######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0023645 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل (المتوفى: 544هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 544 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الشفا بتعريف حقوق المصطفى #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: السيرة والشمائل #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0023645 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-23645 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/23645 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الثانية - 1407 هـ #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الفيحاء - عمان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | مقدمة المؤلف # الحمد لله المتفرد «1» باسمه الأسمى «2» ، المختص بالعز «3» الأحمى «4» ~~الذي ليس دونه «5» منتهى ولا وراءه مرمى «6» ، الظاهر» # لا تخيلا «8» ولا وهما، الباطن «9» تقدسا لاعدما «10» ، وسع «11» كل شيء ~~رحمة PageV01P025 # وعلما، وأسبغ «1» على أوليائه نعما عما «2» ، وبعث فيهم رسولا من أنفسهم ~~«3» أنفسهم «4» عربا وعجما، وأزكاهم «5» محتدا «6» ومنمى «7» ، وأرجحهم ~~عقلا وحلما «8» ، وأوفرهم علما وفهما وأقواهم يقينا «9» وعزما، وأشدهم بهم ~~رأفة ورحما، وزكاه روحا وجسما، وحاشاه «10» عيبا ووصما «11» ، وآتاه حكمة ~~«12» وحكما «13» وفتح به أعينا عميا «14» ، وقلوبا غلفا «15» وآذانا صما، ~~فآمن به وعزره «16» ونصره من جعل الله له في مغنم PageV01P026 # السعادة قسما، وكذب به وصدف «1» عن آياته من كتب الله عليه الشقاء حتما، ~~ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى «2» صلى الله عليه صلاة تنمو وتنمى ~~وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. # أما بعد: أشرق الله قلبي وقلبك بأنوار اليقين ولطف لي «3» ولك بما لطف ~~بأوليائه المتقين، الذين شرفهم الله بنزل «4» قدسه، وأوحشهم من الخليقة ~~بأنسه، وخصهم من معرفته ومشاهدة عجائب ملكوته «5» وآثار قدرته بما ملأ ~~قلوبهم حبرة «6» ، ووله «7» عقولهم في عظمته حيرة، فجعلوا همهم به واحدا، ~~ولم يروا في الدارين غيره مشاهدا. PageV01P027 # فهم بمشاهدة جماله وجلاله يتنعمون «1» . # وبين آثار قدرته وعجائب عظمته يترددون. وبالانقطاع إليه والتوكل عليه ~~يتعززون لهجين «2» بصادق قوله «قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون «3» فإنك ~~كررت علي السؤال في مجموع «4» . يتضمن التعريف بقدر المصطفى عليه الصلاة ~~والسلام، وما يجب له من توقير وإكرام، وما حكم من لم يوف واجب عظيم ذلك ~~القدر أو قصر في حق منصبه الجليل قلامة» # ظفر، وأن أجمع لك ما لأسلافنا وأئمتنا في ذلك من مقال، وأبينه بتنزيل، ~~«6» صور وأمثال. # فاعلم أكرمك الله أنك حملتني من ذلك أمرا إمرا «7» ، وأرهقتني «8» فيما ~~ندبتني «9» إليه عسرا، وأرقيتني «10» بما كلفتني مرتقى صعبا ملأ قلبي رعبا. ~~PageV01P028 # فإن الكلام في ذلك يستدعي تقرير أصول، وتحرير «1» فصول، والكشف عن غوامض ~~ودقائق من علم الحقائق «2» مما يجب للنبي صلى الله عليه وسلم ويضاف إليه أو ~~يمتنع أو يجوز عليه، ومعرفة النبي ms001 والرسول والرسالة، والنبوة والمحبة ~~والخلة «3» ، وخصائص هذه الدرجة العلية. # وههنا مهامه «4» فيح «5» تحار فيها القطا «6» ، وتقصر بها الخطا، ومجاهل ~~تضل فيها الأحلام إن لم تهتد بعلم «7» علم ونظر سديد ومداحض «8» تزل بها ~~الأقدام إن لم تعتمد على توفيق من الله وتأييد، لكني لما رجوته لي ولك في ~~هذا السؤال والجواب من نوال «9» وثواب بتعريف قدره الجسيم، وخلقه العظيم ~~وبيان خصائصه التي لم تجتمع قبل في مخلوق، وما يدان «10» الله تعالى به من ~~PageV01P029 # حقه الذي هو أرفع الحقوق ليستيقن الذين اوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا ~~ايمانا «1» . # ولما أخذ الله تعالى على الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ~~ولما حدثنا به ابو الوليد «2» هشام ابن أحمد الفقيه رحمه الله بقراءتي ~~عليه، قال حدثنا الحسين «3» بن محمد، حدثنا ابو عمرو النمري «4» حدثنا أبو ~~محمد «5» بن عبد المؤمن، حدثنا أبو بكر محمد بن بكر «6» ، حدثنا سليمان بن ~~الاشعث «7» ، حدثنا موسى بن PageV01P030 # اسماعيل «1» حدثنا حماد «2» اخبرنا علي بن الحكم «3» عن عطاء «4» ، عن ~~أبي هريرة «5» رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، من سئل ~~عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة «6» . # فبادرت الى نكت «7» سافرة «8» عن وجه الغرض، مؤديا من ذلك PageV01P031 # الحق المفترض، اختلستها «1» على استعجال لما المرء بصدده» # من شغل البدن والبال، بما قلده «3» من مقاليد المحنة التي ابتلي بها ~~فكادت تشغل عن كل فرض ونفل وترد بعد حسن التقويم إلى أسفل سفل، ولو أراد ~~الله بالإنسان خيرا لجعل شغله وهمه كله فيما يحمد غدا أو يذم محله، فليس ثم ~~سوى نضرة «4» النعيم. أو عذاب الجحيم، ولكان عليه بخويصته «5» واستنقاذ ~~مهجته «6» ، وعمل صالح يستزيده، وعلم نافع يفيده أو يستفيده. # جبر «7» الله تعالى صدع «8» قلوبنا، وغفر عظيم ذنوبنا، وجعل جميع ~~استعدادنا لمعادنا «9» ، وتوفر دواعينا) فيما ينجينا ويقربنا اليه ~~PageV01P032 # زلفى «1» ويحظينا «2» بمنه «3» ورحمته. # ولما نويت تقريبه ودرجت «4» تبويبه، ومهدت تأصيله وخلصت «5» تفصيله ~~وانتحيت «6» حصره وتحصيله ترجمته «7» بالشفا «8» بتعريف حقوق المصطفى. ~~وحصرت الكلام فيه في أربعة أقسام «9» . # (القسم الأول:) في ms002 تعظيم العلي الأعلى لقدر هذا النبي قولا وفعلا، وتوجه ~~«10» الكلام فيه في أربعة أبواب. # الباب الأول: في ثنائه تعالى عليه وإظهاره عظيم قدره لديه وفيه عشرة ~~فصول. PageV01P033 # الباب الثاني: في تكميله تعالى له المحاسن خلقا وخلقا وقرانه «1» جميع ~~الفضائل الدينية والدنيوية فيه نسقا «2» وفيه سبعة وعشرون فصلا «3» . # الباب الثالث: فيما ورد من صحيح الأخبار ومشهورها بعظيم قدره عند ربه ~~ومنزلته، وما خصه الله به في الدارين من كرامته، وفيه اثنا عشر فصلا «4» . # الباب الرابع: فيما أظهره الله تعالى على يديه من الآيات والمعجزات وشرفه ~~به من الخصائص والكرامات وفيه ثلاثون «5» فصلا. # (القسم الثاني) فيما يجب على الأنام «6» من حقوقه عليه الصلاة والسلام. ~~ويترتب القول فيه في أربعة أبواب. PageV01P034 # الباب الأول: في فرض الإيمان به ووجوب طاعته واتباع سنته وفيه خمسة فصول ~~«1» . # الباب الثاني: في لزوم محبته ومناصحته وفيه ستة فصول «2» # الباب الثاني: في تعظيم أمره ولزوم توقيره وبره وفيه سبعة «3» فصول. # الباب الرابع: في حكم الصلاة عليه والتسليم وفرض ذلك وفضيلته وفيه عشرة ~~فصول «4» # (القسم الثالث) فيما يستحيل «5» في حقه صلى الله عليه وسلم وما يجوز عليه ~~وما يمتنع ويصح «6» من الأمور البشرية أن يضاف اليه، وهذا القسم ~~PageV01P035 # أكرمك الله تعالى هو سر الكتاب ولباب ثمرة هذه الأبواب «1» وما قبله له ~~كالقواعد والتمهيدات والدلائل على ما نورده فيه من النكت البينات، وهو ~~الحاكم على ما بعده والمنجز «2» من غرض هذا التأليف وعده، وعند التقصي ~~لموعدته» # والتفصي «4» عن عهدته «5» يشرق «6» صدر العدو اللعين، ويشرق قلب المؤمن ~~باليقين، وتملأ انواره جوانح «7» صدره ويقدر العاقل «8» النبي حق قدره، ~~ويتحرر «9» الكلام فيه في بابين. # الباب الأول: فيما يختص بالأمور الدينية ويتشبث «10» به القول في العصمة، ~~وفيه ستة عشر فصلا «11» . PageV01P036 # الباب الثاني: في أحواله الدنيوية وما يجوز طروه «1» عليه من الأعراض «2» ~~البشرية، وفيه تسعة فصول «3» . # (القسم الرابع) في تصرف «4» وجوه الأحكام على من تنقصه «5» أو سبه صلى ~~الله عليه وسلم، وينقسم الكلام فيه في بابين. # الباب الأول: في بيان ما هو في حقه سب ونقص ms003 من تعريض «6» أو نص «7» وفيه ~~عشرة فصول «8» . # الباب الثاني: في حكم شانئه «9» ومؤذيه ومنتقصه «10» وعقوبته PageV01P037 # وذكر استتابته والصلاة «1» عليه ووراثته، وفيه عشرة فصول «2» وختمناه ~~بباب ثالث جعلناه تكملة لهذه المسألة، ووصلة للبابين اللذين قبله في حكم من ~~سب الله تعالى ورسله وملائكته وكتبه وآل النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه، ~~واختصر الكلام فيه في خمسة فصول «3» ، وبتمامها ينتجز الكتاب، وتتم الأقسام ~~والأبواب، ويلوح «4» في غرة «5» الإيمان لمعة «6» منيرة، وفي تاج التراجم ~~درة خطيرة، تزيح كل لبس «7» ، وتوضح كل تخمين «8» وحدس «9» ، وتشفي صدور ~~قوم مؤمنين، وتصدع «10» بالحق، وتعرض عن الجاهلين، وبالله تعالى لا إله ~~سواه أستعين. PageV01P038 ### |EDITOR| # أيها الاخوة الاحبه: # قصرنا هذا العدد على موضوعات التقديم وبيان أهمية هذا الكتاب لنبدأ- باذن ~~الله تعالى- في العدد القادم مادة الكتاب مباشرة راجين من المولى تعالى ~~تسديد الخطى ومن القراء الكرام النصح والارشاد. # والله تعالى هو الموفق للخير وهو يهدي السبيل. # «المحققون» # PageV01P039 # (الجزء الأول) # PageV01P041 ### | القسم الأول في تعظيم العلي الأعلى لقدر النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا # PageV01P043 # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### || مقدمة القسم الأول # قال الفقيه القاضي الإمام أبو الفضل رحمه الله «1» : # لاخفاء على من مارس شيئا من العلم، أو خص بأدنى لمحة «2» من الفهم «3» ، ~~بتعظيم الله قدر نبينا صلى الله عليه وسلم، وخصوصه إباه بفضائل ومحاسن ~~ومناقب لا تنضبط» # لزمام، وتنويهه «5» من عظيم «6» قدره بما تكل عنه الألسنة والأقلام؛ # فمنها ما صرح به تعالى في كتابه، ونبه به على جليل نصابه «7» ، ~~PageV01P045 # وأثنى به عليه من أخلاقه وآدابه، وحض العباد على التزامه «1» وتقلد ~~إيجابه «2» . فكان جل جلاله هو الذي تفضل وأولى، ثم مدح بذلك وأثنى، ثم ~~أثاب عليه الجزاء الأوفى، فله الفضل بدءا وعودا، والحمد أولى وأخرى «3» ... # ومنها ما أبرزه للعيان من خلقه على أتم وجوه الكمال والجلال، وتخصيصه ~~بالمحاسن الجميلة، والأخلاق الحميدة، والمذاهب الكريمة، والفضائل العديدة، ~~وتأييده بالمعجزات الباهرة، والبراهين الواضحة، والكرامات البينة التي ~~شاهدها من عاصره «4» ، ورآها من أدركه «5» ، وعلمها علم يقين «6» من جاء ~~بعده حتى انتهى علم حقيقة ذلك إلينا، ms004 وفاضت أنواره «7» علينا صلى الله عليه ~~وسلم «8» . PageV01P046 # عن أنس «1» رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بالبراق «2» ~~ليلة أسري به ملجما «3» مسرجا «4» فاستصعب «5» عليه فقال له جبريل: أبمحمد ~~تفعل هذا؟!! فما ركبك أحد أكرم على الله منه ... قال: «6» فارفض «7» عرقا ~~«8» . PageV01P047 ### || الباب الأول في ثناء الله تعالى عليه وإظهاره عظيم قدره لديه # اعلم أن في كتاب الله عز وجل آيات كثيرة مفعمة بجميل ذكر المصطفى وعد ~~محاسنه وتعظيم أمره وتنويه قدره اعتمدنا منها على ما ظهر معناه وبان فحواه ~~وجمعنا ذلك في: # عشرة فصول # PageV01P049 ### ||| الفصل الأول فيما جاء من ذلك مجيء المدح والثناء وتعداد المحاسن # كقوله تعالى «لقد جاءكم رسول من أنفسكم «1» » الآية ... قال السمرقندي ~~«2» : وقرأ بعضهم «من أنفسكم «3» » بفتح الفاء، وقراءة الجمهور بالضم.. # قال القاضي أبو الفضل: «4» أعلم الله تعالى المؤمنين، أو العرب أو أهل ~~مكة، أو جميع الناس على اختلاف المفسرين، من المواجه بهذا الخطاب، أنه بعث ~~فيهم رسولا من أنفسهم يعرفونه، PageV01P051 # ويتحققون مكانه، ويعلمون صدقه وأمانته، فلا يتهمونه بالكذب وترك النصيحة ~~لهم لكونه منهم، وأنه لم تكن قبيلة في العرب «1» إلا ولها على «2» رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ولادة «3» ، أو قرابة «4» .. # وهو «5» عند ابن عباس «6» وغيره: معنى قوله تعالى PageV01P052 # «إلا المودة في القربى» «1» وكونه من أشرفهم، وأرفعهم، وأفضلهم على قراءة ~~الفتح ... وهذه نهاية المدح. # ثم وصفه بعد بأوصاف حميدة، وأثنى عليه بمحامد كثيرة، من حرصه على هدايتهم ~~ورشدهم وإسلامهم. وشدة ما يعنتهم «2» ويضر بهم في دنياهم وأخراهم، وعزته» # عليه ورأفته ورحمته بمؤمنهم «4» . # قال بعضهم «5» : أعطاه اسمين من أسمائه رؤوف رحيم. ومثله في الآية الأخرى ~~«6» «لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم «7» » الآية. ~~PageV01P053 # وقوله تعالى «1» : «هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم «2» » الآية. # وقوله تعالى: «كما أرسلنا فيكم رسولا منكم «3» » الآية.. # وروي عن علي «4» عنه صلى الله عليه وسلم «5» في قوله تعالى من أنفسكم ~~قال: «نسبا وصهرا وحسبا ليس في آبائي من لدن آدم سفاح، كلها نكاح «6» » . # قال ابن الكلبي «7» : كتبت ms005 للنبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة «8» أم فما ~~وجدت PageV01P054 # فيهن سفاحا ولا شيئا مما كانت عليه الجاهلية «1» . # عن ابن عباس «2» رضي الله عنهما في قوله تعالى: «وتقلبك في الساجدين» «3» ~~قال: (من نبي إلى نبي حتى أخرجتك «4» نبيا) «5» # وقال جعفر «6» بن محمد: علم الله تعالى عجز خلقه عن طاعته فعرفهم ذلك لكي ~~يعلموا أنهم لا ينالون الصفو من خدمته، فأقام بينه وبينهم «7» مخلوقا من ~~جنسهم في الصورة، ألبسه من نعته الرأفة والرحمة وأخرجه إلى الخلق سفيرا ~~صادقا، وجعل طاعته طاعته، وموافقته موافقته، فقال تعالى: «من يطع الرسول ~~فقد أطاع الله» «8» . PageV01P055 # وقال تعالى «1» : «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» «2» . # قال أبو بكر محمد «3» بن طاهر «4» : زين الله تعالى محمدا صلى الله عليه ~~وسلم بزينة الرحمة، فكان كونه رحمة، وجميع شمائله وصفاته رحمة على الخلق، ~~فمن أصابه شيء من رحمته فهو الناجي في الدارين من كل مكروه، والواصل فيهما ~~إلى كل محبوب. # ألا ترى أن الله تعالى يقول: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» فكانت ~~حياته رحمة ومماته رحمة. # كما قال عليه الصلاة والسلام «5» : «حياتي خير لكم، وموتي خير لكم» . # وكما قال «6» عليه الصلاة والسلام: «إذا أراد الله رحمة بأمة «7» ~~PageV01P056 # قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطا «1» وسلفا» . # وقال السمرقندي «2» : «رحمة للعالمين» يعني للجن والإنس. # وقيل: لجميع الخلق. للمؤمن رحمة بالهداية ورحمة للمنافق بالأمان من القتل ~~ورحمة للكافر بتأخير العذاب. # قال ابن عباس «3» رضي الله عنهما «4» : هو رحمة للمؤمنين والكافرين إذ ~~عوفوا مما أصاب غيرهم من الأمم المكذبة # وحكي» # : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل عليه السلام: «هل أصابك من هذه ~~الرحمة شيء قال: «نعم، كنت أخشى العاقبة فأمنت لثناء الله عز وجل علي بقوله ~~«ذي قوة عند ذي العرش مكين، مطاع ثم أمين» «6» . # وروي عن جعفر «7» بن محمد الصادق في قوله تعالى: «فسلام PageV01P057 # لك من أصحاب اليمين» «1» # أي بك # ..... # إنما وقعت سلامتهم من أجل كرامة محمد صلى الله عليه وسلم. # وقال الله تعالى: «الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة» «2» الآية. # قال كعب ms006 «3» الأحبار وابن جبير «4» : المراد بالنور الثاني هنا محمد صلى ~~الله عليه وسلم. # وقوله تعالى «مثل نوره» أي نور محمد صلى الله عليه وسلم. # وقال «5» سهل بن «6» عبد الله: المعنى: PageV01P058 # الله هادي أهل السماوات والأرض «1» . # ثم قال «2» : مثل نور محمد إذ كان مستودعا في الأصلاب «كمشكاة «3» » ~~صفتها «4» كذا ... # وأراد ب «المصباح» قلبه، و «الزجاجة» صدره ... أي كأنه كوكب «5» دري «6» ~~لما فيه من الإيمان والحكمة «يوقد من شجرة مباركة» أي من نور ابراهيم عليه ~~السلام «7» . # وضرب المثل بالشجرة المباركة. # وقوله: «يكاد زيتها يضيء» أي تكاد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم تبين ~~للناس قبل كلامه كهذا الزيت. # وقد قيل «8» في هذه الآية غير هذا والله أعلم. PageV01P059 # وقد سماه الله تعالى في القرآن في غير هذا الموضع نورا وسراجا منيرا، ~~فقال تعالى: «قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين» «1» # وقال تعالى: «إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه ~~وسراجا منيرا» «2» . # ومن هذا قوله تعالى: «ألم نشرح لك صدرك» «3» إلى آخر السورة «شرح» وسع. ~~والمراد «بالصدر» هنا القلب. # قال ابن عباس «4» رضي الله عنهما «5» : شرحه «بنور «6» الإسلام» . # وقال سهل «7» : «بنور الرسالة» . # وقال الحسن «8» : «ملأه حكما وعلما» . PageV01P060 # وقيل معناه: «ألم يطهر قلبك حتى لا يقبل «1» الوسواس» «ووضعنا عنك وزرك ~~الذي أنقض ظهرك» «2» . # قيل: «ما سلف من ذنبك- يعني قبل النبوة» -. # وقيل: «أراد ثقل أيام الجاهلية» . # وقيل: «أراد ما أثقل ظهره من الرسالة حتى بلغها» . # حكاه الماوردي «3» والسلمي «4» . # وقيل: «عصمناك، ولولا ذلك لأثقلت الذنوب ظهرك» . # حكاه السمرقندي. «5» : # «ورفعنا لك ذكرك» «6» قال يحيى «7» بن آدم: «بالنبوة» . PageV01P061 # وقيل: «إذا ذكرت ذكرت معي» # في قول لا إله إلا الله محمد رسول الله» وقيل: في الأذان «2» . # قال القاضي الفقيه أبو الفضل: هذا تقرير من الله جل اسمه لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم على عظيم نعمه لديه، وشريف منزلته عنده، وكرامته عليه، بأن شرح ~~قلبه للإيمان والهداية، ووسعه لوعي العلم وحمل الحكمة، ورفع عنه ثقل أمور ~~الجاهلية عليه، وبغضه لسيرها وما كانت عليه بظهور دينه على الدين كله، وحط ~~عنه ms007 عهدة أعباء الرسالة والنبوة لتبليغه للناس ما نزل إليهم، وتنويهه بعظيم ~~مكانه، وجليل رتبته، ورفعة ذكره وقرانه مع اسمه اسمه ... # قال قتادة «3» : «رفع الله تعالى ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا ~~متشهد ولا صاحب صلاة إلا يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله» . PageV01P062 # وروى أبو سعيد «1» الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~«2» : «أتاني جبريل عليه السلام فقال: إن ربي وربك يقول: # تدري «3» كيف رفعت ذكرك؟ .. قلت «4» : الله ورسوله «5» أعلم. قال: إذا ~~ذكرت ذكرت معي..» # قال ابن عطاء «6» : جعلت تمام الإيمان بذكرك معي. «7» » . # وقال «8» أيضا: «جعلتك ذكرا من ذكري، فمن ذكرك ذكرني» . # وقال جعفر «9» بن محمد الصادق: لا يذكرك أحد بالرسالة إلا PageV01P063 # ذكرني بالربوبية. وأشار بعضهم «1» في ذلك إلى مقام الشفاعة ... # ومن ذكره معه تعالى أن قرن طاعته بطاعته واسمه باسمه. # فقال تعالى: «وأطيعوا الله والرسول» «2» ... و «آمنوا بالله ورسوله» «3» ~~... فجمع بينهما بواو العطف المشركة.. # ولا يجوز جمع هذا الكلام في غير حقه صلى الله عليه وسلم.. # عن حذيفة «4» رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «5» : «لا ~~يقولن أحدكم ما شاء الله وشاء فلان، ولكن، ما شاء الله ثم شاء فلان..» # قال الخطابي «6» : أرشدهم صلى الله عليه وسلم إلى الأدب في تقديم مشيئة ~~الله تعالى على مشيئة من سواه، واختارها ب «ثم» التي هي للنسق والتراخي ~~بخلاف «الواو» التي هي للاشتراك.. PageV01P064 # ومثله الحديث الآخر: «أن خطيبا «1» خطب عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما «2» فقال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم: بئس خطيب القوم أنت. قم «3» . أو قال: اذهب» قال أبو سليمان «4» ~~: كره منه الجمع بين الاسمين بحرف الكناية «5» لما فيه من التسوية.. # وذهب غيره إلى أنه إنما كره له الوقوف على «يعصهما» وقول أبي سليمان ~~أصح.. لما روي في الحديث الصحيح أنه قال: # «ومن يعصهما فقد غوى» ولم يذكر الوقوف على يعصهما. # وقد اختلف المفسرون وأصحاب المعاني «6» في قوله ms008 تعالى: «إن الله وملائكته ~~يصلون على النبي» «7» هل «يصلون» راجعة على الله تعالى والملائكة!! أم لا.. ~~PageV01P065 # فأجازه بعضهم. # ومنعه آخرون لعلة التشريك.. وخصوا الضمير بالملائكة. # وقدروا الآية «إن الله» يصلي «وملائكته يصلون» . # روي «1» عن عمر «2» رضي الله عنه أنه قال: «من فضيلتك عند الله أن جعل ~~طاعتك طاعته «3» ، فقال تعالى: «من يطع الرسول فقد أطاع الله «4» .» وقد ~~قال تعالى: «قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم «5» الله» «6» . # وروي «7» أنه لما نزلت هذه الآية قالوا» # : «إن محمدا يريد أن نتخذه حنانا «9» كما اتخذت النصارى عيسى» .. فأنزل ~~PageV01P066 # الله تعالى «قل أطيعوا الله والرسول «1» » .. فقرن طاعته بطاعته رغما ~~لهم. # وقد اختلف المفسرون في معنى قوله تعالى في أم الكتاب: # «اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم «2» » فقال أبو العالية ~~«3» والحسن «4» البصري: «الصراط المستقيم» هو رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وخيار أهل بيته وأصحابه حكاه عنهما «5» أبو الحسن الماوردي «6» . # وحكى مكي «7» عنهما نحوه «8» ، وقال: «هو رسول PageV01P067 # الله صلى الله عليه وسلم وصاحباه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما» . # وحكى أبو الليث السمرقندي «1» مثله عن أبي العالية في قوله تعالى: «صراط ~~الذين أنعمت عليهم «2» » . # فبلغ ذلك الحسن «3» فقال: «صدق والله ونصح» . # وحكى الماوردي «4» ذلك في تفسير «صراط الذين أنعمت عليهم» عن عبد الرحمن ~~«5» بن زيد. # وحكى أبو عبد الرحمن «6» السلمي عن بعضهم في تفسير قوله تعالى: «فقد ~~استمسك بالعروة الوثقى «7» » إنه محمد صلى الله عليه وسلم. # وقيل: «الاسلام» # وقيل: «شهادة التوحيد» PageV01P068 # وقال سهل «1» في قوله تعالى: «وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها» «2» قال: ~~نعمته بمحمد صلى الله عليه وسلم. # وقال تعالى: «والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون» «3» الآيتين. # أكثر المفسرين على أن «الذي جاء بالصدق» هو محمد صلى الله عليه وسلم. # قال بعضهم: وهو الذي «صدق به» . # وقرىء: «صدق به» بالتخفيف. # وقال غيرهم «4» : الذي «صدق به» المؤمنون. # وقيل: أبو بكر «5» . # وقيل: علي. # وقيل غير هذا من الأقوال. PageV01P069 # وعن مجاهد «1» في قوله تعالى: «ألا بذكر الله تطمئن القلوب» «2» قال: ~~بمحمد صلى الله عليه ms009 وسلم وأصحابه «3» . PageV01P070 ### ||| الفصل الثاني في وصفه تعالى له بالشهادة وما يتعلق بها من الثناء والكرامة # قال الله تعالى: «يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا «1» » ~~.. الآية. # جمع الله تعالى له في هذه الآية ضروبا من رتب الأثرة «2» ، وجملة أوصاف ~~من المدحة فجعله «شاهدا» على أمته لنفسه بإبلاغهم الرسالة.. وهي من خصائصه ~~صلى الله عليه وسلم.. # «ومبشرا» لأهل طاعته ... # «ونذيرا» لأهل معصيته ... # «وداعيا» إلى توحيده وعبادته ... # «وسراجا منيرا» يهتدى به للحق ... PageV01P071 # عن عطاء بن يسار «1» قال: لقيت عبد الله بن عمرو «2» بن العاص «3» فقلت ~~«4» : أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: أجل «5» ، والله ~~إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن «يا أيها النبي إنا أرسلناك ~~شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا» # للأميين أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ «7» ولا غليظ، ولا صخاب ~~«8» في الأسواق، ولا يدافع بالسيئة «9» PageV01P072 # السيئة «1» ، ولكن يعفوا ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة ~~العوجاء. بأن يقولوا لا إله إلا الله، ويفتح به أعينا عميا وآذانا صما، ~~وقلوبا غلفا ... # وذكر مثله «2» عن عبد الله بن سلام «3» وكعب الأحبار «4» : # وفي بعض طرقه «5» عن ابن «6» إسحاق «7» : ولا صخب في الأسواق ولا متزين ~~«8» بالفحش، ولا قوال للخنا «9» ، أسدده لكل جميل، PageV01P073 # وأهب له كل خلق كريم، وأجعل السكينة لباسه، والبر شعاره «1» والتقوى ~~ضميره «2» ، والحكمة معقوله، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمعروف خلقه، ~~والعدل سيرته، والحق شريعته، والهدى إمامه «3» والإسلام ملته، وأحمد اسمه. # أهدي به بعد الضلالة، وأعلم به بعد الجهالة وأرفع به بعد الخمالة، وأسمي ~~به بعد النكرة «4» وأكثر به بعد القلة، وأغني به بعد العيلة وأجمع به بعد ~~الفرقة، وأؤلف به بين قلوب مختلفة، وأهواء متشتة، وأمم متفرقة، واجعل أمته ~~خير أمة أخرجت للناس. # وفي حديث آخر «5» : أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفته في ~~PageV01P074 # التوراة «عبدي أحمد المختار. مولده بمكة، ومهاجره بالمدينة- أو قال طيبة- ~~أمته الحمادون لله على كل حال» . # وقال تعالى: «الذين يتبعون الرسول النبي الأمي» «1» الآيتين. # وقد قال تعالى: «فبما رحمة من الله ms010 لنت لهم «2» » الآية. # قال السمرقندي «3» : ذكرهم «4» الله تعالى منته أنه «5» جعل رسوله صلى ~~الله عليه وسلم رحيما بالمؤمنين، رؤوفا لين الجانب؛ ولو كان فظا خشنا في ~~القول لتفرقوا من حوله. ولكن جعله الله تعالى سمحا سهلا طلقا برا لطيفا. # هكذا قاله الضحاك «6» . # وقال تعالى: «وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء PageV01P075 # على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا» «1» . # قال أبو الحسن القابسي «2» : أبان الله تعالى فضل نبينا صلى الله عليه ~~وسلم وفضل أمته بهذه الآية. # وفي قوله في الآية الأخرى: «وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا ~~شهداء على الناس» «3» . # وكذلك قوله تعالى: «فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد «4» » الآية. # وقوله تعالى: «وسطا» أي عدولا «5» خيارا ومعنى هذه الآية: «6» وكما ~~هديناكم فكذلك خصصناكم وفضلناكم بأن جعلناكم أمة خيارا عدولا، لتشهدوا ~~للأنبياء عليهم الصلاة والسلام على أممهم، ويشهد لكم الرسول بالصدق. ~~PageV01P076 # قيل: «1» إن الله جل جلاله إذا سأل الأنبياء هل بلغتم؟! فيقولون نعم. ~~فتقول أممهم: «ما جاءنا من بشير ولا نذير» «2» فتشهد أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم للأنبياء، ويزكيهم النبي صلى الله عليه وسلم وقيل معنى الآية: # إنكم حجة على كل من خالفكم والرسول صلى الله عليه وسلم حجة عليكم.. # حكاه السمرقندي» . # وقال تعالى: «وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم» «4» . # قال قتادة «5» والحسن «6» وزيد بن أسلم «7» : «قدم صدق» هو محمد صلى الله ~~عليه وسلم يشفع لهم «8» . PageV01P077 # وعن الحسن أيضا «1» هي مصيبتهم بنبيهم. # وعن أبي سعيد «2» الخدري رضي الله عنه: هي شفاعة نبيهم محمد صلى الله ~~عليه وسلم «3» . هو شفيع صدق عند ربهم. # وقال سهل بن عبد الله «4» التستري: هي سابقة رحمة أودعها في محمد صلى ~~الله عليه وسلم. # وقال محمد «5» بن علي الترمذي: هو إمام الصادقين والصديقين الشفيع المطاع ~~والسائل المجاب محمد صلى الله عليه وسلم.. حكاه عنه السلمي «6» . ~~PageV01P078 ### ||| الفصل الثالث في ما ورد من خطابه إياه مورد الملاطفة والمبرة # فمن ذلك قوله تعالى: «عفا الله عنك لم أذنت لهم «1» » . # قال أبو «2» محمد مكي «3» : قيل: هذا افتتاح كلام ms011 بمنزلة: # أصلحك الله، وأعزك الله. # وقال عون «4» بن عبد الله: أخبره بالعفو قبل أن يخبره بالذنب. # حكى السمرقندي «5» عن بعضهم أن معناه: عافاك الله يا سليم القلب، لم أذنت ~~لهم. PageV01P079 # قال «1» : ولو بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بقوله «لم أذنت لهم» لخيف ~~عليه أن ينشق قلبه من هيبة هذا الكلام. لكن الله تعالى برحمته أخبره بالعفو ~~حتى سكن «2» قلبه. # ثم قال: «لم أذنت لهم» بالتخلف حتى يتبين لك الصادق في عذره من الكاذب. # وفي هذا من عظيم منزلته عند الله ما لا يخفى على ذي لب. ومن إكرامه إياه، ~~وبره به ما ينقطع دون معرفة غايته نياط «3» القلب. # قال نفطويه «4» : ذهب ناس إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم معاتب بهذه ~~الآية، وحاشاه من ذلك بل كان مخيرا، فلما أذن «5» لهم أعلمه الله تعالى أنه ~~«6» لو لم يأذن لهم لقعدوا لنفاقهم، وأنه لا حرج عليه في الإذن لهم. ~~PageV01P080 # قال الفقيه القاضي «1» : يجب على المسلم المجاهد نفسه، الرائض «2» بزمام ~~الشريعة خلقه، أن يتأدب بآداب القرآن في قوله وفعله ومعاطاته ومحاوراته، ~~فهو عنصر «3» المعارف الحقيقية، وروضة الآداب الدينية والدنيوية، وليتأمل ~~هذه الملاطفة العجيبة في السؤال من رب الأرباب المنعم على الكل، المستغني ~~عن الجميع، ويستثير «4» ما فيها من الفوائد، وكيف ابتدأ بالإكرام قبل ~~العتب، وآنس بالعفو قبل ذكر الذنب- إن كان ثم ذنب- # وقال تعالى: «ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا «5» » . # قال بعض المتكلمين «6» : عاتب الله الأنبياء صلوات الله عليهم بعد الزلات ~~وعاتب نبينا صلى الله عليه وسلم قبل وقوعه ليكون بذلك أشد انتهاء ومحافظة ~~لشرائط «7» المحبة. وهذه غاية العناية. PageV01P081 # ثم انظر كيف بدأ بثباته وسلامته قبل ذكر ما عتبه عليه، وخيف أن يركن ~~إليه. ففي أثناء عتبه براءته، وفي طي تخويفه تأمينه وكرامته. # ومثله قوله تعالى: «قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك «1» ~~» الآية # قال علي «2» رضي الله عنه» # : قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا لا نكذبك ولكن نكذب بما جئت ~~به ... فأنزل «4» الله ms012 تعالى «فإنهم لا يكذبونك» الآية. # وروي: «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كذبه «5» قومه حزن فجاءه جبريل ~~عليه السلام فقال: ما يحزنك؟! قال: كذبني قومي. فقال: إنهم يعلمون أنك ~~صادق. فأنزل الله تعالى الآية» «6» PageV01P082 # ففي هذه الآية منزع «1» لطيف المأخذ من تسليته تعالى له صلى الله عليه ~~وسلم، وإلطافه في القول بأن قرر عنده أنه صادق عندهم، وأنهم غير مكذبين له، ~~معترفون بصدقه قولا واعتقادا. وقد كانوا يسمونه قبل النبوة «الأمين» . # فدفع بهذا التقرير «2» ارتماض «3» نفسه بسمة الكذب ثم جعل الذم لهم ~~بتسميتهم «جاحدين» «ظالمين» . # فقال تعالى: «ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون» «4» وحاشاه «5» من الوصم. ~~وطوقهم بالمعاندة بتكذيب الآيات حقيقة الظلم. # إذ الجحد إنما يكون ممن علم الشيء ثم أنكره. # كقوله تعالى: «وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا» «6» ثم عزاه ~~وآنسه بما ذكره عمن قبله ووعده بالنصر. PageV01P083 # بقوله تعالى: «ولقد كذبت رسل من قبلك» «1» الآية فمن قرأ «2» «لا ~~يكذبونك» بالتخفيف. فمعناه لا يجدونك كاذبا.. # وقال الفراء «3» والكسائي «4» : لا يقولون إنك كاذب. # وقيل: لا يحتجون على كذبك ولا يثبتونه. # ومن قرأ «5» بالتشديد. فمعناه لا ينسبونك إلى الكذب. # وقيل: لا يعتقدون كذبك. # ومما ذكر من خصائصه وبر الله تعالى به. أن الله تعالى خاطب جميع الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام بأسمائهم. PageV01P084 # فقال: يا آدم «1» - يا نوح «2» - يا إبراهيم «3» - يا موسى «4» - يا ~~داوود «5» - يا عيسى «6» - يا زكريا «7» - يا يحيى «8» . # ولم يخاطب هو إلا: يا أيها الرسول «9» يا أيها النبي «10» يا أيها المزمل ~~«11» يا أيها المدثر «12» . PageV01P085 ### ||| الفصل الرابع في قسمه تعالى بعظيم قدره # قال تعالى: «لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون «1» » # اتفق أهل التفسير في هذا أنه قسم من الله جل جلاله بمدة حياة محمد صلى ~~الله عليه وسلم. # وأصله، ضم العين من العمر ولكنها فتحت لكثرة الاستعمال. # ومعناه «2» : وبقائك يا محمد # وقيل «3» : وعيشك # وقيل: وحياتك # وهذه نهاية التعظيم وغاية البر والتشريف. PageV01P086 # قال «1» ابن عباس «2» : ما خلق الله تعالى وما ذرأ» # وما برأ «4» نفسا أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم، وما سمعت الله ms013 ~~تعالى أقسم بحياة أحد غيره. # وقال أبو الجوزاء «5» : ما أقسم الله تعالى بحياة أحد غير محمد صلى الله ~~عليه وسلم لأنه أكرم البرية عنده. # وقال تعالى: «يس والقرآن الحكيم» «6» الآيات. # اختلف المفسرون: في معنى «يس» على أقوال. # فحكى أبو محمد مكي «7» : أنه روي «8» عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~PageV01P087 # أنه قال: «لي عند ربي عشرة أسماء «1» » ذكر «2» منها أن «طه» و «يس» ~~اسمان له «3» . # وحكى أبو عبد الرحمن السلمي «4» عن جعفر الصادق «5» : أنه أراد يا سيد ~~مخاطبة لنبيه صلى الله عليه وسلم. # وعن ابن عباس «6» : «يس» يا إنسان.. أراد محمدا صلى الله عليه وسلم. # وقال «7» : هو قسم.. وهو من أسماء الله تعالى. # وقال الزجاج «8» : قيل: معناه: يا محمد. # وقيل: يا رجل «9» PageV01P088 # وقيل: يا إنسان «1» # وعن ابن الحنفية «2» : «يس» يا محمد «3» # وعن كعب «4» : «يس» قسم أقسم الله تعالى به قبل أن يخلق السماء والأرض ~~بألفي عام «5» ... يا محمد إنك لمن المرسلين # ثم قال تعالى: «والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين» «6» # - فإن قدر «7» أنه من أسمائه صلى الله عليه وسلم وصح فيه أنه قسم كان فيه ~~من PageV01P089 # التعظيم ما تقدم ويؤكد فيه القسم عطف القسم الآخر عليه. # - وإن كان بمعنى النداء فقد جاء قسم آخر بعده لتحقيق رسالته والشهادة ~~بهدايته أقسم الله تعالى باسمه وكتابه إنه لمن المرسلين بوحيه إلى عباده، ~~وعلى صراط مستقيم من إيمانه، أي طريق لا اعوجاج فيه، ولا عدول عن الحق. # قال النقاش «1» : لم يقسم الله تعالى لأحد من أنبيائه بالرسالة في كتابه ~~إلا له. # وفيه من تعظيمه وتمجيده على تأويل من قال: إنه يا سيد، ما فيه. # وقد قال صلى الله عليه وسلم: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» «2» . ~~PageV01P090 # وقال تعالى: «لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد» . «1» # «لا أقسم» به إذا لم تكن فيه بعد خروجك منه. حكاه مكي «2» . # وقيل: «لا» زائدة. أي أقسم به وأنت به يا محمد «حلال» أو «حل» لك ما فعلت ~~فيه. على التفسيرين. # والمراد ب «البلد» عند هؤلاء مكة «3» . # وقال الواسطي ms014 «4» : أي نحلف لك بهذا البلد الذي شرفته بمكانك فيه حيا ~~وببركتك ميتا، يعني المدينة. # والأول أصح، لأن السورة مكية وما بعده يصححه قوله تعالى «حل بهذا البلد» ~~. # ونحوه قول ابن عطاء «5» في تفسير قوله تعالى: «وهذا البلد الأمين» «6» . ~~PageV01P091 # قال: أمنها الله تعالى بمقامه فيها وكونه بها. فإن كونه أمان حيث كان. # ثم قال تعالى: «ووالد وما ولد» «1» . # من قال «2» : أراد آدم، فهو عام. # ومن قال: هو إبراهيم. «وما ولد» فهي- إن شاء الله تعالى- إشارة إلى محمد ~~صلى الله عليه وسلم فتتضمن السورة القسم به صلى الله عليه وسلم في موضعين. # وقال تعالى: «الم ذلك الكتاب لا ريب فيه» .» # قال «4» ابن عباس «5» : هذه الحروف أقسام أقسم الله تعالى بها «6» وعنه ~~«7» وعن غيره: فيها غير ذلك. # وقال سهل «8» بن عبد الله التستري: «الألف» هو الله تعالى «9» ~~PageV01P092 # «واللام» جبريل. # «والميم» محمد صلى الله عليه وسلم. # وحكى هذا القول السمرقندي «1» : ولم ينسبه إلى سهل، وجعل «2» معناه: الله ~~أنزل جبريل على محمد بهذا القرآن لا ريب فيه. # - وعلى الوجه الأول «3» يحتمل القسم أن هذا الكتاب حق لا ريب فيه، ثم فيه ~~من فضيلة قران اسمه باسمه نحو ما تقدم. # وقال ابن عطاء «4» : في قوله تعالى «ق والقرآن المجيد «5» » . # أقسم بقوة قلب حبيبه محمد صلى الله عليه وسلم حيث حمل الخطاب والمشاهدة ~~ولم يؤثر ذلك فيه لعلو حاله. # وقيل: هو اسم للقرآن. # وقيل: هو اسم لله تعالى. # وقيل «6» : جبل محيط بالأرض. PageV01P093 # وقيل: غير هذا. # وقال جعفر بن محمد «1» في تفسير «والنجم إذا هوى» : إنه محمد صلى الله ~~عليه وسلم. # وقال: «النجم» قلب محمد صلى الله عليه وسلم. # «هوى» انشرح من الأنوار. # وقال: انقطع عن غير الله. # وقال ابن عطاء «2» في قوله تعالى: «والفجر وليال عشر» : الفجر: محمد صلى ~~الله عليه وسلم لأن منه تفجر الإيمان. PageV01P094 ### ||| الفصل الخامس في قسمه- تعالى جده- له لتحقق مكانته عنده # قال تعالى: «والضحى والليل إذا سجى» «1» - السورة- اختلف في سبب نزول هذه ~~السورة. # فقيل: كان ترك النبي صلى الله عليه وسلم قيام الليل لعذر نزل ms015 به، فتكلمت ~~امرأة في ذلك بكلام «2» . # وقيل «3» : بل تكلم به المشركون عند فترة الوحي. فنزلت السورة «4» . # قال الفقيه القاضي «5» : تضمنت هذه السورة من كرامة الله PageV01P095 # تعالى له، وتنويهه «1» به، وتعظيمه إياه ستة وجوه: # الأول: القسم له عما أخبره به من حاله بقوله تعالى: «والضحى والليل إذا ~~سجى» أي ورب الضحى. وهذا من أعظم درجات المبرة. # الثاني: بيان مكانته عنده وحظوته لديه بقوله تعالى: «ما ودعك ربك وما ~~قلى» «2» أي ما تركك وما أبغضك. # وقيل: ما أهملك بعد أن اصطفاك. # الثالث: قوله تعالى: «وللآخرة خير لك من الأولى» «3» # قال ابن اسحق «4» : أي مآلك «5» في مرجعك عند الله أعظم مما أعطاك من ~~كرامة الدنيا. # وقال سهل «6» : أي ما ادخرت لك من الشفاعة والمقام المحمود خير لك مما ~~أعطيتك في الدنيا. PageV01P096 # الرابع قوله تعالى: «ولسوف يعطيك ربك فترضى» «1» وهذه آية جامعة لوجوه ~~الكرامة، وأنواع السعادة، وشتات الإنعام في الدارين والزيادة. # قال ابن اسحق «2» : يرضيه بالفلج «3» في الدنيا والثواب في الآخرة. # وقيل «4» : يعطيه الحوض والشفاعة. # وروي عن بعض آل النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ليس في القرآن أرجى ~~منها، ولا يرضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخل أحد من أمته النار ~~«5» . # الخامس: ما عد تعالى عليه من نعمه، وقرره من آلائه، «6» قبله في بقية ~~السورة من هدايته إلى ما هداه له، أو هداية الناس به على اختلاف التفاسير، ~~ولا مال له، فأغناه بما آتاه، أو بما جعله في قلبه من القناعة والغنى، ~~ويتيما فحدب» # عليه عمه وآواه إليه. PageV01P097 # وقيل: آواه إلى الله «1» . # وقيل: «يتيما» لا مثال لك فآواك إليه. # وقيل: المعنى ألم يجدك فهدى بك ضالا، وأغنى بك عائلا، وآوى بك يتيما، ~~ذكره بهذه المنن، وأنه على المعلوم من التفاسير لم يهمله في حال صغره، ~~وعيلته، ويتمه، وقبل معرفته به، ولا ودعه ولا قلاه، فكيف بعد اختصاصه ~~واصطفائه. # السادس: أمره بإظهار نعمته عليه، وشكر ما شرفه به بنشره، وإشادة ذكره ~~بقوله تعالى: «وأما بنعمة ربك فحدث» «2» ، # فإن من شكر النعمة ms016 التحدث بها «3» . # وهذا خاص له، عام لأمته. # وقال تعالى: «والنجم إذا هوى» «4» إلى قوله تعالى: # «لقد رأى من آيات ربه الكبرى» «5» . PageV01P098 # اختلف المفسرون في قوله تعالى: «والنجم» بأقاويل معروفة. # منها: النجم على ظاهره. # ومنها: القرآن. # وعن جعفر بن محمد «1» : أنه محمد صلى الله عليه وسلم. # وقال: هو قلب محمد صلى الله عليه وسلم. # وقد قيل في قوله تعالى: «والسماء والطارق، وما أدراك ما الطارق، النجم ~~الثاقب» «2» . # إن «النجم» هنا أيضا محمد صلى الله عليه وسلم حكاه السلمي «3» . # تضمنت هذه الآيات من فضله، وشرفه، العد ما يقف دونه العد «4» . # وأقسم جل اسمه على هداية المصطفى، وتنزيهه عن الهوى، وصدقه فيما تلا، ~~وأنه وحي يوحى، أو صله إليه عن الله جبريل، وهو الشديد القوى، ثم أخبر ~~تعالى عن فضيلته بقصة الإسراء، وانتهائه إلى سدرة المنتهى، وتصديق بصره ~~فيما رأى، وأنه رأى من آيات ربه الكبرى. PageV01P099 # وقد نبه على مثل هذا في أول سورة الإسراء، ولما كان ما كاشفه صلى الله ~~عليه وسلم من ذلك الجبروت «1» ، وشاهد من عجائب الملكوت «2» ، لا تحيط به ~~العبارات، ولا تستقل «3» بحمل سماع أدناه العقول، رمز عنه تعالى بالإيماء، ~~والكناية الدالة على التعظيم. # فقال تعالى: «فأوحى إلى عبده ما أوحى» # «4» . # وهذا النوع من الكلام يسميه أهل النقد والبلاغة «بالوحي والإشارة» ، وهو ~~عندهم أبلغ أبواب الإيجاز. # وقال: «لقد رأى من آيات ربه الكبرى» «5» . # انحسرات الأفهام عن تفصيل ما أوحى، وتاهت الأحلام في تعيين تلك الآيات ~~الكبرى. # قال القاضي أبو الفضل: «6» اشتملت هذه الآيات على إعلام الله تعالى ~~بتزكية جملته صلى الله عليه وسلم، وعصمتها من الآفات في هذا المسرى. ~~PageV01P100 # فزكى فؤاده، ولسانه، وجوارحه. # - فقلبه بقوله تعالى: «ما كذب الفؤاد ما رأى» «1» . # - ولسانه بقوله: «وما ينطق عن الهوى» «2» . # - وبصره بقوله: «ما زاغ البصر وما طغى» «3» . # وقال تعالى: فلا أقسم بالخنس، الجوار الكنس» «4» إلى قوله: «وما هو بقول ~~شيطان رجيم» «5» . # «لا أقسم» أي أقسم. # «إنه لقول رسول كريم» «6» أي كريم عند مرسله. # «ذي قوة» على تبليغ ما حمله من الوحي. # «مكين» ms017 أي متمكن المنزلة عند ربه «7» ، رفيع المحل عنده. PageV01P101 # «مطاع ثم» «1» أي في السماء. # «أمين» على الوحي. # قال علي بن عيسى وغيره «2» : الرسول هنا محمد صلى الله عليه وسلم فجمع ~~الأوصاف بعد- على هذا- له. # وقال غيره «3» : هو جبريل، فترجع الأوصاف إليه. # «ولقد رآه» يعني محمدا صلى الله عليه وسلم. # قيل «4» : رأى ربه. # وقيل: رأى جبريل في صورته. # «وما هو على الغيب بضنين» «5» أي بمتهم. # ومن قرأها «6» بالضاد فمعناه: ما هو ببخيل بالدعاء به والتذكير ~~PageV01P102 # بحكمه وبعلمه، وهذه لمحمد صلى الله عليه وسلم باتفاق. # وقال تعالى: «ن والقلم وما يسطرون» «1» الآيات # أقسم الله تعالى بما أقسم به من عظيم قسمه، من تنزيه المصطفى مما غمصته ~~«2» الكفرة، به وتكذيبهم له، وأنسه وبسط أمله بقوله محسنا خطابه: «ما أنت ~~بنعمة ربك بمجنون» «3» . # وهذه نهاية المبرة في المخاطبة، وأعلى درجات الآداب في المحاورة. # ثم أعلمه بماله عنده من نعيم دائم، وثواب غير منقطع، لا يأخذه عد، ولا ~~يمن به عليه. # فقال: «وإن لك لأجرا غير ممنون» » . # ثم أثنى عليه بما منحه من هباته، وهداه إليه وأكد ذلك تتميما للتمجيد ~~بحرفي التأكيد. # فقال تعالى: «وإنك لعلى خلق عظيم» «5» . PageV01P103 # قيل: القرآن «1» . # وقيل: الإسلام «2» . # وقيل: الطبع الكريم «3» . # وقيل: ليس لك همة إلا الله «4» . # قال الواسطي «5» : أثنى عليه بحسن قبوله، لما أسداه إليه من نعمه وفضله ~~بذلك على غيره، لأنه جبله على ذلك «6» الخلق. # فسبحان اللطيف المحسن، الجواد الحميد، الذي يسر للخير وهدى إليه، ثم أثنى ~~على فاعله، وجازاه عليه. # سبحانه ما أغمر «7» نواله، وأوسع إفضاله. # - ثم سلاه عن قولهم بعد هذا بما وعده به من عقابهم وتوعدهم. PageV01P104 # بقوله: «فستبصر ويبصرون» «1» الآيات الثلاث. # - ثم عطف بعد مدحه على ذم عدوه «2» ، وذكر سوء خلقه، وعد معايبه، متوليا ~~ذلك بفضله، ومنتصرا لنبيه صلى الله عليه وسلم، فذكر بضع عشرة خصلة من خصال ~~الذم فيه. # بقوله تعالى: «فلا تطع المكذبين» «3» إلى قوله: «أساطير الأولين» «4» .. # - ثم ختم ذلك بالوعيد الصادق بتمام شقائه، وخاتمة بواره «5» . # بقوله تعالى: «سنسمه على الخرطوم» «6» . # فكانت نصرة الله تعالى له ms018 أتم من نصرته لنفسه، ورده تعالى على عدوه أبلغ ~~من رده، وأثبت في ديوان مجده. PageV01P105 ### ||| الفصل السادس في ما ورد من قوله تعالى في جهته صلى الله عليه وسلم مورد الشفقة والإكرام # قال تعالى: «طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى» «1» . # قيل: «طه» اسم من أسمائه صلى الله عليه وسلم «2» . # وقيل: هو اسم لله «3» . # وقيل: معناه يا رجل «4» . # وقيل: يا إنسان. # وقيل: هى حروف مقطعة لمعان. # قال الواسطي «5» : أراد يا طاهر يا هادي. PageV01P106 # وقيل: هو أمر من الوطء، والهاء كناية عن الأرض أي اعتمد على الأرض ~~بقدميك، ولا تتعب نفسك بالاعتماد على قدم واحدة. # وهو قوله تعالى: «ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى» «1» # نزلت الآية فيما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتكلفه من السهر والتعب ~~وقيام الليل. # عن الربيع بن أنس «2» قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى قام ~~على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله تعالى طه، يعني طأ الأرض يا محمد: «ما ~~أنزلنا عليك القرآن لتشقى» الآية «3» ولا خفاء بما في هذا كله من الإكرام، ~~وحسن المعاملة. # - وإن جعلنا «طه» من أسمائه صلى الله عليه وسلم كما قيل أو جعلت قسما لحق ~~الفصل بما قبله، ومثل هذا من نمط «4» الشفقة والمبرة. PageV01P107 # قوله تعالى: «فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا» ~~«1» . # أي قاتل نفسك لذلك غضبا، أو غيظا، أو جزعا. # ومثله قوله تعالى: «لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين «2» » # ثم قال تعالى: «إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها ~~خاضعين» «3» . # ومن هذا الباب قوله تعالى: «فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين «4» » إلى ~~قوله تعالى: «ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون «5» » إلى آخر السورة. # وقوله: «ولقد استهزئ برسل من قبلك «6» » الآية. # قال مكي «7» : سلاه تعالى بما ذكر، وهون عليه ما يلقاه «8» PageV01P108 # من المشركين، وأعلمه أن» # من تمادى على ذلك يحل به ما حل بمن قبله، ومثل هذه التسلية، قوله تعالى: ~~«وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك» «2» ومن هذا، قوله تعالى: # «كذلك ms019 ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون» «3» . # - عزاه الله تعالى بما أخبر به عن الأمم السالفة، ومقالتها «4» لأنبيائهم ~~قبله، ومحنتهم بهم. # - وسلاه بذلك عن محنته بمثله من كفار مكة، وأنه ليس أول من لقي ذلك. # - ثم طيب نفسه، وأبان عذره، بقوله تعالى: «فتول عنهم» «5» أي أعرض عنهم ~~«فما أنت بملوم» «6» أي في أداء ما بلغت، PageV01P109 # وإبلاغ ما حملت: # ومثله قوله تعالى: «واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا» «1» أي: اصبر على ~~أذاهم، فإنك بحيث نراك ونحفظك، سلاه الله تعالى بهذا في آي كثيرة من هذا ~~المعنى.. PageV01P110 ### ||| الفصل السابع في ما أخبر الله تعالى به في كتابه العزيز من عظيم قدره وشريف منزلته على الأنبياء وحظوة رتبته عليهم # قال الله تعالى «1» : «وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب ~~وحكمة» إلى قوله «من الشاهدين» «2» . # قال أبو الحسن القابسي «3» : استخص الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم ~~بفضل لم يؤته غيره، أبانه «4» به، وهو ما ذكره في هذه الآية. # قال المفسرون: أخذ الله الميثاق بالوحي، فلم يبعث، نبيا إلا PageV01P111 # ذكر له محمدا ونعته، وأخذ عليه ميثاقه إن أدركه ليؤمنن به. # وقيل: أن يبينه لقومه، ويأخذ ميثاقهم أن يبينوه لمن بعدهم. # وقوله: «ثم جاءكم» ، الخطاب لأهل الكتاب المعاصرين لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم. # قال «1» علي بن «2» أبي طالب رضي الله عنه: لم يبعث الله نبيا من آدم فمن ~~بعده، إلا أخذ عليه العهد في محمد صلى الله عليه وسلم، لئن بعث وهو حي ~~ليؤمنن به، ولينصرنه، ويأخذ العهد بذلك على قومه. # وعن السدي «3» وقتادة «4» : نحوه في آي تضمنت فضله من غير وجه واحد. # قال تعالى: «وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح» «5» الآية. ~~PageV01P112 # وقال تعالى: «إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح ... » «1» # إلى قوله «شهيدا» «2» . # روي «3» عن عمر بن الخطاب «4» أنه قال في كلام بكى «5» به النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: «بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عند الله. ~~أن بعثك آخر الأنبياء، ms020 وذكرك في أو لهم، فقال: # «وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح» «6» الآية. PageV01P113 # - بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عنده، أن أهل النار ~~يودون أن يكونوا أطاعوك، وهم بين أطباقها يعذبون، يقولون: «يا ليتنا أطعنا ~~الله وأطعنا الرسولا» «1» . # قال «2» قتادة «3» : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كنت أول الأنبياء ~~في الخلق وآخرهم في البعث» ، فلذلك وقع ذكره مقدما هنا قبل نوح وغيره. # قال السمرقندي «4» : في هذا تفضيل نبينا صلى الله عليه وسلم لتخصيصه ~~بالذكر قبلهم، وهو آخرهم بعثا «5» . # المعنى: أخذ الله تعالى عليهم الميثاق إذ أخرجهم من ظهر آدم كالذر «6» . # وقال تعالى: «تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض» .. الآية. PageV01P114 # قال أهل التفسير: أراد بقوله «ورفع بعضهم درجات «1» » # محمدا صلى الله عليه وسلم، لأنه بعث إلى الأحمر «2» والأسود «3» ، وأحلت ~~له الغنائم، وظهرت على يديه المعجزات، وليس أحد من الأنبياء أعطي فضيلة، أو ~~كرامة إلا وقد أعطي محمد صلى الله عليه وسلم مثلها. # قال بعضهم: ومن فضله أن الله تعالى خاطب الأنبياء بأسمائهم وخاطبه ~~بالنبوة والرسالة في كتابه، فقال: «يا أيها النبي» «4» و «يا أيها الرسول» ~~» . # وحكى السمرقندي «6» عن الكلبي «7» في قوله تعالى: «وإن من شيعته ~~لإبراهيم» «8» ، إن الهاء عائدة على محمد صلى الله عليه وسلم ... أي: # إن من شيعة محمد لإبراهيم، أي على دينه ومنهاجه. PageV01P115 # وأجازه «1» الفراء «2» ، وحكاه عنه مكي «3» . # وقيل «4» : المراد نوح عليه السلام. PageV01P116 ### ||| الفصل الثامن في إعلام الله تعالى خلقه بصلاته عليه وولايته له ورفعه العذاب بسببه # قال الله تعالى: «وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم» «1» : # أي ما كنت بمكة، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة وبقي فيها من ~~بقي من المؤمنين نزل: # «وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون» «2» وهذا مثل قوله: «لو تزيلوا ~~لعذبنا» «3» الآية. # وقوله تعالى: «ولولا رجال مؤمنون» «4» الآية. PageV01P117 # فلما هاجر المؤمنون نزلت: «وما لهم ألا يعذبهم الله» «1» . # وهذا من أبين ما يظهر مكانته صلى الله عليه وسلم، ودرأته «2» العذاب عن ~~أهل مكة بسبب كونه ثم كون ms021 أصحابه بعده بين أظهرهم، فلما خلت مكة منهم عذبهم ~~الله «3» بتسليط المؤمنين عليهم، وغلبتهم إياهم، وحكم فيهم سيوفهم، وأورثهم ~~أرضهم وديارهم وأموالهم. وفي الآية أيضا تأويل آخر: # عن أبي موسى «4» قال «5» : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # «أنزل الله علي أمانين لأمتي: «وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم، وما كان ~~الله معذبهم وهم يستغفرون» .. فاذا مضيت تركت فيكم الاستغفار» . ~~PageV01P118 # ونحو منه قوله تعالى: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» «1» . # قال صلى الله عليه وسلم: «أنا أمان لأصحابي» «2» .. # قيل: من البدع. # وقيل: من الاختلاف والفتن. # قال بعضهم: الرسول صلى الله عليه وسلم هو الأمان الأعظم ما عاش. وما دامت ~~سنته باقية فهو باق، فإذا أميتت سنته فانتظروا البلاء والفتن. # وقال الله تعالى: «إن الله وملائكته يصلون على النبي» «3» الآية. # أبان الله تعالى فضل نبيه صلى الله عليه وسلم بصلاته عليه، ثم بصلاة ~~ملائكته. وأمر عباده بالصلاة والتسليم عليه. # وحكى أبو بكر «4» بن فورك: أن بعض العلماء تأول قوله PageV01P119 # قوله صلى الله عليه وسلم: «وجعلت قرة عيني في الصلاة» على هذا، أي: في ~~صلاة الله تعالى علي، وملائكته، وأمره الأمة بذلك إلى يوم القيامة. «1» ~~«والصلاة» من الملائكة ومنا له دعاء، ومن الله عز وجل رحمة. # وقيل: «يصلون» يباركون، وقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم حين علم الصلاة ~~عليه بين لفظ «الصلاة» و «البركة» . وسنذكر حكم الصلاة عليه. # وذكر بعض المتكلمين «2» في تفسير حروف «كهيعص» «3» أن «الكاف» من كاف، أي ~~كفاية الله لنبيه قال تعالى: # «أليس الله بكاف عبده» «4» .. # «والهاء» هدايته له، قال: «ويهديك صراطا مستقيما» «5» . PageV01P120 # «والياء» تأييده، قال: «أيدك بنصره» «1» . # «والعين» عصمته له، قال: «والله يعصمك من الناس» «2» . # «والصاد» صلاته عليه، قال: «إن الله وملائكته يصلون على النبي» «3» . # وقال تعالى: «وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه» «4» أي وليه. # «وصالح المؤمنين» . # قيل: الأنبياء. # وقيل: الملائكة. # وقيل: أبو بكر وعمر. # وقيل: علي، رضي الله عنهم أجمعين. # وقيل: المؤمنون ... على ظاهره. PageV01P121 ### ||| الفصل التاسع في ما تضمنته سورة الفتح من كراماته صلى الله عليه ms022 وسلم # قال الله تعالى: «إنا فتحنا لك فتحا مبينا» «1» إلى قوله تعالى: «يد الله ~~فوق أيديهم» «2» . # تضمنت هذه الآيات من فضله، والثناء عليه، وكريم منزلته عند الله تعالى، ~~ونعمته لديه، ما يقصد الوصف عن الانتهاء إليه. # - فابتدأ جل جلاله بإعلامه بما قضاه له من القضاء البين، بظهوره وغلبته ~~على عدوه، وعلو كلمته وشريعته، وأنه مغفور له، غير مؤاخذ بما كان، وما ~~يكون. # قال بعضهم: أراد غفران ما وقع، وما لم يقع.. أي أنك مغفور لك.. ~~PageV01P122 # وقال مكي» # : جعل الله المنة سببا للمغفرة، وكل من عنده لا إله غيره، منة بعد منة، ~~وفضلا بعد فضل.. # ثم قال تعالى: «ويتم نعمته عليك» «2» . # قيل: بخضوع من تكبر لك «3» . # وقيل: بفتح مكة والطائف. # وقيل: يرفع ذكرك في الدنيا، وينصرك، ويغفر لك، فأعلمه بتمام نعمته عليه، ~~بخضوع متكبري عدوه له، وفتح أهم «4» البلاد عليه، وأحبها له. ورفع ذكره، ~~وهدايته الصراط المستقيم، المبلغ الجنة والسعادة، ونصره النصر العزيز، ~~ومنته على أمته المؤمنين بالسكينة والطمأنينة، التي جعلها في قلوبهم، ~~وبشارتهم بما لهم عند ربهم «5» بعد، وفوزهم العظيم، والعفو عنهم، والستر ~~PageV01P123 # لذنوبهم، وهلاك عدوه في الدنيا والآخرة، ولعنهم وبعدهم من رحمته، وسوء ~~منقلبهم. # ثم قال: «إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا» الآية. فعد محاسنه وخصائصه، ~~من شهادته على أمته لنفسه بتبليغه الرسالة لهم. # وقيل: شاهدا لهم بالتوحيد. # «ومبشرا» لأمته بالثواب. # وقيل: بالمغفرة. # «ونذيرا» منذرا عدوه بالعذاب. # وقيل: محذرا من الضلالات، ليؤمن بالله، ثم به، من سبقت له من الله ~~الحسنى. # «ويعزروه» «1» أي يجلونه. # وقيل: ينصرونه. # وقيل: يبالغون في تعظيمه. # «ويوقروه» «2» أي يعظمونه. PageV01P124 # وقرأه بعضهم «1» «ويعززوه» «2» بزائين من العز. # والأكثر والأظهر أن هذا في حق محمد صلى الله عليه وسلم. # ثم قال «وتسبحوه» فهذا راجع إلى الله تعالى. # قال ابن عطاء «3» : جمع للنبي صلى الله عليه وسلم في هذه السورة نعم ~~مختلفة: # - من الفتح المبين: وهو من أعلام «4» الإجابة. # - والمغفرة: وهي من أعلام المحبة. # - وتمام النعمة: وهي من أعلام الاختصاص. # - والهداية: وهي من أعلام الولاية. # فالمغفرة تبرئة «5» من العيوب. # وتمام ms023 النعمة إبلاغ الدرجة الكاملة. # والهداية وهي الدعوة إلى المشاهدة. # وقال جعفر بن محمد «6» : من تمام نعمته عليه أن جعله حبيبه، PageV01P125 # وأقسم بحياته، ونسخ به شرائع غيره، وعرج به إلى المحل الأعلى، وحفظه في ~~المعراج حتى ما زاغ البصر وما طغى، وبعثه إلى الأحمر والأسود، وأحل له ~~ولأمته الغنائم، وجعله شفيعا مشفعا وسيد ولد آدم، وقرن ذكره بذكره ورضاه ~~برضاه، وجعله أحد ركني التوحيد. # ثم قال تعالى: «إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله» «1» يعني بيعة ~~الرضوان «2» . # أي إنما يبايعون الله ببيعتهم إياك. # «يد الله فوق أيديهم» يريد عند البيعة. # قيل: قوة الله. PageV01P126 # وقيل: ثوابه. # وقيل: منته. # وقيل: عقده «1» . # وهذه استعارات وتجنيس «2» في الكلام. وتأكيد لعقد بيعتهم إياه، وعظم شأن ~~المبايع صلى الله عليه وسلم. # وقد يكون من هذا قوله تعالى: «فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، وما رميت إذ ~~رميت ولكن الله رمى» «3» . # وإن كان الأول «4» في باب المجاز، وهذا «5» في باب الحقيقة. # لأن القاتل والرامي بالحقيقة هو الله، وهو خالق فعله، ورميه، وقدرته ~~عليه، ومشيئته «6» ، ولأنه ليس في قدرة البشر توصيل تلك الرمية حيث وصلت، ~~حتى لم يبق منهم من لم تملأ عينه، وكذلك قتل الملائكة لهم حقيقة. ~~PageV01P127 # وقد قيل في هذه الآية الأخرى «1» : إنها على المجاز العربي «2» ، ومقابلة ~~اللفظ ومناسبته. # أي ما قتلتموهم، وما رميتهم أنت إذ رميت وجوههم بالحصباء، والتراب، ولكن ~~الله رمى قلوبهم بالجزع، أي: أن منفعة الرمي كانت من فعل الله، فهو القاتل، ~~والرامي، بالمعنى، وأنت بالاسم. PageV01P128 ### ||| الفصل العاشر في ما أظهره الله تعالى في كتابه العزيز من كرامته عليه ومكانته عنده وما خصه به من ذلك سوى ما تقدم # - من ذلك ما قصه «1» تعالى، من قصة الإسراء، في سورة «سبحان» «2» و ~~«النجم» «3» ، وما انطوت عليه القصة، من عظيم منزلته، وقربه، ومشاهدته ما ~~شاهد من العبائب.. # - ومن ذلك، عصمته من الناس» . # «والله يعصمك من الناس» «4» . PageV01P129 # وقوله تعالى: «وإذ يمكر بك الذين كفروا» «1» الآية. # وقوله: «إلا تنصروه فقد نصره الله» «2» . # - وما دفع الله به عنه في هذه القصة، ms024 من أذاهم بعد تحريهم «3» لهلكه، ~~وخلوصهم نجيا «4» في أمره، والأخذ على أبصارهم عند خروجه عليهم، وذهو لهم ~~عن طلبه في الغار، وما ظهر في ذلك من الآيات، ونزول السكينة عليه، وقصة ~~«سراقة بن مالك» «5» ، حسبما ذكره أهل الحديث والسير» # ، في قصة الغار، وحديث الهجرة «7» . PageV01P130 # ومنه قوله تعالى: «إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو ~~الأبتر» «1» . # أعلمه الله تعالى بما أعطاه. # و «الكوثر» حوضه # وقيل: نهر في الجنة # وقيل: الخير الكثير «2» # وقيل: الشفاعة # وقيل: المعجزات الكثيرة # وقيل: النبوة # وقيل: المعرفة. # ثم أجاب عنه عدوه، ورد عليه قوله. # فقال تعالى: «إن شانئك هو الأبتر» «3» . # أي عدوك، ومبغضك. PageV01P131 # و «الأبتر» : الحقير الذليل، أو المفرد الوحيد أو الذي لا خير فيه. # وقال تعالى: «ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم» «1» . # قيل «2» : «السبع المثاني» السور الطوال الأول. # «والقرآن العظيم» أم القرآن. # وقيل «3» : «السبع المثاني» أم القرآن. # «والقرآن العظيم» سائره. # وقيل: «السبع المثاني» ما في القرآن من أمر ونهي، وبشرى وإنذار، وضرب، ~~وإعداد نعم. # وآتيناك نبأ القرآن العظيم. # وقيل: سميت أم القرآن «مثاني» لأنها تثنى في كل ركعة «4» . # وقيل: بل الله تعالى استثناها لمحمد صلى الله عليه وسلم وذخرها له، دون ~~الأنبياء. PageV01P132 # وسمي القرآن «مثاني» لأن القصص تثنى فيه. # وقيل «1» : «السبع المثاني» أكرمناك بسبع كرامات، الهدي، والنبوة، ~~والرحمة، والشفاعة، والولاية، والتعظيم، والسكينة. # وقال تعالى: «وأنزلنا إليك الذكر» «2» الآية. # وقال تعالى: «وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا» «3» . # وقال تعالى: «قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا» «4» الآية. # قال القاضي «5» : فهذه من خصائصه. # وقال تعالى: «وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم» «6» . ~~PageV01P133 # فخصهم بقومهم، وبعث محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الخلق. # كما قال صلى الله عليه وسلم: «بعثت إلى الأحمر والأسود» «1» . # وقال تعالى: «النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجه أمهاتهم» «2» . # قال أهل التفسير: «أولى بالمؤمنين من أنفسهم» أي: # ما أنفذه فيهم من أمر، فهو ماض عليهم، كما يمضي حكم السيد على عبده. # وقيل: اتباع أمره أولى من اتباع رأي النفس. ms025 «وأزواجه أمهاتهم» أي: هن في ~~الحرمة كالأمهات، حرم نكاحهن عليهم بعده تكرمة له وخصوصية، ولأنهن له أزواج ~~في الجنة «3» ... # وقد قرىء «4» : «وهو أب لهم» ولا يقرأ به الآن «5» ، PageV01P134 # لمخالفته المصحف «1» .. # وقال الله تعالى: «وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة» # الآية «2» . «وكان فضل الله عليك عظيما» # «3» . # قيل: «فضله العظيم» بالنبوة. # وقيل: بما سبق له في الأزل. # وأشار الواسطي «4» إلى أنها إشارة إلى احتمال الرؤية التي لم يحتملها ~~موسى عليه السلام. PageV01P135 ### || الباب الثاني في تكميل الله تعالى له المحاسن خلقا وخلقا وقرانه جميع الفضائل الدينية والدنيوية فيه نسقا وفيه سبعة وعشرون فصلا # PageV01P137 ### ||| مقدمة الباب الثاني # اعلم أيها المحب لهذا النبي الكريم، الباحث عن تفاصيل جمل قدره العظيم، ~~أن خصال الجمال «1» والكمال في البشر نوعان: # - ضروري دنيوي ... اقتضته الجبلة «2» وضرورة الحياة الدنيا- مكتسب ديني ~~... وهو ما يحمد فاعله ويقرب إلى الله زلفى «3» # ثم هي على فنين أيضا: # أ- منها ما يتخلص «4» لأحد الوصفين: # ب- ومنها ما يتمازج ويتداخل. # فأما الضروري المحض: فما ليس للمرء فيه اختيار، ولا اكتساب، مثل ما كان ~~في جبلته من كمال خلقته، وجمال صورته، وقوة عقله، PageV01P139 # وصحة فهمه، وفصاحة لسانه، وقوة حواسه وأعضائه، واعتدال حركاته، وشرف ~~نسبه، وعزة قومه، وكرم أرضه. # ويلحق به: ما تدعوه ضرورة حياته إليه من غذائه، ونومه، وملبسه، ومسكنه، ~~ومنكحه، وماله وجاهه. # وقد تلحق هذه الخصال الآخرة «1» بالأخروية، إذا قصد بها التقوى، ومعونة ~~البدن على سلوك طريقها، وكانت على حدود الضرورة، وقواعد «2» الشريعة. # وأما المكتسبة الأخروية: فسائر الأخلاق العلية، والآداب الشرعية من: ~~الدين- والعلم- والحلم- والصبر- والشكر- والعدل- والزهد- والتواضع- والعفو- ~~والعفة- والجود- والشجاعة- والحياء- والمروءة- والصمت- والتؤدة- والوقار- ~~والرحمة- وحسن الأدب والمعاشرة ... وأخواتها «3» ، وهي التي جماعها (حسن ~~الخلق) . PageV01P140 # - وقد يكون من هذه الأخلاق، ما هو في الغريزة «1» ، وأصل الجبلة لبعض ~~الناس؛ وبعضهم لا تكون فيه فيكتسبها، ولكنه لا بد أن يكون فيه من أصولها في ~~أصل الجبلة شعبة ... كما سنبينه- إن شاء الله تعالى- # - وتكون هذه الأخلاق دنيوية، إذا لم يرد بها وجه الله، والدار الآخرة. ~~ولكنها كلها محاسن، وفضائل، باتفاق أصحاب العقول السليمة، وإن اختلفوا في ~~موجب حسنها، وتفضيلها ... PageV01P141 ### ||| الفصل الأول # قال القاضي» # : إذا كانت خصال الكمال، ms026 والجلال. # ما ذكرناه- ورأينا «2» الواحد منا يتشرف «3» بواحدة منها، أو اثنتين- إن ~~اتفقت «4» له في كل عصر-، إما من نسب، أو جمال، أو قوة، أو حلم، أو شجاعة، ~~أو سماحة، حتى يعظم قدره، ويضرب باسمه الأمثال، ويتقرر له بالوصف بذلك في ~~القلوب أثرة «5» عظيمة، وهو منذ عصور خوال «6» ، رمم «7» بوال «8» . # - فما ظنك بعظيم قدر من اجتمعت فيه كل هذه الخصال، إلى مالا PageV01P142 # يأخذه عد، ولا يعبر عنه مقال، ولا ينال بكسب، ولا حيلة، إلا بتخصيص ~~الكبير المتعال، من فضيلة النبوة، والخلة، والمحبة، والاصطفاء، والرؤية، ~~والقرب، والدنو، والوحي، والشفاعة، والوسيلة، والفضيلة، والدرجة الرفيعة، ~~والمقام المحمود، والبراق، والمعراج، والبعث إلى الأحمر والأسود، والصلاة ~~بالأنبياء، والشهادة بين الأنبياء، والأمم، وسيادة ولد آدم، ولواء الحمد، ~~والبشارة، والنذارة، والمكانة عند ذي العرش، والطاعة ثم «1» ، والأمانة، ~~والهداية، ورحمة للعالمين، وإعطاء الرضى والسؤل، والكوثر، وسماع القول، ~~وإتمام النعمة، والعفو عما تقدم وتأخر، وشرح الصدر، ووضع الوزر، ورفع ~~الذكر، وعزة النصر، ونزول السكينة، والتأييد بالملائكة، وإيتاء الكتاب ~~والحكمة، والسبع المثاني والقرآن العظيم، وتزكية الأمة، والدعاء إلى الله، ~~وصلاة الله تعالى والملائكة، والحكم بين الناس بما أراه الله، ووضع الإصر ~~والأغلال عنهم، والقسم باسمه، وإجابة دعوته، وتكليم الجمادات والعجم، ~~وإحياء PageV01P143 # الموتى، وإسماع الصم، ونبع الماء من بين أصابعه، وتكثير القليل، وانشقاق ~~القمر، ورد الشمس، وقلب الأعيان، والنصر بالرعب والاطلاع على الغيب، وظل ~~الغمام، وتسبيح الحصا، وإبراء الآلام، والعصمة من الناس ... # - إلى ما لا يحويه محتفل «1» ، ولا يحيط بعلمه إلا ما نحه ذلك، ومفضله به ~~لا إله غيره. # - إلى ما أعد له في الدار الآخرة، من منازل الكرامة، ودرجات القدس، ~~ومراتب السعادة، والحسنى، والزيادة التي تقف دونها العقول، ويحار دون ~~إدراكها الوهم «2» ... PageV01P144 ### ||| الفصل الثاني صفاته الخلقية صلى الله عليه وسلم # إن قلت- أكرمك الله-: لا خفاء على القطع بالجملة، أنه صلى الله عليه وسلم ~~أعلى الناس قدرا، وأعظمهم محلا، وأكملهم محاسن وفضلا، وقد ذهبت في تفاصيل ~~خصال الكمال مذهبا جميلا، شوقني إلى أن أقف عليها من أوصافه صلى الله عليه ~~وسلم تفصيلا. # فاعلم- نور ms027 الله قلبي وقلبك، وضاعف في هذا النبي الكريم حبي وحبك-، أنك ~~إذا نظرت إلى خصال الكمال، التي هي غير مكتسبة-، وفي جبلة الخلقه، وجدته ~~صلى الله عليه وسلم حائزا لجميعها، محيطا بشتات محاسنها، دون خلاف بين نقلة ~~الأخبار «1» لذلك؛ بل قد بلغ بعضها مبلغ القطع. PageV01P145 # أما الصورة وجمالها، وتناسب أعضائه في حسنها، فقد جاءت الآثار الصحيحة، ~~والمشهورة الكثيرة، بذلك من حديث علي «1» ، وأنس «2» بن مالك، وأبي هريرة ~~«3» ، والبراء «4» بن عازب، وعائشة «5» أم المؤمنين، وابن أبي «6» هالة، ~~وأبي «7» جحيفة، وجابر «8» بن سمرة، وأم معبد «9» ، وابن عباس «10» ، ومعرض ~~بن PageV01P146 # معيقيب «1» ، وأبي الطفيل «2» ، والعداء بن خالد «3» ، وخريم بن فاتك «4» ~~وحكيم بن حزام «5» ، وغيرهم رضي الله عنهم. # من أنه صلى الله عليه وسلم كان: # أزهر «6» اللون، أدعج «7» ، أنجل «8» ، أشكل «9» ، أهدب الأشفار «10» ، ~~أبلج 1» # ، أزج «12» ، PageV01P147 # أقنى «1» ، أفلج «2» ، مدور الوجه «3» ، واسع الجبين «4» ، كث اللحية ~~تملأ صدره، سواء البطن والصدر، واسع الصدر «5» ، عظيم المنكبين «6» ، ضخم ~~العظام، عبل «7» العضدين والذراعين والأسافل، رحب «8» الكفين والقدمين، ~~سائل «9» الأطراف، أنور المتجرد «10» ، دقيق المسربة «11» ، ربعة «12» ~~القد، ليس بالطويل البائن «13» ، ولا القصير المتردد، ومع ذلك فلم يكن ~~يماشيه أحد، ينسب إلى الطول إلا طاله صلى الله عليه وسلم، رجل «14» الشعر، ~~إذا افتر PageV01P148 # ضاحكا افتر «1» عن مثل سنا البرق، وعن مثل حب الغمام، إذا تكلم رئي ~~كالنور يخرج من ثناياه، أحسن الناس عنقا، ليس بمطهم «2» ولا مكلثم «3» ، ~~متماسك البدن «4» ، ضرب اللحم «5» . # قال البراء «6» : ما رأيت من ذي لمة «7» ، في حلة حمراء، أحسن من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «8» . # وقال أبو هريرة «9» رضي الله عنه: ما رأيت شيئا أحسن من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؛ كأن الشمس تجري في وجهه، وإذا ضحك يتلألأ في الجدر «10» ~~... # وقال جابر بن سمرة «11» : وقال له رجل: كان وجهه صلى الله عليه وسلم مثل ~~PageV01P149 # السيف. فقال: لا بل مثل الشمس والقمر، وكان مستديرا «1» . # وقالت «2» أم معبد «3» في بعض ما وصفته به: # أجمل الناس من بعيد، وأحلاه وأحسنه من قريب. # وفي حديث «4» ابن أبي هالة «5» : # يتلألأ وجهه تلألؤ القمر، ليلة ms028 البدر. # وقال» # علي «7» في آخر وصفه له: # من رآه بديهة «8» هابه، ومن خالطه معرفة أحبه. # يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم. # - والأحاديث في بسط صفته مشهورة كثيرة فلا نطول بسردها. PageV01P150 # - وقد اختصرنا في وصفه نكت «1» ما جاء فيها، وجملة مما فيه، كفاية في ~~القصد إلى المطلوب. # - وختمنا هذه الفصول بحديث جامع لذلك تقف عليه هناك- إن شاء الله تعالى-. # *** PageV01P151 ### ||| الفصل الثالث نظافته صلى الله عليه وسلم # أما نظافة جسمه، وطيب ريحه وعرقه، ونزاهته عن الأقذار، وعورات الجسد «1» ~~؛ فكان قد خصه الله تعالى في ذلك بخصائص لم توجد في غيره، ثم تممها بنظافة ~~الشرع، وخصال الفطرة العشر «2» . # وقال: «بني الدين على النظافة» «3» . PageV01P152 # عن أنس «1» قال: «ما شممت عنبرا قط، ولا مسكا، ولا شيئا أطيب من ريح رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم» «2» . # وعن جابر «3» بن سمرة: «أنه صلى الله عليه وسلم مسح خده، قال: فوجدت ليده ~~بردا وريحا، كأنما أخرجها من جونة عطار» «4» . # قال غيره: مسها بطيب أو لم يمسها، يصافح المصافح فيظل يومه يجد ريحها. ~~ويضع يده على رأس الصبي فيعرف من بين الصبيان بريحها # - «ونام رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار أنس «5» على نطع «6» . ~~فعرق، فجاءت أمه بقارورة تجمع فيها عرقه، فسألها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن ذلك، فقالت: نجعله في طيبنا وهو من أطيب الطيب.» «7» . PageV01P153 # وذكر البخاري في تاريخه الكبير عن جابر «1» : # «لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يمر في طريق فيتبعه أحد إلا عرف أنه ~~سلكه، من طيبه» . # وذكر إسحق «2» بن راهويه: أن تلك كانت رائحته بلا طيب صلى الله عليه ~~وسلم. # روى المزني «3» ، والحربي «4» . # عن جابر «5» رضي الله عنه قال: «أردفني النبي صلى الله عليه وسلم خلفه، ~~فالتقمت خاتم النبوة بفمي، فكان ينم «6» علي مسكا» . # وقد حكى بعض المعتنين بأخباره وشمائله: أنه كان إذا أراد أن يتغوط، انشقت ~~الأرض فابتلعت غائطه وبوله، وفاحت PageV01P154 # لذلك رائحة طيبة، صلى الله عليه وسلم «1» . وأسند محمد بن سعد «2» ، كاتب ~~الواقدي ms029 «3» في هذا «4» خبرا، عن عائشة «5» رضي الله عنها: # «أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إنك تأتي الخلاء فلا نرى منك شيئا ~~من الأذى، فقال: يا عائشة، أو ما علمت أن الأرض تبتلع «6» # ما يخرج من الأنبياء، فلا يرى منه شيء «7» ؟!» . # وهذا الخبر، وإن لم يكن مشهورا فقد قال قوم من أهل العلم بطهارة هذين ~~الحدثين منه صلى الله عليه وسلم. # وهو قول بعض أصحاب الشافعي «8» . PageV01P155 # حكاه الإمام أبو نصر بن الصباغ «1» في شامله. # وقد حكى القولين عن العلماء في ذلك أبو بكر بن سابق المالكي «2» في كتابه ~~«البديع» في فروع المالكية، وتخريج ما لم يقع لهم منها على مذهبهم من ~~تفاريع الشافعية. # وشاهد هذا: أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن منه شيء يكره ولا غير طيب ... # ومنه حديث «3» علي «4» رضي الله عنه: «غسلت النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فذهبت أنظر ما يكون من الميت، فلم أجد شيئا فقلت: طبت حيا وميتا. قال: ~~وسطعت منه ريح طيبة، لم نجد مثلها قط» . # ومثله قال» # أبو بكر «6» رضي الله عنه حين قبل النبي صلى الله عليه وسلم، بعد موته. ~~PageV01P156 # - ومنه شرب مالك بن سنان «1» دمه، يوم أحد، ومصه إياه، وتسويغه صلى الله ~~عليه وسلم ذلك له وقوله له: «لن تصيبه النار» «2» ، # - ومثله «3» شرب عبد الله «4» بن الزبير دم حجامته، فقال له عليه السلام: ~~«ويل لك من الناس، وويل لهم منك» ولم ينكر عليه؛ وقد روي نحو من هذا عنه في ~~امرأة شربت بوله، فقال لها: «لن تشتكي وجع بطنك أبدا.» «5» # - ولم يأمر واحدا منهم بغسل فم، ولا نهاه عن عود. # وحديث هذه المرأة، التي شربت بوله صحيح، ألزم PageV01P157 # الدارقطني «1» مسلما «2» ، والبخاري «3» ، إخراجه في الصحيح. # واسم هذه المرأة «بركة» «4» ، واختلف في نسبها، وقيل: # هي أم أيمن «5» ، وكانت تخدم النبي صلى الله عليه وسلم. # قالت: وكان للنبي صلى الله عليه وسلم قدح من عيدان «6» ، يوضع تحت سريره، ~~يبول فيه من الليل، فبال فيه ليلة، ثم افتقده، فلم يجد PageV01P158 # فيه شيئا. فسأل بركة عنه، ms030 فقالت: قمت، وأنا عطشانة، فشربته وأنا لا أعلم» ~~روى حديثها ابن جريج «1» وغيره «2» . # وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد ولد مختونا، مقطوع السرة «3» ؛ # وروي عن أمه آمنة «4» أنها قالت: ولدته نظيفا، ما به قذر «5» . # وعن «6» عائشة «7» رضي الله عنها: ما رأيت فرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قط، وعن علي «8» رضي الله عنه: أوصاني النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~يغسله غيري «فإنه لا يرى أحد عورتي إلا طمست عيناه» «9» وفي حديث ~~PageV01P159 # عكرمة «1» عن ابن عباس «2» رضي الله عنهما «أنه صلى الله عليه وسلم، نام ~~حتى سمع له غطيط «3» ، فقام فصلى، ولم يتوضأ» «4» . # قال عكرمة: لأنه صلى الله عليه وسلم كان محفوظا. PageV01P160 ### ||| الفصل الرابع وفور عقله وفصاحة لسانه وقوة حواسه صلى الله عليه وسلم # أما وفور عقله، وذكاء لبه، وقوة حواسه، وفصاحة لسانه، واعتدال حركاته، ~~وحسن شمائله، فلا مرية «1» أنه كان أعقل الناس وأذكاهم. # - ومن تأمل تدبيره أمر بواطن الخلق، وظواهرهم، وسياسة العامة والخاصة، مع ~~عجيب شمائله وبديع سيره، فضلا عما أفاضه من العلم، وقرره من الشرع، دون ~~تعلم سبق، ولا ممارسة تقدمت، ولا مطالعة للكتب منه، لم يمتر في رجحان عقله، ~~وثقوب «2» فهمه، لأول بديهة. PageV01P161 # - وهذا لا يحتاج إلى تقريره لتحققه. # وقد قال وهب «1» بن منبه: قرأت في أحد وسبعين كتابا، فوجدت في جميعها، أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم، أرجح الناس عقلا، وأفضلهم رأيا. # وفي رواية أخرى: فوجدت في جميعها، أن الله تعالى لم يعط جميع الناس من ~~بدء الدنيا إلى انقضائها، من العقل في جنب عقله صلى الله عليه وسلم، إلا ~~كحبة رمل من بين رمال الدنيا. # وقال «2» مجاهد «3» : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا قام في «4» ~~الصلاة يرى من خلفه كما يرى من بين يديه. # وبه فسر قوله تعالى: «وتقلبك في الساجدين» » . # وفي الموطأ «6» عنه عليه الصلاة والسلام: «إني لأراكم من وراء ظهري» «7» ~~. PageV01P162 # ونحوه عن أنس «1» في الصحيحين «2» . # وعن عائشة «3» مثله «4» قالت: «زيادة زاده الله إياها في حجته» # وفي بعض الروايات «5» : «إني ms031 لأنظر من «6» ورائي كما أنظر من «7» بين ~~يدي» . # وفي أخرى «8» : «إني لأبصر من قفاي كما أبصر من بين يدي» . # وحكى بقي «9» بن مخلد عن عائشة «10» : «كان النبي صلى الله عليه وسلم يرى ~~في الظلمة كما يرى في الضوء» «11» . # - والأخبار كثيرة صحيحة في رؤيته صلى الله عليه وسلم الملائكة «12» ~~PageV01P163 # والشياطين «1» . # - ورفع له النجاشي «2» حتى صلى عليه «3» . # - وبيت المقدس «4» حين وصفه لقريش. # - والكعبة حين «5» بنى مسجده «6» ، وقد حكي عنه «7» صلى الله عليه وسلم ~~أنه: «كان يرى في الثريا أحد عشر نجما.» # - وهذه كلها محمولة على رؤية العين. PageV01P164 # وهو قول أحمد بن «1» حنبل وغيره. # وذهب بعضهم «2» إلى ردها إلى العلم. # - والظواهر تخالفه، ولا إحالة «3» في ذلك، وهي من خواص الأنبياء وخصالهم. # عن أبي هريرة «4» عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما تجلى الله عز ~~وجل لموسى عليه السلام، كان يبصر النملة على الصفا، في الليلة الظلماء، ~~مسيرة عشرة فراسخ» «5» . # ولا يبعد على هذا، أن يختص نبينا صلى الله عليه وسلم بما ذكرناه من هذا ~~الباب، بعد الإسراء والحظوة، بما رأى من آيات ربه الكبرى. # وقد جاءت الأخبار «6» بأنه صرع ركانة «7» ، أشد أهل وقته PageV01P165 # وكان دعاه إلى الإسلام «1» . # وصارع أبا ركانة في الجاهلية «2» ، وكان شديدا، وعاوده ثلاث مرات، كل ذلك ~~يصرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقال «3» أبو هريره» # : ما رأيت أحدا أسرع من رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشيه، كأنما ~~الأرض تطوى له؛ إنا لنجهد أنفسنا، وهو غير مكترث؛ وفي صفته عليه الصلاة ~~والسلام أن ضحكه كان تبسما، إذا التفت التفت معا، وإذا مشى مشى تقلعا، «5» ~~كأنما ينحط من صبب «6» . PageV01P166 ### ||| الفصل الخامس فصاحة لسانه وبلاغته صلى الله عليه وسلم # وأما فصاحة اللسان، وبلاغة القول، فقد كان صلى الله عليه وسلم من ذلك ~~بالمحل الأفضل، والموضع الذي لا يجهل، سلاسة طبع، وبراعة منزع، وإيجاز ~~مقطع، ونصاعة لفظ، وجزالة قول، وصحة معان، وقلة تكلف. # - أوتي جوامع الكلم، وخص ببدائع الحكم، وعلم ألسنة العرب، فكان يخاطب كل ~~أمة منها بلسانها، ويحاورها بلغتها، ms032 ويباريها في منزع بلاغتها، حتى كان ~~كثير من أصحابه يسألونه في غير موطن عن شرح كلامه، وتفسير قوله. # - من تأمل حديثه، وسيره، علم ذلك وتحققه. # - وليس كلامه مع قريش والأنصار، وأهل الحجاز، ونجد، # PageV01P167 # ككلامه مع «ذي المشعار «1» الهمداني» «وطهفة «2» النهدي» و «قطن بن «3» ~~حارثة العليمي» و «الأشعث «4» بن قيس» و «وائل بن حجر «5» الكندي» وغيرهم، ~~من أقيال «6» حضرموت، وملوك اليمن. # - وانظر كتابه إلى همدان: (إن لكم فراعها «7» ، ووهاطها «8» PageV01P168 # وعزازها «1» تأكلون علافها «2» ، وترعون عفاءها «3» ، لنا من دفئهم «4» ، ~~وصرامهم «5» ما سلموا «6» بالميثاق «7» والأمانة، ولهم من الصدقة الثلب «8» ~~والناب «9» ، والفصيل «10» ، والفارض «11» الداجن «12» ، والكبش الحواري ~~«13» ، وعليهم فيها الصالغ «14» والقارح «15» ... # وقوله لنهد «16» : «اللهم بارك لهم في محضها» «17» ، PageV01P169 # ومخضها «1» ، ومذقها «2» ، وابعث راعيها في الدثر «3» ، وافجر له الثمد ~~«4» وبارك لهم في المال والولد. # من أقام الصلاة كان مسلما، ومن آتى الزكاة كان محسنا، ومن شهد أن لا إله ~~إلا الله كان مخلصا، # لكم يا بني نهد ودائع» # الشريك، ووضائع «6» الملك، لا تلطط «7» في الزكاة، ولا تلحد «8» في ~~الحياة، ولا تتثاقل عن الصلاة. # وكتب لهم: في الوظيفة الفريضة «9» ، ولكم الفارض والفريش «10» ، وذو ~~العنان «11» الركوب، والفلو «12» الضبيس «13» ، لا يمنع PageV01P170 # سرحكم «1» ، ولا يعضد «2» طلحكم «3» ، ولا يحبس دركم «4» ، ما لم تضمروا ~~الرماق «5» ، وتأكلوا الرباق «6» . # من أقر فله الوفاء بالعهد، والذمة، ومن أبى فعليه الربوة «7» . # ومن كتابه لوائل بن حجر «8» : «إلى الأقيال العباهلة «9» ، والأرواع «10» ~~المشابيب «11» . # وفيه: في التيعة «12» شاة، لا مقورة «13» الألياط «14» ، PageV01P171 # ولا ضناك «1» ، وأنطوا «2» الثبجة «3» . # وفي السيوب «4» الخمس. ومن زنى مم «5» بكر فاصقعوه «6» مائة، واستوفضوه ~~«7» عاما، ومن زنى مم ثيب فضرجوه «8» بالأضاميم «9» ولا توصيم 1» # في الدين، ولا عمة «11» في فرائض الله. وكل مسكر حرام ووائل بن «12» حجر ~~يترفل «13» على الأقيال ... # أين هذا من كتابه لأنس «14» في الصدقة المشهور، لما كان كلام هؤلاء على ~~هذا الحد، وبلاغتهم على هذا النمط، وأكثر استعمالهم هذه الألفاظ، استعملها ~~معهم، ليبين للناس ما نزل PageV01P172 # إليهم، وليحدث الناس بما يعلمون ... # وكقوله في حديث «1» عطية السعدي «2» : «فإن اليد العليا هي المنطية، ~~واليد السفلى هي المنطاة» . # قال: فكلمنا رسول ms033 الله صلى الله عليه وسلم بلغتنا. # وقوله «3» في حديث العامري «4» : حين سأله، فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # «سل عنك» أي سل عما شئت. وهي لغة بني عامر ... # - وأما كلامه المعتاد، وفصاحته المعلومة، وجوامع كلمه، وحكمه المأثورة، ~~فقد ألف الناس فيها الدواوين، وجمعت في ألفاظها، ومعانيها الكتب. # ومنها ما لا يوازى فصاحة، ولا يبارى بلاغة. # كقوله «5» : «المسلمون تتكافؤ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على ~~من سواهم» . PageV01P173 # وقوله «1» : «الناس كأسنان المشط» ، # - «المرء مع من أحب» «2» ، # - «لا خير في صحبة من لا يرى لك ما ترى له» «3» ، # - «والناس معادن» «4» ، # - «ما هلك امرؤ عرف قدره» «5» ، # - «المستشار مؤتمن وهو بالخيار ما لم يتكلم» «6» ، # - «رحم الله عبدا قال خيرا فغنم، أو سكت فسلم» «7» ، # وقوله: «أسلم تسلم.. أسلم يؤتك الله أجرك مرتين..» «8» PageV01P174 # - «إن أحبكم إلي وأقربكم مني مجالس يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا، الموطؤون ~~أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون.» «1» # وقوله: «لعله كان يتكلم بما لا يعنيه ويبخل بما لا يغنيه» «2» # وقوله: «ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها» «3» # ونهيه «4» عن «قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، ومنع وهات، وعقوق ~~الأمهات ووأد البنات.» # وقوله: «إتق الله حيث كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق ~~حسن.» «5» # - «خير الأمور أوساطها.» «6» # وقوله «7» : «أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما» . ~~PageV01P175 # وقوله «1» : «الظلم ظلمات يوم القيامة» . # وقوله «2» في بعض دعائه «3» : «اللهم إني أسألك رحمة من عندك، تهدي بها ~~قلبي، تجمع بها أمري، وتلم بها شعثي «4» ، وتصلح بها غائبي، وترفع بها ~~شاهدي، وتزكي بها عملي، وتلهمني بها رشدي، وترد بها ألفتي، وتعصمني بها من ~~كل سوء؛ # اللهم إني أسألك الفوز عند القضاء، ونزل الشهداء، وعيش السعداء، والنصر ~~على الأعداء ... » # إلى ما روته الكافة «5» عن الكافة، من مقاماته، ومحاضراته، وخطبه، ~~وأدعيته، ومخاطباته وعهوده، مما لا خلاف أنه نزل من ذلك مرتبة «6» لا يقاس ~~بها غيره، وحاز فيها سبقا لا يقدر قدره؛ PageV01P176 # - وقد جمعت من كلماته، التي لم يسبق إليها، ولا قدر أحد أن يفرغ في قالبه ~~عليها. # كقوله «1» : «حمي الوطيس» ms034 ، # «مات حتف أنفه» » # «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين» «3» ، # «السعيد من وعظ بغيره» «4» ، # وفي أخواتها ما يدرك الناظر العجب في مضمنها، ويذهب به الفكر في أواني ~~حكمها. # وقد قال له أصحابه «5» : ما رأينا الذي هو أفصح منك.. PageV01P177 # فقال: «وما يمنعني؟!! وإنما أنزل القرآن بلساني، لسان عربي مبين» . # وقال مرة أخرى «1» : «أنا أفصح العرب، بيد أني من قريش ونشأت في بني سعد» ~~. # فجمع له بذلك، صلى الله عليه وسلم قوة عارضة «2» البادية وجزالتها «3» ، ~~ونصاعة «4» ألفاظ الحاضرة ورونق «5» كلامها، إلى التأييد الإلهي الذي مدده ~~الوحي الذي لا يحيط بعلمه بشري «6» . # وقالت أم معبد «7» في وصفها له: # «حلو المنطق، فصل «8» ، لا نزر «9» ، ولا هذر «10» PageV01P178 # كأن منطقه خرزات «1» نظمن. وكان جهير الصوت «2» ، حسن النغمة. # صلى الله عليه وسلم. PageV01P179 ### ||| الفصل السادس شرف نسبه وكرم بلده ومنشئه صلى الله عليه وسلم # وأما شرف نسبه، وكرم بلده، ومنشئه فمها لا يحتاج إلى إقامة دليل عليه، ~~ولا بيان مشكل، ولا خفي منه. # فإنه نخبة بني هاشم، وسلالة قريش وصميمها، وأشرف العرب وأعزهم نفرا من ~~قبل أبيه وأمه، ومن أهل مكة، من أكرم بلاد الله على الله، وعلى عباده. # عن أبي هريرة «1» رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # «بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا، حتى كنت في القرن الذي كنت منه» ~~«2» . PageV01P180 # وعن العباس «1» رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «2» # «إن الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم ومن خير قرنهم، ثم تخير القبائل، ~~فجعلني من خير قبيلة، ثم تخير البيوت، فجعلني من خير بيوتهم. فأنا خيرهم ~~نفسا، وخيرهم بيتا» . # وعن وائلة «3» بن الأصقع رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني ~~كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من ~~بني هاشم» . # قال الترمذي «4» : وهذا حديث صحيح «5» . PageV01P181 # وفي حديث عن ابن «1» عمر رضي الله عنهما: رواه الطبراني «2» أنه صلى الله ms035 ~~عليه وسلم قال «3» : «إن الله عز وجل اختار خلقه، فاختار منهم بني آدم، ثم ~~اختار بني آدم، فاختار منهم العرب، ثم اختار العرب، فاختار منهم بني هاشم، ~~ثم اختار بني هاشم فاختارني منهم. # فلم أزل خيارا من خيار. # ألا من أحب العرب فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم.» # وعن ابن «4» عباس «5» : أن النبي صلى الله عليه وسلم، كانت روحه نورا بين ~~يدي الله تعالى، قبل أن يخلق آدم بألفي عام، يسبح ذلك النور وتسبح الملائكة ~~بتسبيحه، فلما خلق الله آدم ألقى ذلك النور في صلبه. PageV01P182 # فقال رسول صلى الله عليه وسلم: «فأهبطني الله إلى الأرض في صلب آدم، ~~وجعلني في صلب نوح، وقذف بي في صلب إبراهيم، ثم لم يزل الله تعالى ينقلني ~~من الأصلاب الكريمة، والأرحام الطاهرة، حتى أخرجني من أبوي ... لم يلتقيا ~~على سفاح قط» . # ويشهد بصحة هذا الخبر شعر العباس «1» ، المشهور في مدح النبي صلى الله ~~عليه وسلم ... # *** PageV01P183 ### ||| الفصل السابع حالته صلى الله عليه وسلم في الضروريات # وأما ما تدعو ضرورة الحياة إليه، مما فصلناه فعلى ثلاثة أضرب: # - ضرب الفضل في قلته. # - وضرب الفضل في كثرته. # - وضرب تختلف الأحوال فيه ... # أ- فأما ما التمدح والكمال بقلته، اتفاقا، وعلى كل حال، عادة وشريعة، ~~كالغذاء، والنوم ... # ولم تزل العرب والحكماء تتمادح بقلتهما، وتذم بكثرتهما لأن كثرة الأكل ~~والشرب دليل على النهم والحرص. والشره وغلبة الشهوة مسبب لمضار الدنيا ~~والآخرة، جالب لأدواء الجسد، # PageV01P184 # وخثارة «1» النفس، وامتلاء الدماغ. وقلته، دليل على القناعة وملك النفس. # وقمع الشهوة مسبب للصحة، وصفاء الخاطر، وحدة الذهن. # كما أن كثرة النوم دليل على الفسولة «2» والضعف، وعدم الذكاء والفطنة ~~مسبب للكسل، وعادة العجز، وتضييع العمر في غير نفع، وقساوة القلب، وغفلته ~~وموته. # والشاهد على هذا: ما يعلم ضرورة، ويوجد مشاهدة، وينقل متواترا، من كلام ~~الأمم المتقدمة، والحكماء السالفين، وأشعار العرب وأخبارها وصحيح الحديث، ~~وآثار من سلف وخلف مما لا يحتاج إلى الاستشهاد عليه، وإنما تركنا ذكره هنا. ~~اختصارا، واقتصارا على اشتهار العلم به. # وكان النبي صلى الله ms036 عليه وسلم قد أخذ من هذين الفنين بالأقل ... هذا ما ~~لا يدفع من سيرته، وهو الذي أمر به، وحض عليه، لا سيما بارتباط أحدهما ~~بالآخر. PageV01P185 # عن المقدام بن «1» معدي كرب رضي الله عنه: أن» # رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه. ~~حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه» فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه ~~وثلث لنفسه» . # ولأن كثرة النوم من كثرة الأكل والشرب. # قال سفيان الثوري «3» : بقلة الطعام يملك سهر الليل. # وقال بعض السلف: لا تأكلوا كثيرا، فتشربوا كثيرا، فترقدوا كثيرا، فتخسروا ~~كثيرا. # وقد روي «4» عنه صلى الله عليه وسلم أنه: «كان أحب الطعام إليه ما كان ~~على ضفف» أي كثرة الأيدي. PageV01P186 # وعن عائشة «1» رضي الله عنها: لم «2» يمتليء جوف النبي صلى الله عليه ~~وسلم شبعا قط، وأنه كان في أهله لا يسألهم طعاما ولا يتشهاه، إن أطعموه ~~أكل، وما أطعموه قبل، وما سقوه شرب ... # - ولا يعترض على هذا بحديث بريرة «3» وقوله «4» : # «ألم أر البرمة «5» فيها لحم» . # - إذ لعل سبب سؤاله ظنه صلى الله عليه وسلم اعتقادهم أنه لا يحل له، ~~فأراد بيان سنته، إذ رآهم لم يقدموه إليه مع علمه أنهم لا يستأثرون عليه ~~به، فصدق عليهم ظنه، وبين لهم ما جهلوه من أمره بقوله: # «هو لها صدقة، ولنا هدية» . # وفي حكمة لقمان «6» عليه السلام: يا بني إذا امتلأت المعدة PageV01P187 # نامت الفكرة، وخرست الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة. # وقال سحنون «1» : لا يصلح العلم لمن يأكل حتى يشبع. # وفي صحيح الحديث «2» قوله صلى الله عليه وسلم: «أما أنا فلا آكل متكئا» # «والاتكاء» : هو التمكن للأكل، والتقعدد «3» في الجلوس له كالمتربع، ~~وشبهه من تمكن الجلسات، التي يعتمد فيها الجالس على ما تحته ... والجالس ~~على هذه الهيئة يستدعي الأكل ويستكثر منه. # - والنبي صلى الله عليه وسلم إنما كان جلوسه للأكل جلوس المستوفز مقعيا ~~«4» ويقول «5» : «إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد» ~~. # وليس معنى الحديث في الاتكاء الميل على شق ms037 عند المحققين. PageV01P188 # - وكذلك نومه صلى الله عليه وسلم كان قليلا. شهدت بذلك الآثار الصحيحة. # ومع ذلك فقد قال صلى الله عليه وسلم: # «إن عيني تنامان ولا ينام قلبي» «1» . # - وكان نومه على جانبه الأيمن استظهارا على قلة النوم، لأنه على الجانب ~~الأيسر أهنأ لهدوء القلب، وما يتعلق به من الأعضاء الباطنة حينئذ لميلها ~~إلى الجانب الأيسر، فيستدعي ذلك الاستثقال فيه والطول. وإذا نام النائم على ~~الأيمن تعلق القلب وقلق، فأسرع الإفاقة، ولم يغمره الاستغراق. PageV01P189 ### ||| الفصل الثامن زواجه صلى الله عليه وسلم وما يتعلق به # أما النكاح. فمتفق فيه شرعا وعادة. فإنه دليل الكمال وصحة الذكورية، ولم ~~يزل التفاخر بكثرته عادة معروفة، والتمادح به سيرة ماضية. # وأما في الشرع فسنة مأثورة. # وقد قال ابن «1» عباس «2» رضي الله عنهما: أفضل هذه الأمة أكثرها نساء ~~... # مشيرا إليه صلى الله عليه وسلم. # وقد قال صلى الله عليه وسلم «3» : «تناكحوا تناسلوا، فإني مباه بكم ~~PageV01P190 # الأمم «1» ، ونهى عن التبتل «2» . مع ما فيه من قمع الشهوة، وغض البصر، ~~اللذين نبه عليهما صلى الله عليه وسلم. # بقوله «3» : «من كان ذا طول فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج» . # - حتى لم يره العلماء مما يقدح في الزهد. # قال سهل بن عبد الله «4» : قد حببن إلى سيد المرسلين، فكيف يزهد فيهن؟!! # ولابن عيينه «5» نحوه ... # وقد كان زهاد الصحابة «6» - رضي الله عنهم- كثيري الزوجات والسراري، ~~كثيري النكاح. PageV01P191 # وحكي في ذلك عن علي «1» ، والحسن «2» ، وابن عمر «3» ، وغيرهم غير شيء ~~... # وقد كره غير واحد أن يلقى الله عزبا. # فإن قيل: كيف يكون النكاح، وكثرته من الفضائل، وهذا يحيى بن زكريا «4» - ~~عليه السلام- قد أثنى الله تعالى عليه بالعجز عما تعده فضيلة!!!. # - وهذا عيسى «5» بن مريم- عليه السلام- تبتل من النساء ... ولو كان كما ~~قررته لنكح ... PageV01P192 # فاعلم: أن ثناء الله تعالى على يحيى، بأنه حصور، ليس كما قال بعضهم: إنه ~~كان هيوبا «1» ، أو لا ذكر له ... بل قد أنكر هذا حذاق «2» المفسرين ونقاد ~~العلماء، وقالوا: # هذه نقيصة وعيب، ولا يليق بالأنبياء عليهم السلام. # - وإنما معناه أنه معصوم من الذنوب، أي ms038 لا يأتيها. كأنه حصر عنها. # وقيل: مانعا نفسه من الشهوات. # وقيل: ليست له شهوة في النساء. # - فقد بان لك من هذا، أن عدم القدرة على النكاح نقص. # - وإنما الفضل في كونها موجودة ثم قمعها، إما بمجاهدة كعيسى «3» # عليه السلام، أو بكفاية من الله تعالى كيحيى» # عليه السلام، فضيلة زائدة لكونها مشغلة في كثير من الأوقات، حاطة إلى ~~الدنيا. PageV01P193 # - ثم هي في حق من أقدر عليها وملكها، وقام بالواجب فيها ولم تشغله عن ربه ~~درجة علياء، وهي درجة نبينا صلى الله عليه وسلم الذي لم تشغله كثرتهن عن ~~عبادة ربه، بل زاده ذلك عبادة لتحصينهن، وقيامه بحقوقهن، واكتسابه لهن، ~~وهدايته إياهن. # - بل صرح أنها ليست من حظوظ دنياه هو، وإن كانت من حظوظ دنيا غيره. # فقال عليه الصلاة والسلام: «حبب إلي من دنياكم «1» » . # فدل أن حبه لما ذكر من النساء والطيب، اللذين هما من أمر دنيا غيره، ~~واستعماله لذلك ليس لدنياه، بل لآخرته، للفوائد التي ذكرناها في التزويج، ~~وللقاء الملائكة في الطيب، ولأنه أيضا مما يحض على الجماع ويعين عليه، ~~ويحرك أسبابه. # - وكان حبه لهاتين الخصلتين لأجل غيره، وقمع شهوته. وكان حبه الحقيقي ~~المختص بذاته في مشاهدة جبروت مولاه، ومناجاته. # ولذلك ميز بين الحبين، وفصل بين الحالين. PageV01P194 # فقال: وجعلت قرة عيني في الصلاة» . # - فقد ساوى يحيى «1» وعيسى «2» في كفاية فتنتهن، وزاد فضيلة بالقيام بهن. # - وكان صلى الله عليه وسلم ممن أقدر على القوة في هذا، وأعطي الكثير منه، ~~ولهذا أبيح له من عدد الحرائر ما لم يبح لغيره. # وقد روينا «3» عن أنس «4» رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم: «كان ~~يدور على نسائه في الساعة من الليل والنهار» وهن إحدى عشرة «5» . # قال أنس «6» : وكنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين رجلا. # أخرجه النسائي «7» PageV01P195 # وروي «1» نحوه، عن أبي رافع «2» . # وعن طاووس «3» : «أعطي عليه الصلاة والسلام قوة أربعين رجلا في الجماع» ~~«4» . # وعن صفوان «5» بن سليم مثله. # وقالت سلمى «6» مولاته: طاف «7» النبي صلى الله عليه وسلم ليلة على نسائه ~~التسع، وتطهر من كل واحدة، ms039 قبل أن يأتي الأخرى وقال: # «هذا أطيب وأطهر» . # وقد قال سليمان «8» عليه السلام: «لأطوفن «9» الليلة على مئة إمرأة، ~~PageV01P196 # أو تسع وتسعين «1» » وإنه فعل ذلك. # وقال ابن عباس «2» : كان «3» في ظهر سليمان ماء مئة رجل، وكان له ثلثمائة ~~امرأة، وثلثمائة سرية. # وحكى النقاش «4» وغيره: سبع «5» مئة إمرأة، وثلاث مئة سرية. # - وقد كان لداوود «6» عليه السلام على زهده وأكله من عمل يده تسع وتسعون ~~امرأة، وتمت بزوج أورياء مئة «7» . # - وقد نبه على ذلك في الكتاب العزيز، بقوله تعالى: # «إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة» «8» . PageV01P197 # وفي حديث أنس «1» : عنه عليه الصلاة والسلام «2» : «فضلت على الناس ~~بأربع: بالسخاء، والشجاعة، وكثرة الجماع، وقوة البطش» . # - وأما الجاه فمحمود عند العقلاء عادة، وبقدر جاهه عظمه في القلوب. # وقد قال تعالى في صفة عيسى «3» عليه السلام: «وجيها في الدنيا والآخرة ~~«4» » . # لكن آفاته كثيرة، فهو مضر لبعض الناس لعقبى الآخرة، فلذلك ذمه من ذمه، ~~ومدح ضده. # - وورد في الشرع «5» مدح الخمول «6» ، وذم العلو» # في الأرض. PageV01P198 # - وكان صلى الله عليه وسلم قد رزق من الحشمة، والمكانة في القلوب، ~~والعظمة قبل النبوة، عند الجاهلية وبعدها، وهم يكذبونه، ويؤذون أصحابه، ~~ويقصدون أذاه في نفسه خفية، حتى إذا واجههم أعظموا أمره، وقضوا حاجته. ~~وأخباره في ذلك معروفة سيأتي بعضها. وقد كان يبهت ويفرق لرؤيته من لم يره. # كما روي عن قبيلة «1» : أنها لما رأته أرعدت من الفرق «2» ، فقال: «يا ~~مسكينة عليك السكينة» «3» . # وفي حديث أبي مسعود «4» رضي الله عنه: «أن رجلا قام بين يديه فأرعد. فقال ~~له: هون عليك فإني لست بملك ... » «5» # الحديث «6» . PageV01P199 # - فأما عظيم قدره بالنبوة، وشريف منزلته بالرسالة، وإنافة «1» رتبته ~~بالاصطفاء والكرامة في الدنيا، فأمر هو مبلغ النهاية. ثم هو في الآخرة سيد ~~ولد آدم «2» . وعلى معنى هذا الفصل نظمنا هذا القسم بأسره. PageV01P200 ### ||| الفصل التاسع ما يتعلق بالمال والمتاع # وأما الضرب الثالث، فهو ما تختلف الحالات في التمدح به، والتفاخر بسببه، ~~والتفضيل لأجله، ككثرة المال. # - فصاحبه على الجملة معظم عند العامة لاعتقادها توصله به إلى حاجاته، ~~وتمكن أغراضه بسببه، وإلا ms040 فليس فضيلة في نفسه. # - فمتى كان المال بهذه الصورة، وصاحبه منفقا له في مهماته، ومهمات من ~~اعتراه وأمله، وتصريفه في مواضعه، مشتريا به المعالي والثناء الحسن، ~~والمنزلة من القلوب، كان فضيلة في صاحبه عند أهل الدنيا. # - وإذا صرفه في وجوه البر، وأنفقه في سبل الخير، وقصد بذلك الله والدار ~~الآخرة كان فضيلة عند الكل بكل حال. # PageV01P201 # - ومتى كان صاحبه ممسكا له، غير موجهه وجوهه، حريصا على جمعه، عادت كثرته ~~كالعدم وكان منقصة في صاحبه، ولم يقف به على جدد «1» السلامة، بل أوقعه في ~~هوة «2» رذيلة البخل، ومذمة النذالة. # - فإذا التمدح بالمال وفضيلته عند مفضله ليست لنفسه، وإنما هو للتوصل به ~~إلى غيره، وتعريفه في متصرفاته ... # - فجامعه إذا لم يضعه مواضعه، ولا وجهه وجوهه غير مليء «3» بالحقيقة، ولا ~~غني بالمعنى ولا ممتدح عند أحد من العقلاء، بل هو فقير أبدا، وغير واصل إلى ~~غرض من أغراضه، إذ ما بيده من المال الموصل لها لم يسلط عليه، فأشبه خازن ~~مال غيره، ولا مال له، فكأنه ليس في يده منه شيء. # - والمنفق مليء غني بتحصيله فوائد المال، وإن لم يبق في يده من المال ~~شيء. # - فانظر سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم وخلقه في المال، تجده قد أوتي ~~خزائن PageV01P202 # الأرض، ومفاتيح البلاد، وأحلت له الغنائم، ولم تحل لنبي قبله، وفتح عليه ~~في حياته صلى الله عليه وسلم بلاد الحجاز واليمن وجميع جزيرة العرب، وما ~~دانى ذلك من الشام والعراق، وجلبت إليه من أخماسها، وجزيتها، وصدقاتها ما ~~لا يجبى للملوك إلا بعضه، وهادته «1» جماعة من ملوك الأقاليم، فما استأثر ~~بشيء منه ولا أمسك منه درهما، بل صرفه مصارفه وأغنى به غيره، وقوى به ~~المسلمين. # وقال «2» : «ما يسرني أن لي أحدا ذهبا يبيت عندي منه دينار، إلا دينار ~~أرصده لدين «3» » وأتته دنانير مرة فقسمها، وبقيت منها ستة، فدفعها لبعض ~~نسائه فلم يأخذه نوم حتى قام وقسمها، وقال: «الآن استرحت «4» » ومات، ودرعه ~~مرهونة في نفقة عياله «5» . PageV01P203 # واقتصر من ملبسه ومسكنه، على ما تدعوه ضرورته إليه، وزهد ms041 فيما سواه، فكان ~~يلبس ما وجده. فيلبس في الغالب الشملة «1» والكساء الخشن، والبرد الغليظ، ~~ويقسم على من حضره أقبية الديباج «2» المخوصة «3» بالذهب، ويرفع لمن لم ~~يحضر. # - إذ المباهاة في الملابس والتزين بها، ليست من خصال الشرف والجلالة، وهي ~~من سمات النساء. # - والمحمود منها نقاوة الثوب، والتوسط في جنسه، وكونه لبس مثله، غير مسقط ~~لمروءة جنسه، مما لا يؤدي إلى الشهرة في الطرفين. # - وقد ذم الشرع ذلك، وغاية الفخر فيه في العادة عند الناس إنما يعود إلى ~~الفخر بكثرة الموجود، ووفور الحال. # - وكذلك التباهي بجودة المسكن، وسعة المنزل، وتكثير آلاته، وخدمه، ~~ومركوباته، ومن ملك الأرض، وجي إليه ما فيها، وترك ذلك زهدا وتنزها، فهو ~~حائز لفضيلة المالية، PageV01P204 # ومالك للفخر بهذه الخصلة- إن كانت فضيلة- زائد عليها في الفخر ومعرق في ~~المدح بإضرابه عنها، وزهده في فانيها وبذلها في مظانها ... # PageV01P205 ### ||| الفصل العاشر الأخلاق الحميدة # وأما الخصال المكتسبة من الأخلاق الحميدة، والآداب الشريفة، التي اتفق ~~جميع العقلاء على تفضيل صاحبها، وتعظيم المتصف بالخلق الواحد منها فضلا عما ~~فوقه، وأثنى الشرع على جميعها وأمر بها، ووعد السعادة الدائمة للمتخلق بها، ~~ووصف بعضها بأنه من أجزاء النبوة. وهي المسماة بحسن الخلق. # - وهو الاعتدال في قوى النفس، وأوصافها والتوسط فيها، دون الميل إلى ~~منحرف أطرافها. # - فجميعها قد كانت خلق نبينا صلى الله عليه وسلم على الانتهاء في كمالها، ~~والاعتدال إلى غايتها، حتى أثنى الله عليه بذلك. # PageV01P206 # فقال تعالى: «وإنك لعلى خلق عظيم» «1» . # قالت عائشة «2» رضي الله عنها: «كان «3» خلقه القرآن، يرضى برضاه، ويسخط ~~بسخطه. # وقال صلى الله عليه وسلم «4» : «بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» . # قال «5» أنس «6» : «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا» . # وعن علي «7» بن أبي طالب رضي الله عنه مثله «8» . # وكان فيما ذكره المحققون مجبولا عليها في أصل خلقته، وأول فطرته، لم تحصل ~~له باكتساب ولا رياضة، إلا بجود إلهي، وخصوصية ربانية، وهكذا لسائر ~~الأنبياء. # ومن طالع سيرهم منذ صباهم إلى مبعثهم حقق ذلك كما عرف من PageV01P207 # حال عيسى «1» ، وموسى «2» ، ويحيى «3» ، وسليمان «4» ، وغيرهم عليهم ms042 ~~السلام، بل غرزت فيهم هذه الأخلاق في الجبلة، وأودعوا العلم والحكمة في ~~الفطرة. # قال الله تعالى: «وآتيناه الحكم صبيا» » . # قال المفسرون: أعطى الله يحيى «6» عليه السلام العلم بكتاب الله تعالى في ~~حال صباه. # وقال معمر «7» : كان ابن سنتين، أو ثلاث «8» ، فقال له الصبيان لم لا ~~تلعب؟! فقال: أللعب خلقت؟! # وقيل في قوله تعالى: «مصدقا بكلمة من الله» «9» . PageV01P208 # صدق يحيى «1» بعيسى «2» ، ابن ثلاث سنين، فشهد له أنه كلمة الله، وروحه. # وقيل «3» : صدقه وهو في بطن أمه، فكانت أم يحيى «4» تقول لمريم «5» : إني ~~أجد ما في بطني يسجد لما في بطنك تحية له. # وقد نص الله تعالى على كلام عيسى «6» لأمه، عند ولادتها. # إياه، بقوله لها: «لا تحزني» «7» على قراءة من قرأ «8» «من تحتها» «9» ، ~~وعلى قول من قال «10» : إن المنادي عيسى «11» عليه السلام. # ونص على كلامه في مهده، فقال: «إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا» ~~«12» . # وقال تعالى: «ففهمناها سليمان، وكلا آتينا حكما وعلما «13» » . ~~PageV01P209 # وقد ذكر من حكم سليمان، وهو صبي يلعب في قضية المرجومة «1» ، وفي قصة ~~الصبي «2» ما اقتدى به داوود «3» أبوه. # وقال الطبري «4» : إن عمره حين أوتي الملك إثني عشر عاما. PageV01P210 # - وكذلك قصة موسى «1» مع فرعون «2» ، وأخذه بلحيته وهو طفل. # وقال المفسرون في قوله تعالى: «ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل» «3» : أي ~~هديناه صغيرا. # قال مجاهد «4» ، وغيره. # وقال ابن عطاء «5» : اصطفاه قبل خلقه. # وقال بعضهم «6» : لما ولد إبراهيم «7» عليه الصلاة والسلام بعث الله ~~تعالى إليه ملكا، يأمره عن الله أن يعرفه بقلبه، ويذكره بلسانه. فقال: قد ~~فعلت، ولم يقل: أفعل، فذلك رشده. PageV01P211 # - وقيل: إن إلقاء إبراهيم «1» عليه السلام، في النار ومحنته كانت وهو ابن ~~ست عشرة سنة. # - وإن ابتلاء إسحق «2» بالذبح كان وهو ابن سبع سنين «3» . # - وإن استدلال إبراهيم» # ، بالكواكب والقمر والشمس، كان وهو ابن خمسة عشر شهرا. # وقيل: أوحى الله تعالى إلى يوسف «5» ، وهو صبي، عندما هم إخوته بإلقائه ~~في الجب. # يقول الله تعالى: «وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون» «6» ~~. # إلى غير ذلك مما ذكر من أخبارهم. ms043 # وقد حكى أهل السير: أن آمنة بنت وهب، أخبرت أن PageV01P212 # نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم ولد حين ولد باسطا يديه إلى الأرض، رافعا ~~رأسه إلى السماء «1» . # وقال في حديثه صلى الله عليه وسلم «2» : «لما نشأت بغضت إلي الأوثان، ~~وبغض إلي الشعر، ولم أهم بشيء مما كانت الجاهلية تفعله إلا مرتين، فعصمني ~~الله منهما، ثم لم أعد» . # - ثم يتمكن الأمر لهم، وتترادف نفحات الله تعالى عليهم، وتشرق أنوار ~~المعارف في قلوبهم، حتى يصلوا إلى الغاية، ويبلغوا باصطفاء الله تعالى لهم ~~بالنبوة في تحصيل هذه الخصال الشريفة النهاية، دون ممارسة، ولا رياضة. # قال الله تعالى: «ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما» «3» . # - وقد نجد غيرهم يطبع على بعض هذه الأخلاق دون جميعها، ويولد عليها، ~~فيسهل عليه اكتساب تمامها، عناية من الله تعالى. # - كما نشاهد من خلقه بعض الصبيان على حسن السمت، PageV01P213 # أو الشهامة، أو صدق اللسان أو السماحة، وكما نجد بعضهم على ضدها. # فبالاكتساب يكمل ناقصها، وبالرياضة والمجاهدة يستجلب معدومها، ويعتدل ~~منحرفها، وباختلاف هذين الحالين يتفادى الناس فيها، وكل ميسر لما خلق له. # - ولهذا قد اختلف السلف فيها، هل هذا الخلق جبلة أو مكتسبة؟ # وحكى الطبري «1» عن بعض السلف: أن الخلق الحسن جبلة وغريزة في العبد. # وحكاه عن عبد الله «2» بن مسعود والحسن «3» ، وبه قال هو. # - والصحيح ما أصلناه. PageV01P214 # وقد روى سعد «1» عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال «2» : «كل الخلال يطبع ~~عليها المؤمن إلا الخيانة والكذب» . # وقال عمر بن الخطاب «3» رضي الله عنه: في حديثه «4» : والجرأة والجبن ~~غرائز يضعهما الله حيث يشاء. # - وهذه الأخلاق المحموده والخصال الجميلة الشريفة كثيرة، ولكننا نذكر ~~أصولها، ونشير إلى جميعها، ونحقق وصفه صلى الله عليه وسلم بها- إن شاء ~~الله-. PageV01P215 ### ||| الفصل الحادي عشر العقل # أما أصل فروعها، وعنصر ينابيعها، ونقطة دائرتها فالعقل الذي منه ينبعث ~~العلم والمعرفة. # ويتفرع من هذا ثقوب الرأي، وجودة الفطنة، والإصابة، وصدق الظن، والنظر ~~للعواقب، ومصالح النفس، ومجاهدة الشهوة، وحسن السياسة والتدبير، واقتناء ~~الفضائل، وتجنب الرذائل. # - وقد أشرنا إلى مكانه منه صلى ms044 الله عليه وسلم، وبلوغه منه، ومن العلم ~~الغاية القصوى التي لم يبلغها بشر سواه. # - وإذ جلالة محله من ذلك، ومما تفرع منه متحققة عند من تتبع مجاري ~~أحواله، واطراد سيره، وحكم حديثه، وعلمه بما في التوراة والإنجيل، والكتب ~~المنزلة، وحكم الحكماء وسير الأمم # PageV01P216 # الخالية وأيامها، وضرب الأمثال، وسياسات الأنام، وتقرير الشرائع، وتأصيل ~~الآداب النفسية «1» ، والشيم الحميدة، إلى فنون العلوم التي اتخذ أهلها ~~كلامه صلى الله عليه وسلم فيها قدوة، وإشاراته حجة. # كالعبارة «2» - والطب- والحساب- والفرائض- والنسب- وغير ذلك مما سنبينه ~~في معجزاته- إن شاء الله تعالى-، دون تعليم ولا مدارسة، ولا مطالعة كتب من ~~تقدم، ولا الجلوس إلى علمائهم، بل بني أمي لم يعرف بشيء من ذلك، حتى شرح ~~الله صدره، وأبان أمره، وعلمه، وأقرأه. # - يعلم ذلك بالمطالعة، والبحث عن حاله، ضرورة، بالبرهان القاطع على نبوته ~~نظرا ... فلا نطول بسرد الأقاصيص وآحاد القضايا، إذ مجموعها ما لا يأخذه ~~حصر، ولا يحيط به حفظ جامع. # - وبحسب عقله كانت معارفه صلى الله عليه وسلم إلى سائر ما علمه الله ~~تعالى، وأطلعه عليه، من علم ما يكون، وما كان، وعجائب قدرته وعظيم ملكوته. ~~PageV01P217 # قال الله تعالى: «وعلمك ما لم تكن تعلم، وكان فضل الله عليك عظيما» # «1» . # حارت العقول في تقدير فضله، وخرست الألسن دون وصف يحيط بذلك، أو ينتهي ~~إليه. PageV01P218 ### ||| الفصل الثاني عشر الحلم والاحتمال والعفو # وأما الحلم والاحتمال والعفو مع القدرة، والصبر على ما يكره. # - وبين هذه الألقاب فرق. # - فإن الحلم: حالة توقر وثبات عند الأسباب المحركات. # - والاحتمال: حبس النفس عند الآلام والمؤذيات. # - والصبر: مثلها. # ومعانيها متقاربة. # - وأما العفو: فهو ترك المؤاخذة ... # وهذا كله مما أدب الله تعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم: # فقال تعالى: «خذ العفو وأمر بالعرف» «1» الآية. PageV01P219 # روي «1» : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه هذه الآية، سأل ~~جبريل عليه السلام عن تأويلها. فقال له: حتى أسأل العالم، ثم ذهب فأتاه ~~فقال: يا محمد، إن الله يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ~~ظلمك ... # وقال له: «واصبر على ms045 ما أصابك» الآية. «2» # وقال تعالى: «فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل» «3» . # وقال: وليعفوا وليصفحوا» «4» الآية. # وقال تعالى: «ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور» «5» . # ولا خفاء بما يؤثر من حلمه واحتماله، وأن كل حليم قد عرفت منه زلة، وحفظت ~~عنه هفوة، وهو- صلى الله عليه وسلم- لا يزيد مع كثرة الأذى إلا صبرا، وعلى ~~إسراف الجاهل إلا حلما. PageV01P220 # عن عائشة «1» رضي الله عنها قالت «2» ما خير رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، في أمرين قط، إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان ~~أبعد الناس منه؛ وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه، إلا أن ~~تنتهك حرمة الله تعالى، فينتقم لله بها. # وروي «3» : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كسرت رباعيته وشج وجهه يوم ~~أحد شق ذلك على أصحابه شقا شديدا، وقالوا: لو دعوت عليهم: # فقال: «إني لم أبعث لعانا، ولكني بعثت داعيا ورحمة، اللهم اهد قومي فإنهم ~~لا يعلمون» . # وري «4» عن عمر «5» رضي الله عنه: أنه قال في بعض كلامه: # «بأبي أنت وأمي يا رسول الله. لقد دعا نوح على قومه فقال: PageV01P221 # «رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا» «1» ولو دعوت علينا مثلها ~~لهلكنا من عند آخرنا، فلقد وطيء ظهرك، وأدمي وجهك، وكسرت رباعيتك، فأبيت أن ~~تقول إلا خيرا، فقلت: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» . # قال القاضي أبو الفضل: انظر ما في هذا القول من جماع الفضل ودرجات ~~الإحسان، وحسن الخلق، وكرم النفس، وغاية الصبر والحلم. # - إذ لم يقتصر صلى الله عليه وسلم على السكوت عنهم، حتى عفا عنهم، ثم ~~أشفق عليهم ورحمهم، ودعا، وسفع لهم، فقال: «اغفر» أو «اهد» . ثم أظهر سبب ~~الشفقة والرحمة بقوله «لقومي» ثم اعتذر عنهم بجهلهم، فقال «فإنهم لا ~~يعلمون» . # ولما قال له الرجل «2» : «اعدل فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله» لم ~~يزده في جوابه أن بين له ما جهله، ووعظ نفسه، وذكرها بما قال له. ~~PageV01P222 # فقال «1» : «ويحك فمن يعدل إن لم أعدل «2» . خبت ms046 «3» وخسرت إن لم أعدل» . # ونهى من أراد من أصحابه قتله» . # - ولما تصدى له غورث «5» بن الحارث ليفتك «6» به صلى الله عليه وسلم، وهو ~~منتبذ تحت شجرة وحده قائلا «7» ، والناس قائلون في غزاة «8» فلم ينته رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو قائم، والسيف صلتا في يده. # فقال: من يمنعك مني. # فقال: «الله» PageV01P223 # فسقط السيف من يده، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم. # وقال: «من يمنعك مني» . # قال: كن خير آخذ. # فتركه وعفا عنه، # فجاء إلى قومه فقال: جئتكم من عند خير الناس «1» . # - ومن عظيم خبره في العفو عفوه عن اليهودية «2» التي سمته في الشاة بعد ~~اعترافها، على الصحيح من الرواية «3» . # - وأنه لم يؤاخذ لبيد «4» بن الأعظم إذ سحره وقد أعلم به وأوحي إليه بشرح ~~أمره «5» ، ولا عتب عليه فضلا عن معاقبته. # - وكذلك لم يؤاخذ «6» عبد الله «7» بن أبي وأشباهه من PageV01P224 # المنافقين «1» ، بعظيم ما نقل عنهم في جهته قولا وفعلا، بل قال «2» لمن ~~أشار بقتل بعضهم: «لا. لئلا يتحدث أن محمدا يقتل أصحابه» «3» # وعن أنس «4» رضي الله عنه قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم، وعليه ~~برد غليظ الحاشية، فجبذه أعرابي بردائه جبذة شديدة حتى أثرت حاشية البرد في ~~صفحة عاتقه، ثم قال: يا محمد، احمل لي على بعيري هذين من مال الله الذي ~~عندك «5» . فإنك لا تحمل لي من مالك ولا من مال أبيك، فسكت النبي صلى الله ~~عليه وسلم ثم قال: «المال مال الله. وأنا عبده» ثم قال: «ويقاد منك يا ~~أعرابي ما فعلت بي» ، قال: لا، قال: «لم» قال: لأنك لا تكافىء بالسيئة ~~السيئة. PageV01P225 # فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أمر أن يحمل له على بعير شعير، وعلى ~~الآخر تمر. # قالت عائشة «1» رضي الله عنها: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~منتصرا من مظلمة ظلمها قط، ما لم تكن حرمة من محارم الله، وما ضرب بيده ~~شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله، وما ضرب خادما ولا امرأة «2» ... # - وجيء إليه برجل «3» ، فقيل: ms047 هذا أراد أن يقتلك، فقال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «لن تراع، لن تراع ولو أردت ذلك لم تسلط علي» . # - وجاءه «4» زيد «5» بن سعنة قبل إسلامه يتقاضاه دينا عليه فجبذ ثوبه عن ~~منكبه، وأخذ بمجامع ثيابه، وأغلظ له، ثم قال: PageV01P226 # إنكم يا بني عبد المطلب مطل، فانتهره عمر «1» ، وشدد له في القول، والنبي ~~صلى الله عليه وسلم يتبسم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا، وهو، ~~كنا إلى غير هذا منك أحوج يا عمر. تأمرني بحسن القضاء. وتأمره بحسن ~~التقاضي» . # ثم قال: «لقد بقي من أجله ثلاث» . # وأمر عمر «2» يقضيه ماله، ويزيده عشرين صاعا لما روعه. # - فكان سبب إسلامه وذلك أنه كان يقول: «ما بقي من علامات النبوة شيء إلا ~~وقد عرفتهما في وجه محمد إلا اثنتين لم أخبرهما: # - يسبق حلمه جهله، # - ولا تزيده شدة الجهل إلا حلما فاختبرته بهذا فوجدته كما وصف ... ~~والحديث عن حلمه صلى الله عليه وسلم وصبره، وعفوه عند المقدرة أكثر من أن ~~نأتي عليه، وحسبك ما ذكرناه، مما في الصحيح والمصنفات الثابتة، إلى ما بلغ ~~متواترا مبلغ اليقين، من صبره على مقاساة قريش، وأذى الجاهلية، ومصابرة ~~الشدائد الصعبة معهم، إلى أن أظفره الله عليهم وحكمه فيهم وهم لا يشكون في ~~استئصال PageV01P227 # شأفتهم، وإبادة خضرائهم «1» ، فما زاد على أن عفا وصفح: # وقال: «ما تقولون إني فاعل بكم» ؟ # قالوا: خيرا.. أخ كريم، وابن أخ كريم. # فقال: «2» [أقول كما قال أخي يوسف: «لا تثريب عليكم» ] «3» الآية «إذهبوا ~~فأنتم الطلقاء» . # وقال «4» أنس «5» رضي الله عنه: هبط ثمانون رجلا من التنعيم «6» صلاة ~~الصبح ليقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذوا، فأعتقهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. # فأنزل الله تعالى: «وهو الذي كف أيديهم عنكم» «7» الآية. PageV01P228 # وقال لأبي سفيان «1» وقد سيق إليه، بعد أن جلب إليه الأحزاب وقتل عمه، ~~وأصحابه، ومثل بهم فعفا عنه ولا طفه في القول: # «ويحك يا أبا سفيان!! ألم يئن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله» ؟! فقال: ~~بأبي أنت وأمي ما ms048 أحلمك وأوصلك وأكرمك. «2» # - وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أبعد الناس غضبا، وأسرعهم رضى، صلى ~~الله عليه وسلم. PageV01P229 ### ||| الفصل الثالث عشر الجود والكرم # وأما الجود والكرم والسخاء والسماحة، ومعانيها متقاربة، وقد فرق بعضهم ~~بينها بفروق، فجعلوا الكرم: الإنفاق بطيب نفس فيما يعظم خطره ونفعه، وسموه ~~أيضا جرأة، وهو ضد النذالة. # - والسماحة: التجافي عما يستحقه المرء عند غيره بطيب نفس، وهو ضد الشكاسة ~~«1» . # - والسخاء: سهولة الإنفاق، وتجنب اكتساب ما لا يحمد، وهو ضد التقتير. # فكان صلى الله عليه وسلم لا يوازى في هذه الأخلاق الكريمة. ولا يبارى «2» ~~. PageV01P230 # بهذا وصفه كل من عرفه. # عن ابن المنكدر «1» قال: سمعت جابر «2» بن عبد الله يقول «3» : # «ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء فقال لا» . # وعن أنس «4» وسهل «5» بن سعد رضي الله عنهما مثله. # وقال «6» ابن عباس «7» رضي الله عنهما: كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~أجود ما كان في شهر رمضان وكان إذا لقيه جبريل عليه السلام أجود بالخير من ~~الريح المرسلة. PageV01P231 # وعن «1» أنس «2» رضي الله عنه: أن رجلا «3» سأله فأعطاه غنما بين جبلين، ~~فرجع إلى قومه، وقال: أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى فاقة. # - وأعطى غير واحد «4» مئة من الإبل. # - وأعطى «5» صفوان مئة ثم مئة. # وهذه كانت خلقه صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث. # وقد قال له ورقة «6» بن نوفل: إنك تحمل الكل «7» ، وتكسب المعدوم. ~~PageV01P232 # - ورد على هوازن «1» سباياها، وكانت ستة آلاف. # - وأعطى العباس «2» من الذهب ما لم يطق حمله «3» . # - وحمل «4» إليه تسعون ألف درهم، فوضعت على حصير، ثم قام إليها فقسمها، ~~فما رد سائلا حتى فرغ منها. # - وجاءه «5» رجل فسأله، فقال: «ما عندي شيء، ولكن ابتع علي، فإذا جاءنا ~~شيء قضيناه» . # فقال له عمر «6» رضي الله عنه: ما كلفك الله ما لا تقدر عليه فكره النبي ~~صلى الله عليه وسلم ذلك، فقال رجل «7» من الأنصار: يا رسول الله أنفق، ولا ~~تخش من ذي العرش إقلالا، # فتبسم صلى الله عليه وسلم، وعرف البشر في وجهه «8» ، وقال: ms049 «بهذا أمرت» ~~PageV01P233 # ذكره «1» الترمذي «2» وذكر «3» عن معوذ «4» بن عفراء رضي الله عنه قال: ~~أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بقناع من رطب- يريد طبقا-، وأجر زغب «5» - ~~يريد قثاء- فأعطاني ملء كفه حليا وذهبا. # قال «6» أنس «7» رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخر ~~شيئا لغد. # - والخبر بجوده صلى الله عليه وسلم وكرمه كثير. # وعن «8» أبي هريرة رضي الله عنه: أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم ~~يسأله، فاستلف له رسول الله صلى الله عليه وسلم نصف وسق، فجاء يتقاضاه ~~فأعطاه وسقا، وقال: «نصفه قضاء ونصفه نائل» . PageV01P234 ### ||| الفصل الرابع عشر الشجاعة والنجدة # وأما الشجاعة والنجدة. # - فالشجاعة: فضيلة قوة الغضب وانقيادها للعقل. # - والنجدة: ثقة النفس عند استرسالها إلى الموت، حيث يحمد فعلها دون خوف. # وكان صلى الله عليه وسلم بالمكان الذي لا يجهل، وقد حضر المواقف الصعبة، ~~وفر الكماة «1» والأبطال عنه غير مرة، وهو ثابت لا يبرح، ومقبل لا يدبر ولا ~~يتزحزح، وما شجاع إلا وقد أحصيت له فرة، وحفظت عنه جولة، سواه. PageV01P235 # عن أبي إسحق «1» : سمع البراء «2» وسأله رجل: أفررتم يوم حنين عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم؟! # قال: لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر «3» . # ثم قال: لقد رأيته على بغلته البيضاء، وأبو «4» سفيان آخذ بلجامها، ~~والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أنا النبي لا كذب» . # وزاد غيره «5» «أنا ابن عبد المطلب» . # قيل: فما رؤي يومئذ أحد كان أشد منه. # وقال غيره: نزل النبي صلى الله عليه وسلم عن بغلته. # وذكر مسلم «6» عن العباس «7» رضي الله عنهما قال: فلما التقى المسلمون ~~والكفار ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P236 # يركض بغلته نحو الكفار وأنا آخذ بلجامها، أكفها إرادة أن لا تسرع، وأبو ~~سفيان آخذ بركابه، ثم نادى «يا للمسلمين» الحديث. # وقيل «1» : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غضب- ولا يغضب إلا لله- ~~لم يقم لغضبه شيء. # وقال «2» ابن عمر «3» رضي الله عنهما: ما رأيت أشجع ولا أنجد ولا أجود ~~ولا أرضى من ms050 رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقال «4» علي «5» رضي الله عنه: إنا كنا إذا حمي البأس- ويروى اشتد ~~البأس- واحمرت الحدق، اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحد ~~أقرب إلى العدو منه. ولقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم، وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس يومئذ بأسا. # وقيل: كان الشجاع هو الذي يقرب منه صلى الله عليه وسلم إذا دنا العدو ~~لقربه منه. PageV01P237 # وعن «1» أنس «2» رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم أحسن الناس، ~~وأجود الناس، وأشجع الناس. # لقد فزع أهل المدينة ليلة، فانطلق ناس قبل الصوت فتلقاهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم راجعا، قد سبقهم إلى الصوت، وقد استبرأ الخبر على فرس لأبي ~~«3» طلحة عري، والسيف في عنقه وهو يقول: # «لن تراعوا» . # وقال «4» عمران «5» بن حصين: ما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم كتيبة ~~إلا كان أول من يضرب. # - ولما رآه «6» أبي بن «7» خلف يوم أحد، وهو يقول: أين PageV01P238 # محمد؟ لا نجوت إن نجا وقد كان يقول للنبي صلى الله عليه وسلم حين افتدى ~~يوم بدر: عندي فرس أعلفها كل يوم فرقا «1» من ذرة أقتلك عليها. # فقال له النبي: صلى الله عليه وسلم «أنا أقتلك إن شاء الله» ، فلما رآه ~~يوم أحد شد أبي على فرسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاعترضه رجال ~~من المسلمين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هكذا» أي خلوا طريقه، وتناول ~~الحربة من الحارث «2» بن الصمة، فانتفض بها انتفاضة تطايروا عنه تطاير ~~الشعراء «3» عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله النبي صلى الله عليه وسلم ~~فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ «4» منها عن فرسه مرارا وقيل: بل كسر ضلعا من ~~أضلاعه. # فرجع إلى قريش يقول: قتلني محمد. PageV01P239 # وهم يقولون: لا بأس عليك. # فقال: لو كان مابي بجميع الناس لقتلهم. أليس قد قال «أنا أقتلك» !! والله ~~لو بصق علي لقتلني. # فمات بسرف «1» ، في قفولهم إلى مكة. PageV01P240 ### ||| الفصل الخامس عشر الحياء والإغضاء # وأما الحياء ms051 والإغضاء # - فالحياء: رقة تعتري وجه الإنسان عند فعل ما يتوقع كراهيته، أو ما يكون ~~تركه خيرا من فعله. # - والإغضاء: التغافل عما يكره الإنسان بطبيعته. # - وكان النبي صلى الله عليه وسلم أشد الناس حياء، وأكثرهم عن العورات ~~إغضاء. # قال الله تعالى: «إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم» «1» الآية.. # عن «2» أبي سعيد الخدري «3» رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم PageV01P241 # أشد حياء من العذراء في خدرها. وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه. # وكان صلى الله عليه وسلم لطيف البشرة، رقيق الظاهر، لا يشافه أحدا بما ~~يكرهه، حياء، وكرم نفس. # وعن «1» عائشة «2» رضي الله عنها: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بلغه ~~عن أحد ما يكرهه لم يقل: ما بال فلان يقول كذا ولكن يقول: # «ما بال أقوام يصنعون أو يقولون كذا» ينهى عنه، ولا يسمي فاعله. # وروى «3» أنس «4» رضي الله عنه: أنه دخل عليه رجل به أثر صفرة، فلم يقل ~~له شيئا- وكان لا يواجه أحدا بما يكره- فلما خرج، قال: «لو قلتم له يغسل ~~هذا» ويروى ينزعها. # قالت «5» عائشة رضي الله عنها في الصحيح: لم يكن النبي صلى الله عليه ~~وسلم PageV01P242 # فحاشا، ولا متفحشا، ولا صخابا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن ~~يعفو ويصفح. # وقد حكي مثل هذا الكلام عن التوراة، من رواية ابن سلام «1» وعبد الله بن ~~«2» عمرو بن العاص. # وروي عنه «3» : أنه كان من حيائه لا يثبت بصره في وجه أحد وأنه كان يكني ~~عما اضطره الكلام إليه مما يكره «4» . # وعن «5» عائشة «6» رضي الله عنها: ما رأيت فرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قط ... PageV01P243 ### ||| الفصل السادس عشر حسن العشرة والأدب وبسط الخلق # وأما حسن عشرته. وأدبه، وبسط خلقه صلى الله عليه وسلم مع أصناف الخلق ~~فبحيث انتشرت به الأخبار الصحيحة. # قال «1» علي «2» رضي الله عنه في وصفه عليه الصلاة والسلام: # «كان أوسع الناس صدرا، وأصدق الناس لهجة، وألينهم عريكة «3» ، وأكرمهم ~~عشرة. # عن قيس «4» بن سعد رضي الله عنه قال: «زارنا رسول الله PageV01P244 # صلى ms052 الله عليه وسلم وذكر قصة في آخرها- فلما أراد الانصراف قرب له سعد ~~حمارا، وطأ عليه بقطيفة، فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال سعد: # يا قيس، اصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال قيس: فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اركب» فأبيت. # فقال: «إما أن تركب، وإما أن تنصرف» فانصرفت «1» . # وفي رواية أخرى: «اركب أمامي فصاحب الدابة أولى بمقدمها» . # - وكان «2» رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤلفهم، ولا ينفرهم، ويكرم كريم ~~كل قوم ويوليه عليهم، ويحذر الناس، ويحترس منهم، من غير أن يطوي عن أحد ~~منهم بشره، ولا خلقه. يتعهد أصحابه، ويعطي كل جلسائه نصيبه، ولا يحسب جليسه ~~أن أحدا أكرم عليه منه. # - من جالسه أو قاربه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه. PageV01P245 # - ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول. وقد وسع الناس بسطه ~~وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق سواء، بهذا وصفه ابن أبي «1» ~~هالة قال: وكان دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا ~~صخاب ولا فحاش، ولا عياب، ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يؤيس منه. # وقال الله تعالى: «فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب ~~لانفضوا من حولك» «2» وقال تعالى: # «ادفع بالتي هي أحسن» «3» الآية. # - وكان «4» يجيب من دعاه، ويقبل «5» الهدية، ولو كانت كراعا «6» ، ~~ويكافيء عليها. PageV01P246 # قال «1» أنس «2» رضي الله عنه: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر ~~سنين «3» فما قال لي: «أف» قط، وما قال لشيء صنعته: لم صنعته:؟!، ولا لشيء ~~تركته: لم تركته؟!. # وعن «4» عائشة «5» رضي الله عنها: ما كان أحد أحسن خلقا من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ما دعاه أحد من أصحابه، ولا أهل بيته إلا قال: «لبيك» . # وقال «6» جرير «7» بن عبد الله رضي الله عنه: ما حجبني رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قط منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم. # - وكان يمازح «8» أصحابه، ويخالطهم، ويحادثهم، ويداعب PageV01P247 # صبيانهم، ويجلسهم في ms053 حجره، ويجيب دعوة الحر والعبد «1» والأمة والمسكين، ~~ويعود المرضى في أقصى المدينة، ويقبل عذر المعتذر «2» . # قال «3» أنس «4» رضي الله عنه: ما التقم أحد أذن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فينحي رأسه، حتى يكون الرجل هو الذي يحني رأسه، وما أخذ أحد بيده، ~~فيرسل يده حتى يرسلها الآخذ، ولم ير مقدما ركبتيه بين يدي جليس له. # وكان «5» يبدأ من لقيه بالسلام، ويبدأ أصحابه بالمصافحة، لم ير «6» قط ~~مادا رجليه بين أصحابه حتى يضيق بهما على أحد، يكرم من يدخل عليه، وربما ~~بسط له ثوبه، ويؤثره بالوسادة التي تحته، ويعزم عليه في الجلوس عليها إن ~~أبى، ويكني أصحابه، ويدعوهم PageV01P248 # بأحب أسمائهم، تكرمة لهم، ولا يقطع على أحد حديثه، حتى يتجوز فيقطعه بنهي ~~أو قيام- ويروى بانتهاء أو قيام- وروي «1» : # أنه كان لا يجلس إليه أحد، وهو يصلي، إلا خفف صلاته، وسأله عن حاجته، ~~فإذا فرغ عاد إلى صلاته. # - وكان أكثر الناس تبسما، وأطيبهم نفسا، ما لم ينزل عليه قرآن، أو يعظ، ~~أو يخطب. # وقال «2» عبد الله «3» بن الحارث: ما رأيت أحدا أكثر تبسما، من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. # وعن «4» أنس «5» رضي الله عنه: كان خدم المدينة يأتون رسول PageV01P249 # الله صلى الله عليه وسلم، إذا صلى الغداة، بآنيتهم فيها الماء، فما يؤتى ~~بآنية ألا غمس يده فيها، وربما كان ذلك في الغداة الباردة، يريدون «1» به ~~التبرك. PageV01P250 ### ||| الفصل السابع عشر الشفقة والرحمة # وأما الشفقة والرأفة والرحمة لجميع الخلق فقد قال الله تعالى فيه: # «عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم، بالمؤمنين رؤف رحيم» «1» . # وقال تعالى: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين» «2» . # قال بعضهم: من فضله صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أعطاه اسمين من ~~أسمائه، فقال: «بالمؤمنين رؤف رحيم» . # وحكى الإمام «3» أبو بكر بن فورك نحوه. # عن ابن شهاب «4» قال: غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة، وذكر ~~PageV01P251 # حنينا، قال: فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفوان «1» بن أمية مئة ~~من النعم، ثم مئة، ثم مئه، # قال ابن شهاب «2» : حدثنا سعيد «3» بن ms054 المسيب أن صفوان «4» قال: والله ~~لقد أعطاني ما أعطاني وإنه لأبغض الخلق إلي، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب ~~الخلق إلي. # وروي «5» : أن أعرابيا جاءه يطلب منه شيئا فأعطاه، ثم قال: # «أحسنت إليك» ؟ قال الأعرابي: لا، ولا أجملت فغضب المسلمون وقاموا إليه، ~~فأشار إليهم أن كفوا، ثم قام ودخل منزله، فأرسل إليه صلى الله عليه وسلم ~~وزاده شيئا، ثم قال «أحسنت إليك» قال: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة، فقال ~~له النبي صلى الله عليه وسلم «إنك قلت ما قلت، وفي نفس أصحابي من ذلك شيء، ~~فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي، حتى يذهب PageV01P252 # ما في صدورهم عليك» قال: نعم، فلما كان الغد، أو العشي، جاء، فقال صلى ~~الله عليه وسلم: «إن هذا الأعرابي قال ما قال فزدناه فزعم أنه رضي. أكذلك؟» ~~قال: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا. # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثلي ومثل هذا رجل له ناقة شردت عليه، ~~فأتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفورا، فناداهم صاحبها: خلوا بيني وبين ~~ناقتي فإني أرفق بها منكم وأعلم، فتوجه لها بين يديها، فأخذ لها من قمام ~~الأرض، فردها، حتى جاءت واستناخت، وشد عليها رحلها واستوى عليها. # وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار» . # وروي «1» عنه صلى الله عليه وسلم: «لا يبلغني أحد منكم عن أحد من أصحابي ~~شيئا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر» . # - ومن شفقته على أمته صلى الله عليه وسلم تخفيفه وتسهله عليهم، وكراهته ~~أشياء مخافة أن تفرض عليهم. PageV01P253 # كقوله «1» عليه الصلاة والسلام: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك ~~مع كل وضوء» «2» . # - وخبر صلاة الليل «3» ، ونهيهم عن الوصال «4» ، وكراهته دخول الكعبة «5» ~~لئلا تتعنت أمته، ورغبته لربه أن يجعل سبه ولعنه لهم رحمة بهم، وأنه «6» ~~كان يسمع بكاء الصبي فيتجوز في صلاته. # - ومن شفقته صلى الله عليه وسلم أن دعا ربه وعاهده. # فقال: «أيما رجل سببته، أو لعنته، فاجعل ذلك له زكاة ورحمة، وصلاة ~~وطهورا، وقربة ms055 تقربه بها إليك يوم القيامة» «7» PageV01P254 # - ولما كذبه «1» قومه أتاه جبريل عليه السلام فقال له: إن الله تعالى قد ~~سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد أمر ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، ~~فناداه ملك الجبال، وسلم عليه وقال: # مرني بما شئت، إن شئت أن أطلق عليهم الأخشبين، قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به ~~شيئا» . # وروى «2» ابن المنكدر «3» : أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: إن الله تعالى أمر السماء والأرض والجبال أن تطيعك فقال: «أؤخر ~~عن أمتي لعل الله أن يتوب عليهم» . # قالت «4» عائشة «5» رضي الله عنها: ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بين أمرين إلا اختار أيسرهما. PageV01P255 # قال «1» ابن مسعود «2» رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة علينا. # وعن «3» عائشة «4» : أنها ركبت بعيرا وفيه صعوبة فجعلت تردده فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «عليك بالرفق» . PageV01P256 ### ||| الفصل الثامن عشر الوفاء وحسن العهد وصلة الرحم # وأما خلقه صلى الله عليه وسلم في الوفاء وحسن العهد وصلة الرحم: # فعن «1» عبد الله بن الحمساء قال «2» : بايعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~ببيع، قبل أن يبعث، وبقيت له بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه فنسيت، ثم ~~ذكرت بعد ثلاث، فجئت، فإذا هو في مكانه، فقال: «يا فتى لقد شققت علي، أنا ~~هنا منذ ثلاث أنتظرك» . # وعن «3» أنس «4» رضي الله عنه «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتي ~~بهدية، PageV01P257 # قال: اذهبوا بها إلى بيت فلانة، فإنها كانت صديقة لخديجة، إنها كانت تحب ~~خديجة. # وعن «1» عائشة «2» رضي الله عنها: قالت: ما غرت على امرأة ما غرت على ~~خديجة لما كنت أسمعه يذكرها، وإن كان ليذبح الشاة فيهديها إلى خلائلها. # - واستأذنت عليه أختها «3» ، فارتاح إليها «4» . # - ودخلت عليه امرأة، فهش لها، وأحسن السؤال عنها فلما خرجت، قال: «إنها ~~كانت تأتينا أيام خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان «5» » . # ووصفه ms056 بعضهم فقال: كان يصل ذوي رحمه، من غير أن يؤثرهم على من هو أفضل ~~منهم. # وقال صلى الله عليه وسلم: «إن آل بني فلان ليسوا لي PageV01P258 # بأولياء، غير أن لهم رحما سأبلها ببلالها» «1» . # - وقد «2» صلى عليه الصلاة والسلام بأمامة «3» ابنة ابنته زينب «4» ~~يحملها على عاتقه، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها. # وعن «5» أبي قتادة «6» : جاء وفد للنجاشي «7» فقام النبي صلى الله عليه ~~وسلم يخدمهم فقال له أصحابه: نكفيك. # فقال: «إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وإني أكافئهم» . # - ولما جيء بأخته من الرضاعة الشيماء «8» في سبايا هوازن، وتعرفت له، بسط ~~لها رداءه، وقال لها: «إن احببت أقمت PageV01P259 # عندي مكرمة محبة، أو متعتك ورجعت إلى قومك» . فاختارت قومها فمتعها «1» . # وقال «2» أبو الطفيل «3» : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم «4» ، وأنا ~~غلام، إذ أقبلت امرأة حتى دنت منه، فبسط لها رداءه فجلست عليه، فقلت: من ~~هذه؟ قالوا: أمه التي أرضعته. # وعن «5» عمرو بن السائب «6» : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا ~~يوما، فأقبل أبوه «7» من الرضاعة، فوضع له بعض ثوبه، فقعد عليه، ثم أقبلت ~~أمه فوضع لها شق ثوبه من جانبه الآخر فجلست عليه ثم أقبل أخوه «8» من ~~الرضاعة، فقام صلى الله عليه وسلم فأجلسه بين يديه. PageV01P260 # - وكان يبعث إلى ثويبة «1» ، مولاة أبي لهب «2» مرضعته بصلة وكسوة، فلما ~~ماتت سأل من بقي من قرابتها، فقيل: لا أحد «3» # وفي حديث «4» خديجة «5» رضي الله عنها: أنها قالت له صلى الله عليه وسلم: ~~أبشر، فو الله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل «6» ، وتكسب ~~المعدوم وتقري الضعيف، وتعين على نوائب الحق. PageV01P261 ### ||| الفصل التاسع عشر التواضع # وأما تواضعه صلى الله عليه وسلم، على علو منصبه ورفعة رتبته، فكان أشد ~~الناس تواضعا وأعدمهم كبرا. # - وحسبك أنه «1» خير بين أن يكون نبيا ملكا، أو نبيا عبدا، فاختار أن ~~يكون نبيا عبدا، فقال له إسرافيل عند ذلك: # فإن الله قد أعطاك بما تواضعت له أنك سيد ولد آدم يوم القيامة «2» ، وأول ~~من تنشق الأرض عنه، وأول شافع. # وعن «3» أبي ms057 أمامة «4» قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P262 # متوكئا على عصا، فقمنا له، فقال: «لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضهم ~~بعضا» . # وقال: إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد» . # - وكان صلى الله عليه وسلم يركب الحمار، ويردف خلفه، ويعود المساكين، ~~ويجالس الفقراء ويجيب دعوة العبد، ويجلس بين أصحابه مختلطا بهم، حيثما ~~انتهى به المجلس «1» جلس. # وفي «2» حديث عمر «3» رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: # «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم. إنما أنا عبد، فقولوا: # عبد الله ورسوله» . # وعن «4» أنس «5» رضي الله عنه: أن امرأة كان في عقلها شيء جاءته، فقالت: ~~إن لي إليك حاجة، قال اجلسي يا أم فلان، في PageV01P263 # أي طرق المدينة شئت أجلس إليك حتى أقضي حاجتك» قال: # فجلست، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم إليها حتى فرغت من حاجتها. # قال «1» أنس «2» رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يركب ~~الحمار، ويجيب دعوة العبد. # - وكان يوم بني قريظة على حمار مخطوم «3» بحبل من ليف عليه إكاف «4» ، ~~قال: وكان يدعى إلى خبز الشعير والإهالة «5» السنخة فيجيب. # قال «6» : وحج صلى الله عليه وسلم على رحل رث، وعليه قطيفة ما تساوي ~~أربعة دراهم، فقال: «اللهم اجعله حجا مبرورا، لا رياء فيه ولا سمعة» # - هذا، وقد فتحت عليه الأرض، وأهدى «7» في حجه ذلك مئة بدنة PageV01P264 # - ولما «1» فتحت عليه مكة، ودخلها بجيوش المسلمين طأطأ على رحله رأسه حتى ~~كاديمس قادمته تواضعا لله تعالى. # - ومن تواضعه صلى الله عليه وسلم. # قوله «2» : «لا تفضلوني على يونس «3» بن متى، ولا تفضلوا بين الأنبياء، ~~ولا تخيروني «4» على موسى «5» ونحن «6» أحق بالشك من إبراهيم، ولو لبثت ما ~~لبث يوسف في السجن لأجبت الداعي «7» » . # وقال «8» : للذي قال له: يا خير البرية «ذاك إبراهيم» وسيأتي الكلام على ~~هذه الأحاديث بعد هذا- إن شاء الله تعالى-. PageV01P265 # وعن «1» عائشة «2» والحسن «3» وأبي سعيد «4» وغيرهم رضي الله عنهم: في ~~صفته.. وبعضهم يزيد على بعض: كان في بيته في مهنة أهله، يغلي ms058 ثوبه، ويحلب ~~شاته، ويرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويخدم نفسه، ويقم البيت، ويعقل البعير ويعلف ~~ناضحه، ويأكل مع الخادم، ويعجن معها ويحمل بضاعته من السوق. # وعن «5» أنس «6» رضي الله عنه: إن كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ ~~بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتنطلق به حيث شاءت حتى تقضي حاجتها. # - ودخل عليه رجل، فأصابته من هيبته رعدة. # فقال له: «هون عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل ~~القديد» «7» . PageV01P266 # وعن «1» أبي هريرة «2» رضي الله عنه: دخلت السوق مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فاشترى سراويل «3» ، وقال للوزان: زن وأرجح ... # وذكر القصة. قال «4» : فوثب إلى يد النبي صلى الله عليه وسلم يقبلها، ~~فجذب يده، وقال: «هذا تفعله الأعاجم بملوكها، ولست بملك، إنما أنا رجل ~~منكم،» . # ثم أخذ السراويل ... فذهبت لأحمله فقال: «صاحب الشيء أحق بشيئه أن يحمله» ~~. PageV01P267 ### ||| الفصل العشرون العدل والأمانة والعفة وصدق اللهجة # وأما عدله صلى الله عليه وسلم، وأمانته، وعفته وصدق لهجته، فكان صلى الله ~~عليه وسلم آمن الناس، وأعدل الناس، وأعف الناس، وأصدقهم لهجة منذ كان، ~~اعترف له بذلك محادوه «1» وعداه. # - وكان يسمى قبل نبوته «الأمين» . # قال «2» ابن اسحق «3» : كان يسمى الأمين، بما جمع الله فيه من الأخلاق ~~الصالحة. # وقال تعالى: «مطاع ثم أمين» «4» . # أكثر المفسرين: على أنه محمد صلى الله عليه وسلم. # - ولما «5» اختلفت قريش وتحازبت عند بناء الكعبة فيمن PageV01P268 # يضع الحجر، حكموا أول داخل عليهم، فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم داخل ~~وذلك قبل نبوته، فقالوا: هذا محمد. هذا الأمين، قد رضيناه به. # وعن الربيع «1» بن خثيم: كان يتحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الجاهلية قبل الإسلام «2» . # وقال صلى الله عليه وسلم «3» : «والله إني لأمين في السماء، أمين في ~~الأرض» . # وعن «4» علي «5» رضي الله عنه: أن أبا جهل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~إنا لا نكذبك، ولكن نكذب بما جئت به، فأنزل الله تعالى: # «فإنهم لا يكذبونك «6» » الآية. # وروى غيره «7» : لا نكذبك، وما أنت فينا بمكذب. PageV01P269 # وقيل «1» : إن ms059 الأخنس «2» بن شريق لقي أبا جهل «3» يوم بدر فقال له: يا ~~أبا الحكم: ليس هناك غيري وغيرك يسمع كلامنا، تخبرني عن محمد، صادق هو أم ~~كاذب؟ # فقال أبو جهل: والله إن محمدا لصادق. وما كذب محمد قط. # وسأل هرقل «4» عنه أبا سفيان «5» ، فقال «6» : هل كنتم تتهمونه بالكذب ~~قبل أن يقول ما قال؟. قال لا ... # وقال «7» النضر بن «8» الحارث لقريش: قد كان محمد فيكم غلاما حدثا، ~~أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثا، وأعظمكم أمانة، حتى PageV01P270 # إذا رأيتم في صدغيه الشيب، وجاءكم بما جاءكم به قلتم: ساحر!! لا والله ما ~~هو بساحر.. # وفي الحديث «1» عنه: ما لمست يده يد امرأة قط لا يملك رقها وفي حديث «2» ~~علي رضي الله عنه في وصفه صلى الله عليه وسلم: أصدق الناس لهجة.. # وقال في الصحيح «3» : «ويحك «4» فمن يعدل إن لم أعدل. # خبت وخسرت إن لم أعدل» . # قالت «5» عائشة «6» رضي الله عنها: ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في أمرين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس ~~منه. # وقال أبو العباس «7» المبرد: PageV01P271 # قسم كسرى «1» أيامه. فقال: يصلح يوم الريح للنوم، ويوم الغيم للصيد، ويوم ~~المطر للشرب واللهو، ويوم الشمس للحوائج. # قال ابن خالويه «2» : ما كان أعرفهم بسياسة دنياهم، «يعلمون ظاهرا من ~~الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون «3» » . # - ولكن نبينا صلى الله عليه وسلم جزأ «4» نهاره ثلاثة أجزاء، جزء لله، ~~وجزء لأهله، وجزء لنفسه. # ثم جزأ جزأه بينه وبين الناس، فكان يستعين بالخاصة على العامة ويقول «5» ~~: «أبلغوا حاجة من لا يستطيع إبلاغي، فإنه من أبلغ حاجة من لا يستطيع ~~إبلاغها أمنه الله يوم الفزع الأكبر» # وعن «6» الحسن «7» : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأخذ أحدا ~~PageV01P272 # بقرف «1» أحد، ولا يصدق أحدا على أحد. # وذكر «2» أبو جعفر «3» الطبري: عن علي «4» رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم «5» : «ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون به غير ~~مرتين، كل ذلك يحول الله بيني وبين ما أريد من ذلك، ms060 ثم ما هممت بسوء حتى ~~أكرمني الله برسالته. # قلت ليلة لغلام كان يرعى معي: لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة فأسمر «6» ~~بها كما يسمر الشباب، فخرجت لذلك حتى جئت أول دار من مكة سمعت عزفا بالدفوف ~~والمزامير لعرس بعضهم، فجلست أنظر فضرب على أذني فنمت فما أيقظني إلا مس ~~الشمس، فرجعت ولم أقض شيئا. ثم عراني مرة أخرى مثل ذلك ثم لم أهم بعد ذلك ~~بسوء» . PageV01P273 ### ||| الفصل الحادي والعشرون الوقار والصمت والتؤدة والمروءة وحسن الهدي # وأما وقاره صلى الله عليه وسلم وصمته وتؤدته ومروءته وحسن هديه. # فعن «1» عمر «2» بن عبد العزيز بن وهيب: سمعت خارجة «3» بن زيد يقول: ~~«كان النبي صلى الله عليه وسلم أو قر الناس في مجلسه، لا يكاد يخرج شيئا من ~~أطرافه. # وروى «4» أبو سعيد «5» الخدري رضي الله عنه: كان رسول صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P274 # إذا جلس في المجلس احتبى بيديه، وكذلك كان أكثر جلوسه صلى الله عليه وسلم ~~محتبيا. # وعن «1» جابر «2» بن سمره وهو «3» في حديث قيلة «4» : أنه تربع، وربما ~~جلس القرفصاء، وكان كثير السكوت، لا يتكلم في غير حاجة. يعرض عمن تكلم بغير ~~جميل. # وكان «5» ضحكه تبسما، وكلامه فصلا، لا فضول ولا تقصير. # وكان ضحك أصحابه عنده التبسم توقيرا له واقتداء به. # مجلسه مجلس حلم وحياء وخير وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات ولا تؤبن «6» فيه ~~الحرم إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير. # وفي صفته «7» : يخطو تكفؤا «8» ، ويمشي هونا، كأنما ينحط من صبب «9» . ~~PageV01P275 # وفي الحديث الآخر: إذا مشى مجتمعا، يعرف في مشيته أنه غير غرض «1» ولا ~~وكل «2» . أي غير ضجر ولا كسلان. # وقال «3» عبد الله «4» بن مسعود: إن أحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # وعن «5» جابر «6» بن عبد الله: كان في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ترتيل وترسيل «7» . # قال ابن أبي هالة «8» : كان سكوته على أربع. # على الحلم، والحذر، والتقدير، والتفكر. # قالت «9» عائشة «10» رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يحدث حديثا لو عده العاد أحصاه. ms061 PageV01P276 # وكان صلى الله عليه وسلم يحب الطيب والرائحة الحسنة، ويستعملها كثيرا ~~ويحض عليهما ويقول «1» : «حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني ~~في الصلاة» . # - ومن مروءته صلى الله عليه وسلم نهيه «2» عن النفخ في الطعام والشراب، ~~والأمر «3» بالأكل مما يلي، والأمر بالسواك، وإنقاء البراجم «4» والرواجب ~~«5» ، واستعمال خصال الفطرة «6» .. # *** PageV01P277 ### ||| الفصل الثاني والعشرون الزهد في الدنيا # وأما زهده في الدنيا، فقد تقدم من الأخبار أثناء هذه السيرة ما يكفي. # وحسبك من تقلله منها، وإعراضه عن زهرتها، وقد سيقت إليه بحذافيرها، ~~وترادفت عليه فتوحها إلى أن توفي صلى الله عليه وسلم ودرعه «1» مرهونة عند ~~يهودي في نفقة عياله، وهو يدعو ويقول «2» : «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا» ~~. # عن «3» عائشة «4» رضي الله عنها قالت: ما شبع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثلاثة أيام تباعا من خبز حتى مضى لسبيله. PageV01P278 # وفي رواية أخرى: من خبز شعير يومين متواليين، ولو شاء لأعطاه الله ما لا ~~يخطر ببال. # وفي رواية أخرى «1» : ما شبع آل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبز بر، ~~حتى لقي الله عز وجل. # وقالت «2» عائشة رضي الله عنها: ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~دينارا، ولا درهما. ولا شاة، ولا بعيرا. # وفي حديث «3» عمرو بن الحارث «4» : ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلا سلاحه وبغلته «5» ، وأرضا جعلها صدقة. # وقالت «6» عائشة «7» رضي الله عنها: ولقد مات وما في بيتي شيء يأكله ذو ~~كبد إلا شطر شعير في رف لي. # وقال لي «8» : «إني عرض علي أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا PageV01P279 # فقلت: لا يا رب، أجوع يوما، وأشبع يوما. فأما اليوم الذي أجوع فيه، ~~فأتضرع إليك وأدعوك، وأما اليوم الذي أشبع فيه فأحمدك وأثني عليك» . # وفي حديث «1» آخر: أن جبريل نزل عليه فقال له: إن الله تعالى يقرئك ~~السلام ويقول لك: أتحب أن أجعل هذه الجبال ذهبا، وتكون معك حيثما كنت. ~~فأطرق ساعة، ثم قال: # «يا جبريل. إن الدنيا دار من لا دار له. ومال من لا مال ms062 له، قد يجمعها من ~~لا عقل له» . # فقال له جبريل: ثبتك الله يا محمد بالقول الثابت. # وعن «2» عائشة «3» رضي الله عنها قالت: إن كنا آل محمد لنمكث PageV01P280 # شهرا ما نستوقد نارا إن هو إلا التمر والماء «1» . # وعن «2» عبد الرحمن «3» بن عوف رضي الله عنه: هلك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشعير. # وعن عائشة وأبي أمامة «4» وابن عباس «5» رضي الله عنهم: نحوه. # قال «6» ابن عباس رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيت ~~هو وأهله الليالي المتتابعة طاويا، لا يجدون عشاء. # وعن «7» أنس «8» رضي الله عنه قال: ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على خوان «9» ، ولا في سكرجة «10» ، ولا خبز له مرقق ولا رأى PageV01P281 # شاة سميطا «1» قط. # وعن «2» عائشة رضي الله عنها: إنما كان فراشه صلى الله عليه وسلم الذي ~~ينام عليه أدما، حشوه ليف. # وعن «3» حفصة «4» رضي الله عنها قالت: كان فراش رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في بيته مسحا «5» نثنيه ثنيتين، فينام عليه فثنيناه له ليلة بأربع، ~~فلما أصبح قال «ما فرشتموا لي الليلة» ؟ فذكرنا ذلك له فقال: «ردوه بحاله. ~~فإن وطأته منعتني الليلة صلاتي» . # - وكان «6» ينام أحيانا على سرير مرمول «7» بشريط حتى يؤثر في جنبه. # وعن «8» عائشة رضي الله عنها قالت: لم يمتليء جوف النبي PageV01P282 # صلى الله عليه وسلم سبعا قط. ولم يبث شكوى إلى أحد، وكانت الفاقة أحب ~~إليه من الغنى، وإن كان ليظل جائعا يلتوي طول ليلته من الجوع فلا يمنعه ~~صيام يومه. ولو شاء سأل ربه جميع كنوز الأرض وثمارها، ورغد عيشها ولقد أبكي ~~له رحمة مما أرى به، وأمسح بيدي على بطنه مما به من الجوع، وأقول: نفسي لك ~~الفداء، لو تبلغت من الدنيا بما يقوتك. # فيقول: «يا عائشة. مالي وللدنيا، إخواني من أولي العزم من الرسل صبروا ~~على ما هو أشد من هذا، فمضوا على حالهم، فقدموا على ربهم، فأكرم مآبهم ~~وأجزل ثوابهم، فأجدني أستحيي إن ترفهت في معيشتي ms063 أن يقصر بي غدا دونهم. وما ~~من شيء هو أحب إلي من اللحوق بإخواني وأخلائي» # قالت: فما أقام بعد إلا شهرا حتى توفي صلى الله عليه وسلم. # PageV01P283 ### ||| الفصل الثالث والعشرون الخوف من الله والطاعة له وشدة العبادة # وأما خوفه من ربه، وطاعته له، وشدة عبادته، فعلى قدر علمه بربه. # عن «1» أبي هريرة رضي الله عنه كان يقول: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ~~ولبكيتم كثيرا» . # زاد «2» في روايتنا عن أبي عيسى «3» الترمذي. رفعه إلى PageV01P284 # أبي «1» ذر رضي الله عنه «2» . # «إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون، أطت «3» السماوات، وحق لها أن ~~تئط. ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدا لله. والله لو ~~تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ~~ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله. لوددت أني شجرة تعضد» . # روي هذا الكلام «وددت أني شجرة تعضد» من قول أبي ذر نفسه «4» ، وهو أصح. # وفي حديث «5» المغيرة «6» : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتفخت ~~قدماه. PageV01P285 # وفي رواية «1» : كان يصلي حتى ترم قدماه، فقيل له: أتكلف هذا، وقد غفر لك ~~ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟! # قال: «أفلا أكون عبدا شكورا» !! # وعن «2» أبي سلمة «3» وأبي هريرة «4» رضي الله عنهما نحوه. # وقالت «5» عائشة «6» رضي الله عنها: كان عمل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ديمة. وأيكم يطيق ما كان يطيق؟ # وقالت «7» : كان يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم. # وعن «8» ابن عباس «9» وأم سلمة «10» وأنس «11» رضي الله عنهم نحوه. ~~PageV01P286 # وقال: كنت لا تشاء أن تراه في الليل مصليا إلا رأيته مصليا، ولا نائما ~~إلا رأيته نائما. # وقال «1» عوف بن «2» مالك رضي الله عنه: كنت مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ليلة، فاستاك، ثم توضأ، ثم قام يصلي، فقمت معه. # فبدأ فاستفتح البقرة، فلا يمر بآية رحمة إلا وقف فسأل، ولا يمر بآية عذاب ~~إلا وقف فتعوذ، ثم ركع فمكث بقدر ms064 قيامه يقول: # «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرباء والعظمة» ، ثم سجد، وقال قبل ذلك. ~~ثم قرأ آل عمران، ثم سورة سورة يفعل مثل ذلك. # وعن حذيفة «3» رضي الله عنه: مثله «4» وقال: سجد نحوا من قيامه، وجلس بين ~~السجدتين نحوا منه، وقال: حتى قرأ البقرة وآل عمران والنساء والمائدة. ~~PageV01P287 # وعن «1» عائشة رضي الله عنها قالت: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بآية من القرآن ليلة. # وعن «2» عبد الله بن «3» الشخير رضي الله عنه: أتيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو يصلي، ولجوفه أزيز كأزيز المرجل. # قال «4» ابن أبي هالة «5» رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم متواصل الأحزان دائم الفكرة، ليست له راحة. # وقال صلى الله عليه وسلم «6» «إني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة» وروي ~~«7» «سبعين مرة» . وعن «8» علي «9» رضي الله عنه قال: سألت PageV01P288 # رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سنته. # فقال: «المعرفة رأس مالي، والعقل أصل ديني، والحب أساسي، والشوق مركبي، ~~وذكر الله أنيسي، والثقة كنزي، والحزن رفيقي، والعلم سلاحي، والصبر ردائي، ~~والرضاء غنيمتي، والعجز فخري، والزهد حرفتي، واليقين قوتي، والصدق شفيعي، ~~والطاعة حسبي، والجهاد خلقي، وقرة عيني في الصلاة» # وفي حديث آخر «وثمرة فؤادي في ذكره، وغمي لأجل أمتي وشوقي إلى ربي عز ~~وجل. # PageV01P289 ### ||| الفصل الرابع والعشرون صفات الأنبياء # اعلم وفقنا الله وإياك أن صفات جميع الأنبياء والرسل، صلوات الله عليهم، ~~من كمال الخلق، وحسن الصورة، وشرف النسب، وحسن الخلق، وجميع المحاسن هي هذه ~~الصفة، لأنها صفات الكمال. # والكمال والتمام البشري، والفضل، الجميع لهم صلوات الله عليهم، إذ رتبتهم ~~أشرف الرتب ودرجاتهم أرفع الدرجات. # - ولكن فضل الله بعضهم على بعض. # قال الله تعالى: «تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض» «1» # وقال «ولقد اخترناهم على علم على العالمين» «2» PageV01P290 # وقال صلى الله عليه وسلم «1» «إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ~~ليلة البدر» . # ثم قال آخر الحديث «2» «على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم عليه ~~السلام، طوله ستون ذراعا في السماء» . # وفي حديث «3» أبي ms065 هريرة «4» رضى الله عنه: رأيت موسى، فإذا هو رجل ضرب ~~«5» ، رجل «6» ، أقنى «7» ، كأنه من رجال شنوءة «8» . # ورأيت عيسى، فإذا هو رجل ربعة «9» ، كثير خيلان «10» الوجه، أحمر كأنما ~~خرج من ديماس «11» . PageV01P291 # وفي حديث «1» آخر: مبطن مثل السيف. # قال: «وأنا أشبه ولد إبراهيم به» . # وقال في حديث «2» آخر في صفة موسى: «كأحسن ما أنت راء من أدم الرجال» . # وفي حديث «3» أبي هريرة «4» : عنه صلى الله عليه وسلم «ما بعث الله تعالى ~~من بعد لوط نبيا إلا في ذروة من قومه» ويروى «في ثروة» أي كثرة ومنعة. # وحكى «5» الترمذي «6» عن «7» قتادة «8» ، ورواه الدارقطني «9» من حديث ~~قتادة «10» عن «11» أنس «12» : ما بعث الله نبيا إلا PageV01P292 # حسن الوجه، حسن الصوت، وكان نبيكم أحسنهم صوتا صلى الله عليه وسلم. # وفي حديث «1» هرقل «2» : وسألتك عن نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك ~~الرسل تبعث في أنساب قومها. # وقال تعالى في أيوب «3» : «إنا وجدناه صابرا. نعم العبد إنه أواب» «4» . # وقال تعالى: «يا يحيى خذ الكتاب بقوة» إلى قوله: «ويوم يبعث حيا» # «5» . # وقال: «أن الله يبشرك بيحيى» إلى «الصالحين» «6» . # وقال: «إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين «7» ~~» الآيتين. PageV01P293 # وقال في نوح: «إنه كان عبدا شكورا «1» » . # وقال: «إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح» إلى «الصالحين «2» » . # وقال: «إني عبد الله آتاني الكتاب» إلى «ما دمت حيا «3» » # وقال: «يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى «4» » الآية.. # قال النبي صلى الله عليه وسلم «5» : «كان موسى رجلا حييا ستيرا ما يرى من ~~جسده شيء استحياء» الحديث. # وقال تعالى عنه: «فوهب لي ربي حكما «6» » الآية. # وقال في وصف جماعة منهم «إني لكم رسول أمين «7» » . PageV01P294 # وقال: «إن خير من استأجرت القوي الأمين «1» » . # وقال: «فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل «2» » . # وقال: «ووهبنا له إسحاق ويعقوب، كلا هدينا» إلى قوله: «فبهداهم اقتده «3» ~~» . # - فوصفهم بأوصاف جمة من الصلاح، والهدى، والاجتباء، والحكم، والنبوة. # وقال: «فبشرناه بغلام عليم «4» » و «حليم «5» » . # وقال: «ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم» إلى «أمين «6» » . ~~PageV01P295 # وقال: «ستجدني إن ms066 شاء الله من الصابرين «1» » . # وقال في إسماعيل «2» : «إنه كان صادق الوعد «3» » الآيتين. # وفي موسى «4» «إنه كان مخلصا «5» » . # وفي سليمان «6» : «نعم العبد إنه أواب «7» » . # وقال تعالى: «واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار» ~~الى «الأخيار «8» » . # وفي داوود «9» : «إنه أواب «10» » . # ثم قال: «وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب «11» » PageV01P296 # وقال عن يوسف «1» : «اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم «2» » . # وفي موسى «3» : «ستجدني إن شاء الله صابرا «4» » . # وقال تعالى عن شعيب «5» : «ستجدني إن شاء الله من الصالحين «6» » # وقال «ما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه، إن أريد إلا الإصلاح ما ~~استطعت «7» » . # وقال: «ولوطا آتيناه حكما وعلما «8» » . # وقال: «إنهم كانوا يسارعون في الخيرات «9» » الآية. # قال سفيان «10» : هو الحزن الدائم في آي كثيرة ذكر فيها من PageV01P297 # خصالهم ومحاسن أخلاقهم الدالة على كمالهم. وجاء من ذلك في الأحاديث كثير. # كقوله «1» صلى الله عليه وسلم: «إنما الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن ~~الكريم يوسف بن يعقوب بن اسحق بن إبراهيم، نبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي» . # وفي حديث «2» أنس «3» : «وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم» . # وروي «4» : أن سليمان كان مع ما أعطي من الملك لا يرفع بصره إلى السماء ~~تخشعا وتواضعا لله تعالى، وكان «5» يطعم الناس لذائذ الأطعمة، ويأكل خبز ~~الشعير. # وأوحي إليه: يا رأس العابدين، وابن محجة الزاهدين. # - وكانت العجوز تعترضه، وهو على الريح في جنوده، PageV01P298 # فيأمر الريح فتقف فينظر في حاجتها ويمضي. # وقيل ليوسف: مالك تجوع وأنت على خزائن الأرض؟!. # قال: أخاف أن أشبع، فأنسى الجائع. # وروى «1» أبو هريرة «2» ، عنه صلى الله عليه وسلم: «خفف على داوود القرآن ~~فكان يأمر بدابته فتسرج، فيقرأ القرآن قبل أن تسرج، ولا يأكل إلا من عمل ~~يده» . # قال الله تعالى: «وألنا له الحديد أن اعمل سابغات وقدر في السرد «3» » . # - وكان سأل ربه أن يرزقه عملا بيده يغنيه عن بيت المال. # وقال صلى الله عليه وسلم: «4» «أحب الصلاة إلى الله صلاة داوود. وأحب ~~الصيام إلى الله صيام داوود. وكان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه ~~ويصوم ms067 يوما ويفطر يوما، وكان يلبس الصوف PageV01P299 # ويفترش الشعر، ويأكل خبز الشعير بالملح والرماد «1» ، ويمزج شرابه ~~بالدموع، ولم يرضاحكا بعد الخطيئة، ولا شاخصا ببصره إلى السماء حياء من ربه ~~عز وجل، ولم يزل باكيا حياته كلها» . # وقيل «2» : بكى حتى نبت العشب من دموعه، وحتى اتخذت الدموع في خده ~~أخدودا. # وقيل «3» : كان يخرج متنكرا يتعرف سيرته، فيسمع الثناء عليه فيزداد ~~تواضعا. # وقيل «4» لعيسى «5» عليه السلام: لو اتخذت حمارا؟ # قال: أنا أكرم على الله تعالى من أن يشغلني بحمار. # - وكان «6» يلبس الشعر، ويأكل الشجر، ولم يكن له بيت أينما أدركه النوم ~~نام. وكان أحب الأسامي إليه، أن يقال له: # يا «مسكين» . PageV01P300 # وقيل «1» : إن موسى «2» عليه السلام لما ورد ماء مدين كانت ترى خضرة ~~البقل في بطنه، من الهزال # وقال صلى الله عليه وسلم «3» : «لقد كان الأنبياء قبلي يبتلى أحدهم ~~بالفقر والقمل، وكان ذلك أحب إليهم من العطاء إليكم» «4» . # وقال عيسى عليه السلام لخنزير لقيه: اذهب بسلام. # فقيل له في ذلك، فقال: أكره أن أعود لساني المنطق بسوء. # وقال «5» مجاهد «6» : كان طعام يحيى «7» العشب، وكان يبكي من خشية الله ~~حتى اتخذ الدمع مجرى في خده. # وكان يأكل مع الوحش لئلا يخالط الناس. PageV01P301 # وحكى الطبري «1» عن وهب «2» : أن موسى عليه السلام كان يستظل «3» بعريش، ~~وكان يأكل في نقرة «4» من حجر، ويكرع «5» فيها إذا أراد أن يشرب، كما تكرع ~~الدابة تواضعا لله بما أكرمه الله به من كلامه. # - وأخبارهم في هذا كله مسطورة، وصفاتهم في الكمال وجميل الأخلاق، وحسن ~~الصور والشمائل معروفة مشهورة، فلا نطول بها ولا تلتفت إلى ما تجده في كتب ~~بعض جهلة المؤرخين والمفسرين مما يخالف هذا.. PageV01P302 ### ||| الفصل الخامس والعشرون حديث الحسن عن ابن أبي هالة في جمع (الشمائل) # قد أتيناك- أكرمك الله- من ذكر الأخلاق الحميدة والفضائل المجيدة، وخصال ~~الكمال العديدة، وأريناك صحتها له صلى الله عليه وسلم، وجلبنا من الآثار ما ~~فيه مقنع، والأمر أوسع. # - فمجال هذا الباب في حقه صلى الله عليه وسلم ممتد، ينقطع دون نفاده ~~الأدلاء، وبحر علم خصائصه زاخرة ms068 لا تكدره الدلاء، ولكنا أتينا فيه بالمعروف ~~مما أكثره في الصحيح، والمشهور من المصنفات واقتصرنا في ذلك بقل من كل، ~~وغيض «1» من فيض «2» . ورأينا أن نختم PageV01P303 # هذه الفصول بذكر حديث الحسن «1» عن ابن أبي «2» هالة «3» ، لجمعه من ~~شمائله وأوصافه كثيرا، وإدماجه جملة كافية من سيره وفضائله. ونصله بتنبيه ~~لطيف على غريبه «4» ومشكله «5» . # قال الحسن بن علي: - واللفظ لهذا السند «6» - سألت خالي هند «7» بن أبي ~~هالة عن حلية رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان وصافا، وأنا أرجو أن يصف ~~لي منها شيئا أتعلق به. قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فخما «8» ، ~~مفخما «9» ، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، وأقصر ~~من المشذب «10» ، عظيم الهامة. PageV01P304 # رجل الشعر، إن انفرقت عقيقته «1» فرق، وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه ~~إذا هو وفره. # أزهر اللون «2» . # واسع الجبين. # أزج «3» الحواجب، سوابغ من غير قرن، بينهما عرق يدره «4» الغضب. # أقنى «5» العرنين «6» ، له نور يعلوه. ويحسبه من لم يتأمله أشم «7» كث ~~اللحية. # أدعج «8» . # سهل الخدين. PageV01P305 # ضليع «1» الفم، أشنب «2» ، مفلج «3» الأسنان. # دقيق المسربة. «4» # كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة. # معتدل الخلق. # بادنا، متماسكا. # سواء البطن والصدر، مشيح «5» الصدر. # بعيد ما بين المنكبين. # ضخم الكراديس «6» . # أنور المتجرد «7» . # موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط عاري الثديين ما سوى ذلك. # أشعر الذراعين، والمنكبين، وأعالي الصدر طويل الزندين. # رحب الراحة، شثن «8» الكفين والقدمين. PageV01P306 # سائل الأطراف- أو قال سائن الأطراف وسائر الأطراف. # سبط «1» العصب. # خمصان «2» الأخمصين. # مسيح «3» القدمين ينبو عنهما الماء. # إذا زال زال تقلعا، ويخطو تكفؤا، ويمشي هونا، ذريع «4» المشية، إذا مشى ~~كأنما ينحط من صبب. # وإذا التفت التفت جميعا. # خافض الطرف. نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة. # يسوق أصحابه. ويبدأ من لقيه بالسلام. # قلت: صف لي منطقه.. # قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم متواصل الأحزان، دائم الفكرة، ~~ليست له راحة، ولا يتكلم في غير حاجة، طويل السكوت، PageV01P307 # يفتتح الكلام، ويختمه بأشداقه، ويتكلم بجوامع الكلم، فصلا «1» ، لا فضول ~~فيه، ms069 ولا تقصير. # دمثا «2» ، ليس بالجافي، ولا المهين يعظم النعمة وإن دقت. # لا يذم شيئا. # لم يكن يذم ذواقا «3» ولا يمدحه. # ولا يقام لغضبه إذا تعرض للحق بشيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه ولا ~~ينتصر لها. # إذا أشار أشار بكفه كلها. # وإذا تعجب قلبها. # وإذا تحدث اتصل بها، فضرب بابهامه اليمنى راحه اليسرى. # وإذا غضب أعرض وأشاح وإذا فرح غض طرفه. # جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام. PageV01P308 # قال الحسن «1» : فكتمتها عن الحسين «2» بن علي زمانا، ثم حدثته فوجدته ~~سبقني إليه، فسأل أباه عن مدخل رسول صلى الله عليه وسلم، ومخرجه، ومجلسه ~~وشكله، فلم يدع منه شيئا. # قال الحسين «3» : سألت أبي عن دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فقال: كان دخوله لنفسه، مأذونا له في ذلك، فكان إذا أوى إلى منزله جزأ ~~دخوله ثلاثة أجزاء- جزءا لله، وجزءا لأهله، وجزءا لنفسه. # ثم جزأ جزأه بينه وبين الناس، فيرد ذلك على العامة بالخاصة، ولا يدخر ~~عنهم شيئا فكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بإذنه، وقسمته على ~~قدر فضلهم في الدين. منهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين ومنهم ذو الحوائج. ~~فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما يصلهم والأمة من مسألته عنهم وإخبارهم بالذي ~~ينبغي لهم. # ويقول «4» «ليبلغ الشاهد منكم الغائب، وأبلغوني حاجة من PageV01P309 # لا يستطيع إبلاغي حاجته، فإنه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها ~~ثبت الله قدميه يوم القيامة» . # لا يذكر عنده إلا ذلك، ولا يقبل من أحد غيره. # قال «1» في حديث سفيان «2» بن وكيع: يدخلون روادا ولا يتفرقون إلا عن ~~ذواق، ويخرجون أدلة- يعني فقهاء. # قلت: فأخبرني عن مخرجه كيف كان يصنع فيه؟ .. # قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخزن لسانه إلا مما يعنيهم. ~~ويؤلفهم ولا يفرقهم. # يكرم كريم كل قوم، ويوليه عليهم. # ويحذر الناس ويحترس منهم، من غير أن يطوي عن أحد بشره وخلقه. # ويتفقد أصحابه. # ويسأل الناس عما في الناس. # ويحسن الحسن ويصو به. PageV01P310 # ويقبح القبيح ويوهنه. # معتدل الأمر غير مختلف. # لا يغفل مخافة ms070 أن يغفلوا أو يملوا. # لكل حال عنده عتاد «1» . # لا يقصر عن الحق ولا يجاوزه إلى غيره. # الذين يلونه من الناس خيارهم. # وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة. # وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة وموازرة. # فسألته عن مجلسه، عما يصنع فيه؟! # فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر. # ولا يوطن «2» الأماكن، وينهى عن إيطانها، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ~~ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك ويعطي كل جلسائه نصيبه، حتى لا يحسب جليسه أن ~~أحدا أكرم عليه منه. # من جالسه أو قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه. # من سأله حاجة لم يرده إلا بها، أو بميسور من القول، قد وسع PageV01P311 # الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا، وصاروا عنده في الحق سواء. # مجلسه مجلس حلم، وحياء، وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن «1» ~~فيه الحرم، ولا تثنى «2» فلتاته- وهذه الكلمة من غير الروايتين- # يتعاطفون بالتقوى متواضعين، يوقرون فيه الكبير، ويرحمون الصغير، ويرفدون ~~«3» ذا الحاجة، ويرحمون الغريب. # فسألته: عن سيرته صلى الله عليه وسلم في جلسائه. # فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم البشر، سهل الخلق، لين ~~الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب «4» ، ولا فحاش، ولا عياب، ولا مداح. # يتغافل عما لا يشتهي. # ولا يؤيس منه. # قد ترك نفسه من ثلاث، الرياء، والإكثار وما لا يعنيه. # وترك الناس من ثلاث: PageV01P312 # كان لا يذم أحدا- ولا يعيره- ولا يطلب عورته ولا يتكلم إلا فيما يرجو ~~ثوابه. # إذا تكلم أطرق جلساؤه، كأن على رؤوسهم الطير. # وإذا سكت تكلموا. # لا يتنازعون عنده الحديث. # من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ. # حديثهم حديث أولهم. # يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه. # ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق. # ويقول « «إذا رأيتم صاحب الحاجة يطلبها فأرفدوه «1» » . # ولا يطلب الثناء إلا من مكافيء. # ولا يقطع على أحد حديثه حتى يتجوزه فيقطعه بانتهاء أوقيام. # هنا انتهى سفيان «2» بن وكيع. # وزاد الآخر «3» : PageV01P313 # قلت: كيف كان سكوته صلى الله عليه وسلم؟! # قال: كان سكوته على ms071 أربع: # على الحلم- والحذر- والتقدير- والتفكير # - فأما تقديره ففي تسوية النظر والاستماع بين الناس. # - وأما تفكره ففيما يبقى ويفنى. # وجمع له الحلم صلى الله عليه وسلم في الصبر فكان لا يغضبه شيء يستفزه ~~وجمع له في الحذر أربع: # - أخذه بالحسن ليقتدى به. # - وتركه القبيح لينتهى عنه. # - واجتهاد الرأي بما أصلح أمته. # - والقيام لهم بما جمع لهم من أمر الدنيا والآخرة. # انتهى الوصف بحمد الله وعونه. # PageV01P314 ### ||| الفصل السادس والعشرون في تفسير غريب هذا الحديث ومشكله «1» # قوله: المشذب أي البائن الطول في نحافة، وهو مثل قوله في الحديث الآخر ~~ليس بالطويل الممغط. # والشعر الرجل: الذي كأنه مشط فتكسر قليلا ليس بسبط ولا جعد. # والعقيقة: شعر الرأس أراد إن انفرقت من ذات نفسها فرقها وإلا تركها ~~معقوصة ويروى عقيصته. # وأزهر اللون: نيره وقيل أزهر حسن ومنه زهرة الحياة الدنيا أي زينتها وهذا ~~كما قال في الحديث الآخر ليس بالأبيض الأمهق PageV01P315 # ولا بالآدم، والأمهق: هو الناصع البياض، والآدم: الأسمر اللون، ومثله في ~~الحديث الآخر أبيض مشرب أي فيه حمرة. # والحاجب الأزج: المقوس الطويل الوافر الشعر. # والأقنى: السائل الأنف المرتفع وسطه. # والأشم: الطويل قصبة الأنف. # والقرن: اتصال شعر الحاجبين، وضده البلج، ووقع في حديث أم معبد وصفه ~~بالقرن. # والأدعج: الشديد سواد الحدقة، وفي الحديث الآخر: أشكل العين، وأسحر ~~العين، وهو الذي في بياضها حمرة. # والضليع: الواسع. # والشنب: رونق الأسنان وماؤها، وقيل رقتها، وتحزيز فيها كما يوجد في أسنان ~~الشباب. # والفلج: فرق الثنايا. # ودقيق المسربة: خيط الشعر الذي بين الصدر والسرة. # بادن: ذو لحم. # ومتماسك: معتدل الخلق، يمسك بعضه بعضا، مثل قوله في الحديث # PageV01P316 # الآخر لم يكن بالمطهم ولا بالمكلثم، أي ليس بمسترخي اللحم، والمكلثم ~~القصير الذقن. # وسواء البطن والصدر: أي مستويهما. # مشيح الصدر: إن صحت هذه اللفظة فتكون من الإقبال، وهو أحد معاني أشاح، أي ~~أنه كان بادي الصدر، ولم يكن في صدره قعس وهو تطامن فيه وبه يتضح قوله قبل ~~سواء البطن والصدر، أي ليس بمتقاعس الصدر ولا مفاض البطن، ولعل اللفظ مسيح ~~بالسين وفتح الميم بمعنى ms072 عريض كما وقع في الرواية الأخرى وحكاه ابن دريد. # الكراديس: رؤوس العظام، وهو مثل قوله في الحديث الآخر جليل المشاش، ~~والكتد والمشاش: رؤوس المناكب والكتد: # مجتمع الكتفين. # وشثن الكفين والقدمين: لحيمهما والزندان عظما الذراعين. # وسائل الأطراف: أي طويل الأصابع وذكر ابن الأنباري أنه روي سائل الأطراف، ~~أو قال سائن بالنون قال: وهما بمعنى تبدل اللام من النون إن صحت الرواية ~~بها وأما على الرواية الأخرى وسائر الأطراف فإشارة إلى فخامة جوارحه كما ~~وقعت مفصلة في الحديث. # PageV01P317 # ورحب الراحة: أي واسعها وقيل كنى به عن سعة العطاء والجود. # وخمصان الأخمصين: أي متجافي أخمص القدم، وهو الموضع الذي لا تناله الأرض ~~من وسط القدم. # ومسيح القدمين: أي أملسهما ولهذا قال ينبو عنهما الماء وفي حديث أبي ~~هريرة خلاف هذا قال فيه: إذا وطىء بقدمه وطىء بكلها ليس له أخمص، وهذا ~~يوافق معنى قوله مسيح القدمين، وبه قالوا سمي المسيح بن مريم أي لم يكن له ~~أخمص وقيل: مسيح لا لحم عليهما وهذا أيضا يخالف قوله شثن القدمين. # والتقلع: رفع الرجل بقوة. # والتكفؤ: الميل إلى سنن الممشى وقصده. # والهون: الرفق والوقار. # والذريع: الواسع الخطو أي: إن مشيه كان يرفع فيه رجليه بسرعة ويمد خطوه ~~خلاف مشية المختال ويقصد سمته، وكل ذلك برفق وتثبت دون عجلة كما قال كأنما ~~ينحط من صبب. # PageV01P318 # وقوله يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه: أي لسعة فمه، والعرب تتمادح بهذا ~~وتذم بصغر الفم. # وأشاح: مال وانقبض. # وحب الغمام: البرد. # وقوله فيرد ذلك بالخاصة على العامة: أي جعل من جزء نفسه ما يوصل الخاصة ~~إليه فتوصل عنه للعامة، وقيل يجعل منه للخاصة ثم يبدلها في جزء آخر ~~بالعامة. # ويدخلون روادا: أي محتاجين إليه وطالبين لما عنده. # ولا ينصرفون إلا عن ذواق: قيل عن علم يتعلمونه ويشبه أن يكون على ظاهره ~~أي في الغالب والأكثر. # والعتاد: العدة والشيء الحاضر المعد. # والموازرة: المعاونة وقوله. # لا يوطن الأماكن: أي لا يتخذ لمصلاه موضعا معلوما وقد ورد نهيه عن هذا ~~مفسرا في غير هذا الحديث. # وصابره: ms073 أي حبس نفسه على ما يريد صاحبه. # ولا تؤبن فيه الحرم: أي لا يذكرن فيه بسوء. # PageV01P319 # ولا تثنى فلتاته: أي لا يتحدث بها أي لم تكن فيه فلتة، وإن كانت من أحد ~~سترت، ويرفدون: يعينون. # والسخاب: الكثير الصياح. # وقوله: ولا يقبل الثناء إلا من مكافيء: قيل مقتصد في ثنائه ومدحه وقيل ~~إلا من مسلم وقيل إلا من مكافىء على يد سبقت من النبي صلى الله عليه وسلم ~~له. # ويستفزه: يستخفه وفي حديث آخر في وصفه صلى الله عليه وسلم. # منهوس العقب: أي قليل لحمها. # وأهداب الأشفار: أي طويل شعرها. # PageV01P320 ### || الباب الثالث فيما ورد منه صحيح الأخبار ومشهورها بعظيم قدره عند ربه ومنزلته وما خصه به في الدارين منه كرامته صلى الله عليه وسلم وفيه اثنا عشر فصلا # PageV01P321 # لا خلاف أنه أكرم البشر «1» ، وسيد ولد آدم «2» ، وأفضل الناس منزلة عند ~~الله وأعلاهم درجة، وأقربهم زلفى. # واعلم أن الأحاديث الواردة في ذلك كثيرة جدا، وقد اقتصرنا منها على ~~صحيحها، ومنتشرها، وحصرنا معاني ما ورد منها في هذه الفصول. PageV01P323 ### ||| الفصل الأول مكانته صلى الله عليه وسلم # فيما ورد من ذكر مكانته عند ربه عز وجل، والاصطفاء ورفعة الذكر، ~~والتفضيل، وسيادة ولد آدم وما خصه به في الدنيا من مزايا الرتب، وبركة اسمه ~~الطيب. # عن «1» ابن عباس «2» رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # «أن الله تعالى قسم الخلق قسمين، فجعلني من خيرهم قسما، فذلك قوله تعالى: ~~أصحاب اليمين، وأصحاب الشمال، فأنا من أصحاب اليمين، وأنا خير أصحاب ~~اليمين. # ثم جعل القسمين أثلاثا، فجعلني في خيرها ثلثا، وذلك قوله تعالى: فأصحاب ~~الميمنة وأصحاب المشأمة، والسابقون السابقون، PageV01P325 # فأنا من السابقين، وأنا خير السابقين، ثم جعل الأثلاث قبائل فجعلني من ~~خيرها قبيلة، وذلك قوله تعالى: «وجعلناكم شعوبا وقبائل «1» » الآية.. فأنا ~~أتقى ولد آدم وأكرمهم على الله ولا فخر.. ثم جعل القبائل بيوتا فجعلني من ~~خيرها بيتا، فذلك قوله تعالى: «إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~«2» » الآية.. # وعن «3» أبي سلمة «4» : عن ms074 أبي هريرة «5» قال: «قالوا يا رسول الله متى ~~وجبت لك النبوة؟ ... # قال: «وآدم بين الروح والجسد» . # وعن «6» واثلة «7» بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # «إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني ~~كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من ~~بني هاشم.» PageV01P326 # ومن حديث «1» أنس «2» رضي الله عنه: «أنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر» ~~. # وفي حديث «3» ابن عباس «4» : أنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر» . # وعن «5» عائشة «6» عنه صلى الله عليه وسلم: «أتاني جبريل عليه السلام ~~فقال: # قلبت مشارق الأرض ومغاربها فلم أر رجلا أفضل من محمد، ولم أر بني أب أفضل ~~من بني هاشم» . # وعن «7» أنس «8» رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بالبراق ~~ليلة أسري به فاستصعب عليه، فقال له جبريل: بمحمد «9» تفعل هذا!! فما ركبك ~~أحد أكرم على الله منه ... فارفض عرقا» . PageV01P327 # وعن «1» ابن عباس رضي الله عنه: عنه صلى الله عليه وسلم «لما خلق الله ~~آدم أهبطني في صلبه إلى الأرض، وجعلني في صلب نوح في السفينة، وقذف بي في ~~النار في صلب إبراهيم، ثم لم يزل ينقلني في الأصلاب الكريمة إلى الأرحام ~~الطاهرة حتى أخرجني بين أبوي.. لم يلتقيا على سفاح قط» . # وإلى هذا أشار العباس «2» بن عبد المطلب رضي الله عنه بقوله: # من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودع حيث يخصف الورق # ثم هبطت البلاد لا بشر ... أنت ولا مضغة ولا علق # بل نطفة تركب السفين وقد ... ألجم نسرا «3» وأهله الغرق # تنقل من صالب إلى رحم ... إذا مضى عالم بدا طبق «4» # ثم احتوى بيتك المهيمن من ... خندف «5» علياء تحتها النطق «6» ~~PageV01P328 # وأنت لما ولدت أشرقت الأر ... ض وضاءت بنورك الأفق # فنحن في ذلك الضياء وفي النو ... ر وسبل الرشاد نخترق # يا برد نار الخليل يا سببا ... لعصمة النار وهي تحترق # وروى عنه صلى الله عليه وسلم أبو ذر «1» . وابن عمر «2» . وابن عباس «3» ~~. # وأبو هريرة «4» . وجابر «5» بن عبد الله ms075 أنه قال: «أعطيت خمسا- وفي بعضها ~~ستا «6» - لم يعطهن نبي قبلي «7» . # - نصرت بالرعب مسيرة شهر. # - وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل. # - وأحلت لي الغنائم ولم تحل لنبي قبلي. # - وبعثت إلى الناس كافة. # - وأعطيت الشفاعة. PageV01P329 # وفي رواية «1» : بدل هذه الكلمة «وقيل لي سل تعطه» # وفي رواية أخرى «2» «وعرض علي أمتي. فلم يخف علي التابع من المتبوع» . # وفي رواية «3» «بعثت إلى الأحمر والأسود» . # قيل: «السود» العرب، لأن الغالب على ألوانهم الأدمة فهم من السود. # «والحمر» العجم. # وقيل: البيض والسود من الأمم. # وقيل: «الحمر» الإنس. # «والسود» الجن. # وفي الحديث الآخر «4» : عن أبي هريرة «5» رضي الله عنه «نصرت بالرعب، ~~وأوتيت جوامع، وبينا أنا نائم جيء بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي» . ~~PageV01P330 # وفي رواية «1» عنه «2» «وختم بي النبيون» . # وعن عقبة بن «3» عامر: أنه قال: # قال صلى الله عليه وسلم «4» «إني فرط «5» لكم، وأنا شهيد عليكم، وإني ~~والله لأنظر إلى حوضي الآن، وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض، وإني والله ~~ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف أن تنافسوا فيها» . # وعن عبد الله «6» بن عمرو رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «7» «أنا محمد، النبي الأمي؛ لا نبي بعدي؛ أوتيت جوامع الكلم وخواتمه، ~~وعلمت خزنة النار، وحملة العرش» . # وعن «8» ابن عمر «9» رضي الله عنه «بعثت بين يدي الساعة» PageV01P331 # وفي رواية ابن «1» وهب: أنه صلى الله عليه وسلم قال «2» : «قال الله ~~تعالى: # سل يا محمد.. فقلت: ما أسأل يا رب. اتخذت إبراهيم خليلا، وكلمت موسى ~~تكليما، واصطفيت نوحا، وأعطيت سليمان ملكا لا ينبغي لأحد من بعده. # فقال الله تعالى: ما أعطيتك خير من ذلك. # - أعطيتك الكوثر، وجعلت اسمك مع اسمي ينادى به في جوف السماء، وجعلت ~~الأرض طهورا لك ولأمتك، وغفرت لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فأنت تمشي في ~~الناس مغفورا لك، ولم أصنع ذلك لأحد قبلك، وجعلت قلوب أمتك مصاحفها. # وخبأت لك شفاعتك ولم أخبأها لنبي غيرك» . # وفي حديث آخر «3» رواه حذيفة «4» # «بشرني- يعني «5» ربه- عز ms076 وجل، أول من يدخل الجنة PageV01P332 # معي من أمتي سبعون ألفا، مع كل ألف سبعون ألفا، ليس عليهم حساب وأعطاني، ~~ألا تجوع أمتي، ولا تغلب، وأعطاني، النصر والعزة، والرعب يسعى بين يدي أمتي ~~شهرا. # - وطيب لي ولأمتي المغانم «1» . # - وأحل لنا كثيرا مما شدد على من قبلنا ولم يجعل علينا في الدين من حرج» ~~. # وعن أبي هريرة «2» عنه صلى الله عليه وسلم «3» «ما من نبي من الأنبياء ~~إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيا ~~أوحى الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» . # معنى هذا عند المحققين: بقاء معجزته ما بقيت الدنيا. وسائر معجزات ~~الأنبياء ذهبت للحين، ولم يشاهدها إلا الحاضر لها. # ومعجزة القرآن يقف عليها قرن بعد قرن عيانا لا خبرا الى يوم القيامة. ~~PageV01P333 # وفيه كلام يطول، هذا نخبته. # وقد بسطنا القول فيه. وفيما ذكر فيه سوى هذا آخر باب المعجزات. # وعن «1» علي «2» رضي الله عنه: كل نبي أعطي سبعة نجباء، وزراء، رفقاء، من ~~أمته، وأعطي نبيكم صلى الله عليه وسلم أربعة عشر نجيبا، منهم أبو بكر، ~~وعمر، وابن مسعود، وعمار. # وقال صلى الله عليه وسلم «3» «إن الله قد حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها ~~رسوله والمؤمنين، وإنها لا تحل لأحد بعدي. وإنما أحلت لي ساعة من نهار» . # وعن «4» العرباض «5» بن سارية رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: «إني عبد الله، وخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدل في طينته، ~~وعدة أبي إبراهيم وبشارة عيسى بن مريم» . PageV01P334 # وعن «1» ابن عباس «2» قال: إن الله فضل محمدا صلى الله عليه وسلم على أهل ~~السماء وعلى الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم. # قالوا: فما فضله على أهل السماء؟ .. # قال: إن الله تعالى قال لأهل السماء: «ومن يقل منهم إني إله من دونه» «3» ~~الآية. # وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم «إنا فتحنا لك فتحا مبينا «4» » الآية. # قالوا: وما فضله على الأنبياء؟ .. # قال: إن الله تعالى قال: «وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه «5» » ~~الآية. ms077 # وقال: لمحمد «وما أرسلناك إلا كافة للناس «6» » . PageV01P335 # وعن «1» خالد «2» بن معدان: أن نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قالوا: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك- وقد روي نحوه عن أبي ذر «3» ، ~~وشداد «4» بن أوس، وأنس «5» بن مالك رضي الله عنهم- فقال: «نعم ... أنا ~~دعوة أبي إبراهيم- يعني قوله: «ربنا وابعث فيهم رسولا منهم «6» » . # وبشر بي عيسى. ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء له قصور بصرى ~~من أرض الشام. واسترضعت في بني سعد بن بكر، فبينا أنا مع أخ لي خلف بيوتنا ~~نرعى بهما لنا، إذ جاءني رجلان عليهما ثياب بيض- وفي حديث آخر ثلاثة رجال- ~~بطست من ذهب مملوة ثلجا، فأخذاني فشقا بطني- قال في غير هذا PageV01P336 # الحديث، من نحري إلى مراق بطني- ثم استخرجا منه قلبي، فشقاه، فاستخرجا ~~منه علقة سوداء فطر حاها، ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه- قال ~~في حديث آخر- ثم تناول أحدهما شيئا، فإذا بخاتم في يده من نور، يحار الناظر ~~دونه، فختم به قلبي فامتلأ إيمانا وحكمة، ثم أعاده مكانه، وأمر الآخر يده ~~على مفرق صدري فالتأم.» # وفي رواية «1» : إن جبريل قال: «قلب وكيع- أي شديد- فيه عينان تبصران، ~~وأذنان سميعتان، ثم قال أحدهما لصاحبه، # زنه بعشرة من أمته، فوزنني بهم فرجحتهم، ثم قال: زنه بمئة من أمته، ~~فوزنني بهم فوزنتهم. ثم قال: زنه بألف من أمته، فوزنني بهم فوزنتهم ثم قال: ~~دعه عنك، فلو وزنته بأمته لوزنها» . # قال في الحديث الآخر: # «ثم ضموني إلى صدورهم، وقبلوا رأسي، وما بين عيني ثم قالوا: يا حبيب الله ~~لم ترع، إنك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرت عيناك. PageV01P337 # وفي بقية هذا الحديث من قولهم: # «ما أكرمك على الله، إن الله معك وملائكته» . # قال «1» في حديث «2» أبي ذر «3» . # «فما هو إلا أن وليا عني، فكأنما أرى الأمر معاينة» . # وحكى أبو محمد «4» المكي، وأبو الليث «5» السمرقندي، وغيرهما: أن آدم عند ~~معصيته قال «6» «اللهم بحق محمد اغفر لي خطيئتي- ويروى- وتقبل توبتي» . # فقال له الله: من أين عرفت محمدا؟ .. # قال: رأيت ms078 في كل موضع من الجنة مكتوبا: لا إله إلا الله محمد رسول الله. ~~- ويروى: محمد عبدي ورسولي- فعلمت أنه أكرم خلقك عليك» . # فتاب الله عليه وغفر له. PageV01P338 # وهذا عند قائله تأويل قوله تعالى: # «فتلقى آدم من ربه كلمات «1» » . # وفي رواية أخرى: فقال آدم: لما خلقتني رفعت رأسي إلى عرشك فإذا فيه ~~مكتوب.. لا إله إلا الله محمد رسول الله، فعلمت أنه ليس أحد أعظم قدرا عندك ~~ممن جعلت اسمه مع اسمك» . # فأوحى الله إليه: «وعزتي وجلالي إنه لآخر النبيين من ذريتك، ولو لاه ما ~~خلقتك. # قال: وكان آدم يكنى بأبي محمد «2» . # وقيل: بأبي البشر «3» . # وروي عن سريج «4» بن يونس أنه قال: # إن لله ملائكة سياحين، عبادتها على كل دار فيها أحمد أو محمد، إكراما ~~منهم لمحمد صلى الله عليه وسلم. PageV01P339 # وروى ابن قانع القاضي «1» عن أبي الحمراء «2» قال. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لما أسري بي إلى السماء إذا على العرش ~~مكتوب.. لا إله إلا الله محمد رسول الله. أيدته بعلي..» # وفي التفسير عن «3» ابن عباس «4» في قوله تعالى: «وكان تحته كنز لهما «5» ~~» . # قال «6» : لوح من ذهب مكتوب: عجبا لمن أيقن بالقدر كيف ينصب. عجبا لمن ~~أيقن بالنار كيف يضحك، عجبا لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن ~~إليها. أنا الله لا إله إلا أنا.. محمد عبدي ورسولي.» # وعن «7» ابن عباس «8» رضي الله عنهما «على باب الجنة مكتوب: # إني أنا الله لا إله إلا أنا، محمد رسول الله، لا أعذب من قالها» . ~~PageV01P340 # وذكر أنه وجد على الحجارة القديمة مكتوب «محمد تقي مصلح، وسيد أمين» . # وذكر السمنطاري «1» : أنه شاهد في بعض بلاد خراسان مولودا ولد، على أحد ~~جنبيه مكتوب.. لا إله إلا الله.. # وعلى الآخر محمد رسول الله.» # وذكر الأخباريون: أن ببلاد الهند وردا أحمر مكتوبا عليه بالأبيض.. لا إله ~~إلا الله محمد رسول الله. # وروي عن جعفر «2» بن محمد عن أبيه: إذا كان يوم القيامة نادى مناد: ألا ~~ليقم من اسمه محمد فليدخل الجنة لكرامة اسمه صلى الله عليه ms079 وسلم. # وروى ابن القاسم «3» في «سماعه «4» » وابن وهب «5» في «جامعه «6» » عن ~~مالك «7» : PageV01P341 # سمعت أهل مكة يقولون: «ما من بيت فيه اسم محمد إلا نمى، ورزقوا، ورزق ~~جيرانهم.» # وعنه صلى الله عليه وسلم «1» «ما ضر أحدكم أن يكون في بيته محمد ومحمدان ~~وثلاثة» . # وعن «2» عبد الله بن «3» مسعود رضي الله عنه: إن الله تعالى نظر إلى قلوب ~~العباد فاختار منها قلب محمد صلى الله عليه وسلم فاصطفاه لنفسه فبعثه ~~برسالته. # وحكى النقاش «4» أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت «وما كان لكم أن ~~تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا «5» » الآية. قام خطيبا ~~فقال: يا «معشر أهل الإيمان.. إن الله تعالى فضلني عليكم تفضيلا، وفضل ~~نسائي على نسائكم تفضيلا.» # الحديث.. PageV01P342 ### ||| الفصل الثاني كرامة الإسراء # في تفضيله بما تضمنته كرامة الإسراء من المناجاة والرؤية، وإمامة ~~الأنبياء، والعروج به إلى سدرة المنتهى، وما رأى من آيات ربه الكبرى. # ومن خصائصه صلى الله عليه وسلم قصة الإسراء، وما انطوت عليه من درجات ~~الرفعة مما نبه عليه الكتاب العزيز، وشرحته صحاح الأخبار. # قال الله تعالى «سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام «1» » ~~الآية. # وقال تعالى «والنجم إذا هوى «2» » إلى قوله «لقد رأى PageV01P343 # من آيات ربه الكبرى «1» » . # فلا خلاف بين المسلمين في صحة الإسراء به صلى الله عليه وسلم، إذ هو نص ~~القرآن، وجاءت بتفصيله وشرح عجائبه وخواص نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ~~فيه أحاديث كثيرة منتشرة ... رأينا أن نقدم أكملها ونشير زيادة من غيره يجب ~~ذكرها. # عن أنس «2» بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~«3» «أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره ~~عند منتهى طرفه، قال: «فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي ~~يربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت فجاءني جبريل ~~بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن.» . # فقال جبريل: «اخترت الفطرة، ثم عرج بنا إلى السماء، فاستفتح جبريل، فقيل ~~من ms080 أنت؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال محمد. قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد ~~بعث إليه.. PageV01P344 # ففتح لنا فإذا أنا بآدم صلى الله عليه وسلم، فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج ~~بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل فقيل: من أنت؟ قال جبريل، قيل ومن ~~معك؟ قال: محمد. قيل: وقد بعث إليه: قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بابني ~~الخالة عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا، صلى الله عليهما. فرحبا بي ودعوا لي ~~بخير. ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة. - وذكر مثله- فإذا أنا بإدريس فرحب ~~بي ودعا لي بخير. # قال الله تعالى «ورفعناه مكانا عليا «1» » ثم عرج بنا إلى السماء ~~الخامسة- فذكر مثله- فإذا أنا بهارون فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى ~~السماء السادسة- فذكر مثله- فإذا أنا بموسى فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج ~~بنا إلى السماء السابعة- فذكر مثله- فإذا أنا بإبراهيم مسندا ظهره إلى ~~البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه. ثم ~~ذهب بي إلى سدرة المنتهى، وإذا ورقها كآذان الفيلة «2» ، وإذا ثمرها ~~كالقلال «3» .. PageV01P345 # قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت فما أحد من خلق الله يستطيع أن ~~ينعتها من حسنها فأوحى الله إلي ما أوحى، ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم ~~وليلة، فنزلت إلى موسى فقال: # ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة قال: إرجع إلى ربك فاسأل التخفيف ~~فإن أمتك لا يطيقون ذلك، فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم.. قال: فرجعت ~~إلى ربي فقلت: يا رب خفف عن أمتي فحط عني خمسا. فرجعت إلى موسى فقلت: حط ~~عني خمسا، قال إن أمتك لا يطيقون ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف.. قال: ~~فلم أزل أرجع بين ربي تعالى وبين موسى حتى قال يا محمد إنهن خمس صلوات كل ~~يوم وليلة، لكل صلاة عشرة، فتلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت ~~له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا، ms081 ~~فإن عملها كتبت سيئة واحدة.. قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال: ~~ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فقال رسول صلى الله عليه وسلم فقلت: قد رجعت ~~إلى ربي حتى استحيت منه. # PageV01P346 # قال القاضي: جود ثابت «1» رحمه الله هذا الحديث عن أنس «2» ما شاء، ولم ~~يأت أحد عنه بأصوب من هذا. وقد خلط فيه غيره عن أنس تخليطا كثيرا لا سيما ~~من رواية شريك «3» بن أبي نمر. # فقد ذكر في أوله مجيء الملك له، وشق بطنه وغسله بماء زمزم، وهذا إنما كان ~~وهو صبي وقبل الوحي، وقد قال شريك في حديثه وذلك قبل أن يوحى إليه وذكر قصة ~~الإسراء، ولا خلاف أنها كانت بعد الوحي. # وقد قال غير واحد إنها كانت قبل الهجرة بسنة. # وقيل: قبل هذا. # وقد روى ثابت «4» عن أنس «5» من رواية حماد «6» بن سلمة أيضا «7» مجيء ~~جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يلعب مع الغلمان عند ظئره «8» ~~PageV01P347 # وشقه قلبه تلك القصة مفردة من حديث الإسراء كما رواه الناس، فجود في ~~القصتين، وفي أن الإسراء إلى بيت المقدس وإلى سدرة المنتهى كان قصة واحدة، ~~وأنه وصل إلى بيت المقدس، ثم عرج من هناك فأزاح كل إشكال أو همه غيره. # وقد روى يونس «1» عن ابن شهاب «2» عن أنس قال: كان أبوذر «3» يحدث أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «4» «فرج سقف بيتي فنزل جبريل ففرج صدري، ~~ثم غسله من زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتليء حكمة وإيمانا فأفرغها في صدري ~~ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بنا إلى السماء» فذكر القصة. # وروى قتادة «5» الحديث بمثله عن أنس «6» عن مالك «7» بن صعصعة ~~PageV01P348 # وفيها تقديم وتأخير، وزيادة ونقص، وخلاف في ترتيب الأنبياء في السماوات ~~«1» . # وحديث ثابت «2» عن أنس «3» أتقن وأجود، وقد وقعت في حديث الإسراء زيادات ~~نذكر منها نكتا «4» مفيدة في غرضنا. # منها في حديث ابن شهاب «5» وفيه «قول كل نبي له «مرحبا بالنبي الصالح ~~والأخ الصالح» إلا آدم وإبراهيم فقالا له «والابن الصالح» . # وفيه من طريق ms082 ابن عباس «6» «ثم عرج بي حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صريف «7» ~~الأقلام «8» . # وعن أنس «9» «ثم انطلق بي حتى أتيت سدرة المنتهى PageV01P349 # فغشيها ألوان لا أدري ما هي. قال: ثم أدخلت الجنة.» # وفي حديث «1» مالك «2» بن صعصعة «فلما جاوزته- يعني موسى- بكى فنودي ما ~~يبكيك؟ قال: رب هذا غلام بعثته بعدي يدخل من أمته الجنة أكثر مما يدخل من ~~أمتي» . # وفي حديث «3» أبي هريرة «4» «وقد رأيتني «5» في جماعة من الأنبياء فحانت ~~الصلاة فأممتهم. فقال قائل: يا محمد هذا مالك خازن النار فسلم عليه، فالتفت ~~فبدأني بالسلام.» # وفي حديث أبي هريرة «ثم سار حتى أتى بيت المقدس فنزل فربط فرسه إلى صخرة ~~فصلى مع الملائكة فلما قضيت الصلاة قالوا: # يا جبريل: من هذا معك؟ قال: هذا محمد رسول الله خاتم النبيين، قالوا: وقد ~~أرسل إليه؟ قال نعم. قالوا: حياه الله من أخ وخليفة، فنعم الأخ ونعم ~~الخليفة. # ثم لقوا أرواح الأنبياء فأثنوا على ربهم- وذكر كلام كل واحد PageV01P350 # منهم وهم ابراهيم- وموسى- وعيسى- وداوود- وسليمان- ثم ذكر كلام النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # فقال: وإن محمدا صلى الله عليه وسلم أثنى على ربه عز وجل فقال «كلكم أثنى ~~على ربه وأنا أثنى علي ربي: # الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين. # وكافة للناس بشيرا ونذيرا. # وأنزل علي الفرقان فيه تبيان كل شيء. # وجعل أمتي خير أمة. # وجعل أمتي أمة وسطا. # وجعل أمتي هم الأولون وهم الآخرون. # وشرح لي صدري، ووضع عني وزري، ورفع لي ذكري، وجعلني فاتحا وخاتما. # فقال إبراهيم: بهذا فضلكم محمد. # ثم ذكر أنه عرج به إلى السماء الدنيا، ومن سماء إلى سماء نحو ما تقدم. # وفي حديث «1» ابن مسعود «وانتهى بي إلى سدرة المنتهى، PageV01P351 # وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض، فيقبض منها، ~~وإليها ينتهي ما يهبط من فوقها فيقبض منها. # قال تعالى: «إذ يغشى السدرة ما يغشى «1» » . # قال «2» فراش من ذهب. # ومن رواية أبي هريرة «3» من طريق الربيع «4» بن أنس: # «فقيل لي: هذه سدرة المنتهى، ينتهي إليها كل أحد من أمتك خلا «5» على ms083 ~~سبيلك، وهي السدرة المنتهى، يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن، وأنهار من ~~لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، وهي ~~شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين عاما، وأن ورقة منها مظلة الخلق فغشيها ~~نور، وغشيتها الملائكة. # قال: فهو قوله «إذ يغشى السدرة ما يغشى» # فقال تبارك وتعالى له: «سل» PageV01P352 # فقال إنك اتخذت إبراهيم خليلا، وأعطيته ملكا عظيما. # وكلمت موسى تكليما، وأعطيت داوود ملكا عظيما، وألنت له الحديد، وسخرت له ~~الجبال، وأعطيت سليمان ملكا عظيما، وسخرت له الجن والإنس والشياطين ~~والرياح، وأعطيته ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وعلمت عيسى التوراة ~~والإنجيل، وجعلته يبرىء الأكمه والأبرص، وأعذته وأمه من الشيطان الرجيم فلم ~~يكن له عليهما سبيل. # فقال له ربه تعالى قد اتخذتك خليلا وحبيبا، فهو مكتوب في التوراة: محمد ~~حبيب الرحمن: وأرسلتك إلى الناس كافة، وجعلت أمتك هم الأولون وهم الآخرون، ~~وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي، وجعلتك أول ~~النبيين خلقا، وآخرهم بعثا وأعطيتك سبعا من المثاني، ولم أعطها نبيا قبلك، ~~وأعطيتك خواتيم سورة البقرة من كنز تحت عرش، ولم أعطها نبيا قبلك، وجعلتك ~~فاتحا وخاتما. # وفي الرواية الأخرى «1» قال «فأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا: ~~PageV01P353 # - أعطي الصلوات الخمس. # - وأعطي خواتيم سورة البقرة. # - وغفر لمن لا يشرك بالله شيئا من أمته المقحمات «1» . # وقال «2» «ما كذب الفؤاد ما رأى «3» » الآيتين. # رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح. # وفي حديث شريك «4» «أنه رأى موسى في السابعة- قال بتفضيل كلام الله- قال: ~~ثم علي به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله. # فقال موسى: لم أظن أن يرفع علي أحد. # وقد «5» روي عن أنس «6» أنه صلى الله عليه وسلم «صلى بالأنبياء ببيت ~~المقدس» . # وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: # «بينا أنا قاعد ذات يوم إذ دخل جبريل عليه السلام فوكز بين PageV01P354 # كتفي فقمت إلى شجرة فيها مثل وكري الطائر، فقعد في واحدة وقعدت في ~~الأخرى، ms084 فنمت حتى سدت الخافقين، ولو شئت لمسست السماء وأنا أقلب طرفي، ~~ونظرت جبريل كأنه حلس «1» لاطىء «2» فعرفت فضل علمه بالله علي وفتح لي باب ~~السماء، ورأيت النور الأعظم ولط «3» دوني الحجاب وفرجه الدر والياقوت ثم ~~أوحى الله إلي ما شاء أن يوحي. # وذكر البزار «4» عن علي بن «5» أبي طالب رضي الله عنه: # لما أراد الله تعالى أن يعلم رسوله صلى الله عليه وسلم الأذان جاءه جبريل ~~بدابة يقال لها البراق فذهب يركبها فاستصعبت عليه. # فقال لها جبريل: اسكني، فو الله ما ركبك عبد أكرم على الله من محمد صلى ~~الله عليه وسلم. فركبها حتى أتى بها إلى الحجاب الذي يلي الرحمن تعالى، ~~فبينا هو كذلك إذ خرج ملك من الحجاب. PageV01P355 # فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يا جبريل ... من هذا!!» # قال: والذي بعثك بالحق إني لأقرب الخلق مكانا وإن هذا الملك ما رأيته منذ ~~خلقت قبل ساعتي هذه. # فقال الملك: الله أكبر الله أكبر # فقيل له من وراء الحجاب # صدق عبدي أنا أكبر أنا أكبر # ثم قال الملك: أشهد أن لا إله إلا الله # فقيل له من وراء الحجاب: # صدق عبدي أنا الله لا إله إلا أنا.. # وذكر مثل هذا في بقية الأذان. إلا أنه لم يذكر جوابا على قوله حي على ~~الصلاة حي على الفلاح. # وقال: ثم أخذ الملك بيد محمد صلى الله عليه وسلم فقدمه فأم أهل السماء. # فيهم آدم ونوح. # قال أبو جعفر «1» محمد بن علي بن الحسين راويه «2» : PageV01P356 # أكمل الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم الشرف على أهل السماوات ~~والأرض. # قال القاضي وفقه الله: ما في هذا الحديث من ذكر الحجاب فهو في حق المخلوق ~~لا في حق الخالق، فهم المحجوبون، والباري جل اسمه منزه عما يحجبه. إذ الحجب ~~إنما تحيط بمقدر محسوس. ولكن حجبه على أبصار خلقه وبصائرهم وإدراكاتهم بما ~~شاء وكيف شاء ومتى شاء كقوله تعالى «كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون «1» » ~~. # فقوله في هذا الحديث «الحجاب» «وإذا خرج ملك من من ms085 الحجاب» يجب أن يقال ~~إنه حجاب حجب به من وراءه من ملائكته عن الاطلاع على ما دونه من سلطانه ~~وعظمته، وعجائب ملكوته وجبروته، ويدل عليه من الحديث قول جبريل عن الملك ~~الذي خرج من ورائه: إن هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتي هذه» فدل: ~~على أن هذا الحجاب لم يختص بالذات، ويدل عليه قول كعب «2» في تفسير سدرة ~~المنتهى قال: إليها ينتهي علم الملائكة، وعندها يجدون أمر الله لا يجاوزها ~~علمهم. # وأما قوله «الذي يلي الرحمن» فيحمل على حذف مضاف أي: PageV01P357 # يلي عرش الرحمن: أو أمرا ما من عظيم آياته، أو مبادي حقائق معارفه مما هو ~~أعلم به. # كما قال تعالى: «وسئل القرية «1» » أي «أهلها» . # وقوله: فقيل من وراء الحجاب صدق عبدي أنا أكبر # فظاهره: أنه سمع في هذا الموطن كلام الله تعالى ولكن من وراء حجاب. # كما قال تعالى: «وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب ~~«2» » أي وهو لا يراه، حجب بصره عن رؤيته. # فإن صح القول: بأن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه عز وجل. فيحتمل أنه ~~في غير هذا الموطن. بعد هذا. أو قبله رفع الحجاب عن بصره حتى رآه. # والله أعلم. PageV01P358 ### ||| الفصل الثالث حقيقة الإسراء # ثم اختلف السلف والعلماء # هل كان إسراؤه بروحه أو جسده!؟ .. # على ثلاث مقالات: # فذهب طائفة: إلى أنه إسراء بالروح، وأنه رؤيا منام. # مع اتفاقهم: أن رؤيا الأنبياء حق ووحي. # وإلى هذا ذهب «1» معاوية «2» وحكي «3» عن الحسن «4» ، والمشهور عنه خلافه ~~وإليه أشار محمد بن اسحق «5» . PageV01P359 # وحجتهم قوله تعالى «وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس «1» » . # وما «2» حكوا عن عائشة «3» رضي الله عنها: # ما فقدت «4» جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم: # وقوله: «بينا أنا نائم» . # وقول أنس «5» : وهو نائم في المسجد الحرام. وذكر القصة ثم قال في آخرها: ~~فاستيقظت وأنا بالمسجد الحرام.. # وذهب معظم السلف والمسلمين: إلى أنه إسراء بالجسد وفي اليقظة. # وهذا هو الحق.. وهو قول ابن عباس «6» - وجابر «7» - وأنس «8» - وحذيفة ~~«9» - وعمر ms086 «10» - وأبي هريرة «11» - ومالك PageV01P360 # بن صعصعة «1» - وأبي حبة «2» البدري- وابن مسعود «3» - والضحاك «4» - ~~وسعيد بن جبير «5» - وقتادة «6» - وابن المسيب «7» - وابن شهاب «8» - وابن ~~زيد «9» - والحسن «10» - وإبراهيم «11» - ومسروق «12» ومجاهد «13» - وعكرمة ~~«14» - وبن جريج «15» . # وهو دليل قول عائشة «16» . وهو قول الطبرى «17» - وابن PageV01P361 # حنبل «1» - وجماعة عظيمة من المسلمين. # وهو قول أكثر المتأخرين من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين، والمفسرين. # وقالت طائفة: كان الإسراء بالجسد يقظة من المسجد الحرام إلى بيت المقدس، ~~وإلى السماء بالروح. # واحتجوا بقوله تعالى: «سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى ~~المسجد الأقصى «2» » . # فجعل «إلى المسجد الأقصى» غاية الإسراء الذي وقع التعجب فيه بعظيم القدرة ~~والتمدح بتشريف النبي محمد صلى الله عليه وسلم به وإظهار الكرامة له ~~بالإسراء إليه. # قال هؤلاء: ولو كان الإسراء بجسده الى زائد المسجد الأقصى لذكره، فيكون ~~أبلغ في المدح. # ثم اختلفت هذه الفرقة: هل صلى ببيت المقدس؟! أم لا ففي حديث أنس «3» ~~وغيره: ما تقدم من صلاته فيه. PageV01P362 # وأنكر ذلك «1» حذيفة «2» بن اليمان وقال: # «والله ما زالا عن ظهر البراق حتى رجعا» # قال القاضي وفقه الله: والحق من هذا والصحيح إن شاء الله إنه إسراء ~~بالجسد والروح في القصة كلها، وعليه تدل الآية وصحيح الأخبار والاعتبار. # - ولا يعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند الاستحالة، وليس في ~~الإسراء بجسده وحال يقظته استحالة. # - إذ لو كان مناما لقال: بروح عبده. ولم يقل بعبده، وقوله تعالى «ما زاغ ~~البصر وما طغى «3» » ولو كان مناما لما كانت فيه آية ولا معجزة ولما ~~استبعده الكفار ولا كذبوا فيه ولا ارتد به ضعفاء من أسلم وافتتنوا به إذ ~~مثل هذا من المنامات لا ينكر. # بل لم يكن ذلك منهم إلا وقد علموا أن خبره إنما كان عن جسمه وحال يقظته. # إلى ما ذكر في الحديث من ذكر صلاته بالأنبياء ببيت المقدس PageV01P363 # في رواية أنس، أو في السماء على ما روى غيره، وذكر مجيء جبريل له بالبراق ~~وخبر المعراج، واستفتاح السماء، فيقال: من معك؟ .. # فيقول: محمد ... ولقائه الأنبياء فيها، وخبرهم معه، وترحيبهم به، وشأنه ~~في ms087 فرض الصلاة، ومراجعته مع موسى في ذلك وفي بعض هذه الأخبار «فأخذ- يعني ~~جبريل بيدي فعرج بي إلى السماء» إلى قوله «ثم عرج بي حتى ظهرت بمستوى أسمع ~~فيه صريف الأقلام» وأنه وصل إلى سدرة المنتهى، وأنه دخل الجنة ورأى فيها ما ~~ذكره. # قال «1» ابن عباس «2» : «هي رؤيا عين رآها صلى الله عليه وسلم لا رؤيا ~~منام» . # وعن «3» الحسن «4» فيه «بينا أنا نائم في الحجر جاءني جبريل فهمزني «5» ~~بعقبه فقمث فجلست فلم أر شيئا فعدت لمضجعي- ذكر ذلك ثلاثا- PageV01P364 # فقال في الثالثة: «فأخذ بعضدي فجرني إلى باب المسجد، فإذا بدابة.. وذكر ~~خبر البراق.. # وعن «1» أم هانيء «2» : ما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو ~~في بيتي تلك الليلة. صلى العشاء الآخرة ونام بيننا، فلما كان قبيل الفجر ~~أهبنا «3» رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما صلى الصبح وصلينا. # قال «يا أم هانيء.. لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي. ~~ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه. ثم صليت الغداة معكم الآن كما ترون..» # وهذا بين في أنه بجسده.. # وعن «4» أبي بكر «5» من رواية شداد «6» بن أوس عنه أنه قال للنبي صلى ~~الله عليه وسلم ليلة أسري به: # «طلبتك يا رسول الله البارحة في مكانك فلم أجدك» .. PageV01P365 # فأجابه «إن جبريل عليه السلام حملني إلى المسجد الأقصى. # وعن «1» عمر «2» رضي الله عنه قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صليت ليلة أسري بي في مقدم المسجد ثم ~~دخلت الصخرة فإذا بملك قائم معه آنية ثلاث. وذكر الحديث. # وهذه التصريحات ظاهرة غير مستحيلة فتحمل على ظاهرها. # وعن «3» أبي ذر «4» عنه صلى الله عليه وسلم: «فرج «5» سقف بيتي وأنا بمكة ~~فنزل جبريل فشرح صدري، ثم غسله بماء زمزم.. إلى آخر القصة ثم أخذ بيدي فعرج ~~بي.. # وعن أنس «6» «أتيت فانطلقوا بي إلى زمزم، فشرح عن صدري» . # وعن «7» أبي هريرة «8» عنه «لقد رأيتني في الحجر وقريش تسألني ~~PageV01P366 # عن مسراي.. فسألتني عن أشياء لم أثبتها فكربت كربا ما كربت مثله قط.. ~~فرفعه الله لي أنظر ms088 إليه» . # ونحوه «1» عن جابر «2» .. # وقد روى عمر بن «3» الخطاب رضي الله عنه في حديث الإسراء عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # «ثم رجعت إلى خديجة وما تحولت عن جانبها» . PageV01P367 ### ||| الفصل الرابع إبطال الحجج في إبطال حجج من قال: إنها نوم # احتجوا بقوله تعالى: «وما جعلنا الرؤيا التي أريناك «1» » فسماها رؤيا.. # قلنا: قوله: «سبحان الذي أسرى بعبده «2» » يرده لأنه لا يقال في النوم ~~«أسرى» . # وقوله: فتنة للناس» يؤيد أنها رؤيا عين وإسراء بشخص إذ ليس في الحلم «3» ~~فتنة، ولا يكذب به أحد، لأن كل أحد يرى مثل ذلك في منامه من الكون في ساعة ~~واحدة في أقطار متباينة. # على أن المفسرين قد اختلفوا في هذه الآية. # فذهب بعضهم «إلى أنها نزلت في قضية الحديبية، وما وقع في نفوس الناس من ~~ذلك. PageV01P368 # وقيل: غير هذا # وأما قولهم: إنه قد سماها في الحديث مناما # وقوله في حديث آخر: «بين النائم واليقظان» وقوله أيضا: «وهو نائم» # وقوله: «ثم استيقظت» ... فلا حجة فيه ... إذ قد يحتمل أن أول وصول الملك ~~إليه كان وهو نائم. أو: أول حمله والإسراء به وهو نائم وليس في الحديث أنه ~~كان نائما في القصة كلها إلا ما يدل عليه قوله: «ثم استيقظت وأنا في المسجد ~~الحرام» . # فلعل قوله: «استيقظت» بمعنى أصبحت، أو استيقظ من نوم آخر بعد وصوله بيته. ~~ويدل عليه أن مسراه لم يكن طول ليله، وإنما كان في بعضه. # وقد يكون قوله: «استيقظت وأنا في المسجد الحرام» لما كان غمره من عجائب ~~ما طالع من ملكوت السماوات والأرض. وخامر باطنه من مشاهدة الملأ الأعلى، ~~وما رأى من آيات ربه الكبرى، فلم يستفق، ويرجع إلى حال البشرية إلا وهو ~~بالمسجد الحرام. # PageV01P369 # ووجه ثالث: أن يكون نومه واستيقاظه حقيقة على مقتضى لفظه، ولكنه أسري ~~بجسده وقلبه حاضر ورؤيا الأنبياء حق، تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم. # وقد مال بعض أصحاب الإشارات إلى نحو من هذا قال: تغميض عينيه لئلا يشغله ~~شيء من المحسوسات عن الله تعالى ... ولا يصح هذا أن ms089 يكون في وقت صلاته ~~بالأنبياء ولعله كانت له في هذا الإسراء حالات. # ووجه رابع: وهو أن يعبر بالنوم ههنا عن هيئة النائم من الاضطجاع ... ~~ويقويه قوله في رواية عبد «1» بن حميد عن همام «2» : # «بينا أنا نائم» - وربما قال- مضطجع وقوله في الرواية الأخرى «بين النائم ~~واليقظان» فيكون سمى هيئته بالنوم لما كانت هيئة النائم غالبا. # وذهب بعضهم: إلى أن هذه الزيادات من النوم، وذكر شق PageV01P370 # البطن ودنو الرب عز وجل الواقعة في هذا الحديث، إنما هي من رواية شريك ~~«1» عن أنس «2» فهي منكرة «3» من روايته. # إذ شق البطن في الأحاديث الصحيحة إنما كان في صغره صلى الله عليه وسلم. # ولأنه قال في الحديث: «قبل أن يبعث» والإسراء بالإجماع كان بعد المبعث. ~~فهذا كله يوهن ما وقع في رواية أنس «4» مع أن أنسا قد بين من غير طريق أنه ~~إنما رواه عن غيره، وأنه لم يسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم. # فقال مرة: «عن مالك «5» بن صعصعة» # وفي كتاب مسلم: «لعله عن مالك بن صعصعة» على الشك PageV01P371 # وقال مرة: «كان أبو ذر «1» يحدث» «2» # وأما قول «3» عائشة «4» : «ما فقدت جسده» فعائشة لم تحدث به عن مشاهدة، ~~لأنها لم تكن حينئذ زوجه، ولا في سن من يضبط ولعلها لم تكن ولدت بعد. على ~~الخلاف في الإسراء متى كان. # - فإن الإسراء كان في أول الإسلام على قول الزهري «5» ومن وافقه بعد ~~المبعث بعام ونصف وكانت عائشة «6» في الهجرة بنت نحو ثمانية أعوام. # وقد قيل: كان الإسراء لخمس قبل الهجرة. # وقيل: قبل الهجرة بعام. # والأشبه: أنه لخمس. # والحجة لذلك: تطول.. ليست من غرضنا فإذا لم تشاهد ذلك عائشة دل على أنها ~~حدثت بذلك عن غيرها، فلم يرجح خبرها على خبر غيرها. PageV01P372 # وغيرها يقول خلافه مما وقع نصا في حديث أم هانيء «1» وغيره وأيضا فليس ~~حديث عائشة رضي الله عنها بالثابت والأحاديث الأخر أثبت، لسنا نعني حديث أم ~~هانيء، وما ذكرت فيه خديجة «2» وأيضا فقد روي في حديث عائشة «ما فقدت» ولم ~~يدخل بها النبي صلى ms090 الله عليه وسلم إلا بالمدينة، وكل هذا يوهنه. # بل الذي يدل عليه صحيح قولها إنه بجسده لإنكارها أن تكون رؤياه لربه رؤيا ~~عين، ولو كانت عندها مناما لم تنكره.. # فإن قيل: فقد قال تعالى: «ما كذب الفؤاد ما رأى «3» » فقد جعل «ما رآه» ~~للقلب، وهذا يدل على أنه رؤيا نوم ووحي، لا مشاهدة عين وحس. # قلنا: يقابله قوله تعالى: «ما زاغ البصر وما طغى «4» » فقد أضاف الأمر ~~للبصر. PageV01P373 # وقد قال أهل التفسير في قوله تعالى: «ما كذب الفؤاد ما رأى» أي لم يوهم ~~القلب العين غير الحقيقة، بل صدق رؤيتها. # وقيل: ما أنكر قلبه ما رأته عيناه.. # PageV01P374 ### ||| الفصل الخامس رؤيته لربه # وأما رؤيته صلى الله عليه وسلم لربه جل وعز فاختلف السلف «1» فيها، ~~فأنكرته عائشة «2» رضي الله عنها.. # عن مسروق «3» أنه قال لعائشة رضي الله عنها: يا أم المؤمنين.. # هل رأى محمد ربه؟ .. # فقالت «4» : «لقد قف «5» شعري مما قلت.. ثلاث من حدثك بهن فقد كذب. # من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب ثم قرأت: «لا تدركه PageV01P375 # الأبصار «1» ..» الآية وذكر الحديث. # وقال جماعة بقول عائشة رضي الله عنها وهو المشهور «2» عن ابن مسعود «3» ~~ومثله عن أبي «4» هريرة أنه قال: إنما رأى جبريل.» # واختلف عنه «5» وقال بإنكار هذا وامتناع رؤيته في الدنيا جماعة من ~~المحدثين والفقهاء والمتكلمين. # وعن ابن عباس «6» رضي الله عنهما: «أنه رآه بعينه «7» » . # وروى عطاء «8» عنه: «أنه رآه بقلبه» . # وعن أبي العالية «9» عنه: رآه بفؤاده مرتين «10» » . # وذكر «11» ابن إسحق «12» : أن ابن «13» عمر أرسل إلى ابن PageV01P376 # عباس رضي الله عنهما يسأله: هل رأى محمد ربه. # فقال: نعم.. # والأشهر عنه: أنه رأى ربه بعينه روي ذلك عنه من طرق. # وقال «1» : إن الله تعالى اختص موسى بالكلام، وإبراهيم بالخلة «2» ، ~~ومحمدا بالرؤية. # وحجته قوله تعالى: «ما كذب الفؤاد ما رأى، أفتمارونه على ما يرى، ولقد ~~رآه نزلة أخرى «3» » . # قال الماوردي «4» : قيل: «إن الله تعالى قسم كلامه ورؤيته بين موسى ومحمد ~~صلى الله عليه وسلم، فرآه محمد مرتين وكلمه موسى مرتين «5» » . # وحكى أبو ms091 الفتح الرازي «6» ، وأبو الليث «7» السمرقندي PageV01P377 # الحكاية عن كعب «1» وروى «2» عبد الله «3» بن الحارث قال: # «اجتمع ابن عباس وكعب، فقال ابن عباس: أما نحن بنو هاشم فنقول: إن محمدا ~~قد رأى ربه مرتين» .. # فكبر كعب حتى جاوبته الجبال وقال: «إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد ~~وموسى فكلمه موسى ورآه محمد بقلبه» . # وروى شريك «4» عن أبي ذر «5» رضي الله عنه في تفسير الآية قال: # «رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه» . # وحكى «6» السمرقندي عن محمد «7» بن كعب القرظي وربيع «8» بن أنس: «أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم سئل.. هل رأيت ربك؟ قال: رأيته بفؤادي ولم أره ~~بعيني» . PageV01P378 # وروى «1» مالك «2» بن يخامر عن معاذ «3» عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # «رأيت ربي. وذكر كلمة.. فقال: يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ .. الحديث ~~«4» . # وحكى عبد الرزاق «5» : أن الحسن «6» كان يحلف بالله، لقد رأى محمد ربه ~~وحكاه أبو عمر الطلمنكي «7» عن عكرمة «8» . # وحكى بعض المتكلمين هذا المذهب عن ابن مسعود «9» . PageV01P379 # وحكى ابن إسحق «1» : أن مروان «2» سأل أبا هريرة «3» . # «هل رأى محمد ربه» ؟ فقال: نعم.. # وحكى النقاش «4» عن أحمد بن «5» حنبل أنه قال: «أنا أقول بحديث ابن عباس ~~بعينيه رآه رآه..» حتى انقطع نفسه- يعني نفس أحمد.. # وقال أبو عمرو «6» : قال أحمد بن حنبل: «رآه بقلبه» وجبن عن القول برؤيته ~~في الدنيا بالأبصار. # وقال سعيد «7» بن جبير: «لا أقول رآه ولا لم يره» . # وقد اختلف في تأويل الآية عن ابن عباس «8» وعكرمة والحسن «9» وابن مسعود. ~~PageV01P380 # فحكي عن ابن عباس وعكرمة: «رآه بقلبه» . # وعن الحسن وابن مسعود: «رأى جبريل» . # وحكى عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: أنه قال: رآه وعن ابن عطاء في ~~قوله تعالى: «ألم نشرح لك صدرك «1» » قال: «شرح صدره للرؤية، وشرح صدر موسى ~~للكلام» . # وقال أبو الحسن «2» علي بن إسماعيل الأشعري رضي الله عنه وجماعة من ~~أصحابه: # أنه رأى الله تعالى ببصره وعيني رأسه وقال: كل آية أوتيها نبي من ~~الأنبياء عليهم السلام فقد أوتي مثلها نبينا صلى الله عليه وسلم ms092 وخص من ~~بينهم بتفضيل الرؤية. # ووقف بعض مشايخنا في هذا وقال: ليس عليه دليل واضح ولكنه جائز أن يكون. # قال القاضي أبو الفضل وفقه الله: «والحق الذي لا امتراء PageV01P381 # فيه أن رؤيته تعالى في الدنيا جائزة عقلا. وليس في العقل ما يحيلها» . # والدليل على جوازها في الدنيا سؤال موسى عليه السلام لها. # ومحال أن يجهل نبي ما يجوز على الله وما لا يجوز عليه.. بل لم يسأل إلا ~~جائزا غير مستحيل. # ولكن وقوعه ومشاهدته من الغيب الذي لا يعلمه إلا من علمه الله. # فقال له تعالى: «لن تراني «1» » أي لن تطيق ولا تحتمل رؤيتي، ثم ضرب له ~~مثلا مما هو أقوى من نبيه موسى، وأثبت وهو الجبل.. وكل هذا ليس فيه ما يحيل ~~رؤيته في الدنيا بل فيه جوازها على الجملة. # وليس في الشرع دليل قاطع على استحالتها ولا امتناعها.. # إذ كل موجود فرؤيته جائزة غير مستحيلة.. # ولا حجة لمن استدل على منعها بقوله تعالى: «لا تدركه الأبصار «2» » ~~لاختلاف التأويلات في الآية.. وإذ ليس يقتضي PageV01P382 # قول من قال في الدنيا الاستحالة.. # وقد استدل بعضهم بهذه الآية نفسها على جواز الرؤية وعدم استحالتها على ~~الجملة. # وقد قيل: لا تدركه أبصار الكفار. # وقيل: لا تدركه الأبصار. لا تحيط به. وهو قول ابن عباس وقد قيل: لا تدركه ~~الأبصار وإنما يدركه المبصرون. # وكل هذه التأويلات لا تقتضي منع الرؤية ولا استحالتها. # وكذلك لا حجة لهم بقوله تعالى: «لن تراني «1» » . # وقوله: «تبت إليك «2» » لما قدمناه، ولأنها ليست على العموم، ولأن من ~~قال: معناها لن تراني في الدنيا، إنما هو تأويل. # وأيضا فليس فيه نص الامتناع. # وإنما جاءت في حق موسى. # وحيث تتطرق التأويلات، وتتسلط الاحتمالات، فليس للقطع PageV01P383 # إليه سبيل وقوله «تبت إليك» أي من سؤالي ما لم تقدره لي.. # وقد قال أبو «1» بكر الهذلي في قوله: «لن تراني» أي ليس لبشر أن يطيق أن ~~ينظر إلي في الدنيا، وأنه من نظر إلي مات # وقد رأيت لبعض السلف والمتأخرين ما معناه: أن رؤيته تعالى في ms093 الدنيا ~~ممتنعة، لضعف تركيب أهل الدنيا وقواهم، وكونها متغيرة عرضا للآفات والفناء، ~~فلم تكن لهم قوة على الرؤية. # فإذا كان في الآخرة، وركبوا تركيبا آخر ورزقوا قوى ثابتة باقية، وأتم ~~أنوار أبصارهم وقلوبهم قووا بها على الرؤية.. # وقد رأيت نحو هذا لمالك «2» بن أنس رحمه الله قال: لم يرفي الدنيا لأنه ~~باق، ولا يرى الباقي بالفاني، فإذا كان في الآخرة ورزقوا أبصارا باقية رؤي ~~الباقي بالباقي. # وهذا كلام حسن مليح.. وليس فيه دليل على الاستحالة إلا من حيث ضعف ~~القدرة. # فإذا قوى الله تعالى من شاء من عباده، وأقدره على حمل أعباء PageV01P384 # الرؤية لم تمتنع في حقه، وقد تقدم ما ذكر في قوة بصر موسى ومحمد صلى الله ~~عليه وسلم. ونفوذ إدراكهما بقوة إلهية منحاها لإدراك ما أدركاه ورؤية ما ~~رأياه.. والله أعلم. # وقد ذكر القاضي «1» أبو بكر في أثناء أجوبته عن الآيتين «2» ما معناه: إن ~~موسى عليه السلام رأى الله فلذلك خر صعقا. # وأن الجبل رأى ربه فصار دكا بإدراك خلقه الله له. # واستنبط ذلك- والله أعلم- من قوله «ولكن انظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه ~~فسوف تراني «3» » ثم قال «فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا «4» ~~» «5» وتجليه للجبل هو ظهوره له حتى رآه- على هذا القول.. # وقال جعفر «6» بن محمد: شغله بالجبل حتى تجلى- ولولا ذلك لمات صعقا بلا ~~إفاقة. PageV01P385 # وقوله هذا: يدل على أن موسى رآه. # وقد وقع لبعض المفسرين في «الجبل» أنه رآه # وبرؤية الجبل له استدل من قال برؤية محمد نبينا له إذ جعله دليلا على ~~الجواز. # - ولا مرية في الجواز.. إذ ليس في الآيات نص في المنع. # وأما وجوبه لنبينا صلى الله عليه وسلم والقول بأنه رآه بعينه.. فليس فيه ~~قاطع أيضا ولا نص.. # - إذ المعول فيه على آيتي النجم. والتنازع فيهما مأثور. # والاحتمال لهما ممكن ولا أثر قاطع متواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بذلك. # وحديث ابن عباس «1» : خبر عن اعتقاده لم يسنده إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيجب العمل باعتقاد مضمنه «2» . # ومثله ms094 حديث أبي ذر في تفسير الآية. # وحديث معاذ «3» محتمل للتأويل «4» . وهو مضطرب الإسناد PageV01P386 # والمتن وحديث أبي ذر «1» الآخر مختلف، محتمل، مشكل، فروي «2» «نور أنى ~~«3» أراه» # وحكى بعض شيوخنا أنه روي «نوراني أراه» . # وفي حديثه «4» الآخر.. سألته فقال: رأيت نورا. # وليس يمكن الاحتجاج بواحد منها على صحة الرؤية.. # فإن كان الصحيح «رأيت نورا» فهو قد أخبر أنه لم ير الله تعالى.. وإنما ~~رأى نورا منعه وحجبه عن رؤية الله تعالى. # وإلى هذا يرجع قوله: «نور أنى أراه» أي كيف أراه مع حجاب النور المغشي ~~للبصر.. # وهذا مثل ما في الحديث «5» الآخر «حجابه النور» . # وفي الحديث الآخر «6» : «لم أره بعيني.. ولكن رأيته PageV01P387 # بقلبي مرتين» وتلا: «ثم دنا فتدلى «1» » .. # والله تعالى قادر على خلق الإدراك الذي في البصر في القلب.. # أو كيف شاء لا إله غيره.. # فإن ورد حديث نص بين في الباب اعتقد ووجب المصير إليه إذ لا استحالة فيه ~~ولا مانع قطعي يرده والله الموفق للصواب. PageV01P388 ### ||| الفصل السادس مناجاته لله تعالى # وأما ما ورد في هذه القصة من مناجاته لله تعالى وكلامه معه بقوله «فأوحى ~~إلى عبده ما أوحى # «1» إلى ما تضمنته الأحاديث. # فأكثر المفسرين على أن الموحي هو الله عز وجل إلى جبريل وجبريل إلى محمد ~~صلى الله عليه وسلم.. إلا شذوذا «2» منهم.. # فذكر عن جعفر «3» بن محمد الصادق قال: «أوحى إليه بلا واسطة» . # ونحوه عن الواسطي «4» .. PageV01P389 # وإلى هذا ذهب بعض المتكلمين: «أن محمدا كلم ربه في الإسراء» . # وحكي عن الأشعري «1» وحكوه عن ابن مسعود «2» وابن عباس «3» وأنكره آخرون. # وذكر النقاش «4» عن ابن عباس «5» في قصة الإسراء عنه صلى الله عليه وسلم ~~في قوله «دنا فتدلى «6» » . # قال «فارقني جبريل.. فانقطعت الأصوات عني فسمعت كلام ربي وهو يقول: ليهدأ ~~روعك يا محمد. ادن ادن. # وفي حديث أنس «7» في الإسراء «8» .. نحو منه.. # وقد احتجوا في هذا بقوله تعالى: «وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو ~~من وراء حجاب، أو يرسل رسولا PageV01P390 # فيوحي بإذنه ما يشاء «1» » ! # فقالوا: هي ثلاثة أقسام: # - من ms095 وراء حجاب كتكليم موسى. # - وبإرسال الملائكة، كحال جميع الأنبياء وأكثر أحوال نبينا صلى الله عليه ~~وسلم. # - الثالث قوله «إلا وحيا» ولم يبق من تقسيم صور الكلام إلا المشافهة مع ~~المشاهدة. # وقد قيل: «الوحي» هنا هو ما يلقيه في قلب النبي دون واسطة. # وقد ذكر أبو بكر «2» البزار عن علي «3» في حديث الإسراء ما هو أوضح في ~~سماع النبي صلى الله عليه وسلم لكلام الله من الآية فذكر فيه: # فقال الملك «4» .. الله أكبر الله أكبر.. فقيل لي من وراء الحجاب: صدق ~~عبدي أنا أكبر أنا أكبر.. وقال في سائر كلمات الأذان مثل ذلك. PageV01P391 # ويجيء الكلام في مشكل هذين الحديثين في الفصل بعد هذا مع ما يشبهه، وفي ~~أول فصل من الباب منه # - وكلام الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم، ومن اختصه من أنبيائه جائز ~~غير ممتنع عقلا، ولا ورد في الشرع قاطع يمنعه. # فإن صح في ذلك خبر اعتمد عليه. # وكلامه تعالى لموسى كائن حق مقطوع به، نص ذلك في الكتاب وأكده بالمصدر ~~دلالة على الحقيقة، ورفع مكانه على ما ورد في الحديث في السماء السابعة «1» ~~بسبب كلامه.. ورفع محمدا فوق هذا كله، حتى بلغ مستوى وسمع صريف الأقلام.. # فكيف يستحيل في حق هذا، أو يبعد سماع الكلام فسبحان من خص من شاء بما ~~شاء، وجعل بعضهم فوق بعض درجات.. PageV01P392 ### ||| الفصل السابع الدنو والقرب # وأما ما ورد في حديث الإسراء، وظاهر الآية من الدنو والقرب من قوله: «دنا ~~فتدلى «1» فكان قاب قوسين أو أدنى «2» » # فأكثر المفسرين: أن الدنو والتدلي منقسم ما بين محمد وجبريل عليهما ~~السلام.. # أو مختص بأحدهما من الآخر.. # أو من سدرة المنتهى. # قال «3» الرازي «4» وقال ابن عباس «5» هو محمد دنا فتدلى من ربه ~~PageV01P393 # وقيل: معنى «دنا» قرب و «تدلى» زاد في القرب. # وقيل: هما بمعنى واحد أي قرب. # وحكى مكي «1» والماوردي «2» عن «3» ابن عباس «4» هو الرب دنا من محمد ~~فتدلى إليه.. أي أمره وحكمه.. # وحكى النقاش «5» عن الحسن «6» قال: «دنا» من عبده محمد صلى الله عليه ~~وسلم ms096 «فتدلى» فقرب منه، فأراه ما شاء أن يريه من قدرته وعظمته.. # قال «7» .. وقال ابن عباس «8» : هو مقدم ومؤخر.. تدلى الرفرف «9» لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج فجلس عليه ثم رفع فدنا من ربه.. # قال: «فارقني جبريل، وانقطعت عني الأصوات وسمعت كلام ربي عز وجل» . ~~PageV01P394 # وعن «1» أنس «2» في الصحيح: «عرج بي جبريل إلى سدرة المنتهى، ودنا الجبار ~~رب العزة فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إليه بما شاء.. ~~وأوحى إليه خمسين صلاة «3» .. # وذكر حديث الإسراء.. # وعن محمد بن كعب «4» : هو محمد دنا من ربه فكان قاب قوسين. # وقال جعفر «5» بن محمد: أدناه ربه منه حتى كان منه كقاب قوسين وقال جعفر ~~بن محمد: والدنو من الله لا حد له، ومن العباد بالحدود.. # وقال أيضا: انقطعت الكيفية عن الدنو.. ألا ترى كيف حجب جبريل عن دنوه، ~~ودنا محمد إلى ما أودع قلبه من المعرفة والإيمان، فتدلى بسكون قلبه إلى ما ~~أدناه، وزال عن قلبه الشك والارتياب. PageV01P395 # قال القاضي أبو الفضل وفقه الله: اعلم أن ما وقع من إضافة الدنو والقرب ~~هنا من الله، أو إلى الله، فليس بدنو مكان، ولا قرب مدى.. بل كما ذكرنا عن ~~جعفر بن محمد الصادق ليس بدنو حد.. وإنما دنو النبي صلى الله عليه وسلم من ~~ربه، وقربه منه، إبانة «1» عظيم منزلته، وشريف رتبته، وإشراق أنوار معرفته، ~~ومشاهدة أسرار غيبه وقدرته.. ومن الله تعالى له مبرة وتأنيس وبسط وإكرام. # «يتأول فيه ما يتأول في قوله «2» . «ينزل ربنا إلى سماء الدنيا» على أحد ~~الوجوه نزول إفضال «3» وإجمال «4» ، وقبول وإحسان. # قال الواسطي «5» : من توهم أنه بنفسه دنا، جعل ثم مسافة بل كل ما دنا ~~بنفسه من الحق تدلى بعدا، يعني عن درك حقيقته. # إذ لا دنو للحق ولا بعد. # وقوله «قاب قوسين أو أدنى «6» » . PageV01P396 # فمن جعل الضمير عائدا إلى الله تعالى لا إلى جبريل على هذا كان عبارة عن ~~نهاية القرب، ولطف المحل، وإيضاح المعرفة، والإشراف على الحقيقة من محمد ~~صلى الله عليه وسلم. # وعبارة ms097 عن إجابة الرغبة، وقضاء المطالب وإظهار التحفي.. # وإنافة «1» المنزلة والرتبة من الله له. # ويتأول فيه ما يتأول في قوله «2» «من تقرب مني شبرا، تقربت منه ذراعا، ~~ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» .. # قرب بالإجابة والقبول.. # وإتيان بالإحسان وتعجيل المأمول. PageV01P397 ### ||| الفصل الثامن تفضيله يوم القيامة في ذكر تفضيله في القيامة بخصوص الكرامة # عن «1» أنس «2» قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا أول الناس ~~خروجا إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا وفدوا، وأنا مبشرهم إذا أيسوا.. لواء ~~الحمد بيدي.. وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر. # وفي رواية ابن زحر «3» عن الربيع «4» بن أنس في لفظ هذا الحديث «5» : أنا ~~أول الناس خروجا إذا بعثوا.. وأنا قائدهم PageV01P398 # إذا وفدوا.. وأنا خطيبهم إذا أنصتوا.. وأنا شفيعهم إذا حبسوا.. وأنا ~~مبشرهم إذا أبلسوا.. لواء الكرم بيدي.. # وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر.. ويطوف علي ألف خادم كأنهم لؤلؤ ~~مكنون. # وعن «1» أبي هريرة «2» رضي الله عنه: وأكسى حلة من حلل الجنة.. ثم أقوم ~~عن يمين العرش.. ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري. # وعن أبي «3» سعيد «4» الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # أنا سيد ولد آدم يوم القيامة.. وبيدي لواء الحمد ولا فخر.. # وما نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي.. وأول من تنشق عنه الأرض ولا ~~فخر.. # وعن «5» أبي هريرة «6» عنه صلى الله عليه وسلم: «أنا سيد ولد آدم يوم ~~القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع. PageV01P399 # وعن «1» ابن عباس «2» رضي الله عنهما: «أنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ~~ولا فخر، وأنا أول شافع، وأول مشفع، ولا فخر.. وأنا أول من يحرك حلق الجنة ~~فيفتح لي فأدخلها فيدخل معي فقراء المؤمنين، ولا فخر. وأنا أكرم الأولين ~~والآخرين، ولا فخر» . # وعن أنس «3» «أنا أول الناس يشفع في الجنة، وأنا أكثر الناس تبعا» .. # وعن «4» أنس «5» رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا سيد ~~الناس يوم القيامة.. وتدرون لم ذلك؟ .. يجمع الله الأولين والآخرين» ms098 .. ~~وذكر حديث الشفاعة.. # وعن «6» أبي هريرة «7» رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: «أطمع ~~أن أكون أعظم الأنبياء أجرا يوم القيامة» . PageV01P400 # وفي حديث «1» آخر: «أما ترضون أن يكون إبراهيم وعيسى فيكم يوم القيامة.. ~~ثم قال: إنهما في أمتي يوم القيامة.. أما إبراهيم فيقول: أنت دعوتي وذريتي ~~فاجعلني من أمتك.. وأما عيسى فالأنبياء إخوة بنو علات «2» أمهاتهم شتى.. ~~وإن عيسى أخي ليس بيني وبينه نبي وأنا أولى الناس به» . # قوله: «أنا سيد الناس يوم القيامة» هو سيدهم في الدنيا ويوم القيامة، ~~ولكن أشار صلى الله عليه وسلم لانفراده فيه بالسؤدد والشفاعة دون غيره، إذ ~~لجأ الناس إليه في ذلك فلم يجدوا سواه، «والسيد» هو الذي يلجأ الناس إليه ~~في حوائجهم.. فكان حينئذ سيدا منفردا من بين البشر، لم يزاحمه أحد في ذلك ~~ولا ادعاه.. # كما قال تعالى: «لمن الملك اليوم؟. لله الواحد القهار «3» » والملك له ~~تعالى في الدنيا والآخرة.. لكن في الآخرة، انقطعت دعوى المدعين لذلك في ~~الدنيا. وكذلك لجأ إلى محمد صلى الله عليه وسلم جميع PageV01P401 # الناس في الشفاعة فكان سيدهم في الأخرى دون دعوى. # وعن «1» أنس «2» رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم، «آتي ~~باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن من أنت؟ فأقول: # محمد فيقول: بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك. # وعن «3» عبد الله بن «4» عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # «حوضي مسيرة شهر، وزواياه «5» سواء وماؤه أبيض «6» من الورق «7» ، وريحه ~~أطيب من المسك، كيزانه «8» ، كنجوم السماء، من شرب منه لم يظمأ أبدا» .. ~~PageV01P402 # وعن «1» أبي ذر «2» نحوه وقال: «طوله ما بين عمان إلى أيلة «3» يشخب «4» ~~فيه ميزابان «5» من الجنة. # وعن «6» ثوبان «7» مثله، وقال: «أحدهما من ذهب والآخر من ورق» . # وفي رواية «8» حارثة «9» بن وهب: «كما بين المدينة وصنعاء» . # وقال أنس «10» «أيلة وصنعاء» . PageV01P403 # وقال «1» ابن عمر «2» «كما بين الكوفة والحجر الأسود» # وروى حديث الحوض أيضا أنس «3» ، وجابر بن سمرة «4» ، وابن عمر «5» ، ~~وعقبة «6» بن عامر، وحارثة «7» بن وهب الخزاعي، والمستورد «8» ، وأبو ms099 بزرة ~~«9» الأسلمي، وحذيفة «10» بن اليمان، وأبو أمامة «11» ، وزيد «12» بن أرقم، ~~وابن مسعود «13» ، وعبد الله «14» PageV01P404 # بن زيد، وسهل «1» بن سعد، وسويد «2» بن جبلة، وأبو بكر «3» ، وعمر «4» بن ~~الخطاب، وابن بريدة «5» ، وأبو سعيد الخدري «6» ، وعبد الله «7» الصنابحي، ~~وأبو هريرة «8» ، والبراء «9» ، وجندب «10» وعائشة «11» وأسماء «12» بنتا ~~أبي بكر، وأبو بكره «13» ، PageV01P405 # وخولة «1» بنت قيس ... وغيرهم [2] رضي الله عنهم أجمعين. PageV01P406 ### ||| الفصل التاسع في تفضيله بالمحبة والخلة # جاءت بذلك الآثار الصحيحة.. واختص على ألسنة المسلمين بحبيب الله.. # عن «1» أبي سعيد «2» عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لو كنت متخذا ~~خليلا «3» لا تخذت أبا بكر» . # وفي حديث آخر: «وإن صاحبكم خليل الله «4» » . # ومن «5» طريق عبد الله «6» بن مسعود: «وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا» . ~~PageV01P407 # وعن «1» ابن عباس «2» قال: جلس ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~ينتظرونه.. قال: # فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم.. # فقال بعضهم: عجبا.. إن الله اتخذ إبراهيم من خلقه خليلا.. # وقال آخر: «ماذا «3» بأعجب من كلام موسى.. كلمه الله تكليما» . # وقال آخر: «فعيسى كلمة الله وروحه» . # وقال آخر: «آدم اصطفاه الله» . # فخرج عليهم فسلم، وقال: «قد سمعت كلامكم وعجبكم، أن الله تعالى اتخذ ~~إبراهيم خليلا، وهو كذلك، وموسى نجي الله، وهو كذلك، وعيسى روح الله، وهو ~~كذلك، وآدم اصطفاه الله.. وهو كذلك.. ألا وأنا حبيب الله ولا فخر.. وأنا ~~حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر.. ~~وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله PageV01P408 # لي فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين ~~ولا فخر» .. # وفي حديث «1» أبي هريرة «2» رضي الله عنه «من «3» قول الله تعالى لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم: إني اتخذتك خليلا.. فهو مكتوب في التوراة. # أسب «4» حبيب الرحمن» . # قال القاضي أبو الفضل وفقه الله: اختلف في تفسير «الخلة» وأصل اشتقاقها. # فقيل: «الخليل» المنقطع إلى الله الذي ليس في انقطاعه إليه ومحبته له ~~اختلال. # وقيل: «الخليل» المختص «5» .. واختار هذا القول غير واحد # وقال بعضهم: أصل «الخلة «6» » الاستصفاء «7» .. وسمي ms100 PageV01P409 # إبراهيم «خليل الله» لأنه يوالي فيه ويعادي فيه.. وخلة الله له. # نصره وجعله إماما لمن بعده. # وقيل: «الخليل» أصله الفقير، المحتاج، المنقطع.. # مأخوذ من «الخلة «1» » وهي الحاجة.. فسمي بها إبراهيم لأنه قصر حاجته على ~~ربه، وانقطع إليه بهمه، ولم يجعله قبل غيره، إذ جاءه جبريل، وهو في ~~المنجنيق، ليرمى به في النار فقال: ألك حاجة؟. # قال: أما إليك فلا.. # وقال أبو بكر «2» بن فورك «الخلة» صفاء المودة التي توجب الاختصاص بتخلل ~~الأسرار.. # وقال بعضهم: أصل «الخلة» المحبة.. ومعناها الإسعاف والإلطاف، والترفيع، ~~والتشفيع.. # وقد بين ذلك في كتابه تعالى بقوله: «وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء ~~الله وأحباؤه.. قل: فلم يعذبكم بذنوبكم؟!. «3» » # فأوجب للمحبوب.. أن لا يؤاخذ بذنوبه.. PageV01P410 # قال: هذا والخلة أقوى من البنوة.. لأن البنوة قد تكون فيها العداوة. # كا قال تعالى: «إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم «1» » الآية.. # ولا يصح أن تكون عداوة مع خلة.. فإذا.. تسمية إبراهيم، ومحمد عليهما ~~السلام- «بالخلة» إما بانقطاعهما إلى الله، ووقف حوائجهما عليه، والانقطاع ~~عمن دونه، والإضراب عن الوسائط والأسباب. # - أو لزيادة الاختصاص منه تعالى لهما وخفي ألطافه عندهما، وما خالل ~~بواطنهما من أسرار إلهيته، ومكنون غيوبه ومعرفته. # - أو لاستصفائه لهما، واستصفاء قلوبهما عمن سواه، حتى لم يخاللهما حب ~~لغيره.. # ولهذا قال بعضهم: «الخليل» من لا يتسع قلبه لسواه.. # وهو عندهم معنى قوله صلى الله عليه وسلم «2» : «لو كنت متخذا خليلا ~~PageV01P411 # لا تخذت أبا بكر «1» خليلا لكن أخوة الإسلام» . # واختلف العلماء أرباب القلوب «أيهما أرفع درجة.. الخلة أو درجة المحبه» ~~.. # فجعلها بعضهم: «سواء فلا يكون الحبيب إلا خليلا ولا الخليل إلا حبيبا.. ~~لكنه خص إبراهيم بالخلة ومحمدا بالمحبة» . # وبعضهم قال: «درجة الخلة أرفع.. واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم: # «لو كنت متخذا خليلا غير ربي عز وجل» فلم يتخذه.. وقد أطلق المحبة لفاطمة ~~«2» وابنيها وأسامة «3» وغيرهم.. # وأكثرهم: جعل المحبة أرفع من الخلة لأن درجة الحبيب نبينا أرفع من درجة ~~الخليل إبراهيم. # وأصل المحبة الميل إلى ما يوافق المحب «4» .. ولكن هذا PageV01P412 # في حق من يصح ms101 الميل منه، والانتفاع بالوفق «1» وهي درجة المخلوق.. فأما ~~الخالق فمنزه عن الأغراض. # - فمحبته لعبده تمكينه من سعادته، وعصمته وتوفيقه، وتهيئة أسباب القرب، ~~وإفاضة رحمته عليه.. وقصواها كشف الحجب عن قلبه، حتى يراه بقلبه، وينظر ~~إليه ببصيرته فيكون كما قال في الحديث «2» . # «فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ~~ينطق به» ولا ينبغي أن يفهم من هذا سوى التجرد لله والانقطاع إلى الله، ~~والإعراض عن غير الله. وصفاء القلب لله، وإخلاص الحركات لله. # كما قالت عائشة «3» رضي الله عنها: «كان خلقه القرآن.. # برضاه يرضى. وبسخطه يسخط» . # ومن هذا عبر بعضهم عن الخلة بقوله: PageV01P413 # قد تخللت مسلك الروح مني ... وبذا سمي الخليل خليلا # فإذا ما نطقت كنت حديثي ... وإذا ما سكت كنت الغليلا «1» # فإذا مزية الخلة وخصوصية المحبة حاصلة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ~~بما دلت عليه الآثار الصحيحة المنتشرة، المتلقاة بالقبول من الأمة. # وكفى بقوله تعالى: «قل إن كنتم تحبون الله ... «2» » الآية # حكى أهل التفسير: أن هذه الآية لما نزلت قال الكفار: # إنما يريد محمد أن نتخذه حنانا «3» كما اتخذت النصارى عيسى بن مريم. # فأنزل الله غيظا لهم، ورغما على مقالتهم هذه الآية: # «قل أطيعوا الله والرسول «4» » . # فزاده شرفا بأمرهم بطاعته، وقرنها بطاعته ثم توعدهم على التولي عنه. ~~PageV01P414 # بقوله: فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين «1» » . # وقد نقل الإمام أبو بكر «2» بن فورك عن بعض المتكلمين كلاما في الفرق بين ~~المحبة والخلة.. ونحن نذكر منه طرفا يهدي إلى ما بعده. # فمن ذلك قولهم: «الخليل» يصل بالواسطة.. من قوله: # «وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض «3» » : # «والحبيب» يصل إليه به من قوله: «فكان قاب قوسين أو أدنى «4» » . # وقيل: «الخليل» الذي تكون مغفرته في حد الطمع من قوله: # «والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي «5» » . # «والحبيب» الذي مغفرته في حد اليقين من قوله: # «ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر «6» » الآية PageV01P415 # «الخليل» قال: «ولا تخزني يوم يبعثون «1» » # «والحبيب» قيل له: «يوم لا يخزي الله النبي «2» » # فابتديء ms102 بالبشارة قبل السؤال. # «والخليل» قال يوم المحنة حسبي الله. # «والحبيب» قيل له «يا أيها النبي حسبك الله «3» » . # «والخليل» قال: «واجعل لي لسان صدق في الآخرين «4» » # «والحبيب» قيل له «ورفعنا لك ذكرك «5» » # أعطي بلا سؤال # «والخليل» قال «واجنبني وبني أن نعبد الأصنام «6» » # «والحبيب» قيل له «إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت «7» » . ~~PageV01P416 # وفيما ذكرناه تنبيه على مقصد أصحاب المقال من تفضيل المقامات والأحوال، و ~~«كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا «1» » . PageV01P417 ### ||| الفصل العاشر في تفضيله بالشفاعة والمقام المحمود # قال تعالى: «عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا «1» » . # عن آدم «2» بن علي قال: سمعت ابن عمر «3» يقول «4» : «إن الناس يصيرون ~~يوم القيامة جثى «5» . كل أمة تتبع نبيها يقولون: PageV01P418 # يا فلان اشفع لنا.. يا فلان اشفع لنا.. حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم.. فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود.» # وعن «1» أبي هريرة «2» : سئل عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم- يعني ~~قوله «عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا» . # فقال «هي الشفاعة» . # وروى كعب بن مالك «3» عنه صلى الله عليه وسلم «4» «يحشر الناس يوم ~~القيامة فأكون أنا وأمتي على تل، ويكسوني ربي حلة خضراء ثم يؤذن لي فأقول ~~ما شاء الله أن أقول.. فذلك المقام المحمود» . # وعن ابن عمر «5» رضي الله عنهما- وذكر حديث الشفاعة- قال: «فيمشي حتى ~~يأخذ بحلقة الجنة، فيومئذ يبعثه الله المقام المحمود الذي وعده» . # وعن ابن مسعود «6» عنه صلى الله عليه وسلم «7» «أنه قيامه عن يمين العرش ~~PageV01P419 # مقاما لا يقومه غيره يغبطه «1» فيه الأولون والآخرون» # ونحوه عن كعب «2» والحسن «3» . # وفي رواية «هو المقام الذي أشفع لأمتي فيه» . # وعن ابن مسعود «4» قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «5» : «إني ~~لقائم المقام المحمود.. قيل: وما هو؟ قال: ذلك يوم ينزل الله تبارك وتعالى ~~على «6» كرسيه.. الحديث» . # وعن أبي موسى «7» رضي الله عنه: عنه صلى الله عليه وسلم «8» «خيرت بين أن ~~يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة، فاخترت الشفاعة لأنها أعم أترونها ~~للمتقين؟ ولكنها للمذنبين الخطائين. PageV01P420 # وعن «1» أبي هريرة ms103 «2» رضي الله عنه قال: «قلت يا رسول الله.. # ماذا ورد عليك في الشفاعة فقال: شفاعتي لمن شهد أن لا إله إلا الله ~~مخلصا، يصدق لسانه قلبه» . # وعن أم حبيبة «3» قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «4» : «أريت ما ~~تلقى أمتي من بعدي.. وسفك بعضهم دماء بعض.. وسبق لهم من الله ما سبق للأمم ~~قبلهم.. فسألت الله أن يؤتيني شفاعة يوم القيامة فيهم.. ففعل» . # وقال «5» حذيفة «6» : يجمع الله الناس في صعيد «7» واحد حيث PageV01P421 # يسمعهم الداعي وينفذهم «1» البصر.. حفاة «2» عراة «3» كما خلقوا، سكوتا ~~لا تكلم نفس إلا بإذنه فينادى محمد.. فيقول: # لبيك «4» وسعديك والخير في يديك، والشر ليس إليك، والمهتدي من هديت، ~~وعبدك بين يديك ولك وإليك، ولا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك.. تباركت ~~وتعاليت.. سبحانك رب البيت» . # قال: فذلك المقام المحمود الذي ذكر الله. # وقال ابن عباس «5» رضي الله عنهما «6» . # إذا دخل أهل النار النار وأهل الجنة الجنة فيبقى آخر زمرة من الجنة وآخر ~~زمرة من النار.. فتقول زمرة النار لزمرة الجنة: PageV01P422 # ما نفعكم إيمانكم!! فيدعون ربهم ويضجون فيسمعهم أهل الجنة. # فيسألون آدم، وغيره بعده في الشفاعة لهم.. فكل يعتذر حتى يأتوا محمدا صلى ~~الله عليه وسلم فيشفع لهم. فذلك المقام المحمود.. # ونحوه «1» عن ابن مسعود «2» أيضا، ومجاهد «3» ، وذكره علي «4» بن الحسين ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم «5» .. # وقال «6» جابر «7» بن عبد الله ليزيد «8» الفقير: «سمعت بمقام محمد؟ - ~~يعني الذي يبعثه الله فيه- # قال: قلت: نعم.. قال: فإنه مقام محمد المحمود الذي يخرج الله به من يخرج- ~~يعني من النار- وذكر حديث الشفاعة في إخراج الجهنميين- PageV01P423 # وعن أنس «1» نحوه «2» وقال: فهذا المقام المحمود الذي وعده. # وفي رواية أنس «3» وأبي هريرة «4» وغيرهما- دخل حديث بعضهم في حديث بعض ~~«5» - قال صلى الله عليه وسلم «6» : «يجمع الله الأولين والآخرين يوم ~~القيامة فيهتمون- أو قال فيلهمون- فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا» . # ومن طريق آخر عنه: «ماج «7» الناس بعضهم في بعض» . # وعن «8» أبي هريرة «9» : «وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم ما لا يطيقون ~~ولا يحتملون، فيقولون: ألا تنظرون من يشفع لكم!! ms104 .. فيأتون آدم، فيقولون- ~~زاد بعضهم أنت آدم أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسكنك ~~جنته، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء- اشفع لنا عند ربك حتى يريحنا ~~من مكاننا.. ألا ترى ما نحن فيه!!! .. PageV01P424 # فيقول: إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله، ~~ونهاني عن الشجرة فعصيت.. نفسي.. # نفسي اذهبوا إلى غيري.. اذهبوا إلى نوح.. فيأتون نوحا، فيقولون: أنت أول ~~الرسل إلى أهل الأرض، وسماك الله عبدا شكورا ألا ترى ما نحن فيه!!! ألا ترى ~~ما بلغنا ألا تشفع لنا إلى ربك؟! فيقول: إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب ~~قبله مثله، ولا يغضب بعده مثله.. نفسي.. نفسي.. # قال في رواية أنس «1» : ويذكر خطيئته التي أصاب، سؤاله ربه بغير علم. # وفي رواية أبي هريرة «2» رضي الله عنه: وقد كانت لي دعوة دعوتها على ~~قومي.. اذهبوا إلى غيري.. اذهبوا إلى إبراهيم. # فإنه خليل الله. # فيأتون إبراهيم فيقولون: أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض.. اشفع لنا ~~إلى ربك.. ألا ترى ما نحن فيه؟!. # فيقول إن ربي قد غضب اليوم غضبا ... فذكر مثله.. PageV01P425 # ويذكر ثلاث كلمات كذبهن «1» - نفسي.. نفسي.. لست لها، ولكن عليكم بموسى ~~فإنه كليم الله. # وفي رواية: فإنه عبد آتاه الله التوراة، وكلمه، وقربه نجيا. # فيأتون موسى. فيقول: لست لها- ويذكر خطيئته «2» التي أصاب، وقتله «3» ~~النفس.. نفسي نفسي. ولكن عليكم بعيسى فإنه روح الله وكلمته.. فيأتون عيسى ~~فيقول: لست لها ولكن عليكم بمحمد. عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما ~~تأخر. # فأوتى فأقول: أنا لها.. فأنطلق فأستأذن على ربي فيؤذن لي.. # فإذا رأيته وقعت ساجدا. PageV01P426 # وفي رواية: فآتي تحت العرش فأخر ساجدا. # وفي رواية: فأقوم بين يديه فأحمده بمحامد لا أقدر عليها الا أنه يلهمنيها ~~الله. # وفي رواية: فيفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتحه على ~~أحد قبلي. # قال في رواية أبي هريرة: فيقال: يا محمد. ارفع رأسك. # سل تعطه واشفع تشفع.. فأرفع رأسي فأقول: يا رب.. أمتي.. ms105 # يا رب.. أمتي.. فيقول: أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من ~~أبواب الجنة.. وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب» . # ولم يذكر في رواية أنس هذا الفصل وقال مكانه: # ثم أخر ساجدا.. فيقال لي: يا محمد.. ارفع رأسك.. وقل يسمع لك، واشفع ~~تشفع، وسل تعطه «1» .. فأقول: يا رب أمتي.. أمتي.. فيقال: انطلق. فمن كان ~~في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان فأخرجه، فأنطلق فأفعل، ثم أرجع ~~إلى PageV01P427 # ربي، فأحمده بتلك المحامد- وذكر مثل الأول وقال فيه «1» - مثقال حبة من ~~خردل «2» - قال: # فأفعل، ثم أرجع- وذكر مثل ما تقدم، وقال فيه- من كان في قلبه أدنى أدنى ~~أدنى من مثقال حبة من خردل- فأفعل وذكر في المرة الرابعة «3» - فيقال لي: ~~ارفع رأسك، وقل يسمع واشفع تشفع وسل تعطه.. فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال: # لا إله إلا الله.. قال: ليس ذلك إليك، ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي ~~وجبريائي «4» لأخرجن من النار من قال لا إله إلا الله. # ومن رواية قتادة «5» عنه «6» قال: فلا أدري في الثالثة أو الرابعة، فأقول ~~يا رب ما بقي في النار الا من حبسه القرآن «7» PageV01P428 # - أي من وجب عليه الخلود- وعن «1» أبي بكر، وعقبة «2» بن عامر، وأبي سعيد ~~«3» ، وحذيفة «4» مثله قال: «فيأتون محمدا فيؤذن له، وتأتي الأمانة والرحم ~~فتقومان جنبتي الصراط» . # وذكر في رواية «5» أبي مالك عن حذيفة «6» : فيأتون محمدا فيشفع فيضرب ~~الصراط فيمرون ... أولهم كالبرق، ثم كالريح والطير وشد الرجال «7» ، ونبيكم ~~صلى الله عليه وسلم على الصراط.. يقول اللهم سلم سلم حتى يجتاز الناس- وذكر ~~آخرهم جوازا.. الحديث # وفي رواية أبي هريرة «8» : فأكون أول من يجيز «9» . # وعن ابن عباس «10» عنه صلى الله عليه وسلم «11» : يوضع للأنبياء منابر ~~يجلسون عليها، ويبقى منبري لا أجلس عليه.. قائما بين يدي ربي منتصبا. ~~PageV01P429 # فيقول الله تبارك وتعالى.. ما تريد أن أصنع بأمتك؟. فأقول: # يا رب عجل حسابهم.. فيدعى بهم فيحاسبون.. فمنهم من يدخل الجنة برحمته ~~ومنهم من يدخل الجنة بشفاعتي، ولا أزال أشفع حتى أعطى صكاكا «1» برجال قد ms106 ~~أمر بهم إلى النار.. حتى إن خازن النار ليقول: يا محمد.. ما تركت لغضب ربك ~~في أمتك من نقمة.. # ومن طريق زياد «2» النميري عن أنس «3» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«4» قال: «أنا أول من تنفلق الأرض عن جمجمته «5» ولا فخر وأنا سيد الناس ~~يوم القيامة ولا فخر ومعي لواء الحمد يوم القيامة، وأنا أول من تفتح له ~~الجنة ولا فخر، فآتي فآخذ بحلقة الجنة فيقال: # من هذا؟. فأقول: محمد.. فيفتح لي.. فيستقبلني الجبار تعالى فأخر له ~~ساجدا» - وذكر نحو ما تقدم- PageV01P430 # ومن رواية أنيس «1» .. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «2» : # لأشفعن يوم القيامة لأكثر مما في الأرض من حجر وشجر.. # فقد اجتمع من اختلاف ألفاظ هذه الآثار أن شفاعته صلى الله عليه وسلم ~~ومقامه المحمود من أول الشفاعات إلى آخرها، من حين يجتمع الناس للحشر، ~~وتضيق بهم الحناجر، ويبلغ منهم العرق والشمس والوقوف مبلغه، وذلك قبل ~~الحساب، فيشفع حينئذ لإراحة الناس من الموقف، ثم يوضع الصراط ويحاسب الناس- ~~كما جاء في الحديث عن أبي هريرة «3» وحذيفة «4» ، وهذا الحديث أتقن «5» - ~~فيشفع في تعجيل من لا حساب عليه من أمته إلى الجنة- تقدم في الحديث- # ثم يشفع فيمن وجب عليه العذاب ودخل النار منهم- حسبما تقتضيه الأحاديث ~~الصحيحة- ثم فيمن قال: لا إله إلا الله- وليس هذا لسواه صلى الله عليه ~~وسلم. PageV01P431 # وفي الحديث المنتشر الصحيح «1» : «لكل نبي دعوة يدعو بها، واختبأت دعوتي ~~شفاعة لأمتي يوم القيامة» . # قال أهل العلم: معناه دعوة أعلم «2» أنها تستجاب لهم ويبلغ فيها مرغوبهم، ~~وإلا فكم لكل نبي منهم من دعوة مستجابة، ولنبينا صلى الله عليه وسلم منها ~~ما لا يعد، لكن حالهم عند الدعاء بها بين الرجاء والخوف. وضمنت لهم إجابة ~~دعوة فيما شاؤوه يدعون بها على يقين من الإجابة.. # وقد قال محمد بن زياد «3» وأبو صالح «4» عن أبي هريرة «5» في هذا الحديث: ~~«لكل نبي دعوة دعا بها في أمته فاستجيب له، وأنا أريد أن أؤخر دعوتي شفاعة ~~لأمتي يوم القيامة» . # وفي رواية «6» أبي صالح: عن أبي هريرة، «لكل ms107 نبي دعوة مستجابة فتعجل كل ~~نبي دعوته» . PageV01P432 # ونحوه في رواية أبي زرعة «1» عن أبي هريرة. # وعن أنس «2» مثل رواية ابن زياد «3» عن أبي هريرة. فتكون هذه الدعوة ~~المذكورة مخصوصة بالأمة، مصمونة الإجابة، وإلا فقد أخبر صلى الله عليه وسلم ~~أنه سأل لأمته أشياء من أمور الدين والدنيا، أعطي بعضها ومنع بعضها، وادخر ~~لهم هذه الدعوة ليوم الفاقة «4» ، وخاتمة المحن «5» وعظيم السؤال والرغبة. ~~جزاه الله أحسن ما جزى نبيا عن أمته، صلى الله عليه وسلم كثيرا. ~~PageV01P433 ### ||| الفصل الحادي عشر الوسيلة والدرجة الرفيعة والكوثر والفضيلة في تفضيله صلى الله عليه وسلم في الجنة بالوسيلة والدرجة الرفيعة والكوثر # عن عبد الله «1» بن عمرو بن العاص، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول «2» : # «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي مرة ~~صلى الله عليه عشرا.. ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا ~~تنبغي إلا لعبد من عباد الله.. وأرجو أن أكون أنا هو PageV01P434 # فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة. # وفي حديث «1» آخر عن أبي هريرة «2» : «الوسيلة «3» » أعلى درجة في الجنة. # وعن أنس «4» قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «5» : «بينا أنا أسير ~~في الجنة إذ عرض لي نهر حافتاه «6» قباب «7» اللؤلؤ.. قلت لجبريل: # ما هذا؟؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاكه الله.. قال: ثم ضرب «8» بيده إلى ~~طينته فاستخرج مسكا» . # وعن عائشة «9» وعبد الله «10» بن عمرو مثله قال: «ومجراه على الدر ~~والياقوت وماؤه أحلى من العسل، وأبيض من الثلج» . PageV01P435 # وفي رواية عنه «فإذا هو يجري ولم يشق «1» شقا، عليه حوض ترد عليه أمتي» - ~~وذكر حديث الحوض- # ونحوه «2» عن ابن عباس «3» .. # وعن ابن عباس «4» أيضا قال «5» : الكوثر «6» » الخير الكثير الذي أعطاه ~~الله إياه. # وقال سعيد «7» بن جبير: «والنهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله» ~~. PageV01P436 # وعن حذيفة «1» فيما ذكر صلى الله عليه وسلم عن ربه: فأعطاني الكوثر نهرا ~~من الجنة يسيل في حوضي» . # وعن «2» ابن عباس في قوله تعالى: «ولسوف يعطيك ربك ms108 فترضى «3» » قال: «ألف ~~قصر من لؤلؤ، ترابهن المسك، وفيه ما يصلحهن» . # وفي رواية أخرى: «وفيه ما ينبغي له من الأزواج والخدم» . PageV01P437 ### ||| الفصل الثاني عشر الأحاديث الواردة في النهي عهد تفضيله # فإن قلت: إذا تقرر من دليل القرآن، وصحيح الأثر، وإجماع الأمة كونه أكرم ~~البشر وأفضل الأنبياء، فما معنى الأحاديث الواردة بنهيه عن التفضيل، كقوله: # عن ابن عباس «1» عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «2» : «ما ينبغي لعبد ~~أن يقول: أنا خير من يونس «3» بن متى» .. # وفي غير هذا الطريق عن أبي هريرة «4» قال- يعني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم- «ما ينبغي لعبد» - الحديث. PageV01P438 # وفي حديث «1» أبي هريرة «2» في اليهودي «3» الذي قال: «والذي اصطفى موسى ~~على البشر» - فلطمه رجل من الأنصار وقال: # «تقول ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا» ؟!!. # فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «لا تفضلوا بين الأنبياء» . # وفي رواية «4» «لا تخيروني على موسى» - فذكر الحديث. # وفيه: ولا أقول إن أحدا أفضل من يونس بن متى. # وعن «5» أبي هريرة: من قال أنا خير من يونس بن متى فقد كذب. # وعن ابن مسعود «6» : لا يقولن أحدكم أنا خير من يونس بن متى. # وفي حديثه الآخر «7» : فجاءه رجل فقال: يا خير البرية.. # فقال: ذاك إبراهيم. # فاعلم أن للعلماء في هذه الأحاديث تأويلات أحدها: أن نهيه عن التفضيل كان ~~قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم.. فنهى عن التفضيل PageV01P439 # إذ يحتاج إلى توقيف «1» .. وأن من فضل بلا علم فقد كذب. # وكذلك قوله: لا أقول إن أحدا أفضل منه» ، لا يقتضي تفضيله هو، وإنما هو ~~في الظاهر كف عن التفضيل # الوجه الثاني أنه قاله صلى الله عليه وسلم عن طريق التواضع ونفي التكبر ~~والعجب، وهذا لا يسلم من الاعتراض «2» . # الوجه الثالث: ألا يفضل بينهم تفضيلا يؤدي إلى تنقص بعضهم، أو الغض منه، ~~لا سيما في جهة يونس عليه السلام إذ أخبر الله عنه بما أخبر، لئلا يقع في ~~نفس من لا يعلم منه بذلك غضاضة وانحطاط من رتبته الرفيعة. # إذ ms109 قال تعالى عنه: «إذ أبق «3» إلى الفلك المشحون «4» » «إذ ذهب مغاضبا ~~فظن أن لن نقدر عليه «5» » . # فربما يخيل لمن لا علم عنده حطيطته «6» بذلك. PageV01P440 # الوجه الرابع: منع التفضيل في حق النبوة والرسالة فإن الأنبياء فيها على ~~حد واحد، إذ هي شيء واحد لا يتفاضل، وإنما التفاضل في زيادة الأحوال ~~والخصوص والكرامات، والرتب، والألطاف «1» وأما النبوة في نفسها فلا تتفاضل، ~~وإنما التفاضل بأمور أخر زائدة عليها، ولذلك منهم رسل «2» ومنهم أولو عزم ~~«3» من الرسل، ومنهم من رفع مكانا عليا «4» ، ومنهم من أوتي الحكم صبيا «5» ~~وأوتي بعضهم الزبور «6» ، وبعضهم البينات «7» ، ومنهم من كلم الله «8» ~~PageV01P441 # ورفع بعضهم درجات «1» ، قال الله تعالى: «ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض ~~«2» » الآية. # وقال «تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض «3» الآية. # وقال: بعض أهل العلم: والتفضيل المراد لهم هنا في الدنيا، وذلك بثلاثة ~~أحوال: # - أن تكون آياته ومعجزاته أبهر وأشهر. # - أو تكون أمته أزكى وأكبر. # - أو يكون في ذاته أفضل وأظهر. # وفضله في ذاته راجع إلى ما خصه الله به من كرامته واختصاصه من كلام أو ~~خلة أو رؤية أو ما شاء الله من ألطافه، وتحف ولايته واختصاصه. # وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «4» : إن للنبوة أثقالا «5» ، ~~وإن PageV01P442 # يونس تفسخ «1» منها تفسخ الربع «2» .. # فحفظ صلى الله عليه وسلم موضع الفتنة من أوهام من يسبق إليه بسببها جرح ~~في نبوته، أو قدح في اصطفائه، وحط من رتبته، ووهن في عصمته، شفقة منه صلى ~~الله عليه وسلم على أمته. # وقد يتوجه على هذا الترتيب وجه خامس وهو أن يكون: # «أنا» راجعا إلى القائل نفسه، أي لا يظن أحد وإن بلغ من الذكاء والعصمة ~~والطهارة ما بلغ أنه خير من يونس لأجل ما حكي عنه، فإن درجة النبوة أفضل، ~~وأعلى وإن تلك الأقدار لم تحطه عنها حبة خردل ولا أدنى. # وسنزيد في القسم الثالث في هذا بيانا- إن شاء الله تعالى-. # فقد بان لك الغرض، وسقط بما حررناه شبهة المعترض. # وبالله التوفيق، وهو المستعان لا إله إلا هو.. PageV01P443 ### ||| الفصل ms110 الثالث عشر في أسمائه صلى الله عليه وسلم وما تضمنته من فضيلته صلى الله عليه وسلم # عن جبير «1» بن مطعم عن أبيه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم «2» : «لي ~~خمسة أسماء، أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، ~~وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب «3» . # وقد سماه الله تعالى في كتابه: محمدا وأحمد. # فمن خصائصه تعالى له: أن ضمن أسماءه ثناءه فطوى أثناء ذكره عظيم شكره.. # فأما اسمه «أحمد» فأفعل ... مبالغة من صفة الحمد # و «محمد» مفعل» ... مبالغة من كثرة الحمد PageV01P444 # فهو صلى الله عليه وسلم أجل من حمد وأفضل من حمد، وأكثر الناس حمدا فهو ~~أحمد المحمودين وأحمد الحامدين، ومعه لواء الحمد يوم القيامة، ليتم له كمال ~~الحمد، ويشتهر في تلك العرصات «1» بصفة الحمد، ويبعثه ربه هناك مقاما ~~محمودا كما وعده. # يحمده فيه الأولون والآخرون بشفاعته لهم، ويفتح عليه فيه من المحامد، كما ~~قال صلى الله عليه وسلم: «ما لم يعط غيره» ، وسمى الله أمته في كتب أنبيائه ~~بالحمادين، فحقيق أن يسمى محمدا وأحمد. # ثم في هذين الاسمين من عجائب خصائصه، وبدائع آياته فن آخر، هو أن الله جل ~~اسمه حمى «2» أن يسمى بهما أحد قبل زمانه.. # أما «أحمد» الذي أتى في الكتب وبشرت به الأنبياء فمنع الله تعالى بحكمته ~~أن يسمى به أحد غيره ولا يدعى به مدعو قبله حتى لا يدخل لبس على ضعيف ~~القلب، أو شك. # وكذلك: «محمد» أيضا لم يسم به أحد من العرب ولا غيرهم، إلى أن شاع قبيل ~~وجوده صلى الله عليه وسلم وميلاده أن نبيا يبعث اسمه محمد.. فسمى قوم ~~PageV01P445 # قليل من العرب أبناءهم بذلك رجاء أن يكون أحدهم هو و «الله أعلم حيث يجعل ~~رسالته «1» » .. # وهم: محمد «2» بن أحيحة بن الجلاح الأوسي، ومحمد «3» بن مسلمة الأنصارى، ~~ومحمد «4» براء البكري، ومحمد «5» بن سفيان بن مجاشع، ومحمد «6» بن حمران ~~الجعفي، ومحمد «7» بن خزاعي السلمي لا سابع لهم. # ويقال: أول من سمي محمدا محمد بن سفيان «8» . # واليمن ms111 تقول: بل محمد بن اليحمد «9» من الأزد ثم حمى الله PageV01P446 # كل من تسمى به أن يدعي النبوة أو يدعيها أحد له، أو يظهر عليه سبب يشكك ~~أحدا في أمره حتى تحققت السمتان «1» له صلى الله عليه وسلم، ولم ينازع ~~فيهما. # وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر» ~~ففسر في الحديث.. # ويكون محو الكفر إما من مكة وبلاد العرب وما زوي «2» له من الأرض ووعد ~~أنه يبلغه ملك أمته، أو يكون المحو عاما بمعنى الظهور والغلبة. # كما قال تعالى: «ليظهره على الدين كله «3» » . # وقد ورد تفسيره في الحديث «4» : أنه الذي محيت به سيئات من اتبعه» وقوله: ~~«وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي» أي على زماني وعهدي.. أي ليس بعدي ~~نبي كما قال: «وخاتم النبيين «5» » وسمي: «عاقبا» لأنه عقب غيره من ~~الأنبياء وفي PageV01P447 # الصحيح «أنا العاقب الذي ليس بعدي نبي» وقيل: معنى «على قدمي» أي يحشر ~~الناس بمشاهدتي.. # كما قال تعالى: «لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا «1» » ~~. # وقيل: «على قدمي» على سابقتي. # قال الله تعالى: «أن لهم قدم صدق عند ربهم «2» » . # وقيل: «على قدمي» أي قدامي وحولي.. أي يجتمعون إلي يوم القيامة وقيل ~~«قدمي» على سنتي. # ومعنى قوله: «لي خمسة أسماء» قيل إنها موجودة في الكتب المتقدمة، وعند ~~أولى العلم من الأمم السالفة. # وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم «3» : لي عشرة أسماء.. وذكر منها «طه» و ~~«يسن» حكاه مكي «4» . # وقد قيل في بعض تفاسير «طه» : أنه يا طاهر يا هادي. PageV01P448 # وفي «يسن» يا سيد. حكاه السلمي «1» عن الواسطي «2» ، وجعفر «3» بن محمد. # وذكر غيره: لي عشرة أسماء، فذكر الخمسة التي في الحديث. # قال: وأنا رسول الرحمة «4» ، ورسول الراحة «5» ورسول الملاحم «6» ، وأنا ~~المقفي «7» قفيت النبين، وأنا قيم «8» و «القيم» الجامع الكامل- كذا وجدته- ~~ولم أروه «9» وأرى أن صوابه PageV01P449 # «قثم» «1» بالثاء كما ذكرناه بعد عن الحربي «2» وهو أشبه بالتفسير «3» . # وقد وقع أيضا في كتب الأنبياء، قال داوود عليه السلام: # اللهم ابعث لنا محمدا مقيم السنة بعد الفترة.. ms112 فقد يكون «القيم» «4» ~~بمعناه. # وروى النقاش «5» عنه صلى الله عليه وسلم «6» : «لي في القرآن سبعة أسماء ~~محمد- وأحمد- ويس- وطه- والمدثر- والمزمل- وعبد الله-» . # وفي حديث آخر عن جبير «7» بن مطعم رضي الله عنه: هي ست، محمد، وأحمد، ~~وخاتم، وعاقب، وحاشر، وماح. PageV01P450 # وفي حديث أبي موسى «1» الأشعري أنه كان صلى الله عليه وسلم «2» يسمي لنا ~~نفسه أسماء فيقول: أنا محمد، وأحمد، والمقفي، والحاشر، ونبي التوبة «3» ، ~~ونبي الملحمة، ونبي الرحمة، ويروى: المرحمة والراحة، وكل صحيح- إن شاء- ~~الله ومعنى «المقفي» معنى «العاقب» . # وأما نبي «الرحمة» «والتوبة» «والمرحمة» «والراحة» . # فقد قال تعالى: «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين «4» » . # وكما وصفه بأنه «يزكيهم. ويعلمهم الكتاب والحكمة «5» » «ويهديهم إلى صراط ~~مستقيم «6» » و «بالمؤمنين رؤف رحيم «7» » . PageV01P451 # وقد قال في صفة أمته إنها «1» : «أمة مرحومة» . # وقد قال تعالى فيهم: «وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة «2» أي يرحم بعضهم ~~بعضا. # فبعثه صلى الله عليه وسلم «3» ربه تعالى رحمة للعالمين، ورحيما بهم، ~~ومترحما، ومستغفرا لهم، وجعل أمته أمة مرحومة، ووصفها بالرحمة وأمرها صلى ~~الله عليه وسلم بالتراحم وأثنى عليه فقال «4» . «إن الله يحب من عباده ~~الرحماء» وقال «5» : «الراحمون يرحمهم الرحمن» «ارحموا من في الأرض يرحمكم ~~من في السماء» . # وأما رواية «نبي الملحمة «6» » فإشارة إلى ما بعث به من القتال والسيف ~~صلى الله عليه وسلم.. وهي صحيحة.. # وروى حذيفة «7» مثل حديث أبي موسى «8» وفيه «9» : PageV01P452 # ونبي الرحمة، ونبي التوبة، ونبي الملاحم، وروى الحربي «1» في حديثه صلى ~~الله عليه وسلم «2» أنه قال: «أتاني ملك فقال لي أنت قثم أي مجتمع قال و ~~«القثوم» الجامع للخير وهذا اسم هو في أهل بيته صلى الله عليه وسلم معلوم. # وقد جاءت من ألقابه صلى الله عليه وسلم وسماته في القرآن عدة كثيرة سوى ~~ما ذكرناه كالنور «3» ، والسراج «4» المنير، والمنذر «5» ، والنذير «6» ، ~~والمبشر «7» ، والبشير «8» ، والشاهد «9» ، والشهيد «10» والحق المبين «11» ~~، وخاتم «12» النبيين، والرؤوف الرحيم «13» ، PageV01P453 # والأمين «1» ، وقدم الصدق «2» ورحمة للعالمين «3» ، ونعمة الله «4» ، ~~والعروة الوثقى «5» ، والصراط المستقيم «6» ، والنجم الثاقب «7» ، والكريم ~~«8» والنبي الأمي «9» ، وداعي الله «10» ... # - في أوصاف كثيرة، وسمات جليلة، وجرى منها في كتب الله المتقدمة وكتب ~~أنبيائه وأحاديث رسوله وإطلاق الأمة ms113 جملة شافية كتسميته: بالمصطفى، ~~والمجتبى «11» ، وأبي القاسم، والحبيب PageV01P454 # ورسول رب العالمين، والشفيع المشفع، والمتقي، والمصلح، والظاهر، ~~والمهيمن، والصادق، والمصدوق، والهادي، وسيد ولد آدم، وسيد المرسلين، وإمام ~~المتقين، وقائد الغر «1» المحجلين «2» ، وحبيب الله، وخليل الرحمن، وصاحب ~~الحوض المورود، والشفاعة والمقام المحمود، وصاحب الوسيلة، والفضيلة والدرجة ~~الرفيعة، وصاحب التاج، والمعراج واللواء، والقضيب، وراكب البراق، والناقة ~~والنجيب «3» ، وصاحب الحجة والسلطان، والخاتم «4» والعلامة، والبرهان، ~~وصاحب الهراوة والنعلين «5» .. # ومن أسمائه في الكتب: المتوكل، والمختار، ومقيم السنة، # والمقدس «6» وروح القدس «7» ، وروح الحق، وهو معنى «البار قليط «8» » في ~~الإنجيل. PageV01P455 # وقال ثعلب «1» : «البار قليط» الذي يفرق بين الحق والباطل ومن أسمائه في ~~الكتب السالفة: ماذ ماذ «2» ومعناه طيب طيب «وحمطايا «3» » والخاتم والحاتم ~~حكاه كعب الأحبار. # وقال ثعلب: «فالخاتم» الذي ختم الأنبياء و «الحاتم» أحسن الأنبياء خلقا ~~وخلقا ويسمى بالسريانية «مشفح «4» » و «المنحمنا «5» » واسمه أيضا في ~~التوراة: «أحيد «6» » روي ذلك عن ابن سيرين «7» ومعنى «صاحب القضيب» أي ~~السيف وقع ذلك مفسرا في الإنجيل قال: «معه قضيب من حديد يقاتل به، ~~PageV01P456 # وأمته كذلك» وقد يحمل على أنه القضيب الممشوق «1» الذي كان يمسكه صلى ~~الله عليه وسلم، وهو الآن عند الخلفاء. # وأما: «الهراوة» التي وصف بها فهي في اللغة العصا. # وأراها «2» - والله أعلم- العصا المذكورة في حديث الحوض «أذود «3» الناس ~~عنه بعصاي لأهل اليمن «4» » . # وأما: «التاج» فالمراد به العمامة، ولم تكن حينئذ إلا للعرب، والعمائم ~~تيجان العرب. # وأوصافه وألقابه وسماته في الكتب كثيرة وفيما ذكرناه منها مقنع- إن شاء ~~الله- وكانت كنيته المشهورة أبا القاسم وروي «5» عن أنس «6» أنه لما ولد له ~~إبراهيم «7» جاءه جبريل فقال له: # «السلام عليك يا أبا إبراهيم» PageV01P457 ### ||| الفصل الرابع عشر في تشريف الله له بأسماء خاصة به تعالى تشريف الله تعالى له صلى الله عليه وسلم بما سماه من أسمائه الحسنى ووصفه به من صفاته العلى # قال القاضي أبو الفضل وفقه الله تعالى: ما أحرى هذا الفصل بفصول الباب ~~الأول لانخراطه «1» في سلك «2» مضمونها، وامتزاجه بعذب معينها «3» ، لكن لم ~~يشرح الله الصدر للهداية إلى استنباطه، ولا أنار الفكر لاستخراج ms114 جوهره ~~والتقاطه إلا عند الخوض في الفصل الذي قبله. فرأينا أن نضيفه إليه، ونجمع ~~به شمله. # فاعلم: أن الله تعالى خص كثيرا من الأنبياء بكرامة خلعها «4» عليهم من ~~أسمائه. PageV01P458 # كتسمية: إسحق واسماعيل «بعليم «1» » «وحليم «2» » وإبراهيم ب «حليم «3» » ~~ونوح ب «شكور «4» » وعيسى ويحيى ب «بر «5» » وموسى ب «كريم «6» » و «قوي» ~~ويوسف ب «حفيظ» «عليم «7» » وايوب ب «صابر «8» » واسماعيل ب «صادق الوعد ~~«9» » كما نطق بذلك الكتاب العزيز من مواضع ذكرهم. وفضل نبينا محمدا صلى ~~الله عليه وسلم بأن حلاه «10» منها في كتابه العزيز وعلى ألسنة أنبيائه ~~بعدة «11» كثيرة اجتمع لنا منها جملة بعد إعمال الفكر وإحضار الذكر، إذ لم ~~نجد من جمع منها فوق اسمين، ولا من تفرغ فيها لتأليف فصلين، وحررنا منها في ~~هذا الفصل نحو PageV01P459 # ثلاثين اسما، ولعل الله تعالى كما ألهم إلى ما علم منها وحققه يتم النعمة ~~بإبانة ما لم يظهره لنا الآن ويفتح غلقه «1» . # فمن أسمائه تعالى: «الحميد» ومعناه المحمود، لأنه حمد نفسه وحمده عباده. ~~ويكون أيضا بمعنى الحامد لنفسه ولأعمال الطاعات وسمى النبي صلى الله عليه ~~وسلم «محمدا» و «أحمد» «فمحمد» بمعنى محمود، وكذا وقع اسمه في زبر داوود.. ~~«وأحمد» بمعنى أكبر من حمد، وأجل من حمد.. # وقد أشار إلى نحو هذا حسان «2» بقوله: # وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد # ومن أسمائه تعالى: «الرؤف الرحيم» وهما بمعنى متقارب، وسماه في كتابه ~~بذلك فقال: «بالمؤمنين رؤف رحيم «3» » # ومن أسمائه تعالى: «الحق المبين» ومعنى «الحق» الموجود والمتحقق أمره، ~~وكذلك «المبين» أي البين أمره وإلهيته «بان» PageV01P460 # «وأبان» بمعنى واحد ويكون بمعنى المبين لعباده أمر دينهم ومعادهم وسمى ~~النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في كتابه فقال: «حتى جاءهم الحق ورسول مبين ~~«1» » وقال: «وقل إني أنا النذير المبين # «2» » وقال: «قد جاءكم الحق من ربكم «3» » وقال: «فقد كذبوا بالحق لما ~~جاءهم «4» . # قيل: محمد وقيل: القرآن.. ومعناه هنا ضد الباطل، والمتحقق صدقه وأمره، ~~وهو بمعنى الأول. «والمبين» البين أمره ورسالته أو المبين عن الله تعالى ما ~~بعثه به ms115 كما قال تعالى: # «لتبين للناس ما نزل إليهم «5» ..» # ومن أسمائه تعالى «النور» ومعناه ذو النور أي خالقه أو منور السماوات ~~والأرض بالأنوار، ومنور قلوب المؤمنين بالهداية وسماه: «نورا» فقال: «قد ~~جاءكم من الله نور وكتاب مبين «6» » . قيل: محمد وقيل: القرآن وقال فيه: ~~PageV01P461 # «وسراجا منيرا «1» » سمي بذلك لوضوح أمره وبيان نبوته، تنوير قلوب ~~المؤمنين والعارفين بما جاء به. # ومن أسمائه تعالى: «الشهيد» ومعناه العالم وقيل: الشاهد على عباده يوم ~~القيامة وسماه: «شهيدا» و «شاهدا» # فقال: «إنا أرسلناك شاهدا «2» » وقال: «ويكون الرسول عليكم شهيدا «3» » ~~وهو بمعنى الأول. # ومن أسمائه تعالى: «الكريم» ومعناه الكثير الخير، وقيل المفضل وقيل: ~~العفو. وقيل: العلي. # وفي الحديث «4» المروي في أسمائه تعالى «الأكرم» وسماه تعالى «كريما» ~~بقوله: «إنه لقول رسول كريم «5» » قيل: محمد وقيل: جبريل وقال صلى الله ~~عليه وسلم «6» : «أنا أكرم ولد آدم» ومعاني الاسم صحيحة في حقه صلى الله ~~عليه وسلم. # ومن أسمائه تعالى: «العظيم» .. ومعناه الجليل الشأن، الذي كل شيء دونه.. ~~وقال في النبي صلى الله عليه وسلم: «وإنك لعلى خلق PageV01P462 # عظيم «1» » ووقع في أول سفر «2» من التوراة عن اسماعيل «وسيلد عظيما لأمة ~~عظيمة، فهو عظيم وعلى خلق عظيم» . # ومن أسمائه تعالى: «الجبار» ومعناه المصلح، وقيل القاهر، وقيل العلي ~~العظيم الشأن، وقيل المتكبر، وسمي النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب داوود. ~~«بجبار» فقال: تقلد أيها الجبار سيفك فإن ناموسك «3» وشرائعك مقرونة بهيبة ~~يمينك. # ومعناه في حق النبي صلى الله عليه وسلم إما لإصلاحه الأمة بالهداية ~~والتعليم أو لقهره أعداءه، أو لعلو منزلته على البشر، وعظيم خطره.. # ونفى عنه تعالى في القرآن جبرية التكبر التي لا تليق به فقال: # «وما أنت عليهم بجبار «4» » . # ومن أسمائه تعالى: «الخبير» ومعناه المطلع بكنه «5» الشيء، العالم ~~بحقيقته، وقيل معناه المخبر وقال الله تعالى: «الرحمن فسئل به خبيرا «6» » ~~. PageV01P463 # قال القاضي بكر «1» بن العلاء المأمور بالسؤال غير النبي صلى الله عليه ~~وسلم والمسؤول الخبير هو النبي صلى الله عليه وسلم وقال غيره: بل السائل ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # والمسؤول هو ms116 الله تعالى. فالنبي «خبير» بالوجهين المذكورين. # قيل: لأنه عالم على غاية من العلم بما أعلمه الله من مكنون علمه، وعظيم ~~معرفته، مخبر لأمته بما أذن له في إعلامهم به.. # ومن أسمائه تعالى: «الفتاح» ومعناه الحاكم بين عباده، أو فاتح أبواب ~~الرزق والرحمة والمنغلق من أمورهم عليهم، أو يفتح قلوبهم وبصائرهم بمعرفة ~~الحق.. ويكون أيضا بمعنى الناصر. # كقوله تعالى: «إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح «2» » أي: إن تستنصروا فقد ~~جاءكم النصر. وقيل: معناه مبتدىء الفتح والنصر # وسمى الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ب «الفاتح» في حديث ~~الإسراء الطويل من رواية الربيع «3» بن أنس عن أبي العالية «4» وغيره عن ~~أبي هريرة «5» رضي الله عنه وفيه من قول الله تعالى: «وجعلتك PageV01P464 # فاتحا وخاتما» . وفيه من قول النبي صلى الله عليه وسلم في ثنائه على ربه ~~وتعديد مراتبه: ورفع لي ذكري، وجعلني فاتحا وخاتما. # فيكون الفاتح هنا: بمعنى الحاكم، أو الفاتح لأبواب الرحمة على أمته، ~~والفاتح لبصائرهم بمعرفة الحق، الإيمان بالله، أو الناصر للحق، أو المبتدىء ~~بهداية الأمة، أو المبدأ «1» المقدم في الأنبياء، والخاتم لهم كما قال صلى ~~الله عليه وسلم «2» : كنت أول الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث. # ومن أسمائه تعالى في الحديث: «الشكور» ومعناه المثيب على العمل القليل ~~وقيل: المثني على المطيعين.. # ووصف بذلك نبيه نوحا عليه السلام فقال: «إنه كان عبدا شكورا «3» » وقد ~~وصف النبي صلى الله عليه وسلم نفسه بذلك فقال «4» : # «أفلا أكون عبدا شكورا» أي معترفا بنعم ربي، عارفا بقدر ذلك، مثنيا عليه، ~~مجهدا نفسي في الزيادة من ذلك. # لقوله «لئن شكرتم لأزيدنكم «5» » . PageV01P465 # ومن أسمائه تعالى: «العليم» و «العلام» و «عالم الغيب والشهادة» ، ووصف ~~نبيه صلى الله عليه وسلم بالعلم، وخصه بمزية منه فقال: # «وعلمك ما لم تكن تعلم، وكان فضل الله عليك عظيما # «1» # وقال «ويعلمكم الكتاب والحكمة، ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون «2» » . # ومن أسمائه: «الأول» و «الآخر» ومعناهما السابق للأشياء قبل وجودها ~~والباقي بعد فنائها وتحقيقه أنه ليس له أول ولا آخر، وقال صلى الله عليه ms117 ~~وسلم «3» : «كنت أول الأنبياء في الخلق وآخرهم في البعث» وفسر بهذا قوله ~~تعالى: «وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح «4» » فقدم محمدا صلى ~~الله عليه وسلم. # وقد أشار إلى نحو منه عمر «5» بن الخطاب رضي الله عنه «6» PageV01P466 # ومنه قوله «1» : «نحن الآخرون السابقون» . # وقوله «2» : «أنا أول من تنشق الأرض عنه، وأول من يدخل الجنة، وأول شافع، ~~وأول مشفع، وهو خاتم النبيين وآخر الرسل صلى الله عليه وسلم» . # ومن أسمائه تعالى: «القوي» و «ذو القوة المتين» ومعناه القادر وقد وصفه ~~الله تعالى بذلك فقال: # «ذي قوة عند ذي العرش مكين «3» قيل: محمد، وقيل: جبريل. # ومن أسمائه تعالى: «الصادق» في الحديث المأثور «4» ، وورد في الحديث «5» ~~أيضا اسمه صلى الله عليه وسلم «بالصادق المصدوق» . # ومن أسمائه تعالى: «الولي» و «المولى» ومعناهما الناصر. # وقد قال تعالى: «إنما وليكم الله ورسوله «6» » . # وقال صلى الله عليه وسلم «7» : «أنا ولي كل مؤمن» . PageV01P467 # وقال الله تعالى: «النبي أولى بالمؤمنين «1» » . # وقال صلى الله عليه وسلم «2» : «من كنت مولاه فعلي مولاه» . # ومن أسمائه تعالى: «العفو» ومعناه الصفوح.. # وقد وصف الله تعالى بهذا نبيه في القرآن والتوراة، وأمره بالعفو فقال: ~~«خذ العفو» «3» وقال: «فاعف عنهم واصفح «4» » . # وقال له جبريل: وقد سأله عن قوله: «خذ العفو» قال: «أن تعفو عمن ظلمك» ~~وقال في التوراة والإنجيل في الحديث المشهور في صفته «5» : «ليس بفظ ولا ~~غليظ، ولكن يعفو ويصفح» . # ومن أسمائه تعالى: «الهادي» وهو بمعنى توفيق الله لمن أراد من عباده ~~وبمعنى الدلالة والدعاء. # قال الله تعالى: «والله يدعوا إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط ~~مستقيم «6» » . PageV01P468 # وأصل الجميع من الميل، وقيل من التقديم، وقيل في تفسير طه: # إنه يا طاهر، يا هادي يعني النبي صلى الله عليه وسلم.. # وقال تعالى له: «وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم «1» » وقال فيه: «وداعيا إلى ~~الله بإذنه «2» » فالله تعالى مختص بالمعنى الأول، قال الله تعالى: «إنك لا ~~تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء «3» » وبمعنى الدلالة يطلق على غيره ~~تعالى.. # ومن أسمائه تعالى: «المؤمن» «المهيمن» قيل ms118 هما بمعنى واحد فمعنى «المؤمن» ~~في حقه تعالى المصدق وعده عباده، والمصدق قوله الحق، والمصدق لعباده ~~المؤمنين ورسله. وقيل: الموحد نفسه وقيل: المؤمن عباده في الدنيا من ظلمه، ~~والمؤمنين في الآخرة من عذابه، وقيل: «المهيمن» بمعنى الأمين مصغر منه «4» ~~فقلبت الهمزة هاء.. وقد قيل: إن قولهم في الدعاء «آمين» إنه اسم ~~PageV01P469 # من أسماء الله تعالى «1» ، ومعناه معنى المؤمن وقيل: «المهيمن» بمعنى ~~الشاهد والحافظ. والنبي صلى الله عليه وسلم أمين ومهيمن ومؤمن، وقد سماه ~~الله تعالى أمينا فقال: «مطاع ثم أمين «2» » # وكان صلى الله عليه وسلم يعرف «بالأمين» ، وشهر به قبل النبوة وبعدها. # وسماه العباس «3» فى شعره مهيمنا في قوله: # ثم اغتدى بيتك المهيمن من ... خندف علياء تحتها النطق # قيل المراد: يا أيها المهيمن.. قاله القتيبي «4» ، والإمام أبو القاسم ~~«5» القشيري.. # وقال تعالى: «يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين «6» » أي PageV01P470 # يصدق وقال صلى الله عليه وسلم «1» «أنا آمنة «2» لأصحابي» فهذا بمعنى ~~المؤمن. # ومن أسمائه تعالى: «القدوس» ومعناه المنزه عن النقائص المطهر عن سمات ~~الحدث، وسمي «بيت المقدس» لأنه يتطهر فيه من الذنوب، ومنه «الوادي المقدس» ~~و «روح القدس» # وقع في كتب الأنبياء في أسمائه صلى الله عليه وسلم «المقدس» أي المطهر من ~~الذنوب. كما قال تعالى: «ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر «3» » أو ~~الذي يتطهر به من الذنوب، ويتنزه باتباعه عنها.. كما قال تعالى: «ويزكيهم ~~«4» .. وقال «ويخرجهم من الظلمات إلى النور «5» » أو يكون مقدسا بمعنى ~~مطهرا من الأخلاق الذميمة والأوصاف الدنية.. # ومن أسمائه تعالى «العزيز» ومعناه الممتنع الغالب.. أو الذي PageV01P471 # لا نظير له، أو المعز لغيره. وقال تعالى: «ولله العزة ولرسوله «1» » # أي الامتناع وجلالة القدر. # وقد وصف الله تعالى نفسه بالبشارة والنذارة فقال: # «يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان «2» » وقال: «أن الله يبشرك بيحيى «3» » و ~~«بكلمة منه «4» » وسماه الله تعالى مبشرا ونذيرا وبشيرا..- أي مبشرا لأهل ~~طاعته «ونذيرا» لأهل معصيته. # ومن أسمائه تعالى فيما ذكره بعض المفسرين: «طه» «ويسن» # وقد ذكر بعضهم أيضا أنهما من أسماء محمد صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم. ms119 ~~PageV01P472 ### ||| الفصل الخامس عشر استدراك في صفات الخالق والمخلوق # قال القاضي أبو الفضل وفقه الله تعالى: «وها أنا أذكر نكتة «1» أذيل بها ~~هذا الفصل، وأختم بها هذا القسم، وأزيح الإشكال بها فيما تقدم عن كل ضعيف ~~الوهم، سقيم الفهم، يخلصه من مهاوي «2» التشبيه، وتزحزحه عن شبه التمويه، ~~وهو أن يعتقد أن الله تعالى جل اسمه في عظمته وكبريائه وملكوته، وحسنى ~~أسمائه، وعلي صفاته، لا يشبه شيئا من مخلوقاته، ولا يشبه به، وأن ما جاء ~~مما أطلقه الشرع على الخالق وعلى المخلوق فلا تشابه بينهما في المعنى ~~الحقيقي PageV01P473 # إذ صفات القديم بخلاف صفات المخلوق.. # فكما أن ذاته تعالى لا تشبه الدوات، كذلك صفاته لا تشبه صفات المخلوقين، ~~إذ صفاتهم لا تنفك عن الأعراض «1» والأغراض «2» وهو تعالى منزه عن ذلك، بل ~~لم يزل بصفاته وأسمائه. # وكفى في هذا قوله: «ليس كمثله شيء «3» .. # ولله در «4» من قال من العلماء العارفين المحققين: «التوحيد إثبات ذات ~~غير مشبهة للذوات ولا معطلة عن الصفات» . # وزاد هذه النكتة الواسطي «5» رحمه الله بيانا وهي مقصودنا فقال: ليس ~~كذاته ذات، ولا كاسمه اسم ولا كفعله فعل، ولا كصفته صفة إلا من جهة موافقة ~~اللفظ اللفظ. # وجلت الذات القديمة أن تكون لها صفة حديثة، كما استحال PageV01P474 # أن تكون للذات المحدثة صفة قديمة، وهذا كله مذهب أهل الحق والسنة ~~والجماعة رضي الله عنهم.. # وقد فسر الإمام أبو القاسم «1» القشيري رحمه الله قوله هذا ليزيده بيانا ~~فقال: هذه الحكاية تشتمل على جوامع مسائل التوحيد وكيف تشبه ذاته ذات ~~المحدثات وهي بوجودها مستغنية!! .. # وكيف يشبه فعله فعل الخلق، وهو لغير جلب أنس أو دفع نقص حصل، ولا يخواطر ~~وأغراض وجد ولا بمباشرة ومعالجة ظهر، وفعل الخلق لا يخرج عن هذه الوجوه. # وقال آخر «2» من مشايخنا: ما توهمتموه بأوهامكم، أو أدركتموه بعقولكم فهو ~~محدث مثلكم. # وقال الإمام أبو المعالي «3» الجويني: من اطمأن إلى موجود انتهى إليه ~~فكره فهو مشبه «4» ومن اطمأن إلى النفي المحض فهو PageV01P475 # معطل «1» وإن قطع بموجود اعترف بالعجز عن درك حقيقته فهو ms120 موحد وما أحسن ~~قول ذي «2» النون المصري «حقيقة التوحيد أن تعلم أن قدرة الله تعالى في ~~الأشياء بلا علاج «3» ، وصنعه لها بلا مزاج «4» وعلة كل شيء صنعه ولا علة ~~لصنعه «5» . وما تصور في وهمك فالله بخلافه» # وهذا كلام عجيب نفيس محقق والفصل الآخر «6» تفسير لقوله: # «ليس كمثله شيء «7» . # والثاني «8» تفسير لقوله: «لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون «9» » # والثالث «10» تفسير لقوله: «إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن PageV01P476 # نقول له كن فيكون «1» » . # ثبتنا الله وإياك من التوحيد والإثبات والتنزيه وجنبنا طرفي الضلالة ~~والغواية من التعطيل والتشبيه بمنه ورحمته. PageV01P477 ### || الباب الرابع فيما أظهره الله على يديه منه المعجزات وشرفه به من الخصائص والكرامات وفيه ثلاثون فصلا # PageV01P479 ### ||| الفصل الأول مقدمة # قال القاضي أبو الفضل: حسب المتأمل أن يحقق أن كتابنا هذا لم نجمعه لمنكر ~~نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم، ولا لطاعن في معجزاته، فنحتاج إلى نصب ~~البراهين عليها، وتحصين حوزتها «1» حتى لا يتوصل المطاعن إليها، ونذكر شروط ~~المعجز، والتحدي وحده، وفساد قول من أبطل نسخ الشرائع ورده. # بل ألفناه لأهل ملته الملبين لدعوته، المصدقين لنبوته ليكون تأكيدا في ~~محبتهم له، ومنماة لأعمالهم، و «ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم «2» » . ~~PageV01P481 # ونيتنا أن نثبت في هذا الباب أمهات معجزاته، ومشاهير آياته، لتدل على ~~عظيم قدره عند ربه. وأتينا منها بالمحقق والصحيح الإسناد، وأكثره مما بلغ ~~القطع أو كاد، وأضفنا إليها بعض ما وقع في مشاهير كتب الأئمة. # وإذا تأمل المتأمل المنصف ما قدمناه من جميل أثره، وحميد سيره، وبراعة ~~علمه، ورجاحة عقله وحلمه، وجملة كماله، وجميع خصاله، وشاهد حاله، وصواب ~~مقاله، لم يمتر «1» في صحة نبوته، وصدق دعوته. # وقد كفى هذا غير واحد في إسلامه، والإيمان به، فروينا عن الترمذي «2» ~~وابن قانع «3» وغيرهما بأسانيدهم أن عبد الله بن سلام «4» قال «5» : «لما ~~قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جئته لأنظر إليه، فلما استبنت ~~وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب» . PageV01P482 # وعن «1» أبي رمثة «2» التيمي: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ومعي ابن ~~لي فأريته «3» فلما رأيته ms121 قلت: هذا نبي الله.. وروى مسلم وغيره: # أن ضمادا «4» لما وفد عليه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الحمد ~~لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ~~أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله» . قال له: ~~«أعد علي كلماتك هؤلاء فلقد بلغن قاموس «5» البحر.. هات يدك أبايعك» . # وقال «6» جامع «7» بن شداد: كان رجل منا يقال له: طارق «8» PageV01P483 # فأخبر أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فقال «1» : هل معكم شيء ~~تبيعونه؟ # قلنا: هذا البعير. قال: بكم؟ قلنا: بكذا وكذا وسقا «2» من تمر فأخذ ~~بخطامه «3» وسار إلى المدينة.. فقلنا: بعنا من رجل لا ندري من هو ومعنا ~~ظعينة «4» فقالت: أنا ضامنة لثمن البعير.. # رأيت وجه رجل مثل القمر ليلة البدر.. لا يخيس «5» بكم. # فأصبحنا فجاء رجل بتمر فقال: أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إليكم يأمركم أن تأكلوا من هذا التمر وتكتالوا حتى تستوفوا ففعلنا. # وفي خبر الجلندي «6» ملك عمان لما بلغه «7» أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يدعوه إلى الإسلام قال الجلندي: «والله لقد دلني على هذا النبي الأمي ~~أنه لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ به، ولا ينهى عن شيء إلا كان أول تارك ~~له.. وأنه يغلب فلا يبطر، ويغلب فلا PageV01P484 # يضجر، ويفي بالعهد وينجز الموعود.. وأشهد أنه نبي» . # وقال نفطويه في قوله تعالى: «يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار «1» » هذا ~~مثل ضربه الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم يقول: يكاد منظره يدل على ~~نبوته، وإن لم يتل قرآنا كما قال ابن رواحة «2» : # لو لم تكن فيه آيات مبينة ... لكان منظره ينبيك «3» بالخبر # وقد آن أن نأخذ في ذكر النبوة والوحي والرسالة، وبعده في معجزة القرآن، ~~وما فيه من برهان ودلالة. PageV01P485 ### ||| الفصل الثاني بين النبوة والرسالة # اعلم أن الله جل اسمه قادر على خلق المعرفة في قلوب عباده، والعلم بذاته ~~وأسمائه وصفاته، وجميع تكليفاته ابتداء دون واسطة لو ms122 شاء كما حكي عن سنته ~~في بعض الأنبياء. وذكره بعض أهل التفسير في قوله: «وما كان لبشر أن يكلمه ~~الله إلا وحيا «1» » . # وجائز أن يوصل إليهم جميع ذلك بواسطة تبلغهم كلامه، وتكون تلك الواسطة ~~إما من غير البشر. كالملائكة مع الأنبياء، أو من جنسهم كالأنبياء مع الأمم. ~~ولا مانع لهذا من دليل العقل. # - وإذا جاز هذا ولم يستحل، وجاءت الرسل بما دل على صدقهم من معجزاتهم وجب ~~تصديقهم في جميع ما أتوا به. # - لأن المعجزة مع التحدي من النبي صلى الله عليه وسلم قائم مقام قول ~~الله: PageV01P486 # «صدق عبدي فأطيعوه واتبعوه» وشاهد على صدقه فيما يقوله، وهذا كاف.. ~~والتطويل فيه خارج عن الغرض. فمن أراد تتبعه وجده مستوفى في مصنفات أئمتنا ~~رحمهم الله. # فالنبوة: في لغة من همز مأخوذة من النبأ، وهو الخبر وقد لا يهمز على هذا ~~التأويل تسهيلا. والمعنى: أن الله تعالى أطلعه على غيبه، وأعلمه أنه نبيه ~~فيكون نبي (منبأ) فعيل بمعنى (مفعول) أو يكون مخبرا عما بعثه الله تعالى ~~به، ومنبئا بما أطلعه الله عليه. فعيل بمعنى فاعل. ويكون عند من لم يهمزه ~~من النبوة. وهو ما ارتفع من الأرض. ومعناه أن له رتبة شريفة ومكانة نبيهة ~~عند مولاه منيفة «2» .. فالوصفان في حقه مؤتلفان. # وأما الرسول فهو المرسل، ولم يأت فعول بمعنى مفعل في اللغة إلا نادرا.. ~~وإرساله أمر الله له بالإبلاغ إلى من أرسله إليه واشتقاقه من التتابع.. ~~ومنه قولهم: جاء الناس أرسالا.. إذا تبع بعضهم بعضا.. فكأنه ألزم تكرير ~~التبليغ.. أو ألزمت PageV01P487 # الأمة اتباعه واختلف العلماء: هل النبي والرسول بمعنى أو بمعنيين فقيل: ~~هما سواء وأصله من الإنباء وهو الإعلام، واستدلوا بقوله تعالى: «وما أرسلنا ~~من قبلك من رسول ولا نبي «1» » فقد أثبت لهما معا الإرسال قال: ولا يكون ~~النبي إلا رسولا ولا الرسول إلا نبيا. وقيل: هما مفترقان من وجه.. إذ قد ~~اجتمعا في النبوة التي هي الاطلاع على الغيب، والإعلام بخواص النبوة أو ~~الرفعة لمعرفة ذلك وحوز درجتها.. # - وافترقا في زيادة الرسالة ms123 للرسول.. وهو الأمر بالإنذار والإعلام كما ~~قلنا، وحجتهم من الآية نفسها التفريق بين الاسمين، ولو كانا شيئا واحدا لما ~~حسن تكرار هما في الكلام البليغ. # قالوا والمعنى: وما أرسلنا من رسول إلى أمة، أو نبي وليس بمرسل إلى أحد. # وقد ذهب بعضهم إلى أن الرسول قد جاء بشرع مبتدأ، ومن لم يأت به نبي غير ~~رسول. وإن أمر بالإبلاغ والإنذار. # والصحيح والذي عليه الجماء الغفير «2» : أن كل رسول نبي PageV01P488 # وليس كل نبي رسولا وأول الرسل: آدم وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم. # وفي حديث «1» أبي ذر «2» رضي الله عنه: «إن الأنبياء مئة ألف وأربعة ~~وعشرون ألف نبي» وذكر أن الرسل منهم ثلاث مئة وثلاثة عشر أولهم آدم عليه ~~السلام فقد بان لك معنى النبوة والرسالة وليستا عند المحققين ذاتا للنبي ~~«3» .. ولا وصف ذات «4» .. خلافا للكرامية «5» ، في تطويل لهم وتهويل، ليس ~~عليه تعويل.. # وأما الوحي: فأصله الإسراع.. فلما كان النبي يتلقى ما يأتيه من ربه بعجل ~~سمي وحيا.. وسميت أنواع الإلهامات وحيا تشبيها بالوحي إلى النبي وسمي الخط ~~«وحيا» لسرعة حركة يد PageV01P489 # كاتبه «ووحي الحاجب واللحظ «1» » سرعة إشارتهما. # ومنه قوله تعالى: «فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا «2» » أي أومأ ورمز ~~وقيل كتب.. ومنه قولهم الوحا.. # الوحا «3» .. أي السرعة.. السرعة وقيل: أصل الوحي السر والإخفاء.. ومنه ~~سمي الإلهام وحيا.. # ومنه قوله تعالى: «وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم «4» » أي يوسوسون في ~~صدورهم. # ومنه قوله: «وأوحينا إلى أم موسى «5» » أي ألقي في قلبها وقد قيل ذلك في ~~قوله تعالى: # «وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا «6» » أي ما يلقيه في قلبه دون ~~واسطة. PageV01P490 ### ||| الفصل الثالث معنى المعجزات # إعلم أن معنى تسميتنا ما جاءت به الأنبياء «معجزة» # - هو أن الخلق عجزوا عن الإثبات بمثلها وهي على ضربين: # - ضرب هو من نوع قدرة البشر فعجزوا عنه فتعجيزهم عنه فعل لله دل على صدق ~~نبيه كصرفهم عن تمني الموت «1» وتعجيزهم عن الإتيان بمثل القرآن على رأي ~~بعضهم «2» ونحوه. PageV01P491 # - وضرب هو خارج عن قدرتهم، فلم يقدروا على ms124 الإتيان بمثله كإحياء الموتى ~~«1» ، وقلب العصا «2» حية، وإخراج ناقة من صخرة «3» وكلام شجرة «4» ونبع ~~الماء من الأصابع «5» ، وانشقاق القمر «6» ، مما لا يمكن أن يفعله أحد إلا ~~الله فيكون ذلك على يد النبي صلى الله عليه وسلم من فعل الله تعالى وتحديه ~~من يكذبه أن يأتي بمثله تعجيز له واعلم PageV01P492 # واعلم أن المعجزات التي ظهرت على يد نبينا صلى الله عليه وسلم ودلائل ~~نبوته وبراهين صدقه من هذين النوعين معا. # - وهو أكثر الرسل معجزة وأبهرهم آية وأظهرهم برهانا كما سنبينه وهي في ~~كثرتها لا يحيط بها ضبط فإن واحدا منها وهو «القرآن» لا يحصى عدد معجزاته ~~بألف ولا ألفين ولا أكثر.. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد تحدى بسورة منه ~~فعجز عنها أهل العلم.. وأقصر السور «إنا أعطيناك الكوثر «1» » فكل آية منه ~~أو آيات منه بعددها وقدرها معجزة.. ثم فيها نفسها معجزات على ما سنفعله ~~فيما انطوى عليه من المعجزات. # ثم معجزاته صلى الله عليه وسلم على قسمين: # - قسم منها علم قطعا ونقل إلينا متواترا كالقرآن فلا مرية ولا خلاف بمجيء ~~النبي به وظهووه من قبله واستدلاله بحجته.. وإن أنكر هذا معاند جاحد فهو ~~كإنكاره وجود محمد صلى الله عليه وسلم في الدنيا.. # وإنما جاء اعتراض الجاحدين في الحجة به، فهو في نفسه وجميع ما تضمنه من ~~معجز معلوم ضرورة، ووجه إعجازه معلوم ضرورة PageV01P493 # ونظرا كما سنشرحه.. قال بعض أئمتنا «1» ويجري هذا المجرى على الجملة أنه ~~قد جرى على يديه صلى الله عليه وسلم آيات وخوارق عادات إن لم يبلغ واحد ~~منها معينا القطع فيبلغها جميعها فلا مرية في جريان معانيها على يديه ولا ~~يختلف مؤمن ولا كافر أنه جرت على يديه عجائب.. # وإنما خلاف المعاند في كونها من قبل الله.. وقد قدمنا كونها من قبل ~~الله.. وإن ذلك بمثابة قوله «صدقت» فقد علم وقوع مثل هذا أيضا من نبينا ~~ضرورة لاتفاق معانيها، كما يعلم ضرورة جود حاتم «2» وشجاعة عنترة «3» ، ~~وحلم أحنف «4» .. لاتفاق الأخبار الواردة عن كل واحد منهم.. على ms125 كرم هذا ~~وشجاعة هذا.. وحلم هذا.. وإن كان كل خبر بنفسه لا يوجب العلم، ولا يقطع ~~بصحته PageV01P494 # - والقسم الثاني: ما لم يبلغ مبلغ الضرورة والقطع.. وهو على نوعين. # - نوع مشتهر منتشر.. رواه العدد وشاع الخبر به عند المحدثين والرواة ~~ونقلة السير والأخبار.. كنبع الماء من بين الأصابع، وتكثير الطعام. # - ونوع منه اختص به الواحد والاثنان.. ورواه العدد اليسير ولم يشتهر ~~اشتهار غيره.. لكنه إذا جمع إلى مثله اتفقا في المعنى واجتمعا على الإتيان ~~بالمعجز كما قدمناه. # قال القاضي أبو الفضل: وأنا أقول- صدعا بالحق- إن كثيرا من هذه الآيات ~~المأثورة عنه صلى الله عليه وسلم معلومة بالقطع. # أما انشقاق القمر فالقرآن نص بوقوعه، وأخبر عن وجوده، ولا يعدل عن ظاهر ~~إلا بدليل.. وجاء برفع احتماله صحيح الأخبار من طرق كثيرة، ولا يوهن عزمنا ~~خلاف أخرق «1» منحل عرى الدين.. ولا يلتفت إلى سخافة مبتدع يلقي الشك على ~~قلوب ضعفاء المؤمنين.. بل نرغم بهذا أنفه وننبذ بالعراء سخفه PageV01P495 # وكذلك قصة نبع الماء وتكثير الطعام: رواها الثقات والعدد الكثير عن ~~الجماء الغفير عن العدد الكثير من الصحابة.. # ومنها ما رواه الكافة متصلا عمن حدث بها من جملة الصحابة وأخيارهم.. أن ~~ذلك كان في موطن اجتماع الكثير منهم في يوم الخندق «1» ، وفي غزوة بواط «2» ~~.. وعمرة الحديبية «3» وغزوة تبوك «4» وأمثالها من محافل «5» المسلمين ~~ومجمع العساكر.. ولم يؤثر عن أحد من الصحابة مخالفة للراوي فيما حكاه.. ولا ~~إنكار عما PageV01P496 # ذكر عنهم أنهم رأوه كما رواه.. فسكوت الساكت منهم كنطق الناطق.. إذهم ~~المنزهون عن السكوت على باطل.. والمداهنة في كذب.. وليس هناك رغبة ولا رهبة ~~تمنعهم.. ولو كان ما سمعوه منكرا عندهم وغير معروف لديهم لأنكروه كما أنكر ~~بعضهم على بعض أشياء رواها من السنن والسير وحروف «1» القرآن. # وخطأ بعضهم بعضا ووهمه في ذلك مما هو معلوم. # - فهذا النوع كله يلحق بالقطعي من معجزاته، لما بيناه. # وأيضا فإن أمثال الأخبار التي لا أصل لها وبنيت على باطل لا بدمع مرور ~~الأزمات وتداول الناس وأهل البحث من انكشاف ضعفها وخمول ms126 ذكرها.. كما يشاهد ~~في كثير من الأخبار الكاذبة والأراجيف «2» الطارئة.. وأعلام «3» نبينا صلى ~~الله عليه وسلم هذه الواردة من طريق الآحاد.. لا تزداد مع مرور الزمان إلا ~~ظهورا.. ومع PageV01P497 # تداول الفرق وكثرة طعن العدو وحرصه على توهينها وتضعيف أصلها وإجهاد ~~الملحد من إطفاء نورها إلا قوة وقبولا ولا للطاعن عليها إلا حسرة وغليلا ~~«1» .. # - وكذلك إخباره عن الغيوب وإنباؤه بما يكون وكان معلوم من آياته على ~~الجملة بالضرورة.. وهذا حق لاغطاء عليه. # وقد قال به من أئمتنا «2» القاضي» # والأستاذ أبو بكر «4» وغيرهما رحمهم الله وما عندي أوجب قول القائل إن ~~هذه القصص المشهورة من باب خبر الواحد إلا قلة مطالعته للأخبار وروايتها، ~~وشغله بغير ذلك من المعارف. وإلا فمن اعتنى بطرق النقل، وطالع الأحاديث ~~والسير، لم يرتب في صحة هذه القصص المشهورة على الوجه الذي ذكرناه.. ولا ~~يبعد أن يحصل العلم بالتواتر عند واحد، ولا يحصل عند آخر، فإن أكثر الناس ~~يعلمون بالخبر كون بغداد موجودة وأنها مدينة عظيمة، ودار الإمامة الخلافة، ~~PageV01P498 # وآحاد من الناس لا يعلمون اسمها فضلا عن وصفها.. # وهكذا يعلم الفقهاء من أصحاب مالك «1» بالضرورة وتواتر النقل عنه أن ~~مذهبه إيجاب قراءة أم القرآن في الصلاة للمنفرد والإمام، وإجزاء النية في ~~أول ليلة من رمضان عما سواه وأن الشافعي «2» يرى تجديد النية كل ليلة. ~~والاقتصار في المسح على بعض الرأس. # وإن مذهبهما «3» القصاص في القتل بالمحدد «4» وغيره «5» وإيجاب النية في ~~الوضوء، واشتراط الولي في النكاح.. وأن أبا حنيفة «6» يخالفهما في هذه ~~المسائل «7» .. وغيرهم ممن لم يشتغل بمذاهبهم ولا روى أقوالهم لا يعرف هذا ~~من مذاهبهم فضلا عمن سواه. # وعند ذكرنا آحاد هذه المعجزات نزيد الكلام فيها بيانا إن شاء الله تعالى. ~~PageV01P499 ### ||| الفصل الرابع في إعجاز القرآن # اعلم وفقنا الله وإياك: أن كتاب الله العزيز منطو على وجوه من الإعجاز ~~كثيرة. # وتحصيلها من جهة صبط أنواعها في أربعة وجوه: # أولها: حسن تأليفه، والتئام كلمه، وفصاحته وجوه إيجازه، وبلاغته الخارقة ~~عادة العرب. # - وذلك أنهم كانوا أرباب هذا الشأن، وفرسان الكلام.. ms127 # قد خصوا من البلاغة والحكم ما لم يخص به غيرهم من الأمم، وأوتوا من ذرابة ~~«1» اللسان ما لم يؤت إنسان، ومن فصل الخطاب ما يقيد الألباب، جعل الله لهم ~~ذلك طبعا وخلقة، وفيهم غريزة PageV01P500 # وقوة.. يأتون منه على البديهة بالعجب، ويدلون به إلى كل سبب فيخطبون ~~بديها في المقامات، وشديد الخطب ويرتجزون «1» به بين الطعن والضرب، ويمدحون ~~ويقدحون، ويتوسلون ويتوصلون، ويرفعون ويضعون، فيأتون من ذلك بالسحر «2» ~~الحلال، ويطوقون من أوصافهم أجمل من سمط «3» اللآل، فيخدعون الألباب ~~ويذللون الصعاب، ويذهبون الإحن «4» ويهيجون الدمن «5» ، ويجرئون الجبان، ~~ويبسطون يد الجعد «6» البنان: ويصيرون الناقص كاملا «7» PageV01P501 # ويتركون النبيه خاملا منهم البدوي ذو اللفظ الجزل «1» ، والقول الفصل ~~والكلام الفخم، والطبع الجوهري «2» والمنزع «3» القوي. # ومنهم الحضري ذو البلاغة البارعة والألفاظ الناصعة.. والكلمات الجامعة، ~~والطبع السهل، والتصرف في القول القليل الكلفة الكثير الرونق، الرقيق ~~الحاشية «4» .. وكلا البابين فلهما في البلاغة الحجة البالغة، والقوة ~~الدافعه «5» والقدح الفالج «6» والمهيع PageV01P502 # الناهج «1» .. لا يشكون أن الكلام طوع مرادهم، والبلاغة ملك قيادهم.. قد ~~حووا فنونها واستنبطوا عيونها.. ودخلوا من كل باب من أبوابها.. وعلوا صرحا ~~«2» لبلوغ أسبابها. فقالوا في الخطير والمهين، وتفننوا في الغث «3» ~~والسمين.. وتقاولوا في القل والكثر «4» وتساجلوا في النظم والنثر.. فما ~~راعهم إلا رسول كريم.. بكتاب «عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه تنزيل من حكيم حميد «5» » أحكمت آياته، وفصلت كلماته، وبهرت بلاغته ~~العقول.. وظهرت فصاحته على كل مقول.. وتظافر «6» إيجازه وإعجازه.. وتظاهرت ~~حقيقته ومجازه.. وتبارت في الحسن مطالعه ومقاطعه.. وحوت كل البيان جوامعه ~~وبدائعه واعتدل مع إيجازه حسن نظمه.. وانطبق على كثرة فوائده مختار لفظه.. ~~وهم أفسح ما كانوا في هذا الباب مجالا.. وأشهر PageV01P503 # في الخطابة رجالا.. وأكثر في السجع والشعر سجالا.. وأوسع في الغريب ~~واللغة مقالا بلغتهم التي بها يتحاورون، ومنازعهم التي عنها يتناضلون، ~~صارخا بهم في كل حين ومقرعا لهم بضعا وعشرين عاما على رؤوس الملإ أجمعين.. # «أم يقولون افتراه، قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله ~~إن كنتم صادقين «1» » «وإن ms128 كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من ~~مثله «2» » إلى قوله «ولن تفعلوا» . «قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن «3» » الآية «قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات» # » . # وذلك أن المفترى أسهل.. ووضع الباطل والمختلق على الاختيار أقرب.. واللفظ ~~إذا تبع المعنى الصحيح كان أصعب. # ولهذا قيل: فلان يكتب كما يقال، وفلان يكتب كما يريد. # وللأول على الثاني فضل.. وبينهما شأو. بعيد PageV01P504 # فلم يزل يقرعهم صلى الله عليه وسلم أشد التقريع ويوبخهم غاية التوبيخ، ~~ويسفه أحلامهم ويحط أعلامهم، ويشتت نظامهم.. ويذم آلهتهم وإياهم.. ويستبيح ~~أرضهم وديارهم وأموالهم.. وهم في كل هذا ناكصون عن معارضته.. محجمون عن ~~مماثلته.. يخادعون أنفسهم بالتشغيب بالتكذيب. والإغتراء بالافتراء وقولهم ~~«إن هذا إلا قول البشر إن هذا إلا سحر يؤثر «1» » و «سحر مستمر «2» » و ~~«إفك افتراه «3» » و «أساطير الأولين «4» » . والمباهتة والرضى بالدنيئة. # كقولهم: «قلوبنا غلف «5» » و «في أكنة مما تدعونا إليه» «وفي آذاننا وقر ~~ومن بيننا وبينك حجاب «6» » و «لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم ~~تغلبون «7» » والادعاء مع PageV01P505 # العجز بقولهم: «لو نشاء لقلنا مثل هذا «1» » . # وقد قال لهم الله «ولن تفعلوا «2» » فما فعلوا ولا قدروا ومن تعاطى ذلك ~~من سفهائهم كمسيلمة «3» . كشف عواره «4» لجميعهم.. # وسلبهم الله ما ألفوه من فضح كلامهم.. وإلا فلم يخف على أهل الميز «5» ~~منهم أنه ليس من نمط فصاحتم، ولا جنس بلاغتهم.. بل ولوا عنه مدبرين وأتوا ~~مذعنين من بين مهتد وبين مفتون ولهذا لما سمع الوليد «6» بن المغيرة من ~~النبي صلى الله عليه وسلم «7» «إن الله يأمر بالعدل والإحسان «8» » الآية. ~~قال: «والله إن له لحلاوة.. وإن عليه PageV01P506 # لطلاوة «1» ، وإن أسفله لمغدق «2» ، وإن أعلاه لمثمر ما يقول هذا بشر» . # وذكر أبو عبيدة «3» : أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ «فاصدع بما تؤمر «4» » ~~فسجد وقال: «سجدت لفصاحته» . # وسمع آخر يقرأ: «فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا «5» » فقال: أشهد أن ~~مخلوقا لا يقدر على مثل هذا الكلام وحكي: # أن عمر بن الخطاب «6» رضي الله عنه كان يوما نائما في المسجد فإذا ms129 هو ~~بقائم على رأسه يتشهد شهادة الحق.. فاستخبره.. فأعلمه أنه من بطارقة «7» ~~الروم ممن يحسن كلام العرب وغيرها وأنه سمع رجلا من أسرى المسلمين يقرأ آية ~~من كتابكم فتأملتها فإذا قد جمع فيها ما أنزل الله على عيسى بن مريم من ~~أحوال الدنيا والآخرة. # وهي قوله «ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه PageV01P507 # فأولئك هم الفائزون «1» » الآية وحكى الأصمعي «2» : أنه سمع كلام جارية.. ~~فقال لها: «قاتلك «3» الله ما أفصحك» !!. # فقالت: أو يعد هذا فصاحة بعد قول الله تعالى «وأوحينا إلى أم موسى أن ~~أرضعيه «4» » .. الآية فجمع في آية واحدة بين أمرين «5» ونهيين «6» وخبرين ~~«7» وبشارتين «8» . # فهذا نوع من إعجازه منفرد بذاته غير مضاف إلى غيره على التحقيق والصحيح ~~من القولين. # - وكون القرآن من قبل النبي صلى الله عليه وسلم وأنه أتى به معلوم ضرورة ~~وكونه صلى الله عليه وسلم متحديا به معلوم ضرورة. وعجز العرب عن الإتيان به ~~معلوم ضرورة وكونه في فصاحته خارقا للعادة معلوم ضرورة PageV01P508 # للعالمين بالفصاحة ووجوه البلاغة.. وسبيل من ليس من أهلها علم ذلك بعجز ~~المكرين من أهلها عن معارضته، واعتراف المقرين بإعجاز بلاغته. # وأنت إذا تأملت قوله تعالى «ولكم في القصاص حياة «1» » وقوله «ولو ترى إذ ~~فزعوا فلا فوت.. وأخذوا من مكان قريب» # » وقوله «ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ~~«3» » وقوله: «وقيل يا أرض ابلعي ماءك، ويا سماء أقلعي «4» » الآية وقوله: ~~«فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا «5» » .. الآية وأشباهها من ~~الآي «6» .. بل أكثر القرآن.. حققت ما بينته من إيجاز ألفاظها وكثرة ~~معانيها، وديباجة عبارتها «7» وحسن تأليف حروفها، وتلاؤم كلمها، وأن تحت كل ~~لفظة منها جملا كثيرة، PageV01P509 # وفصولا جمة، وعلوما زواخر «1» . ملئت الدواوين من بعض ما استفيد منها، ~~وكثرت المقالات في المستنبطات عنها.. ثم هو في سرد القصص الطوال وأخبار ~~القرون السوالف التي يضعف في عادة الفصحاء عندها الكلام، ويذهب ماء البيان ~~آية لمتأمله من ربط الكلام بعضه ببعض، والتئام سرده، وتناصف وجوهه. # كقصة يوسف على طولها. ثم إذا ms130 ترددت قصصه اختلفت العبارات عنها على كثرة ~~ترددها.. حتى تكاد كل واحدة تنسي في البيان صاحبتها، وتناصف في الحسن وجه ~~مقابلتها.. ولا نفور للنفوس من ترديدها ولا معاداة لمعادها. PageV01P510 ### ||| الفصل الخامس إعجاز النظم والأسلوب # الوجه الثاني من إعجازه.. صورة نظمه العجيب والأسلوب الغريب المخالف ~~لأساليب كلام العرب ومناهج نظمها ونثرها الذي جاء عليه، ووقفت مقاطع آيه ~~وانتهت فواصل كلماته إليه.. ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له.. ولا استطاع ~~أحد مماثلة شيء فيه منه بل حارت فيه عقولهم.. وتدلهت «1» دونه أحلامهم.. # ولم يهتدوا إلى مثله في جنس كلامهم.. من نثر، أو نظم، أو سجع، أو رجز، أو ~~شعر.. # ولما سمع كلامه صلى الله عليه وسلم الوليد بن المغيرة «2» . وقرأ عليه ~~القرآن رق فجاءه أبو جهل «3» منكرا عليه قال: «والله ما منكم أحد أعلم ~~PageV01P511 # بالأشعار مني والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا» . # وفي خبره الآخر «1» حين جمع قريشا عند حضور الموسم وقال: # «إن وفود العرب ترد فأجمعوا فيه رأيا لا يكذب بعضكم بعضا» فقالوا: نقول ~~كاهن. قال: والله ما هو بكاهن.. ما هو بزمزمته «2» ولا سجعه. قالوا: ~~مجنون!! قال: ما هو بمجنون.. ولا بخنقه «3» ولا وسوسته «4» . قالوا: فنقول ~~شاعر!! قال: ما هو بشاعر.. قد عرفنا الشعر كله رجزه «5» وهزجه «6» ، وقريضه ~~«7» ومبسوطه «8» ومقبوضه «9» ما هو بشاعر. # قالوا: فنقول ساحر!! قال: ما هو بساحر، ولا نفثه «10» PageV01P512 # ولا عقده «1» . قالوا: فما نقول؟!!. قال: ما أنتم بقائلين من هذا شيئا ~~إلا وأنا أعرف أنه باطل.. وإن أقرب القول أنه ساحر فإنه سحر يفرق بين المرء ~~وابنه والمرء وأخيه، والمرء وزوجه، والمرء وعشيرته فتفرقوا وجلسوا على ~~السبل يحذرون الناس. # فأنزل الله تعالى في الوليد: «ذرني ومن خلقت وحيدا» «2» # وقال عتبة «3» بن ربيعة حين سمع القرآن: «يا قوم.. قد علمتم أني لم أترك ~~شيئا إلا وقد علمته وقرأته وقلته.. والله لقد سمعت قولا.. والله ما سمعت ~~مثله قط.. ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة» . # وقال النضر «4» بن الحارث نحوه.. # وفي حديث «5» إسلام أبي ذر ms131 «6» ووصف أخاه أنيسا «7» فقال: PageV01P513 # والله ما سمعت بأشعر من أخي أنيس.. لقد ناقض اثني عشر شاعرا في الجاهلية، ~~أنا أحدهم.. وإنه انطلق إلى مكة وجاء إلى أبي ذر بخبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم.. # قلت: فما يقول الناس؟!. قال: يقولون: شاعر، كاهن، ساحر، لقد سمعت قول ~~الكهانة فما هو بقولهم، ولقد وضعته على أقراء «1» الشعر فلم يلتئم، وما ~~يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر وإنه لصادق وإنهم لكاذبون. # والأخبار في هذا صحيحة كثيرة والإعجاز بكل واحد من النوعين الإيجاز ~~والبلاغة بذاتها، والأسلوب الغريب بذاته كل واحد منهما نوع إعجاز على ~~التحقيق لم تقدر العرب على الإتيان بواحد منهما.. إذ كل واحد خارج عن ~~قدرتها، مباين لفصاحتها وكلامها، وإلى هذا ذهب غير واحد من أئمة المحققين ~~وذهب بعض المقتدى بهم إلى أن الإعجاز في مجموع البلاغة والأسلوب وأتى على ~~ذلك بقول تمجه الأسماع وتنفر منه القلوب والصحيح: ما قدمناه والعلم بهذا ~~كله ضرورة وقطعا. ومن تفنن في علوم البلاغة، PageV01P514 # وأرهف خاطره ولسانه أدب هذه الصناعة لم يخف عليه ما قلناه. # وقد اختلف أئمة أهل السنة في وجه عجزهم عنه فأكثرهم يقول: إنه مما جمع في ~~قوة جزالته ونصاعة ألفاظه، وحسن نظمه، وإيجازه، وبديع تأليفه، وأسلوبه، لا ~~يصح أن يكون في مقدور البشر.. # وأنه من باب الخوارق الممتنعة عن أقدار الخلق عليها كإحياء «1» الموتى، ~~وقلب العصا «2» ، وتسبيح الحصا «3» وذهب الشيخ أبو الحسن «4» إلى أنه مما ~~يمكن أن يدخل مثله تحت مقدور البشر ويقدرهم الله عليه.. ولكنه لم يكن هذا ~~ولا يكون.. # فمنعهم الله هذا وعجزهم عنه وقال به جماعة من أصحابه» # . وعلى الطريقتين.. فعجز العرب عنه ثابت، وإقامة الحجة عليهم بما أن يكون ~~في مقدور البشر وتحديهم بأن يأتوا بمثله قاطع.. وهو أبلغ في التعجيز، وأحرى ~~بالتقريع والاحتجاج بمجيء بشر مثلهم بشيء ليس من قدرة البشر لازم.. وهو ~~أبهر آية، وأقمع دلالة. PageV01P515 # وعلى كل حال فما أتوا في ذلك بمقال بل صبروا على الجلاء، والقتل، وتجرعوا ~~كاسات الصغار «1» والذل، وكانوا من ms132 شموخ «2» الأنف «3» وإباءة الضيم بحيث ~~لا يؤثرون ذلك اختيارا، ولا يرضونه إلا اضطرارا.. وإلا فالمعارضة- لو كانت ~~من قدرهم «4» - والشغل بها أهون عليهم، وأسرع بالنجح «5» وقطع العذر، ~~وإفحام الخصم لديهم.. وهم ممن لهم قدرة على الكلام، وقدوة في المعرفة به ~~لجميع الأنام، وما منهم الا من جهد جهده واستنفر «6» ما عنده في إخفاء ~~ظهوره، وإطفاء نوره فما جلوا «7» في ذلك خبيئة «8» من بنات شفاههم «9» ، ~~ولا أتوا بنطفة «10» من PageV01P516 # معين «1» مياههم مع طول الأمر، وكثرة العدد، وتظاهر الوالد وما ولد بل ~~أبلسوا «2» فما نبسوا «3» ومنعوا فانقطعوا فهذان النوعان من إعجازه. ~~PageV01P517 ### ||| الفصل السادس الإخبار عن المغيبات # الوجه الثالث من الإعجاز، ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيبات، وما لم ~~يكن ولم يقع فوجد كما ورد على الوجه الذي أخبر. # كقوله تعالى: «لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين «1» » وقوله ~~تعالى: «وهم من بعد غلبهم سيغلبون «2» » . # وقوله: «ليظهره على الدين كله «3» » . # وقوله: «وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض ~~«4» » الآية. # وقوله: «إذا جاء نصر الله والفتح «5» » إلى آخرها. PageV01P518 # فكان جميع هذا كما قال.. فغلبت الروم فارس في بضع سنين. # ودخل الناس في الإسلام أفواجا فما مات صلى الله عليه وسلم وفي بلاد العرب ~~كلها موضع لم يدخله الإسلام. واستخلف الله المؤمنين في الأرض ومكن دينهم.. ~~وملكهم إياها من أقصى المشارق إلى أقصى المغارب.. كما قال صلى الله عليه ~~وسلم «1» «زويت «2» لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما ~~زوي لي منها» . # وقوله: «إنا نحن نزلنا الذكر «3» وإنا له لحافظون «4» » فكان كذلك، لا ~~يكاد يعد من سعى في تغييره وتبديل محكمه من الملحدة «5» والمعطلة «6» لا ~~سيما القرامطة «7» ، فأجمعوا كيدهم، PageV01P519 # وحولهم وقوتهم اليوم «1» نيفا على خمسمائة عام فما قدروا على إطفاء شيء ~~من نوره، ولا تغير كلمة من كلامه، ولا تشكيك المسلمين في حرف من حروفه ~~والحمد لله. # ومنه قوله: «سيهزم الجمع ويولون الدبر «2» » . # وقوله: «قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم «3» » الآية. # وقوله: «هو الذي أرسل رسوله بالهدى «4» » الآية. # وقوله: «لن يضروكم إلا أذى وإن ms133 يقاتلوكم «5» » الآية. # فكان كل ذلك، وما فيه من كشف أسرار المنافقين واليهود ومقالهم وكذبهم في ~~حلفهم، وتقريعهم بذلك. # كقوله: «ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول «6» » . # وقوله: «يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك» # » الآية. # وقوله: «ومن الذين هادوا سماعون للكذب «8» الآية. PageV01P520 # وقوله: «من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه» إلى قوله «في الدين «1» ~~» . # وقد قال مبديا ما قدره الله واعتقده المؤمنون يوم بدر «وإذ يعدكم الله ~~إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم «2» » ومنه ~~قوله تعالى: # «إنا كفيناك المستهزئين «3» » . # ولما نزلت بشر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك أصحابه.. بأن الله كفاه ~~إياهم. وكان المستهزؤون نفرا بمكة ينفرون الناس عنه ويؤذونه فهلكوا.. ~~وقوله: «والله يعصمك من الناس «4» » . # فكان كذلك على كثرة من رام ضره وقصد قتله. # والأخبار بذلك معروفة وصحيحة. PageV01P521 ### ||| الفصل السابع إخباره عن القرون السالفة والأمم البائدة # الوجه الرابع ما أنبأ به من أخبار القرون السالفة والأمم البائدة ~~والشرائع الداثرة «1» ، مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذ «2» من ~~أحبار أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلم ذلك. # فيورده النبي صلى الله عليه وسلم على وجهه، ويأتي به على نصه، فيعترف ~~العالم بذلك بصحته وصدقه وأن مثله لم ينله بتعليم. # وقد علموا أنه صلى الله عليه وسلم أمي لا يقرأ ولا يكتب ولا اشتغل ~~بمدارسة ولا مثافنة «3» ، ولم يغب عنهم، ولا جهل حاله أحد منهم وقد كان أهل ~~الكتاب كثيرا ما يسألونه صلى الله عليه وسلم عن هذا فينزل عليه PageV01P522 # من القرآن ما يتلو عليهم منه ذكرا. كقصص الأنبياء مع قومهم وخبر موسى ~~والخضر «1» ، ويوسف وإخوته، وأصحاب الكهف «2» ، وذي القرنين «3» ، ولقمان ~~«4» وابنه، وأشباه ذلك من الأنبياء، وبدء الخلق، وما في التوراة والإنجيل ~~والزبور، وصحف إبراهيم وموسى مما صدقه فيه العلماء بها، ولم يقدروا على ~~تكذيب ما ذكر منها، بل أذعنوا لذلك. فمن موفق آمن بما سبق له من خير، ومن ~~شقي معاند حاسد.. # ومع هذا لم يحك عن واحد من النصارى واليهود ms134 على شدة عداوتهم له وحرصهم ~~على تكذيبه، وطول احتجاجه عليهم بما في كتبهم، وتقريعهم بما انطوت عليه ~~مصاحفهم، وكثرة سؤالهم له صلى الله عليه وسلم، وتعينتهم «5» إياه عن أخبار ~~أنبيائهم، وأسرار علومهم، PageV01P523 # ومستودعات سيرهم، وإعلامه لهم بمكتوم شرائعهم، ومضمنات كتبهم.. مثل ~~سؤالهم عن الروح.. وذي القرنين.. وأصحاب الكهف.. وعيسى.. وحكم الرجم.. وما ~~حرم إسرائيل على نفسه.. وما حرم عليهم من الأنعام ومن طيبات كانت أحلت لهم ~~فحرمت عليهم ببغيهم. # وقوله: «ذلك مثلهم في التوراة. ومثلهم في الإنجيل «1» » وغير ذلك من ~~أمورهم التي نزل فيها القرآن فأجابهم، وعرفهم بما أوحي إليه من ذلك.. فما ~~عرف عن أحد أنه أنكر ذلك أو كذبه.. بل أكثرهم صرح بصحة نبوته.. وصدق ~~مقالته.. # واعترف بعناده وحسده إياه. كأهل نجران «2» .. وابن صوريا «3» وابني أخطب ~~«4» .. وغيرهم. PageV01P524 # ومن باهت في ذلك بعض المباهتة.. وادعى أن فيما عندهم من ذلك لما حكاه ~~مخالفة.. دعي إلى إقامة حجته.. وكشف دعوته. # فقيل له: «قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين» إلى قوله «الظالمون ~~«1» » .. فقرع ووبخ.. ودعا إلى إحضار ممكن غير ممتنع فمن معترف بما جحده.. ~~ومتواقح يلقي على فضيحته من كتابه يده «2» .. ولم يؤثر أن واحدا منهم أظهر ~~خلاف قوله من كتبه، ولا أبدى صحيحا ولا سقيما من صحفه. # قال الله تعالى: «يا أهل الكتاب.. قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما ~~كنتم تخفون من الكتاب.. ويعفوا عن كثير «3» » الآيتين. PageV01P525 ### ||| الفصل الثامن التحدي والتعجيز في قضايا وإعلامهم أنهم لا يفعلونها # هذه الوجوه الأربعة من إعجازه بينة لا نزاع فيها ولا مرية.. # ومن الوجوه البينة في إعجازه من غير هذه الوجوه أي وردت بتعجيز قوم في ~~قضايا.. وإعلامهم أنهم لا يغفلونها.. فما فعلوا، ولا قدروا على ذلك كقوله ~~لليهود: «قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة «1» » الآية. # قال أبو إسحق الزجاج «2» : «في هذه الآية أعظم حجة، وأظهر دلالة على صحة ~~الرسالة.. لأنه قال لهم «فتمنوا الموت» وأعلمهم أنهم لا يتمنوه أبدا.. فلم ~~يتمنه واحد منهم. # وعن النبي صلى الله عليه ms135 وسلم «3» : والذي نفسي بيده لا يقولها رجل منهم ~~PageV01P526 # إلا غص بريقه- يعني يموت مكانه- فصرفهم الله عن تمنيه.. # وجرعهم ليظهر صدق رسوله، وصحة ما أوحي إليه.. # إذ لم يتمنه أحد منهم.. وكانوا على تكذيبه أحرص لو قدروا.. ولكن الله ~~يفعل ما يريد.. فظهرت بذلك معجزته. # وبانت حجته.. # قال أبو محمد الأصيلي «1» : من أعجب أمرهم أنه لا يوجد منهم جماعة ولا ~~واحد من يوم أمر الله بذلك بنيه يقدم عليه.. ولا يجيب إليه.. وهذا موجود ~~مشاهد لمن أراد أن يمتحنه منهم.. # وكذلك آية المباهلة «2» من هذا المعنى حيث: وفد عليه أساقفة نجران، وأتوا ~~الإسلام فأنزل الله تعالى عليه آية المباهلة بقوله: «فمن حاجك فيه «3» ..» ~~الآية. فامتنعوا منها.. # ورضوا بأداء الجزية.. وذلك أن العاقب عظيمهم قال لهم: PageV01P527 # قد علمتم أنه نبي.. وأنه ما لاعن قوما نبي قط فبقي كبيرهم ولا صغيرهم.. ~~«ومثله قوله: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا» إلى قوله: «فإن لم ~~تفعلوا ولن تفعلوا «1» » . فأخبرهم أنهم لا يفعلون كما كان وهذه الآية أدخل ~~في باب الإخبار عن الغيب ولكن فيها من التعجيز ما في التي قبلها.. ~~PageV01P528 ### ||| الفصل التاسع روعته في السمع وهيبته في القلوب # ومنها الروعة التي تلحق قلوب سامعيه وأسماعهم عند سماعه، والهيبة التي ~~تعتريهم عند تلاوته لقوة حاله وإنافة «1» خطره.. # وهي على المكذبين به أعظم.. حتى كانوا يستثقلون سماعه ويزيدهم نفورا.. ~~كما قال تعالى «2» .. ويودون انقطاعه لكراهتهم له.. ولهذا قال صلى الله ~~عليه وسلم «إن القرآن صعب مستصعب على من كرهه وهو الحكم» «3» . # وأما المؤمن.. فلا تزال روعته به وهيبته إياه مع تلاوته توليه انجذابا.. ~~وتكسبه هشاشة «4» لميل قلبه إليه.. وتصديقه به # قال الله تعالى: «تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، PageV01P529 # ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله» # » . # وقال: «لو أنزلنا هذا القرآن على جبل «2» ، الآية ويدخل على أن هذا شيء ~~خص به أنه يعتري من لا يفهم معانيه. ولا يعلم تفاسيره.. كما روي عن نصراني: ~~أنه مر بقارىء فوقف يبكي. # فقيل له- مم بكيت.. قال: للشجا «3» والنظم.. وهذه ms136 الروعة قد اعترف جماعة ~~قبل الإسلام وبعده.. فمنهم من أسلم لها لأول وهلة.. وآمن به. ومنهم من ~~كفر.. # فحكي في الصحيح «4» .. عن جبير «5» بن مطعم قال: سمعت النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور فلما بلغ هذه الآية «أم خلقوا من غير ~~شيء!! أم هم الخالقون» إلى قوله «المصيطرون «6» PageV01P530 # كاد قلبي أن يطير للإسلام.. وفي رواية: وذلك أول ما وقر الاسلام في ~~قلبي.. وعن «1» عتبة بن ربيعة «2» : أنه كلم النبي صلى الله عليه وسلم فيما ~~جاء به من خلاف قومه فتلا عليهم «حم فصلت إلى قوله صاعقة مثل صاعقة عاد ~~وثمود «3» » فأمسك عتبة بيده على في النبي صلى الله عليه وسلم وناشده الرحم ~~أن يكف. # وفي رواية «4» : فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ، وعتبة مصغ ملق يديه ~~خلف ظهره معتمد عليهما حتى انتهى إلى السجدة فسجد النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقام عتبة لا يدري بم يراجعه.. ورجع إلى قومه حتى أتوه فاعتذر لهم.. وقال: ~~«والله لقد كلمني بكلام والله ما سمعت أذناي بمثله قط.. فما دريت ما أقول ~~له» . # وقد حكي عن غير واحد ممن رام معارضته. أنه اعترته روعة وهيبة كف بها عن ~~ذلك فحكي: أن ابن المقفع «5» طلب PageV01P531 # ذلك ورامه «1» وشرع فيه فمر بصبي يقرأ «وقيل يا أرض ابلعي ماءك «2» » ~~فرجع فمحى ما عمل.. وقال: «أشهد أن هذا لا يعارض.. وما هو من كلام البشر» ~~وكان من أفصح أهل وقته # وكان يحيى بن حكم «3» الغزال بليغ الأندلس في زمنه فحكي: # أنه رام شيئا من هذا.. فنظر في سورة الإخلاص ليحذو على مثالها.. وينسج ~~بزعمه على منوالها.. قال: فاعترتني منه خشية ورقة حملتني على التوبة ~~والإنابة.. PageV01P532 ### ||| الفصل العاشر بقاؤه على الزمن # ومن وجوه إعجازه المعدودة كونه آية باقية لا تعدم ما بقيت الدنيا.. مع ~~تكفل الله تعالى بحفظه. # فقال: «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون «1» » . # وقال: «لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه «2» » وسائر معجزات ~~الأنبياء انقضت بانقضاء أوقاتها فلم يبق إلا ms137 خبرها.. والقرآن العزيز ~~الباهرة آياته الظاهرة معجزاته على ما كان عليه اليوم مدة خمس مئة عام وخمس ~~وثلاثين سنة «3» لأول نزوله إلى وقتنا هذا حجته قاهرة ومعارضته ممتنعة، ~~والأعصار كلها طافحة PageV01P533 # بأهل البيان وحملة علم اللسان وأئمة البلاغة.. وفرسان الكلام، وجهابذة ~~«1» البراعة.. والملحد فيهم كثير.. والمعادي للشرع عتيد.. فما منهم من أتى ~~بشيء يؤثر في معارضته.. ولا ألف كلمتين في مناقضته.. ولا قدر فيه على مطعن ~~صحيح.. ولا قدح المتكلف من ذهنه في ذلك إلا بزند «2» شحيح.. # بل المأثور عن كل من رام ذلك إلقاؤه في العجز بيديه، والنكوص «3» على ~~عقبيه.. PageV01P534 ### ||| الفصل الحادي عشر وجوه أخرى للإعجاز # وقد عد جماعة من الأئمة ومقلدي الأمة في إعجازه وجوها كثيرة منها: أن ~~قارئه لا يمله، وسامعه لا يمجه «1» .. بل الإكباب على تلاوته يزيده حلاوة.. ~~وترديده يوجب له محبة.. لا يزال غضا طريا.. وغيره من الكلام.. ولو بلغ في ~~الحسن والبلاغة مبلغه يمل مع الترديد، ويعادى إذا أعيد وكتابنا يستلذ به في ~~الخلوات.. ويؤنس بتلاوته في الأزمات.. وسواه من الكتب لا يوجد فيها ذلك.. ~~حتى أحدث لها أصحابها لحونا وطرقا يستجلبون بتلك اللحون تنشيطهم على ~~قراءتها. PageV01P535 # ولهذا وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن بأنه «1» : «لا يخلق «2» ~~على كثرة الرد، ولا تنقضي عبره ولا تفنى عجائبه.. هو الفصل «3» ليس بالهزل ~~لا يشبع منه العلماء ولا تزيغ «4» به الأهواء.. ولا تلتبس به الألسنة.. هو ~~الذي لم تنته الجن حين سمعته أن قالوا «إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى ~~الرشد «5» » . # ومنها: جمعه لعلوم ومعارف لم تعهد العرب عامة ولا محمد صلى الله عليه ~~وسلم قبل نبوته خاصة بمعرفتها ولا القيام بها.. ولا يحيط بها أحد من علماء ~~الأمم.. ولا يشتمل عليها كتاب على كتبهم.. # فجمع فيه من بيان علم الشرائع والتنبه على طرق الحجج العقليات. # والرد على فرق الأمم ببراهين قوية وأدلة بينة سهلة الألفاظ موجزة ~~المقاصد.. رام المتحذلقون «6» بعد أن ينصبوا أدلة مثلها فلم PageV01P536 # يقدروا عليها ... كقوله تعالى: «أوليس الذي خلق السماوات والأرض ms138 بقادر ~~على أن يخلق مثلهم بلى «1» » . و «قل يحييها الذي أنشأها أول مرة «2» » و ~~«لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا «3» » إلى ما حواه من علوم السير، ~~وأنباء الأمم والمواعظ والحكم، وأخبار الدار الآخرة، ومحاسن الآداب والشيم ~~«4» ، قال الله جل اسمه «ما فرطنا في الكتاب من شيء «5» » و «ونزلنا عليك ~~الكتاب تبيانا لكل شيء» # » و «ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل «7» » . # وقال صلى الله عليه وسلم «8» «إن الله أنزل هذا القرآن آمرا وزاجرا وسنة ~~خالية «9» ، ومثلا مضروبا.. فيه نبؤكم وخبر ما كان قبلكم.. ونبأ ما بعدكم.. ~~وحكم ما بينكم.. لا يخلقه طول PageV01P537 # الرد.. ولا تنقضي عجائبه.. هو الحق ليس بالهزل.. من قال به صدق.. ومن حكم ~~به عدل.. ومن خاصم به فلج «1» ومن قسم «2» به أقسط «3» .. ومن عمل به أجر.. ~~ومن تمسك به هدي إلى صراط مستقيم.. من طلب الهدى من غيره أضله الله.. # ومن حكم بغيره قصمه «4» الله.. هو الذكر الحكيم.. والنور المبين.. ~~والصراط المستقيم.. وحبل الله المتين والشفاء النافع عصمة لمن تمسك به.. ~~ونجاة لمن اتبعه.. لا يعوج فيقوم.. # ولا يزيع فيستعتب «5» ولا تنقضي عجائبه.. ولا يخلق على كثرة الرد.. ونحوه ~~«6» عن ابن مسعود «7» .. وقال فيه: # ولا يختلف.. ولا يتشان «8» .. فيه فنبأ الأولين والآخرين. PageV01P538 # وفي الحديث «1» ، قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: «إني منزل ~~عليك توراة حديثة. تفتح بها أعينا عميا.. وآذانا صما.. # وقلوبا غلفا.. فيها ينابيع العلم.. وفهم الحكمة.. وربيع القلوب» وعن كعب ~~«2» «عليكم بالقرآن فإنه فهم العقول. # ونور الحكمة» . # وقال تعالى: «إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه ~~يختلفون «3» » . وقال: «هذا بيان للناس وهدى «4» » الآية. فجمع فيه مع ~~وجازة ألفاظه وجوامع كلمه أضعاف ما في الكتب قبله.. التي ألفاظها على الضعف ~~منه مرات. # ومنها: جمعه فيه بين الدليل «5» ومدلوله «6» .. وذلك أنه احتج بنظم ~~القرآن وحسن وصفه وإيجازه وبلاغته وأثناء هذه البلاغة أمره ونهيه ووعده ~~ووعيده.. فالتالي له يفهم موضع الحجة PageV01P539 # والتكليف معا من كلام واحد، وسورة منفردة. ms139 # ومنها: أن جعله في حيز المنظوم الذي لم يعهد، ولم يكن في المنثور.. لأن ~~المنظوم أسهل على النفوس.. وأوعى للقلوب، وأسمح في الآذان.. وأحلى على ~~الأفهام، فالناس إليه أميل.. # والأهواء إليه أسرع.. ومنا: تيسيره تعالى حفظه لمتعلمه.. # وتقريبه على متحفظيه.. # قال الله تعالى: «ولقد يسرنا القرآن للذكر «1» » وسائر الأمم لا يحفظ ~~كتبها الواحد منهم فكيف الجماء على مرور السنين عليهم.. والقرآن ميسر حفظه ~~للغلمان في أقرب مدة. # ومنها: مشاكلة «2» بعض أجزائه بعضا.. وحسن ائتلاف أنواعها.. والتتئام ~~أقسامها.. وحسن التخلص من قصة إلى أخرى.. والخروج من باب إلى غيره على ~~اختلاف معانيه.. # وانقسام السورة الواحدة إلى: أمر ونهي، وخبر واستخبار، ووعد ووعيد وإثبات ~~نبوة وتوحيد وتقرير «3» وترغيب PageV01P540 # وترهيب إلى غير ذلك من فوائده.. دون خلل يتخلل فصوله. # والكلام الفصيح إذا اعتوره «1» مثل هذا ضعفت قوته.. ولانت جزالته.. وقل ~~رونقه.. وتقلقلت ألفاظه.. # فتأمل أول «ص «2» » وما جمع فيها من أخبار الكفار، وشقاقهم، وتقريعهم ~~بإهلاك القرون من قبلهم.. وما ذكر من تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم. ~~وتعجبهم مما أتى به، والخبر عن اجتماع ملئهم على الكفر.. وما ظهر من الحسد ~~في كلامهم.. # وتعجيزهم. وتوهينهم.. ووعيدهم بخزي الدنيا والآخرة.. # وتكذيب الأمم قبلهم.. وإهلاك الله لهم.. ووعيد هؤلاء مثل مصابهم.. وتصبير ~~النبي صلى الله عليه وسلم على أذاهم.. وتسليته بكل ما تقدم ذكره. ثم أخذ في ~~ذكر داوود «3» .. وقصص الأنبياء.. # كل هذا في أوجز كلام، وأحسن نظام.. ومنها: الجملة الكثيرة التي انطوت ~~عليها الكلمات القليلة. # وهذا كله.. وكثير مما ذكرنا أنه ذكر في إعجاز القرآن إلى وجوه كثيرة. ~~ذكرها الأئمة لم نذكرها.. إذ أكثرها داخل PageV01P541 # في باب بلاغته.. فلا نحب أن يعد فنا منفردا في إعجازه.. # إلا في باب تفصيل فنون البلاغة.. وكذلك كثير مما قدمنا ذكره عنهم.. يعد ~~في خواصه وفضائله.. لا في إعجازه. وحقيقة الإعجاز الوجوه الأربعة التي ~~ذكرنا، فليعتمد عليها. # وما بعدها.. من خواص القرآن وعجائبه التي لا تنقضي. # والله ولي التوفيق. # PageV01P542 ### ||| الفصل الثاني عشر في انشقاق القمر وحبس الشمس # قال ms140 الله تعالى: «اقتربت الساعة وانشق القمر، وإن يروا آية يعرضوا ~~ويقولوا سحر مستمر «1» » «2» أخبر تعالى بوقوع انشقاقه بلفظ الماضي. وإعراض ~~الكفرة عن آياته. # وأجمع المفسرون وأهل السنة على وقوعه عن «3» ابن مسعود «4» رضي الله عنه ~~قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين، فرقة فوق ~~الجبل «5» ، وفرقة دونه PageV01P543 # فقال رسول صلى الله عليه وسلم: اشهدوا وفي رواية «1» مجاهد «2» : ونحن مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم.. # وفي بعض طرق الأعمش «3» : بمعنى.. ورواه أيضا عن ابن مسعود الأسود» # وقال «5» : حتى رأيت الجبل بين فرجتي القمر القمر. ورواه عنه مسروق «6» ~~أنه كان بمكة «7» . # وزاد: فقال: فقال كفار قريش: «سحركم ابن أبي كبشة «8» » فقال رجل منهم: ~~«إن محمدا إن كان سحر القمر فإنه لا يبلغ من سحره أن يسحر الأرض كلها.. ~~فاسألوا من يأتيكم من بلد آخر.. # هل رأوا هذا؟. فأتوا فسألوهم.. فأخبر وهم أنهم رأوا مثل ذلك» PageV01P544 # وحكى السمرقندي «1» عن الضحاك «2» نحوه فقال أبو جهل «3» : # هذا سحر.. فابعثوا إلى أهل الآفاق حتى تنظروا.. أرأوا ذلك أم لا!!. فأخبر ~~أهل الآفاق أنهم رأوه منشقا.. فقالوا- يعني الكفار- هذا سحر مستمر رواه ~~أيضا عن ابن «4» مسعود علقمة «5» فهؤلاء الأربعة عن عبد الله وقد رواه غير ~~ابن مسعود.. # كما رواه ابن مسعود منهم: أنس «6» - وابن عباس «7» - وابن عمر «8» - ~~وحذيفة «9» وعلي «10» - وجبير بن مطعم «11» - # فقال علي من رواية أبي حذيفة الأرحبي «12» «انشق القمر ونحن PageV01P545 # مع النبي صلى الله عليه وسلم» . وعن أنس: سأل أهل مكة النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر مرتين «1» حتى رأوا حراء ~~بينما.. رواه عن أنس قتادة «2» وفي رواية معمر «3» وغيره عن قتادة عنه «4» ~~: # أراهم القمر مرتين انشقاقه «5» .. فنزلت «اقتربت الساعة وانشق القمر «6» ~~» . # ورواه عن جبير «7» بن مطعم ابنه محمد «8» ، وابن ابنه جبير «9» بن محمد ~~ورواه عن ابن عباس «10» عبيد الله «11» بن عبد الله بن عتبة. PageV01P546 # ورواه عن ابن عمر «1» مجاهد «2» . ورواه عن حذيفة «3» أبو عبد الرحمن «4» ~~السلمي، ومسلم» # بن أبي عمران الأزدي. وأكثر طرق هذه الأحاديث ms141 صحيحة.. والآية مصرحة.. ولا ~~يلتفت إلى اعتراض مخذول بأنه لو كان هذا لم يخف على أهل الأرض إذ هو شيء ~~ظاهر لجميعهم.. إذ لم ينقل لنا عن أهل الأرض أنهم رصدوه تلك الليلة.. فلم ~~يروه انشق.. ولو نقل إلينا عمن لا يجوز تمالؤهم لكثرتهم على الكذب لما كانت ~~علينا به حجة.. إذ ليس القمر في حد واحد لجميع أهل الأرض.. فقد يطلع على ~~قوم قبل أن يطلع على الآخرين.. وقد يكون من قوم بضد ما هو من مقابليهم من ~~أقطار الأرض.. أو يحول بين قوم وبينه سحاب أو جبال.. ولهذا نجد الكسوفات في ~~بعض البلاد دون بعض.. # وفي بعضها جزئية.. وفي بعضها كلية.. وفي بعضها لا يعرفها إلا المدعون ~~لعلمها «ذلك تقدير العزيز العليم «6» » وآية القمر PageV01P547 # كانت ليلا.. والعادة من الناس بالليل الهدوء والسكون. وإيجاف «1» ~~الأبواب، وقطع التصرف.. ولا يكاد يعرف من أمور السماء شيئا إلا من رصد ذلك، ~~واهتبل «2» به، ولذلك ما يكون الكسوف القمري كثيرا في البلاد.. وأكثرهم لا ~~يعلم به حتى يخبر.. وكثيرا ما يحدث الثقات بعجائب يشاهد ونها من أنوار ~~ونجوم طوالع عظام تظهر في الأحيان بالليل في السماء ولا علم عند أحد منها.. # وخرج الطحاوي «3» في مشكل الحديث عن أسماء «4» بنت عميس من طريقين أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم «5» : كان يوحى إليه ورأسه في حجر علي «6» فلم ~~يصل العصر. حتى غربت الشمس.. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # أصليت يا علي؟ .. قال: لا.. فقال: اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك ~~فاردد عليه الشمس.. قالت أسماء: فرأيتها غربت PageV01P548 # ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت.. ووقفت على الجبال والأرض وذلك بالصهباء في ~~خيبر.. # قال: وهذان الحديثان «1» ثابتان، ورواتهما ثقات وحكى الطحاوي أن أحمد «2» ~~بن صالح كان يقول: «لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء، ~~لأنه من علامات النبوة» . # وروى يونس «3» بن بكير في زيادة المغازي، روايته عن ابن اسحق «4» : «لما ~~أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبر قومه بالرفقة والعلامة ms142 التي في ~~العير قالوا: متى تجيء؟ .. قال: يوم الأربعاء. # فلما كان ذلك اليوم.. أشرفت قريش ينظرون وقد ولى النهار ولم تجيء.. فدعا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فزيد له في النهار ساعة وحبست عليه الشمس» . ~~PageV01P549 ### ||| الفصل الثالث عشر نبع الماء من بين أصابعه وتكثيره ببركته # أما الأحاديث في هذا فكثيرة جدا.. روى حديث نبع الماء من أصابعه صلى الله ~~عليه وسلم جماعة من الصحابة منهم: أنس «1» - وجابر «2» - وابن مسعود «3» عن ~~«4» أنس بن مالك رضي الله عنه: # «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحانت صلاة العصر، فالتمس الوضوء فلم ~~يجدوه.. فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء فوضع رسول صلى الله عليه ~~وسلم في ذلك الإناء يده وأمر الناس أن يتوضؤوا منه.. قال: فرأيت الماء ينبع ~~من بين أصابعه.. فتوضأ الناس حتى توضؤوا من عند PageV01P550 # آخرهم.. ورواه أيضا عن أنس قتادة «1» وقال «2» : «بإناء فيه ماء يغمر ~~أصابعه أو لا يكاد يغمر» .. قال: كم كنتم؟ .. قال: # زهاء ثلاث مئة. وفي رواية عنه: «وهم بالزوراء «3» عند السوق» # ورواه أيضا- حميد «4» - وثابت «5» - والحسن «6» عن أنس وفي رواية حميد ~~قلت. كم كانوا؟ .. قال: ثمانين رجلا. # ونحوه عن ثابت عنه. وعنه أيضا وهم نحو من سبعين رجلا وأما ابن مسعود «7» ~~.. ففي الصحيح «8» من رواية علقمة «9» عنه: «بينما نحن مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وليس معنا ماء.. فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اطلبوا من معه فضل ماء.. فأتي بماء فصبه في إناء. # ثم وضع كفه فيه.. فجعل الماء ينبع من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم» . PageV01P551 # وفي الصحيح «1» عن سالم «2» بن أبي الجعد عن جابر «3» رضي الله عنه: «عطش ~~الناس يوم الحديبية «4» .. ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين يديه ركوة ~~«5» . فتوضأ منها.. وأقبل الناس نحوه.. وقالوا: # ليس عندنا ماء إلا ما في ركوتك.. فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده في ~~الركوة فجعل الماء يفوز من بين أصابعه كأمثال العيون. # وفيه: فقلت: كم كنتم؟ .. قال: «لو كنا ms143 مئة ألف لكفانا كنا خمس عشرة «6» ~~مئة..» وري «7» مثله عن أنس» # عن جابر وفيه. # «أنه كان بالحديبية» .. # وفي رواية الوليد «9» بن عبادة بن الصامت عنه في حديث PageV01P552 # مسلم «1» الطويل في ذكر غزوة بواط «2» قال: قال لي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # «يا جابر.. ناد الوضوء- وذكر الحديث بطوله وأنه: لم يجد إلا قطرة في ~~عزلاء «3» شجب فأتي به صلى الله عليه وسلم فغمزه «4» وتكلم بشيء لا أدري ما ~~هو..» وقال: «نادبجفنة «5» الركب فأتيت بها فوضعتها بين يديه..» وذكر أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم بسط يده في الجفنة، وفرق أصابعه.. وصب جابر عليه ~~وقال: بسم الله قال: «فرأيت الماء يفور من بين أصابعه..» ثم فارت الجفنة ~~واستدارت حتى امتلأت وأمر الناس بالاستقاء فاستقوا حتى رووا.. فقلت: «هل ~~بقي أحد له حاجة» فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده من الجنفة وهي ~~ملأى «6» وعن «7» الشعبي «8» : أتي النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره ~~بإداوة PageV01P553 # ماء وقيل: ما معنا يا رسول الله ماء غيرها.. فسكبها في ركوة.. # ووضع إصبعه وسطها وغمسها في الماء.. وجعل الناس يجيئون ويتوضؤون ثم ~~يقومون. # قال الترمذي «1» .. وفي الباب عن عمران بن حصين «2» ... # ومثل هذا في هذه المواطن الحفلة والجموع الكثيرة لا تتطرق التهمة إلى ~~المحدث به.. لأنهم كانوا أسرع شيء إلى تكذييه لما جبلت عليه النفوس من ذلك، ~~ولأنهم كانوا ممن لا يسكت على باطل.. # فهؤلاء قد رووا هذا وأشاعوه.. ونسبوا حضور الجماء الغفير له.. ولم ينكر ~~أحد من الناس عليهم ما حدثوا به عنهم أنهم فعلوه وشاهدوه.. فصار كتصديق ~~جميعهم له. PageV01P554 ### ||| الفصل الرابع عشر تفجير الماء ببركته # ومما يشبه هذا من معجزاته.. تفجير الماء ببركته وابتعاثه بمسه ودعوته. # فيما روى مالك «1» في الموطإ «2» عن «3» معاذ «4» بن جبل في قصة غزوة ~~تبوك وأنهم وردوا العين وهي تبض «5» بشيء من ماء مثل PageV01P555 # الشراك «1» .. فغرفوا من العين بأيديهم حتى اجتمع في شيء «2» ثم غسل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فيه وجهه ويديه وأعاده فيها فجرت بماء ms144 كثير.. ~~فاستقى الناس.. # قال في حديث «3» ابن إسحق «4» : «فانخرق «5» من الماء ماله حس كحس ~~الصواعق ثم قال: يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد مليء ~~جنانا..» # وفي حديث البراء «6» .. وسلمة «7» بن الأكوع.. وحديثه أتم في قصة ~~الحديبية: وهم أربع عشرة مئة.. وبئرها لا تروي خمسين شاة.. فنزحناها «8» ~~فلم نترك فيها قطرة.. فقعد رسول PageV01P556 # الله صلى الله عليه وسلم على جباها «1» قال البراء- وأوتي بدلو منها ~~فبصق.. # فدعا وقال سلمة- فإما دعا وإما بصق فيها.. فجاشت «2» .. # فأرووا أنفسهم وركابهم.. وفي غير هاتين الروايتين في هذه القصة من طريق ~~ابن شهاب «3» في الحديبية: فأخرج سهما من كنانته فوضعه في قعر قليب «4» ليس ~~فيه ماء.. فروي الناس حتى ضربوا بعطن «5» وعن «6» أبي قتادة «7» وذكر: أن ~~الناس شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش في بعض أسفاره.. فدعا ~~بالميضأة» # فجعلها في ضبنه «9» ثم التقم فمها.. فالله أعلم.. نفث فيها أم لا.. # فشرب الناس حتى رووا وملؤوا كل إناء معهم.. فخيل إلي أنها PageV01P557 # كما أخذها مني. وكانوا اثنين وسبعين رجلا.. وروى مثله عمران بن حصين «1» ~~.. # وذكر الطبري «2» حديث أبي قتادة على غير ما ذكره أهل الصحيح: # «أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج بهم ممدا «3» لأهل مؤتة «4» عندما بلغه ~~قتل الأمراء- وذكر حديثا طويلا فيه معجزات وآيات للنبي صلى الله عليه وسلم- ~~وفيه إعلامهم أنهم يفقدون الماء في غد- وذكر حديث الميضأة- قال- والقوم ~~زهاء ثلاث مئة» . # وفي كتاب مسلم «5» . أنه قال لأبي قتادة: «احفظ علي ميضأتك فإنه سيكون ~~لها نبأ- وذكر نحوه..» ومن ذلك حديث «6» عمران بن حصين حين أصاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه عطش في بعض أسفارهم فوجه رجلين من أصحابه وأعلمهما ~~أنهما يجدان امرأة بمكان كذا معها بعير عليه مزادتان «7» الحديث فوجداها ~~وأتيا بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم.. فجعل في إناء من مزادتيها وقال: ~~فيه: ما شاء الله PageV01P558 # أن يقول.. ثم أعاد الماء في المزادتين.. ثم فتحت عزاليهما «1» . # وأمر الناس فماؤا أسقيتهم حتى لم يدعوا شيئا إلا ماؤوه.. قال ms145 عمران: ~~ويخيل إلي أنهما لم تزدادا إلا امتلاء.. ثم أمر فجمع المرأة من الأزواد حتى ~~ملأ ثوبها.. وقال: اذهبي فإنا لم نأخذ من مائك شيئا.. ولكن الله سقانا.. ~~الحديث بطوله.. # وعن سلمة «2» بن الأكوع.. قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: هل من وضوء؟. ~~فجاء رجل بإداوة «3» فيها نطفة «4» فأفرغها في قدح.. # فتوضأنا كلنا ندغفقه «5» دغفقة أربع عشرة مئة. # وفي حديث «6» عمر «7» في جيش العسرة «8» .. وذكر ما أصابهم من العطش: حتى ~~إن الرجل ليخر يعيره فيعصر فرثه «9» فيشربه.. PageV01P559 # فرغب أبو بكر رضي الله عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء.. ~~فرفع يديه ... فلم يرجعهما حتى قالت «1» السماء فانسكبت «2» .. فملؤوا ما ~~معهم من آنية.. ولم تجاوز العسكر. # وعن عمر «3» بن شعيب: أن أبا طالب «4» قال للنبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~رديفه بذي المجاز «5» : عطشت وليس عندي ماء فنزل النبي صلى الله عليه وسلم ~~وضرب بقدمه الأرض فخرج الماء فقال اشرب، والحديث في هذا الباب كثير.. ومنه ~~الإجابة بدعاء الاستسقاء وما جاء به.. PageV01P560 ### ||| الفصل الخامس عشر تكثير الطعام ومن معجزاته صلى الله عليه وسلم تكثير الطعام ببركته ودعائه # عن «1» جابر «2» أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستطعمه فأطعمه ~~شطر «3» وسق «4» شعير.. فما زال يأكل منه وامرأته وضيفه حتى كاله.. فأتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال: لو لم تكله لأكلتم منه.. ولقام بكم ~~«5» .. # ومن ذلك حديث «6» أبي طلحة «7» المشهور: وإطعامه صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P561 # ثمانين «1» أو سبعين رجلا من أقراص من شعير.. جاء بها أنس «2» تحت يده- ~~أي إبطه- فأمر بها ففتت وقال فيها: ما شاء الله أن يقول.. وحديث جابر» # في إطعامه صلى الله عليه وسلم يوم الخندق ألف رجل من صاع شعير وعناق «4» ~~وقال جابر: فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا.. وإن برمتنا «5» لتغط ~~«6» كما هي.. وإن عجيننا ليخبز.. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بصق في ~~العجين والبرمة وبارك.. رواه عن «7» جابر سعيد «8» بن ميناء وأيمن «9» . # وعن ثابت «10» : مثله عن رجل من الأنصار وامرأته.. ms146 لم يسمهما «11» قال: ~~وجيء بمثل الكف.. فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV01P562 # يبسطها في الإناء ويقول: ما شاء الله.. فأكل منه من في البيت والحجرة ~~والدار وكان ذلك قد امتلأ ممن قدم معه صلى الله عليه وسلم لذلك.. # وبقي بعدما شبعوا مثل ما كان في الإناء. # وحديث «1» أبي أيوب «2» : أنه صنع لرسول صلى الله عليه وسلم ولأبي «3» ~~بكر من الطعام زهاء ما يكفيهما.. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ادع ~~ثلاثين من أشراف الأنصار.. فدعاهم.. فأكلوا حتى تركوا.. ثم قال: ادع ستين.. ~~فكان مثل ذلك ثم قال: ادع سبعين.. فأكلوا حتى تركوه وما خرج منهم أحد حتى ~~أسلم وبايع.. قال أبو أيوب: فأكل من طعامي مائة وثمانون رجلا.. # وعن «4» سمرة «5» بن جندب: أتي النبي صلى الله عليه وسلم بقصعة فيها لحم ~~فتعاقبوها من غدوة حتى الليل يقوم قوم، ويقعد آخرون.. PageV01P563 # ومن ذلك حديث «1» عبد الرحمن «2» بن أبي بكر: كنا مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم ثلاثين ومائة- وذكر في الحديث: أنه عجن صاع من طعام.. # وصنعت شاة فشوي سواد «3» بطنها قال: وايم الله ما من الثلاثين ومائة إلا ~~وقد حز «4» له حزة «5» من سواد بطنها.. ثم جعل منها قصعتين فأكلنا أجمعون، ~~وفضل في القصعتين، فحملته على البعير ومن ذلك حديث «6» عبد الرحمن «7» بن ~~أبي عمرة الأنصاري عن أبيه «8» ، ومثله لسلمة بن الأكوع «9» ، وأبي «10» ~~هريرة وعمر بن الخطاب «11» رضي الله عنهم فذكروا مخمصة «12» أصابت الناس مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم في بعض PageV01P564 # مغازيه.. فدعا ببقية الأزواد.. فجاء الرجل بالحثية «1» من الطعام وفوق ~~ذلك.. وأعلاهم «2» الذي أتى بالصاع من التمر.. فجمعه على نطع «3» .. قال ~~سلمة: فخزرته «4» كربضة «5» العنز ثم دعا الناس بأوعيتهم، فما بقي في الجيش ~~وعاء إلا ملؤوه.. وبقي منه قدر ما جعل وأكثر.. ولو ورده أهل الأرض لكفاهم. # وعن «6» أبي هريرة.. أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أدعو له أهل ~~الصفة.. # فتتبعتهم حتى جمعتهم.. فوضعت بين أيدينا صحفة» # .. فأكلنا ما شئنا وفرغنا وهي مثلها حين وضعت إلا ms147 أن فيها أثر الأصابع. # وعن «8» علي بن أبي طالب «9» رضي الله عنه: جمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بني عبد المطلب وكانوا أربعين.. منهم قوم يأكلون الجذعة «10» ~~PageV01P565 # ويشربون الفرق «1» .. فصنع لهم مدا من طعام فأكلوا حتى شبعوا. # وبقي كما هو. ثم دعا بعس «2» فشربوا حتى رووا وبقي كأنه لم يشرب منه.. # وقال «3» أنس «4» : إن النبي صلى الله عليه وسلم حين ابتنى بزينب «5» ~~أمره «6» أن يدعو له قوما سماهم، وكل من لقيت «7» حتى امتلأ البيت ~~والحجرة.. وقدم إليهم تورا «8» فيه قدر مد من تمر جعل حيسا «9» .. فوضعه ~~قدامه وغمس ثلاث أصابعه وجعل القوم PageV01P566 # يتغدون ويخرجون.. وبقي التور نحوا مما كان.. وكان القوم أحدا أو اثنين ~~وسبعين.. # وفي رواية أخرى في هذه القصة أو مثلها إن القوم كانوا زهاء ثلاث مائة.. ~~وأنهم أكلوا حتى شبعوا.. وقال لي: ارفع.. # فلا أدري حين وضعت كانت أكثر أم حين رفعت. # وفي حديث «1» جعفر «2» بن محمد عن أبيه عن علي «3» رضي الله عنه: # أن فاطمة «4» طبخت قدرا لغدائهما ووجهت عليا إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم ليتغدى معهما.. فأمرها فغرفت منها لجميع نسائه صحفة صحفة.. # ثم له صلى الله عليه وسلم ولعلي ثم لها.. ثم رفعت القدر وإنها لتفيض.. # قالت: فأكلنا منا ما شاء الله.. وأمر عمر بن الخطاب «5» أن يزود أربع ~~مائة راكب من أحمس «6» فقال: يا رسول الله، ما هي PageV01P567 # إلا أصوع قال: اذهب.. فذهب فزودهم منه.. وكان قدر الفصيل «1» الرابض من ~~التمر.. وبقي بحاله «2» .. من رواية دكين الأحمسي.. ومن رواية جرير «3» .. # ومثله «4» من رواية النعمان «5» بن مقرن.. الخبر بعينه إلا أنه قال.. ~~أربع مائة راكب من مزينة. ومن ذلك حديث «6» جابر «7» في دين أبيه بعد موته ~~وقد كان بذل لغرماء أبيه أصل ماله فلم يقبلوه ولم يكن في ثمرها سنتين كفاف ~~دينهم.. فجاءه النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أمره بجذها «8» وجعلها ~~بيادر في أصولها.. فمشى فيها ودعا، فأوفى منه جابر غرماء أبيه وفضل مثل ما ~~كانوا يجدون كل سنة. وفي ms148 رواية مثل ما أعطاهم.. قال: وكان الغرماء يهود ~~فعجبوا من ذلك. PageV01P568 # وقال «1» أبو هريرة «2» رضي الله عنه: أصاب الناس مخمصة.. # فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل من شيء؟ قلت: شيء من التمر في ~~المزود «3» .. قال: فأتني به.. فأدخل يده فأخرج قبضة فبسطها ودعا بالبركة.. ~~ثم قال: ادع عشرة.. فأكلوا حتى شبعوا.. # ثم عشرة كذلك.. حتى أطعم الجيش كلهم.. وشبعوا.. قال: # خذ ما جئت به وأدخل يدك واقبض منه ولا تكبه.. فقبضت على أكثر مما جئت ~~به.. فأكلت منه وأطعمت حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي «4» بكر ~~وعمر «5» إلى أن قتل عثمان» # فانتهب مني فذهب وفي «7» رواية فقد حملت من ذلك التمر كذا وكذا من وسق في ~~سبيل الله.. وذكرت مثل هذه الحكاية في غزوة تبوك وإن التمر كان بضع عشرة ~~تمرة. ومنه أيضا حديث «8» أبي هريرة حين أصابه الجوع PageV01P569 # فاستتبعه النبي صلى الله عليه وسلم، فوجد لبنا في قدح قد أهدي إليه. # وأمره أن يدعو أهل الصفة.. قال: فقلت: ما هذا اللبن فيهم كنت أحق أن أصيب ~~منه شربة أتقوى بها فدعوتهم.. وذكر أمر النبي صلى الله عليه وسلم له أن ~~يسقيهم، فجعلت أعطي الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يأخذه الآخر حتى روي جميعهم ~~قال- فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم القدح.. وقال: بقيت أنا وأنت.. اقعد ~~فاشرب.. فشربت ثم قال: اشرب.. وما زال يقولها وأشرب حتى قلت.. لا والذي ~~بعثك بالحق ما أجد له مسلكا.. فأخذ القدح فحمد الله وسمى وشرب الفضلة «1» ~~.. # وفي حديث «2» خالد بن عبد العزى «3» أنه أجزر «4» النبي صلى الله عليه ~~وسلم شاة.. وكان عيال خالد كثيرا.. يذبح الشاة فلا تبد «5» عياله عظما ~~عظما.. وإن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من هذه الشاة.. وجعل PageV01P570 # فضلتها في دلو خالد ودعا له بالبركة.. فنثر ذلك لعياله.. فأكلوا ~~وأفضلوا.. ذكر خبره الدولابي «1» .. # وفي حديث الآجري «2» في إنكاح النبي صلى الله عليه وسلم لعلي «3» فاطمة ~~«4» أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلالا بقصعة من ms149 أربعة أمداد.. أو خمسة ~~ويذبح جزورا لوليمتها.. قال.. فأتيته بذلك.. فطعن في رأسها.. ثم أدخل الناس ~~رفقة «5» رفقة يأكلون منها حتى فرغوا.. وبقيت منها فضلة.. فبرك فيها وأمر ~~بحملها إلى إلى أزواجه.. وقال: «كلن وأطعمن من غشيكن» . # وفي «6» حديث «7» أنس رضي الله عنه تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم.. # فصنعت أمي أم سليم «8» حيسا فجعلته في تور.. فذهبت به إلى PageV01P571 # رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فقال: ضعه وادع لي فلانا وفلانا.. ومن ~~لقيت فدعوتهم.. ولم أدع أحدا لقيته إلا دعوته.. وذكر أنهم كانوا زهاء ثلاث ~~مائة.. حتى الصفة والحجرة.. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: تحلقوا ~~عشرة عشرة. ووضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على الطعام فدعا فيه وقال ما ~~شاء الله أن يقول.. فأكلوا حتى شبعوا كلهم.. فقال لي ارفع.. فما أدري حين ~~وضعت كانت أكثر أم حين رفعت وأكثر أحاديث هذه الفصول الثلاثة في الصحيح.. ~~وقد اجتمع على معنى حديث هذا الفصل بضعة عشر من الصحابة.. رواه عنهم ~~أضعافهم من التابعين ثم من لا ينعد بعدهم.. وأكثرها في قصص مشهورة ومجامع ~~مشهورة.. ولا يمكن التحدث عنها إلا بالحق.. ولا يسكت الحاضر لها على ما ~~أنكر منها. PageV01P572 ### ||| الفصل السادس عشر في كلام الشجر وانقيادها في كلام الشجر وشهادتها له بالنبوة وإجابتها دعوته صلى الله عليه وسلم # عن «1» ابن عمر «2» قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر. ~~فدنا منه أعرابي فقال: يا أعرابي.. أين تريد؟ .. قال: إلى أهلي.. # قال: هل لك إلى خير؟ .. قال: وما هو؟؟. قال: تشهد أن لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له.. وأن محمدا عبده ورسوله.. # قال: من يشهد لك على ما تقول؟ قال: هذه الشجرة السمرة «3» . # وهي بشاطيء الوادي.. فأقبلت تخد «4» الأرض حتى قامت PageV01P573 # بين يديه.. فاستشهدها ثلاثا فشهدت أنه كما قال.. ثم رجعت إلى مكانها. # وعن «1» بريدة «2» سأل أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم آية فقال له: قل ~~لتلك الشجرة رسول الله صلى الله عليه ms150 وسلم يدعوك قال: فمالت الشجرة عن ~~يمينها وشمالها وبين يديها وخلفها فتقطعت عروقها ثم جاءت تخد الأرض تجر ~~عروقها مغبرة حتى وقفت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: # السلام عليك يا رسول الله.. قال الأعرابي: مرها فلترجع إلى منبتها.. ~~فرجعت فدلت عروقها فاستوت.. فقال الأعرابي ائذن لي أسجد لك.. قال: لو أمرت ~~أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها.. قال فأذن لي أن أقبل يديك ~~ورجليك.. فأذن له. # وفي الصحيح «3» حديث جابر «4» بن عبد الله الطويل ذهب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقضي حاجة فلم ير شيئا يستتر به.. فإذا بشجرتين PageV01P574 # بشاطيء الوادي. فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إحداها.. # فأخذ بغصن من أغصانها فقال: انقادي علي بإذن الله.. فانقادت معه كالبعير ~~المخشوش «1» الذي يصانع قائده.. وذكر أنه فعل بالأخرى مثل ذلك- حتى إذا كان ~~بالمنصف «2» بينهما قال التئما علي بإذن لله فالتأمتا.. # وفي رواية أخرى «3» فقال: يا جابر قل لهذه الشجرة يقول لك رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، الحقي بصاحبتك حتى أجلس خلفكما فزحفت حتى لحقت بصاحبتها، ~~فجلس خلفهما، فخرجت أحضر «4» وجلست أحدث نفسي. فالتفت فإذا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مقبلا والشجرتان قد افترقتا، فقامت كل واحدة منهما على ساق ~~فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقفة فقال برأسه هكذا يمينا وشمالا. ~~وروي «5» أسامه «6» بن زيد PageV01P575 # نحوه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه هل؟ - يعني ~~مكانا لحاجة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إن الوادي ما فيه موضع ~~بالناس. فقال: هل ترى من نخل أو حجارة؟. قلت: أرى نخلات متقاربات. قال: ~~انطلق.. وقل لهن.. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركن أن تأتين لمخرج ~~رسول صلى الله عليه وسلم.. وقل للجحا مثل ذلك. فقلت ذلك لهن. فو الذي بعثه ~~بالحق لقد رأيت النخلات يتقاربن حتى اجتمعن، والحجارة يتعاقدن حتى صرن ~~ركاما خلفهن.. فلما قضى حاجته قال لي: قل لهن يفترقن.. ms151 # فو الذي نفسي بيده لرأيتهن والحجارة يفترقن حتى عدن إلى مواضعهن وقال «1» ~~يعلى «2» بن سيابة كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسير وذكر نحوا من ~~هذين الحديثين. وذكر فأمر وديتين «3» فانضمتا.. # وفي رواية أشاءتين «4» .. وعن غيلان «5» بن سلمة الثقفي مثله PageV01P576 # في شجرتين وعن ابن مسعود «1» عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله في غزاة ~~حنين # وعن يعلى بن مرة «2» وهو ابن سيابة أيضا وذكر أشياء رآها من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فذكر أن طلحة أو سمرة جاءت فأطافت به ثم رجعت إلى ~~منبتها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها استأذنت أن تسلم علي. وفي ~~حديث «3» عبد الله بن مسعود رضي الله عنه آذنت النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالجن ليلة استمعوا له شجرة. # وعن مجاهد «4» عن ابن مسعود في هذا الحديث «5» أن الجن قالوا: من يشهد ~~لك؟ .. قال: هذه الشجرة.. تعالي يا شجرة.. # فجاءت تجر عروقها.. لها قعاقع «6» .. وذكر مثل الحديث الأول أو نحوه. # قال القاضي أبو الفضل: فهذا ابن عمر «7» وبريدة «8» وجابر «9» ~~PageV01P577 # وابن مسعود «1» ويعلى «2» بن مرة وأسامة بن زيد «3» وأنس «4» بن مالك ~~وعلي بن أبي طالب «5» وابن عباس «6» وغيرهم.. قد اتفقوا على هذه القصة ~~نفسها أو معناها.. ورواها عنهم من التابعين أضعافهم، فصارت في انتشارها من ~~القوة حيث هي. # وذكر ابن فورك «7» : أنه صلى الله عليه وسلم سار في غزوة الطائف ليلا وهو ~~وسن «8» ، فاعترضته سدرة فانفرجت له نصفين حتى جاز بينهما.. # وبقيت على ساقين إلى وقتنا.. وهي هناك معروفة معظمة.. # ومن «9» ذلك حديث أنس رضي الله عنه: أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى ~~الله عليه وسلم ورآه حزينا أتحب أن أريك آية؟ قال نعم فنظر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى شجرة من وراء الوادي فقال: أدع تلك الشجرة.. فجاءت تمشي ~~حتى PageV01P578 # قامت بين يديه قال: مرها فلترجع.. فعادت إلى مكانها. # وعن «1» علي نحو هذا ولم يذكر فيها جبريل. قال: اللهم أرني آية لا أبالي ~~من كذبني بعدها فدعا ms152 شجرة وذكر مثله.. # - وحزنه صلى الله عليه وسلم لتكذيب قومه. وطلبه الآية لهم لا له. # وذكر «2» ابن إسحق «3» أن النبي صلى الله عليه وسلم أرى ركانة «4» مثل ~~هذه الآية في شجرة دعاها فأتت حتى وقفت بين يديه ثم قال: ارجعي فرجعت.. وعن ~~«5» الحسن «6» : أنه صلى الله عليه وسلم شكى إلى ربه من قومه وأنهم ~~يخوفونه، وسأله آية يعلم بها أن لا مخافة عليه، فأوحي إليه: # أن ائت وادي كذا فيه شجرة، فادع غصنا منها يأتك، ففعل فجاء يخط الأرض خطا ~~حتى انتصب بين يديه فحبسه ما شاء الله، ثم قال له: ارجع كما جئت فرجع.. ~~فقال: يا رب علمت أن لا مخافة علي. PageV01P579 # ونحو «1» منه عن عمر «2» وقال فيه: أرني آية لا أبالي من كذبتي بعدها، ~~وذكر نحوه. وعن «3» ابن عباس «4» رضي الله عنهما أنه صلى الله عليه وسلم ~~قال لأعرابي: «أرأيت إن دعوت هذا العذق «5» من هذه النخلة أتشهد أني رسول ~~الله؟ ... قال: نعم.. فدعاه فجعل ينقز «6» حتى أتاه فقال: ارجع.. فعاد إلى ~~مكانه.. خرجه الترمذي وقال: # هذا حديث صحيح «7» . PageV01P580 ### ||| الفصل السابع عشر حنين الجذع في قصة حنين الجذع له صلى الله عليه وسلم # ويعضد هذه الأخبار حديث أنين الجذع.. وهو في نفسه مشهور منتشر.. والخبر ~~به متواتر قد خرجه أهل الصحيح «1» .. # ورواه من الصحابة بضعة عشر منهم: أبي «2» بن كعب «3» وجابر «4» بن عبد ~~الله «5» وأنس «6» بن مالك «7» وعبد «8» الله بن عمر «9» PageV01P581 # وعبد «1» الله بن عباس «2» وسهل «3» بن سعد «4» وأبو «5» سعيد الخدري «6» ~~وبريدة «7» وأم «8» سلمة «9» ، والمطلب «10» بن أبي وداعة «11» كلهم يحدث ~~بمعنى هذا الحديث. # قال الترمذي «12» : وحديث أنس صحيح. # قال جابر بن عبد الله: «كان المسجد مسقوفا على جذوع نخل.. # فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب يقوم إلى جذع منها.. فلما صنع له ~~المنبر سمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار «13» » . PageV01P582 # وفي رواية أنس «حتى ارتج المسجد بخواره «1» » . # وفي رواية سهل «وكثر بكاء الناس لما رأوا به» . # وفي رواية المطلب وأبي «حتى تصدع وانشق حتى جاءه النبي صلى ms153 الله عليه ~~وسلم فوضع يده عليه فسكت. زاد غيره فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن هذا ~~بكى لما فقد من الذكر» . وذكر غيره «والذي نفسي بيده.. # لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة تحزنا على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم.. # فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفن تحت المنبر» . كذا في حديث ~~المطلب وسهل بن سعد واسحق «2» عن أنس. # وفي بعض الروايات عن سهل: «فدفنت تحت منبره.. أو جعلت في السقف، وفي حديث ~~أبي «فكان إذا صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلى إليه فلما هدم المسجد أخذه ~~أبي فكان عنده إلى أن أكلته الأرض «3» PageV01P583 # وعاد رفاتا «1» » .. وذكر الإسفرائني «2» : «أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~دعاه إلى نفسه فجاءة يخرق «3» الأرض فالتزمه. ثم أمره فعاد إلى مكانه» . # وفي حديث بريدة: فقال: يعني النبي صلى الله عليه وسلم «إن شئت أردك إلى ~~الحائط الذي كنت فيه تنبت لك عروقك ويكمل خلقك، ويجدد لك خوص «4» وثمرة، ~~وإن شئت أغرسك في الجنة فيأكل أولياء الله من ثمرك. ثم أصغى له النبي صلى ~~الله عليه وسلم يستمع ما يقول: # فقال: بل تغرسني في الجنة فيأكل مني أولياء الله.. وأكون في مكان لا أبلى ~~فيه.. فسمعه من يليه.. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد فعلت.. # ثم قال: «اختار دار البقاء على دار الفناء» . # فكان الحسن «5» إذا حدث بهذا بكى.. وقال: «يا عباد PageV01P584 # الله.. الخشبة تحن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شوقا إليه لمكانه ~~فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه» .. # رواه عن جابر «1» حفص بن عبيد «2» الله- ويقال. عبد الله بن حفص- وأيمن ~~«3» وأبو نضرة «4» - وابن المسيب «5» - وسعيد «6» بن أبي كرب- وكريب «7» - ~~وأبو صالح «8» . # وراه عن أنس بن مالك «9» الحسن- وثابت «10» - واسحق «11» بن أبي طلحة ~~ورواه عن ابن عمر «12» نافع «13» وأبو حية «14» . PageV01P585 # ورواه أبو نضرة وأبو الوداك «1» عن أبي سعيد «2» وعمار بن أبي عمار «3» ~~عن ابن عباس «4» وأبو حازم «5» ، وعباس «6» بن سهل عن سهل بن سعد «7» وكثير ~~بن زيد «8» عن المطلب ms154 «9» وعبد الله بن بريدة «10» عن أبيه «11» والطفيل بن ~~أبي «12» عن أبيه «13» . # قال القاضي أبو الفضل وفقه الله: فهذا حديث كما تراه خرجه PageV01P586 # أهل الصحة.. ورواه من الصحابة من ذكرنا وغيرهم من التابعين ضعفهم إلى من ~~لم نذكره.. وبدون هذا العدد يقع العلم لمن اعتنى بهذا الباب.. # والله المثبت على الصواب. # PageV01P587 ### ||| الفصل الثامن عشر في سائر الجمادات ومثل هذا في سائر الجمادات # عن «1» ابن مسعود «2» «لقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل» وفي غير هذه ~~الرواية عن ابن مسعود «كنا نأكل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الطعام ~~ونحن نسمع تسبيحه» «3» . # وقال أنس «4» : «أخذ النبي صلى الله عليه وسلم كفا من حصى فسبحن في يد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا التسبيح، ثم صبهن في يد أبي بكر ~~«5» رضي الله عنه فسبحن ثم في أيدينا فما سبحن. PageV01P588 # وروى «1» مثله أبو ذر «2» وذكر أنهن «سبحن في كف عمر «3» وعثمان «4» رضي ~~الله عنهما» وقال «5» علي «6» : «كنا بمكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فخرج إلى بعض نواحيها فما استقبله شجرة ولا جبل إلا قال له: السلام عليك يا ~~رسول الله» . # وعن «7» جابر «8» بن سمرة عنه صلى الله عليه وسلم: «إني لأعرف حجرا بمكة ~~كان يسلم علي» قيل: «إنه الحجر الأسود» . # وعن «9» عائشة «10» رضي الله عنها: «لما استقبلني جبريل عليه السلام ~~بالرسالة جعلت لا أمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله» . # وعن «11» جابر «12» بن عبد الله: «لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يمر ~~بحجر PageV01P589 # ولا شجر إلا سجد «1» له» . وفي حديث «2» العباس «3» : «إذ اشتمل عليه ~~النبي صلى الله عليه وسلم وعلى بنيه بملاءة «4» ودعا لهم بالستر من النار ~~كستره إياهم بملاءته فأمنت أسكفة «5» الباب، وحوائط البيت آمين آمين» وعن ~~«6» جعفر «7» بن محمد عن أبيه «8» : # «مرض النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه جبريل بطبق فيه رمان وعنب.. فأكل ~~منه النبي صلى الله عليه وسلم فسبح» .. وعن «9» أنس «10» : «صعد النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأبو بكر «11» وعمر ms155 «12» وعثمان أحدا فرجف بهم.. فقال: ~~PageV01P590 # «اثبت أحد.. فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان» . # ومثله «1» عن أبي هريرة «2» : «في حراء- وزاد- معه وعلي «3» وطلحة «4» ~~والزبير «5» وقال: «فإنما عليك نبي أو صديق أو شهيد والخبر «6» في حراء ~~أيضا عن عثمان قال: «ومعه عشرة من أصحابه أنا فيهم وزاد- عبد الرحمن «7» ~~وسعدا «8» قال- ونسيت الاثنين.. # وفي حديث «9» سعيد «10» بن زيد أيضا مثله وذكر عشرة وزاد نفسه وقد روي: ~~أنه حيز طلبته قريش.. قال له ثبير «11» : اهبط PageV01P591 # يا رسول الله.. فإني أخاف أن يقتلوك على ظهري فيعذبني الله.. # فقال حراء: إلي يا رسول الله.. # وروى «1» ابن عمر «2» رضي الله عنهما: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ~~على المنبر «وما قدروا الله حق قدره «3» » ثم قال: «يمجد الجبار نفسه.. ~~يقول: أنا الجبار.. أنا الكبير المتعال.. # فرجف المنبر «4» حتى قلنا: ليخرن «5» عنه. # وعن «6» ابن عباس «7» : «كان حول البيت ستون وثلاثمائة صنم مثبتة الأرجل ~~بالرصاص في الحجارة.. فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد عام ~~الفتح جعل يشير بقضيب في يده إليها ولا يمسها ويقول: # «جاء الحق وزهق الباطل «8» . الآية فما أشار إلى وجه صنم إلا وقع لقفاه.. ~~ولا لقفاه إلا وقع لوجهه.. حتى ما بقي PageV01P592 # منها صنم» ومثله «1» في حديث ابن مسعود «2» وقال: «فجعل يطعنها. «3» ~~ويقول: «جاء الحق وما يبدئ «4» الباطل وما يعيد «5» » # ومن ذلك حديثه «6» مع الراهب في ابتداء أمره.. إذ خرج تاجرا مع عمه.. ~~وكان الراهب لا يخرج إلى أحد فخرج وجعل يتخللهم حتى أخذ بيد رسول صلى الله ~~عليه وسلم فقال: «هذا سيد العالمين يبعثه الله رحمة للعالمين» .. فقال له ~~أشياخ من قريش: # «ما علمك؟» . فقال: «إنه لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجدا له ولا يسجد ~~إلا لنبي» وذكر القصة ثم قال: «وأقبل صلى الله عليه وسلم وعليه غمامة تظله ~~فلما دنا من القوم وجدهم سبقوه إلى فيء الشجرة فلما جلس مال الفيء إليه» . ~~PageV01P593 ### ||| الفصل التاسع عشر في الآيات في ضروب الحيوانات # عن «1» عائشة «2» رضي الله عنها قالت: كان عندنا داجن «3» . # فإذا كان ms156 عندنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قر وثبت مكانه فلم يجيء ولم ~~يذهب.. وإذا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء وذهب» . # وروي «4» عن عمر «5» : «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في محفل «6» ~~من أصحابه.. إذ جاء أعرابي قد صاد ضبا فقال من هذا؟ .. PageV01P594 # قالوا: نبي الله. فقال: واللات والعزى لا آمنت بك أو يؤمن بك هذا الضب.. ~~وطرحه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم.. فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~له: «يا ضب.. فأجابه بلسان مبين يسمعه القوم جميعا.. # لبيك وسعديك يا زين من وافى القيامة.. قال: من تعبد؟ .. # قال: الذي في السماء عرشه.. وفي الأرض سلطانه.. وفي البحر سبيله.. وفي ~~الجنة رحمته.. وفي النار عقابه.. قال: فمن أنا؟ # قال: رسول رب العالمين.. وخاتم النبيين.. وقد أفلح من صدقك.. وخاب من ~~كذبك» .. فأسلم الأعرابي. # ومن ذلك قصة كلام الذئب المشهور عن «1» أبي سعيد الخدري «2» : # «بينا «3» راع يرعى غنما له عرض الذئب لشاة منها فأخذها منه.. # فأقعى «4» الذئب وقال للراعي.. ألا تتقي الله.. حلت بيني وبين رزقي.. قال ~~الراعي: العجب من ذئب يتكلم بكلام الإنس.. فقال الذئب: «ألا اخبرك بأعجب من ~~ذلك؟؟. PageV01P595 # رسول الله بين الحرتين «1» يحدث الناس بأنباء ما قد سبق» . # فأتى الراعي النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم له: قم فحدثهم. # ثم قال: صدق.. والحديث فيه قصة وفيه بعض طول.. # وري حديث الذئب عن «2» أبي هريرة «3» .. وفي بعض الطرق عن أبي هريرة رضي ~~الله عنه فقال الذئب: «أنت أعجب واقفا على غنمك وتركت نبيا لم يبعث الله ~~نبيا قط أعظم منه عنده قدرا.. # قد فتحت له أبواب الجنة وأشرف «4» أهلها على أصحابه ينظرون فعالهم.. وما ~~بينك وبينه إلا هذا الشعب «5» .. فتصير في جنود الله.. قال الراعي: من لي ~~بغنمي؟ .. قال الذئب: أنا أرعاها حتى ترجع.. فأسلم الرجل إليه غنمه ومضى.. ~~وذكر قصته وإسلامه ووجوده النبي صلى الله عليه وسلم يقاتل.. فقال له النبي ~~صلى الله عليه وسلم: ms157 PageV01P596 # «عد إلى غنمك تجدها «بوفرها «1» » .. فوجدها كذلك وذبح للذئب شاة منها. # وعن «2» أهبان بن أوس «3» .. وأنه كان صاحب القصة والمحدث بها ومكلم ~~الذئب. وعن «4» سلمة بن عمرو بن الأكوع «5» وأنه كان صاحب هذه القصة أيضا ~~وسبب إسلامه بمثل حديث «6» أبي سعيد «7» . وقد روى ابن وهب «8» مثل هذا أنه ~~جرى لأبي سفيان «9» بن حرب وصفوان «10» بن أمية مع ذئب وجداه أخذ ظبيا فدخل ~~الظبي الحرم فانصرف الذئب.. فعجبا من ذلك فقال الذئب: «أعجب من ذلك محمد بن ~~عبد الله بالمدينة يدعوكم إلى الجنة وتدعونه إلى النار» .. فقال أبو سفيان: ~~«واللات PageV01P597 # والعزى لئن ذكرت هذا بمكة لتتركنها خلوفا «1» . # وقد روي قبل هذا الخبر وأنه جرى لأبي «2» جهل وأصحابه. # وعن «3» عباس بن مرداس «4» «لما تعجب من كلام (ضمار) «5» صنمه وإنشاده ~~«6» الشعر الذي ذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم.. فإذا طائر سقط.. فقال ~~يا عباس.. أتعجب من كلام ضمار ولا تعجب من نفسك إن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يدعو إلى الإسلام وأنت جالس!! فكان سبب إسلامه. PageV01P598 # وعن «1» جابر بن عبد الله «2» رضي الله عنهما عن رجل أتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم وآمن به وهو على بعض حصون خيبر.. وكان في غنم يرعاها لهم فقال: ~~يا رسول الله.. كيف بالغنم؟ .. قال: # «أحصب «3» وجوهها فإن الله سيؤدي عنك أمانتك ويردها إلى أهلها» . ففعل.. ~~فسارعت كل شاة حتى دخلت إلى أهلها وعن «4» أنس «5» رضي الله عنه: دخل النبي ~~صلى الله عليه وسلم حائط أنصاري، وأبو «6» بكر وعمر «7» ورجل من الأنصا رضي ~~الله عنهم وفي الحائط غنم فسجدت له.. فقال أبو بكر «نحن أحق بالسجود لك ~~منها» الحديث «8» .. # وعن «9» أبي هريرة «10» رضي الله عنه: «دخل النبي صلى الله عليه وسلم ~~حائطا فجاء بعير فسجد له» وذكر مثله. PageV01P599 # ومثله في الجمل.. عن «1» ثعلبة بن مالك «2» وجابر «3» بن عبد الله «4» ~~ويعلى «5» بن مرة «6» وعبد «7» الله بن جعفر «8» قال: «وكان لا يدخل أحد ~~الحائط إلا شد «9» عليه الجمل فلما دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم دعاه ms158 ~~فوضع مشفره «10» على الأرض وبرك «11» بين يديه فخطمه «12» وقال: «ما بين ~~السماء والأرض شيء إلا يعلم أني رسول الله إلا عاصي الجن والإنس» ومثله عن ~~«13» عبد الله «14» بن أبي أوفى.. PageV01P600 # وفي خبر آخر في حديث الجمل: أن النبي صلى الله عليه وسلم سألهم عن شأنه ~~فأخبروه أنهم أرادوا ذبحه» . وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~لهم: # «أنه شكى كثرة العمل وقلة العلف «1» » وفي رواية «2» «أنه شكى إلي أنكم ~~أردتم ذبحه بعد أن استعملتموه في شاق العمل من صغره» .. فقالوا: نعم.. # وفي «3» قصة العضباء «4» وكلامها للنبي صلى الله عليه وسلم وتعريفها له ~~بنفسها، ومبادرة العشب إليها في الرعي. وتجنب الوحوش عنها، وندائهم لها إنك ~~لمحمد.. وإنها لم تأكل ولم تشرب بعد موته حتى ماتت.. # ذكره الإسفرائيني «5» وروى «6» ابن وهب «7» «أن حمام مكة أظلت ~~PageV01P601 # النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتحها فدعا لها بالبركة» . وروي «1» عن أنس ~~«2» زيد بن أرقم «3» والمغيرة بن شعبة «4» أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: أمر الله ليلة الغار شجرة فنبتت تجاه النبي صلى الله عليه وسلم ~~فسترته، وأمر حمامتين فوقفتا بفم الغار» وفي حديث «5» آخر «أن العنكبوت ~~نسجت على بابه.. # فلما أتى الطالبون له ورأوا ذلك قالوا:.. «لو كان فيه أحد لم تكن ~~الحمامتان ببابه والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع كلامهم.. فانصرفوا.. # وعن «6» عبد الله بن قرط «7» .. قرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بدنات ~~«8» خمس أو ست أو سبع لينحرها يوم عيد فاز دلفن «9» إليه بأيهن يبدأ. # وعن «10» أم سلمة «11» : كان النبي صلى الله عليه وسلم في صحراء فنادته ~~ظبية PageV01P602 # يا رسول الله.. قال: «ما حاجتك؟.» قال: صادني هذا الأعرابي ولي خشفان «1» ~~في ذلك الجبل فأطلقني حتى أذهب فأرضعهما وأرجع قال: «أو تفعلين؟ ..» قالت: ~~«نعم..» فأطلقها فذهبت ورجعت، فأوثقها، فانتبه الأعرابي وقال: «يا رسول ~~الله ألك حاجة؟ ..» قال: «تطلق هذه الظبية» .. فأطلقها فخرجت تعدو في ~~الصحراء وتقول: «أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.. # ومن هذا الباب ما روي ms159 «2» من نسخير الأسد لسفينة «3» مولى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إذ وجهه إلى معاذ «4» باليمن فلقي الأسد فعرفه أنه مولى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه كتابه فهمهم «5» وتنحى عن الطريق ~~PageV01P603 # وذكر في منصرفه مثل ذلك. وفي رواية «1» أخرى عنه: أن سفينة تكسرت به فخرج ~~إلى جزيرة فإذا الأسد.. فقلت: «أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ~~فجعل يغمزني «2» بمنكبه حتى أقامني على الأرض» . وأخذ «3» عليه الصلاة ~~والسلام بأذن شاة لقوم من عبد القيس بين أصبعيه.. ثم خلاها فصار لها ميسما ~~«4» وبقي ذلك الأثر فيها وفي نسلها بعد.. # وما روي «5» عن إبراهيم بن حماد «6» بسنده من كلام الحمار PageV01P604 # الذي أصابه بخيبر وقال له: ما اسمك قال: «اسمي يزيد بن شهاب «1» فسماه ~~النبي صلى الله عليه وسلم يعفورا وأنه كان يوجهه إلى دور أصحابه فيضرب ~~عليهم الباب برأسه ... ويستدعيهم.. # وأن النبي صلى الله عليه وسلم لما مات تردى في بئر «2» جزعا وحزنا «3» ~~فمات. # وحديث «4» «الناقة التي شهدت عند النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبها أنه ~~ما سرقها وأنها ملكه» . # وفي حديث «5» «العنز التي أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم في عسكره وقد ~~أصابهم عطش ونزلوا على غير ماء.. وهم زهاء ثلاثمئة فحلبها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأروى الجند ... ثم قال لرافع «6» املكها وما أراك «7» ... ~~فربطها فوجدها قد انطلقت «8» رواه ابن قانع «9» PageV01P605 # وغيره ... وفيه: «فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الذي جاء بها ~~هو الذي ذهب بها» . # وقال لفرسه عليه السلام وقد قام إلى الصلاة في بعض أسفاره: «لا تبرح بارك ~~الله فيك حتى نفرغ من صلاتنا» وجعله قبلته.. فما حرك عضوا حتى صلى صلى الله ~~عليه وسلم. # ويلحق بهذا.. ما رواه الواقدي «1» أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وجه ~~رسله إلى الملوك ... فخرج ستة نفر منهم في يوم واحد.. فأصبح كل رجل منهم ~~يتكلم بلسان القوم الذين بعثه إليهم، والحديث في هذا الباب كثير وقد جئنا ~~منه بالمشهور وما وقع في كتب ms160 الأئمة.. PageV01P606 ### ||| الفصل العشرون إحياء الموتى في احياء الموتى وكلامهم وكلام الصبيان والمراضع وشهادتهم له بالنبوة صلى الله عليه وسلم # عن «1» أبي «2» هريرة رضي الله عنه: «أن يهودية أهدت للنبي صلى الله عليه ~~وسلم بخيبر شاة مصلية «3» سمتها فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ~~وأكل القوم ... فقال: ارفعوا أيديكم فإنها أخبرتني أنها مسمومة.. فمات بشر ~~بن البراء «4» .. وقال لليهودية: ما حملك على ما صنعت؟ .. # قالت: إن كنت نبيا لم يضرك الذي صنعت.. وإن كنت ملكا PageV01P607 # أرحت الناس منك ... قال: فأمر بها فقتلت ... وقد روى «1» هذا الحديث أنس ~~«2» وفيه: # قالت: أردت قتلك ... فقال: ما كان الله ليسلطك على ذلك.. # فقالوا نقتلها قال: لا «3» ... # وكذلك روي عن أبي هريرة من رواية غير وهب «4» قال: # «فما عرض لها» . # ورواه «5» أيضا جابر بن «6» عبد الله وفيه «أخبرتني به هذه الذراع» .. ~~قال: «ولم يعاقبها» . # وفي رواية الحسن «7» .. «أن فخذها تكلمني أنها مسمومة» .. # وفي رواية أبي سلمة «8» بن عبد الرحمن: قالت: «إني مسمومة» PageV01P608 # وكذلك ذكر الخبر ابن اسحق «1» وقال فيه: «فتجاوز عنها» . # وفي الحديث «2» الآخر عن أنس «3» انه قال: «فما زلت أعرفها في لهوات «4» ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم» . # وفي حديث «5» أبي هريرة «6» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في ~~مرجعه: # الذي مات فيه: ما زالت أكلة «7» خيبر تعادني «8» .. فالآن أوان قطعت ~~أبهري «9» . # وقال ابن إسحق إن كان المسلمون ليرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مات شهيدا مع ما أكرمه الله به من النبوة.. # وقال ابن سحنون «10» أجمع أهل الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P609 # قتل اليهودية التي سمته «1» . # وقد ذكرنا اختلاف الروايات في ذلك. عن أبي هريرة وأنس وجابر وفي رواية ~~«2» ابن عباس «3» رضي الله عنهما» أنه دفعها لأولياء بشر بن البراء «4» ~~فقتلوها» وكذلك قد اختلف في قتله الذي سحره. # قال الواقدي «5» «وعفوه عنه أثبت عندنا» .. وقد روي عنه «أنه قتله» .. # وروى الحديث البزار «6» عن أبي سعيد «7» فذكر مثله إلا أنه قال في آخره ~~«فبسط يده وقال: ms161 كلوا بسم الله ... فأكلنا.. # *** PageV01P610 # وذكر اسم الله- فلم تضر منا أحدا «1» » . # قال القاضي أبو الفضل: وقد خرج حديث الشاة المسمومة أهل الصحيح.. وخرجه ~~الأئمة ... وهو حديث مشهور ... واختلف أئمة أهل النظر في هذا الباب. # - فمن قائل يقول: هو كلام يخلقه الله تعالى في الشاة الميتة، أو الحجر، ~~أو الشجر. وحروف وأصوات يحدثها الله فيها ويسمعها منها دون تغيير اشكالها ~~ونقلها عن هيئتها وهو مذهب أبي الحسن «2» والقاضي أبي بكر «3» رحمهما الله- ~~وآخرون ذهبوا إلى إيجاد الحياة بها أولا ثم الكلام بعده. PageV01P611 # وحكي هذا أيضا عن شيخنا أبي الحسن ... وكل محتمل والله أعلم.. # إذ لم نجعل الحياة شرطا لوجود الحروف والأصوات إذ لا يستحيل وجودها مع ~~عدم الحياة بمجردها ... فأما إذا كانت عبارة عن الكلام النفسي.. فلا بد من ~~شرط الحياة لها ... إذ لا يوجد كلام النفس إلا من حي خلافا للجبائي «1» من ~~بيز سائر متكلمي الفرق في إحالة وجود الكلام اللفظي والحروف والأصوات إلا ~~من حي مركب على تركيب من يصح منه النطق بالحروف والأصوات والتزم ذلك في ~~الحصا والجذع والذراع وقال: إن الله خلق فيها حياة وخرو لها فما ولسانا ~~وآلة أمكنها بها من الكلام. # - وهذا لو كان لكان نقله والتهمم «2» به آكد «3» من التهمم بنقل تسبيحه ~~«4» أو حنينه «5» ... PageV01P612 # - ولم ينقل أحد من أهل السير والرواية شيئا من ذلك فدل على سقوط دعواه.. # - مع أنه لا ضرورة إليه في النظر «1» ... والموفق الله. وروى «2» وكيع ~~«3» ... رفعه عن فهد بن عطية «4» : أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بصبي ~~قد شب لم يتكلم قط ... فقال: من أنا؟ .. فقال: رسول الله. # وروي «5» عن معرض بن «6» معيقيب رأيت من النبي صلى الله عليه وسلم عجبا ~~... جيء بصي يوم ولد فذكر مثله. وهو مبارك اليمامة «7» ويعرف بحديث شاصونة ~~«8» اسم راويه وفيه # فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: صدقت بارك الله فيك.. ثم إن الغلام لم ~~PageV01P613 # يتكلم بعدها حتى شب فكان يسمى مبارك «1» اليمامة ... وكانت هذه الفصة ~~بمكة في حجة الوداع. # وعن «2» الحسن «3» أتى رجل النبي ms162 صلى الله عليه وسلم فذكر له أنه طرح ~~بنية له في وادي كذا.. فانطلق معه إلى الوادي.. وناداها باسمها يا فلانة.. ~~أجيبي بإذن الله.. فخرجت وهي تقول: لبيك وسعديك.. فقال لها: إن أبويك قد ~~أسلما.. فإن أحببت أن أردك عليهما.. قالت: لا حاجة لي فيهما ... وجدت الله ~~خيرا لي منهما ... PageV01P614 # وعن «1» أنس «2» أن شابا من الأنصار توفي وله أم عجوز عمياء.. # فسجيناه «3» وعزيناها.. فقالت: مات ابني؟ .. قلنا: نعم.. # قالت: اللهم إن كنت تعلم أني هاجرت إليك وإلى رسولك رجاء أن تعينني على ~~كل شدة فلا تحملن علي هذه المصيبة ... فما برحنا أن كشف الثوب عن وجهه فطعم ~~وطعمنا «4» . # وروي «5» عن عبد الله بن عبيد الله الأنصاري «6» كنت فيمن دفن ثابت بن ~~قيس «7» بن شماس. وكان قتل باليمامة.. فسمعناه حين أدخلناه القبر يقول: ~~محمد رسول الله.. أبو بكر الصديق عمر الشهيد، عثمان البر الرحيم «8» .. ~~فنظرنا فإذا هو ميت. PageV01P615 # وذكر عن «1» النعمان بن بشير «2» أن زيد بن خارجة «3» خر ميتا في بعض ~~أزقة المدينة فرفع وسجي إذ سمعوه بين العشائين والنساء يصرخن حوله.. يقول: ~~أنصتوا أنصتوا.. فحسر عن وجهه فقال: محمد رسول الله.. النبي الأمي وخاتم ~~النبيين.. # كان ذلك في الكتاب الأول «4» ثم قال: صدق صدق وذكر أبا بكر وعمر وعثمان ~~... ثم قال: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته ... ثم عاد ميتا ~~كما كان. PageV01P616 ### ||| الفصل الحادي والعشرون ابراء المرضى وذوي العاهات # في إبرائه المرضى وذوي العاهات حدثنا «1» ابن شهاب «2» وعاصم «3» بن عمر ~~بن قتادة وجماعة ذكرهم بقضية أحد بطولها قال: # وقالوا: قال سعد بن أبي وقاص «4» : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليناولني السهم لا نصل «5» له فيقول: ارم به.. وقد رمى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يومئذ عن قوسه حتى اندقت «6» .. وأصيب يومئذ عين PageV01P617 # قتادة «1» - يعني ابن النعمان- حتى وقعت على وجنته «2» .. فردها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم.. فكانت أحسن عينيه.. # وروى قصة قتادة عاصم بن عمر بن قتادة، ويزيد «3» بن عياض ابن عمر بن ~~قتادة. ورواها ms163 «4» أبو سعيد «5» الخدري عن قتادة «6» وبصق على أثر سهم في ~~وجه أبي قتادة في يوم ذي قرد «7» - قال- فما ضرب علي ولا قاح «8» . # وروى «9» النسائي «10» عن عثمان «11» بن حنيف أن أعمى قال: PageV01P618 # يا رسول.. ادع الله أن يكشف لي عن بصري.. قال: فانطلق فتوضأ ثم صل ركعتين ~~ثم قل: اللهم إني اسألك وأتوجه اليك بنبيي محمد «1» نبي الرحمة.. يا محمد ~~إني أتوجه بك إلى ربك أن يكشف عن بصري.. اللهم شفعه في قال: فرجع وقد كشف ~~الله عن بصره. # وروي «2» أن ابن ملاعب «3» الأسنة أصابه استسقاء «4» فبعث إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم.. فأخذ بيده حثوة «5» من الأرض فتفل عليها ثم أعطاها رسوله ~~فأخذها متعجبا يرى «6» أن قد هزىء به.. فأتاه بها وهو على شفا «7» فشربها ~~فشفاه الله.. PageV01P619 # وذكر العقيلي «1» عن «2» حبيب «3» بن فديك- ويقال- فريك أن أباه ابيضت ~~عيناه.. فكان لا يبصر بهما شيئا.. فنفث «4» رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في عينيه فأبصر.. فرأيته يدخل الخيط في الإبرة وهو ابن ثمانين «5» .. # ورمي «6» كلثوم بن «7» الحصين يوم أحد في نحره.. فبصق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فيه فبرأ «8» .. وتفل «9» على شجة «10» عبد الله «11» ~~PageV01P620 # ابن أنيس فلم تمد «1» وتفل «2» في عيني علي يوم خيبر وكان رمدا «3» فأصبح ~~بارئا.. ونفث «4» على ضربة بساق سلمة بن «5» الأكوع يوم حيبر فبرئت.. وفي ~~«6» رجل زيد بن معاذ حين أصابها السيف إلى الكعب حين قتل ابن «7» الأشرف ~~فبرئت، وعلى «8» ساق علي «9» ابن الحكم يوم الخندق اذ انكسرت فبرىء مكانه.. ~~وما نزل عن فرسه واشتكى علي «10» بن أبي طالب فجعل يدعو فقال النبي ~~PageV01P621 # صلى الله عليه وسلم: اللهم اشفه أو عافه.. ثم ضربه برجله.. فما اشتكى ذلك ~~الوجع بعد «1» وقطع أبو جهل «2» يوم بدر يد معوذ بن «3» عفراء فجاء يحمل ~~يده فبصق عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وألصقها فلصقت رواه ابن وهب ~~«4» . # ومن «5» روايته أيضا أن حبيب بن «6» يساف أصيب يوم بدر مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بضربة على عاتقه «7» حتى مال شقه «8» . # فرده ms164 رسول الله صلى الله عليه وسلم ونفث عليه حتى صح وأتته امرأة «9» من ~~خثعم «10» معها صبي به بلاء لا يتكلم فأتي بماء فمضمض فاه وغسل يديه ثم ~~أعطاها إياه وأمرها بسقيه ومسه به فبرأ الغلام وعقل عقلا يفضل عقول الناس ~~«11» .. PageV01P622 # وعن ابن عباس «1» جاءت امرأة بابن لها به جنون.. فمسح صدره فثع ثعة «2» ~~فخرج من جوفه مثل الجرو «3» الأسود فشفي. # وانكفأت «4» القدر على ذراع محمد بن «5» حاطب وهو طفل.. # فمسح عليها ودعا له.. وتفل فيه فبرأ لحينه «6» . # وكانت في كف شرحبيل «7» الجعفي سلعة «8» تمنعه القبض على السيف وعنان «9» ~~الدابة فشكاها للنبي صلى الله عليه وسلم.. فما زال يطحنها «10» *** ~~PageV01P623 # بكفه حتى رفعها ولم يبق لها أثر «1» .. وسألته جارية طعاما وهو يأكل ~~فناولها من بين يديه.. وكانت قليلة الحياء فقالت: إنما أريد من الذي في ~~فيك.. فناولها ما في فيه.. ولم يكن يسأل شيئا فيمنعه.. فلما استقر في جوفها ~~ألقي عليها من الحياء ما لم تكن امرأة بالمدينة أشد حياء منها «2» .. ~~PageV01P624 ### ||| الفصل الثاني والعشرون إجابة دعائه صلى الله عليه وسلم وهذا باب واسع جدا # وإجابة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لجماعة بما دعا ~~لهم وعليهم متواتر على الجملة معلوم بالضرورة وقد جاء في حديث «1» حذيفة ~~«2» : # كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعا لرجل أدركت الدعوة ولده وولد ~~ولده. # عن «3» أنس «4» رضي الله عنه قال: «قالت أمي «5» : يا رسول الله خادمك ~~أنس ادع الله له.. قال: اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما آتيته. # ومن رواية «6» عكرمة «7» قال أنس: فو الله إن مالي لكثير PageV01P625 # وإن ولدي وولد ولدي ليعادون «1» اليوم على نحو المئة. # وفي رواية «2» فما أعلم أحدا أصاب من رخاء العيش ما أصبت.. # ولقد دفنت بيدي هاتين مئة من ولدي.. لا أقول سقطا «3» ولا ولد ولد. # ومنه «4» دعاؤه لعبد الرحمن بن «5» عوف بالبركة.. قال عبد الرحمن فلو ~~رفعت حجرا لرجوت أن أصيب تحته ذهبا وفتح الله عليه ومات فحضر الذهب من ~~تركته بالفؤوس «6» حتى مجلت «7» فيه الأيدي.. وأخذت كل ms165 زوجة ثمانين ألفا ~~وكن أربعا وقيل مئة ألف.. وقيل بل صولحت إحداهن لأنه طلقها في مرضه عن نيف ~~«8» وثمانين ألفا. وأوصى بخمسين ألفا بعد صدقاته الفاشية «9» في حياته ~~وعوارفه العظيمة. PageV01P626 # - أعتق يوما ثلاثين عبدا وتصدق مرة بعير «1» فيها سبعمئة بعير وردت عليه ~~تحمل من كل شيء.. فتصدق بها وبما عليها وبأقتابها «2» وأحلاسها «3» . # ودعا «4» لمعاوية «5» بالتمكين في البلاد فنال الخلافة ولسعد «6» ابن أبي ~~وقاص رضي الله عنه أن يجيب الله دعوته فما دعا على أحد إلا استجيب له «7» . # ودعا «8» بعز الإسلام بعمر «9» رضي الله عنه، أو بأبي «10» جهل فاستجيب ~~له في عمر. PageV01P627 # وقال «1» ابن مسعود «2» رضي الله عنه ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر وأصاب ~~الناس في بعض مغازيه عطش فسأله عمر الدعاء فدعا فجاءت سحابة فسقتهم حاجتهم ~~ثم أقلعت. # ودعا في الاستسقاء «3» فسقوا ثم شكوا إليه المطر فدعا فصحوا وقال «4» ~~لأبي قتادة «5» أفلح وجهك.. اللهم بارك له في شعره «6» وبشره فمات وهو ابن ~~سبعين سنة وكأنه ابن خمس عشرة سنة. # وقال «7» للنابغة «8» لا يفضض «9» الله فاك «10» .. فما سقطت له ~~PageV01P628 # سن وفي رواية فكان أحسن الناس ثغرا «1» .. إذا سقطت له سن نبتت له أخرى ~~وعاش عشرين ومئة وقيل أكثر من هذا. # ودعا «2» لابن عباس «3» «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل.. # فسمي بعد الحبر «4» وترجمان «5» القرآن. # ودعا «6» لعبد الله بن «7» جعفر بالبركة في صفقة «8» يمينه فما اشترى ~~شيئا إلا ربح فيه. # ودعا «9» للمقداد «10» بالبركة فكانت عنده غرائر «11» من المال ودعا «12» ~~بمثله لعروة «13» بن أبي الجعد فقال: فلقد كنت PageV01P629 # أقوم بالكناسة «1» فما أرجع حتى أربح أربعين ألفا.. # وقال البخاري في حديثه فكان لو اشترى التراب ربح فيه.. # وروي «2» مثل هذا لغرقدة «3» أيضا: وندت «4» له ناقة فدعا.. فجاءه بها ~~إعصار «5» ريح حتى ردها عليه. # ودعا «6» لأم «7» أبي هريرة فأسلمت. # ودعا «8» لعلي «9» أن يكفى الحر والقر «10» فكان يلبس في الشتاء ثياب ~~الصيف وفي الصيف ثياب الشتاء ولا يصيبه حر ولا برد. # ودعا «11» لفاطمة «12» ابنته الله أن لا يجيعها.. قالت: فما جعت بعد ~~PageV01P630 # وسأله «1» الطفيل بن ms166 عمرو «2» آية «3» لقومه فقال: اللهم نور له فسطع له ~~نور بين عينيه فقال: يا رب أخاف أن يقولوا: مثلة «4» فتحول إلى سوطه.. فقال ~~يضيء في الليلة المظلمة فسمي ذا النور. # ودعا «5» على مضر «6» فأقحطوا حتى استعطفته قريش فدعا لهم فسقوا. # ودعا «7» على كسرى «8» حين مزق كتابه أن يمزق الله ملكه.. # فلم يبق له باقية، ولا بقيت لفارس رياسة في أقطار الدنيا.. PageV01P631 # ودعا «1» على صبي قطع عليه الصلاة أن يقطع الله أثره فأقعد. # وقال «2» لرجل «3» رآه يأكل شماله: كل بيمينك.. فقال لا أستطيع.. فقال لا ~~استطعت.. فلم يرفعها إلى فيه. # وقال «4» لعتبة «5» بن أبي لهب اللهم سلط عليه كلبا من كلابك فأكله ~~الاسد. PageV01P632 # وقال «1» لامرأة «2» أكلك الأسد ... فأكلها.. # وحديثه «3» المشهور من رواية عبد الله بن مسعود «4» رضي الله عنه في ~~دعائه على قريش حين وضعوا السلا «5» على رقبته وهو ساجد مع الفرث والدم ~~وسماهم وقال: فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر. # ودعا «6» على الحكم بن أبي «7» العاص وكان يختلج بوجهه ويغمز عند النبي ~~صلى الله عليه وسلم «8» أي لا «9» فرآه فقال: كذلك كن.. فلم يزل يختلج إلى ~~أن مات. PageV01P633 # ودعا «1» على محلم بن «2» جثامة فمات لسبع فلفظته «3» الأرض ثم وروي ~~فلفظته مرات فألقوه بين صدين «4» ورضموا «5» عليه بالحجارة والصد جانب ~~الوادي. # وجحده «6» رجل بيع فرس وهي التي شهد «7» فيها خزيمة «8» للنبي صلى الله ~~عليه وسلم فرد الفرس بعد «9» النبي صلى الله عليه وسلم على الرجل وقال ~~اللهم PageV01P634 # إن كان كاذبا فلا تبارك له فيها ... فأصبحت شاصية «1» برجلها- أي رافعة.. ~~وهذا الباب أكثر من أن يحاط به. PageV01P635 ### ||| الفصل الثالث والعشرون في كراماته وبركاته وانقلاب الأعيان له فيما لمسه أو باشره صلى الله عليه وسلم # عن أنس بن مالك «1» رضي الله عنه أن أهل المدينة فزعوا مرة فركب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فرسا لأبي طلحة «3» كان يقطف «4» أو به قطوف «5» ~~وقال غيره يبطأ. فلما رجع قال: وجدنا فرسك بحرا «6» ... فكان بعد لا يجارى. # ونخس «7» جمل جابر «8» وكان قد أعيى فنشط حتى كان ما ms167 يملك «9» زمامه «10» ~~. PageV01P636 # وصنع مثل ذلك بفرس لجعيل الأشجعي «1» خفقها بمخفقة «2» معه وبرك «3» ~~عليها فلم يملك رأسها نشاطا وباع من بطنها باثني عشر ألفا «4» . # وركب حمارا قطوفا لسعد بن عبادة «5» فرده هملاجا «6» لا يساير «7» . # وكانت شعرات من شعره في قلنسوة «8» خالد بن الوليد «9» فلم يشهد بها ~~قتالا إلا رزق النصر «10» . # وفي الصحيح «11» عن أسماء «12» بنت أبي بكر رضي الله عنها: PageV01P637 # «أنها أخرجت جبة طيالسة «1» وقالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يلبسها فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها» . # وحدثنا القاضي أبو علي «2» عن شيخه أبي القاسم بن المأمون «3» # قال: «كانت عندنا قصعة «4» من قصاع النبي صلى الله عليه وسلم.. فكنا نجعل ~~فيها الماء للمرضى فيستشفون بها ... وأخذ جهجاه الغفاري «5» القضيب «6» من ~~يد عثمان رضي الله عنه ليكسره على ركبته فصاح الناس به فأخذته فيها الآكلة ~~«7» فقطعها ومات قبل الحول «8» » . # وسكب من فضل وضوئه «9» في بئر قباء فما نزفت «10» بعد «11» PageV01P638 # وبزق في بئر كانت في دار أنس فلم يكن بالمدينة أعذب منها «1» # ومر على ماء فسأل عنه فقيل له اسمه بيسان «2» وماؤه ملح.. # فقال: بل هو نعمان وماؤه طيب فطاب. # وأتي بدلو من ماء زمزم فمج «3» فيه فصار أطيب من المسك «4» # وأعطى الحسن «5» والحسين «6» لسانه فمصاه وكانا يبكيان عطشا فسكتا «7» . # وكان لأم مالك «8» عكة «9» تهدي فيها للنبي صلى الله عليه وسلم سمنا ~~فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن لا تعصرها ثم دفعها إليها. فإذا هي ~~مملوءة سمنا فيأتيها بنوها يسألونها الأدم «10» وليس عندهم شيء فتعمد إليها ~~فتجد فيها سمنا فكانت تقيم أدمها حتى عصرتها «11» . # وكان يتفل في أفواه الصبيان المراضع فيجزئهم ريقه إلى الليل PageV01P639 # ومن ذلك بركة يده فيما لمسه وغرسه لسلمان «1» رضي الله عنه حين كاتبه ~~مواليه على ثلاثمئة ودية «2» يغرسها لهم كلها تعلق «3» وتطعم «4» على ~~أربعين أوقية «5» من ذهب. فقام صلى الله عليه وسلم وغرسها له بيده إلا ~~واحدة غرسها غيره «6» . فأخذت كلها إلا تلك لواحدة فقلعها النبي صلى الله ~~عليه وسلم وردها فأخذت. وفي كتاب البزار «7» فأطعم النخل ms168 من عامه إلا ~~الواحدة.. فقلعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وغرسها فأطعمت من عامها. ~~وأعطاه مثل بيضة الدجاجة من ذهب بعد أن PageV01P640 # أدارها على لسانه فوزن منها لمواليه أربعين أوقية وبقي عنده مثل ما ~~أعطاهم. # وفي «1» حديث حنش بن عقيل «2» سقاني رسول الله صلى الله عليه وسلم شربة ~~من سويق شرب أولها وشربت آخرها فما برحت أجد شبعها إذا جعت وريها إذا عطشت ~~وبردها إذا ظمئت. # وأعطى «3» قتادة بن النعمان «4» - وصلى معه العشاء في ليلة PageV01P641 # مظلمة مطيرة «1» - عرجونا «2» ، وقال: انطلق به فإنه سيضيء لك من بين ~~يديك عشرا «3» ومن خلفك عشرا.. فإذا دخلت بيتك فسترى سوادا فاضربه حتى يخرج ~~فإنه الشيطان.. # فانطلق فأضاء له العرجون حتى دخل بيته ووجد السواد فضربه حتى خرج. # ومنها «4» دفعه لعكاشة «5» جذل «6» حطب وقال: اضرب به حين انكسر سيفه يوم ~~بدر فعاد في يده سيفا صارما طويل القامة أبيض شديد المتن ... فقاتل به ثم ~~لم يزل عنده يشهد به المواقف إلى أن استشهد في قتال أهل الردة وكان هذا ~~السيف يسمى العون «7» PageV01P642 # ودفعه «1» لعبد الله بن جحش «2» يوم أحد- وقد ذهب سيفه «3» - عسيب «4» ~~نخل فرجع في يده سيفا. ومنه بركته في درور الشياه الحوائل «5» باللبن ~~الكثير كقصة «6» شاة أم معبد «7» وأعنز «8» معاوية بن ثور «9» وشاة أنس ~~«10» وغنم «11» حليمة «12» مرضعته PageV01P643 # وشارفها «1» وشاة «2» عبد الله بن مسعود «3» وكانت له لم ينز «4» عليها ~~فحل وشاة «5» المقداد «6» . # ومن ذلك «7» تزويده أصحابه سقاء «8» ماء بعد أن أوكاه «9» ودعا فيه.. ~~فلما حضرتهم الصلاة نزلوا فحلوه فإذا به لبن طيب وزبدة في فمه. # من رواية حماد بن سلمة «10» . ومسح «11» على رأس عمير بن سعد «12» وبرك ~~«13» فمات وهو ابن ثمانين فما شاب. PageV01P644 # وروي مثل هذه القصص عن غير واحد منهم السائب بن يزيد «1» ومدلوك «2» . # وكان يوجد لعتبة «3» بن فرقد طيب يغلب طيب نسائه لأن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مسح بيديه على بطنه وظهره «4» . # وسلت «5» الدم عن وجه عائذ «6» بن عمرو وكان جرح يوم حنين «7» ودعا له ~~فكانت له غرة «8» كغرة الفرس ms169 «9» . PageV01P645 # ومسح على رأس قيس «1» بن زيد الجذامي ودعا له فهلك وهو ابن مئة سنة ورأسه ~~أبيض «2» ، وموضع كف النبي صلى الله عليه وسلم وما مرت يده عليه من شعره ~~أسود «3» .. فكان يدعى الأغر «4» . # وروي «5» مثل هذه الحكاية لعمرو بن ثعلبة الجهني «6» ومسح وجه آخر «7» ~~فما زال على وجهه نور. # ومسح «8» وجه قتادة بن ملحان «9» فكان لوجهه بريق حتى كان ينظر في وجهه ~~كما ينظر في المرآة «10» . PageV01P646 # ووضع «1» يده على رأس حنظلة بن «2» حذيم وبرك «3» عليه فكان حنظلة يؤتى ~~بالرجل قد ورم وجهه والشاة قد ورم ضرعها فيوضع على موضع كف النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيذهب الورم. # و «4» نفح «5» في وجه زينب «6» بنت أم سلمة نضحة من ماء فما يعرف كان في ~~وجه امرأة من الجمال ما بها. # ومسح «7» على رأس صبي به عاهة «8» فبرأ «9» واستوى شعره. # ومثله روي «10» في خبر المهلب بن قبالة «11» وعلى غير واحد من الصبيان ~~والمرضى والمجانين فبرؤوا. PageV01P647 # وأتاه «1» رجل به أدرة «2» فأمره أن ينضحها بماء من عين مج «3» فيه ففعل ~~فبرأ.. # وعن «4» طاووس «5» لم يؤت النبي صلى الله عليه وسلم بأحد به مس فصك «6» ~~في صدره إلا ذهب (المس الجنون) ومج في دلو من بئر ثم صب فيها ففاح منها ريح ~~المسك. # وأخذ «7» قبضة من تراب يوم حنين ورمى بها في وجوه الكفار وقال: شاهت «8» ~~الوجوه فانصرفوا يمسحون القذى «9» عن أعينهم. # وشكى «10» إليه أبو هريرة «11» رضي الله عنه النسيان فأمره ببسط ~~PageV01P648 # ثوبه وغرف «1» بيده فيه ثم أمره بضمه ففعل فما نسي شيئا بعد. # وما يروى عنه في هذا كثير.. # وضرب «2» صدر جرير «3» بن عبد الله ودعا له وكان ذكر له أنه لا يثبت على ~~الخيل فصار من أفرس العرب وأثبتهم. # ومسح «4» رأس عبد الرحمن بن «5» زيد بن الخطاب وهو صغير وكان دميما «6» ~~ودعا له بالبركة فضرع «7» الرجال طولا وتماما. PageV01P649 ### ||| الفصل الرابع والعشرون ما أطلع عليه من الغيوب وما يكون # ومن ذلك ما أطلع عليه من الغيوب وما يكون والأحاديث في هذا الباب بحر لا ~~يدرك ms170 قعره ولا ينزف «1» غمره «2» .. وهذه المعجزة من جملة معجزاته المعلومة ~~على القطع.. الواصل إلينا خبرها على التواتر لكثرة رواتها واتفاق معانيها ~~على الاطلاع على الغيب. # عن «3» حذيفة «4» قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما.. ~~فما ترك شيئا يكون في مقامه ذلك إلى قيام الساعة إلا حدثه حفظه من حفظه ~~ونسيه من نسيه.. قد علمه أصحابي هؤلاء.. وإنه ليكون منه الشيء فأعرفه ~~فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب عنه ثم إذا رآه عرفه ثم قال ~~حذيفة: PageV01P650 # ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوه ... والله ما ترك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا يبلغ من معه ثلاثمئة فصاعدا إلا قد ~~سماه لنا باسمه واسم أبيه وقبيلته. # وقال «1» أبو ذر «2» لقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يحرك ~~طائر جناحيه في السماء إلا ذكرنا منه علما. # وقد خرج أهل الصحيح والأئمة ما أعلم به أصحابه صلى الله عليه وسلم مما ~~وعدهم به من الظهور على أعدائه وفتح مكة «3» ، وبيت المقدس «4» واليمن ~~والشام والعراق «5» وظهور الأمن حتى تظعن المرأة من الحيرة «6» إلى مكة لا ~~تخاف إلا الله «7» .. # وأن المدينة ستغزى وتفتح خيبر «8» على يد علي في غد يومه «9» .. # وما يفتح الله على أمته من الدنيا ويؤتون من زهرتها «10» .. PageV01P651 # وقسمتهم كنوز كسرى وقيصر «1» ، وما يحدث بينهم من الفتون والاختلاف ~~والأهواء «2» ، وسلوك سبيل من قبلهم «3» .. # وافتراقهم على ثلاث وسبعين فرقة.. الناجية منها فرقة واحدة «4» .. # وأنها «5» ستكون لهم أنماط «6» ويغدو «7» أحدهم في حلة «8» ويروح «9» في ~~أخرى وتوضع بين يديه صحفة «10» وترفع أخرى ويسترون بيوتهم كما تستر الكعبة ~~«11» ثم قال آخر الحديث وأنتم اليوم خير منكم يومئذ.. وإنهم «12» إذا مشوا ~~المطيطاء «13» وخدمتهم PageV01P652 # بنات فارس والروم رد الله بأسهم بينهم.. وسلط شرارهم على خيارهم وقتالهم ~~الترك «1» والخزر «2» والروم وذهاب كسرى وفارس.. # حتى لا كسرى ولا فارس بعده.. وذهاب قيصر حتى لا قيصر بعده «3» .. وذكر أن ~~الروم ذات قرون «4» إلى آخر الدهر.. # وبذهاب الأمثل «5» فالأمثل من الناس ms171 «6» .. وتقارب الزمان «7» .. ~~PageV01P653 # وقبض العلم «1» .. وظهور الفتن والهرج «2» .. وقال «3» : # «ويل «4» للعرب من شر قد اقترب» . وأنه «5» زويت «6» له الأرض فأري ~~مشارقها ومغاربها. وسيبلغ ملك أمته ما زوي له منها.. # ولذلك كان امتدت في المشارق والمغارب ما بين أرض الهند أقصى المشرق إلى ~~بحر طنجة «7» حيث لا عمارة «8» وراءه وذلك ما لم تملكه PageV01P654 # أمة من الأمم.. ولم تمتد في الجنوب ولا في الشمال مثل ذلك. # وقوله «1» «لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة» . # ذهب ابن المديني «2» إلى أنهم العرب لأنهم المختصون بالسقي بالغرب «3» ~~وهي الدلو. # وغيره يذهب إلى أنهم أهل المغرب وقد ورد «المغرب» كذا في الحديث بمعناه. # وفي حديث «4» آخر من رواية أبي أمامة «5» لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين ~~على الحق قاهرين لعدوهم حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك # قيل: يا رسول الله.. وأين هم؟ قال ببيت المقدس وأجيز «6» PageV01P655 # بملك بني أمية وولاية معاوية «1» ووصاه «2» . واتخاذ بني أمية مال الله ~~دولا «3» وخروج «4» ولد العباس بالرايات السود «5» وملكهم أضعاف ما ملكوا ~~«6» وخروج «7» المهدي «8» ... وما ينال PageV01P656 # أهل بيته «1» وتقتيلهم وتشريدهم وقتل «2» علي «3» .. وأن أشقاها «4» الذي ~~يخضب هذه من هذه- أي لحيته من رأسه- وأنه قسيم «5» النار يدخل أولياؤه ~~الجنة وأعداؤه النار.. فكان فيمن عاداه الخوارج «6» والناصبة «7» .. وطائفة ~~ممن ينسب إليه من PageV01P657 # الروافض «1» كفروه «2» .. # وقال «3» بقتل عثمان وهو يقرأ في المصحف وأن «4» الله عسى أن يلبسه قميصا ~~«5» .. وأنهم يريدون خلعه «6» .. وأنه «7» سيقطر دمه على قوله تعالى ~~«فسيكفيكهم الله «8» » . PageV01P658 # وأن الفتن لا تظهر ما دام عمر «1» حيا «2» وبمحاربة «3» الزبير «4» لعلي ~~«5» وبنباح كلاب الحوأب «6» على بعض أزواجه «7» وأنه «8» يقتل حولها قتلى ~~كثير وتنجو بعد ما كادت.. فنبحت على عائشة «9» عند خروجها إلى البصرة. # وأن عمارا «10» تقتله الفئة الباغية «11» - فقتله أصحاب معاوية «12» وقال ~~لعبد الله «13» بن الزبير: «ويل للناس منك وويل لك PageV01P659 # من الناس» . وقال «1» في قزمان «2» وقد أبلى مع المسلمين إنه من أهل ~~النار فقتل نفسه.. # وقال «3» في جماعة فيهم أبو هريرة «4» وسمرة «5» بن جندب وحذيفة «6» ~~آخركم موتا في النار «7» .. فكان بعضهم يسأل عن ms172 بعض فكان سمرة آخرهم موتا ~~هرم وخرف فاصطلى بالنار فاحترق فيها. # وقال «8» في حنظلة «9» الغسيل «10» .. سلوا زوجته عنه فإني PageV01P660 # رأيت الملائكة تغسله.. فسألوها فقالت: إنه خرج جنبا وأعجله الحال عن ~~الغسل. # قال أبو سعيد «1» رضي الله عنه ووجدنا رأسه يقطر ماء. # وقال «2» الخلافة في قريش.. ولن «3» يزال هذا لأمر في قريش ما أقاموا ~~الدين. وقال «4» يكون في ثقيف كذاب ومبير «5» فرأوهما «6» الحجاج «7» ~~والمختار «8» . PageV01P661 # وأن «1» مسيلمة «2» يعقره «3» الله وأن «4» فاطمة «5» أول أهله لحوقا به ~~وأنذر «6» بالردة وبأن «7» الخلافة بعده ثلاثون سنة ثم تكون ملكا فكانت ~~كذلك بمدة «8» الحسن «9» بن علي. # وقال «10» إن هذا الأمر بدأ نبوة ورحمة ثم يكون رحمة PageV01P662 # وخلافة ثم يكون ملكا عضوضا «1» .. ثم يكون عتوا «2» وجبروتا «3» وفسادا ~~في الأمة.. # وأخبر «4» بشأن أويس «5» القربي وبأمراء «6» يؤخرون الصلاة وفي «7» حديث ~~آخر: ثلاثون دجالا كذابا.. أحدهم الدجال الكذاب «8» كلهم يكذب على الله ~~ورسوله. PageV01P663 # وقال «1» يوشك أن يكثر فيكم العجم يأكلون فيئكم «2» ، ويضربون رقابكم. ~~ولا «3» تقوم الساعة حتى يسوق الناس بعصاه «4» رجل من قحطان «5» وقال «6» : ~~خيركم قرني.. ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يأتي بعد ذلك قوم يشهدون ~~ولا «7» يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن ~~«8» # وقال «9» : لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه. PageV01P664 # وقال «1» : «هلاك أمتي على يد أغيلمة «2» من قريش» . # وقال أبو هريرة «3» رواية «4» : «لو شئت سميتهم لكم بنو فلان وبنو فلان» # وأخبر «5» بظهور القدرية «6» و «7» الرافضة «8» وسب «9» آخر PageV01P665 # هذه الأمة أولها وقلة «1» الأنصار «2» حتى يكونوا كالملح في الطعام فلم ~~يزل أمرهم يتبدد حتى لم يبق لهم جماعة.. وأنهم سيلقون بعده أثرة «3» . # وأخبر «4» بشأن الخوارج «5» وصفتهم والمخدج «6» الذي PageV01P666 # فيهم وأن سيماهم «1» التحليق «2» ويرى «3» راء الغنم «4» رؤوس الناس ~~والعراة الحفاة يتبارون في البنيان «5» .. وأن «6» تلد الأمة ربتها «7» وأن ~~«8» قريشا والأحزاب لا يغزونه أبدا وأنه هو يغزوهم «9» . # وأخبر «10» بالموتان «11» الذي يكون بعد فتح بيت المقدس PageV01P667 # وما «1» وعد من سكنى البصرة «2» وأنهم «3» يغزون في البحر كالملوك على ~~الأسرة «4» وأن «5» الدين لو كان منوطا في الثريا لناله رجال من ms173 أبناء ~~فارس. وهاجت «6» ريح في غزاته «7» فقال: # هاجت لموت منافق «8» فلما رجعوا إلى المدينة وجدوا ذلك. # وقال «9» لقوم من جلسائه: ضرس أحدكم في النار أعظم من أحد «10» قال أبو ~~هريرة فذهت القوم- يعني ماتوا- وبقيت أنا PageV01P668 # ورجل فقتل مرتدا «1» يوم اليمامة «2» . # وأعلم «3» بالذي غل «4» خرزا من خرز يهود فوجدت في رحله وبالذي «5» غل ~~الشملة «6» وحيث هي «7» . # وناقته «8» حين ضلت وكيف تعلقت بالشجرة بخطامها «9» وبشأن «10» ~~PageV01P669 # كتاب حاطب «1» إلى أهل مكة «2» . # وبقضية «3» عمير «4» مع صفوان «5» حين ساره وشارطه على قتل PageV01P670 # النبي صلى الله عليه وسلم فلما جاء عمير النبي صلى الله عليه وسلم قاصدا ~~لقتله وأطلعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأمر والسر أسلم وأخبر «1» ~~بالمال الذي تركه عمه العباس «2» رضي الله عنه عند أم الفضل «3» بعد أن ~~كتمه فقال: ما علمه غيري وغيرها. فأسلم. وأعلم «4» بأنه سيقتل أبي بن خلف ~~«5» . # وفي عتبة بن «6» أبي لهب أنه يأكله كلب من كلاب «7» الله وعن «8» مصارع ~~أهل بدر فكان كما قال. # وقال «9» في الحسن «10» : «إن ابني هذا سيد وسيصلح لله به PageV01P671 # بين فئتين» . و «1» لسعد «2» : «لعلك تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويستضر بك ~~آخرون «3» » وأخبر «4» بقتل أهل مؤتة «5» يوم قتلوا «6» وبينهم مسيرة شهر ~~أو أزيد. # وبموت «7» النجاشي «8» يوم مات «9» وهو بأرضه. وأخبر «10» فيروز «11» إذ ~~ورد عليه رسولا من كسرى «12» بموت كسرى ذلك اليوم فلما تحقق فيروز القصة ~~أسلم. # وأخبر «13» أباذر «14» رضي الله عنه بتطريده «15» كما كان ووجده ~~PageV01P672 # في المسجد نائما فقال له: كيف بك إذا أخرجت منه قال: أسكن المسجد الحرام ~~قال: فإذا أخرجت منه؟ .. الحديث «1» . # وبعيشه «2» وحده وأخبر «3» أن أسرع أزواجه به لحوقا أطولهن يدا فكانت ~~زينب «4» لطول يدها بالصدقة. # وأخبر «5» بقتل الحسين «6» بالطف «7» وأخرج بيده تربة وقال: # فيها مضجعه «8» . وقال «9» في زيد بن صوحان «10» : «يسبقه PageV01P673 # عضو منه إلى الجنة فقطعت يده «1» في الجهاد «2» » . # وقال «3» في الذين كانوا معه على حراء: «اثبت فإنما عليك نبي وصديق وشهيد ~~فقتل علي «4» وعمر «5» وعثمان «6» وطلحة «7» والزبير «8» وطعن سعد رضي الله ~~عنهم «9» وقال «10» لسراقة «11» كيف بك إذا ms174 لبست سواري «12» كسرى «13» فلما ~~أتي بهما عمر ألبسهما إياه وقال: الحمد لله الذي سلبها كسرى وألبسهما سراقة ~~«14» PageV01P674 # وقال «1» تبنى مدينة بين دجلة «2» ودجيل «3» وقطربل «4» والصراة «5» تجبى ~~إليها خزائن الأرض يخسف بها. - يعني بغداد- # وقال «6» : «سيكون في هذه الأمة رجل يقال له الوليد «7» هو شر لهذه الأمة ~~من فرعون «8» لقومه» وقال «9» : لا تقوم الساعة PageV01P675 # حتى تقتتل فئتان دعواهما واحدة «1» » . وقال «2» لعمر في سهيل بن عمرو ~~«3» : «عسى أن يقوم مقاما يسرك يا عمر» فكان كذلك.. قام بمكة مقام أبي بكر ~~«4» يوم بلغهم موت النبي صلى الله عليه وسلم وخطب بنحو خطبته وثبتهم وقوى ~~بصائرهم. # وقال «5» لخالد «6» حين وجهه لأكيدر «7» : إنك تجده يصيد البقر فوجدت هذه ~~الأمور كلها في حياته وبعد موته كما قال صلى الله عليه وسلم. # إلى ما أخبر به جلساءه من أسرارهم وبواطنهم واطلع عليه من أسرار ~~المنافقين وكفرهم وقولهم فيه وفي المؤمنين.. حتى إن PageV01P676 # كان بعضهم ليقول لصاحبه اسكت فو الله لو لم يكن عنده من يخبره لأخبرته ~~حجارة البطحاء «1» . # وإعلامه «2» بصفة السحر الذي سحره به لبيد «3» بن الأعصم. # وكونه في مشط «4» ومشاقة «5» في جف «6» طلع نخلة ذكر وأنه ألقي في بئر ~~ذروان «7» فكان كما قال ووجد على تلك الصفة. # وإعلامه «8» قريشا بأكل الأرضة «9» ما في صحيفتهم التي تظاهروا بها على ~~بني هاشم «10» وقطعوا بها رحمهم وأنها أبقت فيها كل اسم لله. # فوجدوها كما قال. ووصفه لكفار قريش بيت المقدس حين PageV01P677 # كذبوه في خبر الإسراء ونعته إياه نعت من عرفه وإعلامهم بعيرهم التي مر ~~عليها في طريقه وإنذارهم بوقت وصولها فكان كله كما قال. # إلى ما أخبر «1» به من الحوادث التي تكون ولم تأت بعد منها ما ظهرت ~~مقدماتها كقوله: عمران «2» بيت المقدس خراب يثرب، وخراب يثرب خروج الملحمة ~~«3» . وخروج الملحمة فتح القسطنطينية «4» . # ومن «5» أشراط الساعة وآيات حلولها وذكر النشر والحشر «6» PageV01P678 # وأخبار الأبرار والفجار والجنة والنار وعرصات القيامة. # وبحسب هذا الفصل أن يكون ديوانا مفردا يشتمل على أجزاء وحده. # وفيما أشرنا إليه من نكت الأحاديث التي ذكرناها كفاية وأكثرها في ms175 الصحيح ~~وعند الأئمة والله ولي التوفيق.. # PageV01P679 ### ||| الفصل الخامس والعشرون عصمة الله له من الناس وكفايته من أذاهم # قال الله تعالى: «والله يعصمك من الناس «1» » . # وقال تعالى: «واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا «2» » . # وقال: «أليس «3» الله بكاف عبده «4» » . # قيل: بكاف «5» محمدا صلى الله عليه وسلم أعداءه المشركين وقيل: غير هذا ~~وقال: «إنا كفيناك المستهزئين «6» » . # وقال: «وإذ يمكر بك الذين كفروا «7» » الآية. PageV01P680 # عن «1» عائشة «2» رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحرس ~~حتى نزلت هذه الآية «والله يعصمك من الناس» فأخرج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رأسه من القبة «3» . فقال: «يا أيها الناس.. # انصرفوا فقد عصمني ربي عز وجل» .. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل منزلا اختار له أصحابه ~~شجرة يقيل «4» تحتها.. فأتاه أعرابي فاخترط «5» سيفه ثم قال: من يمنعك مني؟ ~~فقال: الله عز وجل فأرعدت يد الأعرابي وسقط سيفه وضرب برأسه الشجرة حتى سال ~~دماغه فنزلت الآية «6» . # وقد رويت هذه القصة في الصحيح وأن غورث «7» بن الحارث صاحب هذه القصة، ~~وأن النبي صلى الله عليه وسلم عفا عنه فرجع إلى قومه وقال: # جئتكم من عند خير الناس «8» . PageV01P681 # وقد حكيت مثل الحكاية أنها جرت له يوم بدر وقد انفرد من أصحابه لقضاء ~~حاجة فتبعه رجل «1» من المنافقين وذكر مثله «2» . # وقد روي «3» أنه وقع له مثلها في غزوة غطفان «4» بذي أمر «5» مع رجل اسمه ~~دعثور «6» بن الحارث.. وأن الرجل أسلم فلما رجع إلى قومه الذين أغروه «7» ~~به وكان سيدهم وأشجعهم قالوا له: أين ما كنت تقول وقد أمكنك فقال: إني نظرت ~~إلى رجل أبيض طويل دفع في صدري فوقعت لظهري وسقط السيف فعرفت أنه ملك ~~وأسلمت. # قيل: وفيه نزلت «يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم ~~أن يبسطوا إليكم أيديهم «8» » الآية. PageV01P682 # وفي رواية الخطابي «1» أن غورث بن الحارث المحاربي أراد أن يفتك بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم فلم يشعر به إلا وهو قائم على رأسه منتضيا «2» سيفه. ~~فقال: «اللهم اكفينه بما شئت» ms176 فانكب من وجهه من زلخة «3» زلخها «4» بين ~~كتفيه وندر «5» سيفه من يده.. # و «الزلخة» وجع الظهر. # وقيل في قصته غير هذا.. وذكر أن فيه نزلت «يا أيها الذين آمنوا اذكروا ~~نعمت الله عليكم إذ هم قوم «6» » الآية. # وقيل: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاف قريشا فلما نزلت هذه الآية ~~استلقى ثم قال «من شاء فليخذلني» . # وذكر «7» عبد «8» بن حميد قال: كانت حمالة الحطب «9» تضع PageV01P683 # العضاه «1» - وهي حجر «2» - على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فكأنما يطؤها كثيبا «3» أهيل «4» . # وذكر «5» ابن اسحق «6» عنها أنها لما بلغها نزول «تبت يدا أبي لهب «7» ~~وتب «8» » وذكرها بما ذكرها الله مع زوجها من الذم أتت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو جالس في المسجد ومعه أبو بكر «9» . # وفي يدها فهر من حجارة.. فلما وقفت عليهما لم تر إلا أبابكر وأخذ الله ~~تعالى ببصرها على نبيه صلى الله عليه وسلم.. فقالت: يا أبا بكر أين صاحبك ~~فقد بلغني أنه يهجوني.. والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر «10» فاه. # وعن «11» الحكم بن أبي العاص «12» قال: تواعدنا على النبي صلى الله عليه ~~وسلم PageV01P684 # إذا رأيناه حتى سمعنا صوتا خلفنا ما ظننا أنه بقي بتهامة أحد فوقعنا ~~مغشيا علينا.. فما أفقنا حتى قضى صلاته ورجع إلى أهله.. ثم تواعدنا ليلة ~~أخرى فجئنا حتى إذا رأيناه جاءت الصفا والمروة فحالت بيننا وبينه. # وعن «1» عمر «2» رضي الله عنه تواعدت أنا وأبو جهم «3» بن حذيفة ليلة قتل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فجئنا منزله فسمعنا له فافتتح وقرأ «الحاقة ~~ما الحاقة «4» » .. إلى «فهل ترى لهم من باقية «5» » . # فضرب أبو جهم على عضد عمر وقال: انج.. وفرا هاربين فكانت من مقدمات إسلام ~~عمر رضي الله عنه. # ومنه «6» العبرة المشهورة والكفاية التامة عندما أخافته قريش وأجمعت على ~~قتله وبيتوه فخرج عليهم من بيته فقام على رؤوسهم وقد ضرب الله تعالى على ~~أبصارهم وذر التراب على رؤوسهم وخلص PageV01P685 # منهم.. وحمايته «1» عن رؤيتهم في الغار «2» بما هيأ الله له من الآيات. # ومن ms177 العنكبوت الذي نسج عليه حتى قال أمية بن «3» خلف حين قالوا: ندخل ~~الغار.. ما «4» أربكم فيه وعليه من نسج العنكبوت ما أرى «5» إنه قبل أن ~~يولد محمد.. ووقفت حمامتان على فم الغار فقالت قريش: لو كان فيه أحد لما ~~كانت هناك الحمام.. # وقصته «6» من سراقة «7» بن مالك بن جعشم حين الهجرة.. وقد جعلت قريش فيه ~~وفي أبي بكر «8» الجعائل «9» .. فأنذر به فركب PageV01P686 # فرسه واتبعه حتى إذا قرب منه دعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم فساخت ~~«1» قوائم فرسه فخر عنها واستقسم بالأزلام «2» فخرج له ما يكره.. # ثم ركب ودنا حتى سمع قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبو ~~بكر «3» رضي الله عنه يلتفت.. وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: أتينا. # فقال: «لا تحزن إن الله معنا «4» » .. فساخت ثانية إلى ركبتها وخر عنها ~~فزجرها فنهضت ولقوائمها مثل الدخان فناداهم بالأمان فكتب له النبي صلى الله ~~عليه وسلم أمانا.. كتبه ابن فهيرة «5» وقيل: أبو بكر وأخبرهم بالأخبار ~~وأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن لا يترك أحدا يلحق بهم فانصرف يقول ~~للناس.. كفيتم ما هاهنا. PageV01P687 # وقيل: بل قال لهما.. أراكما دعوتما علي فادعوا لي فنجا.. # ووقع في نفسه ظهور النبي صلى الله عليه وسلم. # وفي خبر «1» آخر أن راعيا عرف خبرهما فخرج يشتد يعلم قريشا فلما ورد مكة ~~ضرب على قلبه فما يدري ما يصنع وأنسي ما خرج له.. حتى رجع إلى موضعه. # وجاءه «2» - فيما ذكره ابن اسحق «3» وغيره- أبو جهل «4» بصخرة وهو ساجد.. ~~وقريش ينظرون ليطرحها عليه فلزقت بيده ويبست يداه إلى عنقه وأقبل يرجع ~~القهقرى إلى خلفه.. ثم سأله أن يدعو له ففعل فانطلقت يداه.. وكان قد تواعد ~~مع قريش بذلك وحلف لئن رآه ليدفعنه «5» فسألوه عن شأنه.. فذكر أنه عرض لي ~~دونه فحل ما رأيت مثله قط هم بي أن يأكلني.. فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: ذاك جبريل لو دنا لأخذه. # وذكر «6» السمرقندي «7» أن رجلا «8» من بني المغيرة «9» PageV01P688 # أتى النبي صلى الله عليه وسلم ليقتله فطمس ms178 الله على بصره فلم ير النبي ~~صلى الله عليه وسلم وسمع قوله.. فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه وذكر ~~أن في هاتين القصتين نزلت «إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا «1» » الآيتين. # ومن ذلك ما ذكره ابن اسحق «2» في قصته إذ خرج إلى بني قريظة «3» في ~~أصحابه.. فجلس إلى جدار بعض آطامهم «4» .. # فانبعث عمرو بن جحاش «5» أحدهم ليطرح عليه رحى.. فقام النبي صلى الله ~~عليه وسلم فانصرف إلى المدينة وأعلمهم بقصتهم. # وقد قيل إن قوله تعالى «يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ ~~هم قوم» «6» في هذه القصة نزلت. # وحكى «7» السمرقندي أنه خرج إلى بني النضير «8» يستعين في PageV01P689 # عقل «1» الكلابيين «2» اللذين قتلهما عمرو «3» بن أمية.. فقال له حيي «4» ~~بن أخطب اجلس يا أبا القاسم حتى نطعمك ونعطيك ما سألتنا فجلس النبي صلى ~~الله عليه وسلم مع أبي بكر «5» وعمر «6» رضي الله عنهما وتوامر «7» حيي ~~معهم على قتله.. فأعلم جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.. # فقام كأنه يريد حاجته حتى دخل المدينة. # وذكر أهل التفسير معنى الحديث «8» عن أبي هريرة «9» رضي الله عنه أن أبا ~~جهل «10» وعد قريشا.. لئن رأى محمدا يصلي ليطأن رقبته.. فلما صلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم أعلموه فأقبل.. فلما قرب منه ولى هاربا ناكصا «11» على ~~عقبيه «12» متقيا بيديه.. فسئل فقال: لما دنوت PageV01P690 # منه أشرفت على خندق مملوء نارا كدت أهوي فيه.. وأبصرت هولا عظيما وخفق ~~أجنحة قد ملأت الأرض.. فقال صلى الله عليه وسلم: «تلك الملائكة.. لو دنا ~~لاختطفته عضوا عضوا» ثم أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم «كلا إن الإنسان ~~ليطغى «1» ..» إلى آخر السورة. # ويروى «2» أن شيبة «3» بن عثمان الحجبي أدركه يوم حنين «4» وكان حمزة «5» ~~قد قتل أباه وعمه.. فقال: اليوم أدرك ثأري من محمد.. فلما اختلط الناس أتاه ~~من خلفه، ورفع سيفه ليصبه عليه. # قال: فلما دنوت منه ارتفع إلي شواظ «6» من نار أسرع من البرق.. ~~PageV01P691 # فوليت هاربا.. وأحس بي النبي صلى الله عليه وسلم.. فدعاني فوضع يده على ms179 ~~صدري وهو أبغض الخلق إلي.. فما رفعها إلا وهو أحب الخلق إلي وقال لي: اذن ~~فقاتل.. فتقدمت أمامه أضرب بسيفي وأقيه بنفسي ولو لقيت أبي تلك الساعة ~~لأوقعت به دونه. # وعن «1» فضالة «2» بن عمرو قال: أردت قتل النبي صلى الله عليه وسلم عام ~~الفتح وهو يطوف بالبيت.. فلما دنوت منه قال: أفضالة؟ قلت: نعم. # قال: ما كنت تحدث به نفسك؟ .. قلت. لا شيء.. فضحك واستغفر لي.. ووضع يده ~~على صدري فسكن قلبي.. فو الله ما رفعها حتى ما خلق الله شيئا أحب إلي منه. # ومن «3» مشهور ذلك خبر عامر بن «4» الطفيل وأربد بن «5» قيس PageV01P692 # حين وفدا على النبي صلى الله عليه وسلم وكان عامر قال له: أنا أشغل عنك ~~وجه محمد فاضربه أنت.. فلم يره فعل شيئا.. فلما كلمه في ذلك قال له: # والله ما هممت أن أضربه إلا وجدتك بيني وبينه أفأضربك؟ .. # ومن «1» عصمته له تعالى أن كثيرا من اليهود والكهنة أنذروا به لقريش ~~وأخبروهم بسطوته بهم وحضوهم على قتله فعصمه الله تعالى حتى بلغ فيه أمره. # ومن ذلك نصره بالرعب أمامه مسيرة شهر كما قال صلى الله عليه وسلم.. ~~PageV01P693 ### ||| الفصل السادس والعشرون معارفه وعلومه صلى الله عليه وسلم # ومن معجزاته الباهرة ما جمعه الله له من المعارف والعلوم وخصه به من ~~الاطلاع على جميع مصالح الدنيا والدين، ومعرفته بأمور شرائعه وقوانين دينه ~~وسياسة عباده ومصالح أمته، وما كان في الأمم قبله وقصص الأنبياء والرسل ~~والجبابرة والقرون الماضية من لدن آدم إلى زمنه، وحفظ شرائعهم وكتبهم ووعي ~~سيرهم وسرد أنبائهم وأيام الله فيهم وصفات أعيانهم واختلاف آرائهم، ~~والمعرفة بمددهم وأعمارهم وحكم حكمائهم، ومحاجة كل أمة من الكفرة، ومعارضة ~~كل فرقة من الكتابيين بما في كتبهم.. # وإعلامهم بأسرارها ومخبآت علومها.. وإخبارهم بما كتموه من ذلك وغيروه.. ~~إلى الاحتواء على لغات العرب.. وغريب ألفاظ فرقها.. والإحاطة بضروب ~~فصاحتها.. والحفظ # PageV01P694 # لأيامها وأمثالها وحكمها ومعاني أشعارها والتخصيص بجوامع كلمها إلى ~~المعرفة بضرب الأمثال الصحيحة والحكم البينة لتقريب التفهيم للغامض ~~والتبيين للمشكل.. إلى تمهيد ms180 قواعد الشرع الذي لا تناقض فيه.. ولا تخاذل.. ~~مع اشتمال شريعته على محاسن الأخلاق.. ومحامد الآداب.. وكل شيء مستحسن مفضل ~~«1» .. # لم ينكر منه ملحد ذو عقل سليم شيئا إلا من جهة الخذلان.. بل كل جاحد له ~~وكافر من الجاهلية به إذا سمع ما يدعو اليه صوبه واستحسن دون طلب إقامة ~~برهان عليه.. ثم ما أحل لهم من الطيبات وحرم عليهم من الخبائث، وصان به ~~أنفسهم وأعراضهم وأموالهم من المعاقبات والحدود عاجلا والتخويف بالنار آجلا ~~مما لا يعلم علمه ولا يقوم به ولا ببعضه إلا من مارس الدرس والعكوف على ~~الكتب ومثافنة «2» بعض هذا إلى الاحتواء على ضروب العلم وفنون المعارف ~~كالطب والعبارة «3» والفرائض «4» والحساب PageV01P695 # والنسب وغير ذلك من العلوم مما اتخذ أهل المعارف كلامه صلى الله عليه ~~وسلم فيها قدوة وأصولا في علمهم. # كقوله صلى الله عليه وسلم «1» «الرؤيا لأول عابر «2» وهي «3» على رجل ~~طائر» «4» وقوله «5» «الرؤيا ثلاث: رؤيا حق ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه ~~ورؤيا تحزين من الشيطان» . PageV01P696 # وقوله «1» : «إذا تقارب «2» الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب» وقوله: «3» ~~«أصل كل داء البردة «4» .» # وما روي «5» عنه في حديث أبي هريرة «6» رضي الله عنه: «المعدة حوض البدن ~~«7» والعروق إليها واردة» وإن كان هذا حديثا لا نصححه لضعفه وكونه موضوعا ~~«8» . PageV01P697 # تكلم عليه الدارقطني «1» . # وقوله «2» خبر ما تداويتم به السعوط «3» واللدود «4» والحجامة «5» والمشي ~~«6» وخير «7» الحجامة يوم سبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين «8» .. وفي «9» ~~العود الهندي سبعة أشفية منها ذات الجنب PageV01P698 # وقوله «1» : «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن» .. إلى قوله: فإن كان لا ~~بد فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس.. # وقوله «2» وقد سئل عن سبإ «3» أرجل هو أو امرأة أم أرض فقال: «رجل ولد ~~عشرة تيامن «4» منهم ستة وتشأم «5» أربعة» الحديث بطوله.. وكذلك جوابه «6» ~~في نسب قضاعة «7» . وغير ذلك مما اضطرت العرب على شغلها بالنسب إلى سؤاله ~~عما اختلفوا فيه من ذلك وقوله: «8» «حمير «9» رأس العرب ونابها PageV01P699 # ومذحج «1» هامتها «2» وغلصمتها «3» والأزد «4» كاهلها «5» وجمجمتها «6» ~~وهمدان غاربها «7» وذروتها» «8» . # وقوله: «9» «إن الزمان قد استدار كهيئة ms181 يوم خلق الله السماوات والأرض» ~~وقوله «10» في الحوض «11» : «زواياه سواء» «12» . # وقوله «13» في حديث الذكر: «وإن الحسنة بعشر أمثالها فتلك مئة ~~PageV01P700 # وخمسون على اللسان وألف وخمسمئة في الميزان» «1» . وقوله «2» وهو بموضع: ~~«نعم موضع الحمام «3» هذا» .. وقوله: « «4» ما بين المشرق والمغرب قبلة «5» ~~» . وقوله «6» لعيينة «7» أو الأقرع: «8» . «أنا أفرس «9» بالخيل منك» ~~وقوله «10» لكاتبه: «ضع القلم على أذنك فإنه أذكر «11» للممل» «12» .. # هذا مع أنه صلى الله عليه وسلم لا يكتب ولكنه أوتي علم كل شيء حتى قد ~~PageV01P701 # وردت آثار بمعرفته حروف الخط وحسن تصويرها. # كقوله «1» : «لا تمدوا «2» بسم الله الرحمن الرحيم» رواه ابن شعبان «3» ~~عن طريق ابن عباس «4» وقوله «5» في الحديث الآخر الذي يروى عن معاوية «6» ~~أنه كان يكتب بين يديه صلى الله عليه وسلم فقال له: «ألق الدواة «7» وحرف ~~القلم «8» وأقم الباء «9» وفرق السين «10» ولا تعور الميم «11» وحسن الله ~~«12» ، ومد الرحمن «13» وجود الرحيم «14» PageV01P702 # وهذا وإن لم تصح الرواية أنه صلى الله عليه وسلم كتب فلا يبعد أن يرزق ~~علم هذا ويمنع الكتابة والقراءة. # وأما علمه صلى الله عليه وسلم بلغات العرب وحفظه معاني أشعارها فأمر ~~مشهور.. قد نبهنا على بعضه أول الكتاب. وكذلك حفظه لكثير من لغات الأمم. # كقوله في الحديث «1» سنه سنه «2» وهي «حسنة» بالحبشية «3» وقوله «4» ~~ويكثر «الهرج» «5» وهو «القتل» بها «6» . # وقوله «7» في حديث أبي هريرة «8» «أشكنب دردم «9» » أي PageV01P703 # «وجع البطن» بالفارسية إلى غير ذلك.. مما لا يعلم بعض هذا ولا يقوم به ~~ولا ببعضه إلا من مارس الدرس والعكوف على الكتب ومثافنة «1» أهلها عمره.. ~~وهو رجل كما قال الله تعالى: # «أمي» لم يكتب ولم يقرأ ولا عرف بصحبة من هذه صفته.. # ولا نشأ بين قوم لهم علم ولا قراءة لشيء من هذه الأمور.. ولا عرف هو قبل ~~بشيء منها. # قال الله تعالى: «وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك «2» » ~~الآية إنما كانت غاية معارف العرب النسب وأخبار أوائلها والشعر والبيان.. ~~وإنما حصل ذلك لهم بعد التفرع لعلم ذلك.. واشتغال بطلبه ومباحثة أهله عنه.. ~~وهذا الفن نقطة من بحر ms182 علمه صلى الله عليه وسلم ولا سبيل إلى جحد الملحد ~~بشيء مما ذكرناه.. ولا وجد الكفرة حيلة في دفع ما نصصناه إلا قولهم ~~PageV01P704 # «أساطير الأولين «1» » «إنما يعلمه بشر «2» » فرد الله قولهم بقوله «لسان ~~الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين «3» » ثم ما قالوه مكابرة ~~العيان.. فإن الذي نسبوا تعليمه إليه إما سلمان «4» أو العبد «5» الرومي.. # وسلمان إنما عرفه بعد الهجرة ونزول الكثير من القرآن.. # وظهور ما لا ينعد من الآيات وأما الرومي فكان أسلم.. وكان يقرأ على النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # واختلف في اسمه وقيل بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس عنده عند ~~المروة PageV01P705 # وكلاهما أعجمي اللسان.. وهم الفصحاء اللد «1» ، والخطباء اللسن «2» قد ~~عجزوا عن معارضة ما أتى به.. والإتيان بمثله بل عن فهم وصفه وصورة تأليفه ~~ونظمه فكيف بأعجمي ألكن «3» نعم وقد كان سلمان «4» أو بلعام «5» الرومي أو ~~يعيش «6» أو جبر «7» أو يسار «8» على اختلافهم في اسمه بين أظهرهم يكلمونه ~~مدى أعمارهم فهل حكي عن واحد منهم شيء من مثل ما كان يجيء به محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وهل عرف واحد منهم بمعرفة شيء من ذلك؟ .. وما منع العدو حينئذ ~~على كثرة عدده ودؤوب «9» طلبه وقوة حسده أن يجلس إلى هذا فيأخذ عنه أيضا ما ~~يعارض به.. ويتعلم منه ما يحتج به على شيعته كفعل النضر بن «10» الحارث بما ~~كان يمخرق «11» به من أخبار PageV01P706 # كتبه.. ولا غاب النبي صلى الله عليه وسلم عن قومه ولا كثرت اختلافاته إلى ~~بلاد أهل الكتاب فيقال إنه استمد منهم.. بل لم يزل بين أظهرهم يرعى في صغره ~~وشبابه على عادة أنبيائهم ثم لم يخرج عن بلادهم إلا في سفرة أو سفرتين «1» ~~لم يطل فيهما مكثه مدة يحتمل فيها تعليم القليل.. فكيف الكثير!!. بل كان في ~~سفره في صحبة قومه ورفاقة عشيرته لم يغب عنهم.. ولا خالف حاله مدة مقامه ~~بمكة من تعليم واختلاف إلى حبر «2» أو قس «3» أو منجم أو كاهن «4» .. # بل لو كان هذا بعد «5» كله لكان ms183 مجيء ما أتى به في معجز القرآن قاطعا لكل ~~عذر ومدحضا لكل حجة ومجليا «6» لكل أمر.. PageV01P707 ### ||| الفصل السابع والعشرون أنباؤه مع الملائكة والجن # ومن خصائصه صلى الله عليه وسلم وكراماته، وباهر آياته أنباؤه مع الملائكة ~~والجن، وإمداد الله له بالملائكة، وطاعة الجن له، ورؤية كثير من أصحابه ~~لهم.. # قال الله تعالى: «وإن تظاهرا «1» عليه «2» فإن الله هو مولاه «3» وجبريل ~~«4» » الآية. # وقال «5» «إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا» . ~~PageV01P708 # وقال: «إذ تستغيثون «1» ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم..» «2» الآيتين. # وقال: «وإذ صرفنا «3» إليك نفرا «4» من الجن يستمعون القرآن» «5» الآية. # عن «6» عبد الله «7» قال: «لقد رأى من آيات ربه الكبرى «8» قال «9» رأى ~~جبريل عليه السلام في صورته له ستمئة جناح. # والخبر «10» في محادثته مع جبريل وإسرافيل «11» وغيرهما من PageV01P709 # الملائكة، وما شاهده من كثرتهم وعظم صور بعضهم ليلة الإسراء مشهور.. وقد ~~رآهم بحضرته جماعة من أصحابه في مواطن مختلفة. # فرأى «1» أصحابه جبريل عليه السلام في صورة رجل يسأله عن الإسلام ~~والإيمان. ورأى «2» ابن عباس «3» وأسامة «4» بن زيد وغيرهما عنده جبريل «5» ~~في صورة دحية «6» . ورأى «7» سعد «8» على يمينه ويساره جبريل وميكائيل «9» ~~في صورة رجلين عليهما ثياب بيض. ومثله عن غير واحد وسمع «10» بعضهم زجر ~~«11» الملائكة خيلها PageV01P710 # يوم بدر وبعضهم «1» رأى تطاير الرؤوس من الكفار ولا يرون الضارب ورأى «2» ~~أبو سفيان «3» بن الحارث يومئذ رجالا بيضا على خيل بلق «4» بين السماء ~~والأرض ما يقوم لها شيء وقد كانت «5» الملائكة تصافح عمران «6» بن حصين ~~وأرى «7» النبي صلى الله عليه وسلم لحمزة «8» جبريل في الكعبة فخر مغشيا ~~عليه.. PageV01P711 # ورأى «1» عبد الله بن مسعود «2» الجن ليلة «3» الجن وسمع كلامهم وشبههم ~~برجال الزط «4» . # وذكر ابن سعد «5» أن مصعب بن عمير «6» لما قتل يوم أحد أخذ الراية ملك ~~على صورته فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: تقدم يا مصعب.. # فقال له الملك: لست بمصعب فعلم أنه ملك «7» . # وقد ذكر غير واحد من المصنفين «8» عن عمر بن الخطاب «9» رضي الله عنه أنه ~~قال: بينا نحن جلوس مع ms184 النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبل شيخ بيده ~~PageV01P712 # عصا.. فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فرد عليه ... وقال صلى الله ~~عليه وسلم: «نغمة الجن «1» » . # من أنت؟ .. قال: «أنا هامة بن الهيم «2» بن لا قس «3» بن إبليس «4» » .. ~~فذكر أنه لقي نوحا «5» ومن بعده في حديث طويل «6» وأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم علمه سورا من القرآن. # وذكر «7» الواقدي «8» قتل خالد «9» عند هدمه للعزى «10» للسوداء «11» ~~التي خرجت له ناشرة شعرها عريانة فجزلها «12» بسيفه وأعلم النبي صلى الله ~~عليه وسلم PageV01P713 # فقال له: تلك العزى. # وقال «1» صلى الله عليه وسلم: (إن شيطانا «2» تفلت «3» البارحة ليقطع علي ~~صلاتي فأمكنني الله منه.. فأخذته فأردت أن أربطه إلى سارية «4» من سواري ~~المسجد حتى تنظروا إليه كلكم.. فذكرت دعوة أخي سليمان «5» «رب اغفر لي وهب ~~لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي «6» » فرده الله خاسئا «7» ) وهذا باب واسع. ~~PageV01P714 ### ||| الفصل الثامن والعشرون أخباره وصفاته وعلامات رسالته عند أحبار ورهبان وعلماء ذلك الزمان # ومن دلائل نبوته وعلامات رسالاته ما ترادفت به الأخبار عن الرهبان ~~والأحبار وعلماء أهل الكتب عن صفته وصفة أمته واسمه وعلاماته ... وذكر ~~الخاتم الذي بين كتفيه. وما وجد من ذلك في أشعار الموحدين المتقدمين «1» من ~~شعر تبع «2» والأوس «3» PageV01P715 # بن حارثة وكعب بن «1» لؤي وسفيان «2» بن مجاشع. وقس «3» بن ساعدة.. ~~PageV01P716 # وما ذكر عن سيف بن «1» ذي يزن وغيرهم. # وما عرف به من أمره زيد بن «2» عمرو بن نفيل وورقة «3» ابن نوفل وعثكلان ~~«4» الحميري وعلماء يهود «5» وشامول «6» PageV01P717 # عالمهم صاحب تبع من صفته وخبره وما ألفي «1» من ذلك في التوراة والإنجيل ~~مما قد جمعه العلماء وبينوه ونقله عنهما ثقات ممن «2» أسلم منهم مثل: ابن ~~سلام «3» وبني سعية «4» وابن «5» يا مين ومخيريق «6» PageV01P718 # وكعب «1» وأشباههم ممن أسلم من علماء يهود وبحيراء «2» ونصطور «3» الحبشة ~~وصاحب «4» بصرى وضغاطر «5» وأسقف «6» الشام والجارود «7» PageV01P719 # وسلمان «1» وتميم «2» والنجاشي «3» ونصارى الحبشة «4» وأساقف «5» نجران ~~«6» وغيرهم ممن أسلم من علماء النصارى. # وقد اعترف بذلك هرقل «7» وصاحب «8» رومة «9» عالما PageV01P720 # وهم رئيسا النصارى ومقوقس «1» صاحب مصر والشيخ «2» صاحبه وابن صوريا «3» ~~وابن ms185 أخطب «4» وأخوه 5، وكعب «6» بن PageV01P721 # أسد والزبير «1» بن باطيا وغيرهم من علماء اليهود ممن حمله الحسد «2» ~~والنفاسة «3» على البقاء على الشقاء. # والأخبار في هذا كثيرة لا تنحصر وقد قرع «4» أسماع اليهود والنصارى بما ~~ذكر أنه في كتبهم من صفته وصفة أصحابه.. واحتج عليهم بما انطوت عليه من ذلك ~~صحفهم «5» .. وذمهم بتحريف ذلك وكتمانه وليهم «6» ألسنتهم ببيان أمره.. ~~ودعوتهم إلى PageV01P722 # المباهلة «1» على الكاذب فما منهم إلا نفر عن معارضته وإبداء ما ألزمهم ~~من كتبهم إظهاره ولو وجدوا خلاف قوله.. لكان إظهاره أهون عليهم من بذل ~~النفوس والأموال وتخريب الديار ونبذ القتال # وقد قال لهم «قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين «2» » إلى ما ~~أنذر به الكهان «3» مثل شافع «4» بن كليب وشق «5» وسطيح «6» وسواد «7» بن ~~قارب PageV01P723 # وخنافر «1» وأفعى «2» نجران وجذل «3» بن جذل الكندي وابن خلصة «4» الدوسي ~~وسعد «5» بن بنت كريز وفاطمة بنت النعمان «6» ومن لا ينعد كثرة. ~~PageV01P724 # إلى ما ظهر على ألسنة الأصنام «1» من نبوته وحلول وقت رسالته.. وسمع من ~~هواتف الجان «2» ومن ذبائح «3» النصب «4» وأجواف الصور «5» وما وجد من اسم ~~النبي صلى الله عليه وسلم والشهادة له بالرسالة مكتوبا في الحجارة والقبور ~~بالخط القديم ما أكثره مشهور «6» # وإسلام من أسلم بسبب ذلك معلوم مذكور. PageV01P725 ### ||| الفصل التاسع والعشرون ما حدث عند مولده صلى الله عليه وسلم # ومن ذلك ما ظهر من الآيات عند مولده، وما حكته أمه ~~ومن حضره من العجائب «1» .. # وكونه «2» رافعا رأسه عند ما وضعته شاخصا ببصره الى السماء وما «3» ~~PageV01P726 # رأته من النور الذي خرج معه عند ولادته «1» وما «2» رأته إذ ذاك أم عثمان ~~«3» بن أبي العاص من تدلي النجوم وظهور النور عند ولادته حتى ما تنظر إلا ~~النور وقول «4» الشفاء «5» أم عبد الرحمن بن عوف: لما سقط صلى الله عليه ~~وسلم على يدي واستهل «6» سمعت قائلا يقول: رحمك الله «7» ... وأضاء لي ما ~~بين المشرق والمغرب حتى نظرت إلى قصور الروم وما «8» تعرفت به حليمة «9» ~~وزوجها «10» PageV01P727 # ظئراه «1» من بركته وورود لبنها له ولبن شارفها «2» وخصب «3» غنمها وسرعة ~~شبابه وحسن نشأته. # وما ms186 «4» جرى من العجائب ليلة مولده من ارتجاج إيوان «5» كسرى «6» ، وسقوط ~~شرفاته «7» ، وغيض «8» بحيرة «9» PageV01P728 # طبرية «1» وخمود نار فارس، وكان لها ألف عام لم تخمد «2» ، وأنه «3» كان ~~إذا أكل مع عمه أبي طالب «4» وآله وهو صغير شبعوا ورووا «5» فإذا «6» غاب ~~فأكلوا في غيبته لم يشبعوا «7» وكان سائر «8» ولد أبي طالب PageV01P729 # يصبحون شعثا «1» ويصبح صلى الله عليه وسلم صقيلا «2» دهينا «3» كحيلا «4» ~~قالت «5» أم أيمن «6» حاضنته «7» : ما رأيته صلى الله عليه وسلم شكى جوعا ~~ولا عطشا صغيرا ولا كبيرا. # ومن «8» ذلك حراسة السماء بالشهب «9» وقطع رصد «10» الشياطين ومنعهم ~~استراق السمع. # وما «11» نشأ عليه من بغض الأصنام، والعفة عن أمور الجاهلية وما خصه الله ~~به من ذلك وحماه حتى في ستره في الخبر المشهور «12» عند بناء الكعبة إذ أخذ ~~إزاره ليجعله على عاتقه «13» ليحمل عليه الحجارة PageV01P730 # وتعرى فسقط إلى الأرض حتى رد إزاره عليه.. فقال له عمه: # ما بالك فقال: إني نهيت عن التعري. # ومن ذلك «1» إظلال الله له بالغمام في سفره وفي رواية «2» أن خديجة «3» ~~ونساءها رأينه لما قدم وملكان يظلانه فذكرت ذلك لميسرة «4» فأخبرها أنه رأى ~~ذلك منذ خرج معه في سفره. وقد روي «5» أن حليمة «6» رأت غمامة تظله وهو ~~عندها وروي ذلك عن أخيه من الرضاعة ومن ذلك «7» أنه نزل في بعض أسفاره قبل ~~مبعثه تحت شجرة يابسة فاعشو شب ما حولها وأينعت هي فأشرقت وتدلت عليه ~~أغصانها بمحضر من رآه وميل فيء «8» الشجرة إليه في الخبر الآخر حتى أظلته ~~وما ذكر «9» من أنه كان لاظل لشخصه في شمس ولا قمر لأنه كان نورا.. ~~PageV01P731 # وأن «1» الذباب كان لا يقع على جسده ولا ثيابه ومن ذلك «2» تحبيب الخلوة ~~إليه حتى أوحي إليه ثم «3» إعلامه بموته ودنو أجله وأن قبره «4» في المدينة ~~وفي «5» بيته وأن بين بيته وبين منبره روضة من رياض الجنة. # وتخيير «6» الله له عند موته وما اشتمل «7» عليه حديث الوفاة من كراماته ~~وتشريفه وصلاة الملائكة على جسده على ما رويناه في بعضها.. واستئذان ملك ~~الموت عليه.. ولم يستأذن على غره قبله ms187 وندائهم «8» الذي سمعوه: «لا تنزعوا ~~القميص عنه عند غسله» وما روي «9» PageV01P732 # من تعزية الخضر «1» والملائكة أهل بيته عند موته إلى ما ظهر على أصحابه ~~من كرامته وبركته في حياته وموته. كاستسقاء عمر «2» بعمه «3» وتبرك غير ~~واحد بذريته.. PageV01P733 ### ||| الفصل الثلاثون خاتمة وتذييل # قال القاضي أبو الفضل رحمه قد أتينا في هذا الباب على نكت «1» من معجزاته ~~واضحة، وجمل من علامات نبوته مقنعة، في واحد منها الكفاية والغنية، وتركنا ~~الكثير سوى ما ذكرنا واقتصرنا من الأحاديث الطوال على عين الغرض، وفص «2» ~~المقصد، ومن كثير الأحاديث وغريبها على ما صح واشتهر إلا يسيرا من غريبه ~~مما ذكره مشاهير الأئمة. # وحذفنا الإسناد في جمهورها طلبا للاختصار وبحسب هذا الباب لو تقصي «3» أن ~~يكون ديوانا «4» جامعا يشتمل على مجلدات PageV01P734 # عدة. ومعجزات نبينا صلى الله عليه وسلم أظهر من سائر معجزات الرسل ~~بوجهين: # أحدهما كثرتها وأنه لم يؤت نبي معجزة إلا وعند نبينا مثلها أو ما هو أبلغ ~~منها.. # وقد نبه الناس على ذلك.. فإن أردته فتأمل فصول هذا الباب ومعجزات من تقدم ~~من الأنبياء تقف على ذلك إن شاء الله. # وأما كونها كثيرة فهذا القرآن وكله معجز وأقل ما يقع الإعجاز فيه عند بعض ~~أئمة المحققين سورة «1» «إنا أعطيناك الكوثر «2» » أو آية في قدرها. # وذهب بعضهم إلى أن كل آية منه- كيف كانت- معجزة. # وزاد آخرون أن كل جملة منتظمة منه معجزة- وإن كانت من كلمة أو كلمتين. ~~والحق ما ذكرناه أولا لقوله تعالى: «فأتوا بسورة من مثله «3» » فهو أقل ما ~~تحداهم به مع ما ينصر هذا من نظر وتحقيق يطول بسطه.. وإذا كان هذا ففي ~~القرآن من الكلمات نحو من سبعة وسبعين ألف كلمة ونيف على عدد بعضهم «4» ~~وعدد PageV01P735 # كلمات «إنا أعطيناك الكوثر» عشر كلمات فتجزيء القرآن على نسبة عدد «إنا ~~أعطيناك الكوثر» أزيد من سبعة آلاف جزء كل واحد منها معجز في نفسه ثم ~~إعجازه كما تقدم بوجهين: # طريق بلاغته وطريق نظمه فصار في كل جزء من هذا العدد معجزتان فتضاعف ~~العدد من هذا الوجه. # ثم ms188 فيه وجوه إعجاز أخر من الإخبار بعلوم الغيب.. فقد يكون في السورة ~~الواحدة من هذه التجزئة الخبر عن أشياء من الغيب.. كل خبر منها بنفسه ~~معجز.. فتضاعف العدد كرة أخرى ثم وجوه الإعجاز الأخر التي ذكرناها توجب ~~التضعيف.. # هذا في حق القرآن.. فلا يكاد يأخذ العد معجزاته.. ولا يحوي الحصر ~~براهينه.. # ثم الأحاديث الواردة والأخبار الصادرة عنه صلى الله عليه وسلم في هذه ~~الأبواب.. وعما دل على أمره مما أشرنا إلى جمله يبلغ نحوا من هذا- الوجه ~~الثاني وضوح معجزاته صلى الله عليه وسلم.. فإن معجزات الرسل كانت بقدر همم ~~أهل زمانهم وبحسب الفن الذي سما فيه قرنه.. فلما كان زمن موسى غاية علم ~~أهله السحر بعث إليهم موسى بمعجزة تشبه # PageV01P736 # ما يدعون قدرتهم عليه. فجاءهم منها ما خرق عادتهم ولم يكن في قدرتهم ~~وأبطل سحرهم. # وكذلك زمن عيسى أغنى ما كان الطب وأوفر ما كان أهله فجاءهم أمر لا يقدرون ~~عليه وأتاهم ما لم يحتسبوه من إحياء الميت وإبراء الأكمه «1» والأبرص دون ~~معالجة ولا طب وهكذا سائر معجزات الأنبياء. # ثم إن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم وجملة معارف العرب ~~وعلومها أربعة.. البلاغة والشعر والخبر «2» والكهانة «3» . # فأنزل الله عليه القرآن الخارق لهذه الأربعة فصول من الفصاحة والإيجاز ~~والبلاغة الخارجة عن نمط كلامهم.. ومن النظم الغريب والأسلوب العجيب.. الذي ~~لم يهتدوا في المنظوم الى طريفه ولا علموا في أساليب الأوزان منهجه ومن ~~الأخبار عن الكوائن «4» والحوادث والاسرار والمخبئآت والضمائر فتوجد على ما ~~كانت ويعترف المخبر عنها بصحة ذلك وصدقه، وإن كان أعدى العدو. PageV01P737 # فأبطل الكهانة التي تصدق مرة وتكذب عشرا. ثم اجتثها «1» من أصلها برجم ~~الشهب «2» ، ورصد «3» النجوم.. # وجاء من الأخبار عن القرون السالفة وأنباء الأنبياء والأمم البائدة، ~~والحوادث الماضية ما يعجز من تفرغ لهذا العلم عن بعضه على الوجوه التي ~~بسطناها وبينا المعجز فيها ثم بقيت هذه المعجزة الجامعة لهذه الوجوه إلى ~~الفصول الأخرى التي ذكرناها في معجزات القرآن ثابتة إلى يوم القيامة بينة ~~الحجة لكل أمة تأتي ms189 لا يخفى وجوه ذلك على من نظر فيه وتأمل وجوه إعجازه إلى ~~ما أخبر به من العيوب على هذه السبيل.. فلا يمر عصر ولا زمن إلا ويظهر فيه ~~صدقه بظهور مخبره على ما أخبر فيتجدد الإيمان ويتظاهر البرهان، وليس الخبر ~~كالعيان، للمشاهدة زيادة في اليقين، والنفس أشد طمأنينة إلى عين اليقين ~~منها إلى علم اليقين.. # وإن كان كل عندها حقا وسائر معجزات الرسل انقرضت بانقراضهم وعدمت بعدم ~~ذواتها ومعجزة نبينا صلى الله عليه وسلم لا تبيد ولا تنقطع PageV01P738 # وآياته تتجدد ولا تضمحل، ولهذا أشار صلى الله عليه وسلم بقوله: # عن أبي هريرة رضي الله عنه عن «1» النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما من ~~نبي إلا أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر.. وإنما كان الذي أوتيت ~~وحيا أوحاه الله إلي.. فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة. هذا معنى ~~الحديث عند بعضهم وهو الظاهر والصحيح إن شاء الله. # وذهب غير واحد من العلماء في تأويل هذا الحديث وظهور معجزة نبينا صلى ~~الله عليه وسلم إلى معنى آخر من ظهورها بكونها وحيا وكلاما لا يمكن التخيل ~~فيه ولا التحيل عليه ولا التشبيه فإن غيرها من معجزات الرسل قد رام ~~المعاندون لها بأشياء طمعوا في التخييل بها على الضعفاء كإلقاء السحرة ~~حبالهم وعصيهم وشبه هذا مما يخيله الساحر أو يتحيل فيه. # والقرآن كلام ليس للحيلة ولا للسحر ولا للتخييل فيه عمل.. # فكان من هذا الوجه عندهم أظهر من غيره من المعجزات.. كما لا يتم لشاعر ~~ولا خطيب أن يكون شاعرا أو خطيبا بضرب من الحيل والتمويه والتأويل الأول ~~أخلص وأرضى.. وفي هذا التأويل PageV01P739 # الثاني ما يغمض عليه الجفن ويغضى. وجه ثالث على من قال بالصرفة «1» . وأن ~~المعارضة كانت في مقدور البشر فصرفوا عنها أو على أحد مذهبي أهل السنة من ~~أن الإتيان بمثله من جنس مقدورهم.. # ولكن لم يكن ذلك قبل ولا يكون بعد لأن الله تعالى لم يقدرهم ولا يقدرهم ~~عليه.. وبين المذهبين فرق بين وعليهما جميعا فترك العرب ms190 الإتيان بما في ~~مقدورهم أو ما هو من جنس مقدورهم. # ورضاهم بالبلاء والجلاء والسباء والإذلال وتغيير الحال.. # وسلب النفوس والأموال.. والتقريع.. والتوبيخ.. والتعجيز.. # والتهديد والوعيد.. أبين آية للعجز عن الإتيان بمثله والنكول عن ~~معارضته.. وأنهم منعوا عن شيء هو من جنس مقدورهم.. # وإلى هذا ذهب الإمام أبو المعالي الجويني «2» وغيره قال: # وهذا عندنا أبلغ في خرق العادة بالأفعال البديعة في أنفسها كقلب العصاحية ~~ونحوها فإنه قد يسبق إلى بال الناظر بدارا «3» أن ذلك PageV01P740 # من اختصاص صاحب ذلك بمزيد معرفة في ذلك الفن وفضل علم.. # إلى أن يرد ذلك صحيح النظر.. وأما التحدي للخلائق المئين من السنين بكلام ~~من جنس كلامهم ليأتوا بمثله فلم يأتوا.. فلم يبق بعد توفر الدواعي على ~~المعارضة ثم عدمها إلا أن منع الله الخلق عنها بمثابة ما لو قال نبي: آيتي ~~أن يمنع الله القيام عن الناس مع مقدرتهم عليه وارتفاع الزمانة عنهم.. فلو ~~كان ذلك وعجزهم الله تعالى عن القيام لكان من أبهر آية وأظهر دلالة.. ~~وبالله التوفيق. # وقد غاب عن بعض العلماء وجه ظهور آيته على سائر آيات الأنبياء حتى احتاج ~~للعذر عن ذلك بدقة أفهام العرب وذكاء ألبابها ووفور عقولها وأنهم أدركوا ~~المعجزة فيه بفطنتهم.. وجاءهم من ذلك بحسب إدراكهم.. وغيرهم من القبط وبني ~~إسرائيل وغيرهم لم يكونوا بهذه السبيل. بل كانوا من الغباوة وقلة الفطنة ~~بحيث جور عليهم فرعون أنه ربهم وجوز عليهم السامري «1» ذلك PageV01P741 # في العجل بعد إيمانهم وعبدوا المسيح مع إجماعهم على صلبه «وما قتلوه وما ~~صلبوه ولكن شبه لهم» » # فجاءتهم من الآيات الظاهرة البينة للأبصار بقدر غلظ أفهامهم ما لا يشكون ~~فيه، ومع هذا فقالوا «2» : «لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة «3» » ولم يصبروا ~~على المن «4» والسلوى «5» ، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير «6» . # والعرب على جاهليتها أكثرها يعترف بالصانع وإنما كانت تتقرب بالأصنام إلى ~~الله زلفى ومنهم من آمن بالله وحده من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم بدليل ~~عقله وصفاء لبه. ولما جاءهم الرسول صلى الله عليه ms191 وسلم بكتاب الله فهموا ~~حكمته وتبينوا بفضل إدراكهم لأول وهلة معجزته فآمنوا به وازدادوا كل يوم ~~إيمانا، ورفضوا الدنيا كلها في صحبته وهجروا ديارهم وأموالهم، وقتلوا ~~آباءهم وأبناءهم في PageV01P742 # نصرته وأتي في معنى هذا بما يلوح له رونق ويعجب منه زبرج «1» لو احتيج ~~إليه وحقق.. # لكنا قدمنا من بيان معجزة نبينا صلى الله عليه وسلم وظهورها ما يغني عن ~~ركوب بطون هذه المسالك وظهورها. # وبالله أستعين وهو حسبنا ونعم الوكيل. PageV01P743 ### |EDITOR| # تم بحمد الله ومنته، الجزء الأول من الشفا بتعريف حقوق المصطفى، مع ~~تحقيقاته الهامة، وتعليقاته المفيدة التي تكشف عن سر البيان الساحر والعلم ~~الجم، الذي ينطوي عليه القاضي أبو الفضل عياض بن موسى اليحصبي رحمه الله ~~تعالى.. # ومما لا يخفى على القارىء بعد اطلاعه على مكنون الكتاب وفهمه لفحوى ~~معانيه، معرفة عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم وفضله على الأمة جميعا جزاه ~~الله عن أمة الإسلام خيرا.. # ونحن أيها الأخوة القراء ما زلنا مستمرين في إصدار الجزء الثاني إن شاء ~~الله تعالى تباعا على أعداد ونسأل المولى القدير أن يلهمنا الرشد والصواب. # المحققون # PageV01P744 # بسم الله الرحمن الرحيم # مسرد الفصول والأبواب والعناوين الجانبيه # الصفحة الموضوعات 3 الاهداء # 5 تقريظ العلامة الكبير فضيلة الشيخ عبد الوهاب دبس وزيت 7 تقريظ العلامة ~~الكبير فضيلة الشيخ عبد الكريم الرفاعي # 11 مقدمة المحققين # 21 ترجمة المؤلف # 25 مقدمة المؤلف- تمجيد وتوحيد- نعمة الرسول صلى الله عليه وسلم- سبب ~~التأليف والدافع اليه- الشعور بثقل التبعة- الشعور بالواجب يبدد الخوف من ~~المسؤولية- تقسيمات الكتاب- سر الكتاب- زيادة هذا الباب- # 43 القسم الأول: في تعظيم العلي الأعلى لقدر النبي المصطفى- صلى الله ~~عليه وسلم- قولا وفعلا- 45 مقدمة القسم الاول. # (الباب الأول) في ثناء الله تعالى عليه واظهاره عظيم قدره لديه 51 الفصل ~~الأول: فيما جاء من ذلك مجيء المدح والثناء وتعداد المحاسن- لقد جاءكم رسول ~~من أنفسكم- بالحكمة في كون الرسول من أنفسهم- بيان ما تجمله كلمة (أنفسكم) ~~- صلة المخلوق بالخالق عن طريق الرسل- وما أرسلناك الا رحمة للعالمين- ~~نسمات رحمته صلى الله عليه وسلم أصابت كل مخلوق- جبريل القوي الامين صار ~~برحمته من ms192 الامنين- الرسول صلى الله عليه وسلم نور من انوار الهداية ~~والخير- شرح الصدر- وضع الوزر- رفع الذكر- # PageV01P745 # الصفحة الموضوعات واطيعوا الله والرسول- حكم العطف بين الخالق والمخلوق- ~~اقوال العلماء في مسألة الجمع بين الخالق والمخلوق بضمير واحد- اختلاف ~~المفسرين في معنى الصراط المستقيم- والعروة الوثقى- نعمة الله- جاء بالصدق # 71 الفصل الثاني: في وصفه- تعالى- له بالشهادة وما يتعلق بها من الثناء ~~والكرامة ... شاهدا- ومبشرا- ونذيرا- وداعيا- سراجا منيرا- صفته في ~~التوراة- روايات عن التوراة في صفته صلى الله عليه وسلم- رحمته بالمؤمنين- ~~فضل امته من فضله- شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته بالصدق- قدم ~~الصدق للمؤمنين-.. # 79 الفصل الثالث: فيما ورد من خطابه إياه مورد الملاطفة والمبرة. # عفا الله عنك- الملاطفة قبل المعاتبة- كان النبي مخيرا ولم يكن معاتبا- ~~التأدب بالقرآن- المعاتبة قبل وقوع الزلة من علامات المحبة- لا يشكون في ~~صدقه ولكن يشكون بما جاء به- تعريف الجحود- تعزية- المخاطبة بصفة محمودة ~~اعلى من المخاطبة بالاسم. # 86 الفصل الرابع: في قسمه تعالى بعظيم قدره ... # بعمره صلى الله عليه وسلم- ما أقسم الله بحياة أحد غيره- يسن- طه- القسم ~~بالرسالة خاص به- سيادته صلى الله عليه وسلم- تشرف مكة به- أمنها الله ~~بمقامه فيها- معاني الحروف المقطعة- ق- والنجم- الفجر.. # 95 الفصل الخامس: في قسمه- تعالى جده- له لتحقق مكانته عنده ... # والضحى- سبب نزولها- وجوه تعظيمه في هذه السورة- القسم- بيان مكانته ~~عنده- المآل خير- العطاء محدود بالرضى- رضاه باخراج أمته من النار- تعداد ~~النعم- الايواء- اليتيم- إظهار النعمة- والنجم اذا # PageV01P746 # الصفحة الموضوعات هوى- معاني النجم- فضائله صلى الله عليه وسلم في هذه ~~السورة- الاشارة تقوم مقام العبارة- تزكية القلب- تزكية اللسان- تزكية ~~البصر- كريم- ذي قوة- مكين- في السماء- أمين- رؤية ربه- ظنين- سورة ن- ~~نهاية المبرة في المخاطبة- نعمة غير ممنونة- اثنى عليه بما منحه- الخلق ~~العظيم- يسر للخير وهدى اليه ثم اثنى به عليه- نصرة الله له أتم من نصرته ~~لنفسه. # الفصل السادس: في ما ورد من قوله- تعالى- في جهته- صلى الله عليه وسلم- ~~مورد الشفقة والاكرام.. طه ومعانيها- سبب النزول- تكليف الرسول صلى الله ~~عليه وسلم بالعبادة- تسلية وشفقة سنة الرسل. # 111 الفصل السابع: في ما أخبر الله تعالى به في كتابه العزيز من عظيم ~~قدره وشريف منزلته على الأنبياء وخطوة رتبته عليهم. # اختصاصه بالفضل من دون الانبياء- اخذ العهد من الانبياء- كلام عمر في ~~رثاء الرسول صلى الله عليه وسلم- أوليته على الانبياء- أمان أهل النار- ~~الاولين في الخلق- سبب تفضيله- مخاطبته بالنبوة والرسالة. # 117 الفصل الثامن: في إعلام الله تعالى خلقه ms193 بصلاته عليه وولايته له ~~ورفعه العذاب بسببه.. جواره امان- استغفار بعض الناس سبب في دفع العذاب عن ~~الكل- فضل الاستغفار- الرسول باق ما دامت سنته باقية- صلاة الله- معنى ~~الصلاة- كهيعص- ولاية الله له. # 122 الفصل التاسع: في ما تضمنته سورة الفتح من كراماته صلى الله عليه ~~وسلم.. # سورة الفتح- ظهوره وغلبته- غفران ذنبه- المنة سبب المغفرة- إتمام النعمة- ~~شهادته على امته لنفسه- يعزروه- تمام النعمة- يد الله- استعارات وتجنيس- ~~الرامي هو الله حقيقة- قتل الملائكة لهم حقيقة- # PageV01P747 # الصفحة الموضوعات 129 الفصل العاشر: في ما أظهره الله تعالى في كتابه ~~العزيز من كرامته عليه ومكانته عنده وما خصه به من ذلك سوى ما تقدم. # مشاهدة العجائب- عصمته من الناس- الكوثر- الشانيء هو الابتر- السبع ~~المثاني- الكرامات السبع- عموم الرسالة- بعثه الى الخلق- اتباع أمره أولى ~~من اتباع رأي النفس فضل الله العظيم-. # 137 (الباب الثاني) في تكميل الله- تعالى- له المحاسن خلقا وخلقا وقرانه ~~جميع الفضائل الدينية والدنيوية فيه نسقا. # 139 مقدمة الباب الثاني: - خصال الجمال والكمال في البشر- الضروري ما ليس ~~فيه اختيار- المكتسبة ما تقرب الى الله وللانسان فيها اختيار- لا بد ~~للاخلاق المكتسبة من أصول-. # 142 الفصل الاول: يعظم الانسان بقليل من هذه الخصال- اجتماع خصال الكمال ~~والجلال في محمد صلى الله عليه وسلم- لا يحيط بصفاته إلا ما نحها-. # 145 الفصل الثاني: صفاته الخلقية صلى الله عليه وسلم. # حاز جميع خصال الكمال الضروري- الصورة وجمالها- الرواة- صفاته الخلقية- ~~نور وجهه كالشمس والقمر- وصف علي رضي الله عنه له-. # 152 الفصل الثالث: نظافته صلى الله عليه وسلم ... # طيب رائحة يده صلى الله عليه وسلم- كانوا يمزجون طيبهم بعرقه صلى الله ~~عليه وسلم- تغوطه صلى الله عليه وسلم- الارض تبتلع ما يخرج من الانبياء- ~~طهارة الحدثين منه صلى الله عليه وسلم- صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله ~~طبت حيا وميتا- ذكر من شرب دمه صلى الله عليه وسلم- شرب بوله صلى الله عليه ~~وسلم- ولد صلى الله عليه وسلم مختونا- ما رأى أحد عورته صلى الله عليه ~~وسلم- كان صلى الله عليه وسلم محفوظا-. # PageV01P748 # الصفحة الموضوعات 161 الفصل الرابع: وفور عقله وفصاحة لسانه وقوة حواسه ~~صلى الله عليه وسلم ... # كان صلى الله عليه وسلم اعقل الناس- عقول الناس كحبة رمل في جنب عقله صلى ~~الله عليه ms194 وسلم- يرى من خلفه كما يرى من أمامه- رؤيته لغيره في الظلمة- ~~رؤيته الملائكة والشياطين- رفع النجاشي له ورؤيته بيت المقدس والكعبة- ~~الاخبار المتقدمة محمولة على رؤية العين- رؤية موسى عند التجلي- صرع ركانة- ~~صرع ابا ركانة- سرعة مشيه صلى الله عليه وسلم- ضحكه كان تبسما- مشيه كان ~~تقلعا. # 167 الفصل الخامس: فصاحة لسانه وبلاغته صلى الله عليه وسلم.. # فصاحة لسانه صلى الله عليه وسلم- يخاطب كل أمة بلسانها- كلامه مع ذي ~~المشعار الهمداني وغيره من أمراء حضر موت- كتابه الى همدان- قوله لنهد- ~~كتابه لوائل بن حجر- حديث عطية السعدي- حديث العامري- كلامه المعتاد- نماذج ~~من بلاغته وفصاحته وجوامع كلمه صلى الله عليه وسلم- بعض دعائه صلى الله ~~عليه وسلم- أساليب جديدة- سر فصاحته- جمع في كلامه جزالة البادية ورونق ~~الحاضرة- امداد الوحي له- وصف ام معبد لمنطقه. # 180 الفصل السادس: شرف نسبه وكرم بلده ومنشئه صلى الله عليه وسلم ... # نخبة بني هاشم- مكة وكرمها- خير القرون قرن النبي صلى الله عليه وسلم- ~~خيرهم نفسا وخيرهم بيتا- لم يزل خيارا من خيار- إنزال نوره الى الارض- لم ~~يتلق أحد من آبائه على سقاح قط. # 184 الفصل السابع: حالته صلى الله عليه وسلم في الضروريات ... # ما يتمدح بقلته- كثرة الاكل دليل على النهم والحرص- قلته دليل على ~~القناعة- كثرة النوم دليل على الفسولة- الشاهد على هذا- أخذ بالاقل منهما- ~~البطن شر وعاء يملأ- كثرة النوم من كثرة الطعام والشراب- # PageV01P749 # الصفحة الموضوعات من نام كثيرا خسر كثيرا- لم يمتليء جوفه شبعا- لا يسأل ~~الطعام- اعتراض بحديث بريرة- الجواب عنه- الاتكاء هو التمكن للاكل- نومه ~~كان قليلا- النوم على الجانب الايمن وحكمته. # 190 الفصل الثامن: زواجه صلى الله عليه وسلم وما يتعلق به.. # النكاح دليل الكمال والصحة- عقلا- شرعا- النهي عن التبتل- لا يقدح الزواج ~~في الزهد- كان زهاد الصحابة كثيري الزوجات- اعتراض- يحيى الحصور- تبتل عيسى ~~عليه السلام- جواب الاعتراض- الحصور هو المعصوم من الذنوب- فضيلة زائدة- لم ~~تشغله كثرتهن عن عبادة ربه بل زادته عبادة- حبه للنساء والطيب ليس لدنياه ~~بل لآخرته- أعطي من القوة فابيح له من الحرائر ما لم يبح لغيره- تفضيله على ~~الناس بأربع- الجاه- آفات الجاه- مكانته في القلوب قبل النبوة- هيبته في ~~قلوب الناظرين اليه. # 201 الفصل التاسع: ما يتعلق بالمال والمتاع ... # العامة تعظم صاحب المال- ليس المال فضيلة بنفسه ولكن بما يشترى به من ~~المحمدة- المال بالحرص والبخل كالعدم- البخيل خازن مال غيره- ما ms195 أوتيه صلى ~~الله عليه وسلم من اموال الارض- لم يمسك منه درهما- راحته بالنفقة- زهده ~~فيما سوى الضروري من نفقته وملبسه ومسكنه- المباهاة بالملابس ليست من خصال ~~الشرف- المحمود نقاوة الثوب وكونه لبس مثله. # 206 الفصل العاشر: الاخلاق الحميدة ... # الخصال التي اتفق العقلاء على مدح صاحبها- ثناء الشرع عليها- تعريف حسن ~~الخلق- كان خلقه صلى الله عليه وسلم القرآن- بعثت لأتمم مكارم الاخلاق- # PageV01P750 # الصفحة الموضوعات ليست أخلاقه باكتساب- غرزت الاخلاق الحميدة في جبلتهم ~~عليهم السلام- خلق يحيى عليه السلام- عيسى عليه السلام- سليمان عليه ~~السلام- موسى وفرعون- ابراهيم عليه السلام- اسحق عليه السلام- استدلال ~~ابراهيم على الله سبحانه- يوسف عليه السلام- بغضه للاوثان والشعر واعمال ~~الجاهلية مذكان صغيرا- هل الاخلاق جبلة أم مكتسبة؟ - 216 الفصل الحادي عشر: ~~العقل ... # العقل- فروع العقل- من علومه- نبي أمي- بحسب عقله كانت معارفه صلى الله ~~عليه وسلم 219 الفصل الثاني عشر: الحلم والاحتمال والعفو.. # الفروق بين هذه الالفاظ- الحلم- الاحتمال- الصبر- العفو- لا يزيد مع كثرة ~~الأذى إلا صبرا- كان أبعد الناس من الاثم- لم يبعث لعانا- دعاء نوح عليه ~~السلام- نهاية الحنان- صفحه صلى الله عليه وسلم- عفوه عنهم ودعاؤه لهم- سبب ~~شفقته عليهم- غورث بن الحارث ومحاولة اغتياله صلى الله عليه وسلم- خير ~~الناس- عفوه عن اليهودية التي أرادت قتله- صبره على المنافقين- صبره على ~~جفوة الاعراب وغلظتهم- كان لا ينتصر لنفسه بل لله عز وجل- حلمه على من أراد ~~قتله- حلمه على من اغلظ له بالقول- من علامات نبوته صلى الله عليه وسلم انه ~~يسبق حلمه غضبه، وانه لا تزيده شدة الجهل إلا حلما- موقفه من قريش بعد أن ~~أمكنه الله منهم- موقفه من أبي سفيان بعد أن تمكن منه. # 230 الفصل الثالث عشر: الجود والكرم.. # التفريق بين معاني الجود والكرم والسماحة- الكرم- السماحة- السخاء- ما ~~سئل عن شيء فقال: لا- كان أجود الناس، وأجود ما يكون في رمضان- يعطي عطاء ~~من لا يخشى فاقة- الغاية في السخاء- كان لا يدخر شيئا لغد. # PageV01P751 # الصفحة الموضوعات 235 الفصل الرابع عشر: الشجاعة والنجدة.. # تعريف الشجاعة- النجدة- شجاعته يوم حنين- يحتمي الشجعان به عند اشتداد ~~الحرب- كان أول مستبرىء للخبر عند الفزع- كان اول من يضرب عند الهجوم- قتل ~~أبي بن خلف يوم أحد- شر الناس من قتله نبي. # 241 الفصل الخامس عشر: الحياء والاغضاء.. # تعريف الحياء- الاغضاء- كان صلى الله عليه وسلم يعرض بما يكره- وصفه بذلك ~~في التوراة. ms196 # 244 الفصل السادس عشر: حسن العشرة والادب وبسط الخلق. # وصف علي له- لا يطوي عن أحد بشره- وصف ابن ابي هالة له صلى الله عليه ~~وسلم- يقبل الهدية مهما حقرت ويكافيء عليها- وصف الخادم أنس لسيده- اهتمامه ~~بامور الناس- اكرام الناس باخلاق وبشاشة- كان أكثر الناس تبسما- خدم ~~المدينة يأتون بالماء ليتبركوا. # 251 الفصل السابع عشر: الشفقة والرحمة.. # اعطاء الله له اسمين من أسمائه- عطاؤه يمحو البغضاء- الاعراب الجفاة ~~كالناقة الشرود تتألف بالحكمة- سلامة صدره على اصحابه- شفقته على أمته- ~~رحمته- شفقته على الكفار وطمعه في إيمان ذرياتهم- ينصح الناس بالرفق. # 257 الفصل الثامن عشر: الوفاء وحسن العهد وصلة الرحم.. # حسن وفائه- حسن العهد من الايمان- صلته الرحم- ان لهم رحما- حسن مقابلته ~~للاحسان- بره بمرضعته- بره بأبيه وأمه وأخيه من الرضاعة 262 الفصل التاسع ~~عشر: التوضع.. # PageV01P752 # الصفحة الموضوعات كان أشد الناس تواضعا- اختار أن يكون نبيا عبدا- لا ~~تقوموا كما يقوم الاعاجم- انما انا عبد- يركب الحمار- حج عليه الصلاة ~~والسلام على رحل رث- تواضعه عند الفتح- لا تفضلوا بين الانبياء- قيامه صلى ~~الله عليه وسلم باعمال البيت- إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد- ~~نهيه ان تقبل يده- صاحب الشيء أحق بشيئه أن يحمله. # 268 الفصل العشرون: العدل والامانة والعفة وصدق اللهجة.. # أعداؤه يعترفون له بذلك- تحكيمه في الجاهلية لرفع الحجر- لا يكذبونه ولكن ~~يكذبون بما جاء به- هرقل يسأل عن صدقه- أصدقكم حديثا- كان يختار أيسر ~~الامرين ما لم يكن إثما- تجزيء اوقاته- بلغوا حاجة من لا يستطيع ابلاغي- ~~عصمة الله له قبل النبوة. # 274 الفصل الحادي والعشرون: الوقار والصمت والتؤدة والمروءة وحسن الهدي.. # كان أوقر الناس في مجلسه- أكثر جلوسه محتبيا- كان كثير السكوت- ضحكه ~~التبسم- كان سكوته على أربع حالات- كلامه- ما حبب اليه من الدنيا- استعماله ~~خصال الفطرة. # 278 الفصل الثاني والعشرون: الزهد في الدنيا.. # توفي ودرعه مرهونة عند يهودي في نفقة عالية- ما شبع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثلاثة ايام تباعا- أجوع يوما وأشبع يوما- الدنيا دار من لا دار ~~له- عدد من الروايات في قوته وقوت اهله- فراشه ادم حشوه ليف- وطأته منعتني ~~الليلة صلاتي- مالي وللدنيا. # 284 الفصل الثالث والعشرون: الخوف من الله والطاعة له وشدة العبادة صلته ~~بربه على قدر علمه به- قام حتى تورمت قدماه- أفلا أكون عبدا # PageV01P753 # الصفحة الموضوعات شكورا صلاته ms197 صلى الله عليه وسلم في الليل- كان متواصل ~~الاحزان دائم الفكرة. # 290 الفصل الرابع والعشرون: صفات الانبياء. # فضل الله بعض النبيين على بعض- ما بعث الله نبيا إلا كان في الذروة من ~~قومه- استعراض كامل لأوصاف الانبياء في القرآن الكريم- أخاف أن أشبع فأنسى ~~الجائع- بكاء سيدنا داود عليه السلام- يسمع الثناء عليه فيزداد تواضعا- ~~أكره أن أعود لساني منطق السوء. # 303 الفصل الخامس والعشرون: حديث الحسن عن ابن ابي هالة في جمع (الشمائل) ~~.. # وجهه صلى الله عليه وسلم- طوله- شعره- لونه- وجهه- حواجبه- أنفه- لحيته- ~~عيناه- خداه- فمه وأسنانه- عنقه- خلقه- مشيه- خشوعه- منطقه- خلقه- غضبه- ~~إشاراته- ضحكه- دخوله- تقسيم وقته- مخرجه- مجلسه- سيرته في جلسائه- احوال ~~صحابته عنده- انواع سكوته صلى الله عليه وسلم # 315 الفصل السادس والعشرون: في تفسير غريب هذا الحديث ومشكله 321 (الباب ~~الثالث) فيما ورد من صحيح الأخبار ومشهورها بعظيم قدره عند ربه ومنزلته وما ~~خصه به في الدارين من كرامته صلى الله عليه وسلم. # 325 الفصل الأول: مكانته صلى الله عليه وسلم انا خير أصحاب اليمين- انا ~~خير السابقين- أنا اتقى ولد آدم واكرمهم على الله- انا اكرم الاولين ~~والآخرين- أبواه صلى الله عليه وسلم لم يلتقيا على سفاح قط- أعطيت خمسا لم ~~يعطهن نبي قبلي- بعثت الى الاحمر والاسود- اني فرط لكم- لا نبي بعدي- ~~فضيلته على الانبياء- عطاء الله له- وانما كان الذي اوتيته وحيا- بشارة ~~عيسى بن مريم- # PageV01P754 # الصفحة الموضوعات فضله على أهل السماء- فضله على الانبياء- دعوة ابي ~~ابراهيم- غسلت الملائكة قلبه وبطنه- لو وزنته بأمته لوزنها- استشفع آدم ~~عليه السلام بمحمد صلى الله عليه وسلم- فتلقى آدم من ربه كلمات- عجائب ~~شاهدة- تسمية محمد بركة وسنة. # 343 الفصل الثاني: كرامة الاسراء.. # فرضية الصلاة. لم يكن شق الصدر حين الاسراء- معنى السدرة- سؤال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ربه- عطاء الكريم- ما كذب الفزاد ما رأى- منتهى علوم ~~جبريل- الاذان- معنى الحجاب ولمن يكون- منتهى علم الملائكة التنزيه. # 359 الفصل الثالث: حقيقة الاسراء.. # الاقوال في الاسراء وتم كان- الاسراء بالجسد- الاختلاف بشأن صلاته في ~~المسجد الاقصى هل كانت أم لا- اسراء بالجسد والروح في القصة كلها- دليل ~~ذلك- رؤيا عين لا رؤيا منام. # 368 الفصل الرابع: ابطال الحجج. # 375 الفصل الخامس: رؤيته لربه. # انكار عائشة للرؤية- ابن عباس يثبتها- أحمد بن حنبل يثبت الرؤية- توقف ~~سعيد- جواز الرؤية عقلا في الدنيا- الدليل على الجواز- ليس في الشرع دليل ~~قاطع على استحالتها ms198 او امتناعها- نقص دلائل المانعين- دليل آخر للمانعين- ~~الرد- الوجوب ليس فيه نص قاطع أيضا. # 389 الفصل السادس: مناجاته لله تعالى.. # 393 الفصل السابع: الدنو والقرب.. # لا دنو للحق ولا بعد # PageV01P755 # الصفحة الموضوعات 398 الفصل الثامن: تفضيله يوم القيامة.. # اول الناس خروجا اذا بعثوا- ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري- ما ~~نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي- اول شافع واول مشفع- دخول فقراء ~~المؤمنين مع رسولهم الجنة- أكثر الناس تبعا- ابراهيم وعيسى من أمته- لا ~~أفتح لاحد قبلك- مسافة الحوض- رواة حديث الحوض من الصحابة. # 407 الفصل التاسع: في تفضيله بالمحبة والخلة.. # صاحبكم خليل الله- وأنا حبيب الله- تفسير الخلة- المنقطع- المختص- ~~الاصطفاء- الفقير- صفاء المودة- المحبة- الخلة- اقوى من النبوة- الخلة ~~المحبة- التسوية- الخلة أرفع- المحبة أرفع من الخلة- حصول مزية الخلة ~~وخصوصية المحبة- كلام جميل للتفرقة بين الحبيب والخليل- الخليل يصل ~~بالواسطة- الحبيب يصل اليه به. # 418 الفصل العاشر: في تفضيله بالشفاعة والمقام المحمود.. # المقام المحمود- اخترت الشفاعة لانها أعم- فيأتون آدم- اذهبوا الى نوح- ~~اذهبوا الى ابراهيم- عليكم بموسى- عليكم بعيسى- عليكم بمحمد- انا لها- اشفع ~~تشفع- يضرب الصراط- فأكون اول من يجيز- ما تركت لغضب ربك في أمتك من نقمة- ~~اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي # 434 الفصل الحادي عشر: الوسيلة والدرجة الرفيعة والكوثر والفضيلة.. # الوسيلة- الكوثر- صفة الكوثر. # 438 الفصل الثاني عشر: الاحاديث الواردة في النهي عن تفضيله.. # أحاديث في منع التفضيل- تأويلات العلماء- النهي قبل العلم بالتفضيل- كف ~~عن التفضيل- تواضع- عدم تنقصهم- النبوة والرسالة سواء- # PageV01P756 # الصفحة الموضوعات التفاضل في الخصوصيات- التفضيل بالنص- احوال التفضيل- ~~توجيه آخر # 444 الفصل الثالث عشر: في أسمائه صلى الله عليه وسلم وما تضمنته من ~~فضيلة.. # لي خمسة اسماء- التسمية في الكتاب- احمد- محمد- حماية الله ان يسمى احد ~~قبله بذلك- الذين تسموا بمحمد قبل بعثته من العرب- معنى اسم الماضي- معنى ~~اسم العاقب- الاسماء الخمسة- لي عشرة أسماء- طه- يس- الاسماء الخمسة ~~الاخرى- لي في القرآن سبعة اسماء- هي ست- معنى قثم- القابه وسماته في ~~القرآن- اوصاف وسمات أخرى- من اسمائه في الكتب المتقدمة- معنى البار قليط- ~~السريانية- التوراة- كنيته المشهورة. # 458 الفصل الرابع عشر: في تشريف الله له باسماء خاصة به تعالى.. # سبب تأخر هذا الفصل وفصله عن غيره- الحميد- محمد- احمد- رؤوف رحيم- الحق ~~المبين- نور- سبب تسميته بالنور- شاهدا- شهيدا- كريم- عظيم- في التوراة- في ~~كتاب داود الجبار- معناه في حق النبي الكريم صلى الله عليه وسلم- الخبير- ~~الفتح- الفاتح- الخاتم- الشكور- العليم- الاول الآخر- ذو القوة المكين- ~~الصادق المصدوق- الولي- المولى- العفو- الهادي مؤمن- امين- المهيمن- ~~المقدس- العزيز المبشر- النذير- طه، يس. # 473 الفصل الخامس عشر: استدراك في صفات الخالق والمخلوق.. # حقيقة التوحيد- ليس ms199 كمثله شيء. # 479 (الباب الرابع) فيما أظهره الله على يديه من المعجزات وشرفه به من ~~الخصائص والكرامات # 481 الفصل الاول: مقدمة.. # PageV01P757 # الصفحة الموضوعات الفتاه لاهل ملته- اتينا منها بالمحقق- عرفت ان وجهه ~~ليس بوجه كذاب- بلغن قاموس البحر لا يخيس بكم ما دل على خير إلا كان اول ~~آخذ به. # 486 الفصل الثاني: بين النبوة والرسالة.. # معنى الرسول- الرسول والنبي- الدليل- القول الصحيح- اول الرسل وآخرهم- ~~عدد الانبياء- عدد الرسل- اصل الوحي- معنى آخر للوحي. # 491 الفصل الثالث: معنى المعجزات.. # معنى المعجزة- انواعها- اكثر الرسل معجزة- معجزة القرآن- أقسام معجزاته ~~صلى الله عليه وسلم- القسم الثاني- انشقاق القمر نص القرآن عليه- أن كان ~~ذلك- هذا يلحق بالقطعي- أثر الزمن في ازالة الباطل وتثبيت الحق. # 500 الفصل الرابع: في اعجاز القرآن. # اربعة وجوه- فرسان الكلام- الافتراء أسهل- التقريع والتسفية- نكوص عن ~~المعارضة- مباهتة- ادعاء وعجز- مسيلمة- الوليد بن المغيرة- اعرابي يسجد- ~~الاصمعي والجارية- 511 الفصل الخامس: اعجاز النظم والأسلوب.. # مخالفة أساليب العرب- الوليد والقرآن- ما هو بكاهن- ما هو بمجنون- ما هو ~~بشاعر- ما هو بساحر- عتبة والقرآن- النضر والقرآن- اسلام أبي ذر- وجه عجزهم ~~عنه.. # 518 الفصل السادس: الإخبار عن المغيبات.. # لتدخلن المسجد الحرام- غلبت الروم- اظهاره على الدين كله- الاستخلاف- ~~الفتح- حفظ القرآن- # PageV01P758 # الصفحة الموضوعات 522 الفصل السابع: اخباره عن القرون السالفة والأمم ~~البائدة.. # الاخبار عما مضى- اسئلة اهل الكتاب- ما أنكر أحدهم شيئا- احضار التوراة ~~ممكن- # 526 الفصل الثامن: التحدي والتعجيز في قضايا واعلامهم انهم لا يفعلونها.. # تمني الموت- المباهلة- # 529 الفصل التاسع: روعته في السمع وهيبته في القلوب. # تأثيره النفسي- اعجاز الجرس- # 533 الفصل العاشر: بقاؤه على الزمن.. # 525 الفصل الحادي عشر: وجوه أخرى للاعجاز.. # قارئه لا يمل- شهادة الجن- علوم غير معهودة- أنباء الأمم- من طلب الهدى ~~من غيره اضله الله- منظوم لم يعهد- تيسير حفظه- 543 الفصل الثاني عشر: في ~~انشقاق القمر وحبس الشمس.. # اجمع المفسرون وأهل السنة على وقوعه- معارضته- رد وأدلة- رد الشمس- حديث ~~أسماء ثابت- # 550 الفصل الثالث عشر: نبع الماء من بين أصابعه وتكثيره ببركته.. # لا يمكن الكذب على الكثرة وهم سكوت- # 555 الفصل الرابع عشر: تفجير الماء ببركته.. # ولكن الله سقانا- 651 الفصل الخامس عشر: تكثير الطعام.. # خبر الزاد الذي لو ورده أهل الأرض لكفاهم- مزود أبي هريرة- ابو هريرة ~~واللبن- وليمة علي على فاطمة.. # 573 الفصل السادس عشر: في كلام الشجر وانقيادها. # PageV01P759 # الصفحة الموضوعات السحرة تشهد- تسليم الشجر عليه وتقبيل الاعرابي ms200 يديه- ~~فانقادت كالبعير- النخل والحجارة يسرن لحاجة رسول الله صلى الله عليه وسلم- ~~استأذنت ان تسلم علي. # 581 الفصل السابع عشر: حنين الجذع.. # حنين الجذع في نفسه مشهود- الخبر به متواتر- اختيار الجذع لدار البقاء ~~على دار الفناء- # 588 الفصل الثامن عشر: في سائر الجمادات ... # تسبيح الطعام- تسبيح الحصا- أمنت اسكفة الباب- ارتجاف أحد- ارتجاف ~~المنبر- انهيار أصام الكعبة- بحيرا الراهب- الفيء يميل إليه. # 594 الفصل التاسع عشر: في الآيات في ضروب الحيوانات.. # داجن تقر وتثبت بحضرته- شهادة الضب- حديث الذئب للراعي- صنم وطائر ~~يتكلمان- رجوع الغنم الى اصحابهما- سجود الغنم له- سجود بعير- خضوع الجمل- ~~جمل يشتكي- الناقة العضباء- حمام مكة أظلت النبي صلى الله عليه وسلم- حمام ~~الغار- العنكبوت- اقتراب البدنات اليه لينحرها- قصة الغزالة- خضوع الاسد ~~لرسوله- الاسد يدل على الطريق- شهادة ناقة- العنزة تروي القوم- طاعة الفرس- ~~تعلم اللغات 607 الفصل العشرون: إحياء الموتى.. # الشاة المسمومة- كيفية الكلام- مذهب اهل السنة- مذهب المعتزلة- رد مذهب ~~المعتزلة- صبي ابكم يتكلم- وليد يتكلم- مبارك اليمامة- موؤدة تتكلم- ميت ~~يعود الى الحياة- ميت يتكلم. # 617 الفصل الحادي والعشرون: إبراء المرضى وذوي العاهات.. # رد عين بعد قلعها- إبراء جرح- حديث الاعمى- برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم- # PageV01P760 # الصفحة الموضوعات شفاء الاستسقاء- شفاء أعمى- جروح تشفى- شفاء عين الامام ~~علي- رده يدا بعد ما قطعت- طفل لا يتكلم ابرىء- مجنون يشفى- حروق تبرأ- ~~سلعة تزول- حياء في الجارية من أثر لقمته صلى الله عليه وسلم. # 625 الفصل الثاني والعشرون: اجابة دعائه صلى الله عليه وسلم.. # دعاؤه لأنس- البركة في الذرية- البركة في مال عبد الرحمن بن عوف- دعاؤه ~~لمعاوية- استجابة دعوة سعد- دعوة لعمر- دعاؤه بالسقيا-- دعاؤه لأبي قتادة- ~~دعاؤه للنابغة- دعاؤه لابن عباس- دعاؤه لعبد الله بن جعفر- دعاؤه للمقداد- ~~دعاؤه لعروة- دعاؤه لأم ابي هريرة- دعاؤه لعلي- دعاؤه لفاطمة- دعاؤه ~~للطفيل- دعاؤه على مصر ثم لهم- دعاؤه على كسرى- دعاؤه على صبي- دعاؤه على ~~الذي يأكل بشماله- دعاؤه على عتبة- دعاؤه على الذين آذوه- دعاؤه على الحكم- ~~دعاؤه على محلم. # 636 الفصل الثالث والعشرون: في كراماته وبركاته وانقلاب الاعيان له فيم ~~لمسه أو باشره صلى الله عليه وسلم.. # فرس ابي طلحة- نشاط الجمل- نشاط فرس جعيل- حمار يهملج- بركة شعراته في ~~قلنسوة خالد- الاستشفاء بجبته- الاستشفاء بقصعته- قضيب النبي صلى الله عليه ~~وسلم- بئر قباء- بئر دار أنس- ماء نعمان- لسانه أروى الحسن والحسين- عكة أم ~~مالك- غرس النخيل لسلمان- شربة السويق- العرجون يضيء ويضرب الشيطان- سيف ~~عكاشة جذل حطب- سيف من عسيب نخل- شاه ام معبد- شاة أنس- ماء يتحول الى لبن ~~وعليه زبدة- بركة عمير بن سعد- طيب عتبة- غرة ms201 عائذ بن عمرو- الاغر- بركة ~~رأس حنظلة- جمال زينب- ابراء مجانين # PageV01P761 # الصفحة الموضوعات- يوم حنين- ابو هريرة يشكو النسيان- صار افرس العرب- ~~ضرع الرجال طولا وتماما. # الفصل الرابع والعشرون: ما أطلع عليه من الغيوب وما يكون إخباره بما يكون ~~حتى قيام الساعة- ويل للعرب من شر قد اقترب!! أهل المغرب ظاهرون على الحق ~~حتى تقوم الساعة. # 680 الفصل الخامس والعشرون: عصمة الله له من الناس وكفايته من أذاهم ~~انصرفوا فقد عصمني ربي- من شاء فليخذلني- حمالة الحطب- عدم رؤيتها له- عند ~~الهجرة- حادثة سراقة- الراعي ينسى- ابو جهل والصخرة- طمس على بصره- غدر بني ~~قريظة- خيانة حيي وغدره- ابو جهل وخندق النار- شواظ من نار يد النبي صلى ~~الله عليه وسلم سكن للقلب- أفأضربك. # 694 الفصل السادس والعشرون: معارفه وعلومه صلى الله عليه وسلم.. # أنواع الرؤيا- أنساب- علمه بالرسم- الذين يلحدون اليه- رد الحجج ~~وابطالها. # 708 الفصل السابع والعشرون: أنباؤه مع الملائكة والجن.. # في صورة رجل- في صورة دحية- رؤية الجن- نغمة الجن- هدم خالد للعزى وقتله ~~السوداء- أسره للشيطان. # 715 الفصل الثامن والعشرون: أخباره وصفاته وعلامات رسالته عند أخيار ~~ورهبان وعلماء ذلك الزمان الذين نقلوا أخباره عن التوراة من أسلم- ~~اعترافهم- هواتف الجن. # 726 الفصل التاسع والعشرون: ما حدث عند مولده صلى الله عليه وسلم.. # ولد رافعا رأسه- خروج النور عند ولادته- تدلي النجوم- رؤية قصور # PageV01P762 # الصفحة الموضوعات الروم- البركة عند حليمة- إيوان كسرى- بحيرة طبرية- ~~خمود النار- صقيلا دهينا كحيلا- رصد الشياطين حمايته من امور الجاهلية- ~~نهيت عن التعري- إظلال الغمام- إظلال الشجر- لا ظل لشخصه صلى الله عليه ~~وسلم- روضة من رياض الجنة. # 734 الفصل الثلاثون: خاتمة وتذييل. # معجزات لنبينا صلى الله عليه وسلم أظهر من معجزات غيره- كثرة معجزاته ~~ومعجزات القرآن- البلاغة والنظم- الاخبار بعلوم الغيب- وضوح المعجزات ~~والسحر زمن موسى- الطب زمن عيسى- معجزة خالدة لا تبيد- مذهب الصرفة- عبادة ~~بني اسرائيل. # 745 مسرد الفصول والابواب والعناوين الجانبية. # PageV01P763 # الجزء الثاني ### | القسم الثاني ### || مقدمة القسم الثاني # قال القاضي أبو الفضل وفقه الله تعالى: # وهذا قسم لخصنا فيه الكلام في أربعة أبواب على ما ذكرناه في أول الكتاب، ~~ومجموعها في وجوب تصديقه، واتباعه في سنته، وطاعته، ومحبته، ومناصحته، ~~وتوقيره، وبره، وحكم الصلاة عليه والتسليم، وزيارة قبره صلى الله عليه ~~وسلم. # PageV02P005 ### || الباب الأول في فرض الإيمان به ووجوب طاعته واتباع سنته وفيه خمسة ms202 فصول # PageV02P007 ### ||| الفصل الأول فرض الإيمان به # إذا تقرر بما قدمناه ثبوت نبوته وصحة رسالته وجب الإيمان به، وتصديقه ~~فيما أتى به. # قال الله تعالى: «فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا» «1» وقال: ~~«إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا.. لتؤمنوا بالله ورسوله» «2» . وقال: ~~«فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي» «3» الآية.. فالإيمان بالنبي محمد صلى ~~الله عليه وسلم واجب «4» متعين لا يتم إيمان «5» إلا به.. ولا يصح إسلام ~~«6» إلا معه.. # قال الله تعالى: «ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا» ~~«7» . PageV02P009 # عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي، وبما ~~جئت به، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على ~~الله..» «1» # قال القاضي «2» أبو الفضل وفقه الله: والإيمان به صلى الله عليه وسلم هو ~~تصديق نبوته ورسالة الله له، وتصديقه في جميع ما جاء به وما قاله.. ومطابقة ~~تصديق القلب بذلك شهادة اللسان بأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فإذا ~~اجتمع التصديق به بالقلب والنطق بالشهادة بذلك باللسان تم الإيمان به ~~والتصديق له كما ورد في الحديث «3» نفسه من رواية «4» عبد الله «5» بن عمر ~~رضي الله عنهما: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله.. PageV02P010 # وقد زاده وضوحا في حديث جبريل إذ قال: أخبرني عن الإسلام.. فقال (النبي ~~صلى الله عليه وسلم) «1» : أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله.. وذكر أركان الإسلام ثم سأله عن الإيمان فقال: أن تؤمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله الحديث «2» . # فقد قرر أن الإيمان به محتاج «3» إلى العقد «4» بالجنان «5» .. # والإسلام به مضطر إلى النطق باللسان.. وهذه الحالة «6» المحمودة التامة ~~«7» .. وأما الحال المذمومة، فالشهادة باللسان دون تصديق القلب.. وهذا هو ~~النفاق «8» . # قال الله تعالى: «إذا جاءك المنافقون قالوا: نشهد إنك لرسول الله.. والله ~~يعلم إنك لرسوله، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون..» «9» أي كاذبون في ~~قولهم ذلك عن ms203 اعتقادهم PageV02P011 # وتصديقهم وهم لا يعتقدونه.. فلما لم تصدق ذلك ضمائرهم لم ينفعهم أن ~~يقولوا بألسنتهم ما ليس في قلوبهم، فخرجوا عن اسم الإيمان.. ولم يكن لهم في ~~الآخرة حكمه، إذ لم يكن معهم (إيمان) «1» .. ولحقوا بالكافرين «2» في الدرك ~~«3» الأسفل من النار.. وبقي عليهم حكم الإسلام بإظهار شهادة اللسان في ~~أحكام الدنيا المتعلقة بالأئمة وحكام المسلمين، الذين أحكامهم على الظواهر ~~بما أظهروه من علامة الإسلام.. إذ لم يجعل للبشر سبيل إلى السرائر.. ولا ~~أمروا بالبحث عنها.. بل نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التحكم عليها، وذم ~~ذلك وقال «4» : «هلا» # شققت عن قلبه» والفرق «6» بين القول والعقد ما جعل في حديث جبريل الشهادة ~~من الإسلام، والتصديق من الإيمان.. وبقيت حالتان أخريان بين PageV02P012 # هذين.. إحداهما أن يصدق بقلبه ثم يخترم «1» قبل اتساع وقت للشهادة ~~بلسانه.. فاختلف فيه. # فشرط بعضهم من تمام الإيمان القول والشهادة «2» به. # ورآه بعضهم مؤمنا مستوجبا للجنة «3» لقوله صلى الله عليه وسلم «4» «يخرج ~~«5» من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان» فلم يذكر سوى ما في ~~القلب.. وهذا مؤمن بقلبه غير عاص ولا مفرط بترك غيره.. وهذا هو الصحيح في ~~هذا الوجه. # - الثانية أن يصدق بقلبه ويطول «6» مهله «7» ، وعلم ما يلزمه من الشهادة ~~فلم ينطق بها جملة، ولا استشهد «8» في عمره ولا مرة، فهذا اختلف فيه أيضا ~~«9» . # - فقيل هو مؤمن، لأنه مصدق.. والشهادة من جملة الأعمال PageV02P013 # فهو «1» عاص بتركها غير مخلد «2» . وقيل ليس بمؤمن «3» حتى يقارن عقده ~~شهادة اللسان «4» ، إذ الشهادة إنشاء عقد، والتزام إيمان. # وهي مرتبطة مع العقد، ولا يتم التصديق مع المهلة إلا بها.. # وهذا هو الصحيح وهذا نبذ «5» يفضي «6» إلى متسع من الكلام في الإسلام ~~والإيمان وأبوابهما.. وفي الزيادة فيهما والنقصان «7» .. # وهل التجزي «8» ممتنع على مجرد التصديق لا يصح فيه جملة، إنما يرجع إلى ~~ما زاد عليه من عمل؟!! أو قد يعرض فيه لاختلاف صفاته وتباين «9» حالاته، من ~~قوة يقين، وتصميم اعتقاد، ووضوح معرفة. ودوام حالة، وحضور قلب.. وفي بسط ~~هذا PageV02P014 # خروج عن غرض ms204 التأليف وفيما ذكرنا غنية «1» فيما قصدنا إن شاء الله تعالى ~~«2» . PageV02P015 ### ||| الفصل الثاني وجوب طاعته # وأما وجوب طاعته فإذا وجب الإيمان به وتصديقه فيما جاء به، وجبت طاعته، ~~لأن ذلك مما أتى به، قال الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~ورسوله» «1» وقال: «قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول» «2» وقال: «وأطيعوا ~~الله والرسول لعلكم ترحمون» «3» وقال: «وإن تطيعوه تهتدوا» «4» وقال: من ~~يطع الرسول فقد أطاع الله» «5» وقال: «وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم ~~عنه فانتهوا» «6» وقال: «ومن يطع الله PageV02P016 # والرسول فأولئك مع الذين ... «1» الآية وقال: «وما أرسلنا من رسول إلا ~~ليطاع بإذن الله» «2» . # فجعل تعالى طاعة رسوله «3» طاعته، وقرن طاعته بطاعته، ووعد على ذلك بجزيل ~~الثواب.. وأوعد على مخالفته بسوء العقاب. # وأوجب امتثال أمره واجتناب نهيه.. # قال المفسرون والأئمة: طاعة الرسول في التزام سنته، والتسليم لما جاء ~~به.. وقالوا: ما أرسل الله من رسول إلا فرض طاعته على من أرسله إليه ~~وقالوا: من يطع الرسول في سنته «4» يطع الله PageV02P017 # في فرائضه.. وسئل سهل بن عبد الله» # عن شرائع الإسلام فقال: # (وما آتاكم الرسول فخذوه) «2» . # وقال السمرقندي «3» : يقال: أطيعوا الله في فرائضه والرسول في سنته.. ~~وقيل: أطيعوا الله فيما حرم عليكم، والرسول فيما بلغكم ويقال: أطيعوا الله ~~بالشهادة له بالربوبية، والنبي بالشهادة له بالنبوة «4» . # قال أبو سلمة بن عبد «5» الرحمن أنه سمع أبا هريرة «6» يقول: # إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أطاعني فقد أطاع الله.. ومن ~~عصاني فقد عصى الله.. ومن أطاع أميري فقد أطاعني.. ومن عصى أميري فقد عصاني ~~«7» .. فطاعة الرسول من طاعة الله، إذ الله أمر بطاعته.. فطاعته امتثال لما ~~أمر الله به وطاعة له. # وقد حكى الله عن الكفار في دركات جهنم. «يوم تقلب وجوههم في النار ~~يقولون: يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا» «8» PageV02P018 # فتمنوا طاعته حيث لا ينفعهم التمني.. # وقال «1» صلى الله عليه وسلم «2» : «إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه.. وإذا ~~أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم..» . # وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عنه صلى ms205 الله عليه وسلم «3» : كل أمتي ~~يدخلون الجنة إلا من أبى.. قالوا: يا رسول الله.. ومن يأبى؟ # قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى..» # وفي الحديث الآخر الصحيح «4» عنه صلى الله عليه وسلم: «مثلي ومثل ما ~~بعثني الله به «5» كمثل رجل أتى قوما فقال: يا قوم إني رأيت الجيش بعيني.. ~~وإني أنا النذير العريان «6» .. فالنجاء «7» .. PageV02P019 # فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا «1» ، فانطلقوا على مهلهم فنجوا.. # وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم «2» الجيش فأهلكهم واجتاحهم «3» ~~.. فذلك مثل من أطاعني واتبع ما جئت به، ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من ~~الحق..» . # وفي الحديث الآخر «4» في مثله «5» كمثل من بنى دارا وجعل فيها مأدبة «6» ~~.. وبعث داعيا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة.. ومن لم يجب ~~الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة، فالدار الجنة، والداعي محمد صلى ~~الله عليه وسلم. فمن أطاع محمدا فقد أطاع الله، ومن عصى محمدا فقد عصى ~~الله.. ومحمد فرق «7» بين الناس. PageV02P020 ### ||| الفصل الثالث وجوب اتباعه وامتثال سنته والاقتداء بهديه # وأما وجوب اتباعه صلى الله عليه وسلم وامتثال سنته والاقتداء بهديه فقد ~~قال تعالى: «قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم» ~~«1» وقال: «فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته ~~واتبعوه لعلكم تهتدون» «2» وقال: «فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر ~~بينهم» «3» .. إلى قوله تسليما» . # أي ينقادوا لحكمك.. يقال «سلم» و «استسلم» و «أسلم» إذا انقاد.. وقال ~~تعالى: «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم ~~الآخر» «4» الاية. PageV02P021 # قال محمد «1» بن علي الترمذي: «الأسوة» في الرسول.. # الاقتداء به والاتباع لسنته وترك مخالفته في قول أو فعل.. # وقال غير واحد من المفسرين بمعناه # وقيل: هو عتاب للمتخلفين عنه وقال سهل «2» في قوله تعالى: # «صراط الذين أنعمت عليهم» «3» قال بمتابعة السنة.. فأمرهم تعالى بذلك ~~ووعدهم الاهتداء باتباعه.. لأن الله تعالى أرسله بالهدى ودين الحق ليزكيهم، ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة، ويهديهم إلى صراط مستقيم.. ووعدهم محبته تعالى ms206 في ~~الآية الأخرى «4» ومغفرته إذا اتبعوه وآثروه على أهوائهم، وما تجنح «5» ~~إليه نفوسهم.. وأن صحة إيمانهم بانقيادهم له، ورضاهم بحكمه، وترك الاعتراض ~~عليه وروي «6» عن الحسن» # : «أن أقواما قالوا: # يا رسول الله إنا نحب الله فأنزل الله تعالى «قل إن كنتم تحبون الله..» ~~«8» الاية. PageV02P022 # وروي: أن الآية نزلت في كعب «1» بن الأشرف وغيره. # وأنهم قالوا: «نحن أبناء الله وأحباؤه» «2» .. «ونحن أشد حبا لله» فأنزل ~~الله الآية وقال الزجاج «3» : معناه إن كنتم تحبون الله- أن تقصدوا طاعته- ~~فافعلوا ما أمركم به إذ محبة العبد لله والرسول طاعته لهما ورضاه بما ~~أمرا.. ومحبة الله لهم عفوه عنهم وإنعامه عليهم برحمته.. ويقال: الحب من ~~الله عصمة وتوفيق، ومن العباد طاعة كما قال القائل «4» : # تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا لعمري في القياس بديع # لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع # ويقال: محبة العبد لله تعظيمه له، وهيبته منه.. ومحبة الله له رحمته ~~وإرادته الجميل له.. وتكون بمعنى مدحه وثنائه عليه. # قال القشيري «5» : فإذا كان بمعنى الرحمة والإرادة والمدح كان ~~PageV02P023 # من صفات الذات.. وسيأتي بعد في ذكر محبة العبد غير هذا بحول الله تعالى. # عن العرباض بن سارية «1» في حديثه في موعظة «2» النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين.. عضوا عليها ~~بالنواجذ «3» .. وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ~~ضلالة..» # زاد في حديث جابر «4» بمعناه «وكل ضلالة في النار «5» » . PageV02P024 # وفي حديث «1» أبي رافع «2» عنه صلى الله عليه وسلم: «لا ألفين «3» أحدكم ~~متكئا «4» على أريكته «5» يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه ~~فيقول: لا أدري.. ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه» .. # وفي حديث «6» عائشة «7» رضي الله عنها: «صنع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم شيئا ترخص فيه فتنزه عنه قوم.. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ~~فحمد الله ثم قال: «ما بال قوم يتنزهون عن الشيء أصنعه.. # فوالله إني لأعلمهم بالله، وأشدهم له خشية..» # وروي عنه صلى الله عليه وسلم «8» أنه قال: ms207 «القرآن صعب مستصعب على من ~~كرهه.. وهو الحكم «9» فمن استمسك بحديثي وفهمه وحفظه جاء مع القرآن «10» # .. ومن تهاون بالقرآن وحديثي خسر PageV02P025 # الدنيا والآخرة.. أمرت أمتي أن يأخذوا بقولي، ويطيعوا أمري، ويتبعوا ~~سنتي.. فمن رضي بقولي فقد رضي بالقرآن.. # قال الله تعالى «وما آتاكم الرسول فخذوه» «1» # الآية. # وقال صلى الله عليه وسلم «2» # : «من اقتدى بي فهو مني ومن رغب عن سنتي فليس مني» وعن «3» # أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # «إن أحسن الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد وشر الأمور محدثاتها «4» # » . وعن «5» # عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«العلم ثلاثة فما سوى «6» # ذلك فهو فضل «7» PageV02P026 # آية محكمة «1» # . أو سنة قائمة «2» # .. أو فريضة عادلة «3» # » . # وعن الحسن» # بن أبي الحسن رحمهما الله تعالى قال صلى الله عليه وسلم «5» # «عمل قليل في سنة، خير من عمل كثير في بدعة» وقال «6» # صلى الله عليه وسلم «إن الله تعالى يدخل العبد الجنة بالسنة تمسك «7» # بها» وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «8» # : «المتمسك بسنتي عند فساد أمتي له أجر مئة شهيد» . # وقال «9» # صلى الله عليه وسلم: «إن بني إسرائيل افترقوا على اثنتين وسبعين ملة «10» # وإن أمتي تفترق على ثلاث وسبعين كلها في النار إلا واحدة قالوا: ومن هم ~~يا رسول الله؟ قال: الذي «11» # أنا عليه اليوم وأصحابي.» PageV02P027 # وعن أنس «1» # قال صلى الله عليه وسلم «2» # : من أحيا سنتي فقد أحياني ومن أحياني كان معي في الجنة» . # وعن عمرو «3» # بن عوف المزني: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «4» # لبلال «5» # بن الحارث: «من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل من ~~عمل بها من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئا.. # ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضي الله ورسوله.. كان عليه مثل آثام من عمل ~~بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئا.» PageV02P028 ### ||| الفصل الرابع ما ورد عن السلف والأئمة ms208 من اتباع سنته والاقتداء بهديه وسيرته # عن رجل «1» # من آل خالد «2» # بن أسيد أنه سأل عبد الله «3» # بن عمر فقال «4» # : يا أبا عبد الرحمن «5» # .. إنا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن، ولا نجد صلاة السفر!!!. ~~فقال ابن عمر «6» # رضي الله عنهما.. يا ابن أخي.. إن الله بعث إلينا محمدا صلى الله عليه ~~وسلم ولا نعلم شيئا وإنما نفعل كما رأيناه يفعل.. PageV02P029 # وقال عمر «1» # بن عبد العزيز: «سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر بعده ~~سننا.. الأخذ بها تصديق بكتاب الله واستعمال لطاعة الله.. وقوة على دين ~~الله، ليس لأحد تغييرها، ولا تبديلها، ولا النظر في رأي من خالفها.. من ~~اقتدى بها فهو مهتد.. # ومن انتصر بها منصور.. ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما ~~تولى.. وأصلاه جهنم وساءت مصيرا» «2» . # وقال «3» الحسن بن أبي الحسن «4» «عمل قليل في سنة خير من عمل كثير في ~~بدعة» . # وقال ابن شهاب «5» : بلغنا عن رجال من أهل العلم «6» قالوا: # «الاعتصام بالسنة نجاة» «7» .. PageV02P030 # وكتب عمر «1» بن الخطاب رضي الله عنه إلى عماله «2» بتعلم السنة «3» ~~والفرائض «4» واللحن «5» - أي اللغة «6» - وقال» # إن ناسا يجادلونكم- يعني بالقرآن- فخذوهم «8» بالسنن، فإن أصحاب السنن ~~أعلم بكتاب الله. # وفي خبره «9» حين صلى بذي الحليفة «10» ركعتين فقال: أصنع كما رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يصنع. # وعن علي «11» حين قرن «12» فقال له عثمان «13» : ترى أني أنهى الناس عنه ~~وتفعله؟ .. قال: لم أكن أدع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أحد من ~~الناس «14» . # وعنه «15» ألا إني لست بنبي ولا يوحى إلي، ولكني أعمل PageV02P031 # بكتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ما استطعت. # وكان ابن «1» مسعود يقول «2» : القصد في السنة خير من الاجتهاد في ~~البدعة. # وقال ابن عمر «3» : صلاة السفر ركعتان.. من خالف السنة كفر «4» . # وقال «5» أبي بن كعب «6» : عليكم بالسبيل والسنة.. فإنه ما على الأرض من ~~عبد على السبيل والسنة ذكر الله في نفسه ففاضت عيناه من حشية ربه فيعذبه ~~الله أبدا، وما على الأرض من ms209 عبد على السبيل والسنة ذكر الله في نفسه ~~فاقشعر «7» جلده من خشية الله إلا كان كمثل شجرة قد يبس ورقها فهي كذلك إذ ~~أصابتها ريح شديدة فتحات «8» عنها ورقها الاحط عنه خطاياه كما تحات عن ~~PageV02P032 # الشجرة ورقها. فإن اقتصادا في سبيل وسنة خير من اجتهاد في خلاف سبيل الله ~~وسنة وموافقة بدعة.. وانظروا أن يكون عملكم- إن كان اجتهادا أو اقتصادا- أن ~~يكون على منهاج الأنبياء وسنتهم. # وكتب بعض عمال عمر بن «1» عبد العزيز إلى عمر بحال بلده «2» وكثرة ~~لصوصه.. هل يأخذهم «3» بالظنة «4» أو يحملهم على البينة وما جرت عليه ~~السنة؟. فكتب إليه عمر.. خذهم بالبينة وما جرت عليه السنة فإن لم يصلحهم ~~الحق فلا أصلحهم الله. # وعن عطاء «5» في قوله «فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول» «6» ~~أي إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقال الشافعي «7» : «ليس في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ~~PageV02P033 # اتباعها «1» وقال «2» عمر «3» ونظر إلى الحجر الأسود: إنك حجر لا تنفع ~~ولا تضر.. ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك ثم ~~قبله. # ورؤي عبد الله «4» بن عمر يدير ناقته في مكان فسئل عنه فقال «5» : # لا أدري إلا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعله ففعلته.. # وقال أبو عثمان «6» الحيري: «من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق ~~بالحكمة ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة» . # وقال سهل «7» التستري: «أصول مذهبنا ثلاثة: # - الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في الأخلاق والأفعال. # - والأكل من الحلال. # - وإخلاص النية في جميع الأعمال «8» » . PageV02P034 # وجاء في تفسير قوله تعالى «والعمل الصالح يرفعه» » # إنه الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم. # وحكي عن «2» أحمد «3» بن حنبل قال: «كنت يوما مع جماعة تجردوا ودخلوا ~~الماء.. فاستعملت الحديث «4» : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل ~~الحمام إلا بمئزر «5» .. ولم أتجرد. # فرأيت تلك الليلة قائلا لي يا أحمد.. أبشر «6» فإن الله قد غفر لك ~~باستعمالك السنة، وجعلك إماما يقتدى بك.. قلت من ms210 أنت؟ # قال جبريل» . PageV02P035 ### ||| الفصل الخامس حظر مخالفة أمره # ومخالفة أمره وتبديل سنته ضلال وبدعة متوعد من الله عليه بالخذلان ~~والعذاب. # قال الله تعالى: «فليحذر الذين يخالفون عن أمره «1» أن تصيبهم فتنة أو ~~يصيبهم عذاب أليم» «2» . # وقال «ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين ~~نوله ما تولى..» «3» الاية # عن أبي هريرة «4» أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «5» : خرج إلى المقبرة ~~PageV02P036 # وذكر الحديث في صفة «1» أمته وفيه- «فليذادن «2» رجال عن حوضي كما يذاد ~~البعير الضال فأناديهم: ألا هلم، ألا هلم، ألا هلم «3» ، فيقال: إنهم قد ~~بدلوا بعدك «4» .. فأقول: فسحقا «5» فسحقا» وروى أنس «6» أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال «7» : «فمن رغب «8» عن سنتي فليس مني..» # وقال «9» «من أدخل «10» في أمرنا ما ليس منه فهو رد «11» » . # وروى ابن أبي «12» رافع عن أبيه «13» عن «14» النبي صلى الله عليه وسلم ~~PageV02P037 # قال «1» «لا ألقين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت ~~به أو نهيت عنه فيقول: لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه..» # زاد «2» في الحديث المقدام «3» ألا وإن ما حرم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مثل ما حرم الله «4» . # وقال صلى الله عليه وسلم «5» وجيء بكتاب في كتف «6» «كفى بقوم حمقا أو ~~قال- ضلالا «7» - أن يرغبوا عما جاء به نبيهم أو كتاب غير كتابهم.. فنزلت ~~«أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم» » # الاية. PageV02P038 # وقال صلى الله عليه وسلم «1» : «هلك المتنطعون «2» .» # وقال أبو بكر «3» الصديق رضي الله عنه «4» : لست تاركا شيئا كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا عملت به.. إني أخشى إن تركت شيئا من ~~أمره أن أزيغ «5» . PageV02P039 ### || الباب الثاني في لزوم محبته صلى الله عليه وسلم وفيه ستة فصول # PageV02P041 ### ||| الفصل الأول لزوم محبته صلى الله عليه وسلم # قال الله تعالى: «قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم ~~وأموال اقترفتموها.» «1» الآية فكفى بهذا حضا وتنبيها ودلالة وحجة على ~~التزام محبته ووجوب فرضها، وعظم خطرها، واستحقاقه لها صلى الله عليه وسلم، ms211 ~~إذ قرع الله تعالى من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله ~~وأوعدهم بقوله تعالى «فتربصوا حتى يأتي الله بأمره» ثم فسقهم بتمام الآية ~~وأعلمهم أنهم ممن ضل ولم يهده الله. # عن أنس «2» رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «3» : ~~PageV02P043 # «لا يؤمن أحدكم «1» حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين» . # وعن أبي هريرة «2» رضي الله عنه: نحوه «3» . # وعن أنس «4» عنه صلى الله عليه وسلم «5» : «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة ~~الإيمان: # - أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما «6» سواهما. # - وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله. # - وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار وعن عمر «7» بن ~~الخطاب رضي الله عنه «8» : أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم لأنت أحب إلي ~~من كل شيء إلا نفسي التي بين جنبي.. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لن ~~يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه.. # فقال عمر: والذي أنزل عليك الكتاب لأنت أحب إلي من نفسي التي بين جنبي.. ~~فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: الآن يا عمر» . PageV02P044 # قال سهل «1» : من لم ير ولاية الرسول عليه في جميع الأحوال ويرى نفسه في ~~ملكه صلى الله عليه وسلم لا يذوق حلاوة سنته.. لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب اليه من نفسه..» الحديث PageV02P045 ### ||| الفصل الثاني ثواب محبته صلى الله عليه وسلم # عن أنس «1» رضي الله عنه: أن «2» رجلا «3» أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: # متى الساعة يا رسول الله؟ .. قال: ما أعددت لها؟ .. قال: # ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة.. ولكني أحب الله ورسوله.. ~~قال: أنت مع من أحببت «4» » . PageV02P046 # وعن صفوان «1» بن قدامة: هاجرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأتيته.. # فقلت: يا رسول الله.. ناولني يدك أبايعك.. فناولني يده فقلت: يا رسول ~~الله إني أحبك.. قال: المرء مع من أحب «2» .» # وروى هذا اللفظ «3» عن النبي صلى ms212 الله عليه وسلم عبد الله «4» بن مسعود ~~وأبو موسى «5» وأنس «6» .. وعن أبي ذر «7» بمعناه. # وعن علي «8» : «أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيد حسن وحسين فقال «9» ~~من أحبني وأحب هذين وأباهما وأمهما كان معي في درجتي يوم القيامة «10» ..» ~~PageV02P047 # وروي» # أن رجلا «2» «أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله لأنت أحب ~~إلي من أهلي ومالي.. وإني لأذكرك فما أصبر حتى أجيء فأنظر إليك.. وإني ذكرت ~~موتي وموتك فعرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين وإن دخلتها لا أراك.. # فأنزل الله تعالى» ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم ~~من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا» «3» .. فدعا به ~~فقرأها عليه. # وفي حديث آخر «4» «كان رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إليه لا ~~يطرف فقال: ما بالك؟ قال «5» : بأبي أنت وأمي أتمتع من النظر إليك فإذا كان ~~يوم القيامة رفعك الله بتفضيله..» فأنزل الله الآية «6» .. # وفي حديث «7» أنس «8» رضي الله عنه: «من أحبني كان معي في الجنة..» ~~PageV02P048 ### ||| الفصل الثالث ما روي عن السلف والأئمة من محبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم وشوقهم له # عن أبي هريرة «1» رضي الله عنه أن رسول الله قال «2» : «من أشد أمتي لي ~~حبا ناس يكونون بعدي.. يود أحدهم لو رآني بأهله وماله..» # ومثله عن أبي ذر «3» . وتقدم حديث عمر «4» رضي الله عنه وقوله للنبي صلى ~~الله عليه وسلم «لأنت أحب إلي من نفسي» وما تقدم عن الصحابة «5» في مثله ~~وعن عمرو بن العاص «6» رضي الله عنه «ما كان PageV02P049 # أحد أحب إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم «1» » # وعن عبدة «2» بنت خالد بن معدان قالت: ما كان خالد «3» يأوي إلى فراش ~~إلا، هو يذكر من شوقه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أصحابه من ~~المهاجرين والأنصار يسميهم ويقول: هم أصلي «4» وفصلي وإليهم يحن قلبي.. طال ~~شوقي إليهم.. فعجل رب اقبضي إليك.. حتى يغلبه النوم..» # وروي عن أبي بكر «5» رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى ms213 الله عليه وسلم «6» ~~: # والذي بعثك بالحق لإسلام أبي طالب كان أقر «7» لعيني من إسلامه ~~PageV02P050 # - يعني أباه أبا قحافة «1» - وذلك أن إسلام أبي طالب كان أقر لعينك.. ~~ونحوه «2» عن عمر «3» بن الخطاب قال للعباس «4» : # أن تسلم أحب إلي أن يسلم الخطاب لأن ذلك أحب إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # وعن ابن إسحق «5» أن امرأة من الأنصار «6» قتل أبوها وأخوها وزوجها يوم ~~أحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: ما فعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم؟. قالوا: خيرا هو بحمد الله كما تحبين.. قالت: # أرنيه حتى أنظر إليه.. فلما رأته قالت: كل مصيبة بعدك «7» جلل «8» . # وسئل «9» علي بن أبي طالب «10» رضي الله عنه.. كيف كان PageV02P051 # حبكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟. قال: كان والله أحب إلينا من ~~أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمإ.. # وعن «1» زيد» # بن أسلم خرج عمر «3» رضي الله عنه ليلة يحرس الناس «4» فرأى مصباحا في ~~بيت عجوز «5» تنفش صوفا وتقول «6» # على محمد صلاة الأبرار ... صلى عليه الطيبون الأخيار # قد كنت قواما بكا «7» بالأسحار ... يا ليت شعري «8» والمنايا أطوار «9» # هل تجمعني وحبيبي الدار # !! تعني- النبي صلى الله عليه وسلم- فجلس عمر «10» رضي الله عنه يبكي وفي ~~الحكاية طول «11» .. PageV02P052 # وروي «1» : أن عبد الله «2» بن عمر خدرت «3» رجله.. فقيل له: اذكر أحب ~~الناس إليك يزل عنك.. فصاح يا محمداه فانتشرت «4» . # ولما احتضر «5» بلال «6» رضي الله عنه نادت امرأته «7» : # واحزناه.. فقال: واطرباه.. غدا ألقى الأحبه محمدا وحزبه «8» . # ويروى «9» أن امرأة قالت لعائشة «10» رضي الله عنها: اكشفي لي قبر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم.. فكشفته لها فبكت حتى ماتت.. # ولما أخرج «11» أهل مكة زيد «12» بن الدثنة من الحرم ليقتلوه. ~~PageV02P053 # قال له أبو سفيان «1» ابن حرب: أنشدك «2» الله يا زيد «3» .. # أتحب أن محمدا الآن عندنا مكانك يضرب عنقه وأنك في أهلك.. # فقال زيد «3» : والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه ~~شوكة وإني جالس في أهلي فقال أبو سفيان: ما رأيت من الناس ms214 أحدا يحب أحدا ~~كحب أصحاب محمد محمدا. # وعن «4» ابن عباس كانت المرأة «5» إذا أتت النبي صلى الله عليه وسلم ~~حلفها بالله ما خرجت من بغض زوج ولا رغبة بأرض عن أرض، وما خرجت إلا حبا ~~لله ورسوله. # ووقف ابن عمر «6» على ابن الزبير «7» رضي الله عنهما بعد قتله ~~PageV02P054 # فاستغفر له وقال «1» كنت والله فيما «2» علمت- صواما قواما تحب الله ~~ورسوله «3» . PageV02P055 ### ||| الفصل الرابع علامة محبته صلى الله عليه وسلم # اعلم أن من أحب شيئا آثره وآثر موافقته وإلا لم يكن صادقا في حبه، وكان ~~مدعيا» # .. # فالصادق في حب النبي صلى الله عليه وسلم من تظهر علامة ذلك عليه.. # 1- # وأولها الاقتداء به واستعمال سنته واتباع أقواله وأفعاله وامتثال أوامره ~~واجتناب نواهيه والتأدب «2» بآدابه في عسره ويسره ومنشطه «3» ومكرهه # وشاهد هذا قوله تعالى: «قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله» «4» ~~. PageV02P056 # 2- # وإيثار ما شرعه وحض عليه على هوى نفسه وموافقة شهوته. # قال الله تعالى: «والذين تبوؤا الدار والإيمان «1» من قبلهم يحبون من ~~هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان ~~بهم خصاصة» «2» . # 3- # وإسخاط العباد في رضا الله تعالى. # قال أنس «3» بن مالك رضي الله عنه «4» : قال لي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «يا بني إن قدرت أن تصبح وتمسي ليس في قلبك غش لأحد فافعل» .. ثم قال ~~لي: «يا بني وذلك من سنتي ومن أحيا سنتي فقد أحبني.. ومن أحبني كان معي في ~~الجنة» . فمن اتصف لهذه الصفة فهو كامل المحبة لله ومن خالفها في بعض هذه ~~الأمور فهو ناقص المحبة ولا يخرج عن اسمها. # ودليله قوله صلى الله عليه وسلم «5» : للذي «6» حده في الخمر فلعنه بعضهم ~~«7» PageV02P057 # وقال: ما أكثر ما يؤتى به!! .. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تلعنه ~~فإنه يحب الله ورسوله «1» » . # 4- # ومن علامات محبة النبي صلى الله عليه وسلم كثرة ذكره له «2» .. فمن أحب ~~شيئا أكثر من ذكره.. # 5- # ومنها كثرة شوقه إلى لقائه.. فكل حبيب يحب لقاء حبيبه «3» . # وفي حديث الأشعريين «4» عند قدومهم ms215 المدينة أنهم كانوا يرتجزون (غدا نلقى ~~الأحبة محمدا وصحبه) وتقدم قول بلال «5» . # ومثله قال عمار «6» قبل قتله «7» .. PageV02P058 # وما ذكرناه من قصة خالد «1» بن معدان. # 6- # ومن علاماته مع كثرة ذكره تعظيمه له وتوقيره عند ذكره، وإظهار الخشوع ~~والانكسار مع سماع اسمه. # وقال إسحق «2» التجيبي: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعده لا ~~يذكرونه إلا خشعوا واقشعرت جلودهم وبكوا.. وكذلك كثير من التابعين منهم من ~~يفعل ذلك محبة له وشوقا إليه.. ومنهم من يفعله تهيبا وتوقيرا. # 7- # ومنها محبته لمن أحب النبي صلى الله عليه وسلم، ومن هو بسببه من آل بيته ~~وصحابته «3» من المهاجرين والأنصار.. وعداوة من عاداهم وبغض من أبغضهم ~~وسبهم.. فمن أحب شيئا أحب من يحب.. # وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحسن والحسين «4» : «اللهم إني أحبهما ~~فأحبهما» وفي رواية في الحسن «اللهم إني أحبه فأحب من يحبه» . PageV02P059 # وقال: «من أحبهما فقد أحبني. ومن أحبني فقد أحب الله. # ومن أبغضهما فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله.» # وقال «1» : «الله الله في أصحابي.. لا تتخذوهم غرضا «2» بعدي فمن أحبهم ~~فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني.. ومن آذاني فقد ~~آذى الله.. ومن آذى الله يوشك أن يأخذه «3» » . # وقال «4» في فاطمة «5» رضي الله عنها: «إنها بضعة مني، يغضبني ما أغضبها» ~~. # وقال «6» لعائشة «7» في أسامة «8» بن زيد: «أحبيه فإني أحبه.» # وقال «9» : «آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغضهم» . # وفي حديث «10» ابن عمر: 1» # «من أحب العرب فبحبي أحبهم ومن PageV02P060 # أبغضهم فببغضي أبغضهم «فبالحقيقة من أحب شيئا أحب كل شيء يحبه، وهذه سيرة ~~السلف حتى في المباحات وشهوات النفس. # وقد قال أنس «1» حين رأى النبي صلى الله عليه وسلم يتتبع الدباء «2» من ~~حوالي القصعة «3» .. «فما زلت أحب الدباء من يومئذ «4» » . # وهذا الحسن بن «5» علي، وعبد الله «6» بن عباس وابن «7» جعفر أتوا سلمى ~~«8» وسألوها أن تصنع لهم طعاما مما كان يعجب رسول PageV02P061 # الله صلى الله عليه وسلم «1» . وكان ابن عمر «2» يلبس النعال «3» السبتية ~~«4» ويصبغ بالصفرة «5» إذ رأى النبي صلى الله عليه ms216 وسلم يفعل نحو ذلك. # 6- # ومنها بغض من أبغض الله ورسوله ومعاداة من عاداه ومجانبة من خالف سنته ~~وابتدع في دينه، واستثقاله كل أمر «6» يخالف شريعته # قال تعالى: «لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ~~ورسوله..» «7» # وهؤلاء أصحابه صلى الله عليه وسلم قد قتلوا «8» أحباءهم وقاتلوا آباءهم ~~وأبناءهم في مرضاته «9» .. PageV02P062 # وقال له عبد الله «1» بن عبد الله بن أبي: «لو شئت لأتيتك برأسه» - يعني ~~أباه «2» - # 8- # ومنها أن يحب القرآن الذي أتى به صلى الله عليه وسلم وهدى به واهتدى ~~وتخلق به.. # حتى قالت عائشة «3» رضي الله عنها: «كان خلقه القرآن «4» » . # - وحبه للقرآن تلاوته والعمل به وتفهمه ويحب سنته ويقف عند حدودها. # قال سهل «5» بن عبد الله علامة حب الله: «حب القرآن.. وعلامة حب القرآن ~~حب النبي صلى الله عليه وسلم،.. وعلامة حب النبي صلى الله عليه وسلم حب ~~السنة.. وعلامة حب السنة حب الآخرة.. وعلامة حب الآخرة بغض الدنيا.. وعلامة ~~بغض الدنيا ألا يدخر منها إلا زادا «6» PageV02P063 # وبلغة إلى الآخرة» وقال «1» ابن مسعود «2» : «لا يسأل أحد عن نفسه إلا ~~القرآن فإن كان يحب القرآن فهو يحب الله ورسوله» . # ومن علامات حبه للنبي صلى الله عليه وسلم: # 9- # شفقته على أمته ونصحه لهم وسعيه في مصالحهم ورفع المضار عنهم، كما كان ~~صلى الله عليه وسلم عليه وسلم بالمؤمنين رؤوفا رحيما.. # ومن علامة تمام محبته: # 10- # زهد مدعيها في الدنيا وإيثاره الفقر واتصافه به «3» . # وقد قال صلى الله عليه وسلم «4» لأبي سعيد الخدري «5» : «إن الفقر إلى من ~~يحبني منكم أسرع من السيل «6» من أعلى الوادي «7» - أو الجبل إلى أسفله» # وفي حديث عبد الله بن مغفل «8» . قال رجل» # للنبي صلى الله عليه وسلم: # يا رسول الله إني أحبك.. فقال: انظر ما تقول.. قال: PageV02P064 # والله إني أحبك- ثلاث مرات- قال: إن كنت تحبني فأعد للفقر تجفافا «1» ثم ~~ذكر نحو حديث «2» أبي سعيد «3» بمعناه. PageV02P065 ### ||| الفصل الخامس معنى المحبة للنبي صلى الله عليه وسلم وحقيقتها # اختلف الناس في تفسير محبة الله ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم. ms217 وكثرت ~~عباراتهم في ذلك، وليست ترجع بالحقيقة «1» إلى اختلاف مقال، ولكنها اختلاف ~~أحوال «2» . # فقال سفيان «3» : «المحبة اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم» .. كأنه ~~التفت إلى قوله تعالى: «قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني» «4» الآية. # وقال بعضهم: «محبة الرسول اعتقاد نصرته والذب «5» عن سنته، والانقياد ~~لها، وهيبة مخالفته» . PageV02P066 # وقال بعضهم: «المحبة دوام الذكر للمحبوب» . # وقال آخر: «إيثار المحبوب» . # وقال بعضهم: «المحبة الشوق إلى المحبوب» . # وقال بعضهم: «المحبة مواطأة «1» القلب لمراد الرب يحب ما أحب «2» ويكره ~~ما كره «3» » . # وقال آخر: «المحبة ميل القلب إلى موافق له» . # وأكثر العبارات المتقدمة إشارة إلى ثمرات المحبة دون حقيقتها وحقيقة ~~المحبة الميل إلى ما يوافق الإنسان وتكون موافقته له إما لا ستلذاذه ~~بإدراكه كحب الصور الجميلة والأصوات الحسنة والأطعمة والأشربة اللذيذة ~~وأشباهها مما كل طبع سليم مائل إليها لموافقتها له ولاستلذاذه بإدراكه ~~بحاسة عقله وقلبه معاني باطنة شريفة كحب الصالحين والعلماء وأهل المعروف. ~~والمأثور عنهم السير الجميلة والأفعال الحسنة.. فإن طبع الإنسان مائل إلى ~~الشغف «4» بأمثال PageV02P067 # هؤلاء حتى يبلغ التعصب بقوم لقوم. والتشيع من أمة في آخرين ما يؤدي إلى ~~الجلاء عن الأوطان، وهتك «1» الحرم، واخترام «2» النفوس.. أو يكون حبه إياه ~~لموافقته له من جهة إحسانه له، وإنعامه عليه.. فقد جبلت «3» النفوس على حب ~~من أحسن إليها «4» .. فإذا تقرر لك هذا نظرت لهذه الأسباب كلها في حقه صلى ~~الله عليه وسلم فعلمت أنه صلى الله عليه وسلم جامع لهذه المعاني الثلاثة ~~الموجبة للمحبة. # أما جمال الصورة والظاهر، وكمال الأخلاق والباطن، فقد قررنا منها قبل ~~فيما مر من الكتاب ما لا يحتاج إلى زيادة.. # وأما إحسانه وإنعامه على أمته فكذلك قد مر منه في أوصاف الله تعالى له من ~~رأفته بهم، ورحمته لهم، وهدايته إياهم، وشفقته عليهم، واستنقاذهم به من ~~النار، «وأنه بالمؤمنين رؤف رحيم» «5» .. # و «رحمة للعالمين» «6» ، «ومبشرا ونذيرا، وداعيا «7» إلى الله بإذنه» «8» ~~، PageV02P068 # «يتلوا عليهم آياته ويزكيهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة» «1» ، «ويهديهم إلى ~~صراط مستقيم» «2» .. # فأي إحسان أجل قدرا، وأعظم خطرا «3» ، من إحسانه إلى جميع المؤمنين!! وأي ms218 ~~إفضال أعم منفعة وأكثر فائدة من إنعامه إلى كافة «4» المسلمين!!. إذ كان ~~ذريعتهم «5» إلى الهداية، ومنقذهم من العماية «6» ، وداعيهم إلى الفلاح ~~والكرامة، ووسيلتهم إلى ربهم، وشفيعهم، والمتكلم عنهم، والشاهد لهم، ~~والموجب لهم البقاء الدائم والنعيم السرمد «7» . # فقد استبان لك أنه صلى الله عليه وسلم مستوجب للمحبة الحقيقية شرعا بما ~~قدمناه من صحيح الآثار، وعادة وجبلة بما ذكرناه آنفا «8» لإفاضة الإحسان ~~وعموم الإجمال «9» . PageV02P069 # فإذا كان الإنسان يحب من منحه في دنياه مرة أو مرتين معروفا أو استنقذه ~~من هلكة «1» . أو مضرة «2» مدة، التأذي بها قليل منقطع.. فمن منحه ما لا ~~يبيد من النعيم ووقاه ما لا يفنى من عذاب الجحيم أولى بالحب، وإذا كان يحب ~~بالطبع ملك لحسن سيرته، أو حاكم لما يؤثر من قوام طريقته، أو قاص بعيد ~~الدار لما يشار من علمه أو كرم شيمته، فمن جمع هذه الخصال على غاية مراتب ~~الكمال أحق بالحب وأولى بالميل. # وقد قال علي» # رضي الله عنه في صفته «4» صلى الله عليه وسلم من رآه بديهة هابه.. ومن ~~خالطه معرفة أحبه وذكر عن بعض الصحابة «5» أنه كان لا يصرف بصره عنه محبة ~~فيه.. PageV02P070 ### ||| الفصل السادس وجوب مناصحته صلى الله عليه وسلم # قال الله تعالى: «ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ~~ورسوله، ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم» «1» . # قال أهل التفسير: «إذا نصحوا لله ورسوله» .. إذا كانوا مخلصين مسلمين في ~~السر والعلانية.. # عن تميم «2» الداري: قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الدين ~~«3» PageV02P071 # النصحية، إن الدين «1» النصيحة، إن الدين النصيحة.. قالوا: # لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله وأئمة المسلمين وعامتهم.» # قال أئمتنا «2» : «النصيحة لله ولرسوله وأئمة المسلمين وعامتهم واجبة «3» ~~» . # قال الإمام أبو «4» سليمان البستي: «النصيحة» كلمة يعبر بها عن جملة ~~إرادة الخير للمنصوح له، وليس يمكن أن يعبر عنها بكلمة واحدة تحصرها.. ~~ومعناها في اللغة «الإخلاص» من قولهم (نصحت العسل) إذا خلصته من شمعه. # وقال أبو بكر بن اسحق «5» الخفاف: «النصح» فعل الشيء ms219 PageV02P072 # الذي به الصلاح والملاءمة مأخوذ من «النصاح» «1» : وهو الخيط الذي يخاط ~~به الثوب. # وقال أبو إسحق «2» الزجاج نحوه.. # 1- # فنصيحة الله تعالى صحة الاعتقاد له بالوحدانية، ووصفه بما هو أهله.. ~~وتنزيهه عما لا يجوز عليه.. والرغبة في محابه «3» ، والبعد من مساخطه، ~~والإخلاص في عبادته.. # 2- # والنصيحة لكتابه الإيمان به، والعمل بما فيه وتحسين تلاوته.. والتخشع ~~عنده.. والتعظم له، وتفهمه، والتفقه فيه.. # والذب عنه من تأويل الغالين «4» .. وطعن الملحدين. # 3- # والنصيحة لرسوله، التصديق بنبوته، وبذل الطاعة له فيما أمر به ونهى عنه.. # قال أبو سليمان «5» وقال أبو بكر «6» وموازرته «7» ونصرته PageV02P073 # وحمايته حيا وميتا، وإحياء سنته بالطلب، والذب عنها ونشرها، والتخلق ~~بأخلاقه الكريمة، وآدابه الجميلة. # وقال أبو إبراهيم إسحق «1» النجيبي: «نصيحة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~التصديق بما جاء به والاعتصام بسنتا ونشرها والحض عليها، والدعوة إلى الله، ~~وإلى كتابه، وإلى رسوله، وإليها. وإلى العمل بها» . # قال أحمد «2» بن محمد: «من مفروضات القلوب اعتقاد النصيحة لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم» . # وقال أبو بكر الآجري «3» وغيره «النصح له يقتضي نصحين. # نصحا في حياته. ونصحا بعد مماته. # أ- ففي حياته.. نصح أصحابه له بالنصر، والمحاماة عنه، ومعاداة من عاداه، ~~والسمع والطاعة له.. وبذل النفوس والأموال دونه.. كما قال تعالى «رجال ~~صدقوا ما عاهدوا الله عليه» «4» الاية. PageV02P074 # وقال: «وينصرون الله ورسوله» «1» الاية. # ب- وأما نصيحة المسلمين له بعد وفاته، فالتزام التوقير والإجلال، وشدة ~~المحبة له، والمثابرة على تعلم سنته، والتفقه في شريعته، ومحبة آل بيته ~~وأصحابه، ومجانبة من رغب عن سنته وانحرف عنها، وبغضه والتحذير منه والشفقة ~~على أمته، والبحث عن تعرف أخلاقه وسيره وآدابه.. والصبر على ذلك. # فعلى ما ذكره، تكون النصيحة إحدى ثمرات المحبة، وعلامة من علاماتها كما ~~قدمناه.. # وحكى الإمام أبو القاسم «2» القشيري: أن عمرو بن الليث «3» أحد ملوك ~~خراسان ومشاهير الثوار المعروف بالصفار «4» رؤي في PageV02P075 # النوم «1» ، فقيل له: ما فعل الله بك؟!. فقال: غفر لي فقيل: # بماذا؟ .. قال: صعدت «2» ذروة جبل يوما فأشرفت على جنودي فأعجبتني كثرتهم ~~فتمنيت أني حضرت رسول الله صلى الله ms220 عليه وسلم فأعنته ونصرته.. فشكر الله ~~لي ذلك وغفر لي. # 4- # وأما النصح لأئمة المسلمين فطاعتهم في الحق ومعونتهم فيه وأمرهم به، ~~وتذكيرهم إياه على أحسن وجه، وتنبيههم على ما غفلوا عنه وكتم عنه من أمور ~~المسلمين، وترك الخروج عليهم وتضريب «3» الناس وإفساد قلوبهم عليهم.. # 5- # والنصح لعامة المسلمين، إرشادهم إلى مصالحهم، ومعونتهم في أمر دينهم ~~ودنياهم بالقول والفعل، وتنبيه غافلهم، وتبصير جاهلهم، ورفد «4» محتاجهم، ~~وستر عوراتهم، ودفع المضار عنهم، وجلب المنافع إليهم.. PageV02P076 ### || الباب الثالث في تعظيم أمره ووجوب توقيره وبره وفيه سبعة فصول # PageV02P077 ### ||| الفصل الأول ما ورد في ذلك # قال الله تعالى: «يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا ~~بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه» «1» . # وقال: «يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله» «2» و «يا ~~أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي» الثلاث آيات. # وقال تعالى: «لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا» » # فأوجب تعالى تعزيره وتوقيره.. وألزم إكرامه وتعظيمه PageV02P079 # قال ابن عباس «1» : «تعزروه» تجلوه. # وقال المبرد «2» : «تعزروه» تبالغوا في تعظيمه. # وقال الأخفش «3» : تنصرونه. # وقال الطبري «4» : تعينونه. وقرىء «5» : «تعززوه» بزائين من العز ونهي عن ~~التقدم بين يديه بالقول وسوء الأدب بسبقه بالكلام على قول ابن عباس «1» ~~وغيره وهو اختيار ثعلب «6» . PageV02P080 # قال سهل بن عبد الله «1» : لا تقولوا قبل أن يقول.. وإذا قال فاستمعوا له ~~وأنصتوا.. ونهوا عن التقدم والنعجل بقضاء أمر قبل قضائه فيه، وأن يفتاتوا ~~«2» بشيء في ذلك من قتال أو غيره من أمر دينهم إلا بأمره، ولا يسبقوه به ~~وإلى هذا يرجع قول الحسن «3» مجاهد «4» والضحاك «5» والسدي «6» والثوري «7» ~~ثم وعظهم وحذرهم مخالفة ذلك فقال «واتقوا الله إن الله سميع عليم» «8» قال ~~الماوردي «9» «اتقوه» يعني في التقدم. # وقال السلمي «10» : «اتقوا الله» في إهمال حقه، وتضييع حرمته، إنه سميع ~~لقولكم عليم بفعلكم ثم نهاهم عن رفع الصوت فوق صوته والجهر له بالقول كما ~~يجهر بعضهم لبعض ويرفع صوته.. # وقيل كما ينادي بعضهم بعضا باسمه. PageV02P081 # قال أبو محمد مكي «1» : أي لا تسابقوه بالكلام وتغلظوا له بالخطاب، ms221 ولا ~~تنادوه باسمه نداء بعضكم لبعض، ولكن عظموه ووقروه ونادوه بأشرف ما يحب أن ~~ينادى به: يا رسول الله: # يا نبي الله. # وهذا كقوله في الآية الأخرى: «لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم ~~بعضا» «2» وعلى أحد التأويلين. # وقال غيره لا تخاطبوه إلا مستفهمين «3» ، ثم خوفهم الله تعالى بحبط ~~أعمالهم ان هم فعلوا ذلك.. وحذرهم منه. # قيل: نزلت الآية في وفد بني تميم «4» . # وقيل: في غيرهم.. أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فنادوه.. يا محمد يا ~~محمد. اخرج إلينا. فذمهم الله تعالى بالجهل، ووصفهم بأن أكثرهم لا يعقلون. ~~PageV02P082 # وقيل: نزلت الآية الأولى في محاورة كانت بين أبي بكر «1» وعمر «2» بين ~~يدي النبي صلى الله عليه وسلم واختلاف جرى بينهما حتى ارتفعت أصواتهما «3» ~~. # وقيل: نزلت «4» في ثابت «5» بن قيس بن شماس خطيب النبي صلى الله عليه ~~وسلم في مفاخرة بني تميم، وكان في أذنيه صمم.. فكان يرفع صوته. # فلما نزلت هذه الآية أقام في منزله وخشي أن يكون حبط عمله.. # ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبي الله، لقد خشيت أن أكون ~~هلكت.. نهانا الله أن نجهر بالقول.. وأنا امرؤ جهير الصوت. # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا ثابت.. أما ترضى أن تعيش حميدا وتقتل ~~شهيدا وتدخل الجنة..» فقتل يوم اليمامة «6» . # وروي «7» أن أبا بكر «1» لما نزلت هذه الاية قال: والله PageV02P083 # يا رسول الله لا أكلمك بعدها إلا كأخي السرار «1» .. # وأن عمر كان إذا حدثه كأخي السرار ما كان يسمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعد هذه الآية حتى يستفهمه فأنزل الله تعالى فيهم: # «إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم ~~للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم» «2» # وقيل: نزلت «إن الذين ينادونك من وراء الحجرات» «3» في غير بني تميم.. ~~نادوه باسمه. # وروى «4» صفوان بن عسال» # بينا «6» النبي صلى الله عليه وسلم في سفر اذ ناداه أعرابي بصوت له جهوري ~~أيا محمد، أيا محمد، أيا محمد «7» .. # فقلنا له: اغضض من صوتك فإنك قد ms222 نهيت عن رفع الصوت.. # وقال الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا PageV02P084 # «1» راعنا «2» » قال بعض المفسرين: هي لغة كانت في الأنصار نهوا عن قولها ~~تعظيما للنبي صلى الله عليه وسلم وتبجيلا له.. لأن معناها ارعنا نرعك فنهوا ~~عن قولها إذ مقتضاها كأنهم لا يرعونه إلا برعايته لهم.. # بل حقه أن يرعى على كل حال.. # وقيل: كانت اليهود تعرض بها للنبي صلى الله عليه وسلم بالرعونة «3» فنهي ~~المسلمون عن قولها قطعا للذريعة «4» ، ومنعا للتشبه بهم في قولها لمشاركة ~~اللفظة وقيل: غير هذا. PageV02P085 ### ||| الفصل الثاني عادة الصحابة في تعظيمه وتوقيره وإجلاله صلى الله عليه وسلم # عن عمرو بن العاص «1» قال «2» : وما كان أحد أحب إلي من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولا أجل في عيني منه.. وما كنت أطيق أن أملأ عيني «3» منه ~~إجلالا له.. ولو سئلت «4» أن أصفه ما أطقت لأني لم أكن أملأ عيني منه. # وروى الترمذي «5» عن أنس «6» : «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يخرج على أصحابه من المهاجرين والأنصار وهم جلوس، فيهم أبو بكر، وعمر.. فلا ~~يرفع أحد منهم إليه بصره إلا أبو بكر وعمر PageV02P086 # فإنهما كانا ينظران إليه وينظر إليهما، ويتبسمان إليه ويتبسم لهما «1» . # وروى أسامة «2» بن شريك قال «3» : «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه حوله كأنما على رؤوسهم الطير.. # وفي حديث صفته «4» : إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير. # وقال عروة «5» بن مسعود حين «6» وجهته قريش عام القضية «7» إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ورأى من تعظيم أصحابه له ما رأى، وأنه لا يتوضأ إلا ~~ابتدروا «8» وضوءه وكادوا يقتتلون عليه.. ولا يبصق بصاقا ولا يتنخم «9» ~~نخامة إلا تلقوها بأكفهم فدلكوا «10» PageV02P087 # بها وجوههم وأجسادهم، ولا تسقط منه شعرة إلا ابتدروها.. # وإذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره.. وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون ~~«1» إليه النظر تعظيما له، فلما رجع إلى قريش قال: يا معشر قريش إني جئت ~~كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه.. وإني والله ما رأيت ملكا ms223 ~~في قوم قط مثل محمد في أصحابه.. # وفي رواية «2» إن «3» رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم محمدا أصحابه.. ~~وقد رأيت قوما لا يسلمونه أبدا «4» . # وعن «5» أنس «6» : لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحلاق «7» ~~يحلقه.. وأطاف به أصحابه، فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل. # ومن هذا: لما أذنت قريش لعثمان في الطواف بالبيت حين PageV02P088 # وجهه النبي صلى الله عليه وسلم إليهم في القضية «1» أبى وقال: «ما كنت ~~لأفعل حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم» «2» . # وفي حديث» # طلحة «4» : «أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لأعرابي جاهل: ~~سله عمن قضى نحبه «5» - وكانوا يهابونه ويوقرونه. # فسأله فأعرض عنه. إذ طلع طلحة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # «هذا ممن قضى نحبه» . # وفي حديث «6» قيلة «7» : «فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~PageV02P089 # جالسا القرفصاء «1» أرعدت «2» من الفرق «3» وذلك هيبة له وتعظيما» # وفي حديث «4» المغيرة «5» : «كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقرعون بابه بالأظافير «6» .» # وقال «7» البراء بن عازب «8» : «لقد كنت أريد أن أسأل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن الأمر فأؤخر «9» سنين «10» من هيبته» . # *** PageV02P090 ### ||| الفصل الثالث حرمته وتوقيره صلى الله عليه وسلم # واعلم أن حرمة النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته وتوقيره وتعظيمه لازم ~~كما كان حال حياته.. وذلك عند ذكره صلى الله عليه وسلم، وذكر حديثه وسنته، ~~وسماع اسمه وسيرته، ومعاملة آله وعترته «1» ، وتعظيم أهل بيته وصحابته. # قال أبو إبراهيم «2» التجيبي «3» : «واجب على كل مؤمن متى ذكره أو ذكر ~~عنده أن يخضع ويخشع، ويتوقر ويسكن من حركته، ويأخذ في هيبته وإجلاله بما ~~كان يأخذ به نفسه لو كان بين يديه.. ويتأدب بما أدبنا الله به. PageV02P091 # قال القاضي أبو الفضل «1» : «وهذه كانت سيرة سلفنا الصالح وأئمتنا ~~الماضين رضي الله عنهم» . # قال أبو حميد «2» : ناظر أبو جعفر «3» أمير المؤمنين مالكا «4» في مسجد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له مالك «4» : «يا أمير المؤمنين لا ~~ترفع صوتك في هذا ms224 المسجد، فإن الله تعالى أدب قوما فقال: «لا ترفعوا ~~أصواتكم فوق صوت النبي «5» » الآية. ومدح قوما فقال: # «إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله «6» » الآية وذم قوما فقال: «إن ~~الذين ينادونك.. «7» » الآية. وإن حرمته ميتا كحرمته حيا.. فاستكان «8» لها ~~أبو جعفر «3» وقال: «يا أبا عبد الله «9» .. أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم» فقال: «ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة ~~أبيك آدم عليه السلام إلى الله تعالى يوم القيامة!! بل استقبله «10» ~~واستشفع PageV02P092 # به فيشفعه الله» .. قال الله تعالى: «ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم» «1» ~~الآية. وقال مالك «2» وقد سئل عن أيوب «3» السختياني: «ما حدثتكم عن أحد ~~إلا وأيوب أفضل منه» .. قال: «وحج حجتين فكنت أرمقه ولا أسمع منه.. غير أنه ~~كان إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى أرحمه.. فلما رأيت منه ما ~~رأيت وإجلاله للنبي صلى الله عليه وسلم كتبت عنه «4» » . # وقال مصعب «5» بن عبد الله: «كان مالك إذا ذكر «6» النبي صلى الله عليه ~~وسلم يتغير لونه وينحني حتى يصعب ذلك على جلسائه» . فقيل PageV02P093 # له يوما في ذلك فقال: «لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم علي ما ترون» . # ولقد كنت أرى محمد بن المنكدر «1» وكان سيد القراء، لا نكاد نسأله عن ~~حديث أبدا إلا يبكي حتى نرحمه.. ولقد كنت أرى جعفر بن محمد «2» .. وكان ~~كثير الدعابة والتبسم فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم اصفر وما ~~رأيته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على طهارة.. ولقد اختلفت ~~إليه زمانا، فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال.. إما مصليا وإما صامتا، وإما ~~يقرأ القرآن.. ولا يتكلم فيما لا يعنيه.. وكان من العلماء والعباد الذين ~~يخشون الله عز وجل.. # ولقد كان عبد الرحمن بن القاسم «3» يذكر النبي صلى الله عليه وسلم فينظر ~~إلى لونه كأنه نزف منه الدم، وقد جف لسانه في فمه هيبة منه لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم.. # ولقد كنت آتي عامر «4» بن عبد الله بن الزبير، فإذا ms225 ذكر PageV02P094 # عنده النبي صلى الله عليه وسلم بكى حتى لا يبقى في عينيه دموع. # ولقد رأيت الزهري «1» وكان من أهنإ الناس وأقربهم، فإذا ذكر عنده النبي ~~صلى الله عليه وسلم فكأنه ما عرفك ولا عرفته. # ولقد كنت آتي صفوان «2» بن سليم، وكان من المتعبدين المجتهدين فإذا ذكر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بكى فلا يزال يبكي حتى يقوم الناس عنه ويتركوه. # وروي عن قتادة «3» : «أنه كان إذا سمع الحديث أخذه العويل «4» والزويل ~~«5» » . ولما كثر على مالك الناس قيل له: «لو جعلت مستمليا «6» يسمعهم» ~~فقال: (قال الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت ~~النبي» «7» وحرمته حيا وميتا سواء) . # وكان ابن سيرين «8» ربما يضحك.. فإذا ذكر عنده حديث PageV02P095 # النبي صلى الله عليه وسلم خشع. وكان عبد الرحمن «1» بن مهدي إذا قرأ حديث ~~النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالسكوت وقال: «لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت ~~النبي» .. ويتأول أنه يجب له من الإنصات عند قراءة حديثه ما يجب له عند ~~سماع قوله.. PageV02P096 ### ||| الفصل الرابع تعظيم السلف لرواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه # عن «1» عمرو بن ميمون «2» قال: «اختلفت إلى ابن مسعود «3» سنة فما سمعته ~~يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أنه حدث يوما فجرى على لسانه ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.. ثم علاه كرب حتى رأيت العرق يتحدر «4» ~~عن جبهته ثم قال: هكذا إن شاء الله أو فوق ذا أو ما هو قريب من ذا» «5» . # وفي رواية فتربد «6» وجهه. PageV02P097 # وفي رواية تغر غرت «1» عيناه وانتفخت أوداجه «2» . # وقال إبراهيم «3» بن عبد الله بن قريم الأنصاري قاضي المدينة: # «مر مالك «4» بن أنس على أبي حازم «5» وهو يحدث فجازه وقال: # إني لم أجد موضعا أجلس فيه.. فكرهت أن آخذ حديث رسول صلى الله عليه وسلم ~~وأنا قائم» . # وقال مالك «6» : (جاء رجل إلى ابن المسيب «7» فسأله عن حديث وهو مضطجع ~~فجلس وحدثه.. فقال له الرجل: «وددت أنك لم تتعن» «8» .. فقال: «إني كرهت أن ~~أحدثك عن ms226 رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مضطجع) .. PageV02P098 # وروي عن محمد بن سيرين «1» أنه قد يكون يضحك فإذا ذكر عنده حديث النبي ~~صلى الله عليه وسلم خشع. # وقال أبو مصعب «2» : كان مالك «3» بن أنس لا يحدث بحديث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلا وهو على وضوء إجلالا له. # وحكى مالك «3» ذلك عن جعفر «4» بن محمد وقال مصعب «5» بن عبد الله: «وكان ~~مالك بن أنس إذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ وتهيأ ولبس ~~ثيابه ثم يحدث» . قال مصعب «5» : فسئل عن ذلك فقال: «إنه حديث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم» .. # قال مطرف «6» : (كان إذا أتى الناس مالكا خرجت إليهم الجارية فتقول لهم: ~~يقول لكم الشيخ: تريدون الحديث أو المسائل؟ # فإن قالوا المسائل.. خرج إليهم وإن قالوا الحديث دخل مغتسله PageV02P099 # واغتسل وتطيب ولبس ثيابا جددا، ولبس ساجه «1» ، وتعمم، ووضع على رأسه ~~رداءه «2» ، وتلقى له منصة فيخرج فيجلس عليها وعليه الخشوع.. ولا يزال ~~يتبخر بالعود حتى يفرغ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم) . # قال غيره: «ولم يكن يجلس على تلك المنصة إلا إذا حدث عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم» . # قال ابن أبي أويس «3» : فقيل لمالك «4» في ذلك.. فقال: «إني أحب أن أعظم ~~حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحدث به إلا على طهارة متمكنا» . # قال: وكان يكره أن يحدث في الطريق أو وهو قائم أو مستعجل.. وقال: أحب أن ~~أفهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال ضرار «5» بن مرة: «وكانوا يكرهون أن يحدثوا على غير وضوء» . ~~PageV02P100 # ونحوه عن قتادة «1» . وكان الأعمش «2» إذا حدث وهو على غير وضوء تيمم.. # قال عبد الله بن المبارك «3» : (كنت عند مالك «4» وهو يحدثنا فلدغه عقرب ~~ست عشرة مرة وهو يتغير لونه ويصفر، ولا يقطع حديث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فلما فرغ من المجلس وتفرق عنه الناس قلت: «يا أبا عبد الله.. لقد رأيت ~~منك اليوم عجبا» قال: # نعم.. إنما صبرت إجلالا لحديث رسول ms227 الله صلى الله عليه وسلم) . # قال ابن مهدي «5» : (مشيت يوما مع مالك «4» إلى العقيق «6» .. # فسألته عن حديث فانتهرني وقال لي: «كنت في عيني أجل من أن تسأل عن حديث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نمشي» . # وسأله جرير بن عبد الحميد «7» القاضي عن حديث وهو قائم PageV02P101 # فأمر بحبسه.. فقيل له. إنه قاض!!! قال: القاضي: أحق من أدب.. وذكر أن ~~هشام بن الغازي «1» سأل مالكا عن حديث وهو واقف فضربه عشرين «2» سوطا، ثم ~~أشفق عليه فحدثه عشرين حديثا فقال هشام «1» : «وددت لو زادني سياطا ويزيدني ~~حديثا» . # قال عبد الله بن صالح: «3» «كان مالك «4» والليث «5» لا يكتبان الحديث ~~إلا وهما طاهران» .. # وكان قتادة «6» يستحب أن لا يقرأ أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم إلا ~~على PageV02P102 # وضوء ولا يحدث إلا على طهارة. # وكان الأعمش «1» إذا أراد أن يحدث وهو على غير وضوء تيمم. PageV02P103 ### ||| الفصل الخامس بر آله وذريته وأمهات المؤمنين # ومن توقيره صلى الله عليه وسلم وبره بر آله «1» وذريته وأمهات المؤمنين ~~أزواجه.. كما حض عليه صلى الله عليه وسلم وسلكه السلف الصالح رضي الله ~~عنهم.. # قال الله تعالى: «إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس «2» أهل البيت.» «3» ~~الاية. # وقال تعالى: «وأزواجه أمهاتهم «4» » . # عن زيد بن أرقم «5» رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~«6» : PageV02P104 # «أنشدكم الله أهل بيتي- ثلاثا- قلنا لزيد: من أهل بيته؟. قال: آل علي «1» ~~وآل جعفر «2» وآل عقيل «3» . وآل العباس «4» . # وقال صلى الله عليه وسلم «5» : «إني تارك فيكم ما إن أخذتم به لم تضلوا ~~كتاب الله وعترتي «6» أهل بيتي.. فانظروا كيف تخلفوني فيهما.» # وقال صلى الله عليه وسلم «7» «معرفة آل محمد صلى الله عليه وسلم براءة من ~~النار وحب آل محمد جواز على الصراط والولاية لال محمد أمان من العذاب «8» ~~.» PageV02P105 # قال بعض العلماء: «معرفتهم.. هي معرفة مكانهم من النبي صلى الله عليه ~~وسلم وإذا «1» عرفهم بذلك عرف وجوب حقهم وحرمتهم بسببه» وعن «2» عمر بن أبي ~~سلمة «3» : (لما نزلت «إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت..» «4» ~~الاية وذلك ms228 في بيت أم سلمة «5» دعا فاطمة «6» وحسنا «7» وحسينا «8» فجللهم ~~بكساء وعلي «9» خلف ظهره ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس ~~وطهرهم تطهيرا) .. # وعن سعد «10» بن أبي وقاص: لما «11» نزلت آية المباهلة «12» PageV02P106 # دعا النبي صلى الله عليه وسلم عليا وحسنا وحسينا وفاطمة.. وقال: «اللهم ~~هؤلاء أهلي» . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم «1» في علي: «من كنت مولاه فعلي «2» ~~مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه.» # وقال فيه «3» : «لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق.» # وقال «4» للعباس «5» : «والذي نفسي بيده لا يدخل قلب رجل الإيمان حتى ~~يحبكم لله ورسوله.. ومن آذى عمي فقد آذاني وإنما عم الرجل صنو «6» أبيه» . # وقال «7» للعباس: «اغد علي يا عم مع ولدك «8» .. فجمعهم PageV02P107 # وجللهم بملاءته «1» .. وقال: هذا عمي وصنوا أبي.. وهؤلاء أهل بيتي.. ~~فاسترهم من النار كستري إياهم..» فأمنت أسكفة «2» الباب وحوائط البيت آمين ~~آمين..» # وكان «3» يأخذ بيد أسامة «4» بن زيد والحسن «5» ويقول: # «اللهم إني أحبهما فأحبهما» . # وقال أبو بكر «6» رضي الله عنه: «ارقبوا محمدا في أهل بيته» . # وقال «7» أيضا: «والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أحب إلي أن أصل من قرابتي» . # وقال صلى الله عليه وسلم «8» : «أحب الله من أحب حسنا «9» . PageV02P108 # وقال «1» : «من أحبني وأحب هذين- وأشار إلى حسن وحسين- وأباهما وأمهما ~~كان معي في درجتي يوم القيامة..» # وقال صلى الله عليه وسلم «2» : «من أهان قريشا أهانه الله» . # وقال صلى الله عليه وسلم «3» : «قدموا قريشا ولا تقدموها «4» » . # وقال صلى الله عليه وسلم «5» لأم سلمة «6» : «لا تؤذيني في عائشة.» # وعن «7» عقبة بن الحارث «8» : «رأيت أبا بكر رضي الله عنه وجعل الحسن على ~~عنقه وهو يقول بأبي شبيه بالنبي ليس شبيها بعلي» وعلي رضي الله عنه يضحك. ~~PageV02P109 # وروي عن عبد الله «1» بن حسن بن حسين قال: «أتيت عمر «2» بن عبد العزيز ~~في حاجة.. فقال لي: «إذا كان لك حاجة فأرسل إلي أو اكتب فإني أستحيي من ~~الله أن يراك «3» على بابي» .. # وعن «4» الشعبي «5» قال: صلى زيد «6» بن ثابت على جنازة أمه «7» ثم ms229 قربت ~~له بغلته ليركبها فجاء ابن «8» عباس فأخذ بركابه فقال زيد خل عنك يا ابن عم ~~رسول الله.. فقال: هكذا نفعل بالعلماء.. فقبل زيد يد ابن عباس وقال: هكذا ~~أمرنا «9» أن نفعل بأهل بيت نبينا.. PageV02P110 # ورأى ابن «1» عمر محمد بن «2» أسامة بن زيد فقال «3» : ليت هذا عبدي «4» ~~فقيل له: هو محمد بن أسامة.. فطأطأ ابن عمر رأسه ونقر بيده الأرض وقال: لو ~~رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحبه.. # وقال «5» الأوزاعي «6» دخلت بنت «7» أسامة «8» بن زيد صاحب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على عمر بن «9» عبد العزيز ومعها مولى لها يمسك بيدها.. ~~فقام لها عمر ومشى إليها حتى جعل يديها بين يديه ويداه في ثيابه، ومشى بها ~~حتى أجلسها على مجلسه، وجلس بين يديها وما ترك لها حاجة «10» إلا قضاها. ~~PageV02P111 # ولما فرض «1» عمر بن «2» الخطاب لابنه عبد الله «3» في ثلاثة آلاف ~~ولأسامة «4» بن زيد في ثلاثة آلاف وخمسمئة. قال عبد الله لأبيه لم فضلته؟ ~~.. فوالله ما سبقني إلى مشهد.. فقال له: لأن زيدا «5» كان أحب إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من أبيك، وأسامة «6» أحب إليه منك، فآثرت حب «7» ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على حبي. # وبلغ «8» معاوية «9» أن كابس «10» بن ربيعة يشبه برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم.. فلما دخل عليه من باب الدار قام عن سريره وتلقاه وقبل بين ~~عينيه وأقطعه المرغاب «11» لشبهه صورة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~PageV02P112 # وروي أن مالكا «1» رحمه الله لما ضربه جعفر بن «2» سليمان، ونال منه ما ~~نال «3» ، وحمل مغشيا عليه، دخل عليه الناس فأفاق فقال «4» : أشهدكم أني ~~جعلت ضاربي في حل.. فسئل بعد ذلك فقال: خفت أن أموت فألقى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأستحي منه أن يدخل بعض آله النار بسببي. # وقيل: إن المنصور أقاده «5» من جعفر فقال له: أعوذ بالله، والله ما ارتفع ~~منها سوط عن جسمي إلا وقد جعلته في حل لقرابته من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # وقال أبو بكر «6» بن عياش: ms230 لو أتاني أبو بكر «7» PageV02P113 # وعمر «1» وعلي «2» لبدأت بحاجة علي قبلهما لقرابته من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. ولئن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أقدمهما عليه «3» . # وقيل «4» لابن عباس «5» . ماتت فلانة- لبعض «6» أزواج النبي صلى الله ~~عليه وسلم- فسجد فقيل له: أتسجد هذه الساعة؟. فقال: أليس قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم.. إذا رأيتم آية فاسجدوا.. وأي آية أعظم من ذهاب أزواج ~~النبي صلى الله عليه وسلم.. # وكان أبو بكر وعمر يزوران أم أيمن «7» مولاة النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويقولان: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها.. PageV02P114 # ولما وردت «1» حليمة «2» السعدية على النبي صلى الله عليه وسلم بسط لها ~~رداءه وقضى حاجتها.. فلما توفي وفدت على أبي بكر وعمر فصنعا بها مثل ذلك. ~~PageV02P115 ### ||| الفصل السادس توقير أصحابه وبرهم ومعرفة حقهم # ومن توقيره وبره صلى الله عليه وسلم توقير أصحابه وبرهم، ومعرفة حقهم، ~~والاقتداء بهم، وحسن الثناء عليهم، والاستغفار لهم، والإمساك عما شجر بينهم ~~«1» ومعاداة من عاداهم، والإضطراب عن أخبار المؤرخين، وجهلة الرواة، وضلال ~~الشيعة والمبتدعين القادحة في أحد منهم.. وأن يلتمس لهم فيما نقل عنهم من ~~مثل ذلك فيما كان بينهم من الفتن أحسن التأويلات «2» . ويخرج لهم أصوب ~~المخارج، إذهم أهل ذلك. ولا يذكر أحد منهم بسوء، ولا يغمص «3» عليه أمر.. ~~بل تذكر حسناتهم وفضائلهم وحميد سيرهم.. ويسكت عما وراء ذلك. PageV02P116 # كما قال صلى الله عليه وسلم «1» : «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا» . # قال الله تعالى: «محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء ~~بينهم.. «2» » إلى آخر السورة. # وقال «والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار «3» » وقال تعالى: «لقد ~~رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة «4» » . # وقال تعالى: رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه «5» » الاية. # عن حذيفة «6» قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «7» : «اقتدوا ~~PageV02P117 # بالذين من بعدي أبي بكر وعمر» . # وقال «1» : «أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم.» # وعن أنس «2» رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «3» : # «مثل أصحابي «4» كمثل الملح في الطعام ms231 لا يصلح الطعام إلا به «5» » # وقال «6» : الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي ~~أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى ~~الله، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه» . PageV02P118 # وقال «1» : «لا تسبوا أصحابي.. فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد ~~«2» أحدهم ولا نصيفه «3» » . # وقال «4» : «من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.. لا ~~يقبل الله منه صرفا «5» ولا «6» عدلا..» # وقال «7» : «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا» . # وقال «8» في حديث جابر «9» : «إن الله اختار أصحابي على جميع العالمين ~~سوى النبيين والمرسلين، واختار لي منهم أربعة: أبا بكر «10» ، وعمر «11» ، ~~وعثمان «12» وعليا «13» .. فجعلهم PageV02P119 # خير أصحابي. وفي أصحابي كلهم خير» وقال «1» : «من أحب عمر فقد أحبني ومن ~~أبغض عمر فقد أبغضني» . # وقال مالك «2» بن أنس وغيره «3» : من أبغض الصحابة وسبهم فليس له في فيء ~~المسلمين حق.. ونزع بآية الحشر «والذين جاؤ من بعدهم» «4» الآية. # وقال من غاظه أصحاب محمد فهو كافر «5» . قال الله تعالى: # «ليغيظ بهم الكفار «6» » وقال عبد «7» الله بن المبارك: خصلتان ~~PageV02P120 # من كانتا فيه نجا، الصدق وحب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. # قال أيوب «1» السختياني: من أحب أبا بكر فقد أقام الدين. # ومن أحب عمر فقد أوضح السبيل، ومن أحب عثمان فقد استضاء بنور الله، ومن ~~أحب عليا فقد أخذ «2» بالعروة الوثقى.. ومن أحسن الثناء على أصحاب محمد صلى ~~الله عليه وسلم فقد برىء من النفاق، ومن انتقص «3» أحدا منهم فهو مبتدع ~~مخالف للسنة والسلف الصالح.. # وأخاف أن لا يصعد له عمل إلى السماء حتى يحبهم جميعا ويكون قلبه «4» ~~سليما. # وفي حديث خالد بن «5» سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيها الناس ~~إني راض عن أبي بكر «6» فاعرفوا له ذلك.. أيها الناس.. إني PageV02P121 # راض عن عمر «1» وعن علي «2» وعن عثمان «3» وطلحة «4» والزبير «5» وسعد ~~«6» وسعيد «7» وعبد الرحمن «8» بن عوف فاعرفوا «9» لهم ذلك.. أيها الناس.. ~~إن الله غفر لأهل بدر والحديبة «10» .. أيها الناس احفظوني في أصحابي ~~وأصهاري «11» ، وأختاني «12» .. لا يطالبنكم «13» أحد منهم ms232 بمظلمة «14» ~~فإنها مظلمة PageV02P122 # لا توهب «1» في القيامة غدا «2» » . # وقال رجل «3» للمعافى «4» بن عمران: أين عمر «5» بن عبد العزيز من «6» ~~معاوية «7» ؟! .. فغضب وقال: لا يقاس بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~أحد.. معاوية صاحبه وصهره «8» وكاتبه وأمينه على وحي الله.. # وأتي النبي صلى الله عليه وسلم «9» بجنازة رجل فلم يصل عليه وقال: كان ~~يبغض عثمان «10» فأبغضه الله.» # وقال صلى الله عليه وسلم «11» في الأنصار: اعفوا عن مسيئهم. واقبلوا من ~~محسنهم. وقال «12» : «احفظوني في أصحابي وأصهاري فإنه من PageV02P123 # حفظني فيهم حفظه الله في الدنيا والآخرة، ومن لم يحفظني فيهم تخلى الله ~~عنه، ومن تخلى الله عنه يوشك أن يأخذه..» # وعنه صلى الله عليه وسلم «1» : «من حفظني في أصحابي كنت له حافظا يوم ~~القيامة.» وقال «2» : «من حفظني في أصحابي ورد علي الحوض ومن لم يحفظني في ~~أصحابي لم يرد علي الحوض ولم يرني إلا من بعيد.» # قال مالك «3» رحمه الله: هذا النبي مؤدب الخلق الذي هدانا الله به وجعله ~~رحمة للعالمين، يخرج في جوف الليل إلى البقيع «4» فيدعو لهم، ويستغفر لهم ~~كالمودع لهم «5» . وبذلك أمره الله، وأمر النبي بحبهم وموالاتهم، ومعاداة ~~من عاداهم. # وروي عن كعب «6» : ليس أحد من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إلا له ~~شفاعة يوم القيامة. PageV02P124 # وطلب «1» من المغيرة بن «2» نوفل أن يشفع له يوم القيامة قال سهل بن عبد ~~«3» الله التستري: لم يؤمن بالرسول من لم يوقر أصحابه ولم يعز أوامره.. ~~PageV02P125 ### ||| الفصل السابع إعزاز ماله من صلة بالنبي صلى الله عليه وسلم من امكنة ومشاهد # ومن إعظامه وإكباره إعظام جميع أسبابه، وإكرام مشاهده وأمكنته من مكة ~~والمدينة، ومعاهده «1» . وما لمسه صلى الله عليه وسلم أو عرف به. # عن صفية بنت نجدة «2» قالت: كان لأبي محذورة «3» قصة «4» في مقدم رأسه ~~إذا قعد وأرسلها أصابت الأرض.. فقيل له: PageV02P126 # ألا تحلقها؟! فقال: لم أكن بالذي أحلقها وقد مسها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بيده. # وكانت «1» في قلنسوة «2» خالد بن «3» الوليد شعرات من شعره صلى الله عليه ~~وسلم.. فسقطت قلنسوته في ms233 بعض حروبه «4» فشد عليها شدة أنكر عليه أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم كثرة من قتل فيها.. فقال: لم أفعلها بسبب ~~القلنسوة، بل لما تضمنته من شعره صلى الله عليه وسلم لئلا أسلب «5» بركتها ~~وتقع في أيدي المشركين. # ورؤي ابن «6» عمر واضعا يده على مقعد «7» النبي صلى الله عليه وسلم من ~~المنبر ثم وضعها على وجهه «8» . PageV02P127 # ولهذا «1» كان مالك «2» رحمه الله لا يركب بالمدينة دابة وكان يقول: ~~أستحيي من الله أن أطأ تربة فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بحافر دابة ~~وروي عنه أنه وهب للشافعي «3» كراعا «4» كثيرا كان عنده. # فقال له الشافعي: أمسك منها دابة.. فأجابه بمثل هذا الجواب. # وقد حكى أبو عبد الرحمن «5» السلمي عن أحمد بن «6» فضلويه الزاهد وكان من ~~الغزاة الرماة أنه قال: # ما مسست القوس بيدي إلا على طهارة منذ بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أخذ القوس بيده. # وقد أفتى مالك «7» : فيمن قال: تربة المدينة رديئة.. يضرب ثلاثين درة «8» ~~وأمر بحبسه، وكان له قدر وقال: ما أحوجه إلى ضرب عنقه.. تربة دفن فيها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يزعم أنها PageV02P128 # غير طيبة «1» !!!. # وفي الصحيح «2» أنه قال صلى الله عليه وسلم في المدينة: «من أحدث فيها ~~حدثا «3» ، أو آوى محدثا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.. لا ~~يقبل الله منه صرفا ولا عدلا» . # وحكي «4» أن جهجاها «5» الغفاري أخذ قضيب النبي صلى الله عليه وسلم من يد ~~عثمان «6» رضي الله عنه وتناوله ليكسره على ركبته «7» .. # فصاح به الناس، فأخذته الآكلة في ركبته فقطعها ومات قبل الحول. # وقال صلى الله عليه وسلم «8» : «من حلف على «9» منبري كاذبا فليتبوأ ~~مقعده PageV02P129 # من النار. وحدثت أن أبا الفضل «1» الجوهري لما ورد المدينة زائرا وقرب من ~~بيوتها ترجل ومشى باكيا منشدا «2» : # ولما رأينا رسم «3» من لم يدع لنا ... فؤادا لعرفان «4» الرسوم ولا لبا ~~«5» # نزلنا عن الأكوار «6» نمشي كرامة ... لمن بان «7» عنه أن نلم «8» به ركبا ~~«9» # وحكي عن بعض المريدين «10» أنه لما أشرف على مدينة الرسول PageV02P130 # صلى الله عليه ms234 وسلم أنشأ «1» يقول متمثلا «2» : # رفع الحجاب لنا فلاح لناظر ... قمر تقطع «3» دونه «4» الأوهام # وإذا المطي «5» بنا بلغن محمدا ... فظهورهن على الرجال «6» حرام # قربتنا من خير من وطيء الثرى ... فلها علينا حرمة وذمام «7» # وحكي عن بعض المشايخ: أنه حج ماشيا.. فقيل له في ذلك: فقال: العبد الآبق ~~«8» يأتي إلى بيت مولاه راكبا؟!!. # لو قدرت أن أمشي على رأسي «9» ما مشيت على قدمي. # قال القاضي «10» : وجدير بمواطن عمرت بالوحي والتنزيل PageV02P131 # وتردد بها «1» جبريل «2» وميكائيل، وعرجت منها الملائكة والروح، وضجت «3» ~~عرصاتها «4» بالتقديس والتسبيح واشتملت تربتها على جسد سيد البشر، وانتشر ~~عنها من دين الله وسنة رسوله ما انتشر، مدارس «5» وآيات، ومساجد وصلوات، ~~ومشاهد الفضائل والخيرات، ومعاهد البراهين والمعجزات، ومناسك الدين، ومشاعر ~~المسلمين، ومواقف سيد المرسلين، ومتبوأ «6» خاتم النبيين، حيث انفجرت ~~النبوة، وأين «7» فاض عبابها «8» ، ومواطن طويت «9» فيها الرسالة، وأول أرض ~~مس جلد المصطفى تراثها «10» ، أن تعظم عرصاتها، وتتنسم نفحاتها، وتقبل ~~ربوعها وجدرانها.. PageV02P132 # يا «1» دار خير المرسلين ومن به ... هدي الأنام وخص بالآيات # عندي لأجلك لوعة «2» وصبابة «3» ... وتشوق متوقد الجمرات # وعلي عهد إن ملأت محاجري «4» ... من تلكم الجدران والعرصات # لأعفرن «5» مصون شيبي بينها ... من كثرة التقبيل والرشفات «6» # لولا العوادي «7» والأعادي زرتها ... أبدا ولو سحبا على الوجنات «8» # لكن سأهدي من حفيل «9» تحيتي ... لقطين «10» تلك الدار والحجرات «11» ~~PageV02P133 # أزكى من المسك المفتق «1» نفحة ... تغشاه بالآصال والبكرات # وتخصه بزواكي الصلوات ... ونوامي التسليم والبركات «2» PageV02P134 ### || الباب الرابع في حكم الصلاة عليه والتسليم وفرض ذلك وفضيلته وفيه عشرة فصول # PageV02P135 ### ||| الفصل الأول معنى الصلاة عليه # قال الله تعالى: «إن الله وملائكته يصلون على النبي «1» » الآية قال ابن ~~عباس «2» معناه: «إن الله وملائكته يباركون على النبي» فقيل: «إن الله ~~يترحم على النبي، وملائكته يدعون له» . # قال المبرد «3» : «وأصل الصلاة.. الترحم.. فهي من الله رحمة ومن الملائكة ~~رقة واستدعاء للرحمة من الله» . # وقد ورد «4» في الحديث «5» صفة صلاة الملائكة على من جلس ينتظر الصلاة ~~«اللهم اغفر له اللهم ارحمه» «6» فهذا دعاء. PageV02P137 # وقال أبو بكر «1» القشيري: «الصلاة من الله تعالى لمن دون النبي صلى الله ms235 ~~عليه وسلم رحمة، وللنبي صلى الله عليه وسلم تشريف وزيادة تكرمة» . # وقال أبو العالية «2» : «صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة ~~الملائكة الدعاء» . # قال القاضي أبو الفضل «3» : وقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ~~تعليم الصلاة عليه بين لفظ الصلاة ولفظ البركة فدل أنهما بمعنيين.. # وأما التسليم الذي أمر الله تعالى به عباده: # فقال القاضي أبو بكر «4» بن بكير: «نزلت هذه الآية على النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأمر الله أصحابه أن يسلموا عليه، وكذلك من بعدهم أمروا أن ~~يسلموا على النبي صلى الله عليه وسلم عند حضورهم قبره وعند ذكره. # وفي معنى السلام عليه ثلاثة وجوه «5» : # أحدهما: السلامة لك ومعك، ويكون السلام مصدرا PageV02P138 # كاللذاذ واللذاذة «1» .. # الثاني: أي السلام على حفظك ورعايتك متول له وكفيل به، ويكون هنا السلام ~~اسم الله. # الثالث: أن السلام بمعنى المسالمة له والانقياد.. # كما قال: «فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في ~~أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما «2» » # *** PageV02P139 ### ||| الفصل الثاني حكم الصلاة عليه # اعلم أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فرض على «1» الجملة غير ~~محدد بوقت.. لأمر الله تعالى بالصلاة عليه.. وحمل «2» الأئمة والعلماء له ~~على الوجوب.. وأجمعوا عليه. # وحكى أبو جعفر الطبري «3» أن محمل الآية عنده على الندب، وادعى فيه ~~الإجماع- ولعله فيما زاد على مرة. # والواجب منه الذي يسقط به الحرج ومأثم ترك الفرض مرة، كالشهادة له ~~بالنبوة، وما عدا ذلك فمندوب مرغب فيه من سنن الإسلام، وشعار أهله. ~~PageV02P140 # قال القاضي أبو الحسن «1» بن القصار: «المشهور عن أصحابنا «2» أن ذلك ~~واجب في الجملة «3» على الإنسان وفرض «4» عليه عليه أن يأتي بها مرة من ~~دهره مع القدرة على ذلك» . # وقال القاضي أبو بكر «5» بن بكير: «افترض الله على خلقه أن يصلوا على ~~نبيه ويسلموا تسليما ولم يجعل ذلك لوقت معلوم.. # فالواجب أن يكثر المرء منها، ولا يغفل عنها» . # قال القاضي أبو محمد «6» بن نصر: «الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ~~واجبة في الجملة» . # قال ms236 القاضي أبو عبد الله محمد «7» بن سعيد: «ذهب PageV02P141 # مالك «1» وأصحابه وغيرهم من أهل العلم أن الصلاة على النبي صلى الله عليه ~~وسلم فرض بالجملة بقصد الإيمان، لا يتعين في الصلاة. وأن من صلى عليه مرة ~~واحدة من عمره سقط الفرض عنه. # وقال أصحاب الشافعي «2» : «الفرض منها الذي أمر الله تعالى ورسوله صلى ~~الله عليه وسلم هو في الصلاة» . وقالوا: «وأما في غيرها، فلا خلاف أنها غير ~~واجبة» . # وأما في الصلاة فحكى الإمامان أبو جعفر الطبري «3» والطحاوي «4» وغيرهما ~~إجماع جميع المتقدمين والمتأخرين من علماء الأمة على أن الصلاة على النبي ~~صلى الله عليه وسلم في التشهد غير واجبة، وشذ الشافعي في ذلك فقال: «من لم ~~يصل على النبي صلى الله عليه وسلم من بعد التشهد الآخر قبل السلام فصلاته ~~فاسدة «5» ، وإن صلى عليه قبل ذلك لم تجزه» . # ولا سلف له في هذا القول، ولا سنة يتبعها، وقد بالغ في إنكار هذه المسألة ~~عليه.. لمخالفته فيها من تقدمته جماعة، وشنعوا PageV02P142 # عليه الخلاف فيها. منهم الطبري «1» والقشيري «2» ، وغير واحد. # وقال أبو بكر بن المنذر «3» : «يستحب أن لا يصلي أحد صلاة إلا صلى فيها ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن ترك ذلك تارك فصلاته مجزئة مذهب مالك ~~«4» وأهل المدينة وسفيان «5» الثوري، وأهل الكوفة من أصحاب الرأي «6» ~~وغيرهم.. وهو قول جمل «7» أهل العلم» . # وحكي عن مالك وسفيان: «أنها في التشهد الأخير مستحبة، وأن تاركها في ~~التشهد مسيء» وشذ الشافعي فأوجب على تاركها في في الصلاة الإعادة. # وأوجب إسحق «8» الإعادة مع تعمد تركها دون النسيان «9» . PageV02P143 # وحكى أبو محمد بن أبي «1» زيد عن محمد بن المواز «2» أن الصلاة على النبي ~~صلى الله عليه وسلم فريضة # قال أبو محمد «3» : «يريد ليست من فرائض الصلاة «4» » . # وقال محمد بن عبد «5» الحكم وغيره وحكى ابن القصار «6» وعبد الوهاب «7» : ~~«أن محمد بن الموازيراها فريضة في الصلاة كقول الشافعي «8» » # وحكى أبو يعلى «9» العبدي المالكي عن المذهب «10» فيها ثلاثة أقوال: # 1- # الوجوب 2- والسنة 3- والندب. PageV02P144 # وقد خالف الخطابي «1» من أصحاب الشافعي «2» وغيره الشافعي في ms237 هذه ~~المسألة. # قال الخطابي «1» : «وليست بواجبة في الصلاة.. وهو قول جماعة الفقهاء إلا ~~الشافعي «2» ولا أعلم له فيها قدوة» . # والدليل على أنها ليست من فروض الصلاة عمل السلف الصالح قبل الشافعي ~~وإجماعهم عليه، وقد شنع الناس عليه هذه المسألة جدا. # وهذا تشهد ابن «3» مسعود «4» الذي اختاره «5» الشافعي وهو الذي علمه له ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. # وكذلك كل من روى التشهد عن النبي صلى الله عليه وسلم كأبي «6» هريرة، ~~PageV02P145 # وابن عباس «1» ، وجابر «2» ، وابن «3» عمر، وأبي سعيد «4» الخدري، وأبي ~~موسى «5» الأشعري وعبد الله بن الزبير «6» ، لم لم يذكروا فيه صلاة على ~~النبي صلى الله عليه وسلم «7» . # وقد قال «8» ابن عباس وجابر: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا ~~التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن» . # ونحوه عن أبي سعيد الخدري. # وقال ابن عمر: «كان «9» أبو بكر «10» يعلمنا التشهد على المنبر كما ~~يعلمون الصبيان في الكتاب» . # وعلمه أيضا على المنبر عمر بن الخطاب «11» رضي الله عنه. PageV02P146 # وفي الحديث «1» : «لا صلاة لمن لم يصل علي» . # قال ابن القصار «2» : معناه (كاملة) . أو لمن لم يصل علي مرة في عمره ~~وضعف أهل الحديث كلهم هذا الحديث. # وفي حديث أبي «3» جعفر عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم «4» : # «من صلى صلاة لم يصل فيها علي وعلى أهل بيتي لم تقبل منه» . # قال الدارقطني «5» : الصواب أنه من قول أبي جعفر «6» محمد بن علي بن ~~الحسين: «لو «7» صليت صلاة لم أصل فيها على النبي صلى الله عليه وسلم ~~PageV02P147 # ولا على أهل بيته لرأيت أنها لا تتم. # *** PageV02P148 ### ||| الفصل الثالث المواطن التي يستحب فيها الصلاة والسلام عليه # في المواطن التي يستحب فيها الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # ويرغب من ذلك في تشهد الصلاة كما قدمناه، وذلك بعد التشهد وقبل الدعاء. # عن فضالة «1» بن عبيد قال «2» : «سمع النبي صلى الله عليه وسلم.. رجلا ~~يدعو في صلاته فلم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله ms238 ~~عليه وسلم.. عجل «3» هذا.. ثم دعاه فقال له ولغيره «4» .. إذا صلى أحدكم ~~فليبدأ يتحميد الله والثناء عليه، ثم ليصل على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ~~ليدع بعد بما شاء. PageV02P149 # ويروى من غير هذا السند «1» «بتمجيد الله» وهو أصح «2» .. # وعن عمر بن الخطاب «3» رضي الله عنه قال «4» : الدعاء والصلاة «5» معلق ~~بين السماء والأرض فلا يصعد إلى الله منه شيء حتى يصلى «6» على النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # وعن علي «7» عن النبي صلى الله عليه وسلم «8» : بمعناه.. # وعن علي: وعلى آل محمد.. # وروي أن الدعاء محجوب حتى يصلي الداعي على النبي صلى الله عليه وسلم وعن» # ابن «10» مسعود. إذا أراد أحدكم أن يسأل الله شيئا فليبدأ بمدحه «11» ~~والثناء عليه بما هو أهله ثم يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم.. ثم ليسأل ~~فإنه أجدر أن ينجح.. PageV02P150 # وعن جابر «1» رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «2» : # لا تجعلوني كقدح الراكب.. فإن الراكب يملأ قدحه «3» ثم يضعه ويرفع ~~متاعه.. فإن احتاج إلى شراب شربه أو الوضوء توضأ وإلا هراقه «4» .. ولكن ~~اجعلوني في أول الدعاء، وأوسطه وآخره.. # وقال ابن عطاء «5» للدعاء أركان، وأجنحة، وأسباب، وأوقات.. فإن وافق ~~أركانه قوي، وإن وافق أجنحته طار في السماء، وإن وافق مواقيته فاز.. وإن ~~وافق أسبابه أنجح. # - فأركانه: حضور القلب، والرقة، والاستكانة، والخشوع، وتعلق القلب بالله ~~وقطعه من الأسباب. # - وأجنحته: الصدق. # - ومواقيته: الأسحار. # - وأسبابه: الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم. PageV02P151 # وفي الحديث «1» «الدعاء بين الصلاتين لا يرد» . # وفي حديث آخر «2» «كل دعاء محجوب دون السماء فإذا جاءت الصلاة علي صعد ~~الدعاء» . # وفي دعاء ابن عباس «3» الذي رواه عنه حنش «4» فقال في آخره «5» : واستجب ~~دعائي.. ثم تبدأ بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فتقول: اللهم إني ~~أسألك أن تصلي على محمد عبدك ونبيك ورسولك أفضل ما صليت على أحد من خلقك ~~أجمعين آمين. # ومن مواطن الصلاة عليه عند ذكره وسماع اسمه أو كتابته «6» أو عند الأذان. # وقد قال صلى الله عليه وسلم «7» : «رغم ms239 «8» أنف رجل ذكرت عنده فلم يصلي ~~PageV02P152 # علي» وكره ابن حبيب «1» ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عند الذبح «2» . # وكره سحنون «3» الصلاة عليه عند التعجب «4» . # وقال: لا يصلى عليه إلا على طريق الاحتساب وطلب الثواب وقال أصبغ «5» عن ~~ابن «6» القاسم: موطنان لا يذكر فيهما إلا الله الذبيحة والعطاس فلا تقل ~~فيهما بعد ذكر الله.. محمد رسول الله.. ولو قال بعد ذكر الله صلى الله على ~~محمد لم يكن PageV02P153 # تسمية له مع الله «1» . # وقال أشهب «2» قال: ولا ينبغي أن تجعل الصلاة على النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيه استنانا «3» . # وروى النسائي «4» عن أوس «5» بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم: الأمر ~~بالإكثار من الصلاة عليه يوم الجمعة. # ومن مواطن الصلاة والسلام دخول المسجد «6» . PageV02P154 # قال ابو اسحق «1» بن شعبان: وينبغي لمن دخل المسجد أن يصلى على النبي صلى ~~الله عليه وسلم وعلى آله ويترحم عليه، وعلى آله، ويبارك عليه وعلى آله، ~~ويسلم تسليما ويقول: اللهم اغفرلي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك.. وإذا خرج ~~فعل مثل ذلك وجعل موضع رحمتك فضلك. # وقال عمرو «2» بن دينار في قوله تعالى: فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على ~~أنفسكم «3» » قال: إن لم يكن في البيت أحد فقل السلام على النبي ورحمة الله ~~وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.. السلام على أهل البيت ~~ورحمة الله وبركاته. # قال «4» ابن عباس» # : المراد بالبيوت هنا المساجد. # وقال النخعي «6» : إذا لم يكن في المسجد أحد فقل: السلام على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. وإذا لم يكن في البيت أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد ~~الله الصالحين. PageV02P155 # وعن علقمة «1» : إذا دخلت المسجد أقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة ~~الله وبركاته، صلى الله وملائكته على محمد. # ونحوه عن كعب «2» : إذا دخل وإذا خرج ولم يذكر الصلاة. # واحتج ابن شعبان «3» لما ذكره بحديث فاطمة «4» بنت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم «5» أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله.. إذا دخل المسجد. # ومثله عن أبي بكر «6» بن عمرو بن حزم وذكر السلام والرحمة وقد ms240 ذكر هذا ~~الحديث آخر القسم والاختلاف في ألفاظه. # ومن مواطن الصلاة عليه الصلاة «7» على الجنائز. وذكر عن «8» PageV02P156 # أبي «1» أمامة: أنها من السنة. # ومن مواطن الصلاة التي مضى عليها عمل الأمة ولم تنكرها الصلاة على النبي ~~صلى الله عليه وسلم وآله في الرسائل، وما يكتب بعد البسملة، ولم يكن هذا في ~~الصدر الأول وأحدث عند ولاية بني هاشم، فمضى به عمل الناس في أقطار الأرض.. ~~ومنهم من يختم به أيضا الكتب. # وقال صلى الله عليه وسلم «2» : «من صلى علي في كتاب لم تزل الملائكة ~~تستغفر له ما دام اسمي في ذلك الكتاب» . # ومن مواطن السلام على النبي صلى الله عليه وسلم: تشهد الصلاة. # عن عبد الله بن مسعود «3» عن النبي صلى الله عليه وسلم «4» قال: إذا صلى ~~أحدكم فليقل: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ~~PageV02P157 # ورحمة الله وبركاته.. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فإنكم إذا ~~قلتموها أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض) هذا أحد مواطن التسليم عليه ~~وسنته أول التشهد. # وقد روى مالك «1» عن ابن عمر «2» أنه كان يقول ذلك: إذا فرغ من تشهده ~~وأراد أن يسلم. # واستحب مالك في المبسوط «3» أن يسلم بمثل ذلك قبل السلام «4» . # قال محمد «5» بن مسلمة: أراد ما جاء عن عائشة «6» وابن عمر أنهما كانا ~~يقولان عند سلامهما.. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.. السلام ~~علينا وعلى عباد الله الصالحين.. السلام عليكم. # واستحب أهل العلم أن ينوي الإنسان حين سلامه «7» كل عبد صالح في السماء ~~والأرض من الملائكة، وبني آدم، والجن. PageV02P158 # قال مالك في المجموعة: وأحب للمأموم إذا سلم إمامه أن يقول: السلام على ~~النبي ورحمة الله وبركاته.. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.. السلام ~~عليكم.. # PageV02P159 ### ||| الفصل الرابع كيفية الصلاة عليه والتسليم # عن أبي حميد «1» الساعدي: أنهم قالوا «2» : يا رسول الله.. # كيف نصلي عليك؟ فقال: قولوا «3» : اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما ~~صليت على آل إبراهيم.. وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل ~~إبراهيم إنك حميد مجيد. # وفي ms241 رواية مالك «4» عن أبي مسعود «5» الأنصاري قال: قولوا: # اللهم صل على محمد وعلى آله، كما صليت على آل إبراهيم، وبارك PageV02P160 # على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد ~~مجيد.. والسلام كما قد علمتم.. # وفي رواية «1» كعب بن عجرة «2» اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على ~~إبراهيم.. وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم.. إنك حميد مجيد. # وعن عقبة «3» بن عمرو في حديثه «4» اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى ~~آل محمد.. # وفي رواية أبي سعيد «5» الخدري «6» اللهم صل على محمد عبدك ورسولك.. وذكر ~~معناه. # عن علي بن أبي طالب» # قال: عدهن «8» في يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV02P161 # وقال: عدهن في يدي جبريل. وقال: هكذا نزلت من عند رب العزة.. اللهم صل ~~على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد ~~مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى ~~إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم وترحم على محمد وعلى آل محمد كما ترحمت على ~~إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم وتحنن على محمد وعلى آل ~~محمد، كما تحننت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وسلم على محمد ~~وعلى آل محمد كما سلمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد «1» # وعن أبي هريرة «2» عن النبي صلى الله عليه وسلم «3» . من سره أن يكتال ~~بالمكيال الأوفى إذا صلى علينا أهل البيت فليقل: اللهم صلى على PageV02P162 # محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على ~~إبراهيم إنك حميد مجيد. # وفي رواية «1» زيد بن «2» خارجة الأنصاري سألت النبي صلى الله عليه وسلم: # كيف نصلي عليك؟ فقال: صلوا واجتهدوا في الدعاء، ثم قولوا: اللهم بارك على ~~محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد. # وعن سلامة الكندي «3» : كان علي «4» يعلمنا «5» الصلاة على النبي صلى ~~الله عليه وسلم «6» : اللهم داحي المدحوات «7» وبارىء «8» المسموكات «9» ~~PageV02P163 # اجعل شرائف «1» صلواتك، ms242 ونوامي «2» بركاتك، ورأفة تحننك على محمد عبدك ~~ورسولك، الفاتح لما أغلق، والخاتم لما سبق، والمعلن الحق بالحق، والدامغ ~~لجيشات «3» الأباطيل، كما حمل فاضطلع بأمرك لطاعتك، مستوفزا «4» في مرضاتك، ~~واعيا لوحيك، حافظا لعهدك، ماضيا على نفاذ أمرك، حتى أورى «5» قبسا «6» ~~لقابس آلاء «7» الله، تصل بأهله أسبابه، به هديت القلوب بعد خوضات «8» ~~الفتن والإثم، وأنهج «9» موضحات «10» الأعلام «11» ، PageV02P164 # ونائرات «1» الأحكام، ومنيرات «2» الإسلام فهو أمينك المأمون، وخازن علمك ~~المخزون وشهيدك «3» يوم الدين، وبعيثك «4» نعمة، ورسولك بالحق رحمة.. اللهم ~~افسخ له في عدنك «5» ، واجزه مضاعفات الخير من فضلك، مهنئات «6» له غير ~~مكدرات. # من فوز ثوابك المحلول «7» ، وجزيل عطائك المعلول» . # اللهم أعل على بناء الناس بناءه، وأكرم مثواه لديك ونزله، وأتم له نوره، ~~وأجزه من اتبعائك له مقبول الشهادة، ومرضي المقالة، ذا منطق عدل، وخطة «9» ~~فصل «10» ، وبرهان عظيم «11» . PageV02P165 # وعنه «1» أيضا في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم «2» : «إن الله ~~وملائكته يصلون على النبي «3» ..» الآية لبيك «4» اللهم ربي وسعديك «5» .. ~~صلوات الله البر الرحيم، والملائكة المقربين، والنبيين والصديقين، والشهداء ~~والصالحين، وما سبح لك من شيء يا رب العالمين، على محمد بن عبد الله خاتم ~~النبيين، وسيد المرسلين، وإمام المتقين، ورسول رب العالمين، الشاهد البشير، ~~الداعي إليك بإذنك، السراج المنير، وعليه السلام «6» . # وعن عبد الله بن مسعود «7» .. اللهم اجعل صلواتك وبركاتك ورحمتك على سيد ~~المرسلين، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، محمد عبدك ورسولك، إمام الخير ~~ورسول الرحمة.. اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه «8» فيه الأولون والاخرون، ~~اللهم صل على محمد وعلى PageV02P166 # آل محمد، كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل ~~محمد، كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد. # وكان الحسن «1» البصري يقول: من أراد أن يشرب بالكأس الأوفى من حوض ~~المصطفى فليقل: اللهم صل على محمد وعلى آله «2» وأصحابه وأولاده وأزواجه ~~وذريته وأهل بيته وأصهاره وأنصاره وأشياعه ومحبيه وأمته وعلينا معهم أجمعين ~~يا أرحم الراحمين. # وعن طاوس «3» عن ابن عباس «4» أنه كان يقول «5» : اللهم تقبل شفاعة محمد ~~الكبرى وارفع درجته العليا وآته سؤله في الآخرة ms243 والأولى كما آتيت إبراهيم ~~وموسى.. # وعن وهيب «6» بن الورد أنه كان يقول في دعائه: اللهم أعط محمدا أفضل ما ~~سألك لنفسه، وأعط محمدا أفضل ما سألك له أحد من PageV02P167 # خلقك، وأعط محمدا أفضل ما أنت مسؤول له إلى يوم القيامة. # وعن ابن مسعود «1» رضي الله عنه أنه كان يقول «2» : إذا صليتم على النبي ~~صلى الله عليه وسلم فأحسنوا الصلاة عليه، فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه ~~وقولوا: اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين، وإمام ~~المتقين، وخاتم النبيين، محمد عبدك ورسولك، إمام الخير وقائد الخير ورسول ~~الرحمة. اللهم ابعثه مقاما محمودا يغبطه فيه الأولون والآخرون.. اللهم صل ~~على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم بارك على ~~آل محمد كما باركت على إبراهيم.. إنك حميد مجيد. # وما يؤثر من تطويل الصلاة وتكثير الثناء على أهل البيت وغيرهم كثير. # وقوله «3» والسلام كما قد علمتم.. هو ما علمهم في التشهد من قوله «السلام ~~عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. ~~PageV02P168 # وفي تشهد «1» علي: السلام على نبي الله، السلام على أنبياء الله ورسله ~~السلام على رسول الله، السلام على محمد بن عبد الله السلام علينا وعلى ~~المؤمنين والمؤمنات. من غاب منهم ومن شهد.. اللهم اغفر لأهل بيته، واغفرلي ~~ولوالدي «2» وما ولدا وارحمهما.. # السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام عليك أيها النبي ورحمة ~~الله وبركاته. # جاء في هذا الحديث عن علي: الدعاء للنبي صلى الله عليه وسلم بالغفران وفي ~~حديث الصلاة عليه عنه أيضا قبل الدعاء له بالرحمة ولم يأت في غيره من ~~الأحاديث المرفوعة المعروفة. # وقد ذهب أبو عمر «3» بن عبد البر وغيره، إلى أنه لا يدعى للنبي صلى الله ~~عليه وسلم بالرحمة، وإنما يدعى له بالصلاة والبركة التي تختص به، ويدعى ~~لغيره بالرحمة والمغفرة. PageV02P169 # وقد ذكر أبو محمد «1» بن أبي زيد في الصلاة على النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # اللهم ارحم محمدا وآل محمد، كما ترحمت على إبراهيم وآل ms244 إبراهيم ولم يأت ~~هذا في حديث صحيح «2» وحجته قوله في السلام: السلام عليك أيها النبي ورحمة ~~الله وبركاته. PageV02P170 ### ||| الفصل الخامس فضيلة الصلاة والسلام عليه والدعاء له # عن عبد الله «1» بن عمر قال «2» : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: # إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، وصلوا علي فإنه من صلى علي مرة ~~واحدة صلى الله عليه عشرا.. ثم سلوا لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا ~~تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو.. فمن سأل لي الوسيلة ~~حلت عليه الشفاعة.. # وروى «3» أنس بن «4» مالك.. أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من صلى علي ~~صلاة صلى الله عليه عشر صلوات، وحط عنه عشر خطيئات، ورفع له عشر درجات. وفي ~~رواية «5» وكتب له عشر حسنات.. PageV02P171 # وعن «1» أنس عنه صلى الله عليه وسلم: أن جبريل ناداني فقال: من صلى عليك ~~صلاة صلى الله عليه عشرا، ورفعه عشر درجات.. # ومن رواية عبد الرحمن» # بن عوف عنه صلى الله عليه وسلم «3» : لقيت جبريل فقال لي: إني أبشرك أن ~~الله تعالى يقول: من سلم عليك سلمت عليه، ومن صلى عليك صليت عليه «4» .. # ونحوه من رواية أبي هريرة «5» ومالك «6» بن أوس بن الحدثان، PageV02P172 # وعبيد «1» الله بن أبي طلحة. وعن زيد «2» بن الحباب: سمعت النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول: من قال: اللهم صل على محمد وأنزله المنزل المقرب عندك يوم ~~القيامة وجبت له شفاعتي.. # وعن «3» ابن مسعود «4» : أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة وعن ~~أبي هريرة «5» عنه صلى الله عليه وسلم «6» : من صلى علي في كتاب لم تزل ~~الملائكة تستغفر له ما بقي «7» اسمي في ذلك الكتاب. # وعن عامر «8» بن ربيعة: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول «9» : ~~PageV02P173 # من صلى علي صلاة صلت عليه الملائكة ما صلى علي.. فليقلل من ذلك عبد أو ~~ليكثر.. # وعن «1» أبي بن كعب «2» : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع ~~«3» الليل قام فقال: يا أيها الناس اذكروا الله.. جاءت الراجفة ms245 «4» تتبعها ~~الرادفة «5» .. جاء الموت بما فيه.. فقال أبي بن كعب: # يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟. # فقال: ما شئت.. قال: الربع؟! قال: ما شئت وإن زدت فهو خير.. قال: الثلث؟ ~~قال: ما شئت وإن زدت فهو خير.. # قال: النصف؟ قال: ما شئت وإن زدت فهو خير.. قال الثلثين؟ # قال: ما شئت وإن زدت فهو خير.. قال يا رسول الله فأجعل صلاتي كلها لك؟!. ~~قال: إذا تكفى «6» ويغفر ذنبك.. PageV02P174 # وعن «1» أبي طلحة «2» : دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فرأيت من بشره ~~وطلاقته ما لم أره قط، فسألته فقال: وما يمنعني؟!! وقد خرج جبريل آنفا ~~فأتاني ببشارة من ربي عز وجل، إن الله تعالى بعثني إليك أبشرك أنه ليس أحد ~~من أمتك يصلي عليك إلا صلى الله عليه وملائكته بها عشرا. # وعن جابر «3» بن عبد الله قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «4» : من ~~قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا ~~الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما «5» محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم ~~القيامة.. # وعن «6» سعد بن أبي وقاص «7» : من قال حين يسمع المؤذن: # وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله ~~رضيب بالله ربا، وبمحمد رسولا، وبالإسلام دينا غفر له. PageV02P175 # وروى ابن وهب «1» أن «2» النبي صلى الله عليه وسلم قال: من سلم علي عشرا ~~فكأنما أعتق رقبة. # وفي بعض الآثار ليردن علي أفوام ما أعرفهم «3» إلا بكثرة صلاتهم علي وفي ~~آخر «4» : إن أنجاكم يوم القيامة من أهوالها ومواطنها أكثركم علي صلاة. # وعن أبي بكر «5» الصديق: الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أمحق ~~للذنوب من الماء البارد للنار، السلام عليه أفضل من عتق الرقاب» . ~~PageV02P176 ### ||| الفصل السادس ذم من لم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم واثمه # عن أبي هريرة «1» قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «2» : رغم «3» ~~أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي.. رغم أنف رجل دخل رمضان ثم ms246 انسلخ «4» قبل ~~أن يغفر له. ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة. # قال عبد الرحمن «5» وأظنه قال «6» - أو أحدهما- PageV02P177 # وفي حديث آخر «1» أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر «2» فقال: آمين ~~ثم صعد فقال: آمين، ثم صعد فقال: آمين، فسأله معاذ «3» عن ذلك فقال: إن ~~جبريل أتاني فقال: يا محمد.. من سميت بين يديه فلم يصل عليك فمات فدخل ~~النار، فأبعده الله قل: آمين فقلت: آمين وقال فيمن أدرك رمضان فلم يقبل منه ~~فمات مثل ذلك.. ومن أدرك أبويه أو أحدهما فلم يبرهما فمات مثله. # وعن علي «4» بن أبي طالب عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال «5» : البخيل ~~«6» الذي ذكرت عنده فلم يصل علي.. PageV02P178 # وعن جعفر «1» بن محمد «2» عن أبيه «3» قال «4» : قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: من ذكرت عنده فلم يصل علي أخطيء به طريق الجنة.. # وعن علي «5» بن أبي طالب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «6» قال: # إن البخيل كل «7» البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي. # وعن أبي هريرة «8» قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم «9» : أيما «10» ~~قوم جلسوا ثم تفرقوا قبل أن يذكروا الله ويصلوا على النبي صلى الله عليه ~~وسلم كانت عليهم من الله ترة «11» إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم.. ~~PageV02P179 # وعن «1» أبي هريرة رضي الله عنه: «من نسي «2» الصلاة علي نسي طريق الجنة» ~~. # وعن قتادة «3» عنه صلى الله عليه وسلم «4» : «من الجفاء أن أذكر عند ~~الرجل «5» فلا يصلي علي» . # وعن جابر «6» عنه صلى الله عليه وسلم «7» : «ما جلس قوم مجلسا ثم تفرقوا ~~على غير صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إلا تفرقوا على أنتن من ريح ~~الجيفة.» # وعن أبي سعيد «8» عن النبي صلى الله عليه وسلم قال» # : لا يجلس قوم «10» مجلسا لا يصلون فيه على النبي صلى الله عليه وسلم إلا ~~كان عليهم حسرة «11» وإن PageV02P180 # دخلوا الجنة لما يرون من الثواب.. # وحكى أبو عيسى «1» الترمذي عن بعض أهل العلم قال: إذا صلى الرجل على ~~النبي صلى الله ms247 عليه وسلم مرة في المجلس أجزأ عنه ما كان في ذلك المجلس «2» ~~.. # *** PageV02P181 ### ||| الفصل السابع تخصيصه صلى الله عليه وسلم بتبليغ صلاة من صلى عليه أو سلم من الأنام # عن «1» أبي هريرة «2» رضي الله عنه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام «3» . # وذكر أبو بكر «4» بن أبي شيبة عن أبي هريرة «2» قال: قال PageV02P182 # رسول الله صلى الله عليه وسلم «1» «من صلى علي عند قبري سمعته «2» .. ومن ~~صلى علي نائيا بلغته..» # وعن ابن مسعود «3» أن لله ملائكته سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي ~~السلام «4» . # ونحوه «5» عن أبي هريرة «6» .. # وعن «7» ابن عمر «8» أكثروا من السلام على نبيكم كل جمعة فإنه يؤتى به ~~منكم في كل جمعة «9» . # وفي رواية: فإن أحدا لا يصلي علي إلا عرضت صلاته علي حين يفرغ منها.. # وعن الحسن «10» عنه صلى الله عليه وسلم «11» : حيثما «12» كنتم فصلوا علي ~~PageV02P183 # فإن صلاتكم تبلغني.. وعن «1» ابن عباس «2» ليس أحد من أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم يسلم عليه ويصلي عليه إلا بلغه. # وذكر بعضهم «3» أن العبد إذا صلى على النبي صلى الله عليه وسلم عرض عليه ~~اسمه. # وعن «4» الحسن «5» بن علي إذا دخلت المسجد فسلم على النبي صلى الله عليه ~~وسلم.. فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تتخذوا بيتي عيدا ولا ~~تتخذوا بيوتكم قبورا وصلوا علي حيث كنتم فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم.. # وفي حديث أوس «6» أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي ~~«7» . # وعن سليمان «8» بن سحيم «9» رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في ~~PageV02P184 # النوم «1» .. فقلت: يا رسول الله.. هؤلاء الذين يأتونك فيسلمون عليك.. ~~أتفقه سلامهم؟ .. قال: نعم وأرد عليهم. # وعن ابن شهاب «2» : بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال» # أكثروا من الصلاة علي في الليلة الزهراء واليوم الأزهر فإنهما يؤديان ~~عنكم.. وإن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء.. وما من مسلم يصلي علي إلا حملها ~~ملك حتى يؤديها إلي ويسميه ms248 حتى إنه ليقول إن فلانا يقول كذا وكذا. # *** PageV02P185 ### ||| الفصل الثامن الاختلاف في الصلاة على غير النبي صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء عليهم السلام # قال القاضي وفقه الله: عامة أهل العلم متفقون «1» على جواز الصلاة على ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # وروي «2» عن ابن عباس «3» : أنه لا تجوز الصلاة على غير النبي صلى الله ~~عليه وسلم وروي «4» عنه لا تنبغي الصلاة على أحد إلا النبيين.. # وقال سفيان «5» يكره أن يصلى إلا على نبي «6» . PageV02P186 # ووجدت بخط بعض شيوخي: مذهب مالك «1» أنه لا يجوز أن يصلى على أحد من ~~الأنبياء سوى محمد صلى الله عليه وسلم. # وهذا غير معروف من مذهبه. # وقد قال مالك «1» في المبسوط «2» ليحيى «3» بن اسحق: أكره الصلاة على غير ~~الأنبياء. وما ينبغي لنا أن نتعدى ما أمرنا به. # قال يحيى «4» بن يحيى: لست آخذ بقوله «5» .. ولا بأس بالصلاة على ~~الأنبياء كلهم وعلى غيرهم.. واحتج بحديث ابن «6» عمر «7» وبما جاء من حديث ~~تعليم النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عليه- وفيه- وعلى أزواجه وعلى آله ~~«8» . وقد وجدت «9» معلقا «10» عن أبي PageV02P187 # عمران «1» الفاسي روى عن ابن عباس «2» رضي الله عنهما كراهة الصلاة على ~~غير النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وبه نقول «3» . ولم يكن يستعمل فيما ~~مضى. # وقد روى عبد الرزاق «4» عن أبي هريرة «5» رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم «6» : «صلوا على أنبياء الله ورسله.. # فإن الله بعثهم كما بعثني..» # قالوا: والأسانيد عن ابن عباس «7» لينة «8» . # «والصلاة» في لسان العرب بمعنى الترحم والدعاء.. وذلك على الإطلاق حتى ~~يمنع منه حديث صحيح أو إجماع.. # وقد قال تعالى: «هو الذي يصلي عليكم وملائكته «9» ..» الاية» PageV02P188 # وقال تعالى: «خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم «1» ..» ~~الآية. # وقال: «أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة «2» ..» # وقال النبي صلى الله عليه وسلم «3» : «اللهم صل على آل أبي أوفى «4» .» # وكان إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: اللهم صل على فلان. # وفي حديث الصلاة «5» : «اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته» . # وفي آخر «6» : «وعلى آل ms249 محمد» .. قيل: أتباعه وقيل أمته. # وقيل: آل بيته.. وقيل الأتباع والرهط» # والعشيرة.. # وقيل: آل الرجل ولده، وقيل: قومه، وقيل: أهله الذين حرمت عليهم الصدقة. # وفي رواية «8» أنس «9» سئل النبي صلى الله عليه وسلم من آل محمد؟ قال: # كل تقي.. PageV02P189 # ويجيء على مذهب الحسن «1» أن المراد بآل محمد محمد نفسه، فإنه كان يقول ~~في صلاته على النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم اجعل صلواتك وبركاتك على آل ~~محمد- يريد نفسه. لأنه كان لا يخل بالفرض الذي أمر الله تعالى به هو الصلاة ~~على محمد نفسه. # وهذا مثل قوله صلى الله عليه وسلم «2» : لقد أوتي مزمارا من مزامير آل ~~داوود- يريد من مزامير داود. # وفي حديث أبي حميد «3» الساعدي في الصلاة. اللهم صل على محمد وأزواجه، ~~وذريته «4» . # وفي حديث ابن عمر «5» أنه كان يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى ~~أبي بكر «6» وعمر «7» ذكره مالك «8» في الموطأ من رواية يحيى «9» ~~PageV02P190 # الأندلسي والصحيح من رواية غيره ويدعو لأبي بكر وعمر. # وروى «1» ابن «2» وهب عن أنس «3» بن مالك كنا ندعو لأصحابنا بالغيب ~~فنقول: اللهم اجعل منك على فلان صلوات قوم أبرار، الذين يقومون بالليل ~~ويصومون بالنهار. # قال القاضي: والذي ذهب إليه المحققون وأميل إليه ما قاله مالك «4» وسفيان ~~«5» رحمهما الله. # وروي عن ابن «6» عباس واختاره غير واحد من الفقهاء والمتكلمين أنه لا ~~يصلى على غير الأنبياء عند ذكرهم «7» .. بل هو شيء يختص به الأنبياء توقيرا ~~وتعزيزا، كما يخص الله تعالى عند ذكره بالتنزيه والتقديس والتعظيم ولا ~~يشاركه فيه غيره. # كذلك يجب تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء بالصلاة ~~والتسليم، ولا يشارك «8» فيه سواهم، كما أمر الله به بقوله: «صلوا عليه ~~وسلموا تسليما» «9» .. ويذكر من سواهم من الأئمة وغيرهم بالغفران والرضى. ~~PageV02P191 # كما قال تعالى: «يقولون: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان» ~~«1» . # وقال: «والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم» «2» . # وأيضا فهو أمر لم يكن معروفا في الصدر الأول كما قال أبو عمران، «3» ~~وإنما أحدثه الرافضة «4» والمتشيعة في بعض الأئمة فشاركوهم عند الذكر لهم ~~بالصلاة، ms250 وساووهم بالنبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، وأيضا فإن التشبه بأهل ~~البدع منهي عنه، فتجب مخالفتهم فيما التزموه من ذلك، ذلك، وذكر الصلاة على ~~الآل والأزواج مع النبي صلى الله عليه وسلم بحكم التبع والإضافة إليه لا ~~على التخصيص. # قالوا: وصلاة النبي صلى الله عليه وسلم على من صلى عليه مجراها مجرى ~~الدعاء والمواجهة.. ليس فيها معنى التعظيم والتوقير. # قالوا وقد قال تعالى: «لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء PageV02P192 # بعضكم بعضا «1» » .. فكذلك يجب أن يكون الدعاء له مخالفا لدعاء الناس ~~بعضهم لبعض. # وهذا اختيار الإمام أبي المظفر «2» الإسفرائيني من شيوخنا وبه قال أبو ~~عمر «3» بن عبد البر «4» .. PageV02P193 ### ||| الفصل التاسع حكم زيارة قبره صلى الله عليه وسلم وفضيلة من زاره وسلم عليه وكيف يسلم عليه # وزيارة قبره صلى الله عليه وسلم سنة من سنن المسلمين مجمع عليها، وفضيلة ~~«1» مرغب فيها. # عن ابن عمر «2» رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «3» ~~«من PageV02P194 # زار قبري وجبت» # له شفاعتي» . # وعن أنس «2» بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من زارني في ~~المدينة محتسبا «3» كان في جواري، وكنت له شفيعا يوم القيامة «4» » # وفي حديث آخر «5» : «من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي..» وكره ~~مالك «6» أن يقال: زرنا قبر النبي صلى الله عليه وسلم: # وقد اختلف في معنى ذلك فقيل: كراهية الاسم لما ورد من قوله صلى الله عليه ~~وسلم «7» : «لعن الله زوارات القبور» . # وهذا يروه قوله «8» : «نهيتكم عن زيارة القبور فزورها» . # وقوله «9» : «من زار قبري» .. فقد أطلق اسم الزيادة.. PageV02P195 # وقيل لأن ذلك لما قيل: إن الزائر أفضل من المزور، وهذا أيضا ليس بشيء إذ ~~ليس كل زائر بهذه الصفة، وليس هذا عموما. # وقد ورد في حديث أهل الجنة زيارتهم لربهم ولم يمنع هذا اللفظ في حقه ~~تعالى. # وقال أبو عمران «1» رحمه الله: إنما كره مالك «2» أن يقال: # طواف الزيارة وزرنا قبر النبي صلى الله عليه وسلم لاستعمال الناس ذلك ~~بينهم بعضهم لبعض وكره تسوية النبي صلى الله ms251 عليه وسلم مع الناس بهذا اللفظ ~~وأحب أن يخص بأن يقال: سلمنا على النبي صلى الله عليه وسلم.. # وأيضا فإن الزيارة مباحة بين الناس.. وواجب شد المطي «3» إلى قبره صلى ~~الله عليه وسلم. يريد بالوجوب هنا وجوب ندب وترغيب وتأكيد لا وجوب فرض. # والأولى والذي عندي أن منعه وكراهة مالك لإضافته لقبر «4» PageV02P196 # النبي صلى الله عليه وسلم.. وأنه لو قال: زرنا النبي صلى الله عليه وسلم ~~لم يكرهه. لقوله صلى الله عليه وسلم: اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد بعدي ~~اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبياءهم مساجد «1» . # فمحى إضافة هذا اللفظ إلى القبر، والتشبه بفعل أولئك قطعا للذريعة «2» ~~وحسما للباب، والله أعلم. # قال اسحق «3» بن إبراهيم الفقيه: ومما لم يزل من شأن من حج المرور ~~بالمدينة والقصد، إلى الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والتبرك ~~برؤية روضته ومنبره وقبره، ومجلسه، وملامس يديه، ومواطيء قدميه، والعمود ~~الذي كان يستند إليه، وينزل جبريل بالوحي فيه عليه.. وبمن عمره، وقصده من ~~الصحابة، وأئمة المسلمين، والاعتبار بذلك كله. # وقال ابن أبي فديك «4» : سمعت بعض من أدركت يقول: # بلغنا أنه من وقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فتلا هذه الاية «إن ~~الله PageV02P197 # وملائكته يصلون على النبي» «1» ثم قال: صلى الله عليك يا محمد. # من يقولها سبعين مرة ناداه ملك صلى الله عليك يا فلان ولم تسقط له حاجة ~~«2» . # وعن يزيد «3» بن أبي سعيد المهري: قدمت على عمر «4» بن عبد العزيز فلما ~~ودعته قال: لي إليك حاجة.. إذا أتيت المدينة سترى قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأقره مني السلام. # قال غيره «5» وكان يبرد إليه البريد من الشام. # قال بعضهم رأيت أنس «6» بن مالك أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فوقف ~~فرفع يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ~~ثم انصرف. # قال مالك «7» في رواية ابن وهب «8» إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ~~PageV02P198 # ودعا، يقف ووجهه إلى القبر لا إلى ms252 القبلة، ويدنو ويسلم ولا يمس القبر ~~بيده. # وقال في المبسوط لا أرى أن يقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو، ~~ولكن يسلم ويمضي. # قال ابن أبي ملكية «1» من أحب أن يقوم «2» وجاه «3» النبي صلى الله عليه ~~وسلم فليجعل القنديل الذي في القبلة عند القبر من رأسه. # وقال «4» نافع «5» : كان ابن عمر «6» يسلم على القبر.. رأيته مئة مرة ~~وأكثر يجيء إلى القبر فيقول: السلام على النبي صلى الله عليه وسلم.. # السلام على أبي بكر السلام على أبي «7» ثم ينصرف. # ورؤي» # ابن عمر واضعا يده على مقعد النبي صلى الله عليه وسلم من PageV02P199 # المنبر ثم وضعها على وجهه. # وعن ابن قسيط «1» والعتبي «2» كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا ~~خلا المسجد جسوا «3» رمانة المنبر التي تلي القبر بميامنهم ثم استقبلوا ~~القبلة يدعون «4» . # وفي الموطأ من رواية يحيى «5» بن الليثي أنه كان يقف على قبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيصلي على النبي وعلى أبي بكر وعمر. # وعند ابن القاسم «6» والقعنبي «7» : ويدعو لأبي بكر وعمر. # قال مالك «8» في رواية ابن وهب «9» يقول المسلم: السلام عليك أيها النبي ~~ورحمة الله وبركاته.. PageV02P200 # قال في المبسوط ويسلم على أبي بكر «1» وعمر «2» .. # قال القاضي أبو الوليد «3» الباجي: وعندي أنه يدعو للنبي صلى الله عليه ~~وسلم بلفظ الصلاة، ولأبي بكر «4» وعمر «5» كما في حديث ابن عمر «6» من ~~الخلاف. # وقال ابن حبيب «7» ويقول إذا دخل مسجد الرسول: باسم الله وسلام على رسول ~~الله.. السلام علينا من ربنا. وصلى الله وملائكته على محمد.. اللهم اغفرلي ~~ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وجنتك، واحفظني من الشيطان الرجيم. # ثم اقصد إلى الروضة وهي ما بين القبر والمنبر فاركع فيها ركعتين قبل ~~وقوفك بالقبر تحمد الله فيهما، وتسأله تمام ما خرجت إليه، والعون عليه.. ~~وإن كانت ركعتاك في غير الروضة أجزأتاك وفي الروضة أفضل. وقد قال صلى الله ~~عليه وسلم «8» : «ما بين بيتي ومنبري PageV02P201 # روضة من رياض الجنة.. ومنبري على ترعة «1» من ترع الجنة» . # ثم يقف بالقبر متواضعا متوقرا، فتصلي عليه ms253 وتثني بما يحضرك، وتسلم على ~~أبي بكر «2» وعمر «3» ، وتدعو لهما، وأكثر من الصلاة في مسجد النبي صلى ~~الله عليه وسلم بالليل والنهار، ولا تدع أن تأتي مسجد قباء «4» وقبور ~~الشهداء. # قال مالك «5» في كتاب محمد «6» : ويسلم على النبي صلى الله عليه وسلم إذا ~~دخل وخرج- يعني في المدينة- وفيما بين ذلك قال محمد: وإذا خرج جعل آخر عهده ~~الوقوف بالقبر.. وكذلك من خرج مسافرا. PageV02P202 # وروى ابن وهب «1» عن فاطمة «2» بنت محمد صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال «3» : «إذا دخلت المسجد فصل على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقل: اللهم اغفرلي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك.. وإذا خرجت فصل على ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقل: اللهم اغفرلي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك: # وفي رواية أخرى «4» : «فليسلم» مكان فليصل فيه، ويقول إذا خرج: اللهم إني ~~أسألك من فضلك. # وفي أخرى: اللهم احفظني من الشيطان الرجيم. # وعن محمد «5» بن سيرين: كان الناس يقولون إذا دخلوا المسجد: # صلى الله وملائكته على محمد.. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله ~~وبركاته.. باسم الله دخلنا وباسم الله خرجنا، وعلى الله توكلنا. # وكانوا يقولون إذا خرجوا: مثل ذلك. # وعن «6» فاطمة «2» أيضا: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد ~~قال: PageV02P203 # صلى الله على محمد «1» وسلم ثم ذكر مثل حديث فاطمة قبل هذا وفي رواية: ~~حمد الله وسمى وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم- وذكر مثله. # وفي رواية «2» باسم الله والسلام» # على رسول الله.. # وعن غيرها «4» : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد قال: # اللهم افتح لي أبواب رحمتك، ويسر لي أبواب رزقك. # وعن أبي «5» هريرة: إذا دخل أحدكم المسجد فليصل على النبي صلى الله عليه ~~وسلم وليقل: اللهم افتح لي «6» .. # وقال مالك «7» في المبسوط: وليس يلزم من دخل المسجد وخرج منه من أهل ~~المدينة الوقوف بالقبر وإنما ذلك للغرباء. # وقال فيه أيضا: لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر ~~النبي صلى الله عليه ms254 وسلم، فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر «8» وعمر «9» . ~~PageV02P204 # فقيل له: إن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ~~ذلك في اليوم مرة أو أكثر وربما وقفوا في الجمعة أو في الأيام المرة أو ~~المرتين أو أكثر عند القبر فيسلمون ويدعون ساعة، فقال: لم يبلغني هذا عن ~~أحد من أهل الفقه ببلدنا وتركه واسع «1» .. ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما ~~صلح أولها ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ~~ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده. # قال ابن القاسم «2» : ورأيت أهل المدينة إذا خرجوا منها أو دخلوها أتوا ~~القبر فسلموا- قال- وذلك رأي. # قال الباجي «3» : ففرق بين أهل المدينة والغرباء، لأن الغرباء ~~PageV02P205 # قصدوا ذلك وأهل المدينة مقيمون بها لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم «1» ~~. # وقال صلى الله عليه وسلم «2» : اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد.. اشتد غضب ~~الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد «3» . # وقال «4» لا تجعلوا قبري عيدا «5» . # ومن كتاب أحمد «6» بن سعيد الهندي فيمن وقف بالقبر: لا يلصق به، ولا يمسه ~~«7» ولا يقف عنده طويلا. PageV02P206 # وفي العتبية «1» يبدأ بالركوع «2» قبل السلام في مسجد النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأحب مواضع التنفل فيه مصلى النبي حيث العمود المخلق «3» وأما في ~~الفريضة فالتقدم إلى الصفوف.. والتنفل فيه للغرباء أحب إلي من التنفل في ~~البيوت. PageV02P207 ### ||| الفصل العاشر آداب دخول المسجد النبوي الشريف وفضله وفضل المدينة ومكة # فيما يلزم من دخل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم من الأدب سوى ما قدمناه، ~~وفضله، وفضل الصلاة فيه، وفي مسجد مكة.. وذكر قبره ومنبره وفضل سكنى ~~المدينة ومكة.. # قال الله تعالى: «لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه «1» » ~~.. # روي «2» : أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي مسجد هو؟ قال: مسجدي هذا. ~~وهو قول ابن المسيب «3» وزيد «4» بن ثابت وابن عمر «5» PageV02P208 # ومالك «1» بن أنس وغيرهم. # وعن «2» ابن عباس «3» أنه مسجد قباء «4» .. # عن أبي هريرة «5» رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ms255 قال «6» : # «لا تشد الرحال «7» إلا إلى ثلاث مساجد. المسجد» # الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى..» # وقد تقدمت الآثار في الصلاة والسلام «9» على النبي صلى الله عليه وسلم ~~عند دخول المسجد.. # وعن «10» عبد الله بن عمرو «11» بن العاص: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان إذا دخل المسجد قال: «أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم ~~من الشيطان الرجيم..» PageV02P209 # وقال مالك «1» رحمه الله «2» : سمع عمر بن الخطاب «3» صوتا في المسجد ~~فدعا بصاحبه فقال: ممن أنت؟ قال رجل من ثقيف «4» . # قال: لو كنت من هاتين القريتين «5» لأدبتك «6» .. إن مسجدنا لا يرفع فيه ~~الصوت. # قال محمد بن مسلمة «7» : لا ينبغي لأحد أن يعتمد «8» المسجد برفع الصوت ~~ولا بشيء من الأذى، وأن ينزه عما يكره.» # قال القاضي: حكى ذلك كله القاضي إسماعيل «9» في مبسوطه في باب فضل مسجد ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # والعلماء كلهم متفقون أن حكم سائر المساجد هذا الحكم. # قال القاضي إسماعيل «9» وقال محمد بن مسلمة: ويكره PageV02P210 # في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم الجهر على المصلين فيما يخلط عليهم ~~صلاتهم. # وليس مما يخص به المساجد رفع الصوت.. قد كره رفع الصوت بالتلبية في مساجد ~~الجماعات إلا المسجد الحرام ومسجدنا. # وقال أبو «1» هريرة عنه صلى الله عليه وسلم «2» .. «صلاة في مسجدي هذا ~~خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام» # قال القاضي: اختلف الناس في معنى هذا الاستثناء على اختلافهم في المفاضلة ~~بين مكة والمدينة. # فذهب مالك «3» في رواية أشهب «4» عنه وقاله ابن «5» نافع صاحبه وجماعة ~~أصحابه إلى أن معنى الحديث، أن الصلاة في مسجد الرسول أفضل من الصلاة في ~~سائر المساجد بألف صلاة إلا المسجد الحرام، فإن الصلاة في مسجد النبي صلى ~~الله عليه وسلم أفضل من الصلاة فيه بدون الألف. # واحتجوا بما روي عن عمر بن «6» الخطاب رضي الله عنه. PageV02P211 # «صلاة في المسجد الحرام خير من مئة صلاة فيما سواه «1» » فتأتي فضيلة ~~مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم بتسعمئة وعلى غيره بألف. # وهذا مبني على تفضيل المدينة على مكة، ms256 على ما قدمناه وهو قول عمر «2» بن ~~الخطاب، ومالك «3» ، وأكثر المدنيين. # وذهب أهل مكة والكوفة إلى تفضيل مكة.. # وهو قول عطاء «4» ، وابن وهب «5» ، وابن حبيب «6» . # من أصحاب مالك. # وحكاه الساجي «7» عن الشافعي «8» . # وحملوا الاستثناء في الحديث المتقدم على ظاهره، وأن الصلاة في المسجد ~~الحرام أفضل. PageV02P212 # واحتجوا بحديث عبد الله «1» بن الزبير عن النبي صلى الله عليه وسلم «2» : # بمثل حديث أبي هريرة «3» - وفيه- وصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة ~~في مسجدي هذا بمئة صلاة. # وروى قتادة «4» مثله «5» .. # فيأتي فضل الصلاة في المسجد الحرام على هذا على الصلاة في سائر المساجد ~~بمئة ألف.. # ولا خلاف أن موضع قبره أفضل بقاع الأرض» . # قال القاضي أبو الوليد «7» الباجي الذي يقتضيه الحديث مخالفة حكم مسجد ~~مكة لسائر المساجد، ولا يعلم منه حكمها مع المدينة. PageV02P213 # وذهب الطحاوي «1» : إلى أن هذا التفضيل إنما هو في صلاة الفرض. # وذهب مطرف «2» من أصحابنا: إلى أن ذلك في النافلة «3» أيضا. # قال: وجمعة خير من جمعة، ورمضان خير من رمضان. # وقد ذكر عبد الرزاق «4» في تفضيل رمضان بالمدينة وغيرها- حديثا «5» ~~نحوه-. # قال صلى الله عليه وسلم «6» : «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة..» # ومثله «7» عن أبي هريرة «8» ، وأبي سعيد «9» ، وزاد «10» - ومنبري على ~~حوضي.. PageV02P214 # وفي حديث آخر «1» : «منبري على ترعة من ترع الجنة..» # قال الطبري «2» : فيه معنيان: أحدهما أن المراد بالبيت.. بيت سكناه على ~~الظاهر، مع أنه روي ما يبينه «بين حجرتي ومنبري» . # والثاني: أن البيت هنا القبر وهو قول زيد بن أسلم «3» في هذا الحديث. # كما روي: «بين قبري «4» ومنبري..» # قال الطبري: وإذا كان قبره في بيته اتفقت معاني الروايات ولم يكن بينها ~~خلاف.. لأن قبره في حجرته، وهو بيته. # وقوله: «ومنبري على حوضي» . # قيل: يحتمل أنه منبره بعينه الذي كان في الدنيا.. وهو أظهر. # والثاني: أن يكون له هناك منبر. # والثالث: أن قصد منبره والحضور عنده لملازمة الأعمال PageV02P215 # الصالحة يورد الحوض، ويوجب الشرب منه. قاله الباجي «1» . # وقوله: «روضة من رياض الجنة» .. يحتمل معنيين. # أحدهما: أنه موجب لذلك.. وأن الدعاء والصلاة ms257 فيه يستحق ذلك من الثواب- ~~كما قيل «2» - الجنة تحت ظلال السيوف. # والثاني: أن تلك البقعة ينقلها الله فتكون في الجنة بعينها.. # قاله الداودي «3» . # وروى ابن عمر «4» ، وجماعة من الصحابة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~«5» المدينة.. «لا يصبر على لأوائها «6» وشدتها أحد إلا كنت له شهيدا- أو ~~شفيعا «7» - يوم القيامة.» PageV02P216 # وقال «1» فيمن تحمل «2» عن المدينة.. «والمدينة خير لهم لو كانوا ~~يعلمون.» # وقال «3» : «إنما المدينة كالكير «4» تنفي خبثها، وينصع «5» طيبها» . # وقال «6» : «لا يخرج أحد من المدينة رغبة عنها إلا أبد لها الله خيرا ~~منه.» # وروي عنه صلى الله عليه وسلم «7» : «من مات في أحد الحرمين حاجا أو ~~معتمرا بعثه الله يوم القيامة لا حساب عليه ولا عذاب.» # وفي طريق آخر «8» : «بعث من الامنين يوم القيامة..» PageV02P217 # وعن «1» ابن عمر» # : «من استصاع أن يموت «3» بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها ~~«4» » . # وقال تعالى: «إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا «5» ..» إلى قوله: ~~«آمنا» # قال بعض المفسرين: آمنا من النار. # وقيل: كان يأمن من الطلب من أحدث حدثا خارجا عن الحرم ولجأ إليه في ~~الجاهلية. # وهذا مثل قوله: «وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا «6» » على قول بعضهم ~~«7» . # وحكي أن قوما أتوا سعدون «8» الخولاني بالمنستير «9» PageV02P218 # فأعلموه أن كتامة «1» قتلوا رجلا وأضموا عليه النار طول الليل، فلم تعمل ~~فيه شيئا، وبقي أبيض البدن.. # فقال: لعله حج ثلاث حجج؟!! # قالوا: نعم # قال: حدثت «2» أن من حج حجة أدى فرضه ومن حج ثانية داين ربه. ومن حج ثلاث ~~حجج حرم الله شعره وبشره على النار. # ولما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة «3» قال «4» : «مرحبا ~~بك من بيت.. ما أعظمك وأعظم حرمتك» . # وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: «ما من أحد يدعو الله تعالى عند ~~الركن الأسود إلا استجاب الله له وكذلك عند الميزاب «5» » . PageV02P219 # وعنه صلى الله عليه وسلم: «من صلى عند المقام ركعتين غفر له ما تقدم من ~~ذنبه وما تأخر وحشر يوم القيامة من الامنين «1» ..» # وعن ابن عباس «2» قال سمعت رسول الله ms258 صلى الله عليه وسلم يقول: # «ما دعا أحد بشيء في هذا الملتزم إلا استجيب له» . # قال ابن عباس «2» : وأنا فما دعوت الله بشيء في هذا الملتزم منذ سمعت هذا ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا استجيب لي.. # وقال عمرو «3» بن دينار وأنا فما دعوت الله بشيء في هذا الملتزم منذ سمعت ~~هذا من ابن عباس إلا استجيب. # وقال سفيان «4» : وأنا ما دعوت الله بشيء في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من ~~عمرو «3» إلا استجيب لي. # قال الحميدي «5» وأنا فما دعوت الله بشيء في هذا الملتزم منذ PageV02P220 # سمعت هذا من سفيان «1» إلا استجيب لي. # وقال محمد «2» بن إدريس: وأنا فما دعوت الله بشيء في هذا من الحميدي «3» ~~إلا استجيب لي. # وقال أبو الحسن «4» محمد بن الحسن: وأنا فما دعوت الله بشيء في هذا ~~الملتزم منذ سمعت هذا من محمد بن إدريس إلا استجيب لي. # قال أبو أسامة «5» : وما أذكر الحسن «6» بن رشيق قال فيه شيئا «7» - وأنا ~~ما دعوت الله بشيء في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من الحسن «6» بن رشيق إلا ~~استجيب لي من أمر الدنيا وأنا أرجو أن يستجاب لي من أمر الآخرة. # قال العذري «8» : فما دعوت الله بشيء في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من أبي ~~أسامة «5» إلا استجيب لي. PageV02P221 # قال أبو علي «1» : وأنا قد دعوت الله فيه بأشياء كثيرة استجيب لي بعضها ~~وأنا أرجو من سعة فضله أن يستجيب لي بقيتها.. # قال القاضي أبو الفضل «2» : ذكرنا نبذا من هذه النكت في هذا الفصل وإن لم ~~تكن من الباب لتعلقها بالفصل الذي قبله حرصا على تمام الفائدة والله الموفق ~~للصواب برحمته. PageV02P222 ### | القسم الثالث في ما يجب للنبي صلى الله عليه وسلم وما يستحيل في حقه أو يجوز عليه وما يمتنع أو يصح من الأحوال البشرية أو يضاف إليه. # في بابين وخمسة وعشرين فضلا # PageV02P223 ### || مقدمة القسم الثالث # قال الله تعالى: «وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو ~~قتل انقلبتم على أعقابكم.. «1» » الآية # وقال ms259 تعالى: «ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه ~~صديقة كانا يأكلان الطعام.. «2» » # وقال: «وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في ~~الأسواق.. «3» » # وقال تعالى: «قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي.. «4» » الآية فمحمد صلى ~~الله عليه وسلم، وسائر الأنبياء من البشر أرسلوا إلى البشر.. # ولولا ذلك لما أطاق الناس مقاومتهم» # ، والقبول عنهم، ومخاطبتهم. # قال الله تعالى: «ولو جعلناه ملكا.. لجعلناه رجلا «6» » . PageV02P224 # أي ما كان إلا في صورة البشر الذين يمكنكم مخالطتهم إذ لا تطيقون مقاومة ~~الملك، ومخاطبتهم، ورؤيته، إذا كان على صورته.. # وقال تعالى: «قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من ~~السماء ملكا رسولا «1» » .. # أي لا يمكن في سنة الله إرسال الملك إلا لمن هو من جنسه، أو من خصه الله ~~تعالى واصطفاه وقواه على مقاومته كالأنبياء والرسل. # فالأنبياء والرسل عليهم السلام وسائط بين الله تعالى وبين خلقه، يبلغونهم ~~أوامره ونواهيه ووعده ووعيده، ويعرفوهم بما لم يعلموه من أمره وخلقه، ~~وجلاله وسلطانه وجبروته وملكوته.. # فظواهرهم وأجسادهم وبنيتهم متصفة بأوصاف البشر، طاريء عليها ما يطرأ على ~~البشر من الأعراض والأسقام، والموت والفناء ونعوت الإنسانية.. # وأرواحهم وبواطنهم متصفة بأعلى من أوصاف البشر متعلقة بالملأ الأعلى، ~~متشبهة بصفات الملائكة سليمة من التغير والافات.. PageV02P225 # لا يلحقها غالبا عجز البشرية، ولا ضعف الإنسانية.. إذ لو كانت بواطنهم ~~خالصة للبشرية كظواهرهم لما أطاقوا الأخذ عن الملائكة، ورؤيتهم، ومخاطبتهم، ~~ومخالتهم «1» . كما لا يطيقه غيرهم من البشر. # ولو كانت أجسادهم وظواهرهم متسمة بنعوت الملائكة وبخلاف صفات البشر لما ~~أطاق البشر ومن أرسلوا إليهم مخالطتهم كما تقدم من قول الله تعالى «2» . # «فجعلوا من جهة الأجسام والظواهر مع البشر، ومن جهة الأرواح والبواطن مع ~~الملائكة. # كما قال صلى الله عليه وسلم «3» «لو كنت متخذا من أمتي خليلا لا تخذت أبا ~~بكر «4» خليلا، ولكن أخوة الإسلام.. لكن صاحبكم «5» خليل الرحمن.. ~~PageV02P226 # وكما قال «1» : «تنام عيناي ولا ينام قلبي» . # وقال «2» : «إني لست كهيئتكم.. إني أظل «3» يطعمني ربي ويسقيني» فبواطنهم ~~منزهة عن ms260 الافات، مطهرة عن النقائص والإعتلالات.. # وهذه جملة لن يكنفي بمضمونها كل ذي همة.. بل الأكثر يحتاج إلى بسط وتفصيل ~~على ما نأتي به بعد هذا في البابين بعون الله تعالى وهو حسبي ونعم الوكيل.. ~~PageV02P227 ### || الباب الأول في ما يختص بالأمور الدينية والكلام في عصمة نبينا عليه الصلاة والسلام وسائر الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين. وفيه ستة عشر فصلا # PageV02P228 ### ||| تمهيد # قال القاضي أبو الفضل وفقه الله # إعلم أن الطواريء من التغيرات والافات على آحاد البشر لا يخلو أن تطرأ ~~على جسمه، أو على حواسه بغير قصد واختيار، كالأمراض والأسقام، أو تطرأ بقصد ~~واختيار.. وكله في الحقيقة عمل وفعل.. ولكن جرى رسم المشايخ بتفصيله إلى ~~ثلاثة أنواع: # عقد بالقلب.. وقول باللسان، وعمل بالجوارح. وجميع البشر تطرأ عليهم ~~الآفات والتغيرات بالاختيار وبغير الاختيار في هذه الوجوه كلها.. والنبي ~~صلى الله عليه وسلم- وإن كان من البشر. ويجوز على جبلته ما يجوز على جبلة ~~البشر- فقد قامت البراهين القاطعة، وتمت كلمة الإجماع على خروجه عنهم، ~~وتنزيهه عن كثير من الافات التي تقع على الاختيار.. وعلى غير الاختيار، كما ~~سنبينه إن شاء الله تعالى فيما نأتي به من التفاصيل. # PageV02P229 ### ||| الفصل الأول في حكم عقد قلب النبي صلى الله عليه وسلم من وقت نبوته # اعلم منحنا الله وإياك توفيقه أن ما تعلق منه بطريق التوحيد والعلم بالله ~~وصفاته، والإيمان به وبما أوحي إليه، فعلى غاية المعرفة، ووضوح العلم ~~واليقين، والانتفاء عن الجهل بشيء من ذلك، أو الشك أو الريب فيه، والعصمة ~~من كل ما يضاد المعرفة بذلك.. واليقين.. # هذا ما وقع إجماع المسلمين عليه. # ولا يصح بالبراهين الواضحة أن يكون في عقود الأنبياء سواه. # ولا يعترض على هذا بقول إبراهيم عليه السلام: «قال: # بلى ولكن ليطمئن قلبي.. «1» إذ لم يشك إبراهيم في إخبار الله تعالى له ~~بإحياء الموتى.. ولكن إرادة طمأنينة القلب، PageV02P230 # وترك المنازعة لمشاهدة الإحياء.. فحصل له العلم الأول بوقوعه وأراد العلم ~~الثاني بكيفيته ومشاهدته. # الوجه الثاني: أن إبراهيم عليه السلام إنما أراد اختبار منزلته عند ربه.. ms261 ~~وعلم إجابته «1» دعوته بسؤال ذلك من ربه.. # ويكون «2» قوله تعالى «أولم تؤمن «3» » أي تصدق بمنزلتك مني وخلتك ~~واصطفائك. # الوجه الثالث: أنه سأل زيادة يقين، وقوة طمأنينة. وإن لم يكن في الأول ~~شك.. إذ العلوم الضرورية «4» ، والنظرية «5» ، قد تتفاضل في قوتها، وطريان ~~الشكوك على الضروريات ممتنع، ومجوز «6» في النظريات فأراد الانتقال من ~~النظر أو الخبر إلى المشاهدة والترقي من علم القين إلى عين اليقين.. فليس ~~الخبر كالمعاينة. # ولهذا قال سهل «7» بن عبد الله «سأل كشف غطاء العيان، ليزداد بنور اليقين ~~تمكنا في حاله» . PageV02P231 # الوجه الرابع: أنه لما احتج على المشركين بأن ربه يحيي ويميت طلب ذلك من ~~ربه ليصبح احتجاجه عيانا.. # الوجه الخامس قول بعضهم: هو سؤال عن طريق الأدب.. # المراد: أقدرني على إحياء الموتى.. وقوله «ليطمئن قلبي» عن هذه الأمنية.. # الوجه السادس: أنه أرى من نفسه الشك وما شك.. لكن ليجاوب «1» فيزداد قربه ~~«2» . # وقول نبينا صلى الله عليه وسلم: «نحن أحق بالشك من إبراهيم..» # نفي «3» لأن يكون إبراهيم شك.. وإبعادا للخواطر الضعيفة أن تظن هذا ~~بإبراهيم.. أي نحن موقنون بالبعث وإحياء الله الموتى.. فلو شك إبراهيم لكنا ~~أولى بالشك منه.. إما عن طريق الأدب.. أو أن يريد أمته الذين يجوز عليهم ~~الشك.. أو على طريق التواضع والإشفاق إن حملت قصة إبراهيم على اختبار حاله ~~أو زيادة يقينه.. PageV02P232 # فإن قلت: فما معنى قوله: «فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين ~~يقرؤن الكتاب من قبلك «1» » الآيتين. # فاحذر- ثبت الله قلبك- أن يخطر ببالك ما ذكره فيه بعض المفسرين عن ابن ~~عباس «2» أو غيره من إثبات شك للنبي صلى الله عليه وسلم فيما أوحي إليه.. ~~وأنه من البشر!! # فمثل هذا لا يجوز عليه جملة.. # بل قد قال «3» ابن عباس: لم يشك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسأل. # ونحوه عن ابن جبير «4» والحسن «5» . # وحكى «6» قتادة «7» : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما أشك «8» ولا ~~أسأل.. وعامة المفسرين على هذا. # واختلفوا في معنى الآية فقيل المراد.. قل يا محمد للشاك إن كنت في ms262 شك.. ~~الاية.. PageV02P233 # قالوا: وفي السورة نفسها ما دل على هذا التأويل. # قوله «قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني «1» » الآية وقيل: المراد ~~بالخطاب العرب وغير النبي صلى الله عليه وسلم. # كما قال «لئن أشركت ليحبطن عملك «2» » الآية. الخطاب له والمراد غيره. # ومثله «فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء» » # ونظيره كثير. # قال بكر «4» بن العلاء: ألا تراه يقول «ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات ~~الله «5» » الآية.. وهو صلى الله عليه وسلم كان المكذب فيما يدعو إليه، ~~فكيف يكون ممن كذب به!!. # فهذا كله يدل على أن المراد بالخطاب غيره.. # ومثل هذه الآية قوله: «الرحمن فسئل به خبيرا «6» » . # المأمور ههنا غير النبي صلى الله عليه وسلم ليسأل النبي، والنبي صلى الله ~~عليه وسلم هو الخبير المسؤول، لا المستخبر السائل. # وقال: إن هذا الشك الذي أمر به غير النبي صلى الله عليه وسلم بسؤال ~~PageV02P234 # الذين يقرؤون الكتاب إنما هو فيما قصه الله من أخبار الأمم.. # لا فيما دعا إليه من التوحيد والشريعة # ومثل هذا قوله تعالى: «وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا.. «1» » الاية ~~المراد المشركون والخطاب مواجهة للنبي صلى الله عليه وسلم قاله القتبي «2» ~~.. # وقيل معناه.. سلنا عمن أرسلنا من قبلك. فحذف الخافض وتم الكلام.. ثم ~~ابتدأ «أجعلنا من دون الرحمن.. «3» » # إلى آخر الآية على طريق الإنكار.. أي ما جعلنا.. حكاه مكي «4» .. # وقيل: أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسأل الأنبياء ليلة الإسراء عن ~~ذلك.. فكان أشد يقينا من أن يحتاج إلى السؤال.. فروي أنه قال لا أسأل قد ~~اكتفيت «5» قاله ابن زيد «6» . PageV02P235 # وقيل: سل امم من أرسلنا.. هل جاؤوهم بغير التوحيد وهو معنى قول مجاهد «1» ~~، والسدي «2» ، والضحاك «3» ، وقتادة «4» ، والمراد بهذا بهذا والذي قبله ~~إعلامه صلى الله عليه وسلم بما بعثت به الرسل وأنه تعالى لم يأذن في عبادة ~~غيره لأحد.. ردا على مشركي العرب وغيرهم في قولهم «إنما نعبدهم ليقربونا ~~إلى الله زلفى «5» » . وكذلك. # قوله تعالى: «والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا ms263 ~~تكونن من الممترين.. «6» أي في علمهم بأنك رسول الله.. وإن لم يقروا بذلك ~~وليس المراد به شكه فيما ذكر في أول الآية.. وقد يكون أيضا على مثل ما ~~تقدم. # أي قل يا محمد لمن امترى في ذلك: لا تكونن من الممترين. # بدليل قوله أول الآية «أفغير الله أبتغي حكما. «7» » # الاية وأن النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب بذلك غيره.. PageV02P236 # وقيل: هو تقرير كقوله «أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله.. ~~«1» » وقد علم أنه لم يقل. # وقيل: معناه.. ما كنت في شك.. فاسأل تزدد طمأنينة وعلما إلى علمك ويقينك. # وقيل: إن كنت تشك فيما شرفناك وفضلناك به فاسألهم عن صفتك في الكتب ونشر ~~فضائلك.. # وحكي عن أبي عبيدة «2» : أن المراد.. إن كنت في شك من غيرك فيما أنزلنا. ~~فإن قيل فما معنى قوله «حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا «3» » ~~على قراءة التخفيف «4» . # قلنا: المعنى في ذلك ما قالته عائشة «5» رضي الله عنها.. # معاذ الله أن تظن ذلك الرسل بربها.. وإنما معنى ذلك أن الرسل لما ~~استيأسوا ظنوا أن من وعدهم النصر من أتباعهم PageV02P237 # كذبوهم «1» .. وعلى هذا أكثر المفسرين. # وقيل: إن ضمير ظنوا عائد على الأتباع والأمم لا على الأنبياء والرسل. وهو ~~قول ابن عباس «2» ، والنخعي «3» وابن جبير «4» ، وجماعة من العلماء.. # وبهذا المعنى قرأ مجاهد «5» : «كذبوا» فلا تشغل بالك من شاذ التفسير ~~بسواه مما لا يليق بمنصب العلماء، فكيف بالأنبياء!! وكذلك ما ورد في حديث ~~السيرة ومبدإ الوحي من قوله صلى الله عليه وسلم لخديجة «6» : «لقد خشيت على ~~نفسي «7» » ليس معناه الشك فيما آتاه الله بعد رؤية الملك، ولكن لعله خشي ~~أن لا تحتمل قوته مقاومة PageV02P238 # الملك وأعباء الوحي.. فينخلع قلبه، أو تزهق نفسه. # هذا على ما ورد في الصحيح أنه قاله بعد لقائه الملك أو يكون ذلك قبل ~~لقائه، واعلام الله تعالى له بالنبوة لأول ما عرضت عليه من العجائب، وسلم ~~عليه الحجر والشجر، وبدأته المنامات والتباشير. # كما روي في بعض طرق هذا الحديث: أن ذلك كان ms264 أولا في في المنام، ثم أري في ~~اليقظة مثل ذلك تأنيسا له عليه السلام، لئلا يفجأه الأمر مشاهدة ومشافهة، ~~فلا يحمله لأول حالة بنية البشرية. # وفي الصحيح عن عائشة «1» رضي الله عنها «2» : «أول ما بديء به رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة «3» . قالت.. ثم حبب إليه ~~الخلاء.. وقالت إلى أن جاءه الحق وهو في غار حراء» # وعن» # ابن عباس «5» مكث النبي صلى الله عليه وسلم بمكة خمس عشرة سنة يسمع الصوت ~~«6» ، ويرى: الضوء «7» سبع سنين، ولا يرى PageV02P239 # شيئا وثماني سنين يوحى اليه «1» .. # وقد روى «2» ابن اسحق «3» عن بعضهم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # - وذكر جواره بغار حراء- قال: «فجاءني «4» وأنا نائم فقال اقرأ.. # فقلت ما أقرأ..» وذكر نحو حديث عائشة في غطه «5» له واقرائه له «اقرأ ~~باسم ربك «6» » السورة قال: فانصرف عني.. وهببت من نومي «7» كأنما صورت في ~~قلبي، ولم يكن أبغض إلي من شاعر أو مجنون، قلت: لا تحدث «8» عني قريش بهذا ~~أبدا.. # لأعمدن إلى حالق «9» من الجبل فلأطرحن نفسي منه فلأقتلنها.. # فبينا أنا عامد لذلك، إذ سمعت مناديا ينادي من السماء: يا محمد.. ~~PageV02P240 # أنت رسول الله وأنا جبريل.. فرفعت رأسي فإذا جبريل على صورة رجل.. وذكر ~~الحديث.. # فقد بين في هذا أن قوله لما قال، وقصده لما قصد، إنما كان قبل لقاء جبريل ~~عليهما السلام، وقيل إعلام الله تعالى له بالنبوة، وإظهاره واصطفائه له ~~بالرسالة. # ومثله حديث عمرو «1» بن شرحبيل أنه صلى الله عليه وسلم «2» قال لخديجة ~~«3» : # «إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء، وقد خشيت والله أن يكون هذا لأمر «4» » . # ومن رواية حماد «5» بن سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم «6» قال لخديجة ~~«3» : # «إني لأسمع صوتا، وأرى ضوآ، وأخشى أن يكون بي جنون وعلى هذا يتأول- لو صح ~~قوله في بعض هذه الأحاديث- أن PageV02P241 # الملك يا ابن عم فاثبت وأبشر. وآمنت به. فهذا يدل على أنها مستثبتة بما ~~فعلته لنفسها، ومستظهرة لإيمانها لا للنبي صلى الله عليه وسلم. # وقول معمر «1» في فترة الوحي «2» : فحزن النبي ms265 صلى الله عليه وسلم- فيما ~~بلغنا- حزنا غدا منه «3» مرارا كي يتردى من شواهق الجبال.. # ولا يقدح في هذا الأصل لقول معمر عنه- فيما بلغنا- ولم يسنده ولا ذكر ~~رواته، ولا من حدث «4» به، ولا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله، ولا يعرف ~~مثل هذا «5» إلا من جهة النبي صلى الله عليه وسلم «6» ، مع «7» أنه قد يحمل ~~على أنه كان أول الأمر كما ذكرناه، أو أنه فعل ذلك لما أخرجه من تكذيب من ~~بلغه. # كما قال تعالى: «فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث ~~أسفا «8» » . # ويصحح معنى هذا التأويل حديث رواه «9» شريك «10» عن PageV02P244 # عبد الله «1» بن محمد بن عقيل عن جابر «2» بن عبد الله: # أن المشركين لما اجتمعوا بدار الندوة «3» للتشاور في شأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، واتفق رأيهم على أن يقولوا إنه ساحر.. اشتد ذلك عليه وتزمل في ~~ثيابه وتدثر فيها.. فأتاه جبريل فقال: يا أيها المزمل يا أيها المدثر» . # أو خاف أن الفترة لأمر أو سبب منه فخشي أن تكون عقوبة من ربه، ففعل ذلك ~~بنفسه.. ولم يرد بعد شرع بالنهي عن ذلك فيعترض به ونحو هذا فرار يونس عليه ~~السلام خشية تكذيب قومه له لما وعدهم به من العذاب. # وقول الله في يونس: «فظن أن لن نقدر عليه «5» » معناه أن لن نضيق عليه ~~PageV02P245 # فأستغفر الله كل «1» يوم مئة مرة» - وفي طريق «2» - «في اليوم أكثر من ~~سبعين مرة» . # فاحذر أن يقع ببالك أن يكون هذا الغين وسوسة أو ريبا وقع في قلبه صلى ~~الله عليه وسلم، بل أصل الغين في هذا ما يتغشى القلب ويغطيه، قاله أبو عبيد ~~«3» - وأصله من «غين السماء» وهو إطباق الغيم عليها # وقال غيره «والغين» شيء يغشي القلب ولا يغطيه كل التغطية كالغيم الرقيق ~~الذي يعرض في الهواء فلا يمنع ضوء الشمس.. # وكذلك لا يفهم من الحديث أنه يغان على قلبه مئة مرة أو اكثر من سبعين في ~~اليوم.. إذ ليس يقتضيه لفظه الذي ذكرناه، وهو أكثر الروايات.. وإنما هذا ~~عدد للاستغفار لا ms266 للغين. فيكون المراد بهذا الغين إشارة إلى غفلات قلبه، ~~وفترات نفسه وسهوها عن مداومة الذكر، ومشاهدة الحق، بما كان صلى الله عليه ~~وسلم دفع إليه من مقاساة البشر، وسياسة الأمة، ومعاناة الأهل، ومقاومة ~~الولي، والعدو، ومصلحة النفس، وما كلفه من أعباء أداء الرسالة، وحمل ~~الأمانة.. وهو في كل هذا في طاعة ربه، PageV02P248 # وعبادة خالقه.. ولكن لما كان صلى الله عليه وسلم أرفع الخلق عند الله ~~مكانة، وأعلاهم درجة، وأتمهم به معرفة، وكانت حاله عند خلوص قلبه، وخلو ~~همه، وتفرده بربه، واقباله بكليته، ومقامه هنالك أرفع حاليه «1» .. رأى صلى ~~الله عليه وسلم حال فترته عنها، وشغله بسواها، غضا «2» من علي حاله، وخفضا ~~من رفيع مقامه، فاستغفر الله من ذلك.. هذا أولى وجوه الحديث وأشهرها. # وإلى معنى ما أشرنا به مال كثير من الناس، وحام حوله.. # فقارب ولم يرد «3» .. وقد قربنا غامض معناه.. وكشفنا للمستفيد محياه «4» ~~.. وهو مبني على جواز الفترات والفضلات، والسهو في غير طريق البلاغ على ما ~~سيأتي.. PageV02P249 # إذ فيه إثبات الجهل بصفة من صفات الله، وذلك لا يجوز على الأنبياء.. ~~والمقصود وعظهم أن لا يتسبهوا في أمورهم بسمات الجاهلين. # كما قال: «إني أعظك» وليس في آية منها دليل على كونهم على تلك الصفة التي ~~نهاهم عن الكون عليها.. فكيف وآية نوح قبلها «فلا تسئلن ما ليس لك به علم» ~~«1» فحمل ما بعدها على ما قبلها أولى، لأن مثل هذا قد يحتاج إلى إذن، وتجوز ~~إباحة السؤال فيه ابتداء، فنهاه الله أن يسأله عما طوى عنه علمه، واكنه في ~~غيبه من السبب الموجب لهلاك ابنه.. ثم أكمل الله تعالى نعمته عليه بإعلامه ~~ذلك بقوله «إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح «1» » حكاه معناه مكي «2» . # كذلك أمر نبينا في الآية الأخرى بالتزام الصبر على إعراض قومه ولا يحرج ~~عند ذلك فيقارب حال الجاهل بشدة التحسر.. # حكاه أبو بكر «3» بن فورك.. وقيل معنى الخطاب لأمة محمد. PageV02P252 # أي فلا تكونوا من الجاهلين حكاه مكي «1» وقال مثله في القرآن كثير. # فبهذا الفصل وجب ms267 القول بعصمة الأنبياء منه بعد النبوة قطعا. # فإن قلت: فإذا قررت عصمتهم من هذا وأنه لا يجوز عليهم شيء من ذلك.. فما ~~معنى إذا وعيد الله لنبينا صلى الله عليه وسلم على ذلك إن فعله وتحذيره ~~منه. # كقوله «لئن أشركت ليحبطن عملك «2» » الآية. # وقوله تعالى: «ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك.. «3» » الآية. # وقوله تعالى: «إذا لأذقناك ضعف الحياة.. «4» » الاية. # وقوله: «لأخذنا منه باليمين «5» » و «إن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن ~~سبيل الله «6» . PageV02P253 # وقوله: «اتق الله ولا تطع الكافرين «1» » . # فليس فيه أنه أطاعهم.. والله ينهاه عما يشاء ويأمره بما يشاء كما قال: ~~«ولا تطرد الذين يدعون ربهم «2» » الآية. # وما كان طردهم صلى الله عليه وسلم، ولا كان من الظالمين. PageV02P256 ### ||| الفصل الثاني عصمتهم من هذا قبل النبوة # وأما عصمتهم من هذا الفن قبل النبوة فللناس فيه خلاف والصواب أنهم ~~معصومون قبل النبوة من الجهل بالله وصفاته والتشكيك «1» في شيء من ذلك. # وقد تعاضدت الأخبار والآثار عن الأنبياء بتنزيههم عن هذه النقيصة منذ ~~ولدوا، ونشأتهم على التوحيد والإيمان.. بل على إشراق أنوار المعارف، ونفحات ~~ألطاف السعادة، كما نبهنا عليه في الباب الثاني من القسم الأول من كتابنا ~~هذا ولم ينقل أحد من أهل الأخبار أن أحدا نبيء «2» واصطفي ممن عرف بكفر ~~وإشراك قبل ذلك. ومستند هذا الباب النقل # وقد استدل بعضهم بأن القلوب تنفر عمن «3» كانت هذه سبيله PageV02P257 # وأنا أقول: إن قريشا قد رمت نبينا بكل ما افترته.. وعير كفار الأمم ~~أنبياءها «1» بكل ما أمكنها «2» واختلقته مما نص الله تعالى عليه.. أو ~~نقلته إلينا الرواة.. ولم نجد في شيء من ذلك تعييرا لواحد منهم برفضه ~~آلهته، وتقريعه بذمه بترك ما كان قد جامعهم عليه. # ولو كان هذا.. لكانوا بذلك مبادرين وبتلونه «3» في معبوده محتجين.. ولكان ~~توبيخهم له بنهيهم عما كان يعبد قبل أفظع «4» وأقطع في الحجة من توبيخه ~~بنهيهم عن تركهم آلهتهم وما كان يعبد آباؤهم من قبل.. # ففي إطباقهم على الإعراض عنه دليل على أنهم لم ms268 يجدوا سبيلا إليه.. إذ لو ~~كان لنقل وما سكتوا عنه.. كما لم يسكتوا عن «5» تحويل القبلة وقالوا: «ما ~~ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها «6» » كما حكاه الله عنهم. PageV02P258 # وقد استدل القاضي القشيري «1» على تنزيههم عن هذا بقوله تعالى: «وإذ ~~أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك «2» » الآية وبقوله تعالى: «وإذ أخذ الله ~~ميثاق النبيين.. «3» » إلى قوله «لتؤمنن به ولتنصرنه..» # قال فطهره الله في الميثاق.. وبعيد أن يأخذ منه الميثاق قبل خلقه.. ثم ~~يأخذ ميثاق النبيين بالإيمان به ونصره قبل مولده بدهور ويجوز عليه الشرك أو ~~غيره من الذنوب، هذا ما لا يجوزه إلا ملحد.. هذا معنى كلامه.. وكيف يكون» # ذلك وقد أتاه جبريل عليه السلام «5» ، وشق قلبه صغيرا، واستخرج منه علقة، ~~وقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله وملأه حكمة وإيمانا، كما تظاهرت به ~~أخبار المبدأ.. ولا يشبه عليه بقول إبراهيم.. PageV02P259 # في الكواكب والقمر والشمس هذا ربي. # فإنه قد قيل: كان هذا في سن الطفولية «1» وابتداء النظر والاستدلال وقبل ~~لزوم التكليف. # وذهب معظم الحذاق «2» من العلماء والمفسرين إلى أنه إنما قال ذلك مبكتا ~~«3» لقومه، ومستدلا عليهم. # وقيل معناه: الاستفهام الوارد مورد الافكار.. والمراد فهذا ربي! # قال الزجاج «4» : قوله «هذا ربي» أي على قولكم «5» .. كما قال «أبن ~~شركائي» «6» : أي عندكم. # ويدل على أنه لم يعبد شيئا من ذلك، ولا أشرك قط بالله PageV02P260 # طرفة عين قول الله عز وجل عنه. # «إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون «1» » ؟ .. ثم قال: # «أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب ~~العالمين «2» » . # وقال: «إذ جاء ربه بقلب سليم «3» أي من الشرك.. # وقوله: «واجنبني وبني أن نعبد الأصنام «4» » . # فإن قلت: فما معنى قوله: «لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين «5» ~~؟ # قيل: إنه إن لم يؤيدني بمعونته أكن مثلكم في ضلالتكم وعبادتكم على معنى ~~الإشفاق والحذر، وإلا فهو معصوم في الأزل من الضلال. # فإن قلت: فما معنى قوله «وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو ~~لتعودن في ملتنا «6» » # ثم قال بعد عن الرسل: «قد افترينا ms269 على الله كذبا إن عدنا PageV02P261 # في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها «1» » . # فلا يشكل عليك لفظة العود وأنها تقتضي أنهم إنما يعودون إلى ما كانوا فيه ~~من ملتهم. # فقد تأتي هذه اللفظة في كلام العرب لغير ما ليس له ابتداء، بمعنى ~~الصيرورة، كما جاء في حديث الجهنميين «2» عادوا حمما «3» ، ولم يكونوا قبل ~~كذلك. # ومثله قول الشاعر «4» : # تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا # وما كانا قبل كذلك.. # فإن قلت: فما معنى قوله «ووجدك ضالا فهدى «5» » ؟ فليس PageV02P262 # هو من الضلال الذي هو الكفر.. # قيل: ضالا عن النبوة، فهداك إليها.. قاله الطبري «1» . # وقيل: وجدك بين أهل الضلال فعصمك من ذلك، وهداك للإيمان وإلى إرشادهم. # ونحوه عن السدي «2» وغير واحد. # وقيل: ضالا عن شريعتك أي لا تعرفها «3» . فهداك إليها. # و «الضلال» ههنا التحير. ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يخلو بغار حراء في ~~طلب ما يتوجه به إلى ربه ويتشرع به حتى هداه الله إلى الإسلام قال معناه ~~القشيري «4» . # وقيل: لا تعرف الحق فهداك إليه.. # وهذا مثل قوله تعالى: «وعلمك ما لم تكن تعلم # «5» قاله علي «6» بن عيسى. PageV02P263 # قال ابن عباس «1» لم تكن له ضلالة معصية. # وقيل: «هدى» أي بين أمرك بالبراهين. # وقيل: وجدك ضالا بين مكة والمدينة فهداك إلى المدينة. # وقيل: المعنى: وجدك فهدى بك ضالا. # وعن جعفر «2» بن محمد: ووجدك ضالا عن محبتي لك في الأزل. # أي لا تعرفها.. فمننت عليك بمعرفتي.. # وقرأ الحسن «3» بن علي ووجدك ضال «4» فهدى.. أي اهتدى بك وقال ابن عطاء ~~«5» : ووجدك «ضالا» أي محبا لمعرفتي.. # «والضال» المحب كما قال «إنك لفي ضلالك القديم «6» » أي محبتك القديمة.. ~~ولم يريدوا ههنا في الدين.. إذ قالوا ذلك في نبي الله لكفروا.. # ومثله عند هذا قوله: «إنا لنراها في ضلال مبين «7» » أي محبة بينة ~~PageV02P264 # وقال الجنيد» # : ووجدك متحيرا في بيان ما أنزل إليك، فهداك لبيانه. # لقوله: «وأنزلنا إليك الذكر.. «2» » الآية. # وقيل: ووجدك لم يعرفك أحد بالنبوة حتى أظهرك فهدى بك السعداء.. # ولا أعلم أحدا قال من ms270 المفسرين فيها: ضالا عن الإيمان. # وكذلك في قصة موسى عليه السلام. # قوله «فعلتها إذا وأنا من الضالين «3» » أي من المخطئين الفاعلين شيئا ~~بغير قصد قاله ابن عرفة «4» . # وقال الأزهري «5» : معناه من الناسين. PageV02P265 # وقد قيل ذلك في قوله: «ووجدك ضالا فهدى «1» » أي ناسيا كما قال تعالى: ~~«أن تضل إحداهما «2» ..» فإن قلت فما معنى قوله «ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الإيمان «3» » .. # فالجواب أن السمرقندي «4» قال: معناه: ما كنت تدري قبل الوحي أن تقرأ ~~القرآن ولا كيف تدعو الخلق إلى الإيمان. # وقال أبو بكر «5» القاضي نحوه. # قال: ولا الإيمان الذي هو الفرائض والأحكام. # قال: فكان قبل مؤمنا بتوحيده ثم نزلت الفرائض التي لم يكن يدريها قبل ~~فزاد بالتكليف إيمانا وهو أحسن وجوهه.. # فإن قلت: فما معنى قوله؟ .. # «وإن كنت من قبله لمن الغافلين «6» » .. # فاعلم: أنه ليس بمعنى قوله «والذين هم عن آياتنا غافلون «7» » ~~PageV02P266 # بل حكى أبو عبد الله «1» الهروي: أن معناه: لمن الغافلين عن قصة يوسف.. ~~إذ لم تعلمها إلا بوحينا. # وكذلك الحديث «2» الذي يرويه عثمان «3» بن أبي شيبة بسنده عن جابر «4» أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يشهد مع المشركين مشاهدهم.. # فسمع ملكين خلفه أحدهما يقول لصاحبه: اذهب حتى تقوم خلفه. # فقال الآخر.. كيف أقوم خلفه وعهده باستلام الأصنام.. فلم يشهدهم بعد.. # فهذا الحديث أنكره أحمد «5» بن حنبل جدا.. وقال: هو موضوع أو شبيه ~~بالموضوع. # وقال الدارقطني «6» : يقال: إن عثمان «3» وهم في إسناده. # والحديث بالجملة منكر غير متفق على إسناده فلا يلتفت إليه.. # والمعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه عند أهل العلم. # من قوله «بغضت إلى الأصنام» . PageV02P267 # وقوله في الحديث الآخر «1» الذي روته أم أيمن «2» حين كلمه عمه وآله في ~~حضور بعض أعيادهم.. وعزموا عليه فيه بعد كراهته لذلك.. فخرج معهم ورجع ~~مرعوبا.. فقال: «كلما دنوت منها من صنم تمثل لي شخص أبيض طويل يصيح بي- ~~وراءك- لا تمسه..» فما شهد بعد لهم عيدا. # وقوله في قصة بحيرا «3» حين استحلف النبي صلى الله عليه وسلم باللات ~~والعزى. # إذ لقيه ms271 بالشام في سفرته مع عمه أبي طالب وهو صبي ورأى علامات النبوة ~~فاختبره بذلك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسألني بهما فوالله ما ~~أبغضت شيئا قط بغضهما فقال له بحيرا: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك ~~عنه.. فقال: سل عما بدا لك..» # - وكذلك المعروف من سيرته صلى الله عليه وسلم وتوفيق الله له، أنه كان ~~قبل نبوته يخالف المشركين في وقوفهم بمزدلفة في الحج.. فكان يقف هو بعرفة ~~لأنه كان موقف إبراهيم «4» عليه السلام PageV02P268 ### ||| الفصل الثالث معرفة الأنبياء بأمور الدنيا # قد بان بما قدمناه عقود الأنبياء في التوحيد، والإيمان، والوحي، وعصمتهم ~~في ذلك على ما بيناه. # فأما ما عدا هذا الباب من عقود قلوبهم، فجماعها أنها مملوءة علما ويقينا ~~على الجملة.. وأنها احتوت من المعرفة والعلم بأمور الدين والدنيا مالا شيء ~~فوقه.. # ومن طالع الأخبار، واعتنى بالحديث وتأمل ما قلناه وجده. # وقد قدمنا منه في حق نبينا صلى الله عليه وسلم في الباب الرابع- أول قسم ~~من هذا الكتاب- ما بينه على ما وراءه.. إلا أن أحوالهم في هذه المعارف ~~تختلف.. # - فأما ما يتعلق منها بأمر «1» الدنيا، فلا يشترط في حق PageV02P269 # الأنبياء العصمة من عدم معرفة الأنبياء ببعضها، أو اعتقادها على خلاف ما ~~هي عليه، ولا وصم عليهم فيه.. إذ هممهم متعلقة بالآخرة وأنبائها.. وأمر ~~الشريعة وقوانينها.. وأمور الدنيا تضادها. # - بخلاف غيرهم من أهل الدنيا الذبن «يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم ~~عن الآخرة هم غافلون «1» » كما سنبين هذا في الباب الثاني إن شاء الله.. ~~ولكنه.. لا يقال إنهم لا يعلمون شيئا من أمر الدنيا!!. فإن ذلك يؤدي إلى ~~الغفلة والبله، - وهم المنزهون عنه. # بل قد أرسلوا إلى أهل الدنيا، وقلدوا سياستهم وهدايتهم، والنظر في مصالح ~~دينهم ودنياهم، وهذا لا يكون مع عدم العلم بأمور الدنيا بالكلية، وأحوال ~~الأنبياء وسيرهم في هذا الباب معلومة، ومعرفتهم بذلك كله مشهورة.. # - وأما إن كان هذا العقد مما يتعلق بالدين فلا يصح من النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلا العلم به ولا يجوز ms272 عليه جهله جملة.. # لأنه لا يخلو أن يكون حصل عنده ذلك عن وحي من الله.. PageV02P270 # فهو ما لا يصح الشك منه فيه..- على ما قدمناه- فكيف الجهل.. # بل حصل له العلم اليقين أو يكون فعل ذلك باجتهاده فيما لم ينزل عليه فيه ~~شيء- على القول بتجويز وقوع الاجتهاد منه في ذلك على قول المحققين-. وعلى ~~مقتضى حديث أم سلمة «1» : إني «إنما أقضي بينكم برأيي فيما لم ينزل علي فيه ~~شيء.» خرجه الثقات «2» . # وكقصة أسرى بدر «3» ، والإذن للمتخلفين «4» ، على رأي بعضهم- فلا يكون ~~أيضا ما يعتقده مما يثمره اجتهاده إلا حقا وصحيحا.. # هذا هو الحق الذي لا يلتفت إلى خلاف من خالف فيه ممن أجاز عليه الخطأ في ~~الاجتهاد. # لا على القول بتصويب المجتهدين الذي هو الحق والصواب عندنا.. ولا على ~~القول الآخر بأن الحق في طرف واحد.. # لعصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الخطأ في الاجتهاد في الشرعيات. # - ولأن القول في تخطئة المجتهدين إنما هو بعد استقرار الشرع. # ونظر النبي صلى الله عليه وسلم واجتهاده إنما هو فيما لم ينزل عليه فيه ~~شيء.. ولم يشرع له قبل. PageV02P271 # هذا فيما عقد عليه النبي صلى الله عليه وسلم قلبه. # - فأما مالم يعقد عليه قلبه من أمر النوازل الشرعية، فقد كان لا يعلم ~~منها أولا إلا ما علمه الله شيئا، حتى استقر علم جملتها عنده إما بوحي من ~~الله، أو إذن أن يشرع في ذلك ويحكم بما أراه الله. # وقد كان ينتظر الوحي في كثير منها، ولكنه لم يمت حتى استفرغ علم جميعها ~~عنده صلى الله عليه وسلم.. وتقررت معارفها لديه على التحقيق ورفع الشك ~~والريب، وانتفاء الجهل.. وبالجملة فلا يصح منه الجهل بشيء من تفاصيل الشرع ~~الذي أمر بالدعوة إليه.. إذ لا تصح دعوته إلى ما لا يعلمه. # - وأما ما تعلق بعقده من ملكوت السماوات والأرض، وخلق الله، وتعيين ~~أسمائه الحسنى، وآياته الكبرى، وأمور الآخرة، وأشراط الساعة، وأحوال ~~السعداء والأشقياء. وعلم ما كان وما يكون «1» مما لم يعلمه إلا بوحي.. فعلى ~~ما تقدم.. # من أنه ms273 معصوم فيه لا يأخذه فيما أعلم منه شك ولا ريب.. بل هو فيه على ~~غاية اليقين.. لكنه لا يشترط له العلم بجميع تفاصيل ذلك. PageV02P272 # وإن كان عنده من علم ذلك ما ليس عند جميع البشر. # لقوله صلى الله عليه وسلم «1» : «إني لا أعلم إلا ما علمني ربي» . # ولقوله «2» : ولا خطر على قلب بشر» . # «فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين» «3» . # وقول موسى للخضر» # : «هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا» «5» . # وقوله صلى الله عليه وسلم «6» : «أسألك بأسمائك الحسنى ما علمت منها وما ~~لم أعلم» وقوله «7» : «أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو استأثرت به في ~~علم الغيب عندك.» # وقد قال الله تعالى: «وفوق كل ذي علم عليم «8» » . # قال زيد «9» بن أسلم وغيره: حتى ينتهي العلم إلى الله.. PageV02P273 # وهذا ما لا خفاء به، إذ معلوماته تعالى لا يحاط بها ولا منتهى لها. # هذا حكم عقد النبي صلى الله عليه وسلم في التوحيد والشرع والمعارف ~~والأمور الدينية. # PageV02P274 ### ||| الفصل الرابع العصمة من الشيطان # واعلم أن الأمة مجمعة على عصمة النبي صلى الله عليه وسلم من الشيطان، ~~وكفايته منه، لا في جسمه بأنواع الأذى، ولا على خاطره بالوساوس. # عن عبد الله «1» بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «2» : # «ما منكم من أحد إلا وكل به قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة.. قالوا: ~~وإياك يا رسول الله؟ .. قال: وإياي.. # ولكن الله أعانني عليه فأسلم «3» » . # زاد غيره عن منصور «4» «فلا يأمرني إلا بخير..» PageV02P275 # وعن عائشة «1» بمعناه روي: «فأسلم» بضم الميم.. أي فأسلم «2» أنا منه. # وصحح بعضهم هذه الرواية «3» ورجحها. # وروي «فأسلم «4» » يعني القرين أنه انتقل من حال كفره إلى الإسلام فصار ~~لا يأمر إلا بخير كالملك وهو ظاهر الحديث.. # ورواه بعضهم «فاستسلم..» # قال القاضي أبو الفضل وفقه الله. فإذا كان هذا حكم شيطانه وقرينه المسلط ~~على بني آدم «5» فكيف بمن بعد منه «6» ولم يلزم صحبته ولا أقدر على الدنو ~~منه!! .. # وقد جاءت الآثار بتصدي الشياطين له في غير ms274 موطن «7» رغبة في إطفاء نوره، ~~وإماتة نفسه، وإدخال شغل عليه، إذ يئسوا PageV02P276 # من إغوائه فانقلبوا خاسرين.. كتعرضه له في الصلاة فأخذه النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأسره «1» . # ففي الصحاح «2» قال أبو هريرة «3» عنه صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان ~~عرض «4» لي..» قال عبد الرزاق «5» «في صورة هر.. فشد علي يقطع علي الصلاة ~~فأمكنني الله منه فذعته «6» # ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا تنظرون إليه فذكرت قول أخي ~~سليمان «رب اغفر لي وهب لي ملكا..» «7» الآية.. فرده الله خاسئا. # وفي حديث أبي الدرداء «8» عنه صلى الله عليه وسلم «9» : «إن عدو الله ~~إبليس جاءني بشهاب من نار ليجعله في وجهي والنبي صلى الله عليه وسلم في ~~الصلاة» وذكر تعوذه بالله منه ولعنه له.. «ثم أردت أن آخذه» «10» وذكر ~~PageV02P277 # نحوه وقال: «لأصبح موثقا بتلاعب به ولدان أهل المدينة.. # وكذلك في حديثه في الإسراء: وطلب عفريت له بشعلة نار فعلمه جبريل ما ~~يتعوذ به منه» ذكره في الموطأ ولما لم يقدر على أذاه بمباشرته تسبب بالتوسط ~~إلى عداه كقضيته مع قريش في الائتمار بقتل النبي صلى الله عليه وسلم وتصوره ~~في صورة الشيخ النجدي. # - ومرة أخرى في غزوة يوم بدر «1» في صورة سراقة «2» بن مالك وهو قوله: ~~«وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم..» «3» الآية. # - ومرة ينذر بشأنه عند بيعة العقبة.. وكل هذا فقد كفاه أمره، وعصمه ضره ~~وشره. # وقد قال صلى الله عليه وسلم «4» : «إن عيسى عليه السلام كفي من لمسه، ~~فجاء ليطعن بيده في خاصرته حين ولد فطعن في الحجاب «5» » . PageV02P278 # وقال صلى الله عليه وسلم حين لد» # في مرضه «2» ، وفيل له: خشينا أن يكون بك ذات الجنب.. فقال: «إنها من ~~الشيطان ولم يكن الله ليسلطه علي «3» .. # فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: «وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله ~~«4» ..» الاية!! .. # فقد قال بعض المفسرين: إنها راجعة إلى قوله: «وأعرض عن الجاهلين «5» » ثم ~~قال: «وإما ينزغنك» أي يستخفك غضب يحملك على ترك الإعراض عنهم فاستعذ ~~بالله.. # وقيل: «النزغ» هنا الفساد. # كما قال «من ms275 بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي «6» ..» # وقيل «ينزغنك» يغرينك ويحركنك «والنزغ» أدنى الوسوسة «7» PageV02P279 # فأمره الله تعالى أنه متى تحرك عليه غضب على عدوه أو رام الشيطان من ~~إغرائه به وخواطر أدنى وساوسه ما لم يجعل له سبيل إليه أن يستعيذ منه. ~~فيكفى أمره ويكون سبب تمام عصمته إذ لم يسلط عليه بأكثر من التعرض له.. ولم ~~يجعل له قدرة عليه. # وقد قيل في هذه الآية غير هذا.. # وكذلك لا يصح أن يتصور له الشيطان في صورة الملك ويلبس عليه لا في أول ~~الرسالة ولا بعدها.. والاعتماد في ذلك دليل المعجزة بل لا يشك النبي أن ما ~~يأتيه من الله الملك ورسوله حقيقة.. إما بعلم ضروري يخلقه الله له.. أو ~~ببرهان يظهره لديه لتتم كلمة ربك صدقا وعدلا.. لا مبدل لكلماته.. # فإن قيل فما معنى قوله تعالى: «وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا ~~إذا تمنى «1» ألقى الشيطان في أمنيته «2» » الآية!! # فاعلم أن للناس في معنى هذه الآية أقاويل «3» ، منها السهل والوعث «4» ، ~~والسمين، والغث «5» . PageV02P280 # وأولى ما يقال فيها ما عليه الجمهور من المفسرين: أن «التمني» ههنا ~~التلاوة.. وإلقاء الشيطان فيها إشغاله بخواطر وأذكار من أمور الدنيا ~~للتالي، حتى يدخل عليه الوهم والنسيان فيما تلاه، أو يدخل غير ذلك على ~~أفهام السامعين من التحريف، وسوء التأويل، ما يزيله الله وينسخه، ويكشف ~~لبسه، ويحكم آياته. # وسيأتي الكلام على هذه الاية بعد بأشبع من هذا إن شاء الله. # وقد حكي السمرقندي «1» إنكار قول من قال بتسلط الشيطان على ملك سليمان ~~وغلبته.. وأن مثل هذا لا يصح. وقد ذكرنا قصة سليمان مبينة بعد هذا، ومن قال ~~إن الجسد هو الولد الذي ولد له.. # وقال أبو محمد «2» مكي في قصة أيوب وقوله: «أني مسني الشيطان بنصب وعذاب ~~«3» » : إنه لا يجوز لأحد أن يتأول أن الشيطان هو الذي أمرضه، وألقى الضر ~~في بدنه، ولا يكون ذلك إلا بفعل الله وأمره ليبتليهم ويثيبهم «4» .. ~~PageV02P281 # قال مكي: وقيل: إن الذي أصابه الشيطان ما وسوس به إلى أهله ms276 فإن قلت: فما ~~معنى قوله تعالى في يوشع «1» : «وما أنسانيه إلا الشيطان «2» ..» وقوله عن ~~يوسف: «فأنساه الشيطان ذكر ربه «3» » وقول نبينا صلى الله عليه وسلم حين ~~نام عن الصلاة يوم الوادي «4» : «إن هذا واد به شيطان.. وقول موسى عليه ~~السلام في وكزته «5» : «هذا من عمل الشيطان «6» » !! # فاعلم أن هذا الكلام قد يرد في جميع هذا على مورد مستمر كلام العرب في ~~وصفهم كل قبيح من شخص أو فعل بالشيطان أو فعله. PageV02P282 # كما قال تعالى: «طلعها كأنه رؤس الشياطين «1» » . # وقال صلى الله عليه وسلم «2» : «فليقاتله فإنما هو شيطان» . # وأيضا «3» فإن قول يوشع لا يلزمنا الجواب عنه، إذ لم يثبت له في ذلك ~~الوقت نبوة مع موسى. # قال الله تعالى: «وإذ قال موسى لفتاه «4» » . # والمروي أنه إنما نبيء بعد موت موسى. وقيل: قبيل «5» موته. # وقول موسى كان قبل نبوته بدليل القرآن وقصة يوسف قد ذكر أنها كانت قبل ~~نبوته. # وقد قال المفسرون في قوله: «فأنساه الشيطان» «6» قولين أحدهما أن الذي ~~أنساه الشيطان ذكر ربه أحد صاحبي السجن «وربه» الملك.. أي أنساه أن يذكر ~~للملك شأن يوسف عليه السلام. PageV02P283 # وأيضا.. فإن مثل هذا من فعل الشيطان ليس فيه تسلط على يوسف عليه السلام ~~ويوشع بوساوس ونزغ، وإنما هو بشغل خواطرهما بأمور أخر، وتذكير هما من أمور ~~هما ما ينسيهما ما نسيا. # وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا واد به شيطان» فليس فيه ذكر تسلطه ~~عليه ولا وسوسته له.. بل إن كان بمقتضى ظاهره فقد بين أمر ذلك الشيطان ~~بقوله «1» : «إن الشيطان أتى بلالا فلم يزل يهدئه كما يهدأ الصبي حتى ~~نام..» # فاعلم أن تسلط الشيطان في ذلك الوادي إنما كان على بلال الموكل بكلاءة ~~«2» الفجر. هذا إن جعلنا قوله: «إن هذا واد به شيطان» تنبيها على سبب النوم ~~عن الصلاة. # وأما إن جعلناه تنبيها على سبب الرحيل عن الوادي، وعلة لترك الصلاة به، ~~وهو دليل مساق حديث زيد بن أسلم «3» ، فلا اعتراض به في هذا الباب لبيانه ~~وارتفاع اشكاله.. PageV02P284 ### ||| الفصل الخامس ms277 صدق أقواله صلى الله عليه وسلم في جميع أحواله # وأما أقواله صلى الله عليه وسلم، فقد قامت الدلائل «1» الواضحة بصحة ~~المعجزة على صدقه، وأجمعت الأمة فيما كان طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من ~~الإخبار عن شيء منها بخلاف ما هو به لا قصدا ولا عمدا ولا سهوا ولا غلطا. # أما تعمد الخلف في ذلك فمنتف بدليل المعجزة القائمة مقام قول الله: صدق ~~فيما قال اتفاقا، وبإطباق أهل الملة إجماعا. # وأما وقوعه على جهة الغلط في ذلك فبهذه السبيل عند الأستاذ» # أبي إسحق «3» الإسفرائيني، ومن قال بقوله، ومن جهة الإجماع PageV02P285 # فقط. وورود الشرع بانتفاء ذلك وعصمة النبي لا من مقتضى المعجزة نفسها عند ~~القاضي أبي بكر «1» الباقلاني ومن وافقه لاختلاف بينهم في مقتضى دليل ~~المعجزة لا نطول بذكره فنخرج عن غرض الكتاب، فلنعتمد ما وقع عليه إجماع ~~المسلمين. # - أنه لا يجوز عليه خلف في القول في إبلاغ الشريعة والإعلام بما أخبر به ~~عن ربه، وما أوحاه إليه من وحيه، لا على العمد ولا على غير عمد، ولا في ~~حالي الرضى والسخط، والصحة والمرض. # وفي حديث «2» عبد الله بن عمرو «3» : «قلت يا رسول الله.. # أأكتب كل ما أسمع منك؟ قال: نعم.. قلت: في الرضى والغضب؟ .. قال نعم فإني ~~لا أقول في ذلك كله إلا حقا، ولنزد «4» ما أشرنا إليه من دليل المعجزة عليه ~~بيانا. # - فنقول: إذا قامت المعجزة على صدقه وأنه لا يقول إلا حقا، ولا يبلغ عن ~~الله إلا صدقا، وأن المعجزة قائمة مقام قول الله له: # صدقت فيما تذكره عني.. وهو يقول: «اني رسول الله إليكم PageV02P286 # لأبلغكم ما أرسلت به اليكم وأبين لكم ما نزل عليكم» .. «وما ينطق عن ~~الهوى. إن هو إلا وحي يوحى «1» » «قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم «2» » ~~«وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا «3» » فلا يصح أن يوجد منه ~~في هذا الباب خبر بخلاف مخبره على أي وجه كان. # فلو جوزنا عليه الغلط والسهو لما تميز لنا من غيره، ولاختلط الحق ~~بالباطل. # فالمعجزة مشتملة على ms278 تصديقه جملة واحدة من غير خصوص.. # فتنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك كله واجب برهانا وإجماعا كما ~~قاله أبو إسحق «4» PageV02P287 ### ||| الفصل السادس دفع بعض الشبهات # وقد توجهت ههنا لبعض الطاعنين سؤالات: # منها ما روي «1» أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ سورة «النجم» وقال: # «أفرأيتم اللات «2» والعزى «3» ومناة «4» الثالثة الأخرى «5» ..» # قال: «تلك الغرانيق «6» العلى وإن شفاعتها لترتجى» ويروى ترتضى.. وفي ~~رواية: إن شفاعتها لترتجى وإنها لمع الغرانيق العلى وفي أخرى والغرانقة ~~العلى، تلك الشفاعة ترتجى.. فلما ختم PageV02P288 # السورة سجد وسجد المسلمون والكفار لما سمعوه أثنى على آلهتهم. # وما وقع في بعض الروايات أن شيطانا ألقاها على لسانه. وأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يتمنى أن لو نزل عليه شيء يقارب بينه وبين قومه. # وفي رواية أخرى: أن لا ينزل عليه شيء ينفرهم عنه- وذكر هذه القصة وأن ~~جبريل عليه السلام جاءه فعرض عليه السورة.. # فلما بلغ الكلمتين قال له: ما جئتك بهاتين، فحزن لذلك النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأنزل الله تعالى تسلية له: «وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ~~«1» ..» الاية وقوله: «وإن كادوا ليفتنونك «2» .. الاية. # فاعلم أكرمك الله أن لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين أحدهما في ~~توهين أصله والثاني على تسليمه.. # أما المأخذ الأول: فيكفيك أن هذا حديث «3» لم يخرجه أحد من أهل الصحة «4» ~~ولا رواه ثقة بسند سليم متصل «5» .. # وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب PageV02P289 # المتلقفون «1» من الصحف كل صحيح وسقيم «2» . # وصدق القاضي بكر «3» بن العلاء «4» المالكي حيث قال: لقد بلي الناس ببعض ~~«5» أهل الأهواء والتفسير.. وتعلق بذلك الملحدون مع ضعف نقلته، واضطراب ~~رواياته «6» ، وانقطاع إسناده «7» ، واختلاف كلماته فقائل يقول: إنه في ~~الصلاة، وآخر يقول. قالها في نادي قومه حين أنزلت عليه السورة، وآخر يقول: ~~قالها وقد أصابته سنة وآخر يقول بل حدث نفسه فسها، وآخر يقول: إن الشيطان ~~قالها على لسانه.. وإن النبي صلى الله عليه وسلم لما عرضها على جبريل قال: ~~ما هكذا أقرأتك وآخر ms279 يقول: بل أعلمهم الشيطان أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قرأها فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قال: # والله ما هكذا أنزلت. # - إلى غير ذلك من اختلاف الرواة. PageV02P290 # - ومن حكيت هذه الحكاية عنه من المفسرين «1» والتابعين «2» لم يسندها أحد ~~منهم ولا رفعها إلى صاحب. وأكثر الطرق عنهم فيها ضعيفة واهية. # والمرفوع فيه «3» حديث شعبة «4» عن أبي بشر» # عن سعيد «6» بن جبير عن ابن عباس «7» قال: فيما أحسب «8» - الشك في ~~الحديث «9» أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بمكة- وذكر القصة-. # قال أبو بكر «10» البزار: هذا لا نعلمه يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بإسناد متصل يجوز ذكره إلا هذا.. ولم يسنده عن شعبة «4» إلا أمية «11» بن ~~خالد. وغيره يرسله عن سعيد «6» بن جبير.. وإنما PageV02P291 # يعرف عن الكلبي «1» عن أبي صالح «2» عن ابن عباس «3» . # فقد بين لك أبو بكر رحمه الله أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا، ~~وفيه من الضعف ما نبه عليه مع وقوع الشك فيه كما ذكرناه الذي لا يوثق به ~~ولا حقيقة معه. # أما حديث الكلبي «1» فمما لا تجوز الرواية عنه «4» ولا ذكره لقوة ضعفه ~~وكذبه كما أشار إليه البزار «5» رحمه الله. # - والذي منه في الصحيح. أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ «والنجم» وهو ~~بمكة فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس هذا PageV02P292 # توهينه «1» من طريق النقل. # - أما من جهة المعنى فقد قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته صلى الله ~~عليه وسلم، ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة إما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا ~~من مدح آلهة غير الله وهو كفر أو يتسور «2» عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن ~~حتى يجعل فيه ما ليس منه ويعتقد النبي صلى الله عليه وسلم أن من القرآن ما ~~ليس منه حتى ينبهه جبريل عليه السلام وذلك كله ممتنع في حقه صلى الله عليه ~~وسلم.. # أو يقول ذلك النبي صلى الله عليه وسلم من قبل نفسه عمدا وذلك كفر.. # أو سهوا وهو معصوم من هذا كله. # وقد ms280 قررنا بالبراهين والإجماع عصمته صلى الله عليه وسلم من جريان الكفر ~~على قلبه أو لسانه لا عمدا ولا سهوا.. أو أن يتشبه عليه ما يلقيه الملك مما ~~يلقي الشيطان، أو يكون للشيطان عليه سبيل، أو PageV02P293 # أن يتقول على الله لا عمدا ولا سهوا ما لم ينزل عليه. # وقد قال الله تعالى: «ولو تقول علينا بعض الأقاويل «1» ..» الآية وقال ~~تعالى: «إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات «2» » ووجه ثان: هو استحالة ~~هذه القصة نظرا وعرفا. وذلك أن هذا الكلام لو كان كما روي لكان بعيد ~~الالتئام، متناقض الأقسام، ممتزج المدح بالذم، متخاذل التأليف والنظم، ولما ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم ولا من بحضرته من المسلمين وصناديد «3» ~~المشركين ممن يخفى عليه ذلك.. وهذا لا يخفى على أدنى متأمل فكيف بمن رجح ~~حلمه، واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه!! # ووجه ثالث: أنه قد علم من عادة المنافقين، ومعاندي المشركين، وضعفة ~~القلوب، والجهلة من المسلمين، نفور هم لأول وهلة، وتخليط العدو على النبي ~~صلى الله عليه وسلم لأقل فتنة، وتعييرهم المسلمين، والشماتة «4» بهم الفينة ~~بعد الفينة. وارتداد من في قلبه مرض ممن أظهر الإسلام لأدنى شبهة.. # ولم يحك أحد في هذه القصة شيئا سوى هذه الرواية الضعيفة PageV02P294 # الأصل.. ولو كان ذلك لوجدت قريش بها على المسلمين الصولة «1» ولأقامت بها ~~اليهود عليهم الحجة، كما فعلوا مكابرة في قصة الإسراء، حتى كانت في ذلك ~~لبعض الضعفاء ردة. # وكذلك ما روي في قصة القضية «2» ، ولا فتنة أعظم من هذه البلية لو وجدت، ~~ولا تشغيب «3» المعادي حينئذ أشد من هذه الحادثة لو أمكنت. # فما روي عن معاند فيها كلمة، ولا عن مسلم بسببها بنت «4» شفة.. فدل على ~~بطلها، واجتثاث «5» أصلها.. # - ولا شك في إدخال بعض شياطين الإنس أو الجن هذا الحديث على بعض مغفلي ~~المحدثين ليلبس به على ضعفاء المسلمين «6» PageV02P295 # ووجه رابع: ذكر الرواة لهذه القضية أن فيها نزلت «وإن كادوا ليفتنونك.. ~~«1» الآيتين. # وهاتان الآيتان تردان الخبر الذي رووه.. لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا ~~يفتنونه ms281 حتى يفتري، وأنه لولا أن ثبته لكادير كن إليهم. # فمضمون هذا ومفهومه أن الله تعالى عصمه من أن يفتري، وثبته حتى لم يركن ~~إليهم قليلا فكيف كثيرا وهم يروون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون ~~والافتراء بمدح آلهتهم. وأنه قال صلى الله عليه وسلم: افتريت على الله وقلت ~~ما لم يقل.. وهذا ضد مفهوم الآية وهي تضعف «2» الحديث لو صح فكيف ولا صحة ~~له وهذا مثل قوله تعالى في الآية الأخرى: «ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت ~~طائفة منهم أن يضلوك، وما يضلون إلا أنفسهم. وما يضرونك من شيء # «3» » PageV02P296 # وقد روي «1» عن ابن عباس «2» : كل ما في القرآن «كاد» فهو ما لا يكون «3» ~~. # قال الله تعالى: «يكاد سنا «4» برقه يذهب بالأبصار «5» » ولم يذهب و ~~«أكاد أخفيها» ولم يفعل. # قال القشيري «6» القاضي: ولقد طالبه «7» قريش وثقيف إذ مر بآلهتهم أن ~~يقبل بوجهه إليها ووعدوه الإيمان به إن فعل فما فعل، ولا كان «8» ليفعل.. # قال ابن الأنباري «9» : ما قارب الرسول ولا ركن. PageV02P297 # وقد ذكرت «1» في معنى هذه الآية تفاسير أخر ما ذكرناه من نص الله على ~~عصمة رسوله ترد سفسافها «2» . # فلم يبق في الآية إلا أن الله تعالى امتن على رسوله بعصمته وتثبيته بما ~~كاده به الكفار وراموا من فتنته. # ومرادنا من ذلك تنزيهه وعصمته صلى الله عليه وسلم وهو مفهوم الآية. # - وأما المأخذ الثاني فهو مبني على تسليم الحديث لو صح.. وقد أعاذنا الله ~~من صحته. ولكن على كل حال فقد أجاب عن ذلك أئمة المسلمين بأجوبة منها الغث ~~والسمين.. # فمنها ما روى قتادة «3» ومقاتل «4» أن النبي صلى الله عليه وسلم أصابته ~~سنة «5» عند قراءته هذه السورة فجرى هذا الكلام على لسانه بحكم النوم. # - وهذا لا يصح إذ لا يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم مثله في حالة من ~~أحواله، ولا يخلقه الله على لسانه، ولا يستولي الشيطان عليه في PageV02P298 # نوم ولا يقظة لعصمته في هذا الباب من جميع العمد والسهو.. # وفي قول الكلبي «1» : إن النبي صلى الله عليه ms282 وسلم حدث نفسه فقال ذلك ~~الشيطان على لسانه. # وفي رواية ابن شهاب «2» عن أبي بكر «3» بن عبد الرحمن قال: # وسها.. فلما أخبر «4» بذلك قال: إنما ذلك من الشيطان.. # وكل هذا لا يصح أن يقوله النبي صلى الله عليه وسلم لا سهوا ولا قصدا ولا ~~يتقوله الشيطان على لسانه. # وقيل: لعل النبي صلى الله عليه وسلم قاله أثناء تلاوته على تقدير التقرير ~~والتوبيخ للكفار.. كقول إبراهيم عليه السلام «هذا ربي «5» » على أحد ~~التأويلات وكقوله «بل فعله كبيرهم هذا «6» » بعد PageV02P299 # السكت وبيان الفصل بين الكلامين، ثم رجع إلى تلاوته وهذا ممكن مع بيان ~~الفصل وقرينة تدل على المراد، وأنه ليس من المتلو. # وهو أحد ما ذكره القاضي أبو بكر «1» .. ولا يعترض على هذا بما روي أنه ~~كان في الصلاة فقد كان الكلام قبل فيها غير ممنوع.. # والذي يظهر ويترجح «2» في تأويله عنده «3» وعند غيره من المحققين- على ~~تسليمه- أن النبي صلى الله عليه وسلم كان كما أمره ربه يرتل القرآن ترتيلا ~~«4» ، ويفصل الآي تفصيلا في قراءته «5» ، كما رواه الثقات «6» عنه- فيمكن ~~ترصد الشيطان لتلك السكتات ودسه فيها ما اختلقه من تلك الكلمات، محاكيا ~~نغمة النبي صلى الله عليه وسلم بحيث يسمعه من دنا إليه من الكفار فظنوها من ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم وأشاعوها.. ولم يقدح ذلك عند المسلمين بحفظ ~~السورة قبل ذلك على ما أنزلها الله، وتحققهم من حال النبي صلى الله عليه ~~وسلم في ذم الأوثان وعيبها ما عرف منه. PageV02P300 # وقد حكى موسى «1» بن عقبة في مغازيه نحو هذا وقال: إن المسلمين لم ~~يسمعوها، وإنما ألقى الشيطان ذلك في أسماع المشركين وقلوبهم، ويكون ما روي ~~من حزن النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الإشاعة والشبهة وسبب هذه الفتنة. # وقد قال الله تعالى: «وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي «2» ..» الآية ~~فمعنى «تمنى» تلا «3» . # قال الله تعالى: «لا يعلمون الكتاب إلا أماني «4» » أي تلاوة وقوله: ~~«فينسخ الله ما يلقي الشيطان «5» أي يذهبه ويزيل اللبس به، ويحكم آياته. # وقيل: معنى الآية هو ما ms283 يقع للنبي صلى الله عليه وسلم من السهو إذا قرأ ~~PageV02P301 # فينتبه لذلك، ويرجع عنه، وهذا نحو قول الكلبي «1» في الآية أنه حدث نفسه ~~وقال «إذا تمنى» أي حدث نفسه. # وفي رواية أبي بكر «2» بن عبد الرحمن نحوه # وهذا السهو في القراءة إنما يصح فيما ليس طريقه تغيير المعاني، وتبديل ~~الألفاظ، وزيادة ما ليس من القرآن، بل السهو عن إسقاط آية منه أو كلمة ~~ولكنه لا يقر على هذا السهو بل ينبه عليه، ويذكر به للحين، على ما سنذكره ~~في حكم ما يجوز عليه من السهو وما لا يجوز ومما يظهر في تأويله أيضا أن ~~مجاهدا «3» روى هذه القصة «والغرانقة العلى» فإن سلمنا القصة قلنا لا يبعد ~~أن هذا كان قرآنا والمراد بالغرانقة العلى وأن شفاعتهن لترتجى «الملائكة» ~~على هذه الرواية. # وبهذا فسر الكلبي «1» «الغرانقة» أنها الملائكة.. وذلك أن الكفار كانوا ~~يعتقدون أن الأوثان والملائكة بنات الله. # كما حكى الله عنهم ورد عليهم في هذه السورة بقوله: «ألكم الذكر ~~PageV02P302 # وله الأنثى «1» فأنكر الله كل هذا من قولهم، ورجاء الشفاعة من الملائكة ~~صحيح.. فلما تأوله المشركون على أن المراد بهذا الذكر آلهتهم، ولبس عليهم ~~الشيطان ذلك وزينه في قلوبهم وألقاه إليهم نسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم ~~آياته، ورفع تلاوة تلك اللفظتين اللتين وجد الشيطان بهما سبيلا للإلباس.. ~~كما نسخ كثير من القرآن ورفعت تلاوته.. وكان في إنزال الله تعالى لذلك حكمة ~~وفي نسخه حكمة «ليضل به من يشاء ويهدي من يشاء، وما يضل به إلا الفاسقين ~~«2» » ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم.. ~~وإن الظالمين لفي شقاق بعيد، وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك ~~فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم «3» » الآية. # وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه السورة ذكر اللات والعزى، ~~ومناة الثالثة الأخرى، خاف الكفار أن يأتي بشيء من ذمها فسبقوا إلى مدحها ~~بتلك الكلمتين ليخلطوا في تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم، ويشنعوا عليه ~~على عادتهم PageV02P303 # وقولهم «لا تسمعوا لهذا ms284 القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون «1» » ونسب هذا ~~الفعل إلى الشيطان لحمله لهم عليه وأشاعوا ذلك وأذاعوه.. وأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قاله فحزن لذلك من كذبهم وافترائهم عليه.. فسلاه الله تعالى ~~بقوله: «وما أرسلنا من قبلك «2» ..» الآية وبين للناس الحق من ذلك من ~~الباطل وحفظ القرآن وأحكم آياته، ودفع ما لبس به العدو.. كما ضمنه تعالى من ~~قوله: «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون «3» » . # ومن ذلك ما روي من «4» قصة يونس عليه السلام أنه وعد قومه العذاب عن ربه، ~~فلما تابوا كشف عنهم العذاب فقال: # لا أرجع إليهم كذابا أبدا فذهب مغاضبا. # فاعلم أكرمك الله أن «5» ليس في خبر من الأخبار الواردة في هذا الباب أن ~~يونس عليه السلام قال لهم: إن الله مهلككم وإنما فيه أنه دعا عليهم ~~بالهلاك.. والدعاء ليس بخير يطلب صدقه من كذبه، لكنه قال لهم: إن العذاب ~~مصبحكم وقت كذا وكذا.. PageV02P304 # فكان ذلك كما قال.. ثم رفع الله تعالى عنهم العذاب وتداركهم. # قال الله تعالى: «إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي «1» » ~~الآية.. # وروي في الأخبار. أنهم رأوا دلائل العذاب ومخايله «2» .. # قاله «3» ابن مسعود «4» . # وقال سعيد «5» بن جبير: غشاهم العذاب كما يغشي الثوب «6» القبر. فإن قلت: ~~فما معنى ما روي «7» أن عبد الله «8» بن أبي سرح كان يكتب لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم.. ثم ارتد مشركا وصار إلى قريش فقال لهم: إني كنت أصرف ~~محمدا حيث أريد.. كان PageV02P305 # يملي علي «عزيز حكيم» فأقول أو «عليم حكيم» ؟ فيقول نعم كل صواب. # وفي حديث آخر «1» فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم اكتب كذا فيقول: # أكتب كذا؟ فيقول اكتب كيف شئت. ويقول اكتب «عليما حكيما» فيقول أكتب ~~«سميعا بصيرا» ؟ فيقول له اكتب كيف شئت. # وفي الصحيح «2» عن أنس «3» رضي الله عنه: أن نصرانيا «4» كان يكتب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم بعد ما أسلم، ثم ارتد «5» ، وكان يقول: # ما يدري محمد إلا ما كتبت له. # فاعلم ثبتنا الله وإياك على الحق، ولا جعل ms285 للشيطان وتلبيسه الحق بالباطل ~~إلينا سبيلا، أن مثل هذه الحكاية أولا لا توقع في قلب مؤمن ريبا.. إذ هي ~~حكاية عمن ارتد وكفر بالله. # ونحن «6» لا نقبل خبر المسلم المتهم فكيف بكافر افترى هو ومثله ~~PageV02P306 # على الله ورسوله ما هو أعظم من هذا. # والعجب لسليم العقل يشغل بمثل هذه الحكاية سره، وقد صدرت من عدو كافر ~~مبغض للدين.. مفتر على الله ورسوله.. # ولم يرد عن أحد من المسلمين ولا ذكر أحد من الصحابة أنه شاهد ما قاله ~~وافتراه على نبي الله، «وإنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله ~~وأولئك هم الكاذبون «1» » . # وما وقع من ذكرها في حديث أنس «2» رضي الله عنه وظاهر حكايتها. فليس فيه ~~ما يدل على أنه شاهدها، ولعله حكى ما سمع.. # وقد علل البزار «3» حديثه ذلك وقال: رواه ثابت «4» عنه ولم يتابع عليه.. ~~ورواه حميد «5» عن أنس «2» ، قال: وأظن حميدا إنما سمعه من ثابت «4» . # قال القاضي أبو الفضل وفقه الله: ولهذا- والله أعلم- لم يخرج أهل الصحيح ~~حديث ثابت «4» ولا حميد «6» . PageV02P307 # والصحيح حديث عبد الله «1» بن عزيز بن رفيع عن أنس «2» رضي الله عنه، ~~الذي خرجه أهل الصحة، وذكرناه وليس فيه عن أنس «2» قول شيء من ذلك من قبل ~~نفسه إلا من حكايته عن المرتد النصراني.. # ولو كانت صحيحة لما كان فيها قدح، ولا توهيم «3» للنبي صلى الله عليه ~~وسلم فيما أوحي إليه، ولا جواز للنسيان والغلط عليه، والتحريف فيما بلغه، ~~ولا طعن في نظم القرآن وأنه من عند الله.. إذ ليس فيه- لو صح- أكثر من أن ~~الكاتب قال له: «عليم حكيم» أو كتبه فقال له النبي صلى الله عليه وسلم كذلك ~~هو.. فسبقه لسانه أو قلمه لكلمة أو كلمتين مما نزل على الرسول قبل إظهار ~~الرسول لها.. إذ كان ما تقدم مما أملاه الرسول يدل عليها، ويقتضي وقوعها ~~بقوة قدرة الكاتب على الكلام، ومعرفته به، وجودة حسه وفطنته، كما يتفق ذلك ~~للعارف إذا سمع البيت أن يسبق إلى قافيته، أو مبتدأ الكلام الحسن إلى ما ~~يتم به.. ولا ms286 يتفق ذلك في جملة الكلام PageV02P308 # كما لا يتفق ذلك في آية ولا سورة.. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم إن صح ~~«كل صواب» فقد يكون هذا فيما فيه من مقاطع الآي «1» وجهان وقراءتان أنزلتا ~~جميعا على النبي صلى الله عليه وسلم فأملى إحداهما، وتوصل الكاتب بفطنته ~~ومعرفته بمقتضى الكلام إلى الأخرى، فذكرها للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~فصوبها له النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أحكم الله من ذلك ما أحكم، ونسخ ما ~~نسخ، كما قد وجد ذلك في بعض مقاطيع الآي، مثل قوله تعالى: «إن تعذبهم فإنهم ~~عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم «2» » وهذه قراءة الجمهور «3» # وقد قرأ جماعة «4» «فإنك أنت الغفور الرحيم» وليست من المصحف وكذلك كلمات ~~جاءت على وجهين في غير المقاطع قرأ بهما معا الجمهور، وثبتتا في المصحف ~~مثل: «وانظر إلى العظام كيف ننشرها «5» .. وننشزها «6» ، «ويقضي «7» الحق» ~~«ويقص الحق «8» » وكل هذا لا يوجب ريبا، ولا يسبب PageV02P309 # للنبي صلى الله عليه وسلم غلطا ولا وهما. # وقد قيل: إن هذا يحتمل أن يكون فيما يكتبه عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى الناس غير القرآن فيصف الله ويسميه في ذلك كيف شاء.. # PageV02P310 ### ||| الفصل السابع حالته صلى الله عليه وسلم في أخبار الدنيا # هذا القول فيما طريقه البلاغ.. وأما ما ليس سبيله سبيل البلاغ من الأخبار ~~التي لا مستند لها إلى الأحكام، ولا أخبار المعاد، ولا تضاف إلى وحي، بل في ~~أمور «1» الدنيا وأحوال نفسه. # فالذي يجب اعتقاده تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يقع خبره في شيء ~~من ذلك بخلاف مخبره، لا عمدا ولا سهوا ولا غلطا وأنه معصوم من ذلك في حال ~~رضاه، وفي حال سخطه، وجده، ومزحه «2» ، وصحته، ومرضه، ودليل ذلك اتفاق ~~السلف وإجماعهم عليه. # وذلك أنا نعلم من دين الصحابة وعادتهم مبادرتهم إلى تصديق جميع أحواله ~~والثقة بجميع أخباره في أي باب كانت وعن «3» أي PageV02P311 # شيء وقعت، وأنه «1» لم يكن لهم توقف ولا تردد في شيء منها، ولا استثبات ~~عن حاله ms287 عند ذلك.. هل وقع فيها سهو أم لا ولما احتج ابن أبي «2» الحقيق ~~اليهودي «3» على عمر «4» حين أجلاهم من خيبر بإقرار رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لهم، واحتج عليه عمر رضي الله عنه بقوله صلى الله عليه وسلم، كيف ~~بك إذا أخرجت من خيبر؟! فقال اليهودي: # كانت هزيلة «5» من أبي القاسم.. فقال له عمر «6» : كذبت يا عدو الله ~~وأيضا فإن أخباره وآثاره، وسيره وشمائله، معتنى بها مستقصى تفاصيلها.. ولم ~~يرد في شيء منها استدراكه صلى الله عليه وسلم لغلط في قول قاله، أو اعترافه ~~بوهم في شيء أخبر به.. ولو كان ذلك لنقل كما نقل «7» من قصته «8» عليه ~~السلام ورجوعه صلى الله عليه وسلم عما أشار به على الأنصار في تلقيح ~~النخل.. وكان ذلك رأيا لا خبرا.. PageV02P312 # وغير ذلك من الأمور التي ليست من هذا الباب. # كقوله «1» : «والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا فعلت الذي ~~حلفت عليه وكفرت عن يميني» . # وقوله «2» : «إنكم تختصمون إلي» .. الحديث «3» . # وقوله «4» : «اسق «5» يا زبير «6» حتى يبلغ الماء «7» الجدر «8» » .. # كما سنبين كل ما في هذا الحديث من مشكل ما في هذا الباب والذي بعده إن ~~شاء الله مع أشباههما «9» . # - وأيضا فإن الكذب متى عرف من أحد في شيء من الأخبار بخلاف ما هو على أي ~~وجه كان، استريب بخبره، واتهم PageV02P313 # في حديثه، ولم يقع قوله في النفوس موقعا.. # ولهذا ترك المحدثون والعلماء الحديث عمن عرف بالوهم والغفلة، وسوء الحفظ، ~~وكثرة الغلط مع ثقته «1» .. # - وأيضا فإن تعمد الكذب في أمور الدنيا معصية.. # والإكثار منه كبيرة بإجماع، مسقط المروءة، وكل هذا مما ينزه عنه منصب ~~النبوة.. # والمرة الواحدة منه فيما يستبشع ويستشنع مما يخل بصاحبها ويزري بقائلها ~~لا حقة بذلك.. # وأما فيما لا يقع هذا الموقع، فإن عددناها من الصغائر فهل تجري على حكمها ~~في الخلاف فيها؟!. مختلف فيه.. # والصواب تنزيه النبوة عن قليله وكثيره، وسهوه وعمده.. # إذ عمدة النبوة البلاغ والإعلام والتبيين، وتصديق ما جاء به النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وتجويز ms288 شيء من هذا قادح في ذلك ومشكك فيه مناقض للمعجزة.. ~~PageV02P314 # فلنقطع عن «1» يقين بأنه لا يجوز على الأنبياء خلف «2» في القول في وجه ~~من الوجوه لا بقصد ولا بغير قصد، ولا نتسامح «3» مع من تسامح في تجويز ذلك ~~عليهم حال السهو فيما «4» ليس طريقه البلاغ.. نعم «5» وبأنه لا يجوز عليهم ~~الكذب قبل النبوة، ولا الاتسام به في أمورهم، وأحوال دنياهم.. لأن ذلك كان ~~يزري ويريب بهم، وينفر القلوب عن تصديقهم بعد. # وانظر أحوال عصر النبي صلى الله عليه وسلم من قريش وغيرها من الأمم، ~~وسؤالهم عن حاله في صدق لسانه، وما عرفوا به من ذلك واعترفوا به مما عرف، ~~واتفق النقل «6» على عصمة نبينا صلى الله عليه وسلم منه قبل وبعد، وقد ~~ذكرنا من الآثار فيه في الباب الثاني أول الكتاب ما يبين لك صحة ما أشرنا ~~«7» اليه.. # *** PageV02P315 ### ||| الفصل الثامن رد بعض الاعتراضات # فإن قلت فما معنى قوله صلى الله عليه وسلم في حديث «1» السهو الذي حدثنا ~~به الفقيه أبو إسحق «2» إبراهيم بن جعفر.. # قال أبو هريرة «3» رضي الله عنه: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة ~~العصر «4» فسلم في ركعتين.. فقام ذو اليدين «5» فقال: يا رسول PageV02P316 # أقصرت «1» الصلاة أم نسيت؟. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل ذلك ~~لم يكن.» # وفي الرواية الأخرى: «ما قصرت الصلاة وما نسيت-» الحديث بقصته فأخبر بنفي ~~الحالتين وأنها لم تكن وقد كان أحد ذلك، كما قال ذو اليدين «2» . «قد كان ~~بعض ذلك يا رسول الله..» # فاعلم وفقنا الله وإياك أن للعلماء في ذلك أجوبة بعضها بصدد الإنصاف، ~~ومنها ما هو بنية «3» التعسف «4» والاعتساف.. # وها أنا أقول: أما على القول الأول.. بتجويز الوهم والغلط مما ليس طريقه ~~من القول البلاغ وهو الذي زيفناه «5» من القولين. # فلا اعتراض بهذا الحديث وشبهه.. # وأما على مذهب من يمنع السهو والنسيان في أفعاله جملة ويرى أنه في مثل ~~هذا عامد لصورة النسيان ليسن، فهو صادق في خبره لأنه لم ينس ولا قصرت، ~~ولكنه على هذا القول ms289 تعمد هذا الفعل في هذه الصورة ليسنه لمن اعتراه مثله.. ~~وهو قول مرغوب عنه، PageV02P317 # نذكره «1» في موضعه.. وأما على إحالة السهو عليه.. في الأقوال وتجويز ~~السهو عليه فيما ليس طريقه القول كما سنذكره «2» ففيه أجوبة: # منها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن اعتقاده وضميره، - أما إنكار ~~القصر فحق وصدق باطنا وظاهرا، وأما النسيان فأخبر صلى الله عليه وسلم عن ~~اعتقاده وأنه لم ينس في ظنه فكأنه قصد الخبر بهذا عن ظنه وإن لم ينطق به، ~~وهذا «3» صدق أيضا. # ووجه ثان: «أن قوله «ولم أنس» راجع إلى السلام أي إني سلمت قصدا وسهوت عن ~~العدد.. أي لم أسه في نفس السلام.. # وهذا محتمل.. وفيه بعد» .. # وجه ثالث: (وهو أبعدها.. ما ذهب إليه بعضهم وإن احتمله اللفظ من قوله، كل ~~ذلك لم يكن.. أي لم يجتمع القصر والنسيان بل كان أحدهما.. ومفهوم اللفظ ~~خلافه مع الرواية الأخرى الصحيحة وهو قوله «ما قصرت الصلاة وما «4» نسيت» ) ~~. # - هذا ما رأيت فيه لأئمتنا.. وكل من هذه الوجوه محتمل PageV02P318 # للفظ «1» على بعد بعضها «2» ، وتعسف الآخر «3» منها # قال القاضي أبو الفضل «4» وفقه الله: والذي أقول ويظهر لي أنه أقرب من ~~هذه الوجوه كلها أن قوله: «لم أنس» إنكار للفظ الذي نفاه عن نفسه وأنكره ~~على غيره بقوله «5» : «بئسما لأحدكم أن يقول نسيت آية كذا وكذا، ولكنه نسي ~~«6» .» وبقوله في في بعض «7» رواية، الحديث الاخر: «لست أنسى ولكن «8» ~~أنسى» .. # فلما قال له السائل.. أقصرت الصلاة أم نسيت.. أنكر قصرها كما كان ونسيانه ~~هو من قبل نفسه.. وأنه إن كان جرى شيء من ذلك فقد نسي حتى سأل غيره، فتحقق ~~أنه نسي وأجري عليه ذلك ليسن. # فقوله على هذا «لم أنس» «ولم تقصر» ، «وكل «9» ذلك لم يكن» ، صدق وحق، لم ~~تقصر، ولم ينس حقيقة، ولكنه نسي. PageV02P319 # ووجه آخر استثرته «1» من كلام بعض المشايخ وذلك أنه قال: # إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسهو ولا ينسى ولذلك نفى عن نفسه ~~النسيان قال: لأن النسيان غفلة وآفة، والسهو ms290 إنما هو شغل «2» .. قال: # فكان النبي صلى الله عليه وسلم يسهو في صلاته ولا يغفل عنها.. وكان يشغله ~~عن حركات الصلاة ما في الصلاة شغلا بها لا غفلة عنها.. # فهذا إن تحقق على هذا المعنى.. لم يكن في قوله «ما قصرت» و «ما نسيت» خلف ~~في قول. # وعندي أن قوله: «ما قصرت الصلاة وما نسيت» بمعنى الترك الذي هو أحد وجهي ~~النسيان أراد- والله أعلم- أني لم أسلم من ركعتين تاركا لإكمال الصلاة. ~~ولكني نسيت، ولم يكن ذلك من تلقاء نفسي.. والدليل على ذلك. # قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «إني لا أنسى أو أنسى لأسن» ~~والله الموفق «3» للصواب. أما قصة كلمات إبراهيم المذكورة «4» أنها ~~PageV02P320 # كذباته الثلاث المنصوصة في القرآن منها اثنتان قوله «إني سقيم «1» » «بل ~~فعله كبيرهم هذا «2» » وقوله «3» للملك عن زوجته إنها أختي. # فاعلم أكرمك الله أن هذه كلها خارجة عن الكذب، لا في القصد ولا في غيره.. ~~وهي داخلة في باب المعاريض «4» التي فيها مندوحة «5» عن الكذب «6» .. أما ~~قوله «إني سقيم «7» » # فقال الحسن «8» وغيره: معناه «سأسقم» أي إن كل مخلوق معرض لذلك فاعتذر ~~لقومه من الخروج معهم إلى عيدهم بهذا. # وقيل: «بل سقيم بما قدر علي من الموت» . # وقيل: «سقيم القلب بما أشاهده «9» من كفركم وعنادكم» . # وقيل: بل كانت الحمى تأخذه عند طلوع نجم معلوم.. فلما PageV02P321 # رآه اعتذر بعادته» . وكل هذا ليس فيه كذب.. بل خبر صحيح صدق.. # وقيل: «بل عرض بسقم حجته عليهم، وضعف ما أراد بيانه لهم، من جهة النجوم ~~التي كانوا يشتغلون بها، وأنه أثناء نظره في ذلك» .. وقيل: «استقامة حجته ~~عليهم في حال سقم ومرض» ، مع أنه لم يشك هو، ولا ضعف إيمانه.. ولكنه ضعف في ~~استدلاله عليهم.. وسقم نظره.. كما يقال: (حجة سقيمة) (ونظر معلول) .. حتى ~~ألهمه الله باستدلاله وصحة حجته عليهم بالكواكب والشمس، والقمر، ما نصه ~~الله تعالى وقدمنا بيانه. # وأما قوله: «بل فعله كبيرهم هذا «1» » الاية.. # فإن علق خبره بشرط نطقه كأنه قال: إن كان ينطق فهو فعله.. # على طريق ms291 التبكيت لقومه.. وهذا صدق أيضا ولا خلف فيه. # وأما قوله: «أختي» .. فقد بين في الحديث «2» وقال: # فإنك أختي في الإسلام.. وهو صدق. # والله تعالى يقول: «إنما المؤمنون إخوة «3» » . PageV02P322 # فإن قلت: فهذا النبي صلى الله عليه وسلم قد سماها كذبات. # وقال: «لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات «1» » # وقال في حديث الشفاعة «2» ويذكر كذباته.. # فمعناه: أنه لم يتكلم بكلام صورته صورة الكذب وإن كان حقا في الباطن إلا ~~هذه الكلمات. ولما كان مفهوم ظاهرها خلاف باطنها أشفق إبراهيم عليه السلام ~~بمؤاخذته «3» بها. # وأما الحديث «4» : «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد غزوة ورى ~~بغيرها.» # فليس فيه خلف في القول.. إنما هو ستر مقصده لئلا يأخذ عدوه حذره.. وكتم ~~وجه ذهابه بذكر السؤال عن موضع آخر. # والبحث عن أخباره والتعريض بذكره. لا أنه يقول: تجهزوا إلى غزوة كذا، أو ~~وجهتنا إلى موضع كذا خلاف مقصده، فهذا لم يكن. PageV02P323 # والأول ليس فيه خبر يدخله الخلف. # والأول ليس فيه خبر يدخله الخلف. # فإن قلت: فما معنى قول موسى عليه السلام وقد سئل: أي الناس أعلم «1» ؟ .. ~~فقال: أنا أعلم.. فعتب الله عليه ذلك إذ لم يرد العلم إليه! الحديث وفيه ~~قال بل عبد «2» لنا بمجمع البحرين أعلم منك. # وهذا خبر قد أنبأ الله أنه ليس كذلك، فاعلم أنه وقع في هذا الحديث من بعض ~~طرقه الصحيحة عن ابن «3» عباس. # «هل تعلم أحدا أعلم منك؟» # فإذا كان جوابه على علمه فهو خبر حق وصدق لا خلف فيه ولا شبهة. # وعلى الطريق الآخر فمحمله على ظنه ومعتقده، كما لو صرح به لأن حاله في ~~النبوة والاصطفاء يقتضي ذلك، فيكون إخباره بذلك أيضا عن اعتقاده وحسبانه ~~صدقا لا خلف فيه. # وقد يريد بقوله: «أنا أعلم» بما تقتضيه وظائف النبوة من PageV02P324 # علوم التوحيد، وأمور الشريعة، وسياسة الأمة، ويكون الخضر «1» أعلم منه ~~بأمور أخر مما لا يعلمه أحد إلا بإعلام الله من علوم غيبه، كالقصص المذكورة ~~في خبرهما. فكان موسى أعلم على الجملة بما تقدم، وهذا أعلم على الخصوص بما ms292 ~~أعلم.. ويدل عليه: # قوله تعالى «وعلمناه من لدنا علما «2» » . # وعتب «3» الله عليه- فيما قاله العلماء- إنكار هذا القول عليه لأنه لم ~~يرد العلم إليه.. كما قالت الملائكة «لا علم لنا إلا ما علمتنا «4» » أو ~~لأنه لم يرض قوله شرعا.. وذلك- والله أعلم- لئلا يقتدي به فيه من لم يبلغ ~~كما له في تزكية نفسه، وعلو درجته من أمته، فيهلك لما تضمنه من مدح الإنسان ~~نفسه، ويورثه ذلك من الكبر والعجب والتعاطي والدعوى، وإن نزه عن هذه ~~الرذائل الأنبياء فغيرهم بمدرجة سبيلها، ودرك ليلها، إلا من عصمه الله. # فالتحفظ منها أولى لنفسه، وليقتدى به، # ولهذا قال صلى الله عليه وسلم تحفظا من مثل هذا مما قد علم به «5» : «أنا ~~سيد PageV02P325 # ولد آدم ولا فخر» وهذا الحديث إحدى حجج القائلين بنبوة الخضر لقوله فيه: ~~«أنا أعلم من موسى» ولا يكون الولي أعلم من من النبي. # وأما الأنبياء فيتفاضلون في المعارف.. # وبقوله «وما فعلته عن أمري «1» » . # - فدل أنه يوحي.. ومن قال إنه ليس بنبي قال: يحتمل أن يكون فعله بأمر نبي ~~آخر.. وهذا يضعف لأنه ما علمنا أنه كان في زمن موسى نبي غيره إلا أخاه ~~هارون. وما نقل أحد من أهل الأخبار في ذلك شيئا يعول عليه.. # - وإذا جعلنا «أعلم منك» ليس على العموم، وإنما هو على الخصوص، وفي قضايا ~~معينة، لم يحتج إلى إثبات نبوة الخضر. # - ولهذا قال بعض الشيوخ: كان موسى أعلم من الخضر فيما أخذ عن الله، ~~والخضر أعلم فيما دفع إليه من موسى.. # وقال آخر إنما ألجىء موسى إلى الخضر للتأديب لا للتعليم.. # *** PageV02P326 ### ||| الفصل التاسع عصمتهم في الأعمال من الفواحش والموبقات # وأما ما يتعلق بالجوارح من الأعمال ولا يخرج من جملتها القول باللسان ~~فيما عدا الخبر الذي وقع فيه الكلام، ولا الاعتقاد بالقلب فيما عدا التوحيد ~~بما قدمناه من معارفه المختصة به. # - فأجمع المسلمون على عصمة الأنبياء من الفواحش والكبائر الموبقات. # - ومستند الجمهور في ذلك الإجماع الذي ذكرناه وهو مذهب القاضي أبي بكر ~~«1» . # ومنعها غيره بدليل العقل مع الإجماع.. وهو قول الكافة.. ms293 # واختاره الأستاذ أبو إسحق «2» . PageV02P327 # - وكذلك لا خلاف أنهم معصومون من كتمان «1» الرسالة والتقصير في التبليغ. # لأن كل ذلك يقتضي العصمة منه المعجزة مع الإجماع على ذلك من الكافة. # والجمهور قائل بأنهم معصومون من ذلك من قبل الله معتصمون باختيارهم ~~وكسبهم.. إلا حسينا «2» النجار فإنه قال: لا قدرة لهم على المعاصي أصلا. # - وأما الصغائر.. فجوزها جماعة من السلف وغيرهم على الأنبياء وهو مذهب ~~أبي جعفر «3» الطبري وغيره من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين. # وسنورد بعد هذا ما احتجوا به وذهبت طائفة أخرى إلى الوقف.. وقالوا: العقل ~~لا يحيل وقوعها منهم.. ولم يأت في الشرع قاطع بأحد الوجهين. PageV02P328 # وذهبت طائفة أخرى من المحققين من الفقهاء والمتكلمين إلى عصمتهم من ~~الصغائر كعصمتهم من الكبائر.. قالوا: «لاختلاف الناس في الصغائر وتعيينها ~~من الكبائر وإشكال ذلك» . # وقول ابن «1» عباس وغيره: «إن كل ما عصي الله به فهو كبيرة وأنه إنما سمي ~~منها الصغير بالإضافة «2» إلى ما هو أكبر منه ومخالفة الباري في أي أمر كان ~~يجب كونه كبيرة. # قال القاضي أبو محمد «3» عبد الوهاب: «لا يمكن أن يقال إن في معاصي الله ~~صغيرة إلا على معنى أنها تغتفر باجتناب الكبائر، ولا يكون لها حكم مع ذلك. ~~بخلاف الكبائر إذا لم يتب منها فلا يحبطها «4» شيء، والمشيئة في العفو عنها ~~إلى الله تعالى «وهو قول القاضي أبي «5» بكر وجماعة أئمة الأشعرية وكثير من ~~أئمة الفقهاء. PageV02P329 # وقال بعض أئمتنا: «لا يجب على القولين أن يختلف أنهم معصومون عن تكرار ~~الصغائر وكثرتها، إذ يلحقها ذلك بالكبائر، ولا في صغيرة أدت إلى إزالة ~~الحشمة، وأسقطت المروءة وأوجبت الإزراء والخساسة، فهذا أيضا مما يعصم عنه ~~الأنبياء إجماعا.. # لأن مثل هذا يحط منصب المتسم «1» به، ويزري بصاحبه، وينفر القلوب عنه. # والأنبياء منزهون عن ذلك، بل يلحق بهذا ما كان من قبيل المباح فأدى إلى ~~«2» مثله لخروجه بما أدى إليه عن اسم المباح إلى الحظر» . وقد ذهب بعضهم ~~إلى عصمتهم من مواقعة المكروه قصدا # وقد استدل بعض الأئمة على عصمتهم من الصغائر بالمصير إلى ms294 امتثال أفعالهم، ~~واتباع آثارهم وسيرهم مطلقا، وجمهور الفقهاء على ذلك من أصحاب مالك «3» ، ~~والشافعي «4» ، وأبي حنيفة «5» ، من غير التزام قرينة.. بل مطلقا عند ~~بعضهم.. وإن اختلفوا في حكم ذلك «6» . PageV02P330 # وحكى ابن خويز «1» منداذ وأبو الفرج «2» عن مالك «3» . # التزام ذلك وجوبا.. وهو قول الأبهري «4» وابن القصار «5» وأكثر أصحابنا.. ~~وقول أكثر أهل العراق، وابن سريج «6» والإصطخري «7» ، وابن خيران «8» من ~~الشافعية. PageV02P331 # وأكثر الشافعية على أن ذلك ندب.. # وذهبت طائفة إلى الإباحة وقيد بعضهم الاتباع فيما كان من الأمور الدينية ~~وعلم به مقصد القربة. # ومن قال بالإباحة في أفعاله لم يقيد.. قال: «فلو جوزنا عليهم الصغائر لم ~~يمكن الاقتداء بهم في أفعالهم إذ ليس كل فعل من أفعاله يتميز مقصده به من ~~القربة أو الإباحة أو الحظر أو المعصية، ولا يصح أن يؤمر المرء بامتثال أمر ~~لعله معصية لا سيما على من يرى من الأصوليين تقديم الفعل على القول إذا ~~تعارضا. # ونزيد هذا حجة بأن نقول: من جوز الصغائر ومن نفاها عن نبينا صلى الله ~~عليه وسلم مجمعون على أنه لا يقر على منكر من قول أو فعل، وأنه متى رأى ~~شيئا فسكت عنه صلى الله عليه وسلم دل على جوازه.. فكيف يكون هذا حاله في حق ~~غيره ثم يجوز وقوعه منه في نفسه؟! # - وعلى هذا المأخذ تجب عصمته من مواقعة المكروه كما قيل.. # وإذ الخطر أو الندب على الاقتداء بفعله ينافي الزجر والنهي عن فعل ~~المكروه. # - وأيضا فقد علم من دين «1» الصحابة قطعا الاقتداء بأفعال PageV02P332 # النبي صلى الله عليه وسلم كيف توجهت، وفي كل فن كالاقتداء بأقواله.. فقد ~~نبذوا خواتيمهم حين نبذ خاتمه «1» .. وخلعوا نعالهم حين خلع «2» .. ~~واحتجاجهم «3» برؤية ابن عمر «4» إياه جالسا لقضاء حاجته مستقبلا بيت ~~المقدس.. واحتج غير واحد منهم في غير شيء «5» مما بابه العبادة أو العادة ~~بقوله «6» : «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله» وقال «7» : «هلا ~~خبرتيها أني أقبل وأنا صائم» .. # وقالت عائشة «8» محتجة «9» : «كنت أفعله أنا ورسول صلى الله عليه وسلم ~~وغضب رسول الله صلى الله عليه ms295 وسلم على الذي أخبر بمثل هذا عنه فقال «10» : ~~«يحل الله لرسوله ما يشاء» . PageV02P333 # وقال: «إني لأخشاكم لله وأعلمكم بحدوده» . والآثار في هذا أعظم من أن ~~يحيط بها. لكنه يعلم من مجموعها على القطع اتباعهم أفعاله واقتداؤهم بها ~~ولو جوزوا عليه المخالفة في شيء منها لما اتسق هذا، ولنقل عنهم، وظهر بحثهم ~~عن ذلك. ولما أنكر صلى الله عليه وسلم على الآخر قوله واعتذاره بما ذكرناه. # - وأما المباحات «1» فجائز وقوعها منهم إذ ليس فيها قدح. # بل هي مأذون فيها وأيديهم «2» كأيدي غيرهم مسلطة عليها. # - إلا أنهم بما خصوا به من رفيع المنزلة، وبما شرحت له صدورهم من أنوار ~~«3» المعرفة، واصطفوا به من تعلق بالهم بالله والدار الآخرة.. لا يأخذون من ~~المباحات إلا الضرورات مما يتقوون به على سلوك طريقهم وصلاح دينهم وضرورة ~~دنياهم. # وما أخذ على هذه السبيل التحق طاعة وصار قربة كما بينا منه- أول الكتاب ~~طرفا في خصال نبينا صلى الله عليه وسلم. # فبان لك عظيم فضل الله على نبينا وعلى سائر أنبيائه عليهم السلام، بأن ~~جعل أفعالهم قربات وطاعات بعيدة عن وجه المخالفة ورسم المعصية. PageV02P334 ### ||| الفصل العاشر عصمتهم من المعاصي قبل النبوة # وقد اختلف في عصمتهم من المعاصي قبل النبوة فمنعها قوم وجوزها آخرون. # والصحيح إن شاء الله تنزيههم من كل عيب وعصمتهم من كل ما يوجب الريب.. ~~فكيف والمسألة تصورها كالممتنع.. فإن المعاصي والنواهي إنما تكون بعد تقرر ~~الشرع. # وقد اختلف الناس في حال نبينا صلى الله عليه وسلم قبل أن يوحى إليه.. # هل كان متبعا لشرع قبله، أم لا؟؟ فقال جماعة لم يكن متبعا لشيء.. وهذا ~~قول الجمهور. # فالمعاصي على هذا القول غير موجودة، ولا معتبرة في حقه حينئذ، إذ الأحكام ~~الشرعية إنما تتعلق بالأوامر والنواهي، # PageV02P335 # وتقرر «1» الشريعة، ثم اختلفت حجج القائلين بهذه المقالة عليها.. # فذهب سيف السنة ومقتدى فرق الأمة القاضي أبو بكر «2» إلى أن طريق العلم ~~بذلك النقل، وموارد الخبر من طريق السمع.. # وحجته أنه لو كان ذلك لنقل، ولما أمكن كتمه وستره في العادة.. ms296 # إذ كان من مهم أمره وأولى ما اهتبل «3» به من سيرته، ولفخر به أهل تلك ~~الشريعة ولا حتجوا به عليه.. ولم يؤثر شيء من ذلك جملة.. وذهبت طائفة إلى ~~امتناع ذلك عقلا.. قالوا: # لأنه يبعد أن يكون متبوعا من عرف تابعا وبنوا «4» هذا على التحسين ~~والتقبيح «5» ، وهي طريقة غير سديدة. # واستناد ذلك إلى النقل- كما تقدم للقاضي أبي بكر- أولى وأظهر وقالت فرقة ~~أخرى: «بالوقف في أمره صلى الله عليه وسلم وترك قطع الحكم عليه بشيء في ذلك ~~إذ لم يحل أحد الوجهين منها العقل ولا PageV02P336 # استبان عندها في أحدهما طريق النقل.. وهو مذهب أبي المعالي «1» # وقالت فرقة ثالثة: «إنه كان عاملا بشرح من قبله، ثم اختلفوا- هل يتعين ~~ذلك الشرع أم لا؟. فوقف بعضهم عن تعيينه وأحجم وجسر بعضهم على التعيين ~~وصمم» . # ثم اختلفت هذه المعينة فيمن كان يتبع فقيل: نوح «2» وقيل: # إبراهيم «3» . وقيل: موسى «4» . وقيل: عيسى «5» صلوات الله عليهم. فهذه ~~جملة المذاهب في هذه المسألة. # والأظهر فيها ما ذهب إليه القاضي أبو بكر «6» وأبعدها مذاهب المعينين.. ~~إذ لو كان شيء من ذلك لنقل كما قدمناه، ولم يخف جملة.. ولا حجة لهم في أن ~~عيسى آخر الأنبياء فلزمت شريعته من جاء بعدها.. إذ لم يثبت عموم دعوة عيسى ~~«7» .. بل الصحيح أنه لم يكن لنبي دعوة عامة إلا لنبينا صلى الله عليه ~~وسلم، ولا حجة PageV02P337 # أيضا للاخرين «1» في قوله: «أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا «2» » ولا للآخرين ~~«3» في قوله تعالى «شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا «4» » فمجمل «5» هذه ~~الآية على اتباعهم في التوحيد. # كقوله تعالى: «أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده «6» » ، وقد سمى الله ~~تعالى فيهم من لم يبعث، ولم تكن له شريعته تخصه، كيوسف بن يعقوب- على قول ~~من يقول إنه ليس برسول-.. # وقد سمى الله تعالى جماعة منهم في هذه الآية شرائعهم مختلفة لا يمكن ~~الجمع بينها فدل أن المراد ما اجتمعوا عليه من التوحيد وعبادة الله تعالى.. # وبعد هذا فهل يلزم من قال بمنع الاتباع هذا القول في سائر الأنبياء ms297 غير ~~نبينا صلى الله عليه وسلم أو يخالفون بينهم؟ .. # أما من منع الاتباع عقلا فيطرد أصله في كل رسول بلا مرية.. PageV02P338 # وأما من قال إلى النقل فأينما تصور له وتقرر اتبعه ومن قال بالوقف فعلى ~~أصله.. # ومن قال بوجوب الاتباع لمن قبله يلتزمه بمساق صحبته في كل نبي «1» .. ~~PageV02P339 ### ||| الفصل الحادي عشر السهو والنسيان في الأفعال # هذا حكم ما تكون المخالفة فيه من الأعمال عن قصد، وهو ما يسمى معصية ~~ويدخل تحت التكليف.. وأما ما يكون بغير قصد وتعمد، كالسهو، والنسيان في ~~الوظائف الشرعية، مما تقرر الشرع بعدم تعلق الخطاب به، وترك المؤاخذة ~~عليه.. فأحوال الأنبياء في ترك المؤاخذة به وكونه ليس بمعصية لهم مع أممهم ~~سواء. # ثم ذلك على نوعين: # - ما طريقه البلاغ وتقرير الشرع وتعلق الأحكام وتعليم الأمة بالفعل ~~وأخذهم باتباعه فيه. # - وما هو خارج عن هذا مما يختص بنفسه. # أما الأول: فحكمه عند جماعة من العلماء حكم السهو في القول في هذا ~~الباب.. وقد ذكرنا الاتفاق على امتناع ذلك في حق # PageV02P340 # النبي صلى الله عليه وسلم وعصمته من جوازه عليه قصدا أو سهوا، فكذلك ~~قالوا: الأفعال في هذا الباب لا يجوز طرو المخالفة فيها، لا عمدا ولا سهوا، ~~لأنها بمعنى القول من جهة التبليغ والأداء.. وطرو هذه العوارض عليها يوجب ~~التشكيك، ويسبب المطاعن.. # واعتذروا عن أحاديث السهو «1» بتوجيهات نذكرها بعد هذا. # وإلى هذا مال أبو اسحق «2» وذهب الأكثر من الفقهاء والمتكلمين إلى أن ~~المخالفة في الأفعال البلاغية، والأحكام الشرعية، سهوا وعن غير قصد منه، ~~جائز عليه كما تقرر من أحاديث السهو في الصلاة «3» وفرقوا بين ذلك وبين ~~الأقوال البلاغية لقيام المعجزة على الصدق في القول.. ومخالفة ذلك تناقضها، ~~فأما السهو في الأفعال فغير مناقض لها ولا قادح في النبوة.. بل غلطات ~~الفعل، وغفلات القلب من سمات البشر، كما قال صلى الله عليه وسلم «4» «إنما ~~أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني» نعم «5» .. بل حالة النسيان ~~والسهو PageV02P341 # هنا في حقه صلى الله عليه وسلم سبب إفادة علم وتقرير ms298 شرع، كما قال صلى ~~الله عليه وسلم «1» «إني لأنسى أو أنسى لأسن» بل قد روي: «لست أنسى ولكن ~~أنسى لأسن» # وهذه الحالة زيادة له في التبليغ، وتمام عليه في النعمة.. بعيدة عن سمات ~~النقص «2» ، وأغراض الطعن. # فإن القائلين بتجويز ذلك يشترطون أن الرسل لا تقر على السهو والغلط.. بل ~~ينبهون عليه، ويعرفون حكمه بالفور- على قول بعضهم- وهو الصحيح «3» .. وقبل ~~انقراضهم- على قول الاخرين- أما ما ليس طريقه البلاغ، ولا بيان الأحكام من ~~أفعاله صلى الله عليه وسلم. وما يختص به من أمور دينية، وأذكار قلبية، مما ~~لم يفعله ليتبع فيه فالأكثر من طبقات علماء الأمة على جواز السهو والغلط ~~عليه فيها، ولحوق الفترات «4» والغفلات بقلبه، وذلك بما كلفه من مقاساة ~~الخلق، وسياسات الأمة، ومعاناة «5» الأهل، PageV02P342 # وملاحظة الأعداء.. ولكن ليس على سبيل التكرار، ولا الاتصال.. بل على سبيل ~~الندور. # كما قال صلى الله عليه وسلم «1» : «إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله..» # وليس في هذا شيء يحط من رتبته، ويناقض معجزته. # وذهبت طائفة: إلى منع السهو والنسيان والغفلات والفترات في حقه صلى الله ~~عليه وسلم جملة.. وهو مذهب جماعة المتصوفة «2» . وأصحاب علم القلوب ~~والمقامات «3» . ولهم في هذه الأحاديث مذاهب نذكرها بعد هذا إن شاء الله.. ~~PageV02P343 ### ||| الفصل الثاني عشر الأحاديث المذكور فيها السهو منه صلى الله عليه وسلم # وقد قدمنا في الفصول قبل هذا ما يجوز فيه عليه السهو صلى الله عليه وسلم ~~وما يمتنع.. وأحلناه «1» في الأخبار جملة وفي الأقوال الدينية قطعا وأجزنا ~~وقوعه في الأفعال الدينية على الوجه الذي رتبناه وأشرنا إلى ما ورد في ذلك ~~ونحن نبسط القول فيه. # والصحيح من الأحاديث الوارة في سهوه «2» صلى الله عليه وسلم ثلاثة «3» ~~أحاديث. # أولها: حديث ذو اليدين «4» في السلام من اثنتين «5» . # الثاني: حديث ابن بحينة «6» في القيام من اثنتين. PageV02P344 # الثالث: حديث ابن مسعود «1» رضي الله عنه «2» أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم صلى انظهر خمسا «3» .. # وهذه الأحاديث مبنية على السهو في الفعل الذي قررناه.. # وحكمة الله فيه ليستن به، إذ البلاغ بالفعل أجلى منه بالقول، ms299 وأرفع ~~للاحتمال.. وشرطه أنه لا يقر على السهو بل يشعر به ليرتفع الالتباس وتظهر ~~فائدة الحكمة كما قدمناه.. # وأن النسيان والسهو في الفعل في حقه صلى الله عليه وسلم غير مضاد ~~للمعجزة، ولا قادح في التصديق.. # وقد قال صلى الله عليه وسلم «4» : «إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا ~~نسيت فذكروني» . # وقال «5» : «رحم الله فلانا «6» لقد أذكرني كذا «7» وكذا آية كنت ~~أسقطتهن» ويروى «أنسيتهن» . PageV02P345 # وقال صلى الله عليه وسلم «1» : إني لأنسى- أو أنسى- لأسن. # قيل: هذا اللفظ «2» شك من الراوي. وقد روي إني لا أنسى ولكن أنسى لأسن. # وذهب ابن نافع «3» وعيسى «4» بن دينار إنه ليس بشك، وأن معناه التقسيم، ~~أي أنسى أنا أو ينسيني الله.. # قال القاضي أبو الوليد «5» الباجي: «يحتمل ما قالاه وأن يريد أني أنسى في ~~اليقظة وأنسى في النوم «6» .. أو أنسى على سبيل عادة البشر من الذهول عن ~~الشيء والسهو، أو أنسى مع إقبالي عليه وتفرغي له. فأضاف أحد النسيانين إلى ~~نفسه إذ كان له بعض السبب فيه، ونفى الآخر عن نفسه إذ هو فيه كالمضطر» . # وذهبت طائفة من أصحاب المعاني «7» والكلام على الحديث إلى أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يسهو في الصلاة ولا ينسى «8» .. لأن النسيان ~~PageV02P346 # ذهول وغفلة وآفة قال «1» : والنبي صلى الله عليه وسلم منزه عنها، والسهو ~~شغل.. # فكان صلى الله عليه وسلم يسهو في صلاته، ويشغله عن حركات الصلاة ما في ~~الصلاة شغلا بها لا غفلة عنها. # واحتج بقوله «2» في الرواية الأخرى «3» : «إني لا أنسى» وذهبت طائفة «4» ~~إلى منع هذا كله عنه. وقالوا: «إن سهوه عليه السلام كان عمدا وقصدا ليسن» ~~.. وهذا قول مرغوب عنه متناقض المقاصد «5» لا يحلى «6» منه بطائل.. لأنه # كيف يكون متعمدا ساهيا في حال؟! ولا حجة لهم في قولهم إنه أمر بتعمد صورة ~~النسيان ليسن لقوله إني لأنسى أو أنسى» .. # وقد «7» أثبت أحد الوصفين ونفى مناقضة التعمد والقصد وقال: # «إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون.» # وقد مال إلى هذا عظيم من المحققين من أئمتنا وهو أبو «8» المظفر ~~PageV02P347 # الإسفرائيني ms300 ولم يرتضه غيره منهم.. ولا أرتضيه. ولا حجة لهاتين الطائفتين ~~في قوله «إني لا أنسى ولكن أنسى» .. إذ ليس فيه نفي حكم النسيان بالجملة ~~وإنما فيه نفي لفظه.. وكراهة لقبه # كقوله «1» : «بئسما لأحدكم أن يقول نسيت آية كذا ولكنه نسي «2» » .. أو ~~نفي الغفلة وقلة الاهتمام بأمر الصلاة عن قلبه لكن شغل بها عنها «3» ونسي ~~بعضها ببعضها كما ترك الصلاة «4» يوم الخندق «5» حتى خرج وقتها وشغل «6» ~~بالتحرز من العدو عنها فشغل بطاعة عن طاعة «7» # وقيل «8» : «إن الذي ترك يوم الخندق أربع صلوات الظهر والعصر والمغرب ~~والعشاء «9» » . PageV02P348 # وبه احتج من ذهب إلى جواز تأخير الصلاة في الخوف إذا لم يتمكن من أدائها ~~إلى وقت الأمن. وهو مذهب الشاميين «1» والصحيح أن حكم صلاة الخوف كان بعد ~~هذا فهو ناسخ له «2» .. # فإن قلت فما تقول في نومه صلى الله عليه وسلم «3» عن الصلاة «4» يوم ~~الوادي «5» وقد قال «6» : «إن عيني تنامان ولا ينام قلبي» . # فاعلم أن للعلماء في ذلك أجوبة.. # منها: أن المراد بأن هذا حكم قلبه عند نومه وغيبته «7» في غالب الأوقات.. ~~وقد يندر منه غير ذلك.. كما يندر من غيره خلاف عادته. # ويصحح هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث نفسه «8» «إن الله ~~قبض أرواحنا» وقول بلال «9» : «ما ألقيت علي نومة مثلها قط. # ولكن مثل هذا إنما يكون منه لأمر يريده الله من إثبات حكم وتأسيس سنة ~~وإظهار شرع. PageV02P349 # وكما قال في الحديث الآخر «1» : «لو شاء الله لأيقظنا ولكن أراد أن يكون ~~لمن بعدكم» . # الثاني: أن قلبه لا يستغرقه النوم حتى يكون منه الحدث فيه لما روي أنه ~~كان محروسا، وأنه كان ينام حتى ينفخ وحتى يسمع غطيطه «2» ، ثم يصلي ولا ~~يتوضأ. # وحديث ابن عباس «3» المذكور «4» فيه وضوؤه عند قيامه من النوم فيه نومه ~~مع أهله «5» فلا يمكن الاحتجاج به على وضوءه بمجرد النوم.. إذ لعل ذلك ~~لملامسة الأهل.. أو لحدث آخر. # فكيف وفي آخر الحديث نفسه.. ثم نام حتى سمعت غطيطه.. ثم أقيمت الصلاة ~~فصلى ولم يتوضأ. # وقيل: «لا ينام ms301 قلبه من أجل أنه يوحى إليه في النوم» .. # وليس قصة الوادي إلا نوم عينيه عن رؤية الشمس وليس هذا من فعل القلب. ~~PageV02P350 # وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله قبض أرواحنا ولو شاء لردها إلينا ~~في حين غير هذا» . # فإن قيل فلولا عادته من استغراق النوم لما قال لبلال «اكلأ «1» لنا ~~الصبح» . # فقيل في الجواب: «إنه كان من شأنه صلى الله عليه وسلم التغليس «2» ~~بالصبح. # ومراعاة أول الفجر لا تصح ممن نامت عينه إذ هو ظاهر يدرك بالجوارح ~~الظاهرة فوكل بلالا بمراعاة أوله ليعلمه بذلك كما لو شغل بشغل غير النوم عن ~~مراعاته» .. # فإن قيل: «فما معنى نهيه صلى الله عليه وسلم عن القول «نسيت» وقد قال صلى ~~الله عليه وسلم «إني أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني.» !! وقال: # لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أنسيتها؟. # فاعلم أكرمك الله أنه لا تعارض في هذه الألفاظ.. # أما نهيه عن أن يقال: نسيت آية كذا فمحمول على ما نسخ فعله «3» من ~~القرآن.. أي إن الغفلة في هذا لم تكن منه.. ولكن الله تعالى اضطره إليها ~~ليمحو ما يشاء ويثبت.. PageV02P351 # وما كان من سهو أو غفلة من قبله تذكرها صلح أن يقال فيه أنسى.. # وقد قيل: «إن هذا منه صلى الله عليه وسلم على طريق الاستحباب أن يضيف ~~الفعل إلى خالقه، والآخر على طريق الجواز لاكتساب العبد فيه، وإسقاطه صلى ~~الله عليه وسلم لما أسقط من هذه الآيات جائز عليه بعد بلاغ ما أمر ببلاغه، ~~وتوصيله إلى عباده، ثم يستذكرها «1» من أمته، أو من قبل نفسه، إلا ما قضى ~~الله نسخه ومحوه من القلوب وترك استذكاره. وقد يجوز أن ينسى النبي صلى الله ~~عليه وسلم ما هذا سبيله كرة، ويجوز أن ينسيه منه قبل البلاغ ما لا يغير ~~نظما ولا يخلط حكما «2» مما لا يدخل خللا في الخبر ثم يذكره إياه.. ويستحيل ~~دوام نسيانه له لحفظ الله كتابه «3» وتكليفه بلاغه «4» .. PageV02P352 ### ||| الفصل الثالث عشر الرد على من أجاز عليهم من الصغائر # في الرد ms302 على من أجاز عليهم الصغائر والكلام على ما احتجوا به في ذلك. ~~اعلم أن المجوزين للصغائر على الأنبياء من الفقهاء والمحدثين ومن شايعهم ~~«1» على ذلك من المتكلمين «2» احتجوا على ذلك بظواهر كثيرة من القرآن ~~والحديث.. إن التزموا ظواهرها أفضت «3» بهم إلى تجويز الكبائر وخرق ~~الإجماع، وما لا يقول به مسلم. # فكيف وكل ما احتجو به مما اختلف المفسرون في معناه وتقابلت «4» ~~الاحتمالات في مقتضاه، وجاءت أقاويل «5» فيها PageV02P353 # للسلف بخلاف ما التزموا من ذلك. فإذا لم يكن مذهبهم إجماعا وكان الخلاف ~~فيما احتجوا به قديما، وقامت الدلالة «1» على خطأ قولهم، وصحة غيره، وجب ~~تركه والمصير إلى ما صح. # وها نحن نأخذ في النظر فيها إن شاء الله: فمن ذلك قوله تعالى لنبينا صلى ~~الله عليه وسلم: «ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر «2» وقوله: ~~«واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات «3» » . # وقوله: «ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك «4» » . # وقوله: «عفا الله عنك لم أذنت لهم «5» » . # وقوله: «لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم «6» » . # وقوله: «عبس وتولى أن جاءه الأعمى «7» » الآية. # وما قص من قصص غيره من الأنبياء. # كقوله: «وعصى آدم ربه فغوى «8» » . PageV02P354 # وقوله: «فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما.. «1» » # وقوله عنه: «ربنا ظلمنا أنفسنا.. «2» » الاية. # وقوله عن يونس: «سبحانك إني كنت من الظالمين.. «3» » . # وما ذكره من قصة داود وقوله: «وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا ~~وأناب «4» » إلى قوله «ماب» . # وقوله: «ولقد همت به وهم بها.. «5» » . # وما قص من قصته مع إخوته. # وقوله عن موسى: «فوكزه موسى فقضى عليه، قال هذا من عمل الشيطان «6» » # وقوله النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه «7» : «اللهم اغفر لي ما قدمت ~~وما أخرت وما أسررت وما أعلنت..» ونحوه من أدعيته صلى الله عليه وسلم وذكر ~~الأنبياء في الموقف ذنوبهم- في حديث الشفاعة «8» - # وقوله: «إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله «9» » . PageV02P355 # وفي حديث أبي هريرة «1» : «إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من ~~سبعين «2» مرة» . # وقوله تعالى عن نوح: «وإلا تغفر لي ms303 وترحمني «3» » الآية. # وقد كان قال الله له: «ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون «4» » . # وقال عن إبراهيم: «والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين «5» . # وقوله عن موسى: «تبت إليك «6» » . # وقوله: «ولقد فتنا سليمان «7» » . # إلى ما أشبه هذه الظواهر.. # فأما احتجاجهم بقوله: «ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر «8» » ~~فهذا قد اختلف فيه المفسرون. # فقيل: «المراد ما كان قبل النبوة وبعدها» . PageV02P356 # وقيل: «المراد ما وقع لك من ذنب وما لم يقع.. أعلمه أنه مغفور له» . # وقيل: ( «المتقدم» ما كان قبل النبوة، والمتأخر عصمتك بعدها) حكاه أحمد ~~«1» بن نصر. # وقيل: «المراد بذلك أمته صلى الله عليه وسلم» . # وقيل: «المراد ما كان عن سهو وغفلة وتأويل» حكاه الطبري «2» واختاره ~~القشيري «3» . # وقيل: ( «ما تقدم» لأبيك آدم «وما تأخر» من ذنوب أمتك) حكاه السمرقندي ~~«4» والسلمي «5» عن ابن عطاء «6» وبمثله والذي قبله يتأول قوله: «واستغفر ~~لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات» # قال مكي «7» «: مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم ههنا هي مخاطبة لأمته» ~~.. # وقيل: (إن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر أن يقول: «وما أدري ما يفعل ~~بي ولا بكم «8» » سر بذلك الكفار) . PageV02P357 # فأنزل الله تعالى: «ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر «1» » الآية. # وبمآل المؤمنين في الآية الأخرى بعدها «2» قاله «3» ابن عباس «4» فمقصد ~~الآية إنك مغفور لك غير مؤاخذ بذنب أن لو كان «5» # قال بعضهم: «المغفرة ههنا تبرئة من العيوب» # وأما قوله: «ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك «6» » # فقيل: «ما سلف من ذنبك قبل النبوة» وهو قول ابن زيد «7» والحسن «8» ومعنى ~~قول قتادة «9» . # وقيل: «معناه أنه حفظ قبل نبوته منها وعصم ولولا ذلك لأثقلت ظهره «10» » ~~حكى معناه السمرقندي «11» . # وقيل: «المراد بذلك ما أثقل ظهره من أعباء الرسالة حتى PageV02P358 # بلغها» حكاه الماوردي «1» والسلمي «2» . # وقيل: «حططنا عنك ثقل الجاهلية» حكاه مكي «3» . # وقيل: «ثقل شغل سرك وحيرتك وطلب شريعتك حتى شرعنا ذلك لك» حكى معناه ~~القشيري «4» . # وقيل: «معناه.. خففنا عليك ما حملت بحفظنا لما استحفظت وحفظ عليك» . # - ومعنى «أنقض ظهرك» أي كاد ينقضه «5» فيكون المعنى ms304 على من جعل ذلك لما ~~قبل النبوة.. اهتمام النبي بأمور فعلها قبل نبوته، وحرمت عليه بعد النبوة ~~فعدها أوزارا وثقلت عليه وأشفق منها. # - أو يكون «الوضع» عصمة الله له وكفايته من ذنوب لو كانت لأنقضت ظهره. # - أو يكون من ثقل الرسالة. # - أو ما ثقل عليه وشغل قلبه من أمور الجاهلية، وإعلام الله PageV02P359 # تعالى له بحفظ ما استحفظه من وحيه.. # وأما قوله: «عفا الله عنك لم أذنت لهم «1» » . # فأمر لم يتقدم للنبي صلى الله عليه وسلم فيه من الله تعالى نهي فيعد ~~معصية.. # ولا عده الله تعالى معصية.. بل لم يعده أهل العلم معاتبة وغلطوا من ذهب ~~إلى ذلك. # قال نفطويه «2» : «وقد حاشاه الله تعالى من ذلك.. بل كان مخيرا في أمرين. # قالوا: «وقد كان له أن يفعل ما شاء «3» فيما لم ينزل عليه فيه وحي.. فكيف ~~وقد قال الله تعالى: «فأذن لمن شئت منهم «4» » فلما أذن لهم أعلمه الله بما ~~لم يطلع عليه من سرهم.. أنه لو لم يأذن لقعدوا وأنه لا حرج عليه فيما فعل. # وليس «عفا» هنا بمعنى غفر.. بل قال النبي صلى الله عليه وسلم «5» : ~~PageV02P360 # «عفا الله لكم عن صدقة الخيل والرقيق» ولم تجب عليهم قط. أي لم يلزمكم ~~ذلك ونحوه للقشيري «1» قال: «وإنما يقول «العفو» لا يكون إلا عن ذنب من لم ~~يعرف كلام العرب قال: ومعنى «عفا» الله عنك» أي لم يلزمك ذنبا» . # قال الداودي «2» : «روي أنها كانت تكرمه» . # قال مكي «3» : «هو استفتاح كلام مثل- أصلحك الله- وأعزك» وحكى السمرقندي ~~«4» : «أن معناه- عافاك الله-..» # وأما قوله في أسارى بدر «5» : «ما كان لنبي أن يكون له أسرى «6» » ~~الايتين. فليس فيه إلزام ذنب للنبي صلى الله عليه وسلم.. # بل فيه بيان ما خص به وفضل من بين سائر الأنبياء. فكأنه قال: ما كان هذا ~~لنبي غيرك PageV02P361 # كما قال صلى الله عليه وسلم «1» : «أحلت لي الغنائم «2» .. ولم تحل لنبي ~~قبلي» . # فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: «تريدون عرض الدنيا. «3» » # الآية. قيل: المعنى الخطاب لمن أراد ذلك منهم، وتجرد غرضه لعرض الدنيا ms305 ~~وحده والاستكثار منها. وليس المراد بهذا النبي صلى الله عليه وسلم ولا علية ~~«4» أصحابه بل قد روي عن الضحاك «5» : «أنها نزلت حين انهزم المشركون يوم ~~بدر واشتغل الناس بالسلب «6» وجمع الغنائم عن القتال حتى خشي عمر «7» أن ~~يعطف عليهم العدو» . # ثم قال تعالى: «لولا كتاب من الله سبق» «8» . # فاختلف المفسرون في معنى الآية.. # فقيل: معناها «9» : «لولا أنه سبق مني أن لا أعذب أحدا إلا بعد النهي ~~لعذبتكم.. فهذا ينفي أن يكون أمر الأسرى معصية» . PageV02P362 # وقيل المعنى: «لولا إيمانكم بالقرآن وهو الكتاب السابق فاستوجبتم به ~~الصفح لعوقبتم على الغنائم «1» » . # ويزداد هذا القول تفسيرا وبيانا. # بأن يقال: «لولا ما كنتم مؤمنين بالقرآن وكنتم ممن أحلت لهم الغنائم ~~لعوقبتم كما عوقب من تعدى» . # وقيل: «لولا أنه سبق في اللوح المحفوظ أنها حلال لكم لعوقبتم فهذا كله ~~ينفي الذنب والمعصية.. لأن من فعل ما أحل له لم يعص» . # قال الله تعالى: «فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا «2» » . # وقيل: بل كان النبي صلى الله عليه وسلم قد خير في ذلك وقد روي عن علي «3» ~~رضي الله عنه قال: «جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~يوم بدر فقال: خير أصحابك في الأسارى إن شاؤوا القتل وإن شاؤوا الفداء على ~~أن يقتل في العام المقبل مثلهم.. فقالوا: الفداء ويقتل منا «4» ..» # وهذا دليل على صحة ما قلناه، وأنهم لم يفعلوا إلا ما أذن لهم فيه.. لكن ~~بعضهم مال إلى أضعف الوجهين مما كان الأصلح غيره PageV02P363 # من الإثخان والقتل فعوتبوا على ذلك، وبين لهم ضعف اختيارهم وتصويب اختيار ~~غيرهم، وكلهم غير عصاة ولا مذنبين. # وإلى نحو هذا أشار الطبري «1» . وقوله صلى الله عليه وسلم في هذه القضية ~~«2» : # «لو نزل من السماء عذاب ما نجا منه إلا عمر «3» » إشارة إلى هذا من تصويب ~~رأيه ورأي من أخذ بمأخذه في إعزاز الدين، وإظهار كلمته، وإبادة عدوه، وأن ~~هذه القضية لو استوجبت عذابا نجا منه عمر «3» ومثله «4» - وعين عمر- لأنه ~~أول من أشار بقتلهم «5» ولكن الله لم يقدر عليهم في ms306 ذلك عذابا لحله لهم ~~فيما سبق. # وقال الداودي «6» والخبر بهذا لا يثبت، ولو ثبت لما جاز أن يظن أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم حكم بما لا نص فيه، ولا دليل من نص، ولا جعل الأمر فيه ~~إليه وقد نزهه الله تعالى عن ذلك. # وقال القاضي بكر «7» بن العلاء أخبر الله تعالى نبيه في هذه الآية أن ~~تأويله وافق ما كتبه له من إحلال الغنائم والفداء وقد PageV02P364 # كان قبل هذا فادوا في سرية عبد الله «1» بن جحش التي قتل فيها ابن ~~الحضرمي «2» والحكم بن كيسان «3» وصاحبه «4» فما عتب الله ذلك عليم.. وذلك ~~قبل بدر بأزيد من عام «5» . # فهذا كله يدل على أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم في شأن الأسرى كان على ~~تأويل وبصيرة. وعلى ما تقدم قبل مثله.. فلم ينكره الله تعالى عليهم.. لكن ~~الله تعالى أراد لعظم أمر بدر، وكثرة أسراها- والله أعلم- إظهار نعمته، ~~وتأكيد منته بتعريفهم ما كتبه في في اللوح المحفوظ من حل ذلك لهم، لا على ~~وجه عتاب وإنكار وتذنيب.. هذا معنى كلامه. # وأما قوله: «عبس وتولى «6» ..» الآيات فليس فيه إثبات ذنب له صلى الله ~~عليه وسلم، بل إعلام الله أن ذلك المتصدى «7» له ممن لا يتزكى PageV02P365 # وأن الصواب والأولى كان- لو «1» كشف لك «2» حال الرجلين- الإقبال على ~~الأعمى «3» . # وفعل النبي صلى الله عليه وسلم لما فعل، وتصديه لذاك الكافر، كان طاعة ~~لله، وتبليغا عنه، واستئلافا له، كما شرعه الله له، لا معصية ومخالفة له. # - وما قصه الله عليه من ذلك إعلام بحال الرجلين، وتوهين أمر الكافر عنده، ~~والإشارة إلى الإعراض عنه بقوله: «وما عليك ألا يزكى» . # وقيل: (أراد «بعبس» «وتولى» الكافر الذي كان مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~قاله: أبو تمام «4» ) . # وأما قصة آدم عليه السلام وقوله تعالى: «فأكلا منها «5» » PageV02P366 # بعد قوله: «ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين «1» » # وقوله: «ألم أنهكما عن تلكما الشجرة «2» » وتصريحه تعالى عليه بالمعصية ~~بقوله تعالى: «وعصى آدم ربه فغوى «3» » أي جهل. وقيل: (أخطأ) . فإن الله ~~تعالى قد أخبر بعذره ms307 بقوله: «ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له ~~عزما «4» » # قال ابن زيد «5» : «نسي عداوة إبليس له، وما عهد الله إليه من ذلك» . # بقوله: «إن هذا عدو لك ولزوجك «6» ..» الاية. # قيل: «نسي ذلك بما أظهر لهما» . # وقال ابن عباس «7» : (إنما سمي الإنسان إنسانا لأنه عهد إليه فنسي) . # وقيل: «لم يقصد المخالفة استحلالا لها، ولكنهما اغترا بحلف إبليس لهما ~~«إني لكما لمن الناصحين «8» » وتوهما أن PageV02P367 # أحدا لا يحلف بالله حانثا. وقد روي عذر آدم بمثل هذا في بعض الآثار # وقال ابن جبير «1» : «حلف بالله لهما حتى غرهما.. والمؤمن يخدع «2» . # وقيل: (نسي ولم ينو المخالفة فلذلك قال: «ولم نجد له عزما «3» » أي قصدا ~~للمخالفة) .. # وأكثر المفسرين على أن «العزم» هنا الحزم والصبر. # وقيل: «كان عند أكله سكران وهذا فيه ضعف «3» » . # لأن الله تعالى وصف خمر الجنة أنها لا تسكر «4» .. فإذا كان ناسيا لم تكن ~~معصية، وكذلك إن كان ملبسا عليه غالطا إذ الاتفاق على خروج الناسي والساهي ~~عن حكم التكليف. # وقال الشيخ أبو بكر «5» بن فورك وغيره: (إنه يمكن أن يكون ذلك قبل النبوة ~~ودليل ذلك قوله: «وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى «6» » ~~فذكر أن PageV02P368 # الاجتباء والهداية كانا بعد العصيان) . # وقيل: «بل أكلها متأولا، وهو لا يعلم أنها الشجرة التي نهي عنها.. لأنه ~~تأول نهي الله عن شجرة مخصوصة لا على الجنس» . # ولهذا قيل: «إنما كانت التوبة من ترك التحفظ لا من المخالفة» # وقيل: «تأول أن الله لم ينهه عنها نهي تحريم» . # فإن قيل: (فعلى كل حال فقد قال الله تعالى «وعصى آدم ربه فغوى «1» » . # وقال: «فتاب عليه وهدى «2» » . # وقوله في حديث الشفاعة «3» : «- ويذكر ذنبه- وإني نهيت عن أكل الشجرة ~~فعصيت» . فسيأتي الجواب عنه وعن أشباهه مجملا آخر الفصل إن شاء الله. # وأما قصة يونس «4» : فقد مضى الكلام على بعضها آنفا «5» ، وليس في قصة ~~يونس نص على ذنب وإنما فيها (أبق) (وذهب مغاضبا) وقد تكلمنا عليه.. ~~PageV02P369 # وقيل: (إنما نقم الله خروجه عن قومه فارا من نزول العذاب) ms308 # وقيل: «بل. لما وعدهم العذاب، ثم عفا الله عنهم قال: # والله لا ألقاهم بوجه كذاب أبدا» . # وقيل: «بل كانوا يقتلون من كذب فخاف ذلك» . # وقيل: «ضعف عن حمل أعباء الرسالة.» # وقد تقدم الكلام أنه لم يكذبهم «1» .. وهذا كله ليس فيه نص على معصية إلا ~~على قول مرغوب عنه. # وقوله: «أبق إلى الفلك # «2» مشحون «3» قال المفسرون: # تباعد «4» . # وأما قوله: «إني كنت من الظالمين «5» » «5» «فالظلم» وضع الشيء في غير ~~موضعه «6» فهذا اعتراف منه عند بعضهم بذنبه.. PageV02P370 # فإما أن يكون لخروجه عن قومه بغير إذن ربه أو لضعفه عما حمله، أو لدعائه ~~بالعذاب على قومه. # وقد دعا نوح هلاك قومه فلم يؤاخذ. # وقال الواسطي «1» في معناه: «نزه ربه عن الظلم، وأضاف الظلم إلى نفسه ~~اعترافا واستحقاقا» . # ومثل هذا قول آدم وحواء: «ربنا ظلمنا أنفسنا «2» » إذ كانا السبب في ~~وضعهما في غير الموضع الذي أنزلا فيه وإخراجهما من الجنة، وإنزالهما إلى ~~الأرض. # وأما قصة داوود «3» عليه السلام: فلا يجب «4» أن يلتفت إلى ما سطره فيه ~~الإخباريون عن أهل الكتاب الذين بدلوا وغيروا، ونقله بعض المفسرين.. ولم ~~ينص الله على شيء من ذلك ولا ورد في حديث صحيح. والذي نص الله عليه ~~PageV02P371 # قوله: «وظن داود أنما فتناه «1» ..» إلى قوله: «وحسن ماب» وقوله فيه: ~~«أواب» فمعنى (فتناه) اختبرناه و «أواب» # قال قتادة «2» : «مطيع» .. وهذا التفسير أولى. # قال ابن عباس «3» وابن مسعود «4» : «ما زاد داود أن قال للرجل: انزل لي ~~عن امرأتك وأكفلينها فعاتبه الله على ذلك ونبهه عليه وأنكر علة شغله ~~بالدنيا» . وهذا الذي ينبغي أن يعول عليه من أمره. # وقيل: «خطبها على خطبته «5» » وقيل: «بل أحب بقلبه أن يستشهد «6» » . # وحكى السمرقندي «7» : «أن ذنبه الذي استغفر منه قوله لأحد الخصمين «8» : ~~«لقد ظلمتك «9» » فظلمه «10» بقول PageV02P372 # خصمه «1» وقيل لما خشي على نفسه، وظن من الفتنة بما بسط له من الملك ~~والدنيا، وإلى نفي ما أضيف في الأخبار إلى داود ذهب أحمد بن نصر «2» وأبو ~~تمام «3» وغيرهما من المحققين. # قال الداودي «4» : «ليس في قصة داود وأوريا خبر يثبت، ولا ms309 يظن بنبي محبة ~~قتل مسلم» . # وقيل: «إن الخصمين اللذين اختصما إليه رجلان في نتاج «5» غنم على ظاهر ~~الآية» . # وأما قصة يوسف وإخوته فليس على يوسف منها تعقب، وأما إخوته، فلم تثبت ~~نبوتهم فيلزم الكلام على أفعالهم.. وذكر الأسباط وعدهم في القرآن عند ذكر ~~الأنبياء. PageV02P373 # قال المفسرون: «يريد من نبىء من أبناء الأسباط» . # وقد قيل: «إنهم كانوا حين فعلوا بيوسف ما فعلوه صغار الأسنان ولهذا لم ~~يميزوا يوسف حين اجتمعوا به، ولهذا قالوا: # «أرسله معنا غدا يرتع ويلعب «1» .» وإن ثبتت لهم نبوة فبعد هذا الفعل- ~~والله أعلم-. # وأما قول الله تعالى فيه: «ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه ~~«2» » . # فعلى مذهب كثير من الفقهاء والمحدثين أن هم النفس لا يؤاخذ به وليست ~~سيئة. # لقوله صلى الله عليه وسلم عن ربه «3» : «إذا هم عبدي بسيئة فلم يعملها ~~كتبت له حسنة..» فلا معصية في همه إذن. # وأما على مذهب المحققين «4» من الفقهاء والمتكلمين: فإن الهم إذا وطنت ~~عليه النفس سيئة.. وأما مالم توطن عليه النفس من همومها وخواطرها فهو ~~المعفو عنه.. وهذا هو الحق. # فيكون إن شاء الله هم يوسف من هذا. PageV02P374 # ويكون قوله: «وما أبرئ نفسي «1» ..» الآية.. أي ما أبرئها من هذا الهم. # أو يكون ذلك منه على طريق التواضع والاعتراف بمخالفة النفس لما زكي قبل ~~وبرىء.. فكيف وقد حكى أبو حاتم «2» عن أبي عبيدة «3» أن يوسف لم يهم وأن ~~الكلام فيه تقديم وتأخير. # أي ولقد همت به.. ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها. # ولقد قال الله تعالى عن المرأة «ولقد راودته عن نفسه فاستعصم «4» » . # وقد قال تعالى: «كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء «5» » # وقال تعالى: «وغلقت الأبواب وقالت هيت لك،» قال معاذ الله إنه ربي أحسن ~~مثواي «6» » الآية. # قيل: في «ربي» الله وقيل: الملك. # وقيل: «هم بها» أي بزجرها ووعظها وقيل: «هم بها» PageV02P375 # أي غمها «1» امتناعه عنها وقيل: «هم بها» نظر إليها وقيل: هم بضربها ~~ودفعها وقيل: «هذا كله كان قبل نبوته» . # وقد ذكر بعضهم: «ما زال النساء يملن ms310 إلى يوسف ميل شهوة حتى نبأه الله ~~فألقى عليه هيبة النبوة فشغلت هيبته كل من رآه عن حسنه» . # وأما خبر موسى صلى الله عليه وسلم مع قتيله «2» الذي وكزه «3» .. وقد نص ~~الله تعالى أنه من عدوه. # وقيل: «كان من القبط «4» الذين على دين فرعون،، ودليل السورة في هذا كله ~~أنه قبل «5» نبوة موسى» . # وقال قتادة «6» : «وكزه بالعصا ولم يتعمد قتله، فعلى هذا لا معصية في ~~ذلك» . PageV02P376 # وقوله: «هذا من عمل الشيطان «1» » وقوله: «ظلمت نفسي فاغفر لي «2» » . # قال ابن جريج «3» : «قال ذلك من أجل أنه لا ينبغي لنبي أن يقتل حتى يؤمر» ~~. # وقال النقاش «4» : (لم يقتله عن عمد مريدا للقتل، وإنما وكزه وكزة يريد ~~بها دفع ظلمه) . # قال «5» وقد قيل: (إن هذا كان قبل النبوة وهو مقتضى التلاوة) وقوله تعالى ~~في قصته: «وفتناك فتونا «6» » أي ابتليناك ابتلاء بعد ابتلاء. # قيل: «في هذه القصة وما جرى له «7» مع فرعون. PageV02P377 # وقيل: «إلقاؤه في التابوت «1» واليم «2» » وغير ذلك. # وقيل: معناه أخلصناك إخلاصا «3» قاله ابن جبير «4» ومجاهد «5» من قولهم: ~~«فتنت الفضة في النار» إذا خلصتها. وأصل «الفتنة معنى» الاختبار وإظهار ما ~~بطن إلا أنه استعمل في عرف الشرع في اختيار أدى إلى ما يكره. # وكذلك ما روي في الخبر الصحيح «6» من أن ملك الموت جاءه فلطم عينه ~~ففقأها.. # الحديث ليس فيه ما يحكم على موسى عليه السلام بالتعدي وفعل ما لا يجب.. ~~إذ هو ظاهر الأمر، بين الوجه، جائز الفعل، لأن موسى دافع عن نفسه من أتاه ~~لإتلافها.. وقد تصور له في صورة آدمي، ولا يمكن أنه علم حينئذ أنه ملك ~~PageV02P378 # الموت، فدافعه عن نفسه مدافعة. أدت إلى ذهاب عين تلك الصورة التي تصور له ~~فيها الملك، امتحانا من الله، فلما جاءه بعد وأعلمه الله تعالى أنه رسوله ~~إليه استسلم. # وللمتقدمين وللمتأخرين على هذا الحديث أجوبة. هذا أسدها عندي، وهو تأويل ~~شيخنا الإمام أبي عبد الله «1» المازري. # وقد تأوله قديما ابن عائشة «2» وغيره على صكه «3» ولطمه بالحجة وفقء عين ~~حجته، وهو كلام مستعمل في هذا ms311 الباب في اللغة ومعروف. # وأما قصة سليمان وما حكى فيها أهل التفاسير من ذنبه وقوله: «ولقد فتنا ~~سليمان «4» » فمعناه ابتليناه، وابتلاؤه PageV02P379 # ما حكي عن النبي صلى الله عليه وسلم «1» أنه قال: (لأطوفن الليلة على مئة ~~«2» امرأة أو تسع وتسعين «3» كلهن يأتين بفارس يجاهد في سبيل الله، فقال له ~~صاحبه «4» : قل إن شاء الله فلم يقل.. فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت ~~بشق رجل قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده. # لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله» ) . # قال أصحاب المعاني «5» : «والشق» هو الجسد «6» الذي ألقي على كرسيه حين ~~عرض عليه.. وهي عقوبته ومحنته. # وقيل: «بل مات فألقي على كرسيه ميتا» . # وقيل: «ذنبه حرصه على ذلك وتمنيه «7» ..» # وقيل: «لأنه لم يستثن لما استغرقه من الحرص وغلب عليه من التمني» . ~~PageV02P380 # وقيل: عقوبته أن سلب «1» ملكه وذنبه أنه أحب بقلبه أن يكون الحق لأختانه ~~«2» على خصمهم. # ولا يصح ما نقله الأخباريون من تشبه الشيطان به وتسلطه على ملكه وتصرفه ~~في أمته بالجور، في حكمه لأن الشياطين لا يسلطون على مثل هذا، وقد عصم ~~الأنبياء من مثله «3» . # وإن سئل لم لم يقل سليمان في القصة المذكور إن شاء الله؟؟ # فعنه «4» أجوبة «5» : أحدهما: ما روي في الحديث الصحيح أنه نسي أن ~~يقولها، وذلك لينفذ مراد «6» الله. # والثاني: أنه لم يسمع صاحبه «7» وشغل عنه. # وقوله: «وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي «8» » PageV02P381 # لم يفعل هذا سليمان غيرة «1» على الدنيا، ولا نفاسة «2» بها، ولكن مقصده ~~في ذلك على ما ذكره المفسرون أن لا يسلط عليه أحد كما سلط عليه الشيطان ~~الذي سلبه إياه مدة امتحانه- على قول من قال ذلك «3» - وقيل: بل أراد أن ~~يكون له من الله فضيلة، وخاصة يختص بها، كاختصاص «4» غيره من أنبياء الله ~~ورسله بخواص «5» منه. # وقيل: «ليكون ذلك دليلا وحجة على نبوته كإلانة الحديد لأبيه، وإحياء ~~الموتى لعيسى، واختصاص محمد صلى الله عليه وسلم بالشفاعة، ونحو هذا» .. # وأما قصة نوح عليه السلام فظاهرة العذر، وأنه أخذ فيها ms312 بالتأويل، وظاهر ~~اللفظ لقوله تعالى «وأهلك «6» » فطلب مقتضى هذا اللفظ، وأراد علم ما طوي ~~عنه من ذلك لا أنه شك في وعد الله. PageV02P382 # فبين «1» الله عليه أنه ليس من أهله الذين وعده بنجاتهم لكفره، وعمله، ~~الذي هو غير صالح، وقد أعلمه أنه مغرق الذين ظلموا، ونهاه عن مخاطبته فيهم، ~~فأوخذ بهذا التأويل، وعتب عليه، وأشفق هو من إقدامه على ربه لسؤاله ما لم ~~يؤذن له في السؤال فيه. # وكان نوح- فيما حكاه النقاش «2» - لا يعلم بكفرابنه وقيل في الآية: غير ~~هذا.. وكل هذا لا يقضي على نوح بمعصية سوى ما ذكرناه من تأويله وإقدامه ~~بالسؤال فيمن «3» لم يؤذن له فيه ولا نهي عنه.. # وما روي في الصحيح «4» من أن نبيا قرصته «5» نملة فحرق قرية «6» النمل ~~فأوحى الله إليه: أن «7» قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح «8» ؟!!. ~~PageV02P383 # فليس في هذا الحديث أن هذا الذي أتى معصية بل فعل ما رآه مصلحة وصوابا ~~بقتل من يؤذي جنسه ويمنع المنفعة بما أباح الله. # ألا ترى أن هذا النبي كان نازلا تحت الشجرة. فلما آذته انملة تحول برحله ~~عنها مخافة تكرار الأذى عليه.. # وليس فيما أوحى الله إليه ما يوجب عليه معصية.. بل ندبه إلى احتمال ~~الصبر، وترك التشفي. # كما قال تعالى: «ولئن صبرتم لهو خير للصابرين «1» » إذ ظاهر فعله إنما ~~كان لأجل أنها آذته هو في خاصته فكان انتقساما لنفسه، وقطع مضرة يتوقعها من ~~بقية النمل هناك، ولم يأت في كل هذا أمرا نهي عنه فيعصى به، ولا نص فيما ~~أوحى الله إليه بذلك ولا بالتوبة والاستغفار منه- والله أعلم- # فإن قيل فما معنى قوله عليه السلام «2» : ما من أحد إلا ألم بذنب أو كاد، ~~إلا يحيى بن زكريا أو كما قال «3» عليه السلام فالجواب عنه كما تقدم من ~~ذنوب الأنبياء التي وقعت عن غير قصد وعن سهو وغفلة. PageV02P384 ### ||| الفصل الرابع عشر حالة الانبياء في خوفهم واستغفارهم # فإن قلت: فإذا نفيت عنهم صلوات الله عليهم الذنوب والمعاصي بما ذكرته من ~~اختلاف المفسرين وتأويل المحققين.. فما معنى ms313 قوله تعالى: «وعصى آدم ربه ~~فغوى «1» » وما تكرر في القرآن والحديث الصحيح من اعتراف الأنبياء بذنوبهم، ~~وتوبتهم، واستغفارهم، وبكائهم على ما سلف منهم، وإشفاقهم؟؟!! # وهل يشفق ويتاب ويستغفر من لا شيء؟!! # فاعلم وفقنا الله وإياك أن درجة الأنبياء في الرفعة والعلو، والمعرفة ~~بالله وسنته في عباده، وعظم سلطانه وقوة بطشه، مما يحملهم على الخوف منه جل ~~جلاله، والإشفاق من المؤاخذة بما لا يؤاخذ به غيرهم، وأنهم في تصرفهم بأمور ~~لم ينهوا عنها، ولا PageV02P385 # أمروا بها، ثم ووخذوا «1» عليها، وعوتبوا بسببها، وحذروا «2» من المؤاخذة ~~بها.. وأتوها على وجه التأويل، أو السهو، أو تزيد من أمور الدنيا المباحة، ~~خائفون وجلون. # وهي ذنوب بالإضافة إلى علي منصبهم. ومعاص بالنسبة إلى كمال طاعتهم. # لا أنها كذنوب غيرهم ومعاصيهم. فإن الذنب مأخوذ «3» من الشيء الدنيء ~~الرذل «4» ، ومنه «ذنب «5» كل شيء» أي آخره وأذناب الناس رذا لهم «6» فكأن ~~«7» هذه أدنى أفعالهم وأسوأ ما يجري من أحوالهم، لتطهيرهم، وتنزيههم، ~~وعمارة بواطنهم وظواهرهم بالعمل الصالح، والكلم الطيب، والذكر الظاهر ~~والخفي، والخشية لله وإعظامه في السر والعلانية.. # وغيرهم يتلوث من الكبائر والقبائح والفواحش ما تكون PageV02P386 # بالإضافة إلى «1» هذه الهنات «2» في حقه كالحسنات. # كما قيل «3» : «حسنات الأبرار، سيئات المقربين» . # أي يرونها بالإضافة إلى علي أحوالهم كالسيئات وكذلك «العصيان» الترك ~~والمخالفة، فعلى مقتضى اللفظة كيفما كانت من سهو، أو تأويل، فهي مخالفة ~~وترك. وقوله: «غوى» أي أن تلك الشجرة هي التي نهي عنها.. «والغي» الجهل ~~وقيل: # أخطأ ما طلب من الخلود إذ أكلها.. وخابت أمنيته «4» . # وهذا يوسف عليه السلام قد ووخذ «5» بقوله لأحد صاحبي السجن «6» : «اذكرني ~~عند ربك، فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين «7» » . # قيل: «أنسي يوسف ذكر الله» . # وقيل: «أنسي صاحبه أن يذكره لسيده الملك» . PageV02P387 # قال النبي صلى الله عليه وسلم «1» : «لولا كلمة يوسف ما لبث في السجن ما ~~لبث» قال ابن دينار «2» : لما قال ذلك يوسف قيل له: اتخذت «3» من دوني ~~وكيلا!! .. لأطيلن حبسك.. فقال: يا رب أنسى قلبي كثرة «4» البلوى. # وقال بعضهم: «يؤاخذ الأنبياء بمثاقيل ms314 «5» الذر «6» لمكانتهم عنده ويجاوز ~~عن سائر الخلق لقلة مبالاته «7» بهم في أضعاف ما أتوا به PageV02P388 # من سوء الأدب. وقد قال المحتج للفرقة «1» الأولى. على سياق ما قلناه.. ~~إذا كان الأنبياء يؤاخذون بهذا مما لا يؤاخذ به غيرهم من السهو والنسيان ~~وما ذكرته وحالهم أرفع فحالهم «2» إذن في هذا أسوأ «3» حالا من غيرهم. # فاعلم أكرمك الله: أنا لا نثبت لك المؤاخذة في هذا على حد مؤاخذة غيرهم.. ~~بل نقول: «إنهم يؤاخذون بذلك في الدنيا ليكون ذلك زيادة في درجاتهم، ~~ويبتلون بذلك ليكون استشعارهم «4» له سببا لمنماة «5» رتبهم كما قال: «ثم ~~اجتباه ربه فتاب عليه وهدى «6» » . # وقال لداود: «فغفرنا له ذلك «7» » الآية وقال بعد قول موسى: «تبت إليك ~~«8» » «إني اصطفيتك على الناس «9» » . # وقال بعد ذكر فتنة سليمان وإنابته: «فسخرنا له الريح. إلى PageV02P389 # وحسن مآب «1» » وقال بعض المتكلمين: «زلات الأنبياء في الظاهر زلات وفي ~~الحقيقة كرامات وزلف «2» . وأشار إلى نحو مما قدمناه. # وأيضا فلينبه غيرهم من البشر منهم، أو ممن ليس من درجتهم بمؤاخذتهم بذلك ~~فيستشعروا الحذر ويعتقدوا المحاسبة ليلتزموا الشكر على النعم، ويعدوا الصبر ~~على المحن «3» بملاحظة ما وقع بأهل هذا النصاب «4» الرفيع المعصوم. فكيف ~~بمن سواهم. # ولهذا قال صالح «5» المري: «ذكر داود بسطة «6» للتوابين» . # قال ابن عطاء «7» : «لم يكن ما نص الله تعالى من قصة صاحب «8» ~~PageV02P390 # الحوت نقصا «1» له، ولكن استزادة «2» من نبينا صلى الله عليه وسلم، ~~وأيضا. # فيقال لهم: فإنكم ومن وافقكم تقولون بغفران الصغائر باجتناب الكبائر، ولا ~~خلاف في عصمة الأنبياء من الكبائر.. # فما جوزتم من وقوع الصغائر عليهم هي مغفورة على هذا، فما معنى المؤاخذة ~~بها إذن عندكم!! .. وخوف الأنبياء وتوبتهم منها وهي مغفورة لو كانت!! .. # فما أجابوا به فهو جوابنا عن المؤاخذة بأفعال السهو والتأويل. # وقد قيل: إن كثرة استغفار النبي صلى الله عليه وسلم وتوبته وغيره من ~~الأنبياء على وجه ملازمة الخضوع والعبودية والاعتراف بالتقصير شكرا لله على ~~نعمه. # كما قال صلى الله عليه وسلم «3» وقد أمن من المؤاخذة بما تقدم وما تأخر ~~«أفلا أكون عبدا ms315 شكورا..» !! # وقال «4» : «إني أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي» . PageV02P391 # قال الحارث بن أسد «1» : «خوف الملائكة والأنبياء خوف إعظام وتعبد لله ~~لأنهم آمنون» . # وقيل «2» : فعلوا ذلك ليقتدى بهم وتستن بهم أممهم. # كما قال صلى الله عليه وسلم «3» «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم ~~كثيرا» وأيضا فإن في التوبة والاستغفار معنى آخر لطيفا أشار إليه بعض ~~العلماء، وهو استدعاء محبة الله «4» . # قال الله تعالى: «إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين «5» » . # فإحداث «6» الرسل والأنبياء الاستغفار والتوبة والإنابة والأوبة في كل ~~حين استدعاء لمحبة الله والاستغفار فيه معنى التوبة. # وقد قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بعد أن غفر له ما تقدم من ذنبه ~~وما تأخر: «لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار «7» .» # الآية وقال تعالى: «فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا «8» » . ~~PageV02P392 ### ||| الفصل الخامس عشر فائدة مامر من الفصول التي بحثت مسألة العصمة # قد استبان لك أيها الناظر بما «1» قررناه ما هو الحق من عصمته صلى الله ~~عليه وسلم عن الجهل بالله، وصفاته، أو كونه على حالة تنافي العلم بشيء من ~~ذلك كله جملة بعد النبوة عقلا وإجماعا، وقبلها سماعا ونقلا، ولا بشي مما ~~قرره من أمور الشرع، وأداه عن ربه من الوحي قطعا وعقلا وشرعا، وعصمته عن ~~الكذب، وخلف القول، منذ نبأه الله، وأرسله قصدا أو غير قصد، واستحالة ذلك ~~عليه شرعا وإجماعا ونظرا وبرهانا، وتنزيهه عنه قبل النبوة قطعا، وتنزيهه عن ~~الكبائر إجماعا «2» وعن الصغائر تحقيقا، وعن استدامة السهو والغفلة، ~~واستمرار الغلط والنسيان عليه فيما شرعه للأمة، وعصمته في كل حالاته من ~~رضا، وغضب، وجد، ومزح، PageV02P393 # فيجب عليك أن تتلقاه باليمين «1» ، وتشد عليه يد الضنين «2» ، وتقدر «3» ~~هذه الفصول حق قدرها، وتعلم عظيم فائدتها وخطرها، فإن من يجهل ما يجب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم، أو يجوز، أو يستحيل عليه، ولا يعرف صور أحكامه، لا ~~يأمن أن يعتقد في بعضها خلاف ما هي عليه، ولا ينزهه عما لا يجب «4» أن يضاف ~~إليه، فيهلك من حيث لا يدري، ويسقط في هوة «5» الدرك ms316 «6» الأسفل من النار.. ~~إذ ظن الباطل به واعتقاد ما لا يجوز عليه يحل بصاحبه دار البوار، ولهذا ~~احتاط عليه السلام على الرجلين اللذين رأياه ليلا وهو معتكف في المسجد مع ~~صفية «7» .. فقال لهما: «إنها صفية» .. ثم قال: «إن الشيطان يجري من ابن ~~آدم مجرى الدم وإني PageV02P394 # خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا فتهلكا «1» » .. # - هذه أكرمك الله إحدى فوائد ما تكلمنا عليه في هذه الفصول. # ولعل جاهلا لا يعلم بجهله.. إذا سمع شيئا منها يرى أن الكلام فيها جملة ~~من فضول العلم، وأن السكوت أولى.. # وقد استبان لك أنه متعين للفائدة التي ذكرناها وفائدة ثانية يضطر إليها ~~في أصول الفقه، ويبتنى «2» عليها مسائل لا تنعد «3» من الفقه، ويتخلص بها ~~من تشغيب «4» مختلفي الفقهاء في عدة منها، وهي: # - الحكم في أقوال النبي صلى الله عليه وسلم، وأفعاله، وهو باب عظيم، وأصل ~~كبير من أصول الفقه، ولا بد من بنائه على صدق النبي صلى الله عليه وسلم في ~~أخباره وبلاغه وأنه لا يجوز عليه السهو فيه، وعصمته من المخالفة في أفعاله ~~عمدا، وبحسب اختلافهم في وقوع الصغائر وقع خلاف «5» في امتثال الفعل بسط ~~بيانه في كتب ذلك العلم، فلا نطول به.. # وفائدة ثالثة: يحتاج إليها الحاكم «6» والمفتي فيمن أضاف إلى PageV02P395 # النبي صلى الله عليه وسلم شيئا من هذه الأمور ووصفه بها فمن لم يعرف ما ~~يجوز، وما يمتنع عليه، وما وقع الإجماع فيه، والخلاف كيف يصمم في الفتيا في ~~ذلك!! ومن أين يدري هل ما قاله فيه نقص أو مدح!!. فإما أن يجترىء على سفك ~~دم مسلم حرام، أو يسقط حقا ويضيع حرمة للنبي صلى الله عليه وسلم «1» .. ~~وبسبيل هذا ما قد اختلف أرباب الأصول وأئمة العلماء والمحققين في عصمة ~~الملائكة.. PageV02P396 ### ||| الفصل السادس عشر عصمة الملائكة # في القول في عصمة الملائكة: أجمع «1» المسلمون على أن الملائكة «2» ~~مؤمنون فضلاء، واتفق أئمة المسلمين أن حكم المرسلين منهم حكم النبيين سواء ~~في العصمة، مما ذكرنا عصمتهم منه، وأنهم في حقوق الأنبياء، والتبليغ إليهم، ~~كالأنبياء مع الأمم.. ms317 # واختلفوا في غير المرسلين منهم، فذهبت طائفة إلى عصمة جميعهم عن المعاصي ~~«3» ، واحتجوا بقوله تعالى: «لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون «4» ~~» وبقوله: «وما منا إلا له PageV02P397 # مقام معلوم، وإنا لنحن الصافون «1» وإنا لنحن المسبحون «2» » # وبقوله: «ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل ~~والنهار لا يفترون» «3» . # وبقوله: «إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته «4» » الاية وبقوله: ~~«كرام بررة «5» » و: «لا يمسه إلا المطهرون «6» » ونحوه من السمعيات «7» . # وذهبت طائفة: إلى أن هذا خصوص «8» للمرسلين منهم والمقربين واحتجوا ~~بأشياء ذكرها أهل الأخبار والتفاسير نحن نذكرها إن إن شاء الله بعد، ونبين ~~الوجه فيها إن شاء الله. # والصواب: عصمة جميعهم، وتنزيه نصابهم «9» الرفيع عن جميع ما يحط من ~~رتبتهم ومنزلتهم عن جليل مقدارهم. ورأيت بعض شيوخنا أشار «10» بأن «11» لا ~~حاجة بالفقيه إلى الكلام في عصمتهم «12» . PageV02P398 # وأنا أقول إن للكلام في ذلك ما للكلام في عصمة الأنبياء من الفوائد التي ~~ذكرناها سوى فائدة الكلام في الأقوال والأفعال، فهي ساقطة ههنا «1» . # فمما احتج به من لم يوجب عصمة جميعهم «2» قصة هاروت وماروت «3» وما ذكر ~~فيها أهل الأخبار ونقلة المفسرين، وما روي عن علي «4» وابن عباس «5» في ~~خبرهما وابتلائهما. # فاعلم أكرمك الله- أن هذه الأخبار لم يرو منها شيء لا سقيم ولا صحيح عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم «6» . وليس هو شيئا يؤخذ بقياس.. والذي منه ~~في القرآن اختلف المفسرون في معناه، وأنكر ما قال بعضهم فيه كثير من السلف ~~كما سنذكره. PageV02P399 # وهذه الأخبار من كتب اليهود وافترائهم، كما نصه الله أول الآيات من ~~افترائهم بذلك على سليمان وتكفيرهم إياه. # وقد انطوت القصة على شنع «1» عظيمة. وها نحن نحبر «2» في ذلك ما يكشف ~~غطاء هذه الإشكالات إن شاء الله. # فاختلف أولا في هاروت وماروت.. هل هما ملكان أو إنسيان وهل هما المراد ~~بالملكين أم لا.. وهل القراءة «ملكين» «3» أو «ملكين» «4» . # وهل ما في قوله «وما أنزل «5» » و «ما يعلمان من أحد «6» » نافية أو ~~موجبة.. # فأكثر المفسرين: «أن الله تعالى امتحن الناس ms318 بالملكين لتعليم السحر ~~وتبيينه.. وأن عمله «7» كفر.. فمن تعلمه كفر ومن تركه آمن «8» » . ~~PageV02P400 # قال الله تعالى: «إنما نحن فتنة فلا تكفر «1» » وتعليمهما الناس له تعليم ~~إنذار.. أي يقولان لمن جاء يطلب تعلمه لا تفعلوا «2» كذا فإنه يفرق بين ~~المرء وزوجه، ولا تتخيلوا «3» بكذا فإنه سحر. فلا تكفروا. # فعلى هذا: فعل الملكين طاعة، وتصرفهما فيما أمرا به ليس بمعصية.. وهي ~~لغيرهما فتنة. # وروى ابن وهب «4» عن خالد «5» بن أبي عمران: أنه ذكر عنده هاروت وماروت، ~~وأنهما يعلمان السحر فقال: نحن ننزههما عن هذا.. فقرأ بعضهم «وما أنزل على ~~الملكين «6» » فقال خالد: # لم ينزل عليهما) . # فهذا خالد على جلالته وعلمه نزههما عن تعليم السحر الذي قد ذكره غيره ~~أنهما «7» مأذون لهما في تعليمه بشريطة أن يبينا أنه كفر، وأنه امتحان من ~~الله وابتلاء.. فكيف لا ينزههما عن كبائر «8» PageV02P401 # المعاصي والكفر المذكورة في تلك الأخبار. # وقول خالد: «لم ينزل» يريد أن ما «نافية» وهو قول ابن عباس «1» . # قال مكي «2» : «وتقدير الكلام.. وما كفر سليمان- يريد بالسحر الذي ~~افتعلته عليه الشياطين واتبعتهم في ذلك اليهود» . # وما أنزل على الملكين. قال مكي «2» : «هما جبريل وميكائيل. # ادعى اليهود عليهما المجيء به كما ادعوا على سليمان فأكذبهم الله في ~~ذلك.. «ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر. ببابل هاروت وماروت «3» » ~~قيل: «هما رجلان تعلماه» . # قال الحسن «4» : «هاروت وماروت علجان «5» من أهل بابل وقرأ «وما أنزل على ~~الملكين «6» بكسر اللام، وتكون «ما» إيجابا على هذا. PageV02P402 # وكذلك قراءة عبد الرحمن «1» بن أبزى بكسر اللام، ولكنه قال: «الملكان هنا ~~داوود وسليمان» .. وتكون «ما» نفيا «2» على ما تقدم.. # وقيل: كانا ملكين من بني إسرائيل فمسخهما الله.. حكاه السمرقندي «3» ، ~~والقراءة بكسر اللام شاذة فمحمل الآية على تقدير أبي محمد مكي حسن.. ينزه ~~الملائكة، ويذهب الرجس عنهم.. # ويطهرهم تطهيرا.. # وقد وصفهم الله بأنهم «مطهرون «4» » و «كرام بررة «5» » و «لا يعصون الله ~~ما أمرهم «6» » . # ومما يذكرونه: قصة إبليس وأنه كان من الملائكة ورئيسا فيهم، ومن خزان ~~الجنة.. إلى آخر ما حكوه وأنه استثناه من الملائكة بقوله: ms319 «فسجدوا إلا ~~إبليس «7» » . PageV02P403 # وهذا أيضا لم يتفق عليه.. بل الأكثر ينفون ذلك، وأنه أبو الجن كما آدم ~~أبو الإنس وهو قول الحسن «1» وقتادة «2» ، وابن زيد «3» وقال شهر «4» بن ~~حوشب: «كان من الجن الذين طردتهم الملائكة في الأرض حين أفسدوا.. ~~والاستثناء من غير الجنس «5» شائع في كلام العرب سائغ» . # وقد قال الله تعالى: «ما لهم به من علم إلا اتباع الظن» ومما رووه في ~~الأخبار «6» : «أن خلقا من الملائكة عصوا الله فحرقوا «7» ، وأمروا أن ~~يسجدوا لآدم فأبوا فحرقوا، ثم آخرون كذلك، حتى سجد له من ذكر الله إلا ~~إبليس.. في أخبار لا أصل لها تردها صحاح الأخبار.. فلا يشتغل بها والله ~~أعلم. PageV02P404 ### || الباب الثاني في ما يخصتهم الأمور الدنيوية ويطرأ عليهم من العوارض البشرية وفيه تسعة فصول # PageV02P405 ### ||| الفصل الأول حالة الأنبياء بالنسبة للعوارض البشرية # قد قدمنا أنه صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء والرسل من البشر.. # وأن جسمه وظاهره خالص للبشر يجوز عليه من الآفات والتغييرات والآلام ~~والأسقام وتجرع كأس الحمام ما يجوز على البشر. وهذا كله ليس بنقيصة فيه.. ~~لأن الشيء إنما يسمى ناقصا بالإضافة إلى ما هو أتم فيه وأكمل من نوعه وقد ~~كتب الله على أهل هذه الدار فيها يحيون، وفيها يموتون، ومنها يخرجون. # وخلق جميع البشر بمدرجة «1» الغير «2» . # فقد مرض صلى الله عليه وسلم. واشتكى وأصابه الحر والقر، وأدركه الجوع ~~والعطش، ولحقه الغضب والضجر، وناله الإعياء والتعب، ومسه الضعف والكبر، ~~وسقط فجحش «3» شقه» وشجه الكفار «4» PageV02P406 # وكسروا رباعيته «1» ، وسقي السم «2» ، وسحر «3» ، وتداوى «4» واحتجم «5» ~~، وتنشر «6» وتعوذ، ثم قضى نحبه فتوفي صلى الله عليه وسلم، ولحق بالرفيق ~~الأعلى، وتخلص من دار الامتحان «7» والبلوى. # وهذه سمات البشر التي لا محيص عنها. وأصاب غيره من الأنبياء ما هو أعظم ~~فقتلوا قتلا «8» ، ورموا في النار «9» ، ونشروا بالمناشير «10» ، ومنهم من ~~وقاه الله ذلك في بعض الأوقات، ومنهم من عصمه كما عصم «11» بعد «12» نبينا ~~«13» من الناس. PageV02P407 # فلئن لم يكف نبينا ربه يد ابن قميئة «1» يوم أحد، ولا حجبه عن عيون عداه ~~عند دعوته أهل الطائف ms320 فلقد أخذ على عيون قريش عند خروجه إلى ثور «2» ، ~~وأمسك عنه سيف غورث «3» ، وحجر أبي جهل «4» ، وفرس سراقة «5» . # ولئن لم يقه من سحر ابن الأعصم «6» ، فلقد وقاه ما هو أعظم من سم ~~اليهودية.. # وهكذا سائر أنبيائه، مبتلى ومعافى، وذلك من تمام حكمته ليظهر شرفهم في ~~هذه المقامات، ويبين أمرهم، ويتم كلمته فيهم، وليحقق بامتحانهم بشربتهم، ~~ويرتفع «7» الالتباس عن أهل الضعف PageV02P408 # فيهم لئلا يضلوا بما يظهر من العجائب على أيديهم، ضلال «1» النصارى بعيسى ~~بن مريم، وليكون في محنتهم تسلية لأممهم ووفور لأجورهم عند ربهم.. تماما ~~على الذي أحسن إليهم. # قال بعض المحققين: «وهذه الطواريء والتغييرات المذكورة إنما تختص ~~بأجسامهم البشرية المقصود بها مقاومة البشر ومعاناة بني آدم لمشاكلة الجنس. # وأما بواطنهم فمنزهة غالبا عن ذلك معصومة منه متعلقة بالملأ «2» الأعلى ~~والملائكة لأخذها عنهم.. وتلقيها الوحي منهم» قال: # وقد قال صلى الله عليه وسلم «3» : «إن عيني تنامان ولا ينام قلبي» . # وقال «4» : «إني لست كهيئتكم.. إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني..» وقال «5» ~~: «لست أنسى ولكن أنسى ليستن بي» . # فأخبر أن سره وباطنه وروحه بخلاف جسمه وظاهره وأن الآفات التي تحل ظاهره ~~من ضعف وجوع وسهر ونوم، لا يحل منها شيء باطنه بخلاف غيره من البشر في حكم ~~الباطن. PageV02P409 # لأن غيره إذا نام استغرق النوم جسمه وقلبه، وهو صلى الله عليه وسلم في ~~نومه حاضر القلب كما هو في يقظته.. حتى قد جاء في بعض الآثار أنه كان ~~محروسا من الحدث في نومه ليكون قلبه يقظان كما ذكرناه. # وكذلك غيره إذا جاع ضعف لذلك جسمه، وخارت قوته، فبطلت بالكلية جملته.. ~~وهو صلى الله عليه وسلم قد أخبر أنه لا يعتر به ذلك، وأنه بخلافهم. # لقوله: «إني لست كهيئكم.. إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني» . # وكذلك أقول: «إنه في هذه الأحوال كلها، من وصب «1» ومرض، وسحر «2» وغضب، ~~لم يجر على باطنه ما يخل به، ولا فاض منه على لسانه وجوارحه ما لا يليق به، ~~كما يعتري «3» غيره من البشر مما نأخذ بعد في بيانه» .. PageV02P410 ### ||| الفصل الثاني حالتهم ms321 بالنسبة للسحر # فإن قلت: فقد جاءت الأخبار الصحيحة «1» أنه صلى الله عليه وسلم سحر # فعن عائشة «2» رضي الله عنها قالت «3» : «سحر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حتى إنه ليخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله» . # وفي رواية أخرى: «حتى كان يخيل إليه أنه كان يأتي النساء ولا يأتيهن» ~~الحديث. # وإذا كان هذا من التباس الأمر على المسحور فكيف حال النبي صلى الله عليه ~~وسلم في ذلك؟! # وكيف جاز عليه وهو معصوم؟!. # فاعلم: وفقنا الله وإياك أن هذا الحديث صحيح، متفق عليه PageV02P411 # وقد طعنت فيه الملحدة، وتذرعت «1» به لسخف عقولها، وتلبيسها على أمثالها، ~~إلى التشكيك في الشرع.. # وقد نزه الله الشرع والنبي عما يدخل في أمره لبسا وإنما السحر مرض من ~~الأمراض وعارض «2» من العلل يجوز عليه كأنواع الأمراض «3» مما لا ينكر ولا ~~يقدح في نبوته.. # وأما ما ورد من أنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولا يفعله فليس في هذا ~~ما يدخل عليه داخلة في شيء من تبليغه أو شريعته، أو يقدح في صدقه لقيام ~~الدليل والإجماع على عصمته من هذا. # وإنما هذا فيما يجوز طروه عليه في أمر «4» دنياه التي لم يبعث بسببها، ~~ولا فضل من أجلها، وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر، فغير بعيد أن يخيل ~~إليه من أمورها مالا حقيقة له ثم ينجلي عنه كما كان.. # وأيضا فقد فسر هذا الفصل الحديث الآخر PageV02P412 # من قوله: «حتى يخيل إليه أنه يأتي أهله ولا يأتيهن» . # وقال سفيان «1» : «هذا أشد ما يكون من السحر «2» » .. # ولم يأت في خبر منها أنه نقل عنه في ذلك قول بخلاف ما كان أخبر أنه فعله ~~ولم يفعله، وإنما كانت خواطر وتخييلات. # وقد قيل: «إن المراد بالحديث أنه كان يتخيل الشيء أنه فعله وما فعله لكنه ~~تخييل لا يعتقد صحته، فتكون اعتقاداته كلها على السداد وأقواله على الصحة» ~~. # هذا ما وقفت عليه من الأجوبة لأئمتنا عن «3» هذا الحديث مع ما أوضحنا من ~~معنى كلامهم، وزدناه بيانا من تلويحاتهم «4» وكل وجه منها مقنع، لكنه ms322 قد ~~ظهر لي في الحديث تأويل أجلى وأبعد عن مطاعن ذوي الأضاليل، يستفاد من نفس ~~الحديث وهو أن عبد الرزاق «5» قد روى هذا الحديث «6» عن ابن المسيب «7» ~~وعروة «8» بن الزبير وقال فيه عنهما، سحر يهودي بني زريق PageV02P413 # رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلوه «1» في بئر «2» حتى كاد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ينكر بصره.. ثم دله الله على ما صنعوا فاستخرجه «3» من ~~البئر. # وروي نحوه عن الواقدي «4» ، وعن عبد الرحمن «5» بن كعب، وعمر «6» بن ~~الحكم. # وذكر: عن عطاء «7» الخراساني عن يحيى «8» بن يعمر: حبس رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن عائشة سنة فبينا هو نائم أتاه ملكان فقعد أحدهما عند ~~رأسه والآخر عند رجليه. الحديث # قال عبد الرزاق «9» : حبس رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عائشة خاصة ~~سنة حتى أنكر بصره. # وروى «10» محمد بن سعد «11» عن ابن عباس «12» مرض رسول PageV02P414 # الله صلى الله عليه وسلم فحبس عن النساء والطعام والشراب فهبط عليه ~~ملكان.. # وذكر القصة. # - فقد استبان لك من مضمون هذه الروايات أن السحر إنما تسلط على ظاهره ~~وجوارحه، لا على قلبه. واعتقاده وعقله، وأنه إنما أثر في بصره وحبسه عن وطء ~~نسائه وطعامه، وأضعف جسمه وأمرضه، ويكون معنى قوله: يخيل إليه أنه يأتي ~~أهله ولا يأتيهن أي يظهر له من نشاطه ومتقدم عادته القدرة على النساء، فإذا ~~دنا منهن أصابته أخذة السحر فلم يقدر على إتيانهن كما يعتري من أخذ واعترض ~~«1» ولعله لمثل هذا أشار سفيان «2» بقوله: # وهذا أشد ما يكون من السحر، ويكون قول عائشة في الرواية الأخرى: «إنه ~~ليخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله» من باب ما اختل من بصره كما ذكر في ~~الحديث فيظن أنه رأى شخصا من بعض أزواجه أو شاهد فعلا من غيره ولم يكن على ~~ما يخيل إليه لما أصابه في بصره وضعف نظره لا لشيء طرأ عليه في ميزه «3» . # وإذا كان هذا لم يكن فيما ذكر من إصابة السحر له وتأثيره فيه ما يدخل ~~لبسا، ولا يجد ms323 به الملحد المعترض أنسا.. PageV02P415 ### ||| الفصل الثالث أحواله في أمور الدنيا # هذا حاله في جسمه، فأما أحواله في أمور الدنيا فنحن نسبرها «1» على ~~أسلوبها «2» المتقدم بالعقد «3» والقول والفعل. # أما العقد منها: فقد يعتقد في أمور الدنيا الشيء على وجه ويظهر خلافه، أو ~~يكون منه على شك أو ظن، بخلاف أمور الشرع. # قال رافع «4» بن خديج «5» قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم ~~يؤبر «6» النخل فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كما نصنعه.. # قال: لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا فتركوه فنقصت. فذكروا ذلك له.. فقال: ~~إنما أنا بشر.. إذا أمرتكم بشيء من دينكم PageV02P416 # فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر. # وفي رواية «1» أنس «2» : أنتم أعلم بأمر دنياكم. وفي حديث آخر «3» إنما ~~ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن وفي حديث ابن «4» عباس في قصة الخرص «5» : ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «6» : «إنما أنا بشر.. فما حدثتكم عن ~~الله فهو حق، وما قلت فيه من قبل نفسي فإنما أنا بشر، أخطىء وأصيب وهذا على ~~ما قررناه فيما قاله من قبل نفسه في أمور الدنيا، وظنه من أحوالها، لا ما ~~قاله من قبل نفسه واجتهاده في شرع شرعه، وسنة سنها. # وكما حكى ابن إسحاق «7» : أنه صلى الله عليه وسلم لما نزل بأدنى مياه بدر ~~قال له الحباب «8» بن المنذر: أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه.. ~~أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: لا.. بل هو PageV02P417 # الرأي والحرب والمكيدة.. قال: فإنه ليس بمنزل.. انهض حتى نأتي أدنى ماء ~~من القوم فننزله، ثم نغور ما وراءه من القلب «1» . فنشرب ولا يشربون. فقال: ~~«أشرت بالرأي» وفعل ما قاله. # وقد قال الله تعالى له: «وشاورهم في الأمر «2» » . وأراد مصالحة بعض عدوه ~~على ثلث تمر المدينة «3» فاستشار الأنصار «4» . # فلما أخبروه برأيهم رجع عنه. فمثل هذا وأشباهه من أمور الدنيا التي لا ~~مدخل فيها لعلم ديانة، ولا اعتقادها، ولا تعليمها يجوز عليه فيها ما ~~ذكرناه.. إذ ليس في هذا كله نقيصة ولا محطة، وإنما هي أمور ms324 اعتيادية يعرفها ~~من جربها وجعلها همه. وشغل نفسه بها والنبي صلى الله عليه وسلم مشحون القلب ~~بمعرفة الربوبية، ملآن الجوانح «5» بعلوم الشريعة، قصيد البال بمصالح الأمة ~~الدينية والدنيوية. # ولكن هذا إنما يكون في بعض الأمور ويجوز في النادر. # وفيما سبيله التدقيق في حراسة الدنيا واستثمارها، لا في الكثير المؤذن ~~بالعلة، والغفلة. PageV02P418 # وقد تواتر «1» بالنقل عنه صلى الله عليه وسلم من المعرفة بأمور الدنيا ~~ودقائق مصالحها، وسياسة فرق أهلها ما هو معجز في البشر مما قد نبهنا عليه ~~في باب معجزاته من هذا الكتاب. PageV02P419 ### ||| الفصل الرابع أحكام البشر الجارية على يديه # وأما ما يعتقده من أمور أحكام البشر الجارية على يديه وقضاياهم، ومعرفة ~~المحق من المبطل وعلم المصلح من المفسد فبهذه السبيل. # لقوله صلى الله عليه وسلم «1» «إنما أنا بشر.. وإنكم تختصمون إلي، ولعل ~~بعضكم أن يكون ألحن «2» بحجته من بعض، فأقضي له على نحو مما أسمع.. فمن ~~قضيت له من حق أخيه بشيء فلا يأخذ منه شيئا، فإنما أقطع له قطعة من النار.» # عن أم سلمة «3» قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «4» : الحديث وفي ~~رواية الزهري «5» عن عروة «6» «فلعل بعضكم أن يكون أبلغ PageV02P420 # من بعض فأحسب أنه صادق فأقضي له» . # ويجري أحكامه صلى الله عليه وسلم على الظاهر وموجب غلبات الظن، بشهادة ~~الشاهدين ويمين الحالف ومراعاة الأشبه «1» ، ومعرفة العفاص «2» والوكاء «3» ~~مع مقتضى حكمة الله في ذلك. # فإنه تعالى- لو شاء- لأطلعه على سرائر عباده ومخبئات «4» ضمائر أمته ~~فتولى الحكم بينهم بمجرد يقينه وعلمه.. دون حاجة إلى اعتراف أو بينة، أو ~~يمين، أو شبهة.. ولكن لما أمر الله أمته باتباعه والاقتداء به في أفعاله ~~وأحواله، وقضاياه، وسيره.. # وكان هذا لو كان مما يخص بعلمه ويؤثره الله به لم يكن للأمة سبيل إلى ~~الاقتداء به في شيء من ذلك، ولا قامت حجة بقضية من قضاياه لأحد في شريعته، ~~لأنا لا نعلم ما أطلع عليه هو في تلك القضية بحكمه هو إذن في ذلك بالمكنون ~~من إعلام الله له بما أطلعه عليه من ms325 سرائرهم.. وهذا ما لا تعلمه الأمة. # فأجرى الله تعالى أحكامه على ظواهرهم التي يستوي في ذلك هو PageV02P421 # وغيره من البشر ليتم اقتداء أمته به في تعيين «1» قضاياه وتنزيل أحكامه.. ~~ويأتوا ما أتوا من ذلك على علم ويقين من سنته إذ البيان بالفعل أوقع منه ~~بالقول وأرفع لاحتمال اللفظ وتأويل المتأول، وكان حكمه على الظاهر أحلى في ~~البيان، وأوضح في وجوه الأحكام، وأكثر فائدة لموجبات التشاجر والخصام ~~وليقتدي بذلك كله حكام أمته، ويستوثق بما يؤثر عنه، وينضبط قانون شريعته.. ~~وطي ذلك عنه من علم الغيب الذي استأثر به عالم الغيب «فلا يظهر على غيبه ~~أحدا إلا من ارتضى من رسول «2» » فيعلمه منه بما شاء ويستأثر بما شاء، ولا ~~يقدح هذا في نبوته ولا يفصم «3» عروة «4» من عصمته. PageV02P422 ### ||| الفصل الخامس أخباره الدنيوية # وأما أقواله الدنيوية من أخباره عن أحواله وأحوال غيره وما يفعله أو فعله ~~فقد قدمنا أن الخلف فيها ممتنع عليه في كل حال، وعلى أي وجه من عمد أو سهو ~~أو صحة أو مرض أو رضى أو غضب، وأنه معصوم منه صلى الله عليه وسلم. # هذا فيما طريقه الخبر المحض «1» مما يدخله الصدق والكذب. # - فأما المعاريض «2» الموهم ظاهرها خلاف باطنها فجائز ورودها منه في ~~الأمور الدنيوية لا سيما لقصد المصلحة.. # كتوريته «3» عن وجه مغازيه لئلا يأخذ العدو حذره.. PageV02P423 # وكما روي من ممازحته ودعابته لبسط أمته وتطييب قلوب المؤمنين من صحابته ~~«1» وتأكيدا في تحببهم ومسرة نفوسهم.. # كقوله «2» : «لأحملنك على ابن الناقة» . # وقوله للمرأة التي سألته عن زوجها «3» «أهو الذي بعينه بياض..» # وهذا كله صدق، لأن كل جمل ابن ناقة، وكل إنسان بعينه بياض وقد قال صلى ~~الله عليه وسلم «4» : «إني لأمزح ولا أقول إلا حقا «5» ..» # هذا كله فيما بابه الخبر. # - فأما ما بابه غير الخبر مما صورته صورة الأمر والنهي في الأمور ~~الدنيوية، فلا يصح منه أيضا ولا يجوز عليه أن يأمر أحدا بشيء، أو ينهى أحدا ~~عن شيء، وهو يبطن خلافه. # وقد قال صلى الله عليه وسلم «6» : «ما كان لنبي ms326 أن تكون له خائنة ~~الأعين.» PageV02P424 # فكيف أن تكون له خائنة قلب. # فإن قلت: فما معنى قوله تعالى في قصة زيد «1» : «وإذ تقول للذي أنعم الله ~~عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك «2» » الاية # فاعلم أكرمك الله، ولا تسترب في تنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا ~~الظاهر وأن يأمر زيدا بإمساكها وهو يحب تطليقه إياها كما ذكر عن جماعة من ~~المفسرين.. # وأصح ما في هذا ما حكاه «3» أهل التفسير عن علي «4» بن حسين أن الله ~~تعالى كان أعلم نبيه أن زينب ستكون من أزواجه.. # فلما شكاها إليه زيد.. قال له: أمسك عليك زوجك واتق الله. # وأخفى منه في نفسه ما أعلمه الله به من أنه سيتزوجها «5» مما الله مبديه ~~ومظهره بتمام التزويج وطلاق زيد لها «6» . PageV02P425 # وروى نحوه عمرو «1» بن فائد عن الزهري «2» قال: «نزل جبريل على النبي صلى ~~الله عليه وسلم يعلمه أن الله يزوجه زينب «3» بنت جحش، فذلك الذي أخفى في ~~نفسه» . # ويصحح هذا قول المفسرين في قوله تعالى بعد هذا «وكان أمر الله مفعولا «4» ~~» أي لا بد لك أن تتزوجها.. ويوضح هذا أن الله لم يبد من أمره معها غير ~~زواجه لها، فدل أنه الذي أخفاه صلى الله عليه وسلم مما كان أعلمه به تعالى. # وقوله تعالى في القصة: «ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له.. سنة ~~الله.. «5» » الآية فدل أنه لم يكن عليه حرج في الأمر. PageV02P426 # قال الطبري «1» : «ما كان الله ليؤثم نبيه فيما أحل له مثال فعله لمن ~~قبله من الرسل» . # قال الله تعالى: «سنة الله في الذين خلوا من قبل «2» » أي من النبيين ~~فيما أحل لهم.. # ولو كان على ما روي في حديث «3» قتادة «4» من وقوعها من قلب النبي صلى ~~الله عليه وسلم عند ما أعجبته، ومحبته طلاق زيد لها لكان فيه أعظم الحرج ~~وما لا يليق به من مدعينيه لما نهي عنه من زهرة الحياة الدنيا.. ولكان هذا ~~نفس الحسد المذموم الذي لا يرضاه، ولا يتسم به الأتقياء.. فكيف سيد ~~الأنبياء!!! ms327 # قال القشيري «5» : «وهذا إقدام عظيم من قائله وقلة معرفة بحق النبي صلى ~~الله عليه وسلم وبفضله وكيف يقال: رآها فأعجبته، وهي بنت عمته «6» ، ولم ~~يزل يراها منذ ولدت، ولا كان النساء يحتجبن منه صلى الله عليه وسلم.. وهو ~~زوجها لزيد. PageV02P427 # - وإنما جعل الله طلاق زيد لها، وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم إياها ~~لإزالة حرمة التبني وإبطال سنته.. # كما قال: «ما كان محمد أبا أحد من رجالكم «1» » . # وقال: «لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم «2» » . ونحوه ~~لابن «3» فورك. # وقال أبو الليث «4» السمرقندي: فإن قيل: فما الفائدة في أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم لزيد بإمساكها؟ فهو أن الله أعلم نبيه أنها زوجته، فنهاه ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن طلاقها إذ لم تكن بينهما ألفة وأخفى في نفسه ~~ما أعلمه الله به.. فلما طلقها زيد خشي قول الناس: يتزوج امرأة ابنه فأمره ~~الله بزواجها ليباح مثل ذلك لأمته.. # كما قال تعالى: «لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم «5» .» # وقد قيل: كان أمره لزيد بإمساكها قمعا للشهوة وردا للنفس عن هواها «6» .. ~~PageV02P428 # وهذا إذا جوزنا عليه أنه رآها فجأة واستحسنها ومثل هذا لا نكرة فيه لما ~~طبع عليه ابن آدم من استحسانه الحسن، ونظرة الفجأة معفو عنها ثم قمع نفسه ~~عنها وأمر زيدا بإمساكها.. # وإنما تنكر تلك الزيادات التي في القصة. # والتعويل والأولى ما ذكرناه عن علي «1» بن الحسين وحكاه السمرقندي «2» ~~وهو قول ابن عطاء «3» واستحسنه القاضي القشيري «4» # وعليه عول أبو بكر «5» بن فورك وقال: إنه معنى ذلك عند المحققين من أهل ~~التفسير.. قال.. والنبي صلى الله عليه وسلم منزه عن استعمال النفاق في ذلك ~~وإظهار خلاف ما في نفسه.. وقد نزهه الله عن ذلك بقوله تعالى: «ما كان على ~~النبي من حرج فيما فرض الله له «6» » # قال: «ومن ظن ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم فقد أخطأ. # قال: وليس معنى الخشية هنا الخوف وإنما معناه «7» الاستحياء.. # أي يستحيي منهم أن يقولوا: تزوج زوجة ابنه.. وأن خشيته PageV02P429 # صلى ms328 الله عليه وسلم من الناس كانت من إرجاف المنافقين واليهود، وتشغيبهم ~~على المسلمين بقولهم: تزوج زوجة ابنه بعد نهيه عن نكاح حلائل الأبناء كما ~~كان.. فعتبه الله على هذا ونزهه عن الإلتفات إليهم فيما أحله له.. كما عتبه ~~على مراعاة رضى أزواجه في سورة التحريم بقوله: «لم تحرم ما أحل الله لك «1» ~~..» الاية # كذلك قوله له ههنا «وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه «2» » # وقد روي «3» عن الحسن «4» وعائشة «5» : لو كتم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم شيئا لكتم هذه الآية لما فيها من عتبه وإبداء ما أخفاه. PageV02P430 ### ||| الفصل السادس حديث الوصية # فإن قلت قد تقررت عصمته صلى الله عليه وسلم في أقواله في جميع أحواله، ~~وأنه لا يصح منه فيها خلف ولا اضطراب في عمد ولا سهو، ولا صحة ولا مرض، ولا ~~جد ولا مزح، ولا رضى ولا غضب. ولكن ما معنى الحديث «1» في وصيته صلى الله ~~عليه وسلم. # فعن ابن عباس «2» قال: لما احتضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي البيت ~~رجال فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هلموا أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده» ~~.. فقال بعضهم «3» : «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غلبه الوجع» ~~الحديث # وفي رواية: «آتوني أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعدي أبدا» PageV02P431 # فتنازعوا.. فقالوا «1» : «ماله؟ أهجر؟ إستفهموا «2» فقال: «دعوني فإن ~~الذي أنا فيه خير» . # وفي بعض طرقه: إن النبي صلى الله عليه وسلم يهجر «3» . # وفي رواية: هجر ويروى: أهجر؟ ويروى: أهجرا؟ .. # وفيه فقال عمر «4» : إن النبي صلى الله عليه وسلم قد اشتد به الوجع ~~وعندنا كتاب الله حسبنا، وكثر اللغط «5» فقال: قوموا عني «6» . # وفي رواية واختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كتابا ومنهم من يقول ما قال عمر «4» قال أئمتنا في ~~هذا الحديث: «أن النبي صلى الله عليه وسلم غير معصوم من الأمراض وما يكون ~~من عوارضها من شدة وجع وغشي «7» ونحوه مما يطرأ على جسمه. # - معصوم أن يكون منه من القول ms329 أثناء ذلك ما يطعن في PageV02P432 # معجزته ويؤدي إلى فساد في شريعته من هذيان أو اختلال في كلام. # - وعلى هذا لا يصح ظاهر رواية من روى في الحديث «هجر» إذ معناه هذى، ~~يقال: «هجر هجرا» إذا هذى، «وأهجر هجرا» إذا أفحش. «وأهجر» تعدية «هجر» .. # وإنما الأصح والأولى أهجر؟ على طريق الإنكار على من قال: # لا يكتب.. # وهكذا روايتنا فيه في صحيح البخاري «1» من رواية جميع الرواة في حديث ~~الزهري «2» المتقدم. # وفي حديث محمد «3» بن سلام عن ابن عيينة «4» وكذا ضبطه الأصيلي «5» بخطه ~~في كتابه «6» ، وغيره من هذه الطرق. # وكذا رويناه عن مسلم «7» في حديث «8» شفيان وغيره وقد PageV02P433 # تحمل عليه رواية من رواه «هجر» ؟ على حذف ألف الاستفهام والتقدير «أهجر» ~~.. أو أن يحمل قول القائل هجر أو أهجر دهشة من قائل ذلك.. وحيرة لعظيم ما ~~شاهد من حال الرسول صلى الله عليه وسلم وشدة وجعه والمقام الذي اختلف فيه ~~عليه، والأمر الذي هم بالكتاب فيه، حتى لم يضبط هذا القائل لفظه وأجرى ~~«الهجر» مجرى شدة الوجع.. لا أنه اعتقد أنه يجوز عليه الهجر.. # كما حملهم الإشفاق على حراسته والله يقول: «والله يعصمك من الناس «1» » ~~ونحو هذا. # وأما على رواية «أهجرا» وهي رواية أبي إسحق «2» المستملى في الصحيح حديث ~~ابن جبير «3» عن ابن عباس «4» من رواية قتيبة «5» . فقد يكون هذا راجعا إلى ~~المختلفين عنده صلى الله عليه وسلم، ومخاطبة لهم من بعضهم.. أي جئتم ~~باختلافكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين يديه هجرا ومنكرا من ~~القول!!. PageV02P434 # و «الهجر» بضم الهاء الفحش في المنطق وقد اختلف العلماء في معنى هذا ~~الحديث وكيف اختلفوا بعد أمره صلى الله عليه وسلم أن يأتوه بالكتاب. # فقال بعضهم: أوامر النبي صلى الله عليه وسلم يفهم إيجابها من ندبها من ~~إباحتها بقرائن. # فلعل قد ظهر من قرائن قوله صلى الله عليه وسلم لبعضهم ما فهموا أنه لم ~~تكن منه عزمة بل أمر رده إلى اختيارهم. وبعضهم لم يفهم ذلك فقال: ~~استفهموه.. فلما اختلفوا كف عنه إذ لم ms330 يكن عزمة ولما رأوه من صواب رأي عمر ~~«1» . # ثم هؤلاء قالوا: «ويكون امتناع عمر «1» إما إشفاقا على النبي صلى الله ~~عليه وسلم من تكليفه في تلك الحال إملاء الكتاب. وأن تدخل عليه مشقة من ذلك ~~كما قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم اشتد عليه الوجع.. # وقيل: (خشي عمر «1» أن يكتب أمورا يعجزون عنها فيحصلون في الحرج ~~بالمخالفة.. ورأى أن الأرفق بالأمة في تلك الأمور سعة الاجتهاد، وحكم ~~النظر، وطلب الصواب، فيكون المصيب والمخطيء مأجورا وقد علم عمر «1» تقرر ~~الشرع، PageV02P435 # وتأسيس الملة وأن الله تعالى قال: «اليوم أكملت لكم دينكم «1» » وقوله ~~«2» صلى الله عليه وسلم: «أوصيكم بكتاب الله وعترتي «3» » . # وقول عمر «4» : «حسبنا كتاب الله» رد على من نازعه لا على أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # وقد قيل: «إن عمر «4» خشي تطرق المنافقين ومن في قلبه مرض لما كتب في ذلك ~~الكتاب في الخلوة، وأن يتقولوا في ذلك الأوقاويل.. كادعاء الرافضة الوصية ~~«5» وغير ذلك.. # وقيل: «إنه كان من النبي صلى الله عليه وسلم لهم على طريق المشورة «6» ~~والاختيار، وهل يتفقون على ذلك أم يختلفون.. فلما اختلفوا تركه» .. # وقالت طائفة أخرى: «إن معنى الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~مجيبا في هذا الكتاب لما طلب منه، لا أنه ابتدأ بالأمر به.. بل PageV02P436 # اقتضاه منه بعض أصحابه، فأجاب رغبتهم، وكره ذلك غيرهم للعلل التي ~~ذكرناها» . # واستدل في مثل هذه القصة بقول العباس «1» لعلي «2» : (انطلق بنا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فإن كان الأمر فينا علمناه، وكراهة علي «2» هذا ~~وقوله: «والله لا أفعل» الحديث «3» . # واستدل بقوله: «دعوني فإن الذي أنا فيه خير» .. أي الذي أنا فيه خير من ~~إرسال الأمر، وترككم وكتاب «4» الله وأن تدعوني مما طلبتم.. # وذكر أن الذي «طلب» كتابة أمر الخلافة بعده وتعيين ذلك PageV02P437 ### ||| الفصل السابع دراسته أحاديث أخرى # فإن قيل: فما وجه حديثه # عن أبي هريرة «1» قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «2» : # «اللهم إنما محمد بشر، يغضب كما يغضب البشر وإني قد ms331 اتخذت عندك عهدا لن ~~نخلفنيه.. فأيما مؤمن آذيته.. أو سببته، أو جلدته فاجعلها له كفارة وقربة ~~تقربه بها إليك يوم القيامة.» # وفي رواية «3» : «فأيما أحد دعوت عليه دعوة» # وفي رواية: «ليس لها بأهل» . # وفي رواية: «فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها له ~~زكاة وصلاة» . وكيف يصح أن يلعن النبي صلى الله عليه وسلم من لا يستحق ~~اللعن!!، ويسب من لا يستحق «4» السب!! ويجلد PageV02P438 # من لا يستحق الجلد!! أو يفعل مثل ذلك عند الغضب وهو معصوم من هذا كله!!. # فاعلم شرح الله صدرك.. أن قوله صلى الله عليه وسلم أولا «ليس لها بأهل» ~~أي عندك يا رب في باطن أمره فإن حكمه صلى الله عليه وسلم على الظاهر كما ~~قال. # وللحكمة التي ذكرناها فحكم صلى الله عليه وسلم بجلده أو أدبه بسبه أو ~~لعنه بما اقتضاه عنده حال ظاهره، ثم دعا له صلى الله عليه وسلم لشفقته على ~~أمته ورأفته، ورحمته للمؤمنين التي وصفه الله بها، وحذره أن يتقبل الله ~~فيمن دعا عليه دعوته أن يجعل دعاءه وفعله له رحمة وهو معنى قوله «ليس لها ~~بأهل» .. لا أنه صلى الله عليه وسلم يحمله الغضب ويستفزه الضجر لأن يفعل ~~مثل هذا بمن لا يستحقه من مسلم. # وهذا معنى صحيح. ولا يفهم من قوله: «أغضب كما يغضب البشر» أن الغضب حمله ~~على ما لا يجب.. بل يجوز أن يكون المراد بهذا أن الغضب لله حمله على ما لا ~~يجب.. بل يجوز أن يكون المراد بهذا أن الغضب لله حمله على معاقبته بلعنه أو ~~سبه وأنه مما كان يحتمل، ويجوز عفوه عنه أو كان مما خير بين المعاقبة فيه ~~والعفو عنه. # - وقد يحمل على أنه خرج مخرج الإشفاق وتعليم أمته الخوف والحذر من تعدي ~~حدود الله. # PageV02P439 # - وقد يحمل ما ورد من دعائه هنا، ومن دعواته على غير واحد في غير موطن، ~~على غير العقد والقصد، بل بما جرت به عادة العرب «1» .. وليس المراد بها ~~الإجابة كقوله «2» : «تربت «3» يمينك» «ولا أشبع ms332 الله بطنك «4» » و «5» ~~عقرى «6» حلقى «7» » وغيرها من دعواته. # وقد ورد في صفته في غير حديث «8» أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن فحاشا. ~~PageV02P440 # وقال «1» أنس «2» : «لم يكن سبابا ولا فاحشا ولا لعانا» .. # وكان يقول لأحدنا عند المعتبة «3» : «ما له ترب جبينه «4» » فيكون حمل ~~الحديث على هذا المعنى ثم أشفق صلى الله عليه وسلم من موافقة أمثالها إجابة ~~فعاهد ربه كما قال في الحديث أن يجعل ذلك للمقول له زكاة ورحمة وقربة. # - وقد يكون ذلك إشفاقا على المدعو عليه وتأنيا له لئلا يلحقه من استشعار ~~الخوف والحذر من لعن النبي صلى الله عليه وسلم وتقبل دعائه ما يحمله على ~~اليأس والقنوط. # - وقد يكون ذلك سؤالا منه لربه لمن جلده أو سبه على حق وبوجه صحيح أن ~~يجعل ذلك كفارة لما أصابه وتمحية لما اجترم، وأن تكون عقوبته له في الدنيا ~~سبب العفو والغفران. # كما جاء في الحديث الآخر «5» . «ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا ~~فهو له كفارة» .. # فإن قلت: «فما معنى حديث «6» الزبير «7» وقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~PageV02P441 # له حين تخاصمه مع الأنصاري في شراج «1» الحرة «2» اسق يا زبير حتى يبلغ ~~الماء الكعبين فقال له الأنصاري: أن كان يا رسول الله ابن عمتك! فتلون وجه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «اسق يا زبير ثم احبس حتى يبلغ الجدر ~~«3» » الحديث.. # فالجواب أن النبي صلى الله عليه وسلم منزه أن يقع بنفس مسلم منه في هذه ~~القصة أمر يريب.. ولكنه صلى الله عليه وسلم ندب الزبير أولا إلى الاقتصار ~~على بعض حقه على طريق التوسط والصلح، فلما لم يرض بذلك الآخر، ولج، وقال ما ~~لا يجب، استوفى النبي صلى الله عليه وسلم للزبير حقه. # ولهذا ترجم البخاري «4» على هذا الحديث: باب إذا أشار الإمام بالصلح فأبى ~~حكم عليه بالحكم وذكر في آخر الحديث فاستوعى «5» رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حينئذ للزبير حقه. # وقد جعل المسلمون هذا الحديث أصلا في قضيته وفيه الاقتداء PageV02P442 # به صلى الله ms333 عليه وسلم في كل ما فعله في حال غضبه ورضاه، وأنه وإن نهى أن ~~يقضي القاضي وهو غضبان، فإنه في حكمه في حال الغضب والرضى سواء لكونه فيهما ~~معصوما. # وغضب النبي صلى الله عليه وسلم في هذا إنما كان لله تعالى لا لنفسه كما ~~جاء في الحديث الصحيح. # وكذلك الحديث «1» في إقادته «2» عكاشة «3» من نفسه لم يكن لتعمد حمله ~~الغضب عليه.. بل وقع في الحديث نفسه أن عكاشة قال له: «وضربتني بالقضيب فلا ~~أدري أعمدا أم أردت ضرب الناقة» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعيذك ~~بالله يا عكاشة أن يتعمدك رسول الله صلى الله عليه وسلم» # وكذلك في حديثه «4» الآخر مع الأعرابي حين طلب عليه السلام الاقتصاص منه ~~فقال الأعرابي: «قد عفوت عنك» وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد ضربه ~~بالسوط لتعلقه بزمام ناقته مرة بعد أخرى والنبي صلى الله عليه وسلم ينهاه ~~ويقول له: «تدرك حاجتك» وهو يأبى.. فضربه بعد ثلاث مرات. # وهذا منه صلى الله عليه وسلم لمن لم يقف عند نهيه صواب، وموضع أدب، ~~PageV02P443 # لكنه عليه السلام أشفق إذ كان حق نفسه من الأمر حتى عفا عنه # وأما حديث سواد «1» بن عمرو أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا متخلق ~~«2» فقال: ورس «3» ورس حط «4» حط وغشيني «5» بقضيب في يده في بطني ~~فأوجعني.. قلت: القصاص يا رسول الله.. فكشف لي عن بطنه، إنما ضربه صلى الله ~~عليه وسلم لمنكر رآه به ولعله لم يرد بضربه بالقضيب إلا تنبيهه، فلما كان ~~منه إيجاع لم يقصده طلب التحلل منه على ما قدمناه. PageV02P444 ### ||| الفصل الثامن أفعاله الدنيوية # قال القاضي رحمه الله تعالى: وأما أفعاله صلى الله عليه وسلم الدنيوية ~~فحكمه فيها من توقي المعاصي والمكروهات ما قدمناه، ومن جواز السهو والغلط ~~في بعضها ما ذكرناه، وكله غير قادح في النبوة بل إن هذا فيها على الندور، ~~إذ عامة أفعاله على السداد والصواب، بل أكثرها أو كلها جارية مجرى العبادات ~~والقرب على ما بينا. إذ كان صلى الله عليه وسلم ms334 لا يأخذ منها لنفسه إلا ~~ضرورته وما يقيم رمق جسمه، وفيه مصلحة ذاته التي يعبد ربه، ويقيم شريعته، ~~ويسوس أمته، وما كان فيما بينه وبين الناس من ذلك فبين معروف يصنعه، أو بر ~~يوسعه، أو كلام حسن يقوله أو يسمعه، أو تألف شارد، أو قهر معاند، أو مداراة ~~حاسد، وكل هذا لا حق بصالح أعماله، منتظم في وظائف عباداته. # PageV02P445 # وقد كان يخالف في أفعاله الدنيوية بحسب اختلاف الأحوال، ويعد للأمور ~~أشباهها، فيركب في تصرفه لما قرب الحمار وفي أسفاره الراحلة، ويركب البغلة ~~في معارك الحرب دليلا على الثبات ويركب الخيل ويعدها ليوم الفزع وإجابة ~~الصارخ.. وكذلك في لباسه وسائر أحواله بحسب اعتبار مصالحه ومصالح أمته. # وكذلك يفعل الفعل من أمور الدنيا مساعدة لأمته وسياسة وكراهية لخلافها.. ~~وإن كان قديرى غيره خيرا منه، كما يترك الفعل لهذا، وقد يرى فعله خيرا ~~منه.. وقد يفعل هذا في الأمور الدينية مما له الخيرة في أحد وجهيه.. كخروجه ~~من المدينة لأحد وكان مذهبه التحصن بها. وتركه قتل المنافقين وهو على يقين ~~من أمرهم مؤالفة لغيرهم، ورعاية للمؤمنين من قرابته، وكراهة لأن يقول ~~الناس: «إن محمدا يقتل أصحابه» كما جاء في الحديث «1» . # وتركه بناء الكعبه على قواعد إبراهيم، مراعاة القلوب قريش، وتعظيمهم ~~لتغيرها، وحذارا من نفار قلوبهم لذلك، وتحريك متقدم عداوتهم للدين وأهله. ~~PageV02P446 # فقال لعائشة «1» في الحديث الصحيح «2» : «لولا حدثان قومك بالكفر، لأتممت ~~البيت على قواعد إبراهيم» . # وكان يفعل الفعل ثم يتركه لكون غيره خيرا منه، كانتقاله من أدنى مياه بدر ~~إلى أقربها للعدو من قريش. # وكقوله «3» : «لو استقبلت من أمري ما استدبرت اسقت الهدي «4» » . # ويبسط وجهه للكافر والعدو رجاء استئلافه وبصبر للجاهل ويقول «5» : «إن من ~~شر الناس من اتقاه الناس لشره..» ويبذل له الرغائب «6» ليحبب إليه شريعته ~~ودين ربه.. # ويتولى في منزله ما يتولى الخادم من مهنته، ويتسمت «7» في ملاءته «8» ~~PageV02P447 # حتى لا يبدو منه شيء من أطرافه، وحتى كأن على رؤوس جلسائه الطير. ويتحدث ~~مع جلسائه بحديث أولهم، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويضحك «1» مما ms335 يضحكون منه. # وقد وسع الناس بشره وعدله. لا يستفزه الغضب، ولا يقصر عن الحق، ولا يبطن ~~على جلسائه. # يقول: «ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين «2» » . # فإن قلت فما معنى قوله «3» لعائشة «4» رضي الله عنها في الداخل عليه «5» ~~: «بئس ابن العشيرة» .. فلما دخل ألان له القول وضحك معه، فلما خرج سألته ~~عن ذلك قال: «إن من شر الناس من اتقاه الناس لشره» . وكيف جاز أن يظهر له ~~خلاف ما يبطن، ويقول في ظهره ما قال؟. # فالجواب أن فعله صلى الله عليه وسلم كان استئلافا لمثله. وتطبيقا لنفسه ~~ليتمكن إيمانه، ويدخل في الإسلام بسببه أتباعه، ويراه مثله فينجذب بذلك إلى ~~الإسلام، ومثل هذا على هذا الوجه قد PageV02P448 # خرج من حد مداراة الدنيا إلى السياسة الدينية، وقد كان يستألفهم بأموال ~~الله العريضة فكيف بالكلمة اللينة. # قال صفوان «1» : «لقد أعطاني وهو أبغض الخلق إلي، فما زال يعطيني حتى صار ~~أحب الخلق إلي» . # وقوله فيه: «بئس ابن العشيرة هو» غير غيبة، بل هو تعريف ما علمه منه لمن ~~لم يعلم ليحذر حاله ويحترز منه، ولا يوثق بجانبه كل الثقة، لا سيما وكان ~~مطاعا متبوعا. # ومثل هذا إذا كان لضرورة ودفع مضرة لم يكن بغيبة، بل كان جائزا، بل واجبا ~~في بعض الأحيان كعادة المحدثين في تجريح الرواة، والمزكين في الشهود «2» . # فإن قيل فما معنى المعضل «3» الوارد في حديث «4» بريرة «5» من قوله صلى ~~الله عليه وسلم لعائشة «6» وقد أخبرته أن موالي بريرة أبوا بيعها إلا ~~PageV02P449 # أن يكون لهم الولاء «1» ، فقال لها صلى الله عليه وسلم: «اشتريها واشترطي ~~لهم الولاء» .. ففعلت ثم قام خطيبا فقال: «ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست ~~في كتاب الله.. كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» ، والنبي صلى الله عليه ~~وسلم قد أمرها بالشرط لهم.. وعليه باعوا، ولولاه- والله أعلم- لما باعوها ~~من عائشة كما لم يبيعوها قبل حتى شرطوا ذلك عليها، ثم أبطله صلى الله عليه ~~وسلم، وهو قد حرم الغش والخديعة!! # فاعلم أكرمك الله.. أن النبي صلى الله عليه ms336 وسلم منزه عما يقع في بال ~~الجاهل من هذا، ولتنزيه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك ما قد أنكر قوم ~~هذه الزيادة قوله: «إشترطي لهم الولاء» إذ ليس في أكثر طرق الحديث «2» . # ومع ثباتها «3» فلا اعتراض بها، إذ يقع «لهم» بمعنى «عليهم» . # قال الله تعالى: «أولئك لهم اللعنة «4» » وقال: «وإن أسأتم فلها «5» » .. ~~فعلى هذا اشترطي عليهم الولاء لك ويكون قيام النبي صلى الله عليه وسلم ~~ووعظه لما سلف لهم من شرط الولاء لأنفسهم قبل ذلك. # ووجه ثان أن قوله صلى الله عليه وسلم «إشترطي لهم الولاء» ليس على ~~PageV02P450 # معنى الأمر، لكن على معنى التسوية والإعلام، بأن شرطه لهم لا ينفعهم بعد ~~بيان النبي صلى الله عليه وسلم لهم قبل أن الولاء لمن أعتق.. # فكأنه قال: «اشترطي أولا تشترطي، فإنه شرط غير نافع» . وإلى هذا ذهب ~~الداوودي «1» وغيره. # وتوبيخ النبي صلى الله عليه وسلم لهم وتقريعهم على ذلك يدل على علمهم به ~~قبل هذا. # الوجه الثالث: أن معنى قوله «اشترطي لهم الولاء» أي أظهري لهم حكمه، ~~وبيني عندهم سنته أن الولاء إنما هو لمن أعتق ثم بعد هذا قام هو صلى الله ~~عليه وسلم مبينا ذلك، وموبخا على مخالفة ما تقدم منه. # فإن قيل: فما معنى فعل يوسف عليه السلام بأخيه إذ جعل السقاية في رحله ~~وأخذه باسم سرقتها، وما جرى على إخوته في ذلك وقوله «إنكم لسارقون» ولم ~~يسرقوا؟. # فاعلم: أكرمك الله، أن الآية تدل على أن فعل يوسف كان من أمر الله لقوله ~~تعالى: «كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله ~~«2» » فإذا كان كذلك فلا PageV02P451 # اعتراض به، كان فيه ما فيه «1» وأيضا فإن يوسف كان أعلم أخاه بأني أنا ~~أخوك فلا تبتئس.. فكان ما جرى عليه بعد هذا من وفقه «2» ورغبته، وعلى يقين ~~من عقبى الخير له به، وإزاحة السوء والمضرة عنه بذلك. # وأما قوله: «أيتها العير «3» إنكم لسارقون» «4» ، فليس من قول يوسف فيلزم ~~عليه جواب يحل شبهه، ولعل قائله إن ms337 حسن له التأويل كائنا من كان، ظن على ~~صورة الحال ذلك. # وقد قيل «: قال ذلك لفعلهم قبل بيوسف وبيعهم له» . # وقيل: غير هذا. ولا يلزم أن نقول الأنبياء ما لم يأت أنهم قالوه حتى يطلب ~~الخلاص منه، ولا يلزم الاعتذار عن زلات غيرهم.. PageV02P452 ### ||| الفصل التاسع حكمة المرض والابتلاء لهم # فإن قيل: فما الحكمة في إجراء الأمراض وشدتها عليه وعلى غيره من الأنبياء ~~على جميعهم السلام؟!. # وما الوجه فيما ابتلاهم الله به من البلاء، وامتحانهم بما امتحنوا به ~~كأيوب، ويعقوب، ودانيال، ويحيى، وزكريا، وعيسى، وإبراهيم، ويوسف وغيرهم ~~صلوات الله عليهم وهم خيرته من خلقه وأحباؤه وأصفياؤه؟! # فاعلم- وفقنا الله وإياك- أن أفعال الله تعالى كلها عدل، وكلماته جميعها ~~صدق، «لا مبدل لكلماته «1» » ، يبتلي عباده كما قال لهم «لننظر كيف تعملون ~~«2» » .. و «ليبلوكم أيكم أحسن عملا «3» » .. و «وليعلم الله الذين آمنوا ~~«4» » PageV02P453 # و. «لما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين «1» » و.. ~~«ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم «2» » .. # فامتحانه إياهم بضروب المحن زيادة في مكانتهم «ورفعة في في درجاتهم، ~~وأسباب لاستخراج حالات الصبر والرضى، والشكر والتسليم، والتوكل والتفويض، ~~والدعاء والتضرع منهم، وتأكيد لبصائرهم في رحمة الممتحنين والشفقة على ~~المبتلين، وتذكرة لغيرهم وموعظة لسواهم، ليتاسسوا في البلاء بهم، ويتسلوا ~~في المحن بما جرى عليهم، ويقتدوا بهم في الصبر، ومحو لهنات «3» فرطت منهم، ~~أو غفلات سلفت لهم ليلقوا الله طيبين مهذبين، وليكون أجرهم أكمل وثوابهم ~~أوفر وأجزل. # عن مصعب بن سعد «4» عن أبيه قال «5» : «قلت يا رسول الله: # أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء، ثم الأمثل «6» فالأمثل، PageV02P454 # يبتلى الرجل على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على ~~الأرض وما عليه خطيئة.» # وكما قال تعالى: «وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير «1» » الآيات الثلاث. # وعن «2» أبي هريرة «3» : «ما يزال البلاء بالمؤمن في نفسه وولده وماله ~~حتى يلقى الله وما عليه خطيئة» # وعن «4» أنس «5» عنه صلى الله عليه وسلم: «إذا أراد الله بعبده الخير عجل ~~له العقوبة في الدنيا. وإذا أراد الله بعبده الشر ms338 أمسك عنه بذنبه حتى يوافي ~~به يوم القيامة،» # وفي حديث آخر «6» «إذا أحب الله عبدا بتلاه ليسمع تضرعه.» # وحكى السمرقندي «7» : «أن كل من كان أكرم على الله تعالى كان بلاؤه أشد، ~~كي يتبين فضله، ويستوجب الثواب» # كما روي عن لقمان «8» أنه قال: «يا بني.. الذهب والفضة PageV02P455 # يختبران بالنار والمؤمن يختبر بالبلاء» # وقد حكي: «أن ابتلاء يعقوب بيوسف كان سببه التفاته في صلاته إليه ويوسف ~~نائم محبة له «1» » # وقيل: «بل اجتمع يوما هو وابنه يوسف على أكل حمل «2» مشوي وهما يضحكان، ~~وكان لهم جار يتيم فشم ريحه واشتهاه وبكى.. وبكت له جدة له عجوز لبكائه ~~وبينهما جدار، ولا علم عند يعقوب وابنه، فعوقب يعقوب بالبكاء أسفا على يوسف ~~إلى أن سالت حدقتاه وابيضت عيناه من الحزن، فلما علم بذلك بقية حياته يأمر ~~مناديا ينادي على سطحه: ألا من كان مفطرا فليتغد عند آل يعقوب «3» .» وعوقب ~~يوسف بالمحنة التي نص الله عليها وروي عن الليث «4» أن سبب بلاء أيوب أنه ~~دخل مع أهل PageV02P456 # قربته على ملكهم، فكلموه في ظلمه وأغلظوا له إلا أيوب فإنه رفق به مخافة ~~على زرعه، فعاقبه الله ببلائه «1» . # - ومحنة سليمان لما ذكرناه من نيته في كون الحق في جنبة «2» أصهاره «3» ، ~~أو للعمل بالمعصية في داره ولا علم عنده. # - وهذه فائدة شدة المرض والوجع بالنبي صلى الله عليه وسلم # قالت «4» عائشة «5» : «ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # وعن «6» عبد الله «7» : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه يوعك وعكا ~~شديدا فقلت: إنك لتوعك وعكا شديدا قال: أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم.. ~~قلت ذلك أن لك الأجر مرتين!!. # قال: أجل.. ذلك كذلك.. PageV02P457 # وفي حديث «1» أبي سعيد «2» أن رجلا وضع يده على النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: «والله ما أطيق أضع يدي عليك من شدة حماك» .. فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: «إنا معشر الأنبياء يضاعف لنا البلاء.. إن كان النبي ليبتلى ~~بالقمل «3» حتى يقتله، وإن كان النبي ليبتلى ms339 بالفقر وإن كانوا ليفرحون ~~بالبلاء كما يفرحون «4» بالرخاء.» # وعن أنس «5» عنه صلى الله عليه وسلم «6» : «إن عظم الجزاء مع عظم ~~البلاء.. وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضى ومن سخط فله ~~السخط» . # وقد قال المفسرون في قوله تعالى: «من يعمل سوءا يجز به «7» » إن المسلم ~~يجزى بمصائب الدنيا فتكون له كفارة «8» .. # وروي «9» هذا عن عائشة «10» وأبي «11» ومجاهد «12» . PageV02P458 # وقال أبو هريرة «1» عنه صلى الله عليه وسلم «2» : «من يرد الله به خيرا ~~يصب «3» منه..» # وقال «4» في رواية عائشة: «ما من مصيبة تصيب المسلم إلا يكفر الله بها ~~عنه، حتى الشوكة يشاكها» . # وقال «5» في رواية أبي سعيد: «ما يصيب المؤمن من نصب «6» ولا وصب «7» ولا ~~هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه.» # وفي حديث «8» ابن مسعود «9» : «ما من مسلم يصيبه أذى إلا حات «10» الله ~~عنه خطاياه كما يحت ورق الشجر.» # وحكمة أخرى أودعها الله في الأمراض لأجسامهم وتعاقب الأوجاع عليها وشدتها ~~عند مماتهم. PageV02P459 # لتضعف قوى نفوسهم فيسهل خروجها عند قبضهم وتخف عليهم موتة النزع وشدة ~~السكرات بتقدم المرض وضعف الجسم والنفس لذلك. خلاف موت الفجأة وأخذه كما ~~يشاهد من اختلاف أحوال الموتى في الشدة واللين، والصعوبة والسهولة.. # وقد قال صلى الله عليه وسلم «1» : «مثل المؤمن مثل خامة «2» الزرع تفيئها ~~«3» الريح هكذا وهكذا» . # وفي «4» رواية أبي هريرة «5» من حيث أتتها الريح تكفؤها «6» فإذا سكنت ~~اعتدلت، وكذلك المؤمن يكفؤ بالبلاء، ومثل الكافر كمثل الأرزة «7» صماء ~~معتدلة حتى يقصمه الله معناه أن المؤمن مرزأ مصاب بالبلاء والأمراض، راض ~~بتصريفه بين أقدار الله تعالى، منطاع «8» لذلك، لين الجانب برضاه وقلة سخطه ~~كطاعة خامة الزرع وانقيادها للرباح، وتمايلها لهبوبها، وترنحها PageV02P460 # من حيث ما أتتها، فإذا أزاح الله عن المؤمن رياح البلايا واعتدل صحيحا ~~كما اعتدلت خامة الزرع عند سكون رياح الجو رجع إلى شكر ربه ومعرفة نعمته ~~عليه برفع بلائه منتظرا رحمته وثوابه عليه. فإذا كان بهذه السبيل لم يصعب ~~عليه مرض الموت ولا نزوله، ولا ms340 اشتدت عليه سكراته ونزعه لعادته بما تقدمه ~~من الالام، ومعرفة ماله فيها من الأجر وتوطينه نفسه على المصائب ورقتها ~~وضعفها بتوالي المرض أو شدته. # والكافر بخلاف هذا، معافى في غالب حاله، ممتع بصحة جسمه، كالأرزة الصماء ~~حتى إذا أراد الله هلاكه قصمه لحينه على غرة «1» وأخذه بغتة من غير لطف ولا ~~رفق، فكان موته أشد عليه حسرة، ومقاساة نزعه مع قوة نفسه وصحة جسمه أشد ~~ألما وعذابا ولعذاب الآخرة أشد كانجعاف «2» الأرزة. # وكما قال تعالى: «فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون «3» » # وكذلك عادة الله تعالى في أعدائه. كما قال تعالى: «فكلا أخذنا بذنبه ~~فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا، ومنهم من أخذته الصيحة «4» .» الآية ففجأ ~~جميعهم بالموت على حال عتو PageV02P461 # وغفلة، وصبحهم به على غير استعداد بغتة. # ولهذا ذكر عن السلف «أنهم كانوا يكرهون موت الفجأة» ومنه في حديث إبراهيم ~~«1» : «كانوا يكرهون أخذة كأخذة الأسف» أي الغضب يريد موت الفجأة «2» . # وحكمة ثالثة: أن الأمراض نذير الممات، وبقدر شدتها شدة الخوف من نزول ~~الموت، فيستعد من أصابته وعلم تعاهدها له للقاء ربه ويعرض عن دار الدنيا ~~الكثيرة الأنكاد «3» ، ويكون قلبه معلقا بالمعاد، فيتنصل من كل ما يخشى ~~تباعته من قبل الله وقبل العباد، ويؤدي الحقوق إلى أهلها وينظر فيما يحتاج ~~إليه من وصية فيمن يخلفه أو أمر يعهده. # وهذا نبينا صلى الله عليه وسلم المغفور له ما تقدم وما تأخر، قد طلب ~~التنصل «4» في مرضه ممن كان له عليه مال أو حق في بدن. وأقاد من نفسه وماله ~~وأمكن من القصاص منه على ما ورد في حديث «5» PageV02P462 # الفضل «1» وحديث الوفاة، وأوصى بالثقلين بعده: كتاب الله وعترته ~~وبالأنصار عيبته «2» ، ودعا إلى كتب كتاب لئلا تضل أمته بعده، إما في النص ~~على الخلافة، أو الله أعلم بمراده، ثم رأى الإمساك عنه أفضل وخيرا.. وهكذا ~~سيرة عباد الله المؤمنين وأوليائه المتقين وهذا كله يحرمه غالبا الكفار ~~لإملاء الله لهم ليزدادوا إثما، وليستدرجهم من حيث لا يعلمون. # قال الله تعالى: «ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم ms341 يخصمون، فلا ~~يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون «3» # ولذلك قال صلى الله عليه وسلم «4» في رجل مات فجأة: «سبحان الله كأنه على ~~غضب.. المحروم من حرم وصيته..» # وقال «5» «موت الفجأة راحة للمؤمن وأخذة أسف للكافر أو «6» الفاجر» . ~~PageV02P463 # وذلك لأن الموت يأتي المؤمن وهو غالبا مستعد له منتظر لحلوله، فهان أمره ~~عليه كيفما جاء. وأفضى إلى راحته من نصب الدنيا وأذاها. # كما قال صلى الله عليه وسلم «1» : «مستريح ومستراح منه» . # وتأتي الكافر والفاجر منيته على غير استعداد ولا أهبة ولا مقدمات منذرة ~~مزعجة، بل تأتيهم بغتة فتبهتهم «2» فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون.. فكان ~~الموت أشد شيء عليه، وفراق الدنيا أفظع أمر صدمه وأكره شيء له.. # وإلى هذا المعنى أشار صلى الله عليه وسلم بقوله «3» : «من أحب لقاء الله ~~أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه» . PageV02P464 ### | القسم الرابع في تعرف وجوه الأحكام فيمن تنقصه أو سبه عليه الصلاة والسلام # في بابين وخمسة عشر فصلا وباب ثالث يبحث فيما يتعلق بالله والرسل ~~والملائكة والال # PageV02P465 ### || مقدمة # قال القاضي أبو الفضل وفقه الله: قد تقدم من الكتاب والسنة وإجماع الأمة ~~ما يجب من الحقوق للنبي صلى الله عليه وسلم، وما يتعين له من بر وتوقير، ~~وتعظيم وإكرام، وبحسب هذا حرم الله تعالى أذاه في كتابه، وأجمعت الأمة على ~~قتل متنقصه من المسلمين وسابه.. # قال الله تعالى: «إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا ~~والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا «1» » . # وقال: «والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم «2» » . # وقال الله تعالى: «وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه ~~من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما «3» » . # وقال تعالى في تحريم التعريض له: «يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا ~~وقولوا انظرنا واسمعوا «4» » الاية. PageV02P467 # وذلك أن اليهود كانوا يقولون «راعنا» يا محمد. أي أرعنا سمعك واسمع منا، ~~ويعرضون بالكلمة يريدون الرعونة «1» ، فنهى الله المؤمنين عن التشبه بهم، ~~وقطع الذريعة بنهي المؤمنين عنها لئلا يتوصل بها الكافر والمنافق ms342 إلى سبه ~~والاستهزاء به.. # وقيل: «بل لما فيها من مشاركة اللفظ، لأنها عند اليهود بمعنى اسمع لا ~~سمعت» . # وقيل: (بل لما فيها من قلة الأدب، وعدم توقير النبي صلى الله عليه وسلم ~~وتعظيمه، لأنها في لغة الأنصار بمعنى «ارعنا نرعك» فنهوا عن ذلك.. إذ مضمنه ~~أنهم لا يرعونه إلا برعايته لهم.. وهو صلى الله عليه وسلم واجب الرعاية بكل ~~حال «2» . # وهذا هو النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن التكني بكنيته فقال: # «تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي» . صيانة لنفسه وحماية عن أذاه. إذ كان ~~صلى الله عليه وسلم «3» استجاب لرجل نادى: «يا أبا القاسم» فقال: «لم ~~أعنك.. إنما دعوت هذا» .. فنهى حينئذ عن التكني بكنيته لئلا يتأذى بإجابة ~~دعوة غيره لمن لم يدعه.. PageV02P468 # ويجد بذلك المنافقون والمستهزؤون ذريعة إلى أذاه والإزراء به فينادونه، ~~فإذا التفت قالوا: إنما أردنا هذا- لسواه- تعنيتا له واستخفافا بحقه على ~~عادة المجان «1» والمستهزئين. فحمى صلى الله عليه وسلم حمى أذاه بكل وجه ~~«فحمل محققو العلماء نهيه عن هذا على مدة حياته، وأجازوه بعد وفاته لارتفاع ~~العلة» . # وللناس في هذا الحديث مذاهب ليس هذا موضعها وما ذكرناه هو مذهب الجمهور ~~والصواب- إن شاء الله- وأن ذلك على طريق تعظيمه وتوقيره، وعلى سبيل الندب ~~والاستحباب لا على التحريم. # ولذلك لم ينه عن اسمه لأنه قد كان الله منع من ندائه به بقوله: # «لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا «2» » وإنما كان المسلمون ~~يدعونه يا رسول الله يا نبي الله، وقد يدعونه «3» بكنيته أبا القاسم بعضهم ~~في بعض الأحوال. # وقد روى «4» أنس «5» رضي الله عنه صلى الله عليه وسلم. ما يدل على كراهة ~~PageV02P469 # التسمي باسمه وتنزيهه عن ذلك إذا لم يوقر فقال: «تسمون أولادكم محمدا ثم ~~تلعنونهم» . # وروي أن عمر «1» رضي الله عنه كتب إلى أهل الكوفة.. # «لا يسمى أحد باسم النبي صلى الله عليه وسلم» حكاه أبو جعفر «2» الطبري ~~«3» وحكى محمد «4» بن سعد أنه «5» نظر إلى رجل اسمه محمد ورجل يسبه ويقول ~~له فعل الله بك يا محمد وصنع» ms343 فقال عمر لابن أخيه محمد بن زيد بن الخطاب. ~~«لا أرى محمدا صلى الله عليه وسلم يسب بك والله لا تدعى محمدا ما دمت حيا» ~~وسماه عبد الرحمن «6» وأراد أن يمنع لهذا أن يسمى أحد بأسماء الأنبياء ~~إكراما لهم بذلك وغير أسماءهم وقال: «لا تسموا بأسماء الأنبياء ثم أمسك» .. # - والصواب جواز هذا كله «7» بعده صلى الله عليه وسلم بدليل إطباق الصحابة ~~على ذلك، وقد سمى جماعة منهم ابنه محمدا وكناه بأبي القاسم. PageV02P470 # وروي «1» أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في ذلك لعلي «2» رضي الله عنه ~~وقد أخبر صلى الله عليه وسلم «3» أن ذلك اسم المهدي وكنيته. # وقد سمى به النبي صلى الله عليه وسلم محمد «4» بن طلحة، ومحمد «5» بن ~~عمرو بن حزم، ومحمد «6» بن ثابت بن قيس، وغير واحد وقال: «ما ضر أحدكم أن ~~يكون في بيته محمد، ومحمدان وثلاثة» !! # وقد فصلت الكلام في هذا القسم في بابين كما قدمناه. # *** PageV02P471 ### || الباب الأول في بيان ما هو في حقه صلى الله عليه وسلم سب أو نقص من تعريض أو نص وفيه عشرة فصول # PageV02P472 ### ||| الفصل الأول الحكم الشرعي فيمن سب النبي صلى الله عليه وسلم أو تنقصه # اعلم وفقنا الله وإياك أن جميع من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو عابه ~~أو ألحق به نقصا في نفسه أو نسبه، أو دينه أو خصلة من خصاله أو عرض به أو ~~شبهه بشيء على طريق السب له أو الإزراء عليه، أو التصغير لشأنه، أو الغض ~~منه والعيب له فهو ساب له. # والحكم فيه حكم الساب يقتل كما نبينه. ولا نستثني فصلا من فصول هذا الباب ~~على هذا المقصد، ولا نمتري «1» فيه تصريحا كان أو تلويحا. # وكذلك من لعنه أو دعا عليه، أو تمنى مضرة له، أو نسب إليه ما لا يليق ~~بمنصبه على طريق الذم، أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام، وهجر «2» ~~ومنكر من القول وزور. أو PageV02P473 # عيره بشيء مما جرى من البلاء والمحنة عليه، أو غمصه «1» ببعض العوارض ~~البشرية ms344 الجائزة والمعهودة لديه، وهذا كله إجماع من العلماء وأئمة الفتوى ~~من لدن الصحابة رضوان الله عليهم إلى هلم «2» جرا # قال أبو بكر «3» بن المنذر أجمع عوام «4» أهل العلم على أن من سب النبي ~~صلى الله عليه وسلم يقتل. # وممن قال ذلك: «مالك «5» بن أنس، والليث «6» وأحمد «7» وإسحاق «8» وهو ~~مذهب الشافعي» «9» . # قال القاضي أبو الفضل «10» : «وهو مقتضى قول أبي بكر «11» الصديق رضي ~~الله عنه ولا تقبل توبته عند هؤلاء» . PageV02P474 # وبمثله قال أبو حنيفة «1» وأصحابه «2» والثوري «3» وأهل الكوفة والأوزاعي ~~«4» في المسلمين «5» لكنهم قالوا هي ردة «6» . # وروى مثله الوليد «7» بن مسلم عن مالك «8» # وحكى الطبري «9» مثله عن أبي حنيفة وأصحابه فيمن تنقصه صلى الله عليه ~~وسلم أو برىء منه أو كذبه. # وقال سحنون «10» فيمن سبه: «ذلك ردة كالزندقة وعلى هذا وقع الخلاف في ~~استتابته وتكفيره، وهل قتله حد أو كفر. كما سنبينه في الباب الثاني إن شاء ~~الله تعالى. # ولا نعلم خلافا في استباحة دمه بين علماء الأمصار وسلف الأمة. # وقد ذكر غير واحد الإجماع على قتله وتكفيره. PageV02P475 # وأشار بعض الظاهرية «1» وهو أبو محمد «2» علي بن أحمد الفارسي إلى الخلاف ~~في تكفير المستخف به والمعروف ما قدمناه. # قال محمد «3» بن سحنون: «أجمع العلماء أن شاتم النبي صلى الله عليه وسلم ~~المتنقص «4» له كافر، والوعيد جار عليه بعذاب الله له، وحكمه عند الأمة ~~القتل.. ومن شك في كفره وعذابه كفر «5» » . # واحتج إبراهيم «6» بن حسين بن خالد الفقيه في مثل «7» هذا بقتل خالد «8» ~~بن الوليد مالك «9» بن نويرة بقوله عن النبي صلى الله عليه وسلم «صاحبكم ~~«10» » PageV02P476 # وقال أبو سليمان «1» الخطابي: «لا أعلم أحدا من المسلمين اختلف في وجوب ~~قتله إذا كان مسلما» . # وقال ابن القاسم «2» عن مالك «3» في كتاب ابن سحنون «4» والمبسوط ~~والعتبية وحكاه ابن مطرف «5» عن مالك في كتاب ابن حبيب «6» : «من سب النبي ~~صلى الله عليه وسلم من المسلمين قتل ولم يستتب» . # قال ابن القاسم في العتبية «7» : «من سبه أو شتمه، أو عابه أو تنقصه فإنه ~~يقتل، وحكمه عند الأمة القتل كالزنديق وقد ms345 فرض الله تعالى توقيره وبره» . # وفي المبسوطة «8» عن عثمان «9» بن كنانة: «من شتم النبي صلى الله عليه ~~وسلم من PageV02P477 # المسلمين، قتل أو صلب حيا ولم يستتب، والإمام مخير في صلبه حيا أو قتله» ~~. # ومن رواية أبي المصعب «1» وابن أبي أويس «2» سمعنا مالكا يقول: «من سب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أو شتمه أو عابه أو تنقصه قتل مسلما كان أو ~~كافرا ولا يستتاب» «3» . # وفي كتاب محمد «4» : (أخبرنا أصحاب مالك أنه قال: «من سب النبي صلى الله ~~عليه وسلم أو غيره من النبيين من مسلم أو كافر قتل ولم يستتب» ) . # وقال أصبغ «5» : «يقتل على كل حال، أسر ذلك أو أظهره ولا يستتاب لأن ~~توبته لا تعرف» . # وقال عبد الله «6» بن الحكم: «من سب النبي صلى الله عليه وسلم من مسلم أو ~~كافر قتل ولم يستتب» . وحكى الطبري «7» مثله عن أشهب «8» عن مالك «9» . ~~PageV02P478 # وروى ابن وهب «1» عن مالك: «من قال إن رداء النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويروى زر النبي صلى الله عليه وسلم وسخ أراد به عيبه قتل» . # وقال بعض علمائنا: «أجمع العلماء على أن من دعا على نبي من الأنبياء ~~بالويل «2» أو بشيء من المكروه أنه يقتل بلا استتابة» . # وأفتى أبو الحسن «3» القابسي: (فيمن قال في النبي صلى الله عليه وسلم: ~~«الحمال «4» يتيم أبي طالب» بالقتل) . # وأفتى أبو محمد «5» بن أبي زيد: (بقتل رجل سمع قوما يتذاكرون صفة النبي ~~صلى الله عليه وسلم إذ مر بهم رجل قبيح الوجه واللحية فقال لهم: # «تريدون تعرفون صفته؟. هي في صفة هذا المار في خلقه ولحيته» . # قال: «ولا تقبل توبته، وقد كذب لعنه الله، وليس يخرج من قلب سليم ~~الإيمان» ) . PageV02P479 # وقال أحمد «1» بن أبي سليمان صاحب سحنون «2» من قال: «إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان أسود، يقتل» . # وقال في رجل قيل له: «لا وحق رسول «3» الله» .. # فقال: «فعل الله برسول الله كذا» - وذكر كلاما قبيحا- فقيل له: # «ما تقول يا عدو الله» ؟. فقال أشد من كلامه الأول ثم قال «: إنما أردت ~~برسول ms346 الله العقرب» «4» فقال ابن أبي سليمان للذي سأله «5» : # «اشهد عليه وأنا شريكك» - يريد في قتله وثواب ذلك- # قال حبيب «6» بن الربيع لأن ادعاء التأويل في لفظ صراح لا يقبل «7» لأنه ~~امتهان وهو غير معزر «8» لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا موقر له. فوجب ~~إباحة دمه. # وأفتى أبو عبد الله «9» بن عتاب في عشار «10» قال لرجل: PageV02P480 # أد واشك إلى النبي صلى الله عليه وسلم «1» ، وقال إن سألت أو جهلت فقد ~~جهل وسأل النبي صلى الله عليه وسلم.. بالقتل. # وأفتى فقهاء الأندلس بقتل ابن حاتم «2» المتفقه الطليطلي وصلبه بما شهد ~~عليه به من استخفافه بحق النبي صلى الله عليه وسلم وتسميته إياه أثناء ~~مناظرته باليتيم «3» وختن حيذرة «4» ، وزعمه أن زهده لم يكن قصدا، ولو قدر ~~على الطيبات أكلها.. إلى أشباه لهذا. # وأفتى فقهاء القيروان «5» وأصحاب سحنون «6» بقتل إبراهيم «7» PageV02P481 # الغزاري، وكان شاعرا متفننا في كثير من العلوم، وكان ممن يحضر مجلس ~~القاضي أبي العباس «1» بن طالب للمناظرة، فرفعت عليه أمور منكرة من هذا ~~الباب في الاستهزاء بالله وأنبيائه ونبينا صلى الله عليه وسلم، فأحضر له ~~القاضي يحيى «2» بن عمر وغيره من الفقهاء وأمر بقتله وصلبه فطعن بالسكين ~~وصلب منكسا، ثم أنزل وأحرق بالنار «3» # وحكى بعض المؤرخين أنه لما رفعت خشبته وزالت عنها الأيدي استدارت وحولته ~~عن القبلة، فكان آية للجميع وكبر الناس وجاء كلب فولغ «4» في دمه. # فقال يحيى «2» بن عمر صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر حديثا عنه ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: لا يلغ الكلب في دم مسلم «5» . # قال القاضي أبو عبد الله «6» بن المرابط: من قال: إن النبي صلى الله عليه ~~وسلم PageV02P482 # هزم يستتاب فإن تاب «1» وإلا قتل لأنه تنقص، إذ لا يجوز ذلك عليه في ~~خاصته إذ هو على بصيرة من أمره، ويقين من عصمته. # وقال حبيب «2» بن ربيع القروي مذهب مالك «3» وأصحابه أن من قال فيه صلى ~~الله عليه وسلم ما فيه نقص قتل دون استتابة «4» . # وقال ابن «5» عتاب الكتاب والسنة موجبان أن من قصد ms347 النبي صلى الله عليه ~~وسلم بأذى أو نقص معرضا أو مصرحا وإن قل فقتله واجب «6» # - فهذا الباب كله مما عده العلماء سبا أو تنقصا يجب قتل قائله لم يختلف ~~في ذلك متقدمهم ولا متأخرهم وإن اختلفوا في حكم قتله على ما أشرنا إليه ~~ونبينه بعد. # وكذلك أقول حكم من غمصه أو عيره برعاية الغنم أو السهو أو النسيان أو ~~السحر أو ما أصابه من جرح «7» أو هزيمة لبعض PageV02P483 # جيوشه، أو أذى من عدوه، أو شدة من زمنه، أو بالميل إلى نسائه، فحكم هذا ~~كله لمن قصد به نقصه القتل، وقد مضى من مذاهب العلماء في ذلك ويأتي ما يدل ~~عليه. # PageV02P484 ### ||| الفصل الثاني الحجة في إيجاب قتل من سبه أو عابه عليه الصلاة والسلام # فمن القرآن لعنه تعالى لمؤذيه في الدنيا والآخرة وقرانه تعالى أذاه ~~بأذاه. # ولا خلاف في قتل من سب الله، وأن اللعن إنما يستوجبه من هو كافر، وحكم ~~الكافر القتل # فقال: «إن الذين يؤذون الله ورسوله..» «1» الآية وقال في قاتل المؤمن: ~~مثل ذلك، فمن لعنته في الدنيا القتل. # قال الله تعالى: «ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا» «2» # وقال في المحاربين وذكر عقوبتهم: «ذلك لهم خزي في الدنيا» «3» وقد يقع ~~القتل بمعنى اللعن. PageV02P485 # قال: «قتل الخراصون» «1» و «قاتلهم الله أنى يؤفكون» «2» أي لعنهم الله. # ولأنه فرق بين أذاهما وأذى المؤمنين. وفي أذى المؤمنين ما دون القتل من ~~الضرب والنكال «3» فكان حكم مؤذي الله ونبيه أشد من ذلك وهو القتل. # وقال الله تعالى: «فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم» «4» ~~الآية فسلب اسم الإيمان عمن وجد في صدره حرجا من قضائه ولم يسلم له، ومن ~~تنقصه فقد ناقض هذا. # وقال الله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي» ~~إلى قوله «أن تحبط أعمالكم «5» » ولا يحبط العمل إلا الكفر «6» ، والكافر ~~يقتل. # وقال تعالى: «وإذا جاؤك حيوك بما لم يحيك به الله.» «7» PageV02P486 # ثم قال: «حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير» «1» # وقال تعالى: «ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون ms348 هو أذن» «2» # ثم قال: «والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم» «3» # وقال تعالى: «ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب» «4» # إلى قوله: «قد كفرتم بعد إيمانكم» «5» # قال أهل التفسير: «كفرتم» بقولكم في رسول الله صلى الله عليه وسلم # وأما الإجماع فقد ذكرناه وأما الاثار فعن الحسين «6» علي # عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «7» : «من سب نبيا فاقتلوه. ~~ومن أصحابي فاضربوه» وفي الحديث الصحيح «8» أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقتل كعب «9» بن الأشرف وقوله: من لكعب بن الأشرف فإنه يؤذي الله ورسوله؟!. ~~ووجه إليه من قتله غيلة دون دعوة «10» ، بخلاف غيره من المشركين.. وعلل ~~قتله بأذاه له، فدل أن قتله إياه لغير PageV02P487 # الإشراك، بل للأذى.. وكذلك قتل أبا رافع «1» . # قال البراء «2» وكان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعين عليه. # وكذلك أمره يوم الفتح بقتل ابن خطل «3» وجاريتيه «4» اللتين كانتا تغنيان ~~بسبه صلى الله عليه وسلم، وفي حديث آخر «5» : أن رجلا كان يسبه صلى الله ~~عليه وسلم فقال: من يكفيني عدوي؟. فقال خالد «6» : # أنا، فبعثه النبي صلى الله عليه وسلم فقتله. # وكذلك أمر بقتل جماعة ممن كان يؤذيه من الكفار ويسبه، كالنضر بن «7» ~~الحارث، وعقبة بن أبي «8» معيط وعهد بقتل جماعة منهم قبل الفتح وبعده ~~فقتلوا إلا من بادر بإسلامه قبل القدرة عليه. PageV02P488 # وقد روى البزار «1» عن ابن عباس «2» : أن عقبة بن أبي معيط نادى «3» : يا ~~معاشر قريش.. مالي أقتل من بينكم صيرا «4» ! فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم: بكفرك وافترائك على رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وذكر عبد «5» الرزاق: أن النبي صلى الله عليه وسلم سبه رجل فقال: من ~~يكفيني عدوي؟ فقال الزبير «6» : أنا فبارزه فقتله الزبير. # وروى «7» أيضا: أن امرأة كانت تسبه صلى الله عليه وسلم فقال: من يكفيني ~~عدوي؟ فخرج إليها خالد بن الوليد فقتلها. # وروي «8» : أن رجلا كذب «9» على النبي صلى الله عليه وسلم فبعث عليا «10» ~~والزبير إليه ليقتلاه. # وروى ابن قانع «11» : أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله ms349 عليه وسلم فقال: يا ~~رسول الله.. سمعت أبي يقول فيك قولا قبيحا فقتلته.. فلم يشق ذلك على النبي ~~صلى الله عليه وسلم. PageV02P489 # وبلغ «1» المهاجر «2» بن أبي أمية أمير اليمن لأبي بكر «3» رضي الله عنه ~~أن امرأة هناك في الردة غنت بسب النبي صلى الله عليه وسلم فقطع يدها، ونزع ~~ثنيتها «4» ، فبلغ أبا بكر رضي الله عنه ذلك فقال له: لولا ما فعلت لأمرتك ~~بقتلها، لأن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود. # وعن ابن «5» عباس: هجت امرأة من خطمة «6» النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~من لي بها؟ .. فقال رجل من قومها: أنا يا رسول الله. # فنهض فقتلها، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «لا ينتطح فيها عنزان ~~«7» . PageV02P490 # وعن «1» ابن عباس «2» : «أن أعمى كانت له أم ولد تسب النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيزجرها فلا تنزجر، فلما كانت ذات ليلة جعلت تقع في النبي صلى الله ~~عليه وسلم وتشتمه فقتلها، وعلم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فأهدر دمها» ~~. # وفي حديث أبي برزة «3» الأسلمي: «كنت «4» يوما جالسا عند أبي بكر الصديق ~~فغضب على رجل من المسلمين- وحكى القاضي إسماعيل «5» وغير واحد من الأئمة في ~~هذا الحديث أنه سب أبا بكر. # ورواه النسائي «6» : أتيت أبا بكر وقد أغلظ رجل فرد عليه قال- فقلت «7» ~~يا خليفة رسول الله دعني أضرب عنقه.. فقال: # اجلس.. فليس ذلك لأحد إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال القاضي أبو محمد «8» بن نصر: «ولم يخالف عليه أحد، PageV02P491 # فاستدل الأئمة بهذا الحديث على قتل من أغضب النبي صلى الله عليه وسلم بكل ~~ما أغضبه، أو أذاه، أو سبه» . # ومن ذلك كتاب عمر بن عبد «1» العزيز إلى عامله «2» بالكوفة: # «وقد استشاره في قتل رجل سب عمر رضي الله عنه. فكتب إليه عمر.. إنه لا ~~يحل قتل امريء مسلم بسب أحد من الناس إلا رجلا سب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فمن سبه فقد حل دمه» . # وسأل الرشيد «3» مالكا «4» في رجل شتم النبي صلى الله عليه وسلم وذكر له ~~أن فقهاء ms350 العراق أفتوه بجلده، فغضب مالك وقال: «يا أمير المؤمنين. ما بقاء ~~الأمة بعد شتم نبيها؟! من شتم الأنبياء قتل ومن شتم أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم جلد «5» » . # قال القاضي أبو «6» الفضل: كذا وقع في هذه الحكاية- رواها غير واحد من ~~أصحاب مناقب مالك، ومؤلفي أخباره وغيرهم. # ولا أدري من هؤلاء الفقهاء بالعراق الذين أفتوا الرشيد بما PageV02P492 # ذكر.. وقد ذكرنا مذهب العراقيين بقتله.. ولعلهم ممن لم يشهر بعلم.. أو من ~~لا يوثق بفتواه.. أو يميل به هواه.. أو يكون ما قاله يحمل على غير السب.. ~~فيكون الخلاف هل هو سب أو غير سب.. أو يكون رجع وتاب عن سبه فلم يقله لمالك ~~«1» على أصله وإلا فالإجماع على قتل من سبه كما قدمناه. # ويدل على قتله من جهة النظر «2» والاعتبار «3» .. أن من سبه وتنقصه صلى ~~الله عليه وسلم فقد ظهرت علامة مرض قلبه، وبرهان سرطويته وكفره، ولهذا حكم ~~له كثير من العلماء بالردة. # وهي رواية الشاميين عن مالك والأوزاعي «4» . وقول الثوري «5» وأبي «6» ~~حنيفة والكوفيين والقول الآخر: «أنه دليل على الكفر فيقتل حدا، وإن لم يحكم ~~له بالكفر إلا أن يكون متماديا على قوله غير منكر له، ولا مقلع عنه. فهذا ~~كافر» . وقوله إما صريح كفر كالتكذيب ونحوه، أو من كلمات الاستهزاء والذم. ~~PageV02P493 # فاعترافه بها، وترك توبته عنها، دليل استحلاله لذلك، وهو كفر أيضا.. فهذا ~~كافر بلا خلاف. # قال الله تعالى في مثله: «يحلفون بالله ما قالوا، ولقد قالوا كلمة الكفر ~~وكفروا بعد إسلامهم «1» » . # قال أهل التفسير: هي قولهم: «إن كان ما يقول محمد حقا «2» لنحن شر من ~~الحمير» . # وقيل بل قول بعضهم «3» : «ما مثلنا ومثل محمد إلا قول القائل سمن كلبك ~~يأكلك.. ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعن منها الأذل» . # وقد قيل: إن قائل مثل هذا إن كان مستترا «4» به أن حكمه حكم الزنديق ~~يقتل.. ولأنه قد غير دينه. PageV02P494 # وقد قال «1» صلى الله عليه وسلم: «من غير دينه فاضربوا عنقه.» ولأن لحكم ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الحرمة مزية على أمته، ms351 وساب الحر من أمته يحد، ~~فكانت العقوبة لمن سبه صلى الله عليه وسلم القتل لعظيم قدره وشفوف «2» ~~منزلته على غيره. PageV02P495 ### ||| الفصل الثالث أسباب عفو النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض من أذاه # فإن قلت: # فلم لم يقتل النبي صلى الله عليه وسلم اليهودي الذي له: السام عليكم «1» ~~وهذا دعاء عليه؟، ولا قتل الآخر «2» الذي قال له: «إن هذه لقسمة «3» ما ~~أريد بها وجه الله «4» » ، وقد تأذى النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، ~~وقال: «قد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر؟ ولا قتل المنافقين الذين كانوا ~~يؤذونه في أكثر الأحيان؟ # فاعلم وفقنا الله وإياك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول الإسلام ~~يستألف عليه الناس ويميل قلوبهم إليه، ويحبب إليهم الإيمان ويزينه في ~~PageV02P496 # قلوبهم، ويداريهم ويقول لأصحابه: إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا منفرين ~~ويقول «1» «بشروا «2» وتعسروا وسكتوا «3» ولا تنفروا» . # ويقول: «لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه «4» .» # وكان صلى الله عليه وسلم يداري الكفار والمنافقين ويجمل صحبتهم، ويغضي ~~عنهم، ويحتمل من أذاهم، ويصبر على جفائهم، ما لا يجوز لنا اليوم الصبر لهم ~~عليه. وكان يرفقهم «5» بالعطاء والإحسان «6» ، وبذلك أمره الله تعالى. # فقال تعالى: «ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم، فاعف عنهم ~~واصفح إن الله يحب المحسنين» «7» . PageV02P497 # وقال تعالى «ادفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي ~~حميم» «1» . # وذلك لحاجة الناس للتألف أول الإسلام، وجمع الكلمة عليه. # - فلما استقر وأظهره الله على الدين كله قتل من قدر عليه واشتهر أمره ~~كفعله بابن خطل «2» ومن عهد بقتله يوم الفتح. ومن أمكنه قتله غيلة من يهود ~~وغيرهم، أو غلبة ممن لم ينظمه قبل سلك صحبته، والانخراط «3» في جملة مظهري ~~الإيمان به ممن كان يؤذيه، كابن الأشرف «4» وأبي «5» رافع والنضر «6» وعقبة ~~«7» . # - وكذلك هدر «8» دم جماعة سواهم ككعب «9» بن زهير. PageV02P498 # وابن الزبعري «1» ، وغيرهما ممن آذاه حتى ألقوا بأيديهم ولقوه مسلمين. # - وبواطن المنافقين مستترة وحكمه صلى الله عليه وسلم على الظاهر.. # وأكثر تلك الكلمات إنما كان يقولها القائل ms352 منهم خفية، ومع أمثاله ويحلفون ~~عليها إذا نميت «2» وينكرونها، ويحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة ~~الكفر. # - وكان مع هذا يطمع في فيأتهم «3» ، ورجوعهم إلى الإسلام وتوبتهم، فيصبر ~~صلى الله عليه وسلم على هناتهم وجفوتهم كما صبر أولو العزم من الرسل «4» ، ~~حتى فاء كثير منهم باطنا كما فاء ظاهرا وأخلص سرا كما أظهر جهرا، ونفع الله ~~بعد بكثير منهم، وقام منهم للدين وزراء وأعوان وحماة وأنصار كما جاءت به ~~الأخبار. PageV02P499 # وبهذا أجاب بعض أئمتنا رحمهم الله عن هذا السؤال «1» . قال: # ولعله لم يثبت عنده صلى الله عليه وسلم من أقوالهم ما رفع وإنما نقله ~~الواحد «2» ومن لم يصل رتبة الشهادة في هذا الباب من صبي أو عبد أو امرأة. # والدماء لا تستباح إلا بعد لين، وعلى هذا يحمل أمر اليهودي «3» في السلام ~~«4» ، وأنهم لووا به ألسنتهم ولم يبينوه. ألا ترى كيف نبهت عليه عائشة ولو ~~كان صرح بذلك لم تنفرد بعلمه.. ولهذا نبه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ~~على فعلهم وقلة صدقهم في سلامهم وخيانتهم في ذلك ليا «5» بألسنتهم وطعنا في ~~الدين.. فقال: إن اليهود إذا سلم أحدهم فإنما يقول السام عليكم فقولوا: ~~عليكم «6» . # وكذلك قال بعض أصحابنا البغداديين «7» .. إن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يقتل المنافقين بعلمه فيهم.. ولم يأت أنه قامت بينة على نفاقهم فلذلك ~~تركهم.. وأيضا.. فإن الأمر كان سرا وباطنا، وظاهرهم الإسلام والإيمان. وإن ~~كان من أهل الذمة «8» والعهد والجوار. والناس PageV02P500 # قريب عهدهم بالإسلام لم يتميز بعد الخبيث من الطيب، وقد شاع عن المذكورين ~~في العرب كون من يتهم بالنفاق من جملة المؤمنين وصحابة سيد المرسلين وأنصار ~~الدين بحكم ظاهرهم.. فلو قتلهم النبي صلى الله عليه وسلم لنفاقهم وما يبدر ~~منهم، وعلمه بما أسروا في أنفسهم لوجد المنفر ما يقول، ولارتاب الشارد، ~~وأرجف «1» المعاند، وارتاع من صحبة النبي صلى الله عليه وسلم والدخول في ~~الإسلام غير واحد، ولزعم الزاعم وظن العدو الظالم أن القتل إنما كان ~~للعداوة وطلب أخذ الترة «2» . # وقد رأيت معنى ما ms353 حررته منسوبا إلى مالك «3» بن أنس رحمه الله ولهذا قال ~~صلى الله عليه وسلم «4» «لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه» # وقال «5» أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم. وهذا بخلاف إجراء الأحكام ~~الظاهرة عليهم من حدود الزنا والقتل وشبهه «6» لظهورها «7» واستواء الناس ~~في علمها. # وقد قال محمد «8» بن المواز: لو أظهر المنافقون نفاقهم لقتلهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم. PageV02P501 # وقال القاضي أبو «1» الحسن بن القصار وقال قتادة «2» في تفسير قوله تعالى ~~«لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك ~~بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا، ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا ~~تقتيلا. سنة الله» «3» الآية قال: معناه إذا أظهروا النفاق. # وحكى محمد بن «4» مسلمة في المبسوط «5» عن زيد «6» بن أسلم أن قوله تعالى ~~«يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم» «7» نسخت «8» ما كان ~~قبلها «9» . # وقال بعض مشايخنا: «لعل القائل «10» «هذه قسمة ما أريد بها وجه الله» ~~وقوله «اعدل» لم يفهم النبي صلى الله عليه وسلم منه الطعن عليه والتهمة له، ~~وإنما رآها من وجه الغلط في الرأي وأمور الدنيا، PageV02P502 # والاجتهاد في مصالح أهلها فلم ير ذلك سببا «1» ، ورأى أنه من الأذى الذي ~~له العفو عنه والصبر عليه» فلذلك لم يعاقبه. # - وكذلك يقال في اليهود إذ قالوا «السام عليكم» ليس فيه صريح «2» سب، ولا ~~دعاء الا بما لابد منه من الموت الذي لا بد من لحاقه جميع البشر. # وقيل: بل المراد «تسأمون دينكم» والسأم والسآمة «الملال» وهذا دعاء على ~~سآمة الدين ليس بصريح سب. # ولهذا ترجم البخاري «3» على هذا الحديث: باب إذا «عرض» الذي أو غيره بسب ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # قال بعض علمائنا: «ليس هذا بتعريض بالسب، وإنما هو تعريض بالأذى» # قال القاضي أبو «4» الفضل قد قدمنا أن الأذى والسب في حقه، صلى الله عليه ~~وسلم سواء. # وقال القاضي أبو «5» محمد بن نصر مجيبا عن هذا الحديث ببعض PageV02P503 # ما تقدم ثم قال: ولم يذكر في الحديث هل كان هذا اليهودي من أهل العهد ~~والذمة ms354 أو الحرب؟!، ولا يترك موجب الأدلة للأمر المحتمل، والأولى في ذلك ~~«1» كله والأظهر من هذه الوجوه مقصد الإستئلاف والمداراة على الدين لعلهم ~~يؤمنون. # ولذلك ترجم البخاري «2» على حديث القسمة والخوارج: باب من ترك قتال ~~الخوارج للتألف ولئلا ينفر الناس عنه، ولما ذكرنا معناه عن مالك «3» ~~وقررناه قبل. # وقد صبر لهم صلى الله عليه وسلم على سحره وسمه وهو أعظم من سبه إلى أن ~~نصره الله عليهم، وأذن له في قتل من عينه منهم، وإنزالهم من صياصيهم وقذف ~~في قلوبهم الرعب، وكتب على من شاء منهم الجلاء وأخرجهم من ديارهم، وخرب ~~بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، وكاشفهم بالسب فقال: «يا إخوة القردة ~~والخنازير» .. وحكم فيهم «4» سيوف المسلمين وأجلاهم من جوارهم، وأورثهم ~~أرضهم وديارهم وأموالهم «5» .. لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين ~~كفروا السفلى. PageV02P504 # فإن قلت: فقد جاء في الحديث الصحيح «1» عن عائشة «2» رضي الله عنها: «أنه ~~صلى الله عليه وسلم ما انتقم لنفسه في شيء يؤتى إليه قط إلا أن تنتهك حرمة ~~الله فينتقم لله» . # فاعلم أن هذا لا يقتضي أنه لم ينتقم ممن سبه أو آذاه أو كذبه، فإن هذه من ~~حرمات الله التي انتقم لها، وإنما يكون ما لا ينتقم منه له فيما تعلق بسوء ~~أدب، أو معاملة من القول والفعل بالنفس «3» والمال مما لم يقصد فاعله به ~~أذاه لكن مما جبلت عليه الأعراب من الجفاء والجهل «4» ، أو جبل عليه البشر ~~من السفه «5» كجبذ «6» الأعرابي رداءه حتى أثر في عنقه «7» ، وكرفع صوت ~~الآخر «8» عنده، وكجحد الأعرابي «9» شراءه منه فرسه «10» التي شهد فيها ~~PageV02P505 # خزيمة «1» .. وكما كان من تظاهر زوجيه «2» عليه، وأشباه هذا مما يحسن ~~الصفح عنه. # وقد قال بعض علمائنا: «إن أذى النبي صلى الله عليه وسلم حرام لا يجوز ~~بفعل مباح ولا غيره» . # وأما غيره فيجوز بفعل مباح مما يجوز للإنسان فعله وإن تأذى به غيره، ~~واحتج بعموم قوله تعالى «إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا ~~والآخرة» «3» . # وبقوله صلى الله عليه وسلم في حديث «4» فاطمة «5» : «إنها بضعة ms355 مني ~~يؤذيني ما يؤذيها.. ألا وإني لا أحرم ما أحل الله. ولكن لا تجتمع ابنة رسول ~~الله وابنة عدو «6» الله عند رجل أبدا» # أو يكون هذا مما آذاه به كافر رجا «7» بعد ذلك إسلامه كعفوه عن اليهودي ~~الذي سحره وعن الأعرابي «8» الذي أراد قتله PageV02P506 # وعن اليهودية التي سمته. وقد قيل: «قتلها» «1» # ومثل هذا مما يبلغه من أذى أهل الكتاب والمنافقين فصفح «2» عنهم رجاء ~~استئلافهم واستئلاف غيرهم كما قررناه قبل وبالله التوفيق PageV02P507 ### ||| الفصل الرابع حكم من فعل ذلك دون قصد أو اعتقاد # قال القاضي: # تقدم الكلام في قتل القاصد لسبه والإزراء به وغمصه «1» بأي وجه كان من ~~ممكن أو محال. فهذا وجه بين لا إشكال فيه. # الوجه الثاني: # لا حق به في البيان والجلاء، وهو أن يكون القائل لما قال في جهته صلى ~~الله عليه وسلم غير قاصد للسب والإزراء ولا معتقد له، ولكنه تكلم في جهته ~~صلى الله عليه وسلم بكلمة الكفر من لعنه أو سبه أو تكذيبه أو إضافة ما لا ~~يجوز عليه، أو نفي ما يجب له مما هو في حقه صلى الله عليه وسلم نقيصة، مثل ~~أن ينسب إليه إتيان كبيرة، أو مداهنة في تبليغ الرسالة، أو في حكم بين ~~الناس.. أو يغض من مرتبته، أو شرف PageV02P508 # نسبه، أو وفور علمه، أو زهده، أو يكذب بما اشتهر من أمور أخبر بها صلى ~~الله عليه وسلم وتواتر الخبر بها عن قصد لرد خبره، أو يأتي بسفه من القول، ~~أو قبيح من الكلام، ونوع من السب في جهة، وإن ظهر بدليل حاله أنه لم يعتمد ~~ذمه ولم يقصد سبه، إما لجهالة حملته على ما قاله، أو لضجر، أو سكر اضطره ~~إليه أو قلة مراقبة وضبط للسانه، وعجرفة وتهور في كلامه، فحكم هذا الوجه ~~حكم الوجه الأول القتل دون تلعثم، إذ لا يعذر أحد في الكفر بالجهالة ولا ~~بدعوى زلل اللسان، ولا بشيء مما ذكرناه، إذا كان عقله في فطرته سليما، إلا ~~من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، وبهذا أفتى الأندلسيون ms356 على ابن «1» حاتم في ~~نفيه الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قدمناه. # وقال محمد «2» بن سحنون في المأسور يسب النبي صلى الله عليه وسلم في أيدي ~~العدو يقتل، إلا أن يعلم تنصره أو إكراهه. # وعن أبي «3» محمد بن أبي زيد لا يعذر بدعوى زلل اللسان في مثل هذا. ~~PageV02P509 # وأفتى أبو الحسن «1» القابسي فيمن شتم النبي صلى الله عليه وسلم في سكره ~~يقتل.. لأنه يظن به أنه يعتقد هذا ويفعله في صحوه. # وأيضا فإنه حد لا يسقطه السكر كالقذف والقتل وسائر الحدود. لأنه أدخله ~~على نفسه. # لأن من شرب الخمر على علم من زوال عقله بها، وإتيان ما ينكر منه فهو ~~كالعامد لما يكون بسببه، وعلى هذا ألزمناه الطلاق والعتاق، والقصاص، ~~والحدود. # ولا يعترض على هذا بحديث «2» حمزة «3» وقوله للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~«وهل أنتم إلا عبيد لأبي» قال.. فعرف النبي صلى الله عليه وسلم أنه ثمل ~~فانصرف. لأن الخمر كانت حينئذ غير محرمة فلم يكن في جناياتها إثم. وكان حكم ~~ما يحدث عنها معفوا عنه كما يحدث من النوم وشرب الدواء المأمون.. ~~PageV02P510 ### ||| الفصل الخامس حقيقة قائل ذلك هل هو كافر أو مرتد # الوجه الثالث: # أن يقصد إلى تكذيبه فيما قاله أو أتى به، أو ينفي نبوته، أو رسالته، أو ~~وجوده، أو يكفر به.. انتقل بقوله ذلك إلى دين آخر غير ملته أم لا؟. # فهذا كافر بإجماع، يجب قتله. ثم ينظر- فإن كان مصرحا بذلك كان حكمه أشبه ~~بحكم المرتد «1» . وقوي الخلاف في استتابته # وعلى القول الآخر لا تسقط القتل عنه توبته لحق النبي صلى الله عليه وسلم ~~إن كان ذكره بنقيصة فيما قاله من كذب أو غيره. PageV02P511 # - وإن كان متسترا بذلك، فحكمه حكم الزنديق لا تسقط قتله التوبة عندنا «1» ~~كما سنبينه. # قال أبو «2» حنيفه وأصحابه: «من برىء من محمد أو كذب «3» به فهو مرتد ~~حلال الدم إلا أن يرجع» . # وقال ابن «4» القاسم في المسلم إذا قال: إن محمدا ليس بنبي أو لم يرسل أو ~~لم ينزل عليه ms357 قرآن، وإنما هو شيء تقوله «5» يقتل. # قال: «ومن كفر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأنكره من المسلمين فهو ~~بمنزلة المرتد» . # وكذلك من أعلن بتكذيبه أنه كالمرتد يستتاب، وكذلك قال فيمن تنبأ وزعم أنه ~~يوحى إليه. # وقال سحنون «6» وقال ابن «7» القاسم: «دعا إلى ذلك سرا أو جهرا» وقال ~~أصبغ «8» : «وهو كالمرتد لأنه قد كفر بكتاب الله مع الفرية على الله» . ~~PageV02P512 # وقال أشهب «1» في يهودي تنبأ- أو زعم أنه أرسل إلى الناس- أو قال: بعد ~~نبيكم نبي، أنه يستتاب إن كان معلنا بذلك، فإن تاب وإلا قتل. وذلك لأنه ~~مكذب للنبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «لا نبي بعدي» مفتر على الله في ~~دعواه عليه الرسالة والنبوة. # وقال محمد بن «2» سحنون: «من شك في حرف مما جاء به محمد صلى الله عليه ~~وسلم عن الله فهو كافر جاحد» . # وقال: «من كذب النبي صلى الله عليه وسلم كان حكمه عند الأمة القتل» . # وقال أحمد «3» بن أبي سليمان صاحب سحنون «4» : «من قال إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أسود قتل. لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم بأسود. # وقال نحوه أبو عثمان «5» الحداد قال: «لو قال إنه مات قبل أن يلتحي «6» ~~أو إنه كان بتاهرت «7» ولم يكن بتهامة «8» قتل لأن هذا نفي. PageV02P513 # قال حبيب «1» بن الربيع: تبديل صفته ومواضعه كفر، والمظهر له كافر وفيه ~~الاستتابة، والمسر له زنديق يقتل دون استتابة PageV02P514 ### ||| الفصل السادس الحكم فيما لو كان الكلام يحتمل السب وغيره # الوجه الرابع: # أن يأتي من الكلام بمجمل ويلفظ من القول بمشكل يمكن حمله على النبي صلى ~~الله عليه وسلم أو غيره أو يتردد في المراد به من سلامته من المكروه، أو ~~شره فههنا متردد النظر، وحيرة العبر، ومظنة اختلاف المجتهدين، ووقفة ~~استبراء المقلدين، ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة فمنهم من غلب ~~حرمة النبي صلى الله عليه وسلم وحمى حمى عرضه فجسر على القتل. # ومنهم من عظم حرمة الدم ودرأ الحد بالشبهة لاحتمال القول. # وقد اختلف أئمتنا في رجل ms358 أغضبه غريمه فقال له: صل على محمد صلى الله عليه ~~وسلم فقال له الطالب لا صلى الله على من صلى عليه. # PageV02P515 # فقيل لسحنون «1» : هل هو كمن شتم النبي صلى الله عليه وسلم؟ أو شتم ~~الملائكة الذين يصلون عليه؟ قال: لا إذا كان على ما وصفت من الغضب.. لأنه ~~لم يكن مضمرا الشتم. # وقال أبو اسحق «2» البرقي وأصبغ «3» بن الفرج لا يقتل لأنه إنما شتم ~~الناس. وهذا نحو قول سحنون لأنه لم يعذره بالغضب في شتم النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ولكنه لما احتمل الكلام عنده ولم تكن معه قرينة تدل على شتم ~~النبي صلى الله عليه وسلم، أو شتم الملائكة صلوات الله عليهم، ولا مقدمة ~~يحمل عليها كلامه، بل القرينة تدل على أن مراده الناس غير هؤلا. لأجل قول ~~الآخر له صل على النبي، فحمل قوله وسبه لمن يصلي عليه الآن لأجل أمر الآخر ~~له بهذا عند غضبه هذا معنى قول سحنون وهو مطابق لعلة صاحبه. PageV02P516 # وذهب الحارث بن «1» مسكين القاضي وغيره: في مثل هذا إلى القتل. # وتوقف أبو الحسن «2» القابسي في قتل رجل قال: كل صاحب فندق قرنان «3» ولو ~~كان نبيا مرسلا، فأمر بشده بالقيود، والتضييق عليه حتى يستفهم البينة عن ~~جملة ألفاظه، وما يدل على مقصده، هل أراد أصحاب الفنادق الآن فمعلوم أنه ~~ليس فيهم نبي مرسل فيكون أمره أخف. # قال: ولكن ظاهر لفظه العموم لكل صاحب فندق من المتقدمين والمتأخرين، وقد ~~كان فيمن تقدم من الأنبياء والرسل من اكتسب المال. # قال: «ودم المسلم لا يقدم عليه إلا بأمر بين، وما ترد إليه التأويلات ~~لابد من إمعان «4» النظر فيه.» هذا معنى كلامه. PageV02P517 # وحكي عن أبي «1» محمد بن أبي زيد رحمه الله فيمن قال: لعن الله العرب. ~~ولعن الله بني إسرائيل، ولعن الله بني آدم، وذكر أنه لم يرد الأنبياء، ~~وإنما أردت الظالمين منهم، أن عليه الأدب بقدر اجتهاد السلطان. # وكذلك أفتى فيمن قال: لعن الله من حرم المسكر، وقال: # لم أعلم من حرمه. # وفيمن لعن حديث «لا يبع ms359 حاضر لباد» ولعن ما جاء به أنه إن كان يعذر ~~بالجهل وعدم معرفة السنن فعليه الأدب الوجيع، وذلك أن هذا لم يقصد بظاهر ~~حاله سب الله ولا سب رسوله وإنما لعن من حرمه من الناس على نحو فتوى سحنون ~~«2» وأصحابه في المسألة المتقدمة. # ومثل هذا يجري في كلام سفهاء الناس من قول بعضهم لبعض يا ابن ألف خنزير ~~ويا ابن مئة كلب وشبهه من هجر «3» القول، ولا شك أنه يدخل في مثل هذا العدد ~~من آبائه وأجداده جماعة من الأنبياء، ولعل بعض هذا العدد منقطع إلى آدم ~~عليه السلام فينبغي الزجر PageV02P518 # عنه، وتبيين ما جهل قائله منه، وشدة الأدب فيه. # ولو علم أنه قصد سب من في آبائه من الأنبياء على علم لقتل. # وقد يضيق القول في نحو هذا لو قال لرجل هاشمي: لعن الله بني هاشم، وقال: ~~أردت الظالمين منهم، أو قال لرجل من ذرية النبي صلى الله عليه وسلم قولا ~~قبيحا في آبائه أو من نسله أو ولده على علم منه أنه من ذرية النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولم تكن قرينة في المسألتين تقتضي تخصيص بعض آبائه وإخراج النبي ~~صلى الله عليه وسلم ممن سبه منهم، وقد رأيت لأبي موسى عيسى بن «1» مناس ~~فيمن قال لرجل لعنك الله إلى آدم عليه السلام. # أنه إن ثبت عليه ذلك قتل. # قال القاضي وفقه الله: وقد كان اختلف شيوخنا فيمن قال لشاهد شهد عليه ~~بشيء ثم قال له: تتهمني؟ فقال له الآخر.. # الأنبياء يتهمون فكيف أنت! # فكان شيخنا أبو إسحق «2» بن جعفر يرى قتله لبشاعة ظاهر اللفظ وكان القاضي ~~أبو محمد «3» بن منصور يتوقف عن القتل لاحتمال اللفظ عنده أن يكون خبرا عمن ~~اتهمهم من الكفار. PageV02P519 # وأفتى فيها قاضي قرطبة أبو عبد «1» الله بن الحاج بنحو من هذا وشدد ~~القاضي أبو محمد «2» تصفيده وأطال سجنه ثم استحلفه بعد على تكذيب ما شهد به ~~عليه إذ دخل في شهادة بعض من شهد عليه وهن ثم أطلقه. # وشاهدت شيخنا القاضي أبا عبد ms360 «3» الله بن عيسى أيام قضائه أتي برجل هاتر ~~«4» رجلا اسمه محمد، ثم قصد إلى كلب فضربه برجله، وقال له قم يا محمد فأنكر ~~الرجل أن يكون قال ذلك، وشهد عليه لفيف من الناس فأمر به إلى السجن، وتقصى ~~عن حاله، وهل يصحب من يستراب بدينه فلما لم يجد ما يقوي الريبة باعتقاده ~~ضربه بالسوط وأطلقه. PageV02P520 ### ||| الفصل السابع حكم من وصف نفسه بصفة من صفات الأنبياء رفعا لشأنه أو استصغارا لشأنهم صلوات الله عليهم # الوجه الخامس: # أن لا يقصد نقصا ولا يذكر عيبا ولا سبا لكنه ينزع «1» بذكر بعض أوصافه، ~~أو يستشهد ببعض أحواله صلى الله عليه وسلم الجائزة عليه في الدنيا على طريق ~~ضرب المثل والحجة لنفسه أو لغيره، أو على التشبه به، أو عند هضيمة «2» ~~نالته، أو غضاضة لحقته، ليس على طريق التأسي وطريق التحقيق، بل على مقصد ~~الترفيع لنفسه أو لغيره، أو على سبيل التمثيل وعدم التوقير لنبيه صلى الله ~~عليه وسلم أو قصد الهزل والتندير «3» بقوله: PageV02P521 # كقول القائل: إن قيل في السوء فقد قيل في النبي، أو إن كذبت فقد كذب ~~الأنبياء، أو إن أذنبت فقد أذنبوا. أو أنا أسلم من ألسنة الناس، ولم يسلم ~~منهم أنبياء الله ورسله، أو قد صبرت كما صبر أولو العزم، أو كصبر أيوب، أو ~~قد صبر نبي الله على عداه وحلم على أكثر مما صبرت وكقول المتنبي «1» # أنا في أمة تداركها الل ... ه غريب كصالح في ثمود # ونحوه من أشعار المتعجرفين في القول المتساهلين في الكلام كقول المعري ~~«2» : # كنت موسى وافته بنت شعيب ... غير أن ليس فيكما من فقير «3» # على أن آخر البيت شديد وداخل في الإزراء والتحقير بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم، وتفضيل حال غيره عليه. # وكذلك قوله: PageV02P522 # لولا انقطاع الوحي بعد محمد ... قلنا محمد عن أبيه بديل # هو مثله في الفضل إلا أنه ... لم يأته برسالة جبريل # فصدر البيت الثاني من هذا الفصل شديد لتشبيهه غير النبي صلى الله عليه ~~وسلم في فضله بالنبي، والعجز محتمل لوجهين: # أحدهما: أن ms361 هذه الفضيلة نقصت الممدوح # والآخر استغناؤه عنها، وهو أشد. # ونحو منه قول الآخر «1» : # وإذا ما رفعت راياته ... صفقت بين جناحي جبرين # وقول الآخر من أهل العصر «2» # فر من الخلد واستجار بنا ... فصبر الله قلب رضوان # وكقول حسان «3» المصيصي من شعراء الأندلس في محمد PageV02P523 # بن «1» عباد المعروف بالمعتمد ووزيره أبي بكر «2» بن زيدون: # كأن أبا بكر أبو بكر الرضى ... وحسان حسان وأنت محمد # إلى أمثال هذا. # وإنما أكثرنا بشاهدها مع استثقالنا حكايتها لتعريف أمثلتها، ولتساهل كثير ~~من الناس في ولوج هذا الباب الضنك «3» ، واستخفافهم فادح هذا العبء وقلة ~~علمهم بعظيم ما فيه من الوزر، وكلامهم منه بما ليس لهم به علم. «وتحسبونه ~~هينا وهو عند الله عظيم» «4» لا سيما الشعراء.. وأشدهم فيه تصريحا وللسانه ~~تسريحا ابن هانىء «5» الأندلسي، وابن «6» سليمان المعري.. بل قد خرج كثير ~~من كلامهما إلى حد الاستخفاف والنقص وصريح الكفر. # وقد أجبنا عنه.. وغرضنا الآن الكلام في هذا الفصل الذي PageV02P524 # سقنا أمثلته.. فإن هذه كلها وإن لم تتضمن سبا ولا أضافت إلى الملائكة ~~والأنبياء نقصا..- ولست أعني عجزي بيتي المعري «1» - ولا قصد قائلها إزراء ~~وغضا، فما وقر النبوة ولا عظم الرسالة، ولا عزر حرمة الاصطفاء، ولا عزز ~~حظوة الكرامة، حتى شبه من شبه في كرامة نالها أو معرة قصد الانتفاء منها، ~~أو ضرب مثل لتطييب مجلسه، أو إغلاء في وصف لتحسين كلامه بمن عظم الله خطره ~~وشرف قدره، وألزم توقيره وبره، ونهى عن جهر القول له، ورفع الصوت عنده، فحق ~~هذا إن درىء عنه القتل الأدب، والسجن وقوة تعزيره بحسب شنعة مقاله، ومقتضى ~~قبح ما نطق به، ومألوف عادته لمثله، أو ندوره، وقرينة كلامه أو ندمه على ما ~~سبق منه. # - ولم يزل المتقدمون ينكرون مثل هذا ممن جاء به وقد أنكر الرشيد «2» على ~~أبي نواس «3» قوله: # فإن يك باقي سحر فرعون فيكم ... فإن عصا موسى بكف خصيب PageV02P525 # وقال له: يا ابن اللخناء «1» .. أنت المستهزىء بعصا موسى!! .. # وأمر بإخراجه عن عسكره من ليلته وذكر القتيبي «2» : # أن مما أخذ عليه أيضا ms362 وكفر فيه أو قارب.. قوله في محمد «3» الأمين، ~~وتشبيهه إياه بالنبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: # تنازع الأحمدان الشبه فاشتبها ... خلقا وخلقا كما قد «4» الشراكان «5» # كما أنكروا عليه أيضا قوله: # كيف لا يدنيك من أمل ... من رسول الله من نفره # لأن حق رسول الله وموجب تعظيمه وإنافة منزلته أن يضاف إليه ولا يضاف. # - فالحكم في أمثال هذا ما بسطناه في طريق الفتيا على هذا المنهج جاءت ~~فتيا إمام مذهبنا مالك «6» بن أنس رحمه الله وأصحابه. # ففي النوادر من رواية ابن «7» أبي مريم في رجل عير رجلا بالفقر فقال: ~~«تعيروني بالفقر وقد رعى النبي صلى الله عليه وسلم الغنم» ! PageV02P526 # فقال مالك «1» : «قد عرض بذكر النبي صلى الله عليه وسلم في غير موضعه. # أرى أن يؤدب» وقال: (ولا ينبغي لأهل الذنوب إذا عوتبوا أن يقولوا: أخطأت ~~الأنبياء قبلنا) . # وقال عمر بن «2» عبد العزيز لرجل: «انظر لنا كاتبا يكون أبوه عربيا» . ~~فقال كاتب له: «كان أبو النبي كافرا» . فقال: «جعلت هذا مثلا! فعزله» وقال: ~~«لا تكتب لي أبدا» # وقد كره سحنون «3» أن يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم عند التعجب إلا ~~على طريق الثواب والاحتساب توقيرا له وتعظيما كما أمرنا الله. # وسئل القابسي «4» عن رجل قال لرجل قبيح: كأنه وجه نكير «5» ولرجل عبوس: ~~كأنه وجه مالك «6» الغضبان فقال: أي شيء أراد بهذا؟ ..- ونكير أحد فتاني ~~القبر، وهما ملكان- فما الذي أراد؟ .. أروع دخل عليه حين رآه من وجهه أم ~~عاف PageV02P527 # النظر إليه لدمامة خلقه؟. فإن كان هذا فهو شديد. لأنه جرى مجرى التحقير ~~والتهوبن، فهو أشد عقوبة. # وليس فيه تصريح بالسب للملك، وإنما السب واقع على المخاطب وفي الأدب ~~بالسوط والسجن نكال «1» للسفهاء قال: وأما ذاكر مالك خازن النار فقد جفا ~~الذي ذكره عند ما أنكر «2» حاله من عبوس الآخر إلا أن يكون المعبس له يد ~~فيرهب بعبسته فيشبهه القائل على طريق الذم لهذا في فعله، ولزومه في ظلمه ~~صفة مالك الملك المطيع لربه في فعله فيقول: كأنه لله يغضب غضب مالك ms363 فيكون ~~أخف. # وما كان ينبغي له التعرض لمثل هذا، ولو كان أثنى على العبوس بعبسته واحتج ~~بصفة مالك كان أشد ويعاقب المعاقبة الشديدة، وليس في هذا ذم للملك، ولو قصد ~~ذمه لقتل. # وقال أبو «3» الحسن أيضا في شاب معروف بالخير قال لرجل شيئا فقال له ~~الرجل: اسكت فإنك أمي.. فقال الشاب أليس PageV02P528 # كان النبي صلى الله عليه وسلم أميا! فشنع عليه مقاله وكفره الناس، وأشفق ~~الشاب مما قال. وأظهر الندم عليه فقال أبو الحسن: أما إطلاق الكفر عليه ~~فخطأ لكنه مخطىء في استشهاده بصفة النبي صلى الله عليه وسلم وكون النبي ~~أميا آية له، وكون هذا أميا نقيصة فيه وجهالة، ومن جهالته احتجاجه بصفة ~~النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه إذا استغفر وتاب واعترف ولجأ إلى الله ~~فيترك.. لأن قوله لا ينتهي إلى حد القتل. # وما طريقه الأدب فطوع فاعله بالندم عليه يوجب الكف عنه. # ونزلت أيضا مسألة استفتى فيها بعض قضاة الأندلس شيخنا القاضي أبا محمد ~~«1» بن منصور رحمه الله في رجل تنقصه آخر بشيء فقال له: إنما تريد نقصي ~~بقولك، وأنا بشر وجميع البشر يلحقهم النقص حتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأفتاه بإطالة سجنه وإيجاع أدبه، إذ لم يقصد السب. وكان بعض فقهاء الأندلس ~~أفتى بقتله. PageV02P529 ### ||| الفصل الثامن حكم الناقل والحاكي لهذا الكلام عن غيره # الوجه السادس: # أن يقول القائل ذلك حاكيا عن غيره، وآثرا «1» له عن سواه فهذا ينظر في ~~صورة حكايته، وقرينة مقالته، ويختلف الحكم باختلاف ذلك على أربعة وجوه: ~~الوجوب، والندب، والكراهة، والتحريم. # - فإن كان أخبر به على وجه الشهادة والتعريف بقائله والإنكار والإعلام ~~بقوله والتنفير منه والتجريح له فهذا مما ينبغي امتثاله ويحمد فاعله. # وكذلك إن حكاه في كتاب أو في مجلس على طريق الردله والنقض PageV02P530 # على قائله. والفتيا بما يلزمه.. وهذا منه ما يجب ومنه ما يستحب بحسب ~~حالات الحاكي لذلك والمحكي عنه. # فإن كان القائل لذلك ممن تصدى لأن يؤخذ عنه العلم أو رواية الحديث، أو ~~يقطع بحكمه أو شهادته أو ms364 فتياه في الحقوق، وجب على سامعه الإشادة بما سمع ~~منه، والتنفير للناس عنه، والشهادة- عليه بما قاله، ووجب على من بلغه ذلك ~~من أئمة المسلمين إنكاره، وبيان كفره، وفساد قوله لقطع ضرره عن المسلمين، ~~وقياما بحق سيد المرسلين وكذلك إن كان ممن يعظ العامة، أو يؤدب الصبيان فإن ~~من هذه سريرته لا يؤمن على إلقاء ذلك- في قلوبهم.. فيتأكد في هؤلاء الإيجاب ~~لحق النبي صلى الله عليه وسلم، ولحق شريعته. # وإن لم يكن القائل بهذه السبيل، فالقيام بحق النبي صلى الله عليه وسلم ~~واجب وحماية عرضه متعين، ونصرته على الأذى حيا وميتا مستحق على كل مؤمن ~~لكنه إذا قام بهذا من ظهر به الحق، وفصلت به القضية، وبان به الأمر. سقط عن ~~الباقي الفرض وبقي الاستحباب في تكثير الشهادة عليه، وعضد التحذير منه.. ~~وقد أجمع السلف على بيان حال المتهم في الحديث «1» فكيف بمثل هذا. ~~PageV02P531 # وقد سئل أبو محمد «1» بن أبي زيد عن الشاهد يسمع مثل هذا في حق الله ~~تعالى أيسعه ألا يؤدي شهادته قال: «إن رجا نفاذ الحكم بشهادته فليشهد، ~~وكذلك إن علم أن الحاكم لا يرى القتل بما شهد به ويرى الاستتابة والأدب ~~فليشهد ويلزمه ذلك» . # - وأما الإباحة لحكاية قوله لغير هذين المقصدين فلا أرى لها مدخلا في هذا ~~الباب، فليس التفكه بعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم والتمضمض بسوء ذكره ~~لأحد، لا ذاكرا ولا آثرا «2» لغير غرض شرعي بمباح، وأما للأغراض المتقدمة ~~فمتردد بين الإيجاب والاستحباب وقد حكى الله تعالى مقالات المفترين عليه ~~وعلى رسله في كتابه على وجه الإنكار لقولهم، والتحذير من كفرهم، والوعيد ~~عليه، والرد عليهم بما تلاه الله علينا في محكم كتابه. # وكذلك وقع من أمثاله في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الصحيحة على ~~الوجوه المتقدمة. # وأجمع السلف والخلف من أئمة الهدى على حكايات مقالات الكفرة والملحدين في ~~كتبهم ومجالسهم ليبينوها للناس وينقضوا PageV02P532 # شبهها عليهم.. وإن كان ورد لأحمد بن «1» حنبل إنكار لبعض هذا على الحارث ~~«2» بن أسد. فقد صنع أحمد «1» مثله في ms365 رده على الجهمية «3» والقائلين ~~بالمخلوق «4» # وهذه الوجوه السائغة الحكاية عنها. # - فأما ذكرها على غير هذا من حكاية سبه والإزراء بمنصبه على وجه الحكايات ~~والأسمار «5» والطرف وأحاديث الناس ومقالاتهم في الغث والسمين ومضاحك ~~المجان «6» ونوادر السخفاء، والخوض في قيل وقال وما لا يعني فكل هذا ممنوع، ~~وبعضه أشد في المنع والعقوبة من بعض. # فما كان من قائله الحاكي له على غير قصد، أو معرفة بمقدار ما PageV02P533 # حكاه، أو لم تكن عادته، أو لم يكن الكلام من البشاعة حيث هو، ولم يظهر ~~على حاكيه استحسانه واستصوابه، زجر عن ذلك ونهي عن العودة إليه. وإن قوم ~~ببعض الأدب فهو مستوجب له. # وإن كان لفظه من البشاعة حيث هو.. كان الأدب أشد وقد حكي أن رجلا سأل ~~مالكا «1» عمن يقول: القرآن مخلوق.. فقال مالك: كافر فاقتلوه.. فقال: إنما ~~حكيته عن غيري.. فقال مالك: إنما سمعناه منك «2» . # وهذا من مالك رحمه الله على طريق الزجر «3» والتغليظ بدليل أنه لم ينفذ ~~قتله، وإن اتهم هذا الحاكي فيما حكاه أنه اختلقه ونسبه إلى غيره، أو كانت ~~تلك عادة له، أو ظهر استحسانه لذلك، أو كان مولعا بمثله والاستخفاف له، أو ~~التحفظ لمثله وطلبه ورواية أشعار هجوه صلى الله عليه وسلم وسبه، فحكم هذا ~~حكم الساب نفسه.. يؤاخذ بقوله ولا تنفعه نسبته إلى غيره، فيبادر بقتله ~~ويعجل إلى الهاوية أمه. PageV02P534 # وقد قال أبو عبيد «1» القاسم بن سلام فيمن حفظ شطر بيت مما هجي به النبي ~~صلى الله عليه وسلم فهو كفر. # وقد ذكر بعض من ألف في الإجماع إجماع المسلمين على تحريم رواية ما هجي به ~~النبي صلى الله عليه وسلم وكتابته وقراءته وتركه متى وجد دون محو، ورحم ~~الله أسلافنا المتقين المتحرزين لدينهم، فقد أسقطوا من أحاديث المغازي ~~والسير ما كان هذا سبيله، وتركوا روايته إلا أشياء ذكروها يسيرة وغير ~~مستبشعة على نحو الوجوه الأول ليروا نقمة الله من قائلها وأخذه المفتري ~~عليه بذنبه. # وهذا أبو عبيد القاسم «1» بن سلام رحمه الله قد تحرى فيما اضطر إلى ms366 ~~الاستشهاد به من أهاجي أشعار العرب في كتبه، فكنى عن اسم المهجو بوزن اسمه ~~استبراء لدينه، وتحفظا من المشاركة في ذم أحد بروايته أو نشره. فكيف بما ~~يتطرق إلى عرض سيد البشر صلى الله عليه وسلم! PageV02P535 ### ||| الفصل التاسع ذكر الحالات التي تجوز عليه صلى الله عليه وسلم على طريق التعليم # الوجه السابع: # أن يذكر ما يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم أو يختلف في جوازه عليه، ~~وما يطرأ من الأمور البشرية به ويمكن إضافتها إليه أو يذكر ما امتحن به ~~وصبر في ذات الله على شدته من مقاساة أعدائه وأذاهم له ومعرفة ابتداء حاله ~~وسيرته، وما لقيه من بؤس زمنه ومر عليه من معاناة عيشته.. كل ذلك على طريق ~~الرواية، ومذاكرة العلم، ومعرفة ما صحت منه العصمة للأنبياء، وما يجوز ~~عليهم. # فهذا فن خارج عن هذه الفنون الستة.. إذ ليس فيه غمص «1» ، ولا نقص، ولا ~~إزراء، ولا استخفاف لا في ظاهر اللفظ. ولا في مقصد اللافظ.. لكن يجب أن ~~يكون الكلام فيه مع أهل العلم PageV02P536 # وفهماء طلبة الدين ممن يفهم مقاصده، ويحققون فوائده، ويجنب ذلك من عساه ~~لا يفقه أو يخشى به فتنته. # - فقد كره بعض السلف تعليم النساء سورة يوسف لما انطوت عليه من تلك القصص ~~لضعف معرفتهن ونقص عقولهن وإدراكهن. # فقد قال صلى الله عليه وسلم مخبرا عن نفسه باستئجاره «1» لرعاية الغنم في ~~ابتداء حاله وقال «2» : «ما من نبي إلا وقد رعى الغنم» # وأخبرنا الله تعالى بذلك عن موسى عليه السلام، وهذا لا غضاضة فيه جملة ~~واحدة لمن ذكره على وجهه. # - بخلاف من قصد به الغضاضة والتحقير، بل كانت عادة جميع العرب. # نعم في ذلك للأنبياء حكمة بالغة وتدريج لله تعالى لهم إلى كرامته، وتدريب ~~برعايتها لسياسة أممهم من خليقته بما سبق لهم من الكرامة في الأزل ومتقدم ~~العلم. # وكذلك قد ذكر الله يتمه، وعيلته على طريق المنة عليه والتعريف بكرامته ~~له. # فذكر الذاكر لها على وجه تعريف حاله، والخبر عن مبتدئه PageV02P537 # والتعجب من منح الله قبله. ms367 وعظيم منته عنده ليس فيه غضاضة، بل فيه دلالة ~~على نبوته وصحة دعوته، إذ أظهره الله تعالى بعد هذا على صناديد العرب ومن ~~ناوأه «1» من أشرافهم شيئا فشيئا ونمى أمره حتى قهرهم، وتمكن من ملك ~~مقاليدهم، واستباحة ممالك كثير من الأمم غيرهم بإظهار الله تعالى له ~~وتأييده بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم، وإمداده بالملائكة المسومين «2» ~~. # ولو كان ابن ملك أو ذا أشياع متقدمين لحسب كثير من الجهال أن ذلك موجب ~~ظهوره، ومقتضى علوه. # ولهذا قال هرقل «3» حين سأل أبا سفيان «4» عنه: «هل في آبائه من ملك» ؟! ~~ثم قال: «ولو كان في آبائه ملك لقلنا: رجل يطلب ملك أبيه» ، وإذا «اليتيم» ~~من صفته وإحدى علاماته في الكتب المتقدمة، وأخبار الأمم السالفة. وكذا وقع ~~ذكره في كتاب PageV02P538 # أرمياء «1» ، وبهذا وصفه ابن «2» ذي يزن لعبد «3» المطلب.. # وبحيرا «4» لأبي «5» طالب. # وكذلك إذا وصف بأنه أمي كما وصفه الله فهي مدحة له وفضيلة ثابتة فيه، ~~وقاعدة معجزته.. إذ معجزته العظمى من القرآن العظيم إنما هي متعلقة بطريق ~~المعارف والعلوم مع ما منح صلى الله عليه وسلم وفضل به من ذلك كما قدمناه ~~في القسم الأول ووجود مثل ذلك من رجل لم يقرأ ولم يكتب ولم يدارس ولا لقن.. ~~مقتضى العجب ومنتهى العبر، ومعجزة البشر. وليس في ذلك نقيصة، إذ المطلوب من ~~الكتابة والقراءة المعرفة، وإنما هي آلة لها، وواسطة موصلة إليها غير مرادة ~~في نفسها،.. فإذا حصلت الثمرة والمطلوب استغني عن الواسطة والسبب. # والأمية في غيره نقيصة لأنها سبب الجهالة، وعنوان الغباوة. # فسبحان من باين «6» أمره من أمر غيره، وجعل شرفه فيما فيه PageV02P539 # محطة سواه، وحياته فيما فيه هلاك من عداه.. هذا شق قلبه، وإخراج حشوته ~~«1» كان تمام حياته، وغاية قوة نفسه، وثبات روعه، وهو فيمن سواه منتهى ~~هلاكه، وحتم موته وفنائه، وهلم جرا إلى سائر ما روي من أخباره وسيره، ~~وتقلله من الدنيا، ومن الملبس والمطعم والمركب.. وتواضعه ومهنته نفسه في ~~أموره وخدمة بيته زهدا ورغبة عن الدنيا، وتسوية بين حقيرها وخطيرها لسرعة ~~فناء ms368 أمورها، وتقلب أحوالها.. كل هذا من فضائله ومآثره وشرفه كما ذكرناه.. ~~فمن أورد شيئا منها مورده، وقصد بها مقصده كان حسنا، ومن أورد ذلك على غير ~~وجهه، وعلم منه بذلك سوء قصده، لحق بالفصول التي قدمناها،.. # وكذلك ما ورد من أخباره وأخبار سائر الأنبياء عليهم السلام في الأحاديث ~~مما في ظاهره إشكال يقتضي أمورا لا تليق بهم بحال وتحتاج إلى تأويل، وتردد ~~احتمال، فلا يجب أن يتحدث منها إلا بالصحيح ولا يروى منها إلا المعلوم ~~الثابت.. ورحم الله مالكا «2» فلقد كره التحدث بمثل ذلك من الأحاديث ~~الموهمة PageV02P540 # للتشبيه «1» والمشكلة المعنى «2» وقال: ما يدعو الناس إلى التحدث بمثل ~~هذا؟ فقيل له: إن ابن «3» عجلان يحدث بها.. فقال: لم يكن من الفقهاء، وليست ~~الناس وافقوه على ترك الحديث بها وساعدوه على طيها فأكثرها ليس تحته عمل. # وقد حكي عن جماعة من السلف.. بل عنهم على الجملة أنهم كانوا يكرهون ~~الكلام فيما ليس تحته عمل. # والنبي صلى الله عليه وسلم أوردها على قوم عرب يفهمون كلام العرب على ~~وجهه. وتصرفاتهم في حقيقته ومجازه، واستعارته وبليغه وإيجازه PageV02P541 # فلم تكن في حقهم مشكلة.. ثم جاء من غلبت عليه العجمة وداخلته الأمية، فلا ~~يكاد يفهم من مقاصد العرب إلا نصها وصريحها. ولا يتحقق إشارتها إلى غرض ~~الإيجاز ووحيها وتبليغها وتلويحها.. # فتفرقوا في تأويلها أو حملها على ظاهرها شذر «1» مذر.. فمنهم من آمن به ~~ومنهم من كفر. # فأما ما لا يصح من هذه الأحاديث فواجب ألا يذكر منها شيء في حق الله، ولا ~~في حق أنبيائه، ولا يتحدث بها، ولا يتكلف الكلام على معانيها، والصواب ~~طرحها، وترك الشغل بها، إلا أن تذكر على وجه التعريف بأنها ضعيفة المقاد، ~~واهية الإسناد. # وقد أنكر الأشياخ على أبي بكر بن «2» فورك تكلفه في مشكله الكلام على ~~أحاديث ضعيفة موضوعة «3» لا أصل لها، أو منقولة عن أهل الكتاب الذين يلبسون ~~الحق بالباطل.. كان يكفيه طرحها ويغنيه عن الكلام عليها التنبيه على ~~ضعفها.. إذ المقصود PageV02P542 # بالكلام على مشكل ما فيها إزالة اللبس ms369 بها، واجتثاثها «1» من أصلها ~~وطرحها أكشف للبس وأشفى للنفس. PageV02P543 ### ||| الفصل العاشر الأدب اللازم عند ذكر أخباره صلى الله عليه وسلم # ومما يجب على المتكلم فيما يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم وما لا ~~يجوز، والذاكر من حالاته ما قدمناه في الفصل قبل هذا على طريق المذاكرة ~~والتعليم أن يلتزم في كلامه عند ذكره صلى الله عليه وسلم وذكر تلك الأحوال ~~الواجب من توقيره وتعظيمه، ويراقب حال لسانه ولا يهمله وتظهر عليه علامات ~~الأدب عند ذكره، فإذا ذكر ما قاساه من الشدائد ظهر عليه الإشفاق والارتماض ~~«1» والغيظ على عدوه، ومودة الفداء للنبي صلى الله عليه وسلم لو قدر عليه، ~~والنصرة له لو أمكنته.. وإذا أخذ في أبواب العصمة، وتكلم على مجاري أعماله ~~وأقواله صلى الله عليه وسلم تحرى أحسن اللفظ، وأدب العبارة ما أمكنه.. ~~واجتنب بشيع ذلك.. # وهجر من العبارة ما يقبح، كلفظة الجهل والكذب والمعصية.. PageV02P544 # فإذا تكلم في الأقوال قال: هل يجوز عليه الخلف في القول، والإحبار بخلاف ~~ما وقع سهوا أو غلطا؟ .. ونحوه من العبارة.. ويتجنب لفظة الكذب جملة ~~واحدة.. وإذا تكلم على العلم قال: هل يجوز ألا يعلم إلا ما علم؟ وهل يمكن ~~ألا يكون عنده علم من بعض الأشياء حتى يوحى إليه..؟ ولا يقول: بجهل لقبح ~~اللفظ وبشاعته.. وإذا تكلم في الأفعال قال: هل يجوز منه المخالفة في بعض ~~الأوامر والنواهي ومواقعة الصغائر؟ .. فهو أولى وآدب من قوله: # هل يجوز أن يعصي، أو يذنب، أو يفعل كذا وكذا من أنواع المعاصي. # فهذا من حق توقيره صلى الله عليه وسلم وما يجب له من تعزيز وإعظام وقد ~~رأيت بعض العلماء لم يتحفظ من هذا فقبح منه، ولم أستصوب عبارته فيه، ووجدت ~~بعض الجائرين قوله- لأجل ترك تحفظه في العبارة- ما لم يقله، وشنع عليه بما ~~يأباه ويكفر قائله. # وإذا كان مثل هذا بين الناس مستعملا في آدابهم وحسن معاشرتهم وخطابهم. ~~فاستعماله في حقه صلى الله عليه وسلم أوجب.. والتزامه آكد.. # فجودة العبارة تقبح الشيء أو تحسنه.. وتحريرها وتهذيبها يعظم ms370 الأمر أو ~~يهونه. # PageV02P545 # ولهذا قال صلى الله عليه وسلم «1» : «إن من البيان لسحرا «2» » فأما ما ~~أورده على جهة النفي عنه والتنزيه. فلا حرج في تسريح «3» العبارة، وتصريحها ~~فيه كقوله: لا يجوز عليه الكذب جملة.. ولا إتيان الكبائر بوجه ولا الجور في ~~الحكم على حال.. ولكن مع هذا يجب ظهور توقيره وتعظيمه، وتعزيزه عند ذكره ~~مجردا فكيف عند ذكر مثل هذا # وقد كان السلف تظهر عليهم حالات شديدة عند مجرد ذكره كما قدمناه في القسم ~~الثاني. # وكان بعضهم يلتزم مثل ذلك عند تلاوة آي من القرآن حكى الله تعالى فيها ~~مقال عداه، ومن كفر بآياته وافترى عليه الكذب. # فكان يخفض بها صوته إعظاما لربه وإجلالا له، وإشفاقا من التشبه بمن كفر ~~«4» به. # *** PageV02P546 ### || الباب الثاني في حكم سابه وشانئه ومتنقصه ومؤذيه وعقوبته وذكر استتابته ووراثته وفيه خمسة فصول # PageV02P547 ### ||| الفصل الأول الأقوال والاراء في حكم من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو تنقصه # قد قدمنا ما هو سب وأذى في حقه صلى الله عليه وسلم، وذكرنا إجماع العلماء ~~على قتل فاعل ذلك وقائله وتخيير الإمام في قتله أو صلبه على ما ذكرناه ~~وقررنا الحجج عليه. # وبعد فاعلم: # أن مشهور مذهب مالك «1» وأصحابه وقول السلف وجمهور العلماء «2» قتله حدا ~~لا كفرا إن أظهر التوبة منه ولهذا لا تقبل عندهم توبته، ولا تنفعه استقالته ~~ولا فيأته كما قدمناه قبل وحكمه حكم الزنديق ومسر الكفر في هذا القول «3» . # وسواء كانت توبته على هذا بعد القدرة عليه والشهادة على قوله. ~~PageV02P548 # أو جاء تائبا من قبل نفسه.. لأنه حد وجب لا تسقطه التوبة كسائر الحدود # قال الشيخ القابسي «1» رحمه الله إذا أقر بالسب وتاب منه وأظهر التوبة ~~قتل بالسب لأنه هو حده. # وقال أبو محمد «2» بن أبي زيد مثله وأما ما بينه وبين الله فتوبته تنفعه ~~«3» # وقال ابن «4» سحنون: «من شتم النبي صلى الله عليه وسلم من الموحدين ثم ~~تاب عن ذلك لم تزل توبته عنه القتل. وكذلك قد اختلف «5» في الزنديق إذا جاء ~~تائبا» . # فحكى القاضي ms371 أبو الحسن «6» بن القصار في ذلك قولين: # قال 1- من شيوخنا من قال: اقتله بإقراره لأنه كان يقدر على ستر نفسه، ~~فلما اعترف خفنا أنه خشي الظهور عليه فبادر لذلك. # 2- # ومنهم من قال أقبل توبته، لأني أستدل على صحتها بمجيئه PageV02P549 # فكأننا وقفنا على باطنه بخلاف من أسرته البينة.. # قال القاضي أبو «1» الفضل: وهذا قول أصبغ «2» ومسألة ساب النبي صلى الله ~~عليه وسلم أقوى لا يتصور فيها الخلاف على الأصل المتقدم. # لأنه حق متعلق للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته بسببه لا تسقطه التوبة ~~كسائر حقوق الآدميين. # والزنديق «3» إذا تاب بعد القدرة عليه فعند مالك «4» والليث «5» واسحق ~~«6» وأحمد «7» لا تقبل توبته. وعند الشافعي «8» تقبل واختلف فيه عن أبي ~~حنيفة «9» وأبي يوسف «10» وحكى ابن PageV02P550 # المنذر «1» عن علي بن «2» أبي طالب رضي الله عنه يستتاب. # قال محمد بن «3» سحنون: «ولم يزل القتل عن المسلم بالتوبة من سبه صلى ~~الله عليه وسلم، لأنه لم ينتقل من دين إلى غيره، وإنما فعل شيئا حده عندنا ~~القتل لا عفو فيه لأحد كالزنديق لأنه لم ينتقل من ظاهر إلى ظاهر.» # وقال القاضي أبو محمد «4» بن نصر محتجا لسقوط اعتبار توبته، والفرق بينه ~~وبين من سب الله تعالى على مشهور القول باستتابة أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بشر، والبشر جنس تلحقه المعرة إلا من أكرمه الله بنبوته # والباري تعالى منزه عن جميع المعايب قطعا وليس من جنس تلحق المعرة بجنسه، ~~وليس سبه صلى الله عليه وسلم كالارتداد المقبول فيه التوبة لأن الارتداد ~~معنى ينفرد به المرتد لا حق فيه لغيره من الآدميين فقبلت توبته.. ومن سب ~~النبي صلى الله عليه وسلم تعلق فيه حق لآدمي فكان كالمرتد يقتل حين ارتداده ~~أو يقذف.. فإن توبته لا تسقط عنه حد القتل والقذف وأيضا فإن توبة المرتد ~~إذا قبلت لا تسقط ذنوبه PageV02P551 # من زنى وسرقة وغيرها.. ولم يقتل ساب النبي صلى الله عليه وسلم لكفره، لكن ~~لمعنى يرجع إلى تعظيم حرمته وزوال المعرة به وذلك لا تسقطه التوبة. # قال القاضي «1» أبو ms372 الفضل: - يريد- والله أعلم- لأن سبه لم يكن بكلمة ~~تقتضي الكفر، ولكن بمعنى الإزراء والاستخفاف، أو لأن بتوبته وإظهار إنابته ~~ارتفع عنه اسم الكفر ظاهرا والله أعلم بسريرته، وبقي حكم السب عليه. # وقال أبو «2» عمران القابسي: من سب النبي صلى الله عليه وسلم ثم ارتد عن ~~الإسلام قتل ولم يستتب، لأن السب من حقوق الآدميين التي لا تسقط عن المرتد. # وكلام شيوخنا هؤلاء مبني على القول بقتله حدا لا كفرا وهو يحتاج إلى ~~تفصيل. # وأما على رواية الوليد بن «3» مسلم عن مالك «4» ومن وافقه على ذلك ممن ~~ذكرناه وقال به من أهل العلم فقد صرخوا بأنه ردة قالوا: PageV02P552 # ويستتاب منها فإن تاب نكل، وإن أبى قتل.. فحكم له بحكم المرتد مطلقا في ~~هذا الوجه. # والوجه الأول أشهر وأظهر لما قدمناه. ونحن نبسط الكلام فيه فنقول: من لم ~~يره ردة فهو يوجب القتل فيه حدا، وإنما نقول ذلك مع فصلين: إما مع إنكاره ~~ما شهد عليه به، أو إظهاره الاقلاع والتوبة عند فنقتله حدا لثبات كلمة ~~الكفر عليه في حق النبي صلى الله عليه وسلم وتحقيره ما عظم الله من حقه.. ~~وأجرينا حكمه في ميراثه وغير ذلك حكم الزنديق، إذا ظهر عليه وأنكر أو تاب. # فإن قيل: فكيف ثثبتون عليه الكفر ويشهد عليه بكلمة الكفر ولا تحكمون عليه ~~بحكمه من الاستتابة وتوابعها.؟! # قلنا: نحن وإن أثبتنا له حكم الكافر في القتل، فلا نقطع عليه بذلك ~~لإقراره بالتوحيد والنبوة، وإنكاره ما شهد به عليه أو زعمه أن ذلك كان منه ~~وهلا «1» ومعصية، وأنه مقلع عن ذلك نادم عليه.. ولا يمتنع إثبات بعض أحكام ~~الكفر على بعض الأشخاص، وإن لم تثبت له خصائصه، كقتل تارك الصلاة «2» .. ~~وأما من علم PageV02P553 # أنه سبه معتقدا لاستحلاله.. فلا شك في كفره بذلك.. وكذلك إن كان سبه في ~~نفسه كفر كتكذيبه، أو تكفيره ونحوه، فهذا مما لا إشكال فيه. ويقتل- وإن تاب ~~منه- لأنا لا نقبل توبته ونقتله بعد التوبة حدا لقوله ومتقدم كفره. وأمره ~~بعد إلى الله المطلع على صحة إقلاعه ms373 العالم بسره. # وكذلك من لم يظهر التوبة واعترف بما شهد به عليه وصمم عليه فهذا كافر ~~بقوله وباستحلاله هتك حرمة الله، وحرمة نبيه صلى الله عليه وسلم يقتل كافرا ~~بلا خلاف. # فعلى هذه التفصيلات خذ كلام العلماء، ونزل مختلف عباراتهم في الاحتجاج ~~عليها، وأجر اختلافهم في الموارثة وغيرها على ترتيبها تتضح لك مقاصدهم إن ~~شاء الله تعالى. # PageV02P554 ### ||| الفصل الثاني حكم المرتد إذا تاب # إذا قلنا بالاستتابة حيث تصح فالاختلاف على الاختلاف في توبة المرتد.. إذ ~~لا فرق بينهما وقد اختلف السلف في وجوبها وصورتها ومدتها. # فذهب جمهور أهل العلم إلى أن المرتد يستتاب. وحكى ابن «1» القصار: أنه ~~إجماع من الصحابة على تصويب قول عمر «2» في الاستتابة، ولم ينكره واحد منهم ~~وهو قول عثمان «3» ، وعلي «4» ، وابن مسعود «5» . وبه قال عطاء بن «6» أبي ~~رياح، والنخعي «7» ، PageV02P555 # والثوري «1» ، ومالك «2» وأصحابه، والأوزاعي «3» ، والشافعي «4» وأحمد ~~«5» ، وإسحق «6» ، وأصحاب الرأي «7» . # وذهب طاووس «8» ، وعبيد «9» بن «10» عمير، والحسن «11» ، في إحدى ~~الروايتين عنه أنه لا يستتاب. # وقاله: عبد العزيز «12» بن أبي سلمة، وذكره عن معاذ «13» وأنكره سحنون ~~«14» عن معاذ «15» . PageV02P556 # وحكاه الطحاوي «1» عن أبي يوسف، وهو قول أهل الظاهر «2» قالوا: وتنفعه ~~توبته عند الله، ولكن لا تدرأ القتل عنه لقوله صلى الله عليه وسلم «3» : ~~«من بدل دينه فاقتلوه» . # وحكي عن عطاء: أنه إن كان ممن ولد في الإسلام لم يستتب ويستتاب الإسلامي. # وجمهور العلماء على أن المرتد والمرتدة في ذلك سواء. وروي عن علي «4» رضي ~~الله عنه لا تقتل المرتدة. وتسترق. قاله عطاء «5» وقتادة «6» . # وروي عن ابن «7» عباس: لا تقتل النساء في الردة «8» وبه قال أبو حنيفة ~~«9» قال مالك: والحر والعبد والذكر والأنثى في ذلك سواء وأما مدتها ~~PageV02P557 # فمذهب الجمهور وروي عن عمر «1» أنه يستتاب ثلاثة أيام يحبس فيها وقد ~~اختلف فيه عن عمر وهو أحد قولي الشافعي «2» وقول أحمد «3» ، وإسحاق «4» ~~واستحسنه مالك «5» وقال: لا يأتي الاستظهار «6» إلا بخير وليس عليه جماعة ~~الناس. # قال الشيخ أبو محمد «7» بن أبي زيد: يريد من الاستيناء «8» ثلاثا # وقال مالك أيضا: الذي آخذ به في المرتد ms374 قول عمر: يحبس ثلاثة أيام، ويعرض ~~عليه كل يوم، فإن تاب وإلا قتل. # وقال أبو الحسن «9» بن القصار: في تأخيره ثلاثا روايتان عن مالك.. هل ذلك ~~واجب أو مستحب. # واستحسن الاستتابة والاستيناء ثلاثا أصحاب الرأي «10» وروي عن أبي بكر ~~«11» الصديق: أنه استتاب امرأة «12» فلم تتب فقتلها PageV02P558 # وقال الشافعي «1» : مرة «2» فقال: إن لم يتب مكانه قتل واستحسنه المزني ~~«3» وقال الزهري «4» : يدعى إلى الإسلام ثلاث مرات فإن أبى قتل. # وروي عن علي «5» رضي الله عنه: يستتاب شهرين وقال النخعي «6» يستتاب ~~أبدا- وبه أخذ الثوري «7» - ما رجيت توبته. # وحكى ابن القصار «8» عن أبي «9» حنيفة: أنه يستتاب ثلاث مرات في ثلاثة ~~أيام، أو ثلاث جمع كل يوم أو جمعة مرة. # وفي كتاب محمد «10» عن ابن «11» القاسم يدعى المرتد إلى الإسلام ثلاث ~~مرات.. فإن أبى ضربت عنقه. # واختلف في هذا هل يهدد، أو يشدد عليه أيام الاستتابة ليتوب أم لا. ~~PageV02P559 # فقال مالك «1» : «ما علمت في الاستتابة تجويعا ولا تعطيشا.. # ويؤتى من الطعام بما لا يضره» . # وقال أصبغ «2» : «يخوف أيام الاستتابة بالقتل ويعرض عليه الإسلام» . وفي ~~كتاب أبي الحسن «3» الطابثي: «يوعظ في تلك الأيام ويذكر بالجنة ويخوف ~~بالنار» . # وقال أصبغ: «وأي المواضع حبس فيها من السجون مع الناس أو وحده إذا استوثق ~~منه سواء، ويوقف ماله إذا خيف أن يتلفه على المسلمين، ويطعم منه ويسقى. ~~وكذلك يستتاب أبدا كلما رجع وارتد» . # وقد استتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم «4» نبهان «5» الذي ارتد أربع ~~مرات أو خمسا. PageV02P560 # قال ابن «1» وهب عن مالك يستتاب أبدا كلما رجع وهو قول الشافعي «2» ، ~~وأحمد «3» ، وقاله ابن القاسم، وقال إسحق «4» : # «يقتل في الرابعة» . # وقال أصحاب الرأي: «إن لم يتب في الرابعة قتل دون استتابة وإن تاب ضرب ~~ضربا وجيعا، ولم يخرج من السجن حتى يظهر عليه خشوع التوبة» . # قال ابن «5» المنذر: «ولا نعلم أحدا أوجب على المرتد في المرة الأولى ~~أدبا إذا رجع» . وهو على مذهب مالك «6» ، والشافعي «7» ، والكوفي «8» . # هذا حكم من ثبت عليه ذلك بما يجب ثبوته من إقرار أو عدول لم ms375 يدفع فيهم. ~~PageV02P561 ### ||| الفصل الثالث حكم المرتد إذا اشتبه ارتداده # قال القاضي أبو الفضل: هذا حكم من ثبت عليه ذلك بما يجب ثبوته من إقرار ~~أو عدول لم يدفع فيهم فأما من لم تتم الشهادة عليه بما شهد عليه الواحد أو ~~اللفيف من الناس، أو ثبت قوله لكن احتمل ولم يكن صريحا وكذلك إن تاب..- على ~~القول «1» بقبول توبته- # فهذا يدرأ عنه القتل، ويتسلط عليه اجتهاد الإمام بقدر شهرة حاله، وقوة ~~الشهادة عليه وضعفها، وكثرة السماع عنه، وصورة حاله من التهمة في الدين، ~~والنبز «2» بالسفه والمجون. # فمن قوي أمره أذاقه من شديد النكال من التضييق في السجن PageV02P562 # والشد في القيود إلى الغاية التي هي منتهى طاقته مما لا يمنعه القيام ~~لضرورته، ولا يقعده عن صلاته، وهو حكم كل من وجب عليه القتل لكن وقف عن ~~قتله لمعنى أوجبه، وتربص به لإشكال وعائق اقتضاه أمره، وحالات الشدة في ~~نكاله تختلف بحسب اختلاف حاله # وقد روى الوليد «1» عن مالك «2» والأوزاعي «3» أنها ردة. # فإذا تاب نكل. # ولمالك في العتبية وكتاب محمد «4» من رواية أشهب «5» إذا تاب المرتد فلا ~~عقوبة عليه. وقاله سحنون «6» . # وأفتى أبو «7» عبد الله بن عتاب فيمن سب النبي صلى الله عليه وسلم فشهد ~~عليه شاهدان- عدل أحدهما- بالأدب الموجع والتنكيل والسجن الطويل حتى تظهر ~~توبته. # وقال القابسي «8» في مثل هذا: ومن كان أقصى أمره القتل PageV02P563 # فعاق عائق أشكل في القتل لم ينبغ أن يطلق من السجن، ويستطال سجنه ولو كان ~~فيه من المدة ما عسى أن يقيم، ويحمل عليه من القيد ما يطيق. # وقال في مثله ممن أشكل أمره: يشد في القيود شدا ويضيق عليه في السجن حتى ~~ينظر فيما يجب عليه. # وقال في مسألة أخرى مثلها: ولا تهراق الدماء إلا بالأمر الواضح، في الأدب ~~بالسوط والسجن نكال للسفهاء ويعاقب عقوبة شديدة. # فأما إن لم يشهد عليه سوى شاهدين فأثبت من عداوتهما، أو جرحتهما ما ~~أسقطهما عنه، ولم يسمع ذلك من غيرهما، فأمره أخف لسقوط الحكم عنه، وكأنه لم ~~يشهد عليه إلا أن يكون ممن ms376 يليق به ذلك، ويكون الشاهدان من أهل التبريز «1» ~~فأسقطهما بعداوة. # فهو وإن لم ينفذ الحكم عليه بشهادتهما فلا يدفع الظن صدقهما وللحاكم هنا ~~في تنكيله موضع اجتهاد. # والله ولي الإرشاد «2» . PageV02P564 ### ||| الفصل الرابع حكم الذمي في ذلك # قال القاضي أبو الفضل: هذا حكم المسلم. # فأما الذمي إذا صرح بسبه أو عرض أو استخف بقدره، أو وصفه بغير الوجه الذي ~~كفر به. # فلا خلاف عندنا في قتله إن لم يسلم، لأنا لم نعطه الذمة أو العهد على ~~هذا. # وهو قول عامة العلماء إلا أبا حنيفة «1» ، والثوري «2» ، وأتباعهما من ~~أهل الكوفة فإنهم قالوا: لا يقتل.. لأن ما هو عليه من الشرك أعظم ولكن يؤدب ~~ويعذر. PageV02P565 # واستدل بعض شيوخنا على قتله بقوله تعالى: «وإن نكثوا أيمانهم من بعد ~~عهدهم وطعنوا في دينكم «1» ..» الآية. # ويستدل عليه أيضا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم لابن الأشرف «2» وأشباهه ~~ولأنا لم نعاهدهم، ولم نعطهم الذمة على هذا.. ولا يجوز أن نفعل ذلك معهم. # فإذا أتوا ما لم يعطوا عليه العهد ولا الذمة، فقد نقضوا ذمتهم، وصاروا ~~كفارا أهل حرب يقتلون لكفرهم.. وأيضا.. # فإن ذمتهم لا تسقط حدود الإسلام عنهم من القطع في سرقة أموالهم والقتل ~~لمن قتلوه منهم.. وإن كان ذلك حلالا عندهم. # فكذلك سبهم للنبي صلى الله عليه وسلم يقتلون به. ووردت لأصحابنا ظواهر ~~تقتضي الخلاف إذا ذكره الذمي بالوجه الذي كفر به ستقف عليها من كلام ابن ~~«3» القاسم وابن «4» سحنون بعد.. # وحكى أبو «5» المصعب الخلاف فيها عن أصحابه المدنيين واختلفوا إذا سبه ثم ~~أسلم. PageV02P566 # فقيل: يسقط إسلامه قتله. لأن الإسلام يجب ما قبله.. بخلاف المسلم إذا سبه ~~ثم تاب.. لأنا نعلم باطنة الكافر في بغضه له، وتنقصه بقلبه، لكنا منعناه من ~~إظهاره.. فلم يزدنا ما أظهره إلا مخالفة للأمر، ونقضا للعهد.. فإذا رجع عن ~~دينه الأول إلى الإسلام سقط ما قبله. # قال الله تعالى: «قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف «1» » ~~والمسلم بخلافه.. إذ كان ظننا بباطنه حكم ظاهره وخلاف ما بدا منه ms377 الآن فلم ~~نقبل بعد رجوعه ولا استنمنا إلى باطنه إذ قد بدت سرائره وما ثبت عليه من ~~الأحكام باقية عليه لم يسقطها شيء. # وقيل: لا يسقط إسلام الذمي الساب قتله، لأنه حق للنبي صلى الله عليه وسلم ~~وجب عليه لانتهاكه حرمته، وقصده إلحاق النقيصة والمعرة به.. فلم يكن رجوعه ~~إلى الإسلام بالذي يسقطه كما وجب عليه من حقوق المسلمين من قبل إسلامه من ~~قتل وقذف. # وإذا كنا لا نقبل توبة المسلم فأن لا نقبل توبة الكافر أولى. PageV02P567 # قال مالك «1» في كتاب ابن «2» حبيب والمبسوط «3» ، وابن «4» القاسم، وابن ~~الماجشون «5» وابن «6» عبد الحكم، وأصبغ «7» : # فيمن شتم نبينا من أهل الذمة أو أحدا من الأنبياء عليهم السلام إلا أن ~~يسلم. # وقاله ابن «8» القاسم في العتبية «9» . وعند محمد «10» وابن سحنون «11» . ~~وقال سحنون وأصبغ: لا يقال له «أسلم» ولا «لا تسلم» ولكن إن أسلم فذلك له ~~توبة. # وفي كتاب محمد أخبرنا أصحاب مالك أنه قال: «من سب PageV02P568 # رسول الله صلى الله عليه وسلم أو غيره من النبيين من مسلم أو كافر قتل ~~ولم يستتب # وروي لنا عن مالك إلا أن يسلم الكافر وقد روى ابن «1» وهب عن ابن «2» عمر ~~أن راهبا تناول النبي صلى الله عليه وسلم فقال ابن عمر: # «فهلا قتلتموه!» . # وروى عيسى «3» عن ابن القاسم: في ذمي قال: إن محمدا لم يرسل إلينا إنما ~~أرسل إليكم. وإنما نبينا موسى أو عيسى. ونحو هذا.. لا شيء عليهم.. لأن الله ~~تعالى أقرهم على مثله. # وأما إن سبه فقال: ليس بنبي.. أو لم يرسل.. أو لم ينزل عليه قرآن.. وإنما ~~هو شيء تقوله أو نحو هذا.. فيقتل. # قال ابن القاسم: وإذا قال النصراني: ديننا خير من دينكم، إنما دينكم دين ~~الحمير، ونحو هذا من القبيح.. أو سمع المؤذن يقول أشهد أن محمدا رسول الله ~~فقال: كذلك يعطيكم الله.. ففي هذا.. الأدب الموجع، والسجن الطويل. # قال: وأما إن شتم النبي صلى الله عليه وسلم شتما يعرف فإنه يقتل إلا أن ~~PageV02P569 # يسلم قاله مالك «1» غير مرة ولم يقل ms378 يستتاب قال ابن «2» القاسم: # ومحمل قوله عندي.. إن أسلم طائعا. # وقال ابن سحنون «3» في سؤالات سليمان «4» بن سالم اليهودي يقول للمؤذن ~~إذا تشهد «كذبت» يعاقب العقوبة الموجعة مع السجن الطويل. # وفي النوادر «5» من رواية سحنون «6» عنه «7» من شتم الأنبياء من اليهود ~~والنصارى بغير الوجه الذي به كفروا ضربت عنقه إلا أن يسلم. # قال محمد بن سحنون: فإن قيل لم قتلته في سب النبي صلى الله عليه وسلم ومن ~~دينه سبه وتكذيبه؟! .. قيل: لأنا لم نعطهم العهد على ذلك، ولا على قتلنا، ~~وأخذ أموالنا.. فإذا قتل واحدا منا قتلناه وإن كان من دينه استحلاله فكذلك ~~إظهاره لسب نبينا صلى الله عليه وسلم. PageV02P570 # قال سحنون: «كما لو بذل لنا أهل الحرب الجزية على إقرارهم على سبه لم يجز ~~لنا ذلك في قول قائل. # كذلك ينتقض عهد من سب منهم ويحل لنا دمه.. وكما لم يحصن الإسلام من سبه ~~من القتل كذلك لا تحصنه الذمة. # قال القاضي «1» أبو الفضل: ما ذكره ابن سحنون عن نفسه وعن أبيه مخالف ~~لقول ابن القاسم فيما خفف عقوبتهم فيه مما به كفروا فتأمله. # ويدل على أنه «2» خلاف ما روي عن المدنيين «3» في ذلك فحكى أبو المصعب ~~«4» الزهري قال: أتيت بنصراني قال: والذي اصطفى عيسى على محمد، فاختلف علي ~~فيه، فضربته حتى قتلته، - أو عاش يوما وليلة-.. وأمرت من جر برجله، وطرح ~~على مزبلة، فأكلته الكلاب. # وسئل أبو المصعب عن نصراني قال: عيسى خلق محمدا.. # فقال: يقتل.. PageV02P571 # وقال ابن «1» القاسم: سألنا مالكا «2» عن نصراني بمصر شهد عليه أنه قال: ~~مسكين محمد.. يخبركم أنه في الجنة!. ما له لم ينفع نفسه إذ كانت الكلاب ~~تأكل ساقيه! لو قتلوه استراح منه الناس. # قال مالك: أرى أن تضرب عنقه.. قال: ولقد كدت أن لا أتكلم فيها بشيء ثم ~~رأيت أنه لا يسعني الصمت. # قال ابن «3» كنانة في المبسوطة: من شتم النبي صلى الله عليه وسلم من ~~اليهود والنصارى فأرى للإمام أن يحرقه بالنار «4» وإن شاء قتله ثم حرق ~~جثته، وإن شاء ms379 أحرقه بالنار حيا «5» إذا تهافتوا في سبه. # ولقد كتب إلى مالك من مصر- وذكر «6» مسألة ابن القاسم المتقدمة- قال: ~~فأمرني مالك فكتبت بأن يقتل وتضرب عنقه PageV02P572 # فكتبت.. ثم قلت يا أبا عبد «1» الله، وأكتب.. ثم يحرق بالنار.. فقال: إنه ~~لحقيق بذلك، وما أولاه به فكتبته بيدي بين يديه، فما أنكره ولا عابه، ونفذت ~~الصحيفة بذلك، فقتل وحرق. # وأفتى عبيد «2» الله بن يحيى وابن لبابة «3» في جماعة سلف أصحابنا ~~الأندلسيين بقتل نصرانية استهلت «4» بنفي الربوبية وبنوة «5» عيسى لله.. ~~وتكذيب محمد في النبوة، وبقبول إسلامها، ودرء القتل عنها به. # قال غير واحد من المتأخرين منهم القابسي «6» ، وابن «7» الكاتب وقال أبو ~~القاسم «8» بن الجلاب في كتابه «9» من سب الله ورسوله من مسلم أو كافر، قتل ~~ولا يستتاب. PageV02P573 # وحكى القاضي أبو محمد «1» في الذمي يسب ثم يسلم روايتين في درء القتل عنه ~~بإسلامه. # وقال ابن «2» سحنون: وحد القذف وشبهه من حقوق العباد لا يسقطه عن الذمي ~~إسلامه، وإنما يسقط عنه بإسلامه حدود الله. # فأما حد القذف فحق للعباد، كان ذلك لنبي أو غيره. # فأوجب على الذمي إذا قذف النبي صلى الله عليه وسلم ثم أسلم حد القذف ولكن ~~انظر ماذا يجب عليه هل حد القذف في حق النبي صلى الله عليه وسلم وهو القتل ~~لزيادة حرمة النبي صلى الله عليه وسلم على غيره؟ .. أم هل يسقط القتل ~~بإسلامه ويحد ثمانين؟ .. فتأمله. # *** PageV02P574 ### ||| الفصل الخامس في ميراث من قتل في سب النبي صلى الله عليه وسلم وغسله والصلاة عليه # اختلف العلماء في ميراث من قتل بسب النبي صلى الله عليه وسلم. # فذهب سحنون «1» إلى أنه لجماعة المسلمين من قبل أن شتم النبي صلى الله ~~عليه وسلم كفر يشبه كفر الزنديق. # وقال أصبغ «2» : ميراثه لورثته من المسلمين إن كان مستسرا بذلك، وإن كان ~~مظهرا له مستهلا به فميراثه للمسلمين، ويقتل على كل حال ولا يستتاب. # قال أبو الحسن «3» القابسي: إن قتل وهو منكر للشهادة عليه فالحكم في ~~ميراثه على ما أظهر من إقراره- يعني لورثته- والقتل حد ثبت عليه ليس من ms380 ~~الميراث في شيء. PageV02P575 # وكذلك لو أقر بالسب وأظهر التوبة لقتل إذ هو حده. وحكمه في ميراثه وسائر ~~أحكامه حكم الإسلام. # ولو أقر بالسب وتمادى عليه وأبى التوبة منه فقتل على ذلك، كان كافرا ~~وميراثه للمسلمين. ولا يغسل ولا يصلى عليه، ولا يكفن، وتستر عورته، ويوارى ~~كما يفعل بالكفار. # وقول الشيخ أبي الحسن- في المجاهر المتمادي- بين لا يمكن الخلاف فيه. ~~لأنه كافر مرتد غير تائب ولا مقلع. - وهو مثل قول أصبغ «1» . # وكذلك في كتاب ابن سحنون «2» في الزنديق يتمادى على قوله ومثله لابن «3» ~~القاسم في العتبية. # ولجماعة من أصحاب مالك «4» في كتاب ابن «5» حبيب فيمن أعلن كفره- مثله- ~~قال ابن القاسم: وحكمه حكم المرتد لا ترثه ورثته من المسلمين ولا من أهل ~~الدين الذي ارتد إليه، ولا تجوز وصاياه ولا عتقه. PageV02P576 # وقاله أصبغ «1» : «قتل على ذلك، أو مات عليه» . وقال أبو محمد «2» ابن ~~أبي زيد: «وإنما يختلف في ميراث الزنديق الذي يستهل بالتوبة فلا تقبل منه. ~~فأما المتمادي، فلا خلاف أنه لا يورث» . # وقال أبو محمد «2» : «فيمن سب الله تعالى ثم مات ولم تعدل عليه بينة..، ~~أو لم تقبل. إنه يصلى عليه» . # وروى أصبغ «1» عن ابن القاسم «3» في كتاب ابن حبيب «4» : «فيمن كذب برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، أو أعلن دينا مما يفارق به الإسلام. أن ميراثه ~~للمسلمين» . # وقال يقول مالك «5» : إن ميراث المرتد للمسلمين، ولا ترثه ورثته، ربيعة ~~«6» ، والشافعي «7» ، وأبو «8» ثور، وابن أبي «9» ليلى. # واختلف فيه عن أحمد «10» . وقال علي بن «11» أبي طالب رضي PageV02P577 # الله عنه، وابن مسعود «1» ، وابن المسيب «2» ، والحسن «3» والشعبي «4» ، ~~وعمر بن «5» عبد العزيز، والحكم «6» ، والأوزاعي «7» والليث «8» ، وإسحق ~~«9» ، وأبو «10» حنيفة: يرثه ورثته من المسلمين # وقيل: «ذلك فيما كسبه قبل ارتداده، وما كسبه في الارتداد فللمسلمين» . # وتفصيل أبي الحسن «11» في باقي جوابه حسن بين، وهو على رأي أصبغ «12» ~~وخلاف قول سحنون «13» ، واختلافهما على قولي مالك «14» في ميراث الزنديق، ~~فمرة ورثه ورثته من المسلمين قامت PageV02P578 # عليه بينة فأنكرها، أو اعترف بذلك وأظهر التوبة، وقاله أصبغ ومحمد بن «1» ~~مسلمة وغير واحد من أصحابه ms381 لأنه مظهر للإسلام بإنكاره أو توبته، وحكمه حكم ~~المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم # وروى ابن «2» نافع عنه في العتبية وكتاب محمد «3» أن ميراثه لجماعة ~~المسلمين لأن ماله تبع لدمه. # وقال به أيضا جماعة من أصحابه. وقاله أشهب «4» ، والمغيرة «5» وعبد «6» ~~الملك، ومحمد، وسحنون وذهب ابن «7» قاسم في العتبة إلى أنه إن اعترف بما ~~شهد عليه به وتاب فقتل فلا يورث، وإن لم يقر حتى مات أو قتل ورث. # قال: وكذلك كل من أسر كفرا فإنهم يتوارثون بوراثة الإسلام وسئل أبو «8» ~~القاسم بن الكاتب عن النصراني يسب النبي صلى الله عليه وسلم PageV02P579 # فيقتل هل يرثه أهل دينه أم المسلمون؟ فأجاب: إنه للمسلمين ليس على جهة ~~الميراث لأنه لا توارث بين أهل ملتين «1» ، ولكن لأنه من فيئهم لنقضه ~~العهد.. هذا معنى قوله واختصاره. PageV02P580 ### || الباب الثالث في حكم من سب الله تعالى وملائكته وأنبياء وكتبه وآل النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه وصحبه وفيه عشرة فصول # PageV02P581 ### ||| الفصل الأول حكم ساب الله تعالى وحكم استتابته # قال القاضي أبو الفضل: # لا خلاف أن ساب الله تعالى من المسلمين كافر حلال الدم، واختلف في ~~استتابته. # فقال ابن «1» القاسم في المبسوط، وفي كتاب ابن «2» سحنون ومحمد «3» ورواه ~~ابن القاسم عن مالك «4» في كتاب إسحق «5» بن يحيى من سب الله تعالى من ~~المسلمين قتل ولم يستتب إلا أن يكون افتراء على الله بارتداده إلى دين دان ~~به وأظهره فيستتاب.. وإن لم يظهره لم يستتب. PageV02P582 # وقال في المبسوطة مطرف «1» وعبد «2» الملك مثله.. وقال المخزومي «3» ~~ومحمد بن «4» مسلمة وابن «5» أبي حازم: لا يقتل المسلم بالسب حتى يستتاب ~~«6» ، وكذلك اليهودي والنصراني فإن تابوا قبل منهم، وإن لم يتوبوا فتلوا. ~~ولا بد من الاستتابة، وذلك كله كالردة، وهو الذي حكاه القاضي ابن نصر «7» ~~عن المذهب. # وأفتى أبو محمد «8» بن أبي زيد فيما حكي عنه في رجل لعن رجلا ولعن الله ~~فقال: إنما أردت أن ألعن الشيطان فزل لساني فقال: # يقتل بظاهر كفره، ولا يقبل عذره، وأما فيما ms382 بينه وبين الله تعالى فمعذور. # واختلف فقهاء قرطبة في مسألة هارون «9» بن حبيب أخي عبد الملك الفقيه ~~وكان ضيق الصدر كثير التبرم، وكان قد شهد عليه PageV02P583 # بشهادات منها أنه قال عند استقلاله «1» من مرض: لقيت في مرضي هذا ما لو ~~قتلت أبا بكر «2» وعمر «3» لم أستوجب هذا كله. # فأفتى إبراهيم «4» بن حسين بن خالد بقتله، وأن مضمن قوله تجوير «5» لله ~~تعالى وتظلم منه، والتعريض فيه كالتصريح «6» . # وأفتى أخوه عبد الملك «7» بن حبيب، وإبراهيم «8» بن حسين بن عاصم، وسعيد ~~بن «9» سليمان القاضي يطرح القتل عنه إلا أن القاضي رأى عليه التثقيل في ~~الحبس والشدة في الأدب لاحتمال كلامه وصرفه إلى التشكي. # فوجه من قال في ساب الله بالاستتابة أنه كفر وردة محضة، لم يتعلق بها حق ~~لغير الله فأشبه قصد الكفر بغير سب الله وإظهار الانتقال إلى دين آخر من ~~الأديان المخالفة للإسلام. PageV02P584 # ووجه ترك استتابته: أنه لما ظهر منه ذلك بعد إظهار الإسلام قبل اتهمناه ~~وظننا أن لسانه لم ينطق به إلا وهو معتقد له.. إذ لا يتساهل في هذا أحد، ~~فحكم له بحكم الزنديق، ولم تقبل توبته وإذا انتقل من دين إلى دين آخر وأظهر ~~السب بمعنى الارتداد فهذا قد أعلم أنه خلع ربقة الإسلام من عنقه، بخلاف ~~الأول المستمسك به وحكم هذا حكم المرتد يستتاب على مشهور مذاهب أكثر ~~العلماء «1» . # وهو مذهب مالك وأصحابه على ما بيناه قبل وذكرنا الخلاف في فصوله. # *** PageV02P585 ### ||| الفصل الثاني حكم إضافة ما لا يليق به تعالى عن طريق الاجتهاد والخطأ # وأما من أضاف إلى الله تعالى ما لا يليق به. ليس على طريق السب ولا الردة ~~وقصد الكفر.. ولكن على طريق التأويل والاجتهاد والخطأ المفضي إلى الهوى ~~والبدعة.. من تشبيه، أو نعت بجارحة، أو نفي صفة كمال. # فهذا مما اختلف السلف والخلف في تكفير «1» قائله ومعتقده واختلف قول مالك ~~«2» وأصحابه في ذلك ولم يختلفوا في قتالهم إذا تحيزوا «3» فئة.. وأنهم ~~يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا. # وإنما اختلفوا في المنفرد منهم. فأكثر قول مالك ms383 وأصحابه ترك PageV02P586 # القول بتكفيرهم «1» ، وترك قتلهم والمبالغة في عقوبتهم، وإطالة سجنهم حتى ~~يظهر إقلاعهم، وتستبين توبتهم. # كما فعل عمر «2» رضي الله عنه بصبيغ «3» وهذا قول محمد بن «4» المواز في ~~الخوارج «5» وعبد الملك بن «6» الماجشون وقول سحنون «7» في جميع أهل ~~الأهواء وبه فسر قول مالك في الموطأ وما رواه عن عمر بن «8» عبد العزيز ~~وجده «9» وعمه «10» من قولهم في القدرية «11» : يستتابون، فإن تابوا وإلا ~~قتلوا. PageV02P587 # وقال عيسى «1» عن ابن «2» القاسم: في أهل الأهواء من الإباضية «3» ~~والقدرية وشبههم ممن خالف الجماعة من أهل البدع والتحريف لتأويل كتاب ~~الله.. يستتابون.. أظهروا ذلك أو أسروه فإن تابوا وإلا قتلوا، وميراثهم ~~لورثتهم. # وقال مثله أيضا ابن «4» القاسم في كتاب محمد «5» في أهل القدر وغيرهم ~~قال: واستتابتهم أن يقال لهم: أتركوا ما أنتم عليه. # ومثله في المبسوط في الإباضية والقدرية وسائر أهل البدع قال: # وهم مسلمون.. وإنما قتلوا لرأيهم السوء. # وبهذا عمل عمر بن «6» عبد العزيز. وقال ابن القاسم: من قال: إن الله لم ~~يكلم موسى تكليما.. استتيب فإن تاب وإلا قتل. # وابن «7» حبيب وغيره من أصحابنا يرى تكفيرهم وتكفير PageV02P588 # أمثالهم من الخوارج والقدرية والمرجئة «1» . # وقد روي أيضا عن سحنون «2» مثله.. فيمن قال: ليس لله كلام.. أنه كافر. # واختلفت الروايات عن مالك «3» . فأطلق في رواية الشاميين أبي «4» مسهر ~~ومروان بن «5» محمد الطاطري الكفر عليهم.. # وقد شوور «6» في زواج القدري.. فقال: لا تزوجه. قال الله تعالى.. «ولعبد ~~مؤمن خير من مشرك «7» » . # وروي عنه أيضا: «أهل الأهوا كلهم كفار» وقال: «من وصف شيئا من ذات الله ~~تعالى وأشار إلى شيء من جده يد أو سمع أو بصر قطع ذلك منه. لأنه شبه الله ~~بنفسه» . PageV02P589 # وقال: فيمن قال «القرآن مخلوق» كافر فاقتلوه. وقال أيضا في رواية ابن «1» ~~نافع: يجلد ويوجع ضربا ويحبس حتى يتوب. # وفي رواية بشر «2» بن بكر التنيسي عنه: يقتل ولا تقبل توبته قال القاضي ~~أبو عبد الله «3» البرتكاني والقاضي أبو عبد «4» الله التستري من أئمة ~~العراقيين «5» : جوابه مختلف.. يقتل المستبصر «6» الدعية وعلى هذا الخلاف ~~اختلف قوله ms384 في إعادة الصلاة خلفهم «7» . # وحكى ابن «8» المنذر عن الشافعي «9» : لا يستتاب القدري وأكثر أقوال ~~السلف تكفيرهم. # وممن قال به الليث «10» ، وابن عينية «11» ، وابن لهيعة «12» ، وروي ~~PageV02P590 # عنهم ذلك فيمن قال بخلق القرآن وقاله ابن «1» المبارك، والأودي «2» ، ~~ووكيع «3» ، وحفص «4» بن غياث، وأبو إسحاق «5» الفزاري، وهشيم «6» ، وعلي ~~«7» بن عاصم في آخرين # وهو من قول أكثر المحدثين، والفقهاء، والمتكلمين فيهم، وفي الخوارج، ~~والقدرية، وأهل الأهواء المضلة، وأصحاب البدع المتأولين. # وهو قول أحمد «8» بن حنبل. وكذلك قالوا في الواقفة «9» والشاكة في هذه ~~الأصول. PageV02P591 # وممن روي عنه معنى القول الآخر بترك تكفيرهم علي بن «1» أبي طالب وابن ~~«2» عمر، والحسن «3» البصري وهو رأي جماعة من الفقهاء «4» النظار «5» ~~والمتكلمين «6» . # واحتجوا بتوريث الصحابة والتابعين، ورثة أهل حروراء «7» ومن عرف بالقدر ~~ممن مات منهم، ودفنهم في مقابر المسلمين وجري أحكام الإسلام عليهم. # قال إسماعيل «8» القاضي: وإنما قال مالك «9» في القدرية وسائر أهل البدع ~~يستتابون. فإن تابوا وإلا قتلوا، لأنه من الفساد في الأرض. كما قال في ~~المحارب إن رأى الإمام قتله، وإن لم يقتل قتله.. وفساد المحارب إنما هو في ~~الأموال ومصالح الدنيا وإن كان قد يدخل أيضا في أمر الدين من سبيل الحج ~~والجهاد.. وفساد أهل البدع معظمه على الدين.. وقد يدخل في أمر الدنيا بما ~~يلقون بين المسلمين من العداوة. PageV02P592 ### ||| الفصل الثالث في تحقيق القول في إكفار المتأولين # قد ذكرنا مذاهب السلف في إكفار أصحاب البدع والأهواء المتأولين.. ممن قال ~~قولا يؤديه مساقه إلى كفر هو إذا وقف عليه لا يقول بما يؤديه قوله إليه. ~~وعلى اختلافهم اختلف الفقهاء والمتكلمون في ذلك. # فمنهم من صوب التكفير الذي قال به الجمهور من السلف ومنهم من أباه ولم ير ~~إخراجهم من سواد المؤمنين «1» ، وهو قول أكثر الفقهاء والمتكلمين. # وقالوا هم فساق عصاة ضلال، ونورثهم من المسلمين وتحكم لهم بأحكامهم. ~~PageV02P593 # ولهذا قال سحنون «1» : «لا إعادة على من صلى خلفهم» . قال- وهو قول جميع ~~أصحاب مالك «2» ، المغيرة «3» ، وابن «4» كنانة وأشهب «5» قال: لأنه مسلم، ~~وذنبه لم يخرجه من الإسلام. # واضطرب آخرون في ذلك ووقفوا ms385 عن القول بالتكفير أو ضده. واختلاف قولي مالك ~~«2» في ذلك وتوقفه عن إعادة الصلاة خلفهم منه. # وإلى نحو من هذا ذهب القاضي أبو بكر «6» إمام أهل التحقيق والحق وقال ~~إنها من المعوصات «7» ، إذ القوم لم يصرحوا باسم الكفر، وإنما قالوا قولا ~~يؤدي إليه. # واضطرب قوله في المسألة على نحو اضطراب قول إمامه «8» مالك «2» بن أنس. # حتى قال في بعض كلامه إنهم على رأي من كفرهم بالتأويل لا PageV02P594 # تحل مناكحتهم ولا أكل ذبائحهم، ولا الصلاة على ميتهم، ويختلف في موارثتهم ~~على الخلاف في ميراث المرتد. # وقال أيضا: «نورث ميتهم ورثتهم من المسلمين ولا نورثهم من المسلمين» .. ~~وأكثر ميله إلى ترك التكفير بالمآل. # وكذلك اضطرب فيه قول شيخه أبي «1» الحسن الأشعري وأكثر قوله ترك ~~التكفير.. وأن الكفر خصلة واحدة وهو الجهل بوجود الباري تعالى. # وقال مرة: «من اعتقد أن الله جسم، أو المسيح أو بعض من يلقاه في الطرق ~~فليس بعارف به وهو كافر» . # ولمثل هذا ذهب أبو «2» المعالي رحمه الله في أجوبته لأبي «3» محمد عبد ~~الحق وكان سأله عن المسألة فاعتذر له بأن الغلط فيها يصعب.. # لأن إدخال كافر في الملة وإخراج مسلم عنها عظيم في الدين. # وقال غيرهما من المحققين: «الذي «4» يجب الاحتراز من التكفير في أهل ~~التأويل، فإن استباحة دماء المصلين «5» الموحدين خطر.. PageV02P595 # والخطأ في ترك «1» ألف كافر أهون من الخطأ في سفك محجمة «2» من دم مسلم ~~واحد. # وقد قال صلى الله عليه وسلم «3» : «فإذا قالوها- يعني الشهادة «4» - ~~عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله..» # فالعصمة مقطوع بها مع الشهادة ولا ترتفع ويستباح خلافها إلا بقاطع ولا ~~قاطع من شرع ولا قياس عليه.. وألفاظ الأحاديث الواردة في الباب معرضة ~~للتأويل.. فما جاء منها في التصريح بكفر القدرية، وقوله: «لا سهم لهم في ~~الإسلام» وتسميته الرافضة بالشرك، وإطلاق اللعنة عليهم.. وكذلك في الخوارج ~~وغيرهم من أهل الأهواء، فقد يحتج بها من يقول بالتكفير. # وقد يجيب الاخر بأنه قد ورد مثل هذه الألفاظ في الحديث في غير الكفرة على ~~طريق ms386 التغليظ «5» .. وكفر «6» دون كفر، وإشراك دون إشراك. # وقد ورد مثله في الرياء وعقوق الوالدين، والزوج، والزور PageV02P596 # وغير معصية «1» .. وإذا كان محتملا للأمرين فلا يقطع على أحدهما إلا ~~بدليل قاطع. # وقوله «2» في الخوارج: «هم من شر البرية..» وهذه صفة الكفار «3» وقال: ~~«شر قبيل «4» تحت أديم «5» السماء، طوبى «6» لمن قتلهم «7» أو قتلوه..» # وقال «8» : «فإذا وجدتموهم فاقتلوهم قتل عاد «9» .» وظاهر هذا الكفر، لا ~~سيما مع تشبيههم بعاد فيحتج به من يرى تكفيرهم. # فيقول له الآخر، إنما ذلك من قتلهم لخروجهم على المسلمين، وبغيهم عليهم، ~~بدليله من الحديث نفسه «يقتلون أهل الإسلام» . # فقتلهم ههنا حد لا كفر.. وذكر عاد تشبيه للقتل وحله لا للمقتول وليس كل ~~من حكم بقتله يحكم بكفره، ويعارضه بقول خالد «10» PageV02P597 # في الحديث «1» : «دعني أضرب عنقه «2» يا رسول الله» فقال: # «لعله يصلي» .. # فإن احتجوا # بقوله صلى الله عليه وسلم «3» : «يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم «4» .» # فأخبر أن الإيمان لم يدخل قلوبهم. # وكذلك قوله: «يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية «5» ثم لا يعودون ~~إليه حتى يعود «6» السهم على «7» فوقه «8» » # وبقوله «9» : «سبق الفرث «10» والدم..» يدل على أنه لم يتعلق من الإسلام ~~بشيء. # أجابه الآخرون: إن معنى «لا يجاوز حناجرهم» لا يفهمون معانيه بقلوبهم، ~~ولا تنشرح له صدورهم ولا تعمل به جوارحهم. PageV02P598 # وعارضوهم بقوله «ويتمارى في الفوق «1» » وهذا يقتضي التشكك في حاله. # وإن احتجوا بقول أبي سعيد «2» الخدري في هذا الحديث: # سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يخرج في هذه الأمة..» ولم يقل ~~«من هذه» وتحرير أبي سعيد الرواية وإتقانه اللفظ. # أجابهم الآخرون: بأن العبارة «بفي» لا تقتضي تصريحا بكونهم من غير الأمة، ~~بخلاف لفظة «من» التي هي للتبعيض، وكونهم من الأمة.. مع أنه قد روي عن أبي ~~ذر «3» وعلي «4» ، وأبي «5» أمامة وغيرهم في هذا الحديث: «يخرج من أمتي» و ~~«سيكون من أمتي» وحروف المعاني مشتركة فلا تقويل على إخراجهم من الأمة ب ~~«في» ولا على إدخالهم فيها ب «من» . # لكن أبا سعيد «6» رضي الله عنه أجاد ما شاء في التنبيه الذي ms387 نبه عليه.. ~~وهذا مما يدل على سعة فقه الصحابة، وتحقيقهم للمعاني، PageV02P599 # واستنباطها من الألفاظ، وتحريرهم لها، وتوقيهم في الرواية «1» . # - هذه المذاهب المعروفة لأهل السنة ولغيرهم من الفرق فيها مقالات كثيرة ~~مضطربة سخيفة. # أقربها قول جهم «2» ، ومحمد بن «3» شبيب: «إن الكفر بالله الجهل به. لا ~~يكفر أحد بغير ذلك» «4» . # وقال أبو الهذيل «5» : «إن كل متأول كان تأويله تشبيها لله بخلقه وتجويرا ~~«6» له في فعله، وتكذيبا لخبره فهو كافر.. وكل من أثبت شيئا قديما لا يقال ~~له الله فهو كافر» . # وقال بعض المتكلمين: «إن كان ممن عرف الأصل وبنى عليه، وكان فيما هو من ~~أوصاف الله فهو كافر، وإن لم يكن من هذا الباب ففاسق، إلا أن يكون ممن لم ~~يعرف الأصل فهو مخطىء غير كافر» . PageV02P600 # وذهب عبيد الله «1» بن الحسن العنبري إلى تصويب أقوال المجتهدين في أصول ~~الدين فيما كان عرضة للتأويل، وفارق في ذلك فرق الأمة.. إذ أجمعوا- سواه- ~~على أن الحق في أصول الدين في واحد والمخطىء فيه آثم عاص فاسق.. وإنما ~~الخلاف في تكفيره. # وقد حكى القاضي أبو بكر «2» الباقلاني مثل قول عبيد «1» الله عن داوود ~~«3» الأصبهاني. # قال: وحكى قوم عنهما «4» أنهما قالا ذلك في كل من علم الله سبحانه من ~~حاله استفراغ الوسع في طلب الحق من أهل ملتنا، أو من غيرهم. PageV02P601 # وقال نحو هذا القول الجاحظ «1» ، وثمامة «2» ، في أن كثيرا من العامة، ~~والنساء، والبله. ومقلدة النصارى واليهود وغيرهم لا حجة لله عليهم.. إذ لم ~~تكن لهم طباع يمكن معها الاستدلال «3» # وقد نحا «4» الغزالي «5» قريبا من هذا المنحى في كتاب التفرقة «6» ~~PageV02P602 # وقائل هذا كله كافر بالإجماع على كفر من لم يكفر أحدا من النصارى ~~واليهود، وكل من فارق دين المسلمين، أو وقف في تكفيرهم، أو شك. # قال القاضي أبو «1» بكر.. لأن التوقيف «2» والإجماع اتفقا على كفرهم، فمن ~~وقف في ذلك فقد كذب النص والتوقيف، أو شك فيه. والتكذيب أو الشك فيه لا يقع ~~إلا من كافر. PageV02P603 ### ||| الفصل الرابع في بيان ما هو من المقالات كفر وما يتوقف أو يختلف ms388 فيه وما ليس بكفر # اعلم أن تحقيق هذا الفصل وكشف اللبس فيه مورده الشرع، ولا مجال للعقل ~~فيه. # والفصل البين في هذا أن كل مقالة صرحت بنفي الربوبية، أو الوحدانية، أو ~~عبادة أحد غير الله أو مع الله فهي كفر.. كمقالة الدهرية «1» وسائر فرق ~~أصحاب الاثنين «2» من الديصانية «3» PageV02P604 # والمانوية «1» وأشباههم من الصابئين «2» والنصارى والمجوس «3» والذين ~~أشركوا بعبادة الأوثان، أو الملائكة أو الشياطين، أو الشمس، أو النجوم، أو ~~النار أو أحد غير الله من مشركي العرب وأهل الهند والصين، والسودان، وغيرهم ~~ممن لا يرجع إلى كتاب. # وكذلك القرامطة «4» وأصحاب الحلول «5» ، والتناسخ «6» من الباطنية «7» ، ~~والطيارة «8» من الروافض، والبيانية «9» والغرابية «10» وكذلك من اعترف ~~بإلاهية الله ووحدانيته، ولكنه اعتقد أنه غير حي أو غير قديم، وأنه محدث، ~~أو مصور، أو ادعى له ولدا، أو صاحبة PageV02P605 # أو والدا أو أنه متولد من شيء، أو كائن عنه، أو أن معه في الأزل شيئا ~~قديما «1» غيره، أو أن ثم صانعا للعالم سواه.. أو مدبرا غيره.. فذلك كله ~~كفر بإجماع المسلمين. # كقول الإلهيين من الفلاسفة «2» والمنجمين «3» والطبائعيين «4» وكذلك من ~~ادعى مجالسة الله والعروج إليه ومكالمته أو حلوله في أحد الأشخاص، كقول بعض ~~المتصوفة «5» والباطنية، والنصارى، والقرامطة، وكذلك نقطع على كفر من قال ~~بقدم العالم أو بقائه، أو شك في ذلك على مذهب بعض الفلاسفة والدهرية، أو ~~قال بتناسخ الأرواح وانتقالها أبد الآباد في الأشخاص وتعذيبها أو ~~PageV02P606 # تنعهما فيها بحسب «1» زكائها وخبثها وكذلك من اعترف بالإلهية والوحدانية ~~ولكنه جحد النبوة من أصلها عموما. أو نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم خصوصا، ~~أو أحد من الأنبياء الذين نص الله عليهم بعد علمه بذلك فهو كافر بلا ريب. # كالبراهمة «2» ، ومعظم اليهود، والأروسية من النصارى والغرابية من ~~الروافض الزاعمين أن عليا كان المبعوث إليه جبريل، وكالمعطلة «3» ، ~~والقرامطة، والإسماعيلية «4» والعنبرية من الرافضة، وإن كان بعض هؤلاء قد ~~أشركوا في كفر آخر مع من قبلهم. # وكذلك من دان بالوحدانية وصحة النبوة ونبوة نبينا صلى الله عليه وسلم، ~~ولكن جوز على الأنبياء الكذب فيما أتوا ms389 به. ادعى في ذلك المصلحة- بزعمه- أو ~~لم يدعها فهو كافر بإجماع كالمتفلسفين، وبعض الباطنية. والروافض، وغلاة ~~المتصوفة، وأصحاب الإباحة «5» فإن هؤلاء زعموا أن ظواهر الشرع وأكثر ما ~~جاءت به الرسل من الأخبار عما كان ويكون من أمور الآخرة، والحشر، والقيامة، ~~والجنة، والنار، ليس منها شيء على مقتضى لفظها ومفهوم خطابها. PageV02P607 # وإنما خاطبوا بها الخلق على جهة المصلحة لهم.. إذ لم يمكنهم التصريح ~~لقصور أفهامهم، فمضمن مقالاتهم إبطال الشرائع، وتعطيل الأوامر، والنواهي، ~~وتكذيب الرسل، والارتياب فيما أتوا به.. # وكذلك من أضاف إلى نبينا صلى الله عليه وسلم تعمد الكذب فيما بلغه وأخبر ~~به، أو شك في صدقه، أو سبه، أو قال: إنه لم يبلغ أو استخف به، أو بأحد من ~~الأنبياء، أو أزرى عليهم.. أو آذاهم.. أو قتل نبيا، أو حاربه.. فهو كافر ~~بإجماع. # - وكذلك نكفر من ذهب مذهب بعض القدماء في أن في كل جنس من الحيوان نذيرا ~~ونبيا من القردة والخنازير والدواب والدود وغير ذلك، ويحتج بقوله تعالى ~~«وإن من أمة إلا خلا فيها نذير «1» » إذ ذلك يؤدي إلى أن يوصف أنبياء هذه ~~الأجناس بصفاتهم المذمومة وفيه من الإزراء على هذا المنصب المنيف ما فيه.. ~~مع إجماع المسلمين على خلافه. وتكذيب قائله. # - وكذلك نكفر من اعترف من الأصول الصحيحة بما تقدم ونبوة نبينا صلى الله ~~عليه وسلم ولكن قال: كان أسود أو مات قبل أن يلتحي، أو ليس الذي كان بمكة، ~~والحجاز، أو ليس بقرشي.. لأن PageV02P608 # وصفه بغير صفاته المعلومة نفي له وتكذيب به.. وكذلك من ادعى نبوة أحد مع ~~نبينا صلى الله عليه وسلم أو بعده كالعيسوية «1» من اليهود القائلين بتخصيص ~~رسالته إلى العرب، وكالخرمية «2» القائلين بتواتر الرسل، وكأكثر الرافضة ~~القائلين بمشاركة علي في الرسالة للنبي صلى الله عليه وسلم وبعده.. فكذلك ~~كل إمام عند هؤلاء يقوم مقامه في النبوة والحجة.. وكالبزيعية «3» والبيانية ~~منهم القائلين بنبوة بزيع وبيان «4» وأشباه هؤلاء أو من ادعى النبوة ~~لنفسه.. أو جوز. # اكتسابها والبلوغ بصفاء القلب إلى مرتبتها كالفلاسفة وغلاة المتصوفة # - وكذلك من ادعى ms390 منهم أنه يوحى إليه، وإن لم يدع النبوة أو أنه يصعد إلى ~~السماء. ويدخل الجنة، ويأكل من ثمارها، ويعانق الحور العين.. فهؤلاء كلهم ~~كفار مكذبون للنبي صلى الله عليه وسلم.. لأنه PageV02P609 # أخبر صلى الله عليه وسلم أنه خاتم النبيين، لا نبي بعده.. وأخبر عن الله ~~تعالى أنه خاتم النبيين، وأنه أرسل كافة للناس، وأجمعت الأمة على حمل هذا ~~الكلام على ظاهره، وأن مفهومه المراد به دون تأويل ولا تخصيص فلا شك في كفر ~~هؤلاء الطوائف كلها قطعا إجماعا وسمعا. # - وكذلك وقع الإجماع على تكفير كل من دافع نص الكتاب أو خص حديثا مجمعا ~~على نقله مقطوعا به، مجمعا على حمله على ظاهره، كتكفير الخوارج بإبطال «1» ~~الرجم. ولهذا نكفر من لم يكفر من دان بغير ملة المسلمين من الملل.. أو وقف ~~فيهم، أو شك، أو صحح مذهبهم.. وإن أظهر مع ذلك الإسلام واعتقده واعتقد ~~إبطال كل مذهب سواه.. فهو كافر بإظهاره ما أظهر من خلاف ذلك. # - وكذلك نقطع بتكفير كل قائل قولا يتوصل به إلى تضليل الأمة، وتكفير جميع ~~الصحابة.. كقول الكميلية «2» من الرافضة بتكفير جميع الأمة بعد النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذ لم تقدم عليا «3» .. وكفرت عليا إذ لم يتقدم ويطلب حقه ~~في التقديم. PageV02P610 # - فهؤلاء قد كفروا من وجوه، لأنهم أبطلوا الشريعة بأسرها، إذ قد انقطع ~~نقلها ونقل القرآن، إذ ناقلوه كفرة على زعمهم. # وإلى- هذا- والله أعلم- أشار مالك «1» في أحد قوليه بقتل من كفر الصحابة. # - ثم كفروا من وجه آخر بسبهم النبي صلى الله عليه وسلم على مقتضى قولهم ~~وزعمهم أنه عهد إلى علي رضي الله عنه وهو يعلم أنه يكفر بعده- على قولهم- ~~لعنة الله عليهم-. وصلى الله على رسوله وآله. # - وكذلك نكفر بكل فعل أجمع المسلمون أنه لا يصدر إلا من كافر، وإن كان ~~صاحبه مصرحا بالإسلام مع فعله ذلك الفعل.. # كالسجود للصنم، وللشمس، والقمر، والصليب، والنار، والسعي إلى الكنائس ~~والبيع مع أهلها، والتزيي بزيهم من شد الزنانير وفحص «2» الرؤوس. # فقد أجمع المسلمون أن هذا لا يوجد إلا من كافر ms391 وأن هذه الأفعال علامة على ~~الكفر، وإن صرح فاعلها بالإسلام. # - وكذلك أجمع المسلمون على تكفير كل من استحل القتل، PageV02P611 # أو شرب الخمر، أو الزنا، مما حرم الله بعد علمه بتحريمه كأصحاب الإباحة ~~من القرامطة وبعض غلاة المتصوفة «1» . # - وكذلك نقطع بتكفير كل من كذب وأنكر قاعدة من قواعد الشرع، وما عرف ~~يقينا بالنقل المتواتر من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ووقع الإجماع ~~المتصل عليه. كمن أنكر وجوب الصلوات الخمس، وعدد ركعاتها وسجداتها ويقول: ~~إنما أوجب الله علينا في كتابه الصلاة على الجملة وكونها خمسا.. وعلى هذه ~~الصفات والشروط لا أعلمه إذ لم يرد فيه في القرآن نص جلي، والخبر به عن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم خبر واحد.. # - وكذلك أجمع على تكفير من قال من الخوارج إن الصلاة طرفي النهار. # - وعلى تكفير الباطنية في قولهم إن الفرائض أسماء رجال أمروا بولايتهم.. ~~والخبائث والمحارم أسماء رجال أمروا بالبراءة منهم. PageV02P612 # وقول بعض المتصوفة.. إن العبادة. وطول المجاهدة إذا صفت نفوسهم أفضت بهم ~~إلى إسقاطها وإباحة كل شيء لهم ورفع عهد الشرائع عنهم. # - وكذلك إن أنكر منكر مكة، أو البيت، أو المسجد الحرام أو صفة الحج.. أو ~~قال: الحج واجب في القرآن واستقبال القبلة كذلك، ولكن كونه على هذه الهيأة ~~المتعارفة، وأن تلك البقعة هي مكة والبيت والمسجد الحرام لا أدري هل هي تلك ~~أو غيرها! ولعل الناقلين أن النبي صلى الله عليه وسلم فسرها بهذه التفاسير ~~غلطوا ووهموا. # فهذا ومثله لامرية في تكفيره إن كان ممن يظن به علم ذلك، وممن خالط ~~المسلمين وامتدت صحبته لهم.. إلا أن يكون حديث عهد بالإسلام فيقال له: ~~سبيلك أن تسأل عن هذا الذي لم تعلمه بعد كافة المسلمين، فلا تجد بينهم ~~خلافا، كافة عن كافة إلى معاصر الرسول صلى الله عليه وسلم أن هذه الأمور ~~كما قيل لك، وأن تلك البقعة هي مكة.. # والبيت الذي فيها هو الكعبة، والقبلة التي صلى لها الرسول صلى الله عليه ~~وسلم والمسلمون وحجوا إليها وطافوا بها، وأن تلك الأفعال ms392 هي صفات عبادة ~~الحج والمراد به.. وهي التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون. # وأن صفات الصلوات المذكورة.. هي التي فعل النبي صلى الله عليه وسلم، # PageV02P613 # وشرح مراد الله بذلك، وأبان حدودها.. فيقع لك العلم كما وقع لهم.. ولا ~~ترتاب بذلك بعد.. والمرتاب في ذلك والمنكر بعد البحث وصحبة المسلمين كافر ~~باتفاق ولا يعذر بقوله «لا أدري» ، ولا يصدق فيه.. بل ظاهره التستر عن ~~التكذيب، إذ لا يمكن أنه لا يدري وأيضا فإنه إذا جوز على جميع الأمة الوهم ~~والغلط فيما نقلوه من ذلك وأجمعوا أنه قول الرسول وفعله وتفسير مراد الله ~~به أدخل الاسترابة في جميع الشريعة. إذ هم الناقلون لها وللقرآن، وانحلت ~~عرى الدين كرة.. ومن قال هذا كافر. # - وكذلك من أنكر القرآن أو حرفا منه، أو غير شيئا منه، أو زاد فيه- كفعل ~~الباطنية والإسماعيلية- أو زعم أنه ليس بحجة للنبي صلى الله عليه وسلم، أو ~~ليس فيه حجة ولا معجزة. # كقول هشام «1» الفوطي، ومعمر «2» الصيمري إنه لا يدل على الله ولا حجة ~~فيه لرسوله، ولا يدل على ثواب ولا عقاب ولا حكم.. ولا محالة في كفرهما بذلك ~~القول. PageV02P614 # - وكذلك نكفر هما بإنكار هما أن يكون في سائر معجزات النبي صلى الله عليه ~~وسلم حجة له، أو في خلق السموات والأرض «1» دليل على الله لمخالفتهم ~~الإجماع والنقل المتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم باحتجاجه بهذا كله، ~~وتصريح القرآن به. # - وكذلك من أنكر شيئا مما نص فيه القرآن بعد علمه أنه من القرآن الذي في ~~أيدي الناس، ومصاحف المسلمين، ولم يكن جاهلا به، ولا قريب عهد بالإسلام، ~~واحتج لإنكاره إما بأنه لم يصح النقل عنده، ولا بلغه العلم به، أو لتجويز ~~الوهم على ناقله، فنكفره بالطريقين المتقدمين «2» لأنه مكذب للقرآن، مكذب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، لكنه تستر بدعواه.. وكذلك من أنكر الجنة، أو ~~النار، أو البعث، أو الحساب، أو القيامة، فهو كافر بإجماع للنص عليه وإجماع ~~الأمة على صحة نقله متواترا. # - وكذلك من اعترف بذلك ولكنه قال: ms393 إن المراد بالجنة والنار، والحشر ~~والنشر، والثواب والعقاب، معنى غير ظاهره، وإنها لذات روحانية، ومعان باطنة ~~كقول النصارى، والفلاسفة، PageV02P615 # والباطنية، وبعض المتصوفة «1» ، وزعم أن معنى القيامة الموت أو فناء محض، ~~وانتقاض هيئة الأفلاك، وتحليل العالم.. كقول بعض الفلاسفة. # - وكذلك نقطع بتكفير غلاة الرافضة في قولهم: إن الأئمة أفضل من الأنبياء. ~~فأما من أنكر ما عرف بالتواتر من الأخبار والسير والبلاد، لا يرجع إلى ~~إبطال شريعة ولا يفضي إلى إنكار قاعدة من الدين كإنكار غزوة تبوك «2» ، أو ~~مؤتة «3» ، أو وجود أبي «4» بكر، وعمر «5» ، أو قتل عثمان «6» ، أو خلافة ~~علي «7» مما علم بالنقل ضرورة وليس في إنكاره جحد شريعة فلا سبيل إلى ~~تكفيره. بجحد ذلك وإنكار وقوع العلم له إذ ليس في ذلك أكثر PageV02P616 # من المباهتة.. كإنكار هشام «1» وعباد «2» وقعة الجمل «3» ومحاربة علي من ~~خالفه. # - فأما إن ضعف ذلك من أجل تهمة الناقلين ووهم المسلمين أجمع.. فنكفره ~~بذلك لسريانه «4» إلى إبطال الشريعة. # فأما من أنكر الإجماع «5» المجرد الذي ليس طريقه النقل المتواتر عن ~~الشارع، فأكثر المتكلمين من الفقهاء والنظار في هذا الباب قالوا بتكفير كل ~~من خالف الإجماع الصحيح الجامع لشروط الإجماع المتفق عليه عموما. ~~PageV02P617 # وحجتهم قوله تعالى: «ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى.» «1» ~~الآية # وقوله صلى الله عليه وسلم «2» : «من خالف الجماعة قيد «3» شبر فقد خلع ~~ربقة «4» الإسلام من عنقه.» # وحكوا الإجماع على تكفير من خالف الإجماع وذهب آخرون إلى الوقف عن القطع ~~بتكفير من خالف الإجماع الذي يختص بنقله العلماء. # وذهب آخرون إلى التوقف في تكفير من خالف الإجماع الكائن عن نظر، كتكفير ~~النظام «5» بإنكاره الإجماع لأنه بقوله هذا مخالف إجماع السلف على احتجاجهم ~~به خارق للإجماع. # قال القاضي «6» أبو بكر: القول عندي أن الكفر بالله هو PageV02P618 # الجهل بوجوده والإيمان بالله هو العلم بوجوده. وأنه لا يكفر أحد بقول ولا ~~رأي إلا أن يكون هو الجهل بالله فإن عصى بقول، أو فعل نص الله ورسوله، أو ~~أجمع المسلمون أنه لا يوجد إلا من كافر.. أو يقوم دليل ms394 على ذلك فقد كفر. # ليس لأجل قوله أو فعله. لكن لما يقارنه من الكفر فالكفر بالله لا يكون ~~إلا بأحد ثلاثة أمور: # أحدها: الجهل بالله تعالى. # والثاني: أن يأتي فعلا، أو يقول قولا يخبر الله ورسوله أو يجمع المسلمون ~~أن ذلك لا يكون إلا من كافر كالسجود للصنم، والمشي إلى الكنائس بالتزام ~~الزنار مع أصحابها في أعيادهم. أو يكون ذلك القول أو الفعل لا يمكن معه ~~العلم بالله.. قال: فهذان الضربان وإن لم يكونا جهلا بالله، فهما علم أن ~~فاعلهما كافر منسلخ من الإيمان. # فأما من نفى صفة من صفات الله تعالى الذاتية، أو جحدها مستبصرا في ذلك ~~كقوله: ليس بعالم ولا قادر ولا مريد ولا متكلم # PageV02P619 # وشبه ذلك من صفات الكمال الواجبة له تعالى فقد نص أئمتنا على الإجماع على ~~كفر من نفى عنه تعالى الوصف بها وأعراه عنها. # وعلى هذا حمل قول سحنون «1» من قال: «ليس لله كلام فهو كافر» وهو لا يكفر ~~المتأولين كما قدمناه. # فأما من جهل صفة من هذه الصفات فاختلف العلماء ههنا فكفره بعضهم وحكي ذلك ~~عن أبي «2» جعفر الطبري وغيره # وقال به أبو الحسن «3» الأشعري مرة # وذهبت طائفة إلى أن هذا لا يخرجه عن اسم الإيمان.. وإليه رجع الأشعري ~~قال: لأنه لم يعتقد ذلك اعتقادا يقطع بصوابه، ويراه دينا وشرعا وإنما يكفر ~~من اعتقد أن مقاله حق. # واحتج هؤلاء بحديث السوداء «4» وأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما طلب ~~منها التوحيد لا غير. PageV02P620 # وبحديث القائل «1» : لئن قدر الله علي- وفي رواية فيه- لعلي أضل الله- ثم ~~قال- فغفر الله له # قالوا: ولو بوحث أكثر الناس عن الصفات وكوشفوا عنها، لما وجد من يعلمها ~~إلا الأقل. # وقد أجاب الآخر عن هذا الحديث بوجوه: # منها: أن «قدر» بمعنى «قدر» ولا يكون شكه في القدرة على إحيائه بل في نفس ~~البعث الذي لا يعلم إلا بشرع، ولعله لم يكن ورد عندهم به شرع يقطع عليه ~~فيكون الشك فيه حينئذ كفرا فأما ما لم يرد به شرع فهو من مجوزات العقول.. ms395 ~~أو يكون «قدر» بمعنى «ضيق» ويكون ما فعله بنفسه إزراء عليها، وغضبا ~~لعصيانها. PageV02P621 # وقيل: «قال ما قاله وهو غير عاقل لكلامه ولا ضابط للفظه مما استولى عليه ~~من الجزع والخشية التي أذهبت لبه فلم يؤاخذ به» # وقيل: «كان هذا في زمن الفترة. وحيث ينفع مجرد التوحيد» وقيل: (بل هذا من ~~مجاز «1» كلام العرب الذي صورته الشك ومعناه التحقيق.. وهو يسمى تجاهل ~~العارف.. وله أمثلة في كلامهم. # كقوله تعالى: «لعله يتذكر أو يخشى «2» » # وقوله: «وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين «3» » ) فأما من أثبت ~~الوصف، ونفى الصفة «4» فقال: أقول عالم ولكن لا علم له، ومتكلم ولكن لا ~~كلام له. وهكذا في سائر الصفات على مذهب المعتزلة. فمن قال بالمآل لما ~~يؤديه إليه قوله ويسوقه إليه مذهبه كفره.. لأنه إذا نفى العلم انتفى وصف ~~عالم.. إذ لا يوصف بعالم إلا من له علم فكأنهم صرحوا عنده بما أدى إليه ~~قولهم. PageV02P622 # وهكذا عند هذا سائر فرق أهل التأويل من المشبهة، والقدرية، وغيرهم، ومن ~~لم ير أخذهم بمآل قولهم ولا ألزمهم موجب مذهبهم لم ير إكفارهم. # قال: لأنهم إذا وقفوا على هذا قالوا: لا نقول ليس بعالم، ونحن ننتفي من ~~القول بالمال الذي ألزمتموه لنا، ونعتقد نحن وأنتم أنه كفر. بل نقول: إن ~~قولنا لا يؤول إليه على ما أصلناه. # فعلى هذين المأخذين اختلف الناس في إكفار أهل التأويل. # وإذا فهمته اتضح لك الموجب لاختلاف الناس في ذلك. # والصواب ترك إكفارهم، والإعراض عن الختم عليهم بالخسران، وإجراء حكم ~~الإسلام عليهم في قصاصهم، ووراثاتهم، ومناكحاتهم، ودياتهم، والصلاة عليهم، ~~ودفنهم في مقابر المسلمين، وسائر معاملاتهم. لكنهم يغلظ عليهم بوجيع الأدب. ~~وشديد الزجر والهجر حتى يرجعوا عن بدعتهم. # وهذه كانت سيرة الصدر الأول فيهم. # فقد كان نشأ على زمن الصحابة وبعدهم في التابعين من قال بهذه # PageV02P623 # الأقوال من القدر، ورأي الخوارج والاعتزال «1» ، فما أزاحوا لهم قبرا، ~~ولا قطعوا لأحد منهم ميراثا، لكنهم هجروهم. وأدبوهم بالضرب. والنفي، ~~والقتل، على قدر أحوالهم لأنهم فساق ضلال عصاة أصحاب ms396 كبائر عند المحققين ~~وأهل السنة ممن لم يقل بكفرهم منهم، خلافا لمن رأى غير ذلك، والله الموفق ~~للصواب. # قال القاضي أبو بكر «2» : وأما مسائل الوعد والوعيد «3» ، والرؤية «4» ~~والمخلوق «5» ، وخلق الأفعال، وبقاء الأعراض «6» ، PageV02P624 # والتولد «1» ، وشبهها من الدقائق، فالمنع في إكفار المتأولين فيها أوضح.. ~~إذ ليس في الجهل بشيء منها جهل بالله تعالى.. ولا أجمع المسلمون على إكفار ~~من جهل شيئا منها. وقد قدمنا في الفصل قبله من الكلام وصورة الخلاف في هذا ~~ما أغنى عن إعادته بحول الله تعالى. PageV02P625 ### ||| الفصل الخامس حكم الذمي إذا سب الله تعالى # هذا حكم المسلم الساب لله تعالى. # وأما الذمي # فروي عن عبد «1» الله بن عمر في ذمي «2» تناول من حرمة الله تعالى غير ما ~~هو عليه من دينه وحاج فيه.. فخرج ابن عمر عليه بالسيف فطلبه فهرب. # وقال مالك «3» في كتاب ابن «4» حبيب والمبسوطة وابن القاسم «5» في ~~المبسوط، وكتاب محمد «6» وابن سحنون «7» : «من شتم الله من PageV02P626 # اليهود والنصارى بغير الوجه الذي كفر به قتل ولم يستتب.» # قال ابن القاسم إلا أن يسلم. قال في المبسوطة طوعا. # قال أصبغ «1» : «لأن الوجه الذي به كفروا هو دينهم وعليه عوهدوا من دعوى ~~الصاحبة والشريك والولد وأما غير هذا من الفرية والشتم فلم يعاهدوا عليه ~~فهو نقض للعهد» . # قال ابن القاسم في كتاب محمد «2» : «ومن شتم من غير أهل الأديان الله ~~تعالى بغير الوجه الذي ذكر في كتابه قتل إلا أن يسلم. # وقال المخزومي «3» في المبسوطة.، ومحمد بن «4» مسلمة وابن «5» أبي حازم: ~~«لا يقتل حتى يستتاب، مسلما كان أو كافرا فإن تاب وإلا قتل» . # وقال مطرف «6» وعبد «7» الملك: مثل قول مالك «8» وقال PageV02P627 # أبو محمد «1» بن أبي زيد: «من سب الله تعالى بغير الوجه الذي به كفر قتل ~~إلا أن يسلم» . # وقد ذكرنا قول ابن الجلاب «2» قبل. وذكرنا قول عبيد «3» الله، وابن «4» ~~لبابة، وشيوخ الأندلسيين في النصرانية، وفتياهم بقتلها لسبها- بالوجه الذي ~~كفرت به- الله والنبي وإجماعهم على ذلك وهو نحو القول الآخر فيمن سب النبي ~~صلى الله عليه وسلم منهم بالوجه ms397 الذي كفر به. # ولا فرق في ذلك بين سب الله وسب نبيه لأنا عاهدناهم على أن لا يظهروا لنا ~~شيئا من كفرهم وأن لا يسمعونا شيئا من ذلك، فمتى فعلوا شيئا منه فهو نقض ~~لعهدهم. # واختلف العلماء في الذمي إذا تزندق فقال مالك ومطرف، وابن «5» عبد الحكم، ~~وأصبغ «6» : «لا يقتل لأنه خرج من كفر إلى كفر» . PageV02P628 # وقال عبد الملك «1» بن الماجشون: «يقتل لأنه دين لا يقر عليه أحد.. ولا ~~يؤخذ عليه جزية» . # قال ابن «2» حبيب: «وما أعلم من قاله غيره» . # *** PageV02P629 ### ||| الفصل السادس حكم ادعاء الإلهية أو الكذب والبهتان على الله # هذا حكم من صرح بسبه وإضافة ما لا يليق بجلاله وإلهيته. # فأما مفتري الكذب عليه تبارك وتعالى بادعاء الإلهية أو الرسالة، أو ~~النافي أن يكون الله خالقه، أو ربه.. أو قال: «ليس لي رب» ، أو المتكلم بما ~~لا يعقل من ذلك في سكره، أو غمرة جنونه، فلا خلاف في كفر قائل ذلك ومدعيه ~~مع سلامة عقله كما قدمناه. لكنه تقبل توبته على المشهور، وتنفعه إنابته، ~~وتنجيه من القتل فيأته، لكنه لا يسلم من عظيم النكال، ولا يرفه «1» عن شديد ~~العقاب، ليكون ذلك زجرا لمثله عن قوله، وله عن العودة لكفره أو جهله إلا من ~~تكرر منه ذلك وعرف استهانته بما أتى به، فهو دليل على PageV02P630 # سوء طويته، وكذب توبته،، وصار كالزنديق الذي لا نأمن باطنه، ولا نقبل ~~رجوعه.. وحكم السكران في ذلك حكم الصاحي.. وأما المجنون والمعتوه فما علم ~~أنه قاله من ذلك في حال غمرته، وذهاب ميزه بالكلية فلا نظر فيه، وما فعله ~~من ذلك في حال ميزه وإن لم يكن معه عقله وسقط تكليفه أدب على ذلك لينزجر ~~عنه كما يؤدب على قبائح الأفعال ويوالى أدبه على ذلك حتى ينكف عنه، كما ~~تؤدب البهيمة على سوء الخلق حتى تراض. # - وقد أحرق علي «1» بن أبي طالب رضي الله عنه من ادعى «2» له الإلهية. # - وقد قتل عبد الملك «3» بن مروان الحارث «4» المتنبي وصلبه وفعل ذلك غير ~~واحد من الخلفاء والملوك ms398 بأشباههم وأجمع علماء PageV02P631 # وقتهم على صواب فعلهم.. والمخالف في ذلك من كفرهم كافر. # وأجمع فقهاء بغداد أيام المقتدر «1» من المالكية، وقاضي قضاتها أبو عمر ~~«2» المالكي على قتل الحلاج «3» وصلبه لدعواه الإلهية «4» ، والقول بالحلول ~~«5» وقوله «أنا الحق» مع تمسكه في الظاهر بالشريعة، ولم يقبلوا توبته. ~~PageV02P632 # وكذلك حكموا في ابن أبي «1» الفراقيد، وكان على نحو مذهب الحلاج بعد هذا ~~أيام الراضي «2» بالله.. وقاضي قضاة بغداد يومئذ أبو الحسين بن «3» أبي عمر ~~المالكي. # وقال ابن عبد «4» الحكم في المبسوط: «من تنبأ قتل» . # وقال أبو حنيفة «5» وأصحابه: «من جحد أن الله تعالى خالقه أو ربه أو قال: ~~ليس لي رب فهو مرتد» . # وقال ابن القاسم «6» في كتاب ابن «7» حبيب ومحمد «8» في PageV02P633 # العتبية فيمن تنبأ يستتاب أسر ذلك أو أعلنه، وهو كالمرتد.. # وقاله سحنون «1» وغيره وقاله أشهب «2» في يهودي تنبأ وادعى أنه رسول ~~إلينا.. إن كان معلنا بذلك استتيب فإن تاب وإلا قتل. # وقال أبو محمد «3» بن أبي زيد فيمن لعن بارئه وادعى أن لسانه زل.. وإنما ~~أراد لعن الشيطان يقتل بكفره ولا يقبل عذره، وهذا على القول الآخر من أنه ~~لا تقبل توبته. # وقال أبو الحسين «4» القابسي في سكران قال: أنا الله أنا الله. # إن تاب أدب فإن عاد إلى مثل قوله طولب مطالبة الزنديق لأن هذا كفر ~~المتلاعبين. PageV02P634 ### ||| الفصل السابع حكم من تعرض بساقط قوله وسخيف لفظه لجلال ربه دون قصد # وأما من تكلم من سقط القول وسخف اللفظ ممن لم يضبط كلامه وأهمل لسانه بما ~~يقتضي الاستخفاف بعظمة ربه، وجلالة مولاه.. # أو تمثل في بعض الأشياء ببعض ما عظم الله من ملكوته.. أو نزع من الكلام ~~لمخلوق بما لا يليق إلا في حق خالقه غير قاصد للكفر والاستخفاف ولا عامد ~~للإلحاد. # فإن تكرر هذا منه، وعرف به دل على تلاعبه بدينه، واستخفافه بحرمة ربه، ~~وجهله بعظيم عزته وكبريائه. # - وهذا كفر لامرية فيه. وكذلك إن كان ما أورده يوجب الاستخفاف والتنقص ~~لربه. # PageV02P635 # وقد أفتى ابن حبيب «1» وأصبغ «2» بن خليل من فقهاء قرطبة بقتل ms399 المعروف ~~بابن أخي عجب «3» ، وكان خرج يوما فأخذه المطر فقال: «بدأ الخراز «4» يرش ~~جلوده» . # وكان بعض الفقهاء بها.. أبو زيد «5» صاحب الثمانية «6» ، وعبد الأعلى «7» ~~بن وهب، وأبان «8» بن عيسى. وقد توقفوا عن سفك دمه، وأشاروا إلى أنه عبث من ~~القول. يكفي فيه الأدب. # وأفتى بمثله القاضي حينئذ موسى «9» بن زياد. فقال ابن حبيب: PageV02P636 # دمه في غيض.. أيشتم رب عبدناه ثم لا ننتصر له.. إنا إذا لعبيد سوء ما نحن ~~له بعابدين وبكى. ورفع المجلس إلى الأمير بها عبد الرحمن «1» بن الحكم ~~الأموي وكانت عجب «2» عمة هذا المطلوب من حظاياه «3» ، وأعلم باختلاف ~~الفقهاء فخرج الإذن من عنده بالأخذ بقول ابن «4» حبيب وصاحبه وأمر بقتله، ~~فقتل وصلب بحضرة الفقيهين.. وعزل القاضي لتهمته بالمداهنة في هذه القصة. # ووبخ بقية الفقهاء وسبهم. # - وأما من صدرت عنه من ذلك الهنة الواحدة، والفلتة الشاردة ما لم يكن ~~تنقصا وإزراء فيعاقب عليها، ويؤدب بقدر مقتضاها، وشنعة معناها، وصورة حال ~~قائلها، وشرح سببها ومقارنها. # وقد سئل ابن «5» القاسم رحمه الله عن رجل نادى رجلا باسمه PageV02P637 # فأجابه لبيك اللهم لبيك. قال: فإن كان جاهلا، أو قاله على وجه سفه فلا ~~شيء عليه. # قال القاضي أبو «1» الفضل: وشرح قوله أنه لا قتل عليه. والجاهل يزجر ~~ويعلم. والسفيه يؤدب. ولو قالها على اعتقاد إنزاله منزلة ربه لكفر. هذا ~~مقتضى قوله. # وقد أسرف كثير من سخفاء الشعراء ومتهميهم في هذا الباب واستخفوا عظيم هذه ~~الحرمة فأتوا من ذلك بما ننزه كتابنا ولساننا وأقلامنا عن ذكره، ولولا أنا ~~قصدنا نص مسائل حكيناها لما ذكرنا شيئا مما يثقل ذكره علينا مما حكيناه في ~~هذه الفصول. وأما ما ورد في هذا من أهل الجهالة وأغاليط اللسان كقول بعض ~~الأعراب # رب العباد ما لنا ومالكا ... قد كنت تسقينا فما بدا لكا # أنزل علينا الغيث لا أبا لكا. # في أشباه لهذا من كلام الجهال، ومن لم يقومه ثقاف «2» تأديب الشريعة ~~والعلم في هذا الباب. فقلما يصدر إلا من جاهل يجب تعليمه وزجره والإغلاظ له ~~عن العودة إلى ms400 مثله. PageV02P638 # قال أبو سليمان «1» الخطابي: وهذا تهور من القول. والله منزه عن هذه ~~الأمور. # وقد روينا عن عون «2» بن عبد الله أنه قال: «ليعظم أحدكم ربه أن يذكر ~~اسمه في كل شيء. حتى لا يقول. أخزى الله الكلب. # وفعل به كذا وكذا» . # وكان بعض من أدركنا من مشايخنا قلما يذكر اسم الله تعالى إلا فيما يتصل ~~بطاعته. # وكان يقول للإنسان: جزيت خيرا. وقلما يقول: جزاك الله خيرا. إعظاما لاسمه ~~تعالى أن يمتهن في غير قربة. # وحدثنا الثقة «3» أن الإمام أبا بكر «4» الشاشي كان يعيب على PageV02P639 # أهل الكلام كثرة خوضهم فيه تعالى وفي ذكر صفاته إجلالا لاسمه تعالى. # ويقول: هؤلاء يتمندلون «1» بالله عز وجل.. وينزل الكلام في هذا الباب ~~تنزيله في باب ساب النبي صلى الله عليه وسلم. على الوجوه التي فصلناها.. ~~والله الموفق. PageV02P640 ### ||| الفصل الثامن حكم سب بقية الأنبياء والملائكة # وحكم من سب سائر أنبياء الله تعالى وملائكته واستخف بهم، أو كذبهم فيما ~~أتوا به، أو أنكرهم وجحدهم.. حكم نبينا صلى الله عليه وسلم على مساق ما ~~قدمناه. # قال الله تعالى: «إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين ~~الله ورسله. «1» » الآية # وقال تعالى: «قولوا: آمنا بالله، وما أنزل إلينا، وما أنزل إلى إبراهيم. ~~«2» » الآية إلى قوله «لا نفرق بين أحد منهم «3» » # وقال: «كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله. لا نفرق بين أحد من رسله «4» ~~» PageV02P641 # قال مالك «1» في كتاب ابن حبيب «2» ومحمد «3» ، وقال ابن القاسم «4» وابن ~~الماجشون «5» ، وابن «6» عبد الحكم، وأصبغ «7» وسحنون «8» فيمن شتم ~~الأنبياء أو أحدا منهم أو تنقصه قتل ولم يستتب. ومن سبهم من أهل الذمة قتل ~~إلا أن يسلم. # وروى سحنون عن ابن القاسم: «من سب الأنبياء من اليهود والنصارى بغير ~~الوجه الذي به كفر فاضرب عنقه إلا أن يسلم» . # وقد تقدم الخلاف في هذا الأصل.. وقال القاضي بقرطبة سعيد بن «9» سليمان ~~في بعض أجوبته: «من سب الله وملائكته قتل» . # وقال سحنون «10» : «من شتم ملكا من الملائكة فعليه القتل» . PageV02P642 # وفي النوادر «1» عن مالك «2» : «فيمن قال: إن ms401 جبريل أخطأ بالوحي وإنما ~~كان النبي علي بن «3» أبي طالب. استتيب فإن تاب وإلا قتل» . # ونحوه عن سحنون. وهذا قول الغرابية «4» من الروافض.. # سموا بذلك لقولهم: «كان النبي صلى الله عليه وسلم أشبه بعلي من الغراب ~~بالغراب» # وقال أبو حنيفة «5» وأصحابه على أصلهم: «من كذب بأحد من الأنبياء أو تنقص ~~أحدا منهم أو برىء منه فهو مرتد» . # وقال أبو الحسن «6» القابسي: في الذي قال لآخر: كأنه وجه مالك «7» ~~الغضبان.. لو عرف أنه قصد ذم الملك قتل. # قال القاضي أبو «8» الفضل: وهذا كله فيمن تكلم فيهم بما قلناه ~~PageV02P643 # على جملة الملائكة والنبيين، أو على معين ممن حققنا كونه من الملائكة ~~والنبيين ممن نص الله عليه في كتابه، أو حققنا علمه بالخبر المتواتر ~~والمشتهر المتفق عليه بالإجماع القاطع، كجبريل «1» وميكائيل ومالك، وخزنة ~~الجنة، وجهنم والزبانية وحملة العرش المذكورين في القرآن من الملائكة ومن ~~سمي فيه من الأنبياء، وكعزرائيل، وإسرافيل ورضوان، والحفظة ومنكر ونكير «2» ~~من الملائكة المتفق على قبول الخبر بهما.. فأما من لم تثبت الأخبار بتعيينه ~~كهاروت وماروت في الملائكة، والخضر «3» ولقمان «4» وذي القرنين «5» ومريم ~~«6» وآسية «7» وخالد بن «8» سنان (المذكور أنه نبي أهل PageV02P644 # الرس) وزرادشت «1» الذي تدعي المجوس والمؤرخون نبوته، فليس الحكم في ~~سابهم والكافر بهم كالحكم فيمن قدمناه.. إذ لم تثبت لهم تلك الحرمة.. ولكن ~~يزجر من تنقصهم وآذاهم، ويؤدب بقدر حال المقول فيه، لا سيما من عرفت ~~صديقيته وفضله منهم وإن لم تثبت نبوته. # وأما إنكار نبوتهم، أو كون الآخر من الملائكة فإن كان المتكلم في ذلك من ~~أهل العلم فلا حرج، لاختلاف العلماء في ذلك، وإن كان من عوام الناس زجر عن ~~الخوض في مثل هذا. فإن عاد أدب إذ ليس لهم الكلام في مثل هذا. # وقد كره السلف الكلام في مثل هذا مما ليس تحته عمل لأهل العلم، فكيف ~~للعامة! PageV02P645 ### ||| الفصل التاسع الحكم بالنسبة للقرآن # واعلم أن من استخف بالقرآن، أو المصحف، أو بشيء منه، أو سبهما، أو جحده، ~~أو حرفا منه، أو آية أو كذب به، أو ms402 بشيء منه.. أو بشيء مما صرح به فيه من ~~حكم، أو خبر، أو أثبت ما نفاه، أو نفى ما أثبته.. على علم منه بذلك، أو شك ~~في شيء من ذلك، فهو كافر عند أهل العلم بإجماع. # قال الله تعالى: «وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه، تنزيل من حكيم حميد. «1» » # عن أبي «2» هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «3» : «المراء «4» في ~~القرآن كفر» تؤول بمعنى «الشك» وبمعنى «الجدال» PageV02P646 # وعن ابن عباس «1» عن النبي صلى الله عليه وسلم «2» : «من جحد آية من كتاب ~~الله من المسلمين فقد حل ضرب عنقه..» # وكذلك إن جحد التوراة والإنجيل وكتب الله المنزلة أو كفر بها، أو لعنها، ~~أو سبها، أو استخف بها فهو كافر. # وقد أجمع المسلمون أن القرآن المتلو في جميع أقطار الأرض المكتوب في ~~المصحف بأيدي المسلمين مما جمعه الدفتان من أول (الحمد لله رب العالمين «3» ~~) إلى آخر (قل أعوذ برب الناس) أنه كلام الله، ووحيه المنزل على نبيه محمد ~~صلى الله عليه وسلم.. وأن جميع ما فيه حق. وأن من نقص منه حرفا قاصدا لذلك، ~~أو بدله بحرف آخر مكانه، أو زاد فيه حرفا مما لم يشتمل عليه المصحف الذي ~~وقع الإجماع عليه وأجمع على أنه ليس من القرآن عامدا لكل هذا. أنه كافر # ولهذا رأى مالك «4» قتل من سب عائشة «5» رضي الله عنها بالفرية لأنه خالف ~~القرآن، ومن خالف القرآن قتل.. أي لأنه كذب بما فيه. PageV02P647 # وقال ابن «1» القاسم: «من قال إن الله تعالى لم يكلم موسى تكليما يقتل» . # وقاله عبد الرحمن «2» بن مهدي. وقال محمد بن «3» سحنون: # فيمن قال: «المعوذتان ليستا من كتاب الله يضرب عنقه إلا أن يتوب وكذلك كل ~~من كذب بحرف منه» . # قال: «وكذلك إن شهد شاهد على من قال: إن الله لم يكلم موسى تكليما، وشهد ~~آخر عليه أنه قال: إن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا لأنهما اجتمعا على أنه ~~كذب النبي صلى الله عليه وسلم» . # وقال أبو عثمان «4» الحداد: ms403 «جميع من ينتحل التوحيد متفقون أن الجحد لحرف ~~من التنزيل كفر» . # وكان أبو «5» العالية إذا قرأ عنده رجل لم يقل له: ليس كما قرأت ويقول: ~~أما أنا فأقرأ كذا. فبلغ ذلك إبراهيم «6» فقال: PageV02P648 # أراه سمع أنه من كفر بحرف منه فقد كفر به كلية. # وقال عبد الله بن «1» مسعود «2» : من كفر باية من القرآن فقد كفر به كله. # وقال أصبغ بن «3» الفرج: من كذب ببعض القرآن فقد كذب به كله ومن كذب به ~~فقد كفر به، ومن كفر به فقد كفر بالله. # وقد سئل القابسي «4» عمن خاصم يهوديا فحلف له بالتوراة.. # فقال الآخر: لعن الله التوراة، فشهد عليه بذلك شاهد ثم شهد آخر أنه سأله ~~عن القضية فقال إنما لعنت توراة اليهود.. فقال أبو الحسن: الشاهد الواحد لا ~~يوجب القتل، والثاني علق الأمر بصفة تحتمل التأويل.. إذ لعله لا يرى اليهود ~~متمسكين بشيء من عند الله لتبديلهم، وتحريفهم، ولو اتفق الشاهدان على لعن ~~التوراة مجردا لضاق التأويل. # وقد اتفق فقهاء بغداد على استتابة ابن شنبوذ «5» المقرىء أحد PageV02P649 # أئمة المقرئين المتصدرين بها مع ابن مجاهد «1» لقراءته وإقراءه بشواذ من ~~الحروف مما ليس في المصحف.. وعقدوا عليه- بالرجوع عنه، والتوبة منه- سجلا ~~أشهد فيه بذلك على نفسه في مجلس الوزير أبي علي بن «2» مقلة سنة ثلاث ~~وعشرين وثلاثمئة. # وكان فيمن أفتى عليه بذلك أبو بكر «3» الأبهري وغيره وأفتى أبو محمد «4» ~~بن أبي زيد بالأدب فيمن قال لصبي: لعن الله معلمك وما علمك.. وقال: أردت ~~سوء الأدب ولم أرد القرآن قال أبو محمد وأما من لعن المصحف فإنه يقتل. ~~PageV02P650 ### ||| الفصل العاشر الحكم في سب آل البيت والأزواج والأصحاب # وسب آل بيته وأزواجه أمهات المؤمنين وأصحابه صلى الله عليه وسلم وثنقصها ~~حرام ملعون فاعله. # عن عبد الله بن «1» مغفل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «2» : ~~«الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن ~~أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله.. ومن ~~آذى الله يوشك ms404 أن يأخذه..» # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي، فمن سبهم فعليه ~~لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا.» ~~PageV02P651 # وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي فإنه يجيء قوم في آخر الزمان ~~يسبون أصحابي فلا تصلوا عليهم، ولا تصلوا معهم، ولا تناكحوهم، ولا ~~تجالسوهم، وإن مرضوا فلا تعودوهم.» # وعنه صلى الله عليه وسلم: «من سب أصحابي فاضربوه.» وقد أعلم النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن سبهم وأذاهم يؤذيه وأذى النبي صلى الله عليه وسلم حرام» # فقال: «لا تؤذوا أصحابي، ومن آذاهم فقد آذاني.. # وقال: «لا تؤذوني في عائشة «1» .» وقال في فاطمة «2» : «بضعة مني يؤذيني ~~ما آذاها «3» ..» # وقد اختلف العلماء في هذا فمشهور مذهب مالك «4» في ذلك: # الاجتهاد والأدب الموجع قال مالك رحمه الله: من شتم النبي صلى الله عليه ~~وسلم قتل ومن شتم أصحابه أدب. # وقال أيضا: من شتم أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر «5» ~~PageV02P652 # أو عمر «1» ، أو عثمان «2» ، أو معاوية «3» ، أو عمرو «4» بن العاص فإن ~~قال: كانوا على ضلال وكفر قتل، وإن شتمهم بغير هذا من مشاتمة الناس نكل ~~نكالا شديدا. # وقال ابن «5» حبيب: من غلا من الشيعة إلى بغض عثمان والبراءة منه أدب ~~أدبا شديدا، ومن زاد إلى بغض أبي بكر وعمر فالعقوبة عليه أشد ويكرر ضربه، ~~ويطال جنه حتى يموت، ولا يبلغ به القتل إلا في سب النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # وقال سحنون «6» : من كفر أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عليا ~~«7» أو عثمان، أو غيرهما يوجع ضربا. # وحكى أبو محمد «8» بن أبي زيد عن سحنون فيمن قال في أبي بكر، وعمر وعثمان ~~وعلي إنهم كانوا على ضلال وكفر قتل، ومن شتم غيرهم من الصحابة بمثل هذا نكل ~~النكال الشديد. PageV02P653 # وروي عن مالك: من سب أبا بكر جلد، ومن سب عائشة «1» قتل.. قيل له: لم؟ ~~قال: من رماها فقد خالف القرآن. # وقال ابن «2» شعبان عنه: لأن الله يقول «يعظكم الله أن ms405 تعودوا لمثله أبدا ~~إن كنتم مؤمنين «3» » فمن عاد لمثله فقد كفر. # وحكى أبو الحسن «4» الصقلي أن القاضي أبا بكر بن «5» الطيب قال: إن الله ~~تعالى إذا ذكر في القرآن ما نسبه إليه المشركون سبح نفسه لنفسه كقوله: ~~«وقالوا اتخذ الرحمن ولدا «6» » في آي كثيرة، وذكر تعالى ما نسبه المنافقون ~~إلى عائشة فقال: «ولولا إذ سمعتموه قلتم: ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك ~~«7» » سبح نفسه في تبرئتها من السوء كما سبح نفسه في تبرئته من السوء، وهذا ~~يشهد لقول مالك في قتل من سب عائشة. PageV02P654 # ومعنى هذا- والله أعلم- أن الله لما عظم سبها كما عظم سبه وكان سبها سبا ~~لنبيه، وقرن سب نبيه وأذاه بأذاه تعالى، وكان حكم مؤذيه تعالى القتل كان ~~مؤذي نبيه كذلك كما قدمناه. # - وشتم رجل عائشة بالكوفة، فقدم إلى موسى «1» بن عيسى العباسي فقال: من ~~حضر هذا؟ فقال ابن أبي «2» ليلى: أنا.. # فجلد ثمانين، وحلق رأسه وأسلمه للحجامين. # وروي «3» عن عمر بن «4» الخطاب أنه نذر قطع لسان عبيد «5» الله بن عمر إذ ~~شتم المقداد «6» بن الأسود. فكلم في ذلك.. # فقال: دعوني أقطع لسانه حتى لا يشتم أحد بعد أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم # وروى أبو ذر «7» الهروي أن عمر بن الخطاب أتي بأعرابي PageV02P655 # يهجو الأنصار فقال: لولا أن له صحبة لكفيتكموه قال مالك «1» : # من انتقص أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فليس له في هذا الفيء ~~حق.. قد قسم الله الفيء في ثلاثة أصناف فقال: «للفقراء المهاجرين «2» » ~~الاية ثم قال: «والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم «3» » الآية وهؤلاء ~~هم الأنصار.. ثم قال: «والذين جاؤ من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا ~~الذين سبقونا بالإيمان.. «4» » الآية فمن تنقصهم فلا حق له في فيء ~~المسلمين. # وفي كتاب ابن «5» شعبان: من قال في واحد منهم إنه ابن زانية وأمه مسلمة ~~حد عند بعض أصحابنا حدين.. حدا له وحدا لأمه ولا أجعله كقاذف الجماعة في ~~كلمة لفضل هذا على غيره. # ولقوله صلى الله عليه وسلم: «من سب أصحابي ms406 فاجلدوه» . # قال: ومن قذف أم أحدهم وهي كافرة حد حد الفرية لأنه سب له.. فإن كان أحد ~~من ولد هذا الصحابي حيا قام بما يجب PageV02P656 # له، وإلا فمن قام من المسلمين كان على الإمام قبول قيامه. # قال: وليس هذا كحقوق غير الصحابة لحرمة هؤلاء بنبيهم صلى الله عليه وسلم ~~ولو سمعه الإمام وأشهد عليه كان ولي القيام به قال: ومن سب غير عائشة «1» ~~من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ففيها قولان. # أحدهما: يقتل لأنه سب النبي صلى الله عليه وسلم يسب حليلته «2» # والآخر: أنها كسائر الصحابة يجلد حد المفتري # قال: وبالأول أقول. # وروى أبو «3» مصعب عن مالك «4» .: فيمن سب من انتسب إلى بيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم يضرب ضربا وجيعا، ويشهر ويحبس طويلا حتى تظهر توبته، لأنه ~~استخفاف بحق الرسول صلى الله عليه وسلم # وأفتى أبو المطرف «5» الشعبي فقيه مالقة في رجل أنكر تحليف PageV02P657 # امرأة بالليل وقال: لو كانت بنت أبي بكر «1» الصديق ما حلفت إلا بالنهار. # وصوب قوله بعض المتسمين بالفقه فقال أبو المطرف: ذكر هذا لابنة أبي بكر ~~في مثل هذا يوجب عليه الضرب الشديد والسجن الطويل. # والفقيه الذي صوب قوله هو أخص باسم الفسق من اسم الفقه فيتقدم إليه في ~~ذلك ويزجر ولا تقبل فتواه، ولا شهادته، وهي جرحة ثابتة فيه، ويبغض في الله. # وقال أبو «2» عمران في رجل قال: لو شهد علي أبو بكر الصديق أنه إن كان ~~أراد أن شهادته في مثل هذا لا يجوز فيه الشاهد الواحد فلا شيء عليه. # وإن كان أراد غير هذا فيضرب ضربا يبلغ به حد الموت وذكروها رواية. # قال القاضي أبو «3» الفضل: هنا انتهى القول بنا فيما حررناه وانتجز الغرض ~~الذي انتحيناه، واستوفي الشرط الذي شرطناه مما PageV02P658 # أرجو أن في كل قسم منه للمريد مقنع وفي كل باب منهج إلى بغيته ومنزع. # وقد سفرت فيه عن نكت تستغرب وتستبدع، وكرعت في مشارب من التحقيق لم يورد ~~لها قبل في أكثر التصانيف مشرع وأودعته غير ما فصل وددت ms407 لو وجدت من بسط ~~قبلي الكلام فيه، أو مقتدى يفيد فيه عن كتابه أو فيه «1» ، لأكتفي بما ~~أرويه # وإلى الله تعالى جزيل الضراعة والمنة بقبول ما منه لوجهه، والعفو عما ~~تخلله من تزين وتصنع لغيره، وأن يهب لنا ذلك بجميل كرمه وعفوه، لما أودعناه ~~من شرف مصطفاه وأمين وحيه وأسهرنا به جفوننا لتتبع فضائله، وأعملنا فيه ~~خواطرنا من إبراز خصائصه ووسائله، ويحمي أعراضنا عن ناره الموقدة لحمايتنا ~~كريم عرضه، ويجعلنا ممن لا يذاد إذا ذيد المبدل عن حوضه، ويجعله لنا ولمن ~~تهمم باكتتابه، واكتسابه سببا يصلنا بأسبابه، وذخيرة نجدها يوم تجد كل نفس ~~ما عملت من خير محضرا نحوز بها رضاه وجزيل ثوابه، ويخصنا بخصيص زمرة نبينا ~~وجماعته، ويحشرنا في الرعيل الأول، وأهل الباب الأيمن ومن أهل شفاعته. ~~PageV02P659 # ونحمده تعالى على ما هدى إليه من جمعه، وألهم وفتح البصيرة لدرك حقائق ما ~~أودعناه وفهم، ونستعيذه جل اسمه من دعاء لا يسمع، وعلم لا ينفع وعمل لا ~~يرفع، فهو الجواد الذي لا يخيب من أمله ولا ينتصر من خذله.. ولا يرد دعوة ~~القاصدين، ولا يصلح عمل المفسدين. # وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلاته على سيدنا ونبينا محمد خاتم النبيين، وعلى ~~آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا. # والحمد لله رب العالمين.. ms408