق النبي صلى الله عليه وسلم ~~واجب وحماية عرضه متعين ونصرته على الأذى حيا وميتا مستحق على كل مؤمن لكنه ~~إذا قام بهذا من ظهر به الحق وفصلت به القضية وبان به الأمر سقط عن الباقي ~~الفرض وبقي الاستحباب في تكثير الشهادة عليه وعضد التحذير منه وقد أجمع ~~السلف على بيان حال المتهم في الحديث فكيف بمثل هذا وقد سئل أبو محمد بن ~~أبي زيد عن الشاهد يسمع مثل هذا في حق الله تعالى أيسعه أن لا يؤدى شهادته ~~قال: إن رجا نفاذ الحكم بشهادته فليشهد وكذلك إن علم أن الحاكم لا يرى ~~القتل بما شهد به ويرى الاستتابه والأدب فليشهد ويلزمه ذلك وأما الإباحة ~~لحكاية قوله لغير هذين المقصدين فلا أرى لها مدخلا في هذا الباب فليس ~~التفكه بعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم والتمضمض بسوء ذكره لأحد لا ~~ذاكرا ولا آثرا لغير غرض شرعي بمباح وأما للأغراض المتقدمة فمتردد بين ~~الإيجاب والاستحباب وقد حكى الله تعالى مقالات المفترين عليه وعلى رسله في ~~كتابه على وجه الإنكار لقولهم والتحذير من كفرهم والوعيد عليه والرد عليهم ~~بما تلاه الله علينا في محكم كتابه وكذلك وقع من أمثاله في أحاديث النبي ~~صلى الله عليه وسلم الصحيحة على الوجوه المتقدمة وأجمع السلف والخلف من ~~أئمة الهدى على حكايات مقالات الكفرة والملحدين في كتبهم ومجالسهم ليبينوها ~~للناس وينقضوا شبهها عليهم وإن كان ورد # PageV02P245 # لأحمد بن حنبل إنكار لبعض هذا على الحارث بن أسد فقد صنع أحمد مثله في ~~رده على الجهمية والقائلين بالمخلوق وهذه الوجوه الشائعة الحكاية عنها فأما ~~ذكرها على غير هذا من حكاية سبه والإزراء بمنصبه على وجه الحكايات والأسمار ~~والطرف وأحاديث الناس ومقالاتهم في الغث والسمير ومضاحك المجان ونوادر ~~السخفاء والخوض في قيل وقال ومالا يعني فكل هذا ممنوع وبعضه أشد في المنع ~~والعقوبة ms377 من بعض فما كان من قائله الحاكي له على غير قصد أو معرفة بمقدار ~~ما حكاه أو لم تكن عادته أو لم يكن الكلام من البشاعة حيث هو ولم يظهر على ~~حاكيه استحسانه واستصوابه زجر عن ذلك ونهي عن العودة إليه وإن قوم ببعض ~~الأدب فهو مستوجب له وإن كان لفظه من البشاعة حيث هو كان الأدب أشد، وقد ~~حكي أن رجلا سأل مالكا عمن يقول القرآن مخلوق فقال مالك كافر فاقتلوه فقال ~~إنما حكيته عن غيري فقال مالك إنما سمعناه منك وهذا من مالك رحمه الله على ~~طريق الزجر والتغليظ بدليل أنه لم ينفذ قتله وإن اتهم هذا الحاكي فيما حكاه ~~أنه اختلقه ونسبه إلى غيره أو كانت تلك عادة له أو ظهر استحسانه لذلك أو ~~كان مولعا بمثله والاستخفاف له أو التحفظ لمثله وطلبه ورواية أشعار هجوه ~~صلى الله PageV02P246 # عليه وسلم وسبه فحكم هذا حكم الساب نفسه يؤاخذ بقوله ولا تنفعه نسبته إلى ~~غيره فيبادر بقتله ويعجآ إلى الهاوية أمه وقد قال أبو عبيد القاسم بن سلام ~~فيمن حفظ شطر بيت مما هجي به النبي صلى الله عليه وسلم فهو كفر وقد ذكر بعض ~~من ألف في الإجماع إجماع المسلمين على تحريم رواية ما هجي به النبي صلى ~~الله عليه وسلم وكتابته وقراءته وتركه متى وجد دون محو ورحم الله أسلافنا ~~المتقين المتحرزين لدينهم فقد أسقطوا من أحاديث المغازي والسير ما كان هذا ~~سبيله وتركوا روايته إلا أشياء ذكروها يسيرة وغير مستبشعة على نحو الوجوه ~~الأول ليروا نقمة الله من قائلها وأخذه المفتري عليه بذنبه وهذا أبو عبيد ~~القاسم بن سلام رحمه الله قد تحرى فيما اضطر إلى الاستشهاد به من أهاجي ~~أشعار العرب في كتبه فكنى عن اسم المهجو بوزن اسمه استبراء لدينه وتحفظا من ~~المشاركة في ذم أحد بروايته أو نشره فكيف بما يتطرق إلى عرض سيد البشر صلى ~~الله عليه وسلم ### | فصل الوجه السابع أن يذكر ما يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم # أو ms378 يختلف في جوازه عليه وما يطرأ من الأمور البشرية به ويمكن إضافتها ~~إليه أو يذكر ما امتحن به وصبر في ذات الله على شدته من مقاساة أعدائه ~~وأذاهم له ومعرفة ابتداء حاله وسيرته وما لقيه من بؤس # PageV02P247 # زمنه ومر عليه من معاياة عيشته كل ذلك على طريق الرواية ومذاكرة العلم ~~ومعرفة ما صحت منه العصمة للأنبياء وما يجوز عليهم فهذا فن خارج عن هذه ~~الفنون الستة إذ ليس فيه غمص ولا نقص ولا أزراء ولا استخفاف # لا في ظاهر اللفظ ولا في مقصد اللافظ لكن يجب أن يكون الكلام فيه مع أهل ~~العلم وفهماء طلبة الدين ممن يفهم مقاصده ويحققون فوائده ويجنب ذلك من عساه ~~لا يفقه أو يخشى به فتنته فقد كره بعض السلف تلعيم النساء سورة يوسف لما ~~انطوت عليه من تلك القصص لضعف معرفتهن ونقص عقولهن وإدراكهن فقد قال صلى ~~الله عليه وسلم مخبرا عن نفسه باستيجاره لرعاية الغنم في ابتداء حاله وقال ~~(ما من نبى إلا وقد رعى الغنم) وأخبرنا الله تعالى بذلك عن موسى عليه ~~السلام وهذا لا غضاضة فيه جملة واحدة لمن ذكره على وجهه بخلاف من قصد به ~~الغضاضة والتحقير بل كانت عادة جميع العرب، نعم في ذلك للأنبياء حكمة بالغة ~~وتدريج لله تعالى لهم إلى كرامته وتدريب برعايتها لسياسة أممهم من خليقته ~~بما سبق لهم من الكرامة في الأزل ومتقدم العلم وكذلك قد ذكر الله يتمه ~~وعيلته على طريق المنة عليه والتعريف بكرامته له فذكر الذاكر لها على وجه ~~تعريف حاله والخبر عن مبتدئه والتعجب من منح الله قبله وعظيم منته عنده ليس ~~فيه غضاضة بل فيه PageV02P248 # دلالة على نبوته وصحة دعوته إذ أظهره الله تعالى بعد هذا على صناديد ~~العرب ومن ناوأه من أشرافهم شيئا فشيئا ونمى أمره حتى قهرهم وتمكن من ملك ~~مقاليدهم واستباحه مما لك كثير من الأمم غيرهم بإظهار الله تعالى له ~~وتأييده بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم وإمداده بالملائكة المسومين ولو ~~كان ابن ملك أو ذا أشياع ms379 متقدمين لحسب كثير من # الجهال أن ذلك موجب ظهوره ومقتضى علوه ولهذا قال هرقل حين سأل أبا سفيان ~~عنه هل في آبائه من ملك؟ ثم قال: ولو كان في آبائه ملك لقلنا رجل يطلب ملك ~~أبيه وإذا اليتم من صفته وإحدى علاماته في الكتب المتقدمة وأخبار الأمم ~~السالفة وكذا وقع ذكره في كتاب أرمياء وبهذا وصفه ابن ذي يزن لعبد المطلب ~~وبحيرا لأبي طالب وكذلك إذا وصف بأنه أمي كما وصفه الله فهي مدحة له وفضيلة ~~ثابتة فيه وقاعدة معجزته إذ معجزته العظمى من القرآن العظيم إنما هي متعلقة ~~بطريق المعارف والعلوم مع ما منح صلى الله عليه وسلم وفضل به من ذلك كما ~~قدمناه في القسم الأول ووجود مثل ذلك من رجل لم يقرأ ولم يكتب ولم يدارس ~~ولا لقن مقتضى العجب ومنتهى العبر ومعجزة البشر وليس في ذلك نقيصة إذ ~~المطلوب من الكتابة والقراءة المعرفة وإنما هي آلة. PageV02P249 # لها وواسطة موصلة إليها غير مرادة في نفسها فإذا حصلت الثمرة والمطلوب ~~استغني عن الواسطة والسبب، والأمية في غيره نقيصة لأنها سبب الجهالة وعنوان ~~الغباوة فسبحان من باين أمره من أمر غيره وجعل شرفه فيما فيه محطة سواه ~~وحياته فيما فيه هلاك من عداه هذا شق قلبه وإخراج حشوته كان تمام حياته ~~وغاية قوة نفسه وثبات روعه وهو فيمن سواه منتهى هلاكه وحتم موته وفنائه ~~وهلم جرا إلى سائر ما روي من أخباره وسيره وتقلله من الدنيا ومن الملبس # والمطعم والمركب وتواضعه ومهنته نفسه في أمور وخدمة بيته زهدا ورغبة عن ~~الدنيا وتسوية بين حقيرها وخطيرها لسرعة فناء أمورها وتقلب أحوالها كل هذا ~~من فضائله ومآثره وشرفه كما ذكرناه فمن أورد شيئا منها موردة وقصد بها ~~مقصده كان حسنا ومن أورد ذلك على غير وجهه وعلم منه بذلك سوء قصده لحق ~~بالفصول التى قدمناه وكذلك ما ورد من أخباره وأخبار سائر الأنبياء عليهم ~~السلام في الأحاديث مما في ظاهره إشكال يقتضي أمورا لا تليق بهم بحال ~~وتحتاج إلى تأويل PageV02P250 # وتردد ms380 احتمال فلا يجب أن يتحدث منها إلا بالصحيح ولا يروى منها إلا ~~المعلوم الثابت ورحم الله مالكا فلقد كره التحدث بمثل ذلك من الأحاديث ~~الموهمة للتشبيه والمشكلة المعنى وقال: ما يدعو الناس إلى التحدث بمثل هذا ~~فقيل له إن ابن عجلان يحدث بها فقال لم يكن من الفقهاء وليت الناس وافقوه ~~على ترك الحديث بها وساعدوه على طيها فأكثرها ليس تحتع عمل وقد حكي عن ~~جماعة من السلف بل عنهم على الجملة أنهم كانوا يكرهون الكلام فيما ليس تحته ~~عمل والنبي صلى الله عليه وسلم أوردها على قوم عرب يفهمون كلام العرب على ~~وجهه وتصرفاتهم في حقيقته ومجازه واستعارته وبليغه وإيجازه فلم تكن في حقهم ~~مشكلة ثم جاء من غلبت عليه العجمة وداخلته الأمية فلا يكاد يفهم من مقاصد # العرب إلا نصها وصريحها ولا يتحقق إشاراتها إلى غرض الإيجاز ووحيها ~~وتبليغها وتلويحها فتفرقوا في تأويلها أو حملها على ظاهرها شذر مذر فمنهم ~~من آمن به ومنهم من كفر فأما ما لا يصح من هذه الأحاديث فواجب أن لا يذكر ~~منها شئ في حق الله ولا في حق أنبيائه ولا يتحدث بها ولا يتكلف الكلام على ~~معانيها، والصواب طرحها وترك الشغل بها إلا أن تذكر على وجه التعريف بأنها ~~ضعيفة المقاد واهية الإسناد وقد أنكر الأشياخ على أبي بكر بن فورك تكلفه في ~~مشكله الكلام على أحاديث ضعيفة PageV02P251 # موضوعة لا أصل لها أو منقولة عن أهل الكتاب الذين يلبسون الحق بالباطل ~~كان يكفيه طرحها ويعنيه عن الكلام عليها التنبيه على ضعفها إذ المقصود ~~بالكلام على مشكل ما فيها إزالة اللبس بها واجتثاثها من أصلها وطرحها أكشف ~~اللبس وأشفى للنفس ### | فصل ومما يجب على المتكلم فيما يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم وما لا يجوز # والذاكر من حالاته ما قدمناه في الفصل قبل هذا على طريق المذاكرة ~~والتعليم أن يلتزم في كلامه عند ذكره صلى الله عليه وسلم وذكر تلك الأحوال ~~الواجب من توقيره وتعظيمه ويراقب حال لسانه ولا يهمله وتظهر ms381 عليه علامات ~~الأدب عند ذكره فإذا ذكر ما قاساه من الشدائد ظهر عليه الإشفاق والارتماض ~~والغيظ على عدوه ومودة الفداء للنبي صلى الله عليه وسلم لو قدر عليه ~~والنصرة لو أمكنته وإذا أخذ في أبواب العصمة وتكلم على مجاري أعماله ~~وأقواله صلى الله عليه وسلم # تحرى أحسن اللفظ وأدب العبارة ما أمكنه واجتنب بشيع ذلك وهجر من العبارة ~~ما يقبح كلفظة الجهل والكذب والمعصية فإذا تكلم في الأقوال قال هل يجوز ~~عليه الخلف في القول والإخبار بخلاف ما وقع سهوا PageV02P252 # أو غلطا ونحوه من العبارة ويتجنب لفظة الكذب جملة واحدة وإذا تكلم على ~~العلم قال هل يجوز أن لا يعلم إلا ما علم وهل يمكن أن لا يكون عنده علم من ~~بعض الأشياء حتى يوحى إليه ولا يقول بجهل لقبح اللفظ وبشاعته وإذا تكلم في ~~الأفعال قال هل يجوز منه المخالفة في بعض الأوامر والنواهي ومواقعة الصغائر ~~فهو أولى وآدب من قوله هل يجوز أن يعصي أو يذنب أو يفعل كذا وكذا من أنواع ~~المعاصي فهذا من حق توقيره صلى الله عليه وسلم وما يجب له من تعزيز وإعظام ~~وقد رأيت بعض العلماء لم يتحفظ من هذا فقبح منه. # ولم أستصوب عبارته فيه ووجدت بعض الجائرين قوله لأجل ترك تحفظه في ~~العبارة ما لم يقله وشنع عليه بما يأباه ويكفر قائله وإذا كان مثل هذا بين ~~الناس مستعملا في آدابهم وحسن معاشرتهم وخطابهم فاستعماله في حقه صلى الله ~~عليه وسلم أوجب والتزامه آكد فجودة العبارة تقبح الشئ أو تحسنه وتحريرها ~~وتهذيبا يعظم الأمر أو يهونه ولهذا قال صلى الله عليه وسلم إن من البيان ~~لسحرا فأما ما أورده على جهة النفي عنه والتنزيه فلا حرج في تسريح العبارة ~~وتصريها فيه كقوله لا يجوز عليه الكذب جملة ولا PageV02P253 # إتيان الكبائر بوجه ولا الجور في الحكم على حال ولكن مع هذا يجب ظهور ~~توقيره وتعظيمه وتعزيزه عند ذكره مجردا فكيف عند ذكر مثل هذا وقد كان السلف ~~تظهر عليهم حالات شديدة عند ms382 مجرد ذكره كما قدمناه في القسم الثاني وكان ~~بعضهم يلتزم مثل ذلك عند تلاوة آي من القرآن حكى الله تعالى فيها مقال عداه ~~ومن كفر بآياته وافترى عليه الكذب فكان يخفض بها صوته إعظاما لربه وإجلالا ~~له وإشفاقا من التشبه بمن كفر به ### | الباب الثاني في حكم سابه وشانئه ومتنقصه مؤذبه وعقوبته وذكر استتباته ووراثته # قد قدمنا ما هو سب وأذى في حقه صلى الله عليه وسلم وذكرنا إجماع العلماء ~~على قتل فاعل ذلك وقائله وتخيير الإمام في قتله أو صلبه على ما ذكرناه ~~وقررنا الحجج عليه وبعد فاعلم أن مشهور مذهب مالك وأصحابه وقول السلف ~~وجمهور العلماء قتله حدا لا كفرا إن أظهر التوبة منه ولهذا لا تقبل عندهم ~~توبته ولا تنفعه استقالته ولا فيأته كما قدمناه قبل وحكمه حكم الزنديق ومسر ~~الكفر في هذا القول وسواء كانت توبته على هذا بعد القدرة عليه والشهادة على ~~قوله (أو جاء تائبا من قبل نفسه لأنه حد وجب لا تسقطه التوبة كسائر الحدود ~~قال الشيخ أبو الحسن القابسي رحمه الله إذا # PageV02P254 # أقر بالسب وتاب منه وأظهر التوبة قتل بالسب لأنه هو حده وقال أبو محمد بن ~~أبي زيد مثله وأما ما بينه وبين الله فتوبته تنفعه، وقال ابن سحنون من شتم ~~النبي صلى الله عليه وسلم من الموحدين ثم تاب عن ذلك لم تزل توبته عنه ~~القتل وكذلك قد اختلف في الزنديق إذا جاء تائبا فحكى القاضي أبو الحسن بن ~~القصار في ذلك قولين، قال من شيوخنا: من قال أقتله بإقراره لأنه كان يقدر ~~على ستر نفسه فلما اعترف خفنا أنه خشي الظهور عليه فبادر لذلك ومنهم من قال ~~اقبل توبته لأني أستدل على صحتها بمجيئه فكأننا وقفنا على باطنه بخلاف من ~~أسرته البينة قال القاضي أبو الفضل وهذا قول أصبغ ومسألة ساب النبي صلى ~~الله عليه وسلم أقوى لا يتصور فيها الخلاف على الأصل المتقدم لأنه حق متعلق ~~للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته بسببه لا تسقطه التوبة كسائر حقوق ms383 ~~الآدميين والزنديق إذا تاب بعد القدرة عليه فعند مالك والليث وإسحاق وأحمد ~~لا تقبل توبته وعند الشافعي تقبل واختلف فيه عن أبي حنيفة وأبي يوسف وحكى ~~ابن المنذر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه يستتاب، قال محمد بن سحنون ولم ~~يزل القتل عن المسلم بالتوبة من سبه صلى الله عليه وسلم لأنه لم ينتقل من ~~دين إلى غيره وإنما فعل PageV02P255 # شيئا حده عندنا القتل لا عفو فيه لأحد كالزنديق لأنه لم ينتفل من # ظاهر إلى ظاهر، وقال القاضي أبو محمد بن نصر محتجا لسقوط اعتبار توبته ~~والفرق بينه وبين من سب الله تعالى على مشهور القول باستتابته أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم بشر والبشر جنس تلحقه المعرة إلا من أكرمه الله بنبوته ~~والباري تعالى منزه عن جميع المعايب قطعا وليس من جنس تلحق المعرة بجنسه ~~وليس سبه صلى الله عليه وسلم كالارتداد المقبول فيه التوبة لأن الارتداد ~~معني ينفرد به المرتد لا حق فيه لغيره من الآدميين فقبلت توبته ومن سب ~~النبي صلى الله عليه وسلم تعلق فيه حق لآدمي فكان كالمرتد يقتل حين ارتداده ~~أو يقذف فإن توبته لا تسقط عنه حد القتل والقذف وأيضا فإن توبة المرتد إذا ~~قبلت لا تسقط ذنوبه من؟ ؟ ؟ وسرقة وغيرها ولم يقتل ساب النبي صلى الله عليه ~~وسلم لكفره لكن لمعنى يرجع إلى تعظيم حرمته وزوال المعرة به وذلك لا تسقطه ~~التوبة، قال القاضي أبو الفضل يريد والله أعلم لأن سبه لم يكن بكلمة تقتضي ~~الكفر ولكن بمعني الإزراء والاستخفاف أو لأن بتوبته وإظهار إنابته ارتفع ~~عنه اسم الكفر ظاهرا والله أعلم بسريرته وبقي حكم السب عليه، وقال أبو ~~عمران العابسى من سب النبي صلى الله عليه وسلم ثم ارتد عن الإسلام قتل ولم ~~يستتب، لأن السب من PageV02P256 # حقوق الآدميين التي لا تسقط عن المرتد وكلام شيوخنا هؤلاء مبني على القول ~~بقتله حدا لا كفرا وهو يحتاج إلى تفصيل * وأما على رواية الوليد ابن مسلم ~~عن مالك ومن وافقه على ms384 ذلك ممن ذكرناه وقال به من أهل العلم فقد صرحوا أنه ~~ردة قالوا ويستتاب منها فإن تاب نكل وإن أبي قتل فحكم له بحكم المرتد مطلقا ~~في هذا الوجه والوجه الأول أشهر وأظهر # لما قدمناه ونحن نبسط الكلام فيه فنقول من لم يره ردة فهو يوجب القتل فيه ~~حدا وإنما نقول ذلك مع فصلين: إما مع إنكاره ما شهد عليه به أو إظهاره ~~الإقلاع والتوبة عنه فنقتله حدا لثبات كلمة الكفر عليه في حق النبي صلى ~~الله عليه وسلم وتحقيره ما عظم الله من حقه وأجرينا حكمه في ميراثه وغير ~~ذلك حكم الزنديق إذا ظهر عليه وأنكر أو تاب فإن قيل فكيف تثبتون عليه الكفر ~~ويشهد عليه بكلمة الكفر ولا تحكمون عليه بحكمه من الاستتابة وتوابعها قلنا ~~نحن وإن أثبتنا له حكم الكافر في القتل فلا نقطع عليه بذلك لإقراره ~~بالتوحيد والنبوة وإنكاره ما شهد به عليه أو زعمه أن ذلك كان منه وهلا ~~ومعصية وأنه مقلع عن ذلك نادم عليه ولا يمتنع إثبات بعض أحكام الكفر على ~~بعض الأشخاض وإن لم تثبت له خصائصه كقتل تارك الصلاة وأما من علم أنه سبه ~~معتقدا لاستحلاله فلا PageV02P257 # شك في كفره بذلك وكذلك إن كان سبه في نفسه كفر كتكذيبه أو تكفير، ونحوه ~~فهذا مما لا إشكال فيه ويقتل وإن تاب منه لأنا لا نقبل توبته ونقتله بعد ~~التوبة حدا لقوله ومتقدم كفره وأمره بعد إلى الله المطلع على صحة إقلاعه ~~العالم بسره وكذلك من لم يظهر التوبة واعترف بما شهد به عليه وصمم عليه ~~فهذا كافر بقوله وباستحلاله هتك حرمة الله وحرمة نبيه صلى الله عليه وسلم ~~يقتل كافرا بلا خلاف فعلى هذه التفضيلات خذ كلام العلماء ونزل مختلف ~~عباراتهم في الاحتجاج عليها وأجر # اختلافهم في الموارثة وغيرها على ترتيبها تتضح لك مقاصدهم إن شاء الله ~~تعالى ### | فصل إذا قلنا بالاستتابة # حيث تصح فالاختلاف على الاختلاف في توبة المرتد إذ لا فرق بينهما وقد ~~اختلف السلف في وجوبها وصورتها ومدتها فذهب ms385 جمهور أهل العلم إلى أن المرتد ~~يستتاب وحكى ابن القصار أنه إجماع من الصحابة على تصويب قول عمر في ~~الاستتابة ولم ينكره واحد منهم وهو قول عثمان وعلي وابن مسعود وبه قال عطاء ~~بن أبي رباح والنخعي والثوري ومالك وأصحابه والأوزاعي والشافعي وأحمد ~~وإسحاق وأصحاب الرأي وذهب طاوس وعبيد بن عمير والحسن في إحدى الروايتين عنه ~~أنه # PageV02P258 # لا يستتاب وقاله عبد العزيز بن أبي سلمة وذكره عن معاذ وأنكره سحنون عن ~~معاذ وحكاه الطحاوي عن أبي يوسف وهو قول أهل الظاهر قالوا وتنفعه توبته عند ~~الله ولكن لا ندرأ القتل عنه لقوله صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه ~~وحكي عن عطاء أنه إن كان ممن ولد في الإسلام لم يستتب ويستتاب الإسلامي ~~وجمهور العلماء على أن المرتد والمرتدة في ذلك سواء وروي عن علي رضي الله ~~عنه لا تقتل المرتدة وتسترق قاله عطاء وقتادة وروي عن ابن عباس لا تقتل ~~النساء في الردة وبه قال أبو حنيفة قال مالك والحر والعبد والذكر والأنثى ~~في ذلك سواء وأما مدتها فمذهب الجمهور وروي عن عمر أنه يستتاب ثلاثة أيام ~~يحبس فيها وقد اختلف فيه عن عمر وهو أحد قولي الشافعي وقول أحمد وإسحاق ~~واستحسنه مالك وقال لا يأتي الاستظهار # إلا بخير وليس عليه جماعة الناس قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد يريد في ~~الاستيناء ثلاثا وقال مالك أيضا الذي آخذ به في المرتد قول عمر يحبس ثلاثة ~~أيام ويعرض عليه كل يوم فإن تاب وإلا قتل وقال أبو الحسن بن القصار في ~~تأخيره ثلاثا روايتان عن مالك هل ذلك واجب أو مستحب واستحسن الاستتابة ~~والاستيناء ثلاثا أصحاب الرأي وروي عن أبي بكر الصديق أنه استتاب امرأة فلم ~~نتب فقتلها، وقال الشافعي مرة فقال إن لم يتب مكانه قتل واستحسنه المزني ~~وقال الزهري يدعى # PageV02P259 # إلى الإسلام ثلاث مرات فإن أبى قتل وروي عن علي رضي الله عنه يستتاب ~~شهرين، وقال النخعي يستتاب أبدا وبه أخذ الثوري ما رجيت توبته، وحكى ms386 ابن ~~القصار عن أبي حنيفة أنه يستتاب ثلاث مرات في ثلاثة أيام أو ثلاث جمع كل ~~يوم أو جمعة مرة وفي كتاب محمد عن ابن القاسم يدعى المرتد إلى الإسلام ثلاث ~~مرات فإن أبى ضربت عنقه واختلف على هذا هل يهدد أو يشدد عليه أيام ~~الاستتابة ليتوب أم لا فقال مالك ما علمت في الاستتابة تجويعا ولا تعطيشا ~~ويؤتى من الطعام بما لا يضره وقال أصبغ يخوف أيام الاستتابة بالقتل وبعرض ~~عليه الإسلام وفي كتاب أبي الحسن الطابثي يوعظ في تلك الأيام ويذكر بالجنة ~~ويخوف بالنار قال أصبغ وأي المواضع حبس فيها من السجون مع الناس أو وحده ~~إذا استوثق منه سواء ويوقف ماله إذا خيف أن يتلفه على المسلمين ويطعم منه ~~ويسقى وكذلك يستتاب أبدا كلما رجع وارتد وقد استتاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نبهان الذي ارتد أربع مرات أو خمسا قال ابن وهب عن مالك يستتاب ~~أبدا كلما رجع وهو قول الشافعي وأحمد # وقاله ابن القاسم وقال إسحاق يقتل في الرابعة وقال أصحاب الرأي إن لم يتب ~~في الرابعة قتل دون استتابة وإن تاب ضرب ضربا وجيعا ولم يخرج من السجن حتى ~~يظهر عليه خشوع التوبة قال ابن المنذر ولا نعلم أحدا PageV02P260 # أوجب على المرتد في المرة الأولى أدبا إذا رجع وهو على مذهب مالك ~~والشافعي والكوفي ### | فصل هذا حكم من ثبت عليه ذلك # بما يجب ثبوته من إقرار أو عدول لم يدفع فيهم فأما من لم تتم الشهادة ~~عليه بما شهد عليه الواحد أو اللفيف من الناس أو ثبت قوله لكن احتمل ولم ~~يكن صريحا وكذلك إن تاب على القول بقبول توبته فهذا يدرأ عنه القتل ويتسلط ~~عليه اجتهاد الإمام بقدر شهرة حاله وقوة الشهادة عليه وضعفها وكثرة السماع ~~عنه وصوره حاله من التهمة في الدين والنبر بالسفه والمجون فمن قوي أمره ~~أذاقه من شديد النكال من التضييق في السجن والشد في القيود إلى العاية التي ~~هي منتهى طاقته مما لا يمنعه القيام لضرورته ولا ms387 يقعده عن صلاته وهو حكم كل ~~من وجب عليه القتل لكن وقف عن قتله لمعنى أوجبه وتربص به لإشكال وعائق ~~اقتضاه أمره وحالات الشدة في نكاله تختلف بحسب اختلاف حاله وقد روى الوليد ~~عن مالك والأوزاعي أنها ردة فإذا تاب نكل ولمالك في العتبية وكتاب محمد من ~~رواية أشهب إذا تاب PageV02P261 # المرتد فلا عقوبة عليه وقاله سحنون وأفتى أبو عبد الله بن عتاب فيمن سب ~~النبي صلى الله عليه وسلم فشهد عليه شاهدان عدل أحدهما بالأدب الموجع ~~والتنكيل والسجن الطويل حتى تظهر توبته وقال القابسي في مثل هذا ومن كان ~~أقصى أمره القتل فعاق عائق أشكل في القتل لم ينبغ أن يطلق من السجن ويستطال ~~سجنه ولو كان فيه من المدة ما عسى أن يقيم ويحمل عليه من القيد ما يطيق ~~وقال في مثله ممن أشكل أمره يشد في القيود شدا ويضيق عليه في السجن حتى ~~ينظر فيما يجب عليه، وقال في مسألة أخرى مثلها ولا تهراق الدماء إلا بالأمر ~~الواضح وفي الأدب بالسوط والسجن نكال للسفهاء ويعاقب عقوبة شديدة فأما إن ~~لم يشهد عليه سوى شاهدين فأثبت من عداوتهما أو جرحتهما ما أسقطهما عنه ولم ~~يسمع ذلك من غيرهما فأمره أخف لسقوط الحكم عنه وكأنه لم يشهد عليه إلا أن ~~يكون ممن يليق به ذلك ويكون الشاهدان من أهل التبريز فأسقطهما بعداوة فهو ~~وإن لم ينفذ الحكم عليه بشهادتهما فلا يدفع الظن صدقهما وللحاكم هنا في ~~تنكيله موضع اجتهاد والله ولي الإرشاد ### | فصل هذا حكم المسلم فأما الذمي # إذا صرح بسبه أو عرض أو استخف بقدره أو وصفه بغير الوجه الذي كفر به فلا ~~خلاف عندنا في قتله إن PageV02P262 # لم يسلم لأنا لم نعطه الذمة أو العهد على هذا وهو قول عامة العلماء إلا ~~أبا حنيفة والثوري وأتباعهما من أهل الكوفة فإنهم قالوا لا يقتل # لأن ما هو عليه من الشرك أعظم ولكن يؤدب ويعذر واستدل بعض شيوخنا على ~~قتله بقوله تعالى (وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا ms388 في دينكم) الآية، ~~ويستدل أيضا عليه بقتل النبي صلى الله عليه وسلم لابن الأشرف وأشباهه ولأنا ~~لم نعاهدهم ولم نعطهم الذمة على هذا ولا يجوز لنا أن نفعل ذلك معهم فإذا ~~أتوا ما لم يعطوا عليه العهد ولا الذمة فقد نقضوا ذمتهم وصاروا كفارا أهل ~~حرب يقتلون لكفرهم وأيضا فإن ذمتهم لا تسقط حدود الإسلام عنهم من القطع في ~~سرقة أموالهم والقتل لمن قتلوه منهم وإن كان ذلك حلالا عندهم فكذلك سبهم ~~للنبي صلى الله عليه وسلم يقتلون به ووردت لأصحابنا ظواهر تقتضي الخلاف إذا ~~ذكره الذمي بالوجه الذي كفر به ستقف عليها من كلام ابن القاسم وابن سحنون ~~بعد وحكى أبو المصعب الخلاف فيها عن أصحابه المدنيين واختلفوا إذا سبه ثم ~~أسلم فقيل، يسقط إسلامه قتله لأن الإسلام يجب ما قبله بخلاف المسلم إذا سبه ~~ثم ناب لأنا نعلم باطنة الكافر في بغضه له وتنقصه بقلبه لكنا منعناه من ~~إظهاره فلم يزدنا ما أظهره إلا مخالفة للأمر ونقضا للعهد فإذا رجع عن دينه ~~الأول إلى الإسلام سقط ما قبله، قال الله تعالى (قل للذين كفروا إن ينتهوا ~~يغفر لهم ما قد سلف) والمسلم بخلافه # PageV02P263 # إذ كان ظننا بباطنه حكم ظاهره وخلاف ما بدا منه الآن فلم نقبل بعد رجوعه ~~ولا استنمنا إلى باطنه إذ قد بدت سرائره وما ثبت عليه من الأحكام باقية ~~عليه لم يسقطها شئ وقيل لا يسقط إسلام الذمي الساب قتله لأنه حق للنبي صلى ~~الله عليه وسلم وجب عليه لانتهاكه حرمته وقصده إلحاق النقيصة والمعرة به ~~فلم يكن رجوعه إلى الإسلام بالذي يسقطه # كما وجب عليه من حقوق المسلمين من قبل إسلامه من قتل وقذف وإذا كنا لا ~~نقبل توبة المسلم فأن لا نقبل توبة الكافر أولى. # قال مالك في كتاب ابن حبيب المبسوط وابن القاسم وابن الماجشون وابن عبد ~~الحكم وأصبغ فيمن شتم نبينا من أهل الذمة أو أحدا من الأنبياء عليهم السلام ~~قتل إلا أن يسلم وقاله ابن القاسم في العتبية وعند محمد ms389 وابن سحنون وقال ~~سحنون وأصبغ لا يقال له أسلم ولا لا تسلم ولكن إن أسلم فذلك له توبة وفي ~~كتاب محمد أخبرنا أصحاب مالك أنه قال من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أو غيره من النبيين من مسلم أو كافر قتل ولم يستتب وروي لنا عن مالك إلا أن ~~يسلم الكافر وقد روى ابن وهب عن ابن عمر أن راهبا تناول النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال ابن عمر فهلا قتلتموه وروى عيسى عن ابن القاسم في ذمي قال ~~إن محمدا لم يرسل إلينا إنما أرسل إليكم وإنما نبينا موسى أو عيسى ونحو هذا ~~لا شئ PageV02P264 # عليهم لأن الله تعالى أقرهم على مثله وأما إن سبه فقال ليس بنبي أو لم ~~يرسل أو لم ينزل عليه قرآن وإنما هو شئ تقوله أو نحو هذا فيقتل قال ابن ~~القاسم وإذا قال النصراني ديننا خير من دينكم إنما دينكم دين الحمير ونحو ~~هذا من القبيح أو سمع المؤذن يقول أشهد أن محمدا رسول الله فقال كذلك ~~يعطيكم الله ففي هذا الأدب الموجع والسجن الطويل قال وأما إن شتم النبي صلى ~~الله عليه وسلم شتما يعرف فإنه يقتل إلا أن يسلم قاله مالك غير مرة ولم يقل ~~يستتاب قال ابن القاسم ومحمل قوله عندي إن أسلم طائعا، وقال ابن سحنون في ~~سؤالات سليمان بن سالم في # اليهودي يقول لمؤذن إذا تشهد كذبت يعاقب العقوبة الموجعة مع السجن الطويل ~~وفي النوادر من رواية سحنون عنه من شتم الأنبياء من اليهود والنصارى بغير ~~الوجه الذي به كفروا ضرب عنقه إلا أن يسلم قال محمد ابن سحنون فإن قيل لم ~~قتلته في سب النبي صلى الله عليه وسلم ومن دينه سبه وتكذيبه قيل لأنا لم ~~نعطهم العهد على ذلك ولا على قتلنا وأخذ أموالنا فإذا قتل واحدا منا قتلناه ~~وإن كان من دينه استحلاله فكذلك إظهاره لسب نبينا صلى الله عليه وسلم قال ~~سحنون كما لو بذل لنا أهل الحرب الجزية على إقرارهم على ms390 سبه لم يجز لنا ذلك ~~في قول قائل كذلك ينتقض عهد من سب منهم ويحل لنا دمه وكما لم يحصن الإسلام ~~من سبه من القتل كذلك لا تحصنه الذمة قال القاضي أبو # PageV02P265 # الفضل ما ذكره ابن سحنون عن نفسه وعن أبيه مخالف لقول ابن القاسم فيما ~~خفف عقوبتهم فيه مما به كفروا فتأمله ويدل على أنه خلاف ما روي عن المدنيين ~~في ذلك فحكى أبو المصعب الزهري قال أتيت بنصراني قال والذي اصطفى عيسى على ~~محمد فاختلف علي فيه فضربته حتى قتلته أو عاش يوما وليلة وأمرت من جر برجله ~~وطرح على مزبلة فأكلته الكلاب وسئل أبو المصعب عن نصراني قال عيسى خلق ~~محمدا فقال يقتل وقال ابن القاسم سألنا مالكا عن نصراني بمصر شهد عليه أنه ~~قال مسكين محمد يخبركم أنه في الجنة ماله لم ينفع نفسه إذ كانت الكلاب تأكل ~~ساقيه لو قتلوه استراح منه الناس قال مالك أرى أن تضرب عنقه قال ولقد كدت ~~أن لا أتكلم فيها بشئ ثم رأيت أنه لا يسعني الصمت قال ابن كنانة في ~~المبسوطة من شتم النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى # فأرى للإمام أن يحرقه بالنار وإن شاء قتله ثم حرق جثته وإن شاء أحرقه ~~بالنار حيا إذا تهافتوا في سبه ولقد كتب إلى مالك من مصر وذكر مسألة ابن ~~القاسم المتقدمة قال فأمرني مالك فكتبت بأن يقتل وتضرب عنقه فكتبت ثم قلت ~~يا أبا عبد الله وأكتب ثم يحرق بالنار فقال إنه لحقيق بذلك وما أولاه به ~~فكتبته بيدي بين يديه فما أنكره ولا عابه ونفذت الصحيفة بذلك فقتل وحرق، ~~وأفنى عبيد الله بن يحيى وابن لبابة في جماعة PageV02P266 # سلف أصحابنا الأندلسيين بقتل نصرانية استهلت بنفي الربوبية ونبوة عيسى ~~لله وتكذيب محمد في النبوة وبقبول إسلامها ودرء القتل عنها به قال غير واحد ~~من المتأخرين، منهم القابسي وابن الكاتب، وقال أبو القاسم ابن الجلاب في ~~كتابه من سب الله ورسوله من مسلم أو كافر قتل ولا يستتاب ms391 وحكى القاضي أبو ~~محمد في الذمي يسب ثم يسلم روايتين في درء القتل عنه بإسلامه، وقال ابن ~~سحنون وحد القذف وشبهه من حقوق العباد لا يسقطه عن الذمي إسلامه وإنما يسقط ~~عنه بإسلامه حدود الله فأما حد القذف فحق للعباد كان ذلك لنبي أو غيره ~~فأوجب على الذمي إذا قذف النبي صلى الله عليه وسلم ثم أسلم حد القذف ولكن ~~انظر ماذا يجب عليه هل حد القذف في حق النبي صلى الله عليه وسلم وهو القتل ~~لزيادة حرمة النبي صلى الله عليه وسلم على غيره أم هل يسقط القتل بإسلامه ~~ويحد ثمانين فتأمله ### | فصل في ميراث من قتل في سب النبي صلى الله عليه وسلم وغسله والصلاة عليه # اختلف العلماء في ميراث من قتل بسب النبي صلى الله عليه وسلم PageV02P267 # فذهب سحنون إلى أنه لجماعة المسلمين من قبل أن شتم النبي صلى الله عليه ~~وسلم كفر يشبه كفر الزنديق، وقال أصبغ ميراثه لورثته من المسلمين إن كان ~~مستسرا بذلك وإن كان مظهرا له مستهلا به فميراثه للمسلمين ويقتل على كل حال ~~ولا يستتاب، قال أبو الحسن القابسي: (إن قتل وهو منكر للشهادة عليه فالحكم ~~في ميراثه على ما أظهر من إقراره يعني لورثته والقتل حد ثبت عليه ليس من ~~الميراث في شئ وكذلك لو أقر بالسب وأظهر التوبة لقتل إذ هو حده وحكمه في ~~ميراثه وسائر أحكامه حكم الإسلام ولو أقر بالسب وتمادى عليه وأبى التوبة ~~منه فقتل على ذلك كان كافرا وميراثه للمسلمين ولا يغسل ولا يصلى عليه ولا ~~يكفن وتستر عورته ويوارى كما يفعل بالكفار وقول الشيخ أبي الحسن في المجاهر ~~المتمادي بين لا يمكن الخلاف فيه لأنه كافر مرتد غير تائب ولا مقلع وهو مثل ~~قول أصبغ وكذلك في كتاب ابن سحنون في الزنديق يتمادى على قوله، ومثله لابن ~~القاسم في العتبية ولجماعة من أصحاب مالك في كتاب ابن حبيب فيمن أعلن كفره ~~مثله، قال ابن القاسم وحكمه حكم المرتد لا ترثه من المسلمين ولا من أهل ms392 ~~الدين الذي ارتد إليه ولا يجوز وصاياه ولا عتقه، وقاله أصبغ قتل على ذلك أو ~~مات عليه وقال أبو محمد بن أبي زيد وإنما يختلف في ميراث الزنديق الذي ~~يستهل بالتوبة فلا تقبل منه فأما المتمادي فلا خلاف أنه لا يورث، وقال # PageV02P268 # أبو محمد فيمن سب الله تعالى ثم مات ولم تعدل عليه بينه أو لم تقبل إنه ~~يصلى عليه، وروى أصبغ عن ابن القاسم في كتاب ابن حبيب فيمن كذب برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أو أعلن دينا مما يفارق به الإسلام أن ميراثه للمسلمين، ~~وقال: بقول مالك إن ميراث المرتد للمسلمين ولا ترثه ورثته ربيعة والشافعي ~~وأبو ثور وابن أبي ليلى واختلف فيه عن أحمد وقال علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه وابن مسعود وابن المسيب والحسن والشعبى وعمر بن عبد العزيز والحكم ~~والأوزاعي والليث وإسحاق وأبو حنيفة يرثه ورثته من المسلمين وقيل ذلك فيما ~~كسبه قبل ارتداده وما كسبه في الارتداد فللمسلمين وتفصيل أبي الحسن في باقي ~~جوابه حسن بين وهو على رأي أصبغ وخلاف قول سحنون واختلافهما على قولي مالك ~~في ميراث الزنديق فمرة ورثه ورثته من المسلمين قامت عليه بذلك بينة فأنكرها ~~أو اعترف بذلك وأظهر التوبة، وقاله أصبغ ومحمد بن مسلمة وغير واحد من ~~أصحابه لأنه مظهر للإسلام بإنكاره أو توبته وحكمه حكم المنافقين الذين ~~PageV02P269 # كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى ابن نافع عنه في ~~العتبية وكتاب محمد أن ميراثه لجماعة المسلمين لأن ماله تبع لدمه، وقال به ~~أيضا جماعة من أصحابه، وقاله أشهب والمغيرة وعبد الملك ومحمد، وسحنون # وذهب ابن قاسم في العتبية إلى أنه إن اعترف بما شهد عليه به وتاب فقتل ~~فلا يورث وإن لم يقر حتى مات أو قتل ورث، قال وكذلك كل من أسر كفرا فإنهم ~~يتوارثون بوراثة الإسلام وسئل أبو القاسم بن الكاتب عن النصراني يسب النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيقتل هل يرثه أهل دينه أم المسلمون فأجاب أنه للمسلمين ~~ليس ms393 على جهة الميراث لأنه لا توارث بين أهل ملتين ولكن لأنه من فيئهم لنقضه ~~العهد هذا معني قوله واختصاره ### | الباب الثالث في حكم من سب الله تعالى وملائكته وأنبياءه وكتبه وآل النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه وصحبه # لا خلاف أن ساب الله تعالى من المسلمين كافر حلال الدم واختلف في ~~استتابته فقال ابن القاسم في المبسوط وفي كتاب ابن سحنون ومحمد ورواه ابن ~~القاسم عن مالك في كتاب إسحاق بن يحى يمن سب الله تعالى من المسلمين قتل ~~ولم يستتب إلا أن يكون افتراء على الله بارتداده إلى دين دان به وأظهره ~~فيستتاب وإن لم يظهره لم يستتب، وقال في المبسوطة مطرف # PageV02P270 # وعبد الملك مثله، وقال المخزومي ومحمد بن مسلمة وابن أبي حازم لا يقتل ~~الملم بالسب حتى يستتاب وكذلك اليهودي والنصراني فإن تابوا قبل منهم وإن لم ~~يتوبوا قتلوا ولا بد من الاستتابة وذلك كله كالردة وهو الذي حكاه القاضي ~~ابن نصر عن المذهب وأفتى أبو محمد بن أبي زيد فيما حكي عنه في رجل لعن رجلا ~~ولعن الله فقال إنما أردت أن العن الشيطان فزل لساني فقال يقتل بظاهر كفره ~~ولا يقبل عذره وأما فيما # بينه وبين الله تعالى فمعذور واختلف فقهاء قرطبة في مسالة هارون ابن حبيب ~~أخي عبد الملك الفقيه وكان ضيق الصدر كثير التبرم وكان قد شهد عليه بشهادات ~~منها أنه قال عند استلاله من مرض لقيت في مرضي هذا ما لو قتلت أبا بكر وعمر ~~لم استوجب هذا كله فأفتى إبراهيم ابن حسين بن خالد بقتله وأن مضمن قوله ~~تجوير لله تعالى وتظلم منه والتعريض فيه كالتصريح وأفتى أخوه عبد الملك بن ~~حبيب وإبراهيم بن حسين بن عاصم وسعيد بن سليمان القاضي بطرح القتل عنه إلا ~~أن القاضي رأى عليه التثقيل في الحبس والشدة في الأدب لاحتمال كلامه وصرفه ~~إلا التشكي فوجه من قال في ساب الله بالاستتابة أنه كفر وردة محضة لم يتعلق ~~بها حق لغير الله فأشبه قصد الكفر بغير سب ms394 الله وإظهار الانتقال إلى دين ~~آخر من الأديان المخالفة للإسلام PageV02P271 # ووجه ترك استتابته أنه لما ظهر منه ذلك بعد إظهار الإسلام قبل اتهمناه ~~وظننا أن لسانه لم ينطق به إلا وهو معتقد له إذ لا يتساهل في هذا أحد فحكم ~~له بحكم الزنديق ولم تقبل توبته وإذا انتقل من دين إلى دين آخر وأظهر السب ~~بمعني الارتداد فهذا قد أعلم أنه خلع ربقه الإسلام من عنقه بخلاف الأول ~~المستمسك به وحكم هذا حكم المرتد يستتاب على مشهور مذاهب أكثر العلماء وهو ~~مذهب مالك وأصحابه على ما بيناه قبل وذكرنا الخلاف في فصوله ### | فصل وأما من أضاف إلى الله تعالى ما لا يليق به # ليس على طريق السب ولا الردة وقصد الكفر ولكن على طريق التأويل والاجتهاد ~~والخطإ المفضي إلى الهوى والبدعة من تشبيه أو نعت بجارحة أو نفي صفة كمال ~~فهذا مما اختلف السلف والخلف في تكفير قائله ومعتقده واختلف قول مالك ~~وأصحابه في ذلك ولم يختلفوا في قتالهم إذا تحيزوا فئة وأنهم يستتابون فإن ~~تابوا وإلا قتلوا وإنما اختلفوا في المنفرد منهم فأكثر قول مالك وأصحابه ~~ترك القول بتكفيرهم وترك قتلهم والمبالغة في عقوبتهم وإطالة سجنهم حتى يظهر ~~إقلاعهم وتستبين توبتهم كما فعل PageV02P272 # عمر رضي الله عنه بصبيغ وهذا قول محمد بن المواز في الخوارج وعبد الملك ~~بن الماجشون وقول سحنون في جميع أهل الأهواء، وبه فسر قوله مالك في الموطإ ~~وما رواه عن عمر بن عبد العزيز وجده وعمه من قولهم في القدرية يستتابون فإن ~~تابوا وإلا قتلوا، وقال عيسى بن القاسم في أهل الأهواء من الإباضية ~~والقدرية وشبههم ممن خالف الجماعة من أهل البدع والتحريف لتأويل كتاب الله ~~يستتابون أظهروا ذلك أو أسروه فإن تابوا وإلا قتلوا وميراثهم لورثتهم، وقال ~~مثله أيضا ابن القاسم في كتاب محمد في أهل القدر وغيرهم قال واستتابتهم أن ~~يقال لهم اتركوا ما أنتم عليه ومثله في المبسوط في الإباضية والقدرية وسائر ~~أهل البدع قال وهم مسلمون وإنما لرأيهم السوء وبهذا عمل ms395 عمر ابن عبد ~~العزيز، قال ابن القاسم: (من قال إن الله لم يكلم موسى تكليما استتيب فإن ~~تاب وإلا قتل) وابن حبيب وغيره من أصحابنا يرى تكفيرهم PageV02P273 # وتكفير أمثالهم من الخوارج والقدرية والمرجئة، وقد روي أيضا عن سحنون ~~مثله فيمن قال ليس لله كلام أنه كافر واختلفت الروايات عن مالك فأطلق في ~~رواية الشاميين أبي مسهر ومروان بن محمد الطاطري: (الكفر عليهم) وقد شوور ~~في زواج القدري فقال: لا تزوجه) قال الله تعالى: (ولعبد مؤمن خير من مشرك) ~~وروى عند أيضا أهل الأهواء كلهم كفار وقال من وصف شيئا من ذات الله تعالى ~~وأشار إلى شئ من جسده يد أو سمع أو بصر قطع ذلك منه لأنه شبه الله بنفسه ~~وقال فيمن قال القرآن مخلوق كافر فاقتلوه وقال أيضا في رواية ابن نافع يجلد ~~ويوجع ضربا ويحبس حتى يتوب وفي رواية بشر بن بكر التنيسي عنه يقتل ولا تقبل ~~توبته قال القاضي أبو عبد الله البرنكاني والقاضي أبو عبد الله التستري من ~~أئمة العراقيين جوابه مختلف يقتل المستبصر الداعية وعلى PageV02P274 # هذا الخلاف اختلف قوله في إعادة الصلاة خلفهم وحكى ابن المنذر عن الشافعي ~~لا يستتاب القدري وأكثر أقوال السلف تكفيرهم وممن قال به الليث وابن عيينة ~~وبن لهيعة روى عنهم ذلك فيمن قال بخلق القرآن وقاله ابن المبارك والأودي ~~ووكيع وحفص بن غياث وأبو إسحاق الفزارى؟ ؟ ؟ ؟ وعلي بن عاصم في آخرين وهو ~~من قول أكثر المحدثين والفقهاء والمتكلمين فيهم وفى الخوارج والقدرية وأهل ~~الأهواء المضلة وأصحاب البدع المتأولين وهو قول أحمد بن حنبل وكذلك قالوا ~~في الوافقة والشاكة في هذه الأصول وممن روي عنه معني القول الآخر بترك ~~تكفيرهم علي بن أبي طالب وابن عمر والحسن البصري وهو رأي جماعة من الفقهاء ~~النظار والمتكلمين واحتجوا بتوريث الصحابة والتابعين ورثة أهل حروراء ومن ~~عرف بالقدر ممن مات منهم ودفنهم في مقابر المسلمين وجرى أحكام الإسلام ~~عليهم، قال # إسماعيل القاضي وإنما قال مالك في القدرية وسائر أهل البدع يستتابون فإن ~~تابوا وإلا ms396 قتلوا لأنه من الفساد في الأرض كما قال في المحارب إن رأى ~~الإمام قتله وإن لم يقتل قتله وفساد المحارب إنما هو في الأموال ~~PageV02P275 # ومصالح الدنيا وإن كان قد يدخل أيضا في أمر الدين من سبيل الحج والجهاد، ~~وفساد أهل البدع معظمه على الدين وقد يدخل في أمر الدنيا بما يلقون بين ~~المسلمين من العداوة ### | فصل في تحقيق القول في إكفار المتأولين * # قد ذكرنا مذاهب السلف في إكفار أصحاب البدع والأهواء المتأولين ممن قال ~~قولا يؤديه مساقه إلى كفر هو إذا وقف عليه لا يقول بما يؤديه قوله إليه ~~وعلى اختلافهم اختلف الفقهاء والمتكلمون في ذلك فمنهم من صوب التكفير الذي ~~قال به الجمهور من السلف ومنهم من أباه ولم ير إخراجهم من سواد المؤمنين ~~وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين وقالوا هم فساق عصاة ضلال ونورثهم من ~~المسلمين ونحكم لهم بإحكامهم ولهذا قال سحنون لا إعادة على من صلى خلفهم ~~قال وهو قول جميع أصحاب مالك المغيرة وابن كنانة وأشهب قال لأنه مسلم وذنبه ~~لم يخرجه من الإسلام واضطرب آخرون في ذلك ووقفوا عن القول بالتكفير أو ضده ~~واختلاف قولي مالك في ذلك وتوقفه عن إعادة الصلاة خلفهم منه وإلى نحو من ~~هذا ذهب القاضي أبو بكر إمام أهل التحقيق والحق وقال إنها من المعوصات إذا ~~القوم لم يصرحوا باسم PageV02P276 # الكفر وإنما قالوا قولا يؤدي إليه واضطرب قوله في المسألة على نحو اضطراب ~~قول إمامه مالك بن أنس حتى قاله في بعض كلامه إنهم على رأي من كفرهم ~~بالتأويل لا تحل مناكحتهم ولا أكل ذبائحهم ولا الصلاة على ميتهم ويختلف في ~~موارثتهم على الخلاف في ميراث المرتد وقال أيضا نورث ميتهم ورثتهم من ~~المسلمين ولا نورثهم من المسلمين وأكثر ميله إلى ترك التكفير بالمآل وكذلك ~~اضطرب فيه قول شيخه أبي الحسن الأشعري وأكثر قوله ترك التكفير وأن الكفر ~~خصلة واحدة وهو الجهل بوجود الباري تعالى وقال مرة من اعتقد أن الله جسم أو ~~المسيح أو بعض من يلقاه في الطرق ms397 فليس بعارف به وهو كافر ولمثل هذا ذهب أبو ~~المعالي رحمه الله في أجوبته لأبي محمد عبد الحق وكان سأله عن المسألة ~~فاعتذر له بأن الغلط فيها يصعب لأن إدخال كافر في الملة وإخراج مسلم عنها ~~عظيم في الدين وقال غيرهما من المحققين: الذي يجب الاحتراز من التكفير في ~~أهل التأويل فإن استباحة دماء المصلين الموحدين خطر والخطأ في ترك ألف كافر ~~أهون من الخطإ في سفك محجمة من دم مسلم واحد وقد قال صلى الله عليه وسلم ~~فإذا قالوها يعني الشهادة عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بححقها وحسابهم ~~على الله PageV02P277 # فالعصمة مقطوع بها مع الشهادة ولا ترتفع ويستباح خلافها إلا بقاطع ولا ~~قاطع من شرع ولا قياس عليه وألفاظ الأحاديث الواردة في الباب معرضة للتأويل ~~فما جاء منها في التصريح بكفر القدرية وقوله لا سهم لهم في الإسلام وتسميته ~~الرافضة بالشرك وإطلاق اللعنة عليهم وكذلك في الخوارج وغيرهم من أهل ~~الأهواء فقد يحتج بها من يقول بالتكفير وقد يجيب الآخر بأنه قد ورد مثل هذه ~~الألفاظ في الحديث في غير الكفرة على طريق التغليظ وكفر دون كفر وإشراك دون ~~إشراك وقد ورد مثله في الرياء وعقوق الوالدين والزوج والزور وغير معصية ~~وإذا كان محتملا للأمرين فلا يقطع على أحدهما إلا بدليل قاطع، وقوله في ~~الخوارج هم من شر البرية وهذه صفة الكفار، وقال شر قبيل تحت أديم السماء ~~طوبي لمن قتلهم أو قتلوه، وقال: (فإذا وجدتموهم فاقتلوهم قتل عاد) وظاهر ~~هذا الكفر لا سيما مع تشبيههم بعاد فيحتج به من يرى تكفيرهم فيقول له الآخر ~~إنما ذلك من قتلهم لخروجهم على المسلمين وبغيهم عليهم بدليله من الحديث ~~نفسه يقتلون أهل الإسلام فقتلهم ههنا حد لا كفر وذكر عاد تشبيه للقتل وحله ~~لا للمقتول وليس كل من حكم بقتله يحكم بكفره ويعارضه بقول خالد في الحديث ~~دعني أضرب عنقه يا رسول الله فقال لعله يصلي فإن احتجوا بقوله صلى الله ~~عليه وسلم يقرؤن القرآن لا يجاوز حناجرهم فأخبر # PageV02P278 # أن الإيمان ms398 لم يدخل قلوبهم وكذلك قوله (يمرقون من الدين مروق السهم من ~~الرمية ثم لا يعودون إليه حتى يعود السهم على فوقه) وبقوله (سبق الفرث ~~والدم) يدل على أنه لم يتعلق من الإسلام بشئ أجابه الآخرون أن معني لا ~~يجاوز حناجرهم لا يفهمون معانيه بقلوبهم ولا تنشرح له صدورهم ولا تعمل به ~~جوارحهم وعارضوهم بقوله ويتمارى في الفوق وهذا يقتضي التشكك في حاله وإن ~~احتجوا بقول أبي سعيد الخدري في هذا الحديث. # سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يخرج في هذه الأمة) ولم يقل (من ~~هذه) وتحرير أبي سعيد الرواية وإتقانه اللفظ أجابهم الآخرون بأن العبارة ~~بفي لا تقتضي تصريحا بكونهم من غير الأمة بخلاف لفظه من - التي هي للتبعيض ~~وكونهم من الأمة مع أنه قد روي عن أبي ذر وعلي وأبي أمامة وغيرهم في هذا ~~الحديث يخرج من أمتي، وسيكون من أمتي، وحروف المعاني مشتركة فلا تعويل على ~~إخراجهم من الأمة؟ ؟ ؟ ولا على إدخالهم فيما بمن لكن أبا سعيد رضي الله عنه ~~أجاد ما شاء في التنبيه الذي نبه عليه وهذا مما يدل على سعة فقه الصحابة ~~وتحقيقهم للمعاني واستنباطها من الألفاظ وتحريرهم لها وتوقيهم في الرواية ~~هذه المذاهب المعروفة لأهل السنة ولغيرهم PageV02P279 # من الفرق فيها منالات كثيرة مضطربة سخيفة أقربها قول جهم ومحمد # ابن شبيب أن الكفر بالله الجهل به لا يكفر احد بغير ذلك وقال أبو الهذيل ~~إن كل متأول كان تأوليه تشبيها لله بخلقه وتجويرا له في فعله وتكذيبا لخبره ~~فهو كافر وكل من أثبت شيئا قديما لا يقال له الله فهو كافر وقال بعض ~~المتكلمين إن كان ممن عرف الأصل وبنى عليه وكان فيما هو من أوصاف الله فهو ~~كافر وإن لم يكن من هذا الباب ففاسق إلا أن يكون ممن لم يعرف الأصل فهو ~~مخطئ غير كافر وذهب عبيد الله بن الحسن العنبري إلى تصويب أقوال المجتهدين ~~في أصول الدين فيما كان عرضة للتأويل وفارق في دلك فرق الأمة إذ أجمعوا ~~سواه على ms399 أن الحق في أصول الدين في واحد والمخطئ فيه آثم عاص فاسق وإنما ~~الخلاف في تكفيره وقد حكى القاضي أبو بكر الباقلاني مثل قول عبيد الله عن ~~داود الأصبهاني وقال وحكى قوم عنهما أنهما قالا ذلك في كل من علم الله ~~سبحانه من حاله استفراغ الوسع في طلب الحق من أهل ملتنا أو من غير هم وقال ~~نحو هذا القول الجاحظ وثمامة في أن كثيرا من العامة والنساء والبله ومقلدة ~~النصارى واليهود PageV02P280 # وغيرهم لا حجة لله عليهم إذ لم تكن لهم طباع يمكن معها الاستدلال وقد نحا ~~الغزالي قريبا من هذا المنحى في كتاب التفرقة وقائل هذا كله كافر بالإجماع ~~على كفر من لم يكذر أحدا من النصارى واليهود # وكل من فارق دين المسلمين أو وقف في تكفير هم أوشك قال القاضي أبو بكر ~~لأن التوقيف والإجماع اتفقا على كفرهم فمن وقف في ذلك فقد كذب النص ~~والتوقيف أو شك فيه والتكذيب أو الشك فيه لا يقع إلا من كافر PageV02P281 ### | فصل في بيان ما هو من المقالات كفر # وما يتوقف أو يختلف فيه وما ليس بكفر اعلم أن تحقيق هذا الفصل وكشف اللبس ~~فيه مورده الشرع ولا مجال للعقل فيه والفصل البين في هذا أن كل مقالة صرحت ~~بنفي الربوبية أو الوحدانية أو عبادة أحد غير الله أو مع الله فهي كفر ~~كمقالة الدهرية وسائر فرق أصحاب الاثنين من الديصانية والمانوية وأشباههم ~~من الصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا بعبادة الأوثان أو الملائكة أو ~~الشيطاين أو الشمس أو النجوم أو النار أو أحد غير الله من مشركي العرب وأهل ~~الهند والصين والسودان وغيرهم ممن لا يرجع إلى كتاب وكذلك القرامطة وأصحاب ~~الحلول والتناسخ من الباطنية والطيارة من الروافض وكذلك من اعترف بإلاهية ~~الله PageV02P282 # ووحدانيته ولكنه اعتقد أنه غير حي أو غير قديم وأنه محدث أو مصور أو ادعى ~~له ولدا أو صاحبة أو والدا أو متولد من شئ أو كائن عنه أو أن معه في الأزل ~~شيئا قديما غيره أو أنثم ms400 صانعا للعالم سواه أو مدبرا غيره فذلك كله كفر ~~بإجماع المسلمين كقول الإلهيين من الفلاسفة والمنجمين والطبائعيين وكذلك من ~~ادعى مجالسة الله والعروج # إليه ومكالمته أو حلوله في أحد الأشخاص كتول بعض المتصوفة والباطنية ~~النصارى والقرامطة وكذلك نقطع على كفر من قال بقدم العالم أو بقائه أو شك ~~في ذلك على مذهب بعض الفلاسفة والدهرية أو قال بتناسخ الأرواح وانتقالها ~~أبد الآباد في الأشخاص وتعذيبها أو تنعمها فيها بحسب زكائها وخبثها وكذلك ~~من اعترف بالإلهية والوحدانية ولكنه جحد النبوة من أصلها عموما أو نبوة ~~نبينا صلى الله عليه وسلم خصوصا أو أحد من الأنبياء الذين نص الله عليهم ~~بعد علمه بذلك فهو كافر بلا ريب كالبراهمة ومعظم اليهود والأروسية من ~~النصاري والغرابية من الروافض الزاعمين أن عليا كان المبعوث إليه جبريل ~~وكالمعطلة والقرامطة والإسماعيلية والعنبرية من الرافضة وإن كان بعض هؤلاء ~~قد أشركوا في كفر آخر مع من قبلهم وكذلك من دان بالوحدانية وصحة النبوة ~~PageV02P283 # ونبوة نبينا صلى الله عليه وسلم ولكن جوز على الأنبياء الكذب فيما أتوا ~~به ادعى في ذلك المصلحة نزعمه أو لم يذعها فهو كافر بإجماع كالمتفلسفين ~~وبعض الباطنية والروافض وغلاة المتصوفة وأصحاب الإباحة فإن هؤلاء زعموا أن ~~ظواهر الشرع وأكثر ما جاءت به الرسل من الأخبار عما كان ويكون من أمور ~~الآخرة والحشر، والقيامة، والجنة، والنار ليس منها شئ على مقتضى لفظها ~~ومفهوم خطابها وإنما خاطبوا بها الخلق على جهة المصلحة لهم إذ لم يمكنهم ~~التصريح لقصور # أفهامهم فمضمن مقالاتهم إبطال الشرائع وتعطيل الأوامر والنواهي وتكذيب ~~الرسل والارتياب فيما أتوا به وكذلك من أضاف إلى نبينا صلى الله عليه وسلم ~~تعمد الكذب فيما بلغه وأخبر به أو شك في صدقه أو سبه أو قال إنه لم يبلغ أو ~~استخف به أو بأحد من الأنبياء أو أزرى عليهم أو آذاهم أو قتل نبيا أو حاربه ~~فهو كافر بإجماع وكذلك نكفر من ذهب مذهب بعض القدماء في أن في كل جنس من ~~الحيوان نذيرا ونبيا من القردة، ms401 والخنازير والدواب والدود ووغير ذلك، ويحتج ~~بقوله تعالى (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) إذ ذلك يؤدي إلى أن يوصف ~~أنبياء هذه الأجناس بصفاتهم المذمومة وفيه من الإزراء على هذا المنصف ~~المنيف ما فيه مع إجماع المسلمين على خلافه وتكذيب قائله وكذلك نكفر من ~~اعترف من الأصول الصحيحة بما تقدم ونبوة نبينا صلى الله عليه وسلم # PageV02P284 # ولكن قال كان أسود أو مات قبل أن يلتحي أو ليس الذي كان بمكة والحجاز أو ~~ليس بقرشي لأن وصفه بغير صفاته المعلومة نفي له وتكذيب به وكذلك من ادعى ~~نبوة أحد مع نبينا صلى الله عليه وسلم أو بعده كالعيسوية من اليهود ~~القائلين بتخصيص رسالته إلى العرب وكالخرمية القائلين بتواتر الرسل وكأكثر ~~الرافضة القائلين بمشاركة علي في الرسالة للنبي صلى الله عليه وسلم وبعده ~~فكذلك كل إمام عند هؤلاء يقوم مقامه في النبوة والحجة وكالبزيغية والبيانية ~~منهم القائلين بنبوة بزيغ وبيان وأشباه هؤلاء أو من ادعى النبوة لنفسه أو ~~جوز اكتسابها والبلوغ بصفاء القلب إلى مرتبتها كالفلاسفة وغلاة المتصوفة ~~وكذلك من ادعى منهم أنه يوحى إليه وإن لم يدع النبوة أو أنه يصعد إلى ~~السماء ويدخل الجنة ويأكل من ثمارها ويعانق # الحور العين فهؤلاء كلهم كفار مكذبون للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر ~~صلى الله عليه وسلم أنه خاتم النبيين لا نبي بعده وأخبر عن الله ~~PageV02P285 # تعالى أنه خاتم النبيين وأنه أرسل كافة للناس وأجمعت الأمة على حمل هذا ~~الكلام على ظاهره وأن مفهومه المراد به دون تأويل ولا تخصيص فلا شك في كفر ~~هؤلاء الطوائف كلها قطعا إجماعا وسمعا وكذلك وقع الإجماع على تكفير كل من ~~دافع نص الكتاب أو خص حديثا مجمعا على نقله مقطوعا به مجمعا على حمله على ~~ظاهره كتكفير الخوارج بإبطال الرجم ولهذا نكفر من لم يكفر من دان بغير ملة ~~المسلمين من الملل أو وقف فيهم أو شك أو صحح مذهبهم وإن أظهر مع ذلك ~~الإسلام واعتقده واعتقد إبطال كل مذهب سواه فهو كافر بإظهاره ms402 ما أظهر من ~~خلاف ذلك وكذلك نقطع بتكفير كل قائل قال قولا يتوصل به إلى تضليل الأمة ~~وتكفير جميع الصحابة كقول الكميلية من الرافضة بتكفير جميع الأمة بعد النبي ~~صلى الله عليه وسلم إذ لم تقدم عليا وكفرت عليا إذ لم يتقدم ويطلب حقه في ~~التقديم فهؤلاء قد كفروا من وجوه # لأنهم أبطلوا الشريعة بأسرها إذ قع انقطع نقلها ونقل القرآن إذ ناقلوه ~~كفرة على زعمهم وإلى هذا والله أعلم أشار مالك في أحد قوليه بقتل من كفر ~~الصحابة ثم كفروا من وجه آخر بسبهم النبي صلى الله عليه وسلم على ~~PageV02P286 # مقتضى قولهم وزعمهم أنه عهد إلى علي رضي الله عنه وهو يعلم أنه يكفر بعده ~~على قولهم لعنة الله عليهم وصلى الله على رسوله وآله وكذلك نكفر بكل فعل ~~أجمع المسلمون أنه لا يصدر إلا من كافر وإن كان صاحبه مصرحا بالإسلام مع ~~فعله ذلك الفعل كالسجود للصنم وللشمس والقمر والصليب والنار والسعي إلى ~~الكنائس والبيع مع أهلها والتزيي بزيهم من شد الزنانير وفحص الرؤس فقد أجمع ~~المسلمون أن هذا لا يوجد إلا من كافر وأن هذه الأفعال علامة على الكفر وإن ~~صرح فاعلها بالإسلام وكذلك أجمع المسلمون على تكفير كل من استحل القتل أو ~~شرب الخمر أو الزنا مما حرم الله بعد علمه بتحريمه كأصحاب الإباحة من ~~القرامطة وبعض غلاة المتصوفة وكذلك نقطع بتكفير كل من كذب وأنكر قاعدة من ~~قواعد الشرع وما عرف يقينا بالنقل المتواتر من فعل الرسول ووقع الإجماع ~~المتصل عليه كمن أنكر وجوب الصلوات الخمس وعدد ركعاتها وسجداتها ويقول إنما ~~أوجب الله علينا في كتابه الصلاة على الجملة وكونها خمسا وعلى هذه الصفات ~~والشروط لا أعلمه # إذ لم يرد فيه في القرآن نص جلي والخبر به عن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~خبر واحد وكذلك أجمع على تكفير من قال من الخوارج إن PageV02P287 # الصلاة طرفي النهار وعلى تكفير الباطنية في قولهم إن الفرائض أسماء رجال ~~أمروا بولايتهم والخبائث والمحارم أسماء رجال أمروا بالبراءة منهم ms403 وقول بعض ~~المتصوفة إن العبادة وطول المجاهدة إذا صفت نفوسهم أفضت بهم إلى إسقاطها ~~وإباحة كل شئ لهم ورفع عهد الشرائع. # عنهم وكذلك إن أنكر منكر مكة أو البيت أو المسجد الحرام أو صفة الحج أو ~~قال الحج واجب في القرآن واستقبال القبلة كذلك ولكن كونه على هذه الهيأة ~~المتعارفة وأن تلك البقعة هي مكة والبيت والمسجد الحرام لا أدري هل هي تلك ~~أو غيرها ولعل الناقلين أن النبي صلى الله عليه وسلم فسرها بهذه التفاسير ~~غلطوا ووهموا فهذا ومثله لا مرية في تكفيره إن كان ممن يظن به علم ذلك وممن ~~خالط المسلمين وامتدت صحبته لهم إلا أن يكون حديث عهد بإسلام فيقال له ~~سبيلك أن تسأل عن هذا الذي لم تعلمه بعد كافة المسلمين فلا تجد بينهم خلافا ~~كافة عن كافة إلى معاصر الرسول صلى الله عليه وسلم أن هذه الأمور كما قيل ~~لك وأن تلك البقعة هي مكة والبيت الذي فيها هو الكعبة والقبلة التي صلى لها ~~الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون وحجوا إليها وطافوا بها وأن تلك ~~الأفعال هي صفات # عبادة الحج والمراد به وهي التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمون وأن صفات الصلوات المذكورة هي التي فعل النبي صلى الله عليه وسلم # PageV02P288 # وشرح مراد الله بذلك وأبان حدودها فيقع لك العلم كما وقع لهم ولا ترتاب ~~بذلك بعد والمرتاب في ذلك والمنكر بعد البحث وصحبته المسلمين كافر باتفاق ~~ولا يعذر بقوله لا أدري ولا يصدق فيه بل ظاهره التستر عن التكذيب إذ لا ~~يمكن أنه لا يدري وأيضا فإنه إذا جوز على جميع الأمة الوهم والغلط فيما ~~نقلوه من ذلك وأجمعوا أنه قول الرسول وفعله وتفسير مراد الله به أدخل ~~الاسترابة في جميع الشريعة إذ هم الناقلون لها وللقرآن وانحلت عرى الدين ~~كرة ومن قال هذا كافر وكذلك من أنكر القرآن أو حرفا منه أو غير شيئا منه أو ~~زاد فيه كفعل الباطنية والإسماعيلية أو زعم أنه ليس بحجة للنبي صلى الله ms404 ~~عليه وسلم أو ليس فيه حجة ولا معجزة كقول هشام الفوطي ومعمر الصيمري إنه لا ~~يدل على الله ولا حجة فيها لرسوله ولا يدل على ثواب ولا عقاب ولا حكم ولا ~~محالة في كفرهما بذلك القول وكذلك نكفرهما بإنكارهما أن يكون في سائر ~~معجزات النبي صلى الله عليه وسلم حجة له أو في خلق السموات والأرض دليل على ~~الله لمخالفهتهم الإجماع والنقل المتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~باحتجاجه بهذا كله وتصريح القرآن به وكذلك من أنكر شيئا مما نص فيه القرآن ~~بعد علمه أنه من القرآن الذي في أيدي الناس ومصاحف لمسلمين ولم يكن ~~PageV02P289 # جاهلا به ولا قريب عهد بالإسلام واحتج لإنكاره إما بأنه لم يصبح النقل ~~عنده ولا بلغه العلم به أو لتجويز الوهم على نافله فنتكفره بالطريقين ~~المتقدمين لأنه مكذب للقرآن مكذب للنبي صلى الله عليه وسلم لكنه تستر ~~بدعواه وكذلك من أنكر الجنة أو النار أو البعث أو الحساب أو القيامة فهو ~~كافر بإجماع للنص عليه وإجماع الأمة على صحة نقله متواترا وكذلك من اعترف ~~بذلك ولكنه قال إن المراد بالجنة والنار والحشر والنشر والثواب والعقاب ~~معني غير ظاهره وأنها لذات روحانية ومعان باطنة كقول النصارى والفلاسفة ~~والباطنية وبعض المتصوفة وزعم أن معني القيامة الموت أو فناه محض ولتنقاض ~~هيئة الأفلاك وتحليل العالم كقول بعض الفلاسفة وكذلك نقطع بتكفير غلاة ~~الرافضة في قولهم إن الأئمة أفضل من الأنبياء فأما من أنكر ما عرف بالتواتر ~~من الأخبار والسير والبلاد التي لا يرجع إلى إبطال شريعة ولا يفضي إلى ~~إنكار قاعدة من الدين كإنكار غزوة تبوك أو مؤنة أو وجود أبي بكر وعمر أو ~~قتل عثمان أو خلافه علي مما علم بالنقل ضرورة وليس في إنكار وجحد شريعة فلا ~~سبيل إلى تكفيره بجحد ذلك وإنكار وقوع العلم له إذ ليس في ذلك أكثر من ~~المباهتة كإنكار هشام وعباد وقعة الجمل ومحاربة علي من خالفه فأما إن ضعف ~~ذلك من أجل تهمة PageV02P290 # الناقلين ووهم المسلمين أجمع فنكفره بذلك ms405 لسريانه إلى إبطال الشريعة فأما ~~من أنكر الإجماع المجرد الذي ليس طريقه النقل المتواتر عن الشارع # فأكثر المتكلمين ومن الفقهاء والنظار في هذا الباب قالوا بتكفير كل من ~~خالف الإجماع الصحيح الجامع لشروط الإجماع المتفق عليه عموما وحجتهم قوله ~~تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى) الآية وقوله صلى الله ~~عليه وسلم (من خالف الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه) وحكوا ~~الإجماع على تكفير من خالف الإجماع وذهب آخرون إلى الوقوف عن القطع بتكفير ~~من خالف الإجماع الذي يختص بنقله العلماء وذهب آخرون إلى التوقف في تكفير ~~من خالف الإجماع الكائن عن نظر كتكفير النظام بإنكاره الإجماع لأنه بقوله ~~هذا مخالف إجماع السلف على احتجاجهم به خارق للإجماع، قال القاضي أبو بكر ~~القول عندي أن الكفر بالله هو الجهل بوجوده والإيمان بالله هو العلم - ~~بوجوده وأنه لا يكفر أحد بقول ولا رأي إلا أن يكون هو الجهل بالله فإن عصى ~~بقول أو فعل نص الله ورسوله أو أجمع المسلمون أنه لا يوجد إلا من كافر أو ~~يقوم دليل على ذلك فقد كفر ليس لأجل قوله أو فعله لكن لما يقارنه من الكفر ~~فالكفر بالله لا يكون إلا بأحد PageV02P291 # ثلاثة أمور أحدها الجهل بالله تعالى والثاني أن يأتي فعلا أو يقول قولا ~~يخبر الله ورسوله أو يجمع المسلمون أن ذلك لا يكون إلا من كافر كالسجود ~~للصنم والمشي إلى الكنائس بالتزام الزنار مع أصحابها في أعيادهم أو يكون ~~ذلك القول أو الفعل لا يمكن معه العلم بالله قال فهذان الضربان وإن لم ~~يكونا جهلا بالله فهما علم أن فاعلهما كافر منسلخ من الإيمان فأما من نفى ~~صفة من صفات الله تعالى الذاتية # أو جحدها مستبصرا في ذلك كقوله: ليس بعالم ولا قادر ولا مريد ولا متكلم ~~وشبه ذلك من صفات الكمال الواجبة له تعالى فقد نص أئمتنا على الإجماع على ~~كفر من نفى عنه تعالى الوصف بها وأعراه عنها وعلى هذا حمل قول سحنون من ms406 قال ~~ليس لله كلام فهو كافر وهو لا يكفر المتأولين كما قدمناه فأما من جهل صفة ~~من هذه الصفات فاختلف العلماء ههنا فكفره بعضهم وحكي ذلك عن أبي جعفر ~~الطبري وغيره وقال به أبو الحسن الأشعري مرة وذهبت طائفة إلى أن هذا لا ~~يخرجه عن اسم الإيمان وإليه رجع الأشعري قال: لأنه لم يعتقد ذلك اعتقادا ~~يقطع بصوابه ويراه دينا وشرعا وإنما يكفر من اعتقد أن مقاله حق واحتج هؤلاء ~~بحديث السوداء وأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما PageV02P292 # طلب منها التوحيد لا غير وبحديث القائل لئن قدر الله علي وفي رواية فيه ~~لعلي أضل الله ثم قال: فغفر الله له قالوا ولو بوحث أكثر الناس عن الصفات ~~وكوشفوا عنها لما وجد من يعلمها إلا الأقل، وقد أجاب الآخر عن هذا الحديث ~~بوجوه منها أن قدر بمعنى قدر ولا يكون شكه في القدرة على إحيائه بل في نفس ~~البعث الذي لا يعلم إلا بشرع ولعله # لم يكن ورد عندهم به شرع يقطع عليه فيكون الشك فيه حينئذ كفرا فأما ما لم ~~يرد به شرع فهو من مجوزات العقول أو يكون قدر بمعني ضيق ويكون ما فعله ~~بنفسه إزراء عليها وغضبا لعصيانها وقيل: إنما قال ما قاله وهو غير عاقل ~~لكلامه ولا ضابط للفظه مما استولى عليه من الجزع والخشية التي أذهبت لبه ~~فلم يؤاخذ به وقيل كان هذا في زمن الفترة وحيث ينفع مجرد التوحيد وقيل بل ~~هذا من مجاز كلام العرب الذي صورته الشك ومعناه التحقيق وهو يسمى تجاهل ~~العارف وله أمثلة في كلامهم كقوله تعالى (لعله يتذكر أو يخشى) وقوله (وإنا ~~أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) فأما من أثبت الوصف ونفى الصفة فقال ~~أقول عالم PageV02P293 # ولكن لا علم له ومتكلم ولكن لا كلام له وهكذا في سائر الصفات على مذهب ~~المعتزلة فمن قال بالمآل لما يؤديه إليه قوله ويسوقه إليه مذهبه كفره لأنه ~~إذا نفى العلم انتفى وصف عالم إذ لا يوصف بعالم إلا من ms407 له علم فكأنهم صرحوا ~~عنده بما أدى إليه قولهم وهكذا عند هذا سائر فرق أهل التأويل من المشبهة ~~والقدرية وغيرهم ومن لم ير أخذهم بمآل قولهم ولا ألزمهم موجب مذهبم لم ير ~~إكفارهم قال لأنهم إذا وقفوا على هذا قالوا لا نقول ليس بعالم ونحن ننتفي ~~من القول بالمال الذي ألزمتموه لنا ونعتقد نحن وأنتم أنه كفر بل نقول إن ~~قولنا لا يؤول إليه على ما أصلناه فعلى هذين المأخذين اختلف الناس في إكفار ~~أهل التأويل وإذا فهمته اتضح لك الموجب لاختلاف الناس في ذلك والصواب ترك ~~إكفارهم # والإعراض عن الحتم عليهم بالخسران وإجراء حكم الإسلام عليهم في قصاصهم ~~ووراثاتهم ومناكحاتهم ودياتهم والصلواة عليهم ودفنهم في مقابر المسلمين ~~وسائر معاملاتهم لكنهم يغلظ عليهم بوجيع الأدب وشديد الزجر والهجر حتى ~~يرجعوا عن بدعتهم وهذه كانت سيرة الصدر الأول فيهم فقد كان نشأ على زمن ~~الصحابة وبعدهم في التابعين من قال بهذه الأقوال من القدر ورأي الخوارج ~~والاعتزال فما أزاحوا لهم قبرا ولا قطعوا لأحد منهم ميراثا لكنهم هجروهم ~~وأدبوهم بالضرب والنفي والقتل على قدر أحوالهم لأنهم فساق ضلال عصاة أصحاب ~~كبائر # PageV02P294 # عند المحققين وأهل السنة ممن لم يقل بكفرهم منهم خلافا لمن رأى غير ذلك ~~والله الموفق للصواب قال القاضي أبو بكر وأما مسائل الوعد والوعيد والرؤية ~~والمخلوق وخلق الأفعال وبقاء الأعراض والتولد وشبهها من الدقائق فالمنع في ~~إكفار المتأولين فيها أوضح إذ ليس في الجهل بشئ منها جهل بالله تعالى ولا ~~أجمع المسلمون على إكفار من جهل شيئا منها وقد قدمنا في الفصل قبله من ~~الكلام وصورة الخلاف في هذا ما أغنى عن إعادته بحول الله تعالى ### | فصل هذا حكم المسلم الساب لله تعالى وأما الذمي # فروي عن عبد الله ابن عمر في ذمي تناول من حرمة الله تعالى غير ما هو ~~عليه من دينه وحاج فيه فخرج ابن عمر عليه بالسيف فطلبه فهرب وقال مالك في ~~كتاب ابن حبيب والمبسوطة، وابن القاسم في المبسوط وكتاب محمد وابن سحنون: ~~من ms408 شتم الله من اليهود والنصارى بغير الوجه الذي كفر به قتل ولم يستتب قال ~~ابن القاسم إلا أن يسلم قال في المبسوطة طوعا قال أصبغ لأن الوجه الذي به ~~كفروا هو دينهم وعليه عوهدوا من دعوى الصاحبة والشريك والولد وأما غير هذا ~~من الفرية والشتم فلم يعاهدوا عليه فهو نقض للعهد قال ابن القاسم في كتاب ~~محمد ومن شتم من غير # PageV02P295 # أهل الأديان الله تعالى بغير الوجه الذي ذكر في كتابه قتل إلا أن يسلم ~~وقال المخزومي في المبسوطة ومحمد بن مسلمة وابن أبي حازم لا يقتل حتى ~~يستتاب، مسلما كان أو كافرا فإن تاب وإلا قتل وقال مطرف وعبد الملك مثل قول ~~مالك وقال أبو محمد بن أبي زيد من سب الله تعالى بغير الوجه الذي به كفر ~~قتل إلا أن يسلم وقد ذكرنا قول ابن الجلاب قبل وذكرنا قول عبيد الله وابن ~~لبابة وشيوخ الأندلسيين في النصرانية وفتياهم بقتلها لسبها بالوجه الذي ~~كفرت به الله والنبي وإجماعهم على ذلك وهو نحو القول الآخر فيمن سب النبي ~~صلى الله عليه وسلم منهم بالوجه الذي كفر به ولا فرق في ذلك بين سب الله ~~وسب نبيه لأنا عاهدناهم على أن لا يظهروا لنا شيئا من كفرهم وأن لا يسمعونا ~~شيئا من ذلك فمتى فعلوا شيئا منه فهو نقض لعهدهم واختلف العلماء في الذمي ~~إذا تزندق فقال مالك ومطرف وابن عبد الحكم وأصبغ لا يقتل لأنه خرج من كفر ~~إلى كفر وقال عبد الملك بن الماجشون يقتل لأنه دين لا يقر عليه أحد ولا ~~يوخذ عليه جزية قال ابن حبيب وما أعلم من قاله غيره ### | فصل هذا حكم من صرح بسبه # وإضافة ما لا يليق بجلاله وإلهيته * فأما مفتري الكذب عليه تبارك وتعالى ~~بادعاء الإلهية أو الرسالة أو النافي # PageV02P296 # أن يكون الله خالقه أو ربه أو قال ليس لي رب أو المتكلم بما لا يعقل من ~~ذلك في سكره أو غمرة جنونه فلا خلاف في كفر قائل ذلك ومدعيه مع سلامة ms409 عقله ~~كما قدمناه لكنه تقبل توبته على المشهور وتنفعه إنابته وتنجيه من القتل ~~فيأته لكنه لا يسلم من عظيم النكال ولا يرفه عن شديد العقاب ليكون ذلك زجرا ~~لمثله عن قوله وله عن العودة لكفره أو جهله إلا من تكرر منه ذلك وعرف ~~استهانته بما أتى به فهو دليل على سوء طويته وكذب توبته وصار كالزنديق الذي ~~لا نأمن باطنه ولا نقبل رجوعه وحكم السكران في ذلك حكم الصاحي وأما المجنون ~~والمعتوه فما علم أنه قال من ذلك في حال غمرته وذهاب ميزه فلا نظر فيه وما ~~فعله من ذلك في حال ميزه وإن لم يكن معه عقله وسقط تكليفه أدب على ذلك ~~لينزجر عنه كما يؤدب على قبائح الأفعال ويوالى أدبه على ذلك حتى ينكف عنها ~~كما تؤدب البهيمة على سوء الخلق حتى تراض وقد أحرق علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه من ادعى له الإلهية وقد قتل عبد الملك بن مروان الحارث المتنب ~~وصلبه وفعل ذلك غير واحد من الخلفاء والملوك بأشباههم وأجمع علماء وقتهم ~~على صواب فعلهم والمخالف في ذلك من كفرهم كافر وأجمع فقهاء بغداد أيام ~~المقتدر من PageV02P297 # المالكية وقاضي قضاتها أبو عم المالكي على قتل الحلاج وصلبه # لدعواه الإلهية والقول بالحلول وقوله: - أنا الحق - مع تمسكه في الظاهر ~~بالشريعة ولم يقبلوا توبته وكذلك حكموا في ابن أبي العزافير وكان على نحو ~~مذهب الحلاج بعد هذا أيام الراضي بالله وقاضي قضاة بغداد يومئذ أبو الحسين ~~بن أبي عمر المالكي، وقال ابن عبد الحكم في المبسوط من تنبأ قتل، وقال أبو ~~حنيفة وأصحابه: من جحد أن الله تعالى خالقه أو ربه أو قال ليس لي رب فهو ~~مرتد، وقال ابن القاسم في كتاب ابن حبيب ومحمد في العتبية فيمن تنبأ يستتاب ~~أسر ذلك أو أعلنه وهو كالمرتد وقاله سحنون وغيره وقاله أشهب في يهودي تنبأ ~~وادعى أنه رسول إلينا إن كان؟ ؟ ؟ ؟ ؟ بذلك استتيب فإن تاب وإلا قتل. # وقال أبو محمد بن أبي زيد فمن لعن بارئه ms410 وادعى أن لسانه زل وإنما أراد ~~لعن الشيطان يقتل بكفره ولا يقبل عذره وهذا على القول الآخر من أنه لا تقبل ~~توبته وقال أبو الحسن القابسي في سكران قال: أنا الله أنا الله إن تاب أدب ~~فإن عاد إلى PageV02P298 # مثل قوله طولب مطالبة الزنديق لأن هذا كفر المتلاعبين ### | فصل وأما من تكلم من سقط القول وسخف اللفظ # ممن لم يضبط كلامه وأهمل لسانه بما يقتضي الاستخفاف بعظمة ربه وجلالة ~~مولاه أو تمثل في بعض الأشياء ببعض ما عظم الله من ملكوته أو نزع من الكلام ~~لمخلوق بما لا يليق إلا في حق خالقه غير قاصد للكفر والاستخفاف ولا عامد ~~للإلحاد فإن تكرر هذا منه وعرف به دل على تلاعبه بدينه واستخفافه بحرمة ربه ~~وجهله بعظيم عزته وكبريائه وهذا كفر لا مرية فيه وكذلك إن كان ما أورده ~~يوجب الاستخفاف والتنقص لربه وقد أفتى ابن حبيب وأصبغ بن خليل من فقهاء ~~قرطبة بقتل المعروف بابن أخي عجب وكان خرج يوما فأخذه المطر فقال: بدأ ~~الخراز يرش جلوده، وكان بعض الفقهاء بها أبو زيد صاحب الثمانية وعبد الأعلى ~~بن وهب وأبان بن عيسى قد توقفوا عن سفك دمه وأشاروا إلى أنه عبث من القول ~~يكفي فيه الأدب وأفتى بمثله القاضي حينئذ موسى بن زياد فقال ابن حبيب: دمه ~~في عنقي، أيشتم رب عبدناه ثم لا ننتصر له؟ إنا إذا لعبيد سوء ما نحن له ~~بعابدين، وبكى ورفع المجلس إلى الأمير بها عبد الرحمن PageV02P299 # ابن الحكم الأموي وكانت عجب عمه هذا المطلوب من حظاياه وأعلم باختلاف ~~الفقهاء فخرج الإذن من عنده بالأخذ لقول ابن حبيب وصاحبه وأمر بقتله فقتل ~~وصلب بحضرة الفقيهين وعزل القاضي لتهمته بالمداهنة في هذه القصة ووبخ بقية ~~الفقهاء وسبهم. # وأما من صدرت عنه من ذلك الهنة الواحدة والفلتة الشاردة ما لم يكن تقصا ~~وإزراء فيعاقب # عليها ويؤدب بقدر مقتضاها وشنعة معناها وصورة حال قائلها وشرح سببها ~~ومقارنها، وقد سئل ابن القاسم رحمه الله عن رجل نادى رجلا باسمه فأجابه ms411 ~~لبيك اللهم لبيك قال إن كان جاهلا أو فاله على وجه سفه فلا شئ عليه قال ~~القاضي أبو الفضل وشرح قوله أنه لا قتل عليه والجاهل يزجر ويعلم والسفيه ~~يؤدب ولو قالها على اعتقاد إنزاله منزلة ربه لكفر، هذا مقتضى قوله وقد أسرف ~~كثير من سخفاء الشعراء ومتهميهم في هذا الباب واستخفوا عظيم هذه الحرمة ~~فأتوا من ذلك بما ننزه كتابنا ولساننا وأقلامنا عن ذكره ولولا أنا قصدنا نص ~~مسائل حكيناها لما ذكرنا شيئا مما يثقل ذكره علينا مما حكيناه في هذه ~~الفصول، وأما ما ورد في هذا من أهل الجهالة وأغاليط اللسان كقول بعض ~~الأعراب PageV02P300 # رب العباد مالنا ومالكا * قد كنت تسقينا فما بدا لكا أنزل علينا الغيث لا ~~أبا لكا في أشباه لهذا من كلام الجهال ومن لم يقومه ثقاف تأديب الشريعة ~~والعلم في هذا الباب فلما يصدر إلا من جاهل يجب تعليمه وزجره والإغلاظ له ~~عن العودة إلى مثله قال أبو سليمان الخطابي وهذا تهور من القول والله منزه ~~عن هذه الأمور وقد روينا عن عون بن عبد الله # أنه قال ليعظم أحدكم ربه أن يذكر اسمه في كل شئ حتى لا يقول أخزى الله ~~الكلب وفعل به كذا وكذا وكان بعض من أدركنا من مشايخنا فلما يذكر اسم الله ~~تعالى إلا فيما يتصل بطاعته وكان يقول للإنسان جزيت خيرا وقلما يقول جزاك ~~الله خيرا إعظاما لاسمه تعالى أن يمتهن في غير قربة، وحدثنا الثقة أن ~~الإمام أبا بكر الشاشي كان يعيب على أهل الكلام كثرة خوضهم فيه تعالى وفي ~~ذكر صفاته إجلالا لاسمه تعالى يقول هؤلاء يتمندلون بالله عز وجل وينزل ~~الكلام في هذا الباب تنزيله في باب ساب النبي صلى الله عليه وسلم على ~~الوجوه التي فصلناها والله الموفق PageV02P301 ### | (فصل) وحكم من سب سائر أنبياء الله تعالى وملائكته # واستخف بهم أو كذبهم فيما أتوا به أو أنكرهم وجحدهم حكم نبينا صلى الله ~~عليه وسلم على مساق ما قدمناه قال الله تعالى (إن الذين يكفرون بالله ms412 ورسله ~~ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله) الآية وقال تعالى (قولوا آمنا بالله وما ~~أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم) الآية إلى قوله (لا نفرق بين أحد منهم) ~~وقال (كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله) قال ~~مالك في كتاب ابن حبيب ومحمد وقال ابن القاسم وابن الماجشون وابن عبد الحكم ~~وأصبغ وسحنون فيمن شتم الأنبياء أو أحدا منهم أو تنقصه قتل ولم يستتب ومن ~~سبهم من أهل الذمة قتل إلا أن يسلم وروى سحنون عن ابن القاسم: من سب ~~الأنبياء من اليهود والنصارى بغير الوجه الذي به كفر فاضرب عنقه إلا أن ~~يسلم وقد تقدم الخلاف في هذا الأصل وقال القاضي بقرطبة سعيد بن سليمان في ~~بعض أجوبته من سب الله وملائكته قتل، وقال سحنون من شتم ملكا من الملائكة ~~فعليه القتل، وفي النوادر عن مالك فيمن قال إن جبريل أخطأ بالوحي وإنما كان ~~النبي علي بن أبي طالب استتيب فإن تاب وإلا قتل ونحوه عن سحنون وهذا قول ~~الغرابية من الروافض سموا بذلك لقولهم كان النبي صلى الله عليه وسلم أشبه ~~بعلي من الغراب بالغراب وقال أبو حنيفة وأصحابه على أصلهم من كذب بأحد من ~~الأنبياء أو تنقص # PageV02P302 # أحدا منهم أو يرى منهم فهو مرتد وقال أبو الحسن القابسي في الذي قال لآخر ~~كأنه وجه مالك الغضبان لو عرف أنه قصد ذم الملك قتل قال القاضي أبو الفضل ~~وهذا كله فيمن تكلم فيهم بما قلناه على جملة الملائكة والنبيين أو على معين ~~ممن حققنا كونه من الملائكة والنبيين ممن نص الله عليه في كتابه أو حققنا ~~عليه بالخبر المتواتر والمشتهر المتفق عليه بالإجماع القاطع لجبريل ~~وميكائيل ومالك وخزنة الجنة وجهنم والزبانية وحملة العرش المذكورين في ~~القرآن من الملائكة ومن سمي فيه من الأنبياء وكعزرائيل وإسرافيل ورضوان ~~والحفظة ومنكر ونكير من الملائكة المتفق على قبول الخبر بهما فأما من لم ~~تثبت الأخبار بتعيينه ولا وقع الإجماع على كونه من الملائكة أو الأنبياء ~~كهاروت وماروت ms413 في الملائكة والخضر ولقمان وذي القرنين ومريم وآسية وخالد بن ~~سنان المذكورة أنه نبي أهل الرس وزرادشت الذي تدعي المجوس والمؤرخون نبوته ~~فليس الحكم في سابهم والكافر بهم كالحكم فيمن قدمناه إذ لم تثبت لهم تلك ~~الحرمة ولكن يزجر من تنقصهم وآذاهم ويؤدب بقدر حال المنقول # فيه لا سيما من عرفت صديقيته وفضله منهم وإن لم تثبت نبوته وأما إنكار ~~نبوتهم أو كون الآخر من الملائكة فإن كان المتكلم في ذلك PageV02P303 # من أهل العلم فلا حرج لاختلاف العلماء في ذلك وإن كان من عوام الناس زجر ~~عن الخوض في مثل هذا فإن عاد أدب إذ ليس لهم الكلام في مثل هذا وقد كره ~~السلف الكلام في مثل هذا مما ليس تحته عمل لأهل العلم فكيف للعامة؟ ### | (فصل) وأعلم أن من استخف بالقرآن أو المصحف # أو بشئ منه أو سبهما أو جحده أو حرفا منه أو آية أو كذب به أو بشئ منه أو ~~كذب بشئ مما صرح به فيه من حكم أو خبر أو أثبت ما نفاه أو نفى ما أثبته على ~~علم منه بذلك أو شك في شئ من ذلك فهو كافر عند أهل العلم بإجماع قال الله ~~تعالى (وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من ~~حكيم حميد) حدثنا الفقيه أبو الوليد هشام بن أحمد رحمه الله حدثنا أبو علي ~~حدثنا ابن عبد البر حدثنا ابن عبد المؤمن حدثنا ابن داسة حدثنا أبو داود ~~حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا يزيد بن هارون حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن ~~أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (المراء في القرآن كفر) تؤول ~~بمعنى الشك وبمعنى الجدال، وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم (من ~~جحد آية من كتاب الله من المسلمين فقد حل ضرب عنقه) وكذلك إن جحد التوراة ~~والإنجيل وكتب الله المنزلة أو كفر بها أو لعنها أو سبها أو استخف بها فهو ~~كافر وقد أجمع المسلمون ms414 أن القرآن المتلو في جميع أقطار الأرض المكتوب # PageV02P304 # في المصحف بأيدي المسلمين مما جمعه الدفتان من أول (الحمد لله رب ~~العالمين - إلى آخر - قل أعوذ برب الناس) إنه كلام الله ووحيه المنزل على ~~نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وأن جميع ما فيه حق وأن من نقص منه حرفا ~~قاصدا لذلك أو بدله بحرف آخر مكانه أو زاد فيه حرفا مما لم يشتمل عليه ~~المصحف الذي وقع الإجماع عليه وأجمع على أنه ليس من القرآن عامدا لكل هذا ~~أنه كافر ولهذا رأى مالك قتل من سب عائشة رضي الله عنها بالفرية لأنه خالف ~~القرآن ومن خالف القرآن قتل أي لأنه كذب بما فيه، وقال ابن القاسم من قال ~~إن الله تعالى لم يكلم موسى تكليما يقتل وقاله عبد الرحمن بن مهدي وقال ~~محمد بن سحنون فيمن قال المعوذتان ليستا من كتاب الله يضرب عنقه إلا أن ~~يتوب وكذلك كل من كذب بحرف منه قال وكذلك إن شهد شاهد على من قال إن الله ~~لم يكلم موسى تكليما وشهد آخر عليه أنه قال إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ~~لأنهما اجتمعا على أنه كذب النبي صلى الله عليه وسلم وقال أبو عثمان الحداد ~~جميع من ينتحل التوحيد متفقون أن الجحد لحرف من التنزيل كفر وكان أبو ~~العالية إذا قرأ عنده رجل لم يقل له ليس كما قرأت ويقول أما PageV02P305 # أنا فأقرأ كذا فبلغ ذلك إبراهيم فقال أراه سمع أنه من كفر بحرف منه فقد ~~كفر به كله وقال عبد الله بن مسعود من كفر بآية من القرآن فقد كفر به كله ~~وقال أصبغ بن الفرج من كذب ببعض القرآن فقد كذب به كله ومن كذب به فقد كفر ~~به ومن كفر به فقد كفر بالله وقد سئل القابسي عمن خاضم يهوديا فحلف له ~~بالتوراة فقال الآخر لعن الله التوراة فشهد عليه بذلك شاهد ثم شهد آخر أنه ~~سأله عن القضية فقال إنما لعنت توراة اليهود فقال أبو الحسن الشاهد الواحد ~~لا ms415 يوجب القتل والثاني علق الأمر بصفة تحتمل التأويل إذ لعله لا يرى اليهود ~~متمسكين بشئ من عند الله لتبديلهم وتحريفهم ولو اتفق الشاهدان على لعن ~~التوراة مجرد لضاق التأويل، وقد اتفق فقهاء بغداد على استتابة ابن شنبوذ ~~المقرئ أحد أئمة المقرئين المتصدرين بها مع ابن مجاهد لقراءته وإقرائه ~~بشواذ من الحروف مما ليس في المصحف وعقدوا عليه PageV02P306 # بالرجوع عنه والتوبة منه سجلا أشهد فيه بذلك على نفسه في مجلس الوزير أبي ~~علي بن مقلة سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة وكان فيمن أفتى عليه بذلك أبو بكر ~~الأبهري وغيره وأفتى أبو محمد بن أبي زيد بالأدب فيمن قال لصبي لعن الله ~~معلمك وما علمك وقال أردت سوء الأدب ولم أرد القرآن قال أبو محمد وأما من ~~لعن المصحف فإنه يقتل ### | (فصل) وسب آل بيته وأزواجه وأصحابه # صلى الله عليه وسلم وتنقصهم حرام ملعون فاعله * حدثنا القاضي الشهيد أبو ~~علي رحمه الله حدثنا أبو الحسين الصيرفي وأبو الفضل العدل حدثنا أبو يعلى ~~حدثنا أبو علي السنجي حدثنا ابن محبوب حدثنا الترمذي حدثنا محمد بن يحيى ~~حدثنا يعقوب ابن إبراهيم حدثنا عبيدة بن أبى رابطة عن عبد الرحمن بن زياد ~~عن عبد الله ابن مغفل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (الله الله في ~~أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي ~~أبغضهم PageV02P307 # ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن # يأخذه) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تسبوا أصحابي فمن سبهم ~~فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا) ~~وقال صلى الله عليه وسلم (لا تسبوا أصحابي فإنه يجئ قوم في آخر الزمان ~~يسبون أصحابي فلا تصلوا عليهم ولا تصلوا معهم ولا تناكحوهم ولا تجالسوهم ~~وإن مرضوا فلا تعودوهم) وعنه صلى الله عليه وسلم (من سب أصحابي فاضربوه) ~~وقد أعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن سبهم وأذاهم يؤذيه وأذى النبي صلى ~~الله عليه ms416 وسلم حرام فقال (لا تؤذوني في أصحابي ومن آذاهم فقد آذاني) وقال ~~(لا تؤذوني في عائشة) وقال في فاطمة (بضعة مني يؤذيني ما آذاها وقد اختلف ~~العلماء في هذا فمشهور مذهب مالك في ذلك الاجتهاد والأدب الموجع، قال مالك ~~رحمه الله من شتم النبي صلى الله عليه وسلم قتل ومن شتم أصحابه أدب وقال ~~أيضا من شتم أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أو عمر أو ~~عثمان أو معاوية أو عمرو بن العاص فإن قال كانوا على ضلال وكفر قتل وإن ~~شتمهم بغير هذا من مشاتمة الناس نكل نكالا شديدا، وقال ابن حبيب من غلا من ~~الشيعة إلى بغض عثمان والبراءة منه أدب أدبا شديدا ومن زاد إلى بغض أبي بكر ~~وعمر فالعقوبة عليه PageV02P308 # أشد ويكرر ضربه ويطال سجنه حتى يموت ولا يبلغ به القتل إلا في سب النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقال سحنون من كفر أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم عليا أو عثمان أو غيرهما يوجع ضربا وحكى أبو محمد ابن أبي زيد عن ~~سحنون فيمن قال في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي إنهم كانوا على ضلال وكفر قتل ~~ومن شتم غيرهم من الصحابة بمثل هذا نكل # النكال الشديد * وروي عن مالك من سب أبا بكر جلد ومن سب عائشة قتل، قيل ~~له لم؟ قال من رماها فقد خالف القرآن وقال ابن شعبان عنه لأن الله يقول ~~(يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين) فمن عاد لمثله فقد كفر * ~~وحكى أبو الحسن الصقلي أن القاضي أبا بكر ابن الطيب قال إن الله تعالى إذا ~~ذكر في القرآن ما نسبه إليه المشركون سبح نفسه لنفسه كقوله: (وقالوا اتخذ ~~الرحمن ولدا سبحانه) في آي كثيرة وذكر تعالى ما نسبه المنافقون إلى عائشة ~~فقال (ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك) سبح نفسه ~~في تبرئتها من السوء كما سبح نفسه في تبرته من السوء وهذا يشهد لقول مالك ms417 ~~في قتل من سب عائشة ومعني هذا والله أعلم أن الله لما عظم سبها كما عظم سبه ~~وكان سبها سبا لنبيه وقرن سب نبيه وأذاه بأذاه تعالى وكان حكم مؤذيه تعالى ~~القتل كان مؤذي نبيه كذلك كما قدمناه، وشتم رجل عائشة بالكوفة فقدم إلى ~~موسى بن عيسى # PageV02P309 # العباسي فقال من حضر هذا فقال ابن أبي ليلى أنا فجلد ثمانين وحلق رأسه ~~وأسلمه للحجامين وروي عن عمر بن الخطاب أنه نذر قطع لسان عبيد الله ابن عمر ~~إذ شتم المقداد بن الأسود فكلم في ذلك فقال دعوني أقطع لسانه حتى لا يشتم ~~أحد بعد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وروى أبو ذر الهروي أن عمر بن ~~الخطاب أتي بأعرابى يهجو الأنصار فقال لولا أن له صحبة لكفيتكموه قال مالك ~~من انتقص أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فليس له في هذا الفئ حق ~~قد قسم الله الفئ في ثلاثة أصناف فقال (للفقراء المهاجرين) الآية ثم قال ~~(والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم) الآية وهؤلاء هم الأنصار ثم قال ~~(والذين جاؤا من بعدهم يقولون ربنا # اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان) الآية فمن تنقصهم فلا حق له ~~في فئ المسلمين، وفي كتاب ابن شعبان من قال في واحد منهم إنه ابن زانية ~~وأمه مسلمة حد عند بعض أصحابنا حدين حدا له وحدا لأمه ولا أجعله كقاذف ~~الجماعة في كلمة لفضل هذا على غيره ولقوله صلى الله عليه وسلم (ومن سب ~~أصحابي فاجلدوه) قال ومن قذف أم أحدهم وهي كافرة حد حد الفرية لأنه سب له ~~فإن كان أحد من ولد هذا الصحابي حيا قام بما يجب له وإلا فمن قام من ~~المسلمين كان على الإمام قبول قيامه قال وليس هذا كحقوق غير الصحابة لحرمة ~~هؤلاء بنبيهم صلى الله عليه وسلم ولو سمعه # PageV02P310 # الإمام وأشهد عليه كان ولي القيام به قال ومن سب غير عائشة من أزواج ~~النبي صلى الله عليه وسلم ففيها قولان أحدهما يقتل لأنه سب النبي صلى ms418 الله ~~عليه وسلم بسب حليلته والآخر أنها كسائر الصحابة يجلد حد المفتري قال ~~وبالأول أقول وروى أبو مصعب عن مالك فيمن سب من انتسب إلى بيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يضرب ضربا وجيعا ويشهر ويحبس طويلا حتى تظهر توبته لأنه ~~استخفاف بحق الرسول صلى الله عليه وسلم وأفنى أبو المطرف الشعبي فيه ما لفة ~~في رجل أنكر تحليف امرأة بالليل وقال لو كانت بنت أبي بكر الصديق ما حنفت ~~إلا بالنهار وصوب قوله بعض المتسميين بالفقه فقال أبو المطرف ذكر هذا لابنة ~~أبي بكر في مثل هذا يوجب عليه الضرب الشديد والسجن الطويل والفقيه الذي صور ~~قوله هو أخص باسم الفسق من اسم الفقه فيتقدم إليه في ذلك ويزجر ولا تقبل ~~فتواه ولا شهادته وهي جرحة ثابتة فيه ويبغض في الله وقال أبو عمران في رجل ~~قال لو شهد علي أبو بكر الصديق أنه إن # كان أراد أن شهادته في مثل هذا لا يجوز فيه الشاهد الواحد فلا شئ عليه ~~وإن كان أراد غير هذا فيضرب ضربا يبلغ به حد الموت وذكروها رواية * قال ~~القاضي أبو الفضل هنا انتهى القول بنا فيما حررناه وانتجز الغرض ~~PageV02P311 # الذي انتحيناه واستوفي الشرط الذي شرطناه مما أرجو أن في كل قسم منه ~~للمريد مقنع وفي كل باب منهج إلى بغيته ومنزع وقد سفرت فيه عن نكت تستغرب ~~وتستبدع وكرعت في مشارب من التحقيق لم يورد لها قبل في أكثر التصانيف مشرع ~~وأودعته غير ما فضل وددت لو وجدت من بسط قبلي الكلام فيه أو مقتدى يفيدنيه ~~عن كتابه أو فيه لأكتفى بما أرويه عما أرويه وإلى الله تعالى جزيل الضراعة ~~والمنة بقبول ما منه لوجهه ولعفو عما تخلله من تزين وتصنع لغيره وأن يهب ~~لنا ذلك بجميل كرمه وعفوه لما أودعناه من شرف مصطفاه وأمين وحيه وأسهرنا به ~~جفوتنا لتتبع فضائله وأعملنا فيه خواطرنا من إبراز خصائصه ووسائله ويحمي ~~أعراضنا عن ناره الموقدة لحمايتنا كريم عرضه ويجعلنا ممن PageV02P312 # لا يذاد إذا ذيد المبدل ms419 عن حوضه ويجعله لنا ولمن تهمم باكتتابه واكتسابه ~~سبيا يصلنا بأسبابه وذخيرة نجدها يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا نحوز ~~بها رضاه وجزيل ثوابه ويخصنا بخصيصي زمرة نبينا وجماعته ويحشرنا في الرعيل ~~الأول وأهل الباب الأيمن من أهل شفاعته، ونحمده تعالى على ما هدى إليه من ~~جمعه وألهم وفتح البصيرة لدرك حقائق ما أودعناه وفهم، ونستعيذه جل اسمه من ~~دعاء لا يسمع وعلم لا ينفع وعمل لا يرفع فهو الجواد الذي لا يخيب من أمله ~~ولا ينتصر من PageV02P313 # خذله ولا يرد دعوة القاصدين ولا يصلح عمل المفسدين وهو حسبنا ونعم ~~الوكيل، وصلاته على سيدنا ونبينا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين ~~وسلم تسليما كثيرا والحمد لله رب العالمين تم الجزء الثاني من كتاب الشفا، ~~وبه تم الكتاب PageV02P314 ms420