######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_003695Vols #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: الشيخ الطبرسي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 548 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: إعلام الورى بأعلام الهدى #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: مصادر سيرة النبي والائمة #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_003695Vols #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/3695_إعلام-الورى-بأعلام-الهدى-الشيخ-الطبرسي-ج-1 #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: ربيع الأول 1417 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، تعالى عن الصاحبة والولد، واستغنى عن العدد والعدد، وتقدست عن شبه الخلائق صفته، وارتفعت عن مذاهب العقول عظمته، وأعجزت غوامض الفكر جلالته، ووضحت بالشواهد الساطعة حجته، وظهرت في كل شئ حكمته، أحق الحق بما، نصب من أعلامه ودلالاته، وأوضح من حججه وبيناته، وأبطل الباطل بما أدحض من شبهاته، وأبان عن مشتبهاته. # وصلى الله على عبده المجتبى، ونبيه المصطفى، خير الأنبياء والمرسلين، وأفضل الأولين والآخرين، البشير النذير، الداعي بإذنه والسراج المنير، سيد سادات العرب والعجم، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. # وعلى أوصيائه وأصفيائه الأئمة المهديين المرضيين المنتجبين من أرومته (1)، الحافظين لشريعته، المعصومين من كل دنس ورجس، المفضلين على كافة الجن والإنس، الذين ينتجز الموعود يوم المآب # PageV01P033 # بإنجازهم، ولا يجاز الصراط إلا بجوازهم، فهم النمرقة (1) الوسطى، من تقدمهم مرق، ومن تأخر عنهم زهق، ومن لزمهم لحق، وهم كباب حطة، ومثل سفينة نوح من ركبها نجى، ومن تخلف عنها غرق وهوى. وهم خاصة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وصفوة عترته الذين قرن الله معرفتهم بمعرفته، وجعل محبتهم في الوجوب كمحبته. وهم دعائم الاسلام، وأئمة الأنام، وحجج المهيمن السلام، سرج في كل ظلام، ودرج إلى كل مرام. # عليهم أفضل الصلاة والسلام ما لاح برق واستهل غمام، وتوسمت الرياض بفرادى نباتها والتوأم. # وبعد: # فإن أشرف الكلام عند الخاص والعام ما وجه إلى أشرف من حاز الله له رواء الملك إلى بهاء العلم، وسناء الحلم، وإمضاء الحكم، لا زال مبرا على ملوك الأرض وولاة النهي والأمر بما آتاه من علو الشأن وجلالة القدر، وميزه بجلائل من المجد (ودقائق من الشرف المعد، وخواص من العدل، وعوام من الفواضل والفضل) (2)، لا يندرج أدناها تحت القدرة والإمكان، ولا ينال أقصاها بالعبارة والبيان، وهذه صفة الاصفهبذ (3) الاجل (الأعظم، الملك المؤيد العادل) (4) شرف الدنيا والدين، ظهير الإسلام والمسلمين، (تاج الملوك والسلاطين، عضد الجيوش في العالمين، قاهر الكفرة والمشركين، ms001 قامع العتاة والمتمردين، علاء الدولة، وبهاء الملة، مجد . # PageV01P034 # الأمة، صفوة الخلافة، قطب المعالي) (1) ملك مازندران، خسرو (2) إيران ، اصفهبذ، اصفهبذان، شاه فرشوا ذكر (3)، أبي الحسن علي بن شهريار بن قارن نصرة أمير المؤمنين، أعلى الله شأنه، ونصر سلطانه، وحرس حوباه، وطرز بالنجح لواه، إذ هو باتفاق الأولياء والأعداء، واصفاق القرباء والبعداء، واحد الدهر وثمال (4) أهل العصر، وغرة الأفلاك الدائرة، وعمدة العترة الطاهرة. # لا جرم قد ملكه الله زمام الدهر، وأنفذ حكمه في البر والبحر، وشد به أزر الإسلام، ومهد له أسباب المعدلة في الأنام، وجعل أيامه للزمان أعيادا ومواسم، وللإقبال مباهج ومباسم، متعه الله تعالى بجمال هذه الحال، وأدام له في العباد والبلاد كرائم الإفضال، ومواد النوال، بلطفه وطوله وسعة جوده وفضله. # ثم إن خادم الدعاء المخلص بالولاء وإن سبق في ميدان الفضل فهو عكاشة غايته، وبرز على فرسان العلم فهو عرابة رايته وإن كان قد قصر وهمه وهمه، وجمع وكده (5) وكده - منذ خط الشباب بالمسك عذاره، إلى أن وخط المشيب بالكافور أطراره (6) - على اقتناء العلوم وجمع أفانينها (7)، وضبط قوانينها حتى أصبح مقتطفا من ثمار النحو والأدب زواهرها وغررها، مغترفا # PageV01P035 # من بحار أصول الدين وفروعه جواهرها ودررها، فإن كل فاضل وإن بعد في الفضل مداه، وبلغ من كل علم أقصاه، إذا لم يتشرف بتقبيل تراب الحضرة العالية الإصفهبذية العلائية، أدام الله لها العلو والعلا والسمو والسنا والقدرة والبهاء ولم ينسب إلى جملة خدمها، ولم يحسب في زمرة حشمها، فهو ناقص عن حيز الكمال، عادل عن الحقيقة إلى المحال. # لأنها الغاية القصوى التي عجزت عن أن تؤمل ادراكا لها الهمم ما يستحق ملوك الدهر مرتبة إلا لصاحبها من فوقها قدم فرأيه إن دجا ليل الشكوك هدى وظنه إن خطا صرف الردى حرم فلو عدا الكرم الموصوف راحته عن أن يجاورها لم يكرم الكرم جلالة الملك أدنى درجاته، وحماية الدين أقل أدواته، وإكرام ذوي الفضل من الأنام واصطناع الكرام والإنعام على الخاص والعام أشهر صفاته، فالآمال منوطة به، والهمم مصروفة إليه، والثناء والحمد ms002 والشكر بأجمعها موقوفة عليه، واستقل بما عجزت الملوك عن حمل أعبائه، وقام بما قعد الدهر عن معاناة عنائه، (بهمة علية) (1)، وعزيمة (2) علانية (3)، وعقيدة علوية، فرد سمل الدين جديدا، وأعاد ذميم الأيام حميدا، بحق أوضحه، وباطل فضحه، وهدى أعاده، وضلال أباده: # فلا انتزع الله العدي حد بأسه ولا انتزع الله الهدي عز نصره وأحسن عن حب النبي وآله ورعى سوام الدين توفير شكره فما يدرك المداح أدنى حقوقه باغراق منظوم الكلام ونثره # PageV01P036 # لأن أدنى نعمه يستغرق جميع الشكر، وأيسر مننه يفوز مدى الوصف والذكر: # فكل أروع من آل (الرسول عدا) * (1) جذلان يرفل من نعماه في حلل فلو أجاب كتاب الله سائله * من خير هذا الورى لم يسم غير علي ولما عاق هذا الداعي المخلص عن (ورود الحضرة) (2) العالية، والوصول منها إلى رواق العز والجلال، والاكتحال بتلك النهجة والجمال عوائق الزحال وعوادي الأصول (3) أراد أن يخدمها بخدمة تبقى عوائدها على تعاقب الأيام وتناوب الشهور والأعوام، فيؤلف كتابا يتضمن أسامي الأئمة الهداة والسادة الولاة وأولي الأمر وأهل الذكر وأهل بيت الوحي، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، ويشتمل على تواريخ مواليدهم وأعمارهم، وطرف من أخبارهم ومحاسن آثارهم، والنصوص الدالة على صحة إمامتهم، والآيات الظاهرة من الله عليهم الشاهدة لتمييزهم عمن سواهم وإبانتهم عمن عداهم. ثم فكر في ذلك وقدر وتأمل وتدبر وقال: إذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو الشجرة وهم أغصانها، والدوحة وهم أفنانها، ومنبع العلم وهم عيبته، ومعدن الحكم وهم خزانته، وشارع الدين وهم حفظته، وصاحب الكتاب وهم حملته، فهو أولى بان يقدم في الذكر وتبين آياته الناطقة برسالاته وأعلامه الدالة على نبوته ومعجزاته القاهرة ودلالاته الباهرة. # فاستخار الله سبحانه في الابتداء به، واستعان به في إتمام ما قصده، # PageV01P037 # وسماه كتاب إعلام الورى بأعلام الهدى وجعله أربعة أركان: # الركن الأول: في ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # والركن الثاني: في ذكر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. # والركن الثالث: في ذكر الأئمة من ms003 أبنائه من الحسن بن علي الرضي إلى الحسن بن علي الزكي عليهم السلام. # والركن الرابع: في إمامة الأئمة الاثني عشر والإمام الثاني عشر عليهم السلام. # وكل ركن منها يتضمن أبوابا وفصولا تزهر بما فيها من مكنون العلم ومخزون الحكم، مفصولا وموصولا، وإن من أولى الأمور وأصوبها عند الجمهور أن تحلى مسائل العقائد على أجل معتقديها، وتعرض فرائد الجواهر على أكمل منتقديها، والمأمول المسؤول من الرأي العالي أعلاه الله أن يغدق على هذه الكريمة الجسيمة ويسبل على هذه الرسالة العقيلة النيلة جناح القبول، لينال الداعي المخلص بذلك غاية المرام ونهاية المأمول فاستخرجت درة فإنها خير باكورة جلبت إلى قلوب المؤمنين وأكرم بشارة صبت على أذان الغارمين والله تعالى الموفق للسداد، الهادي إلى الرشاد، وعليه توكلت وإليه أنيب. PageV01P038 # (الركن الأول من الكتاب) في ذكر النبي المصطفى محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ونسبه، ومولده، ومبعثه، ومدة حياته، ووقت وفاته، وبيان أسمائه وصفاته، ودلائل نبوته ومعجزاته، وذكر أولاده وأز واجه وأعمامه وأخواله، ومعرفة بعض غزواته وأحواله. # ويشتمل على ستة أبواب: PageV01P039 # الباب الأول * في ذكر نسبه ومولده وذكر أسمائه ومدة حياته ووقت وفاته يشتمل على ثلاثة فصول: PageV01P041 # الفصل الأول * في ذكر مولده ونسبه إلى ادم عليه السلام ووقت وفاته ولد صلى الله عليه وآله وسلم يوم الجمعة عند طلوع الشمس السابع عشر من شهر ربيع الأول من عام الفيل (1). # (وفي رواية العامة: ولد صلى الله عليه وآله وسلم يوم الاثنين، ثم اختلفوا فمن قائل يقول لليلتين من شهر ربيع الأول (2)، ومن قائل يقول: لعشر ليال خلون منه (3)، وذلك لأربع وثلاثين سنة وثمانية أ شهر مضت من ملك كسرى) (4) أنو شيروان بن قباد وهو قاتل مزدك والزنادقة ومبيرهم (5) وهو الذي عنى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ما يزعمون: ولدت في زمان الملك العادل الصالح (6). ولثمان سنين وثمانية # PageV01P042 # أشهر من ملك عمرو بن هند ملك العرب (1). # وكنيته: أبو القاسم. # وروى أنس بن مالك قال: لما ولد إبراهيم ابن النبي من مارية أتاه جبرئيل ms004 عليه السلام فقال: (السلام عليك أبا إبراهيم)، أو: (يا أبا إبراهيم) (3). # ونسبه: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب - واسمه شيبة الحمد - بن هاشم - واسمه عمرو - بن عبد مناف - واسمه المغيرة - بن قصي - واسمه زيد - ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر وهو قريش بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان (3). # وروي عنه عليه السلام أنه قال: (إذا بلغ نسبي عدنان فأمسكوا) (4). # وروي عن أم سلمة زوج النبي عليه السلام قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (معد بن عدنان بن أدد بن زيد بن ثرا بن أعراق الثرى، قالت أم سلمة: زيد هميسع وثرانبت وأعراق الثرى إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام؟ قالت: ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه # PageV01P043 # وآله وسلم: ﴿وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا﴾ (1) لا يعلمهم إلا الله (2). # وذكر الشيخ أبو جعفر بن بابويه رضوان الله عليه: عدنان بن أد بن أدد ابن يامين بن يشجب بن منحر بن صابوغ بن الهميسع (3). # وفي رواية أخرى: عدنان بن أدد بن زيد بن يقدد بن يقدم الهميسع ابن نبت بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام (4). # وقيل: الأصح الذي اعتمد عليه أكثر النساب وأصحاب التواريخ: أن عدنان هو أد بن أدد بن اليسع بن الهميسع بن سلامان بن نبت بن حمل بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام ابن تارخ بن ناحور بن ساروغ ابن ارغوا بن فالغ بن عابر) وهو هود عليه السلام ابن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ (6) وهو إدريس عليه السلام (ابن يارد) (7) بن (مهلائيل) (8) يارد بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم # PageV01P044 # عليه السلام أبي البشر (1). # وأمه: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب ابن لؤي بن غالب. # وأرضعته حتى شب ms005 حليمة بنت عبد الله بن الحارث بن شجنة السعدية من بني سعد بن بكر بن هوازن، وكانت ثويبة مولاة أبي لهب بن عبد المطلب أرضعته أيضا بلبن ابنها مسروح وذلك قبل أن تقدم حليمة، وتوفيت ثويبة مسلمة سنة سبع من الهجرة، ومات ابنها قبلها، وكانت قد أرضعت ثويبة قبله حمزة بن عبد المطلب عمه، فلذلك قال رسول الله عليه السلام لابنة حمزة: # (إنها ابنة أخي من الرضاعة) وكان حمزة أسن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأربع سنين (2). # وأما جدته أم أبيه عبد الله: فهي فاطمة بنت عمر (و) بن عائذ بن عمران ابن مخزوم. # وأم عبد المطلب: سلمى بنت عمرو من بني النجار. # وأم هاشم: عاتكة بنت مرة بن هلال من بني سليم. # وأم قصي وزهرة: فاطمة بنت سعد من أزد السراة (3). # PageV01P045 # وصدع صلى الله عليه وآله وسلم بالرسالة يوم السابع والعشرين من رجب وله يومئذ أربعون سنة. # وقبض صلوات الله عليه وآله يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة إحدى عشر من الهجرة، وهو ابن ثلاث وستين سنة (1). # PageV01P046 # (الفصل الثاني) في ذكر أسمائه صلوات الله عليه وشرف أصله ونسبه وأما أسماؤه وصفاته صلوات الله عليه وآله: # فمنها: ما جاء به التنزيل وهو: # الرسول، النبي، الأمي: في قوله: ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل﴾ (١). # والمزمل والمدثر: في قوله تعالى: ﴿يا أيها المزمل﴾ (٢) ﴿يا أيها المدثر﴾ (٣). # والنذير المبين: في قوله تعالى: ﴿قل اني انا النذير المبين﴾ (٤). # وأحمد: في قوله تعالى: ﴿ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد﴾ (٥). # ومحمد: في قوله تعالى: ﴿محمد رسول الله﴾ (٦). # والمصطفى: في قوله تعالى: ﴿الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس﴾ (7). # PageV01P047 # والكريم: في قوله تعالى: ﴿إنه لقول رسول كريم﴾ (١). # وسماه سبحانه نورا: في قوله: ﴿قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين﴾ (٢). # ونعمة: في قوله تعالى: ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها﴾ (٣). # ورحمة: في قوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾ (٤). # وعبدا: في قوله تعالى: ﴿نزل الفرقان على عبده﴾ (٥). # رؤوفا ms006 رحيما: في قوله: ﴿بالمؤمنين رؤوف رحيم﴾ (٦). # شاهدا، ومبشرا، ونذيرا، وداعيا: في قوله تعالى: ﴿انا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى الله باذنه وسراجا منيرا﴾ (٧). # وسماه منذرا: في قوله تعالى: ﴿انما أنت منذر﴾ (٨). # وسماه عبد الله: في قوله تعالى: ﴿وانه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يمونون عليه لبدا﴾ (9). # وسماه مذكرا: في قوله تعالى: (انما أنت مذكر)، (10،. # وسماه طه، ويس. # PageV01P048 # ومنها: ما جاءت به الأخبار: ذكر محمد بن إسماعيل البخاري في الصحيح عن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد) (١). # وقيل: أن الماحي الذي يمحى به سيئات من اتبعه. # وفي خبر آخر: المقفي، ونبي التوبة، ونبي الملحمة، والخاتم، والغيث، والمتوكل (٢). # وأسماؤه في كتب الله السالفة كثيرة منها: مؤذ مؤذ بالعبرانية في التوراة، وفارق في الزبور (٣). # وروى أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي في كتاب دلائل النبوة: # بإسناده عن الأعمش، عن عباية بن ربعي، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله عز وجل قسم الخلق قسمين فجعلني في خيرهما قسما، وذلك قوله في: ﴿وأصحاب اليمين﴾ (4) (وأصحاب الشمال) (5) فأنا من أصحاب اليمين وأنا خير أصحاب اليمين. ثم جعل # PageV01P049 # القسمين أثلاثا، فجعلني في خيرها ثلثا فذلك قوله: ﴿فأصحاب الميمنة﴾ (١) (وأصحاب المشئمة) (٢) ﴿والسابقون السابقون﴾ (٣) فأنا من السابقين وأنا خير السابقين، ثم جعل الأثلاث قبائل فجعلني في خيرها قبيلة وذلك قوله: # ﴿وجعلناكم شعوبا وقبائل﴾ (٤) الآية، فأنا أتقى ولد آدم وأكرمهم على الله ولا فخر، ثم جعل القبائل بيوتا فجعلني في خيرها بيتا وذلك قوله عز وجل: ﴿انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾ (5) فأنا وأهل بيتي مطهرون من الذنوب) (6). # وروى الشيخ أبو عبد الله الحافظ بإسناده، عن سفيان بن عيينة أنه قال: أحسن بيت قالته العرب قول أبي طالب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: ms007 # وشق له من اسمه كي يجله * فذو العرش محمود وهذا محمد (7) وقال غيره: إن هذا البيت لحسان بن ثابت في قطعة له أولها: # ألم تر أن الله أرسل عبده * ببرهانه والله أعلى وأمجد (8) ومن صفاته التي جاءت في الحديث: راكب الجمل، وآكل الذراع، ومحرم الميتة، وقابل الهدية وخاتم النبوة، وحامل الهراوة، ورسول # PageV01P050 # الرحمة. # ويقال: إن كنيته في التوراة أبو الأرامل، واسمه صاحب الملحمة (1). # وروي أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم: (أنا الأول والآخر، أول في النبوة، واخر في البعثة) (2). # PageV01P051 # (الفصل الثالث) في ذكر مدة حياته صلى الله عليه وآله وسلم عاش صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثا وستين سنة، منها مع أبيه سنتين وأربعة أشهر، ومع جده عبد المطلب ثمان سنين، ثم كفله عمه أبو طالب بعد وفاة جده عبد المطلب فكان يكرمه ويحميه وينصره أيام حياته (1). # وذكر محمد بن إسحاق بن يسار: أن أباه عبد الله مات وأمه حبلى، وقيل أيضا: إنه مات والنبي صلى الله عليه وآله وسلم ابن سبعة أشهر (2). # وذكر أبن إسحاق: قدمت آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم به على أخواله من بني عدي بن النجار بالمدينة ثم رجعت به حتى إذا كانت بالأبواء هلكت بها ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابن ست سنين (3) وروي عن بريدة قال: انتهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى رسم قبر فجلس وجلس الناس حوله فجعل يحرك رأسه كالمخاطب ثم بكى، فقيل: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: (هذا قبر آمنة بنت وهب استأذنت ربي في أن أزور قبرها فاذن لي فأدركتني رقتها فبكيت) فما رأيته ساعة أكثر باكيا من تلك الساعة (4). # PageV01P052 # وفي خبر آخر: (استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي، فزوروا القبور تذكركم الموت) رواه مسلم في الصحيح (1). # وتزوج بخديجة بنت خويلد وهو ابن خمس وعشرين سنة. وتوفي عمه أبو طالب وله ست وأربعون سنة وثمانية أشهر وأربعة وعشرون يوما. وتوفيت خديجة بعده بثلاثة أيام، وسمى رسول ms008 الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك العام عام الحزن (2). # وروى هشام بن عروة، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما زالت قريش كاعة (3) عني حتى مات أبو طالب) (4) وأقام صلى الله عليه وآله وسلم بمكة بعد البعثة ثلاث عشرة سنة، ثم هاجر منها إلى المدينة بعد أن استتر في الغار ثلاثة أيام وقيل: ستة أيام، ودخل المدينة يوم الاثنين الحادي عشر من شهر ربيع الأول وبقي بها عشر سنين. # ثم قبض صلى الله عليه وآله وسلم يوم الاثنين لليلتين بقيتا من صفر سنة إحدى عشرة من الهجرة (6). # PageV01P053 # واختلف أهل بيته وأصحابه في موضع دفنه فقال أمير المؤمنين عليه السلام: (إن الله تعالى لم يقبض روح نبيه إلا في أطهر البقاع فينبغي أن يدفن هناك) فأخذوا بقوله ودفنوه في حجرته التي قبض فيها صلى الله عليه وآله وسلم (1). # PageV01P054 # (الباب الثاني) في ذكر آياته الباهرات ومعجزاته الخارقة للعادات وهذه الآيات: قسمان أحدهما: ما ظهر قبل مبعثه. والاخر: ما ظهر بعد ذلك. # فأما ما ظهر قبل الدعوة والمبعث: فمن ذلك ما استفاض في الحديث: أن أم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما وضعته رأت نورا أضاءت له قصور الشام. # وحدثت هي: أنها اتيت حين حملت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقيل لها: إنك حملت بسيد هذه الأمة فإذا وقع على الأرض فقولي: # أعيذه بالواحد من شر كل حاسد فإن آية ذلك أن يخرج معه نور يملا قصور بصرى من أرض الشام، فإذا وقع فسميه محمدا، فإن اسمه في التوراة أحمد، يحمده أهل السماء والأرض، واسمه في الإنجيل أحمد، يحمده أهل السماء والأرض، واسمه في الفرقان محمد. قالت: فسميته بذلك (1). # PageV01P055 # وروى أبو امامة قال: قيل: يا رسول الله ما كان بدء أمرك؟ قال: (دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام) (1). # ومن ذلك: ما رواه الأستاذ أبو سعد الواعظ الزاهد الخركوشي (2) بإسناده عن مخزوم بن أبي المخزومي، ms009 عن أبيه وقد أتت عليه مائة وخمسون سنة قال: لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ارتجس (3) إيوان كسرى فسقطت منه أربع عشرة شرفة، وخمدت نيران فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة ساوة، ورأى المؤبذان (4) أن إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة فانتشرت في بلادها. # PageV01P056 # فلما أصبح كسرى راعه ذلك وأفزعه وتصبر عليه تشجعا، ثم رأى أن لا يدخر ذلك عن وزرائه ومرازبته (1)، فجمعهم وأخبرهم بما هاله، فبينا هم كذلك إذ أتاه كتاب بخمود نار فارس، فقال المؤبذان: وأنا رأيت رؤيا، وقص عليه رؤياه في الإبل، فقال: أي شئ يكون هذا يا مؤبذان، قال؟ حدث يكون من ناحية العرب. # فكتب كسرى عند ذلك إلى ملك العرب النعمان بن المنذر: # أما بعد: فوجه إلي برجل عالم بما أريد أن أسأله عنه. # فوجه إليه بعبد المسيح بن عمرو بن بقيلة الغساني، فلما قدم عليه أخبره بما رأى، فقال: علم ذلك عند خال يسكن مشارق الشام، يقال له: # سطيح، قال: فاذهب إليه فسله وائتني بتأويل ما عنده. # فنهض عبد المسيح حتى قدم على سطيح وقد أشفى على الموت، فسلم فلم يحر جوابا، فأنشأ عبد المسيح أبياتا يذكر فيها ما أراده منه، ففتح سطيح عينيه ثم قال: عبد المسيح على جمل مسيح إلى سطيح وقد أوفى على الضريح، بعثك ملك بني ساسان: لارتجاس الإيوان، وخمود النيران، ورؤيا المؤبذان، رأى إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها. # يا عبد المسيح إذا كثرت التلاوة، وظهر صاحب الهراوة، وفاض وادي السماوة، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس، فليس الشام لسطيح شاما، يملك منهم ملوك وملكات على عدد الشرفات، وكل ما هو آت آت، ثم قضى سطيح مكانه. # PageV01P057 # فنهض عبد المسيح وقدم على كسرى وأخبره بما قال سطيح، فقال: # إلى أن يملك منا أربعة عشر ملكا كانت أمور، فملك منهم عشرة في أربع سنين والباقون إلى أمارة عثمان (1). # ومن ذلك: ما رواه علي ms010 بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن رجاله قال: كان بمكة يهودي يقال له يوسف، فلما رأى النجوم تقذف وتتحرك ليلة ولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: هذا نبي قد ولد في هذه الليلة، لأنا نجد في كتبنا أنه إذا ولد آخر الأنبياء رجمت الشياطين وحجبوا عن السماء. # فلما أصبح جاء إلى نادي قريش فقال: هل ولد فيكم الليلة مولود؟ # قالوا: قد ولد لعبد الله بن عبد المطلب ابن في هذه الليلة. # قال: فاعرضوه علي. # فمشوا إلى باب آمنة، فقالوا لها: اخرجي ابنك، فأخرجته في قماطه، فنظر في عينه، وكشف عن كتفيه فرأى شامة سوداء وعليها شعيرات، فلما نظر إليه اليهودي وقع إلى الأرض مغشيا عليه، فتعجبت منه قريش وضحكوا منه، فقال: أتضحكون يا معشر قريش هذا نبي السيف ليبيرنكم، وذهبت النبوة عن بني إسرائيل إلى آخر الأبد، وتفرق الناس يتحدثون بخبر اليهودي (2). # ومن ذلك: بشارة موسى بن عمران عليه السلام به في التوراة، فلقد حدثني من أثق به قال: مكتوب في خروج النبي من ولد إسماعيل، وصفته # PageV01P058 # هذه الألفاظ: لا شموعيل شمعشخوا هني بيراختما اوثو هربيث، أتو هربتي واتو بماد ماد شينم آسور نسيئم وأنا تيتو الكوى كادل. # وتفسيره: إسماعيل قبلت صلاته، وباركت فيه، وأنميته، وكثرت عدده بولد له اسمه محمد، يكون اثنين وتسعين في الحساب، سأخرج اثنا عشر إماما ملكا من نسله، وأعطيه قوما كثير العدد. # ومن ذلك: ما أخبر به الثقة أنه قرأ في الإنجيل - ذكره الشيخ أبو جعفر ابن بابويه رحمه الله في كتاب كمال الدين وتمام النعمة -. (إني أنا الله الدائم الذي لا أزول، صدقوا النبي الأمي صاحب الجمل والمدرعة والتاج - وهي العمامة - والنعلين والهراوة - وهي القضيب -.. الأكحل العينين، الصلت (1) الجبين، الواضح الخدين، الأقنى (2) الأنف، المفلج (3) الثنايا، كأن عنقه إبريق فضة، كأن الذهب يجري في تراقيه، له شعرات من صدره إلى سرته، ليس على بطنه وصدره شعر، أسمر اللون، دقيق المسربة (4)، شثن الكف والقدم، إذا التفت التفت جميعا، وإذا مشى كأنما ينقلع من ms011 صخر وينحدر من صبب، وإذا جاء مع القوم بذهم، عرقه في وجهه كاللؤلؤ، وريح المسك تنفح منه، لم ير قبله مثله ولا بعده، طيب الريح، نكاح للنساء، ذو النسل القليل، إنما نسله من مباركة لها بيت في الجنة، لا صخب فيه ولا نصب، يكفلها في آخر الزمان كما كفل زكريا أمك، لها فرخان مستشهدان، كلامه القران، ودينه الإسلام وأنا السلام، طوبى لمن أدرك زمانه، وشهد أيامه # PageV01P059 # وسمع كلامه). # فقال عيسى عليه السلام: (يا رب وما طوبى؟). # قال: (شجرة في الجنة إنما غرستها بيدي، تظل الجنان، أصلها من رضوان، ماؤها من تسنيم، برده برد الكافور، وطعمه طعم الزنجبيل، من يشرب من تلك العين شربة لم يظمأ بعدها أبدا). # فقال عيسى عليه السلام: (اللهم اسقني منها). # قال: (حرام يا عيسى على النبيين أن يشربوا منها حتى يشرب ذلك النبي، وحرام على الأمم أن يشربوا منها حتى تشرب أمة ذلك النبي، أرفعك إلي ثم أهبطك في آخر الزمان لترى من أمة ذلك النبي العجائب، ولتعينهم على اللعين الدجال، أهبطك في وقت الصلاة لتصلي معهم إنهم أمة مرحومة) (1). # ومن ذلك: حديث سلمان الفارسي وأنه لم يزل ينتقل من عالم إلى عالم ومن فقيه إلى فقيه، ويبحث عن الأسرار، ويستدل بالأخبار، وينتظر قيام سيد الأولين والآخرين محمد صلى الله عليه وآله وسلم أربعمائة سنة حتى بشر بولادته، فلقا أيقن بالفرج خرج يريد تهامة فسبي. والخبر في ذلك طويل مذكور في كتاب كمال الدين (2). # ومن ذلك: حديث تبع الملك وقوله: سيخرج من هذه - يعني مكة - نبي يكون مهاجره يثرب، وأخذ قوما من اليمن فأنزلهم مع اليهود بيثرب لينصروه إذا خرج، فهم الأوس والخزرج. # وفي ذلك يقول تبع: # PageV01P060 # شهدت على أحمد أنه رسول من الله بارئ النسم فلو مد عمري إلى عمره لكنت وزيرا له وابن عم وكنت عذابا على المشركين وأسقيهم كأس خوف وغم (1) ومن ذلك: ما رواه أيضا بإسناده عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة لا يجلس ms012 عليه أحد إجلالا له، وكان بنوه يجلسون حوله حتى يخرج عبد المطلب، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخرج وهو غلام فيمشي حتى يجلس على الفراش، فيعظم ذلك على أعمامه ويأخذونه ليؤخروه، فيقول لهم عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني فوالله إن له لشأنا عظيما، إني أرى أنه سيأتي عليكم يوم وهو سيدكم، إني أرى غرته غرة تسود الناس، ثم يحمله فيجلسه معه ويمسح ظهره ويقبله، ويقول: ما رأيت قبلة أطيب منه ولا أطهر قط، ثم يلتفت إلى أبي طالب - وذلك أن أبا طالب وعبد الله لام - فيقول: يا أبا طالب، إن لهذا الغلام لشأنا عظيما فاحفظه واستمسك به فإنه فرد وحيد، وكن له كالأم لا يوصل إليه بشئ يكرهه. ثم يحمله على عنقه فيطوف به أسبوعا، وكان عبد المطلب قد علم أنه يكره اللات والعزى فلا يدخله عليهما. # فلما تمت له ست سنين ماتت أمه آمنة بالأبواء بين مكة والمدينة، وكانت قدمت به أخواله من بني عدي، فبقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتيما لا أب له ولا أم، فازداد عبد المطلب له رقة وحفظا. # وكانت هذه حاله حتى أدرك عبد المطلب الوفاة، فبعث إلى أبي طالب فجاءه ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم على صدره وهو في غمرات الموت فصار يبكي ويلتفت إلى أبي طالب ويقول: يا أبا طالب أنظر أن تكون حافظا # PageV01P061 # لذلك الوحيد الذي لم يشم رائحة أبيه ولا ذاق شفقة أمه. # أنظر يا أبا طالب أن يكون من جسدك بمنزلة كبدك، فإني قد تركت بني كلهم ووصيتك به لأنك من أم أبيه. # يا أبا طالب إن أدركت أيامه فاعلم أني كنت من أبصر الناس ومن أعلم الناس به، وإن لم استطعت أن تتبعه فافعل، وانصره بلسانك ويدك ومالك، فإنه والله سيسود ويملك ما لم يملك أحد من بني آبائي. # يا أبا طالب ما أعلم أحدا من آبائك مات عنه أبوه على حال أبيه ولا أمه على حال امه، فاحفظه ms013 لوحدته، هل قبلت وصيتي؟ # قال: نعم قد قبلت والله على ذلك شاهد. # قال عبد المطلب: فمد يدك إلي. # فمد يده إليه فضرب يده على يده، ثم قال عبد المطلب: الان خفف علي الموت، ثم ضمه إلى صدره ولم يزل يقبله ويقول: أشهد أني لم اقبل أحدا من ولدي أطيب ريحا منك ولا أحسن وجها منك. ويتمنى أن يكون قد بقي حتى يدرك زمانه. افمات عبد المطلب وهو ابن ثمان سنين، فضمه أبو طالب إلى نفسه لا يفارقه. ساعة من ليل ولا نهار، وكان ينام معه حتى بلغ، لا يأتمن عليه أحدا (1). # ومن ذلك: حديث سيف بن ذي يزن، والرواية بذلك مشهورة، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: لما ظفر سيف بن ذي يزن بالحبشة - وذلك بعد مولود النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسنتين - وفد العرب وأشرافها إليه وفيهم: عبد المطلب بن هاشم، وأمية بن عبد شمس، وعبد الله بن جذعان، وأسد بن خويلد، ووهب بن عبد مناف، وغيرهم من وجوه قريش، فقدموا # PageV01P062 # عليه صنعاء فاستأذنوا وهو في قصر، يقال له غمدان، وهو الذي يقول فيه أمية ابن أبي الصلت: # اشرب هنيئا عليك التاج مرتفعا * في رأس غمدان دار منك محالا ثم ساق الحديث إلى أن قال: فأرسل إلى عبد المطلب فأدنى مجلسه ثم قال: يا عبد المطلب إني مفض إليك من سر علمي أمرا لو كان غيرك لم أبح به إليه ولكني رأيتك معدنه فأطلعتك عليه، فليكن عندك مطويا حتى يأذن الله فيه فإن الله بالغ أمره، إني أجد في الكتاب المكنون والعلم المخزون الذي اخترناه لأنفسنا وأخبرناه دون غيرنا خبرا عظيما وخطرا جسيما، فيه شرف الحياة، وفضيلة الوفاة، للناس عامة ولرهطك كافة، ولك خاصة. # فقال عبد المطلب: مثلك أيها الملك قد سر وبر فما هو؟ فداك أهل الوبر زمرا بعد زمر. # فقال: إذا ولد بتهامة غلام بين كتفيه شامة كانت له الإمامة ولكم به الزعامة إلى يوم القيامة. # فقال عبد المطلب: أبيت اللعن، لقد إبت بخير ما ms014 آب بمثله وافد، ولولا هيبة الملك وإجلاله وإعظامه لسألته من أسراره ما أزداد به سرورا. # فقال ابن ذي يزن: هذا حينه الذي يولد فيه، أو قد ولد فيه، اسمه محمد، يموت أبوه وأمه ويكفله جده وعمه، وقد ولد سرارا، والله باعثه جهارا، وجاعل له منا أنصارا، يعز بهم أولياءه ويذل بهم أعداءه، يضرب بهم الناس عن عرض، ويستبيح بهم كرائم الأرض يكسر الأوثان، ويخمد النيران، ويعبد الرحمن، ويدحر الشيطان، قوله فصل، وحكمه عدل، يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويبطله. # فقال عبد المطلب: أيها الملك عز جدك، وعلا كعبك، وداج ملكك، وطال عمرك، فهل الملك ساري بإفصاح فقد أوضح لي بعض الإيضاح؟ PageV01P063 # فقال ابن ذي يزن: والبيت ذي الحجب، والعلامات على النصب، إنك يا عبد المطلب لجده غير كذب. # قال: فخر عبد المطلب ساجدا، فقال له: إرفع رأسك ثلج صدرك، وعلا أمرك، فهل أحسست شيئا مما ذكرته؟ # فقال: كان لي ابن وكنت به معجبا وعليه رفيقا، فزوجته كريمة من كرائم قومي آمنة بنت وهب، فجاءت بغلام فسميته محمدا، مات أبوه وأمه وكفلته عمه. # قال ابن ذي يزن: إن الذي قلت لك كما قلت لك، فاحتفظ بابنك، واحذر عليه اليهود فإنهم له أعداء ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا، واطو ما ذكرت لك دون هؤلاء الرهط الذي معك فإني لست آمن أن تدخلهم النفاسة من أن تكون له الرئاسة، فيطلبون له الغوائل وينصبون له الحبائل، وإنهم فاعلون ذلك أو أبناؤهم غير شك، ولولا أني أعلم أن الموت مجتاحي قبل مبعثه لسرت بخيلي ورجلي حتى أصير بيثرب دار ملكه، فإني أجد في الكتاب الناطق والعلم السابق أن يثرب دار ملكه، فيها استحكام أمره، وأهل نصرته، وموضع قبره، ولولا أني أخاف فيه الآفات، وأحذر عليه العاهات، لأعلنت على حداثة سنه أمره في هذا الوقت، ولأوطأت أسنان العرب عقبه، ولكني سأصرف ذلك إليك عن غير تقصير مني بمن معك. # قال: ثم أمر لكل رجل من القوم بعشرة أعبد وعشر إماء وحلتين من البرود ومائة ms015 من الإبل وخمسة أرطال ذهب وعشرة أرطال فضعة وكرش مملوءة عنبرا. # قال: وأمر لمعبد المطلب بعشرة أضعاف ذلك، وقال: إذا حال الحول فائتني. فمات ابن ذي يزن قبل أن يحول الحول. # قال: فكان عبد المطلب كثيرا ما يقول: يا معشر قريش لا يغبطني رجل PageV01P064 # منكم بجزيل عطاء الملك وإن كثر فإنه إلى نفاد، ولكن يغبطني بما يبقى لي ولعقبي من بعدي ذكره وفخره وشرفه، فإذا قيل: وما هو؟ قال: ستعلمن نبأ ما أقول ولو بعد حين (1). # وقد روى هذا الحديث الشيخ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي في كتاب دلائل النبوة من طريقين (2). # ومن ذلك: حديث بحيراء الراهب، فقد أورد محمد بن إسحاق بن يسار قال: إن أبا طالب خرج في ركب إلى الشام تاجرا، فلما تهيأ للرحيل وأجمع السير انتصب له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخذ بزمام ناقته وقال: (يا عم إلى من تكلني لا أب لي ولا أم لي؟). # فرق له أبو طالب فقال: والله لأخرجن به معي ولا يفارقني ولا أفارقه أبدا. فخرج وهو معه. # فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام وبها راهب يقال له بحيراء في صومعة له، وكان أعلم أهل النصرانية، وكان كثيرا ما يمرون به قبل ذلك لا يكلمهم ولا يعرض لهم، فلما نزلوا ذلك العام قريبا من صومعته صنع لهم طعاما، وذلك فيما يزعمون عن شئ رآه وهو في صومعته في الركب حين أقبلوا وغمامة بيضاء تظله من بين القوم، ثم أقبلوا حتى نزلوا بظل شجرة قريبا منه، فنظر إلى الغمامة حتى أظلت الشجرة، وتهصرت (3) أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى استظل تحتها، فلما رأى ذلك بحيراء نزل من صومعته - وقد أمر بذلك الطعام فصنع - ثم أرسل إليهم فقال: # PageV01P065 # إني صنعت لكم طعاما يا معشر قريش وإني أحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم، وحركم وعبدكم. # فقال له رجل منهم: يا بحيراء إن لك اليوم لشأنا، ما كنت تصنع لنا هذا الطعام وقد كنا. نمر ms016 بك كثيرا، فما شأنك اليوم؟ # فقال له بحيراء: صدقت قد كان ما تقول، ولكنكم ضيف، وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما تأكلون منه كلكم. # فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم تحت الشجرة، فلما رأى بحيراء القوم لم يجد الصفة التي يعرف فقال: يا معشر قريش لا يتخلف أحد منكم عن طعامي هذا. # قالوا له: ما تخلف عنا أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام هو أحدث القوم سنا تخلف في رحالهم. # قال: فالا تفعلوا، ادعوه حتى يحضر هذا الطعام معكم. # فقال رجل من قريش مع القوم: واللات والعزى إن هذا اللوم بنا أن يتخلف ابن عبد المطلب عن الطعام من بيننا. # قال ثم قام إليه فاحتضنه ثم أقبل به حتى أجلسه مع القوم، فلما رآه بحيراء جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده قد يجدها عنده في صفته، حتى إذا فرغ القوم من الطعام وتفرقوا قام بحيراء فقال له: يا غلام أسألك باللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك عنه، وإنما قال ذلك بحيراء لأنه سمع قومه يحلفون بهما. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تسألني باللات والعزى، فوالله ما أبغضت كبغضهما شيئا قط. # فقال بحيراء: فوالله إلا أخبرتني عما أسألك. PageV01P066 # فقال: سلني عما بدا لك. # فجعل يسأله عن أشياء من حاله من (1) نومه وهيئته وأموره، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخبره فيوافق ذلك ما عند بحيراء من صفته، ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده. # قال: لما فرغ منه أقبل على عمه أبي طالب فقال: ما هذا الغلام منك؟ # قال: ابني. # قال بحيراء: وما هو بابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا. # قال: فإنه ابن أخي. # قال: فما فعل أبوه؟ # قال: مات وأمه حبلى به. # قال: صدقت ارجع بابن أخيك إلى بلده؟ احذر عليه اليهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا ms017 منه ما عارفت منه ليبغينه شرا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن فأسرع به إلى بلده. # فخرج به عمه أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام. # فزعموا أن نفرا من أهل الكتاب قد كانوا رأوا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك السفر الذي كان فيه مع عمه أبي طالب أشياء فأرادوه فردهم عنه بحيراء وذكرهم الله وما يجدون في الكتاب من ذكره وصفته وأنهم إن أجمعوا بما أرادوه لم يخلصوا إليه، ولم يزل بهم حتى عرفوا ما قال لهم و صدقوه بما قال وتركوه وانصرفوا (1). # PageV01P067 # وفي ذلك يقول أبو طالب في قصيدته الدالية - أوردها محمد بن إسحاق ابن يسار -: # إن ابن آمنة (النبي) (1) محمدا * عندي بمثل منازل الأولاد لما تعلق بالزمام رحمته * والعيس قد (قلصن) (2) بالأزواد (فارفض) (3) من عينف دمع ذارف * مثل الجمان مفرد الأفراد راعيت فيه قرابة موصولة * وحفظت فيه وصية الأجداد وأمرته بالسير بين عمومة * بيض الوجوه مصالت أنجاد ساروا لأبعد طية معلومة * ولقد تباعد طية المرتاد حتى إذا ما القوم بصرى عاينوا * لاقوا على شرف من المرصاد حبرا فأخبرهم حديثا صادقا * عنه ورد معاشر الحساد قوما يهودا قد رأوا ما قد رأى * ظل (النمام وغر ذا الأكباد) (4) # PageV01P068 # (ساروا) (1) لقتل محمد فنهاهم * عنه وأجهد أحسن الإجهاد (2) (3) وأمثال ما ذكرناه كثيرة، لو قصدنا إيراد جميعها لخرجنا من الغرض المقصود بهذا الكتاب. # PageV01P069 # (فصل) وأما ما ظهر منه صلوات الله عليه وآله عقيب البعث وإظهار النبوة من الآيات والمعجزات فضربان: # أحدهما: هذا القران الذي أنزله الله سبحانه عليه وأيده به. # والاخر: غيره من المعجزات. # فوجه الاستدلال من القران: أن كل عاقل سمع، الأخبار وخالط أهلها قد علم ظهور نبينا عليه واله السلام وادعاءه الرسالة من الله إلينا، وأنه تحدق العرب بهذا القرآن الذي ظهر على يده وادعى انه اختصه الله به، وان العرب مع تطاول الأزمان لم يعارضوه، إذا ثبت ما ذكرناه، وعلمنا أنهم إنما لم يعارضوه لتعذر المعارضة عليهم فهذا التعذر معجز ms018 خارق للعادة. # فأما الذي يدل على أنه عليه السلام تحدى بالقران فهو أن المراد بالتحدي أنه كان يدعي أن جبرئيل يهبط عليه بذلك، وأن الله سبحانه قد أبانه به، وهذا معلوم ضرورة وهو غاية التحدي في المعنى. # وأيضا: فإن آيات القران صريحة في التحدي وهي قوله تعالى: ﴿فأتوا بعشر سور مثله﴾ (1) وفي موضع آخر: (فأتوا بسورة من مثله) (3). # وأما الذي يدل على انتفاء المعارضة منهم فهو أنه لو وقعت المعارضة لوجب ظهورها ونقلها، فإذا لم تنقل وجب القطع على انتفائها، وإنما قلنا ذلك لأن جميع ما يقتضي نقل القران من قوة الدواعي وشدة الحاجة وقرب العهد ثابت في المعارضة، بل المعارضة تزيد عليه، لأنها كانت تكون # PageV01P070 # الحجة والقرآن شبهة، ونقل الحجة أولى من نقل الشبهة، وكيف لا تنقل المعارضة لو كانت وقد نقلوا كلام مسيلمة مع ركاكته وبعده عن الشبهة. # فان ادعي ان المانع من النقل هو الخوف من أهل الإسلام وقد بلغوا من الكثرة إلى حد يخاف من مثلهم. # فجوابه: أن الخوف لا يقتضي انقطاع النقل على كل وجه، وإنما يمنع من التظاهر به. # ألا ترى أن فضائل أمير المؤمنين عليه السلام قد نقلت ولم ينقطع النقل بها مع الخوف الشديد من بني أمية والرهبة من التظاهر بها، وكان يجب أن ينقل ذلك أعداء الإسلام أو يكون نقلا مكتوما فيما بينهم. # وأيضا فإن الكثرة في الإسلام كانت بعد الهجرة، فكان يجب نقل المعارضة قبل ذلك في مدة مقامه بمكة، وإذا نقلت وانتشرت لم تكن قوة الإسلام موجبة بعد ذلك لخفائها إلا أن يدعى أن المعارضة لم تقع في تلك المدة وإنما وقعت بعد الهجرة، وفي ذلك كفاية في إعجاز القرآن وثبوت خرق العادة به. # على أن الإسلام وإن، قوي حينئذ بالمدينة، فقد كانت لأهل الكفر ممالك كثيرة وبلاد واسعة، ومملكة الفرس كانت ثابتة لم تزل، وممالك الروم وغيرها من البلاد إلى هذه الغاية عريضة، فكان يجب ظهور المعارضة في هذه البلاد. # وأما الذي يدل على أن انتفاء المعارضة كان ms019 للتعذر إنا قد علمنا أن كل فعل يرتفع من فاعله مع توفر دواعيه إليه وقوة بواعثه عليه فإنه يدل على تعذره، فإذا ثبت ذلك وعلمنا أن العرب تحدوا بالقرآن ولم يعارضوه مع شدة حاجتهم إلى المعارضة وقوة دواعيهم، علمنا أنها متعذرة عليهم، فإذا انضاف إلى ذلك أنهم قد تكلفوا الأمور الشاقة من الحرب وغيره مما لو بلغوا غاية PageV01P071 # مرادهم فيه لم يكن لهم بذلك حجة، اتضح الأمر في أنهم قد تعذرت المعارضة عليهم، هذا وقد دعاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المعارضة وهم ذوو الأنفة والحمية، وطالبهم بالرجوع عن دياناتهم، والنزول عن رئاستهم، والبراءة من آبائهم وأسلافهم وأبنائهم، ومجاهدة من خالف دينه وإن كان من أنسابهم وأقربائهم، وعلموا أن بالمعارضة يزول ذلك كله ويبطل، فأي داع أقوى من هذا؟ وكيف لا يكونون مدعوين إليها وقد تحملوا ضروبا من الكلف والمشاق كالمحاربة وبذل الأموال ونظم الهجاء، مع أن كل ذلك لا يغني، فلو تيسرت لهم المعارضة لبادروا إليها، إذ كانت أسهل مما تكلفوه وتحملوه وأحسم للمادة من كل ما فعلوه. # وأما الذي يدل على أن تعذر المعارضة كان على وجه الإعجاز هو أن ما يمكن أن يدعى في ذلك أن يقال أنه عليه السلام كان أفصحهم فتأتي له ما لم يتأت لهم، أو يقال: إنه تعمل زمانا لم يكن طويلا فلم يتمكنوا مع قصر الزمان من معارضته، فإذا بطل هذان الوجهان لم يبق إلا أن هذا التعذر غير معهود، فهو خارق للعادة. # والذي يدل على فساد الوجه الأول: أن المطلوب في المعارضة ما يقارب الفصاحة، والأفصح يقاربه في كلامه وفصاحته من هو دون طبقته، فإذا لم يماثلوه ولم يقاربوه فقد انتقضت العادة، وأيضا فإن الأفصح إنما تمتنع مساواته ومجاراته في جميع كلامه أو أكثره وليس تمتنع مجاراته ومساواته في البعض منه على من هو دون طبقته، بهذا جرت العادة، ولهذا فقد ساوت الطبقة المتأخرة من الشعراء الطبقة المتقدمة منهم في البيت والأبيات، وربما زادوا عليهم في القليل، وإذا كان ms020 التحدي وقع بصورة قصيرة من عرض القرآن فكونه أفصح لا يمنع من مساواته في هذا القدر اليسير، وأيضا فليس يظهر من كلامه عليه السلام فصاحة تزيد على فصاحة غيره من القوم، ولو PageV01P072 # كان أفصحهم وكان القرآن من كلامه لظهرت المزية في كلامه على كل كلام في الفصاحة كما ظهرت مزية القرآن. # وأما الذي يدل على فساد الوجه الثاني - وهو إنه تعمل زمانا طويلا -: فهو أنه كان ينبغي أن يتعملوا مثله فيعارضوه به مع امتداد الزمان، فإذا ثبت أن التعذر خارق للعادة فلا بد من أحد أمرين: إما أن يكون القرآن نفسه خرق العادة بفصاحته فلذلك لم يعارضوه، وإما أن يكون الله تعالى صرفهم عن معارضته ولولا الصرف لعارضوه، وأي الأمرين كان ثبتت معه صحة النبوة، لان الله تعالى لا يصدق كاذبا، ولا يخرق العادة لمبطل، ولو ذهبنا نصف ما سطره المتكلمون في هذا الباب من الكلام وما فيه من السؤال والجواب لطال به الكتاب، وفيما ذكرنا ههنا مقنع وكفاية لذوي الألباب. PageV01P073 # (فصل) في ذكر بيان بعض معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأما المعجزات الباهرة الدالة على نبوته - التي هي سوى القرآن - فكثيرة أثبتنا متونها وحذفنا أسانيدها لاشتهارها بين الخاص والعام وتلقي الأمة إياها بالقبول التام: # فمنها: مجئ الشجرة إليه، ذكرها أمير المؤمنين عليه السلام في خطبته القاصعة قال: (لقد كنت معه صلى الله عليه وآله وسلم لما أتاه الملأ من قريش فقالوا له: يا محمد إنك قد ادعيت عظيما لم يدعه آباؤك ولا أحد من بيتك، ونحن نسألك أمرا إن أجبتنا إليه وأريتناه علمنا أنك نبي ورسول، وإن لم تفعل علمنا أنك ساحر كذاب. # فقال لهم وما تسألون؟ # قالوا: تدعو لنا هذه الشجرة حتى تنقلع بعروقها وتقف بين يديك. # فقال صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله على كل شئ قدير، فإن فعل ذلك بكم أتؤمنون وتشهدون بالحق؟ # قالوا: نعم. # قال: فإني سأريكم ما تطلبون؟ إني لأعلم أنكم لا تفيئون إلى خير، وإن فيكم من يطرح في القليب ms021 ومن يحزب الأحزاب، ثم قال: أيتها الشجرة إن كنت تؤمنين بالله واليوم الآخر وتعلمين أني رسول الله فانقلعي بعروقك حتى تقفي بين يدي بإذن الله. PageV01P074 # فالذي بعثه بالحق، لانقلعت بعروقها وجاءت ولها دوي شديد وقصف كقصف أجنحة الطير حتى وقفت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مرفرفة، وألقت بغصنها الأعلى على رأس رسول الله وببعض أغصانها على منكبي، وكنت عن يمينه صلى الله عليه وآله وسلم. # فلما نظر القوم إلى ذلك قالوا علوا واستكبارا: فمرها فليأتك نصفها ويبقى نصفها، فأمرها بذلك فأقبل إليه نصفها كأعجب إقبال وأشده دويا فكادت تلتف برسول الله. # فقالوا كفرا وعتوا: فمر هذا النصف فليرجع إلى نصفه، فأمره صلى الله عليه وآله وسلم فرجع. # فقلت أنا: لا إله إلا الله، إني أول مؤمن بك يا رسول الله، وأول من امن بأن الشجرة فعلت ما فعلت بأمر الله تصديقا لنبوتك وإجلالا لكلمتك. # فقال القوم: بل ساحر كذاب، عجيب السحر، خفيف فيه، وهل يصدقك في أمرك غير هذا؟! يعنونني) (1). # ومنها: خروج الماء من بين أصابعه، وذلك أنهم كانوا معه في سفر فشكوا أن لا ماء معهم وأنهم بعرض التلف؟ سبيل العطب فقال: (كالا إن معي ربي عليه توكلت) ثم دعا بركوة فصب فيها ماء ما كان ليروي رجلا ضعيفا، وجعل يده فيها فنبع الماء من بين أصابعه، وصيح في الناس فشربوا وسقوا حتى نهلوا وعلوا وهم ألوف وهو يقول،: (أشهد أني رسول الله حقا) (2) # PageV01P075 # ومنها: حنين الجذع الذي كان يخطب عنده صلوات الله عليه، وذلك أنه كان في مسجده بالمدينة يستند إلى جذع فيخطب الناس، فلما كثر الناس اتخذوا له منبرا، فلما صعده حن الجذع حنين الناقة فقدت ولدها، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فضمه إليه، فكان يئن أنين الصبي الذي يسكت (1). # ومنها: حديث شاة أم معبد، وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما هاجر من مكة ومعه أبو بكر وعامر بن فهيرة ودليلهم عبد الله بن أريقط الليثي، فمروا ms022 على أم معبد الخزاعية، وكانت امرأة برزة تحتبي وتجلس بفناء الخيمة، فسألوا تمرا ولحما ليشتروه، فلم يصيبوا عندها شيئا من ذلك، وإذا القوم مرملون، فقالت: لو كان عندنا شئ ما أعوزكم القرى، فنظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كسر خيمتها فقال: (ما هذه الشاة يا أم معبد)؟ # قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم. # فقال: (هل بها من لبن)؟ # قالت: هي أجهد من ذلك. # قال: (أتأذنين في أن أحلبها)؟ # قالت: نعم بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبا فاحلبها. # فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالشاة فمسح ضرعها وذكر اسم الله وقال: (اللهم بارك في شاتها) فتفاجت (2) ودرت، فدعا رسول الله # PageV01P076 # صلى الله عليه وآله وسلم بإناء لها يريض الرهط (1) فحلب فيه ثجا (2) حتى علته الثمال (3)، فسقاها فشربت حتى رويت، ثم سقى أصحابه فشربوا حتى رووا، فشرب عليه السلام آخرهم وقال: (ساقي القوم آخرهم شربا) فشربوا جميعا عللا بعد نهل حتى أراضوا، ثم حلب فيه ثانيا عودا على بدء، فغادوا عندها ثم ارتحلوا عنها. # فقلما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق عنزا عجافا هزلى مخهن قليل، فلما رأى اللبن قال: من أين لكم هذا والشاة عازب ولا حلوبة في البيت؟ # قالت: لا والله، إلا أنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت. # الخبر بطوله (4). # ومنها: خبر سراقة بن جعشم الذي اشتهر في العرب، يتقاولون فيه الأشعار، ويتفاوضونه في الديار، أنه تبعه وهو متوجه إلى المدينة طالبا لغرته ليحظى بذلك عند قريش، حتى إذا أمكنته الفرصة في نفسه، وأيقن ان قد ظفر ببغيته، ساخت قوائم فرسه، حتى تغيبت بأجمعها في الأرض، وهو # PageV01P077 # بموضع جدب وقاع صفصف (1)، فعلم أن الذي أصابه أمر سماوي، فنادى: # يا محمد ادع ربك يطلق لي فرسي وذمة الله علي أن لا أدل عليك أحدا. # فدعا له فوثب جواده كأنه أفلت من انشوطة، وكان رجلا داهية وعلم بما رأى أنه سيكون له نبأ، فقال: اكتب لي أمانا، فكتب له فانصرف (2) قال ms023 محمد بن إسحاق: إن أبا جهل قال في أمر سراقة أبياتا فأجابه سراقة: # أبا حكم واللات لو كنت شاهدا * لأمر جوادي إذ تسيخ قوائمه عجبت ولم تشكك بأن محمدا * نبي وبرهان فمن ذا يكاتمه عليك بكف الناس عنه فإنني * أرى أمره يوما ستبدو معالمه (3) وروي: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول لأبي بكر: (أله الناس عني فإنه لا ينبغي لنبي أن يكذب) فكان أبو بكر إذا سئل: ما أنت؟ # قال: باغ. فإذا قيل من الذي معك؟ قال: هاد يهديني (4). # ومنها: حديث الغار، وأنه عليه واله السلام لما أوى إلى غار بقرب مكة يعتوره النزال (5) ويأوي إليه الرعاء متوجهه إلى الهجرة، فخرج القوم في طلبه فعمى الله أثره وهو نصب أعينهم، وصدهم عنه وأخذ بأبصارهم دونه وير . # PageV01P078 # دهاة العرب، وبعث سبحانه العنكبوت فنسجت في وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فسترته، وآيسهم ذلك من الطلب فيه. # وفي ذلك يقول السيد الحميري في قصيدته المعروفة بالمذهبة: # حتى إذا قصدوا لباب مغارة * ألفوا عليه نسيج غزل العنكب صنع الاله له فقال فريقهم * ما في المغار لطالب من مطلب ميلوا وصدهم المليك ومن يرد * عنه الدفاع مليكه لا يعطب وبعث الله حمامتين وحشيتين فوقعتا بفم الغار، فأقبل فتيان قريش من كل بطن رجل بعصيهم وهراواهم وسيوفهم، حتى إذا كانوا من النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقدر أربعين ذراعا، تعجل رجل منهم لينظر من في الغار، فرجع إلى أصحابه فقالوا له: ما لك لا تنظر في الغار؟ فقال: رأيت حمامتين بفم الغار فعلمت أن ليس فيه أحد، وسمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما قال، فدعا لهن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفرض جزاءهن فانحدرن في الحرم (1). # ومنها: كلام الذئب، وذلك أن رجلا كان في غنمه يرعاها، فأغفلها سويعة من نهاره، فعرض ذئب فأخذ منها شاة، فأقبل يعدو خلفه فطرح الذئب الشاة ثم كلمه بكلام فصيح فقال: تمنعني رزقا ساقه الله إلي، فقال الرجل: # يا عجبا الذئب يتكلم! ms024 فقال: أنتم أعجب وفي شأنكم للمعتبرين عبرة، هذا محمد يدعو إلى الحق ببطن مكة وأنتم عنه لأهون، فأبصر الرجل رشده وأقبل حتى أسلم وأبقى لعقبه شرفا لا تخلقه الأيام يفخرون به على العرب والعجم # PageV01P079 # يقولون: إنا بنو مكلم الذئب (1). # ومنها: كلام الذراع، وهو أنه أوتي بشاة مسمومة أهدتها له امرأة من اليهود بخيبر، وكانت سألت أي شئ أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الشاة؟ فقيل لها: الذراع، فسمت الذراع، فدعا صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه إليه فوضع يده، ثم قال: (ارفعوا فإنها تخبرني أنها مسمومة). # ولو كان ذلك لعلة الارتياب باليهودية لما قبلها بدءا ولا جمع عليها أصحابه، وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم تناول منها أقل شئ قبل أن تكلمه فكان يعاوده كل سنة حتى جعل الله ذلك سبب الشهادة، وكان ذلك بابا من التمحيص ليعلم أنه مخلوق وعبد (2). # ومنها: أن أصحابه صلوات الله عليه وآله أرملوا وضاقت بهم الحال وصاروا بمعرض الهلاك لفناء الأزواد يوم الأحزاب، فدعاه رجل من أصحابه إلى طعامه فاحتفل القوم معه، فدخل وليس عند القوم إلا قوت رجل واحد أو رجلين، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (غطوا إناءكم) ثم دعا وبرك عليه وقدمه والقوم ألوف فأكلوا وصدروا كان لم يسغبوا قط شباعا رواج والطعام بحاله لم يفقدوا منه شيئا (3). # PageV01P080 # ومنها: أنه اجتمع إليه فقراء قومه وأصحابه في غزوة تبوك وشكوا الجوع، فدعا بفضلة زاد لهم، فلم يوجد لهم إلا بضع عشرة تمرة فطرحت بين يديه، فانحفل القوم فوضع يده عليها وقال: (كلوا بسم الله) فأكل القوم حتى شبعوا وهي بحالها يرونها عيانا (1). # ومنها: أنه صلى الله عليه وآله وسلم ورد في هذه الغزاة على ماء لا يبل حلق واحد والقوم عطاش، فشكوا ذلك إليه فأخذ سهما من كنانة فدفعه إلى رجل من أصحابه ثم قال له: (أنزل فاغرزه في الركي (2)) فنزل فغرزه فيه ففار الماء وطما إلى أعلى الركي، فارتوى القوم للمقام والظعن وهم ثلاثون ms025 ألفا، ورجال من المنافقين حضور الأبدان غائبو العقول (3). # ومنها: ان ظبية كتمته حين وقعت في شبكة فقالت: يا رسول الله إن لي طفلا يحتاج إلى لبن وإني قد وقعت في هذه الشبكة فخلني حتى أرضعه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (كيف أخليك وصاحب الشبكة غائب)؟ # قالت: إني أرجع، فخلاها وجلس حتى رجعت الظبية وجاء صاحبها فشفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى خلى سبيلها، فاتخذ القوم من ذلك الموضع مسجدا (4). # ومنها: أن قوما شكوا إليه ملوحة مائهم وأنهم في جهد من الظمأ وبعد # PageV01P081 # المناهل، وأن لا قوة لهم على شربه، فجاء معهم في جماعة أصحابه حتى أشرف على بئرهم فتفل فيها ثم انصرف، وكانت مع ملوحتها غائرة، فم انفجرت بالماء العذب الفرات، فها هي يتوارثها أهلها ويعدونها أسنى مفاخرهم وأجل مكارمهم، وإنهم لصادقون. # وكان مما أكد الله به صدقه، أن قوم مسيلمة سألوه مثلها لما بلغهم ذلك، فأتى بئرا فتفل فيها فعادت ماؤها ملحا أجاجا كبول الحمار، وهي إلى اليوم بحالها معروفة المكان (1). # ومنها: أن امرأة أتته بصبي لها ترجو البركة بأن يمسه ويدعوا له، وكانت به عاهة، فرحمها - والرحمة صفته صلى الله عليه وآله وسلم - فمسح يده على رأس الصبي فاستوى شعره، وبرئ داؤه، وبلغ ذلك أهل اليمامة فأتت مسيلمة امرأة بصبي لها فمسح رأسه فصلع وبقي نسله إلى يومنا هذا صلعا (2). # ومنها: أن قوما من عبد القيس أتوا بغنم لهم فسألوه أن يجعل لها علامة تذكر بها، فغمز إصبعه في أصول آذانها فابيضت، فهي إلى اليوم معروفة النسل ظاهرة الأمر (3). # ومنها: حديث الاستسقاء، وأن أهل المدينة مطروا حتى أشفقوا من خراب دورها وانهدام بنيانها، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (اللهم حوالينا # PageV01P082 # ولا علينا) فانجاب السحاب عن المدينة وأطاف حولها مستديرا كالإكليل والشمس طالعة في المدينة والمطر يهطل على ما حولها، يرى ذلك ظاهرا مؤمنهم وكافرهم، فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - حتى بدت نواجذه وقال: (لله در أبي طالب لو كان حيا ms026 قرت عيناه، من ينشدنا قوله) فقام أمير المؤمنين عليه السلام فقال: (يا رسول الله كأنك أردت قوله: # وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال (1) اليتامى عصمة للأرامل يطوف به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل) (2) ومنها: أنه صلى الله عليه وآله وسلم أخذ يوم بدر ملء كفه من الحصباء فرمى بها وجوه المشركين وقال: (شاهت الوجوه) فجعل الله سبحانه لتلك الحصباء شأنا عظيما، لم تترك من المشركين رجلا إلا ملأت عينيه، وجعل المسلمون والملائكة يقتلونهم ويأسرونهم ويجدون كل رجل منهم منكبا على وجهه لا يدري أين يتوجه يعالج التراب ينزعه من عينيه (3). # ومنها: أمر ناقته حين افتقدت فأرجف المنافقون وقالوا: ينبئنا بخبر السماء وهو لا يدري أين ناقته: فلما خاف صلوات الله عليه وآله على المؤمنين وساوس الشيطان دلهم عليها ووصف لهم حالها والشجرة التي هي # PageV01P083 # متعلقة بها، فأتوها فوجدوها كما وصف (1). # ومنها: أن القمر انشق له نصفين بمكة في أول مبعثه، وقد نطق به القران، وقد صح عن عبد الله بن مسعود أنه قال: انشق القمر حتى صار فرقتين فقال كفار أهل مكة: هذا سحر سحركم به ابن أبي كبشة (2)، انظروا السفار فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق، وإن كانوا لم يروا ما رأيتم فهو سحر سحركم به، قال: فسئل السفار وقد قدموا من كل وجه فقالوا: رأيناه (3). # استشهد البخاري في الصحيح بهذا الخبر في أن ذلك كان بمكة (4). # ومنها: أن رجلا من أصحابه أصيب بإحدى عينيه في بعض مغازيه فسالت حتى وقعت على خده، فأتاه مستغيثا به، فأخذها بيده فردها مكانها، فكانت أحسن عينيه وأصحهما وأحدهما نظرا (5). # ومنها: أن أبا براء ملاعب الأسنة كان به استسقاء فبعث إليه لبيد بن ربيعة وأهدى له فرسين ونجائب، فقال عليه السلام: (الا أقبل هدية مشرك). # قال لبيد: ما كنت أرى أن رجلا من مضر يرد هدية أبي براء. # PageV01P084 # فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (لو كنت قابلا هدية من مشرك لقبلتها). # قال: فإنه يستشفيك من علة أصابته في بطنه. ms027 # فأخذ بيده حثوة من الأرض فتفل عليها ثم أعطاه وقال: دفها بماء ثم اسقه إياه فأخذها متعجبا يرى أنه قد استهزأ به، فأتاه فشربه، وأطلق من مرضه كأنما أنشط من عقال (1). # ومنها: شكوى البعير إليه عند رجوعه إلى المدينة من غزوة بني ثعلبة، فقال: (أتدرون ما يقول هذا البعير)؟ # قال جابر: قلنا: الله ورسوله أعلم. # قال: (فإنه يخبر في أن صاحبه عمل عليه حتى إذا أكبره وأدبره (2) وأهزله أراد نحره وبيعه لحما، يا جابر إذهب معه إلى صاحبه فأتني به). # قال: قلت: والله ما أعرف صاحبه. # قال: (هو يدلك). # قال: فخرجت معه حتى انتهيت إلى بني حنظلة أو بني واقف، قلت: # أيكم صاحب هذا البعير؟ قال بعضهم: أنا، قلت: أجب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # فجئت أنا وهو والبعير إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: # بعيرك هذا يخبرني بكذا وكذا). # قال: قد كان ذلك يا رسول الله. # قال: (فبعنيه). # PageV01P085 # قال: هولك. # قال: (بل بعنيه) فاشتراه منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم ضرب على صفحته فتركه يرعى في ضواحي المدينة، فكان الرجل منا إذا أراد الروحة والغدوة منحه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # قال جابر: فرأيته وقد ذهبت دبرته ورجعت إليه نفسه (1). # ومنها: أن أبا جهل عاهد الله أن يفضخ رأسه صلى الله عليه وآله وسلم بحجر إذا سجد في صلاته، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي وسجد - وكان إذا صلى صلى بين الركنين: الأسود واليماني وجعل الكعبة بينه وبين الشام - احتمل أبو جهل الحجر، ثم أقبل نحوه حتى إذا دنا منه رجع منتقعا (2) لونه مرعوبا، قد يبست يداه على حجره حتى قذف الحجر من يده وقام إليه رجال من قريش فقالوا: ما لك يا أبا الحكم؟ قال: عرض لي دونه فحل من الإبل ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قط فهم أن يأكلني (3). # ومنها: أن أبا جهل اشترى من رجل طارئ بمكة إبلا ms028 فبخسه أثمانها ولواه بحقه، فأتى الرجل نادي قريش مستجيرا بهم وذكرهم حرمة البيت فأحالوه على النبي صلى الله عليه وآله وسلم استهزاء به، فأتاه مستجيرا به، # PageV01P086 # فمضى معه ودق الباب على أبي جهل فعرفه فخرج منخوب (1) العقل فقال: # أهلا بأبي القاسم. # فقال له: (اعط هذا حقه). # قال: نعم، وأعطاه من فوره. # فقيل له في ذلك، فقال: إني رأيت ما لم تروا، رأيت والله على رأسه تنينا فاتحا فاه، والله لو أبيت لالتقمني (2). # ومنها: ما روته أسماء بنت أبي بكر قالت: لما نزلت (تبت يدا أبي لهب) أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ولها ولولة وهي تقول: مذمما أبينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا. والنبي صلى الله عليه وآله وسلم جالس في المسجد ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله قد أقبلت وأنا أخاف أن تراك. # فقال رسول الله: (انها لا تراني) وقرأ قرآنا فاعتصم به كما قال، وقرأ (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا) (3) فوقفت على أبي بكر ولم تر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت: يا أبا بكر أخبرت أن صاحبك هجاني، فقال: لا ورب البيت ما هجاك، فولت وهي تقول: قريش تعلم أني بنت سيدها (4). # ومنها: ما رواه الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: أن ناسا من # PageV01P087 # بني مخزوم تواصوا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ليقتله منهم أبو جهل، والوليد بن المغيرة، ونفر من بني مخزوم، فبينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم قائم يصلي إذ أرسلوا إليه الوليد ليقتله، فانطلق حتى انتهى إلى المكان الذي كان يصلي فيه، فجعل يسمع قراءته ولا يراه، فانصرف إليهم فأعلمهم ذلك فاتاه من بعده أبو جهل والوليد ونفر منهم، فلما انتهوا إلى المكان الذي يصلي فيه سمعوا قراءته وذهبوا إلى الصوت، فإذا الصوت من خلفهم، فيذهبون إليه فيسمعونه أيضا من خلفهم، فانصرفوا ولم يجدوا إليه سبيلا، فذلك قوله سبحانه: ﴿وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم ms029 فهم لا يبصرون﴾ (1) (2). # ومنها: أنه كان صلى الله عليه وآله وسلم في غزاة الطائف في مسيره ليلا على راحلته بواد بقرب الطائف يقال له: نجب، ذو شجر كثير من سدر وطلح، فغشي وهو في وسن النوم سدرة في سواد الليل فانفرجت السدرة له بنصفين، فمر بين نصفيها وبقيت السدرة منفرجة على ساقين إلى زماننا هذا، وهي معروفة مشهور أمرها هناك وتسمى سدرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # أورده الشيخ أبو سعيد الواعظ في كتاب شرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم (3). # ولو عددنا جميع معجزاته وأعلامه صلوات الله عليه وآله التي دونها # PageV01P088 # المحدثون في كتبهم لطال الكتاب، فإن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم أكثر الأنبياء أعلاما، وقد ذكر بعض المصنفين: أن أعلامه تبلغ ألفا، فالأولى الاقتصار على الاختصار، وسنذكر بعض آياته وأعلامه ومعجزاته صلى الله عليه وآله وسلم فيما يأتي من أخبار مبعثه إلى هجرته وغزواته وقدوم الوفود عليه إلى وقت وفاته على سبيل الإيجاز إن شاء الله تعالى. # وأما آياته صلوات الله عليه وآله في إخباره بالغائبات والكوائن بعده فأكثر من أن تحصى وتعد: # فمن ذلك: ما روي عنه في معنى قوله تعالى: ﴿ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾ (1) وهو ما رواه أبي بن كعب: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والنصرة والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة نصيب) (2). # وروى بريدة الأسلمي: أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ستبعث بعوث، فكن في بعث يأتي خراسان، ثم أسكن مدينة مرو فإنه بناها ذو القرنين ودعا لها بالبركة وقال: لا يصيب أهلها سوء) (3). # وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوزا وكرمان قوما من الأعاجم، حمر الوجوه، فطس (4) الأنوف، صغار الأعين، كأن وجوههم المجان (5) المطرقة) (6). # PageV01P089 # وروى أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # (رأيت ذات ليلة ms030 فيما يرى النائم كأنا في دار عقبة بن رافع فاتينا برطب من رطب ابن طاب، فأولت الرفعة لنا في الدنيا والعافية في الآخرة وأن ديننا قد طاب) (1). # ومن ذلك: إخباره بما تحدث أمته بعده نحو قوله صلى الله عليه وآله وسلم سلم: (لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض). # رواه البخاري في الصحيح مرفوعا إلى ابن عمر (2). # وقوله رواه أبو حازم عن سهل بن حنيف عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (آنا فرطكم على الحوض، من ورد شرب ومن شرب لم يظمأ أبدا، وليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفوني ثم يحال بيني وبينهم). # قال أبو حازم: سمع النعمان بن أبي عياش وأنا أحدث الناس بهذا الحديث فقال: هكذا سمعت سهلا يقول؟ قلت: نعم. # قال: فأنا أشهد على أبي سعيد الخدري يزيد فيه: (فأقول: إنهم أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما عملوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا لمن بدل بعدي). # ذكره البخاري في الصحيح (3). # PageV01P090 # قوله صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم: أن عائشة لما أتمت على الحوأب (1) سمعت نباح الكلاب فقالت: ما أظنني إلا راجعه، سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لنا: (أيتكن تنبح عليها كلاب الحوأب)؟ فقال الزبير: لعل الله أن يصلح بك بين الناس (2). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم للزبير لما لقيه وعليا عليه السلام في سقيفة بني ساعدة فقال: (أتحبه يا زبير)؟ قال: وما يمنعني؟ قال: (فكيف بك إذا قاتلته وأنت ظالم له) (3). # وعن أبي جروة المازني قال: سمعت عليا عليه السلام يقول للزبير: # (نشدتك الله أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إنك تقاتلني وأنت ظالم)؟ قال: بلى ولكني نسيت (4). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعمار بن ياسر: (تقتلك الفئة الباغية). # أخرجه مسلم في الصحيح (5). # وعن أبي البختري: أن عمارا أتي بشربة من لبن فضحك فقيل له: ما يضحكك؟ قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ms031 أخبرني وقال هو # PageV01P091 # آخر شراب أشربه حين أموت (1). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في الخوارج: (ستكون في أمتي فرقة يحسنون القول ويسيئون الفعل، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شئ، يقرؤون القران لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، لا يرجعون إليه حتى يرتد على فوقه، هم شر الخلق والخليقة، طوبى لمن قتلوه، طوبى لمن قتلهم، ومن قتلهم كان أولى بالله منهم). # قالوا: يا رسول الله فما سيماهم؟ # قال: (التحليق). # رواه أنس بن مالك عنه صلى الله عليه وآله وسلم (2). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لأمير المؤمنين علي عليه السلام: # (الأمة ستغدر بك بعدي) (3). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (تقاتل بعدي الناكثين والقاسطين والمارقين) (4). # ومن ذلك: إخباره بقتل معاوية حجرا وأصحابه فيما رواه ابن وهب عن # PageV01P092 # أبي لهيعة عن أبي الأسود قال: دخل معاوية على عائشة فقالت: ما حملك على قتل أهل عذراء (1)، حجر أو أصحابه؟ فقال: يا أم المؤمنين إني رأيت قتلهم صلاحا للأمة وبقاءهم فسادا للأمة. # فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (سيقتل بعذراء ناس يغضب الله لهم وأهل السماء) (2). # وروى ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن عبد الله بن زرير الغافقي قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: (يا أهل العراق سيقتل سبعة نفر بعذراء مثلهم كمثل أصحاب الأخدود) فقتل حجر بن عدي وأصحابه (3). # ومن ذلك: إخباره بقتل الحسين بن علي عليهما السلام، روى أبو عبد الله الحافظ بإسناده عن أم سلمة: أن رسول الله اضطجع ذات يوم للنوم فاستيقظ وهو خاثر (4)، ثم اضطجع فرقد، ثم استيقظ وهو خاثر دون ما رأيت منه في المرة الأولى، ثم اضطجع واستيقظ وفي يده تربة حمراء يقبلها فقلت: ما هذه التربة يا رسول الله؟ # قال: (أخبرني جبرئيل فقال: ان هذا يقتل بأرض العراق - للحسين عليه السلام - فقلت: يا جبرئيل أرني تربة الأرض التي يقتل بها، فهذه # PageV01P093 # تربتها) (1). # وعن أنس بن مالك قال: استأذن ملك المطر أن يأتي رسول ms032 الله فاذن له، فقال لام سلمة: (احفظي علينا الباب لا يدخل أحد) فجاء الحسين بن علي عليهما السلام فوثب حتى دخل فجعل يقع على منكب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال الملك: (أتحبه)؟ # فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (نعم). # قال: (أمتك ستقتله، وإن شئت أريتك المكان الذي يقتل فيه). # قال: فضرب يده فأراه ترابا احمرا، فأخذته أم سلمة فصرته في في طرف ثوبها، فكنا نسمع أن يقتل بكربلاء (2). # ومن ذلك: إخباره بمصارع أهل بيته عليهم السلام، روى الحاكم أبو عبد الله الحافظ بإسناده، عن سيد العابدين علي بن الحسين عليهما السلام، عن أبيه، عن جده قال: (زارنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعملنا له حريرة، وأهدت إليه أم أيمن قعبا من زبد وصحفة من تمر، فاكل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأكلنا معه، ثم توضأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فمسح رأسه ووجهه بيده واستقبل القبلة فدعا الله ما شاء ثم أكب إلى الأرض بدموع غزيرة مثل المطر، فهبنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن نسأله، فوثب الحسين فأكب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا أبه، رأيتك تصنع ما لم تصنع مثله قط؟ # PageV01P094 # قال: يا بني سررت بكم اليوم سرورا لم أسر بكم مثله، وإن حبيبي جبرئيل أتاني فأخبرني أنكم قتلى وأن مصارعكم شتى، فأحزنني ذلك، فدعوت الله لكم بالخيرة. # فقال الحسين عليه السلام: فمن يزورنا على تشتتنا وتبعد قبورنا؟ # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طائفة من أمتي يريدون به بري وصلتي، إذا كان يوم القيامة زرتها بالموقف وأخذت بأعضادها فأنجيتها من أهواله وشدائده). (1) ومن ذلك: إخباره بقتلى أهل الحرة (2) فكان كما أخبر، روي عن أيوب ابن بشير، قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر من أسفاره فلما مر بحرة زهرة وقف فاسترجع، فساء ذلك من معه وظنوا أن ذلك من أمر سفرهم، فقال عمر بن الخطاب: يا ms033 رسول الله ما الذي رأيت؟ # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أما إن ذلك ليس من سفركم). # قالوا: فما هو يا رسول الله؟ قال: (يقتل بهذه الحرة خيار أمتي # PageV01P095 # بعد أصحابي) (1). # قال أنس بن مالك: قتل يوم الحرة سبعمائة رجل من حملة القرآن فيهم ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # وكان الحسن يقول: لما كان يوم الحرة قتل أهل المدينة حتى كاد لا ينفلت أحد، وكان فيمن قتل ابنا زينب ربيبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهما ابنان من زمعة بن عبد الأسود، وكان وقعة الحرة يوم الأربعاء لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وستين (2). # ومن ذلك: قوله صلى الله عليه وآله وسلم في ابن عباس: (لن يموت حتى يذهب بصره ويؤتى علما) (3) فكان كما قال. # PageV01P096 # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم في زيد بن أرقم وقد عاده من مرض كان به: (ليس عليك من مرضك بأس، ولكن كيف بك إذا عمرت بعدي فعميت)؟ # قال: إذا أحتسب وأصبر. # قال: (إذا تدخل الجنة بغير حساب) (1). # ومن ذلك: قوله صلى الله عليه وآله وسلم في الوليد بن يزيد، رواه الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: ولد لأخي أم سلمة من أمها غلام فسموه الوليد فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (تسمون بأسماء فراعنتكم، غيروا اسمه، فسموه عبد الله، فإنه سيكون في هذه الأمة رجل يقال له: الوليد هو شر لامتي من فرعون لقومه). # قال: فكان الناس يرون أنه الوليد بن عبد الملك ثم رأينا أنه الوليد بن يزيد (2). # ومن ذلك: قوله صلى الله عليه وآله وسلم في بني أبي العاص وبني أمية، روى أبو سعيد الخدري عنه أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا بلغ بنو أبي العاص ثلاثين رجلا اتخذوا دين الله دغلا، وعباد الله خولا، ومال الله دولا). # وفي رواية أبي هريرة: (أربعين رجلا) (3). # ابن موهب قال: كنت عند معاوية بن أبي سفيان فدخل عليه مروان # PageV01P097 # يكلمه في ms034 حاجته فقال: اقض حاجتي فوالله إن مؤونتي لعظيمة وإني أبو عشرة وعم عشرة وأخو عشرة. فلما أدبر مروان وابن عباس جالس معه على السرير فقال معاوية: اشهد بالله يا ابن عباس أما تعلم أن رسول الله قال: # (إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين رجلا اتخذوا مال الله بينهم دولا، وعباد الله خولا، ودين الله دغلا، فإذا بلغوا تسعة وتسعين وأربعمائة كان هلاكهم أسرع من لوك تمرة)؟ # فقال ابن عباس: اللهم نعم. # وترك مروان حاجة له، فرد عبد الملك إلى معاوية فكلمه، فلما أدبر عبد الملك قال: أنشدك الله يا ابن عباس أما تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذكر هذا فقال: (أبو الجبابرة الأربعة)؟ # قال ابن عباس: اللهم نعم (1). # يوسف بن مازن الراسبي قال: قام رجل إلى الحسن بن علي عليهما السلام فقال: يا مسود وجه المؤمنين. # فقال الحسن: (لا تؤنبني رحمك الله، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى بني أمية يخطبون على منبره رجلا فرجلا فساءه ذلك، فنزلت (انا أعطيناك الكوثر) الكوثر نهر قي الجنة، ونزلت (انا أنزلناه في ليلة القدر وما ادراك ما ليلة القدر في * ليلة القدر خير من الف شهر) يعني ألف شهر تملكه بنو أمية) فحسبنا ذلك فإذا هو لا يزيد ولا ينقص (2). # PageV01P098 # والروايات في هذا الفن من الآيات كثيرة لا يتسع لذكر جميعها هذا الكتاب، وفي ما أوردناه كفاية لذوي الألباب. PageV01P099 # (الباب الثالث) في ذكر مختصر من أحوال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من لدن مبعثه إلى وقت هجرته إلى المدينة، ثم إلى أن امر صلى الله عليه وآله وسلم بالقتال، وبعض ما ظهر من الآيات والمعجزات في أثناء هذه الأحوال. # وفيه ثمانية فصول: PageV01P101 # (الفصل الأول) في ذكر مبدأ المبعث ذكر علي بن إبراهيم بن هاشم - وهو من أجل رواة أصحابنا - في كتابه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أتى له سبع وثلاثون سنة كان يرى في نومه كأن آتيا أتاه فيقول: يا رسول الله، ms035 فينكر ذلك، فلما طال عليه الأمر وكان بين الجبال يرعى غنما لأبي طالب فنظر إلى شخص يقول له: (يا رسول الله). # فقال له: (من أنت)؟ # قال: (جبرئيل، أرسلني الله إليك ليتخذك رسولا). # فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خديجة بذلك، وكانت خديجة قد انتهى إليها خبر اليهودي وخبر بحيراء وما حدثت به آمنة أمه، فقالت: يا محمد إني لأرجو أن تكون كذلك. # وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكتم ذلك فنزل عليه جبرئيل عليه السلام وأنزل عليه ماء من السماء فقال: (يا محمد قم توضأ للصلاة) فعلمه جبرئيل الوضوء على الوجه واليدين من المرفق ومسح الرأس والرجلين إلى الكعبين وعلمه السجود والركوع. # فلما تم له صلى الله عليه وآله وسلم أربعون سنه أمره بالصلاة وعلمه حدودها، ولم ينزل عليه أوقاتها، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلى ركعتين ركعتين في كل وقت. # وكان علي بن أبي طالب عليه السلام يألفه ويكون معه في مجيئه وذهابه لا يفارقه، فدخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يصلي، PageV01P102 # فلما نظر إليه يصلي قال: (يا أبا القاسم ما هذا)؟ # قال: (هذه الصلاة التي أمرني الله بها). # فدعاه إلى الاسلام، فأسلم وصلى معه، وأسلمت خديجة، فكان لا يصلي إلا رسول الله، وعلي وخديجة عليهم السلام خلفه. # فلما أتى لذلك أيام دخل أبو طالب إلى منزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه جعفر، فنظر إلى رسول الله وعلي عليهما السلام بجنبه يصليان، فقال لجعفر: يا جعفر صل جناح ابن عمك، فوقف جعفر بن أبي طالب عليه السلام من الجانب الاخر، فلما وقف جعفر على يساره بدر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من بينهما وتقدم، وأنشأ أبو طالب في ذلك يقول: # إن عليا وجعفرا ثقتي * عند ملم الزمان والكرب والله لا أخذل النبي ولا * يخذله من بني ذو حسب لا تخذلا وانصرا ابن عمكما * أخي لأمي من بينهم وأبي قال: وكان رسول الله صلى ms036 الله عليه وآله وسلم يتجر لخديجة قبل أن يزوج بها وكان أجيرا لها، فبعثته في عير لقريش إلى الشام مع غلام لها يقال له: ميسرة، فنزلوا تحت صومعة راهب من الرهبان، فنزل الراهب من الصومعة ونظر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: من هذا؟ # قالوا: هذا ابن عبد المطلب. # قال: لا ينبغي أن يكون أبوه حيا، ونظر إلى عينيه وبين كتفيه فقال: # هذا نبي الأمة، هذا نبي السيف. # فرجع ميسرة إلى خديجة فأخبرها بذلك، وكان هذا هو الذي أرغب خديجة في تزويجها نفسها منه، وربحت في تلك السفرة ألف دينار. # ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بعض أسواق العرب فرأى زيدا ووجده غلاما كيسا فاشتراه لخديجة، فلما تزوجها رسول الله صلى PageV01P103 # الله عليه وآله وسلم وهبته منه، فلما نبئ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأسلم علي أسلم زيد بعده، فكان يصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي وجعفر وزيد وخديجة (1). # وذكر الشيخ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي في كتاب دلائل النبوة: # أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: حدثنا أبو محمد بن أحمد بن عبد الله المزني، قال: حدثنا يوسف بن موسى المروروذي، قال: حدثنا عباد بن يعقوب، قال: حدثنا يوسف بن أبي ثور، عن السدي عن عباد بن عبد الله، عن علي عليه السلام قال: (كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمكة فخرج في بعض نواحيها، فما استقبله شجر ولا جبل إلا قال له: السلام عليك يا رسول الله) (2). # وأخبرنا أبو الحسين بن بشران، أخبرنا محمد بن جعفر بن محمد ابن نصير، حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان، حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا يونس بن عنبسة، عن إسماعيل بن عبد الرحمن، عن السدي، عن عباد قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: (لقد رأيتني أدخل معه - يعني النبي صلى الله عليه وآله وسلم - الوادي فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا ms037 رسول الله، وأنا أسمعه) (3). # PageV01P104 # وأخبرنا الحافظ قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أحمد بن عبد الجبار، حدثنا يونس بن بكير، عن أبي إسحاق، حدثنا يحيى ابن أبي الأشعث الكندي، حدثني إسماعيل بن أياس بن عفيف، عن أبيه، عن جده عفيف أنه قال: كنت امرءا تاجرا فقدمت منى أيام الحج، وكان العباس بن عبد المطلب امرءا تاجرا، فأتيته أبتاع منه وأبيعه، قال: فبينا نحن إذ خرج رجل من خباء يصلي فقام تجاه الكعبة، ثم خرجت امرأة فقامت تصلي، وخرج غلام يصلي معه، فقلت: يا عباس ما هذا الدين؟ إن هذا الدين ما ندري ما هو؟ # فقال: هذا محمد بن عبد الله يزعم أن الله أرسله، وأن كنوز كسرى وقيصر ستفتح عليه، وهذه امرأته خديجة بنت خويلد امنت به، وهذا الغلام ابن عمه علي بن أبي طالب آمن به. # قال عفيف: فليتني كنت آمنت به يومئذ فكنت أكون ثانيا (1). # تابعه إبراهيم بن سعد، عن محمد بن إسحاق، وقال في الحديث: # إذ خرج من خباء قريب فنظر إلى السماء فلما رآها قد مالت قام يصلي. ثم ذكر قيام خديجة خلفه (2). # وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل بإسناد ذكره، عن مجاهد بن جبر قال: # كان مما أنعم الله على علي بن أ بي طالب عليه السلام وأراد به من الخير أن قريشا أصابتهم م زمة شديدة، وكان أبو طالب ذا عيال كثير، فقال رسول الله # PageV01P105 # للعباس عمه - وكان من أيسر بني هاشم -: (يا عباس إن أخاك أبا طالب كثير العيال وقد أصاب الناس ما ترى من هذه الأزمة، فانطلق حتى نخفف عنه من عياله). # فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا فضمه إليه، فلم يزل علي مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى بعثه الله نبيا فاتبعه علي وامن به وصدقه (١). # قال علي بن إبراهيم: فلما أتى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك ثلاث سنين أنزل الله عليه ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين﴾ (2) فخرج رسول ms038 الله صلى الله عليه وآله وسلم وقام على الحجر فقال: (يا معشر قريش ويا معشر العرب، أدعوكم إلى عبادة الله تعالى وخلع الأنداد والأصنام، وأدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فأجيبوني تملكوا بها العرب وتدين لكم العجم، وتكونون ملوكا في الجنة). # فاستهزؤوا منه وضحكوا وقالوا: جن محمد بن عبد الله، وآذوه بألسنتهم، فقال له أبو طالب: يا بن أخي ما هذا؟ # قال: (يا عم هذا دين الله الذي ارتضاه لملائكته وأنبيائه ودين إبراهيم والأنبياء من بعده، بعثني الله رسولا إلى الناس). # فقال: يا ابن أخي إن قومك لا يقبلون هذا منك، فاكفف عنهم؟ # فقال: (لا أفعل، فإن الله قد أمرني بالدعاء). فكف عنه أبو طالب. # وأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الدعاء في كل وقت # PageV01P106 # يدعوهم ويحذرهم، فكان من سمع من خبره ما سمع من أهل الكتب يسلمون، فلما رأت قريش من يدخل في الإسلام جزعوا من ذلك ومشوا إلى أبي طالب وقالوا: اكفف عنا ابن أخيك فإنه قد سفه أحلامنا، وسب آلهتنا، وأفسد شباننا، وفرق جماعتنا. # فدعاه أبو طالب فقال: يا ابن أخي إن القوم قد أتوني يسألونك أن تكف عن آلهتهم. # قال: (يا عم لا أستطيع ذلك، ولا أستطيع أن أخالف أمر ربي). # فكان يدعوهم ويحذرهم العذاب، فاجتمعت قريش إليه فقالوا: إلى ما تدعو يا محمد؟ # قال: (إلى شهادة أن لا إله إلا الله وخلع الأنداد كلها). # قالوا: ندع ثلاثمائة وستين إلها ونعبد إلها واحدا؟! فحكى الله سبحانه قولهم (وعجبوا ان جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب * اجعل الآلهة الها واحدا ان هذا لشئ عجاب) - إلى قوله: - ﴿بل لما يذوقوا عذ أب﴾ (1) ثم اجتمعوا إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب إن كان ابن أخيك يحمله على هذا الفعل العدم جمعنا له مالا فيكون أكثر قريش مالا. # فدعاه أبو طالب وعرض ذلك عليه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا عم ما لي حاجة في ms039 المال، فأجيبوني تكونوا ملوكا في الدنيا وملوكا في الآخرة وتدين لكم العرب والعجم). # فتفرقوا، ثم جاءوا إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب أنت سيد من سادتنا وابن أخيك قد سفه أحلامنا وسب آلهتنا وفرق جماعتنا، فهلم ندفع # PageV01P107 # إليك أبهى فتى في قريش وأجملهم وأحسنهم وجها وأشبهم شبابا وأشرفهم شرفا عمارة بن الوليد، يكون لك ابنا وتدفع إلينا محمدا لنقتله. # فقال: ما أنصفتموني، تسألوني أن أدفع إليكم ابني لتقتلوه وتدفعون إلي ابنكم لأربيه! فلما آيسوا منه كفوا (1). # وفي كتاب دلائل النبوة: حدثنا الحافظ بإسناد ذكره، عن إبراهيم بن محمد بن طلحة قال: قال طلحة بن عبيد الله: حضرت سوق بصرى فإذا راهب في صومعته يقول: سلوا أهل هذا الموسم أفيهم أحد من أهل الحرم. # قال طلحة: قلت: نعم أنا. # فقال: هل ظهر أحمد بعد؟ # قال: قلت: ومن أحمد؟ # قال: ابن عبد الله بن عبد المطلب، هذا شهره الذي يخرج فيه، وهو اخر الأنبياء، مخرجه من الحرم، ومهاجره إلى نخل وحرة وسباخ، فإياك أن تسبق إليه. # قال طلحة: فوقع في قلبي ما قال، فخرجت سريعا حتى قدمت مكة فقلت: هل كان من حدث؟ # قالوا: نعم محمد بن عبد الله الأمين تنبأ وقد تبعه ابن أبي قحافة. # قال: فخرجت حتى دخلت على أبي بكر فقلت؟ اتبعت هذا الرجل؟ # قال: نعم، فانطلق إليه فادخل عليه فاتبعه فإنه يدعو إلى الحق. # فأخبره طلحة بما قال الراهب، فخرج أبو بكر بطلحة فدخل به على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاسلم طلحة وأخبر رسول الله صلى الله # PageV01P108 # عليه واله وسلم بما قال الراهب فسر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، فلما أسلم أبو بكر وطلحة أخذهما نوفل بن خويلد بن العدوية فشدهما في حبل واحد ولم يمنعهما بنو تيم، وكان نوفل بن خويلد يدعى أسد قريش (1) # PageV01P109 # (الفصل الثاني) في ذكر اعتراف مشركي قريش بما في القرآن من الإعجاز وأنه لا يشبه شيئا من لغاتهم مع كونهم من أرباب اللغة والبيان وكان رسول ms040 الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يكف عن عيب آلهة المشركين ويقرأ عليهم القرآن فيقولون: هذا شعر محمد، ويقول بعض: # بل هو كهانة، ويقول بعضهم: بل هو خطب. # وكان الوليد بن المغيرة شيخا كبيرا، وكان من حكام العرب يتحاكمون إليه في الأمور وينشدونه الأشعار، فما اختاره من الشعر كان مختارا، وكان له بنون لا يبرحون مكة، وكان له عبيد عشرة عند كل عبد ألف دينار يتجر بها، وملك القنطار في ذلك الزمان، والقنطار جلد ثور مملوء ذهبا، وكان من المستهزئين برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان عم أبي جهل بن هشام، فقالوا له: يا عبد شمس ما هذا الذي يقول محمد أسحر أم كهانة أم خطب؟ # فقال: دعوني أسمع كلامه. # فدنا من رسول الله وهو جالس في الحجر فقال: يا محمد أنشدني من شعرك. # فقال: (ما هو شعر ولكنه كلام الله الذي بعث أنبياءه ورسله). # فقال: أتل علي منه. # فقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (بسم الله الرحمن الرحيم) فلما سمع الرحمن استهزأ فقال: تدعو إلى رجل باليمامة يسمى PageV01P110 # الرحمن؟ # قال: (لا ولكني أدعو إلى الله وهو الرحمن الرحيم). # ثم افتتح (حم السجدة) فلما بلغ إلى قوله: ﴿فان أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود﴾ (1) وسمعه اقشعر جلده وقامت كل شعرة في رأسه ولحيته، ثم قام ومضى إلى بيته ولم يرجع إلى قريش، فقالت قريش: يا أبا الحكم صبا أبو عبد شمس إلى دين محمد، أما تراه لم يرجع إلينا وقد قبل قوله ومضى إلى منزله، فاغتمت قريش من ذلك غما شديدا وغدا عليه أبو جهل فقال: يا عم نكست برؤوسنا وفضحتنا. # قال: وما ذلك يا بن أخي؟ # قال: صبوت إلى دين محمد. # قال: ما صبوت وإني على دين قومي وآبائي ولكني سمعت كلاما صعبا تقشعر منه الجلود. # قال أبو جهل: أشعر هو؟ # قال: ما هو بشعر. # قال: فخطب هي؟ # قال: لا إن الخطب كلام متصل وهذا كلام منثور، لا يشبه بعضه بعضا، ms041 له طلاوة (2). # قال: فكهانة هو؟! فكأنه هي. # قال: لا. # قال: فما هو؟ # قال: دعني أفكر فيه. # PageV01P111 # فلما كان من الغد، قالوا: يا عبد شمس ما تقول؟ # قال: قولوا: هو سحر فإنه أخذ بقلوب الناس، فأنزل الله تعالى فيه: # (ذرني ومن خلقت وحيدا * وجعلت له مالا ممدودا * وبنين شهودا) إلى قوله ﴿عليها تسعة عشر﴾ (١) (٢). # وفي حديث حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة قال: جاء الوليد بن المغيرة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال له: اقرأ علي، فقرأ عليه ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون﴾ (3). # فقال: أعد، فأعاد. # فقال: والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما يقول هذا بشر (4). # PageV01P112 # (الفصل الثالث) في ذكر كفاية الله المستهزئين وما ظهر فيها من الآيات قال: وكان المستهزئون برسول الله خمسة نفر: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل السهمي، والأسود بن المطلب وهو أبو زمعة، والأسود بن عبد يغوث من بني زهرة؟ والحارث بن الطلاطلة الخزاعي، قال: فمر الوليد بن المغيرة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومعه جبرئيل عليه السلام فقال: (يا محمد هذا الوليد بن المغيرة وهو من المستهزئين). فقال: # (نعم). # وكان مر برجل من خزاعة على باب المسجد وهو يريش نبالا له فوطأ على بعضها فأصاب أسفل عقبه قطعة من ذلك فدميت، فلما مر جبرئيل أشار جبرئيل إلى ذلك الموضع، فرجع إلى منزله ونام على سريره، وكانت ابنته نائمة أسفل منه فانفجر ذلك الموضع الذي أشار إليه جبرئيل أسفل عقبه، فسال الدم حتى صار على فراش ابنته فصاحت ابنته وقالت: يا جارية انحل وكاء القربة. # فقال لها الوليد: يا بنية ما هذا ماء القربة ولكنه دم أبيك، فاجمعي لي ولدي وولد أخي فإني ميت، فلما حضروا أوصاهم بوصيته وفاظت نفسه. # ومر الأسود بن المطلب برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأشار جبرئيل عليه السلام إلى بصره فعمي، ثم مات بعد ms042 ذلك. # ومر به الأسود بن عبد يغوث، فأشار جبرئيل إلى بطنه فاستسقى فانتفخ حتى انشق بطنه. PageV01P113 # ومر به العاص بن الوائل، فأشار جبرئيل إلى رجله فدخلت جذلة (١) في أخمص قدميه وخرجت من ظاهر قدمه، فورمت رجله فمات. # ومر به (ابن) الطلاطلة، فتفل جبرئيل في وجهه فخرج إلى جبال تهامة فأصابه السمائم فاحترق واسود، فرجع إلى منزله فلم يدعوه أن يدخل وقالوا: # لست بصاحبنا، فخرج من منزله فأصابه العطش فما زال يستسقي حتى انشق بطنه وهو قول الله تعالى: ﴿انا كفيناك المستهزئين﴾ (2) (3). # PageV01P114 # (الفصل الرابع) في ذكر الهجرة إلى الحبشة وتصديق النجاشي له ومن تبعه عليه السلام لما اشتدت قريش في أذى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه أمرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يخرجوا إلى الحبشة، وأمر جعفر أن يخرج بهم، فخرج جعفر وخرج معه سبعون رجلا حتى ركبوا البحر، فلما بلغ قريشا خروجهم بعثوا عمرو بن العاص السهمي وعمارة بن الوليد إلى النجاشي أن يردهم إليهم، وأن يعلماه أنهم مخالفون لهم، فخرج عمارة وكان شابا حسن الوجه مترفا، وأخرج عمرو بن العاص أهله، فلما ركبوا السفينة شربوا الخمر فقال عمارة لعمرو بن العاص: قل لأهلك تقبلني. # فقال: سبحان الله أيجوز هذا؟! فتركه حتى انتشى، وكان على صدر السفينة فدفعه عمارة وألقاه في البحر، فتشبث عمرو بصدر السفينة وأدركوه فأخرجوه، فلما أن رأى عمرو ما فعل به عمارة قال لأهله: قبليه!! # فوردوا على النجاشي فدخلوا عليه - وقد كانوا حملوا إليه هدايا - فقال عمرو: أيها الملك إن قوما منا خالفونا في ديننا وصاروا إليك فردهم إلينا. # فبعث النجاشي إلى جعفر فأحضره فقال: يا جعفر إن هؤلاء يسألونني أن أردكم إليهم. # فقال: أيها الملك سلهم أنحن عبيد لهم؟ # قال عمرو: لا، بل أحرار كرام. # قال: فسلهم ألهم علينا ديون يطالبوننا بها؟ # قال: لا، ما لنا عليهم ديون. PageV01P115 # قال: فلهم في أعناقنا دماء يطالبوننا بذحولها (١) قال عمرو بن العاص: لا، ما لنا في أعناقهم دماء ولا نطالبهم بذحول. # قال: ms043 فما تريدون منا؟ # قال عمرو: خالفونا في ديننا ودين آبائنا، وسبوا آلهتنا، وأفسدوا شباننا، وفرقوا جماعتنا، فردهم إلينا ليجتمع أمرنا. # فقال جعفر: أيها الملك خالفناهم لنبي بعثه الله فينا، أمرنا بخلع الأنداد، وترك الاستقسام بالأزلام، وأمرنا بالصلاة والزكاة، وحرم الظلم والجور وسفك الدماء بغير حلها، والزنا والربا والميتة والدم، وأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي. # فقال النجاشي: بهذا بعث الله عيسى بن مريم، ثم قال النجاشي: # يا جعفر أتحفظ مما أنزل الله على نبيك شيئا. # قال: نعم. # قال: اقرأ. # فقرأ عليه سورة مريم عليها السلام فلما بلغ إلى قوله: ﴿وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا * فكلي واشربي وقري عينا﴾ (2) بكى النجاشي وقال: إن هذا هو الحق. # فقال عمرو: أيها الملك إن هذا ترك ديننا فرده علينا حتى نرده إلى بلادنا، فرفع النجاشي يده فضرب بها وجهه، ثم قال: لئن ذكرته بسوء # PageV01P116 # لأقتلنك. # فقال عمرو - والدماء تسيل على ثيابه -: أيها الملك إن كان هذا كما تقول فإنا لا نعرض له، فخرج من عنده. # وكانت على رأس النجاشي وصيفة له تذب عنه فنظرت إلى عمارة بن الوليد وكان فتى جميلا، فلما رجع عمرو بن العاص إلى منزله قال لعمارة: # لو راسلت جارية الملك، فراسلها عمارة فأجابته فقال لعمرو بن العاص: قد أجابتني. # قال: قل لها: تحمل إليك من طيب الملك شيئا، فقال لها، فحملته إليه فأخذه عمرو بن العاص وكان الذي فعل به عمارة - حيث ألقاه في البحر - في قلبه، فادخل الطيب على النجاشي فقال: أيها الملك إن من حرمة الملك وحقه علينا وإكرامه إيانا إذا دخلنا بلاده ونأمن فيه أن لا نغشه، وإن صاحبي هذا الذي معي قد راسل حرمتك وخدعها وبعثت إليه من طيبك، فعرض عليه طيبه، فغضب النجاشي لذلك غضبا شديدا، وهم أن يقتل عمارة ثم قال: لا يجوز قتله لأنهم دخلوا بلادي بأمان، فدعا السحرة وقال: أعملوا به شيئا يكون عليه أشد من القتل. # فأخذوه ونفخوا في إحليله شيئا من الزئبق ms044 فصار مع الوحش، فكان يغدو معهم ولا يأنس بالناس، فبعثت قريش بعد ذلك في طلبه، فكمنوا له في موضع فورد الماء مع الوحش فقبضوا عليه، فما زال يضطرب في أيديهم ويصيح حتى مات، فرجع عمرو إلى قريش فأخبرهم خبره وأنه بقي جعفر بأرض الحبشة في أكرم كرامة، فما زال بها حتى بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد هادن قريشا وقد وقع بينهم صلح، فقدم بجمع من معه ووافى رسولي الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد فتح خيبر. # وولد لجعفر من أسماء بنت عميس بالحبشة عبد الله بن جعفر، وولد PageV01P117 # للنجاشي ابن فسماه محمدا أو سقته أسماء من لبنها (1). # وقال أبو طالب - يحض النجاشي على نصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم واتباعه -: # تعلم مليك الحبش أن محمدا نبي كموسى والمسيح ابن مريم أتى بالهدى مثل الذي أتيا به وكل بأمر الله يهدي ويعصم وإنكم تتلونه في كتابكم بصدق حديث لا حديث الترجم فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا فإن طريق الحق ليس بمظلم (2) وفيما رواه أبو عبد الله الحافظ بإسناده، عن محمد بن إسحاق قال: # بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه وكتب معه كتابا: # بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إني النجاشي الأصحم ملك الحبشة. # سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الملك القدوس المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى بن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى فخلقه من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده ونفخه، وإني أدعوك إلى الله وحد ه لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعني وتؤمن بي وبالذي جاءني، فإني رسول لله، وقد بعثت إليكم ابن عمي جعفرا ومعه نفر من المسلمين، فإذا جاءوك فأقرهم ودع التجبر، فإني أدعوك وجنودك إلى الله، وقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصيحتي، والسلام على من # PageV01P118 # اتبع الهدى). # فكتب النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه ms045 وآله وسلم: # بسم الله الرحمن الرحيم إلى محمد رسول الله من النجاشي الأصحم بن أبحر. # سلام عليك يا نبي الله من الله ورحمة الله وبركاته، لا إله إلا هو الذي هداني إلى الإسلام، وقد بلغني كتابك، يا رسول الله فيما ذكت من أمر عيسى، فورب السماء والأرض إن عيسى ما يزيد على ما ذكرت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، وقد قرينا ابن عمك وأصحابه، فأشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت على يديه لله رب العالمين، وقد بعثت إليك يا نبي الله أريحا بن الأصحم بن أبحر، فإني لا أملك إلا نفسي، وإن شئت أن اتيك فعلت يا رسول الله، فإني أشهد أن ما تقول، حق. # ثم بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهدايا، وبعث إليه بمارية القبطية، أم إبراهيم، وبعث إليه بثياب وطيب كثير وفرس، وبعث إليه ثلاثين رجلا من القسيسين لينظروا إلى كلامه ومقعده ومشربه، فوافوا المدينة ودعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الإسلام فآمنوا ورجعوا إلى النجاشي (1). # وفي حديث جابر بن عبد الله: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى على أصحمة النجاشي (2). # PageV01P119 # (الفصل الخامس) في ذكر ما لقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أذى المشركين، وإسلام حمزة بن عبد المطلب قال: وجدت قريش في أذى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان أشد الناس عليه عمه أبو لهب، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم جالسا في الحجر فبعثوا إلى سلى (1) الشاة فألقوه على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاغتم رسول الله من ذلك فجاء إلى أبي طالب، فقال: يا عم كيف حسبي فيكم؟ # قال: وما ذاك يا ابن أخ؟ # قال: إن قريشا ألقوا علي سلى. # فقال لحمزة: خذ السيف، وكانت قريش جالسة في المسجد، فجاء أبو طالب عليه السلام ومعه. السيف وحمزة ومعه السيف، فقال: أمر السلى على سبالهم فمن أبى فاضرب ms046 عنقه، فما تحرك أحد حتى أمر السلى على سبالهم، ثم التفت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا بن أخ هذا حسبك فينا (2). # وفي كتاب دلائل النبوة: عن أبي داود، عن شعبة، عن أبي إسحاق: # سمعت عمرو بن ميمون يحدث عن عبد الله قال: بينما رسول الله صلى الله # PageV01P120 # عليه وآله وسلم ساجد وحوله ناس من قريش، وثم سلى بعير فقالوا: من يأخذ سلى هذا الجزور أو البعير فيقذفه على ظهره؟ فجاء عقبة بن أبي معيط فقذفه على ظهر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وجاءت فاطمة عليها السلام فأخذته من ظهره!؟ ودعت على من صنع ذلك. # قال عبد الله: فما رأيت رسول الله دعا عليهم إلا يومئذ فقال: (اللهم عليك الملأ من قريش، اللهم عليك أبا جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وعقبة بن أبي معيط، وأمية بن خلف - أو أبي بن خلف -) شك شعبة. # قال: عبد الله ولقد رأيتهم قتلوا يوم بدر وألقوا في القليب - أو قال: في بئر - غير أن أمية بن خلف - أو أبي بن خلف - كان رجلا بادنا فتقطع قبل ان يبلغ به البئر (1). # أخرجه البخاري في الصحيح (2). # قال: وأخبرنا الحافظ: أخبرنا أبو بكر الفقيه، أخبرنا بشر بن موسى، حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا بيان بن بشر، وإسماعيل بن أبي خالد قالا: سمعنا قيسا يقول: سمعنا خبابا يقول: أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو متوسد برده في ظل، الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة شديدة فقلت: يا رسول الله ألا تدعو الله لنا؟ # فقعد وهو محمر وجهه، فقال: (إن كان من كان قبلكم ليمشط أحدهم بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه، # PageV01P121 # ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله عز وجل والذئب على غنمه). # رواه البخاري في الصحيح عن ms047 الحميدي لم (1). # وأخرجناه من وجه آخر عن إسماعيل (2). # قال: وحدثنا الحافظ بإسناده، عن هشام، عن أبي الزبير، عن جابر: # أن رسول الله مر بعمار وأهله وهم يعذبون في الله فقال: (أبشروا آل عمار فإن موعدكم الجنة) (3) وأخبرنا ابن بشران العدل بإسناده، عن مجاهد قال: أول شهيد كان استشهد في الإسلام أم عمار سمية، طعنها أبو جهل بطعنة في قلبها (4). # وروى علي بن إبراهيم بن هاشم بإسناده قال: كان أبو جهل تعرض لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وآذاه بالكلام، واجتمعت بنو هاشم فأقبل حمزة وكان في الصيد فنظر إلى اجتماع الناس فقال: ما هذا؟ # فقالت له امرأة من بعض السطوح: يا أبا يعلى إن عمرو بن هشام تعرض لمحمد وآذاه. # فغضب حمزة ومر نحو أبي جهل وأخذ قوسه فضرب بها رأسه، ثم # PageV01P122 # احتمله فجلد به الأرض، واجتمع الناس وكاد يقع فيهم شر، فقالوا له: يا أبا يعلى صبوت إلى دين ابن أخيك؟ # قال: نعم، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، على جهة الغضب والحمية. فلما رجع إلى منزله ندم فغدا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا ابن أخ أحقا ما تقول؟ # فقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سورة من القرآن، فاستبصر حمزة، وثبت على دين الإسلام، وفرح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسر باسلامه أبو طالب، فقال في ذلك: # صبرا أبا يعلى على دين أحمد وكن مظهرا للدين وفقت صابرا وحط من أتى بالدين من عند ربه بصدق وحق لا تكن حمز كافرا فقد سرني إذ قلت أنك مؤمن فكن لرسول الله في الله ناصرا وناد قريشا بالذي قد أتيته جهارا وقل ما كان أحمد ساحرا (1) # PageV01P123 # (الفصل السادس) في ذكر إسرائه صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيت المقدس ودخوله بعد ذلك في شعب أبي طالب رحمة الله عليه ثم أسري برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيت المقدس، حمله جبرئيل على البراق فأتى ms048 به بيت المقدس وعرض عليه محاريب الأنبياء وصلى بهم ورده، فمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في رجوعه بعير لقريش وإذا لهم ماء في آنية فشرب منه واكفا ما بقي، وقد كانوا أضلوا بعيرا لهم وكانوا يطلبونه، فلما أصبح قال لقريش: (إن الله قد أسرى بي إلى بيت المقدس فأراني آيات الأنبياء ومنازلهم وإني مررت بعير لقريش في موضع كذا وكذا وقد أضلوا بعيرا لهم فشربت من مائهم وأهرقت باقي ذلك). # فقال أبو جهل: قد أمكنتكم الفرصة منه، فسألوه كم فيها من الأساطين وا لقنا ديل؟ # فقالوا: يا محمد، إن ههنا من قد دخل بيت المقدس، فصف لنا كم أساطينه وقناديله ومحاريبه. # فجاء جبرئيل عليه السلام فعتق صورة بيت المقدس تجاه وجهه، فجعل يخبرهم بما سألوه عنه، فلما أخبرهم قالوا: حتى يجئ العير نسألهم عما قلت. # فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (تصديق ذلك أن العير يطلع عليكم عند طلوع الشمس يقدمها جمل أحمر عليه عزارتان). # فلما كان من الغد أقبلوا ينظرون إلى العقبة ويقولون: هذه الشمس تطلع الساعة، فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم العير حين طلوع القرص يقدمها جمل أحمر، فسألوهم عما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، PageV01P124 # قالوا: لقد كان هذا، ضل جمل لنا، في موضع كذا وكذا، ووضعنا ماء فأصبحنا وقد أريق الماء. فلم يزدهم ذلك إلا عتوا. # فاجتمعوا في دار الندوة وكتبوا بينهم صحيفة أن لا يواكلوا بني هاشم ولا يكلموهم ولا يبايعوهم ولا يزوجوهم ولا يتزوجوا إليهم ولا يحضروا معهم حتى يدفعوا محمدا إليهم فيقتلونه، وأنهم يد واحدة على محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليقتلوه غيلة أو صراحا. # فلما بلغ ذلك أبا طالب جمع بني هاشم ودخل الشعب، وكانوا أربعين رجلا، فحلف لهم أبو طالب بالكعبة والحرم والركن والمقام لئن شاكت محمدا شوكة لآتين عليكم يا بني هاشم. # وحصن الشعب، وكان يحرسه بالليل والنهار، فإذا جاء الليل يقوم بالسيف عليه ورسول الله مضطجع ثم يقيمه ويضجعه ms049 في موضع آخر، فلا يزال الليل كله هكذا، ويوكل ولده وولد أخيه به يحرسونه بالنهار، وأصابهم الجهد، وكان من دخل من العرب مكة لا يجسر أن يبيع من بني هاشم شيئا، ومن باع منهم شيئا انتهبوا ماله. # وكان أبو جهل، والعاص بن وائل السهمي، والنضر بن الحارث بن كلدة، وعقبة بن أبي معيط يخرجون إلى الطرقات التي تدخل مكة، فمن رأوه معه ميرة (1) نهوه أن يبيع من بني هاشم شيئا، ويحذروه إن باع شيئا منهم أن ينهبوا ماله. # وكانت خديجة لها مال كثير فأنفقته على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ي الشعب. # ولم يدخل في حلف الصحيفة مطعم بن عدي بن نوفل بن # PageV01P125 # عبد المطلب بن عبد مناف، وقال: هذا ظلم. # وختموا الصحيفة بأربعين خاتما ختمه كل رجل من رؤساء قريش بخاتمه وعلقوها في الكعبة، وتابعهم أبو لهب على ذلك. # وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخرج في كل موسم فيدور على قبائل العرب فيقول لهم: (تمنعون لي جانبي حتى أتلو عليكم كتاب ربي وثوابكم على الله الجنة) وأبو لهب في أثره فيقول: لا تقبلوا منه فإنه ابن أخي وهو كذاب ساحر. فلم تزل هذه حاله فبقوا في الشعب أربع سنين لا يأمنون إلا من موسم إلى موسم، ولا يشترون ولا يبايعون إلا في الموسم، وكان يقوم بمكة موسمان في كل سنة: موسم للعمرة في رجب، وموسم للحج في ذي الحجة، وكان إذا اجتمعت المواسم تخرج بنو هاشم من الشعب فيشترون ويبيعون ثم لا يجسر أحد منهم أن يخرج إلى الموسم الثاني، فأصابهم الجهد وجاعوا، وبعثت قريش إلى أبي طالب: ادفع إلينا محمدا حتى نقتله ونملكك علينا، فقال: أبو طالب قصيدته الطويلة اللامية التي يقول فيها: # فلما رأيت القوم لا ود فيهم * وقد قطعوا كل العرى والوسائل ويقول فيها: # ألم تعلموا أن ابننا لا مكذب * لدينا ولا يعنى بقول الأباطل وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ثمال اليتامى عصمة للأرامل يطوف به الهلاك من آل هاشم * فهم عنده ms050 في نعمة وفواضل كذبتم - وبيت الله - يبزى (1) محمدا * ولما نطاعن دونه ونقاتل # PageV01P126 # ويقول فيها: # ونسلمه حتى نصرع دونه * ونذهل عن أبنائنا والحلائل لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد * وأحببته حب الحبيب المواصل وجدت بنفسي دونه وحميته * ودارأت عنه بالذرى والكلاكل فلا زال في الدنيا جمالا لأهلها * وشينا لمن عادى وزين المحافل حليما رشيدا حازما غير طائش * يوالي إله الحق ليس بما حل فأيده رب العباد بنصره * وأظهر دينا حقه غير باطل فلما سمعوا هذه القصيدة آيسوا منه، وكان أبو العاص بن الربيع - وهو ختن (1) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - يجئ بالعير بالليل عليها البر والتمر إلى باب الشعب، ثم يصيح بها فتدخل الشعب فيأكله بنو هاشم، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لقد صاهرنا أبو العاص فأحمدنا صهره، لقد كان يعمد إلى العير ونحن في الحصار فيرسلها في الشعب ليلا). # فلمح ا أتى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الشعب أربع سنين بعث الله على صحيفتهم القاطعة دابة الأرض فلحست جميع ما فيها من قطيعة رحم وظلم وجور وتركت اسم الله، ونزل جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره بذلك، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا طالب. # فقام أبو طالب ولبس ثيابه ثم مشى حتى دخل المسجد على قريش وهم مجتمعون فيه، فلما بصروا به قالوا: قد ضجر أبو طالب وجاء الان # PageV01P127 # ليسلم ابن أخيه. # فدنا منهم وسلم عليهم فقاموا إليه وعظموه وقالوا: يا أبا طالب قد علمنا أنك أردت مواصلتنا والرجوع إلى جماعتنا وأن تسلم ابن أخيك إلينا. # قال: والله ما جئت لهذا، ولكن ابن أخي أخبرني - ولم يكذبني - أن الله أخبره أنه بعث على صحيفتكم القاطعة دابة الأرض فلحست جميع ما فيها من قطيعة رحم وظلم وجور وتركت اسم الله، فابعثوا إلى صحيفتكم فإن كان حقا فاتقوا الله وارجعوا عما أنتم عليه من الظلم والجور وقطيعة الرحم، وإن كان باطلا دفعته إليكم فإن شئتم قتلتموه ms051 وإن شئتم استحييتموه. # فبعثوا إلى الصحيفة فأنزلوها من الكعبة - وعليها أربعون خاتما - فلما أتوا بها نظر كل رجل منهم إلى خاتمه ثم فكوها فإذا ليس فيها حرف واحد إلا: باسمك اللهم. # فقال لهم أبو طالب: يا قوم اتقوا الله وكفوا عما أنتم عليه. فتفرق القوم ولم يتكلم أحد. # ورجع أبو طالب إلى الشعب وقال في ذلك قصيدته البائية التي أولها؟ # ألا من لهم آخر الليل منصب * وشعب العصا من قومك المتشعب وفيها: # وقد كان في أمر الصحيفة عبرة * متى ما يخبر غائب القوم يعجب محا الله منها كفرهم وعقوقهم * وما نقموا من ناطق الحق معرب وأصبح ما قالوا من الأمر باطلا * ومن يختلق ما ليس بالحق يكذب وأمسى ابن عبد الله فينا مصدقا * على سخط من قومنا غير معتب فلا تحسبونا مسلمين محمدا * لذي عزة منا ولا متعزب ستمنعه منا يد هاشمية * مركبها في الناس خير مركب وقال عند ذلك نفر من بني عبد مناف، وبني قصي، ورجال من PageV01P128 # قريش، ولدتهم نساء بني هاشم منهم: مطعم بن عدي بن عامر بن لؤي - وكان شيخا كبيرا كثير المال له أولاد - وأبو البختري ابن هاشم، وزهير بن أمية المخزومي في رجال من أشرافهم: نحن براء مما في هذه الصحيفة، وقال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل (1). # وخرج النبي من الشعب ورهطه وخالطوا الناس، ومات أبو طالب بعد ذلك بشهرين وماتت خديجة بعد ذلك. # وورد على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمران عظيمان وجزع جزعا شديدا. ودخل عليه وآله السلام على أ بي طالب وهو يجود بنفسه، فقال: (يا عم ربيت صغيرا، ونصرت كبيرا، وكفلت يتيما، فجزاك الله عني خيرا، أعطني كلمة اشفع بها لك عند ربي). # فقال: يا بن أخ لولا أني أكره أن يعيروا بعدي لأقررت عينك. ثم مات (2). # PageV01P129 # وقد روي: أنه لم يخرج من الدنيا حتى أعطى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الرضا (1). # وفي كتاب دلائل النبوة: عن ابن عباس قال: فلما ثقل أبو طالب رئي ms052 يحرك شفتيه فأصغى إليه العباس يستمع قوله فرفع العباس عنه، وقال: يا رسول الله قد والله قال الكلمة التي سألته إياها (2). # وفيه: مرفوعا عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عارض جنازة أبي طالب وقال: (وصلتك رحم وجزيت خيرا يا عم) (3). # وذكر محمد بن إسحاق بن يسار: أن خديجة بنت خويلد وأبا طالب ماتا في عام واحد فتتابعت على رسول الله المصائب بهلاك خديجة وأبي طالب، وكانت خديجة له وزيرة صدق على الإسلام وكان يسكن إليها (4). # PageV01P131 # وذكر أبو عبد الله بن مندة في كتاب المعرفة: أن وفاة خديجة كانت بعد موت أبى طالب بثلاثة أيام. # وزعم الواقدي أنهم خرجوا من الشعب قبل الهجرة بثلاث سنين، وفي هذه السنة توفيت خديجة وأبو طالب وبينهما خمس وثلاثون ليلة (1). # PageV01P132 # (الفصل السابع) في ذكر عرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه على قبائل العرب، وما جاء من بيعة الأنصار إياه على الإسلام، وحديث العقبة في كتاب دلائل النبوة: عن الزهري، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم، ويكلم كل شريف قوم، لا يسألهم مع ذلك إلا أن يؤووه ويمنعوه ويقول: (لا أكره أحدا منكم على شئ، من رضي منكم بالذي أدعوه إليه، فذاك، ومن كره لم أكرهه، إنما أريد أن تحرزوني مما يراد بي من القتل حتى أبلغ رسالات ربي، وحتى يقضي الله عز وجل لي ولمن صحبني ما شاء الله) فلم يقبله أحد منهم ولم يأت أحدا من تلك القبائل إلا قال: قوم الرجل أعلم به، أترون أن رجلا يصلحنا وقد أفسد قومه ولفظوه؟! # فلما توفي أبو طالب اشتد البلاء على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشد ما كان، فعمد لثقيف بالطائف رجاء أن يؤووه، فوجد ثلاثة نفر منهم هم سادة ثقيف يومئذ، وهم إخوة: عبد يا ليل بن عمرو، وحبيب بن عمرو، ومسعود بن عمرو، فعرض عليهم نفسه وشكا إليهم البلاء وما انتهك منه قومه، ms053 فقال أحدهم: أسرق أستار الكعبة إن كان الله بعثك بشئ قط. # وقال الاخر: أعجز على الله أن يرسل غيرك؟ # وقال الاخر: والله لا أكتمك بعد مجلسك هذا أبدا، والله لئن كنت رسول الله لأنت أعظم شرفا وحقا من أن أكلمك، ولئن كنت تكذب على الله لأنت شر من أن أكلمك. PageV01P133 # وتهزؤوا به، وأفشوا في قومهم الذي راجعوه به، فقعدوا له صفين على طريقه، فلما مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين صفيهم كان لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا رضخوهما بالحجارة - وقد كانوا أعدوها - حتى أدموا رجليه، فخلص منهم ورجلاه تسيلان الدماء، فعمد إلى حائط من حوائطهم واستظل في ظل حبلة (1) منه وهو مكروب موجع، فإذا في الحائط عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، فلما رآهما كره مكانهما لما يعلم من عداوتهما لله ورسوله، فلما رأياه أرسلا إليه غلاما لهما يدعى عداس وهو نصراني من أهل نينوى معه عنب، فلما جاءه عداس قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من أي أرض أنت)؟ # قال: أنا من أهل نينوى. # فقال له صلى الله عليه وآله وسلم: (من مدينة الرجل الصالح يونس ابن متى)؟ # فقال له عداس: وما يدريك من يونس بن متى؟ # فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - وكان لا يحقر أحدا أن يبلغه رسالة ربه -: (أنا رسول الله والله تعالى أخبرني خبر يونس بن متى). # فلما أخبره بما أوحى الله إليه من شأن يونس بن متى خر عداس ساجدا لله، وجعل يقبل قدميه وهما تسيلان دما. # فلما بصر عتبة وشيبة ما يصنع غلامهما سكتا، فلما أتاهما قالا له: ما شأنك سجدت لمحمد وقبلت قدميه ولم نرك فعلته بأحد منا؟ # قال: هذا رجل صالح أخبرني بشئ عرفته من شأن رسول بعثه الله إ لينا يدعى يونس بن متى. # PageV01P134 # فضحكا وقالا: لا يفتننك عن نصرانيتك، فإنه رجل خداع. فرجع رسول الله إلى مكة (1). # قال علي بن إبراهيم بن هاشم: ولما رجع رسول الله صلى الله ms054 عليه وآله وسلم من الطائف وأشرف على مكة وهو معتمر كره أن يدخل مكة وليس له فيها مجير، فنظر إلى رجل من قريش قد كان أسلم سرا، فقال له: (ائت الأخنس بن شريق فقل له: إن محمدا يسألك أن تجيره حتى يطوف ويسعى فإنه معتمر). # فاتاه وأدى إليه ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال الأخنس: إني لست من قريش، وإنما أنا حليف فيهم، والحليف لا يجير على الصميم، وأخاف أن يخفروا جواري، فيكون ذلك مسبة. # فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شعب حراء مختفيا مع زيد فقال له: (ائت سهيل بن عمرو فاسأله أن يجيرني حتى أطوف بالبيت وأسعى). # فأتاه وأدى إليه قوله، فقال له: لا أفعل. # فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذهب إلى مطعم بن عدي فسله أن يجيرني حتى أطوف وأسعى). # فجاء إليه وأخبره فقال: أين محمد؟ فكره أن يخبره بموضعه، فقال: # هو قريب، فقال: ائته فقل له: إني قد أجرتك فتعال وطف واسع ما شئت. # فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال مطعم لولده، # PageV01P135 # واختانه (1)، وأخيه طعيمة بن عدي: خذوا سلاحكم فإني قد أجرت محمدا وكونوا حول الكعبة حتى يطوف ويسعى، وكانوا عشرة فأخذوا السلاح. # وأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى دخل المسجد، ورآه أبو جهل فقال: يا معشر قريش هذا محمد وحده وقد مات ناصره فشأنكم به. # فقال له طعيمة بن عدي: يا عم لا تتكلم، فإن أبا وهب قد أجار محمدا. فوقف أبو جهل على مطعم ابن عدي فقال: أبا وهب أمجير أم صابئ؟ # قال: بل مجير. # قال: إذا لا يخفر جوارك. # فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من طوافه وسعيه جاء إلى مطعم، فقال: (أبا وهب قد أجرت وأحسنت، فرد علي جواري). # قال: وما عليك أن تقيم في جواري؟ # قال: (أكره أن أقيم في جوار ms055 مشرك أكثر من يوم). # قال مطعم: يا معشر قريش، إن محمدا قد خرج من جواري (2). # قال علي بن إبراهيم: قدم أسعد بن زرارة، وذكوان بن عبد قيس في موسم من مواسم العرب، وهما من الخزرج، وكان بين الأوس والخزرج حرب قد بغوا فيها دهرا طويلا، وكانوا لا يضعون السلاح لا بالليل ولا بالنهار، وكان # PageV01P136 # اخر حرب بينهم يوم بعاث (1)، وكانت للأوس على الخزرج، فخرج أسعد بن زرارة وذكوان إلى مكة في عمرة رجب يسألون الحلف على الأوس، وكان أسعد بن زرارة صديقا لعتبة بن ربيعة، فنزل عليه فقال له: إنه كان بيننا وبين قومنا حرب وقد جئناك نطلب الحلف عليهم. # فقال له عتبة: بعدت دارنا من داركم ولنا شغل لا نتفرغ لشئ. # قال: وما شغلكم وأنتم في حرمكم وأمنكم؟ # قال له عتبة: خرج فينا رجل يدعي أنه رسول الله، سفه أحلامنا، وسب إلهتنا، وأفسد شباننا، وفرق جماعتنا. # فقال له أسعد: من هو منكم؟ # قال: ابن عبد الله بن عبد المطلب، من أوسطنا شرفا، وأعظمنا بيتا. # وكان أسعد وذكوان وجميع الأوس والخزرج يسمعون من اليهود الذين كانوا بينهم - النضير وقريظة وقينقاع -: أن هذا أوان نبي يخرج بمكة يكون مهاجره بالمدينة، لنقتلنكم به يا معشر العرب. فلما سمع ذلك أسعد وقع في قلبه ما كان سمع من اليهود، قال: فأين هو؟ # قال: جالس في الحجر، وإنهم لا يخرجون من شعبهم إلا في الموسم، فلا تسمع منه ولا تكلمه فإنه ساحر يسحرك بكلامه. وكان هذا في وقت محاصرة بني هاشم في الشعب. # فقال له أسعد: فكيف أصنع وأنا معتمر، لا بد لي أن أطوف بالبيت؟ # قال: ضع في اذنيك القطن. # فدخل أسعد المسجد وقد حشا اذنيه بالقطن، فطاف بالبيت ورسول الله # PageV01P137 # صلى الله عليه وآله وسلم جالس في الحجر مع قوم من بني هاشم، فنظر إليه نظرة فجازه، فلما كان في الشوط الثاني قال في نفسه: ما أجد أجهل مني، أيكون مثل هذا الحديث بمكة فلا اتعرفه حتى أرجع إلى قومي فأخبرهم؟ ثم ms056 أخذ القطن من اذنيه ورمى به وقال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنعم صباحا. # فرفع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأسه إليه، وقال: (قد أبد لنا الله به ما هو أحسن من هذا، تحية أهل الجنة السلام عليكم). # فقال له أسعد: إن عهدك بهذا لقريب، إلى ما تدعو يا محمد؟ # قال: (إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، وأدعوكم إلى أن لا تشركوا به شيئا، وبالوالدين إحسانا، ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم، ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون، ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده، وأوفوا الكيل والميزان بالقسط، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون). # فلما سمع أسعد هذا قال له: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، يا رسول الله بأبي أنت وأمي، أنا من أهل يثرب من الخزرج، وبيننا وبين إخوتنا من الأوس حبال مقطوعة، فإن وصلها الله بك فلا أجد أعز منك، ومعي رجل من قومي، فإن دخل في هذا الأمر رجوت أن يتمم الله لنا أمرنا فيك، والله يا رسول الله لقد كنا نسمع من اليهود خبرك، ويبشروننا بمخرجك، ويخبروننا بصفتك، وأرجو أن تكون دارنا دار هجرتك، وعندنا مقامك، فقد أعلمنا اليهود ذلك، فالحمد لله الذي ساقني إليك، والله ما جئت إلا لنطلب الحلف على قومنا، وقد آتانا الله بأفضل مما أتيت له. PageV01P138 # ثم أقبل ذكوان فقال له أسعد: هذا رسول الله الذي كانت اليهود تبشرنا به وتخبرنا بصفته، فهلم فاسلم، فأسلم ذكوان ثم قالا: يا رسول الله ابعث معنا رجلا يعلمنا القرآن ويدعو الناس إلى أمرك. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمصعب بن عمير، وكان فتى حدثا مترفا بين أبويه يكرمانه ويفضلانه على أولادهما ولم يخرج ms057 من مكة، فلما أسلم جفاه أبواه، وكان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الشعب حتى، تغير وأصابه الجهد، فأمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالخروج مع أسعد، وقد كان تعلم من القرآن كثيرا، فخرجا إلى المدينة ومعهما مصعب بن عمير فقدموا على قومهم وأخبروهم بأمر رسول الله وخبره، فأجاب من كل بطن الرجل والرجلان، وكان مصعب نازلا على أسعد بن زرارة، وكان يخرج في كل يوم فيطوف على مجالس الخزرج يدعوهم إلى الإسلام فيجيبه الأحداث، وكان عبد الله بن أبي شريفا في الخزرج، وقد كان الأوس والخزرج اجتمعوا على أن يملكوه عليهم لشرفه وسخائه، وقد كانوا اتخذوا له إكليلا احتاجوا في تمامه إلى واسطة كانوا يطلبونها، وذلك أنه لم يدخل مع قومه الخزرج في حرب بعاث ولم يعن على الأوس، وقال: هذا ظلم منكم للأوس ولا أعين على الظلم، فرضيت به الأوس والخزرج، فلما قدم أسعد كره عبد الله ما جاء به أسعد وذكوان وفتر أمره. فقال أسعد لمصعب: إن خالي سعد بن معاذ من رؤساء الأوس، هو رجل عاقل شريف مطاع في بني عمرو بن عوف، فإن دخل في هذا الأمر تم لنا أمرنا، فهلم نأتي محلتهم. # فجاء مصعب مع أسعد إلى محلة سعد بن معاذ فقعد على بئر من آبارهم واجتمع إليه قوم من أحداثهم وهو يقرأ عليهم القرآن، فبلغ ذلك سعد أبن معاذ فقال لأسيد بن حضير وكان من أشرافهم: بلغني أن أبا أمامة أسعد PageV01P139 # ابن زرارة قد جاء إلى محلتنا مع هذا القرشي يفسد شباننا، فأته وانهه عن ذلك. # فجاء أسيد بن حضير، فنظر إليه أسعد فقال لمصعب إن هذا رجل شريف، فإن دخل في هذا الأمر رجوت أن يتم أمرنا فأصدق الله فيه. # فلما قرب أسيد منهم قال: يا أبا أمامة يقول لك خالك: لا تأتنا في نادينا، ولا تفسد شباننا، وأحذر الأوس على نفسك. # فقال مصعب: أو تجلس فنعرض عليك أمرا، فإن أحببته دخلت فيه، وإن كرهته نحينا عنك ms058 ما تكرهه. # فجلس فقرأ عليه سورة من القرآن، فقال: كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الأمر؟ # قال: نغتسل ونلبس ثوبين طاهرين ونشهد الشهادتين ونصلي ركعتين. # فرمى بنفسه مع ثيابه في البئر، ثم خرج وعصر ثوبه، ثم قال: أعرض فعرض عليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فقالها، ثم صلى ركعتين، ثم قال لأسعد: يا أبا أمامة، أنا أبعث إليك الان خالك وأحتال عليه في أن يجيئك. # فرجع أسيد إلى سعد بن معاذ، فلما نظر إليه سعد قال: أقسم أن أسيدا قد رجع إلينا بغير الوجه الذي ذهب من عندنا، وأتاهم سعد بن معاذ فقرأ عليه مصعب (حم تنزيل من الرحمن الرحيم) فلما سمعها، قال مصعب: والله لقد رأينا الإسلام في وجهه قبل أن يتكلم، فبعث إلى منزله وأتى بثوبين طاهرين واغتسل وشهد الشهادتين وصلى ركعتين ثم قام وأخذ بيد مصعب وحوله إليه وقال: أظهر أمرك ولا تهابن أحدا. # ثم جاء فوقف في بني عمرو بن عوف وصاح: يا بني عمرو بن عوف لا PageV01P140 # يبقين رجل ولا امرأة ولا بكر ولا ذات بعل ولا شيخ ولا صبي إلا خرج، فليس هذا يوم ستر ولا حجاب. # فلما اجتمعوا قال؟ كيف حالي عندكم. # قالوا: أنت سيدنا والمطاع فينا ولا نرد لك أمرا فمرنا بما شئت. # فقال: كلام رجالكم ونسائكم وصبيانكم علي حرام حتى تشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فالحمد لله الذي أكرمنا بذلك وهو الذي كانت اليهود تخبرنا به. # فما بقي دار من دور بني عمرو بن عوف في ذلك اليوم إلا وفيها مسلم أو مسلمة، وحول مصعب بن عمير إليه وقال له: أظهر أمرك وادع الناس علانية. # وشاع الإسلام بالمدينة وكثر، ودخل فيه من البطنين جميعا أشرافهم، وذلك لما كان عندهم من أخبار اليهود. # وبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الأوس والخزرج قد دخلوا في الاسلام، وكتب إليه مصعب بذلك، وكان كل من دخل في الإسلام من قريش ضربه قومه ms059 وعذبوه، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمرهم أن يخرجوا إلى المدينة، فكانوا يتسللون رجلا فرجلا فيصيرون إلى المدينة فينزلهم الأوس والخزرج عليهم ويواسونهم. # قال: فلما قدمت الأوس والخزرج مكة جاءهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لهم: (تمنعون لي جانبي حتى أتلو عليكم كتاب ربكم وثوابكم على الله الجنة)؟ # قالوا: نعم يا رسول الله، فخذ لنفسك وربك ما شئت. # فقال: (موعدكم العقبة في الليلة الوسطى من ليالي التشريق). # فلما حجوا رجعوا إلى منى، وكان فيه ممن قد أسلم بشر كثير، وكان PageV01P141 # أكثرهم مشركين على دينهم وعبد الله بن أبي فيهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في اليوم الثاني من أيام التشريق: (فاحضروا دار عبد المطلب على العقبة ولا تنبهوا نائما، وليتسلل واحد فواحد). # وكان رسول الله نازلا في دار عبد المطلب، وحمزة وعلي والعباس معه، فجاءه سبعون رجلا من الأوس والخزرج، فدخلوا الدار، فلما اجتمعوا قال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (تمنعون لي جانبي حتى أتلو عليكم كتاب ربي وثوابكم على الله الجنة)؟ # فقال أسعد بن زرارة والبراء بن معرور وعبد الله بن حرام: نعم يا رسول الله، فاشترط لنفسك ولربك. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (تمنعوني مما تمنعون أنفسكم، وتمنعون أهلي مما تمنعون أهليكم وأولادكم). # قالوا: فما لنا على ذلك؟ # قال: (الجنة، تملكون بها العرب في الدنيا، وتدين لكم العجم وتكونون ملوكا). # فقالوا: قد رضينا. # فقام العباس بن نضلة وكان من الأوس فقال: يا معشر الأوس والخزرج تعلمون على ما تقدمون عليه؟ إنما تقدمون على حرب الأبيض والأحمر، وعلى حرب ملوك الدنيا، فإن علمتم أنه إذا أصابتكم المصيبة في أنفسكم خذلتموه وتركتموه فلا تغروه، فإن رسول الله وإن كان قومه خالفوه فهو في عز ومنعة. # فقال له عبد الله بن حرام وأسعد بن زرارة وأبو الهيثم بن التيهان: ما لك وللكلام يا رسول الله؟ بل دمنا بدمك، وأنفسنا بنفسك، فاشترط لربك ولنفسك ما شئت. ms060 PageV01P142 # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا يكفلون عليكم بذلك كما أخذ موسى من بني إسرائيل اثني عشر نقيبا). # فقالوا: اختر من شئت. فأشار جبرئيل عليه السلام إليهم. # فقال: (هذا نقيب، وهذا نقيب) حتى اختار تسعة من الخزرج، وهم: # أسعد بن زرارة، والبراء بن معرور، وعبد الله بن حرام أبو جابر بن عبد الله، ورافع بن مالك، وسعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو، وعبد الله بن رواحة، وسعد بن الربيع، وعبادة بن الصامت. وثلاثة من الأوس، وهم: أبو الهيثم ابن التيهان - وكان رجلا من اليمن حليفا في بني عمرو بن عوف -، وأسيد بن حضير، وسعد بن خيثمة. # فلما اجتمعوا وبايعوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صاح بهم إبليس: يا معشر قريش والعرب، هذا محمد والصباة من الأوس والخزرج على جمرة العقبة يبايعونه على حربكم. فأسمع أهل منى، فهاجت قريش وأقبلوا بالسلاح، وسمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم النداء فقال للأنصار: (تفرقوا). # فقالوا: يا رسول الله إن أمرتنا أن نميل عليهم بأسيافنا فعلنا. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لم أؤمر بذلك ولم يأذن الله لي في محاربتهم). # فقالوا: يا رسول الله فتخرج معنا. # قال: (أنتظر أمر الله). # فجاءت قريش على بكرة أبيها قد أخذوا السلاح، وخرج حمزة ومعه السيف فوقف على العقبة هو وعلي بن أبي طالب عليه السلام، فلما نظروا إلى حمزة قالوا: ما هذا الذي اجتمعتم عليه؟ PageV01P143 # قال: ما اجتمعنا، وما هاهنا أحد، والله لا يجوز أحد هذه العقبة إلا ضربته بسيفي. # فرجعوا وغدوا إلى عبد الله بن أبي وقالوا له: قد بلغنا أن قومك بايعوا محمدا على حربنا. فحلف لهم عبد الله أنهم لم يفعلوا ولا علم له بذلك، وأنهم لم يطلعوه على أمرهم، فصدقوه. وتفرقت الأنصار ورجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى مكة (1). # PageV01P144 # (الفصل الثامن) في ذكر مكر المشركين برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واجتماعهم في دار الندوة ms061 لذلك، وذكر هجرته صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة وما كان من استقبال الأنصار إياه، ونزوله وما ظهر من آثار النبوة واثارها، ومختصر من أخباره إلى أن امر بالقتال ثم اجتمعت قريش في دار الندوة وكانوا أربعين رجلا من أشرافهم، وكان لا يدخلها إلا من أتى له أربعون سنة سوى عتبة بن ربيعة فقد كان سنه دون الأربعين، فجاء الملعون إبليس في صورة شيخ فقال له البواب: من أنت. # قال: أنا شيخ من نجد. # فاستأذن فاذنوا له، وقال: بلغني اجتماعكم في أمر هذا الرجل، فجئتكم لأشير عليكم، فلا يعدمكم مني رأي صائب. # فلما أخذوا مجلسهم قال أبو جهل: يا معشر قريش، إنه لم يكن أحد من العرب أعزمنا ونحن في حرم الله وأمنه تفد إلينا العرب في السنة مرتين ولا يطمع فينا طامع، حتى نشأ فينا محمد، فكنا. نسميه الأمين لصلاحه وأمانته، فزعم أنه رسول الله، وسب آلهتنا، وسفه أحلامنا، وأفسد شباننا، وفرق جماعتنا، وقد رأيت فيه رأيا، وهو أن ندس إليه رجلا يقتله، فإن طلبت بنو هاشم بدمه أعطيناهم عشر ديات. # فقال إبليس: هذا رأي خبيث، فإن بني هاشم لا ترضى أن يمشي قاتل محمد على الأرض أبدا، وتقع بينكم الحروب في حرمكم. # فقال اخر: الرأي أن نأخذه فنحبسه في بيت ونثبته فيه ونلقي إليه قوته PageV01P145 # حتى يموت كما مات زهير والنابغة. # فقال إبليس: إن بني هاشم لا ترضى بذلك، فإذا جاء موسم العرب اجتمعوا عليكم وأخرجوه فيخدعهم بسحره. # وقال اخر: الرأي أن نخرجه من بلادنا ونطرده فنفرغ نحن لآلهتنا. # فقال إبليس: هذا أخبث من الرأيين المتقدمين، لأنكم تعمدون إلى أصبح الناس وجها، وأفصح الناس لسانا، وأسحرهم، فتخرجوه إلى بوادي العرب فيخدعهم بسحره ولسانه، فلا يفجأكم إلا وقد ملأها عليكم خيلا ورجلا. # فبقوا حيارى. ثم قالوا للملعون إبليس: فما الرأي عندك فيه؟ # قال: ما فيه إلا رأي واحد، أن يجتمع من كل بطن من بطون قريش رجل شريف، ويكون معكم من بني هاشم واحد، فيأخذون حديدة أو سيفا ms062 ويدخلون عليه فيضربوه كلهم ضربة واحدة، فيتفرق دمه في قريش كلها، فلا يستطيع بنو هاشم أن يطلبوا بدمه وقد شاركوا فيه، فما بقي لهم إلا أن تعطوهم الدية، فأعطوهم ثلاث ديات. # قالوا: نعم وعشر ديات. # وقالوا بأجمعهم: الرأي رأي الشيخ النجدي. # فاختاروا خمسة عشر رجلا فيهم أبو لهب على أن يدخلوا على رسول الله فيقتلونه، فأنزل الله سبحانه وتعالى على رسوله: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك) الآية (1). # ثم تفرقوا على هذا وأجمعوا أن يدخلوا عليه ليلا وكتموا أمرهم، فقال أبو لهب: بل نحرسه فإذا أصبحنا دخلنا عليه. # فباتوا حول حجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمر رسول الله # PageV01P146 # صلى الله عليه وآله وسلم أن يفرش له، وقال لعلي بن أبي طالب عليه السلام: (يا علي افدني بنفسك). # قال: (نعم يا رسول الله). # قال: (نم على فراشي والتحف ببردي). # فنام عليه السلام على فراش رسول الله والتحف ببردته، وجاء جبرئيل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال له: (اخرج) والقوم يشرفون على الحجرة فيرون فراشه وعلي عليه السلام نائم عليه، فيتوهمون أنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليهم وهو يقرأ (يس) إلى قوله: ﴿فأغشيناهم فهم لا يبصرون﴾ (1) وأخذ ترابا بكفه ونثره عليهم وهم نيام ومضى. # فقال له جبرئيل عليه السلام: (يا محمد، خذ ناحية ثور) وهو جبل على طريق منى له سنام كسنام الثور، فمر رسول الله وتلقاه أبو بكر في الطريق، فأخذ بيده ومر به، فلما انتهى إلى ثور دخل الغار. # فلما أصبحت قريش وأضاء الصبح وثبوا في الحجرة وقصدوا الفراش، فوثب علي عليه السلام إليهم وقام في وجوههم فقال لهم: (ما لكم؟). # قالوا: أين ابن عمك محمد؟ # قال علي عليه السلام: (جعلتموني عليه رقيبا؟ ألستم قلتم له: اخرج عنا، فقد خرج عنكم، فما تريدون؟). # فأقبلوا عليه يضربونه، فمنعهم أبو لهب، وقالوا: أنت كنت تخدعنا منذ الليلة. # PageV01P147 # فلما أصبحوا ms063 تفرقوا في الجبال، وكان فيهم رجل من خزاعة يقال له: # أبو كرز يقفو الآثار، فقالوا له: يا أبا كرز اليوم اليوم. فما زال يقفو أثر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى وقف بهم على باب الحجرة، فقال: هذه قدم محمد، هي والله أخت القدم التي في المقام، وهذه قدم أبي قحافة أو ابنه، وقال: ههنا عبر ابن أبي قحافة. # فلم يزل بهم حتى وقفهم إلى باب الغار وقال لهم: ما جازوا هذا المكان، إما أن يكونوا صعدوا السماء أو دخلوا الأرض. # وبعث الله العنكبوت فنسجت على باب الغار - وقد ذكرناه فيما قبل (1) - قال: وجاء فارس من الملائكة في صورة الأنس فوقف على باب الغار وهو يقول لهم: (اطلبوه في هذه الشعاب، فليس ههنا). فأقبلوا يدورون في الشعاب. # وبقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الغار ثلاثة أيام، ثم أذن الله له في الهجرة وقال: (أخرج عن مكة يا محمد فليس لك بها ناصر بعد أبي طالب) فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الغار، وأقبل راع لبعض قريش يقال له: ابن أريقط فدعاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال له: (يا ابن أريقط أءتمنك على دمي؟). # قال: إذا والله أحرسك وأحفظك ولا أدل عليك، فأين تريد يا محمد؟ # قال: (يثرب). # قال: والله لأسلكن بك مسلكا لا يهتدي فيه أحد. # قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ائت عليا وبشره بأن الله قد أذن لي في الهجرة فيهيئ لي زادا وراحلة). # PageV01P148 # وقال أبو بكر: ائت أسماء ابنتي وتل لها: أن تهيئ لي زادا وراحلتين، وأعلم عامر بن فهيرة أمرنا - وكان من موالي أبي بكر وقد كان أسلم - وقل له: # ائتنا بالزاد والراحلتين. # فجاء ابن أريقط إلى علي عليه السلام، فأخبره بذلك، فبعث علي بن أبي طالب إلى رسول الله صلى الله عاليه وآله وسلم بزاد وراحلة، وبعث ابن فهيرة بزاد وراحلتين. # وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله سلم من الغار ms064 وأخذ به ابن أريقط على طريق نخلة بين الجبال، فلم يرجعوا إلى الطريق إلا بقديد (1) فنزلوا على أم معبد هناك، وقد ذكرنا حديث شاة أم معبد والمعجزة التي ظهرت فيها فيما قبل (2)، وحديث سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي ورسوخ قوائم فرسه في الأرض (3)، فلا وجه لإعادته. # فرجع عنه سراقة، فلما كان من الغد وافته قريش، فقالوا: يا سراقة هل لك علم بمحمد؟ # فقال: قد بلغني أنه خرج عنكم، وقد نفضت هذه الناحية لكم ولم أر أحدا ولا أثرا، فارجعوا فقد كفيتكم ما ههنا. # وقد كانت الأنصار بلغهم خروج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إليهم، فكانوا يتوقعون قدومه، وكان يخرج الرجال والنساء والصبيان إذا # PageV01P149 # أصبحوا إلى طريقه، فإذا اشتد الحر رجعوا (1). # وروي عن ابن شهاب الزهري قال: كان بين ليلة العقبة وبين مهاجرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة أشهر وكانت بيعة الأنصار لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة العقبة في ذي الحجة، وقدوم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة في شهر ربيع الأول لاثنتي عشرة ليلة خلت منه في يوم الاثنين. # وكانت الأنصار خرجوا يتوكفون (2) أخباره، فلما آيسوا رجعوا إلى منازلهم، فلما رجعوا أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما وافى ذا الحليفة (3) سأل عن طريق بني عمرو بن عوف، فدلوه فرفعه الآل (4)، فنظر رجل من اليهود وهو على أطم (5) له إلى ركبان ثلاثة يمرون على طريق بني عمرو بن عوف، فصاح: يا معشر المسلمة هذا صاحبكم قد وافى. فوقعت الصيحة بالمدينة فخرج الرجال والنساء والصبيان مستبشرين لقدومه يتعاودون، فوافى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقصد مسجد قبا ونزل واجتمع إليه بنو عمرو بن عوف، وسروا به واستبشروا واجتمعوا حوله، ونزل على كلثوم بن الهدم، شيخ من بني عمرو، صالح مكفوف البصر. # PageV01P150 # واجتمعت إليه بطون الأوس، وكان بين الأوس والخزرج عداوة، فلم يجسروا أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما كان بينهم من الحروب، ms065 فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتصفح الوجوه فلا يرى أحدا من الخزرج، وقد كان قدم على بني عمرو بن عوف قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ناس من المهاجرين، ونزلوا فيهم. # وروي: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما قدم المدينة جاء النساء والصبيان يقلن: # طلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع وكان سلمان الفارسي عبدا لبعض اليهود، وقد كان خرج من بلاده من فارس يطلب الدين الحنيف الذي كان أهل الكتاب يخبرونه به، فوقع إلى راهب من رهبان النصارى بالشام فسأله عن ذلك وصحبه فقال: أطلبه بمكة فثم مخرجه، واطلبه بيثرب فثم مهاجره. لم فقصد يثرب فأخذه بعض الأعراب فسبوه واشتراه رجل من اليهود، فكان يعمل في نخله، وكان في ذلك اليوم النخلة يصرمها (1)، فيدخل على صاحبه رجل من اليهود، فقال: يا أبا فلان أشعرت أن هؤلاء المسلمة قد قدم عليهم نبيهم؟ # فقال سلمان: جعلت فداك، ما الذي تقول؟ # فقال له صاحبه: مالك وللسؤال عن هذا، أقبل على عملك. # قال: فنزل وأخذ طبقا وصير عليه من ذلك الرطب فحمله إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV01P151 # (ما هذا). # قال: صدقة تمورنا، بلغنا أنكم قوم غرباء قدمتم هذه البلاد، فأحببت أن تأكلوا من صدقاتنا. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (سموا وكلوا). # فقال سلمان في نفسه وعقد بإصبعه: هذه واحدة - يقولها بالفارسية - ثم أتاه بطبق آخر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما هذا؟) فقال له سلمان: رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية أهديتها إليك فقال عليه واله السلام: (سموا وكلوا) وأكل عليه وآله السلام. فعقد سلمان بيده اثنين، وقال: هذه اثنتان - يتولها بالفارسية -. # ثم دار خلفه فألقى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن كتفه الإزار فنظر سلمان إلى خاتم النبوة والشامة فأقبل يقبلها، فقال له رسول الله صلى الله عليه ms066 وآله وسلم: (من أنت؟). # قال: أنا رجل من أهل فارس، قد خرجت من بلادي منذ كذا وكذا. # وحدثه بحديثه وله حديث فيه طول. فأسلم، وبشره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال له: (أبشر واصبر، فإن الله سيجعل لك فرجا من هذا اليهودي). # فلما أمسى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فارقه أبو بكر ودخل المدينة ونزل على بعض الأنصار، وبقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقبا نازلا على كلثوم بن الهدم، فلقا صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المغرب والعشاء الآخرة جاءه أسعد بن زرارة مقنعا فسلم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفرح بقدومه، ثم قال: يا رسول الله ما ظننت أن أسمع بك في مكان فاقعد عنك، إلا أن بيننا وبين إخواننا من الأوس ما تعلم، فكرهت أن اتيهم، فلما أن كان هذا الوقت لم أحتمل أن أقعد عنك. # هجرة الرسول (ص) إلى المدينة المنورة PageV01P152 # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للأوس: (من يجيره منكم؟). # فقالوا: يا رسول الله، جوارنا في جوارك فأجره. # قال: (لا، بل يجيره بعضكم). # فقال عويم بن ساعدة وسعد بن خيثمة: نحن نجيره يا رسول الله. # فأجاروه، وكان يختلف إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيتحدث عنده ويصلي خلفه، فبقي رسول الله خمسة عشر يوما، فجاءه أبو بكر فقال: يا رسول الله تدخل المدينة؟ فإن القوم متشوفون إلى نزولك عليهم، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (لا أريم من هذا المكان حتى يوافي أخي علي). # وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد بعث إليه: أن أحمل العيال وأقدم، فقال أبو بكر: ما أحسب عليا يوافي، قال: (بلى ما أسرعه إن شاء الله). # فبقي خمسة عشر يوما، فوافى علي عليه السلام بعياله، فلما وافى كان سعد بن الربيع وعبد الله بن رواحة يكسران أصنام الخزرج، وكان كل رجل شريف في بيته صنم يمسحه ويطيبه، ولكل بطن من الأوس والخزرج صنم ms067 في بيت لجماعة يكرمونه ويجعلون عليه منديلا ويذبحون له، فلما قدم الاثنا عشر من الأنصار أخرجوها من بيوتهم وبيوت من أطاعهم، فلما قدم السبعون كثر الإسلام وفشا، وجعلوا يكسرون الأصنام. # قال: وبقي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد قدوم علي يوما أو يومين ثم ركب راحلته، فاجتمعت إليه بنو عمرو بن عوف، فقالوا: يا رسول الله أقم عندنا فإنا أهل الجد وا الجلد والحلفة والمنعة. # فقال عليه وآله السلام: (خلوا عنها فإنها مأمورة). PageV01P153 # وبلغ الأوس والخزرج خروج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلبسوا السلاح وأقبلوا يعدون حول ناقته، لا يمر بحي من أحياء للأنصار إلا وثبوا في وجهه وأخذوا بزمام ناقته وتطلبوا إليه أن ينزل عليهم، ورسول الله صلى الله عليه وآله يقول: (خلوا سبيلها فإنها مأمورة) حتى مر ببني سالم. # وكان خروج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قبا يوم الجمعة، فوافى بني سالم عند زوال الشمس فتعرضت له بنو سالم فقالوا: يا رسول الله هلم إلى الجد والجلد والحلفة والمنعة. # فبركت ناقته عند مسجدهم، وقد كانوا بنوا مسجدا قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فنزل عليه وآله السلام في مسجدهم وصلى بهم الظهر وخطبهم، وكان أول مسجد صلى فيه بالجمعة، وصلى إلى بيت المقدس، وكان الذين صلوا معه في ذلك الوقت مائة رجل. # ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ناقته وأرخى زمامها، فانتهى إلى عبد الله بن أبي، فوقف عليه وهو يقدر أنه يعرض عليه النزول عنده، فقال له عبد الله بن أبي - بعد أن ثارت الغبرة وأخذ كمه ووضعه على أنفه -: يا هذا اذهب إلى الذين غروك وخدعوك وأتوا بك فأنزل عليهم ولا تغشنا في ديارنا. فسلط الله على دور بني الحبلى الذر (1). فخرق دورهم فصار وانزالا على غيرهم، وكان جد عبد الله بن أبي يقال له: ابن الحبلى. # فقام سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله لا يعرض في قلبك من قول هذا شئ، ms068 فإنا كنا اجتمعنا على أن نملكه علينا وهو يرى الآن أنك قد سلبته أمرا قد كان أشرف عليه، فأنزل علي يا رسول الله، فإنه ليس في الخزرج ولا في الأوس أكثر فم بئر مني، ونحن أهل الجلد والعز، فلا تجزنا يا رسول الله. # PageV01P154 # فأرخى زمام ناقته، ومرت تخب (1) به حتى انتهت إلى باب المسجد الذي هو اليوم، ولم يكن مسجدا إنما كان مربدا (2) ليتيمين من الخزرج يقال لهما: سهل وسهيل، وكانا في حجر أسعد بن زرارة، فبركت الناقة على باب أبي أيوب خالد بن زيد، فنزل عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما نزل اجتمع عليه الناس وسألوه أن ينزل عليهم، فوثبت أم أبي أيوب إلى الرحل فحلته وأدخلته منزلها، فلما أكثروا عليه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أين الرحل؟). # فقالوا: أم أبي أيوب قد أدخلته بيتها. # فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (المرء مع رحله). # وأخذ أسعد بن زرارة بزمام الناقة فحولها إلى منزله، وكان أبو أيوب له منزل أسفل وفوق المنزل غرفة، فكره أن يعلو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي العلو أحب إليك أم السفل؟ فإني أكره أن أعلو فوقك. # فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (السفل أرفق بنا لمن يأتينا). # قال أبو أيوب: فكنا في العلو أنا وأمي، فكنت إذا استقيت الدلو أخاف أن تقع منه قطرة على رسول الله، وكنت أصعد وأمي إلى العلو خفيا من حيث لا يعلم ولا يحس بنا، ولا نتكلم إلا خفيا، وكان إذا نام صلى الله عليه وآله وسلم لا نتحرك، وربما طبخنا في غرفتنا فنجيف الباب على غرفتنا مخافة أن يصيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دخان، ولقد سقطت جرة لنا # PageV01P155 # وأهريق الماء فقامت أم أبي أيوب إلى قطيفة - لم يكن لها والله غيرها - فألقتها على ذلك الماء تستنشف به مخافة أن يسيل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك شئ، ms069 وكان يحضر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسلمون من الأوس والخزرج والمهاجرين. # وكان أبو أمامة أسعد بن زرارة يبعث إليه في كل يوم غداء وعشاء في قصعة ثريد عليها عراق (1)، وكان يأكل معه من حوله حتى يشبعون، ثم ترد القصعة كما هي، وكان سعد بن عبادة يبعث إليه في كل يوم عشاء ويتعشى معه من حضره وترد القصعة كما هي، فكانوا يتناوبون في بعثة الغداء والعشاء إليه: أسعد بن زرارة، وسعد بن خيثمة، والمنذر بن عمرو، وسعد بن الربيع، وأسيد بن حضير. # قال: فطبخ له أسيد يوما قدرا، فلم يجد من يحملها فحملها بنفسه، وكان رجلا شريفا من النقباء، فوافاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد رجع من الصلاة، فقال: (حملتها بنفسك؟). # قال: نعم يا رسول الله، لم أجد أحدا يحملها. # فقال: (بارك الله عليكم من أهل بيت) (2). # وفي كتاب دلائل النبوة: عن أنس بن مالك قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة، فلما دخلها جاءت الأنصار برجالها ونسائها فقالوا: إلينا يا رسول الله. # PageV01P156 # فقال: (دعوا الناقة فإنها مأمورة). # فبركت على باب أبي أيوب، فخرجت جوار من بني النجار يضربن بالدفوف ويقلن: # نحن جوار من بني النجار يا حبذا محمد من جار فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (أتحبوني؟). # فقالوا: إي والله يا رسول الله. # قال: (أنا والله أحبكم) ثلاث مرات (1). # قال علي بن إبراهيم بن هاشم: وجاءته اليهود - قريظة والنضير والقينقاع - فقالوا: يا محمد إلى ما تدعو؟ # قال: (إلى شهادة أن لا إله إلا الله، واني رسول الله، واني الذي تجدوني مكتوبا في التوراة، والذي أخبركم به علماؤكم أن مخرجي بمكة ومهاجري في هذه الحرة، وأخبركم عالم منكم جاءكم من الشام، فقال: # تركت الخمر والخمير، وجئت إلى البؤس والتمور، لنبي يبعث في هذه الحرة مخرجه بمكة ومهاجره ههنا، وهو اخر الأنبياء وأفضلهم، يركب الحمار، ويلبس الشملة، ويجتزئ بالكسرة، في عينيه حمرة، وبين كتفيه خاتم النبوة، ويضع سيفه على ms070 عاتقه، لا يبالي من لاقى، وهو لضحوك القتال، يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر). # فقالوا له: قد سمعنا ما تقول، وقد جئناك لنطلب منك الهدنة على أن لا نكون لك ولا عليك ولا نعين عليك أحدا، ولا نتعرض لأحد من أصحابك ولا تتعرض لنا ولا لأحد من أصحابنا حتى ننظر إلى ما يصير أمرك وأمر قومك. # PageV01P157 # فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذلك، وكتب بينهم كتابا: أن لا يعينوا على رسول الله ولا على أحد من أصحابه بلسان ولا يد ولا بسلاح ولا بكراع (1) في السر والعلانية لا بليل ولا بنهار والله بذلك عليهم شهيد، فإن فعلوا فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حل من سفك دمائهم، وسبي ذراريهم ونسائهم، وأخذ أموالهم، وكتب لكل قبيلة منهم كتابا على حدة. # وكان الذي تولى أمر بني النضير حمي بن أخطب، فلما رجع إلى منزله قال له أخويه جدي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب: ما عندك؟ # قال: هو الذي نجده في التوراة، والذي بشرنا به علماؤنا، ولا أزال له عدوا، لان النبوة خرجت من ولد إسحاق وصارت في ولد إسماعيل، ولا نكون تبعا لولد إسماعيل أبدا. # وكان الذي ولي أمر قريظة كعب بن أسد، والذي تولى أمر بني قينقاع مخيريق، وكان أكثرهم مالا وحدائق، فقال لقومه: تعلمون أنه النبي المبعوث، فهلم نؤمن به ونكون قد أدركنا الكتابين. فلم تجبه قينقاع إلى ذلك (2). # قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي في المربد بأصحابه، فقال لأسعد بن زرارة: (اشتر هذا المربد من أصحابه). # فساوم اليتيمين عليه فقالا: هو لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # فقال رسول الله: (لا، إلا بثمن). # PageV01P158 # فاشتراه بعشرة دنانير، وكان فيه ماء مستنقع، فأمر به رسول الله فسيل، وأمر باللبن فضرب، فبناه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فحفره في الأرض، ثم أمر بالحجارة فنقلت من الحرة، وكان المسلمون ينقلونها، فاقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يحمل حجرا على ms071 بطنه، فاستقبله أسيد ابن حضير فقال: يا رسول الله أعطني أحمله عنك. # قال: (لا، اذهب فاحمل غيره). # فنقلوا الحجارة ورفعوها من الحفرة حتى بلغ وجه الأرض، ثم بناه أولا بالسعيدة لبنة لبنة، ثم بناه بالسميط (1)، وهو لبنة ونصف، ثم بناه بالأنثى والذكر لبنتين مخالفتين، ورفع حائطه قامة، وكان مؤخره (ذراع) في مائة، ثم اشتد عليهم الحر فقالوا: يا رسول الله لو: أظللت عليه ظلا. فرفع صلى الله عليه وآله وسلم أساطينه في مقدم المسجد إلى ما يلي الصحن بالخشب، ثم ظلله وألقى عليه سعف النخل، فعاشوا فيه، فقالوا: يا رسول الله لو سقفت سقفا. # قال: (لا، عريش كعريش موسى، الأمر أعجل من ذلك). # وابتنى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم منازله ومنازل أصحابه حول المسجد، وخط لأصحابه خططا، فبنوا فيها منازلهم، وكل شرع منه بابا إلى المسجد، وخط لحمزة وشرع بابه إلى المسجد، وخط لعلي بن أبي طالب عليه السلام مثل ما خط لهم، وكانوا يخرجون من منازلهم فيدخلون المسجد، فنزل عليه جبرئيل عليه السلام فقال: (يا محمد إن الله يأمرك أن تأمر كل من كان له باب إلى المسجد يسده، ولا يكون لأحد باب إلى المسجد إلا لك ولعلي، ويحل لعلي فيه ما يحل لك). # PageV01P159 # فغضب أصحابه وغضب حمزة وقال: أنا عمه يأمر بسد بابي ويترك باب ابن أخي وهو أصغر مني، فجاءه فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (يا عم لا تغضبن من سد بابك وترك باب علي، فوالله ما أنا أمرت بذلك ولكن الله أمر بسد أبوابكم وترك باب علي). # فقال: يا رسول الله رضيت وسلمت لله ولرسوله (1). # قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حيث بنى منازله كانت فاطمة عليها السلام عنده، فخطبها أبو بكر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنتظر أمر الله عز وجل) ثم خطبها عمر، فقال: مثل ذلك. # فقيل لعلي عليه السلام: لم لا تخطب فاطمة؟ # فقال: (والله ما عندي شئ). # فقيل له: إن رسول الله صلى ms072 الله عليه وآله وسلم لا يسألك شيئا. # فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاستحيى أن يسأله فرجع، ثم جاءه في اليوم الثاني فاستحيى فرجع، ثم جاء في اليوم الثالث فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا علي ألك حاجة؟). # قال: (بلى يا رسول الله). # فقال: (لعلك جئت (خاطبا)؟ (2). # قال: (نعم يا رسول الله). # قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (هل عندك شئ يا علي؟). # قال: (ما عندي يا رسول الله شئ إلا درعي). # PageV01P160 # فزوجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على - اثنتي عشرة أوقية ونش (1) ودفع إليه درعه، فقال له رسول الله: (هيئ منزلا حتى تحول فاطمة إليه). # فقال عليه السلام: (يا رسول الله ما ههنا منزل إلا منزل حارثة بن النعمان). # وكان لفاطمة يوم بنى بها أمير المؤمنين عليه السلام تسع سنين. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (والد لقد استحيينا من حارثة، قد أخذنا عامة منازله). # فبلغ ذلك حارثة فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: # يا رسول الله أنا ومالي لله ولرسوله، والله ما شئ أحب إلي مما تأخذه، ولذي تأخذه أحب إلي مما تترك. فجزاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيرا. # فحولت فاطمة عليها السلام إلى علي عليه السلام في منزل حارثة، وكان فراشهما إهاب كبش جعلا صوفه تحت جنوبهما (2). # قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي إلى بيت المقدس مدة مقامه بمكة وفي هجرته حتى أتى له سبعة أشهر (3)، فلما أتى له سبعة أشهر عيرته اليهود وقالوا له: أنت تابع لنا تصلي إلى قبلتنا ونحن أقدم منك في الصلاة. فاغتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك وأحب . # PageV01P161 # أن يحول الله قبلته إلى الكعبة، فخرج في جوف الليل ونظر إلى آفاق السماء ينتظر أمر الله، وخرج في ذلك اليوم إلى مسجد بني سالم الذي جمع فيه أول جمعة كانت بالمدينة، وصلى بهم الظهر ms073 هناك بركعتين إلى بيت المقدس وركعتين إلى الكعبة، ونزل عليه: (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها) الآيات (1) (2). # ثم نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اية القتال واذن له في محاربة قريش، وهي قوله: (اذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير * الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله) الآية (3) (4). # PageV01P162 # (الباب الرابع) في ذكر مغازي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه وسراياه ونبذ من أخباره إلى أن فارق دنياه (1) على سبيل الإجمال والاختصار قال أهل السير والمفسرون: إن جميع ما غزا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنفسه ست وعشرون غزوة، وإن جميع سراياه التي بعثها ولم يخرج معها ست وثلاثون سرية. وقاتل عليه السلام من غزواته في تسع غزوات، وهي: بدر، وأحد، والخندق، وبني قريظة، والمصطلق، وخيبر، والفتح، وحنين، والطائف (2). # فأول سرية بعثها أنه بعث حمزة بن عبد المطلب في ثلاثين راكبا، فساروا حتى بلغوا سيف البحر من أرض جهينة، فلقوا أبا جهل بن هشام في ثلاثين ومائة راكب من المشركين، فحجز بينهم مجدي بن عمرو الجهني، # PageV01P163 # فرجع الفريقان ولم يكن بينهما قتال (1). # ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أول غزوة غزاها في صفر على رأس اثني عشر شهرا من مقدمه المدينة حتى بلغ الأبواء، يريد قريشا وبني ضمرة، ثم رجع ولم يلق كيدا، فأقام بالمدينة بقية صفر وصدرا من شهر ربيع الأول (2). # وبعث في مقامه ذلك عبيدة بن الحارث في ستين راكبا من المهاجرين ليس فيهم أحد من الأنصار، وكان أول لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فالتقى هو والمشركون على ماء يقال له: أحياء (3)، وكانت بينهم الرماية، وعلى المشركين أبو سفيان بن حرب (4). # ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شهر ربيع الآخر يريد قريشا حتى بلغ بواط (5)، ولم يلق كيدا (6). # ثم غزا صلى الله عليه وآله وسلم غزوة العشيرة يريد قريشا حتى نزل ms074 العشيرة من بطن ينبع، فأقام بها بقمة جمادى الأولى وليالي من جمادى # PageV01P164 # الآخرة، ووادع فيها بني مدلج وحلفائهم من بني ضمرة (1) فروي عن عمار بن ياسر قال: كنت أنا وعلي بن أبي طالب رفيقين في غزوة العشيرة، فقال لي علي عليه السلام: (هل لك يا أبا اليقظان في هذه الساعة بهذا النفر من بني مدلج يعملون في عين لهم ننظر كيف يعملون). # فأتيناهم فنظرنا إليهم ساعة ثم غشينا النوم، فعمدنا إلى صور (2) من النخل في دقعاء (3) من الأرض فنمنا فيه، فوالله ما أهبنا إلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقدمه، فجلسنا وقد تتربنا من تلك الدقعاء فيومئذ قال رسول الله لعلي: (يا أبا تراب) لما عليه من التراب. # فقال: (ألا أخبركم بأشقى الناس؟). # قلنا: بلى يا رسول الله. # قال: (أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذا) ووضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده على رأسه (حتى يبل منها هذه) ووضع يده على لحيته (4). # ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من العشيرة إلى المدينة، فلم يقم بها عشر ليال حتى أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في طلبه حتى بلغ واديا يقال له: # سفوان، من ناحية بدر، وهي غزوة بدر الأولى، وحامل لوائه علي بن أبي # PageV01P165 # طالب، واستخلف على المدينة زيد بن حارثة، وفاته كرز فلم يدركه. # فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأقام جمادى الآخرة ورجب وشعبان، وكان بعث بين ذلك سعد بن أبي وقاص في ثمانية رهط، فرجع ولم يلق كيدا (1). # ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله بن جحش إلى نخلة (2)، وقال: (كن بها حتى تأتينا بخبر من أخبار قريش) ولم يأمره بقتال وذلك في الشهر الحرام، وكتب له كتابا وقال: (أخرج أنت وأصحابك حتى إذا سرت يومين فافتح كتابك وانظر ما فيه وامض لما أمرتك). # فلما سار يومين وفتح الكتاب ms075 فإذا فيه: (أن امض حتى ننزل نخلة، فائتنا من أخبار قريش بما يصل إليك منهم) فقال لأصحابه حين قرأ الكتاب: سمعا وطاعة، من كان له رغبة في الشهادة فلينطلق معي. # فمضى معه القوم حتى إذا نزلوا النخلة مر بهم عمرو بن الحضرمي والحكم بن كيسان وعثمان والمغيرة ابنا عبد الله، معهم تجارة قدموا بها من الطائف، ادم وزبيب، فلما رآهم القوم أشرف لهم واقد بن عبد الله وكان قد. # حلق رأسه، فقالوا: عمار ليس عليكم منهم بأس، وائتمر أصحاب رسول الله، وهي آخر يوم من رجب، فقالوا: لئن قتلتموهم إنكم لتقتلونهم في الشهر. # الحرام، ولئن تركتموهم ليدخلن هذه الليلة مكة فليمتنعن منكم. # فأجمع القوم على قتلهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمر ج بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، # PageV01P166 # وهرب المغيرة بن عبد الله فأعجزهم. # واستاقوا العير، فقدموا بها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لهم: (والله ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام) وأوقف الأسيرين والعير ولم يأخذ منها شيئا، وأسقط في أيدي القوم وظنوا أنهم قد هلكوا، وقالت قريش: استحل محمد الشهر الحرام. فأنزل الله سبحانه: (يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه) الآية (1). فلما نزل ذلك أخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العير وفداء الأسيرين، وقال المسلمون: أتطمع لنا أن نكون غزاة؟ فأنزل الله فيهم (إن الذين آمنوا والذين هاجروا - (إلى قوله: # أولئك يرجون رحمة الله). الآية (2). وكانت هذه قبل بدر بشهرين (3) # PageV01P167 # (غزوة بدر الكبرى) ثم كانت غزوة بدر الكبرى، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سمع بأبي سفيان بن حرب في أربعين راكبا من قريش تجارا قافلين من الشام، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ثلاثمائة راكب ونيف، وأكثر أصحابه مشاة، معهم ثمانون بعيرا وفرس يقال إنه للمقداد، يعتقب النفر على البعير الواحد، وكان بين رسول الله وبين مرثد بن أبي مرثد الغنوي بعير، وذلك في شهر رمضان. # فلما خرج ms076 من المدينة وبلغ أبا سفيان الخبر أخذ بالعير على الساحل، وأرسل إلى أهل مكة يستصرخ بهم، فخرج منهم نحو من ألف رجل من سائر بطون قريش ومعهم مائتا فرس يقودونها، وخرجوا معهم بالقيان يضربن بالدفوف ويتغنين بهجاء المسلمين، ورجع الأخنس بن شريق الثقفي ببني زهرة من الطريق وكان حليفا لهم، فبقي منهم نحو من تسعمائة وسبعين رجلا، وفيهم العباس وعقيل ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب خرجوا مكرهين، وكانت أشرافهم المطعمون فيهم: العباس بن عبد المطلب وعتبة بن ربيعة وطعيمة بن عدي وأبو البختري بن هشام وأمية بن خلف وحكيم بن حزام والنضر بن الحارث بن كلدة وأبو جهل بن هشام وسهيل بن عمرو. # فلما بلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى بدر، وهي بئر منسوبة إلى رجل من غفار يقال له: بدر، وقد علم رسول الله بفوات العير ومجئ قريش شاور أصحابه في لقائهم أو الرجوع، فقالوا: الأمر إليك والق بنا القوم. # فلقيهم على بدر لسبع عشرة من شهر رمضان، وكان لواء رسول الله يومئذ أبيض مع مصعب بن عمير ورايته مع علي عليه السلام، وأيدهم الله سبحانه PageV01P168 # بخمسة آلاف من الملائكة، فكثر الله المسلمين في أعين الكفار وقلل المشركين في أعين المؤمنين كيلا يفشلوا، وأخذ رسول الله كفا من تراب فرماه إليهم وقال: (شاهت الوجوه) فلم يبق منهم أحد إلا اشتغل بفرك عينيه. # وقتل الله من المشركين نحو سبعين رجلا، واسر نحو سبعين (1) رجلا منهم: العباس بن عبد المطلب، وعقيل بن أبي طالب، ونوفل بن الحارث، فأسلموا، وعقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث قتلهما رسول الله بالصفراء، وقال صلى الله عليه وآله وسلم للعباس: (افد نفسك وابني أخويك عقيلا ونوفلا، وحليفك عتبة بن عمرو وأخي بني الحارث بن فهر فإنك ذو مال). # فقال: إني كنت مسلما وإن القوم استكرهوني. # فقال عليه السلام: (الله أعلم بإسلامك، إن يكن حقا فإن الله يجزيك به، فأما ظاهر أمرك فقد كان علينا). # قال: فليس لي مال. # قال: (فأين المال الذي ms077 وضعته عند أم الفضل بمكة وليس معكما أحد فقلت لها: إن أصبت في سفري هذا فهذا المال لبني: الفضل وعبد الله وقثم؟). # فقال: والله يا رسول الله إني لأعلم أنك رسول الله، إن هذا لشئ ما علمه أحد غيري وغير أم الفضل، فأحسب لي يا رسول الله ما أصبتم مني من مال كان معي عشرون أوقية. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا، ذاك شئ أعطانا الله # PageV01P169 # منك). # ففدى نفسه بمائة أوقية، وفدى كل واحد بأربعين أوقية (1). # وقتل علي عليه السلام ببدر من المشركين: الوليد بن عتبة بن ربيعة وكان شجاعا فاتكا، والعاص بن سعيد بن العاص بن أمية والد سعيد بن العاص، وطعيمة بن عدي بن نوفل شجره بالرمح وقال: (والله لا تخاصمنا في الله بعد اليوم أبدا) ونوفل بن خويلد، وهو الذي قرن أبا بكر وطلحة قبل الهجرة بحبل وعذبهما يوما إلى الليل، وهو عم الزبير بن العوام، ولما أجلت الوقعة قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم (من له علم بنوفل)؟ فقال عليه السلام: (أنا قتلته) فكبر النبي عليه السلام ثم قال: (الحمد لله الذي أجاب دعوتي فيه) (2). # وروى جابر، عن الباقر، عن أمير المؤمنين عليهما السلام قال: (لقد تعجبت يوم بدر من جرأة القوم وقد قتلت الوليد بن عتبة، إذ أقبل إلي حنظلة ابن أبي سفيان فلما دنا مني ضربته بالسيف فسالت عيناه ولزم الأرض قتيلا) (3). # وقتل زمعة بن الأسود، والحارث بن زمعة، وعمير بن عثمان بن كعب ابن تيم عم طلحة بن عبيد الله، وعثمان ومالكا أخوي طلحة في جماعة، وهم في ستة - وثلاثين رجلا (4). # وقتل حمزة بن عبد المطلب شيبة بن ربيعة بن عبد شمس، والأسود بن # PageV01P170 # عبد الأسود المخزومي (1). # وقتل عمرو بن الجموح أبا جهل بن هشام، ضربه بالسيف على رجله فقطعها ودفف (2) عليه عبد الله بن مسعود فذبحه بسيفه من قفاه، وحمل رأسه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # قال عبد الله: وجدته بآخر رمق فعرفته فوضعت رجلي ms078 على مذمره - أي عنقه - وقلت: هل أخزاك الله يا عدو الله؟ قال: رويعي الغنم! لقد ارتقيت مرتقا صعبا. قال: ثم اجتززت رأسه فجئت به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: هذا رأس عدو الله أبي جهل، فحمد الله تعالى (3). # وقتل عمار بن ياسر أمية بن خلف (4). # وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تلقى القتلى في قليب بدر، ثم وقف عليهم وناداهم بأسمائهم وأسماء ابائهم واحدا واحدا، ثم قال: (قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا) ثم قال: # (إنهم ليسمعون كما تسمعون ولكن منعوا عن الجواب) (5). # واستشهد من المسلمين يوم بدر أربعة عشر رجلا، منهم: عبيدة بن # PageV01P171 # الحارث بن عبد المطلب، وذو الشمالين عمرو بن نضلة حليف بني زهرة، ومهجع مولى عمر، وعمير بن أبي وقاص، وصفوان بن أبي البيضاء (1) وهؤلاء من المهاجرين، والباقون من الأنصار (2). # ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة من بدر لم يقم بالمدينة إلا سبع ليال حتى غزا بنفسه يريد بني سليم، حتى بلغ ماء من مياههم يقال له: الكدر، فأقام عليه ثلاث ليال، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا، فأقام بها بقية شوال وذا القعدة، وفادى في إقامته جل أسارى بدر من قريش (3). # ، ثم كانت غزوة السويق (4)، وذلك أن أبا سفيان نذر أن لا يمس رأسه من جنابة حتى يغزو محمدا، فخرج في مائة راكب من قريش ليبر يمينه، حتى إذا كان على بريد من المدينة أتى بني النضير ليلا، فضرب على حيي ابن أخطب بابه، فأبى أن يفتح له، فانصرف عنه إلى سلام بن مشكم - وكان سيد بني النضير - فاستأذن عليه فاذن له وساره، ثم خرج في عقب ليلته حتى أتى أصحابه، وبعث رجلا من قريش إلى المدينة، فأتوا ناحية يقال لها: # العريض، فوجدوا رجلا من الأنصار وحليفا له فقتلوهما، ثم انصرفوا ونذر # PageV01P172 # بهم الناس. # فخرج رسول الله في طلبهم حتى بلغ قرقرة الكدر (1) فرجع وقد فاته أبو سفيان، ms079 ورأوا زادا من أزواد القوم قد طرحوها يتخففون منها للنجاء، فقال المسلمون حين رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهم: يا رسول الله، أنطمع أن تكون لنا غزوة؟ فقال عليه السلام: (نعم) (2). # ثم كانت غزوة في أكل، بعد مقامه بالمدينة بقية ذي الحجة والمحرم، مرجعه من غزوة السويق، وذلك لما بلغه أن جمعا من غطفان قد تجمعوا يريدون أن يصيبوا من أطراف المدينة عليهم رجل يقال له: دعثور بن الحارث ابن محارب، فخرج في أربعمائة وخمسين رجلا ومعهم أفراس، وهرب منه الأعراب فوق ذرى الجبال، ونزل صلى الله عليه وآله وسلم ذا أمر وعسكر به، وأصابهم مطر كثير. فذهب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لحاجته فأصابه ذلك المطر فبل ثوبه، وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وادي أمر بينه وبين أصحابه، ثم نزع ثيابه فنشرها لتجف وألقاها على شجرة ثم اضطجع تحتها، والأعراب ينظرون إلى كل ما يفعل رسول الله، فقالت الأعراب لدعثور - وكان سيدهم وأشجعهم - قد أمكنك محمد وقد انفرد من بين أصحابه حيث إن غوث بأصحابه لم يغث حتى تقتله. # فاختار سيفا من سيوفهم صارما، ثم أقبل مشتملا على السيف حتى قام على رأس رسول الله بالسيف مشهورا فقال: يا محمد من يمنعك مني # PageV01P173 # اليوم؟ # قال: (الله). # ودفع جبرئيل في صدره فوقع السيف من يده، فأخذه رسول الله وقام على رأسه وقال: (من يمنعك مني)؟. # قال: لا أحد، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، والله لا أكثر عليك جمعا أبدا. فأعطاه رسول الله سيفه ثم أدبر، ثم أقبل بوجهه ثم قال: والله لأنت خير مني. # قال رسول الله: (أنا أحق بذلك منك). # فأتى قومه فقيل له: أين ما كنت تقول وقد أمكنك والسيف في يدك؟ # قال: قد كان والله ذلك، ولكني نظرت إلى رجل أبيض طويل دفع في صدري فوقعت لظهري، فعرفت أنه ملك، وشهدت أن محمدا رسول الله،. # والله لا أكثر عليه. وجعل يدعو قومه ms080 إلى الإسلام ونزلت هذه الآية: (يا أيها الذين امنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم ان يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم) الآية (1) (2). # ثم كانت غزوة القردة، ماء من مياه نجد، بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زيد بن حارثة بعد رجوعه من بدر إلى المدينة بستة أشهر، فأصابوا عيرا لقريش على القردة فيها أبو سفيان ومعه فضة كثيرة، وذلك لأن قريشا قد خافت طريقها التي كانت تسلك إلى الشام حين كان من وقعة بدر، فسلكوا طريق العراق واستأجروا رجلا من بكر بن وائل يقال له: فرات بن حيان، يدلهم على الطريق، فأصاب زيد بن حارثة تلك العير، وأعجزته # PageV01P174 # الرجال هربا (1). # وفي رواية الواقدي: أن ذلك العير مع صفوان بن أمية، وأنهم قدموا بالعير إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأسروا رجلا أو رجلين، وكان فرات بن حيان أسيرا فأسلم فترك من القتل (2). # ثم كانت غزوة بني قينقاع يوم السبت للنصف من شوال على رأس عشرين شهرا من الهجرة، وذلك أن رسول الله جمعهم وإياه سوق بني قينقاع، فقال لليهود: (احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من قوارع الله، فأسلموا فإنكم قد عرفتم نعتي وصفتي في كتابكم). # فقالوا: يا محمد، لا يغرنك أنك لقيت قومك فأصبت فيهم، فإنا والله لو حاربناك لعلمت أنا خلافهم. # فكادت تقع بينهم المناجزة، ونزلت فيهم: (قد كان لكم آية في فئتين التقتا - إلى قوله: - اولي الابصار) (3) (4). # وروي: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حاصرهم ستة أيام حتى نزلوا على حكمه، فقام عبد الله بن أبي فقال: يا رسول الله موالي وحلفائي وقد منعوني من الأسود والأحمر ثلاثمائة دارع وأربعمائة حاسر تحصدهم في غداة واحدة، إني والله لا آمن وأخشى الدوائر. وكانوا حلفاء الخزرج دون الأوس، فلم يزل يطلب فيهم حتى وهبهم له، فلما رأوا ما نزل بهم من الذل خرجوا من المدينة ونزلوا أذرعات (5)، ونزلت في عبد الله بن أبي # PageV01P175 # وناس من الخزرج ﴿يا أيها الذين آمنوا ms081 لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء - إلى قوله: - في أنفسهم نادمين﴾ (1) (2). # ثم كانت غزوة أحد على رأس سنة من بدر، ورئيس المشركين يومئذ أبو سفيان بن حرب، وكان أصحاب رسول الله يومئذ سبعمائة والمشركون ألفين، وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن استشار أصحابه، وكان رأيه عليه السلام أن يقاتل الرجال على أفواه السكك ويرمي الضعفاء من فوق البيوت، فأبوا إلا الخروج إليهم. # فلما صار على الطريق قالوا: نرجع، فقال: (ما كان لنبي إذا قصد قوما أن يرجع عنهم). # وكانوا ألف رجل، فلما كانوا في بعض الطريق انخذل عنهم عبد الله ابن أبي بثلث الناس وقال: والله ما ندري على ما نقتل أنفسنا والقوم قومه، وهمت بنو حارثة وبنو سلمة بالرجوع، ثم عصمهم الله عز وجل، وهو قوله: # (إذ همت طائفتان منكم ان تفشلا) الآية (3) وأصبح رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم متهيئا للقتال، وجعل على راية المهاجرين عليا عليه السلام، وعلى راية الأنصار سعد بن عبادة، وقعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في راية الأنصار، ثم مر صلى الله عليه وآله وسلم على الرماة وكانوا خمسين رجلا وعليهم عبد الله بن جبير - فوعظهم وذكرهم وقال: (اتقوا الله واصبروا، وإن رأيتمونا يخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم حتى ارسل إليكم). # PageV01P176 # وأقامهم عند رأس الشعب، وكانت الهزيمة على المشركين، وحسهم المسلمون بالسيوف حسا (1). # فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنتظرون؟ فقال عبد الله: أنسيتم قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أما أنا فلا أبرح موقفي الذي عهد إلي فيه رسول الله ما عهد. # فتركوا أمره وعصوه بعد ما رأوا ما يحبون، وأقبلوا على الغنائم، فخرج كمين المشركين وعليهم خالد بن الوليد، فانتهى إلى عبد الله بن جبير فقتله، ثم أتى الناس من أدبارهم ووضع في المسلمين السلاح، فانهزموا، وصاح إبليس - لعنه الله -: قتل محمد، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعوهم في أخراهم: (أيها الناس اني رسول الله وإن الله ms082 قد وعدني النصر فإلى أين الفرار؟) فيسمعون الصوت ولا يلوون على شئ. # وذهبت صيحة إبليس حتى دخلت بيوت المدينة، فصاحت فاطمة عليها السلام، ولم تبق هاشمية ولا قرشية إلا وضعت يدها علق رأسها، وخرجت فاطمة عليها السلام تصرخ (2). # قال الصادق عليه السلام: (انهزم الناس عن رسول الله فغضب غضبا شديدا، وكان إذا غضب انحدر من وجهه وجبهته مثل اللؤلؤ من العرق، فنظر فإذا علي عليه السلام إلى جنبه، فقال: مالك لم تلحق ببني أبيك؟ فقال علي: يا رسول الله أكفر بعد ايمان! إن لي بك أسوة، فقال: أما لا فاكفني هؤلاء. # فحمل علي عليه السلام فضرب أول من لقي منهم، فقال جبرئيل: # PageV01P177 # إن هذه لهي المواساة يا محمد. قال: إنه مني وأنا منه. قال: جبرئيل وأنا منكما) (1). # وثاب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جماعة من أصحابه، وأصيب من المسلمين سبعون رجلا، منهم أربعة من المهاجرين: حمزة بن عبد المطلب، وعبد الله بن جحش، ومصعب بن عمير، وشماس بن عثمان ابن الرشيد، والباقون من الأنصار (2). # قال: وأقبل يومئذ أبي بن خلف وهو على فرس له وهو يقول: هذا ابن أبي كبشة، بوء بذنبك، لا نجوت إن نجوت. ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين الحارث بن الصمة وسهل بن حنيف يعتمد عليهما، فحمل عليه فوقاه مصعب بن عمير بنفسه، فطعن مصعبا فقتله، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنزة كانت في يد سهل بن حنيف ثم طعن أبيا في جربان الدرع، فاعتنق فرسه فانتهى إلى عسكره وهو يخور خوار الثور، فقال أبو سفيان: ويلك ما أجزعك، إنما هو خدش ليس بشئ. فقال: ويلك يا ابن حرب، أتدري من طعنني، إنما طعنني محمد، وهو قال لي بمكة: إني سأقتلك، فعلمت أنه قاتلي، والله لو أن ما بي كان بجميع أهل الحجاز لقضت عليهم. فلم يزل يخور الملعون حتى صار إلى النار (3). # PageV01P178 # وفي كتاب أبان بن عثمان: أنه لما انتهت فاطمة وصفية إلى رسول الله صلى الله ms083 عليه وآله وسلم ونظرتا إليه قال صلى الله عليه وآله وسلم لعلي: (أما عمتي فاحبسها عني، وأما فاطمة فدعها). # فلما دنت فاطمة عليها السلام من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورأته قد شج في وجهه وأدمي فوه إدماء صاحت وجعلت تمسح الدم وتقول: # (اشتد غضب الله على من أدمى وجه رسول الله) وكان يتناول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يسيل من الدم ويرميه في الهواء فلا يتراجع منه شئ (1). # قال الصادق عليه السلام: (والله لو سقط منه شئ على الأرض لنزل العذاب) (2). # قال أبان بن عثمان: حدثني بذلك عنه الصباح بن سيابة قال: قلت: # كسرت رباعيته كما يقوله هؤلاء؟ # قال: (لا والله، ما قبضه الله إلا سليما، ولكنه شج في وجهه). # قلت: فالغار في أحد الذي يزعمون أن رسول الله صار إليه؟ # قال: (والله ما برح مكانه، وقيل له: ألا تدعو عليهم؟ قال: اللهم اهد قومي). # ورمى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابن قميئة بقذافة فأصاب كفه حتى ندر (3) السيف من يده وقال: خذها مني وأنا ابن قميئة. # PageV01P179 # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أذلك الله وأقمأك (1) وضربه عتبة بن أبي وقاص بالسيف حتى أدمى فاه، ورماه عبد الله بن شهاب بقلاعة فأصاب مرفقه (2). # وليس أحد من هؤلاء مات ميتة سوية، فأما ابن قميئة فأتاه تيس وهو نائم بنجد فوضع قرنه في مراقه ثم دعسه فجعل ينادي: وا ذلاه، حتى أخرج قرنيه من ترقوته. # وكان وحشي يقول: قال لي جبير بن مطعم - وكنت عبدا له -: إن عليا قتل عمي يوم بدر - يعني طعيمة - فإن قتلت محمدا فأنت حر، وإن قتلت عم محمد فأنت حر، وإن قتلت ابن عم محمد فأنت حر. فخرجت بحربة لي مع قريش إلى أحد أريد العتق لا أريد غيره ولا أطمع في محمد، وقلت: # لعلي أصيب من علي أو حمزة غرة فأزرقه، وكنت لا أخطئ في رمي الحراب، تعلمته من الحبشة في أرضها، وكان حمزة يحمل حملاته ms084 ثم يرجع إلى موقفه (3) قال أبو عبد الله عليه السلام: (وزرقه وحشي، فوق الثدي، فسقط وشدوا عليه فقتلوه، فأخذ وحشي الكبد فشد بها إلى هند بنت عتبة، فأخذتها فطرحتها في فيها فصارت مثل الداغصة (4)، فلفظتها. # PageV01P180 # قال وكان الحليس بن علقمة نظر إلى أبي سفيان وهو على فرس وبيده رمح يجأ به في شدق حمزة فقال: يا معشر بني كنانة انظروا إلى من يزعم أنه سيد قريش ما يصنع بابن عمه الذي قد صار لحما - وأبو سفيان يقول: # ذق عقق - فقال أبو سفيان: صدقت إنما كانت مني زلة اكتمها على. # قال: وقام أبو سفيان فنادى بعض المسلمين: أحي ابن أبي كبشة؟ # فأما ابن أبي طالب فقد رأيناه مكانه. فقال علي عليه السلام: (إي والذي بعثه بالحق إنه ليسمع كلامك). # قال: إنه قد كانت في قتلاكم مثلة، والله ما أمرت ولا نهيت، إن ميعاد ما بيننا وبينكم موسم بدر في قابل هذا الشهر. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (قل: نعم). # فقال: (نعم). # فقال أبو سفيان لعلي عليه السلام: إن ابن قميئة أخبرني أنه قتل محمدا وأنت أصدق عندي وأبر. ثم ولى إلى أصحابه وقال: اتخذوا الليل جملا وانصرفوا. # ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا عليه السلام فقال: # (اتبعهم فانظر أين يريدون، فإن كانوا ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدينة، وإن كانوا ركبوا الإبل وساقوا الخيل فهم متوجهون إلى مكة) (1). # وقيل: إنه بعث لذلك سعد بن أبي وقاص فرجع وقال: فرأيت خيلهم تضرب بأذنابها مجنوبة مدبرة، ورأيت القوم قد تجملوا سائرين. فطابت أنفس المسلمين بذهاب العدو، فانتشروا يتتبعون قتلاهم، فلم يجدوا قتيلا # PageV01P181 # إلا وقد مثلوا به، إلا حنظلة بن أبي عامر، كان أبوه مع المشركين فترك له. # ووجدوا حمزة قد شقت بطنه، وجدع أنفه، وقطعت أذناه، واخذ كبده، فلما انتهى إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خنقته العبرة وقال: # (لأمثلن بسبعين من قريش) فأنزل الله سبحانه ﴿وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به﴾ ms085 (1) الآية، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (بل أصبر). # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (من ذلك الرجل الذي تغسله الملائكة في سفح الجبل؟). # فسألوا امرأته فقالت: انه خرج وهو جنب. وهو حنظلة بن أبي عامر الغسيل (2). # قال أبان: وحدثني أبو بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: (ذكر لرسول الله رجل من أصحابه يقال له: قزمان بحسن معونته لإخوانه، وزكاة فقال صلى الله عليه وآله وسلم: إنه من أهل النار. فاتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقيل: إن قزمان استشهد، فقال: يفعل الله ما يشاء. ثم اتي ثقيل: إنه قتل نفسه، فقال: أشهد أني رسول الله. # قال: وكان قزمان قاتل قتالا شديدا، وقتل من المشركين ستة أو سبعة، فأثبتته الجراح فاحتمل إلى دور بني ظفر، فقال له المسلمون: أبشر يا قزمان فقد أبليت اليوم، فقال: بم تبشروني! فوالله ما قاتلت إلا عن أحساب قومي، ولولا ذلك ما قاتلت. فلما اشتدت عليه الجراحة جاء إلى كنانته فأخذ منها # PageV01P182 # مشقصا (1) فقتل به نفسه) (2). # قال: وكانت امرأة من بني النجار قتل أبوها وزوجها وأخوها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فدنت من رسول الله والمسلمون قيام على رأسه فقالت لرجل: أحي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: نعم، قالت: أستطيع أن أنظر إليه؟ قال: نعم، فأوسعوا لها فدنت منه وقالت: كل مصيبة جلل بعدك، ثم انحرفت. # قال: وانصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة حين دفن القتلى، فمر بدور بني الأشهل وبني ظفر، فسمع بكاء النوائح على قتلاهن فترقرقت عينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبكى ثم قال: # (لكن حمزة لا بواكي له اليوم). فلما سمعها سعد بن معاذ وأسيد بن حضير قالوا: لا تبكين امرأة حميمها حتى تأتي فاطمة فتسعدها. # فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الواعية على حمزة وهو عند فاطمة على باب المسجد قال: (ارجعن رحمكن الله فقد آسيتن بأنفسكن) (3). # ثم كانت غزوة حمراء الأسد ms086 (4). قال أبان بن عثمان: لما كان من الغد من يوم أحد نادى رسول الله صلى الله عليه وآله، وسلم في المسلمين فأجابوه، فخرجوا على علتهم وعلى ما أصابهم من القرح، وقدم عليا بين يديه براية # PageV01P183 # المهاجرين حتى انتهى إلى حمراء الأسد ثم رجع إلى المدينة، فهم الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح. # وخرج أبو سفيان حتى انتهى إلى الروحاء، فأقام بها وهو يهم بالرجعة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويقول: قد قتلنا صناديد القوم فلو رجعنا استأصلناهم. فلقي معبد الخزاعي فقال: ما وراءك يا معبد؟ # قال: قد والله تركت محمدا وأصحابه وهم يحرقون عليكم، وهذا علي ابن أبي طالب قد أقبل على مقدمته في الناس، وقد اجتمع معه من كان تخلف عنه، وقد دعاني ذلك إلى أن قلت شعرا. # قال أبو سفيان: وماذا قلت؟ # قال: قلت: # كادت تهد من الأصوات راحلتي * إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل تردي بأسد كرام لا تنابلة * عند اللقاء ولا خرق معازيل - الأبيات - فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه، ثم مر به ركب من عبد القيس يريدون الميرة من المدينة، فقال لهم: أبلغوا محمدا أني قد أردت الرجعة إلى أصحابه لأستأصلهم وأوقر لكم ركابكم زبيبا إذا وافيتم عكاظ. # فأبلغوا ذلك إليه وهو بحمراء الأسد، فقال عليه السلام والمسلمون معه: (حسبنا الله ونعم الوكيل) (1). # ورجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من حمراء الأسد إلى المدينة يوم الجمعة، قال: ولما غزا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم # PageV01P184 # حمراء الأسد وثبت فاسقة من بني خطمة يقال لها: العصماء أم المنذر بن المنذر تمشي في مجالس الأوس والخزرج وتقول شعرا تحرض على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وليس في بني خطمة يومئذ مسلم إلا واحد يقال له: # عمير بن عدي، فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غدا عليها عمير فقتلها، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إني قتلت أم المنذر لما قالته من ms087 هجر. فضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على كتفيه وقال: (هذا رجل نصر الله ورسوله بالغيب، أما إنه لا ينتطح فيها (1) عنزان). # قال عمير بن عدي: فأصبحت فمررت (ببنيها) (2) وهم يدفنونها فلم يعرض لي أحد منهم ولم يكلمني (3). # ثم كانت غزوة الرجيع، بعث رسول الله مرثد بن أبي مرئد الغنوي حليف حمزة، وخالد بن البكير، وعاصم بن ثابت بن الأفلج، وخبيب بن عدي، وزيد بن دثنة، وعبد الله بن طارق، وأمير القوم مرثد لما قدم عليه رهط من عضل والديش وقالوا: ابعث معنا نفرا من قومك يعلموننا القرآن ويفقهوننا في الدين، فخرجوا مع القوم إلى بطن الرجيع - وهو ماء لهذيل - فقتلهم حي من هذيل يقال لهم: بنو لحيان، وأصيبوا جميعا (4). # وذكر ابن إسحاق: أن هذيلا حين قتلت عاصم بن ثابت أرادوا رأسه # PageV01P185 # ليبيعوه من سلافة بنت سعد، وقد كانت نذرت حين أصيب ابناها بأحد لئن قدرت على رأسه لتشربن في قحفه الخمر فمنعتهم الدبر (1)، فلما حالت بينهم وبينه قالوا: دعوه حتى نمسي فتذهب عنه. فبعث الله الوادي فاحتمل عاصما فذهب به، وقد كان عاصم أعطى الله عهدا أن لا يمس مشركا ولا يمسه مشرك أبدا في حياته، فمنعه الله بعد وفاته مما امتنع منه في حياته (2). # ثم كانت غزوة بئر معونة على رأس أربعة أشهر من أحد، وذلك أن أبا براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة قدم على رسول الله بالمدينة فعرض عليه الإسلام فلم يسلم، وقال: يا محمد إن بعثت رجالا إلى أهل نجد يدعونهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك. # فقال: (أخشى عليهم أهل نجد). # فقال أبو براء: أنا لهم جار. # فبعث رسول الله المنذر بن عمرو في بضعة وعشرين رجلا، وقيل: في أربعين رجلا، وقيل: في سبعين رجلا من خيار المسلمين، منهم: الحارث ابن الصمة، وحرام بن ملحان، وعامر بن فهيرة. فساروا حتى نزلوا بئر معونة - وهي بين أرض بني عامر وحرة بني سليم - فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله ms088 صلى الله عليه وآله وسلم إلى عامر بن الطفيل، فلما أتاه لم ينظر (عامر) في كتابه حتى عدا على الرجل فقتله، فقال: الله أكبر فزت # PageV01P186 # ورب الكعبة. # ثم دعا بني عامر إلى قتالهم فأبوا أن يجيبوه وقالوا: لا نخفر (1) أبا براء، فاستصرخ قبائل من بني سليم: عصية ورعلا وذكوان، وهم الذين قنت عليهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولعنهم، فأجابوه وأحاطوا بالقوم في رحالهم، فلما رأوهم أخذوا أسيافهم وقاتلوا القوم حتى قتلوا عن آخرهم. # وكان في سرح القوم (2) عمرو بن أمية الضمري ورجل من الأنصار، فلم يكن ينبئهما بمصاب القوم إلا الطير تحوم على العسكر، فقالا: والله إن لهذا الطير لشأنا، فأقبلا لينظرا فإذا القوم في دمائهم، فقال الأنصاري لعمرو: ما ترى؟ قال: أرى أن نلحق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنخبره الخبر، فقال الأنصاري: لكني لم أكن لأرغب بنفسي عن موطن قل فيه المنذر بن عمرو، فقاتل القوم حتى قتل، ورجع عمرو إلى المدينة فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارها). # فبلغ ذلك أبا براء، فشق عليه إخفار عامر إياه وما أصاب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ونزل به الموت. فحمل ربيعة بن أبي براء على عامر بن الطفيل وطعنه وهو في نادي قومه فأخطأ مقاتله وأصاب فخذه، فقال عامر: هذا عمل عمي أبي براء، إن مت فدمي لعمي لا تطلبوه به، وإن اعش فسأرى فيه رأيي (3). # PageV01P187 # ثم كانت غزوة بني النضير، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مشى إلى كعب بن الأشرف يستقرضه فقال: مرحبا بك يا أبا القاسم وأهلا. فجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه وقام كأنه يصنع لهم طعاما، وحدث نفسه أن يقتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فنزل جبرئيل عليه السلام وأخبره بما هم به القوم من الغدر، فقام صلى الله عليه وآله وسلم كأنه يقضي حاجة، وعرف أنهم لا ms089 يقتلون أصحابه وهو حي، فأخذ عليه السلام الطريق نحو المدينة، فاستقبله بعض أصحاب كعب الذين كان أرسل إليهم يستعين بهم على رسول الله، فأخبر كعبا بذلك، فسار المسلمون راجعين. # فقال عبد الله بن صوريا - وكان أعلم اليهود -: والله إن ربه اطلعه على ما أردتموه من الغدر، ولا يأتيكم والله أول ما يأتيكم إلا رسول محمد يأمركم عنه بالجلاء، فأطيعوني في خصلتين لا خير في الثالثة: أن تسلموا فتأمنوا على، دياركم وأموالكم، وإلا فإنه يأتيكم من يقول لكم: اخرجوا من دياركم. # فقالوا: هذه أحب إلينا. # قال: أما إن الأولى خير لكم منها، ولولا أني أفضحكم لأسلمت. # ثم بعث (صلى الله علية وآله وسلم) محمد بن مسلمة إليهم يأمرهم بالرحيل والجلاء عن ديارهم وأموالهم، وأمره أن يؤجلهم في الجلاء ثلاث ليال (1). # ثم كانت غزوة بني لحيان، وهي الغزوة التي صلى فيها صلاة الخوف بعسفان حين أتاه الخبر من السماء بما هم به المشركون. وقيل: إن هذه # PageV01P188 # الغزوة كانت بعد غزوة بني قريظة (1). # ثم كانت غزوة ذات الرقاع بعد غزوة بني النضير بشهرين. قال البخاري: إنها كانت بعد خيبر، لقي بها جمعا من غطفان، ولم يكن بينهما حرب، وقد خاف الناس بعضهم بعضا حتى صلى رسول الله صلاة الخوف ثم انصرف بالناس (2). # وقيل: إنما سميت ذات الرقاع لأنه جبل فيه بقع حمرة وسواد وبياض فسمي ذات الرقاع (3). # وقيل: إنما سميت بذلك لأن أقدامهم نقبت فيها، فكانوا يلفون على أرجلهم الخرق (4). # وكان صلى الله عليه وآله وسلم على شفير واد نزل أصحابه على الغدوة الأخرى من الوادي، فهم كذلك إذ أقبل سيل، فحال بينه وبين أصحابه، فرآه رجل من المشركين يقال له: غورث، فقال لقومه: أنا أقتل لكم محمدا. # فأخذ سيفه ونحا نحوه وقال: من ينجيك مني يا محمد؟ # قال: (ويلك. ينجيني ربي). # فسقط على ظهره، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيفه وجلس على صدره ثم قال: (من ينجيك مني يا غورث؟). # قال: جودك وكرمك يا محمد. فتركه، فقام وهو يقول: ms090 والله لأنت أكرم # PageV01P189 # مني وخير (1) ثم كانت غزوة بدر الأخيرة في شعبان. خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بدر لميعاد أبي سفيان، فأقام عليها ثمان ليال، وخرج أبو سفيان في أهل تهامة، فلما نزل الظهران بدا له في الرجوع، ووافق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه السوق فاشتروا وباعوا وأصابوا بها ربحا حسنا (2). # ثم كانت غزوة الخندق - وهي الأحزاب - في شوال من سنة أربع من الهجرة. أقبل حيي بن أخطب وكنانة بن الربيع وسلام بن أبي الحقيق وجماعة من اليهود بقريش وكنانة وغطفان، وذلك أنهم قدموا مكة فصاروا إلى أبي سفيان وغيره من قريش، فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقالوا لهم: أيدينا مع أيديكم، ونحن معكم حتى نستأصله، ثم خرجوا إلى غطفان ودعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأخبروهم باتباع قريش إياهم، فاجتمعوا معهم. # وخرجت قريش وقائدها أبو سفيان، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن في بني فزارة، والحارث بن عوف في بني مرة، ومسعود بن رخيلة (3) # PageV01P190 # ابن نويرة بن طريف في قومه من أشجع، وهم الأحزاب، وسمع بهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخرج إليهم، وذلك بعد أن أشار سلمان الفارسي أن يصنع خندقا (1). وظهر في ذلك من آية النبوة أشياء: # منها: ما رواه جابر بن عبد الله، قال: اشتد عليهم في حفر الخندق كدية (2) فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فدعا بإناء من ماء فتفل فيه، ثم دعا بما شاء الله أن يدعو، ثم نضح الماء على تلك الكدية فقال من حضرها: فوالذي بعثه بالحق لانثالت حتى عادت كالكندر (3) ما ترد فأسا ولا مسحاة (4). # ومنها: ما رواه جابر من إطعام الخلق الكثير من الطعام القليل. وقد ذكرناه فيما قبل (5). # ومنها: ما رواه سلمان الفارسي رضي الله عنه، قال: ضربت في ناحية في الخندق، فعطف علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو قريب مني، فلما رآني أضرب ms091 ورأى شدة المكان علي نزل فأخذ المعول من يدي فضرب به ضربة فلمعت تحت المعول برقة، ثم ضرب ضربة أخرى فلمعت تحته برقة أخرى، ثم ضرب به الثالثة فلمعت برقة أخرى. فقلت: يا رسول الله بأبي أنت أو أمي ما هذا الذي رأيت؟ # PageV01P191 # فقال: (أما الأولى فإن الله تعالى فتح علي بها اليمن، وأما الثانية فإن الله تعالى فتح علي بها الشام والمغرب، وأما الثالثة فإن الله فتح علي بها المشرق) (1). # وأقبلت الأحزاب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فهال المسلمين أمرهم، فنزلوا ناحية من الخندق، وأقاموا بمكانهم بضعا وعشرين ليلة، لم يكن بينهم حرب إلا الرمي بالنبل والحصى. # ثم انتدب فوارس قريش للبراز، منهم عمرو بن عبد ود، وعكرمة بن أبي جهل، وهبيرة بن أبي وهب، وضرار بن الخظاب، تهيؤوا للقتال، وأقبلوا على خيولهم حتى وقفوا على الخندق، فلما تأملوه قالوا: والله إن هذه مكيدة ما كانت العرب تكيدها، ثم تيمموا مكانا من الخندق فيه ضيق فضربوا خيولهم فاقتحمته، فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع (2)، وخرج علي بن أبي طالب عليه السلام في نفر معه حتى أخذوا عليهم الثغرة التي اقتحموها، فتقدم عمرو بن عبد ود وطلب البراز، فبرز إليه علي عليه السلام فقتله - وسنذكر ذلك فيما بعد إن شاء الله - فلما رأى عكرمة وهبيرة عمرا صريعا ولوا منهزمين، وفي ذلك، يقول أمير المؤمنين عليه السلام في أبيات شعر: # (نصر الحجارة من سفاهة رأيه ونصرت رب محمد بصوابي فضربته وتركته متجدلا كالجذع بين دكادك وروابي وعففت عن أثوابه ولو أنني كنت المقطر بزني أثوابي # PageV01P192 # لا تحسبن الله خاذل دينه ونبيه يا معشر الأحزاب) (1) ورمى ابن العرقة بسهم فأصاب أكحل سعد بن معاذ وقال: خذها مني وأنا ابن العرقة، قال: عرق الله وجهك في النار، وقال: اللهم إن كنت أبقيت من حرب في قريش شيئا فأبقني لحربهم، فإنه لا قوم أحب إلي قتالا من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه من حرمك، اللهم وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها ms092 لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة. فأباته رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على فراشه وبات على الأرض (2). # قال أبان بن عثمان: حدثني من سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول: # قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على التل الذي عليه مسجد الفتح في ليلة ظلماء قرة، قال: من يذهب فيأتينا بخبرهم وله الجنة؟ فلم يقم أحد ثم عاد ثانية وثالثة فلم يقم أحد، فقام حذيفة فقال صلى الله عليه وآله وسلم: # انطلق حتى تسمع كلامهم وتأتيني بخبرهم. # فذهب فقال: اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله، حتى ترده إلي، وقال: لا تحدث شيئا حتى تأتيني. # ولما توجه حذيفة قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يصلي ثم نادى بأشجى صوت: يا صريخ المكروبين، يا مجيب دعوة المضطرين، اكشف همي وكربي، فقد ترى حالي وحال من معي. # فنزل جبرئيل فقال: يا رسول الله إن الله عز وجل سمع مقالتك # PageV01P193 # واستجاب دعوتك وكفاك هول من تحزب عليك وناواك، فجثا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ركبتيه وبسط يديه وأرسل بالدمع عينيه، ثم نادى: شكرا شكرا كما آويتني وآويت من معي. # ثم قال جبرئيل عليه السلام: يا رسول الله، ان الله قد نصرك وبعث عليهم ريحا من السماء الدنيا فيها الحصى، وريحا من السماء الرابعة فيها الجنادل. # قال حذيفة: فخرجت فإذا أنا بنيران القوم قد طفئت وخمدت، وأقبل جند الله الأول ريح شديدة فيها الحصى، فما ترك لهم نارا إلا أخمدها، ولا خباء إلا طرحها، ولا رمحا إلا ألقاها، حتى جعلوا يتترسون من الحصى، وكنت أسمع وقع الحصى في الترسة، وأقبل جند الله الأعظم، فقام أبو سفيان إلى راحلته ثم صاح في قريش: النجاء النجاء، ثم فعل عيينة بن حصن مثلها، وفعل الحارث بن عوف مثلها، وذهب الأحزاب. # ورجع حذيفة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره الخبر، وأنزل الله على رسوله ﴿اذكروا نعمة الله عليكم ms093 إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها﴾ (1) إلى ما شاء الله تعالى من السورة (2). # وأصبح رسول الله بالمسلمين حتى دخل المدينة، فضربت ابنته فاطمة غسولا حتى تغسل رأسه، إذ أتاه جبرئيل على بغلة معتجرا (3) بعمامة بيضاء، عليه قطيفة من استبرق معلق عليها الدر والياقوت، عليه الغبار، فقام رسول # PageV01P194 # الله صلى الله عليه وآله وسلم فمسح الغبار عن وجهه، فقال له جبرئيل: رحمك ربك، وضعت السلاح ولم يضعه أهل السماء، ما زلت أتبعهم حتى بلغت الروحاء (1)، ثم قال جبرئيل: (انهض إلى إخوانهم من أهل الكتاب، فوالله لأدقنهم دق البيضة على الصخرة). # فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا عليه السلام فقال: (قدم راية المهاجرين إلى بني قريظة، وقال: (عزمت عليكم أن لا تصلوا العصر إلا في بني قريظة،). # فأقبل علي عليه السلام ومعه المهاجرون وبنو عبد الأشهل وبنو النجار كلها، لم يتخلف عنه منهم أحد، وجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسرب إليه الرجال، فما صلى بعضهم العصر إلا بعد العشاء. # فأشرفوا عليه وسبوه، وقالوا: فعل الله بك وبابن عمك، وهو واقف لا يجيبهم، فلما أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون حوله تلقاه أمير المؤمنين عليه السلام وقال: (لا تأتهم يا رسول الله جعلني الله فداك، فإن الله سيجزيهم) فعرف رسول الله أنهم قد شتموه، فقال: (أما إنهم لو رأوني ما قالوا شيئا مما سمعت). وأقبل ثم قال: (يا إخوة القردة، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين، يا عباد الطاغوت اخسؤوا أخساكم الله). # فصاحوا يمينا وشمالا: يا أبا القاسم ما كنت فما بدا لك (2). # قال الصادق عليه السلام: فسقطت العنزة من يده، وسقط رداءه من . # PageV01P195 # خلفه، ورجع يمشي إلى ورائه حياء مما قال لهم صلى الله عليه وآله وسلم. # فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خمسا وعشرين ليلة حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم بقتل الرجال وسبي الذراري والنساء وقسمة الأموال، وأن يجعل عقارهم للمهاجرين دون ms094 الأنصار. # فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة. # فلما جئ بالأسارى حبسوا في دار، وأمر بعشرة فاخرجوا فضرب أمير المؤمنين أعناقهم، ثم أمر بعشرة فاخرجوا فضرب الزبير أعناقهم، وقل رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا قتل الرجل والرجلين. # قال: ثم انفجرت رمية سعد والدم ينفح حتى قض، ونزع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رداءه فمشى في جنازته بغير رداء. ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله بن رواحة إلى خيبر، فقتل سير بن دارم اليهودي، وبعث عبد الله بن عتيك إلى خيبر فقتل أبا رافع بن أبي الحقيق (1) ثم كانت غزوة بني المصطلق من خزاعة، ورأسهم الحارث بن أبي الضرار، وقد تهيؤوا للمسير إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهي غزوة المريسيع (2)، وهو ماء، وقعت في شعبان سنة خمس، وقيل: في شعبان سنة ست، والله أعلم (3). # قالت جويرية بنت الحارث - زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم -: أتانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ونحن على المريسيع، # PageV01P196 # فأسمع أبي وهو يقول: أتانا ما لا قبل لنا به، قالت: وكنت أرى من الناس والخيل والسلاح ما لا أصف من الكثرة، فلما أن أسلمت وتزوجني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورجعنا جعلت أظهر إلى المسلمين فليسوا كما كنت أرى، فعرفت أنه رعب من الله عز وجل يلقيه في قلوب المشركين. # قالت: ورأيت قبل قدوم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بثلاث ليال كان القمر يسير من يثرب حتى وقع في حجري، فكرهت أن أخبر بها أحدا من الناس، فلما سبينا رجوت الرؤيا، فاعتقني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتزوجني (١). # وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه أن يحملوا عليهم حملة رجل واحد، فما أفلت منهم إنسان، وقتل عشرة منهم واسر سائرهم، وكان شعار المسلمين يومئذ (يا منصور أمت). # وسبى رسول الله ms095 صلى الله عليه وآله وسلم الرجال والنساء والذراري والنعم والشياه، فلما بلغ الناس أن رسول الله تزوج جويرية بنت الحارث قالوا: أصهار رسول الله. فأرسلوا ما كان في أيديهم من بني المصطلق، فما علم امرأة أعظم بركة على قومها منها (٢). # وفي هذه الغزوة قال عبد الله بن أبي ﴿لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ (3)، وأنزلت الآيات وفيها كانت قصة إفك عائشة (4). # PageV01P197 # وبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سنة ست في شهر ربيع الأول عكاشة بن محصن في أربعين رجلا إلى الغمرة (1)، وبكر القوم فهربوا، وأصاب مائتي بعير لهم، فساقها إلى المدينة (2). # وفيها: بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى القصة (3) في أربعين رجلا، # PageV01P200 # فأغار عليهم وأعجزهم هربا في الجبال وأصابوا رجلا واحدا فأسلم (1). # وفيها: بعث محمد بن مسلمة إلى قوم من هوازن فكمن القوم لهم وأفلت محمد وقتل أصحابه (2). # وفيها: كانت سرية زيد بن حارثة إلى الجموم من أرض بني سليم، فأصابوا نعما وشاء وأسرى (3) وفيها: كانت سرية زيد بن حارثة إلى العيص (4) في جمادى الأولى (5). # وفيها: سرية زيد بن حارثة إلى الطرف إلى بني ثعلبة في خمسة عشر رجلا، فهربوا وأصاب منهم عشرين بعيرا (6). # PageV01P201 # وفيها: كانت غزوة علي بن أبي طالب عليه السلام إلى بني عبد الله بن سعد من أهل فدك، وذلك أنه بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن لهم جمعا يريدون أن يمدوا يهود خيبر (1). # وفيها: سرية عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل (2) في شعبان، وقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن أطاعوا فتزوج ابنة ملكهم) فأسلم القوم وتزوج عبد الرحمن تماضر بنت الأصبغ، وكان أبوها رأسهم وملكهم (3). # وفيها: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - في قول الواقدي - إلى العرنيين الذين قتلوا راعي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واستاقوا الإبل عشرين فارسا، فاتي بهم، فأمر بقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم، وتركوا بالحرة حتى ماتوا (4). # PageV01P202 # وروي عن جابر بن عبد الله: أن رسول ms096 الله صلى الله عليه وآله وسلم دعا عليهم فقال: (اللهم عم عليهم الطريق) قال: فعمي عليهم الطريق (1) وفيها: اخذت أموال أبي العاص بن الربيع وقد خرج تاجرا إلى الشام ومعه بضائع لقريش، فلقيته سرية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واستاقوا عيره وأفلت، وقدموا بذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقسمه بينهم، وأتى أبو العاص فاستجار بزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسألها أن تطلب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رد ماله عليه وما كان معه من أموال الناس، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم السرية وقال: (إن هذا الرجل منا بحيث قد علمتم، فإن رأيتم أن تردوا عليه فافعلوا). # فردوا عليه ما أصابوا، ثم خرج وقدم مكة ورد على الناس بضائعهم، ثم قال: أما والله ما منعني أن أسلم قبل أن أقدم عليكم إلا توقيا أن تظنوا أني أسلمت لأذهب بأموالكم، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله (2). # وفيها: كانت غزوة الحديبية في ذي القعدة، خرج صلى الله عليه وآله وسلم في ناس كثير من أصحابه يريد العمرة وساق معه سبعين بدنة، وبلغ ذلك المشركين من قريش، فبعثوا خيلا ليصدوه عن المسجد الحرام، وكان صلى الله عليه وآله وسلم يرى أنهم لا يقاتلونه لأنه خرج في الشهر الحرام، # PageV01P203 # وكان من أمر سهيل بن عمرو وأبي جندل ابنه وما فعله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما شك به من زعم أنه ما شك إلا يومئذ قي الدين. # وأتى بديل بن ورقاء إلى قريش فقال لهم: يا معشر قريش خفضوا عليكم، فإنه لم يأت يريد قتالكم وإنما يريد زيارة هذا البيت. # فقالوا: والله ما نسمع منك ولا تحدث العرب أنه دخلها عنوة، ولا نقبل منه إلا أن يرجع عنا، ثم بعثوا إليه بكر بن حفص وخالد بن الوليد وصدوا الهدي. # وبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عثمان بن عفان إلى أهل ms097 مكة يستأذنهم في أن يدخل مكة معتمرا، فأبوا أن يتركوه، واحتبس عثمان، فظن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنهم قتلوه فقال لأصحابه: # (أتبايعونني على الموت؟) فبايعوه تحت الشجرة على أن لا يفروا عنه أبدا. # ثم إنهم بعثوا سهيل بن عمرو فقال: يا أبا القاسم، إن مكة حرمنا وعزنا، وقد تسامعت العرب بك أنك قد غزوتنا، ومتى ما تدخل علينا مكة عنوة يطمع فينا فنتخطف، وإنا نذكرك الرحم، فإن مكة بيضتك التي تفلقت عن رأسك. # قال: (فما تريد؟) قال: أريد أن أكتب بيني وبينك هدنة على أن أخليها لك في قابل فتدخلها ولا تدخلها بخوف ولا فزع ولا سلاح إلا سلاح الراكب، السيف في القراب والقوس. # فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب عليه السلام فأخذ أديما احمرا فوضعه على فخذه ثم كتب: (بسم الله الرحمن الرحيم.) - وسنذكر تمام ذلك في مناقب أمير المؤمنين -: # هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ومن معه من مغازي رسول الله (ص) وسراياه PageV01P204 # المسلمين سهيل بن عمرو ومن معه من أهل مكة: على أن الحرب مكفوفة فلا إغلال ولا إسلال ولا قتال، وعلى أن لا يستكره أحد على دينه، وعلى أن يعبد الله بمكة علانية، وعلى أن محمدا ينحر الهدي مكانه، وعلى أن يخليها له في قابل ثلاثة أيام فيدخلها بسلاح الراكب وتخرج قريش كلها من مكة إلا رجل واحد من قريش يخلفونه مع محمد وأصحابه، ومن لحق محمدا وأصحابه من قريش فإن محمدا يرده إليهم، ومن رجع من أصحاب محمد إلى قريش بمكة فإن قريشا لا ترده إلى محمد - وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا سمع كلامي ثم جاءكم فلا حاجة لي فيه) - وأن قريشا لا تعين على محمد وأصحابه أحدا بنفس ولا سلاح... إلى آخره. # فجاء أبو جندل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى جلس إلى جنبه، فقال أبو سهيل: رده علي، فقال المسلمون: لا نرده. # فقام ms098 صلى الله عليه وآله وسلم وأخذ بيده وقال: (اللهم إن كنت تعلم أن أبا جندل لصادق فاجعل له فرجا ومخرجا) ثم أقبل على الناس وقال: (إنه ليس عليه بأس، إنما يرجع إلى أبيه وأمه، وإني أريد أن أتم لقريش شرطها). # ورجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة وأنزل الله في الطريق سورة الفتح (انا فتحنا لك فتحا مبينا) (1). # قال الصادق عليه السلام: (فما انقضت تلك المدة حتى كاد الاسلام يستولي على أهل مكة). # PageV01P205 # ولما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة انفلت أبو بصير بن أسيد بن جارية (1) الثقفي من المشركين، وبعث الأخنس بن شريق في أثره رجلين فقتل أحدهما وأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسلما مهاجرا فقال (له صلى الله عليه وآله وسلم): (مسعر حرب لو كان معه أحد) ثم قال: (شأنك بسلب صاحبك، واذهب حيث شئت). # فخرج أبو بصير ومعه خمسة نفر كانوا قدموا معه مسلمين، حتى كانوا بين العيص وذي المروة من أرض جهينة على طريق عيرات قريش مما يلي سيف البحر، وانفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو في سبعين رجلا راكبا أسلموا فلحق بأبي بصير، واجتمع إليهم ناس من غفار وأسلم وجهينة حتى بلغوا ثلاثمائة مقاتل وهم مسلمون، لا تمر بهم عير لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها، فأرسلت قريش أبا سفيان بن حرب إلى رسول الله يسألونه ويتضرعون إليه أن يبعث إلى أبي بصير وأبي جندل ومن معهم فيقدموا عليه، وقالوا: من خرج منا إليك فأمسكه غير حرج أنت فيه. فعلم الذين كانوا أشاروا على رسول الله أن يمنع أبا جندل من أبيه بعد القضية (2) أن طاعة رسول الله خير أمم فيما أحبوا وفيما كرهوا. # وكان أبو بصير وأبو جندل وأصحابهما هم الذين مر بهم أبو العاص بن الربيع من الشام في نفر من قريش فأسروهم وأخذوا ما معهم ولم يقتلوا منهم أحدا لصهر أبي العاص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وخلوا سبيل أبي ms099 العاص فقدم المدينة على امرأته وكان أذن لها حين خرج إلى الشام أن تقدم المدينة فتكون مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأبو العاص هو # PageV01P206 # ابن أخت خديجة بنت خويلد (1). # ثم كانت غزوة خيبر في ذي الحجة من سنة ست - وذكر الواقدي: أنها كانت أول سنة سبع من الهجرة (2) - وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بضعا وعشرين ليلة، وبخيبر أربعة عشر ألف يهودي في حصونهم، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفتتحها حصنا حصنا، وكان من أشد حصونهم وأكثرها رجالا القموص، فأخذ أبو بكر راية المهاجرين فقاتل بها ثم رجع منهزما، ثم أخذها عمر بن الخطاب من الغد فرجع منهزما يجبن الناس ويجبنونه حتى ساء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك فقال: # (لأعطين الراية غدا رجلا كرارا غير فرار، يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ولا يرجع حتى يفتح الله على يده). # فغدت قريش يقول بعضهم لبعض: أما علي فقد كفيتموه فإنه أرمد لا يبصر موضع قدمه. وقال علي عليه السلام لما سمع مقالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (اللهم لا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت). # فأصبح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واجتمع إليه الناس. قال سعد: جلست نصب عينيه ثم جثوت على ركبتي ثم قمت على رجلي قائما رجاء أن يدعوني، فقال: (ادعو لي عليا) فصاح الناس من كل جانب: إنه أرمد رمدا لا يبصر موضع قدمه فقال: (أرسلوا إليه وادعوه). # فاتي به يقاد، فوضع رأسه على فخذه ثم تفل في عينيه، فقام وكأن عينيه جزعتان (3)، ثم أعطاه الراية ودعا له فخرج يهرول هرولة، فوالله ما بلغت # PageV01P207 # أخراهم حتى دخل الحصن. # قال جابر: فأعجلنا أن نلبس أسلحتنا، وصاح سعد: يا أبا الحسن أربع يلحق بك الناس، فأقبل حتى ركزها قريبا من الحصن فخرج إليه مرحب في عادية اليهود (1) فبارزه فضرب رجله فقطعها وسقط، وحمل علي والمسلمون عليهم فانهزموا (2). # قال أبان: حدثني زرارة قال: قال الباقر ms100 عليه السلام: (انتهى إلى باب الحصن وقد أغلق في وجهه فاجتذبه اجتذابا وتترس به، ثم حمله على ظهره واقتحم الحصن اقتحاما، واقتحم المسلمون والباب على ظهره. قال: فوالله ما لقي علي عليه السلام من الناس تحت الباب أشد مما لقي من الباب، ثم رمى بالباب رميا. # وخرج البشير إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أن عليا دخل الحصن، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فخرج علي يتلقاه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: قد بلغني نبأك المشكور وصنيعك المذكور، قد رضي الله عنك ورضيت أنا عنك. فبكى علي عليه السلام، فقال له: ما يبكيك يا علي؟ فقال: فرحا بأن الله ورسوله عني راضيان. # قال: وأخذ علي فيمن أخذ صفية بنت حيي، فدعا بلالا فدفعها إليه # PageV01P208 # وقال له: لا تضعها إلا في يدي رسول الله حتى يرى فيها رأيه، فأخرجها بلال ومر بها إلى رسول الله على القتلى، وقد كادت تذهب روحها فقال صلى الله عليه وآله وسلم لبلال: أنزعت منك الرحمة يا بلال؟! ثم اصطفاها صلى الله عليه وآله وسلم لنفسه، ثم أعتقها وتزوجها). # قال: فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من خيبر عقد لواء ثم قال: (من يقوم إليه فيأخذه بحقه؟) وهو يريد أن يبعث به إلى حوائط فدك، فقام الزبير إليه فقال: أنا، فقال له: (امط عنه) ثم قام إليه سعد، فقال: (امط عنه)، ثم قال: (يا علي قم إليه فخذه) فأخذه فبعث به إلى فدك فصالحهم على أن يحقن دماءهم، فكانت حوائط فدك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاصا خالصا. فنزل جبرئيل عليه السلام فقال: (إن الله عز وجل يأمرك تؤتي ذا القربى حقه). # فقال: (يا جبرئيل ومن قرباي وما حقها؟). # قال: (فاطمة فأعطها حوائط فدك، وما لله ولرسوله فيها). # فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة عليها السلام وكتب لها كتابا جاءت به بعد موت أبيها إلى أبي بكر وقالت: (هذا كتاب رسول الله صلى ms101 الله عليه وآله وسلم لي ولابني) (1). # قال ولما افتتح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيبر أتاه البشير بقدوم جعفر بن أبي طالب وأصحابه من الحبشة إلى المدينة، فقال: (ما # PageV01P209 # أدري بأيهما أنا أسر، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر) (1). # وعن سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر قال: لما قدم جعفر بن أبي طالب عليه السلام من أرض الحبشة تلقاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما نظر جعفر إلى رسول الله حجل - يعني مشى على رجل واحدة - إعظاما لرسول الله، فقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما بين عينيه (2). # وروى زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما استقبل جعفرا التزمه ثم قبل بين عينيه، قال: (وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث قبل أن يسير إلى خيبر عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي عظيم الحبشة، ودعاه إلى الإسلام فأسلم، وكان أمر عمرا ان يتقدم بجعفر وأصحابه، فجهز النجاشي جعفرا وأصحابه بجهاز حسن، وأمر لهم بكسوة، وحملهم في سفينتين) (3). # ثم بعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - فيما رواه الزهري - عبد الله بن رواحة في ثلاثين راكبا فيهم عبد الله بن أنيس إلى اليسير بن رزام اليهودي، لما بلغه أنه يجمع غطفان ليغزو بهم. فأتوه فقالوا: أرسلنا إليك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليستعملك على خيبر، فلم يزالوا به حتى تبعهم في ثلاثين رجلا مع كل رجل منهم رديف من المسلمين. # فلما ساروا ستة أميال ندم اليسير فأهوى بيده إلى سيف عبد الله بن # PageV01P210 # أنيس، ففطن له عبد الله فزجر بعيره ثم اقتحم يسوق بالقوم حتى إذا استمكن من اليسير ضرب رجله فقطعها، فاقتحم اليسير وفي يده مخرش (1) من شوحط (2) فضرب به وجه عبد الله فشجه مأمومة (3)، وانكفأ كل المسلمين على رديفه فقتله، غير رجل واحد من اليهود أعجزهم شدا، ولم يصب من المسلمين أحد، وقدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله ms102 وسلم فبصق في شجة عبد الله بن أنيس فلم تؤذه حتى مات (4). # وبعث غالب بن عبد الله الكلبي إلى أرض بني مرة فقتل وأسر (5). # وبعث عيينة بن حصن البدري إلى أرض بني العنبر فقتل وأسر (6). # ثم كانت عمرة القضاء سنة سبع اعتمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والذين شهدوا معه الحديبية، ولما بلغ قريشا ذلك خرجوا متبددين، فدخل مكة وطاف بالبيت على بعيره بيده محجن (7) يستلم به الحجر، وعبد الله بن رواحة أخذ بخطامه وهو يقول: # خلوا بني الكفار عن سبيله خلوا فكل الخير في رسوله # PageV01P211 # قد أنزل الرحمن في تنزيله نضربكم ضربا على تأويله كما ضربناكم على تنزيله ضربا يزيل الهام عن مقيله يا رب إني مؤمن بقيله وأقام بمكة ثلاثة أيام، وتزوج بها ميمونة بنت الحارث الهلالية، ثم خرج فابتنى بها بسرف، ورجع إلى المدينة فأقام بها حتى دخلت سنة ثمان (1). # وكانت غزرة مؤتة (2) في جمادى من سنة ثمان، بعث جيشا عظيما وأمر عليه السلام على الجيش زيد بن حارثة ثم قال: (فإن أصيب زيد فجعفر، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة، فإن أصيب فليرتض المسلمون رجلا، فليجعلوه عليهم) (3). # وفي رواية أبان بن عثمان عن الصادق عليه السلام: أنه استعمل عليهم جعفرا، فإن قتل فزيد، فإن قتل فابن رواحة. # ثم خرجوا حتى نزلوا معان (4)، فبلغهم أن هرقل قد نزل بمأرب قي مائة ألف من الروم ومائة ألف من المستعربة (5). # PageV01P212 # وفي كتاب أبان بن عثمان: بلغهم كثرة عدد الكفار من العرب والعجم من لخم وجذام وبلي وقضاعة، وانحاز المشركون إلى أرض يقال لها: # المشارف، وإنما سميت السيوف المشرفية لأنها طبعت لسليمان بن داود بها، فأقاموا بمعان يومين فقالوا: نبعث إلى رسول الله فنخبره بكثرة عدونا حتى يرى في ذلك رأيه. # فقال عبد الله بن رواحة: يا هؤلاء إنا والله ما نقاتل الناس بكثرة وإنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فقالوا: صدقت. # فتهيأوا - وهم ثلاثة آلاف - حتى لقوا جموع الروم بقرية من قرى البلقاء يقال ms103 لها: شرف، ثم انحاز المسلمون إلى مؤتة، قرية فوق الأحساء (1). # وعن أنس بن مالك قال: نعى النبي صلى الله عليه وآله وسلم جعفرا وزيد بن حارثة وابن رواحة، نعاهم قبل أن يجئ خبرهم وعيناه تذرفان. رواه البخاري في الصحيح (2). # قال أبان: وحدثني الفضيل بن يسار، عن أبي جعفر عليه السلام قال: # (أصيب يومئذ جعفر وبه خمسون جراحة، خمس وعشرون منها في وجهه (3). # قال عبد الله بن جعفر: أنا احفظ حين دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أمي فنعى لها أبي، فأنظر إليه وهو يمسح على رأسي ورأس أخي وعيناه تهرقان الدموع حتى تقطر على لحيته، ثم قال: (اللهم إن جعفرا # PageV01P213 # قد قدم إليك إلى أحسن الثواب، فاخلفه في ذريته بأحسن ما خلفت أحدا من عبادك في ذريته). # ثم قال: (يا أسماء ألا أبشرك؟). # قالت: بلى بأبي أنت وأمي يا رسول الله. # قال: (إن الله جعل لجعفر جناحين يطير بهما في الجنة). # قالت: فاعلم الناس ذلك. # فقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخذ بيدي يمسح بيده رأسي حتى رقى المنبر وأجلسني أمامه على الدرجة السفلى والحزن يعرف عليه فقال: (إن المرء كثير بأخيه وابن عمه، ألا إن جعفرا قد استشهد وجعل له جناحان يطير بهما في الجنة). # ثم نزل عليه السلام ودخل بيته وأدخلني معه، وأمر بطعام يصنع لأجلي، وأرسل إلى أخي فتغذينا عنده غذاء طيبا مباركا، وأقمنا ثلاثة أيام في بيته ندور معه كلما صار في بيت إحدى نسائه، ثم رجعنا إلى بيتنا، فأتانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا أساوم شاة أخ لي فقال: (اللهم بارك له في صفقته) قال عبد الله: فما بعت شيئا ولا اشتريت شيئا إلا بورك لي فيه (1) قال الصادق عليه السلام: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة عليها السلام: إذهبي فابكي على ابن عمك، ولا (2) تدعي بثكل فما قلت فقد صدقت) (3). # PageV01P214 # وذكر محمد بن إسحاق عن عروة قال: لما أقبل أصحاب مؤتة تلقاهم رسول ms104 الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون معه، فجعلوا يحثون عليهم التراب ويقولون: يا فرار، فررتم في سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ليسوا بفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله) (1). # ثم كانت غزوة الفتح في شهر رمضان من سنة ثمان، وذلك أن رسول الله لما صالح قريشا عام الحديبية دخلت خزاعة في حلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعهده، ودخلت كنانة في حلف قريش، فلما مضت سنتان من القضية قعد رجل من كنانة يروي هجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال له رجل من خزاعة: لا تذكر هذا، قال: وما أنت وذاك؟ فقال: لئن أعدت لأكسرن فاك. # فأعادها، فرفع الخزاعي يده فضرب بها فاه، فاستنصر الكناني قومه، والخزاعي قومه، وكانت كنانة أكثر فضربوهم حتى أدخلوهم الحرم، وقتلوا منهم، وأعانتهم قريش بالكراع والسلاح، فركب عمرو بن سالم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخبره الخبر وقال أبيات شعر، منها: # لا هم أني ناشد محمدا * حلف أبينا وأبيه الأتلدا أن قريشا أخلفوك الموعدا * ونقضوا ميثاقك المؤكدا وقتلونا ركعا وسجدا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (حسبك يا عمرو) ثم قام فدخل دار ميمونة وقال: (اسكبوا لي ماء) فجعل يغتسل ويقول: (لا نصرت إن لم أنصر بني كعب). # PageV01P215 # ثم أجمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المسير إلى مكة، وقال: (اللهم خذ العيون عن قريش حتى نأتيها في بلادها). # فكتب حاطب في أبي بلتعة مع سارة مولاة أبي لهب إلى قريش: أن رسول الله خارج إليكم يوم كذا وكذا. فخرجت وتركت الطريق ثم أخذت ذات اليسار في الحرة، فنزل جبرئيل فأخبره، فدعا عليا عليه السلام والزبير فقال لهما: (أدركاها وخذا منها الكتاب). # فخرج علي عليه السلام والزبير لا يلقيان أحدا حتى وردا ذا الحليفة، وكان النبي عليه السلام وضع حرسا على المدينة، وكان على الحرس حارثة ابن النعمان، فأتيا الحرس فسألاهم فقالوا: ما مر بنا أحد، ثم استقبلا حاطبا فسألاه، ms105 فقال: رأيت امرأة سوداء انحدرت من الحرة. فأدركاها فأخذ علي عليه السلام منها الكتاب وردها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # قال: فدعا (صلى الله عليه وآله وسلم) حاطبا فقال له: (انظر ما صنعت). # قال: أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله ما شككت، ولكني رجل ليس لي بمكة عشيرة، ولي بها أهل فأردت أن أتخذ عندهم يدا ليحفظوني فيهم. # فقال عمر بن الخطاب: دعني يا رسول الله أضرب عنقه، فوالله لقد نافق. # فقال عليه السلام: (إنه من أهل بدر، ولعن الله اطلع عليهم فغفر لهم، أخرجوه من المسجد). # فجعل الناس. يدفعون في ظهره وهو يلتفت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليرق عليه، فأمر برده وقال عليه السلام: (قد عفوت عن جرمك فاستغفر ربك ولا تعد لمثل هذه ما حييت) فأنزل الله سبحانه (يا أيها الذين PageV01P216 # امنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) (1) - إلى صدر (2) السورة - (3). # فصل: # قال أبان: وحدثني عيسى بن عبد الله القمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لما انتهى الخبر إلى أبي سفيان - وهو بالشام - بما صنعت قريش بخزاعة أقبل حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا محمد أحقن دم قومك وأجر بين قريش وزدنا في المدة. # قال: (أغدرتم يا أبا سفيان؟). # قال: لا. # قال: (فنحن على ما كنا عليه). # فخرج فلقي أبا بكر فقال: يا أبا بكر أجر بين قريش، قال: ويحك وأحد يجير على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟! # ثم لقي عمر فقال له مثل ذلك. # ثم خرج فدخل على أم حبيبة، فذهب ليجلس على الفراش فأهوت إلى الفراش فطوته فقال: يا بنية أرغبة بهذا الفراش عني؟ # قالت: نعم، هذا فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ما كنت لتجلس عليه وأنت رجس مشرك. # ثم خرج فدخل على فاطمة فقال: يا بنت سيد العرب تجيرين بين قريش وتزيدين في المدة فتكونين أكرم سيدة في الناس؟ # PageV01P217 # قالت: (جواري في جوار رسول الله صلى ms106 الله عليه وآله وسلم). # قال: فتأمرين ابنيك أن يجيرا بين الناس؟ # قالت: (والله ما يدري ابناي ما يجيران من قريش). # فخرج فلقي عليا عليه السلام فقال: أنت أمس القوم بي رحما، وقد اعتسرت علي الأمور، فاجعل لي منها وجها. # قال: (أنت شيخ قريش تقوم على باب المسجد فتجير بين قريش ثم تقعد على راحلتك وتلحق بقومك). # قال: وهل ترى ذلك نافعي؟ # قال: (لا أدري). # فقال: يا أيها الناس إني قد أجرت بين قريش، ثم ركب بعيره وانطلق فقدم على قريش، فقالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمدا فكلمته فوالله مارد علي شيئا، ثم جئت ابن أبي قحافة فلم أجد عنده خيرا، ثم جئت إلى ابن الخطاب فكان كذلك، ثم دخلت على فاطمة فلم تجيبني، ثم لقيت عليا فأمرني أن أجير بين الناس ففعلت. # قالوا: هل أجاز ذلك محمد؟ # قال: لا أدري. # قالوا: ويحك، لعب بك الرجل، أو أنت تجير بين قريش؟! (1). # فصل قال: وخرج رسول الله يوم الجمعة حين صلى العصر لليلتين مضتا من شهر رمضان، فاستخلف على المدينة أبا لبابة بن عبد المنذر، ودعا # PageV01P218 # رئيس كل قوم فأمره أن يأتي قومه فيستنفرهم. # قال الباقر عليه السلام: (خرج رسول الله في غزوة الفتح فصام وصام الناس حتى نزل كراع الغميم فأمر بالإفطار فأفطر وأفطر الناس، وصام قوم فسموا العصاة لأنهم صاموا. ثم سار عليه السلام حتى نزل مر الظهران ومعه نحو من عشرة آلاف رجل ونحو من أربعمائة فارس وقد عميت الأخبار من قريش، فخرج في تلك الليلة أبو سفيان وحكيم في حزام وبديل بن ورقاء هل يسمعون خبرا، وقد كان العباس بن عبد المطلب خرج يتلقى رسول الله ومعه أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية وقد تلقاه بنيق العقاب ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قبته - وعلى حرسه يومئذ زياد بن أسيد - فاستقبلهم زياد فقال: أما أنت يا أبا الفضل فامض إلى القبة، وأما أنتما فارجعا. # فمضى العباس حتى دخل على رسول الله صلى الله ms107 عليه وآله وسلم فسلم عليه وقال: بأبي أنت وأمي هذا ابن عمك قد جاء تائبا وابن عمتك. # قال: (لا حاجة لي فيهما، إن ابن عمي انتهك عرضي، وأما ابن عمتي فهو الذي يقول بمكة: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا). # فلما خرج العباس كلمته أم سلمة وقالت: بأبي أنت وأمي ابن عمك قد جاء تائبا، لا يكون أشقى الناس بك، وأخي ابن عمتك وصهرك فلا يكونن شقيا بك. # ونادى أبو سفيان بن الحارث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: كن لنا كما قال العبد الصالح: لا تثريب عليكم، فدعاه وقبل منه، ودعا عبد الله بن أبي أمية فقبل منه. # وقال العباس: هو والله هلاك قريش إلى آخر الدهر إن دخلها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنوة، قال: فركبت بغلة رسول الله صلى الله PageV01P219 # عليه وآله وسلم البيضاء وخرجت أطلب الحطابة أو صاحب لبن لعلي آمره أن يأتي قريشا فيركبون إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يستأمنون إليه، إذ لقيت أبا سفيان وبديل بن ورقاء وحكيم بن حزام، وأبو سفيان يقول لبديل: # ما هذه النيران؟ قال: هذه خزاعة. # قال: خزاعة أقل وأقل من أن تكون هذه نيرانهم، ولكن لعل هذه تميم أو ربيعة. # قال العباس: فعرف صوت أبي سفيان، فقلت: أبا حنظلة، قال: # لبيك فمن أنت؟ قلت: أنا العباس، قال: فما هذه النيران فداك أبي وأمي قلت: هذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عشرة آلاف من المسلمين قال: فما الحيلة؟ قال: تركب في عجز هذه البغلة فأستأمن لك، يعول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # قال: فأردفته خلفي ثم. جئت به، فكلما انتهيت إلى نار قاموا إلى نار قاموا إلي فإذا رأوني قالوا: هذا عم رسول الله خلوا سبيله، حتى انتهيت إلى باب عمر فعرف أبا سفيان فقال: عدو الله الحمد الله الذي أمكن منك، فركضت البغلة حتى اجتمعنا على باب القبة، ودخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وآله ms108 وسلم فقال: هذا أبو سفيان قد أمكنك الله منه بغير عهد ولا عقد فدعني أضرب عنقه. # قال: العباس: فجلست عند رأس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: بأبي أنت وأمي أبو سفيان؟ شد أجرته، قال: (أدخله). # فدخل فقام بين يديه فقال: (ويحك يا أبا سفيان أما ان لك أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟). # قال: بأبي أنت وأمي ما أكرمك وأوصلك وأحلك، أما الله لو كان معه إله لاغنى يوم بدر ويوم أحد، واما أنك رسول الله فوالله إن في نفسي منها لشيئا PageV01P220 # قال العباس: يضرب والله عنقك الساعة أو تشهد أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله - تلجلج بها فوه -. # فقال أبو سفيان للعباس: فما نصنع باللات والعزى؟ فقال له عمر: # اسلح (1) عليهما. # فقال أبو سفيان: أف لك ما أفحشك، ما يدخلك يا عمر في كلامي وكلام ابن عمي؟ # فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (عند من تكون الليلة)؟ # قال: عند أبي الفضل. # قال: (فاذهب به يا أبا الفضل فأبته عندك الليلة واغد به علي). # فلما أصبح سمع بلالا يؤذن، قال: ما هذا المنادي يا أبا الفضل؟ # قال: هذا مؤذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قم فتوضأ وصل، قال: # كيف أتوضأ؟ فعلمه. # قال: ونظر أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يتوضأ وأيدي المسلمين تحت شعره، فليس قطرة تصيب رجلا منهم إلا مسح بها وجهه، فقال: بالله إن رأيت كاليوم قط كسرى ولا قيصر. # فلما صلى غدا به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله إني أحب أن تأذن لي (بالذهاب) إلى قومك فانذرهم وأدعوهم إلى الله ورسوله، فأذن له، فقال العباس: كيف أقول لهم؟ بين لي من ذلك أمرا يطمئنون إليه. # فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (تقول لهم: من قال: لا ms109 إله إلا الله # PageV01P221 # وحده لا شريك له، وأن محمدا رسول الله، وكف يده فهو امن، ومن جلس عند الكعبة ووضع سلاحه فهو آمن. # فقال العباس: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فلو خصصته بمعروف. # فقال عليه السلام: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن). # قال أبو سفيان: داري؟! قال: (دارك)، ثم قال: (من أغلق بابه فهو آمن). # ولما مضى أبو سفيان قال العباس: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل من شأنه الغدر، وقد رأى من المسلمين تفرقا. # قال: (فأدركه واحبسه في مضايق الوادي حتى يمر به جنود الله). # قال: فلحقه العباس فقال: أبا حنظلة! قال: أغدرا يا بني هاشم؟ # قال: ستعلم أن الغدر ليس من شأننا، ولكن اصبر حتى تنظر إلى جنود الله. # قال العباس: فمر خالد بن الوليد فقال أبو سفيان: هذا رسول الله؟ # قال: لا ولكن هذا خالد بن الوليد في المقدمة، ثم مر الزبير في جهينة وأشجع فقال أبو سفيان: يا عباس هذا محمد؟ قال: لا، هذا الزبير، فجعلت الجنود تمر به حتى مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الأنصار ثم انتهى إليه سعد بن عبادة، بيده راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا أبا حنظلة. # اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل (1) الحرمة يا معشر الأوس والخزرج ثاركم يوم الجبل. # PageV01P222 # فلما سمعها من سعد خلى العباس وسعى إلى رسول الله وزاحم حتى مر تحت الرماح فأخذ غرزه (1) فقبلها، ثم قال: بأبي أنت وأمي أما تسمع ما يقول سعد؟ وذكر ذلك القول، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (ليس مما قال سعد شئ) ثم قال لعلي عليه السلام: (أدرك سعدا فخذ الراية منه وأدخلها إدخالا رفيقا)، فأخذها علي وأدخلها كما أمر. # قال: وأسلم يومئذ حكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء، وجبير بن مطعم. # وأقبل أبو سفيان حتى دخل مكة وقد سطع الغبار من فوق الجبال وقريش لا تعلم، وأقبل أبو سفيان من أسفل الوادي يركض فاستقبلته قريش وقالوا: ما ms110 وراءك وما هذا الغبار؟ قال: محمد في خلق، ثم صاح: يا آل غالب البيوت البيوت، من دخل داري فهو آمن، فعرفت هند فأخذت تطردهم، ثم قالت: اقتلوا الشيخ الخبيث، لعنه الله من وافد قوم وطليعة قوم قال: ويلك إني رأيت ذات القرون، ورأيت فارس أبناء الكرام، ورأيت ملوك كندة وفتيان حمير يسلمن آخر النهار، ويلك اسكتي فقد والله جاء الحق ودنت البلية (2). # فصل: # وكان قد عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى المسلمين أن لا يقتلوا بمكة إلا من قاتلهم، سوى نفر كانوا يؤذون النبي صلوات الله عليه وآله، منهم: مقيس بن صبابة، وعبد الله بن سعد بن أبي # PageV01P223 # سرح، وعبد الله بن خطل، وقينتين كانتا تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقال: (اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة). # فأدرك ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة فاستبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر فسبق سعيد عمارا فقتله، وقتل مقيس بن صبابة في السوق، وقتل علي عليه السلام إحدى القينتين وأفلتت الأخرى، وقتل عليه السلام أيضا الحويرث بن نقيذ بن كعب. # وبلغه أن أم هانئ بنت أبي طالب قد آوت ناسا من بني مخزوم منهم الحارث بن هشام وقيس بن السائب، فقصد نحو دارها مقنعا بالحديد، فنادى: (أخرجوا من آويتم) فجعلوا يذرقون كما يذرق الحبارى خوفا منه. # فخرجت إليه أم هاني - وهي لا تعرفه - فقالت: يا عبد الله، أنا أم هاني بنت عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأخت علي بن أبي طالب، انصرف عن داري. # فقال علي عليه السلام: (أخرجوهم). # فقالت: والله لأشكونك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # فنزع المغفر عن رأسه فعرفته فجاءت تشتد حتى التزمته، فقالت: # فديتك حلفت لأشكونك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ # فقال لها: (فاذهبي فبري قسمك، فإنه بأعلى الوادي). # قالت أم هاني: فجئت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في قبة يغتسل، وفاطمة عليها السلام تستره، فلما سمع رسول ms111 الله صلى الله عليه وآله وسلم كلامي قال: (مرحبا بك يا أم هاني). # قلت: بأبي وأمي ما لقيت من علي اليوم! # فقال عليه السلام: (قد أجرت من أجرت). PageV01P224 # فقالت فاطمة عليها السلام: (إنما جئت يا أم هانئ تشكين عليا في أنه أخاف أعداء الله وأعداء رسوله؟!) فقلت: احتمليني فديتك. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (قد شكر الله لعلي سعيه، وأجرت من أجارت أم هانئ لمكانها من علي بن أبي طالب (1). # قال أبان: وحدثني بشير النبال، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: # (لما كان فتح مكة قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: عند من المفتاح؟ # قالوا: عند أم شيبة. # فدعا شيبة فقال: إذهب إلى أمك فقل لها ترسل بالمفتاح. # فقالت: قل له: قتلت مقاتلينا وتريد أن تأخذ منا مكرمتنا. # فقال: لترسلن به أو لأقتلنك. فوضعته في يد الغلام فأخذه ودعا عمر فقال له: هذا تأويل رؤياي من قبل. # ثم قام صلى الله عليه وآله وسلم ففتحه وستره، فمن يومئذ يستر، ثم دعا الغلام فبسط رداءه فجعل فيه المفتاح وقال: رده إلى أمك. # قال: ودخل صناديد قريش الكعبة وهم يظنون أن السيف لا يرفع عنهم، فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم البيت وأخذ بعضادتي الباب ثم قال لا إله إلا الله أنجز وعده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده. ثم قال: # ما تظنون وما أنتم قائلون؟ # فقال سهيل بن عمرو: نقول خيرا، ونظن خيرا، أخ كريم وابن عم. # قال: فإني أقول لكم كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، ألا إن كل دم ومال ومأثرة كان في # PageV01P225 # الجاهلية فإنه موضوع تحت قدمي، إلا سدانة الكعبة وسقاية الحاج فإنهما مردودتان إلى أهليهما، ألا إن مكة محرمة بتحريم الله، لم تحل لأحد كان قبلي ولم تحل لي إلا ساعة من نهار، فهي محرمة إلى أن تقوم الساعة، لا يختلي خلاها، ولا يقطع شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا تحل لقطتها إلا ms112 لمنشد. # ثم قال: ألا لبئس جيران النبي كنتم، لقد كذبتم وطردتم، وأخرجتم وفللتم، ثم ما رضيتم حتى جئتموني في بلادي تقاتلونني، فاذهبوا فأنتم الطلقاء. # فخرج القوم كأنما أنشروا من القبور، ودخلوا في الإسلام. # قال: ودخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة بغير إحرام وعليهم السلاح، ودخل البيت لم يدخله في حج ولا عمرة. # ودخل وقت الظهر فأمر بلال فصعد على الكعبة وأذن، فقال عكرمة: # والله إن كنت لأكره أن أسمع صوت ابن رباح ينهق على الكعبة، وقال. خالد ابن أسيد: الحمد لله الذي أكرم أبا عتاب من هذا اليوم من أن يرى ابن رباح قائما على الكعبة، قال سهيل: هي كعبة الله وهو يرى ولو شاء لغير - قال: # وكان أقصدهم - وقال أبو سفيان: أما أنا فلا أقول شيئا، والد لو نطقت لظننت أن هذه الجدر لخبر به محمدا. # وبعث صلوات الله عليه وآله إليهم فأخبرهم بما قالوا، فقال عتاب: قد والله قلنا يا رسول الله ذلك فنستغفر الله ونتوب إليه، فأسلم وحسن إسلامه وولاه رسول الله مكة. # قال: وكان فتح مكة لثلاث عشرة خلت من شهر رمضان، واستشهد PageV01P226 # من المسلمين ثلاثة نفر دخلوا من أسفل مكة وأخطأوا الطريق فقتلوا) (1). # فصل: # وبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم السرايا فيما حول مكة يدعون إلى الله عز وجل، ولم يأمرهم بقتال، فبعث غالب بن عبد الله إلى بني مدلج فقالوا: لسنا عليك ولسنا معك، فقال الناس: اغزهم يا رسول الله، فقال: (إن لهم سيدا أديبا أريبا، ورب غاز من بني مدلج شهيد في سبيل الله) (2). # وبعث عمرو بن أمية الضمري إلى بني الديل فدعاهم إلى الله ورسوله فأبوا أشد الإباء، فقال الناس: اغزهم يا رسول الله، فقال: (أتاكم الآن سيدهم قد أسلم فيقول لهم: أسلموا، فيقولون: نعم) (3). # وبعث عبد الله بن سهيل بن عمرو إلى بني محارب بن فهر فأسلموا وجاء معه نفر منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (4). # وبعث خالد بن الوليد إلى بني جذيمة ms113 بن عامر، وقد كانوا أصابوا في الجاهلية من بني المغيرة نسوة وقتلوا عم خالد، فاستقبلوه وعليهم السلاح وقالوا: يا خالد إنا لم نأخذ السلاح على الله وعلى رسوله ونحن مسلمون، فانظر فإن كان بعثك رسول الله ساعيا فهذه إبلنا وغنمنا فاغد عليها، فقال: # ضعوا السلاح، قالوا: إنا نخاف منك أن تأخذنا بإحنة الجاهلية وقد أماتها الله ورسوله. # PageV01P227 # فانصرف عنهم بمن معه، فنزلوا قريبا ثم شن عليهم الخيل، فقتل وأسر منهم رجالا، ثم قال: ليقتل كل رجل منكم أسيره، فقتلوا الأسرى، وجاء رسولهم إلى رسول الله فأخبره بما فعل خالد بهم، فرفع عليه السلام يده إلى السماء وقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد) وبكى ثم دعا عليا عليه السلام فقال: (اخرج إليهم وانظر في أمرهم) وأعطاه سفطا من ذهب، ففعل ما أمره وأرضاهم (1). # ثم كانت غزوة حنين، وذلك أن هوازن جمعت له جمعا كثيرا، فذكر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن صفوان بن أمية عنده مائة درع فسأله ذلك، فقال: أغصبا يا محمد؟ قال: (لا، ولكن عارية مضمونة) قال: لا بأس بهذا. فأعطاه. # فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ألفين - من مكة - وعشرة آلاف كانوا معه، فقال أحد أصحابه: لن نغلب اليوم من قلة. فشق ذلك على رسول الله فأنزل الله سبحانه (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم) الآية (2). # وأقبل مالك بن عوف النصري فيمن معه من قبائل قيس وثقيف،، فبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله بن أبي حدرد عينا فسمع ابن عوف يقول: يا معشر هوازن إنكم أحد العرب وأعدها، وإن هذا الرجل لم يلق قوما يصدقونه القتال، فإذا لقيتموه فاكسروا جفون سيوفكم واحملوا عليه حملة رجل واحد. فأتى ابن أبي حدرد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره فقال عمر: ألا تسمع يا رسول الله ما يقول ابن أبي حدرد؟ فقال: (قد # PageV01P228 # كنت ضالا فهداك الله يا عمر وابن أبي حدرد صادق) (1). # قال الصادق عليه السلام: (وكان مع ms114 هوازن دريد بن الصمة، خرجوا به شيخا كبيرا يتيمنون برأيه، فلما نزلوا بأوطاس (2) قال: نعم مجال الخيل لا حزن (3) ضرس (4)، ولا سهل دهس (5)، مالي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير؟ قالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس أموالهم ونساءهم وذراريهم قال: فأين مالك؟ فدعي مالك له، فأتاه فقال: يا مالك، أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام، ما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، وثغاء الشاة؟. # قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم. # قال: ويحك لم تصنع شيئا، قدمت بيضة (6) هوازن في نحور الخيل، وهل يرد وجه المنهزم شئ؟! إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك. # قال: إنك قد كبرت وكبر عقلك. # فقال دريد: إن كنت قد كبرت فتورث غدا قومك ذلا بتقصير رأيك # PageV01P229 # وعقلك، هذا يوم لم أشهده ولم أغب عنه (ثم قال: حرب عوان) (1) يا ليتني فيها جذع أخب فيها وأضع) (2) قال جابر: فسرنا حتى إذا استقبلنا وادي حنين، كان القوم قد كمنوا في شعاب الوادي ومضائقه، فما راعنا إلا كتائب الرجال بأيديها السيوف والعمد والقني، فشدوا علينا شدة رجل واحد، فانهزم الناس راجعين لا يلوي أحد على أحد، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات اليمين، وأحدق ببغلته تسعة من بني عبد المطلب (3). # وأقبل مالك بن عوف يقول: أروني محمدا، فأروه فحمل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - وكان رجلا أهوج (4) - فلقيه رجل من المسلمين فالتقيا، فقتله مالك - وقيل: إنه أيمن بن أم أيمن (5) - ثم أقدم فرسه فأبى أن يقدم نحو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وصاح كلدة بن الحنبل - وهو أخو صفوان بن أمية لأمه وصفوان يومئذ مشرك -: ألا بطل السحر اليوم، فقال صفوان: اسكت فض الله فاك، فوالله لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن (6). # PageV01P230 # قال محمد بن إسحاق: وقال شيبة ms115 بن عثمان بن أبي طلحة أخو بني عبد الدار: اليوم أدرك ثاري - وكان أبو قتل يوم أحد - اليوم أقتل محمدا، قال: فأدرت برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأقتله فأقبل شئ حتى تغشى فؤادي، فلم أطق ذلك، فعرفت أنه ممنوع (1). # وروى عكرمة عن شيبة قال: لما رأيت رسول الله يوم حنين قد عري ذكرت أبي وعمي وقتل علي وحمزة إياهما، فقلت: أدرك ثاري اليوم من محمد، فذهبت لأجيئه عن يمينه، فإذا أنا بالعباس بن عبد المطلب قائما عليه درع بيضاء كأنها فضة يكشف عنها العجاج، فقلت: عمه ولن يخذله، ثم جئته عن يساره، فإذا أنا بأبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب، فقلت: # ابن عمه ولن يخذله، ثم جئته من خلفه، فلم يبق إلا أن أسوره سورة بالسيف إذ رفع لي شواظ (2) من نار بيني وبينه كأنه برق، فخفت أن يمحشني (3) فوضعت يدي على بصري ومشيت القهقرى، والتفت رسول الله وقال: (يا شيب ادن مني، اللهم اذهب عنه الشيطان) قال: فرفعت إليه بصري ولهو أحب إلي من سمعي وبصري، وقال: (يا شيب قاتل الكفار) (4). # وعن موسى بن عقبة قال: قام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في # PageV01P231 # الركابين وهو على البغلة فرفع يديه إلى الله يدعو ويقول: (اللهم إني أنشدك ما وعدتني، اللهم لا ينبغي لهم أن يظهروا علينا) ونادى أصحابه وذمرهم (1): # (يا أصحاب البيعة بوم الحديبية الله الله الكرة على نبيكم). # وقيل: إنه قال: (يا أنصار الله وأنصار رسوله، يا بني الخزرج) وأمر العباس ابن عبد المطلب فنادى في القوم بذلك، فأقبل إليه أصحابه سراعا يبتدرون. # وروي: أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: (الآن حمي الوطيس. # أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب) (2) قال سلمة بن الأكوع: نزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن البغلة ثم قبض قبضة سن تراب، ثم استقبل به وجوههم وقال: (شاهت الوجوه فما خلي الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة فولوا مدبرين، واتبعهم المسلمون فقتلوهم، ms116 وغنمهم الله نساءهم وذراريهم وشاءهم وأموالهم (3). # وفر مالك بن عوف حتى دخل حصن الطائف في ناس من أشراف قومهم، وأسلم عند ذلك كثير من أهل مكة حين رأوا نصر الله وإعزاز دينه (4) قال أبان: وحدثني محمد بن الحسن (5) بن زياد، عن أبي عبد الله عليه # PageV01P232 # السلام قال: (سبى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم حنين أربعة آلاف رأس واثني عشر ألف ناقة، سوى ما لا يعلم من الغنائم (1) وخلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأنفال والأموال والسبايا بالجعرانة (2) وافترق المشركون فرقتين، فأخذت الأعراب ومن تبعهم أوطاس، وأخذت ثقيف ومن تبعهم الطائف، وبعث رسول الله أبا عامر الأشعري إلى أوطاس فقاتل حتى قتل، فأخذ أبو موسى الأشعري - وهو ابن عمه - فقاتل بها حتى فتح عليه) (3) ثم كانت غزوة الطائف، سار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الطائف في شوال سنة ثمان فحاصرهم بضع عشر يوما، وخرج نافع بن غيلان ابن معتب في خيل من ثقيف فلقيه علي عليه السلام في خيله، فالتقوا ببطن وج (4)، فقتله علي وانهزم المشركون، ونزل من حصن الطائف إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جماعة من أرقائهم، منهم أبو بكرة - وكان عبدا للحارث بن كلدة المنبعث، وكان اسمه المضطجع، فسماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنبعث - ووردان - وكان عبدا لعبد الله بن ربيعة - # PageV01P233 # فأسلموا، فلما قدم وفد الطائف على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأسلموا قالوا: يا رسول الله رد علينا رقيقنا الذين أتوك، فقال: (لا، أولئك عتقاء الله) (1). # وذكر الواقدي - عن شيوخه - قال: شاور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه في حصن الطائف، فقال له سلمان الفارسي رحمه الله: يا رسول الله أرى أن تنصب المنجنيق على حصنهم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعمل منجنيق، ويقال: قدم بالمنجنيق يزيد بن زمعة ودبابتين - ويقال: خالد بن سعيد - فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار فأحرقت الدبابة. # فأمر رسول الله صلى ms117 الله عليه وآله وسلم بقطع أعنابهم وتحريقها، فنادى سفيان بن عبد الله الثقفي: لم تقطع أموالنا، إما أن تأخذها إن ظهرت علينا و، إما أن تدعها لله والرحم، فقال رسول الله عليه السلام: (فإني أدعها لله والرحم) فتركها (2). # وأنفذ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا عليه السلام في خيل عند محاصرته أهل الطائف وأمره أن يكسر كل صنم وجده، فخرج فلقيه جمع كثير من خثعم، فبرز له رجل من القوم وقال: هل من مبارز، فلم يقم أحد، فقام إليه علي عليه السلام، فوثب أبو العاص بن الربيع زوج بنت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: تكفاه أيها الأمير، فقال: (لا، ولكن إن قتلت فأنت على الناس). # PageV01P234 # فبرز إليه علي عليه السلام وهو يقول: # على كل رئيس حقا * أن يروي الصعدة (1) أو تدقا) ثم ضربه فقتله، ومضى حتى كسر الأصنام، وانصرف إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو بعد محاصر لأهل الطائف ينتظره، فلما رآه كبر وأخذ بيده وخلا به (2). # فروى جابر بن عبد الله قال: لما خلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعلي بن أبي طالب عليه السلام يوم الطائف أتاه عمر بن الخطاب فقال: أتناجيه دوننا وتخلو به دوننا؟ فقال: (يا عمر، ما أنا انتجيته بل الله انتجاه) قال: فأعرض وهو يقول: هذا كما قلت لنا يوم الحديبية لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين، فلم ندخله وصددنا عنه. فناداه صلى الله عليه وآله وسلم: (لم أقل لكم إنكم تدخلونه ذلك العام) (3). # قال: فلما قدم علي عليه السلام فكأنما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على وجل فارتحل فنادى سعيد بن عبيدة: ألا ان الحي مقيم، فقال عليه السلام: (لا أقمت ولا ظعنت) فسقط فانكسر فخذه (4). # وعن محمد بن إسحاق قال: حاصر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهل الطائف ثلاثين ليلة أو قريبا من ذلك، ثم انصرف عنهم ولم يؤذن # PageV01P235 # فيهم، فجاءه وفده في شهر رمضان فأسلموا ms118 (1). # ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الجعرانة بمن معه من الناس، وقسم بها ما أصاب من الغنائم يوم حنين في المؤلفة قلوبهم من قريش ومن سائر العرب، ولم يكن في الأنصار منها شئ قليل ولا كثير (2). # قيل: إنه جعل للأنصار شيئا يسيرا، وأعطى الجمهور للمتألفين (3). # قال محمد بن إسحاق: فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة بعير، ومعاوية ابنه مائة بعير، وحكيم بن حزام من بني أسد بن عبد العزى بني قصي مائة بعير، وأعطى النضير بن الحارث بن كلدة مائة بعير، وأعطى العلاء بن حارثة الثقفي حليف بين زهرة مائة بعير، وأعطى الحارث بن هشام من بني مخزوم مائة، وجبير بن مطعم من بني نوفل بن عبد مناف مائة، ومالك بن عوف النصري مائة، فهؤلاء أصحاب المائة. # وقيل: إنه أعطى علقمة بن علاثة مائة، والأقرع بن حابس مائة، وعيينة بن حصن مائة، وأعطى العباس بن سرداس أربعا فتسخطها وأنشأ يقول: # PageV01P236 # أتجعل نهبي ونهب العبيد * بين عيينة والأقرع فما كان حصن ولا حابس * يفوقان مرداس في مجمع وما كنت دون امرء منهما * ومن تضع اليوم لا يرفع وقد كنت في الحرب ذا تدرأ * فلم أعط شيئا ولم أمنع فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنت القائل: # أتجعل نهبي ونهب العبيد * بين الأقرع وعيينة) فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي لست بشاعر، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (كيف قال؟) فأنشده أبو بكر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا علي قم فاقطع لسانه). # قال عباس: فوالله لهذه الكلمة كانت أشد علي من يوم خثعم، فأخذ علي عليه السلام بيدي فانطلق بي فقلت: يا علي إنك لقاطع لساني؟ قال: # (إني ممض فيك ما أمرت) حتى أدخلني الحظائر فقال: (أعقل ما بين أربعة إلى مائة). # قال: قلت: بأبي أنتم وأمي، ما أكرمكم وأحلمكم وأجملكم وأعلمكم. # فقال لي: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعطاك أربعا وجعلك مع المهاجرين، فإن شئت فخذها، وإن ms119 شئت فخذ المائة وكن مع أهل المائة). # قال: فقلت لم لعلي عليه السلام: أشر أنت علي. # قال: (فإني آمرك أن تأخذ ما أعطاك وترضى) قال: فإني أفعل (1). # PageV01P237 # قال: وغضب قوم من الأنصار لذلك وظهر منهم كلام قبيح حتى قال قائلهم: لقي الرجل أهله وبني عمه ونحن أصحاب كل كريهة، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما دخل على الأنصار من ذلك أمرهم أن يقعدوا ولا يقعد معهم غيرهم، ثم أتاهم شبه المغضب يتبعه علي عليه السلام، حتى جلس وسطهم، فقال: (ألم آتكم وأنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم الله منها بي؟). # قالوا: بلى، ولله ولرسوله المن والطول والفضل علينا. # قال (ألم آتكم وأنتم أعداء فألف الله بين قلوبكم بي؟). # قالوا: أجل. # ثم قال: (ألم آتكم وأنتم قليل فكثركم الله بي) وقال ما شاء الله أن يقول ثم سكت، ثم قال: (ألا تجيبوني؟). # قالوا بم نجيبك يا رسول الله، فداك أبونا وامنا، لك المن والفضل والطول. # قال: (بل لو شئتم قلتم: جئتنا طريدا مكذبا فآويناك وصدقناك، وجئتنا خائفا فآمناك). # فارتفعت أصواتهم، وقام إليه شيوخهم فقبلوا يديه ورجليه وركبتيه، ثم قالوا: رضينا عن الله وعن رسوله، وهذه أموالنا أيضا بين يديك فأقسمها بين قومك إن شئت. # فقال: (يا معشر الأنصار، أوجدتم في أنفسكم إذ قسمت مالا أتألف به قوما ووكلتكم إلى إيمانكم، أما ترضون أن يرجع غيركم بالشاء والنعم ورجعتم أنتم ورسول الله في سهمكم؟). PageV01P238 # ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم: (الأنصار كرشي وعيبتي (1) لو سلك الناس واديا وسلك الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار) (2). # فصل: # قال: وقد كان فيما سبي أخته بنت حليمة، فلما قامت على رأسه قالت: يا محمد أختك شيماء بنت حليمة، قال: فنزع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم برده فبسطه لها فأجلسها عليه، ثم أكب عليها يسائلها، وهي التي كانت تحضنه إذ كانت أمها ترضعه (3). # وأدرك وفد هوازن رسول الله صلى الله عليه وآله ms120 وسلم بالجعرانة وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله لنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا من الله عليك. # وقام خطيبهم زهير بن صرد فقال: يا رسول الله، إنا لو ملحنا الحارث ابن أبي شمر أو النعمان بن المنذر، ثم ولي منا مثل الذي وليت لعاد علينا بفضله وعطفه وأنت خير المكفولين، وإنما في الحظائر خالاتك وبنات # PageV01P239 # خالاتك وحواضنك وبنات حواضنك اللاتي أرضعنك، ولسنا نسألك مالا، إنما نسألكهن. # وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قسم منهن ما شاء الله فلما كلمته أخته قال: (أما نصيبي ونصيب بني عبد المطلب فهو لك، وأما ما كان للمسلمين فاستشفعي بي عليهم). # فلما صلوا الظهر، قامت فتكلمت وتكلموا فوهب لها الناس أجمعون إلا الأقرع بن حابس، وعيينة بن حصن، فإنهما أبيا أن يهبا وقالوا: يا رسول الله إن هؤلاء قوم قد أصابوا من نسائنا فنحن نصيب من نسائهم مثل ما أصابوا. # فأقرع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بينهم ثم قال: (اللهم اتوه سهميهما) فأصاب أحدهما خادما لبني عقل، وأصاب الاخر خادما لبني نمير، فلما رأيا ذلك وهبا ما منعا. # قال: ولولا أن النساء وقعن في القسمة لوهبهن لها كما وهب ما لم يقع في القسمة ولكنهن وقعن في انصباء الناس فلم يأخذ منهم إلا بطيبة النفس (1). # وروي: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من أمسك منكم بحقه فله بكل إنسان ست فرائض من أول فئ نصيبه، فردوا إلى الناس نساءهم وأبناءهم) (2). # قال: وكلمته أخته في مالك بن عوف فقال: (إن جاءني فهو آمن) فأتاه # PageV01P240 # فرد عليه ماله وأعطاه مائة من الإبل (1). # فصل: # روى الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخدري قال: # بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقسم إذ أتاه ذو الخويصرة - رجل من بني تميم - فقال: يا رسول الله أعدل. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ويلك من يعدل إن أنا لم ms121 أعدل، وقد خبت وخسرت إن أنا لم أعدل). # فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ائذن لي فيه اضرب عنقه. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاته وصيامه مع صيامه، يقرؤون القران لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شئ، ثم ينظر إلى رصافه (2) فلا يوجد فيه شئ، ثم ينظر إلى نضيه - وهو قدحه - فلا يوجد فيه شئ، ثم ينظر في قذذه (3) فلا يوجد فيه شئ، قد سبق الفرث والدم، آتيهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر (4)، يخرجون على خير فرقة من الناس). # قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأشهد أن علي بن أبي طالب عليه السلام قاتلهم وأنا معه، وأمر # PageV01P241 # بذلك الرجل فالتمس فوجد فاتي به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي نعت. # رواه البخاري في الصحيح) (1). # فصل: # قالوا: ثم ركب رسول الله وأتبعه الناس يقولون: يا رسول الله أقسم علينا فيئنا، حتى ألجؤوه إلى شجرة فانتزع عنه رداءه فقال: (أيها الناس ردوا علي ردائي، فوالذي نفسي بيده لو كان عندي عدد شجرتها نعما لقسمته، عليكم، ثم ما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا). # ثم قام إلى جنب بعير وأخذ من سنامه وبرة فجعلها بين إصبعيه فقال: # (يا أيها الناس الله ما لي من فيئكم هذه الوبرة إلا الخمس والخمس مردود عليكم، فأدوا الخياط والمخيط، فإن الغلول عار ونار وشنار على أهله يوم القيامة، فجاءه رجل من الأنصار بكبة من خيوط شعر، فقال: يا رسول الله أخذت هذه لأخيط بها برذعة بعير لي. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أما حقي منها فلك). # فقال الرجل: أما إذا بلغ الأمر هذا فلا حاجة لي بها، ورمى بها من يده (2). # ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ms122 الجعرانة قي ذي القعدة إلى مكة فقضى بها عمرته، ثم صدر إلى المدينة وخليفته أعلى أهل مكة معاذ بن جبل (3). # PageV01P242 # وقال محمد بن إسحاق: استخلف عتاب بن أسيد وخلف معه معاذا يفقه الناس في الدين ويعلمهم القران، وحج بالناس في تلك السنة وهي سنة ثمان عتاب بن أسيد، وأقام صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة ما بين ذي الحجة إلى رجب (1). # ثم كانت غزوة تبوك: تهيأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في رجب لغزو الروم، وكتب إلى قبائل العرب ممن قد دخل في الإسلام وبعث إليهم الرسل يرغبهم في الجهاد والغزو، وكتب إلى تميم وغطفان وطي، وبعث إلى عتاب بن أسيد عامله على مكة يستنفرهم لغزو الروم. # فلما تهيأ للخروج قام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ورغب في المواساة وتقوية الضعيف والإنفاق، فكان أول من أنفق فيها عثمان بن عفان جاء بأواني من فضة فصبها في حجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فجهز ناسا من أهل الضعف، وهو الذي يقال إنه جهز جيش العسرة. # وقدم العباس على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأنفق نفقة حسنة وجهز، وسارع فيها الأنصار، وأنفق عبد الرحمن والزبير وطلحة، وأنفق ناس من المنافقين رياء وسمعة، فنزل القرآن بذلك. # وضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عسكره فوق ثنية الوداع بمن تبعه من المهاجرين وقبائل العرب وبني كنانة وأهل تهامة ومزينة وجهينة وطي وتميم، واستعمل على المدينة عليا عليه السلام وقال له: (إنه لا بد للمدينة مني أو منك). # واستعمل الزبير على راية المهاجرين، وطلحة بن عبيد الله على # PageV01P243 # الميمنة، وعبد الرحمن بن عوف على الميسرة. # وسار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى نزل الجرف، فرجع عبد الله بن أبي بغير إذن فقال عليه السلام: (حسبي الله هو الذي أيدني بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم) فلما انتهى إلى الجرف لحقه علي عليه السلام وأخذ بغرز (1) رجله وقال: (يا رسول الله زعمت قريش أنك انما خلفتني استثقالا لي). ms123 # فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (طالما آذت الأمم أنبياءها، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟). # فقال: (قد رضيت قد رضيت). ثم رجع إلى المدينة. # وقدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تبوك في شعبان يوم الثلاثاء فأقام بقية شعبان وأياما من شهر رمضان، وأتاه وهو بتبوك بحنة بن رؤبة صاحب إيلة (2) فأعطاه الجزية وكتب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له كتابا، والكتاب عندهم، وكتب أيضا لأهل جرباء وأذرح (3) كتابا. # وبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو بتبوك بأبي عبيدة بن الجراح إلى جمع من بني جذام مع زنباع بن روح الجذامي فأصاب منهم طرفا وأصاب منهم سبايا، وبعث سعد بن عبادة إلى ناس من بني سليم وجموع من بلي، فلقا قارب القوم هربوا. # وبعث خالدا إلى الأكيدر صاحب دومة الجندل وقال له: (لعل الله يكفيكه بصيد البقر فتأخذه). # PageV01P244 # فبينا خالد وأصحابه في ليلة إضحيان إذ أقبلت البقرة تنتطح فجعلت تنطح باب حصن أكيدر وهو مع امرأتين له يشرب الخمر، فقام فركب هو وحسان أخوه وناس من أهله فطلبوها وقد كمن له خالد وأصحابه فتلقاه أكيدر وهو يتصيد البقر فأخذوه وقتلوا أخاه حسانا وعليه قباء مخوص بالذهب، وأفلت أصحابه فدخلوا الحصن وأغلقوا الباب دونهم، فأقبل خالد بأكيدر وسار معه أصحابه فسألهم أن يفتحوا له فأبوا فقال: أرسلني فإني أفتح الباب، فأخذ عليه موثقا وأرسله فدخل وفتح الباب حتى دخل خالد وأصحابه، وأعطاه ثمانمائة رأس وألفي بعير وأربعمائة درع وأربعمائة رمح وخمسمائة سيف، فقبل ذلك منه وأقبل به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فحقن دمه وصالحه على الجزية (1). # وفي كتاب دلائل النبوة للشيخ أبي بكر أحمد البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ - وذكر الإسناد مرفوعا إلى أبي الأسود - علات عن عروة قال: لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قافلا، من تبوك إلى المدينة حتى إذ كان ببعض الطريق مكر به ناس من أصحابه فتأمروا أن يطرحوه من ms124 عقبة في الطريق أرادوا أن يسلكوها معه، فأخبر رسول الله خبرهم، فقال: (من شاء منكم أن يأخذ بطن الوادي فإنه أوسع لكم). # فأخذ النبي صلى الله عليه وآله وسلم العقبة وأخذ الناس بطن الوادي إلا النفر الذين أرادا المكر به استعدوا وتلثموا، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر فمشيا معه مشيا، وأمر عمارا أن # PageV01P245 # يأخذ بزمام الناقة، وأمر حذيفة بسوقها، فبينا هم يسيرون إذ سمعوا ركزة (1) القوم من ورائهم قد غشوه، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمر حذيفة أن يردهم فرجع ومعه محجن، فاستقبل وجوه رواحلهم وضربها ضربا بالمحجن، وأبصر القوم وهم متلثمون، فرعبهم الله حين أبصروا حذيفة وظنوا أن مكرهم قد ظهر عليه، فأسرعوا حتى خالطوا الناس، وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما أدركه قال: (اضرب الراحلة يا حذيفة، وامش أنت يا عمار). # فأسرعوا وخرجوا من العقبة ينتظرون الناس، فقال النبي: (يا حذيفة هل عرفت من هؤلاء الرهط - أو الركب - أحدا؟). # فقال حذيفة: عرفت راحلة فلان وفلان وكانت ظلمة الليل غشيهم وهم متلثمون. # فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (هل علمتم ما شأن الركب وما أرادوا؟). # قالا: لا يا رسول الله. # قال: (فإنهم مكروا ليسيروا معي حتى إذا أظلمت في العقبة طرحوني منها قالا: أفلا تأمر بهم يا رسول الله إذا جاءك الناس فتضرب أعناقهم؟). # قال: (أكره أن يتحدث الناس ويقولون: إن محمدا قد وضع يده في أصحابه) فسماهم لهما وقال: (اكتماهم) (2). # وفي كتاب أبان بن عثمان: قال الأعمش: كانوا اثني عشر، سبعة من # PageV01P246 # قريش (1). # قال: وقدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة وكان إذا قدم من سفر استقبل بالحسن والحسين عليهما السلام فأخذهما إليه وحف المسلمون به حتى يدخل على فاطمة عليها السلام ويقعدون بالباب، وإذا خرج مشوا معه، وإذا دخل منزله تفرقوا عنه (2). # وعن أبي حميد الساعدي قال: أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ms125 غزوة تبوك حتى إذا أشرفنا على المدينة قال: (هذه طابة، وهذا أحد جبل يحبنا ونحبه) (3). # وعن أنس بن مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما دنا من المدينة قال: (إن بالمدينة لأقواما ما سرتم من مسير ولا قطعتم من واد إلا كانوا معكم فيه). # قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة؟ # قال: (نعم، وهم بالمدينة، حبسهم العذر) (4). # وكانت تبوك آخر غزوات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # ومات عبد الله بن أبي بعد رجوع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من غزوة تبوك (5). # PageV01P247 # فصل: # ونزلت سورة ﴿براءة من الله ورسوله﴾ (١) في سنة تسع، فدفعها إلى أبي بكر فسار بها، فنزل جبرئيل عليه السلام فقال: (إنه لا يؤدي عنك إلا أنت أو علي). # فبعث عليا عليه السلام على ناقته العضباء فلحقه فأخذ منه الكتاب، فقال له أبو بكر: أنزل في شئ؟ # قال: (لا ولكن لا يؤدي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا هو أو أنا). # فسار بها علي عليه السلام حتى أذن بمكة يوم النحر وأيام التشريق، وكان في عهده: أن ينبذ إلى المشركين عهدهم، وأن لا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل المسجد مشرك، ومن كان له عهد فإلى مدته، ومن لم يكن له عهد فله أربعة أشهر فإن أخذناه بعد أربعة أشهر قتلناه، وذلك قوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم - إلى قوله: - كل مرصد﴾ (2). # قال: ولما دخل مكة اخترط سيفه وقال: (والله لا يطوف بالبيت عريان إلا ضربته بالسيف) حتى ألبسهم الثياب، فطافوا وعليهم الثياب (3). # PageV01P248 # فصل: # قال: ثم قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عروة بن مسعود الثقفي مسلما واستأذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الرجوع إلى قومه فقال: (إني أخاف أن يقتلوك). # فقال: إن وجدوني نائما ما أيقظوني. فأذن له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرجع إلى الطائف ودعاهم إلى الإسلام ونصح لهم فعصوه وأسمعوه الأذى، حتى إذا طلع الفجر نام في غرفة من ms126 داره فأذن وتشهد -، فرماه رجل بسهم فقتله، وأقبل بعد قتله من وفد ثقيف بضعة عشر رجلا هم أشراف ثقيف فأسلموا فأكرمهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحياهم وأمر عليهم عثمان بن أبي العاص بن بشر، وقد كان تعلم سورا من القرآن (1). # وقد ورد في الخبر عنه أنه قال: قلت: يا رسول الله إن الشيطان قد حال بين صلاتي وقراءتي. # قال: (ذاك شيطان يقال له: خنزب، فإذا خشيت فتعوذ بالله منه واتفل عن يسارك ثلاثا). # قال: ففعلت فأذهب الله عني. # رواه مسلم في الصحيح (2). # PageV01P249 # فصل: # فلما أسلمت ثقيف ضربت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفود العرب فدخلوا في دين الله أفواجا كما قال الله سبحانه، فقدم عليه صلى الله عليه وآله وسلم عطارد بن حاجب بن زرارة في أشراف من بني تميم منهم: الأقرع بن حابس، والزبرقان بن بدر، وقيس بن عاصم، وعيينة بن حصن الفزاري، وعمرو بن الأهتم، وكان الأقرع وعيينة شهدا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتح مكة وحنينا والطائف، فلما قدم وفد تميم دخلا معهم فأجارهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأحسن جوارهم (1). # وممن قدم عليه صلى الله عليه وآله وسلم وفد بني عامر فيهم: عامر بن الطفيل، وأربد بن قيس أخو لبيد بن ربيعة لامه، وكان عامر قد قال لأربد: # إني شاغل عنك وجهه فإذا فعلته فأعله بالسيف. # فلما قدموا عليه، قال عامر: يا محمد خالني، فقال: (لا، حتى تؤمن بالله وحده) - قالها مرتين - فلما أبى عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: والله لأملأنها عليك خيلا حمرا ورجالا، فلما ولى قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (اللهم اكفني عامر بن الطفيل). # فلما خرجوا قال عامر لأربد: أين ما كنت أمرتك به؟ قال: والله ما هممت بالذي أمرتني به إلا دخلت بيني وبين الرجل، أفأضربك بالسيف؟ # وبعث الله على عامر بن الطفيل في طريقه ذلك الطاعون في عنقه فقتله في # PageV01P250 # بيت امرأة من ms127 سلول، وخرج أصحابه حين واروه إلى بلادهم، وأرسل الله تعالى على أربد وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما (1). # وفي كتاب أبان بن عثمان. أنهما قدما على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد غزوة بني النضير قال: وجعل يقول عامر عند موته: أغدة كغدة (2) البكر وموت في بيت سلولية؟ # قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال في عامر وأربد: # (اللهم أبدلني بهما فارسي العرب) فقدم عليه زيد بن مهلهل الطائي - وهو زيد الخيل - وعمرو بن معدي كرب. # فصل: # وممن قدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفد طي فيهم: # زيد الخيل، وعدي بن حاتم، فعرض عليهم الإسلام فأسلموا وحسن إسلامهم، وسماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زيد الخير، وقطع له فيدا وأرضين معه وكتب له كتابا، فلما خرج زيد من عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم راجعا إلى قومه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن ينج زيد من حمى المدينة أ ومن أم ملدم (4)). # PageV01P251 # فلما انتهى من بلد نجد إلى ماء يقال له فردة أصابته الحمى فمات بها، وعمدت امرأته إلى ما كان معه من الكتب فأحرقتها (1). # وذكر محمد بن إسحاق: أن عدي بن حاتم فر، وأن خيل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أخذوا أخته فقدموا بها على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه من عليها وكساها وأعطاها نفقة، فخرجت مع ركب حتى قدمت الشام وأشارت على أخيها بالقدوم فقدم وأسلم وأكرمه رسول الله صلى الله عليه - وآله وسلم وأجلسه على وسادة رمى بها إليه بيده (2). # فصل: # وقدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عمرو بن معدي كرب وأسلم، ثم نظر إلى أبي بن عثعث الخثعمي فأخذ برقبته وأدناه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أعدني على هذا الفاجر الذي قتل والدي. # فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (أهدر الإسلام ما كان في الجاهلية). # فانصرف عمر ومرتدا وأغار على ms128 قوم من بني الحارث بن كعب، فأنفذ رسول الله عليا عليه السلام إلى بني زبيد وأمره على المهاجرين، وأرسل خالد بن الوليد في طائفة من الأعراب وأمره أن يقصد الجعفي فإذا التقيا فأمير الناس علي بن أبي طالب. # فسار علي عليه السلام، واستعمل على مقدمته خالد بن سعيد بن # PageV01P252 # العاص، فلما رأوه بنو زبيد قالوا لعمرو: كيف أنت يا أبا ثور إذا لقيك هذا الغلام القرشي فأخذ منك الإتاوة (1)؟ فقال: سيعلم إن لقيني. # وخرج عمرو وخرج أمير المؤمنين علي عليه السلام فصاح به صيحة فانهزم، وقتل أخوه وابن أخيه، وأخذت امرأته ركانة، وسبي منهم نسوان، وخلف على بني زبيد خالد بن سعيد ليقبض زكواتهم ويؤمن من عاد إليه من هرابهم مسلما. # فرجع عمرو واستأذن على خالد بن سعيد فأذن له فعاد إلى الإسلام، وكلمه في امرأته وولده فوهبهم له، وكان أمير المؤمنين علي عليه السلام قد اصطفى من السبي جارية، فبعث خالد بريدة الأسلمي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال له: تقدم الجيش إليه فاعلمه ما فعل علي من اصطفائه الجارية من الخمس لنفسه، وقع فيه. # فسار بريدة حتى دخل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومعه كتاب خالد فجعل يقرأه على رسول الله ووجهه يتغير فقال بريدة: إن رخصت يا رسول الله للناس في مثل هذا ذهب فيؤهم. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ويحك يا بريدة أحدثت نفاقا، إن علي بن أبي طالب يحل له من الفئ ما يحل لي، إن علي بن أبي طالب خير الناس لك ولقومك، وخير من أخلف بعدي لكافة أمتي، يا بريدة احذر أن تبغض عليا فيبغضك الله). # قال بريدة: فتمنيت أن الأرض انشقت لي فسخت فيها وقلت: أعوذ بالله من سخط الله وسخط رسول الله، يا رسول الله استغفر لي فلن أبغض عليا أبدا ولا أقول فيه إلا خيرا. فاستغفر له النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # PageV01P253 # قال بريدة: فصار علي أحب خلق الله بعد رسوله إلي ms129 (1). # فصل: # وقدم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفد نجران فيهم بضعة عشر رجلا من أشرافهم، وثلاثة نفر يتولون أمورهم: العاقب وهو أميرهم وصاحب مشورتهم الذي لا يصدرون إلا عن رأيه وأمره واسمه عبد المسيح، والسيد وهو ثمالهم وصاحب رحلهم واسمه الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة الأسقف وهو حبرهم وإمامهم وصاحب مدارسهم وله فيهم شرف ومنزلة، وكانت ملوك الروم قد بنوا له الكنائس، وبسطوا عليه الكرامات لما يبلغهم من علمه واجتهاده في دينهم. # فلما وجهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جلس أبو حارثة على بغلة وإلى جنبه أخ له يقال له: كرز - أو بشر - بن علقمة يسايره إذ عثرت بغلة أبي حارثة، فقال كرز: تعس الأبعد - يعني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم -. # فقال له أبو حارثة: بل أنت تعست. # قال له: ولم يا أخ؟ # فقال: والله إنه للنبي الذي كنا ننتظر. # فقال كرز: فما يمنعك أن تتبعه؟ # فقال: ما صنع بنا هؤلاء القوم، شرفونا ومولونا وأكرمونا، وقد أبوا إلا خلافه، ولو فعلت نزعوا منا كل ما ترى. فأضمر عليها منه أخوه كرز حتى أسلم ثم مر يضرب راحلته ويقول: # PageV01P254 # إليك تعدو قلقا وضينها (1) معترضا في بطنها جنينها مخالفا دين النصارى دينها فلا مقدم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وسلم. # قال: فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقت العصر وفي لباسهم الديباج وثياب الحبرة على هيئة لم يقدم بها أحد من العرب، فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لو لبست حلتك التي أهداها لك قيصر فرأوك فيها. # قال: ثم أتوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسلموا عليه فلم يرد عليهم السلام ولم يكلمهم، فانطلقوا يتتبعون عثمان بن عفان وعبد الرحمن ابن عوف - وكانا معرفة لهم - فوجدوهما في مجلس من المهاجرين، فقالوا: # إن نبيكم كتب إلينا بكتاب فأقبلنا مجيبين له، فأتيناه فسلمنا عليه فلم يرد سلامنا ولم يكلمنا، فما الرأي؟ # فقالا لعلي بن أبي طالب: ms130 ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم؟ # قال: (أرى أن يضعوا حللهم هذه وخواتيمهم ثم يعودون إليه). # ففعلوا ذلك فسلموا فرد عليهم سلامهم، ثم قال: (والذي بعثني بالحق، لقد أتوني المرة الأولى وأن إبليس لمعهم). ثم سائلوه ودارسوه يومهم، وقال الأسقف: ما تقول في السيد المسيح يا محمدا؟ # قال: (هو عبد الله ورسوله). # قال: بل كذا وكذا، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: بل هو كذا وكذا، فترادا، فنزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من صدر سورة آل # PageV01P255 # عمران نحو من سبعين آية تتبع بعضها بعضا، وفيما أنزل الله ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب - إلى قوله: - على الكاذبين﴾ (1). # فقالوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: نباهلك غدا، وقال أبو حارثة لأصحابه: انظروا فإن كان محمد غدا بولده وأهل بيته فاحذروا مباهلته، وإن غدا بأصحابه وأتباعه فباهلوه (2). # قال أبان: حدثني الحسن بن دينار، عن الحسن البصري قال: غدا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اخذا بيد الحسن والحسين، تتبعه فاطمة عليهم السلام، وبين يديه علي عليه السلام، وغدا العاقب والسيد بابنين على أحدهما درتان كأنهما بيضتا حمام، فحفوا بأبي حارثة، فقال أبو حارثة: من هؤلاء معه؟ # قالوا: هذا ابن عمه زوج ابنته، وهذان ابنا ابنته، وهذه بنته أعز الناس عليه وأقربهم إلى قلبه. # وتقدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجثا على ركبتيه، فقال أبو حارثة: جثا والله كما جثا الأنبياء للمباهلة. فكع ولم يقدم على المباهلة، فقال له السيد: ادن يا أبا حارثة للمباهلة، فقال: لا، إني لأرى رجلا جريئا على المباهلة، وأنا أخاف أن يكون صادقا فلا يحول والله علينا الحول وفي الدنيا نصراني يطعم الماء. # قال: وكان نزل العذاب من السماء لو باهلوه. # فقالوا: يا أبا القاسم، إنا لا نباهلك، ولكن نصالحك. فصالحهم # PageV01P256 # النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ألفي حلة من حلل الأواقي قيمة كل حلة أربعون درهما جيادا، وكتب لهم بذلك كتابا. وقال لأبي ms131 حارثة الأسقف: # (لكأنني بك قد ذهبت إلى رحلك وأنت وسنان فجعلت مقدمه مؤخره) فلما رجع قام يرحل راحلته فجعل رحله مقلوبا فقال: أشهد أن محمدا رسول الله (1). # فصل: # ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا إلى اليمن ليدعوهم إلى الإسلام - وقيل: ليخمس ركازهم (2) ويعلمهم الأحكام، ويبين لهم الحلال والحرام - وإلى أهل نجران ليجمع صدقاتهم، ويقدم عليه بجزيتهم (3). # وروى الحاكم أبو عبد الله الحافظ بإسناده رفعه إلى عمرو بن شاس الأسلمي قال: كنت مع علي بن أبي طالب في خيله، فجفاني علي بعض الجفاء، ووجدت عليه في نفسي، فلما قدم المدينة اشتكيته عند من لقيته، فأقبلت يوما ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس في المسجد، فنظر إلي حتى جلست إليه فقال: (يا عمرو بن شاس لتد آذيتني). # فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، أعوذ بالله؟ الإسلام أن أوذي رسول الله. # PageV01P257 # فقال: (من آذى عليا فقد آذاني). # وقد كان بعث قبله رسول الله عليه الصلاة والسلام خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه. # قال البراء: فكنت مع علي عليه السلام، فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا، فصلى بنا علي ثم صففنا صفا واحدا ثم تقدم بين أيدينا فقرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأسلمت همدان كلها، فكتب علي عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فلما قرأ الكتاب خر ساجدا ثم رفع رأسه فقال: (السلام على همدان) (1). # أخرجه البخاري في الصحيح (2). # وروى الأعمش عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن علي عليه السلام قال: (بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى اليمن، قلت: # يا رسول الله، تبعثني وأنا شاب أقضي بينهم ولا أدري ما القضاء؟! # قال: فضرب بيده في صدري وقال: اللهم اهد قلبه، وثبت لسانه، فوالذي نفسي بيده ما شككت في قضاء بين اثنين) (3). # PageV01P258 # فصل: # وخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من المدينة متوجها إلى الحج في السنة العاشرة لخمس ms132 بقين من ذي القعدة، وأذن في الناس بالحج، فتجهز الناس للخروج معه، وحضر المدينة من ضواحيها ومن جوانبها خلق كثير، فلما انتهى إلى ذي الحليفة ولدت هناك أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر، فأقام تلك الليلة من أجلها، وأحرم من ذي الحليفة، وأحرم الناس معه، وكان قارنا للحج بسياق الهدي ساق معه ستا وستين بدنة. # وحج علي عليه السلام من اليمن وساق معه أربعا وثلاثين بدنة، وخرج بمن معه من العسكر الذي صحبه إلى اليمن ومعه الحلل التي أخذها من أهل نجران، فلما قارب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة من طريق المدينة قاربها أمير المؤمنين عليه السلام من طريق اليمن فتقدم الجيش إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فسر رسول الله بذلك وقال له: (بم أهللت يا علي؟). # فقال: (يا رسول الله إنك لم تكتب إلي بإهلالك، فعقدت نيتي بنيتك وقلت: اللهم إهلالا كإهلال نبيك). # فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (فأنت شريكي في حجي ومناسكي وهديي، فأقم على إحرامك وعد على جيشك وعجل بخم إلي حتى نجتمع PageV01P259 # بمكة " (١) وقد روي أيضا عن الصادق عليه السلام: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ساق في حجته مائة بدنة، فنحر نيفا وستين، ثم أعطى عليا فنحر نيفا وثلاثين، فلما رجع علي عليه السلام إلى جيشه وجد الناس قد لبسوا تلك الحلل، فقال للذي استخلفه عليهم: (ويحك ما دعاك إلى ما فعلت من غير إذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟) قال: إنهم سألوني أن أدفعها إليهم فيتجملوا بها ويحرموا فيها. # فقال: (بئس ما فعلوا وبئس ما فعلت). # فانتزعها عليه السلام من القوم؟ شدها في الأعدال، فكثرت شكاية القوم عليا، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ارفعوا ألسنتكم عن شكاية علي فإنه أخشن في ذات الله. # ولما قدم النبي صلى الله عليه وآله وسلم مكة وطاف وسعى نزل عليه جبرئيل عليه السلام - وهو على المروة - بهذه الآية ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ ms133 (2) فخطب الناس وحمد الله وأثنى عليه، وقال: (دخلت العمرة في الحج هكذا إلى يوم القيامة - وشبك بين أصابعه - ثم قال عليه السلام لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي). # ثم أمر مناديه فنادى: من لم يسق منكم هديا فليحل وليجعلها عمرة، ومن ساق منكم هديا فليقم على إحرامه. # PageV01P260 # وقام إليه رجل من بني عدي وقال: يا رسول الله أتخرجن إلى منى ورؤوسنا تقطر من الماء (١)؟ فقال عليه السلام: (إنك لن تؤمن بها حتى تموت). # فقام إليه سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟ # قال: (لا، بل لأبد الأبد). # فأحل الناس أجمعون، إلا من كان معه هدي. # وخطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الناس يوم النفر من منى فودعهم، ولما قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نسكه وقفل إلى المدينة، وانتهى إلى الموضع المعروف بغدير خم، وليس بموضع يصلح للنزول لعدم الماء فيه والمرعى، نزل عليه جبرئيل عليه السلام، وأمره أن يقيم عليا وينصبه إماما للناس، فقال: (رب إن أمتي حديثو عهد بالجاهلية) فنزل عليه: أنها عزيمة لا رخصة فيها، فنزلت الآية: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾ (2). # فنزل رسول الله بالمكان الذي ذكرناه، ونزل المسلمون حوله، وكان يوما شديد الحر، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بدوحات هناك فقم ما تحتها، وأمر بجمع الرحال في ذلك المكان ووضع بعضها على بعض، ثم أ مر مناديه فنادى بالناس الصلاة جامعة، فاجتمعوا إليه، وإن أكثرهم ليلف رداءه على قدميه من شدة الرمضاء، فصعد صلى الله عليه وآله وسلم على تلك الرحال حتى صار في ذروتها، ودعا عليا عليه السلام فرقى معه حتى قام عن # PageV01P261 # يمينه، ثم خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه، ووعظ ونعى إلى الأمة نفسه فقال: (إني دعيت ويوشك أن أجيب، وقد حان مني خفوق من بين أظهركم، وإني مخلف فيكم ما إن ms134 تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض). # ثم نادى بأعلى صوته: (ألست أولى بكم منكم بأنفسكم؟). # فقالوا: اللهم بلى. # فقال لهم على النسق وقد أخذ بضبعي (1) علي فرفعهما حتى رئي بياض إبطيهما وقال: (فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله). # ثم نزل عليه السلام وكان وقت الظهيرة، فصلى ركعتين، ثم زالت الشمس فأذن مؤذنه لصلاة الظهر فصلى بالناس وجلس في خيمته، وأمر عليا عليه السلام أن يجلس في خيمة له بإزائه، ثم أمر المسلمين أن يدخلوا عليه فوجا فوجا فيهنوه بالإمامة، ويسلموا عليه بإمرة المؤمنين، ففعل الناس ذلك اليوم كلهم، ثم أمر أزواجه وجميع نساء المؤمنين معه أن يدخلن معه ويسلمن عليه بإمرة المؤمنين ففعلن ذلك، وكان ممن أطنب في تهنئته بذلك المقام عمر بن الخظاب وقال فيما قال: بخ بخ لك يا علي، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة. # وأنشأ حسان يقول: # يناديهم يوم الغدير نبيهم بخم وأسمع بالرسول مناديا وقال فمن مولاكم ووليكم فقالوا ولم يبدوا هناك التعاديا إلهك مولانا وأنت ولينا ولن تجدن منالك اليوم عاصيا # PageV01P262 # فقال له قم يا علي فإنني رضيتك كل من بعدي إماما وهاديا من كنت مولاه فهذا وليه فكونوا له أنصار صدق مواليا هناك دعا اللهم وال وليه وكن للذي عادا عليا معاديا فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تزال يا حسان مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك). # ولم يبرح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك المكان حتى نزل ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا﴾ (1) فقال: (الحمد لله على كمال الدين، وتمام النعمة، ورضا الرب برسالتي والولاية لعلي من بعدي) (2). # ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة من حج الوداع بعث بعده أسامة بن زيد وأمره أن يقصد حيث قتل أبوه، وقال له: (أوطئ الخيل أواخر ms135 الشام من أوائل الروم). وجعل في جيشه وتحت رايته أعيان المهاجرين ووجوه الأنصار، وفيهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة. # وعسكر أسامة بالجرف، فاشتكى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم شكواه التي توفي فيها، وكان عليه السلام يقول في مرضه: (نفذوا جيش أسامة) ويكرر ذلك، وإنما فعل عليه السلام ذلك لئلا يبقى في المدينة عند وفاته من يختلف في الإمامة، ويطمع في الامارة، ويستوسق الأمر لأهله (3). # قال: ولما أحس النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمرض الذي # PageV01P263 # اعتراه - وذلك يوم السبت أو يوم الأحد ليال بقين من صفر - أخذ بيد علي عليه السلام، وتبعه جماعة من أصحابه، وتوجه إلى البقيع ثم قال: (السلام عليكم أهل القبور، ليهنئكم ما أصبحتم فيه مما فيه الناس، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع اخرها أولها. ثم قال: إن جبرئيل عليه السلام كان يعرض علي القرآن كل سنة مرة، وقد عرضه علي العام مرتين، ولا أراه إلا لحضور أجلي). # ثم قال: (يا علي، إني خيرت بين خزائن الدنيا والخلود فيها أو الجنة، فاخترت لقاء ربي والجنة، فإذا أنامت فغسلني واستر عورتي، فإنه لا يراها أحد إلا اكمه). # ثم عاد إلى منزله، فمكث ثلاثة أيام موعوكا، ثم خرج إلى المسجد يوم الأربعاء معصوب الرأس متكئا على علي بيمنى يديه وعلى الفضل بن عباس باليد الأخرى، فجلس على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: # (أما بعد: أيها الناس، إنه قد حان مني خفوق من بين أظهركم، فمن كانت له عندي عدة فليأتني اعطه إياها، ومن كان له علي دين فليخبرني به). # فقام رجل فقال: يا رسول الله لي عندك عدة، إني تزوجت فوعدتني ثلاثة أواق، فقال عليه السلام: (أنحلها إياه يا فضل). # ثم نزل فلبث الأربعاء والخميس، ولما كان يوم الجمعة جلس على المنبر فخطب ثم قال: (أيها الناس إنه ليس بين الله وبين أحد شئ يعطيه به خيرا أو يصرف به عنه شرا إلا العمل الصالح: أيها الناس لا يدع مدع، ولا يتمن متمن، والذي ms136 بعثني بالحق لا ينجي إلا عمل مع رحمة الله، ولو عصيت لهويت، اللهم هل بلغت؟. - ثلاثا -). # ثم نزن فصلى بالناس، ثم دخل بيته، وكان إذ ذاك: في بيت أم سلمة، فأقام به يوما أو يومين، فجاءت عائشة فسأته أن يقل إلى بيتها لتتولى تعليله PageV01P264 # فأذن لها، فانتقل إلى البيت الذي أسكنته عائشة فاستمر المرض به فيه أياما وثقل عليه السلام، فجاء بلال عند صلاة الصبح ورسول الله مغمور بالمرض فنادى الصلاة رحمكم الله، فقال عليه السلام: (يصلي بالناس بعضهم)، فقالت عائشة: مروا أبا بكر فليصل بالناس، وقالت حفصة: مروا عمر. # فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (اكففن، فإنكن صويحبات يوسف). # ثم قال وهو لا يستقل على الأرض من الضعف، وقد كان عنده أنهما خرجا إلى أسامة، فأخذ بيد علي بن أبي طالب والفضل بن عباس فاعتمدهما ورجلاه تخطان الأرض من الضعف، فلما خرج إلى المسجد وجد أبا بكر قد سبق إلى المحراب، فأومأ إليه بيده، فتأخر أبو بكر، وقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكبر وابتدأ بالصلاة، فلما سلم وانصرف إلى منزله استدعى أبا بكر وعمر وجماعة من حضر المسجد ثم قال: (ألم آمركم أن تنفذوا جيش أسامة؟) فقال أبو بكر: إني كنت خرجت ثم عدت لأحدث بك عهدا، وقال عمر: إني لم أخرج لأني لم أحب أن أسال عنك الركب. # فقال عليه السلام: (نفذوا جيش أسامة) - يكررها ثلاث مرات - ثم أغمي عليه صلوات الله عليه وآله من التعب الذي لحقه، فمكث هنيئة وبكى المسلمون وارتفع النحيب من أزواجه وولده ومن حضر، فأفاق عليه السلام وقال: (ائتوني بدواة وكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا) ثم أغمي عليه. # فقام بعض من حضر من أصحابه يلتمس دواة وكتفا، فقال له عمر: # ارجع فإنه يهجر!! فرجع. # فلما أفاق (صلى الله عليه وآله وسلم) قال بعضهم: ألا نأتيك يا رسول الله بكتف ودواة؟ فقال: (أبعد الذي قلتم!! لا، ولكن احفظوني في أهل PageV01P265 # بيتي، واستوصوا بأهل الذمة خيرا، وأطعموا المساكين (الصلاة) ms137 (1) وما ملكت أيمانكم). # فلم يزل يردد ذلك حتى أعرض بوجهه عن القوم، فنهضوا، وبقي عنده العباس والفضل وعلي عليه السلام وأهل بيته خاصة، فقال له العباس: يا رسول الله إن يكن هذا الأمر فينا مستقرا من بعدك فبشرنا، وإن كنت تعلم أنا نغلب عليه فأوص بنا، فقال: (أنتم المستضعفون من بعدي) واصمت، ونهض القوم وهم يبكون. # فلما خرجوا من عنده قال: (ردوا علي أخي علي بن أبي طالب وعمي) فحضرا، فلما استقر بهما المجلس قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # (يا عباس يا عم رسول الله، تقبل وصيتي وتنجز عدتي وتقضي ديني؟). # فقال له العباس: يا رسول الله، عمك شيخ كبير ذو عيال كثير، وأنت تباري الريح سخاء وكرما، وعليك وعد لا ينهض به عمك. # فأقبل على علي عليه السلام فقال: (يا أخي تقبل وصيتي وتنجز عدتي وتقضي ديني؟). # فقال: (نعم يا رسول الله). # فقال: (ادن مني) فدنا منه فضمه إليه ونزع خاتمه من يده فقال له: # (خذ هذا فضعه في يدك) ودعا بسيفه ودرعه وجميع لامته فدفع ذلك إليه، والتمس عصابة كان يشدها على بطنه إذا لبس درعه - ويروى: ان جبرئيل نزل بها من السماء - فجئ بها إليه، فدفعها إلى أمير المؤمنين عليه السلام وقال له: (اقبض هذا في حياتي). ودفع إليه بغلته وسرجها وقال: (امض على اسم الله إلى منزلك). # PageV01P266 # فلما كان من الغد حجب الناس عنه، وثقل في مرضه صلى الله عليه وآله وسلم، وكان علي لا يفارقه إلا لضرورة، فقام في بعض شؤونه فأفاق إفاقة فافتقد عليا فقال: (ادعوا لي أخي وصاحبي) وعاوده الضعف فأصمت، فقالت عائشة: ادعوا أبا بكر، فدعي فدخل، فلما نظر إليه أعرض عنه بوجهه، فقام أبو بكر. # فقال: (ادعوا لي أخي وصاحبي) فقالت حفصة: ادعوا له عمر، فدعي، فلما حضر رآه النبي عليه السلام فأعرض عنه بوجهه فانصرف. # ثم قال: (ادعوا لي أخي وصاحبي) فقالت أم سلمة: ادعوا له عليا فإنه لا يريد غيره، فدعي أمير المؤمنين عليه السلام، فلما ms138 دنا منه أومأ إليه فأكب عليه، فناجاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طويلا، ثم قام فجلس ناحية حتى أغفى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما أغفى خرج فقال له الناس: يا أبا الحسن ما الذي أوعز إليك؟ فقال: (علمني رسول الله ألف باب من العلم فتح لي كل باب ألف باب، ووصاني بما أنا قائم به إن شاء الله). # ثم ثقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحضره الموت، فلما قرب خروج نفسه قال له: (ضع رأسي يا علي في حجرك فقد جاء أمر الله عز وجل، فإذا فاضت نفسي فتناولها بيدك وامسح بها وجهك، ثم وجهني إلى القبلة، وتول أمري، وصل علي أول الناس، ولا تفارقني حتى تواريني في رمسي، واستعن بالله عز وجل). # وأخذ علي رأسه فوضعه في حجره فأغمي عليه، وأكبت فاطمة عليها السلام تنظر في وجهه وتندبه وتبكي وتقول: # (وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل) ففتح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عينيه وقال بصوت ضئيل: PageV01P267 # (يا بنية هذا قول عمك أبي طالب لا تقوليه، ولكن قولي: ﴿وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن فات أو قتل انقلبتم على عقابكم﴾ (1) فبكت طويلا، فأومأ إليها بالدنو منه، فدنت إليه، فاسر إليها شيئا هلل له وجهها. # ثم قضى (صلى الله عليه وآله وسلم) ويد أمير المؤمنين اليمنى تحت حنكه، ففاضت نفسه عليه السلام فيها، فرفعها إلى وجهه فمسحه بها، ثم وجهه وغمضه ومد عليه إزاره واشتغل بالنظر في أمره. # فسئلت فاطمة عليها السلام: ما الذي أسر إليك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسرى عنك، قالت: (أخبرني أني أول أهل بيته لحوقا به، وأنه لن تطول المدة بي بعده حتى أدركه، فسرى ذلك عني) (2). # وروي عن أم سلمة قالت: وضعت يدي على صدر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم مات، فمر بي جمع آكل وأتوضأ ما يذهب ريح المسك عن يدي (3). # وروى ثابت، عن ms139 أنس قال: قالت فاطمة عليها السلام - لما ثقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجعل يتغشاه الكرب -: (يا أبتاه إلى جبرئيل ننعاه، يا أبتاه من ربه ما أدناه، يا أبتاه جنان الفردوس مأواه، يا أبتاه أجاب ربا دعاه) (4). # PageV01P268 # قال الباقر عليه السلام: (لما حضر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الوفاة نزل جبرئيل عليه السلام فقال: يا رسول الله أتريد الرجوع إلى الدنيا وقد بلغت؟ قال: لا، ثم قال له: يا رسول الله تريد الرجوع إلى الدنيا؟ قال: # لا، الرفيق الاعلى) (1). # وقال الصادق عليه السلام: (قال جبرئيل عليه السلام: يا محمد هذا آخر نزولي إلى الدنيا، إنما كنت أنت حاجتي منها. قال: وصاحت فاطمة عليها السلام وصاح المسلمون و (صاروا) (2) يضعون التراب على رؤوسهم) (3). # ومات صلوات الله عليه وآله لليلتين بقيتا من صفر سنة عشر من هجرته (4). # وروي أيضا لاثنتي عشرة ليلة من شهر ربيع الأول يوم الاثنين (5). # ولما أراد علي عليه السلام غسله استدعى الفضل بن عباس، فأمره أن يناوله الماء، بعد أن عصب عينيه، فشق قميصه من قبل جيبه حتى بلغ به إلى سرته، وتولى غسله وتحنيطه وتكفينه والفضل يناوله الماء، فلما فرغ من غسله وتجهيزه تقدم فصلى عليه (6). # PageV01P269 # قال أبان: وحدثني أبو مريم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: (قال الناس: كيف الصلاة عليه؟ فقال علي صلوات الله وسلامه عليه: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إمامنا حيا وميتا، فدخل عليه عشرة عشرة فصلوا عليه يوم الاثنين وليلة الثلاثاء، حتى الصباح ويوم الثلاثاء، حتى صلى عليه صغيرهم وكبيرهم، وذكرهم وأنثاهم، وضواحي المدينة، بغير إمام. # وخاض المسلمون في موضع دفنه، فقال علي عليه السلام: (إن الله سبحانه لم يقبض نبيا في مكان إلا وارتضاه لرمسه فيه، وإني دافنه في حجرته التي قبض فيها) فرضي المسلمون بذلك. # فلما صلى المسلمون عليه أنفذ العباس رجلا إلى أبي عبيدة بن الجراح، وكان يحفر لأهل مكة ويضرح، وأنفذ إلى زيد بن سهل أبي طلحة، وكان يحفر لأهل المدينة ويلحد، ms140 فاستدعاهما وقال: اللهم خر لنبيك. # فوجد أبو طلحة فقيل له: احفر لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فحفر له لحدا. # ودخل أمير المؤمنين علي صلوات الله وسلامه عليه والعباس والفضل وأسامة بن زيد ليتولوا دفن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فنادت الأنصار من وراء البيت: يا علي إنا نذكرك الله وحقنا اليوم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يذهب، أدخل منا رجلا يكون لنا به حظ من مواراة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: (ليدخل أوس بن خولي) رجل من بني عوف بن الخزرج وكان بدريا، فدخل البيت وقال له علي صلوات الله وسلامه عليه: (انزل القبر) فنزل، ووضع علي عليه السلام رسول الله على يديه ثم دلاه في حفرته ثم قال له: (اخرج) فخرج ونزل علي عليه السلام فكشف عن وجهه ووضع خده على الأرض موجها إلى القبلة على يمينه، ثم PageV01P270 # وضع عليه اللبن وهال عليه التراب (1). # وانتهزت الجماعة الفرصة لاشتغال بني هاشم برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجلوس علي صلوات الله وسلامه عليه للمصيبة فسارعوا إلى تقرير ولاية الأمر، واتفق لأبي بكر ما اتفق لاختلاف الأنصار فيما بينهم، وكراهة القوم تأخير الأمر إلى أن يفرغ بنو هاشم من مصاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيستقر الأمر مقره، فبايعوا أبا بكر لحضوره. وليس هذا الكتاب بموضع لشرح ذلك، وتجده في مواضعه إن شئت. # وروي: أن أبا سفيان جاء إلى باب رسول الله فقال: # بني هاشم لا يطمع الناس فيكم * ولا سيما تيم بن مرة أو عدي فما الأمر إلا فيكم وإليكم * وليس لها إلا أبو حسن علي أبا حسن فاشدد بها كف حازم * فإنك بالأمر الذي يرتجى ملي ثم نادى بأعلى صوته: يا بني هاشم، يا بني عبد مناف، أرضيتم أن يلي عليكم أبو فصيل الرذل بن الرذل؟ أما والله لئن شئتم لأملأنها عليهم خيلا ورجلا، فناداه أمير المؤمنين عليه السلام: (ارجع يا أبا سفيان، فوالله ما ms141 تريد الله بما تقول، وما زلت تكيد الإسلام وأهله، ونحن مشاغيل برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى كل امرئ ما اكتسب وهو ولي ما احتقب) (2). # قال: وبعثوا إلى عكرمة بن أبي جهل وعمومته الحارث بن هشام وغيرهم فأحضروهم، وعقدوا لهم الرايات على نواحي المن والشام، ووجهوهم من ليلهم، وبعثوا إلى أبي سفيان فارضوه بتولية يزيد بن أبي سفيان. # PageV01P271 # قال: ولما بايع الناس أبا بكر قيل له: لو حبست جيش أسامة واستعنت بهم على من يأتيك من العرب؟ وكان في الجيش عامة المهاجرين، فقال أسامة لأبي بكر: ما تقول في نفسك أنت؟ قال: قد ترى ما صنع الناس، فأنا أحب أن تأذن لي ولعمر، قال: فقد أذت لكما. # قال: وخرج أسامة بذلك الجيش، حتى إذا انتهى إلى الشام عزله واستعمل مكانه يزيد بن أبي سفيان، فما كان بين خروج أسامة ورجوعه إلى المدينة الا نحو من أربعين يوما، فلما قدم المدينة قام على باب المسجد ثم صاح: يا معشر المسلمين، عجبا لرجل استعملني عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتأمر علي وعزلني! PageV01P272 # (الباب الخامس) في ذكر أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأولاده وأعمامه وعماته وقراباته ومواليه ومولياته وجواريه وفيه ج أربعة فصول: PageV01P273 # (الفصل الأول) في ذكر أزواجه وأولاده صلوات الله عليه وآله أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، تزوجها وهو ابن خمس وعشرين سنة، وكانت قبله عند عتيق بن عائذ المخزومي فولدت له جازية، ثم تزوج أبو هالة الأسدي فولدت له هند بن أبي هالة، ثم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وربى ابنها هندا. # فلما استوى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبلغ أشده - وليس له كثير مال - استأجرته خديجة إلى سوق خباشة، فلما رجع تزوج خديجة، زوجها إياه أبوها خويلد بن أسد، وقيل: زوجها عمها عمرو بن أسد وخطب أبو طالب عليه السلام لنكاحها - ومن ms142 شاهده من قريش حضور - فقال: الحمد لله الذي جعلنا من زرع إبراهيم وذرية إسماعيل، وجعل لنا بيتا محجوجا و (1) حرما امنا يجبى إليه ثمرات كل شئ، وجعلنا الحكام على الناس (2) في بلدنا الذي نحن فيه، ثم إن ابن أخي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب لا يوزن برجل من قريش إلا رجح، ولا يقاس بأحد منهم إلا عظم عنه، وإن كان في المال قل فأن المال رزق حائل، وظل زائل، وله في خديجة رغبة ولها فيه رغبة، والصداق ما سألتم عاجله وآجله من مالي. # وكان (أبو طالب) (3) له خطر عظيم، وشأن رفيع، ولسان شافع جسيم، # PageV01P274 # فزوجه ودخل بها من الغد. # ولم يتزوج عليها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى ماتت، وأقامت معه أربعا وعشرين سنة وشهرا، ومهرها اثنتا عشرة أوقية ونش، وكذلك مهر سائر نسائه عليه السلام. # فأول ما حملت ولدت عبد الله بن محمد - وهو الطيب الطاهر - وولدت له القاسم، وقيل: إن القاسم أكبر وهو بكره وبه كان يكنى. والناس يغلطون فيقولون: ولد له منها أربع بنين: القاسم، وعبد الله، والطيب، والطاهر. # وإنما ولد له منها ابنان وأربع بنات: زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة (1). # فأما زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتزوجها أبو العاص ابن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف في الجاهلية، فولدت لأبي العاص جارية اسمها امامة تزوجها علي بن أبي طالب عليه السلام بعد وفاة فاطمة عليها السلام، وقتل علي وعنده امامة، فخلف عليها بعده المغيرة بن # PageV01P275 # نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وتوفيت عنده. وأم أبي العاص هالة بنت خويلد، فخديجة خالته. وماتت زينب بالمدينة لسبع سنين من الهجرة. # وأما رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتزوجها عتبة بن أبي لهب، فطلقها قبل أن يدخل بها، ولحقها منه أذى، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (اللهم سلط على عتبة كلبا من كلابك) فتناوله الأسد من بين أصحابه. وتزوجها بعده بالمدينة عثمان ms143 بن عفان، فولدت له عبد الله ومات صغيرا، نقره ديك على عينيه فمرض ومات. وتوفيت بالمدينة زمن بدر، فتخلف عثمان على دفنها، ومنعه ذلك أن يشهد بدرا، وقد كان عثمان هاجر إلى الحبشة ومعه رقية. # وأما أم كلثوم فتزوجها أيضا عثمان بعد أختها رقية وتوفيت عنده. # وأما فاطمة عليها السلام فسنفرد لها بابا فيما بعد إن شاء الله. # ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولد من غير خديجة إلا إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مارية القبطية، ولد بالمدينة سنة ثمان من الهجرة ومات بها وله سنة وستة أشهر وبعض أيام، وقبره بالبقيع. # والثانية: سودة بنت زمعة، وكانت قبله عند السكران بن عمرو فمات عنها بالحبشة مسلما. # والثالثة: عائشة بنت أبي بكر، تزوجها بمكة وهي بنت سبع، ولم يتزوج بكرا غيرها، ودخل بها وهي بنت تسع، لسبعة أشهر من مقدمه المدينة، وبقيت إلى خلافة معاوية. # والرابعة: أم شريك التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، واسمها غزية بنت دودان بن عوف بن عامر، وكانت قبله عند أبي العكر بن سمي الأزدي فولدت له شريكا. PageV01P276 # والخامسة: حفصة بنت عمر بن الخطاب، تزوجها بعد ما مات زوجها خنيس بن عبد الله بن حذافة السهمي، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد وجهه إلى كسرى فمات ولا عقب له، وماتت بالمدينة في خلافة عثمان. # والسادسة: أم حبيبة بنت أبي سفيان، واسمها رملة، وكانت تحت عبيد الله بن جحش الأسدي فهاجر بها إلى الحبشة وتنصر بها ومات هناك، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعده، وكان وكيله عمرو بن أمية الضمري. # والسابعة: أم سلمة، وهي بنت عمته عاتكة بنت عبد المطلب. وقيل: # هي عاتكة بنت عامر بن ربيعة من بني فراس بن غنم، واسمها هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وهي ابنة عم أبي جهل. # وروي: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ms144 أرسل إلى أم سلمة: أن مري ابنك أن يزوجك، فزوجها ابنها سلمة بن أ بي سلمة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو غلام لم يبلغ، وأدى عنه النجاشي صداقها أربعمائة دينار عند العقد. وكانت أم سلمة من آخر أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفاة بعده، وكانت عند أبي سلمة بن عبد الأسد وأمه برة بنت عبد المطلب، وهو ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان لام سلمة منه زينب وعمر، وكان عمر مع علي عليه السلام يوم الجمل وولاه البحرين وله عقب بالمدينة، ومن مواليها شيبة بن نصاح إمام أهل المدينة في القراءة، وخيرة أم الحسن البصري. # والثامنة: زينب بنت جحش الأسدية، وهي ابنة عمته ميمونة بنت عبد المطلب، وهي أول من مات من أزواجه بعده، توفيت في خلافة عمر، وكانت قبله عند زيد بن حارثة فطلقها زيد، وذكر الله تعالى شأنه وشأن زوجته PageV01P277 # زينب في القرآن، وهي أول امرأة جعل لها النعش، جعلته لها أسماء بنت عميس يوم توفيت، وكانت بأرض الحبشة رأتهم يصنعون ذلك (1). # التاسعة: زينب بنت خزيمة الهلالية، من ولد عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة، وكانت قبله عند عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب. # وقيل: كانت عند أخيه الطفيل بن الحارث، وماتت قبله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان يقال لها: أم المساكين. # والعاشرة: ميمونة بنت الحارث، من ولد عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة، تزوجها وهو بالمدينة، وكان وكيله أبو رافع. وبنى بها بسرف حين رجع من عمرته على عشرة أميال من مكة، وتوفيت أيضا بسرف ودفنت هناك أيضا. وكانت قبله عند أبي سبرة بن أبي العامري. # والحادية عشر: جويرية بنت الحارث، من بني المصطلق، سباها فأعتقها وتزوجها، وتوفيت سنة ست وخمسين. # والثانية عشر: صفية بنت حيي بن أخطب النضري، من خيبر، اصطفاها لنفسه من الغنيمة ثم أعتقها وتزوجها وجعل عتقها صداقها، وتوفيت سنة ست وثلاثين. # فهذه اثنتا عشرة امرأة دخل بهن رسول ms145 الله، وقد تزوج إحدى عشرة منهن وواحدة وهبت نفسها له. # وقد تزوج صلوات الله عليه وآله عالية بنت ظبيان وطلقها حين أدخلت عليه. # PageV01P278 # وتزوج قتيلة بنت قيس أخت الأشعث بن قيس، فمات قبل أن يدخل بها، فتزوجها عكرمة بن أبي جهل بعده. وقيل: إنه طلقها قبل أن يدخل بها ثم مات صلوات الله عليه وآله. # وتزوج فاطمة بنت الضحاك بعد وفاة ابنته زينب، وخيرها حين أنزلت آية التخيير (1) فاختارت الدنيا وفارقها، فكانت بعد ذلك تلقط البعر وتقول : أنا الشقية اخترت الدنيا. # وتزوج سنى بنت الصلت فماتت قبل أن تدخل عليه. # وتزوج أسماء بنت النعمان بن شراحيل فلما أدخلت عليه قالت: أعوذ بالله منك فقال: 0 قد أعذتك الحقي بأهلك). وكان بعض أزواجه علمتها ذلك فطلقها ولم يدخل بها. # وتزوج مليكة الليثية، فلما دخل عليها قال لها: (هبي لي نفسك)، فقالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة، فأهوى صلى الله عليه وآله وسلم بيده يضعها عليها فقالت: أعوذ بالله منك، فقال: (لقد عذت بمعاذ) فسرحها ومتعها. # وتزوج عمرة بنت يزيد، فرأى بها بياضا فقال: (دلستم علي) وردها. # وتزوج ليلى بنت الخطيم الأنصارية فقالت (2): أقلني، فأقالها (3). # وخطب امرأة من بني مرة فقال أبوها: إن بها برصا، ولم يكن بها، فرجع فإذا هي برصاء. # وخطب عمرة فوصفها أبوها، ثم قال: وأزيدك إنها لم تمرض قط، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (ما لهذه عند الله من خير). وقيل: انه # PageV01P279 # تزوجها، فلما قال ذلك أبوها طلقها. # فهذه إحدى وعشرون امرأة. # ومات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن عشر، واحدة منهن لم يدخل بها. وقيل: عن تسع: عائشة، وحفصة، وأم سلمة، وأم حبيبة، وزينب بنت جحش، وميمونة، وصفية، وجويرية، وسودة. وكانت سودة قد وهبت ليلتها لعائشة حين أراد طلاقها وقالت: لا رغبة لي في الرجال وإنما أريد أن أحشر في أزواجك (1). # PageV01P280 # (الفصل الثاني) في ذكر أعمامه وعماته صلوات الله عليه وآله كان لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تسعة أعمام هم بنو عبد ms146 المطلب: لحارث، والزبير، وأبو طالب، وحمزة، والغيداق، وضرار، والمقوم، وأبو لهب واسمه عبد العزى، والعباس. ولم يعقب منهم إلا أربعة: # الحارث، وأبو طالب، والعباس، وأبو لهب (1). # فأما الحارث فهو أكبر ولد عبد المطلب وبه كان يكنى، وشهد معه حفر زمزم (2)، وولده: أبو سفيان، والمغيرة، ونوفل، وربيعة، وعبد شمس (3) اما أبو سفيان فأسلم عام الفتح ولم يعقب (4). # وأما نوفل فكان أسن من حمزة والعباس، وأسلم أيام الخندق وله عقب (5). # وأما عبد شمس فسماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله # PageV01P281 # وعقبه بالشام (1). # وأما أبو طالب عم النبي فكان مع أبيه عبد الله ابني أم وأمهما فاطمة بنت عمرو بن عابد بن عمران بن مخزوم (2)، واسمه عبد مناف (3)، له أربعة أولاد ذكور: طالب، وعقيل، وجعفر، وعلي، ومن الإناث: أم هانئ واسمها فاختة، وجمانة، أمهم جميعا فاطمة بنت أسد. # وكان عقيل أسن من جعفر بعشر سنين، وأعقبوا إلا طالبا (4)، وتوفي قبل أن يهاجر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بثلاث سنين، ولم يزل رسول الله ممنوعا من الأذى بمكة موقى حتى توفي أبو طالب عليه السلام، فنبت به مكة، ولم تستقر له بها دعوة (5) حتى جاءه جبرئيل عليه السلام فقال: (إن الله تعالى يقرؤك السلام ويقول لك: اخرج من مكة فقد مات ناصرك) (6). # ولما قبض أبو طالب أتى علي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأعلمه بموته، فقال له: (امض يا علي فتول غسله وتكفينه وتحنيطه، فإذا رفعته على سريره فأعلمني) ففعل ذلك، فلما رفعه على السرير اعترضه النبي وقال: (وصلتك رحم، وجزيت خيرا يا عم، فلقد ربيت وكفلت صغيرا، ووازرت ونصرت كبيرا) ثم أقبل على الناس وقال: (أما والله لأشفعن لعمي # PageV01P282 # شفاعة يعجب لها أهل الثقلين) (1). # وأما العباس فكان يكنى أبا الفضل، وكانت له السقاية وزمزم، وأسلم يوم بدر، واستقبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عام الفتح بالأبواء، وكان معه حين فتح مكة، وبه ختمت الهجرة. ومات بالمدينة في أيام عثمان وقد كف بصره، وكان له من الولد ms147 تسعة ذكور وثلاث إناث: عبد الله، وعبيد الله، والفضل، وقثم، ومعبد، وعبد الرحمن، وأم حبيب، أمهم لبابة بنت الفضل ابن الحارث الهلالية أخت ميمونة بنت الحارث زوجة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتمام، وكثير، والحارث، وآمنة، وصفية، لأمهات أولاد شتى (2). # وأما أبو لهب فولده: عتبة، وعتيبة، ومعتب، وأمهم أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان حمالة الحطب (3). # وكانت عماته صلوات الله عليه وآله ستا من أمهات شتى وهن: أميمة، وأم حكيمة، وبرة، وعاتكة، وصفية، وأروى (4). # وكانت أميمة عند جحش بن رئاب الأسدي، وكانت أم حكيمة - وهي البيضاء - عند كرز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وكانت برة عند عبد الأسد بن هلال المخزومي فولدت له أبا سلمة الذي كان زوج أم سلمة، # PageV01P283 # وكانت عاتكة عند أبي أمية بن المغيرة المخزومي، وكانت صفية عند الحارث ابن حرب بن أمية، ثم خلف عليها العوام بن خويلد فولدت له الزبير، وكانت أروى عند عمير بن عبد العزى بن قصي. لم يسلم منهن غير صفية (1). وقيل: # أسلم منهن ثلاث: صفية، وأروى، وعاتكة (2). # PageV01P284 # (الفصل الثالث) في ذكر قراباته من جهة أمه من الرضاعة صلوات الله عليه وآله لم يكن لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قرابة من جهة أمه إلا من الرضاعة، فإن أمه آمنة بنت وهب لم يكن لها أخ ولا أخت فيكون خالا له أو خالة، إلا أن بني زهرة يقولون: نحن أخواله، لأن آمنة منهم (1)، ولم يكن لأبويه عبد الله وآمنة ولد غيره فيكون له أخ أو أخت من النسب (2)، وكان له خالة من الرضاعة يقال لها: سلمى، وهي أخت حليمة بنت أبي ذؤيب. وله أخوات من الرضاعة: عبد الله بن الحارث، وأنيسة بنت الحارث، أبوهما الحارث بن عبد العزى بن سعد بن بكر بن هوازن، فهما أخواه من الرضاعة (3). # PageV01P285 # (الفصل الرابع) في ذكر مواليه ومولياته وجواريه أما مواليه: فزيد بن حارثة، وكان لخديجة اشتراه لها حكيم بن حزام بسوق عكاظ بأربعمائة درهم فوهبته لرسول الله صلى الله عليه ms148 وآله وسلم بعد أن تزوجها، فأعتقه فزوجه أم أيمن، فولدت له أسامة، وتبناه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فكان يدعى زيد ابن رسول الله، حتى أنزل الله تعالى ﴿ادعوهم لآبائهم﴾ (1). # وأبو رافع: واسمه أسلم، وكان للعباس فوهبه له، فلما أسلم العباس بشر أبو رافع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بإسلامه فأعتقه، وزجه سلمى مولاته، فولدت له عبيد الله بن أبي رافع، فلم يزل كاتبا لعلي عليه السلام أيام خلافته. # وسفينة: اسمه رباح اشتراه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأعتقه. # وثوبان: يكنى أبا عبد الله من حمير، أصابه سبي فاشتراه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأعتقه. # وبشار: وكان عبدا نوبيا، أعتقه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقتله العرنيون الذين أغاروا على لقاح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # وشقران: واسمه صالح. # وأبو كبشة: واسمه سليمان. # PageV01P286 # وأبو ضميرة: أعتقه صلى الله عليه وآله وسلم وكتب له كتابا فهو في يد ولده. # ومدعم أصابه سهم في وادي القرى فمات. # وأبو مويهبة، وأنيسة، وفضالة، وطهمان، وأبو أيمن، وأبو هند، وأنجشة وهو الذي قال فيه صلى الله عليه وآله وسلم: (رويدك يا أنجشة، رفقا بالقوارير) (1). وصالح، وأبو سلمى، وأبو عسيب، وعبيد، وأفلح، ورويفع، وأبو لقيط، وأبو رافع الأصغر، ويسار الأكبر، وكركرة أهداه هوذة بن علي الحنفي إلى النبي فأعتقه، ورباح، وأبو لبابة، وأبو اليسر وله عقب (2). # وأما مولياته: فإن المقوقس - صاحب الإسكندرية - أهدى إليه جاريتين: إحداهما مارية القبطية، ولدت له إبراهيم وماتت بعده بخمس سنين، سنة ستة عشر، ووهب الأخرى لحسان بن ثابت (3) وأم أيمن حاضنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكانت سوداء ورثها # PageV01P287 # عن أمه، وكان اسمها بركة، فأعتقها وزوجها عبيد الخزرجي بمكة فولدت له أيمن، فمات زوجها، فزوجها النبي صلى الله عليه وآله وسلم من زيد فولدت له أسامة، أسود يشبهها، فأسامة وأيمن أخوان لأم (1) وريحانة بنت شمعون، غنمها من بني قريظة (2). # وأما خدمه من الأحرار: فأنس بن مالك، وهند وأسماء (ابنتا ms149 خارجه الأسلميتان) (3) (4). # PageV01P288 # (الباب السادس) في ذكر السيدة الزهراء فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتاريخ مولدها، ومبلغ عمرها، ووقت وفاتها، ونبذ من مناقبها وخصالها وهو ثلاثة فصول: PageV01P289 # (الفصل الأول) في ذكر مولدها وأسمائها وألقابها عليها السلام الأظهر في روايات أصحابنا أنها ولدت سنة خمس من المبعث بمكة في العشرين من جمادى الآخرة، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبض ولها ثماني عشرة سنة وسبعة أشهر (1). # وروي عن جابر بن يزيد قال: سئل الباقر عليه السلام: كم عاشت فاطمة عليها السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: (أربعة أشهر، وتوفيت ولها ثلاث وعشرون سنة) (2) وهذا قريب مما روته العامة أنها ولدت سنة إحدى وأربعين من مولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم، فتكون بعد المبعث بسنة. # وذكر الأستاذ أبو سعيد الواعظ في كتاب (شرف النبي): أن جميع أولاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولدوا قبل الإسلام، إلا فاطمة وإبراهيم فإنهما ولدا في الإسلام (4). # وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال: (لفاطمة عليها السلام تسعة أسماء عند الله عز وجل: فاطمة، والصديقة، والمباركة، والطاهرة، والزكية، # PageV01P290 # والراضية، والمرضية، والمحدثة، والزهراء) (1). # وفي مسند الرضا عليه السلام: أن النبي قال: (إنما سميت ابنتي فاطمة لأن الله سبحانه فطمها وفطم من أحبها من النار) (2). # وسماها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، البتول أيضا (3)، وقال لعائشة: (يا حميراء، إن فاطمة ليست كنساء الآدميين، ولا تعتل كما تعتنون) (4). # ومعناه ما جاء في الحديث الاخر: أن فاطمة عليها السلام لم تر دما في حيض ولا نفاس. وقد روت العامة أيضا، عن أنس بن مالك، عن أم سليم زوجة أبي طلحة الأنصاري أنها قالت: لم تر فاطمة عليها السلام دما قط في حيض ولا نفاس (5). # وكانت يصب عليها من ماء الجنة، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما أسري به دخل الجنة وأكل من فاكهة الجنة وشرب من ماء الجنة فنزل من ليلته فوقع على خديجة ms150 فحملت بفاطمة فكان حمل فاطمة من ماء # PageV01P291 # الجنة. # ورواه أيضا ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1). # PageV01P292 # (الفصل الثاني) في ذكر ما يوجب الدلالة على عصمتها وبعض الآيات المثبتة عن مكانها من الله، ومنزلتها ونبذ من الأخبار الدالة على فضلها وعلو رتبتها من أوكد الدلائل على عصمتها عليها السلام قوله سبحانه: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا﴾ (1) ووجه الدلالة: أن الأمة اتفقت (على) أن المراد بأهل البيت في الآية هم أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ووردت الرواية من طريق الخاص والعام أنها مختصة بعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم جللهم بعباء خيبرية ثم قال: (اللهم إن هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا) فقالت أم سلمة: يا رسول الله وأنا من أهل بيتك؟ فقال عليه وآله السلام لها: (إنك على خير) (2) ولا تخلو الإرادة في الآية إما أن تكون إرادة محضة لم يتبعها الفعل، أو إرادة وقع الفعل عندها، والأول باطل، لأن ذلك لا تخصيص فيه لأهل البيت، بل هو عام في جميع المكتفين، ولا مدح في الإرادة المجردة، # PageV01P293 # وأجمعت الأمة على أن الآية فيها تفضيل لأهل البيت وإبانة لهم عمن سواهم، فثبت الوجه الثاني، وفي ثبوته ما يقتضي عصمة من عني بالآية، وأن شيئا من القبائح لا يجوز أن يقع منهم، على أن غير من سميناه لا شك أنه غير مقطوع على عصمته، والآية موجبة للعصمة، فثبت أنها فيمن ذكرناهم لبطلان تعلقها بغيرهم. # ومما يدل أيضا على عصمتها عليها السلام: قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيها: (إنها بضعة مني يؤذيني ما آذاها) (1). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من آذى فاطمة فقد آذاني، ومن آذاني فقد اذى الله عز وجل) (2). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها) (3). # ولو كانت ممن يقارف الذنوب لم يكن من يؤذيها مؤذيا له على كل حال، بل يكون ms151 متى فعل المستحق من ذمها، أو إقامة الحد - إن كان الفعل يقتضيه - سارا له عليه السلام. # PageV01P294 # ومما روي من الآيات الدالة على محلها من الله عز وجل ما رواه الخاص والعام عن ميمونة أنها قالت: وجدت فاطمة عليها السلام نائمة والرحى تدور فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك فقال: (إن الله علم ضعف أمته فأوحى إلى الرحى أن تدور فدارت) (1). # ومن الأخبار المنبئة عن فضلها وتميزها عمن سواها ما روته العامة عن عائشة قالت: ما رأيت رجلا أحسب إلى رسول الله من علي، ولا امرأة أحب إلى رسول الله من امرأته (2). # ورووا عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: أ نا أحب إليك أم فاطمة؟ فقال: فاطمة أحب إلي منك، وأنت أعز علي منها). # ورووا عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # (حسبك من نساء العالمين - وفي رواية أخرى: خير نساء العالمين -: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد). # PageV01P295 # وعن ابن عباس قال: أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم (1). # وروي عن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (أنا الشجرة، وفاطمة فرعها، وعلي لقاحها، والحسن والحسين ثمرها، وشيعتنا ورقها، الشجرة أصلها في جنة عدن، والفرع والثمر والورق في الجنة) (2). # ورووا عن عائشة: أن فاطمة عليها السلام كانت إذا دخلت على رسول الله قام لها من مجلسه وقبل رأسها وأجلسها مجلسه (3) ورووا عن علي بن إبراهيم بن هاشم في تفسير القرآن، عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال: (بلغنا عن ابائنا أنهم قالوا: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكثر تقبيل فم فاطمة سيدة نساء العالمين عليها السلام إلى أن قالت عائشة: يا رسول الله أراك كثيرا متقبال فم فاطمة، وتدخل لسانك في فيها؟! ms152 قال: نعم يا عائشة، أنه لما أسري بي إلى السماء أدخلني جبرائيل الجنة فأدناني من شجرة طوبى ناولني من ثمارها تفاحة فأكلتها فصارت نطفة في ظهري، فلما هبطت إلى الأرض واقعت خديجة فحملت بفاطمة، فكلما اشتقت إلى الجنة قبلتها وأدخلت لساني في فيها # PageV01P296 # فأجد منها ريح الجنة، وأجد منها رائحة شجرة طوبى، فهي إنسية سماوية) (1). # وما رواه أصحابنا رضي الله عنهم من لأخبار الدالة على خصوصيتها من بين أولاد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بشرف المنزلة، وبينونتها عن جميع نساء العالمين بعلو الدرجة فأكثر من أن يحصر، فلنقتصر على ما ذكرناه. # وكان مما تمم الله تعالى به شرف أمير المؤمنين عليه السلام في الدنيا وكرامته في الآخرة أن خصه بتزويجها إياه، كريمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأحب الخلق إليه، وقرة عينه، وسيدة نساء العالمين. # فمما روي في ذلك ما صح عن أنس بن مالك قال: بينما النبي صلى الله عليه وآله وسلم جالس إذ جاء علي عليه السلام فقال: (يا علي ما جاء بك؟). # قال: (جئت أسلم عليك). # قال: (هذا جبرئيل يخبرني أن الله تعالى زوجك فاطمة، وأشهد على تزويجها أربعين ألف ألف ملك، وأوحى الله تعالى إلى شجرة طوبى أن: # ، انثري عليهم الدر والياقوت، فنثرت عليهم الدر والياقوت فابتدرت إليه الحور العين يلتقطن في أطباق الدر والياقوت، وهن يتهادينه بينهن إلى يوم القيامة) (2). # وعن ابن عباس قال: لما كانت الليلة التي زفت بها فاطمة إلى علي عليهما السلام كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمامنا، وجبرئيل عن # PageV01P297 # يمينها، وميكائيل عن يسارها، وسبعون ألف ملك من خلفها، يسبحون الله ويقدسونه (1). # وافتخر أمير المؤمنين عليه السلام بتزويجها في مقام بعد مقام: # روى أبو إسحاق الثقفي بإسناده، عن حكيم بن جبير، عن الهجري، عن عمه قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: (لأقولن قولا لم يقله أحد بعدي إلا كذاب، أنا عبد الله، وأخو رسوله، ووريث نبي الرحمة، وتزوجت سيدة نساء الأمة، وأنا خير الوصيين) (2). # والأخبار في ms153 هذا النحو كثيرة، وروى الثقفي بإسناده عن بريدة قال: # لما كان ليلة البناء بفاطمة عليها السلام قال لعلي عليه السلام: (لا تحدث شيئا حتى تلقاني) فاتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بماء - أو قال: دعا بماء - فتوضأ ثم أفرغه على علي عليه السلام ثم قال: (اللهم بارك فيهما، وبارك عليهما، وبارك لهما في شبليهما) (3). # وروى بإسناده عن شرحبيل بن أبي سعيد قال: لما كان صبيحة عرس فاطمة جاء النبي صلى اله عليه وآله وسلم بعس فيه لبن فقال لفاطمة: # PageV01P298 # (اشربي فداك أبوك) وقال لعلي عليه السلام: (اشرب فداك ابن عمك) (1). # PageV01P299 # (الفصل الثالث) في ذكر وقت وفاتها، وموضع قبرها سلام الله عليها روي: أنها توفيت صلوات الله عليها (في) الثالث من جمادى الآخرة سنة إحدى عشرة من الهجرة، وبقيت بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم خمسة وتسعين يوما (1)، وروي: أربعة أشهر (2). # وتولى أمير المؤمنين عليه السلام غسلها (3) وروي: أنه أعانه على غسلها أسماء بنت عميس، وانها قالت: أوصت فاطمة أن لا يغسلها إذا ماتت إلا أنا وعلي صلوات الله وسلامه عليه، فغسلتها أنا وعلي (4). # وصلى عليها أمير المؤمنين، والحسن والحسين عليهم السلام، وعمار، والمقداد، وعقيل، والزبير، وأبو ذر، وسلمان، وبريدة، ونفر من بني هاشم في جوف الليل. # ودفنها أمير المؤمنين عليه السلام سرا بوصية منها في ذلك، (5). # PageV01P300 # وأما موضع قبرها فاختلف فيه، فقال بعض أصحابنا: إنها دفنت في البقيع (1). # وقال بعضهم: إنها دفنت في بيتها فلما زادت بنو أمية في المسجد صارت في المسجد (1). # وقال بعضهم: إنها دفنت فيما بين القبر والمنبر (3)، والى هذا أشار النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة) (4). # والقول الأول بعيد، والقولان الآخران أشبه وأقرب إلى الصواب، فمن استعمل الاحتياط في زيارتها زارها في المواضع الثلاثة. # هذا اخر مما أردنا إثباته من الركن الأول، وبالله التوفيق. # PageV01P301 # (الركن الثاني) من الكتاب في ذكر الإمام الأول، والوصي الأفضل، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، وتاريخ مولده، ومدة ms154 عمره، ودلائل إمامته، وطرف من مناقبه ويشتمل على خمسة أبواب: PageV01P303 # (الباب الأول) في ذكر مولده عليه السلام، وتاريخ عمره ونبذ من خبر ولادته ووفاته (وفيه) ثلاثة فصول: PageV01P305 # (الفصل الأول) في ذكر ميلاده عليه السلام ولد عليه السلام بمكة في البيت الحرام يوم الجمعة الثالث عشر من شهر الله الأصم رجب بعد عام الفيل بثلاثين سنة، ولم يولد قط في بيت الله تعالى مولود سواه لا قبله ولا بعده، وهذه فضيلة خصه الله تعالى بها إجلالا لمحله ومنزلته وإعلاء لرتبته. # وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف، وكانت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمنزلة الام، وربي في حجرها، وكانت من سابقات المؤمنات إلى الإيمان، وهاجرت معه إلى المدينة، وكفنها النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند موتها بقميصه، ليدرأ به عنها هوام القبر، وتوسد في قبرها، لتأمن بذلك من ضغطة القبر، ولقنها الإقرار بولاية ابنها كما اشتهرت به الرواية. # فكان أمير المؤمنين عليه السلام هاشميا من هاشميين، وأول من ولده هاشم مرتين (1). # PageV01P306 # (الفصل الثاني) في ذكر أسمائه وألقابه عليه السلام وأسماؤه في كتب الله تعالى المنزلة كثيرة، أوردها أصحابنا رضي الله عنهم في كتبهم، وكنيته المشهورة أبو الحسن، وقد كني أيضا: بأبي الحسين، وأبي السبطين، وأبي الريحانتين. # وكناه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبي تراب لما رآه ساجدا معفرا وجهه في التراب (1). # ولقبه أمير المؤمنين، خصه النبي صلى الله عليه وآله وسلم به لما قال: # (سلموا على علي بإمرة المؤمنين) (2). # ولم يجوز أصحابنا رضي الله عنهم أن يطلق هذا اللفظ لغيره من الأئمة عليهم السلام وقالوا: إنه انفرد بهذا التلقيب فلا يجوز أن يشاركه في ذلك غيره. # وقد لقبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: سيد المسلمين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، وسيد الأوصياء، وسيد العرب (3) في أمثال # PageV01P307 # لهذه كثيرة. # وهو أخو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ووزيره، ووصيه، وخليفته في أمته، وصهره على ابنته الزهراء البتول فاطمة سيدة نساء لعالمين، ms155 وهو المرتضى، ويعسوب المؤمنين PageV01P308 # (الفصل الثالث) في ذكر وقت وفاته، ومدة خلافته، وتاريخ عمره عليه السلام وقبض ليلة الجمعة لتسع بقين من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة قتيلا شهيدا، قتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي لعنه الله - وقد خرج لصلاة الفجر ليلة تسعة عشر من شهر رمضان وهو ينادي (الصلاة الصلاة) - في المسجد الأعظم بالكوفة، فضربه بالسيف على أم رأسه، وقد كان ارتصده من أول الليل لذلك، وكان سيفه مسموما. فمكث عليه السلام يوم التاسع عشر وليلة العشرين ويومها وليلة الحادي والعشرين إلى نحو الثلث من الليل ثم قضى نحبه عليه السلام (1)، وقد كان يعلم ذلك قبل أوانه ويخبر به الناس قبل أيانه. # فقد اشتهر في الرواية: أنه عليه السلام كان لما دخل شهر رمضان يتعشى ليلة عند الحسن عليه السلام، وليلة عند الحسين عليه السلام، وليلة عند عبد الله بن العباس، والأصح عبد الله بن جعفر، وكان لا يزيد على ثلاث لقم، فقيل له في ذلك فقال: (يأتيني أمر ربي وأنا خميص، إنما هي ليلة أو ليلتان)، فأصيب عليه السلام في آخر تلك الليلة (2). # PageV01P309 # وروى أصبغ بن نباتة قال: خطبنا أمير المؤمنين عليه السلام في الشهر الذي قتل فيه فقال: (أتاكم شهر رمضان، وهو سيد الشهور وأول السنة، وفيه تدور رحى السلطان، ألا وإنكم حاجوا العام صفا واحدا، وآية ذلك أني لست فيكم) قال: فهو ينعى نفسه عليه السلام ونحن لا ندري (1). # وروى عنه جماعة أنه كان يقول على المنبر: (ما يمنع أشقاها أن يخضبها من فوقها بدم) ويضع يده على شيبته عليه السلام. # وروي: أنه كان يقول: (والله ليخضبن هذه من هذه) ويضع يده على رأسه ولحيته عليه السلام (2). # وروي عن أبي صالح الحنفي قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: # (رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في منامي فشكوت إليه ما لقيت من أمته من الأود واللدد وبكيت فقال: (لا تبك يا علي، والتفت فالتفت فإذا رجلان مصفدان، وإذا جلاميد (3) ترضخ بها روسهما). # قال أبو صالح: ms156 فغدوت إليه من الغد فلقيت الناس يقولون: قتل أمير المؤمنين عليه السلام (4). # وروى الحسن البصري قال: سهر أمير المؤمنين عليه السلام في الليلة التي قتل في صبيحتها ولم يخرج إلى المسجد لصلاة الليل على عادته، فقالت له ابنته أم كلثوم: ما هذا الذي قد أسهرك؟ فقال: (إني مقتول لو قد أصبحت). # PageV01P310 # وأتاه ابن النباح فآذنه بالصلاة، فمشى غير بعيد ثم رجع فقالت له أم كلثوم: مر جعدة فليصل بالناس، قال: (نعم مروا جعدة ليصلي) ثم قال: # (مفر من الأجل) فخرج إلى المسجد، فإذا هو بالرجل قد سهر ليلته كلها يرصده، فلما برد السحر نام، فحركه أمير المؤمنين عليه السلام برجله وقال له: (الصلاة)، فقام إليه فضربه (1). # وروي في حديث آخر: أنه عليه السلام سهر في تلك الليلة، وكان يكثر الخروج والنظر إلى السماء وهو يقول: (والله ما كذبت ولا كذبت وإنها الليلة التي وعدت بها) ثم يعاود مضجعه، فلما طلع الفجر شد إزاره وخرج وهو يقول: # اشدد حيازيمك للموت فإن الموت اتيك ولا تجزع من الموت إذا حل بواديك فلما خرج إلى صحن الدار استقبلته الإوز فصحن في وجهه، فجعلوا يطردونهن، فقال: (دعوهن فإنهن صوائح تتبعها نوائح) ثم خرج فأصيب عليه السلام (2). # (وكان سنه يوم استشهد ثلاثا وستين سنة، وكان مقامه مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثا وثلاثين سنة، عشر منها قبل البعثة، واسلم وهو ابن عشر سنين (3)، فقد صحت الرواية عن حبة العرني عنه عليه السلام # PageV01P311 # قال: (بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الاثنين فأسلمت يوم الثلاثاء) (1)، وبعد البعثة بمكة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة بعد الهجرة عشر سنين، وعاش بعد ما قبض النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثين سنة إلا خمسة أشهر وأياما، وتولى غسله وتكفينه ابناه الحسن والحسين بأمره، وحملاه إلى الغريين من نجف الكوفة ودفناه هناك ليلا، وعميا موضع قبره بوصيته إليهما في ذلك لما كان يعلم من دولة بني أمية من بعده وإنهم لا ينتهون عما يقدرون عليه من قبيح ms157 الأفعال ولئيم الخلال، فلم يزل قبره مخفيا حتى دل عليه الصادق عليه السلام في الدولة العباسية وزاره عند وروده إلى أبي جعفر وهو بالحيرة (2). # PageV01P312 # (الباب الثاني) في ذكر النصوص الدالة على أنه عليه السلام هو الامام بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلا فصل الذي يجب تقديمه في هذل الباب أنه قد ثبت بالدلالة القاطعة وجوب الإمامة في كل زمان لكونها لطفا في فعل الواجبات والامتناع عن المقبحات، فإنا نعلم ضرورة ان عند وجود الرئيس المهيب يكثر الصلاح من الناس ويقل الفساد، وعند عدمه يكثر الفساد ويقل الصلاح منهم، بل يجب ذلك عند ضعف أمره مع وجود هيبته. # وثبت أيضا وجوب كونه معصوما مقطوعا على عصمته، لأن جهة الحاجة إلى هذا الرئيس هي ارتفاع العصمة عن الناس وجواز فعل القبيح منهم، فإن كان هو غير معصوم وجب أن يكون محتاجا إلى رئيس اخر غيره، لأن علة الحاجة إليه قائمة فيه، والكلام في رئيسه كالكلام فيه، فيؤدي إلى وجوب ما لا نهاية له من الأئمة أو الانتهاء إلى إمام معصوم وهو المطلوب. # فإذا ثبت وجوب عصمة الإمام فالعصمة لا يمكن معرفتها إلا بإعلام الله سبحانه العالم بالسرائر والضمائر، ولا طريق إلى ذلك سواه، فيجب النص من الله تعالى عليه على لسان نبي مؤيد بالمعجزات، أو إظهار معجز PageV01P313 # دال على إمامته. وإذا ثبتت هذه الجملة القريبة - التي لا تحتاج فيها إلى تدقيق كثير - سبرنا أحوال الأمة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوجدناهم اختلفوا في الإمام بعده على أقوال ثلاثة: # فقالت الشيعة: الإمام بعده صلى الله عليه وآله وسلم أمير المؤمنين عليه السلام، بالنص على إمامته. # وقالت العباسية: الإمام بعده العباس، بالنص أو الميراث. # وقال الباقون من الأمة: الإمام بعده أبو بكر. # وكل من قال بإمامة أبي بكر والعباس أجمعوا على أنهما لم يكونا مقطوعا على عصمتهما، فخرجا بذلك من الإمامة لما قدمناه، ووجب أن يكون الإمام بعده أمير المؤمنين علي عليه السلام بالنص الحاصل من جهة الله تعالى ms158 عليه والإشارة إليه، وإلا كان الحق خارجا عن أقوال جميع الأمة وذلك غير جائز بالاتفاق بيننا وبين مخالفينا، فهذا هو الدليل العقلي على كونه منصوصا عليه صلوات الله عليه. # وأما الأدلة السمعية على ذلك فقد استوفاها أصحابنا - رضي الله عنهم - قديما وحديثا في كتبهم، لا سيما ما ذ كره سيدنا الأجل المرتضى علم الهدى ذو المجدين قدس الله روحه في كتاب الشافي في الإمامة، فقد استولى على الأمد.، وغار في ذلك وأنجد، وصوب وصعد، وبلغ غاية الاستيفاء والاستقصاء، وأجاب على شبه المخالفين التي عولوا على اعتمادها واجتهدوا في إيرادها، أحسن الله عن الدين وكافة المؤمنين جزاءه، ونحن نذكر الكلام في ذلك على سبيل الاختصار والإجمال دون البسط والإكمال. # فنقول: إن الذي يدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نص على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بالإمامة بعده بالا فصل، PageV01P314 # ودل على فرض طاعته على كل مكلف قسمان: أحدهما: يرجع إلى الفعل، وإن كان يدخل فيه أيضا القول، والاخر يرجع إلى القول. # فأما النص الدال على إمامته بالفعل والقول: فهو أفعال نبينا صلى الله عليه وآله وسلم المبينة لأمير المؤمنين عليه السلام من جميع الأمة، الدالة على استحقاقه التعظيم والإجلال والتقديم التي لم تحصل ولا بعضها لأحد سواه، وذلك مثل إنكاحه ابنته الزهراء سيدة نساء، العالمين، ومؤاخاته إياه بنفسه، وأنه لم يندبه لأمر مهم ولا بعثه في جيش قط إلى آخر عمره إلا كان هو الوالي عليه، المقدم فيه، ولم يول عليه أحدا من أصحابه وأقربيه، وأنه لم ينقم عليه شيئا من أمره مع طول صحبته إياه، ولا أ نكر منه فعلا، ولا استبطأه، ولا استزاده في صغير من الأمور ولا كبير، هذا مع كثرة ما عاتب سواه من أصحابه إما تصريحا وإما تلويحا. # وأما ما يجري مجرى هذه الأفعال من الأقوال الصادرة عنه صلى الله عليه وآله وسلم الدالة على تميزه عمن سواه، المنبئة عن كمال عصمته وعلو رتبته فكثيرة: # منها: قوله صلى الله عليه ms159 وآله وسلم يوم أحد وقد انهزم الناس وبقي علي عليه السلام يقاتل القوم حتى فض جمعهم وانهزموا فقال جبرئيل: (إن هذه لهي المواساة) فقال صلى الله عليه وآله وسلم لجبرئيل: (علي مني وأنا منه) فقال جبرئيل: (وأنا منكما) (1). # PageV01P315 # فأجراه مجرى نفسه، كما جعله الله سبحانه نفس النبي صلى الله عليه وآله وسلم في آية المباهلة بقوله: (وأنفسنا) (1). # ومنها: قوله عليه واله السلام لبريدة: (يا بريدة، لا تبغض عليا، في أنه مني وأنا منه (2)، إن الناس خلقوا من أشجار شتى وخلقت أنا وعلي من شجرة واحدة) (3). # ومنها: قوله: (علي مع الحق والحق مع علي يدور حيثما دار) (4). # ومنها: ما اشتهرت به الرواية من حديث الطائر، وقوله عليه واله السلام: (اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطائر) فجاء علي عليه السلام (5). # PageV01P316 # ومنها: قوله صلى الله عليه وآله وسلم لابنته الزهراء عليها السلام لما عيرتها نساء قريش بفقر علي عليه السلام: (أما ترضين يا فاطمة أني زوجتك أقدمهم سلما، علما، إن الله عز وجل اطلع على أهل الأرض اطلاعة فاختار منهم أباك فجعله نبيا، واطلع عليهم ثانية فاختار منهم بعلك فجعله وصيا، وأوحى إلي أن انكحه، أما علمت يا فاطمة أنك بكرامة الله إياك زوجتك أعظمهم حلما، وأكثرهم علما، وأقدمهم سلما). # فضحكت فاطمة عليها السلام واستبشرت، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يا فاطمة إن لعلي ثمانية أضراس قواطع لم تجعل لأحد من الأولين والآخرين، هو أخي في الدنيا والآخرة، ليس ذلك لغيره من الناس، وأنت يا فاطمة سيدة نساء أهل الجنة زوجته، وسبطا الرحمة سبطاي ولده، وأخوه المزين بالجناحين في الجنة يطير مع الملائكة حيث يشاء، وعنده علم الأولين والآخرين، وهو أول من آمن بي، وآخر الناس عهدا بي، وهو وصي ووارث الوصيين) (1). # ومنها: قوله صلى الله عليه وآله وسلم فيه: (أنا مدينة العلم وعلي # PageV01P317 # بابها، فمن أراد العلم فليأت من الباب) (1). # وما رواه عبد الله بن مسعود: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استدعى ms160 عليا فخلا به، فلما خرج إلينا سألناه: ما الذي عهد إليك؟ فقال: # (علمني ألف باب من العلم، فتح لي كل باب ألف باب) (2). # ومنها: أنه جعل محبته علما على الإيمان، وبغضه علما على النفاق بقوله فيه: (لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق) (3). # ومنها: أنه عليه وآله السلام جعل ولايته علما على طيب المولد، وعداوته علما على خبث المولد، بقوله (بوروا (4) أولادكم بحب علي بن أبي طالب، فمن أحبه فاعلموا أنه لرشدة، ومن أبغضه فاعلموا أنه لغية (5). رواه جابر بن عبد الله الأنصاري عنه # PageV01P318 # وروى عنه أبو جعفر الباقر عليهما السلام قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لعلي عليه السلام: ألا أسرك، ألا أمنحك، ألا أبشرك؟ فقال: بلى يا رسول الله قال: خلقت أنا وأنت من طينة واحدة ففضلت منها فضلة فخلق الله منها شيعتنا، فإذا كان يوم القيامة دعي الناس بأسماء أمهاتهم، سوى شيعتنا فإنهم يدعون بأسماء آبائهم لطيب مولدهم (1). # وروي عن جابر أنه كان يدور في سكك الأنصار ويقول: علي خير البشر فمن أبى فقد كفر، معاشر الأنصار بوروا أولادكم بحب علي بن أبي طالب عليه السلام، فمن أبى فانظروا في شأن أمه (2) ومنها: عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إذا كان يوم القيامة دعي الناس كلهم بأسمائهم ما خلا شيعتنا فإنهم يدعون بأسماء آبائهم لطيب مواليدهم (3). # ومنها: أنه جعله وشيعته الفائزون، رواه أنس بن مالك عنه صلى الله عليه وآله وسلم: (يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب) ثم التفت إلى علي عليه السلام فقال: (هم شيعتك وأنت إمامهم) (4). # ومنها: أنه عليه السلام سد الأبواب في المسجد إلا بابه عليه السلام، # PageV01P319 # روى أبو رافع قال: خطب النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (أيها الناس إن الله تعالى أمر موسى بن عمران أن يبني مسجدا طاهرا لا يسكنه إلا هو وهارون وابنا هارون شبر وشبير، وإن الله أمرني أن أبني مسجدا لا يسكنه ms161 إلا أنا وعلي والحسن والحسين، سدوا هذه الأبواب إلا باب علي). # فخرج حمزة يبكي وقال: يا رسول الله أخرجت عمك وأسكنت ابن عمك! فقال: (ما أنا أخرجتك وأسكنته، ولكن الله أسكنه). # فقال بعض الصحابة - وقيل: هو أبو بكر -: د ع لي كوة أنظر فيها، فقال: (لا، ولا رأس إبرة) (1). # وروى زيد بن أرقم عن سعد بن أبي وقاص قال: سد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأبواب إلا باب علي (2). # وإلى هذا أشار السيد الحميري في قصيدته المذهبة بقوله؟ # صهر النبي وجاره في مسجد طهر بطيبة للرسول مطيب سيان فيه عليه غير مذمم ممشاه إن جنبا وإن لم يجنب (3) وأمثال ما ذكرناه من الأفعال والأقوال الظاهرة التي جاءت بها الأخبار المتظاهرة - ولا يخالف فيها ولي ولا عدو - كثيرة - يطول هذا الكتاب بذكرها، وإنما شهدت هذه الأفعال والأقوال باستحقاقه عليه السلام الإمامة، ودلت # PageV01P320 # على أنه عليه السلام أحق بمقام الرسول عليه وآله السلام، وأولى بالإمامة والخلافة من جهة أنها إذا دلت على الفضل الأكيد، والاختصاص الشديد، وعلو الدرجة، وكمال المرتبة، علم ضرورة أنها أقوى الأسباب والوصلات إلى أشرف الولايات. لأن الظاهر في العقل أن من كان أبهر فضلا، وأجل شأنا، وأعلى في الدين مكانا، فهو أولى بالتقديم، وأحق بالتعظيم، والإمامة، وخلافة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هي أعلا منازل الدين بعد النبوة، فمن كان أجل قدرا في الدين، وأفضل وأشرف على اليقين، وأثبت قدما، وأوفر حظا فيه، فهو أولى بها، ومن دل على ذلك من حاله دل على إمامته. # ولأن العادة قد جرت فيمن يرشح لجليل الولايات، ويؤهل لعظيم الدرجات، أن يصنع به بعض ما تقدم ذكره، يبين ذلك أن بعض الملوك لو تابع بين أفعال وأقوال في بعض أصحابه طول عمره وولايته يدل على فضل شديد، وقرب منه في المودة والخالصة والاتحاد، لكان عند أرباب العادات بهذه الأفعال مرشحا له لأفضل المنازل، وأعلى المراتب بعده، ودالا على استحقاقه لذلك. وقد قال قوم من أصحابنا: إن دلالة العقل ربما ms162 كانت آكد من دلالة القول لأنها أبعد من الشبهة، وأوضح في الحجة، مات حيث إن ما يختص بالفعل لا يدخله المجاز ولا يتحمل التأويل، وأما القول فيحتمل ضروبا من التأويل ويدخله المجاز وبالله التوفيق. # فصل: # وأما النص المختص بالقول فينقسم قسمين: النص الجلي، والنص الخفي. فالنص الجلي: هو ما علم سامعوه من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مراده منه ضرورة وإن كنا نعلم الآن ثبوته. PageV01P321 # والمراد به استدلالا: وهو النص الذي فيه التصريح بالإمامة والخلافة هنا، قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (سلموا على علي بإمرة المؤمنين) (1) وقوله صلوات الله عليه وآله مشيرا إليه واخذا بيده: (هذا خليفتي فيكم من بعدي فاسمعوا له وأطيعوه) (2). # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لام سلمة: (اسمعي واشهدي هذا علي أ مير المؤمنين وسيد المسلمين (3). # وقوله عليه وآله السلام حين جمع بني عبد المطلب في دار أبي طالب وهم أربعون رجلا يومئذ يزيد أو ينتقصون رجلا - فيما ذكره الرواة - وقد صنع لهم فخذ شاة مع مد من البر، وأعد لهم صاعا من اللبن، وقد كان الرجل منهم يأكل الجذعة في مقام واحد ويشرب الفرق من الشراب، ثم أمر بتقديمه لهم، فأكلت الجماعة من ذلك اليسير حتى تملوا منه ولم يبين ما أكلوه وشربوه فيه. # ثم قال لهم بعد أن شبعوا ورووا: يا بني عبد المطلب، إن الله قد بعثني إلى الخلق كافة، وبعثني إليكم خاصة فقال: (وأنذر عشيرتك الأقربين) (4) وأنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان، ثقيلتين في الميزان تملكون بهما العرب والعجم، وتنقاد لكم بهما الأمم، وتدخلون بهما الجنة، وتنجون بهما من النار: شهادة أن لا إله إلا الله وأني ر سول الله، فمن يجيبني إلى هذا الأمر ويؤازرني على القيام به يكن أخي ووصيي ووزيري ووارثي وخليفتي من # PageV01P322 # بعدي)؟ فلم يجب أحد منهم. # فقام علي عليه السلام فقال: (أنا يا رسول الله أؤازرك على هذا الأمر). # فقال: (اجلس). # ثم أعاد القول على القوم ثانية فاصمتوا وقام علي فقال مثل مقالته الأولى، ms163 فقال: (اجلس). # فأعاد القول ثالثة فلم ينطق أحد منهم بحرف، فقام علي فقال: (أنا أؤازرك يا رسول الله على هذا الأمر). فقال: (اجلس فأنت أخي ووصي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي). # فنهض القوم وهم يقولون لأبي طالب: ليهنك اليوم إن دخلت في دين ابن أخيك، فقد جعل ابنك أميرا عليك (1). # وقد أورد هذا الخبر الأستاذ أبو سعيد الخركوشي إمام أصحاب الحديث بنيشابور في تفسيره (2). # وهذا الضرب من النص قد تفرد بنقله الشيعة الإمامية خاصة، وإن كان بعض من لم يفطن لما عليه فيه من أصحاب الحديث قد روى شيئا منه. # وأما الدلالة على تصحيح هذا النص فقد سطرها أصحابنا في كتبهم، وذكروا من الكلام في إثباته وإبطال ما خرج المخالفون فيه ما ربما بلغ حجم # PageV01P323 # كتابنا هذا أو أكثر، فس أراد تحقيق أبوابه والتغلغل في شعابه فعليه بالكتاب الشافي، فإنه يشرف منه على ما لا يمكن المزيد عليه. # فصل: # وأما النص الذي يسميه أصحابنا النص الخفي فهو ما لا يقطع على أن سامعيه علموا النص عليه بالإمامة منه ضرورة، وإن كان لا يمتنع أن يكونوا يعلمونه كذلك أو علموه استدلالا، من حيث اعتبار دلالة اللفظ، ا أما نحن فلا نعلم ثبوته، والمراد به إلا استدلالا، وهذا الضرب سن النص على ضربين: قرآني، وأخباري. # فأما النص من القرآن: فقوله سبحانه وتعالى: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾ (1). # ووجه الاستدلال من هذه الآية: أنه قد ثبت أن المراد بلفظة (وليكم) المذكورة في الآية: من كان المتحقق بتدبيركم والقيام بأموركم وتجب طاعته عليكم، بدلالة أنهم يقولون في السلطان: أنه لي أمر الرعية، وفيمن ترشح للخلافة: أنه ولي عهد المسلمين، وفي من يملك تدبير انكاح المرأة: أنة وليها، وفي عصبة المقتول: أنهم أولياء الدم من حيث كانت إليهم المطالبة بالدم والعفو. # وقال المبرد في كتابه: الولي هو الأولى والأحق، ومثله المولى (2). # فإذا كان حقيقته في اللغة ذلك فالذي يدل على أنه المراد في الآية: # أنه قد ثبت ms164 أن المراد ب‍ (الذين آمنوا) ليس هو جميعهم بل بعضهم وهو من كانت له الصفة المخصوصة التي هي إيتاء الزكاة في حال الركوع. # PageV01P324 # وقد علمنا أن هذه الصفة لم تثبت لغير أمير المؤمنين عليه السلام، فإذا ثبت توجه الآية إلى بعض المؤمنين دون جميعهم، ونفى سبحانه ما أثبته عمن عدا المذكور بلفظة (إنما) لأنها محققة لما ذكرنا فيه لما لم يذكره - يبينه قولهم: إنما الفصاحة في الشعر للجاهلية، يريدون نفي الفصاحة عن غيرهم، وإنما النحاة المدققون البصريون يريدون نفي التدقيق عن غيرهم، وإنما أكلت رغيفا يريدون نفي أكل أكثر من رغيف - فيجب أن يكون المراد بلفظة (ولي) في الآية ما يرجع إلى معنى الإمامة والاختصاص بالتدبير، لأن ما تحمله هذه اللفظة من الموالاة في الدين والمحبة لا تخصص في ذلك، والمؤمنون كلهم مشتركون في معناه، فقد قال الله سبحانه: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ (1) فإذا ثبت ذلك فالذي يدل على توجه لفظة (الذين آمنوا) إلى أمير المؤمنين عليه السلام أشياء: # منها: قد ورد الخبر في ذلك بنقل طائفتين مختلفتين ومن طريق العامة والخاصة نزول الآية في أمير المؤمنين عند تصدقه بخاتمه في حال ركوعه، والقصة في ذلك مشهورة (2). # ومنها: أن الأمة قد أجمعت على توجهها إليه عليه السلام، لأنها بين قائلين: قائل يقول: إن المراد بها جميع المؤمنين الذين هو أحدهم، وقائل يقول: إنه المختص بها. # ومنها: أن كل من ذهب إلى أن المراد بالآية ما ذكرناه من معنى الإمامة # PageV01P325 # يذهب إلى أنه عليه السلام هو المراد بها والمقصود، ويدل على أنه عليه السلام المختص بالآية هو دون غيره، أن الإمامة إذا بطل ثبوتها لأكثر من واحد في الزمان، واقتضت اللفظة الإمامة، وتوجهت إليه عليه السلام بما قدمناه ثبت أنه عليه السلام المنفرد بها، ولأن كل من ذهب إلى أن اللفظة مقتضية للإمامة أفرده عليه السلام بموجبها، وما يورد في هذا الدليل من الأسئلة والجوابات فموضعها الكتب الكبار. # فصل: # وأما النص من طريق الأخبار: فمثل قوله صلى الله عليه وآله ms165 وسلم يوم غدير خم: (من كنت مولاه فعلي مولاه) (1). # وقوله: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) (2). # PageV01P326 # فهذان الخبران مما رواهما الشيعي والناصبي، وتلقته الأمة بالقبول على اختلافها في النحل وتباينها في المذاهب، وإن كانوا قد اختلفوا في تأويله واعتقاد المراد به. # فاما وجه الاستدلال بخبر الغدير ففيه طريقتان: إحداهما: أن نقول: # ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرر أمته في ذلك المقام على فرض طاعته فقال: (ألست أولى بكم من أنفسكم) فلما أجابوه بالاعتراف وقالوا: بلى، رفع بيد أمير المؤمنين عليه السلام وقال عاطفا على ما تقدم: (فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه (1) - وفي روايات اخر: فعلي مولاه - اللهم وال من # PageV01P327 # والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله) (١). # فأتى عليه الصلاة والسلام بجملة يحتمل لفظها معنى الجملة الأولى التي قدمها، وهو أن لفظة (مولى) تحتمل معنى أولى، وإن كانت تحتمل غيره، فيحب أن يكون أراد بها المعنى المتقدم على مقتضى استعمال أهل اللغة، وإذا كانت هذه اللفظة تفيد معنى الإمامة بدلالة أنهم يقولون: السلطان أولى بإقامة الحدود من الرعية، والمولى أولى بعبده، وولد الميت أولى بميراثه من غيره، وقوله سبحانه: ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ (2) لا خلاف بين المفسرين أن المراد به أنه أولى بتدبير المؤمنين والأمر والنهي فيهم من كل أحد منهم. وإذا كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أولى بالخلق من أنفسهم من حيث كان مفترض الطاعة عليهم، وأحق بتدبيرهم وأمرهم ونهيهم وتصريفهم بلا خلاف، وجب أن يكون ما أوجبه لأمير المؤمنين عليه السلام فيكون أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من حيث أن طاعته مفترضة عليهم، # PageV01P328 # وأمره ونهيه مما يجب نفوذه فيهم، وفرض الطاعة والتحقق بالتدبير من هذا الوجه لا يكون الا لنبي أو إمام، فإذا لم يكن عليه السلام نبيا وجب أن يكون إما ما - وأما الطريقة الأخرى في الاستدلال بهذا الخبر فهي: أن لا نبي الكلام على المقدمة ونستدل بقوله: (من كنت مولاه فعلي مولاه) من غير اعتبار لما قبله، فنقول: معلوم ms166 أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أوجب لأمير المؤمنين عليه السلام أمرا كان واجبا له لا محالة، فيجب أن يعتبر ما تحتمله لفظة (مولى) من الأقسام، وما يصح كون النبي صلى الله عليه وآله وسلم مختصا به منها وما لا يصح، وما يجوز أن توجبه لغيره في تلك الحال وما لا يجوز، وجميع ما تحتمله لفظة (مولى) ينقسم إلى أقسام: # منها: ما لم يكن - عليه وآله السلام - عليه، وهو المعتق والحليف لأنه لم يكن حليفا لأحد، والحليف الذي يحالف قبيلة وينتسب إليهم ليتعزز بهم ومنها: ما كان عليه، ومعلوم لكل أحد أنه لم يرده وهو المعتق والجار والصهر والحليف والإمام إذا عد من أقسام المولى وابن العم. # ومنها: ما كان عليه، معلوم بالدليل أنه لم يرده، وهو ولاية الدين والنصرة فيه والمحبة أو ولاء العتق. ومما يدل على أنه لم يرده ذلك أن كل عاقل يعلم من دينه صلى الله عليه وآله وسلم وجوب موالاة المؤمنين بعضهم بعضا ونطق القرآن بذلك، وكيف يجوز أن يجمع عليه وآله السلام ذلك الجمع العظيم في مثل تلك الحال ويخطب على المنبر المعمول من الرحا ليعلم الناس من دينه ما يعلمونه هم ضرورة. # وكذلك ولاء العتق، فإنهم يعلمون أن ولاء العتق لبني العم قبل الشريعة وبعدها. # ويبطل ذلك أيضا ما جاء في الرواية من مقال عمر بن الخطاب له عليه PageV01P329 # السلام: بخ بخ يا علي أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة (1). # ومنها: ما كان حاصلا له ويجب أن يريده، وهو الأولى بتدبير الأمة وأمرهم ونهيهم، لأنا إذا أبطلنا جميع الأقسام وعلمنا أنه يستحيل أن يخلو كلامه من معنى وفائدة، ولم يبق إلا هذا القسم، وجب أن يريده، وقد بينا أن كل من كان بهذه الصفة فهو الإمام المفترض الطاعة، وأما استيفاء الكلام فيه ففي الكتب الكبار (2). # PageV01P330 # فصل: # وأما الاستدلال بالخبر الاخر وهو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) (1) فإنه يدل على النص ms167 من وجهين: أحدهما: أن هذا القول يقتضي حصول جميع منازل هارون من موسى لأمير المؤمنين من النبي عليه السلام إلا ما خصه الاستثناء المنطوق به في الخبر من النبوة، وما جرى مجرى الاستثناء وهو العرف من أخوة النسب، وقد علمنا أن من منازل هارون من موسى عليهما السلام هي: # الشركة في النبوة، وأخوة النسب، والتقدم عنده في الفضل والمحبة والاختصاص على جميع قومه، والخلافة له في حال غيبته على أمته، وأنه لو بقي بعده لخلفه فيهم. وإذا خرج. الاستثناء بمنزلة النبوة، وخص العرف منزلة الاخوة - لان كل من عرفهما علم أنهما لم يكونا ابني أب واحد - وجب القطع على ثبوت ما عدا هاتين المنزلتين من المنازل الاخر. وإذا كان في جملة # PageV01P331 # تلك المنازل أنه لو بقي لخلفه ودبر أمر أمته، وقام فيهم مقامه، وعلما بقاء أمير المؤمنين عليه السلام بعد وفاة الرسول عليه السلام وجبت له الإمامة بعده بلا شبهة، وإنما قلنا إن هارون لو بقي بعد موسى عليه السلام لحلفه في أمته، لأنه قد ثبتت خلافته له في حال حياته، وقد نطق به القران في قوله تعالى: ﴿وقال موسى لأخيه هارون أخلفني في قومي﴾ (1) وإذا ثبتت له الخلافة في حال الحياة وجب حصولها له بعد الوفاة لو بقي إليها، لأن خروجها عنه في حال من الأحوال مع بقائه حط له عن مرتبة سنية كانت له، وصرف عن ولاية فوضت إليه، وذلك يقتضي التنفير، وقد يجنب الله تعالى أنبياءه من موجبات التنفير ما هو أقل مما ذكرناه بلا، خلاف فيه بيننا وبين المعتزلة، وهو الدمامة المفرطة، والخلق المشينة، الصغائر المستخفة، وان لا يجبهم فيما يسألونه لأمتهم من حيث يظهر لهم. # واما الوجه الآخر من الاستدلال بالخبر على النص فهو: أن نقول: قد ثبت كون هارون عليه السلام خليفة لموسى عليه السلام، على أمته في حياته ومفترض الطاعة عليهم، وإن هذه المنزلة من جملة منازله منه، ووجدنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم استثنى ما لم يرده من المنازل بعده بقوله: ms168 (إلا أنه لا نبي بعدي) فدل هذا الاستثناء على أن ما لم يستثنه حاصل لأمير المؤمنين عليه السلام بعده، وإذا كان من جملة المنازل الخلافة في الحياة وثبتت بعده فقد تبين صحة النص عليه بالإمامة. # وإنما قلنا: إن الاستثناء في الخبر يدل على بقاء ما لم يستثن من المنازل بعده، لأن الاستثناء كما أن من شأنه إذا كان مطلقا أن يوجب ثبوت ما لم يستثن مطلقا، فكذلك إذا قيد بحال أو وقت أن يوجب ثبوت ما لم # PageV01P332 # يستثن في ذلك الوقت، وفي تلك الحال ألا ترى أن قول القائل: ضربت أصحابي إلا أن زيدا في الدار يدل على أن ضربه أصحابه كان في الدار لتعلق الاستثناء بذلك، والأسئلة والجوابات في الدليل كثيرة، وفيما ذكرناه هنا كفاية لمن تدبره. # وأما ما تختص الشيعة بنقله من ألفاظ النصوص الصريحة على أمير المؤمنين عليه السلام وعلى الأئمة من أبنائه عليهم السلام بما لم يشاركها فيه مخالفوها فمما لا يحصى، أو يحصى الحصى؟! ولا يمكن له الحصر والعد، أو يحص رمل عالج ويعد؟ # ونحن نذكر جملة كافية من الأخبار في هذا الباب شافية في معناها لأولي الألباب إذا انتهينا إلى الركن الرابع من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. PageV01P333 # (الباب الثالث) في ذكر طرف من آيات الله سبحانه الظاهرة على أمير المؤمنين عليه السلام والمعجزات الخارقة للعادة المؤيدة لإمامته الدالة على مكانه من الله عز وجل ومنزلته PageV01P335 # وهذا الباب يشتمل على فنين من الآيات الدلالات، أحدهما ما يختص بالإخبار عن الغائبات، والفن الاخر: غيرها من المعجزات الخارقة للعادات. # فأما الفن الأول: وهو إخباره بالغائبات والكائنات قبل كونها، فيوافق الخبر المخبر عنه، فإنه أحد معجزات المسيح عليه السلام الدالة على ثبوته كما نطق به التنزيل من قوله: ﴿وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم﴾ (١) وكان ذلك من آيات نبينا صلى الله عليه وآله وسلم أيضا مثل ما جاء في القران من قوله تعالى: (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون)، ms169 (٢) وقوله تعالى في يوم بدر قبل الواقعة: (سيهزم الجمع ويولون الدبر) (٣) وقوله تعالى في غلبة فارس الروم: # ﴿ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون﴾ (4) في أمثال لذلك (لا نطول به) (5). # فكان جميع ذلك على ما قال. # وما كان من هذا الفن منقولا عن أمير المؤمنين عليه السلام فهو أكثر من أن يحصى ولا يمكن إنكاره، إذ ظهر للخلق اشتهاره، فلا يخفى على العام والخاص ما حفظ عنه عليه السلام من الملاحم والحوادث في خطبه وكلامه وحديثه بالكائنات قبل كونها: # فمنه: قوله قبل قتاله الفرق الثلاثة بعد بيعته: (أمرت بقتال الناكثين # PageV01P336 # والقاسطين والمارقين) (1). # فما مضت الأيام حتى قاتلهم. # ومنه: قوله لطلحة والزبير لما استأذناه في الخروج إلى العمرة: (أو الله ما تريدان العمرة وإنما تريدان البصرة) (2). # فكان كما قال. # ومنه: قوله بذي قار وهو جالس لاخذ البيعة: (يأتيكم من قبل الكوفة ألف رجل لا يزيدون رجالا ولا ينقصون رجلا يبايعوني على الموت). # قال ابن عباس: فجعلت أحصيهم فاستوفيت عددهم تسعمائة رجل وتسعة وتسعين رجلا ثم انقطع مجئ القوم فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون ماذا حمله على ما قال! فبينا أنا متفكر في ذلك إذ رأيت شخصا قد أقبل حتى دنا، وإذا هو رجل عليه قباء صوف، معه سيفه وترسه وأدواته، فقرب من أمير المؤمنين عليه السلام فقال: امدد يدك أبايعك، فقال عليه السلام: (وعلى م تبايعني؟) قال: على السمع والطاعة والقتال بين يديك حتى أموت أو يفتح الله عليك، فقال: (ما اسمك) قال: أويس قال: (أنت أويس القرني؟) قال: # نعم. قال: قال: (الله أكبر، أخبرني حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أني أدرك رجلا من أمته يقال له: أويس القرني يكون من حزب الله ورسوله، يموت على الشهادة، يدخل في شفاعته مثل ربيعة ومضر). # PageV01P337 # قال ابن عباس: فسرى عني (1). # ومنه: إخباره بالمخدج (2) وقوله: (إن فيهم لرجلا موذون اليد، له ثدي كثدي المرأة وهو شر الخلق والخليقة، قاتلهم أقرب الخلق إلى الله وسيلة). # ولم يكن ms170 المخدج معروفا في القوم، فلما قتل الخوارج جعل يطلبه في القتلى ويقول: (والله ما كذبت ولا كذبت) ويحض أصحابه على طلبه لما أجلت الوقعة، وكان يرفع رأسه إلى السماء تارة ويحطه أخرى، حتى وجد في القوم فشق عن قميصه، فكان على كتفه سلعة كثدي المرأة عليها شعرات إذا جذبت انجذب كتفه معها وإذا تركت رجع كتفه إلى موضعها، فلما وجده كبر ثم قال: (أن في هذه لعبرة لمن استبصر) (3). # ومنه: قوله في الخوارج مخاطبا لأصحابه: (والله لا يفلت منهم عشرة # PageV01P338 # ولا يهلك منكم عشرة) (1). # فكان كما قال. # ومنه: ما رواه جندب بن عبد الله الأزدي قال: شهدت مع علي عليه السلام الجمل وصفين لا أشك في قتال من قاتله، حتى نزلت النهروان فدخلني شك فقلت: قراؤنا وخيارنا نقتلهم! إن هذا الأمر عظيم، فخرجت غدوة أمشي ومعي أداوة ماء حتى برزت من الصفوف، فركزت رمحي ووضعت ترسي عليه واستترت من الشمس، فإني لجالس إذ ورد علي أمير المؤمنين عليه السلام فقال: (يا أخا الأزد أمعك طهور؟) قلت: نعم. # فناولته الأداوة، فمضى حتى لم أره، ثم أقبل فتطهر فجلس في ظل الترس، فإذا فارس يسأل عنه، فقلت: يا أمير المؤمنين هذا فارس يريدك، قال: (فأشر إليه) فأشرت إليه فجاء فقال: يا أمير المؤمنين قد عبر القوم وقطع النهر، فقال: (كلا ما عبروا)، فقال: بلى والله لقد فعلوا، قال: (كلاما فعلوا). # قال: فإنه لكذلك إذ جاء رجل اخر فقال: يا أمير المؤمنين قد عبر القوم، قال: (كلا ما عبر القوم) قال: والله ما جئتك حتى رأيت الرايات في ذلك الجانب والأثقال، قال: (والله ما فعلوا، وأنه لمصرعهم ومهراق دمائهم). # ثم نهض ونهضت معه، فقلت في نفسي: الحمد لله الذي بصرني بهذا الرجل وعرفني أمره، هذا أحد رجلين: إما رجل كذاب جرئ، أو على بينة من ربه وعهد من نبيه، اللهم إني أعطيك عهدا تسألني عنه يوم القيامة: إن أنا وجدت القوم قد عبروا أن أكون أول من يقاتله وأول من يطعن بالرمح في ms171 عينه، وإن كانوا لم يعبروا أن أقيم على المناجزة والقتال. # PageV01P339 # فدفعنا إلى الصفوف، فوجدنا الرايات والأثقال كما هي، قال: فأخذ بقفاي ودفعني ثم قال: (يا أخا الأزد، أتبين لك الأمر؟) فقلت: أجل يا أمير المؤمنين، قال: (فشأنك بعدوك) فقتلت رجلا، ثم قتلت آخرا، ثم اختلفت أنا ورجل آخر أضربه ويضربني فوقعنا جميعا، فاحتملني أصحابي، فأفقت حين أفقت وقد فرغ القوم (1). # فكان كما قال عليه السلام. # وأما إخباره عليه السلام بما يكون بعد وفاته من الحوادث والملاحم والوقائع، وما ينزل بشيعته من الفجائع، وما يحدث من الفتن في دولة بني أمية والدولة العباسية وغيرها فأكثر من أن تحصى: # فمن ذلك: قوله عليه السلام لأهل الكوفة: (أما إنه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم، مندحق (2) البطن، يأكل ما يجد، ويطلب ما لا يجد، فاقتلوه ولن تقتلوه، ألا وإنه سيأمركم بسبي والبراءة مني، فأما السب فسبوني فإنه لي زكاة ولكم نجاة، وأما البراءة فلا تتبرؤوا مني، فإني ولدت على الفطرة وسبقت إلى الإسلام والهجرة) (3). # فكان كما قال عليه السلام. # ومن ذلك: أنه لما اخذ مروان بن الحكم أسيرا يوم الجمل فتكلم فيه الحسن والحسين عليهما السلام فخلى سبيله فقالا له: (يبايعك يا أمير المؤمنين) فقال: (ألم يبايعني بعد قتل عثمان، لا حاجة لي في بيعته، # PageV01P340 # أما إن له إمرة كلعقة الكلب أنفه، وهو أبو الأكبش الأربعة، وستلقى الأمة منه ومن ولده موتا أحمر) (1). # فكان كما قال عليه السلام. # ومن ذلك: قوله عليه السلام: (أما إنه سيليكم من بعدي ولاة لا يرضون منكم بهذا، يعذبوكم بالسياط والحديد، إنه من عذب الناس في الدنيا عذبه الله في الآخرة، وآية ذلك أنه يأتيكم صاحب اليمن حتى يحل بين أظهركم، فيأخذ العمال، وعمال العمال رجل يقال له: يوسف بن عمر) (2). # فكان كما قال عليه السلام. # ومن ذلك: قوله لجويرية بن مسهر: (ليقتلنك العتل الزنيم، وليقطعن يدك ورجلك، ثم ليصبنك تحت جذع كافر). # فلما ولي زياد في أيام معاوية قطع يده ورجله، وصلبه على جذع ابن معكبر (3). # ومن ms172 ذلك: حديث ميثم التمار رحمه الله، فقد روى نقلة الآثار: أنه كان عند امرأة من بني أسد، فاشتراه أمير المؤمنين عليه السلام منها، فأعتقه وقال له: (ما اسمك؟) فقال؟ سالم، قال: (فأخبرني رسول الله أن اسمك الذي سماك به أبوك في العجم ميثم) قال: صدق الله ورسوله وصدقت يا أمير المؤمنين، قال: (فارجع إلى اسمك الذي سماك به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودع سالما) فرجع إلى ميثم واكتنى بأبي سالم. # PageV01P341 # فقال له أمير المؤمنين ذات يوم: (إنك تؤخذ بعدي فتصلب وتطعن بحربة، فإذا كان اليوم الثالث ابتدر منخراك وفمك دما فتخضب لحيتك، فانتظر ذلك الخضاب، وتصلب على باب دار عمرو بن حريث، أنت عاشر عشرة، أنت أقصرهم خشبة وأقربهم من المطهرة). # وأراه النخلة التي يصلب على جذعها، وكان ميثم يأتيها فيصلي عندها ويقول: بوركت من نخلة لك خلقت ولي غذيت، ولم يزل يتعاهدها حتى قطعت، وكان يلقى عمرو بن حريث فيقول له: إني مجاورك فأحسن جواري. وهو لا يعلم ما يريد. # وحج في السنة التي قتل فيها، فدخل على أم سلمة فقالت: من أنت؟ # قال: أنا ميثم. قالت: والله لربما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوصي بك عليا في جوف الليل، فسألها عن الحسين عليه السلام فقالت: # هو في حائط له، قال: فأخبريه إني قد أحببت السلام عليه، ونحن ملتقون عند رب العالمين إن شاء الله تعالى. فدعت بطيب وطيبت لحيته وقالت له: # أما إنها تخضب بدم. # فقدم الكوفة فأخذه عبيد الله بن زياد لعنه الله وقال له: ما أخبرك صاحبك أني فاعل بك وقال: أخبرني أنك تصلبني عاشر عشرة أنا أقصرهم خشبة وأقربهم إلى المطهرة، قال: لنخالفنه، قال: كيف تخالفه؟! فوالله ما أخبرني إلا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن جبرئيل عليه السلام عن الله عز تعالى، فكيف تخالف هؤلاء؟ ولقد عرفت الموضع الذي أصلب عليه أين هو من الكوفة، وأنا أول خلق الله الجم في الاسلام. # فحبسه وحبس معه المختار ms173 بن أبي عبيد، فقال ميثم للمختار: إنك تفلت وتخرج ثائرا بدم الحسين فتقتل هذا الذي يقتلنا. # فلما دعا عبيد الله بالمختار ليقاتله طلع بريد بكتاب يزيد يأمره بتخلية PageV01P342 # سبيله فخلاه، وأمر بميثم أن يصلب فاخرج فقال له رجل لقيه: ما كان أغناك عن هذا يا ميثم، فتبسم وقال وهو يومئ إلى النخلة: لها خلقت ولي غذيت، فلما رفع على الخشبة اجتمع الناس حوله على باب عمرو بن حريث قال عمرو: قد كان والله يقول لي: إني مجاورك، فلما صلب أمر جاريته بكنس تحت خشبته ورشه وتجميره، فجعل ميثم يحدث بفضائل بني هاشم فقيل لابن زياد لعنه الله: قد فضحكم هذا العبد، فقال: ألجموه. # فكان أول خلق الله الجم في الاسلام. # وكان مقتل ميثم قبل قدوم الحسين بن علي عليهما السلام على العراق بعشرة أيام، فلما كان اليوم الثالث من صلبه طعن ميثم بالحربة، فكبر ثم انبعث في اخر النهار أنفه وفمه دما (1). # ومن ذلك: ما رواه مجاهد، عن الشعبي، عن زياد بن النضر الحارثي قال: كنت عند زياد إذ اتي برشيد الهجري فقال له: ما قال لك صاحبك - يعني عليا عليه السلام - إنا فاعلون بك؟ قال: تقطعون يدي ورجلي وتصلبوني، فقال زياد: أما والله لأكذبن حديثه، خلوا سبيله. # فلما أراد أن يخرج قال زياد: والله ما نجد له شيئا شرا مما قال له صاحبه، اقطعوا يديه ورجليه واصلبوه. # فقال رشيد: هيهات، قد بقي لكم عندي شئ أخبرني أمير المؤمنين عليه السلام به، قال زياد: اقطعوا لسانه. # فقال رشيد: الآن والله جاء تصديق خبر أمير المؤمنين عليه السلام (2). # PageV01P343 # ومن ذلك: اخباره مولاه قنبر وصاحبه كميل بن زياد بأن الحجاج بن يوسف يقتلهما (1) فكان كما قال - ومن ذلك: ما اشتهرت به الرواية أنه عليه السلام خطب فقال في خطبته: (سلوني قبل أن تفقدوني، فوالله ما تسألونني عن فئة تضل مائة وتهدي مائة إلا أنبأتكم بناعقها وسائقها إلى يوم القيامة) فقام إليه رجل فقال: # أخبرني كم في رأسي ولحيتي من طاقة شعر؟ # فقال ms174 عليه السلام: (لقد حدثني خليلي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما سألت عنه، وأن على كل طاقة شعر في رأسك ملكا يلعنك، وعلى كل طاقة شعر في لحيتك شيطانا يستفزك، وأن في بيتك لسخلا يقتل ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وآية ذلك مصداق ما أخبرتك به، ولولا أن الذي سألت عنه يعسر برهانه لأخبرت به، ولكن آية ذلك ما نبأته عن سخلك الملعون) (2). # وكان ابنه في ذلك الوقت صغيرا يحبو، فلما كان من أمر الحسين عليه السلام ما كان، تولى قتله، فكان كما قال. # PageV01P344 # ومن ذلك: ما روي عن سويد بن غفلة: أن رجلا جاء إلى أمير المؤمنين عليه السلام فأخبره أن خالد بن عرفطة قد مات فاستغفر له، فقال: (إنه لم يمت ولا يموت حتى يقود جيش ضلالة صاحب لوائه حبيب ابن جماز). # فقام رجل من تحت المنبر فقال: يا أمير المؤمنين، والله إني لك شيعة، وإني لك محب، وأنا حبيب بن جماز. # فقال: (إياك أن تحملها، ولتحملنها فتدخل من هذا الباب) وأومأ بيده إلى باب الفيل. # فلما كان من أمر الحسين عليه السلام ما كان بعث ابن زياد بعمر بن سعد إلى الحسين، وجعل خالد بن عرفطة على مقدمته، وحبيب بن جماز صاحب رايته، فسار بها حتى دخل المسجد من باب الفيل (1). وهذا الخبر مستفيض في أهل العلم بالآثار من أهل الكوفة. # ومن ذلك: ما رواه إسماعيل بن زياد قال: إن عليا عليه السلام قال للبراء بن عازب: (يا براء، يقتل ابني الحسين وأنت حي لا تنصره). # فلما قتل الحسين عليه السلام كان البراء يقول: صدق والله علي بن أبي طالب عليه السلام، قتل الحسين بن علي وأنا لم أنصره. ويظهر الندم على ذلك والحسرة (2). # PageV01P345 # وهذا الذي ذكرناه - من جملة إخباره بالغائبات وإعلامه بالكائنات قبل كونها - غيض من فيض، ويسير من كثير، ولو لم تكن إلا خطبته القاصعة، وخطبة البصرة المستفيضة الشائعة، وما فيها من الملاحم والحوادث في العباد والبلاد، وأسامي ملوك ms175 بني أمية وبني العباس، وما حل من عظائم بلياتهم بالناس لكفى بهما أعجوبة لا يعادلها سواها إلا ما ساواها في معناها، وفيما ذكرناه كفاية ومقنع لذوي الألباب. # وأما الفن الآخر من المعجزات والآيات الخارقة للعادات التي هي غير الإخبار بالغائبات فمما لا يدخل تحت الضبط والانحصار، ونحن نذكر طرفا منها على شريطة الاختصار: # فمن ذلك: قصة عين راحوما والراهب بأرض كربلاء والصخرة، والخبر بذلك مشهور بين الخاص والعام، وحديثها: # أنه عليه السلام لما توجه إلى صفين لحق أصحابه عطش، فأخذوا يمينا وشمالا يطلبون الماء فلم يجدوه، فعدل بهم أمير المؤمنين عن الجادة، وسار قليلا، فلاح لهم دير فسار بهم نحوه، وأمر من نادى ساكنه بالاطلاع إليهم، فنادوه فاطلع، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: (هل قرب قائمك ماء؟) فقال: هيهات، بينكم وبين الماء فرسخان، وما بالقرب مني شئ من الماء. فلوى عليه السلام عنق بغلته نحو القبلة وأشار بهم إلى مكان يقرب من الدير فقال: (اكشفوا الأرض في هذا المكان) فكشفوه بالمساحي فظهرت لهم صخرة عظيمة تلمع فقالوا: يا أمير المؤمنين، ههنا صخرة لا تعمل فيها المساحي، فقال عليه السلام: (إن هذه الصخرة على الماء، فاجتهدوا في PageV01P346 # قلعها) (1) فاجتمع القوم وراموا تحريكها فلم يجدوا إلى ذلك سبيلا واستصعبت عليهم، فلوى عليه السلام رجله عن سرجه حتى صار إلى الأرض وحسر ذراعيه ووضع أصابعه تحت جانب الصخرة فحركها ثم قلعها بيده ودحا بها أذرعا كثيرة، فلما زالت عن مكانها ظهر لهم بياض الماء فتبادروا إليه فشربوا منه، فكان أعذب ماء وأبرده وأصفاه، فقال لهم: (تزودوا وارتووا) ففعلوا ذلك. # ثم جاء إلى الصخرة فتناولها بيده ووضعها حيث كانت، وأمر أن يعفى أثرها بالتراب، والراهب ينظر من فوق ديره، فلما علم ما جرى نادى: يا معشر الناس أنزلوني أنزلوني، فأنزلوه فوقف بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام فقال له: أنت نبي مرسل؟ قال: (لا)، قال: فملك مقرب؟ قال: (لا)، قال: فمن أنت؟ قال: (أنا وصي رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله ms176 عليه وآله وسلم خاتم النبيين) قال: ابسط يدك أسلم لله على يدك. فبسط عليه السلام يده وقال له: (اشهد الشهادتين) فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، وأشهد أنك وصي رسول الله وأحق الناس بالأمر من بعده، وقال: # يا أمير المؤمنين إن هذا الدير بني على طلب قالع هذه الصخرة ومخرج الماء من تحتها، وقد مضى عالم كثير قبلي ولم يدركوا ذلك، وقد رزقنيه الله عز وجل، إنا نجد في كتاب من كتبنا مآثر عن علمائنا إن في هذا الصقع عينا عليها صخرة لا يعرف مكانها إلا نبي أو وصي نبي، وإنه لا بد من ولي لله يدعو إلى الحق، آيته معرفة مكان هذه الصخرة وقدرته على قلعها، وإني لما رأيتك قد بلغت ذلك تحققت ما كنا ننتظره، وبلغت الأمنية منه، فأنا اليوم مسلم على يدك ومؤمن بحقك ومولاك. # PageV01P347 # فلما سمع بذلك أمير المؤمنين بكى حتى اخضلت لحيته من الدموع وقال: (الحمد لله الذي كنت في كتبه مذكورا، الحمد لله الذي لم أك عنده منسيا (ثم دعا الناس وقال: (اسمعوا ما يقوله أخوكم المسلم) (١) فسمع الناس مقالته وشكروا الله على ذلك، وساروا والراهب بين يديه حتى لقي أهل الشام، فكان الراهب في جملة من استشهد معه، فتولى الصلاة عليه ودفنه وأكثر من الاستغفار له، وكان إذا ذكره يقول: (ذاك مولاي) (٢). # وفي هذا الخبر ضروب من الآيات: أحدها: علم الغيب (٣). # والاخر: القوة الخارقة للعادة. # والثالث: ثبوت البشارة به في كتب الله الأولى كما جاء في التنزيل: # ﴿ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل﴾ (4). # وفي ذلك يقول السيد إسماعيل بن محمد الحميري: # (1) ولقد سرى فيما يسير ليلة * بعد العشاء بكربلا في موكب (2) حتى أتن متبتلا في قائم * ألقى قواعده بقاع مجدب (3) يأتيه ليس بحيث يلفي عامرا * غير الوحوش وغير أصلع أشيب (4) فدنا فضاح به فأشرف ماثلا * كالنسر فوق شظية من مرقب # PageV01P348 # (5) هل قرب قائمك الذي بوئته * ماء يصاب فقال ما من مشرب (6) إلا بغاية فرسخين ومن لنا ms177 * بالماء بين نقاوقي سبسب (7) فثنى الأعنة نحو وعث فاجتلى * ملساء تبرق كاللجين المذهب (8) قال اقلبوها إنكم إن تقلبوا * ترووا ولا تروون إن لم تقلب (9) فاعصوصبوا في قلبها فتمنعت * منهم تمنع صعبة لم تركب (10) حتى إذا أعيتهم أهوى لها * كفا متى ترد المغالب تغلب (11) فكأنها كرة بكف حزور * عبل الذراع دحا بها في ملعب (12) قال اشربوا من تحتها متسلسلا * عذبا يزيد على الألذ الأعذب (13) حتى إذا شربوا جميعا ردها * ومضى فخلت مكانها لم يقرب (14) أعني ابن فاطمة الوصي ومن يقل * في فضله وفعاله لا يكذب (1) # PageV01P349 # ومن ذلك: ما استفاضت به الأخبار ونظمت فيه الأشعار من رجوع الشمس له عليه السلام مرتين: في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرة، وبعد وفاته أخرى، فالأولى قد روتها أسماء بنت عميس، وأم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري في جماعة من الصحابة: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ذات يوم في منزله وعلي عليه السلام بين يديه إذ جاءه جبرئيل يناجيه عن الله عز وجل، فلما تغشاه الوحي توسد فخذ أمير المؤمنين عليه السلام فلم يرفع رأسه عنه حتى غابت الشمس وصلى عليه السلام صلاة العصر جالسا بالإيماء، فلما أ فاق النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: (ادع الله ليرد عليك الشمس، فإن الله يجيبك لطاعتك الله ورسوله) فسأل الله عز وجل أمير المؤمنين في رد الشمس، فردت عليه حتى صارت في موضعها من السماء وقت العصر، فصلى أمير المؤمنين الصلاة في وقتها ثم غربت، وقالت أسماء بنت عميس: # أما والله لقد سمعنا لها عند غروبها صريرا كصرير المنشار في الخشب (1). # PageV01P350 # وأما الثانية: أنه لما أراد أن يعبر الفرات ببابل اشتغل كثير من أصحابه بتعبير دوابهم ورحالهم، وصلى بنفسه في طائفة معه العصر، فلم يفرغ الناس من عبورهم حتى غربت الشمس وفات كثيرا منهم الصلاة، وفات جمهورهم فضل الجماعة معه، فتكلموا في ذلك، فلما سمع كلامهم فيه سأل الله عز ms178 وجل رد الشمس عليه فأجابه بردها عليه، فكانت في الأفق على الحالة التي تكون وقت العصر، فلما سلم بالقوم غابت فسمع لها وجيب شديد. # وفي ذلك يقول السيد الحميري: # ردت عليه الشمس لما فاته وقت الصلاة وقد دنت للمغرب حتى تبلج نورها في وقتها للعصر ثم هوت هوي الكوكب وعليه قد حبست ببابل مرة أخرى وما حبست لخلق معرب الا ليوشع أو له من بعده ولردها تأويل أمر معجب (1) ومن ذلك: ما رواه نقلة الأخبار من حديث الثعبان، والآية فيه أنه كان عليه السلام يخطب ذات يوم على منبر الكوفة إذ ظهر ثعبان من جانب المنبر، فجعل يرقى حتى دنا من منبره، فارتاع لذلك الناس وهموا بقصده ودفعه عنه، فأومأ إليهم بالكف عنه، فلما صار إلى المرقاة التي كان أمير المؤمنين عليه السلام قائما عليها انحنى إلى الثعبان وتطاول الثعبان إليه حتى التقم اذنه، وسكت الناس وتحيروا لذلك، فنق نقيقا سمعه كثير منهم، ثم إنه زال عن مكانه وأمير المؤمنين عليه السلام يحرك شفتيه والثعبان كالمصغي إليه، ثم # PageV01P351 # انساب فكأن الأرض ابتلعته، وعاد أمير المؤمنين عليه السلام إلى خطبته فتممها، فلما فرغ منها ونزل اجتمع الناس إليه يسألونه عن حال الثعبان، فقال لهم: (إنما هو حاكم من حكام الجن التبست عليه قضية فصار إلي يستفتيني عنها، فأفهمته إياها ودعا إلي بخير وانصرف) (1). # ومن ذلك: حديث الحيتان وكلامهم له في فرات الكوفة، وذلك أن الماء طغى في الفرات حتى أشفق أهل الكوفة من الغرق، ففزعوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فركب بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخرج الناس معه حتى أتى شاطئ الفرات فنزل عليه السلام وأسبغ الوضوء وصلى، والناس يرونه، ودعا الله عز وجل بدعوات سمعها أكثرهم، ثم تقدم إلى الفرات متوكئا على قضيب بيده حتى ضرب به صفحة الماء وقال: # (انقص بإذن الله ومشيئته) فغاض الماء حتى بدت الحيتان من قعره، فنطق كثير منها بالسلام عليه بإمرة المؤمنين ولم ينطق منها أصناف من السمك وهي الجري ms179 والمار ما هي، فتعجب الناس لذلك، وسألوه عن علة نطق ما نطق وصمت ما صمت، فقال: (أنطق الله لي ما طهر من السمك، وأصمت عني ما نجس وحرم) (2). # وهذا الخبر مستفيض أيضا كاستفاضة كلام الذئب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وتسبيح الحصى في كفه وأمثال ذلك. # ومن ذلك: ما جاء في الآثار عن ابن عباس قال: لما خرج النبي # PageV01P352 # صلى الله عليه وآله وسلم إلى بني المصطلق ونزل بقرب واد وعر، فلما كان آخر الليل هبط عليه جبرئيل عليه السلام يخبره عن طائفة من كفار الجن قد استبطنوا الوادي يريدون كيده وإيقاع الشر بأصحابه، فدعا أمير المؤمنين عليه السلام وقال: (اذهب إلى هذا الوادي فسيعرض لك من أعداء الله الجن من يريدك، فادفعه بالقوة التي أعطاك الله عز وجل إياها، وتحصن منه بأسماء الله التي خصك بها وبعلمها (وأنفذ معه مائة رجل من أخلاط الناس وقال لهم: # كونوا معه وامتثلوا أمره). # فتوجه أمير المؤمنين عليه السلام إلى الوادي، فلما قارب شفيره أمر المائة الذين صحبوه أن يقفوا بقرب الشفير ولا يحدثوا شيئا حتى يأذن لهم، ثم تقدم فوقف على شفير الوادي وتعوذ بالله من أعدائه، وسماه بأحسن أسمائه، وأومأ إلى القوم الذين تبعوه أن يقربوا منه، فقربوا، وكان بينه وبينهم فرجة مسافتها غلوة، ثم رام الهبوط إلى الوادي فاعترضت ريح عاصف كاد القوم يقعون على وجوههم لشدتها، ولم تثبت أقدامهم على الأرض من هول ما لحقهم، فصاح أمير المؤمنين عليه السلام: (أنا علي بن أبي طالب بن عبد المطلب وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابن عمه، أثبتوا إن شئتم) فظهر للقوم أشخاص مثل الزط (1) تخيل في أيديهم شعل النار، قد اطمأنوا وأطافوا بجنبات الوادي. # فتوغل أمير المؤمنين عليه السلام بطن الوادي وهو يتلو القرآن ويومئ بسيفه يمينا وشمالا، فما لبثت الأشخاص حتى صارت كالدخان الأسود، وكبر أمير المؤمنين عليه السلام ثم صعد من حيث هبط، فقام مع القوم الذين # PageV01P353 # اتبعوه حتى أسفر الموضع عما اعتراه، فقال ms180 له أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما لقيت يا أبا الحسن، فقد كدنا نهلك خوفا وإشفاقا عليك؟ فقال عليه السلام: (لما تراءى لي العدو جهرت فيهم بأسماء الله فتضاءلوا وعلمت ما حل بهم من الجزع، فتوغلت الوادي غير خائف منهم، ولو بقوا على هيئاتهم لأتيت على آخرهم، وكفى الله كيدهم وكفى المسلمين شرهم، وستسبقني بقيتهم إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيؤمنوا به). # وانصرف أمير المؤمنين عليه السلام بمن معه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره الخبر فسرى عنه ودعا له بخير وقال له: (قد سبقك يا علي إلي من أخافه الله بك فاسلم وقبلت إسلامه (1). # ومن ذلك: ما أخافه الله تعالى به من القوة الخارقة للعادة في قلع باب خيبر ودحوه به، وكان من الثقل بحيث لا يحمله أقل من أربعين رجلا، ثم حمله إياه على ظهره فكان جسرا للناس يعبرون عليه إلى ذلك الجانب، فكان ذلك علما معجزا (2). # ومن ذلك: انقضاض الغراب على خفه وقد نزعه ليتوضأ وضوء الصلاة، فانساب فيه أسود، فحمله الغراب حتى صار به في الجو ثم ألقاه فوقع منه الأسود ووقاه الله عز وجل من ذلك (3). # وفي ذلك يقول الرضي الموسوي رضي الله عنه: # أما في باب خيبر معجزات * تصدق أو مناجاة الحباب # PageV01P354 # أرادت كيده والله يأبى فجاء النصر من قبل الغراب (1) ومن ذلك: ما رواه عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر الباقر عليهما السلام من قوله عليه السلام لجويرية بن مسهر وقد عزم على الخروج: (أما إنه سيعرض لك في طريقك الأسد) قال: فما الحيلة له؟ قال: # (تقرئه مني السلام وتخبره أني أعطيتك منه الأمان). # فخرج جويرية، فبينا هو كذلك يسير على دابته إذ أقبل نحوه أسد لا يريد غيره، فقال له جويرية: يا أبا الحارث، إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام يقرؤك السلام، وانه قد آمنني منك، قال: فولى الليث عنه مطرقا برأسه يهمهم حتى غاب في الأجمة، فهمهم خمسا ms181 ثم غاب، ومضى جويرية في حاجته. # فلما انصرف إلى أمير المؤمنين عليه السلام وسلم عليه وقال: كان من الأمر كذا وكذا فقال: (ما قلت لليث وما قال لك؟). # فقال جويرية: قلت له ما أمرتني به وبذلك انصرف عني، وأما ما قال الليث فالله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم ووصي رسوله أعلم. # قال: (إنه ولى عنك يهمهم، فأحصيت له خمس همهمات ثم انصرف عنك). # قال جويرية: صدقت يا أمير المؤمنين هكذا هو. # فقال عليه السلام: (فإنه قال لك: فاقرأ وصي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مني السلام) وعقد بيده خمسا (2). # ولو ذهبنا نجتهد في إيراد أمثال هذه من الآيات والمعجزات لطال به # PageV01P355 # الكتاب، وفيما أثبتناه من ذلك غنى عما سواه، وبالله نستعين، وإياه نستهدي إلى الهدى والحق والصواب. PageV01P356 # (الباب الرابع) في ذكر بعض مناقبه وفضائله وخصائصه عليه السلام التي أبانه الله سبحانه بها عن غيره سوى ما تقدم ذكره في جملة من النصوص على إمامته والإرهاص لإيجاب طاعته وذكر مختص من أخباره وحسن اثاره PageV01P357 # إعلم: أن فضائل أمير المؤمنين عليه السلام ومناقبه وخصائصه كثيرة لا يتسع لها كتاب ولا يحويها خطاب، وليست الشيعة مختصة بروايتها وإن اختصت بكثير منها، فقد روت العامة والمخالفون من ذلك ما لا يحصى عدده، ولا ينقطع مدده، ولقد قال الأجل المرتضى علم الهدى قدس الله روحه: سمعت شيخا مقدما في الرواية من أصحاب الحديث يقال له: # أبو حفص عمر بن شاهين (1)، يقول: إني جمعت من فضائل علي عليه السلام خاصة ألف جزء. # وأما ما رواه أصحابنا من ذلك فلا تجتمع أطرافه، ولا تعد آلافه، وأنا أورد من جملتها أناسي العيون ونفوس الفصوص ومتخير المتحير سالكا طريقة منصور الفقيه في قوله: # PageV01P358 # قالوا: خذ العين من كل، فقلت لهم في العين فضل، ولكن ناظر العين حرفين من ألف طومهار مسودة وربما لم تجد في الألف حرفين وأثبتها محذوفة الأسانيد تعويلا في ذلك على اشتهارها بين نقلة الآثار، واعتمادا على أن نقلها من كتب محكومة بالصحة عند ms182 نقاد الأخبار، وجعلتها أربعة فصول: PageV01P359 # (الفصل الأول) في ذكر نبذ من خصائصه التي لم يشركه فيها غيره وهي فنون كثيرة، وفوائدها جمة غزيرة، وبينونته عليه السلام بها عن جميع البشر واضحة منيرة. # فمنها: سبقه كافة الخلق إلى الايمان. # فقد صح عنه عليه السلام أنه قال: (أنا عبد الله وأخو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنا الصديق الأكبر، لا يقولها بعدي إلا كذاب مفتر، ولقد صليت قبل الناس سبع سنين) (1). # وعن أبي ذر: أنه سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول في علي: # (أنت أول من آمن بي، وأنت أول من يصافحني يوم القيامة، وأنت الصديق الأكبر، وأنت الفاروق تفرق بين الحق والباطل، وأنت يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الكافرين) (2). # PageV01P360 # وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: # صلت الملائكة علي وعلى علي سبع سنين، وذلك أنه لم يرفع إلى السماء شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله إلا مني ومن علي) (1). # وعن أبي أيوب الأنصار في قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:) لقد صلت الملائكة علي وعلى علي سبع سنين، وذلك أنه لم يصل معي رجل غيره) (2). # وعن أبي رافع قال: صلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم غداة الاثنين، وصلت خديجة يوم الاثنين اخر النهار، وصلى علي يوم الثلاثاء صلاة الغداة (3). # وقال علي عليه السلام: (فكنت أصلي سبع سنين قبل الناس) (4). # وفي ذلك يقول خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين: # إذا نحن بايعنا عليا فحسبنا أبو حسن مما نخاف من الفتن وجدناه أولى الناس بالناس أنه أطب قريش بالكتاب وبالسنن هي # PageV01P361 # ففيه الذي فيهم من الخير كله وما فيه مثل الذي فيهم من حسن وصي رسول الله من دون أهله وفارسه قد كان في سالف الزمن وأول من صلى من الناس كلهم سوى خيرة النسوان والله ذو منن (1) وفيه يقول ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب: # ما كنت أحسب أن الأمر (منصرف) (2) من هاشم ثم منها عن ms183 أبي حسن أليس أول من صلى بقبلتهم وأعرف الناس بالآثار والسنن واخر الناس عهدا بالنبي ومن جبريل عون له في الغسل والكفن (3) ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حمله حتى طرح الأصنام من الكعبة. # فروى عبد الله بن داود، عن نعيم بن أبي هند، عن أبي مريم، عن علي عليه السلام قال: (قال لي رسول الله: احملني لنطرح الأصنام من الكعبة، فلم أطق حمله، فحملني، فلو شئت ان أتناول السماء فعلت) (4). # PageV01P362 # وفي حديث اخر طويل قال علي: (فحملني النبي عليه السلام فعالجت ذلك حتى قذفت به ونزلت - أو قال: نزوت -) الشك من الراوي (1). # ومنها: حديث المؤاخاة. # فقد اشتهر في الرواية: انه صلى الله عليه وآله وسلم آخى بين أبي بكر وعمر، وبين طلحة والزبير، وبين عثمان وعبد الرحمن بن عوف، وبين ابن مسعود وأبي ذر، وبين سلمان وحذيفة، وبين المقداد وعمار بن ياسر، وبين حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة، وضرب بيده على علي فقال: (أنا أخوك وأنت أخي) (2). # فكان علي إذا أعجبه الشئ قال: (أنا عبد الله وأخو رسوله، لا يقولها بعدي إلا كذاب) (3). # وعن أبي هريرة - في حديث طويل -: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آخى بين أصحابه وبين الأنصار والمهاجرين، فبدأ بعلي بن أ بي طالب عليه السلام فأخذ بيده وقال: (هذا أخي (4) - وفي خبر آخر: أنت أخي (5) - في الدنيا والآخرة) فكان رسول الله وعلي أخوين. # PageV01P363 # ومنها: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تفل في عينيه يوم خيبر ودعا له بان لا يصيبه حر ولا قر، فكان عليه السلام بعد ذلك لا يجد حرا ولا قرا، ولا ترمد عينه، ولا يصدع، فكفى بهذه الخصلة شرفا وفضلا. # فروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: أن الناس قالوا له: قد أنكرنا من أمير المؤمنين عليه السلام أنه يخرج في البرد في الثوبين الخفيفين وفي الصيف في الثوب الثقيل والمحشو، فهل سمعت أباك يذكر أنه سمع من أمير المؤمنين عليه السلام في ذلك شيئا؟ ms184 قال: لا، قال: وكان أبي يسمر مع علي بالليل، فسألته قال: فسأله عن ذلك فقال: يا أمير المؤمنين إن الناس قد أنكروا، وأخبره بالذي قالوا. # فقال: (أوما كنت معنا بخيبر؟) قال: بلى. # قال: (فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعث أبا بكر وعقد له لواء، فرجع وقد انهزم هو وأصحابه. ثم عقد لعمر فرجع منهزما بالناس. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: والذي نفسي بيده لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، ليس بفرار، يفتح الله على يده، فأرسل إلي وأنا أرمد فتفل في عيني، وقال: اللهم اكفه أذى الحر والبرد، فما وجدت حرا بعد ولا بردا) (1). # PageV01P364 # وفي رواية أخرى: (فنفث في عيني فما اشتكيتها بعد، وهزلي الراية فدفعها إلي، فانطلقت، ففتح لي، ودعا لي أن لا يضرني حر ولا قر) (1). # وفي ذلك يقول حسان بن ثابت: # وكان علي أرمد العين يبتغي * دواء فلما لم يحسن مداويا شفاه رسول الله منه بتفلة * فبورك مرقيا وبورك راقيا وقال سأعطي الراية اليوم صارما * كميا محبا للرسول مواليا يحب إلهي والاله يحبه * به يفتح الله الحصون الأوابيا فأصفى بها دون البرية كلها * عليا وسماه الوزير المؤاخيا (2) وروى حبيب بن أبي ثابت، عن الجعد مولى سويد بن غفلة، عن سويد بن غفلة قال: لقينا عليا في ثوبين في شدة الشتاء، فقلنا له: لا تغتر بأرضنا هذه، فإنها أرض مقرة ليست مثل أرضك. # قال: (أما إني قد كنت مقرورا، فلما بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى خيبر قلت له: إني أرمد، فتفل في عيني ودعا لي، فما وجدت بردا ولا حرا بعد، ولا رمدت عيناي) (3). # ومنها: ما قاله فيه يوم خيبر، مما لم يقله في أحد غيره، ولا يوازيه إنسان، ولا يقارنه فيه، فقد ذكر أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد الثقفي في كتاب المعرفة: حدثني الحسن بن الحسين العرفي - وكان صالحا - قال: حدثنا # PageV01P365 # كادح بن جعفر البجلي - وكان من الأبدال (1) - عن ابن لهيعة، عن عبد ms185 الرحمن بن زياد، عن مسلم بن يسار، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: لما قدم علي عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بفتح خيبر قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لولا أن يقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك اليوم قولا لا تمر بملأ إلا أخذوا من تراب رجليك ومن فضل طهورك فيستشفون به، ولكن حسبك أن تكون مني وأنا منك، ترثني وأرثك، وأنك مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، وأنك تؤدي ذمتي، وتقاتل على سنتي، وأنك في الآخرة غدا أقرب الناس مني، وأنك غدا على الحوض خليفتي، وأنك أول من يرد علي الحوض غدا، وأنك أول من يكسى معي، وأنك أول من يدخل الجنة من أمتي، وأن شيعتك على منابر من نور، مبيضة وجوههم حولي، أشفع لهم، ويكونون في الجنة جيراني، وأن حربك حربي، وأن سلمك سلمي، وأن سرك سري، وأن علانيتك علانيتي، وأن سريرة صدرك كسريرة صدري، وأن ولدك ولدي، وأنك منجز عدتي، وأن الحق معك، وأن الحق على لسانك وفي قلبك وبين عينيك، وأن الإيمان مخالط لحمك ودمك كما خالط لحمي ودمي، وأنه لا يرد على الحوض مبغض لك، ولن يغيب عنه محب لك غدا حتى يردوا الحوض معك). # فخر علي عليه السلام لله ساجدا، ثم قال: (الحمد لله الذي من علي بالإسلام، وعلمني القرآن، وحببني إلى خير البرية خاتم النبيين وسيد المرسلين، إحسانا منه إلي، وفضلا منه علي). # PageV01P366 # فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند ذلك: (لولا أنت يا علي لم يعرف المؤمنون بعدي) (1). # وهذا الخبر بما تضمنه من مناقب أمير المؤمنين عليه السلام لو قسم على الخلائق كلهم من أول الدهر إلى اخره لاكتفوا به شرفا ومكرمة وفخرا. # ومنها: أن شرفه الله تعالى بطاعة النار له عليه السلام. # روى الأعمش، عن خيثمة، عن عبد الله بن عمر قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: (أنا ms186 قسيم النار، أقول: هذا لي وهذا لك) (2). # قال: وحدثني موسى بن طريف، عن عباية بن ربعي قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إني لقسيم النار، أقول: هذا لي وهذا لك). # قال: فذكرته لمحمد بن أبي ليلى فقال: يعني: أن ولعي في الجنة # PageV01P367 # وعدوي في النار. قلت: سمعته قال: نعم (1). # وروى جابر الجعفي قال: أخبرني وصي الأوصياء قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعائشة: لا تؤذيني في علي، فإنه أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، يقعده الله غدا يوم القيامة على الصراط فيدخل أولياءه الجنة وأعداءه النار) (2). # ومنها: ما رواه عباد بن يعقوب، ويحيى بن عبد الحميد الحماني قالا: # حدثنا علي بن هاشم، عن محمد بن عبيد الله، عن أبيه عبيد الله بن أبي رافع، عن جده أبي رافع قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا جلس ثم أراد أن يقوم لا يأخذ بيده غير علي عليه السلام، وإن أصحاب علي # PageV01P368 # النبي كانوا يعرفون ذلك له فلا يأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحد غيره. # وقال الحماني في حديثه: كان إذا جلس اتكأ على علي، وإذا قام وضع يده على علي عليه السلام (1). # ومنها: أنه صاحب حوض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم القيامة. # روى محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (كأني أنظر إلى تدافع مناكب أمتي على الحوض، فيقول الوارد للصادر: هل شربت؟ فيقول: نعم والله لقد شربت، ويقول بعضهم: لا والله ما شربت فيا طول عطشاه) (2). # وقال صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام: (والذي نبأ محمدا وأكرمه، إنك لذائد عن حوضي، تذود عنه رجالا كما يذاد البعير الصادي عن الماء، بيدك عصا من عوسج، كأني أنظر إلى مقامك من حوضي، (3). # وعن طارق عن علي عليه السلام قال: (رب العباد والبلاد، والسبع الشداد، لأذودن يوم القيامة عن الحوض بيدي هاتين القصيرتين) قال: ms187 # وبسط يديه (4). # PageV01P369 # وفي رواية آخري: (والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لأقمعن بيدي هاتين عن الحوض أعداءنا، ولأوردن أحباءنا) (١). # ومنها: اختصاصه عليه السلام بالمناجاة يوم الطائف. # فروي عن جابر بن عبد الله: أن النبي عليه وآله وسلم لما خلا بعلي يوم الطائف وناجاه طويلا قال أحد الرجلين لصاحبه: لقد طالت مناجاته لابن عمه، فبلغ ذلك النبي فقال: (ما أنا ناجيته، بل الله انتجاه) (٢). # ومنها: تفرده عليه السلام بآية النجوى والعمل بها. # فروي عن مجاهد قال: قال علي عليه السلام: (آية من القران لم يعمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، آية النجوى، كان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم، فكلما أردت أن أناجي النبي صلى الله عليه وآله وسلم تصدقت بدرهم ثم نسخت بقوله: ﴿فان لم تجدوا فان الله غفور رحيم﴾ (3) (4). # PageV01P370 # وفي رواية أخرى: (بي خفف الله عن هذه الأمة، فلم تنزل في أحد قبلي ولا تنزل في أحد بعدي) (1). # وروى السندي، عن ابن عباس قال: كان الناس يناجون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الخلاء إذا كانت لأحدهم حاجة، فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ففرض الله على من ناجاه سرا أن يتصدق بصدقة، فكفوا عنه وشق ذلك عليهم (2). # ومنها: أن حبه إيمان وبغضه نفاق.. # فقد اشتهر عنه عليه السلام أنه قال: (لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على أن يبغضني ما أبغضني، ولو صببت الدنيا بجملتها على المنافق أن يحبني ما أحبني، وذلك أنه قضي فانقضى على لسان النبي الأمي صلى الله عليه وآله وسلم: إنه لا يبغضك مؤمن ولا يحبك منافق) (3). # ومنها: ما قاله، فيه يوم الحديبية لما كتب عليه السلام كتاب الصلح بين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأهل مكة فكتب: (بسم الله الرحمن الرحيم). # فقال سهيل بن عمرو: هذا كتاب بيننا وبينك يا محمد، فافتتحه بما # PageV01P371 # نعرفه واكتب باسمك اللهم. # فقال: (اكتب باسمك اللهم وامح ما كتبت). # فقال عليه السلام: (لولا طاعتك يا رسول الله لما محوت). # فقال ms188 النبي عليه وآله السلام: (اكتب: هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو). # فقال سهيل: لو أجبتك في الكتاب إلى هذا لأقررت لك بالنبوة، فامح هذا الاسم واكتب محمد بن عبد الله. # فقال له علي عليه السلام: (إنه والله لرسول الله على رغم أنفك). # فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (امحها يا علي). # فقال له: (يا رسول الله، إن يدي لا تنطلق تمحو اسمك من النبوة). # قال: فضع يدي عليها. فمحاها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده وقال لعلف: (ستدعى إلى مثلها فتجيب وأنت على مضض (1) (2). # ومنها: ما رواه ربعي بن خراش عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: # (أقبل سهيل بن عمرو ورجلان - أو ثلاثة - معه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الحديبية فقالوا له: إنه يأتيك قوم من سفلنا وعبداننا فارددهم علينا، فغضب حتى احمار وجهه، وكان إذا غضب عليه السلام يحمار وجهه ثم قال: لتنتهن يا معشر قريش أو ليبعثن الله عليكم رجلا امتحن الله قلبه للايمان، يضرب رقابكم وأنتم مجفلون عن الدين. فقال أبو بكر: أنا هو يا رسول الله؟ قال: (لا). قال عمر: أنا هويا رسول الله؟ قال: لا، ولكنه ذلكم خاصف النعل في الحجرة. وأنا أخصف نعل رسول الله صلى الله عليه وآله # PageV01P372 # وسلم في الحجرة). # ثم قام وقال علي عليه السلام: (اما انه قد قال صلى الله عليه وآله وسلم: من كذب علف متعمدا فليتبوأ مقعده من النار) (1). # PageV01P373 # (الفصل الثاني) في ذكر مقاماته في الجهاد مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومواقفه ومشاهده على سبيل الجملة والاختصار الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس قال: كانت راية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مع علي عليه السلام في المواقف كلها: يوم بدر، ويوم أحد، ويوم حنين، ويوم الأحزاب، ويوم فتح مكة وكانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة في المواطن كلها ويوم فتح مكة، وراية المهاجرين مع علي عليه السلام (1). # ومن مقاماته الجليلة: ms189 مواساته رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليلة الفراش وبذله مهجته دونه، قال ابن عباس: لما انطلق النبي إلى الغار أنام عليا عليه السلام في مكانه وألبسه برده، فجاءت قريش تريد أن تقتل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فجعلوا يرمون عليا وهم يرون أنه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فجعل يتضور (2) فلما نظروا إذا هو علي عليه السلام (3). # وروى علي بن هاشم، عن محمد بن عبد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده أبي رافع قال: كان علي يجهز النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين كان في الغار يأتيه بالطعام والشراب، واستأجر له ثلاث رواحل، للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولأبي بكر ولدليلهم، وقيل: وخلفه النبي صلى الله عليه # PageV01P374 # وآله وسلم يخرج إليه أهله فأخرجهم، وأمره أن يؤدي عنه أمانته ووصاياه وما كان يؤتمن عليه من مال، فأدى علي عليه السلام أماناته كلها. # وقال له النبي عليه وآله السلام: (إن قريشا لن يفتقدوني ما رأوك) فاضطجع على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكانت قريش ترى رجلا على فراش النبي فيقولون: هو محمد، فحبسهم الله عن طلبه، وخرج علي إلى المدينة ماشيا على رجليه فتورمت قدماه، فلما قدم المدينة رآه النبي فاعتنقه وبكى رحمة له مما رأى بقدميه من الورم، وأنهما يقطران دما، فدعا له بالعافية ومسح رجليه، فلم يشكهما بعد ذلك (1). # ومن مقاماته في غزوة بدر: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعثه ليلة بدر أن يأتيه بالماء حين قال لأصحابه: (من يلتمس لنا الماء) فسكتوا عنه فقال علي عليه السلام: (أنا يا رسول الله). # فأخذ القربة وأتى القليب فملأها، فلما أخرجها جاءت ريح فأهرقته ثم عاد إلى القليب فملأها فجاءت ريح فأهرقته، فلما كانت الرابعة ملأها فأتى بها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره بخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أما الريح الأولى فجبرئيل في ألف من الملائكة سلموا عليك، وأما الريح الثانية ms190 فميكائيل في ألف من الملائكة سلموا عليك، وأما الريح الثالثة فإسرافيل في ألف من الملائكة سلموا عليك). # رواه محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده أبي رافع (2). # ومنها: أنه عليه السلام بارز الوليد بن عتبة فقتله، وبارز عتبة حمزة بن # PageV01P375 # عبد المطلب فقتله حمزة، وبارز شيبة عبيدة بن الحارث فاختلفت بينهما ضربتان قطعت إحداهما فخذ عبيدة فاستنقذه علي عليه السلام بضربة بدر بها شيبة فقتله، وشركه في ذلك حمزة، وكان قتل هؤلاء أول وهن لحق المشركين وذل دخل عليهم، ونصرة وعز للمؤمنين. # وقتل أيضا بعده العاص بن سعيد بن العاص. # وقتل حنظلة بن أبي سفيان، وطعيمة بن عدي، ونوفل بن خويلد وكان من شياطين قريش، ولما عرف النبي عليه السلام حضوره يوم بدر قال: # (اللهم اكفني نوفل بن خويلد). # ولم يزل عليه السلام يقتل منهم واحدا بعد واحد حتى أتى على شطر المقتولين منهم، وكانوا سبعين قتيلا، وختم الأمر بمناولته النبي صلى الله عليه وآله وسلم كفا من الحصى، فرمى بها في وجوههم وقال لهم: (شاهت الوجوه) فولوا على أدبارهم منهزمين وكفى الله المؤمنين شرهم (1). # ومن مقاماته عليه السلام في غزوة أحد: أن الفتح كان له في هذه الغزاة كما كان بيده يوم بدر، واختص بحسن البلاء فيها والصبر. # قال أبو البختري القرشي: كانت راية قريش ولواؤها جميعا بيد قصي ابن كلاب، ثم لم تزل الراية في يد ولد عبد المطلب يحملها منهم من حضر الحرب حتى بعث الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فصارت راية قريش وغير ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأقرها في بني هاشم، وأعطاها علي بن أبي طالب في غزوة ودان، وهي أول غزوة حمل فيها راية في الإسلام مع النبي، ثم لم تزل معه في المشاهد: ببدر وهي البطشة الكبرى، وفي يوم أحد وكان اللواء يومئذ في بني عبد الدار فأعطاها رسول الله صلى الله عليه # PageV01P376 # وآله وسلم مصعب بن عمير فاستشهد ووقع اللواء من يده، فتشوفته ms191 القبائل، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ودفعه إلى علي بن أبي طالب عليه السلام، فجمع له الراية واللواء، فهما إلى اليوم في بني هاشم. # وكان لواء المشركين مع طلحة بن أبي طلحة - وكان يدعى كبش الكتيبة - فتقدم وتقدم علي عليه السلام، وتقاربا فضربه علي ضربة على مقدم رأسه فبدرت عيناه وصاح صيحة لم يسمع مثلها وسقط اللواء من يده، فأخذه أخ له يقال له: مصعب، فرماه عاصم بن ثابت فقتله، ثم أخذ اللواء أخ له يقال له: عثمان، فرماه عاصم أيضا بسهم فقتله، فأخذه عبد لهم يقال له: صواب، وكان من أشد الناس فضربه علي عليه السلام فقطع يمينه، فأخذ اللواء بيده اليسرى فضرب علي يده فقطعها، فأخذ اللواء على صدره وجمع يديه المقطوعتين عليه فضربه علي عليه السلام على أم رأسه فسقط صريعا وانهزم القوم. # وأكب المسلمون على الغنائم، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أقام على الشعب خمسين رجلا من الأنصار وأمر عليهم رجلا منهم، وقال لهم: (لا تبرحوا مكانكم وإن قتلنا عن آخرنا) فلما رأى أصحاب الشعب الناس يغتنمون قالوا لأميرهم: نريد أن نغتنم كما غنم الناس، فقال: إن رسول الله قد أمرني أن لا أبرح من موضعي هذا، فقالوا له: إنه أمرك بهذا وهو لا يدري أن الأمر. يبلغ إلى ما نرى، ومالوا إلى الغنائم وتركوه.، فحمل عليه خالد بن الوليد فقتله، وجاء من ظهر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يريده، وقتل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبعون رجلا وانهزموا هزيمة عظيمة، وأقبلوا يصعدون الجبال وفي كل وجه، ولم يبق معه إلا أبو دجانة سماك بن خرشة، وسهل بن حنيف، وأمير المؤمنين عليه السلام، فكلما حملت طائفة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم PageV01P377 # استقبلهم أمير المؤمنين عليه السلام فدفعهم عنه حتى انقطع سيفه، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الهزيمة كشف البيضة عن رأسه وقال: # (إلي أنا رسول الله، ms192 إلى أين تفرون عن الله وعن رسوله)؟!! # وثاب إليه من أصحابه المنهزمين أربعة عشر رجلا، منهم: طلحة بن عبيد الله وعاصم بن ثابت، وصعد الباقون الجبل، وصاح صائح بالمدينة: # قتل رسول الله، فانخلعت القلوب لذلك، وتحير المنهزمون فأخذوا يمينا وشمالا. # وروى عكرمة قال: سمعت عليا عليه السلام يقول: (لما انهزم الناس يوم أحد عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لحقني من الجزع عليه ما لم أملك نفسي، وكنت أمامه أضرب بسيفي بين يديه، فرجعت أطلبه فلم أره فقلت: ما كان رسول الله ليفر وما رأيته في القتلى فأظنه رفع من بيننا، فكسرت جفن سيفي وقلت في نفسي: لأقتلن به عنه حتى اقتل، وحملت على القوم فأفرجوا فإذا أنا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد وقع على الأرض مغشيا عليه، فقمت على رأسه فنظر إلي فقال: ما صنع الناس يا علي؟ فقلت: كفروا يا رسول الله وولوا الدبر وأسلموك، فنظر إلى كتيبة قد أقبلت فقال صلى الله عليه وآله وسلم: رد عني يا علي هذه الكتيبة، فحملت عليها بسيفي أضربها يمينا وشمالا حتى ولوا الأدبار فقال لي النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أما تسمع مديحك في السماء، أن ملكا يقال له: رضوان ينادي: (لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي) فبكيت سرورا وحمدت الله على نعمه). # وتراجع المنهزمون من المسلمين إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وانصرف المشركون إلى مكة، وانصرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة فاستقبلته فاطمة عليها السلام ومعها إناء فيه ماء فغسلت به وجهه PageV01P378 # ولحقه أمير المؤمنين عليه السلام ومعه ذو الفقار وقد خضب الدم يده إلى كتفه فقال لفاطمة عليها السلام: (خذي هذا السيف فقد صدقني اليوم، وقال: # أفاطم هاك السيف غير ذميم فلست برعديد ولا بمليم لعمري لقد أعذرت في نصر أحمد وطاعة رب بالعباد عليم) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (خذيه يا فاطمة، فقد أدى بعلك ما عليه، وقد قتل الله ms193 بسيفه صناديد قريش) (1). # ومن مقاماته المشهورة في غزوة الأحزاب: قتله عمرو بن عبد ود، فروى ربيعة السعدي قال: أتيت حذيفة بن اليمان فقلت: يا أبا عبد الله، إنا لنتحدث عن علي عليه السلام ومناقبه فيقول لنا أهل البصرة: إنكم تفرطون في علي عليه السلام، فهل أنت محدثي بحديث فيه؟ # فقال حذيفة: يا ربيعة، والذي نفسي بيده، لو وضع جميع أعمال أصحاب محمد في كفة الميزان منذ بعث الله محمدا صلى الله عليه وآله وسلم إلى يوم الناس هذا، ووضع عمل علي في الكفة الأخرى لرجح عمل علي عليه السلام على جميع أعمالهم. # فقال ربيعة: هذا الذي لا يقام له ولا يقعد! # فقال حذيفة: يا لكع (2) وكيف لا يحمل، وأين كان أبو بكر وعمر وحذيفة وجميع أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم يوم عمرو بن عبد ود وقد دعا إلى المبارزة فأحجم الناس كلهم ما خلا عليا فإنه برز إليه فقتله الله على يده، والذي نفس حذيفة بيده لعمله ذلك اليوم أعظم أجرا من عمل # PageV01P379 # جميع أصحاب محمد إلى يوم القيامة (1). # وروى الواقدي قال: حدثنا عبد الله بن جعفر، عن (ابن أبي عون) (2) عن الزهري قال: جاء عمرو بن عبد ود وعكرمة بن أبي جهل وهبيرة بن أبي وهب ونوفل بن عبد الله بن المغيرة وضرار بن الخطاب الفهري في يوم الأحزاب إلى الخندق فجعلوا يطيفون به يطلبون مضيقا منه ليعبروا، فانتهوا إلى مكان أكرهوا خيولهم فيه فعبرت، وجعلوا يجولون بخيلهم فيما بين الخندق وسلع، والمسلمون وقوف لا يقدم أحد منهم عليهم، وجعل عمرو بن عبد ود يدعو إلى البراز ويقول: # ولقد بححت من النداء بجمعهم: هل من مبارز؟ # - الأبيات -. # في كل ذلك يقوم علي بن أبي طالب عليه السلام من بينهم ليبارزه فيأمره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالجلوس انتظارا منه ليتحرك غيره والمسلمون كأن على رؤوسهم الطير لمكان عمرو بن عبد ود وممن معه ووراءه، وكان عمرو فارس قريش وكان يعد بألف فارس، فلما طال نداء ms194 عمرو بالبراز وتتابع قيام علي عليه السلام قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ادن مني) فدنا منه، فنزع عمامته عن رأسه وعممه بها وأعطاه # PageV01P380 # سيفه ذا الفقار وقال له: (امض لشأنك) ثم قال: (اللهم أعنه). # فسعى نحو عمرو ومعه جابر بن عبد الله لينظر ما يكون منه ومن عمرو، ولما توجه إليه قال النبي: (خرج الإيمان سائره إلى الكفر سائره) فلما انتهى إليه قال: (يا عمرو، إنك كنت في الجاهلية تقول: لا يدعوني أحد إلى ثلاث إلا قبلتها أو واحدة منها) قال: أجل. # قال: (فإني أدعوك إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن تسلم لرب العالمين). # قال: يا ابن أخ أخر هذه عني. # فقال له علي: (أما إنها خير لك لو أخذتها) ثم قال: (فها هنا أخرى). # قال: ما هي؟ # قال: (ترجع من حيث جئت). # قال: لا تحدث نساء قريش بهذا أبدا. # قال: (فها هنا أخرى). # قال: ما هي؟ # قال: (تنزل فتقاتلني). # قال: فضحك عمرو وقال: إن هذه الخصلة ما كنت أظن أن أحدا من العرب يرومني مثلها، إني لأكره أن أقتل الرجل الكريم مثلك وقد كان أبوك لي نديما. # قال علي عليه السلام: (لكني أحب أن أقتلك، فأنزل إن شئت). # فأسف (1) عمرو ونزل فضرب وجه فرسه حتى رجع. # PageV01P381 # قال جابر بن عبد الله: وثارت بينهما قترة (١) فما رأيتهما، وسمعت التكبير تحتها، فعلمت أن عليا قد قتله، وانكشف أصحابه حتى طفرت خيولهم الخندق. # وتبادر المسلمون حين سمعوا التكبير ينظرون ما صنع القوم، فوجدوا نوفل بن عبد العزى في جوف الخندق فجعلوا يرمونه بالحجارة فقال لهم: قتلة أجمل من هذه، ينزل إلي بعضكم أقاتله، فنزل إليه علي عليه السلام فضربه حتى قتله. # قال جابر: فما شبهت قتل علي عمرا إلا بما قص الله تعالى من قصة داود وجالوت حيث قال: ﴿فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت﴾ (2). # وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد قتله: (الان نغزوهم ولا يغزوننا) (3). # ومن مواقفه في ms195 بني قريظة: أنه ضرب أعناق رؤساء اليهود أعداء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الخندق، منهم: حيي بن أخطب وكعب بن أسد بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (4). # ومن مقاماته المشهورة في غزوة وادي الرمل - ويقال: إنها تسمى غزوة السلسلة -: انه خرج ومعه لواء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد أن خرج غيره إليهم ورجع عنهم خائبا، ثم خرج صاحبه وعاد بما عاد به الأول، فمضى علي عليه السلام حتى وافى القوم بسحر، وصلى بأصحابه صلاة الغداة وصفهم صفوفا واتكأ على سيفه مقبلا على العدو وقال: (يا هؤلاء، أنا رسول # PageV01P382 # رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله وإلا ضربتكم بالسيف). # فقالوا له: إرجع كما رجع صاحباك. # قال: (أنا أرجع! لا والله حتى تسلموا أو لأضربنكم بسيفي هذا، أنا علي بن أبي طالب بن عبد المطلب). # فاضطرب القوم وواقعهم فانهزموا وظفر المسلمون وحازوا الغنائم (١). # فروت أم سلمة قالت: كان نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم قائلا في بيتي إذ انتبه فزعا من منامه فقلت: الملة جارك. # قال: (صدقت، الله جاري، ولكن هذا جبرئيل يخبرني أن عليا قادم). # ثم خرج إلى الناس فأمرهم أن يستقبلوا عليا، وقام المسلمون صفين مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما بصر به علي ترجل عن فرسه وأهوى إلى قدميه يقبلهما. # فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (اركب، فإن الله ورسوله عنك راضيان). # فبكى علي عليه السلام فرحا وانصرف إلى منزله (٢). # وقد ذكر بعض أصحاب السير إن في هذه الغزاة نزل على النبي ﴿والعاديات ضبحا﴾ (3) (4) إلى آخرها. # PageV01P383 # وأما مقامه بخيبر وبلاؤه يوم الحديبية فمما مر ذكره فيما قبل (1). # ومن مقاماته قبل الفتح: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دبر الأمر في ذلك بالكتمان وسأل الله عز جل أن يطوي خبره عن أهل مكة حتى يفجأهم بدخولها، فكان المؤتمن على هذا السر أمير المؤمنين عليه السلام، ثم ms196 أنماه إلى جماعة من بعد، فكتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا إلى أهل مكة يطلعهم فيه على سر رسول الله في المسير إليهم، وأعطى الكتاب امرأة سوداء وأمرها أن تأخذ على غير الطريق. # فنزل بذلك الوحي، فدعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمير المؤمنين عليه السلام وقال: (إن بعض أصحابي قد كتب إلى أهل مكة يخبرهم بخبرنا، والكتاب مع امرأة سوداء قد أخذت على غير الطريق، فخذ سيفك وألحقها وانتزع الكتاب منها) وبعث معه الزبير بن العوام. # فمضيا على غير الطريق، فأدركا المرأة، فسبق إليها الزبير وسألها عن الكتاب فأنكرته وحلفت أنه لا شئ معها وبكت، فقال الزبير: يا أبا الحسن ما أرى معها كتابا، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: (يخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن معها كتابا ويأمرني بأخذه منها وتقول أنه لا كتاب معها)! # ثم اخترط السيف وقال: أما والله لئن لم تخرجي الكتاب لأكشفنك ثم لأضربن عنقك). # فقالت له: إذا كان لا بد من ذلك فأعرض يا ابن أبي طالب عني بوجهك. # فأعرض عنها، فكشفت قناعها فأخرجت الكتاب من عقيصتها، فأخذه # PageV01P384 # أمير المؤمنين عليه السلام وصار به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (1). # ومن مقاماته: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أعطى الراية سعد ابن عبادة يوم الفتح وأمره أن يدخل بها مكة، فأخذها سعد وجعل يقول: # اليوم يوم الملحمة اليوم تسبى (2) الحرمة فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (أدرك يا علي سعدا وخذ الراية وكن أنت الذي تدخل بها) (3). # فاستدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم به ما كاد يفوت من صواب التدبير بإقدام سعد على أهل مكة، وعلم أن الأنصار لا ترضى أن يأخذ أحد من الناس الراية من سيدها سعد ويعزله عن ذلك المقام إلا من كان في مثل حال النبي من رفعة الشأن وجلالة المكان. # ومن مواقفه: أنه لما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسجد الحرام وجد فيه ثلاثمائة وستين صنما بعضها ms197 مشدود ببعض، فقال لأمير المؤمنين عليه السلام: (أعطني يا علي كفا من الحصى) فقبض له أمير المؤمنين عليه السلام كفا من الحصى، فرماها بها وهو يقول: (جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا) (4). فما بقي منها صنم إلا خر لوجهه، ثم # PageV01P385 # أمر بها فأخرجت من المسجد وكسرت (١). # ومن حسن بلائه في الإسلام فيما اتصل بفتح مكة: أن الله خصه بتلافي فارط من خالف نبيه في أوامره، وذلك أنه أنفذ خالد بن الوليد إلى بني جذيمة داعيا لهم إلى الإسلام، فخالف أمره وقتل القوم وهم على الإسلام لترة (٢) كانت بينه وبينهم، فأصلح النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما أفسده خالد بأمير المؤمنين عليه السلام، فأنفذه ليعطف القوم ولمجمل سخائمهم (٣)، وأمره أن يدي القتلى، ويرضي بذلك الأولياء، فبلغ أمير المؤمنين عليه السلام في ذلك مبلغ الرضا، وأدى ديات القتلى وأرضاهم عن الله وعن رسوله، فتم بذلك مواد الصلاح، وانقطعت أسباب الفساد (٤). # ومن مقاماته في غزوة حنين: أن المسلمين انهزموا بأجمعهم، فلم يبق مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا عشرة أنفس: تسعة من بني هاشم خاصة وعاشرهم أيمن ابن أم أيمن، فقتل أيمن وثبتت التسعة الهاشميون حتى ثاب إلى رسول الله من كان انهزم وكانت الكرة لهم على المشركين، وذلك قوله تعالى: ﴿ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين﴾ (5) يعني عليا عليه السلام ومن ثبت معه من بني هاشم، وهم ثمانية: العباس ابن عبد المطلب عن يمين رسول الله، والفضل بن العباس عن يساره، وأبو # PageV01P386 # سفيان بن الحارث ممسك بسرجه عند ثفر (1) بغلته، وأمير المؤمنين عليه السلام بين يديه بالسيف، ونوفل بن الحارث، وربيعة بن الحارث، وعبد الله ابن الزبير بن عبد المطلب، وعتبة ومعتب ابنا أبي لهب حوله. # ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هزيمة القوم عنه قال للعباس وكان جهوريا صيتا: (ناد في القوم وذكرهم العهد) فنادى العباس بأعلى صوته: يا أهل بيعة الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة إلى أين تفرون؟! # اذكروا العهد ms198 الذي عاهدكم عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # فلم يسمعها أحد إلا رمى بنفسه الأرض، وانحدروا حتى لحقوا بالعدو، وأقبل رجل من هوازن على جمل له أحمر، بيده راية سوداء وهو يرتجز: # أنا أبو جرول لا براح * حتى نبيح القوم أو نباح فصمد له أمير المؤمنين فضرب عجز بعيره فصرعه، ثم ضربه فقطره (2) وكانت هزيمة المشركين بقتل أبي جرول ولما قتله وضع المسلمون سيوفهم فيهم وأمير المؤمنين عليه السلام يقدمهم حتى قتل أربعين رجلا من القوم، ثم كانت الهزيمة والأسر حينئذ (3). # ولما قسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غنائم حنين أقبل رجل طوال أدم، بين عينيه أثر السجود فسلم ولم يخص النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال: قد رأيتك وما صنعت في هذه الغنائم. # فقال: (وكيف رأيت؟) قال: لم أرك عدلت!! # PageV01P387 # فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: (ويلك إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟) فقال المسلمون: ألا نقتله؟ # قال: (دعوه، فإنه سيكون له أتباع يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، يقتلهم الله على يد أحب الخلق إليه من بعدي) فقتلهم أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه في من قتل من الخوارج (1). # ومن مقاماته يوم الطائف: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنفذه وأمره أن يطأ ما وجد، ويكسر كل صنم وجده، فخرج فلقيه خيل من خثعم في جمع كثير، فبرز له رجل من القوم يقال له: شهاب في غبش الصبح فقال: # هل من مبارز، فقتله أمير المؤمنين عليه السلام ومض في تلك الخيل حتى كسر الأصنام وعاد إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو محاصر أهل الطائف، فلما رآه النبي صلى الله عليه وآله وسلم كبر للفتح وأخذ بيده فخلا به وناجاه طويلا. # ثم خرج من حصن الطائف نافع بن غيلان في خيل من ثقيف فقتله أمير المؤمنين عليه السلام وانهزم المشركون ولحق القوم الرعب، فنزل منهم جماعة إلى النبي صلى الله عليه وآله ms199 وسلم فأسلموا (2). # PageV01P388 # (الفصل الثالث) في ذكر سبب قتل أمير المؤمنين عليه السلام روى جماعة (من) أهل السير: أن نفرا من الخوارج اجتمعوا بمكة فتذاكروا الامراء وعابوهم وذكروا أهل النهروان فترحموا عليهم فقال بعضهم لبعض: لو شرينا أنفسنا لله وثأرنا لإخواننا الشهداء، وأرحنا من أئمة الضلالة البلاد والعباد. # فقال عبد الرحمن بن ملجم المرادي لعنه الله: أنا أكفيكم عليا. # وقال البرك بن عبد الله التميمي: أنا أكفيكم معاوية. # وقال عمرو بن بكر التميمي: أنا أكفيكم عمرو بن العاص. # وتعاهدوا على ذلك وتواعدوا ليلة تسع عشر من شهر رمضان. # فأقبل ابن ملجم - عدو الله - حتى قدم الكوفة كاتما أمره، فبينا هو هناك إذ زار أحدا من أصحابه من تيم الرباب، فصادف عنده قطام بنت الأخضر التيمية - وكان أمير المؤمنين عليه السلام قتل أباها وأخاها بالنهروان وكانت من أجمل نساء زمانها - قال: فلما رآها ابن ملجم شغف بها، فخطبها فأجابته إلى ذلك على أن يصدقها ثلاثة آلاف درهم ووصيفا وخادما وقتل علي بن أبي طالب!! # فقال لها: لك جميع ما سألت، فأما قتل علي فأنى لي ذلك؟ # قالت: نلتمس غرته، فإن قتلته شفيت نفسي وهناك العيش معي، وإن قتلت فما عند الله خير لك من الدنيا!! # فقال: ما أقدمني هذا المصر إلا ما سألتني من قتل علي، فلك ما سألت. PageV01P389 # قالت: فأنا طالبة لك من يساعدك على ذلك، وبعثت إلى وردان بن مجالد من تيم الرباب فخبرته الخبر وسألته معاونة ابن ملجم فأجابها إلى ذلك. # ولقي ابن ملجم رجلا من أشجع يقال له: شبيب بن بجرة فقال: # يا شبيب هل لك في شرف الدنيا والآخرة!! قال: وما ذاك؟ قال: تساعدني في قتل علي - وكان يرى رأي الخوارج - فأجابه. # ثم اجتمعوا عند قطام - وير معتكفة في المسجد الأعظم قد ضربت عليها قبة - فقالوا: قد اجتمع رأينا على قتل هذا الرجل. # ثم حضروا ليلة الأربعاء لتسع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة، وجلسوا مقابل السدة التي كان يخرج منها أمير المؤمنين ms200 إلى الصلاة، وقد كانوا قبل ذلك ألقوا ما في نفوسهم إلى الأشعث وواطأهم عليه، وحضر هو في تلك الليلة لمعونتهم. # وكان حجر بن عدي رحمه الله في تلك الليلة بائتا في المسجد فسمع الأشعث يقول لابن ملجم: النجاء النجاء لحاجتك فقد فضحك الصبح، فأحس حجر بما أراد الأشعث فقال له: قتلته يا أعور، وخرج مبادرا ليمضي إلى أمير المؤمنين عليه السلام ليخبره الخبر، فدخل عليه السلام المسجد فسبقه ابن ملجم لعنه الله فضربه بالسيف، وأقبل حجر والناس يقولون: قتل أميرا لمؤمنين. # وقد ضربه شبيب بن بجرة فأخطأه ووقعت ضربته في الطاق ومضى هاربا حتى دخل منزله ودخل عليه ابن عم له فرآه يحل الحرير من صدره، فقال: ما هذا لعلك قتلت أمير المؤمنين؟ فأراد أن يقول: لا، فقال: نعم، فضربه ابن عمه بالسيف وقتله. # وأما ابن ملجم فإن رجلا من همدان يقال له: أبو ذر لحقه وطرح عليه PageV01P390 # قطيفة كانت في يده ثم صرعه وأخذ السيف من يده وجاء به إلى أمير المؤمنين عليه السلام، وأفلت الثالث فانسل بين الناس. # فلما أدخل ابن ملجم لعنه الله على أمير المؤمنين عليه السلام نظر إليه ثم قال: (النفس بالنفس، إن أنا مت فاقتلوه كما قتلني، وإن سلمت رأيت فيه رأيي). # فقال ابن ملجم: والله لقد ابتعته بألف، وسممته بألف، فإن خانني فأبعده الله. # فاخرج من بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام والناس ينهشون لحمه بأسنانهم وهم يقولون: يا عدو الله ماذا فعلت، أهلكت أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، قتلت خير الناس، وهو صامت لا ينطق، فذهب به إلى الحبس. # وجاء الناس إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقالوا له: مرنا بأمرك في عدو الله فقد أهلك الأمة وأفسد الملة. # فقال: (إن عشت رأيت فيه رأيي، وإن هلكت فاصنعوا به ما يصنع بقاتل النبي، اقتلوه ثم حرقوه بالنار). # فلما قضى أمير المؤمنين عليه السلام، وفرغ من دفنه اتي بابن ملجم لعنه الله فأمر به الحسن عليه السلام فضرب عنقه، واستوهبت أم الهيثم ms201 بنت الأسود النخعية جيفته منه فأحرقتها بالنار. # وأما الرجلان اللذان كانا مع ابن ملجم في العهد على قتل معاوية وعمرو بن العاص فإن أحدهما ضرب معاوية وهو راكع فوقعت ضربته في أليته فنجا منها، (فاخذ) وقتل من وقته. # وأما الاخر فإن عمرا وجد في تلك الليلة علة فاستخلف رجلا يصلي PageV01P391 # بالناس يقال له: خارجة العامري، فضربه بالسيف وهو يظن أنه عمرو فاخذ واتي به عمرو فقتله، ومات خارجة (1). # PageV01P392 # (الفصل الرابع) في موضع قبر أمير المؤمنين عليه السلام وكيفية دفنه جابر بن يزيد الجعفي قال: سألت أبا جعفر الباقر عليه السلام أين دفن أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه؟ # قال: (دفن بناحية الغريين قبل طلوع الفجر، ودخل قبره الحسن والحسين عليهما السلام ومحمد بنوه، وعبد الله بن جعفر رضي الله عنه) (1) قال حبان (2) بن علي العنزي قال: حدثنا مولى لعلي بن أبي طالب عليه السلام قال: لما حضرت أمير المؤمنين الوفاة قال للحسن والحسين عليهما السلام: (إذا أنا مت فاحملاني على سرير ثم أخرجاني، واحملا مؤخر السرير فإنكما تكفيان مقدمه، ثم ائتيا بي الغريين، فإنكما ستريان صخرة بيضاء تلمع نورا فاحتفرا فيها فإنكما ستجدان فيها ساجة، فادفناني فيها). # قال: فلما مات عليه السلام أخرجناه وجعلنا نحمل مؤخر السرير # PageV01P393 # ونكفى مقدمه وجعلنا نسمع دويا وحفيفا حتى أتينا الغريين فإذا صخرة بيضاء تلمع نورا فاحتفرنا فإذ ساحة مكتوب عليها: هذا ما ادخره نوح عليه السلام لعلي بن أبي طالب عليه السلام. فدفناه فيها وانصرفنا ونحن مسرورون بإكرام الله لأمير المؤمنين عليه السلام. # فلحقنا قوم من الشيعة لم يشهدوا الصلاة عليه، فأخبرناهم بما جرى وبإكرام الله أمير المؤمنين عليه السلام فقالوا: نحب أن نعاين من أمره ما عاينتم، فقلنا لهم: إن الموضع قد عفي أثره بوصية منه عليه السلام، فمضوا وعادوا إلينا فقالوا: إنهم احتفروا فلم يجدوا شيئا (1). # PageV01P394 # (الباب الخامس) في ذكر أولاد أمير المؤمنين عليه السلام وعددهم وأسمائهم وهم سبعة وعشرون ولدا ذكرا وأنثى: الحسن، والحسين عليهما السلام، وزينب الكبرى، وزينب الصغرى المكناة ms202 بأم كلثوم أمهم فاطمة البتول عليها السلام سيدة نساء العالمين بنت سيد المرسلين صلوات الله عليه وعليهما. # ومحمد الأكبر المكنى بأبي القاسم، أمه خولة بنت جعفر بن قيس الحنفية. # والعباس، وجعفر، وعثمان، وعبد الله الشهداء مع أخيهم الحسين عليه السلام بكربلاء - رضي الله عنهم - أمهم أم البنين بنت حزام بن خالد بن دارم، وكان العباس يكنى أبا قربة لحمله الماء لأخيه الحسين عليه السلام ويقال له: السقاء، وقتل وله أربع وثلاثون سنة، وله فضائل، وقتل عبد الله وله خمس وعشرون سنة، وقتل جعفر بن علي وله تسع عشرة سنة. # وعمر، ورقية أمهما أم حبيب بنت ربيعة وكانا توأمين. PageV01P395 # ومحمد الأصغر المكنى بأبي بكر، وعبيد الله الشهيدان مع أخيهما الحسين عليه السلام بطف كربلاء وأمهما ليلى بنت مسعود الدارمية. # ويحيى، أمه أسماء بنت عميس الخثعمية وتوفي صغيرا قبل أبيه. # وأم الحسن ورملة أمهما أم سعيد بنت عروة بن مسعود الثقفي. # ونفيسة وهي أم كلثوم الصغرى، وزينب الصغرى، ورقية الصغرى، وأم هاني، وأم الكرام، وجمانة المكناة بأم جعفر، وامامة، وأم سلمة، وميمونة، وخديجة، وفاطمة لأمهات أولاد شتى. # وأعقب عليه السلام من خمسة بنين: الحسن والحسين عليهما السلام، ومحمد والعباس وعمر رضي الله عنهم (1). # وفي الشيعة من يذكر أن فاطمة عليها السلام أسقطت بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذكرا كان سماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - وهو حمل - محسنا، فعلى هذا يكون أولاده ثمانية وعشرون ولدا، والله أعلم (2). # اما زينب الكبرى بنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتزوجها عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وولد له منها: علي، وجعفر، وعون الأكبر، وأم كلثوم أولاد عبد الله بن جعفر، وقد روت زينب عن أمها فاطمة # PageV01P396 # عليها السلام أخبارا. # وأما أم كلثوم فهي التي تزوجها عمر بن الخطاب. وقال أصحابنا: إنه عليه السلام إنما زوجها منه بعد مدافعة كثيرة وامتناع شديد واعتلال عليه بشئ بعد شئ حتى ألجأته الضرورة إلى أن رد أمرها إلى العباس بن ms203 عبد المطلب فزوجها إياه (1). # وأما رقية بنت علي عليه السلام فكانت عند مسلم بن عقيل فولدت له عبد الله قتل بالطف، وعليا ومحمدا ابني مسلم. # وأما زينب الصغرى فكانت عند محمد بن عقيل فولدت له عبد الله وفيه العتب من ولد عقيل. # وأما أم هانئ فكانت عند عبد الله الأكبر بن عقيل بن أبي طالب فولدت له محمدا قتل بالطف، وعبد الرحمن. # وأما ميمونة بنت علي عليه السلام فكانت عند (عبد الله) الأكبر بن عقيل فولدت له عقيل. # وأما نفيسة فكانت عند عبد الله الأكبر بن عقيل فولدت له أم عقيل. # وأما زينب الصغرى فكانت عند عبد الرحمن بن عقيل فولدت له سعدا وعقيلا. # وأما فاطمة بنت علي عليه السلام فكانت عند (محمد بن) أبي سعيد؟! # أبن عقيل فولدت له حميدة. # PageV01P397 # وأما أمامة بنت علي فكانت عند الصلت بن عبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب فولدت له نفيسة وتوفيت عنده (1). # هذا آخر ما أثبتنا من أخبار أمير المؤمنين عليه السلام. # PageV01P398 # (الركن الثالث) في ذكر الأئمة من أبناء أمير المؤمنين عليه السلام من الحسن بن علي الوصي إلى الحسين بن علي الزكي، وتاريخ مواليدهم ومواضع قبورهم، ودلائل إمامتهم، وأزمان خلافتهم، ومدد أعمارهم، وعدد أولادهم، وطرف من أخبارهم. # ويشتمل على عشرة أبواب: PageV01P399 # (الباب الأول) في ذكر الحسن بن علي بن أبي طالب عليه السلام الإمام الثاني، والسبط الأول، سيد شباب أهل الجنة ويتضمن خمسة فصول: PageV01P401 # (الفصل الأول) في ذكر مولده، ومبلغ عمره، ومدة خلافته، ووقت وفاته، وموضع قبره عليه السلام ولد عليه السلام بالمدينة ليلة النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة، وقيل سنة اثنتين من الهجرة، وكنيته أبو محمد. # جاءت به أمه فاطمة سيدة النساء عليها السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم السابع من مولده في خرقة من حرير الجنة نزل بها جبرئيل إلى رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم فسماه حسنا، وعق عنه كبشا (1). # وقبض رسول الله صلى الله عليه وآله ms204 وسلم وله سبع سنين وأشهر، وقيل: ثمان سنين (2). # وقام بالأمر بعد أبيه عليه السلام وله سبع وثلاثون سنة. # وأقام في خلافته ستة أشهر وثلاثة أيام، ووقع الصلح بينه وبين معاوية في سنة إحدى وأربعين (3)، وإنما هادنه (4) عليه السلام خوفا على نفسه، إذ كتب إليه جماعة من رؤساء أصحابه في السر بالطاعة وضمنوا له تسليمه إليه # PageV01P402 # عند دنوهم من عسكره، ولم يكن منهم من يأمن غائلته إلا خاصة من شيعته لا يقومون لأجناد الشام. # وكتب إليه معاوية في الهدنة والصلح وبعث بكتب أصحابه إليه، فأجابه إلى ذلك بعد أن شرط عليه شروطا كثيرة، منها: أن يترك سب أمير المؤمنين عليه السلام والقنوت عليه في الصلاة، وأن يؤمن شيعته ولا يتعرض لأحد منهم بسوء، ويوصل إلى كل ذي حق حقه. # فأجابه معاوية إلى ذلك كله، وعاهده على الوفاء به، فلما استتمت الهدنة قال في خطبته: إني منيت الحسن وأعطيته أشياء جعلتها تحت قدمي، لا أفي بشئ منها له (1)!! # وخرج الحسن عليه السلام إلى المدينة وأقام بها عشر سنين، ومضى إلى رحمة الله تعالى لليلتين بقيتا من صفر سنة خمسين من الهجرة وله سبع وأربعون سنة وأشهر مسموما، سمته زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس، وكان معاوية قد دس إليها من حملها على ذلك وضمن لها أن يزوجها من يزيد ابنه وأوصل إليها مائة ألف درهم فسقته السم. # وبقي عليه السلام مريضا أربعين يوما، وتولى أخوه الحسين عليه السلام غسله وتكفينه ودفنه عند جدته فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بالبقيع (2). # PageV01P403 # (الفصل الثاني) في ذكر الدلالة على إمامته وأنه المنصوص عليه بالإمامة من جهة أبيه عليه السلام لنا في ذلك طرق أحدها: أن نقول: قد ثبت وجوب الإمامة في كل زمان من جهة العقل، وأن الإمام لا بد أن يكون معصوما، منصوصا عليه، وعلمنا أن الحق لا يخرج عن أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم. # فإذا ثبت ذلك سبرنا أقوال الأمة بعد وفاة أمير المؤمنين عليه السلام: # فقائل يقول: لا ms205 إمام. وقوله باطل بما ثبت من وجوب الإمامة. # وقائل يقول: بإمامة من ليس بمعصوم. وقوله باطل بما ثبت من وجوب العصمة. # وقائل يقول: بإمامة الحسن عليه السلام ويقول: بعصمته، فيجب القضاء بصحة قوله، وإلا أدى إلى خروج الحق عن أقوال الأمة. # وثانيها: أن نستدل بتواتر الشيعة ونقلها خلفا عن سلف: أن أمير المؤمنين عليا عليه السلام نص على ابنه الحسن عليه السلام بحضرة شيعته واستخلفه عليهم بصريح القول، ولا فرق بين من ادعى عليهم الكذب فيما تواترت به، وبين من ادعى على الأمة الكذب فيما تواترت به من معجزات النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو ادعى على الشيعة لكذب فيما تواتروا به من النص على أمير المؤمنين عليه السلام. # وكل سؤال، يسأل على هذا فمذكور في كتب الكلام. # وثالثها: أنه قد اشتهر في الناس وصية أمير المؤمنين عليه السلام إليه PageV01P404 # خاصة من بين ولده وأهل بيته، والوصية من الإمام توجب الاستخلاف للموصى إليه على ما جرت به عادة الأنبياء والأئمة في أوصيائهم، لا سيما والوصية علم عند آل محمد صلوات الله عليهم كافة إذا انفرد بها واحد بعينه على استخلافه، وإشارة إلى إمامته، وتنبيه على فرض طاعته، وإجماع آل محمد صلوات الله عليهم حجة. # ورابعها: أن نستدل بالأخبار الواردة فيما ذكرناه، فمن ذلك: # ما رواه محمد بن يعقوب الكليني - وهو من أجل رواة الشيعة وثقاتها - عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني وعمر بن أذينة، عن أبان، عن سليم بن قيس الهلالي قال: شهدت أمير المؤمنين عليه السلام حين أوصى إلى ابنه الحسن عليه السلام وأشهد على وصيته الحسين عليه السلام ومحمدا وجميع ولده ورؤساء شيعته وأهل بيته، ثم دفع إليه الكتاب والسلاح وقال له: (يا بني، أمرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أوصي إليك وأدفع إليك كتبي وسلاحي كما أوصى إلي ودفع إلي كتبه وسلاحه، وأمرني أن آمرك إذا حضرك الموت أن تدفعها إلى أخيك الحسين). # ثم ms206 أقبل على ابنه الحسين عليه السلام فقال: (وأمرك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تدفعها إلى ابنك هذا) ثم أخذ بيد علي بن الحسين وقال: (وأمرك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن تدفعها إلى ابنك محمد ابن علي، واقرأه من رسول الله ومني السلام) (1). # وعنه، عن عدة من أصحابه، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى، عن عمرو بن شمر، عن جابر، # PageV01P405 # عن أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام مثل ذلك سواء (1). # وعنه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عبد الصمد بن بشير، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عنيه السلام قال: # (إن أمير المؤمنين عليه السلام لما حضرته الوفاة قال لابنه الحسن: ادن مني حتى أسر إليك ما أسر إلي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأئتمنك على ما ائتمنني عليه) ففعل (2). # وبإسناده رفعه إلى شهر بن حوشب: أن عليا عليه السلام لما سار إلى الكوفة استودع أم سلمة رضي الله عنها كتبه والوصية، فلما رجع الحسن عليه السلام دفعتها إليه (3). # وخامسها: إنا وجدنا الحسن بن علي عليهما السلام قد دعا إلى الأمر بعد أبيه وبايعه الناس على أنه الخليفة والإمام، فقد روى جماعة من أهل التاريخ: أنه عليه السلام خطب صبيحة الليلة التي قبض فيها أمير المؤمنين عليه السلام فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال: (لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون ولا يدركه الآخرون، لقد كان يجاهد مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقيه بنفسه، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوجهه برايته فيكتنفه جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن شماله، فلا يرجع حتى يفتح الله تعالى على يديه، ولقد توفي عليه السلام في هذه الليلة التي عرج فيها عيسى بن مريم، وفيها قبض يوشع بن نون، وما خلف صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم فضلت ms207 # PageV01P406 # من عطائه أراد أن يبتاع بها خادما لأهله). # ثم خنقته العبرة فبكى وبكى الناس معه، ثم قال (أنا ابن البشير، أنا ابن النذير، أنا ابن الداعي إلى الله بإذنه، أنا ابن السراج المنير، أنا ابن من أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، أنا من أهل بيت افترض الله تعالى مودتهم في كتابه فقال: ﴿قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا﴾ (1) فالحسنة مودتنا أهل البيت). # ثم جلس فقام عبد الله بن العباس بين يديه فقال: يا معاشر الناس، هذا ابن نبيكم ووصي إمامكم فبايعوه. فتبادر الناس إلى البيعة له بالخلافة (2). # فلا بد أن يكون محقا في دعوته، مستحقا للإمامة مع شهادة النبي صلى الله عليه وآله وسلم له ولأخيه بالإمامة والسيادة في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا) (3) وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) (4) وشهادة القرآن # PageV01P407 # بعصمتهما في قوله تعالى: ﴿انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهير﴾ (1) على ما تقدم القول فيه. # وسادسها: أن نستدل على إمامته بما أظهر الله عز وجل على يديه من العلم المعجز، ومن جملته حديث حبابة الوالبية أورده الشيخ أبو جعفر بن بابويه قال: حدثنا علي بن أحمد الدقاق قال: حدثنا محمد بن يعقوب، قال: حدثنا علي بن محمد، عن أ بي علي محمد بن إسماعيل بن موسى بن جعفر عليهما السلام، عن أحمد بن القاسم العجب، عن أحمد بن يحيى المعروف ببرد، عن محمد بن خداهي، عن عبد الله بن أيوب، عن عبد الله ابن هشام، عن عبد الكريم بن عمرو الخثعمي، عن حبابة الوالبية قالت: # رأيت أمير المؤمنين عليه السلام في شرطة الخميس، ثم ساقت الحديث إلى أن قالت: فلم أزل أقفو اثره حتى قعد في رحبة المسجد فقلت له: يا أمير المؤمنين ما دلالة الإمامة رحمك الله؟ # قالت: فقال: (إئتيني بتلك الحصاة) وأشار بيده إلى حصاة، فأتيته بها فطبع ms208 لي فيها بخاتمه ثم قال لي: (يا حبابة، إذا ادعى مدع الإمامة فقدر أن يطبع كما رأيت فاعلمي أنه إمام مفترض الطاعة، والإمام لا يعزب عنه شئ يريده). # قالت: ثم انصرفت حتى قبض أمير المؤمنين عليه السلام فجئت إلى الحسن، وهو في مجلس أمير المؤمنين والناس يسألونه فقال لي: (يا حبابة الوالبية). # فقلت: نعم يا مولاي. # PageV01P408 # قال: (هاتي ما معك). # قالت: فأعطيته الحصاة، فطبع لي فيها، كما طبع أمير المؤمنين عليه السلام. # قالت: ثم أتيت الحسين عليه السلام وهو في مسجد الرسول فقرب ورحب، ثم قال لي: (أتريدين دلالة الإمامة؟). # فقلت: نعم يا سيدي. # قال: (هاتي ما معك) فناولته الحصاة فطبع لي فيها. # قالت: ثم أتيت علي بن الحسين عليهما السلام وقد بلغ بي الكبر إلى أن أعييت، وأنا أعد يومئذ مائة وثلاث عشرة سنة، فرأيته راكعا وساجدا مشغولا بالعبادة، فيئست من الدلالة، فأومى إلي بالسبابة فعاد إلي شبابي قالت: فقلت: يا سيدي كم مض من الدنيا وكم بقي؟ # فقال: (أما ما مضى فنعم، وأما ما بقي فلا). # قالت: ثم قال لي: (هات ما معك) فأعطيته الحصاة فطبع فيها، ثم أتيت أبا جعفر عليهما السلام فطبع لي فيها، ثم أتيت أبا عبد الله عليه السلام فطبع لي فيها، ثم أتيت أبا الحسن موسى بن جعفر عليه السلام فطبع لي فيها، ثم أتيت الرضا عليه السلام فطبع لي فيها. وعاشت حبابة بعد ذلك تسعة أشهر علن ما ذكره عبد الله بن هشام (2). # قال: وحدثنا محمد بن محمد بن عصام، عن محمد بن يعقوب الكليني قال: حدثنا علي بن محمد قال: حدثنا محمد بن إسماعيل بن موسى بن جعفر عليهما السلام قال: حدثني أبي، عن أبيه موسى بن جعفر، # PageV01P409 # عن أبيه جعفر، عن أبيه محمد عليهم السلام قال: (إن حبابة الوالبية دعا لها علي بن الحسين عليهما السلام فرد الله عليها شبابها، وأشار إليها بإصبعه فحاضت لوقتها، ولها يومئذ مائة سنة وثلاث عشرة سنة (4). # PageV01P410 # (الفصل الثالث) في ذكر طرف من خصائصه ومناقبه ms209 عليه السلام روي عن جابر بن عبد الله قال: لما ولدت فاطمة الحسن عليهما السلام قالت: لعلي (سمه) فقال: (ما كنت لأسبق باسمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ما كنت لأسبق باسمه ربي عز وجل) فأوحى الله جل جلاله إلى جبرئيل عليه السلام: (أنه قد ولد لمحمد ابن فاهبط إليه وهنئه وقل له: إن عليا منك بمنزلة هارون من موسى، فسمه باسم ابن هارون). # فهبط جبرئيل عليه السلام فهنأه من الله تعالى جل جلاله، ثم قال: (إن الله تعالى يأمرك أن تسميه باسم ابن هارون). # قال: (وما كان اسمه؟) قال: (شبر). # قال: (لساني عربي). # قال: (سمه الحسن) فسماه الحسن (1). # أورده الأستاذ أبو سعيد الواعظ في كتاب (شرف النبي) مرفوعا إلى جابر (2). # وعن جابر أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من سره أن ينظر إلى سيد شباب الجنة فلينظر إلى الحسن بن علي) (3). # PageV01P411 # عبد الله بن بريدة، عن ابن عباس قال: انطلقت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنادى على باب فاطمة ثلاثا فلم يجبه أحد، فمال إلى حائط فقعد فيه وقعدت إلى جانبه، فبينا هو كذلك إذ خرج الحسن بن علي قد غسل وجهه وعلقت عليه سبحة، قال: فبسط النبي صلى الله عليه وآله وسلم يده ومدها ثم ضم الحسن إلى صدره وقبله وقال: (إن ابني هذا سيد، ولعل الله عز وجل يصلح به بين فئتين من المسلمين) (1). # وروى إبراهيم بن علي الرافعي عن أبيه، عن جدته زينب بنت أبي رافع قالت: أتت فاطمة عليها السلام بابنيها الحسن والحسين عليهما السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في شكواه التي توفي فيها فقالت: # (يا رسول الله، هذان إبناك فورثهما شيئا). # فقال: (أما الحسن فإن له هيبتي وسؤددي، وأما الحسين فإن له جودي وشجاعتي) (2). # ويصدق هذا الخبر ما رواه محمد بن إسحاق قال: ما بلغ أحد من الشرف بعد رسول الله صلى الله ms210 عليه وآله وسلم ما بلغ الحسن بن علي، كان يبسط له على باب داره فإذا خرج وجلس انقطع الطريق فما مر أحد من خلق الله إجلالا له، فإذا علم قام ودخل بيته فمر الناس، ولقد رأيته في طريق مكة # PageV01P412 # نزل عن راحلته فمشى فما من خلق الله أحد إلا نزل ومشى، حتى رأيت سعد ابن أبي وقاص قد نزل ومشى إلى جنبه (1). # وروي عن أنس بن مالك قال: لم يكن أحد أشبه برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الحسن بن علي عليهما السلام (2). # وقال أمير المؤمنين عليه السلام: (إن الحسن ابني أشبه برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما بين الصدر إلى الرأس، والحسين عليه السلام أسفل من ذلك) (3). # وأشباه هذه الأخبار كثيرة، وفيما أوردناه كفاية. # PageV01P413 # (الفصل الرابع) في ذكر سبب وفاته عليه السلام وبعض ما جاء في ذلك عبد الله بن إبراهيم، عن زياد المحاربي قال: لما حضرت الحسن عليه السلام الوفاة استدعى الحسين عليه السلام وقال له: (يا أخي إنني مفارقك ولاحق بربي، وقد سقيت السم ورميت بكبدي في الطست، وإني لعارف بمن سقاني ومن أين دهيت، وأنا أخاصمه إلى الله عز وجل، فبحقي عليك إن تكلمت في ذلك بشئ، وانتظر ما يحدث الله تبارك وتعالى في، فإذا قضيت فغسلني وكفني، واحملني على سريري إلى قبر جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأجدد به عهدا، ثم ردني إلى قبر جدتي فاطمة فادفني هناك، وستعلم يا بن أم إن القوم يظنون أنكم تريدون دفني عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيجلبون في منعكم من ذلك، وبالله أقسم عليكم أن تهريق في أمري محجمة من دم). # ثم وصى إليه بأهله وولده وتركاته وما كان وصى أمير المؤمنين عليه السلام حين استخلفه. # فلما مضى لسبيله وغسله الحسين عليه السلام وكفنه وحمله على سريره لم يشك مروان وبنو أمية أنهم سيدفنونه عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فتجمعوا ولبسوا السلاح، فلما توجه به ms211 الحسين عليه السلام إلى قبر جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليجدد به عهدا أقبلوا في جمعهم ولحقتهم عائشة على بغل وهي تقول: نحوا ابنكم عن بيتي فإنه لا يدفن فيه PageV01P414 # ويهتك عليه حجابه (1). # وفي رواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر الباقر عليه السلام فقال الحسين لها: (قديما أنت هتكتي حجاب رسول الله وأدخلت بيته من أبغضه، إن الله سائلك عن ذلك، إن أخي أمرني أن أقربه من رسول الله ليجدد به عهدا) إلى آخر كلامه. # قال: ثم تكلم محمد بن الحنفية فقال: يا عائشة يوما على بغل ويوما على جمل فما تملكين نفسك عداوة لبني هاشم! # قال: فأقبلت عليه وقالت: يا ابن الحنفية، هؤلاء بنو الفواطم يتكلمون فما كلامك؟ # فقال الحسين عليه السلام: (وأنى تفقدين (2) محمدا من الفواطم، فوالله لقد ولدته ثلاث فواطم: فاطمة بنت عمران بن عائذ، وفاطمة بنت ربيعة، وفاطمة بنت أسد). # فقالت عائشة: نحوا ابنكم واذهبوا، فإنكم قوم خصمون. # فمضى الحسين بالحسن عليهما السلام إلى البقيع ودفنه هناك (3). # PageV01P415 # (الفصل الخامس) في ذكر ولد الحسن عليه السلام وعددهم وأسمائهم له من الأولاد ستة عشر (1) ولدا ذكرا وأنثى: زيد بن الحسن، وأختاه أم الحسن، وأم الحسين، أمهم أم بشير بنت أبي مسعود الخزرجية. # والحسن بن الحسن أمه خولة بنت منظور الفزارية. # وعمر بن الحسن وأخواه: عبد الله، والقاسم ابنا الحسن قتلا مع الحسين عليه السلام بكربلاء، أمهم أم ولد. # وعبد الرحمن بن الحسن أمه أم ولد. # والحسين بن الحسن الملقب بالأثرم، وأخوه طلحة، وأختهما فاطمة، أمهم أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التيمي. # وأبو بكر قتل مع الحسين عليه السلام. # وأم عبد الله، وفاطمة، وأم سلمة، ورقية، لأمهات أولاد شتى (2). # وكان زيد بن الحسن عليه السلام يلي صدقات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكان جليل القدر كثير البر، ومات وله تسعون سنة، وخرج من الدنيا ولم يدع الإمامة ولا ادعاها له مدع من الشيعة ولا غيرهم (3). # PageV01P416 # وأما الحسن بن الحسن عليهما السلام ms212 فكان جليلا فاضلا، وكان يلي صدقات أمير المؤمنين عليه السلام، دخل على عبد الملك بن مروان محرشا (1) على الحجاج فقال له عبد الملك بعد أن رحب به وأحسن مسألته: # لقد أسرع إليك الشيب يا أبا محمد وكان عنده يحيى بن أم الحكم وقد وعده أن ينفعه عنده. # فقال يحيى: وما يمنعه يا أمير المؤمنين؟ شيبته أماني أهل العراق، تفد عليه الوفود يمنونه الخلافة. # فأقبل عليه الحسن وقال: بئس - والله - الرفد رفدت، ليس كما قلت، ولكنا أهل بيت يسرع إلينا الشيب. # فأقبل عليه عبد الملك وقال: هلم ما قدمت له. # فقال: إن الحجاج يقول: أدخل عمر بن علي معك في صدقة أبيك. # فقال عبد الملك: ليس ذلك له، اكتب إليه كتابا لا يجاوزه. # فكتب إليه وأحسن صلة الحسن وأكرمه، فلما خرج من عنده لقيه يحيى بن أم الحكم فعاتبه الحسن على سوء محضره فقال له يحيى: أيها عنك، فوالله لا يزال يهابك، ولولا هيبتك لم يقض لك حاجة، وما ألوتك رفدا (2). # وروي: أنه خطب إلى عمه الحسين عليه السلام إحدى ابنتيه، فقال له الحسين عليه السلام: (يا بني اختر أحبهما إليك) فاستحيى الحسن فقال له الحسين عليه السلام: (فإني قد اخترت لك ابنتي فاطمة، فهي أكثرهما # PageV01P417 # شبها بأمي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) (1). # وقبض الحسن بن الحسن وله خمس وثلاثون سنة، وأوصى إلى أخيه من أمه إبراهيم بن محمد بن طلحة. # وكان عبد الله بن الحسن قد زوجه الحسين عليه السلام ابنته سكينة فقتل قبل أن يبني بها (2). # PageV01P418 # (الباب الثاني) في ذكر السبط الشهيد أبي عبد الله الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام سيد شباب أهل الجنة وهو خمسة فصول: PageV01P419 # (الفصل الأول) في ذكر تاريخ مولده ومبلغ سنه ولد عليه السلام بالمدينة يوم الثلاثاء، وقيل: يوم الخميس لثلاث خلون من شعبان (1)، وقيل: لخمس خلون منه سنة أربع من الهجرة (2)، وقيل: ولد آخر شهر ربيع الأول سنة ثلاث من الهجرة (3) ولم يكن بينه وبين أخيه الحسن ms213 عليهما السلام إلا الحمل والحمل ستة. # وجاءت به فاطمة الزهراء أمه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فسماه حسينا وعق عنه كبشا. # وعاش سبعا وخمسين سنة وخمسة أشهر، كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبع سنين، ومع أمير المؤمنين سبعا وثلاثين سنة، ومع أخيه الحسن عليه السلام سبعا وأربعين سنة، وكانت مدة خلافته عشر سنين وأشهرا. # وقتل صلوات الله عليه يوم عاشوراء يوم السبت، وقيل: يوم الاثنين (4) وقيل: يوم الجمعة سنة إحدى وستين من الهجرة (5). # PageV01P420 # (الفصل الثاني) في ذكر الدلائل على إمامته وأنه المنصوص عليه من جهة أبيه وأخيه تدل على إمامته عليه السلام جميع الطرق الاعتبارية والإخبارية التي ذكرناها في إمامة الحسن عليه السلام بعينها، فإن جميعها كما تدل على إمامته تدل على إمامة أبي عبد الله الحسين عليه السلام من بعده مثلا بمثل، وقد صرح النبي صلى الله عليه وآله وسلم على إمامته أيضا بقوله: (ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا) (1). # وأيضا فإن وصية الحسن عليه السلام إليه تدل على إمامته كما دفت وصية أمير المؤمنين عليه السلام إلى الحسن عليه السلام على إمامته، بحسب ما دلت وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى أمير المؤمنين عليه السلام على إمامته من بعده. # ومما جاء من الأخبار في وصية الحسن عليه السلام إليه ما رواه محمد ابن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن بكر بن صالح، عن محمد ابن سليمان الديلمي، عن هارون بن الجهم، عن محمد بن مسلم قال: # سمعت أبا جعفر محمد بن علي عليهما السلام يقول: (لما احتضر الحسن عليه السلام قال للحسين: يا أخي إني أوصيك بوصية (فاحفظها) (2) إذا أنا مت فهيئني ووجهني إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأحدث به # PageV01P421 # عهدا، ثم اصرفني إلى أمي فاطمة عليها السلام ثم ردني فادفني بالبقيع) (1) إلى آخر الخبر. # وروى محمد بن يعقوب بإسناده، عن المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (لما حضرت ms214 الحسن الوفاة قال: يا قنبر انظر هل ترى من وراء بابك مؤمنا من غير آل محمد؟ فقال: الله ورسوله وابن رسوله أعلم، قال: امض فادع لي محمد بن علي (2). # قال: فأتيته، فلما دخلت عليه قال: هل حدث إلا خير؟ قلت: أجب أبا محمد. # فعجل على شسع نعله فلم يسوه، فخرج معي يعدو، فلما قام بين يديه سلم فقال له الحسن عليه السلام: إجلس فليس مثلك يغيب عن سماع كلام يحيى به الأموات ويموت به الأحياء، كونوا أوعية العلم ومصابيح الدجى، فإن ضوء النهار بعضه أضوء من بعض، أما علمت أن الله عز جل جعل ولد إبراهيم أئمة وفضل بعضهم على بعض واتى داود زبورا، وقد علمت بما استأثر (به) محمدا صلى الله عليه وآله وسلم. # يا محمد بن علي، إني أخاف عليك الحسد، وإنما وصف الله تعالى به الكافرين فقال: (كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعدما تبين لهم الحق) ولم يجعل الله للشيطان عليك سلطانا. # يا محمد بن علي، ألا أخبرك بما سمعت من أبيك عليه السلام فيك؟ # قال: بلى. # قال: سمعت أباك يقول يوم البصرة: من أحب أن يبرني في الدنيا # PageV01P422 # والآخرة فليبر محمدا ولدي. # يا محمد بن علي، لو شئت أن أخبرك وأنت نطفة في ظهر أبيك لأخبرتك. # يا محمد بن علي، أما علمت أن الحسين بن علي بعد وفاة نفسي ومفارقة روحي جسمي إمام من بعدي، وعند الله في الكتاب وراثة من النبي أضافها الله له في وراثة أبيه وأمه، علم الله أنكم خيرة خلقه فاصطفى منكم محمدا واختار محمد عليا واختارني علي للإمامة واخترت أنا الحسين. # فقال له محمد بن علي: أنت إمامي وسيدي ألا وإن في رأسي كلاما لا تنزفه الدلاء، ولا تغيره نغمة الرياح، كالكتاب المعجم في الرق المنمنم أهم بإبدائه فأجدني سبقت إليه سبق الكتاب المنزل وما جاءت به الرسل، وإنه لكلام يكل به لسان الناطق ويد الكاتب، حتى لا يجد قلما، ويؤتوا بالقرطاس حمما ولا يبلغ فضلك، وكذلك يجزي الله المحسنين ms215 ولا قوة إلا بالله، الحسين أعلمنا علما، وأثقلنا حلما، وأقربنا من رسول الله رحما، كان إماما قبل أن يخلق، وقرأ الوحي قبل أن ينطق، ولو علم الله أن أحدا خيرا منا ما اصطفى محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، فلما اختار محمدا اختار محمد عليا إماما واختارك علي بعده واخترت الحسين عليه السلام بعدك، سلمنا ورضينا بمن هو الرضى وبمن نسلم به من المشكلات) (1). # وفي حديث حبابة الوالبية الذي رويناه هناك (2) ما فيه من ظهور الآية المعجزة على يده الدالة على إمامته فلا معنى لتكريره وإعادته. # فكانت إمامته عليه السلام ثابتة بعد أخيه الحسن عليه السلام وإن لم # PageV01P423 # يدع إلى نفسه، للهدنة الحاصلة بينه وبين معاوية بن أبي سفيان، وجرى في ذلك مجرى أبيه في ثبوت إمامته بعد النبي عليه واله السلام مع الكف والصموت، ومجرى أخيه عليه السلام في زمان الهدنة والسكوت، فلما انقضى زمان الهدنة بهلاك معاوية، واجتمع له في الظاهر الأنصار، أظهر أمره بعض الإظهار، وتشمر للقتال، وقدم إلى العراق ابن عمه عليه السلام مسلما للاستنصار. # فبايعه أهل الكوفة وضمنوا له النصرة، ثم نكثوا بيعته وخذلوه وأسلموه، وخرجوا إليه فحصروه حيث لا يجد ناصرا ولا مهربا، وحالوا بينه وبين ماء الفرات حتى تمكنوا منه فقتلوه شهيدا كما استشهد أبوه وأخوه عليهم السلام. PageV01P424 # (الفصل الثالث) في ذكر بعض خصائصه ومناقبه وفضائله صلوات الله عليه كان عليه السلام يشبه النبي صلى الله عليه وآله وسلم من صدره إلى رجليه وكان الحسن عليه السلام يشبهه من صدره إلى رأسه كما تقدم (1). # وروى سعيد بن راشد، عن يعلى بن مرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا، حسين سبط من الأسباط) (2). # وروى عبد الله بن ميمون القداح، عن جعفر بن محمد عليهما السلام قال: (اصطرع الحسن والحسين بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إيها (3) حسن خذ حسينا، ms216 # PageV01P425 # فقالت فاطمة عليها السلام: يا رسول الله أتستنهض الكبير على الصغير؟ # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: هذا جبرئيل يقول للحسين: أيها حسين خذ حسنا) (1). # وروى الأوزاعي، عن عبد الله بن شداد، عن أم الفضل، أنها دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: يا رسول الله رأيت الليلة حلما منكرا. # قال: (وما رأيت؟). # فقالت: إنه شديد. # قال: (وما هو؟). # قالت: رأيت كان قطعة من جسدك قطعت ووضعت في حجري. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (خيرا رأيت، تلد فاطمة غلاما فيكون في حجرك). # فولدت الحسين عليه السلام وكان في حجري كما قال صلوات الله عليه وآله. # قالت: فدخلت به يوما على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوضعته في حجره، ثم حانت مني التفاتة فإذا عينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تهرقان بالدموع، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله مالك؟ # قال: (أتاني جبرئيل فأخبرني أن أمتي ستقتل ابني هذا، وأتاني بتربة # PageV01P426 # من تربته حمراء) (1). # وفي مسند الرضا عليه السلام: عن علي بن الحسين عليهما السلام قال: (حدثتني أسماء بنت عميس قالت: لما كان بعد حول من مولد الحسن عليه السلام ولد الحسين عليه السلام فجاء النبي عليه واله السلام فقال: يا أسماء هاتي ابني، فدفعته إليه في خرقة بيضاء فأذن في اذنه اليمنى، وأقام في اليسرى، ووضعه في حجره وبكى. # قالت أسماء: فداك أبي وأمي مم بكاؤك؟ # قال: من ابني هذا. # قلت: إنه ولد الساعة! # قال: يا أسماء تقتله الفئة الباغية من بعدي، لا أنالهم الله شفاعتي، ثم قال: يا أسماء، لا تخبري فاطمة فإنها حديث عهد بولادته، ثم قال لعلي: أي شئ سميت ابني هذا؟ # قال: ما كنت لأسبقك باسمه يا رسول الله، وقد كنت أحب أن اسميه حربا. # فقال رسول الله: ما كنت لأسبق باسمه ربي. # فأتاه جبرئيل فقال: الجبار يقرئك السلام ويقول: سمه باسم ابن هارون. # فقال: وما اسم ابن هارون؟ # قال: شبير. # PageV01P427 # قال: لساني عربي. # قال: ms217 سمه الحسين. # فسماه الحسين، ثم عق عنه يوم سابعه بكبشين أملحين، وحلق رأسه وتصدق بوزن شعره ورقا، وطلى رأسه بالخلوق وقال: الدم فعل الجاهلية، وأعطى القابلة فخذ كبش) (1). # وروى الضحاك، عن ابن المخارق، عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم جالس والحسين عليه السلام في حجره إذ هملت عيناه بالدموع فقلت: يا رسول الله أراك تبكي جعلت فداك؟ # قال: (جاءني جبرئيل عليه السلام فعزاني بابني الحسين، وأخبرني أن طائفة من أمتي ستقتله، لا أنالهم الله شفاعتي) (2). # وروي بإسناد اخر عن أم سلمة: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خرج من عندنا ذات ليلة فغاب عنا طويلا ثم جاءنا وهو أشعث أغبر ويده مضمومة، فقلت له: يا رسول الله، ما لي أراك شعثا مغبرا؟ # فقال: (أسري بي في هذه الليلة إلى موضع من العراق يقال له: # كربلاء، فأريت فيه مصرع الحسين ابني وجماعة من ولدي وأهل بيتي، فلم أزل القط منه دماءهم فها هي في يدي) وبسطها فقال: (خذيه واحتفظي به). # فأخذته فإذا هو شبه تراب أحمر، فوضعته في قارورة وشددت رأسها واحتفظت بها، فلما خرج الحسين عليه السلام متوجها نحو العراق كنت اخرج تلك القارورة في كل يوم وليلة فأشمها وأنظر إليها ثم أبكي لمصابه، # PageV01P428 # فلما كان يوم العاشر من المحرم - وهو اليوم الذي قتل فيه - أخرجتها في أول النهار وهي بحالها ثم عدت إليها آخر النهار فإذا هي دم عبيط، فصحت في بيتي وكظمت غيظي مخافة أن يسمع أعداؤهم بالمدينة فيسرعوا بالشماتة، فلم أزل حافظة للوقت واليوم حتى جاء الناعي ينعاه، فحقق ما رأيت (1). # وعن ابن عباس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (قال لي جبرئيل عليه السلام: إن الله جل جلاله قتل بدم يحيى بن زكريا سبعين ألفا، وهو قاتل بدم ابنك الحسين سبعين ألفا وسبعين ألفا) (2). # وروى سفيان بن عيينة، عن علي بن زيد، عن علي بن الحسين عليهما السلام ms218 قال: (خرجنا مع الحسين عليه السلام فما نزل منزلا ولا ارتحل عنه إلا ذكر يحيى بن زكريا، وقال يوما: من هوان الدنيا على الله عز وجل أن رأس يحيى بن زكريا أهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل) (3). # وروى يوسف بن عبدة قال: سمعت محمد بن سيرين يقول: لم تر هذه الحمرة في السماء إلا بعد قتل الحسين عليه السلام (4). # PageV01P429 # وذكر الحافظ الشيخ أبو بكر البيهقي في كتاب دلائل النبوة قال: أخبرنا القطان: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا سليمان ابن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن معمر قال: أول ما عرف الزهري تكلم في مجلس الوليد بن عبد الملك، فقال الوليد: أيكم يعلم ما فعلت أحجار بيت المقدس يوم قتل الحسين بن علي؟ # فقال الزهري: بلغني أنه لم يقلب حجر إلا وجد تحته دم عبيط (1). # قال: وأخبرنا القطان بإسناده، عن علي بن مسهر قال: حدثتني جدتي قالت: كنت أيام الحسين عليه السلام جارية شابة فكانت السماء أياما علقة (2). # قال: وأخبرنا القطان بإسناده، عن جميل بن مرة قال: أصابوا إبلا في عسكر الحسين عليه السلام يوم قتل فنحروها وطبخوها، قال: فصارت مثل العلقم فما استطاعوا أن يسيغوا منها شيئا (3). # وعن ابن عباس قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما يرى النائم ذات يوم بنصف النهار أشعث أغبر، بيده قارورة فيها دم، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما هذه؟ # PageV01P430 # قال: (هذا دم الحسين عليه السلام وأصحابه لم أزل التقطه منذ اليوم). # فأحصي بذلك الوقت فوجد (قد) قتل ذلك اليوم (١). # وعن نضرة الأزدية: لما قتل الحسين بن علي عليهما السلام مطرت السماء دما، فأصبحت وكل شئ لنأمل ء دم (٢)!! # وروى محمد بن مسلم، عن السيدين الباقر والصادق عليهما السلام قال: سمعتهما يقولان: (إن الله تعالى عوض الحسين عليه السلام من قتله: # أن جعل الإمامة في ذريته، والشفاء في تربته، وإجابة الدعاء عند قبره، ولا تعد أيام زائره جائيا وراجعا من عمره). # قال محمد بن ms219 مسلم: فقلت لأبي عبد الله عليه السلام: هذه الخلال تنال بالحسين فماله هو في نفسه؟ # قال: (إن الله تعالى ألحقه بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم فكان معه في درجته ومنزلته) ثم تلا أبو عبد الله عليه السلام: ﴿والذين امنوا وأتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم﴾ (3) (4). # والأخبار في هذا المعنى أكثر من أن تحصى. # PageV01P431 # ومما روي في السبطين عليهما السلام: ما رواه عتبة بن غزوان قال: # كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي فجاء الحسن والحسين يركبان ظهره، فم انصرف فوضعهما في حجره وجعل يقبل هذا مرة وهذا مرة، فقال قوم: أتحبهما يا رسول الله؟ # فقال: (ما لي لا أحب ريحانتي من الدنيا) (1). # وروى سلمان الفارسي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول: (الحسن والحسين ابني من أحبهما أحبني، ومن أحبني أحبه الله، ومن أحبه الله أدخله الجنة، ومن أبغضهما أبغضني، ومن أبغضني أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله النار على وجهه) (2). # وروى ابن لهيعة عن أبي عوانة رفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أن الحسن والحسين شنفا (3) العرش، وأن الجنة قالت: يا رب أسكنتني الضعفاء والمساكين، فقال لها الله تعالى: (ألا ترضين أني زينت أركانك بالحسن والحسين، قال: فماست كما تميس (4) العروس فرحا) (). # وروى عبد الله بن بريدة قال: سمعت أبي يقول: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطبنا فجاء الحسن والحسين عليهما السلام وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم # PageV01P432 # من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه، ثم قال: (صدق الله تعالى: ﴿انما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ (1) نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما) (2). # وأما ما جاء من الرواية في ثواب زيارته، وفضل تربته، وكيفية أخذها، وغير ذلك مما يتعلق بجلال رتبته، وعلو منزلته عند الله فكثيرة، وما ذكرناه كاف في هذا الباب. # PageV01P433 # (الفصل الرابع) في ذكر جملة مختصرة من أخبار خروجه ومقتله عليه السلام ذكر الثقات من أصحاب السير: ms220 أنه لما مات الحسن بن علي عليهما السلام تحركت الشيعة بالعراق وكتبوا إلى الحسين عليه السلام في خلع معاوية، فامتنع عليهم للعهد الحاصل بينه وبين معاوية، فلما مات معاوية - وذلك في النصف من رجب سنة ستين - كتب يزيد بن معاوية إلى الوليد ابن عتبة بن أبي سفيان والي المدينة أن يأخذ الحسين عليه السلام بالبيعة له، فأنفذ الوليد إلى الحسين عليه السلام فاستدعاه، فعرف الحسين ما أراد، فدعا جماعة من مواليه وأمرهم بحمل السلاح وقال: (إجلسوا على الباب، فإذا سمعتم صوتي قد علا فأدخلوا عليه لتمنعوه مني). # وصار عليه السلام إلى الوليد، فنعى الوليد إليه معاوية فاسترجع الحسين عليه السلام، ثم قرأ عليه كتاب يزيد، فقال الحسين عليه السلام: # (إني لا أراك تقنع ببيعتي ليزيد سرا حتى أبايعه جهرا). # فقال الوليد: أجل. # فقال الحسين عليه السلام: (فنصبح ونرى في ذلك). # فقال الوليد: انصرف على اسم الله تعالى. # فقال مروان: والله لئن فارقك الحسين الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على مثلها أبدا حتى يكثر القتلى بينكم وبينه، فلا يخرج من عندك حتى يبايع أو تضرب عنقه. # فوثب عند ذلك الحسين عليه السلام وقال: (أنت يا ابن الزرقاء تقتلني PageV01P434 # أو هو؟ كذبت والله وأثمت) فخرج. # فقال مروان للوليد: عصيتني. # فقال: ويح غيرك يا مروان، والله ما أحب أن لي ما طلعت عليه الشمس وأني قتلت حسينا، سبحان الله أقتل حسينا إن قال: لا أبايع، والله إني لأظن أن امرءا يحاسب بدم الحسين خفيف الميزان عند الله تعالى يوم القيامة. # فقال مروان: إن كان هذا رأيك فقد أصبت. # وأقام الحسين تلك الليلة في منزله، واشتغل الوليد بمراسلة عبد الله بن الزبير في البيعة ليزيد وامتناعه عليه، وخرج ابن الزبير من ليلته متوجها إلى مكة، وسرح الوليد في إثره الرجال فطلبوه فلم يدركوه. # فلما كان اخر النهار بعث إلى الحسين عليه السلام ليبايع فقال عليه السلام: (أصبحوا وترون ونرى) فكفوا تلك الليلة عنه، فخرج عليه السلام ليلة الأحد لليلتين بقيتا من رجب متوجها ms221 نحو مكة ومعه بنوه وبنو أخيه الحسن وإخوته وجل أهل بيته، إلا محمد بن الحنفية فإنه لم يدر أين يتوجه، وشيعه وودعه. # وخرج الحسين عليه السلام وهو يقول: ﴿فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين﴾ (١) فلما دخل مكة دخلها لثلاث مضين من شعبان وهو يقول: ﴿ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل﴾ (2). # وأقبل أهل مكة يختلفون إليه، ويأتيه ابن الزبير فيمن يأتيه بين كل يومين مرة، وهو أثقل خلق الله على ابن الزبير وقد عرف أن أهل الحجاز لا # PageV01P435 # يبايعونه ما دام الحسين عليه السلام بالبلد. # وبلغ أهل الكوفة هلاك معاوية، وعرفوا خبر الحسين، فاجتمعت الشيعة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي وقالوا: إن معاوية قد هلك، وإن الحسين قد خرج إلى مكة وأنتم شيعته وشيعة أبيه، فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه ومجاهدوا عدوه فاكتبوا إليه. فكتبوا إليه كتبا كثيرة، وأنفذوا إليه الرسل إرسالا، ذكروا فيها: أن الناس ينتظرونك لا رأي لهم غيرك، فالعجل العجل (1). # فكتب إليه امراء القبائل: أما بعد: فقد أخضر الجناب وأينعت الثمار، فإذا شئت فاقدم على جند لك مجندة. # فلما قدم الكتب وسأل الرسل كتب إليهم: # (من الحسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين. # أما بعد: فإن (فلانا وفلانا) (2) قدما علي بكتبكم، وكانا آخر رسلكم، وفهمت مقالة جلكم: أنه ليس علينا إمام فأقبل لعل الله يجمعنا بك على الحق، وإني باعث إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهلي مسلم بن عقيل، فإن كتب إلي أنه قد اجتمع رأي ملئكم وذوي الحجا والفضل منكم على مثل ما قدمت به رسلكم وقرأته في كتبكم أقدم عليكم وشيكا إن شاء الله تعالى). # ودعا بمسلم بن عقيل فسرحه مع قيس بن مسهر الصيداوي، وعمارة # PageV01P436 # ابن عبد الله السلولي، وعبد الرحمن بن عبد الله الأرحبي. # فأقبل مسلم حتى دخل الكوفة، فنزل دار المختار بن أبي عبيدة، وأقبلت الشيعة تختلف إليه، وبايعه الناس حتى بايعه منهم ثمانية عشر ألفا، فكتب مسلم إلى الحسين عليه السلام ms222 يخبره بذلك ويأمره بالقدوم، وعلى الكوفة يومئذ النعمان بن بشير من قبل يزيد (1). # وكتب عبد الله بن مسلم الحضرمي إلى يزيد بن معاوية: أن مسلم بن عقيل قدم إلى الكوفة فبايعته الشيعة للحسين بن علي، فإن كان لك في الكوفة حاجة فابعث إليها رجلا قولا، فإن النعمان بن بشير رجل ضعيف. # وكتب إليه عمر بن سعد وغيره بمثل ذلك. # فلما وصلت الكتب إلى يزيد دعا بسرجون - مولى معاوية - وشاوره في ذلك - وكان يزيد عاتبا على عبيد الله بن زياد - فقال سرجون: أرأيت معاوية لو يشير لك ما كنت آخذا برأيه؟ قال: نعم. # فأخرج سرجون عهد عبيد الله بن زياد على الكوفة وقال: إن معاوية مات وقد أمر بهذا الكتاب، فضم المصرين إلى عبيد الله، فقال يزيد: إبعث بعهد ابن زياد إليه، وكتب إليه: أن سر حين تقرأ كتابي هذا حتى تأتي الكوفة فتطلب ابن عقيل طلب الخرزة حتى تثقفه فتوثقه أو تقتله أو تنفيه والسلام. # فلما وصل العهد والكتاب إلى عبيد الله أمر بالجهاز من وقته والمسير إلى الكوفة، ومعه مسلم بن عمرو الباهلي، وشريك بن الأعور الحارثي، وحشمه وأهل بيته، حتى دخل الكوفة وعليه عمامة سوداء وهو متلثم، والناس قد # PageV01P437 # بلغهم إقبال الحسين عليه السلام، فهم ينتظرون قدومه، فظنوا أنه الحسين عليه السلام، فكان لا يمر على ملأ من الناس إلا سلموا عليه وقالوا: مرحبا يا ابن رسول الله قدمت خير مقدم، فرأى من تباشرهم بالحسين عليه السلام ما ساءه، فقال مسلم بن عمرو لما أكثروا: تأخروا، هذا الأمير عبيد الله بن زياد، وسار حتى وافى قصر الأمارة فأغلق النعمان بن بشير عليه حتى علم أنه عبيد الله ففتح له الباب (1). # فلما أصبح نادى في الناس الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فخطب وقال: # أما بعد: فإن أمير المؤمنين ولاني مصركم وثغركم وفيئكم، وأمرني بإنصاف مظلومكم، وإعطاء محرومكم، والإحسان إلى سامعكم ومطيعكم كالوالد البر، وسوطي وسيفي على من ترك أمري وخالف عهدي، فليبق امرؤ على نفسه (الصدق ينبئ عنك لا الوعيد) ms223 (2). # ثم نزل وأخذ الناس أخذا شديدا. # ولما سمع مسلم بن عقيل بمجئ ابن زياد إلى الكوفة ومقالته التي قالها خرج من دار المختار حتى انتهى إلى دار هانئ بن عروة، وأقبلت الشيعة تختلف إليه سرا. # ونزل شريك بن الأعور دار هانئ بن عروة أيضا، ومرض فأخبر بأن عبيد الله بن زياد يأتيه يعوده، فقال لمسلم بن عقيل: ادخل هذا البيت، فإذا دخل هذا اللعين وتمكن جالسا فاخرج إليه واضربه ضربة بالسيف تأتي # PageV01P438 # عليه، وقد حصل المراد واستقام لك البلد، ولو من الله علي بالصحة ضمنت لك استقامة أمر البصرة. # فلما دخل ابن زياد وأمكنه ما وافقه عليه بدا له في ذلك ولم يفعل، واعتذر إلى شريك بعد فوات الأمر بأن ذلك كان يكون فتكا وقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الإيمان قيد الفتك). # فقال: أما والله لو قد قتلته لقتلت غادرا فاجرا كافرا. ثم مات شريك من تلك العلة رحمه الله. # ودعا عبيد الله بن زياد مولى له يقال له: معقل، وقال: خذ ثلاثمائة درهم (1) ثم اطلب مسلم بن عقيل والتمس أصحابه، فإذا ظفرت منهم بواحد أو جماعة فأعطهم هذه الدراهم وقل: استعينوا بها على حرب عدوكم، فإذا اطمأنوا إليك ووثقوا بك لم يكتموك شيئا من أخبارهم، ثم اغد عليهم ورح حتى تعرف مستقر مسلم بن عقيل. # ففعل ذلك، وجاء حتى جلس إلى مسلم بن عوسجة الأسدي في المسجد الأعظم وقال: يا عبد الله إني امرؤ من أهل الشام، أنعم الله علي بحب أهل هذا البيت، فقال له مسلم: أحمد الله على لقائك، فقد سرني ذلك، وقد ساءني معرفة الناس إياي بهذا الأمر قبل أن يتم مخافة هذا الطاغية، فقال له معقل: لا يكون إلا خيرا، فخذ مني البيعة. # فأخذ بيعته، وأخذ عليه المواثيق المغلظة لينا صحن وليكتمن، ثم قال: اختلف إلي أياما في منزلي فأنا طالب لك الإذن، فأذن له، فأخذ مسلم بيعته، ثم أمر قابض الأموال فقبض المال منه، وأقبل ذلك اللعين يختلف إليهم، فهو ms224 أول داخل وآخر خارج، حتى علم ما احتاج إليه ابن زياد، وكان # PageV01P439 # يخبره به وقتا وقتا. # وخاف هانئ بن عروة على نفسه من عبيد الله بن زياد، فانقطع عن حضور مجلسه وتمارض، فقال ابن زياد: مالي لا أرى هانئا؟ فقالوا: هو شاك، فقال: لو علمت بمرضه لعدته، ودعا محمد بن الأشعث وأسماء بن خارجة وعمرو بن الحجاج الزبيدي فقال لهم: ما يمنع هانئا من إتياننا؟ # فقالوا: ما ندري وقد قيل: إنه يشتكي، قال: قد بلغني أنه يجلس على باب داره فالقوه ومروه ألا يدع ما عليه من حقنا. # فأتوه حتى وقفوا عليه عشية - وهو على باب داره جالس - فقالوا: ما يمنعك من لقاء الأمير؟ فقال لهم: الشكوى تمنعني من لقائه، فقالوا له: قد بلغه أنك تجلس على باب دارك عشية وقد استبطأك، فدعا بثيابه فلبسها، ودعا ببغلته فركبها، فلما دخل على ابن زياد قال: أتتك بحائن رجلاه (1) والتفت نحوه وقال: # أريد حباءه (2) ويريد قتلي عذيرك من خليلك من مراد (3) فقال هانئ: وما ذاك أيها الأمير؟ قال: ما هذه الأمور التي تربص في دورك لأمير المؤمنين وعامة المسلمين، جئت بمسلم بن عقيل فأدخلته دارك وجمعت له الرجال والسلاح قال: ما فعلت ذلك، قال: بلى. # ثم دعا ابن زياد معقلا - ذلك اللعين - فجاء حتى وقف بين يديه، فلما رآه هانئ علم أنه كان عينا عليهم وأنه قد أتاه بأخبارهم فقال: اسمع مني # PageV01P440 # وصدق مقالتي، والله ما دعوته إلى منزلي ولا علمت بشئ من أمره حتى جاءني يسألني النزول فاستحيت مات رده، فضيفته وآويته، وأنا أعطيك اليوم عهدا ألا أبغيك سوءا ولا غائلة، وإن شئت أعطيك رهينة فتكون في يدك حتى آتيك به أو آمره حتى يخرج من داري إلى حيث شاء من الأرض فاخرج من جواره، فقال ابن زياد: والله لا تفارقني أبدا حتى تأتيني به، فقال: لا والله لا اتيك به، وكثر الكلام بينهما حتى قال: والله لتأتيني به قال: لا والله لا اتيك به، قال: لتأتيني به أو لأضربن عنقك، ms225 فقال هانئ: إذا والله تكثر البارقة حول دارك، فقال ابن زياد: أبا لبارقة تخوفني؟! وهو يظن أن عشيرته سيمنعونه، فقال: ادنو مني، فلم يزل يضرب وجهه بالقضيب حتى كسر أنفه وسيل الدماء على ثيابه، وضرب هانئ يده إلى قائم سيف شرطي وجاذبه الرجل ومنعه، فقال ابن زياد: قد حل لنا قتلك، فجروه فألقوه في بيت من بيوت الدار وأغلقوا عليه بابه. # وبلغ الخبر مسلم بن عقيل فأمر أن ينادى في الناس، فملأ بهم الدور وقال لمناديه: ناد (يا منصور أمت) فعقد مسلم لرؤوس الأرباع على القبائل كندة ومذحج وأسد وتميم وهمدان، فتداعى الناس واجتمعوا فامتلأ المسجد من الناس والسوق، وما زالوا يزيدون حتى المساء. # وضاق بعبيد الله أمره، وليس معه في القصر إلا ثلاثون رجلا من الشرط وعشرون رجلا من أشراف الناس وأهل بيته، وأقبل من نأى عنه من أشراف الناس، يأتونه من قبل الباب الذي يلي دار الروميين، وجعل من في القصر مع ابن زياد يشرفون عليهم فينظرون إليهم وهم يرمونه بالحجارة. # ودعا ابن زياد: بكثير بن شهاب، ومحمد بن الأشعث، وشبث بن ربعي، وجماعة من رؤساء القبائل، وأمرهم أن يسيروا في الكوفة ويخذلوا الناس عن مسلم بن عقيل، ويعلموهم بوصول الجند من الشام، وأن الأمير PageV01P441 # قد أعطى الله عهدا لئن تممتم على حربه ولم تنصرفوا من عشيتكم هذه أن يحرم ذريتكم العطاء، ويأخذ البرئ بالسقيم، والشاهد بالغائب. # فلما سمع الناس مقالتهم أخذوا يتفرقون، وكانت المرأة تأتي ابنها وأخاها وزوجها وتقول: انصرف الناس يكفونك، ويجئ الرجل إلى ابنه وأخيه ويقول له: غدا يأتيك أهل الشام فما تصنع بالحرب والشر؟! فيذهب به فينصرف، فما زالوا يتفرقون حتى أمسى ابن عقيل وصلى المغرب وما معه من أصحابه إلا ثلاثون نفسا. # فلما رأى ذلك خرج متوجها نحو أبواب كندة (فلما) (1) بلغ الباب ومعه منهم عشرة، فخرت من الباب فإذا ليس معه إنسان، ولا يجد أحدا يدله على الطريق، فمضى على وجهه متلددا (2) في أزقة الكوفة لا يدري أين يذهب، فمشى حتى انتهى ms226 إلى باب امرأة يقال لها: طوعة، وهي على باب دارها تنتظر ولدا لها، فسلم عليها وقال: يا أمة الله اسقيني ماء، فسقته وجلس. # فقالت: يا عبد الله، قم فاذهب إلى أهلك؟ فقال: يا أمة الله ما لي في هذا المصر منزل، فهل لك في أجر ومعروف ولعلي أكافئك بعد اليوم؟ # فقالت: وما ذاك؟ قال: أنا مسلم بن عقيل، كذبني هؤلاء القوم وغروني وأخرجوني، قالت: أنت مسلم؟ قال: نعم، قالت: ادخل. # فدخل بيتا في دارها غير الذي تكون فيه، وفرشت له، وعرضت عليه العشاء فلم يتعش. # فجاء ابنها، فرآها تكثر الدخول إلى البيت والخروج منه، فسألها عن ذلك فقالت: يا بني اله عن هذا، قال: والله لتخبريني. # PageV01P442 # فأخذت عليه الأيمان أن لا يخبر أحدا، فحلف فأخبرته، وكانت هذه المرأة أم ولد للأشعث بن قيس، فاضطجع ابنها وسكت. # وأصبح فغدا إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فأخبره بمكان مسلم بن عقيل عند أمه، فأقبل عبد الرحمن حتى أتى أباه وهو عند ابن زياد فساره، فعرف ابن زياد سراره، فقال: قم فأتني به الساعة. # فقام وبعث معه عبيد الله بن العباس السلمي في سبعين رجلا من قيس، حتى أتوا الدار التي فيها مسلم، فلما سمع وقع الحوافر وأصوات الرجال علم أنه قد أتي، فخرج إليهم بسيفه واقتحموا عليه الدار، فشد عليهم يضربهم بسيفه حتى أخرجهم من الدار، واختلف هو وبكر بن حمران الأحمري فضرب بكر فم مسلم فقطع شفته العليا وأسرع في السفلى، وضربه مسلم على رأسه ضربة منكرة وثنى بأخرى على حبل العاتق، وخرج عليهم مصلتا بسيفه، فقال له محمد بن الأشعث: لك الأمان لا تقتل نفسك، وهو يقاتلهم ويقول: # أقسمت لا أقتل إلا حرا * إني رأيت الموت شيئا نكرا كل امرئ يوما ملاق شرا * أخاف أن اكذب أو أغرا فقال له محمد بن الأشعث: إنك لا تكذب ولا تغر، فلا تجزع، إن القوم بنو عمك وليسوا بقاتليك. # فقال مسلم: أما لو لم تؤمنوني ما وضعت يدي في أيديكم، فاتي ببغلة ms227 فركبها، واجتمعوا حوله وانتزعوا سيفه، فكأنه أيس هناك من نفسه، فدمعت عيناه وقال: هذا أول الغدر، وأقبل على محمد بن الأشعث وقال: إني أراك والله ستعجز عن أماني فهل عندك خير؟ تستطيع أن تبعث من عندك رجلا على لساني أن يبلغ حسينا فإني لا أراه إلا خرج إليكم اليوم أو هو خارج غدا - ويقول: إن ابن عقيل بعثني إليك وهو أسير في أيدي القوم لا يرى أن PageV01P443 # يمسي حتى يقتل، وهو يقول: إرجع فداك أبي وأمي بأهل بيتك ولا يغرنك أهل الكوفة، فإنهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل، إن أهل الكوفة كذبوك وليس لكذوب رأي. فقال ابن الأشعث: والله لأفعلن، ولأعلمن ابن زياد أني قد آمنتك. # وأقبل ابن الأشعث بابن عقيل إلى باب القصر، ودخل على عبيد الله فأخبره خبره وما كان من أمانه، فقال ابن زياد: ما أنت والأمان؟ كأنا أرسلناك لتؤمنه وإنما أرسلناك لتأتينا به، فسكت ابن الأشعث. # وخرج رسول ابن زياد فأمر بإدخال مسلم، فلما دخل لم يسلم عليه بالإمرة، فقال الحرسي: ألا تسلم على الأمير؟ قال: إن كان يريد قتلي فما سلامي عليه، وإن كان لا يريد قتلي ليكثرن سلامي عليه، فقال ابن زياد: # لعمري لتقتلن قتلة لم يقتلها أحد من الناس في الإسلام، فقال له مسلم: # أنت أحق من أحدث في الإسلام، وأنك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السيرة، ولؤم الغلبة. # وأخذ ابن زياد لعنة الله عليه يشتمه ويشتم الحسين وعليا وعقيلا، وأخذ مسلم لا يكلمه. # ثم قال ابن زياد: إصعدوا به فوق القصر واضربوا عنقه ثم أتبعوه جسده، فقال مسلم: لو كان بيني وبينك قرابة ما قتلتني، فقال ابن زياد: أين هذا الذي ضرب ابن عقيل رأسه بالسيف، فدعي بكر بن حمران الأحمري فقال له: إصعد فكن أنت الذي تضرب عنقه. # فصعد وجعل مسلم يكبر الله ويستغفره، ويصلي على النبي وآله ويقول: اللهم احكم بيننا وبين قوم غرونا وخذلونا، وضربت عنقه واتبع جسده رأسه، وامر بهانئ بن عروة ms228 فاخرج إلى السوق وضربت عنقه وهو يقول: إلى الله المعاد، اللهم إلى رحمتك ورضوانك. PageV01P444 # وفي قتلهما يقول عبد الله بن الزبير الأسدي: # إن كنت لا تدرين ما الموت فانظري إلى هاني في السوق وابن عقيل إلى بطل قد هشم السيف وجهه وآخر يهوي من طمار قتيل - في أبيات (1) - وبعث ابن زياد لعنه الله برأسيهما إلى يزيد بن معاوية لعنه الله. # وكان خروج مسلم رحمة الله عليه بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة يوم التروية، وقتل يوم عرفة سنة ستين. # وكان توجه الحسين عليه السلام من مكة إلى العراق في يوم خروج مسلم بالكوفة، وكان قد اجتمع إليه عليه السلام مدة مقامه بمكة نفر من أهل الحجاز والبصرة، ولما أراد الخروج إلى العراق طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وأحل من إحرامه وجعلها عمرة، لأنه لم يتمكن من تمام الحج مخافة أن يقبض عليه بمكة فينفذ إلى يزيد بن معاوية (2). # فروي عن الفرزدق الشاعر أنه قال: حججت بأمي سنة ستين، فبينا أنا أسوق بعيرها حين دخلت الحرم إذ لقيت الحسين بن علي عليهما السلام خارجا من الحرم معه أسيافه وتراسه فقلت: لمن هذا القطار؟ فقيل. # للحسين بن علي، فأتيته فسلمت عليه وقلت له: أعطاك الله سؤلك وأملك فيما تحب يا ابن رسول الله بأبي أنت وأمي ما أعجلك عن الحج؟ # قال: (لو لم أعجل لاخذت) ثم قال لي: (من أنت؟). # قلت: امرؤ من العرب، فلا والله ما فتشني أكثر من ذلك، ثم قال: # PageV01P445 # (أخبرني عن الناس خلفك؟) فقلت: الخبير سألت، قلوب الناس معك وأسيافهم عليك، وسألته عن أشياء من نذور ومناسك فأخبرني بها، ثم حرك راحلته وقال: (السلام عليكم)، ثم افترقنا. # ولحقه عبد الله بن جعفر بكتاب عمرو بن سعيد بن العاص والي مكة مع أخيه يحيى بن سعيد يؤمنه على نفسه، فدفعا إليه الكتاب وجهدا به في الرجوع فقال: (إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام وأمرني بما أنا ماض له). # قالا: فما تلك ms229 الرؤيا؟ # فقال: (ما حدثت بها أحدا ولا أحدث أحدا حتى ألقى ربي عز وجل). # فلما يئس عبد الله بن جعفر منه أمر ابنيه عونا ومحمدا بلزومه والمسير معه والجهاد دونه، ورجع هو ويحيى بن سعيد إلى مكة. # وتوجه الحسين عليه السلام نحو العراق، ولما بلغ عبيد الله بن زياد إقبال الحسين عليه السلام إلى الكوفة بعث الحصين بن نمير صاحب شرطته حتى نزل القادسية، ولما بلغ الحسين عليه السلام بطن الرملة بعث عبد الله ابن يقطر - وهو أخوه من الرضاعة - وقيل: بل بعث قيس بن مسهر الصيداوي إلى أهل الكوفة، ولم يكن علم بخبر مسلم، وكتب معه إليهم كتابا يخبرهم فيه بقدومه، ويأمرهم بالانكماش (1) في الأمر. فأخذه الحصين بن نمير وبعث به إلى عبيد الله بن زياد، فقال له عبيد الله بن زياد: إصعد وسب الكذاب الحسين بن علي. # فصعد وحمد الله وأثنى عليه وقال: أيها الناس، هذا الحسين بن علي # PageV01P446 # خير خلق الله، ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنا رسوله إليكم فأجيبوه، ثم لعن ابن زياد، فأمر به فرمي من فوق القصر، فوقع على الأرض وانكسرت عظامه، وأتاه رجل فذبحه وقال: أردت أن أريحه!! # فلما بلغ الحسين صلوات الله عليه قتل رسوله استعبر، ولما بلغ الثعلبية ونزل أتاه خبر قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة فقال: (إنا لله وإنا إليه راجعون، رحمة الله عليهما) يردد ذلك مرارا. # وقيل له: ننشدك الله يا ابن رسول الله لما انصرفت من مكانك هذا، فإنه ليس لك بالكوفة ناصر ولا شيعة، بل نتخوف أن يكونوا عليك، فنظر إلى بني عقيل فقال: (ما ترون؟) فقالوا: والله لا نرجع حتى نصيب ثارنا أو نذوق ما ذاق. فقال الحسين عليه السلام: (لا خير في العيش بعد هؤلاء). # ثم أخرج إلى الناس كتابا فيه: (أما بعد: فقد أتانا خبر فظيع، قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة وعبد الله بن يقطر، وقد خذلنا شيعتنا، فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف في غير ms230 حرج، فليس عليه ذمام). # فتفرق الناس عنه وأخذوا يمينا وشمالا حتى بقي في أصحابه الذين جاؤوا معه ونفر يسير ممن انضموا إليه، وإنما فعل عليه السلام ذلك لأنه علم أن الأعراب الذين اتبعوه يظنون أنه يأتي بلدا قد استقام عليه، فكره أن يسيروا معه إلا ودهم يعلمون على ما يقدمون. # ثم سار عليه السلام حتى مر ببطن العقبة، فنزل فيها فلقيه شيخ من بني عكرمة يقال له: عمرو بن لوذان فقال: أنشدك الله يا ابن رسول الله لما انصرفت، فوالله ما تقدم إلا على الأسنة وحد السيوف، وإن هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤونة القتال ووطؤوا لك الأسياف فقدمت عليهم كان ذلك رأيا. # فقال: (يا عبد الله، لا يخفى علي الرأي ولكن الله تعالى لا يغلب على PageV01P447 # أمره) ثم قال عليه السلام: (والله لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا ذلك سلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل فرق الأمم). # ثم سار عليه السلام من بطن العقبة وأمر فتيانه أن يستقوا الماء ويكثروا، ثم سار حتى انتصف النهار، فبينا هو يسير إذ كبر رجل من أصحابه فقال عليه السلام: (الله أكبر لم كبرت؟) قال: رأيت النخل، فقال له جماعة من أصحابه: والله إن هذا المكان ما رأينا به نخلة قط، قال: # (فما ترونه؟) قالوا: نراه والله آذان الخيل، قال: (أنا والله أرى ذلك). # فما كان بأسرع حتى طلعت هوادي الخيل (1) مع الحر بن يزيد التميمي، فجاء حتى وقف هو وخيله مقابل الحسين عليه السلام في حر الظهيرة، وكان مجئ الحر بن يزيد من القادسية، يقدم الحصين بن نمير في ألف فارس.. # فحضرت صلاة الظهر، فصلى الحسين عليه السلام وصلى الحر خلفه، فلما سلم انصرف إلى القوم وحمد الله وأثنى عليه وقال: # (أيها الناس إنكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحق لأهله يكن أرضى لله عنكم، ونحن أهل بيت محمد صلى الله عليه وآله وسلم أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدعين ما ليس لهم، ms231 والسائرين فيكم بالجور والعدوان، فإن أبيتم إلا الكراهة لنا، والجهل بحقنا، وكان رأيكم الان غير ما أتتني به ، كتبكم، وقدمت به علي رسلكم انصرفت عنكم). # فقال له الحر: أنا والله ما أدري ما هذه الكتب التي تذكر! # فقال الحسين عليه السلام لبعض أصحابه: (يا عقبة بن سمعان اخرج # PageV01P448 # الخرجين اللذين فيهما كتبهم إلي). # فأخرج خرجين مملوءين صحفا فنثرت بين يديه، فقال له الحر: لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك، وقد أمرنا إذا لقيناك أن لا نفارقك حتى نقدم بك الكوفة على عبيد الله. # فقال له الحسين عليه السلام: (الموت أدنى إليك من ذلك) ثم قال لأصحابه: (قوموا فاركبوا) فركبوا، فقال: (انصرفوا). # فلما ذهبوا لينصرفوا حال القوم بينهم وبين الانصراف فقال الحسين عليه السلام للحر: (ثكلتك أمك يا ابن يزيد). # قال الحر: أما لو غيرك من العرب يقولها لي وهو على مثل الحال التي أنت عليها ما تركت ذكر أمه بالثكل، ولكن والله ما لي إلى ذكر أمك من سبيل إلا بأحسن ما نقدر عليه. # فقال الحسين عليه السلام: (فما تريد؟) قال: أريد أن أنطلق بك إلى الأمير عبيد الله. # قال: (إذا والله لا أتبعك). # قال: إذا والله لا أدعك. # وترادا القول، فلما كثر الكلام بينهما قال الحر: إني لم أومر بقتالك، إنما أمرت أن لا أفارقك حتى أقدم بك الكوفة، فتياسر ههنا عن طريق العذيب والقادسية حتى أكتب إلى الأمير ويكتب إلى عبيد الله لعل الله أن يأتي بأمر يرزقني فيه العافية من أن ابتلى بشئ من أمرك. # فسار الحسين عليه السلام وسار الحر في أصحابه يسايره وهو يقول له: إني أذكرك الله قي نفسك، فإني أشهد لئن قاتلت لتقتلن. # فقال الحسين عليه السلام: (أفبالموت تخوفني؟! وسأقول ما قال أخو الأوس لابن عمه وهو يريد نصرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخوفه PageV01P449 # ابن عمه وقال: إنك مقتول فقال: # سأمضي وما بالموت عار على الفتى إذا ما نوى حقا وجاهد مسلما وآسى الرجال الصالحين بنفسه وفارق مثبورا وودع مجارما) ms232 فلما سمع ذلك الحر تنحى عنه. # قال عقبة بن سمعان: فسرنا معه ساعة فخفق عليه السلام هو على ظهر فرسه خفقة ثم انتبه وهو يقول: (إنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله رب العالمين) ففعل ذلك مرتين أو ثلاثا، فأقبل إليه علي بن الحسين عليهما السلام على فرس فقال: يا أبه فيم حمدت الله واسترجعت؟ # قال: (يا بني، إني خفقت خفقة فعن لي فارس على فرس وهو يقول: # القوم يسيرون والمنايا تسري. إليهم، فعلمت أنها أنفسنا نعيت إلينا). # فقال له: يا أبه لا أراك الله سوءا، ألسنا على الحق؟ # قال: (بلى والذي إليه مرجع العباد). # قال: فإننا إذن لا نبالي أن نموت محقين. # فقال له الحسين عليه السلام: (جزاك الله من ولد خير ما جزى ولدا عن والده). # فلما أصبح نزل فصلى الغداة، ثم عجل الركوب فأخذ يتياسر بأصحابه يريد أن يفرقهم فيأتيه الحر بن يزيد فيرده وأصحابه، فجعل إذا ردهم نحو الكوفة امتنعوا عليه، فلم يزالوا يتياسرون كذلك حتى انتهوا إلى نينوى المكان الذي نزل به الحسين عليه السلام، فإذا راكب على نجيب له، فلما انتهى إليهم سلم على الحر ولم يسلم على الحسين عليه السلام وأصحابه، ودفع إلى الحر كتابا من عبيد الله بن زياد، فإذا فيه: أما بعد: فجعجع بالحسين حين يبلغك كتابي ولا تنزله إلا بالعراء في غير خضر وعلى غير ماء، وقد أمرت رسولي أن يلزمك ولا يفارقك حتى يأتيني بإنفاذك أمري، والسلام. PageV01P450 # فأخذهم الحر بالنزول في ذلك المكان على غير ماء ولا في قرية، فقال له الحسين: (دعنا ويحك ننزل في هذه القرية أو هذه) - يعني نينوى والغاضرية -. # قال: لا والله لا أستطيع ذلك، هذا رجل قد بعث عينا علي. # فقال زهير بن القين: إني والله ما أراه يكون بعد هذا الذي ترون إلا أشد ما ترون، يا ابن رسول الله إن قتال هؤلاء الساعة أهون علينا من قتال من يأتينا من بعدهم، فلعمري ليأتينا بعدهم من لا قبل لنا به. # فقال الحسين عليه ms233 السلام: (ما كنت لأبدأهم بالقتال) ثم نزل، وذلك في يوم الخميس الثاني من المحرم سنة إحدى وستين. # فلما كان من الغد قدم عليهم عمر بن سعد بن أبي وقاص في أربعة آلاف فارس فنزل نينوى، فبعث إلى الحسين عليه السلام عروة بن قيس الأحمسي، فقال له: فأته فسله ما الذي جاء بك؟ وكان عروة ممن كتب إلى الحسين عليه السلام فاستحيى منه أن يأتيه، فعرض ذلك على الرؤساء فكلهم أبى ذلك لمكان أنهم كاتبوه، فدعا عمر قرة بن قيس الحنظلي فبعثه، فجاء فسلم على الحسين عليه السلام فبلغه رسالة ابن سعد، فقال الحسين عليه السلام: (كتب إلي أهل مصركم هذا أن أقدم، فأما إذا كرهوني فأنا أنصرف عنكم). # فلما سمع عمر هذه المقالة قال: أرجو أن يعافيني الله من حربه وقتاله، وكتب إلى عبيد الله بن زياد لعنه الله: أما بعد: فإني حيث نزلت بالحسين بعثت إليه رسولي فسألته عما أقدمه وماذا يطلب، فقال: كتب إلي أهل هذه البلاد وأتتني رسلهم يسألوني القدوم فأما إذ كرهوني فأني منصرف عنهم. # فلما قرأ ابن زياد الكتاب قال: PageV01P451 # الان إذ علقت مخالبنا به يرجو النجاة ولات حين مناص وكتب إلى عمر بن سعد: أما بعد: فقد بلغني كتابك وفهمته، فاعرض على الحسين أن يبايع ليزيد هو وجميع أصحابه، فإذا هو فعل ذلك رأينا رأينا والسلام. # فلما ورد الجواب قال عمر بن سعد: قد خشيت أن لا يقبل ابن زياد العافية، وورد كتاب ابن زياد في الأثر إليه: أن حل بين الحسين وأصحابه وبين الماء، فالا يذوقوا منه قطرة كما صنع بالتقي الزكي عثمان بن عفان!! # فبعث ابن سعد في الوقت عمرو بن الحجاج في خمسمائة فارس فنزلوا على الشريعة وحالوا بين الحسين وأصحابه أن يستقوا منه، وذلك قبل قتل الحسين عليه السلام بثلاثة أيام. # ونادى عبد الله بن الحصين الأزدي لعنه الله بأعلى صوته: يا حسين، ألا ترون إلى الماء كأنه كبد السماء، والله لا تذوقون منه قطرة حتى تموتوا عطشا. # فقال الحسين ms234 عليه السلام: (اللهم اقتله عطشا ولا تغفر له أبدا). # قال حميد بن مسلم: فوالله لعدته بعد ذلك في مرضه، فوالله الذي لا إله غيره، لقد رأيته يشرب الماء حتى يبغرا) ثم يقئ ويصيح: العطش العطش، ثم يعود يشرب الماء حتى يبغر، ثم يقيئه ويتلظى عطشا، فما زال ذلك دأبه حتى لفظ نفسه. # ولما رأى الحسين عليه السلام نزول العساكر مع عمر بن سعد # PageV01P452 # ومددهم لقتاله أنفذ إلى عمر بن سعد: (أني أريد لقاءك) فاجتمعا فتناجيا طويلا. # ثم رجع عمر إلى مكانه وكتب إلى عبيد الله بن زياد: أما بعد: فإن الله تعالى قد أطفأ النائرة، وجمع الكلمة، وأصلح أمر الأمة، هذا حسين أعطاني عهدا أن يرجع إلى المكان الذي منه أتى أو أن يسير إلى ثغر من الثغور فيكون رجلا من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم، أو أن يأتي أمير المؤمنين يزيد فيضع يده في يده فيرى فيما بينه وبينه رأيه، وفي هذا لك رضا وللأمة صلاح. # فلما قرأ عبيد الله الكتاب قال: هذا كتاب ناصح مشفق على قومه. # فقام إليه شمر بن ذي الجوشن فقال: أتقبل هذا منه وقد نزل بأرضك وإلى جنبك؟! والله لئن رحل من بلادك ولم يضع يده في يدك ليكونن أولى بالقوة ولتكونن أولى بالضعف، فلا تعطه هذه المنزلة، ولكن لينزل على حكمك هو وأصحابه، فإن عاقبت فأنت أولى بالعقوبة، وإن عفوت كان ذلك لك. # فقال ابن زياد: نعم ما رأيت، الرأي رأيك اخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن سعد فليعرض على الحسين وأصحابه النزول على حكمي، فإن أبوا فليقاتلهم، فإن أبى أن يقاتلهم فأنت أمير الجيش واضرب عنقه وأنفذ إلي برأسه. # وكتب إلى عمر: إني لم أبعثك إلى الحسين لتكف عنه، ولا لتطاوله، ولا لتمنيه السلامة، ولا لتعتذر له، ولا لتكون له عندي شافعا، انظر فإن نزل الحسين وأصحابه على حكمي واستسلموا فابعث بهم إلي سلما، لي ان أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثل بهم فإنهم لذلك مستحقون، فإن قتلت الحسين فأوطئ ms235 الخيل صدره وظهره، فإنه عاق ظلوم!! ولست أرى أن هذا يضر بعد الموت شيئا ولكن على قول قد قلته: لو قد قتلته لفعلت هذا به، PageV01P453 # فإن أنت مضيت لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن أبيت فاعتزل جندنا وعملنا وخل بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر، فإنا قد أمرناه بأمرنا والسلام. # فاقبل شمر بكتاب عبيد الله إلى عمر بن سعد، فلما قرأه قال له: # مالك؟ لا قرب الله دارك، قبح الله ما قدمت به علي، لا يستسلم والله حسين، إن نفس أبيه لبين جنبيه، قال شمر: اخبرني ما أنت صانع، امض أمر أميرك وإلا فخل بيني وبين الجند، قال: لا، ولا كرامة لك، ولكن أنا أتولى ذلك وكن أنت على الرجالة. # ونهض عمر بن سعد عشية يوم الخميس لتسع مضين من المحرم، وجاء شمر فوقف على أصحاب الحسين عليه السلام فقال: أين بنو أختنا؟ # فخرج إليه العباس وجعفر وعثمان بنو علي عليه السلام فقالوا: ما تريد؟ قال: # أنتم يا بني أختي آمنون، فقالوا: لعنك الله ولعن أمانك، أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له!! # ثم نادى عمر بن سعد: يا خيل الله اركبي، فركب الناس ثم زحف نحوهم بعد العصر، والحسين عليه السلام جالس أمام بيته محتب بسيفه إذ خفق برأسه على ركبتيه، وسمعت أخته الصيحة فدنت من أخيها فقالت: يا أخي أما تسمع الأصوات؟ فرفع رأسه فقال: (إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام فقال لي: إنك تروح إلينا) فلطمت أخته وجهها ونادت بالويل، فقال لها: (ليس لك الويل يا أخية، اسكتي رحمك الله). # وقال له العباس بن علي: يا أخي قد جاءك القوم، فنهض وقال: (يا عباس، اركب - بنفسي أنت يا أخي - حتى تلقاهم وتقول لهم: ما لكم)؟ # فأتاهم العباس في عشرين فارسا فيهم زهير بن القين وحبيب بن مظاهر فقال: ما بدا لكم وما تريدون؟ قالوا: جاء أمر الأمير أن نعرض عليكم أن PageV01P454 # تنزلوا على حكمه أو نناجزكم، فانصرف العباس راجعا يركض ms236 إلى الحسين عليه السلام يخبره الخبر، ووقف أصحابه يعظون القوم ويكفونهم عن قتال الحسين عليه السلام، وجاء العباس وأخبره بما قال القوم، فقال: (ارجع إليهم فإن استطعت أن تؤخرهم إلى غد وتدفعهم عنا العشية فافعل، لعلنا نصلي لربنا الليلة وندعوه ونستغفره). # ومضى العباس ورجع ومعه رسول من قبل عمر بن سعد يقول: إنا قد أجلناكم إلى غد وانصرف. # فجمع الحسين عليه السلام أصحابه عند قرب المساء، قال علي بن الحسين زين العابدين عليهما السلام: (فدنوت لأسمع ما يقول لهم وأنا إذ ذاك مريض فسمعت أبي عليه السلام يقول لأصحابه: # اثني على الله أحسن الثناء، وأحمده على السراء والضراء، اللهم إني أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة،، وعلمتنا القرآن، وفقهتنا في الدين (1) أما بعد: فإني لا أعلم أصحابا أوفى ولا خيرا من أصحابي، ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عني خير الجزاء، ألا وإني قد أذنت لكم فانطلقوا جميعا في حل، ليس عليكم مني ذمام، هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا. # فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وأبناء عبد الله بن جعفر: ولم نفعل ذلك، لنبقى بعدك؟! لا أرانا الله ذلك أبدا، بدأهم بهذا القول العباس بن علي فأتبعه الجماعة عليه وتكلموا بمثله. # فقال الحسين عليه السلام: يا بني عقيل، حسبكم من القتل بمسلم فاذهبوا أنتم فقد أذنت لكم. # PageV01P455 # قالوا: سبحان الله فما يقول الناس؟! يقولون: إنا تركنا شيخنا وسيدنا وسيد بني عمومتنا خير الأعمام ولم نرم معهم بسهم، ولم نطعن برمح، ولم نضرب دونهم بسيف، ولا ندري ما صنعوا؟!، لا والله لا نفعل، ولكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلينا، ونقاتل معك حتى نرد موردك، فقبح الله العيش بعدك. # وقام إليه مسلم بن عوسجة فقال: أنحن نخلي عنك ولم نعذر إلى الله تعالى في أداء حقك؟! لا والله حتى أطعن في صدورهم برمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، والله لو علمت أني اقتل ثم أحرق ثم أحيى، يفعل بي ذلك سبعين مرة ما فارقتك حتى ألقى ms237 حمامي دونك، فكيف لا أفعل ذلك وإنما هي قتلة واحدة، ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا! # وقام زهير بن القين فقال: والله لوددت أني قتلت ثم نشرت ثم قتلت، وهكذا ألف مرة، وأن الله سبحانه يدفع بذلك القتل عن نفسك وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك. # ثم تكلم جماعة من أصحابه بكلام يشبه ما ذكرناه، فجزاهم الحسين عليه السلام خيرا وانصرف إلى مضربه). # قال علي بن الحسين عليهما السلام: (إني لجالس في تلك العشية - وعندي عمتي زينب تمرضني - إذ اعتزل أبي في خباء له وعنده جوين مولى أبي ذر الغفاري وهو يعالج سيفه - ويصلحه - وأبي يقول: # يا دهر أف لك من خليل كم لك بم الإشراق والأصيل من صاحب أو طالب قتيل والدهر لا يقنع بالبديل وإنما الأمر إلى الجليل وكل حي سالك سبيل وأعادها مرتين أو ثلاثا حتى فهمتها وعرفت ما أراد فخنقتني العبرة، فرددتها ولزمت السكوت، وعلمت أن البلاء قد نزل، وأما عمتي فإنها سمعت PageV01P456 # ما سمعت وهي امرأة ومن شن النساء الرقة والجزع، فلم تملك نفسهما أن وثبت تجر ثوبها وإنها لحاسرة حتى انتهت إليه فقالت: وا ثكلاه، ليت الموت أعدمني الحياة، اليوم ماتت أمي فاطمة الزهراء وأبي علي وأخي الحسن، يا خليفة الماضين وثمال الباقين، فنظر إليها الحسين عليه السلام وقال: # يا أختاه لا يذهبن حلمك الشيطان، وترقرقت عيناه بالدموع وقال: لو ترك القطا لنام، فقالت: يا ويلتاه أتغتصب نفسك اغتصابا، فذاك أقرح لقلبي وأشد على نفسي، ثم لطمت على وجهها وأهوت إلى جيبها فشقته وخرت مغشيا عليها، فقام إليها الحسين عليه السلام فصب الماء على وجهها وقال لها: # يا أختاه اتقي الله وتعزي بعزاء الله، واعلمي أن أهل الأرض يموتون وأهل السماء لا يبقون، وأن كل شئ هالك إلا وجه الله الذي خلق الخلق بقدرته وإليه يعودون وهو فرد واحد، وإن أبي خير مني، وأخي خير مني، ولكل مسلم برسول الله أسوة، فعزاها بهذا ونحوه، وقال لها: يا أختاه، إني أقسمت عليك ms238 فأبري قسمي، لا تشقي علي جيبا، ولا تخمشي علي وجها، ولا تدعي علي بالويل والثبور إذا أنا هلكت، ثم جاء بها وأجلسها عندي. # ثم خرج إلى أصحابه فأمرهم أن يقرب بعضهم بيوتهم من بعض، وأن يدخلوا الأطناب بعضها في بعض، أن يكونوا بين البيوت فيستقبلوا القوم من وجه واحد والبيوت من ورائهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم قد حفت بهم إلا الوجه الذي يأتيهم منه عدوهم. # ورجع إلى مكانه فقام الليل كله يصلي ويستغفر ويدعو، وقام أصحابه كذلك يدعون ويصلون ويستغفرون). # وأصبح عليه السلام فعبأ أصحابه بعد صلاة الغداة، وكان معه اثنان وثلاثون فارسا وأربعون راجلا، فجعل زهير بن القين في ميمنة أصحابه، وحبيب بن مظاهر في ميسرة أصحابه، وأعطى رايته العباس أخاه، وجعلوا PageV01P457 # البيوت في ظهورهم، وأمر بحطب وقصب كان من وراء البيوت أن يترك في خندق كان هناك قد حفر وأن يحرق بالنار مخافة أن يأتوهم من ورائهم. # وأصبح عمر بن سعد في ذلك اليوم، وهو يوم الجمعة - وقيل: يوم السبت - فعبأ أصحابه، فجعل على ميمنته عمرو بن الحجاج، وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن، وعلى الخيل عروة بن قيس، وعلى الرجالة شبث بن ربعي. ونادى شمر - لعنه الله - بأعلى صوته: يا حسين، تعجلت النار قبل يوم القيامة، فقال الحسين عليه السلام: (يا ابن راعية المعزى أنت أولى بها صليا) ورام مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم فمنعه الحسين عليه السلام من ذلك، فقال له: دعني حتى أرميه، فإن الفاسق من عظماء الجبارين وقد أمكن الله منه، فقال عليه السلام: (أكره أن أبدأهم). # ثم دعا الحسين عليه السلام براحلته فركبها ونادى بأعلى صوته - وكلهم يسمعون - فقال: (أيها الناس اسمعوا قولي ولا تعجلوا حتى أعظكم بما يحق علي لكم وحتى أعذر إليكم فإن أعطيتموني النصف كنتم بذلك أسعد وإن لم تعطوني النصف من أنفسكم فاجمعوا رأيكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون، إن ولي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين). # ثم حمد الله وأثنى ms239 عليه وصلى على النبي عليه وآله السلام فلم يسمع متكلم قط قبله ولا بعده أبلغ في منطق منه، ثم قال: (أما بعد: فانسبوني وانظروا من أنا ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها فانظروا هل يصلح لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألست ابن بنت نبيكم وابن وصيه وابن عمه وأول المؤمنين المصدقين لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بما جاء به من عند ربه؟ # أو ليس حمزة سيد الشهداء عم أبي؟ أو ليس جعفر الطيار في الجنة بجناحين عمي؟ أو لم يبلغكم ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لي ولأخي: PageV01P458 # هذان سيدا شباب أهل الجنة؟ فإن صدقتموني بما أقول - وهو الحق - فوالله ما تعمدت كذبا منذ علمت أن الله تعالى يمقت عليه (أهله)، وإن كذبتموني فإن فيكم من إذا سألتموه عن ذلك أخبركم، سلوا جابر بن عبد الله الأنصاري، وأبا سعيد الخدري، وسهل بن سعد الساعدي، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك يخبرونكم أنهم سمعوا هذه المقالة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لي ولأخي، أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟). # فقال له شمر لعنه الله: هو يعبد الله على حرف إن كان يدري ما يقول، فقال له حبيب بن مظاهر: والله إني لأراك تعبد الله على سبعين حرفا، وأنا أشهد أنك صادق ما تدري ما يقول، قد طبع الله على قلبك. # ثم قال لهم الحسين عليه السلام: (فإن كنتم في شك من هذا أفتشكون أني ابن بنت نبيكم؟! فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم، ويحكم أتطلبوني بقتيل منكم قتلته، أو مال لكم استهلكته، أو بقصاص جراحة؟!) فأخذوا لا يكلمونه. # فنادى عليه السلام: (يا شبث بن ربعي، يا حجار بن أبجر، يا قيس ابن الأشعث، يا يزيد بن الحارث، ألم تكتبوا إلي: أن قد أينعت الثمار واخضر الجناب وإنما تقدم على جند لك مجند؟). # فقال له قيس بن الأشعث: ما ندري ما تقول، ولكن انزل على حكم بني ms240 عمك فإنهم لم يريدوا بك إلا ما تحب. # فقال الحسين عليه السلام: (لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أفر فرار العبيد، ثم نادى: يا عباد الله ﴿إني عذت بربي وربكم أن ترجمون﴾ (١) أعوذ ﴿بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب﴾ (2) # PageV01P459 # ثم إنه أناخ راحلته وأمر عقبة بن سمعان فعقلها، وأقبلوا يزحفون نحوه. # فلما رأى الحر بن يزيد أن القوم قد صمموا على قتال الحسين عليه السلام قال: لعمر بن سعد: اي عمر، أتقاتل الحسين؟! قال: إي والله قتالا أيسره أن تسقط فيه الرؤوس وتطيح فيه الأيدي، قال: أفما لكم فيما عرضه عليكم رضى؟ قال: لو كان الأمر إلي لفعلت، ولكن أميرك قد أبى. # فأقبل الحر ومعه رجل من قومه يقال له: قرة بن قيس فقال له: يا قرة هل سقيت فرسك اليوم؟ قال: لا. قال قرة: فظننت أنه يريد أن يتنحى فلا يشهد القتال، ولو أنه اطلعني على الذي يريد لخرجت معه إلى الحسين عليه السلام، فأخذ يدنو من الحسين عليه السلام قليلا قليلا فقال له رجل: ما هذا الذي أرى منك؟ فقال: إني والله أخير نفسي بين الجنة والنار، فوالله ما أختار على الجنة شيئا ولو قطعت وحرقت، ثم ضرب فرسه فلحق بالحسين عليه السلام فقال له: جعلت فداك يا ابن رسول الله، أنا صاحبك الذي جعجعت بك في هذا المكان، وما ظننت أن القوم يردون عليك ما عرضته عليهم ولا يبلغون منك هذه المنزلة، والله لو علمت أن القوم ينتهون بك إلى ما أرى ما ركبت منك الذي ركبت، وإني تائب إلى الله تعالى مما صنعت، فترى لي من ذلك توبة؟ # فقال الحسين عليه السلام: (نعم يتوب الله عليك فأنزل) قال: فأنا لك فارسا خير مني راجلا، أقاتلهم لك على فرسي ساعة وإلى النزول يصير اخر أمري، فقال له الحسين عليه السلام: (فاصنع - يرحمك الله - ما بدا لك). # فاستقدم أمام الحسين عليه السلام فقال: يا أهل الكوفة لأمكم الهبل والعبر، دعوتم هذا العبد الصالح ms241 حتى إذا أتاكم أسلمتموه، وزعمتم أنكم PageV01P460 # قاتلوا أنفسكم دونه، ثم عدوتم عليه لتقتلوه، أخذتم بكظمه (1)، وأحطتم به من كل جانب لتمنعوه التوجه إلى بلاد الله العريضة، فصار كالأسير في أيديكم لا يملك لنفسه نفعا، ولا يدفع عنها ضرا، وحلأتموه (2) ونساءه وصبيته وأهله عن ماء الفرات الجاري يشربه اليهود والنصارى والمجوس وتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه، وها هم قد صرعهم العطش، بئس ما خلفتم محمدا في ذريته، لا سقاكم الله يوم الظمأ. فحمل عليه رجال يرمونه بالنبل، فأقبل حتى وقف أمام الحسين عليه السلام. # ورمى عمر بن سعد بسهم وقال: اشهدوا أني أول من رمى، ثم ارتمى الناس وتبارزوا، فبرز يسار مولى زياد بن أبيه، فبرز إليه عبد الله بن عمير فضربه بسيفه فقتله، فشد عليه سالم مولى عبيد الله بن زياد فصاحوا به: قد رهقك العبد، فلم يشعر حتى غشيه فبدره بضربة اتقاها ابن عمير بيده اليسرى فأطارت أصابع كفه، ثم شد عليه فضربه حتى قتله، وأقبل وقد قتلهما وهو يرتجز ويقول: # إن تنكروني فأنا ابن الكلب إني امرؤ ذو مرة وعضب (3) ولست بالخوار عند النكب وحمل عمرو بن الحجاج على ميمنة أصحاب الحسين عليه السلام بمن كان معه من أهل الكوفة، فلما دنا من الحسين عليه السلام جثوا له على الركب واشرعوا الرماح نحوهم فلم تقدم خيلهم على الرماح، فذهبت الخيل لترجع فرشقهم أصحاب الحسين عليه السلام بالنبل فصرعوا منهم رجالا وجرحوا آخرين. # PageV01P461 # وجاء رجل من بني تميم يقال له: عبد الله بن حوزة إلى عسكر الحسين عليه السلام فناداه القوم: إلى أين ثكلتك أمك؟ فقال: إني أقدم على رب كريم وشفيع مطاع، فقال الحسين عليه السلام لأصحابه: (من هذا؟) فقيل: ابن حوزة، فقال: (اللهم حزه إلى النار) فاضطربت به فرسه في جدول فوقع وتعلقت رجله اليسرى في الركاب وارتفعت اليمنى، وشد عليه مسلم بن عوسجة فضرب رجله اليمنى فطارت، وعدا به فرسه فضرب رأسه كل حجر وكل شجر حتى مات وعجل الله بروحه إلى النار. # ونشب القتال، فقتل ms242 من الجميع جماعة، وحمل الحر بن يزيد على أصحاب عمر بن سعد وهو يتمثل بقول عنترة: # ما زلت أرميهم بغرة وجهه ولبانه (1) حتى تسربل بالدم فبرز إليه رجل من بني الحارث فقتله الحر. # وبرز نافع بن هلال وهو يقول: # أنا ابن هلال البجلي أنا على دين علي فبرز إليه مزاحم بن حريث وهو يقول: أنا على دين عثمان، فقال له نافع: أنت على دين الشيطان، وحمل عليه فقتله. # فصاح عمر بن الحجاج بالناس: يا حمقى، أتدرون من تبارزون ومن تقاتلون؟ تقاتلون فرسان أهل المصر، تقاتلون قوما مستميتين، لا يبرز إليهم منكم أحد فإنهم قليل وقلما يبقون، والله لو لم ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم، فقال عمر بن سعد: صدقت الرأي ما رأيت، فأرسل في الناس وأعرض عليهم أن لا يبارز رجل منكم رجلا منهم. # ثم حمل عمرو بن الحجاج في أصحابه على أصحاب الحسين عليه # PageV01P462 # السلام من نحو الفرات، واضطربوا ساعة، فصرع مسلم بن عوسجة الأسدي - رحمه الله - وانصرف عمرو بن الحجاج وأصحابه، وانقطعت الغبرة فوجدوا مسلما صريعا، فسعى إليه الحسين عليه السلام فإذا به رمق فقال له: # (رحمك الله يا مسلم ﴿منهم من قضى نحبة ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا﴾ (1). # وحمل شمر بن ذي الجوشن في الميسرة على أهل الميسرة، وحمل على الحسين عليه السلام وأصحابه من كل جانب، وقاتلهم أصحاب الحسين عليه السلام قتالا شديدا، وأخذت خيلهم تحمل - وإنما هي اثنان وثلاثون فارسا - فلا تحمل على جانب من خيل الكوفة إلا كشفته. # فلما رأى ذلك عروة بن قيس - وهو على خيل الكوفة - بعث إلى عمر ابن سعد: أما ترى ما تلقى خيلي منذ اليوم من هذه العدة اليسيرة، فابعث إليهم الرجال الرماة، فبعث إليهم بالرماة، فعقر بالحر بن يزيد فرسه فنزل عنه وهو يقول: # إن تعقروا بي فأنا ابن الحر أشجع من ذي لبد هزبر فجعل يضربهم بسيفه، وتكاثروا عليه حتى قتلوه. # وقاتل أصحاب الحسين عليه السلام أشد قتال، حتى انتصف النهار فلما رأى الحصين بن نمير - وكان ms243 على الرماة - صبر أصحاب الحسين عليه السلام تقدم إلى أصحابه - وكانوا خمسمائة نابل -: أن يرشقوا أصحاب الحسين عليه السلام بالنبل فرشقوهم، فلم يلبثوا أن عقروا خيولهم وجرحوا الرجال حتى أرجلوهم، واشتد القتال بينهم ساعة. # وجاءهم شمر بن ذي الجوشن لعنه الله في أصحابه، فحمل عليهم # PageV01P463 # زهير بن القين في عشرة رجال وكشفوهم عن البيوت، وعطف عليهم شمر فقتل من القوم ورد الباقين إلى مواضعهم، وكان القتل يبين في أصحاب الحسين عليه السلام لقلة عددهم ولا يبين في أصحاب عمر بن سعد لكثرتهم. # واشتد القتال، وكثر القتل في أصحاب أبي عبد الله عليه السلام إلى أن زالت الشمس فصلى الحسين عليه السلام بأصحابه صلاة الخوف. # وتقدم حنظلة بن سعد الشبامي بين يدي الحسين عليه السلام فنادى أهل الكوفة: يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب، يا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد، يا قوم لا تقتلوا حسينا فيسحتكم الله بعذاب وقد خاب من افترى، ثم تقدم فقاتل حتى قتل - رحمه الله -. # وتقدم بعده شوذب مولى شاكر فقال: السلام عليك يا أبا عبد الله ورحمة الله وبركاته، أستودعك الله، ثم قاتل حتى قتل، ولم يزل يتقدم رجل بعد رجل من أصحابه فيقتل حتى لم يبق مع الحسين عليه السلام إلا أهل بيته خاصة. # فتقدم ابنه علي بن الحسين عليهما السلام وكان من أصبح الناس وجها وله يومئذ بضع عشرة سنة، فشد على الناس وهو يقول: # أنا علي بن الحسين بن علي نحن وبيت الله أولى بالنبي تالله لا يحكم فينا ابن الدعي ففعل ذلك مرارا وأهل الكوفة يتقون قتله، فبصر به مرة بن منقذ العبدي لعنه الله، فطعنه فصرعه، واحتواه القوم فقطعوه بأسيافهم، فجاء الحسين عليه السلام حتى وقف عليه فقال: (قتل الله قوما قتلوك يا بني، ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك حرمة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم (وانهملت عيناه بالدموع، ثم قال: (على الدنيا بعدك العفاء)، وخرجت زينب أخت PageV01P464 # الحسين مسرعة تنادي: يا أخياه وابن أخياه، وجاءت حتى ms244 أكبت عليه، وأخذ الحسين عليه السلام برأسها فردها إلى الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه. # ثم رمى رجل من أصحاب عمر بن سعد يقال له: عمرو بن صبيح عبد الله بن مسلم بن عقيل بسهم، فوضع، عبد الله يده على جبهته يتقيه فأصاب السهم كفه ونفذ إلى جبهته فسمرها بها فلم يستطيع تحريكا، ثم انتحى عليه آخر برمحه فطعنه في قلبه فقتله. # وحمل عبد الله بن قطبة الطائي على عون بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب عليه السلام فقتله. # وحمل عامر بن نهشل التيمي على محمد بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب عليه السلام فقتله. # قال حميد بن مسلم: فأنا كذلك إذ خرج علينا غلام كأن وجهه فلقة قمر، في يده سيف وعليه قميص وإزار ونعلان قد انقطع شسع إحداهما، فقال لي عمر بن سعيد بن نفيل الأزدي: والله لأشدن عليه، فقلت: سبحان الله، وماذا تريد منه؟! دعه يكفيكه هؤلاء القوم، فشد عليه فقتله، ووقع الغلام لوجهه فقال: يا عماه، فجلى (1) الحسين عليه السلام كما يجلي الصقر، ثم شد شدة ليث أغضب، فضرب عمر بن سعيد بالسيف فاتقاها بالساعد فأطنها (2) من لدن المرفق، فصاح صيحة سمعها أهال العسكر ثم تنحى عنه الحسين وحملت خيل أهل الكوفة ليستنفذوه فتوطأته بأرجلها حتى مات لعنه الله، وانجلت الغبرة فرأيت الحسين عليه السلام قائما على رأس الغلام وهو يفحص برجليه والحسين عليه السلام يقول: (بعدا لقوم قتلوك # PageV01P465 # ومن خصمهم يوم القيامة فيك جدك) ثم قال: (عز والله على عمك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك فلا ينفعك، صوت - والله - كثر واتره وقل ناصره) ثم حمله على صدره، فكأني أنظر إلى رجلي الغلام يخطان الأرض، فجاء به حتى ألقاه مع ابنه علي بن الحسين والقتلى من أهل بيته، فسألت عنه فقيل: # هو القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام. # ثم جلس الحسين عليه السلام أمام الفسطاط، فأتي بابنه عبد الله بن الحسين وهو طفل فأجلسه في حجره، فرماه رجل ms245 من بني أسد بسهم فذبحه، فتلقى الحسين من دمه ملء كفه وصبه في الأرض ثم قال: (رب إن تكن حبست عنا النصر من السماء، فاجعل ذلك لما هو خير، وانتقم لنا من هؤلاء الظالمين)، ثم حوله حتى وضعه مع قتلى أهله. # ورمى عبد الله بن عقبة الغنوي أبا بكر بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام فقتله. # فلما رأى العباس بن علي كثرة القتلى في أهله قال لإخوته من أمه - وهم عبد الله وجعفر وعثمان -: يا بني أمي تقدموا حتى أراكم قد نصحتم لله ولرسوله، وإنه لا ولد لكم، فقدم عبد الله فقاتل قتالا شديدا فاختلف هو وهانئ بن ثبيت الحضرمي ضربتين فقتله هانئ، وتقدم بعده جعفر بن علي عليه السلام فقتله أيضا هانئ، وتعمد خولي بن يزيد الأصبحي عثمان بن علي - وقد قام مقام إخوته - فرماه فصرعه، وشد عليه رجل من بني دارم فاحتز رأسه. # وحملت الجماعة على الحسين عليه السلام فغلبوه على عسكره، واشتد به العطش فركب المسناة يريد الفرات وبين يده أخوه العباس، فاعترضته خيل ابن سعد وفيهم رجل من بني دارم، فقال لهم: ويلكم حولوا بينه وبين ماء الفرات ولا تمكنوه من الماء، فقال الحسين عليه السلام: PageV01P466 # (اللهم أظمأه) فغضب الدارمي فرماه بسهم فأثبته في حنكه (1)، فانتزع الحسين عليه السلام السهم وبسط يده تحت حنكه (2) فامتلأت راحتاه بالدم فرماه ثم قال: (اللهم إني أشكو إليك ما يفعل بابن بنت نبيك صلى الله عليه وآله وسلم). # ثم رجع إلى مكانه واشتد به العطش، وأحاط القوم بالعباس فاقتطعوه عنه، فجعل يقاتلهم وحده حتى قتل رحمه الله. # ولما رجع الحسين عليه السلام من المسناة تقدم إليه شمر بن ذي الجوشن لعنه الله في جماعة من أصحابه، وضربه رجل يقال له: مالك الكندي على رأسه بالسيف، وكان عليه قلنسوة فقطعها حتى وصل إلى رأسه فأدماه وامتلأت القلنسوة دما، فقال له الحسين عليه السلام: (لا أكلت بيمينك، ولا شربت بها، وحشرك الله مع الظالمين) ثم ألقى القلنسوة ودعا بخرقة ms246 فشد بها رأسه، واستدعى قلنسوة أخرى فلبسها واعتم عليها، ورجع، عنه شمر ومن كان معه إلى مواضعهم، فمكث هنيهة ثم عاد وعادوا إليه وأحاطوا به، فخرج إليه عبد الله بن الحسن - وهو غلام لم يراهق - من عند النساء يشتد حتى وقف إلى جنب الحسين عليه السلام فلحقته زينب بنت علي عليه السلام لتحبسه فقال لها الحسين عليه السلام: (احبسيه يا أختي) فأبى وامتنع عليها امتناعا شديدا وقال: والله لا أفارق عمي، فأهوى أبجر بن كعب إلى الحسين بالسيف فقال له الغلام: ويلك يا ابن الخبيثة أتقتل عمي؟ # فضربه أبجر بالسيف فاتقاها الغلام بيده فأطنها إلى الجلدة فإذا يده معلقة، فنادى الغلام. يا أماه، فأخذه الحسين عليه السلام فضمه إلى صدره وقال # PageV01P467 # له: (يا بني اصبر على، ما نزل بك واحتسب في ذلك الخير، فإن الله يلحقك بآبائك الصالحين). # ثم رفع الحسين عليه السلام يده وقال: (اللهم إن متعتهم إلى حين ففرقهم فرقا، واجعلهم طرائق قددا، ولا ترض الولاة عنهم أبدا، فإنهم دعونا لينصرونا ثم عدوا علينا فقتلونا). # وحملت الرجالة يمينا وشمالا على من كان بقي معه، فقتلوهم حتى لم يبق معه إلا ثلاثة نفر أو أربعة، فلما رأى الحسين عليه السلام ذلك دعا بسراويل (1) يلمع فيها البصر ففزرها (2) ثم لبسها، وإنما فزرها لكي لا يسلب بعد قتله، فلما قتل عليه السلام عمد أبجر بن كعب - لعنه الله - إليه فسلبه السراويل وتركه مجردا، فكانت يدا أبجر بن كعب بعد ذلك تتيبسان في الصيف كأنهما عودان، وتترطبان في الشتاء فتنضحان دما وقيحا إلى أن أهلكه الله. # ولما لم يبق معه إلا ثلاثة رهط من أهله أقبل على القوم يدفعهم عن نفسه وعن الثلاثة والثلاثة يحمونه، حتى قتل الثلاثة وأثخن بالجراح في رأسه وبدنه، وجعل يضاربهم بسيفه وهم يتفرقون عنه يمينا وشمالا. # قال حميد بن مسلم: فوالله ما رأيت مكثورا قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشا ولا أمضى جنانا منه، إن كانت الرجالة لتشد عليه فيشد عليها بسيفه فيكشفهم عن ms247 يمينه وشماله انكشاف المعزى إذا اشتد عليها الذئب. # فلما رأى ذلك شمر بن ذي الجوشن أمر الرماة أن يرموه، فرشقوه # PageV01P468 # بالسهام حتى صار كالقنفذ، فأحجم عنهم، فوقفوا بإزائه، ونادى شمر: # ويحكم ما تنتظرون بالرجل ثكلتكم أمهاتكم. # فحمل عليه من كل جانب، فضربه زرعة بن شريك على كفه اليسرى، وطعنه سنان بن أنس بالرمح فصرعه،؟ نزل إليه خولي بن يزيد الأصبحي لعنه الله ليحز رأسه فأرعد، فقال له شمر: فت الله (1) في عضدك ما لك ترعد؟ # ونزل إليه شمر لعنه الله فذبحه ثم دفع رأسه إلى خولي بن يزيد الأصبحي، فقال له: إحمله إلى الأمير عمر ابن سعد. # ثم أقبلوا على سلب الحسين عليه السلام، فأخذ قميصه إسحاق بن حياة الحضرمي، وأخذ سراويله أبجر بن كعب، وأخذ عمامته أخنس بن مرثد، وأخذ سيفه رجل من بني دارم. وانتهبوا رحله وإبله وأثقاله وسلبوا نساءه. # قال حميد بن مسلم: فوالله لقد كنت أرى المرأة سن نسائه وبناته وأهله تنازع ثوبها عن ظهرها حتى تغلب عليه فيذهب به منها. # قال: ثم انتهينا إلى علي بن الحسين عليه السلام وهو منبسط على فراشه مريض، ومع شمر جماعة من الرجالة، فقالوا: ألا نقتل هذا العليل فقلت: سبحان الله أتقتل الصبيان إنما هذا صبي، وإنه لما به، فلم أزل بهم حتى دفعتهم عنه. # وجاء عمر بن سعد فصاح النساء في وجهه وبكين فقال لأصحابه: لا يدخل أحد منكم بيوت هؤلاء النساء، ولا تتعرضوا لهذا الغلام المريض، فسألته النسوة أن يسترجع، ما أخذ منهن ليستترن به، فقال: من أخذ من # PageV01P469 # متاعهن شيئا فليرده، فوالله ما رد أحد منهم شيئا، فوكل بالفسطاط وبيوت النساء وعلي بن الحسين عليهما السلام جماعة ممن كانوا معه، فقال: # احفظوهم. # ثم عاد إلى مضربه ونادى في عسكره: من ينتدب للحسين فيوطئه فرسه؟ فانتدب عشرة، منهم: إسحاق بن حياة، وأخنس بن مرثد، فداسوا الحسين عليه السلام بخيولهم حتى رضوا ظهره لعنهم الله. # وسرخ عمر بن سعد لعنه الله برأس الحسين عليه السلام من يومه - وهو ms248 يوم عاشوراء - مع خولي بن يزيد الأصبحي وحميد بن مسلم الأزدي إلى عبيد الله بن زياد لعنه الله، وأمر برؤوس الباقين فقطعت وكانت اثنين وسبعين رأسا، فسرح بها مع شمر بن ذي الجوشن وقيس بن الأشعث وعمرو ابن الحجاج لعنهم الله، فأقبلوا حتى قدموا بها على ابن زياد لعنه الله، وأقام هو بقية يومه واليوم الثاني إلى الزوال، ثم نادى في الناس بالرحيل، وتوجه نحو الكوفة ومعه بنات الحسين عليه السلام وأخواته ومن كان معه من النساء والصبيان، وعلي بن الحسين عليه السلام فيهم وهو مريض بالذرب (1) وقد أشفى (2). # فلما رحل ابن سعد خرج قوم من بني أسد - كانوا نزولا بالغاضرية - إلى الحسين عليه السلام وأصحابه، فصلوا عليهم، ودفنوا الحسين عليه السلام حيث قبره الان، ودفنوا ابنه علي بن الحسين الأصغر عند رجليه، وحفروا للشهداء من أهل بيته وأصحابه الذين صرعوا حوله حفيرة مما يلي رجله # PageV01P470 # وجمعوهم فدفنوهم جميعا معا ودفنوا العباس بن علي في موضعه الذي قتل فيه على طريق الغاضرية حيث قبره الان. # فلما وصل رأس الحسين عليه السلام ووصل ابن سعد من غد يوم وصوله جلس ابن زياد في قصر الأمارة وأذن للناس إذنا عاما، وأمر بإحضار الرأس فوضع بين يديه فجعل ينظر إليه ويتبسم وبيده قضيب يضرب به ثناياه، وكان إلى جانبه زيد بن أرقم صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - وهو شيخ كبير - فقال: إرفع قضيبك عن هاتين الشفتين، فوالله الذي لا إله غيره لقد رأيت شفتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما لا أحصيه تترشفهما. # ثم انتحب باكيا، فقال له ابن زياد: أبكى الله عينك، أتبكي لفتح الله، الله لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك. فنهض زيد بن أرقم وصار إلى منزله. # وادخل عيال الحسين عليه السلام على ابن زياد، فدخلت زينب أخت الحسين في جملتهم متنكرة وعليها أرذل ثيابها، فمضت حتى جلست ناحية من القصر وحف بها إماؤها، فقال ابن. زياد: من هذه التي انحازت ومعها ms249 نساؤها؟ فلم تجبه زينب، فأعاد ثانية وثالثة فقال له بعض إمائها: هذه زينب بنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فأقبل عليها ابن زياد لعنه الله وقال: الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وأكذب أحدوثتكم. # فقالت زينب: الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وطهرنا من الرجس تطهيرا، إنما يفتضح الفاسق، ويكذب الفاجر، وهو غيرنا. # فقال ابن زياد: كيف رأيت فعل الله بأهل بيتك؟ # قالت: كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجون إليه وتختصمون عنده. PageV01P471 # فغضب ابن زياد واستشاط، فقال عمرو بن حريث: إنها امرأة، والمرأة لا تؤاخذ بشئ من منطقها. # فقال لها ابن زياد: قد شفى الله نفسي من طاغيتك والعصاة من أهل بيتك. # فرقت زينب وبكت، وقالت: لعمري لقد قتلت كهلي، وأبرت أهلي، واجتثثت أصلي، فإن يشفك هذا فقد اشتفيت. # فقال ابن زياد: هذه سجاعة، ولعمري لقد كان أبوها سجاعا. # فقالت: ما للمرأة والسجاعة، إن لي عن السجاعة لشغلا، ولكن صدري نفث بما قلت. # وغرض عليه علي بن الحسين عليهما السلام فقال له: من أنت؟ # قال: (أنا علي بن الحسين) قال: أليس قد قتال الله علي بن الحسين؟ # فقال: (كان لي أخ يسمى عليا، فقتله الناس). # قال ابن زياد: بل الله قتله. # فقال علي بن الحسين عليهما السلام: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها﴾ (1). # فغضب ابن زياد وقال: بك جرأة لجوابي، وفيك بقية للرد علي، إذهبوا به فاضربوا عنقه. # فتعلقت به زينب عمته وقالت: يا ابن زياد، حسبك من دمائنا، واعتنقته وقالت: والله لا أفارقه، فإن قتلته فاقتلني معه. # فنظر ابن زياد إليها ساعة وقال: عجبا للرحم، والله اني لأظنها ودت # PageV01P472 # أني قتلتها معه، دعوه فإني أراه لما به مشغول، ثم قام من مجلسه. # ولما أصبح ابن زياد لعنه الله بعث برأس الحسين عليه السلام فدير به في سكك الكوفة وقبائلها. # فروي عن زيد بن أرقم أنه قال: مر به علي وهو على رمح وأنا في غرفة لي ms250 فلما حاذاني سمعته يقرأ: (أم حسبت ان أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا) وقف والله شعري وناديت: رأسك والله يا ابن رسول الله أعجب وأعجب. # ولما فرغ القوم من التطواف به ردوه إلى باب القصر فدفعه ابن زياد إلى زحر بن قيس ودفع إليه رؤوس أصحابه وسرحه إلى يزيد بن معاوية وأنفذ معه جماعة من أهل الكوفة حتى وردوا بها إلى يزيد بن معاوية بدمشق، فقال يزيد: قد كنت اقنع وأرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين أما لوأني صاحبه لعفوت عنه. # ثم إن عبيد الله بن زياد بعد إنفاذه برأس الحسين أمر بنسائه وصبيانه فجهزوا وأمر بعلي بن الحسين عليه السلام فغل بغل إلى عنقه ثم سرح به في أثر الرأس مع مجفر بن ثعلبة العائذي وشمر بن ذي الجوشن لعنهما الله فانطلقا بهم حتى لحقوا بالقوم الذين معهم الرأس ولم يكن علي بن الحسين عليه السلام يكلم أحدا من القوم في الطريق كلمة حتى بلغوا باب يزيد فرفع مجفر بن ثعلبة صوته فقال: هذا مجفر بن ثعلبة أتى أمير المؤمنين باللئام الفجرة، فأجابه علي بن الحسين عليه السلام: (ما ولدت أم مجفر أشر وألام). # ولما وضعت الرؤوس بين يدي يزيد وفيها رأس الحسين عليه السلام قال يزيد: PageV01P473 # نفلق هاما من رجال أعزة علينا وهم كانوا أعق وأظلما (١) فقال يحمص بن الحكم - أخو مروان بن الحكم - وكان جالسا مع يزيد: # لهام بأدنى الطف أدنى قرابة من ابن زياد العبد ذي الحسب الرذل (٢) أمية أمسى نسلها عدد الحصى وبنت رسول الله ليس لها نسل فضرب يزيد في صدر يحيى بن الحكم وقال: اسكت. # ثم قال لعلي بن الحسين عليهما السلام: يا ابن حسين أبوك قطع رحمي، وجهل حقي، ونازعني سلطاني، فصنع الله به ما قدر أيت. # فقال علي بن الحسين عليهما السلام: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير﴾ (3). # فقال يزيد لابنه خالد: أردد عليه، فلم ms251 يدر خالد ما يرد عليه، فقال له يزيد: قل: اما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) (4) ثم دعا بالنساء والصبيان فأجلسوا بين يديه فرأى هيئة قبيحة فقال: قبح الله ابن مرجانة، لو كانت بينكم وبينه قرابة ورحم ما فعل هذا بكم ولا بعث بكم على هذا. # قالت فاطمة بنت الحسين عليهما السلام: فلما جلسنا بين يدي يزيد رق لنا، فقام رجل من أهل الشام أحمر فقال: يا أمير المؤمنين هب لي هذه # PageV01P474 # الجارية - يعنيني - وكنت جارية وضيئة، فأرعدت وظننت أن ذلك جائز لهم فأخذت بثياب عمتي زينب وكانت تعلم أن ذلك لا يكون، فقالت عمتي للشامي: كذبت والله ولؤمت، ما ذلك لك ولا له. # فغضب يزيد وقال: كذبت، إن ذلك لي ولو شئت لفعلت. # قالت: كلا والله ما جعل الله ذلك لك إلا أن تخرج من ملتنا وتدين بغيرها. # فاستطار يزيد غضبا وقال: إياي تستقبلين بهذا، إنما خرج من الدين أبوك وأخوك. # قالت زينب: بدين الله ودين أبي وأخي اهتديت أنت وجدك وأبوك إن كنت مسلما. # قال: كذبت يا عدوة الله. # قالت له: أنت أمير تشتم ظالما وتقهر بسلطانك. # فكأنه استحيا وسكت، فعاد الشامي فقال: هب لي هذه الجارية، فقال له يزيد: أعزب، وهب الله لك حتفا قاضيا. # ثم امر بالنسوة أن ينزلن في دار على حدة معهن علي بن الحسين زين العابدين عليهما السلام، فافرد لهم دارا تتصل بدار يزيد، فأقاموا أياما، ثم ندب يزيد النعمان بن بشير وقال له: تجهز لتخرج بهؤلاء النسوة إلى المدينة، ولما أراد أن يجهزهم دعا علي بن الحسين عليه السلام فاستخلاه؟ قال له: # لعن الله ابن مرجانة، أم والله لو أني صاحب أبيك ما سألني خصلة إلا أعطيته إياها، ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت، ولكن الله قضى بما رأيت (1) # PageV01P475 # كاتبني من المدينة وأن كل حاجة تكون لك. وتقدم بكسوته وكسوة أهله، وأنفذ معهم في جملة النعمان بن بشير رسولا تقدم اليه أن يسير بهم في الليل ويكونوا أمامه حيث ms252 لا يفوتون طرفة عين، فاذا نزلوا تنحى عنهم وتفرق هو وأصحابه حولهم كهيئة الحرس لهم، وينزل منهم حيث لو أراد انسان من جماعتهم وضوءا أو قضاء حاجة لم يحتشم، فسار معهم في جملة النعمان ابن بشير، فلم يزل يرفق بهم في الطريق حتى وصلوا الى المدينة. # فجميع من قتل مع الحسين عليه السلام من أهل بيته بطف كربلاء ثمانية عشر نفسا، هو صلوات الله عليه تاسع عشرهم، منهم: العباس وعبد الله، وجعفر، وعثمان بنو أمير المؤمنين عليه السلام، أمهم أم البنين وعبيد الله، وأبو بكر ابنا أمير المؤمنين عليه السلام، وأمهما ليلى بنت مسعود الثقفي. # وعلي، وعبد الله ابن الحسين عليه السلام. # والقاسم، وعبد الله، وأبو بكر بنو الحسن بن علي عليهما السلام. # ومحمد، وعون ابنا عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. # وعبد الله، وجعفر، وعقيل (1)، وعبد الرحمن بنو عقيل بن أبي طالب. # PageV01P476 # ومحمد بن أبي سعيد بن عقيل بن أبي طالب. # وهم كلهم قد دفنوا مما يلي رجلي الحسين عليه السلام حفر لهم حفيرة وألقوا جميعا فيها وسوي عليهم التراب إلا العباس بن علي بن أبي طالب فإن قبره ظاهر (1). # وقال الشيخ المفيد أبو عبد الله - قدس الله روحه -: فأما أصحاب الحسين عليه السلام فإنهم مدفونون حوله، ولسنا نحصل لهم أجداثا على التحقيق، إلا أننا لا نشك أن الحائر محيط بهم (2). # وذي - السيد الأجل المرتضى - قدس الله روحه - في بعض مسائله: أن رأس الحسين بن علي عليهما السلام رد إلى بدنه بكربلاء من الشام وضم إليه (3). والله أعلم. # PageV01P477 # (الفصل الخامس) في ذكر عدد أولاد الحسين عليهم السلام كان له عليه السلام ستة أولاد: علي بن الحسين الأكبر زين العابدين عليهما السلام، أمه شاه زنان بنت كسرى يزدجرد بن شهريار. # وعلي الأصغر، قتل مع أبيه، أمه ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفية، والناس يغلطون ويقولون: إنه علي الأكبر. # وجعفر بن الحسين، وأمه قضاعية، ومات في حياة أبيه ولا بقية له. # وعبد الله، قتل مع أبيه صغيرا ms253 وهو في حجر أبيه، وقد مر ذكره فيما تقدم. # وسكينة بنت الحسين، وأمها الرباب بنت امرئ القيس بن عدي بن أوس وهي أم عبد الله بن الحسين عليه السلام. # وفاطمة بنت الحسين، وأمها أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله تيمية (1). # (1) انظر ارشاد المفيد 2: 35 1، المناقب لابن شهرآشوب 4: 77، كشف الغمة 2: 38 الفصول المهمة: 199. PageV01P478 # (الباب الثالث) في ذكر الإمام الرابع سيد العابدين علي بن الحسين عليه السلام وفيه خمسة فصول: PageV01P479 # (الفصل الأول) في ذكر ألقابه وكناه، وتاريخ مولده، ومبلغ عمره، ووقت وفاته، وموضع قبره كنيته، أبو محمد، ويكنى بأبي الحسن أيضا، وبأبي القاسم. # ولقبه: سيد العابدين، وزين العابدين، والسجاد، وذو الثفنات، وإنما لقب بذلك لأن مواضع السجود منه كانت كثفنة البعير من كثرة سجوده عليه السلام (1). # ولد صلوات الله عليه بالمدينة يوم الجمعة - ويقال: يوم الخميس - في النصف من جمادى الآخرة (2)، وقيل: لتسع خلون من شعبان سنة ثمان وثلاثين من الهجرة (3)، وقيل: سنة ست وثلاثين (4)، وقيل: سنة سبع وثلاثين (5) واسم أمه شاه زنان، وقيل: شهربانويه، وكان أمير المؤمنين عليه السلام ولى حريث بن جابر الحنفي جانبا من المشرق فبعث إليه ببنتي يزدجرد # PageV01P480 # ابن شهريار، فنحل ابنه الحسين عليه السلام إحداهما فأولدها زين العابدين عليه السلام، ونحل الأخرى محمد بن أبي بكر فولدت له القاسم بن محمد ابن أبي بكر، فهما ابنا خالة (1). # وتوفي عليه السلام يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة بقيت من المحرم سنة خمس وتسعين من الهجرة، ودفن بالبقيع مع عمه الحسن عليهما السلام (2). # وكانت مدة إمامته بعد أبيه أربعا وثلاثين سنة، وكان في أيام إمامته بقية ملك يزيد بن معاوية، وملك معاوية بن يزيد، ومروان بن الحكم، وعبد الملك بن مروان، وتوفي عليه السلام في ملك الوليد بن عبد الملك (3). # PageV01P481 # (الفصل الثاني) في ذكر النصوص الدالة على إمامته عليه السلام المعول في تصحيح إمامة أكثر أئمتنا عليهم السلام النظر والاعتبار دون تواتر الأخبار، لأنهم عليهم السلام كانوا في زمان الخوف وشدة التقية والاضطرار، ولم يتمكن شيعتهم من ذكر فضائلهم ms254 التي تقتضي إمامتهم، فضلا عن ذكر ما يوجب فرض طاعتهم ويبين عن تقدمهم على جميع الخلائق ورئاستهم. # فمما يدل على إمامته عليه السلام من طريق النظر العقلي ما ثبت من وجوب العصمة، وأن الحق لا يخرج عن أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولا أحد يدعي العصمة لامامه في زمان سيد العابدين عليه السلام، إلا من قال بإمامته من الامامية، أو من قال بإمامة محمد بن الحنفية وذهب إلى أنه حي لم يمت وهم الكيسانية، وفسد قول الكيسانية لأنهم ادعوا حياة من علم وفاته كما علم وفات أبيه وأخيه، ولعجزهم أيضا عن إتيان النص على محمد بالإمامة، وبطل قول من قال بإمامة من هو غير معصوم فثبتت إمامته عليه السلام. # وأما ما روي من النص عليه بالإمامة والإشارة بالإمامة إليه من أبيه وجده فكثير. # منها: ما رواه محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن محمد ابن الحسين، وأحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل، عن منصور بن يونس، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر الباقر عليهما السلام قال: (إن الحسين عليه السلام لما حضره الذي حضره دعا ابنته فاطمة الكبرى فدفع PageV01P482 # إليها كتابا ملفوفا ووصية ظاهرة، وكان علي بن الحسين عليهما السلام مريضا لا يرون أنه يبقى بعده، فلما قتل الحسين عليه السلام ورجع أهل بيته إلى المدينة دفعت فاطمة الكتاب إلى علي بن الحسين عليهما السلام، ثم صار ذلك الكتاب والله إلينا يا زياد) (1). # وعنه، عن عدة من أصحابه، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إن الحسين عليه السلام لما سار إلى العراق استودع أم سلمة رضي الله عنها الكتب والوصية، فلما رجع علي بن الحسين عليهما السلام دفعتها إليه) (2). # وقد ذكرنا فيما تقدم النص والإشارة إليه من جده أمير المؤمنين عليهما السلام في وصيته إلى الحسن عليه السلام، فلا معنى لتكراره هنا وأما الأخبار الواردة عن النبي صلى الله ms255 عليه وآله وسلم وعن أمير المؤمنين صلوات الله عليه بالنص على الأئمة الاثني عشر من آل محمد عليهم السلام وتعيينهم، وحديث اللوح الذي رواه جابر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم (3) ورواه جابر بن يزيد الجعفي، عن الباقر، عن أبيه، عن جده عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (4) فإنها مشهورة عند # PageV01P483 # أهلها، مذكورة في مظانها، ووافقهم أصحاب إلي الحديث العامة على نقل كثير منها على طريق الجملة، وسنورد أكثرها في الركن الرابع من الكتاب إذا انتهينا إليه إن شاء الله. PageV01P484 # (الفصل الثالث) في ذكر شئ من معجزاته عليه السلام أما ما يدل على إمامته عليه السلام من طريق المعجز الخارق للعادة فحديث حبابة الوالبية وما جاء فيه من طبعه نقش فصه في الحجر، وما ثبت من دعائه عليه السلام وإيمائه إليها حتى عادت شابة ولها يومئذ مائة سنة وثلاث عشرة سنة (1). # وكذلك نطق الحجر الأسود له عليه السلام وقد استشهد به على محمد ابن الحنفية فشهد له بالإمامة، وكانا يومئذ بمكة فقال لمحمد: (ابدأ فابتهل إلى الله واسأله أن ينطق لك) فابتهل محمد في الدعاء ثم دعا فلم يجبه فقال عليه السلام: (أما إنك يا عم لو كنت إماما لأجابك). # فقال له محمد: فادع أنت يا ابن أخي، فدعا عليه السلام بما أراد ثم قال: (أسألك بالذي جعل فيك ميثاق الأنبياء وميثاق الأوصياء لما أخبرتنا بلسان عربي مبين من الوصي والإمام بعد الحسين بن علي؟) فتحرك الحجر حتى كاد أن يزول عن موضعه ثم أنطقه الله بلسان عربي مبين فقال: اللهم إن الوصية والإمامة بعد الحسين بن علي إلى علي بن الحسين عليهما السلام. # فانصرف محمد وهو يتولى علي بن الحسين عليهما السلام (2). # PageV01P485 # وأورد هذا الخبر بإسناده محمد بن أحمد بن يحيى في كتاب بوادر الحكمة. # وفي هذا المعنى يقول السيد الحميري لما رجع عن القول بالكيسانية إلى القول بإمامة الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام: # عجبت لكر صروف الزمان * وأمر أبي خالد ذي البيان ms256 ومن رده الأمر لا ينثني * إلى الطيب الطهر نور الجنان علي وما كان من عمه * برد الأمانة عطف البيان وتحكيمه حجرا أسودا * وما كان من نطقه المستبان بتسليم عم بغير امتراء * إلى أبن أخ منطقا باللسان شهدت بذلك حقا كما * شهدت بتصديق اي القران علي أمامي ولا أمتري * وخليت قولي بكان وكان (1) قال الصادق عليه السلام: (كان أبو خالد يقول بإمامة محمد بن الحنفية فقدم من كابل شاه إلى المدينة فسمع محمدا يخاطب علي بن الحسين عليه السلام فيقول: يا سيدي، فقال له: أتخاطب ابن أخيك بما لا يخاطبك مثله؟! فقال: إنه حاكمني إلى الحجر الأسود فصرت إليه فسمعت الحجر يقول: سلم الأمر إلى ابن أخيك فإنه أحق به منك، وصار أبو خالد الكابلي إماميا) (2). # وروى عنه أنه قال: قال لي علي بن الحسين عليه السلام: (يا كنكر) ولا والله ما عرفني بهذا الاسم إلا أبي وأمي (3). # PageV01P486 # (الفصل الرابع) في ذكر بعض مناقبه وفضائله عليه السلام روى الحسين بن علوان، عن أبي علي زياد بن رستم، عن سعيد بن كلثوم قال: كنت عند الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام فذكر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فمدحه بما هو أهله، ثم قال: # (والله ما أطاق عمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الأمة غيره، وإن كان ليعمل عمل رجل كان وجهه بين الجنة والنار يرجو ثواب هذه ويخاف عقاب هذه، ولقد أعتق من ماله ألف مملوك في طلب وجه الله والنجاة من النار مما كده بيده ورشح منه جبينه، وما كان لباسه إلا الكرابيس إذا فضل شئ عن يده من كمه دعا بالجلم (1) فقصه، وما أشبهه من ولده ولا أهل بيته أحد أقرب شبها به في لباسه وفقهه من علي بن الحسين زين العابدين عليهم السلام. ولقد دخل أبو جعفر ابنه عليه السلام عليه فإذا هو قد بلغ من العبادة ما لم يبلغه أحد، فرآه قد اصفر لونه سن السهر، ورمصت عيناه من البكاء، ودبرت جبهته ms257 من السجود، وورمت ساقاه وقدماه من القيام في الصلاة، فقال أبو جعفر عليه السلام: فلم أملك حين رأيته بتلك الحال من البكاء، فبكيت رحمة له، وإذا هو يفكر فالتفت إلي بعد هنيئة من دخولي، فقال يا بني: # أعطني بعض تلك الصحف التي فيها عبادة علي عليه السلام، فأعطيته فقرأ فيها يسيرا ثم تركها من يده تضجرا وقال: من يقوى على عبادة علي بن أبي # PageV01P487 # طالب عليه السلام (1). # وكان علي بن الحسين عليهما السلام إذا توضأ اصفر لونه فقيل له: ما هذا الذي يغشاك، فقال: (أتدرون من أتأهب للقيام بين يديه؟) (2). # وروي: أنه عليه السلام كان يصلي في اليوم والليلة ألف ركعة، وكانت الريح تميله بمنزلة السنبلة (3). # وعن سفيان الثوري قال: ذكر لعلي بن الحسين عليهما السلام فضله قال: (حسبنا أن نكون من صالحي قومنا) (4). # وعن الزهري قال: لم أدرك أحدا من هذا البيت أفضل من علي بن الحسين عليه السلام (5) وروي أن علي بن الحسين عليهما السلام رأى يوما الحسن البصري وهو يقص عند الحجر الأسود فقال له عليه السلام: (أترضى يا حسن نفسك للموت؟). # قال: لا. # قال: (فعملك للحساب.؟). # PageV01P488 # قال: لا. # قال: (فثم دار للعمل غير هذه الدار؟). # قال: لا. # قال: (فلله في أرضه معاذ غير هذا البيت؟). # قال: لا. # قال: (فلم تشغل الناس عن الطواف؟) (1). # وقيل له: يوما: إن الحسن البصري قال: ليس العجب ممن هلك كيف هلك وإنما العجب ممن نجا كيف نجا، فقال عليه السلام: (أنا أقول: # ليس العجب ممن نجا كيف نجا، وإنما العجب ممن هلك كيف هلك مع سعة رحمة الله تعالى) (2). # وروي عن طاووس اليماني قال: دخلت الحجر في الليل فإذا علي الحسين عليهما السلام قد دخل فقام يصلي، فصلى ما شاء الله ثم سجد فقلت: رجل صالح من أهل بيت النبوة لأستمعن إلى دعائه، فسمعته يقول في سجوده: (عبيدك بفنائك، مسكينك بفنائك، فقيرك بفنائك، سائلك بفنائك). # قال طاووس: فما دعوت بهن في كرب إلا فرج عني (3). # وروى أحمد بن محمد الرافعي، عن ms258 إبراهيم بن علي، عن أبيه قال: # PageV01P489 # حججت مع علي بن الحسين عليهما السلام فالتاثت (١) الناقة عليه في مسيرها فأشار إليها بالقضيب، ثم قال: (آه لولا القصاص) ورد يده عنها (٢) وعنه قال: حج علي بن الحسين عليهما السلام ماشيا، فسار عشرين يوما من المدينة إلى مكة (٣). # وروى أبو محمد الحسن بن محمد العلوي بإسناده قال: وقف على علي بن الحسين عليهما السلام رجل من أهل بيته فأسمعه وشتمه، فلم يكلمه، فلما انصرف قال لجلسائه: (قد سمعتم ما قال هذا الرجل، وأنا أحب أن تبلغوا معي إليه حتى تسمعوا مني ردي عليه) قالوا: نفعل. # فأخذ نعليه ومشى وهو يقول: ﴿الكاظمين الغيظ﴾ (4) الآية - فعلموا أنه لا يقول شيئا، قال: فأتى منزل الرجل وصرخ به فخرج الرجل متوثبا للشر فقال علي بن الحسين عليهما السلام: (يا أخي، إن كنت قد قلت ما في فاستغفر الله منه، وإن كنت قلت ما ليس في فغفر الله لك). # قال: فقبل الرجل بين عينيه وقال: بل قلت فيك ما ليس فيك، وأنا أحق به. # قال الراوي للحديث: والرجل هو الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام (5). # PageV01P490 # وروى عن علي بن الحسين عليهما السلام: أنه دعا مملوكه مرتين فلم يجبه ثم أجابه في الثالثة، فقال له: (يا بني، أما سمعت صوتي؟). # قال: بلى. # قال: (فما بالك لم تجبني). # قال: أمنتك. # قال: (الحمد لله الذي جعل مملوكي يأمنني) ١). # وكانت جارية لعلي بن الحسين عليهما السلام تسكب عليه الماء فسقط الإبريق من يدها فشجه، فرفع رأسه إليها فقالت الجارية: إن الله تعالى يقول: ﴿والكاظمين الغيظ﴾ (٢). # فقال: (كظمت غيظي). # قالت: ﴿والعافين عن الناس﴾ (3). # قال: (عفوت عنك). # قالت: (والله يحب المحسنين) (4). # قال: (إذهبي فأنت حرة لوجه الله تعالى) (5) وروى عن محمد بن إسحاق بن يسار قال: كان بالمدينة كذا وكذا أهل بيت يأتيهم رزقهم وما يحتاجون إليه، لا يدرون من أين يأتيهم، فلما # PageV01P491 # مات علي بن الحسين عليهما السلام فقدوا ذلك (1). # والأخبار في هذا المعنى وفيما روي عنه من أنواع ms259 العلوم أكثر من أن تحصى، فلنقتصر على ما ذكرناه. # PageV01P492 # (الفصل الخامس) في ذكر أولاده عليه السلام ونبذ من أخبارهم له خمسة عشر ولدا: محمد الباقر عليه السلام، أمه أم عبد الله بنت الحسن بن علي بن أبي طالب. # وأبو الحسين زيد، وعمر، أمهما أم ولد. # وعبد الله، والحسن، والحسين، أمهم أم ولد. # والحسين الأصغر، وعبد الرحمن، وسليمان، لام ولد. # وعلي - وكان أصغر ولده عليه السلام - وخديجة، أمهما أم ولد. # محمد الأصغر، أمه أم ولد. # وفاطمة، وعلية، وأم كلثوم، (أمهن أم ولد) (1). # وكان زيد بن علي بن الحسين أفضل إخوته بعد أبي جعفر الباقر عليه السلام، وكان عابدا ورعا سخيا شجاعا، وظهر بالسيف يطلب بثارات الحسين عليه السلام ويدعو إلى الرضا من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم فظن الناس أنه يريد بذلك نفسه، ولم يكن يريدها به، لمعرفته باستحقاق أخيه الباقر عليه السلام الإمامة من قبله، ووصيته عند وفاته إلى أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام. # وجاءت الرواية أن سبب خروجه - بعد الذي ذكرناه -: أنه دخل على هشام بن عبد الملك، وقد جمع هشام له أهل الشام وأمر أن يتضايقوا له في # PageV01P493 # المجلس حتى لا يتمكن من الوصول إلى قربه، فقال له زيد: إنه ليس من عباد الله أحد فوق أن يوصى بتقوى الله، ولا من عباده أحد دون أن يوصي بتقوى الله وأنا أوصيك بتقوى الله يا أمير المؤمنين فاتقه. # فقال له هشام: أنت المؤهل نفسك للخلافة، وما أنت وذاك لا أم لك، وإنما أنت ابن أمة. # فقال له زيد: إني لا أعلم أحدا أعظم منزلة عند الله من نبي بعثه وهو ابن أمة، فلو كان ذلك يقصر عن منتهى غاية لم يبعث، وهو إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، فالنبوة أعظم منزلة عند الله أم الخلافة؟ وبعد فما يقصر برجل أبوه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو ابن علي بن أبي طالب عليه السلام؟ # فوثب هشام عن مجلسه ودعا قهرمانه وقال: لا يبيتن ms260 هذا في عسكري. # فخرج زيد وهو يقول: إنه لم يكره قوم قط حر السيوف إلا ذلوا (1). # وذكر ابن قتيبة بإسناده في. كتاب عيون الأخبار: أن هشاما قال لزيد بن علي لما دخل عليه: ما فعل أخوك البقرة. # فقال زيد: سماه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باقر العلم وأنت تسميه بقرة لقد اختلفتما إذا (2). # قال (3): فلما وصل الكوفة اجتمع إليه أهلها، فلم يزالوا به حتى بايعوه # PageV01P494 # على الحرب، ثم نقضوا بيعته وأسلموه، فقتل وصلب بينهم أربع سنين لا ينكره أحد منهم ولم يغيره بيد ولا لسان، وكان مقتله يوم الاثنين لليلتين خلتا من صفر سنة عشرين ومائة، وكان سنه يوم قتل اثنين وأربعين سنة، ولما قتل بلغ ذلك من الصادق عليه السلام كل مبلغ، وحزن عليه حزنا عظيما، وفرق من ماله في عيال من أصيب معه من أصحابه ألف دينار (1). # وكان عبد الله بن علي بن الحسين فقيها فاضلا، وكان يلي صدقات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصدقات أمير المؤمنين عليه السلام (2). # وكان عمر بن علي بن الحسين عليهما السلام فاضلا جليلا ورعا، وكان أيضا يلي صدقات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصدقات أمير المؤمنين عليه السلام. # وكان الحسين بن علي بن الحسين فاضلا ورعا، وروى أخبارا كثيرة عن أبيه علي بن الحسين وعن أخيه أبي جعفر وعن عمته فاطمة بنت الحسين عليهم السلام (3). # وروي عنه أنه قال: كان إبراهيم بن هشام المخزومي واليا على المدينة، وكان يجمعنا يوم الجمعة قريبا من المنبر، ثم يقع في علي ويشتمه، قال: فحضرت يوما وقد امتلأ ذلك المكان فلصقت بالمنبر فأغفيت فرأيت القبر قد انفرج وخرج منه رجل وعليه ثياب بياض فقال لي: يا أبا عبد الله ألا يحزنك ما يقول هذا؟ قلت: بلى والله. # قال: افتح عينك وانظر ما يصنع الله به. # PageV01P495 # فإذا هو قد ذكر عليا عليه السلام فرمي به من فوق المنبر فمات لعنه الله (1). # PageV01P496 # (الباب الرابع) في ذكر الإمام الباقر والنور الباهر أبي جعفر ms261 محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام وهو خمسة فصول: PageV01P497 # (الفصل الأول) في ذكر تاريخ مولده، ومبلغ عمره، ومدة إمامته، ووقت وفاته، وموضع قبره ولد عليه السلام بالمدينة سنة سبع وخمسين من الهجرة يوم الجمعة غرة رجب (1)، وقيل: الثالث من صفر (2). وقبض عليه السلام سنة أربع عشرة ومائة من ذي الحجة (3) وقيل: في شهر ربيع الأول (4)، وقد تم عمره سبعا وخمسين سنة. # وأمه أم عبد الله فاطمة بنت الحسين عليه السلام، فهو هاشمي من هاشميين وعلوي من علويين. # وقبره بالبقيع من مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى جانب أبيه زين العابدين عليه السلام وعم أبيه الحسن بن علي عليهما السلام (5). # فعاش عليه السلام مع جده الحسين عليهما السلام أربع سنين، ومع أبيه تسعا وثلاثين سنة، وكانت مدة إمامته ثماني عشرة سنة. # وكان في أيام إمامته بقية ملك الوليد بن عبد الملك، وملك سليمان بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز، ويزيد بن عبد الملك، وهشام بن # PageV01P498 # عبد الملك، وتوفي عليه السلام في ملكه (1). # PageV01P499 # (الفصل الثاني) في ذكر دلائل إمامته عليه السلام الدليل على إمامته عليه السلام ما قدمناه بعينه في إمامة أبيه عليه السلام من اعتبار وجوب العصمة وبطلان قول كل من ادعى حياة الأموات، على الترتيب الذي تقدم في الاستدلال، ودلائل العقول أوكد من دلائل الأخبار لبعدها عن التأويل والاحتمال. # فأما النصوص الدالة على إمامته، والآثار الواردة في الإشارة إليه، فمن ذلك: # ما رواه محمد بن يعقوب الكليني، عن أحمد بن إدريس، عن محمد ابن عبد الجبار، عن أبي القاسم الكوفي، عن محمد بن سهل، عن إبراهيم ابن أبي البلاد، عن إسماعيل بن محمد بن عبد الله بن علي بن الحسين، عن أبي جعفر عليه السلام قال: (لما حضرت علي بن الحسين عليهما السلام الوفاة أخرج سفطا أو صندوقا عنده فقال: يا محمد احمل هذا الصندوق، قال: فحمل بين أربعة، فلما توفي جاء إخوته يدعون في الصندوق سهما، قال: والله ما لكم فيه شئ، ولو كان لكم ms262 فيه شئ ما دفعه إلي، وكان في الصندوق سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكتبه) (1). # وعنه، عن محمد بن يحيى، عن عمران بن موسى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عبد الله بن عيسى عن أبيه عبد الله عن أبيه عيسى، # PageV01P500 # عن جده قال: نظر علي بن الحسين عليهما السلام إلى ولده وهو يجود بنفسه وهم مجتمعون عنده، ثم نظر إلى محمد بن علي فقال: (يا محمد، خذ هذا الصندوق فاذهب به إلى بيتك). # وقال: أما إنه لم يكن فيه دينار ولا درهم ولكن كان مملوءا علما (1). # وعنه، عن محمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن محمد بن عيسى، عن فضالة بن أيوب، عن الحسين بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: (إن عمر بن عبد العزيز كتب إلى ابن حزم أن يرسل إليه بصدقة علي وعمر وعثمان، وإن ابن حزم بعث إلى زيد بن الحسن وكان أكبرهم فسأله الصدقة، فقال زيد: إن الولي كان بعد علي الحسن، وبعد الحسن الحسين، وبعد الحسين علي بن الحسين، وبعد علي بن الحسين محمد بن علي، فابعث إليه، فبعث ابن حزم إلى أبي فأرسلني أبي بالكتاب فدفعته إلى ابن حزم، فقال له بعضنا: يعرف هذا ولد الحسن؟ قال: نعم كما تعرفون أن هذا ليل،، لكن يحملهم الحسد، ولو طلبوا الحق بالحق لكان خيرا لهم ولكنهم يطلبون الدنيا) (2). # وأما النصوص المروية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في جملة الاثني عشر فكثيرة، مثل خبر اللوح الذي هبط به جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الجنة فأعطاه فاطمة عليها السلام (3) ومثل ما روي: أن الله تعالى أنزل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم # PageV01P501 # كتابا مختوما باثني عشر خاتما وأمره أن يدفعه إلى أمير المؤمنين عليه السلام ويأمره بان يفض أول خاتم فيه فيعمل بما تحته، ثم يدفعه عند وفاته إلى الحسن عليه السلام ويأمره بفض الخاتم الثاني ويعمل بما تحته، ms263 ثم يدفعه عند حضور وفاته إلى الحسين عليه السلام فيفض الخاتم الثالث ويعمل بما تحته، ثم يدفعه الحسين عند وفاته إلى علي بن الحسين ويأمره بمثل ذلك، ثم يدفعه عند وفاته إلى ابنه محمد بن علي ويأمره بمثل ذلك، ثم يدفعه إلى ولده حتى ينتهي إلى آخر الأئمة عليهم السلام (1). # وسنورد أكثر ما ورد في هذا النوع فيما بعد إن شاء الله تعالى. # PageV01P502 # (الفصل الثالث) في ذكر بعض دلائله عليه السلام قد روت الشيعة من دلالاته أشياء سوى ما تقدم ذكره من خبر حبابة الوالبية منها: # ما رواه شعيب العقرقوفي، عن أبي عروة قال دخلت مع أبي بصير (1) إلى منزل أبي جعفر أو أبي عبد الله عليهما السلام قال: فقال لي: أترى في البيت كوة قريبا من السقف؟ قال: قلت: نعم، وما علمك بها؟ قال: أرانيها أبو جعفر عليه السلام (2). # وروى أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن مثنى الحناط، عن أبي بصير قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام فقلت له: أنتم ورثة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ # قال: (نعم). # قلت: رسول الله صلى. الله عليه وآله وسلم وارث الأنبياء، عالم كل ما علموا؟ # PageV01P503 # قال لي: (نعم). # قلت: فأنتم تقدرون على. أن تحيوا الموتى وتبرؤوا الأكمه والأبرص؟ # فقال: (بلى بإذن الله) ثم قال: (ادن مني يا أبا محمد) فمسح على وجهي وعلى عيني فأبصرت الشمس والسماء والأرض والبيوت وكل شئ في الدار، فقال: (أتحب أن تكون هكذا ولك ما للناس وعليك ما عليهم يوم القيامة، أو تعود كما كنت ولك الجنة خالصا؟) قلت: أعود كما كنت. قال: فمسح على عيني فعدت كما كنت. # قال الراوي: فحدثت به ابن أبي عمير فقال: أشهد أن هذا حق كما أن النهار حق (1). # وروى حماد بن عثمان، عن عبد الله بن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (ان أبي قال ذات يوم: إنما بقي من أجلي خمس سنين، فحسبت فما زاد ولا نقص) (2). # PageV01P504 # (الفصل الرابع) في ms264 ذكر طرف من مقاتبه وخصائصه، ونبذ من أخباره عليه السلام قد اشتهر في العالم تبريزه على الخلق قي العلم والزهد والشرف، فلم يؤثر عن أحد من أولاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبله من علم القرآن والآثار والسنن وأنواع العلوم والحكم والآداب ما اثر عنه صلوات الله عليه واختلف إليه بقايا الصحابة ووجوه التابعين وفقهاء المسلمين، وعرفه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بباقر العلم على ما رواه نقلة الآثار. # عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (يوشك أن تبقى حتى تلقى ولدا لي من الحسين يقال له: # محمد يبقر علم الدين بقرا، فإذا لقيته فأقرئه مني السلام (1). # وروى أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن سنان، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبد الله قال: (إن جابر بن عبد الله الأنصاري (كان) يقعد في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو معتجر (2) بعمامة سوداء، وكان ينادي: يا باقر العلم، وكان أهل المدينة يقولون: جابر يهجر، فكان يقول: # لا والله ما أهجر ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: # إنك ستدرك رجلا مني اسمه اسمي وشمائله شمائلي يبقر العلم بقرا. فذاك # PageV01P505 # الذي دعاني إلى ما أقول (1) قال: فكان جابر يأتيه طرفي النهار وكان أهل المدينة يقولون؟ واعجبا لجابر يأتي هذا الغلام طرفي النهار وهو أحد من بقي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (2). # وروي ميمون القداح، عن جعفر بن محمد، عن أبيه قال: (دخلت على جابر بن عبد الله فسلمت عليه فرد علي السلام وقال لي: من أنت؟ # - وذلك بعد ما كف بصره - فقلت: محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام، فقال: يا بني ادن مني، فدنوت منه فقبل يدي ثم أهوى إلى رجلي يقبلها فتنحيت عنه، ثم قال لي: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقرئك السلام، فقلت: وعلى رسول الله السلام ورحمة الله وبركاته، ms265 وكيف ذاك يا جابر؟ فقال: كنت معه ذات يوم فقال لي: يا جابر، لعلك تبقى حتى تلقى رجلا من ولدي يقال له: محمد بن علي بن الحسين يهب الله له النور والحكمة، فأقرئه مني السلام) (3). # PageV01P506 # وروي عن أبي مالك، عن عبد الله بن عطاء المكي قال: ما رأيت العلماء عند أحد قط أصغر منهم عند أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام، ولقد رأيت الحكم بن عتيبة - مع جلالته في القوم - بين يديه كأنه صبي بين يدي معلمه (1). # وكان جابر بن يزيد الجعفي إذا روى عنه قال: حدثني وصي الأوصياء ووارث علم الأنبياء محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام (2). # وروى محمد بن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي عبد الله عليه السلام قال. (إن محمد بن المنكدر كان يقول: ما كنت أرى أن مثل علي بن الحسين عليهما السلام يدع خلفا لفضل علي بن الحسين حتى رأيت ابنه محمدا، فأردت أن أعظه فوعظني. # فقال له أصحابه: بأي شئ وعظك؟ # قال: خرجت إلى بعض نواحي المدينة في ساعة حارة فلقيت محمد ابن علي عليهما السلام - وكان رجلا بدينا - وهو متكي على غلامين له أسودين - أو موليين له - فقلت في نفسي: شيخ من شيوخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا! أشهد لأعظنه، فدنوت منه فسلمت عليه فسلم علي ببهر (3) وقد تصبب عرقا، فقلت: أصلحك الله، شيخ من أشياخ قريش في هذه الساعة على هذه الحال في طلب الدنيا؟! لو جاءك الموت وأنت على هذه الحال؟ # قال: فخلى عن الغلامين من يده وتساند فقال: لو جاءني والله # PageV01P507 # الموت وأنا في هذه الحال جاءني وأنا في طاعة من طاعات الله عز وجل أكف بها نفسي عنك وعن الناس، وإنما كنت أخاف الموت لو جاءني وأنا على معصية من معاصي الله عز وجل فقلت: يرحمك الله أردت أن أعظك فوعظتني) (1). # وكان عليه السلام يقول: (ما ينقم الناس منا إلا أنا أهل بيت الرحمة، وشجرة النبوة، ms266 ومعدن الحكمة، وموضع الملائكة، ومهبط الوحي) (1). # وكان عليه السلام يقول: (بلية الناس علينا عظيمة، إن دعوناهم لم يستجيبوا لنا، وإن تركناهم لم يهتدوا بغيرنا) (3). # وكان عليه السلام يقول: (نحن خزنة علم الله، ونحن ولاة أمر الله، وبنا فتح الله الإسلام، وبنا يختمه، فمنا يتعلموا، فوالله الذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما علم الله في أحد إلا فينا، وما يدرك ما عند الله إلا بنا) (4). # وروى ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن الفضيل، عنه عليه السلام قال: (لو أنا حدثنا برأينا ضللنا كما ضل من كان قبلنا، ولكنا حدثنا ببينة من ربنا بينها لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم فبينها لنا) (5). # وسئل عليه السلام عن الحديث يرسله ولا يسنده فقال (إذا حدثت # PageV01P508 # بالحديث فلم أسنده فسندي فيه أبي زين العابدين، عن أبيه الحسين الشهيد، عن أبيه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، عن جبرئيل، عن الله عز وجل (1). # وروى عنه معروف بن خربوذ قال: سمعته يقول: (إن حديثا صعب مستصعب، لا يحتمله إلا ملك مقرب، أو نبي مرسل، أو عبد امتحن الله قلبه للايمان) (2). # وروى سدير الصير في عنه عليه السلام أنه قال: (إنما كلف الله سبحانه الناس معرفة الأئمة والتسليم لهم في ما أوردوا عليهم، والرد إليهم فيما اختلفوا فيه) (3). # وروى سورة بن كليب الأسدي عنه عليه السلام قال: (والله إنا لخزان الله في سمائه وفي أرضه، لا على ذهب ولا فضة إلا على علمه) (4). # وروي عن عبيد الله بن زرارة، عن أبيه قال: كنا عند أبي جعفر عليه السلام فجاء الكميت (5) فاستأذن عليه فأذن له فأنشده: # من لقلب متيم مستهام -. # فلما فرغ منها قال له أبو جعفر عليه السلام: (يا كميت، لا تزال مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك وقلت فينا). # PageV01P509 # وقال الكميت في حديث آخر: فلما بلغت إلى قولي: # أخلص الله لي هواي فما * أغرق نزعا لا تطيش سهامي (1) قال عليه السلام:... # (وقد أغرق نزعا وما تطيش سهامي). ms267 # فقلت: يا مولاي أنت أشعر مني في هذا المعنى (2). # PageV01P510 # (الفصل الخامس) في ذكر أولاده عليه السلام وهم سبعة: # أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام - وكان يكنى به - وعبد الله بن محمد، وأمهما أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر. # وإبراهيم وعبيد الله، درجا (1)، أمهما أم حكيم بنت أسيد بن المغيرة الثقفية. # وعلي وزينب، لام ولد. # وأم سلمة، لام ولد (2). # وقيل: إن لأبي جعفر عليه السلام ابنة واحدة فقط: أتم سلمة، واسمها زينب (3). # PageV01P511 # (الباب الخامس) في ذكر الإمام الصادق والعلم الناطق أبي عبد الله جعفر بن محمد عليهما السلام وهو خمسة فصول: PageV01P513 # (الفصل الأول) في ذكر تاريخ مولده، ومبلغ سنه، ومدة إمامته، ووقت وفاته عليه السلام ولد عليه السلام بالمدينة لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثمانين من الهجرة (1). # ومضى في النصف من رجب (2)، ويقال: في شوال (3)، سنة ثمان وأربعين ومائة، وله خمس وستون سنة. # أقام فيها مع جده وأبيه اثنتي عشرة سنة، ومع أبيه بعد جده تسع عشرة سنة، وبعد أبيه أيام إمامته أربعا وثلاثين سنة، وكان في أيام إمامته بقية ملك هشام بن عبد الملك، وملك الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وملك يزيد بن الوليد بن عبد الملك الملقب بالناقص، وملك إبراهيم بن الوليد، وملك مروان ابن محمد الحمار، ثم صارت المسودة من أهل خراسان مع أبي مسلم سنة اثنين وثلاثين ومائة، فملك أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله ابن عباس الملقب بالسفاح أربع سنين وثمانية أشهر، ثم ملك أخوه أبو جعفر عبد الله الملقب بالمنصور إحدى وعشرين سنة وإحدى عشر شهرا (4). # وتوفي الصادق عليه السلام بعد عشر سنين من ملكه، ودفن بالبقيع مع # PageV01P514 # أبيه وجده وعمه الحسن عليهم السلام (1). # PageV01P515 # (الفصل الثاني) في دكر النص على إمامته عليه السلام أما طريقة الاعتبار فمثل ما تقدم ذكره في إمامة آبائه عليهم السلام، فانا إذا اعتبرنا إمامة من اختلف في إمامته في عصره عليه السلام وجدنا ms268 الأمة بين أقوال: # قائل يقول: لا إمام في الوقت، وقوله يبطل بما دل على وجوب الإمامة في كل عصر. # وقائل يقول: بإمامة كل من لا يقطع على عصمته، وقوله يبطل بما دل على وجوب العصمة للامام. # ومن ادعى العصمة ولم يقل بالنص من متأخري الزيدية فقوله يبطل بما دللنا عليه من أن العصمة لا يمكن أن تعلم إلا بالنص أو المعجز. # ومن اعتبر الحياة - من الكيسانية - فقوله يبطل بما علمانه من موت من ادعي حياته، وأيضا فإن هذه الفرقة قد انقرضت وخلا الزمان من القائلين بقولها وانعقد الإجماع على خلافها. # فإذا بطلت هذه الأقوال ثبتت إمامته عليه السلام، وإلا أدى إلى خروج الحق عن أقوال الأمة. # واما طريقة التواتر فمثل ما ذكرناه فيما تقدم فإن الشيعة قد تواترت خلافا عن سلف إلى أن اتصل نقلهم بالباقر عليه السلام أنه نص على الصادق عليه السلام، كما تواترت على أن أمير المؤمنين عليه السلام نص على الحسن، ونص على الحسين عليهما السلام، وكذاك كل إمام على الإمام الذي يليه، ثم هكذا إلى أن ينتهى إلى صاحب الزمان، وكل سؤال PageV01P516 # يسئل على هذا الدليل فالجواب عنه مذكور في تصحيح التواتر لنص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أمير المؤمنين عليه السلام، ولا يحتمل ذكره هذا الموضع. # فأما ما جاء في الأخبار من النص بالإمامة عليه والإشارة بذلك من أبيه إليه فمن ذلك: # ما رواه محمد بن يعقوب، عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن أبان بن عثمان، عن أبي الصباح الكناني قال: نظر أبو جعفر محمد بن علي عليهما السلام إلى أبي عبد الله عليه السلام يمشي فقال: (ترى هذا، هذا من الذين قال الله سبحانه: ﴿ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين﴾ (1) (2) وعنه، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله قال: (لما حضرت أبي الوفاة قال: ms269 يا جعفر أوصيك بأصحابي خيرا. # قلت: جعلت فداك، والله لأدعنهم والرجل منهم يكون في المصر فلا يسأل أحدا) (3). # وعنه، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن جابر بن يزيد الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام: # أنه سئل عن القائم فضرب بيده على أبي عبد الله عليه السلام ثم قال: لم (هذا # PageV01P517 # والله قائم آل محمد). # قال عنبسة بن مصعب: فلما قبض أبو جعفر عليه السلام دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فأخبرته بذلك، فقال: (صدق جابر على أبي) ثم قال عليه السلام: (لعلكم ترون أن ليس كل إمام هو القائم بعد الإمام الذي قبله) (١). # وعنه، عن عدة من أصحابه، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن طاهر قال: كنت قاعدا عند أبي جعفر عليه السلام فأقبل جعفر عليه السلام فقال أبو جعفر عليه السلام: (هذا خير البرية) (٢). # وعنه، عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبد الرحمن، عن عبد الأعلى مولى آل سام، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (إن أبي استودعني ما هناك، فلما حضرته الوفاة قال: ادع لي شهودا فدعوت أربعة من قريش فيهم نافع مولى عبد الله بن عمر، فقال: اكتب أوصيك بما أوصى به يعقوب بنيه: ﴿يا بني إن الله أصطفى لكم الدين فلا تموتن الا وأنتم مسلمون﴾ (3). أوصى أبو جعفر محمد بن علي إلى جعفر بن محمد، وأمره أن يكفنه في برده الذي كان يصلي فيه الجمعة، وأن يعم صمه بعمامته، وأن يربع قبره ويرفعه أربع أصابع، ثم قال للشهود: انصرفوا رحمكم الله، فقلت بعدما انصرفوا: ما كان لك في هذا بأن تشهد عليه؟ # PageV01P518 # فقال: إني كرهت أن تغلب وأن يقال: إنه لم يوص إليه، فأردت أن تكون لك الحجة) (1). # وأشباه هذه الأخبار كثيرة. # PageV01P519 # (الفصل الثالث) في ذكر طرف مما ظهر منه من المعجزات والأخبار بالغائبات ما روي من آيات الله الظاهرة على يده والمعجزات المولدة له، الدالة ms270 على بطلان قول من ادعى الإمامة لغيره كغيرة، نحن نذكر منها ما اشتهرت به الرواية فمن ذلك: # ما رواه محمد بن أحمد بن يحيى في كتاب (نوادر الحكمة) بإسناده، عن عائذ بن نباتة الأحمسي قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام وأنا أريد أن أسأله عن صلاة الليل ونسيت، فقلت: السلام عليك يا ابن رسول الله. # فقال: (أجل والله أنا ولده، وما نحن بذي قرابة، من أتي الله بالصلوات الخمس المفروضات لم يسئل عما سوى ذلك) فاكتفيت بذلك (1). # وعنه، بإسناده، عن إبراهيم بن أبي البلاد، عن مهزم قال: كنا نزولا بالمدينة، وكانت جارية لصاحب المنزل تعجبني، وإني أتيت الباب فاستفتحت ففتحت الجارية فغمزت ثديها، فلما كان من الغد دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فقال لي: (يا مهزم، أين كان أقصى أثرك اليوم؟) (2) # PageV01P520 # فقلت له: (ما برحت المسجد) فقال عليه السلام: (أما تعلم أن أمرنا هذا لا ينال إلا بالورع) (1). # وروي غيره عن أبي بصير قال: دخلت المدينة وكانت معي جويرة لي فأصبت منها، ثم خرجت إلى الحمام فلقيت أصحابنا الشيعة وهم متوجهون إلى أبي عبد الله عليه السلام، فخفت أن يسبقوني ويفوتني الدخول عليه، فمشيت معهم حتى دخلت الدار معهم، فلما مثلت بين يدي أبي عبد الله عليه السلام نظر إلي ثم قال لي: (يا أبا بصير، أما علمت أن بيوت الأنبياء وأولاد الأنبياء لا يدخلها الجنب؟) فاستحييت وقلت: يا ابن رسول الله إني لقيت أصحابنا فخفت أ ن يفوتني الدخول معهم ولن أعود إلى مثلها، وخرجت (2). # ومن كتاب (نوادر الحكمة): عن محمد بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: دخل شعيب العقرقوفي على أبي عبد الله عليه السلام ومعه صرة فيها دنانير فوضعها بين يديه، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: (أزكاة أم صلة؟) فسكت ثم قال: زكاة وصلة. # قال: (فلا حاجة لنا في الزكاة). # PageV01P521 # قال: فقبض أبو عبد الله عليه السلام قبضة فدفعها إليه، فلما خرج قال أبو بصير: قلت له: كم كانت الزكاة ms271 من هذه؟ قال: بقدر ما أعطاني، والله لم يزد حبة ولم ينقص حبة (1). # وعن عثمان بن عيسى، عن إبراهيم بن عبد الحميد قال: خرجت إلى قبا (2) لأشتري نخلا فلقيته وقد دخل المدينة فقال: (أين تريد؟) فقلت: لعلنا نشتري نخلا. # فقال: (أوقد أمنتم الجراد؟). # فقلت: لا والله لا أشتري نخلة، فوالله ما لبثنا إلا خمسا حتى جاء من الجراد ما لم يترك في النخل حملا (3). # علي بن الحكم، عن عروة بن موسى الجعفي قال: قال لنا يوما ونحن نتحدث: (الساعة انفقأت عين هشام في قبره). # قلنا: ومتى مات؟ # قال: (اليوم الثالث). # قال: فحسبنا موته وسألنا عنه فكان كذلك (4). # أحمد بن محمد، عن محمد بن فضيل، عن شهاب بن عبد ربه قال: # قال لي أبو عبد الله عليه السلام: (كيف أنت إذا نعاني إليك محمد بن سليمان؟). # PageV01P522 # قال: فلا والله ما عرفت محمد بن سليمان، ولا علمت من هو؟ قال: # ثم كثر مالي وعرضت تجارتي بالكوفة والبصرة، فإني يوما بالبصرة عند محمد ابن سليمان وهو والي البصرة إذ ألقى إلي كتابا وقال لي: يا شهاب، أعظم الله أجرك وأجرنا في إمامك جعفر بن محمد، قال: فذكرت الكلام فخنقتني العبرة، فخرجت فأتيت منزلي وجعلت أبكي على أبي عبد الله عليه السلام (1). # وروى علي بن إسماعيل بن عمار، عن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام إن لنا أموالا ونحن نعامل الناس، وأخاف إن حدث حدث أن تفرق أموالنا. # قال: فقال: (إجمع مالك في كل شهر ربيع). # قال علي بن إسماعيل: فمات إسحاق في شهر ربيع (2). # وأحمد بن قابوس، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: دخل عليه قوم من أهل خراسان فقال ابتداء من غير مسألة: (من جمع مالا من مهاوش (3) أذهبه الله في نهابر) (4). # فقالوا له: جعلنا الله فداك لا نفهم هذا الكلام. # فقال عليما السلام: (از باد أيد به دم بشود) (6). # PageV01P523 # وروي: أن داود بن علي بن عبد الله بن عباس قتل المعلى بن خنيس - مولى ms272 الصادق عليه السلام - وأخذ ماله، فدخل عليه وهو يجر رداءه فقال له: # (قتلت مولاي وأخذت ماله، أما علمت أن الرجل ينام على الثكل ولا ينام على الحرب، أما والله لأدعون الله عليك). # فقال له داود: تهددنا بدعائك. كالمستهزئ بقوله. # فرجع أبو عبد الله عليه السلام إلى داره، ولم يزل ليله كله قائما وقاعدا حتى إذا كان السحر سمع وهو يقول في مناجاته: (يا ذا القوة القوية، ويا ذا المحال الشديد، ويا ذا العزة التي كل خلقك لها ذليل اكفني هذا الطاغية، وانتقم لي منه). # فما كان إلا ساعة حتى ارتفعت الأصوات بالصياح وقيل: قد مات داود ابن علي الساعة (1). # واشتهر في الرواية: أن المنصور أمر الربيع بإحضار أبي عبد الله عليه السلام، فأحضره، فلما بصر به قال: قتلني الله إن لم أقتلك، أتلحد في سلطاني وتبغيني الغوائل؟ # فقال له أبو عبد الله عليه السلام: (والله ما فعلت ولا أردت، فإن كان بلغك فمن كاذب، ولو كنت فعلت لقد ظلم يوسف فغفر وابتلي أيوب فصبر وأعطي سليمان فشكر، فهؤلاء أنبياء الله تعالى وإليهم يرجع نسبك). # فقال له المنصور: أجل ارتفع هاهنا، فارتفع فقال له: ان فلان بن فلان # PageV01P524 # أخبرني عنك بما ذكرت. # فقال: (أحضره يا أمير المؤمنين ليواقفني على ذلك). # فأحضر الرجل المذكور، فقال له المنصور: أنت سمعت ما حكيت عن جعفر؟ # قال: نعم. # قال له أبو عبد الله عليه السلام: (فاستحلفه على ذلك). # فقال له المنصور: أتحلف؟ # قال: نعم. فابتدأ باليمين. # فقال أبو عبد الله: (دعني يا أمير المؤمنين أحلفه أنا). # فقال له: افعل. # فقال أبو عبد الله عليه السلام للساعي: (قل: برئت من حول الله وقوته والتجأت إلى حولي وقوتي لقد فعل كذا وكذا جعفر). # فامتنع منها هنيهة ثم حلف بها، فما برح حتى اضطرب برجله، فقال أبو جعفر: جروا برجله، فأخرجوه لعنه الله (1). # قال الربيع: وكنت رأيت جعفر بن محمد عليه السلام حين دخل على المنصور يحرك شفتيه، فكلما حركهما سكن غضب المنصور حتى أدناه منه ورضي عنه، ms273 فلما خرج أبو عبد الله عليه السلام من عند أبي جعفر اتبعته فقلت له: إن هذا الرجل كان أشد الناس غضبا عليك، فلما دخلت عليه وحركت شفتيك سكن غضبه، فبأي شئ كنت تحركهما؟ # قال: (بدعاء جدي الحسين بن علي عليهما السلام). # فقلت: جعلت فداك، وما هذا الدعاء؟ # PageV01P525 # قال: (يا عدتي عند شدتي، ويا غوثي عند كربتي، احرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني بركنك الذي لا يرام). # قال الربيع: فحفظت هذا الدعاء، فما نزلت بي شدة قط فدعوت به إلا فرج الله عني. # قال: وقلت لجعفر بن محمد: لم منعت الساعي أن يحلف بالله تعالى؟ # قال: (كرهت أن يراه الله تعالى يوحده ويمجده فيحلم عنه ويؤخر عقوبته، فاستحلفته بما سمعت فأخذه الله أخذة رابية (1) (2). # وأمثال ما ذكرناه من الأخبار في آياته ودلالته وإخباره بالغيوب كثيرة يطول تعداده فمن ذلك: ما أورده أبو الفرج علي بن الحسين الأصفهاني في كتاب (مقاتل الطالبيين): ورواه بالأسانيد المتصلة عن رجاله: أن جماعة من بني هاشم اجتمعوا بالأبواء، منهم: إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وأبو جعفر المنصور، وصالح بن علي، وعبد الله بن الحسن بن الحسن وابناه محمد وإبراهيم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: قد علمتم أن ابني هذا هو المهدي، فهلم نبايعه، فقال أبو جعفر: لأي شئ تخدعون أنفسكم، والله لقد علمتم ما الناس إلى أحد أصور (3) أعناقا ولا أسرع إجابة # PageV01P526 # منهم إلى هذا الفتى - يريد به محمد بن عبد الله -. فبايعوا محمدا جميعا ومسحوا على يده. # وأرسل إلى جعفر بن محمد بن علي الصادق عليهم السلام فجاء وأوسع له عبد الله بن الحسن إلى جنبه ثم تكلم بمثل كلامه فقال جعفر: (لا تفعلوا، فإن هذا الأمر لم يأت بعد، إن كنت ترى - يعني عبد الله - أن ابنك هذا هو المهدي فليس به، ولا هذا أوانه، وإن كنت إنما تريد أن تخرجه غضبا لله وليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فإنا والله لا ندعك وأنت شيخنا ونبايع ابنك في هذا ms274 الأمر). # فغضب عبد الله وقال: لقد علمت خلاف ما تقول، ووالله ما أطلعك الله على غيبه ولكنه يحملك على هذا الحسد لأبني - تقال: (والله ما ذاك يحملني، ولكن هذا وإخوته وأبناؤهم دونكم) وضرب بيده على ظهر أبي العباس، ثم ضرب بيده على كتف عبد الله بن الحسن وقال: (إنها والله ما هي إليك ولا إلى ابنيك ولكنها لهم، وإن ابنيك لمقتولان) ثم نهض وتوكأ على يد عبد العزيز بن عمران الزهري فقال: (أرأيت صاحب الرداء الأصفر؟) يعنى أبا جعفر. # فقال له: نعم. # فقال: (أنا والله نجده يقتله). # قال له عبد العزيز: أيقتل محمدا؟ # قال: (نعم). # قال: فقلت في نفسي: حسده ورب الكعبة، قال: ثم والله ما خرجت من الدنيا حتى رأيته قتلهما. # قال: فلما قال جعفر ذلك نهض القوم فافترقوا وتبعه عبد الصمد وأبو جعفر فقالا: يا أبا عبد الله أتقول هذا؟ PageV01P527 # قال: (نعم، أقوله واله وأعلمه). # قال أبو الفرج: وحدثني علي بن العباس قال: أخبرنا بكار بن أحمد قال: حدثنا الحسن بن الحسين، عن عنبسة بن بجاد العابد قال: كان جعفر أبرت محمد إذا رأى محمد بن عبد الله تغرغرت عيناه وقال: (بنفسي هو، إن الناس ليقولون فيه إنه المهدي وإنه لمقتول، ليس في كتاب علي من خلفاء هذه الأمة) (1). # ومن ذلك: ما رواه صاحب كتاب (نوادر الحكمة): عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبي محمد الحميري، عن الوليد بن العلاء بن سيابة، عن زكار ابن أبي زكار الواسطي قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام إذ أقبل رجل فسلم ثم قبل رأس أبي عبد الله عليه السلام قال: فمس أبو عبد الله ثيابه وقال: # (ما رأيت كاليوم ثيابا أشد بياضا ولا أحسن منها). # فقال: جعلت فداك، هذه ثياب بلادنا وجئتك منها بخير من هذه. # قال: فقال: (يا معتب اقبضها منه). # ثم خرج الرجل فقال أبو عبد الله عليه السلام: (صدق الوصف وقرب الوقت، هذا صاحب الرايات السود الذي يأتي بها من خراسان) ثم قال: (يا معتب، ms275 ألحقه فسله ما اسمه؟) ثم قال لي: (إن كان عبد الرحمن فهو والله هو). # قال: فرجع معتب فقال: قال: اسمي عبد الرحمن. # قال زكار بن أبي زكار: فمكثت زمانا، فلما ولي ولد العباس نظرت إليه وهو يعطي الجند فقلت لأصحابه: من هذا الرجل؟ فقالوا: هذا # PageV01P528 # عبد الرحمن، أبو مسلم (1). # وذكر ابن جمهور العمي في كتاب (الواحدة) قال: حدث أصحابنا؟ # أن محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن قال لأبي عبد الله: والله إني لأعلم منك وأسخى منك وأشجع منك. # فقال: (أما ما قلت: إنك أعلم مني، فقد أعتق جدي وجدك ألف نسمة من كد يده فسمهم لي، وإن أحببت أن اسمهم لك إلى آدم فعلت. # وأما ما قلت: إنك أسخى مني فوالله ما بت ليلة ولله علي حق يطالبني وأما ما قلت: إنك أشجع مني. فكأني أرى رأسك وقد جئ به ووضع على حجر الزنابير يسيل منه الدم إلى موضع كذا وكذا). # قال: فصار إلى أبيه فقال: يا أبه كلمت جعفر بن محمد بكذا فرد علي كذا فقال أبوه: يا بني آجرني الله فيك، إن جعفرا أخبرني أنك صاحب حجر الزنا بير (2). # ومن الأخبار الصريحة الدالة على إمامته: # ما رواه محمد بن يعقوب الكليني، عن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن جماعة من رجاله، عن يونس بن يعقوب قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فورد عليه رجل من أهل الشام فقال: إني رجل صاحب كلام وفقه وفرائض، وقد جئت لمناظرة أصحابك. # فقال له أبو عبد الله عليه السلام: (كلامك هذا من كلام رسول الله # PageV01P529 # صلى الله عليه وآله وسلم أو من عندك؟) فقال: من كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعضه ومن عندي فقال له أبو عبد الله: (فأنت شريك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟) قال: لا. # قال: (فسمعت الوحي عن الله عز وجل يخبرك؟) قال: لا. # قال: (فتجب طاعتك كما تجب طاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟) قال: ms276 لا. # فالتفت أبو عبد الله عليه السلام إلي فقال: (يا يونس بن يعقوب، هذا قد خصم نفسه قبل أن يتكلم) ثم قال: (يا يونس، لو كنت تحسن الكلام كلمته). # قال يونس: فيا لها من حسرة، فقلت: جعلت فداك، سمعتك تنهى عن الكلام وتقول: ويل لأصحاب الكلام، يقولون: هذا ينقاد وهذا لا ينقاد، وهذا ينساق وهذا لا ينساق، وهذا نعقله وهذا لا نعقله؟ # فقال أبو عبد الله عليه السلام: (إنما قلت: ويل لقوم تركوا قولي وذهبوا إلى ما يريدون). # ثم قال: (اخرج إلى الباب فانظر من ترى من المتكلمين فأدخله). # قال: فخرجت فوجدت حمران بن أعين - وكان يحسن الكلام - ومحمد بن النعمان الأحول - وكان متكلما - وهشام بن سالم وقيس الماصر - وكانا متكلمين - فأدخلتهم عليه، فلما استقر بنا المجلس - وكنا في خيمة PageV01P530 # لأبي عبد الله على طرف جبل في طرف الحرم وذلك قبل الحج بأيام - أخرج أبو عبد الله رأسه من الخيمة فإذا هو ببعير يخب (1) فقال: (هشام ورب الكعبة). # قال: فظننا أن هشاما رجل من ولد عقيل كان شديد المحبة لأبي عبد الله عليه السلام، فإذا هو هشام بن الحكم قد ورد - وهو أول ما اختطت لحيته وليس فينا إلا من هو أكبر سنا منه - فوسع له أبو عبد الله عليه السلام وقال: (هذا ناصرنا بقلبه ولسانه ويده) ثم قال لحمران: (كلم الرجل) - يعني الشامي - فكلمه حمران فظهر عليه. # ثم قال: (يا طاقي، كلمه) فكلمه فظهر عليه محمد بن النعمان. # ثم قال: (يا هشام بن سالم كلمه) فتعارفا. # ثم قال لقيس الماصر: (كلمه) فكتمه. # وأقبل أبو عبد الله عليه السلام يتبسم من كلامهما وقد استخذل الشامي في يده، ثم قال للشامي: (كلم هذا الغلام) يعني هشام بن الحكم. # فقال: نعم. # ثم قال الشامي لهشام: يا غلام، سلني في إمامة هذا - يعني أبا عبد الله عليه السلام - فغضب هشام حتى ارتعد، ثم! قال له: خبرني يا هذا أربك أنظر لخلقه أم هم لأنفسهم؟ # قال: بل ربي أنظر لخلقه. # قال: ففعل بنظره لهم ms277 في دينهم ماذا؟ # قال الشامي: كلفهم وأقام لهم حجة ودليلا على ما كلفهم، وأزاح في ذلك عللهم. # PageV01P531 # فقال له هشام: فما هذا الدليل الذي نصبه لهم؟ # قال الشامي: هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # فقال له هشام: فبعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من؟ # قال: الكتاب والسنة. # قال له هشام: فهل ينفعنا اليوم الكتاب والسنة فيما اختلفنا فيه حتى يرفع عنا الاختلاف ويمكنا من الاتفاق؟ # قال الشامي: نعم. # قال له هشام: فلم اختلفنا نحن وأنت وجئتنا من الشام تخالفنا وتزعم أن الرأي طريق الدين، وأنت مقر بأن الرأي لا يجمع على القول الواحد المختلفين؟ # فسكت الشامي كالمفكر، فقال له أبو عبد الله عليه السلام: (ما لك لا تتكلم؟) قال: إن قلت: إنا ما اختلفنا كابرت، وإن قلت: إن الكتاب والسنة يرفعان عنا الاختلاف أبطلت لأنهما يحتملان الوجوه، ولكن لي عليه مثل ذلك. # فقال له أبو عبد الله عليه السلام: (سله تجده مليا). # فقال الشامي لهشام: من أنظر للخلق، ربهم أم أنفسهم؟ # قال هشام: بل ربهم أنظر لهم. # فقال الشامي: فهل أقام لهم من يجمع كلمتهم ويرفع اختلافهم ويبين لهم حقهم من باطلهم؟ # قال هشام: نعم. # قال الشامي: من هو؟ # قال هشام: أما في ابتداء الشريعة فرسول الله صلى الله عليه وآله PageV01P532 # وسلم، وأما بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فغيره، قال الشامي: ومن هو غير النبي القائم مقامه في حجته. # قال هشام: في وقتنا هذا أم قبله؟ # قال الشامي: بل في وقتنا هذا. # فقال هشام: هذا الجالس - يعني أبا عبد الله عليه السلام - الذي تشد إليه الرحال، ويخبرنا عن أخبار السماء وراثة عن أب عن جد. # قال الشامي: فكيف لي بعلم ذلك؟ # قال هشام: سله عما بدا لك. # قال الشامي: قطعت عذري، فعلي السؤال.. # فقال له أبو عبد الله عليه السلام: (أنا أكفيك المسألة يا شامي، أخبرك عن مسيرك وسفرك، خرجت يوم كذا، وكان طريقك كذا، ومررت على كذا، ومر بك كذا). # فأقبل الشامي كلما ms278 وصف له شيئا من أمره يقول: صدقت والله، ثم قال الشامي: أسلمت الساعة. # فقال له أبو عبد الله عليه السلام: (إنك امنت بالله الساعة، إن الإسلام قبل الإيمان، وعليه يتوارثون ويتناكحون، والإيمان عليه يثابون). # قال الشامي: صدقت، فأنا الساعة أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأنك وصي الأوصياء. # قال: فاقبل أبو عبد الله عليه السلام على حمران فقال: (يا حمران تجري الكلام على الأثر فتصيب). # والتفت إلى هشام بن سالم فقال: (تريد الأثر ولا تعرف). # ثم التفت إلى الأحول فقال: (قياس رواغ تكسر باطلا بباطل، إلا أن باطلك أظهر). PageV01P533 # ثم التفت إلى قيس الماصر فقال: تتكلم وأقرب ما تكون من الخبر عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أبعد ما تكون منه، تمزج الحق بالباطل، وقليل الحق يكفي عن كثير الباطل، أنت والأحول قفازان حاذقان). # قال يونس بن يعقوب: فظننت والله أنه يقول لهشام قريبا مما قال لهما، فقال: (يا هشام لا تكاد تقع، تلوي رجليك إذا هممت بالأرض طرت، مثلك فليكلم الناس، اتق الزلة والشفاعة من ورائك) (1). # وهذا الخبر مع ما فيه من المعجز الدال على إمامة أبي عبد الله عليه السلام يتضمن إثبات حجة النظر ودلالة الإمامة من طريق النظر والاستدلال. # PageV01P534 # (الفصل الرابع) في ذكر طرف من مناقبه ومختصر من أخباره ومآثره عليه السلام كان عليه السلام أعلم أولاد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في زمانه بالاتفاق، وأنبههم ذكرا، وأعلاهم قدرا، وأعظمهم منزلة عند العامة والخاصة، ولم ينقل عن أحد من سائر العلوم ما نقل عنه، فإن أصحاب الحديث قد جمعوا أسامي الرواة عنه من الثقات على اختلافهم في المقالات والديانات فكانوا أربعة آلاف رجل. # روى أبو محمد الحسن بن حمزة الحسيني في كتاب (التفهيم): # بإسناده، عن سدير الصير في قال: قال الصادق عليه السلام: (نحن تراجمة وحي الله، نحن خزان علم الله، نحن قوم معصومون، أمر الله بطاعتنا ونهى عن معصيتنا، نحن الحجة البالغة على من دون السماء وفوق الأرض) (1). # وفيه ms279 أيضا: بإسناده، عن جميل قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: (الناس ثلاثة: عالم، ومتعلم، وغثاء، فنحن العلماء، وشيعتنا المتعلمون، وسائر الناس غثاء) (2). # وكان يقول: عليه السلام (علمنا غابر ومزبور، ونكت في القلوب، ونقر في الأسماع، وإن عندنا الجفر الأحمر والجفر الأبيض ومصحف فاطمة عليها السلام، وإن عندنا الجامعة فيها جميع ما يحتاج الناس إليه). # PageV01P535 # فسئل عن تفسير كلامه عليه السلام، فقال: (أما الغابر: فالعلم بما يكون. # وأما المزبور: فالعلم بما كان. # وأما النكت في القلوب: فهو الإلهام. # وأما النقر في الأسماع: فحديث الملائكة عليهم السلام نسمع كلامهم ولا نرى أشخاصهم. # وأما الجفر الأحمر: فوعاء فيه سلاح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولن يخرج حتى يقوم قائمنا أهل البيت. # وأما الجفر الأبيض: فوعاء فيه توراة موسى، وإنجيل عيسى، وزبور داود عليهم السلام، وكتب الله المنزلة. # وأما مصحف فاطمة: عليها السلام ففيه ما يكون من حادث، وأسماء كل من يملك إلى أن تقوم الساعة. # وأما الجامعة: فهي كتاب طوله سبعون ذراعا، إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخط علي بن أبي طالب عليه السلام بيده، فيه والله جميع ما يحتاج الناس إليه إلى يوم القيامة، وفيه أرش الخدش والجلدة ونصف الجلدة) (1). # وكان عليه السلام يقول: (حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدي، وحديث جدي حديث علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وحديث رسول الله # PageV01P536 # صلى الله عليه وآله وسلم حديث الله عز وجل) (1). # وروى عنه محمد بن شريح أنه قال: (لولا أن الله تعالى فرض ولايتنا وأمر بمودتنا ما وقفناكم على أبوابنا، ولا أدخلناكم بيوتنا، والله ما نقول بأهوائنا، ولا نقول برأينا، ولا نقول إلا ما قال ربنا، أصول عندنا نكنزها كما يكنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم) (2)، وروى عنه أبو حمزة الثمالي أنه قال: (ألواح موسى عليه السلام عندنا، وعصا موسى عندنا ونحن ورثة النبيين) (3). # وروى معاوية بن وهب، عن سعيد السمان قال: كنت عند أبي ms280 عبد الله عليه السلام إذ دخل عليه رجلان من الزيدية فقالا له: أفيكم إمام مفترض الطاعة؟ # قال: فقال: (لا). # فقالا: قدم خبرنا عنك الثقات أنك تقول به؟ وسموا قوما. # فغضب عليه السلام وقال: (ما أمرتهم بهذا). # فلما رأيا الغضب في وجهه خرجا، فقال لي: (أتعرف هذين؟) قلت: نعم، هما من أهل سوقنا، وهما من الزيدية، وهما يزعمان أن سيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عند عبد الله بن الحسن. # فقال: (كذبا لعنهما الله، والله ما رآه عبد الله بن الحسن بعينيه ولا بواحدة من عينيه، ولا رآه أبوه إلا أن يكون رآه عند علي بن الحسين، فإن كانا # PageV01P537 # صادقين فما علامة في مقبضه؟ وما أثر في موضع مضربه؟ وان عندي لسيف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ورايته ودرعه ولامته (1) ومغفره (2)، فإن كانا صادقين فما علامة في درع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن عندي لراية رسول الله المغلبة، وإن عندي ألواح موسى وعصا موسى، وإن عندي لراية لم سليمان بن داود، وإن عندي الطست التي كان موسى يقرب بها القربان، وإن عندي الاسم الذي كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا وضعه بين المسلمين والمشركين لم يصل من المشركين إلى المسلمين نشابة، وإن عندي لمثل الذي جاءت به الملائكة، ومثل السلاح فينا كمثل التابوت في بني إسرائيل، كانت بنو إسرائيل في أي أهل بيت وجد التابوت على أبوابهم أوتوا النبوة، ومن صار إليه السلاح منا أوتي الإمامة، ولقد لبس أبي درع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فخطت على الأرض خطيطا، ولبستها أنا فكانت وكانت، وقائمنا من إذا لبسها ملأها إن شاء الله) (3). # ووجدت في كتاب (كمال الدين) للشيخ أبي جعفر بن بابويه - رضي الله عنه -: حدثنا عبد الواحد بن محمد العطار قال: حدثنا علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري قال: حدثنا حمدان بن سليمان، عن محمد بن إسماعيل ابن بزيع، عن حيان السراج قال: سمعت السيد إسماعيل بن محمد الحميري ms281 يقول: كنت أقول بالغلو وأعتقد غيبة محمد بن الحنفية زمانا، فمن # PageV01P538 # الله علي بالصادق جعفر بن محمد عليهما السلام فأنقذني من النار وهداني إلى سواء الصراط، فسألته - بعد ما صح عندي بالدلائل التي شاهدتها منه أنه حجة الله على خلقه وأنه الإمام الذي افترض الله طاعته - فقلت له: يا ابن رسول الله، قد روي لنا أخبار عن آبائك عليهم السلام في الغيبة وصحة كونها، فأخبرني بمن تقع؟ # فقال عليه السلام: (إن الغيبة ستقع بالسادس من ولدي، وهو الثاني عشر من الأئمة الهداة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وآخرهم القائم بالحق بقية الله في الأرض وصاحب الزمان، والله لو بقي في غيبته ما بقي نوح في قومه لم يخرج من الدنيا حتى يظهر فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا). # قال السيد: فلما سمعت ذلك من مولاي الصادق عليه السلام تبت إلى الله تعالى على يديه وقلت قصيدتي التي أولها: # تجعفرت باسم الله والله أكبر * وأيقنت أن الله يعفو ويغفر ودنت بدين غير ما كنت دائنا * به ونهاني سيد الناس جعفر فقلت هب إني قد تهودت برهة * وإلا فديني دين من يتنصر فإني إلى الرحمن من ذاك تائب * وإني قد أسلمت والله أكبر فلست بغال ما حييت وراجع * إلى ما عليه كنت أخفي وأضمر ولا قائلا حي برضوى محمد * وإن عاب جهال مقالي وأكثروا ولكنه ممن مضى لسبيله * على أفضل الحالات يقفي ويخبر مع الطيبين الطاهرين الأولى لهم * من المصطفى فرع زكي وعنصر إلى اخرها، وقلت بعد ذلك أيضا أبيات شعر وهي: PageV01P539 # أيا راكبا نحو المدينة جسرة (1) * عذافرة (2) يطوي بها كل سبسب (3) إذا ما هداك الله عاينت جعفرا * فقل لولي الله وابن المهذب ألا يا أمين الله وابن أمينه * أتوب إلى الرحمن ثم تأوبي إليك من الأمر الذي كنت مطنبا * أحارب فيه جاهدا كل معرب وما كان قولي في ابن خولة (4) مبطنا * معاندة مني لنسل المطيب ولكن روينا عن وصي ms282 نبينا * وما كان فيما قاله بالمكذب بأن ولي الأمر يفقد لا يرى * ستيرا كفعل الخائف المترقب فتقسم أموال الفقيد كأنما * تغيبه بين الصفيح المنصب فيمكث حينا ثم يشرق شخصه * مضيئا بنور العدل إشراق كوكب يسير بنصر الله من بيت ربه * على سؤدد منه وأمر مسبب يسير إلى أعدائه بلوائه * فيقتلهم قتلا كحران مغضب فلما روي أن ابن خولة غائب * صرفنا إليه قوله لم نكذب وقلنا هو المهدي والقائم الذي * يعيش به من عدله كل مجدب فإن قلت: لا، فالقول قولك والذي * أمرت فحتم غير ما متعصب وأشهد ربي أن قولك حجة * على الناس من مطيع ومذنب بأن ولي الأمر والقائم الذي * تطلع نفسي نحوه بتطرب له غيبة لابد من أن يغيبها * فصلى عليه الله من متغيب فيمكث حينا ثم يظهر حينه * فيملأ عدلا كل شرق ومغرب بذاك أدين الله سرا وجهرة * ولست وإن عوتبت فيه بمعتب # PageV01P540 # قال: وكان حيان السراج الراوي لهذا الحديث من الكيسانية وكان السيد بن محمد بلا شك كيسانيا قبل ذلك يزعم أن ابن الحنفية هو المهدي وأنه مقيم في جبال رضوى وشعره مملوء بذلك فمن ذلك قوله: # ألا إن الأئمة من قريش * ولاة الأمر أربعة سواء علي والثلاثة من بنيه * هم أسباطنا والأوصياء فسبط سبط إيمان وبر * وسبط غيبته كربلاء وسبط لا يذوق الموت حتى * يقود الجيش يقدمه اللواء يغيب لا يرى عنا زمانا * برضوى عنده عسل وماء وقوله أيضا: # أيا شعب رضوى ما لمن بك لا يرى * وبنا إليه من الصبابة أولق (1) حتى متى؟ والى متى؟ وكم المدى؟ * يا ابن الوصي وأنت حي ترزق إني لآمل أن أراك وأنني * من أن أموت ولا أراك لأفرق (2) وقوله أيضا: # ألا حي المقيم بشعب رضوى * وأهد له بمنزله السلاما وقل يا ابن الوصي فدتك نفسي * أطلت بذلك الجبل المقاما فمر بمعشر والوك منا * وسموك الخليفة والإماما فما ذاق ابن خولة طعم موت * ولا وارت له أرض عظاما (3) وفي شعره الذي ذكرناه دليل على رجوعه عن ذلك المذهب وقبوله ms283 # PageV01P541 # إمامة الصادق عليه السلام. # وفيه أيضا دليل على أنه عليه السلام دعاه إلى إمامته وعلى صحة القول بغيبة صاحب الزمان عليه السلام. # ومما نقل عنه صلوات الله عليه في الحجة والبيان والرد على منكري الحق ومخالفي الإيمان ما رواه محمد بن يعقوب الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن العباس بن عمرو الفقيمي: أن ابن أبي العوجاء، وابن طالوت، وابن الأعمى، وابن المقفع في نفر من الزنادقة كانوا مجتمعين في الموسم في المسجد الحرام، وأبو عبد الله جعفر بن محمد إذ ذاك فيه يفتي الناس ويفسر لهم القرآن ويجيب عن المسائل، فقال القوم لابن أبي العوجاء: هل لك في تغليط هذا الجالس وسؤاله عما يفضحه عند هؤلاء المحيطين به، فقد ترى فتنة الناس به وهو علامة زمانه. # فقال لهم ابن أبي العوجاء: نعم. # ثم تقدم ففرق الناس وقال: يا أبا عبد الله، إن المجالس أمانات، ولا بد لكل من به سعال أن يسعل، أفتأذن لي في السؤال؟ # فقال له أبو عبد الله عليه السلام: (سل إن شئت). # فقال: إلى، كم تدوسون هذا البيدر، وتلوذون بهذا الحجر، وتعبدون هذا البيت المرفوع بالطوب والمدر، وتهرولون حوله هرولة البعير إذا نفر، من فكر في هذا وقدر علم أنه فعل غير حكيم ولا ذي نظر، فقل إنك رأس هذا الأمر وسنامه وأبوك أسه ونظامه؟ # فقال الصادق عليه السلام: (إن من أضله الله وأعمى قلبه استوخم الحق فلم يستعذبه، وصار الشيطان وليه وربه، يورده مناهل الهلكة، وهذا بيت استعبد الله به خلقه ليختبر طاعتهم في إتيانه، فحثهم على تعظيمه وزيارته وجعله قبلة للمصلين، فهو شعبة من رضوانه، وطريق يؤدي إلى PageV01P542 # غفرانه، منصوب على استواء الكمال ومجمع العظمة والجلال، خلقه قبل دحو الأرض بألفي عام، وأحق من أطيع - فيما أمر وانتهى عما زجر - الله المنشئ لأرواح والصور). # فقال له ابن أبي العوجاء: ذكرت يا أبا عبد الله فأحلت على غائب. # فقال الصادق عليه السلام: (كيف يكون غائبا - يا ويلك - من هو مع خلقه شاهد، وإليهم ms284 أقرب من حبل الوريد، يسمع كلامهم ويعلم أسرارهم، لا يخلو منه مكان ولا يشتغل به مكان، ولا يكون إلى مكان أقرب منه من مكان، تشهد له بذلك آثاره وتدل عليه أفعاله!! والذي بعثه بالآيات المحكمة والبراهين الواضحة محمد صلى الله عليه وآله وسلم جاءنا بهذه العبادة، فأن شككت في شئ من أمره فاسأل عنه أوضحه لك). # قال: فأبلس ابن أبي العوجاء فلم يدر ما يقول، فانصرف من بين يدية وقال لأصحابه: سألتكم أن تلتمسوا لي جمرة فألقيتموني على جمرة. # قالوا له: اسكت، فوالله لقد فضحتنا بحيرتك وانقطاعك، وما رأينا أحقر منك اليوم في مجلسه. # فقال: إلي تقولون هذا! إنه ابن من حلق رؤوس من ترون، وأشار بيده إلى أهل الموسم (1). # ومن ذلك: ما روي: أن أبا شاكر الديصاني وقف ذات يوم في مجالسه عليه السلام فقال له: إنك لأحد النجوم الزواهر، وكان آباؤك بدورا بواهر، وأمهاتك عقيلات عباهر (2)، وعنصرك من أكرم العناصر، وإذا ذكر العلماء # PageV01P543 # فبك تثنى الخناصر، فخبرنا أيها البحر الخضم الزاخر ما الدليل على حدوث العالم؟ # فقال له أبو عبد الله عليه السلام: (من أقرب الدليل على ذلك ما أذكره لك) ثم دعا ببيضة فوضعها في راحته ثم قال: (هذا حصن ملموم، باطنه غرقئ (1)، رقيق يطيف به كالفضة السائلة والذهبة المائعة، أفتشك في ذلك؟) قال أبو شاكر: لا شك فيه. # قال أبو عبد الله عليه السلام: (ثم إنه ينفلق عن صورة كالطاووس، أدخله شئ غير ما عرفت؟) قال: لا. # قال: (فهذا الدليل على حدوث العالم). # فقال أبو شاكر: دللت يا أبا عبد الله فأوضحت، وقلت فأحسنت، وذكرت فأوجزت، وقد علمت أنا لا نقبل إلا ما أدركناه بأبصارنا، أو سمعناه بآذاننا، أو ذقناه بأفواهنا، أو شممناه بأنوفنا، أو لمسناه ببشرتنا. # فقال له أبو عبد الله عليه السلام: (ذكرت الحواس الخمس، وهي لا تنتفع في الاستنباط إلا بدليل، كما لا تنقطع الظلمة بغير مصباح) (2). # أراد عليه السلام أن الحواس لا توصل إلى العلم بالغائبات إلا بالعقل، وإن الذي أراه من ms285 حدوث الصورة معقول يوصل إلى العلم به بالمحسوس. # ومن ذلك: ما روي أنه سئل عن التوحيد والعدل فقال: (التوحيد أن لا # PageV01P544 # تجوز على ربك ما جاز عليك، والعدل أن لا تنسب إلى خالقك ما لامك عليه) (1) وهذا يؤول في المعنى إلى قول أمير المؤمنين عليه السلام: (التوحيد أن لا تتوهمه، والعدل أن لا تتهمه) (2). # وقيل للصادق عليه السلام: أنت أعلم أم أبوك؟ # فقال: (أبي أعلم مني، وعلم أبي لي). # وروى علي بن أسباط، عن داود الرقي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: كيف أدعو الله أن يرضى عني إمامي. # قال: (تقول: اللهم رب إمامي وربي، وخالق إمامي وخالقي، ورازق إمامي ورازقي، ارض عني وارض عني إمامي). # وما حفظ عنه وتلقي منه في أنواع العلوم وفنون الحكم أكثر من أن يحويه كتاب، أو يحصره حساب، والاقتصار على ما أوردناه أليق بالباب، والله الموفق للصواب. # PageV01P545 # (الفصل الخامس) في ذكر أولاده عليه السلام ونبذ من أخبارهم كان له عليه السلام عشرة أولاد: إسماعيل، وعبد الله، وأم فروة، أمهم فاطمة بنت الحسين بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام. # وموسى عليه السلام، وإسحاق، وفاطمة، ومحمد، لام ولد اسمها حميدة البربرية. # والعباس، وعلي، وأسماء، لأمهات أولاد شتى. # أما إسماعيل: فكان أكبر إخوته، وكان أبوه شديد المحبة له والبر به، وقد كان يظن قوم من الشيعة في حياة الصادق عليه السلام أنه القائم بعده والخليفة له، لميل أبيه إليه وإكرامه له، ولأنه أكبر إخوته سنا، فمات في حياة أبيه الصادق عليه السلام بالعريض (1) وحمل على رقاب الناس إلى أبيه بالمدينة، فجزع عليه جزعا شديدا، وتقدم سريره بغير حذاء ولا رداء، وكان يأمر بوضع سريره على الأرض قبل دفنه مرارا كثيرة ويكشف عن وجهه وينظر إليه، يريد عليه السلام إزالة الشبهة عن الذين ظنوا خلافته له من بعده، وتحقيق أمر وفاته عندهم. ودفن.، بالبقيع - رحمه الله -. # ولما مات إسماعيل رجع عن القول بإمامته بعد أبيه من كان يظن دلك، وأقام على حياته ms286 طائفة لم تكن من خواص أبيه بل، كانوا من الأباعد. # PageV01P546 # فلما مات الصادق عليه السلام انتقل جماعة منهم إلى القول بإمامة موسى بن جعفر عليهما السلام، وافترق الباقون منهم فرقتين: فريق منهم رجعوا عن حياة إسماعيل وقالوا بإمامة ابنه محمد بن إسماعيل لظنهم أن الإمامة كانت في أبيه وإن الابن أحق بمقام الإمامة من الأخ، وفريق منهم ثبتوا على حياة إسماعيل وهم اليوم شذاذ، وهذان الفريقان يسميان الإسماعيلية. # وأما عبد الله بن جعفر: فإنه كان أكبر إخوته بعد إسماعيل، ولم تكن منزلته عند أبيه عليه السلام منزلة غيره من الأولاد، وكان متهما بالخلاف على أبيه في الاعتقاد، وادعى الإمامة بعد وفاة أبي عبد الله عليه السلام، واتبعه قوم ثم رجع أكثرهم بعد ذلك إلى القول بإمامة موسى عليه السلام لما ظهر عندهم براهين إمامته، ولم يبق على القول بإمامة عبد الله إلا طائفة يسيرة تسمى الفطحية، وإنما لزمهم هذا اللقب لأنه كان أفطح الرجلين، ويقال: # لأن داعيهم إلى ذلك رجل اسمه عبد الله بن أفطح. # وأما محمد بن جعفر: فكان يرى رأي الزيدية في الخروج بالسيف، وكان سخيا شجاعا، وكان يصوم يوما ويفطر يوما، وكان يذبح كل يوم كبشا للضيافة، وخرج على المأمون في سنة تسع وتسعين ومائة، فخرج لقتاله عيسى الجلودي فهزم أصحابه وأخذه وأنفذه إلى المأمون، فوصله وأكرمه، وكان مقيما معه بخراسان يركب إليه في موكب بني عمه، وكان المأمون يحتمل منه ما لا يحتمل السلطان من رعيته. # وروي: أن المأمون أنكر ركوبه إليه في جماعة الطالبية التي خرجت عليه معه، فخرج التوقيع من المأمون إليهم: لا تركبوا مع محمد بن جعفر واركبوا مع عبيد الله بن الحسين. فأبوا أن يركبوا، ولزموا منازلهم، فخرج التوقيع: إركبوا مع من أحببتم. فكانوا يركبون مع محمد بن جعفر إذا ركب PageV01P547 # إلى المأمون، وينصرفون بانصرافه. # وأما إسحاق بن جعفر: فكان ورعا فاضلا مجتهدا، وروى عنه الناس الحديث والآثار، وكان ابن كاسب إذا حدث عنه قال: حدثني الثقة الرضي إسحاق بن جعفر، وكان ms287 يقول بإمامة أخيه موسى بن جعفر، وروى عن أبيه النص عليه بالإمامة. # وأما علي بن جعفر: فإنه كان راوية للحديث، كثير الفضل والورع، ولزم أخاه موسى بن جعفر وروى عنه مسائل كثيرة، وقال بإمامته، وإمامة علي ابن موسى، ومحمد بن علي عليهم السلام، وروى من أبيه النص على موسى أخيه عليهما السلام. # وكان العباس بن جعفر فاضلا نبيلا (1). # PageV01P548 # بسم الله الرحمن الرحيم PageV02P004 # (الباب السادس) في ذكر الامام العالم أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم عليهما السلام وهو ستة فصول: PageV02P005 # (الفصل الأول) في ذكر تاريخ مولده، ومبلغ سنه، ووقت وفاته عليه السلام ولد عليه السلام بالأبواء (1) - منزل بين مكة والمدينة - لسبع خلون من صفر سنة ثمان وعشرين ومائة. # وقبض ببغداد في حبس السندي بن شاهك لخمس بقين من رجب - وقيل أيضا لخمس خلون من رجب - سنة ثلاث وثمانين ومائة، وله يومئذ خمس وخمسون سنة. # وأمه أم ولد يقال لها: حميدة البربرية، ويقال لها: حميدة المصفاة. # وكنيته: أبو الحسن، وهو أبو الحسن الأول، وأبو إبراهيم، وأبو علي، ويعرف بالعبد الصالح، والكاظم. # وكانت مدة إمامته عليه السلام خمسا وثلاثين سنة، وقام بالامر وله عشرون سنة، وكانت في أيام إمامته بقية ملك المنصور أبي جعفر، ثم ملك ابنه المهدي عشر سنين وشهرا، ثم ملك ابنه الهادي موسى بن محمد سنة وشهرا، ثم ملك هارون بن محمد الملقب بالرشيد، واستشهد صلوات الله عليه بعد مضي خمس عشرة سنة من ملكه مسموما في حبس السندي بن شاهك، ودفن بمدينة السلام في المقبرة المعروفة بمقابر قريش (2). # PageV02P006 # (الفصل الثاني) في ذكر النص عليه بالإمامة دليل الاعتبار الذي قدمناه كما دل على إمامة آبائه عليهم السلام يدل على إمامته وإمامة الأئمة من ذريته عليهم السلام، وإذا دللنا على بطلان جميع أقوال مخالفي الشيعة القائلين بعصمة الامام والنص، فان الشيعة اختلفت بعد وفاة أبي عبد الله عليه السلام على أقوال: # قائل يقول: إن الصادق عليه السلام لم يمت ولا يموت حتى يظهر فيملأ الأرض عدلا، وهم: الناووسية، وإنما سموا بذلك ms288 لان رئيسهم في مقالتهم رجل يقال له: عبد الله بن الناووس (1). # وقولهم باطل بقيام الدليل على موته كقيامه على موت آبائه عليهم السلام، وبانقراض هذه الفرقة بأسرها، ولو كانت محقة لما انقرضت. # وقائل يقول: بإمامة عبد الله بن جعفر، وهم: الفطحية (2). # وقولهم يبطل بأنهم لم يعولوا في ذلك على نص عليه من أبيه بالإمامة، وإنما عولوا في ذلك على أنه أكبر ولده، وأيضا فإنهم رجعوا عن ذلك، إلا شذاذ منهم، وانقرضت الجماعة الشاذة أيضا فلا يوجد منهم أحد، وإنما نحكي مذهبهم على سبيل التعجب، وما هذه صفته فلا شك في فساده. # وقائل يقول: بإمامة إسماعيل بن جعفر على اختلاف بينهم، فمنهم # PageV02P007 # من أنكر وفاة إسماعيل في حياة أبيه وزعم أنه بقي ونص أبوه عليه، وهم شذاذ (1). # ومنهم من قال: إن إسماعيل توفي في زمن أبيه، غير أنه قبل وفاته نص على ابنه محمد فكان الامام بعده، وهؤلاء هم: القرامطة، نسبوا إلى رجل يقال له: قرمطويه، ويقال لهم: المباركية، نسبوا إلى المبارك مولى إسماعيل ابن جعفر عليه السلام (2). # وقول هؤلاء يبطل من وجهين: أحدهما: ان مذهبهم يقضي ببطلان حكاية دعوى التواتر عنهم بالنص، وذلك أن من أصلهم المعروف أن الدين مستور عن جمهور الخلق، وإنما يدعو إليه قوم بأعيانهم لا يبلغون حد التواتر، ولا يؤخذ الحق إلا عنهم وأنه لا يحل لاحد من هؤلاء أن يوعز إلى الخلق شيئا منه إلا بعد العهود والايمان المغلظة، فقد ثبت فساد قول من ادعى عليهم التواتر، وإنما يعولون على أخبار آحاد وتأويلات في معنى الاعداد وقياس ذلك بالسماوات السبع والأرضين والنجوم وغير ذلك من المشهور والأيام مما يجري مجرى الخرافات، وهذا لا يعارض ما ذهبنا إليه من إيراد النصوص الظاهرة والتواتر بها من الأمم الكثيرة المتظاهرة. # والوجه الآخر: أن النص لا يكون من الله تعالى على من يعلم موته قبل وقت إمامته من حيث يكون ذلك نقضا للغرض ويكون عبثا وكذبا، وإذا لم يبق إسماعيل بعد أبيه بطل قول من ادعى له النص بخلافته. ms289 # ولا فصل بين من أنكر وفاته في عصر أبيه وادعى أن ذلك كان تلبيسا، وبين من أنكر موت أبي عبد الله عليه السلام من الناووسية. # PageV02P008 # وكذلك من ادعى أنه نص على ابنه محمد، لان الإمامة إذا لم تحصل لإسماعيل في حياة أبيه - لفساد وجود إمامين معا في زمان واحد - فكيف يصح نصه على ابنه؟ إذ النص على الامام لا يوجب الإمامة إلا إذا كان من إمام. # وقائل: يقول: بإمامة موسى بن جعفر عليه السلام، وهم: الشيعة الإمامية ، فإذا فسدت الأقوال المتقدمة ثبتت إمامة أبي الحسن موسى عليه السلام، وإلا أدى إلى خروج الحق عن جميع أقوال الأمة، وأيضا فإن الجماعة التي نقلت النص عليه من أبيه وجده وآبائه عليهم السلام قد بلغوا من الكثرة إلى حد يمتنع معه منهم التواطؤ على الكذب، إذ لا يحصرهم بلد ومكان، ولا يضمهم صقع، ولا يحصيهم إنسان. # وأما ألفاظ النص عليه من أبيه عليه السلام، فمن ذلك: # ما رواه محمد بن يعقوب الكليني، عن عدة من أصحابه، عن أحمد ابن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبي أيوب الخزاز، عن ثبيت، عن معاذ ابن كثير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: أسأل الله الذي رزق أباك منك هذه المنزلة أن يرزقك من عقبك قبل الممات مثلها. # فقال: " قد فعل الله ذلك ". # قلت: من هو جعلت فداك؟ # فأشار إلى العبد الصالح وهو راقد فقال: " هذا الراقد " وهو يومئذ غلام (1). # وبهذا الاسناد، عن أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن موسى # PageV02P009 # الصيقل، عن المفضل بن عمر قال: كنا عند أبي عبد الله عليه السلام فدخل أبو إبراهيم - وهو غلام - فقال: " استوص به، وضع أمره عند من تثق به من أصحابك " (1). # وبهذا الاسناد، عن محمد بن علي، عن عبد الله القلاء، عن الفيض ابن المختار قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: خذ بيدي من النار، من لنا بعدك؟ # فدخل علينا أبو إبراهيم - وهو يومئذ غلام - فقال: " هذا صاحبكم فتمسك به " (2). # وبهذا الاسناد، ms290 عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي نجران، عن صفوان الجمال، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال له منصور بن حازم: بأبي أنت وأمي، إن الأنفس يغدى عليها ويراح، فإذا كان ذلك فمن؟ # قال أبو عبد الله عليه السلام: " إذا كان ذلك فهو صاحبكم " وضرب على منكب أبي الحسن الأيمن، وكان يومئذ خماسيا، و عبد الله بن جعفر جالس معنا (3). # وبهذا الاسناد، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي ابن أبي طالب عليه السلام، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: إن # PageV02P010 # كان كون - ولا أراني الله ذلك - فبمن أئتم؟ # قال: فأومأ إلى ابنه موسى. # قلت: فإن حدث بموسى حدث فبمن أئتم؟ # قال: " بولده ". # قلت: فإن حدث بولده وترك أخا كبيرا وابنا صغيرا؟ # قال: " بولده، ثم هكذا أبدا ". # قلت: فإن لم أعرفه ولم أعرف موضعه؟ # قال: " تقول: اللهم إني أتولى من بقي من حججك من ولد الامام الماضي، فإن ذلك يجزئك إن شاء الله " (1). # وبهذا الاسناد، عن محمد بن يحيى وأحمد بن إدريس، عن محمد ابن عبد الجبار، عن الحسن بن الحسين، عن أحمد بن الحسن الميثمي، عن فيض بن المختار، في حديث طويل في أمر أبي الحسن عليه السلام حتى قال له أبو عبد الله عليه السلام: " هو صاحبك الذي سألت عنه، فقم إليه فأقر له بحقه ". # فقمت حتى قبلت رأسه ويده، ودعوت الله له. # قال أبو عبد الله عليه السلام: " أما إنه لم يؤذن لنا في أول ذلك (2) ". # فقلت: جعلت فداك، فأخبر به أحدا؟ # قال: " نعم، أهلك وولدك ورفقاءك ". # وكان معي أهلي وولدي، وكان معي من رفقائي يونس بن ظبيان، فلما # PageV02P011 # أخبرته حمد الله تعالى وقال: لا والله حتى أسمع ذلك منه، وكانت به عجلة، فخرج فأتبعته، فلما انتهيت إلى الباب سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول له - وكان سبقني إليه -: " يا يونس، ms291 الامر كما قال لك فيض ". # فقال: سمعت وأطعت. # فقال لي أبو عبد الله عليه السلام: " خذه إليك يا فيض " (1). # وبهذا الاسناد، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن صفوان، عن ابن مسكان، عن سليمان بن خالد قال: دعا أبو عبد الله أبا الحسن موسى عليهما السلام ونحن عنده فقال لنا: " عليكم بهذا بعدي، فهو والله صاحبكم بعدي " (2). # وبهذا الاسناد، عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن علي بن الحسن عن صفوان الجمال قال: سألت أبا عبد الله عن صاحب هذا الامر، فقال: " إن صاحب هذا الامر لا يلهو ولا يلعب ". # فأقبل أبو الحسن موسى - وهو صغير - ومعه عناق (3) مكية وهو يقول لها: # " اسجدي لربك " فأخذه أبو عبد الله فضمه إليه وقال: " بأبي وأمي من لا يلهو ولا يلعب " (4). # وبهذا الاسناد، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسن، عن # PageV02P012 # جعفر بن بشير، عن فضيل، عن طاهر قال: كان أبو عبد الله عليه السلام يلوم عبد الله يوما ويعاتبه ويعظه ويقول: " ما يمنعك أن تكون مثل أخيك، فوالله إني لأعرف النور في وجهه ". # فقال عبد الله: ولم، أليس أبي وأبوه واحدا (وأصلي وأصله واحدا) (1)؟ # فقال له أبو عبد الله: " إنه من نفسي وأنت ابني " (2). # وبهذا الاسناد، عن علي بن محمد، عن سهل بن زياد و (3) غيره، عن محمد بن الوليد، عن يونس، عن داود بن زربي، عن أبي أيوب الجوزي (4) قال: بعث إلي أبو جعفر المنصور في جوف الليل فأتيته، فدخلت عليه وهو جالس على كرسي وبين يديه شمعة وفي يده كتاب، قال: فلما سلمت عليه رمى بالكتاب إلي وهو يبكي وقال: هذا كتاب محمد بن سليمان يخبرنا أن جعفر بن محمد قد مات، فإنا لله وإنا إليه راجعون - ثلاثا - وأين مثل جعفر، ثم قال لي: اكتب إن كان أوصى إلى رجل بعينه فقدمه واضرب عنقه. # قال: فكتبت وعاد الجواب: أنه قد أوصى إلى خمسة: أحدهم أبو جعفر المنصور، ومحمد بن سليمان، وعبد الله، ms292 وموسى، وحميدة (5). # وبهذا الاسناد، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النضر بن سويد نحو هذا الحديث، إلا أنه قال: أوصى إلى خمسة: أولهم أبو جعفر المنصور، ثم عبد الله، وموسى، ومحمد بن جعفر، ومولى لأبي عبد الله عليه # PageV02P013 # السلام، فقال المنصور: مالي إلى قتل هؤلاء سبيل (1). # وروى محمد بن سنان، عن يعقوب السراج قال: دخلت على أبي عبد الله وهو واقف على رأس أبي الحسن وهو في المهد، فجعل يساره طويلا، فجلست حتى فرغ فقمت إليه فقال لي: " ادن إلى مولاك فسلم عليه ". # فدنوت فسلمت عليه، فرد على بلسان فصيح، ثم قال لي: " إذهب فغير اسم ابنتك التي سميتها أمس، فإنه اسم يبغضه الله عز وجل ". # وكانت ولدت لي ابنة فسميتها بالحميراء، فقال أبو عبد الله عليه السلام: " انته إلى أمره ترشد " فغيرت اسمها (2). # وروى يعقوب بن جعفر الجعفري قال: حدثني إسحاق بن جعفر الصادق عليه السلام قال: كنت عند أبي يوما فسأله علي بن عمر بن علي فقال: جعلت فداك، إلى من نفزع ويفزع الناس بعدك؟ # قال: " إلى صاحب هذين الثوبين الأصفرين والغديرتين - يعني الذؤابتين - وهو الطالع عليك من الباب ". # فما لبثنا أن طلعت علينا كفان آخذتان بالبابين حتى انفتحا، ودخل علينا أبو إبراهيم عليه السلام وهو صبي وعليه ثوبان أصفران (3). # وروى محمد بن الوليد قال: سمعت علي بن جعفر يقول: سمعت أبي - جعفر بن محمد عليهما السلام - يقول لجماعة من خاصته وأصحابه: # " استوصوا بابني موسى خيرا، فإنه أفضل ولدي، ومن اختف من بعدي، وهو # PageV02P014 # القائم مقامي، والحجة لله تعالى على كافة خلقه من بعدي " (1). # وأمثال هذه الأخبار كثيرة. # PageV02P015 # * (الفصل الثالث) * في ذكر نبذ من آياته ودلالاته ومعجزاته عليه السلام محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أبي يحيى الواسطي، عن هشام بن سالم قال: كنا بالمدينة - بعد وفاة أبي عبد الله عليه السلام - أنا ومحمد بن النعمان صاحب الطاق، والناس مجتمعون على عبد الله بن جعفر، فدخلنا عليه فسألناه عن ms293 الزكاة في كم تجب؟ # قال: في مائتي درهم خمسة دراهم. # قلنا: ففي مائة؟ # فقال: درهمان ونصف. # قال: فخرجنا ضلالا، ما ندري إلى أين نتوجه وإلى من نقصد، نقول: إلى المرجئة، إلى القدرية، إلى المعتزلة، إلى الخوارج، إلى الزيدية؟ فنحن كذلك إذ رأيت شيخا لا أعرفه يومئ إلي بيده، فخفت أن يكون عينا من عيون أبي جعفر المنصور، وذلك أنه كان له بالمدينة جواسيس على من يجتمع بعد جعفر بن محمد عليهما السلام الناس، فيؤخذ فتضرب عنقه، فخفت أن يكون منهم، فقلت للأحول: تنح، فإني خائف على نفسي وعليك، وإنما يريدني ليس يريدك. فتنحى عني بعيدا. # وأتبعت الشيخ، وذلك أني ظننت لا أقدر على التخلص منه، فما زلت أتبعه حتى ورد على باب أبي الحسن موسى عليه السلام ثم خلاني ومضى، فإذا خادم بالباب فقال لي: ادخل رحمك الله، فدخلت فإذا أبو الحسن PageV02P016 # موسى عليه السلام، فقال لي ابتداء منه: " إلي لا إلى المرجئة، ولا إلى القدرية، ولا إلى المعتزلة، ولا إلى الخوارج، ولا إلى الزيدية ". # فقلت: جعلت فداك، مضى أبوك؟ # قال: " نعم ". # قلت: مضى موتا؟ # قال: " نعم ". # قلت: فمن لنا بعده؟ # قال: " إن شاء الله أن يهديك هداك ". # قلت: جعلت فداك، إن عبد الله أخاك يزعم أنه إمام من بعد أبيه. # فقال: " عبد الله يريد أن لا يعبد الله ". # قلت: جعلت فداك، فمن لنا بعده؟ # قال: " إن شاء الله أن يهديك هداك ". # قلت: جعلت فداك، فأنت هو؟ # قال: " لا، ما أقول ذلك ". # قال: فقلت في نفسي: لم أصب طريق المسألة، ثم قلت له: جعلت فداك عليك إمام؟ # قال: " لا ". # قال: فدخلني شئ لا يعلمه إلا الله تعالى إعظاما له وهيبة، ثم قلت: # جعلت فداك، أسألك كما كنت أسأل أباك؟ # قال: " سل تخبر ولا تذع، فإن أذعت فهو الذبح ". # قال: فسألته فإذا بحر لا ينزف قلت: جعلت فداك، شيعة أبيك ضلال فألقي إليهم هذا الامر وأدعوهم إليك؟ فقد أخذت علي الكتمان. # قال: " من آنست منه رشدا فألق إليه وخذ عليه الكتمان، ms294 فإن أذاع فهو PageV02P017 # الذبح " وأشار بيده إلى حلقه. # قال: فخرجت من عنده ولقيت أبا جعفر الأحول فقال لي: ما وراءك؟ # قلت: الهدى، وحدثته بالقصة، ثم لقينا زرارة بن أعين وأبا بصير فدخلا عليه وسمعا كلامه وسألاه وقطعا عليه، ثم لقينا الناس أفواجا، فكل من دخل عليه قطع عليه، إلا طائفة عمار الساباطي، وبقي عبد الله، لا يدخل عليه إلا القليل من الناس (1). # وعنه، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الرافعي قال: كان لي ابن عم يقال له: الحسن بن عبد الله، وكان زاهدا، وكان من أعبد أهل زمانه، وكان السلطان يتقيه لجده في الدين واجتهاده، فدخل يوما المسجد وفيه أبو الحسن موسى عليه السلام، قال: فأومأ إليه فأتاه فقال له: " يا أبا علي، ما أحب إلي ما أنت فيه وأسرني به، إلا أنه ليس لك معرفة، فاطلب المعرفة ". # فقال له: جعلت فداك، وما المعرفة؟ # قال: " إذهب تفقه واطلب الحديث ". # قال: عمن؟ # قال: " عن فقهاء أهل المدينة، ثم اعرض علي الحديث ". # قال: فذهب وكتب ثم جاء فقرأه عليه، فأسقطه كله ثم قال له: # " إذهب فاعرف " وكان الرجل معنيا بدينه. # قال: فلم يزل يترصد أبا الحسن حتى خرج إلى ضيعة له فلقيه في الطريق، فقال له: جعلت فداك، إني أحتج عليك بين يدي الله عز وجل، # PageV02P018 # فدلني على ما تجب علي معرفته. # فأخبره بأمر أمير المؤمنين عليه السلام وحقه، وأمر الحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد عليهم السلام، ثم سكت فقال له: جعلت فداك، فمن الامام اليوم؟ # قال: " إن أخبرتك تقبل؟ " قال: نعم. # قال: " أنا هو ". # قال: فشئ أستدل به؟ # قال: " إذهب إلى تلك الشجرة - وأشار إلى بعض شجر أم غيلان (1) - فقل لها: يقول لك موسى بن جعفر: أقبلي ". # قال: فأتيتها فرأيتها والله تخد الأرض (2) خدا حتى وقفت بين يديه ثم أشار [إليها] بالرجوع فرجعت. # قال: فأقر به ولزم الصمت والعبادة، فكان لا يراه أحد يتكلم بعد ذلك (3). # وروى عبد الله بن إدريس، عن ابن سنان ms295 قال: حمل الرشيد في بعض الأيام إلى علي بن يقطين ثيابا أكرمه بها، وكان في جملتها دراعة خز سوداء من لباس الملوك مثقلة بالذهب، ولخدم علي بن يقطين بحمل تلك الثياب إلى أبي الحسن موسى عليه السلام، وأضاف إليها مالا كان أعده على رسم # PageV02P019 # له في ما يحمله إليه من خمس ماله، فلما وصل ذلك إلى أبي الحسن عليه السلام قبل المال والثياب ورد الدراعة على يد غير الرسول إلى علي بن يقطين وكتب إليه: " احتفظ بها ولا تخرجها عن يدك فسيكون لك بها شأن تحتاج إليها معه " فارتاب علي بن يقطين بردها عليه ولم يدر ما سبب ذلك، فاحتفظ بالدراعة. # فلما كان بعد أيام تغير ابن يقطين على غلام له كان يختص به فصرفه عن خدمته، فسعى به إلى الرشيد وقال: إنه يقول بإمامة موسى بن جعفر ويحمل إليه خمس ماله في كل سنة، وقد حمل إليه الدراعة التي أكرمه بها أمير المؤمنين في وقت كذا وكذا. # فاستشاط الرشيد غضبا وقال: لأكشفن عن هذه الحال، وأمر بإحضار علي بن يقطين فلما مثل بين يديه قال: ما فعلت تلك الدراعة التي كسوتك بها؟ قال: هي يا أمير المؤمنين عندي في سفط مختوم فيه طيب، وقد احتفظت بها، وكلما أصبحت فتحت السفط ونظرت إليها تبركا بها وأقبلها وأردها إلى موضعها، وكلما أمسيت صنعت مثل ذلك، فقال: إئت بها الساعة، قال: نعم. # وأنفذ بعض خدمه فقال: إمض إلى البيت الفلاني وافتح الصندوق الفلاني وجئني بالسفط الذي فيه بختمه، فلم يلبث الغلام أن جاء بالسفط مختوما ووضع بين يدي الرشيد، ففك ختمه ونظر إلى الدراعة مطوية مدفونة بالطيب، فسكن غضب الرشيد وقال: أرددها إلى مكانها وانصرف راشدا، فلن أصدق عليك بعدها ساعيا، وأمر له بجائزة سنية، وأمر بضرب الساعي ألف سوط، فضرب نحو خمسمائة سوط فمات في ذلك (1). # PageV02P020 # وروى محمد بن إسماعيل، عن محمد بن الفضل قال: اختلفت الرواية بين أصحابنا في مسح الرجلين في الوضوء، أهو من الأصابع إلى الكعبين؟ أم من ms296 الكعبين إلى الأصابع؟ فكتب علي بن يقطين إلى أبي الحسن موسى عليه السلام: جعلت فداك، إن أصحابنا قد اختلفوا في مسح الرجلين، فإن رأيت أن تكتب بخطك إلي ما يكون عملي عليه فعلت إن شاء الله. # فكتب إليه أبو الحسن عليه السلام: " فهمت ما ذكرت من الاختلاف في الوضوء، والذي آمرك به في ذلك أن تتمضمض ثلاثا، وتستنشق ثلاثا، وتغسل وجهك ثلاثا، وتخلل لحيتك وتغسل يدك من أصابعك إلى المرفقين، وتمسح رأسك كله، وتمسح ظاهر أذنيك وباطنهما، وتغسل رجليك إلى الكعبين ثلاثا، ولا تخالف ذلك إلى غيره ". # فلما وصل الكتاب إلى علي بن يقطين تعجب مما رسم له فيه مما جميع العصابة على خلافه، ثم قال: مولاي أعلم بما قال وأنا ممتثل أمره، فكان يعمل في وضوئه على هذه. # قال: وسعي بعلي بن يقطين إلى الرشيد وقيل له: إنه رافضي مخالف لك، فقال الرشيد لبعض خاصته: قد كثر القول عندي في علي بن يقطين وميله إلى الرفض، وقد امتحنته مرارا فما ظهرت منه على ما يقرف (1) به، فقيل له: إن الرافضة تخالف [الجماعة] (2) في الوضوء فتخففه، ولا تغسل الرجلين، فامتحنه من حيث لا يعلم بالوقوف علن وضوئه. # فتركه مدة وناطه بشئ من شغله في الدار حتى دخل وقت الصلاة، # PageV02P021 # وكان على يخلو في حجرة من الدار لوضوئه وصلاته، فلما دخل وقت الصلاة وقف الرشيد من وراء حائط الحجرة بحيث يرى علي بن يقطين ولا يراه هو، فدعا بالماء فتوضأ على ما أمره الامام، فلم يملك الرشيد نفسه حتى أشرف عليه بحيث يراه ثم ناداه: كذب يا علي بن يقطين من زعم أنك من الرافضة. # وصلحت حاله عنده. # وورد كتاب أبي الحسن عليه السلام: " ابتدئ من الآن يا علي بن يقطين توضأ كما أمرك الله: اغسل وجهك مرة فريضة وأخرى إسباغا، واغسل يديك من المرفقين كذلك، وامسح بمقدم رأسك وظاهر قدميك من فضل نداوة وضوئك، فقد زال ما كنت أخافه عليك، والسلام " (1). # وروى أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن ms297 أبي بصير قال: # قلت لأبي الحسن موسى عليه السلام: جعلت فداك بم يعرف الامام؟ # قال: " بخصال: أما أولاهن: فإنه بشئ قد تقدم فيه من أبيه وإشارته إليه لتكون حجة، ويسأل فيجيب، وإذا سكت عنه ابتدأ، وبخبر بما في غد، ويكلم الناس بكل لسان " ثم قال: " يا أبا محمد، أعطيك علامة قبل أن تقوم " فلم ألبث أن دخل عليه رجل من أهل خراسان، فكلمه الخراساني بالعربية فأجابه أبو الحسن بالفارسية، فقال له الخراساني: والله ما منعني أن أكلمك بالفارسية إلا أنني ظننت أنك لا تحسنها. # فقال: " سبحان الله، إذا كنت لا أحسن أن أجيبك فما فضلي عليك فيما أستحق [به] الإمامة ". ثم قال: " يا أبا محمد، إن الامام لا يخفى عليه # PageV02P022 # كلام أحد من الناس، ولا منطق الطير، ولا كلام شئ فيه روح " (1). # وروى الحسن بن علي بن أبي عثمان (2)، عن إسحاق بن عمار قال: # كنت عند أبي الحسن عليه السلام ودخل عليه رجل فقال له أبو الحسن: # " يا فلان أنت تموت إلى شهر ". # قال: فأضمرت في نفسي كأنه يعلم آجال الشيعة، قال: فقال لي: # " يا إسحاق، ما تنكرون من ذلك، قد كان رشيد الهجري مستضعفا وكان يعلم علم المنايا والامام أولى بذلك منه ". ثم قال: " يا إسحاق، تموت إلى سنتين ويشتت مالك وعيالك وأهل بيتك ويفلسون إفلاسا شديدا ". # قال: فكان كما قال (3). # وروى محمد بن جمهور عن بعض أصحابنا، عن أبي خالد الزبالي قال: ورد علينا أبو الحسن موسى عليه السلام، وقد حمله المهدي، فلما خرج ودعته وبكيت، فقال لي: " ما يبكيك، يا أبا خالد؟ " فقلت: جعلت فداك، قد حملك هؤلاء ولا أدري ما يحدث. # فقال: " أما في هذه المرة فلا خوف علي منهم، وأنا عندك يوم كذا في شهر كذا في ساعة كذا، فانتظرني عند أول ميل " ومضى. # PageV02P023 # قال: فلما أن كان في اليوم الذي وصفه لي خرجت إلى أول ميل فجلست أنتظره حتى اصفرت الشمس، وخفت أن يكون قد تأخر عن الوقت فقمت انصرف، فإذا أنا بسواد قد ms298 أقبل ومناد ينادي من خلفي، فأتيته فإذا هو أبو الحسن عليه السلام على بغلة له فقال لي: " أيها يا أبا خالد ". # فقلت: لبيك يا ابن رسول الله، الحمد لله الذي خلصك من أيديهم. # فقال لي: " يا أبا خالد، أما أن لي إليهم عودة لا أتخلص من أيديهم " (1). # PageV02P024 # * (الفصل الرابع) * في ذكر طرف من مناقبه وفضائله وخصائصه التي بان بها عن غيره. # قد اشتهر في الناس: أن أبا الحسن موسى عليه السلام كان أجل ولد الصادق عليه السلام شأنا، وأعلاهم في الدين مكانا، وأسخاهم بنانا، وأفصحهم لسانا، وكان أعبد أهل زمانه وأعلمهم وأفقههم وأكرمهم. # وروي: انه كان يصلي نوافل الليل ويصلها بصلاة الصبح، ثم يعقب حتى تطلع الشمس، ثم يخر ساجدا فلا يرفع رأسه من الدعاء والتحميد حتى يقرب زوال الشمس، وكان يقول في سجوده عليه السلام: " قبح الذنب من عبدك فليحسن العفو والتجاوز من عندك ". # وكان من دعائه عليه السلام: " اللهم إني أسألك الراحة عند الموت، والعفو عند الحساب ". # وكان عليه السلام يبكي من خشية الله حتى تخضل لحيته بالدموع. # وكان يتفقد فقراء المدينة فيحمل إليهم في الليل العين (1) والورق (2) وغير # PageV02P025 # ذلك، فيوصلها إليهم وهم لا يعلمون من أي وجه هو (1). # وروى الشريف أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى العلوي، عن جده بإسناده قال: إن رجلا من ولد عمر بن الخطاب كان بالمدينة يؤذي أبا الحسن موسى عليه السلام ويشتم عليا عليه السلام، فقال له بعض حاشيته: دعنا نقتل هذا الرجل، فنهاهم عن ذلك أشذ النهي، وسأل عن العمري فقيل: إنه يزرع بناحية من نواحي المدينة. # فركب إليه، فوجده في مزرعة [له] فدخل المزرعة بحماره، فصاح به العمري: لا توطئ زرعنا، فتوطأه أبو الحسن عليه السلام بالحمار حتى وصل إليه فنزل وجلس عنده وباسطه وضاحكه، وقال له: " كم غرمت في زرعك هذا؟ ". # فقال: مائة دينار. # قال: " وكم ترجو أن تصيب؟ " قال: لست أعلم الغيب. # قال: " إنما قلت لك: كم ترجو ". # فقال: " أرجوا أن يجيئني فيه مائتا دينار ". # قال: فأخرج ms299 له أبو الحسن عليه السلام صرة فيها ثلاثمائة دينار، وقال: # " هذا زرعك على حاله والله يرزقك فيه ما ترجو ". # فقام العمري فقبل رأسه وسأله أن يصفح عن فارطه، فتبسم أبو الحسن # PageV02P026 # موسى عليه السلام وانصرف، ثم راح إلى المسجد فوجد العمرى جالسا فلما نظر إليه قال: الله أعلم حيث يجعل رسالاته. # قال: فوثب إليه أصحابه فقالوا له: ما قصتك؟ فقد كنت تقول غير هذا!! # قال: فقال لهم: قد سمعتم ما قلت الان، وجعل يدعو لأبي الحسن عليه السلام، فخاصموه وخاصمهم. # فلما رجع أبو الحسن عليه السلام إلى داره قال لمن سألوه قتل العمري: " أيما كان خيرا ما أردت أو ما أردتم؟ " (1). # وذكرت الرواة: أنه عليه السلام كان يصل بالمائتي دينار إلى ثلاثمائة دينار، وكانت صرار موسى عليه السلام مثلا (2). # وذكروا: أن الرشيد لما خرج إلى الحج وقرب من المدينة استقبله وجوه أهلها يقدمهم موسى بن جعفر عليهما السلام على بغلة، فقال له الربيع: # ما هذه الدابة التي تلقيت عليها أمير المؤمنين، وأنت إن طلبت عليها لم تدرك وان طلبت لم تفت؟ # فقال عليه السلام: " إنها تطأطأت عن خيلاء الخيل وارتفعت عن ذلة العير، وخير الأمور أوسطها " (3). # قالوا: ولما دخل هارون المدينة وزار النبي صلى الله عليه وآله وسلم # PageV02P027 # قال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا ابن عم، مفتخرا بذلك على غيره. # فتقدم أبو الحسن عليه السلام وقال: " السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبه " فتغير وجه الرشيد وتبين فيه الغضب (1). # وروى الشريف الاجل المرتضى - قدس الله روحه - عن أبي عبيد الله المرزباني، مرفوعا إلى أيوب بن الحسين الهاشمي قال: كان نفيع رجلا من الأنصار حضر باب الرشيد - وكان عريضا - وحضر معه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وحضر موسى بن جعفر عليهما السلام على حمار له، فتلقاه الحاجب بالبشر والاكرام، وأعظمه من كان هناك، وعجل له الاذن، فقال نفيع لعبد العزيز: ما رأيت أعجز من هؤلاء القوم، يفعلون هذا برجل يقدر أن يزيلهم عن السرير، ms300 أما لئن خرج لأسوءنه، قال له عبد العزيز: لا تفعل، فإن هؤلاء أهل بيت قل من تعرض لهم في خطاب إلا وسموه في الجواب سمه يبقى عارها عليه مدى الدهر. # قال: وخرج موسى عليه السلام فقام إليه نفيع الأنصاري فأخذ بلجام حماره، ثم قال: من أنت؟ # فقال: " يا هذا، إن كنت تريد النسب فأنا ابن محمد حبيب الله ابن إسماعيل ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله، وإن كنت تريد البلد فهو الذي فرض الله عز وجل على المسلمين وعليك - إن كنت منهم - الحج إليه، وإن كنت تريد المفاخرة فوالله ما رضي مشركو قومي مسلمي قومك أكفاء لهم # PageV02P028 # حتى قالوا: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قريش، وإن كنت تريد الصيت والاسم فنحن الذين أمر الله تعالى بالصلاة علينا في الصلوات المفروضة بقول: (اللهم صل على محمد وآل محمد) فنحن آل محمد، خل عن الحمار ". # فخلى عنه ويده ترعد، وانصرف بخزي، فقال له عبد العزيز: ألم أقل لك؟! (1) وروي عن أبي حنيفة النعمان بن ثابت قال: دخلت المدينة فأتيت أبا عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام فسلمت عليه، وخرجت من عنده فرأيت ابنه موسى عليه السلام في دهليزه قاعدا في مكتبه وهو صغير السن، فقلت: # أين يضع الغريب إذا كان عندكم إذا أراد ذلك؟ # فنظر إلي ثم قال: " يجتنب شطوط الأنهار، ومساقط الثمار، وأفنية الدور، والطرق النافذة، والمساجد، ويرفع ويضع بعد ذلك أين شاء ". # فلما سمعت هذا القول نبل في عيني وعظم في قلبي، فقلت له: # جعلت فداك، ممن العصية؟ # فنظر إلي ثم قال: " إجلس حتى أخبرك "، فجلست فقال: " إن المعصية لا بد أن تكون من العبد، أو من ربه، أو منهما جميعا، فإن كانت من الرب فهو أعدل وأنصف من أن يظلم عبده ويأخذه بما لم يفعله، وإن كانت منهما فهو شريكه والقوي أولى بإنصاف عبده الضعيف، وإن كانت من العبد وحده فعليه وقع الامر وإليه توجه النهي وله حق الثواب والعقاب، ولذلك وجبت له الجنة والنار ". # PageV02P029 # فلما سمعت ms301 ذلك قلت: * (ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم) * (1) (2). # ونظم بعضهم هذا المعنى شعرا وقال: # لم تخل أفعالنا اللاتي نذم بها * إحدى ثلاث خلال حين نأتيها إما تفرد بارينا بصنعتها * فيسقط اللوم عنا حين ننشيها أو كان يشركنا فيه فيلحقه * ما سوف يلحقنا من لائم فيها أو لم يكن لإلهي في جنايتها * ذنب فما الذنب إلا ذنب جانيها (3) وروى أبو زيد قال: أخبرنا عبد الحميد قال: سأل محمد بن الحسن أبا الحسن موسى عليه السلام بمحضر من الرشيد - وهم بمكة - فقال له: هل يجوز للمحرم أن يظلل على نفسه ومحمله؟ # فقال: " لا يجوز له ذلك مع الاختيار ". # فقال محمد بن الحسن: أفيجوز أن يمشي تحت الظلال مختارا؟ # قال: " نعم ". # فتضاحك محمد بن الحسن من ذلك، فقال له أبو الحسن عليه السلام: " أتعجب من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتستهزئ بها!! # إن رسول الله كشف ظلاله في إحرامه ومشى تحت الظلال وهو محرم، إن أحكام الله تعالى يا محمد لا تقاس، فمن قاس بعضها على بعض فقد ضل # PageV02P030 # عن سواء السبيل ". # فسكت محمد بن الحسن ولم يحر جوابا (1). # وكان عليه السلام أحفظ الناس بكتاب الله تعالى وأحسنهم صوتا به، وكان إذا قرأ يحزن ويبكي ويبكي السامعون لتلاوته، وكان الناس بالمدينة يسمونه زين المتهجدين (2). # ومن باهر خصائصه عليه السلام ما وردت به الآثار في شأن أمه، وذلك ما أخبرني به المفيد عبد الجبار بن علي الرازي رحمه الله، إجازة، قال: # أخبرنا الشيخ أبو جعفر الطوسي قال: أخبرنا الحسين بن عبيد الله، عن أبي علي أحمد بن جعفر البزوفري، عن حميد بن زياد، عن العباس بن عبيد الله ابن أحمد الدهقان، عن إبراهيم بن صالح الأنماطي، عن محمد بن الفضل وزياد بن النعمان وسيف بن عميرة، عن هشام بن أحمر قال: أرسل إلي أبو عبد الله عليه السلام في يوم شديد الحر، فقال لي: " إذهب إلى فلان الإفريقي فاعترض جارية عنده من حالها كذا وكذا، ومن صفتها كذا ". # فأتيت الرجل ms302 فاعترضت ما عنده، فلم أر ما وصف لي، فرجعت إليه فأخبرته فقال: " عد إليه فإنها عنده ". # فرجعت إلى الإفريقي، فحلف لي ما عنده شئ إلا وقد عرضه علي، ثم قال: عندي " وصيفة مريضة محلوقة الرأس ليس مما يعترض، فقلت له: # اعرضها علي، فجاء بها متوكئة على جاريتين تخط برجليها الأرض، فأرانيها # PageV02P031 # فعرفت الصفة، فقلت: بكم هي؟ فقال لي: إذهب بها إليه فيحكم فيها، ثم قال لي: قد والله أردتها منذ ملكتها فما قدرت عليها، ولقد أخبرني الذي اشتريتها منه عند ذلك أنه لم يصل إليها، وحلفت الجارية أنها نظرت إلى القمر وقع في حجرها. # فأخبرت أبا عبد الله عليه السلام بمقالتها، فأعطاني مائتي دينار فذهبت بها إليه فقال الرجل: هي حرة لوجه الله تعالى إن لم يكن بعث إلي بشرائها من المغرب. # فأخبرت أبا عبد الله عليه السلام بمقالته، فقال أبو عبد الله عليه السلام. " يا ابن أحمر أما إنها تلد مولودا ليس بينه وبين الله حجاب " (1). # وقد روى الشيخ المفيد قدس الله روحه في كتاب (الارشاد) مثل هذا الخبر مسندا إلى هشام بن الأحمر أيضا، إلا أن فيه: إن أبا الحسن موسى عليه السلام أمره ببيع هذه الجارية، وإنها كانت أم الرضا عليه السلام (2). # وسمى عليه السلام بالكاظم لما كظمه من الغيظ، وتصبره على ما فعله الظالمون به، حتى مضى قتيلا في حبسهم (3). # PageV02P032 # * (الفصل الخامس) * في ذكر وفاته عليه السلام وسببها ذكروا: أن الرشيد قبضه عليه السلام لما ورد إلى المدينة قاصدا للحج، وقيده واستدعى قبتين جعله في إحداهما على بغل وجعل القبة الأخرى على بغل آخر، وخرج البغلان من داره مع كل واحد منهما خيل، فافترقت الخيل فمضى بعضها مع إحدى القبتين على طريق البصرة، وبعضها مع الأخرى على طريق الكوفة، وكان عليه السلام في القبة التي تسير على طريق البصرة - وإنما فعل ذلك الرشيد ليعمي على الناس الخبر - وأمر أن يسلم إلى عيسى بن جعفر بن المنصور فحبسه عنده سنة، ثم كتب إليه الرشيد في دمه فاستعفي ms303 عيسى منه، فوجه الرشيد من تسلمه منه، وصير به إلى بغداد، وسلم إلى الفضل بن الربيع وبقي عنده مدة طويلة، ثم أراده الرشيد على شئ من أمره فأبى فأمر بتسليمه إلى الفضل بن يحيى، فجعله في بعض دوره ووضع عليه الرصد، فكان عليه السلام مشغولا بالعبادة، يحيي الليل كله صلاة وقراءة للقرآن، ويصوم النهار في أكثر الأيام، ولا يصرف وجهه عن المحراب، فوسع عليه الفضل بن يحيى وأكرمه. # فبلغ ذلك، الرشيد وهو بالرقة فكتب إليه يأمره بقتله، فتوقف عن ذلك، فاغتاظ الرشيد لذلك وتغير عليه وأمر به فأدخل على العباس بن محمد وجرد وضرب مائة سوط، وامر بتسليم موسى بن جعفر عليهما السلام إلى السندي ابن شاهك. # وبلغ يحيى بن خالد الخبر، فرع صب إلى الرشيد وقال له: أنا أكفل بما تريد، ثم خرج إلى بغداد ودعا بالسندي وأمره فيه بأمره، فامتثله وسمه في PageV02P033 # طعام قدمه إليه ويقال: إنه جعله في رطب أكل منه فأحس بالسم، ولبث بعده موعوكا ثلاثة أيام، ومات عليه السلام في اليوم الثالث. # ولما استشهد صلوات الله عليه أدخل السندي عليه الفقهاء ووجوه الناس من أهل بغداد وفيهم الهيثم بن عدي، فنظروا إليه لا أثر به من جراح ولا خنق، ثم وضعه على الجسر ببغداد، وأمر يحيى بن خالد فنودي: هذا موسى بن جعفر الذي تزعم الرافضة أنه لا يموت قد مات فانظروا إليه، فجعل الناس يتفرسون في وجهه وهو ميت، ثم حمل فدفن في مقابر قريش، وكانت هذه المقبرة لبني هاشم والأشراف من الناس قديما (1). # وروي: أنه عليه السلام لما حضرته الوفاة سال السندي بن شاهك أن يحضره مولى له مدنيا ينزل عند دار العباس في مشرعة القصب ليتولى غسله وتكفينه، ففعل ذلك. # قال السندي بن شاهك: وكنت سألته أن يأذن لي في أن أكفنه فأبى وقال: " إنا أهل بيت مهور نسائنا وحج صرورتنا وأكفان موتانا من طاهر أموالنا، وعندي كفني وأريد أن يتولى غسلي وجهازي مولاي فلان " فتولى ذلك منه (2). # وقيل: ان سليمان بن ms304 أبي جعفر المنصور أخذه من أيديهم وتولى غسله وتكفينه، وكفنه بكفن فيه حبرة استعملت له بألفي وخمسمائة دينار، مكتوب عليها القران كله، ومشى في جنازته حافيا مشقوق الجيب إلى مقابر قريش # PageV02P034 # فدفنه هناك (1). # PageV02P035 # * (الفصل السادس) * في ذكر عدد أولاده عليه السلام كان له عليه السلام سبعة وثلاثون ولدا ذكرا وأنثى: # علي بن موسى الرضا عليه السلام، وإبراهيم، والعباس، والقاسم لأمهات أولاد. # وأحمد، ومحمد، وحمزة، لام ولد. # وإسماعيل، وجعفر، وهارون، والحسين، لام ولد. # وعبد الله، وإسحاق، وعبيد الله، وزيد، والحسن، والفضل، وسليمان، لأمهات أولاد. # وفاطمة الكبرى، وفاطمة الصغرى، ورقية، وحكيمة، وأم أبيها، ورقية الصغرى، وكلثم، وأم جعفر، ولبابة، وزينب، وخديجة، وعلية، وآمنة، وحسنة، وبريهة، وعائشة، وأم سلمة، وميمونة، وأم كلثوم [لأمهات أولاد] (1). # وكان أحمد بن موسى كريما ورعا، وكان موسى عليه السلام يحبه ووهب له ضيعته المعروفة باليسيرة، ويقال: إنه أعتق ألف مملوك. # وكان محمد بن موسى عليهما السلام صالحا ورعا. # وكان إبراهيم بن موسى شجاعا كريما، وتقلد الامرة على اليمن في أيام المأمون من قبل (محمد بن زيد) (2) بن علي بن الحسين بن علي بن أبي # PageV02P036 # طالب عليهم السلام الذي بايعه أبو السرايا بالكوفة ومض إليها ففتحها وأقام بها مدة إلى أن كان من أمر أبي السرايا ما كان، وأخذ له الأمان من المأمون. # ولكل واحد من ولد أبي الحسن موسى عليه السلام فضل ومنقبة، وكان الرضا عليه السلام مشهورا بالتقدم ونباهة القدر، وعظم الشأن، وجلالة المقام بين الخاص والعام (1). # PageV02P037 # * (الباب السابع) * في ذكر الامام المرتضى أبي الحسن علي بن موسى الرضا عليهما السلام وهو ستة فصول: PageV02P039 # * (الفصل الأول) * في ذكر تاريخ مولده، ومبلغ سنه، ووقت وفاته ولد بالمدينة سنة ثمان وأربعين ومائة من الهجرة (1). ويقال: إنه ولد لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة يوم الجمعة سنة ثلاث وخمسين ومائة، بعد وفاة أبي عبد الله عليه السلام بخمس سنين، رواه الشيخ أبو جعفر بن بابويه (2). وقيل: يوم الخميس (3). # وأمه أم ولد يقال لها: أم البنين (4)، واسمها نجمة (5). ويقال: سكن ms305 النوبية (6). ويقال: تكتم (7). # روى الصولي عن عون بن محمد قال: سمعت علي بن ميثم قال: # اشترت حميدة المصفاة - وهي أم أبي الحسن موسى عليه السلام وكانت من أشراف العجم - جارية مولدة اسمها تكتم، فكانت من أفضل النساء في عقلها ودينها وإعظامها لمولاتها حميدة، حتى أنها ما جلست بين يديها منذ # PageV02P040 # ملكتها إجلالا لها، فقالت لابنها موسى عليه السلام: يا بني، إن تكتم جارية ما رأيت جارية قط أفضل منها، ولست أشك أن الله سيظهر نسلها إن كان لها نسل، وقد وهبتها لك، فاستوص بها خيرا (1). # ومما يدل على أن اسمها تكتم قول الشاعر يمدح الرضا عليه السلام: # ألا إن خير الناس نفسا ووالدا * ورهطا وأجدادا علي المعظم أتتنا به للعلم والحلم ثامنا إماما يؤدي حجة الله تكتم (2) وفي رواية أخرى: عن علي بن ميثم، عن أبيه قال: إن حميدة أم موسى بن جعفر عليهما السلام لما اشترت نجمة رأت في المنام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول لها: " يا حميدة، هبي نجمة لابنك موسى، فإنه سيلد منها خير أهل الأرض " فوهبتها له، فلما، ولدت له الرضا سماها الطاهرة (3). # وقبض عليه السلام بطوس من خراسان في قرية يقال لها: سناباذ في آخر صفر. # وقيل: انه توفي في شهر رمضان لسبع بقين منه يوم الجمعة من سنة ثلاث ومائتين، وله يومئذ خمس وخمسون سنة. # وكانت مدة إمامته وخلافته لأبيه عشرين سنة، وكانت في أيام إمامته بقية ملك الرشيد، وملك محمد الأمين بعده ثلاث سنين وخمسة وعشرين يوما، ثم خلع الأمين واجلس عمه إبراهيم بن المهدي المعروف بابن شكلة أربعة عشر يوما، ثم أخرج محمد ثانية وبويع له وبقي بعد ذلك سنة وسبعة # PageV02P041 # أشهر وقتله طاهر بن الحسين، ثم ملك المأمون عبد الله بن هارون الخلافة بعده عشرين سنة، واستشهد عليه السلام في أيام ملكه (1). # وإنما سمي عليه السلام الرضا لأنه كان رضي الله عز وجل في سمائه ورضي لرسوله والأئمة عليهم السلام بعده في أرضه. وقيل: لأنه رضي به المخالف ms306 والموافق (2). # PageV02P042 # * (الفصل الثاني) * في ذكر النصوص الدالة على إمامته عليه السلام أجمع أصحاب أبيه أبي الحسن موسى عليه السلام على أنه نص عليه وأشار بالإمامة إليه، إلا من شذ عنهم من الواقفة المسمين (الممطورة) والسبب الظاهر في ذلك طمعهم فيما كان في أيديهم من الأموال المجباة إليهم في مدة حبس أبي الحسن موسى عليه السلام وما كان عندهم من ودائعه، فحملهم ذلك على إنكار وفاته وادعاء حياته، ودفع خليفته بعده عن الإمامة، وإنكار النص عليه ليذهبوا بما في أيديهم مما وجب عليهم أن يسلموه إليه، ومن كان هذا سبيله بطل الاعتراض بمقاله هذا، وقد ثبت أن الانكار لا يقابل الاقرار، فثبت النص المنقول وفسد قولهم المخالف للمعقول، على أنهم قد انقرضوا ولله الحمد فلا يوجد منهم ديار. # فأما النصوص الواردة، عن أبيه عليه: # فمن ذلك: ما رواه محمد بن يعقوب، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن الحسين بن نعيم الصحاف قال: # كنت أنا وهشام بن الحكم وعلي بن يقطين ببغداد، فقال علي بن يقطين: # كنت عند العبد الصالح جالسا فدخل عليه ابنه علي فقال لي: " يا علي بن يقطين، هذا علي سيد ولدي، أما إني قد نحلته كنيتي ". # قال: فضرب هشام بن الحكم جبهته براحته وقال: ويحك كيف قلت؟ # فقال على بن يقطين: سمعته والله منه كما قلت. PageV02P043 # قال هشام: إن الامر فيه من بعده (1). # وعنه، عن أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن محمد بن سنان وإسماعيل بن عباد القصري جميعا، عن داود الرقي قال: قلت لأبي إبراهيم عليه السلام: جعلت فداك، إنه قد كبر سني فخذ بيدي وأنقذني من النار، من صاحبنا بعدك؟ # قال: فأشار إلى ابنه أبي الحسن علي الرضا عليه السلام فقال: " هذا صاحبكم من بعدي " (2). # وعنه، عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن معاوية بن حكيم، عن نعيم القابوسي، عن أبي الحسن موسى عليه السلام قال: " ابني علي أكبر ولدي، وآثرهم عندي، وأحبهم إلي، وهو ينظر ms307 معي في الجفر ولم ينظر فيه إلا نبي أو وصى نبي " (3). # وعنه، عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد بن عبد الله، عن الحسن، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن إسحاق ابن عمار قال: قلت لأبي الحسن الأول عليه السلام: ألا تدلني على من آخذ ديني عنه؟ # PageV02P044 # فقال: " هذا ابني علي، إن أبي أخذ بيدي فأدخلني إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا بنى إن الله عز وجل قال: * (اني جاعل في الأرض خليفة) * (1) وإن الله تعالى إذا قال قولا وفى به " (2). # وعنه، عن أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن زياد بن مروان القندي - وكان من الواقفة - قال: دخلت على أبي إبراهيم عليه السلام وعنده ابنه أبو الحسن فقال: " يا زياد، هذا ابني كتابه كتابي، وكلامه كلامي، ورسوله رسولي، وما قال فالقول قوله " (3). # وعنه، عن أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن محمد بن الفضيل قال: حدثني المخزومي - وكانت أمه من ولد جعفر بن أبي طالب - قال: بعث إلينا أبو الحسن موسى عليه السلام فجمعنا ثم قال: " أتدرون لم دعوتكم؟ " فقلنا: لا. # قال: " إشهدوا إن ابني هذا وصي والقيم بأمري وخليفتي من بعدي، من كان له عندي دين فليأخذه من ابني هذا، ومن كان له عندي عدة فلينجزها منه، ومن لم يكن له بد من لقائي فلا يلقني إلا بكتابه " (4). # PageV02P045 # وعنه، عن أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن محمد بن سنان، وعلي بن الحكم جميعا، عن الحسين بن المختار قال: خرجت إلينا ألواح من أبي الحسن موسى عليه السلام - وهو في الحبس -: " عهدي إلى أكبر ولدي أن يفعل كذا وكذا، وفلان لا تنله شيئا حتى ألقاه أو يقضي الله علي الموت " (1). # وعنه، عن أحمد بن مهران، عن محمد بن علي، عن أبي على الخزاز، عن داود بن سليمان قال: قلت لأبي إبراهيم عليه السلام: إني أخاف أن يحدث حدث الموت ولا ألقاك، فأخبرني من الامام ms308 بعدك؟ # فقال: " ابني علي " يعني الرضا عليه السلام (2). # وعنه، عن ابن مهران، عن محمد بن علي، عن سعيد بن أبي الجهم، عن نصر بن قابوس قال: قلت لأبي إبراهيم عليه السلام: إني سألت أباك عليه السلام من الذي يكون من بعدك؟ فأخبرني أنك أنت هو، فلما توفي أبو عبد الله عليه السلام ذهب الناس يمينا وشمالا وقلت أنا بك وأصحابي، فأخبرني من الذي يكون من بعدك من ولدك؟ # قال: " ابني فلان " (3) يعني عليا. # PageV02P046 # وعنه، عن ابن مهران، عن محمد بن علي، عن الضحاك بن الأشعث، عن داود بن زربي قال: جئت إلى أبي إبراهيم عليه السلام بمال فأخذ بعضه وترك بعضه فقلت: أصلحك الله، لأي شئ تركته عندي؟ # فقال: " إن صاحب هذا الامر يطلبه منك ". # فلما جاء نعيه عليه السلام بعث إلي أبو الحسن عليه السلام فسألني ذلك المال، فدفعته إليه (1). # وعنه، عن محمد بن علي، عن أبي الحكم - ورواه الشيخ أبو جعفر ابن بابويه، عن أبيه وجماعة، عن محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن عبد الله بن محمد، عن الحسن بن موسى الخشاب، عن علي بن أسباط، عن الحسين مولى أبي عبد الله، عن أبي الحكم - عن عبد الله بن إبراهيم بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، عن يزيد بن سليط قال: لقيت أبا إبراهيم عليه السلام - ونحن نريد العمرة - في بعض الطريق فقلت: جعلت فداك هل تثبت هذا الموضع الذي نحن فيه. # قال: " نعم، فهل تثبته أنت؟ " قلت: نعم، إني أنا وأبي لقيناك هاهنا مع أبي عبد الله ومعه إخوتك، فقال له أبي: بأبي أنت وأمي أنتم كلكم أئمة مطهرون، والموت لا يعرى منه أحد، فأحدث إلي شيئا أحدث به من يخلفني من بعدي فلا يضلوا. # فقال: " نعم يا أبا عمارة (2)، هؤلاء ولدي، وهذا سيدهم - وأشار # PageV02P047 # إليك - قد علم الحكم والفهم، وله السخاء والمعرفة بما يحتاج إليه الناس وما اختلفوا فيه من أمر دينهم ودنياهم، وفيه حسن الخلق وحسن ms309 الجوار، وهو باب من أبواب الله عز وجل، وفيه آخر خير من هذا كله ". # فقال له أبي: وما هي؟ # فقال: " يخرج الله منه غوث هذه الأمة وغياثها وعلمها ونورها، خير مولود وخير ناشئ، يحقن الله به الدماء، ويصلح به ذات البين، ويلم به الشعث، ويشعب (1) به الصدع (2)، ويكسو به العاري، ويشبع به الجائع، ويؤمن به الخائف، وينزل الله به القطر، ويرحم به العباد، خير كهل، وخير ناشئ، قوله حكم، وصمته علم، يبين للناس ما يختلفون فيه، ويسود عشيرته من قبل أوان حلمه ". # فقال له أبي: بأبي أنت وأمي، هل يكون له ولد بعده؟ # فقال: " نعم ثم قطع الكلام. # قال يزيد: فقلت له: بأبي أنت وأمي، فأخبرني بمثل ما أخبرنا به أبوك فقال لي: " نعم، إن أبي عليه السلام كان في زمان ليس هذا الزمان مثله ". # فقلت له: من يرضى بهذا منك فعليه لعنة الله. # قال: فضحك أبو إبراهيم عليه السلام ثم قال: " أخبرك يا أبا عمارة، إني خرجت من منزلي فأوصيت إلى ابني فلان وأشركت معه بني في الظاهر، وأوصيته في الباطن وأفردته وحده، ولو كان الامر إلي لجعلته في القاسم لحبي إياه ورأفتي عليه، ولكن ذاك إلى الله يجعله حيث يشاء، ولقد جاءني بخبره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم أرانيه وأراني من يكون بعده، وكذلك # PageV02P048 # نحن لا نوصي إلى أحد منا حتى يخبره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجدي علي بن أبي طالب عليه السلام، ورأيت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاتما وسيفا وعصا وكتابا وعمامة، فقلت: ما هذا يا رسول الله؟ # فقال لي: أما العمامة فسلطان الله، وأما السيف فعز الله، وأما الكتاب فنور الله، وأما العصا فقوة الله، وأما الخاتم فجامع هذه الأمور، ثم قال: والامر قد خرج منك إلى غيرك، فقلت: يا رسول الله أرنيه أيهم هو؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما رأيت من الأئمة أحدا أجزع على فراق هذا الامر منك، ولو كانت ms310 الإمامة بالمحبة لكان إسماعيل أحب إلى أبيك منك، ولكن ذاك إلى الله عز وجل ". # ثم قال أبو إبراهيم عليه السلام: " ورأيت ولدي جميعا - الاحياء منهم والأموات - فقال لي أمير المؤمنين عليه السلام: هذا سيدهم، وأشار إلى ابني علي، فهو مني وأنا منه والله مع المحسنين ". # قال يزيد: ثم قال أبو إبراهيم عليه السلام: " يا يزيد، إنها وديعة عندك فلا تخبر بها إلا عاقلا أو عبدا تعرفه صادقا، وإن سئلت عن الشهادة فاشهد بها، وهو قول الله عز وجل لنا: * (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها) * (1) وقال لنا: * (من أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله) *، (2). # قال: وقال أبو إبراهيم عليه السلام: " فأقبلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت: قد اجتمعوا إلي - بأبي أنت وأمي - فأيهم هو؟ فقال: # هو الذي ينظر بنور الله، ويستمع بتفهيمه، وينطق بحكمته، ويصيب فلا يخطئ، ويعلم فلا يجهل، هو هذا - وأخذ بيد علي ابني - ثم قال: ما أقل # PageV02P049 # مقامك معه، فإذا رجعت من سفرتك فأوص وأصلح أمرك، وأفرغ مما أردت فإنك منتقل عنهم ومجاور غيرهم، وإذا أردت فادع عليا فمره فليغسلك وليكفنك وليتطهر لك ولا يصلح إلا ذلك وذلك سنة قد مضت ". # ثم قال أبو إبراهيم عليه السلام: " إني أوخذ هذه السنة، والامر إلى ابني على سمى على وعلى الأول فعلي بن أبي طالب عليه السلام وأما على الاخر فعلي بن الحسين عليهما السلام، اعطى فهم الأول وحكمة وبصره ووده ودينه ومحنته، ومحنته الاخر وصبره على ما يكره، وليس له أن يتكلم إلا بعد موت هارون بأربع سنين ". # ثم قال: " يا يزيد، فإذا مررت بهذا الموضع ولقيته - وستلقاه - فبشره أنه سيولد له غلام أمين مأمون مبارك، وسيعلمك أنك لقيتني، فأخبره عند ذلك أن الجارية التي يكون منها هذا الغلام جارية من أهل بيت مارية القبطية جارية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإن قدرت أن تبلغها منى السلام فافعل ذلك ". # قال يزيد: فلقيت بعد مضى أبى إبراهيم عليه السلام عليا ms311 عليه السلام فبدأني فقال لي: " يا يزيد، ما تقول في العمرة؟ " فقلت فداك أبي وأمي، ذاك إليك وما عندي نفقة. # فقال: " سبحان الله، ما كنا نكلف ولا نكفيك ". # فخرجنا حتى انتهينا إلى ذلك الموضع ابتدأني فقال: " يا يزيد، إن هذا الموضع لكثيرا ما لقيت فيه (خيرا لك من عمرتك) " (1). # فقلت: نعم، ثم قصصت عليه الخبر. # PageV02P050 # فقال لي: " أما الجارية فلم تجئ بعد فإذا (دخلت) (1) أبلغتها منك السلام ". # فانطلقنا إلى مكة، واشتراها في تلك السنة، فلم تلبث إلا قليلا حتى حملت فولدت ذلك الغلام. # قال يزيد: وكان إخوة علي يرجون أن يرثوه، فعادوني من غير ذنب، فقال لهم إسحاق بن جعفر: والله لقد رأيته وأنه ليقعد من أبي إبراهيم عليه السلام المجلس الذي لا اجلس فيه انا (2). # وعنه، عن محمد بن الحسن، عن سهل بن زياد، عن محمد بن علي وعبيد الله بن المرزبان، عن ابن سنان قال: دخلت على أبي الحسن موسى عليه السلام قبل أن يقدم العراق بسنة وعلى ابنه جالس بين يديه، فنظر إلي فقال: " يا محمد، أما إنه ستكون في هذه السنة حركة، فلا تجزع لذلك ". # قال: قلت: وما يكون جعلت فداك؟ فقد أقلقتني. # قال: " أصير إلى هذه الطاغية، أما إنه لا يبد أني منه سوء ولا من الذي يكون بعده ". # قال: قلت: وما يكون جعلت فداك؟ # قال: * (يضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء) * (3). # قال: قلت: وما ذاك جعلت فداك. # قال: " من ظلم ابني هذا حقه وجحد إمامته من بعدي كان كمن جحد # PageV02P051 # عليا عليه السلام حقه وجحد إمامته من بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ". # قال: قلت: والله لئن مد الله لي في العمر لا سلمن له حقه، ولا قرن له بإمامته. # قال: " صدقت يا محمد، يمد الله في عمرك وتقر بإمامته وإمامة من يكون بعده ". # قال: قلت: ومن ذاك؟ # قال: " محمد ابنه ". # قال: قلت له: الرضا والتسليم (1). # والاخبار في هذا الباب كثيرة، وهذه جملة كافية في هذا الموضع. # PageV02P052 # * (الفصل الثالث) * في ذكر ms312 دلالاته ومعجزاته عليه السلام قد نقلت الرواة من العامة والخاصة كثيرا من دلالاته وآياته في حياته وبعد وفاته، ونحن نذكر منها ما يليق بكتابنا هذا، فمما روته العامة: # ما أخبرني به الحاكم الموفق بن عبد الله العارف النوقاني قال: أخبرنا الحسن بن أحمد بن محمد السمرقندي المحدث، قال: أخبرنا محمد بن أبي علي الصفار، قال: أخبرنا أبو سعد الزاهد، قال: أخبرنا عبد العزيز بن محمد بن عبد ربه الشيرازي بمصر، قال: حدثنا عمر بن محمد بن عراك، قال: حدثنا علي بن محمد الشيرواني، قال: حدثنا علي بن أحمد الوشاء الكوفي قال: خرجت من الكوفة إلى خراسان فقالت لي ابنتي: يا أبه، خذ هذه الحلة فبعها واشتر لي بثمنها فيروزجا. # قال: فأخذتها وشددتها في بعض متاعي وقدمت مرو، فنزلت في بعض الفنادق، فإذا غلمان علي بن موسى - المعروف بالرضا - قد جاؤوني وقالوا: نريد حلة نكفن بها بعض علمائنا، فقلت: ما عندي، فمضوا ثم عادوا وقالوا: مولانا يقرأ عليك السلام ويقول لك: " معك حلة في السفط الفلاني دفعتها إليك ابنتك وقالت: اشتر لي بثمنها فيروزجا، وهده ثمنها ". # فدفعتها إليهم وقلت: والله لأسألنه عن مسائل فإن أجابني عنها فهو هو، فكتبتها وعدوت إلى بابه فلم أصل إليه لكثرة ازدحام الناس، فبينما أنا جالس إذ خرج إلي خادم فقال لي: يا علي بن أحمد هذه جوابات مسائلك التي معك، فأخذتها منه فإذا هي جوابات مسائلي بعينها (1). # PageV02P053 # ومن ذلك: مما رواه الحاكم أبو عبد الله الحافظ بإسناده، عن محمد بن عيسى، عن أبي حبيب النباجي قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام وقد وافى النباج (1) ونزل في المسجد الذي ينزله الحجاج في كل سنة، وكأني مضيت إليه وسلمت عليه ووقفت بين يديه، فوجدت عنده طبقا من خوص نخل المدينة فيه تمر صيحاني، وكأنه قبض قبضة من ذلك التمر فناولني، فعددته فكان ثماني عشرة، فتأولت أني أعيش بعدد كل تمرة سنة. # فلما كان بعد عشرين يوما كنت في أرض تعمر بين يدي ms313 للزراعة إذ جاءني من أخبرني بقدوم أبي الحسن الرضا عليه السلام من المدينة ونزوله ذلك المسجد، ورأيت الناس يسعون إليه فمضيت نحوه، فإذا هو جالس في الموضع الذي كنت رأيت فيه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتحته حصير مثل ما كان تحته وبين يديه طبق من خوص فيه تمر صيحاني، فسلمت عليه فرد علي السلام، واستدعاني فناولني قبضة من ذلك التمر، فعددته فإذا عدده مثل ذلك العدد الذي ناولني رسولي الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت له: # زدني منه يا ابن رسول الله. # فقال: " لو زادك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لزدناك " (2). # PageV02P054 # ومن ذلك ما أورده الحاكم أيضا ورواه بإسناده، عن سعد بن سعد، عنه عليه السلام: أنه نظر إلى رجل فقال له: " يا عبد الله، أوص بما تريد واستعد لما لا بد منه ". # فمات الرجل بعد ذلك بثلاثة أيام (1). # ومما روته الخاصة: ما رواه الشيخ أبو جعفر بن بابويه بإسناده، عن يحيى بن محمد بن جعفر قال: مرض أبي مرضا شديدا فأتاه الرضا عليه السلام يعوده وعمي إسحاق جالس يبكي، فالتفت إلي وقال: " ما يبكي عمك؟ " قلت: يخاف عليه ما ترى. # قال: فقال لي: " لا تغتمن، فإن إسحاق سيموت قبله ". # قال: فبرئ أبي محمد ومات إسحاق (2). # وباسناده، عن معمر بن خلاد قال: قال لي الريان بن الصلت: أحب أن تستأذن لي على أبي الحسن الرضا عليه السلام فاسلم عليه، وأحب أن يكسوني من ثيابه، أن يهب لي من الدراهم التي ضربت باسمه. # فدخلت على الرضا عليه السلام فقال مبتدئا: " إن الريان بن الصلت # PageV02P055 # يريد الدخول علينا، والكسوة من ثيابنا، والعطية من دراهمنا، فأذنت له ". # فدخل وسلم، فأعطاه ثوبين، وثلاثين درهما من الدراهم المضروبة باسمه (1). # وباسناده، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن الحسين بن موسى ابن جعفر قال: كنا حول أبي الحسن الرضا عليه السلام ونحن شبان من بني هاشم إذ مر علينا جعفر بن عمر العلوي، وهو رث الهيئة، فنظر بعضنا إلى بعض ms314 وضحكنا من هيئته، فقال الرضا عليه السلام: " سترونه عن قريب كثير المال كثير التبع ". # فما مضى إلا شهر أو نحوه حتى ولي المدينة وحسنت حاله، فكان يمر بنا ومعه الخصيان والحشم (2). # وباسناده، عن الحسين بن بشار قال: قال لي الرضا عليه السلام: " إن عبد الله يقتل محمدا. # فقلت: عبد الله بن هارون يقتل محمد بن هارون؟ # فقال لي: " نعم، عبد الله الذي بخراسان يقتل محمد بن زبيدة الذي هو ببغداد " فقتله (3). # PageV02P056 # وباسناده، عن موسى بن مهران قال: رأيت الرضا عليه السلام وقد نظر إلى هرثمة بالمدينة فقال: " كأني به وقد حمل إلى مرو فضربت عنقه ". # فكان كما قال (1). # وباسناده، عن عبد الرحمن بن أبي نجران وصفوان بن يحيى قالا: # جاءنا الحسين بن قياما الواسطي - وكان من رؤساء الواقفة - فسألنا أن نستأذن له على الرضا عليه السلام ففعلنا، فلما صار بين يديه قال له: أنت إمام؟ # قال: " نعم ". # قال: فإني أشهد الله أنك لست بإمام. # قال: فنكت طويلا في الأرض منكس الرأس ثم رفع رأسه إليه فقال له: " ما علمك أني لست بإمام؟ ". # قال له: إنا روينا عن أبي عبد الله عليه السلام أن الامام لا يكون عقيما، وأنت قد بلغت هذا السن وليس لك ولد. # قال: فنكس رأسه أطول من المرة الأولى ثم رفع رأسه وقال: " إني أشهد الله انه لا تمضي الأيام والليالي حتى يرزقني الله ولدا مني ". # قال عبد الرحمن: فعددنا الشهور من الوقت الذي قال، فوهب الله له أبا جعفر في أقل من سنة (2). # قال الشيخ: حدثنا أحمد بن علي بن الحسين الثعالبي، قال: حدثنا أبو أحمد عبد الله بن عبد الرحمن المعروف بالصفواني قال: خرجت قافلة من # PageV02P057 # خراسان إلى كرمان، فقطع اللصوص عليهم الطريق وأخذوا منهم رجلا اتهموه بكثرة المال، وأقاموه في الثلج وملأوا فاه منه فانفسد فمه ولسانه حتى لم يقدر على الكلام، ثم انصرف إلى خراسان وسمع بخبر الرضا عليه السلام وأنه بنيسابور، فرأى فيما يرى النائم كأن قائلا يقول له: إن ابن رسول ms315 الله صلى الله عليه وآله وسلم قد ورد خراسان فسله عن علتك ليعلمك دواء تنتفع به. # قال: فرأيت كأني قد قصدته وشكوت إليه ما كنت دفعت إليه، وأخبرته بعلتي فقال لي: " خذ من الكمون والسعتر والملح ودقه وخذ منه في فمك مرتين أو ثلاثا، فإنك تعافى ". # فانتبه الرجل من منامه ولم يفكر فيما كان رأى في منامه حتى ورد باب نيسابور فقيل له: إن علي بن موسى الرضا عليهما السلام قد ارتحال من نيسابور وهو برباط سعد، فوقع في نفسه أن يقصده ويصف له أمره، فدخل إليه فقال له: يا ابن رسول الله، كان من أمري كيت وكيت، وقد انفسد علي فمي ولساني حتى لا أقدر على الكلام إلا بجهد، فعلمني دواء أنتفع به. # فقال عليه السلام: " ألم أعلمك، اذهب فاستعمل ما وصفته لك في منامك ". # فقال الرجل: يا ابن رسول الله، إن رأيت أن تعيده علي. # فقال لي: " خذ من الكمون والسعتر والملح فدقه وخذ منه في فمك مرتين أو ثلاثا فإنك تعافى ". # قال الرجل: فاستعملت ما وصفه لي فعوفيت. # قال الثعالبي: سمعت الصفواني يقول: رأيت هذا الرجل وسمعت منه هذه الحكاية (1). # PageV02P058 # وباسناده، عن جعفر بن محمد النوفلي قال: أتيت الرضا عليه السلام وهو بقنطرة أربق (1) فسلمت عليه ثم جلست وقلت: جعلت فداك، إن أناسا يزعمون أن أباك حي. # فقال: " كذبوا لعنهم الله، لو كان حيا ما قسم ميراثه ولا نكح نساؤه، ولكنه والله ذاقه الموت كما ذاقه علي بن أبي طالب عليه السلام ". # قال: فقلت له: فما تأمرني؟ # قال: " عليك بابني محمد من بعدي، وأما أنا فإني ذاهب في وجه لا أرجع منه، بورك قبر بطوس وقبران ببغداد ". # قلت: جعلت فداك قد عرفنا واحدا فما الثاني؟ # قال: " ستعرفونه " ثم قال: " قبري وقبر هارون هكذا " وضم إصبعيه (2). # وعن حمزة بن جعفر الأرجاني قال: خرج هارون من المسجد الحرام من باب وخرج الرضا عليه السلام من باب، فقال الرضا عليه السلام - وهو يعني هارون -: " ما أبعد الدار وأقرب اللقاء يا ms316 طوس يا طوس، ستجمعني وإياه " (3). # وباسناده،، عن الحسن بن علي الوشاء قال: قال لي الرضا عليه السلام: " إني حيث أرادوا الخروج بي من المدينة جمعت عيالي فأمرتهم أن # PageV02P059 # يبكوا علي حتى أسمع، ثم فرقت فيهم اثني عشر ألف دينار، ثم قلت: أما إني لا أرجع إلى عيالي أبدا " (1). # وعن الحسن الوشاء أيضا، عن مسافر قال: كنت مع الرضا عليه السلام بمنى فمر يحيى بن خالد مع قوم من آل برمك فغطى وجهه من الغبار فقال عليه السلام: " مساكين لا يدرون ما يحل بهم في هذه السنة " ثم قال: # " وأعجب من هذا هارون وأنا كهاتين " وضم بين إصبعيه. # قال مسافر: فما عرفت معنى حديثه حتى دفناه معه (2). # وباسناده، عن صفوان بن يحيى قال: لما مضى أبو الحسن موسى عليه السلام وتكلم الرضا عليه السلام خفنا عليه من ذلك وقلنا له: إنك قد أظهرت أمرا عظيما، وإنا نخاف عليك هذا الطاغي. # فقال: " ليجهد جهده، فلا سبيل له علي ". # قال صفوان: فأخبرنا الثقة: أن يحيى بن خالد قال للطاغي: هذا علي ابنه قد قعد وادعى الامر لنفسه، فقال ة ما يكفينا ما صنعنا بأبيه، تريد أن نقتلهم جميعا! (3). # وباسناده، عن علي بن جعفر، عن أبي الحسن الطيب قال: لما توفي أبو الحسن موسى عليه السلام دخل أبو الحسن الرضا عليه السلام السوق واشترى كلبا وكبشا، وديكا، فلما كتب صاحب الخبر بذلك إلى هارون قال: # قد أمنا جانبه. # PageV02P060 # وكتب الزبيري: أن علي بن موسى قد فتح بابه ودعا إلى نفسه، فقال هارون: واعجبا إن علي بن موسى قد اشترى كلبا وكبشا وديكا ويكتب فيه بما يكتب! (1). # وباسناده، عن الحسن بن موسى قال: خرجنا مع أبي الحسن الرضا عليه السلام إلى بعض أملاكه في يوم لا سحاب فيه، فلما برزنا قال: " حملتم معكم المماطر؟ " قلنا: لا، وما حاجتنا إلى المماطر وليس سحاب ولا نتخوف المطر؟! # قال: " لكني حملته وستمطرون ". # قال: فما مضينا إلا يسيرا حتى ارتفعت سحابة ومطرنا، فما بقي منا أحد إلا ابتل (2). # وأسانيد ms317 هذه الأحاديث مذكورة في كتاب عيون الاخبار للشيخ أبي جعفر قدس الله روحه. # وروى محمد بن يعقوب الكليني رحمه الله بإسناده، عن إبراهيم بن موسى قال: ألححت على أبي الحسن الرضا عليه السلام في شئ أطلبه منه وكان يعدني، فخرج ذات يوم يستقبل والي المدينة وأنا معه، فجاء إلى قرب قصر فلان فنزل تحت شجرات ونزلت معه أنا وليس معنا ثالث، فقلت: # جعلت فداك، هذا العيد قد أظلنا ولا والله ما أملك درهما فما سواه. # فحك بسوطه الأرض حكا شديدا ثم ضرب بيده فتناول فه سبيكة # PageV02P061 # ذهب، ثم قال: " انتفع بها واكتم ما رأيت " (1). # وأما ما ظهر للناس بعد وفاته من بركة مشهده المقدس وعلاماته، والعجائب التي شاهدها الخلق فيه، وأذعن العام والخاص له، وأقر المخالف والمؤالف به إلى يومنا هذا، فكثير خارج عن حد الاحصاء والعد، ولقد أبرئ فيه الأكمه والأبرص، واستجيبت الدعوات، وقضيت ببركته الحاجات، وكشفت الملمات، وشاهدنا كثيرا من ذلك وتيقناه وعلمناه علما لا يتخالج الشك والريب في معناه، فلو ذهبنا نخوض في إيراد ذلك لخرجنا عن الغرض في هذا الكتاب. # PageV02P062 # * (الفصل الرابع) * في ذكر طرف من خصائصه ومناقبه وأخلاقه الكريمة عليه السلام محمد بن يحيى الصولي، عن ابن ذكوان قال: سمعت إبراهيم بن العباس يقول: ما رأيت الرضا عليه السلام سئل عن شئ قط إلا علمه، ولا رأيت أعلم منه بما كان في الزمان إلى وقته وعصره، وكان المأمون يمتحنه بالسؤال عن كل شئ فيجيب عنه، وكان كلامه كله وجوابه وتمثله انتزاعات من القرآن، وكان يختمه في كل ثلاث ويقول: " لو أني أردت أن أختمه في أقرب من ثلاث لختمت، ولكني ما مررت بآية قط إلا فكرت فيها وفي أي شئ أنزلت وفي أي وقت، فلذلك صرت أختمه في كل ثلاث " (1). # وفي رواية أخرى: عن إبراهيم بن هاشم، عن إبراهيم بن العباس أنه قال: ما رأيت ولا سمعت بأحد أفضل من أبي الحسن الرضا، وشاهدت منه ما لم أشاهده من أحد، وما رأيته جفا أحدا بكلامه ms318 قط، ولا رأيته قطع على أحد كلامه حتى يفرغ منه، وما رد أحدا عن حاجة يقدر عليها، ولا مد رجليه بين يدي جليس له قط، ولا اتكئ بين يدي جليس له قط، ولا رأيته يشتم أحدا من مواليه ومماليكه، وما رأيته تفل قط، ولا رأيته يقهقه في ضحكه بل كان ضحكه التبسم، وكان إذا خلا ونصبت مائدته أجلس على مائدته مماليكه ومواليه حتى البواب والسائس، وكان قليل النوم بالليل، كثير السهر، يحيي أكثر لياليه من أولها إلى الصبح، وكان كثير الصوم، ولا يفوته صيام # PageV02P063 # ثلاثة أيام في الشهر، ويقول: " ذلك صوم الدهر " وكان كثير المعروف والصدقة في السر، وأكثر ذلك يكون منه في الليالي المظلمة، فمن زعم أنه رأى مثله في فضله فلا تصدقوه (1). # وعن محمد بن أبي عباد قال: كان جلوس الرضا عليه السلام على حصير في الصيف وعلى مسح في الشتاء، ولبسه الغليظ من الثياب حتى إذا برز للناس تزين لهم (2). # وروى الحاكم أبو عبد الله الحافظ بإسناده، عن الفضل بن العباس، عن أبي الصلت عبد السلام بن صالح الهروي قال: ما رأيت أعلم من علي ابن موسى الرضا عليهما السلام، ولا رآه عالم إلا شهد له بمثل شهادتي، ولقد جمع المأمون في مجالس له ذوات عدد علماء الأديان وفقهاء الشريعة والمتكلمين فغلبهم عن آخرهم حتى ما بقي أحد منهم إلا أقر له بالفضل وأقر على نفسه بالقصور، ولقد سمعت علي بن موسى الرضا عليهما السلام يقول: " كنت أجلس في الروضة والعلماء بالمدينة متوافرون، فإذا أعيا الواحد منهم عن مسالة أشاروا إلي بأجمعهم وبعثوا إلي بالمسائل فأجيب عنها " (3) قال أبو الصلت: ولقد حدثني محمد بن إسحاق بن موسى بن جعفر، عن أبيه: أن موسى بن جعفر عليهما السلام كان يقول لبنيه: " هذا أخوكم على بن موسى عالم آل محمد، فاسألوه عن أديانكم واحفظوا ما يقول لكم، # PageV02P064 # فإني سمعت أبي جعفر بن محمد * غير مرة يقول لي: إن عالم آل محمد لفي صلبك، وليتني أدركته فإنه سمي أمير المؤمنين ms319 علي عليه السلام " (1). # وروى علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن محمد بن يحيى الفارسي قال: نظر أبو نؤاس إلى الرضا عليه السلام ذات يوم وقد خرج من عند المأمون على بغلة له، فدنا منه وسلم عليه وقال: يا ابن رسول الله، قد قلت فيك أبياتا وأنا أحب أن تسمعها مني. # قال: " هات " فأنشأ يقول: # مطهرون نقيات ثيابهم * تجري الصلاة عليهم أين ما ذكروا من لم يكن علويا حين تنسبه * فما له في قديم الدهر مفتخر فالله لما برا خلقا فأتقنه * صفاكم واصطفاكم أيها البشر فأنتم الملأ الأعلى وعندكم * علم الكتاب وما جاءت به السور فقال الرضا عليه السلام: " قد جئتنا بأبيات ما سبقك إليها أحد، يا غلام هل معك من نفقتنا شئ؟ ". # فقال: ثلاثمائة دينار. # فقال: " أعطها إياه " ثم قال: " لعله استقلها، يا غلام سق إليه البغلة " (2). # ولأبي نؤاس فيه أيضا: # قيل لي أنت أوحد الناس طرا * في فنون من الكلام النبيه (3) لك من جوهر الكلام بديع * يثمر الدر في يدي مجتنيه # PageV02P065 # فعلام تركت مدح ابن موسى * والخصال التي تجمعن فيه قلت لا أهتدي لمدح إمام * كان جبريل خادما لأبيه (1) علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن أبي الصلت الهروي قال: # دخل دعبل بن علي الخزاعي على الرضا عليه السلام بمرو فقال له: يا ابن رسول الله، إني قد قلت فيكم قصيدة، وآليت على نفسي أن لا أنشدها أحدا قبلك. # فقال عليه السلام: " هاتها ". # فأنشده: # مدارس آيات خلت من تلاوة * ومنزل وحي مقفر العرصات فلما بلغ إلى قوله: # أرى فيئهم في غيرهم متقسما * وأيديهم من فيئهم صفرات بكى أبو الحسن الرضا عليه السلام وقال له: " صدقت يا خزاعي ". # فلما بلغ إلى قوله: # إذا وتروا مدوا إلى واتريهم * أكفا عن الأوتار منقبضات جعل الرضا عليه السلام يقلب كفيه ويقول: " أجل والله منقبضات ". # فلما بلغ إلى قولة: # لقد خفت في الدنيا وأيام سعيها * وإني لأرجو الامن بعد وفاتي قال الرضا عليه السلام: " آمنك الله يوم الفزع الأكبر ". # فلما انتهى ms320 إلى قوله: # PageV02P066 # وقبر ببغداد لنفس زكية * تضمنها الرحمن في الغرفات قال الرضا عليه السلام: " أفلا الحق لك بهذا الموضع بيتين بهما تمام قصيدتك؟ " فقال: بلى يا ابن رسول الله. # فقال عليه السلام: # " وقبر بطوس يا لها من مصيبة * توقد في الأحشاء بالحرقات إلى الحشر حتى يبعث الله قائما * يفرج عنا الهم والكربات " فقال دعبل: يا ابن رسول الله هذا القبر الذي بطوس قبر من هو؟ # فقال الرضا عليه السلام: " قبري، ولا تنقضي الأيام والليالي حتى تصير طوس مختلف شيعتي وزواري، ألا فمن زارني في غربتي بطوس كان معي في درجتي يوم القيامة مغفورا له ". # ثم نهض الرضا عليه السلام بعد فراغ دعبل من إنشاد القصيدة وأمره أن لا يبرح من موضعه، فدخل الدار فلما كان بعد ساعة خرج الخادم إليه بمائة دينار - وفي رواية غيره: ستمائة دينار - وقال له: يقول لك مولاي: # " إجعلها في نفقتك ". # فقال دعبل: والله ما لهذا جئت، ولا قلت هذه القصيدة طمعا في شئ، ورد الصرة وسأل ثوبا من ثياب الرضا ليتبرك به ويتشرف، فأنفذ إليه الرضا عليه السلام بجبة خز مع الصرة وقال للخادم: " قل له: خذ هذه الصرة فإنك ستحتاج إليها، ولا تراجعني فيها ". # فانصرف دعبل وصار من مرو في قافلة فوقع عليهم اللصوص وأخذوا القافلة وكتفوا أهلها وجعلوا يقسمون أموالهم، فتمثل رجل منهم بقوله: # أرى فيئهم في غيرهم متقسما * وأيديهم من فيئهم صفرات فقال دعبل: لمن هذا البيت؟ قال: لرجل من خزاعة. قال: فأنا دعبل PageV02P067 # قاتل هذه القصيدة. # فحلوا كتافه وكتاف جميع القافلة، وردوا إليهم جميع ما أخذ منهم. # وسار دعبل حتى وصل إلى قم وأنشدهم القصيدة فوصلوه بمال كثير وسألوه أن يبيع الجبة منهم بألف دينار فأبى، وسار عن قم فلحقه قوم من أحداثهم وأخذوا الجبة منه، فرجع دعبل وسألهم ردها عليه فقالوا: لا سبيل لك إليها فخذ ثمنها ألف دينار، فقال: على أن تدفعوا إلى شيئا منها، فأعطوه بعضها وألف دينار. # وانصرف دعبل إلى وطنه فوجد اللصوص أخذوا جميع ما في ms321 منزله، فباع المائة دينار التي وصله بها الرضا عليه السلام من الشيعة كل دينار بمائة درهم، وتذكر قول الرضا عليه السلام: " إنك ستحتاج إليها " (1). # وعن أبي الصلت الهروي قال: سمعت دعبل قال: لقا أنشدت مولاي الرضا عليه السلام القصيدة وانتهيت إلى قولي: # خروج إمام لا محالة خارج * يقوم على اسم الله والبركات يميز فينا كل حق وباطل * ويجزي على النعماء والنقمات بكى الرضا عليه السلام بكاء شديدا ثم رفع رأسه إلي وقال: # " يا خزاعي، نطق روح القدس على لسانك بهذين البيتين، فهل تدري من هذا الامام ومتى يقوم؟ " قلت: لا يا مولاي، إلا أني سمعت بخروج إمام منكم يملأ الأرض # PageV02P068 # عدلا. فقال: (يا دعبل، الإمام بعدي محمد ابني، وبعد محمد ابنه علي، وبعد علي ابنه الحسن، وبعد الحسن ابنه الحجة القائم المنتظر في غيبته المطاع في ظهوره، لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله تعالى ذلك اليوم حتى يخرج فيملأها عدلا كما ملئت جورا) (1). # وروى الصولي، عن أبي ذكوان، عن إبراهيم بن العباس قال: كان الرضا عليه السلام ينشد كثيرا: # (إذا كنت في خير فلا تغتر ربه * ولكن قل اللهم سلم وتمم) (2) وعن الريان بن الصلت قال: أنشدني الرضا عليه السلام لعبد المطلب: # (يعيب الناس كلهم زمانا * وما لزماننا عيب سوانا نعيب زماننا والعيب فينا * ولو نطق الزمان بنا هجانا وليس الذئب يأكل لحم ذئب * ويأكل بعضنا بعضا عيانا) (3) وشكا رجل أخاه في مجلسه عليه السلام فأنشأ يقول: # (اعذر أخاك على ذنوبه * واستر وغط على عيوبه واصبر على بهت السفيه * وللزمان على خطوبه ودع الجواب تفضلا * وكل الظلوم إلى حسيبه) (4) # PageV02P069 # وروي عن عبد الرحمن بن أبي نجران قال: كتب أبو الحسن الرضا عليه السلام إلى بعض أصحابه: (إنا لنعرف الرجل إذا رأيناه بحقيقة الايمان وبحقيقة النفاق) (1). # وروي عن ياسر الخادم قال: كان غلمان لأبي الحسن عليه السلام في البيت صقالبة وروم، وكان أبو الحسن عليه السلام قريبا منهم فسمعهم بالليل يتراطنون بالصقلبية والرومية ويقولون: إنا كنا نفتصد ms322 في كل سنة في بلادنا ثم ليس نفتصد هاهنا، فلما كان من الغد وجه أبو الحسن عليه السلام إلى بعض الأطباء فقال: (افصد فلانا عرق كذا، وافصد فلانا عرق كذا) ثم قال: (يا ياسر، لا تفتصد أنت). # قال: فافتصدت فورمت يدي واحمرت. فقال لي: (يا ياسر مالك؟) فأخبرته فقال: (ألم أنهك عن ذلك، هلم يدك) فمسح يده عليها وتفل فيها ثم أوصاني أن لا أتعشى، فكنت بعد ذلك ما شاء الله لا أتعشى ثم أتغافل فأتعشى فتضرب علي (2). # عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي الصلت الهروي قال: كان الرضا عليه السلام يكلم الناس بلغاتهم، وكان والله أفصح الناس وأعلمهم بكل لسان ولغة، نقلت له يوما: يا ابن رسول الله إني لأعجب من معرفتك بهذه اللغات على اختلافها. # فقال: (يا أبا الصلت، أنا حجة الله على خلقه، وما كان الله ليتخذ # PageV02P070 # حجة على قوم وهو لا يعرف لغاتهم، أوما بلغك قول أمير المؤمنين عليه السلام: أوتينا فصل الخطاب؟ فهل فصل الخطاب إلا معرفة اللغات) (1). # وروى الحسن بن علي بن فضال، عن الرضا عليه السلام: أنه قال له رجل من أهل خراسان: يا ابن رسول الله، رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المنام كأنه يقول لي: كيف أنتم إذا دفن في أرضكم بضعتي، واستحفظتم وديعتي، وغيب في ثراكم نجمي؟ # فقال له الرضا عليه السلام: (أنا المدفون في أرضكم، وأنا بضعة من نبيكم، وأنا الوديعة والنجم، ألا فمن زارني وهو يعرف ما أوجب الله تعالى من حقي وطاعتي فأنا وآبائي شفعاؤه يوم القيامة، ومن كنا شفعاؤه نجا ولو كان عليه مثل وزر الثقلين الجن والإنس. ولقد حدثني أبي عن جدي عن أبيه عليه السلام أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من رآني في منامه فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي ولا في صورة أحد من أوصيائي ولا في صورة أحد من شيعتهم، وإن الرؤيا الصادقة جزء من سبعين جزءا من النبوة) (2). # وأما ما ms323 روي عنه عليه السلام من فنون العلم، وأنواع الحكم، والاخبار المجموعة والمنثورة، والمجالس مع أهل الملل والمناظرات المشهورة فأكثر من أن تحصى. # PageV02P071 # (الفصل الخامس) في ذكر نبذ من أخباره مع المأمون كان المأمون قد أنفذ إلى جماعة من الطالبية فحملهم من المدينة وفيهم الرضا عليه السلام، فأخذ بهم على طريق البصرة حتى جاؤوه بهم، وكان المتولي لأشخاصهم المعروف بالجلودي، فقدم بهم على المأمون فأنزلهم دارا وأنزل الرضا عليه السلام دارا وأكرمه وعظم أمره، ثم أنفذ إليه أني أريد ان أخلع نفسي من الخلافة وأقلدك إياها، فأنكر الرضا عليه السلام هذا الامر وقال له: (أعيذك بالله يا أمير المؤمنين من هذا الكلام وأن يسمع به أحد) فرد عليه رسالة: فإذا أبيت ما عرضته عليك فلا بد من ولاية العهد من بعدي، فأبى عليه الرضا عليه السلام إباء شديدا. # فاستدعاه إليه وخلا به ومعه ذو الرئاستين الفضل بن سهل وردد عليه هذا الكلام، فقال عليه السلام: (اعفني من ذلك يا أمير المؤمنين). # فقال له المأمون كالمهدد: إن عمر بن الخطاب جعل الامر شورى في ستة أحدهم جدك أمير المؤمنين وشرط فيمن خالف ذلك أن يضرب عنقه، ولا بد من قبولك ما أريده منك. # فقال الرضا عليه السلام: (فإني أجيبك إلى ما تريده من ولاية العهد، على أني لا آمر ولا أنهي، ولا أفتي ولا أقضي، ولا اولي ولا أعزل، ولا أغير شيئا مما هو قائم) فأجابه المأمون إلى ذلك كله (1). # PageV02P072 # وذكر رواة السير: أن المأمون لما أراد العقد للرضا عليه السلام أحضر الفضل بن سهل والحسن بن سهل فأعلمهما بما قد عزم عليه من ذلك وقال: # إني عاهدت الله تعالى أنني إن ظفرت بالمخلوع أخرجت الخلافة إلى أفضل آل أبي طالب، وما أعلم أحدا أفضل من هذا الرجل على وجه الأرض. # فلما رأيا عزيمته على ذلك أمسكا عن معارضته، فأرسلهما إلى الرضا، فعرضا ذلك عليه فامتنع منه، فلم يزالا به حتى أجاب ورجعا إلى المأمون فعرفاه إجابته، فسر به وجلس للخاصة في ms324 يوم خميس، وخرج الفضل بن سهل فأعلم الناس برأي المأمون في علي بن موسى عليه السلام، وانه قد ولاه عهده، وقد سماه الرضا، وأمرهم بلبس الخضرة والعود لبيعته في الخميس الاخر، على أن يأخذوا رزق سنة. # فلما كان ذلك اليوم ركب الناس على طبقاتهم من القواد والحجاب والقضاة وغيرهم في الخضرة، وجلس المأمون ووضع للرضا عليه السلام وسادتين عظيمتين حتى لحق بمجلسه وفرشه، وأجلس الرضا عليه السلام عليهما في الخضرة وعليه عمامة وسيف، ثم أمر ابنه العباس بن المأمون فبايع له أول الناس، فرفع الرضا عليه السلام يده فتلقى بها وجه نفسه وببطنها وجوههم، فقال المأمون: ابسط يدك للبيعة، فقال الرضا عليه السلام: (إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هكذا كان يبايع). # فبايعه الناس ويده فوق أيديهم، ووضعت البدر، وقامت الخطباء والشعراء، فجعلوا يذكرون فضل الرضا عليه السلام وما كان من المأمون في أمره، ثم دعا أبو عباد بالعباس بن المأمون فوثب فدنا من أبيه فقبل يده وأمره بالجلوس، ثم نودي محمد بن جعفر بن محمد وقال له الفضل بن سهل: # قم، فقام فمشى حتى قرب من المأمون فوقف فلم يقبل يده، فقيل له: إمض فخذ جائزتك، وناداه المأمون: إرجع يا أبا جعفر إلى مجلسك، فرجع ثم PageV02P073 # جعل أبو عباد يدعو بعلوي وعباسي فيقبضان جوائزهما حتى نفدت الأموال. # ثم قال المأمون للرضا عليه السلام: اخطب الناس، فحمد الله سبحانه وأثنى عليه وقال: (إن لنا عليكم حقا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولكم علينا حقا به، فإذا أنتم أديتم إلينا ذلك الحق وجب علينا الحق لكم). # ولم يذكر عنه غير هذا في ذلك المجلس، وأمر المأمون فضربت الدراهم وطبع عليها اسم الرضا عليه السلام، وخطب للرضا في كل بلد بولاية العهد (1). # وخطب عبد الجبار بن سعيد في تلك السنة على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة فقال في الدعاء له: ولي عهد المسلمين علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ms325 بن علي عليهم السلام. # ستة آباء هم ما هم * أفضل من يشرب صوب الغمام (2) وذكر المدائني عن رجاله قال: لما جلس الرضا عليه السلام لولاية العهد قام بين يديه الخطباء والشعراء، وخفقت الألوية على رأسه، فذكر بعض من حضر ذلك المجلس ممن كان يختص بالرضا عليه السلام قال: # نظر إلي وكنت مستبشرا بما جرى، فأومأ إلي أن ادن فدنوت منه فقال لي من حيث لا يسمعه غيري: (لا تشغل قلبك بهذا الامر ولا تستبشر له، فإنه شئ لا يتم) (3). # PageV02P074 # وذكر الصولي بإسناده، عن الفضل بن سهل النوبختي - أو عن أخ له - قال: لما عزم المأمون على العقد للرضا عليه السلام بالعهد قلت: والله لاعتبرن بما في نفس المأمون أيحب تمام هذا الامر أو هو تصنع منه؟ فكتبت إليه على يد خادم له كان يكاتبني بأسراره على يده: قد عزم ذو الرئاستين على عقد العهد والطالع السرطان وفيه المشتري، والسرطان وإن كان شرف المشتري فهو برج منقلب لا يتم أمر يعقد فيه، ومع هذا فإن المريخ في الميزان في بيت العاقبة،؟ هذا يدل على نكبة المعقود له، وقد عرفت أمير المؤمنين ذلك لئلا يعتب علي إذا وقف على هذا من غيري. # فكتب إلي إذا قرأت جوابي إليك فاردده إلي مع الخادم، ونفسك أن يقف أحد على ما عرفتنيه، أو أن يرجع ذو الرئاستين عن عزمه، فإنه إن فعل ذلك ألحقت الذنب بك وعلمت أنك سببه. # قال: فضاقت علي الدنيا، وبلغني أن الفضل بن سهل قد تنبه على الامر ورجع عن عزمه، وكان حسن العلم بالنجوم، فخفت والله على نفسي وركبت إليه فقلت له: أتعلم في السماء نجما أسعد من المشتري؟ قال: لا، قلت: أتعلم في الكواكب (نجما) يكون في حال أسعد منها في شرفها؟ # قال: لا، قلت. فأمض العزم على ذلك إن كنت تعقده وسعد الفلك في أسعد حالاته، فأمضى الامر (1) على ذلك، فما علمت أني كل ت أهل الدنيا حتى وقع العقد فزعا من المأموت (2). # وروى علي بن إبراهيم، عن ms326 ياسر الخادم والريان بن الصلت جميعا قالا: لما حضر العيد - وكان قد عقد للرضا عليه السلام الامر بولاية العهد - # PageV02P075 # بعث المأمون إليه في الركوب إلى العيد والصلاة بالناس والخطبة بهم، فبعث إليه الرضا عليه السلام: (قد علمت ما كان بيني وبينك من الشروط في دخول الامر، فاعفني عن الصلاة بالناس). # فقال له المأمون: إني أريد أن تطمئن قلوب الناس ويعرفوا فضلك. # ولم يزل الرسول يتردد بينهم في ذلك، فلما ألح عليه المأمون أرسل عليه السلام إليه: (إن أعفيتني فهو أحب إلي، وإن لم تعفني خرجت كما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام). # فقال المأمون: اخرج كيف شئت. # وأمر القواد والناس أن يبكروا إلى باب الرضا عليه السلام، فقعد الناس لأبي الحسن في الطرقات والسطوح، واجتمع النساء والصبيان ينتظرون خروجه، وصار جميع القواد والجند إلى بابه، فوقفوا على دوابهم حتى طلعت الشمس، فاغتسل أبو الحسن عليه السلام، ولبس ثيابه، وتعمم بعمامة بيضاء من قطن، ألقى طرفا منها على صدره وطرفا بين كتفيه، ومس شيئا من الطيب، وأخذ بيده عكازة وقال لمواليه: (إفعلوا مثل ذلك). # فخرجوا بين يديه وهو حاف، قد شمر سراويله إلى نصف الساق، وعليه ثياب مشمرة، فمشى قليلا ورفع رأسه إلى السماء وكبر وكبر مواليه معه، ومشى حتى وقف على الباب، فلما رآه القواد والجند في تلك الصورة سقطوا كلهم إلى الأرض، وكان أحسنهم حالا من كان معه سكين قطع بها شرابة چاچيلته (1) ونزعها وتحفى، وكبر الرضا عليه السلام على الباب وكبر الناس معه، فخيل إلينا أن السماء والحيطان تجاوبه. # وتزعزعت مرو بالبكاء والضجيج لما رأوا أبا الحسن عليه السلام # PageV02P076 # وسمعوا تكبيره، وبلغ المأمون ذلك فقال له الفضل بن سهل ذو الرئاستين: # يا أمير المؤمنين، إن بلغ الرضا المصلى على هذا السبيل افتتن به الناس وخفنا كلنا على دمائنا، فانفذ إليه أن يرجع فبعث إليه المأمون: # قد كلفناك شططا وأتعبناك، ولست أحب أن تلحقك مشقة، فارجع وليصل بالناس من كان يصلي بهم على ms327 رسمه، فدعا أبو الحسن عليه السلام بخفه فلبسه وركب ورجع، واختلف أمر الناس في ذلك اليوم ولم تنتظم صلاتهم (1). # وروى علي بن إبراهيم، عن ياسر قال: لما عزم المأمون على الخروج من خراسان إلى بغداد خرج معه ذو الرئاستين وخرجنا مع أبي الحسن الرضا عليه السلام، فورد على الفضل كتاب من أخيه الحسن بن سهل ونحن في بعض المنازل: إني نظرت في تحويل السنة فوجدت فيه أنك تذوق في شهر كذا يوم الأربعاء حر الحديد وحر النار، وأرى أن تدخل أنت وأمير المؤمنين والرضا الحمام في هذا اليوم وتحتجم فيه وتصب على بدنك الدم ليزول عنك نحسه. # فكتب ذو الرئاستين بذلك إلى المأمون وسأله أن يسأل أبا الحسن في ذلك، فكتب إلى الرضا عليه السلام يسأله فيه، فأجابه: (لست بداخل الحمام غدا) فأعاد عليه الرقعة مرتين، فكتب إليه أبو الحسن عليه السلام: # (إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الليلة فقال لي: يا علي لا تدخل الحمام غدا، ولا أرى لك يا أمير المؤمنين ولا للفضل أن تدخلا الحمام). # فكتب إليه المأمون: صدقت يا أبا الحسن وصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولست بداخل الحمام غدا، والفضل أعلم. # PageV02P077 # قال ياسر: فلما أمسينا قال لنا الرضا عليه السلام: (قولوا: نعوذ بالله من شر ما ينزل في هذه الليلة) فلم نزل نقول ذلك، فلما صلى الرضا عليه السلام الصبح قال لي: (إصعد السطح فاستمع هل تجد شيئا) فلما صعدت سمعت الصيحة فكثرت وزادت فلم نشعر بشئ، فإذا نحن بالمأمون قد دخل من الباب الذي كان من داره إلى دار أبي الحسن عليه السلام وهو يقول: يا سيدي يا أبا الحسن، آجرك الله في الفضل، فإنه دخل الحمام ودخل عليه قوم بالسيوف فقتلوه، وأخذ ممن دخل عليه ثلاثة نفر أحدهم ابن خالة الفضل ابن ذي القلمين. # قال: واجتمع الجند والقواد ومن كان من رجال الفضل على باب المأمون فقالوا: هو اغتاله وشغبوا عليه وطلبوا بدمه، وجاؤوا بالنيران ms328 ليحرقوا الباب، فقال المأمون لأبي الحسن عليه السلام: يا سيدي إن رأيت أن تخرج إليهم وترفق بهم حتى يتفرقوا؟ قال: (نعم). # فركب أبو الحسن وقال لي: (يا ياسر، إركب) فركبت فلما خرجنا من باب الدار نظر إلى الناس وقد ازدحموا فأومأ إليهم بيده تفرقوا. # قال: ياسر فأقبل الناس وقد يقع بعضهم على بعض، وما أشار إلى أحد إلا ركض ومضى (1). # وقال أبو علي السلامي: إنما قتل الفضل بن سهل غالب خال المأمون في حمام سرخس مغافصة (2) في شعبان سنة ثلاث ومائتين (3). # PageV02P078 # علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن إبراهيم بن محمد الحسيني قال: بعث المأمون إلى أبي الحسن عليه السلام جارية، فلما أدخلت عليه اشمأزت من الشيب، فردها إلى المأمون وكتب إليه: # (نعى نفسي إلى نفسي المشيب * وعند الشيب يتعظ اللبيب فقد ولى الشباب إلى مداه * فلست أرى مواضعه تؤوب سأبكيه وأندبه طويلا * وأدعوه إلي عسى يجيب وهيهات الذي قد فات منه * تمنيني به النفس الكذوب وراع الغانيات بياض رأسي * ومن مد البقاء له يشيب أرى البيض الحسان يحدن عني * وفي هجرانهن لنا نصيب فإن يكن الشباب مضى حبيبا * فإن الشيب أيضا لي حبيب سأصحبه بتقوى الله حتى * يفرق بيننا الاجل القريب) (1) # PageV02P079 # (الفصل السادس) في ذكر وفاته عليه السلام وسببها وبعض ما جاء من الاخبار في ذلك وكان سبب قتل المأمون إياه أنه عليه السلام كان لا يحابي المأمون في حق، ويجبهه في أكثر أحواله بما يغيظه ويحقده عليه، ولا يظهر ذلك له، وكان عليه السلام يكثر وعظه إذا خلا به، ويخوفه بالله تعالى، وكان المأمون يظهر قبول ذلك ويبطن خلافه. # ودخل عليه السلام يوما عليه فرآه يتوضأ للصلاة والغلام يصب على يده الماء فقال: (لا تشرك - يا أمير المؤمنين - بعبادة ربك أحدا) فصرف المأمون الغلام وتولى إتمام وضوئه. # وكان عليه السلام يزري على الفضل والحسن - ابني سهل - عند المأمون إذا ذكرهما، ويصف له مساوئهما، وينهاه عن الاصغاء إلى مقالهما، فعرفا ذلك منه، فجعلا يحطبان (1) عليه عند المأمون، ويخوفانه ms329 من حمل الناس عليه، حتى قلبا رأيه فيه وعزم على قتله، فاتفق أنه عليه السلام أكل هو والمأمون طعاما فاعتل الرضا عليه السلام وأظهر المأمون تمارضا (2). # فذكر محمد بن علي بن أبي حمزة، عن منصور بن بشير، عن أخيه عبد الله بن بشير قال: أمرني المأمون أن أطول أظفاري عن العادة ولا أظهر لاحد ذلك، ففعلت، ثم استدعاني وأخرج إلي شيئا شبيها بالتمر الهندي، # PageV02P080 # وقال: اعجن هذا بيديك جميعا، ففعلت. # ثم قام وتركني، فدخل على الرضا عليه السلام فقال له: ما خبرك؟ # قال: (أرجو أن أكون صالحا). # فقال له: وأنا اليوم بحمد الله أيضا صالح، فهل جاءك أحد من المترفقين في هذا اليوم؟ قال: (لا). # فغضب المأمون وصاح على غلمانه، ثم قال: فخذ ماء الرمان الساعة، فإنه مما لا يستغنى عنه، ثم دعاني فقال: إئتنا برمان، فأتيته به فقال لي: أعصره بيديك، ففعلت وسقاه المأمون بيده، وكان ذلك سبب وفاته، ولم يلبث إلا يومين حتى مات (1). # وروي عن محمد بن الجهم أنه قال: كان الرضا عليه السلام يعجبه العنب، فاخذ له شئ منه فجعل في موضع أقماعه الإبر أياما ثم نزعت منه وجئ به إليه، فأكل منه وهو في علته التي ذكرناها فقتله، وذكر أن ذلك من لطيف السموم (2). # وروى جماعة كثيرة بن أصحابنا، عن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن أبي الصلت الهروي قال: بينا أنا واقف بين يدي الرضا عليه السلام إذ قال لي: (يا أبا الصلت، ادخل هذه القبة التي فيها قبر هارون فائتني بترابه من أربعة جوانب). # قال: فأتيته به فقال: (ناولني هذا التراب) - وهو من عند الباب - فناولته فأخذه وشمه ثم رمى به فقال: (سيحفر لي ههنا، فتظهر صخرة لو # PageV02P081 # جمع عليها كل معول بخراسان لم يتهيأ قلعها) ثم قال: (في الذي عند الرجل مثل ذلك، وفي الذي عند الرأس مثل ذلك). # ثم قال: (ناولني هذا التراب فهو من تربتي) ثم قال: (سيحفر لي في هذا الموضع فتأمرهم أن يحفروا لي سبع مراقي ms330 إلى أسفل، وأن يشق لي ضريحا، فإن أبوا إلا أن يلحدوا فتأمرهم أن يجعلوا اللحد ذراعين وشبرا، فإن الله عز وجل سيوسعه لي بما شاء، فإذا فعلوا ذلك فإنك ترى عند رأسي نداوة، فتكلم بالكلام الذي أعلمك، فإنه ينبع الماء حتى يمتلئ اللحد وترى فيه حيتانا صغارا ففتت لها الخبز الذي أعطيك فإنها تلتقطه، فإذا لم يبق منه شئ خرجت حوتة كبيرة فالتقطت الحيتان. الصغار حتى لا يبقى منها شئ، ثم تغيب فإذا غابت فضع يدك على الماء وتكلم بالكلام الذي اعلمك فإنه ينضب الماء ولا يبقى منه شئ، ولا تفعل ذلك إلا بحضرة المأمون). # ثم قال عليه السلام: يا أبا الصلت، غدا أدخل إلى هذا الفاجر فإن أنا خرجت وأنا مكشوف الرأس فتكلم أكلمك، وإن خرجت وأنا مغطى الرأس فلا تكلمني). # فلما أصبحنا من الغد لبس ثيابه وجلس في محرابه ينتظر، فبينا هو كذلك إذ دخل عليه غلام المأمون فقال له: أجب أمير المؤمنين، فلبس نعله ورداءه وقام يمشي وأنا أتبعه حتى دخل على المأمون وبين يديه طبق عليه عنب وأطباق فاكهة وبيده عنقود عنب قد أكل بعضه وبقي بعضه، فلما بصر بالرضا عليه السلام وثب إليه وعانقه وقبل ما بين عينيه وأجلسه معه وناوله العنقود وقال: يا ابن رسول الله ما رأيت عنبا أحسن من هذا، فقال له الرضا عليه السلام: (ربما كان عنبا حسنا يكون من الجنة) فقال: كل منه، فقال له الرضا عليه السلام: (تعفيني منه) فقال: لابد من ذلك، وما يمنعك منه، PageV02P082 # لعلك تتهمنا بشئ، فتناول العنقود وأكل منه ثم ناوله فأكل منه الرضا عليه السلام ثلاث حبات ثم رمى به وقام، فقال له المأمون: إلى أين؟ قال: (إلى حيث وجهتني). # وخرج عليه السلام مغطى الرأس فلم أكلمه حتى دخل الدار وأمر أن يغلق الباب فاغلق ثم نام عليه السلام على فراشه، ومكثت واقفا في صحن الدار مهموما محزونا، فبينا أنا كذلك إذ دخل علي شاب حسن الوجه قطط الشعر أشبه الناس بالرضا عليه السلام ms331 فبادرت إليه وقلت: من أين دخلت والباب مغلق؟ فقال لي: (الذي جاء بي من المدينة في هذا الوقت هو الذي أدخلني الدار والباب مغلق). # فقلت له: ومن أنت؟ # فقال لي: (أنا حجة الله عليك يا أبا الصلت، أنا محمد بن علي). # ثم مضى نحو أبيه عليه السلام فدخل وأمرني بالدخول معه، فلما نظر إليه الرضا عليه السلام وثب إليه فعانقه وضمه إلى صدره وقبل ما بين عينيه، ثم سحبه سحبا في فراشه وأكب عليه محمد بن علي يقبله، وساره بشئ لم أفهمه، ورأيت على شفتي الرضا زبدا أشد بياضا من الثلج، ورأيت أبو جعفر يلحسه بلسانه، ثم أدخل يده بين ثوبيه وصدره فاستخرج منه شيئا شبيها بالعصفور فابتلعه أبو جعفر، ومضى الرضا عليه السلام. # فقال أبو جعفر: (قم يا أبا الصلت وائتني بالمغتسل والماء من الخزانة). # فقلت: ما في الخزانة مغتسل ولا ماء. # فقال لي: (انته إلى ما أمرك به). # فدخلت الخزانة، فإذا فيها مغتسل - وماء، فأخرجته وشمرت ثيابي لأغسله معه، فقال لي: (تنح) يا أبا الصلت، فإن معي من يعينني غيرك). PageV02P083 # فغسله ثم قال لي: (ادخل الخزانة فأخرج إلي السفط الذي فيه كفنه وحنوطه). # فدخلت، فإذا أنا بالسفط لم أره في تلك الخزانة قط، فحملته إليه وكفنه وصلى عليه، ثم قال: (إئتني بالتابوت). # فقلت: أمضي إلى النجار حتى يصلح تابوتا. # قال: (قم، فإن في الخزانة تابوتا). # فدخلت الخزانة فوجدت تابوتا لم أره قط، فأتيته به فأخذه عليه السلام فوضعه في التابوت بعدما صلى عليه وصف قدميه وصلى ركعتين، لم يفرغ منها حتى علا التابوت وانشق السقف فخرج منه التابوت ومضى، فقلت: # يا ابن رسول الله الساعة يجيئنا المأمون يطالبنا بالرضا فما نصنع؟ # فقال لي: (أسكت فإنه سيعود يا أبا الصلت، ما من نبي يموت في المشرق ويموت وصيه في المغرب إلا جمع الله بين أرواحهما وأجسادهما). # فما أتم الحديث حتى انشق السقف ونزل التابوت، فقام عليه السلام واستخرج الرضا عليه السلام من التابوت ووضعه على فراشه كأنه لم يغسل ms332 ولم يكفن، ثم قال: (يا أبا الصلت، قم فافتح الباب للمأمون). # ففتحت الباب فإذا المأمون والغلمان بالباب، فدخل باكيا حزينا قد شق جيبه ولطم رأسه وهو يقول: يا سيداه، فجعت بك يا سيدي، ثم دخل وجلس عند رأسه وقال: خذوا في تجهيزه. # فأمر بحفر القبر، فحفرت الموضع فظهر كل شئ على ما وصفه الرضا عليه السلام، فقام بعض جلسائه وقال: ألست تزعم أنه إمام؟ قلت: بلى، لا يكون الامام إلا مقدم الناس، فأمر أن يحفر له في القبلة، فقلت: أمرني أن أحفر له سبع مراقي وأن أشق له ضريحه، فقال: إنتهوا إلى ما يأمر به أبو الصلت - سوى الضريح - ولكن يحفر له ويلحد. PageV02P084 # فلما رأى ما ظهر له من النداوة والحيتان وغير ذلك قال المأمون: لم يزل الرضا عليه السلام يرينا العجائب في حياته حتى أراناها بعد وفاته أيضا. # فقال له وزير كان معه: أتدري ما أخبرك به الرضا. # قال: لا. # قال: أخبركم إن ملككم بني العباس - مع كثرتكم وطول مدتكم - مثل هذه الحيتان، حتى إذا فنيت آجالكم وانقطعت آثاركم وذهبت دولتكم سلط الله تعالى عليكم رجلا منا فأفناكم عن آخركم. # قال له: صدقت، ثم قال: يا أبا الصلت، علمني الكلام الذي تكلمت به. # قلت: والله لقد نسيت الكلام من ساعتي، وقد كنت صدقت، فأمر بحبسي، فحبست سنة، فضاق علي الحبس وسألت الله أن يفرج عني بحق محمد وآله، فلم أستتم الدعاء حتى دخل محمد ين علي الرضا عليهما السلام فقال لي: (ضاق صدرك يا أبا الصلت؟) فقلت: إي والله. # قال: (قم فاخرج) ثم ضرب بيده إلى القيود التي كانت علي ففكها، وأخذ بيدي وأخرجني من الدار، والحرسة والغلمة يرونني فلم يستطيعوا أن يكلموني، وخرجت من باب الدار ثم قال لي: (إمض في ودائع الله، فإنك لن تصل إليه ولا يصل إليك أبدا). # قال أبو الصلت: فلم ألتق مع المأمون إلى هذا الوقت (1). # وروي عن إبراهيم بن العباس قال: كانت البيعة للرضا عليه السلام # PageV02P085 # لخمس خلون من شهر رمضان سنة ms333 إحدى ومائتين، وزوجه ابنته أم حبيب في أول سنة اثنين ومائتين، وتوفي سنة ثلاث ومائتين والمأمون متوجه إلى العراق (1). # وفي رواية هرثمة بن أعين عن الرضا عليه السلام - في حديث طويل -: أنه قال: " يا هرثمة، هذا أوان رحيلي إلى الله عز وجل ولحوقي بجدي وآبائي عليهم السلام، وقد بلغ الكتاب أجله، فقد عزم هذا الطاغي على سمي في عنب ورمان مفروك، فأما العنب فإنه يغمس السلك في السم ويجذبه بالخيط في العنب، وأما الرمان فإنه يطرح السم في كف بعض غلمانه ويفرك الرمان بيده ليلطخ حبه في ذلك السم، وإنه سيدعوني في اليوم المقبل ويقرب إلي الرمان والعنب ويسألني أكلهما فأكلهما ثم ينفذ الحكم ويحضر القضاء) (2). # ثم ساق الحديث بطوله قريبا من حديث أبي الصلت الهروي في معناه، ويزيد عليه بأشياء. # وكان للرضا عليه السلام من الولد ابنه أبو جعفر محمد بن علي الجواد عليه السلام لا غير (3). # ولما توفي الرضا عليه السلام أنفذ المأمون إلى محمد بن جعفر الصادق عليه السلام وجماعة آل أبي طالب الذين كانوا عنده، فلما حضروه نعاه إليهم وأظهر. حزنا شديدا وتوجعا، وأراهم إياه صحيح الجسد، وقال: يعز علي يا أخي أن أراك بهذه الحال وقد كنت آمل أن أقدم قبلك، ولكن أبى الله # PageV02P086 # إلا ما أراد (1). # PageV02P087 # (الباب الثامن) في ذكر الامام التقي أبي جعفر محمد بن علي الرضا عليهما السلام أربعة فصول: PageV02P090 # (الفصل الأول) في ذكر تاريخ مولده، ومدة إمامته ووقت وفاته عليه السلام ولد عليه السلام في شهر رمضان من سنة خمس وتسعين ومائة لسبع عشرة ليلة مضت من الشهر (1). وقيل: للنصف منه ليلة الجمعة (2). # وفي رواية ابن عياش: ولد يوم الجمعة لعشر خلون من رجب (3). # وقبض عليه السلام ببغداد في آخر ذي القعدة سنة عشرين ومائتين، وله بومئذ خمس وعشرون سنة. # وكانت مدة خلافته لأبيه سبع عشرة سنة، وكانت في أيام إمامته بقية ملك المأمون، وقبض عليه السلام في أول ملك المعتصم. # وأمه - أم ولد يقال لها: سبيكة. ويقال: درة، ثم سماها ms334 الرضا عليه السلام خيزران، وكانت نوبية (4). # ولقبه: التقي، والمنتجب، والجواد، والمرتضى. ويقال له: أبو جعفر الثاني. # ودفن عليه السلام في مقابر قريش في ظهر جده موسى عليه السلام (5). # PageV02P091 # (الفصل الثاني) في ذكر النصوص الدالة على إمامته عليه السلام يدل على إمامته عليه السلام - بعد طريقة الاعتبار وطريقة التواتر اللتين تقدم ذكرهما في إمامة آبائه عليهم السلام - ما ثبت من إشارة أبيه إليه بالإمامة. # ورواه الثقات من أصحابه وأهل بيته عنه، مثل عمه علي بن جعفر الصادق عليه السلام، وصفوان بن يحيى، ومعمر بن خلاد، وابن أبي نصر البزنطي، والحسين بن بشار، وغيرهم. # فروى محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، وعلي بن محمد القاساني جميعا، عن زكريا بن يحيى قال: سمعت علي بن جعفر يحدث الحسن بن الحسين بن علي بن الحسين فقال في حديثه: لقد نصر الله أبا الحسن الرضا عليه السلام لما بغى عليه إخوته وعمومته. وذكر حديثا طويلا حتى انتهى إلى قوله: فقمت (وقبضت على يد) (1) أبي جعفر محمد بن علي الرضا عليهما السلام وقلت: أشهد أنك إمامي عند الله، فبكى الرضا عليه السلام ثم قال: (يا عم، ألم تسمع أبي وهو يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: بأبي ابن خيرة الإماء النوبية الطيبة يكون من ولده الطريد الشريد الموتور بأبيه وجده صاحب الغيبة يقال: مات أو هلك أي واد سلك؟) فقلت: صدقت جعلت فداك (2). # PageV02P092 # عنه، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن صفوان بن يحيى قال: قلت للرضا عليه السلام: قد كنا نسألك قبل أن يهب الله لك أبا جعفر فكنت تقول: (يهب الله لي غلاما) فقد وهبه الله لك، فأقر عيوننا، فلا أرانا الله يومك، فإن كان كون فإلى من؟ # فأشار بيده إلى أبي جعفر عليه السلام وهو قائم بين يديه، فقلت له: # جعلت فداك هذا ابن ثلاث سنين؟! # قال: (وما يضره من ذلك، قد قام عيسى بالحجة وهو ابن أقل من ثلاث سنين) (1). # وعنه، عن محمد بن ms335 يحيى، عن أحمد بن محمد، عن معمر بن خلاد قال: سمعت الرضا عليه السلام - وذكر شيئا - فقال: (ما حاجتكم إلى ذلك، هذا أبو جعفر قد أجلسته مجلسي، وصيرته مكاني). # وقال: (إنا أهل بيت يتوارث أصاغرنا عن أكابرنا القذة بالقذة (2) (3). # وعنه، عن بعض أصحابنا، عن محمد بن علي، عن معاوية بن حكيم، عن ابن أبي نصر البزنطي قال: قال لي ابن النجاشي: من الامام من بعد صاحبك؟ - ولم يكن رزق أبا جعفر - فدخلت على الرضا عليه # PageV02P093 # السلام فأخبرته بما سألني عنه ابن النجاشي فقال: (الإمام بعدي ابني) ثم قال: (وهل يجترئ أحد أن يقول ابني وليس له ولده؟!) (1). # وعنه، عن عدة من أصحابه، عن أحمد بن محمد، عن جعفر بن يحيى، عن مالك بن أشيم، عن الحسين بن يسار قال: كتب ابن قياما إلى أبي الحسن الرضا عليه السلام كتابا يقول فيه: كيف تكون إماما وليس لك ولد؟ # فأجابه أبو الحسن عليه السلام: " وما علمك أنه لا يكون لي ولد، والله لا تمضي الأيام والليالي حتى يرزقني الله ذكرا يفرق بين الحق والباطل) (2). # وعنه، عن الحسين بن محمد، عن الخيراني، عن أبيه قال: كنت واقفا بين يدي أبي الحسن عليه السلام بخراسان فقال له قائل: يا سيدي إن كان كون فإلى من؟ # قال: (إلى أبي جعفر ابني). # فكأن القائل استصغر سن أبي جعفر، فقال أبو الحسن عليه السلام: # (إن الله بعث عيسى بن مريم رسولا نبيا صاحب شريعة مبتدأة في أصغر من السن الذي هو فيه) (3). # PageV02P094 # وعنه، عن علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن محمد بن الوليد، عن يحيى بن حبيب الزيات قال: أخبرني من كان عند الرضا عليه السلام جالسا، فلما نهضوا قال لهم: (ألقوا أبا جعفر فسلموا عليه وأحدثوا به عهدا). # فلما نهض القوم التفت إلي فقال: (رحم الله المفضل، إنه كان ليقنع بدون هذا) (1). # وعنه، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن علي، عن الحسن بن الجهم قال: كنت مع أبي الحسن الرضا عليه السلام جالسا ms336 فدعا بابنه وهو صغير، فأجلسه في حجري وقال لي: (جرده) أي انزع قميصه. # فنزعته، فقال: (انظر بين كتفيه) فنظرت فإذا في إحدى كتفيه شبيه بالخاتم داخل في اللحم، فقال لي: (أترى هذا؟ كان مثله في هذا الموضع من أبي عليه السلام) (2). # وعنه، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن علي، عن أبي يحيى الصنعاني قال: كنت عند أبي الحسن الرضا عليه السلام فجئ بابنه أبي جعفر؟ هو صغير فقال: (هذا المولود الذي لم يولد مولود أعظم بركة على شيعتنا منه) (3). # PageV02P095 # (الفصل الثالث) في ذكر طرف من دلائله ومعجزاته عليه السلام محمد بن يعقوب، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن حسان، عن علي بن خالد قال: كنت بالعسكر فبلغني أن هناك رجلا محبوسا اتي به من ناحية الشام مكبولا وقالوا: إنه تنبأ، قال: فأتيت الباب وداريت البوابين حتى وصلت إليه، فإذا رجل له فهم وعقل، فقلت له: ما قصتك؟ # فقال: إني كنت بالشام أعبد الله في الموضع الذي يقال إنه نصب فيه رأس الحسين عليه السلام، فبينا أنا ذات ليلة في موضعي مقبل على المحراب أذكر الله تعالى إذ رأيت شخصا بين يدي فنظرت إليه فقال لي: # (قم) فقمت، فمشى بي قليلا فإذا أنا في مسجد الكوفة فقال لي: (أتعرف هذا المسجد؟) فقلت: نعم هذا مسجد الكوفة. # قال: فصلى وصليت معه، ثم انصرف وانصرفت معه، فمشى بي قليلا فإذا نحن بمسجد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فسلم على الرسول وصلى وصليت معه. # ثم خرج وخرجت معه، فمشى قليلا فإذا أنا بمكة، فطاف بالبيت وطفت معه. # ثم خرج فمشى قليلا فإذا أنا بموضعي الذي كنت أعبد الله بالشام، وغاب الشخص عن عيني، فبقيت متعجبا حولا مما رأيت، فلما كان في العام المقبل رأيت ذلك الشخص فاستبشرت به ودعاني فأجبته. ففعل كما فعل في العام الماضي، فلما أراد مفارقتي بالشام قلت له: سألتك بحق الذي أقدرك على ما رأيت منك إلا أخبرتني من أنت؟ PageV02P096 # قال: (أنا محمد بن علي بن موسى ms337 بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام). # فحدثت من كان يصير إلي بخبره، فرقي ذلك إلى محمد بن عبد الملك الزيات فبعث إلي من أخذني وكبلني في الحديد وحملني إلى العراق وحبست كما ترى، وادعى علي المحال. # فقلت له: أرفع عنك القصة إلى محمد بن عبد الملك الزيات؟ # قال: إفعل. # فكتبت عنه قصة، شرحت أمره فيها ورفعتها إلى محمد بن عبد الملك، فوقع في ظهرها: قل للذي أخرجك من الشام في ليلة إلى الكوفة، ومن الكوفة إلى المدينة، ومن المدينة إلى مكة، وردك من مكة إلى الشام أن يخرجك من حبسك هذا. # قال علي بن خالد: فغمني ذلك من أمره وانصرفت محزونا عليه، فلما كان من الغد باكرت إلى الحبس لأعلمه الحال وآمره بالصبر والعزاء، فوجدت الجند وأصحاب الحرس وخلقا عظيما من الناس يهرعون، فسألت عن حالهم فقيل لي: المتنبئ المحمول من الشام أفتقد البارحة من الحبس، فلا يدرى خسفت به الأرض أو اختطفه الطير. # وكان علي بن خالد هذا زيديا فشال بالإمامة لما رأى ذلك وحسن اعتقاده (1). # وفي كتاب أخبار أبي هاشم الجعفري رضي الله عنه للشيخ أبي # PageV02P097 # عبد الله أحمد بن محمد بن عياش الذي أخبرني بجميعه السيد أبو طالب محمد بن الحسين الحسيني القصبي الجرجاني رحمه الله قال: أخبرني والدي السيد أبو عبد الله الحسين بن الحسن القصبي، عن الشريف أبي الحسين طاهر بن محمد الجعفري عنه قال. حدثني أبو علي أحمد بن محمد ابن محيى العطار القمي، عن عبد الله بن جعفر الحميري قال: قال أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري: دخلت على أبي جعفر الثاني عليه السلام ومعي ثلاث رقاع غير معنونة واشتبهت علي فاغتممت لذلك، فتناول إحداهن وقال: (هذه رقعة ريان بن شبيب) ثم تناول الثانية فقال: (هذه رقعة محمد ابن حمزة) وتناول الثالثة وقال: (هذه رقعة فلان) فبهت فنظر إلي وتبسم عليه السلام. # قال الحميري: وقال لي أبو هاشم: وأعطاني أبو جعفر ثلاثمائة دينار في ms338 صرة وأمرني أن أحملها إلى بعض بني عمه وقال: (أما إنه سيقول لك دلني على حريف يشتري لي بها متاعا فدله عليه). # قال: فأتيته بالدنانير فقال لي: يا أبا هاشم دلني على حريف يشتري لي بها متاعا. ففعلت. # قال أبو هاشم: وكلمني جمال أن أكلمه ليدخله في، بعض أموره، فدخلت عليه لم كلمه فوجدته يأكل مع جماعة فلم يمكنني كلامه، فقال: # (يا أبا هاشم كال) ووضع بين يدي ثم قال - ابتداء منه من غير مسألة -: # (يا غلام انظر الجمال الذي أتانا به أبو هاشم فضمه إليك). # قال أبو هاشم: ودخلت معه ذات يوم بستانا فقلت له: جعلت فداك، إني مولع بأكل الطين، فادع الله لي، فسكت ثم قال لي بعد أيام - ابتداء منه -: # (يا أبا هاشم، قد أذهب الله عنك أكل الطين). PageV02P098 # قال أبو هاشم: فما شئ أبغض إلي منه (١). # ومما رواه محمد بن يعقوب، عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد (عن علي بن أسباط) (٢) قال: خرج علي أبو جعفر حدثان موت أبيه فنظرت إلى قده لأصف قامته لأصحابنا فقعد، ثم قال: (يا علي، إن الله تعالى احتج في الإمامة بمثل ما احتج به في النبوة فقال: ﴿وآتيناه الحكم صبيا﴾ (3)) (4). # وروى أيضا: عن عدة من أصحابه، عن أحمد بن محمد، عن الحجال (وعمرو بن عثمان) (5)، عن رجل من أهل المدينة، عن المطر في قال: مضى أبو الحسن الرضا عليه السلام ولي عليه أربعة آلاف درهم، لم يكن يعرفها غيري وغيره، فأرسل إلي أبو جعفر: (إذا كان في غد فائتني). # فأتيته من الغد، فقال لي: (مضى أبو الحسن ولك عليه أربعة آلاف درهم؟) فقلت: نعم. # فرفع المصلى الذي كان تحته، فإذا تحته دنانير فدفعها إلي، وكان # PageV02P099 # قيمتها في الوقت أربعة آلاف درهم (1). # وروى محمد بن أحمد بن يحيى في كتاب (نوادر الحكمة): عن موسى بن جعفر، عن أمية بن علي قال: كنت بالمدينة، وكنت أختلف إلى أبي جعفر عليه السلام وأبو الحسن عليه السلام بخراسان وكان أهل بيته وعمومة ms339 أبيه يأتونه ويسلمون عليه، فدعا يوما الجارية فقال: (قولي لهم: # يتهيأون للمأتم). # فلما تفرقوا قالوا: ألا سألناه مأتم من؟ # فلما كان من الغد فعل مثل ذلك، فقالوا: مأتم من؟ # قال: (مأتم خير من على ظهرها). # فأتانا خبر أبي الحسن عليه السلام بعد ذلك بأيام، فإذا هو قد مات في ذلك اليوم (2). # وفيه: عن حمدان بن سليمان، عن أبي سعيد الأرمني، عن محمد ابن عبد الله بن مهران قال: قال: محمد بن الفرج: كتب إلي أبو جعفر: # (إحملوا إلي الخمس، فإني لست آخذه منكم سوى عامي هذا). # فقبض عليه السلام في تلك السنة (3). # PageV02P100 # (الفصل الرابع) في ذكر بعض مناقبه وفضائله عليه السلام كان عليه السلام قد بلغ في كمال العقل والفضل والعلم والحكم والأدب - مع صغر سنه - منزلة لم يساوه فيها أحد من ذوي السن من السادات وغيرهم، ولذلك كان المأمون مشغوفا به لما رأى من علو رتبته وعظم منزلته في جميع الفضائل، فزوجه ابنته أم الفضل، وحملها معه إلى المدينة، وكان متوفرا على تعظيمه وتوقيره وتبجيله. # وروي عن الريان بن شبيب: أن المأمون لما أراد أن يزوجه ابنته استكبر ذلك جماعة العباسية، وخاضوا في ذلك، وقالوا للمأمون: ننشدك الله أن تقيم على هذا الامر الذي عزمت عليه من تزويج ابن الرضا، فإنا نخاف أن تخرج به عنا أمرا قد ملكناه الله! وتنزع عنا عزا قد ألبسناه الله وقد كنا في وهلة من عملك مع الرضا حتى كفانا الله المهم من ذلك! # فقال المأمون: والله ما ندمت على ما كان مني من استخلاف الرضا، ولقد سألته أن يقوم بالامر وانزعه من عنقي فأبى، وكان أمر الله قدرا مقدورا، وأما أبو جعفر فقد اخترته لتبريزه على كافة أهل الفضل مع صغر سنه والأعجوبة فيه بذلك. # فقالوا له: إنه صبي لا معرفة له، فأمهله ليتأدب ويتفقه في الدين ثم اصنع ما تراه. # فقال لهم: ويحكم، إني أعرف بهذا الفتى منكم، وإن أهل هذا البيت علمهم من الله تعالى ومواده وإلهامه، ولم يزل آباؤه ms340 أغنياء في علم الذين والأدب عن الرعايا الناقصة عن حد الكمال، فإن شئتم فامتحنوا أبا PageV02P101 # جعفر حتى يتبين لكم ما وصفت لكم من حاله. # قالوا: قد رضينا بذلك. # فخرجوا، واتفق رأيهم على أن يحيى بن أكثم يسأله مسألة - وهو قاضي الزمان - فأجابهم المأمون إلى ذلك. # واجتمع القوم في يوم اتفقوا عليه، وأمر المأمون أن يفرش لأبي جعفر دست (1)، وبجعل له فيه مسورتان، ففعل ذلك، وخرج أبو جعفر - وهو يومئذ ابن تسع سنين وأشهر - فجلس بين المسورتين، وجلس يحيى بن أكثم بين يديه، وقام الناس في مراتبهم، والمأمون جالس في دست متصل بدست أبي جعفر عليه السلام، فقال يحيى بن أكثم للمأمون: أتأذن لي يا أمير المؤمنين أن أسأل أبا جعفر؟ # فقال: استأذنه في ذلك. # فأقبل عليه يحيى وقال: أتأذن لي جعلت فداك في مسألة؟ # فقال: (سل إن شئت). # فقال: ما تقول - جعلت فداك - في محرم قتل صيدا؟ # فقال أبو جعفر عليه السلام: (في حل أو حرم؟ عالما كان المحرم أو جاهلا؟ قتله عمدا أو خطأ؟ حرا كان المحرم أو عبدا؟ صغيرا كان أم كبيرا؟ # مبتدئا كان بالقتل أم معيدا؟ من ذوات الطير كان الصيد أم من غيرها؟ من صغار الصيد كان أم كبارها؟ مصرا كان على ما فعل أم نادما؟ ليلا كان قتله للصيد أم نهارا؟ محرما كان بالعمرة إذ قتله أو بالحج كان محرما؟). # فتحير يحيى بن أكثم وبان في وجهه العجز والانقطاع، وتلجلج حتى عرف أهل المجلس أمره، فقال المأمون: الحمد لله على هذه النعمة # PageV02P102 # والتوفيق لي في الرأي، ثم قال لأبي جعفر عليه السلام: اخطب لنفسك، فقد رضيتك لنفسي وأنا مزوجك أم الفضل ابنتي. # فقال أبو جعفر عليه السلام: (الحمد لله إقرارا بنعمته، ولا إله إلا الله إخلاصا لوحدانيته، وصلى الله على محمد سيد بريته، وعلى الأصفياء من عترته. # أما بعد: فقد كان من فضل الله على الأنام أن أغناهم بالحلال عن الحرام فقال سبحانه: ﴿وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله ms341 من فضله والله واسع عليم﴾ (1) ثم إن محمد بن علي بن موسى يخطب أم الفضل ابنة عبد الله المأمون، وقد بذل لها من الصداق مهر جدته فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو خمسمائة درهم جيادا، فهل زوجته يا أمير المؤمنين بها على الصداق ا لمذكور؟) فقال المأمون: نعم، قد زوجتك يا أبا جعفر أم الفضل ابنتي على الصداق المذكور، فهل قبلت النكاح؟ # قال أبو جعفر: (نعم، قبلت النكاح ورضيت به). # فأمر المأمون أن يقعد الناس على مراتبهم. # قال الريان: فلم نلبث أن سمعنا أصواتا تشبه أصوات الملاحين، فإذا الخدم يجرون سفينة مصنوعة من فضة تشد بحبال الإبريسم على عجلة مملوة من الغالية (2)، ثم أمر المأمون أن تخضب لحى الخاصة من تلك الغالية، ثم. مدت إلى دار العامة، وطيبوا بها، ووضعت الموائد وأكل الناس، # PageV02P103 # وخرجت الجوائز إلى كل قوم على قدرهم. # فلما تفرق الناس وبقي من الخاصة من بقي قال المأمون لأبي جعفر: # إن رأيت جعلت فداك أن تذكر تفصيل ما ذكرته من الفقه في قتل المحرم فعلت. # فقال أبو جعفر: (نعم). وأجاب عن جميع المسائل بما هو مشهور. # فقال له المأمون: أحسنت، أحسن الله إليك يا أبا جعفر، فإن رأيت أن تسأل يحيى عن مسألة كما سألك. # فقال له أبو جعفر عليه السلام: (اخبرني عن رجل نظر إلى امرأة في أول النهار فكان نظره إليها حراما عليه، فلما ارتفع النهار حلت له، فلما زالت الشمس حرمت عليه، فلما كان وقت العصر حلت له، فلما غربت الشمس حرمت عليه، فلما دخل وقت العشاء الآخرة حلت له، فلما كان انتصاف الليل حرمت عليه، فلما طلع الفجر حلت له، ما حال هذه المرأة، وبماذا حلت له وحرمت عليه؟) فقال يحيى: لا أعرف ذلك، فإن رأيت أن تفيدنا. # فقال أبو جعفر عليه السلام: (هذه المرأة أمة لرجل من الناس، نظر (إليها (أجنبي) (1) أول النهار (فكان نظره إليها حراما) فلما ارتفع النهار ابتاعها من مولاها فحلت له، فلما كان عند الظهر أعتقها ms342 فحرمت عليه، ثم تروجها وقت العصر فحلت له، ثم ظاهر منها وقت المغرب فحرمت عليه، ثم كفر عن الظهار وقت العشاء فحلت له، ثم طلقها واحدة نصف الليل فحرمت عليه، ثم راجعها وقت الفجر فحلت له). # فأقبل المأمون على من حضره من أهل بيته وقال: ويحكم، إن أهل هذا البيت خصوا من الخلق بما ترون من الفضل، لان صغر السن فيهم لا يمنعهم من الكمال، أما علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم افتتح # PageV02P104 # دعوته بدعاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وهو ابن عشر سنين، وقبل منه الاسلام، وحكم الله له به، ولم يدع أحدا في سنه غيره، وبايع الحسن والحسين عليهما السلام وهما ابنا دون الست سنين ولم ببايع صبيا غيرهما، فإنهم ذرية بعضها من بعض، يجري لاخرهم ما يجري لأولهم. # قالوا: صدقت يا أمير المؤمنين. ثم نهض القوم. # فلما كان من الغد أحضر الناس، وحضر أبو جعفر عليه السلام، وصار القواد والحجاب والخاصة والعمال لتهنئة المأمون وأبي جعفر، فأخرجت ثلاثة أطباق من الفضة فيها بنادق مسك وزعفران معجون، في أجواف تلك البنادق رقاع مكتوبة بأموال جزيلة وعطايا سنية واقطاعات، فأمر المأمون بنثرها على القوم من خاصته، فكل من وقع في يده بندقة أخرج الرقعة التي فيها والتمسه فأطلق له، ووضعت البدر فنثر ما فيها على القواد وغيرهم، وانصرف الناس وهم أغنياء بالجوائز والعطايا، ولم يزل مكرما لأبي جعفر عليه السلام يؤثره على ولده وجماعة أهل بيته (1). # ولما انصرف أبو جعفر عليه السلام من عند المأمون ببغداد ومعه أم الفضل إلى المدينة، صار إلى شارع باب الكوفة والناس يشيعونه، فانتهى إلى دار المسيب عند مغيب الشمس، فنزل ودخل المسجد، وكان في صحنه نبقة لم تحمل بعد، فدعا بكوز فيه ماء فتوضأ في أصل النبقة وقام وصلى بالناس صلاة المغرب، فقرأ في الأولى (بالحمد) و (إذا جاء نصر الله) وفي الثانية (بالحمد) و (قل هو الله أحد) وقنت قبل الركوع، وجلس بعد التسليم # PageV02P105 # هنيهة يذكر الله تعالى، ms343 وقام من غير تعقيب فصلى النوافل أربع ركعات، وعقب بعدها، وسجد سجدتي الشكر ثم خرج، فلما انتهى إلى النبقة رآها الناس وقد حملت حملا كثيرا حسنا، فتعجبوا من ذلك، فأكلوا منها فوجدوه نبقا حلوا لا عجم له، ومضى عليه السلام إلى المدينة (1). # ولم يزل بها حتى أشخصه المعتصم إلى بغداد في أول سنة (خمس وعشرين) (2) ومائتين، فأقام بها حتى توفي في آخر ذي القعدة من هذه السنة (3). # وقيل: إنه مضى عليه السلام مسموما (4). # وخلف من الولد: ابنه عليا عليه السلام الامام، وموسى (5). # (ويقال: و) (6) فاطمة، وامامة ابنتيه، ولم يخلف غيرهم (7). # PageV02P106 # (الباب التاسع) في ذكر الامام النقي أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى عليهم السلام وفيه أربعة فصول: PageV02P107 # (الفصل الأول) في ذكر مولده، ومبلغ سنته، ووقت وفاته، وموضع قبره عليه السلام ولد عليه السلام بصريا (1) من المدينة في النصف من ذي الحجة سنة اثنتي عشرة ومائتين. وفي رواية ابن عياش: يوم الثلاثاء الخامس من رجب. # وقبض بسر من رأى في رجب سنة أربع وخمسين ومائتين، وله يومئذ إحدى وأربعون سنة وأشهر، وكان المتوكل قد أشخصه مع يحيى بن هرثمة ابن أعين من المدينة إلى سر من رأى فأقام بها حتى مضى لسبيله. # وكانت مدة إمامته ثلاثا وثلاثين سنة. # وأمه أم ولد يقال لها: سمانة (2). # ولقبه: النقي، والعالم، والفقيه، والأمين، والطيب، ويقال له أبو الحسن الثالث. # وكانت في أيام إمامته بقية ملك المعتصم، ثم ملك الواثق خمس سنين وسبعة أشهر، ثم ملك المتوكل أربع عشرة سنة، ثم ملك ابنه المنتصر ستة أشهر، ثم ملك المستعين - وهو أحمد بن محمد بن المعتصم - سنتين وتسعة أشهر، ثم ملك المعتز - وهو الزبير بن المتوكل - ثماني سنين وستة # PageV02P109 # أشهر، وفي آخر ملكه استشهد ولي الله علي بن محمد عليهما السلام ودفن عليه السلام في داره بسر من رأى (1) # PageV02P110 # (الفصل الثاني) في ذكر طرف من النص الدال على إمامته عليه السلام يدل على إمامته عليه السلام - بعد الطريقتين اللتين تكرر ذكرهما في الدلالة على ms344 إمامة آبائه عليهم السلام - ما ثبت من إشارة أبيه إليه وتوقيفه عليه: # وهوما رواه محمد بن يعقوب، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مهران قال: لما اخرج أبو جعفر عليه السلام في الدفعة الأولى من المدينة إلى بغداد قلت له: إني أخاف عليك من هذا الوجه، فإلى من الامر بعدك؟ # قال: فكر بوجهه إلي ضاحكا وقال: " ليس حيث ظننت في هذه السنة). # فلما استدعي به إلى المعتصم صرت إليه فقلت: جعلت فداك. أنت خارج فإلى من الامر من بعدك؟ # فبكى حتى اخضلت لحيته، ثم التفت إلي فقال: (عند هذه يخاف علي، الامر من بعدي إلى ابني علي) (1). # محمد بن يعقوب، عن الحسين بن محمد، عن الخيراني، عن أبيه - وكان يلزم باب أبي جعفر للخدمة التي وكل بها - قال: كان أحمد بن محمد # PageV02P111 # ابن عيسى الأشعري يجئ ليتعرف خبر علة أبي جعفر عليه السلام، وكان الرسول الذي يختلف بين أبي جعفر وبين أبي إذا حضر قام أحمد بن محمد ابن عيسى وخلا به أبي، فخرج ذات ليلة وقام أحمد عن المجلس وخلا أبي بالرسول، واستدار أحمد حتى وقف حيث يسمع الكلام فقال الرسول لأبي: # إن مولاك يقرأ عليك السلام ويقول: (إني ماض والامر صائر إلى ابني علي، وله عليكم بعدي ما كان لي عليكم بعد أبي) ثم مضى الرسول فرجع أحمد ابن محمد بن عيسى إلى موضعه وقال لأبي: ما الذي قال لك؟ قال: خيرا، قال: فإنني قد سمعت ما قال، فأعاد إليه ما سمع، فقال له أبي: قد حرم الله عليك ذلك لان الله تعالى يقول: ﴿ولا تجسسوا﴾ (1) فأما إذا سمعت فاحفظ هذه الشهادة لعلنا نحتاج إليها يوما ما، وإياك أن تظهرها لاحد إلى وقتها. # فلما أصبح أبي كتب نسخة الرسالة في عشر رقاع بلفظها، وختمها ودفعها إلى عشرة من وجوه العصابة، وقال لهم: إن حدث بي حدث الموت قبل أن أطالبكم بها فافتحوها واعملوا بما فيها. # قال: فلما مضى أبو جعفر عليه السلام لبث أبي في ms345 منزله، فلم يخرج حتى اجتمع رؤساء الامامية عند محمد - بن الفرج الرخجي يتفاوضون في القائم بعد أبي جعفر ويخوضون في ذلك، فكتب محمد بن الفرج إلى أبي يعلمه باجتماع القوم عنده، وأنه لولا. مخافة الشهرة لصار معهم إليه، وسأله أن فركب أبي وصار إليه، فوجد القوم مجتمعين عنده، فقالوا لأبي: ما تقول في هذا الامر؟ # فقال أبي لمن عنده الرقاع: أحضروها، فأحضروها وفضها وقال: هذا # PageV02P112 # ما أمرت به. # فقال بعض القوم: قد كنا نحب أن يكون معك في هذا الامر شاهد آخر. # فقال لهم أبي: قد أتاكم الله ما تحبون، هذا أبو جعفر الأشعري يشهد لي بسماع هذه الرسالة. وسأله أن يشهد فتوقف أبو جعفر، فدعاه أبي إلى المباهلة وخوفه بالله، فلما حقق عليه القول قال: قد سمعت ذلك، ولكني توقفت لأني أحببت أن تكون هذه المكرمة لرجل من العرب!! # فلم يبرح القوم حتى اعترفوا بإمامة أبي الحسن عليه السلام وزال عنهم الريب في ذلك (1). # والاخبار في هذا الباب كثيرة، وفي إجماع العصابة على إمامته عليه السلام وعدم من يدعي فيها إمامة غيره غناء عن إيراد الاخبار في ذلك، هذا وصوره أئمتنا عليهم السلام في هذه الأزمنة في خوفهم من أعدائهم وتقيتهم منهم احوجت شيعتهم في معرفة نصوصهم على من بعدهم إلى ما ذكرناه من الاستخراج، حتى أن أوكد الوجوه في ذلك عندهم دلائل العقول الموجبة للإمامة وما اقترن إلى ذلك من حصولها في ولد الحسين عليه السلام. وفساد أقوال ذوي النحل الباطلة، وبالله التوفيق. # PageV02P113 # (الفصل الثالث) في ذكر طرف من دلائله ومعجزاته ومناقبه عليه السلام محمد بن يعقوب، عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن خيران الأسباطي قال: قدمت على أبي الحسن علي بن محمد عليهما السلام بالمدينة، فقال لي: (ما خبر الواثق عندك؟) قلت: جعلت فداك، خلفته في عافية، أنا من أقرب الناس عهدا به، عهدي به منذ عشرة أيام. # قال: فقال: (إن الناس يقولون: إنه مات) (2) فعلمت أنه يعني نفسه، ثم قال: (ما ms346 فعل جعفر؟) قلت: تركته أسوء الناس حالا في السجن. # قال: فقال: (أما إنه صاحب الأمر، ما فعل ابن الزيات؟) قلت: الناس معه والامر أمره. # فقال: (أما إنه شؤم عليه) ثم سكت وقال لي: (لا بد أن تجري مقادير الله وأحكامه، يا خيران، مات الواثق، وقعد ا المتوكل جعفر، وقتل ابن الزيات)، قلت: متى جعلت فداك؟ # فقال: (بعد خروجك بستة أيام) (2). # PageV02P114 # وبهذا الاسناد، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد بن عبد الله، عن علي بن محمد النوفلي قال: قال لي محمد بن الفرج الرخجي: # إن أبا الحسن عليه السلام كتب إليه: (يا محمد، أجمع أمرك، وخذ حذرك) قال: فأنا في جمع أمري لست أدري ما الذي أراد بما كتب، حتى ورد علي رسول حملني من وطني (1) مصفدا بالحديد 9 وضرب على كل ما أملك، فمكثت في السجن ثماني سنين، ثم ورد علي كتاب منه وأنا في السجن: (يا محمد بن الفرج، لا تنزل في ناحية الجانب الغربي لا فقرأت الكتاب وقلت في نفسي: يكتب أبو الحسن إلي بهذا وأنا في السجن إن هذا لعجب! فما مكثت إلا أياما يسيرة حتى أفرج عني، وحلت قيودي، وخلي سبيلي. # قال: وكتبت إليه بعد خروجي أسأله أن يسأل الله تعالى أن يردا علي ضيعتي، فكتب إلي: (سوف ترد عليك وما يضرك ألا ترد عليك). # قال علي بن محمد النوفلي: فلما شخص محمد بن الفرج الرخجي إلى العسكر، كتب إليه برد ضياعه، فلم يصل الكتاب حتى مات. # قال النوفلي: وكتب علي بن الخصيب إلى محمد بن الفرج بالخروج إلى العسكر، كتب إلى أبي الحسن عليه السلام يشاوره، فكتب إليه: # (اخرج، فإن فيه فرجك إن شاء الله). # فخرج، فلم يلبث إلا يسيرا حتى مات (2). # PageV02P115 # وذكر أحمد بن محمد بن عيسى قال: أخبرني أبو يعقوب قال: رأيت محمد بن الفرج قبل موته بالعسكر في عشية من العشايا وقد استقبل أبا الحسن عليه السلام فنظر إليه نظرا شافيا، فاعتل محمد بن الفرج من الغد، فدخلت عليه عائدا ms347 بعد أيام من علته، فحدثني أن أبا الحسن عليه السلام قد أنفذ إليه بثوب وأرانيه مدرجا تحت رأسه. # قال: فكفن والله فيه. # وذكر أيضا عن أبي يعقوب قال: رأيت أبا الحسن عليه السلام مع أحمد بن الخصيب يتسايران وقد قصر أبوا الحسن عليه السلام عنه، فقال له ابن الخصيب: سر جعلت فداك. # فقال له أبو الحسن عليه السلام: (أنت المقدم). # فما لبثنا إلا أربعة أيام حتى وضع الدهق (1) على ساق ابن الخصيب وقتل. # قال: وألح عليه ابن الخصيب في الدار التي كان قد نزلها وطالبه بالانتقال منها وتسليمها إليه، فبعث إليه أبو الحسن عليه السلام: (لأقعدن بك من الله مقعدا لا تبقى لك معه باقية). # فأخذه الله في تلك الأيام (2). # PageV02P116 # ومما شاهده أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري من دلائله عاليه السلام وسمعته من السيد الصالح أبي طالب الحسيني القصي رحمه الله بالاسناد الذي تقدم ذكره عن أبي عبد الله أحمد بن محمد بن عياش قال حدثني أبو طالب عبد الله بن أحمد بن يعقوب قال: حدثنا الحسين بن أحمد المالكي الأسدي قال: أخبرني أبو هاشم الجعفري قال: كنت بالمدينة حين مر بها بغاء أيام الواثق في طلب الاعراب، فقال أبو الحسن عليه السلام: # (اخرجوا بنا حتى ننظر إلى تعبئة هذا التركي). # فخرجنا فوقفنا، فمرت بنا تعبئته، فمر بنا تركي فكلمه أبو الحسن عليه السلام بالتركية فنزل عن فرسه فقبل حافر دابته. # قال: فحلفت التركي وقلت له: ما قال لك الرجل؟ # قال: هذا نبي؟ # قلت: ليس هذا بنبي. # قال: دعاني باسم سميت به في صغري في بلاد الترك ما علمه أحد إلى الساعة (1). # قال أبو عبد الله بن عياش: وحدثني علي بن حبشي بن قوني في قال: # حدثنا جعفر بن محمد بن مالك قال: حدثنا أبو هاشم الجعفري قال: # دخلت على أبي الحسن عليه السلام فكلمني بالهندية فلم أحسن أن أرد عليه، وكان بين يديه ركوة ملاى حصى فتناول حصاة واحدة ووضعها في فيه فمصها (ثلاثا) (2)، ثم رمى بها إلي، ms348 فوضعتها في فمي، فوالله ما بر حت من # PageV02P117 # عنده حتى تكلمت بثلاثة وسبعين لسانا أولها الهندية (1). # قال ابن عياش: وحدثني علي بن محمد المقعد قال: حدثني يحيى ابن زكريا الخزاعي، عن أبي هاشم قال: خرجت مع أبي الحسن عليه السلام إلى ظاهر سر من رأى نتلقى بعض الطالبيين، فأبطأ، فطرح لأبي الحسن عليه السلام غاشية السرج فجلس عليها، ونزلت عن دابتي وجلست بين يديه وهو يحدثني، وشكوت إليه قصور يدي، فأهوى بيده إلى رمل كان عليه جالسا فناولني منه أكفا وقال: (اتسع بهذا يا أبا هاشم واكتم ما رأيت). # فخبأته معي ورجعنا، فأبصرته فإذا هو يتقد كالنيران ذهبا أحمر، فدعوت صائغا إلى منزلي وقلت له: أسبك لي هذا، فسبكه وقال: ما رأيت ذهبا أجود منه وهو كهيئة الرمل فمن أين لك هذا فما رأيت أعجب منه؟ # قلت: هذا شئ عندنا قديما تدخره لنا عجائزنا على طول الأيام (2). # قال ابن عياش: وحدثني أبو طاهر الحسن بن عبد القاهر الطاهري قال: حدثنا محمد بن الحسن بن الأشتر العلوي قال: كنت مع أبي على باب المتوكل - وأنا صبي - في جمع من الناس ما بين عباسي إلى طالبي إلى جندي، وكان إذا جاء أبو الحسن ترجل الناس كلهم حتى يدخل، فقال بعضهم لبعض: لم نترجل لهذا الغلام وما هو بأشرفنا ولا بأكبرنا سنا؟! والله لا ترجلنا له. # فقال أبو هاشم الجعفري: والله لترجلن له صغرة إذا رأيتموه. # PageV02P118 # فما هو إلا أن أقبل وبصروا به حتى ترجل له الناس كلهم، فقال لهم أبو هاشم: أليس زعمتم أنكم لا تترجلون له؟ # فقالوا له: والله ما ملكنا أنفسنا حتى ترجلنا (1). # قال: وحدثني أبو القاسم عبد الله بن عبد الرحمن الصالحي - من آل إسماعيل بن صالح، وكان أهل بيته بمنزلة من السادة عليهم السلام، ومكاتبين لهم -: أن أبا هاشم الجعفري شكا إلى مولانا أبي الحسن علي بن محمد عليه السلام ما يلقى من الشوق إليه إذا انحدر من عنده إلى بغداد، وقال له: يا سيدي ادع الله لي، ms349 فما لي مركوب سوى برذوني هذا على ضعفه. # فقال: (قواك الله يا أبا هاشم، وقوى برذونك). # قال: فكان أبو هاشم يصلي الفجر ببغداد ويسير على البرذون فيدرك الزوال من يومه ذلك عسكر سر من رأى، ويعود من يومه إلى بغداد إذا شاء على ذلك البرذون بعينه، فكان هذا من أعجب الدلائل التي شوهدت (2) وروى محمد بن يعقوب، عن علي بن محمد، عن إبراهيم بن محمد الطاهري قال: مرض المتوكل من خراج خرج به فأشرف منه على الموت، فلم يجسر أحد أن يمسه بحديد، فنذرت أمه ان عوفي ان تحمل إلى أبي الحسن عليه السلام مالا جليلا من مالها. # وقال الفتح بن خاقان للمتوكل: لو بعثت إلى هذا الرجل - يعني أبا # PageV02P119 # الحسن - فإنه ربما كان عنده صفة شئ يفرج الله تعالى به عنك. # فقال: ابعثوا إليه. # فمضى الرسول ورجع فقال: خذوا كسب (1) الغنم فديفوه بماء ورد، وضعوه على الخراج فإنه نافع بإذن الله تعالى. # فجعل من يحضر المتوكل يهزأ من قوله، فقال لهم الفتح: وما يضر من تجربة ما قال، فوالله إني لأرجو الصلاح به. # فأحضر الكسب وديف بماء الورد ووضع على الخراج، فخرج منه ما كان فيه، وبشرت أم المتوكل بعافيته، فحملت إلى أبي الحسن عليه السلام عشرة آلاف دينار تحت ختمها، واستقل المتوكل من علته. # فلما كان بعد أيام سعى البطحائي بأبي الحسن عليه السلام إلى المتوكل، وقال: عنده أموال وسلاح، فتقدم المتوكل إلى سعيد الحاجب أن يهجم عليه ليلا ويأخذ ما يجد عنده من الأموال والسلاح ويحمله إليه. # قال إبراهيم: قال لي سعيد الحاجب: صرت إلى دار أبي الحسن عليه السلام بالليل ومعي سلم فصعدت منه على السطح ونزلت من الدرجة إلى بعضها في الظلمة، فلم أدر كيف أصل إلى الدار، فناداني أبو الحسن عليه السلام من الدار: (يا سعيد مكانك حتى يأتوك بشمعة). # فلم ألبث أن آتوني بشمعة، فنزلت فوجدت عليه جبة صوف وقلنسوة منها وسجادة على حصير بين يديه وهو مقبل على القبلة، فقال لي: (دونك ms350 البيوت) فد خلتها وفتشتها فلم أجد فيها شيئا، ووجدت البدرة مختومة بخاتم أم المتوكل وكيسا مختوما معها، فقال لي أبو الحسن عليه السلام: (دونك المصلى) فرفعته فوجدت سيفا في جفن غير ملبوس، فأخذت ذلك وصرت # PageV02P120 # إليه. # فلما نظر إلى خاتم أمه على البدرة بعث إليها فخرجت إليه فسألها عن البدرة، فأخبرني بعض خدم الخاصة أنها قالت: كنت نذرت في علتك إن عوفيت أن أحمل إليه من مالي عشرة آلاف دينار، فحملتها إليه وهذا خاتمي على الكيس ما حركها. وفتح الكيس الآخر فإذا فيه أربعمائة دينار، فأمر أن تضم إلى البدرة بدرة أخرى وقال لي: إحمل ذلك إلى أبي الحسن واردد عليه السيف والكيس. # فحملت ذلك، واستحييت منه وقلت له: يا سيدي عز علي دخولي دارك بغير إذنك، ولكني مأمور. # فقال لي: (يا سعيد (سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) (1)) (2). # وروى الحسين بن الحسن الحسني قال: حدثني أبو الطيب يعقوب ابن ياسر قال: كان المتوكل يقول: ويحكم أعياني أمر ابن الرضا، وجهدت أن يشرب معي وينادمني فامتنع. # فقال له بعض من حضر: إن لم تجد من ابن الرضا ما تريد من هذه الحال، فهذا أخوه موسى (3) قصاف عزاف، يأكل ويشرب ويعشق ويتخالع، فأحضره وأشهره، فإن الخبر يسمع عن ابن الرضا ولا يفرق الناس بينه وبين # PageV02P121 # أخيه، من عرفه اتهم أخاه بمثل فعاله. فقال: اكتبوا بإشخاصه مكرما. # فاشخص، وتقدم المتوكل أن يتلقاه جميع بني هاشم والقواد وسائر الناس، وعمل على أنه إذا وافى أقطعه قطيعة، وبنى له فيها، وحول إليها الخمارين والقيان، وتقدم بصلته وبره، وأفرد له منزلا سريا يصلح لان يزوره هو فيه. # فلما وافى موسى تلقاه أبو الحسن عليه السلام في قنطرة وصيف فسلم عليه ثم قال له: (إن هذا الرجل قد أحضرك ليهتكك (1) ويضع منك، فلا تقر له أنك شربت نبيذا قط، واتق الله يا أخي أن ترتكب محظورا). # فقال له موسى: إنما دعاني لهذا فما حيلتي؟ # قال: (فلا تضع من قدرك، ولا تعص ربك، ولا تفعل ما يشينك، ms351 فما غرضه إلا هتكك). # فأبى عليه موسى، وكرر أبو الحسن عليه القول والوعظ وهو مقيم على خلافه، فلما رأى أنه لا يجيب قال: (أما إن الذي تريد الاجتماع معه عليه لا تجتمع عليه أنت وهو أبدا). # قال: فأقام ثلاث سنين يبكر كل يوم إلى باب المتوكل ويروح فيقال له: قد سكر أوقد شرب دواء، حتى قتل المتوكل ولم يجتمع معه على شراب (2). # وذكر الحسن بن محمد بن جمهور العمي في كتاب الواحدة قال: # حدثني أخي الحسين بن محمد قال: كان لي صديق مؤدب لولد بغاء أو # PageV02P122 # وصيف - الشك مني - فقال لي: قال لي الأمير. منصرفه من دار الخليفة: # حبس أمير المؤمنين هذا الذي يقولون: ابن الرضا اليوم ودفعه إلى علي بن كركر، فسمعته يقول: (أنا أكرم على الله من ناقة صالح ﴿تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب﴾ (1) " وليس يفصح بالآية ولا بالكلام، أي شئ هذا؟ # قال: قلت: أعزك الله، توعد، انظر ما يكون بعد ثلاثة أيام. # فلما كان من الغد أطلقه واعتذر إليه، فلما كان في اليوم الثالث وثب عليه: باغز، ويغلون، وتامش، وجماعة معهم فقتلوه وأقعدوا المنتصر ولده خليفة (2). # قال: وحدثني أبو الحسين سعيد بن سهلويه البصري وكان يلقب بالملاح قال: كان يقول بالوقف جعفر بن القاسم الهاشمي البصري، وكنت معه بسر من رأى، إذ رآه أبو الحسن عليه السلام في بعض الطرق فقال له: # (إلى كم هذه النومة؟ أما آن لك أن تنتبه منها؟). # فقال لي جعفر: سمعت ما قال لي علي بن محمد، قد والله قدح (3) في قلبي شئ. # فلما كان بعد - أيام حدث لبعض أولاد الخليفة وليمة فدعانا فيها ودعا أبا الحسن معنا، فدخلنا، فلما رأوه أنصتوا إجلالا له، وجعل شاب في المجلس لا يوقره، وجعل يلفظ ويضحك، فأقبل عليه وقال له: (يا هذا # PageV02P123 # أتضحك ملء فيك وتذهل عن ذكر الله وأنت بعد ثلاثة أيام من أهل القبور). # قال: فقلنا: هذا دليل حتى ننظر ما يكون؟ # قال: فأمسك الفتى وكف عما هو عليه، ms352 وطعمنا وخرجنا، فلما كان بعد يوم اعتل الفتى ومات في اليوم الثالث من أول النهار، ودفن في آخره (1) وحدثني سعيد أيضا قال: اجتمعنا أيضا في وليمة لبعض أهل سر من رأى، وأبو الحسن معنا، فجعل رجل يعبث ويمزح ولا يرى له جلالا، فأقبل على جعفر فقال: (أما إنه لا يأكل من هذا الطعام، وسوف يرد عليه من خبر أهله ما ينغص عليه عيشه). # قال: فقدمت المائدة قال جعفر: ليس بعد هذا خبر، قد بطل قوله، فوالله لقد غسل الرجل يده وأهوى إلى الطعام فإذا غلامه قد دخل من باب البيت يبكي وقال له: (إلحق أمك، فقد وقعت من فوق البيت وهي بالموت. # قال جعفر: فقلت: والله لا وقفت بعد هذا، وقطعت عليه (2). # والروايات في هذا الباب كثيرة، وفيما أوردناه كفاية. # PageV02P124 # (الفصل الرابع) في ذكر طرف من خصائصه وأخباره عليه السلام ذكر ابن جمهور قال: حدثني سعيد بن سهلويه قال: رفع زيد بن موسى إلى عمر بن الفرج مرارا يسأله أن يقدمه على ابن ابن أخيه ويقول: إنه حدث وأنا عم أبيه، فقال عمر ذلك لأبي الحسن عليه السلام فقال: (إفعل واحدة، أقعدني غدا قبله ثم انظر). # فلما كان من الغد أحضر عمر أبا الحسن عليه السلام فجلس في صدر المجلس، ثم أذن لزيد بن موسى فدخل فجلس بين يدي أبي الحسن عليه السلام، فلما كان يوم الخميس أذن لزيد بن موسى قبله فجلس في صدر المجلس، ثم أذن لأبي الحسن عليه السلام فدخل، فلقا رآه زيد قام من مجلسه وأقعده في مجلسه وجلس بين يديه (1). # وأشخص أبا الحسن عليه السلام المتوكل من المدينة إلى سر من رأى، وكان السبب في ذلك أن عبد الله بن محمد - وكان والي المدينة - سعى به إليه، فكتب المتوكل إليه كتابا يدعو به فيه إلى حضور العسكر على جميل من القول. # فلما وصل الكتاب إليه تجهز للرحيل وخرج مع يحيى بن هرثمة حتى وصل إلى سر من رأى، فلما وصل إليها تقدم المتوكل أن يحجب ms353 عنه في منزله، فنزل في خان يعرف يخان الصعاليك فأقام فيه يومه، ثم تقدم المتوكل بإفراد دار له فانتقل إليها) (2). # PageV02P125 # فروى محمد بن يعقوب، عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد بن عبد الله، عن محمد بن يحيى، عن صالح ابن سعيد قال: دخلت على أبي الحسن عليه السلام في يوم وروده فقلت له: # جعلت فداك، في كل الأمور أرادوا إطفاء نورك والتقصير بك حتى أنزلوك هذا الخان الأشنع، خان الصعاليك. # فقال: (ها هنا أنت يا ابن سعيد) ثم أومأ بيده فإذا أنا بروضات أنقات، وأنهار جاريات، وجنات فيها خيرات عطرات، وولدان كأنهن اللؤلؤ المكنون، فحار بصري، وكثر عجبي، فقال لي: (حيث كنا فهذا لنا يا بن سعيد، لسنا في خان الصعاليك) (1). # وكان المتوكل يجتهد في إيقاع حيلة به، ويعمل على الوضع من قدره في عيون الناس فلا يتمكن من ذلك، وله معه أحاديث يطول بذكرها الكتاب، فيها آيات له، ودلالات ذكرنا بعضها، وفي إيراد جميعها خروج عن الغرض في الايجاز. # وروى عبد الله بن عياش بإسناده، عن أبي هاشم الجعفري فيه وقد اعتل عليه السلام: # مادت الأرض بي وأدت فؤادي * واعترتني موارد العرواء حين قيل: الامام نضو عليل * قلت: نفسي فدته كل الفداء مرض الدين لاعتلالك واعتل * وغارت له نجوم السماء # PageV02P126 # عجبا أن منيت بالداء والسقم * وأنت الامام حسم الداء أنت آسي الأدواء في الدين * والدنيا ومحيي الأموات والاحياء (1) " في أبيات ". # [أولاده عليه السلام] وله عليه السلام من الأولاد: ابنه أبو محمد الحسن الامام بعده، والحسين، ومحمد، وجعفر الملقب بالكذاب، وابنته عالية. # وكان مقامه بسر من رأى إلى أن توفي عليه السلام عشرين سنة وأشهرا (2). # PageV02P127 # (الباب العاشر) في ذكر الامام الزكي أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليهما السلام وفيه أربعة فصول: PageV02P129 # (الفصل الأول) في ذكر تاريخ مولده، ومبلغ سنه، ووقت وفاته عليه السلام كان مولده عليه السلام يوم الجمعة لثمان ليال خلون من شهر ربيع الآخر سنة اثنين وثلاثين ومائتين. # وقبض عليه السلام ms354 بسر من رأى لثمان خلون من شهر ربيع الأول سنة ستين ومائتين، وله يومئذ ثمان وعشرون سنة. # وأمه أم ولد يقال لها: حديث. # وكانت مدة خلافته ست سنين. # ولقبه: الهادي، والسراج، والعسكري، وكان هو وأبوه وجده يعرف كل منهم في زمانه بابن الرضا. # وكانت في سني إمامته بقية ملك المعتز أشهرا، ثم ملك المهتدي أحد عشر شهرا وثمانية وعشرين يوما، ثم ملك أحمد المعتمد على الله بن جعفر المتوكل عشرين سنة وأحد عشر شهرا. # وبعد مضي خمس سنين من ملكه قبض الله وليه أبا محمد عليه السلام ودفن في داره بسر من رأى في البيت الذي دفن فيه أبوه عليهما السلام (1). # وذهب كثير من أصحابنا إلى أنه عليه السلام مضى مسموما، وكذلك # PageV02P131 # أبوه وجده وجميع الأئمة عليهم السلام خرجوا من الدنيا بالشهادة، واستدلوا في ذلك بما روي عن الصادق عليه السلام من قوله: " والله ما منا إلا مقتول شهيد " (1). والله أعلم بحقيقة ذلك. # PageV02P132 # (الفصل الثاني) في ذكر النصوص الدالة على إمامته عليه السلام يدل على إمامته عليه السلام - بعد طريقتي الاعتبار والتواتر اللتين ذكرناهما في إمامة من تقدمه من آبائه عليهم السلام -: # ما رواه محمد بن يعقوب، عن علي بن محمد، عن جعفر بن محمد الكوفي، عن بشار بن أحمد البصري، عن علي بن عمر النوفلي قال: كنت مع أبي الحسن عليه السلام في صحن داره فمر بنا محمد ابنه، فقلت: # جعلت فداك، هذا صاحبنا بعدك؟ # فقال: " لا، صاحبكم بعدي ابني الحسن " (1). # وبهذا الاسناد، عن بشار بن أحمد، عن عبد الله بن محمد الأصفهاني قال: قال أبو الحسن عليه السلام: " صاحبكم بعدي الذي يصلي علي ". # قال: ولم نكن نعرف أبا محمد عليه السلام قبل ذلك، فلما مات أبو الحسن عليه السلام خرج أبو محمد عليه السلام فصلى عليه (2). # وبهذا الاسناد، عن بشار بن أحمد، عن موسى بن جعفر بن وهب، عن علي بن جعفر قال: كنت حاضرا أبا الحسن عليه السلام لما توفي ابنه [محمد] (3) فقال للحسن: " يا بني أحدث ms355 لله شكرا فقد أحدث فيك أمرا " (4). # PageV02P133 # محمد بن يعقوب، عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد بن عبد الله بن مروان الأنباري قال: كنت حاضرا عند مضي أبي جعفر محمد بن علي، فجاء أبو الحسن عليه السلام فوضع له كرسي فجلس عليه وحوله أهل بيته، وأبو محمد قائم في ناحية، فلما فرغ من أمر أبي جعفر التفت إلى أبي محمد عليه السلام فقال: " يا بني أحدث لله شكرا فقد أحدث فيك أمرا " (1). # وعنه، عن علي بن محمد، عن محمد بن أحمد القلانسي، عن علي ابن الحسين بن عمرو، عن علي بن مهزيار قال: قلت لأبي الحسن عليه السلام: إن كان كون - وأعوذ بالله - فإلى من؟ # قال: (عهدي إلى الأكبر من ولدي) يعني الحسن عليه السلام (2). # وعنه، عن علي بن محمد، عن أبي محمد الاسترآبادي، عن علي ابن عمرو العطار قال: دخلت على أبي الحسن وأبو جعفر ابنه - أعني محمدا - في الاحياء، وأنا أظنه هو القائم من بعده، فقلت له: جعلت فداك، من أخص من ولدك؟ # فقال: (لا تخصوا أحدا حتى يخرج إليكم أمري). # قال: فكتبت إليه بعد فيمن يكون هذا الامر؟ قال: فكتب إلي: (في الأكبر من ولدي). # قال: وكان أبو محمد أكبر من جعفر (3). # PageV02P134 # وعنه، عن محمد بن يحيى وغيره، عن سعد بن عبد الله، عن جماعة من بني هاشم منهم الحسن بن الحسين الأفطس: أنهم حضروا يوم توفي محمد بن علي بن محمد دار أبي الحسن عليه السلام ليعزوه وقد بسط له في صحن داره والناس جلوس حوله، قالوا: فقدرنا أن يكون حوله يومئذ من آل أبي طالب وسائر بني هاشم وقريش مائة وخمسون رجلا سوى مواليه وسائر الناس، إذ نظر إلى الحسن بن علي ابنه وقد جاء مشقوق الجيب حتى قام عن يمينه ونحن لا نعرفه، فنظر إليه أبو الحسن عليه السلام ساعة ثم قال له: # (يا بني أحدث لله شكرا فقد أحدث فيك أمرا) فبكى الفتى واسترجع وقال: # (الحمد لله رب ms356 العالمين). # وقدرنا أن له في ذلك الوقت عشرين سنة، فيومئذ عرفناه وعلمنا أنه قد أشار إليه بالإمامة وأقامه مقامه (1). # وعنه، عن علي بن محمد، عن إسحاق بن محمد، عن شاهويه بن عبد الله الجلاب قال. كتب إلي أبو الحسن عليه السلام: (أردت أن تسأل عن الخلف بعد أبي جعفر وقلقت لذلك، فلا تقلق، فإن الله لا يضل قوما بعد إذ هداهم حتى يتبين لهم ما يتقون، وصاحبك بعدي أبو محمد ابني، وعنده ما تحتاجون إليه " (2). الحديث بطوله. # وبهذا الاسناد، عن إسحاق بن محمد، عن محمد بن يحيى، عن أبي بكر الفهفكي قال: كتب إلي أبو الحسن عليه السلام: " أبو محمد ابني أصح آل محمد غريزة، وأوثقهم حجة، وهو الأكبر من ولدي، وهو الخلف، # PageV02P135 # وإليه تنتهي عرى الإمامة وأحكامها فما كنت سائلي عنه فسله عنه، فعنده ما تحتاج إليه ومعه آلة الإمامة) (1). # وعنه، عن علي بن محمد، عن محمد بن أحمد النهدي، عن يحيى ابن يسار القنبري قال: أوصى أبو الحسن عليه السلام إلى ابنه الحسن قبل مضيه بأربعة أشهر، وأشار إليه بالامر من بعده، وأشهدني على ذلك وجماعة من الموالي (2). # وفي كتاب أبي عبد الله بن عياش: حدثني أحمد بن محمد بن يحيى قال: حدثنا سعد بن عبد الله قال: حدثني محمد بن أحمد بن محمد العلوي العريضي قال: حدثني أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام صاحب العسكر يقول: (الخلف من بعدي الحسن، فكيف لكم بالخلف من بعد الخلف.). # قلت: ولم جعلت فداك؟ # قال: (لأنكم لا ترون شخصه، ولا يحل لكم تسميته، ولا ذكره باسمه). # قلت: كيف نذكره؟ # قال: (قولوا: الحجة من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم) (3). # PageV02P136 # (الفصل الثالث) في ذكر طرف من آياته ومعجزاته عليه السلام محمد بن يعقوب، عن علي بن محمد، عن إسحاق بن محمد النخعي قال: حدثني إسماعيل بن محمد بن علي بن إسماعيل بن علي بن عبد الله بن عباس، قال: قعدت لأبي محمد على ظهر الطريق، ms357 فلما مر بي شكوت إليه الحاجة، وحلفت أن ليس عندي درهم فما فوقه ولا غداء ولا عشاء، فقال: (تحلف بالله كاذبا وقد دفنت مائتي دينار! وليس قولي هذا دفعا لك عن العطية، أعطه يا غلام ما معك) فأعطاني غلامه مائة دينار. # ثم أقبل علي فقال لي: (إنك تحرم الدنانير التي دفنتها أحوج ما تكون إليها) وصدق عليه السلام، وذلك أني أنفقت ما وصلني به، واضطررت ضرورة شديدة إلى شئ أنفقه، وانغلقت علي أبواب الرزق، فنبشت عن الدنانير التي كنت دفنتها، فلم أجدها، فنظرت فإذا ابن لي قد عرف موضعها فأخذها وهرب، فما قدرت منها على شئ (1). # وبهذا الاسناد، عن إسحاق بن محمد النخعي، عن علي بن زيد بن علي بن الحسين عليهما السلام قال: كان لي فرس، وكنت به معجبا، أكثر ذكره في المحافل، فدخلت على أبي محمد يوما فقال لي: (ما فعل فرسك؟). # PageV02P137 # فقلت: هو عندي، وهو ذا هو على بابك، الان نزلت عنه. # فقال لي: (استبدل به قبل المساء إن قدرت، ولا تؤخر ذلك) ودخل علينا داخل فانقطع الكلام، فقمت متفكرا، ومضيت إلى منزلي فأخبرت أخي فقال: ما أدري ما أقول في هذا. وشححت عليه، ونفست على الناس ببيعه، وأمسينا، فلما صلينا العتمة جاءني السائس فقال: يا مولاي نفق فرسك الساعة، فاغتممت لذلك وعلمت أنه عنى هذا بذلك القول. # ثم دخلت على أبي محمد عليه السلام بعث أيام وأنا أقول في نفسي: # ليته أخلف علي دابة، فلما جلست قال قبل أن أحدث: (نعم، نخلف عليك، يا غلام أعطه برذوني الكميت) ثم قال: (هذا خير من فرسك وأوطأ وأطول عمرا) (1). # ومما شاهده أبو هاشم - رحمه الله - من دلائله عليه السلام: ما ذكره أبو عبد الله أحمد بن محمد بن عياش قال: حدثني أبو علي أحمد بن محمد ابن يحيى. العطار، وأبو جعفر محمد بن أحمد بن مصقلة القميان قالا: حدثنا سعد بن عبد الله بن أبي خلف قال: حدثنا داود بن القاسم الجعفري، أبو هاشم، قال: كنت عند أبي ms358 محمد عليه السلام فاستؤذن لرجل من أهل اليمن، فدخل عليه رجل جميل طويل جسيم، فسلم عليه بالولاية فرد عليه بالقبول، وأمره بالجلوس فجلس إلى جنبي، فقلت في نفسي: ليت شعري من هذا، فقال أبو محمد: (هذا من ولد الاعرابية صاحبة الحصاة التي طبع آبائي فيها) ثم قال: (هاتها). # PageV02P138 # فأخرج حصاة وفي جانب منها موضع أملس، فأخذها وأخرج خاتمه فطبع فيها فانطبع، وكأني أقرأ الخاتم الساعة (الحسن بن علي) فقلت لليماني: رأيته قط قبل هذا؟ # فقال: لا والله، وإني منذ دهر لحريص على رؤيته، حتى كان الساعة أتاني شاب لست أراه فقال: قم فادخل، فدخلت، ثم نهض وهو يقول: # رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت، ذرية بعضها من بعض، أشهد أن حقك لواجب كوجوب حق أمير المؤمنين والأئمة من بعده صلوات الله عليهم أجمعين، وإليك انتهت الحكمة والإمامة، وإنك ولي الله الذي لا عذر لاحد في الجهل به. # فسألت عن اسمه، فقال: اسمي مهجع بن الصلت بن عقبة بن سمعان بن غانم بن أم غانم، وهي الاعرابية اليمانية صاحبة الحصاة التي ختم فيها أمير المؤمنين عليه السلام (1) وقال أبو هاشم الجعفري رحمه الله في ذلك: # بدرب الحصا مولى لنا يختم الحصى * له الله أصفى بالدليل وأخلصا وأعطاه آيات الإمامة كلها * كموسى وفلق البحر واليد والعصا وما قمص الله النبيين حجة * ومعجزة إلا الوصيين قمصا فمن كان مرتابا بذاك فقصره * من الامر أن تتلو الدليل وتفحصا (2) - في أبيات - # PageV02P139 # قال أبو عبد الله بن عياش: هذه أم غانم صاحبة الحصاة غير تلك صاحبة الحصاة، وهي أم الندى حبابة بنت جعفر الوالبية الأسدية. وهي غير صاحبة الحصاة الأولى التي طبع فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمير المؤمنين عليه السلام فإنها أم سليم، وكانت وارثة الكتب (1). فهن ثلاثة ولكل واحدة منهن خبر قد رويته، ولم أطل الكتاب بذكره. # قال: وحدثني أحمد بن محمد بن يحيى قال: حدثنا سعد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر قالا: حدثنا أبو هاشم قال: شكوت إلى ms359 أبي محمد عليه السلام ضيق الحبس وثقل القيد، فكتب إلي: (تصلي الظهر اليوم في منزلك). # فأخرجت في وقت الظهر فصليت في منزلي كما قال عليه السلام. # قال: وكنت مضيقا فأردت أن أطلب منه دنانير في كتابي فاستحييت، فلما صرت إلى منزلي وجه إلي بمائة دينار وكتب إلي: (إذا كانت لك حاجة فلا تستح ولا تحتشم، واطلبها فإنك ترى ما تحب) (2). # قال: وكان أبو هاشم حبس مع أبي محمد عليه السلام، كان المعتز حبسهما مع عدة من الطالبيين في سنة ثمان وخمسين ومائتين (3). # حدثنا أحمد بن زياد الهمداني، عن علي بن إبراهيم بن هاشم قال: # حدثني أبو هاشم داود بن القاسم شال: كنت في الحبس المعروف بحبس صالح بن صيف الأحمر، أنا، والحسن بن محمد العقيقي، ومحمد بن # PageV02P140 # إبراهيم العمري، وفلان، وفلان، إذ دخل علينا أبو محمد الحسن عليه السلام وأخوه جعفر، فحففنا به، وكان المتولي لحبسه صالح بن وصيف، وكان معنا في الحبس رجل جمحي يقول: أنه علوي. # قال: فالتفت أبو محمد عليه السلام فقال: (لولا أن فيكم من ليس منكم لأعلمتكم متى يفرج عنكم)، وأومأ إلى الجمحي أن يخرج فخرج، فقال أبو محمد عليه السلام: (هذا الرجل ليس منكم فاحذروه، فإن في ثيابه قصة قد كتبها إلى السلطان يخبره بما تقولون فيه). # فقام بعضهم ففتش ثيابه فوجد فيها القصة يذكرنا فيها بكل عظيمة. # وكان أبو الحسن عليه السلام يصوم فإذا أفطر أكلنا معه من طعام كان يحمله غلامه إليه في جونة مختومة، وكنت أصوم معه، فلما كان ذات يوم ضعفت فأفطرت في بيت آخر على كعكة وما شعر بي والله أحد، ثم جئت فجلست معه، فقال لغلامه: (أطعم أبا هاشم شيئا فإنه مفطر). # فتبسمت، فقال: (ما يضحكك يا أبا هاشم؟ إذا أردت القوة فكل اللحم فإن الكعك لا قوة فيه). # فقلت: صدق الله ورسوله وأنتم، فأكلت فقال لي: 0 أفطر ثلاثا، فإن المنة لا ترجع إذا أنهكها الصوم في أقل من ثلاث). # فلما كان في اليوم الذي أراد الله ms360 سبحانه أن يفرج عنه جاءه الغلام فقال: يا سيدي أحمل فطورك؟ # فقال: 0 إحمل، وما أحسبنا نأكل منه). # فحمل الطعام الظهر، وأطلق عنه عند العصر وهو صائم، فقال: (كلوا هناكم الله) (1). # PageV02P141 # قال: وحدثنا أحمد بن محمد بن يحيى قال: حدثنا عبد الله بن جعفر قال: حدثنا أبو هاشم قال: كنت عند أبي محمد عليه السلام فقال: (إذا خرج القائم أمر بهدم المنائر والمقاصير التي في المساجد). # فقلت في نفسي: لأي معنى هذا؟ فأقبل علي وقال: (معنى هذا أنها محدثة مبتدعة لم يبنها نبي ولا حجة) (1). # وبهذا الاسناد، عن أبي هاشم قال: سأل الفهفكي أبا محمد: ما بال المرأة المسكينة تأخذ سهما واحدا ويأخذ الرجل سهمين؟ # فقال: (إن المرأة ليس عليها جهاد ولا نفقة ولا عليها معقلة (2)، إنما ذلك على الجال). # فقلت في نفسي: قد كان قيل لي إن ابن أبي العوجاء سأل أبا عبد الله عليه السلام عن هذه المسألة فأجابه بمثل هذا الجواب، فأقبل أبو محمد علي فقال: (نعم هذه مسألة ابن أبي العوجاء، والجواب منا واحد، إذا كان معنى المسألة واحدا جرى لآخرنا ما جرى لأولنا، وأولنا وآخرنا في العلم والامر سواء، ولرسول الله وأمير المؤمنين صلوات الله عليهما فضلهما) (3). # وبهذا الاسناد، عن أبي هاشم قال: كتب إليه - يعني أبا محمد عليه # PageV02P142 # السلام - بعض مواليه يسأله أن يعلمه دعاء فكتب إليه: (ادع بهذا الدعاء: # يا أسمع السامعين، ويا أبصر المبصرين، ويا أنظر الناظرين، ويا أسرع الحاسبين، ويا أرحم الراحمين، ويا أحكم الحاكمين، صل على محمد وآل محمد، وأوسع لي في رزقي، ومد لي في عمري، وامنن علي برحمتك، واجعلني ممن تنتصر به لدينك، ولا تستبدل به غيري). # قال أبو هاشم فقلت في نفسي: اللهم اجعلني في حزبك وفي زمرتك، فأقبل علي أبو محمد عليه السلام فقال: (أنت في حزبه وفي زمرته إن كنت بالله مؤمنا ولرسوله مصدقا، وأوليائه عارفا، ولهم تابعا، فابشر ثم أبشر) (1). # وبهذا الاسناد، عن أبي هاشم قال: سمعت أبا محمد عليه السلام يقول: (من الذنوب ms361 التي لا تغفر قول الرجل ليتني لا أؤاخذ إلا بهذا). # فقلت في نفسي: إن هذا لهو الدقيق، وقد ينبغي للرجل أن يتفقد من نفسه كل شئ. # فأقبل علي أبو محمد فقال: (صدقت يا أبا هاشم، ألزم ما حدثتك به نفسك، فإن الاشراك في الناس أخفى من دبيب الذر على الصفا في الليلة الظلماء ومن دبيب الذر على المسح الأسود) (2). # وبهذا الاسناد قال: سمعت أبا محمد عليه السلام يقول: (إن في الجنة بابا يقال له المعروف لا يدخله إلا أهل المعروف) فحمدت الله تعالى # PageV02P143 # في نفسي وفرحت مما أتكلفه من حوائج الناس، فنظر إلي أبو محمد عليه السلام وقال: (نعم قد علمت ما أنت عليه، وإن أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، جعلك الله منهم يا أبا هاشم ورحمك) (1). # وبهذا الاسناد، عن أبي هاشم قال: دخلت على أبي محمد وأنا أريد أن أسأله ما أصوغ به خاتما أتبرك به، فجلست وأنسيت ما جئت له، فلما ودعته ونهضت رمى إلي بخاتم فقال: (أردت فضة فأعطيناك خاتما وربحت الفص والكرى، هناك الله يا أبا هاشم). # فتعجب من ذلك فقلت: يا سيدي، إنك ولي الله وإمامي الذي أدين الله بفضله وطاعته. # فقال: (غفر الله لك يا أبا هاشم) (2). # وهذا قليل من كثير ما شاهده أبو هاشم من آياته عليه السلام ودلالاته، وقد ذكر ذلك أبو هاشم فيما روي لنا عنه بالاسناد الذي ذكرناه، قال: ما دخلت على أبي الحسن وأبي محمد عليهما السلام يوما قط إلا رأيت منهما دلالة وبرهانا (3). # محمد بن يعقوب، عن علي بن محمد، عن إسحاق بن محمد، عن محمد بن الحسن بن شمون، عن أحمد بن محمد قال: كتبت إلى أبي # PageV02P144 # محمد عليه السلام حين أخذ المهتدي في قتل الموالي وقلت: يا سيدي، الحمد لله الذي شغله عنك، فقد بلغني أنه يتهددك ويقول: والله لأجلينهم عن جديد الأرض. # فوقع أبو محمد عليه السلام بخطه: (ذاك أقصر لعمره، عد من يومك هذا خمسة أيام ويقتل في اليوم السادس ms362 بعد هوان واستخفاف يمر به) فكان كما قال عليه السلام (1) وبإسناده، عن أحمد بن محمد الأقرع قال: حدثنا أبو حمزة نصير الخادم قال: سمعت أبا محمد عليه السلام غير مرة يكلم غلمانه بلغاتهم وفيهم ترك وروم وصقالبة، فتعجبت من ذلك وقلت: هذا ولد بالمدينة ولم يظهر لاحد حتى مضى أبو الحسن ولا رآه أحد فكيف هذا؟ - أحدث نفسي بهذا - فاقبل علي وقال: (الله تبارك وتعالى بين حجته من سائر خلقه، وأعطاه معرفة كل شئ، فهو يعرف اللغات والأنساب والحوادث، ولولا ذلك لم يكن بين الحجة والمحجوج فرق) (2) وبإسناده، عن الحسن بن ظريف قال: اختلج في صدري مسألتان أردت الكتاب بهما إلى أبي محمد عليه السلام، فكتبت أسأله عن القائم إذا قام بم يقضي؟ وأين مجلسه الذي يقضي فيه بين الناس؟ وأردت أن أكتب أسأله عن شئ لحمى الربع فأغفلت ذكر الحمى، فجاء الجواب: (سألت عن القائم وإذا قام قضى في الناس بعلمه كقضاء داود لا يسأل عن بينة، وكنت أردت أن تسأل عن حمى الربع فأنسيت، فاكتب في ورقة وعلقها على # PageV02P145 # المحموم ﴿يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم﴾ (1)) فكتبت ذلك وعلقته على محموم لنا فأفاق وبرئ (2). # وأمثال هذه الأخبار كثرة لا نطول الكتاب بذكرها. # PageV02P146 # (الفصل الرابع) في ذكر طرف من مناقبه وخصائصه ونبذ من أخباره عليه السلام محمد بن يعقوب، عن رجاله قالوا: كان أحمد بن عبيد الله بن خاقان على الضياع والخراج بقم، وكان شديد النصب والانحراف عن أهل البيت، فجرى في مجلسه ذكر العلوية يوما فقال: ما رأيت ولا عرفت من العلوية مثل الحسن بن علي بن محمد بن الرضا في هديه وسكونه، وعفافه ونبله وكرمه عند أهل بيته وبني هاشم كافة، وتقديمهم إياه على ذوي السن منهم والخطر، وكذلك كانت حاله عند القواد والوزراء وعامة الناس، وأذكر أني كنت يوما قائما على رأس أبي إذ دخل حجابه فقالوا: أبو محمد ابن الرضا بالباب، فقال بصوت عال: إئذنوا له، فتعجبت من جسارتهم أن يكنوا رجلا بحضرة أبي ms363 ولم يكن يكنى عنده إلا خليفة أو ولي عهد أو من أمر السلطان. # فدخل رجل أسمر، حسن القامة، جميل الوجه، حديث السن، له جلالة وهيئة حسنة، فلما نظر إليه قام يمشي إليه خطا - ولا أعلمه فعل هذا بأحد من بني هاشم والقواد - فلما دنا منه عانقه وقبل وجهه وصدره، وأخذ بيده وأجلسه على مصلاه الذي كان عليه، وجلس إلى جنبه مقبلا عليه بوجهه، وجعل يكلمه ويفديه بنفسه، وأنا متعجب مما أرى منه، إذ دخل الحاجب فقال: الموفق (1) قد جاء. # PageV02P147 # وكان الموفق إذا دخل على أبي يقدمه حجابه وخاصة قواده، فقاموا بين مجلس أبي وبين باب الدار سماطين إلى أن يدخل ويخرج، فلم يزل أبي مقبلا على أبي محمد حتى نظر إلى غلمان الخاصة فقال حينئذ: إذا شئت جعلت فداك، ثم قال لحجابه: خذوا به خلف السماطين لا يراه هذا - يعني الموفق -. # فقام وقام أبي وعانقه ومضى، فلم أزل يومي ذلك متفكرا في أمره وأمر أبي، وما رأيته منه حتى كان الليل، فلما صلى العتمة وجلس جلست بين يديه وليس عنده أحد، فقال: يا أحمد ألك حاجة؟ # قلت: نعم يا أبه، من الرجل الذي رأيتك بالغداة فعلت به ما فعلت من الاجلال والتبجيل وفديته بنفسك وأبويك؟ # فقال: يا بني ذاك إمام الرافضة الحسن بن علي المعروف بابن الرضا، ثم سكت ساعة وأنا ساكت، ثم قال: يا بني، لو زالت الإمامة عن خلفاء بني العباس ما استحقها أحد من بني هاشم غيره لفضله وعفافه، وهديه وصيانته، وزهده وعبادته، وجميل أخلاقه؟ صلاحه، ولو رأيت أباه رأيت رجلا جزلا نبيلا فاضلا. # فازددت قلقا وتفكرا وغيظا على أبي، ولم تكن لي همة بعد ذلك إلا السؤال عن خبره، فما سألت أحدا من بني هاشم والقواد والكتاب والقضاة والفقهاء وسائر الناس إلا وجدته عنده في غاية الاجلال والاعظام والمحل الرفيع والتقديم له على جميع أهل بيته، فعظم قدره عندي، إذ لم أجد له وليا ولا عدوا إلا وهو يحسن القول فيه والثناء عليه. # فقال له بعض ms364 الحاضرين: فما خبر أخيه جعفر؟ # فقال: ومن جعفر فيسأل عن خبره، أو يقرن الحسن بجعفر! (إن جعفرا) معلن الفسق، فاجر شريب للخمور، أقل من رأيته من الرجال وأهتكهم لنفسه. PageV02P148 # ولقد ورد على السلطان وأصحابه في وقت وفاة الحسن ابن علي ما تعجبت منه وما ظننت أنه يكون وذلك أنه لما اعتل بعث إلى أبي: # أن ابن الرضا قد اعتل، فركب من ساعته فبادر إلى دار الخلافة ثم رجع مستعجلا ومعه خمسة من خدم أمير المؤمنين كلهم من ثقاته وخاصته فيهم نحرير، وأمرهم بلزوم دار الحسن، وتعرف خبره وحاله، وبعث إلى نفر من المتطببين وأمرهم بالاختلاف إليه وتعاهده صباحا ومساء. # فلما كان بعد يومين أو ثلاثة أخبر أنه ضعف، فامر المتطببين بلزوم داره، وبعث إلى قاضي القضاة فأحضره مجلسه وأمره أن يختار عشرة ممن يوثق بهم، وبعث بهم إلى دار الحسن وأمرهم بلزومه ليلا ونهارا، فلم يزالوا هناك حتى توفي عليه السلام، فلما ذاع خبر وفاته صارت سر من رأى ضجة واحدة، وعطلت الأسواق، وركب بنو هاشم والقواد وسائر الناس إلى جنازته، فكانت سر من رأى يومئذ شبيها بالقيامة. # فلما فرغوا من تهيئته بعث السلطان إلى أبي عيسى بن المتوكل فأمره بالصلاة عليه، فلما وضعت الجنازة للصلاة دنا أبو عيسى منه فكشف عن وجهه فعرضه على بني هاشم من العلوية والعباسية، وعلى القواد والكتاب والقضاة والمعدلين فقال: هذا الحسن بن علي بن محمد بن الرضا مات حتف أنفه، على فراشه، وحضره من خدم أمير المؤمنين وثقاته فلان وفلان، ومن المتطببين فلان وفلان، ومن القضاة فلان وفلان، ثم غطى وجهه وصلى عليه وأمر بحمله. # فلما دفن جاء جعفر بن علي إلى أبي فقال له: اجعل لي مرتبة أخي وأنا أوصل إليك في كل سنة عشرين ألف دينار، فزبره أبي وأسمعه ما كره وقال له: يا أحمق، إن السلطان جرد سيفه في الذين زعموا أن أباك وأخاك أئمة ليردهم عن ذلك فلم يتهيأ له ذلك، فإن كنت عند شيعة أبيك وأخيك إماما PageV02P149 # فلا ms365 حاجة بك إلى سلطان يرتبك مراتبهم ولا غير سلطان، وإن لم تكن عندهم بهذه المنزلة لم تنلها بنا، ثم أمر أبي أن يحجب عنه، ولم يأذن له في الدخول عليه حتى مات أبي، وخرجنا وهو على تلك الحال، والسلطان يطلب أثرا لولد الحسن بن علي إلى اليوم ولا يجد إلى ذلك سبيلا، وشيعته مقيمون على أنه مات وخلف ولدا يقوم مقامه في الإمامة (1). # محمد بن يعقوب، عن علي بن محمد، عن محمد بن إسماعيل العلوي قال: حبس أبو محمد عند علي بن أوتامش (2) وكان شديد العداوة لآل محمد عليهم السلام، غليظا على آل أبي طالب، وقيل له: إفعل به وافعل. # قال: فما أقام إلا يوما حتى وضع خديه له، وكان لا يرفع بصره إليه إجلالا له وإعظاما، وخرج من عنده وهو أحسن الناس بصيرة وأحسنهم فيه قولا (3). # وبهذا الاسناد أيضا قال: دخل العباسيون على صالح بن وصيف عندما حبس أبو محمد عليه السلام فقالوا له: ضيق عليه، فقال لهم صالح: # ما أصنع به وقد وكلت به رجلين شر من قدرت عليه فقد صارا من العبادة والصلاة والصيام على أمر عظيم. # ثم أمر بإحضار الموكلين فقال لهما: ويحكما ما شأنكما في أمر هذا الرجل؟ فقالا: ما تقول في رجل يصوم النهار ويقوم الليل كله، لا يتكلم ولا يتشاغل بغير العبادة، وإذا نظرنا، إليه أرعدت فرائصنا وداخلنا ما لا نملكه من # PageV02P150 # أنفسنا. # فلما سمع ذلك العباسيون انصرفوا خائبين (1). # وبهذا الاسناد، عن جماعة من أصحابنا قالوا: سلم أبو محمد إلى نحرير (2) وكان يضيق عليه ويؤذيه، فقالت له امرأته: اتق الله فإنك لا تدري من في منزلك، وذكرت له صلاحه وعبادته، فقال: والله لأرمينه بين السباع، ثم استأذن في ذلك فأذن له، فرمى به إليها، ولم يشكوا في أكلها له، فنظروا إلى الموضع فوجدوه عليه السلام قائما يصلي وهي حوله، فأمر بإخراجه إلى داره (3). # وكان مرضه عليه السلام الذي توفي فيه في أول شهر ربيع الأول سنة ستين ومائتين، وتوفي عليه السلام يوم الجمعة ms366 لثمان خلون من هذا الشهر، وخلف ولده الحجة القائم المنتظر لدولة الحق، وكان قد أخفى مولده لشدة طلب سلطان الوقت له واجتهاده في البحث عن أمره، فلم يره إلا الخواص من شيعته على ما نذكره بعد. # وتولى أخوه جعفر أخذ تركته، وسعى إلى السلطان في حبس جواري أبي محمد عليه السلام، وشنع على الشيعة في انتظارهم ولده وقطعهم بوجوده واعتقادهم لامامته، وجرى بسبب ذلك على مخلفة أبي محمد عليه السلام وشيعته كل بلاء ومحنة، من حبس واعتقال وشدة، واجتهد جعفر في # PageV02P151 # القيام مقامه فلم يقبله أحد من الطائفة، بل تبرؤوا منه ولقبوه الكذاب (1). # وله أخبار كثيرة في هذا المعنى، مشهورة عند أصحابنا، رأيت الاضراب عن ذكرها تحريا للاختصار وبالله التوفيق. # PageV02P152 # (الركن الرابع من الكتاب) في ذكر إمامة الاثني عشر، والامام الثاني عشر PageV02P153 # المطلب الأهم، والغرض الأتم من هذا الركن: الكلام في تصحيح إمامة صاحب الزمان، ابن الحسن، القائم الحجة، مهدي الأمة، وكاشف الغمة، على الجملة والتفصيل، بثابت البرهان، وواضح الدليل، ثم إن ذلك يدور على قسمين: # أحدهما: ذكر البراهين والبينات من جهة النصوص الدالة على إمامة الاثني عشر الذين هو خاتمهم وقائمهم - عليهم أجمعين أفضل الصلاة والسلام - وقد رواها الخاصة والعامة، وأطبق على نقلها الفرقتان المتباينتان، والطائفتان المختلفتان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وما يؤيد ذلك من الأدلة التي تجملهم وتعمهم وتشملهم. # والاخر: ذكر الدلالات الواضحة في إمامته عليه السلام خاصة على التعيين والتفصيل، والافراد له بالدليل بعد اشتراكه عليه السلام في دلالة الاعتبار، مع ذكر طرف من الاخبار في ذكر مولده وغيبته، وعلامات وقت قيامه، ومدة دولته، وبيان سيرته. PageV02P154 # (ذكر القسم الأول) من الركن الرابع وهو الكلام في الدلالة على إمامة الاثني عشر من آل محمد عليهم السلام ويشتمل على ثلاثة فصول: PageV02P155 # (الفصل الأول) في ذكر بعض الاخبار التي جاءت في النص على عدد الاثني عشر من الأئمة من طريق العامة، على طريق الاجمال إعلم: أن الخبر إذا رواه المعترف بصحته، الدائن بصدقه، ووافقه في ذلك المنكر ms367 لمضمونه، الدافع لما اشتمل عليه، فقد أسفر فيه الحق عن وجه الدلالة، لاتفاق المتضادين في المقالة، إذ لو كان باطلا لما توفرت دواعي المنكر له في نقله وهو حجة عليه، بل كانت منه الدواعي متوفرة في دفعه على مجرى العرف والعادة، لا سيما وقد سلم من نقل معارضة تسقط الحجة به، أو دعوى تكافئه في الظاهر فتمنع من العمل عليه والاعتقاد به، وإذا كانت الأخبار الواردة في أعداد الأئمة عليهم السلام بهذه الصفة فقد وجب القطع بصحتها. # فمما جاء من الاخبار التي نقلها أصحاب الحديث غير الامامية في ذلك وصححوها: ما رواه الإمام أبو محمد الحسن بن أحمد السمرقندي - محدث خراسان - قال: أخبرنا أبو العباس المستغفري قال: حدثنا أبو الحسين (1) نصر بن أحمد بن إسماعيل الكسائي (2)، أخبرنا أبو حاتم جبريل ابن مجاع الكسائي، أخبرنا قتيبة بن سعيد، قال: وأخبرنا أبو القاسم الكاتب، أخبرنا أبو حامد الصائغ، أخبرنا أبو العباس الثقفي، حدثنا قتيبة. # PageV02P157 # وأخبرنا أبو سلمة القاضي، أخبرنا أبو القاسم النسوي، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قالا: حدثنا حاتم بن إسماعيل، عن المهاجر بن مسمار، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: كتبت إلى جابر بن سمرة مع غلامي نافع: أن أخبرني بشئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكتب إلي إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم جمعة عشية رجم الأسلمي يقول: لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش، ثم يخرج كذابون بين يدي الساعة). # وسمعته يقول: (أنا الفرط على الحوض). # رواه مسلم في الصحيح عن أبي بكر بن أبي شيبة وقتيبة بن سعيد (1). # قال: وأخبرنا أبو القاسم الكاتب، أخبرنا أبو حامد الصائغ، أخبرنا أبو العباس الثقفي، حدثنا محمد بن رافع، حدثنا ابن أبي فديك، أخبرنا ابن أبي ذئب، عن مهاجر بن مسمار، عن عامر بن سعد: أنه أرسل إلى ابن سمرة العدوي فقال: حدثنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه ms368 وآله وسلم، فكتب: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (لا يزال الدين قائما حتى يكون اثنا عشر خليفة من قريش، ثم يخرج كذابون بين يدي الساعة، وأنا الفرط على الحوض). # رواه مسلم عن محمد بن رافع (2). # وأخبرنا عبد العزيز بن أحمد الكاتب، حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الله الحارثي، أخبرنا محمد بن إسحاق الثقفي، حدثنا قتيبة، حدثنا أبو عوانة، عن سماك، عن جابر بن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم # PageV02P158 # قال: (يكون بعدي اثنا عشر أميرا)، وتكلم بكلمة فلم أفهم ما قال، فسألت القوم فزعموا أنه قال: (كلهم من قريش). # رواه مسلم عن قتيبة (1). # قال: وأخبرنا أبو سلمة القاضي، حدثنا أبو القاسم النسوي، أخبرنا أبو العباس النسوي، حدثنا أبو الحصين عبد الله بن أحمد بن عبد الله اليربوعي، حدثنا عنبر، حدثنا حصين، عن جابر بن سمرة قال: دخلت مع أبي على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لي: (إن هذا الامر لن ينقضي - أو لن يمضي - حتى يكون فيكم اثنا عشر خليفة) ثم قال: شيئا لم أسمعه، فسألتهم، فقالوا: (كلهم من قريش) (2). # قال: وأخبرنا أبو سلمة القاضي، أخبرنا أبو القاسم النسوي، أخبرنا أبو العباس النسوي، حدثنا أبو عمارة، حدثنا الفضل بن موسى، عن وهب، عن أبي خالد الوالبي قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (لا يضر هذا الدين في ناواه حتى يقوم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش) (3). # قال: وأخبرنا أبو سلمة القاضي، حدثنا أبو القاسم النسوي، حدثنا أبو العباس النسوي، حدثنا جعفر بن حميد العبسي، حدثنا يونس بن أبي يعفور، عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ة (لا يزال أمر أمتي صالحا حتى يمضي اثنا عشر خليفة كلهم من # PageV02P159 # قريش) (1). # ومما ذكره الشيخ المفيد أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان (2) في كتابه: # قال: ومن ذلك ما رواه محمد بن عثمان ms369 الدهني حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق قال: كنا عند عبد الله بن مسعود فقال له رجل: أحدثكم نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم كم يكون بعده من الخلفاء؟ فقال له عبد الله: نعم، وما سألني عنها أحد قبلك، وإنك لأحدث القوم سنا، سمعته عليه السلام يقول: (يكون بعدي من الخلفاء عدة نقباء موسى اثنا عشر خليفة، كلهم من قريش) (3). # وروى عثمان بن أبي شيبة، وأبو سعيد الأشج، وأبو كريب، ومحمود ابن غيلان، وعلي بن محمد، وإبراهيم بن سعيد جميعا، عن أبي أسامة، عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق مثل الأول بعينه (4). # ورواه أبو أسامة، عن أشعث، عن عامر الشعبي، عن عمه قيس بن عبد الله، عن عبد الله بن مسعود. وذكر نحوه (5). # PageV02P160 # ورواه حماد بن زيد، عن مجالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن عبد الله. وزاد فيه: قال: كنا جلوسا عند عبد الله يقرئنا القرآن فقال له رجل: # يا أبا عبد الرحمن، هل سألتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كم يملك أمر هذه الأمة من خليفة بعده؟ # فقال له عبد الله: ما سألني عنها أحد منذ قدمت العراق، نعم سألنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (اثنا عشر عدة نقباء بني إسرائيل) (1). # وروى عبد الله بن أبي أمية مولى (بني) مجاشع، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لن يزال هذا الدين قائما إلى اثني عشر من قريش، فإذا مضوا ساخت (2) الأرض بأهلها) (3) وساق الحديث. # ورواه أبو بكر بن أبي خيثمة، عن علي بن جعد، عن زهير بن معاوية، عن زياد بن خيثمة، عن الأسود بن سعيد الهمداني قال: سمعت جابر بن سمرة يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: # (يكون بعدي اثنا عشر خليفة كلهم من قريش)، فقالوا له: ثم يكون ماذا؟ # قال: (ثم يكون الهرج) (4). # PageV02P161 # ورواه سماك بن حرب، وزياد ms370 بن علاقة، وحصين بن عبد الرحمن، عن جابر بن سمرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مثله (1) ورواه سليمان بن أحمر قال: حدثنا ابن عون عن الشعبي، عن جابر ابن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا يزال أهل هذا الدين ينصرون على من ناواهم إلى اثني عشر خليفة) فجعل الناس يقومون ويقعدون، وتكلم بكلمة لم أفهمها، فقلت لأبي - أو لأخي -: أي شئ قال؟ # قال: قال: (كلهم من قريش) (2) ورواه فطر بن خليفة، عن أبي خالد الوالبي، عن جابر بن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مثله (3) ورواه سهل بن حماد، عن يونس بن أبي يعفور قال: حدثني عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال: كنت عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعمي جالس بين يديه، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يزال أمر أمتي صالحا حتى يمضي اثنا عشر خليفة كلهم من قريش) (4). # اسم أبي جحيفة وهب بن عبد الله. # PageV02P162 # وروى الليث بن سعد، عن خالد بن زيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن ربيعة بن سيف قال: كنا عند شقيق (1) الأصبحي فقال: سمعت عبد الله ابن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (يكون خلفي اثنا عشر خليفة) (2). # ورواه حماد بن سلمة عن أبي الطفل قال: قال لي عبد الله بن عمر: # يا أبا الطفيل أعدد اثني عشر خليفة بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم يكون النقف والنقاف (3) (4). # ومما ذكره الشيخ أبو عبد الله جعفر بن محمد بن أحمد الدوريستي رحمه الله في كتابه في الرد على الزيدية قال. أخبرني أبي قال: أخبرني الشيخ أبو جعفر بن بابويه قال: حدثنا محمد بن علي ماجيلويه، عن عمه، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، عن خلف بن حماد الأسدي، عن # PageV02P163 # الأعمش، عن عباية بن ربعي، عن ابن عباس قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين حضرته وفاته ms371 فقلت: يا رسول الله إذا كان ما نعوذ بالله منه فإلى من؟ # فأشار إلى علي عليه السلام فقال: (إلى هذا، فإنه مع الحق والحق معه، ثم يكون من بعده أحد عشر إماما مفترضة طاعتهم كطاعته) (1). # قال: وأخبرني المفيد أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان قال: # أخبرني محمد بن علي قال: حدثني حمزة بن محمد العلوي، حدثنا أحمد ابن يحيى الشحام، حدثنا أبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي، حدثنا أبو بكر محمد بن أبي غياث الأعين، حدثنا سويد بن سعيد الأنباري، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن شردين الصنعاني، عن ابن مثنى، عن أبيه، عن عائشة قال: سألتها كم خليفة يكون لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ # فقالت: أخبرني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أنه يكون بعده اثنا عشر خليفة. # قال: فقلت لها: من هم؟ فقالت: أسماؤهم عندي مكتوبة بإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # فقلت لها: فاعرضيه، فأبت (2). # قال: وأخبرني أبو عبد الله محمد بن وهبان قال: حدثنا أبو بشر أحمد ابن إبراهيم بن أحمد العمي قال: أخبرنا محمد بن زكريا بن دينار الغلابي حدثنا سليمان بن إسحاق بن سليمان بن علي بن عبد الله بن العباس قال: # PageV02P164 # حدثني أبي قال: كنت يوما عند الرشيد فذكر المهدي وما ذكر من عدله، فأطنب في ذلك، فقال الرشيد: إني أحسبكم تحسبونه أبي، (إن أبي) (1) المهدي. حدثني عن أبيه، عن جده، عن ابن عباس، عن أبيه العباس بن عبد المطلب: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: (يا عم، يملك من ولدي اثنا عشر خليفة، ثم تكون أمور كريهة وشدة عظيمة، ثم يخرج المهدي من ولدي، يصلح الله أمره في ليلة، فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، ويمكث في الأرض ما شاء الله، ثم يخرج الدجال) (2). # هذا بعض ما جاء من الاخبار من طرق المخالفين ورواياتهم في النص على عدد الأئمة الاثني عشر عليهم السلام، وإذا كانت الفرقة المخالفة قد نقلت ذلك - كما نقلته ms372 الشيعة الإمامية - ولم تنكر ما تضمنه الخبر فهو أدل دليل على أن الله تعالى هو الذي سخرهم لروايته، إقامة لحجته، وإعلاء لكلمته، وما هذا الامر إلا كالخارق للعادة، والخارج عن الأمور المعتادة، ولا يقدر عليه إلا الله تعالى الذي يذلل الصعب، ويقلب القلب، ويسهل العسير، وهو على كل شئ قدير. # PageV02P165 # (الفصل الثاني) في ذكر بعض الاخبار التي جاءت من طرق الشيعة الإمامية في النص على إمامة الاثني عشر من آل محمد عليهم السلام وهذه الأخبار على ضربين: أحدهما يتضمن النص على عدد الاثني عشر على الجملة، والثاني: يتضمن النص على أعيان الأئمة الاثني عشر على التفصيل. # فأما الضرب الأول منهما فنحو ما رواه محمد بن يعقوب الكليني، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن ابن محبوب، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام، عن جابر بن عبد الله الأنصاري. قال: دخلت على فاطمة عليها السلام وبين يديها لوح فيه أسماء الأوصياء من ولدها، فعددت اثني عشر آخرهم القائم، ثلاثة منهم محمد وأربعة منهم علي (1). # وعنه، عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: (إن الله تعالى أرسل محمدا صلى الله عليه وآله وسلم إلى الجن والإنس، وجعل من بعده اثني عشر وصيا، منهم من سبق ومنهم من بقي، وكل وصي جرت به # PageV02P166 # سنة، والأوصياء الذين من بعد محمد على سنة أوصياء عيسى، وكانوا اثني عشر، وكان أمير المؤمنين عليه السلام على سنة المسيح عليه السلام) (1). # وعنه، عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن مسعدة بن زياد، عن أبي عبد الله ومحمد بن الحسين، عن إبراهيم بن أبي يحيى المديني، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري قال: كنت حاضرا لما هلك أبو بكر واستخلف عمر، إذ أقبل رجل من عظماء يهود يثرب يزعم يهود المدينة أنه أعلم (أهل) زمانه، حتى رفع إلى عمر فقال له: يا عمر، ms373 إني جئتك أريد الاسلام، فإن أخبرتني عما أسألك عنه فأنت أعلم أصحاب محمد بالكتاب والسنة وجميع ما أريد أن أسأل عنه. # قال: فقال له عمر: إني لست هناك ولكني أرشدك إلى من هو أعلم أمتنا بالكتاب والسنة وجميع ما قد تسأل عنه، وهو ذاك. وأومأ إلى علي عليه السلام. # وساق الحديث إلى أن قال: قال له أمير المؤمنين عليه السلام: (سل عما بدا لك (2)). # فقال: أخبرني عن ثلاث وثلاث وواحدة. # فقال له علي عليه السلام: (لم لم تقل: عن سبع)؟ # فقال له اليهودي: إنك إن أخبرتني بالثلاث سألتك عن البقية وإلا كففت. # PageV02P167 # (فقال له: (سل عما بدا لك يا يهودي)) (1). # قال: أخبرني عن أول حجر وضع على وجه الأرض، وأول شجرة غرست على وجه الأرض، وأول عين نبعت على وجه الأرض. # فأخبره أمير المؤمنين عليه السلام، ثم قال له اليهودي: أخبرني عن هذه الأمة كم لها من إمام هدى؟ وأخبرني عن نبيكم محمد أين منزله في الجنة؟ وأخبرني من معه في الجنة؟ # فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: (إن لهذه الأمة اثني عشر إماما من ذرية نبيها وهم مني، وأما منزل نبينا في الجنة ففي أفضلها وأشرفها جنة عدن، وأما من معه في منزله فهؤلاء الاثنا عشر من ذريته وأمهم وجدتهم وأم أمهم وذراريهم لا يشركهم فيها أحد). الخبر بتمامه (2). # وعنه، عن عدة من أصحابه، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله بن القاسم، عن حيان السراج، عن داود بن سليمان الكناني، عن أبي الطفيل قال: شهدت جنازة أبي بكر يوم مات، وشهدت عمر حين بويع وعلي جالس ناحية، فأقبل يهودي جميل عليه ثياب حسان - وهو من ولد هارون - حتى قام على رأس عمر بن الخطاب فقال: يا أمير المؤمنين، أنت أعلم هذه الأمة بكتابهم وأمر نبيهم؟ فطأطأ عمر رأسه، فأعاد عليه القول، فقال له عمر: ولم ذلك؟ فقال له: إني جئت مرتادا لنفسي، شاكا في ديني، أريد الحجة، وأطلب البرهان. # فقال له عمر: دونك هذا ms374 الشاب، وأشار إلى أمير المؤمنين عليه السلام # PageV02P168 # فقال الغلام: ومن هذا؟ # قال عمر: هذا علي بن أبي طالب، ابن عم رسول الله، وأبو الحسن والحسين ابني رسول الله، وزوج فاطمة بنت رسول الله، وأعلم الناس بالكتاب والسنة. # قال: فأقبل الغلام إلى علي عليه السلام فقال له: أنت كذلك؟ فقال له علي: (نعم). # قال الغلام: أريد أن أسألك عن ثلاث وثلاث وواحدة. # فتبسم أمير المؤمنين عليه السلام وقال: (يا هاروني، ما منعك أن تقول: سبعا)؟ # قال: أريد أسألك عن ثلاث، فإن علمتهن سألتك عما بعدهن، وإن لم تعلمهن علمت أنه ليس فيكم عالم. # قال أمير المؤمنين عليه السلام: (فإني أسألك بالإله الذي تعبده، لئن أنا أجبتك عن كل ما تسأل لتد عن دينك ولتدخلن في ديني؟) قال: ما جئت إلا لذاك. # قال: (فسل). # قال: فأخبرني عن أول قطرة دم قطرت على وجه الأرض أي قطرة هي؟ # وأول عين فاضت على وجه الأرض أي عين هي؟ وأول شجر اهتز على وجه الأرض أي شعر هو؟ # (فقال عليه السلام: (يا هاروني، أما أنتم فتقولون: أول قطرة قطرت على وجه الأرض حيث قتل أحد ابني آدم، وليس كذلك، ولكنه حيث طمثت حواء وذلك قبل أن تلد ابنيها. # وأما أنتم فتقولون: إن أول عين فاضت على وجه الأرض العين التي ببيت المقدس، وليس هو كذلك، ولكنها عين الحياة التي وقف عليها موسى PageV02P169 # وفتاه ومعهما النون المالح فسقط فيها فحيي وهذا الماء لا يصيب ميتا إلا حيي. # وأما أنتم فتقولون: إن أول شجر اهتز على وجه الأرض الشجرة التي كانت منها سفينة نوح عليه السلام، وليس هو كذلك، ولكنها النخلة التي أهبطت من الجنة وهي العجوة ومنها تفرع كل ما ترى من أنواع النخل). # فقال: صدقت والله الذي لا إله إلا هو، إني لأجد هذا في كتب أبي هارون عليه السلام كتابته بيده وإملاء عمي موسى عليه السلام)) (1). # ثم قال: أخبرني عن الثلاث الاخر عن أوصياء محمد كم بعده من أئمة عدل؟ و (أين) (2) منزله في ms375 الجنة؟ ومن يكون ساكنا معه في منزله؟ # فقال: (يا هاروني، إن لمحمد اثني عشر وصيا أئمة عدل، لا يضرهم خذلان من خذلهم، ولا يستوحشون لخلاف من خالفهم، وإنهم أرسب في الدين من الجبال الرواسي في الأرض، ومسكن محمد صلى الله عليه وآله وسلم في جنة عدن التي ذكرها الله عز وجل وغرسها بيده، ومعه في مسكنه أولئك الا ثني عشر العدول). # فقال: صدقت والله الذي لا إله إلا هو، إني لأجد ذلك في كتب أبي هارون كتابته بيده وإملاء عمي موسى عليه السلام. # قال: فأخبرني عن الواحدة: كم يعيش وصي محمد بعده؟ وهل يموت أو يقتل؟ # فقال: (يا هاروني، يعيش بعده ثلاثين سنة لا يزيد يوما ولا ينقص # PageV02P170 # يوما، ثم يضرب ضربة هاهنا) ووضع يده على قرنه، وأومأ إلى لحيته (فتخضب هذه من هذا). # قال: فصاح الهاروني وقطع كستيجه (1) وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وأنك وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينبغي أن تفوق ولا تفاق وأن تعظم ولا تستضعف قال: ثم مضى به علي عليه السلام إلى منزله فعلمه معالم الدين (2). # وقد روي هذا الخبر من طرق أخر تركناها خوف الإطالة. # وعن محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن الحسين، عن أبي سعيد العصفوري، عن عمرو بن ثابت، عن أبي حمزة قال: سمعت علي بن الحسين عليهما السلام يقول: (إن الله تعالى خلق محمدا واثني عشر من أهل بيته من نور عظمته، وأقامهم أشباحا في ضياء نوره، يعبدونه ويسبحونه ويقدسونه، وهم الأئمة من بعد محمد صلى الله عليه وآله وسلم) (3). # وعنه، عن محمد بن يحيى، عن عبد الله بن محمد، عن الخشاب، عن الحسن بن سماعة، عن علي بن الحسين بن رباط، عن ابن أذينة، عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: (من آل محمد اثنا عشر إماما كلهم محدث من ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وولد علي ms376 بن أبي طالب عليه السلام، فرسول الله وعلي هما الوالدان) (4). # PageV02P171 # وعنه، عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، ومحمد ابن أبي عبد الله، ومحمد بن حمزة، عن سهل بن زياد جميعا، عن الحسن ابن العباس بن الحريش، عن أبي جعفر الثاني عليه السلام قال: إن أمير المؤمنين عليه السلام قال لابن عباس: إن ليلة القدر في كل سنة، وإنه ينزل في تلك الليلة أمر السنة، ولذلك الامر ولاة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم). # فقال ابن عباس: من هم؟ # قال: (أنا وأحد عشر من صلبي أئمة محدثون) (1). # وبهذا الاسناد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأصحابه: (آمنوا بليلة القدر أنها تكون من بعدي لعلي بن أبي طالب وولده وهم أحد عشر من بعده) (2). # الشيخ أبو جعفر بن بابويه قال: حدثنا أحمد بن زياد الهمداني، عن محمد بن معقل القرميسيني، عن محمد بن عبد الله البصري، عن إبراهيم ابن مهزم، عن أبيه، عن أبي عبد الله، عن آبائه، عن علي عليه السلام قال: # (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: اثنا عشر من أهل بيتي أعطاهم الله فهمي وعلمي وحكمتي، وخلقهم من طينتي، فويل للمتكبرين عليهم بعدي، القاطعين فيهم صلتي، مالهم لا أنالهم الله شفاعتي) (3). # PageV02P172 # وعنه، من أحمد بن محمد بن يحيى العطار، عن أبيه، عن محمد بن عبد الجبار، عن محمد بن زياد الأزدي، عن أبان بن عثمان، عن ثابت بن دينار، عن سيد العابدين علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الأئمة بعدي اثنا عشر، أولهم أنت يا علي، وآخرهم القائم الذي يفتح الله تعالى على يده مشارق الأرض ومغاربها، (1). # وعنه، حدثنا علي بن أحمد، حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي، عن موسى بن عمران، عن عمه الحسين بن يزيد، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، عن يحيى بن أبي القاسم، عن جعفر بن محمد ms377 الصادق، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (الأئمة بعدي اثنا عشر، أولهم علي بن أبي طالب وآخرهم القائم، هم خلفائي وأوصيائي وأوليائي وحجج الله على أمتي بعدي، المقر بهم مؤمن والمنكر لهم كافر) (2). # وعنه، (قال: حدثنا جعفر بن محمد بن مسرور قال: حدثنا الحسين ابن محمد بن عامر، عن المعلى بن محمد البصري، عن جعفر بن سليمان، عن عبد الله بن الحكم، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن خلفائي وأوصيائي وحجج الله على الخلق بعدي لاثنا عشر، أولهم أخي وآخرهم ولدي) قيل: يا رسول الله ومن أخوك؟ قال: (علي بن أبي طالب) قيل: فمن ولدك؟ قال: " المهدي الذي يملأها قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، والذي بعثني بالحق بشيرا # PageV02P173 # لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه ولدي المهدي، فينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلي خلفه، وتشرق الأرض بنور ربها، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب) (1). # والاخبار من هذا الفن أكثر مما ذكرناه، فلنقتصر على ما أوردناه، ففيه كفاية ومقنع فيما نحوناه. # وأما الضرب الثاني - وهو ما روي من النصوص على أعيان الأئمة الاثني عشر عليهم السلام - فمن ذلك: ما رواه الشيخ أبو جعفر بن بابويه رحمه الله قال: حدثنا أبي، ومحمد بن موسى بن المتوكل، ومحمد بن علي ماجيلويه، وأحمد بن علي بن إبراهيم، والحسين م بن إبراهيم بن ناتانه، وأحمد بن موسى بن زياد الهمداني قالوا: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه إبراهيم بن هاشم، عن بكر بن صالح. # وحدثنا أبي، ومحمد بن الحسن قالا: حدثنا سعد بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر الحميري جميعا، عن أبي الحسن صالح بن أبي حماد، والحسن بن طريف، جميعا، عن بكر بن صالح، عن عبد الرحمن بن سالم، عن أبي بصير، عن أبي. عبد الله عليه السلام قال: (قال ms378 أبي عليه السلام لجابر بن عبد الله الأنصاري: إن لي إليك حاجة، فمتى يخف عليك أن أخلو بك فأسألك عنها؟ فقال له جابر: في أي الأوقات شئت. # فخلا به أبي فقال له يا جابر: أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يدي أمي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وما أخبرتك به أمي أن في ذلك اللوح مكتوبا. # قال جابر: أشهد بالله أني دخلت على أمك فاطمة عليها السلام في # PageV02P174 # حياة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أهنئها بولادة الحسين، فرأيت في يدها لوحا أخضر ظننت أنه زمرد، ورأيت فيه كتابا أبيض شبه نور الشمس، فقلت لها: بأبي أنت وأمي يا بنت رسول الله ما هذا اللوح؟ فقالت: هذا اللوح أهداه الله عز وجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه اسم أبي واسم بعلي واسم ابني وأسماء الأوصياء من ولدي، فأعطانيه أبي ليسرني (1) بذلك. # قال جابر: فأعطتنيه أمك فاطمة فقرأته واستنسخته. # فقال أبي عليه السلام: فهل لك يا جابر أن تعرضه علي. # قال: نعم. # فمشى معه أبي عليه السلام حتى انتهى إلى منزل جابر وأخرج إلى أبي صحيفة من روق. # قال جابر: فأشهد بالله أني رأيته هكذا في اللوح مكتوبا: # بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله العزيز العليم لمحمد نوره وسفيره، وحجابه ودليله، نزل به الروح الأمين من عند رب العالمين. # عظم يا محمد أسمائي، واشكر نعماني، ولا تجحد آلائي، إني أنا الله لا إله إلا أنا، قاصم الجبارين، ومذل الظالمين (2)، وديان يوم الدين، إني أنا الله لا إله إلا أنا، فمن رجا غير فضلي أو خاف غير عدلي عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، فإياي فاعبد، وعلي فتوكل، إني لم أبعث نبيا فأكملت أيامه وانقضت مدته (3) إلا جعلت له وصيا، وإني فضلتك على # PageV02P175 # الأنبياء وفضلت وصيك على الأوصياء، وأكرمتك بشبليك بعده وبسبطيك الحسن والحسين. # فجعلت حسنا معدن علمي بعد انقضاء مدة أبيه. # وجعلت حسينا خازن وحيي، وأكرمته بالشهادة، وختمت له ms379 بالسعادة، فهو أفضل من استشهد، وأرفع الشهداء درجة، جعلت كلمتي التامة معه، والحجة البالغة عنده، بعترته أثيب وأعاقب. # أولهم سيد العابدين وزين أوليائي الماضين. # وابنه شبيه جده المحمود محمد الباقر لعلمي والمعدن لحكمي. # سيهلك المرتابون في جعفر، الراد عليه كالراد علي، حق القول مني لأكرمن مثوى جعفر ولأسرنه في أشياعه وأنصاره وأوليائه. # وانتجبت بعده موسى وانتجبت بعده فتنة عمياء حندس (1)، لان خيط فرضي لا ينقطع، وحجتي لا تخفى، وأن أوليائي لا يشقون، ألا من جحد واحدا منهم فقد جحد نعمتي، ومن غير آية من كتابي فقد افترى علي، وويل للمفترين الجاحدين عند انقضاء مدة عبدي موسى وحبيبي وخيرتي. # إن المكذب بالثامن مكذب بكل أوليائي، وعلي وليي وناصري، ومن أضع عليه أعباء النبوة وامتحنه بالاضطلاع، يقتله عفريت مستكبر، يدفن بالمدينة التي بناها العبد الصالح (2) إلى جنب شر خلقي. # حق القول مني لأقرن عينه بمحمد ابنه وخليفته من بعده، فهو وارث علمي، ومعدن حكمي، وموضع سري، وحجتي على خلقي، جعلت الجنة . مثواه، وشفعته في سبعين من أهل بيته كلهم قد استوجبوا النار. # PageV02P176 # وأختم بالسعادة لابنه علي وليي وناصري، والشاهد في خلقي، وأميني على وحيي. # أخرج منه الداعي إلى سبيلي، والخازن لعلمي الحسن. # ثم أكمل ذلك بابنه رحمة للعالمين، عليه كمال موسى، وبهاء عيسى، وصبر أيوب، سيذل أوليائي في زمانه، ويتهادون رؤوسهم كما تتهادى رؤوس الترك والديلم، فيقتلون ويحرقون، ويكونون خائفين مرعوبين وجلين، تصبغ الأرض بدمائهم، ويفشو الويل والرنين في نسائهم، أولئك أوليائي حقا، بهم أدفع كل فتنة عمياء حندس، وبهم أكشف الزلازل، وأرفع الآصار، والا غلال، ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ (1). # قال عبد الرحمن بن سالم: قال أبو بصير: لو لم تسمع في دهرك إلا هذا الحديث لكفاك، فصنه إلا عن أهله (2). # قال: وحدثنا أبو محمد الحسن بن حمزة العلوي قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن الحسين بن درست السروي، عن جعفر بن محمد بن مالك، عن محمد بن عمران الكوفي، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، وصفوان ms380 بن يحيى، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: # (يا إسحاق، ألا أبشرك؟) قلت: بلى جعلني الله فداك يا بن رسول الله. # فقال: (وجدنا صحيفة بإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وخط # PageV02P177 # أمير المؤمنين عليه السلام فيها: (بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من الله العزيز الحكيم) وذكر الحديث مثله سواء إلا إنه قال في آخره: ثم قال الصادق عليه السلام: (يا إسحاق هذا دين الملائكة والرسل، فصنه عن غير أهله يصنك الله ويصلح شأنك) ثم قال: (من دان بهذا أمن عقاب الله عز وجل) (1). # قال: وحدثنا علي بن الحسين المؤدب وأحمد بن هارون الفامي قالا: # حدثنا محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن جعفر بن محمد بن مالك الفزاري الكوفي، عن مالك السلولي، عن درست بن عبد الحميد، عن عبد الله بن القاسم، عن عبد الله بن جبلة، عن أبي السفاتج، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام، عر جابر بن عبد الله الأنصاري قال: دخلت على فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقدامها لوح يكاد ضوؤه يغشي الابصار، فيه اثنا عشر اسما: ثلاثة في ظاهره وثلاثة في باطنه وثلاثة أسماء في آخره وثلاثة أسماء في طرفه، فعددتها فإذا هي اثنا عشر، فقلت: أسماء من هؤلاء؟ قالت: (هذه أسماء الأوصياء، أولهم ابن عمي وأحد عشر من ولدي آخرهم القائم). # قال جابر: فرأيت فيها محمدا، محمدا، محمدا في ثلاثة مواضع، وعليا، وعليا، وعليا، وعليا، في أربعة مواضع (2). # قال: وحدثنا أبو العباس محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني قال: # حدثنا الحسن بن، إسماعيل قال: حدثنا سعيد بن محمد القطان قال: حدثنا عبد الله بن موسى الروياني، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني، عن علي # PageV02P178 # ابن الحسن بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: حدثني عبد الله بن محمد بن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده عليهم السلام: ms381 أن محمد بن علي عليهما السلام باقر العلم جمع ولده - وفيهم عفهم زيد بن علي - ثم أخرج إليهم كتابا بخط علي عليه السلام وإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكتوب فيه: (هذا كتاب من الله العزيز الحكيم العليم) حديث اللوح إلى الموضع الذي يقول فيه: (وأولئك هم المهتدون، ثم قال في آخره. قال عبد العظيم. العجب كل العجب لمحمد ابن جعفر وخروجه وقد سمع أباه يقول هذا ويحكمه، ثم قال: هذا سر الله ودينه ودين ملائكته فصنه إلا عن أهله وأوليائه (1). # قال: وحدثنا أبي قال حدثنا سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس الهلالي قال: سمعت عبد الله بن جعفر الطيار يقول: كنا عند معاوية أنا والحسن والحسين وعبد الله بن عباس وعمر بن أبي سلمة وأسامة بن زيد. فذكر حديثا جرى بينه وبينه، وأنه قال لمعاوية بن أبي سفيان: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (إني أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم أخي علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استشهد فابني الحسن أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ثم ابني الحسين بن علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استشهد فابنه علي بن الحسين أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وستدركه يا علي، ثم ابنه محمد بن علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وستدركه يا حسين، ثم تكملة اثني عشر إماما تسعة من ولد الحسين). # PageV02P179 # قال عبد الله: ثم استشهدت الحسن والحسين وعبد الله بن عباس، وعمر بن أبي سلمة وأسامة بن زيد فشهدوا لي عند معاوية. # قال سليم بن قيس الهلالي: وقد كنت سمعت ذلك من سلمان وأبي ذر والمقداد وأسامة لن زيد أنهم سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (1). # وحدثنا أبي قال: حدثنا سعد بن عبد الله قال: حدثنا يعقوب بن يزيد، عن حماد بن عيسى، عن عبد الله بن مسكان، عن أبان بن ms382 تغلب، عن سليم قيس الهلالي، عن سلمان الفارسي قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإذا الحسين بن علي على فخذه، وهو يقبل عينيه ويلثم فاه وهو يقول: (أنت سيد ابن سيد، أنت إمام ابن إمام أبو أئمة، أنت حجة ابن حجة أبو حجج تسعة من صلبك، تاسعهم قائمهم) (2). # قال: وحدثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير، عن غياث بن إبراهيم، عن الصادق عليه السلام، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي، عن أبيه الحسين عليهم السلام قال: (اسئل أمير المؤمنين عليه السلام عن معنى قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إني مخلف فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي، من العترة؟ فقال: أنا والحسن والحسين والأئمة التسعة من ولد الحسين، تاسعهم مهد يهم وقائمهم، لا يفارقون كتاب الله ولا يفارقهم # PageV02P180 # حتى يردوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حوضه) (١). # قال: وحدثنا علي بن عبد الله الوراق، حدثنا سعد بن عبد الله، حدثنا الهيثم بن أبي مسروق النهدي، عن الحسين بن علوان، عن عمر بن خالد، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة، عن عبد الله بن عباس قال: # سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (أنا وعلي والحسن والحسين وتسعة من ولد الحسين مطهرون معصومون) (٢). # قال: وحدثنا أحمد بن الحسن القطان قال: حدثنا أحمد بن يحيى بن زكريا القطان، حدثنا بكر بن عبد الله بن حبيب، حدثنا الفضل بن الصقر العبدي، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عباية بن ربعي، عن عبد الله ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنا سيد النبيين، وعلي بن أبي طالب سيد الوصيين، وأن أوصيائي بعدي اثنا عشر أولهم علي ابن أبي طالب وآخرهم القائم) (٣). # قال: وحدثنا غير واحد من أصحابنا، حدثنا محمد بن همام، عن جعفر بن محمد بن مالك الفزاري، عن الحسين بن محمد بن ms383 سماعة، عن أحمد بن الحارث، عن المفضل بن، عمر، عن يونس بن ظبيان، عن جابر ابن يزيد الجعفي قال: سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: لما أنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم﴾ (4) قلت: يا رسول الله، عرفنا الله # PageV02P181 # ورسوله، فمن أولي الامر الذي قرن الله طاعتهم بطاعتك؟ # فقال عليه السلام: (هم خلفائي - يا جابر - وأئمة المسلمين بعدي، أولهم علي بن أبي طالب، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي المعروف في التوراة بالباقر، وستدركه يا جابر، فإذا لقيته فأقرئه مني السلام، ثم الصادق جعفر بن محمد، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن بن علي، ثم سمعيي وكنيي، حجة الله في أرضه، وبقيته في عباده، ابن الحسن ابن علي، ذاك الذي يفتح الله تعالى ذكره على يديه مشارق الأرض ومغاربها، وذلك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة لا يثبت فيها على القول بإمامته إلا من امتحن الله قلبه للايمان). # قال جابر: فقلت له: يا رسول الله فهل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إي والذي بعثني بالنبوة انهم ليستضيئون بنوره وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن تجلاها سحاب، يا جابر: هذا من مكنون سر الله ومخزون علم الله فاكتمه إلا عن أهله) (1) إلى آخر الخبر. # قال: وحدثنا محمد بن موسى بن المتوكل قال: حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي حدثنا موسى بن عمران النخعي، عن عمه الحسين بن يزيد، عن الحسن بن علي بن سالم، عن أبيه، عن أبي حمزة، عن سعيد ابن جبير، عن عبد الله بن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله تعالى اطلع على الأرض إطلاعة فاختارني منها فجعلني نبيا، ثم اطلع الثانية فاختار منها عليا فجعله إماما، ثم أمرني ms384 أن أتخذه أخا ووصيا # PageV02P182 # وخليفة ووزيرا تعلي مني وأنا من علي وهو زوج ابنتي وأبو سبطي الحسن والحسين، ألا وإن الله تبارك وتعالى جعلني وإياهم حججا على عباده، وجعل من صلب الحسين أئمة يقومون بأمري ويحفظون وصيتي، التاسع منهم قائم أهل بيتي ومهدي أمتي، أشبه الناس بي في شمائله وأقواله وأفعاله، يظهر بعد غيبة طويلة وحيرة مضلة فيعلن أمر الله ويظهر دين الله ويؤيد بنصر الله وينصر بملائكة الله، فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا) (1). # وبهذا الاسناد، عن الحسين بن يزيد، عن الحسن بن علي بن أبي حمزة، عن أبيه، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حدثني جبرئيل عن رب العزة جل جلاله أنه قال: من علم أن لا إله إلا أنا وحدي، وأن محمدا عبدي ورسولي، وأن علي بن أبي طالب خليفتي، وأن الأئمة من ولده حججي، أدخلته الجنة برحمتي، ونجيته من النار بعفوي، وأبحت له جواري، وأوجبت له كرامتي، وأتممت عليه نعمتي، وجعلته من خاصتي وخالصتي، إن ناداني لبيته، وإن دعاني أجبته، وإن سألني أعطيته، وإن سكت ابتدأته، إن أساء رحمته، وإن فر مني دعوته، إن (رجع إلي قبلته، وإن قرع بابي فتحت له. # ومن لم يشهد أن لا إله إلا أنا وحدي، أو) (2) شهد بذلك ولم يشهد أن محمدا عبدي ورسولي، أو شهد بذلك ولم يشهد أن علي بن أبي طالب خليفتي، أو شهد بذلك ولم يشهد ان الأئمة من ولده حججي، فقد جحد نعمتي، وصغر عظمتي، وكفر بآياتي وكتبي، إن قصدني حجبته، وإن سألني # PageV02P183 # حرمته، وإن ناداني لم أسمع نداءه وإن دعاني لم أستجب دعاءه، وإن رجاني خيبته، وذلك جزاؤه مني وما أنا بظلام للعبيد). # فقام جابر بن عبد الله الأنصاري فقال: يا رسول الله، ومن الأئمة من ولد علي بن أبي طالب؟ # قال: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، ثم سيد العابدين في زمانه علي بن الحسين، ثم الباقر ms385 محمد بن علي. وستدركه يا جابر فإذا أدركته فأقرئه مني السلام، ثم الصادق جعفر بن محمد، ثم الكاظم موسى جعفر، ثم الرضا علي بن موسى، ثم التقي محمد بن علي، ثم النقي علي بن محمد، ثم الزكي الحسن.، بن علي، ثم ابنه القائم بالحق مهدي أمتي، الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، هؤلاء يا جابر خلفائي وأوصيائي وأولادي وعترتي، من أطاعهم فقد أطاعني، ومن عصاهم فقد عصاني، ومن أنكرهم أو أنكر واحدا منهم فقد أنكرني، بهم يمسك الله السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وبهم يحفظ الله الأرض أن تميد بأهلها). # قال: وحدثنا علي بن أحمد بن عبد الله بن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن جده أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه محمد بن خالد، عن محمد بن داود، عن محمد بن الجارود العبدي، عن الأصبغ بن نباتة قال: خرج علينا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ذات يوم ويده في يد ابنه الحسن عليه السلام وهو يقول: (خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم ويده في يدي هكذا وهو يقول: خير الخلق بعدي وسيدهم أخي هذا وهو إمام كل مسلم وأمير كل مؤمن بعد وفاتي، ألا وإني # PageV02P184 # أقول: إن خير الخلق بعدي وسيدهم ابني هذا وهو إمام كل مسلم ومولى كل مؤمن بعد وفاقي، ألا وإنه سيظلم بعدي كما ظلمت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وخير الخلق وسيدهم بعد الحسن ابني أخوه الحسين المظلوم بعد أخيه المقتول في أرض كرب وبلاء، أما إنه وأصحابه من سادة الشهداء يوم القيامة، ومن بعد الحسين تسعة من صلبه، خلفاء الله في أرضه، وحججه على عباده، وأمناؤه على وحيه، أئمة المسلمين، وقادة المؤمنين، وسادة المتقين، وتاسعهم القائم الذي يملا الله به الأرض نورا بعد ظلمتها، وعدلا بعد جورها، وعلما بعد جهلها. # والذي بعث أخي محمدا بالنبوة، واختصني بالإمامة لقد نزل بذلك الوحي من السماء على ms386 لسان الروح الأمين جبرئيل، ولقد سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا عنده، عن الأئمة بعده فقال صلى الله عليه وآله وسلم للسائل: والسماء ذات البروج إن عددهم بعدد البروج، ورب الليالي والأيام والشهور إن عدتهم كعدد الشهور. قال السائل: فمن هم يا رسول الله؟ فوضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده على رأسي فقال: أولهم هذا وآخرهم المهدي، من والاهم فقد والاني، ومن عاداهم فقد عاداني، ومن أحبهم فقد أحبني، ومن أبغضهم فضد أبغضني، ومن أنكرهم فقد أنكرني، ومن، عرفهم فقد عرفني، بهم يحفظ الله دينه، وبهم يعمر بلاده، وبهم يرزق عباده، وبهم ينزل القطر من السماء، وبهم يخرج بركات الأرض، هؤلاء أوصيائي وخلفائي وأئمة المسلمين وموالي المؤمنين) (1). # قال: وحدثنا أبو الحسن أحمد بن ثابت الدواليبي بمدينة السلام قال: # حدثنا محمد بن الفضل النحوي قال: حدثنا محمد بن علي بن عبد الصمد # PageV02P185 # الكوفي، قال: حدثنا علي بن عاصم، عن محمد بن علي بن موسى، عن أبيه علي بن موسى، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي عليهم السلام قال: (دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعنده أبي بن كعب فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: مرحبا بك يا أبا عبد الله يا زين السماوات والأرض، قال له أبي: وكيف يكون يا رسول الله زين السماوات والأرض أحد غيرك؟ # فقال: والذي بعثني بالحق نبيا، إن الحسين بن علي في السماء أكبر منه في الأرض، وإنه لمكتوب على يمين عرش الله: مصباح هاد، وسفينة نجاة، وإمام غير وهن، وعز وفخر، وعلم وذخر، وإن الله عز وجل ركب في صلبه نطفة طيبة مباركة زكية خلقت من قبل أن يكون مخلوق في الأرحام، أو يجري ماء في الأصلاب، أو يكون ليل أو نهار، ولقد لقن دعوات ما يدعو بهن مخلوق إلا حشره الله عز وجل ms387 معه، وكان شفيعه في آخرته، وفرج الله عنه كربه، وقضى بها دينه، ويسر أمره، وأوضح سبيله، وقواه على عدوه، ولم يهتك ستره. # فقال له أبي: وما هذه الدعوات يا رسول الله؟ # قال: تقول إذا فرغت من صلواتك وأنت قاعد: اللهم إني أسألك بكلماتك ومعاقد عزك، وسكان سماواتك وأنبيائك ورسلك (أن تستجيب لي، فقد) (1) رهقني من أمري عسر، فأسألك أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تجعل لي من عسري يسرا. فإن الله عز وجل يسهل أمرك، ويشرح صدرك، ويلقنك شهادة أن لا إله إلا الله عند خروج نفسك. # PageV02P186 # قال له أبي: يا رسول الله، فما هذه النطفة التي في صلب حبيبي الحسين؟ # قال: مثل هذه النطفة كمثل القمر، وهي نطفة تبيين وبيان، يكون من اتبعه رشيدا، ومن ضل عنه غويا. # قال: فما اسمه وما دعاؤه؟ # قال: اسمه علي، ودعاؤه: يا دائم يا ديموم، يا حي يا قيوم، يا كاشف الغم، ويا فارج الهم، ويا باعث الرسل، ويا صادق الوعد. من دعا بهذا الدعاء حشره الله مع علي بن الحسين، وكان قائده إلى الجنة. # قال له أبي: يا رسول الله، فهل له من خلف ووصي؟ # قال: نعم، له مواريث السماوات والأرض. # قال: وما معنى مواريث السماوات والأرض؟ # قال: القضاء بالحق، والحكم بالديانة، وتأويل الاحكام، وبيان ما يكون. # قال: فما اسمه؟ # قال: اسمه محمد، وإن الملائكة لتستأنس به في السماوات، ويقول في دعائه: اللهم إن كان لي عندك رضوان وود فاغفر لي ولمن تبعني من إخواني وشيعتي، وطيب ما في صلبي. # فركب الله عز وجل في صلبه نطفة مباركة زكية، وأخبرني (جبرئيل) (1) عليه السلام أن الله تعالى طيب هذه النطفة وسماها عنده جعفرا، وجعله هاديا مهديا، وراضيا مرضيا، يدعو ربه فيقول في دعائه: يا دان غير متوان، يا أرحم الراحمين اجعل لشيعتي من النار وقاء، ولهم عندك رضى، واغفر ذنوبهم، ويسر أمورهم، واقض ديونهم، واستر عوراتهم، وهب لهم الكبائر التي بينك وبينهم، يا من لا يخاف الضيم، ولا تأخذه سنة ولا نوم، ms388 اجعل لي من كل # PageV02P187 # غم فرجا. من دعا بهذا الدعاء حشره الله أبيض الوجه مع جعفر بن محمد إلى الجنة. # يا أبي، إن الله تبارك وتعالى ركب على هذه النطفة نطفة زكية، مباركة طيبة، أنزل عليها الرحمة، وسماها عنده موسى. # فقال له أبي: يا رسول الله، كأنهم يتواصفون ويتناسلون، ويتوارثون ويصف بعضهم بعضا. # قال: وصفهم لي جبرئيل عن رب العالمين جل جلاله. # قال: فهل لموسى من دعوة يدعو بها سوى دعاء آبائه؟ # قال: نعم يقول في دعائه: يا خالق الخلق، ويا باسط الرزق، يا فالق الحب، ويا بارئ النسم، ومحيي الموتى ومميت الاحياء، ودائم الثبات، ومخرج النبات، افعل بي ما أنت أهله. من دعا بهذا الدعاء قضى الله حوائجه، وحشره يوم القيامة مع موسى بن جعفر. # وإن الله عز وجل ركب في صلبه نطفة مباركة طيبة، زكية مرضية، وسماها عنده عليا وكان لله في خلقه رضيا، في علمه وحكمه، وجعله حجة لشيعته يحتجون به يوم القيامة. وله دعاء يدعو به: اللهم أعطني الهدى وثبتني عليه واحشرني عليه، آمنا أمن من لا خوف عليه ولا حزن ولا جزع، إنك أهل التقوى وأهل المغفرة. # وإن الله عز وجل ركب في صلبه نطفة مباركة طيبة، زكية مرضية، وسماها محمد بن علي، فهو شفيع شيعته، ووارث علم جده، له علامة بينة، وحجة ظاهرة، إذا ولد يقول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ويقول في دعائه: يا من لا شبيه له ولا مثال، أنت الله لا إله إلا أنت، ولا خالق إلا أنت، تفني المخلوقين وتبقى أنت، حلمت عمن عصاك وفي المغفرة رضاك. من دعا بهذا الدعاء كان محمد بن علي شفيعه يوم القيامة. PageV02P188 # وإن الله تبارك وتعالى ركب في صلبه نطفة لا باغية ولا طاغية، بارة مباركة، طيبة طاهرة، سماها عنده علي بن محمد، فألبسها السكينة والوقار، وأودعها العلوم وكل سر مكتوم، من لقيه وفي صدره شئ أنبأه به وحذره من عدوه. ويقول في دعائه: يا نور يا برهان، يا مبين يا منير، ms389 يا رب اكفني شر الشرور، وآفات الدهور، وأسألك النجاة يوم ينفخ في الصور. من دعا بهذا الدعاء كان علي بن محمد شفيعه وقائده إلى الجنة. # وإن الله تعالى ركب في صلبه نطفة وسماها عنده الحسن، فجعله نورا في بلاده، وخليفة في أرضه، وعزا لامته، وهاديا لشيعته، وشفيعا لهم عند ربهم.، ونقمة على من خالفه، وحجة لمن والاه، وبرهانا لمن اتخذه إماما. # يقول في دعائه: يا عزيز العز في عزه، يا عزيزا أعزني بعزك، وأيدني بنصرك، ك ح ح وأبعد عني همزات الشيطان، وادفع عني بدفعك، وامنع عني بصنعك، واجعلني من خيار خلقك، يا واحد يا أحد، يا فرد يا صمد. من دعا بهذا الدعاء حشره الله عز وجل معه، ونجاه من النار ولو وجبت عليه. # وإن الله تبارك وتعالى ركب في صلبه نطفة زكية طيبة، طاهرة مطهرة، يرضى بها كل مؤمن (1) ممن قد أخذ الله ميثاقه في الولاية، وبكفر بها كل جاحد، فهو إمام تقي نقي، سار مرضي هاد مهدي، يحكم بالعدل ويأمر به، يصدق الله ويصدقه الله في قوله، يخرج من تهامة حتى يظهر الدلائل والعلامات، وله بالطالقان كنوز لا ذهب ولا فضة إلا خيول مطهمة ورجال مسومة، يجمع الله له من أقاصي البلاد على عدد أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، معه صحيفة مختومة فيها عدد أصحابه بأسمائهم وأنسابهم وبلدانهم وصنائعهم وحلاهم وكناهم، كرارون مجدون في طاعته. # PageV02P189 # فقال له أبي: وما دلائله وعلاماته يا رسول الله؟ # قال: له علم إذا حان وقت خروجه انتشر ذلك العلم من نفسه، وأنطقه الله فناداه العلم: أخرج يا ولي الله فاقتل أ عداء الله. وهما رايتان وعلامتان، وله سيف مغمد، فإذا حان وقت خروجه اقتلع ذلك السيف من غمده وأنطقه الله عز وجل فناداه السيف: أخرج يا ولي الله (1) فلا يحل لك أن تقعد عن أعداء الله. فيخرج ويقتل أعداء الله حيث ثقفهم، ويقيم حدود الله، ويحكم بحكم الله، يخرج وجبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، وشعيب بن صالح على مقدمته، وسوف ms390 تذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله ولو بعد حين. # يا أبي طوبى لمن لقيه، وطوبى لمن أحبه، وطوبى لمن قال به، ينجيهم الله من الهلكة، وبالاقرار به وبرسول الله وبجميع الأئمة تفتح لهم الجنة، مثلهم في الأرض كمثل المسك الذي تسطع ريحه فلا يتغير أبدا، ومثلهم في السماء كمثل القمر المنير الذي لا يطفأ نوره أبدا. # قال أبي: يا رسول الله كيف (جاءك) (2) بيان هؤلاء الأئمة عن الله عز وجل؟ # قال: إن الله عز وجل أنزل علي اثنتي عشرة صحيفة، باثني عشر خاتما، اسم كل إمام على خاتمه وصفته في صحيفته) (3). # قال: وحدثنا محمد بن علي ماجيلويه قال: حدثنا عمي محمد بن أبي القاسم، عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي، عن محمد بن علي القرشي، # PageV02P190 # عن محمد بن سنان، عن المفضل بن عمر، عن أبي حمزة الثمالي، عن محمد بن علي الباقر، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي عليهم السلام قال: (دخلت أنا وأخي على جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأجلسني على فخذه وأجلس أخي الحسن على فخذه الأخرى، ثم قبلنا وقال: بأبي أنتما من إمامين صالحين، اختاركما الله مني ومن أبيكما وأمكما، واختار من صلبك يا حسين تسعة أئمة تاسعهم قائمهم، وكلكم في الفضل والمنزلة عند الله سواء) (1). # قال: وحدثنا أبي، ومحمد بن الحسن قالا: حدثنا سعد بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر الحميري، ومحمد بن يحيى العطار، وأحمد بن إدريس جميعا قالوا: حدثنا أحمد بن أبي عبد الله البرقي قال: حدثنا أبو هاشم داود ابن القاسم الجعفري، عن أبي جعفر محمد بن علي الثاني عليه السلام، قال: (أقبل أمير المؤمنين عليه السلام ذات يوم ومعه الحسن بن علي وسلمان الفارسي، وأمير المؤمنين عليه السلام متكئ على يد سلمان، فد خل المسجد الحرام فجلس، إذ أقبل رجل حسن الهيئة واللباس، فسلم على أمير المؤمنين عليه السلام فرد عليه السلام، فجلس ثم قال: يا أمير المؤمنين أسألك عن ثلاث ms391 مسائل إن أخبرتني بهن علمت أن القوم ركبوا من أمرك ما أقضي عليهم أنهم ليسوا بمأمونين في دنياهم ولا في آخرتهم، وإن تكن الأخرى علمت أنك وهم شرع سواء. # فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: سلني عما بدا لك. # فقال: أخبرني عن الرجل إذا نام أين تذهب روحه؟ وعن الرجل كيف يذكر وينسى؟ وعن الرجل كيف يشبه ولده الأعمام والأخوال؟ # PageV02P191 # فالتفت أمير المؤمنين عليه السلام إلى الحسن فقال: يا أبا محمد أجبه. # فقال عليه السلام: أما ما سألت عنه من أمر الانسان إذا نام أين تذهب روحه، فإن روحه متعلقة بالريح، والريح متعلقة بالهواء إلى وقت ما يتحرك صاحبها لليقظة، فإن أذن الله عز وجل برد تلك الروح على صاحبها جذبت تلك الروح الريح وجذبت تلك الريح الهواء فرجعت الروح فأسكنت في بدن صاحبها، وإن لم يأذن الله عز وجل برد تلك الروح على صاحبها جذب الهواء الريح فجذبت الريح الروح فلم ترد على صاحبها إلى وقت ما يبعث. # وأما ما ذكرت من (أمر) الذكر والنسيان، فإن قلب الرجل في حق وعلى الحق طبق، فإن صلى عند ذلك على محمد وآل محمد صلاة تامة انكشف ذلك الطبق عن ذلك الحق، فأضاء القلب، وذكر الرجل ما كان نسي، وإن هو لم يصل على محمد وآل محمد أو نقص (1) من الصلاة عليهم انطبق ذلك الطبق على ذلك الحق، فاظلم القلب ونسي الرجل ما كان ذكره. # وأما ما ذكرت من أمر المولود الذي يشبه أعمامه وأخواله، فإن الرجل إذا أتى أهله فجامعها. بقلب ساكن وعروق هادئة وبدن غير مضطرب، فأسكنت بذلك تلك النطفة في جوف الرحم، خرج الولد يشبه أباه وأمه، وإن هو أتاها بقلب غير ساكن وعروق غير هادئة وبدن مضطرب، اضطربت تلك النطفة فوقعت في حال اضطرابها على بعض العروق، فإن وقعت على عرق من عروق الا عمام أشبه الولد أعمامه، وإن وقعت على عرق من عروق لأخوال أشبه الولد أخواله. # فقال الرجل: أشهد أن لا إله إلا الله، ولم أزل ms392 أشهد بها، وأشهد أن # PageV02P192 # محمدا رسول الله، ولم أزل أشهد بذلك، وأشهد أنك وصي رسول الله والقائم بحجته - وأشار إلى أمير المؤمنين عليه السلام - ولم أزل أشهد بها، وأشهد أنك وصيه والقائم بحجته - وأشار إلى الحسن عليه السلام - وأشهد أن الحسين بن علي وصي أبيك والقائم بحجته بعدك، وأشهد على علي بن الحسين أنه القائم بأمر الحسين من بعده، وأشهد على محمد بن علي أنه القائم بأمر علي بن الحسين، وأشهد على جعفر بن محمد أنه القائم بأمر محمد بن علي، وأشهد على موسى بن جعفر أنه القائم بأمر جعفر بن محمد، وأشهد على علي بن موسى أنه القائم بأمر موسى بن جعفر، وأشهد على محمد بن علي أنه القائم بأمر علي بن موسى، وأشهد على علي بن محمد أنه القائم بأمر محمد بن علي، وأشهد على الحسن بن علي أنه القائم بأمر علي بن محمد، وأشهد على رجل من ولد الحسن بن علي، لا يكنى ولا يسمى حتى يظهر من يملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، أنه القائم بأمر الحسن بن علي، والسلام عليكم أيها المؤمنين ورحمة الله وبركاته. # ثم قام ومضى فقال أمير المؤمنين: يا أبا محمد، اتبعه فانظر أين يقصد؟ فخرج الحسن بن علي عليهما السلام على إثره. # قال: فما كان إلا أن وضع رجله خارج المسجد فما رأيت أين أخذ من أرض الله، فرجعت إلى أمير المؤمنين فأعلمته فقال: يا أبا محمد أتعرفه؟ # فقلت: الله ورسوله وأمير المؤمنين أعلم. # فقال: هو الخضر عليه السلام) (1). # PageV02P193 # قال: وحدثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني قال.: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن عبد السلام بن صالح الهروي قال: أخبرنا وكيع، عن الربيع بن سعد، عن عبد الرحمن بن سليط، قال: قال الحسين ابن علي بن أبي طالب عليهما السلام: (منا اثنا عشر مهديا، أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وآخرهم التاسع من ولدي وهو القائم بالحق، يحيي الله به الأرض بعد موتها، ويظهر به دين ms393 الحق على الدين كله ولو كره المشركون، له غيبة يرتد فيها قوم، ويثبت على الدين فيها آخرون فيؤذون، ويقال لهم: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين، أما إن الصابر في غيبته على الأذى والتكذيب بمنزلة المجاهد بالسيف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) (1). # قال: وحدثنا علي بن عبد الله الوراق قال: حدثنا محمد بن هارون الصوفي، عن عبيد الله بن موسى، عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني قال: # حدثني صفوان بن يحيى، عن إبراهيم بن أبي زياد، عن أبي حمزة الثمالي، عن أبي خالد الكابلي قال: دخلت على سيدي علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام فقلت له: يا ابن رسول الله، أخبرني بالذين فرض الله طاعتهم ومودتهم، وأو جب على عباده الاقتداء بهم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # فقال لي: (يا كنكر (2)، إن أولي الامر الذين جعلهم الله أئمة للناس، وأوجب عليهم طاعتهم: أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ثم الحسن ثم # PageV02P194 # الحسين ابنا علي بن أبي طالب، ثم انتهى الامر إلينا). # ثم سكت، فقلت له: يا سيدي، روي لنا عن أمير المؤمنين عليه السلام: أن الأرض لا تخلو من حجة لله على عباده، فمن الحجة والامام بعدك؟ # فقال: (ابني محمد، واسمه في التوراة باقر، يبقر العلم بقرا، هو الحجة والإمام بعدي، ومن بعد محمد ابنه جعفر، واسمه عند أهل السماء الصادق). # فقلت: يا سيدي، فكيف صار اسمه الصادق وكلكم الصادقون؟ # فقال: (حدثني أبي، عن أبيه عليهما السلام: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: إذا ولد ابني جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب فسموه الصادق، فإن الخامس من ولده الذي اسمه جعفر يدعي الإمامة اجتراء على الله وكذبا عليه، فهو عند الله جعفر الكذاب المفتري على الله، والمدعي بما ليس له بأهل، المخالف على أبيه، والحاسد على أخيه، ذلك الذي يروم كشف سر الله عند غيبة ولي الله). # ثم بكى علي بن الحسين ms394 عليهما السلام بكاء شديدا، ثم قال: (كأني بجعفر الكذاب وقد حمل طاغية زمانه على تفتيش أمر ولي الله، والمغيب في حفظ الله، والتوكيل بحرم (1) أبيه جهلا منه بولادته، وحرصا على قتله إن ظفر به، طمعا في ميراث أبيه حتى يأخذه بغير حقه). # قال أبو خالد: فقلت له: يا ابن رسول الله، وإن ذلك لكائن؟ # فقال: (إي وربي، إن ذلك لمكتوب عندنا في الصحيفة التي فيها ذكر # PageV02P195 # المحن التي تجري علينا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم). # قال: فقلت له: يا ابن رسول الله، ثم يكون ماذا؟ # قال: (ثم تمتد الغيبة بولي الله الثاني عشر من أوصياء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام بعده. # يا أبا خالد، إن أهل زمان غيبته، القائلين بإمامته، والمنتظرين لظهوره، أفضل من أهل كل زمان، لان الله تعالى ذكره أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالسيف، أولئك المخلصون حقا، وشيعتنا صدقا، والدعاة إلى دين الله سرا وجهرا) (1). # قال: وحدثنا محمد بن علي ماجيلويه، ومحمد بن موسى بن المتوكل قالا: حدثنا محمد بن يحيى العطار، عن محمد بن الحسن الصفار، عن عبد الله بن الصلت القمي، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة بن مهران قال: كنت أنا وأبو بصير ومحمد بن عمران مولى أبي جعفر عليه السلام في منزل بمكة، فقال محمد بن عمران: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: # (نحن اثنا عشر محدثا)، فقال له أبو بصير: تالله لقد سمعت ذلك من أبي عبد الله عليه السلام؟ فحلف مرة أو مرتين أنه سمعه منه. # فقال أبو بصير: لكني سمعته من أبي جعفر عليه السلام (2). # قال: وحدثنا الحسين بن أحمد بن إدريس قال: حدثنا أبي، عن # PageV02P196 # محمد بن الحسين بن زيد الزيات، عن الحسن بن موسى الخشاب، عن علي بن سماعة، عن علي بن الحسن بن علي بن رباط، ms395 عن أبيه، عن المفضل بن عمر قال: قال الصادق عليه السلام: (إن الله تبارك وتعالى خلق أربعة عشر نورا قبل خلق الخلق بأربعة عشر ألف عام، فهي أرواحنا). # فقيل له: يا ابن رسول الله، ومن الأربعة عشر؟ # فقال: (محمد، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، والأئمة من ولد الحسين، آخرهم القائم الذي يقوم بعد غيبته فيقتل الدجال، ويطهر الأرض من كل جور وظلم) (1). # قال: وحدثنا عبد الواحد بن محمد بن عبدوس العطار قال: حدثنا علي بن محمد بن قتيبة النيسابوري قال: حدثنا حمدان بن سليمان، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن حيان السراج، عن السيد ابن محمد الحميري في حديث طويل يقول فيه: قلت للصادق عليه السلام: يا ابن رسول الله قد روي لنا أخبار عن آبائك في الغيبة وصحة كونها فأخبرني بن تقع؟ # فقال عليه السلام: (إن الغيبة ستقع بالسادس من ولدي، وهو الثاني عشر من الأئمة الهداة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أولهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وآخرهم القائم بالحق بقية الله في الأرض وصاحب الزمان، ولو بقي في غيبته ما بقي نوح في قومه لم يخرج من الدنيا حتى يظهر فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما) (2). # وقد تقدم ذكر هذا الحديث في أخبار الصادق عليه السلام، وكررته # PageV02P197 # هاهنا للحاجة إليه، وأمثال هذه الأخبار كثيرة لا يحتمل هذا الكتاب أكثر مما ذكرناه، وقد ذكر كثيرا منها الشيخ أبو جعفر بن بابويه في كتاب (كمال الدين وتمام النعمة، في إثبات الغيبة وكشف الحيرة) فمن أراد الزيادة فليطلب من هناك. # وقد صنف الشيخ المفيد أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان في ذلك كتابا مفردا، ذكر فيه الأخبار الواردة في هذا المعنى، بأسانيدها على التفصيل. PageV02P198 # (الفصل الثالث) من القسم الأول في ذكر جمل من الدلائل على إمامة أئمتنا عليهم السلام، سوى ما ذكرناه فيما تقدم من الكتاب. # أحد الدلائل على إمامتهم عليهم السلام: ما ظهر منهم من العلوم التي تفرقت في ms396 فرق العالم، فحصل في كل فرقة منهم فن منها، فاجتمعت فنونها وسائر أنواعها في آل محمد عليهم السلام، ألا ترى إلى ما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام في أبواب التوحيد، والكلام الباهر المفيد من الخطب، وعلوم الدين، وأحكام الشريعة، وتفسير القرآن، وغير ذلك ما زاد على كلام جميع الخطباء والعلماء والفصحاء، حتى أخذ عنه المتكلمون والفقهاء والمفسرون، ونقل أهل العربية عنه أصول الاعراب ومعاني اللغات، وقال في الطب ما استفادت منه الأطباء، وفي الحكمة والوصايا والآداب ما أربى على كلام جميع الحكماء، وفي النجوم وعلم الآثار ما استفاده من جهته جميع أهل الملك والآراء. # ثم قد نقلت الطوائف عمن ذكرناه من عترته وأبنائه عليهم السلام مثل ذلك من العلوم في جميع الأنحاء، ولم يختلف في فضلهم وعلو درجتهم في ذلك من أهل العلم اثنان. # فقد ظهر عن الباقر والصادق عليهما السلام - لما تمكنا من الاظهار وزالت عنهما التقية التي كانت على سيد العابدين عليه السلام - من الفتاوى في الحلال والحرام، والمسائل والاحكام، وروى الناس عنهما من علوم الكلام، وتفسير القرآن، وقصص ا لأنبياء، والمغازي، والسير، وأخبار العرب PageV02P199 # وملوك الأمم ما سمي أبو جعفر عليه السلام لأجله باقر العلم. # وروى عن الصادق عليه السلام في أبوابه من مشهوري أهل العلم أربعة آلاف إنسان، وصنف من جواباته في المسائل أربعمائة كتاب هي معروفة بكتب الأصول، رواها أصحابه وأصحاب أبيه من قبله، وأصحاب ابنه أبي الحسن موسى عليهم السلام، ولم يبق فن من فنون العلم إلا روي عنه عليه السلام فيه أبواب. # وكذلك كانت حال ابنه موسى عليه السلام من بعده في إظهار العلوم، إلى أن حبسه الرشيد ومنعه من ذلك. # وقد انتشر أيضا عن الرضا وابنه أبي جعفر عليهما السلام من ذلك ما شهرة جملته تغني عن تفصيله. # وكذلك كانت سبيل أبي الحسن وأبي محمد العسكريين عليهما السلام، وإنما كانت الرواية عنهما أقل لأنهما كانا محبوسين في عسكر السلطان، ممنوعين من الانبساط في الفتيا، وأن يلقاهما كل أحد من الناس. # وإذا ms397 ثبت بما ذكرناه بينونة أئمتنا عليهم السلام - بما وصفناه - عن جميع الأنام، ولم يمكن لاحد أن يدعي أنهم أخذوا العلم عن رجال العامة، أو تلقوه من رواتهم وفقهائهم، لأنهم لم يروا قط مختلفين إلى أحد من العلماء في تعلم شئ من العلوم، ولأن ما اثر عنهم من العلوم أكثره لم يعرف إلا منهم، ولم يظهر إلا عنهم، وعلمنا أن هذه العلوم بأسرها قد انتشرت عنهم، مع غناهم عن سائر الناس، وتيقنا زيادتهم في ذلك على كافتهم، ونقصان جميع العلماء عن رتبتهم، ثبت أنهم أخذوها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة، وأنه قد أفردهم بها ليدل على إمامتهم بافتقار الناس إليهم فيما يحتاجون إليه، وغناهم عنهم، وليكونوا مفزعا لامت، في الدين، وملجأ لهم في الاحكام، وجروا في هذا التخصيص مجرى النبي صلى PageV02P200 # عليه وآله وسلم في تخصيص الله تعالى بإعلامه أحوال الأمم السالفة، وإفهامه ما في الكتب المتقدمة من غير أن يقرأ كتابا أو يلقى أحد من أهله. # هذا وقد ثبت في العقول أن الأعلم الأفضل أولى بالإمامة من المفضول، وقد بين الله سبحانه ذلك بقوله: ﴿أفمن يهدي إلى الحق ألحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى﴾ (١). # وقوله: ﴿هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ (٢). # ودل بقوله سبحانه في قصة طالوت: ﴿وزاده بسطة في العلم والجسم﴾ (3) أن التقدم في العلم والشجاعة موجب للتقدم في الرئاسة. فإذا كان أئمتنا عليهم السلام أعلم الأمة بما ذكرناه، فقد ثبت أنهم أئمة الاسلام الذين استحقوا الرئاسة على الأنام على ما قلناه. # دلالة أخرى: ومما يدل على إمامتهم عليهم السلام أيضا: إجماع الأمة على طهارتهم، وظاهر عدالتهم، وعدم التعلق عليهم أو على أحد منهم بشئ يشينه في ديانته، مع اجتهاد أعدائهم وملوك أزمنتهم في الغض منهم، والوضع من أقدارهم، والتطلب لعثراتهم، حتى أنهم كانوا يقربون من يظهر عداوتهم، ويقصون بل يجفون وينفون ويقتلون من يتحقق بولايتهم، وهذا أمر ظاهر عند من سمع أخبار الناس، فلولا أنهم عليهم السلام كانوا على صفات الكمال ms398 من العصمة والتأييد من الله تعالى بمكان، وأنه سبحانه منع بلطفه كل أحد من أن يتخرص عليهم باطلا، أو يتقول فيهم زورا، لما سلموا عليهم السلام من ذلك على الحد الذي شرحناه، لا سيما وقد ثبت أنهم لم # PageV02P201 # يكونوا ممن لا يؤبه بهم، وممن لا يدعو الداعي إلى البحث عن أخبارهم لخمولهم وانقطاع آثارهم، بل كانوا على أعلى مرتبة من تعظيم الخلق إياهم، وفي الدرجة (1) الرفيعة التي يحسدهم عليها الملوك، ويتمنونها لأنفسهم، لان شيعتهم مع كثرتها في الخلق، وغلبتها على أكثر البلاد، اعتقدت فيهم الإمامة التي تشارك النبوة، وادعت عليهم الآيات المعجزات، والعصمة عن الزلات، حتى أن الغلاة قد اعتقدت فيهم النبوة والإلهية، وكان أحد أسباب اعتقادهم ذلك فيهم حسن آثارهم، وعلو أحوالهم، وكمالهم في صفاتهم، وقد جرت العادة فيمن حصل له جزء من هذه النباهة أن لا يسلم من ألسنة أعدائه، ونسبتهم إياه إلى بعض العيوب القادحة في الديانة أو الأخلاق. # فإذا ثبت أن أئمتنا عليهم السلام نزههم الله عن ذلك، ثبت أنه سبحانه هو المتولي لجميع الخلائق على ذلك بلطفه وجميل صنعه، ليدل على أنهم حججه على عباده، والسفراء بينه وبين خلقه، والأركان لدينه، والحفظة لشرعه. وهذا واضح لمن تأمله. # دلالة أخرى: ومما يدل أيضا على إمامتهم عليهم السلام ما حصل من الاتفاق على برهم وعدالتهم، وعلو قدرهم وطهارتهم، وقد ثبت بلا شك معرفتهم عليهم السلام بكثير ممن يعتقد إمامتهم في أيامهم، ويدين الله تعالى بعصمتهم والنص عليهم، ويشهد بالمعجز لهم. # ووضح أيضا اختصاص هؤلاء بهم، وملازمتهم إياهم، ونقلهم الاحكام والعلوم عنهم، وحملهم الزكوات والأخماس إليهم، ومن أنكر هذا أو دفع كان مكابرا دافعا للعيان، بعيدا عن معرفة أخبارهم. # PageV02P202 # فقد علم كل محصل نظر في الاخبار أن هشام بن الحكم، وأبا بصير، وزرارة بن أبي أعين، وحمران وبكير ابني أعين، ومحمد بن النعمان الذي يلقبه العامة شيطان الطاق، وبريد بن معاوية العجلي، وأبان بن تغلب، ومحمد ابن مسلم الثقفي، ومعاوية بن عمار الدهني، وغير هؤلاء ممن بلغوا الجمع ms399 الكثير، والجم الغفير، من أهل العراق والحجاز وخراسان وفارس، كانوا في وقت الإمام جعفر بن محمد عليهما السلام رؤساء الشيعة في الفقه ورواية الحديث والكلام، وقد صنفوا الكتب، وجمعوا المسائل والروايات، وأضافوا أكثر ما اعتمدوه من الرواية إليه، والباقي إليه وإلى أبيه محمد عليهما السلام، وكان لكل إنسان منهم أتباع وتلامذة في المعنى الذي يتفرد به، وإنهم كانوا يرحلون من العراق إلى الحجاز في كل عام أو أكثر أو أقل، ثم يرجعون ويحكون عنه الأقوال، ويسندون إليه الدلالات، وكانت حالهم في وقت الكاظم والرضا عليهما السلام على هذه الصفة، وكذلك إلى وفاة أبي محمد العسكري عليه السلام، وحصل العلم باختصاص هؤلاء بأئمتنا عليهم السلام، كما نعلم اختصاص أبي يوسف ومحمد بن الحسن بابي حنيفة، وكما نعلم اختصاص المزني والربيع بالشافعي، واختصاص النظام بابي الهذيل، والجاحظ والأسواري بالنظام. # ولا فرق بين من دفع الامامية عمن ذكرناه، ومن دفع من سميناه عمن وصفناه في الجهل بالاخبار، والعناد والانكار. # وإذا كان الامر على ما ذكرناه لم تخل الامامية في شهادتها بإمامة هؤلاء عليهم السلام من أحد أمرين: إما أن تكون محقة في ذلك صادقة، أو مبطلة في شهادتها كاذبة. فإن كانت محقة صادقة في نقل النص عنهم على خلفائهم عليهم السلام، مصيبة فيما اعتقدته فيهم من العصمة والكمال، فقد ثبتت إمامتهم على ما قلناه، وإن كانت كاذبة في شهادتها، مبطلة في PageV02P203 # عقيدتها، فلن يكون كذلك إلا ومن سميناهم من أئمة الهدى عليهم السلام ضالون برضاهم بذلك، فاسقون بترك النكير عليهم، مستحقون البراءة من حيث تولوا الكذابين، مضلون للأمة لتقريبهم إياهم، واختصاصهم بهم من بين الفرق كلها، ظالمون في أخذ الزكوات والأخماس عنهم، وهذا ما لا يطلقه مسلم فيمن نقول بإمامته، وإذا كان الاجماع المقدم ذكره حاصلا على طهارتهم وعدالتهم، ووجوب ولايتهم، ثبتت إمامتهم بتصديقهم لمن أثبت ذلك، وبما ذكرناه من اختصاصهم بهم، وهذا واضح، والمنة لله. # دلالة أخرى: ومما يدل أيضا على إمامتهم عليهم السلام وأنهم أفضل الخلق بعد النبي صلى الله عليه ms400 وآله وسلم، ما نجده من تسخير الله تعالى الولي لهم في التعظيم لمنزلتهم، والعدو لهم في الاجلال لمرتبتهم، وإلهامه سبحانه جميع القلوب إعلاء شأنهم، ورفع مكانهم، على تباين مذاهبهم وآرائهم، واختلاف نحلهم وأهوائهم. # فقد علم كل من سمع الاخبار، وتتبع الآثار، أن جميع المتغلبين عليهم، المظهرين لاستحقاق الامر دونهم، لم يعدلوا قط عن تبجيلهم، وإجلال قدرهم، ولا أنكروا فضلهم، وإن كان بعض أعدائهم قد بارز بعضهم بالعداوة لدواع دعتهم إلى ذلك. # ألا ترى أن المتقدمين على أمير المؤمنين عليه السلام قد أظهروا من تقديمه وتعظيم ولديه الحسن والحسين عليهما السلام في زمان إمامتهم على الأمة، وكذلك الناكثون لبيعته لم يتمكنوا مع ذلك من إنكار فضله، ولا امتنعوا من الشهادة له بفضله، ولا فسقوه في فعله. # وكذلك معاوية - وإن كان قد أظهر عداوته، وبنى أكثر أموره على العناد - لم ينكر جميع حقوقه، ولا دفع عظيم منزلته في الدين، بل قفا أثر طلحة والزبير في التعلل بطلب دم عثمان، وكان يظهر القناعة منه بأن يقره PageV02P204 # على ولايته التي ولاه إياها من كان قبله، فيكف عن خلافه، ويصير إلى طاعته، ولم يمكنه الدفع لكونه عليه السلام الأفضل في الاسلام والشرف والوصلة بالنبي عليه السلام والعلم والزهد، ولا الانكار لشئ من ذلك، ولا الادعاء لنفسه مساواته فيه، أو مقارنته ومداناته، وقد كان يحضره الجماعة كالحسن بن علي وابن عباس وسعد بن مالك فيحتجون عليه بفضل أمير المؤمنين عليه السلام على جميع الصحابة، فلا يقدم على الانكار عليهم، مع إظهاره في الظاهر البراءة منه، والخلاف عليه. وكان تقدم عليه وفود أهل العراق من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام فيجرعونه السم الذعاف من مدح إمام الهدى صلوات الله عليه، وذمه في أثناء ذلك، فلا يكذبهم ولا يناقض احتجاجاتهم، وكان من أمر الوافدات عليه في هذا المعنى ما هو مشهور، مدون في كتب الآثار مسطور. # ثم قد كان من أمر ابنه يزيد لعنه الله مع الحسين عليه السلام ما كان من القتل والسبي والتنكيل، ومع ذلك فلم ms401 يحفظ عنه ذمه بما يوجب إخراجه عن موجب التعظيم، بل قد أظهر الندم (1) على ذلك، ولم يزل يعظم سيد العابدين عليه السلام بعده، ويوصي به، حتى أنه آمنه من بين أهل المدينة كلهم في وقعة الحرة، وأمر مسلم بن عقبة بإكرامه، ورفع محله، وأمانه مع أهل بيته ومواليه. ومثل ذلك كانت حال من بعده من بني مروان أيضا مع علي ابن الحسين عليهما السلام، حتى أنه كان أجل أهل الزمان عندهم. # وكذلك كانت حال الباقر عليه السلام مع بقية بني مروان، ومع أبي العباس السفاح، وحال الصادق عليه السلام مع أبي جعفر المنصور، وحال أبي الحسن موسى عليه السلام مع الهادي والرشيد، حتى أن هارون الرشيد # PageV02P205 # لما قتله تبرأ من قتله، وأحضر الشهود ليشهدوا بوفاته على السلامة وإن كان الامر على خلافه. # وكان من المأمون مع الرضا عليه السلام ما هو مشهور، وكذلك حال ابنه أبي جعفر عليه السلام على صغر سنه، وحلوكة لونه من التعظيم والمبالغة في رفع القدر، حتى أنه زوجه ابنته أم الفضل، ورفعه في المجلس على سائر بني العباس والقضاة. # وكذلك كان المتوكل يعظم علي بن محمد عليه السلام مع ظهور عداوته لأمير المؤمنين عليه السلام، ومقته له، وطعنه على آل أبي طالب. # وكذلك حال المعتمد مع أبي محمد عليه السلام في إكرامه والمبالغة فيه. # هذا، وهؤلاء الأئمة عليهم السلام في قبضة من عددناه من الملوك على الظاهر، وتحت طاعتهم، وقد اجتهدوا كل الاجتهاد في أن يعثروا على عيب يتعلقون به في الحط من منازلهم، وامعنوا في البحث عن أسرارهم وأحوالهم في خلواتهم لذلك فعجزوا عنه، فعلمنا أن تعظيمهم إياهم مع ظاهر عداوتهم لهم وشدة محبتهم للغض منهم، وإجماعهم على ضد مرادهم فيهم من التبجيل والاكرام تسخير من الله سبحانه لهم، ليدل بذلك على اختصاصهم منه - جلت قدرته - بالمعنى الذي يوجب طاعتهم على جميع الأنام، وما هذا إلا كالأمور غير المألوفة والأشياء الخارقة للعادة. # ويؤيد ما ذكرناه من تسخير الله سبحانه الخلق لتعظيمهم ما شاهدنا الطوائف ms402 المختلفة والفرق المتباينة في المذاهب والآراء أجمعوا على تعظيم قبورهم وفضل مشاهدهم، حتى أنهم يقصدونها من البلاد الشاسعة، ويلمون بها، ويتقربون إلى الله سبحانه بزيارتها، ويستنزلون عندها من الله الأرزاق، ويستفتحون الاغلاق، ويطلبون ببركتها الحاجات، ويستدفعون الملمات، وهذا هو المعجز الخارق للعادة، وإلا فما الحامل للفرقة المنحازة عن هذه PageV02P206 # الجهة المخالفة لهذه الجنبة على ذلك، ولم لم يفعلوا بعض ما ذكرناه بمن يعتقدون إمامته وفرض طاعته وهو في الدين موافق لهم، مساعد غير مخالف معاند. # ألا ترى أن ملوك بني أمية وخلفاء بني العباس - مع كثرة شيعتهم وكونهم أضعاف اضعاف شيعة أئمتنا، وكون الدنيا أو أكثرها لهم وفي أيديهم، وما حصل لهم من تعظيم الجمهور في حياتهم، والسلطنة على العالمين، والخطبة فوق المنابر في شرق الأرض وغربها لهم بإمرة المؤمنين - لم يلم أحد من شيعتهم وأوليائهم - فضلا عن أعدائهم - بقبورهم بعد وفاتهم، ولا قصد أحد تربة لهم متقربا بذلك إلى ربه، ولا نشط لزيارتهم، وهذا لطف من الله سبحانه لخلقه في الايضاح عن حقوق أئمتنا عليهم السلام، ودلالة منه على علو منزلتهم منه جل اسمه، لا سيما ودواعي الدنيا ورغباتها معدومة عند هذه الطائفة مفقودة، وعند أولئك موجودة، فمن المحال أن يكونوا فعلوا ذلك لداع من دواع الدنيا، ولا يمكن أيضا أن يكونوا فعلوه لتقية، فإن التقية هي فيهم لا منهم، ولا خوف من جهتهم بل هو عليهم، فلم يبق إلا داعي الدين. # وهذا هو الامر العجيب الذي لا تنفذ فيه إلا قدرة القادر، وقهر (1) القاهر الذي يذلل الصعاب، ويسبب الأسباب، ليوقظ به الغافلين، ويقطع عذر المتجاهلين. # وأيضا فقد شارك أئمتنا عليهم السلام غيرهم من أولاد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حسبهم ونسبهم وقرابتهم، وكان لكثير منهم عبادات ظاهرة، وزهد وعلم، ولم يحصل من الاجماع على تعظيمهم وزيارة قبورهم ما وجدناه قد حصل فيهم عليهم السلام، فإن من عداهم من صلحاء العترة # PageV02P207 # بين من يعظمه فريق من الأمة ويعرض عنه فريق، ومن عظمه منهم لا يبلغ بهم في ms403 الاجلال والاعظام الغاية التي يبلغها فيمن ذكرناه، وهذا يدل على أن الله تعالى خرق في أئمتنا عليهم السلام العادات، وقلب الجبلات للإبانة عن علو درجتهم، والتنبيه على شرف مرتبتهم، والدلالة على إمامتهم صلوات الله عليهم أجمعين. PageV02P208 # * ذكر القسم الثاني من الركن الرابع * وهو الكلام في إمامة صاحب الزمان الثاني عشر من الأئمة، ابن الحسن بن علي بن محمد بن الرضا عليهم السلام، وتاريخ مولده، ودلائل إمامته، وذكر طرف من أخباره، وغيبته، وعلامات وقت قيامه ومدة دولته، ووصفه، وسيرته. # ويشتمل على خمسة أبواب: PageV02P209 # * الباب الأول منه * في ذكر اسمه وكنيته ولقبه، ومولده ووقت ولادته، واسم أمه، ومن شاهده أو رآه فيه ثلاثة فصول: PageV02P211 # * الفصل الأول * في ذكر اسمه، وكنيته، ولقبه عليه السلام وهو المسمى باسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، المكنى بكنيته. وقد جاء في الاخبار: أنه لا يحل لاحد أن يسميه باسمه، ولا أن يكنيه بكنيته إلى أن يزين الله تعالى الأرض (بظهوره وظهور (1) دولته (2) ويلقب عليه السلام: بالحجة، والقائم، والمهدي، والخلف الصالح، وصاحب الزمان، والصاحب. # وكانت الشيعة في غيبته الأولى تعبر عنه وعن غيبته بالناحية المقدسة، وكان ذلك رمزا بين الشيعة يعرفونه به، وكانوا يقولون أيضا على سبيل الرمز والتقية: الغريم - يعنونه عليه السلام - وصاحب الامر. # PageV02P213 # * الفصل الثاني * في ذكر مولده عليه السلام واسم أمه ولد عليه السلام بسر من رأى ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين من الهجرة، روى ذلك محمد بن يعقوب الكليني، عن علي بن محمد (1). # وكان سنه عند وفاة أبيه عليه السلام خمس سنين، آتاه الله سبحانه الحكم صبيا كما آتاه يحيى، وجعله في حال الطفولية إماما كما جعل عيسى عليه السلام نبيا في المهد صبيا. # فمن الاخبار التي جاءت في ميلاده عليه السلام: ما رواه الشيخ أبو جعفر بن بابويه، عن محمد بن الحسن بن الوليد، عن محمد بن يحيى العطار، عن الحسين بن رزق الله، عن موسى بن محمد بن القاسم بن حمزة ابن موسى بن جعفر بن محمد ms404 بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: حدثتني حكيمة بنت محمد بن علي الرضا عليهما السلام قالت: بعث إلي أبو محمد الحسن بن علي عليهما السلام فقال: # " يا عمة، إجعلي إفطارك الليلة عندنا، فإنها ليلة النصف من شعبان، فإن الله تعالى سيظهر في هذه الليلة الحجة وهو حجته في أرضه ". # قال: فقلت له: ومن أمه؟ # PageV02P214 # قال: " نرجس ". # قلت له: جعلني الله فداك، ما بها أثر! # فقال: " هو ما أقول لك ". # قالت: فجئت فلما سلمت وجلست جاءت تنزع خفي وقالت لي: # يا سيدتي كيف أمسيت؟ # فقلت: بل أنت سيدتي وسيدة أهلي. # قالت: فأنكرت قولي، وقالت: ما هذا؟! # فقلت لها: يا بنية، إن الله تبارك وتعالى سيهب لك في ليلتك هذه غلاما سيدا في الدنيا والآخرة. # قالت: فخجلت واستحيت، فلقا أن فرغت من صلاة العشاء الآخرة أفطرت وأخذت مضجعي، فرقدت، فلما أن كان في جوف الليل قمت إلى الصلاة، ففرغت من صلاتي وهي نائمة ليس بها حادث، ثم جلست معقبة، ثم اضطجعت، ثم انتبهت فزعة وهي راقدة، ثم قامت فصلت ونامت. # قالت حكيمة: وخرجت أتفقد الفجر، فإذا أنا بالفجر الأول كذنب السرحان وهي نائمة، قالت حكيمة: فدخلتني الشكوك فصاح بي أبو محمد من المجلس فقال: " لا تعجلي يا عمة، فهاك الامر قد قرب ". # قالت: فجلست فقرأت " ألم السجدة " و " يس "، فبينما أنا كذلك إذ انتبهت فزعة فوثبت إليها فقلت: اسم الله عليك، ثم قلت لها: هل تحسين شيئا؟ قالت: نعم. # فقلت لها: اجمعي نفسك، واجمعي قلبك، فهو ما قلت لك. # قالت حكيمة: ثم أخذتني فترة وأخذتها فترة، فانتبهت بحس سيدي، فكشفت الثوب عنه فإذا به عليه السلام ساجدا يتلقى الأرض بمساجده، فضممته إلي فإذا أنا به نظيف منظف، فصاح بي أبو محمد عليه السلام: PageV02P215 # " هلمي إلي ابني يا عمة ". # فجئت به إليه، فوضع يديه تحت أليتيه وظهره، ووضع قدميه على صدره، ثم أدلى لسانه في فيه، وأمر يده على عينيه وسمعه ومفاصله ثم قال: # " تكلم يا بني ms405 ". # فقال: " أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله " ثم صلى على أمير المؤمنين وعلى الأئمة عليهم السلام إلى أن وقف على أبيه ثم أحجم. # ثم قال أبو محمد عليه السلام: " يا عمة إذهبي به إلى أمه ليسلم عليها، وائتني به " فذهبت به فسلم ورددته ووضعته في المجلس، ثم قال عليه السلام: " يا عمة إذا كان يوم السابع فائتينا ". # قالت حكيمة: فلما أصبحت جئت لأسلم على أبي محمد عليه السلام وكشفت الستر لا تفقد سيدي فلم أره، فقلت له: جعلت فداك ما فعل سيدي؟ # قال: " يا عمة استودعناه الذي استودعت أم موسى موسى). # قالت حكيمة: فلما كان يوم السابع جئت وسلمت وجلست فقال: # " هلمي إلي ابني " فجئت بسيدي عليه السلام وهو في الخرقة، ففعل به كفعلته الأولى، ثم أدلى لسانه في فيه كأنما يغذيه لبنا أو عسلا ثم قال: # " تكلم يا بني ". # فقال عليه السلام: " أشهد أن لا إله إلا الله "، وثنى بالصلاة على محمد وعلى أمير المؤمنين عليهما السلام وعلى الأئمة حتى وقف على أبيه عليهم السلام، ثم تلا هذه الآية (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون PageV02P216 # وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون) (1). # قال موسى: فسالت عقبة الخادم عن هذا فقال: صدقت حكيمة (2). # وروى الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ره) قال: أخبرنا أبو الحسن محمد بن أحمد بن الحسن بن شاذان القمي قال: حدثني أبو عبد الله الحسن بن يعقوب قال: حدثنا محمد بن يحيى العطار قال: حدثنا الحسين بن علي النيسابوري. قال: حدثني إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن موسى بن جعفر (عن السياري) (3) قال: حدثني نسيم خادم الحسن بن علي ومارية قالا: لما سقط صاحب الزمان عليه السلام من بطن أمه سقط جاثيا على ركبتيه رافعا سبابتيه إلى السماء، ثم عطس فقال: " الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله، زعمت الظلمة أن حجة الله داحضة، ولو أذن ms406 لنا في الكلام لزال الشك " (4). # قال إبراهيم بن محمد: وحدثني نسيم الخادم قال: قال لي صاحب الزمان - وقد دخلت عليه بعد مولده بليلة فعطست - فقال: " يرحمك الله "، قال نسيم: ففرحت بذلك. # فقال: " ألا أبشرك بالعطاس؟ " فقلت: بلى. # فقال: " هو أمان من الموت ثلاثة أيام " (5). # PageV02P217 # * الفصل الثالث * في ذكر من رآه عليه السلام محمد بن يعقوب، عن علي بن محمد، عن محمد بن إسماعيل بن موسى بن جعفر - وكان أسن شيخ من ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالعراق - قال: رأيت ابن الحسن بن علي بن محمد بين المسجدين وهو غلام (١). # وعنه، عن محمد بن يحيى، عن الحسن بن علي النيسابوري، عن إبراهيم بن محمد، عن أبي نصر ظريف الخادم أنه رآه عليه السلام (٢). # وعنه عن محمد بن عبد الله، ومحمد بن يحيى جميعا، عن عبد الله ابن جعفر الحميري قال: اجتمعت أنا والشيخ أبو عمرو رضي الله عنه أحمد ابن إسحاق، فغمزني أحمد بن إسحاق أن أسأله عن الخلف، فقلت له: # يا أبا عمرو، إني أريد أن أسألك عن شئ، وما أنا بشاك فيما أريد أن أسألك عنه، فان إعتقادي وديني أن الأرض لا تخلو من حجة إلا إذا كان قبل يوم القيامة بأربعين يوما فإذا كان ذلك رفعت الحجة، وأغلق باب التوبة، فلم ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، فأولئك شرار خلق الله، ولكني أحببت أن أزداد يقينا، فإن إبراهيم عليه السلام سأل ربه أن يريه كيف يحيي الموتى فقال: ﴿أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي﴾ (3) وقد أخبرني أبو علي أحمد بن إسحاق، عن أبي الحسن عليه # PageV02P218 # السلام قال: سألته وقلت: من أعامل، وعمن آخذ، وقول من أقبل؟ فقال له: " العمري ثقتي، فما أدى إليك فعني يؤدي، وما قال لك فعني يقول، فاسمع له وأطع، فإنه الثقة المأمون ". # وأخبرني أبو علي: أنه سال أبا محمد عليه السلام عن مثل ذلك فقال له: " العمري وابنه ثقتان، فما أديا إليك فعني ms407 يؤديان، وما قالا لك فعني يقولان، فاسمع لهما وأطعهما، فإنهما الثقتان المأمونان " فهذا قول إمامين عليهما السلام فيك. # قال: فخر أبو عمرو ساجدا وبكى ثم قال: سل. # فقلت: رأيت ابن أبي محمد عليه السلام؟ # فقال: إي والله، ورقبته مثل ذا. وأوما بيده إلى عنقه. # فقلت له: قد بقيت واحدة. # فقال لي: هات. # قلت: الاسم؟ # قال: محرم عليكم أن تسألوا عن ذلك، ولا أقول هذا من عندي، فليس لي أن أحلل ولا أحرم، ولكن عنه عليه السلام، وإن الامر عند السلطان في أمر أبي محمد عليه السلام إنه مضى ولم يخلف ولدا، وقسم ميراثه، وأخذه من لا حق له فيه، وصبر على ذلك وهو ذا عيال يجولون، وليس أحد يجسر أن يتعرف إليهم أو ينيلهم شيئا، وإذا وقع الاسم وقع الطلب، فاتقوا الله وأمسكوا عن ذلك (1). # وعنه، عن علي بن محمد، عن محمد بن شاذان بن نعيم، عن خادمة لإبراهيم بن عبدة النيسابوري - وكانت من الصالحات - أنها قالت: كنت # PageV02P219 # واقفة مع إبراهيم على الصفا، فجاء صاحب الامر حتى وقف معه، وقبض على كتاب مناسكه وحدثه بأشياء (1). # وعنه، عن علي بن محمد، عن أبي علي أحمد بن إبراهيم بن إدريس، عن أبيه قال: رأيته عليه السلام بعد مضي أبي محمد عليه السلام حين أيفع، وقبلت يده ورأسه (2). # وعنه، عن علي بن محمد، عن أبي عبد الله بن صالح، وأحمد بن النضر، عن القنبري - رجل من ولد قنبر الكبير مولى أبي الحسن الرضا عليه السلام - قال: جرى حديث جعفر بن علي فذمه، فقلت:، فليس غيره؟ # فذكر الحجة عليه السلام، فقلت: فهل رأيته؟ # قال: قد رآه جعفر مرتين (3). # وعنه (4) عن علي بن الحسين بن الفرج المؤدب، عن محمد بن الحسن الكرخي قال: سمعت أبا هارون - رجلا من أصحابنا - يقول: رأيت صاحب الزمان ووجهه كأنه القمر ليلة البدر، ورأيت على سرته شعرا يجري كالخطة، وكشفت الثوب عنه فوجدته مختونا، فسألت مولانا الحسن بن علي، عن ذلك، فقال: " هكذا ولد وهكذا ولدنا، ولكنا سنمر الموسى لإصابة ms408 السنة " (5). # PageV02P220 # ولو ذكرنا جميع أسماء من رآه عليه السلام لطال الكتاب واتسع الخطاب، وسيأتي ذكر بعضهم فيما يأتي من الكتاب، وفيما أوردناه هنا كفاية في الغرض الذي نحوناه. PageV02P221 # * الباب الثاني * في ذكر النصوص الدالة على إمامته عليه السلام من آبائه عليهم السلام، سوى ما تقدم من ذكره في جملة الاثني عشر فيه ثلاثة فصول: PageV02P224 # * الفصل الأول * في ذكر إثبات النص على إمامته عليه السلام من طريق الاعتبار إذا ثبت بالدليل العقلي وجوب الإمامة، واستحالة أن يخلي الحكيم سبحانه عباده المكلفين وقتا من الأوقات من وجود إمام معصوم من القبائح، كامل غني عن رعاياه في العلوم، ليكونوا بوجوده أقرب إلى الصلاح وأبعد من الفساد، وثبت وجوب النص على من هذه صفته من الأنام، أو ظهور المعجز الدال عليه المميز له عمن سواه، وعدم هذه الصفات من كل أحد بعد وفاة أبي محمد الحسن بن علي العسكري ممن ادعيت الإمامة له في تلك الحال، سوى من أثبت إمامته أصحابه عليه السلام من ولده، القائم مقامه، ثبتت إمامته عليه السلام، وإلا أدى إلى خروج الحق عن أقوال الأمة. # وهذا أصل لا يحتاج معه في الإمامة إلى رواية النصوص، وتعداد ما جاء فيها من الروايات والاخبار، لقيامه بنفسه في قضية العقل، وثبوته بصحيح الاعتبار، على أنه قد سبق النص عليه من النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم من أمير المؤمنين عليه السلام ثم من الأئمة عليهم السلام واحدا بعد واحد إلى أبيه عليه السلام، وإخبارهم عليهم السلام بغيبته قبل وجوده، وبدولته بعد غيبته. # ونحن نذكر ذلك في الفصل الذي يلي هذا الفصل ثم نذكر بعد ذلك الأخبار الواردة في أنه نص عليه أبوه عليه السلام عند خواصه وثقاته وشيعته، وأشار إليه بالإمامة من بعده استظهارا في الحجة، وتثبيتا على المحجة. PageV02P225 # * الفصل الثاني * في ذكر الأخبار الواردة عن ابائه عليهم السلام في ذلك، سوى ما ذكرناه فيما تقدم من الكتاب، حذفنا أسانيدها تحريا للاختصار، فمن أرادها فليطلبها في كتاب كمال الدين للشيخ أبي جعفر ms409 بن بابويه قدس الله روحه. # فمما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك: # ما رواه جابر بن يزيد الجعفي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: # قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " المهدي من ولدي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خلقا وخلقا، تكون له غيبة وحيرة تضل فيها الأمم، ثم يقبل كالشهاب الثاقب يملأها عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا " (1). # وروى أبو بصير، عن أبي عبد الله، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " المهدي من ولدي اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، أشبه الناس بي خلقا وخلقا، تكون له غيبة وحيرة حتى يضل الخلق عن أديانهم، فعند ذلك يقبل كالشهاب الثاقب فيملأها عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما " (2). # وروي محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن صالح بن عقبة، عن أبيه، عن أبي جعفر الباقر، عن أبيه، عن ابائه عليهم السلام قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: المهدي من ولدي، تكون له غيبة وحيرة تضل فيها الأمم، يأتي بذخيرة الأنبياء، فيملأها عدلا وقسطا كما ملئت ظلما # PageV02P226 # وجورا " (1). # وروى ثابت بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن علي بن أبي طالب عليه السلام إمام أمتي، وخليفتي عليها بعدي، ومن ولده القائم المنتظر الذي يملا الله به الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما، والذي بعثني بالحق بشيرا، إن الثابتين على القول في زمان غيبته لأعز من الكبريت الأحمر ". # فقام إليه جابر بن عبد الله الأنصاري فقال: يا رسول الله، وللقائم من ولدك غيبة؟ # قال: (أي وربي، ليمحص الذين آمنوا ويمحق الكافرين، يا جابر إن هذا الامر من أمر الله عز وجل، وسر من سر الله، علته مطوية عن عباد الله، فإياك والشك، فإن الشك في أمر الله عز وجل كفر " (2) وروى هشام بن سالم، عن الصادق، عن أبيه، عن جده عليهم السلام قال: ms410 " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: القائم من ولدي، اسمه اسمي، وكنيته كنيتي، وشمائله شمائلي، وسنته سنتي، يقيم الناس على ملتي وشريعتي ويدعوهم إلى كتاب ربي، من أطاعه أطاعني ومن عصاه عصاني، ومن أنكر غيبته فقد أنكرني، ومن كذبه فقد كذبني، ومن صدقه فقد صدقني، إلى الله أشكو المكذبين لي في أمره، والجاحدين لقولي في شانه، والمضلين لامتي عن طريقته (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " (3) " (4). # PageV02P227 # ومما جاء عن أمير المؤمنين عليه السلام في ذلك: # ما رواه الحارث بن المغيرة النصري، عن الأصبغ بن نباتة قال: أتيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فوجدته متفكرا ينكت في الأرض، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما لي أراك متفكرا تنكت في الأرض، أرغبة فيها؟ # فقال: " لا والله ما رغبت فيها ولا في الدنيا يوما قط، ولكني فكرت في مولود يكون من ظهري، الحادي عشر من ولدي، هو المهدي يملأها عدلا كما ملئت جورا وظلما، تكون له حيرة وغيبة، يضل فيها أقوام ويهتدي فيها آخرون ". # فقلت: يا أمير المؤمنين، وإن هذا لكائن؟ # قال: " نعم كما أنه مخلوق، وأنى لك العلم بهذا الامر يا أصبغ؟ # أولئك خيار هذه الأمة مع أبرار هذه العترة ". # قلت: وما يكون بعد ذلك؟ # قال: " ثم يفعل الله ما يشاء، وإن له إرادات وغايات ونهايات، (1). # ومن كلامه المشهور لكميل بن زياد: " اللهم إنك لا تخلي الأرض من قائم بحجة، إما ظاهر مشهور، أو خائف مغمور، لئلا تبطل حججك وبيناتك، (2). # وروى سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين عليه السلام: أنه ذكر القائم فقال: " أما ليغيبن حتى يقول الجاهل: ما لله في آل محمد حاجة " (3). # PageV02P228 # وروى عبد العظيم بن عبد الله الحسني، عن أبي جعفر الثاني، عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال: " للقائم منا غيبة أمدها طويل، كأني بالشيعة يجولون جولان النعم في غيبته، يطلبون المرعى فلا يجدونه، ألا فمن ثبت منهم على دينه ولم يقس قلبه لطول مدة غيبة إمامه ms411 فهو معي في درجتي يوم القيامة " (1). # وقال عليه السلام: (إن القائم منا إذا قام لم يكن لاحد في عنقه بيعة، فلذلك تخفى ولادته ويغيب شخصه " (2). # وروي علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن معبد، عن الحسين ابن خالد، عن الرضا عليه السلام، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليهم السلام أنه قال: " التاسع من ولدك يا حسين هو القائم بالحق، والمظهر للدين، والباسط للعدل. # قال الحسين عليه السلام: فقلت له: وإن ذلك لكائن؟ # فقال: إي والذي بعث محمدا بالنبوة، واصطفاه على جميع البرية، ولكن بعد غيبة وحيرة لا يثبت فيهما على دينه إلا المخلصون، المباشرون لروح اليقين، الذين أخذ الله ميثاقهم بولايتنا، وكتب في قلوبهم الايمان، وأيدهم بروح منه " (3). # ومما جاء فيه عن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام: # ما رواه حنان بن سدير، عن أبيه سدير بن حكيم بن صهيب الصيرفي، عن أبيه، عن أبي سعيد عقيصا قال: لما صالح الحسن بن علي عليهما # PageV02P229 # السلام معاوية دخل عليه الناس، فلامه بعضهم على بيعته، فقال عليه السلام: " ويحكم، ما تدرون ما عملت، والله للذي عملت خير لشيعتي مما طلعت عليه الشمس أو غربت، ألا تعلمون أني إمامكم، ومفترض الطاعة عليكم، وأحد سيدي شباب أهل الجنة بنص من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علي؟ ". # قالوا: بلى. # قال: " أما علمتم أن الخضر لما خرق السفينة وقتل الغلام وأقام الجدار كان ذلك سخطا لموسى عليه السلام، إذ خفي عليه وجه الحكمة في ذلك، وكان ذلك عند الله تعالى ذكره حكمة وصوابا؟ أما علمتم أنه ما منا أحد إلا وتقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلا القائم الذي يصلي روح الله عيسى بن مريم خلفه، فإن الله عز وجل يخفي ولادته، ويغيب شخصه، لئلا يكون لاحد في عنقه بيعة إذا خرج، ذلك التاسع من ولد أخي الحسين، ابن سيدة الإماء، يطيل الله عمره في غيبته، ثم يظهره بقدرته في صورة شاب دون أربعين سنة، ذلك ليعلم أن الله على كل ms412 شئ قدير " (1). # ومما جاء عن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام: # ما رواه محمد بن أبي عمير، عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جذه عليهم السلام قال: " قال الحسين عليه السلام: في التاسع من ولدي سنة من يوسف، وسنة من موسى بن عمران، وهو قائمنا أهل البيت، يصلح الله تعالى أمره في ليلة واحدة " (2) وروى جعيد الهمداني (3) عنه عليه السلام قال: " قائم هذه الأمة هو # PageV02P230 # التاسع من ولدي، وهو صاحب الغيبة، وهو الذي يقسم ميراثه وهو حي " (1). # وروى يحيى بن وثاب، عن عبد الله بن عمر قال: سمعت الحسين ابن علي بن أبي طالب عليهما السلام يقول: " لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج رجل من ولدي، فيملأها عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما، كذلك سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول " (2). # ومما جاء فيه عن علي بن الحسين عليهما السلام: # ما رواه حمزة بن حمران، عن أبيه حمران بن أعين، عن سعيد بن جبير قال: سمعته يقول: " في القائم منا سنن من ستة من الأنبياء عليهم السلام: سنة من نوج، وسنة من إبراهيم، وسنة من موسى، وسنة من عيسى، وسنة من أيوب، وسنة من محمد. # فأما من نوح عليه السلام فطول العمر، وأما من إبراهيم عليه السلام فخفاء الولادة واعتزال الناس، وأما من موسى عليه السلام فالخوف والغيبة، وأما من عيسى عليه السلام فاختلاف الناس فيه، وأما من أيوب عليه السلام فالفرج بعد البلوى، وأما من محمد صلى الله عليه وآله وسلم فالخروج بالسيف " (3). # قال: وسمعته عليه السلام يقول: " القائم منا تخفى على الناس ولادته حتى يقولوا: لم يولد بعد، ليخرج حين يخرج وليس لاحد في عنقه بيعة " (4). # وروى علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن بسطام بن مرة، عن عمرو بن ثابت قال: قال علي بن الحسين سيد العابدين عليه السلام: # PageV02P231 # " من ثبت على موالاتنا في غيبة قائمنا أعطاه ms413 الله أجر ألف شهيد مثل شهداء بدر " (1). # ومما جاء عن محمد بن علي الباقر عليه السلام. # ما رواه عبد الله بن عطاء قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: إن شيعتك بالعراق كثيرون، ووالله ما في أهل بيتك مثلك. # فقال: " يا عبد الله، قد أمكنت الحشو من أذنيك، والله ما أنا بصاحبكم ". # قلت: فمن صاحبنا؟ قال: " أنظر من تخفى في علي الناس ولادته فهو صاحبكم " (2). # وروى أبو الجارود زياد بن المنذر عنه قال: قال لي: " يا أبا الجارود، إذا دار الفلك، وقال الناس: مات القائم أو هلك، باي واد سلك، وقال الطالب: أنى يكون ذلك، وقد بليت عظامه. فعند ذلك فارجوه، فإذا سمعتم به فأتوه ولو حبوا على الثلج " (3). # أبو بصير، عنه قال: " في صاحب هذا الامر أربع سنن من أربعة أنبياء: # سنة من موسى، وسنة من عيسى، وسنة من يوسف، وسنة من محمد صلى الله عليه وآله وعليهم. # فاما من موسى فخائف يترقب، وأما من يوسف فالسجن، وأما من عيسى فيقال: إنه مات ولم يمت، وأما من محمد صلى الله عليه وآله وعليهم فالسيف " (4). # PageV02P232 # محمد بن مسلم الثقفي قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام وأنا أريد أن أسأله عن القائم من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم فقال لي مبتدئا: " يا محمد بن مسلم، إن في القائم من آل محمد شبها بخمسة من الرسل: يونس بن متى، ويوسف بن يعقوب، وموسى، وعيسى، ومحمد صلوات الله عليه وآله وعليهم. # فأما شبهه الذي من يونس عليه السلام فرجوعه من غيبته وهو شاب مع كبر السن. # وأما شبهه من يوسف عليه السلام فالغيبة من خاصته وعامته، واختفاؤه من إخوته، وإشكال أمره على أبيه يعقوب النبي مع قرب من المسافة بينه وبين أبيه وأهله وشيعته. # وأما شبهه من موسى عليه السلام فدوام خوفه، وطول غيبته، وخفاء ولادته، وتعب شيعته من بعده مما لقوا من الأذى والهوان إلى أن أذن الله في ظهوره، وأيده على عدوه. # وأما شبهه من عيسى عليه السلام فاختلاف ms414 من اختلف فيه حتى قالت طائفة: ما ولد، وطائفة قالت: مات، وطائفة قالت: قتل وصلب. # وأما شبهه من جده المصطفى صلى الله عليه وآله فتجريده السيف، وقتله أعداء الله وأعداء رسوله والجبارين والطواغيت، وأنه ينصر بالسيف وبالرعب، وأنه لا ترد له راية، وإن من علامات خروجه: خروج السفياني من الشام، وخروج اليماني، وصيحة من السماء في شهر رمضان، ومناد ينادي باسمه واسم أبيه " (1). # PageV02P233 # ومما جاء عن الصادق عليه السلام في ذلك: # ما رواه محمد بن سنان، عن صفوان بن مهران، عنه عليه السلام قال: # " من أقر بجميع الأئمة وجحد المهدي كان كمن أقر بجميع الأنبياء وجحد محمدا صلى الله عليه وآله وسلم نبوته ". # فقيل له: يا ابن رسول الله، فمن المهدي من ولدك؟ # قال: " الخامس من ولد السابع، يغيب عنكم شخصه ولا يحل لكم تسميته " (1). # وروى الحسن بن محبوب، عن عبد العزيز العبدي، عن عبد الله بن أبي يعفور عنه عليه السلام مثل ذلك (2). # وروى أحمد بن هلال، عن أمية بن علي، عن أبي الهيثم بن أبي حية، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا اجتمعت ثلاثة أسامي متوالية: # محمد، وعلي، والحسن، فالرابع القائم " (3). # وروى المفضل بن عمر قال: دخلت على سيدي جعفر بن محمد الصادق عليهما السلام فقلت: يا سيدي، لو عهدت إلينا من الخلف من بعدك؟ # فقال: " يا مفضل، الامام من بعدي موسى، والخلف المنتظر (م ح م د) بن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى عليهم السلام " (4). # وروى محمد بن خالد البرقي، عن محمد بن سنان؟ وأبي علي الزراد # PageV02P234 # جميعا، عن إبراهيم الكرخي قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام فإني لجالس عنده إذ دخل أبو الحسن موسى - وهو غلام - فقمت إليه فقبلته وجلست، فقال أبو عبد الله عليه السلام: " يا إبراهيم، أما إنه صاحبك من بعدي، أما لتهلكن فيه أقوام ويسعد آخرون، فلعن الله قاتله وضاعف على روحه العذاب، أما ليخرجن الله من صلبه خير أهل الأرض في زمانه، سمي جده، ms415 ووارث علمه وأحكامه وقضاياه، معدن الإمامة وأحكامها، ورأس الحكمة، يقتله جبار بني فلان بعد عجائب طريفة، حسدا له، ولكن الله تعالى بالغ أمره ولو كره المشركون. # ويخرج الله من صلبه تكملة اثني عشر إماما مهديا، اختصهم الله بكرامته، وأحلهم دار قدسه، المنتظر للثاني عشر منهم كالشاهر سيفه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يذب عنه ". # قال: فدخل رجل من موالي بني أمية، فانقطع الكلام، فعدت إلى أبي عبد الله عليه السلام إحدى عشرة مرة أريد منه أن يتم الكلام فما قدرت على ذلك، فلما كان من قابل - السنة الثانية - دخلت عليه وهو جالس (1) فقال: " يا إبراهيم، هو المفرج للكرب عن شيعته بعد ضنك شديد، وبلاء طويل وجزع وخوف، فطوبى لمن أدرك ذلك الزمان، حسبك يا إبراهيم ". # قال إبراهيم: فما رجعت بشئ هو أسر من هذا لقلبي، ولا أقر لعيني (2). # وروى محمد بن خالد البرقي، عن محمد بن سنان، عن المفضل ابن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " أقرب ما يكون العباد من الله # PageV02P235 # عز وجل، وأرضى ما يكون عنهم، إذا فقدوا حجة الله، فلم يظهر لهم، ولم يعلموا مكانه، وهم في ذلك يعلمون أنه لن تبطل حجة الله ولا ميثاقه، فعندها فتوقعوا الفرج صباحا ومساء، وإن أشد ما يكون غضب الله على أعداء الله تعالى إذا افتقدوا حجته فلم يظهر لهم، وقد علم أن أولياءه لا يرتابون، ولو علم أنهم يرتابون ما غيب عنهم حجته طرفة عين، ولا يكون ذلك إلا على رأس شرار الناس " (1). # وروى الحسن بن محبوب، عن محمد بن النعمان، عن أبي عبد الله عليه السلام مثله (2). # وروى عبد الرحمن بن أبي نجران، عن فضالة بن أيوب، عن سدير الصيرفي قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " إن في القائم سنة من يوسف ". # قلت: كأنك تذكر خبره أو غيبته؟ # فقال لي: " وما تنكر من ذلك هذه الأمة أشباه الخنازير، إن إخوة يوسف كانوا أسباطا أولاد أنبياء تاجروا يوسف وبايعوه وهم إخوته ms416 وهو أخوهم، فلم يعرفوه حتى قال لهم: أنا يوسف. فما تنكر هذه الأمة أن يكون الله تعالى في وقت من الأوقات يريد أن يستر حجته! لقد كان يوسف إليه ملك مصر، وكان بينه وبين والده مسيرة ثمانية عشر يوما، فلو أراد الله عز وجل أن يعرفه مكانه لقدر على ذلك، والله لقد سار يعقوب وولده عند البشارة تسعة أيام من بلدهم إلى مصر، فما تنكر هذه الأمة أن (يكون الله تعالى يفعل بحجته ما - فعل بيوسف أن) (3) يكون يسير في أسواقهم، ويطأ بسطهم وهم لا # PageV02P236 # يعرفونه، حتى يأذن الله تبارك وتعالى له أن يعرفهم نفسه كما أذن ليوسف حتى قال لهم: (هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون * قالوا أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي (1) " (2). # وروى أحمد بن محمد بن عيسى، عن عثمان بن عيسى الكلابي، عن خالد بن نجيح، عن زرارة بن أعين قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " إن للقائم غيبة قبل أن يقوم ". # قلت: ولم؟ # قال: " يخاف " وأومأ بيده إلى بطنه، ثم قال: " يا زرارة، وهو المنتظر، وهو الذي يشك الناس في ولادته، منهم من يقول: هو حمل، ومنهم من يقول: هو غائب، ومنهم من يقول: ما ولد، ومنهم من يقول: قد ولد قبل وفاة أبيه بسنتين، وهو المنتظر، غير أن الله تعالى يحب أن يمتحن الشيعة، فعند ذلك يرتاب المبطلون ". # قال زرارة: فقلت: جعلت فداك، فإن أدركت ذلك الزمان فأي شئ أعمل؟ # قال: " يا زرارة، إن أدركت ذلك الزمان فأدم هذا الدعاء: اللهم عرفني نفسك، فإنك إن لم تعرفي نفسك لم أعرف نبيك، اللهم عرفني رسولك، فإنك إن لم تعرفني رسولك لم أعرف حجتك، اللهم عرفني حجتك فإنك إن لم تعرفني حجتك ضللت عن ديني " ثم قال: " يا زرارة، لا بد من قتل غلام بالمدينة ". # PageV02P237 # قلت: جعلت فداك، أليس يقتله جيش السفياني؟ # قال: " لا، ولكن يقتله جيش بني فلان، يدخل المدينة فلا يدري الناس في أي شئ دخل، فيأخذ الغلام ms417 فيقتله، فإذا قتله بغيا وعدوانا وظلما لم يمهلهم الله عز وجل، فعند ذلك فتوقعوا الفرج " (1). # وروى هذا الحديث من طرق عن زرارة (2). # وروى يونس بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " ستصيبكم شبهة فتبقون بلا علم يرى ولا إمام هدى، لا ينجو منها إلا من دعا بدعاء الغريق ". # قلت: كيف دعاء الغريق؟ # قال: (يقول: يا الله يا رحمن يا رحيم، يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ". # فقلت: يا مقلب القلوب والابصار ثبت قلبي على دينك. # فقال: " إن الله عز جل مقلب القلوب والابصار، ولكن قل كما أقول: # يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) (3). # وروى سدير الصيرفي، عن أبي عبد الله - في حديث طويل - قال: # قال:، (أما العبد الصالح - أعني الخضر - فإن الله عز وجل ما طول عمره لنبوة قدرها له، ولا لكتاب ينزله عليه، ولا لشريعة ينسخ بها شريعة من كان قبله من الأنبياء، ولا لامامة يلزم عباده الاقتداء بها، ولا لطاعة يفرضها له، بل إن الله تعالى لما كان في سابق علمه أن يقدر من عمر القائم عليه السلام في # PageV02P238 # أيام غيبته ما يقدر، وعلم ما يكون من إنكار عباده بمقدار ذلك العمر في الطول، طول عمر العبد الصالح من غير سبب أوجب ذلك إلا لعلة الاستدلال به على عمر القائم، وليقطع بذلك حجة المعاندين، لئلا يكون للناس على الله حجة " (1). # فهذا طريق مما روي عن الصادق عليه السلام في هذا المعنى. # ومما جاء عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام في مثله: # ما رواه سعد بن عبد الله، عن الحسن بن عيسى بن محمد بن علي بن جعفر، عن أبيه، عن جده، عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السلام قال: " إذا فقد الخامس من ولد السابع فالله الله في أديانكم، لا يزيلكم أحد عنها. يا أخي، إنه لابد لصاحب هذا الامر، من غيبة حتى يرجع عن هذا الامر من كان يقول به، إنما ms418 هي محنة من الله عز وجل امتحن بها خلقه، ولو علم آباؤكم وأجدادكم دينا أصح من هذا لاتبعوه ". # فقلت: يا سيدي، من الخامس من ولد السابع؟ # فقال. " يا أخي، عقولكم تصغر عن هذا، وأحلامكم تضيق عن ذلك، ولكن إن تعيشوا فسوف تدركونه " (2). # وروي عن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن صالح بن السندي، عن يونس بن عبد الرحمن قال: دخلت على موسى بن جعفر عليهما السلام فقلت له: يا ابن رسول الله، أنت القائم بالحق؟ # قال: " أنا القائم بالحق، ولكن القائم الذي يطهر الأرض من أعداء # PageV02P239 # الله، ويملأها عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما، وهو الخامس من ولدي، له غيبة يطول أمدها خوفا على نفسه، يرتد فيها قوم ويثبت فيها آخرون ". # وقال عليه السلام: " طوبى لشيعتنا المتمسكين بحبلنا في غيبة قائمنا، الثابتين على موالاتنا والبراءة من أعدائنا، أولئك منا ونحن منهم، قد رضوا بنا أئمة ورضينا بهم شيعة، فطوبى لهم ثم طوبى لهم، هم والله معنا في درجتنا يوم القيامة " (1). # ومما روي عن الرضا عليه السلام في ذلك: # ما رواه محمد بن الحسن الصفار، عن يعقوب بن يزيد، عن أيوب بن نوح قال: قلت للرضا عليه السلام: إنا نرجو أن تكون صاحب هذا الامر، وأن يسديه الله إليك من غير سيف، فقد بويع لك وضربت الدراهم باسمك. # فقال: " ما منا أحد اختلفت إليه الكتب، وسئل عن المسائل، وأشارت إليه الأصابع، وحملت إليه الأموال إلا اغتيل أو مات على فراشه، حتى يبعث الله عز وجل بهذا الامر رجلا خفي المولد والمنشأ غير خفي في نسبه " (2). # وروى علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الريان بن الصلت قال: قلت للرضا عليه السلام: أنت صاحب هذا الامر؟ # فقال: " أنا صاحب هذا الامر، ولكني لست بالذي أملاها عدلا كما ملئت جورا، وكيف أكون ذلك على ما ترى من ضعف بدني! وأن القائم هو الذي إذا خرج كان في سن الشيوخ ومنظر الشبان (3)، قويا في بدنه حتى لو مد # PageV02P240 # يده إلى أعظم شجرة على ms419 وجه الأرض لقلعها، ولو صاح بين الجبال لتدكدكت صخورها، يكون معه عصا موسى وخاتم سليمان. ذلك الرابع من ولدي، يغيبه الله في ستره ما شاء ثم يظهره فيملأ به الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، كأني بهم أين ما كانوا قد نودوا نداء يسمع من بعد كما يسمع من قرب، يكون رحمة للمؤمنين وعذابا على الكافرين " (1). # علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن معبد، عن الحسين بن خالد: قال: قال الرضا عليه السلام: " لا دين لمن لا ورع له، ولا إيمان لمن لا تقية له، وإن أكرمكم عند الله أعملكم بالتقية ". # فقيل له: يا ابن رسول الله، إلى متى؟ # قال: " إلى يوم الوقت المعلوم، وهو يوم خروج قائمنا، فمن ترك التقية قبل خروج قائمنا فليس منا ". # فقيل له: يا ابن رسول الله، ومن القائم منكم أهل البيت؟ # قال: (الرابع من ولدي، ابن سيدة الإماء، يطهر الله به الأرض من كل جور، ويقدسها من كل ظلم، وهو الذي يشك الناس في ولادته، وهو صاحب الغيبة قبل خروجه، فإذا خرج أشرقت الأرض بنوره، ووضع ميزان العدل بين الناس، فلا يظلم أحد أحدا. وهو الذي تطوى له الأرض، ولا يكون له ظل، وهو الذي ينادي مناد من السماء يسمعه جميع أهل الأرض بالدعاء إليه يقول: ألا ان حجة الله قد ظهر عند بيت الله فاتبعوه فإن الحق معه وفيه، وهو قول الله عز وجل: " ان نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين " (2) " (3). # PageV02P241 # وقد ذكرنا حديث دعبل بن علي الخزاعي عنه في هذا المعنى في ما تقدم من الكتاب (1). # ومما روي عن أبي جعفر الثاني عليه السلام في مثله: # ما رواه عبد العظيم بن عبد الله الحسني رحمه الله قال: دخلت على سيدي محمد بن علي وأنا أريد أن أسأله عن القائم عليه السلام أهو المهدي أو غيره، فابتدأني فقال: " يا أبا القاسم، إن القائم منا هو المهدي الذي يجب أن ينتظر في غيبته ويطاع في ظهوره، وهو الثالث ms420 من ولدي. والذي بعث محمدا بالنبوة، وخصنا بالإمامة، إنه لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يخرج فيه فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، وإن الله تعالى ليصلح له أمره في ليلة كما أصلح أمر كليمه موسى عليه السلام إذ ذهب ليقتبس لأهله نارا فرجع وهو رسول نبي ". # ثم قال عليه السلام: " أفضل أعمال شيعتنا انتظار الفرج " (2). # وعنه أيضا قال: قلت لمحمد بن علي عليهما السلام: إني لأرجو أن تكون القائم من أهل بيت محمد الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما. # فقال: " يا أبا القاسم، ما منا إلا قائم بأمر الله وهاد إلى دين الله، ولكن القائم منا هو الذي يطهر الله عز وجل الأرض به من أهل الكفر والجحود، ويملأها عدلا وقسطا، هو الذي تخفى على الناس ولادته، ويغيب عنهم شخصه، ويحرم عليهم تسميته. وهو سمي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكنيه، وهو الذي تطوى له الأرض، ويذل له كل صعب. يجتمع إليه # PageV02P242 # من أصحابه عدد أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا من أقاصي الأرض، وهو قول الله عز وجل: " أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا ان الله على كل شئ قدير " (1) فإذا اجتمعت له هذه العدة من أهل الاخلاص أظهر أمره، وإذا كمل له العقد وهو عشرة آلاف رجل خرج بإذن الله عز وجل، فلا يزال يقتل أعداء الله حتى يرضى الله تبارك وتعالى ". # قال عبد العظيم فقلت له: يا سيدي، وكيف يعلم أن الله قد رضي؟ # قال: (يلقي في قلبه الرحمة، فإذا دخل المدينة أخرج اللات والعزى فاحرقهما " (2). # وروى حمدان بن سليمان قال: حدثنا الصقر بن أبي دلف قال: # سمعت أبا جعفر محمد بن علي الرضا عليهما السلام يقول: " إن الإمام بعدي علي، أمره أمري، وقوله قولي، وطاعته طاعتي، والامام بعده ابنه الحسن، أمره أمر أبيه، (وقوله قول أبيه) (3)، وطاعته طاعة أبيه. # ثم سكت، فقلت له: يا ابن رسول الله، فمن الامام بعد ms421 الحسن؟ # فبكى بكاء شديدا ثم قال: " إن الامام من بعد الحسن ابنه القائم بالحق المنتظر ". # فقلت له: يا ابن رسول الله، ولم سمي القائم؟ # قال: " لأنه يقوم بعد موت ذكره، وارتداد أكثر القائلين بإمامته ". # فقلت له: ولم سمي المنتظر؟ # قال: " لان له غيبة تكثر أيامها، ويطول أمدها، فينتظر خروجه # PageV02P243 # المخلصون، وينكره المرتابون، ويستهزئ بذكره الجاحدون، ويكذب فيه الوقاتون، ويهلك فيه المستعجلون، وينجو فيه المسلمون " (1). # ومما روي عن أبي الحسن علي بن محمد العسكري عليهما السلام في ذلك: # ما رواه عبد العظيم بن عبد الله الحسني قال: دخلت على سيدي علي ابن محمد عليهما السلام، فلما أبصرني قال لي: " مرحبا بك يا أبا القاسم، أنت ولينا حقا ". # فقلت له: يا ابن رسول الله، اني أريد أن أعرض عليك ديني، فإن كان مرضيا ثبت عليه حتى ألقى الله عز وجل. # فقال: " هات يا أبا القاسم ". # فقلت: إني أقول: إن الله تبارك وتعالى واحد ليس كمثله شئ، خارج من الحدين حد الابطال وحد التشبيه، وإنه ليس بجسم ولا صورة ولا عرض ولا جوهر، بل هو مجسم الأجسام، ومصور الصور، وخالق الاعراض والجواهر، ورب كل شئ ومالكه وجاعله ومحدثه. وإن محمدا عبده ورسوله، وخاتم النبيين فلا نبي بعده إلى يوم القيامة، وإن شريعته خاتمة الشرائع فلا شريعة بعدها إلى يوم القيامة. # وأقول: إن الامام والخليفة وولي الامر بعده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي، ثم جعفر بن محمد، ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمد ابن علي عليهم السلام ثم أنت يا مولاي. # فقال عليه السلام: " ومن بعدي الحسن فكيف للناس بالخلف من # PageV02P244 # بعد ه ". # قال: فقلت: وكيف ذاك يا مولاي؟ # قال: " لأنه لا يرى شخصه، ولا يحل ذكره باسمه حتى بخرج فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا ". # قال: فقلت: أقررت، وأقول: إن وليهم ولي الله، وعدوهم عدو الله، وطاعتهم طاعة الله، ومعصيتهم معصية الله. # وأقول: إن ms422 المعراج حق، والمسألة في القبر حق، وأن الجنة حق، والنار حق، والصراط حق، والميزان حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور. # وأقول: إن الفرائض الواجبة بعد الولاية: الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والجهاد، والامر بالمعروف والنهي عن المنكر. # فقال: علي بن محمد عليهما السلام: " يا أبا القاسم، هذا والله دين الله الذي ارتضاه لعباده، فأثبت عليه، ثبتك الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة " (1). # وروي علي بن إبراهيم، عن عبد الله بن أحمد الموصلي، عن الصقر ابن أبي دلف قال: لما حمل المتوكل سيدنا أبا الحسن عليه السلام جئت أسأل عن خبره، قال: فنظر إلي حاجب المتوكل فامر أن أدخل إليه فأدخلت إليه، فقال: يا صقر ما شأنك؟ فقلت: خيرا أيها الأستاذ. قال: أقعد. # قال الصقر: وأخذني ما تقدم وما تأخر وقلت: أخطأت في المجئ. # قال: فوحى الناس عنه ثم قال: ما شأنك وفيم جئت؟ لعلك جئت تسأل عن خبر مولاك؟ فقلت له: ومن مولاي؟! مولاي أمير المؤمنين. # PageV02P245 # فقال: اسكت، مولاك هو الحق، لا تحتشمني فاني على مذهبك. # فقلت: الحمد لله. فقال: تحب أن تراه؟ فقلت: نعم. # فقال: اجلس حتى يخرج صاحب البريد. # قال: فلما خرج قال لغلام له: خذ بيد الصقر فادخله إلى الحجرة التي فيها العلوي المحبوس، وخل بينه وبينه. # قال: فأدخلني الحجرة، وأوما إلى بيت فدخلت، فإذا هو عليه السلام جالس على صدر حصير، وبحذاه قبر محفور. قال: فسلمت فرد، ثم أمرني بالجلوس فجلست، ثم قال لي: " يا صقر، ما أتى بك؟ ". # قلت: يا سيدي جئت أتعرف خبرك؟ # قال: ثم نظرت إلى القبر فبكيت، فنظر إلي ثم قال: " يا صقر لا عليك، لن يصلوا إلينا بسوء. # فقلت: الحمد لله، ثم قلت: يا سيدي حديث يروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا أعرف معناه. # فقال: " وما هو؟ ". # قلت: قوله: " لا تعادوا الأيام فتعاديكم " ما معناه؟ # فقال: " نعم، الأيام نحن ما قامت السماوات والأرض، فالسبت اسم رسول الله صلى الله عليه ms423 وآله وسلم، والأحد أمير المؤمنين، والاثنين الحسن والحسين، والثلاثاء علي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد. # والأربعاء موسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وأنا، والخميس ابني الحسن، والجمعة ابن ابني، إليه تجتمع عصابة الحق، وهو الذي يملأها قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما، فهذا معنى الأيام، فلا تعادوهم في الدنيا فيعادوكم في الآخرة " ثم قال: " ودع واخرج فلا آمن PageV02P246 # عليك " (1). # وبهذا الاسناد: عن الصقر بن أبي دلف قال: سمعت علي بن محمد ابن علي الرضا عليهم السلام يقول: " الإمام بعدي الحسن ابني، وبعد الحسن ابنه القائم الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما " (2). # وروى علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن صدقة، عن علي بن عبد الغفار قال: لما مات أبو جعفر الثاني عليه السلام كتبت الشيعة إلى أبي الحسن صاحب العسكر عليه السلام يسألونه عن الامر فكتب عليه السلام: # " الامر لي ما دمت حيا، فإذا نزلت بي مقادير الله تبارك وتعالى أتاكم الخلف مني، فأنى لكم بالخلف من بعد الخلف " (3). # وروي إسحاق بن محمد بن أيوب قال: سمعت أبا الحسن علي بن محمد عليهما السلام يقول: " صاحب هذا الامر من يقول الناس: لم يولد بعد " (4). # والاخبار في هذا الباب كثيرة ظاهرة، في الشيعة متواترة، ثابتة في أصولها المتقدمة لزمان الحسن العسكري عليه السلام، وفي ذلك أصح دليل وبرهان على إمامة القائم ابن الحسن عليهما السلام. # PageV02P247 # (الفصل الثالث) في ذكر النصوص عليه صلوات الله عليه من جهة أبيه الحسن بن علي عليه السلام خاصة الشيخ أبو جعفر بن بابويه رضي الله عنه، عن علي بن عبد الله الوراق، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري قال: دخلت على أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليه السلام وأنا أريد أن أسأله عن الخلف من بعده، فقال لي مبتدئا: " يا أحمد بن إسحاق، إن الله تبارك وتعالى لم يخل الأرض منذ خلق آدم، ولا يخليها إلى أن تقوم الساعة ms424 من حجة الله على خلقه، به يدفع البلاء عن أهل الأرض، وبه ينزل الغيث، وبه يخرج بركات الأرض ". # قال: فقلت له: يا ابن رسول الله، فمن الخليفة والامام بعدك؟ # فنهض عليه السلام مسرعا فدخل البيت ثم خرج وعلى عاتقه غلام، كأن وجهه القمر ليلة البدر، من أبناء ثلاث سنين، وقال: " يا أحمد بن إسحاق، لولا كرامتك على الله وعلى حججه ما عرضت عليك ابني هذا، إنه سمي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكنيه، الذي يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما. # يا أحمد بن إسحاق، مثله في هذه الأمة مثل الخضر، ومثله مثل ذي القرنين، والله ليغيبن غيبة لا ينجو من الهلكة فيها إلا من ثبته الله تعالى على القول بإمامته، ووفقه للدعاء بتعجيل فرجه ". # قال: أحمد بن إسحاق: فقلت له: يا مولاي، فهل من علامة يطمئن إليها قلبي؟ PageV02P248 # فنطق الغلام عليه السلام بلسان عربي فصيح فقال: " أنا بقية الله في أرضه، والمنتقم من أعدائه، فلا تطلب أثرا بعد عين يا أحمد بن إسحاق ". # قال أحمد: فخرجت مسرورا فرحا، فلما كان من الغد عدت إليه فقلت له: يا ابن رسول الله، لقد عظم سروري بما مننت علي، فما السنة الجارية فيه من الخضر وذي القرنين؟ # فقال: " طول الغيبة يا أحمد ". # فقلت له: يا ابن رسول الله، وإن غيبته لتطول؟ # قال: " إي وربي، حتى يرجع عن هذا الامر أكثر القائلين به، فلا يبقى الا من أخذ الله عهده بولايتنا، وكتب في قلبه الايمان، وأيده بروح منه. # يا أحمد بن إسحاق، هذا أمر من الله، وسر من سر الله، وغيب من غيب الله، فخذ ما آتيتك واكتمه، وكن من الشاكرين، تكن معنا غدا في عليين " (1). # ويؤيد هذا الخبر ما رواه محمد بن مسعود العياشي، عن محمد بن نصير، عن محمد بن عيسى، عن حماد بن عيسى، عن عمرو بن شمر، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ms425 وسلم يقول: " إن ذا القرنين كان عبدا صالحا جعله الله حجة على عباده، فدعا قومه إلى الله عز وجل، وأمرهم بتقواه، فضربوه على قرنه، فغاب عنهم زمانا حتى قيل: مات أو هلك، باي واد سلك. ثم ظهر ورجع إلى قومه، فضربوه على قرنه الاخر، وفيكم من هو على سنته، وإن الله عز وجل مكن لذي القرنين في الأرض، وجعل له من كل شئ سببا، وبلغ المشرق والمغرب، وان الله تعالى سيجري سنته في القائم من ولدي، # PageV02P249 # ويبلغه شرق الأرض وغربها، حتى لا يبقي منهل ولا موضع من سهل أو جبل وطئه ذو القرنين إلا وطئه، ويظهر الله له كنوز الأرض ومعادنها، وينصره بالرعب، ويملأ الأرض به عدلا وقسطا كما ملئت جورا وظلما " (1). # محمد بن مسعود العياشي، عن آدم بن محمد البلخي، عن علي بن الحسين بن هارون الدقاق، عن جعفر بن محمد بن عبد الله بن القاسم بن إبراهيم بن الأشتر، عن يعقوب بن منقوش قال: دخلت على أبي محمد عليه السلام وهو جالس على دكان في الدار، وعن يمينه بيت عليه ستر مسبل، فقلت له: سيدي، من صاحب هذا الامر؟ # فقال: (ارفع الستر ". # فرفعته، فخرج إلينا غلام خماسي له عشر أو ثمان أو نحو ذلك، واضح الجبين، أبيض الوجه، دري المقلتين، شئن الكفين (2)، معطوف الركبتين، في خده الأيمن خال، وفي رأسه ذؤابة، فجلس على فخذ أبي محمد ثم قال لي: " هذا هو صاحبكم " ثم وثب فقال له: " يا بني، ادخل إلى الوقت المعلوم ". # فدخل البيت. وأنا انظر إليه، ثم قال لي: (يا يعقوب، انظر من في البيت "؟ فدخلت فما رأيت أحدا (3). # محمد بن يعقوب، عن علي بن محمد، عن محمد بن علي بن بلال قال: خرج إلي من أبي محمد الحسن بن علي عليهما السلام قبل مضيه بسنتين يخبرني بالخلف من بعده، ثم خرج إلي من قبل مضيه بثلاثة أيام # PageV02P250 # يخبرني بالخلف من بعده (1). # وعنه عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن إسحاق، عن أبي هاشم الجعفري قال: قلت ms426 لأبي محمد عليهما السلام: جلالتك تمنعني عن مسألتك، فتأذن لي أن أسألك؟ # قال: " سل ". # فقلت: يا سيدي، هل لك ولد؟ # قال: " نعم ". # قلت: فإن حدث أمر، فأين أسأل عنه؟ # قال: " بالمدينة " (2). # وعنه، عن الحسين بن محمد الأشعري، عن معلى بن محمد، عن أحمد بن محمد بن عبد الله قال: خرج عن أبي محمد عليه السلام حين قتل الزبيري (3): " هذا جزاء من اجترأ على الله في أوليائه، زعم أنه يقتلني وليس لي عقب، فكيف رأى قدرة الله فيه ". # قال: وولد له ولد وسماه باسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك في سنة ست وخمسين ومائتين (4). # PageV02P251 # وعنه، عن علي بن محمد، عن جعفر بن محمد الكوفي، عن جعفر ابن محمد المكفوف، عن عمرو الأهوازي قال: أراني أبو محمد عليه السلام ابنه وقال: " هذا صاحبكم بعدي " (1). # الشيخ أبو جعفر، عن محمد بن علي ماجيلويه، عن محمد بن يحيى العطار، عن جعفر بن محمد بن مالك، عن محمد بن معاوية بن حكيم، ومحمد بن أيوب بن نوح، ومحمد بن عثمان العمري قالوا: عرض علينا أبو محمد ابنه ونحن في منزله - وكنا أربعين رجلا - فقال: هذا إمامكم من بعدي، وخليفتي عليكم، فأطيعوه ولا تتفرقوا بعدي فتهلكوا في أديانكم، أما إنكم لا ترونه (2) بعد يومكم هذا ". # قالوا: فخرجنا من عنده فما مضت إلا أيام قلائل حتى مضى أبو محمد عليه السلام (3). # وعنه، عن أحمد بن محمد بن يحيى العطار، عن سعد بن عبد الله، عن موسى بن جعفر بن وهب البغدادي قال: سمعت أبا محمد الحسن بن علي عليهما السلام يقول: " كأني بكم وقد اختلفتم بعدي في الخلف مني، أما إن المقر بالأئمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنكر لولدي كمن أقر بجميع أنبياء الله ورسله ثم أنكر نبوة محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لان طاعة آخرنا كطاعة أولنا، والمنكر لآخرنا كالمنكر لأولنا، أما # PageV02P252 # إن لولدي غيبة يرتاب فيها الناس إلا من عصمه الله " (1). # وعنه، عن محمد بن ms427 إبراهيم بن إسحاق، عن أبي علي بن همام قال: # سمعت محمد بن عثمان العمري يقول: سمعت أبي يقول: سئل أبو محمد الحسن بن علي عليهما السلام وأنا عنده عن الخبر الذي روي عن آبائه عليهم السلام: أن الأرض لا تخلو من حجة لله على خلقه إلى يوم القيامة، وإن من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية. # فقال: " إن هذا حق كما أن النهار حق ". # فقيل له: يا ابن رسول الله، فمن الحجة والامام بعدك؟ # فقال: " ابني محمد هو الامام والحجة بعدي، من مات ولم يعرفه مات ميتة جاهلية، أما إن له غيبة يحار فيها الجاهلون، ويهلك فيها المبطلون، ويكذب فيها الوقاتون، ثم يخرج فكأني أنظر إلى الاعلام البيض تخفق فوق رأسه بنجف الكوفة " (2). # PageV02P253 # * الباب الثالث * في بيان وجه الاستدلال بهذه الأخبار الواردة في النصوص على إمامته، وذكر أحوال غيبته، وما شوهد من دلالاته وبيناته، وبعض ما خرج من توقيعاته وفيه أربعة فصول: PageV02P255 # * الفصل الأول * في ذكر الدلالة على اثبات غيبته عليه السلام وصحة إمامته من جهة الاخبار التي تقدم ذكرها، وذكر أحوال غيبته تدل على إمامته عليه السلام ما أثبتناها من أخبار النصوص، وهي على ثلاثة أوجه: # أحدها: النص على عدد الأئمة الاثني عشر، وقد جاءت تسميته عليه السلام في بعض تلك الأخبار، ودل البعض على إمامته بما فيه من ذكر العدد من قبل أنه لا قائل بهذا العدد في الأمة إلا من دان بإمامته، وكل ما طابق الحق فهو حق. # والوجه الثاني: النص عليه من جهة أبيه خاصة. # والوجه الثالث: النص عليه بذكر غيبته وصفتها التي يختصها، ووقوعها على الحد المذكور من غير اختلاف، حتى لم يخرم منه شيئا، وليس يجوز في العادات أن تولد جماعة كذبا يكون خبرا عن كائن فيتفق لهم ذلك على حسب ما وصفوه. # وإذا كانت أخبار الغيبة قد سبقت زمان الحجة عليه السلام، بل زمان أبيه وجده، حتى تعلقت الكيسانية (1) بها في إمامة ابن الحنفية # PageV02P257 # والناووسية (1) والممطورة (2) في أبي عبد الله وأبي ms428 الحسن موسى عليهما السلام، وخلدها المحدثون من الشيعة في أصولهم المؤلفة في أيام السيدين الباقر والصادق عليهما السلام، وآثروها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السلام واحدا بعد واحد، صح بذلك القول في إمامة صاحب الزمان عليه السلام بوجود هذه الصفة له، والغيبة المذكورة في دلائله وإعلام إمامته، وليس يمكن لاحد دفع ذلك. # ومن جملة ثقات المحدثين والمصنفين من الشيعة: الحسن بن محبوب الزراد، وقد صنف كتاب المشيخة الذي هو في أصول الشيعة أشهر من كتاب المزني وأمثاله قبل زمان الغيبة بأكثر من مائة سنة، فذكر فيه بعض ما أوردناه من أخبار الغيبة، فوافق الخبر الخبر، وحصل كل ما تضمنه الخبر بلا اختلاف. # PageV02P258 # ومن جملة ذلك: ما رواه عن إبراهيم الخارقي، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: كان أبو جعفر عليه السلام يقول: # " لقائم آل محمد عليه السلام غيبتان واحدة طويلة والأخرى قصيرة ". # قال: فقال لي: " نعم يا أبا بصير، إحداهما أطول من الأخرى، ثم لا يكون ذلك - يعني ظهوره - حتى يختلف ولد فلان، وتضيق الحلقة، ويظهر السفياني، ويشتد البلاء، ويشمل الناس موت وقتل، ويلجأون منه إلى حرم الله تعالى وحرم رسوله صلى الله عليه وآله وسلم " (1). # فانظر كيف قد حصلت الغيبتان لصاحب الامر عليه السلام على حسب ما تضمنته الأخبار السابقة لوجوده عن آبائه وجدوده عليهم السلام، أما غيبته الصغرى (2) منهما فهي التي كانت فيها سفراؤه عليه السلام موجودين، وأبوابه معروفين، لا تختلف الامامية القائلون بإمامة الحسن بن علي عليه السلام فيهم، فمنهم: أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري، ومحمد بن علي ابن بلال، وأبو عمرو عثمان بن سعيد السمان، وابنه أبو جعفر محمد بن عثمان، وعمر الأهوازي، وأحمد بن إسحاق، وأبو محمد الوجناني، وإبراهيم بن مهزيار، ومحمد بن إبراهيم في جماعة أخر ربما يأتي ذكرهم عند الحاجة إليهم في الرواية عنهم. # وكانت مدة هذه الغيبة أربعا وسبعين سنة، وكان أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري قدس الله روحه بابا ms429 لأبيه وجده عليهما السلام من قبل وثقة لهما، ثم تولى الباقية من قبله، وظهرت المعجزات على يده، ولما مضى لسبيله قام ابنه أبو جعفر محمد مقامه رحمهما الله بنصه عليه، ومضى على منهاج أبيه # PageV02P259 # رضي الله عنه في آخر جمادى الآخرة من سنة أربع أو خمس وثلاثمائة، وقام مقامه أبو القاسم الحسين بن روح من بني نوبخت بنص أبي جعفر محمد بن عثمان عليه، وأقامه مقام نفسه، ومات رضي الله عنه في شعبان سنة ست وعشرين وثلاثمائة، وقام مقامه أبو الحسن علي بن محمد السمري بنص أبي القاسم عليه، وتوفي في النصف من شعبان سنه ثمان وعشرين وثلاثمائة. # فروي عن أبي محمد الحسن بن أحمد المكتب أنه قال: كنت بمدينة السلام في السنة التي توفي فيها علي بن محمد السمري، فحضرته قبل وفاته بأيام، فأخرج إلى الناس توقيعا نسخته: # " بسم الله الرحمن الرحيم " يا علي بن محمد السمري أعظم الله أجر إخوانك فيك، فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام، فاجمع أمرك، ولا توص إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة، فلا ظهور الا بعد أن يأذن الله تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب (1)، وامتلاء الأرض جورا، وسيأتي شيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذاب مفتر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ". # قال: فانتسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده، فلما كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه، فقيل له: من وصيك؟ قال: لله أمر هو بالغه. # فقضى. فهذا آخر كلام سمع منه (2). # ثم حصلت الغيبة الطولى التي نحن في أزمانها، والفرج يكون في آخرها بمشيئة الله تعالى. # PageV02P260 # * الفصل الثاني * في ذكر بعض ما روي من دلالاته وبيناته عليه السلام محمد بن يعقوب، عن علي بن محمد، عن محمد بن حمويه، عن محمد بن إبراهيم بن مهزيار قال: شككت عند مضي أبي محمد عليه السلام واجتمع عند أبي مال جليل، فحمله وركب السفينة، وخرجت معه مشيعا، ms430 فوعك وعكا شديدا فقال: يا بني، ردني فهو الموت، وقال لي: اتق الله في هذا المال، وأوصى إلي ومات. # فقلت في نفسي: لم يكن أبي ليوصي بشئ غير صحيح، أحمل هذا المال إلى العراق وأكتري دارا على الشط ولا أخبر أحدا نشئ، فإن وضح لي شئ كوضوحه في أيام أبي محمد عليه السلام أنفذته، وإلا قصفت (1) به. # فقدمت العراق، واكتريت دارا على الشط، وبقيت أياما فإذا أنا برقعة مع رسول فيها: " يا محمد، معك كذا وكذا " حتى قص علي جميع ما معي مما لم أحط به علما، فسلمته إلى الرسول وبقيت أياما لا يرفع لي رأس، واغتممت فخرج إلي: " قد أقمناك مقام أبيك، فاحمد الله " (2). # وعنه، عن محمد بن أبي عبد الله، عن أبي عبد الله الشيباني قال: # أوصلت أشياء للمرزباني الحارثي، وكان فيها سوار ذهب، فقبلت ورد علي # PageV02P261 # السوار وأمرت بكسره، فكسرته فإذا في وسطه مثاقيل حديد ونحاس أو صفر، فأخرجت ذلك منه وأنفذت الذهب فقبل (1). # وعنه، عن علي بن محمد قال: أوصل رجل من أهل السواد مالا فرد عليه وقيل له: " أخرج حق بني عمك منه، وهو أربعمائة درهم " وكان الرجل في يده ضيعة لبني عمه فيها شركة قد حبسها عليهم، فنظر فإذا لولد عمه في ذلك أربعمائة درهم، فأخرجها وأنفذ الباقي فقبل (2). # وعنه، عن علي بن محمد، عن علي بن الحسين اليماني قال: كنت ببغداد فاتفقت قافلة لليمانيين، فأردت الخروج معها، فكتبت ألتمس الاذن في ذلك، فخرج: (لا تخرج معهم، فليس لك في الخروج معهم خيرة، وأقم بالكوفة ". # قال: فأقمت وخرجت القافلة فخرجت (3) عليهم بنو حنظلة فاجتاحتهم. # قال: وكتبت أستأذن في ركوب الماء فلم يؤذن لي، فسألت عن المراكب التي خرجت تلك السنة في البحر فما سلم منها مركب، خرج عليها قوم (من الهند) (4) يقال لهم: البوارج، فقطعوا عليها (5). # PageV02P262 # وعنه، عن القاسم بن العلاء قال: ولد لي عدة بنين، فكنت أكتب وأسأل الدعاء لهم فلا يكتب إلي لهم بشئ، فماتوا كلهم، فلما ولد لي الحسن ابني كتبت ms431 أسال الدعاء فأجبت: " يبقى، والحمد لله " (1). # وعنه، عن الحسن بن الفضل بن يزيد اليماني قال: كتب أبي بخطه كتابا فورد جوابه، ثم كتب بخطي فورد جوابه، ثم كتب بخط رجل جليل من فقهاء أصحابنا فلم يرد جوابه، فنظرنا فإذا العلة في ذلك أن الرجل تحول قرمطيا (2). # قال الحسن بن الفضل: وردت العراق، وزرت طوس، وعزمت أن لا أخرج إلا عن بينة من أمري، ونجاح من حوائجي، ولو احتجت أن أقيم بها حتى أتصدق (3). قال: وفي خلال ذلك يضيق صدري بالمقام، وأخاف أن يفوتني الحج. # قال: فجئت يوما إلى محمد بن أحمد - وكان السفير يومئذ - أتقاضاه فقال لي: صر إلى مسجد كذا وكذا فإنه يلقاك رجل. # قال: فصرت إليه، فدخل علي رجل فلما نظر إلي ضحك وقال: لا # PageV02P263 # تغتم، فإنك ستحج في هذه السنة وتنصرف إلى أهلك وولدك سالما. قال: # فاطمأننت وسكن قلي وقلت: أرى مصداق ذلك إن شاء الله. # قال: ثم وردت العسكر، فخرجت إلي صرة فيها دنانير وثوب، فاغتممت وقلت في نفسي: جدي (1) عند القوم هذا، واستعملت الجهل فرددتها وكتبت رقعة، ثم ندمت بعد ذلك ندامة شديدة، وقلت في نفسي: # كفرت بردي على مولاي، وكتبت رقعة أعتذر فيها من فعلي، وأبوء بالإثم، وأستغفر من ذلك، وأنفذتها وقمت أتطهر للصلاة، فأنا في ذلك أفكر في نفسي وأقول: إن ردت علي الدنانير لم أحلل صرارها ولم أحدث فيها حدثا حتى أحملها إلى أبي فإنه أعلم مني ليعمل فيها بما شاء. # فخرج إلى الرسول الذي حمل إلي الصرة: " أسأت إذ لم تعلم الرجل إنا ربما فعلنا ذلك بموالينا من غير مسألة ليتبركوا به ". # وخرج إلي: " أخطأت في ردك برنا، فإذا استغفرت الله فالله يغفر لك، فأما إذا كانت عزيمتك وعقيدتك أن لا تحدث فيها حدثا، ولا تنفقها في طريقك، فقد صرفناها عنك، وأما الثوب فلابد منه لتحرم فيه ". # قال: وكتبت في معنيين وأردت أن أكتب في ثالث فامتنعت عنه مخافة أن يكره ذلك، فورد جواب المعنيين والثالث الذي طويت مفسرا، والحمد لله ms432 (2). # وعنه، عن علي بن محمد، عن الحسن بن عبد الحميد قال: شككت في أمر حاجز بن يزيد (3)، فجمعت شيئا وصرت إلى العسكر، فخرج: " أليس # PageV02P264 # فينا شك، ولا في من يقوم مقامنا بأمرنا، فاردد ما معك إلى حاجز بن يزيد " (1). # وعنه، عن علي بن محمد، عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن الحسن، والعلاء بن رزق الله، عن بدر - غلام أحمد بن الحسن - قال: وردت الجبل وأنا لا أقول بالإمامة، أحبهم حملة، إلى أن مات يزيد بن عبد الله، فأوصى في علته أن يدفع الشهري السمند (2) وسيفه ومنطقته إلى مولاه فخفت إن أنا لم أدفع الشهري إلى أذكوتكين (3) نالني منه استخفاف، فقومت الدابة والسيف والمنطقة بسبعمائة دينار في نفسي ولم أطلع عليه أحدا، ودفعت الشهري إلى أذكوتكين، فإذا الكتاب قد ورد علي من العراق: أن وجه السبعمائة دينار التي لنا قبلك من ثمن الشهري والسيف والمنطقة " (4). # وعنه، عن علي بن محمد، عن محمد بن شاذان النيسابوري قال: # اجتمع عندي خمسمائة درهم تنقص عشرون درهما، فأنفت أن أبعث بها. # ناقصة، فوزنت من عندي عشرين درهما وبعثت بها إلى الأسدي ولم أكتب مالي فيها، فورد: " وصلت خمسمائة درهم، لك منها عشرون درهما " (5). # PageV02P265 # وعنه، عن الحسين بن محمد الأشعري قال: كان يرد كتاب أبي محمد عليه السلام في الاجراء على الجنيد - قاتل فارس - وأبي الحسن وآخر، فلما مضى أبو محمد عليه السلام ورد استئناف من الصاحب لاجراء أبي الحسن وصاحبه، ولم يرد في أمر الجنيد شئ فاغتممت لذلك، فورد نعي الجنيد بعد ذلك (1). وإذا قطع جرايته إنما كان لوفاته. # وعنه، عن علي بن محمد، عن أبي عقيل عيسى بن نصر قال: كتب علي بن زياد الصيمري يسأل كفنا، فكتب إليه: (إنك تحتاج إليه في سنة ثمانين " فمات في سنة ثمانين، وبعث إليه بالكفن قبل موته (2). # وعنه، عن محمد بن هارون بن عمران الهمداني قال: كان للناحية (3) علي خمسمائة دينار، وضقت بها ذرعا، ثم قلت في نفسي: لي حوانيت اشتريتها بخمسمائة دينار وثلاثين دينارا قد ms433 جعلتها للناحية بخمسمائة دينار، ولا والله ما نطقت بذلك، فكتب إلى محمد بن جعفر: " اقبض الحوانيت من محمد بن هارون بالخمسمائة دينار التي لنا عليه " (4). # وعنه عن الحسين بن الحسن العلوي قال: أنهي إلى عبيد الله بن سليمان الوزير أن له وكلاء، وأنه تجبى إليهم الأموال، وسموا الوكلاء في النواحي. فهم بالقبض عليهم، فقيل له: لا، ولكن دسوا لهم قوما لا يعرفون # PageV02P266 # بالأموال، فمن قبض منهم شيئا قبض عليه. # فلم يشعر الوكلاء بشئ حتى خرج الامر أن لا يأخذوا من أحد شيئا، وأن يتجاهلوا بالامر، وهم لا يعلمون ما السبب في ذلك. فاندس لمحمد بن أحمد رجل لا يعرفه وقال: معي مال أريد أن أوصله، فقال له محمد: # غلطت، أنا لا أعرف من هذا شيئا، فلم يزل يتلطف به ومحمد يتجاهل، وبثوا الجواسيس، وامتنع الوكلاء كلهم لما كان تقدم إليهم، فلم يظفر بأحد منهم، ولم تتم الحيلة فيهم (1). # وعنه، عن علي بن محمد قال: خرج النهي عن زيارة مقابر قريش (2) والحائر - على ساكنيهما السلام - ولم نعرف السبب، فلما كان بعد شهر دعا الوزير الباقطاني (3) فقال له: ألق بني الفرات والبرسيين وقل لهم: لا تزوروا مقابر قريش، فقد أمر الخليفة أن يتفقد كل من زار فيقبض عليه (4). # الشيخ أبو جعفر بن بابويه قال: حدثنا محمد بن إبراهيم الطالقاني، عن أبي القاسم علي بن أحمد الخديجي الكوفي قال: حدثنا الأودي قال: # بينا أنا في الطواف - وقد طفت ستا وأريد السابع - فإذا بحلقة عن يمين الكعبة، وشاب حسن الوجه، طيب الرائحة، هيوب مع هيبته، متقرب إلى الناس يتكلم، فلم أر أحسن من كلامه، ولا أعذب من منطقه (5)، فذهبت أكلمه فزبرني الناس، فسألت بعضهم: من هذا؟ فقالوا # PageV02P267 # هذا ابن رسول الله يظهر للناس في كل سنة يوما لخواصه يحدثهم. فقلت: # سيدي، مسترشدا اتيتك فأرشدني، فناولني عليه السلام حصاة وكشفت عنها فإذا بسبيكة ذهب، فذهبت فإذا أنا به عليه السلام قد لحقني فقال لي: (ثبتت عليك الحجة، وظهر لك الحق، وذهب عنك العمى، أتعرفني؟ " فقلت: ms434 # لا، فقال عليه السلام: " أنا المهدي، وأنا قائم الزمان، أنا الذي أملاها عدلا كما ملئت جورا، إن الأرض لا تخلو من حجة، ولا يبقى الناس في فترة، وهذه أمانة فحدث بها إخوانك من أهل الحق " (1). # قال: وحدثنا أبي، عن سعد بن عبد الله، عن علي بن محمد الرازي قال: حدثني جماعة من أصحابنا: أنه بعث إلى عبد الله بن الجنيد - وهو بواسط - غلاما وأمر ببيعه، فباعه وقبض ثمنه، فلما عير الدنانير نقصت في التعيير ثمانية عشر قيراطا وحبة، فوزن من عنده ثمانية عشر قيراطا وحبة وأنفذها، فرد عليه دينارا وزنه ثمانية عشر قيراطا وحبة (2). # قال: وحدثنا أبو جعفر محمد بن علي الأسود: أن أبا جعفر العمري حفر لنفسه قبرا وسواه بالساج، فسألته عن ذلك فقال: قد أمرت أن أجمع أمري. فمات بعد ذلك بشهرين (3). # قال: وحدثنا محمد بن علي الأسود قال: سألني علي بن الحسين بن موسى بن بابويه رحمه الله بعد موت محمد بن عثمان العمري أن أسأل أبا القاسم الروحي أن يسأل مولانا صاحب الزمان عليه السلام أن يدعو الله أن يرزقه ولدا، قال: فسألته فأنهى ذلك، ثم أخبرني بعد ذلك بثلاثة أيام أنه قد دعا # PageV02P268 # لعلي بن الحسين وأنه سيولد له ولد مبارك ينفع الله به، وبعده أولاد. # قال أبو جعفر محمد بن علي الأسود: وسألته في أمر نفسي أن يدعو لي أن ارزق ولدا، فلم يجبني إليه وقال لي: ليس إلى هذا سبيل. قال: فولد لعلي بن الحسين تلك السنة ابنه محمد بن علي وبعده أولاد، ولم يولد لي. # قال الشيخ: كان أبو جعفر محمد بن علي الأسود رضي الله عنه كثيرا ما يقول لي إذا رآني أختلف إلى مجلس شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد ابن الوليد رحمه الله وأرغب في كتب العلم وحفظه: ليس بعجب أن تكون لك هذه الرغبة في العلم وأنت ولدت بدعاء الإمام عليه السلام (1). # قال: حدثنا صالح بن شعيب الطالقاني، عن أحمد بن إبراهيم بن مخلد قال: حضرت بغداد عند ms435 المشايخ فقال الشيخ علي بن محمد السمري - قدس الله روحه - ابتداء منه: رحم الله علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي. # قال: فكتب المشايخ تاريخ ذلك اليوم فورد الخبر أنه توفي في ذلك اليوم (2). # فهذا طرف يسير مما جاء في هذا المعنى، وإيراد سائره يخرج عن الغرض في الاختصار، وفيما أوردناه كفاية في بابه إن شاء الله تعالى. # PageV02P269 # * الفصل الثالث * في ذكر بعض التوقيعات الواردة منه عليه السلام الشيخ أبو جعفر بن بابويه رحمه الله، عن محمد بن إبراهيم بن إسحاق قال: سمعت أبا علي محمد بن همام قال: سمعت محمد بن عثمان العمري يقول: خرج توقيع بخط أعرفه: " من سماني في مجمع من الناس باسمي فعليه لعنة الله). # قال أبو علي محمد بن همام: وكتبت أسأله عن ظهور الفرج متى يكون؟ فخرج التوقيع: " كذب الوقاتون " (1). # محمد بن يعقوب الكليني، عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمد ابن عثمان العمري رضي الله عنه أن يوصل لي كتابا سألت فيه عن مسائل أشكلت علي فورد التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان عليه السلام: # " أما ما سألت عنه - أرشدك الله وثبتك - من أمر المنكرين لي من أهل بيتنا وبني عمنا، فاعلم أنه ليس بين الله وبين أحد قرابة، ومن أنكرني فليس مني، وسبيله سبيل ابن نوح عليه السلام. # وأما سبيل عمي جعفر وولده فسبيل إخوة يوسف عليه السلام. # وأما الفقاع فشربه حرام، ولا بأس بالشلماب (2). # PageV02P270 # وأما أموالكم فلا نقبلها إلا لتطهروا، فمن شاء فليصل ومن شاء فليقطع، فما آتانا الله خير مما آتاكم. # وأما ظهور الفرج فإنه إلى الله تعالى ذكره، وكذب الوقاتون. # وأما قول من زعم أن الحسين لم يقتل فكفر، وتكذيب، وضلال. # وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله. # وأما محمد بن عثمان العمري - رضي الله عنه وعن أبيه من قبل - فإنه ثقتي، وكتابه كتابي. # وأما محمد بن علي بن مهزيار الأهوازي فسيصلح الله قلبه، ويزيل عنه شكه. # وأما ما وصلتنا به فلا ms436 قبول عندنا إلا لما طاب وطهر، وثمن المغنية حرام. # وأما محمد بن شاذان بن نعيم فهو رجل من شيعتنا أهل البيت. # وأما أبو الخطاب محمد بن أبي زينب الأجدع فملعون وأصحابه ملعونون، فلا تجالس أهل مقالتهم، فإني منهم برئ وآبائي عليهم السلام منهم براء. # وأما المتلبسون بأموالنا فمن استحل منها شيئا فأكله فإنما يأكل النيران. # وأما الخمس فقد أبيح لشيعتنا، وجعلوا منه في حل إلى وقت ظهور أمرنا لتطيب ولادتهم ولا تخبث. # وأما ندامة قوم شكوا في دين الله على ما وصلونا به فقد أقلنا من استقال، ولا حاجة لنا في صلة الشاكين. # وأما علة ما وقع من الغيبة فإن الله عز وجل يقول: (لا تسئلوا عن أشياء PageV02P271 # إن تبد لكم تسؤكم " (1) إنه لم يكن أحد من آبائي الا وقد وقعت في عنقه بيعة لطاغية زمانه، وإني أخرج حين أخرج ولا بيعة لاحد من الطواغيت في عنقي. # وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيبها عن الابصار السحاب، وإني لأمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء، فأغلقوا باب السؤال عما لا يعنيكم، ولا تتكلفوا علم ما قد كفيتم، وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج فان ذلك فرجكم. # والسلام عليك يا إسحاق بن يعقوب وعلى من اتبع الهدى (2) ". # الشيخ أبو جعفر بن بابويه، عن أبيه، ومحمد بن الحسن، عن عبد الله ابن جعفر الحميري، عن محمد بن صالح الهمداني قال: كتبت إلى صاحب الزمان عليه السلام: إن أهل بيتي يؤذونني ويقرعونني بالحديث الذي روي عن آبائك عليهم السلام أنهم قالوا: خدامنا وقوامنا شرار خلق الله، فكتب عليه السلام: " أما يقرؤون قول الله عز وجل: (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة) (3) نحن والله القرى التي بارك الله فيها وأنتم القرى الظاهرة " (4). # PageV02P272 # * الفصل الرابع * في ذكر أسماء الذين شاهدوه أو رأوا دلائله وخرج إليهم توقيعاته وبعضهم وكلاءه الشيخ أبو جعفر - قدس الله روحه - قال: حدثنا محمد بن محمد الخزاعي، عن أبي علي الأسدي، عن أبيه محمد بن أبي ms437 عبد الله الكوفي: # أنه ذكر عدد من انتهى إليه ممن وقف على معجزات صاحب الزمان عليه السلام ورآه من الوكلاء: # ببغداد: العمري، وابنه، وحاجز، والبلالي، والعطار. # ومن الكوفة: العاصمي. # ومن أهل الأهواز: محمد بن إبراهيم بن مهزيار. # ومن أهل قم: أحمد بن إسحاق. # ومن أهل همدان: محمد بن صالح. # ومن أهل الري: الشامي (1)، والأسدي. يعني نفسه. # ومن أهل آذربيجان: القاسم بن العلاء. # ومن نيسابور: محمد بن شاذان. # ومن غير الوكلاء: من أهل بغداد: أبو القاسم بن أبي حليس، وأبو عبد الله الكندي، وأبو عبد الله الجنيدي، وهارون القزاز، والنيلي، وأبوا لقاسم ابن رميس، وأبو عبد الله بن فروخ، ومسرور الطباخ مولى أبي الحسن عليه السلام، وأحمد، ومحمد ابنا أبي الحسن، وإسحاق الكاتب من بني # PageV02P273 # نيبخت وصاحب الفداء، وصاحب الصرة المختومة. # (ومن همدان: محمد بن كشمرد، وجعفر بن حمدان، ومحمد بن هارون بن عمران) (1). # ومن الدينور: حسن بن هارون، وأحمد وأخوه، وأبو الحسن. # ومن أصفهان: ابن بادشايجه. # ومن الصيمرة: زيدان. # ومن قم: الحسن بن النضر، ومحمد بن محمد، وعلي بن محمد بن إسحاق، وأبوه، والحسين (2) بن يعقوب. # ومن أهل الري: القاسم بن موسى، وابنه، وابن محمد بن هارون، وصاحب الحصاة، وعلي بن محمد، ومحمد بن محمد الكليني، وأبو جعفر الرفاء. # ومن قزوين: مرداس، وعلي بن أحمد. # ومن قابس: رجلان. # ومن شهرزور: ابن الخال. # ومن فارس: المجروح (3). # ومن مرو: صاحب الألف دينار، وصاحب المال والرقعة البيضاء، وأبو ثابت. # ومن نيسابور: محمد بن شعيب بن صالح. # ومن اليمن: الفضل بن يزيد، والحسن ابنه، والجعفري، وابن # PageV02P274 # الأعجمي، والشمشاطي. # ومن مصر: صاحب المولودين، وصاحب المال بمكة، وأبو رجاء. # ومن نصيبين: أبو محمد بن الوجناء. # ومن الأهواز: الحصيني (1). # PageV02P275 # * الباب الرابع * في ذكر علامات قيام القائم عليه السلام، ومدة أيام ظهوره وطريقة أحكامه، وسيرته عند قيامه، وصفته، وحليته. # أربعة فصول: PageV02P277 # * الفصل الأول * في ذكر علامات خروجه عليه السلام قد جاءت الآثار بذكر علامات لزمان قيامه عليه السلام، فمن ذلك ما رواه صفوان بن يحيى، عن محمد بن ms438 حكيم، عن ميمون ألبان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " خمس قبل قيام القائم: اليماني، والسفياني، والمنادي ينادي من السماء، وخسف بالبيداء، وقتل النفس الزكية " (1). # ومنه ما رواه علي بن عاصم، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا تقوم الساعة حتى يخرج المهدي من ولدي، ولا يخرج المهدي حتى يخرج ستون كذابا كلهم يقول: أنا نبي " (2). # وروى الفضل بن شاذان، عمن رواه، عن أبي حمزة قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: خروج السفياني من المحتوم؟ قال: " نعم، والنداء من المحتوم، وطلوع الشمس من مغربها من المحتوم، واختلاف بني العباس محتوم، وقتل النفس الزكية محتوم، وخروج القائم من آل محمد محتوم ". # قلت له: وكيف يكون النداء؟ فقال: " ينادي مناد من السماء أول النهار: # ألا إن الحق مع آل علي وشيعته، ثم ينادي إبليس في آخر النهار: ألا إن الحق مع عثمان (3) وشيعته، فعند ذلك يرتاب المبطلون " (4). # PageV02P279 # وروى الحسن بن علي الوشاء، عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا يخرج القائم حتى يخرج قبله اثنا عشر من بني هاشم كلهم يدعو إلى نفسه " (١). # وروى صالح بن عقبة، عن عبد الله بن محمد الجعفي، عن جابر قال: قال أبو جعفر عليه السلام: (توقوا آخر دولة بني العباس، فإن لهم في شيعتنا لذعات أمض من الحريق الملتهب). # وروى عمار الساباطي، عن أبي الحسن عليه السلام قال: " آخر دولة ولد العباس ضرام عرفج (٢)، يلتهب، فتوقوهم فإن المتوقي لهم فائز ". # وروى الحسن بن محبوب، عن أبي أيوب الخزاز، والعلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " إن قدام القائم علامات تكون من الله تعالى للمؤمنين ". # قلت: فما هي جعلني الله فداك؟ # قال: (ذاك قول الله عز وجل: (ولنبلونكم) يعني المؤمنين قبل خروج القائم ﴿بشئ من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين﴾ (3) قال: " يبلوهم ms439 بشئ من الخوف من ملوك بني فلان في # PageV02P280 # آخر سلطانهم، والجوع بغلاء الأسعار، ونقص من الأموال بكساد (1) التجارات وقلة الفضل، ونقص من الأنفس بالموت الذريع، ونقص من الثمرات قلة ريع ما يزرع وقلة بركات الثمرات، وبشر الصابرين عند ذلك بتعجيل خروج القائم " ثم قال لي: (يا محمد، هذا تأويله، ان الله تعالى يقول: (وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم " (2) " (3). # وروى علي بن مهزيار، عن عبد الله بن محمد الحجال، عن ثعلبة بن ميمون، عن شعيب الحذاء، عن أبي صالح مولى بني العذراء قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " ليس بين قائم آل محمد وبين قتل النفس الزكية الا خمس عشرة ليلة " (4). # وروى محمد بن أبي البلاد، عن علي بن محمد الأودي، عن أبيه، عن جده، عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: " بين يدي القائم موت أحمر وموت أبيض، وجراد في حينه وجراد في غير حينه، كألوان الدم، فأما الموت الأحمر فالسيف، وأما الموت الأبيض فالطاعون " (5). # وروى الحسن بن محبوب، عن عمرو بن أبي المقدام، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر عليه السلام قال: " الزم الأرض ولا تحرك يدا # PageV02P281 # ولا رجلا حتى ترى علامات أذكرها لك، وما أراك تدرك (ذلك): اختلاف بني العباس، ومناد ينادي من السماء، وخسف قرية من قرى الشام تسمى الجابية، ونزول الترك الجزيرة، ونزول الروم الرملة، واختلاف كثير عند ذلك في كل أرض حتى تخرب الشام، ويكون سبب خرابها اجتماع ثلاث رايات فيها: راية الأصهب، وراية الأبقع، وراية السفياني، (1). # وروى قتيبة عن محمد بن عبد الله بن منصور البجلي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن اسم السفياني فقال: " وما تصنع باسمه؟! إذا ملك كور الشام الخمس: دمشق، وحمص، وفلسطين، والأردن، وقنسرين، فتوقعوا عند ذلك الفرج ". # قلت: يملك تسعة أشهر؟ # قال: " لا ولكن يملك ثمانية أشهر لا تزيد يوما " (2). # وروى محمد بن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " قال أبي عليه السلام: قال ms440 أمير المؤمنين عليه السلام: يخرج ابن آكلة الأكباد من الوادي اليابس، وهو رجل ربعة، وحش الوجه، ضخم الهامة، بوجهه أثر جدري، إذا رأيته حسبته أعور، اسمه عثمان وأبو عيينة، وهو من ولد أبي سفيان، حتى يأتي أرضا ذات قرار ومعين فيستوي على منبرها " (3). # وروى علي بن أبي حمزة، عن أبي الحسن موسى عليه السلام في قوله تعالى: (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم انه # PageV02P282 # الحق " (1) قال: " الفتن في آفاق الأرض، والمسخ في أعداء الحق " وهيب بن حفص، عن أبي بصير " عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى: (ان نشأ ننزل عليهم من السماء آية ظلت أعناقهم لها خاضعين) 13 قال: " سيفعل الله ذلك بهم ". # قال: فقلت: من هم؟ # قال: " بنو أمية وشيعتهم ". # قلت: وما الآية؟ # قال: " ركود الشمس ما بين زوال الشمس إلى وقت العصر، وخروج صدر رجل ووجهه في عين الشمس يعرف بحسبه ونسبه، ذلك في زمان السفياني وعندها يكون بواره وبوار قومه " (4). # العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما عليهما السلام قال: " إذا رأيتم نارا من المشرق كهيئة المرد (5) العظيم يطلع ثلاثة أيام أو سبعة - الشك من العلاء - فتوقعوا فرج آل محمد، إن الله عزيز كريم " (6). # علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: # PageV02P283 # " إن قدام القائم لسنة غيداقة (1) تفسد الثمر في النخل، فلا تشكوا في ذلك " (12). # سيف بن عميرة، عن بكر بن محمد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " خروج الثلاثة: السفياني والخراساني واليماني في سنة واحدة، في شهر واحد، في يوم واحد، وليس فيها راية أهدى من راية اليماني، لأنه يدعو إلى الحق " (3). # علي بن أسباط، عن الحسن بن الجهم قال: سأل رجل أبا الحسن عليه السلام عن الفرج، فقال: " تريد الاكثار أم أجمل لك؟ " قال: بل تجمل لي. # قال: " إذا ركزت رايات قيس بمصر، ورايات كندة بخراسان " (4). # إبراهيم بن محمد بن جعفر، عن أبيه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " سنة ms441 الفتح ينشق الفرات حتى يدخل أزقة الكوفة " (5). # الحسين بن يزيد، عن منذر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " يزجر الناس قبل قيام القائم عن معاصيهم بنار تظهر في السماء، وحمرة تجلل السماء، وخسف ببغداد، وخسف ببلد البصرة، ودماء تسفك بها، وخراب دورها، وفناء يقع في أهلها، وشمول أهل العراق خوف لا يكون لهم معه قرار " (6). # PageV02P284 # الفضل بن شاذان، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن ثعلبة الأزدي قال: قال أبو جعفر عليه السلام: " آيتان تكونان قبل قيام القائم: # كسوف الشمس في النصف من شهر رمضان، وخسوف القمر في آخره ". # قال: فقلت: يا ابن رسول الله، تنكسف الشمس في النصف من الشهر والقمر في آخر الشهر؟ # فقال: " أنا أعلم بما قلت، إنهما آيتان لم تكونا منذ هبط آدم عليه السلام " (1). # عبد الله بن بكير، عن عبد الملك بن إسماعيل، عن أبيه، عن سعيد ابن جبير قال: إن السنة إلي يقوم فيها المهدي تمطر الأرض أربع وعشرين مطرة ترى آثارها وبركاتها (2) إن شاء الله (3). # PageV02P285 # * الفصل الثاني * في ذكر السنة التي يقوم فيها القائم عليه السلام، واليوم الذي يقوم فيه روى الحسن بن محبوب، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " لا يخرج القائم إلا في وتر من السنين، سنة إحدى، أو ثلاث، أو خمس، أو سبع، أو تسع " (1) الفضل بن شاذان، عن محمد بن علي الكوفي، عن وهيب بن حفص، عن أبي بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " ينادى باسم القائم في ليلة ثلاث وعشرين من شهر رمضان، ويقوم في يوم عاشوراء، وهو اليوم الذي قتل فيه الحسين بن علي عليهما السلام، لكأني به في يوم السبت العاشر من المحرم قائما بين الركن والمقام، جبرئيل بين يديه ينادي بالبيعة له، فتصير إليه شيعته من أطراف الأرض، تطوى لهم طيا، حتى يبايعوه، فيملأ الله به الأرض عدلا كما ملئت جورا وظلما " (2). # PageV02P286 # * الفصل الثالث * في ذكر نبذ من سيرته عند قيامه، وطريقة ms442 أحكامه، ووصف زمانه، ومدة أيامه روى الحجال، عن ثعلبة، عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام قال: " كأني بالقائم على نجف الكوفة قد سار إليها من مكة في خمسة آلاف من الملائكة، جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن شماله، والمؤمنون بين يديه، وهو يفرق الجنود في الأمصار " (1). # وفي رواية عمرو بن شمر، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ذكر المهدي فقال: " يدخل الكوفة وفيها ثلاث رايات قد اضطربت فتصفو له، ويدخل حتى يأتي المنبر فيخطب فلا يدري الناس ما يقول من البكاء، فإذا كانت الجمعة الثانية سأله الناس أن يصلي بهم الجمعة، فيأمر أن يخط له مسجد على الغري، ويصلي بهم هناك، ثم يأمر من يحفر من ظهر مشهد الحسين عليه السلام نهرا يجري إلى الغريين حتى ينزل الماء في النجف، ويعمل على فوهته القناطير والأرحاء، فكأني بالعجوز على رأسها مكتل فيه بر تأتي تلك الأرحاء فتطحنه بلا كراء " (2). # وفي رواية المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " إذا قام قائم آل محمد بنى في ظهر الكوفة مسجدا له ألف باب، واتصلت بيوت أهل الكوفة بنهر كربلاء " (3). # PageV02P287 # قال: وسمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " إذا أذن الله تعالى للقائم بالخروج صعد المنبر فدعا الناس إلى نفسه، وناشدهم بالله، ودعاهم إلى حقه، على أن يسير فيهم بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويعمل فيهم بعمله، فيبعث الله عز وجل جبرئيل عليه السلام حتى يأتيه فينزل على الحطيم ثم يقول له: إلى أي شئ تدعو؟ فيخبره القائم فيقول جبرئيل: أنا أول من يبايعك ابسط كفك، فيمسح على يده، وقد وافاه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، فيبايعونه، ويقيم بمكة حتى يتم أصحابه عشرة آلاف نفس، ثم يسير إلى المدينة " (1). # وروى محمد بن عجلان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا قام القائم دعا الناس إلى الاسلام جديدا، وهداهم إلى أمر قد دثر وضل عنه الجمهور، وانما سمي المهدي مهديا (لأنه يهدي إلى أمر قد ms443 ضلوا عنه، وسمي بالقائم) (2) لقيامه بالحق " (3). # وروى عبد الله بن المغيرة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا قام القائم من آل محمد أقام خمسمائة من قريش فضرب أعناقهم، ثم أقام خمسمائة فضرب أعناقهم، ثم خمسمائة أخرى، حتى يفعل ذلك ست مرات ". # قلت: ويبلغ عدد هؤلاء هذا؟ # قال: " نعم، منهم ومن مواليهم " (4). # PageV02P288 # وروى أبو بصير قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " إذا قام القائم هدم المسجد الحرام حتى يرده إلى أساسه، وحول المقام إلى الموضع الذي كان فيه، وقطع أيدي بني شيبة وعلقها بالكعبة، وكتب عليها: هؤلاء سراق الكعبة " (1). # وروى علي بن أبي حمزة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا قام القائم نزلت ملائكة بدر: ثلث على خيول شهب، وثلث على خيول بلق، وثلث على خيول حو ". # قلت: يا ابن رسول الله، وما الحو؟ # قال: " الحمر " (2). # وروى محمد بن عطاء، عن سلام بن أبي عمرة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: " إن لصاحب هذا الامر بيتا يقال له: الحمد، فيه سراج يزهر منذ يوم ولد إلى يوم يقوم بالسيف " (3). # وروى أبو الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام - في حديت طويل - أنه قال: " إذا قام القائم سار إلى الكوفة فيخرج منها بضعة عشر ألف نفس يدعون البترية، عليهم السلاح، فيقولون له: ارجع من حيث جئت فلا حاجة لنا في بني فاطمة، فيضع فيهم السيف حتى يأتي على آخرهم، ثم يدخل الكوفة فيقتل بها كل منافق مرتاب، ويهدم قصورها، ويقتل مقاتليها، حتى يرضى الله عز وجل " (4). # PageV02P289 # وروى علي بن عقبة، عن أبيه قال: إذا قام القائم عليه السلام حكم بالعدل، وارتفع في أيامه الجور، وأمنت به السبل، وأخرجت الأرض بركاتها، ورد كل حق إلى أهله، ولم يبق أهل دين حتى يظهروا الاسلام ويعترفوا بالايمان، أما سمعت الله عز وجل يقول: " وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها واليه ترجعون " (١) وحكم بين الناس بحكم داود وحكم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فحينئذ تظهر الأرض كنوزها، وتبدي بركتها، ms444 فلا يجد الرجل منكم يومئذ موضعا لصدقته ولا لبره لشمول الغنى جميع المؤمنين ". # ثم قال عليه السلام: " إن دولتنا آخر الدول، ولم يبق أهل بيت لهم دولة إلا ملكوا قبلنا لئلا يقولوا - إذا رأوا سيرتنا -: لو ملكنا سرنا مثل سيرة هؤلاء، وهو قول الله عز وجل ﴿والعاقبة للمتقين﴾ (2) " (3). # وروى عبد الكريم الخثعمي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: كم يملك القائم؟ # قال: " سبع سنين، تطول له الأيام والليالي حتى تكون السنة من سنيه مكان عشر سنين من سنيكم هذه، فيكون ملكه سبعين سنة من سنيكم هذه، وإذا آن قيامه مطر الناس جمادى الآخرة وعشرة أيام من رجب مطرا لم ير الناس مثله، فينبت الله به لحوم المؤمنين وأبدانهم في قبورهم، فكأني انظر إليهم مقبلين من قبل جهينة ينفضون رؤوسهم من التراب " (4). # PageV02P290 # وروى أبو بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: " إذا قام القائم عليه السلام سار إلى الكوفة فهدم بها أربع مساجد، ولم يبق مسجد على وجه الأرض له شرف إلا هدمه وجعلها جما، ووسع الطريق الأعظم، وكسر كل جناح خارج في الطريق، وأبطل الكنف المازيب، ولا يترك بدعة إلا أزالها، ولا سنة الا أقامها، ويفتح قسطنطينية والصين وجبال الديلم، ويمكث على ذلك سبع سنين من سنيكم هذه، ثم يفعل الله ما يشاء ". # قال: قلت له: جعلت فداك، وكيف تطول السنون؟ # قال: " يأمر الله تعالى الفلك بالثبوت وقلة الحركة، فتطول الأيام لذلك والسنون ". # قال: قلت: إنهم يقولون: ان الفلك إن تغير فسد؟ # قال: " ذلك قول الزنادقة، فاما المسلمون فلا سبيل لهم إلى ذلك وقد شق الله القمر لنبيه، ورد الشمس من قبله ليوشع بن نون، وأخبر بطول يوم القيامة وإنه ﴿كألف سنة مما تعدون﴾ (1) " (2). # وروى عاصم بن حميد الحناط، عن محمد بن مسلم الثقفي قال: # سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: " القائم منا منصور بالرعب، مؤيد بالنصر، تطوى له الأرض، وتظهر له الكنوز، يبلغ سلطانه المشرق والمغرب، ويظهر به الله دينه على الدين كله ولو كره المشركون، فلا يبقى ms445 في الأرض خراب الا عمر، وينزل روح الله عيسى بن مريم فيصلي خلفه ". # قال: فقلت: يا ابن رسول الله، ومتى يخرج قائمكم؟ # PageV02P291 # قال: " إذا تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال، واكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء، وركبت ذوات الفروج السروج، وقبلت شهادات الزور وردت شهادات العدول، واستخف الناس بالدماء وارتكاب الزنا وأكل الربا، واتقي الأشرار مخافة ألسنتهم، وخرج السفياني من الشام، واليماني من اليمن، وخسف بالبيداء، وقتل غلام من آل محمد بين الركن والمقام اسمه محمد بن الحسن النفس الزكية، وجاءت صيحة من السماء بأن الحق فيه وفى شيعته، فعند ذلك خروج قائمنا. # فإذا خرج أسند ظهره إلى الكعبة واجتمع إليه ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، فأول ما ينطق به هذه الآية " بقية الله خير لكم ان كنتم مؤمنين " (1) ثم يقول: أنا بقية الله وخليفته وحجته عليكم، فلا يسلم عليه مسلم إلا قال: # السلام عليك يا بقية الله في أرضه، فإذا اجتمع له العقد عشرة آلاف رجل فلا يبقى في الأرض معبود دون الله - من صنم ولا وثن - إلا وقعت فيه نار واحترق، وذلك بعد غيبة طويلة، ليعلم الله من يطيعه بالغيب ويؤمن به " (2). # وروى المفضل بن عمر، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " يخرج إلى القائم من ظهر الكوفة سبعة وعشرون رجلا، خمسة عشر من قوم موسى الذين كانوا يهدون بالحق وبه يعدلون، وسبعة من أصحاب الكهف، ويوشع ابن نون، وسلمان، وأبو دجانة الأنصاري، والمقداد بن الأسود، ومالك الأشتر، فيكونون بين يديه أنصارا وحكاما " (3). # وروى عبد الله بن عجلان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " إذا قام # PageV02P292 # قاثم آل محمد حكم بين الناس بحكم داود، لا يحتاج إلى بينة، يلهمه الله تعالى فيحكم بعلمه، ويخبر كل قوم بما استبطنوه، ويعرف وليه من عدوه بالتوسم، قال الله تعالى: " ان في ذلك لايات للمتوسمين " (1) وقد روي: أن مدة دولة القائم تسع عشر سنة، تطول أيامها وشهورها على ما تقدم ذكره (2). # وروي أيضا: أنه عليه السلام يملك ثلاثمائة وتسع سنين، قدر ما لبث ms446 أصحاب الكهف في كهفهم (3)، وهذا أمر مغيب عنا، والله أعلم بحقيقة ذلك. # وروى المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: # " إن قائمنا إذا قام أشرقت الأرض بنور ربها، واستغنى العباد عن ضوء الشمس، وذهبت الظلمة، ويعمر الرجل في ملكه حتى يولد له ألف ذكر لا يولد فيهم أنثى، وتظهر الأرض كنوزها حتى يراها الناس على وجهها، ويطلب الرجل منكم من يصله بماله، ويأخذ منه زكاته فلا يجد أحدا يقبل منه ذلك، لاستغناء الناس بما رزقهم الله من فضله " (4). # PageV02P293 # * الفصل الرابع * في ذكر صفة القائم وحليته روى عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: " سأل عمر بن الخطاب أمير المؤمنين علي عليه السلام فقال: # أخبرني عن المهدي ما اسمه؟ # فقال: أما اسمه، فإن حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عهد إلي أن لا أحدث به حتى يبعثه الله تعالى. # قال: فأخبرني عن صفته. # فقال: هو شاب مربوع، حسن الوجه، حسن الشعر، يسيل شعره على منكبيه، ويعلو نور وجهه سواد شعر لحيته ورأسه، بأبي ابن خيرة الإماء " (1). # وروى محمد بن سنان، عن أبي الجارود زياد بن المنذر، عن أبي جعفر الباقر عليه السلام عن أبيه، عن جده عليهما السلام قال: " قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام على المنبر: يخرج رجل من ولدي في آخر الزمان أبيض مشرب حمرة، مبدح البطن (2)، عريض الفخذين، عظيم مشاش (3) المنكبين، بظهره شامتان: شامة على لون جلده، وشامة على لون شامة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، له اسمان: # PageV02P294 # اسم يخفى واسم يعلن، فأما الذي يخفى فأحمد، وأما الذي يعلن فمحمد، فإذا هز رايته أضاء لها ما بين المشرق والمغرب، ووضع يده على رؤوس العباد فلا يبقى مؤمن إلا صار قلبه أشد من زبر الحديد، وأعطاه الله عز وجل قوة أربعين رجلا، ولا يبقى ميت إلا دخلت عليه تلك الفرحة في قبره، فهم يتزاورون في قبورهم ويتباشرون بقيام القائم عليه السلام " (1). # وروى أبو ms447 الصلت الهروي قال: قلت للرضا عليه السلام: ما علامة القائم منكم إذا خرج؟ # فقال: " علامته أن يكون شيخ السن، شاب المنظر، حتى أن الناظر إليه ليحسبه ابن أربعين سنة أو دونها، وإن من علاماته أن لا يهرم بمرور الأيام والليالي عليه حتى يأتي أجله " (2). # وجاءت الرواية الصحيحة: بأنه ليس بعد دولة القائم عليه السلام دولة لاحد، إلا ما روي من قيام ولده إن شاء الله تعالى ذلك، ولم ترد به الرواية على القطع والثبات، وأكثر الروايات أنه لن يمضى عليه السلام من الدنيا إلا قبل القيامة بأربعين يوما، يكون فيها الهرج، وعلامة خروج الأموات، وقيام الساعة، والله أعلم (3). # PageV02P295 # * الباب الخامس * في ذكر مسائل يسأل عنها أهل الخلاف في غيبة صاحب الزمان عليه السلام، وحل الشبهات فيها بواضح الدليل ولائح البرهان وهي سبع مسائل: # مسألة: قالوا: ما الوجه في غيبته عليه السلام على الاستمرار والدوام، حتى صار ذلك سببا لانكار وجوده، ونفي ولادته (1)، وآباؤه عليهم السلام وإن لم يظهروا الدعاء إلى نفوسهم فيما يتعلق بالإمامة، فقد كانوا ظاهرين يفتون في الاحكام، فلا يمكن لاحد نفي وجودهم؟ # الجواب: قد ذكر الاجل المرتضى - قدس الله روحه - في ذلك طريقة لم يسبقه إليها أحد من أصحابنا، فقال: إن العقل إذا دل على وجوب الإمامة فإن كل زمان - كلف المكلفون الذين يقع منهم القبيح والحسن، ويجوز عليهم الطاعة والمعصية - لا يخلو من إمام، لان خلوه من الامام # PageV02P297 # إخلال بتمكينهم، وقادح في حسن تكليفهم. # ثم دل العقل على أن ذلك الامام لابد أن يكون معصوما من الخطأ، مأمونا منه كل قبيح، وثبت أن هذه الصفة - التي دل لعقل على وجوبها - لا توجد إلا فيمن تدعي الامامية إمامته، ويعرى منها كل من تدعى له الإمامة سواه. # فالكلام في علة غيبته وسببها واضح بعد أن تقررت إمامته، لأنا إذا علمنا إنه الامام دون غيره، ورأيناه غائبا عن الابصار، علمنا أنه لم يغب مع عصمته وتعين فرض الإمامة فيه وعليه إلا لسبب اقتضى ذلك، استدعته، وضرورة حملت عليه، وإن ms448 لم يعلم وجهه على التفصيل، لان ذلك مما لا يلزم علمه، وجرى الكلام في الغيبة ووجهها مجرى العلم بمراد الله تعالى من الآيات المتشابهات في القرآن التي ظاهرها الجبر أو التشبيه. # فإنا نقول: إذا علمنا حكمة الله سبحانه، وأنه لا يجوز أن يخبر بخلاف ما هو عليه من الصفات، علمنا - على الجملة - أن لهذه الآيات وجوها صحيحة بخلاف ظاهرها، تطابق مدلول أدلة العقل، وإن غاب عنا العلم بذلك مفصلا، فإن تكلفنا الجواب عن ذلك، وتبرعنا بذكره، فهو فضل منا غير واجب. # وكذلك الجواب لمن سأل عن الوجه في إيلام الأطفال، وجهة المصلحة في رمي الجمار والطواف بالبيت، وما أشبه ذلك من العبادات على التفصيل والتعيين، فإنا إذا عولنا على حكمة القديم سبحانه، وأنه لا يجوز أن يفعل قبيحا، فلابد من وجه حسن في جميع ذلك وإن جهلناه بعينه، وليس يجب علينا بيان ذلك الوجه وأنه ما هو، وفي هذا سد الباب على مخالفينا في سؤالاتهم، وقطع التطويلات عنهم والاسهابات، إلا أن نتبرع بإيراد الوجه في غيبته عليه السلام على سبيل الاستظهار وبيان الاقتدار، وإن PageV02P298 # كان ذلك غير واجب علينا في حكم النظر والاعتبار. # فنقول: الوجه في غيبته عليه السلام هو خوفه على نفسه، ومن خاف على نفسه احتاج إلى الاستتار، فأما لو كان خوفه على ماله أو على الأذى في نفسه لوجب عليه أن يتحمل ذلك كله لتنزاح علة المكلفين في تكليفهم، وهذا كما نقوله في النبي في أنه يجب عليه أن يتحمل كل أذى في نفسه حتى يصح منه الأداء إلى الخلق ما هو لطف لهم، وإنما يجب عليه الظهور وإن أدى إلى قتله كما ظهر كثير من الأنبياء وإن قتلوا، لان هناك كان في المعلوم أن غير ذلك النبي يقوم مقامه في تحمل أعباء النبوة، أو أن المصالح التي كان يؤديها ذلك النبي قد تغيرت، وليس كذلك حال إمام الزمان عليه السلام، فإن الله تعالى قد علم أنه ليس بعده من يقوم مقامه في باب الإمامة والشريعة على ms449 ما كانت عليه، واللطف بمكانه لم يتغير، ولا يصح تغيره، فلا يجوز ظهوره إذا أدى إلى القتل. # وإنما كان آباؤه عليهم السلام ظاهرين بين الناس يفتونهم ويعاشرونهم، ولم يظهر هو لان خوفه عليه السلام أكثر، فإن الأئمة الماضين من آبائه عليهم السلام أسروا إلى شيعتهم أن صاحب السيف هو الثاني عشر منهم، وأنه الذي يملأ الأرض عدلا، وشاع ذلك القول من مذهبهم حتى ظهر ذلك القول بين أعدائهم، فكانت السلاطين الظلمة يتوقفون عن إتلاف آبائه لعلمهم بأنهم لا يخرجون بالسيف، ويتشوقون إلى حصول الثاني عشر ليقتلوه ويبيدوه. # ألا ترى أن السلطان قي الوقت الذي توفي فيه العسكري عليه السلام وكل بداره وجواريه من يتفقد حملهن لكي يظفر بولده ويفنيه؟ # كما أن فرعون موسى لما علم أن ذهاب ملكه على يد موسى عليه السلام منع الرجال من أزواجهم، ووكل بذوات الأحمال منهن ليظفر به. PageV02P299 # وكذلك نمرود لما علم أن ملكه يزول على يد إبراهيم عليه السلام وكل بالحبالى من نساء قومه، وفرق بين الرجال وأزواجهم، فستر الله سبحانه ولادة إبراهيم وموسى عليهما السلام كما ستر ولادة القائم عليه السلام لما علم في ذلك من التدبير. # وأما كون غيبته سببا لنفي ولادته، فإن ذلك لضعف البصيرة والتقصير عن النظر، وعلى الحق الدليل الواضح، لمن أراده، الظاهر لمن قصده. # مسألة ثانية: قالوا: إذا كان الامام غائبا بحيث لا يصل إليه أحد من الخلق ولا ينتفع به، فما الفرق بين وجوده وعدمه؟ وإلا جاز أن يميته الله تعالى أو يعدمه حتى إذا علم أن الرعية تمكنه وتسلم له وجده أو أحياه كما جاز أن يبيحه الاستتار حتى يعلم منهم التمكين له فيظهره. # الجواب: أول ما نقوله: إنا لا نقطع على أن الامام لا يصل إليه أحد، فهذا أمر غير معلوم، ولا سبيل إلى القطع به. ثم إن الفرق بين وجوده غائبا عن أعدائه للتقية - وهو في أثناء تلك الغيبة منتظر ان يمكنوه فيظهر ويتصرف - وبين عدمه واضح، وهو أن الحجة هناك فيما فات من ms450 مصالح العباد لازمة لله تعالى، وههنا الحجة لازمة للبشر، لأنه إذا خيف فغيب شخصه عنهم كان ما يفوتهم من المصلحة - عقيب فعل كانوا هم السبب فيه - منسوبا إليهم، فيلزمهم في ذلك الذم، وهم المؤاخذون به، الملومون عليه. # وإذا أعدمه الله تعالى، كان ما يفوت العباد من مصالحهم، ويحرمونه من لطفهم وانتفاعهم به، منسوبا إلى الله تعالى، ولا حجة فيه على العباد، ولا لوم يلزمهم، لأنهم لا يجوز أن ينسبوا فعلا لله تعالى. # مسألة ثالثة: فإن قالوا: الحدود التي تجب على الجناة في حال الغيبة ما حكمها؟ # فإن قلتم: تسقط من أهلها (فقد) صرحتم بنسخ الشريعة، وإن كانت PageV02P300 # ثابتة فمن الذي يقيمها والامام مستتر غائب؟ # الجواب: الحدود المستحقة ثابتة في جنوب (الجناة بما) (1) يوجبها من الافعال، فإن ظهر الامام ومستحقوها باقون أقامها عليهم بالبينة أو الاقرار، وإن فات ذلك بموتهم كان الاثم في تفويت إقامتها على المخيفين للامام، المحوجين إياه إلى الغيبة. # وليس هذا بنسخ لإقامة الحدود، لان الحد إنما تجب إقامته مع التمكن وزوال المانع، وسقوط فرض إقامته مع الموانع وزوال التمكن لا يكون نسخا للشرع المتقرر، لان الشرط في الوجوب لم يحصل، وإنما يكون ذلك نسخا لو سقط فرض إقامتها عن الامام مع تمكنه. # على أن هذا أيضا يلزم مخالفينا إذا قيل لهم: كيف الحكم في الحدود في الأحوال التي لا يتمكن فيها أهل الحل والعقد كن اختيار الإمام ونصبه؟ # وهل تبطل أو تثبت من تعذر إقامتها؟ وهل يقتضي هذا التعذر نسخ الشريعة؟ # فكل ما أجابوا به عن ذلك فهو جوابنا بعينه. # مسألة رابعة: فان قالوا: فالحق مع غيبة الامام كيف يدرك؟ # فإن قلتم: لا يدرك ولا يوصل إليه، فقد جعلتم الناس في حيرة وضلالة مع الغيبة. # وإن قلتم: يدرك الحق من جهة الأدلة المنصوبة (2) عليه فقد صرحتم بالاستغناء عن الامام بهذه الأدلة، وهذا يخالف مذهبكم. # الجواب: ان الحق على ضربين عقلي وسمعي، فالعقلي يدرك بالعقل، ولا يؤثر فيه وجود الامام ولا فقده. # والسمعي عليه أدلة منصوبة من أقوال ms451 النبي صلى الله عليه وآله وسلم # PageV02P301 # ونصوصه، وأقوال الأئمة الصادقين عليهم السلام، وقد بينوا ذلك وأوضحوه، غير أن ذلك وإن كان على ما قلناه فالحاجة إلى الامام مع ذلك ثابتة، لان جهة الحاجة إليه - المستمرة في كل عصر وعلى كل حال - هي كونه لطفا في فعل الواجب العقلي من الانصاف والعدل واجتناب الظلم والبغي، وهذا مما لا يقوم غيره مقامه فيه. # فأما الحاجة إليه من جهة الشرع فهي أيضا ظاهرة، لان النقل الوارد عن النبي والأئمة عليهم السلام يجوز أن يعدل الناقلون عن ذلك إما بتعمد أو شبهة فينقطع النقل أو يبقى فيمن ليس نقله حجة ولا دليلا، فيحتاج حينئذ إلى الامام ليكشف ذلك ويبينه (1)، وإنما يثق المكلفون بما نقل إليهم وأنه جميع الشرع إذا علموا أن وراء هذا النقل إماما متى اختل سد خلله وبين المشتبه فيه. # فالحاجة إلى الامام ثابتة مع إدراك الحق في أحوال الغيبة من الأدلة الشرعية، على أنا إذا علمنا بالاجماع أن التكليف لازم لنا إلى يوم القيامة ولا يسقط بحال، علمنا أن النقل ببعض الشريعة لا ينقطع في حال تكون تقية الامام فيها مستمرة، وخوفه من الأعداء باقيا، ولو اتفق ذلك لما كان إلا في حال يتمكن فيها الامام من البروز والظهور، والاعلام والانذار. # مسألة خامسة: فان قالوا: إذا كانت العلة في غيبة الامام خوفه من الظالمين واتقاء من المخالفين فهذه العلة منتفية عن أوليائه فيجب أن يكون ظاهرا لهم أو يجب أن يسقط عنهم التكليف الذي إمامته لطف فيه. # الجواب: قد أجاب أصحابنا عن هذا السؤال بأجوبة: # أحدها: أن الامام ليس في تقية من أوليائه وإن غاب عنهم كغيبته من # PageV02P302 # أعدائه لخوفه من إيقاعهم الضرر به، وعلمه بأنه لو ظهر لهم لسفكوا دمه. # وغيبته عن أوليائه لغير هذه العلة، وهو أنه أشفق من إشاعتهم خبره، والتحدث منهم كذلك على وجه التشرف بذكره، والاحتجاج بوجوده، فيؤدي ذلك إلى علم أعدائه بمكانه، فيعقب علمهم بذلك ما ذكرناه من وقوع الضرر به. # وثانيهما: أن غيبته عن ms452 أعدائه للتقية منهم، وغيبته عن أوليائه للتقية عليهم، والاشفاق من إيقاع الضرر بهم، إذ لو ظهر للقائلين بإمامته وشاهده بعض أعدائه وأذاع خبره طولب أولياؤه به، فإذا فات الطالب بالاستتار أعقب ذلك عظيم المكروه والضرر بأوليائه، وهذا معروف بالعادات. # وثالثها: أنه لابد أن يكون في المعلوم أن في القائلين بإمامته من لا يرجع عن الحق من اعتقاد إمامته، والقول بصحتها على حال من الأحوال، فأمره الله تعالى بالاستتار ليكون المقام على الاقرار بإمامته مع الشبه في ذلك وشدة المشقة أعظم ثوابا من المقام على الاقرار بإمامته مع المشاهدة له، فكانت غيبته عن أوليائه لهذا الوجه، ولم تكن للتقية منهم. # ورابعها: وهو الذي عول عليه المرتضى - قدس الله روحه - قال: نحن أولا: لا نقطع على أنه لا يظهر لجميع أوليائه، فإن هذا أمر مغيب عنا، ولا يعرف كل منا إلا حال نفسه، فإذا جوزنا ظهوره لهم كما جوزنا غيبته عنهم فنقول في علة غيبته عنهم: إن الامام عند ظهوره من الغيبة إنما يميز شخصه كما يعرف عينه بالمعجز الذي يظهر على يديه، لان النصوص الدالة على إمامته لا تميز شخصه من غيره كما ميزت أشخاص آبائه، والمعجز إنما يعلم دلالته بضرب من الاستدلال، والشبه تدخل في ذلك، فلا يمتنع أن يكون كل من لم يظهر له من أوليائه، فإن المعلوم من حاله أنه متى ظهر له قصر في النظر في معجزه، ولحق لهذا التقصير بمن يخاف منه من الأعداء. PageV02P303 # على أن أولياء الامام وشيعته منتفعون به في حال غيبته، لأنهم مع علمهم بوجوده بينهم، وقطعهم بوجوب طاعته عليهم، لابد أن يخافوه في ارتكاب القبيح، ويرهبوا من تأديبه وانتقامه ومؤاخذته فيكثر منهم فعل الواجب، ويقل ارتكاب القبيح (1)، أو يكونوا إلى ذلك أقرب، فيحصل لهم اللطف به مع غيبته، بل ربما كانت الغيبة في هذا الباب أقوى، لان المكلف إذا لم يعرف مكانه، ولم يقف على موضعه، وجوز فيمن لا يعرفه أنه الامام، يكون إلى فعل الواجب أقرب منه إلى ذلك لو عرفه ms453 ولم يجوز فيه كونه إماما. # فإن قالوا: إن هذا تصريح منكم بان ظهور الإمام كاستتاره في الانتفاع به والخوف منه. # فنقول: إن ظهوره لا يجوز أن يكون في المنافع كاستتاره، وكيف يكون ذلك وفي ظهوره وقوة سلطانه انتفاع الولي والعدو، والمحب والمبغض، ولا ينتفع به في حال الغيبة إلا وليه دون عدوه، وأيضا فإن في انبساط يده منافع كثيرة لأوليائه وغيرهم، لأنه يحمي حوزتهم " ويسد ثغورهم، ويؤمن طرقهم، فيتمكنون من التجارات والمغانم، ويمنع الظالمين من ظلمهم، فتتوفر أموالهم، وتصلح أحوالهم. # غير أن هذه منافع دنيوية لا يجب إذا فاتت بالغيبة أن يسقط التكليف معها، والمنافع الدينية الواجبة في كل حالة بالإمامة قد بينا أنها ثابتة لأوليائه مع الغيبة، فلا يجب سقوط التكليف مسألة سادسة: قالوا: لا يمكن أن يكون في العالم بشر له من السن ما تصفونه لإمامكم، وهو مع ذلك كامل العقل، صحيح الحس؟ وأكثروا التعجب من ذلك، وشنعوا به علينا. # PageV02P304 # والجواب: أن من لزم طريق النظر، وفرق بين المقدور والمحال، لم ينكر ذلك، إلا أن يعدل عن الانصاف إلى العناد والخلاف. # وطول العمر وخروجه عن المعتاد لا اعتراض به لامرين: أحدهما: إنا لا نسلم أن ذلك خارق للعادة، لان تطاول الزمان لا ينافي وجود الحياة، وإن مرور الأوقات لا تأثير له في العلوم والقدر، ومن قرأ الاخبار ونظر فيما سطر في الكتب من ذكر المعمرين علم أن ذلك مما جرت العادة به، وقد نطق القرآن بذكر نوح وأنه لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما. وقد صنفت الكتب في أخبار المعمرين من العرب والعجم، وقد تظاهرت الاخبار بأن أطول بني آدم عمرا الخضر عليه السلام، وأجمعت الشيعة وأصحاب الحديث بل الأمة بأسرها - ما خلا المعتزلة والخوارج - على أنه موجود في هذا الزمان، حي كامل العقل، ووافقهم على ذلك أكثر أهل الكتاب. # ولا خلاف في أن سلمان الفارس أدرك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد قارب من عمره أربعمائة عام. # وهب أن المعتزلة والخوارج يحملون أنفسهم ms454 على دفع الاخبار، فكيف يمكنهم دفع القرآن وقد نطق بدوام أهل الجنة والنار، وجاءت الاخبار بلا خلاف بين الأمة فيها بأن أهل الجنة لا يهرمون ولا يضعفون، ولا يحدث بهم نقصان في الأنفس ولو كان ذلك منكرا من جهة العقول لما جاء به القرآن، ولا حصل عليه الاجماع، ومن اعترف بالخضر عليه السلام لم يصح منه هذا الاستبعاد، ومن أنكره حجته الاخبار، وجاءت الرواية عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " لما بعث الله نوحا إلى قومه بعثه وهو ابن خمسين ومائتي سنة، ولبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، وبقي بعد الطوفان مائتين وخمسين سنة، فلما أتاه ملك الموت عليه السلام قال له: PageV02P305 # يا نوح، يا أكبر الأنبياء، ويا طويل العمر، ويا مجاب الدعوة، كيف رأيت الدنيا؟ # قال: مثل رجل بني له بيت له بابان فدخل من واحد وخرج من الاخر " (1). # وكان لقمان بن عاد الكبير أطول الناس عمرا بعد الخضر، وذلك أنه عاش ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة. ويقال: إنه عاش عمر سبعة أنسر، وكان يأخذ فرخ النسر الذكر فيجعله في الجبل فيعيش النسر منها ما عاش، فإذا مات أخذ آخر فرباه، حتى كان آخرها لبد وكان أطولها عمرا فقيل: أتى أبد على لبد (2). # وعاش الربيع بن ضبع الفزاري ثلاثمائة سنة وأربعين سنة، وأدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو الذي يقول: # ها أنا ذا آمل الخلود وقد * أدرك عمري ومولدي حجرا أما امرئ القيس قد سمعت به * هيهات هيهات طال ذا عمرا وهو القائل: # إذا عاش الفتى مائتين عاما * فقد أودى المسرة والغناء وله حديث طويل مع عبد الملك بن مروان. # وعاش المستوعر بن ربيعة ثلاثمائة وثلاثة وثلاثين سنة، وهو الذي يقول: # ولقد سئمت من الحياة وطولها * وعمرت من بعد السنين سنينا وعاش أكثم بن صيفي الأسدي ثلاثمائة وستا وثلاثين سنة، وهو الذي # PageV02P306 # يقول: # وإن امر قد عاش تسعين حجة * إلى مائة لم يسأم العيش جاهل خلت مائتان غير ست ms455 وأربع * وذلك من عد الليالي قلائل وكان ممن أدرك النبي صلى الله عليه وآله وسلم وآمن به، ومات قبل أن يلقاه. # وعاش دريد بن زيد أربعمائة سنة وستا وخمسين سنة، فلما حضره الموت قال: # ألقى علي الدهر رجلا ويدا * والدهر ما أصلح يوما أفسدا يفسد ما أصلحه اليوم غدا وعاش دريد بن الصمة مائتي سنة، وقتل يوم حنين. # وعاش صيف (1) بن رياح بن أكثم مائتي سنة وسبعين سنة، لا ينكر من عقله شيئا وهو ذو الحلم، زعموا فيه ما قال المتلمس: # لذي الحلم قبل اليوم ما يقرع العصا * وما علم الانسان إلا ليعلما وعاش نصر بن دهمان بن سليم بن أشجع مائة وتسعين سنة حتى سقطت أسنانه، وابيض رأسه، فاحتاج قومه إلى رأيه، فدعوا الله أن يرد إليه عقله، فعاد إليه شبابه واسود شعره، فقال في ذلك سلمة بن الخرشب لنصر بن دهمان الهنيدة عاشها * وتسعين حولا ثم قوم فانصاتا وعاد سواد الرأس بعد بياضه * وراجعه شرخ الشباب الذي فاتا وعاش ممليا في رخاء وغبطة * ولكنه من بعد ذا كله ماتا وعاش ضبيرة بن سعيد السهمي مائتين وعشرين سنة، وكان أسود # PageV02P307 # الرأس، صحيح الأسنان. # وعاش عمرو بن حممة الدوسي أربعمائة سنة، وهو الذي يقول: # كبرت وطال العمر حتى كأنني * سليم يراعي ليله غير مودع فلا الموت أفناني ولكن تتابعت * علي سنون من مصيف ومرتع ثلاث مئات قد مررن كواملا * وها أنا ذا أرتجي مر أربع وروى الهيثم بن عدي، عن مجاهد، عن الشعبي قال: كنا عند ابن عباس في قبة زمزم وهو يفتي الناس، فقام إليه أعرابي: فقال قد أفتيت أهل الفتوى فافت أهل الشعر. # فقال: قل. # قال: ما معنى قول الشاعر: # لذي الحلم قبل اليوم ما يقرع العصا * وما علم الانسان إلا ليعلما قال: ذلك عمرو بن حممة الدوسي، قضى على العرب ثلاثمائة سنة، فلما كبر الزموه السادس أو السابع من ولد ولده، فقال: إن فؤادي بضعة مني، فربما تغير علي في اليوم مرارا، وأمثل ما أكون فهما في ms456 صدر النهار، فإذا رأيتني قد تغيرت فاقرع العصا، فكان إذا رأى منه تغير أقرع العصا فراجعه فهمه. # وعاش زهير بن حباب بن عبد الله بن كنانة بن عوف أربعمائة سنة وعشرين سنة، وكان سيدا مطاعا شريفا في قومه. # وعاش الحارث بن مضاض الجرهمي أربعمائة سنة، وهو القائل: # كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر بلى نحن كنا أهلها فأبارنا * صروف الليالي والجدود العواثر وعاش عامر بن الظرب العدواني مائتي سنة، وكان من حكماء العرب، وله يقول ذو الإصبع: PageV02P308 # ومنا حكم يقضي ولا ينقض ما يقضي (1) فهذا طرف يسير مما ذكر من المعمرين، وفي إيراد أكثرهم إطالة في الكتاب، وإذا ثبت أن الله سبحانه قد عمر خلقا من البشر ما ذكرناه من الأعمار، وبعضهم حجج الله تعالى وهم الأنبياء، وبعضهم غير حجة، وبعضهم كفار، ولم يكن ذلك محالا في قدرته، ولا منكرا في حكمته، ولا خارقا للعادة، بل مألوفا على الاعصار، معروفا عند جميع أهل الأديان، فما الذي ينكر من عمر صاحب الزمان أن يتطاول إلى غاية عمر بعض من سميناه، وهو حجة الله تعالى على خلقه، وأمينه على سره، وخليفته في أرضه، وخاتم أوصياء نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " كل ما كان في الأمم السالفة فإنه يكون في هذه الأمة مثله حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة " (2) هذا وأكثر المسلمون يعترفون ببقاء المسيح عليه السلام حيا إلى هذه الغاية، شابا قويا، وليس في وجود الشباب مع طول الحياة - إن لم يثبت ما ذكرناه - أكثر من أنه نقض للعادة في هذا الزمان، وذلك غير منكر على ما نذكره. # والامر الاخر أن نسلم لمخالفينا أن طول العمر إلى هذا الحد مع وجود الشباب خارق للعادات - عادة زماننا هذا وغيره - وذلك جائز عندنا وعند أكثر المسلمين، فإن إظهار المعجزات عندهم وعندنا يجوز على من ليس بنبي، من إمام أو ولي، لا ينكر ذلك من جميع الأمة ms457 إلا المعتزلة والخوارج، وإن سمى بعض الأمة ذلك كرامات لا معجزات، ولا إعتبار بالأسماء، بل المراد # PageV02P309 # خرق العادات، ومن أنكر ذلك في باب الأئمة فإنا لا نجد فرقا بينه وبين البراهمة في إنكارهم إظهار المعجزات ونقض العادات لاحد من البشر، وإلا فليأت القوم بالفصل، وهيهات. # مسألة سابعة: قالوا: إذا حصل الاجماع على أن لا نبي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنتم قد زعمتم أن القائم إذا قام لم يقبل الجزية من أهل الكتاب، وأنه يقتل من بلغ العشرين ولم يتفقه في الدين، ويأمر بهدم المساجد والمشاهد، وأنه يحكم بحكم داود عليه السلام لا يسأل عن بينة، وأشباه ذلك مما ورد في آثاركم، وهذا يكون نسخا للشريعة، وإبطالا لأحكامها، فقد أثبتم معنى النبوة وإن لم تتلفظوا باسمها، فما جوابكم عنها؟ # الجواب: أنا لا نعرف ما تضمنه السؤال من أنه عليه السلام لا يقبل الجزية من أهل الكتاب، وأنه يقتل من بلغ العشرين ولم يتفقه في الدين، فإن كان ورد بذلك خبر فهو غير مقطوع به. # وأما هدم المساجد والمشاهد فقد يجوز أن يختص بهدم ما بني من ذلك على غير تقوى الله تعالى، وعلى خلاف ما أمر الله سبحانه به، وهذا مشروع قد فعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # وأما ما روي من أنه عليه السلام يحكم بحكم داود لا يسأل عن بينة فهذا أيضا غير مقطوع به، وإن صح فتأويله: أنه يحكم بعلمه فيما يعلمه، وإذا علم الإمام أو الحاكم أمرا من الأمور فعليه أن يحكم بعلمه ولا يسأل البينة، وليس في هذا نسخ للشريعة. # على أن هذا الذي ذكروه من ترك قبول الجزية واستماع البينة، لو صح لم يكن ذلك نسخا للشريعة، لان النسخ هو ما تأخر دليله عن الحكم المنسوخ ولم يكن مصاحبا له، فأما إذا اصطحب الدليلان فلا يكون أحدهما PageV02P310 # ناسخا لصاحبه وإن كان يخالفه في الحكم، ولهذا اتفقنا على أن الله سبحانه لو قال: ألزموا السبت إلى وقت كذا، ثم لا تلزموه، ms458 أن ذلك لا يكون نسخا، لان الدليل الرافع مصاحب للدليل الموجب. # وإذا صحت هذه الجملة، وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد أعلمنا بأن القائم من ولده يجب اتباعه وقبول أحكامه، فنحن إذا صرنا إلى ما يحكم به فينا - وإن خالف بعض الأحكام المتقدمة - غير عاملين بالنسخ، لان النسخ لا يدخل فيما يصطحب الدليل، وهذا واضح. # وهذا ما أردنا أن نبين من مسائل الغيبة وجواباتها، واستقصاء الكلام في مسائل الإمامة والغيبة يخرج عن الغرض المقصود في هذا الكتاب، ومن تأمل كتابنا هذا، ونظر فيه بعين الانصاف، وتصفح ما أثبتناه من الفصول والأبواب، وصل إلى الحق والصواب، ونحن نحمد الله سبحانه على ما يسره من ذلك، وسهله، وأعان عليه، ووفق له، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعل ما عملناه خالصا لوجهه، وموصلا إلى ثوابه، ومنجيا من عقابه، ويلحقنا دعاء من أوغل في شعابه، وغاص في الدرر الثمينة من لجج عبابه، واستفاد الغرر الثمينة من خلل أبوابه. # * تم الكتاب، والحمد لله أولا وآخرا *# PageV02P311 ms459