######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_002356Vols #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: الشيخ الطبرسي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 548 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تفسير جوامع الجامع #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: مصادر التفسير عند الشيعة #META# 022.BookVOLS :: 3 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_002356Vols #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/2356_تفسير-جوامع-الجامع-الشيخ-الطبرسي-ج-1 #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: مؤسسة النشر الإسلامي #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1418 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # مقدمة المؤلف بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين الحمد لله الذي أكرمنا بكتابه الكريم، ومن علينا بالسبع المثاني (1) والقرآن العظيم، وما ضمنه من الآيات والذكر الحكيم، فهو النور الساطع برهانه، والفرقان الصادع (2) تبيانه، والمعجز الباقي على مر الدهور، والحجة الثابتة سجيس (3) العصور، يهدي إلى صالح القول والعمل، ويثبت من الميل والزلل، لا تمجه (4) الأسماع، ولا تمله الطباع، معدن كل علم ومنبع كل حكم، وشفاء لما في الصدور، وهدى ورحمة للمؤمنين، نزل به الروح الأمين على خاتم النبيين ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين. # ثم الصلاة والسلام على الرسول الأمين والنبي المكين، محمد خير البشر، وسيد البشر (5)، وأكرم النذر، المنتجب من أشرف المناصب، المنتخب من أعلى # PageV01P047 # المناسب، الذي سما بسمو انتسابه اسم عدنان (1) ومضر (2)، وبعلو قدره علا كعب كعب وكبر (3)، وبنضرة جاهه وجه النضر نضر (4)، وبرفعة أمره استمر أمر مرة وأمر، فأسرته خير الأسر، وشجرته أكرم الشجر، وعترته أفضل العتر، صلى الله عليه وعلى أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. # أما بعد، فإني لما فرغت من كتابي الكبير في التفسير الموسوم ب‍ " مجمع البيان لعلوم القرآن "، ثم عثرت من بعد بالكتاب الكشاف لحقائق التنزيل لجار الله (5) # PageV01P048 # العلامة، واستخلصت (1) من بدائع معانيه وروائع ألفاظه ومبانيه مالا يلفى مثله في كتاب مجتمع الأطراف، ورأيت أن أسمه وأسميه بالكاف الشاف، فخرج الكتابان إلى الوجود، وقد ملكا أزمة القلوب، إذ أحرزا من فنون العلم غاية المطلوب، وجادت جدواهما، وتراءت ناراهما، وبعد في استجماع جواهر الألفاظ وزواهر المعاني مداهما، فسارا (2) في الأمصار مسير الأمثال، وسريا في الأقطار مسرى الخيال، اقترح علي من حل مني محل السواد من البصر والسويداء من الفؤاد، ولدي أبو نصر الحسن - أحسن الله نصره وأرشد أمري وأمره - أن أجرد من الكتابين كتابا ثالثا يكون مجمع بينهما ومحجر (3) عينهما، يأخذ بأطرافهما ويتصف بأوصافهما، ويزيد بأبكار الطرائف وبواكير (4) اللطائف عليهما، فيتحقق ما قيل: إن الثالث خير، فإن الكتب الكبار قد يشق على الشادي (5) حملها ويثقل على الناقل نقلها، فأكثر أبناء الزمان ms0001 تقصر هممهم عن احتمال أعباء (6) العلوم الثقيلة والإجراء في حلباته (7) المديدة الطويلة، فاستعفيته من ذلك مرة بعد أخرى لما كنت أجده في نفسي من ضعف المنة (8) ووهن القوة، فلقد ذرفت (9) على السبعين سنيا، وبلغت من الكبر عتيا، وصرت كالحنية حنيا (10)، واشتعل الرأس # PageV01P049 # شيبا، وقاربت شمس العمر مغيبا، فأبى إلا المراجعة فيه، والعود والاستشفاع بمن لم أستجز (1) له الرد فلم أجد بدا من صرف وجه الهمة إليه والإقبال بكل العزيمة عليه، وهممت أن أضع يدي فيه، ثم استخرت الله تعالى وتقدس في الابتداء منه بمجموع مجمع جامع للكلم الجوامع، أسميه كتاب " جوامع الجامع "، ولا شك أنه اسم وفق للمسمى ولفظ طبق للمعنى، وأرجو أن يكون بتوفيق الله وعونه وفيض فضله ومنه كتابا وسيطا خفيف الحجم، كثير الغنم، لا يصعب حمله، ويسهل حفظه، ويكثر معناه وإن قل لفظه، يروع (2) موضوعه، ويروق مسموعه، ينظم وسائط القلائد، ويحوي بسائط الفوائد، ويستضئ العلماء بغرره ودرره، ويفتقر الفضلاء إلى فقره، فيكتب (3) على وجه الدهر، ويعلق في كعبة المجد والفخر. # ومما حداني إليه وحثني وبعثني عليه، أن خطر ببالي وهجس بضميري، بل ألقي في روعي (4) محبة الاستمداد من كلام جار الله العلامة ولطائفه، فإن لألفاظه لذة الجدة ورونق الحداثة، مقتصرا فيه على إيراد المعنى البحت، والإشارة إلى مواضع النكت، بالعبارات الموجزة والإيماءات المعجزة، مما يناسب الحق والحقيقة ويطابق الطريقة المستقيمة. # وإذا ورد في أثناء الآيات شئ قد تقدم الكلام في نظيره، أعول في أكثره على المذكور قبل، إيثارا للإيجاز والاختصار. # وأنا أسأل الله الكريم المنان مستشفعا إليه بمحمد المصطفى وآله مصابيح الإيمان ومفاتيح الجنان، عليه وعليهم الصلاة والسلام ما اختلف الضياء والظلام، أن يجعل وكدي (5) وكدي في تأليفه مع تخاذل الأعضاء وتواكل الأجزاء موجبا لغفرانه، ومؤديا إلى رضوانه، ويمن بالتسهيل والتيسير، فإن تيسير العسير عليه جلت قدرته يسير، وهو على ما يشاء قدير، نعم المولى ونعم النصير. # PageV01P050 # سورة الفاتحة / 2 سورة الفاتحة مكية سبع آيات بلا خلاف، إلا أن أهل مكة والكوفة عدوا * (بسم الله الرحمن الرحيم) ms0002 * آية من الفاتحة، وغيرهم عدوا * (أنعمت عليهم) * آية. # وروي عن ابن عباس (1) أنه قال: من ترك * (بسم الله الرحمن الرحيم) * فقد ترك مائة وأربع عشرة آية من كتاب الله تعالى (2). # وعن الصادق (عليه السلام) أنه سئل عن قوله تعالى: * (سبعا من المثاني) * (3)، فقال (عليه السلام): " هي سورة الحمد، وهي سبع آيات منها بسم الله الرحمن الرحيم " (4). # PageV01P051 # وعن أبي بن كعب (1) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " أيما مسلم قرأ فاتحة الكتاب أعطي من الأجر كأنما قرأ ثلثي القرآن، وأعطي من الأجر كأنما تصدق على كل مؤمن ومؤمنة " (2). # وعن جابر بن عبد الله (3) عنه (عليه السلام) قال: " هي شفاء من كل داء إلا السام، والسام الموت " (4). # * (بسم الله الرحمن الرحيم) * (1) (5) أصل الاسم: سمو، لأن جمعه أسماء وتصغيره سمي * (الله) * أصله: إله، فحذفت الهمزة وعوض عنها حرف التعريف، ولذلك قيل في النداء: " يا الله " بقطع الهمزة، كما يقال: " يا إله ". ومعناه: أنه الذي يحق له العبادة، وإنما حقت له العبادة لقدرته على أصول النعم، فهذا الاسم مختص بالمعبود بالحق لا يطلق على غيره، وهو اسم غير صفة لأنك تصفه فتقول: " إله واحد " ولا تصف به، فلا تقول: شئ # PageV01P052 # إله، و * (الرحمن) * فعلان من رحم كغضبان، و * (الرحيم) * فعيل منه كعليم، وفي * (الرحمن) * من المبالغة ما ليس في * (الرحيم) *، ولذلك قيل: الرحمن بجميع الخلق، والرحيم بالمؤمنين خاصة (1). # ورووا عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: " الرحمن اسم خاص بصفة عامة، والرحيم اسم عام بصفة خاصة " (2). # وتعلقت الباء في * (بسم الله) * بمحذوف تقديره: بسم الله أقرأ، ليختص اسم الله بالابتداء به (3)، كما يقال للمعرس: " باليمن والبركة " بمعنى: أعرست، وإنما قدر المحذوف متأخرا لأنهم يبتدئون بالأهم عندهم، ويدل على ذلك قوله: * (بسم الله مجريها ومرساها) * (4). # * (الحمد لله رب العلمين) * (2) * (الحمد) * والمدح أخوان، وهو الثناء على الجميل من نعمة وغيرها، وأما الشكر فعلى النعمة خاصة، والحمد باللسان وحده، والشكر يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح، ومنه قوله (عليه السلام): " الحمد رأس الشكر " (5)، والمعنى في كونه رأس الشكر: ms0003 أن الذكر باللسان أجلى وأوضح وأدل على مكان النعمة وأشيع للثناء على موليها من الاعتقاد وعمل الجوارح، ونقيض الحمد الذم، ونقيض الشكر الكفران. # PageV01P053 # وإنما عدل بالحمد عن النصب الذي هو الأصل في كلامهم على أنه من المصادر التي تنصب بأفعال مضمرة، كقولهم: شكرا وعجبا... ونحو ذلك إلى الرفع على الابتداء للدلالة على ثبات المعنى واستقراره، دون تجدده وحدوثه في نحو قولك: أحمد الله حمدا. ومعناه: الثناء الحسن الجميل والمدح (1) الكامل الجزيل للمعبود المنعم بجلائل النعم، المنشئ للخلائق والأمم (2). # سورة الفاتحة / 3 - 5 والرب: السيد المالك، ومنه قول صفوان لأبي سفيان (3): لان يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن (4). يقال: ربه يربه فهو رب، ولم يطلقوا الرب إلا في الله وحده، ويقيد في غيره فيقال: رب الدار، ورب الضيعة. # والعالم: اسم لأولي العلم من الملائكة والثقلين، وقيل: هو اسم لما يعلم به الصانع من الجواهر والأجسام والأعراض، وجمع بالواو والنون وإن كان اسما غير صفة لدلالته على معنى العلم، وليشمل كل جنس مما سمي به (5). # PageV01P054 # * (الرحمن الرحيم) * (3) مر معناهما (1). # * (ملك يوم الدين) * (4) من قرأ: " ملك " (2) فلأن الملك يعم والملك يخص، ولقوله سبحانه: * (ملك الناس) * (3)، ومن قرأ: * (ملك) * بالألف فهو إضافة اسم الفاعل إلى الظرف على طريق الاتساع، أجري الظرف مجرى المفعول به والمعنى على الظرفية، والمراد: # مالك الأمر كله في يوم الدين، وهو يوم الجزاء من قولهم: كما تدين تدان. وهذه الأوصاف التي هي كونه سبحانه ربا مالكا للعالمين لا يخرج منهم شئ من ملكوته وربوبيته، وكونه منعما بالنعم المتوافرة (4) الباطنة والظاهرة، وكونه مالكا للأمر كله في الدار الآخرة بعد الدلالة على اختصاص الحمد به في قوله: * (الحمد لله) * فيها دلالة باهرة على أن من كانت هذه صفاته لم يكن أحد أحق منه بالحمد والثناء. # * (إياك نعبد وإياك نستعين) * (5) " إيا " ضمير منفصل للمنصوب، والكاف والهاء والياء اللاحقة به في " إياك وإياه وإياي " لبيان (5) الخطاب والغيبة والتكلم، ولا محل لها من الإعراب، إذ هي حروف عند المحققين ms0004 وليست بأسماء مضمرة كما قال بعضهم (6). وتقديم المفعول # PageV01P055 # إنما هو لقصد الاختصاص، والمعنى: نخصك بالعبادة ونخصك بطلب المعونة. # والعبادة ضرب من الشكر وغاية فيه وكيفيته، وهي أقصى غاية الخضوع والتذلل، ولذلك لا تحسن إلا لله سبحانه الذي هو مولى أعظم النعم، فهو حقيق بغاية الشكر. وإنما عدل فيه عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب على عادة العرب في تفننهم في محاوراتهم، ويسمى هذا التفاتا، وقد يكون من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التكلم كقوله سبحانه: * (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم) * (1)، وقوله: * (والله الذي أرسل الريح فتثير سحابا فسقناه) * (2). # وأما الفائدة المختصة به في هذا الموضع فهو أن المعبود الحقيق بالحمد والثناء لما أجري عليه صفاته العلى تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن حقيق بالعبادة والاستعانة به في المهمات، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات، وقيل: # إياك - يامن هذه صفاته - نخص بالعبادة والاستعانة، ولا نعبد غيرك ولا نستعينه، ليكون الخطاب أدل على أن العبادة له لذلك المتميز (3) الذي لا تحق العبادة إلا له (4). # سورة الفاتحة / 6 و 7 وقرنت الاستعانة بالعبادة ليجمع بين ما يتقرب به العباد إلى ربهم وبين ما يطلبونه ويحتاجون إليه من جهته، وقدمت العبادة على الاستعانة لأن تقديم الوسيلة يكون قبل طلب الحاجة ليستوجبوا الإجابة إليها، وأطلقت الاستعانة ليتناول كل مستعان فيه. والأحسن أن تراد الاستعانة به وبتوفيقه على أداء العبادة، فيكون قوله: * (اهدنا) * بيانا للمطلوب من المعونة، كأنه قيل: كيف أعينكم؟ فقالوا: # PageV01P056 # * (اهدنا الصراط المستقيم) * (6) أصل " هدى " أن يتعدى باللام أو ب‍ " إلى "، كقوله تعالى: * (يهدى للتي هي أقوم) * (1)، و * (إنك لتهدى إلى صرا ط مستقيم) * (2)، فعومل معاملة " اختار " في قوله تعالى: * (واختار موسى قومه) * (3). و " السراط " بالسين الجادة، من سرط الشئ إذا ابتلعه، لأنه يسرط المارة إذا سلكوه كما سمي لقما (4) لأنه يلتقم السابلة، وبالصاد من قلب السين صادا لأجل الطاء، وهي اللغة الفصحى (5) (6)، و * (الصراط المستقيم) * هو الدين الحق الذي لا يقبل الله من العباد غيره، وإنما سمي ms0005 الدين صراطا لأنه يؤدي بمن يسلكه إلى الجنة كما أن الصراط يؤدي بمن يسلكه إلى مقصده، وعلى هذا فمعنى قوله: * (اهدنا) * زدنا هدى بمنح الألطاف، كقوله سبحانه: * (والذين اهتدوا زادهم هدى) * (7)، ورووا عن أمير المؤمنين (عليه السلام): أن معناه: ثبتنا (8). # وروي في بعض الأخبار: أن الصادق (عليه السلام) قرأ: " اهدنا صراط المستقيم " بإضافة " صراط " إلى " المستقيم " (9). # * (صرا ط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) * (7) هو بدل من * (الصراط المستقيم) *، وهو في حكم تكرير العامل، فكأنه قال: # PageV01P057 # اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم، وفائدة البدل التوكيد، والإشعار بأن الطريق المستقيم بيانه وتفسيره: صراط من خصهم الله تعالى بعصمته، وأمدهم (1) بخواص نعمته، واحتج بهم على بريته، وفضلهم على كثير من خليقته، فيكون ذلك شهادة لصراطهم بالاستقامة على آكد الوجوه، كما تقول: هل أدلك على أكرم الناس فلان؟ فيكون ذلك أبلغ في وصفه بالكرم من قولك: هل أدلك على فلان الأكرم؟ # لأنك بينت كرمه مجملا أولا ومفصلا ثانيا، وأوقعت فلانا تفسيرا للأكرم، فجعلته علما في الكرم، فكأنك قلت: من أراد رجلا جامعا للكرم فعليه بفلان، فهو المعين لذلك غير مدافع فيه، وأطلق الإنعام ليشمل كل إنعام. # وروي عن أهل البيت (عليهم السلام): " صراط من أنعمت عليهم " وعن عمر بن الخطاب وعمرو بن الزبير (2) (3)، والصحيح هو المشهور. # * (غير المغضوب عليهم) * بدل من * (الذين أنعمت عليهم) * على معنى: أن المنعم عليهم هم الذين سلموا من غضب الله والضلال، أو صفة على معنى: أنهم جمعوا بين النعمة المطلقة وهي نعمة العصمة وبين السلامة من غضب الله والضلالة. # ويجوز أن يكون * (غير) * هاهنا صفة وإن كان " غير " لا يقع صفة للمعرفة ولا يتعرف بالإضافة إلى المعرفة، لأن * (الذين أنعمت عليهم) * لا توقيت فيه، فهو كقوله: # ولقد أمر على اللئيم يسبني * فمضيت ثمة قلت لا يعنيني (4) # PageV01P058 # ولأن * (المغضوب عليهم) * و * (الضالين) * خلاف المنعم عليهم، فليس في * (غير) * إذا الإبهام الذي يأبى له أن يتعرف، وقيل: إن المغضوب عليهم هم اليهود، لقوله تعالى: * (من لعنه الله وغضب عليه) ms0006 * (1) والضالين هم النصارى، لقوله تعالى: # * (قد ضلوا من قبل) * (2) (3). ومعنى غضب الله إرادة الانتقام منهم وإنزال العقاب (4) بهم، وأن يفعل بهم ما يفعله الملك إذا غضب على من تحت يده، ومحل * (عليهم) * الأولى نصب على المفعولية، ومحل * (عليهم) * الثانية رفع على الفاعلية (5). وأصل الضلال الهلاك، ومنه قوله: * (وأضل أعملهم) * (6) أي: # أهلكها (7)، والضلال في الدين هو الذهاب عن الحق. # PageV01P059 # سورة البقرة / 1 سورة البقرة مدنية (1) (2)، وهي مائتان وست وثمانون آية كوفي، وسبع بصري * (ألم) * و * (تتفكرون) * (3) كوفي، * (إلا خائفين) * (4) و * (قولا معروفا) * (5) و * (الحي القيوم) * (6) بصري. # عن أبي عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " من قرأ سورة البقرة فصلوات الله عليه ورحمته، # PageV01P060 # وأعطي من الأجر كالمرابط في سبيل الله سنة لا تسكن روعته "، وقال لي: " يا أبي، مر المسلمين أن يتعلموا سورة البقرة فإن تعلمها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة "، قلت: يا رسول الله من البطلة؟ قال: " السحرة " (1). # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأ البقرة وآل عمران جاء يوم القيامة يظلان (2) على رأسه مثل الغمامتين أو مثل الغيايتين " (3) (4). # * (بسم الله الرحمن الرحيم ألم) * (1) اختلف في هذه الفواتح المفتتح بها السور، فورد عن أئمتنا (عليهم السلام): أنها من المتشابهات التي استأثر الله بعلمها، ولا يعلم تأويلها غيره (5). # وعن الشعبي (6) قال: لله تعالى في كل كتاب سر، وسره في القرآن حروف التهجي في أوائل السور (7). # وقال الأكثرون في ذلك وجوها: منها: أنها أسماء للسور، تعرف كل سورة بما افتتحت به. ومنها: أنها أقسام أقسم الله تعالى بها لكونها مباني كتبه، ومعاني أسمائه وصفاته، وأصول كلام الأمم كلها. ومنها: أنها مأخوذة من صفات الله # PageV01P061 # عز وجل، كقول ابن عباس في * (كهيعص) *: إن الكاف من كاف، والهاء من هاد، والياء من حكيم، والعين من عليم، والصاد من صادق، و * (ألم) * معناه: أنا الله أعلم (1). ومنها: أن كل حرف منها يدل على مدة قوم وآجال آخرين، إلى غير ذلك من الوجوه (2). # على أن هذه الفواتح وغيرها من الألفاظ التي يتهجى بها عند المحققين أسماء ms0007 مسمياتها حروف الهجاء (3) التي ركبت منها الكلم، وحكمها أن تكون موقوفة كأسماء الأعداد، تقول: ألف، لام، ميم، كما تقول: واحد، اثنان، ثلاثة، فإذا وليتها العوامل أعربت، فقيل: هذه الف، وكتبت لاما، ونظرت إلى ميم. قال الشاعر: # إذا اجتمعوا على ألف وياء * وواو هاج بينهم جدال (4) * (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين) * (2) سورة البقرة / 2 إن جعلت * (ألم) * اسما للسورة، ففيه وجوه: أحدها: أن يكون * (ألم) * مبتدأ، و * (ذلك) * مبتدأ ثانيا، و * (الكتاب) * خبره، والجملة خبر المبتدأ الأول، فيكون المعنى: إن ذلك هو الكتاب الكامل الذي يستأهل أن يسمى كتابا، كأن ما سواه من الكتب ناقص بالإضافة إليه، كما تقول: هو الرجل، أي: الكامل في الرجولية. والثاني: أن يكون الكتاب صفة، فيكون المعنى: هو * (ذلك الكتاب) * # PageV01P062 # الموعود. والثالث: أن يكون التقدير: " هذه ألم " فتكون جملة، و * (ذلك الكتاب) * جملة أخرى. وإن جعلت * (ألم) * بمنزلة الصوت كان * (ذلك) * مبتدأ و * (الكتاب) * خبره، أي: ذلك الكتاب المنزل هو الكتاب الكامل، أو الكتاب صفة والخبر ما بعده، أو قدر مبتدأ محذوف، أي: هو - يعني المؤلف من هذه الحروف - ذلك الكتاب. # والريب: مصدر رابه يريبه إذا حصل فيه الريبة، وحقيقة الريبة: قلق النفس واضطرابها، وفي الحديث: " دع ما يريبك إلى مالا يريبك " (1) والمعنى أنه من وضوح دلالته بحيث لا ينبغي أن يرتاب فيه، إذ لا مجال للريبة فيه. والمشهور الوقف على * (فيه) *، وبعض القراء يقف على * (لا ريب) *، ولابد لمن يقف عليه أن ينوي خبرا، ونظيره قوله: لا ضير، والتقدير: " لا ريب فيه، فيه هدى "، والهدى: # مصدر على فعل كالسرى، وهو الدلالة الموصلة إلى البغية، وقد وضع المصدر الذي هو * (هدى) * موضع الوصف الذي هو " هاد "، والمتقي في الشريعة هو الذي يقي نفسه تعاطي ما يستحق به العقاب من فعل أو ترك، وسماهم عند مشارفتهم لاكتساء لباس التقوى متقين، كقول النبي (صلى الله عليه وآله): " من قتل قتيلا فله سلبه " (2) وقوله تعالى: * (ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا) * (3) أي: صائرا إلى الفجور والكفر، فكأنه قال: ms0008 هدى للصائرين إلى التقى، ولم يقل: " هدى للضالين " لأن الضالين فريقان: # فريق علم بقاؤهم على الضلالة وفريق علم مصيرهم إلى الهدى، فلا يكون هدى # PageV01P063 # لجميعهم، وأيضا: فقد صدرت السورة التي هي أولى الزهراوين (1) وسنام القرآن وأول المثاني بذكر المرتضين من عباد الله وهم المتقون. # * (الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة) * الموصول: إما أن يكون مجرورا بأنه صفة للمتقين أو منصوبا أو مرفوعا على المدح على تقدير: أعني الذين يؤمنون، أو هم الذين يؤمنون. وإما أن يكون منقطعا عما قبله مرفوعا على الابتداء وخبره * (أولئك على هدى) *، والإيمان إفعال من الأمن يقال: أمنت شيئا وآمنت غيري، ثم يقال: آمنه إذا صدقه، وحقيقته آمنه التكذيب والمخالفة، وعدي بالباء فقيل: آمن به، لأنه ضمن معنى: أقر واعترف، ويجوز أن يكون على قياس فعلته فأفعل، فيكون " آمن " بمعنى صار ذا أمن في نفسه بإظهار التصديق. # وحقيقة الإيمان في الشرع هو المعرفة بالله وصفاته وبرسله وبجميع ما جاءت به رسله، وكل عارف بشئ فهو مصدق به. # سورة البقرة / 3 و 4 ولما ذكر سبحانه الإيمان علقه بالغيب ليعلم أنه التصديق لله تعالى فيما أخبر به رسوله مما غاب عن العباد علمه: من ذكر القيامة والجنة والنار وغير ذلك، ويجوز أن يكون * (بالغيب) * في موضع الحال، ولا يكون صلة ل‍ * (يؤمنون) *، أي: # يؤمنون غائبين عن مرأى الناس، وحقيقته متلبسين (2) بالغيب، كقوله: * (يخشون ربهم بالغيب) * (3) فيكون الغيب بمعنى: الغيبة والخفاء، وعلى المعنى الأول يكون الغيب بمعنى: الغائب، من قولك: غاب الشئ غيبا، فيكون مصدرا سمي به. # PageV01P064 # ثم عطف - سبحانه - على الإيمان بذكر الصلاة التي هي رأس العبادات البدنية، فقال: * (ويقيمون الصلاة) * أي: يحافظون عليها ويتشمرون لأدائها، من قولهم: قام بالأمر، أو (1) يؤدونها، فعبر عن الأداء بالإقامة، أو يعدلون أركانها، من قولهم: أقام العود إذا قومه. # * (ومما رزقناهم ينفقون) * (3) ثم عطف على ذلك بالعبادة المالية التي هي الإنفاق، فقال: * (ومما رزقناهم) * أسند الرزق إلى نفسه للإعلام بأنهم * (ينفقون) * الحلال الطلق الذي يستأهل أن يسمى رزقا من الله، و " من ms0009 " للتبعيض، فكأنه يقول: ويخصون بعض المال الحلال بالتصدق به. وجائز أن يراد به الزكاة المفروضة لاقترانه بالصلاة، وأن تراد هي وغيرها من الصدقات والنفقات في وجوه البر لمجيئه مطلقا، وعن الصادق (عليه السلام): " ومما علمناهم يبثون " (2). # * (والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون) * (4) يحتمل أن يراد بهؤلاء مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام (3) وغيره، فيكون # PageV01P065 # المعطوف غير المعطوف عليه، ويحتمل أن يراد وصف الأولين، فيكون المعنى: # أنهم الجامعون بين تلك الصفات وهذه. وقوله: * (هم يوقنون) * تعريض بأهل الكتاب، وأنهم يثبتون أمر الآخرة على خلاف حقيقته، ولا يصدر قولهم عن إيقان، و " الآخرة " تأنيث الآخر وهي صفة الدار، بدليل قوله تعالى: * (تلك الدار الآخرة) * (1) وهي من الصفات الغالبة وكذلك الدنيا. والإيقان واليقين: هو العلم الحاصل بعد استدلال ونظر، ولذلك لا يطلق " الموقن " على الله تعالى لاستواء الأشياء في الجلاء عنده. # * (أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون) * (5) الجملة في محل (2) الرفع إن كان * (الذين يؤمنون بالغيب) * مبتدأ وإلا فلا محل لها، وفي اسم الإشارة الذي هو * (أولئك) * إيذان بأن ما يرد عقيبه، فالمذكورون قبله أهل له من أجل الخصال التي عددت لهم، ومعنى الاستعلاء في قوله: * (على هدى) * مثل لتمكنهم من الهدى واستقرارهم عليه، شبهت حالهم بحال من اعتلى شيئا وركبه، ومعنى * (من ربهم) *: منحوه وأعطوه من عنده، وهو اللطف والتوفيق على أعمال البر. # ونكر * (هدى) * ليفيد ضربا مبهما لا يبلغ كنهه، كأنه قيل: على أي هدى، وفي تكرير * (أولئك) * تنبيه على أنهم تميزوا بكل واحدة من الأثرتين اللتين هما الهدى والفلاح عن غيرهم. # سورة البقرة / 5 و * (هم) * سماه البصريون فصلا، والكوفيون عمادا، وفائدته الدلالة على أن المذكور بعده خبر لا صفة وتوكيد، وإيجاب أن فائدة الخبر ثابتة للمخبر عنه دون # PageV01P066 # غيره، ويجوز أن يكون * (هم) * مبتدأ و * (المفلحون) * خبره، والجملة خبر * (أولئك) *. و " المفلح ": الفائز بالبغية، كأنه الذي انفتحت له وجوه الظفر. # و " المفلج " بالجيم مثله (1). # وقوله: * (على هدى من ربهم) * أدغمت ms0010 بغنة وغير غنة، والغنة: صوت خفي يخرج من الخيشوم، والنون الساكنة والتنوين لهما ثلاثة أحوال مع الحروف في جميع القرآن: الإظهار وذلك مع حروف الحلق، والإدغام و (2) ذلك مع الميم، نحو * (هدى من ربهم) * و * (على أمم ممن معك) * (3) لا يجوز إلا الإدغام هنا لاشتراك النون والميم في الغنة، والإخفاء وذلك مع سائر الحروف، نحو * (من دابة) * (4) و * (بمن فيها) * (5). وهذا عند جميع القراء إلا أبا عمرو (6) وحمزة (7) والكسائي (8) فإنهم يدغمونهما في اللام والراء نحو: * (هدى للمتقين) * و * (من # PageV01P067 # ربهم) *، ويدغمهما حمزة والكسائي في الياء نحو: * (من يقول) * (1)، ويدغمهما حمزة في الواو، نحو: * (ظلمت ورعد وبرق) * (2) فاللام والراء والواو والياء عندهم بمنزلة الميم، ويقال لها: حروف يرملون، لأنها أيضا تدغم في النون نحو: # * (منى) * (3) و * (منا) * (4) (5). # * (إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) * (6) سورة البقرة / 7 لما قدم سبحانه ذكر الأتقياء عقبه بذكر الأشقياء وهم الكفار الذين لا ينفعهم اللطف، و * (سواء عليهم) * وجود الكتاب وعدمه، وإنذار الرسول وترك إنذاره، و * (سواء) * اسم بمعنى الاستواء، وصف به كما يوصف بالمصادر، وهو خبر * (إن) *، و * (أنذرتهم أم لم تنذرهم) * في موضع الرفع بالفاعلية، كأنه (6) قيل: مستو عليهم إنذارك وعدمه، كما تقول: إن زيدا مختصم أخوه (7) وابن عمه، أو يكون * (أأنذرتهم أم لم تنذرهم) * في موضع الابتداء و * (سواء) * خبرا مقدما بمعنى سواء * (عليهم) * إنذارك وعدمه، والجملة خبر ل‍ * (إن) *، كذا ذكره جار الله العلامة (8) لله دره، وما أوردناه في مجمع البيان (9) فهو من كلام أبي علي الفارسي (رحمه الله) (10) (11). والإنذار: التخويف من عقاب الله. وقوله: * (لا يؤمنون) * جملة # PageV01P068 # مؤكدة للجملة قبلها، أو خبر ل‍ * (إن) * والجملة قبلها اعتراض. # قيل: نزلت هذه الآية والتي بعدها في أبي جهل وأضرابه (1)، وعلى هذا فيكون التعريف في * (الذين كفروا) * للعهد، وقيل: هي في جميع من صمم على كفره على العموم، فيكون التعريف للجنس (2). # * (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصرهم غشوة ولهم عذاب عظيم) * (7) الختم والكتم أخوان، والغشاوة فعالة من ms0011 غشاه: إذا غطاه، وهذا البناء لما يشتمل على الشئ كالعمامة. والختم على القلوب والأسماع وتغشية الأبصار من باب المجاز، وهو نوعان: استعارة وتمثيل، ويحتمل هنا كلا النوعين: أما الاستعارة، فأن (3) يجعل قلوبهم لأن الحق لا ينفذ فيها لإعراضهم عنه واستكبارهم عن قبوله، وأسماعهم لأنها تنبو عن استماعه (4) كأنهما (5) مختوم عليهما، وأبصارهم كأنما (6) غطي عليها وحيل بينها وبين الإدراك. وأما التمثيل، فأن تمثل حيث لم يستنفعوا بها في الأغراض الدينية التي خلقوا من أجلها بأشياء ضرب حجاب بينها وبين الانتفاع بها بالختم والتغطية. # وأما إسناد الختم إلى الله، فللتنبيه على أن هذه الصفة في فرط تمكنها كالشئ الخلقي غير العرضي، كما يقال: فلان مجبول على كذا ومفطور عليه، يريدون أنه مبالغ في الثبات عليه. ووجه آخر: وهو أنهم لما علم الله سبحانه أنه لا طريق لهم # PageV01P069 # إلى أن يؤمنوا طوعا واختيارا فلم يبق إلا القسر والإلجاء، ولم يقسرهم لئلا ينتقض الغرض في التكليف، عبر عن ترك الإلجاء والقسر بالختم، إشعارا بأنهم قد بلغوا الغاية القصوى في لجاجهم واستشرائهم في الغي والضلال. # ووحد السمع لأنه مصدر في الأصل والمصادر لا تجمع، ولأنهم قالوا: كلوا في بعض بطنكم (1) تعفوا، يفعلون ذلك إذا أمن اللبس، وإذا لم يؤمن (2) لم يفعلوا، لا تقول: ثوبهم وغلامهم وأنت تريد الجمع. والبصر: نور العين وهو ما يبصر به الرائي، كما أن البصيرة نور القلب وهو ما به يستبصر ويتأمل. والعذاب مثل النكال بناء ومعنى، لأنك تقول: أعذب عن الشئ إذا أمسك عنه، كما تقول: نكل عنه، ثم اتسع فيه فسمي كل ألم فادح عذابا وإن لم يكن نكالا، أي: عقابا يرتدع به الجاني. والعظيم: نقيض الحقير، كما أن الكبير نقيض الصغير، فالعظيم فوق الكبير، كما أن الحقير دون الصغير. ويستعملان في الجثث والأحداث جميعا، تقول: رجل عظيم وكبير جثته أو خطره. # * (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الاخر وما هم بمؤمنين) * (8) سورة البقرة / 9 افتتح سبحانه بذكر الذين آمنوا بالله سرا وعلانية، ثم ثنى بالذين كفروا قلوبا ms0012 وألسنة، ثم ثلث بالمنافقين الذين أبطنوا خلاف ما أظهروا، وهم أخبث (3) الكفار وأمقتهم عنده، ووصف حال الذين كفروا في آيتين، وحال الذين نافقوا في ثلاث عشرة آية، وقصتهم معطوفة على قصتهم كما تعطف الجملة على الجملة. # وأصل " ناس " أناس فحذفت همزته تخفيفا، وحذفها مع لام التعريف # PageV01P070 # كاللازم، لا يكاد يقال: الأناس، ويشهد لأصله إنسان وإنس، وسموا بذلك لظهورهم وأنهم يؤنسون أي: يبصرون كما سمي الجن جنا لاجتنانهم، و " من " في * (من يقول) * موصوفة، كأنه يقول: * (ومن الناس) * ناس يقولون كذا، كقوله: # * (من المؤمنين رجال) * (1)، هذا إن جعلت اللام للجنس، وإن جعلتها للعهد فموصولة، كقوله: * (ومنهم الذين يؤذون النبي) * (2). وفي تكرير الباء أنهم ادعوا كل واحد من الإيمانين على صفة الصحة، وفي قوله: * (وما هم بمؤمنين) * من التوكيد والمبالغة ما ليس في قولك: وما آمنوا، لأن فيه إخراج ذواتهم وأنفسهم من أن يكون (3) طائفة من طوائف المؤمنين، فقد انطوى تحته نفي ما ادعوه لأنفسهم من الإيمان على القطع. # * (يخدعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون) * (9) المعنى: أن هؤلاء المنافقين صنعوا صنع الخادعين حيث تظاهروا بالإيمان وهم كافرون، وصنع الله معهم صنع الخادع حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده أهل الدرك الأسفل من النار، وكذلك صورة صنع المؤمنين معهم حيث امتثلوا أمر الله فيهم، فإن حقيقة الخدع أن يوهم الرجل صاحبه خلاف ما يريد به من المكروه. ويجوز أن يريد: * (يخدعون) * رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأن طاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله، كما يقال: قال الملك كذا، وإنما القائل وزيره أو (4) خاصته الذين قولهم قوله * (وما يخدعون إلا أنفسهم) * لأن ضررها يلحقهم ولا # PageV01P071 # يعدوهم إلى غيرهم، ومن قرأ: " يخادعون " (1) أتى به على لفظ يفاعلون للمبالغة. # والنفس: ذات الشئ وحقيقته، ثم قيل للقلب: نفس، لأن النفس به نفس (2)، قالوا: المرء بأصغريه، أي بقلبه ولسانه. وقيل أيضا للروح: نفس، وللدم: نفس، لأن قوامها بالدم، وللماء: نفس لفرط حاجتها إليه، ونفس الرجل أي: عين، وحقيقته: # أصيبت نفسه، كما ms0013 قيل: صدر الرجل وفئد، وقالوا: فلان يؤامر نفسه، إذا تردد في الأمر واتجه له رأيان لا يدري على أيهما يعول، كأنهم أرادوا داعي النفس، والمراد بالأنفس هاهنا ذواتهم، ويجوز أن يراد قلوبهم ودواعيهم وآراؤهم. # والشعور: علم الإنسان بالشئ علم حس، ومشاعر الإنسان: حواسه. # * (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون) * (10) سورة البقرة / 11 استعير المرض لأعراض القلب، كسوء الاعتقاد والغل والحسد وغير ذلك مما هو فساد وآفة شبيهة بالمرض، كما استعيرت الصحة والسلامة في نقائض ذلك، والمراد به هاهنا ما * (في قلوبهم) * من الكفر أو من الغل والحنق على رسول الله (صلى الله عليه وآله) والمؤمنين * (فزادهم الله مرضا) * بما ينزل على رسوله من الوحي، فيكفرون به ويزدادون كفرا إلى كفرهم، فكأنه سبحانه زادهم ما ازدادوه، وأسند الفعل إلى المسبب (3) كما أسنده إلى السورة في قوله: * (فزادتهم رجسا إلى # PageV01P072 # رجسهم) * (1) لكونها سببا، أو أراد: كلما زاد رسوله نصرة وتمكنا في البلاد والعباد ازدادوا غلا وحسدا، و (2) ازدادت قلوبهم ضعفا وجبنا وخورا (3). وألم فهو أليم كوجع فهو وجيع، ووصف العذاب به كقوله: # تحية بينهم ضرب وجيع (4) وهذا على طريقة قولهم: " جد جده ". والألم في الحقيقة للمؤلم كما أن الجد للجاد، و * (بما كانوا يكذبون) * أي: بكذبهم، وفي هذا إشارة إلى قبح الكذب وأن لحوق العذاب الأليم من أجل كذبهم، وقرئ: " يكذبون " (5) من كذبه الذي هو نقيض صدقه، أو من كذب الذي هو مبالغة في كذب، أو بمعنى الكثرة. # * (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون) * (11) هذا معطوف على * (يكذبون) *، ويجوز أن يكون معطوفا على * (يقول آمنا) * لأنك لو قلت: ومن الناس من إذا قيل لهم: لا تفسدوا، صح الكلام، والفساد: # خروج الشئ عن حال استقامته وكونه منتفعا به، ونقيضه الصلاح، وكان فساد # PageV01P073 # المنافقين بميلهم إلى الكفار، وإفشاء أسرار المسلمين (1) إليهم وإغرائهم عليهم، ومعنى * (إنما نحن مصلحون) *: أن صفة المصلحين تمحضت لهم وخلصت من غير شائبة قادحة فيها (2) من وجوه الفساد. # * (ألا إنهم ms0014 هم المفسدون ولكن لا يشعرون) * (12) * (ألا) * مركبة من همزة الاستفهام وحرف النفي لإعطاء معنى التنبيه على تحقيق ما بعدها، والاستفهام إذا دخل على النفي أفاد تحقيقا، كقوله: * (أليس ذلك بقدر) * (3)، رد الله سبحانه دعواهم أنهم المصلحون أبلغ رد بما في كلتا الكلمتين: # " ألا " و " إن " من التأكيد، وبتعريف الخبر وتوسيط الفصل وقوله: * (لا يشعرون) *. # * (وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون) * (13) السفه: خفة الحلم وسخافة العقل، والمعنى: إذا نصحوا أو بصروا طريق الرشد بأن قيل لهم: صدقوا رسول الله كما صدقه الناس، واللام في * (الناس) * للعهد، أي: # كما آمن أصحاب رسول الله وهم ناس معهودون، أو عبد الله بن سلام وأضرابه، أي: كما آمن أصحابكم وإخوانكم، أو للجنس، أي: كما آمن الكاملون في الإنسانية، أو جعل المؤمنون كأنهم الناس على الحقيقة، ومن عداهم كالبهائم في فقد التمييز بين الحق والباطل، والاستفهام في * (أنؤمن) * للإنكار، واللام في * (السفهاء) * مشار بها إلى الناس. # سورة البقرة / 14 و 15 وفصلت هذه الآية ب‍ * (لا يعلمون) * والتي قبلها ب‍ * (لا يشعرون) * لأن أمر # PageV01P074 # الديانة والوقوف على أن المؤمنين على الحق وهم على الباطل يحتاج إلى نظر واستدلال حتى يعلم، وأما النفاق وما فيه من الفساد فأمر دنيوي، فهو كالمحسوس المشاهد، ولأنه قد ذكر السفه فكان ذكر العلم معه أحسن. # * (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون) * (14) هذا بيان ما كانوا يعملونه مع المؤمنين، أي: إذا لقوهم أوهموهم أنهم معهم، وإذا فارقوهم إلى رؤسائهم من الكفار أو اليهود الذين أمروهم بالتكذيب قالوا: إنا على دينكم وصدقوهم ما في قلوبهم. وخلوت بفلان وخلوت إليه بمعنى انفردت معه، و * (إنا معكم) * أي: إنا مصاحبوكم وموافقوكم على دينكم، وقولهم: * (إنما نحن مستهزءون) * توكيد لقولهم: * (إنا معكم) *، لأن المعنى في * (إنا معكم) * الثبات على اليهودية، وقولهم: * (إنما نحن مستهزءون) * رد للإسلام ودفع له، لأن المستهزئ بالشئ - وهو المستخف ms0015 به - منكر له ودافع، ويجوز أن يكون بدلا منه أو استئنافا. # * (الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون) * (15) معنى استهزاء الله تعالى بهم إنزال الهوان والحقارة بهم، أو إجراء أحكام المسلمين عليهم عاجلا وقد أعد لهم أليم العقاب آجلا، وسمي جزاء الاستهزاء باسمه، كقوله: * (وجزاؤا سيئة سيئة مثلها) * (1). وفي استئناف قوله: * (الله يستهزئ) * من غير حرف عطف أن الله تعالى هو الذي يتولى الاستهزاء * (بهم) * انتقاما للمؤمنين ولا يحوج المؤمنين إلى أن يعارضوهم بذلك، وقوله: # PageV01P075 # * (ويمدهم) * من مد الجيش وأمده إذا زاده، والمعنى: أنه يمنعهم ألطافه التي يمنحها المؤمنين ويخذلهم بسبب كفرهم، فتبقى قلوبهم يتزايد الرين والظلمة فيها كما يتزايد الانشراح والنور في قلوب المؤمنين. وأسند ذلك التزايد إلى الله سبحانه لأنه مسبب عن فعله بهم بسبب كفرهم. وعن الحسن (1) قال: في ضلالتهم يتمادون (2) والطغيان: الغلو في الكفر ومجاوزة الحد في العتو، وفي إضافة الطغيان إليهم ما يدل على أن الطغيان والتمادي في الضلال مما اقترفته نفوسهم، والعمه مثل العمى إلا أن العمة في الرأي خاصة، وهو التحير والتردد، لا يدري أين يتوجه. # * (أولئك الذين اشتروا الضللة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين) * (16) سورة البقرة / 17 معنى اشتراء * (الضللة بالهدى) * اختيارها عليه واستبدالها به على سبيل الاستعارة، لأن الاشتراء فيه إعطاء بدل وأخذ آخر، والضلالة: الجور عن القصد، وفي المثل: " ضل دريص نفقه " (3)، فاستعير للذهاب عن الصواب في الدين، والربح: الفضل على رأس المال، وأسند الخسران إلى التجارة مجازا، والمعنى: # أن المطلوب في التجارة سلامة رأس المال والربح، وهؤلاء قد أضاعوا # PageV01P076 # الطلبتين (1) معا، لأن رأس المال كان هو الهدى فلم يبق لهم، ولم يصيبوا الربح لأن الضال خاسر. # * (مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمت لا يبصرون) * (17) ثم زاد سبحانه في الكشف عن حالهم بضرب المثل، فقال: * (مثلهم) * أي: # حالهم كحال * (الذي استوقد نارا) *، وضع " الذي " موضع " الذين "، كقوله سبحانه: * (وخضتم كالذي خاضوا) * (2)، أو قصد جنس المستوقدين، أو أراد الجمع الذي ms0016 استوقد نارا، على أن المنافقين لم تشبه ذواتهم بذات المستوقد، بل شبهت قصتهم بقصة المستوقد، فلا يلزم تشبيه الجماعة بالواحد، واستوقد: طلب الوقود، والوقود: سطوع النار وارتفاع لهبها، والإضاءة: فرط الإنارة، وهي متعدية في الآية، ويحتمل أن تكون غير متعدية مسندة إلى * (ما حوله) * والتأنيث للحمل على المعنى، لأن ما حول المستوقد أشياء وأماكن. # وجواب " لما ": * (ذهب الله بنورهم) *، ويجوز أن يكون محذوفا، لطول الكلام وأمن الالتباس، كأنه قيل: * (فلما أضاءت ما حوله) * خمدت فبقوا متحيرين متحسرين على فوت الضوء، وعلى هذا فيكون * (ذهب الله بنورهم) * كلاما مستأنفا، كأنهم لما شبهت حالهم بحال المستوقد اعترض سائل فقال: ما بالهم قد اشبهت حالهم حال هذا المستوقد؟ فقيل له: * (ذهب الله بنورهم) *، ويجوز أن يكون قوله: * (ذهب الله بنورهم) * بدلا من جملة التمثيل على سبيل البيان. # PageV01P077 # والفرق بين أذهبه وذهب به: أن معنى " أذهبه ": أزاله وجعله ذاهبا، و " ذهب به ": استصحبه ومضى به معه، قال: * (فلما ذهبوا به) * (1)، فالمعنى: أخذ الله نورهم وأمسكه، وما يمسك الله فلا مرسل له، فهو أبلغ من الإذهاب، و " ترك " بمعنى طرح وخلى، قالوا: تركه ترك الظبي ظله، فإذا ضمن معنى " صير " تعدى إلى مفعولين وجرى مجرى أفعال القلوب، نحو قول عنترة (2): # فتركته جزر السباع ينشنه * يقضمن حسن بنانه والمعصم (3) والمراد بالإضاءة انتفاع المنافقين بالكلمة المجراة على ألسنتهم، ووراء استضاءتهم بنور هذه الكلمة ظلمة النفاق الذي ترمي بهم إلى ظلمة سخط الله والعقاب الدائم، ويجوز أن يكون قد شبه اطلاع الله على أسرارهم بذهاب الله بنورهم. ووجه آخر: وهو أنهم لما وصفوا باشتراء الضلالة بالهدى عقب ذلك بهذا التمثيل، ليمثل هداهم الذي باعوه بالنار المضيئة ما حول المستوقد، والضلالة التي اشتروها بذهاب الله بنورهم. # سورة البقرة / 19 * (صم بكم عمى فهم لا يرجعون) * (18) كانت حواسهم صحيحة لكنهم لما أبوا أن يصيخوا (4) مسامعهم إلى الحق، وأن # PageV01P078 # ينطقوا ألسنتهم بالحق، وأن ينظروا ويتبصروا بعيونهم، جعلوا كأنهم انتقضت بنى مشاعرهم التي هي أصل الإحساس والإدراك كقوله: # صم إذا سمعوا خيرا ms0017 ذكرت به * وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا (1) و * (لا يرجعون) * معناه: لا يعودون إلى الهدى بعد أن باعوه، أو عن الضلالة بعد أن اشتروها، أو بقوا متحيرين لا يدرون أيتقدمون أم يتأخرون، فكيف يرجعون إلى حيث ابتدأوا منه؟ # * (أو كصيب من السماء فيه ظلمت ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين) * (19) الصيب: المطر الذي يصوب، أي: ينزل ويقع، ويقال للسحاب: صيب أيضا (2). هذا تمثيل آخر لحال المنافقين، ليكون كشفا لها بعد كشف، والمعنى: أو كمثل ذوي صيب، أي: كمثل قوم أخذهم المطر على هذه الصفة فلقوا منها ما لقوا. # قالوا: شبه دين الإسلام بالمطر، لأن القلوب تحيا به كما تحيا الأرض بالمطر، وشبه ما يتعلق به من شبهات الكفار بالظلمات، وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق، وما يصيبهم من أهل الإسلام بالصواعق. وقيل: شبه القرآن بالمطر، وما فيه من الابتلاء والزجر بالظلمات والرعد، وما فيه من البيان بالبرق، وما فيه من الوعيد آجلا والدعاء إلى الجهاد عاجلا بالصواعق (3). وجاءت هذه الأشياء # PageV01P079 # منكرة، لأن المراد أنواع منها، كأنه قيل: في الصيب ظلمات داجية (1)، ورعد قاصف، وبرق خاطف. # والضمير في * (يجعلون) * يرجع إلى أصحاب الصيب المضاف، مع كونه محذوفا وقيام الصيب مقامه، و * (يجعلون) * استئناف لا محل له، و * (من الصواعق) * يتعلق ب‍ * (يجعلون) * أي: من أجل الصواعق يجعلون أصابعهم في آذانهم، وصعقته الصاعقة: أهلكته، فصعق أي مات: إما بشدة الصوت أو بالإحراق، و * (حذر الموت) * مفعول له، ومعنى إحاطة الله بالكافرين: أنهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط به حقيقة، وهذه الجملة اعتراض. # * (يكاد البرق يخطف أبصرهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصرهم إن الله على كل شئ قدير) * (20) سورة البقرة / 21 الخطف: الأخذ بسرعة، لما ذكر الرعد والبرق على ما يؤذن بالشدة والهول، فكأن قائلا قال: كيف حالهم مع مثل ذلك البرق؟ فقيل: * (يكاد البرق يخطف أبصرهم) *، فهذه جملة مستأنفة أيضا لا ms0018 محل لها، و * (كلما أضاء لهم) * استئناف ثالث، كأنه جواب لمن يقول: كيف يصنعون في حالتي خفوق (2) البرق وخفوته (3)؟ وهذا تمثيل لشدة الأمر على المنافقين بشدته على أصحاب الصيب وما هم فيه من غاية التحير والجهل بما يأتون به ويذرون، إذا خفق البرق مع خوفهم أن يخطف أبصارهم انتهزوا تلك الخفقة فرصة (4)، فخطوا خطوات يسيرة، # PageV01P080 # فإذا خفي بقوا واقفين متحيرين * (ولو شاء الله) * لزاد في قصيف الرعد فأصمهم، و (1) في بريق البرق فأعماهم، و * (أضاء) * إما متعد والمفعول محذوف، بمعنى: # كلما نور لهم مسلكا أخذوه، وإما غير متعد بمعنى: كلما لمع لهم مشوا في مطرح نوره، ومعنى * (قاموا) * وقفوا وثبتوا في مكانهم، والمعنى: ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بهما، وقد كثر هذا الحذف في " شاء " و " أراد "، ولم يبرزوا المفعول إلا في النادر، كقوله: * (لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا) * (2) والشئ ما يصح (3) أن يعلم ويخبر عنه. # * (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون) * (21) ولما عدد سبحانه فرق المكلفين من المؤمنين والكفار والمنافقين، أقبل عليهم بالخطاب، وهو من الالتفات الذي تقدم ذكره، وهو فن من الكلام فيه هز وتحريك من السامع، وتنبيه واستدعاء لإصغائه إلى الحديث، و * (يا) * حرف وضع في أصله لنداء البعيد، و " أي " و " الهمزة " لنداء القريب، و " أي " وصلة إلى نداء ما فيه الألف واللام، كما أن " ذو " و " الذي " وصلتان إلى الوصف بأسماء الأجناس ووصف المعارف بالجمل، وهو اسم مبهم يحتاج إلى ما يوضحه، فلابد أن يردفه اسم جنس أو ما يجري مجراه يتصف به حتى يتضح (4) المقصود بالنداء، والذي عمل فيه حرف النداء " أي " والاسم التابع له صفته، وقد كثر في كتاب الله النداء على هذه الطريقة، لاستقلاله بأوجه من التأكيد في التدرج من الإبهام إلى التوضيح، وكلمة التنبيه المقحمة بين " أي " وصفته لتعاضد حرف النداء بتأكيد # PageV01P081 # معناه، وتكون عوضا مما يستحقه من الإضافة، وكل ما نادى الله لأجله عباده من الأوامر والنواهي والوعد ms0019 والوعيد وغير ذلك أمور عظام ومعان جليلة عليهم أن يتيقظوا لها، فاقتضت الحال أن ينادوا بالآكد الأبلغ. # * (الذي خلقكم) * صفة ل‍ * (ربكم) * جرت عليه على سبيل المدح والثناء، أي: # * (اعبدوا ربكم) * على الحقيقة. والخلق: إيجاد الشئ على تقدير واستواء، و " لعل " للترجي أو الإشفاق، وقد جاء في مواضع من القرآن على سبيل الإطماع، ولكن لأنه إطماع من كريم رحيم إذا أطمع فعل ما يطمع فيه لا محالة، جرى إطماعه مجرى وعده المحتوم وفاؤه به، و " لعل " في الآية ليس مما ذكرته في شئ بل هو واقع موقع المجاز، لأنه سبحانه خلق عباده ليكلفهم، وأزاح عللهم في التكليف من الإقدار والتمكين، وأراد منهم الخير والتقوى، فهم في صورة المرجو منهم أن يتقوا، لترجح أمرهم وهم مختارون بين الطاعة والمعصية، كما ترجحت حال المرتجى بين أن يفعل وأن لا يفعل، ومصداقه قوله: * (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) * (1)، وإنما يبلو ويختبر من يخفى عليه العواقب، ولكن شبه بالاختبار بناء أمرهم على الاختيار. # * (الذي جعل لكم الأرض فرا شا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون) * (22) سورة البقرة / 22 قدم سبحانه من موجبات عبادته خلقهم أحياء قادرين أولا، ثم خلق الأرض التي هي مستقرهم الذي لابد لهم منه ومفترشهم، ثم خلق السماء التي هي كالقبة # PageV01P082 # المضروبة على هذا المستقر، ثم ما سواه سبحانه من شبه عقد النكاح بينهما بإنزال الماء من المظلة منهما على المقلة (1)، والإخراج به من بطنها أشباه النسل من ألوان الثمار * (رزقا) * لبني آدم، ليقابلوا هذه النعمة العظيمة بواجب الشكر، ويتفكروا في خلق أنفسهم وخلق ما فوقهم وما تحتهم، فيعلموا أنه لابد لها من خالق ليس كمثلها، حتى لا يجعلوا المخلوقات * (أندادا) * له وهم يعلمون أنها لا تقدر على بعض ما هو عليه قادر. ومعنى جعل الأرض فراشا وبساطا ومهادا للناس: أنهم يتقلبون عليها كما يتقلب على الفراش والبساط والمهاد. والبناء مصدر سمي به المبني، وأبنية العرب أخبيتهم (2)، ومنه " بنى على ms0020 امرأته ". # و " من " في * (من الثمرات) * للتبعيض، كأنه قال: أنزلنا من السماء بعض الماء، فأخرجنا به بعض الثمرات ليكون بعض رزقكم، لأنه لم ينزل من السماء الماء كله ولا أخرج بالمطر جميع الثمرات ولا جعل الرزق كله في الثمرات. # ويجوز أن يكون " من " للبيان، كما تقول: أنفقت من الدراهم ألفا. وإذا كان " من " للتبعيض كان قوله: * (رزقا) * منصوبا بأنه مفعول له، وإذا كان للبيان كان * (رزقا) * مفعولا به ل‍ " أخرج ". # والند: المثل، ولا يقال: الند إلا للمثل المخالف المناوئ أي: هو الذي حفكم (3) بهذه الدلائل النيرة الشاهدة بالوحدانية، فلا تتخذوا له شركاء * (وأنتم) * أهل المعرفة والتمييز، أو أنتم تعلمون ما بينه وبينها من التفاوت، أو أنتم تعلمون أنه لا يماثل. # PageV01P083 # * (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين) * (23) لما احتج سبحانه على الناس للتوحيد وعلم الطريق إلى تصحيحه، عطف على ذلك الحجة على نبوة نبيه محمد (صلى الله عليه وآله) فقال: إن ارتبتم فيما نزلنا، أتى بلفظ التنزيل، لأن المراد النزول على سبيل التدريج نجوما سورة بعد سورة وآيات بعد آيات على حسب النوازل والحوادث * (على عبدنا) * ورسولنا محمد (صلى الله عليه وآله)، فهاتوا أنتم سورة من أصغر السور. # سورة البقرة / 24 و 25 والسورة إن كانت واوها أصلا: فإما أن سميت بسور المدينة لأنها طائفة من القرآن محدودة، أو لأنها محتوية على فنون من العلم كاحتواء سور المدينة على ما فيها، وإما أن سميت بالسورة التي هي الرتبة، لأن السور بمنزلة المنازل والمراتب، و (1) لرفعة شأنها في الدين. وإن كانت واوها منقلبة عن همزة، فلأنها قطعة من القرآن، كالسؤرة (2) التي هي البقية من الشئ * (من مثله) * متعلق ب‍ " سورة " صفة لها، أي * (بسورة) * كائنة * (من مثله) *، والضمير لما نزلنا أو لعبدنا، ويجوز أن يتعلق بقوله: * (فأتوا) * والضمير للعبد، والمعنى: فأتوا بسورة مما هو على صفته في البيان الغريب وحسن النظم، أو هاتوا ممن هو على حاله من ms0021 كونه بشرا عربيا أو أميا لم يأخذ من العلماء ولم يقرأ الكتب، ورد الضمير إلى المنزل أوجه، لقوله: * (بسورة مثله) * (3) وقوله: * (لا يأتون بمثله) * (4)، ولأن الحديث في المنزل لا في المنزل عليه، فمن حقه أن لا يرد الضمير إلى غيره، لأن المعنى: وإن ارتبتم في أن القرآن منزل من عند الله فهاتوا أنتم نبذا مما يماثله ويجانسه، وإن # PageV01P084 # كان الضمير مردودا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فالمعنى: وإن ارتبتم في أن محمدا (صلى الله عليه وآله) منزل عليه فهاتوا قرآنا من مثله، و " الشهداء " جمع شهيد بمعنى الحاضر أو القائم بالشهادة، والمعنى: ادعوا كل من يشهدكم واستظهروا به من الجن والإنس إلا الله تعالى فإنه القادر على أن يأتي بمثله دون كل شاهد. # * (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين) * (24) لما أرشدهم سبحانه إلى الوجه الذي منه يعرفون صحة نبوة النبي (صلى الله عليه وآله) قال لهم: فإذا لم تعارضوه بسورة مثله، ولم يتيسر لكم ذلك، وبان لكم أنه معجز، فآمنوا واتقوا النار المعدة لمن كذب، وفيه دليلان على إثبات نبوته (صلى الله عليه وآله): صحة كون القرآن معجزا، والإخبار بأنهم لن يفعلوا أبدا، وهو غيب لا يعلمه إلا الله. # والوقود: ما يوقد به النار وهو الحطب، والمعنى في قوله: * (وقودها الناس والحجارة) * أنها نار ممتازة عن النيران الأخر، بأنها لا تتقد إلا بالناس والحجارة، وقرن الناس بالحجارة، لأنهم قرنوا بها أنفسهم في الدنيا، حيث نحتوها أصناما، وجعلوها لله أندادا، وعبدوها من دونه، قال سبحانه: * (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم) * (1)، ومعنى * (أعدت) *: هيئت وجعلت عدة لعذابهم. # * (وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنت تجرى من تحتها الأنهر كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشبها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خلدون) * (25) ثم ذكر سبحانه الترغيب بعد الترهيب، وشفع الإنذار بالبشارة، فبشر عباده الذين جمعوا بين الإيمان وصالح الأعمال بعد أن ms0022 أنذر الكفار وأوعدهم بالعذاب # PageV01P085 # والنكال، والبشارة: الإخبار بما يظهر سرور المخبر به، والجنة: البستان من النخل والشجر، وأصلها من الستر، فكأنها لتكاثفها والتفاف أغصان أشجارها سميت بالجنة التي هي المرة من مصدر جنه إذا ستره، ولولا أن الماء الجاري من أعظم النعم وأكبر (1) اللذات لما جاء الله سبحانه بذكر الجنات مشفوعا بذكر الأنهار الجارية من تحتها في قرن واحد، كالشيئين لابد لأحدهما من صاحبه، وإسناد الجري إلى الأنهار إسناد مجازي، كقولهم: بنو فلان يطأهم الطريق. # وإنما نكرت " الجنات " لأن دار الثواب تشتمل على جنات (2) كثيرة مرتبة على حسب استحقاق كل طبقة من أهلها، وعرفت " الأنهار " لإرادة الجنس، كما تقول: لفلان بستان فيه الماء الجاري والعنب والفواكه، أو يراد الأنهار المذكورة في قوله تعالى: * (فيها أنهر من ماء غير آسن) * الآية (3). # * (كلما رزقوا) * إما أن يكون صفة ثانية ل‍ * (جنت) *، أو خبر مبتدأ محذوف، أو جملة مستأنفة، والمعنى: أنهم كلما رزقوا من أشجار الجنات نوعا من أنواع الثمار * (رزقا قالوا هذا) * مثل * (الذي رزقنا من قبل) * وشبهه، بدليل قوله: # * (وأتوا به متشبها) *، وهذا كقولك: أبو يوسف: أبو حنيفة، تريد أنه لاستحكام الشبه كأن ذاته ذاته، والضمير في قوله: * (وأتوا به) * يرجع إلى المرزوق في الدنيا والآخرة جميعا، لأن قوله: * (هذا الذي رزقنا من قبل) * انطوى تحته ذكر ما رزقوه في الدارين، ويجوز أن يرجع الضمير في * (وأتوا به) * إلى الرزق كما أن سورة البقرة / 26 * (هذا) * إشارة إليه، فيكون المعنى: أن ما يرزقونه من ثمرات الجنة يأتيهم متجانسا في نفسه، كما يحكى عن الحسن: يوتى أحدهم بالصحفة فيأكل منها، ثم # PageV01P086 # يؤتى بالأخرى، فيقول: هذا الذي أتينا به من قبل، فيقول الملك: كل فاللون واحد والطعم مختلف (1). # * (ولهم فيها أزواج مطهرة) * طهرن مما يختص بالنساء من المحيض، وما لا يختص بهن من الأقذار والأدناس، ويدخل تحت ذلك الطهر من دنس الطباع وسائر العيوب. والخلد: الثبات الدائم والبقاء اللازم الذي لا ينقطع. # * (إن الله لا يستحى ى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما ms0023 فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا وما يضل به إلا الفسقين) * (26) لما ضرب الله تعالى المثلين للمنافقين قبل هذه الآية، قالوا: الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال، فنزلت (2) الآية لبيان أن ما استنكروه من أن يكون المحقرات من الأشياء مضروبا بها المثل ليس بموضع للاستنكار، لأن في التمثيل كشف المعنى ورفع الحجاب عن المطلوب، فإن كان المتمثل له عظيما كان المتمثل به مثله، وإن كان حقيرا كان المتمثل به كذلك، ووصف القديم سبحانه بالحياء في مثل قوله (عليه السلام): " إن الله حيي كريم يستحيي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما صفرا حتى يضع فيهما خيرا " (3) جار مجرى التمثيل، لأن الحياء تغير وانكسار يعتري # PageV01P087 # الإنسان من لحوق (1) ما يعاب به ويذم، واشتقاقه من الحياة، يقال: حيي الرجل، كما يقال: نسي وحشي وشظي الفرس: إذا اعتلت منه هذه الأعضاء، وجعل الحيي لما يعتريه من الانكسار منتقص الحياة، فمثل تركه سبحانه تخييب العبد لكرمه بترك من يترك رد المحتاج إليه حياء منه، وكذلك المعنى في الآية: أن الله تعالى لا يترك ضرب المثل بالبعوضة ترك من يستحيي أن يتمثل بها لحقارتها. # و * (ما) * هذه إبهامية وهي التي إذا اقترنت بنكرة زادته شياعا، تقول: أعطني شيئا ما، أو هي صلة زيدت للتأكيد نحو التي في قوله: * (فبما رحمة) * (2)، والمعنى: أن الله لا يستحيي ولا يترك أن يتمثل للأنداد بما لا شئ أصغر منه وأقل، وانتصب * (بعوضة) * بأنها عطف بيان أو مفعول ل‍ * (يضرب) *، و * (مثلا) * حال عن النكرة مقدمة عليه، أو انتصبا مفعولين ل‍ * (يضرب) *، لأنه أجري مجرى جعل. # * (فما فوقها) * فيه معنيان: أحدهما: فما تجاوزها وزاد عليها في المعنى الذي ضربت فيه مثلا وهو القلة والحقارة، والآخر: فما زاد عليها في الحجم، و * (الحق) *: الثابت الذي لا يسوغ إنكاره، يقال: حق الأمر إذا ثبت ووجب، و * (ماذا) * فيه وجهان: أحدهما: أن يكون ms0024 " ذا " اسما موصولا بمعنى " الذي " فتكون كلمتين، والآخر: أن يكون " ذا " مركبة مع " ما " فتكون كلمة واحدة، والضمير في * (أنه الحق) * للمثل أو ل‍ * (أن يضرب) * و * (مثلا) * نصب على التمييز. # سورة البقرة / 27 وقوله: * (يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا) * جار مجرى التفسير والبيان للجملتين المتقدمتين، وأن فريق العالمين بأنه الحق وفريق الجاهلين المستهزئين به كلاهما موصوف بالكثرة، وأن العلم بكونه حقا من باب الهدى، وأن الجهل # PageV01P088 # بحسن مورده من باب الضلالة، وإسناد الإضلال إلى الله سبحانه إسناد الفعل إلى السبب، لأنه لما ضرب المثل فضل به قوم واهتدى به قوم تسبب لضلالتهم (1) وهديهم، والفسق: الخروج عن طاعة الله. # * (الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون) * (27) النقض: الفسخ، وشاع (2) استعمال النقض في إبطال العهد من جهة أنهم سموا العهد بالحبل على الاستعارة، ومنه قول ابن التيهان في بيعة العقبة: يا رسول الله إن بيننا وبين القوم حبالا، ونحن قاطعوها، فنخشى إن الله أعزك وأظهرك أن ترجع إلى قومك (3)، و * (عهد الله) * هو ما ركز في عقولهم من الحجة على التوحيد، أو ما أخذ عليهم في التوراة من اتباع محمد (صلى الله عليه وآله)، أو ما أخذ عليهم من الميثاق بأنه إذا بعث إليهم رسول مؤيد بالمعجزات صدقوه واتبعوه. # والضمير في * (ميثاقه) * للعهد، ويجوز أن يكون الميثاق بمعنى: التوثقة، كما أن الميعاد والميلاد بمعنى: الوعد والولادة، ويجوز أن يرجع الضمير إلى الله، أي: # من بعد توثقته عليهم. # ومعنى قطعهم * (ما أمر الله به أن يوصل) *: قطعهم الأرحام وموالاة المؤمنين، وقيل: قطعهم ما بين الأنبياء من الاجتماع على الحق في إيمانهم ببعض وكفرهم ببعض (4). والأمر: طلب الفعل ممن هو دونك، وبه سمي الأمر الذي هو واحد الأمور، لأن الداعي الذي يدعو إليه شبه بأمر يأمر به * (هم الخاسرون) * لأنهم # PageV01P089 # استبدلوا النقض بالوفاء والقطع بالوصل والفساد بالصلاح. # * (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ms0025 ترجعون) * (28) معنى الهمزة التي في * (كيف) * مثله في قولك: أتكفرون بالله ومعكم ما يصرف عن الكفر ويدعو إلى الإيمان، وهو الإنكار والتعجب، والواو في قوله: * (وكنتم أمواتا) * للحال، أي وقصتكم هذه وحالكم أنكم كنتم أمواتا: نطفا في أصلاب آبائكم * (فأحياكم) * فجعلكم أحياء * (ثم يميتكم) * بعد هذه الحياة * (ثم يحييكم) * بعد الموت، وهذا الإحياء الثاني يجوز أن يراد به الإحياء في القبر، وبقوله: * (ثم إليه ترجعون) * الحشر والنشور، ويجوز أن يراد بالإحياء النشور وبالرجوع المصير إلى الحساب والجزاء، وعطف الأول بالفاء، لأن الإحياء الأول يعقب الموت بغير تراخ، وعطف الآخرين " ب‍ " ثم، لأن الموت قد تراخى عن الإحياء، والإحياء الثاني متراخ عن الموت، إن أريد به النشور أو الإحياء في القبر، والرجوع إلى الجزاء أيضا متراخ عن النشور. # * (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شئ عليم) * (29) سورة البقرة / 30 * (لكم) * أي: لأجلكم ولانتفاعكم به في دنياكم بأن تتمتعوا منه بفنون المطاعم والمناكح والمراكب والمناظر البهيجة، وفي دينكم بأن تنظروا فيه وما يتضمنه من عجائب الصنع الدالة على الصانع القادر الحكيم، وفي هذا دلالة على أن أصل الأشياء الإباحة إلى أن يمنع الشرع بالنهي، وجائز لكل أحد أن يتناولها ويستنفع بها، و * (جميعا) * نصب على الحال من قوله: * (ما في الأرض) *، PageV01P090 # والاستواء: الاعتدال والاستقامة، يقال: استوى العود، ثم قيل: استوى إليه كالسهم المرسل إذا قصد قصدا مستويا من غير أن يلوي إلى شئ، ومنه استعير قوله: * (ثم استوى إلى السماء) * أي: قصد إليها بإرادته ومشيته بعد خلق ما في الأرض من غير أن يريد فيما بين ذلك خلق شئ آخر، والمراد بالسماء جهات العلو، كأنه قال: ثم استوى إلى فوق، والضمير في * (فسواهن) * ضمير مبهم، و * (سبع سموا ت) * تفسيره، كقولهم: ربه رجلا، وقيل: الضمير راجع إلى السماء (1)، والسماء في معنى الجنس (2)، ومعنى * (فسواهن) *: عدل خلقهن وأتمه وقومه * (وهو بكل شئ عليم) * فلذلك خلق السماوات والأرض خلقا محكما متقنا من غير ms0026 تفاوت على حسب ما اقتضته الحكمة. # * (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم مالا تعلمون) * (30) لما ذكر سبحانه إنعامه علينا بخلق السماء والأرض وما فيهما، ذكر نعمته علينا بخلق أبينا آدم (عليه السلام ب‍ * (قالوا) *، و * (جاعل) * من جعل الذي له مفعولان، والمعنى مصير * (في الأرض خليفة) *، والخليفة: من يخلف غيره، والمعنى: خليفة منكم، لأن الملائكة كانوا سكان الأرض فخلفهم آدم فيها وذريته، واستغنى بذكر آدم عن ذكر بنيه كما يستغنى بذكر أبي القبيلة في قولك: ربيعة ومضر (3)، أو يريد من يخلفكم، أو خلقا # PageV01P091 # يخلفكم فوحد لذلك، ويجوز أن يريد خليفة مني، لأن آدم كان خليفة الله في أرضه، وهو الصحيح، لقوله: * (يا داود إنا جعلنك خليفة في الأرض) * (1). # * (قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها) * إنما عرفوا ذلك حتى تعجبوا منه من جهة اللوح، أو عرفوه بإخبار الله تعالى * (ونحن نسبح) * الواو للحال، كما تقول: أتحسن إلى فلان وأنا أحق منه بالإحسان، والتسبيح: تبعيد الله من السوء، و * (بحمدك) * في موضع الحال، أي: نسبح حامدين لك ومتلبسين بحمدك * (قال إني أعلم) * من المصالح في ذلك ما هو خفي عليكم ولا تعلمونه، ولم يبين لهم تلك المصالح، لأن العباد يكفيهم أن يعلموا أن أفعال الله تعالى كلها حسنة وإن خفي عليهم وجه الحكمة، على أنه قد بين لهم بعض ذلك في قوله: * (وعلم آدم الأسماء) * الآية. # * (وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين) * (31) أي: أسماء المسميات كلها، فحذف المضاف إليه لكونه معلوما مدلولا عليه بذكر الأسماء، لأن الاسم لابد له من مسمى، وعوض منه اللام كقوله: * (واشتعل الرأس شيبا) * (2)، وليس التقدير: وعلم آدم مسميات الأسماء، فيكون حذفا للمضاف، لأن التعليم يتعلق بالأسماء لا بالمسميات، لقوله: * (أنبئوني بأسماء هؤلاء) *، ومعنى تعليمه أسماء المسميات أنه أراه الأجناس التي خلقها، وعلمه أن هذا اسمه فرس وهذا اسمه كذا، ms0027 وعلمه أحوالها وما يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية * (ثم عرضهم) * أي: عرض المسميات * (على الملائكة) * وإنما ذكر لأن سورة البقرة / 32 و 33 في المسميات العقلاء فغلبهم * (فقال) * للملائكة: * (أنبئوني بأسماء هؤلاء) * # PageV01P092 # استنبأهم وقد علم عجزهم عن الإنباء على سبيل التبكيت * (إن كنتم صادقين) * أي: في زعمكم أني أستخلف في الأرض من يفسد فيها إرادة للرد عليهم، وليبين أن في من يستخلفه من الفوائد العلمية التي هي أصول الفوائد كلها ما يستأهلون لأجله أن يستخلفوا، فبين لهم بذلك بعض ما أجمل من ذكر المصالح في استخلافهم في قوله: * (إني أعلم ما لا تعلمون) * (1). # * (قالوا سبحانك لاعلم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم) * (32) قالت الملائكة: * (سبحانك) * تنزيها لك عن أن يعلم الغيب أحد سواك، أو تعظيما لك عن أن يعترض عليك في حكمك * (لاعلم لنا إلا ما علمتنا) * وليس هذا في ما علمتنا * (إنك أنت العليم) * بجميع المعلومات، وهو صيغة مبالغة للعالم * (الحكيم) * المحكم لأفعاله. # * (قال يا آدم أنبهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون) * (33) * (أنبهم) * أي: أخبر الملائكة * (بأسمائهم) * علق الإنباء بالأسماء لا بالمسميات، فلم يقل: أنبئهم بهم، لما قلناه من أن التعليم يتعلق بالأسماء * (فلما أنبأهم) * آدم أخبر الملائكة * (بأسمائهم) * أي: باسم كل شئ ومنافعه ومضاره وخواصه * (قال) * سبحانه للملائكة: * (ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض) * أي: أعلم ما غاب فيهما عنكم فلم تشاهدوه كما أعلم ما حضركم # PageV01P093 # فشاهدتموه * (وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون) * أي: ما تعلنونه وما تضمرونه، وفي هذا أن تعليمه سبحانه الأسماء كلها بما فيها من المعاني وفتق لسانه بذلك معجزة أقامها الله تعالى للملائكة دالة على نبوته وجلالة قدره وتفضيله عليهم. # * (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين) * (34) * (إلا إبليس) * استثناء متصل عند من ذهب إلى أن إبليس من الجن، وكان (1) بين أظهر الألوف من الملائكة مغمورا بهم، ثم استثني ms0028 منهم استثناء واحد منهم، ويجوز أن يكون منقطعا * (أبى) * أي: امتنع مما أمر به * (واستكبر) * عنه * (وكان من) * جنس كافري الجن وشياطينهم، ولا شك أن الاستثناء متصل عند من ذهب إلى أنه من الملائكة. # وفي الآية دلالة على فضل آدم على جميع الملائكة، لأنه قدمه على الملائكة إذ أمرهم بالسجود له، ولا يجوز تقديم المفضول على الفاضل، ولو لم يكن سجود الملائكة له على وجه التعظيم لشأنه و (2) تقديمه عليهم لم يكن لامتناع إبليس عن السجود له، وقوله: * (أرأيتك هذا الذي كرمت على) * (3) وقوله: * (أنا خير منه) * (4) وجه، ولكان يجب على الله تعالى أن يعلمه أنه لم يأمره بالسجود له على وجه تعظيمه وتفضيله عليه، ولما جاز أن يفعل ذلك إذا كان ذلك سبب معصية إبليس، فعلمنا أنه لم يكن ذلك إلا على وجه التفضيل له عليهم. # سورة البقرة / 35 و 36 * (وقلنا يا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث # PageV01P094 # شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين) * (35) * (أنت) * تأكيد للضمير المستكن في * (أسكن) * ليصح العطف عليه، و * (رغدا) * وصف للمصدر، أي: أكلا رغدا واسعا رافها، و * (حيث) * للمكان المبهم، أي: أي مكان من الجنة * (شئتما) * والمعنى: اتخذ أنت وامرأتك الجنة مسكنا ومأوى * (وكلا منها) * أي: من الجنة كثيرا واسعا * (حيث شئتما) * من بقاع الجنة * (ولا تقربا هذه الشجرة) * أي: لا تأكلا منها، والمعنى: لا تقرباها بالأكل، وهو نهي تنزيه عندنا لا نهي تحريم، وكانا بالتناول منها تاركين نفلا وفضلا (1) * (فتكونا من الظالمين) * أي: الباخسين الثواب لأنفسكما بترك هذا المندوب إليه. # * (فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتع إلى حين) * (36) * (فأزلهما) * أي: حملهما على الزلة * (الشيطان) * يعني: إبليس، نسب الزلة إلى الشيطان لما وقعت بدعائه ووسوسته * (عنها) * عن الجنة * (فأخرجهما مما كانا فيه) * من المنزلة والنعمة والدعة، وأضاف الإخراج إلى الشيطان لأنه كان السبب فيه، وإنما أخرج الله آدم من الجنة لأن المصلحة اقتضت بعد تناوله الشجرة ms0029 إهباطه إلى الأرض وابتلاءه بالتكليف وسلبه ثياب الجنة، كما تقتضي الحكمة الإفقار بعد # PageV01P095 # الإغناء والإماتة بعد الإحياء، ومن قرأ: " فأزالهما " (1) فالمعنى: فأزالهما مما كانا فيه من النعيم والكرامة أو من الجنة * (وقلنا اهبطوا) * خطاب لآدم وحواء، والمراد: # هما وذريتهما، لأنهما لما كانا أصل الإنس جعلا كأنهما الإنس كلهم، ويدل عليه قوله في موضع آخر: * (اهبطا منها جميعا) * (2)، * (بعضكم لبعض عدو) * والمعنى فيه: ما عليه الناس من التعادي والمخالفة وتضليل بعضهم لبعض، والهبوط: النزول إلى الأرض، والمستقر: موضع الاستقرار أو الاستقرار (3)، * (ومتع) * أي: تمتع سورة البقرة / 37 و 38 بالعيش * (إلى حين) * إلى يوم القيامة، وقيل: إلى الموت (4). قال السراج (5): لو قيل: * (ولكم في الأرض مستقر ومتع) * لظن أن ذلك غير منقطع، فقيل: * (إلى حين) * أي: إلى حين انقطاعه (6). # PageV01P096 # * (فتلقى ادم من ربه كلمت فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم) * (37) معنى تلقي الكلمات استقبالها بالأخذ والقبول والعمل بها، أي: أخذها * (من ربه) * على سبيل الطاعة، ورغب إلى الله بها، أو سأله بحقها * (فتاب) * الله * (عليه) *. # ومن قرأ: " فتلقى آدم " بالنصب " كلمات " بالرفع (1)، فالمعنى: أن الكلمات استقبلت آدم (عليه السلام) بأن بلغته، والكلمات هي قوله: * (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) * (2)، وقيل: هي قوله: " لا إله إلا أنت ظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت " (3)، وفي رواية أهل البيت (عليهم السلام): أن الكلمات هي أسماء أصحاب الكساء (عليهم السلام) (4). # واكتفى بذكر توبة آدم عن ذكر توبة حواء لأنها كانت تبعا له، و * (التواب) *: # الكثير القبول للتوبة، وهو في صفة العباد: الكثير التوبة. # * (قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم منى هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) * (38) كرر سبحانه * (قلنا اهبطوا) * للتأكيد ولما تبعه من قوله: * (فإما يأتينكم منى هدى) * أي: فإن يأتكم مني هدى برسول أبعثه إليكم وكتاب أنزله عليكم * (فمن تبع هداي) * بأن يقتدي برسولي ويؤمن به وبكتابه * (فلا خوف عليهم) * من العقاب # PageV01P097 # * (ولا هم يحزنون) * على فوت الثواب، وجواب ms0030 الشرط الأول الشرط الثاني مع جوابه، كقولك: إن جئتني فإن قدرت أحسنت إليك. # * (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحب النار هم فيها خلدون) * (39) * (والذين) * جحدوا رسلنا * (وكذبوا) * بدلائلنا (1) ف‍ * (أولئك) * الملازمون للنار * (هم فيها خلدون) * أي: دائمون مؤبدون. # * (يبنى إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون) * (40) لما عم سبحانه جميع خلقه بالخطاب، وذكر لهم الحجج على توحيده، وعدد عليهم صنوف نعمائه خص بني إسرائيل عقيب ذلك بذكر ما أسداه إليهم من النعم، فقال: * (يبنى إسرائيل) * وإسرائيل هو يعقوب لقب له، ومعناه في لسانهم: صفوة الله، وقيل: عبد الله (2) * (اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم) * أي: لا تخلوا بشكرها واستعظموها، وأراد بالنعمة ما أنعم به على آبائهم من كثرة الأنبياء فيهم، وإنجائهم من فرعون، وغير ذلك مما عدده سبحانه عليهم * (وأوفوا بعهدي) * أي: بما سورة البقرة / 41 و 42 عاهدتموني عليه من الإيمان بي والطاعة لي * (أوف بعهدكم) * أي: بما عاهدتكم عليه من حسن الثواب، وقيل: أوفوا بعهدي في محمد (صلى الله عليه وآله) أن من آمن به كان له أجران، ومن كفر به تكاملت أوزاره، أوف بعهدكم أدخلكم الجنة (3). * (وإياي فارهبون) * أي: فلا تنقضوا عهدي، وهو من قولك: زيدا رهبته، و * (وإياي) * # PageV01P098 # منصوب بفعل مضمر يفسره " ارهبون ". # * (وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون) * (41) أي: وصدقوا بما أنزلته على محمد (صلى الله عليه وآله) من القرآن * (مصدقا لما معكم) * من التوراة * (ولا تكونوا أول كافر به) * أي: أول من كفر به، أو أول فريق كافر به، أو ولا يكن كل واحد منكم أول كافر به، كما يقال: كسانا الأمير حلة، أي: كسا كل واحد منا حلة، وهذا تعريض بأنه كان يجب أن يكون اليهود أول من يؤمن به، لمعرفتهم به وبصفته، ولأنهم كانوا يبشرون الناس بزمانه، ويستفتحون على الذين كفروا، وكانوا يقولون: إنا نتبعه أول الناس كلهم، فلما بعث كان أمرهم على العكس، كقوله: * (فلما ms0031 جاءهم ما عرفوا كفروا به) * (1)، وقيل: الضمير في * (به) * لما معكم، لأنهم إذا كفروا بما يصدقه فقد كفروا به (2) * (ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا) * الاشتراء استعارة للاستبدال، كما في قوله: * (اشتروا الضللة بالهدى) * (3) أي: لا تستبدلوا بآياتي ثمنا قليلا، وإلا فالثمن هو المشترى به، والثمن القليل: # الرياسة التي كانت لهم في قومهم خافوا فوتها باتباعه فاستبدلوها بآيات الله. # * (ولا تلبسوا الحق بالبطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون) * (42) الباء في قوله: * (بالبطل) * يجوز أن يكون مثل ما في قولك: لبست الشئ بالشئ: خلطته به، فيكون المعنى: ولا تكتبوا في التوراة ما ليس منها فيختلط * (الحق بالبطل) *، ويجوز أن تكون باء الاستعانة كما في قولك: كتبت بالقلم، # PageV01P099 # فيكون المعنى: ولا تجعلوا الحق ملتبسا مشتبها بباطلكم الذي تكتبونه، * (وتكتموا) * جزم معطوف على * (تلبسوا) * بمعنى: ولا تكتموا، أو منصوب بإضمار " أن " أي: ولا تجمعوا بين لبس الحق بالباطل وكتمان الحق، كقولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن * (وأنتم تعلمون) * أنه حق وتجحدون ما تعلمون. # * (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين) * (43). # أي: وأدوا الصلاة بأركانها، وأعطوا ما فرض الله عليكم من الزكاة * (واركعوا مع الراكعين) * من المسلمين، لأن اليهود لا ركوع لهم في صلاتهم، وقيل: إن المراد به صلاة الجماعة (1). # * (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون) * (44) الهمزة للتقرير مع التوبيخ والتعجيب من حالهم، و " البر ": سعة الخير، ومنه البر لسعته، ويتناول كل خير، ومنه قولهم: صدقت وبررت، وكانوا يأمرون أقاربهم في السر باتباع محمد (صلى الله عليه وآله) ولا يتبعونه * (وتنسون أنفسكم) * تتركونها من البر * (وأنتم تتلون الكتاب) * تبكيت مثل قوله: * (وأنتم تعلمون) * (2)، يعني: تتلون التوراة وفيها صفة محمد (صلى الله عليه وآله) * (أفلا تعقلون) * توبيخ عظيم بمعنى: أفلا تفطنون بقبح ما تقدمون عليه، فيصدكم استقباحه عن ارتكابه فكأنكم قد سلبت عقولكم. # * (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين (45) الذين يظنون أنهم ملقوا ربهم وأنهم إليه راجعون) * (46) سورة البقرة / 45 و 46 * (واستعينوا) * في حوائجكم إلى الله * (ب‍) * الجمع بين * (الصبر ms0032 والصلاة) *، # PageV01P100 # وأن تصلوا صابرين على تكاليف الصلاة وما يجب فيها من إخلاص القلب ودفع الوساوس، أو واستعينوا على البلايا بالصبر عليها والالتجاء إلى الصلاة، وقيل: # الصبر: الصوم (1)، ومنه قيل لشهر رمضان: شهر الصبر (2)، * (وإنها) * الضمير للصلاة أو للاستعانة * (لكبيرة) * أي: شاقة ثقيلة * (إلا على الخاشعين) * لأنهم الذين يتوقعون ما ادخر للصابرين على مشاقها فتهون عليهم، والخشوع: التطأمن والإخبات والخضوع واللين والانقياد * (الذين يظنون أنهم ملقوا ربهم) * أي: # يتوقعون لقاء ثوابه ونيل ما عنده، وفي مصحف عبد الله (3) " يعلمون " (4)، ولذلك فسر * (يظنون) * ب‍ " يتيقنون "، وكان النبي (عليه السلام) يقول: " يا بلال روحنا " (5)، وقال (عليه السلام): " وجعلت قرة عيني في الصلاة " (6). # PageV01P101 # * (يبنى إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأنى فضلتكم على العلمين (47) واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون) * (48) * (وأنى فضلتكم) * في موضع نصب عطف على * (نعمتي) * أي: اذكروا نعمتي وتفضيلي إياكم * (على العلمين) * على الجم الغفير من الناس، كقوله: * (باركنا فيها للعلمين) * (1)، يقال: رأيت عالما من الناس يراد به الكثرة، أو تفضيلي إياكم في أشياء مخصوصة كإنزال المن والسلوى، والآيات الكثيرة كفلق البحر وتغريق فرعون، وكثرة الرسل فيكم (2) * (واتقوا يوما) * يريد يوم القيامة * (لا تجزى) * أي: # لا تقضي * (نفس عن نفس شيئا) * حقا وجب عليها لله أو لغيره، كقوله: * (لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا) * (3) وهذه الجملة منصوبة الموضع صفة ل‍ * (يوما) * والعائد منها إلى الموصوف محذوف تقديره: لا تجزي فيه، حذف الجار ثم حذف الضمير، ومعنى التنكير أن نفسا من الأنفس لا تجزي عن نفس منها شيئا من الأشياء * (ولا يقبل منها شفعة) * هذا مختص باليهود، فإنهم (4) قالوا: " آباؤنا يشفعون لنا " فأويسوا، لأن الأمة مجتمعة على أن لنبينا صلوات الله عليه وآله شفاعة مقبولة وإن اختلفوا في كيفيتها، وإجماعها حجة * (ولا يؤخذ منها عدل) * أي: فدية، لأنها معادلة للمفدي * (ولا هم ينصرون) * يعني: مادلت عليه النفس المنكرة من النفوس الكثيرة، والتذكير بمعنى ms0033 العباد والأناسي كما قالوا: ثلاثة أنفس. # سورة البقرة / 49 و 50 * (وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون # PageV01P102 # أبنائكم ويستحيون نساءكم وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم) * (49) أصل * (آل) * أهل، ولذلك صغر بأهيل، فأبدلت هاؤه ألفا، وخص استعماله بأولي الخطر والشأن كالملوك وأشباههم (1)، و * (فرعون) * علم لمن ملك العمالقة، مثل قيصر لملك الروم، وكسرى لملك الفرس * (يسومونكم) * من سامه خسفا إذا أولاه ظلما، وأصله من سام السلعة إذا طلبها، كأنه بمعنى يبغونكم * (سوء العذاب) * ويريدونكم عليه، و " السوء " مصدر السيئ، وسوء الفعل قبحه، و * (يذبحون) * بيان ل‍ * (يسومونكم) *، ولذلك ترك العاطف، وإنما فعلوا بهم ذلك لأن الكهنة أنذروا فرعون بأنه يولد مولود يكون على يده هلاكه كما أنذر نمرود، فلم يغن عنهما تحفظهما وكان ما شاء الله أن يكون، والبلاء: المحنة إن أشير بذلكم إلى صنيع فرعون، والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء. # * (وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون) * (50) * (فرقنا بكم البحر) * فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه مسالك لكم، يقال: فرق بين الشيئين وفرق - بالتشديد - بين الأشياء، والمعنى في * (بكم) * أنهم كانوا يسلكونه ويتفرق الماء عند سلوكهم، فكأنما فرق بهم، ويجوز أن يراد بسببكم وبسبب إنجائكم، ويجوز أن يكون في موضع الحال بمعنى: فرقناه متلبسا بكم. # وروي: أن بني إسرائيل قالوا لموسى: أين أصحابنا لا نراهم؟ فقال: سيروا فإنهم على طريق مثل طريقكم، قالوا: لا نرضى حتى نراهم، فقال: اللهم أعني على أخلاقهم السيئة، فأوحى الله إليه: أن قل بعصاك هكذا، فصارت فيها كواء فتراءوا # PageV01P103 # وسمع بعضهم كلام بعض (1) * (وأنتم تنظرون) * إلى ذلك وتشاهدونهم لا تشكون فيه. # * (وإذ وا عدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون) * (51) أي: وعدنا موسى أن ننزل عليه التوراة، وضربنا له ميقاتا ذا القعدة وعشر ذي الحجة، وقيل: أربعين ليلة، لأن الشهور عددها بالليالي (2)، ومن قرأ * (وا عدنا) * فلأن الله تعالى وعده الوحي، ووعد هو المجئ للميقات إلى الطور * (ثم اتخذتم العجل من بعده) ms0034 * أي: من بعد مضيه إلى الطور * (وأنتم ظالمون) * باتخاذكم العجل إلها. # * (ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون (52) وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون) * (53) سورة البقرة / 54 * (من بعد ذلك) * أي: من بعد ارتكابكم الأمر العظيم * (لعلكم تشكرون) * النعمة في العفو عنكم * (و) * اذكروا * (إذ) * أعطينا * (موسى الكتاب والفرقان) * أي: الجامع بين كونه كتابا منزلا وفرقانا فارقا بين الحق والباطل يعني التوراة، كقولك: رأيت الغيث والليث، أي: الرجل الجامع بين الجود والجرأة، ونحوه قوله: # * (ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضيآء وذكرا) * (3) أي: الكتاب الجامع بين كونه فرقانا وضياء وذكرا، ويجوز أن يريد ب‍ * (الكتاب) *: التوراة * (و) * ب‍ * (الفرقان) *: البرهان الفارق بين الكفر والإيمان من العصا واليد وغيرهما من # PageV01P104 # الآيات، أو الشرع الفارق بين الحلال والحرام، أو انفراق البحر، أو النصر الذي فرق بينه وبين عدوه، كقوله: * (يوم الفرقان) * (1) يريد يوم بدر. # * (وإذ قال موسى لقومه يقوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم) * (54) * (و) * اذكروا * (إذ قال موسى) * لعبدة العجل من قومه بعد رجوعه إليهم: # * (يقوم إنكم) * أضررتم * (أنفسكم باتخاذكم العجل) * معبودا، والبارئ: الذي برأ (2) الخلق بريئا من التفاوت ومتميزا بعضهم من بعض بالصور والأشكال المختلفة * (فتوبوا إلى) * خالقكم ومنشئكم * (فاقتلوا أنفسكم) * أي: ليقتل بعضكم بعضا، أمر من لم يعبد العجل أن يقتل من عبده. # روي: أن الرجل كان يبصر ولده وقريبه فلم يمكنهم إمضاء أمر الله سبحانه، فأرسل الله عليهم ضبابة (3) لا يتراءون تحتها، وأمروا أن يحتبوا (4) بأفنية بيوتهم، وأخذ الذين لم يعبدوا العجل سيوفهم فقتلوهم إلى المساء حتى دعا موسى وهارون، وقالا: يا رب هلكت بنو إسرائيل، البقية البقية، فكشفت الضبابة ونزلت التوبة، فسقطت الشفار من أيديهم وكانت القتلى سبعين ألفا (5). # * (ذلكم) * إشارة إلى التوبة مع القتل * (خير لكم عند بارئكم) * من إيثار الحياة # PageV01P105 # الفانية، وكرر ذكر بارئكم تعظيما لما أتوا به مع كونه خالقا لهم * (فتاب عليكم) * تقديره: ففعلتم ما أمرتم ms0035 به فتاب عليكم * (إنه هو التواب الرحيم) * القابل للتوبة عن عباده، الرحيم بهم. # * (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصعقة وأنتم تنظرون) * (55) قيل: إن القائلين هذا القول هم السبعون الذين صعقوا (1)، أي: لن نصدقك في قولك * (حتى نرى الله) * عيانا، وهي مصدر من قولك: جهر بالقراءة، كأن الذي يرى بالعين جاهر بالرؤية والذي يرى بالقلب مخافت بها، وانتصابها على المصدر، لأنها نوع من الرؤية فنصبت بفعلها كما تنصب القرفصاء (2) بفعل الجلوس، أو على الحال بمعنى ذوي جهرة، و * (الصعقة) * نار وقعت من السماء فأحرقتهم، وقيل: صيحة جاءت من السماء (3)، والظاهر أنه أصابهم ما ينظرون إليه فخروا صعقين ميتين. # * (ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون) * (56) ثم أحييناكم * (من بعد موتكم) * لاستكمال آجالكم * (لعلكم تشكرون) * نعمة الله بعدما كفرتموها إذ رأيتم بأس الله في رميكم بالصاعقة، أو لعلكم تشكرون نعمة البعث بعد الموت. # سورة البقرة / 57 و 58 * (وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من # PageV01P106 # طيبت ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) * (57) وجعلنا * (الغمام) * يظلكم، وكان ذلك في التيه سخر الله لهم السحاب يسير بسيرهم يظلهم من الشمس، وينزل بالليل عمود من نار يسيرون في ضوئه * (وأنزلنا عليكم المن والسلوى) * كان ينزل عليهم الترنجبين مثل الثلج، ويبعث الله الجنوب فتحشر عليهم السلوى وهي السماني فيذبح الرجل منها ما يكفيه * (كلوا من طيبت ما رزقناكم) * على إرادة القول * (وما ظلمونا) * يعني: فظلموا بأن كفروا هذه النعمة وما ظلمونا، فاختصر لدلالة وما ظلمونا عليه. # * (وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين) * (58) * (القرية) * بيت المقدس، وقيل: أريحا من قرى الشام (1)، أمروا بدخولها بعد التيه، و * (الباب) * باب القرية، وقيل: هو باب القبة التي كانوا يصلون إليها (2)، وهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى، أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكرا لله وتواضعا، وقيل: السجود أن ينحنوا داخلين ليكون دخولهم بخشوع ms0036 (3)، وقيل: طؤطئ لهم الباب ليخفضوا رؤوسهم فلم يخفضوها (4) * (وقولوا حطة) * هي فعلة من الحط كالجلسة والركبة، وهي خبر مبتدأ محذوف، أي: مسألتنا حطة، والأصل النصب بمعنى: حط عنا ذنوبنا حطة، فرفع ليعطي معنى الثبات، كقوله: # * (فصبر جميل) * (5). # PageV01P107 # وروي عن الباقر (عليه السلام) أنه قال: " نحن باب حطتكم " (1). # * (وسنزيد المحسنين) * أي: ومن كان محسنا منكم كانت تلك الكلمة سببا في زيادة ثوابه، ومن كان مسيئا يغفر له ويصفح عن ذنوبه. # * (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون) * (59) أي: فخالف الذين عصوا ووضعوا مكان * (حطة) *، * (قولا غير الذي قيل لهم) * أي: ليس معناه معنى ما أمروا به، ولم يمتثلوا أمر الله، وقيل: إنهم قالوا مكان " حطة ": " حنطة " (2)، وقيل: قالوا: حطا سمقاثا (3)، أي: حنطة حمراء استهزاء منهم بما قيل لهم (4)، وفي تكرير * (الذين ظلموا) * زيادة في تقبيح أمرهم، وإيذان بأن إنزال العذاب عليهم لظلمهم، و " الرجز " العذاب، وروي: أنه مات منهم في ساعة واحدة أربعة وعشرون ألفا من كبرائهم (5). # * (وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين) * (60) سورة البقرة / 61 عطشوا في التيه فاستسقى موسى لهم ودعا لهم بالسقيا * (فقلنا اضرب بعصاك الحجر) * واللام إما للعهد والإشارة إلى حجر معلوم، فقد روي: أنه حجر حمله # PageV01P108 # معه من الطور، وكان حجرا مربعا له أربعة أوجه كانت تنبع من كل وجه ثلاث أعين، لكل سبط عين تسيل في جدول إلى السبط الذي هي له (1)، وإما للجنس، أي: اضرب الشئ الذي يقال له: الحجر، فقد روي عن الحسن: أنه لم يأمره أن يضرب حجرا بعينه، قال: وهذا أظهر في الحجة وأبين في القدرة (2)، * (فانفجرت) * أي: ضرب فانفجرت * (منه اثنتا عشرة عينا) * لكل سبط عين * (قد علم كل أناس) * يريد كل سبط * (مشربهم) * عينهم التي يشربون منها * (كلوا) * على إرادة القول * (واشربوا من رزق الله) * مما ms0037 رزقكم الله من الطعام والشراب وهو المن والسلوى وماء العيون، وقيل: الماء ينبت منه الزروع والثمار فهو رزق يؤكل منه ويشرب (3)، * (ولا تعثوا) * العثي: أشد الفساد، أي: لا تتمادوا في الفساد * (مفسدين) * أي: في حال إفسادكم. # * (وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام وا حد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) * (61) * (وإذ قلتم) * نسب قول أسلافهم إليهم * (يا موسى لن نصبر على طعام وا حد) * أرادوا بالواحد مالا يختلف ولا يتبدل، ولو كان على مائدة الرجل ألوان عدة # PageV01P109 # يداوم عليها كل يوم لا يبدلها جاز أن يقال: لا يأكل فلان إلا طعاما واحدا، ويراد بالوحدة: نفي التبدل والاختلاف * (فادع لنا) * أي: لأجلنا * (ربك يخرج لنا) * أي: # يظهر لنا ويوجد لنا * (مما تنبت الأرض من بقلها) * البقل: ما أنبتته الأرض من الخضر، والفوم: الحنطة، ومنه فوموا لنا أي: اختبزوا، وقيل: هو الثوم (1). قيل: إنهم كانوا قوما فلاحة فنزعوا إلى أصلهم، ولم يريدوا إلا ما ألفوه وضروا به (2) من الأشياء المتفاوتة، كالبقول والحبوب ونحو ذلك (3). # سورة البقرة / 62 - 64 * (قال أتستبدلون الذي هو أدنى) * أي: هو أقرب منزلة وأدون مقدارا، والدنو والقرب يعبر بهما عن قلة المقدار، فيقال: هو أدنى (4) المحل وقريب المنزلة، كما يعبر بالبعد عن عكس ذلك، فيقال: بعيد المحل وبعيد الهمة، يريدون الرفعة والعلو * (اهبطوا مصرا) * أي: انحدروا إليه من التيه، ويمكن أن يريد الاسم العلم، وصرفه مع اجتماع السببين: العلم والتأنيث لسكون وسطه، وإن أريد به البلد فما فيه إلا سبب واحد * (وضربت عليهم الذلة) * أي: جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم، فهم فيها كما أن من ضربت عليه القبة يكون فيها، أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازب، كما يضرب الطين ms0038 على الحائط فيلزمه، فاليهود صاغرون أذلاء أهل مسكنة: إما على الحقيقة، وإما لتفاقرهم خيفة أن تضاعف عليهم الجزية * (وباؤا بغضب من الله) * أي: صاروا أحقاء بغضبه من قولهم: باء فلان بفلان إذا كان حقيقا بأن يقتل به لمساواته له * (ذلك) * إشارة إلى ما تقدم من ضرب الذلة والمسكنة # PageV01P110 # وكونهم أهل غضبه * (بأنهم كانوا يكفرون) * أي: بسبب كفرهم وقتلهم الأنبياء قتلوا زكريا ويحيى وشعيبا وغيرهم * (بغير الحق) * معناه: أنهم قتلوهم بغير الحق عندهم، لأنهم لم يقتلوا ولا أفسدوا في الأرض فيقتلوا * (ذلك) * تكرار للإشارة * (بما عصوا) * بسبب معصيتهم واعتدائهم حدود الله في كل شئ. # * (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صلحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) * (62) * (إن الذين آمنوا) * بألسنتهم وهم المنافقون * (والذين هادوا) * تهودوا، يقال: # هاد وتهود إذا دخل في اليهودية، وهو هائد والجمع هود * (والنصارى) * جمع نصران، يقال: رجل نصران، وامرأة نصرانة، والنصراني الياء فيه للمبالغة كالتي في أحمري، لأنهم نصروا المسيح * (والصابئين) * من صبأ إذا خرج من الدين، وهم قوم عدلوا عن دين اليهودية والنصرانية، وعبدوا الملائكة أو (1) النجوم * (من آمن) * من هؤلاء الكفرة إيمانا خالصا * (وعمل صلحا فلهم أجرهم) * الذي يستوجبونه بإيمانهم وأعمالهم، ومحل * (من آمن) * رفع بالابتداء، وخبره: * (فلهم أجرهم) *، لتضمن * (من) * معنى الشرط، والجملة خبر * (إن) *، أو نصب بدل من اسم * (إن) * والمعطوف عليه، وخبر * (إن) *: * (فلهم أجرهم) *. # * (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون (63) ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين) * (64) # PageV01P111 # * (و) * اذكروا * (إذ أخذنا ميثاقكم) * بالعمل على ما في التوراة * (ورفعنا فوقكم الطور) * حتى قبلتم وأعطيتم الميثاق، وذلك أن موسى (عليه السلام) جاءهم بالألواح، فرأوا ما فيها من التكاليف الشاقة فأبوا قبولها، فأمر جبرئيل فقلع الطور من أصله ورفعه فوقهم، وقال لهم موسى: إن قبلتم وإلا ألقي عليكم، حتى قبلوا وسجدوا لله تعالى ملاحظين إلى الجبل، فمن ms0039 ثم يسجد اليهود على أحد شقي وجوههم * (خذوا) * على إرادة القول، أي: قلنا: * (خذوا ما آتيناكم) * من الكتاب * (بقوة) * أي: بجد ويقين وعزيمة * (واذكروا ما فيه) * وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه * (لعلكم تتقون) * رجاء منكم أن تكونوا متقين * (ثم توليتم) * ثم أعرضتم عن الميثاق والوفاء به * (فلولا فضل الله عليكم ورحمته) * وتوفيقه للتوبة * (لكنتم من الخاسرين) * لخسرتم. # * (ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين (65) فجعلناها نكلا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين) * (66) سورة البقرة / 67 و 68 * (السبت) * مصدر سبتت (1) اليهود إذا عظمت يوم السبت، المعنى: * (ولقد) * عرفتم * (الذين اعتدوا منكم) * أي: جاوزوا ما حد لهم في السبت من تعظيمه واشتغلوا بالصيد، وذلك أن الله ابتلاهم فما كان يبقى حوت في البحر إلا ظهر يوم السبت، فإذا مضى تفرقت، فحفروا حياضا عند البحر وشرعوا إليها الجداول، فكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد، فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم، * (فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين) * أي: كونوا جامعين بين القردية # PageV01P112 # والخسوء * (فجعلناها) * يعني: المسخة * (نكلا) * عبرة تنكل من اعتبرها، أي: # تمنعه * (لما بين يديها) * لما قبلها * (وما خلفها) * وما بعدها من الأمم والقرون، لأن مسختهم ذكرت في كتب الأولين فاعتبروا بها، واعتبر بها من بلغتهم من الآخرين، أو أريد بما بين يديها ما بحضرتها من الأمم * (وموعظة للمتقين) * الذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم، أو لكل متق. # * (وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجهلين (67) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون) * (68) كان في بني إسرائيل شيخ موسر قتله قرابة له ليرثوه، فطرحوه على طريق سبط من أسباط بني إسرائيل، ثم جاءوا يطلبون بدمه، فأمرهم الله أن يذبحوا * (بقرة) * ويضربوه ببعضها ليحيى فيخبرهم بقاتله * (قالوا أتتخذنا هزوا) * أتجعلنا أهل هزؤ أو مهزوءا بنا أو الهزؤ نفسه ms0040 * (قال أعوذ بالله أن أكون من الجهلين) * أي: من المستهزئين، ليدل على أن الاستهزاء لا يصدر إلا عن الجاهل، وقرئ: # " هزؤا " (1) و: " هزءا " (2) مثل كفؤا وكفؤا، وبالضمتين والواو فيهما * (قالوا ادع لنا ربك) * أي: سل لنا ربك، وكذا هو في قراءة عبد الله (3) * (ما هي) * سؤال عن حالها # PageV01P113 # وصفتها، وذلك أنهم تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيى، فسألوا عن صفة تلك البقرة العجيبة الشأن * (قال) * موسى * (إنه) * سبحانه * (يقول إنها بقرة) * لا مسنة ولا فتية، فرضت البقرة فروضا أي: أسنت * (عوان بين ذلك) * أي: نصف وسط بين الصغيرة والكبيرة، وجاز دخول * (بين) * على * (ذلك) *، لأنه في معنى شيئين حيث وقع مشارا به إلى ما ذكر من الفارض والبكر، وجاز أن يشار به إلى مؤنثين لأنه في تأويل ما ذكر وما تقدم * (فافعلوا ما تؤمرون) * أي: ما تؤمرونه بمعنى تؤمرون به، ويجوز أن يكون بمعنى أمركم أي: مأموركم، تسمية للمفعول بالمصدر كضرب الأمير. # * (قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر النظرين (69) قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشبه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون (70) قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقى الحرث مسلمة لاشية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلون) * (71) سورة البقرة / 70 و 71 * (فاقع) * توكيد ل‍ * (صفراء) * (1)، ولم يقع خبرا عن " اللون "، و * (لونها) * فاعله، لأن اللون من سبب الصفراء ومتلبس بها، فلا فرق بين أن يقول: صفراء فاقع لونها وصفراء فاقعة، وعن وهب: إذا نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها (2). والسرور: لذة في القلب عند حصول نفع أو توقعه، وقولهم: # * (ما هي) * مرة ثانية تكرير للسؤال عن حالها وصفتها ليزدادوا بيانا لوصفها. # وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " لو اعترضوا أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم، # PageV01P114 # ولكن شددوا فشدد الله عليهم، والاستقصاء شؤم " (1). # * (إن البقر تشبه علينا) * أي: إن البقر ms0041 الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا أيها نذبح * (وإنا إن شاء الله لمهتدون) * إلى البقرة المراد ذبحها، أو إلى ما خفي علينا من أمر القاتل. # وفي الحديث: " لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد " (2) أي: لو لم يقولوا: # * (إن شاء الله) *. # * (لا ذلول) * لم تذلل للكراب (3) وإثارة الأرض * (ولا) * هي من النواضح، ف‍ * (تسقى الحرث) * و * (لا) * الأولى للنفي والثانية مزيدة لتوكيد الأولى، لأن المعنى: لا ذلول تثير (4) وتسقي، على أن الفعلين صفتان ل‍ " ذلول "، كأنه قيل: لا ذلول مثيرة وساقية * (مسلمة) * سلمها الله تعالى من العيوب، أو معفاة من العمل سلمها أهلها منه، أو مخلصة اللون من سلم له كذا إذا خلص له * (لاشية فيها) * لم يشب صفرتها شئ من الألوان، فهي صفراء كلها حتى قرنها وظلفها، وهي في الأصل مصدر وشاه وشيا وشية: إذا خلط بلونه لونا آخر، ومنه ثور موشي القوائم * (قالوا الآن جئت بالحق) * أي: بحقيقة وصف البقرة الجامعة لهذه الأوصاف كلها * (فذبحوها) *، وقوله: * (وما كادوا يفعلون) * استبطاء لهم واستثقال لاستقصائهم، أي: ما كادوا يذبحونها وما كادت تنتهي سؤالاتهم، وقيل: وما كادوا # PageV01P115 # يذبحونها لغلاء ثمنها (1)، وقيل: لخوف الفضيحة في ظهور القاتل (2). # فأما اختلاف العلماء في أن تكليفهم كان واحدا وهو ذبح البقرة المخصوصة باللون والصفات أو كان متغايرا وكلما راجعوا تغيرت مصلحتهم إلى تكليف آخر فمذكور في كتاب مجمع البيان (3)، فمن أراد ذلك فليقف عليه هناك. والنسخ قبل الفعل جائز، وقبل وقت الفعل غير جائز، لأنه يؤدي إلى البداء. # * (وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون (72) فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحى الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون) * (73) سورة البقرة / 74 خوطبت الجماعة لوجود القتل فيهم * (فادارأتم) * أي: اختلفتم * (فيها) * واختصمتم في أمرها، لأن المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضا أي: يدفعه، أو تدافعتم بأن طرح بعضكم قتلها على بعض فدفع المطروح عليه الطارح، أو دفع بعضكم بعضا عن البراءة واتهمه * (والله مخرج) * أي: مظهر * (ما كنتم تكتمون‍) * - ه من أمر القتل (4) ولا يتركه مكتوما، ms0042 وهذه جملة اعتراضية بين المعطوف والمعطوف عليه وهما " ادارأتم " و " قلنا "، والضمير في * (اضربوه) * إما أن يرجع إلى النفس على تأويل الشخص، أو إلى القتيل لما دل عليه قوله: * (ما كنتم تكتمون) *، * (ببعضها) * ببعض البقرة، والتقدير: فضربوه فحيي * (كذلك يحى الله الموتى) * فحذف لأن ما أبقي يدل على ما ألقي، روي: أنهم لما ضربوه قام بإذن الله وأوداجه تشخب دما، وقال: قتلني فلان، فقتل ولم يورث قاتل بعد ذلك (5) * (ويريكم آياته) * دلائله # PageV01P116 # على أنه قادر على كل شئ * (لعلكم تعقلون) * أي: تعملون (1) على قضية عقولكم في أن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء النفوس كلها، لعدم الاختصاص حتى لا تنكروا البعث. # وإنما قدمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتل (2) مع تقدمه، لأن الغرض ذكر قصتين كل واحدة منهما تختص بنوع من التقريع، فلو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة وذهب الغرض في ذلك. # * (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهر وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغفل عما تعملون) * (74) * (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك) * المعنى في * (ثم) * استبعاد القسوة من بعد ما ذكر مما يوجب لين القلوب ورقتها من إحياء القتيل وغير ذلك من الآيات * (فهي) * في قسوتها مثل الحجارة * (أو أشد قسوة) * منها، والمعنى: أن من عرفها شبهها بالحجارة أو قال: هي أقسى من الحجارة، أو من عرف حالها شبهها بالحجارة أو بجوهر أقسى منها * (وإن من الحجارة) * بيان لفضل قسوة قلوبهم على الحجارة، والتفجر: التفتح بالسعة والكثرة، والمعنى: أن من الحجارة ما فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الكثير * (وإن منها لما يشقق) * أي: يتشقق، أدغم التاء في الشين، أي: ينشق طولا أو عرضا فينبع منه الماء * (وإن منها لما يهبط) * أي: يتردى من أعلى الجبل، والخشية مجاز عن انقيادها لأمر الله، وقلوب هؤلاء لا تنقاد ولا تفعل (3) ما أمرت به * (وما ms0043 الله بغفل عما تعملون) * أيها المكذبون، # PageV01P117 # ومن قرأ بالياء (1) فالمراد: عما يعمل هؤلاء أيها المسلمون. # * (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلم الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون) * (75) الخطاب لرسول الله (صلى الله عليه وآله) والمسلمين، أي: * (أفتطمعون أن يؤمنوا) * لأجل دعوتكم فيستجيبوا * (لكم) * كما قال: * (فامن له لوط) * (2)، * (وقد كان فريق منهم) * أي: طائفة من أسلاف اليهود * (يسمعون كلم الله) * في التوراة * (ثم يحرفونه) * كما حرفوا صفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وآية الرجم * (من بعد ما عقلوه) * أي: # فهموه وضبطوه ولم يبق لهم شبهة في صحته * (وهم يعلمون) * أنهم كاذبون، يعني: # إن حرف هؤلاء فلهم سابقة في ذلك. # * (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون (76) أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون) * (77) سورة البقرة / 78 * (وإذا لقوا الذين آمنوا) * يعني: اليهود * (قالوا آمنا) * بأنكم على الحق، وبأن محمدا (صلى الله عليه وآله) هو النبي المبشر به في التوراة * (وإذا خلا بعضهم إلى بعض) * أي: صاروا في الموضع الذي ليس فيه غيرهم * (قالوا) * أي: قال بعضهم لبعض * (أتحدثونهم بما فتح الله عليكم) * بما بين لكم في التوراة من صفة محمد (صلى الله عليه وآله) * (ليحاجوكم به عند ربكم) * ليحتجوا عليكم بما أنزل ربكم في كتابه، جعلوا محاجتهم به وقولهم: هو في كتابكم هكذا محاجة عند الله، كما يقال: هو عند الله # PageV01P118 # هكذا، أو هو في كتاب الله هكذا بمعنى واحد، أو يكون المراد ليكون لهم الحجة عليكم عند الله في إيمانهم بمحمد (صلى الله عليه وآله) إذ كنتم مخبرين بصحة أمره من كتابكم * (أفلا تعقلون) * أن ذلك حجة عليكم * (أولا) * يعلم هؤلاء اليهود * (أن الله يعلم ما يسرون) * من الكفر * (وما يعلنون) * من الإيمان. # * (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون) * (78) * (أميون) * لا يحسنون الكتابة فيطالعوا التوراة ويتحققوا ما فيها ms0044 * (لا يعلمون الكتاب) * أي: التوراة * (إلا أماني) * إلا ما هم عليه من أمانيهم: أن الله يعفو عنهم ولا يؤاخذهم بخطاياهم وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، وقيل: إلا أكاذيب مختلقة (1) من علمائهم فيقبلونها على التقليد (2)، كما قال أحدهم: هذا شئ رويته أم تمنيته، أي: اختلقته، وقيل: إلا ما يقرؤون (3)، من قول الشاعر: # تمنى كتاب الله أول ليله (4) وهذا من الاستثناء المنقطع كقوله: * (مالهم به من علم إلا اتباع الظن) * (5)، * (وإن هم) * أي: وما هم * (إلا يظنون) * أي: يشكون وهم متمكنون من العلم بالحق. # * (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله # PageV01P119 # ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون) * (79) * (فويل للذين يكتبون الكتاب) * المحرف * (بأيديهم) * تأكيد، كما تقول: رآه بعينه وسمعه بأذنه، والويل: كلمة التحسر والتفجع وهو في الآية العذاب * (ليشتروا به ثمنا قليلا) * أي: ليأخذوا به ما كانوا يأخذونه من عوامهم من الأموال، وصفه بالقلة لأن متاع الدنيا قليل، وقوله: * (مما يكسبون) * أي: من الرشى. # * (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون) * (80) وقالت اليهود: * (لن تمسنا النار) * أي: لن تصيبنا النار * (إلا أياما معدودة) * أي: قلائل أربعين يوما عدد أيام عبادة العجل، وعن مجاهد: قالوا: مدة الدنيا سبعة آلاف سنة وإنما نعذب مكان كل ألف سنة يوما (1)، * (فلن يخلف الله عهده) * متعلق بمحذوف تقديره: إن اتخذتم عنده عهدا فلن يخلف الله عهده، و * (أم) * إما أن تكون معادلة لهمزة الاستفهام بمعنى: أي الأمرين كائن على سبيل التقرير، لأن العلم واقع بكون أحدهما، وإما أن تكون منقطعة بمعنى: بل أتقولون. # * (بلى من كسب سيئة وأحطت به خطيته فأولئك أصحب النار هم فيها خلدون (81) والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحب الجنة هم فيها خلدون) * (82) سورة البقرة / 83 * (بلى) * إثبات لما بعد حرف النفي وهو قوله: * (لن تمسنا النار) * أي: بلى تمسكم النار على سبيل الخلود بدلالة قوله: * (هم ms0045 فيها خلدون) *، والسيئة هنا: # PageV01P120 # الشرك، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة (1) وغيرهم (2) وهو الصحيح، لأن ما عدا الشرك لا يستحق به الخلود في النار عندنا (3) * (وأحطت به خطيته) * أي: # أحدقت به من كل جانب كقوله: * (وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) * (4)، أو أهلكته كقوله: * (إلا أن يحاط بكم) * (5) و * (أحيط بثمره) * (6)، والمراد: سدت عليه طريق النجاة، وقيل: المراد بذلك الإصرار على الذنب (7). وفي قوله: * (والذين آمنوا) * الآية وعد لأهل التصديق والطاعة بالثواب (8) الدائم كما أوعد قبله أهل الجحود والإصرار على الكبائر الموبقة بالعقاب الدائم. # * (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمسكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون) * (83) * (لا تعبدون) * إخبار في معنى النهي، كما يقال: تذهب إلى فلان تقول له كذا وكذا، يراد به الأمر، وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي، لأنه كأنه قد سورع إلى امتثاله فأخبر عنه، ويؤيده قراءة عبد الله وأبي: " لا تعبدوا " (9)، ولابد من إرادة # PageV01P121 # القول، ويدل عليه قوله: * (وقولوا) *، وتقدير قوله: * (وبالوالدين إحسانا) *: # وتحسنون بالوالدين إحسانا أو أحسنوا، وقيل: إن قوله: * (لا تعبدون) * جواب القسم، لأن أخذ الميثاق في معنى القسم، كأنه قيل: وإذ أقسمنا عليهم لا تعبدون (1)، وقيل: معناه أن لا تعبدوا فلما حذف " أن " رفع (2)، كقوله: # ألا أيهذا الزاجري أحضر الوغى (3) سورة البقرة / 84 و 85 * (وذي القربى) * أي: وبذي القربى أن تصلوا قرابته، وباليتامى أن تعطفوا عليهم بالشفقة والرأفة، وبالمساكين أن تؤتوهم حقوقهم * (وقولوا للناس حسنا) * أي: قولا هو حسن في نفسه لإفراط حسنه، وقرئ: " حسنا " (4) و " حسنى " (5) على المصدر كبشرى، وعن الباقر (عليه السلام): " قولوا للناس ما تحبون أن يقال لكم " (6) * (وأقيموا الصلاة) * أي: أدوها بحدودها وأركانها * (وآتوا الزكاة) * أعطوها أهلها * (ثم توليتم) * هذا على طريق الالتفات، أي: توليتم عن الميثاق وتركتموه * (إلا قليلا منكم) * وهم الذين أسلموا منهم * (وأنتم معرضون) * عادتكم الإعراض عن المواثيق. # PageV01P122 # * (وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم ms0046 وأنتم تشهدون) * (84) * (لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم) * أي: لا يفعل ذلك بعضكم ببعض، جعل غير الرجل نفسه إذا اتصل به أصلا أو دينا، وقيل: المعنى فيه أنه إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه لأنه يقتص منه (1) * (ثم أقررتم) * بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه * (وأنتم تشهدون) * عليها، وقيل: أنتم تشهدون اليوم يا معاشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق (2). # * (ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديرهم تظهرون عليهم بالاثم والعدوان وإن يأتوكم أسرى تفدوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزى في الحياة الدنيا ويوم القيمة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغفل عما تعملون) * (85) * (ثم أنتم هؤلاء) * استبعاد لما أسند إليهم من القتل والإجلاء والعدوان بعد أخذ الميثاق منهم وإقرارهم وشهادتهم، يعني: ثم أنتم بعد ذلك هؤلاء المشاهدون، يعني: أنكم قوم آخرون غير أولئك المقرين تنزيلا لتغير الصفة منزلة تغير الذات، كما تقول: رجعت بغير الوجه الذي خرجت به، وقوله: * (تقتلون) * بيان لقوله: * (ثم أنتم هؤلاء) *، وقيل: * (هؤلاء) * موصول بمعنى " الذين " (3). وقرئ: # PageV01P123 # * (تظهرون) * بحذف التاء (1) و " تظاهرون " بإدغامها (2)، والأصل تتظاهرون، أي: تتعاونون عليهم * (وإن يأتوكم أسرى) * وقرئ: " أسرى " (3) * (تفدوهم) * أي: وأنتم مع قتلكم من تقتلون منهم إذا وجدتموه (4) أسيرا في أيدي غيركم فديتموهم، وقتلكم وإخراجكم إياهم من ديارهم حرام عليكم كما أن تركهم أسارى في أيدي غيركم حرام عليكم، فكيف تستجيزون قتلهم ولا تستجيزون ترك فدائهم من عدوهم؟! وقرئ: * (تفدوهم) * لأن الفعل بين اثنين، و * (هو) * ضمير الشأن و * (محرم عليكم إخراجهم) * خبره، ويجوز أن يكون مبهما تفسيره * (إخراجهم) *، * (أفتؤمنون ببعض الكتاب) * أي: بالفداء * (وتكفرون ببعض) * أي: # بالقتال والإجلاء، وذلك أن قريظة كانوا حلفاء الأوس، والنضير كانوا حلفاء الخزرج، فكان كل فريق منهم يقاتل مع حلفائه، فإذا غلبوا خربوا ديارهم سورة البقرة / 86 و 87 وأخرجوهم، وإذا أسر رجل من الفريقين فدوه. والخزي: قتل بني قريظة وإجلاء بني النضير، وقيل: الجزية (5) * (ويوم القيمة يردون إلى أشد ms0047 العذاب) * الذي أعده الله لأعدائه، وقرئ: " تردون " (6) و " يعملون " بالتاء والياء (7). # PageV01P124 # * (أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون) * (86) أي: رضوا ب‍ * (الحياة الدنيا) * عوضا من نعيم الآخرة * (فلا يخفف عنهم) * عذاب الدنيا بنقصان الجزية وكذلك عذاب الآخرة * (ولا هم ينصرون) * أي: لا ينصرهم أحد بالدفع عنهم. # * (ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون) * (87) * (الكتاب) * التوراة، آتاه إياها جملة واحدة * (وقفينا) * أي: أتبعنا، من القفا، وقفاه به: أتبعه إياه، أي: أرسلنا على إثره كثيرا من الرسل، كقوله: * (ثم أرسلنا رسلنا تترا) * (1)، و * (عيسى) * بالسريانية: أيشوع، و * (مريم) * بمعنى الخادم * (البينات) * المعجزات الواضحات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والإخبار بالمغيبات * (وأيدناه بروح القدس) * بالروح المقدسة، كما يقال: حاتم الجود، لأنه لم تضمه الأصلاب والأرحام الطوامث، وقيل: بجبرئيل (2)، وقيل: باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره (3). # PageV01P125 # والمعنى: * (ولقد آتينا) * يا بني إسرائيل أنبيائكم ما آتيناهم * (أفكلما جاءكم رسول) * منهم بالحق * (استكبرتم) * عن الإيمان به، فوسط بين الفاء وما تعلقت به همزة التوبيخ والتعجيب من شأنهم، ويجوز أن يريد: ولقد آتيناهم ما آتيناهم ففعلتم ما فعلتم، ثم وبخهم على ذلك، ودخول الفاء لعطفه على المقدر، ولم يقل: # وفريقا قتلتم لأنه أريد الحال الماضية، لأن الأمر فظيع فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب. # * (وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون) * (88) * (قلوبنا غلف) * جمع أغلف، أي: هي خلقت مغشاة بأغطية لا يصل إليها ما جاء به محمد (صلى الله عليه وآله) ولا تفقهه (1)، مستعار من الأغلف الذي لم يختن، كقولهم: # * (قلوبنا في أكنة) * (2)، ثم رد الله عليهم بقوله: * (بل لعنهم الله بكفرهم) * أي: ليس ذلك كما زعموا: أن قلوبهم خلقت كذلك، لأنها خلقت على الفطرة، لكن الله لعنهم وخذلهم بسبب كفرهم وأبعدهم من رحمته * (فقليلا ما يؤمنون) * فإيمانا قليلا يؤمنون، و * (ما) * مزيدة، وهو إيمانهم ms0048 ببعض الكتاب، ويجوز أن يكون القلة بمعنى العدم. # * (ولما جاءهم كتب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين) * (89) سورة البقرة / 90 و 91 * (كتب من عند الله) * هو القرآن * (مصدق لما معهم) * من الكتب المنزلة: # التوراة والإنجيل وغيرهما، لا يخالفها، وجواب * (لما) * محذوف وهو نحو كذبوا # PageV01P126 # به وما أشبهه (1)، وقيل: إن قوله: * (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به) * في موضع جواب * (لما) * الأول وكرر " لما " لطول الكلام (2)، وقيل: إن جواب الثاني أغنى عن جواب الأول (3) * (وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا) * يستنصرون على المشركين إذا قاتلوهم، يقولون: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته في التوراة، وكانوا يقولون: قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم (4) * (فلما جاءهم ما عرفوا) * من الحق * (كفروا به) * بغيا وحسدا وحرصا على الرياسة * (فلعنة الله) * أي: غضبه وعذابه * (على الكافرين) * أي: عليهم وضع الظاهر موضع الضمير (5). # * (بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباؤا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين (90) وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين) * (91) " ما " نكرة منصوبة مفسرة لفاعل " بئس "، أي: بئس شيئا * (اشتروا به # PageV01P127 # أنفسهم) * والمخصوص بالذم * (أن يكفروا) * واشتروا بمعنى باعوا * (بغيا) * أي: # حسدا وطلبا لما ليس لهم، وهو مفعول له * (أن ينزل الله من فضله) * أي: على أن ينزل الله من فضله الذي هو الوحي والنبوة * (على من يشاء من عباده) * ويقتضي حكمته إرساله * (فباؤا بغضب على غضب) * فصاروا أحقاء لغضب متوال، لأنهم كفروا بنبي الحق وبغوا عليه، وقيل: بكفرهم بمحمد (صلى الله عليه وآله) بعد عيسى (عليه السلام) (1)، وقوله: # * (بما أنزل الله) * مطلق في كل كتاب ms0049 أنزله الله، وقوله: * (بما أنزل علينا) * مقيد بالتوراة * (ويكفرون بما وراءه) * أي: قالوا ذلك والحال أنهم يكفرون بما وراء التوراة * (وهو الحق مصدقا لما معهم) * منها غير مخالف له، وفيه رد لمقالتهم، لأنهم إذا كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها * (قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين) * اعتراض (2) عليهم بقتلهم الأنبياء مع ادعائهم الإيمان بالتوراة، والتوراة لا ترخص في قتل الأنبياء. # * (ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون) * (92) يعني: * (جاءكم موسى) * بالمعجزات الدالة على صدقه * (ثم اتخذتم العجل) * إلها معبودا من بعد مجيئه، أو من بعد موسى لما مضى إلى ميقات ربه * (وأنتم ظالمون) * وأنتم واضعون العبادة في غير موضعها، فتكون الجملة حالا أو تكون اعتراضا بمعنى: وأنتم قوم عادتكم الظلم. # سورة البقرة / 93 و 94 * (وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة # PageV01P128 # واسمعوا قالوا سمعنا وعصينا وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمنكم إن كنتم مؤمنين) * (93) كرر سبحانه ذكر * (الطور) * ورفعه فوقهم، لما في الثانية من الزيادة غير المذكورة في الأولى مع ما فيه من التوكيد * (واسمعوا) * لما أمرتم به في التوراة * (قالوا سمعنا) * قولك * (وعصينا) * أمرك * (وأشربوا في قلوبهم العجل) * أي: # تغلغل في بواطنهم وتداخلها حب العجل والحرص على عبادته كما يتداخل الثوب الصبغ، وقوله: * (في قلوبهم) * بيان لمكان الإشراب، كقوله: * (إنما يأكلون في بطونهم نارا) * (1)، * (بكفرهم) * أي: بسبب كفرهم * (قل بئسما يأمركم به إيمنكم) * بالتوراة، لأنه ليس في التوراة عبادة العجل، وإضافة الأمر إلى إيمانهم تهكم، كما قال قوم شعيب: * (أصلاتك تأمرك) * (2)، وكذلك إضافة الإيمان إليهم، وقوله: * (إن كنتم مؤمنين) * تشكيك في إيمانهم، وقدح في صحة دعواهم له. # * (قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين) * (94) * (خالصة) * نصب على الحال من * (الدار الآخرة) * والمراد الجنة، أي: خالصة لكم خاصة بكم ليس لأحد سواكم فيها حق كما تزعمون في قولكم: * (لن يدخل الجنة إلا من ms0050 كان هودا) * (3)، و * (الناس) * للجنس، وقيل: للعهد وهم المسلمون (4) * (فتمنوا الموت) * لان من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاق إليها وتمنى سرعة # PageV01P129 # الوصول إلى نعيمها، كما روي: أن عليا (عليه السلام) كان يطوف بين الصفين بصفين في غلالة، فقال له ابنه الحسن (عليه السلام): ما هذا بزي المحاربين، فقال: يا بني لا يبالي أبوك على الموت سقط أم عليه سقط الموت (1). # ويروى: أن حبيب بن مظاهر (2) ضحك يوم الطف، فقيل له في ذلك، فقال: # وأي موضع أحق بالسرور من هذا الموضع؟! والله ما هو إلا أن يقبل علينا هؤلاء القوم (3) بسيوفهم فنعانق الحور العين (4). # * (ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين) * (95) هذا من المعجزات لأنه إخبار بالغيب، وكان كما أخبر به، وفي الحديث: " لو تمنوا الموت لغص كل إنسان منهم بريقه فمات مكانه، وما بقي على وجه الأرض يهودي " (5)، * (بما قدمت أيديهم) * أي: بما أسلفوا من موجبات النار من تحريف كتاب الله والكفر بمحمد (صلى الله عليه وآله) وغير ذلك من أنواع الكفر، والتمني: قول الإنسان بلسانه: ليت لي كذا * (والله عليم بالظالمين) * تهديد لهم. # سورة البقرة / 96 * (ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا يود # PageV01P130 # أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر والله بصير بما يعملون) * (96) هو من وجدت بمعنى علمت في قولهم: وجدت زيدا ذا الحفاظ، ومفعولاه " هم " و * (أحرص الناس) *، ونكر * (حياة) * لأنه أراد على حياة مخصوصة متطاولة * (ومن الذين أشركوا) * محمول على المعنى، لأن معنى * (أحرص الناس) * أحرص من الناس، وجاز ذلك وإن دخل الذين أشركوا تحت الناس لأنهم أفردوا بالذكر من جهة أن حرصهم أشد، ويجوز أن يراد: وأحرص من الذين أشركوا، فحذف لدلالة * (أحرص الناس) * عليه، وفيه توبيخ شديد لأن حرص المشركين على الحياة غير مستبعد لأنها جنتهم ولم يؤمنوا بعاقبة، فإذا زادوا عليهم في الحرص وهم مقرون بالجزاء كانوا أحقاء بأعظم التوبيخ، وقيل: أراد بالذين أشركوا المجوس لأنهم كانوا يقولون لملوكهم: عش ألف نيروز (1)، وقيل: ms0051 * (ومن الذين أشركوا) * كلام مبتدأ، أي: ومنهم ناس يود أحدهم، على حذف الموصوف، كقوله: * (وما منا إلا له مقام معلوم) * (2) (3)، والضمير في * (وما هو) * لأحدهم، و * (أن يعمر) * فاعل ل‍ " مزحزحه "، أي: وما أحدهم بمزحزحه من العذاب تعميره، وقيل: الضمير لما دل عليه يعمر من مصدره و * (أن يعمر) * بدل منه (4)، ويجوز أن يكون * (هو) * مبهما و * (أن يعمر) * مبينه، والزحزحة: التنحية والتبعيد، وقوله: * (لو يعمر) * في معنى التمني، وكان القياس: لو أعمر إلا أنه أجري على لفظ الغيبة لقوله: * (يود أحدهم) * كقولك: حلف بالله ليفعلن، فقوله: * (لو يعمر) * # PageV01P131 # حكاية لودادتهم. # * (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنين (97) من كان عدوا لله وملئكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين) * (98) روي: أن عبد الله بن صوريا - وهو من أحبار فدك - سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عمن يهبط عليه بالوحي، فقال: جبرئيل، فقال: ذاك عدونا ولو كان غيره لآمنا بك، فنزلت (1) جوابا لقوله وردا عليه * (قل) * يا محمد: * (من) * عادى جبرئيل من أهل الكتاب * (فإنه) * نزل القرآن، أضمر ما لم يسبق ذكره، وفيه فخامة لشأنه، إذ جعله لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه * (على قلبك) * أي: حفظه إياك وفهمكه بإذن الله، أي: بتيسيره وتسهيله، والمعنى: أنه لا وجه لمعاداته حيث نزل كتابا * (مصدقا لما بين يديه) * من الكتب فيكون مصدقا لكتابهم، فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه في إنزاله ما يصحح الكتاب المنزل عليهم * (وهدى وبشرى) * أي: وهاديا ومبشرا * (للمؤمنين) * بالنعيم الدائم، وإنما أعاد ذكر جبرئيل وميكائيل بعد ذكر الملائكة لفضلهما، فأفردهما بالذكر كأنهما من جنس آخر، وهو مما ذكر: أن التغاير في الوصف ينزل منزلة التغاير في الذات. # الصادق (عليه السلام) كان يقرأ جبريل وميكال بغير همزة. # سورة البقرة / 99 - 101 * (فإن الله عدو للكافرين) * أراد عدو لهم، وضع الظاهر موضع الضمير ليدل # PageV01P132 # على أنه سبحانه إنما عاداهم لكفرهم، وأن عداوة الملائكة كفر. # * (ولقد أنزلنا إليك آيات ms0052 بينت وما يكفر بها إلا الفاسقون (99) أوكلما عهدوا عهدا نبذه فريق منهم بل أكثرهم لا يؤمنون) * (100) * (آيات) * أي: معجزات ظاهرات واضحات * (وما يكفر بها إلا) * المتمردون من الكفرة، وعن الحسن: إذا استعمل الفسق في نوع من المعاصي وقع على أعظم ذلك النوع من كفر وغيره (1)، واللام في * (الفاسقون) * للجنس، والأولى أن يكون إشارة إلى أهل الكتاب * (أو كلما) * الواو للعطف على محذوف، معناه: * (أ) * كفروا بالآيات البينات * (وكلما عهدوا) * واليهود موصوفون بنقض العهد (2) قال سبحانه: * (الذين عهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة) * (3)، والنبذ: الرمي بالشئ ورفضه، وقال: * (فريق منهم) * لأن منهم من لم ينقض * (بل أكثرهم لا يؤمنون) * بالتوراة وليسوا من الدين في شئ، فلا يبالون بنقض الميثاق ولا يعدونه ذنبا. # * (ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون) * (101) * (كتب الله) * يعني: التوراة، لأنهم بكفرهم برسول الله المصدق لها كافرون بها نابذون لها، أو يريد القرآن نبذوه بعد أن لزمهم أن يتلقوه بالقبول، كأنهم لا يعلمون أنه كتاب الله، يعني: أنهم يعلمون ذلك ولكنهم يكابرون ويعاندون، ونبذوه * (وراء ظهورهم) * مثل لتركهم وإعراضهم عنه. # PageV01P133 # * (واتبعوا ما تتلوا الشيطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشيطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هروت ومروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتريه ماله في الآخرة من خلق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون) * (102) سورة البقرة / 103 المعنى: أن هذا الفريق المذكور من اليهود نبذوا كتاب الله * (واتبعوا ما تتلوا الشيطين) * أي: واتبعوا كتب السحر التي كانت تقرأها الشياطين على عهد ملك سليمان وفي زمانه، وكانوا يقولون: هذا علم سليمان، وبه يسخر الجن والإنس والريح * (وما كفر سليمان) * هذا تكذيب للشياطين ودفع ms0053 لما بهتوه به من العمل بالسحر وسماه كفرا * (ولكن الشيطين) * هم الذين * (كفروا) * باستعمال السحر وتدوينه في كتب يقرؤونها ويعلمونها * (الناس) * يقصدون بذلك إغواءهم * (وما أنزل على الملكين) * (1)، قيل: هو عطف على * (ما تتلوا) * أي: واتبعوا ما أنزل على الملكين (2)، * (ببابل هروت ومروت) * (3) عطف بيان للملكين علمان لهما، والذي أنزل عليهما علم السحر ابتلاء من الله للناس، من تعلمه منهم وعمل به كان # PageV01P134 # كافرا، ومن تجنبه أو تعلمه لأن لا يعمل به ولكن ليتوقاه كان مؤمنا، كما ابتلي قوم طالوت بالنهر * (فمن شرب منه فليس منى ومن لم يطعمه فإنه منى) * (1) * (وما يعلمان من أحد) * أي: وما يعلم الملكان أحدا * (حتى) * ينبهاه و * (يقولا) * له * (إنما نحن فتنة) * أي: ابتلاء واختبار من الله * (فلا تكفر) * أي: فلا تتعلم معتقدا أنه حق فتكفر * (فيتعلمون) * الضمير لما دل عليه من أحد، أي: فيتعلم الناس من الملكين * (ما يفرقون به بين المرء وزوجه) * أي: علم السحر الذي يكون سببا في التفريق بين الزوجين من حيلة وتمويه كالنفث في العقد ونحو ذلك مما يحدث الله عنده الفرك (2) والنشوز والخلاف ابتلاء منه * (وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله) * لأنه ربما يحدث الله عنده فعلا من أفعاله وربما لم يحدث * (ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم) * لأنهم يقصدون به الشر * (ولقد علموا) * أي: علم هؤلاء اليهود * (لمن اشتريه) * أي: استبدل * (ما تتلوا الشيطين) * على كتاب الله * (ماله في الآخرة من خلق) * أي: نصيب * (ولبئس ما شروا به أنفسهم) * أي: باعوها * (لو كانوا يعلمون) * أي: يعملون بعلمهم، جعلهم حين لم يعملوا كأنهم لم يعلموا. # * (ولو أنهم آمنوا واتقوا لمثوبة من عند الله خير لو كانوا يعلمون) * (103) يريد * (ولو أنهم آمنوا) * برسول الله * (واتقوا) * الله فتركوا ما هم عليه من نبذ كتاب الله واتباع كتب الشياطين * (لمثوبة من عند الله خير) * أي: * (لو كانوا يعلمون) * أن ثواب الله خير مما هم فيه، وقد علموا ولكنه سبحانه جهلهم لتركهم # PageV01P135 # العمل بالعلم. # وجواب * (لو) * قوله: * (لمثوبة من عند ms0054 الله خير) *، وإنما أوثرت الجملة الإسمية على الفعلية لما في ذلك من الدلالة على ثبات المثوبة واستقرارها، والمعنى: لشئ من الثواب خير لهم، وقيل: إن جواب * (لو) * محذوف يدل الكلام عليه أي: لأثيبوا (1). # * (يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم) * (104) كان المسلمون يقولون لرسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا ألقى إليهم شيئا من العلم: * (راعنا) * يا رسول الله، أي: راقبنا وانتظرنا حتى نفهمه ونحفظه، وكانت لليهود كلمة يتسابون بها وهي " راعينا "، فلما سمعوا بقول المسلمين: * (راعنا) * افترصوه (2) وخاطبوا الرسول به وهم يعنون تلك اللفظة عندهم، فنهي المؤمنون عنها وأمروا بما هو في معناها وهو * (انظرنا) * من نظره: إذا انتظره * (واسمعوا) * وأحسنوا سماع ما يكلمكم به النبي (صلى الله عليه وآله) بآذان (3) واعية حتى لا تحتاجوا إلى الاستعادة (4) وطلب المراعاة، أو واسمعوا سماع قبول وطاعة ولا يكن مثل سماع اليهود حيث قالوا: # * (سمعنا وعصينا) * (5)، * (وللكافرين) * أي: ولليهود الذين سبوا رسول الله * (عذاب) * مؤلم. # سورة البقرة / 105 - 107 * (ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل # PageV01P136 # عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم) * (105) * (من) * الأولى للبيان، لأن * (الذين كفروا) * جنس تحته نوعان: * (أهل الكتاب) * والمشركون، والثانية مزيدة للاستغراق، والثالثة لابتداء الغاية. والخير: # الوحي، وكذلك الرحمة كقوله: * (أهم يقسمون رحمت ربك) * (1) والمعنى: أن اليهود والمشركين يرون أنفسهم أحق بالوحي فيحسدونكم، وما يحبون * (أن ينزل عليكم) * شئ من الوحي * (والله يختص) * بالنبوة * (من يشاء) * ولا يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة * (والله ذو الفضل العظيم) * إيذان بأن إيتاء النبوة من الفضل العظيم، كقوله: * (إن فضله كان عليك كبيرا) * (2). # * (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير (106) ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض ومالكم من دون الله من ولى ولا نصير) * (107) نسخ الآية: إزالتها بإبدال أخرى مكانها، وإنساخها: الأمر بنسخها، ونسؤها: # تأخيرها وإذهابها لا إلى بدل، ms0055 وإنساؤها: أن يذهب بحفظها عن القلوب، والمعنى: # أن كل * (آية) * نذهب بها على ما توجبه الحكمة وتقتضيه المصلحة من إزالة لفظها وحكمها معا، أو من إزالة أحدهما إلى بدل، أولا إلى بدل * (نأت بخير منها) * للعباد، أي: بآية العمل بها أحوز للثواب * (أو مثلها) * في ذلك الثواب * (ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير) * فهو يقدر على الخير وما هو خير منه وعلى مثله في ذلك و * (أن الله له ملك السماوات والأرض) * فهو يملك تدبيركم ويجريه على حسب # PageV01P137 # مصالحكم، وهو أعلم بما يتعبدكم (1) به من ناسخ ومنسوخ * (ومالكم) * سوى * (الله من ولى) * يقوم بأموركم * (ولا نصير) * أي: ناصر ينصركم. # * (أم تريدون أن تسلوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالأيمن فقد ضل سواء السبيل) * (108) لما بين سبحانه أنه مدبر أمورهم أراد أن يوصيهم بالثقة به فيما هو أصلح لهم مما يتعبدهم به، وأن لا يقترحوا على رسولهم ما اقترحته آباء اليهود على موسى من الأشياء التي كانت عقباها وبالا عليهم، كقولهم: * (أرنا الله جهرة) * (2) وغير ذلك * (ومن يتبدل الكفر بالأيمن) * بأن ترك الثقة بالآيات وشك فيها واقترح غيرها * (فقد ضل سواء السبيل) * أي: ذهب عن قصد الطريق واستقامته. # * (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمنكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شئ قدير) * (109) سورة البقرة / 110 - 112 معناه: تمنى * (كثير من أهل الكتاب) * كحي بن أخطب وكعب بن الأشرف وأمثالهما * (لو يردونكم) * على معنى: أن يردوكم يا معشر المؤمنين، أي: يرجعوكم * (من بعد إيمنكم كفارا حسدا) * منهم لكم بما أعد الله لكم من الثواب والفضل، وانتصب * (حسدا) * بأنه مفعول له، وتعلق قوله: * (من عند أنفسهم) * ب‍ * (ود) * أي: # ودوا ذلك وتمنوه من قبل أنفسهم وشهواتهم لا من قبل الميل مع الحق، لأنهم ودوا ذلك * (من بعد ما تبين لهم) * أنكم على * (الحق) * فكيف يكون تمنيهم من قبل ms0056 الحق؟! ويجوز أن يتعلق ب‍ * (حسدا) * أي: حسدا من أصل نفوسهم فيكون # PageV01P138 # على طريق التوكيد * (فاعفوا واصفحوا) * أي: فاسلكوا معهم سبيل العفو والصفح عما يكون منهم من الجهل والعداوة * (حتى يأتي الله بأمره) * الذي هو قتل بني قريظة وإجلاء بني النضير وإذلال من سواهم من اليهود بضرب الجزية عليهم * (إن الله على كل شئ قدير) * فهو يقدر على الانتقام منهم. # * (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما تعملون بصير) * (110) لما أمر سبحانه المسلمين بالصفح عنهم عقبه بالأمر بالصلاة والزكاة ليستعينوا بهما على ما شق عليهم من شدة عداوة اليهود لهم كما قال: * (واستعينوا بالصبر والصلاة) * (1)، * (وما تقدموا... من خير) * من صلاة أو صدقة أو غيرهما من الطاعات تجدوا ثوابه * (عند الله إن الله بما تعملون بصير) * عالم لا يضيع عنده عمل عامل. # * (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهنكم إن كنتم صادقين (111) بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) * (112) الضمير في * (قالوا) * لأهل الكتاب، والمعنى: وقالت اليهود: * (لن يدخل الجنة إلا من كان هودا) * وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان * (نصارى) * فلف بين القولين، ثقة بأن السامع يرد إلى كل فريق قوله، وأمنا من الالتباس لما علم من الخلاف بين الفريقين، ونحوه قوله: * (وقالوا كونوا هودا أو نصارى) * (2). والهود جمع الهائد، ووحد اسم " كان " حملا على لفظ " من " في قوله: * (من كان هودا) * # PageV01P139 # وجمع خبره حملا على معناه * (تلك أمانيهم) * إشارة إلى أمنيتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم، وأمنيتهم أن يردوهم كفارا (1)، و (2) أمنيتهم أن لا يدخل الجنة غيرهم، أي: تلك الأماني الكاذبة أمانيهم * (قل هاتوا برهنكم) * أي: حجتكم * (إن كنتم صادقين) * في قولكم: * (لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) *، وفي هذا دليل على أن كل قول لا دليل عليه فهو باطل، وهات بمعنى أحضر * (بلى) ms0057 * إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة * (من أسلم وجهه لله) * أي: من أخلص نفسه لله لا يشرك به غيره * (وهو محسن) * في عمله * (فله أجره) * الذي يستوجبه، ويجوز أن يكون * (من أسلم) * مبتدأ ويكون * (من) * متضمنا معنى الشرط وجوابه * (فله أجره) *، ويجوز أن يكون فاعلا لفعل محذوف، أي: * (بلى) * يدخلها * (من أسلم) * ويكون * (فله أجره) * معطوفا على يدخلها * (من أسلم) *. # * (وقالت اليهود ليست النصرى على شئ وقالت النصرى ليست اليهود على شئ وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيمة فيما كانوا فيه يختلفون) * (113) سورة البقرة / 114 * (على شئ) * مبالغة عظيمة، أي: ليسوا على شئ يصح ويعتد به، كقولهم: # أقل من لا شئ * (وهم يتلون الكتاب) * الواو للحال والكتاب للجنس، أي: قالوا ذلك وحالهم أنهم من أهل العلم والتلاوة للكتب * (كذلك) * أي: مثل ذلك الذي سمعت به وعلى ذلك المنهاج * (قال) * الجهلة * (الذين) * لا علم عندهم ولا كتاب، كعبدة الأوثان والدهرية ونحوهم قالوا لأهل كل دين: ليسوا على شئ، وهذا توبيخ لهم حيث نظموا نفوسهم مع علمهم في سلك من لا يعلم * (فالله يحكم) * بين # PageV01P140 # اليهود والنصارى * (يوم القيمة فيما كانوا فيه يختلفون) * فيريهم من يدخل الجنة ومن يدخل النار عيانا. # * (ومن أظلم ممن منع مسجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين لهم في الدنيا خزى ولهم في الآخرة عذاب عظيم) * (114) * (أن يذكر) * في موضع النصب بأنه المفعول الثاني ل‍ * (منع) *، تقول: منعته كذا، ومثله * (وما منع الناس أن يؤمنوا) * (1)، ويجوز أن يكون منصوبا بأنه مفعول له بمعنى: منعها كراهة أن يذكر، وهو حكم عام في جنس * (مسجد الله) * وأن مانعها من ذكر الله في غاية الظلم. # وروي عن الصادق (عليه السلام): " أن المراد بذلك قريش حين منعوا رسول الله دخول مكة والمسجد الحرام " (2)، وبه قال بعض المفسرين (3). # وقال بعضهم: إنهم الروم، غزوا بيت المقدس وسعوا في خرابه إلى أن أظهر الله ms0058 المسلمين عليهم في أيام عمر (4) فصاروا لا يدخلونها * (إلا خائفين) * يتهيبون المؤمنين أن يبطشوا بهم. # وعلى القول الأول فقد روي: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر أن ينادى: ألا لا يحجن بعد هذا العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان (5)، فالمعنى: * (أولئك) * المانعون (ما كان لهم) * في حكم الله * (أن) * يدخلوا مساجد الله * (إلا خائفين) *، لأن الله # PageV01P141 # تعالى قد حكم وكتب في اللوح أنه يعز الدين، وينصر عليهم المؤمنين * (لهم في الدنيا خزى) * أي: قتل وسبي أو ذلة بضرب الجزية عليهم، وقيل: بفتح مدائنهم قسطنطينية ورومية عند قيام المهدي (عليه السلام) (1) * (ولهم في الآخرة عذاب عظيم) * في نار جهنم. # * (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله وا سع عليم) * (115) * (ولله) * بلاد * (المشرق والمغرب) * والأرض كلها هو مالكها * (فأينما تولوا) * أي: ففي أي مكان فعلتم التولية، يعني: تولية وجوهكم شطر القبلة، بدليل قوله: * (فول وجهك شطر المسجد الحرام) * الآية (2)، * (فثم وجه الله) * أي: جهته التي أمر بها ورضيها، والمعنى: أنكم إذا منعتم أن تصلوا في المسجد الحرام فقد جعلت لكم الأرض مسجدا في أي بقعة شئتم من بقاعها، وافعلوا التولية فيها، فإن التولية لا تختص بمسجد دون مسجد * (إن الله وا سع) * الرحمة يريد التوسعة على عباده والتيسير عليهم * (عليم) * بمصالحهم، وقيل: إنها نزلت في صلاة التطوع على الراحلة للمسافر أينما توجهت (3)، وهو المروي عنهم (عليهم السلام) (4). # سورة البقرة / 116 - 118 * (وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السماوات والأرض كل له قانتون (116) بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول # PageV01P142 # له كن فيكون) * (117) ثم رد الله على اليهود والنصارى قولهم: * (اتخذ الله ولدا) * وهم الذين قالوا: # " المسيح ابن الله " و " عزير ابن الله "، وعلى من قال: " الملائكة بنات الله "، * (سبحانه) * تنزيه له عن ذلك وتبعيد * (بل له ما في السماوات والأرض) * وهو خالقه ومالكه، ومن جملته الملائكة وعزير والمسيح * (كل له قانتون) * مطيعون منقادون لا يمتنع شئ منهم عن تقديره وتكوينه ومشيته، ومن كان ms0059 بهذه الصفة لم يجانس له تعالى، ومن حق الولد أن يكون من جنس الوالد، والتنوين في * (كل) * عوض من المضاف إليه، أي: كل من في السماوات والأرض، وجاء بلفظة " ما " دون " من " كقوله (1): سبحان ما سخركن لنا. # ويقال: بدع الشئ فهو بديع، و * (بديع السماوات) * من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها، أي: بديع سماواته وأرضه، وقيل: هو بمعنى المبدع (2). وقوله: # * (كن فيكون) * أي: أحدث فيحدث، وهو من " كان " التامة، وهذا تمثيل ولا قول هناك، والمعنى: أن ما قضاه من الأمور وأراد كونه يتكون ويدخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف، كما أن المأمور المطيع إذا أمر لا يتوقف، (3) أكد بهذا استبعاد الولادة، لأن من كانت هذه صفته في كمال القدرة فحاله مباينة لحال الأجسام في توالدها. # * (وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشبهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون) * (118) # PageV01P143 # أي: * (وقال) * الجاهلون من المشركين، وقيل: من أهل الكتاب (1)، نفى عنهم العلم لأنهم لم يعملوا به * (لولا يكلمنا الله) * أي: هلا يكلمنا (2) كما يكلم الملائكة وكلم موسى، استكبارا منهم وعتوا * (أو تأتينا آية) * هذا جحود منهم لأن يكون ما آتاهم من آيات الله آيات * (كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم) * حيث اقترحوا الآيات على موسى (عليه السلام) * (تشبهت قلوبهم) * أي: قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى كقوله سبحانه: * (أتواصوا به) * (3)، * (قد بينا الآيات لقوم) * ينصفون ف‍ * (يوقنون) * أنها آيات يجب الاعتراف بها والاكتفاء بوجودها عن غيرها. # * (إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا ولا تسل عن أصحب الجحيم (119) ولن ترضى عنك اليهود ولا النصرى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولى ولا نصير) * (120) سورة البقرة / 121 - 123 * (إنا أرسلناك) * لأن تبشر وتنذر لا لتجبر على الإيمان، وهذه تسلية له (عليه السلام) لئلا يضيق صدره بإصرارهم على الكفر، ولا نسألك * (عن أصحب الجحيم) * مالهم لم يؤمنوا ms0060 بعد أن بلغت واجتهدت في الدعوة، وأما قراءة نافع: " ولا تسأل " (4) فهو على النهي، وقيل: إن معناه تفخيم الشأن (5) كما يقول القائل: لا تسأل عن حال فلان، أي: قد صار إلى أكثر مما تريده، أو أنت لا تستطيع استماع # PageV01P144 # خبره، وكان اليهود قالوا: لن نرضى عنك وإن طلبت رضانا جهدك (1) حتى تتبع ملتنا، فحكى الله كلامهم، ولذلك قال: * (قل إن هدى الله هو الهدى) * جوابا لهم عن قولهم، يعني: أن هدى الله الذي هو الإسلام هو الهدى الحق والذي يصح أن يسمى هدى * (ولئن اتبعت) * أقوالهم التي هي أهواء وبدع * (بعد الذي جاءك من العلم) * أي: من الدين المعلوم صحته بالدلائل والبراهين. # * (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون) * (121) يعني: * (الذين) * آمنوا من جملة أهل الكتاب * (يتلونه حق تلاوته) * لا يحرفونه ولا يغيرون ما فيه من نعت رسول الله (صلى الله عليه وآله). # الصادق (عليه السلام) قال: " إن حق تلاوته هو الوقوف عند ذكر الجنة والنار، يسأل في الأولى ويستعيذ في الأخرى " (2). # * (أولئك يؤمنون) * بكتابهم دون المحرفين * (ومن يكفر به) * من المحرفين * (فأولئك هم الخاسرون) * حيث اشتروا الضلالة بالهدى. # * (يبنى إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأنى فضلتكم على العلمين (122) واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفعة ولا هم ينصرون) * (123) قد تقدم مثل الآيتين (3)، ولما بعد ما بين الكلامين حسن الإعادة والتكرير إبلاغا في التنبيه والاحتجاج، وتأكيدا للتذكير. # PageV01P145 # * (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) * (124) العامل في " إذ " مضمر نحو " أذكر "، * (وإذ ابتلى إبراهيم) * أي: اختبر إبراهيم * (ربه بكلمات) * بأوامر ونواه، واختبار الله عبده مجاز عن تمكينه من اختيار أحد الأمرين: ما يريده الله وما يشتهيه العبد، كأنه يمتحنه ما يكون منه حتى يجازيه على حسب ذلك * (فأتمهن) * أي: فقام بهن حق القيام وأداهن حق التأدية من غير تفريط وتقصير، أو يكون ms0061 تقديره: وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات كان كيت وكيت، ويجوز أن يكون العامل في " إذ " قوله: * (قال إني جاعلك) *، ويكون على القول الأول قد استؤنف الكلام، كأنه قيل: فماذا قال له ربه حين أتم الكلمات؟ فقيل: # * (قال إني جاعلك للناس إماما) *، وعلى الثاني هي جملة معطوفة على ما قبلها، أو يكون بيانا وتفسيرا لقوله: * (ابتلى) *. # سورة البقرة / 125 ويراد بالكلمات ما ذكره من الإمامة. وقيل في " الكلمات ": هي خمس في الرأس: الفرق وقص الشارب والسواك والمضمضة والاستنشاق، وخمس في البدن: الختان والاستحداد (1) والاستنجاء وتقليم الأظفار ونتف الإبط (2). وقيل: # هي ثلاثون خصلة من شرائع الإسلام: عشر في " البراءة ": * (التائبون العابدون) * (3) وعشر في " الأحزاب ": * (إن المسلمين والمسلمات) * (4) وعشر في " المؤمنون " (5) و " سأل سائل " إلى قوله: " والذين هم على صلاتهم # PageV01P146 # يحافظون " (1) (2). وقيل: هي مناسك الحج (3)، وقيل: هي الكلمات التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه وهي أسماء محمد وأهل بيته عليه وعليهم السلام، عن الصادق (عليه السلام) (4). # والإمام اسم من يؤتم به، جعله سبحانه إماما يأتمون به في دينهم ويقوم بتدبيرهم وسياسة أمورهم، وقوله: * (ومن ذريتي) * عطف على الكاف، كأنه قال: # وجاعل بعض ذريتي؟ كما يقال لك: سأكرمك، فتقول: وزيدا؟ * (قال لا ينال عهدي الظالمين) * أي: من كان ظالما من ذريتك لا يناله استخلافي وعهدي إليه بالإمامة، وإنما ينال من لا يفعل ظلما، وهذا يدل على وجوب العصمة للإمام، لأن من ليس بمعصوم فقد يكون ظالما إما لنفسه وإما لغيره. # * (وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود) * (125) * (البيت) * اسم غالب للكعبة كالنجم للثريا * (مثابة للناس) * مرجعا يثاب إليه كل عام * (وأمنا) * موضع أمن كقوله: * (حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم) * (5)، ولأن الجاني يأوي إليه فلا يتعرض له حتى يخرج * (واتخذوا) * على إرادة القول، أي: وقلنا لهم: اتخذوا منه موضع صلاة تصلون فيه، و * (مقام إبراهيم) * الموضع الذي كان فيه الحجر حين وضع إبراهيم (عليه السلام) عليه قدميه، أمرنا ms0062 # PageV01P147 # بالصلاة عنده بعد الطواف، وقرئ: " واتخذوا " بلفظ الماضي (1) عطفا على * (جعلنا) * أي: واتخذ الناس * (من مقام إبراهيم) * موضع صلاة. # ومن قرأ: * (واتخذوا) * على الأمر وقف على قوله: * (وأمنا) *، ومن قرأ: # " واتخذوا " على الخبر لم يقف، لأن قوله: " واتخذوا " عطف على * (جعلنا) * (2). # * (وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل) * أمرناهما ب‍ * (أن طهرا بيتي) * أو أي طهرا بيتي، فتكون * (أن) * المفسرة التي تكون عبارة عن القول، أي طهراه من الأوثان والخبائث كلها، وأضاف " البيت " إلى نفسه تفضيلا له على سائر البقاع * (للطائفين) * أي: للدائرين حوله * (والعاكفين) * أي: المجاورين له والمقيمين بحضرته * (والركع السجود) * أي: المصلين عنده، لأن الركوع والسجود من هيئات المصلي. # * (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر قال ومن كفر فأمتعه قليلا ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير) * (126) سورة البقرة / 127 و 128 أي: * (اجعل هذا) * البلد وهو مكة * (بلدا آمنا) * ذا أمن، كقوله: * (في عيشة راضية) * (3) أي: ذات رضى، وبلد أهل أي: ذو أهل، أو آمنا يؤمن فيه كقولهم: ليل نائم، أي: ينام فيه * (وارزق أهله) * يعني: وارزق المؤمنين منهم خاصة، لأن قوله: # PageV01P148 # * (من آمن منهم) * بدل من * (أهله) *، * (ومن كفر) * عطف على * (من آمن) * كما أن قوله: * (ومن ذريتي) * عطف على الكاف في * (جاعلك) *. # وإنما خص إبراهيم (عليه السلام) المؤمنين بالدعاء حتى قال سبحانه: * (ومن كفر) *، لأن الله كان أعلمه أنه يكون في ذريته ظالمون بقوله: * (لا ينال عهدي الظالمين) * فعرفه سبحانه الفرق بين الرزق والإمامة، لأن الاستخلاف استرعاء يختص بمن لا يقع منه الظلم بخلاف الرزق فإنه قد يكون استدراجا للمرزوق وإلزاما للحجة. # والمعنى: * (قال) * وأرزق من كفر * (فأمتعه) *، ويجوز أن يكون * (ومن كفر) * مبتدأ متضمنا معنى الشرط و * (فأمتعه) * جوابا للشرط، أي: ومن كفر فأنا أمتعه، وقرئ: " فأمتعه " (1)، * (ثم أضطره) * أي: أدفعه * (إلى عذاب النار) * دفع المضطر الذي لا يملك الامتناع مما اضطر إليه. # * (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت ms0063 السميع العليم (127) ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم) * (128) * (يرفع) * حكاية حال ماضية، و * (القواعد) *: جمع القاعدة وهي الأساس لما فوقه، وهي صفة غالبة ومعناها الثابتة، ورفع القواعد: البناء عليها لأنها إذا بني عليها ارتفعت، ويجوز أن يكون المراد بها سافات (2) البناء لأن كل ساف قاعدة # PageV01P149 # لما يبنى عليه ويوضع فوقه، وروي: أن إبراهيم (عليه السلام) كان يبني وإسماعيل يناوله الحجارة (1) * (ربنا) * أي يقولان: ربنا، وهذا الفعل في محل النصب على الحال * (تقبل منا) * فيه دلالة على أنهما بنيا الكعبة مسجدا لا مسكنا، لأنهما التمسا القبول الذي معناه الإثابة، والثواب إنما يطلب على الطاعات * (إنك أنت السميع) * لدعائنا * (العليم) * بنياتنا، وإنما لم يقل: قواعد البيت بل أبهمت * (القواعد) * ثم بينت بعد الإبهام لما في الإيضاح بعد الإبهام من تفخيم شأن المبين * (ربنا واجعلنا مسلمين لك) * أي: مخلصين لك أوجهنا من قوله: * (أسلم وجهه لله) * (2) أو مستسلمين لك خاضعين منقادين، ومعناه: زدنا إخلاصا أو خضوعا وإذعانا لك * (ومن ذريتنا) * أي: واجعل من ذريتنا * (أمة مسلمة لك) *، و * (من) * للتبعيض أو للتبيين كقوله: * (وعد الله الذين آمنوا منكم) * (3)، وروي عن الصادق (عليه السلام): أنه سورة البقرة / 129 - 130 أراد بالأمة بني هاشم خاصة (4)، * (وأرنا مناسكنا) * أي: وعرفنا وبصرنا متعبداتنا في الحج لنقضي عباداتنا على حد ما توقفنا عليه، وقد قرئ بسكون الراء (5) من * (أرنا) * قياسا على (6) فخذ في " فخذ "، وهي قراءة مسترذلة، إلا أن يقرأ بإشمام الكسرة (7) * (وتب علينا) * قالا هذه الكلمة انقطاعا إلى الله ليقتدى بهما، أو استتابا # PageV01P150 # لذريتهما * (إنك أنت) * القابل للتوبة * (الرحيم) * بعبادك. # * (ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم) * (129) * (وابعث) * في الأمة المسلمة * (رسولا منهم) * من أنفسهم وهو نبينا محمد (صلى الله عليه وآله)، قال (عليه السلام): " أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى، ورؤيا أمي " (1). # * (يتلوا عليهم آياتك) * يقرأ عليهم ويبلغهم ما يوحى إليه * (ويعلمهم الكتاب) * وهو القرآن * (والحكمة) ms0064 * وهي الشريعة وبيان الأحكام * (ويزكيهم) * ويطهرهم من الشرك والأدناس * (إنك أنت العزيز) * القوي في كمال قدرتك * (الحكيم) * المحكم لبدائع صنعك. # * (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصلحين) * (130) * (ومن يرغب عن ملة إبراهيم) * التي هي الحق والحقيقة، وهو إنكار واستبعاد لأن يكون في العقلاء من يرغب عنه، و * (من سفه) * في محل الرفع على البدل من الضمير المستكن في * (يرغب) *، ومعنى * (سفه نفسه) * امتهنها واستخف بها، وأصل السفه: الخفة، وقيل: إن * (نفسه) * منصوبة على التمييز (2) نحو غبن رأيه، وقيل: معناه سفه في نفسه، فحذف الجار (3) كقولهم: زيد ظني مقيم، أي: في ظني، والأول أوجه * (ولقد اصطفيناه) * بيان لخطأ رأي من رغب عن ملته، أي: اجتبيناه # PageV01P151 # بالرسالة * (وإنه في الآخرة لمن الصلحين) * الفائزين، ومن جمع الكرامة عند الله في الدارين لم يكن أحد أولى بأن يرغب في طريقته منه. # * (إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العلمين (131) ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يبنى إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) * (132) سورة البقرة / 133 * (إذ قال) * ظرف ل‍ * (اصطفيناه) * أي: اخترناه في ذلك الوقت، ومعنى * (قال له ربه أسلم) *: أخطر بباله النظر في الدلائل المفضية به إلى التوحيد والإسلام * (قال أسلمت) * أي: فنظر وعرف، وقيل: إن معنى * (أسلم) * أذعن وأطع (1). # وقرئ: " وأوصى " بالألف (2) والضمير في * (بها) * لقوله: * (أسلمت لرب العلمين) * على تأويل الكلمة والجملة، ومثله الضمير في قوله: * (وجعلها كلمة باقية) * (3) فإنه يرجع إلى قوله: * (إنني برآء مما تعبدون إلا الذي فطرني) * (4) * (ويعقوب) * عطف على * (إبراهيم) * داخل في حكمه، يعني: * (ووصى بها) * يعقوب بنيه أيضا * (اصطفى لكم الدين) * معناه: أعطاكم الدين الذي هو صفوة الأديان وهو دين الإسلام، ووفقكم للأخذ به * (فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون) * أي: فلا يكن موتكم إلا على حال كونكم ثابتين على الإسلام، فالنهي على الحقيقة # PageV01P152 # عن كونهم مخالفي الإسلام إذا ماتوا، والنكتة في إدخال حرف النهي على الموت أن فيه إظهارا لكون الموت ms0065 على خلاف الإسلام موتا لا خير فيه. # * (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدى قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق إلها وا حدا ونحن له مسلمون) * (133) * (أم) * هي المنقطعة، أي: بل أ * (كنتم شهداء) *، ومعنى الهمزة فيها الإنكار، أي: ما كنتم حاضرين يعقوب، والشهيد: الحاضر * (إذ حضر يعقوب الموت) * أي: # حين احتضر، والخطاب للمؤمنين، يعني: ما شهدتم ذلك وإنما حصل لكم العلم به من طريق الوحي، وقيل: الخطاب لليهود (1) لأنهم كانوا يقولون ما مات نبي إلا على اليهودية، فتكون * (أم) * على هذا متصلة على أن يقدر قبلها محذوف، كأنه قيل: أتدعون على الأنبياء اليهودية أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت (2)، يعني: أن أوائلكم كانوا شاهدين له إذ أراد بنيه على ملة الإسلام وقد علمتم ذلك، فما لكم تدعون على الأنبياء ما هم منه براء؟ * (ما تعبدون من بعدى) * أي: أي شئ تعبدون من بعدي؟ أي: من بعد وفاتي، فحذف المضاف، و * (إبراهيم وإسماعيل وإسحق) * عطف بيان ل‍ * (آبائك) *، وجعل إسماعيل وهو عمه من جملة آبائه لأن العم أب والخالة أم لانخراطهما في سلك واحد وهو الأخوة لا تفاوت بينهما * (إلها وا حدا) * بدل من * (إله آبائك) *، * (ونحن له مسلمون) * حال من فاعل * (نعبد) * أو من مفعوله لرجوع الضمير إليه في * (له) *، ويجوز أن # PageV01P153 # يكون جملة معطوفة على * (نعبد) * أو جملة اعتراضية، أي: ومن حالنا أنا له مسلمون (1). # * (تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون) * (134) * (تلك) * إشارة إلى الأمة المذكورة التي هي إبراهيم ويعقوب وبنوهما الموحدون، والمعنى أن أحدا لا ينفعه كسب غيره متقدما كان أو متأخرا، وذلك أنهم افتخروا بأوائلهم * (ولا تسئلون عما كانوا يعملون) * لا تؤاخذون بسيئاتهم كما لا تنفعكم حسناتهم. # * (وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين) * (135) سورة البقرة / 136 - 138 الضمير في * (قالوا) * يرجع إلى اليهود والنصارى، أي: قالت اليهود: * (كونوا ms0066 هودا) * وقالت النصارى: كونوا * (نصارى تهتدوا) * تصيبوا طريق الهدى والحق * (قل بل ملة إبراهيم) * بل نكون أهل ملة إبراهيم كقول عدي بن حاتم (2): إني من دين، أي: من أهل دين (3)، وقيل: بل نتبع ملة إبراهيم (4) و * (حنيفا) * حال من # PageV01P154 # المضاف إليه كقولك رأيت وجه هند قائمة، والحنيف المائل عن كل دين إلى دين الحق * (وما كان من المشركين) * تعريض بأهل الكتاب وغيرهم، لأن كلا منهم يدعي اتباع ملة إبراهيم وهو على الشرك. # * (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) * (136) * (قولوا) * خطاب للمسلمين، أمرهم الله سبحانه بإظهار ما تدينوا به على الشرح، فبدأ بالإيمان * (بالله) * لأنه أول الواجبات، وثنى بالإيمان بالقرآن والكتب المنزلة على الأنبياء المذكورين * (والأسباط) * حفدة يعقوب وذراري أبنائه الاثني عشر، جمع السبط: وهو الحافد، وكان الحسن والحسين (عليهما السلام) سبطي رسول الله (صلى الله عليه وآله) * (لا نفرق بين أحد منهم) * لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى، و * (أحد) * في معنى الجماعة ولذلك صح دخول * (بين) * عليه. # * (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم (137) صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عبدون) * (138) * (فإن آمنوا) * أي: إن آمن هؤلاء الكفار * (بمثل ما آمنتم به) * أي: مثل إيمانكم بالله وكتبه ورسله، والباء مزيدة، و * (ما) * مصدرية * (فقد اهتدوا) * أي: فقد سلكوا طريق الهداية * (وإن تولوا) * عما تقولون لهم ولم ينصفوا، أو تولوا عن الدخول في مثل إيمانكم * (فإنما هم في شقاق) * أي: مناواة ومعاندة لا غير، وليسوا من طلب الحق في شئ * (فسيكفيكهم الله) * هذا ضمان من الله لإظهار PageV01P155 # نبيه (صلى الله عليه وآله) عليهم وكفايته من يشاقه من اليهود والنصارى، وفيه دلالة على صحة نبوته، لأنه سبحانه قد أنجز وعده فوافق المخبر الخبر، ومعنى السين: أن ذلك كائن ms0067 لا محالة وإن تأخر إلى حين * (وهو السميع العليم) * وعيد لهم، أو وعد لرسول الله، أي: يسمع ما ينطقون به ويعلم ما يضمرون فيعاقبهم على ذلك، أو يسمع ما تدعو به ويعلم نيتك وإرادتك من إظهار الدين وهو مستجيب لك * (صبغة الله) * مصدر مؤكد ينتصب عن قوله: * (آمنا بالله) * كما انتصب * (وعد الله) * (1) عما تقدمه، وهي فعلة من " صبغ " كالجلسة من " جلس "، وهي الحالة التي يقع عليها الصبغ، والمعنى: تطهير الله، لأن الإيمان يطهر النفوس، والأصل فيه: أن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية (2) ويقولون: هو تطهير لهم، فأمر المسلمون أن يقولوا: آمنا وصبغنا الله بالإيمان * (صبغة) * لا مثل صبغتكم، وطهرنا به تطهيرا لا مثل تطهيركم، ولا صبغة أحسن من صبغة الله * (ونحن له عبدون) * عطف على * (آمنا بالله) *. # * (قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون) * (139) سورة البقرة / 140 و 141 أمر نبيه أن يقول لليهود وغيرهم: * (أتحاجوننا في الله) * أي: أتجادلوننا في أمر الله واصطفائه النبي من العرب دونكم * (وهو ربنا وربكم) * نشترك جميعا في أنا عبيده وهو ربنا وربكم، وهو يصيب بكرامته من يشاء من عباده إذا كان أهلا للكرامة * (ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم) * يعني: أن العمل هو أساس الأمر، وكما أن لكم أعمالا يعتبرها الله في إعطاء الكرامة ومنعها فإن لنا أعمالا معتبرة في ذلك # PageV01P156 # * (ونحن له مخلصون) * موحدون نخلصه بالإيمان والإيقان فلا تستبعدوا أن نؤهل للكرامة (1) بالنبوة، وهذا رد لقولهم: نحن أحق بالنبوة لأنا أهل الكتاب والعرب عبدة الأوثان. # * (أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهدة عنده من الله وما الله بغفل عما تعملون (140) تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون) * (141) من قرأ: * (أم تقولون) * بالتاء فإن * (أم) * يمكن أن تكون متصلة معادلة للهمزة في * (أتحاجوننا) * بمعنى: أي الأمرين تأتون: المحاجة في حكم ms0068 (2) الله أم ادعاء اليهودية والنصرانية على الأنبياء؟ والمراد بالاستفهام الإنكار، ويمكن أن تكون منقطعة بمعنى: بل أتقولون، والهمزة للإنكار، ومن قرأ بالياء (3) فلا تكون " أم " إلا منقطعة. # * (قل أأنتم أعلم أم الله) * يعني: أن الله شهد لهم بملة الإسلام في قوله: * (ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا) * الآية (4)، * (ومن أظلم ممن كتم شهدة عنده من الله) * أي: كتم شهادة الله التي عنده أنه شهد بها وهي شهادته لإبراهيم بالحنيفية، ويحتمل معنيين: أحدهما: أنه لا أحد أظلم من أهل الكتاب لكتمانهم هذه # PageV01P157 # الشهادة مع علمهم بها، والآخر: لا أحد أظلم منا لو كتمنا هذه الشهادة فنحن لا نكتمها، و " من " في قوله: * (من الله) * مثلها في قولك: هذه شهادة مني لفلان إذا شهدت له، ومثله * (براءة من الله) * (1). # * (سيقول السفهاء من الناس ما وليهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدى من يشاء إلى صرا ط مستقيم) * (142) * (سيقول) * أي: سوف يقول الجهال الخفاف الأحلام وهم اليهود، لكراهتهم التوجه إلى الكعبة * (ما وليهم عن قبلتهم) * ما صرفهم عن بيت المقدس الذي كان قبلتهم يتوجهون إليها في صلاتهم، وقيل: هم المنافقون قالوا ذلك لحرصهم على الاستهزاء بالإسلام (2)، وقيل: هم المشركون قالوا: رغب عن قبلة (3) آبائه ثم رجع إليها، وليرجعن إلى دينهم (4) * (قل لله المشرق والمغرب) * أي: بلاد المشرق والمغرب * (يهدى من يشاء) * من أهلها * (إلى صرا ط مستقيم) * وهو ما توجبه الحكمة والصلاح من توجيههم تارة إلى بيت المقدس وأخرى إلى الكعبة. # سورة البقرة / 143 * (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمنكم إن الله بالناس لرءوف رحيم) * (143) * (وكذلك) * أي: ومثل ذلك الجعل العجيب والإنعام بالهداية * (جعلناكم أمة # PageV01P158 # وسطا) * أي: خيارا، وهو وصف بالاسم الذي هو وسط الشئ، ولذلك استوى فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، وإنما قيل للخيار: ms0069 وسط، لأن الأطراف يتسارع إليها الفساد والأوساط محفوظة (1) مكنوفة، أو عدولا لأن الوسط عدل بين الأطراف ليس إلى بعضها أقرب من بعض * (لتكونوا شهداء على الناس) * روي: # أن الأمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء، فيطالب الله الأنبياء بالبينة على أنهم قد بلغوا وهو أعلم، فيؤتى بأمة محمد (صلى الله عليه وآله) فيشهدون لهم، وهو صلوات الله عليه وآله يزكيهم (2). # ويروى عن علي (عليه السلام) أنه قال: " إن الله إيانا عنى، فرسول الله شاهد علينا، ونحن شهداء الله على خلقه وحجته في أرضه " (3). # وقيل: لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا، أي: حجة عليهم فتبينوا لهم الحق والدين (4)، * (ويكون الرسول) * مؤديا للشرع وأحكام الدين إليكم، والشاهد مبين، ويقال للشاهد: بينة، ولما كان الشهيد كالرقيب جئ ب‍ " على " التي هي كلمة الاستعلاء، كما في قوله تعالى: * (كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد) * (5)، * (التي كنت عليها) * ليست بصفة للقبلة، وإنما هي المفعول الثاني ل‍ " جعل "، يريد: * (وما جعلنا القبلة) * الجهة التي كنت عليها وهي الكعبة، لأنه (عليه السلام) كان يصلي بمكة إلى الكعبة، ثم أمر بالصلاة إلى صخرة بيت المقدس بعد الهجرة تألفا لليهود، ثم حول إلى الكعبة، فيقول: وما جعلنا قبلتك الجهة التي كنت تستقبلها بمكة أولا ثم رددناك إليها ثانيا * (إلا) * امتحانا للناس وابتلاء * (لنعلم) * # PageV01P159 # الثابت على الإسلام * (ممن) * هو على حرف (1) منه فينكص * (على عقبيه) * ويرتد، وقيل: يريد بالتي كنت عليها بيت المقدس، أي: جعلناها جهتك التي كنت تستقبلها لنمتحن الناس، وننظر من يتبعك منهم ومن لا يتبعك (2)، وعن ابن عباس قال: كانت قبلته بمكة بيت المقدس إلا أنه كان يجعل الكعبة بينه وبينه (3)، وقوله: # * (لنعلم) * معناه: لنعلمه علما يتعلق به الجزاء، وهو أن يعلمه موجودا حاصلا * (وإن كانت) * هي " إن " المخففة التي تلزمها اللام الفارقة * (لكبيرة) * لثقيلة شاقة * (إلا على الذين هدى الله) * إلا على الذين صدقوا في اتباع الرسول، الذين لطف الله بهم وكانوا أهلا للطفه * (وما كان الله ليضيع إيمنكم) * أي: ثباتكم على الإيمان، بل ms0070 شكر صنيعكم وأعد لكم الثواب الجزيل، وقيل: معناه: من كان صلى إلى بيت المقدس قبل التحويل فصلاته غير ضائعة (4)، * (إن الله بالناس لرءوف رحيم) * لا يضيع أجورهم ولا يترك مصالحهم. # * (قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضيها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق من ربهم وما الله بغفل عما يعملون) * (144) سورة البقرة / 144 * (قد نرى) * ربما نرى، ومعناه كثرة الرؤية كقول الشاعر: # قد أترك القرن مصفرا أنامله (5) # PageV01P160 # * (تقلب وجهك) * تردد وجهك * (في) * جهة * (السماء) * وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ينتظر الوحي من السماء في تحويله إلى الكعبة لأنها قبلة أبيه إبراهيم، ومفخرة العرب ومطافهم، فيكون أدعى لهم إلى الإيمان، ولمخالفة اليهود (1) * (فلنولينك قبلة ترضيها) * فلنعطينك ولنمكننك من استقبالها، من قولهم: وليته كذا، أي: جعلته واليا عليه، أو فلنجعلنك تلي سمتها دون سمت بيت المقدس * (فول وجهك شطر المسجد الحرام) * أي: نحوه، قيل: كان ذلك في رجب بعد زوال الشمس قبل قتال بدر بشهرين ورسول الله (صلى الله عليه وآله) في مسجد بني سلمة وقد صلى بأصحابه ركعتين من صلاة الظهر فتحول في الصلاة وحول الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال، فسمي المسجد مسجد القبلتين (2)، و * (شطر) * نصب على الظرف، أي: اجعل تولية الوجه تلقاء * (المسجد) * أي: في جهته وسمته * (وحيث ما كنتم) * أينما كنتم من الأرض * (فولوا وجوهكم شطره) * وهو خطاب لجميع أهل الآفاق * (وإن الذين # PageV01P161 # أوتوا الكتاب) * يعني: علماء اليهود والنصارى * (ليعلمون) * أن التحويل إلى الكعبة هو * (الحق) * لأنه كان في بشارة أنبيائهم برسول الله أنه يصلي إلى القبلتين. # * (ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين) * (145) اللام في * (لئن أتيت) * هو الموطئة للقسم، و * (ما تبعوا قبلتك) * جواب للقسم المحذوف وقد سد مسد جواب الشرط، يعني: إن أتيتهم ms0071 * (بكل آية) * بكل برهان قاطع على أن التوجه إلى الكعبة هو الحق * (ما تبعوا قبلتك) * لأن تركهم اتباعك ليس عن شبهة تزيلها الحجة، إنما هو عن عناد ومكابرة، لعلمهم بما في كتبهم من نعتك وكونك على الحق * (وما أنت بتابع قبلتهم) * حسم لأطماعهم، إذ قالوا: لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره، وطمعوا في رجوعه إلى قبلتهم * (وما بعضهم بتابع قبلة بعض) * يعني: أنهم مع اتفاقهم على مخالفتك مختلفون في شأن القبلة لا يرجى اتفاقهم، وذلك أن اليهود تستقبل بيت المقدس، والنصارى مطلع الشمس، وقوله: * (ولئن اتبعت أهواءهم) * بعد بيان حاله المعلومة عنده في قوله: * (وما أنت بتابع قبلتهم) * كلام وارد على سبيل الفرض والتقدير، بمعنى: ولئن اتبعتهم مثلا من بعد وضوح الأمر * (إنك إذا لمن الظالمين) * لمن المرتكبين الظلم الفاحش، وفي ذلك زيادة تحذير وتهجين لحال من يترك الدليل بعد تبينه. # سورة البقرة / 146 - 148 * (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنائهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون (146) الحق من ربك فلا تكونن من PageV01P162 # الممترين) * (147) * (يعرفونه) * الضمير لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، أي: يعرفون رسول الله معرفة جلية * (كما يعرفون أبنائهم) * لا يشتبه عليهم أبناؤهم وأبناء غيرهم، وجاز الإضمار وإن لم يجر له ذكر، لأن الكلام يدل عليه، ومثل هذا الإضمار فيه تفخيم وإيذان بأنه لشهرته معلوم بغير إعلام، وقيل: الضمير للعلم (1) أو للقرآن (2) أو لتحويل القبلة (3)، * (وإن فريقا منهم) * خص الفريق منهم استثناء لمن آمن منهم كعبد الله بن سلام وكعب الأحبار * (الحق من ربك) * مبتدأ وخبر، وفيه وجهان: أن يكون اللام للعهد والإشارة إلى الحق الذي عليه رسول الله، وأن يكون للجنس على معنى: # الحق من ربك لا من غيره، ويجوز أن يكون * (الحق) * خبر مبتدأ محذوف، فيكون * (من ربك) * في محل النصب على الحال، أو يكون خبرا بعد خبر * (فلا تكونن من الممترين) * الشاكين في كتمانهم الحق مع علمهم، أو في أنه من ربك. # * (ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات ms0072 أين ما تكونوا يأت بكم الله جميعا إن الله على كل شئ قدير) * (148) * (ولكل) * أي: لكل أهل ملة * (وجهة) * أي: قبلة * (هو موليها) * وجهه، فحذف أحد المفعولين، وقيل: * (هو) * الله تعالى (4) أي: الله موليها إياه، وقرئ: " هو # PageV01P163 # مولاها " (1) أي: هو مولى تلك الجهة قد وليها، والمعنى: لكل أمة قبلة يتوجه إليها منكم ومن غيركم * (فاستبقوا) * أنتم * (الخيرات) * واسبقوا إليها غيركم في أمر القبلة وغيرها، ويجوز أن يكون المعنى: ولكل منكم يا أمة محمد جهة يصلي إليها جنوبية أو شمالية أو شرقية أو غربية، فاستبقوا الفاضلات من الجهات وهي الجهات المسامتة للكعبة وإن اختلفت * (أين ما تكونوا) * من الجهات المختلفة * (يأت بكم الله جميعا) * يجمعكم ويجعل صلواتكم كأنها إلى جهة واحدة، وكأنكم تصلون حاضري المسجد الحرام، وقيل: أينما كنتم من البلاد فيدرككم الموت يأت بكم الله إلى المحشر يوم القيامة، أي: يحشركم جميعا (2). # وروي عنهم (عليهم السلام): أن المراد به أصحاب المهدي في آخر الزمان (3). # سورة البقرة / 149 و 150 * (ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وإنه للحق من ربك وما الله بغافل عما تعملون (149) ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون) * (150) # PageV01P164 # * (ومن حيث خرجت) * أي: ومن أي بلد خرجت فاستقبل بوجهك نحو * (المسجد الحرام) * إذا صليت * (وإنه) * أي: إن هذا المأمور به * (للحق) * الثابت الذي لا يزول بنسخ * (من ربك وما الله بغافل عما تعملون) * تهديد، وهذا التكرير لتأكيد أمر القبلة، لأن النسخ من مظان الشبهة، ولأنه نيط بكل واحد ما لم ينط بالآخر فاختلفت فوائدها * (إلا الذين ظلموا) * استثناء من " الناس "، ومعناه: # * (لئلا يكون) * حجة لأحد من اليهود إلا للمعاندين منهم القائلين: إن محمدا ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلا إلى دين قومه وحبا لبلده، ولو كان على الحق للزم قبلة الأنبياء، وأما الحجة التي كانت للمنصفين منهم لو لم يحول القبلة ms0073 فهي أنهم كانوا يقولون: ماله لا يحول إلى قبلة أبيه إبراهيم كما هو مذكور في نعته في التوراة؟! # وإنما أطلق اسم الحجة عليه لأنهم كانوا يسوقونه سياق الحجة. ويجوز أن يكون المعنى: * (لئلا يكون) * للعرب * (عليكم حجة) * في ترككم التوجه إلى الكعبة التي هي قبلة إبراهيم وإسماعيل أبي العرب * (إلا الذين ظلموا منهم) * وهم أهل مكة حين يقولون: بدا له فرجع إلى قبلة آبائه، ويوشك أن يرجع إلى دينهم * (فلا تخشوهم) * فلا تخافوا مطاعنهم في قبلتكم * (واخشوني) * ولا تخالفوا أمري * (ولأتم نعمتي) * متعلق اللام محذوف، أي: ولإتمامي النعمة عليكم وإرادتي اهتداءكم أمرتكم بذلك، أو هو معطوف (1) على علة مقدرة، كأنه قيل: واخشوني لأوفقكم ولأتم نعمتي عليكم، وقيل: هو معطوف على * (لئلا يكون) * (2) وفي الحديث: " تمام النعمة دخول الجنة " (3). # PageV01P165 # * (كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون (151) فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون) * (152) الكاف: إما أن يتعلق بما قبله، أي: * (ولأتم نعمتي عليكم) في الآخرة بالثواب كما أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول، وإما أن يتعلق بما بعده، أي: كما ذكرتكم بإرسال الرسول * (فاذكروني) * بالطاعة * (أذكركم) * بالثواب، * (واشكروا لي) * ما أنعمت به عليكم * (ولا تكفرون‍) * - ي ولا تجحدوا نعمائي، ويعني بالرسول: محمدا (صلى الله عليه وآله) * (منكم) * أي: من نسبكم، من سبحانه عليهم بكونه (عليه السلام) من العرب لما حصل لهم بذلك من الشرف. # * (يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصبرين (153) ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموا ت بل أحياء ولكن لا تشعرون) * (154) سورة البقرة / 155 - 157 خاطب سبحانه المؤمنين وأمرهم بأن يستعينوا * (بالصبر) * وهو حبس النفس على المكروه وحبسها عن المحبوب * (و) * ب‍ * (الصلاة) * لما فيها من الذكر والخشوع * (إن الله مع الصبرين) * بالمعونة والنصرة * (أموا ت) * أي: * (لا تقولوا) *: # هم * (أموا ت بل) * هم * (أحياء) * عند الله * (ولكن لا تشعرون) * كيف حالهم في حياتهم، قال الحسن: إن الشهداء أحياء عند الله تعرض أرزاقهم على ms0074 أرواحهم فيصل إليهم الروح والفرح، كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدوة وعشيا فيصل إليهم الألم والوجع (1). قالوا: ويجوز أن يجمع الله من أجزاء الشهيد جملة # PageV01P166 # فيحييها ويوصل إليها النعيم وإن كانت في حجم الذرة (1)، وقيل: نزلت في شهداء بدر وكانوا أربعة عشر (2). # * (ولنبلونكم بشئ من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين (155) الذين إذا أصبتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون (156) أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون) * (157) * (ولنبلونكم) * ولنصيبنكم إصابة تشبه فعل المختبر لأحوالكم، هل تصبرون وتسلمون لحكم الله أم لا * (بشئ) * أي: بقليل من كل هذه البلايا أو (3) بطرف منه * (وبشر الصبرين) * المسترجعين عند البلاء، لأن الاسترجاع تسليم وإذعان. # قال أمير المؤمنين (عليه السلام): " إن قولنا: " إنا لله " إقرار على أنفسنا بالملك، وقولنا: # " إنا إليه راجعون " إقرار على أنفسنا بالهلك " (4). # وإنما قلل في قوله: * (بشئ) * ليؤذن أن كل بلاء أصاب الإنسان وإن جل ففوقه ما يقل هذا بالإضافة إليه، وقوله: * (ونقص) * عطف على " شئ " أو على * (الخوف) * بمعنى: وشئ من نقص الأموال * (وبشر) * خطاب لرسول الله (صلى الله عليه وآله) أو لكل من تتأتى منه البشارة، والصلاة من الله: العطف والرأفة، جمع بينها وبين الرحمة كقوله: * (رأفة ورحمة) * (5) و * (رؤوف رحيم) * (6)، والمعنى: عليهم رأفة بعد رأفة، ورحمة بعد رحمة * (وأولئك هم المهتدون) * لطريق الصواب (7) حيث # PageV01P167 # استرجعوا وسلموا لأمر الله. # * (إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم) * (158) * (الصفا والمروة) * علمان للجبلين، والشعائر: جمع شعيرة وهي العلامة، أي: # هما من أعلام مناسكه ومتعبداته، والحج: القصد، والاعتمار: الزيارة، وهما في الشرع: قصد البيت وزيارته للنسكين المعروفين، وهما في المعاني كالنجم والبيت في الأعيان، و * (يطوف) * أصله: " يتطوف " فأدغم، وعن أبي جعفر الباقر (عليه السلام): # " أن يطوف بهما " (1)، وإنما قال: * (فلا جناح عليه) * والسعي بينهما واجب، لأنه كان على الصفا إساف وعلى المروة نائلة، وهما صنمان، يروى: أنهما ms0075 كانا رجلا وامرأة زنيا في الكعبة فمسخا حجرين فوضعا عليهما ليعتبر بهما، فلما طالت المدة عبدا، وكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسحوهما، فلما جاء الإسلام كره المسلمون الطواف بينهما لأجل فعل الجاهلية فرفع عنهم الجناح (2)، * (ومن تطوع خيرا) * أي: من تبرع بالسعي بين الصفا والمروة بعدما أدى الواجب * (فإن الله شاكر) * مجاز على ذلك * (عليم) * بقدر الجزاء فلا يبخس أحدا حقه. # سورة البقرة / 161 و 162 * (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بينه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون (159) إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم) * (160) # PageV01P168 # يعني: أحبار اليهود، أي: * (يكتمون ما أنزلنا) * ه في التوراة من الآيات الشاهدة على صحة نبوة محمد (صلى الله عليه وآله): والهادية إلى نعته وصفته والأمر باتباعه والإيمان به * (من بعد ما بينه) * ولخصناه * (للناس في الكتاب) * أي: في التوراة، لم ندع فيه موضع إشكال ولا اشتباه على أحد منهم فكتموا ذلك المبين الملخص * (أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) * من الملائكة والمؤمنين * (إلا الذين تابوا) * أي: ندموا على ما فعلوا * (وأصلحوا) * نياتهم فيما يستقبل من الأوقات وتداركوا ما فرط منهم * (وبينوا) * ما قد بينه الله في كتابهم، أو بينوا للناس ما أحدثوه من توبتهم ليعرفوا بضد ما عرفوا به ويقتدي غيرهم بهم * (فأولئك أتوب عليهم) * أقبل توبتهم. # * (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (161) خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون) * (162) أي: * (إن الذين) * ماتوا من هؤلاء الكاتمين ولم يتوبوا * (أولئك عليهم لعنة الله) * ذكر سبحانه لعنتهم أحياء ثم ذكر لعنتهم أمواتا، ومعنى قوله: * (والناس أجمعين) * والمراد به: من يعتد بلعنه وهم المؤمنون، وقيل: إن يوم القيامة يلعن بعضهم بعضا (1)، * (خالدين فيها) * في اللعنة، وقيل: في النار إلا أنها أضمرت لتفخيم شأنها وتهويل أمرها (2)، * (ولا هم ينظرون) * لا يمهلون - من الإنظار - أو لا ينتظرون أو لا ينظر الله إليهم نظر رحمة، واللعن من الله: الإبعاد ms0076 من الرحمة وإيجاب العقاب، ومن الناس: هو الدعاء عليهم بذلك. # PageV01P169 # * (وإلهكم إله وا حد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم (163) إن في خلق السماوات والأرض واختلف الليل والنهار والفلك التي تجرى في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الريح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون) * (164) * (إله وا حد) * فرد في الإلهية لا شريك له فيها فلا يصح أن يسمى غيره إلها، و * (لا إله إلا هو) * تقرير للوحدانية بنفي غيره وإثباته، وهو بدل من موضع * (لا إله) * وهو الرفع، لأن * (لا) * مع ما بعده مبتدأ، وكذلك (1) في قولك: " لا إله إلا الله ": " الله " بدل من موضع " لا إله " والخبر محذوف، والتقدير: الله في الوجود * (الرحمن الرحيم) * المولى بجميع (2) النعم: أصولها وفروعها، ولا شئ سواه بهذه الصفة، فإن كل ما سواه: إما نعمة وإما منعم عليه. # سورة البقرة / 165 وروي: أن المشركين كان لهم حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، فلما سمعوا هذه الآية قالوا: إن كنت صادقا فأت بآية نعرف بها صدقك، فنزل (3): * (إن في خلق السماوات والأرض) * وإنشائهما على سبيل الاختراع والإبداع * (واختلف الليل والنهار) * أي: أعتقا بهما، كل واحد يعقب الآخر ويخلفه، أو اختلافهما في الجنس والهيئة والصفة * (والفلك) * أي: السفن * (التي تجرى في البحر بما ينفع الناس) * أي: بالذي ينفعهم فتكون " ما " موصولة، أو بنفعهم فتكون " ما " مصدرية * (وما أنزل الله من السماء) * أي: من نحو السماء أو من السحاب * (من ماء فأحيا به الأرض) * بالإنبات وإنماء النبات، أو أهل الأرض بإخراج الأقوات * (وبث فيها # PageV01P170 # من كل دابة) * عطف على * (أنزل) * أي: وما أنزل في الأرض من ماء وبث فيها من كل دابة، ويجوز أن يكون عطفا على * (فأحيا) * أي: فأحيا بالمطر الأرض وبث فيها من كل دابة، لأنهم ينمون ويعيشون بالحيا (1) والخصب * (وتصريف الريح) * في مهابها قبولا ودبورا وشمالا وجنوبا، وفي أحوالها باردة وحارة ولينة وعاصفة * (والسحاب المسخر) * للرياح ms0077 تقلبه في سكائك الجو * (بين السماء والأرض) * بمشية الله تمطر حيث شاء * (لآيات لقوم يعقلون) * أي: ينظرون بعيون عقولهم ويعتبرون بها، لأنها دلائل على عظيم القدرة وعجيب الحكمة. # * (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب) * (165) * (ومن الناس) * " من " للتبعيض، أي: وبعض الناس * (من يتخذ من دون الله أندادا) * أمثالا من الأصنام التي يعبدونها، وقيل: من الرؤساء بدلالة قوله: * (إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا) * (2)، وقال الباقر (عليه السلام): " هم أئمة الظلمة وأشياعهم " (3)، * (يحبونهم) * يعظمونهم ويخضعون لهم ويحبون عبادتهم والانقياد لهم * (كحب الله) * أي: كما يحب الله، على أنه مصدر من الفعل المبني للمفعول، واستغني عن ذكر من يحبه لأنه معلوم، وقيل: كحبهم الله، أي: يسوون بينه وبينهم في محبتهم (4) * (والذين آمنوا أشد حبا لله) * لأنهم لا يعدلون عنه إلى غيره # PageV01P171 # بخلاف المشركين فإنهم يعدلون من صنم إلى غيره * (ولو يرى الذين ظلموا) * باتخاذ الأنداد، أي: ولو يعلم هؤلاء الذين أشركوا * (أن) * القدرة كلها * (لله) * على كل شئ دون أندادهم، ويعلمون شدة عقابه للظالمين إذا عاينوا العذاب يوم القيامة لكان منهم مالا يدخل تحت الوصف من الندم والتحسر فحذف الجواب، وقرئ: " ولو ترى " بالتاء (1) على خطاب الرسول (عليه السلام) أو كل مخاطب، أي: ولو ترى ذلك لرأيت أمرا عظيما وخطبا جسيما، وقرئ: " إذ يرون " على البناء للمفعول (2)، و * (إذ) * في المستقبل كقوله: * (ونادى أصحب الجنة) * (3). # * (إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب (166) وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا كذلك يريهم الله أعملهم حسرا ت عليهم وما هم بخرجين من النار) * (167) * (إذ تبرأ) * بدل من * (إذ يرون العذاب) * أي: تبرأ المتبوعون وهم الرؤساء من الأتباع * (ورأوا العذاب) * الواو للحال، أي: تبرأوا في حال رؤيتهم العذاب * (وتقطعت) * عطف على * (تبرأ) *، و * (الأسباب) * الوصلات التي كانت بينهم يتواصلون ms0078 عليها والأرحام التي كانوا يتعاطفون بها، والمعنى: زال عنهم كل سبب سورة البقرة / 168 و 169 يمكن أن يتوصل به من مودة أو عهد أو قرابة فلا ينتفعون بشئ من ذلك * (وقال) * # PageV01P172 # الأتباع: * (لو أن لنا كرة) * أي: عودة إلى دار الدنيا * (فنتبرأ) * فيها من الرؤساء * (كما تبرءوا منا) * في الآخرة، و * (لو) * في معنى التمني، ولذلك أجيب بالفاء الذي يجاب به التمني، كأنه قيل: ليت لنا كرة فنتبرأ منهم * (كذلك) * أي: مثل ذلك الإراءة الفظيعة * (يريهم الله أعملهم حسرا ت) * أي: ندامات، والمعنى: أن أعمالهم تنقلب حسرات * (عليهم) * فلا يرون إلا حسرات مكان أعمالهم * (وما هم بخرجين من النار) * أي: يخلدون فيها، وفي * (هم) * دلالة على قوة أمرهم أسند إليهم لا على الاختصاص. # * (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حللا طيبا ولا تتبعوا خطوا ت الشيطان إنه لكم عدو مبين (168) إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله مالا تعلمون) * (169) هذا خطاب لجميع بني آدم * (حللا) * مفعول * (كلوا) * أو حال من ما * (في الأرض) *، * (طيبا) * طاهرا من كل شبهة * (ولا تتبعوا خطوا ت الشيطان) * فتدخلوا في حرام أو شبهة، و " من " للتبعيض، لأن كل ما في الأرض غير مأكول، والخطوة: # ما بين قدمي الخاطي، والخطوة: المرة من الخطو كالغرفة والغرفة، و " اتبع خطواته " و " وطئ على عقبه " في معنى: " اقتدى به " و " استن بسنته " * (عدو مبين) * أي: # ظاهر العداوة * (إنما يأمركم) * بيان لوجوب الكف عن اتباعه وظهور عداوته، أي: # لا يأمركم بخير قط، إنما يأمركم * (بالسوء) * بالقبيح * (والفحشاء) * ما يتجاوز الحد في القبح، وقيل: السوء ما لاحد فيه، والفحشاء ما يجب فيه الحد (1)، * (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * وهو أن تقولوا: هذا حلال وهذا حرام بغير علم، ويدخل فيه # PageV01P173 # كل ما يضاف إلى الله سبحانه مما لا يجوز عليه وجميع الاعتقادات الباطلة والمذاهب الفاسدة. # * (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون) ms0079 * (170) الضمير في * (لهم) * للناس، وعدل بالخطاب عنهم على طريقة الالتفات لبيان ضلالتهم فإنه لا ضال أضل من المقلد، كأنه يقول للعقلاء: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يقولون، والقائل لهم هو النبي (صلى الله عليه وآله) والمسلمون، والمقول لهم: # المشركون أو قوم من اليهود، و * (ألفينا) * وجدنا * (أولو كان آباؤهم) * الواو للحال، والهمزة بمعنى الرد والتعجيب، معناه: أيتبعون آباءهم ولو كانوا * (لا يعقلون شيئا) * من الدين * (ولا يهتدون) * للصواب. # * (ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمى فهم لا يعقلون) * (171) لابد هنا من حذف المضاف، والتقدير: * (ومثل) * داعي * (الذين كفروا كمثل الذي ينعق) * أو مثل الذين كفروا كبهائم (1) الذي ينعق، والمعنى: ومثل داعيهم إلى الإيمان في أنهم لا يسمعون من الدعاء إلا جرس النغمة والصوت من غير تفهم واستبصار كمثل الناعق بالبهائم التي لا تسمع * (إلا دعاء) * الناعق ونداءه، ولا تفقه شيئا آخر ولا تعي كما يفهم العقلاء ويعون، ونعق الراعي بالغنم: إذا صوت بها، وأما نغق الغراب فبالغين * (صم) * أي: هم صم، رفع على الذم. # سورة البقرة / 172 و 173 * (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبت ما رزقناكم واشكروا لله إن # PageV01P174 # كنتم إياه تعبدون) * (172) أي: * (كلوا من) * مستلذات * (ما رزقناكم) * لأن ما رزقه الله تعالى لا يكون إلا حلالا * (واشكروا لله) * الذي رزقكم إياها * (إن) * صح أنكم تخصونه بالعبادة وتقرون أنه المنعم على الحقيقة. # وفي الحديث: " يقول الله تعالى: إني والجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري " (1). # * (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم) * (173) * (الميتة) * ما يموت من الحيوان، * (و) * خص * (لحم الخنزير) * لأنه المعظم والمقصود وإلا فجملته محرمة * (وما أهل به لغير الله) * أي: رفع به الصوت للصنم، وكذلك قول أهل الجاهلية: باسم اللات والعزى * (فمن اضطر) * إلى أكل هذه الأشياء لضرورة مجاعة أو إكراه * (غير باغ) * على مضطر ms0080 آخر بالاستيثار عليه * (ولا عاد) * سد الجوعة، وعنهم (عليهم السلام): " غير باغ على إمام المسلمين، ولا عاد بالمعصية طريقة المحقين " (2) * (فلا إثم عليه) * أي: لا حرج عليه. # * (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيمة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم (174) أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار (175) ذلك بأن الله نزل # PageV01P175 # الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد) * (176) أعيد ذكر اليهود الذين تقدم ذكرهم * (في بطونهم) * أي: ملء بطونهم، يقال: # أكل فلان في بطنه، وأكل في بعض بطنه * (إلا النار) * لأنه إذا أكل ما يؤدي إلى النار فكأنه أكل النار، ومنه قولهم: أكل فلان الدم إذا أكل الدية التي هي بدل منه * (ولا يكلمهم) * تعريض بحرمانهم حال أهل الجنة في إكرام الله إياهم بكلامه وتزكيتهم بالثناء عليهم، وقيل: نفي الكلام عبارة عن غضبه عليهم (1) * (فما أصبرهم على النار) * تعجب من حالهم في جرأتهم على النار والتباسهم بموجبات النار، وقيل: معناه أي شئ صبرهم على النار (2)، يقال: " أصبره " و " صبره " بمعنى * (ذلك) * العذاب * (ب‍) * سبب * (أن الله) * تعالى * (نزل الكتاب) * أي: نزل ما نزل من الكتاب * (بالحق) *، * (وإن الذين اختلفوا في) * كتب الله فقالوا في بعضها: حق، وفي بعضها: باطل، وهم أهل الكتاب * (لفي شقاق) * أي: في خلاف * (بعيد) * عن الحق، و * (الكتاب) * للجنس، أو يكون المعنى: كفرهم ذلك بسبب أن الله نزل القرآن بالحق وإن الذين اختلفوا فيه فقالوا: سحر أو شعر أو أساطير (3) * (لفي شقاق بعيد) * عن الاجتماع على الصواب. # سورة البقرة / 177 * (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمسكين وابن السبيل والسائلين وفى الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك # PageV01P176 # الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) * (177) الخطاب لأهل ms0081 الكتاب، لأن اليهود كانت تصلي قبل المغرب إلى بيت المقدس والنصارى قبل المشرق، وذلك أنهم أكثروا الخوض في أمر القبلة حين حول رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الكعبة، وزعم كل واحد من الفريقين: أن البر التوجه إلى قبلته، فرد عليهم وقيل لهم: * (ليس البر) * فيما أنتم عليه لأنه منسوخ، وقيل: كثر خوض المسلمين وأهل الكتاب في أمر القبلة فقيل: ليس كل البر أمر القبلة * (ولكن البر) * الذي يجب صرف الهمة إليه بر * (من آمن) * وقام بهذه الأعمال (1)، والبر: # اسم لكل فعل مرضي، وقرئ: * (البر) * بالنصب على أنه خبر مقدم * (ولكن البر من آمن) * على تأويل حذف المضاف، أي: بر من آمن، أو يكون البر بمعنى: ذي البر، أو يكون البر بمعنى: البار كما قال: # فإنما هي إقبال وإدبار (2) وقال المبرد (3): لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت: ولكن البر بفتح الباء (4). # PageV01P177 # و * (الكتاب) * جنس الكتاب أو القرآن * (على حبه) * مع حب المال والشح به كما قال ابن مسعود (1): أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا ولفلان كذا (2)، وقيل: على حب الله (3)، وقيل: على حب الإيتاء (4)، أي: يعطيه وهو طيب النفس بإعطائه، والمسكين: الدائم السكون إلى الناس لأنه لا شئ له كالمسكير: الدائم السكر * (وابن السبيل) * المسافر المنقطع به، جعل ابنا للسبيل لملازمته له، كما يقال للص القاطع: ابن الطريق، وقيل: هو الضيف لأن السبيل يرعف به (5) * (والسائلين) * الطالبين للصدقة، وقيل: المستطعمين (6). # وفي الحديث: " للسائل حق وإن جاء على فرس " (7). # * (وفى الرقاب) * وفي معاونة المكاتبين حتى يفكوا رقابهم، وقيل: في ابتياع الرقاب وإعتاقها (8)، وعن الشعبي قال: إن في المال حقا سوى الزكاة وتلا هذه الآية (9) لأنه ذكر إيتاء المال في هذه الوجوه ثم قيل: * (وآتى الزكاة) *، سورة البقرة / 178 و 179 * (والموفون) * عطف على * (من آمن) *، * (و) * أخرج * (الصبرين) * منصوبا على # PageV01P178 # الاختصاص والمدح إظهارا لفضل الصبر في الشدائد ومواطن القتال على سائر الأعمال، و * (البأساء) * الفقر والشدة * (والضراء) * المرض ms0082 والزمانة * (وحين البأس) * أي: وقت القتال وجهاد الكفار * (أولئك الذين صدقوا) * أي: كانوا صادقين جادين في الدين * (وأولئك) * الذين اتقوا النار بفعل هذه الخصال. # * (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفى له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم (178) ولكم في القصاص حياة يا أولى الألباب لعلكم تتقون) * (179) * (كتب عليكم) * أي: فرض وأوجب * (القصاص) * المساواة في القتلى، وهو أن يفعل بالقاتل مثل ما فعله بالمقتول * (الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى) *. # وعن الصادق (عليه السلام) قال: " لا يقتل حر بعبد ولكن يضرب ضربا شديدا ويغرم دية العبد، ولا يقتل الرجل بالمرأة إلا إذا أدي إلى أهله نصف ديته ". (1) * (فمن عفى له من أخيه شئ) * معناه: فمن عفي له من جهة أخيه شئ من العفو كما يقال: سير بزيد بعض السير، ولا يصح أن يكون * (شئ) * في معنى المفعول به، لأن * (عفى) * لا يتعدى إلى مفعول به إلا بواسطة، و " أخوه " هو ولي المقتول، وذكر بلفظ الأخوة ليعطف أحدهما على صاحبه بذكر ما هو ثابت بينهما من أخوة الإسلام، ويقال: عفوت له ذنبه وعفوت لفلان عما جنى فيعدى إلى # PageV01P179 # المذنب باللام، ويعدى إلى الجاني وإلى الذنب ب‍ " عن " فيقال: عفوت عن فلان وعن ذنبه، وإنما قيل: شئ من العفو للإشعار بأنه إذا عفي له طرف من العفو وبعض منه بأن يعفى عن بعض الدم أو عفى عنه بعض الورثة تم العفو وسقط القصاص ولم يجب إلا الدية * (فاتباع بالمعروف) * أي: فليكن اتباع أو فالأمر اتباع، وهذه توصية للعافي والمعفو عنه جميعا، أي: فليتبع الولي القاتل بالمعروف بأن لا يعنف به ولا يطالبه إلا مطالبة جميلة وليؤد إليه القاتل بدل الدم أداء * (بإحسان) * بأن لا يمطله ولا يبخسه * (ذلك) * الحكم المذكور من: القصاص أو العفو أو الدية * (تخفيف من ربكم ورحمة) * لأن أهل التوراة كتب عليهم القصاص أو العفو ms0083 وحرم عليهم أخذ الدية، وعلى أهل الإنجيل العفو أو الدية وحرم القصاص * (فمن اعتدى بعد ذلك) * بأن قتل بعد قبول الدية أو العفو أو تجاوز ما شرع له من قتل غير القاتل * (فله عذاب أليم) * أي: نوع من العذاب شديد الألم في الآخرة * (ولكم في القصاص حياة) * فيه فصاحة عجيبة، وذلك أن القصاص قتل وتفويت للحياة وقد جعل ظرفا ومكانا للحياة، وفي تعريف القصاص وتنكير الحياة معنى: # أن لكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة، وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة ويقتلون بالمقتول غير قاتله فتقع الفتنة، فكانت في القصاص حياة أي حياة أو نوع من الحياة، وهي الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل فيسلم صاحبه من القتل وسلم هو من القود، فكأن القصاص سبب حياة نفسين * (لعلكم تتقون) * القتل خوفا من القصاص، أو لعلكم تعملون عمل أهل التقوى. # سورة البقرة / 180 - 182 * (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين) * (180) PageV01P180 # * (الوصية) * فاعل * (كتب) * وذكر للفاصل، ولأنها بمعنى: أن يوصي ولذلك ذكر الراجع في قوله: * (فمن بدله بعد ما سمعه) *، * (إذا حضر أحدكم الموت) * إذا دنا منه وظهرت أماراته * (إن ترك خيرا) * أي: مالا * (للوالدين والأقربين) * أي: # لوالديه وأقربائه * (بالمعروف) * أي: بالشئ الذي يعرف العقلاء أنه لا جور فيه ولا حيف * (حقا) * مصدر مؤكد، أي: حق ذلك حقا * (على المتقين) * على من آثر التقوى. # قالوا: إن هذه الآية منسوخة (1) بقوله (عليه السلام): " لا وصية لوارث " (2)، ولم يجوز أصحابنا نسخ القرآن بخبر الواحد (3)، وقالوا: إن الوصية لذي القرابة من أوكد السنن، ورووا عن الباقر (عليه السلام): أنه سئل هل تجوز الوصية للوارث؟ فقال: " نعم " وتلا هذه الآية (4). # * (فمن بدله بعد ما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم (181) فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم) * (182) * (فمن بدله) * أي: فمن غير الإيصاء عن وجهه ms0084 من الأوصياء أو الشهود * (بعد ما سمعه) * وتحققه * (فإنما إثمه على الذين يبدلونه) * أي: فما إثم الإيصاء المغير أو إثم التبديل إلا على مبدليه دون غيرهم من الموصي والموصى له لأنهما بريان من الجنف * (إن الله سميع عليم) * وعيد للمبدل * (فمن خاف) * أي: فمن توقع # PageV01P181 # وعلم، وقد شاع في كلامهم " أخاف أن يقع " يريدون التوقع والظن الغالب الجاري مجرى العلم * (من موص جنفا) * أي: ميلا عن الحق بالخطأ في الوصية * (أو إثما) * أو تعمدا للجنف * (فأصلح بينهم) * أي: بين الورثة والموصى لهم * (فلا إثم عليه) * لأن تبديله تبديل باطل إلى حق. # * (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون (183) أياما معدودا ت فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون) * (184) سورة البقرة / 184 * (كتب عليكم) * أي: فرض عليكم * (الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) * من الأنبياء وأممهم من لدن عهد آدم (عليه السلام) إلى عهدكم، وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: " أولهم آدم " (1)، يعني: أن الصوم عبادة قديمة ما أخلى الله تعالى أمة من إيجابها عليهم، لم يوجبها عليكم وحدكم * (لعلكم تتقون) * بالمحافظة عليها وتعظيمها، أو لعلكم تتقون المعاصي، لأن الصائم أردع لنفسه عن مواقعة السوء * (أياما معدودا ت) * موقتات بعدد معلوم، أو قلائل كقوله: # * (دراهم معدودة) * (2) وأصله: أن المال القليل يقدر بالعدد والكثير يحثى حثيا، والمعنى يقتضي أن يكون * (أياما) * منصوبا ب‍ * (الصيام) * كما تقول: نويت الخروج يوم الجمعة، إلا أن الصيغة تأباه للفصل بينه وبين * (أيام) * بقوله: * (كما كتب) *، فينبغي أن يكون انتصابه بفعل مضمر نحو: " صوموا أياما " لدلالة قوله تعالى: # PageV01P182 # * (كتب عليكم الصيام) * عليه * (أو على سفر) * أو راكب سفر * (فعدة) * أي: فعليه عدة * (من أيام أخر) *. # وفيه دلالة على أن المسافر والمريض مكتوب عليهما الإفطار وأن يصوما أياما أخر، وفي الحديث: " الصائم في السفر ms0085 كالمفطر في الحضر " (1). # * (وعلى الذين يطيقونه) * وعلى المطيقين للصيام الذين لا عذر لهم إن أفطروا * (فدية طعام مسكين) * نصف صاع، وعن الباقر (عليه السلام): " طعام مساكين " (2)، وكان ذلك في بدء الإسلام فرض عليهم الصوم ولم يتعودوا فاشتد عليهم فرخص لهم في الإفطار والفدية * (فمن تطوع خيرا) * فزاد على (3) مقدار الفدية * (فهو خير له) * فالتطوع أخير له، وقرئ: " ومن يطوع " (4) بمعنى: يتطوع * (وأن تصوموا) * أيها المطيقون * (خير لكم) * من الفدية وتطوع الخير، ثم نسخ ذلك بقوله: * (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) * (5). # وروى أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام): أن معناه: وعلى الذين كانوا يطيقون الصوم ثم أصابهم كبر أو عطاش أو شبه ذلك فدية لكل يوم مد من الطعام (6)، # PageV01P183 # وعلى هذا فلا نسخ. # * (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينت من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) * (185) الرمضان مصدر رمض: إذا احترق، من الرمضاء، فأضيف إليه الشهر وجعل علما، ومنع الصرف للتعريف والألف والنون، وهو مبتدأ خبره * (الذي أنزل فيه القرآن) * أو بدل من * (الصيام) * في قوله: * (كتب عليكم الصيام) * أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هذه الأيام المعدودات * (شهر رمضان) *، ومعنى * (أنزل فيه القرآن) * ابتدئ فيه إنزاله وكان ذلك في ليلة القدر، وقيل: أنزل جملة إلى السماء الدنيا ثم نزل إلى الأرض نجوما (1)، وقيل: أنزل في شأنه القرآن وهو قوله: * (كتب عليكم الصيام) * (2)، * (هدى للناس وبينت) * نصب على الحال، أي: أنزل وهو هاد للناس إلى الحق، وهو آيات واضحات مما يهدي إلى الحق ويفرق بين الحق والباطل، ذكر أولا أنه هدى ثم ذكر أنه بينات من جملة ما هدى الله به وفرق به بين الحق والباطل من الكتب السماوية. # سورة البقرة / 186 * (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) * أي: فمن كان حاضرا مقيما غير مسافر في الشهر فليصم فيه ولا يفطر، ms0086 والشهر منصوب على الظرف وكذلك الهاء في * (فليصمه) *، ولا يكون مفعولا به، لأن المقيم والمسافر كلاهما شاهدان للشهر # PageV01P184 # * (ومن كان مريضا أو على سفر) * حد المرض الذي يوجب الإفطار (1): ما يخاف بالصوم الزيادة المفرطة فيه، وحد السفر الذي يوجب الإفطار: ثمانية فراسخ * (يريد الله بكم اليسر) * أي: يريد أن ييسر عليكم ولا يعسر وقد نفى عنكم الحرج في الدين وأمركم بالحنيفية السمحة التي لا إصر فيها، ومن جملة ذلك: ما أمركم بالإفطار في السفر والمرض * (ولتكملوا العدة) * الفعل المعلل محذوف ويدل عليه ما سبق، والتقدير: * (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) * شرع ذلك لكم، ويجوز أن يكون * (ولتكملوا) * معطوفا على علة مقدرة، كأنه قيل: يريد الله ليسهل عليكم ولتكملوا العدة. والمراد بالتكبير عندنا: # التكبير عقيب أربع صلوات المغرب والعشاء ليلة الفطر والغداة وصلاة العيد. # * (وإذا سألك عبادي عنى فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) * (186) * (فإني قريب) * تمثيل لحاله في سرعة إجابته لمن دعاه بحال من قرب مكانه، ونحوه قوله تعالى: * (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) * (2)، * (فليستجيبوا لي) * إذا دعوتهم للإيمان والطاعة كما أني أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم * (وليؤمنوا بي) * روي عن الصادق (عليه السلام): أن معناه: وليتحققوا أني قادر على إعطائهم ما سألوه (3)، * (لعلهم يرشدون) * أي: لعلهم يصيبون الحق ويهتدون إليه. # * (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم # PageV01P185 # فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المسجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون) * (187) * (الرفث) * أصله: القول الفاحش، فكني به عن الجماع، وعدي ب‍ * (إلى) * لتضمنه معنى الإفضاء * (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) * استئناف كالبيان لسبب الإحلال، وهو أنه إذا كانت بينكم وبينهن المخالطة والمعانقة قل ms0087 صبركم عنهن فلذلك رخص لكم في مباشرتهن، والاختيان: من الخيانة كالاكتساب من الكسب، أي: * (علم الله أنكم كنتم) * تنقصون أنفسكم حظها من الخير * (فتاب عليكم) * فرخص لكم وأزال التشديد عنكم. # قال الصادق (عليه السلام): " كان الأكل محرما في شهر رمضان بالليل بعد النوم، وكان النكاح حراما بالليل والنهار، وكان رجل من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقال له: # مطعم بن جبير نام قبل أن يفطر وحضر حفر الخندق فأغمي عليه، وكان قوم من الشبان ينكحون بالليل سرا في شهر رمضان، فنزلت الآية، فأحل النكاح بالليل والأكل بعد النوم، فذلك قوله: * (وعفا عنكم) * " (1). # سورة البقرة / 188 * (وابتغوا ما كتب الله لكم) * من الولد بالمباشرة، أي: لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها ولكن لابتغاء ما وضع الله النكاح له من التناسل، وقيل: وابتغوا ما كتب الله لكم من الإباحة بعد الحظر (2)، * (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض) * وهو أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود * (من الخيط # PageV01P186 # الأسود) * وهو ما يمتد معه من ظلمة الليل شبها بخيطين، وقوله: * (من الفجر) * بيان للخيط الأبيض واكتفى به عن بيان الخيط الأسود * (ولا تباشروهن وأنتم عكفون) * أي: معتكفون في المساجد، والاعتكاف: أن يحبس نفسه في المسجد للعبادة * (تلك) * الأحكام التي ذكرت * (حدود الله) * أي: حرمات الله ومناهيه * (فلا تقربوها) * فلا تأتوها. # وفي الحديث: " إن لكل ملك حمى، وإن حمى الله محارمه، فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه " (1) والرتع حول الحمى والقرب منه واحد. # * (كذلك) * أي: مثل ذلك البيان * (يبين الله) * حججه ودلائله * (للناس) * على ما أمرهم به ونهاهم عنه * (لعلهم يتقون) * معاصيه ومناهيه. # * (ولا تأكلوا أموا لكم بينكم بالبطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموا ل الناس بالاثم وأنتم تعلمون) * (188) أي: لا يأكل بعضكم مال بعض * (بالبطل) * بالوجه الذي لا يحل ولم يشرعه الله، * (وتدلوا) * أي: ولا تدلوا * (بها) * أي: ولا تلقوا أمرها والحكومة فيها * (إلى الحكام لتأكلوا) * بالتحاكم * (فريقا) * طائفة * (من أموا ل الناس بالاثم) ms0088 * بشهادة الزور أو باليمين الكاذبة أو بالصلح مع العلم بأن المقضي له ظالم، وقيل: وتدلوا وتلقوا بعضها إلى حكام السوء على وجه الرشوة (2)، * (وأنتم تعلمون) * أنكم على الباطل، وارتكاب المعصية مع العلم بقبحها أقبح. # PageV01P187 # * (يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوا بها واتقوا الله لعلكم تفلحون) * (189) * (يسئلونك عن) * أحوال * (الأهلة) * في زيادتها ونقصانها، ووجه الحكمة في ذلك * (قل هي مواقيت للناس) * أي: معالم يوقت بها الناس مزارعهم ومتاجرهم ومحال ديونهم وصومهم وفطرهم وعدد نسائهم وغير ذلك، ومعالم للحج يعرف بها وقته * (وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها) * كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا بيوتهم من أبوابها ونقبوا في ظهور بيوتهم نقبا منه يدخلون ويخرجون، فقيل لهم: ليس البر بتحرجكم من دخول الباب * (ولكن البر) * بر * (من اتقى) * ما حرم الله * (وأتوا البيوت من أبوا بها) * وقيل: معناه باشروا الأمور من وجوهها التي يجب أن يباشر عليها أي الأمور كان (1). # * (وقتلوا في سبيل الله الذين يقتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) * (190) سورة البقرة / 191 و 192 قيل: إنها أول آية نزلت في القتال بالمدينة (2)، والمقاتلة * (في سبيل الله) * هو الجهاد لإعزاز دين الله وإعلاء كلمته * (الذين يقتلونكم) * يناجزونكم القتال دون المحاجزين، وعلى هذا فيكون منسوخا بقوله: * (وقتلوا المشركين كآفة) * (3) (4)، # PageV01P188 # ويجوز أن يريد الذين يناصبونكم القتال دون الصبيان والنساء، أو يريد الكفرة كلهم لأنهم جميعا يقصدون مقاتلة أهل الإسلام فهم في حكم المقاتلة فلا يكون حكم الآية منسوخا * (ولا تعتدوا) * بقتال من نهيتم عن قتاله أو بالمثلة أو بالمفاجأة من غير دعوة. # * (واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقتلوكم فيه فإن قتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين (191) فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم) * (192) * (حيث ثقفتموهم) * وجدتموهم * (وأخرجوهم من حيث أخرجوكم) * أي: # أخرجوهم من مكة كما أخرجوكم منها، وقد فعل ذلك رسول الله (صلى الله ms0089 عليه وآله) يوم الفتح بمن لم يسلم منهم * (والفتنة أشد من القتل) * أي: المحنة والبلاء الذي ينزل بالإنسان يتعذب به أشد عليه من القتل، جعل الإخراج من الوطن من المحن التي يتمنى عندها الموت، وقيل: الفتنة عذاب الآخرة كما قال: * (ذوقوا فتنتكم) * (1) (2)، وقيل: الشرك أعظم من القتل في الحرم، وذلك أنهم كانوا يستعظمون القتل في الحرم ويعيبون المسلمين به (3)، وقرئ: " ولا تقتلوهم... # حتى يقتلوكم فيه... فإن قتلوكم " (4)، جعل وقوع القتل في بعضهم كوقوعه فيهم، # PageV01P189 # قال: فإن تقتلونا نقتلكم، * (فإن انتهوا) * من الشرك والقتل كقوله: * (إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) * (1). # * (وقتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوا ن إلا على الظالمين) * (193) * (حتى لا تكون فتنة) * أي: شرك * (ويكون الدين لله) * خالصا ليس للشيطان فيه نصيب * (فإن انتهوا) * عن الشرك * (فلا عدوا ن إلا على الظالمين) * أي: فلا تعتدوا على المنتهين، لأن مقاتلة المنتهين عدوان وظلم، فوضع قوله: * (إلا على الظالمين) * موضع " على المنتهين ". # * (الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين) * (194) سورة البقرة / 195 و 196 قاتلهم المشركون عام الحديبية في الشهر الحرام وهو ذو القعدة، فقيل لهم عند خروجهم لقضاء العمرة وكراهتهم القتال وذلك في ذي القعدة * (الشهر الحرام بالشهر الحرام) * أي: هذا الشهر بذلك الشهر وهتكه بهتكه، يعني: تهتكون حرمته عليهم كما هتكوا حرمته عليكم * (والحرمات قصاص) * أي: كل حرمة يجري فيها القصاص، فمن هتك حرمة اقتص منه بأن يهتك له حرمة، فحين هتكوا حرمة شهركم فافعلوا بهم مثل ذلك ولا تبالوا، ثم أكد ذلك بقوله: * (فمن اعتدى عليكم) * إلى آخره، * (واتقوا الله) * في حال كونكم منتصرين، فمن اعتدى عليكم فلا تعتدوا، أي: لا تجاوزوا إلى مالا يحل لكم. # PageV01P190 # * (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) * (195) * (وأنفقوا) * من أموالكم في الجهاد وأبواب البر * (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) * أي: الهلاك، والباء ms0090 مزيدة كما يقال للمنقاد: أعطى بيده، بزيادة الباء، والمعنى: ولا تقبضوا التهلكة أيديكم (1) أي: لا تجعلوها آخذة بأيديكم مالكة لكم، وقيل: معناه ولا تلقوا أنفسكم إلى التهلكة بأيديكم بأن تتركوا الإنفاق في سبيل الله فيغلب عليكم العدو كما يقال: فلان أهلك نفسه بيده (2)، وقيل: هو نهي عن الإسراف في النفقة (3) * (وأحسنوا) * أمر بالاقتصاد * (إن الله يحب المحسنين) * أي: المقتصدين. # * (وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب) * (196) * (وأتموا الحج والعمرة) * أي: ايتوا بالحج والعمرة تامين كاملين بشرائطهما وأركانهما ومناسكهما * (لله) * أي: لوجه الله خالصا وأقيموهما إلى آخر ما فيهما، # PageV01P191 # وظاهر الأمر يقتضي الوجوب فدل الأمر بإتمامهما على أن العمرة واجبة مثل الحج (1) * (فإن أحصرتم) * أي: منعكم خوف أو عدو أو مرض عن المضي إليه وأنتم محرمون بحج أو عمرة فامتنعتم لذلك * (فما استيسر من الهدى) * أي: ما تيسر من الهدي، يقال: يسر الأمر واستيسر، وصعب واستصعب ضده، و * (الهدى) *: ما يهدى إلى الحرم جمع هدية، أي: فعليكم إذا أردتم التحلل من الإحرام ما تيسر من الهدي من بعير أو بقرة أو شاة، أو فاهدوا ما تيسر * (ولا تحلقوا رءوسكم) * الخطاب للمحصرين، أي: لا تحلوا * (حتى) * تعلموا أن * (الهدى) * الذي بعثتموه قد بلغ * (محله) * أي: مكانه الذي يجب نحره فيه أو ذبحه، ومحله منى يوم النحر إن كان الإحرام بالحج، ومكة إن كان الإحرام بالعمرة، هذا إذا كان محصرا بالمرض، فأما إن كان محصرا بالعدو وهو المصدود فمحله الموضع الذي يصد فيه، لأن النبي (صلى الله عليه وآله) نحر هديه بالحديبية (2). # سورة البقرة / 196 * (فمن كان ms0091 منكم مريضا أو به أذى من رأسه) * يحتاج فيه إلى الحلق للمداواة، أو تأذى بهوام رأسه فحلق لذلك العذر * (ففدية) * أي: فعليه فدية، أي: بدل وجزاء يقوم مقامه * (من صيام أو صدقة أو نسك) * وروي عن أئمتنا (عليهم السلام): " أن الصيام ثلاثة أيام، والصدقة على ستة مساكين - وروي: # عشرة (3) - والنسك شاة، وهو مخير فيها (4)، ورووا ذلك أيضا عن # PageV01P192 # النبي (صلى الله عليه وآله) (1). والنسك مصدر، وقيل: هو جمع نسيكة أي: ذبيحة (2). # * (فإذا أمنتم) * الإحصار يعني: فإذا لم تحصروا وكنتم في حال أمن وسعة * (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) * وتمتعه بالعمرة إلى وقت الحج هو أنه إذا أحل من عمرته انتفع باستباحة ما كان محرما عليه إلى أن يحرم بالحج * (فما استيسر من الهدى) * هو هدي المتعة، وهو واجب بالإجماع على خلاف في أنه نسك أو جبران: فعندنا (3) وعند أبي حنيفة (4) (5) أنه نسك يأكل منه، وعند # PageV01P193 # الشافعي (1) (2) هو جبران جار مجرى الجنايات ولا يأكل منه * (فمن لم يجد) * الهدي * (ف‍) * عليه * (صيام ثلاثة أيام في الحج) * أي: في وقته، والأفضل أن يصوم يوما قبل التروية والتروية وعرفة * (وسبعة إذا رجعتم) * إلى أهاليكم * (تلك عشرة كاملة) * توكيد فيه وزيادة توصية بصيامها وإتمامها * (ذلك) * إشارة إلى التمتع * (لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) * وحاضروا المسجد الحرام من كان بينهم وبينه اثنا عشر ميلا فما دونها من كل جانب * (واتقوا الله) * في المحافظة على أوامره ونواهيه * (واعلموا أن الله شديد العقاب) * لمن خالف أمره وتعدى حدوده. # * (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب) * (197) سورة البقرة / 198 أي: وقت * (الحج أشهر معلومات) * كقولك: البرد شهران، والأشهر المعلومات: شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة، وفائدة كونها أشهر الحج: أن الإحرام بالحج أو بالعمرة التي يتمتع بها إلى الحج لا يصح إلا فيها * (فمن فرض فيهن الحج) * أي: أحرم فيهن بالحج * (فلا رفث) ms0092 * أي: فلا جماع * (ولا فسوق) * # PageV01P194 # أي: ولا كذب، وقيل: لا خروج عن حدود الشريعة (1) * (ولا جدال في الحج) * وهو قول: " لا والله " و " بلى والله " عندنا، وقالوا: إنه المراء والسباب * (وما تفعلوا من خير يعلمه الله) * هذا حث على أفعال الخير والبر * (وتزودوا) * واتقوا الاستطعام وإبرام الناس والتثقيل عليهم * (فإن خير الزاد التقوى واتقون) * وخافوا عقابي * (يا أولي الألباب) * فإن قضية اللب تقوى الله، ومن لم يتقه من الألباء فكأنه لا لب له. # * (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفت فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هديكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين) * (198) كانوا يتحرجون عن التجارة في الحج ويسمون من يخرج بالتجارة الداج (2) فرفع عنهم الجناح في ذلك * (أن تبتغوا) * في أن تبتغوا * (فضلا من ربكم) * أي: # إعطاء منه وتفضلا وهو النفع والربح في التجارة * (فإذا أفضتم من عرفت) * أي: # دفعتم بكثرة، وهو من إفاضة الماء وهو صبه بكثرة، وأصله: أفضتم أنفسكم، وعرفات علم للموقف سمي بجمع كأذرعات، وهي من الأسماء المرتجلة * (فاذكروا الله عند المشعر الحرام) * فيه دلالة على أن الوقوف بالمشعر الحرام فريضة، لأن ظاهر الأمر على الوجوب (3)، وإذا أوجب الله تعالى الذكر فيه فقد أوجب الكون فيه، والمعنى: فإذا أفضتم من عرفات فكونوا بالمشعر الحرام واذكروا الله عنده * (واذكروه كما هداكم) * " ما " مصدرية أو كافة، أي: اذكروه # PageV01P195 # ذكرا حسنا كما هداكم هداية حسنة، أو اذكروه كما علمكم كيف تذكرونه * (وإن كنتم من قبله) * من قبل الهدى * (لمن الضالين) * أي: الجاهلين لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه، و * (إن) * هي المخففة من الثقيلة. # وروي عن جابر: أن النبي (صلى الله عليه وآله) لما صلى الفجر بالمزدلفة بغلس ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام فدعا وكبر وهلل، ولم يزل واقفا حتى أسفر (1). # و * (المشعر) *: المعلم، لأنه معلم للعبادة، ووصف بالحرام لحرمته، وسميت المزدلفة جمعا لأن آدم (عليه السلام) اجتمع فيها مع حواء، وازدلف منها أي: دنا منها، وقيل: # لأنه يجمع فيها بين الصلاتين ms0093 (2). # * (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (199) فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وماله في الآخرة من خلق (200) ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار (201) أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب) * (202) سورة البقرة / 199 و 202 ثم لتكن إفاضتكم * (من حيث أفاض الناس) * ولا تكن من المزدلفة، وذلك لما كان عليه الحمس (3) من الترفع على الناس عن أن يساووهم في الموقف، وقولهم: نحن أهل الله وسكان حرمه فلا نخرج منه، فيقفون بجمع وسائر الناس # PageV01P196 # بعرفات، وقيل: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس وهم الحمس (1)، أي: من المزدلفة إلى منى بعد الإفاضة من عرفات * (واستغفروا الله) * واطلبوا المغفرة من الله * (فإذا قضيتم مناسككم) * فإذا أديتم مناسككم، والمنسك: إما موضع النسك، أو مصدر جمع لأنه يشتمل على أفعال، أي: فإذا فرغتم من أفعال الحج * (فاذكروا الله كذكركم آباءكم) * فأكثروا ذكر الله وبالغوا فيه كما تفعلونه في ذكر آبائكم ومفاخرهم وأيامهم، وكانوا إذا قضوا مناسكهم وقفوا بين المسجد بمنى وبين الجبل فيعدون فضائل آبائهم ويذكرون أيامهم * (أو أشد ذكرا) * في موضع جر عطفا على ما أضيف إليه " الذكر " في قوله: * (كذكركم) * كما تقول: كذكر قريش آباءهم أو قوم أشد منهم ذكرا، أو في موضع نصب عطفا على * (آباءكم) * بمعنى: # أو أشد ذكرا من آبائكم على أن * (ذكرا) * من فعل المذكور * (فمن الناس من يقول) * فإن الناس من بين مقل لا يطلب بذكر الله إلا الدنيا ومكثر يطلب خير الدارين، فكونوا من المكثرين * (آتنا في الدنيا) * اجعل إيتاءنا أي: إعطاءنا في الدنيا خاصة * (وماله في الآخرة من خلق) * يعني: من طلب خلاق أي: نصيب، لأن همه مقصور على الدنيا * (أولئك) * الداعون بالحسنتين * (لهم نصيب) * من جنس ما * (كسبوا) * من الأعمال الحسنة وهو الثواب الذي هو المنافع الحسنة، أو من أجل ما كسبوا، أو لهم نصيب مما دعوا به ms0094 يعطيهم منه بحسب مصالحهم في الدنيا واستحقاقهم في الآخرة، وسمى الدعاء كسبا لأنه من الأعمال والأعمال موصوفة بالكسب، ويجوز أن يكون * (أولئك) * للفريقين جميعا * (والله سريع الحساب) * يحاسب الخلائق على كثرة عددهم وكثرة أعمالهم لا يشغله حساب # PageV01P197 # أحد عن حساب غيره، وروي: أنه يحاسب الخلق في قدر حلب شاة (1)، وروي: # في مقدار فواق ناقة (2)، وروي: في مقدار لمحة (3). # * (واذكروا الله في أيام معدودا ت فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون) * (203) الأيام المعدودات: أيام التشريق، والأيام المعلومات: عشر ذي الحجة، وذكر الله فيها التكبير في أعقاب الصلوات * (فمن تعجل) * أي: من تعجل في النفر أو استعجل النفر من منى * (في يومين) * بعد يوم النحر إذا فرغ من رمي الجمار * (فلا إثم عليه) * في التعجيل * (ومن تأخر) * حتى رمى في اليوم الثالث * (فلا إثم عليه لمن اتقى) * الصيد، وقيل: لمن اتقى الكبائر (4) * (واتقوا الله) * باجتناب معاصيه * (واعلموا أنكم إليه تحشرون) * فيجازيكم على أعمالكم. # * (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام (204) وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد) * (205). # سورة البقرة / 205 و 207 ثم ذكر سبحانه حال المنافقين بعد ذكره أحوال المؤمنين: * (ومن الناس من يعجبك قوله) * أي: يروقك ويعظم في قلبك * (في الحياة الدنيا) * الجار يتعلق بالقول، أي: يعجبك ما يقوله في معنى الدنيا لأنه يطلب به حظا من حظوظ الدنيا # PageV01P198 # * (ويشهد الله على ما في قلبه) * من محبتك * (وهو ألد الخصام) * وهو شديد الجدال والمخاصمة، وإضافة * (ألد) * إلى * (الخصام) * بمعنى " في " كقولهم: ثبت الغدر * (وإذا تولى) * أي: ملك الأمر وصار واليا فعل بظلمه وسوء سريرته ما يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض بإهلاك * (الحرث والنسل) * وقيل: يظهر الظلم حتى يمنع الله بشؤم ظلمه القطر فيهلك الحرث والنسل (1)، وقيل: معناه وإذا تولى عنك وأعرض بعد إلانة المنطق (2) * (والله لا يحب) ms0095 * العمل ب‍ * (الفساد) *. # * (وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالاثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد) * (206) * (أخذته العزة بالاثم) * من قولك: أخذته بكذا إذا حملته عليه وألزمته إياه، أي: حملته العزة التي فيه على الإثم المنهي عنه وألزمته ارتكابه. # * (ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد) * (207) * (يشرى نفسه) * أي: يبيعها ل‍ * (ابتغاء مرضات الله) * أي: يبذل نفسه حتى يقتل، وقيل: نزلت في أمير المؤمنين (عليه السلام) حين (3) بات على فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهرب النبي إلى الغار (4)، وقيل: نزلت في كل مجاهد في سبيل الله (5)، * (والله رؤوف بالعباد) * حيث كلفهم الجهاد وعرضهم لثواب الشهداء. # PageV01P199 # * (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كآفة ولا تتبعوا خطوا ت الشيطان إنه لكم عدو مبين (208) فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم) * (209) * (السلم) * بكسر السين وفتحها، قال أبو عبيدة (1): السلم - بالكسر - والإسلام واحد، والسلم: الاستسلام، والمعنى: ادخلوا في الإسلام والطاعة (2)، وروى أصحابنا: أنه الدخول في الولاية (3) * (كآفة) * أي: جميعا لا يخرج أحد منكم يده عن طاعته، وهو من الكف كأنهم كفوا أن يخرج منهم أحد باجتماعهم * (فإن زللتم) * عن الدخول في السلم * (من بعد ما جاءتكم) * الحجج على أن ما دعيتم إليه حق * (فاعلموا أن الله عزيز) * غالب لا يعجزه الانتقام منكم * (حكيم) * لا ينتقم إلا بحق. # سورة البقرة / 210 و 211 * (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة # PageV01P200 # وقضى الامر وإلى الله ترجع الأمور) * (210) إتيان الله: إتيان أمره وبأسه كقوله: * (أو يأتي أمر ربك) * (1) * (جاءهم بأسنا) * (2)، ويجوز أن يكون المأتي به محذوفا بمعنى: * (أن يأتيهم الله) * ببأسه للدلالة عليه بقوله: * (فاعلموا أن الله عزيز) * يعني: غالب وقهار * (في ظلل من الغمام) * جمع ظلة وهي ما أظلك * (والملائكة) * بالرفع، وقد قرئ بالجر (3) عطفا على * (ظلل) * أو * (الغمام) *، * (وقضى الامر) * وأتم أمر إهلاكهم وفرغ منه، وقرئ: * (ترجع) * و " يرجع " (4) بالتأنيث والتذكير فيهما. # * (سل بني إسرائيل كم آتيناهم من آية بينة ms0096 ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب) * (211) * (سل) * أمر للرسول أو لكل أحد * (كم آتيناهم من آية بينة) * أي: دلالة معجزة على أيدي أنبيائهم، أو آية في التوراة شاهدة على صحة نبوة محمد (صلى الله عليه وآله): # فمنهم من آمن ومنهم من جحد، ومنهم من أقر ومنهم من بدل * (ومن يبدل نعمة الله) * آيات الله التي هي أجل نعمة من الله لكونها أسباب الهدى والنجاة من النار، وتبديلهم إياها: أن الله سبحانه أظهرها لتكون أسباب نجاتهم فجعلوها أسباب ضلالتهم، أو حرفوا آيات التوراة الدالة على نعت محمد (صلى الله عليه وآله)، و * (كم) * يحتمل معنى الاستفهام والخبر معا * (من بعد ما جاءته) * معناه: من بعد ما تمكن من # PageV01P201 # معرفتها أو من بعد ما عرفها * (فإن الله شديد العقاب) * له. # * (زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيمة والله يرزق من يشاء بغير حساب) * (212) الذي زين لهم * (الدنيا) * هو الشيطان حسنها في أعينهم بوساوسه فلا يريدون غيرها، ويجوز أن يجعل ما خلق الله فيها من الأشياء المشتهيات وما ركبه فيهم من الشهوة لها تزيينا، لأن التكليف لا يتم إلا مع الشهوة * (ويسخرون من الذين آمنوا) * لزهدهم فيها أو من المؤمنين الذين لاحظ لهم منها * (والذين اتقوا فوقهم يوم القيمة) * لأنهم في عليين وهم في سجين، أو حالهم عالية لحالهم لأنهم في كراهة وهم في هوان * (والله يرزق من يشاء بغير حساب) * بغير تقدير فيوسع الله على من توجب الحكمة التوسعة عليه، أو يعطي أهل الجنة مالا يأتي عليه الحساب. # * (كان الناس أمة وا حدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدى من يشاء إلى صرا ط مستقيم) * (213) سورة البقرة / 214 * (كان الناس أمة وا حدة) * متفقين على ms0097 الفطرة فاختلفوا (1) * (فبعث الله النبيين) * وحذف " فاختلفوا " لدلالة قوله: * (ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه) * # PageV01P202 # عليه، وفي قراءة عبد الله: " كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله " (1)، وقيل: # إن معناه: كان الناس أمة واحدة كفارا فبعث الله النبيين فاختلفوا عليهم (2)، والأول أوجه * (وأنزل معهم الكتاب) * يريد به الجنس، أو أنزل مع كل واحد منهم كتابه * (ليحكم) * الله أو الكتاب أو النبي المنزل عليه * (بين الناس فيما اختلفوا فيه) * في الحق والدين الذي اختلفوا فيه بعد الاتفاق * (وما اختلف فيه إلا الذين أوتوا) * الكتاب المنزل لإزالة الخلاف، يعني: أنهم جعلوا نزول الكتاب الذي أنزل لإزالة الاختلاف (3) سببا في شدة الاختلاف (4) * (بغيا بينهم) * حسدا وظلما بينهم لحرصهم على الدنيا * (فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق) *: * (من) * للتبيين، أي: فهداهم للحق الذي اختلف فيه من اختلف. # * (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب) * (214) * (أم) * منقطعة معناها: بل أحسبتم، والهمزة فيها للتقرير (5) واستبعاد الحسبان. لما ذكر ما كانت عليه الأمم من الاختلاف على النبيين بعد مجئ البينات تشجيعا لرسول الله (صلى الله عليه وآله) والمؤمنين على الصبر مع الذين اختلفوا عليه من المشركين واليهود وعداوتهم له قال لهم على طريقة الالتفات: * (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم) * " لما " للتوقع وهي في النفي نظير " قد " في الإثبات، # PageV01P203 # والمعنى: أن إتيان ذلك متوقع منتظر * (مثل الذين خلوا من قبلكم) * أي: حالهم التي هي مثل في الشدة * (مستهم) * بيان للمثل وهو استئناف، كأن قائلا قال: كيف كان ذلك المثل؟ فقيل: * (مستهم البأساء والضراء) * من القتل والخروج عن الأهل والمال * (وزلزلوا) * وأزعجوا إزعاجا شديدا شبيها بالزلزلة بما أصابهم من الأهوال * (حتى يقول الرسول) * إلى الغاية التي قال الرسول ومن * (معه) * فيها: # * (متى نصر الله) * طلبوا النصرة وتمنوه واستطالوا زمان الشدة، وفيه دليل على تناهي الأمر في الشدة، لأن الرسل إذا لم ms0098 يبق لهم صبر حتى ضجوا كان البلاء في غاية الشدة * (ألا إن نصر الله قريب) * على إرادة القول، أي: فقيل لهم ذلك إجابة لهم إلى طلبتهم من عاجل النصر، وقرئ: * (حتى يقول الرسول) * بالنصب على إضمار " أن " ومعنى الاستقبال، لأن " أن " علم له، وبالرفع (1) على معنى الحال إلا أنها حال ماضية محكية. # * (يسئلونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمسكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم) * (215). # سورة البقرة / 216 * (ماذا ينفقون) * أي شئ ينفقون؟ والسؤال عن الإنفاق يتضمن السؤال عن مصرف النفقة، لأن النفقة لا يعتد بها إلا إذا وقع موقعها، ولذلك جاء الجواب ببيان مصارف النفقة * (ما أنفقتم من خير) * أي: مال * (فللوالدين والأقربين) *. # PageV01P204 # * (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) * (216) * (وهو كره لكم) * من الكراهة بدليل قوله: * (وعسى أن تكرهوا شيئا) * ثم إنه يجوز أن يكون بمعنى الكراهة على وضع المصدر موضع الوصف كقول الخنساء (1): # فإنما هي إقبال وإدبار (2) كأنه في نفسه كراهة لفرط كراهتهم له، ويجوز أن يكون فعلا بمعنى مفعول كالخبز بمعنى المخبوز، أي: وهو مكروه لكم، وقد يكون الشئ مكروها في طبع الإنسان وإن كان يريده لأن الله تعالى أمره بذلك * (وعسى أن تكرهوا شيئا) * في الحال * (وهو خير لكم) * في العاقبة كما تكرهون القتال لما فيه من المخاطرة بالروح وهو خير لكم لأن فيه إحدى الحسنيين: إما الظفر والغنيمة وإما الشهادة والجنة * (والله يعلم) * ما يصلحكم وما هو خير لكم * (وأنتم لا تعلمون) * ذلك. # * (يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله # PageV01P205 # والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعملهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحب النار ms0099 هم فيها خلدون) * (217) سورة البقرة / 218 و 220 بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) عبد الله بن جحش على سرية في جمادي الآخرة قبل قتال بدر بشهرين ليترصد عيرا لقريش فيها عمرو بن عبد الله الحضرمي فقتلوه واستاقوا العير وفيها من تجارة الطائف، وكان ذلك أول يوم من رجب وهم يظنونه من جمادي الآخرة، فقالت قريش: قد استحل محمد (صلى الله عليه وآله) الشهر الحرام، فنزلت (1) الآية، أي: يسألك الكفار أو المسلمون عن القتال في الشهر الحرام * (قتال فيه) * بدل الاشتمال من الشهر الحرام * (قل قتال فيه كبير) * أي: إثم كبير، وجاز الابتداء بالنكرة لأنه تخصص بقوله: * (فيه) *، * (وصد عن سبيل الله) * مبتدأ و * (أكبر) * خبره، والمعنى: وكبائر قريش: من صدهم * (عن سبيل الله) * وعن * (المسجد الحرام) * وكفرهم بالله * (وإخراج) * أهل المسجد الحرام * (منه) * وهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) والمؤمنون * (أكبر عند الله) * مما فعلته السرية من القتال في الشهر الحرام على سبيل الخطأ والبناء على الظن * (والفتنة) * الإخراج أو الشرك * (والمسجد الحرام) * عطف على * (سبيل الله) *، * (ولا يزالون يقتلونكم) * إخبار عن دوام عداوة الكفار للمسلمين، و * (حتى) * معناه: التعليل، أي: * (يقتلونكم) * كي * (يردوكم عن دينكم) *، و * (إن استطاعوا) * استبعاد لاستطاعتهم * (ومن) * يرجع * (عن دينه) * إلى دينهم * (فيمت) * على الردة * (فأولئك حبطت أعملهم # PageV01P206 # في الدنيا) * لما يفوتهم فيها من ثمرات الإسلام * (و) * في * (الآخرة) * لما يفوتهم من الثواب. # * (إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم) * (218) نزلت في قصة عبد الله بن جحش وأصحابه وقتلهم الحضرمي في رجب بأن ظن قوم أنهم إن سلموا من الإثم فليس لهم أجر فنزلت (1) * (أولئك يرجون رحمت الله) * وهي النصرة والغنيمة في الدنيا والمثوبة في العقبى، وعن قتادة: # هؤلاء خيار هذه الأمة ثم جعلهم الله أهل رجاء كما تسمعون، وأنه من رجا طلب ومن خاف هرب (2). # * (يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسئلونك ماذا ينفقون ms0100 قل العفو كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون (219) في الدنيا والآخرة ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم) * (220) * (إثم كبير) * من قرأ بالباء فلأنهم استعملوا في الذنب إذا كان موبقا الكبير كقوله: * (كبئر الاثم) * (3) و * (كبائر ما تنهون عنه) * (4)، وقالوا في غير الموبق: # صغير وصغيرة، ولم يقولوا: قليل، ومقابل الكثير القليل، ومن قرأ بالثاء (5) فللآية # PageV01P207 # في المائدة: * (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء) * الآية (1) وللخبر: " لعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الخمر عشرة " (2)، والخمر كل شراب مسكر مغط للعقل والتمييز، وكأنها سميت بالمصدر من خمره خمرا: إذا ستره للمبالغة، والميسر مصدر من يسر كالموعد والمرجع من فعلهما، واشتقاقه من اليسر، كأنه أخذ مال بيسر من غير كد أو من اليسار لأنه سلب يساره. # وعن النبي (صلى الله عليه وآله): " إياكم وهاتين الكعبتين (3) المشؤومتين فإنهما من ميسر العجم " (4). # وعن علي (عليه السلام): " إن النرد والشطرنج من الميسر " (5) * (وإثمهما) * أي: # وعقاب الإثم في تعاطيهما * (أكبر من نفعهما) * وهو الالتذاذ بشرب الخمر والقمار والطرب فيهما والتوصل بهما إلى مصادقة الفتيان ومعاشرتهم والنيل من أعطيتهم * (ويسئلونك ماذا ينفقون) * أي شئ ينفقون؟ والسائل عمرو بن الجموح * (قل العفو) * العفو نقيض الجهد وهو أن ينفق مالا يبلغ إنفاقه منه الجهد واستفراغ الوسع، قال: # سورة البقرة / 220 خذي العفو مني تستديمي مودتي (6) # PageV01P208 # وقرئ بالنصب والرفع (1) * (في الدنيا والآخرة) * يتعلق ب‍ * (تتفكرون) * أي: # لعلكم تتفكرون في الدارين وما يتعلق بهما، فتأخذون بما هو أصلح لكم كما بينت لكم أن العفو أصلح من الجهد في النفقة، أو تتفكرون في الدارين فتؤثرون أبقاهما وأكثرهما منافع، أو يتعلق ب‍ * (يبين) * على معنى: يبين لكم الآيات في أمور الدارين لعلكم تتفكرون. # ولما نزل * (إن الذين يأكلون أمول اليتامى ظلما) * الآية (2) اعتزلوا اليتامى وتركوا مخالطتهم والاهتمام بأمورهم، فشق ذلك عليهم، فقيل: * (إصلاح لهم خير) * أي: مداخلتهم على وجه الإصلاح لهم ولأموالهم خير ms0101 من مجانبتهم * (وإن تخالطوهم) * وتعاشروهم * (ف‍) * - هم * (إخوانكم) * في الدين ومن حق الأخ أن يخالط أخاه * (والله يعلم المفسد من المصلح) * أي: لا يخفى على الله من داخلهم بإصلاح وإفساد فيجازيه على حسب مداخلته * (ولو شاء الله لأعنتكم) * لحملكم على العنت وهو المشقة، وضيق عليكم في أمر اليتامى ومخالطتهم * (إن الله عزيز) * غالب قادر على ما يشاء * (حكيم) * يفعل ما توجبه الحكمة. # * (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولامة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين آياته للناس لعلهم يتذكرون) * (221) # PageV01P209 # أي: لا تتزوجوا النساء الكافرات * (حتى يؤمن) *، * (ولامة مؤمنة) * أي: # مملوكة مؤمنة * (خير من) * حرة * (مشركة ولو أعجبتكم) * أي: ولو كان الحال أن المشركة تعجبكم بجمالها أو مالها وتحبونها فإن المؤمنة خير منها * (ولا تنكحوا المشركين) * النساء المسلمات * (حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من) * حر * (مشرك ولو أعجبكم) * جماله أو ماله أو حاله * (أولئك) * إشارة إلى المشركين والمشركات * (يدعون إلى النار) * أي: يدعون إلى الكفر فحقهم أن لا يوالوا ولا يصاهروا * (والله يدعوا إلى الجنة) * أي: إلى فعل ما يوجب الجنة * (والمغفرة) * من الإيمان والطاعة * (بإذنه) * أي: بأمره وتوفيقه للعمل الذي يوصل إلى الجنة * (ويبين آياته) * أي: أوامره ونواهيه * (للناس لعلهم يتذكرون) * أي: يتعظون. # * (ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فاتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوا بين ويحب المتطهرين) * (222) سورة البقرة / 223 * (المحيض) * مصدر حاضت تحيض (1)، نحو: جاء مجيئا وبات مبيتا * (قل هو أذى) * أي: المحيض شئ يستقذر ويؤذي من يقربه، نفرة منه له * (فاعتزلوا النساء) * فاجتنبوا مجامعة النساء * (في) * وقت * (المحيض) *، * (ولا تقربوهن) * بالجماع * (حتى يطهرن) * أي: ينقطع الدم عنهن، ومن قرأ: " حتى يطهرن " (2) فإنما هو يتطهرن أي: يغتسلن * (فإذا تطهرن) * أي: اغتسلن، وقيل: توضأن أو # PageV01P210 # غسلن الفرج بعد انقطاع دم الحيض (1)، * (فاتوهن من حيث ms0102 أمركم الله) * أي: من الجهة التي يحل أن يؤتين منها، ولا تقربوهن من حيث لا يحل بأن يكن محرمات أو معتكفات أو صائمات، ولو أراد في الفرج لقال: " في حيث "، * (إن الله يحب التوا بين) * من الذنوب * (ويحب المتطهرين) * بالماء. # * (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين) * (223) * (نساؤكم) * ذوات * (حرث لكم) * منهن (2) تحرثون الولد واللذة * (فأتوا حرثكم) * أي: نساءكم * (أنى شئتم) * من أين شئتم وكيف شئتم، كما تأتون أراضيكم التي تحرثونها من أي جهة شئتم * (وقدموا لأنفسكم) * ما يجب تقديمه من الأعمال الصالحة، وقيل: هو التسمية عند الوطء (3)، وقيل: هو طلب الولد (4) * (واتقوا الله) * ولا تجترئوا على المناهي * (واعلموا أنكم ملاقوه) * أي: ملاقو جزائه فتزودوا مالا تفتضحون به. # * (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم) * (224) العرضة: فعلة بمعنى مفعول كالغرفة والقبضة، وهي اسم ما تعرضه دون الشئ # PageV01P211 # من عرض العود على الإناء فيعترض دونه ويصير حاجزا ومانعا منه، تقول: فلان عرضة دون الخير، والعرضة - أيضا -: المعرض للأمر، قال: # " فلا تجعلوني عرضة للوائم " (1). # سورة البقرة / 225 - 227 ومعنى الآية على الأولى: أن الرجل كان يحلف على بعض الخيرات من صلة الرحم أو غيرها ثم يقول: أخاف أن أحنث في يميني فيترك البر إرادة أن يبر في يمينه، فقيل لهم: * (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم) * أي: حاجزا لما حلفتم عليه وهي المحلوف عليه، وسمي المحلوف عليه يمينا لتلبسه باليمين كما جاء في الخبر: " إذا حلفت على يمين " (2) أي: على شئ مما يحلف عليه، وقوله: * (أن تبروا وتتقوا وتصلحوا) * عطف بيان * (لأيمانكم) * أي: للأمور المحلوف عليها التي هي البر والتقوى والإصلاح بين الناس، وتعلقت اللام في قوله: # * (لأيمانكم) * بالفعل، أي: ولا تجعلوا الله لأيمانكم برزخا وحاجزا، ويجوز أن يتعلق ب‍ * (عرضة) * لأن فيها معنى الاعتراض، أي: لا تجعلوه شيئا يعترض البر، من اعترضني كذا، ويجوز أن يكون اللام للتعليل ويتعلق * (أن تبروا) * بالفعل أو بالعرضة، أي: ولا ms0103 تجعلوا الله لأجل أيمانكم به عرضة لأن تبروا. ومعنى الآية على الأخرى: ولا تجعلوا الله معرضا لأيمانكم فتبتذلوه بكثرة الحلف به، و * (أن تبروا) * علة للنهي، أي: إرادة أن تبروا وتتقوا، لأن الحلاف مجترئ على الله فلا # PageV01P212 # يكون برا متقيا، ولا يثق به الناس فلا يدخلونه في إصلاح ذات بينهم. # * (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم) * (225) " اللغو ": الساقط الذي لا يعتد به من كلام وغيره، واللغو من اليمين: الساقط الذي لا يعتد به في الأيمان، وهو ما يجري على عادة اللسان من قول: " لا والله " و " بلى والله " من غير عقد على يمين يقتطع بها مال أو يظلم بها أحد، والمعنى: لا يؤاخذكم بلغو اليمين الذي لا قصد (1) معه ولا يلزمكم به الكفارة * (ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم) * من الأيمان وهو ما عزمتموه كقوله سبحانه: * (بما عقدتم الأيمن) * (2) لأن كسب القلب هو القصد (3) والنية، أي: ما نوت قلوبكم وقصدته من الأيمان * (والله غفور حليم) * حيث لم يؤاخذكم بلغو الأيمان. # * (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاؤا فإن الله غفور رحيم (226) وإن عزموا الطلق فإن الله سميع عليم) * (227) * (للذين يؤلون من نسائهم) * عدي " آلى " الذي هو بمعنى حلف ب‍ * (من) * لأن هذا الحلف قد ضمن معنى البعد، فكأنه قيل: يبعدون من نسائهم مؤلين أو (4) حالفين، ويجوز أن يكون المراد لهم من نسائهم * (تربص أربعة أشهر) * كقولهم: لي منك كذا، والإيلاء من المرأة أن يقول الرجل: والله لا أقربك، ثم أقام على يمينه، والحكم في ذلك أن المرأة إذا استعدت عليه إلى الحاكم أنظره الحاكم بعد الرفع إليه أربعة أشهر ويقول له بعد مضي الأشهر الأربعة إذا لم يراجع زوجته: فئ أو طلق # PageV01P213 # * (فإن فاؤا) * أي: رجعوا بأن يكفروا عن اليمين ويجامعوا عند القدرة عليه، أو يراجعوا بالقول عند العجز عن الجماع * (فإن الله غفور رحيم) * لا يتبعه بعقوبة * (وإن عزموا الطلق) * وتلفظوا به * (فإن الله سميع عليم) * يسمع قوله ويعلم ضميره. ms0104 # * (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم) * (228) * (والمطلقات) * يعني: المدخول بهن من ذوات الحيض غير الحوامل، لأن في الآية بيان عدتهن، واللفظ مطلق في تناول الجنس، صالح لكله وبعضه، فجاء في أحد ما يصلح له كاللفظ المشترك * (يتربصن بأنفسهن) * خبر في معنى الأمر والمراد: وليتربص المطلقات، وإخراج الأمر في صورة الخبر تأكيد للأمر وإشعار بأنه مما يجب أن يتلقى بالامتثال، فكأنهن امتثلن الأمر بالتربص فهو يخبر عنه موجودا، ونحوه قولهم في الدعاء: رحمك الله، ومعنى * (يتربصن) *: ينتظرن * (بأنفسهن) * انقضاء * (ثلاثة قروء) * فلا يتزوجن، والمراد بالقروء: الأطهار عندنا (1) وعند الشافعي (2)، وذهب أبو حنيفة إلى أنها ثلاث حيض (3) وهي جمع قرء أو قرء، وانتصب * (ثلاثة قروء) * على أنه مفعول به، أي: * (يتربصن) * مضي سورة البقرة / 229 * (ثلاثة قروء) *، أو على أنه ظرف أي: مدة ثلاثة قروء * (ولا يحل لهن أن يكتمن # PageV01P214 # ما خلق الله في أرحامهن) * من الولد أو من دم الحيض، وذلك إذا أرادت المرأة فراق زوجها فكتمت حملها لئلا ينتظر بطلاقها أن تضع ولئلا يشفق على الولد فيترك طلاقها، أو كتمت حيضها وقالت وهي حائض: قد طهرت استعجالا للطلاق * (إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر) * تعظيم لفعلهن، وأن من آمن بالله لا يجترئ على مثله من العظائم * (وبعولتهن أحق بردهن في ذلك) * أي: أزواجهن أولى بمراجعتهن وهي ردهن إلى الحالة الأولى في ذلك الأجل الذي قدر لهن في مدة العدة * (إن أرادوا) * بالرجعة * (إصلاحا) * لما بينهم وبينهن ولم يريدوا مضارتهن * (ولهن مثل الذي عليهن) * ويجب لهن من الحق على الرجال مثل الذي يجب لهم عليهن * (بالمعروف) * بالوجه الذي لا ينكر في الشرع وعادات الناس فلا يكلفنهم ما ليس لهن ولا يكلفونهن ما ليس لهم * (وللرجال عليهن درجة) * أي: زيادة في الحق وفضيلة بقيامهم عليهن. # * (الطلق مرتان فإمساك ms0105 بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون) * (229) * (الطلق) * بمعنى التطليق كالسلام والكلام بمعنى التسليم والتكليم، أي: # التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق دون الجمع والإرسال دفعة واحدة، ولم يرد بالمرتين التثنية ولكن التكرير، كقوله تعالى: * (ثم ارجع البصر كرتين) * (1) أي: كرة بعد كرة * (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) * هذا تخيير # PageV01P215 # لهم بعد أن علمهم كيف يطلقون بين أن يمسكوا النساء مع حسن العشرة والقيام بحقوقهن وبين أن يسرحوهن سراحا جميلا، وقيل: معناه: الطلاق الرجعي * (مرتان) *، لأنه لا رجعة بعد الثلاث فإمساك برجعة أو تسريح بأن لا يراجعها حتى تبين بالعدة (1)، وقيل: بأن يطلقها الثالثة (2)، وروي: أن سائلا سأل رسول الله: # أين الثالثة؟ فقال (عليه السلام): " أو تسريح بإحسان " (3)، * (ولا يحل لكم) * خطاب للأزواج * (أن تأخذوا مما آتيتموهن) * من المهر * (شيئا إلا أن يخافا) * الزوجان ترك إقامة * (حدود الله) * فيما يلزمهما من مواجب الزوجية لما يحدث من نشوز المرأة وسوء خلقها * (فلا جناح عليهما) * فلا جناح على الرجل فيما أخذ وعلى المرأة * (فيما افتدت به) * أي: فدت به نفسها واختلعت به من بذل ما أوتيت من المهر أو الزيادة على المهر إن كان النشوز والبغض منها وحدها، وإن كان منهما فدون المهر، وقرئ: " أن يخافا " على البناء للمفعول وإبدال " أن لا يقيما " من ألف الضمير في " يخافا " (4)، وهو من بدل الاشتمال كقولك: خيف زيد تركه إقامة حدود الله، ونحوه: * (وأسروا النجوى الذين ظلموا) * (5). # سورة البقرة / 230 و 231 * (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله # PageV01P216 # يبينها لقوم يعلمون) * (230) * (فإن طلقها) * الطلاق المذكور الموصوف (1) بالتكرار في قوله: * (الطلق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) *، أو ms0106 فإن طلقها مرة ثالثة بعد المرتين * (فلا تحل له من بعد) * أي: من بعد ذلك التطليق * (حتى تنكح زوجا غيره) * حتى تتزوج غيره، والنكاح يسند إلى المرأة كما يسند إلى الرجل كالتزويج * (فإن طلقها) * الزوج الثاني * (فلا جناح عليهما أن يتراجعا) * أن يرجع كل واحد منهما إلى صاحبه بالمزاوجة * (إن ظنا) * إن كان في ظنهما أنهما يقيمان حقوق الزوجية، ولم يقل: إن علما، لأن اليقين مغيب عنهما لا يعلمه إلا الله، ومن فسر الظن هنا بالعلم فقد وهم لفظا ومعنى، لأنك لا تقول: علمت أن يقوم زيد، ولكن علمت (2) أنه يقوم، ولأن الإنسان لا يعلم ما في الغد وإنما يظن ظنا. # * (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا آيات الله هزوا واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شئ عليم) * (231) * (فبلغن أجلهن) * أي: آخر عدتهن وقاربن انقضاءها، والأجل يقع على المدة كلها وعلى آخرها، يقال لعمر الإنسان: أجل، وللموت الذي ينتهي به: أجل * (فأمسكوهن) * أي: راجعوهن قبل انقضاء العدة * (بمعروف) * بما يجب لها من القيام بواجبها من غير طلب ضرار بالمراجعة * (أو سرحوهن) * أو اتركوهن حتى # PageV01P217 # تنقضي عدتهن فيكن أملك بأنفسهن * (ولا تمسكوهن ضرارا) * لا لرغبة فيهن بل لطلب الإضرار بهن بتطويل العدة عليهن * (لتعتدوا) * أي: لتظلموهن * (ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه) * بتعريضها لعذاب الله * (ولا تتخذوا آيات الله هزوا) * أي: # لا تستخفوا بأوامره ونواهيه * (واذكروا نعمت الله عليكم) * فيما أباحه لكم من الأزواج والأموال * (وما أنزل عليكم) * من القرآن والعلوم التي بينها لكم * (يعظكم به) * أي: بما أنزل عليكم لتتعظوا، وذكر النعمة مقابلتها بالشكر. # * (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا ترا ضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون) * (232) * (فبلغن أجلهن) * أي: انقضت ms0107 عدتهن * (فلا تعضلوهن) * أي: لا تمنعوهن ظلما عن التزوج، وهذا: إما أن يكون خطابا للأزواج الذين يعضلون نساءهم بعد انقضاء العدة ظلما لا يتركونهن يتزوجن من شئن من الأزواج، وإما أن يكون خطابا للأولياء في عضلهن أن يرجعن إلى أزواجهن، والعضل: الحبس والتضييق * (إذا ترا ضوا) * إذا تراضى الخطاب والنساء * (بالمعروف) * بما (1) يحسن في الدين والمروة من الشرائط * (ذلك) * الذي سبق من الأمر والنهي * (يوعظ به) *، * (ذلكم أزكى لكم) * أي: خير لكم وأفضل * (وأطهر) * من أدناس الآثام * (والله يعلم) * ما في ذلك من الزكاء والطهر، أو يعلم ما تستصلحون به من الأحكام والشرائع * (وأنتم لا تعلمون) *. # سورة البقرة / 233 * (والوا لدا ت يرضعن أولدهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم # PageV01P218 # الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولدكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير) * (233) * (يرضعن) * مثل * (يتربصن) * في أنه خبر في معنى الأمر المؤكد، أي: # ولترضع الأمهات * (أولدهن حولين كاملين) * تامين أربعة وعشرين شهرا، وإنما أكد لرفع الإبهام لأنه يتسامح فيه، يقول الرجل: أقمت عند فلان حولين ولم يستكملهما، وقوله: * (لمن أراد أن يتم الرضاعة) * بيان لمن توجه إليه الحكم، أي: # هذا الحكم لمن أراد إتمام الرضاع، أي: ليس ذلك بوقت لا ينقص منه بعد أن لا يكون في الفطام ضرر، وقيل: إن اللام يتعلق ب‍ * (يرضعن) * كما تقول: أرضعت فلانة لفلان ولده، أي: يرضعن حولين لمن أراد أن يتم الرضاعة من الآباء، لأن الأب يجب عليه إرضاع الولد دون الأم، وعليه أن يتخذ له ظئرا إلا إذا تطوعت الأم بإرضاعه، وهي مندوبة إلى الإرضاع ولا تجبر على ذلك، والأمر للوالدات بالإرضاع أمر على الندب (1)، وقيل: أراد بالوالدات المطلقات وإيجاب النفقة والكسوة لأجل الرضاع (2) * (وعلى المولود له رزقهن) * أي: ms0108 وعلى الذي ولد له وهو الوالد - وله في محل الرفع على الفاعلية - أن يرزقهن ويكسوهن إذا أرضعن ولده * (بالمعروف) * تفسيره ما يتبعه وهو أن لا يكلف واحد منهما ما ليس في وسعه # PageV01P219 # ولا يتضارا، وقرئ: " لا تضار " بالرفع على الإخبار (1)، ويحتمل أن يكون الأصل سورة البقرة / 234 " لا تضارر " و " لا تضارر " بكسر الراء وفتحها، و * (لا تضار) * بالفتح على النهي، والمعنى: لا تضار * (والدة) * زوجها * (ب‍) * سبب * (ولدها) * بأن تطلب منه ما ليس بعدل من النفقة والكسوة، وأن تشغل قلبه بالتفريط في شأن الولد * (ولا) * يضار * (مولود له) * امرأته * (ب‍) * سبب * (وا لده) * بأن يمنعها شيئا مما وجب عليه، أو يأخذه منها وهي تطلب إرضاعه، وكذلك إذا كان مبنيا للمفعول فهو نهي عن أن يلحق بها الضرار من قبل الزوج، وأن يلحق الضرار بالزوج من قبلها بسبب الولد * (وعلى الوارث مثل ذلك) * عطف على قوله: * (رزقهن وكسوتهن) *، وما بينهما تفسير للمعروف معترض بين المعطوف والمعطوف عليه، والمعنى: وعلى وارث المولود له بعد موته مثل ما وجب عليه من الرزق والكسوة بالمعروف * (فإن أرادا فصالا) * صادرا * (عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما) * في ذلك زادا على الحولين أو نقصا، وهذه توسعة بعد التحديد * (وإن أردتم) * خطاب للآباء * (أن تسترضعوا) * المراضع * (أولدكم) * فحذف أحد المفعولين للاستغناء عنه * (إذا سلمتم) * إلى المراضع * (ما آتيتم) * ما أردتم إيتاءه، وقرئ: " ما أتيتم " (2) من أتى إليه إحسانا إذا فعله، وقيل: إذا سلمتم إلى الأم أجرة المثل بمقدار ما أرضعت (3). # PageV01P220 # * (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير) * (234) هو على تقدير حذف المضاف، تقديره: * (و) * أزواج * (الذين يتوفون منكم) *: # * (يتربصن) *، وقيل: معناه: والذين يتوفون منكم أي: يقبضون ويموتون ويتركون أزواجا يتربصن بعدهم كقولهم: السمن منوان بدرهم أي: منوان منه (1)، ومعنى * (يتربصن بأنفسهن) *: يعتددن هذه المدة وهي أربعة أشهر وعشرة أيام، وقيل: # عشرا ذهابا إلى الليالي والأيام داخلة معها ms0109 (2)، ولا يستعمل التذكير فيه على إرادة الأيام، يقال: صمت عشرا * (فإذا بلغن أجلهن) * فإذا انقضت عدتهن * (فلا جناح عليكم) * أيها الأولياء أو الأئمة * (فيما فعلن في أنفسهن) * من التعريض للخطاب * (بالمعروف) * بالوجه الذي لا ينكره الشرع، وهذه الآية ناسخة للآية المتأخرة عنها الواردة في عدة المتوفى عنها زوجها وإن كانت مقدمة عليها في التلاوة. # * (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم) * (235) # PageV01P221 # * (ولا جناح عليكم) * أيها الرجال * (فيما عرضتم به من خطبة النساء) * المعتدات، والتعريض هو أن يقول لها: إنك لجميلة أو صالحة، أو إني أحب امرأة صفتها كذا ويذكر بعض صفاتها... ونحو ذلك من الكلام الذي يوهم أنه يريد نكاحها حتى تحبس نفسها عليه إن رغبت فيه، ولا يصرح بالنكاح فلا يقول: إني أريد أن أنكحك أو أتزوجك * (أو أكننتم في أنفسكم) * أي: سترتم وأضمرتم في قلوبكم فلم تذكروه بألسنتكم لا معرضين ولا مصرحين * (علم الله أنكم ستذكرونهن) * لا محالة برغبتكم فيهن خوفا منكم أن يسبقكم غيركم إليهن فأباح لكم ذلك، فاذكروهن * (ولكن لا تواعدوهن سرا) * والسر كناية عن الوطء، لأنه مما يسر، ثم عبر به عن النكاح الذي هو العقد، لأنه سبب فيه كما فعل بالنكاح * (إلا أن تقولوا قولا معروفا) * وهو أن تعرضوا ولا تصرحوا، أي: لا تواعدوهن إلا بالتعريض، أو لا تواعدوهن إلا مواعدة معروفة غير منكرة * (ولا تعزموا عقدة النكاح) * من عزم الأمر وعزم عليه، وهو مبالغة في النهي عن عقد النكاح في العدة، لأن العزم على الفعل متقدم، فإذا نهى عنه كان عن الفعل أنهى، ومعناه: ولا تعزموا عقد عقدة النكاح في العدة * (حتى يبلغ الكتاب أجله) * يعني: ما كتب وفرض من العدة * (واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم) * من العزم على ما لا ms0110 يجوز * (فاحذروه) * ولا تعزموا عليه. # * (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متعا بالمعروف حقا على المحسنين) * (236) سورة البقرة / 237 * (لا جناح عليكم) * لا تبعة عليكم من إيجاب مهر * (إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن) * ما لم تجامعوهن، ويجوز أن يكون * (ما) * هاهنا شرطية بمعنى: إن لم تمسوهن، ويجوز أن يكون بمعنى المدة، أي: مدة لم تمسوهن فيها فيكون نصبا PageV01P222 # على الظرف، وقرئ: " تماسوهن " (1) والمعنى فيهما واحد * (أو تفرضوا لهن فريضة) * إلا أن تفرضوا لهن فريضة أو حتى تفرضوا لهن فريضة، وفرض الفريضة: # تسمية المهر، وذلك أن المطلقة غير المدخول بها إن سمي لها مهر فلها نصف المسمى، وإن لم يسم لها مهر فليس لها إلا المتعة * (ومتعوهن) * أي: أعطوهن من مالكم ما يتمتعن به * (على الموسع قدره وعلى المقتر قدره) * أي: على الغني الذي هو في سعة لغناه على قدر حاله، وعلى الفقير الذي هو في ضيق على قدر حاله، ومعنى * (قدره) *: مقداره الذي يطيقه، و " القدر " و " القدر " لغتان * (متعا) * تأكيد ل‍ * (متعوهن) * أي: تمتيعا * (بالمعروف) * بالوجه الذي يحسن في الشرع والمروة * (حقا) * صفة ل‍ * (متعا) * أي: واجبا عليهم، أو حق ذلك حقا * (على المحسنين) * على الذين يحسنون إلى المطلقات بالتمتيع، وسماهم قبل الفعل محسنين كما قال (عليه السلام): " من قتل قتيلا فله سلبه " (2). # * (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير) * (237) هذا يدل على أن " الجناح " في الآية المتقدمة المراد به تبعة المهر، لأن قوله: # * (فنصف ما فرضتم) * إثبات للجناح المنفي هناك، وتقديره: فالواجب نصف # PageV01P223 # ما فرضتم * (إلا أن يعفون) * يعني: المطلقات، أي: يتركن ما يجب لهن من نصف المهر فلا يطلبن الأزواج بذلك * (أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح) * وهو الولي الذي يلي عقد نكاحهن، و ms0111 * (أن) * هذه هي الناصبة للفعل، و * (يعفون) * فعل النسوة في محل النصب * (ولا تنسوا الفضل بينكم) * أي: التفضل، معناه: ولا تنسوا أن يتفضل بعضكم على بعض ولا تستقصوا. # * (حفظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قنتين) * (238) سورة البقرة / 239 و 240 داوموا * (على الصلوات) * في مواقيتها بأداء أركانها * (والصلاة الوسطى) * بين الصلوات، أو الفضلى من قولهم للأفضل: الأوسط، وإنما أفردت وعطفت على * (الصلوات) * لانفرادها بالفضل، وروي عنهم (عليهم السلام): أنها صلاة الظهر (1)، وقيل: هي صلاة العصر (2)، وروي (3) ذلك - أيضا - مرفوعا، وقيل: صلاة # PageV01P224 # الفجر (1) يدل عليه قوله: * (وقرآن الفجر إن قرءان الفجر كان مشهودا) * (2)، * (وقوموا لله قنتين) * أي: راعين في قيامكم. # الصادق (عليه السلام) قال: " القنوت: الدعاء في الصلاة في حال القيام " (3). # * (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون) * (239) أي: فإن كان بكم خوف من عدو أو غيره فصلوا راجلين، والرجال جمع راجل كالقيام جمع قائم * (أو ركبانا) * على ظهور دوابكم، عنى بذلك صلاة الخوف * (فإذا أمنتم) * من الخوف * (فاذكروا الله كما علمكم) * من صلاة الأمن، أو فاشكروا الله على الأمن واذكروه بالعبادة كما أحسن إليكم بما علمكم كيف تصلون في حال الأمن والخوف. # * (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم) * (240) من قرأ: " وصية " بالرفع (4) فالتقدير: * (و) * حكم * (الذين يتوفون) * أو وصية الذين يتوفون وصية لأزواجهم، أو والذين يتوفون أهل وصية فحذف المضاف، # PageV01P225 # ومن قرأ: * (وصية) * بالنصب فالتقدير: والذين يتوفون يوصون وصية كقولك: إنما أنت سير البريد بإضمار تسير * (متعا) * نصب ب‍ " الوصية " أو ب‍ " يوصون " إذا أضمرته، و * (غير إخراج) * مصدر مؤكد أو بدل من * (متعا) * أو حال من الأزواج أي: غير مخرجات، والمعنى: أن حق الذين يتوفون عن أزواجهم أن يوصوا قبل أن يموتوا بأن تمتع أزواجهم بعدهم حولا كاملا، أي: ينفق عليهن من تركته ولا يخرجن من مساكنهن، وكان ذلك ms0112 قبل الإسلام ثم نسخت المدة بقوله: * (أربعة أشهر وعشرا) * (1) (2) * (في ما فعلن في أنفسهن) * من التزين والتعرض للأزواج * (من معروف) * ليس بمنكر شرعا. # * (وللمطلقات متع بالمعروف حقا على المتقين (241) كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون) * (242) قيل: المراد بالمتاع النفقة المذكورة في قوله تعالى: * (متعا إلى الحول) * (3)، وقيل: المراد بالمتاع المتعة (4) فتكون مخصوصة بالآية المتقدمة، فإن المتعة للمطلقة التي لم يدخل بها ولم يفرض لها مهر، وأما المدخول بها فلها مهر مثلها إن لم يسم لها مهر، وما سمي لها إن فرض لها مهر وإن لم يدخل بها فنصف المهر. # سورة البقرة / 243 - 245 * (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديرهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون) * (243) # PageV01P226 # * (ألم تر) * تقرير لمن سمع بقصتهم من أهل الكتاب وتعجيب من شأنهم، ويجوز أن يخاطب به من لم ير ولم يسمع، لأن هذا يجري مجرى المثل في معنى التعجب، وهؤلاء قوم وقع فيهم الطاعون فخرجوا هاربين فأماتهم الله * (ثم أحياهم) * ليعتبروا ويعلموا أنه لا مفر من حكم الله، وقيل: هم قوم من بني إسرائيل دعاهم ملكهم إلى الجهاد فهربوا حذرا من * (الموت) * فأماتهم الله ثم أحياهم (1) * (وهم ألوف) * فيه دليل على الألوف الكثيرة * (فقال لهم الله موتوا) * معناه: # فأماتهم الله، وإنما جئ به على هذه العبارة للدلالة على أنهم ماتوا ميتة إنسان واحد بمشية الله تعالى * (إن الله لذو فضل على الناس) * حيث يبصرهم ما يعتبرون به، وساق سبحانه هذه القصة بعثا على الجهاد بدلالة قوله بعد. # * (وقتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم) * (244) أي: * (سميع) * يسمع ما يقوله المتخلفون والسابقون * (عليم) * بما يضمرونه. # * (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبصط وإليه ترجعون) * (245) إقراض الله مثل لتقديم العمل الذي يطلب به ثوابه، وهو تلطف للدعاء إلى فعله وتأكيد للجزاء عليه، والقرض الحسن: إما المجاهدة نفسها، وإما النفقة في سبيل ms0113 الله * (أضعافا كثيرة) * لا يعلم كنهها إلا الله، وقيل: هو أن الواحد بسبعمائة (2) * (والله يقبض ويبصط) * يوسع على عباده ويقتر، فلا تبخلوا عليه بما وسع عليكم لئلا يبدلكم الضيقة بالسعة. # PageV01P227 # * (ألم تر إلى الملا من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقتلوا قالوا وما لنا ألا نقتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين) * (246) * (الملا) *: الجماعة الأشراف من الناس، لأن هيبتهم تملأ الصدور * (من بعد موسى) * من بعد وفاته * (إذ قالوا لنبي لهم) * هو يوشع أو شمعون أو إشموئيل وهو الأعرف * (ابعث لنا ملكا) * أنهض للقتال معنا أميرا ننتهي إلى أمره * (نقتل في سبيل الله) * ونصدر في تدبير الحرب عن رأيه * (قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقتلوا) * أي: لعلكم إن فرض عليكم القتال مع ذلك الملك ألا تقاتلوا وتجبنوا، بمعنى: أتوقع جبنكم عن القتال، فأدخل * (هل) * مستفهما عما هو متوقع عنده ومظنون، وأراد بالاستفهام التقرير وأن يثبت أن المتوقع كائن، قالوا: * (وما لنا ألا نقتل في سبيل الله) * وأي داع لنا إلى ترك القتال، وأي غرض لنا فيه * (وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا) * وذلك أن قوم جالوت كانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين فأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين * (فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم) * كان عددهم ثلاثمائة وثلاثة عشر على عدد أهل بدر * (والله عليم بالظالمين) * وعيد لهم على ظلمهم في ترك الجهاد والقعود عن القتال. # سورة البقرة / 247 و 248 * (وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن PageV01P228 # الله اصطفيه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتى ملكه من يشاء والله وا سع عليم) * (247) * (طالوت) * اسم أعجمي كجالوت وداود فيه سببان: ms0114 التعريف والعجمة * (أنى يكون) * كيف يكون، ومن أين يكون، وهو إنكار لتملكه عليهم، والمعنى: كيف يتملك علينا والحال أنه لا يستحق التملك لوجود من هو * (أحق بالملك منه) *، وأنه فقير ولابد للملك من مال يتقوى به؟ وإنما قالوا ذلك لأن النبوة كانت في سبط لاوي بن يعقوب والملك في سبط يهودا، ولم يكن طالوت من أحد السبطين * (قال إن الله اصطفيه) * أي: اختاره * (عليكم) * وهو أعلم بالمصالح منكم، ثم ذكر سبحانه خصلتين هما أعلى رتبة في الفضل من النسب والمال وهما: العلم المبسوط والجسامة، فقال: * (وزاده بسطة) * أي: سعة وامتدادا * (في العلم والجسم) * وكان أعلم بني إسرائيل في وقته وأتمهم جسما وأشجعهم * (والله يؤتى ملكه من يشاء) * أي: الملك له فهو يعطيه من يشاء * (والله وا سع) * الفضل والعطاء * (عليم) * بمن يصطفيه للرياسة والملك. # * (وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لاية لكم إن كنتم مؤمنين) * (248) * (التابوت) * صندوق التوراة، وكان موسى (عليه السلام) إذا قاتل قوما قدمه، وكانت تسكن نفوس بني إسرائيل ولا يفرون، و " السكينة ": السكون والطمأنينة، وقيل: # هي صورة كانت فيه من زبرجد أو ياقوت لها جناحان ورأس كرأس الهر وذنب كذنبه فيزف التابوت نحو العدو وهم يمضون معه، فإذا استقر ثبتوا وسكنوا ونزل PageV01P229 # النصر (1)، وعن علي (عليه السلام): كانت فيه ريح هفافة من الجنة ولها وجه كوجه الإنسان (2) * (وبقية مما ترك آل موسى) * هي: عصا موسى ورضاض الألواح وشئ من التوراة، وكان قد رفعه الله بعد موسى فنزلت به الملائكة * (تحمله) * وهم ينظرون إليه، كان ذلك آية لاصطفاء الله طالوت، و * (آل موسى) * و * (آل هارون) * الأنبياء من بني يعقوب بعدهما، لأن عمران هو ابن قاهث بن لاوي بن يعقوب فكان أولاد يعقوب آلهما، ويجوز أن يراد مما تركه موسى وهارون و " آل " مقحم. # * (فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس منى ومن ms0115 لم يطعمه فإنه منى إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصبرين) * (249) سورة البقرة / 249 * (فصل) * عن موضع كذا: إذا انفصل عنه وجاوزه، وأصله فصل نفسه ثم كثر حذف المفعول حتى صار في حكم اللازم، ومعناه: انفصل عن البلد * (بالجنود) * وكانوا ثلاثين ألف مقاتل، وقيل: سبعين ألفا (3) * (قال) * طالوت * (إن الله مبتليكم) * أي: مختبركم * (بنهر فمن شرب) * من النهر بأن كرع في مائه * (فليس منى) * أي: # PageV01P230 # ليس من جملتي وأشياعي * (ومن لم يطعمه) * أي: لم يذقه * (فإنه منى) * يقال: # طعم الشئ: إذا أذاقه * (إلا من اغترف) * استثناء من قوله: * (فمن شرب منه فليس منى) * ومعناه: الرخصة في اغتراف الغرفة باليد دون الكروع، يدل عليه قوله: # * (فشربوا منه) * أي: فكرعوا فيه * (إلا قليلا منهم) * وقرئ: " غرفة " بفتح الغين (1) وضمها، فالفتح بمعنى المصدر والضم بمعنى المغروف، وقيل: لم يبق مع طالوت إلا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا (2) * (فلما جاوزه) * أي: تخطى النهر طالوت * (والذين آمنوا معه) * يعني: القليل من أصحابه ورأوا كثرة عدد جنود جالوت * (قالوا لا طاقة لنا) * قيل: إن الضمير في * (قالوا) * للكثير الذين شربوا وانخزلوا (3)، و * (الذين يظنون) * هم القليل الذين ثبتوا معه وتيقنوا * (أنهم) * يلقون الله * (كم من فئة) * أي: فرقة * (قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله) * بنصر الله لأنه إذا أذن في القتال نصر فيه. # * (ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (250) فهزموهم بإذن الله وقتل داوود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العلمين) * (251) # PageV01P231 # أي: ظهروا * (ل‍) * محاربة * (جالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا) * أي: صب علينا * (صبرا وثبت أقدامنا) * أي: وفقنا للثبوت عند مداحض الحرب بتقوية القلوب وإلقاء الرعب في قلوب ms0116 الأعداء، وكان إيشا أبو داود في عسكر طالوت مع ستة من بنيه أو عشرة، وكان * (داوود) * أصغرهم يرعى الغنم، فبعث طالوت إلى إيشا أن أحضر وأحضر ولدك، فجاء ومعه ولده، فمر داود في طريقه بثلاثة أحجار دعاه كل واحد منها أن يحمله وقال: إنك تقتل بنا جالوت، فحملها في مخلاته ورمى بها * (جالوت) * فقتله، وزوجه طالوت بنته * (وآتاه الله الملك) * في الأرض المقدسة، وما اجتمعت بنو إسرائيل على ملك قط قبل داود * (والحكمة) * والنبوة * (وعلمه مما يشاء) * من صنعة الدروع وكلام الطير والنمل * (ولولا دفع الله) * ولولا أن يدفع الله بعض الناس * (ببعض ل‍) * غلب المفسدون و * (فسدت الأرض) * وبطلت منافعها، وقيل: ولولا أن الله ينصر المسلمين على الكفار لعم الكفر ونزل العذاب واستؤصل أهل الأرض (1). # * (تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين) * (252) سورة البقرة / 253 * (تلك) * إشارة إلى القصص التي اقتصها من حديث إماتة الألوف من الناس وإحياءهم وتمليك طالوت ونزول التابوت وغلبة الجبابرة على يد صبي * (آيات الله) * دلالاته على كمال قدرته نقرأها * (عليك) *، و * (تلك) * مبتدأ و * (آيات الله) * خبره و * (نتلوها) * حال، ويجوز أن تكون * (آيات الله) * بدلا من * (تلك) * و * (نتلوها) * الخبر، * (بالحق) * باليقين الذي لا يشك فيه أهل الكتاب لأنه (2) في كتبهم كذلك * (وإنك لمن المرسلين) * حيث تخبر بها من غير أن تعرف بقراءة # PageV01P232 # وكتابة. # * (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجت وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد) * (253) * (تلك الرسل) * إشارة إلى الرسل التي ذكرت قصصها في السورة، أو التي ثبت علمها عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) * (فضلنا بعضهم على بعض) * لما أوجب ذلك من تفاضلهم في مراتبهم * (منهم من كلم الله) * أي: فضله الله بأن كلمه من غير سفير، وهو ms0117 موسى (عليه السلام) * (ورفع بعضهم درجت) * أي: ومنهم من رفعه على سائر الأنبياء، فكان بعد تفاوتهم في الفضل أفضل منهم بدرجات كثيرة، وهو محمد صلوات الله عليه وآله لأنه المفضل عليهم حيث أوتي ما لم يؤته أحد من المعجزات الموفية على ألف وأكثر، وبعث إلى الإنس والجن، وخص بالمعجزة القائمة إلى يوم القيامة وهي القرآن، وفي هذا الإبهام من تعظيم شأنه وإعلاء مكانه مالا يخفى، لأن فيه أنه العلم الذي لا يشتبه والمشهور الذي لا يخفى * (وآتينا عيسى ابن مريم البينات) * كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص * (وأيدناه بروح القدس) * تقدم تفسيره (1) * (ولو شاء الله) * مشية إلجاء وقسر * (ما اقتتل الذين من) * بعد الرسل لاختلافهم في الدين وتكفير بعضهم بعضا * (ولكن اختلفوا فمنهم من آمن) * لالتزامه دين الأنبياء * (ومنهم من كفر) * لإعراضه عنه * (ولو شاء الله # PageV01P233 # ما اقتتلوا) * كرره للتأكيد * (ولكن الله يفعل ما يريد) * من الخذلان والعصمة. # * (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفعة والكافرون هم الظالمون) * (254) * (أنفقوا... من قبل أن يأتي يوم) * لا تقدرون فيه على تدارك ما فاتكم من الإنفاق، لأنه * (لابيع فيه) * حتى تبتاعوا ما تنفقونه * (ولا خلة) * حتى يسامحكم أخلاؤكم به * (ولا شفعة) * عام يراد به الخاص بلا خلاف، لأن الأمة اجتمعت على إثبات الشفاعة يوم القيامة وإن اختلفوا في كيفيتها * (والكافرون هم الظالمون) * لأن الكفر هو غاية الظلم. # سورة البقرة / 255 * (الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يوده حفظهما وهو العلي العظيم) * (255) * (الحي) * الذي يصح أن يكون قادرا عالما وهو الباقي الذي لا يتطرق إليه الفناء، و * (القيوم) * الدائم القيام بتدبير الخلق وحفظهم * (لا تأخذه سنة) * وهو ما يتقدم النوم من الفتور الذي يسمى ms0118 النعاس * (ولا نوم) * وهو تأكيد ل‍ * (القيوم) * وبيان له، لأن من جاز عليه النوم والسنة لا يكون قيوما * (له ما في السماوات وما في الأرض) * يملكهما ويملك تدبير ما فيهما * (من ذا الذي يشفع عنده) * بيان لكبريائه وملكوته بأن أحدا لا يملك أن يتكلم يوم القيامة إلا إذا أذن له في الكلام * (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) * الضمير ل‍ * (ما في السماوات وما في الأرض) * لأن فيهم العقلاء، أو لما دل عليه * (من ذا الذي) * من الملائكة والأنبياء، أي: يعلم PageV01P234 # ما كان قبلهم وما يكون بعدهم، ويعلم أحوالهم والمرتضى منهم للشفاعة وغير المرتضى * (ولا يحيطون بشئ من علمه) * أي: معلوماته * (إلا بما شاء) * أي: بما علم وأطلع عليه، والإحاطة بالشئ علما أن يعلم كما هو على الحقيقة * (وسع كرسيه) * أي: علمه * (السماوات والأرض) * روي ذلك عنهم (عليهم السلام) (1)، وسمي العلم كرسيا تسمية بمكانه الذي هو كرسي العالم، وقيل: كرسيه ملكه تسمية بمكانه الذي هو كرسي الملك (2)، وقيل: الكرسي سرير دون العرش دونه السماوات والأرض (3)، ترتبت هذه الجمل من غير حرف عطف، لأن كل جملة منها واردة على سبيل البيان لما ترتبت عليه، والبيان متحد بالمبين، فالأولى أن لا يتوسط بينهما حرف عطف * (ولا يوده حفظهما) * لا يثقله ولا يشق عليه حفظ السماوات والأرض * (وهو العلى) * الشأن * (العظيم) * الملك. # وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: " سمعت نبيكم على أعواد المنبر وهو يقول: من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ولا يواظب عليها إلا صديق أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه آمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والأبيات حوله " (4). # * (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغى فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم) * (256) # PageV01P235 # يعني: أن أمور الدين جارية على التمكن والاختيار لا على القسر والإجبار، ونحوه: * (ولو شاء ربك لامن من في الأرض) * الآية (1)، أي: لو شاء لأجبرهم على ms0119 الإيمان لكنه لم يفعل وبنى الأمر على الاختيار، وقيل: هو بمعنى النهي أي: # لا تكرهوا * (في الدين) * (2)، ثم قالوا: هو منسوخ بآية السيف (3)، وقيل: هو مخصوص بأهل الكتاب إذا أدوا الجزية (4) * (قد تبين الرشد من الغى) * قد تميز الإيمان من الكفر بالدلائل النيرة * (فمن يكفر بالطاغوت) * أي: بالشيطان والأصنام * (ويؤمن بالله فقد استمسك) * بالعصمة الوثيقة * (لا انفصام لها) * لا انقطاع لها، وهذا تمثيل لما يعلم بالنظر والاستدلال بالمشاهد المحسوس الذي ينظر إليه عيانا. # * (الله ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحب النار هم فيها خلدون) * (257) سورة البقرة / 258 * (الله ولى الذين) * يريدون أن يؤمنوا يلطف بهم حتى * (يخرجهم) * بلطفه وتوفيقه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، أو يخرجهم من الشبه في الدين إن وقعت لهم بما يوفقهم له من حلها حتى يخرجوا منها إلى نور اليقين * (والذين كفروا) * أي: صمموا على الكفر فأمرهم على العكس * (أولياؤهم) * الشياطين # PageV01P236 # يتولون أمورهم * (يخرجونهم) * من نور البينات إلى ظلمات الشك والشرك. # * (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربى الذي يحى ى ويميت قال أنا أحي ى وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدى القوم الظالمين) * (258) * (ألم تر) * تعجيب من محاجة نمرود في الله وكفره به * (أن آتاه الله الملك) * متعلق ب‍ * (حاج) * أي: لأن آتاه الله الملك، على معنى: أن إيتاء الملك أورثه البطر والعتو فحاج لذلك، أو وضع المحاجة في ربه موضع ما وجب عليه من الشكر على إيتاء الملك، نحو قوله: * (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون) * (1)، ويجوز أن يكون المعنى: حاج وقت أن آتاه الله الملك، ومعنى " آتاه الملك ": أنه آتاه ما غلب به وتملك من الأموال والخدم والأتباع * (إذ قال) * نصب ب‍ * (حاج) * أو بدل من * (أن آتاه) * إذا جعل بمعنى الوقت (2) * (أنا أحي ى وأميت) * يريد أخلي من ms0120 وجب عليه القتل وأميت بالقتل، الصادق (عليه السلام) قال: " إن إبراهيم (عليه السلام) قال له: فأحي من قتلته إن كنت صادقا ثم استظهر عليه بقوله: * (فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب) * " (3) انتقل إلى مالا يقدر فيه على نحو ذلك الجواب ليبهته، وهذا دليل على جواز الانتقال من حجة إلى حجة. # * (أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحى ى # PageV01P237 # هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شئ قدير) * (259) سورة البقرة / 259 * (أو كالذي) * معناه: أو أرأيت مثل الذي مر، فحذف لدلالة * (ألم تر) * عليه، لأن كلتيهما كلمة تعجيب، ويجوز أن يحمل على المعنى كأنه قيل: أرأيت كالذي حاج إبراهيم * (أو كالذي مر على قرية) * والمار عزير أو ارمياء، أراد أن يعاين إحياء الموتى ليزداد بصيرة * (قال أنى يحى ى هذه الله) * هذا اعتراف بالعجز عن معرفة طريقة الإحياء واستعظام لقدرة المحيي، والقرية: بيت المقدس حين خربه بخت نصر، وقيل: هي القرية التي خرج منها الألوف حذر الموت (1) * (وهي خاوية على عروشها) * أي: ساقطة على أبنيتها وسقوفها كأن سقوفها سقطت ثم وقعت البنيان عليها، قال: كيف يحيي الله هذه القرية بعد خرابها؟ أطلق لفظ " القرية " وأراد أهلها، وأحب أن يريه الله إحياءها مشاهدة * (فأماته الله مائة عام) * روي: # أنه مات ضحى وبعث بعد مائة سنة قبل غيبوبة الشمس، فقال قبل النظر إلى الشمس: * (لبثت يوما) * ثم التفت فرأى بقية من الشمس فقال: * (أو بعض يوم) * (2)، وروي: أن طعامه كان تينا وعنبا وشرابه عصيرا أو لبنا، فوجد التين والعنب كما جنيا والشراب على حاله (3) * (لم يتسنه) * أي: لم تغيره السنون، # PageV01P238 # والهاء أصلية أو هاء سكت، واشتقاقه من " السنة ms0121 " على الوجهين، لأن لامها هاء أو واو، وذلك أن الشئ يتغير بمرور الزمان عليه، وقيل: أصله يتسنن من الحمأ المسنون فقلبت نونه حرف علة كتقضي البازي (1) * (وانظر إلى حمارك) * كيف تفرقت عظامه ونخرت وكان له حمار قد ربطه، ويجوز أن يكون المراد: وانظر إليه سالما في مكانه كما ربطته وذلك من أعظم الآيات * (ولنجعلك آية للناس) * فعلنا ذلك، يريد: إحياءه بعد الموت وحفظ طعامه وشرابه، وقيل: إنه أتى قومه راكب حماره وقال: أنا عزير، فكذبوه، فقال: هاتوا التوراة، فأخذ يهذها هذا (2) عن ظهر قلبه وهم ينظرون في الكتاب فما خرم حرفا، فقالوا: هو ابن الله (3)، ولم يقرأ التوراة ظاهرا أحد قبل عزير، فذلك كونه آية * (وانظر إلى العظام) * وهي عظام الحمار أو عظام الموتى الذين تعجب من إحيائهم * (كيف ننشزها) * نحييها، و " ننشرها " (4) من نشر الله الموتى بمعنى: أنشرهم، و * (ننشزها) * بالزاي أي: # نحركها ونرفع بعضها إلى بعض للتركيب، وفاعل * (تبين) * مضمر تقديره: فلما تبين له أن الله على كل شئ قدير * (قال أعلم أن الله على كل شئ قدير) * فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، نحو قولهم: ضربني وضربت زيدا، ويجوز أن يكون المعنى: فلما تبين له ما أشكل عليه، وقرئ: " قال اعلم " على لفظ الأمر (5) كأنه # PageV01P239 # خاطب نفسه، كقول الأعشى (1): # ودع هريرة إن الركب مرتحل (2) * (وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحى الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم أدعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم) * (260) سورة البقرة / 260 * (رب أرني) * أي: بصرني * (كيف تحى الموتى) *، * (قال أولم تؤمن) * قال له ذلك سبحانه وقد علم أنه أثبت الناس إيمانا، ليجيب بما أجاب به لما فيه من الفائدة للسامعين، وهذا ألف استفهام المراد به التقرير * (قال بلى) * هو إيجاب بعد النفي معناه: بلى آمنت * (ولكن ليطمئن قلبي) * ليزيد سكونا وطمأنينة بأن يضام العلم الضروري العلم الاستدلالي، وتظاهر الأدلة أزيد للبصيرة واليقين، وأراد ms0122 بطمأنينة القلب: العلم الذي لا مجال فيه للشك، واللام تعلقت بمحذوف تقديره: # سألت ذلك ليطمئن قلبي * (قال فخذ أربعة من الطير) * طاووسا وديكا وغرابا # PageV01P240 # وحمامة * (فصرهن إليك) * بضم الصاد وكسرها (1) بمعنى: فأملهن واضممهن إليك * (ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا) * أي: فجزئهن وفرق أجزاءهن على الجبال التي بحضرتك وفي أرضك، وكانت أربعة أجبل * (ثم أدعهن) * وقل لهن: تعالين بإذن الله * (يأتينك سعيا) * أي: ساعيات مسرعات في طيرانهن أو في مشيهن على أرجلهن. # وروي: أنه أمر بأن يذبحها وينتف ريشها ويقطعها ويفرق أجزاءها ويخلط ريشها ودماءها ولحومها وأن يمسك رؤوسها، ثم أمر بأن يجعل أجزاءها على الجبال على كل جبل ربعا من كل طائر، ثم يصيح بها: تعالين بإذن الله، فجعل كل جزء يطير إلى الآخر حتى صارت جثثا، ثم أقبلن فانضممن إلى رؤوسهن كل جثة إلى رأسها (2). # وقرئ: " جزؤا " بضمتين (3)، و " جزا " بالتشديد (4)، ووجهه: أنه خفف بطرح همزته ثم شدد كما يشدد في الوقف إجراء للوصل مجرى الوقف. # * (مثل الذين ينفقون أموا لهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضعف لمن يشاء والله وا سع # PageV01P241 # عليم) * (261) لابد من تقدير حذف مضاف، أي: * (مثل) * نفقة * (الذين ينفقون) *: * (كمثل حبة) *، أو مثلهم كمثل باذر حبة، والمنبت هو الله ولكن الحبة لما كانت سببا أسند إليها الإنبات كما يسند إلى الأرض وإلى الماء، وهذا التمثيل تصوير لمضاعفة الحسنات كأنها موضوعة بحذاء العين * (والله يضعف لمن يشاء) * أي: يزيد على سبعمائة * (والله وا سع) * المقدرة * (عليم) * بمن يستحق الزيادة. # * (الذين ينفقون أموا لهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولاخوف عليهم ولاهم يحزنون (262) قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غنى حليم) * (263) المن: أن يعتد على من أحسن إليه بإحسانه ويريه (1) أنه أوجب عليه حقا له، والأذى: أن يتطاول عليه بسبب ما أسدى إليه، ومعنى * (ثم) *: إظهار التفاوت بين الإنفاق وترك المن والأذى وأن ms0123 تركهما خير من الإنفاق كما جعل الاستقامة على الإيمان خيرا من الدخول فيه بقوله: * (ثم استقاموا) * (2)، * (قول معروف) * رد جميل * (ومغفرة) * وعفو عن السائل إذا وجد منه ما يثقل على المسؤول، أو نيل مغفرة من الله بسبب الرد الجميل، أو عفو من جهة السائل، لأنه إذا رده ردا جميلا عذره * (خير من صدقة يتبعها أذى والله غنى) * لا حاجة به إلى منفق يمن ويؤذي * (حليم) * عن المعاجلة بالعقوبة، وفيه ذرو من الوعيد. # سورة البقرة / 264 و 265 * (يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه # PageV01P242 # تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شئ مما كسبوا والله لا يهدى القوم الكافرين) * (264) * (كالذي ينفق ماله) * معناه: * (لا تبطلوا صدقتكم بالمن والأذى) * * (ك‍) * إبطال المنافق * (الذي ينفق ماله رئاء الناس) * لا يريد بإنفاقه رضاء الله وثواب الآخرة * (فمثله) * أي: مثله ونفقته التي لا ينتفع بها البتة * (كمثل صفوان) * أي: حجر أملس * (عليه تراب فأصابه وابل) * مطر عظيم القطر * (فتركه صلدا) * أجرد نقيا من التراب الذي كان عليه * (لا يقدرون على شئ مما كسبوا) * أي: لا يحصلون مما أنفقوه من ثوابه على شئ كما لا يحصل أحد على شئ من التراب الذي أذهبه المطر من الحجر الصلد، ويجوز أن يكون الكاف في محل النصب على الحال، أي: * (لا تبطلوا صدقتكم) * مماثلين * (الذي ينفق) *، وأراد ب‍ * (الذي ينفق) * الجنس أو الفريق الذي ينفق، فلذلك قال بعده: * (لا يقدرون) *. # * (ومثل الذين ينفقون أموا لهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فاتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير) * (265) * (وتثبيتا من أنفسهم) * معناه: وليثبتوا من أنفسهم ببذل المال الذي هو أخو الروح، وبذله أشق على النفس من أكثر العبادات الشاقة، ويجوز ان يراد: وتصديقا للإسلام وتحقيقا للجزاء من أصل أنفسهم، لأنه إذا أنفق المسلم ماله في سبيل الله علم أن تصديقه بالثواب ms0124 من أصل نفسه وإخلاص قلبه، و * (من) * على التفسير الأول للتبعيض مثلها في قولهم: " هز من عطفه " (1)، ومعنى التبعيض: أن من بذل # PageV01P243 # ماله فقد ثبت بعض نفسه ومن بذل ماله وروحه فقد ثبتها كلها، وعلى الآخر لابتداء الغاية كقوله: * (حسدا من عند أنفسهم) * (1)، والمعنى: * (ومثل) * نفقة هؤلاء * (كمثل جنة) * أي: بستان * (بربوة) * بمكان مرتفع، وخصها لأن الشجر فيها أزكى وأحسن ثمرا * (أصابها وابل) * مطر عظيم القطر * (فاتت أكلها) * ثمرتها * (ضعفين) * مثلي ما كانت تثمر بسبب الوابل * (فإن لم يصبها وابل فطل) * فمطر صغير القطر يكفيها لكرم منبتها، أو مثل حالهم عند الله بالجنة على الربوة ونفقتهم الكثيرة والقليلة بالوابل والطل، وكما أن كل واحد من المطرين يضعف أكل الجنة فكذلك نفقتهم كثيرة كانت أو قليلة زاكية عند الله. # * (أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجرى من تحتها الأنهر له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون) * (266) سورة البقرة / 267 * (أيود أحدكم) * الهمزة للإنكار، والواو في قوله: * (وأصابه الكبر) * للحال لا للعطف، ومعناه: * (أيود أحدكم أن تكون له جنة) * وقد * (أصابه الكبر) *، والإعصار: الريح التي تستدير ثم تسطع نحو السماء كالعمود، وهذا مثل لمن يعمل الأعمال الحسنة لا يبتغي بها وجه الله تعالى، فإذا كان يوم القيامة وجدها محبطة لا ثواب عليها فيتحسر عند ذلك حسرة من كانت له جنة من أبهج الجنان وأبهاها وفيها أنواع الثمار فبلغه * (الكبر وله) * أولاد * (ضعفاء) * والجنة معاشهم فهلكت بالصاعقة. # PageV01P244 # قال الحسن: هذا مثل قل والله من يعقله من الناس: شيخ كبير ضعف جسمه وكثر صبيانه أفقر ما يكون إلى جنة، وإن أحدكم والله أفقر ما يكون إلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا (1). # * (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبت ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غنى حميد) * (267) * (أنفقوا من طيبت ما كسبتم) ms0125 * أي: من جياد مكسوباتكم وخيارها، وقيل: # من حلالها (2) * (ومما أخرجنا لكم من الأرض) * من الغلات والثمار (3)، والمعنى: # ومن طيبات ما أخرجنا لكم، إلا أنه حذف لأنه ذكر الطيبات قبل * (ولا تيمموا الخبيث) * ولا تقصدوا المال الردي * (منه تنفقون) * أي: تخصونه بالإنفاق، وهو في محل الحال * (ولستم بآخذيه) * أي: وحالكم أنكم لا تأخذونه في حقوقكم * (إلا أن تغمضوا فيه) * أي: إلا بأن تتسامحوا في أخذه وتترخصوا فيه، من قولهم: # أغمض فلان عن بعض حقه: إذا غض بصره، ويقال: أغمض البائع إذا لم يستقص كأنه لا يبصر، وعن ابن عباس: كانوا يتصدقون بحشف (4) التمر فنهوا عنه (5). # * (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله وا سع عليم (268) يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت # PageV01P245 # الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب) * (269) * (يعدكم الفقر) * بالإنفاق في وجوه البر وبإنفاق الجيد من المال، والوعد يستعمل في الخير والشر * (ويأمركم بالفحشاء) * ويغريكم على البخل ومنع الزكوات إغراء الآمر للمأمور، والعرب تسمي البخيل فاحشا كما قال طرفة (1): # أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي * عقيلة مال الفاحش المتشدد (2) سورة البقرة / 270 و 271 * (والله يعدكم) * في الإنفاق * (مغفرة) * لذنوبكم وكفارة لها * (وفضلا) * وأن يخلف عليكم أفضل مما أنفقتم، وقيل: وثوابا عليه في الآخرة (3)، * (يؤتى الحكمة) * أي: يعطي الله الحكمة، أي: العلم ويوفق للعمل به، والحكيم عند الله هو العالم العامل، وقيل: الحكمة: القرآن والفقه (4)، وقرئ: " ومن يؤت " بكسر التاء (5) بمعنى: ومن يؤته الله الحكمة، و * (خيرا كثيرا) * تنكير تعظيم كأنه قيل: فقد أوتي أي خير كثير * (وما يذكر إلا أولوا الألباب) * أي: العلماء الحكماء العمال. # PageV01P246 # * (وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظلمين من أنصار (270) إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيأتكم والله بما تعملون خبير) * (271) * (وما أنفقتم من نفقة) * في سبيل الله أو في سبيل الشيطان * (أو نذرتم من نذر) * في طاعة أو في معصية * (فإن الله يعلمه) ms0126 * لا يخفى عليه فيجازي عليه بحسبه * (وما للظلمين) * الذين ينفقون أموالهم في المعاصي، أو يمنعون الزكوات، أو لا يوفون بالنذور، أو ينذرون في المعاصي * (من أنصار) * ممن ينصرهم من الله ويمنع عنهم عذاب الله، و " ما " في * (فنعما هي) * نكرة، أي: فنعم شيئا إبداؤها، وقرئ بكسر النون وفتحها (1)، * (وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء) * أي: تعطوها إياهم مع الإخفاء * (فهو خير لكم) * أي: فالإخفاء خير لكم، والمراد بالصدقات: # المتطوع بها لأن الأفضل في الفرائض الإظهار، " ونكفر " قرئ بالنون (2) مرفوعا عطفا على محل ما بعد الفاء، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف أي: ونحن نكفر، أو على أنه جملة من فعل وفاعل مبتدأة، ومجزوما عطفا على محل الفاء وما بعده # PageV01P247 # لأنه جواب الشرط، وقرئ: * (ويكفر) * بالياء مرفوعا والفعل لله أو للإخفاء " ويكفر " بالياء والنصب (1) بإضمار " أن " ومعناه: إن تخفوها يكن خيرا لكم وأن يكفر عنكم، " وتكفر " بالتاء مرفوعا (2) ومجزوما (3) والفعل للصدقات. # * (ليس عليك هديهم ولكن الله يهدى من يشاء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون) * (272) أي: لا يجب * (عليك) * أن تجعلهم مهتدين إلى الانتهاء عما نهوا عنه من المن والأذى والإنفاق من الخبيث وغير ذلك، وما عليك إلا البلاغ * (ولكن الله يهدى من يشاء) * يلطف بمن يعلم أن اللطف ينفع فيه فينتهي عما نهي (4) عنه * (وما تنفقوا من خير) * من مال * (فلأنفسكم) * فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيركم، فلا تمنوا به على من تنفقونه عليه ولا تؤذوه * (وما تنفقون) * أي: وليست نفقتكم * (إلا) * ل‍ * (ابتغاء وجه الله) * ولطلب ما عنده فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث الذي لا يتوجه بمثله إلى الله * (وما تنفقوا من خير يوف إليكم) * ثوابه أضعافا مضاعفة، فلا عذر لكم في أن ترغبوا عن الإنفاق وأن يكون على أحسن الوجوه وأجملها. # سورة البقرة / 273 * (للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسئلون # PageV01P248 # الناس ms0127 إلحافا وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم) * (273) الجار يتعلق بمحذوف، والتقدير: اعمدوا * (للفقراء) * أو اجعلوا ما تنفقونه للفقراء، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي: صدقاتكم للفقراء، و * (الذين أحصروا في سبيل الله) * هم الذين أحصرهم الجهاد * (لا يستطيعون) * لاشتغالهم به * (ضربا في الأرض) * للكسب، قيل: وهم أصحاب الصفة وهم نحو من أربعمائة رجل لم يكن لهم مساكن في المدينة ولا عشائر، فكانوا في صفة المسجد - وهي سقيفته - يتعلمون القرآن بالليل ويرضخون النوى بالنهار، وكانوا يخرجون في كل سرية يبعثها رسول الله (صلى الله عليه وآله) فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسى (1) * (يحسبهم الجاهل) * بحالهم * (أغنياء من التعفف) * أي: مستغنين من أجل تعففهم عن المسألة * (تعرفهم بسيماهم) * من صفرة الوجه ورثاثة الحال، أو الخضوع الذي هو شعار الصالحين * (لا يسلون الناس إلحافا) * أي إلحاحا، ومعناه: إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحوا، وقيل: هو نفي للسؤال والإلحاف جميعا (2) كقول امرئ القيس (3): # PageV01P249 # على لأحب لا يهتدي بمناره (1) يريد نفي المنار والاهتداء به. # * (الذين ينفقون أموا لهم باليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولاخوف عليهم ولاهم يحزنون) * (274) أي: يعمون أوقاتهم وأحوالهم بالصدقة لحرصهم على الخير، وعن ابن عباس: # نزلت في علي (عليه السلام) كانت معه أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم علانية (2)، وروي ذلك عن الباقر والصادق (عليهما السلام) (3). # * (الذين يأكلون الربوا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربوا وأحل الله البيع وحرم الربوا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحب النار هم فيها خلدون) * (275) سورة البقرة / 276 * (الربوا) * كتب بالواو على لغة من يفخم كما كتبت " الصلاة " و " الزكاة " بالواو، وزيدت الألف بعدها تشبيها بواو الجمع * (لا يقومون) * إذا بعثوا من قبورهم * (إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان) * أي: المصروع * (من المس) * وهو الجنون، ورجل ممسوس، وتعلق * (من) * ب‍ * (لا يقومون) * أي: لا ms0128 يقومون من المس الذي بهم إلا كما يقوم المصروع، ويجوز أن يتعلق ب‍ * (يقوم) * أي: كما يقوم # PageV01P250 # المصروع من جنونه، والمعنى: أنهم يقومون يوم القيامة مخبلين كالمصروعين يعرفون بتلك السيماء عند أهل الموقف * (ذلك) * العقاب * (ب‍) * سبب * (أنهم قالوا إنما البيع مثل الربوا) * أي: البيع الذي لا ربا فيه مثل البيع الذي فيه الربا، وقوله: # * (وأحل الله البيع وحرم الربوا) * إنكار لتسويتهم بينهما، ودلالة على بطلان قياسهم الربا على البيع * (فمن جاءه موعظة) * أي: فمن بلغه وعظ * (من ربه) * وزجر بالنهي عن الربا * (فانتهى) * فتبع النهي وامتنع منه * (فله ما سلف) * فلا يؤاخذ بما مضى منه * (وأمره إلى الله) * يحكم في شأنه يوم القيامة * (ومن عاد) * إلى الربا بعد التحريم وقال ما كان يقوله من: أن البيع مثل الربا * (فأولئك أصحب النار هم فيها خلدون) * لأن ذلك القول لا يصدر إلا من كافر مستحل للربا، فلهذا توعد بعذاب الأبد. # * (يمحق الله الربوا ويربى الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم) * (276) * (يمحق الله الربوا) * أي: يذهب ببركته ويهلك المال الذي يدخل فيه * (ويربى الصدقات) * أي: ما يتصدق به بأن يضاعف عليه الثواب ويزيد المال الذي أخرجت منه الصدقة ويبارك فيه، وفي الحديث: " ما نقص مال من صدقة " (1)، * (والله لا يحب كل كفار أثيم) * هذا تغليظ في أمر الربا، وإيذان بأنه من فعل الكفار لا من فعل المسلمين. # * (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا # PageV01P251 # الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولاخوف عليهم ولا هم يحزنون (277) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربوا إن كنتم مؤمنين (278) فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموا لكم لا تظلمون ولا تظلمون) * (279) الفرق بين قوله: * (لهم أجرهم) * وقوله في موضع آخر: * (فلهم أجرهم) * (1) أن الفاء فيها دلالة على أن الإنفاق به استحق الأجر، وطرح الفاء عار عن هذه الدلالة * (وذروا ما بقي من الربوا) * روي: أنها نزلت في ثقيف، وكان لهم على قوم من قريش مال ms0129 فطالبوهم عند المحل بالمال والربا (2)، وقيل: إنهم أخذوا ما شرطوا على الناس من الربا وبقيت لهم بقايا فأمروا أن يتركوها ولا يطالبوا بها (3) * (إن كنتم مؤمنين) * إن صح إيمانكم * (فأذنوا بحرب من الله) * أي: فاعلموا بها، من أذن بالشئ: إذا علم به، وقرئ: " فآذنوا " (4) أي: فأعلموا بها غيركم، وهو من الأذن وهو الاستماع، لأنه من طرق العلم، والمعنى: * (فأذنوا) * بنوع من الحرب عظيم * (من) * عند * (الله ورسوله) *، * (وإن تبتم) * من الارتباء (5) * (فلكم رؤوس أموا لكم لا تظلمون) * المديونين بطلب الزيادة * (ولا تظلمون) * بالنقصان منها. # سورة البقرة / 280 و 281 * (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم # PageV01P252 # تعلمون (280) واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون) * (281) أي: * (وإن) * وقع غريم من غرمائكم * (ذو عسرة) * أي: ذو إعسار * (فنظرة) * أي: فالحكم أو فالأمر نظرة، أي: إنظار * (إلى ميسرة) * إلى يسار، أي: وقت يسار، وهو خبر في معنى الأمر، والمراد: فأنظروه إلى وقت يساره، و " الميسرة " و " الميسرة " بضم السين وفتحها لغتان (1)، وقرئ: " إلى ميسره " بالإضافة إلى الهاء وحذف التاء عند الإضافة (2)، كقوله: * (وإقام الصلاة) * (3)، * (وأن تصدقوا) * أي: # تتصدقوا * (خير لكم) * ندب سبحانه إلى أن يتصدقوا برؤوس أموالهم على من أعسر من غرمائهم أو ببعضها، كما قال: * (وأن تعفوا أقرب للتقوى) * (4)، * (إن كنتم تعلمون) * أنه خير لكم، وقرئ: " ترجعون " (5) و * (ترجعون) * على البناء للفاعل والمفعول، أي: واخشوا واحذروا * (يوما) * تردون * (فيه إلى) * جزاء * (الله) *. # وعن ابن عباس: أنها آخر آية نزل بها جبرئيل وقال: ضعها في رأس المائتين والثمانين من البقرة (6). # * (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه # PageV01P253 # وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا ms0130 رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحديهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شئ عليم) * (282) سورة البقرة / 282 * (إذا تداينتم) * أي: تعاملتم وداين بعضكم بعضا، تقول: داينت الرجل إذا عاملته بدين معطيا أو آخذا، كما تقول: بايعته إذا بعته أو باعك * (بدين إلى أجل مسمى) * أي: بدين مؤجل * (فاكتبوه) * وإنما ذكر " الدين " ليرجع الضمير إليه في قوله تعالى: * (فاكتبوه) *، ولأن الدين يتنوع إلى مؤجل وحال، وقيل: * (مسمى) * ليعلم أن من حق الأجل أن يكون معلوما موقتا بالسنين أو الشهور أو الأيام (1)، وهذا الأمر مندوب إليه، قال ابن عباس: والمراد به السلم لما حرم الله الربا أباح السلم (2) * (وليكتب بينكم كاتب بالعدل) * أي: كاتب مأمون على ما يكتب، يكتب # PageV01P254 # بالاحتياط والنصفة لا يزيد على ما يجب أن يكتب ولا ينقص، فقوله: * (بالعدل) * صفة ل‍ * (كاتب) *، وفي هذا دلالة على أن الكاتب يجب أن يكون فقيها عالما بالشروط حتى يجئ مكتوبه معدلا بالشرع * (ولا يأب كاتب) * أي: ولا يمتنع أحد من الكتاب * (أن يكتب كما علمه الله) * كتابة الوثائق، وقيل: كما نفعه الله بتعليمها فلينفع الناس بكتابته (1)، وهو فرض على الكفاية عند أكثر المفسرين (2)، ويجوز أن يتعلق * (كما علمه الله) * ب‍ * (أن يكتب) * فيكون نهيا عن الامتناع عن الكتابة المقيدة، ثم قيل له: * (فليكتب) * أي: فليكتب تلك الكتابة ولا يعدل عنها، ويجوز أن يتعلق بقوله: * (فليكتب) * فيكون نهيا عن الامتناع عن الكتابة على الإطلاق ثم أمر بها مقيدة * (وليملل الذي عليه الحق) * أي: وليكن المملي من وجب عليه الحق لأنه هو المشهود على ثباته في ذمته وإقراره به، والإملاء والإملال لغتان نطق بهما القرآن: * (فهي تملى عليه) ms0131 * (3)، * (ولا يبخس منه) * أي: من الحق * (شيئا) *. # * (فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا) * السفيه: المحجور عليه لتبذيره أو الجاهل بالإملاء، والضعيف: الصبي أو الشيخ الخرف * (أو لا يستطيع أن يمل هو) * بنفسه لعي أو خرس * (فليملل وليه) * الذي يلي أمره من وصي إن كان صبيا أو سفيها (4) أو وكيل إن كان غير مستطيع أو ترجمان يمل عنه وهو يصدقه، ففي قوله: * (أن يمل) * هو أنه غير مستطيع بنفسه ولكن بغيره وهو الذي يترجم عنه. # * (واستشهدوا شهيدين) * واطلبوا أن يشهد لكم شهيدان على الدين * (من # PageV01P255 # رجالكم) * من رجال المؤمنين * (فإن لم يكونا) * فإن لم يكن الشهيدان * (رجلين فرجل وامرأتان) * فليشهد رجل وامرأتان، وشهادة النساء مقبولة عندنا في غير: # رؤية الهلال والطلاق مع الرجال على تفصيل فيه (1)، وهي مقبولة على الانفراد فيما لا يستطيع الرجال النظر إليه مثل العذرة والأمور الباطنة للنساء * (ممن ترضون) * ممن تعرفون عدالته وهو مرضي عندكم * (من الشهداء أن تضل إحديهما) * أن لا تهتدي إحدى المرأتين للشهادة بأن تنساها من قولهم: ضل الطريق: إذا لم يهتد له، وهو في موضع النصب بأنه مفعول له، أي: إرادة أن تضل، لما كان الضلال سببا للإذكار كانت إرادة الضلال إرادة للإذكار، فكأنه قيل: إرادة أن تذكر إحداهما الأخرى إن ضلت، ومثله قولهم: أعددت الخشبة أن يميل الحائط فادعمه، وقرئ: " فتذكر " (2)، وهما لغتان، يقال: أذكره وذكره، وقراءة حمزة: " إن تضل إحداهما " على الشرط " فتذكر " بالرفع (3)، كقوله: * (ومن عاد فينتقم الله منه) * (4)، * (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) * ليقيموا الشهادة، وقيل: # ليستشهدوا (5)، وقيل لهم: شهداء قبل التحمل، تنزيلا لما يقارب منزلة الكائن. # PageV01P256 # * (ولا تسموا) * ولا تملوا أن تكتبوا الحق * (صغيرا) * كان الحق * (أو كبيرا إلى أجله) * إلى وقته الذي اتفق الغريمان على تسميته * (ذلكم) * إشارة إلى * (أن تكتبوه) * لأنه في معنى المصدر، أي: ذلكم الكتاب * (أقسط عند الله) * أي: أعدل، من القسط * (وأقوم للشهادة) * وأعون على إقامة الشهادة * (وأدنى ألا ترتابوا) * وأقرب من انتفاء الريب في مبلغ الحق والأجل * (إلا أن ms0132 تكون تجارة حاضرة تديرونها) * أريد بالتجارة: ما يتجر فيه من الأبدال، والمعنى: إلا أن تتبايعوا بيعا ناجزا يدا بيد فلا بأس أن لا تكتبوه، لأنه لا يتوهم فيه ما يتوهم في التداين، ومعنى * (تديرونها بينكم) *: تعاملونها يدا بيد، وقرئ * (تجارة حاضرة) * بالنصب على معنى: إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة * (وأشهدوا إذا تبايعتم) * أمر بالإشهاد مطلقا لأنه أحوط * (ولا يضار) * يحتمل البناء للفاعل والمفعول، والمعنى: نهى الكاتب والشهيد عن ترك الإجابة إلى ما يطلب منهما وعن التحريف والزيادة والنقصان، أو النهي عن الضرار بهما بأن يعجلا عن مهم، أو لا يكلف الكاتب الكتابة (1) في حال عذر لا يتفرغ لذلك ولا يدعى الشاهد إلى إثبات الشهادة أو إقامتها في وقت لا يتفرغ له * (وإن تفعلوا) * وإن تضاروا * (فإنه فسوق بكم) * فإن الضرار فسوق (2)، وقيل: وإن تفعلوا شيئا مما نهيتم عنه فإنه خروج مما أمر الله سبحانه به (3). # * (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهن مقبوضة فإن أمن # PageV01P257 # بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمنته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهدة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم) * (283) * (على سفر) * أي: مسافرين * (فرهن) * أي: فالذي يستوثق به رهان، وقرئ: # " فرهن " (1)، وكلاهما جمع الرهن، وقد يخفف فيقال: رهن، وليس الغرض تخصيص الارتهان بحال السفر ولكن السفر لما كان مظنة لإعواز الكتب والإشهاد أمر المسافر بأن يقيم الارتهان مقام الكتاب والإشهاد على سبيل الإرشاد إلى حفظ المال، والقبض شرط في صحة الرهن * (فإن أمن بعضكم بعضا) * أي: فإن أمن بعض الدائنين بعض المديونين لحسن ظنه به * (فليؤد الذي اؤتمن أمنته) * وهو الذي عليه الحق، أمر بأن يؤديه إلى صاحب الحق وافيا وقت محله من غير مطل ولا تسويف، وسمي الدين أمانة: لايتمانه عليه بترك الارتهان منه * (ولا تكتموا الشهدة) * خطاب للشهود * (ومن يكتمها) * مع علمه بالمشهود به وتمكنه من أدائها * (فإنه آثم قلبه) * هو خبر " إن " و * (قلبه) * مرفوع به على الفاعلية، كأنه قيل: فإنه يأثم قلبه، والمعنى فيه: أن كتمان الشهادة ms0133 من آثام القلوب ومن معاظم الذنوب. # سورة البقرة / 284 و 285 * (لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شئ قدير) * (284) # PageV01P258 # أي: * (وإن) * تظهروا * (ما في أنفسكم) * من السوء * (أو تخفوه) * فإن الله تعالى يعلم ذلك ويجازيكم عليه، ولا يدخل فيما يخفيه الإنسان الوساوس وحديث النفس، لأن ذلك مما ليس في وسعه الخلو منه ولكن ما اعتقده وعزم عليه. # وعن عبد الله بن عمر (1): أنه تلاها فقال: لئن أخذنا الله بهذا لنهلكن، ثم بكى حتى سمع نشيجه (2)، فذكر لابن عباس فقال: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، قد وجد المسلمون منها مثل ما وجد، فنزل: * (لا يكلف الله) * الآية (3). # * (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملئكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) * (285) * (والمؤمنون) * يجوز أن يكون عطفا على * (الرسول) *، فيكون الضمير في * (كل) * الذي التنوين نائب عنه راجعا إلى * (الرسول) * و * (المؤمنون) *، أي: كلهم * (آمن بالله وملئكته وكتبه ورسله) * ويوقف عليه، ويجوز أن يكون مبتدأ فيكون # PageV01P259 # الضمير ل‍ * (المؤمنون) *، أي: كل واحد منهم آمن، وقرئ: " وكتابه " (1) ويراد (2): # الجنس أو القرآن، وعن ابن عباس قال: الكتاب أكثر من الكتب، وإنما قال ذلك لأنه إذا أريد بالواحد الجنس والجنسية قائمة في وحدان الجنس كلها لم يخرج منه شئ، وأما الجمع فلا يدخل تحته إلا ما فيه الجنسية من الجموع (3)، يقولون: # * (لا نفرق) *، وقوله: * (سمعنا) * بمعنى: أجبنا، و * (غفرانك) * منصوب بإضمار فعله، يقال: غفرانك لا كفرانك، أي: نستغفرك ولا نكفرك. # * (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولينا فانصرنا على القوم الكافرين) * (286) سورة البقرة / 286 الوسع: ms0134 ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه، أي: * (لا يكلف الله نفسا إلا) * ما يتيسر عليها (4) ويتسع فيه طوقها، وهذا إخبار عن عدله ورحمته * (لها ما كسبت) * من خير * (وعليها ما اكتسبت) * من شر، لا يؤاخذ بذنبها غيرها ولا يثاب بطاعتها غيرها، وذكر النسيان والخطاء والمراد بهما: ماهما مسببان عنه من التفريط والإغفال، وقيل: إن المراد ب‍ * (نسينا) * تركنا وب‍ * (أخطأنا) * أذنبنا (5)، # PageV01P260 # وروي عن ابن عباس: أن معناه: لا تعاقبنا إن عصيناك جاهلين أو متعمدين (1). # والإصر: العبء الذي يأصر حامله، أي: يحبسه مكانه لا يستقل به لثقله، استعير للتكليف الشاق نحو: قتل الأنفس، وقطع موضع النجاسة من الجلد والثوب، وغير ذلك * (ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) * من العقوبات النازلة بمن قبلنا، طلبوا الإعفاء عن التكليفات الشاقة التي كلفها من قبلهم، ثم عما نزل عليهم من العقوبات على تفريطهم في المحافظة عليها * (أنت مولينا) * سيدنا ونحن عبيدك، أو متولي أمورنا وناصرنا * (فانصرنا) * فإن من حق المولى أن ينصر عبده، أو فإن ذلك عادتك، أي: فأعنا * (على القوم الكافرين) * بالقهر لهم والغلبة بالحجة عليهم. # وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " أوتيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يؤتهن نبي قبلي " (2). # PageV01P261 # سورة آل عمران / 1 سورة آل عمران مدنية كلها (1) وهي مائتا آية، عد الكوفي * (ألم) * آية و * (الإنجيل) * (2) الثاني آية وترك * (وأنزل الفرقان) * (3)، وعد البصري * (ورسولا إلى بني إسرائيل ) * (4) آية. # وفي حديث أبي: " ومن قرأ سورة آل عمران أعطي بكل آية منها أمانا على جسر جهنم " (5). # وروى بريدة عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " تعلموا سورة البقرة وسورة آل عمران فإنهما الزهراوان، وإنهما تظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف " (6). # PageV01P262 # * (بسم الله الرحمن الرحيم) * * (ألم (1) الله لا إله إلا هو الحي القيوم (2) نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل (3) من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ms0135 ذو انتقام (4) إن الله لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء) * (5) من فتح " ميم الله " (1) ألقى عليه حركة الهمزة حين أسقطها للتخفيف، وقيل: # * (نزل... الكتاب) * وهو القرآن * (وأنزل التوراة والإنجيل) * لأن القرآن نزل منجما ونزل الكتابان جملة (2) * (بالحق) * أي: بالصدق وبما توجبه الحكمة * (مصدقا لما) * قبله من كتاب ورسول * (وأنزل الفرقان) * يعني: القرآن، كرر ذكره بما هو نعت له ومدح من كونه فارقا بين الحق والباطل بعد ما ذكره باسم الجنس تعظيما لشأنه، أو أراد جنس الكتب السماوية، لأن كلها فرقان تفرق بين الحق والباطل. # PageV01P263 # قال الصادق (عليه السلام): " الفرقان كل آية محكمة في الكتاب " (1). # * (إن الذين كفروا بآيات الله) * من الكتب المنزلة وغيرها * (لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام) * له انتقام شديد لا يقدر على مثله منتقم * (لا يخفى عليه شئ في) * العالم فعبر عنه ب‍ * (الأرض) * و * (السماء) *. # * (هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم) * (6) * (هو الذي) * يخلق صوركم المختلفة المتفاوتة * (في الأرحام كيف يشاء) * على أي صفة يشاء من قبيح أو صبيح، ذكر أو أنثى * (لا إله إلا هو العزيز) * في جلاله * (الحكيم) * في أفعاله. # وعن سعيد بن جبير (2) قال: هذا حجاج على من زعم أن عيسى كان ربا، كأنه نبه بكونه مصورا في الرحم على أنه عبد كغيره، وكان يخفى عليه مالا يخفى على الله (3). # سورة آل عمران / 7 * (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم # PageV01P264 # الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشبه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب) * (7) * (آيات محكمات) * أحكمت عباراتها بأن حفظت من الاحتمال والاشتباه * (هن أم الكتاب) * أي: أصل الكتاب، تحمل المتشابهات عليها وترد إليها * (وأخر متشابهات) * مشتبهات محتملات (1)، ولو كان القرآن كله محكما لتعلق الناس به لسهولة مأخذه، ولأعرضوا عما يحتاجون فيه إلى النظر والاستدلال، ولو ms0136 فعلوا ذلك لعطلوا الطريق الذي به يتوصل إلى معرفة الله وتوحيده، ولكان لا يتبين فضل العلماء الذين يتعبون القرائح في استخراج معاني المتشابه (2) ورد ذلك إلى المحكم * (فأما الذين في قلوبهم زيغ) * أي: ميل عن الحق * (فيتبعون ما تشبه منه) * فيتعلقون بالمتشابه الذي يحتمل ما يذهب إليه أهل البدعة مما لا يطابق المحكم، ويحتمل ما يطابقه من قول أهل الحق * (ابتغاء الفتنة) * طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم ويضلوهم * (وابتغاء تأويله) * وطلب أن يؤولوه التأويل الذي يشتهونه * (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) * أي: لا يهتدي إلى تأويله الحق الذي يجب أن يحمل عليه إلا الله والعلماء الذين رسخوا في العلم، أي: # ثبتوا فيه وتمكنوا، وبعضهم يقف على * (إلا الله) * ويبتدئ * (والراسخون في العلم يقولون آمنا به) *، ويفسرون المتشابه بأنه ما استأثر الله بعلمه، والأول أوجه، وهو المروي عن الباقر (عليه السلام) قال: " كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أفضل الراسخين في العلم " (3)، و * (يقولون) * كلام مستأنف موضح لحال الراسخين، والمعنى: هؤلاء # PageV01P265 # * (الراسخون) * العالمون بالتأويل * (يقولون آمنا به) * أي: بالمتشابه * (كل من عند ربنا) * أي: كل واحد منه ومن المحكم من عنده، أو بالكتاب كل من متشابهه ومحكمه من عند الله الحكيم الذي لا يتناقض كلامه * (وما يذكر إلا أولوا الألباب) * مدح للراسخين بحسن التأمل والتفكر والتذكر، ويجوز أن يكون * (يقولون) * حالا من الراسخين. # * (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب (8) ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد) * (9) * (لا تزغ قلوبنا) * لا تختبرنا ببلايا تزيغ فيها قلوبنا * (بعد إذ هديتنا) * وأرشدتنا إلى دينك، ونظيره قوله: * (فلما كتب عليهم القتال تولوا) * (1)، فأضافوا ما يقع من زيغ القلوب إليه سبحانه لما كان عند امتحانه، أو لا تمنعنا لطفك الذي معه تستقيم القلوب فتميل قلوبنا عن الإيمان بعد إذ لطفت بنا * (وهب لنا من لدنك رحمة) * من عندك نعمة بالتوفيق والمعونة * (إنك جامع الناس ليوم) * تجمعهم ms0137 لحساب يوم أو لجزاء يوم، كقوله: * (يوم يجمعكم ليوم الجمع) * (2)، و * (الميعاد) *: الموعد. # * (إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أموا لهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار (10) كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب) * (11) سورة آل عمران / 12 و 13 * (من) * في قوله: * (من الله) * مثل الذي في قوله: * (إن الظن لا يغنى من الحق شيئا) * (3)، والمعنى: لا تغني * (عنهم أموا لهم) * من رحمة * (الله) * أو من طاعة # PageV01P266 # الله * (شيئا) * أي: بدل رحمة الله وطاعته، ومثله: ولا ينفع ذا الجد منك الجد، أي: لا ينفعه جده من الدنيا بدلك، أي: بدل طاعتك وعبادتك وما عندك * (وقود النار) * أي: حطب النار تتقد النار بأجسامهم، والدأب: مصدر دأب في العمل إذا كدح فيه، فيوضع موضع ما عليه الانسان من شأنه وحاله، ومحل الكاف رفع وتقديره: دأب هؤلاء الكفرة * (كدأب) * من قبلهم من * (آل فرعون) * وغيرهم، ويجوز أن يكون منصوب المحل بقوله: * (لن تغنى) * أو بالوقود، والمعنى: لن تغني عنهم أموالهم مثل ما لم تغن عن آل فرعون، أو يوقد بهم النار كما توقد بهم، كما تقول: إنك لتظلم الناس كدأب أبيك، تريد: كظلم أبيك أي: مثل ما كان يظلمهم، وإن فلانا لمحارف كدأب أبيه، تريد: كما حورف أبوه * (كذبوا بآياتنا) * تفسير لدأبهم بما فعلوا وفعل بهم، كأنه جواب لمن يسأل عن حالهم. # * (قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد (12) قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار) * (13) " الذين كفروا " قيل: هم اليهود جمعهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد وقعة بدر في سوق بني قينقاع فقال: " يا معشر اليهود، احذروا مثل ما نزل بقريش، وأسلموا قبل أن ينزل بكم مثل ما نزل بهم، فقد عرفتم أني نبي مرسل " فقالوا: لا يغرنك أنك لقيت قوما أغمارا لاعلم لهم بالحرب ms0138 فأصبت منهم فرصة، ولئن قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس (1)، فنزلت (2). # PageV01P267 # سورة آل عمران / 14 ومن قرأ: " سيغلبون ويحشرون " (1) فهو مثل قوله: * (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) * (2) أي: قل لهم قولي لك: سيغلبون، ومن قرأ بالتاء أجرى الجميع على الخطاب، والمعنى: ستصيرون مغلوبين في الدنيا * (وتحشرون إلى جهنم) * في الآخرة، وقيل: إن المراد ب‍ " الذين كفروا " مشركو مكة، أي: # ستغلبون يوم بدر (3)، وأيهما أريد فقد فعل الله ذلك، فإن اليهود قد غلبوا بقتل بني قريظة وإجلاء بني النضير (4) ووضع الجزية على من بقي منهم، وغلب المشركون أيضا * (قد كان لكم آية) * أي: دلالة معجزة على صدق نبينا محمد (صلى الله عليه وآله) * (في فئتين التقتا) * يوم بدر: فرقة * (تقتل في سبيل الله) * أي: في دينه وطاعته وهم الرسول وأصحابه * (و) * فرقة * (أخرى كافرة) * وهم مشركو مكة * (يرونهم مثليهم) * يرى المشركون المسلمين مثلي المشركين في العدد قريبا من ألفين أو مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفا وعشرين، أراهم الله إياهم مع قلتهم أضعافهم ليجتنبوا (5) عن قتالهم، وكان ذلك مددا من الله لهم كما أمدهم بالملائكة، ويدل عليه قراءة من قرأ بالتاء (6)، أي: ترون يا مشركي قريش المسلمين مثلي فئتكم # PageV01P268 # الكافرة أو مثليهم أنفسهم، فإن قيل: فكيف قال في سورة الأنفال: * (ويقللكم في أعينهم) * (1)؟ فالجواب: أنهم قللوا أولا في أعينهم حتى اجترأوا عليهم، فلما التحم القتال كثروا في أعينهم حتى غلبوا، فكان التقليل والتكثير في حالتين مختلفتين * (رأى العين) * يعني رؤية ظاهرة مكشوفة معاينة * (والله يؤيد بنصره من يشاء) * كما أيد المسلمين يوم بدر. # * (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقنطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والانعام والحرث ذلك متع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب) * (14) * (حب الشهوات) * أي: المشتهيات، جعل سبحانه الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مشتهاة محروصا على الاستمتاع بها، والمزين هو الله سبحانه بما جعل (2) في الطباع من الميل إليها تشديدا للتكليف، كقوله: * (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم) * (3)، وعن ms0139 الحسن: زينها الشيطان لهم لأنا لا نعلم أحدا أذم لها من خالقها (4). ثم قدم سبحانه ذكر * (النساء) * لأن الفتنة بهن أعظم، ثم ثنى ب‍ * (البنين) * لأن حبهم داع إلى جمع الحرام، والقنطار: المال الكثير، قيل: ملء مسك ثور ذهبا (5)، وقيل: سبعون ألف دينار (6)، وقيل: مائة ألف دينار (7)، و * (المقنطرة) * بنيت من لفظ " القنطار " للتأكيد، كما يقال: ألف مؤلف # PageV01P269 # وبدرة مبدرة، و * (المسومة) * المعلمة (1) أو المرعية من أسام الدابة وسومها * (والانعام) * الأزواج الثمانية * (ذلك) * المذكور * (متع الحياة الدنيا) *. # * (قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنت تجرى من تحتها الأنهر خلدين فيها وأزواج مطهرة ورضوا ن من الله والله بصير بالعباد (15) الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار (16) الصبرين والصدقين والقنتين والمنفقين والمستغفرين بالاسحار) * (17) تم الكلام عند قوله: * (ذلكم) *، وقوله: * (للذين اتقوا عند ربهم جنت) * كلام مستأنف فيه دلالة على بيان ما هو خير * (من ذلكم) *، ويجوز أن يتعلق اللام ب‍ " خير "، واختص " المتقين " لأنهم هم المنتفعون به، ويرتفع * (جنت) * على " هو جنات "، * (والله بصير بالعباد) * يجازيهم بأفعالهم على قدر استحقاقهم * (الذين يقولون) * في محل نصب أو رفع على المدح أو في موضع جر صفة ل‍ " المتقين " أو ل‍ " العباد " (2)، والواو المتوسطة بين الصفات للدلالة على كمالهم في كل واحدة منها (3) * (والمستغفرين بالاسحار) * المصلين وقت السحر، وقيل: الذين تنتهي صلاتهم إلى وقت السحر ثم يستغفرون ويدعون (4). # سورة آل عمران / 19 * (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم (18) إن الدين عند الله الأسلم وما اختلف # PageV01P270 # الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب) * (19) شبه سبحانه دلالته على وحدانيته بالأفعال التي لا يقدر عليها غيره، والآيات الناطقة بتوحيده مثل سورة الإخلاص وآية الكرسي وغيرهما بشهادة الشاهد في البيان والكشف، وكذلك إقرار الملائكة وأولي العلم بذلك * (قائما بالقسط) * مقيما للعدل فيما يقسم للعباد من الآجال والأرزاق، ms0140 وفيما يأمر به عباده من الإنصاف والعمل على السوية فيما بينهم، وانتصابه على أنه حال مؤكدة من اسم الله، كقوله: # * (وهو الحق مصدقا) * (1)، وقوله: * (إن الدين عند الله الأسلم) * جملة مستأنفة مؤكدة للجملة الأولى، والفائدة فيه أن قوله: * (لا إله إلا هو) * توحيد، وقوله: * (قائما بالقسط) * تعديل، فإذا أتبعه قوله: * (إن الدين عند الله الأسلم) * فقد آذن أن الإسلام هو العدل والتوحيد وهو الدين عند الله وما عداه فليس من الدين، وقرئ: " أن الدين " بالفتح (2) على أنه بدل من الأول، كأنه قال: شهد الله أن الدين عند الله الإسلام، و * (الذين أوتوا الكتاب) * هم اليهود والنصارى، واختلافهم أنهم تركوا الإسلام * (من بعد ما جاءهم العلم) * أنه الحق، فثلثت النصارى وقالت اليهود: * (عزير ابن الله) * (3)، واختلف الفريقان في نبوة محمد (صلى الله عليه وآله) وقد وجدوا نعته في كتبهم وجاءهم العلم بأنه رسول الله ونبيه * (بغيا بينهم) * أي: حسدا بينهم وطلبا منهم للرئاسة لا شبهة في الإسلام * (ومن يكفر # PageV01P271 # بآيات الله) * أي: بالقرآن، أو بالتوراة والإنجيل وما فيهما من صفة محمد (صلى الله عليه وآله) * (فإن الله سريع الحساب) * لا يفوته شئ من أعمالهم. # * (فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأمين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلغ والله بصير بالعباد) * (20) سورة آل عمران / 21 - 25 * (فإن) * جادلوك في الدين * (فقل) *: أخلصت نفسي وجملتي * (لله) * وحده، لم أجعل فيها لغيره شريكا بأن أعبده وأعبد إلها معه، والمعنى: أن ديني التوحيد، وهو الأصل الذي يلزم جميع المكلفين الإقرار به * (ومن اتبعن) * (1) عطف على التاء في * (أسلمت) * (2)، ويجوز أن يكون الواو بمعنى " مع " فيكون مفعولا معه (3) * (وقل للذين أوتوا الكتاب) * من اليهود والنصارى * (والأمين) * الذين لا كتاب لهم من مشركي العرب * (أأسلمتم) * يعني: أنه قد أتاكم (4) من البينات ما يوجب الإسلام فهل أسلمتم أم أنتم بعد على كفركم؟ ومثله قوله: * (فهل أنتم منتهون) * (5)، لفظه لفظ الاستفهام والمراد الأمر * (فإن أسلموا فقد اهتدوا) * فقد نفعوا ms0141 أنفسهم # PageV01P272 # حيث خرجوا من الضلال إلى الهدى * (وإن تولوا) * لم يضروك فإنك رسول الله ما عليك إلا البلاغ والتنبيه على طريق الرشد والهدى. # * (إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم (21) أولئك الذين حبطت أعملهم في الدنيا والآخرة ومالهم من نصرين) * (22) هم أهل الكتاب قتلت أوائلهم الأنبياء وأتباعهم من عباد بني إسرائيل، وكان هؤلاء راضين بما فعل أولئك، وحاولوا قتل رسول الله والمؤمنين لولا عصمة الله، وقوله: * (بغير حق) * المراد به: أن قتلهم لا يكون إلا بغير حق، كقوله: * (ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به) * (1)، * (حبطت أعملهم في الدنيا) * إذ لم ينالوا بها الثناء والمدح ولم تحقن دماؤهم وأموالهم * (و) * في * (الآخرة) * لأنهم (2) لم يستحقوا بها الثواب فصارت كأنها لم تكن، وهذا هو حقيقة الحبوط وهو الوقوع على خلاف الوجه المأمور به فلا يستحق عليه الثواب والأجر. # * (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون (23) ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودا ت وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون (24) فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون) * (25) يريد أحبار اليهود، أي: أعطوا حظا وافرا من التوراة أو من جنس الكتب المنزلة، و * (من) * إما للتبعيض وإما للبيان (3) * (يدعون إلى كتب الله) * وهو # PageV01P273 # التوراة * (ليحكم بينهم) * وذلك: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) دخل مدارسهم فدعاهم، فقال له بعضهم: على أي دين أنت؟ قال: على ملة إبراهيم، فقالوا: إن إبراهيم كان يهوديا، فقال: إن بيننا وبينكم التوراة، فأبوا (1)، وقيل: نزلت في الرجم وقد اختلفوا فيه (2)، * (ثم يتولى فريق منهم) * استبعاد لتوليهم بعد علمهم أن الرجوع إلى كتاب الله واجب * (وهم معرضون) * الإعراض عادتهم * (ذلك) * التولي والإعراض * (ب‍) * سبب * (أنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودا ت) * أي قلائل: أربعين يوما أو سبعة أيام * (وغرهم ms0142 في دينهم ما كانوا يفترون) * أي: افتراؤهم وهو قولهم: # * (نحن أبناء الله وأحباؤه) * (3)، * (فكيف) * يصنعون * (إذا جمعناهم ليوم) * أي: # لجزاء يوم * (لا ريب فيه) * أي: لاشك فيه لمن نظر في الأدلة * (ووفيت كل نفس) * جزاء * (ما كسبت وهم لا يظلمون) * يرجع إلى * (كل نفس) * على المعنى، لأنه في معنى: كل الناس. # * (قل اللهم ملك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شئ قدير (26) تولج اليل في النهار وتولج النهار في اليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب) * (27) سورة آل عمران / 26 و 27 * (اللهم) * الميم فيه عوض من " يا " ولذلك لا يجتمعان، وهذا من خصائص هذا الاسم كما اختص بالتاء في القسم وبدخول حرف النداء عليه وفيه لام # PageV01P274 # التعريف (1) * (ملك الملك) * أي: تملك جنس الملك فتتصرف فيه تصرف الملاك فيما يملكونه * (تؤتى الملك من تشاء) * تعطي من تشاء من الملك النصيب الذي قسمته له * (وتنزع الملك ممن تشاء) * النصيب الذي أعطيته منه، فالملك الأول عام والآخران خاصان بعضان من الكل * (وتعز من تشاء) * من أوليائك في الدنيا والدين * (وتذل من تشاء) * من أعدائك * (بيدك الخير) * تؤتيه أولياءك على رغم من أعدائك * (تولج اليل في النهار) * أي: تنقص من الليل وتجعل ذلك النقصان زيادة في النهار، وتنقص من النهار وتجعل ذلك النقصان زيادة في الليل * (وتخرج الحي من الميت) * أي: من النطفة * (وتخرج الميت) * أي: النطفة * (من الحي) * وقيل: تخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن (2) * (وترزق من تشاء بغير # PageV01P275 # حساب) * بغير تقتير. # * (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير) * (28) نهى سبحانه المؤمنين أن يوالوا * (الكافرين) * لقرابة بينهم أو صداقة قبل الإسلام أو غير ذلك من الأسباب التي يتصادق بها، وقد كرر ذلك في القرآن: # * (لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء) * (1)، * (لا ms0143 تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ) * الآية (2) والحب في الله والبغض في الله أصل كبير من أصول الإيمان * (من دون المؤمنين) * المعنى: أن لكم في موالاة المؤمنين مندوحة عن موالاة الكافرين فلا تؤثروهم عليهم * (ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ) * أي: # فليس من ولاية الله في شئ، يعني: أنه منسلخ عن ولاية الله رأسا، وهذا أمر معقول فإن مصادقة الصديق ومصادقة عدوه متنافيان، قال: # تود عدوي ثم تزعم أنني * صديقك إن الرأي منك لعازب (3) سورة آل عمران / 29 و 30 وقوله: * (من الله) * في موضع النصب على الحال، لأنه في الأصل " فليس في شئ ثابت من الله "، فلما تقدم انتصب على الحال، ومثله " ليسوا من الشر في شئ وإن هانا " * (إلا أن تتقوا منهم تقاة) * إلا أن تخافوا من جهتهم أمرا يجب اتقاؤه، وقرئ: " تقية " (4)، وهما جميعا مصدرا تقى تقاة وتقية وتقوى، وهذه # PageV01P276 # رخصة في موالاتهم عند الخوف، والمراد بهذه الموالاة المخالقة الظاهرة والقلب مطمئن بالعداوة * (ويحذركم الله نفسه) * فلا تتعرضوا لسخطه بموالاة أعدائه، وهذا وعيد شديد. # * (قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شئ قدير) * (29) * (إن تخفوا ما في صدوركم) * من ولاية الكفار أو غيرها مما لا يرضى الله * (يعلمه الله) * ولم يخف عليه * (و) * هو * (يعلم ما في السماوات وما في الأرض) * لا يخفى عليه شئ، فلا يخفى عليه سركم وجهركم * (والله على كل شئ قدير) * فهو قادر على عقوبتكم، وهذا بيان لقوله: * (ويحذركم الله نفسه) * وهي ذاته المتميزة من سائر الذوات القادرة العالمة فلا تختص بمقدور دون مقدور ولا بمعلوم دون معلوم، فكان أحق بأن يتقى ويحذر. # * (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد) * (30) * (يوم) * منصوب ب‍ * (تود) * أي: يوم القيامة حين * (تجد كل نفس) * خيرها وشرها حاضرين تتمنى * (لو أن بينها) * وبين ms0144 ذلك اليوم وهوله * (أمدا بعيدا) * فالضمير في * (بينه) * ل‍ " اليوم "، ويجوز أن ينتصب " اليوم " بمضمر نحو: " أذكر " ويرتفع * (وما عملت من سوء) * على الابتداء و * (تود) * خبره (1)، أي: والذي عملته من سوء تود هي لو تباعد ما بينها وبينه، وتكون * (ما) * موصولة ولا يجوز أن # PageV01P277 # تكون شرطية لارتفاع * (تود) *، ويجوز أن يكون * (وما عملت) * عطفا على * (ما عملت) * ويكون * (تود) * حالا (1)، أي: يوم تجد عملها محضرا وادة تباعد ما بينها وبين اليوم أو عمل السوء، وقوله: * (محضرا) * أي: مكتوبا في صحفهم يقرؤونه، ونحوه: * (ووجدوا ما عملوا حاضرا) * (2) والأمد: المسافة، كقوله: # * (يليت بيني وبينك بعد المشرقين) * (3)، * (والله رؤوف بالعباد) * رحيم بهم، فلا تأمنوا عقابه ولا تيأسوا من رحمته. # * (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم (31) قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين) * (32) سورة آل عمران / 33 و 34 نزلت الآية في قوم من أهل الكتاب قالوا: " نحن أحباء الله " فجعل الله سبحانه مصداق ذلك اتباع رسوله (صلى الله عليه وآله) فقال: * (إن كنتم) * صادقين في دعوى محبة الله * (فاتبعوني) * فإنكم إن فعلتم ذلك أحبكم الله وغفر لكم، ومحبة الله للعبد هي إرادة ثوابه، ومحبة العبد لله هي إرادة طاعته، فإن المحبة من جنس الإرادة، ثم أكد ذلك بقوله: * (قل أطيعوا الله والرسول) * أي: * (إن كنتم تحبون الله) * كما تدعون فأظهروا دلالة صدق المحبة بطاعة الله وطاعة رسوله * (فإن تولوا) * عن طاعة الله ورسوله، يحتمل أن يكون ماضيا وأن يكون مضارعا بمعنى: " فإن تتولوا " (4) ويدخل في جملة ما يقوله الرسول لهم: * (فإن الله لا يحب الكافرين) * أي: لا يحبهم ولا يريد ثوابهم من أجل كفرهم، فوضع الظاهر موضع المضمر لهذا المعنى. # PageV01P278 # * (إن الله اصطفى ادم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العلمين (33) ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم) * (34) * (آل إبراهيم) *: إسماعيل وإسحاق وأولادهما، و * (آل عمران) *: موسى وهارون ابنا عمران بن يصهر، وقيل: عيسى بن مريم بنت عمران بن ماثان ms0145 (1)، وبين العمرانين ألف وثمانمائة سنة و * (ذرية) * بدل من * (آل إبراهيم وآل عمران) *، * (بعضها من بعض) * يعني: أن الآلين ذرية واحدة متسلسلة بعضها متشعب من بعض، وفي قراءة أهل البيت (عليهم السلام): " وآل محمد على العالمين " (2)، وقيل: إن آل إبراهيم هم آل محمد الذين هم أهل البيت (عليهم السلام) (3)، ومن اصطفاه الله تعالى واختاره من خلقه لا يكون إلا معصوما مطهرا عن القبائح، وعلى هذا فيجب أن يكون الاصطفاء مخصوصا بمن كان معصوما من آل إبراهيم وآل عمران نبيا كان أو إماما (4). # * (إذ قالت امرأة عمرا ن رب إني نذرت لك ما في بطني محررا # PageV01P279 # فتقبل منى إنك أنت السميع العليم (35) فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم) * (36) يجوز أن يكون * (إذ) * منصوبا بقوله: * (سميع عليم) *، أي: سميع عليم لقول امرأة عمران ونيتها، وقيل: هو منصوب ب‍ " أذكر " (1)، وهي امرأة عمران بن ما ثان أم مريم البتول جدة عيسى (عليه السلام) واسمها حنة، وكانتا أختين: إحداهما هذه والأخرى عند زكريا (عليه السلام) واسمها ايشاع واسم أبيها فاقوذ (2)، فيحيى ومريم ابنا خالة * (محررا) * أي: معتقا لخدمة بيت المقدس لا يد لي عليه ولا أستخدمه، وروي عن الصادق (عليه السلام): " أن الله عز وجل أوحى إلى عمران أني واهب لك ولدا مباركا يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذني، فحدث امرأته حنة بذلك، فلما حملت * (قالت) *: * (رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل منى) * أي: # نذري قبول رضى * (إنك أنت السميع) * بما أقول * (العليم) * بما أنوي * (فلما وضعتها) * وكانت ترجو أن يكون غلاما خجلت واستحيت، و * (قالت) * منكسة رأسها: * (رب إني وضعتها أنثى) * وإنما قالت ذلك تحسرا لأنها كانت ترجو أن سورة آل عمران / 37 تلد ذكرا، ولذلك نذرته محررا، ولذلك قال الله تعالى: * (والله أعلم بما وضعت) * # PageV01P280 # تعظيما لموضوعها، أي: والله أعلم بالشئ الذي وضعت وبما علق به من عظائم الأمور وهي لا ms0146 تعلم ذلك " (1)، وقرئ: " بما وضعت " بضم التاء (2)، وروي ذلك عن علي (عليه السلام) (3)، بمعنى: ولعل لله فيه سرا وحكمة، ولعل هذه الأنثى خير من الذكر تسلية لنفسها، ومريم في لغتهم هي العابدة. # * (فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) * (37) * (فتقبلها ربها) * فرضي بها بالنذر مكان الذكر * (بقبول حسن) * فيه وجهان: # أحدهما: أن يكون القبول اسما لما يقبل به الشئ كالسعوط والوجور لما يسعط به ويوجر، وهو اختصاصه لها بإقامتها مقام الذكر ولم يقبل قبلها أنثى في ذلك أو بأن تسلمها من أمها عقيب الولادة قبل أن تصلح للسدانة، والثاني: أن يكون مصدرا على تقدير حذف المضاف بمعنى: فتقبلها بذي قبول حسن، أي: بأمر ذي قبول حسن وهو الاختصاص (4) * (وأنبتها نباتا حسنا) * أي: جعل نشوءها نشوءا حسنا ورباها تربية حسنة وأصلح أمرها في جميع أحوالها، وقرئ: " وكفلها " بالتشديد # PageV01P281 # " زكرياء " بالنصب (1)، والفعل لله تعالى، بمعنى: وضمها إليه وجعله كافلا لها وضامنا لمصالحها، وقرئ: " زكريا " بالقصر والمد (2)، وقيل: إنه بنى لها زكرياء محرابا في المسجد، أي: غرفة تصعد إليها بسلم (3)، وقيل: المحراب أشرف المجالس ومقدمها، كأنها وضعت في أشرف موضع من بيت المقدس (4)، وقيل: # كانت مساجدهم تسمى محاريب (5)، * (وجد عندها رزقا) * كان رزقها ينزل عليها من الجنة، فكان يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف وفاكهة الصيف في الشتاء * (أنى لك هذا) * من أين لك هذا الرزق الذي لا يشبه أرزاق الدنيا؟! * (قالت هو من عند الله) * أي: من الجنة. # سورة آل عمران / 38 و 39 وفي كتاب الكشاف: عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه جاع في زمن قحط فأهدت له فاطمة (عليها السلام) رغيفين وبضعة لحم آثرته بها، فرجع بها إليها، وقال: هلمي يا بنية، فكشف عن الطبق فإذا هو مملو خبزا ولحما، فبهتت (6) وعلمت أنها نزلت من عند الله، فقال لها: أنى لك ms0147 هذا؟ فقالت: هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، فقال (عليه السلام): الحمد لله الذي جعلك شبيهة سيدة نساء بني إسرائيل، ثم جمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) علي بن أبي طالب والحسن والحسين وجميع أهل بيته (عليهم السلام) عليه # PageV01P282 # حتى شبعوا وبقي الطعام كما هو، فأوسعت فاطمة (عليها السلام) على جيرانها (1). # * (إن الله يرزق من يشاء) * من جملة كلام مريم، أو كلام رب العزة * (بغير حساب) * بغير تقدير لكثرته، أو تفضلا بغير محاسبة ومجازاة على عمل. # * (هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء (38) فنادته الملائكة وهو قائم يصلى في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصلحين) * (39) * (هنالك) * أي: في ذلك المكان حيث هو قاعد في المسجد عند مريم في المحراب، أو في ذلك الوقت فقد يستعار " هنا " و " ثم " و " حيث " للزمان (2)، لما رأى حال مريم من كرامتها على الله ومنزلتها رغب في أن يكون له ولد من ايشاع مثل ولد أختها حنة في الكرامة على الله وإن كانت عاقرا عجوزا * (قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة) * أي: ولدا مباركا تقيا نقيا، وإنما أنث على لفظ الذرية، والذرية تقع على الواحد والجمع * (إنك سميع الدعاء) * أي: مجيبه * (فنادته الملائكة) * قيل: ناداه جبرئيل (عليه السلام) (3)، وقرئ: " فناداه " على التذكير والإمالة (4)، وقرئ: * (أن الله يبشرك) * بالفتح على تقدير: " بأن الله "، وبالكسر (5) على تقدير # PageV01P283 # إرادة القول أو لأن النداء ضرب من القول، وقرئ: " يبشرك " بفتح الياء والتخفيف (1) من بشره يبشره، و " يحيى " إن كان أعجميا فإنما منع الصرف للتعريف والعجمة، وإن كان عربيا فللتعريف ووزن الفعل. # سورة آل عمران / 40 و 41 * (مصدقا بكلمة من الله) * أي: بعيسى مؤمنا به، قيل: إنه أول من آمن به، وإنما سمي كلمة لأنه لم يوجد إلا بكلمة الله وحدها وهو قوله: " كن " من غير سبب آخر (2)، وقيل: مصدقا بكلمة من الله: مؤمنا بكتاب ms0148 منه (3) ، وسمي الكتاب كلمة كما قيل: كلمة الحويدرة (4) لقصيدته (5) * (وسيدا) * يسود قومه ويفوقهم في # PageV01P284 # الشرف والعلم والعبادة * (وحصورا) * لا يقرب النساء، حصرا لنفسه ومنعا من الشهوات * (ونبيا من الصلحين) * أي: رسولا شريفا رفيع المنزلة كائنا من جملة الأنبياء الصالحين. # * (قال رب أنى يكون لي غلم وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء (40) قال رب اجعل لي اية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشى والأبكار) * (41) * (قال) * زكريا: * (أنى يكون لي غلم) * هذا استبعاد من حيث العادة * (وقد بلغني الكبر) * كقولهم: أدركته السن العالية، والمعنى: أثر في الكبر وأضعفني، وكانت له تسع وتسعون سنة، وقيل: مائة وعشرون سنة ولامرأته ثمان وتسعون سنة (1)، * (قال كذلك الله) * أي: يفعل الله ما يشاء من الأفعال العجيبة الخارقة للعادة مثل ذلك الفعل وهو خلق الولد بين الشيخ الفاني والعجوز العاقر، أو * (كذلك الله) * مبتدأ وخبر، أي: على نحو هذه الصفة الله (2)، و * (يفعل ما يشاء) * بيان له * (قال رب اجعل لي اية) * أي: علامة أعرف بها وقت الحمل لأتلقى هذه النعمة إذا جاءت بالشكر * (قال آيتك ألا) * تقدر على تكليم * (الناس ثلاثة أيام إلا رمزا) * إشارة بيد أو رأس أو غيرهما، وأصله التحرك، وإنما خص تكليم الناس ليعلمه (3) أن حبس لسانه يكون عن القدرة على تكليمهم خاصة، ويكون قادرا على التكليم بذكر الله، ولذلك قال: * (واذكر ربك كثيرا) * يعني: في أيام عجزك عن تكليم الناس، وهي من المعجزات الباهرة * (وسبح بالعشى) * من حين تزول (4) # PageV01P285 # الشمس إلى أن تغيب * (والابكار) * من طلوع الفجر إلى وقت الضحى. # * (وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العلمين (42) يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين) * (43) * (إذ) * هذه معطوفة على * (إذ قالت امرأة عمرا ن) * (1)، كلمتها الملائكة شفاها و * (قالت) * لها: * (إن الله اصطفاك) * أولا إذ تقبلك من أمك ورباك واختصك بأنواع الكرامة * (وطهرك) * من الأدناس والأقذار العارضة للنساء مثل (2) الحيض والنفاس * (واصطفاك) * آخرا ms0149 * (على نساء العلمين) * بأن وهب لك عيسى من غير أب ولم يكن ذلك لأحد من النساء * (يا مريم اقنتي لربك) * أمرت بالصلاة بذكر القنوت والسجود لكونهما من هيئات الصلاة وأركانها، ثم قيل لها: * (واركعي مع الراكعين) * بمعنى: ولتكن صلاتك مع المصلين في الجماعة، أو وانظمي نفسك في جملة المصلين وكوني في عدادهم. # * (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون) * (44) * (ذلك) * إشارة إلى ما سبق من نبأ زكريا ويحيى ومريم * (من أنباء الغيب) * التي لم تعرفها إلا بالوحي * (نوحيه إليك) * أي: نلقيه إليك معجزة لك، لأن علم ما غاب عن الإنسان لا يمكن حصوله إلا بدراسة الكتب أو بالتعلم أو بالوحي، ومعلوم أنك لم تشاهد هذه القصص ولم تقرأها من كتاب ولا تعلمتها، إذ كان نشوؤك بين قوم لم يكونوا أهل كتاب، فوضح أنك لم تعرف ذلك إلا بالوحي سورة آل عمران / 45 - 47 * (وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم) * التي كانوا يكتبون بها التوراة في الماء # PageV01P286 # يقترعون على مريم، فارتز (1) قلم زكريا وارتفع فوق الماء ورسبت أقلام الباقين من الأحبار (2) * (أيهم يكفل مريم) * أي: ليعلموا أيهم يكفلها * (وما كنت لديهم إذ يختصمون) * في شأنها. # * (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين (45) ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصلحين (46) قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) * (47) * (إذ قالت) * بدل من * (وإذ قالت) * (3)، ويجوز أن يبدل من * (إذ يختصمون) * (4)، * (يبشرك) * يخبرك بما يسرك * (بكلمة منه اسمه المسيح) * وأصله " مشيحا " بالعبرانية ومعناه: المبارك كقوله: * (وجعلني مباركا أين ما كنت) * (5)، وكذلك " عيسى " معرب من " ايشوع "، وقيل: إنما سمي مسيحا لأن جبرئيل مسحه بجناحيه وقت ولادته يعوذه بذلك من الشيطان (6)، وقيل: لأنه كان لا يمسح ذا عاهة بيده إلا برأ (7)، وإنما قيل ms0150 (8): * (اسمه المسيح عيسى ابن مريم) * وهذه ثلاثة أشياء: الاسم منها عيسى، والمسيح لقب من ألقابه الشريفة، والابن صفة، لأن # PageV01P287 # الاسم يكون علامة للمسمى يتميز بها عن غيره، فكأنه قيل: إن مجموع هذه الثلاثة هو الذي يتميز بذلك عن غيره * (وجيها) * حال من " كلمة " وكذلك * (ومن المقربين) *، * (ويكلم) *، * (ومن الصلحين) * أي: يبشرك به موصوفا بهذه الصفات، وصح الحال من النكرة لكونها موصوفة، والوجاهة * (في الدنيا) * هي النبوة والرياسة على الناس * (و) * في * (الآخرة) *: الشفاعة وعلو الرتبة (1)، * (و) * كونه * (من المقربين) * رفعه إلى السماء، وقوله: * (في المهد) * في موضع النصب على الحال من * (يكلم) *، و * (كهلا) * عطف عليه، والمعنى: يكلم الناس طفلا وكهلا كلام الأنبياء من غير تفاوت بين الحالتين. # * (ويعلمه الكتاب والحكمة والتورية والإنجيل (48) ورسولا إلى بني إسرائيل أنى قد جئتكم بآية من ربكم أنى أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحى الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لاية لكم إن كنتم مؤمنين (49) ومصدقا لما بين يدي من التورية ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم من ربكم بآية فاتقوا الله وأطيعون) * (50) سورة آل عمران / 48 - 50 * (ويعلمه) * عطف على * (يبشرك) * أو على * (يخلق) * أو على * (وجيها) * أو هو كلام مستأنف، وقرئ: * (ويعلمه) * بالياء والنون (2)، وقوله: * (ورسولا... # PageV01P288 # ومصدقا) * فيهما وجهان: أحدهما: أن التقدير: ويقول: أرسلت رسولا ب‍ * (أنى قد جئتكم) * * (ومصدقا لما بين يدي) *، والثاني: أن الرسول والمصدق فيهما معنى النطق، فكأنه قيل: وناطقا بأني قد جئتكم وناطقا بأني أصدق ما بين يدي (1)، و * (أنى أخلق) * في موضع نصب بدل من * (أنى قد جئتكم) * أو في موضع جر بدل من " آية " أو في موضع رفع على " هي أني أخلق لكم " (2) وقد قرئ: " إني أخلق " بالكسر (3) على الاستئناف، والمعنى: أني أقدر لكم شيئا مثل صورة الطير * (فأنفخ فيه) * أي: في ذلك الشئ المماثل ل‍ " هيئة الطير "، * (فيكون طيرا) * كسائر الطيور حيا * (بإذن الله) * بقدرته وأمره * (وأبرئ ms0151 الأكمه) * أي: الذي يولد أعمى * (والأبرص) * الذي به وضح، وإنما كرر * (بإذن الله) * دفعا لوهم من توهم فيه الإلهية * (وأنبئكم بما تأكلون‍) * - ه * (وما تدخرون‍) * - ه * (في بيوتكم) * كان يقول: # يا فلان أكلت كذا ويا فلان خبئ لك كذا، وقوله: * (ولاحل لكم) * محمول على قوله: # * (بآية) * أي: جئتكم بآية من ربكم ولأحل لكم، ويجوز أن يكون * (ومصدقا) * محمولا عليه أيضا، أي: جئتكم بآية وجئتكم مصدقا، والذي أحل لهم عيسى (عليه السلام) وقد كان محرما عليهم في شريعة موسى هو لحم الإبل والشحم والثرب (4) ولحم بعض الحيتان * (وجئتكم بآية من ربكم) * أي: حجة شاهدة على صحة نبوتي * (فاتقوا الله) * في مخالفتي وتكذيبي * (وأطيعون‍) * - ي. # * (إن الله ربى وربكم فاعبدوه هذا صرا ط مستقيم (51) فلما أحس # PageV01P289 # عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون (52) ربنا آمنا بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين (53) ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين) * (54) سورة آل عمران / 55 * (إن الله) * مالكي ومالككم، إنما قال ذلك ليكون حجة على النصارى في قولهم: المسيح ابن الله، والمعنى: لا تنسبوني إليه فإنما أنا عبد له كما أنكم عبيد له * (فلما أحس) * أي: علم * (عيسى منهم الكفر) * علما لا شبهة فيه كعلم ما يدرك بالحواس * (قال من أنصاري إلى الله) * أي: من الذين يضيفون أنفسهم إلى الله ينصرونني كما ينصرني؟ فيكون * (إلى الله) * من صلة * (أنصاري) *، ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف حالا من الياء أي: من أنصاري ذاهبا إلى الله؟ (1) * (قال الحواريون نحن أنصار الله) * أي: أنصار دينه ورسوله، وحواري الرجل صفوته وخاصته، ويقال لنساء الحضر: الحواريات لنظافتهن وخلوص ألوانهن، والحواريون كانوا اثني عشر رجلا (2)، قيل: سموا بذلك لأنهم كانوا نورانيين (3) عليهم أثر العبادة أو لنقاء قلوبهم كما ينقى الثوب بالتحوير (4)، وقيل: كانوا قصارين يبيضون الثياب (5)، وإنما طلبوا شهادته لأن الرسل يشهدون يوم القيامة لقومهم وعليهم، وقوله: * (مع الشاهدين) * أي: مع الأنبياء الذين يشهدون لأممهم، وقيل: مع أمة محمد (صلى الله ms0152 عليه وآله) لأنهم شهداء على الناس (6) * (ومكروا) * الواو لكفار بني # PageV01P290 # إسرائيل، ومكرهم أنهم وكلوا به من يقتله غيلة * (ومكر الله) * بأن رفع عيسى (عليه السلام) إلى السماء وألقى شبهه على من أراد اغتياله حتى قتل * (والله خير الماكرين) * أقواهم مكرا وأنفذهم كيدا وأقدرهم على العقاب من حيث لا يشعر المعاقب. # * (إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيمة ثم إلى مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون) * (55) * (إذ قال الله) * ظرف ل‍ * (خير الماكرين) * أو ل‍ * (مكر الله) * * (إني متوفيك) * أي (1): مستوفي أجلك، ومعناه: أني عاصمك من أن يقتلك الكفار ومؤخرك إلى أجل كتبته لك ومميتك حتف أنفك لا قتلا بأيديهم * (ورافعك إلى) * أي: إلى سمائي ومقر ملائكتي * (ومطهرك من الذين كفروا) * من سوء جوارهم وخبث صحبتهم، وقيل: متوفيك: قابضك من الأرض، من توفيت مالي على فلان إذا استوفيته (2)، وقيل: متوفيك في وقتك بعد النزول من السماء ورافعك الآن (3)، وقيل: متوفيك: # متوفي نفسك بالنوم (4) من قوله: * (والتي لم تمت في منامها) * (5) ورافعك وأنت نائم حتى لا يلحقك خوف وتستيقظ وأنت في السماء آمن مقرب * (وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيمة) * يعلونهم بالحجة وفي أكثر الأحوال بالحجة والسيف، ومتبعوه هم المسلمون دون الذين كذبوه وكذبوا عليه من اليهود # PageV01P291 # والنصارى * (فأحكم بينكم) * تفسير الحكم فيما بعد وهو قوله: * (فأعذبهم... # فيوفيهم أجورهم) *. # * (فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة ومالهم من نصرين (56) وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين (57) ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم) * (58) * (ذلك) * إشارة إلى ما سبق من نبأ عيسى (عليه السلام) وغيره، وهو مبتدأ خبره * (نتلوه عليك) *، و * (من الآيات) * خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون * (ذلك) * بمعنى " الذي " و * (نتلوه) * صلته و * (من الآيات) * الخبر (1)، * (والذكر الحكيم) * القرآن، لأنه بما فيه من الحكمة كأنه ينطق بالحكمة كما تسمى الدلالة دليلا ms0153 وإن كان الدليل هو الدال. # * (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون (59) الحق من ربك فلا تكن من الممترين (60) فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبنائنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكذبين) * (61) سورة آل عمران / 59 - 61 * (إن) * شأن * (عيسى) * (عليه السلام) وحاله العجيبة كشأن * (آدم) *، وقوله: * (خلقه من تراب) * جملة مفسرة لما له شبه عيسى بآدم، أي: خلق آدم من تراب ولا أب هنا ولا أم فكذلك حال عيسى، والوجود من غير أب وأم أغرب (2) وأدخل في باب # PageV01P292 # خرق العادة من الوجود من غير أب، والمعنى: قدره جسما (1) من طين * (ثم قال له كن) * أي: أنشأه بشرا كما قال: * (ثم أنشأناه خلقا آخر) * (2) وقوله: * (فيكون) * حكاية حال ماضية * (الحق من ربك) * خبر مبتدأ محذوف أي: هو الحق، كقول أهل خيبر (3): " محمد والخميس " أي (4): الجيش * (فلا تكن من الممترين) * من باب التهييج لزيادة الطمأنينة واليقين * (فمن حاجك) * من النصارى * (فيه) * أي: في عيسى * (من بعد ما جاءك من العلم) * أي: من البينات الموجبة للعلم * (فقل تعالوا) * هلموا، والمراد المجئ بالرأي والعزم كما تقول: تعال نفكر في هذه المسألة * (ندع أبنائنا وأبناءكم) * أي: يدع كل مني ومنكم أبناءه ونساءه ومن نفسه كنفسه إلى المباهلة * (ثم نبتهل) * أي: نتباهل بأن نقول: " بهلة الله على الكاذب منا ومنكم " والبهلة - بالفتح والضم -: اللعنة، وبهله الله: لعنه وأبعده من رحمته من قولك: أبهله إذا أهمله، وناقة باهل: لا صرار (5) عليها، هذا أصل الابتهال ثم استعمل في كل دعاء يجتهد فيه وإن لم يكن التعانا. # نزلت الآيات في وفد نجران (6): العاقب والسيد ومن معهما، ولما دعاهم # PageV01P293 # النبي (صلى الله عليه وآله) إلى المباهلة قالوا: حتى نرجع وننظر، فلما خلا بعضهم إلى بعض قالوا للعاقب وكان ذا رأيهم: يا عبد المسيح ما ترى؟ قال: والله لقد عرفتم أن محمدا نبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، ms0154 والله ما باهل قوم نبيا قط فعاش كبيرهم ولا نبت صغيرهم، فإن أبيتم إلا إلف دينكم فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم، وذلك بعد أن غدا النبي (صلى الله عليه وآله) آخذا بيد علي بن أبي طالب والحسن والحسين (عليهما السلام) بين يديه وفاطمة (عليها السلام) خلفه، وخرج النصارى يقدمهم أسقفهم أبو حارثة، فقال الأسقف: إني لأرى وجوها لو شاء الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله بها فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة، فقالوا: # يا أبا القاسم إنا لا نباهلك ولكن نصالحك، فصالحهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) على أن يؤدوا إليه كل عام ألفي حلة: ألف في صفر وألف في رجب، وعلى عارية ثلاثين درعا وعارية ثلاثين فرسا وثلاثين رمحا إن وقع كيد باليمن، وقال: والذي نفسي (1) بيده إن الهلاك قد تدلى على أهل نجران ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي نارا، ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا (2). # وفي هذه الآية أوضح دلالة على فضل أصحاب الكساء (عليهم السلام) وعلو درجتهم وبلوغ مرتبتهم في الكمال إلى حد لا يدانيهم أحد من الخلق. # سورة آل عمران / 62 - 64 * (إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم (62) فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين (63) قل يا أهل # PageV01P294 # الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) * (64) * (إن هذا) * الذي قص عليك من نبأ عيسى وغيره * (لهو القصص الحق) * والحديث الصدق، و * (من) * في قوله: * (وما من إله إلا الله) * بمنزلة البناء على الفتح في " لا إله إلا الله " في إفادة معنى الاستغراق، وهو رد على النصارى في قولهم بالتثليث * (فإن الله عليم بالمفسدين) * وعيد لهم، ولما تم الحجاج على القوم دعاهم سبحانه إلى التوحيد فقال: * (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء) * أي: ms0155 مستوية * (بيننا وبينكم) * لا يختلف فيها القرآن والتوراة والإنجيل، وتفسير الكلمة قوله: * (ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله) * يعني: هلموا إليها حتى لا نقول: عزير ابن الله ولا المسيح ابن الله، لأن كل واحد منهما بعضنا وبشر مثلنا، ولا نطيع الأحبار فيما أحدثوا من التحريم والتحليل كقوله: * (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) * الآية (1)، وقال عدي بن حاتم: ما كنا نعبدهم يا رسول الله، قال: " أليس كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم؟ "، قال: نعم، قال: " هو ذاك " (2)، * (فإن تولوا) * عن التوحيد * (فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) * أي: لزمتكم الحجة فوجب عليكم أن تعترفوا بأنا مسلمون دونكم، ويجوز أن يكون من باب التعريض ومعناه: اشهدوا بأنكم كافرون حيث توليتم عن الحق بعد ظهوره (3). # PageV01P295 # * (يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التورية والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون (65) ها أنتم هؤلاء حججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (66) ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين) * (67) اجتمعت أحبار اليهود والنصارى عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) وزعم كل فريق منهم أن * (إبراهيم) * كان منهم، فقيل لهم: إن اليهودية حدثت بعد نزول * (التورية و) * النصرانية بعد نزول * (الإنجيل) * وبين إبراهيم وموسى ألف سنة وبينه وبين عيسى ألفان، فكيف يكون إبراهيم على دين لم يحدث إلا بعد عهده بأزمنة كثيرة؟! * (أفلا تعقلون) * حتى لا تجادلوا مثل هذا الجدال المحال؟! * (ها) * للتنبيه و * (أنتم هؤلاء) * مبتدأ وخبر، و * (حججتم) * جملة مستأنفة مبينة للجملة الأولى، يعني أنتم هؤلاء الأشخاص الجهال بيان جهلكم وقلة عقلكم أنكم جادلتم * (فيما لكم به علم) * مما نطق به التوراة والإنجيل * (فلم تحاجون فيما) * لا ذكر له في كتابيكم من دين إبراهيم؟! * (والله يعلم) * شأن إبراهيم ودينه * (وأنتم لا تعلمون) * فلا تتكلموا فيه، ثم أعلمهم بأن إبراهيم برئ من دينهم * (و) * ما * (كان) ms0156 * إلا * (حنيفا مسلما وما كان من المشركين) * أراد بالمشركين اليهود والنصارى لإشراكهم به عزيرا والمسيح. # * (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولى المؤمنين (68) ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون) * (69) سورة آل عمران / 68 و 69 * (إن أولى الناس) * أخص الناس * (بإبراهيم) * وأقربهم منه من الولي وهو PageV01P296 # القرب * (للذين اتبعوه) * في زمانه وبعده * (وهذا النبي) * خصوصا * (والذين آمنوا) * من أمته * (والله ولى المؤمنين) * يتولى نصرتهم * (ودت طائفة) * أي: # تمنت جماعة * (من أهل الكتاب لو يضلونكم) * هم اليهود دعوا حذيفة وعمارا (1) ومعاذا (2) إلى اليهودية * (وما يضلون إلا أنفسهم) * وما يعود وبال الإضلال إلا عليهم، لأن العذاب يضاعف لهم بضلالهم وإضلالهم، أو ما يقدرون على إضلال المسلمين وإنما يضلون أمثالهم (3) * (وما يشعرون) * أي: وما يعلمون أن وبال ذلك يعود عليهم. # * (يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون (70) يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالبطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون) * (71) * (بآيات الله) * بالتوراة والإنجيل، وكفرهم بها أنهم لا يؤمنون بما نطقت به # PageV01P297 # من صحة نبوة محمد (صلى الله عليه وآله) ونعته، * (وأنتم تشهدون) * تعترفون بأنها آيات الله، أو تكفرون بالقرآن ودلائل نبوة الرسول وأنتم تشهدون نعته في الكتابين (1) * (لم تلبسون الحق بالبطل) * الباطل: ما حرفوه من التوراة، والحق: ما تركوه على حاله * (وتكتمون الحق) * وهو نبوة محمد (صلى الله عليه وآله). # (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون (72) ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله وا سع عليم (73) يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم) (74) سورة آل عمران / 73 و 74 تواطأ اثنا عشر رجلا من أحبار يهود خيبر وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد (صلى الله عليه وآله) أول النهار من غير اعتقاد * (واكفروا) * به ms0157 آخر النهار، وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمدا ليس بذلك النعوت وظهر لنا كذبه وبطلان دينه، فإذا فعلتم ذلك شك أصحابه في دينهم ويقولون: ما رجعوا وهم أهل الكتاب إلا لأمر قد تبين لهم (2) و * (وجه النهار) * أوله، وقوله: * (ولا تؤمنوا) * يتعلق بقوله: * (أن يؤتى أحد) * وما بينهما اعتراض، أي: ولا تظهروا إيمانكم بأن يؤتى أحد * (مثل ما أوتيتم) * إلا لأهل دينكم دون غيرهم، والمراد: وأسروا تصديقكم بأن المسلمين قد أوتوا من كتب الله مثل ما أوتيتم، ولا تفشوه إلا عند أشياعكم وحدهم دون المسلمين لئلا يزيدهم تصديقكم بذلك ثباتا ودون المشركين لئلا يدعوهم ذلك إلى الإسلام * (أو يحاجوكم عند ربكم) * عطف على # PageV01P298 # * (أن يؤتى) * والضمير في * (يحاجوكم) * ل‍ * (أحد) * لأنه في معنى الجمع، يعني: # ولا تؤمنوا * (ل‍) * غير * (من تبع دينكم) * إن المسلمين يحاجونكم يوم القيامة بالحق ويغالبونكم عند الله بالحجة، ومعنى الاعتراض بقوله: * (قل إن الهدى هدى الله) * أن المراد بذلك: قل يا محمد لهم: إن من شاء الله أن يوفقه حتى يسلم أو يزيد ثباته على الإسلام كان ذلك، ولم ينفع حيلتكم ومكركم، وكذلك قوله: * (قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء) * المراد به: الهداية والتوفيق. # وفي الآية وجه آخر: وهو أن يتم الكلام عند قوله: * (إلا لمن تبع دينكم) * على معنى: لا تؤمنوا هذا الإيمان الظاهر إلا لمن كانوا تابعين لدينكم ممن أسلموا منكم، لأن رجوعهم كان أرجى عندهم، ولأن الإسلام منهم كان أغيظ لهم، وقوله: # * (أن يؤتى أحد) * معناه: لأن يؤتى أحد * (مثل ما أوتيتم) * دبرتم ذلك وفعلتموه لا لشئ آخر، يعني: أن ما بكم من الحسد لمن أوتي مثل ما أوتيتم من فضل العلم والكتاب دعاكم إلى أن قلتم ما قلتم، والدليل عليه قراءة ابن كثير (1): " أأن يؤتى أحد " بزيادة همزة الاستفهام للتقرير والتوبيخ (2) بمعنى: ألان يؤتى أحد. ومعنى * (أو يحاجوكم) * على هذا أنكم دبرتم لأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم ولما يتصل به عند كفركم من محاجتهم لكم عند ms0158 ربكم. # PageV01P299 # ووجه آخر: وهو أن يكون * (هدى الله) * بدلا من * (الهدى) *، و * (أن يؤتى أحد) * خبر * (إن) * والمعنى: قل: إن هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم * (أو يحاجوكم) * حتى يحاجوكم * (عند ربكم) * فيقرعوا باطلكم بحقهم ويدحضوا حجتكم. # ووجه آخر: وهو أن يتعلق الكلامان ب‍ * (قل) * والمعنى: قل لهم هذين القولين أي: أكد عليهم أن الهدى هدى الله وهو ما فعله من إيتاء الكتاب غيركم وأنكر عليهم أن يكيدوا بما كادوا به، كأنه قيل: قل: * (إن الهدى هدى الله) * وقل: ألان يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قلتم ما قلتم وكدتم ما كدتم؟ وفي هذه الآيات معجزة ظاهرة (1) لنبينا (عليه السلام) حيث أخبرهم عن سرائرهم. # * (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأمين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون (75) بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين) * (76) سورة آل عمران / 76 - 78 * (إلا ما دمت عليه قائما) * معناه: إلا مدة دوامك عليه يا صاحب الحق قائما على رأسه تطالبه بالعنف * (ذلك) * إشارة إلى ترك الأداء الذي دل عليه * (لا يؤده إليك) * ومعناه: أن تركهم أداء الحقوق بسبب قولهم: * (ليس علينا في الأمين سبيل) * أي: ليس علينا عقاب ولا ذم في شأن الأميين الذين ليسوا على ديننا، وكانوا يستحلون ظلم من خالفهم ويقولون: لم تجعل لهم في كتابنا حرمة * (ويقولون على الله الكذب) * بادعائهم أن ذلك في كتابهم * (وهم يعلمون) * أنهم # PageV01P300 # كاذبون * (بلى) * إثبات لما نفوه، أي: بلى عليهم سبيل في الأميين، وقوله: * (من أوفى بعهده) * جملة مستأنفة، أي: كل من أوفى بما عاهد عليه * (واتقى) * الله في ترك الخيانة والغدر * (فإن الله يحب‍) * - ه، وضع الظاهر موضع المضمر. # * (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيمة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) * (77) * (يشترون) * يستبدلون ms0159 بما عاهدوا الله عليه من الإيمان بنبينا محمد (صلى الله عليه وآله) * (وأيمانهم) * أي: بما حلفوا به من قولهم: والله لنؤمنن به ولننصرنه * (ثمنا قليلا) * متاع الدنيا من الرئاسة وأخذ الرشوة ونحو ذلك، وقيل: نزلت في حي بن أخطب وكعب بن الأشرف وأضرابهما من اليهود كتموا ما في التوراة وحرفوه (1) * (ولا ينظر إليهم) * مجاز عن الاستهانة بهم، يقال: فلان لا ينظر إلى فلان يراد سخطه عليه وترك اعتداده به * (ولا يزكيهم) * ولا يثني عليهم. # * (وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون) * (78) * (يلوون ألسنتهم) * يفتلونها * (ب‍) * قراءة * (الكتاب) * عن الصحيح إلى المحرف * (لتحسبوه) * والضمير يرجع إلى ما دل عليه * (يلوون ألسنتهم بالكتب) * وهو المحرف، أي: لتظنوا أيها المسلمون ذلك المحرف من كتاب الله * (وما هو من الكتاب) * المنزل على موسى ولكنهم يخترعون * (ويقولون هو من عند الله) * هو # PageV01P301 # تأكيد لقوله: * (هو من الكتاب) * وزيادة تشنيع عليهم، وقيل: هم اليهود الذين قدموا على كعب بن الأشرف وكتبوا كتابا بدلوا فيه صفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم أخذت قريظة ما كتبوه فخلطوه بما كان عندهم من الكتاب (1). # * (ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون (79) ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون) * (80) قيل: إن أبا رافع القرظي ورئيس وفد نجران قالا: يا محمد أتريد أن نعبدك ونتخذك إلها؟ فقال: معاذ الله أن أعبد غير الله أو آمر بعبادة غير الله، ما بذلك بعثني ولا بذلك أمرني، فنزلت (2). # سورة آل عمران / 79 و 80 و * (الحكم) *: الحكمة وهي السنة، أي: * (ما) * ينبغي * (لبشر) * ولا يحل له وليس من صفة الأنبياء الذين خصهم الله بالحكمة و * (النبوة) * أن يدعو الناس إلى عبادتهم، وهذا تكذيب لمن ms0160 اعتقد عبادة عيسى * (ولكن كونوا ربانيين) * أي ولكن يقول: كونوا ربانيين، والرباني منسوب إلى الرب بزيادة الألف والنون - كما يقال: لحياني - وهو شديد التمسك بدين الله، وقيل: الربانيون: العلماء الفقهاء (3)، أي: كونوا علماء فقهاء، وقيل: كونوا معلمين الناس من علمكم كما يقال: أنفق بمالك أي: من مالك (4) * (بما كنتم) * أي: بسبب كونكم عالمين وبسبب كونكم # PageV01P302 # دارسين للعلم، وقرئ: * (تعلمون) * من التعليم، وقرئ: * (ولا يأمركم) * بالنصب عطفا على * (ثم يقول) * وفيه وجهان: أحدهما: أن يجعل * (لا) * مزيدة لتأكيد معنى النفي في قوله: * (ما كان) * أي: ما كان * (لبشر) * أن يستنبئه الله ويجعله داعيا إلى الله وإلى إخلاص العبادة له وترك الأنداد ثم يأمر الناس بأن يكونوا عبادا له ويأمركم * (أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا) *، والثاني: أن يجعل * (لا) * غير مزيدة، والمعنى: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان ينهى قريشا عن عبادة الملائكة، وينهى اليهود والنصارى عن عبادة عزير والمسيح، فلما قالوا له: أنتخذك ربا، قيل لهم: ما كان لبشر أن يستنبئه الله ثم يأمر الناس بعبادته وينهاهم عن عبادة الملائكة والأنبياء، والقراءة بالرفع على ابتداء الكلام أظهر (1)، وينصرها قراءة عبد الله " ولن يأمركم " (2)، والضمير في * (لا يأمركم) * و * (أيأمركم) * للبشر، وقيل: لله (3)، والهمزة في * (أيأمركم) * للإنكار (4)، والمعنى: أن الله تعالى إنما يبعث النبي ليدعو الناس إلى الإيمان فكيف يدعو النبي المسلمين إلى الكفر؟! # * (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين (81) فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون) * (82) # PageV01P303 # المعنى: * (أخذ الله) * الميثاق على * (النبيين) * (1) بذلك، وعن الصادق (عليه السلام) أن المعنى: " وإذ أخذ الله ميثاق أمم النبيين (2) كل أمة بتصديق نبيها والعمل بما جاءهم به فما وفوا به وتركوا كثيرا من شرائعهم " (3)، واللام في * (لما آتيتكم) * لتوطئة القسم، وفي * (لتؤمنن) * لجواب القسم، لأن أخذ الميثاق في معنى الاستحلاف، ويجوز أن تكون " ما " شرطية و ms0161 * (لتؤمنن) * قد سد مسد جواب القسم وجواب الشرط معا، ويجوز أن تكون " ما " موصولة بمعنى للذي آتيتكموه لتؤمنن به (4)، وقرئ: " لما آتيناكم " (5)، وقرئ: " لما آتيتكم " بكسر اللام (6) ومعناه: لأجل إيتائي إياكم بعض الكتاب والحكمة ثم لمجئ * (رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به) * فيكون " ما " على هذا مصدرية والفعلان معها وهما * (آتيتكم) * و * (جاءكم) * في معنى المصدرين، واللام داخلة للتعليل أي: أخذ الله ميثاقهم (7) لتؤمنن بالرسول * (ولتنصرنه) * لأجل أني آتيتكم الحكمة وأن الرسول الذي آمركم بالإيمان به ونصرته موافق لكم غير مخالف، ويجوز أن يكون " ما " موصولة وأن عطف بقوله: * (ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم) * على قوله: * (آتيتكم) * لأن " ما معكم " في معنى " ما آتيتكم " فكأنه قيل: للذي آتيتكموه وجاءكم رسول سورة آل عمران / 81 - 84 مصدق له * (قال) * أي: قال الله للنبيين * (أأقررتم) * به وصدقتموه * (وأخذتم على # PageV01P304 # ذلكم إصري) * أي: عهدي على أممكم، وسمي العهد إصرا لأنه مما يؤصر أي: # يشد ويعقد، قال الأنبياء: * (أقررنا) * بما أمرتنا بالإقرار به * (قال) * الله * (فاشهدوا) * بذلك على أممكم * (وأنا معكم من الشاهدين) * وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: " لم يبعث الله نبيا إلا أخذ عليه العهد: لئن بعث الله محمدا (صلى الله عليه وآله) وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ العهد بذلك على أمته (1) * (فمن تولى بعد ذلك) * الميثاق والتوكيد * (فأولئك هم الفاسقون) * المتمردون من الكفار. # * (أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون (83) قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) * (84) دخلت همزة الإنكار على فاء العطف التي عطفت جملة على جملة، والمعنى: # * (فأولئك هم الفاسقون أفغير دين الله يبغون) * ثم توسطت همزة الإنكار بينهما، ويجوز أن يكون عطفا على محذوف والتقدير: أيتولون فغير دين الله يبغون (2)، وقرأ أبو عمرو: * (يبغون) * بالياء " وإليه ترجعون " بالتاء مضموما (3) لأن الباغين هم المتولون ms0162 والراجعون جميع الناس، وقرئا بالياء معا وبالتاء (4) معا، وانتصب # PageV01P305 # * (طوعا وكرها) * على الحال أي: طائعين ومكرهين وقيل: طوعا لأهل السماوات خاصة، وأما أهل الأرض فمنهم من أسلم طوعا بالنظر في الأدلة، ومنهم من أسلم كرها بالسيف أو بمعاينة ما يلجئ إلى الإسلام كنتق الجبل فوق بني إسرائيل أو عند رؤية البأس بالإشفاء على الموت (1)، فلما رأوا بأسنا قالوا: آمنا بالله وحده، ثم أمر النبي (صلى الله عليه وآله) بأن يخبر عن نفسه وعمن معه بالإيمان فلذلك وحد الضمير في * (قل) * وجمع في * (آمنا) *، ويجوز أن يؤمر بأن يتكلم عن نفسه كما يتكلم الملوك إجلالا من الله لقدر نبيه * (ونحن له مسلمون) * أي: موحدون مخلصون أنفسنا له لا نجعل له شريكا في العبادة. # * (ومن يبتغ غير الأسلم دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين) * (85) أي: * (ومن) * يطلب غير * (الأسلم) * وهو التوحيد والإسلام لوجه الله * (دينا) * يدين به * (فلن يقبل منه) * بل يعاقب عليه * (وهو في الآخرة من الخاسرين) * من الذين وقعوا في الخسران مطلقا من غير تقييد. # * (كيف يهدى الله قوما كفروا بعد إيمنهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدى القوم الظالمين (86) أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين (87) خلدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولاهم ينظرون (88) إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم) * (89) سورة آل عمران / 68 - 90 * (وشهدوا) * عطف على ما في * (إيمنهم) * من معنى الفعل، لأن معناه بعد أن # PageV01P306 # آمنوا وشهدوا، ويجوز أن يكون الواو للحال بإضمار " قد " أي: كفروا وقد شهدوا * (أن الرسول حق) * (1)، ومعنى الآية: كيف يهديهم الله إلى طريق الإيمان وقد تركوه؟ أي: لا طريق يهديهم به إلى الإيمان وقد تركوا الوجه الذي هداهم به ولا طريق غيره، وقيل: معناه: كيف يلطف بهم الله وليسوا من أهل اللطف لما علم سبحانه من تصميمهم على الكفر ودل على تصميمهم بأنهم كفروا بعد ما شهدوا أن الرسول حق وبعدما جاءتهم المعجزات التي تثبت بها النبوة وهم ms0163 اليهود كفروا بالنبي (صلى الله عليه وآله) بعد أن كانوا مؤمنين به (2)، وقيل: نزلت في رهط كانوا أسلموا ثم رجعوا عن الإسلام ولحقوا بمكة (3) * (إلا الذين تابوا من بعد ذلك) * الكفر والارتداد * (وأصلحوا) * ما أفسدوا أو (4) دخلوا في الصلاح. # * (إن الذين كفروا بعد إيمنهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون (90) إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم ومالهم من نصرين) * (91) يعني: اليهود * (الذين كفروا) * بعيسى * (بعد إيمنهم) * بموسى * (ثم ازدادوا كفرا) * بكفرهم بمحمد (صلى الله عليه وآله) أو كفروا برسول الله بعد أن كانوا به مؤمنين قبل مبعثه ثم ازدادوا كفرا بإصرارهم على ذلك وعداوتهم له ونقضهم عهده وصدهم عن # PageV01P307 # الإيمان به * (لن تقبل توبتهم) * لأنها لا تقع على وجه الإخلاص، ويدل عليه قوله: * (وأولئك هم الضالون) * أي: عن الحق والصواب، وقيل: لن تقبل توبتهم عند رؤية البأس (1)، والمعنى: أنهم لا يتوبون إلا عند معاينة الموت * (وماتوا وهم كفار) * أي: على كفرهم * (فلن يقبل من أحدهم) * فدية ولو افتدى ب‍ * (ملء الأرض ذهبا) *، ويجوز أن يكون المراد: * (ولو افتدى) * بمثله، والمثل يحذف كثيرا في كلامهم قالوا: ضربته ضرب زيد أي: مثل ضربه، وقضية ولا أبا حسن لها أي: ولا مثل أبي حسن لها، كما أنه يزاد مثل في نحو قولهم: مثلك لا يفعل كذا أي: أنت لا تفعل. # * (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شئ فإن الله به عليم) * (92) سورة آل عمران / 92 و 93 أي: * (لن) * تبلغوا حقيقة * (البر) * ولن تكونوا أبرارا، وقيل: * (لن تنالوا) * بر الله وهو الثواب (2) * (حتى تنفقوا مما تحبون) * أي: حتى تنفقوا من أموالكم التي تحبونها كقوله: * (أنفقوا من طيبت ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) * الآية (3)، وقرأ عبد الله: " حتى تنفقوا بعض # PageV01P308 # ما تحبون " (1)، وهو دلالة على أن " من " هنا للتبعيض نحو: أخذت من المال * (وما تنفقوا من ms0164 شئ) * " من " هنا للتبيين، أي: من أي شئ كان طيب تحبونه أو خبيث تكرهونه * (فإن الله... عليم) * بكل شئ تنفقونه فيجازيكم بحسبه. # * (كل الطعام كان حلا لبنى إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التورية قل فأتوا بالتورية فاتلوها إن كنتم صادقين (93) فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون (94) قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين) * (95) أي: * (كل) * أنواع * (الطعام) * أو كل المطعومات * (كان حلا) * الحل مصدر حل الشئ حلا كقولك: عز الشئ عزا وذلت الدابة ذلا، ولذلك استوى المذكر والمؤنث والواحد والجمع في الوصف به (2)، قال سبحانه: * (لا هن حل لهم) * (3) والذي * (حرم إسرائيل) * وهو يعقوب * (على نفسه) * لحوم الإبل وألبانها (4)، وقيل: العروق ولحم الإبل، كان به عرق النساء فأشارت عليه الأطباء باجتنابه ففعل ذلك بإذن من الله (5) فكان كتحريم الله ابتداء، والمعنى: أن المطاعم كلها لم تزل حلالا لبني إسرائيل من قبل إنزال التوراة، وتحريم ما حرم عليهم منها لظلمهم وبغيهم لم يحرم منها شئ قبل ذلك غير المطعوم الذي حرمه إسرائيل على نفسه، وهذا رد على اليهود حيث أرادوا براءة ساحتهم مما نطق به القرآن من تحريم # PageV01P309 # الطيبات عليهم لبغيهم وظلمهم في قوله: * (ذلك جزيناهم ببغيهم) * (1) وقوله: # * (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبت أحلت لهم) * (2) الآية (3)، فقالوا: # لسنا بأول من حرمت عليه وقد كانت محرمة على نوح وإبراهيم ومن بعده من بني إسرائيل إلى أن انتهى التحريم إلينا، فكذبهم الله تعالى ثم قال: * (قل فأتوا بالتورية فاتلوها) * حتى يتبين أنه تحريم حادث بسبب ظلمكم وبغيكم لا تحريم قديم كما زعمتم فلم يجسروا على إخراج التوراة وبهتوا * (فمن افترى على الله الكذب) * بزعمه أن ذلك كان محرما على الأنبياء وعلى بني إسرائيل قبل إنزال التوراة * (فأولئك هم الظالمون) * لأنفسهم * (قل صدق الله) * تعريض بكذبهم، أي: ثبت أن الله صادق فيما أنزله وأنتم كاذبون * (فاتبعوا ملة إبراهيم) * وهي ملة الإسلام التي عليها محمد (صلى الله عليه ms0165 وآله) ومن آمن معه، ثم برأ سبحانه إبراهيم مما كان ينسبه اليهود والمشركون إليه من كونه على دينهم فقال: * (وما كان من المشركين) *. # * (إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعلمين (96) فيه آيات بينت مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غنى عن العلمين) * (97) سورة آل عمران / 96 و 97 * (وضع للناس) * صفة ل‍ * (بيت) * والمعنى: * (إن أول بيت) * جعل متعبدا * (للناس) * * (ل‍) * لبيت * (الذي ببكة) * وهي الكعبة، وبكة: علم للبلد الحرام، ومكة وبكة لغتان فيه (4)، وقيل: مكة: البلد، وبكة: موضع المسجد لأنها مزدحم # PageV01P310 # الناس للطواف (1)، * (مباركا) * كثير الخير والبركة لثبوت العبادة فيه دائما، وانتصابه على الحال من الضمير في الظرف * (وهدى للعلمين) * لأنه قبلتهم ومتعبدهم، وقيل: دلالة لهم على الله عز اسمه بإهلاكه كل من قصده من الجبابرة كأصحاب الفيل وغيرهم (2) * (فيه آيات بينت) * يجوز أن يكون * (مقام إبراهيم) * وحده عطف بيان ل‍ * (آيات) * بمعنى: أنها بمنزلة آيات كثيرة لقوة دلالته على قدرة الله من تأثير قدمه في حجر صلد وغوصه فيها إلى الكعبين (3)، ويجوز أن يكون المراد فيه آيات بينات مقام إبراهيم * (و) * أمن * (من دخله) * لأن الاثنين نوع من الجمع (4)، ويجوز أن يذكر هاتان الآيتان ويطوى ذكر غيرهما دلالة على تكاثر الآيات أي: وآيات كثيرة سواهما (5) كقول جرير (6): # كانت حنيفة أثلاثا فثلثهم * من العبيد وثلث من مواليها (7) # PageV01P311 # وطوى الثلث الآخر، وكان الرجل لو جنى كل جناية ثم لجأ إلى الحرم لم يطلب، وقيل: إنه خبر معناه الأمر، فمن وجب عليه حد فلاذ بالحرم لا يبايع ولا يعامل حتى يخرج فيقام عليه الحد ولا يتعرض له فيه (1)، وهو المروي عن أئمتنا (عليهم السلام) (2)، وروي أيضا: أن من دخله عارفا بما أوجبه الله عليه كان آمنا في الآخرة من النار (3). # * (ولله على الناس حج البيت) * وقرئ بكسر الحاء * (من استطاع إليه سبيلا) * فيه أنواع من التوكيد والتشديد في الحج، فإن قوله: * (ولله على الناس حج ms0166 البيت) * يدل على أنه حق واجب في رقاب الناس لا يخرجون عن عهدته، ثم أبدل عنه * (من استطاع إليه سبيلا) * إيضاحا بعد الإبهام وتفصيلا بعد الإجمال، ثم قال: * (ومن كفر) * مكان قوله: " ومن لم يحج " تغليظا على تارك الحج كما جاء في الحديث: " من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر " (4)، ثم قال: * (فإن الله غنى عن العلمين) * ولم يقل " عنه " ليكون بدلالته على الاستغناء الكامل أدل على عظم سخط الله الذي وقع الاستغناء عبارة عنه، وفي الأثر: " لو ترك الناس الحج عاما واحدا ما نوظروا " (5) أي: ما أمهلوا. # سورة آل عمران / 98 - 101 * (قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون (98) قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن # PageV01P312 # تبغونها عوجا وأنتم شهداء وما الله بغفل عما تعملون) * (99) الواو في قوله: * (والله شهيد) * للحال، والمعنى * (لم تكفرون) * بالآيات التي دلتكم على صدق محمد (صلى الله عليه وآله) والحال أن الله يشاهد أعمالكم فيجازيكم عليها؟! # فكيف تجسرون على الكفر بآياته؟! و * (سبيل الله) * التي أمر بسلوكها هو دين الإسلام، وكانوا يحتالون لصد المؤمنين عنه بجهدهم، ويغرون بين الأوس والخزرج يذكرونهم الحروب التي كانت بينهم في الجاهلية ليعودوا لمثلها * (تبغونها عوجا) * تطلبون لها اعوجاجا وميلا عن الاستقامة * (وأنتم شهداء) * بأنها سبيل الله الذي ارتضاه وتجدون ذلك في كتابكم، أو أنتم شهداء بين أهل دينكم يثقون بأقوالكم وهم الأحبار * (وما الله بغفل عما تعملون) * وعيد لهم. # * (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمنكم كفرين (100) وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صرا ط مستقيم) * (101) خاطب سبحانه الأوس والخزرج فقال: * (إن تطيعوا) * هؤلاء اليهود في إحياء الضغائن التي كانت بينكم في الجاهلية * (يردوكم) * كفارا * (بعد إيمنكم) * ثم عظم الشأن عليهم بأن قال: * (وكيف تكفرون) * أي: ومن أين يتطرق إليكم الكفر والحال أن آيات الله * (تتلى عليكم) * على لسان رسوله وهو بين أظهركم ms0167 يعظكم وينبهكم (1)، ومن يتمسك بدين الله فقد حصل له الهدى لا محالة. # * (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم # PageV01P313 # مسلمون (102) واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون) * (103) سورة آل عمران / 104 - 106 * (اتقوا الله حق تقاته) * أي: واجب تقواه وهو القيام بالواجبات واجتناب المحرمات، وعن الصادق (عليه السلام): " هو أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر " (1) ونحوه قوله: * (فاتقوا الله ما استطعتم) * (2) أي: بالغوا في التقوى حتى لا تتركوا من المستطاع منها شيئا * (ولا تموتن) * أي: لا تكونن على حال سوى حال الإسلام إذا أدرككم الموت، كما تقول لمن تستعين به على القتال: لا تأتني إلا وأنت على فرس، فلا تنهاه عن الإتيان ولكنك تنهاه عن خلاف الحال التي ذكرتها في وقت الإتيان * (واعتصموا بحبل الله جميعا) * أي: واجتمعوا على التمسك بعهد الله على عباده وهو الإيمان والطاعة أو بالقرآن، قال الصادق (عليه السلام): # " نحن حبل الله " (3) * (ولا تفرقوا) * أي: لا تتفرقوا عن الحق بالاختلاف بينكم كما اختلف اليهود والنصارى، وكانوا في الجاهلية متعادين قد تطاولت الحروب بين الأوس والخزرج مائة وعشرين سنة إلى أن ألف الله بين قلوبهم بالنبي (صلى الله عليه وآله) * (فأصبحتم بنعمته إخوانا) * متواصلين متحابين * (وكنتم على شفا حفرة) * على حرف حفرة * (من) * نار جهنم قد أشفيتم على أن تقعوا فيها لما كنتم عليه من الكفر * (فأنقذكم منها) * بالإسلام * (كذلك) * أي: مثل ذلك البيان * (يبين الله لكم آياته) * # PageV01P314 # إرادة أن تزدادوا هدى. # * (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون (104) ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) * (105) قيل: إن " من " هنا للتبعيض، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات، ولا يصلح لذلك إلا من يعلم المعروف ms0168 معروفا والمنكر منكرا فيعلم كيف يباشر ذلك ويرتبه فإن الجاهل ربما نهى عن معروف أو أمر بمنكر (1)، وقيل: إن " من " للتبيين بمعنى: وكونوا أمة تأمرون كقوله: * (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف) * (2) (3)، * (وأولئك هم المفلحون) * الأحقاء بالفلاح دون غيرهم، وذكر سبحانه الدعاء إلى الخير أولا لأنه عام في التكاليف من الأفعال والتروك، ثم ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثانيا لأن ذلك خاص * (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا) * وهم اليهود والنصارى * (من بعد ما جاءهم البينات) * الموجبة للاتفاق والائتلاف والاجتماع على كلمة الحق. # * (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمنكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (106) وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خلدون (107) تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعلمين) * (108) * (يوم تبيض) * نصب بقوله: * (لهم عذاب عظيم) * البياض من النور والسواد # PageV01P315 # من الظلمة، فمن كان من أهل نور الحق وسم ببياض اللون وأشرق وجهه وابيضت صحيفته وسعى نوره بين يديه وبيمينه، ومن كان من أهل ظلمة الباطل وسم بسواد اللون وكسف وجهه و * (اسودت) * صحيفته وأحاطت به الظلمة من كل جانب، نعوذ بالله وفضله من ظلمة الباطل وأهله * (أكفرتم) * فيقال لهم: * (أكفرتم) * والهمزة للتوبيخ والتعجيب من حالهم (1)، وقيل: هم أهل البدع والأهواء والآراء الباطلة (2)، وقيل: هم المرتدون (3)، وقيل: هم الخوارج (4) * (ففي رحمة الله) * أي: # نعمته وهو الثواب الدائم، وقوله: * (هم فيها خلدون) * استئناف كأنه قيل: كيف يكونون فيها؟ فقيل: هم فيها خالدون لا يظعنون عنها ولا يموتون * (تلك آيات الله) * الواردة في الوعد والوعيد * (نتلوها عليك) * متلبسة * (بالحق) * والعدل * (وما الله يريد ظلما) * فيأخذ أحدا بغير جرم أو يزيد في عقاب مجرم أو ينقص من ثواب محسن فيكون ظلما، وقال: * (للعلمين) * على معنى ما يريد شيئا من الظلم لأحد من خلقه. # * (ولله ما في السماوات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور (109) كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب ms0169 لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون) * (110) سورة آل عمران / 109 - 111 بين سبحانه وجه استغنائه عن الظلم بقوله: * (ولله ما في السماوات وما في # PageV01P316 # الأرض وإلى الله ترجع) * أمورهم وقع المظهر موقع المضمر ليكون أفخم في الذكر * (كنتم خير أمة) * معناه: وجدتم خير أمة، لأن " كان " عبارة عن وجود الشئ في زمان ماض ولا دليل فيه على العدم السابق ولا على الانقطاع الطاري (1) (2)، وقيل: كنتم في علم الله خير أمة أو كنتم في الأمم قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة موصوفين به (3) * (أخرجت) * أظهرت * (للناس) * وقوله: * (تأمرون) * كلام مستأنف بين به كونهم خير أمة كما يقال: زيد كريم يطعم الناس ويكسوهم ويحسن إليهم (4) * (ولو آمن أهل الكتاب) * بالنبي وبما جاء به * (لكان) * ذلك الإيمان * (خيرا لهم) * في الدنيا والآخرة * (منهم المؤمنون) * كعبد الله بن سلام وأصحابه من اليهود والنجاشي وأصحابه من النصارى * (وأكثرهم الفاسقون) * المتمردون في الكفر. # * (لن يضروكم إلا أذى وإن يقتلوكم يولوكم الادبار ثم لا ينصرون (111) ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباؤا بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) * (112) هذا تثبيت لمن أسلم من اليهود ووعد لهم بأنهم المنصورون، فإنهم كانوا يؤذونهم بالتوبيخ والتهديد وغير ذلك، فقال سبحانه: إنهم * (لن يضروكم إلا) * # PageV01P317 # ضرارا مقصورا على * (أذى) * بقول من طعن في الدين أو وعيد أو نحو ذلك * (وإن يقتلوكم يولوكم الادبار) * منهزمين، و * (لا ينصرون) * أي: لا يعاونون ولا ينصرهم أحد، وفي هذا دلالة على صحة نبوة محمد (صلى الله عليه وآله) لوقوع مخبره على وفق الخبر، فإن اليهود لم يثبتوا قط للمسلمين ولم يضروهم بقتل وأسر، وإنما لم يجزم قوله: # * (لا ينصرون) * لأنه عدل به عن حكم الجزاء إلى حكم الإخبار ابتداء، فكأنه قيل: ثم أخبركم أنهم لا ينصرون، وقوله: * (بحبل من الله) * في موضع النصب على الحال على تقدير: إلا معتصمين بحبل الله وحبل الناس، ms0170 والمعنى: * (ضربت عليهم الذلة) * كما يضرب البيت على أهله * (أين ما) * وجدوا وظفر بهم في عامة الأحوال إلا في حال اعتصامهم بذمة الله وذمة المسلمين، أي: لا عز لهم قط إلا هذه الواحدة وهي التجاؤهم إلى الذمة لقبولهم الجزية * (وباؤا بغضب من الله) * استوجبوه * (ذلك) * إشارة إلى ضرب الذلة والمسكنة واستيجاب غضب الله، أي: # ذلك كائن بسبب كفرهم * (بآيات الله) * وقتلهم * (الأنبياء) * ثم قال: * (ذلك) * بسبب عصيانهم واعتدائهم. # * (ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء اليل وهم يسجدون (113) يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسرعون في الخيرات وأولئك من الصلحين) * (114) سورة آل عمران / 113 - 117 الضمير في * (ليسوا) * لأهل الكتاب * (سواء) * أي: مستوين، وقوله: * (من أهل الكتاب أمة قائمة) * كلام مستأنف لبيان قوله: * (ليسوا سواء) *، كما أن قوله: # * (تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) * بيان لقوله: * (كنتم خير أمة) * (1)، # PageV01P318 # وقوله: * (قائمة) * معناه: مستقيمة عادلة وهم الذين أسلموا منهم، وعبر عن تهجدهم وصلاتهم بالليل بتلاوة آيات الله في ساعات الليل مع السجود لأنه بيان لفعلهم * (ويسرعون في الخيرات) * أي: يبادرون إلى فعل الطاعات * (وأولئك من الصلحين) * الذين صلحت أحوالهم عند الله. # * (وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين) * (115) لما وصف سبحانه نفسه بالشكر في قوله: * (والله شكور حليم) * (1) بمعنى: # توفية الثواب نفى هاهنا نقيض ذلك بقوله: * (فلن يكفروه) * وعداه إلى مفعولين لأنه ضمنه معنى الحرمان، كأنه قال: فلن يحرموه، أي: لن يحرموا جزاءه * (والله عليم بالمتقين) * أي: بأحوالهم فيجازيهم بجزيل الثواب. # * (إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أموا لهم ولا أولدهم من الله شيئا وأولئك أصحب النار هم فيها خلدون (116) مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون) * (117) الصر: الريح الباردة ومثله الصرصر، شبه سبحانه ما كانوا ينفقونه من أموالهم في المآثر وكسب الثناء بين الناس لا يبتغون بذلك وجه الله بالزرع الذي أهلكه البرد فذهب حطاما، وقيل: ms0171 هو ما أنفقوه في عداوة الرسول فضاع عنهم إذ لم يبلغوا بإنفاقه مقاصدهم (2)، وشبه ب‍ * (حرث قوم ظلموا أنفسهم) * فأهلك عقوبة لهم على معاصيهم، لأن الإهلاك عن السخط أشد * (وما ظلمهم الله) * بأن لم يقبل نفقاتهم # PageV01P319 # * (ولكن) * ظلموا * (أنفسهم) * حيث لم يأتوا بها على الوجه الذي يستحق به الثواب. # * (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفى صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون (118) ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور) * (119) سورة آل عمران / 119 و 120 بطانة الرجل ووليجته: خاصته وصفيه الذي يستبطن أمره، مأخوذة من بطانة الثوب، ومثله قولهم: فلان شعار فلان، وعن النبي (صلى الله عليه وآله): " الأنصار شعار والناس دثار " (1)، * (من دونكم) * أي: من دون أبناء جنسكم وهم المسلمون، ويجوز تعلقه ب‍ * (لا تتخذوا) * أو ب‍ * (بطانة) * على الوصف أي: * (بطانة) * كائنة (2) * (من دونكم لا يألونكم خبالا) * من قولهم: ألا في الأمر يألوا: إذا قصر فيه، ثم استعمل متعديا إلى مفعولين في قولهم: لا آلوك نصحا، والمعنى: لا أمنعك نصحا، والخبال: # الفساد * (ودوا ما عنتم) * أي: ودوا عنتكم، و * (ما) * مصدرية، والعنت: شدة الضرر والمشقة، أي: تمنوا أن يضروكم في دينكم ودنياكم أشد الضرر * (قد بدت البغضاء من أفواههم) * لأنهم لا يضبطون أنفسهم وينفلت من ألسنتهم ما يعلم به بغضهم للمسلمين * (قد بينا لكم الآيات) * الدالة على وجوب الإخلاص في موالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه * (إن كنتم تعقلون) * ما بين لكم فعملتم به، والأحسن: أن يكون # PageV01P320 # هذه الجمل كلها مستأنفات على وجه التعليل للنهي عن اتخاذهم بطانة. # * (ها) * للتنبيه و * (أنتم) * مبتدأ و * (أولاء) * خبره، أي: أنتم أولاء الخاطئون في موالاة منافقي أهل الكتاب (1)، وقيل: * (أولاء) * موصول و * (تحبونهم) * صلته، والواو في * (وتؤمنون) * للحال من قوله: * (لا يحبونكم) * والحال ms0172 أنكم تؤمنون بكتابهم وهم مع ذلك لا يحبونكم فما بالكم تحبونهم وهم لا يؤمنون بكتابكم! (2) وفيه توبيخ بأنهم في باطلهم أصلب منكم في حقكم، ويوصف النادم والمغتاظ بعض الأنامل والبنان * (قل موتوا بغيظكم) * دعاء عليهم بأن يزداد غيظهم بزيادة ما يغيظهم من عز الإسلام وأهله حتى يهلكوا به * (إن الله عليم بذات الصدور) * بمضمرات الصدور، وهو يعلم ما في صدور المنافقين من البغضاء، ويجوز أن يكون قوله تعالى: * (قل موتوا بغيظكم) * أمرا لرسول الله بطيب النفس وقوة الرجاء والإبشار بوعد الله أن يهلكوا غيظا بإعزاز الإسلام وإذلالهم به ولا يكون هناك قول (3). # * (إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط) * (120) أي: إن تصبكم أيها المؤمنون نصرة وغنيمة ونعمة من الله تعالى * (تسؤهم) * تحزنهم * (وإن تصبكم سيئة) * أي: محنة بإصابة العدو منكم * (يفرحوا بها وإن تصبروا) * على عداوتهم * (وتتقوا) * ما نهيتم عنه من موالاتهم، أو * (وإن تصبروا) * على ميثاق (4) الدين وتكاليفه * (وتتقوا) * الله في اجتناب محارمه كنتم في كنف # PageV01P321 # الله وحفظه ف‍ * (لا يضركم كيدهم شيئا) * وقرئ: " لا يضركم " (1) من ضاره يضيره، و * (يضركم) * على أن ضمة الراء لاتباع ضمة الضاد، وقرئ: " لا يضركم " بفتح الراء (2)، علم الله المسلمين أن يستعينوا على كيد العدو بالصبر والتقوى. # * (وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقعد للقتال والله سميع عليم (121) إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون) * (122) سورة آل عمران / 122 و 123 * (و) * أذكر * (إذ غدوت من أهلك) * بالمدينة إلى أحد، خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم الجمعة بعد صلاة الجمعة وأصبح بالشعب من أحد يوم السبت للنصف من شوال، وصف أصحابه للقتال وأمر عبد الله بن جبير على الرماة وقال لهم: انضحوا عنا بالنبل لا يأتونا من ورائنا (3) * (تبوئ المؤمنين) * أي: تنزلهم وتهيئ لهم * (مقعد) * أي: مواطن ومواقف * (للقتال) * وقد استعمل المقعد والمقام في معنى المكان، منه قوله تعالى: * (في مقعد صدق ms0173 عند مليك مقتدر) * (4) وقوله: * (قبل أن تقوم من مقامك) * (5) أي: من مجلسك وموضع حكمك * (إذ همت) * بدل من * (إذ غدوت) * أو تعلق بقوله: * (والله سميع عليم) *، * (طائفتان) * أي: حيان من الأنصار: # بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس وهما الجناحان، خرج # PageV01P322 # رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ألف والمشركون في ثلاثة آلاف، ووعدهم الفتح إن صبروا، فانخزل (1) عبد الله بن أبي بثلث من الناس، وقال: يا قوم علام نقتل أنفسنا وأولادنا، فتبعهم عمرو بن حزم الأنصاري (2) فقال: أنشدكم الله في نبيكم وأنفسكم، فقال عبد الله: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، فهم الحيان باتباع عبد الله فعصمهم الله فمضوا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) (3). والظاهر أنها كانت همة وحديث نفس، ولو كانت عزيمة لما ثبتت معها الولاية والله تعالى يقول: * (والله وليهما) * أي: # ناصرهما ومتولي أمرهما، والفشل: الجبن والخور * (وعلى الله فليتوكل المؤمنون) * أمرهم سبحانه بأن لا يتوكلوا إلا عليه، ولا يفوضوا أمورهم إلا إليه. # * (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون (123) إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين (124) بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين (125) وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم) * (126) * (ولقد نصركم الله ببدر) * بما أمدكم به من الملائكة، وبتقوية قلوبكم وإلقاء الرعب (4) في قلوب أعدائكم * (وأنتم) * في حال قلة وذلة، والأذلة: جمع القلة # PageV01P323 # للذليل والذلال: جمع الكثرة، وإنما جئ بلفظ القلة ليدل على أنهم على ذلتهم سورة آل عمران / 124 - 126 كانوا قليلا، وذلتهم: ضعف حالهم وقلة سلاحهم ومالهم (1)، وذلك أنهم خرجوا على النواضح يعتقب النفر منهم على البعير الواحد وما كان معهم إلا فرسان: فرس للمقداد بن عمرو (2) وفرس لمرثد بن أبي مرثد (3)، وقلتهم أنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا: سبعة وسبعون من المهاجرين ومائتان وستة وثلاثون من الأنصار، وكان صاحب راية رسول الله (صلى الله ms0174 عليه وآله) والمهاجرين علي بن أبي طالب (عليه السلام) وصاحب راية الأنصار سعد بن عبادة (4)، وكان معهم من السلاح ستة أدرع وثمانية أسياف ومن الإبل سبعون بعيرا، وكان عدد المشركين نحوا من ألف مقاتل ومعهم مائة فرس، وبدر: اسم ماء بين مكة والمدينة كان لرجل يسمى بدرا فسمي به * (فاتقوا الله) * في الثبات مع رسوله * (لعلكم تشكرون) * ما أنعم به عليكم من # PageV01P324 # نصرته * (إذ تقول) * ظرف ل‍ * (نصركم) * على أن يكون قال لهم ذلك يوم بدر، والخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله)، أو بدل ثان من * (إذ غدوت) * (1) على أن يكون قال لهم ذلك يوم أحد مع اشتراط الصبر والتقوى عليهم فلم يصبروا عن الغنائم ولم يتقوا حيث خالفوا أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلم تنزل الملائكة، ومعنى: * (ألن يكفيكم) * إنكار أن لا يكفيهم الإمداد * (بثلاثة آلاف من الملائكة) *، و * (بلى) * إيجاب لما بعد " لن " يعني: بلى يكفيكم الإمداد بهم، ثم قال: * (إن تصبروا وتتقوا... يمددكم) * بأكثر من ذلك العدد * (مسومين) * للقتال * (ويأتوكم من فورهم هذا) * يعني: المشركين، من قولك: قفل فلان من غزوته وخرج من فوره إلى غزوة أخرى، ومنه قولنا في أصول الفقه: الأمر على الفور دون التراخي، وهو مصدر من فارت القدر: إذا غلت، فاستعير للسرعة، والمعنى: إن يأتوكم من ساعتهم هذه * (يمددكم ربكم) * بالملائكة في حال إتيانهم لا يتأخر نزولهم عن إتيانهم، يريد أن الله يعجل نصرتكم إن صبرتم، وقرئ: " منزلين " و " منزلين " مخففا ومشددا (2)، و " مسومين " (3) و " مسومين " بمعنى: معلمين ومعلمين أنفسهم أو خيلهم * (وما جعله الله) * الهاء ل‍ * (أن يمدكم) * أي: وما جعل الله إمدادكم بالملائكة * (إلا) * بشارة * (لكم) * بأنكم تنصرون * (ولتطمئن) * به * (قلوبكم) * كما كانت السكينة لبني إسرائيل بشارة # PageV01P325 # بالنصر وطمأنينة لقلوبهم * (وما النصر) * بإمداد الملائكة * (إلا من عند الله العزيز) * الذي لا يغالب في حكمه * (الحكيم) * الذي يعطي النصر ويمنعه بحسب ما يراه من المصلحة. # * (ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين (127) ليس لك من الامر شئ أو ms0175 يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون (128) ولله ما في السماوات وما في الأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم) * (129) سورة آل عمران / 129 - 132 المعنى: ليهلك طائفة * (من الذين كفروا) * بالقتل والأسر، وهو ما كان يوم بدر قتل منهم سبعون وأسر سبعون وأكثرهم رؤساء قريش وصناديدهم * (أو يكبتهم) * أو يخزيهم بالخيبة مما أملوا من الظفر بكم ويغيظهم بالهزيمة * (فينقلبوا خائبين) * غير ظافرين، ونحوه * (ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا) * (1)، ويقال: # كبته، أي (2) كبده يعني: ضرب كبده بالغيظ والحرقة، واللام متعلقة بقوله: * (ولقد نصركم الله) * (3) أو بقوله: * (وما النصر إلا من عند الله) *، وقوله: * (أو يتوب) * عطف على ما قبله، و * (ليس لك من الامر شئ) * اعتراض، والمعنى: أن الله مالك أمرهم: فإما أن يهلكهم أو يهزمهم أو يتوب عليهم إن أسلموا * (أو يعذبهم) * إن أصروا على الكفر، وليس لك من أمرهم شئ وإنما أنت نبي مبعوث لإنذارهم، وقيل: * (أو يتوب) * نصب بإضمار " أن " و " أن يتوب " في حكم اسم معطوف ب‍ " أو " على الأمر أو على " شئ " أي: ليس لك من أمرهم شئ أو من التوبة عليهم # PageV01P326 # أو من تعذيبهم أوليس لك من أمرهم شئ أو التوبة عليهم أو تعذيبهم (1)، وقيل: # " أو " بمعنى " إلا أن " على معنى ليس لك من أمرهم شئ إلا أن يتوب الله عليهم فتفرح بحالهم أو يعذبهم فتتشفى منهم (2) * (يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء) * إنما أبهم الأمر في التعذيب والمغفرة ليقف المكلف بين الخوف والرجاء فلا يأمن من عذاب الله ولا ييأس من روح الله ورحمته. # * (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا أضعافا مضعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون (130) واتقوا النار التي أعدت للكافرين (131) وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون) * (132) هذا نهي عن أكل * (الربوا) * مع توبيخ لهم بما كانوا عليه من تضعيفه، كان الرجل منهم إذا بلغ الدين محله زاد في الأجل، فربما يستغرق بالشئ اليسير مال المديون * (واتقوا النار التي أعدت) * أي: هيئت واتخذت * (للكافرين) * والوجه في تخصيص الكافرين ms0176 بإعداد النار لهم أنهم معظم أهل النار، كان أبو حنيفة يقول: هي أخوف آية في القرآن أوعد الله المؤمنين بالنار المعدة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه (3). وقد أيد (4) ذلك بما أتبعه من تعليق الرجاء منهم لرحمته بأن يتوفروا على طاعته وطاعة رسوله. # * (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين (133) الذين ينفقون في السراء والضراء والكظمين # PageV01P327 # الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين) * (134) قرأ أهل المدينة والشام: " سارعوا " بغير واو (1)، ومعنى المسارعة إلى المغفرة والجنة: الإقبال على ما يستحق به الثواب من فعل الطاعات وأداء الفرائض، و * (عرضها السماوات والأرض) * أي: عرضها كعرض السماوات والأرض، والمراد وصفها بالسعة فشبهت بأوسع ما علمه الناس من خلق الله، وخص العرض لأنه في العادة أدنى من الطول للمبالغة كقوله: * (بطائنها من إستبرق) * (2)، وفي قوله: * (أعدت للمتقين) * دلالة على أن الجنة مخلوقة اليوم لأنها لا تكون معدة إلا وهي مخلوقة * (الذين ينفقون في السراء والضراء) * صفة للمتقين، ومعناه: # أنهم ينفقون في حال الرخاء واليسر وفي حال الضيق والعسر ما قدروا عليه من كثير أو قليل لا يمنعهم حال نعمة ولا حال محنة من المعروف، وكظم الغيظ: أن يمسك على ما في نفسه منه بالصبر ولا يظهره، من كظم القربة: إذا ملأها وشد فاها، وكظم البعير: إذا لم يجتر، وفي الحديث: " من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا " (3). # سورة آل عمران / 135 - 137 * (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون (135) أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنت تجرى من تحتها الأنهر خلدين فيها ونعم أجر العملين) * (136) # PageV01P328 # * (والذين) * عطف على " المتقين " وقوله: * (أولئك) * إشارة إلى الفريقين، ويجوز أن يكون * (والذين) * مبتدأ وخبره * (أولئك) * (1)، * (فاحشة) * فعلة متزايدة القبح * (أو ظلموا أنفسهم) * بمقارفة الذنوب * (ذكروا الله) * أي: ذكروا نهي الله ووعيده أو عقابه * (ف‍) * انزجروا عن المعصية و * (استغفروا لذنوبهم) * بأن قالوا: اللهم ms0177 اغفر لنا ذنوبنا * (ومن يغفر الذنوب إلا الله) * وصف لذاته بسعة الرحمة، وهي جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، منبهة على لطيف فضله وجليل عفوه وكرمه، باعثة على التوبة وطلب المغفرة * (ولم يصروا على ما فعلوا) * أي: على أفعالهم القبيحة، وفي الحديث: " ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة " (2) * (وهم يعلمون) * حال من فعل الإصرار، والمعنى: وليسوا ممن يصرون على الذنوب وهم عالمون بالنهي عنها والوعيد عليها، وفي هذا بيان أن المؤمنين ثلاث طبقات: متقون وتائبون ومصرون، وأن للمتقين والتائبين منهم الجنة والمغفرة * (ونعم أجر العملين) * المخصوص بالمدح محذوف، تقديره: # ونعم أجر العاملين ذلك، أي: المغفرة والجنات (3). # * (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عقبة المكذبين (137) هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين (138) ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين) * (139) أي: * (قد) * مضت * (من قبلكم سنن) * يريد ما سنه الله تعالى في الأمم الخالية # PageV01P329 # المكذبة رسلها من الاستئصال بالعذاب وتبقية الآثار في الديار للاتعاظ والانزجار والاعتبار * (فسيروا في الأرض) * فتعرفوا أخبار المكذبين، وانظروا إلى ما نزل بهم لتنتهوا عن مثل ما فعلوه * (هذا بيان للناس) * أي: إيضاح لسوء * (عقبة) * من كذب، وحث على النظر في آثار هلاكهم * (وهدى) * زيادة تثبيت * (وموعظة للمتقين) * للذين اتقوا من المؤمنين، وقوله: * (ولا تهنوا ولا تحزنوا) * تسلية من الله لرسوله وللمؤمنين عما أصابهم يوم أحد، والمعنى: ولا تضعفوا عن الجهاد لما أصابكم ولا تبالوا بذلك ولا تحزنوا على من قتل منكم (1) * (وأنتم الأعلون) * أي: وحالكم أنكم أعلى منهم وأغلب، لأنكم أصبتم منهم يوم بدر أكثر مما أصابوا منكم يوم أحد، أو يكون هذا بشارة لهم بالعلو والغلبة في العاقبة كقوله: * (وإن جندنا لهم الغالبون) * (2)، * (إن كنتم مؤمنين) * أي: ولا تهنوا إن صح إيمانكم، لأن صحة الإيمان توجب الثقة بالله وقلة المبالاة بأعداء الله، ويجوز أن يريد: * (وأنتم الأعلون إن كنتم) * مصدقين بما يعدكم الله به من الغلبة. # سورة آل عمران / 140 * (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم ms0178 قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين (140) وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين) * (141) قرئ: * (قرح) * بفتح القاف وضمها (3) وهما لغتان، وقيل: بالفتح: الجراحة # PageV01P330 # وبالضم: ألمها (1)، يعني: إن تصبكم جراحة وألم يوم أحد فلقد أصاب القوم ذلك يوم بدر، ثم لم يضعف ذلك قلوبهم ولم يثبطهم عن معاودتكم (2) بالقتال، وقيل: # معناه: إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم في هذا اليوم قبل أن تخالفوا أمر رسول الله (3) * (وتلك الأيام) * " تلك " مبتدأ و " الأيام " صفته و * (نداولها) * خبره، ويجوز أن يكون * (تلك الأيام) * مبتدأ وخبرا، والمراد بالأيام: أوقات الظفر والغلبة * (نداولها) * أي: نصرفها * (بين الناس) * نديل تارة لهؤلاء وتارة لهؤلاء، كما قيل في المثل: الحرب سجال (4)، * (وليعلم الله الذين آمنوا) * يجوز أن يكون المعلل محذوفا، والمعنى: وليتميز (5) الثابتون منكم على الإيمان من غيرهم فعلنا ذلك، وهو من باب التمثيل (6)، أي: فعلنا ذلك فعل من يريد أن يعلم من الثابت على الإيمان منكم ومن غير الثابت وإلا فإنه سبحانه لم يزل عالما بما يكون قبل كونه، وقيل: معناه: وليعلمهم علما يتعلق به الجزاء وهو أن يعلمهم موجودا منهم الثبات (7)، ويجوز أن تكون العلة محذوفة، وهذا عطف عليه بمعنى: وفعلنا ذلك ليكون كيت وكيت وليعلم الله، وإنما حذف ليؤذن بأن المصلحة فيما فعل ليست بواحدة * (ويتخذ منكم شهداء) * أي: وليكرم ناسا منكم بالشهادة، يريد بذلك شهداء أحد، أو ويتخذ منكم من يصلح للشهادة على الأمم يوم القيامة من قوله: # PageV01P331 # * (لتكونوا شهداء على الناس) * (1)، * (والله لا يحب الظالمين) * اعتراض بين بعض التعليل وبعض، أي: والله لا يحب من ليس من هؤلاء الثابتين على الإيمان المجاهدين في سبيل الله الممحصين من الذنوب، والتمحيص: التطهير * (ويمحق الكافرين) * أي: يهلكهم، يعني: إن كانت الدولة على المؤمنين فللتمييز والتمحيص وغير ذلك مما هو صلاح لهم، وإن كانت الدولة على الكافرين فلمحقهم أي: إهلاكهم ومحو آثارهم. # * (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جهدوا منكم ويعلم ms0179 الصبرين (142) ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون) * (143) سورة آل عمران / 143 و 144 * (أم) * منقطعة، والتقدير: بل " أحسبتم " ومعنى الهمزة فيها الإنكار (2) * (ولما يعلم الله) * بمعنى: ولما يجاهدوا، لأن العلم يتعلق بالمعلوم فنزل نفي العلم منزلة نفي متعلقه لأنه ينتفي بانتفائه، تقول: ما علم الله في فلان خيرا، تريد ما فيه خير حتى يعلمه الله، و * (لما) * بمعنى: " لم " إلا أن فيه ضربا من التوقع، فدل على نفي الجهاد فيما مضى وعلى توقعه فيما يستقبل * (ويعلم الصبرين) * منصوب بإضمار " أن " والواو بمعنى الجمع كقولك: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، والمعنى: أظننتم أنكم تدخلون الجنة ولما يقع العلم بجهاد المجاهدين منكم والعلم بصبر الصابرين (3) * (ولقد كنتم تمنون الموت) * خطاب للذين لم يشهدوا بدرا وكانوا يتمنون أن يشهدوا غزاة مع رسول الله ليفوزوا بالشهادة، وهم الذين ألحوا على # PageV01P332 # رسول الله في الخروج إلى المشركين وكان رأيه (صلى الله عليه وآله) في الإقامة بالمدينة، أي: # * (ولقد كنتم تمنون الموت) * قبل أن تعرفوا شدته وتشاهدوه * (فقد رأيتموه) * مشاهدين له حين قتل منكم من قتل وشارفتم أن تقتلوا، ويجوز تمني الشهادة، لأن المراد منه نيل كرامة الشهداء لاغير. # * (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقبكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزى الله الشاكرين) * (144) رمى عبد الله بن قمئة الحارثي عليه اللعنة يوم أحد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بحجر فكسر رباعيته وشج وجهه وأقبل يريد قتله، فذب عنه مصعب بن عمير (1) وهو صاحب الراية، فقتله ابن قمئة وهو يرى أنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: قد قتلت محمدا، وفشا في القوم (2): أن محمدا قد قتل فانهزموا، وجعل رسول الله يقول: إلي عباد الله، حتى انحازت إليه طائفة من أصحابه فلامهم على الفرار، فقالوا: # يا رسول الله أتانا الخبر بأنك قتلت فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين، فنزلت الآية (3). # وروي أنه قال بعضهم: ليت عبد الله بن ms0180 أبي يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان، وقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك (4): إن كان محمد قتل فإن رب محمد حي # PageV01P333 # لا يموت، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه رسول الله وموتوا على ما مات عليه، ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء - يعني المسلمين - وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - يعني المنافقين - ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل (1). # والمعنى: * (وما محمد إلا رسول قد) * مضت * (من قبله الرسل) * بعثوا فأدوا الرسالة وماتوا وقتل بعضهم، وأنه سيمضي كما مضوا، وأتباع كل رسول بقوا متمسكين بدينه بعد مضيه * (أفإن مات) * محمد * (أو قتل انقلبتم على أعقبكم) * المعنى: أفإن أماته الله أو قتله الكفار ارتددتم كفارا بعد إيمانكم؟ فالفاء لتعليق الجملة الشرطية بالجملة قبلها، والهمزة للإنكار * (ومن ينقلب على عقبيه) * أي: # ومن يرتدد عن دينه * (فلن يضر الله شيئا) * ولم يضر إلا نفسه * (وسيجزى الله الشاكرين) * الذين لم ينقلبوا كأنس بن النضر وأضرابه، وسماهم شاكرين لأنهم شكروا نعمة الإسلام فيما فعلوا. # * (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتبا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين) * (145) سورة آل عمران / 145 و 146 * (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله) * يعني: أن موت النفوس محال أن # PageV01P334 # يكون إلا بمشية الله، فأخرجه مخرج فعل لا ينبغي لأحد أن يقدم عليه إلا أن يأذن (1) الله له فيه تمثيلا، وفيه تحريص على الجهاد، وإخبار بأنه لا يقدم أجلا لم يحضر وتركه لا يؤخر أجلا قد حضر * (كتبا) * مصدر مؤكد، لأن المعنى: كتب الموت كتابا * (مؤجلا) * أي: موقتا له أجل معلوم لا يتقدم ولا يتأخر * (ومن يرد) * بجهاده * (ثواب الدنيا) * يعني: الغنيمة * (نؤته منها) * من ثوابها * (ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها) * من ثوابها * (وسنجزي الشاكرين) * الذين لم يشغلهم شئ عن الجهاد. # * (وكأين من نبي قتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا ms0181 وما استكانوا والله يحب الصبرين (146) وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (147) فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين) * (148) قرئ: " قتل " (2) و * (قتل) * والفاعل * (ربيون) * أو الضمير المستكن فيه العائد إلى * (نبي) *، و * (معه ربيون) * حال منه (3)، بمعنى: قتل كائنا معه ربيون، والربيون: # الربانيون * (فما وهنوا) * عند قتل النبي * (وما ضعفوا) * عن الجهاد بعده * (وما استكانوا) * للعدو، وهذا تعريض بالوهن الذي أصابهم عند الإرجاف بقتل رسول الله وبضعفهم (4) عن (5) ذلك واستكانتهم للمشركين حين أرادوا أن # PageV01P335 # يعتضدوا بالمنافق عبد الله بن أبي في طلب الأمان من أبي سفيان * (وما كان قولهم إلا) * هذا القول وهو إضافة الذنوب والإسراف إلى أنفسهم مع كونهم ربانيين كسرا لنفوسهم واستصغارا (1) لها، والدعاء بالاستغفار منها قبل طلبهم تثبيت الأقدام في مواطن الحرب والنصرة على العدو ليكون طلبهم أقرب إلى الإجابة * (فآتاهم الله ثواب الدنيا) * من النصرة والغنيمة والعزة، وخص * (ثواب الآخرة) * بالحسن دلالة على فضيلته. # * (يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقبكم فتنقلبوا خاسرين (149) بل الله مولاكم وهو خير النصرين) * (150) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (2) قال: " نزلت في قول المنافقين للمسلمين عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم " (3)، والمعنى: * (إن تطيعوا) * الكافرين وأصغيتم إلى قولهم: لو كان محمد نبيا لما غلب، أو استأمنتم أبا سفيان وأصحابه واستكنتم لهم * (يردوكم على أعقبكم) * أي: يرجعوكم كفارا كما كنتم فترجعوا * (خاسرين) * قد تبدلتم الكفر بالإيمان والنار بالجنة * (بل الله مولاكم) * أي: ناصركم وهو أولى بأن تطيعوه، ولا تحتاجون معه إلى نصرة أحد وولايته. # سورة آل عمران / 151 و 152 * (سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطنا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين (151) ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الامر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد # PageV01P336 # الآخرة ثم صرفكم عنهم ms0182 ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين) * (152) قذف الله * (في قلوب) * المشركين الخوف يوم أحد فانهزموا إلى مكة بعد أن كان لهم القوة والغلبة، ولما كانوا ببعض الطريق تلاوموا وقالوا: (1) لا محمدا قتلنا ولا الكواعب أردفنا، قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد تركناهم، ارجعوا فاستأصلوهم، فلما عزموا على ذلك ألقى الله في قلوبهم * (الرعب) * فأمسكوا * (بما أشركوا) * أي: بسبب إشراكهم، والمعنى: كان السبب في إلقاء الله الرعب في قلوبهم إشراكهم * (بالله) * آلهة لم ينزل الله بإشراكها حجة، وما عنى الله سبحانه أن هناك حجة لم ينزل عليهم وإنما أراد نفي الحجة ونزولها جميعا، كقول الشاعر: # ولا ترى الضب بها ينجحر (2) * (ولقد صدقكم الله وعده) * هو أنه سبحانه وعدهم النصر بشرط الصبر والتقوى في قوله: * (إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم) * (3)، وقد وفى لهم بما وعدهم، وذلك أن رسول الله أقام الرماة عند الجبل جبل أحد حين جعل الجبل خلف ظهره واستقبل المدينة، وأمرهم أن يثبتوا في مكانهم ولا يبرحوا كانت الدولة للمسلمين أو عليهم، فلما أقبل المشركون جعل الرماة يرشقون خيلهم وغيرهم يضربونهم بالسيوف حتى انهزموا، وذلك قوله تعالى: * (إذ تحسونهم # PageV01P337 # بإذنه) * أي: تقتلونهم قتلا ذريعا * (حتى إذا فشلتم) * والفشل: الجبن وضعف الرأي * (وتنازعتم في الامر) * وذلك قولهم: قد انهزم المشركون فما وقوفنا هنا؟ وقال بعضهم: لا نخالف أمر رسول الله، فثبت مكانه عبد الله بن جبير وهو أمير الرماة في نفر دون العشرة وهم المعنيون بقوله: * (ومنكم من يريد الآخرة) * ونفر الباقون ينهبون وهم الذين أرادوا الدنيا، فكر المشركون على الرماة وقتلوا عبد الله بن جبير وأقبلوا على المسلمين حتى هزموهم وقتلوا من قتلوا (1)، وهو قوله: * (ثم صرفكم عنهم ليبتليكم) * أي: ليمتحن صبركم وثباتكم على الشدائد * (ولقد عفا عنكم) * بعد أن خالفتم أمر رسول الله * (والله ذو فضل على المؤمنين) * يتفضل عليهم بالعفو، ومتعلق قوله: * (حتى إذا فشلتم) * محذوف تقديره: حتى إذا فشلتم منعكم نصره. # * (إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم ms0183 في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون (153) ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجهلية يقولون هل لنا من الامر من شئ قل إن الامر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الامر شئ ما قتلنا ههنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور) * (154) سورة آل عمران / 153 و 154 الإصعاد: الذهاب في الأرض والإبعاد فيه، تقول: صعد في الجبل وأصعد في # PageV01P338 # الأرض، والمعنى: ولقد عفا عنكم وقت إصعادكم أي: ذهابكم في وادي أحد للانهزام * (ولا تلوون على أحد) * أي: لا تلتفتون إلى من خلفتم (1) في الحرب، لا يقف أحد منكم على أحد * (والرسول يدعوكم) * يقول: إلي عباد الله أنا رسول الله من يكر فله الجنة * (في أخراكم) * أي: في ساقتكم وجماعتكم الأخرى أي: # المتأخرة، تقول: جئت في آخر الناس وأخراهم كما تقول: في أولهم وأولاهم بتأويل مقدمتهم وجماعتهم الأولى * (فأثابكم) * عطف على * (صرفكم) * أي: # فجازاكم الله * (غما) * حين صرفكم عنه وابتلاكم * (ب‍) * سبب * (غم) * أذقتموه رسول الله بعصيانكم إياه، أو * (غما) * متصلا * (بغم) * بما أرجف به من قتل رسول الله وبالجرح والقتل وظفر المشركين وفوت الغنيمة * (لكيلا تحزنوا على ما فاتكم) * من الغنيمة * (ولا) * تحزنوا أيضا على * (ما أصابكم) * من الشدائد في سبيل الله * (والله خبير) * أي: عليم بأعمالكم. # ثم ذكر سبحانه ما أنعم عليهم بعد ذلك فقال: * (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم) * هم أهل الصدق واليقين، وذلك أنه تعالى أنزل الأمن على المؤمنين وأزال عنهم الخوف الذي كان بهم حتى نعسوا وغلبهم النوم، وروي عن أبي طلحة أنه قال: غشينا النعاس ونحن في مصافنا، فكان السيف يسقط من يد أحدنا فيأخذه ثم يسقط فيأخذه، ms0184 وما أحد إلا ويميل تحت حجفته (2) (3)، وقوله تعالى: * (نعاسا) * بدل من * (أمنة) *، ويجوز أن يكون هو المفعول و * (أمنة) * حال منه مقدمة عليه كما تقول: رأيت راكبا رجلا (4)، وقرئ: # PageV01P339 # * (يغشى) * بالياء والتاء (1) ردا على النعاس أو الأمنة * (وطائفة قد أهمتهم أنفسهم) * وهم المنافقون مالهم إلا هم أنفسهم لأهم الدين ولاهم الرسول والمسلمين * (يظنون بالله غير) * الظن * (الحق) * الذي يجب أن يظن به، فقوله: # * (غير الحق) * في حكم المصدر و * (ظن الجهلية) * بدل منه، ويجوز أن يكون المعنى: يظنون بالله ظن الجاهلية، و * (غير الحق) * تأكيد ل‍ * (يظنون) * كما تقول: # هذا القول غير ما تقول * (يقولون) * لرسول الله يسألونه * (هل لنا من الامر من سورة آل عمران / 155 شئ) * معناه: هل لنا من أمر الله نصيب قط؟ يعنون: النصر والظفر * (قل إن الامر كله لله) * ولأوليائه المؤمنين وهو النصرة والغلبة * (يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك) * معناه: يخفون الشك والنفاق وما لا يستطيعون إظهاره لك * (يقولون لو كان لنا من الامر) * أي: من الظفر الذي وعدنا به * (شئ ما قتلنا) * أي: ما قتل أصحابنا * (ههنا) * في هذه المعركة * (قل لو كنتم في بيوتكم) * أي: من علم الله منه أنه يقتل ويصرع في هذا المصرع وكتب ذلك في اللوح (2) لم يكن بد من وجوده، فلو قعدتم في بيوتكم * (لبرز) * من بينكم * (الذين) * علم الله أنهم يقتلون * (إلى مضاجعهم) * وهي مصارعهم ليكون ما علم الله أنه يكون * (وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم) * من وساوس الشيطان فعل ذلك، أو فعل ذلك لمصالح كثيرة وللابتلاء والتمحيص، واللام في * (ليبتلى الله) * متعلقة ب‍ " فعل ذلك " دل عليه الكلام تقديره: وليبتلي الله ما في صدوركم فرض عليكم القتال * (وليمحص) * عطف على * (وليبتلي الله) *. # PageV01P340 # * (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم (155) يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو ms0185 كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحى ى ويميت والله بما تعملون بصير) * (156) * (استزلهم الشيطان) * أي: طلب زلتهم ودعاهم إلى الزلل * (ببعض ما كسبوا) * من ذنوبهم، والمعنى: * (إن الذين) * انهزموا * (يوم) * أحد كان السبب في انهزامهم أنهم كانوا أطاعوا * (الشيطان) * فاقترفوا ذنوبا فلذلك منعتهم التأييد والتوفيق في تقوية القلوب حتى تولوا، وقال الحسن: استزلهم بقبول ما زين لهم من الهزيمة (1)، وقوله: * (ببعض ما كسبوا) * مثل قوله: * (ويعفوا عن كثير) * (2). # وذكر البلخي: أنه لم يبق يوم أحد مع النبي (صلى الله عليه وآله) إلا ثلاثة عشر نفسا: خمسة من المهاجرين وثمانية من الأنصار، وقد اختلف في الخمسة إلا في علي (عليه السلام) وطلحة (3) (4). # قال الصادق (عليه السلام): " نظر رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى جبرئيل بين السماء والأرض على كرسي من ذهب وهو يقول: ألا لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي " (5). # PageV01P341 # ويروى: أن عليا (عليه السلام) كان يقاتلهم ذلك اليوم حتى أصابه في وجهه ورأسه ويديه وبطنه ورجليه سبعون جراحة، فقال جبرئيل: إن هذه لهي المواساة يا محمد، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): وما يمنعه من هذا فإنه مني وأنا منه، قال جبرئيل: وأنا منكما (1). # * (وقالوا لإخوانهم) * أي: لأجل إخوانهم * (إذا ضربوا في الأرض) * أي: # سافروا فيها وأبعدوا للتجارة أو غيرها * (أو كانوا غزى) * جمع غاز، وقوله: * (إذا ضربوا) * حكاية حال ماضية، ومعناه: حين يضربون في الأرض، وقوله: # * (ليجعل) * يتعلق ب‍ * (قالوا) * أي: قالوا * (ذلك) * واعتقدوه ليكون * (حسرة في قلوبهم) *، وتكون اللام للعاقبة كما في قوله: * (ليكون لهم عدوا وحزنا) * (2)، ويجوز أن يكون المعنى: لا تكونوا مثلهم في النطق بذلك القول واعتقاده ليجعله الله * (حسرة في قلوبهم) * خاصة ويصون منها قلوبكم، وإنما أسند الفعل إلى الله تعالى لأنه سبحانه عند ذلك الاعتقاد الفاسد يضع الحسرة في قلوبهم ويضيق صدورهم، وهو كقوله: * (يجعل صدره ضيقا حرجا) * (3)، * (والله يحى ى ويميت) * رد لقولهم، أي: الأمر بيده فقد يحيي المسافر والغازي ms0186 ويميت القاعد والمقيم * (والله بما تعملون بصير) * فلا تكونوا مثلهم. # سورة آل عمران / 157 - 159 * (ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون (157) ولئن متم أو قتلتم لالى الله تحشرون (158) فبما رحمة # PageV01P342 # من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين (159) إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون) * (160) قوله: * (لمغفرة) * جواب لقسم وقد سد مسد جواب الشرط (1)، وكذا قوله: # * (لالى الله تحشرون) * كذب سبحانه فيما قبل الكفار في زعمهم أن من ضرب في الأرض أو غزا لو كان عندهم في المصر لم يمت، ونهى المسلمين عن ذلك الاعتقاد لأنه سبب التخلف عن الجهاد، ثم قال: ولو كان الأمر كما تزعمون وتم عليكم ما تخافون من الهلاك بالموت أو القتل في سبيل الله، فإن ما تنالونه من المغفرة والرحمة بالموت في سبيل الله خير مما تجمعونه من منافع الدنيا لو لم تموتوا، أو مما يجمعه الكفار فيمن قرأ بالياء، ثم قال: * (ولئن متم أو قتلتم لإلى الله) * الرحيم * (تحشرون) * وقرئ: * (متم) * بضم الميم وكسرها (2) من مات يموت، ومات يمات * (فبما رحمة من الله) *: " ما " مزيدة للتوكيد والدلالة على أن لينه لهم ما كان إلا برحمة من الله * (ولو كنت فظا) * أي: جافيا سيئ الخلق غليظ القلب قاسية * (لانفضوا من حولك) * لتفرقوا عنك، لا يبقى حولك أحد منهم * (فاعف عنهم) * ما بينك وبينهم * (واستغفر لهم) * ما بينهم وبيني إتماما للشفقة عليهم * (وشاورهم في الامر) * يعني: في أمر الحرب ونحوه مما لم ينزل عليك فيه وحي، لتطيب نفوسهم أو لتستظهر برأيهم، قال الحسن: أراد أن يستن به من بعده # PageV01P343 # وقد علم الله أنه لم يكن يحتاج إليهم (1). # وفي الحديث: " ما تشاور قوم قط إلا هدوا لأرشد أمرهم " (2). # * (فإذا عزمت) * أي: فإذا قطعت الرأي على شئ بعد الشورى ms0187 * (فتوكل على الله) * في إمضاء أمرك على الأرشد الأصلح فإن ذلك لا يعلمه إلا الله. # وروي عن جعفر الصادق (عليه السلام): " فإذا عزمت - بالضم - بمعنى: فإذا عزمت لك على شئ وأرشدتك إليه فتوكل علي ولا تشاور بعد ذلك أحدا " (3). # * (إن ينصركم الله) * كما نصركم يوم بدر فلا أحد يغلبكم * (وإن يخذلكم) * ويمنعكم معونته، ويخل بينكم وبين أعدائكم بمعصيتكم إياه * (فمن ذا الذي ينصركم من بعده) * أي: من بعد خذلانه (4) * (وعلى الله فليتوكل المؤمنون) * هذا تنبيه على وجوب التوكل على الله سبحانه. # * (وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيمة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون (161) أفمن اتبع رضوا ن الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير (162) هم درجت عند الله والله بصير بما يعملون) * (163) سورة آل عمران / 161 - 164 غل شيئا من المغنم غلولا وأغل: إذا أخذه في خفية، وفي الحديث: " لا إغلال ولا إسلال " (5)، ويقال: أغله أي: وجده غلا (6)، * (و) * المعنى: * (ما) * صح * (لنبي # PageV01P344 # أن يغل) * فإن النبوة تنافي الغلول، ومن قرأ: " يغل " (1) فالمعنى: ما صح لنبي أن يوجد غالا، ولا يوجد غالا إلا إذا كان غالا * (ومن يغلل يأت بما غل يوم القيمة) * أي: يأت بالشئ الذي غله بعينه يحمله كما جاء في الحديث: " جاء يوم القيامة يحمله على عنقه " (2)، ويجوز أن يراد: يأت بما يحتمل من إثمه وتبعته * (ثم توفى كل نفس ما كسبت) * جئ بالعام ليدخل تحته كل كاسب من غال وغيره * (وهم لا يظلمون) * أي: يعدل بينهم في الجزاء فكل جزاؤه على قدر كسبه، ثم بين سبحانه أن من اتبع رضاء الله في ترك الغلول ليس * (كمن باء بسخط من الله) * في فعل الغلول، ثم قال: * (هم درجت عند الله) * أي: ذوو درجات عند الله، والمراد: تفاوت مراتب أهل الثواب ومراتب أهل العقاب، أو تفاوت ما بين الثواب و العقاب * (والله بصير بما يعملون) * أي: عالم بأعمالهم ودرجاتها فيجازيهم على حسبها. # * (لقد من الله على ms0188 المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلل مبين (164) أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شئ قدير) * (165) أي: * (من الله على) * من آمن مع رسول الله من قومه، وخص * (المؤمنين) * منهم لأنهم هم المنتفعون بمبعثه * (إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم) * أي: من # PageV01P345 # جنسهم عربيا مثلهم، وقيل: من ولد إسماعيل كما أنهم كانوا من ولده (1)، ووجه المنة عليهم في ذلك أنه إذا كان منهم كان اللسان واحدا فيسهل عليهم أخذ ما يجب عليهم أخذه عنه، وفي كونه من أنفسهم شرف لهم كقوله: * (وإنه لذكر لك ولقومك) * (2)، وروي: أن قراءة فاطمة (عليها السلام) " من أنفسهم " (3) ومعناه: من أشرفهم * (يتلوا عليهم آياته) * بعد أن كانوا أهل جاهلية لم يسمعوا شيئا من الوحي * (ويزكيهم) * أي: ويطهرهم من الدنس وأوضار (4) الكفر * (ويعلمهم) * القرآن والسنة بعد ما كانوا أجهل الناس وأبعدهم من دراسة العلوم * (وإن كانوا من قبل) * بعثة الرسول * (لفى ضلل مبين) *، * (إن) * هي المخففة من المثقلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية وتقديره: وإن الشأن، والحديث كانوا من قبل لفي ضلال سورة آل عمران / 165 - 167 مبين أي: ظاهر، و * (لما) * نصب ب‍ * (قلتم) *، و * (أصابتكم) * في محل الجر بإضافة * (لما) * إليه، وتقديره: أقلتم حين أصابتكم مصيبة يوم أحد من قتل سبعين منكم * (قد أصبتم مثليها) * يوم بدر من قتل سبعين وأسر سبعين: * (أنى هذا) * أي: من أين أصابنا هذا وفينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ونحن مسلمون وهم مشركون؟! و * (أنى هذا) * في موضع نصب لأنه مقول (5)، والهمزة للتقرير والتقريع (6) * (قل هو من عند أنفسكم) * أي: أنتم السبب فيما أصابكم لاختياركم الخروج من المدينة أو # PageV01P346 # لتخليتكم المركز، وعن علي (عليه السلام): " لأخذكم الفداء من أسارى بدر قبل أن يؤذن لكم " (1) * (إن الله على كل شئ قدير) * فهو قادر على أن ينصركم فيما بعده. # * (وما أصابكم يوم ms0189 التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين (166) وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للأيمن يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون) * (167) أي: * (وما أصابكم) * يوم أحد * (يوم التقى الجمعان) * جمعكم وجمع المشركين * (ف‍) * - هو كائن * (بإذن الله) * أي: بتخليته * (وليعلم المؤمنين) * أي: # وليتميز المؤمنون والمنافقون ويظهر إيمان هؤلاء ونفاق هؤلاء، وإنما استعار لفظ الإذن لتخلية الكفار وأنه لم يمنعهم ليبتليهم، لأن الإذن مخل بين المأذون له ومراده * (وقيل لهم) * عطف على * (نافقوا) *، ويجوز أن يكون كلاما مبتدأ، وهم عبد الله بن أبي وأصحابه انخزلوا يوم أحد وقالوا: علام نقتل أنفسنا، وكانوا ثلاثمائة، فقال لهم عبد الله بن عمرو بن حزام الأنصاري: * (تعالوا قتلوا... أو ادفعوا) * عن حريمكم إن لم تقاتلوا * (في سبيل الله) *، * (قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم) * فقال لهم: أبعدكم الله والله يغني عنكم، وقوله: * (هم للكفر يومئذ أقرب منهم للأيمن) * أي: تباعدوا بهذا الفعل والقول عن الإيمان المظنون بهم واقتربوا من الكفر، وقيل: هم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الإيمان، لأن تقليلهم سواد المسلمين تقوية للمشركين (2) * (يقولون بأفواههم) * من كلمة الإيمان وما يقرب إلى الرسول * (ما ليس في قلوبهم) * فإن في قلوبهم الكفر، والمعنى: أن # PageV01P347 # الإيمان موجود في أفواههم معدوم في قلوبهم * (والله أعلم بما يكتمون) * من النفاق. # * (الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين) * (168) محل * (الذين) * يجوز أن يكون نصبا على الذم أو على البدل من * (الذين نافقوا) *، ورفعا على " هم الذين قالوا "، وجرا بدلا من الضمير في * (بأفواههم) * (1)، * (لإخوانهم) * أي: لأجل إخوانهم من جنس المنافقين المقتولين يوم أحد أو إخوانهم في النسب * (وقعدوا) * أي: وقد قعدوا، وهي جملة في موضع الحال * (لو أطاعونا) * إخواننا فيما أمرناهم به من القعود * (ما قتلوا) * كما لم نقتل * (قل فادرءوا عن أنفسكم الموت) * أي: فادفعوا عن أنفسكم الموت * (إن كنتم صادقين) * في ms0190 هذه المقالة، لأنكم إن دفعتم القتل الذي هو أحد أسباب الموت لم تقدروا على دفع سائر أسبابه. وروي: أنه مات يوم قالوا هذه المقالة سبعون منافقا (2). # سورة آل عمران / 169 - 171 * (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون (169) فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولاهم يحزنون (170) يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين) * (171) الخطاب لرسول الله أو لكل أحد، وقرئ: " تحسبن " بفتح السين و " قتلوا " بالتشديد (3) * (في سبيل الله) * أي: في الجهاد ونصرة دين الله * (بل أحياء) * أي: بل # PageV01P348 # هم أحياء * (يرزقون) * مثل ما يرزق سائر الأحياء يأكلون ويشربون * (فرحين بما آتاهم الله من فضله) * وهو التوفيق في الشهادة وما ساقه إليهم من الكرامة ومواد السعادة * (ويستبشرون ب‍) * إخوانهم المجاهدين * (الذين لم يلحقوا بهم) * أي: لم يقتلوا بعد فيلحقوا بهم * (من خلفهم) * يريد الذين من خلفهم قد بقوا بعدهم، وقيل: لم يلحقوا بهم، أي: لم يدركوا فضلهم ومراتبهم ومنزلتهم (1) * (ألا خوف عليهم) * بدل من * (الذين) *، والمعنى: ويستبشرون بما تبين لهم من حال من تركوا خلفهم من المؤمنين، وهو أنهم يبعثون آمنين يوم القيامة، بشرهم الله بذلك فهم مستبشرون به، وكرر * (يستبشرون) * ليتعلق به ما هو بيان لقوله: * (ألا خوف عليهم ولاهم يحزنون) * من ذكر نعمة الله وفضله، وقرئ: * (وأن الله) * بالفتح عطفا على النعمة والفضل، وبالكسر على الابتداء وعلى أن الجملة اعتراض، وهي قراءة الكسائي (2)، ففيه دلالة على أن الثواب مستحق وأن الله لا يبطله، ولذلك أضاف نفي الإضاعة إلى نفسه. # * (الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم (172) الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل (173) فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا # PageV01P349 # رضوا ن الله والله ذو فضل عظيم (174) إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين) ms0191 * (175) * (الذين استجابوا) * مبتدأ وخبره * (للذين أحسنوا) * أو جر صفة للمؤمنين أو نصب على المدح (1) (2). لما انصرف أبو سفيان وأصحابه من أحد فبلغوا الروحاء (3) ندموا وهموا بالرجوع، فبلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأراد أن يريهم من نفسه وأصحابه قوة فندب أصحابه للخروج وقال: لا يخرجن معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس، فخرج مع جماعة حتى بلغ حمراء الأسد (4) وهي على ثمانية أميال من المدينة، فألقى الله الرعب في قلوب المشركين فذهبوا، فنزلت (5). # وأما قوله: * (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم) * فحديثه: أن أبا سفيان لما انصرف من أحد نادى: يا محمد موعدنا موسم بدر القابل إن شئت، فقال (صلى الله عليه وآله): إن شاء الله، فلما كان القابل خرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل سورة آل عمران / 173 و 174 مر (6) الظهران (7) فألقى الله سبحانه الرعب في قلبه فبدا له أن يرجع، فلقي نعيم بن # PageV01P350 # مسعود الأشجعي (1) وقد قدم معتمرا، فقال: يا نعيم إني واعدت محمدا أن نلتقي بموسم بدر وأن هذا عام جدب وقد بدا لي، فالحق بالمدينة وثبطهم ولك عندي عشر من الإبل، فخرج نعيم فوجد المسلمين يتجهزون، فقال لهم: ما هذا بالرأي أتوكم في دياركم فلم يفلت منكم أحد إلا شريد، أفتريدون أن تخرجوا وقد جمعوا لكم عند الموسم فوالله لا يفلت منكم أحد، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): " والذي نفسي بيده لأخرجن وإن لم يخرج معي أحد " فخرج في سبعين راكبا وهم يقولون: # * (حسبنا الله ونعم الوكيل) * حتى وافوا بدرا وأقاموا بها ثماني ليال وكانت معهم تجارات فباعوها وأصابوا خيرا ثم انصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين، فرجع أبو سفيان إلى مكة فسمى أهل مكة جيشه جيش السويق، قالوا: إنما خرجتم لتشربوا السويق (2) (3)، و * (الناس) * الأول: نعيم بن مسعود لأنه من جنس الناس، ولأنه ربما لم يخل من ناس وصلوا جناح كلامه، و * (الناس) * الثاني: أبو سفيان وأصحابه، والضمير المستكن في * (فزادهم) * يرجع إلى المقول الذي هو: * (إن ms0192 الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم) * أو إلى مصدر " قالوا " أو إلى نعيم، ومعنى * (حسبنا الله) *: محسبنا الله، أي: كافينا، يقال: أحسبه الشئ إذا كفاه * (ونعم الوكيل) * أي: # نعم (4) الموكول إليه هو * (فانقلبوا) * أي: فرجعوا من بدر * (بنعمة من الله) * وهو # PageV01P351 # السلامة * (وفضل) * وهو الربح في التجارة * (إنما ذلكم) * المثبط هو * (الشيطان يخوف أولياءه) * بيان لشيطنته، أي: يخوفكم بأوليائه الذين هم أبو سفيان وأصحابه، وقيل: يخوف أولياءه القاعدين عن الخروج مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) (1). # * (ولا يحزنك الذين يسرعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم (176) إن الذين اشتروا الكفر بالأيمن لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم) * (177) خاطب سبحانه الرسول (صلى الله عليه وآله) فقال: * (ولا يحزنك الذين) * يقعون * (في الكفر) * سريعا، يعني: المنافقين الذين تخلفوا * (إنهم) * لا يضرون بمسارعتهم في الكفر غير أنفسهم، ولا يعود (2) وبال الكفر إلا عليهم، ثم بين كيف يعود وبال الكفر عليهم بقوله: * (يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة) * أي: نصيبا من الثواب * (ولهم) * بدل الثواب * (عذاب عظيم) * وفائدة إرادة الله هنا أنها إشعار بأن الداعي إلى تعذيبهم خالص حين سارعوا في الكفر حتى أن أرحم الراحمين يريد أن لا يرحمهم * (إن الذين اشتروا الكفر بالأيمن) * هذا: إما أن يكون تكريرا لذكرهم وإما أن يكون عاما للكفار، والأول خاصا في من نافق من المتخلفين وارتد عن الإسلام و * (شيئا) * نصب على المصدر، لأن المعنى: شيئا من الضرر وبعض الضرر. # سورة آل عمران / 178 و 179 * (ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين) * (178) # PageV01P352 # من قرأ: " تحسبن " بالتاء (1) ف‍ * (الذين كفروا) * نصب، و * (أنما نملي لهم خير لأنفسهم) * بدل منه، أي: ولا تحسبن أن إملاءنا للذين كفروا خير لهم، و " أن " مع " ما " في حيزه ينوب عن المفعولين، ويجوز أن يقدر مضاف محذوف تقديره: # ولا تحسبن الذين كفروا أصحاب أن الإملاء خير ms0193 لأنفسهم أو ولا تحسبن حال الذين كفروا أن الإملاء خير لأنفسهم (2). ومن قرأ بالياء فالذين كفروا رفع، والإملاء لهم أن يتركهم وشأنهم، وقيل: هو إمهالهم وإطالة عمرهم (3) * (إنما نملي لهم ليزدادوا إثما) * " ما " هذه كافة والأولى مصدرية، وهذه جملة مستأنفة تعليل للجملة قبلها وسبب لها، وإنما كان ازدياد الإثم علة للإملاء لما كان في علم الله أنهم يزدادون إثما، فكأن الإملاء وقع بسببه ومن أجله على طريق المجاز * (ولهم عذاب مهين) * يهينهم في نار جهنم. # * (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبى من رسله من يشاء فامنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم) * (179) اللام في * (ليذر) * لتأكيد النفي، والمعنى: لا يدع الله * (المؤمنين) * ولا يتركهم * (على ما أنتم عليه) * من اختلاط المؤمن المخلص بالمنافق * (حتى يميز) * المنافق ويعزله عن المخلص، و * (يميز) * من مزته فانماز، وقرئ: " يميز " (4) من # PageV01P353 # ميزته فتميز، وإنما يميز بين الفريقين بالوحي إلى نبيه وإخباره بأحوالكم * (وما كان الله ليطلعكم على الغيب) * فلا تظنوا إذا أخبركم النبي بنفاق الرجل أنه يطلع على ما في القلوب بنفسه ولكن الله يوحي إليه بأن في الغيب كذا وأن هذا منافق وهذا مخلص فيعلم ذلك من جهة اطلاع الله تعالى إياه، ويجوز أن يكون المراد بالتمييز أنه يكلف التكاليف الشاقة كبذل الأرواح في الجهاد وإنفاق الأموال في سبيل الله، ونحو ذلك مما يظهر به أحوالهم فيعلم بعضكم ما في قلب بعض عن طريق الاستدلال، وما كان الله ليطلع أحدا منكم على الغيب ومضمرات القلوب (1) * (ولكن الله يجتبى من رسله من يشاء) * فيخبره ببعض المغيبات * (فامنوا بالله ورسله) * بأن تقدروه حق قدره، وتعلموا رسله عبادا مصطفين للرسالة لا يعلمون إلا ما علمهم الله ولا يخبرون من الغيوب إلا بما أخبرهم الله به، وقيل: إن المشركين قالوا: إن كان محمد صادقا فليخبرنا من يؤمن منا ومن يكفر، فنزلت الآية (2). # * (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم ms0194 الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيمة ولله ميرا ث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير) * (180) سورة آل عمران / 180 و 181 من قرأ بالتاء (3) قدر مضافا محذوفا، أي: * (ولا) * تحسبن بخل * (الذين # PageV01P354 # يبخلون... هو خيرا لهم) * وكذلك من قرأ بالياء وجعل فاعل * (يحسبن) * ضمير رسول الله أو ضمير أحد، ومن جعل فاعله * (الذين يبخلون) * كان المفعول الأول عنده محذوفا تقديره: * (ولا يحسبن الذين يبخلون) * بخلهم * (هو خيرا لهم) * وإنما حذف لدلالة * (يبخلون) * عليه، و * (هو) * فصل، * (سيطوقون) * تفسير لقوله: * (هو شر لهم) * أي: سيلزمون وبال ما بخلوا به إلزام الطوق، وفي أمثالهم: " تقلدها طوق الحمامة " (1): إذا فعل فعلة يذم بها، وروي: أنها نزلت في مانعي الزكاة (2) * (ولله ميرا ث السماوات والأرض) * أي: له ما فيهما مما يتوارثه أهلهما من مال وغيره، فما لهم يبخلون عليه بملكه، وقرئ: * (بما تعملون) * بالتاء على طريقة الالتفات وهو أبلغ في الوعيد، وبالياء (3) على الظاهر. # * (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق (181) ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد (182) الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين) * (183) قال ذلك اليهود حين سمعوا قول الله تعالى: * (من ذا الذي يقرض الله قرضا # PageV01P355 # حسنا) * (1)، وإنما قالوه: إما اعتقادا وإما استهزاء وعنادا، وأيهما كان فهذه الكلمة لاتصدر إلا عن كفر صراح، ومعنى * (سمع الله) *: أنه لا يخفى عليه، وأعد له كفاءه من العقاب * (سنكتب ما قالوا) * في صحف (2) الحفظة، أو نثبته في علمنا لا ننساه ولا يفوتنا إثباته * (وقتلهم الأنبياء) * عطف على * (ما قالوا) * وفيه: إعلام أنهما في العظم أخوان، وأن هذا ليس بأول ما ركبوه من العظائم، وأن من قتل الأنبياء لم يستبعد منه الاجتراء على مثل هذا القول * (ونقول) ms0195 * لهم * (ذوقوا) * أي: وننتقم منهم بأن نقول لهم يوم القيامة: * (ذوقوا عذاب الحريق) *، * (ذلك) * إشارة إلى ما تقدم من عقابهم * (بما قدمت أيديكم) * بما كنتم عملتموه، وذكر الأيدي لأن أكثر الأعمال تعمل بها، فجعل كل عمل كالواقع بالأيدي على سبيل التغليب، وعطف قوله: * (وأن الله ليس بظلام للعبيد) * على * (بما قدمت أيديكم) * لأن معناه: # أنه عادل عليهم فيعاقبهم على حسب استحقاقهم * (الذين قالوا إن الله عهد إلينا) * أي: أمرنا في التوراة وأوصانا ب‍ * (ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا) * بهذه الآية الخاصة، وهي أن يرينا قربانا فتنزل نار من السماء فتأكله * (قل) * يا محمد لهم: # * (قد جاءكم) * أي: جاء أسلافكم * (رسل من قبلي بالبينات) * أي: بالحجج والدلالات الكثيرة، وجاؤوهم أيضا بهذه التي اقترحتموها * (فلم قتلتموهم) * أراد بذلك زكريا ويحيى وجميع من قتله اليهود من الأنبياء (عليهم السلام). # سورة آل عمران / 184 - 186 * (فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والزبر والكتب المنير (184) كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيمة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة # PageV01P356 # الدنيا إلا متع الغرور) * (185) هذا تسلية للنبي في تكذيب الكفار إياه، أي: لست بأول مكذب، بل * (كذب) * قبلك * (رسل) * أتوا بالمعجزات الباهرة * (والزبر) * جمع زبور وهو كل كتاب فيه حكمة * (والكتب المنير) * هو التوراة والإنجيل * (كل نفس ذائقة الموت) * أي: # ينزل بها الموت لا محالة فكأنها ذاقته * (وإنما توفون أجوركم يوم القيمة) * لا توفون أجوركم عقيب موتكم وإنما توفونها يوم قيامكم عن القبور، والمراد: أن تكميل الأجور وتوفيتها يكون ذلك اليوم * (فمن زحزح عن النار) * أي: نحي عنها وأبعد * (وأدخل الجنة فقد فاز) * أي: فقد حصل له الفوز والظفر المطلق المتناول لكل ما يفاز به، ولا غاية للفوز وراء النجاة من سخط الرب وعذاب النيران ونيل رضاء الله ونعيم الجنان * (وما الحياة الدنيا) * ولذاتها وشهواتها * (إلا متع الغرور) * أي: الخداع الذي لا حقيقة له، وهو المتاع الردي الذي يدلس به على طالبه حتى يشتريه ثم يتبين له رداءته، ms0196 والشيطان هو المدلس الغرور. # * (لتبلون في أموا لكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور) * (186) هذا خطاب للمؤمنين خوطبوا بذلك ليوطنوا نفوسهم على احتمال ما سيلقونه من الأذى والشدائد والصبر عليها ويستعدوا (1) لها، والبلاء في الأموال: الإنفاق في سبيل الخير وما يقع فيها من الآفات، والبلاء في الأنفس: القتل والأسر والجراح وما يرد عليها من أنواع البليات، وما يسمعونه من أذى أهل الكتاب: هو # PageV01P357 # المطاعن في دين الإسلام وتخطئة من آمن * (فإن ذلك) * الصبر والتقوى من معزومات الأمور، أي: مما يجب العزم عليه من الأمور، أو ذلك البلاء من محكم الأمور الذي عزم الله أن يكون، فلابد لكم أن * (تصبروا وتتقوا) *. # * (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون) * (187) الضمير في قوله: * (لتبيننه) * ل‍ * (الكتاب) *، أكد الله سبحانه عليهم إيجاب بيان * (الكتاب) * واجتناب كتمانه كما يؤكد على الرجل إذا أخذ عليه العهد ويقال له: والله لتفعلن * (فنبذوه وراء ظهورهم) * أي: نبذوا الميثاق وتأكيده عليهم ولم يراعوه ولم يلتفتوا إليه، وقوله: * (وراء ظهورهم) * مثل في ترك اعتدادهم به كما يقال في ضده: جعله نصب عينه، وفيه دلالة على أنه واجب على العلماء أن يبينوا الحق للناس ولا يكتموا شيئا منه لغرض فاسد من جر منفعة أو لبخل بالعلم أو تطييب لنفس ظالم أو غير ذلك. # وفي الحديث: " من كتم علما عن أهله ألجم بلجام من نار " (1). # وعن علي (عليه السلام): " ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا " (2). # سورة آل عمران / 188 وقرئ: " ليبيننه " و " لا يكتمونه " بالياء (3) لأنهم غيب، وبالتاء على حكاية # PageV01P358 # مخاطبتهم. # * (لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم) * (188) * (لا تحسبن) * خطاب لرسول الله، و * (الذين يفرحون) * أول المفعولين و * (بمفازة) * المفعول ms0197 الثاني، وقوله: * (فلا تحسبنهم) * تأكيد تقديره: لا تحسبنهم فلا تحسبنهم فائزين، وقرئ: " لا يحسبن " بالياء وفتح الباء (1)، " فلا تحسبنهم " بضم الباء وبالتاء والياء (2) معا، فالتاء على خطاب المؤمنين على أن الفعل ل‍ * (الذين يفرحون) * والمفعول الأول محذوف، أي: لا يحسبنهم الذين يفرحون بمفازة فلا تحسبنهم أيها المؤمنون * (بمفازة من العذاب) * أي: بمنجاة منه، والياء على التوكيد، وقوله: * (بما أتوا) * معناه: بما فعلوا، وقيل: معناه: لا يحسبن اليهود الذين يفرحون بما فعلوا من كتمان نعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) (3) * (ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا) * من اتباع دين إبراهيم، ويجوز أن يكون ذلك عاما لكل من أتى (4) بحسنة فأعجب بها وأحب أن يحمده الناس عليها ويثنوا عليه بما ليس فيه من الزهد والعبادة وغير ذلك. # PageV01P359 # * (ولله ملك السماوات والأرض والله على كل شئ قدير (189) إن في خلق السماوات والأرض واختلف اليل والنهار لآيات لأولي الألباب (190) الذين يذكرون الله قيما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا بطلا سبحانك فقنا عذاب النار (191) ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظلمين من أنصار (192) ربنا إننا سمعنا مناديا ينادى للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار (193) ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيمة إنك لاتخلف الميعاد) * (194) سورة آل عمران / 191 - 193 * (ولله ملك السماوات والأرض) * أي: هو يملك أمر من فيهما وهو يقدر على عقابهم، قوله: * (لآيات) * معناه: لأدلة واضحة على توحيد الله وعظم قدرته وباهر حكمته * (لأولي الألباب) * أي: لذوي العقول * (الذين) * ينظرون إليها نظر استدلال فيجدونها مضمنة بأعراض حادثة لا تنفك عنها، وما لا ينفك عن الحادث حادث، وإذا كانت حادثة فلابد لها من محدث موجد، لأن حدوثها يدل على أن لها محدثا قادرا، ودل ما فيها من البدائع والأمور الجارية على غاية الانتظام على كون محدثها عالما قديما، لأنه لو كان محدثا لاحتاج إلى محدث آخر فيؤدي إلى التسلسل * (الذين يذكرون الله ms0198 قيما وقعودا) * أي: قائمين وقاعدين * (وعلى جنوبهم) * أي: مضطجعين * (ويتفكرون في خلق السماوات والأرض) * في إبداع صنعتهما وما دبر (1) فيهما مما تكل الأفهام عن إدراك بعض بدائعه، وفي الحديث: " لا عبادة كالتفكر " (2)، * (ربنا ما خلقت هذا بطلا) * على إرادة القول، # PageV01P360 # أي: يقولون ذلك، وهو في محل الحال أي: يتفكرون قائلين، والمعنى: ما خلقته خلقا باطلا من غير حكمة بل خلقته لداعي حكمة عظيمة، وهو أن تجعلها مساكن لخلقك وأدلة للمكلفين على معرفتك * (سبحانك) * أي: تنزيها لك عما لا يجوز عليك * (فقنا عذاب النار) * بلطفك وتوفيقك. # وقوله: * (هذا) * إشارة إلى الخلق بمعنى المخلوق، كأنه قال: ويتفكرون في مخلوق السماوات والأرض أي: فيما خلق فيهما، ويجوز أن يكون إشارة إلى * (السماوات والأرض) * لأنهما في معنى المخلوق، فكأن المراد: * (ما خلقت هذا) * المخلوق العجيب * (بطلا) *، ويجوز أن يكون * (بطلا) * حالا من * (هذا) * (1)، و * (سبحانك) * تنزيه من أن يخلق شيئا عبثا أو بغير حكمة. # * (من تدخل النار فقد أخزيته) * أي: أبلغت في إخزائه، وهو نظير قوله: * (فقد فاز) * (2)، وهو منقول من الخزي الذي هو الهوان، وقيل: هو منقول من الخزاية الذي هو الاستحياء، أي: أحللته محلا يستحيى منه (3)، * (وما للظلمين) * اللام إشارة إلى * (من تدخل النار) * أي: ليس لهم * (أنصار) * يدفعون عنهم عذاب الله * (ربنا إننا سمعنا مناديا) * أوقع الفعل على مناد لأنه موصوف بما يسمع وهو قوله: # * (ينادى للأيمن) * أي: إلى الإيمان، يعني: داعيا يدعو إلى الإيمان، يقال: ناداه لكذا وإلى كذا، ودعاه له وإليه، ونحوه: هداه للطريق وإليه، والمنادي هو الرسول (صلى الله عليه وآله) * (أن آمنوا) * أي: آمنوا، أو بأن آمنوا * (بربكم فآمنا) * أي: # PageV01P361 # فصدقناه فيما دعا إليه وأجبناه * (ربنا فاغفر لنا ذنوبنا) * جمع بين سؤال (1) المغفرة والتكفير، لأن تكفير السيئات يكون بالتوبة والمغفرة، وقد يكون ابتداء من غير توبة * (مع الأبرار) * في موضع الحال، أي: مخصوصين بصحبتهم معدودين في جملتهم، والأبرار جمع بر أو بار * (وآتنا ما وعدتنا على رسلك) *: * (على) * هذه صلة للوعد، أي: ما وعدتنا على تصديق رسلك، ms0199 وقيل: معناه: على ألسنة رسلك (2)، ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف أي: وعدتنا منزلا على رسلك، والموعود هو الثواب أو النصرة على الأعداء (3). # وعن النبي (صلى الله عليه وآله) لما نزلت هذه الآيات قال: " ويل لمن لاكها بين فكيه ولم يتأمل ما فيها " (4). # وروي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: " من حزنه أمر فقال خمس مرات: # * (ربنا...) * أنجاه الله مما يخاف وأعطاه ما أراد " وقرأ الآيات (5). # سورة آل عمران / 195 * (فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عمل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديرهم وأوذوا في سبيلي وقتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنت تجرى من تحتها الأنهر ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب) * (195) يقال: استجابه واستجاب له * (أنى لا أضيع) * أي: بأني لا أبطل * (عمل عمل # PageV01P362 # منكم) * وقوله: * (من ذكر أو أنثى) * بيان ل‍ * (عمل) *، * (بعضكم من بعض) * أي: # يجمع ذكوركم وإناثكم أصل واحد، وكل واحد منكم من الآخر أي: من أصله لفرط اتحادكم واتصالكم، وقيل: هو وصلة (1) الإسلام (2). # وروي: أن أم سلمة (3) قالت: يا رسول الله إني أسمع الله يذكر الرجال في الهجرة ولا يذكر النساء، فنزلت (4) الآية. # * (فالذين هاجروا) * من أوطانهم وفروا إلى الله بدينهم من دار الفتنة * (وأخرجوا من ديرهم) * التي ولدوا فيها ونشأوا * (وأوذوا في سبيلي) * يريد سبيل الدين * (وقتلوا وقتلوا) * وغزوا المشركين واستشهدوا، وقرئ: " وقتلوا وقاتلوا " (5) لأن المعطوف بالواو يجوز أن يكون أولا في المعنى وإن تأخر في اللفظ، ويجوز أن يكون المراد أنهم لما قتل منهم قاتلوا ولم يهنوا * (ثوابا) * في موضع المصدر المؤكد يعني: إثابة من عند الله، لأن قوله: * (لأكفرن عنهم سيئاتهم # PageV01P363 # ولأدخلنهم) * في معنى " لأثيبنهم " (1)، * (والله عنده) * مثل أي: يختص به وبقدرته وفضله * (حسن الثواب) * لا يثيبه غيره ولا يقدر عليه إلا هو كما يقول الرجل: # عندي ما تريد، يريد اختصاصه به وبملكه وإن لم يكن بحضرته. # * (لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلد (196) متع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد (197) لكن ms0200 الذين اتقوا ربهم لهم جنت تجرى من تحتها الأنهر خلدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار) * (198) الخطاب لرسول الله (صلى الله عليه وآله) أو لكل أحد، أي: لا تنظر إلى ما هم عليه من سعة الرزق ودرك المنى وإصابة حظوظ الدنيا والتصرف في البلاد يتجرون (2)، وجعل النهي في اللفظ للتقلب وهو في المعنى للمخاطب، نزل السبب منزلة المسبب لأن التقلب لو غره لاغتر به فمنع السبب ليمتنع المسبب * (متع قليل) * خبر مبتدأ محذوف، أي: تقلبهم متاع قليل في جنب ما فاتهم من نعيم الآخرة أو في جنب ما أعد الله للمؤمنين من الثواب، أو هو قليل في نفسه لزواله وانقضائه * (وبئس المهاد) * ما مهدوه لأنفسهم، والنزل: ما يهيأ للضيف من الكرامة والبر، وانتصابه على الحال من * (جنت) * لتخصصها بالوصف، ويجوز أن يكون بمعنى مصدر مؤكد كأنه قيل: رزقا أو عطاء من عند الله (3) * (وما عند الله) * من الثواب والنعيم * (خير للأبرار) * مما يتقلب فيه الفجار. # سورة آل عمران / 199 * (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل # PageV01P364 # إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب (199) يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) * (200) * (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله) * نزلت في عبد الله بن سلام ومن آمن معه، وقيل: نزلت في أربعين من أهل نجران واثنين وثلاثين من الحبشة (1) وثمانية من الروم كانوا على دين عيسى (عليه السلام) فأسلموا (2)، وقيل: في أصحمة النجاشي نعاه جبرئيل إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فخرج إلى البقيع (3) وكشف له من أرض الحبشة فأبصر سرير النجاشي وصلى عليه، فقال المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج نصراني لم يره قط وليس على دينه، فنزلت (4) الآية. # * (وما أنزل إليكم) * هو القرآن * (وما أنزل إليهم) * التوراة والإنجيل * (خاشعين لله) * حال من فاعل * (يؤمن) * لأن " من " في معنى الجمع (5) * (لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا) ms0201 * كما يفعل من لم يسلم من أحبارهم * (أولئك لهم أجرهم عند ربهم) * أي: ما يختص بهم من الأجر وهو ما وعدوه في # PageV01P365 # قوله: * (أولئك يؤتون أجرهم مرتين) * (1)، * (إن الله سريع الحساب) * لنفوذ علمه في كل شئ فيعلم ما يستوجبه كل عامل * (اصبروا) * على طاعة الله وعن معاصيه * (وصابروا) * أعداء الله في الجهاد، أي: غالبوهم في الصبر على مضض (2) الحرب لا تكونوا أقل صبرا منهم * (ورابطوا) * أي: وأقيموا في الثغور رابطين خيلكم فيها مستعدين للغزو * (واتقوا الله) * أي: واتقوا مخالفة الله * (لعلكم تفلحون) * (3) بنعيم الأبد. # PageV01P366 # سورة النساء مدنية (1)، وهي مائة وخمس وسبعون آية بصري، وست كوفي، عد الكوفي * (أن تضلوا السبيل) * (2) آية. # أبي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): " من قرأها فكأنما تصدق على كل من ورث ميراثا، وأعطي من الأجر كمن اشترى محررا، وبرئ من الشرك، وكان في مشية الله من الذين يتجاوز عنهم " (3). # وعن أمير المؤمنين علي (عليه السلام): " من قرأها في كل جمعة أو من من ضغطة القبر إذا أدخل في قبره " (4). # PageV01P367 # * (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس وا حدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا) * (1) سورة النساء / 1 خطاب للمكلفين من بني آدم * (اتقوا) * مخالفة * (ربكم الذي خلقكم من نفس وا حدة) * أي: فرعكم من أصل واحد وهو نفس آدم أبيكم * (وخلق منها زوجها) * عطف على محذوف تقديره: أنشأها (1) من تراب وخلق حواء من ضلع من أضلاعها (2) * (وبث منهما) * نوعي الإنس (3)، وهما الذكور والإناث، فوصفهما بصفة هي بيان لكيفية خلقهم منها، ويجوز أن يكون الخطاب في * (يا أيها الناس) * للذين بعث إليهم النبي (صلى الله عليه وآله) فيكون قوله: * (وخلق منها زوجها) * عطفا على * (خلقكم) * (4)، والمعنى: خلقكم من نفس آدم وخلق منها أمكم حواء * (وبث منهما رجالا كثيرا ونساء) * غيركم من الأمم الكثيرة * (تساءلون به) * (5) أي: # PageV01P368 # تتساءلون به فأدغمت التاء في السين، وقرئ: * (تساءلون) * بطرح التاء الثانية (1)، أي: يسأل بعضكم ms0202 بعضا بالله وبالرحم، فيقول: بالله وبالرحم افعل كذا على سبيل الاستعطاف، أو تسألون غيركم بالله وبالرحم فوضع " تفاعلون " موضع " تفعلون " للجمع (2) * (والأرحام) * نصب (3) على * (واتقوا الله... والأرحام) * أو أن يعطف على محل الجار والمجرور كما تقول: مررت بزيد وعمرا، وأما جره فعلى عطف الظاهر على المضمر، وقد جاء ذلك في الشعر نحو قوله: # فاذهب فما بك والأيام من عجب (4) ولا يستحسنون ذلك في حال الاختيار، والمعنى: أنهم كانوا يقرون بأن لهم خالقا وكانوا يتساءلون بذكر الله والرحم، فقيل لهم: اتقوا الله الذي خلقكم واتقوا الله الذي تتناشدون به واتقوا الأرحام فلا تقطعوها، أو واتقوا الله الذي تتعاطفون بإذكاره وإذكار الرحم، وفي هذا أن صلة الرحم من الله بمكان كما جاء في الحديث: " للرحم حجنة (5) عند العرش " (6) (7)، وعن ابن عباس: " الرحم معلقة # PageV01P369 # بالعرش، فإذا أتاها الواصل بشت به وكلمته، وإذا أتاها القاطع احتجبت عنه " (1)، والرقيب: الحافظ، وقيل: العالم (2). # * (وآتوا اليتامى أموا لهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموا لهم إلى أموا لكم إنه كان حوبا كبيرا) * (2) * (اليتامى) * الذين مات آباؤهم فانفردوا عنهم، واليتم: الانفراد، ومنه الدرة اليتيمة، وهذا خطاب لأوصياء اليتامى، أي: أعطوهم * (أموا لهم) * بالإنفاق عليهم في حالة الصغر والتسليم إليهم عند البلوغ وإيناس الرشد * (ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب) * أي: لا تستبدلوا ما حرمه الله عليكم من أموال اليتامى بما أحله الله لكم من أموالكم فتأكلوه مكانه، أو لا تستبدلوا الأمر الخبيث وهو اختزال (3) أموال اليتامى بالأمر الطيب وهو حفظها، والتفعل بمعنى الاستفعال كالتعجل والتأخر * (ولا تأكلوا أموا لهم إلى أموا لكم) * أي: ولا تنفقوها معها ولا تضموها إليها في الإنفاق حتى لا تفرقوا بين أموالكم وأموالهم قلة مبالاة بالحرام وتسوية بينه وبين الحلال، والحوب: الذنب العظيم. # سورة النساء / 3 * (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلث وربع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا (3) وآتوا النساء صدقتهن نحلة فإن طبن لكم عن شئ منه نفسا ms0203 فكلوه هنيا مريا) * (4) # PageV01P370 # لما نزلت الآية في أكل أموال اليتامى خاف الأولياء أن يلحقهم الحوب بترك الإقساط في حقوق اليتامى وتحرجوا من ولايتهم، وكان الرجل منهم ربما كانت تحته العشر من الأزواج أو أقل فلا يقوم بحقوقهن، فقيل لهم: * (وإن خفتم) * ترك العدل * (في) * أموال * (اليتامى) * فتحرجتم منها فخافوا أيضا ترك العدل والتسوية (1) بين النساء، لأن من تاب من ذنب وهو مرتكب مثله فهو غير تائب، وقيل: معناه إن خفتم الجور في حق اليتامى فخافوا الزنا أيضا (2) * (فانكحوا ما طاب) * أي: حل * (لكم من النساء) * ولا تحوموا حول المحرمات * (مثنى وثلث وربع) * محلهن النصب على الحال تقديره: فانكحوا الطيبات لكم من النساء معدودات هذا العدد ثنتين ثنتين وثلاثا ثلاثا وأربعا أربعا، وإنما وجب التكرير لأن الخطاب للجميع ليصيب كل ناكح يريد الجمع بين ثنتين أو ثلاث أو أربع ما أراد من العدد الذي أطلق له، وهذا كما تقول للجماعة: اقسموا هذا المال وهو ألف درهم بينكم درهمين درهمين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة، ولو أفردت لم يكن له معنى، ولو جعلت مكان الواو " أو " فقلت: أو ثلاثة ثلاثة أو أربعة أربعة أعلمت أنه لا يسوغ لهم أن يقسموه إلا على أحد أنواع هذه القسمة، وذهب معنى تجويز الجمع بين أنواع القسمة التي دلت عليها الواو * (فإن خفتم ألا تعدلوا) * بين هذه الأعداد كما خفتم فيما فوقها * (فواحدة) * أي: فاختاروا واحدة وذروا الجمع، وقرئ: " فواحدة " بالرفع (3) أي: فحسبكم واحدة، أو المقنع واحدة * (أو ما ملكت # PageV01P371 # أيمانكم) * سوى بين الحرة الواحدة وبين الإماء من غير حصر ولا توقيت عدد سورة النساء / 5 و 6 * (ذلك) * إشارة إلى اختيار الواحدة أو التسري * (أدنى ألا تعولوا) * أقرب من أن لا تميلوا ولا تجوروا، من عال الميزان: إذا مال، وعال في حكمه: إذا جار * (وآتوا النساء صدقتهن) * أي: وأعطوهن مهورهن * (نحلة) * أي: عن طيبة أنفسكم، من نحله كذا: إذا أعطاه إياه عن طيبة من نفسه نحلة ونحلا، وانتصابها على المصدر لأن النحلة بمعنى الإيتاء، أو يكون ms0204 حالا من المخاطبين أي: آتوهن صدقاتهن ناحلين طيبي النفوس بالإعطاء، أو من الصدقات أي: منحولة معطاة عن طيبة الأنفس، وقيل: نحلة من الله أي: عطية من عنده لهن (1)، والخطاب للأزواج، وقيل: # للأولياء، لأنهم كانوا يأخذون مهور بناتهم (2) * (فإن طبن لكم عن شئ) * خطاب للأزواج * (منه) * أي: من الصداق * (نفسا) * تمييز وتوحيدها، لأن الغرض بيان الجنس والواحد يدل عليه، والمعنى: فإن وهبن لكم شيئا من الصداق وطابت عنه نفوسهن من غير إكراه ولا خديعة * (فكلوه هنيا مريا) * أي: أكلا هنيئا مريئا، وهما صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ: إذا كان سائغا لا تنغيص فيه، وقيل: الهنئ: # ما يلذه الآكل والمرئ: ما يحمد عاقبته وينساغ في مجراه (3)، ويجوز أن يكون كلاهما حالا من الضمير أي: كلوه وهو هنئ ومرئ، وقد يوقف على * (فكلوه) * ويبتدأ * (هنيا مريا) * على الدعاء، وهذه عبارة عن التحليل والمبالغة في الإباحة. # PageV01P372 # * (ولا تؤتوا السفهاء أموا لكم التي جعل الله لكم قيما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا (5) وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموا لهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموا لهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا) * (6) أي: ولا تعطوا (1) * (السفهاء) * وهم الذين ينفقون الأموال فيما لا ينبغي من النساء والصبيان والمبذرين * (أموا لكم التي جعل الله لكم قيما) * تقومون بها وتنتعشون فكأنها قيامكم وانتعاشكم، وقوام الشئ وقيامه وقيمه: ما يقيمه، وقرئ: " قيما " (2)، * (وارزقوهم فيها) * واجعلوا أموالكم مكانا لرزقهم وكسوتهم إن كانوا ممن يلزمكم نفقته، وهذا أمر لكل أحد أن لا يخرج ماله إلى سفيه يعلم أنه يضعه فيما لا ينبغي ويفسده، رجلا كان أو امرأة، قريبا كان أو أجنبيا * (وقولوا لهم قولا معروفا) * أي: تلطفوا لهم في القول، وكل ما أحبته النفوس لحسنه عقلا أو (3) شرعا من قول أو عمل فهو معروف وما أنكرته لقبحه فهو منكر * (وابتلوا اليتامى) * واختبروا عقولهم قبل البلوغ حتى إذا تبينتم (4) منهم رشدا ms0205 دفعتم إليهم أموالهم من غير تأخير عن حد البلوغ، وبلوغ * (النكاح) * هو أن يحتلم لأنه يصلح للنكاح عنده أو يبلغ خمس عشرة سنة أو ينبت * (فإن آنستم منهم رشدا) * أي: # PageV01P373 # أبصرتم منهم تهديا إلى وجوه التصرف وصلاحا في الدين وإصلاحا للمال * (فادفعوا إليهم أموا لهم) *، و " حتى " هذه هي التي تقع بعدها الجمل، والجملة بعدها جملة شرطية لأن " إذا " متضمنة معنى الشرط، وقوله: * (فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموا لهم) * جملة من شرط وجزاء وقعت جوابا للشرط الأول، فكأنه قيل: وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم واستحقاقهم دفع أموالهم إليهم بشرط إيناس الرشد منهم، و * (إسرافا) * مصدر في موضع الحال أي: مسرفين ومبادرين كبرهم، أو مفعول له أي: لإسرافكم ومبادرتكم كبرهم تفرطون في إنفاقها * (ومن كان غنيا) * من الأولياء * (فليستعفف) * بماله عن أكل مال اليتيم، ويقتنع (1) بما رزقه الله من الغنى إشفاقا على اليتيم وإبقاء على ماله * (ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف) * قوتا مقدرا محتاطا في تقديره على وجه الأجرة، وقيل: يأخذ من ماله قدر الحاجة على وجه الاستقراض (2) * (فإذا دفعتم إليهم أموا لهم فأشهدوا عليهم) * بأنهم تسلموها وقبضوها، لأن ذلك أبعد من التهمة * (وكفى بالله حسيبا) * أي: شاهدا على الدفع والقبض فعليكم بالتصادق. # * (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا) * (7) * (مما قل منه أو كثر) * بدل * (مما ترك) * بتكرير العامل، وكانت العرب في الجاهلية يورثون الذكور دون الإناث فقال سبحانه: * (للرجال) * حظ وسهم من سورة النساء / 8 و 9 تركة الوالدين والأقربين * (وللنساء) * حظ وسهم منها، من قليلها وكثيرها * (نصيبا # PageV01P374 # مفروضا) * نصب على الاختصاص، أي: أعني نصيبا مفروضا: مقطوعا واجبا لابد أن يحوزوه، أو هو مصدر مؤكد بمعنى قسمة مفروضة. # وفي هذه الآية دلالة على بطلان القول بالعصبة (1) لأن الله سبحانه فرض الميراث للرجال والنساء. # * (وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمسكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا (8) وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعفا خافوا ms0206 عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا (9) إن الذين يأكلون أموا ل اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا) * (10) * (وإذا حضر القسمة) * أي: قسمة التركة * (أولوا القربى) * ممن لا يرث * (فارزقوهم منه) * أي: مما ترك الوالدان والأقربون، وهو أمر على الندب، وقيل: # هو على الوجوب (2)، والآية منسوخة بآية الميراث (3)، وقال سعيد بن جبير: إن ناسا يقولون: نسخت، والله ما نسخت ولكنها مما تهاون به الناس (4). والقول المعروف: أن يلطفوا لهم القول ويعتذروا إليهم ويستقلوا ما يعطونهم ولا يمنوا بذلك عليهم، و * (لو) * مع ما في حيزه صلة ل‍ * (الذين) *، والمراد بهم الأوصياء أمروا بأن يخافوا الله على من في حجورهم من اليتامى، ويشفقوا عليهم كما يخافون على # PageV01P375 # ذريتهم لو تركوهم * (ضعفا) * ويشفقون عليهم وأن يصوروا ذلك في نفوسهم حتى لا يجسروا (1)، والمعنى: * (وليخش الذين) * حالهم أنهم لو قاربوا أن يتركوا خلفهم * (ذرية ضعفا) * وذلك إذا حان يومهم * (خافوا عليهم) * الضياع بعدهم لذهاب كافلهم * (فليتقوا الله) * في يتامى غيرهم أن يجفوهم ويظلموهم * (وليقولوا) * لهم * (قولا سديدا) * موافقا للشرع و (2) يخاطبوهم بخطاب جميل، ثم أوعد سبحانه آكلي مال اليتيم * (ظلما) * أي: ظالمين أو على وجه الظلم من أولياء السوء أو القضاة * (في بطونهم) * ملء بطونهم، ومعنى * (يأكلون... نارا) * يأكلون ما يجر إلى النار فكأنه نار في الحقيقة، وقرئ: " وسيصلون " (3)، يقال: # صلي النار يصلاها صليا وأصلاه الله النار * (سعيرا) * أي: نارا مستعرة. # * (يوصيكم الله في أولدكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت وا حدة فلها النصف ولأبويه لكل وا حد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصى بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما) * (11) سورة النساء / 11 * (يوصيكم الله) * أي: يأمركم به ويفرض عليكم، لأن الوصية منه سبحانه أمر وفرض * (في ms0207 أولدكم) * أي: في شأن ميراثهم، وهذا إجمال تفصيله * (للذكر مثل حظ الأنثيين) * والمعنى: للذكر منهم أي: من أولادكم فحذف العائد لأنه مفهوم، # PageV01P376 # أي: للابن مثل نصيب البنتين، هذا في حال الاجتماع، فأما في حال الانفراد فالابن يأخذ المال كله والبنتان تأخذان الثلثين، ويدل عليه قوله: * (فإن كن نساء فوق اثنتين) * أي: فإن كانت البنات أو المولودات نساء ليس معهن رجل، يعني: # بنات ليس معهن ابن فوق اثنتين أي: زائدات على (1) اثنتين * (فلهن ثلثا ما ترك) *، والضمير في * (ترك) * للميت وإن لم يجر له ذكر، لأن الآية لما كانت في الميراث علم أن التارك هو الميت، وفي قوله: * (للذكر مثل حظ الأنثيين) * دلالة على أن حكم البنتين حكم الابن، وذلك أن الابن كما يحوز الثلثين مع البنت الواحدة فكذلك البنتان تحوزان الثلثين، فلما ذكر ما دل على حكم البنتين أتبعه بقوله: # * (فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك) * على معنى: فإن كن جماعة بالغات ما بلغن من العدد فلهن ما للبنتين لا يتجاوزنه * (وإن كانت) * المولودة * (وا حدة فلها النصف) * أي: نصف ما ترك الميت * (ولأبويه) * أي: ولأبوي الميت * (لكل وا حد منهما) * بدل من * (لأبويه) * بتكرير العامل * (السدس مما ترك إن كان له ولد) * الولد يقع على الذكر والأنثى، يعني: فللأب السدس مع الولد ذكرا كان أو أنثى واحدا كان أو أكثر، وللأم السدس مع الولد كذلك * (فإن لم يكن له) * أي للميت * (ولد) *: ابن ولا بنت ولا أولادهما، لأن اسم الولد يعم الجميع * (وورثه أبواه فلأمه الثلث) * وهذا الظاهر يدل على أن الباقي للأب * (فإن كان له إخوة فلأمه السدس) * وإنما يكون لها السدس مع وجود أخوين أو أخ وأختين أو أربع أخوات إذا كان هناك أب عند أئمة الهدى (عليهم السلام) (2) بدلالة أن هذه الجملة معطوفة على قوله: * (فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث) * فيكون التقدير: فإن # PageV01P377 # كان له إخوة وورثه أبواه فلأمه السدس، وقرئ: " فلإمه " بكسر الهمزة (1) أتبعت الهمزة الكسرة التي قبلها ms0208 * (من بعد وصية يوصى بها) * الميت، وقرئ: " يوصى بها " على البناء للمفعول (2) * (أو دين) * أي: تقسم التركة على ما ذكرنا بعد قضاء الديون وإفراز الوصية، ولا خلاف في أن الدين مقدم على الوصية والميراث وإن قدمت الوصية على الدين في الآية، فكأنه قيل: من بعد أحد هذين فإن لفظة " أو " لا توجب الترتيب وإنما هي لأحد الشيئين أو الأشياء * (آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا) * أي: لا تدرون من أنفع لكم من آبائكم وأبنائكم الذين يموتون: أمن أوصى منهم أم من لم يوص (3)، يعني: أن من أوصى ببعض ماله فعرضكم لثواب الآخرة بإمضاء وصيته فهو أقرب لكم نفعا ممن ترك الوصية فوفر عليكم متاع الدنيا * (فريضة من الله) * نصبت نصب المصدر المؤكد، أي: # فرض الله فريضة * (إن الله كان عليما) * بمصالح خلقه * (حكيما) * فيما فرض من المواريث وغيرها. # سورة النساء / 12 * (ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل وا حد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم # PageV01P378 # شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم) * (12) * (ولكم) * أيها الأزواج * (نصف ما) * تركت زوجاتكم * (إن لم يكن لهن ولد) * ذكر ولا أنثى ولا ولد ولد * (فإن كان لهن ولد) * منكم أو من غيركم * (فلكم الربع) * جعلت المرأة على النصف من الرجل بحق الزواج كما جعلت كذلك في النسب، والواحدة والجماعة سواء في الربع والثمن * (وإن كان رجل) * يعني: الميت * (يورث) * أي: يورث منه من " ورث "، أو يورث من " أورث "، فيكون الرجل وارثا لا موروثا منه، وهو صفة ل‍ * (رجل) *، و * (كلالة) * خبر * (كان) *، أي: وإن ms0209 كان رجل موروث منه أو وارث كلالة، ويجوز أن يكون * (يورث) * خبر * (كان) * و * (كلالة) * حالا من الضمير في * (يورث) *. # واختلف في معنى الكلالة، والمروي عن أئمتنا (عليهم السلام) أنها تطلق على الإخوة والأخوات (1)، والمذكور في هذه الآية من كان من قبل الأم منهم والمذكور في آخر السورة من كان منهم من قبل الأب والأم أو من قبل الأب، فعلى هذا تكون الكلالة أن يترك الانسان من أحاط بأصل النسب الذي هو الوالد والولد، وتكلله كالإكليل الذي يحيط بالرأس ويشتمل عليه، لأن الكلالة في الأصل مصدر فتطلق على من ليس بولد ولا والد وعلى من لم يخلف ولدا ولا والدا وخلف ما عداهما من الإخوة والأخوات، ويكون صفة للموروث أو الوارث بمعنى ذي كلالة، كما تقول: فلان من قرابتي تريد من ذوي قرابتي * (أو امرأة) * تورث كذلك * (وله أخ أو أخت) * يعني: من الأم * (فلكل وا حد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم # PageV01P379 # شركاء في الثلث) * جعل الذكر والأنثى هاهنا سواء * (غير مضار) * لورثته، وذلك أن يوصي بزيادة على الثلث أو يوصي بدين ليس عليه يريد بذلك ضرر الورثة * (وصية من الله) * مصدر مؤكد كقوله: * (فريضة من الله) *، * (والله عليم) * بمن جار في وصيته * (حليم) * عنه لا يعاجله بالعقوبة، وهذا وعيد. # * (تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنت تجرى من تحتها الأنهر خلدين فيها وذلك الفوز العظيم (13) ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خلدا فيها وله عذاب مهين) * (14) * (تلك) * إشارة إلى الأحكام المذكورة في اليتامى والمواريث، وسماها حدودا لأن الشرائع كالحدود المضروبة للمكلفين لا يجوز لهم أن يتجاوزوها، قال: * (يدخله) * و * (خلدين) * حملا على لفظ " من " ومعناه، وفي قوله: * (ويتعد حدوده) * دلالة على أن المراد بقوله: * (ومن يعص الله ورسوله) * الكافر، لأن من تعدى جميع حدود الله التي هي فرائضه وأوامره ونواهيه لا يكون إلا كافرا. # سورة النساء / 15 و 16 * (والتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في ms0210 البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا (15) والذان يأتينها منكم فاذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما) * (16) * (والتي يأتين الفاحشة) * أي: يفعلنها، والفاحشة: الزنا لزيادتها في القبح على كثير من القبائح * (من نسائكم) * الحرائر * (فاستشهدوا عليهن أربعة منكم) * أي: من المسلمين * (فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت) * أي: فخلدوهن محبوسات في بيوتكم، وكان ذلك عقوبتهن في أول الإسلام ثم نسخ بقوله: PageV01P380 # * (الزانية والزاني) * الآية (1) (2)، * (أو يجعل الله لهن سبيلا) * هو النكاح الذي يستغنين به عن السفاح، وقيل: السبيل هو الحد، إذ لم يكن مشروعا في ذلك الوقت (3)، وقد روي: أنه لما نزل قوله: * (الزانية والزاني) * الآية قال (عليه السلام): " خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم " (4) وعندنا: أن هذا الحكم مختص بالشيخ والشيخة إذا زنيا (5) * (والذان يأتينها منكم) * يريد الزاني والزانية * (فاذوهما) * فذموهما وعيروهما، فإن تابا وأصلحا وغيرا الحال * (فأعرضوا عنهما) * واقطعوا الذم والتعيير وكفوا عن أذاهما، وقرئ: " والذان " بتشديد النون (6). # * (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهلة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما (17) وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك اعتدنا لهم عذابا أليما) * (18) # PageV01P381 # * (التوبة) * من تاب الله عليه: إذا قبل توبته، أي: إنما القبول للتوبة واجب على الله لهؤلاء، أوجبه سبحانه في كرمه وفضله * (بجهلة) * في موضع الحال، أي: # * (للذين يعملون السوء) * جاهلين سفهاء، لأن ارتكاب القبيح مما يدعو إليه السفه والشهوة ولا يدعو إليه العقل والحكمة * (ثم يتوبون من قريب) * من زمان قريب، والزمان القريب: ما قبل حضور الموت، قال ابن عباس: قبل أن ينزل به سلطان الموت (1) * (ولا الذين يموتون) * عطف على * (للذين يعملون السيئات) * سوى سبحانه بين مسوف التوبة إلى وقت حضور الموت وبين من يموت كافرا. # * (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا ms0211 تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا) * (19) سورة النساء / 19 كانوا يظلمون نساءهم بأنواع من الظلم فنهوا عن ذلك، كان الرجل إذا مات له قريب عن امرأة ألقى ثوبه عليها وقال: أنا أحق بها من غيري، فقيل: * (لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها) * أي: تأخذوهن على سبيل الإرث وهن كارهات لذلك أو مكرهات (2)، فقد قرئ بفتح الكاف وضمها (3)، وقيل: كانوا يمسكونهن حتى يمتن، فقيل: لا يحل لكم أن تمسكوهن حتى ترثوا منهن وهن غير راضيات # PageV01P382 # بذلك (1)، وكان الرجل يمسك زوجته إضرارا بها حتى تفتدي ببعض مالها، فقيل: # * (ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن) * والعضل: الحبس والتضييق، والأولى أن يكون * (تعضلوهن) * نصبا عطفا على * (أن ترثوا) *، و * (لا) * لتأكيد النفي، أي: لا يحل لكم أن ترثوا النساء ولا أن تعضلوهن * (إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) * وهي النشوز والبذاء والمعصية وإيذاء الزوج وأهله، يعني: إلا أن يكون سوء العشرة من جهتهن فتصيروا معذورين في طلب الخلع، والتقدير: # ولا تعضلوهن إلا لأن يأتين بفاحشة أو وقت أن يأتين بفاحشة. # الصادق (عليه السلام) قال: " إذا قالت للزوج لا أغتسل لك من جنابة ولا أبر لك قسما ولأوطين فراشك حل له أن يخلعها " (2). # وكانوا يسيؤون معاشرة النساء فقيل لهم: * (وعاشروهن بالمعروف) * وهو النصفة في النفقة والإجمال في القول والفعل * (فإن كرهتموهن) * أي: إن كرهتم صحبتهن فلا تفارقوهن لكراهة الأنفس وحدها، فربما كرهت النفس ما هو أصلح في الدين وأحمد وأحبت ما هو نقيض ذلك. # * (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحديهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا (20) وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا) * (21) كان الرجل (3) إذا أراد استطراف (4) امرأة رمى زوجته بفاحشة حتى يلجئها # PageV01P383 # إلى الافتداء منه بما أعطاها، فقال سبحانه: * (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج) * أي: إقامة امرأة مقام امرأة وأعطيتم التي أردتم الاستبدال بها غيرها * (قنطارا) ms0212 * أي: مالا كثيرا * (فلا تأخذوا منه) * أي: من المؤتى والمعطى * (شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا) * أي: باهتين وآثمين، انتصب * (بهتانا) * و * (إثما) * على الحال، ويجوز أن يكون مفعولا له وإن لم يكن غرضا كما يقال: قعد عن القتال جبنا، والميثاق الغليظ: حق الصحبة والمضاجعة، كأنه قيل: * (وأخذن) * به * (منكم ميثاقا غليظا) * أي: بإفضاء بعضكم إلى بعض، وقيل: إن الميثاق الغليظ هو العهد المأخوذ على الزوج حالة العقد من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان (1). # وعن النبي (صلى الله عليه وآله): " استوصوا بالنساء خيرا، فإنهن عوان (2) في أيديكم، أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله " (3). # * (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا) * (22) سورة النساء / 22 و 23 كانوا ينكحون روابهم (4)، وكان ناس من ذوي مروءاتهم يمقتونه ويسمونه نكاح المقت، ويقولون لمن ولد عليه: المقتي، ولذلك قال سبحانه: * (ومقتا) *، أي: # ولا تتزوجوا ما تزوجه * (آباؤكم من النساء) * ثم استثنى * (ما قد سلف) * كما استثنى " غير أن سيوفهم " من قوله: # ولاعيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب (5) # PageV01P384 # يعني: إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فأنكحوه ولا يحل لكم غيره ولكنه غير ممكن، والغرض المبالغة في تحريمه * (إنه كان فاحشة) * في دين الله بالغة في القبح * (ومقتا) * أي: قبيحا ممقوتا في المروءة ولا مزيد على ما يجمع القبحين (1) * (وساء سبيلا) * أي: بئس طريقا ذلك النكاح السيئ الفاحش. # * (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعمتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم التي أرضعنكم وأخواتكم من الرضعة وأمهت نسائكم وربائبكم التي في حجوركم من نسائكم التي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما) * (23) المعنى: حرم عليكم نكاحهن، لأن ذلك هو المفهوم من تحريمهن كما يفهم من تحريم الخمر تحريم شربها ومن تحريم الميتة تحريم أكلها، ويتضمن قوله: # * (أمهاتكم) * تحريم نكاح الجدات من قبل ms0213 الأب ومن قبل الأم وإن علون بدرجات، وقوله: * (وبناتكم) * تحريم نكاح بنات الصلب وبنات الابن وبنات البنت (2) وإن نزلن بدرجات، وقوله: * (وأخواتكم) * يتضمن تحريمهن سواء كن من قبل أب أو من قبل أم أو منهما، ويتضمن العمات: كل أخت لذكر رجع النسب إليه بالولادة من قبل الأب كان أو من قبل الأم، ويتضمن الخالات: كل أخت لأنثى رجع النسب إليها بالولادة من جهة الأم كان أو من جهة الأب، ويتضمن * (بنات الأخ وبنات الأخت) * كل بنات الإخوة والأخوات من قبل الأب كن أو من قبل # PageV01P385 # الأم قربن أو بعدن، فهؤلاء السبع هن المحرمات من جهة النسب. # ثم ذكر المحرمات من جهة السبب * (و) * قال: * (أمهاتكم التي أرضعنكم) * سمى المرضعات أمهات إذ نزل (1) الرضاعة منزلة النسب، وسمى المرضعات أخوات بقوله: * (وأخواتكم من الرضعة) * فعلى هذا يكون زوج المرضعة أبا للرضيع، وأبواه جداه، وأخته عمته، وكل ولد ولد له من غير المرضعة قبل الرضاع وبعده فهم إخوته وأخواته لأبيه، وأم المرضعة جدته، وأختها خالته، وكل ولد لها من هذا الزوج فهم إخوته وأخواته لأبيه وأمه، وكل ولد لها من غير هذا الزوج فهم إخوته وأخواته لأمه، ومنه قول النبي (صلى الله عليه وآله): " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " (2) وفيه: أن المحرمات السبع بالنسب محرمات بالرضاع أيضا. # سورة النساء / 23 ثم قال: * (وأمهت نسائكم) * وهذا يتضمن تحريم نكاح أمهات الزوجات وجداتهن قربن أو بعدن من جهة النسب والرضاع، ويحرمن بنفس العقد * (وربائبكم التي في حجوركم) * أي: في ضمانكم وتربيتكم، سمي ولد المرأة من غير زوجها ربيبا وربيبة لأنه يربهما (3) في غالب الأمر كما يرب ولده، ثم سمي بذلك وإن لم يربهما، وهذا يقتضي تحريم بنت المرأة من غير زوجها على زوجها وتحريم بنت ابنها وبنت بنتها قربت أم بعدت لوقوع اسم الربيبة عليهن، وقوله: # * (من نسائكم التي دخلتم بهن) * متعلق ب‍ * (ربائبكم) * والمعنى: أن الربيبة من المرأة المدخول بها محرمة على الرجل وإذا لم يدخل بها فهي حلال له، ومعنى الدخول ms0214 بهن كناية عن الجماع كما يقال: بنى عليها وضرب عليها الحجاب، فقوله: # PageV01P386 # * (دخلتم بهن) * معناه: أدخلتموهن الستر، والباء للتعدية، وما يجري مجرى الجماع من التجريد واللمس بالشهوة فذلك أيضا دخول بها عند أبي حنيفة (1) وهو مذهبنا (2)، * (وحلائل أبنائكم) * أي: وحرم عليكم نكاح أزواج أبنائكم * (الذين من أصلابكم) * دون من تبنيتم، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) تزوج زينب بنت جحش (3) حين فارقها زيد بن حارثة (4) (5) * (وأن تجمعوا بين الأختين) * في موضع الرفع، أي: وحرم عليكم الجمع بين الأختين في النكاح والوطء بملك اليمين، ويجوز أن يكون الجمع بينهما في الملك * (إلا ما قد سلف) * ولكن ما مضى مغفور بدليل قوله: # * (إن الله كان غفورا رحيما) *. # والمحرمات بالنسب أو السبب على وجه التأبيد يسمين مبهمات، لأنهن يحرمن من جميع الجهات، قال ابن عباس: حرم الله من النساء سبعا بالنسب وسبعا بالسبب، وتلا هذه الآية ثم قال: والسابعة: * (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم) * الآية (6) (7). # PageV01P387 # * (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فاتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما) * (24) سورة النساء / 24 و 25 القراءة هنا * (المحصنات) * بفتح الصاد، أي: وحرمت عليكم اللاتي أحصن * (من النساء) * وهن ذوات الأزواج * (إلا ما ملكت أيمانكم) * من اللاتي سبين ولهن أزواج في دار (1) الكفر فهن حلال وإن كن محصنات * (كتب الله عليكم) * مصدر مؤكد، أي: كتب الله ذلك عليكم كتابا وهو تحريم ما حرم * (وأحل لكم ما وراء ذلكم) * هو عطف على الفعل المضمر الذي نصب * (كتب الله) *، ومن قرأ: # * (وأحل لكم) * على البناء للمفعول فهو عطف على * (حرمت عليكم) *، * (أن تبتغوا) * مفعول له، والمعنى: بين لكم ما يحل وما يحرم إرادة أن تبتغوا، أي: تطلبوا * (بأموالكم) * نكاحا بصداق أو شراء بثمن، فيكون مفعول * (تبتغوا) * مقدرا، ويجوز أن يكون * (أن تبتغوا) * بدلا من * (ما وراء ذلكم) * (2)، * (محصنين ms0215 غير مسافحين) * أي: أعفاء غير زناة، والإحصان: العفة وتحصين النفس من الوقوع في الحرام، وقيل: محصنين: متزوجين (3) * (فما استمتعتم به منهن) * من النساء، و * (ما) * في معنى النساء ويرجع الضمير في * (به) * إليه على اللفظ، وفي * (فاتوهن أجورهن) * على المعنى، والمراد به متعة النساء وهو النكاح المنعقد بمهر معين إلى أجل معلوم، وإليه ذهب ابن عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير # PageV01P388 # وجماعة من التابعين وهو مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، وقرأوا: " فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى " (1)، * (فاتوهن أجورهن) * معناه: فاللاتي عقدتم عليهن هذا العقد من جملة النساء فأعطوهن أجورهن، فأوجب إيتاء الأجر بنفس العقد، وإنما يجب كمال المهر بنفس العقد في نكاح المتعة خاصة * (ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة) * من استئناف عقد آخر بعد انقضاء مدة الأجل * (إن الله كان عليما حكيما) * فيما شرع لعباده من النكاح الذي به يحفظ الأموال والأنساب. # * (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم) * (25) الطول: الفضل والزيادة، أي: من لم يجد غنى وزيادة في المال وسعة يبلغ بها نكاح * (المحصنات) * أي: الحرائر * (فمن ما ملكت أيمانكم) * أي: فلينكح أمة مما ملكت أيمانكم، والخطاب للمسلمين * (من فتياتكم) * من إمائكم لامن فتيات غيركم من المخالفين في الدين * (والله أعلم بإيمانكم) * والله أعلم بتفاضل ما بينكم وبين أرقائكم في الإيمان ورجحانه ونقصانه فيهم وفيكم، وربما كان إيمان الأمة أرجح من إيمان الحرة، والمرأة أفضل في الإيمان من الرجل فمن # PageV01P389 # حقكم أن تعتبروا فضل الإيمان لافضل الأحساب والأنساب * (بعضكم من بعض) * أي: أنتم وأرقاؤكم متناسبون لاشتراككم في الإيمان فلا تستنكفوا من نكاحهن * (فانكحوهن) * والضمير للفتيات أي: تزوجوهن * (بإذن أهلهن) * أي: # بأمر مواليهن ms0216 * (وآتوهن أجورهن) * أي: مهورهن * (بالمعروف) * من غير مطل وإضرار وإحواج إلى الاقتضاء، والمراد: فآتوا مواليهن، لأن الموالي هم مالكو مهورهن (1)، فحذف المضاف * (محصنات) * عفائف غير مجاهرات بالسفاح ولا مسرات له، وهو قوله: * (غير مسافحات ولا متخذات أخدان) * والأخدان: # الأخلاء في السر * (فإذا أحصن) * من قرأ بالضم فالمعنى: فإذا زوجن فأحصنهن أزواجهن (2) أي: تزوجن، ومن قرأ بالفتح (3) فمعناه: أسلمن (4)، وقيل: أحصن أنفسهن بالتزويج (5) * (فإن أتين بفاحشة) * أي: فإن زنين * (فعليهن نصف ما على سورة النساء / 26 - 29 المحصنات) * أي: الحرائر * (من العذاب) * من الحد كما في قوله: * (وليشهد عذابهما) * (6) وهو خمسون جلدة، ولا رجم عليهن لأن الرجم لا ينتصف * (ذلك) * إشارة إلى نكاح الإماء * (لمن خشي العنت منكم) * لمن خاف الإثم الذي يؤدي إليه غلبة الشهوة، وأصل العنت انكسار العظم بعد الجبر، فاستعير لكل مشقة وضرر، ولا ضرر أعظم من الوقوع في الزنا * (وأن تصبروا) * أي: وصبركم عن # PageV01P390 # نكاح الإماء متعففين * (خير لكم) *. # * (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم (26) والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما (27) يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفا) * (28) الأصل * (يريد الله) * أن * (يبين لكم) * فزيدت اللام مؤكدة لإرادة التبيين كما زيدت في " لا أبا لك " لتأكيد إضافة الأب، والمعنى: يريد الله أن يبين لكم ما خفي عنكم من مصالحكم * (و) * أن * (يهديكم سنن الذين) * كانوا * (من قبلكم) * من الأنبياء وأهل الحق لتقتدوا بهم * (ويتوب عليكم) * أي: وأن يقبل توبتكم * (والله يريد أن يتوب عليكم) * يوفقكم لها، ويقوي دواعيكم إليها * (ويريد الذين يتبعون الشهوات) * من المبطلين * (أن تميلوا) * أي: تعدلوا عن الاستقامة والقصد بمساعدتهم وموافقتهم * (ميلا عظيما) * إذ لاميل أعظم من الموافقة على اتباع الشهوات * (يريد الله أن يخفف عنكم) * بإحلال الأمة وغير ذلك من الرخص * (وخلق الانسان ضعيفا) * لا يصبر على مشقة الطاعة وعن الشهوة. # * (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموا لكم بينكم بالبطل إلا أن تكون تجارة عن تراض ms0217 منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما (29) ومن يفعل ذلك عدوا نا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا) * (30) ذكر الأكل والمراد به سائر التصرفات و " الباطل ": ما لم يبحه الشرع من الربا والقمار والخيانة والظلم والسرقة * (إلا أن تكون تجارة) * بالنصب على: إلا أن PageV01P391 # تكون التجارة تجارة * (عن تراض منكم) * وبالرفع على: إلا أن تقع تجارة، والاستثناء منقطع معناه: ولكن كون تجارة عن تراض منكم غير منهي عنه، و * (عن تراض) * صفة ل‍ * (تجارة) * أي: تجارة صادرة عن تراض منكم (1)، والتراضي: # رضاء المتبايعين بما تعاقدا عليه في حال البيع وقت الإيجاب والقبول * (ولا تقتلوا أنفسكم) * بأن تقاتلوا من لا تطيقونه فتقتلوا، وقيل: لا يقتل بعضكم بعضا لأنكم أهل دين واحد فأنتم كنفس واحدة (2)، وقيل: لا يقتل الرجل نفسه كما يفعل بعض الجهال في حال غضب أو ضجر (3) * (إن الله كان بكم رحيما) * ينهاكم عما يضركم لرحمته عليكم * (ومن يفعل ذلك) * إشارة إلى القتل، أي: ومن يقدم على قتل النفس * (عدوا نا وظلما) * لا خطأ ولا اقتصاصا * (فسوف نصليه نارا) * مخصوصة شديدة العذاب. # سورة النساء / 31 و 32 * (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيأتكم وندخلكم مدخلا كريما (31) ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن وسلوا الله من فضله إن الله كان بكل شئ عليما) * (32) قال أصحابنا رضي الله عنهم: المعاصي كلها كبائر من حيث كانت قبائح، لكن بعضها أكبر من بعض، وإنما يكون الذنب صغيرا بالإضافة إلى ما هو أكبر منه واستحقاق العقاب (4) عليه أكثر (5)، ونحوه قول ابن عباس: كل ما نهى الله عنه فهو # PageV01P392 # كبير (1)، وقول مجاهد وسعيد بن جبير: كل ما أوعد الله عليه عقابا في العقبى أو أوجب عليه حدا في الدنيا فهو كبير (2)، ومعنى الآية: * (إن تجتنبوا كبائر) * ما نهيتم * (عنه) * في هذه السورة من المناكح وأكل الأموال بالباطل وغير ذلك وتركتموها في المستقبل * (نكفر عنكم سيأتكم) * التي اكتسبتموها ms0218 بارتكاب ذلك فيما سلف، ويعضده قوله سبحانه: * (إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) * (3)، وعن ابن مسعود: كل ما نهى الله عنه من أول السورة إلى رأس الثلاثين فهو كبيرة (4)، وروي: # أن رجلا قال لابن عباس: الكبائر سبع؟ فقال: هي إلى سبعمائة أقرب، إلا أنه لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار (5) (6). وقرئ: " مدخلا " بضم الميم وفتحها (7) بمعنى المكان والمصدر فيهما * (ولا تتمنوا) * نهي عن التحاسد وعن # PageV01P393 # تمني * (ما فضل الله به) * بعض الناس * (على بعض) * من الجاه والمال، لأن ذلك التفضيل قسمة من الله العالم بأحوال العباد، فواجب على الخلق أن يرضوا بقسمته الصادرة عن الحكمة والعلم بالمصلحة * (للرجال نصيب مما اكتسبوا) * جعل سبحانه ما قسمه لكل من الرجال والنساء على حسب ما عرفه من مصالحه كسبا له * (وسلوا الله من فضله) * ولا تحسدوا غيركم بما أوتي من الفضل ولكن اسألوا الله من فضله الذي لا يغيض، قال سفيان بن عيينة (1): لم يأمر بالمسألة إلا ليعطي (2). # * (ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فاتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شئ شهيدا (33) الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموا لهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا) * (34) سورة النساء / 33 و 34 أي: * (ولكل) * واحد من الرجال والنساء * (جعلنا موالي) * أي: ورثة هم أولى بميراثه، يرثون * (مما ترك الوالدان والأقربون) * الموروثون * (والذين عقدت أيمانكم) * أي: ويرثون مما ترك الذين عقدت أيمانكم، لأن لهم ورثة هم أولى # PageV01P394 # بميراثهم فيكون عطفا على * (الوالدان) * ويكون المضمر (1) في * (فاتوهم) * للموالي، ويجوز أن يكون في * (ترك) * ضمير * (لكل) * و * (الوالدان والأقربون) * تفسيرا ل‍ * (موالي) * كأنه قيل: من هم؟ فقيل: * (الوالدان والأقربون) *، و * (الذين عقدت أيمانكم) * مبتدأ ضمن معنى الشرط فوقع خبره مع الفاء وهو قوله: # * (فاتوهم نصيبهم) * والمراد ب‍ * (الذين عقدت أيمانكم) * موالي الموالاة، ms0219 كان الرجل يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك وهدمي هدمك وحربي حربك وسلمي سلمك وترثني وأرثك وتعقل عني وأعقل عنك، فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف، فنسخ بقوله: * (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) * (2) (3) وقرئ: " عاقدت " (4) و " عقدت " (5)، ومعنى: " عاقدت أيمانكم " عاقدتهم أيديكم وماسحتموهم، ومعنى " عقدت ": عقدت عهودهم أيمانكم * (الرجال قوامون على النساء) * يقومون عليهن بالأمر والنهي كما تقوم الولاة على رعاياهم ولذلك سموا قواما، بسبب تفضيل الله * (بعضهم) * وهم الرجال * (على بعض) * يعني: النساء، وقد ذكر في تفضيل الرجال أشياء: منها العقل والحزم والجهاد والخطبة والأذان وعدد الأزواج والطلاق وغير ذلك * (وبما أنفقوا) * أي: وبسبب ما أنفقوا في نكاحهن من الأموال يعني: المهر والنفقة * (فالصالحات قانتات) * أي: مطيعات لله قائمات بما عليهن للأزواج * (حافظات للغيب) * خلاف الشهادة، أي: راعيات لحقوق # PageV01P395 # أزواجهن وحرمتهم في الفروج والبيوت والأموال في حال غيبتهم * (بما حفظ الله) * بما حفظهن الله حين أوصى بهن الأزواج في كتابه، أو بما حفظهن الله إذ وفقهن لحفظ الغيب فتكون * (ما) * مصدرية، وقرئ: " بما حفظ الله " بالنصب (1) على أن " ما " موصولة، أي: بالأمر الذي يحفظ حق الله وأمانة الله وهو التعفف والشفقة على الرجال. # وفي الحديث: " خير النساء امرأة إن نظرت إليها سرتك، وإن أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالها ونفسها " (2) وتلا الآية. # * (والتي تخافون نشوزهن) * أي: عصيانهن، وأصل النشوز: الانزعاج والترفع على الزوج * (فعظوهن) * أولا بالقول والنصيحة * (واهجروهن) * ثانيا * (في المضاجع) * والمراقد وهي كناية عن الجماع، وقيل: هو أن يوليها ظهره في المضجع (3) * (واضربوهن) * إن لم ينجع فيهن الوعظ والهجران ضربا غير مبرح لا يقطع لحما ولا يكسر عظما، وعن الباقر (عليه السلام): أنه الضرب بالسواك (4) * (فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا) * أي: أزيلوا عنهن التعرض بالأذى والتجني وتوبوا عليهن بعد رجوعهن إلى الطاعة وترك النشوز * (إن الله كان عليا كبيرا) * فاحذروه ولا تكلفوهن ما لا يطقن. # سورة النساء / 35 و 36 * (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله ms0220 بينهما إن الله كان عليما خبيرا) * (35) # PageV01P396 # الأصل " شقاقا بينهما " فأضيف الشقاق إلى الظرف على سبيل الاتساع، والضمير للزوجين وإن لم يجر ذكرهما لدلالة ذكر الرجال والنساء عليهما (1) * (فابعثوا حكما) * أي: رجلا رضي * (من أهله وحكما من أهلها) * كذلك، يصلح كلاهما لحكومة العدل والإصلاح بينهما، والألف في * (إن يريدا إصلاحا) * ضمير الحكمين وفي * (يوفق الله بينهما) * للزوجين، أي: إن قصدا إصلاح ذات البين بورك في وساطتهما، وأوقع الله بحسن نيتهما الوفاق والألفة بين الزوجين، وقيل: # الضميران للحكمين يوفق الله بينهما حتى يتفقا على الكلمة الواحدة (2)، وروى أصحابنا: أن للحكمين أن يجمعا بينهما إن رأيا ذلك صلاحا، وليس لهما أن يفرقا بينهما إلا بعد أن يستأمراهما ويرضيا بذلك (3). # * (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسنا وبذي القربى واليتامى والمسكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا (36) الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا) * (37) * (وبالوالدين إحسنا) * بمعنى: وأحسنوا بالوالدين إحسانا * (وبذي القربى) * وبكل من بينكم وبينه قرابة * (والجار ذي القربى) * أي: الذي جواره قريب * (والجار الجنب) * الذي جواره بعيد، وقيل معناهما: الجار القريب النسب والجار # PageV01P397 # الجنب الأجنبي (1) * (والصاحب بالجنب) * هو الذي يصحب الإنسان بأن يحصل بجنبه بكونه رفيقه في سفره أو جارا له ملاصقا أو شريكا أو قاعدا إلى جنبه في مجلس، فعليه أن يرعى حقه * (وابن السبيل) * المسافر المنقطع به، وقيل: هو الضيف (2) (3)، والمختال: التياه الجهول الذي يتكبر عن إكرام أقاربه وأصحابه، والفخور: الذي يفخر بكثرة ماله * (الذين يبخلون) * بدل من قوله: * (من كان مختالا فخورا) * أو نصب على الذم أو رفع على الذم أيضا أو يكون مبتدأ خبره محذوف كأنه قيل: الذين يبخلون ويفعلون كذا ملومون مستحقون للعقوبة (4)، أي: يبخلون بما عندهم وبما في أيدي غيرهم فيأمرونهم بأن يبخلوا كما جاء في المثل: " أبخل من الضنين بنائل غيره " (5)، * (ويكتمون ما آتاهم الله من فضله) *: الغنى، بالتفاقر إلى الناس، وقيل: ms0221 هم اليهود كتموا صفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) (6). # * (والذين ينفقون أموا لهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر ومن يكن الشيطان له قرينا فسآء قرينا (38) وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما) * (39) سورة النساء / 39 و 40 * (رئاء الناس) * أي: للمراءاة والفخار وليقال: إنهم أسخياء لا لوجه الله، وقيل: # هم مشركو قريش أنفقوا أموالهم في عداوة رسول الله (صلى الله عليه وآله) (7) * (فسآء قرينا) * إذ # PageV01P398 # حملهم على البخل والرئاء وكل شر وفساد، ويجوز أن يكون وعيدا لهم بأن يكون الشيطان مقرونا بهم في النار * (وماذا عليهم) * أي: أي شئ عليهم من الوبال والتبعة في الإيمان والإنفاق في سبيل الله، وهذا توبيخ لهم وتهجين وإلا فإن المنفعة كل المنفعة في ذلك * (وكان الله بهم عليما) * وعيد لهم. # * (إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما) * (40) الذرة: النملة الصغيرة، وقيل: كل جزء من أجزاء الهباء ذرة (1)، وفي هذا دلالة على أنه لو نقص من الأجر أدنى شئ أو زيد على المستحق من العقاب لكان ظلما * (وإن تك حسنة) * أي: وإن تك مثقال الذرة حسنة، وإنما أنث لكونه مضافا إلى مؤنث، وقرئ: " حسنة " بالرفع (2) على " كان " التامة * (يضعفها) * أي: # يضاعف ثوابها، * (ويؤت من لدنه أجرا عظيما) * أي: ويعط صاحبها من عنده على سبيل التفضل عطاء عظيما، وسماه أجرا لأنه تابع للأجر، وقرئ: " يضعفها " بالتشديد (3). # * (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا (41) يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا) * (42) # PageV01P399 # * (فكيف) * يصنع هؤلاء الكفار * (إذا جئنا من كل أمة بشهيد) * يشهد عليهم بما فعلوا وهو نبيهم * (وجئنا بك) * يا محمد * (على هؤلاء) * يعني: قومه * (شهيدا) * والمعنى: أن الله سبحانه يستشهد يوم القيامة كل نبي على أمته فيشهد لهم وعليهم. # وعن ابن مسعود أنه قرأ هذه الآية على النبي (صلى الله عليه وآله) ففاضت عيناه ms0222 (1)، فانظر في هذه الحالة إذا كان الشاهد يبكي لهول هذه المقالة فماذا ينبغي أن يصنع المشهود عليه من الانتهاء عن كل ما يستحيى منه على رؤوس الأشهاد! # * (يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى) * من التسوية، وقرئ: # " لو تسوى " بحذف التاء (2) من تتسوى، و " تسوى " بإدغام التاء في السين (3)، يقال: سويته فتسوى، والمعنى: يودون أنهم لم يبعثوا وأنهم كانوا والأرض سواء، وقيل: يودون لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما * (تسوى) * بالموتى (4)، * (ولا يكتمون الله حديثا) * ولا يقدرون على كتمانه لأن جوارحهم تشهد عليهم. # سورة النساء / 43 * (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكرى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا) * (43) # PageV01P400 # أي لا تقوموا إلى الصلاة وأنتم نشاوى، وقيل: معناه: * (لا تقربوا) * مواضع * (الصلاة) * وهي المساجد (1) كقوله (عليه السلام): " جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم " (2)، وقيل: هو سكر النوم وغلبة النعاس خاصة (3)، وروي ذلك عن الباقر (عليه السلام) (4) * (ولا جنبا) * عطف على قوله: * (وأنتم سكرى) * لأن محل الجملة مع الواو نصب على الحال، كأنه قيل: لا تقربوا الصلاة سكارى ولا جنبا، لأن الجنب اسم جرى مجرى المصدر الذي هو الاجناب فاستوى فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث * (إلا عابري سبيل) * أي: لا تقربوا الصلاة في أحوال الجنابة إلا إذا كنتم مسافرين فيجوز لكم أن تؤدوها بالتيمم فإن التيمم لا يرفع حكم الجنابة، فيكون قوله: * (عابري سبيل) * منصوبا على الحال، وعبور السبيل عبارة عن السفر، فكأنه قيل: لا تقربوا الصلاة غير مغتسلين * (حتى تغتسلوا) * إلا في حال كونكم مسافرين، ومن فسر الصلاة بالمسجد قال: إن معناه لا تقربوا مواضع الصلاة جنبا إلا مجتازين فيها حتى تغتسلوا من الجنابة. # * (وإن كنتم مرضى أو على سفر) * أراد سبحانه أن يرخص للذين تجب عليهم الطهارة في التيمم عند عدم الماء، فخص أولا ms0223 من بينهم مرضاهم ومسافريهم لكثرة المرض والسفر وغلبتهما على سائر الأسباب الموجبة للرخصة، ثم عم كل من وجب عليه الطهارة وأعوزه الماء لخوف عدو أو سبع أو عدم ما يتوصل به إلى الماء أو غير ذلك مما لا يكثر كثرة المرض والسفر، فلذلك نظم في سلك واحد بين المريض والمسافر وبين المحدث والجنب وإن كان المرض والسفر سببين من # PageV01P401 # أسباب الرخصة والحدث سببا لوجوب الوضوء والجنابة سببا لوجوب الغسل، ومن قرأ: " أو لمستم " (1) فإن اللمس والملامسة بمعنى الجماع، قال ابن عباس: # سمى الله الجماع لمسا كما يسمى المطر سماء (2)، و * (الغائط) * أصله المطمئن من الأرض، وكانوا يتبرزون هناك ثم كثر ذلك حتى كنوا بالغائط عن الحدث. # والتيمم: أصله القصد، وقد تخصص في الشرع بقصد الصعيد لمسح أعضاء مخصوصة، وقال الزجاج (3): الصعيد: وجه الأرض ترابا كان أو صخرا لا تراب عليه (4). # ولو ضرب المتيمم يده عليه ومسح لكان ذلك طهوره وهو مذهب أبي حنيفة (5)، وهو المروي عن أئمة الهدى (عليهم السلام) (6) * (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) * وهو ضربة واحدة للوجه واليدين إذا كان بدلا من الوضوء، وضربتان: إحداهما للوجه والأخرى لليدين إذا كان بدلا من الغسل، ومسح الوجه من قصاص الشعر إلى طرف الأنف ومسح اليدين من الزندين إلى رؤوس الأصابع. # سورة النساء / 44 - 46 * (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضللة # PageV01P402 # ويريدون أن تضلوا السبيل (44) والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا (45) من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا) * (46) * (ألم تر) * من رؤية القلب، وعدي ب‍ " إلى " لأنه بمعنى: ألم تنظر إليهم أو ألم ينته علمك إليهم * (أوتوا نصيبا من الكتاب) * أعطوا حظا من علم التوراة وهم أحبار اليهود * (يشترون الضللة) * يستبدلونها بالهدى، وهي البقاء على اليهودية بعد وضوح المعجزات الدالة على صدق محمد (صلى الله ms0224 عليه وآله) والآيات الموضحة عن صحة نبوته، وأنه النبي العربي المبشر به في التوراة والإنجيل * (ويريدون أن تضلوا) * أنتم أيها المؤمنون سبيل الحق كما ضلوه، فكأنهم إذا ضلوا أحبوا أن يضل (1) غيرهم معهم * (والله أعلم) * منكم * (بأعدائكم) * وقد أخبركم بعداوة هؤلاء لكم فاحذروهم ولا تستشيروهم في أموركم * (وكفى بالله وليا) * فثقوا بولايته ونصرته ولا تبالوا بهم. # * (من الذين هادوا) * بيان ل‍ * (الذين أوتوا نصيبا من الكتاب) * لأنهم يهود ونصارى، وتوسطت بين البيان والمبين جمل (2) اعتراضية وهي قوله: * (والله أعلم... وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا) *، ويجوز أن يكون بيانا ل‍ " أعدائكم " أو صلة ل‍ * (نصيرا) * أي: ينصركم من الذين هادوا كقوله: * (ونصرناه من القوم الذين كذبوا) * (3)، ويجوز أن يكون كلاما مبتدأ على تقدير: من الذين هادوا قوم # PageV01P403 # * (يحرفون الكلم عن مواضعه) * يعني: يميلونه عنها لأنهم إذا بدلوه ووضعوا مكانه غيره فقد أمالوه عن موضعه الذي وضعه الله فيه وأزالوه عنه كما حرفوا " أسمر ربعة " (1) عن موضعه في التوراة ووضعوا مكانه " آدم طوال ". # * (و) * قولهم (2): * (اسمع غير مسمع) * معناه: اسمع منا مدعوا عليك ب‍ " لا سمعت " أو اسمع غير مجاب إلى ما تدعو إليه، فيكون * (غير مسمع) * حالا من المخاطب، * (وراعنا) * مر معناه * (ليا بألسنتهم) * فتلا بها وتحريفا، أي: # يفتلون بألسنتهم الحق إلى الباطل حيث يضعون * (راعنا) * موضع * (انظرنا) *، و * (غير مسمع) * موضع " لا أسمعت مكروها " أو يفتلون بألسنتهم ما يضمرونه من الشتم إلى ما يظهرونه من التوقير نفاقا * (ولو أنهم قالوا سمعنا) * قولك * (وأطعنا) * أمرك * (واسمع) * منا * (وانظرنا لكان خيرا لهم) * والضمير في * (لكان) * يرجع إلى * (أنهم قالوا) * لأن المعنى ولو ثبت قولهم: * (سمعنا وأطعنا) * لكان قولهم ذلك * (خيرا لهم وأقوم) * أي: أعدل وأسد * (ولكن لعنهم الله) * أي: أبعدهم عن رحمته * (بكفرهم) * أي: بسبب كفرهم * (فلا يؤمنون إلا) * إيمانا * (قليلا) * ضعيفا لا إخلاص فيه، أو إلا قليلا منهم قد آمنوا. # * (يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو ms0225 نلعنهم كما لعنا أصحب السبت وكان أمر الله مفعولا) * (47) سورة النساء / 47 و 48 أي: صدقوا * (بما نزلنا) * ه من القرآن والأحكام على محمد (صلى الله عليه وآله) * (مصدقا لما # PageV01P404 # معكم) * من التوراة * (من قبل أن نطمس وجوها) * أي: نمحو آثارها وتخطيط صورها من عين وحاجب وأنف * (فنردها على أدبارها) * فنجعلها على هيئة أدبارها وهي الأقفاء مطموسة مثلها، أو يريد ننكس وجوها إلى خلف وأقفاءها إلى قدام، أو يريد بالطمس التغير وبالوجوه الوجهاء والرؤساء، أي: من قبل أن نغير أحوال وجهائهم فنسلبهم وجاهتهم وإقبالهم ونكسوهم صغارهم وإدبارهم (1) * (أو نلعنهم) * الضمير يرجع إلى أصحاب الوجوه أو الوجهاء، أي: # نخزيهم بالمسخ * (كما) * مسخنا * (أصحب السبت) * وهذا الوعيد لليهود كان مشروطا بالإيمان، فلما آمن جماعة منهم كعبد الله بن سلام وثعلبة بن سعفة (2) ومخيريق (3) وغيرهم رفع العذاب عن غيرهم، وقيل: هو منتظر ولابد من طمس ومسخ لليهود قبل يوم القيامة (4) * (وكان أمر الله مفعولا) * فلابد أن يقع أحد الأمرين إن لم يؤمنوا. # * (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما) * (48) هذه الآية أرجى آية في القرآن (5)، لأن فيها إدخال جميع الذنوب التي هي دون الشرك الداخلة تحت عموم قوله: * (ما دون ذلك) * في مشية الغفران، ألا ترى # PageV01P405 # أنه سبحانه نفى غفران الشرك أولا وقد حصل الإجماع على أنه سبحانه يغفره بالتوبة ثم أثبت غفران ما دون الشرك من المعاصي، فينبغي أن يكون المراد غفران من لم يتب منها ليخالف المنفي المثبت، ثم علق المشية بالمغفور لهم فقال: * (لمن يشاء) * أي: يغفر الذنوب التي هي دون الشرك لمن يشاء أن يغفر له من المذنبين ليكون العبد واقفا بين الخوف والرجاء خارجا عن الإغراء، إذ الإغراء إنما يحصل بالقطع على الغفران دون الرجاء للغفران المعلق بالمشية. # وقال جار الله: إن المنفي والمثبت في الآية موجهان إلى قوله: * (لمن يشاء) * والمراد بالأول: من لم يتب، وبالثاني: من تاب (1). وهذا الذي قاله غاية في الفساد ms0226 والبطلان، لأنه يكون معنى الآية إذ ذاك أنه سبحانه لا يغفر الشرك لمن يشاء وهو غير التائب ويغفر لمن تاب منه، ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء وهو التائب ولا يغفر لمن لم يتب منه، فيصير المنفي والمثبت - كما ترى - سواء في الحكم والمعنى!! حاشا كلام الله الذي بهر العقول بفصاحته عن مثل هذه النقيصة التي يربأ بكلام كل عاقل عنها، على أن التوبة إذا حصلت أوجبت عنده إسقاط العقاب فكيف تعلق به (2) المشية؟ وهل يستجيز عاقل أن يقول: أنا أقضي الدين إن شئت أو لمن شئت؟ جل ربنا عن مثله وتقدس، اللهم لك الحمد على تأييدك وتسديدك * (ومن يشرك بالله فقد افترى) * أي: ارتكب * (إثما عظيما) * وهو مفتر في زعمه (3) أن العبادة يستحقها غير الله سبحانه. # سورة النساء / 49 - 51 * (ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكى من يشاء ولا يظلمون فتيلا (49) انظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به # PageV01P406 # إثما مبينا) * (50) * (الذين يزكون أنفسهم) * هم اليهود والنصارى قالوا: * (نحن أبناء الله وأحباؤه) * (1)، * (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى) * (2) ويدخل في الآية كل من زكى نفسه ووصفها بزيادة الطاعة والزلفى عند الله * (بل الله يزكى من يشاء) * إيذان بأن تزكية الله هي التي يعتد بها دون تزكية المرء نفسه، لأنه سبحانه العالم بمن هو أهل التزكية * (ولا يظلمون فتيلا) * الضمير يرجع إلى * (الذين يزكون أنفسهم) * أي: لا يظلمون في تعذيبهم على تزكيتهم أنفسهم مقدار فتيل، وهو ما يكون في شق النواة، أو يرجع إلى * (من يشاء) * أي: يثابون ولا ينقص من ثوابهم * (انظر كيف يفترون على الله الكذب) * في زعمهم أنهم أزكياء عند الله * (وكفى) * بزعمهم هذا * (إثما مبينا) * أي: بينا ظاهرا من بين سائر آثامهم. # * (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا (51) أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا) * (52) الجبت: كل ما عبد من دون ms0227 الله، والطاغوت: الشيطان، روي: أن حي ابن أخطب وكعب بن الأشرف خرجا مع جماعة من اليهود إلى مكة يحالفون قريشا على محاربة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال قريش لهم: أنتم أقرب إلى محمد منكم إلينا فلا نأمن مكركم فاسجدوا لآلهتنا حتى نطمئن إليكم، ففعلوا، فهذا # PageV01P407 # إيمانهم * (بالجبت والطاغوت) * لأنهم سجدوا للأصنام وأطاعوا الشيطان فيما فعلوا، وقال أبو سفيان: أنحن أهدى سبيلا أم محمد؟ فقال كعب: ماذا يقول محمد؟ # قالوا: يأمر بعبادة الله وحده وينهى عن الشرك، قال: وما دينكم؟ قالوا: نحن ولاة البيت نسقي الحاج ونقري الضيف ونفك العاني... وذكروا أفعالهم، فقال: أنتم أهدى سبيلا (1) * (أولئك الذين لعنهم الله) * أبعدهم الله من رحمته وخذلهم * (ومن يلعن‍) * - ه * (الله فلن تجد له نصيرا) * في الدنيا والآخرة. # * (أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا (53) أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما (54) فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا) * (55) سورة النساء / 54 - 57 وصف سبحانه اليهود بالبخل والحسد وهما شر الخصال، لأن البخيل يمنع ما أوتي من النعمة، والحاسد يتمنى أن تكون له نعمة غيره وزوالها عنه و * (أم) * هذه منقطعة والهمزة لإنكار أن يكون * (لهم نصيب من الملك) * أي: ولو كان لهم نصيب من الملك * (فإذا لا يؤتون) * أحدا (2) مقدار نقير، وهو النقرة في ظهر النواة، والملك: إما ملك أهل الدنيا وإما ملك الله كما في قوله: * (قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربى إذا لأمسكتم خشية الانفاق) * (3)، * (أم يحسدون) * بل أيحسدون * (الناس) * يعني: رسول الله والمؤمنين * (على ما آتاهم الله من فضله) * من النبوة والنصرة وزيادة العز كل يوم * (فقد آتينا آل إبراهيم) * هذا إلزام لهم بما عرفوه من أن الله تعالى آتي آل إبراهيم الذين هم أسلاف محمد * (الكتاب) * # PageV01P408 # وهو التوراة والإنجيل * (والحكمة) * وهي ما أعطوا من العلم * (وآتيناهم ملكا عظيما) * وهو ملك يوسف وداود وسليمان * (فمنهم) * أي: من اليهود ms0228 * (من آمن) * بما ذكر من حديث آل إبراهيم * (ومنهم من صد عنه) * أنكره مع علمه بصحته، أو يكون المعنى: فمن اليهود من آمن برسول الله ومنهم من أنكر نبوته، أو فمن آل إبراهيم من آمن بإبراهيم ومنهم من كفر كقوله تعالى: * (فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون) * (1). # * (إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما (56) والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنت تجرى من تحتها الأنهر خلدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا) * (57) * (سوف نصليهم) * أي: نلزمهم * (نارا) * ونلقيهم فيها ونحرقهم بها * (بدلناهم جلودا غيرها) * أبدلناهم إياها * (ليذوقوا العذاب) * أي: ليجدوا ألم العذاب (2) * (إن الله كان عزيزا) * لا يمتنع عليه إنجاز ما وعده أو توعد به * (حكيما) * لا يعذب إلا من يستحقه * (لهم فيها أزواج مطهرة) * من الحيض والنفاس ومن جميع الدنايا والأدناس * (وندخلهم ظلا ظليلا) * أي: دائما لا تنسخه الشمس، وهو وصف اشتق من لفظ الظل كما يقال: يوم أيوم وليل أليل وداهية دهياء. # * (إن الله يأمركم أن تؤدوا الامنت إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا # PageV01P409 # بصيرا (58) يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنزعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) * (59) قيل: إن الخطاب عام لكل أحد في كل أمانة من أمانات الله التي هي أوامره ونواهيه، وأمانات عباده فيما يأتمن بعضهم بعضا فيه (1)، وقيل: الخطاب لولاة الأمر أمرهم الله بأداء * (الامنت) * والحكم * (بالعدل) * ثم أمر الرعية في الآية الأخرى بأن يسمعوا لهم ويطيعوا، ثم أكد ذلك بقوله: * (إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) * (2)، وروي عنهم (عليهم السلام): أنه أمر لكل واحد من الأئمة أن يسلم الأمر إلى ولي الأمر بعده، وقالوا: " إن الآية الأولى لنا والآية الأخرى لكم " (3). # وقوله: * (نعما) * أي: نعم شيئا * (يعظكم به) * فتكون " ما " نكرة ms0229 منصوبة موصوفة ب‍ * (يعظكم به) *، أو نعم الشئ الذي يعظكم به فتكون " ما " مرفوعة موصولة والمخصوص بالمدح محذوف، أي: نعما يعظكم به ذاك وهو المأمور به من أداء الأمانات والحكم بالعدل (4). # سورة النساء / 59 * (وأولي الأمر) * هم أمراء الحق وأئمة الهدى الذين يهدون الخلق ويقضون بالحق، لأنه لا يعطف على الله ورسوله في وجوب الطاعة ولا يقرن بهما في ذلك إلا من هو معصوم مأمون منه القبيح أفضل ممن أمر بطاعته وأعلم، ولا يأمرنا الله عز اسمه بالطاعة لمن يعصيه ولا بالانقياد لوال علة حاجتنا إليه موجودة فيه * (فإن # PageV01P410 # تنزعتم في شئ) * أي: فإن اختلفتم في شئ من أمور دينكم * (فردوه إلى الله والرسول) * أي: ارجعوا فيه إلى الرسول في حياته وإلى من أمر بالرجوع إليه بعد وفاته في قوله: " إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله وعترتي - أهل بيتي - وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " (1)، فقد صرح (عليه السلام) أن في التمسك بهما الأمان من الضلال، فالرد إلى أهل بيته العترة الملازمة كتاب الله الغير المخالفة له بعد وفاته مثل الرد إليه (صلى الله عليه وآله) في حياته، لأنهم الحافظون لشريعته القائمون مقامه في أمته، فثبت أن * (أولي الأمر) * هم الأئمة (عليهم السلام) من آل محمد (صلى الله عليه وآله) * (ذلك) * إشارة إلى الرد إلى الله والرسول * (خير) * لكم * (وأحسن تأويلا) * أي: وأحمد عاقبة. # * (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضللا بعيدا (60) وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما # PageV01P411 # أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنفقين يصدون عنك صدودا) * (61) كان بين رجل من المنافقين وبين رجل من اليهود خصومة، فقال اليهودي: # أحاكم إلى محمد لأنه علم أنه لا يقبل الرشوة، وقال المنافق: بل بيني وبينك كعب ابن الأشرف فنزلت (1). سمى الله كعب بن الأشرف طاغوتا لإفراطه في الطغيان وفي عداوة رسول الله (عليه ms0230 السلام)، أو على التشبيه بالشيطان والتسمية باسمه، أو جعل سبحانه اختيار التحاكم إليه على التحاكم إلى رسول الله تحاكما إلى الشيطان بدليل قوله: * (وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضللا بعيدا) *. # * (فكيف إذا أصبتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسنا وتوفيقا (62) أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا) * (63) سورة النساء / 64 و 65 * (فكيف) * يكون حالهم * (إذا أصبتهم مصيبة) * أي: نالتهم من الله تعالى عقوبة * (بما قدمت أيديهم) * من التحاكم إلى غيرك وإظهار السخط لحكمك * (ثم جاءوك) * فيعتذرون إليك و * (يحلفون) * ما * (أردنا) * بالتحاكم إلى غيرك * (إلا إحسنا) * وهو التخفيف عنك * (وتوفيقا) * بين الخصمين بالتوسط، ولم نرد المخالفة لك والتسخط لحكمك * (أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم) * من الشرك والنفاق * (فأعرض عنهم) * أي: لا تعاقبهم لمصلحة في استبقائهم * (وعظهم) * بلسانك * (وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا) * يبلغ من نفوسهم كل مبلغ، أي: خوفهم بالقتل والاستئصال إن نجم منهم النفاق، ويجوز أن يكون المعنى: وقل لهم في أنفسهم خاليا بهم ليس معهم غيرهم قولا بليغا يبلغ منهم ويؤثر فيهم فإن النصيحة في # PageV01P412 # السر أنجع (1). # * (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما (64) فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) * (65) أي: ولم نرسل رسولا من رسلنا قط * (إلا ليطاع بإذن الله) * أي: بسبب إذن الله في طاعته وبأنه أمر المبعوث إليهم بأن يطيعوه ويتبعوه لأنه مؤد عن الله، فطاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله * (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم) * بالتحاكم إلى الطاغوت * (جاءوك) * تائبين مما ارتكبوه * (فاستغفروا الله) * من ذلك بالإخلاص * (واستغفر لهم الرسول) * ولم يقل: " واستغفرت لهم " لكنه عدل عنه إلى طريقة الالتفات تفخيما لشأن الرسول (صلى الله عليه وآله) وتعظيما لاستغفاره وتنبيها على أن ms0231 شفاعة من اسمه الرسول من الله بمكان * (لوجدوا الله توابا رحيما) * لعلموه توابا، أي: لتاب عليهم * (فلا وربك) * معناه: فوربك، و * (لا) * مزيدة لتأكيد معنى القسم كما زيدت في * (لئلا يعلم) * (2) لتأكيد وجوب (3) العلم، و * (لا يؤمنون) * جواب القسم * (حتى يحكموك فيما شجر بينهم) * فيما اختلف بينهم ومنه الشجر لتداخل أجزائه * (ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا) * أي: ضيقا، أي: لا يضيق صدورهم من حكمك، وقيل: # شكا (4)، لأن الشاك في ضيق من أمره * (ويسلموا) * أي: وينقادوا ويذعنوا لقضائك من قولك: سلم لأمر الله وأسلم له * (تسليما) * تأكيد للفعل بمنزلة تكريره. # PageV01P413 # قيل: نزلت في شأن الزبير (1) وحاطب بن أبي بلتعة (2)، فإنهما اختصما إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في شراج (3) من الحرة كانا يسقيان بها النخل، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): # " اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك " فغضب حاطب وقال: لأن كان ابن عمتك، فتغير وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم قال: " اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر واستوف حقك ثم أرسله إلى جارك " (4) كان قد أشار على الزبير برأي فيه السعة له ولخصمه، فلما أحفظ رسول الله استوعب للزبير حقه في صريح الحكم. # * (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا (66) وإذا لاتينهم من لدنا أجرا عظيما (67) ولهديناهم صرا طا مستقيما) * (68) سورة النساء / 66 - 70 أي: * (ولو) * أوجبنا * (عليهم) * مثل ما أوجبنا على بني إسرائيل من قتلهم أنفسهم * (أو) * خروجهم * (من) * ديارهم * (ما فعلوه إلا) * ناس * (قليل منهم) * وهذا # PageV01P414 # توبيخ (1) بليغ، والرفع على البدل من الواو في * (فعلوا) *، وقرئ: " إلا قليلا " بالنصب (2) على أصل الاستثناء أو على: إلا فعلا قليلا * (ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به) * من اتباع رسول الله (صلى الله عليه وآله) والانقياد له والرضا بحكمه * (لكان خيرا لهم) * عاجلا وآجلا * (وأشد تثبيتا) * لإيمانهم * (وإذا) * جواب لسؤال مقدر، ms0232 كأنه قيل: وماذا يكون لهم أيضا بعد التثبيت؟ فقيل: وإذا لو ثبتوا * (لاتينهم من لدنا أجرا عظيما) * لأن " إذا " جواب وجزاء * (ولهديناهم) * أي: وفقناهم لازدياد الخيرات. # * (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا (69) ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما) * (70) رغب الله المؤمنين في طاعة الله ورسوله حيث وعدهم مرافقة * (النبيين) * في أعلى عليين * (والصديقين) * الذين صدقوا في أقوالهم وأفعالهم * (والشهداء) * المقتولين في الجهاد * (والصالحين) * الذين صلحت حالهم (3) واستقامت طريقتهم * (وحسن أولئك رفيقا) * فيه معنى التعجب، كأنه قيل: وما أحسن أولئك رفيقا! # والرفيق كالصديق والخليط في استواء الواحد والجمع فيه، ويجوز أن يكون مفردا بين (4) به الجنس في باب التمييز * (ذلك) * مبتدأ و * (الفضل) * صفته و * (من الله) * الخبر، ويجوز أن يكون * (الفضل من الله) * خبر المبتدأ والمعنى: أن ما أعطي # PageV01P415 # المطيعون من الأجر العظيم ومرافقة أقرب عباد الله إلى الله تفضل عليهم من الله تبعا لثوابهم (1). # * (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا (71) وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله على إذ لم أكن معهم شهيدا (72) ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما) * (73) سورة النساء / 72 - 75 الحذر والحذر بمعنى، يقال: أخذ حذره: إذا تيقظ وتحفظ من المخوف، كأنه جعل الحذر آلته التي يحفظ بها نفسه، أي: احذروا واحترزوا من العدو، وعن الباقر (عليه السلام): " خذوا أسلحتكم " (2) فسمى الأسلحة حذرا لأن بها يتقى المحذور * (فانفروا) * إلى قتال عدوكم، أي: اخرجوا إلى الجهاد إما * (ثبات) * أي: جماعات متفرقة وإما * (جميعا) * مجتمعين كوكبة (3) واحدة ولا تتخاذلوا، واللام في * (لمن) * للابتداء، وفي * (ليبطئن) * جواب قسم محذوف تقديره: وإن منكم لمن أقسم بالله ليبطئن، والقسم وجوابه صلة " من "، والخطاب لعسكر النبي (صلى الله عليه وآله)، والمبطئون هم المنافقون، ومعنى * (ليبطئن) *: ليتثاقلن وليتخلفن عن الجهاد، وبطأ بمعنى أبطأ، ويقال: ما بطأ بك (4) أي: ms0233 أخرك عنا، والتبطئة: التأخر عن الأمر فيعدى (5) بالباء، ويجوز أن يكون منقولا من بطوء فيكون المعنى: ليبطئن غيره وليثبطنه عن الغزو، * (فإن أصابتكم مصيبة) * من قتل أو هزيمة * (قال) * قول الشامت: * (قد أنعم الله # PageV01P416 # على إذ لم أكن معهم شهيدا) * أي: حاضرا في القتال فكان يصيبني ما أصابهم، و إن * (أصابكم فضل من الله) * من فتح أو غنيمة * (ليقولن... يا ليتني) *، وقوله: # * (كأن لم تكن بينكم وبينه مودة) * اعتراض بين الفعل الذي هو * (ليقولن) * وبين مفعوله الذي هو * (يا ليتني) * يعني: كأن لم يتقدم له معكم مودة * (فأفوز فوزا عظيما) * أي: أصيب غنيمة وآخذ حظا وافرا منها. # * (فليقتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما (74) ومالكم لا تقتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والوالدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا) * (75) * (يشرون) * أي: يبيعون الحياة الفانية بالحياة الباقية ويستبدلونها بها، ثم وعد المقاتل * (في سبيل الله) * ظافرا أو مظفورا به إيتاء الأجر العظيم * (ومالكم لا تقتلون في سبيل الله) * أي: أي عذر لكم في ترك القتال مع اجتماع الأسباب الموجبة للقتال * (في سبيل الله) * في طاعته وإعزاز دينه وإعلاء كلمته * (والمستضعفين) * فيه وجهان: أحدهما: أن يكون مجرورا عطفا على * (سبيل الله) * أي: في سبيل الله وفي خلاص المستضعفين، والثاني: منصوبا على الاختصاص بمعنى: وأختص من (1) سبيل الله خلاص المستضعفين، لأن سبيل الله عام في كل خير، وخلاص المستضعفين من المؤمنين من أيدي الكفار من أعظم الخيرات وأخص القربات، والمستضعفون هم الذين أسلموا بمكة وصدهم # PageV01P417 # المشركون عن الهجرة فبقوا بين أظهرهم يلقون منهم الأذى، فكانوا يدعون الله بالخلاص ويستنصرونه، فيسر الله لبعضهم الخروج إلى المدينة وبقي بعضهم إلى الفتح حتى جعل الله لهم من لدنه خير ولي وخير ناصر وهو محمد (صلى الله عليه وآله)، فتولاهم أحسن التولي ونصرهم أعز النصر، وكانوا قد أشركوا ms0234 صبيانهم في دعائهم استنزالا لرحمة الله بدعاء صغارهم الذين لم يذنبوا كما وردت السنة بإخراجهم في الاستسقاء (1)، وعن ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان (2). وذكر الظالم وإن كان وصفا للقرية لأنه مسند إلى أهلها فأعطي إعراب القرية لأنه صفتها، وذكر لإسناده إلى الأهل. # * (الذين آمنوا يقتلون في سبيل الله والذين كفروا يقتلون في سبيل الطاغوت فقتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا) * (76) هذا ترغيب للمؤمنين وإخبار بأنهم أولياء الله والله ناصرهم، وأعداءهم * (يقتلون في سبيل) * الشيطان، فلا ولي لهم إلا الشيطان، و * (كيد الشيطان) * للمؤمنين ضعيف وأوهن في جنب كيد الله للكافرين. ودخل * (كان) * هنا ليدل على أن الضعف لازم لكيد الشيطان في جميع الأحوال والأوقات. # سورة النساء / 77 * (ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا # PageV01P418 # الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا) * (77) * (كفوا أيديكم) * أي: كفوها عن القتال، وكان المسلمون بمكة مكفوفين عن قتال الكفار وكانوا يتمنون أن يؤذن لهم فيه * (فلما كتب عليهم القتال) * بالمدينة كره فريق منهم ذلك خوفا من القتل والإخطار بالروح * (كخشية الله) * إضافة للمصدر إلى المفعول ومحل الكاف النصب على الحال من الضمير في * (يخشون) * أي: يخشون الناس مثل أهل خشية الله، بمعنى مشبهين لأهل خشية الله * (أو أشد خشية) * من أهل خشية الله، وليس التقدير: يخشون خشية مثل خشية الله، لأن * (أشد خشية) * معطوف عليه، ولا تقول: خشي فلان أشد خشية فتنصب * (خشية) * وأنت تريد المصدر، وإنما تقول: أشد خشية بالجر، وإذا نصبتها كان أشد حالا من الفاعل * (لولا أخرتنا إلى أجل قريب) * استمهال إلى وقت آخر فأعلمهم سبحانه أن ما يستمتع به من منافع * (الدنيا قليل) *، * (ولا تظلمون فتيلا) * أي: لا تبخسون أدنى شئ من أجوركم على مشاق المقاتلة فلا ترغبوا عنها. # * (أينما ms0235 تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا (78) ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا) * (79) PageV01P419 # * (أينما تكونوا) * من الأماكن يلحقكم * (الموت و) * إن * (كنتم في) * قصور * (مشيدة) * مجصصة أو مطولة في ارتفاع، وقيل: في بروج السماء (1). والحسنة تقع على النعمة والطاعة، والسيئة تقع على البلية والمعصية، قال الله تعالى: # * (وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون) * (2)، المعنى: وإن تصبهم نعمة من خصب ورخاء نسبوها إلى الله، وإن تصبهم بلية من جدب وقحط نسبوها إليك وقالوا: هي * (من عندك) * وبشؤمك (3) كما حكي عن قوم موسى: * (وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه) * (4)، وعن قوم صالح: * (اطيرنا بك وبمن معك) * (5)، وإنما قاله اليهود والمنافقون فرد الله عليهم * (قل كل من عند الله) * يبسط الأرزاق ويقبضها يبتلي بذلك عباده * (فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا) * فيعلموا أن الله هو الباسط والقابض، وأفعاله كلها صادرة عن حكمة وصواب. # ثم قال: * (ما أصابك) * يا إنسان خطابا عاما * (من حسنة) * من نعمة وإحسان * (فمن الله) * تفضلا منه وامتنانا وامتحانا * (وما أصابك من سيئة) * أي: بلية ومصيبة * (فمن نفسك) * لأنك السبب فيها بما اكتسبت من الذنوب، ومثله * (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير) * (6)، * (وأرسلناك للناس) * جميعا * (رسولا) * لست برسول للعرب وحدهم * (وكفى بالله شهيدا) * على ذلك فما ينبغي لأحد أن يخرج عن طاعتك. # سورة النساء / 80 - 82 * (من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم # PageV01P420 # حفيظا (80) ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا) * (81) * (من يطع الرسول فقد أطاع الله) * لأنه إنما يأمر بما أمر الله سبحانه به وينهى عما نهى الله سبحانه عنه، فكانت طاعته في ms0236 امتثال ما أمر به والانتهاء عما نهى عنه طاعة الله * (ومن تولى) * أي: أعرض ولم يطع * (فما أرسلناك عليهم حفيظا) * بل نذيرا، إن عليك إلا البلاغ وما عليك أن تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها وتعاقبهم * (ويقولون) * إذا أمرتهم بشئ: * (طاعة) * أي: أمرنا وشأننا طاعة، كأنهم قالوا: قابلنا أمرك بالطاعة * (فإذا برزوا) * أي: خرجوا * (من عندك بيت طائفة) * أي: دبر طائفة منهم ليلا * (غير الذي تقول) * أي: خلاف ما قلت وأمرت به أو خلاف ما قالت وما ضمنت من الطاعة، لأنهم نافقوا بما قالوا وأبطنوا خلاف ما أظهروا، والتبييت: إما من البيتوتة لأنها تدبير الأمر بالليل، يقال: هذا أمر بيت بليل، وإما من أبيات الشعر لأن الشاعر يدبرها ويسويها * (والله يكتب ما يبيتون) * أي: يثبته في صحائف أعمالهم، وهذا وعيد * (فأعرض عنهم) * وأبق عليهم إلى أن يستقر أمر الإسلام * (وتوكل على الله) * في شأنهم فإن الله ينتقم لك منهم. # * (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلفا كثيرا (82) وإذا جاءهم أمر من الامن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا) * (83) التدبر: النظر في أدبار الأمور وتأملها، ثم استعمل في كل تأمل، ومعنى تدبر PageV01P421 # القرآن: تأمل معانيه * (لوجدوا فيه اختلفا كثيرا) * لكان الكثير منه مختلفا متناقضا متفاوتا نظمه ومعانيه، فكان بعضه معجزا وبعضه غير معجز يمكن معارضته وبعضه إخبارا لا يوافق المخبر عنه، فلما تناسب كله فصاحة فاقت (1) قوى الفصحاء وصحة معان وصدق أخبار علم أنه ليس إلا من جهة الله تعالى * (وإذا جاءهم أمر من الامن) * يعني: ناسا من المنافقين، أو من ضعفة المسلمين كانوا إذا بلغهم خبر عن سرايا رسول الله من أمن وسلامة أو خوف وضرر * (أذاعوا به) * وكانت إذاعتهم مفسدة، وقيل: كانوا إذا وقفوا من رسول الله وأولي الأمر على أمن أي: # وثوق بالظفر على الأعداء أو خوف منهم أذاعوه (2) * (ولو ردوه إلى الرسول) * يعني: رسول ms0237 الله (صلى الله عليه وآله) * (وإلى أولي الأمر منهم) * قيل: هم أهل العلم والفقه الملازمون للنبي (عليه السلام) (3)، وقيل: هم أمراء السرايا والولاة (4)، وقال الباقر (عليه السلام): # " هم الأئمة المعصومون " (5) * (لعلمه) * أي: لعلم صحته * (الذين يستنبطونه منهم) * من الرسول وأولي الأمر، ولعرفوا هل هو مما يذاع أو لا يذاع، ومعنى سورة النساء / 83 - 85 * (يستنبطونه) *: يتلقونه منهم ويستخرجون علمه من جهتهم، وعلى هذا فالذين يستنبطونه هم الذين أذاعوا به، وقيل: معناه لعلم الذين يستنبطون تدبيره كيف يدبرونه (6)، * (ولولا فضل الله عليكم ورحمته) * بإرسال الرسول وإنزال الكتاب، # PageV01P422 # وعنهم (عليهم السلام): " فضل الله ورحمته النبي وعلي (عليهما السلام) " (1) * (لاتبعتم الشيطان) * فيما يلقى إليكم من الوساوس الموجبة لضعف اليقين (2) والبصيرة * (إلا قليلا) * منكم وهم أهل البصائر النافذة وذوو الصدق واليقين. # * (فقتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا (84) من يشفع شفعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفعة سيئة يكن له كفل منها وكان الله على كل شئ مقيتا) * (85) لما تقدم في الآي قبلها تثبطهم عن القتال قال: * (فقتل في سبيل الله) * إن أفردوك وتركوك وحدك * (لا تكلف) * غير * (نفسك) * وحدها أن تقدمها إلى الجهاد فإن الله سبحانه هو ناصرك لا جنودك، فإن شاء نصرك وحدك كما ينصرك وحولك الجنود، وروي: أن أبا سفيان يوم أحد لما رجع واعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) موسم بدر الصغرى فكره الناس وتثاقلوا حين بلغ الميعاد فنزلت، فخرج النبي (صلى الله عليه وآله) وما معه إلا سبعون، ولو لم يتبعه أحد لخرج وحده (3)، * (وحرض المؤمنين) * وما عليك في شأنهم إلا التحريض * (عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا) * وهم قريش، وقد كف بأسهم بأن بدا لأبي سفيان وقال: هذا عام مجدب، فانصرف النبي (عليه السلام) بمن (4) معه سالمين (5) * (والله أشد بأسا) * من قريش * (وأشد تنكيلا) * تعذيبا. # PageV01P423 # الشفاعة الحسنة هي التي يدفع بها شر عن مسلم وابتغي بها وجه الله، والسيئة ms0238 ما كان بخلاف ذلك، وقيل: الشفاعة الحسنة: الدعوة للمسلم لأنها في معنى الشفاعة إلى الله (1)، وفي الحديث: " من دعا لأخيه المسلم بظهر الغيب أستجيب له وقال له الملك: ولك مثلاه فذلك النصيب، والدعوة على المسلم بضد ذلك " (2)، وأصل الشفاعة من الشفع الذي هو ضد الوتر، فإن الرجل إذا شفع لصاحبه فقد شفعه أي: صار ثانيه، والكفل: النصيب أيضا فكأنه النصيب من الشر، والمقيت: # الحفيظ الذي يعطي الشئ على قدر الحاجة، وقيل: هو المقتدر (3). # * (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شئ حسيبا (86) الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيمة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا) * (87) سورة النساء / 87 - 89 أمر سبحانه برد السلام على المسلم * (بأحسن) * مما سلم وهو أن يقول: # " وعليكم السلام ورحمة الله " إذا قال: " السلام عليكم "، وأن يزيد " وبركاته " إذا قال: " السلام عليكم ورحمة الله "، * (أو ردوها) * أو أجيبوها بمثلها، ورد السلام: # رجع جوابه بمثله، وجواب التسليم واجب، والتخيير إنما وقع بين الزيادة وتركها، وعن النبي (عليه السلام): " إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم " (4) أي: وعليكم ما قلتم لأنهم كانوا يقولون: السام عليكم، والسام: الموت، والحسيب: # PageV01P424 # المحاسب (1) الحفيظ، و * (لا إله إلا هو) * إما خبر المبتدأ وإما اعتراض والخبر * (ليجمعنكم) * أي: ليحشرنكم * (إلى يوم القيمة) * وهو يوم قيامهم من القبور أو قيامهم للحساب * (ومن أصدق من الله حديثا) * أي: موعدا لأخلف لوعده. # * (فما لكم في المنفقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (88) ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا) * (89) * (فئتين) * نصب على الحال تقول: مالك قائما، أي: ما * (لكم) * اختلفتم * (في) * شأن * (المنفقين) * أو تفرقتم فيه فرقتين * (والله أركسهم بما كسبوا) * من لحوقهم بالمشركين، وهم قوم قدموا من مكة وأظهروا الإسلام ثم رجعوا ms0239 إلى مكة فأظهروا الشرك ثم سافروا إلى اليمامة، فاختلف المسلمون في غزوهم فقال بعضهم: إنهم مسلمون، والإركاس: الرد، أي: أركسهم في الكفر بأن خذلهم حتى ارتكسوا فيه لما علم من مرض قلوبهم * (أتريدون أن تهدوا) * أي: تجعلوا من جملة المهتدين من جعله الله من جملة الضلال وحكم عليه بذلك، أو خذله حتى ضل، وقوله: * (فتكونون) * عطف على * (تكفرون) * والمعنى: * (ودوا) * كفركم فكونكم معهم شرعا سواء فيما هم عليه من الضلال، فلا تتولوهم وإن آمنوا * (حتى يهاجروا) * هجرة صحيحة هي لله لا لغرض من أغراض الدنيا * (فإن تولوا) * عن الإيمان المصاحب للهجرة المستقيمة فحكمهم حكم سائر المشركين أن يقتلوا # PageV01P425 # حيث وجدوا في أرض الله من الحل والحرم * (ولا تتخذوا منهم) * خليلا ولا ناصرا، وإن بذلوا لكم الولاية والنصرة فلا تقبلوا منهم. # سورة النساء / 90 و 91 * (إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق أو جاءوكم حصرت صدورهم أن يقتلوكم أو يقتلوا قومهم ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا) * (90) هو استثناء من قوله: * (فخذوهم واقتلوهم) *، ومعنى * (يصلون إلى قوم) *: # ينتهون (1) إليهم ويتصلون بهم بحلف أو جوار * (بينكم وبينهم ميثاق) * أي: موادعة وعهد، وهؤلاء القوم هم الأسلميون وادعهم رسول الله وقت خروجه من مكة وواثق عنهم هلال بن عويمر الأسلمي (2) على أن لا يعين رسول الله ولا يعين عليه، وعلى أن من وصل إلى هلال ولجأ إليه فله من الجوار مثل الذي لهلال * (أو جاءوكم) * يجوز أن يكون معطوفا على صفة * (قوم) * كأنه قيل: إلا الذين يصلون إلى قوم معاهدين أو قوم ممسكين عن القتال لا لكم ولا عليكم، أو على صلة * (الذين) * كأنه قيل: إلا الذين يصلون إلى المعاهدين أو الذين لا يقاتلونكم * (حصرت صدورهم) * في موضع الحال بإضمار " قد "، ويدل عليه قراءة من قرأ: # " حصرة صدروهم " (3)، وقيل: هو صفة لموصوف محذوف أي: جاؤوكم قوما حصرت صدورهم (4)، وقيل: هو بيان ل‍ * (جاءوكم) * وهم بنو مدلج جاءوا # PageV01P426 # رسول الله ms0240 (صلى الله عليه وآله) غير مقاتلين (1)، والحصر: الضيق والانقباض * (أن يقتلوكم) * عن أن يقاتلوكم، أو كراهة أن يقاتلوكم * (ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم) * هذا إخبار عن المقدور، وليس فيه أنه يفعل ذلك أو يأذن لهم فيه بل قذف سبحانه الرعب في قلوبهم حتى طلبوا الموادعة، ولو لم يقذفه لكانوا مسلطين أي: مقاتلين غير مكافين * (فإن اعتزلوكم) * فإن لم يتعرضوا لكم * (وألقوا إليكم السلم) * أي: # الاستسلام والانقياد * (فما جعل الله لكم عليهم سبيلا) * أي: فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم. # * (ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطنا مبينا) * (91) هم قوم من بني أسد وغطفان كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا ليأمنوا المسلمين فإذا رجعوا إلى قومهم نكثوا عهدهم وكفروا * (كل ما ردوا إلى الفتنة) * أي: كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين قلبوا * (فيها) * أقبح قلب وكانوا شرا فيها من كل عدو * (فإن لم) * يعتزل هؤلاء قتالكم ولم يستسلموا لكم * (و) * لم * (يكفوا أيديهم) * عن قتالكم فأسروهم * (واقتلوهم حيث ثقفتموهم) * أي: حيث تمكنتم منهم * (سلطنا مبينا) * أي: حجة واضحة لظهور عداوتهم وكفرهم وإضرارهم بأهل الإسلام، وقيل: تسلطا ظاهرا حيث أذنا لكم في قتلهم وأسرهم (2). # PageV01P427 # * (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطا ومن قتل مؤمنا خطا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما) * (92) سورة النساء / 92 و 93 * (وما) * صح * (لمؤمن) * ولا استقام له وما لاق بحاله، كقوله سبحانه: # * (وما كان لنبي أن يغل) * (1) وما كان لنا أن نعود فيها * (أن يقتل مؤمنا) * ابتداء غير قصاص * (إلا خطا) * إلا على وجه الخطأ، وانتصب * (خطا) * على أنه ms0241 مفعول له، أي: ما ينبغي له أن يقتله لعلة من العلل إلا للخطأ وحده، ويجوز أن يكون حالا بمعنى: لا يقتله في حال من الأحوال إلا في حال الخطأ، أو صفة للمصدر أي: إلا قتلا خطأ، والمعنى: أن من شأن المؤمن أن ينتفي عنه وجود قتل المؤمن ابتداء البتة إلا إذا وجد منه خطأ من غير قصد بأن يرمي شخصا على أنه كافر فيكون مسلما أو نحو ذلك (2) * (فتحرير رقبة) * أي: فعليه تحرير رقبة، والتحرير: # الإعتاق، والحر: الكريم، والعتيق كذلك لأن الكرم في الأحرار، ومنه عتاق الطير وعتاق الخيل لكرامهما، وحر الوجه (3) أكرم موضع منه، والرقبة عبارة عن النسمة * (ودية مسلمة إلى أهله) * أي: مؤداة إلى ورثته يقتسمونها كما يقتسمون الميراث، والدية على عاقلة القاتل * (إلا أن يصدقوا) * أي: يتصدق أولياء المقتول بالدية ومعناه: العفو، وفي الحديث: " كل معروف صدقة " (4)، * (فإن كان من قوم عدو # PageV01P428 # لكم) * أي: قوم كفار محاربين لكم * (وهو مؤمن) * يعني: أن يكون آمن بالنبي (عليه السلام) وهو بين ظهراني قومه لم يفارقهم بعد، فعلى قاتله الكفارة إذا قتله خطأ وليس على عاقلته لأهله شئ لأنهم كفار * (وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق) * أي: عهد وذمة وليسوا أهل حرب * (فدية مسلمة إلى أهله) * تلزم عاقلة قاتله * (وتحرير رقبة مؤمنة) * تلزم قاتله * (فمن لم يجد) * رقبة أي: لم يملكها * (ف‍) * عليه * (صيام شهرين متتابعين توبة من الله) * قبولا من الله، من تاب الله عليه أي: شرع ذلك توبة منه. # * (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خلدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما) * (93) في هذه الآية من التهديد والوعيد أمر عظيم وخطب جسيم، ولذلك قال بعض أصحابنا: إن قاتل المؤمن لا يوفق للتوبة (1)، على معنى أنه لا يختار التوبة، وعن الصادق (عليه السلام): " أن معنى التعمد أن يقتله على دينه " (2)، وعن عكرمة (3) وجماعة (4) هو أن يقتله مستحلا لقتله. # * (يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست ms0242 مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله # PageV01P429 # مغانم كثيرة كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا إن الله كان بما تعملون خبيرا) * (94) سورة النساء / 95 وقرئ: " فتثبتوا " (1) وهما جميعا من التفعل بمعنى الاستفعال، أي: اطلبوا بيان الأمر وثباته، ولا تعجلوا في القتل من غير روية * (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم) * أي: حياكم بتحية أهل الإسلام، ومن قرأ: " السلم " (2) فهو الاستسلام، وقيل: الإسلام (3)، وقرئ: " لست مؤمنا " بفتح الميم (4) من آمنه، أي: لا تقولوا له: # لا نؤمنك * (تبتغون عرض الحياة الدنيا) * أي: تطلبون الغنيمة التي هي حطام الدنيا، وهو الذي يدعوكم إلى ترك التثبت وقلة البحث عن حال من تقتلونه * (فعند الله مغانم كثيرة) * يغنمكموها يغنيكم عن قتل رجل يظهر الإسلام لتأخذوا ماله * (كذلك كنتم من قبل) * أول ما دخلتم في الإسلام، سمعت من أفواهكم كلمة الشهادة فحصنت دماؤكم وأموالكم من غير انتظار الاطلاع على مواطأة قلوبكم لألسنتكم * (فمن الله عليكم) * بالاستقامة والاشتهار بالإيمان * (فتبينوا) * تكرير للأمر بالتبيين ليؤكد عليهم. # PageV01P430 # * (لا يستوى القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما (95) درجت منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما) * (96) قرئ: * (غير أولى الضرر) * بالرفع صفة ل‍ * (القاعدون) * وبالنصب (1) استثناء منهم أو حالا عنهم، والضرر: المرض أو العاهة من عمى أو عرج أو زمانة أو نحوها، عن ابن عباس: * (لا يستوى القاعدون) * عن بدر والخارجون إليها (2)، وعن مقاتل (3): عن تبوك (4) (5)، * (فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم) * جملة موضحة لما نفي من استواء القاعدين والمجاهدين، كأنه قيل: مالهم (6) # PageV01P431 # لا يستوون؟ فأجيب بذلك، والمعنى: على القاعدين غير أولي الضرر لكون الجملة بيانا للجملة الأولى المتضمنة لهذا الوصف * (وكلا) * أي: وكل فريق من المجاهدين والقاعدين * (وعد الله الحسنى) * أي: المثوبة الحسنى وهي الجنة وإن كان المجاهدون مفضلين * (على القاعدين درجة) *. # وعن النبي (صلى الله عليه وآله): " لقد خلفتم بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ms0243 ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم، وهم الذين صحت نياتهم ونصحت جيوبهم (1) وهوت أفئدتهم إلى الجهاد وقد منعهم من المسير ضرر أو غيره " (2). # ذكر سبحانه المفضلين * (درجة) * ثم ذكر المفضلين * (درجت) *، والأولون هم الذين فضلوا على القاعدين الأضراء، والآخرون هم الذين فضلوا على القاعدين الذين أذن لهم في التخلف اكتفاء بغيرهم، لأن الجهاد فرض على الكفاية، و * (درجة) * انتصبت لوقوعها موقع المرة كأنه قال: فضلهم تفضيلة نحو ضربه سوطا بمعنى: ضربة، وانتصب * (أجرا) * ب‍ * (فضل) * أيضا لأنه في معنى أجرهم أجرا، و * (درجت) * و * (مغفرة) * و * (رحمة) * بدل من * (أجرا) *. # سورة النساء / 97 و 98 * (إن الذين توفيهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله وا سعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا (97) إلا المستضعفين من الرجال والنساء والوالدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا (98) # PageV01P432 # فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا) * (99) * (توفيهم) * يجوز أن يكون ماضيا كقراءة من قرأ: " توفتهم " (1)، ويجوز أن يكون مضارعا بمعنى تتوفاهم، وقرئ في الشواذ: " توفاهم " (2) فيكون مضارع " وفيت "، والمعنى: أن الله يوفي الملائكة أنفسهم فيتوفونها، أي: يمكنهم من استيفائها فيستوفونها * (ظالمي أنفسهم) * في حال ظلمهم أنفسهم * (قالوا) * أي: # قال الملائكة للمتوفين: * (فيم كنتم) * أي: في أي شئ كنتم من أمر دينكم؟ * (قالوا كنا مستضعفين في الأرض) * وهم جماعة أسلموا بمكة ولم يهاجروا حين كانت الهجرة فريضة، فلما خرج المشركون إلى بدر لم يخلفوا أحدا إلا صبيا أو مريضا أو شيخا كبيرا، فخرج هؤلاء معهم فلما نظروا إلى قلة المسلمين ارتابوا، فأصيبوا فيمن أصيب من المشركين بهم، فنزلت (3) الآية فيهم، وصح قولهم: * (كنا مستضعفين) * جوابا عن * (فيم كنتم) * لأنه كالتوبيخ لهم بأنهم لم يكونوا في شئ من الدين حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا، فاعتذروا مما وبخوا به بالاستضعاف وأنهم لم يتمكنوا من الهجرة، فبكتهم الملائكة بأن قالوا: * (ألم تكن أرض الله وا سعة فتهاجروا فيها) * أي: كنتم قادرين على الخروج من ms0244 مكة إلى بعض البلاد التي لا تمنعون فيها من إظهار دينكم، وهذا يدل على أن الإنسان إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة أمر الدين لبعض العوائق وعلم أنه في غير بلده أقوم بحق الله وجبت عليه المهاجرة. # وفي الحديث: " من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض # PageV01P433 # استوجب الجنة، وكان رفيق إبراهيم ومحمد (عليهما السلام) " (1). # ثم استثنى من أهل الوعيد * (المستضعفين) * الذين * (لا يستطيعون حيلة) * في الخروج لفقرهم وعجزهم وقلة معرفتهم بالطرق، وقوله: * (لا يستطيعون حيلة) * صفة ل‍ * (المستضعفين) * أو ل‍ * (الرجال والنساء والوالدان) * وجاز ذلك وإن كان الجمل يجب كونها نكرات، لأن الموصوف وإن كان فيه حرف التعريف فليس لشئ بعينه، كقول الشاعر: # ولقد أمر على اللئيم يسبني (2) * (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مرا غما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما) * (100) سورة النساء / 100 و 101 * (مرا غما) * أي: مهاجرا وطريقا يراغم بسلوكه قومه، أي: يفارقهم على رغم أنوفهم، والرغم: الذل والهوان، وأصله لصوق الأنف بالرغام وهو التراب، قال النابغة الجعدي (3): # PageV01P434 # كطود يلاذ بأركانه * عزيز المراغم والمضطرب (1) * (فقد وقع أجره على الله) * فقد وجب ثوابه على الله، وأصل الوجوب السقوط كقوله تعالى: * (فإذا وجبت جنوبها) * (2) يعني فقد علم الله كيف يثيبه، وذلك واجب عليه، وكل هجرة لغرض (3) ديني من طلب علم أو حج أو فرار إلى بلد يزداد فيه طاعة أو زهدا في الدنيا فهي هجرة إلى الله ورسوله. # * (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا) * (101) الضرب في الأرض هو السفر، أي: * (إذا) * سافرتم * (فليس عليكم) * حرج وإثم في * (أن تقصروا من) * عدد * (الصلاة) * فتصلوا الرباعيات ركعتين ركعتين، والقصر ثابت بنص الكتاب في حال الخوف خاصة وهو قوله: * (إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) *، أما في حال ms0245 الأمن فبنص النبي (صلى الله عليه وآله)، وهو عزيمة واجبة غير رخصة عند أبي حنيفة (4)، وهو مذهب أهل البيت (عليهم السلام) (5)، وعند الشافعي رخصة (6)، وإنما قال: * (فليس عليكم جناح) * في الواجب لئلا يخطر ببالهم أن # PageV01P435 # عليهم نقصانا في القصر، فهو مثل قوله: * (فلا جناح عليه أن يطوف بهما) * (1)، والمراد بالفتنة في الآية: القتال والتعرض بما يكره، فإنهم كانوا يخافون الكفار في عامة أسفارهم، وحد السفر الذي فيه القصر عند أبي حنيفة مسيرة ثلاثة أيام بلياليهن سير الإبل (2)، وعند الشافعي مسيرة يومين (3)، وعند أهل البيت (عليهم السلام) مسيرة يوم واحد وهي ثمانية فراسخ أربعة وعشرون ميلا (4)، وأجمعت الطائفة على أنه ليس بقصر بل فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في السفر وأربعا أربعا في الحضر (5). # * (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة وا حدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا) * (102) سورة النساء / 102 و 103 * (فيهم) * الضمير للخائفين * (فلتقم طائفة منهم معك) * فاجعلهم طائفتين فلتقم إحدى الطائفتين معك فصل بهم * (وليأخذوا أسلحتهم) * الضمير للمصلين يأخذون من السلاح ما لا يشغلهم عن الصلاة كالسيف يتقلدونه والخنجر يشدونه إلى دروعهم ونحوهما * (فإذا سجدوا) * وفرغوا من سجودهم * (فليكونوا من # PageV01P436 # ورائكم) * أي: فليصيروا بعد فراغهم من السجود مصافين للعدو، وعندنا: أنهم يصلون الركعة الأخرى ويتشهدون ويسلمون وينصرفون إلى مواقف أصحابهم والإمام قائم في الثانية، ويجئ الآخرون ويستفتحون الصلاة ويصلي بهم الإمام الركعة الثانية ويطيل التشهد حتى يقوموا فيصلوا بقية صلاتهم ثم يسلم بهم (1)، وذلك قوله: * (ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم) * جعل الحذر وهو التحرز كأنه آلة يستعملها الغازي، فلذلك جمع بينه وبين الأسلحة في الأخذ كما جعل الإيمان مستقرا ومتبوءا لتمكنهم فيه في قوله: ms0246 # * (والذين تبوؤا الدار والأيمن) * (2)، * (ود الذين كفروا) * أي: تمنوا * (لو تغفلون عن أسلحتكم) * تشتغلون عن أخذها في القتال * (فيميلون عليكم) * فيشدون عليكم شدة واحدة، ثم رخص لهم في وضع الأسلحة إن ثقل عليهم حملها إذا نالهم * (أذى من مطر أو) * مرض، وأمرهم مع ذلك بأخذ الحذر لئلا يغفلوا فيحمل عليهم العدو * (إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا) * هذا إخبار بأنه سبحانه يهين عدوهم ليقوي (3) قلوبهم. # * (فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قيما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتبا موقوتا (103) ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما) * (104) * (فإذا) * صليتم في حال الخوف والقتال * (فاذكروا الله) * فصلوها * (قيما) * # PageV01P437 # مسايفين * (وقعودا) * جاثين على الركب مرامين * (وعلى جنوبكم) * مثخنين بالجراح * (فإذا اطمأننتم) * حين تضع الحرب أوزارها واستقررتم وأمنتم * (فأقيموا الصلاة) * فأتموا حدود الصلاة * (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتبا موقوتا) * أي: محدودا بأوقات لا يجوز إخراجها عن أوقاتها في حال خوف كنتم أو أمن، وقيل: معناه: فإذا قضيتم صلاة الخوف فأديموا ذكر الله مكبرين ومهللين داعين بالنصرة والتأييد في كافة أحوالكم من قيام وقعود واضطجاع فإذا اطمأننتم فإذا أقمتم فأتموا الصلاة (1) * (ولا تهنوا) * ولا تضعفوا في طلب الكفار، ثم ألزمهم الحجة بأن قال: * (إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون) * فإن ذلك أمر مشترك بينكم وبينهم يصيبهم كما يصيبكم، ثم إنهم يصبرون عليه ويتشجعون فمالكم لا تصبرون مثل صبرهم مع أنكم أولى منهم بالصبر، لأنكم * (ترجون من الله ما لا يرجون) * من الظفر بهم في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة * (وكان الله عليما حكيما) * لا يأمركم ولا ينهاكم إلا بما يعلم أن فيه صلاحكم. # سورة النساء / 105 - 109 * (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أريك الله ولا تكن للخائنين خصيما (105) واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما (106) ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما (107) يستخفون ms0247 من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون مالا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا (108) ها أنتم هؤلاء جدلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجدل الله عنهم يوم القيمة أم من يكون عليهم وكيلا) * (109) # PageV01P438 # يروى: أن أبا طعمة بن أبيرق سرق درعا من جار له اسمه قتادة بن النعمان وخبأها عند رجل من اليهود، فأخذ الدرع من منزل اليهودي، فقال: دفعها إلي أبو طعمة، فجاء بنو أبيرق إلى رسول الله فكلموه أن يجادل عن صاحبهم، وقالوا: إن لم تفعل هلك وافتضح وبرئ اليهودي، فهم رسول الله أن يفعل وأن يعاقب اليهودي، فنزلت (1). # * (بما أريك الله) * أي: بما عرفك الله وأوحى إليك * (ولا تكن للخائنين خصيما) * أي: لأجل الخائنين مخاصما للبراء * (واستغفر الله) * مما هممت به من عقاب اليهودي * (يختانون أنفسهم) * يخونونها بالمعصية، جعلت معصية العصاة خيانة منهم لأنفسهم كما جعلت ظلما لها لأن الضرر راجع إليهم، ونحوه * (علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم) * (2)، * (يستخفون من الناس) * أي: يستترون من الناس حياء منهم وخوفا من ضررهم * (ولا) * يستترون * (من الله) * ولا يستحيون منه * (وهو معهم) * عالم بأحوالهم * (إذ يبيتون) * يدبرون ويزورون بالليل * (مالا يرضى من القول) *. # * (ها أنتم هؤلاء) *: " ها " للتنبيه في " أنتم " و " أولاء " وهما مبتدأ وخبر، و * (جدلتم) * جملة مبينة لوقوع " أولاء " خبرا، كما تقول للرجل السخي: أنت حاتم تجود بمالك، والمعنى: هبوا أنكم خاصمتم عن بني أبيرق * (في) * الدنيا * (فمن) * يخاصم * (عنهم) * في الآخرة إذا عذبهم الله * (وكيلا) * أي: حافظا من بأس الله ونقمته. # * (ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا # PageV01P439 # رحيما (110) ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما (111) ومن يكسب خطية أو إثما ثم يرم به بريا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا (112) ولولا فضل الله عليك ورحمته لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم وما يضرونك من شئ وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك ms0248 عظيما) * (113) * (سوءا) * أي: قبيحا متعديا يسوء به غيره كما فعل أبو طعمة بقتادة واليهودي * (أو يظلم نفسه) * بما يختص به، وقيل: * (ومن يعمل سوءا) * أي: ذنبا دون الشرك * (أو يظلم نفسه) * بالشرك (1)، وفيه: أن كل ذنب وإن عظم فإنه غير مانع من المغفرة إذا استغفر منه * (فإنما يكسبه على نفسه) * أي: لا يتعدى ضرره إلى غيره * (ومن يكسب خطية) * أي: ذنبا على غير عمد * (أو إثما) * أي: ذنبا تعمده * (ثم يرم به بريا) * كما رمى به أبو طعمة غيره * (فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا) * لأنه بكسب الإثم آثم وبرمي البرئ به باهت، فهو جامع بين الأمرين * (ولولا فضل الله عليك ورحمته) * أي: عصمته وألطافه واطلاعه إياك على سرهم * (لهمت طائفة منهم أن يضلوك) * عن القضاء بالحق وسلوك طريق العدل * (وما يضلون إلا أنفسهم) * لأن وباله عليهم * (وما يضرونك من شئ) * فإن الله حافظك وناصرك ومؤيدك * (وأنزل الله عليك) * القرآن والسنة * (وعلمك ما لم تكن تعلم) * من خفيات الأمور، أو من أمور الدين وأحكام الشرع. # سورة النساء / 114 - 116 * (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو # PageV01P440 # إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما (114) ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا (115) إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد ضل ضللا بعيدا) * (116) * (لا خير في كثير من) * تناجي الناس * (إلا) * نجوى * (من أمر) * على أنه مجرور بدل من * (كثير) * كما تقول: لاخير في قيامهم إلا قيام فلان، ويجوز أن يكون منصوبا على الاستثناء المنقطع أي: لكن * (من أمر بصدقة) * ففي نجواه الخير (1)، وقيل: المعروف: القرض (2)، وقيل: هو عام في كل جميل (3)، والإصلاح بين الناس: التأليف بينهم بالمودة. # وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): " إن الله فرض عليكم زكاة جاهكم كما فرض عليكم زكاة ما ملكت أيمانكم " (4). # * (ويتبع غير سبيل ms0249 المؤمنين) * وهو السبيل الذي هم عليه من الدين الحنيفي * (نوله ما تولى) * نجعله واليا لما (5) تولى من الضلال بأن نخذله ونخلي بينه وبين ما اختاره * (إن الله لا يغفر أن يشرك به) * تكرير للتأكيد، وقيل: كرر لقصة أبي طعمة (6). # PageV01P441 # * (إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا (117) لعنه الله وقال لاتخذن من عبادك نصيبا مفروضا (118) ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا (119) يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (120) أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا) * (121) سورة النساء / 120 - 122 * (إلا إناثا) * هي اللات والعزى ومناة، وعن الحسن: لم يكن حي من أحياء العرب إلا ولهم صنم يعبدونه يسمونه أنثى بني فلان (1)، وقيل: كانوا يقولون في أصنامهم: هن بنات الله (2)، وقيل: المراد الملائكة لقولهم: الملائكة بنات الله (3) * (وإن يدعون) * أي: وما يدعون (4) بعبادة الأصنام * (إلا شيطانا) * لأنه الذي أغراهم بعبادتها فأطاعوه فجعل طاعتهم له عبادة، وقوله: * (لعنه الله) *، * (وقال لاتخذن) * صفتان، يعني (5): * (شيطانا مريدا) * جامعا بين لعنة الله وهذا القول الشنيع * (نصيبا مفروضا) * مقطوعا واجبا فرضته لنفسي وهو من قولهم: فرض له في العطاء، * (ولأمنينهم) * الأماني الكاذبة من طول العمر وبلوغ الأمل، وتبتيكهم * (آذان الانعام) * هو ما فعلوه بالبحائر، كانوا يشقون أذنها إذا ولدت خمسة أبطن والخامس ذكر، وتغييرهم * (خلق الله) * هو فقؤهم عين الحامي وإعفاؤه عن # PageV01P442 # الركوب، وقيل: هو الخصاء (1)، وقيل: فطرة الله التي هي دين الإسلام وأمره (2)، وقيل: للحسن: إن عكرمة يقول: هو الخصاء، فقال: كذب عكرمة، هو دين الله (3)، وعن ابن مسعود: هو الوشم (4) * (يعدهم) * الفقر إن أنفقوا مالهم * (ويمنيهم) * طول البقاء في الدنيا ودوام نعيمها ليؤثروها على الآخرة. # * (والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنت تجرى من تحتها الأنهر خلدين فيها أبدا وعد الله حقا ومن أصدق من الله قيلا (122) ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ms0250 (123) ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا (124) ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا (125) ولله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله بكل شئ محيطا) * (126) * (وعد الله حقا) * مصدران مؤكدان: الأول مؤكد لنفسه، التقدير: وعد الله ذلك وعدا، والثاني مؤكد لغيره، التقدير: أحقه حقا (5) * (ومن أصدق من الله قيلا) * # PageV01P443 # توكيد آخر بليغ، و * (قيلا) * نصب على التمييز، وفي * (ليس) * ضمير * (وعد الله) * أي: ليس ينال ما وعد الله من الثواب * (بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب) * والخطاب للمسلمين (1)، وعن الحسن: ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل (2)، وقيل: إن الخطاب للمشركين (3) قالوا: إن كان الأمر كما يزعم هؤلاء لنكونن خيرا منهم وأحسن حالا: لأوتين مالا وولدا، إن لي عنده للحسنى، وقال أهل الكتاب: نحن أبناء الله وأحباؤه * (ومن يعمل من الصالحات) * * (من) * للتبعيض، أي: ومن يعمل بعض الصالحات، و * (من) * في قوله: * (من ذكر أو أنثى) * لتبيين الإبهام في * (من يعمل) *، * (ولا يظلمون نقيرا) * أي: ولا يبخسون مقدار نقير مما يستحقونه من الثواب، و * (أسلم وجهه) * أي: # أخلص نفسه * (لله) * وجعلها سالمة له لا يعرف لها ربا ومعبودا سواه * (وهو محسن) * أي: فاعل للفعل الحسن، أو هو محسن في جميع أفعاله، وفي الحديث: # " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " (4)، * (حنيفا) * حال من المتبع * (واتخذ الله إبراهيم خليلا) * عبارة عن اصطفائه واختصاصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله، والخليل: الذي يخالك، أي: يوافقك في خلالك أو يسايرك في طريقك (5)، من الخل وهو الطريق في الرمل، أو يسد خللك سورة النساء / 126 و 127 كما تسد خلله، وهي جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب وفائدتها تأكيد # PageV01P444 # وجوب اتباع ملته (1) (2) * (ولله ما في السماوات وما في الأرض) * متصل بذكر الصالحين والطالحين، أي: إن من له ملك أهل السماوات والأرض فطاعته واجبة عليهم * (وكان الله ms0251 بكل شئ محيطا) * فيعلم أعمالهم ويجازيهم عليها. # * (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء التي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن والمستضعفين من الولدا ن وأن تقوموا لليتامى بالقسط وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما) * (127) * (وما يتلى عليكم) * في محل الرفع على العطف، أي: * (الله يفتيكم) *، والمتلو * (في الكتاب) * في معنى * (يتامى النساء) * يعني قوله: * (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى) * (3) وهو نحو قولك: أعجبني زيد وكرمه، فيكون * (في يتامى النساء) * من صلة * (يتلى) *، ويجوز أن يكون * (في يتامى النساء) * بدلا من * (فيهن) * وهذه الإضافة أعني * (يتامى النساء) * بمعنى: " من " نحو ثوب خز وسحق عمامة * (التي لا تؤتونهن) * أي: لا تعطونهن * (ما كتب لهن) * أي: ما فرض لهن من الميراث، وكان الرجل منهم يضم اليتيمة ومالها إلى نفسه، فإن كانت جميلة تزوجها وأكل المال، وإن كانت دميمة عضلها عن التزوج حتى تموت فيرثها * (وترغبون أن تنكحوهن) * يحتمل الوجهين، أي: ترغبون في أن تنكحوهن لجمالهن ومالهن، أو ترغبون عن أن تنكحوهن لدمامتهن، وقوله: * (والمستضعفين # PageV01P445 # من الولدا ن) * مجرور معطوف على * (يتامى النساء) * وكانوا في الجاهلية إنما يورثون الرجال الذين يقومون بالأمور دون الأطفال والنساء، والمعنى: يفتيكم في يتامى النساء وفي المستضعفين من الصبيان بأن تعطوهم حقوقهم، * (و) * في * (أن تقوموا لليتامى بالقسط) * أي: بالعدل في أنفسهم وفي مواريثهم، وتعطوا كل ذي حق منهم حقه صغيرا كان أو كبيرا، ذكرا كان أو أنثى * (وما تفعلوا من خير) * من عدل أو بر يعلمه الله سبحانه ولا يضيع عنده أجره. # * (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا) * (128) سورة النساء / 129 و 130 * (خافت من بعلها نشوزا) * أي: توقعت منه ذلك وهو أن يمنعها نفسه ومودته ونفقته ويؤذيها بسب أو ضرب * (أو إعراضا) * بأن يعرض عنها ويقل مجالستها ومؤانستها * (فلا ms0252 جناح عليهما أن) * يتصالحا، أي: يصطلحا * (بينهما صلحا) * بأن تترك المرأة له يومها، أو تضع عنه بعض ما يجب لها من نفقة تستعطفه بذلك، أو تهب له بعض المهر * (والصلح خير) * من الفرقة أو من النشوز والإعراض وسوء العشرة، أو الصلح خير من الخصومة في كل شئ، وهذه الجملة اعتراض وكذا قوله: * (وأحضرت الأنفس الشح) * أي: جعل الشح حاضرا لها لا يغيب عنها أبدا إذ هي مطبوعة عليه، والغرض: أن المرأة لا تسمح بقسمتها والرجل لا يسمح بأن يمسكها إذا أحب غيرها ولم يحبها * (وإن تحسنوا) * بالإقامة على نسائكم وإن كرهتموهن وتصبروا على ذلك * (وتتقوا) * النشوز والإعراض وما يؤدي إلى الأذى والخصومة * (فإن الله كان بما تعملون خبيرا) * وهو يثيبكم عليه. PageV01P446 # * (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما (129) وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله وا سعا حكيما) * (130) ومحال أن * (تستطيعوا) * العدل * (بين النساء) * والتسوية حتى لا يقع ميل البتة في المحبة والمودة بالقلب * (ولو حرصتم) * على ذلك، وعن النبي (صلى الله عليه وآله): أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل ويقول: " هذه قسمتي فيما أملك فلا تأخذني فيما تملك ولا أملك " (1) يعني المحبة، وقيل: إن العدل بينهن صعب وهو أن يسوي بينهن في القسمة والنفقة والتعهد والنظر والمؤانسة وغير ذلك مما لا يحصى (2) فهو كالخارج من حد الاستطاعة، هذا إذا كن محبوبات كلهن فكيف إذا مال القلب مع بعضهن؟! * (فلا تميلوا كل الميل) * فلا تجوروا على المرغوب عنها كل الجور فتمنعوها قسمتها من غير رضى منها * (فتذروها كالمعلقة) * وهي التي ليست بذات بعل ولا مطلقة، ويروى: أن عليا (عليه السلام) كان له امرأتان، فكان إذا كان يوم واحدة لا يتوضأ في بيت الأخرى (3) * (وإن تصلحوا) * في القسمة والتسوية بين الأزواج * (وتتقوا) * الله في أمرهن * (فإن الله كان غفورا رحيما) * يغفر لكم ما مضى منكم من الحيف في ذلك، ويرحمكم بترك المؤاخذة عليه * (وإن ms0253 يتفرقا) * وإن يفارق كل واحد منهما صاحبه * (يغن الله كلا) * أي: يرزقه الله زوجا خيرا من زوجه وعيشا # PageV01P447 # أهنأ من عيشه، والسعة: الغنى والمقدرة، والواسع: الغني المقتدر. # * (ولله ما في السماوات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا (131) ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا) * (132) تعلق قوله: * (من قبلكم) * ب‍ * (وصينا) * أو ب‍ * (أوتوا) *، * (وإياكم) * عطف على * (الذين أوتوا) *، و * (الكتاب) * اسم للجنس يتناول الكتب السماوية * (أن اتقوا الله) * أي: بأن اتقوا الله، والمعنى: وصيناهم ووصيناكم بالتقوى * (و) * قلنا لهم ولكم: * (إن تكفروا) *، والمعنى: أن لله الخلق كله وهو خالقهم والمنعم عليهم بصنوف النعم فاستديموا نعمه باتقاء معاصيه * (ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب) * من الأمم السالفة ووصيناكم: * (أن اتقوا الله) * يعني: أنها وصية قديمة ما زال يوصي الله بها عباده، لأن بالتقوى تنال النجاة والسعادة * (وإن تكفروا فإن لله) * في سماواته وأرضه من يوحده ويعبده * (وكان الله) * مع ذلك * (غنيا) * عن خلقه وعن عبادتهم جميعا * (حميدا) * مستحقا لأن يحمد لكثرة نعمه، وكرر قوله: * (ولله ما في السماوات وما في الأرض) * تقريرا لما هو موجب تقواه ليتقوه ويطيعوه ولا يعصوه. # * (إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا (133) من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصيرا) * (134) سورة النساء / 133 - 135 * (إن يشأ) * الله يفنكم ويعدمكم كما أوجدكم * (ويأت بآخرين) * ويوجد PageV01P448 # خلقا آخرين غيركم أو إنسا آخرين مكانكم * (وكان الله) * على الإعدام والإيجاد * (قديرا) * لا يمتنع عليه شئ أراده، وقيل: هو خطاب لمن كان يعادي رسول الله من العرب (1)، يعني: إن يشأ يمتكم ويأت بناس آخرين يوالون رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وروي: أنها لما نزلت ضرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيده على ظهر سلمان (2) وقال: " إنهم قوم هذا " يعني: أبناء فارس (3) * (من كان يريد) ms0254 * بجهاده * (ثواب الدنيا) * يعني: # الغنيمة * (فعند الله ثواب الدنيا والآخرة) * فماله يطلب أحدهما دون الآخر، والذي يطلبه أخسهما، لأن الغنيمة في جنب ثواب الآخرة كلاشئ. # * (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا) * (135) * (قوامين بالقسط) * مجتهدين في إقامة العدل حتى لا تجوزوا * (شهداء لله) * تقيمون شهاداتكم لوجه الله كما أمركم بإقامتها * (ولو) * كانت الشهادة * (على أنفسكم) * وهي الإقرار لأنه في معنى الشهادة عليها * (أو الوالدين والأقربين) * # PageV01P449 # أو على آبائكم وأقاربكم * (إن يكن) * المشهود عليه * (غنيا) * فلا تمتنعوا من الشهادة عليه لغناه * (أو فقيرا) * فلا تمتنعوا منها ترحما عليه * (فالله أولى بهما) * بالغني والفقير، أي: بالنظر إليهما وإرادة مصلحتهما، ولولا أن الشهادة عليهما مصلحة لهما لما شرعها * (فلا تتبعوا الهوى) * كراهة * (أن تعدلوا) * بين الناس، أو إرادة أن تعدلوا عن الحق * (وإن تلووا) * ألسنتكم عن شهادة الحق أو حكومة العدل * (أو تعرضوا) * عن الشهادة بما عندكم وتمنعوها، وقرئ: " وإن تلوا " (1) بمعنى: # وإن وليتم إقامة الشهادة أو أعرضتم عن إقامتها * (فإن الله كان) * بأعمالكم وبمجازاتكم عليها * (خبيرا) *. # * (يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتب الذي نزل على رسوله والكتب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملئكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضللا بعيدا (136) إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا (137) بشر المنفقين بأن لهم عذابا أليما (138) الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا) * (139) سورة النساء / 136 و 137 هو خطاب للمسلمين * (آمنوا) * أي: أثبتوا على الإيمان ودوموا عليه * (والكتب الذي أنزل من قبل) * المراد به جنس الكتب المنزلة على الأنبياء، وقرئ: " نزل " و " أنزل " على البناء للفاعل، وقيل: الخطاب لأهل الكتاب لأنهم # PageV01P450 # آمنوا ببعض الكتب (1) والرسل وكفروا ببعض، أي: ms0255 * (آمنوا بالله ورسوله) * محمد والقرآن وبكل كتاب * (أنزل) * قبله (2)، وقيل: هو للمنافقين يريد: يا أيها الذين آمنوا نفاقا آمنوا إخلاصا (3)، وإنما قيل: * (نزل) * بالتشديد للقرآن لأنه نزل مفرقا منجما في نيف وعشرين سنة بخلاف الكتب قبله * (ومن يكفر بالله) * الآية، أي: # ومن يكفر بشئ من ذلك * (فقد ضل) * لأن الكفر بالبعض كفر بالكل، ألا ترى كيف قدم الإيمان بالجميع؟! # * (إن الذين آمنوا ثم كفروا) * هم اليهود آمنوا بالتوراة وبموسى ثم كفروا بهما بكفرهم بمحمد (صلى الله عليه وآله) * (ثم آمنوا) * بعيسى والإنجيل يعني: النصارى * (ثم كفروا) * بهما بكفرهم بمحمد (صلى الله عليه وآله) * (ثم ازدادوا كفرا) * بكفرهم بالقرآن، وقيل: هم طائفة من أهل الكتاب أرادوا تشكيك المسلمين بإظهار الإيمان به ثم بإظهار الكفر به كما تقدم ذكرهم عند قوله: * (آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون) * (4) (5)، وقيل: هم المنافقون أظهروا الإيمان بمحمد (6) (صلى الله عليه وآله) ثم الكفر به ثم الإيمان به ثم الكفر به * (ثم ازدادوا كفرا) * بإصرارهم على الكفر حتى ماتوا عليه (7)، وعن ابن عباس: دخل في هذه الآية # PageV01P451 # كل منافق كان في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) (1)، * (لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا) * نفي للغفران والهداية التي هي اللطف، واللام للمبالغة في النفي * (بشر المنفقين) * وضع " بشر " مكان " أخبر " تهكما بهم * (الذين يتخذون) * نصب على الذم أو رفع بمعنى: أريد الذين، أو هم الذين وكانوا يوالون الكفرة ويمايلونهم * (أ) * يطلبون * (عندهم العزة) * والغلبة باتخاذهم إياهم * (أولياء من دون المؤمنين) *، * (فإن العزة) * والغلبة * (لله) * ولأوليائه يعز من يشاء، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين. # * (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنفقين والكافرين في جهنم جميعا) * (140) سورة النساء / 141 و 142 * (أن إذا سمعتم) * هي " أن " المخففة من الثقيلة (2)، والمعنى: أنه إذا سمعتم، و * (أن) * مع ما في حيزها في موضع ms0256 الرفع ب‍ " نزل " (3)، أو في موضع النصب ب‍ * (نزل) * فيمن قرأ به، والمراد به ما نزل عليهم بمكة من قوله: * (وإذا رأيت الذين يخوضون فئ آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره) * (4)، وذلك أن المشركين كانوا يخوضون في ذكر القرآن فيستهزئون به فنهي المسلمون عن القعود * (معهم) *، وكان اليهود في المدينة يفعلون مثل فعلهم فنهوا أن يجلسوا معهم، وكان المنافقون يجالسونهم فقيل لهم: * (إنكم إذا مثلهم) * والضمير في قوله: # * (فلا تقعدوا معهم) * يرجع إلى من دل عليه قوله: * (يكفر بها ويستهزأ بها) *، كأنه # PageV01P452 # قال: فلا تقعدوا مع الكافرين بها والمستهزئين بها، وفي هذا (1) دلالة على تحريم مجالسة الكفار والفساق وأهل البدع من أي جنس كانوا. # * (الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيمة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا (141) إن المنفقين يخدعون الله وهو خدعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا (142) مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا) * (143) * (الذين يتربصون) * بدل من * (الذين يتخذون) * (2) أو صفة ل‍ * (المنفقين) * أو نصب على الذم (3)، ومعناه: ينتظرون بكم ما يتجدد لكم من فتح أو إخفاق * (قالوا ألم نكن معكم) * فأسهموا لنا في الغنيمة * (قالوا ألم نستحوذ عليكم) * أي: # ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم فأبقينا عليكم * (ونمنعكم من) * المسلمين بأن ثبطناهم عنكم وتوانينا في مظاهرتهم عليكم وأطلعناكم على أسرارهم وأفضينا إليكم بأخبارهم فاعرفوا لنا هذا الحق، وسمى ظفر المسلمين فتحا وظفر الكافرين نصيبا تعظيما لشأن المسلمين وتحقيرا لحظ الكافرين * (فالله يحكم بينكم) * وبين المنافقين أيها المؤمنون * (يوم القيمة) * بالحق فيدخلكم الجنة ويدخلهم النار * (إن المنفقين يخدعون الله) * أي: يفعلون فعل المخادع من إظهار الإيمان وإبطان الكفر * (وهو خدعهم) * من خادعته فخدعته، أي: فاعل بهم ما يفعل # PageV01P453 # الغالب في الخداع حيث عصم دماءهم وأموالهم في الدنيا ms0257 وأعد لهم الدرك الأسفل من النار في الآخرة * (قاموا كسالى) * أي: متثاقلين لاعن رغبة * (يراءون الناس) * يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة * (ولا يذكرون الله) * أي: لا يصلون * (إلا قليلا) * لأنهم لا يصلون قط (1) غائبين عن عيون الناس وما يجاهرون به قليل، أو لا يذكرون الله بالتسبيح والتحميد إلا ذكرا قليلا في الندرة، والمراءاة: مفاعلة من الرؤية كأن المرائي يري الناس عمله وهم يرونه استحسانه، ويجوز أن يكون بمعنى التفعيل كما قيل: نعمه وناعمه (2)، وقد قرئ في الشواذ: " يرؤون " (3) مثل يرعون أي: يبصرونهم أعمالهم. # سورة النساء / 144 - 147 * (مذبذبين) * إما حال عن واو * (يراءون) * نحو قوله: * (ولا يذكرون) * أي: # يراؤون الناس غير ذاكرين مذبذبين، أو منصوب على الذم يعني: ذبذبهم الشيطان * (بين) * الكفر والإيمان فهم مترددون بينهما متحيرون. وحقيقة المذبذب: الذي يذب عن كلا الجانبين، أي: يذاد ويدفع فلا يقر في حال واحدة كما قيل: فلان يرمى به الرجوان (4)، وقراءة ابن عباس: " مذبذبين " بكسر الذال (5) معناه: # يذبذبون قلوبهم أو دينهم أو رأيهم، و * (ذلك) * إشارة إلى الكفر والإيمان * (لا) * منسوبين * (إلى هؤلاء) * فيكونوا مؤمنين * (ولا) * منسوبين * (إلى هؤلاء) * فيكونوا كافرين. # PageV01P454 # * (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطنا مبينا (144) إن المنفقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا (145) إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما) * (146) أي: لا تتشبهوا بالمنافقين في اتخاذهم * (الكافرين أولياء) *، * (أتريدون أن تجعلوا لله عليكم) * حجة بينة، يعني: أن موالاة الكافرين بينة على النفاق * (الدرك الأسفل) * الطبق الذي في قعر جهنم، والنار سبع دركات، وقرئ بسكون الراء (1) * (وأصلحوا) * نياتهم * (واعتصموا بالله) * وثقوا به كما يثق المؤمنون المخلصون * (وأخلصوا دينهم لله) * أي: لا يبتغون بطاعتهم إلا وجه الله * (فأولئك مع المؤمنين) * أي: فهم أصحاب المؤمنين ورفقاؤهم في الدارين * (وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما) * فيشاركونهم فيه، و " سوف " كلمة ترجية وإطماع، وهي من الله سبحانه إيجاب، لأنه سبحانه ms0258 أكرم الأكرمين ووعد الكريم إنجاز. # * (ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما (147) لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما (148) إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا) * (149) * (ما) * يصنع * (الله بعذابكم) * أيتشفى به من الغيظ أم يستجلب به نفعا أو # PageV01P455 # يستدفع به ضررا؟ لا بل هو الغني الذي لا يجوز عليه شئ من ذلك، فإن قمتم بشكر نعمته * (وآمنتم) * به فقد أبعدتم عن أنفسكم استحقاق العذاب * (وكان الله شاكرا عليما) * يشكر القليل من أعمالكم ويعلم ما تستحقونه من الجزاء * (إلا من ظلم) * إلا جهر من ظلم، استثني من الجهر الذي لا يحبه الله جهر المظلوم، وهو أن يدعو على الظالم ويذكره بما فيه من السوء (1)، وقيل: هو أن يبدأ بالشتيمة فيرد على الشاتم ينتصر منه (2)، ثم حث سبحانه على العفو وأن لا يجهر أحد لأحد بسوء وإن كان على وجه الانتصار، حثا على الأحب إليه والأفضل عنده، وذكر إبداء الخير وإخفاءه تسبيبا للعفو، ثم عطف العفو عليهما تنبيها على لطف منزلته عند الله، ويدل على ما ذكرنا قوله: * (فإن الله كان عفوا قديرا) * أي: يعفو مع قدرته على الانتقام، فعليكم أن تقتدوا بسنة الله. # * (إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا (150) أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (151) والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا رحيما) * (152) سورة النساء / 151 - 153 جعل * (الذين) * آمنوا بالله وكفروا برسله، أو آمنوا بالله وكفروا * (ببعض) * رسله كافرين بالله وبرسله جميعا، ومعنى اتخاذهم * (بين ذلك سبيلا) * أي: طريقا وسطا، ولا واسطة بين الكفر والإيمان، ولذلك قال: * (أولئك هم الكافرون حقا) * أي: هم الكاملون في الكفر، و * (حقا) * تأكيد لمضمون الجملة أو صفة لمصدر # PageV01P456 # * (الكافرون) *، أي: كفرا حقا لاشك فيه، وجاز دخول * (بين) * على ms0259 * (أحد) * لأنه عام في الواحد المذكر والمؤنث وتثنيتهما وجمعهما، تقول: ما رأيت أحدا فتقصد العموم، والمعنى: ولم يفرقوا بين اثنين منهم أو بين جماعة * (سوف يؤتيهم أجورهم) * معناه: أن ذلك كائن لا محالة وإن تأخر، فالغرض توكيد الوعد لا كونه متأخرا. # * (يسلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتبا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطنا مبينا (153) ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا) * (154). # روي: أن كعب بن الأشرف وجماعة من اليهود قالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله): إن كنت نبيا فأتنا بكتاب من السماء جملة كما أتى (1) موسى بالتوراة جملة فنزلت (2)، وقيل: سألوا كتابا يعاينونه حين ينزل (3)، وإنما اقترحوا ذلك على سبيل التعنت (4)، قال الحسن: لو سألوه لكي يتبينوا الحق لأعطاهم وفيما آتاهم كفاية (5). # * (فقد سألوا موسى) * جواب لشرط مقدر، معناه: إن استكبرت ما سألوه منك # PageV01P457 # * (فقد سألوا موسى أكبر من ذلك) * وإنما أسند السؤال إليهم وإن وجد من آبائهم لكونهم راضين بسؤالهم * (جهرة) * عيانا، والمعنى: * (أرنا الله) * نره * (جهرة فأخذتهم الصعقة ب‍) * سبب * (ظلمهم) * وهو سؤالهم الرؤية * (وآتينا موسى سلطنا مبينا) * أي: تسلطا واستيلاء ظاهرا عليهم حين أمرهم بأن يقتلوا أنفسهم حتى يتاب عليهم فأطاعوه * (بميثاقهم) * بسبب ميثاقهم ليخافوا فلا ينقضوه * (وقلنا لهم) * والطور فوقهم: * (ادخلوا الباب سجدا و... لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم) * الميثاق (1) على ذلك والعهد ثم نقضوه من بعد. وقرئ: " لا تعدوا " بتشديد الدال وسكون العين (2)، والأصل: " لا تعتدوا " فأدغم التاء في الدال وجمع بين الساكنين كما جمع في نحو: أصيم ودويبة. # * (فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا (155) وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما (156) وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما ms0260 قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفى شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا (157) بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما) * (158) سورة النساء / 155 - 157 أي: فبنقضهم، و " ما " مزيدة للتوكيد والباء يتعلق بمحذوف، والمعنى: فبما نقضهم وكفرهم وقتلهم وقولهم: فعلنا بهم ما فعلنا، ويجوز أن يتعلق بقوله: * (حرمنا # PageV01P458 # عليهم) * فيما بعد على أن قوله: * (فبظلم من الذين هادوا) * بدل من قوله: * (فبما نقضهم) * (1)، * (وقولهم قلوبنا غلف) * أي: في أكنة لا يصل إليها شئ من الموعظة والذكر، فرد الله عليهم بقوله: * (بل طبع الله عليها بكفرهم) * أي: خذلها الله ومنعها الألطاف بسبب كفرهم فصارت كالمطبوع عليها * (وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما) * يجوز أن يكون عطفا على ما يليه من قوله: * (بكفرهم) * والوجه: أن يعطف على * (فبما نقضهم) * ويكون قوله: * (بل طبع الله عليها بكفرهم) * كلاما تابعا لقوله: * (وقولهم قلوبنا غلف) * على وجه الاستطراد. والبهتان العظيم هو التزنية، وروي: أن جماعة من اليهود سبوا عيسى (عليه السلام) وسبوا أمه فقال: " اللهم أنت ربي وبكلمتك خلقتني، اللهم العن من سبني وسب والدتي " فمسخ الله من سبهما قردة وخنازير، فاجتمعت اليهود على قتله، فأخبره الله بأنه يرفعه إلى السماء ويطهره من صحبة اليهود، وقال لأصحابه: أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي فيقتل ويصلب فيكون معي في درجتي؟ فقال له شاب منهم: يا نبي الله أنا، فألقى الله عليه شبهه فقتل وصلب وهم يظنون أنه عيسى (2) * (ولكن شبه لهم) * أسند * (شبه) * إلى الجار والمجرور كقولك: خيل إليه، كأنه قيل: ولكن وقع لهم التشبيه، أو أسند إلى ضمير المقتول الذي يدل عليه قوله: * (إنا قتلنا) * كأنه قيل: ولكن شبه لهم من قتلوه * (وإن الذين اختلفوا فيه) * في عيسى أنه قتل أو لم يقتل، وقيل: # اختلفوا في أنه إله أو ابن إله (3) * (لفى شك منه ما لهم) * بعيسى * (من علم إلا اتباع الظن) * استثناء منقطع، لأن اتباع الظن ليس من جنس العلم، أي: ولكنهم ms0261 # PageV01P459 # يتبعون الظن * (وما قتلوه) * قتلا * (يقينا) *، أو ما قتلوه متيقنين كما ادعوا ذلك في قولهم: * (إنا قتلنا المسيح) *، وقيل: هو من قولهم: قتلت الشئ علما (1). # * (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيمة يكون عليهم شهيدا (159) فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبت أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا (160) وأخذهم الربوا وقد نهوا عنه وأكلهم أموا ل الناس بالبطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما) * (161) سورة النساء / 160 - 162 * (ليؤمنن به) * جملة قسمية وقعت صفة لمحذوف، والتقدير: * (وإن من أهل الكتاب) * أحد * (إلا ليؤمنن به) *، ونحوه * (وما منا إلا له مقام معلوم) * (2) * (وإن منكم إلا واردها) * (3)، والمعنى: وما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمنن * (قبل موته) * بعيسى وبأنه عبد الله ورسوله حين لا ينفعه إيمانه لانقطاع وقت التكليف، وقيل: الضميران لعيسى (4)، أي: وإن منهم أحد إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى، وهم أهل الكتاب الذين يكونون في زمان نزوله، فإنه ينزل من السماء في آخر الزمان ولا يبقى أهل ملة إلا يؤمن به ويصلي خلف المهدي من آل محمد (صلى الله عليه وآله) وتقع الأمنة حتى ترتع الذئاب مع الغنم والأسود مع البقر، وقيل: # الضمير في * (به) * يرجع إلى الله تعالى (5)، وقيل: يرجع إلى محمد (صلى الله عليه وآله) (6). # PageV01P460 # وروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما السلام) قالا: " حرام على روح امرئ أن تفارق جسدها حتى ترى محمدا (صلى الله عليه وآله) وعليا (عليه السلام) بحيث تقر عينها أو تسخن " (1). # * (فبظلم من الذين هادوا) * أي: فبأي ظلم عظيم! والمعنى: ما * (حرمنا عليهم) * الطيبات إلا لظلم عظيم ارتكبوه وهو ما عدد لهم من الكفر والكبائر الموبقة، والطيبات التي حرمت عليهم عقوبة على ظلمهم ما ذكر في قوله: * (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر) * الآية (2)، كلما أذنبوا ذنبا حرم عليهم بعض الطيبات * (وبصدهم عن سبيل الله كثيرا) * أي: ناسا كثيرا أو صدا كثيرا * (بالبطل) * بالرشوة التي كانوا يأخذونها من عوامهم في تحريف الكتاب. # * (لكن الراسخون في العلم ms0262 منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما) * (162) * (الراسخون في العلم) * الثابتون فيه المتقنون له وهم من آمن من اليهود كعبد الله بن سلام وأضرابه من علماء اليهود * (والمؤمنون) * من المهاجرين والأنصار * (والمقيمين الصلاة) * نصب على المدح لبيان فضل الصلاة، وقيل: هو عطف على * (بما أنزل إليك) * أي: يؤمنون بالكتاب وبالمقيمين الصلاة وهم الأنبياء (3). # * (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود زبورا (163) ورسلا قد # PageV01P461 # قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما (164) رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما) * (165) هذا جواب لأهل الكتاب عن سؤالهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن ينزل عليهم كتابا من السماء، واحتجاج عليهم بأن إرساله كإرسال من تقدمه من الأنبياء وأن المعجزات قد ظهرت على يده كما كانت تظهر على أيديهم، وقرئ: " زبورا " بضم الزاي (1) جمع زبر وهو الكتاب، ونصب * (رسلا) * بمضمر في معنى * (أوحينا إليك) * وهو أرسلنا * (قد قصصناهم عليك من قبل) * بمكة في الأنعام وغيرها وعرفناك شأنهم وأخبارهم * (ورسلا لم نقصصهم عليك) * فيه دلالة على أن له سبحانه رسلا لم يذكرهم في القرآن * (وكلم الله موسى تكليما) * بلا واسطة إبانة له بذلك * (رسلا مبشرين ومنذرين) * نصب على المدح، ويجوز أن يكون منصوبا على التكرير * (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) * لأن في إرسالهم إزاحة للعلة وإتماما لإلزام الحجة لئلا يقول الناس: لولا أرسلت إلينا رسولا يوصل إلى المحجة وينبه على الحجة ويوقظ من سنة الغفلة. # سورة النساء / 166 - 169 * (لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا (166) إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضللا بعيدا (167) إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا (168) إلا طريق ms0263 جهنم خلدين فيها أبدا وكان ذلك على # PageV01P462 # الله يسيرا) * (169) لما سألوا إنزال الكتاب من السماء واحتج سبحانه عليهم بقوله: * (إنا أوحينا إليك) * قال: * (لكن الله يشهد) * على معنى: أنهم لا يشهدون لكن الله يشهد، وقيل: لما نزلت * (إنا أوحينا إليك) * قالوا: ما نشهد لك بهذا فنزل * (لكن الله يشهد) * (1)، ومعنى شهادة الله * (بما أنزل) * إليه: إثباته لصحته بالمعجزات كما تثبت الدعاوى بالبينات، وشهادة * (الملائكة) *: شهادتهم بأنه حق وصدق، ومعنى قوله: * (أنزله بعلمه) * أنزله ملتبسا بعلمه الخاص الذي لا يعلمه غيره وهو تأليفه على أسلوب ونظم أعجز كل بليغ، وقيل: أنزله وهو عالم بأنك أهل لإنزاله إليك ومبلغ له (2) * (وكفى بالله شهيدا) * وإن لم يشهد غيره * (كفروا وظلموا) * جمعوا بين الكفر والظلم، أو كان بعضهم كافرين وبعضهم ظالمين * (ولا ليهديهم طريقا) * لا يلطف بهم فيسلكون الطريق الموصل إلى * (جهنم) *، أو لا يهديهم يوم القيامة إلا طريقها. # * (يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فامنوا خيرا لكم وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما (170) يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فامنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله وا حد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا) * (171) # PageV01P463 # * (فامنوا خيرا لكم) * ومثله * (انتهوا خيرا لكم) * انتصب بمضمر، وهو أنه لما دعاهم إلى الإيمان وإلى الانتهاء عن التثليث علم أنه يحملهم على أمر فقال: # * (خيرا لكم) * اقصدوا أو ائتوا أمرا خيرا لكم مما أنتم فيه من الكفر والتثليث وهو الإيمان والتوحيد * (لا تغلوا في دينكم) * غلت اليهود في المسيح حتى قالت: ولد لغير رشدة، وغلت النصارى فيه حيث جعلوه إلها * (ولا تقولوا على الله إلا الحق) * وهو تنزيهه عن الشريك والولد * (وكلمته) * قيل لعيسى: كلمة الله وكلمة منه، لأنه وجد بكلمته وأمره لاغير من غير ms0264 واسطة أب ولا نطفة، وقيل له: روح الله * (وروح منه) * كذلك لأنه ذو روح وجد من غير جزء من ذي روح كالنطفة المنفصلة من الحي، وإنما أنشئ إنشاء من عند الله خالصا * (ألقاها إلى مريم) * أوصلها إليها وحصلها فيها * (ثلاثة) خبر مبتدأ محذوف، فإن صح عنهم قولهم: هو جوهر واحد ثلاثة أقانيم فتقديره: الله ثلاثة، وإلا فتقديره: الآلهة ثلاثة * (سبحانه أن يكون له ولد) * أي: أسبحه تسبيحا من أن يكون له ولد * (له ما في السماوات وما في الأرض) * بيان لتنزهه (1) مما نسب إليه، المعنى: أن كل ما فيهما خلقه وملكه فكيف يكون بعض خلقه وملكه جزء منه؟! * (وكفى بالله وكيلا) * يكل الخلق إليه أمورهم، فهو الغني عنهم وهم الفقراء إليه. # سورة النساء / 172 - 175 * (لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا (172) فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا) * (173) # PageV01P464 # أي: * (لن) * يأنف * (المسيح) * ولن يذهب بنفسه عزة، من نكفت الدمع: إذا نحيته عن خدك بإصبعك، من * (أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون) * يأنفون وهو عطف على * (المسيح) * أي: ولاكل واحد من الملائكة يأنف من أن يكون عبدا لله، أو ولا الملائكة المقربون يأنفون من أن يكونوا عبادا لله فحذف لدلالة قوله: * (عبدا لله) * عليه إيجازا * (ومن) * يأنف * (عن عبادته) * ويترك الإذعان له * (فسيحشرهم إليه) * أي: فسيحشر المستنكف والمستكبر والمقر بالعبودية * (جميعا) * إلى موضع الجزاء فيجازيهم جميعا على حسب أحوالهم، والآية الأخرى ظاهرة المعنى. # * (يا أيها الناس قد جاءكم برهن من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا (174) فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ويهديهم إليه صرا طا مستقيما) * (175) البرهان والنور المبين هو القرآن (1)، أو أريد بالبرهان الدين الحق أو رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبالنور المبين ما يبينه من الكتاب المعجز (2) * (في رحمة منه وفضل) ms0265 * أي: في ثواب مستحق وتفضل * (ويهديهم إليه) * يوفقهم لإصابة فضله الذي يتفضل به على أوليائه وسلوك طريق من أنعم عليه من أصفيائه واتباع دينهم، وهو الصراط المستقيم الذي ارتضاه الله سبحانه منهجا لعباده. # * (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤا هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا # PageV01P465 # اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شئ عليم) * (176) قالوا: إنه آخر ما نزل من أحكام الدين (1)، كان جابر بن عبد الله مريضا فعاده رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: يا رسول الله، إني (2) كلالة فكيف أصنع في مالي؟ فنزلت (3) * (إن امرؤا هلك) * مرفوع بفعل مضمر يفسره الظاهر، و * (ليس له ولد) * جملة منصوبة الموضع على الحال، أي: هلك غير ذي ولد * (وله أخت) * يعني: الأخت للأب والأم، أو للأب * (فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد) * يعني: # أنها إذا كانت الميتة فالأخ يرثها المال كله إذا كانت غير ذات ولد ولا والد، وشرط انتفاء الوالد بينه النبي (صلى الله عليه وآله) وفيه إجماع * (فإن كانتا اثنتين) * الأصل: فإن كان من يرث بالأخوة اثنتين * (فلهما الثلثان مما ترك) *، * (وإن كانوا إخوة) * وإن كان من يرث بالأخوة إخوة ذكورا وإناثا * (فللذكر مثل حظ الأنثيين) * فالمراد بالإخوة: الإخوة والأخوات تغليبا لحكم الذكور، وإنما قيل: * (فإن كانتا) * و * (إن كانوا) * كما قيل: من كانت أمك، فكما أنث ضمير " من " لمكان تأنيث الخبر كذلك ثني وجمع ضمير " من يرث " في * (كانتا) * و * (كانوا) * لمكان تثنية الخبر وجمعه (4) و * (أن تضلوا) * مفعول له، ومعناه: كراهة أن تضلوا، أي: * (يبين الله لكم) * جميع أحكام دينكم (5) لئلا تضلوا * (والله بكل شئ عليم) * من أمور معاشكم ومعادكم فيجزيكم بها على ما تقتضيه المصلحة وتوجبه الحكمة. # PageV01P466 # سورة المائدة مدنية (1) وهي مائة وعشرون آية كوفي، ثلاث وعشرون بصري، * (بالعقود) * (2) * (ويعفوا عن ms0266 كثير) * (3) * (فإنكم غلبون) * (4) بصري. # في حديث أبي: " ومن قرأ سورة المائدة أعطي من الأجر بعدد كل يهودي ونصراني يتنفس في دار الدنيا عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات " (5). # PageV01P467 # أبو الجارود (1) عن الباقر (عليه السلام): " من قرأ سورة المائدة في كل يوم خميس لم يلبس إيمانه بظلم ولا يشرك أبدا " (2). # PageV01P468 # بسم الله الرحمن الرحيم * (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلى الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد) * (1) وفى بعهده وأوفى بمعنى، والعقد: العهد، بمعنى المعقود، والعقود: عهود الله التي عقدها على عباده وألزمها إياهم من الإيمان به وتحليل حلاله وتحريم حرامه، وقيل: هي العقود التي يتعاقدها الناس من المبايعة والمناكحة وغيرهما (1). # ثم أخذ سبحانه في تفصيل العقود التي أمر بالوفاء بها فقال: * (أحلت لكم بهيمة الأنعام) * والبهيمة: كل ذات أربع من دواب البر والبحر، وإضافتها إلى * (الانعام) * للبيان ك‍ " خاتم فضة "، ومعناه: البهيمة من الأنعام * (إلا ما يتلى عليكم) * إلا محرم ما يتلى عليكم في القرآن من نحو قوله: * (حرمت عليكم الميتة) * الآية (2)، أو إلا ما يتلى عليكم آية تحريمه، والأنعام: الأزواج الثمانية، وقيل: بهيمة الأنعام هي الظباء وبقر الوحش ونحوهما (3)، كأنهم أرادوا ما يماثل الأنعام ويدانيها من جنس البهائم فأضيفت إلى الأنعام لملابسة الشبه * (غير محلى # PageV01P469 # الصيد) * نصب على الحال من الضمير في * (لكم) * أي: أحلت لكم هذه الأشياء لامحلين الصيد، وقال الأخفش (1): انتصب عن قوله: * (أوفوا بالعقود) * (2)، * (وأنتم حرم) * حال عن * (محلى الصيد) * كأنه قيل: أحل لكم بعض الأنعام في حال امتناعكم من الصيد وأنتم محرمون لئلا يحرج عليكم * (إن الله يحكم ما يريد) * من الأحكام، وحرم: جمع حرام وهو المحرم. # * (يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدى ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوا نا وإذا حللتم فاصطادوا ولا يجرمنكم شنان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ms0267 ولا تعاونوا على الاثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب) * (2) سورة المائدة / 2 الشعائر: أعلام الحج وأعماله، جمع شعيرة وهي ما جعل شعارا وعلما للنسك من المواقف والطواف والسعي وغيرها، و * (الشهر الحرام) * شهر (3) الحج، و * (الهدى) * ما أهدي إلى البيت وتقرب به إلى الله من النسائك، وهو جمع هدية كجدي في جمع جدية السرج، و * (القلائد) * جمع قلادة (4) وهي ما يقلد به الهدي من نعل أو غيره، والآمون: القاصدون، وآمو البيت الحرام هم الحجاج والعمار، # PageV01P470 # وإحلال هذه الأشياء: أن يتهاون بحرمتها وتضيع، وأن يحال بينها وبين المتنسكين، وأن يحدث في شهر الحج ما يصد الناس عن الحج، وأن يتعرض للهدي بالغصب أو بالمنع من بلوغ محله. وفي إحلال القلائد وجهان: أحدهما: أن يراد ذوات القلائد من البدن والبقر، وإنما عطف بها على الهدي للاختصاص وزيادة التوصية بها كأنه قيل: والقلائد منها خصوصا، والثاني: أن ينهى عن التعرض لقلائد الهدي، مبالغة في النهي عن التعرض للهدي، كأنه قيل: ولا تحلوا قلائدها فضلا عن أن تحلوها كقوله تعالى: * (ولا يبدين زينتهن) * (1) نهي عن إبداء الزينة فضلا عن إبداء مواقعها (2) * (ولا آمين) * أي: ولا تحلوا قوما قاصدين المسجد الحرام * (يبتغون فضلا من ربهم) * وهو الثواب * (ورضوا نا) * وأن يرضى عنهم، أي: لا تتعرضوا لقوم هذه صفتهم تعظيما لهم * (وإذا حللتم فاصطادوا) * هو إباحة للاصطياد بعد الحظر، كأنه قيل: وإذا حللتم فلا جناح عليكم أن تصطادوا. # وجرم مثل كسب في تعديه إلى مفعول واحد واثنين، تقول: جرم ذنبا وجرمته ذنبا، وكسب شيئا وكسبته إياه، وأول المفعولين في الآية ضمير المخاطبين، والثاني * (أن تعتدوا) *، و * (أن صدوكم) * بفتح الهمزة متعلق بال‍ * (شنان) * وهو شدة البغض، وقرئ بسكون النون أيضا (3)، والمعنى: ولا يكسبنكم بغض قوم الاعتداء، ولا يحملنكم عليه لأن صدوكم عن المسجد الحرام وهو منع أهل مكة رسول الله (صلى الله عليه وآله) والمؤمنين يوم الحديبية عن العمرة، ومعنى الاعتداء: الانتقام منهم بإلحاق المكروه بهم * (وتعاونوا على البر والتقوى) * أي: على العفو والإغضاء ms0268 # PageV01P471 # * (ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) * على الانتقام والتشفي، والأولى أن يكون محمولا على العموم فيتناول كل بر وتقوى وكل إثم وظلم. # * (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الأسلم دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لاثم فإن الله غفور رحيم) * (3) سورة المائدة / 3 كانوا يأكلون هذه المحرمات: البهيمة التي تموت حتف أنفها، والدم يجعلونه في المباعر (1) ويشوونه ويقولون: " لم يحرم من فزد له " (2) أي: فصد له * (وما أهل لغير الله به) * أي: رفع الصوت به لغير الله وهو قولهم: باسم اللات والعزى عند ذبحه * (والمنخنقة) * التي خنقت حتى ماتت، أو انخنقت هي بسبب * (والموقوذة) * التي ضربت حتى ماتت * (والمتردية) * التي تردت من جبل أو في بئر فماتت * (والنطيحة) * التي نطحتها أخرى فماتت بالنطح * (وما أكل السبع) * بعضه * (إلا ما ذكيتم) * أي: أدركتم ذكاته وهو يضطرب اضطراب المذبوح أو تشخب أوداجه، عن الصادق (عليه السلام): " أدنى ما يدرك به الذكاة أن تدركه يتحرك أذنه أو ذنبه # PageV01P472 # أو تطرف عينه " (1)، * (وما ذبح على النصب) * كانت لهم حجارة منصوبة حول البيت يعبدونها وهي الأوثان، ويذبحون لها وينضحون الدم على ما أقبل منها إلى البيت، ويشرحون اللحم عليها يعظمونها بذلك، قال الأعشى: # وذا النصب المنصوب لا تنسكنه * ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا (2) وجمعه الأنصاب، وقيل: النصب جمع والواحد نصاب (3) * (وأن تستقسموا بالأزلام) * أي: وحرم عليكم الاستقسام بالقداح وهي سهام كانت لهم، مكتوب على بعضها: أمرني ربي، وعلى بعضها: نهاني ربي، وبعضها: غفل، فمعنى الاستقسام بالأزلام: طلب معرفة ما يقسم له مما لم يقسم له بالأزلام، وقيل: هو الميسر وقسمتهم الجزور على القداح العشرة، فالفذ له سهم والتوأم له سهمان والمسبل له ثلاثة أسهم والنافس له أربعة أسهم والحلس له خمسة أسهم والرقيب ms0269 له ستة أسهم والمعلى له سبعة أسهم والسفيح والمنيح والوغد لا أنصباء لها، وكانوا يدفعون القداح إلى رجل يجيلها، وكان ثمن الجزور على من يخرج لهم هذه الثلاثة التي لا أنصباء لها (4)، وهو القمار الذي حرمه الله عز وجل (5)، وقيل: هو الشطرنج والنرد (6) * (ذلكم فسق) * الإشارة إلى الاستقسام أو إلى تناول ما حرم عليهم * (اليوم) * لم يرد يوما بعينه ومعناه الآن * (يئس الذين كفروا من دينكم) * أن # PageV01P473 # يبطلوه وأن ترجعوا محللين لهذه المحرمات، وقيل: يئسوا من دينكم أن يغلبوه، سورة المائدة / 3 و 4 لأن الله تعالى وفى بعهده (1) من إظهاره على الدين كله (2) * (فلا تخشوهم) * بعد إظهار الدين وزوال الخوف منهم إذا انقلبوا مغلوبين بعد أن كانوا غالبين * (واخشون‍) * - ي وأخلصوا لي الخشية * (اليوم أكملت لكم دينكم) * وما تحتاجون إليه في تكليفكم من الحلال والحرام والفرائض والأحكام * (وأتممت عليكم نعمتي) * بولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام)، روي عن الباقر والصادق (عليهما السلام) أنه إنما نزلت بعد أن نصب النبي (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام) علما للأنام يوم غدير خم عند منصرفه من حجة الوداع، وهو آخر فريضة أنزلها الله تعالى ثم لم ينزل بعدها فريضة (3) (4)، # PageV01P474 # * (ورضيت لكم الأسلم دينا) * أي: اخترته لك من بين الأديان، وآذنتكم بأنه الدين المرضي عندي، واتصل قوله: * (فمن اضطر في مخمصة) * بذكر المحرمات، وقوله: * (ذلكم فسق) * وما بعده اعتراض أكد به معنى التحريم، لأن تحريم هذه الخبائث من جملة الدين الكامل والإسلام المرضي، والمعنى: فمن اضطر إلى الميتة أو غيرها في مجاعة * (غير متجانف لاثم) * أي: غير منحرف نحو قوله: * (غير باغ ولاعاد) * (1)، * (فإن الله غفور رحيم) * لا يؤاخذه بذلك. # * (يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله إن الله سريع الحساب) * (4) * (ماذا) * مبتدأ و * (أحل لهم) * خبره، أي: أي شئ أحل لهم من المطاعم؟ # كأنهم حين تلي عليهم المآكل المحرمة (2) سألوا ms0270 عما أحل لهم منها، ولم يقل: ماذا أحل لنا حكاية لما قالوه، لأن * (يسئلونك) * بلفظ الغيبة، وهذا كما تقول: أقسم زيد ليفعلن، ولو قيل: لأفعلن وأحل لنا لجاز * (قل أحل لكم الطيبات) * وهو كل ما لم يأت تحريمه في الكتاب والسنة * (وما علمتم من الجوارح) * عطف على * (الطيبات) * أي: وصيد ما علمتم فحذف المضاف، أو يجعل * (ما) * شرطية وجوابها (3) * (فكلوا مما أمسكن عليكم) * والجوارح: هي الكواسب من الكلاب عند (4) أئمة الهدى (عليهم السلام) (5). # PageV01P475 # الصادق (عليه السلام) قال: " لا تأكل إلا ما ذكيت إلا الكلاب المعلمة (1)، وكل شئ من السباع يمسك الصيد على نفسها إلا الكلاب المعلمة فإنها تمسك على صاحبها، وقال: إذا أرسلت الكلب المعلم فاذكر اسم الله عليه فهو ذكاته " (2) وهو أن يقول: # بسم الله والله أكبر. # * (مكلبين) * حال من * (علمتم) * والمكلب: مؤدب الكلاب ومضريها بالصيد لصاحبها و * (تعلمونهن) * حال ثانية أو استئناف * (مما علمكم الله) * من علم التكليب، لأنه إلهام من الله ومكتسب بالعقل، وقيل: مما عرفكم الله أن تعلموه من اتباع الصيد بإرسال صاحبه وانزجاره بزجره وإمساك الصيد عليه وأن لا يأكل منه (3) * (واذكروا اسم الله عليه) * عند الإرسال، أو إذا أدركتم ذكاته * (واتقوا الله) * فلا تقربوا ما نهاكم عنه. # * (اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان ومن يكفر بالأيمن فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين) * (5) سورة المائدة / 5 * (الطيبات) * تقع على كل مستطاب من الأطعمة إلا ما دل الدليل على تحريمه # PageV01P476 # * (وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم) * قيل: هو ذبائحهم (1)، وقال الصادق (عليه السلام): " هو مختص بالحبوب وما لا يحتاج فيه إلى التذكية " (2) * (وطعامكم حل لهم) * فلا جناح عليكم أن تطعموهم * (والمحصنات) * الحرائر والعفائف، وإنما خصهن بعثا للمؤمنين على أن يتخيروا لنطفهم وإلا فغير العفائف يصح نكاحهن وكذلك الإماء المسلمات * (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) * قال أصحابنا: ms0271 هن اللواتي أسلمن منهن، وذلك أن قوما كانوا يتحرجون من العقد على من أسلمت عن كفر فلذلك أفردن بالذكر، واحتجوا بقوله سبحانه: # * (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) * (3) وقوله: * (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) * (4) (5). * (محصنين) * أعفاء * (غير مسافحين) * غير زانين * (ولا متخذي أخدان) * صدائق، والخدن يقع على الذكر والأنثى * (ومن يكفر بالأيمن) * ومن لم يؤمن من أهل الكتاب * (فقد حبط عمله) * وفي هذا دلالة على أن حبوط العمل لا يترتب على ثبوت الثواب، فإن الكافر ليس له (6) عمل عليه ثواب. # * (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لمستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا # PageV01P477 # بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون) * (6) * (إذا قمتم إلى الصلاة) * مثل قوله: * (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله) * (1) في أن المراد: إذا أردتم القيام (2) إلى الصلاة فعبر عن إرادة الفعل بالفعل، لأن الفعل يوجد بالقصد والإرادة، ولأن من قام إلى الشئ كان قاصدا له لا محالة، فعبر عن القصد له بالقيام إليه * (فاغسلوا وجوهكم) * وحد الوجه من قصاص شعر الرأس إلى محادر شعر الذقن (3) طولا وما دخل بين الوسطى والإبهام عرضا * (وأيديكم إلى المرافق) * والمرافق (4): ما يرتفق به من اليد أي: يتكأ عليه. # لا دليل في الآية على دخول المرافق في الغسل إلا أن أكثر الفقهاء (5) ذهبوا إلى وجوب غسل المرافق في الوضوء وهو مذهب أهل البيت (عليهم السلام) (6)، وأجمعت (7) الأمة على أن من بدأ في غسل اليدين من المرفقين صح وضوؤه (8) وأصحابنا (9) يوجبونه. # سورة المائدة / 6 * (وامسحوا برءوسكم) * المراد إلصاق المسح بالرأس، وأصحابنا (10) # PageV01P478 # يوجبون أقل ما يقع عليه اسم المسح، وهذا مذهب الشافعي (1)، * (وأرجلكم إلى الكعبين) * قرئ: بالجر (2) والنصب، فالجر للعطف على اللفظ والنصب للعطف على محل الجار والمجرور. # وقال جار الله: كانت الأرجل مظنة للإسراف ms0272 المذموم في صب الماء عليها فعطفت على الممسوح لا لتمسح لكن لينبه على وجوب الاقتصاد في صب الماء عليها، وقيل: * (إلى الكعبين) * فجئ بالغاية إماطة لظن ظان يحسبها ممسوحة لأن المسح لم يضرب له غاية في الشريعة (3). # وهذا كلام فاسد، لأن حقيقة العطف تقتضي أن يكون المعطوف في حكم المعطوف عليه، وكيف يكون المسح في معنى الغسل وفائدة اللفظين (4) مختلفة ولفظ التنزيل قد فرق بين الأعضاء المغسولة والأعضاء الممسوحة؟! وأما قوله: # " لم يضرب للمسح غاية " فمما لا يخفى فساده، لأن ضرب الغاية لا يدل على الغسل، فلو صرح فقيل: " وامسحوا بأرجلكم إلى الكعبين " لم يكن منكرا ولم # PageV01P479 # يشك أحد في أنه كان يجب المسح إلى الكعبين فكذلك إذا جعل في حكم الممسوح بالعطف عليه، وقد بسطنا الكلام فيه في كتاب مجمع البيان (1) (2)، ولا يحتمل هذا الكتاب أكثر مما ذكرناه. والكعبان عندنا هما العظمان الناتئان (3) في القدمين عند معقد الشراك (4)، وإليه ذهب محمد بن الحسن (5). # سورة المائدة / 6 - 8 * (وإن كنتم جنبا فاطهروا) * أي: تطهروا بالاغتسال * (ما يريد الله ليجعل # PageV01P480 # عليكم من حرج) * في باب الطهارة حتى لا يرخص لكم في التيمم * (ولكن يريد ليطهركم) * بالتراب إذا أعوزكم التطهر (1) بالماء * (وليتم) * برخصته إنعامه * (عليكم لعلكم تشكرون) * نعمته (2) عليكم. # * (واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور (7) يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون (8) وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم (9) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحب الجحيم) * (10) * (واذكروا نعمة الله عليكم) * وهي نعمة الإسلام * (وميثاقه الذي واثقكم به) * أي: عاقدكم به عقدا وثيقا، وهو الميثاق الذي أخذه عليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين بايعهم على السمع والطاعة في حال اليسر والعسر فقبلوا وقالوا: * (سمعنا وأطعنا) *، وقيل: هو ما بين لهم في حجة الوداع من تحريم ms0273 المحرمات وفرض الولاية وغير ذلك، عن الباقر (عليه السلام) (3). وعدي * (يجرمنكم) * ب‍ * (على) * لأنه في معنى: ولا يحملنكم بغضكم للمشركين * (على ألا تعدلوا) * أي: تتركوا العدل فتعتدوا عليهم بأن تنتصروا منهم وتتشفوا ما في قلوبكم من الضغائن بارتكاب مالا يحل لكم من مثلة أو قتل أولاد أو نساء أو غير ذلك * (اعدلوا هو أقرب للتقوى) * نهاهم أولا عن ترك العدل، ثم صرح لهم بالأمر بالعدل (4) تأكيدا أو # PageV01P481 # تشديدا، ثم استأنف فذكر لهم وجه الأمر بالعدل بقوله: * (هو أقرب للتقوى) * أي: # أقرب إلى التقوى لكونه لطفا فيها، وإذا كان العدل إلى الكفار بهذه الصفة من القوة فكيف يكون مع المؤمنين؟! * (لهم مغفرة وأجر عظيم) * بيان للوعد بعد تمام الكلام قبله، كأنه قدم لهم وعدا فقيل: أي شئ هو؟ فقال: * (لهم مغفرة) * وأجرى * (وعد) * مجرى " قال " لأنه ضرب من القول. # * (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون) * (11) روي: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أتى بني النضير مع جماعة من أصحابه يستقرضهم (1) دية رجلين أصابهما رجل من أصحابه وهما في أمان منه فلزمه ديتهما أو يستعينهم على ذلك، فقالوا: نعم اجلس حتى نطعمك ونعطيك ما تسأل وهموا بالفتك به، فأخبره جبرئيل فخرج، فكان إحدى معجزاته (عليه السلام) (2)، يقال: # بسط إليه كفه إذا بطش به، ومعنى بسط اليد: مدها إلى المبطوش به، والكف: المنع. # سورة المائدة / 12 * (ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيأتكم ولأدخلنكم جنت تجرى من تحتها الأنهر فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل) * (12) # PageV01P482 # أمر الله بني إسرائيل بعد هلاك فرعون بمصر بأن يسيروا إلى أريحا من أرض الشام وكان يسكنها الجبابرة، وقال: إني كتبتها لكم قرارا، وأمر موسى بأن يأخذ من كل سبط نقيبا يكون كفيلا ms0274 على قومه بالوفاء بما أمروا به من الخروج إلى الجبابرة والجهاد وقائدا ورئيسا لهم، فاختار النقباء وأخذ الميثاق على بني إسرائيل وتكفل لهم به النقباء وسار بهم، فلما دنا من أرضهم بعث النقباء يتجسسون (1) فرأوا أجراما عظيمة وقوة فرجعوا فأخبروا موسى (عليه السلام) بذلك، فأمرهم أن يكتموا ذلك، فحدثوا بذلك قومهم إلا كالب بن يوفنا من سبط يهودا ويوشع بن نون من سبط آفرائيم بن يوسف وكان من النقباء، وقيل: كتم خمسة وأظهر الباقون (2)، والنقيب: الذي ينقب عن أحوال القوم أي: يفتش عنها، كما قيل: عريف لأنه يتعرفها * (إني معكم) * أي: ناصركم ومعينكم * (وعزرتموهم) * نصرتموهم ومنعتموهم من أيدي العدو، ومنه التعزير وهو التنكيل والمنع من معاودة الفساد، وقيل: معناه: ولقد أخذنا ميثاقهم بالإيمان والعدل (3) * (وبعثنا منهم اثنى عشر) * ملكا يقيمون فيهم العدل، واللام في * (لئن أقمتم) * موطئة للقسم (4)، وفي * (لأكفرن) * جواب للقسم ساد مسد جواب القسم والشرط جميعا (5) * (فمن كفر بعد ذلك منكم) * أي: بعد أخذ الميثاق وبعث النقباء * (فقد ضل) * أي: أخطأ * (سواء السبيل) * وزال عن قصد الطريق الواضح، لأن النعمة كلما عظمت وزادت كثرت المذمة في كفرانها وتمادت. # PageV01P483 # * (فبما نقضهم ميثاقهم لعنهم وجعلنا قلوبهم قسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين (13) ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيمة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون) * (14) سورة المائدة / 14 - 16 * (لعنهم) * أي: أبعدناهم من رحمتنا وطردناهم * (وجعلنا قلوبهم قسية) * خذلناهم ومنعناهم الألطاف حتى قست قلوبهم، والقسوة: خلاف اللين والرقة، وقرئ: " قسية " (1)، أي: ردية مغشوشة * (يحرفون الكلم عن مواضعه) * بيان لقسوة قلوبهم فإن تغيير كلام الله والكذب عليه من القسوة * (ونسوا حظا) * وتركوا نصيبا وافيا * (مما ذكروا به) * في التوراة، يعني: أن إعراضهم عن التوراة إغفال حظ عظيم، أو يكون المعنى: فسدت (2) قلوبهم فحرفوا التوراة وذهبت أشياء منها (3) عن حفظهم، ms0275 وعن ابن مسعود: قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية وتلا هذه الآية (4) * (ولا تزال تطلع على خائنة منهم) * أي: خيانة منهم أو على نفس أو فرقة خائنة منهم * (إلا قليلا منهم) * وهم الذين آمنوا منهم، وقيل: إلا قليلا داموا على عهدهم (5) * (فاعف عنهم واصفح) * ما داموا على عهدك ولم يخونوك * (ومن الذين قالوا إنا نصارى) * سموا أنفسهم بذلك ادعاء لنصرة الله، وهم الذين قالوا # PageV01P484 # لعيسى (عليه السلام): نحن أنصار الله، ثم اختلفوا بعد نسطورية ويعقوبية وملكانية (1) فصاروا أنصارا للشيطان * (فأغرينا) * فألصقنا وألزمنا من غري بالشئ: إذا لزمه ولصق به وأغراه غيره * (بينهم) * بين فرق النصارى المختلفين، وقيل: بينهم وبين اليهود (2)، ونحوه: * (أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض) * (3). # * (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتب مبين (15) يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلم ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صرا ط مستقيم) * (16) خاطب اليهود والنصارى * (قد جاءكم رسولنا) * محمد (عليه السلام) * (يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون) * من أمر الرجم وأشياء حرفتموها * (ويعفوا عن كثير) * مما تخفونه لا يبينه، وعن الحسن: ويعفو عن كثير منكم لا يؤاخذه (4) * (قد جاءكم من الله نور) * وهو محمد (صلى الله عليه وآله) يهتدي به الخلق كما يهتدي بالنور، وقيل: هو القرآن لكشفه ظلمات الشك والشرك (5) * (وكتب مبين) * يبين ما كان خافيا على الناس من الحق أو مبين ظاهر الإعجاز * (يهدى به الله من اتبع رضوانه) * يريد من آمن منهم * (سبل السلم) * أي: طرق النجاة من عذاب الله، أو سبل الله وهي شرائع الإسلام (6) * (ويخرجهم من) * الكفر * (إلى) * الإيمان * (بإذنه) * أي: بلطفه # PageV01P485 # ويرشدهم إلى طريق الحق أو طريق الجنة. # * (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء ms0276 والله على كل شئ قدير (17) وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير) * (18) سورة المائدة / 19 كفرهم الله تعالى بهذا القول، قيل: كان في النصارى قوم يبتون القول ب‍ * (إن الله هو المسيح) * (1)، وقيل: كان مذهبهم يؤدي إلى ذلك وإن لم يصرحوا به من حيث اعتقدوا أنه يخلق ويحيي ويميت ويدبر أمر العالم (2) * (فمن يملك من الله شيئا) * أي: فمن يمنع من قدرته ومشيته شيئا * (إن أراد أن يهلك) * من دعوه إلها من المسيح وأمه، وعطف * (من في الأرض) * على * (المسيح... وأمه) * ليدل على أنهما من جنسهم لا تفاوت في البشرية بينهما وبينهم * (يخلق ما يشاء) * من ذكر وأنثى، وما يشاء من أنثى غير ذكر كما خلق عيسى، وما يشاء من غير ذكر وأنثى كما خلق آدم * (نحن أبناء الله) * أي: أشياع ابني الله عزير والمسيح كما يقول أقرباء الملك: نحن الملوك * (فلم يعذبكم بذنوبكم) * أي: فإن صح أنكم أبناء الله وأحباؤه فلم تذنبون وتعذبون بذنوبكم فتمسخون؟! ولو كنتم أبناء الله لكنتم من جنس الأب لا تعصون الله، ولو كنتم أحباءه لما عاقبكم * (بل أنتم بشر) * من جملة ما * (خلق) * من البشر. # PageV01P486 # * (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شئ قدير) * (19) المعنى: * (يبين لكم) * الدين والشرع، أو يبين لكم ما كنتم تخفونه، أو يبذل لكم البيان على الإطلاق، ومحله النصب أي: مبينا لكم * (على فترة) * متعلق ب‍ * (جاءكم) * أي: جاءكم على حين فترة من إرسال الرسل وانقطاع من الوحي * (أن تقولوا) * كراهة أن تقولوا * (ما جاءنا من بشير) * بالثواب * (ولا نذير) * بالعقاب * (فقد جاءكم) * متعلق بمحذوف، أي: لا تعتذروا فقد جاءكم، قالوا: كان بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما خمسمائة وستون سنة (1)، وقيل: ستمائة سنة (2)، وعن الكلبي (3): كان ms0277 بين موسى وعيسى ألف وسبعمائة سنة وألف نبي، وبين عيسى ومحمد أربعة أنبياء: ثلاثة من بني إسرائيل وواحد من العرب وهو خالد بن سنان العبسي (4). ومعنى الآية: الامتنان عليهم بإرسال الرسول (5) إليهم بعد اندراس آثار الوحي أحوج ما يكونون إليه ليعدوه أعظم نعمة من الله. # * (وإذ قال موسى لقومه يقوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العلمين (20) # PageV01P487 # يقوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين (21) قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون) * (22) سورة المائدة / 23 - 25 لم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء، وذلك من نعم الله عليهم وآلائه لديهم * (وجعلكم ملوكا) * لأن الله سبحانه ملكهم ملك فرعون وملك الجبابرة، وقيل: إنهم كانوا مملوكين في أيدي القبط فسمى الله سبحانه إنقاذهم منهم ملكا (1) * (وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العلمين) * من فلق البحر وتظليل الغمام وغير ذلك من الأمور العظام، وقيل: أراد عالمي زمانهم (2) * (الأرض المقدسة) * أرض بيت المقدس (3)، وقيل: فلسطين ودمشق وبعض الأردن (4)، وقيل: الشام (5)، وكان بيت المقدس مستقر الأنبياء ومسكن المؤمنين * (التي كتب الله لكم) * أي: قسمها لكم، أو خطها في اللوح المحفوظ أنها لكم * (ولا ترتدوا على أدباركم) * ولا تنكصوا على أعقابكم مدبرين من خوف الجبابرة جبنا، أو لا ترتدوا على أدباركم في دينكم بعصيانكم نبيكم ومخالفتكم أمر ربكم فترجعوا * (خاسرين) * ثواب الدنيا والآخرة، والجبار فعال من جبره على الأمر بمعنى أجبره، وهو الذي يجبر الناس على ما يريد. # PageV01P488 # * (قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غلبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين (23) قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقتلا إنا ههنا قاعدون (24) قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفسقين (25) قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة ms0278 يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفسقين) * (26) الرجلان: كالب ويوشع، أي: * (يخافون) * الله ويخشونه كأنه قال: رجلان من المتقين، وقيل: الواو لبني إسرائيل أي: * (من الذين) * يخافونهم وهم الجبارون (1)، وكانا منهم على دين موسى لما بلغهما خبر موسى أتياه فاتبعاه (2) * (أنعم الله عليهما) * بالإيمان، وكان سعيد بن جبير يقرأ: " يخافون " بضم الياء (3)، قالا لهم: إن العمالقة أجسام لا قلوب فيها فلا تخافوهم وازحفوا إليهم فإنكم غالبوهم، ويجوز أن يكون * (أنعم الله عليهما) * في محل رفع وصفا ل‍ * (رجلان) *، ويجوز أن يكون اعتراضا لا محل له من الإعراب (4) * (ادخلوا عليهم الباب) * يعني باب قريتهم * (قالوا... لن ندخلها) * نفي لدخولهم في المستقبل على سبيل التأكيد، و * (أبدا) * تعليق للنفي المؤكد بالدهر المتطاول و * (ما داموا فيها) * بيان للأبد * (فاذهب أنت وربك) * هذه استهانة منهم بالله ورسوله وقلة مبالاة * (قال رب إني لا أملك) * لنصرة دينك * (إلا نفسي وأخي) * هذه شكاية منه إلى الله تعالى بحزن # PageV01P489 # ورقة قلب. # سورة المائدة / 26 وذكر في إعراب * (أخي) * وجوه (1): أن يكون منصوبا معطوفا على * (نفسي) * (2)، وعلى الضمير في * (إني) * بمعنى: وإن أخي لا يملك إلا نفسه، وأن يكون مرفوعا عطفا على محل إن واسمها كأنه قيل: أنا لا أملك إلا نفسي وهارون كذلك لا يملك إلا نفسه، وعلى الضمير في * (لا أملك) * (3) وجاز للفصل، وأن يكون مجرورا عطفا على الضمير في * (نفسي) * وهو ضعيف (4). # * (فافرق) * أي: فافصل بيننا وبينهم بأن تحكم لنا بما نستحق وتحكم عليهم بما يستحقون، وهو في معنى الدعاء عليهم، * (قال فإنها) * أي: فإن الأرض المقدسة * (محرمة عليهم) * لا يدخلونها ولا يملكونها * (أربعين سنة) * فقد روي: أن موسى سار بمن بقي من بني إسرائيل وكان يوشع على مقدمته ففتح أريحا وأقام فيها ما شاء الله ثم قبض (5)، وقيل: مات موسى في التيه ومات هارون قبله بسنة وسار يوشع بهم إلى أريحا (6)، وقيل: لم يدخل الأرض المقدسة أحد ممن قال: # * (إنا لن ندخلها) * وهلكوا في التيه ونشأت ذراريهم فقاتلوا الجبارين # PageV01P490 # ودخلوها (1)، فيكون التقدير: ms0279 كتب الله لكم الأرض المقدسة بشرط أن تجاهدوا أهلها، فلما أبوا الجهاد قيل: فإنها محرمة عليهم، فالعامل في الظرف * (يتيهون في الأرض) * أي: يسيرون فيها متحيرين لا يهتدون طريقا (2)، والتيه: المفازة التي يتاه فيها، فروي: أنهم لبثوا أربعين سنة في ستة فراسخ يسيرون كل يوم جادين حتى إذا أمسوا كانوا بحيث ارتحلوا عنه، وكان الغمام يظلهم من حر الشمس، ويطلع لهم (3) بالليل عمود من نور يضئ لهم، وينزل عليهم المن والسلوى، ولا تطول شعورهم، وإذا ولد لهم مولود كان عليه ثوب كالظفر، ويطول بطوله (4). واختلف في موسى وهارون هل كانا معهم في التيه؟ فقيل: لم يكونا معهم لقوله: * (فافرق بيننا وبين القوم الفسقين) * (5)، وقيل: كانا معهم إلا أنه كان ذلك روحا لهما وسلاما (6) لا عقوبة (7) كالنار لإبراهيم (8) * (فلا تأس) * فلا تحزن عليهم فإنهم أحقاء بالعذاب، لأنه ندم على الدعاء عليهم. # * (واتل عليهم نبأ ابني ادم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الاخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين (27) لئن بسطت إلى يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العلمين (28) إني أريد أن تبوأ بإثمي وإثمك فتكون من # PageV01P491 # أصحب النار وذلك جزاؤا الظالمين (29) فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين) * (30) سورة المائدة / 29 - 31 ابنا * (آدم) * هما: هابيل وقابيل أوحى الله تعالى إلى آدم أن يزوج كل واحد منهما توأمة الآخر، وكانت توأمة قابيل أجمل، فحسد عليها أخاه، فأبى ذلك، فقال لهما آدم: قربا قربانا فمن أيكما قبل زوجها (1)، فقبل قربان هابيل بأن نزلت نار فأكلته، فازداد قابيل حسدا وسخطا وتوعده بالقتل، أي: أتل نبأهما تلاوة ملتبسة بالحق والصدق موافقا لما في كتب الأولين، أو أتل عليهم وأنت محق صادق * (إذ قربا) * نصب بالنبأ أي: قصتهما في ذلك الوقت، ويجوز أن يكون بدلا من * (نبأ) * أي: نبأ ذلك الوقت على تقدير حذف المضاف، والقربان: اسم ما يتقرب به إلى الله تعالى، يقال: قرب نسكا وتقرب به * (قال لأقتلنك) ms0280 * أي: قال الذي لم يتقبل قربانه منهما للذي تقبل قربانه: لأقتلنك * (قال إنما يتقبل الله من المتقين) * كأنه قال له: # لم تقتلني؟ قال: لأنه تقبل منك ولم يتقبل مني، فقال: إنما أوتيت من قبل نفسك لانسلاخك من لباس التقوى لا من قبلي فلم تقتلني؟ وفيه دليل على أن الله تعالى إنما يقبل الطاعة ممن هو زاكي القلب متق (2) * (ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك) * لأن إرادة القتل قبيحة، وإنما يحسن من المظلوم قتل الظالم على وجه المدافعة له طلبا للتخلص من غير أن يقصد إلى قتله، فكأنه قال: لئن ظلمتني لم أظلمك * (إني # PageV01P492 # أريد أن تبوأ بإثمي وإثمك) * معناه: أن تحتمل إثم قتلي لك (1) وإثم قتلك لي، والمراد بمثل إثمي على الاتساع، فكأنه قال: أريد أن تبوء بمثل إثمي لو بسطت إليك يدي، وقيل: إن المعنى: أني أريد أن تبوء بإثم قتلي وإثمك الذي من أجله لم يتقبل قربانك (2) * (فطوعت له نفسه قتل أخيه) * أي: فوسعته له ويسرته، من طاع له المرتع: إذا اتسع، أي: زينته له وشجعته عليه * (فقتله) * وقيل: إنه كان أول قتيل في الناس (3) * (فأصبح من الخاسرين) * خسر الدنيا والآخرة وذهب عنه خيرهما. # * (فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من الندمين) * (31) روي: أنه لما قتله تركه بالعراء لا يدري ما يصنع به، فقصده السباع فحمله في جراب على ظهره حتى أروح وعكفت عليه الطير والسباع * (فبعث الله) * غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه ثم حفر له بمنقاره ورجليه ثم ألقاه في الحفرة، ف‍ * (قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب) * (4)، * (ليريه) * الله أو ليريه الغراب أي: ليعلمه، ولما كان سبب تعليمه فكأنه قصد تعليمه، والسوءة: ما لا يجوز أن ينكشف من الجسد، وأصلها الفضيحة فكني بها عن العورة * (فأوا رى) * جواب الاستفهام * (فأصبح من الندمين) * على قتله لما تعب فيه من حمله على ظهره # PageV01P493 # وتحيره في أمره وسخط ms0281 أبيه ولم يندم ندم التائبين، وروي أنه لما قتله اسود جسده وكان أبيض، فسأله آدم عن أخيه؟ فقال: ما كنت عليه وكيلا، فقال: بل قتلته ولذلك اسود جلدك (1). # * (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون) * (32) سورة المائدة / 32 و 33 * (من أجل ذلك) * أي: بسبب ذلك وبعلته، وأصله من أجل عليهم شرا أي: # جناه، فإذا قلت: من أجلك فعلت كذا، فكأنك أردت من أن جنيت فعله وأوجبته فعلت، ويدل عليه قولهم: من جراك، و * (ذلك) * إشارة إلى القتل المذكور، و * (من) * لابتداء الغاية أي: ابتدأ كتبنا على بني إسرائيل من أجل ذلك، وقرئ: # " من أجل ذلك " بكسر الهمزة (2) ثم خففت الهمزة وكسرت النون بإلقاء كسرة الهمزة عليها * (أنه من قتل نفسا بغير نفس) * أي: بغير قتل نفس بمعنى بغير قود * (أو فساد في الأرض) * أو بغير فساد في الأرض وهو الحرب لله ورسوله وإخافة السبل * (فكأنما قتل الناس جميعا) * أي: فكأنه (3) قصد لقتلهم جميعا إذ قتل أخاهم وصار الناس كلهم خصماءه في قتل تلك النفس * (ومن أحياها) * بأن استنقذها من غرق أو حرق أو هدم ونحوها، أو أخرجها من ضلال إلى هدى * (فكأنما أحيا الناس جميعا) * يأجره الله على ذلك أجر من أحياهم بأسرهم، # PageV01P494 # لأنهم في إسدائه المعروف إليهم بإحيائه أخاهم المؤمن بمنزلة من أحيا كل واحد منهم * (بعد ذلك) * أي: بعد ما كتبنا عليهم * (في الأرض لمسرفون) * في القتل (1) لا يبالون به. # * (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزى في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم (33) إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم) * (34) لفظة * (إنما) * تفيد أن المعنى: ما جزاؤهم ms0282 إلا هذا * (يحاربون الله) * أي: أولياء الله كقوله: * (إن الذين يؤذون الله) * (2)، * (ورسوله) * أي: ويحاربون رسوله، ومحاربة المسلمين في حكم محاربته * (ويسعون في الأرض فسادا) * أي: # مفسدين، أو لأن سعيهم في الأرض لما كان على طريق الفساد نزل منزلة أن يقال: # ويفسدون في الأرض فسادا، ويجوز أن يكون مفعولا له أي: للفساد. # وروي عن أئمتنا (عليهم السلام): أن المحارب كل من شهر السلاح وأخاف الطريق، وجزاؤه على قدر استحقاقه: فإن جمع بين القتل وأخذ المال فجزاؤه أن يقتل ويصلب، وإن أفرد القتل فجزاؤه أن يقتل، وإن أفرد أخذ المال فجزاؤه أن تقطع يده لأخذ (3) المال ورجله لإخافة السبيل، ومن أفرد الإخافة نفي من الأرض (4). # وقوله: * (من خلف) * معناه اليد اليمنى والرجل اليسرى، والنفي هو أن ينفى من بلد إلى بلد إلى أن يتوب ويرجع * (ذلك) * إشارة إلى ما ذكرناه * (لهم خزى في # PageV01P495 # الدنيا) * أي: فضيحة وهوان، وقوله: * (ولهم في الآخرة عذاب عظيم) * يدل على أن الحدود لا تكفر المعاصي، لأنه بين أنهم يستحقون العذاب العظيم مع إقامة الحدود عليهم * (إلا الذين تابوا) * استثناء من المعاقبين، فأما حكم القتل والجرح وأخذ المال فإلى الأولياء. # * (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجهدوا في سبيله لعلكم تفلحون (35) إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيمة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم (36) يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخرجين منها ولهم عذاب مقيم) * (37) سورة المائدة / 36 - 38 * (الوسيلة) * كل ما يتوسل به إليه من الطاعات وترك المقبحات. # وعن النبي (صلى الله عليه وآله): " سلوا الله لي الوسيلة، فإنها درجة في الجنة لا ينالها إلا عبد واحد أرجو أن أكون أنا هو " (1). # وروى الأصبغ بن نباتة (2) عن علي (عليه السلام): " في الجنة لؤلؤتان إلى بطنان العرش: إحداهما بيضاء والأخرى صفراء، في كل واحد منهما سبعون ألف غرفة، فالبيضاء: الوسيلة لمحمد (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، والصفراء: لإبراهيم وأهل ms0283 بيته (عليهم السلام) (3). # PageV01P496 # * (ليفتدوا به) * ليجعلوه فدية لأنفسهم، وهذا تمثيل لنزول العذاب بهم، وأنه لا سبيل لهم إلى الخلاص منه بوجه، و * (لو) * مع ما في حيزه خبر * (إن) *، ووحد الضمير في * (به) * مع أن المذكور شيئان، لأنه أجري مجرى اسم الإشارة، أي: # ليفتدوا بذلك، أو يكون نحو قوله: # فإني وقيار بها لغريب (1) ويروى أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس: تزعم أن قوما يخرجون من النار وقال الله تعالى: * (وما هم بخرجين منها) *؟! فقال: ويحك اقرأ ما فوقها، هذا للكفار (2). # * (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكلا من الله والله عزيز حكيم (38) فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم (39) ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء والله على كل شئ قدير) * (40) هما مرفوعان على الابتداء والخبر محذوف، كأنه قيل: * (و) * فيما فرض عليكم: * (السارق والسارقة) * أي: حكمهما، ويجوز أن يكون الخبر * (فاقطعوا أيديهما) * ودخلت الفاء لأنهما قد تضمنا معنى الشرط، فإن المعنى: والذي سرق # PageV01P497 # والتي سرقت فاقطعوا أيديهما أي: يديهما، ونحوه * (فقد صغت قلوبكما) * (1) اكتفى بتثنية المضاف إليه عن تثنية المضاف (2)، والمراد باليدين اليمينان، بدليل قراءة عبد الله بن مسعود: " والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم " (3). # والمقدار الذي يجب به (4) القطع ربع دينار إذا سرق من الحرز (5) وإليه ذهب الشافعي (6) ومالك (7)، إلا أن المقطع عندهم هو الرسغ (8)، وعندنا: أصول الأصابع ويترك الإبهام والكف وفي المرة الثانية تقطع رجله اليسرى من أصل الساق ويترك عقبه يعتمد عليها في الصلاة فإن سرق بعد ذلك خلد في السجن، هذا هو المشهور من مذهب علي (عليه السلام) (9). # سورة المائدة / 39 - 41 وقوله: * (جزاء) * مفعول له وكذا قوله: * (نكلا) *، * (فمن تاب) * من السراق # PageV01P498 # * (من بعد ظلمه) * أي: سرقته * (وأصلح) * أمره بالتفصي عن التبعات * (فإن الله يتوب عليه) * ويسقط عنه عقاب (1) الآخرة. # * (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسرعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا ms0284 سمعون للكذب سمعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزى ولهم في الآخرة عذاب عظيم) * (41) وقرئ: " لا يحزنك " بضم الياء (2) أي: لا يهمنك مسارعة المنافقين * (الذين يسرعون في) * إظهار * (الكفر) * بما يلوح من (3) حالهم من آثار الكيد للإسلام * (ومن الذين هادوا) * أي: ومن اليهود قوم * (سمعون) * فيكون منقطعا عما قبله، ويجوز أن يكون عطفا على قوله: * (من الذين قالوا) * وارتفع * (سمعون) * على " هم سماعون "، والضمير للمنافقين واليهود أو لليهود (4)، ومعنى * (سمعون للكذب) *: قابلون لما يفتريه الأحبار من الكذب على الله وتحريف التوراة، ونحوه: " سمع الله لمن حمده "، * (سمعون لقوم آخرين لم يأتوك) * يعني: اليهود الذين لم يصلوا إلى مجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله) لشدة عداوتهم إياه، أي: قابلون من الأحبار ومن أولئك المفرطين في العداوة، وقيل: معناه: سماعون إليك ليكذبوا عليك بأن يزيدوا فيما سمعوا منك وينقصوا ويغيروا، سماعون منك لأجل قوم # PageV01P499 # آخرين من اليهود وجهوهم عيونا ليبلغوهم ما سمعوا منك (1)، * (يحرفون الكلم) * يميلونه ويزيلونه عن مواضعه التي وضعه الله فيهملونه بغير مواضع بعد أن كان ذا مواضع (2) * (يقولون إن أوتيتم هذا) * المحرف المزال عن مواضعه * (فخذوه) * واعملوا به * (وإن لم تؤتوه) * أي: إن أفتاكم محمد (صلى الله عليه وآله) بخلافه * (فاحذروا) * فهو الباطل. # وروي: أن شريفا من خيبر زنى بشريفة وهما محصنان وحدهما الرجم في التوراة فكرهوا رجمهما لشرفهما، فبعثوا نفرا منهم إلى بني قريظة ليسألوا رسول الله عن ذلك، وقالوا: إن أمركم محمد (صلى الله عليه وآله) بالجلد فاقبلوا، وإن أمركم بالرجم فلا تقبلوا وأرسلوا الزانيين معهم، فأمرهم بالرجم، فأبوا أن يأخذوا به، فقال له جبرئيل: اجعل بينك وبينهم ابن صوريا، فقال: هل تعرفون شابا أمرد أبيض أعور يسكن فدك يقال له: ابن صوريا، قالوا: نعم، وهو أعلم يهودي على وجه الأرض، ورضوا ms0285 به حكما، فقال له رسول الله: أنشدك الله الذي لا إله إلا هو الذي فلق البحر ورفع فوقكم الطور وأنزل عليكم كتابه، هل تجدون فيه الرجم على من أحصن؟ قال: نعم، فوثبت عليه سفلة اليهود، فقال: خفت إن كذبته أن ينزل علينا العذاب، ثم سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن أشياء كان يعرفها من أعلامه وأسلم، وقال: أشهد أنك رسول الله النبي المبشر به، وأمر رسول الله بالزانيين فرجما عند باب مسجده (3) (4). # سورة المائدة / 41 و 42 * (ومن يرد الله فتنته) * أي: تركه مفتونا وخذلانه * (فلن تملك له) * أي: فلن # PageV01P500 # تستطيع له * (من) * لطف * (الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن) * يمنحهم من ألطافه ما * (يطهر) * به * (قلوبهم) * لأنهم ليسوا من أهلها لعلمه أنها لا تنجع فيهم. # * (سمعون للكذب أكالون للسحت فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين (42) وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين (43) إنا أنزلنا التورية فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتب الله وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) * (44) السحت: كل مالا يحل كسبه، وهو من سحته: إذا استأصله، لأنه مسحوت البركة كما قال الله: * (يمحق الله الربوا) * (1)، وقرئ: " السحت " مخففا ومثقلا (2). # وفي الحديث: " كل لحم نبت على السحت فالنار أولى به " (3). # وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا تحاكم إليه أهل الكتاب مخيرا بين أن يحكم بينهم وبين أن لا يحكم، وهذا التخيير عندنا ثابت للأئمة في الشرع (4). * (وإن تعرض) * عن الحكم بينهم * (فلن يضروك شيئا) * أي: لا يقدرون على إضرار بك في دين أو # PageV01P501 # دنيا * (بالقسط) * أي: بالعدل كما حكم (عليه السلام) بالرجم * (وكيف يحكمونك) * تعجيب سورة المائدة / 44 و 45 من تحكيمهم لمن ms0286 لا يؤمنون به وبكتابه مع أن الحكم منصوص عليه في كتابهم * (ثم يتولون من بعد ذلك) * وهو إشارة إلى حكم الله في التوراة، ويتركون الحكم به، وقيل: ثم يتولون من بعد تحكيمك عن حكمك الموافق لما في كتابهم لا يرضون به (1) * (وما أولئك بالمؤمنين) * بكتابهم كما يدعون * (فيها هدى) * يهدي للحق والعدل * (ونور) * يبين ما استبهم (2) من الأحكام * (الذين أسلموا) * صفة للنبيين على سبيل المدح، وفيه تعريض باليهود وأنهم بعداء عن الإسلام الذي هو دين الأنبياء كلهم قديما وحديثا، وقوله: * (للذين هادوا) * يدل على ذلك * (والربانيون والأحبار) * أي: والزهاد والعلماء من ولد هارون الذين التزموا طريقة النبيين وجانبوا دين اليهود * (بما استحفظوا من كتب الله) * بما سألهم أنبياؤهم حفظه من التوراة، أي: بسبب إيصائهم إياهم أن يحفظوه من التغيير والتبديل، و * (من) * في * (من كتب الله) * للتبيين * (وكانوا عليه شهداء) * أي: رقباء لئلا يغيروا المعنى (3) * (يحكم) * بأحكام التوراة * (النبيون) * بين موسى وعيسى وكان بينهما ألف نبي * (للذين هادوا) * يحملونهم على أحكام التوراة ولا يتركونهم أن يعدلوا عنها كما فعله رسول الله من حملهم على حكم الرجم، وكذلك حكم * (الربانيون والأحبار) * المسلمون بسبب ما استحفظهم أنبياؤهم * (من كتب الله) * وبسبب كونهم * (عليه شهداء) *، * (فلا تخشوا الناس) * نهي للحكام عن خشيتهم غير الله في حكوماتهم وإدهانهم فيها * (ولا تشتروا) * أي: لا تستبدلوا ولا تستعيضوا بآيات الله وأحكامه # PageV01P502 # * (ثمنا قليلا) * وهو الرشوة وابتغاء الجاه وطلب الرياسة كما فعله اليهود * (ومن لم يحكم بما أنزل الله) * مستهينا به * (فأولئك هم الكافرون) * والظالمون والفاسقون وصف لهم بالعتو في كفرهم وظلمهم بآيات الله بالاستهانة بها وتمردهم في فسقهم بأن حكموا بغيرها، وعن ابن عباس: من جحد حكم الله كفر، ومن لم يحكم به وهو مقر فهو ظالم فاسق (1). # وعن حذيفة: أنتم أشبه الأمم سمتا ببني إسرائيل، لتركبن طريقهم حذو النعل بالنعل، والقذة بالقذة (2)، غير أني لا أدري أتعبدون العجل أم لا (3). # * (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح ms0287 قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) * (45) المعطوفات كلها قرئت بالنصب والرفع (4)، وقرئت بالنصب إلا " والجروح قصاص " فإنه بالرفع (5)، فالرفع للعطف على محل * (أن النفس) * لأن المعنى: # * (وكتبنا عليهم فيها) * النفس بالنفس: إما لإجراء * (كتبنا) * مجرى " قلنا "، وإما لأن معنى الجملة التي هي قوله: * (النفس بالنفس) * مما يقع عليه الكتاب كما يقع عليه القراءة تقول: كتبت " الحمد لله " وقرأت " سورة أنزلناها "، ولذلك قال الزجاج: لو # PageV01P503 # قرئ: " إن النفس " بالكسر لكان صحيحا (1). والمعنى: فرضنا عليهم فيها * (أن النفس) * مأخوذة * (بالنفس) * مقتولة بها إذا قتلتها بغير حق، * (والعين) * مفقوءة * (بالعين) *، * (والأنف) * مجدوع * (بالأنف) *، * (والاذن) * مصلومة * (بالاذن) *، * (والسن) * مقلوعة * (بالسن) *، * (والجروح) * ذات * (قصاص) * وهو المقاصة فيما يمكن فيه القصاص * (فمن تصدق) * من أصحاب الحقوق بالقصاص وعفا عنه * (فهو كفارة له) * يكفر به من سيئاته بقدر ما تصدق. # * (وقفينا على اثرهم بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين (46) وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) * (47) سورة المائدة / 48 قفاه بفلان: عقبه به، تعدى إلى المفعول الثاني بالباء، والمفعول الأول في الآية محذوف سد مسده الظرف الذي هو * (على اثرهم) * لأنه إذا قفى به على أثره فقد قفى به إياه، والضمير في * (آثارهم) * للنبيين في قوله: * (يحكم بها النبيون) * (2)، * (ومصدقا) * نصب على الحال عطف على محل * (فيه هدى) *، * (وهدى وموعظة) * يجوز أن ينتصبا على الحال وعلى المفعول له لقوله: # * (وليحكم) * (3)، وقرئ: * (وليحكم) * على الأمر (4) بمعنى وقلنا: " ليحكم "، * (بما أنزل الله فيه) * في الإنجيل. # PageV01P504 # * (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة وا حدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم ms0288 بما كنتم فيه تختلفون (48) وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون (49) أفحكم الجهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) * (50) * (وأنزلنا إليك الكتاب) * أي: القرآن، والتعريف فيه للعهد، وفي * (الكتب) * بعده للجنس، لأن المعنى: * (مصدقا لما بين يديه من) * التوراة والإنجيل وكل كتاب أنزل من السماء سواه * (ومهيمنا عليه) * أي: رقيبا على سائر الكتب لأنه يشهد لها بالصحة * (ولا تتبع أهواءهم) * ضمن معناه معنى لا تنحرف ولذلك عدي ب‍ " عن " كأنه قيل: ولا تنحرف * (عما جاءك من الحق) * متبعا أهواءهم * (لكل جعلنا منكم) * أيها الناس * (شرعة) * أي: شريعة * (ومنهاجا) * طريقا واضحا في الدين تجرون عليه (1)، وفيه دليل على أنا غير متعبدين بشرائع من كان قبلنا من الأنبياء * (ولو شاء الله لجعلكم أمة وا حدة) * أي: جماعة متفقة على شريعة واحدة أو ذوي أمة واحدة أي: دين واحد لا اختلاف فيه، * (ولكن) * أراد * (ليبلوكم في ما آتاكم) * من الشرائع المختلفة، هل تعملون بها معتقدين أنها مصالح لكم قد # PageV01P505 # اختلفت بحسب اختلاف الأحوال أو تتبعون الشبه (1) وتفرطون في العمل سورة المائدة / 51 و 52 * (فاستبقوا الخيرات) * فابتدروها * (إلى الله مرجعكم) * استئناف في معنى التعليل لاستباق الخيرات * (فينبئكم) * فيخبركم بما اختلفتم فيه من أمر دينكم، ويفصل بين محقكم ومبطلكم، ويجازيكم على حسب استحقاقكم * (وأن احكم بينهم) * معطوف على * (الكتب) *، أي: وأنزلنا إليك أن احكم، وصلت * (أن) * بالأمر، ويجوز أن يكون معطوفا على * (بالحق) * أي: أنزلناه بالحق وبأن احكم (2) * (واحذرهم أن يفتنوك) * (3) أن يضلوك ويستزلوك * (عن بعض ما أنزل الله إليك) * بأن يطمعوك منهم في الإجابة إلى الإسلام ويقولوا: إنا إن اتبعناك اتبعنا اليهود كلهم وإن بيننا وبين قومنا خصومة فاحكم لنا عليهم ونحن نؤمن بك ونصدقك، فأبى رسول الله ذلك * (يريد الله أن يصيبهم) * بذنب التولي عن حكم الله فوضع * (ببعض ذنوبهم) * موضع ذلك، والمراد: أن ms0289 لهم ذنوبا جمة، هذا الذنب بعضها * (أفحكم الجهلية يبغون) * هذا تعيير لليهود بأنهم أهل الكتاب (4) وهم يبغون حكم الملة الجاهلية التي هي هوى وجهل لا يصدر عن كتاب ولا يرجع إلى وحي، وقرئ: # " تبغون " بالتاء (5) على معنى " قل لهم "، واللام في قوله: * (لقوم يوقنون) * للبيان كاللام في (6) * (هيت لك) * (7) أي: هذا الاستفهام لقوم يوقنون، فإنهم هم الذين يتبينون أن لا أعدل ولا أحسن حكما من الله تعالى. # PageV01P506 # * (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدى القوم الظالمين (51) فترى الذين في قلوبهم مرض يسرعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين (52) ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمنهم إنهم لمعكم حبطت أعملهم فأصبحوا خاسرين) * (53) نهى سبحانه المؤمنين عن اتخاذهم أولياء ينصرونهم ويستنصرونهم ويوالونهم، ثم علل النهي بقوله: * (بعضهم أولياء بعض) * أي: إنما يوالي بعضهم بعضا لاجتماعهم في الكفر * (ومن يتولهم منكم فإنه) * من جملتهم وحكمه حكمهم، وهذا تشديد من الله في وجوب مجانبة المخالف في الدين كما جاء في الحديث: " لا تراءى ناراهما " (1) * (إن الله لا يهدى القوم) * الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكافرين يمنعهم ألطافه ويخذلهم * (فترى الذين في قلوبهم) * شك ونفاق * (يسرعون فيهم) * في موالاتهم ويرغبون فيها، ويعتذرون بأنهم لا يأمنون أن تصيبهم * (دائرة) * من دوائر الزمان أي: صرف من صروفه فيحتاجوا إليهم وإلى معونتهم * (فعسى الله أن يأتي بالفتح) * لرسول الله على أعدائه * (أو أمر من عنده) * بقتل اليهود وإجلائهم عن ديارهم فيصبح المنافقون * (نادمين) * على ما أسروه * (في أنفسهم) * من النفاق، وقيل: أو أمر من عنده وهو أن يؤمر (2) النبي بإظهار # PageV01P507 # أسرار المنافقين فيندموا (1) * (ويقول الذين آمنوا) * قرئ بالنصب (2) عطفا على * (أن يأتي) * أو على * (بالفتح) * أي: وبأن يقول، وبالرفع على أنه كلام مبتدأ أي: # ويقول الذين آمنوا في ذلك الحال، وقرئ: " يقول " بغير واو (3) * (أهؤلاء الذين أقسموا) ms0290 * أي: حلفوا * (بالله) * أغلظ الأيمان * (إنهم) * أولياؤكم * (حبطت أعملهم) * من جملة كلام المؤمنين، أي: بطلت أعمالهم التي كانوا يتكلفونها في مرأى الناس * (فأصبحوا خاسرين) * خسروا الدنيا والآخرة. # * (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله وا سع عليم) * (54) سورة المائدة / 54 قرئ: " من يرتدد " (4) و " من يرتد " وهو (5) من الكائنات التي أخبر عنها في القرآن قبل كونها، وهو أن قوما يرتدون بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأنه سبحانه ينصر دينه بقوم لهم هذه الصفات المذكورة، قيل: هم أهل اليمن (6) ولما نزلت أشار رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى أبي موسى الأشعري (7) فقال: " هم قوم # PageV01P508 # هذا " (1)، وقال: " الإيمان يمان (2) والحكمة يمانية " (3)، وقيل: هم أهل الفرس (4) وأن رسول الله ضرب بيده على عاتق سلمان فقال: " هذا وذووه "، وقال: " لو كان الدين معلقا بالثريا لناله رجال من أبناء فارس " (5). # وعن أئمة الهدى (عليهم السلام) وعمار وحذيفة: أنهم علي (عليه السلام) وأصحابه حين قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين (6)، ويؤيده الحديث: " لتنتهن يا معشر قريش أو ليبعثن الله عليكم رجلا يضربكم على تأويل القرآن كما ضربتكم على تنزيله " ثم قال من بعد: " إنه خاصف النعل في الحجرة " وكان علي (عليه السلام) يخصف نعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) (7). # و * (أذلة) * جمع ذليل، أي: عاطفين على المؤمنين على وجه التذلل والتواضع أشداء * (على الكافرين) * واللومة المرة من اللوم، وفيه أنهم لا يخافون شيئا # PageV01P509 # قط من لوم أحد من اللوام * (ذلك) * أي: محبتهم ولين جانبهم (1) على المؤمنين وشدتهم على الكفار * (فضل) * من * (الله) * ومنة ولطف من جهته يعطيه * (من) * يعلم أنه أهل له * (والله وا سع) * كثير الفواضل والألطاف * (عليم) * بمن هو من أهلها. # * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون (55) ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب ms0291 الله هم الغالبون) * (56) سورة المائدة / 55 - 57 نزلت في (2) علي (عليه السلام) حين سأله سائل وهو راكع في صلاته فأومأ بخنصره اليمنى إليه فأخذ السائل الخاتم من خنصره (3)، ورواه الثعلبي (4) في تفسيره (5)، والحديث طويل رويناه في الكتاب الكبير (6)، وفيه: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: # " اللهم اشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيرا من أهلي عليا أخي اشدد به ظهري " قال أبو ذر (7): فوالله ما استتم الكلمة حتى نزل جبرئيل فقال: # PageV01P510 # يا محمد اقرأ: * (إنما وليكم الله) * الآية، والمعنى: * (إنما وليكم) * أي: الذي يتولى تدبيركم ويلي أموركم * (الله ورسوله والذين آمنوا الذين) * هذه صفاتهم * (وهم راكعون) * حال من * (يؤتون الزكاة) * أي: يؤتونها في حال ركوعهم. # قال جار الله: وإنما جئ به على لفظ الجمع وإن كان السبب فيه رجلا واحدا ليرغب الناس في مثل فعله، ولينبه على أن سجية المؤمنين يجب أن يكون على هذه الغاية من الحرص على البر والإحسان (1). وأقول: قد اشتهر في اللغة العبارة عن الواحد بلفظ الجمع على سبيل التعظيم فلا يحتاج (2) إلى الاستدلال عليه، وإذا ثبت أنه المعني في الآية على ما ذكرناه صحت إمامته بالنص الصريح. # * (فإن حزب الله هم الغالبون) * من إقامة الظاهر مقام المضمر، أي: فإنهم هم الغالبون. # * (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين (57) وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون) * (58) وقرئ: * (والكفار) * بالجر (3) ويعضده قراءة أبي: " ومن الكفار " (4)، وفي # PageV01P511 # القراءة بالنصب يكون الهزؤ من أهل الكتاب خاصة، وفصل بين المستهزئين منهم والكفار وإن كانوا - أيضا - كفارا إطلاقا للكفار على المشركين خاصة * (واتقوا الله) * في موالاة الكفار * (إن كنتم مؤمنين) * حقا * (اتخذوها) * الضمير للصلاة أو للمناداة، وكانوا إذا أذن المؤذن للصلاة تضاحكوا فيما بينهم * (لا يعقلون) * لأن هزؤهم ولعبهم من أفعال السفهاء فكأنه لا عقل لهم. # * (قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا ms0292 أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون) * (59) أي: ما تعيبون منا وتنكرون * (إلا) * الإيمان * (بالله) * والكتب المنزلة كلها * (وأن أكثركم فاسقون) * فيه وجوه: أن يكون عطفا على * (أن آمنا) * أي: # ما تنقمون منا إلا مخالفتكم حيث دخلنا في الإيمان وأنتم خارجون منه، ويجوز أن يكون عطفا على المجرور أي: إلا الإيمان بالله وبأن أكثركم فاسقون، ويجوز أن يكون تعليلا معطوفا على تعليل محذوف أي: ما تنقمون منا إلا الإيمان لقلة إنصافكم ولأنكم فاسقون (1). # * (قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل) * (60) سورة المائدة / 60 - 61 * (ذلك) * إشارة إلى المنقوم ولابد من حذف مضاف، والتقدير: هل أنبئكم بشر من أهل ذلك أو بشر من ذلك دين من لعنه الله، وضعت المثوبة موضع العقوبة، ومنه قوله: * (فبشرهم بعذاب أليم) * (2)، وكان اليهود يزعمون أن المسلمين # PageV01P512 # مستوجبون للعقاب، فقيل لهم: من لعنه الله شر عقوبة في الحقيقة من أهل الإسلام في زعمكم، و * (من لعنه) * في موضع الرفع أي: هو من لعنه الله، أو في محل الجر على البدل من " شر "، و * (عبد الطاغوت) * عطف على صلة * (من) * أي: ومن عبد الطاغوت، وقرئ: " وعبد الطاغوت " بضم الباء والإضافة (1) أي: وجعل منهم عبد الطاغوت، وهو للمبالغة في العبودية نحو حذر ويقظ، والمعنى فيه أنه خذلهم حتى عبدوها، والطاغوت: الشيطان، وقيل: إن من جعل منهم القردة هم أصحاب السبت، والخنازير: كفار أهل مائدة عيسى (2)، وقيل: إنهما معا أصحاب السبت مسخ شبانهم قردة وشيوخهم خنازير (3) * (أولئك شر مكانا) * جعلت الشرارة للمكان وهي لأهله للمبالغة وهو داخل في باب الكناية. # * (وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله أعلم بما كانوا يكتمون (61) وترى كثيرا منهم يسرعون في الاثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون (62) لولا ينهيهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون) * (63) نزلت ms0293 في ناس من اليهود كانوا يظهرون الإيمان نفاقا * (وقد دخلوا بالكفر) * أي: دخلوا كافرين وخرجوا كافرين، والتقدير ملتبسين بالكفر، فقوله: * (بالكفر) * و * (به) * حالان وكذلك قوله: * (وقد دخلوا) * و * (هم قد خرجوا) * ولذلك دخلت * (قد) * تقريبا للماضي من الحال أي: * (قالوا آمنا) * وهذه حالهم * (الإثم) * # PageV01P513 # الكذب بدليل قوله: * (عن قولهم الاثم) *، و * (العدوان) *: الظلم، وقيل: الإثم: كلمة الشرك نحو قولهم: * (عزير ابن الله) * (1) (2)، وقيل: الإثم: ما يختص بهم والعدوان ما يتعداهم إلى غيرهم (3) * (لبئس ما كانوا يصنعون) * كأنهم جعلوا آثم من مرتكبي الكبائر، لأن كل عامل لا يسمى صانعا حتى يتمكن فيه ويمهر، وعن ابن عباس: هي أشد آية في القرآن (4). # * (وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيمة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين) * (64) سورة المائدة / 64 غل اليد مستعار للبخل وبسط اليد للجود، ومن تكلم به لا يقصد إثبات يد ولا يريد حقيقة غل ولا بسط وإنما هما عبارتان وقعتا متعاقبتين للبخل والجود، وقد استعملوا اليد حيث لا يصح اليد نحو قول الشاعر: # جاد الحمى بسط اليدين بوابل * شكرت نداه تلاعه ووهاده (5) وقول لبيد: # قد أصبحت بيد الشمال زمامها (6) # PageV01P514 # * (غلت أيديهم) * يجوز أن يكون دعاء عليهم بالبخل والنكد ولذلك كانوا أبخل خلق الله، ويجوز أن يكون دعاء عليهم بغل الأيدي حقيقة يغلون في الدنيا أسارى وفي الآخرة بالأغلال في النار، ويجوز أن يكون إخبارا بأنهم ألزموا البخل وجعلوا بخلاء (1) * (ولعنوا بما قالوا) * أي: أبعدوا عن رحمة الله وعذبوا * (بل يداه مبسوطتان) * ثنيت اليد هنا ليكون الإنكار لقولهم أبلغ وعلى إثبات غاية السخاء أدل، وذلك أن غاية ما يبذله السخي أن يعطي باليدين جميعا، وقوله: # * (ينفق كيف يشاء) * تأكيد أيضا للوصف بالسخاء ودلالة على أنه لا ينفق إلا ما تقتضيه الحكمة والصلاح * (وليزيدن كثيرا منهم ما ms0294 أنزل إليك من ربك طغيانا) * أي: يزدادون عند إنزال (2) القرآن تماديا في الجحود وحسدا * (وكفرا) * بآيات الله * (وألقينا بينهم العداوة) * فكلماتهم مختلفة وقلوبهم شتى فلا يقع بينهم موافقة * (كلما أوقدوا نارا للحرب) * أي: كلما أرادوا محاربة النبي (صلى الله عليه وآله) غلبوا ولم يكن لهم ظفر قط، وقد أتاهم الإسلام وهم في ملك المجوس، وفي هذا دلالة على صحة نبوة نبينا (3) لأن اليهود كانوا في أشد بأس وأمنع دار حتى أن قريشا كانت تعتضد بهم، وكان الأوس والخزرج تتكثر بمظاهرتهم، فذلوا وقهروا وقتل النبي (عليه السلام) بني قريظة وأجلى بني النضير وغلب على خيبر وفدك (4) فاستأصل الله شأفتهم (5) # PageV01P515 # حتى أن اليوم تجد اليهود في كل بلدة من أذل الناس * (ويسعون في الأرض فسادا) * بمخالفة أمر الله والاجتهاد في محو ذكر الرسول من كتبهم. # * (ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنت النعيم (65) ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون) * (66) * (ولو أن أهل الكتاب آمنوا) * بمحمد (صلى الله عليه وآله) * (واتقوا) * وقرنوا إيمانهم بالتقوى * (لكفرنا عنهم) * تلك السيئات ولم نؤاخذهم بها * (ولأدخلنهم) * مع المسلمين * (جنت النعيم) *، * (ولو أنهم أقاموا) * أحكام * (التوراة والإنجيل) * وحدودهما وما فيهما من نعت رسول الله * (وما أنزل إليهم من) * سائر كتب الله لأنهم كلفوا الإيمان بجميعها فكأنها نزلت إليهم، وقيل: هو القرآن (1) * (لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم) * المعنى: لوسع الله عليهم الرزق وكانوا قد قحطوا، والمراد: لأفضنا عليهم بركات السماء وبركات الأرض ولأكثرنا ثمرات أشجارهم وغلات زروعهم، أو لرزقناهم الجنان اليانعة الثمار يجتنون ثمار أشجارها ويلتقطون ما سقط منها على الأرض * (منهم أمة) * أي: طائفة * (مقتصدة) * مسلمة آمنت بالنبي (صلى الله عليه وآله) * (وكثير منهم ساء ما يعملون) * فيه معنى التعجب، أي: ما أسوأ عملهم (2)! وهم الذين أقاموا على الكفر والجحود بالنبي (صلى الله عليه وآله). # سورة المائدة / 67 * (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك ms0295 من ربك وإن لم تفعل فما بلغت # PageV01P516 # رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدى القوم الكافرين) * (67) روى الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس وجابر بن عبد الله: أن الله تعالى أمر نبيه أن ينصب عليا (عليه السلام) للناس ويخبرهم بولايته، فتخوف (عليه السلام) أن يقولوا حابى ابن عمه، وأن يشق ذلك على جماعة من أصحابه، فنزلت هذه الآية، فأخذ بيده يوم غدير خم وقال: " من كنت مولاه فعلي مولاه " (1). وقرئ: " فما بلغت رسالاته " (2) أي: إن لم تبلغ هذه الرسالة * (فما بلغت) * إذا ما كلفت به من الرسالات وكنت كأنك لم تؤد منها شيئا قط لأنك إذا لم تؤدها فكأنك أغفلت أداءها جميعا * (والله يعصمك من الناس) * هذا وعد من الله بالحفظ والكلاءة، ومعناه: والله يضمن لك العصمة من أن ينالوك بسوء فما عذرك في مراقبتهم (3) * (إن الله لا يهدى القوم الكافرين) * يريد أن لا يمكنهم من إنزال مكروه بك. # وعن أنس: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحرس حتى نزلت الآية، فأخرج رأسه من قبة أدم فقال: انصرفوا فقد عصمني الله من الناس (4). # * (قل يا أهل الكتاب لستم على شئ حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين) * (68) # PageV01P517 # عن ابن عباس: نزلت في جماعة من اليهود قالوا للنبي (عليه السلام): ألست تقر بأن التوراة من عند الله؟ قال: بلى، قالوا: فإنا نؤمن بها ولا نؤمن بما عداها (1). والمعنى: # * (لستم على) * دين يعتد به حتى يسمى شيئا لفساده وبطلانه، كما يقال: هذا ليس بشئ يراد به التحقير * (حتى تقيموا التوراة والإنجيل) * بالتصديق لما فيهما من البشارة بمحمد والعمل بما فيهما * (وما أنزل إليكم من ربكم) * وهو القرآن * (فلا تأس) * أي: فلا تتأسف عليهم لزيادة طغيانهم وكفرهم فإن ضرر ذلك يرجع إليهم لا إليك. # * (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صلحا فلا خوف عليهم ولا ms0296 هم يحزنون) * (69) سورة المائدة / 69 و 70 * (والصابئون) * رفع على الابتداء وخبره محذوف، والنية به التأخير عما في حيز * (إن) * أي: والصابئون كذلك، واستشهد لذلك سيبويه (2) (3) بقول الشاعر: # وإلا فاعلموا أنا وأنتم * بغاة ما بقينا في شقاق (4) # PageV01P518 # أي: فاعلموا أنا بغاة وأنتم كذلك، وقول الآخر: # فإني وقيار بها لغريب (1) وإنما سموا صابئين لأنهم صبأوا عن الأديان كلها أي: خرجوا، و * (من آمن) * مبتدأ وخبره * (فلا خوف عليهم) * والتقدير: من آمن منهم، والجملة كما هي خبر * (إن) *، ويجوز أن يكون * (من آمن) * منصوبا على البدل من اسم * (إن) * وما عطف عليه أو من المعطوف عليه. # * (لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون (70) وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون) * (71) أي: * (أخذنا) * ميثاقهم بالتوحيد والبشارة بمحمد (صلى الله عليه وآله) * (وأرسلنا إليهم رسلا) * ليقفوهم على الأوامر والنواهي * (كلما جاءهم رسول) * جملة شرطية، وجواب الشرط محذوف يدل عليه قوله: * (فريقا كذبوا وفريقا يقتلون) * لأن التقدير: كلما جاءهم رسول من تلك الرسل ناصبوه وخالفوه، وقوله: * (فريقا كذبوا) * كأنه جواب سائل يسأل عنهم: كيف فعلوا برسلهم؟ و * (يقتلون) * حكاية # PageV01P519 # حال ماضية استحضارا لتلك الحال الشنيعة ليتعجب منها. وقرئ: * (ألا تكون) * بالنصب والرفع (1)، والرفع على تقدير: وحسبوا أنه لا تكون فتنة، فخففت " أن " وحذف ضمير الشأن وجعل الحسبان بمنزلة العلم حيث أدخل على " أن " التي هي للتحقيق لقوته في صدورهم، والمعنى: وحسب بنو إسرائيل أنهم (2) لا تصيبهم من الله * (فتنة) * أي: بلاء وعذاب في الدنيا والآخرة * (فعموا) * عن الدين * (وصموا) * عن الحق * (ثم تاب الله عليهم) * لما تابوا * (ثم عموا وصموا كثير منهم) * هو بدل من واو الضمير، أو هو على قولهم: أكلوني البراغيث، أو هو على " أولئك كثير منهم " والمعنى: أن كثيرا منهم عادوا كما كانوا، وقيل: يعني بالكثير منهم من كان في عصر نبينا (عليه السلام) (3) * (والله بصير بما يعملون) ms0297 * أي: عالم بأعمالهم، وفيه وعيد لهم. # * (لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يبنى إسرائيل اعبدوا الله ربى وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظلمين من أنصار (72) لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله وا حد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم (73) أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم) * (74) سورة المائدة / 72 - 74 احتج سبحانه على النصارى بقول عيسى (عليه السلام): * (اعبدوا الله ربى وربكم) * إذ لم يفرق بينه وبينهم في أنه عبد مربوب مثلهم * (إنه من يشرك بالله) * في عبادته أو فيما يختص به من صفاته أو أفعاله * (فقد حرم الله عليه الجنة) * التي هي دار # PageV01P520 # الموحدين، أي: حرمه دخولها ومنعه منه كما يمنع المحرم من المحرم عليه * (وما للظلمين من أنصار) * يخلصونهم من عذاب الله، وظلمهم أنهم عدلوا عن سبيل الحق فيما تقولوا على عيسى، و * (من) * في قوله: * (وما من إله إلا إله وا حد) * (1) للاستغراق والعموم، وهي المقدرة مع " لا " التي لنفي الجنس في قولك: # " لا إله إلا الله " والتقدير: وما (2) إله قط في الوجود إلا إله (3) موصوف بالوحدانية لا ثاني له في القدم، وهو الله وحده لا شريك له * (ليمسن الذين كفروا منهم) * " من " للتبيين فكأنه قال: ليمسنهم، ولكن أقام الظاهر موقع المضمر لتتكرر شهادته عليهم بالكفر، ويجوز أن يكون " من " للتبعيض أيضا على معنى: # ليمسن الذين بقوا على الكفر منهم (4) * (أفلا يتوبون) * بعد هذا الوعيد الشديد مما هم عليه، وفيه تعجيب من إصرارهم على الكفر * (والله غفور رحيم) * يستر الذنوب على العباد ويرحمهم. # * (ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون (75) قل أتعبدون من دون الله مالا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم (76) قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في ms0298 دينكم غير الحق # PageV01P521 # ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل) * (77) سورة المائدة / 75 - 78 أي: * (ما) * هو * (إلا رسول) * من جنس الرسل الذين خلوا (1) قبله، أتى بمعجزات باهرة من فعل الله تعالى كما أتوا بأمثالها * (وأمه صديقة) * صدقت بكلمات ربها وكتبه وما هي إلا كبعض النساء المصدقات * (كانا يأكلان الطعام) * هذا تصريح ببعدهما عما نسب إليهما، لأن من احتاج إلى الغذاء وما يتبعه من الهضم والنفض (2) لم يكن إلا جسما مؤلفا محدثا (3)، وقيل: إنه كناية عن قضاء الحاجة فكأنه ذكر الأكل وقصد بذلك الإخبار عن عاقبته (4) * (انظر كيف نبين لهم) * الأعلام من الأدلة الظاهرة على بطلان قولهم * (ثم انظر أنى يؤفكون) * أي: # PageV01P522 # كيف يصرفون عن استماع الحق وتدبره! والمعني في قوله: * (ثم انظر) * تراخي ما بين العجبين، بمعنى: أنه نبين لهم الآيات بيانا عجبا، ثم إن إعراضهم عنها أعجب منه، والمراد بقوله: * (مالا يملك) * عيسى (عليه السلام)، أي: شيئا لا يستطيع أن يضركم بمثل ما يضركم الله به من البلاء والنقص من الأموال والأنفس، ولا أن ينفعكم بمثل ما ينفعكم الله به من الصحة والسعة والخصب، وصفة المعبود أن يكون قادرا على كل شئ * (والله هو السميع) * لما يقولون * (العليم) * بما يعتقدون. # * (لا تغلوا في دينكم) * أي: لا تتجاوزوا الحد الذي حده الله لكم إلى الازدياد * (غير الحق) * صفة للمصدر، أي: لا تغلوا غلوا غير الحق، أي: غلوا باطلا وهو أن يتجاوز الحق ويتخطاه * (قد ضلوا من قبل) * هم أئمتهم في النصرانية كانوا على الضلال قبل مبعث النبي (صلى الله عليه وآله) * (وأضلوا كثيرا) * ممن تابعهم على التثليث * (وضلوا) * لما بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) * (عن سواء السبيل) * حين كذبوه وبغوا عليه. # * (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (78) كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون (79) ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن ms0299 سخط الله عليهم وفى العذاب هم خلدون) * (80) لعنوا * (على لسان داوود) * لما اعتدوا في سبتهم، فقال: اللهم ألبسهم اللعنة مثل الرداء، فمسخهم الله قردة * (و) * على لسان * (عيسى ابن مريم) * لما كفروا بعد نزول المائدة، فقال عيسى: اللهم عذب من كفر بعد ما أكل من المائدة عذابا لا تعذبه أحدا من العالمين والعنهم كما لعنت أصحاب السبت، فصاروا خنازير، وكانوا PageV01P523 # خمسة آلاف رجل * (ذلك بما عصوا) * أي: ذلك اللعن الشنيع بمعصيتهم واعتدائهم، ثم فسر المعصية والاعتداء بقوله: * (كانوا لا يتناهون) * أي: لا ينهى بعضهم بعضا * (عن منكر فعلوه) * ثم قال: * (لبئس ما كانوا يفعلون) * للتعجب من سوء فعلهم مؤكدا لذلك بالقسم، ويجوز أن يكون المعنى: كانوا لا يتناهون أي لا ينتهون ولا يمتنعون عن منكر فعلوه بل يصرون عليه ويداومون على فعله * (ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا) * أي: يوالون المشركين ويصادقونهم * (لبئس ما قدمت لهم أنفسهم) * أي: لبئس زادهم إلى الآخرة * (أن سخط الله عليهم) * أي: # سخط الله عليهم وهو المخصوص بالذم والمعني بذلك كعب بن الأشرف وأصحابه حين استجاشوا (1) المشركين على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقالوا: * (هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا) * (2). # سورة المائدة / 82 و 83 * (ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون (81) لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون (82) وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين (83) وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصلحين) * (84) ولو كانوا يؤمنون (3) إيمانا حقيقيا ما اتخذوا المشركين أولياء كما لم يوالهم المسلمون * (ولكن كثيرا منهم) * متمردون في كفرهم، ثم ذكر شدة عداوة اليهود # PageV01P524 # للمؤمنين ولين عريكة النصارى وميلهم إلى الإسلام، وقرن اليهود بالمشركين في العداوة، ونبه على تقدم قدمهم فيها ms0300 بتقديم ذكرهم، وعلل سهولة مأخذ النصارى وقرب مودتهم للمؤمنين * (بأن منهم قسيسين ورهبانا) * أي: علماء وعبادا * (وأنهم) * قوم فيهم تواضع وإخبات ولا كبر فيهم، واليهود على خلاف ذلك، وفيه دلالة على أن العلم يهدي إلى الخير وينفع في أبواب البر، وكذلك التأله والتفكر في أمر (1) الآخرة والبراءة من الكبر، ثم وصفهم برقة القلوب والبكاء عند استماع القرآن، وذلك نحو ما حكي عن النجاشي أنه قال لجعفر بن أبي طالب حين اجتمع في مجلسه المهاجرون إلى الحبشة وعمرو بن العاص (2) مع من معه من المشركين وهم يغرونه عليهم: هل في كتابكم ذكر مريم؟ فقال جعفر: فيه سورة تنسب إليها، وقرأها إلى قوله: * (ذلك عيسى ابن مريم) * (3) وقرأ سورة طه إلى قوله: * (وهل أتيك حديث موسى) * (4) فبكى النجاشي (5)، وكذلك فعل قومه الذين وفدوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهم سبعون رجلا حين قرأ عليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) سورة يس فبكوا (6). واللام في * (للذين آمنوا) * يتعلق ب‍ * (عداوة) * و * (مودة) *، ووصف # PageV01P525 # اليهود بالعداوة والنصارى بالمودة ووصف العداوة بالأشد والمودة بالأقرب يؤذن بتفاوت ما بين الفريقين * (يقولون ربنا آمنا) * المراد به إنشاء (1) الإيمان والدخول فيه * (فاكتبنا مع الشاهدين) * مع أمة محمد (صلى الله عليه وآله) الذين هم شهداء على سائر الأمم يوم القيامة كما قال تعالى: * (لتكونوا شهداء على الناس) * (2) وإنما قالوا ذلك لأنهم وجدوا ذكرهم في الإنجيل كذلك * (وما لنا لا نؤمن) * إنكار واستبعاد لانتفاء الإيمان مع ثبوت موجبه وهو الطمع في أن ينعم الله عليهم بصحبة الصالحين، ومحل * (لا نؤمن) * النصب على الحال بمعنى: غير مؤمنين، والواو في * (ونطمع) * واو الحال، والعامل في الأولى معنى الفعل في اللام، والمعنى: وأي شئ حصل لنا غير مؤمنين، وفي الثانية معنى هذا الفعل مقيدا بالحال الأولى، لأنك لو قلت: مالنا ونطمع لم يكن كلاما (3)، ويجوز أن يكون * (ونطمع) * حالا من * (لا نؤمن) * (4). # * (فأثابهم الله بما قالوا جنت تجرى من تحتها الأنهر خلدين فيها وذلك جزاء المحسنين (85) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا ms0301 أولئك أصحب الجحيم) * (86) سورة المائدة / 87 و 88 * (بما قالوا) * أي: بما تكلموا به عن اعتقاد وإخلاص، من قولك: هذا قول فلان أي: مذهبه واعتقاده، وذكر مجرد القول هنا لأنه قد سبق وصفهم بما يدل على معرفتهم وإخلاصهم، وهو قوله: * (مما عرفوا من الحق) * (5)، والقول إذا # PageV01P526 # اقترن به المعرفة فذلك الإيمان الحقيقي. # * (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبت ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين (87) وكلوا مما رزقكم الله حللا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون) * (88) روي: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذكر أصحابه يوما ووصف القيامة لهم فبالغ في الإنذار، فرقوا، واجتمع عشرة في بيت عثمان بن مظعون (1) واتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم ولا الودك (2) ولا يقربوا النساء ويلبسوا المسوح ويرفضوا الدنيا ويسيحوا في الأرض، فبلغ ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال لهم: " إني لم أؤمر بذلك، إن لأنفسكم عليكم حقا، فصوموا وأفطروا، وقوموا وناموا، فإني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وآكل اللحم والدسم، وآتي النساء، ومن رغب عن سنتي فليس مني " ونزلت (3) الآية. # * (لا تحرموا) * أي: لا تمنعوا أنفسكم ما طاب ولذ من الحلال، ولا تقولوا: حرمنا الحلال على أنفسنا تزهدا ومبالغة منكم في العزم على تركه * (ولا تعتدوا) * أي: # لا تتعدوا حدود ما أحل لكم إلى ما حرم عليكم، أو جعل تحريم الطيبات اعتداء فنهي عن الاعتداء ليدخل تحته النهي عن تحريمها، أو أراد: ولا تسرفوا في تناول الطيبات * (وكلوا مما رزقكم الله) * أي: من الوجوه الطيبة التي تسمى رزقا، وقوله: # * (حللا) * حال من * (مما رزقكم الله) *، * (واتقوا الله) * تأكيد للوصية بما أمر به، # PageV01P527 # وقوله: * (أنتم به مؤمنون) * استدعاء إلى التقوى بألطف الوجوه. # وتدل الآيتان على كراهية التفرد والخروج مما عليه الناس في التأهل وطلب الولد وعمارة الأرض. # * (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمن فكفارته إطعام عشرة مسكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو ms0302 كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفرة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون) * (89) سورة المائدة / 89 اللغو في اليمين (1): هو الساقط الذي لا يتعلق به حكم ويقع من غير قصد، مثل قول القائل: " لا والله " و " بلى والله " * (بما عقدتم الأيمن) * أي: بتعقيدكم الأيمان وهو توثيقها بالقصد والنية، وقرئ: " عقدتم " بالتخفيف (2) و " عاقدتم " (3)، والمعنى: ولكن يؤاخذكم بنكث ما عقدتم فحذف المضاف، أو بما عقدتم إذا حنثتم فحذف وقت المؤاخذة لكونه معلوما * (فكفارته) * أي: فكفارة حنثه * (إطعام عشرة مسكين) * يعطى كل واحد منهم مدين أو مدا، والمد: رطلان وربع * (من أوسط ما تطعمون أهليكم) * أي: من أقصده، لأن من الناس من يسرف في إطعام أهله ومنهم من يقتر، وأفضله الخبز واللحم وأدونه الخبز والملح، وعن # PageV01P528 # الصادق (عليه السلام) أنه قرأ: " أهاليكم " بسكون الياء (1) وهو اسم جمع لأهل كالليالي والأراضي، وأما تسكين الياء في حال النصب فللتخفيف كما قالوا: رأيت معدي كرب تشبيها للياء بالألف * (أو كسوتهم) * عطف على * (إطعام) * والكسوة عندنا (2) ثوبان: مئزر وقميص، وعند الضرورة قميص * (أو تحرير رقبة) * عبد أو أمة، وهذه الثلاثة واجبة على التخيير (3) * (فمن لم يجد) * إحداها * (فصيام ثلاثة أيام) * متتابعات، وكذلك هو في قراءة أبي وابن مسعود (4) * (ذلك) * المذكور * (كفرة أيمانكم إذا حلفتم) * وحنثتم، ترك ذكر الحنث لحصول العلم بأن الكفارة إنما تجب بالحنث لا بنفس الحلف * (واحفظوا أيمانكم) * فبروا فيها ولا تحنثوا، وقيل: # احفظوها بأن تكفروها (5)، وقيل: احفظوا كيف حلفتم بها ولا تنسوها تهاونا بها (6) (7) * (كذلك) * أي: مثل ذلك البيان * (يبين الله لكم آياته) * أي: أحكام شريعته * (لعلكم تشكرون) * نعمته فيما يعلمكم ويبينه لكم. # PageV01P529 # * (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون (90) إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون) * (91) أكد سبحانه تحريم الخمر والميسر بوجوه من التأكيد: منها: أنه قرنهما بعبادة الأنصاب ms0303 التي هي الأصنام، ومنه قوله (عليه السلام): " شارب الخمر كعابد الوثن " (1)، ومنها: أنه جعلهما رجسا كما قال: * (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) * (2)، ومنها: # أنه جعلهما من عمل الشيطان، ومنها: أنه أمر بالاجتناب، ومنها: أنه جعل الاجتناب من الفلاح، والهاء في * (فاجتنبوه) * تعود إلى عمل الشيطان أو إلى مضاف محذوف كأنه قيل: إنما شأن الخمر والميسر أو تعاطي الخمر والميسر ونحو ذلك، ومنها: أنه ذكر نتائجهما من المفاسد التي هي وقوع التعادي والتباغض بين أصحاب الخمر والقمر (3) وما يؤديان إليه من الصد * (عن ذكر الله وعن الصلاة) * التي هي عماد الدين، وقوله: * (فهل أنتم منتهون) * نهي بليغ، أي: # فهل أنتم مع ما تلي عليكم من هذه الصوارف منتهون؟ # * (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلغ المبين (92) ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين) * (93) سورة المائدة / 92 - 94 * (واحذروا) * أي: كونوا حذرين خائفين، أو واحذروا ما عليكم في ترك # PageV01P530 # طاعة الله والرسول * (فإن توليتم) * ولم تعملوا بما أمرتكم به * (فاعلموا) * أنكم لم (1) تضروا الرسول بتوليكم عما أداه إليكم، لأن الرسول لم يكلف إلا * (البلغ المبين) * وإنما أضررتم أنفسكم، وهذا وعيد * (ليس على) * المؤمنين الصالحين * (جناح) * في أي شئ طعموه من المطاعم المستلذة * (إذا ما اتقوا) * ما حرم عليهم منها، وثبتوا على الإيمان والعمل الصالح وازدادوه * (ثم اتقوا وآمنوا) * أي: ثم ثبتوا على التقوى والإيمان * (ثم اتقوا وأحسنوا) * أي: ثم ثبتوا على اتقاء المعاصي وأحسنوا أعمالهم، أو أحسنوا إلى الناس يواسونهم بما رزقهم الله من الطيبات، وقيل: إن الاتقاء الأول هو اتقاء المعاصي العقلية التي تختص المكلف ولا تتعداه، والاتقاء الثاني هو اتقاء المعاصي السمعية، والاتقاء الثالث اتقاء مظالم العباد وما يتعدى إلى الغير من الظلم والفساد (2). # * (يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشئ من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم) * (94) نزلت ms0304 (3) عام الحديبية، ابتلاهم الله بالصيد وهم محرمون وكان قد كثر عندهم حتى أنه كان يغشاهم في رحالهم فيتمكنون من صيده أخذا بأيديهم وطعنا برماحهم * (بشئ من الصيد) * أي: بتحريم بعض الصيد، لأنه عنى صيد البر خاصة (4)، وأنهم ابتلوا بذلك كما ابتلي أمة موسى (عليه السلام) بصيد البحر وهو السمك # PageV01P531 # * (ليعلم الله من يخافه بالغيب) * أي: ليتميز من يخاف عقاب الآخرة وهو غائب منتظر فيتقي الصيد ممن لا يخافه فيقدم عليه * (فمن اعتدى) * فصاد * (بعد ذلك) * الابتلاء فالوعيد لاحق به. # * (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بلغ الكعبة أو كفرة طعام مسكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام (95) أحل لكم صيد البحر وطعامه متعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون) * (96) سورة المائدة / 95 و 96 * (الصيد) * ما يصاد من الوحش، أكل أم لم يؤكل * (وأنتم حرم) * أي: محرمون بحج أو عمرة، جمع حرام * (ومن قتله منكم متعمدا) * وهو أن يقتله وهو ذاكر لإحرامه، أو عالم بأن ما يقتله مما يحرم عليه قتله، وعن الزهري (1): نزل الكتاب بالعمد وجرت السنة في الخطأ (2) * (فجزاء مثل ما قتل) * برفع * (جزاء) * و * (مثل) * معناه: فالواجب عليه جزاء يماثل ما قتل من الصيد، وقرئ: " فجزاء مثل ما قتل " على الإضافة (3)، والأصل فيه: " فجزاء مثل ما قتل " بنصب " مثل " ومعناه: فعليه # PageV01P532 # أن يجزى مثل ما قتل، ثم أضيف المصدر إلى المفعول به * (من النعم) * وهي الإبل والبقر والغنم، ويقال للإبل أيضا: نعم وإن انفرد، وهذه المماثلة عند أئمة الهدى (عليهم السلام) إنما تعتبر في الخلقة، ففي النعامة بدنة، وفي حمار الوحش وبقر الوحش بقرة، وفي الظبي والأرنب ونحوهما شاة (1) * (يحكم به) * أي: بمثل ما قتل * (ذوا عدل منكم) * أي: حكمان عدلان من الفقهاء ينظران إلى أشبه ms0305 الأشياء به من النعم فيحكمان به، وقراءة السيدين: الباقر والصادق (عليهما السلام): " ذو عدل منكم " (2) المراد به الإمام * (هديا) * حال من * (جزاء) * لأنه تخصص بالصفة فأشبه المعرفة، أو حال من الضمير في * (به) *، أو بدل من محل * (مثل) * إذا جررته (3)، و * (بلغ الكعبة) * وصف له، أي: هديا يبلغ الكعبة، ومعنى بلوغه الكعبة أن يذبح بالحرم، وقال أصحابنا: إذا كان محرما بالعمرة ذبح أو نحر بمكة، وإن كان محرما بالحج فبمنى (4) * (أو كفرة) * معناه: أو الواجب عليه كفارة، وقرئ: " أو كفارة طعام مساكين " على الإضافة (5) وتقديره: أو كفارة من طعام مساكين، كقولك: " خاتم فضة " والمعنى: خاتم من فضة، وهو أن يقوم الجزاء ويفض ثمنه على الحنطة ويتصدق به على كل مسكين نصف صاع * (أو عدل ذلك صياما) * وعدل الشئ ما عادله من غير جنسه، وصياما تمييز للعدل، و * (ذلك) * إشارة إلى الطعام وهو أن # PageV01P533 # يصام عن كل نصف صاع يوما. # والخيار في هذه الكفارات الثلاث إلى قاتل الصيد (1)، وقيل: هي مرتبة (2)، وكلا القولين رواه أصحابنا (3) * (ليذوق) * متعلق ب‍ * (جزاء) * والمعنى: فالواجب عليه أن يجازى أو يكفر ليذوق سوء عاقبة فعله * (عفا الله عما سلف) * لكم من الصيد في حال الإحرام يعني الدفعة الأولى، ومن عاد ثانية إلى قتل الصيد محرما * (فينتقم الله منه) * تقديره: فهو ينتقم الله منه ويعاقبه بما صنع ولا كفارة عليه. # * (أحل لكم صيد البحر) * أي: مصيداته * (وطعامه) * وما يطعم من صيده، والمعنى: أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصاد في البحر وأحل لكم أكل المأكول منه وهو السمك وحده * (متعا لكم) * مفعول له، أي: تمتيعا (4) لكم، والمعنى: وأحل لكم طعام البحر تمتيعا (5) لتنائكم (6) تأكلونه طريا ولسيارتكم يتزودونه قديدا، ص (7): " وطعامه حل لكم وللسيارة ". # سورة المائدة / 97 - 100 * (جعل الله الكعبة البيت الحرام قيما للناس والشهر الحرام # PageV01P534 # والهدى والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شئ عليم (97) اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم (98) ما على الرسول إلا البلغ ms0306 والله يعلم ما تبدون وما تكتمون (99) قل لا يستوى الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون) * (100) * (البيت الحرام) * عطف بيان ل‍ * (الكعبة) * (1)، * (قيما للناس) * أي: # لمعايش (2) الناس ومكاسبهم ليستقيم به أمور دينهم ودنياهم لما يتم به من أمر حجهم وعمرتهم وتجارتهم وأنواع منافعهم، وجاء في الأثر: أنه لو ترك عاما واحدا لم يحج إليه لم يناظروا ولم يؤخروا (3)، ومعناه: يهلكوا * (والشهر الحرام) * أي: والشهر الذي يؤدى فيه (4) الحج وهو ذو الحجة، وقيل: عني به جنس الأشهر الحرم الأربعة، واحد فرد وثلاثة سرد (5)، وهو عطف على * (الكعبة) * كما تقول: ظننت زيدا منطلقا وعمرا * (والهدى والقلائد) * أي: # والمقلد من الهدي خصوصا، لأن الثواب فيه أكثر * (ذلك) * إشارة إلى جعل الكعبة قياما للناس * (لتعلموا أن الله يعلم) * كل شئ فيعلم ما يصلحكم مما أمركم به * (ما على الرسول إلا البلغ) * فيه تهديد وإيذان بأن الرسول قد بلغ ما وجب عليه # PageV01P535 # تبليغه وقامت عليكم الحجة فلا عذر لكم في التقصير، أي: لا يستوي الحلال والحرام والصالح والطالح والصحيح من المذاهب (1) والفاسد، ولا تعجبوا بكثرة الخبيث حتى تؤثروه لكثرته على الطيب القليل * (فاتقوا الله) * واختاروا الطيب وإن قل على الخبيث وإن كثر. # * (يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبدلكم تسؤكم وإن تسلوا عنها حين ينزل القرآن تبدلكم عفا الله عنها والله غفور حليم (101) قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كفرين) * (102) أي: لا تكثروا مسألة رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى تسألوه عن تكاليف شاقة إن أفتاكم بها وكلفكم إياها وجبت وربما غمكم (2) ذلك وشق عليكم، وذلك نحو ما روي: أن سراقة بن مالك أو عكاشة بن محصن قال: يا رسول الله أفي كل عام كتب الحج علينا؟ فأعرض عنه حتى أعاد المسألة ثلاثا، فقال: ويحك وما يؤمنك أن أقول: # نعم!! والله لو قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم، ولو تركتم لكفرتم، فاتركوني ما تركتكم، فإنما هلك من هلك قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم ms0307 على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شئ فاجتنبوه (3). # * (وإن تسلوا) * عن هذه التكاليف الصعبة في زمان الوحي * (تبد لكم) * تلك التكاليف التي * (تسؤكم) * وتؤمروا بتحملها، وقيل: إن رجلا يقال له: عبد الله سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: من أبي؟ وكان يطعن في نسبه، فقال له (عليه السلام): " حذافة " سورة المائدة / 102 و 103 فنزلت (4) * (عفا الله) * عما سلف من مسألتكم فلا تعودوا إلى مثلها * (والله غفور # PageV01P536 # حليم) * لا يعاجلكم بعقوبته * (قد سألها) * أي: قد سأل هذه المسألة قوم من الأولين * (ثم أصبحوا بها) * أي: بمرجوعها أو بسببها * (كفرين) * وذلك أن بني إسرائيل كانوا يسألون أنبياءهم عن أشياء فإذا أمروها تركوها فهلكوا. # * (ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون (103) وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون) * (104) البحيرة: الناقة إذا أنتجت خمسة أبطن، فإن كان آخرها ذكرا بحروا أذنها أي: # شقوها وحرموا ركوبها، ولا تطرد عن ماء ولا مرعى، ولو لقيها المعيى (1) لم يركبها. # والسائبة: ما كانوا يسيبونه، كان الرجل يقول: إذا قدمت من سفري أو برئت من مرضي فناقتي سائبة، فكانت كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها، وكان الرجل إذا أعتق عبدا قال: هو سائبة ولا عقل بينهما ولا ميراث، وكانوا يسيبونها لطواغيتهم ولسدنة الأصنام. والوصيلة في الغنم: كانت الشاة إذا ولدت أنثى فهي لهم، وإذا ولدت ذكرا ذبحوه لآلهتهم، فإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لأجلها. والحامي: هو الفحل إذا نتجت من صلبه عشرة أبطن قالوا: # قد حمى ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى (2). # ومعنى * (ما جعل الله) *: ما شرع ذلك ولاأمر بالتبحير ولا بالتسييب ولاغير ذلك، ولكنهم بتحريمهم ما حرموا * (يفترون على الله الكذب) * يدعون أن الله # PageV01P537 # حرمها * (وأكثرهم لا ms0308 يعقلون) * أن ذلك افتراء وكذب، يعني الاتباع للذين يقلدون في تحريمها رؤساءهم (1)، والواو في قوله: * (أولو كان آباؤهم) * واو الحال دخل عليه همزة الاستفهام التي للإنكار (2)، والتقدير: أحسبهم ذلك ولو كان آباؤهم * (لا يعلمون شيئا ولا يهتدون) * والاقتداء إنما يصح بالعالم المهتدي ولا يعرف ذلك إلا بالدليل. # * (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون) * (105) سورة المائدة / 105 و 106 * (عليكم) * من أسماء الأفعال ومعناه: الزموا إصلاح أنفسكم، وقوله: # * (لا يضركم) * جواب الأمر وهو مجزوم، وإنما ضمت الراء اتباعا لضمة الضاد، والأصل: " لا يضرركم "، وقرئ: " لا يضركم " بكسر الضاد وضمها (3) من ضاره يضيره ويضوره، ويجوز أن يكون خبرا مرفوعا (4)، والمعنى: لا يضركم ضلال * (من ضل) * عن دينكم * (إذا) * كنتم مهتدين، وهو مثل قوله: * (فلا تذهب نفسك # PageV01P538 # عليهم حسرا ت) * (1)، وكان المؤمنون يتأسفون حسرة على أهل العناد من الكفار يتمنون دخولهم في الإسلام فخوطبوا بذلك. # وعن ابن مسعود أنها قرئت عنده فقال: إن هذا ليس بزمانها (2) إنها اليوم مقبولة ولكن يوشك أن يأتي زمان تأمرون فلا يقبل منكم، فحينئذ عليكم أنفسكم (3)، فهو على هذا تسلية لمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فلا يقبل منه وبسط لعذره (4). # * (يا أيها الذين آمنوا شهدة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهدة الله إنا إذا لمن الاثمين) * (106) * (شهدة بينكم) * مبتدأ و * (اثنان) * خبره، والتقدير: شهادة بينكم شهادة اثنين، وأضيف المصدر الذي هو * (شهدة) * إلى " بين " فجعل الظرف اسما اتساعا، و * (إذا حضر) * ظرف للشهادة و * (حين الوصية) * بدل منه، وفي إبداله منه دلالة على وجوب الوصية عند حضور الموت وظهور أماراته، لأن زمان حضور أسباب الموت جعل زمان الوصية * (إن أنتم ضربتم في الأرض) * يعني: إن وقع # PageV01P539 # الموت ms0309 في السفر ولم يكن معكم رجلان عدلان * (منكم) * أي: من المسلمين فاستشهدوا على الوصية آخرين * (من غيركم) * أي: من أهل الذمة، وروي: أن ثلاثة نفر خرجوا تجارا من المدينة إلى الشام: تميم بن أوس وعدي (1) وهما نصرانيان وابن أبي مارية (2) مولى عمرو بن العاص، فمرض ابن أبي مارية وكتب كتاب وصية (3) فيه ما معه من المتاع ودس كتابه في متاعه لم يخبر به صاحبيه، وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى أهله ومات، ففتشا متاعه وأخذا إناء من فضة ثم رجعا بالمال إلى الورثة، فوجدوا الكتاب فطالبوهما بالإناء فجحدا، فرفعوا أمرهم (4) إلى النبي (صلى الله عليه وآله) فنزلت (5). # سورة المائدة / 106 و 107 قوله: * (تحبسونهما) * معناه: تقفونهما ليحلفا * (من بعد الصلاة) * أي: من بعد صلاة العصر (6) وقت اجتماع الناس، وقيل: أو الظهر (7)، وقيل: من بعد صلاة أهل دينهما يعني: الذميين (8) * (فيقسمان بالله إن ارتبتم) * في شهادتهما وشككتم واتهمتموهما، فقوله: * (إن ارتبتم) * اعتراض بين القسم والمقسم عليه وهو قوله: # * (لا نشتري به ثمنا) * أي: لا نستبدل بتحريف شهادتنا ذا ثمن، فحذف المضاف في # PageV01P540 # الموضعين، لأن من المعلوم أن المبيع يشترى دون ثمنه، وقيل: إن الضمير في * (به) * للقسم (1)، يعني: لا نستبدل بالقسم بالله عوضا (2) من الدنيا، أي: لا نحلف بالله كاذبين لأجل المال * (ولو كان ذا قربى) * الضمير في * (كان) * للمقسم له، أي: # ولو كان من نقسم له قريبا منا، ولا نحابي في شهادتنا أحدا * (ولا نكتم شهدة الله) * التي أمرنا الله بحفظها وألزمنا أداءها، ورووا عن علي (عليه السلام) والشعبي الوقف على * (شهدة) * وابتداء " أألله " بالمد على طرح حرف القسم وتعويض حرف الاستفهام منه (3)، وروي أيضا بغير مد (4)، وذلك على ما ذكره سيبويه: أن منهم من يحذف حرف القسم ولا يعوض منه همزة (5) الاستفهام فيقول: الله لقد كان كذا (6)، * (إنا إذا) * أي: إن فعلنا ذلك * (لمن الاثمين) *. # * (فإن عثر على أنهما استحقا إثما فاخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأولين فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهدتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن ms0310 الظالمين (107) ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمن بعد أيمنهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدى القوم الفسقين) * (108) أي: * (فإن) * اطلع * (على أنهما استحقا إثما) * أي: فعلا ما أوجب (7) إثما # PageV01P541 # واستوجبا أن يقال: إنهما من * (الاثمين) * بخيانتهما * (فاخران) * أي: فشاهدان آخران * (يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم) * الإثم، والمعنى: من الذين جني عليهم وهم أهل الميت وعشيرته، وفي الحديث: أنه لما عثر على خيانة الرجلين ووجد الإناء بمكة بعد أن استحلفهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند المنبر حلف رجلان من ورثته أنه إناء صاحبهما وأنهما خانا وكذبا فدفع الإناء إليهما (1)، و * (الأولين) * الأحقان بالشهادة لقرابتهما، وارتفاعها (2) على أنها بدل من * (فاخران) * أو من الضمير في * (يقومان) * أو على " هما الأوليان " كأنه قيل: # ومن هما؟ فقيل: * (الأولين) *، وقرئ: " الأولين " (3) على أنه وصف ل‍ * (الذين استحق عليهم) * ومعنى الأولية: التقدم على الأجانب في الشهادة لكونهم أحق بها، وفي هذا دلالة على جواز رد اليمين على المدعي، وقرئ: * (استحق عليهم الأولين) * على البناء للفاعل (4)، ومعناه: من الورثة الذين استحق عليهم الأوليان من بينهم بالشهادة أن يجردوهما عن القيام بالشهادة، ويظهروا بهما كذب الكاذبين * (فيقسمان) * أي: يحلفان * (بالله لشهادتنا) * وقولنا في وصية صاحبنا * (أحق) * بالقبول * (من شهدتهما) * وقولهما * (وما اعتدينا) * وما جاوزنا الحق فيما طلبناه سورة المائدة / 108 و 109 من حقنا * (ذلك) * الذي تقدم من بيان الحكم * (أدنى) * أي: أقرب إلى أن يأتي # PageV01P542 # الشهداء على نحو تلك الحادثة * (بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمن) * أي: أو أقرب إلى أن يخافوا أن تكر (1) أيمان شهود آخرين * (بعد أيمنهم) * فيفتضحوا بظهور كذبهم كما جرى في هذه القصة، فربما لا يحلفون كاذبين ويتحفظون في الشهادة مخافة رد اليمين إلى المستحق عليهم * (واتقوا الله) * أن تخونوا وتحلفوا كاذبين * (واسمعوا) * سمع إجابة وقبول. # * (يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لاعلم لنا إنك أنت علم الغيوب (109) إذ قال الله يا عيسى ابن مريم أذكر نعمتي عليك وعلى والدتك ms0311 إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين) * (110) * (يوم يجمع) * ظرف (2) لقوله: * (لا يهدى) * أي: لا يهديهم طريق الجنة يومئذ كما يهدي غيرهم، أو يوم يجمع الله الرسل يكون كذا وكذا، أو نصب (3) ب‍ * (أذكر) * (4)، * (ماذا أجبتم) * أي: أي إجابة أجبتم؟ وهذا السؤال توبيخ لقومهم، ولذلك * (قالوا لاعلم لنا) * وكلوا الأمر إلى علمه بسوء إجابتهم ولجأوا إليه في الانتقام منهم، وقيل: معناه: أنت أعلم بحالهم منا فعلمنا مغمور بعلمك وساقط معه # PageV01P543 # لأنك * (علم الغيوب) * (1)، وقيل: معناه: لاعلم لنا بما كان منهم بعدنا (2) * (إذ قال الله) * بدل من * (يوم يجمع) * والمعنى: أنه يوبخ (3) الكافرين يومئذ بسؤال الرسل عن إجابتهم وبتقرير ما أظهر على أيديهم من الآيات والمعجزات فكذبوهم أو (4) اتخذوهم آلهة * (أيدتك) * قويتك * (بروح القدس) * بجبرئيل (عليه السلام)، وقيل: بالكلام الذي يحيا به الدين (5) * (تكلم الناس) * طفلا * (وكهلا) *، و * (في المهد) * في موضع الحال، والمعنى: تكلمهم في هاتين الحالتين من غير أن يتفاوت كلامك حين (6) الطفولة وحين الكهولة الذي هو وقت بلوغ الأشد، والحد الذي يستنبأ فيه الأنبياء * (وإذ علمتك الكتاب) * أي: الكتابة * (والحكمة) * الكلام المحكم، وقيل: # المراد بهما جنس الكتاب والحكمة * (و) * خص * (التوراة والإنجيل) * مما تناولاه (7) * (وإذ تخلق) * أي: تصور وتقدر * (من الطين كهيئة الطير) * أي: هيئة مثل هيئة الطير الذي تريد * (بإذني) * بأمري وتسهيلي * (فتنفخ فيها) * الضمير للكاف، لأنها صفة الهيئة التي كان يخلقها عيسى وينفخ فيها، ولا يرجع إلى الهيئة المضاف إليها لأنها ليست من خلقه ونفخه في شئ، وكذلك الضمير في * (فتكون) *، * (و) * إذ * (تبرئ الأكمه والأبرص) * نسب ذلك إليه لما كان بدعائه وسؤاله * (وإذ تخرج الموتى) * من القبور حتى يشاهدهم الناس أحياء * (وإذ كففت بني إسرائيل عنك) * يعني: اليهود حين هموا ms0312 بقتله. # سورة المائدة / 111 - 113 * (وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا # PageV01P544 # واشهد بأننا مسلمون (111) إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين (112) قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين) * (113) * (وإذ أوحيت إلى الحواريين) * أي: ألهمتهم، وقيل: ألقيت إليهم بالآيات التي أريتهم إياها (1)، وقيل: أمرتهم على ألسنة الرسل (2) * (مسلمون) * أي: مخلصون، من أسلم وجهه لله * (هل يستطيع ربك أن ينزل) * معناه: هل يفعل ذلك ربك بمسألتك إياه ليكون علما على صدقك (3)، وقيل: معناه: هل يقدر ربك (4)، وإنما قالوه قبل أن تستحكم معرفتهم بالله وصفاته، ولذلك قال عيسى (عليه السلام) لهم: * (اتقوا الله) * ولا تشكوا في اقتداره واستطاعته، ولا تقترحوا عليه ما تشتهون (5) من الآيات فتهلكوا إذا عصيتموه بعدها (6)، وقرأ الصادق (عليه السلام): " هل تستطيع ربك " (7) أي: هل تستطيع سؤال ربك، والمائدة: الخوان يكون عليه الطعام، وهي من مادة أي: أعطاه * (ونكون عليها من الشاهدين) * نشهد عليها عند الذين لم يحضروها من بني إسرائيل، أو من الشاهدين لله بالوحدانية ولك بالنبوة عاكفين عليها، * (ونكون عليها) * في موضع الحال. # PageV01P545 # * (قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين (114) قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العلمين) * (115) ثم سأل عيسى (عليه السلام) وأجيب إلى ذلك ليلزموا الحجة ويرسل عليهم العذاب إذا خالفوا * (اللهم) * أصله يا الله (1) * (ربنا) * نداء ثان * (تكون لنا عيدا) * أي: يكون يوم نزولها عيدا وهو يوم الأحد ومن ثم اتخذه النصارى عيدا (2)، وقيل: العيد: # السرور العائد ولذلك يقال: يوم عيد، أي: تكون لنا سرورا وفرحا (3) * (لأولنا وآخرنا) * بدل من * (لنا) * بتكرير العامل، أي: لمن في زماننا من أهل ديننا ولمن يأتي بعدنا، وقيل: معناه: يأكل منها آخر الناس كما يأكل أولهم (4)، وقيل: # للمتقدمين ms0313 منا والأتباع (5) * (وآية منك) * أي: ودلالة منك عظيمة الشأن تدل على توحيدك وصحة نبوة نبيك * (فمن يكفر بعد منكم) * أي: بعد إنزالها (6) عليكم * (فإني أعذبه عذابا) * أي: تعذيبا * (لا أعذبه) * الضمير للمصدر، ولو أريد ما يعذب به لم يكن (7) بد من الباء. # سورة المائدة / 115 و 116 وروي: أن عيسى (عليه السلام) لبس صوفا وقال: اللهم أنزل علينا مائدة، فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين وهم ينظرون إليها، فبكى عيسى (عليه السلام) وقال: اللهم اجعلني من # PageV01P546 # الشاكرين، وكشف المنديل وقال: باسم الله خير الرازقين، فإذا سمكة مشوية بلا فلوس ولا شوك وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل وحولها من ألوان (1) البقول ما عدا الكراث (2)، وقيل: نزلت الملائكة بها، عليها سبعة أرغفة وسبعة أحوات فأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم (3)، وعن الحسن: أن المائدة ما نزلت، ولو نزلت لكان عيدا إلى يوم القيامة لقوله: * (وآخرنا) * (4). # * (وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علم الغيوب (116) ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربى وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شئ شهيد (117) إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) * (118) المعنى: * (إذ) * يقول * (الله) * يوم القيامة: * (يا عيسى) * وهو استفهام يراد به التقريع لمن ادعى ذلك عليه من النصارى، واستعظام لذلك القول * (قال سبحانك) * من أن يكون لك شريك * (ما يكون لي) * ما ينبغي لي * (أن أقول) * قولا لا يحق لي أن أقوله وأنا عبد مثلهم، وإنما تحق العبادة لك وحدك * (تعلم ما في نفسي) * أي: # في قلبي، والمعنى: تعلم معلومي ولا أعلم معلومك، وإنما قال: * (في نفسك) * # PageV01P547 # سلوكا بالكلام طريق المشاكلة * (إنك أنت علم الغيوب) * تقرير للجملتين معا، لأن ما ms0314 انطوت عليه النفوس من جملة الغيوب ولا ينتهي علم أحد إلى ما يعلمه سبحانه * (أن اعبدوا الله) * هي " أن " المفسرة، ومعناه: ما أمرتهم إلا بما أمرتني به * (وكنت عليهم شهيدا) * أي: رقيبا كالشاهد على المشهود عليه أمنعهم من أن يقولوا ذلك ويعتقدوه * (فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم) * تمنعهم من القول به بما نصبت لهم من الأدلة، وأرسلت إليهم من الرسل * (إن تعذبهم فإنهم عبادك) * الذين عرفتهم عاصين مكذبين لرسلك منكرين بيناتك * (وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز) * القادر على العقاب والثواب * (الحكيم) * الذي لا يفعلهما إلا عن حكمة وصواب، والمعنى: إن غفرت لهم مع كفرهم فالمغفرة حسنة في العقل لكل مجرم، وكلما كان الجرم أعظم فالعفو عنه أحسن. # * (قال الله هذا يوم ينفع الصدقين صدقهم لهم جنت تجرى من تحتها الأنهر خلدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم (119) لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شئ قدير) * (120) سورة المائدة / 120 قرئ: * (هذا يوم) * بالرفع والإضافة، وبالنصب (1): إما على أنه ظرف ل‍ * (قال) * وإما على أن * (هذا) * مبتدأ والظرف خبر، والمعنى: * (هذا) * أي: الذي ذكرناه من كلام عيسى واقع يوم * (ينفع) *، ولا يجوز أن يكون فتحا كقوله تعالى: # * (يوم لا تملك) * (2) لأنه مضاف إلى متمكن (3)، والمعنى: * (ينفع الصدقين) * # PageV01P548 # ما صدقوا فيه في دار التكليف، وقيل: تصديقهم لأنبياء الله وكتبه (1)، وقيل: صدقهم في الشهادة لأنبيائهم بالبلاغ (2). # * (لله ملك السماوات والأرض) * نزه سبحانه نفسه عن قول النصارى، وإنما قال: * (وما فيهن) * ولم يقل: " ومن فيهن " تغليبا للعقلاء، لأن " ما " يتناول الأجناس كلها تناولا عاما، فلو أبصرت شخصا من بعيد قلت: " ما هو؟ " قبل أن تعرف أمن العقلاء هو أو من غيرهم، فكان لفظة " ما " بإرادة العموم أولى. # PageV01P549 # سورة الأنعام مكية غير ست آيات، وهي مائة وخمس وستون آية كوفي، ست بصري، * (لست عليكم بوكيل) * (1) كوفي، * (كن فيكون) * (2) و * (إلى صرا ط مستقيم) * (3) غيرهم. # وفي حديث أبي: " أنزلت علي الأنعام جملة واحدة يشيعها سبعون ألف ملك لهم ms0315 زجل (4) بالتسبيح والتحميد، فمن قرأها صلى عليه أولئك السبعون ألف ملك بعدد كل آية من الأنعام يوما وليلة " (5). # وروى الحسين بن خالد عن الرضا (عليه السلام) مثل ذلك إلا أنه قال: " سبحوا له إلى يوم القيامة " (6). # PageV01P550 # بسم الله الرحمن الرحيم * (الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون (1) هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون) * (2) * (وجعل الظلمات والنور) * أي: أنشأهما وأحدثهما، والفرق بين الخلق والجعل: أن الخلق فيه معنى التقدير، والجعل فيه معنى التصيير (1) كإنشاء شئ من شئ أو تصيير شئ شيئا أو نقله من مكان إلى مكان، ومن ذلك: * (وجعل منها زوجها) * (2) * (وجعل الظلمات والنور) * * (وخلقناكم أزواجا) * (3)، والمعنى: أنه * (خلق السماوات والأرض) * وما اشتملا عليه من أجناس المخلوقات، وأنشأ الليل والنهار وما لا يقدر عليه سواه * (ثم) * إنهم * (يعدلون) * به مالا يقدر على شئ منه، وهذا استبعاد لفعلهم، وكذلك * (ثم أنتم تمترون) * استبعاد لأن يمتروا فيه بعد أن ثبت أنه محييهم ومميتهم وباعثهم، وقوله: * (ثم قضى أجلا) * معناه: كتب وقدر أجلا، يعني: أجل الموت * (وأجل مسمى عنده) * أجل القيامة، وقيل: الأجل الأول # PageV01P551 # ما بين أن يخلق إلى أن يموت، والثاني ما بين الموت والبعث (1). # * (وهو الله في السماوات وفى الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون (3) وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (4) فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون) * (5) سورة الأنعام / 4 - 6 * (في السماوات) * متعلق بمعنى اسم الله، كأنه قيل: وهو المعبود فيهما، ومثله قوله: * (وهو الذي في السماء إله وفى الأرض إله) * (2) أو هو المعروف بالإلهية أو المتوحد بالإلهية فيهما، وعلى هذا فقوله: * (يعلم سركم وجهركم) * تقرير له، لأن من استوى في علمه السر والعلانية هو الله وحده (3)، ويجوز أن يكون * (هو) * ضمير الشأن و * (الله... يعلم سركم وجهركم) * مبتدأ وخبرا و * (في السماوات) * يتعلق ب‍ * (يعلم) * (4)، ويجوز أن يكون * (في السماوات) * خبرا بعد ms0316 خبر على معنى أنه الله، وأنه في السماوات والأرض بمعنى أنه عالم بما فيهما لا يخفى عليه شئ منه، فكأن ذاته فيهما، و * (يعلم سركم وجهركم) *، خبر ثالث أو كلام مبتدأ بمعنى: هو يعلم سركم وجهركم * (ويعلم ما تكسبون) * من الخير والشر ويثيب عليه ويعاقب، و * (من) * في قوله: * (من آية) * للاستغراق، و * (من) * في * (من آيات ربهم) * للتبعيض، أي: وما يظهر لهم دليل من الدلائل التي يجب فيها # PageV01P552 # النظر وبها يحصل الاعتبار * (إلا كانوا) * عنه (1) * (معرضين) * لا يلتفتون إليه ولا يستدلون به * (فقد كذبوا بالحق) * الذي أتاهم به محمد (صلى الله عليه وآله) وهو القرآن الذي تحدوا به فعجزوا عنه * (فسوف يأتيهم) * أخبار الشئ الذي استهزأوا به وهو القرآن، أي: سيعلمون بأي شئ استهزأوا في الآخرة أو في الدنيا. # * (ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكنهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهر تجرى من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين) * (6) مكن له في الأرض: جعل له مكانا، ومكنه في الأرض: أثبته فيها، ومنه قوله تعالى: * (ولقد مكنهم فيما إن مكنكم فيه) * (2)، ولتقارب المعنيين جمع بينهما في قوله: * (مكنهم في الأرض ما لم نمكن لكم) * والمعنى: * (ألم) * ير كفار قريش * (كم أهلكنا من) * أمة، وكل أمة مقترنة في وقت قرن، أعطيناهم من البسطة في الأجسام والسعة في الأموال ما لم نعطكم، عدل عن الغيبة إلى الخطاب على طريقة الالتفات * (وأرسلنا السماء) * يعني: المطر هنا * (عليهم مدرارا) * مغزارا، والمراد به: الغيث والبركة * (وأنشأنا) * وخلقنا من بعد هلاكهم أمة أخرى، وفيه دلالة على أنه سبحانه لا يتعاظمه أن يفني عالما وينشئ عالما آخر كقوله: * (ولا يخاف عقبها) * (3). # * (ولو نزلنا عليك كتبا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين (7) وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا # PageV01P553 # ملكا لقضى الامر ثم لا ينظرون (8) ولو جعلنه ملكا لجعلنه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون (9) ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين ms0317 سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون) * (10) * (كتبا) * أي: مكتوبا * (في قرطاس) * في صحيفة * (فلمسوه بأيديهم) * ولم يقتصر بهم على الرؤية والمعاينة لئلا يقولوا: * (سكرت أبصرنا) * (1)، لقالوا: * (إن هذا إلا سحر) * لعظم عنادهم وقسوة قلوبهم * (لولا أنزل) * أي: هلا أنزل على محمد (صلى الله عليه وآله) * (ملك) * نشاهده فنصدقه * (ولو أنزلنا ملكا) * على ما اقترحوا * (لقضى الامر) * أي: لقضي أمر (2) إهلاكهم * (ثم لا ينظرون) * بعد نزوله طرفة عين، لأنهم لا يؤمنون عند مشاهدة تلك الآية التي لا شئ أبين منها فتقتضي الحكمة استئصالهم * (ولو جعلناه ملكا) * أي: ولو جعلنا الرسول ملكا كما اقترحوه * (لجعلنه رجلا) * لأرسلناه في صورة رجل كما كان ينزل جبرئيل على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أعم الأحوال في صورة دحية الكلبي (3) * (وللبسنا) * ولخلطنا * (عليهم ما) * يخلطون على أنفسهم حينئذ، فإنهم يقولون إذا رأوا الملك في صورة سورة الأنعام / 10 - 12 رجل: هذا إنسان وليس بملك، وكذبوه كما كذبوا محمدا (صلى الله عليه وآله)، فإذا فعلوا ذلك # PageV01P554 # خذلوا كما أنهم مخذولون اليوم، فهذا لبس الله عليهم * (ولقد استهزئ) * تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله) عما كان يلقاه من قومه " فحاق بهم " فأحاط بهم الشئ الذي * (كانوا... # يستهزءون) * به وهو الحق حيث أهلكوا من أجل الاستهزاء به، وقيل: فأحاط بهم العذاب الذي يسخرون من وقوعه (1). # * (قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عقبة المكذبين (11) قل لمن ما في السماوات والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة ليجمعنكم إلى يوم القيمة لا ريب فيه الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون (12) وله ما سكن في اليل والنهار وهو السميع العليم) * (13) * (سيروا في الأرض) * سافروا فيها * (ثم انظروا) * (2) بأبصاركم وتفكروا بقلوبكم * (كيف كان عقبة المكذبين) * المستهزئين بالرسل من الأمم السالفة * (لمن ما في السماوات والأرض) * سؤال تبكيت، و * (قل لله) * تقرير لهم، أي: هو لله لا خلاف بيني وبينكم في ذلك، ولا تقدرون أن تضيفوا شيئا منه إلى غيره * (كتب على نفسه الرحمة) * أي: أوجبها على ذاته في هدايتكم ms0318 إلى معرفته ونصب الأدلة # PageV01P555 # لكم على توحيده بما أنتم تعترفون به من خلق السماوات والأرض، وقيل: أوجب الرحمة على نفسه في إمهال عباده ليتداركوا ما فرط منهم ويتوبوا (1)، وقيل: كتب الرحمة لأمة محمد (صلى الله عليه وآله) بأن لا يعذبهم في الدنيا بعذاب الاستئصال بل يؤخرهم إلى يوم القيامة (2)، ثم فسر الرحمة بقوله: * (ليجمعنكم إلى يوم القيمة) * على ما ذكرنا أن المراد به إمهال العاصي ليتوب أو تأخير عذابهم، وقيل: إنه وعيد على كفرهم وتركهم النظر، ومعناه: ليجمعن آخركم إلى أولكم قرنا بعد قرن * (إلى يوم القيمة) * فيجازيكم على شرككم (3) * (الذين خسروا أنفسهم) * قيل: هو بدل من سورة الأنعام / 14 - 16 الكاف والميم في * (ليجمعنكم) * وعلى هذا فلا يجوز الوقف على * (لا ريب فيه) * (4). والصواب: الوقف والابتداء ب‍ * (الذين خسروا) * وخبره * (فهم لا يؤمنون) * (5) والمعنى: الذين خسروا أنفسهم لاختيارهم الكفر فهم لا يصدقون بالحق (6)، * (وله) * عطف على * (لله) *، * (ما سكن) * وتمكن * (في اليل والنهار) * ذكر في الأول السماوات والأرض وذكر هنا الليل والنهار، فالأول يجمع المكان والثاني يجمع الزمان، وهما ظرفان لجميع الموجودات من الأجسام والأعراض. # PageV01P556 # والمراد بالسكون هنا الحلول والسكنى. # * (قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين (14) قل إني أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم (15) من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه وذلك الفوز المبين) * (16) الإنكار في اتخاذ غير الله وليا لا في اتخاذ الولي، فلذلك أولاه همزة الاستفهام دون الفعل الذي هو * (أتخذ) * ونحوه: * (أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون) * (1)، * (فاطر السماوات والأرض) * أي: منشئهما وخالقهما من غير احتذاء على مثال * (وهو يطعم ولا يطعم) * أي: وهو يرزق ولا يرزق، والمعنى: أن المنافع كلها من عنده، ولا يجوز عليه الانتفاع * (قل إني أمرت) * أي: أمرني ربي * (أن أكون أول من أسلم) * لأن النبي سابق أمته في الإسلام، كقوله: * (وأنا أول المسلمين) * (2)، * (ولا تكونن) * أي: وقيل لي: * (ولا تكونن من المشركين) * أي: ms0319 # أمرت بالإسلام ونهيت عن الشرك * (من يصرف عنه) * العذاب * (يومئذ فقد رحمه) * الله الرحمة العظمى وهي النجاة، كما تقول: من أطعمته من جوع فقد أحسنت إليه تريد فقد أتممت الإحسان إليه، أو فقد أثابه وأدخله الجنة، لأن من لم يعذب فلابد أن يثاب. وقرئ: " من يصرف عنه " على البناء للفاعل (3)، والمعنى: # من يصرف الله عنه في ذلك اليوم أي: من يدفع الله عنه ويحفظه، وترك ذكر المصروف وهو العذاب، لكونه معلوما أو مذكورا قبله. # PageV01P557 # * (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شئ قدير (17) وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير (18) قل أي شئ أكبر شهدة قل الله شهيد بيني وبينكم وأوحى إلى هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى قل لا أشهد قل إنما هو إله وا حد وإنني برئ مما تشركون (19) الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنائهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون) * (20) * (وإن يمسسك الله بضر) * من مرض أو فقر أو مكروه * (فلا) * قادر على كشفه * (إلا هو وإن يمسسك بخير) * من صحة أو غنى * (فهو على كل شئ قدير) * يقدر على إدامته وإزالته * (وهو القاهر فوق عباده) * هذا تصوير للقهر والعلو بالغلبة والقدرة، كقوله: * (وإنا فوقهم قاهرون) * (1) يريد أنهم تحت تسخيره وتذليله، و * (الخبير) * العالم بكل ما يصح أن يخبر به، والشئ أعم العام لوقوعه على كل ما يصح أن يعلم ويخبر عنه * (قل أي شئ) * أعظم * (شهدة) * وأصدق * (قل الله شهيد بيني وبينكم) * يشهد لي بالنبوة وتبليغ الرسالة إليكم وتكذيبكم إياي * (وأوحى إلى هذا القرآن) * حجة ودلالة على صدقي * (لأنذركم به) * لأخوفكم به من عذاب الله * (ومن بلغ) * أي: ولأنذر به من بلغه إلى يوم القيامة. # سورة الأنعام / 19 - 23 وروي عنهم (عليهم السلام) أن المعنى: ومن بلغ أن يكون إماما من آل محمد (صلى الله عليه وآله) فهو ينذر - أيضا - بالقرآن (2). # PageV01P558 # * (أئنكم لتشهدون) * استفهام إنكاري، أي: كيف تشهدون * (أن مع ms0320 الله آلهة أخرى) * بعد قيام الحجة بوحدانية الله تعالى * (قل لا أشهد) * بإثبات الشريك له * (قل إنما هو إله وا حد وإنني برئ مما تشركون) * به من الأوثان وغيرها، وهذه شهادة بالوحدانية وبراءة من كل دين يؤدي إلى الشرك. # * (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون (21) ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون (22) ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين (23) انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون) * (24) وقرئ: " ويوم يحشرهم ثم يقول " بالياء (1) أي: يحشرهم الله * (أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون) * أنها تنفعكم، وأضيف الشركاء إليهم لأنهم اتخذوها لأنفسهم * (ثم لم تكن فتنتهم) * أي: كفرهم، أي: لم تكن عاقبة كفرهم وشركهم إلا جحوده والتبرؤ منه والحلف على الانتفاء (2) منه، وقيل: معناه: لم تكن معذرتهم حين وبخوا بشركهم، أو لم يكن جوابهم حين سئلوا واختبر ما عندهم بالسؤال إلا هذا القول (3). وقرئ: " لم تكن " بالتاء و " فتنتهم " بالنصب (4)، وإنما أنث * (أن قالوا) * لوقوع الخبر مؤنثا كقولهم: " من كانت أمك "، وقرئ بالياء ونصب # PageV01P559 # " الفتنة " (1)، وقرئ بالتاء والياء ورفع " الفتنة " (2)، وقرئ: " ربنا " بالنصب (3) على الدعاء والنداء * (وضل عنهم ما كانوا يفترون) * أي: يفترون إلهيته وشفاعته، وإنما يصح وقوع الكذب منهم مع اطلاعهم على حقائق الأمور ومعارفهم الضرورية لما يلحقهم من الدهش والحيرة من أهوال ذلك اليوم وشدائده، والمبتلى قد ينطق بما لا ينفعه من غير روية وفكر في عاقبته. # سورة الأنعام / 25 و 26 * (ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين (25) وهم ينهون عنه وينون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون) * (26) روي أنه اجتمع الوليد بن المغيرة (4) وأبو جهل وأبو سفيان والنضر (5) # PageV01P560 # وعتبة (1) وشيبة (2) وأضرابهم (3) يستمعون تلاوة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقالوا للنضر: # يا أبا ms0321 قتيلة ما يقول محمد؟ فقال: والذي جعلها بيته - يعني الكعبة - ما أدري ما يقول، إلا أنه يحرك لسانه ويقول أساطير الأولين مثل ما حدثتكم، وقال أبو سفيان: إني لا أراه حقا، فقال أبو جهل: كلا، فنزلت (4). # والأكنة على القلوب والوقر في الآذان، مثل في نبو (5) قلوبهم وأسماعهم عن قبوله، وأسند الفعل إلى نفسه في قوله: * (وجعلنا) * ليدل على أنه أمر ثابت مستقر فيهم كأنهم مجبولون عليه، أو هي حكاية لما كانوا ينطقون به من قولهم: * (وفى آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب) * (6)، و * (يجادلونك) * في موضع الحال، و * (يقول الذين كفروا) * تفسير لجدالهم، والمعنى: أنه بلغ تكذيبهم بالآيات إلى أنهم يجادلونك ويناكرونك ويجعلون كلام الله الذي هو أصدق الحديث أكاذيب وخرافات، وهي الغاية في التكذيب * (وهم ينهون) * الناس عن القرآن وعن الرسول واتباعه، ويثبطونهم عن التصديق به * (وينون عنه) * بأنفسهم فيضلون # PageV01P561 # ويضلون * (و) * ما * (يهلكون إلا أنفسهم) * ولا يتعدى ضررهم إلى غيرهم وإن ظنوا أنهم يضرون رسول الله (صلى الله عليه وآله) (1). # * (ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين (27) بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكذبون) * (28) سورة الأنعام / 28 - 30 جواب * (لو ترى) * محذوف، والتقدير: لرأيت أمرا فظيعا (2)، والمعنى: ولو ترى إذ أطلعوا على النار حتى يعاينوها، أو أدخلوها فعرفوا مقدار عذابها، من قولك: وقفته على كذا: إذا عرفته وفهمته (3) * (فقالوا يا ليتنا نرد) * تم هنا تمنيهم، ثم ابتدأوا * (ولا نكذب) * أي: ونحن لا نكذب * (بآيات ربنا) * ونؤمن، ويجوز أن يكون معطوفا على * (نرد) * أو حالا على معنى: يا ليتنا نرد غير مكذبين وكائنين من المؤمنين، فيدخل تحت حكم التمني (4). وقرئ: * (ولا نكذب) * و * (نكون) * بالنصب بإضمار " أن " على جواب التمني، ومعناه: إن رددنا لم نكذب ونكن من # PageV01P562 # المؤمنين * (بل بدا لهم ما كانوا يخفون) * من الناس من قبائحهم وفضائحهم في صحفهم وبشهادة جوارحهم عليهم، فلذلك تمنوا ما تمنوا ضجرا لا ms0322 أنهم عازمون على أنهم لو ردوا لآمنوا * (ولو ردوا) * إلى الدنيا * (لعادوا لما نهوا عنه) * من الكفر * (وإنهم لكذبون) * فيما وعدوا من أنفسهم لا يفون به. # * (وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين (29) ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون) * (30) * (وقالوا) * عطف على قوله: * (لعادوا) * أي: ولو ردوا لكفروا وقالوا: ما * (هي إلا حياتنا الدنيا) * كما كانوا يقولونه قبل معاينة القيامة، أو عطف على قوله: * (وإنهم لكذبون) * أي: وهم كاذبون في كل شئ، وهم الذين قالوا ذلك * (ولو ترى إذ وقفوا على ربهم) * للتوبيخ والسؤال كما يوقف العبد الجاني بين يدي مولاه (1)، وقيل: وقفوا على جزاء ربهم (2)، وقيل: عرفوه حق التعريف (3) كما يقال: وقفته على كلام فلان، أي: عرفته إياه * (قال أليس هذا بالحق) * هذا تعيير من الله لهم على تكذيبهم بالبعث * (بما كنتم تكفرون) * أي: بكفركم. # * (قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون (31) وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون) * (32) # PageV01P563 # * (كذبوا بلقاء الله) * ببلوغ الآخرة وما يتصل بها من الجزاء، و * (حتى) * غاية ل‍ * (كذبوا) * أي: دام تكذيبهم إلى حسرتهم وقت مجئ الساعة * (بغتة) * أي: فجأة، وانتصابها على الحال (1) بمعنى: باغتة، وعلى المصدر (2) بمعنى: بغتتهم بغتة * (فرطنا فيها) * الضمير للحياة الدنيا وإن لم يجر لها ذكر للعلم بها، أو للساعة على معنى: قصرنا في شأنها، نحو قوله: * (فرطت في جنب الله) * (3)، * (وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم) * هو مثل قوله: * (فبما كسبت أيديكم) * (4) لأن الأثقال تحمل على الظهور في العادة كما أن الكسب يكون بالأيدي * (ساء ما يزرون) * أي: بئس شيئا يزرون وزرهم، حذف المخصوص بالذم، وجعل سبحانه أعمال الدنيا لعبا ولهوا، لأنها لا تجدي (5) ولا تعقب نفعا كما تعقب أعمال الآخرة المنافع العظيمة، وقرئ: " ولدار الآخرة " (6) وتقديره: ولدار الساعة ms0323 الآخرة، لأن الشئ لا يضاف إلى نفسه، وقوله: * (للذين يتقون) * دليل على أن ما سوى أعمال المتقين لعب ولهو. # سورة الأنعام / 33 و 34 * (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون (33) ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبأ المرسلين) * (34) # PageV01P564 # * (قد) * هاهنا بمنزلة " ربما " الذي يجئ لزيادة الفعل وكثرته، والهاء في * (إنه) * ضمير الشأن (1)، و * (ليحزنك) * قرئ بفتح الياء وضم الزاي (2)، وبضم الياء وكسر الزاي (3)، و * (الذي يقولون) * هو قولهم: * (لشاعر مجنون) * (4) و * (سحر كذاب) * (5)، * (فإنهم لا يكذبونك) * قرئ بالتشديد والتخفيف (6)، من كذبه: إذا جعله كاذبا، وأكذبه: إذا وجده كاذبا، والمعنى: أنهم لا يكذبونك في الحقيقة وإنما يكذبون الله لأنك رسوله المصدق بالمعجزات، فتكذيبك راجع إليه وإلى جحود آياته، وهذا تسلية له (عليه السلام)، وقيل: معناه: فإنهم لا يكذبونك بقلوبهم ولكنهم يجحدون بألسنتهم (7) كقوله تعالى: * (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم) * (8)، * (ولكن الظالمين) * أقام الظاهر مقام الضمير (9) ليدل على أنهم ظلموا في جحودهم * (بآيات الله) *، وعن علي (عليه السلام) أنه قرئ عنده: * (لا يكذبونك) * فقال: # " بلى والله فقد كذبوه، ولكن لا يكذبونك: لا يأتون بحق أحق من حقك " (10)، * (ولقد # PageV01P565 # كذبت) * تسلية أيضا * (فصبروا على ما كذبوا وأوذوا) * أي: على تكذيبهم وإيذائهم * (حتى) * جاءهم * (نصرنا) * إياهم على المكذبين * (ولا مبدل لكلمات الله) * أي: # لمواعيده من قوله: * (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون) * (1)، * (ولقد جاءك من نبأ المرسلين) * أي: بعض أنبائهم وقصصهم وما كابدوا (2) من قومهم. # * (وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغى نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجهلين (35) إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون (36) وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون) * (37) سورة الأنعام / 35 - 38 كان يعظم على النبي (صلى ms0324 الله عليه وآله) إعراض قومه عن الإيمان (3) وقبول دينه فنزلت (4)، ونحوه: * (فلعلك بخع نفسك) * (5)، * (فإن استطعت) * أي: إن قدرت وتهيأ لك * (أن) * تطلب * (نفقا في الأرض) * أي: سربا ومنفذا تنفذ فيه إلى ما تحتها حتى تطلع لهم آية يؤمنون عندها * (أو سلما في السماء فتأتيهم) * منها * (بأية) * فافعل، أي: إنك لا تستطيع ذلك، وحذف جواب " إن " (6)، وقيل: فتأتيهم بآية أفضل مما آتيناهم به يريد أنه لا آية أفضل منه (7) * (ولو شاء الله لجمعهم على # PageV01P566 # الهدى) * بأن يأتيهم بآية ملجئة ولكنه لا يفعل لخروجه عن الحكمة * (فلا تكونن من) * الذين يجهلون ذلك ويرومون ما هو خلافه * (إنما يستجيب الذين يسمعون) *، * (و) * الذين تحرص على إيمانهم بمنزلة * (الموتى) * الذين لا يسمعون، ثم وصف * (الموتى) * بأنه * (يبعثهم) * من القبور يوم القيامة ويحكم فيهم * (ثم إليه يرجعون) * فحينئذ يسمعون، وأما قبل ذلك فلا سبيل إلى إسماعهم * (وقالوا لولا نزل عليه آية من ربه) * تركوا الاعتداد بما نزل عليه من آيات الله والمعجزات مع كثرتها، كأنه لم ينزل عليه شئ من الآيات عنادا منهم * (قل إن الله قادر على أن ينزل آية) * تضطرهم إلى الإيمان كنتق الجبل على بني إسرائيل ونحوه أو آية إن جحدوها جاءهم العذاب * (ولكن أكثرهم لا يعلمون) * أنه سبحانه يقدر عليه، وأن صارفا من الحكمة يصرف (1) عنه. # * (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شئ ثم إلى ربهم يحشرون (38) والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صرا ط مستقيم) * (39) جمع بهذين القولين جميع الحيوانات، لأنها لا تخلو من (2) أن تكون مما يدب على الأرض أو مما يطير * (إلا أمم أمثالكم) * مكتوبة أرزاقها وآجالها وأعمالها كما كتبت أرزاقكم وآجالكم وأعمالكم (3)، وقيل: أشباهكم في أن الله أبدعها، وفي دلالتها على وحدانيته (4)، وفي أنهم يموتون ويحشرون (5) # PageV01P567 # * (ما فرطنا) * ما تركنا * (في الكتاب) * أي: في اللوح المحفوظ * (من شئ) * من ذلك لم نكتبه ولم نثبت ما وجب ms0325 إثباته مما يختص به، وقيل: المراد بالكتاب القرآن لأنه تعالى ذكر فيه جميع ما يحتاج إليه من أمور الدين والدنيا إما مجملا وإما مفصلا (1) * (ثم إلى ربهم يحشرون) * (2) يعني الأمم كلها فيعوضها وينتصف لبعضها من بعض، وفيه دلالة على عظم قدرته ولطف تدبيره في الخلائق المختلفة الأجناس وحفظه لما لها وعليها، وأن المكلفين لم يختصوا بذلك دون من سواهم. # ولما ذكر من خلائقه ما يشهد لربوبيته قال: * (والذين كذبوا بآياتنا صم) * أي: صم لا يسمعون كلام المنبه * (وبكم) * لا ينطقون بالحق، خابطون في ظلمات الكفر، فهم غافلون عن تأمل ذلك * (من يشأ الله يضلله) * أي: يخذله ولا يلطف به، لأنه ليس من أهله * (ومن يشأ يجعله على صرا ط مستقيم) * أي: يلطف به لأنه من أهله. # سورة الأنعام / 40 - 42 * (قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون # PageV01P568 # إن كنتم صادقين (40) بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون) * (41) * (أرأيتكم) * (1) معناه: أخبروني، و " كم " لا محل له من الإعراب، لأنك تقول: أرأيتك زيدا ما شأنه، فلو جعلت للكاف محلا لكنت كأنك تقول: # أرأيت نفسك زيدا ما شأنه، وذلك فاسد، والمعنى: أخبروني * (إن أتاكم عذاب الله) * في الدنيا * (أو أتتكم) * القيامة من تدعون؟ ثم بكتهم بقوله: * (أغير الله تدعون) * أي: أتخصون آلهتكم بالدعوة كما هي عادتكم إذا أصابكم ضر أم تخصون الله دونها؟ * (بل إياه تدعون) * بل تخصون الله بالدعاء دون الآلهة * (فيكشف ما تدعون) * إلى كشفه * (إن شاء) * أن يتفضل عليكم بكشفه * (وتنسون ما تشركون) * أي: وتتركون آلهتكم ولا تذكرونها في ذلك الوقت. # * (ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون (42) فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون (43) فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبوا ب كل شئ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون (44) فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العلمين) * (45) " البأساء " من البأس أو ms0326 البؤس، و " الضراء " من الضر، وقيل: البأساء: القحط والجوع، والضراء: المرض ونقصان الأنفس والأموال (2)، والمعنى: * (ولقد # PageV01P569 # أرسلنا) * إليهم الرسل فكذبوهم * (فأخذناهم) * بالبليات في أنفسهم وأموالهم لكي يتضرعوا ويخضعوا ويتذللوا ويتوبوا عن ذنوبهم * (فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا) * معناه: نفي التضرع، كأنه قيل: فلم يتضرعوا إذ جاءهم بأسنا، ولكنه جاء ب‍ * (لولا) * ليدل على أنه لم يكن لهم عذر في ترك التضرع إلا عنادهم وقسوة قلوبهم * (فلما نسوا ما ذكروا به) * من البأساء والضراء، أي: تركوا الاتعاظ به * (فتحنا عليهم أبوا ب كل شئ) * من الصحة والتوسعة في الرزق وأصناف النعم (1) كما يفعل الوالد البار بولده العاق يخاشنه تارة ويلاطفه أخرى طلبا لصلاحه * (حتى إذا فرحوا بما أوتوا) * من الخير والنعم ولم يزيدوا إلا على البطر والأشر وما تصدوا لتوبة ولا اعتذار * (أخذناهم بغتة) * أي: مفاجأة من حيث لا يشعرون * (فإذا هم مبلسون) * آيسون من النجاة والرحمة، وقيل: متحيرون منقطعو الحجة (2) * (فقطع دابر القوم) * أي: آخرهم لم يترك منهم أحد، واستؤصلت شأفتهم (3) بالعذاب فلم يبق لهم عقب ولا نسل * (والحمد لله رب العلمين) * على إهلاك أعدائه وإعلاء كلمته، وهذا إيذان بوجوب الحمد لله عند هلاك الظلمة وأنه من أجل النعم. # سورة الأنعام / 46 - 49 * (قل أرءيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به انظر كيف نصرف الآيات ثم هم يصدفون (46) قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة أو جهرة هل يهلك إلا القوم # PageV01P570 # الظالمون (47) وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين فمن آمن وأصلح فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون (48) والذين كذبوا بآياتنا يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون) * (49) * (إن أخذ الله سمعكم وأبصركم) * بأن يصمكم ويعميكم * (وختم على قلوبكم) * بأن يغطي عليها ما يذهب عقلكم ويسلب تمييزكم * (من إله غير الله يأتيكم) * بما أخذ منكم وختم عليه، أو أراد يأتيكم بذاك، فوضع الهاء موضع اسم الإشارة * (انظر كيف نصرف الآيات) * أي: نوجهها في الجهات التي نظهرها أتم الإظهار، مرة في جهة النعمة ومرة في جهة الشدة ms0327 * (ثم هم يصدفون) * أي: # يعرضون عنها بعد ظهورها، وإنما قابل البغتة بالجهرة لما في البغتة من معنى الخفية وهو وقوع الأمر من غير أن يشعر به وتظهر أماراته (1)، وعن الحسن: ليلا أو نهارا (2) * (هل يهلك) * أي: ما يهلك هلاك تعذيب وسخط * (إلا القوم الظالمون) * الذين ظلموا بكفرهم وفسادهم * (إلا مبشرين) * من آمن بهم وبما جاءوا به * (ومنذرين) * من عصاهم وكذبهم * (يمسهم العذاب) * جعل العذاب ماسا، كأنه حي يفعل بهم ما يريد من الآلام، ونحوه: * (إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا) * (3). # * (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلى قل هل يستوى الأعمى والبصير أفلا تتفكرون) * (50) # PageV01P571 # أي: * (لا) * أدعي ملك * (خزائن) * رحمة * (الله ولا أعلم الغيب) * الذي يختص الله تعالى بعلمه، وإنما أعلم منه ما يعلمني الله ويخصني به * (ولا أقول لكم إني ملك) * لأني إنسان تعرفون نسبي، لا أقدر على ما يقدر عليه الملك * (إن أتبع إلا ما يوحى إلى) * أي: ما أنبئكم بما كان فيما مضى وما يكون فيما يستقبل إلا بالوحي * (قل هل يستوى الأعمى والبصير) * أي: الضال والمهتدي * (أفلا تتفكرون) * فلا تكونوا ضالين أشباه العميان وتنصفوا من أنفسكم. # * (وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولى ولا شفيع لعلهم يتقون (51) ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغدوة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شئ وما من حسابك عليهم من شئ فتطردهم فتكون من الظالمين) * (52) سورة الأنعام / 52 * (وأنذر به) * الضمير يرجع إلى * (ما يوحى) *، و * (الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم) * الذين يعترفون بالبعث والحشر (1). # الصادق (عليه السلام): " أنذر بالقرآن الذين يرجون الوصول إلى ربهم، ترغبهم فيما عنده، فإن القرآن شافع مشفع " (2). # * (ليس لهم من دونه) * أي: من دون الله * (ولى ولا شفيع) * فإن شفاعة الشافعين من الأنبياء والمؤمنين تكون بإذن الله تعالى فهي راجعة إليه سبحانه، على أن هذه الجملة في موضع الحال من ms0328 * (يحشروا) * والمعنى: يخافون أن يحشروا غير منصورين ولا مشفوعا لهم، ولابد من هذه الحال، لأن كل الناس محشور، فالمخوف إنما هو الحشر على هذه الحال. # PageV01P572 # ثم ذكر سبحانه المتقين وأمر بتقديمهم وتقريبهم، فقال: * (ولا تطرد الذين يدعون ربهم) * يعبدونه * (بالغدوة والعشي يريدون وجهه) * يطلبون ثوابه ويبتغون مرضاته، والوجه يعبر به عن ذات الشئ وحقيقته. # روي: أن رؤساء قريش قالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله): لو طردت هؤلاء الأعبد - يعنون فقراء المؤمنين - جلسنا إليك، فقال (عليه السلام): ما أنا بطارد المؤمنين، قالوا: # فأقمهم عنا إذا جئنا، قال: نعم، طمعا في إيمانهم فأنزل الله عليه هذه الآية (1). # * (ما عليك من حسابهم من شئ) * كقوله: * (إن حسابهم إلا على ربى) * (2)، وذلك أنهم طعنوا في دينهم وإخلاصهم، والمعنى: ولو كان الأمر كما يقولون عند الله فما عليك إلا اعتبار الظاهر، وإن كان باطنهم غير مرضي فحسابهم عليهم لا يتعداهم إليك كما أن حسابك عليك لا يتعداك إليهم، كقوله: * (ولا تزر وازرة وزر أخرى) * (3)، وقيل: إن الضمير للمشركين (4) والمعنى: لا يؤاخذون بحسابك ولا أنت تؤاخذ بحسابهم حتى يهمك إيمانهم ويجرك الحرص عليه إلى أن تطرد المؤمنين، وقوله: * (فتطردهم) * جواب النفي و * (فتكون) * جواب النهي، ويجوز أن يكون عطفا على * (فتطردهم) * على وجه التسبيب، لأن كونه ظالما مسبب عن طردهم (5)، وقرئ: " بالغدوة والعشي " (6) (7). # PageV01P573 # * (وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين (53) وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلم عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهلة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم (54) وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين) * (55) سورة الأنعام / 54 - 56 أي: ومثل ذلك الفتن العظيم * (فتنا بعضهم ببعض) * أي: ابتليناهم بهم، وذلك أن المشركين قالوا: * (أهؤلاء) * يعنون المسلمين * (من الله عليهم من بيننا) * أي: # أنعم الله عليهم بالتوفيق لإصابة الحق من دوننا ونحن الرؤساء والأشراف وهم العبيد والأنذال (1) إنكارا لأن يكون أمثالهم على الحق، ونحوه: * (لو كان خيرا ما سبقونا ms0329 إليه) * (2)، ومعنى " فتناهم ": خذلناهم فافتتنوا حتى كان افتتانهم سببا لهذا القول، لأنه لا يقول مثل هذا القول إلا مفتون مخذول * (أليس الله بأعلم بالشاكرين) * أي: الله أعلم بمن يقع منه الإيمان والشكر فيوفقه للإيمان، ومن صمم على كفره يخذله ويمنعه التوفيق * (فقل سلم عليكم) * هو أمر بتبليغ سلام الله تعالى إليهم، أو أمر بأن يبدأهم بالسلام تبجيلا لهم، وكذلك قوله: * (كتب ربكم على نفسه الرحمة) * من جملة ما يقول لهم ليسروا، وقرئ: " إنه " (3) فإنه بالكسر على # PageV01P574 # الاستئناف كأنه تفسير للرحمة، وبالفتح على الإبدال من الرحمة * (بجهلة) * في موضع الحال، أي: عمله وهو جاهل، بمعنى: أنه عمل عمل الجاهلين، لأن من عمل ما يستوبل عاقبته عالما بذلك فهو من أهل الجهل، ويجوز أن يراد عمله جاهلا بما يتبعه من الضرر والمكروه (1)، ومن كان حكيما لم يقدم على فعل شئ حتى يعلم حاله، وقرئ: * (لتستبين) * بالتاء والياء (2) مع رفع * (سبيل) * لأنها تذكر وتؤنث، وبالتاء على خطاب النبي (صلى الله عليه وآله) ونصب ال‍ " سبيل "، يقال: " استبان الأمر " و " تبين " و " استبنته " و " تبينته "، والمعنى: ومثل ذلك التفصيل البين * (نفصل) * آيات القرآن في صفة أحوال من لا يرجى إسلامه، ومن يرى فيه أمارات القبول وتباشير الإيمان، ولتستوضح سبيلهم فتعامل كلا منهم بما يجب أن يعامل به فصلنا ذلك التفصيل. # * (قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين (56) قل إني على بينة من ربى وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفصلين (57) قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضى الامر بيني وبينكم والله أعلم بالظالمين) * (58) * (نهيت) * عن عبادة ما تعبدون * (من دون الله) *، * (قل لا أتبع أهواءكم) * أي: # لا أجري على طريقتكم التي سلكتموها من اتباع الهوى دون اتباع الدليل * (قد ضللت إذا) * أي: إن اتبعت أهواءكم فأنا ضال * (وما أنا من المهتدين) * السالكين # PageV01P575 # طريق الهدى، يعني: أنكم كذلك * (قل إني على ms0330 بينة من ربى) * أي: إني من معرفة من ربي، وأنه لا معبود سواه على حجة واضحة * (وكذبتم به) * أنتم حيث أشركتم به غيره، وإذا كان الشئ ثابتا عندك ببرهان قاطع قلت: أنا على يقين منه وعلى بينة منه، وقيل: معناه: على حجة من جهة ربي وهو القرآن (1) * (وكذبتم به) * أي: # بالبينة، وذكر الضمير على تأويل القرآن، * (ما عندي ما تستعجلون به) * يعني: # العذاب الذي استعجلوه في قولهم: * (فأمطر علينا حجارة من السماء) * (2)، * (إن الحكم إلا لله) * في تأخير عذابكم، يقضي * (الحق) * أي: القضاء الحق في كل ما يقضي من التأخير والتعجيل * (وهو خير الفصلين) * أي: القاضين، وقرئ: # * (يقص الحق) * أي: يتبع الحق والحكمة فيما يحكم به ويقدره، من قولهم: قص أثره * (قل لو أن عندي) * أي: في قدرتي * (ما تستعجلون به) * من العذاب * (لقضى الامر بيني وبينكم) * لأهلكتكم عاجلا غضبا لربي. # * (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمت الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتب مبين (59) وهو الذي يتوفاكم باليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون) * (60) سورة الأنعام / 59 - 61 ال‍ * (مفاتح) * جمع مفتح وهو المفتاح، وجعل سبحانه للغيب مفاتح على طريق الاستعارة، لأن بالمفاتح (3) يتوصل إلى ما في المخازن المغلقة، أراد أنه هو المتوصل إلى جميع المغيبات بذاته وحده، لا يتوصل إليها سواه كما يتوصل إلى # PageV01P576 # ما في المخازن من عنده مفاتح أقفاله، * (ولا حبة) * * (ولا رطب ولا يابس) * عطف على * (ورقة) * وداخل في حكمها، أي: * (وما تسقط من ورقة) * ولا شئ من هذه الأشياء إلا يعلمه، وقوله: * (إلا في كتب مبين) * كالتكرير لقوله: * (إلا يعلمها) * لأن معنى * (إلا يعلمها) * و * (إلا في كتب مبين) * واحد، والكتاب المبين: علم الله، أو اللوح المحفوظ، أو القرآن * (وهو الذي يتوفاكم باليل) * أي: يقبض أرواحكم عن التصرف بالنوم كما يقبضها بالموت (1) * (ويعلم ما جرحتم) ms0331 * أي: كسبتم من الأعمال * (بالنهار ثم يبعثكم) * من القبور * (فيه) * أي: في شأن ذلك الذي قطعتم به أعماركم من النوم بالليل وكسب الأعمال بالنهار (2) ومن أجله * (ليقضى أجل مسمى) * وهو الأجل الذي سماه وضربه لبعث الموتى وجزائهم على أعمالهم * (ثم إليه مرجعكم) * وهو المرجع إلى موقف الحساب * (ثم ينبئكم بما كنتم تعملون) * في ليلكم ونهاركم، وقيل: ثم يبعثكم من نومكم أي: ينبهكم في النهار لتستوفوا آجالكم (3)، جعل سبحانه انتباههم من النوم بعثا. # * (وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون) * (61) أي: * (وهو) * المقتدر المستعلي على عباده * (ويرسل عليكم) * ملائكة * (حفظة) * يحفظون أعمالكم وهم الكرام الكاتبون، والفائدة في ذلك أن العباد إذا علموا أن الملائكة يحفظون أعمالهم في صحائف تعرض على رؤوس الأشهاد يوم # PageV01P577 # القيامة كان ذلك أزجر لهم عن القبيح * (توفته رسلنا) * استوفت روحه، وهم (1) ملك الموت وأعوانه (2)، و * (حتى) * هذه هي التي للاستئناف وما بعدها جملة، وقرئ: " توفاه " بالإمالة (3)، ويجوز أن يكون ماضيا وأن يكون مضارعا بمعنى " تتوفاه " (4) * (وهم لا يفرطون) * أي: لا يتوانون ولا ينقصون مما أمروا به ولا يزيدون فيه، والتفريط: التقصير والتأخير عن الحد، والإفراط: مجاوزة الحد. # * (ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحسبين (62) قل من ينجيكم من ظلمت البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية لئن أنجينا من هذه لنكونن من الشاكرين (63) قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب ثم أنتم تشركون) * (64) سورة الأنعام / 63 - 65 * (ثم ردوا إلى الله) * أي: إلى حكمه وجزائه * (مولاهم) * أي: مالكهم الذي يلي عليهم أمورهم * (الحق) * العدل الذي لا يحكم إلا بالحق * (ألا له الحكم) * يومئذ لاحكم فيه لغيره * (وهو أسرع الحسبين) * لا يشغله حساب عن حساب * (قل من ينجيكم من ظلمت البر والبحر) * مجاز عن مخاوفهما وأهوالهما، يقال لليوم الشديد: يوم مظلم ذو كواكب، أي اشتدت ظلمته حتى صار كالليل * (تدعونه) * متضرعين بألسنتكم ومسرين في أنفسكم " لئن أنجيتنا " على إرادة القول، أي قائلين: إن أنجيتنا من ms0332 هذه الظلمة والشدة، وقرئ: * (ينجيكم) * بالتشديد # PageV01P578 # والتخفيف (1)، و * (لئن أنجينا) *، و * (خفية) * بالضم والكسر (2) * (قل الله ينجيكم) * يخلصكم من هذه الشدة * (ومن كل) * غم * (ثم أنتم تشركون) * بالله بعد قيام الحجة عليكم. # * (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون) * (65) أي: * (هو القادر على أن) * يرسل * (عليكم عذابا من فوقكم) * كما أمطر على قوم لوط، وعلى أصحاب الفيل الحجارة، وعلى قوم نوح الطوفان * (أو من تحت أرجلكم) * كما أغرق فرعون وخسف بقارون (3)، وقيل: * (من فوقكم) * من قبل أكابركم وسلاطينكم الظلمة و * (من تحت أرجلكم) * من قبل سفلتكم وعبيدكم (4)، وقيل: هو حبس المطر والنبات (5) * (أو يلبسكم شيعا) * أي: يخلطكم فرقا مختلفي الأهواء، كل فرقة منكم مشايعة لإمام، ومعنى خلطهم: أن يختلطوا ويشتبكوا في ملاحم القتال * (ويذيق بعضكم بأس بعض) * أي: يقتل بعضكم # PageV01P579 # بعضا، ونحوه قوله: * (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا) * (1) قال الصادق (عليه السلام): # " هو سوء الجوار " (2)، والمعنى في الآية: الوعيد بأحد أصناف العذاب المعدودة. # وفي الحديث: " إذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة " (3). # * (وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل (66) لكل نبأ مستقر وسوف تعلمون (67) وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين (68) وما على الذين يتقون من حسابهم من شئ ولكن ذكرى لعلهم يتقون) * (69) * (وكذب به قومك) * الضمير للعذاب (4) * (وهو الحق) * أي: لابد أن ينزل بهم * (قل لست عليكم بوكيل) * بحفيظ، أي: وكل إلي أمركم أمنعكم من التكذيب إجبارا، إنما أنا منذر * (لكل نبأ مستقر) * أي: لكل شئ ينبأ به ويخبر وقت استقرار وحصول لابد منه، وقيل: الضمير في * (به) * للقرآن (5) * (وإذا رأيت الذين يخوضون في) * الاستهزاء بآياتنا والطعن فيها * (فأعرض عنهم) * فلا تجالسهم (6) وقم عنهم * (حتى يخوضوا في حديث غيره) * فلا بأس أن تجالسهم حينئذ * (وإما سورة الأنعام ms0333 / 69 و 70 ينسينك الشيطان) * النهي عن مجالستهم * (فلا تقعد) * معهم * (بعد الذكرى) *، # PageV01P580 # ويجوز أن يراد: وإن أنساك الشيطان قبل النهي قبح مجالستهم فلا تقعد معهم بعد أن ذكرناك قبحها ونبهناك عليه (1) (2) * (وما على الذين يتقون) * أي: وما يلزم المتقين الذين يجالسونهم شئ مما يحاسبون عليه من ذنوبهم * (ولكن) * عليهم أن يذكروهم * (ذكرى) * إذا سمعوهم يخوضون فيها بأن يقوموا عنهم ويظهروا الكراهية لهم * (لعلهم يتقون) * يجتنبون الخوض كراهية لمساءتهم أو حياء، ويجوز أن يكون * (ذكرى) * رفعا (3) على: ولكن عليهم ذكرى. # * (وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا وغرتهم الحياة الدنيا وذكر به أن تبسل نفس بما كسبت ليس لها من دون الله ولى ولا شفيع وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون) * (70) * (اتخذوا دينهم) * الذي كلفوه ودعوا إليه وهو دين الإسلام * (لعبا ولهوا) * حيث سخروا به واستهزأوا منه، ومعنى " ذرهم ": أعرض عنهم ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم * (وذكر به) * أي: بالقرآن * (أن تبسل نفس بما كسبت) * أي: مخافة أن تسلم نفس إلى الهلاك والعذاب، وترتهن بسوء كسبها * (وإن تعدل كل عدل) * أي: # PageV01P581 # وإن تفد كل فداء * (لا يؤخذ منها) *، * (أولئك) * إشارة إلى * (الذين اتخذوا دينهم لعبا) *، * (الذين أبسلوا) * أي: أسلموا إلى الهلاك * (بما كسبوا) * بكسبهم وعملهم. # * (قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد إذ هدينا الله كالذي استهوته الشيطين في الأرض حيران له أصحب يدعونه إلى الهدى ائتنا قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العلمين (71) وأن أقيموا الصلاة واتقوه وهو الذي إليه تحشرون) * (72) أي: * (أ) * نعبد * (من دون الله ما لا ينفعنا) * إن عبدناه * (ولا يضرنا) * إن تركنا عبادته * (ونرد على أعقابنا) * راجعين عن ديننا الذي هو خير الأديان * (بعد إذ هدينا الله) * له * (كالذي استهوته الشيطين في الأرض) * كالذي ذهبت به مردة الجن والغيلان في المهامه (1)، والاستهواء استفعال من هوى في الأرض: إذا ذهب، كأن المعنى: طلبت ms0334 هويه (2)، وموضع الكاف نصب على الحال من الضمير في * (نرد) *، أي: أننكص مشبهين من * (استهوته الشيطين) *، * (حيران) * لا يهتدي إلى طريق، تائها ضالا * (له) * أي: لهذا المستهوي * (أصحب) * رفقة * (يدعونه إلى الهدى) * أي: إلى الطريق المستوي، أو إلى أن يهدوه الطريق (3) المستقيم، يقولون له: * (ائتنا) * وقد اعتسف التيه تابعا للجن لا يجيبهم ولا يأتيهم، وهذا مبني على سورة الأنعام / 71 - 73 ما تزعمه العرب أن الجن تستهوي الإنسان والغيلان كذلك، فشبه به الضال عن # PageV01P582 # الإسلام الذي لا يلتفت إلى دعاء المسلمين إياه * (قل إن هدى الله) * وهو الإسلام * (هو الهدى) * وحده وما سواه ضلال * (وأمرنا لنسلم لرب العلمين وأن أقيموا الصلاة) * أي: أمرنا لأن نسلم ولأن أقيموا الصلاة، بمعنى للإسلام ولإقامة الصلاة، ومعنى اللام التعليل للأمر، وتقديره: أمرنا، وقيل لنا: " أسلموا " لأجل أن نسلم * (وهو الذي إليه تحشرون) * فيجازي كل عامل منكم بعمله. # * (وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق ويوم يقول كن فيكون قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور علم الغيب والشهدة وهو الحكيم الخبير) * (73) * (قوله الحق) * مبتدأ و * (يوم يقول) * خبره مقدما عليه كما تقول: يوم الجمعة القتال، واليوم بمعنى الحين، أو يكون * (قوله الحق) * مبتدأ وخبرا و * (يوم يقول) * ظرفا، والمعنى: وهو الذي خلق السماوات والأرض قائما بالحق والحكمة، وحين يقول لشئ من الأشياء: * (كن فيكون) * ذلك الشئ * (قوله الحق) * والحكمة، أي: # لا يكون شيئا من السماوات والأرض وسائر المكونات إلا عن حكمة وصواب، و * (يوم ينفخ) * ظرف لقوله: * (وله الملك) * كقوله: * (لمن الملك اليوم) * (1)، ويجوز أن يكون * (قوله الحق) * فاعل " يكون " على معنى: وحين يقول لقوله الحق أي: لقضائه الحق: * (كن فيكون قوله الحق) *، وينتصب (2) * (يوم يقول) * بمحذوف دل عليه قوله: * (بالحق) * كأنه قيل: ويوم يكون ويجدد الخلق يقوم بالحق، * (و) * وجب * (له الملك) * في اليوم الذي فيه * (ينفخ في الصور) * ولا يبقى # PageV01P583 # لأحد فيه ملك، ويجوز أن يكون * (يوم ينفخ في الصور) * بدلا من * (يوم يقول) * والصور: قرن ينفخ فيه إسرافيل نفختين فيفنى الخلق ms0335 بالنفخة الأولى ويحيون بالثانية (1)، وعن الحسن أنه جمع صورة (2) * (علم الغيب والشهدة) * رفع على المدح. # * (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلل مبين (74) وكذلك نرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين) * (75) وقرئ: " آزر " بالضم (3) على النداء، ولا خلاف بين النسابين أن اسم أبي إبراهيم تارح (4)، قال أصحابنا: إن آزر كان اسم جد إبراهيم لأمه (5)، وروي أيضا أنه كان عمه (6)، وقالوا: إن آباء نبينا (صلى الله عليه وآله) إلى آدم كانوا موحدين (7)، ورووا # PageV01P584 # عنه (عليه السلام) أنه قال: " لم يزل ينقلني الله تعالى من صلب (1) الطاهرين إلى أرحام المطهرات، لم يدنسني بدنس الجاهلية " (2)، وقد قيل: إن آزر اسم صنم (3) فيجوز أن ينبز (4) به للزومه عبادته، والهمزة في * (أتتخذ) * للإنكار، وقوله: * (فلما جن عليه اليل) * من بعد عطف على * (قال إبراهيم) * وقوله: * (وكذلك نرى إبراهيم) * جملة اعتراضية بين المعطوف والمعطوف عليه، والمعنى: ومثل ذلك التعريف نعرف به إبراهيم * (ملكوت السماوات والأرض) * يعني: الربوبية والإلهية ونوفقه لمعرفتها ونهديه لطريق النظر والاستدلال * (وليكون من الموقنين) * فعلنا ذلك، و * (نرى) * حكاية حال ماضية. # * (فلما جن عليه اليل رءا كوكبا قال هذا ربى فلما أفل قال لا أحب الآفلين (76) فلما رءا القمر بازغا قال هذا ربى فلما أفل قال لئن لم يهدني ربى لأكونن من القوم الضالين (77) فلما رءا الشمس بازغة قال هذا ربى هذا أكبر فلما أفلت قال يقوم إني برئ مما تشركون (78) إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين) * (79) كان القوم يعبدون الأصنام والشمس والقمر والكواكب، فأراد أن ينبههم على خطائهم ويرشدهم ويبصرهم طريق النظر والاستدلال ليعرفوا أن شيئا منها لا يصح أن يكون إلها، لوضوح دلالة الحدوث فيها (5) * (قال هذا ربى) * قول من # PageV01P585 # ينصف خصمه مع علمه أنه مبطل فيحكي قوله - كما هو - غير متعصب لمذهبه ليكون ذلك أدعى إلى الحق وأرفع للشغب، ثم يبطله بعد بالحجة في قوله: # * (لا أحب الآفلين) * أي: لا أحب عبادة الأرباب المحتجبين بحجاب، المتغيرين من ms0336 حال إلى حال، المنتقلين (1) من مكان إلى مكان، فإن ذلك من صفات الأجسام ودلائل الحدوث، وقوله: * (لئن لم يهدني ربى) * تنبيه لقومه على أن من اتخذ القمر إلها وهو آفل مثل الكواكب يكون ضالا، وأن الهداية إلى الحق تكون بتوفيق الله تعالى ولطفه، وقوله: * (هذا أكبر) * أيضا من باب استعمال الإنصاف مع الخصوم، ثم قال: * (إني برئ مما تشركون) * من الأجرام التي تجعلونها شركاء سورة الأنعام / 80 و 81 لخالقها، وأما وجه التذكير في قوله: * (هذا ربى) * مع أن الإشارة للشمس فهو أنه جعل المبتدأ مثل الخبر لكونهما عبارة عن شئ واحد، كقولهم: من كانت أمك، وليصون الرب عن شبهة التأنيث، ألا تراهم لم يقولوا: الله - سبحانه - علامة وإن كان " العلامة " أبلغ من " علام " لهذا المعنى * (إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض) * أي: للذي دلت هذه المحدثات على أنه صانعها ومبدعها الذي دبر أحوالها: مسيرها وانتقالها وطلوعها وأفولها (2)، وقيل: إن هذا كان استدلاله في نفسه في زمان مهلة النظر وخطور الخاطر الموجب عليه الفكر فحكاه الله سبحانه (3)، والأول أظهر، لقوله: * (لئن لم يهدني ربى) * وقوله: * (يقوم إني برئ مما تشركون) *. # PageV01P586 # * (وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربى شيئا وسع ربى كل شئ علما أفلا تتذكرون (80) وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطنا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون (81) الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمنهم بظلم أولئك لهم الامن وهم مهتدون) * (82) كان القوم حاجوه وخاصموه في الدين وفي التوحيد وترك عبادة آلهتهم منكرين لذلك، ف‍ * (قال) * لهم: * (أتحاجوني في الله وقد هدان‍) * - ي إلى التوحيد * (ولا أخاف ما تشركون به) * لأنهم قد خوفوه أن آلهتهم تصيبه بمكروه * (إلا أن يشاء ربى شيئا) * إلا وقت مشية ربي شيئا يخاف فحذف الوقت، أي: لا أخاف معبوداتكم في وقت قط (1) لأنها لا تقدر على نفع وضر إلا إذا شاء ربي أن يصيبني بمخوف من جهتها، ms0337 مثل أن يرجمني بكوكب أو يشاء الإضرار بي ابتداء * (وسع ربى كل شئ علما) * فلا يستبعد أن يكون في علمه إنزال مخوف بي * (أفلا تتذكرون) * فتميزوا بين القادر والعاجز * (وكيف أخاف) * لتخويفكم شيئا لا يتعلق به ضرر * (و) * أنتم * (لا تخافون) * ما يتعلق به كل خوف وهو إشراككم * (بالله ما لم ينزل) * بإشراكه * (سلطنا) * أي: حجة، إذ لا يصح أن يكون عليه حجة، فكأنه قال: ومالكم تنكرون علي الأمن في موضع الأمن ولا تنكرون على أنفسكم الأمن في موضع الخوف * (فأي الفريقين) * يعني: فريق المشركين وفريق الموحدين * (أحق بالأمن) * ثم استأنف الجواب عن السؤال بقوله: * (الذين آمنوا ولم يلبسوا # PageV01P587 # إيمنهم بظلم) * أي: بمعصية، وعن ابن عباس هو الشرك (1) لقوله: * (إن الشرك لظلم عظيم) * (2)، * (أولئك لهم الامن) * من الله * (وهم) * محكوم لهم بالاهتداء. # * (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجت من نشاء إن ربك حكيم عليم (83) ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزى المحسنين (84) وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصلحين (85) وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العلمين (86) ومن آبائهم وذريتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهدينهم إلى صراط مستقيم) * (87) سورة الأنعام / 84 - 89 * (وتلك) * إشارة إلى جميع ما احتج به إبراهيم (عليه السلام) على قومه، من قوله: # * (فلما جن عليه اليل) * إلى قوله: * (وهم مهتدون) * (3)، * (آتيناها إبراهيم) * أي: # أرشدناه إليها وأخطرناها بباله * (نرفع درجت من نشاء) * في العلم والحكمة، وقرئ بالتنوين (4) أي: نرفع من نشاء درجات، كقوله: * (ورفع بعضهم درجت) * (5)، * (ووهبنا) * لإبراهيم * (إسحاق) * ابنه * (ويعقوب) * ابن إسحاق * (كلا هدينا) * إلى النبوة ونيل الكرامات * (ومن ذريته) * الضمير لنوح (6) أو لإبراهيم (7) # PageV01P588 # * (داوود) * أي: وهدينا داود * (ومن آبائهم) * في موضع النصب عطفا على * (كلا) * بمعنى: وفضلنا بعض آبائهم * (وذريتهم) *، * (واجتبيناهم) * اصطفيناهم (1). # * (ذلك هدى الله يهدى به من يشاء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون (88) أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ms0338 ليسوا بها بكافرين (89) أولئك الذين هدى الله فبهديهم اقتده قل لا أسئلكم عليه أجرا إن هو إلا ذكرى للعلمين) * (90) * (ذلك) * إشارة إلى ما تقدم من التفضيل والاجتباء * (هدى الله يهدى به من يشاء) * ممن لم يسمهم في هذه الآيات * (ولو أشركوا) * مع فضلهم وتقدمهم وما رفع لهم من الدرجات لحبطت أعمالهم وكانوا كغيرهم في ذلك، ونحوه: * (لئن أشركت ليحبطن عملك) * (2)، * (أولئك الذين آتيناهم) * أعطيناهم * (الكتاب) * يريد به الجنس * (والحكم) * بين الناس، وقيل: الحكمة (3) * (فإن يكفر بها) * بالكتاب والحكم والنبوة أو بالنبوة * (هؤلاء) * يعني: أهل مكة * (فقد وكلنا بها قوما) * وهم الأنبياء الذين جرى ذكرهم ومن تابعهم آمنوا بما أتى به نبينا (عليه السلام) قبل # PageV01P589 # وقت مبعثه (1)، وقيل: هم كل من آمن بالنبي (عليه السلام) (2)، وقيل: هم الأنصار (3). # ومعنى توكيلهم بها: أنهم وفقوا للإيمان بها كما يوكل الرجل بالشئ ليقوم به ويتعهده، والباء في * (بها) * صلة * (يكفر) * وفي * (بكافرين) * لتأكيد النفي * (فبهديهم اقتده) * أي: فاختص هداهم بالاقتداء ولا تقتد إلا بهم، ففي تقديم المفعول هذا المعنى، ويريد بهداهم طريقتهم في الإيمان بالله وتوحيده وعدله، وفي أصول الدين دون الشرائع فإنها يتطرق إليها النسخ فهي هدى ما لم تنسخ، والهاء في * (اقتده) * للوقف (4) * (قل لا أسئلكم عليه أجرا) * أي: لا أطلب منكم على تبليغ الرسالة جعلا كما لم تسأله الأنبياء قبلي فإنه ينفر عن القبول * (إن هو إلا ذكرى للعلمين) * فيه دليل على أن نبينا (عليه السلام) مبعوث إلى كافة العالمين، وأن النبوة مختومة به. # سورة الأنعام / 91 * (وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شئ قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس تجعلونه # PageV01P590 # قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا آباؤكم قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون) * (91) أي: ما عرفوه حق معرفته، وما عظموه حق عظمته، وما وصفوه بما يجب أن يوصف به من الرحمة على عباده واللطف بهم حين * (قالوا ما أنزل الله على بشر من ms0339 شئ) * فأنكروا بعثة الرسل والوحي إليهم، وذلك من أعظم رحمته وأجل ألطافه، وإنما قاله اليهود مبالغة في إنكار نزول القرآن على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فألزموا مالابد لهم من الإقرار به من إنزال التوراة على موسى، وأدرج تحت الإلزام توبيخهم وذمهم بتحريفهم للتوراة وإبداء بعضها وإخفاء بعض فقيل: * (جاء به موسى نورا) * يستضاء به في الدين * (وهدى للناس) * يهتدون به * (تجعلونه قراطيس) * ورقات متفرقة ليتمكنوا مما حاولوه من الإبداء والإخفاء، وقرئ: # * (تجعلونه) * بالتاء والياء، وكذلك * (تبدونها) * و * (تخفون) * (1)، و * (علمتم) * خطاب لليهود (2)، أي: علمتم على لسان محمد (صلى الله عليه وآله) مما أوحي إليه * (ما لم تعلموا أنتم) * مع أنكم حملة التوراة * (ولا آباؤكم) * أي: ولم يعلمه آباؤكم الذين كانوا قبلكم وهم أعلم منكم، ونحوه: * (إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون) * (3)، * (قل الله) * أنزله * (ثم ذرهم في خوضهم) * أي: في باطلهم الذي يخوضون فيه، و * (يلعبون) * حال من * (ذرهم) * أو من * (خوضهم) *، ويجوز أن يكون * (في خوضهم) * حالا من * (يلعبون) * أي: خائضين في الباطل، # PageV01P591 # ويجوز أن يكون صلة ل‍ * (يلعبون) * أو ل‍ * (ذرهم) * (1). # * (وهذا كتب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون) * (92) سورة الأنعام / 93 يعني: القرآن * (مبارك) * كثير المنافع والفوائد، قراءته خير، والعمل به خير، وفيه علم الأولين والآخرين، وفيه الحلال والحرام، وهو باق إلى آخر التكليف لا يرد عليه نسخ * (مصدق الذي بين يديه) * من التوراة والإنجيل وغيرهما * (ولتنذر) * معطوف على ما دل عليه صفة * (كتب) * كأنه قيل: للبركات ولتصديق ما تقدمه من الكتب وللإنذار (2)، وقرئ: * (لتنذر) * بالتاء والياء (3)، وسميت مكة أم القرى لأنها مكان * (أول بيت وضع للناس) * (4) ولأنها قبلة لأهل القرى ومحجهم، ولأنها أعظم القرى شأنا، ولأن الأرض بأسرها (5) دحيت من تحتها فكأنها تولدت منها (6) * (والذين) * يصدقون * (بالآخرة) * ويخافونها * (يؤمنون به) * أي: بالقرآن (7)، وذلك أن أصل الدين خوف العاقبة فمن خافها يحمله الخوف على أن ms0340 يؤمن. وخص الصلاة بالذكر من بين سائر الفرائض لأنها # PageV01P592 # عماد الدين، ومن حافظ عليها كانت له لطفا في المحافظة على أخواتها. # * (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحى إلى ولم يوح إليه شئ ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرا ت الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون) * (93) * (افترى على الله كذبا) * فزعم أن الله بعثه نبيا وهو مسيلمة الكذاب (1). # وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " رأيت فيما يرى النائم كأن في يدي سوارين من ذهب فكبرا علي وأهماني، فأوحى الله إلي أن أنفخهما، فنفختهما، فطارا عني، فأولتهما الكذابين اللذين أنا بينهما: كذاب اليمامة: مسيلمة، وكذاب صنعاء: # الأسود العنسي " (2) (3). # PageV01P593 # * (ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله) * هو عبد الله بن سعد ابن أبي سرح، وقيل: # هو النضر بن الحارث (1)، والمستهزئون قالوا: * (لو نشاء لقلنا مثل هذا) * (2)، * (غمرا ت الموت) * شدائده وسكراته، وأصل الغمرة ما يغمر من الماء فاستعيرت للشدة الغالبة * (باسطوا أيديهم) * يبسطون إليهم أيديهم يقولون: هاتوا أرواحكم أخرجوها إلينا من أجسادكم، وهذه عبارة عن العنف في السياق (3) والتغليظ والإرهاق (4) في الإزهاق (5) فعل الغريم الملح يبسط يده إلى من عليه الحق ويقول له: أخرج إلي مالي عليك، وقيل: معناه: باسطوا أيديهم عليهم بالعذاب (6) * (أخرجوا أنفسكم) * خلصوها من أيدينا، أي: لا تقدرون على الخلاص * (اليوم تجزون) * يعني: وقت الإماتة، أو الوقت الذي يلحقهم فيه العذاب في البرزخ والقيامة، و * (الهون) * الهوان الشديد، وإضافة العذاب إليه كقولك: رجل سوء، تريد التمكن في الهوان وأنه عريق فيه * (وكنتم عن آياته تستكبرون) * فلا تؤمنون بها. # سورة الأنعام / 94 و 95 * (ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء # PageV01P594 # لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون) * (94) * (فرادى) * منفردين عن أموالكم وأولادكم وعن أوثانكم التي زعمتم ms0341 أنها شفعاؤكم وشركاء لله * (كما خلقناكم أول مرة) * على الهيئة التي ولدتم عليها في الانفراد، وفي الحديث: " تحشرون حفاة عراة غرلا " (1) أي: قلفا (2) * (وتركتم ما خولناكم) * أي: ما ملكناكم في الدنيا فشغلتم به عن الآخرة * (وراء ظهوركم) * لم تحملوا منه شيئا واستمتع به غيركم * (أنهم فيكم) * أي: في استعبادكم * (شركاء) * لأنهم حين دعوهم آلهة وعبدوها فقد جعلوها لله شركاء فيهم وفي استعبادهم * (لقد تقطع بينكم) * أي: وقع التقطع بينكم، كما تقول: جمع بين الشيئين تريد أوقع الجمع بينهما على إسناد الفعل إلى مصدره بهذا التأويل، وقرئ: " بينكم " (3) على إسناد الفعل إلى الظرف كما تقول: قوتل خلفكم. # * (إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون (95) فالق الاصباح وجعل اليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم) * (96) * (فالق الحب) * بالنبات * (والنوى) * بالشجر (4)، وقيل: أراد الشقين اللذين # PageV01P595 # في النواة والحنطة (1) * (يخرج الحي من الميت) * أي: الحيوان والنامي من النطف والبيض والحب والنوى * (ومخرج) * هذه الأشياء الميتة من الحيوان والنامي * (ومخرج الميت من الحي) * عطف على * (فالق الحب والنوى) * لاعلى الفعل، وموقعه موقع الجملة المبينة (2)، لأن فلق الحب والنوى بالنبات والشجر الناميين من جنس إخراج الحي من الميت * (ذلكم الله) * أي: ذلك المحيي والمميت هو الله الذي تحق له الربوبية * (فأنى تؤفكون) * فكيف تصرفون عنه وعن قوله (3) إلى غيره، و * (الاصباح) * مصدر سمي به الصبح، والمعنى: فالق ظلمة الإصباح وهي الغبش (4) في آخر الليل، أو فالق الإصباح الذي هو عمود الفجر عن بياض النهار (5)، لأن الظلمة هي التي تنفلق عن الصبح كما قال: # تفري ليل عن بياض نهار (6) وقرئ: * (وجعل اليل) * لأن اسم الفاعل الذي قبله بمعنى المضي، ولذلك عطف عليه * (والشمس والقمر) * أي: وجعل الشمس والقمر * (حسبانا) *، والسكن ما يسكن إليه الرجل ويطمئن استرواحا إليه من زوج أو حبيب، ومنه قيل للمرأة: # سورة الأنعام / 96 - 98 سكن، لأنه يستأنس بها، والليل يطمئن إليه التعب بالنهار لاستراحته فيه، ويمكن # PageV01P596 # أن يراد: وجعل الليل مسكونا ms0342 فيه (1) من قوله: * (لتسكنوا فيه) * (2) والحسبان - بالضم - مصدر " حسب "، والمعنى: وجعل الشمس والقمر علمي حسبان، لأن حساب الأوقات يعلم بدورهما ومسيرهما، أو محسوبين حسبانا (3)، * (ذلك) * التسيير بالحساب المعلوم * (تقدير العزيز) * الذي قهرهما بتسخيرهما * (العليم) * بتدبيرهما وتدويرهما ومسيرهما. # * (وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمت البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون (97) وهو الذي أنشأكم من نفس وا حدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون) * (98) يعني: * (في ظلمت) * الليل ب‍ * (البر والبحر) * وأضاف الظلمات إلى البر والبحر لملابستها إياهما، أو لتشبيه الطرق المشتبهة بالظلمات، وقرئ: * (فمستقر) * بفتح القاف وكسرها (4): فمن فتح كان ال‍ * (مستودع) * اسم مكان مثله أو مصدرا، ومن كسر كان اسم فاعل وال‍ * (مستودع) * اسم مفعول (5)، والمعنى: فلكم مستقر في الرحم ومستودع في الصلب (6)، أو مستقر فوق الأرض ومستودع # PageV01P597 # تحتها (1)، أو فمنكم مستقر في القبر ومنكم مستودع في الدنيا (2)، وعن الحسن: # يا ابن آدم أنت وديعة في أهلك ويوشك أن تلحق بصاحبك (3)، وأنشد قول لبيد: # وما المال والأهلون إلا وديعة * ولابد يوما أن ترد الودائع (4) * (وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شئ فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنت من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشبه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون) * (99) سورة الأنعام / 99 كل ما علاك فأظلك فهو سماء، وهو هنا السحاب * (فأخرجنا به) * بالماء * (نبات كل شئ) * نبت كل صنف من أصناف الحبوب (5) يعني: أن السبب واحد وهو الماء والمسببات صنوف، وهو كقوله: * (يسقى بماء وا حد ونفضل بعضها على بعض في الاكل) * (6)، * (فأخرجنا منه) * أي: من النبات * (خضرا) * أي: شيئا (7) غضا (8) أخضر، وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة * (نخرج منه) * من الخضر * (حبا متراكبا) * قد تركب بعضه على بعض مثل سنبلة الحنطة والشعير وغيرهما، و * (قنوان) * رفع بالابتداء * (ومن النخل) * خبره و * (من طلعها) * بدل # PageV01P598 # منه، كأنه قيل: وكائنة من طلع النخل ms0343 قنوان، ويجوز أن يكون الخبر محذوفا لدلالة " أخرجنا " عليه، تقديره: ومخرجة من طلع النخل قنوان، والقنوان: جمع قنو كصنوان وصنو * (دانية) * سهلة المجتنى قريبة التناول، وعن الحسن: قريب بعضها من بعض (1) * (وجنت من أعناب) * بالنصب عطف (2) على * (نبات كل شئ) * أي: وأخرجنا به جنات من أعناب، وقرئ: " وجنات " بالرفع (3) على معنى: وحاصلة أو مخرجة من النخل قنوان وجنات من أعناب أي: من نبات أعناب، أو يراد: وثم جنات من أعناب أي: مع النخل * (والزيتون) * أي: وأخرجنا به الزيتون * (والرمان) *، والأحسن أن يكون نصبهما على الاختصاص (4)، كقوله: # * (والمقيمين الصلاة) * (5) لفضل هذين الصنفين * (مشتبها وغير متشبه) * يقال: # اشتبه الشيئان وتشابها، والافتعال والتفاعل يشتركان كثيرا، وتقديره: والزيتون متشابها وغير متشابه والرمان كذلك، والمعنى: متشابها بعضه وغير متشابه بعضه في القدر واللون والطعم * (انظروا إلى ثمره إذا أثمر) * أي: أخرج ثمره كيف # PageV01P599 # يخرجه ضئيلا صغيرا * (و) * انظروا إلى حال * (ينعه) * أي: نضجه كيف يكون جامعا لمنافع وملاذ نظر اعتبار واستبصار واستدلال على اقتدار مقدره وتدبير مدبره ينقله من حال إلى حال، يقال: ينعت الثمرة ينعا وينعا. # * (وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنت بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون (100) بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صحبة وخلق كل شئ وهو بكل شئ عليم (101) ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خلق كل شئ فاعبدوه وهو على كل شئ وكيل (102) لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير) * (103) سورة الأنعام / 100 و 101 * (وجعلوا لله شركاء) * فهما مفعولا " جعل "، و * (الجن) * بدل من * (شركاء) * (1)، ويجوز أن يكون * (شركاء الجن) * مفعولين قدم ثانيهما على الأول، أي: جعلوا الجن شركاء لله (2)، وفائدة تقديم * (لله شركاء) * استعظام أن يتخذ لله شريكا (3) من كان ملكا أو جنيا أو إنسيا، والمراد بالجن: الملائكة جعلوهم لله أندادا (4)، ونحوه: * (وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا) * (5)، وقيل: هم الذين قالوا: إن الله خالق الخير وإبليس خالق الشر (6)، * (وخلقهم) * أي: وخلق # PageV01P600 # الجاعلين لله شركاء، معناه: وعلموا أن الله ms0344 خالقهم دون الجن ولم يمنعهم علمهم أن يتخذوا من لا يخلق شريكا للخالق، وقيل: الضمير ل‍ * (الجن) * (1) * (وخرقوا له) * أي: واختلقوا لله * (بنين وبنت) *، فإن المشركين قالوا: الملائكة بنات الله، وقال أهل الكتابين: * (عزير ابن الله) * (2) و * (المسيح ابن الله) * (3)، يقال: خلق الإفك واختلقه وخرقه واخترقه بمعنى واحد (4)، وقرئ: " وخرقوا " بالتشديد (5) للتكثير * (بغير علم) * من غير أن يعلموا حقيقة ما قالوه ولكن جهلا منهم بعظمة الله تعالى * (بديع السماوات والأرض) * خبر مبتدأ محذوف، أي: هو مبدعهما ومنشئهما ابتداء لامن شئ ولا على مثال سبق، ويجوز أن يكون مبتدأ وخبره * (أنى يكون له ولد) * (6)، وقيل: * (بديع السماوات) * من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها كقولك: فلان بديع الشعر، أي: بديع شعره، أو هو بديع في السماوات والأرض كقولك: فلان ثبت الغدر، أي: ثابت فيه، والمعنى: هو عديم النظير والمثل فيهما (7) * (أنى يكون له ولد) * أي: من أين يكون له ولد ولا يستقيم أن يوصف بالولادة، # PageV01P601 # لأن الولادة من صفات الأجسام وصانع الأجسام ليس بجسم حتى يكون والدا، ولأن الولادة لا تكون إلا بين زوجين ولا يصح أن يكون له صاحبة تزاوجه * (وخلق كل شئ وهو بكل شئ عليم) * ومن كان بهذه الصفة فهو غني عن كل شئ * (ذلكم) * إشارة إلى الموصوف بالصفات المتقدمة، وهو مبتدأ وما بعده أخبار مترادفة له، وهي: * (الله) *، * (ربكم) *، * (لا إله إلا هو) *، * (خلق كل شئ) * أي: ذلكم الجامع لهذه الصفات * (فاعبدوه) * لأن من استجمعت له هذه الصفات حقت له العبادة * (وهو على كل شئ وكيل) * أي: حفيظ مدبر، ولكل شئ من الأرزاق والآجال مالك * (لا تدركه الابصار) * البصر: الجوهر اللطيف الذي به تدرك المبصرات، والمعنى: أنه متعال أن يكون مبصرا في ذاته، فالأبصار سورة الأنعام / 104 - 105 لا تدركه، لأنها إنما تدرك ما كان في جهة أصلا أو تابعا كالأجسام والألوان * (وهو يدرك الابصار) * وهو للطف إدراكه للمدركات يدرك تلك الجواهر اللطيفة التي ركبها الله في حاسة النظر وهي الأبصار ولا يدركها مدرك سواه * (وهو اللطيف) * يلطف ms0345 عن أن تدركه الأبصار * (الخبير) * بكل لطيف، فهو يدرك الأبصار ولا تلطف عن إدراكه، وهذا من باب اللف والنشر، وروي عن الرضا (عليه السلام): أنها الأبصار التي في القلوب (1)، أي: لا يقع عليه الأوهام ولا يدرك كيف هو (2). # PageV01P602 # * (قد جاءكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها وما أنا عليكم بحفيظ (104) وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون) * (105) البصيرة: البينة والدلالة التي يستبصر بها الشئ على ما هو به، وهي نور القلب كما أن البصر نور العين، أي: * (جاءكم) * من الوحي والتنبيه على ما يجوز على الله وما لا يجوز ما هو للقلوب كالبصائر * (فمن أبصر) * الحق وآمن * (فلنفسه) * أبصر ولها نظر * (ومن عمى) * عنه فعلى نفسه عمي وإياها ضر * (وما أنا عليكم بحفيظ) * أحفظ أعمالكم وأجازيكم عليها، إنما أنا منذر والله هو الحفيظ عليكم * (وليقولوا) * جوابه محذوف تقديره: * (وليقولوا درست) * نصرفها، ومعنى * (درست) *: قرأت وتعلمت ذلك من اليهود، وقرئ: " دارست " (1) أي: دارست أهل الكتاب وذاكرتهم، و " درست " (2) أي: عفت هذه الآيات، وفي قراءة عبد الله: # " درس " (3) أي: درس محمد (صلى الله عليه وآله) * (ولنبينه) * الفرق بين هذا اللام واللام في # PageV01P603 # * (ليقولوا) * أن هذا حقيقة وذاك مجاز، وذلك لأن الآيات صرفت للتبيين ولم تصرف ليقولوا دارست، ولكن لما حصل هذا القول بتصريف الآيات كما حصل التبيين شبه به، والضمير في * (لنبينه) * للآيات لأنها في معنى القرآن، أو يعود إلى القرآن وإن لم يجر له ذكر لكونه معلوما، أو إلى الكتاب المقدر في قوله: " درست " و " دارست ". # * (اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين (106) ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلنك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل (107) ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون) * (108) سورة الأنعام / 109 - 110 * (لا إله إلا هو) * اعتراض أكد به إيجاب اتباع الوحي * (وأعرض عن المشركين) * أي: لا تخالطهم ms0346 ولا تلاطفهم * (ولو شاء الله) * لاضطرهم إلى الإيمان قسرا وإجبارا * (ولا تسبوا) * آلهة * (الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا) * أي: ظلما وعدوانا، كان المسلمون يسبون آلهتهم فنهوا لئلا يكون سبهم سببا لسب الله. وفيه دلالة على أن النهي عن المنكر الذي هو من أجل الطاعات إذا علم أنه يؤدي إلى زيادة الشر ينقلب معصية فصار النهي عن ذلك النهي (1) من جملة الواجبات * (بغير علم) * أي: على جهالة بالله * (كذلك زينا) * أي: مثل ذلك التزيين زينا * (لكل أمة) * من أمم الكفار * (عملهم) * أي: خليناهم وما عملوا ولم نمنعهم حتى حسن عندهم عملهم السيئ * (فينبئهم) * فيوبخهم عليه ويعاتبهم ويعاقبهم. # PageV01P604 # * (وأقسموا بالله جهد أيمنهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون (109) ونقلب أفئدتهم وأبصرهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون) * (110) أي: حلفوا * (بالله) * مجدين مجتهدين * (لئن جاءتهم آية) * من الآيات التي اقترحوها * (ليؤمنن بها) *، * (قل إنما الآيات عند الله) * وهو قادر عليها ولكنه لا ينزلها إلا على مقتضى الحكمة، أو إنما الآيات عند الله لا عندي فكيف آتيكم بها (1) * (وما يشعركم) * أي: وما يدريكم أن الآية التي يقترحونها * (إذا جاءت لا يؤمنون) * بها، يعني: أنا أعلم أنها إذا جاءت لا يؤمنون بها وأنتم لا تدرون بذلك، وذلك أن المؤمنين كانوا يطمعون في إيمانهم عند مجئ تلك الآية ويتمنون مجيئها، فأخبرهم سبحانه أنهم لا يدرون ما سبق علمه به من أنهم لا يؤمنون بها ألا ترى إلى قوله: * (كما لم يؤمنوا به أول مرة) *، وقيل: إن * (أنها) * بمعنى " لعلها " من قول العرب: إئت السوق أنك تشتري لحما، أي: لعلك (2)، ويقويها قراءة أبي: # " لعلها إذا جاءتهم لا يؤمنون " (3)، وقرئ: " إنها " بالكسر (4) على أن الكلام قد تم # PageV01P605 # قبله، والمعنى: وما يشعركم ما يكون منهم، ثم أخبرهم بعلمه فيهم فقال: إنها إذا جاءت لا يؤمنون بها البتة، ومنهم من جعل " لا " مزيدة في قراءة الفتح (1) * (ونقلب أفدتهم... ونذرهم) * عطف على * (لا ms0347 يؤمنون) * داخل في حكم * (وما يشعركم) * بمعنى: وما يشعركم أنهم لا يؤمنون * (و) * ما يشعركم أنا * (نقلب أفدتهم وأبصرهم) * أي: نطبع على قلوبهم وأبصارهم فلا يفقهون ولا يبصرون الحق كما كانوا عند نزول آياتنا أولا لا يؤمنون بها لكونهم مطبوعا على قلوبهم * (و) * ما يشعركم أنا * (نذرهم في طغيانهم) * أي: نخليهم وشأنهم لا نكفهم عن الطغيان حتى يعمهوا فيه. # * (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شئ قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون (111) وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون (112) ولتصغى إليه أفدة الذين لا يؤمنون بالآخرة وليرضوه وليقترفوا ما هم مقترفون) * (113) سورة الأنعام / 111 و 112 * (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة) * يشهدون لنبينا بالرسالة، وأحيينا * (الموتى) * حتى شهدوا له، وهذا كقولهم: * (لولا أنزل علينا الملائكة) * (2) * (فأتوا بآبائنا) * (3) * (وحشرنا عليهم كل شئ) * كقولهم: * (أو تأتى بالله # PageV01P606 # والملائكة قبيلا) * (1)، ومعنى قوله: * (قبلا) * كفلاء (2) بصحة ما بشرنا به وأنذرنا، أو جماعات (3)، أو مقابلة (4)، وقرئ: " قبلا " (5) أي: عيانا (6) * (إلا أن يشاء الله) * مشية إكراه وقسر * (ولكن أكثرهم يجهلون) * فيقسمون بالله جهد أيمانهم على ما لا يشعرون من حال قلوبهم عند نزول الآيات، أو ولكن أكثر المسلمين يجهلون أن هؤلاء لا يؤمنون طوعا ولو أتوا بكل آية * (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا) * وكما خلينا بينك وبين أعدائك كذلك فعلنا بمن قبلك من الأنبياء وأعدائهم لم نمنعهم عن العداوة لما فيه من الامتحان الذي هو سبب ظهور الثبات والصبر وكثرة الثواب والأجر، و * (شياطين) * بدل من * (عدوا) *، أو هما مفعولا * (جعلنا) * (7)، و * (يوحى بعضهم إلى بعض) * يوسوس شياطين الجن إلى شياطين الإنس، وبعض الجن إلى بعض، وبعض الإنس إلى بعض * (زخرف القول) * ما يزينه من القول والإغراء على المعاصي ويموهه * (غرورا) * أخذا على غرة وخدعا * (ولو شاء ربك ما فعلوه) * أي: ما عادوك أو ما أوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول ms0348 بأن # PageV01P607 # يكفهم عنه اضطرارا * (ولتصغى) * جوابه محذوف تقديره: وليكون ذلك الإصغاء * (جعلنا لكل نبي عدوا) * على أن اللام لام الصيرورة، والضمير في * (إليه) * وفي * (فعلوه) * واحد، أي: وليميل إلى ما ذكر من عداوة الأنبياء ووسوسة الشياطين * (أفدة) * الكفار * (وليرضوه) * لأنفسهم * (وليقترفوا ما هم مقترفون) * من الآثام. # * (أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين (114) وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا لا مبدل لكلمته وهو السميع العليم) * (115) سورة الأنعام / 115 - 117 أي: أأطلب غير الله حاكما يحكم بيني وبينكم، ويميز المحق منا من المبطل * (وهو الذي أنزل إليكم الكتاب) * المعجز * (مفصلا) * مبينا فيه الحلال والحرام والكفر والإيمان، والشهادة لي بالصدق وعليكم بالافتراء * (والذين آتيناهم الكتاب) * يعني: التوراة والإنجيل * (يعلمون) * أن القرآن * (منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين) * هو من باب التهييج والإلهاب كقوله: * (ولا تكونن من المشركين) * (1)، أو فلا تشكن في أن أهل الكتاب يعلمون أنه منزل بالحق وإن جحده أكثرهم، ويجوز أن يكون * (فلا تكونن) * خطابا لكل أحد (2)، على معنى أنه إذا تظاهرت الحجج على صحته فلا ينبغي أن يمتري فيه أحد * (وتمت كلمت ربك) * أي: حجة ربك وأمره ونهيه ووعده ووعيده * (صدقا وعدلا) *، وقيل: هي القرآن (3) * (لا مبدل لكلمته) * أي: لا أحد يبدل شيئا من ذلك بما هو أصدق # PageV01P608 # وأعدل * (صدقا وعدلا) * نصب على الحال، وقرئ: " كلمات ربك " (1). # * (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون (116) إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) * (117) أي: * (وإن تطع أكثر) * الناس أضلوك، لأن الأكثر في الغالب يتبعون الأهواء، ثم قال: * (إن يتبعون إلا الظن) * وهو ظنهم أن آباءهم كانوا محقين فهم يقلدونهم، وفيه: أنه لا عبرة في معرفة الحق بالكثرة وإنما الاعتبار بالحجة (2)، و * (يخرصون) * يقدرون أنهم على شئ أو يكذبون * (من يضل) * يجوز أن يكون استفهاما فيكون تعليقا (3)، ويجوز أن يكون ms0349 منصوبا بفعل مضمر يدل عليه قوله: # * (أعلم) * لأن " أفعل من كذا " لا يتعدى إلى المفعول به (4)، ويجوز أن يكون على حذف الباء ليقابل قوله: * (وهو أعلم بالمهتدين) * (5). # * (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين (118) # PageV01P609 # ومالكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه وإن كثيرا ليضلون بأهوائهم بغير علم إن ربك هو أعلم بالمعتدين (119) وذروا ظهر الاثم وباطنه إن الذين يكسبون الاثم سيجزون بما كانوا يقترفون) * (120) سورة الأنعام / 120 و 121 * (فكلوا) * مسبب عن إنكار اتباع المضلين الذين يحلون الحرام ويحرمون الحلال، وذلك أنهم قالوا للمسلمين: أتأكلون ما قتلتم أنتم ولا تأكلون ما قتل ربكم؟! فقيل: * (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه) * خاصة دون ما ذكر عليه اسم غيره أو مات حتف أنفه، وما ذكر اسم الله عليه هو المذكى ببسم الله * (ومالكم ألا تأكلوا) * وأي شئ عرض لكم في أن لا تأكلوا وقد فصل لكم ما حرم عليكم مما لم يحرم على لسان الرسول، وقرئ: * (فصل لكم ما حرم عليكم) * على البناء للفاعل وهو الله عز وجل * (إلا ما اضطررتم إليه) * مما حرم عليكم فإنه يحل لكم في حال الضرورة * (وإن كثيرا ليضلون) * فيحرمون ويحللون * (بأهوائهم) * وشهواتهم، ومن قرأ بالضم أراد يضلون أشياعهم * (بغير علم) * بغير تعلق بشرع * (وذروا ظهر الاثم وباطنه) * أي: ما أعلنتم منه وما أسررتم (1)، وقيل: ما عملتم بجوارحكم وما نويتم بقلوبكم (2)، وقيل: الظاهر الزنا والباطن اتخاذ الأخدان (3)، و # PageV01P610 # * (يكسبون الاثم) * يرتكبون القبيح، والاقتراف: الاكتساب. # * (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشيطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون (121) أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشى به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون) * (122) * (وإنه لفسق) * الضمير يرجع إلى مصدر الفعل، أي: وإن الأكل منه لفسق (1)، أو إلى * (ما لم يذكر اسم الله عليه) * على: وإن أكله لفسق ms0350 (2) وفيه دلالة على تحريم ذبائح أهل الكتاب أيضا، لأنه لا يصح منهم القصد إلى ذكر اسم الله تعالى (3)، وأما المسلم فإذا لم يسم الله تعالى متعمدا لم تحل ذبيحته، وإذا كان ناسيا حل أكلها (4) * (وإن الشيطين ليوحون) * أي: يوسوسون * (إلى أوليائهم) * # PageV01P611 # من المشركين * (ليجادلوكم) * بقولهم: ولا تأكلون مما قتله الله * (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) * لأن من اتبع غير الله في دينه فقد أشرك به، ثم مثل سبحانه من هداه بعد الضلالة ب‍ * (من كان ميتا) * فأحياه وجعل * (له نورا) * يستضئ به بين * (الناس) *، ومن بقي على الضلالة بالخابط في الظلمات لا يخرج منها، وقوله: # * (كمن مثله) * معناه: كمن صفته هذه وهي قوله: * (في الظلمات ليس بخارج منها) * بمعنى: هو في الظلمات ليس بخارج، كقوله: * (مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهر) * (1) أي: صفتها هذه وهي قوله: * (فيها أنهر) *، * (كذلك زين للكافرين) * عن الحسن: زينه - والله - لهم الشيطان وأنفسهم (2). # * (وكذلك جعلنا في كل قرية أكبر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون (123) وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون) * (124) سورة الأنعام / 124 و 125 المعنى: خليناهم وشأنهم * (ليمكروا فيها) * ولم نكفهم عن المكر، وخص الأكابر لأنهم الحاملون على الضلال والماكرون بالناس، وهو كقوله: * (أمرنا مترفيها) * (3) تقول: هو أكبر قومه، وهم أكابر قومهم * (وما يمكرون إلا بأنفسهم) * لأن مكرهم يحيق بهم (4)، روي: أن أبا جهل قال: زاحمنا بني عبد مناف في # PageV01P612 # الشرف، حتى إذا صرنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يوحى إليه، والله لا نرضى به ولا نتبعه أبدا إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه فنزلت (1). ونحوها قوله: * (بل يريد كل امرى منهم أن يؤتى صحفا منشرة) * (2)، * (الله أعلم) * كلام مستأنف للإنكار عليهم، أي: إن الله لا يصطفي للرسالة إلا من علم أنه يصلح لها وهو أعلم بموضعها * (سيصيب) * أكابر الذين أجرموا * (صغار) * وقمأة (3) بعد كبرهم وعظمهم * (وعذاب ms0351 شديد) * في الدارين. # * (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون) * (125) * (فمن يرد الله أن يهديه) * أي: يلطف به ويوفقه، ولا يفعل ذلك إلا بمن يعلم أن له لطفا * (يشرح صدره للاسلام) * بأن يثبت عزمه عليه ويقوي دواعيه على التمسك به، لطفا له بذلك ومنا عليه حتى يحب الدخول فيه وتسكن نفسه إليه * (ومن يرد أن يضله) * أي: يخذله ويخليه وشأنه وهو الذي لا لطف له * (يجعل صدره ضيقا حرجا) * بأن يمنعه ألطافه حتى يقسو قلبه وينبو من قبول الحق، وينسد فلا يدخله الإيمان، وقرئ: * (حرجا) * بفتح الراء وكسرها (4)، فالفتح على # PageV01P613 # الوصف بالمصدر * (كأنما يصعد في السماء) * أي: يتصعد في السماء، أي: كأنما يزاول أمرا غير ممكن، لأن صعود السماء مثل فيما يبعد من الاستطاعة وتضيق عنه المقدرة، وقرئ: " يصاعد " (1) أي: يتصاعد * (كذلك يجعل الله الرجس) * أي: الخذلان ومنع التوفيق (2)، وصفه بنقيض ما يوصف به التوفيق من الطيب، أو أراد الفعل الذي يؤدي إلى الرجس وهو العذاب (3). # سورة الأنعام / 127 و 128 * (وهذا صرا ط ربك مستقيما قد فصلنا الآيات لقوم يذكرون (126) لهم دار السلم عند ربهم وهو وليهم بما كانوا يعملون (127) ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الانس وقال أولياؤهم من الانس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خلدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم) * (128) * (وهذا) * طريق * (ربك) * وعادته في التوفيق والخذلان * (مستقيما) * عادلا مطردا لا اعوجاج فيه، وانتصب على أنه حال مؤكدة نحو قوله: * (وهو الحق مصدقا) * (4)، * (لهم دار السلم) * أي: للذين تذكروا وعرفوا الحق دار الله يعني الجنة (5)، أضافها إلى نفسه تعظيما لها، أو دار السلامة من كل آفة وبلية (6) * (عند # PageV01P614 # ربهم) * أي: هي مضمونة لهم عند ربهم يوصلهم إليها لا محالة، كما تقول: لفلان عندي حق لا ينسى * (وهو وليهم) * مواليهم ومحبهم * (بما كانوا ms0352 يعملون) * أي: # بسبب أعمالهم، أو متوليهم بجزاء ما كانوا يعملون، " ويوم نحشرهم " (1) منصوب بمحذوف، أي: واذكر يوم نحشرهم، أو يوم نحشرهم * (جميعا) * قلنا: * (يا معشر الجن) *، أو يوم نحشرهم وقلنا: * (يا معشر الجن) * كان ما لا يوصف لفظاعته، والجن هم الشياطين * (قد استكثرتم من الانس) * أضللتم منهم كثيرا كما يقال: # استكثر فلان من الأشياع * (وقال أولياؤهم من الانس) * الذين اتبعوهم وأطاعوهم: * (ربنا استمتع بعضنا ببعض) * أي: انتفع الإنس بالشياطين حيث دلوهم على الشهوات وما يوصل إليها، وانتفع الجن بالإنس حيث أطاعوهم * (وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا) * يعنون يوم البعث * (قال) * الله تعالى لهم: * (النار مثواكم) * أي: مقامكم * (خلدين فيها) * مؤبدين * (إلا ما شاء الله) * من أوقات حشرهم من قبورهم ومقدار مدتهم في محاسبتهم (2)، وقيل: إن الاستثناء لغير الكفار من عصاة المسلمين فإنهم في مشية الله إن شاء سبحانه عذبهم وإن شاء عفا عنهم، أو لمن آمن من الكفار (3). # PageV01P615 # * (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون (129) يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كفرين) * (130) أي: * (و) * مثل ذلك * (نولي بعض الظالمين بعضا) * نخليهم حتى يتولى بعضهم بعضا كما فعل الشياطين وغواة الإنس * (بما كانوا يكسبون) * أي: بسبب ما كسبوا من الكفر والمعاصي * (ألم يأتكم رسل منكم) * اختلف في أن الجن هل بعث إليهم رسل منهم؟ فقال بعضهم: بعث إليهم رسول من جنسهم (1)، وتعلق بظاهر هذه الآية، وقال الآخرون: الرسل من الإنس خاصة (2)، وإنما قيل: * (رسل منكم) * لأنه لما جمع الثقلان في الخطاب صح ذلك وإن كان من أحدهما، كقوله: * (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) * (3) وإن كان اللؤلؤ يخرج من الملح دون العذب، وعن ابن عباس: إنما بعث الرسول من الإنس، ثم كان هو يرسل إلى الجن رسولا منهم (4) * (يقصون) * أي: يتلون * (عليكم) * حججي ودلائلي ويخوفونكم * (لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا) * هذا حكاية لتصديقهم وإيجابهم # PageV01P616 # قوله، وإقرارهم بأن حجة الله ms0353 لازمة لهم. # * (ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غفلون (131) ولكل درجت مما عملوا وما ربك بغفل عما يعملون (132) وربك الغنى ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين (133) إن ما توعدون لات وما أنتم بمعجزين (134) قل يقوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من تكون له عقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون) * (135) * (ذلك) * إشارة إلى ما تقدم من بعثه الرسل إليهم، وتقديره: الأمر ذلك * (أن لم يكن ربك) * تعليل، أي: الأمر ما قصصنا عليك لانتفاء كون ربك * (مهلك القرى بظلم) * أي: بسبب ظلم أقدموا عليه (1)، أو ظالما على معنى: أنه لو أهلكهم من غير تنبيه برسول وكتاب لكان ظالما وهو متعال عن الظلم (2) * (ولكل) * من المكلفين * (درجت مما عملوا) * أي: مراتب من أعمالهم على حسب ما يستحقونه، وقيل: أراد درجات ودركات من جزاء أعمالهم فغلب منازل أهل الجنة (3) * (وما ربك بغفل) * أي: بساه * (عما يعملون) * فلا يخفى عليه مقاديره وما يستحق عليه * (وربك الغنى) * عن عباده وعن عبادتهم * (ذو الرحمة) * يترحم عليهم بالتكليف ليعرضهم للمنافع العظيمة التي لا يحسن إيصالهم إليها إلا بالاستحقاق لاقترانها بالتعظيم والإجلال * (إن يشأ يذهبكم) * أيها العصاة # PageV01P617 # * (ويستخلف من بعدكم ما يشاء) * أي: وينشئ من بعد إهلاككم وإذهابكم خلقا غيركم يطيعونه يكونون خلفا لكم * (كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين) * تقدموكم * (إن ما توعدون) * من الحشر والثواب والعقاب وتفاوت أهل الجنة والنار في الدرجات والدركات * (لات) * لا محالة * (وما أنتم) * بخارجين من ملكه * (اعملوا على مكانتكم) * المكانة تكون مصدرا ل‍ " مكن ": إذا تمكن أبلغ التمكن، ويكون بمعنى المكان يقال: مكان ومكانة ومقام ومقامة، أي: اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم (1)، أو اعملوا على حالكم التي أنتم عليها (2) * (إني عامل) * على مكانتي التي أنا عليها، والمعنى: أثبتوا على كفركم وعداوتكم فإني ثابت على الإسلام وعلى مصابرتكم * (فسوف تعلمون) * أينا تكون له العاقبة المحمودة، وهذا نحو قوله: * (اعملوا ما شئتم) * (3) في أنه على طريق ms0354 التهديد والتسجيل على المأمور بأنه لا يأتي منه إلا الشر، فكأنه واجب عليه وهو مأمور به ليس له أن يعمل بخلافه * (من تكون له عقبة الدار) * إن كان بمعنى " أي " فمحله الرفع ويكون تعليقا، وإن كان بمعنى " الذي " فمحله النصب (4)، و * (عقبة الدار) * العاقبة: الحسنى التي خلق الله هذه الدار لها، وهو وعيد. # سورة الأنعام / 136 و 137 * (وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والانعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله # PageV01P618 # فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون) * (136) يعني: كفار مكة وأسلافهم، كانوا يعينون أشياء * (من الحرث والانعام) * لله وأشياء منهما لآلهتهم، فإذا رأوا ما جعلوه لله ناميا زاكيا رجعوا فجعلوه للآلهة، وإذا زكا ما جعلوه للآلهة تركوه لها، واعتلوا لذلك بأن الله غني (1)، وقوله: * (مما ذرأ) * فيه أن الله هو الذي ذرأه وزكاه، فكان أولى بأن يجعل له الزاكي، وقرئ: " بزعمهم " بضم الزاي (2) وفتحها، أي: زعموا أنه لله والله لم يأمرهم بذلك، وسمي الأوثان شركاءهم لأنهم أشركوهم في أموالهم وفي أنعامهم * (ساء ما يحكمون) * في إيثار آلهتهم على الله سبحانه، وعملهم على ما لم يشرع لهم. # * (وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولدهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون (137) وقالوا هذه أنعم وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم وأنعم حرمت ظهورها وأنعم لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه سيجزيهم بما كانوا يفترون) * (138) أي: ومثل ذلك التزيين الذي هو تزيين الشرك في قسمة القربات بين الله وآلهتهم * (زين) * لهم * (شركاؤهم) * من الشياطين (3)، أو من سدنة الأصنام (4) # PageV01P619 # * (قتل أولدهم) * بالوأد خيفة العيلة أو العار، وقرئ: " زين " على البناء للمفعول الذي هو قتل " أولادهم " بالنصب " شركائهم " بالجر على إضافة " قتل " إلى " شركائهم " (1) والفصل بينهما بغير الظرف كما جاء في الشعر: # فزججتها بمزجة * زج القلوص أبي مزاده (2) سورة الأنعام / 138 و 139 والتقدير: زين لهم أن قتل شركاؤهم أولادهم * (ليردوهم) * أي: ليهلكوهم ms0355 بالإغواء * (وليلبسوا عليهم دينهم) * وليخلطوه عليهم ويشبهوه، ودينهم هو ما كانوا عليه من دين إسماعيل، وقيل: دينهم الذي كان يجب أن يكونوا عليه (3) * (ولو شاء الله) * مشية قسر * (ما فعلوه) * أي: ما فعل المشركون ما زين لهم من القتل * (فذرهم وما يفترون) * أي: وافتراءهم أو ما يفترونه من الإفك * (حجر) * فعل بمعنى مفعول كالذبح والطحن بمعنى المذبوح والمطحون، ويستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث لأن حكمه حكم الأسماء غير الصفات (4)، وعن ابن مسعود وأبي: " حرج " (5) وهو من التضييق، وكانوا إذا عينوا شيئا من حرثهم وأنعامهم # PageV01P620 # لآلهتهم قالوا: * (لا يطعمها إلا من نشاء) * يعنون خدم الأصنام والرجال دون النساء * (بزعمهم) * من غير حجة لهم فيه * (وأنعم حرمت ظهورها) * هي البحائر والسوائب والحوامي * (وأنعم لا يذكرون اسم الله عليها) * في الذبح والنحر وإنما يذكرون عليها أسماء الأصنام، وقيل: لا يحجون عليها ولا يلبون على ظهورها (1)، والمعنى: أنهم قسموا أنعامهم فقالوا: هذه أنعام حجر وهذه أنعام محرمة الظهور وهذه أنعام لا يذكر عليها اسم الله، فجعلوها أجناسا بدعواهم الباطلة، ونسبوا ذلك التقسيم إلى الله * (افتراء عليه) * أي: فعلوا ذلك كله على جهة الافتراء، فهو مفعول له أو حال (2). # * (وقالوا ما في بطون هذه الانعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم (139) قد خسر الذين قتلوا أولدهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين) * (140) كانوا يقولون في أجنة البحائر والسوائب: إن ما ولد منها حيا فهو خالص للذكور وما ولد منها ميتا اشترك فيه الذكور والإناث، وأنث * (خالصة) * للحمل على المعنى، لأن * (ما) * في معنى الأجنة، وذكر * (محرم) * للحمل على اللفظ (3)، ويجوز أن يكون التاء للمبالغة كالتاء في " راوية الشعر " (4)، وأن يكون مصدرا # PageV01P621 # وقع موقع الخالص كالعافية أي: ذو خالصة، ويدل عليه قراءة من قرأ: " خالصة " بالنصب (1) على أن قوله: * (لذكورنا) * هو الخبر و " خالصة " مصدر مؤكد * (وإن يكن ميتة) * وإن يكن ما في بطونها ميتة، وقرئ: ms0356 " وإن تكن " (2) على: وإن تكن الأجنة ميتة، وقرئ: " وإن تكن " بالتأنيث " ميتة " بالرفع (3) على " كان " التامة، وذكر الضمير في قوله: * (فهم فيه شركاء) * لأن الميتة لكل ميت ذكرا أو أنثى، فكأنه قيل: وإن يكن ميت فهم فيه شركاء * (سيجزيهم وصفهم) * أي: جزاء وصفهم الكذب على الله في التحليل والتحريم من قوله: * (وتصف ألسنتهم الكذب) * (4) * (هذا حلل وهذا حرام) * (5)، * (سفها بغير علم) * أي: جهلا وخفة حلم وذهابا عن الصواب، جهلوا أن الله هو رازق أولادهم لأهم، وقرئ: " قتلوا " بالتشديد (6) * (وحرموا ما رزقهم) * من البحائر والسوائب وغيرهما. # سورة الأنعام / 141 * (وهو الذي أنشأ جنت معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشبها وغير متشبه كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب # PageV01P622 # المسرفين) * (141) ثم ذكر سبحانه إنشاءه الأشياء فقال: * (وهو الذي أنشأ جنت) * من الكروم * (معروشات) * مسموكات مرفوعات بالدعائم * (وغير معروشات) * متروكات على وجه الأرض لم تعرش * (والنخل والزرع) * أي: وأنشأ النخل والزرع * (مختلفا أكله) * في اللون والطعم والحجم والرائحة وهو ثمره الذي يؤكل، والضمير للنخل، والزرع داخل في حكمه لكونه معطوفا عليه، و * (مختلفا) * حال مقدرة، لأنه لم يكن وقت الإنشاء كذلك * (و) * أنشأ * (الزيتون والرمان متشبها) * في الطعم واللون والحجم * (وغير متشبه) * فيها، وإنما قال: * (إذا أثمر) * ليعلم أن وقت إباحة الأكل * (من ثمره) * وقت الاطلاع (1)، ولا يتوهم أنه غير مباح أكله قبل وقت الإيناع * (وآتوا حقه يوم حصاده) * وهو ما تيسر إعطاؤه المساكين من الضغث (2) بعد الضغث والحفنة (3) بعد الحفنة وهو المروي عنهم (عليهم السلام) (4)، وقيل: إنه الزكاة: العشر أو نصف العشر (5)، أي: لا تؤخروه عن أول وقت يمكن فيه الإيتاء * (ولا تسرفوا) * بأن تتصدقوا بالجميع ولا تبقوا للعيال شيئا. # * (ومن الانعام حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين (142) ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن # PageV01P623 # المعز اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين (143) ومن الإبل ms0357 اثنين ومن البقر اثنين قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصيكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدى القوم الظالمين) * (144) سورة الأنعام / 143 و 144 عطف * (حمولة وفرشا) * على * (جنت) * أي: * (و) * أنشأ * (من الانعام) * ما تحمل عليه الأثقال وما يفرش للذبح، أو ينسج من وبره وصوفه وشعره الفرش (1)، وقيل: الحمولة: الكبار التي تصلح للحمل، والفرش: الصغار لدنوها من الأرض فهي كالفرش المفروش عليها (2) * (ثمانية أزواج) * بدل من * (حمولة وفرشا) *، * (اثنين) * أي: زوجين اثنين، يريد الذكر والأنثى كالكبش والنعجة (3) والتيس (4) والعنز (5) والجمل والناقة والثور والبقرة، فإن الواحد يسمى فردا إذا كان وحده وإذا كان معه غيره من جنسه فهما زوجان، يدل عليه قوله: * (خلق الزوجين الذكر والأنثى) * (6) وقوله: * (ثمانية أزواج) * ثم فسرها بقوله: * (من # PageV01P624 # الضأن اثنين ومن المعز اثنين) * و * (من الإبل اثنين ومن البقر اثنين) *، والضأن والمعز جمع ضائن وماعز، والهمزة في * (ءآلذكرين) * للإنكار، والمراد ب‍ " الذكرين " الذكر من الضأن ومن المعز وب‍ * (الأنثيين) * الأنثى من الضأن ومن المعز، والمعنى: إنكار أن يحرم الله من جنسي الغنم: ضأنها ومعزها شيئا من نوعي ذكورها وإناثها، ولا مما تحمل إناث الجنسين، وكذلك القول في * (ءآلذكرين) * من جنسي الإبل والبقر و * (الأنثيين) * منهما وما تحمل إناثهما، وذلك أنهم كانوا يحرمون ذكور الأنعام تارة، وإناثها تارة، وأولادها كيفما كانت ذكرا (1) أو إناثا أو مختلطة تارة، وكانوا يقولون: قد حرمها الله، فأنكر ذلك عليهم * (نبئوني بعلم) * أخبروني بأمر معلوم من جهة الله يدل على تحريم ما حرمتم * (إن كنتم صادقين) * في أن الله حرمه * (أم كنتم شهداء) * بل أكنتم شهداء حين أمركم ربكم بهذا التحريم؟! ومعناه: أعرفتم توصية الله به مشاهدين، لأنكم لا تؤمنون بالرسل وتقولون: إن الله حرم هذا الذي تحرمونه؟! * (فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا) * فنسب إليه تحريم ما لم يحرم * (ليضل الناس) * وهو عمرو بن لحي بن قمعة الذي بحر البحائر ms0358 وسيب السوائب، فقوله: * (وهو الذي أنشأ جنت) * تمامه عند قوله: * (وصيكم الله بهذا) *، وقوله: * (كلوا من ثمره) * إلى قوله: * (المسرفين) * اعتراض، وكذلك قوله: * (كلوا مما رزقكم الله) * و * (نبئوني بعلم) * إلى تمام الآيتين، والاعتراضات لتأكيد التحليل والاحتجاج على من ذهب إلى التحريم. # * (قل لا أجد في ما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به # PageV01P625 # فمن اضطر غير باغ ولاعاد فإن ربك غفور رحيم) * (145) ثم أخذ في بيان المحرمات، وقوله: * (في ما أوحى إلى) * إيذان بأن التحريم إنما يثبت بوحي من الله لا بما تهواه النفوس * (محرما) * أي: طعاما محرما من المطاعم التي حرمتموها * (إلا أن يكون ميتة) * أي: إلا أن يكون الشئ المحرم ميتة * (أو دما مسفوحا) * مصبوبا سائلا كالدم في العروق لا كالكبد أو المختلط باللحم لا يمكن تخليصه منه * (أو لحم خنزير فإنه رجس) * أي: نجس * (أو فسقا) * عطف على المنصوب قبله و * (أهل) * صفة له * (فمن اضطر) * فمن دعته الضرورة إلى أكل شئ من هذه المحرمات * (غير باغ) * على مضطر مثله * (ولاعاد) * أي: # متجاوز قدر حاجته من تناوله. # * (وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون (146) فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة وا سعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين) * (147) ذو الظفر: كل ماله إصبع من دابة أو طائر * (ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما) * هو كقولك: من زيد أخذت ماله، تريد بالإضافة زيادة الربط، والمعنى: أنه حرم عليهم لحم كل ذي ظفر وشحمه وكل شئ منه، ولم يحرم عليهم من البقر والغنم إلا الشحوم الخاصة وهي الثروب (1) وشحوم الكلى، وقوله: # * (إلا ما حملت ظهورهما) * معناه: إلا ما اشتمل على الظهور والجنوب * (أو سورة الأنعام / 146 - 148 الحوايا) * أو ما اشتمل على الأمعاء * (أو ما اختلط بعظم) * وهو شحم الألية ms0359 # PageV01P626 # * (ذلك) * الجزاء * (جزيناهم ببغيهم) * بسبب ظلمهم * (وإنا لصادقون) * فيما أوعدنا به العصاة، وفي الإخبار عن بغيهم * (فإن كذبوك) * فيما تقول * (فقل ربكم ذو رحمة وا سعة) * لا يعجل بالعقوبة، ولا يدفع عذابه إذا جاء وقته. # * (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شئ كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون (148) قل فلله الحجة البلغة فلو شاء لهديكم أجمعين (149) قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون) * (150) هذا إخبار بما سوف يقولونه، ثم لما قالوه قال: * (وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم) * (1) زعموا أن شركهم وشرك آبائهم وتحريمهم ما حرموه بمشيئة الله تعالى وإرادته، ولولا أنه شاء ذلك لم يكن شئ منه، وهذا مذهب المجبرة بعينه * (كذلك) * جاء (2) * (الذين من قبلهم) * بالتكذيب المطلق، لأن الله سبحانه ركب في العقول ما دل على علمه بالقبائح، وبغناه عنها وبراءته عن مشيئة القبائح وإرادتها، وأخبر أنبياءه بذلك، فمن علق وجود الكفر بمشيئته فقد كذب التكذيب كله وهو تكذيب الله وكتبه ورسله، ونبذ أدلة العقل والسمع وراء ظهره * (كذلك) * أي: مثل ذلك التكذيب الذي صدر من هؤلاء * (كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا # PageV01P627 # بأسنا) * حتى أنزلنا عليهم العذاب بتكذيبهم * (قل هل عندكم من علم) * من أمر معلوم يصح الاحتجاج به فيما قلتم * (فتخرجوه لنا) * وهذا من التهكم والشهادة بأن مثل قولهم محال أن يكون له حجة * (إن تتبعون) * أي: ما تتبعون في قولكم هذا * (إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون) * تقدرون أن الأمر كما تزعمون، أو تكذبون * (قل فلله الحجة البلغة) * أي: فإن كان الأمر كما زعمتم أن ما أنتم عليه بمشيئة الله فلله الحجة البالغة عليكم على قود مذهبكم، فإنه يقتضي أن تعلقوا دين من يخالفكم أيضا بمشيئة الله * (فلو شاء لهديكم أجمعين) ms0360 * منكم ومن مخالفيكم (1) في الدين، فينبغي أن توالوهم ولا تعادوهم لأن المشيئة تجمع بين ما أنتم عليه وما هم عليه * (هلم) * يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، وبنو تميم تؤنث وتجمع (2)، والمعنى: هاتوا * (شهداءكم الذين يشهدون) * بصحة ما تدعونه من * (أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم) * أي: لا تسلم لهم ما شهدوا به ولا تصدقهم، لأنه إذا سلم لهم فكأنه شهد مثل شهادتهم وكان واحدا منهم. # سورة الأنعام / 151 * (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولدكم من إملق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون) * (151) * (ما حرم) * منصوب ب‍ * (أتل) * بمعنى: أتل الذي حرمه ربكم، أو ب‍ * (حرم) * بمعنى: أتل أي شئ حرم ربكم لأن التلاوة من القول (3)، و " أن " في " أن # PageV01P628 # لا تشركوا " مفسرة و " لا " للنهي (1)، وإن جعلت " أن " الناصبة للفعل كان * (ألا تشركوا) * بدلا من * (ما حرم) *، إلا أن القول الأول أوجه ليكون " لا تشركوا "، * (ولا تقربوا) *، * (ولا تقتلوا) *، * (ولا تتبعوا السبل) * نواهي وتنعطف الأوامر عليها وهي قوله: * (وبالوالدين إحسنا) * فإن التقدير: وأحسنوا بالوالدين إحسانا * (وأوفوا) *، * (وإذا قلتم فاعدلوا) *، ويجوز أن تقف على قوله: * (حرم ربكم) * ثم تبتدئ فتقول: * (عليكم ألا تشركوا) * أي: عليكم ترك الإشراك، على أن يكون " أن " الناصبة للفعل * (ولا تقتلوا أولدكم من إملق) * أي: من أجل إملاق وخشيته، وهو الفقر (2) * (الفواحش) * المعاصي والقبائح * (ما ظهر منها وما بطن) * مثل قوله: * (وذروا ظهر الاثم وباطنه) * (3)، وعن الباقر (عليه السلام): " ما ظهر هو الزنا، وما بطن هو المخالة " (4)، وأعاد ذكر النهي عن القتل وإن كان داخلا في الفواحش تعظيما لأمره * (إلا بالحق) * كالقصاص والقتل على الردة والرجم، و * (النفس التي حرم الله) * هي نفس المسلم والمعاهد. # * (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها ms0361 وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون (152) وأن هذا صرا طي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن # PageV01P629 # سبيله ذلكم وصيكم به لعلكم تتقون) * (153) المراد بالقرب التصرف فيه * (إلا بالتي هي أحسن) * بالخصلة التي هي أحسن ما يفعل بمال اليتيم، وهي حفظه وتثميره، والمعنى: احفظوه عليه * (حتى يبلغ أشده) * وهو بلوغ الحلم وكمال العقل، ثم ادفعوه إليه * (بالقسط) * بالتسوية (1) والعدل * (لا نكلف نفسا إلا وسعها) * وهو ما يسعها ولا تعجز عنه، وإنما أتبع الأمر بإيفاء الكيل والوزن ذلك، لأن مراعاة التعديل فيهما على الحد الذي لا زيادة فيه ولا نقصان مما يتعذر، فأمر ببلوغ الوسع وأن ما وراءه معفو عنه * (وإذا قلتم فاعدلوا) * أي: فقولوا الحق * (ولو كان) * المقول له أو عليه في شهادة أو غيرها * (ذا سورة الأنعام / 153 قربى) * من القائل، أي: من أهل قرابته * (وأن هذا صرا طي مستقيما) * قرئ بالفتح على تقدير: ولأن هذا صراطي مستقيما * (فاتبعوه) *، وهذا على قياس قول سيبويه في نحو قوله: * (وأن المسجد لله فلا تدعوا) * (2) و * (لا يلف قريش... # فليعبدوا) * (3) فيكون - على هذا - قوله: * (وأن هذا صرا طي مستقيما) * علة للاتباع (4)، وقرئ: " وأن هذا " بالتخفيف (5) على: وأنه هذا صراطي على أن الهاء ضمير الشأن، وقرئ: " وإن " بالكسر (6) فيكون كأنه قيل: واتبعوا صراطي إنه مستقيم * (ولا تتبعوا السبل) * الطرق المختلفة في الدين من اليهودية والنصرانية # PageV01P630 # والمجوسية وسائر البدع والشبهات * (فتفرق بكم) * أصله تتفرق، أي: فتفرقكم أيادي سبأ (1) * (عن سبيله) * عن صراط الله المستقيم وهو دين الإسلام، وقرئ: # " فتفرق " بإدغام التاء في التاء (2). # وروي: أن النبي (صلى الله عليه وآله) خط خطا ثم قال: هذا سبيل الرشد، ثم خط عن يمينه وعن شماله خطوطا ثم قال: هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم تلا هذه الآية: * (وأن هذا صرا طي مستقيما) * (3). # وعن ابن عباس: هذه الآيات محكمات لم ينسخهن شئ من جميع الكتب (4). # * (ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن ms0362 وتفصيلا لكل شئ وهدى ورحمة لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون (154) وهذا كتب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون (155) أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين (156) أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من # PageV01P631 # ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا يصدفون) * (157) سورة الأنعام / 157 و 158 عطف * (ثم آتينا) * على * (وصيكم به) * والمعنى: ذلكم وصاكم به يا بني آدم قديما وحديثا ثم إنا آتينا * (موسى الكتاب) *، وقيل: هو عطف على ما تقدم من قوله: * (ووهبنا له إسحاق ويعقوب) * (1) (2)، * (تماما على الذي أحسن) * أي: # تماما للكرامة والنعمة على من كان محسنا صالحا يريد جنس المحسنين (3)، أو أراد به موسى (عليه السلام) أي: تتمة للكرامة على العبد الذي أحسن الطاعة في التبليغ وفي كل ما أمر به (4)، أو تماما على الذي أحسن موسى من العلم والشرائع (5)، من أحسن الشئ: إذا أجاد معرفته، أي: زيادة على علمه على وجه التتميم * (أن تقولوا) * كراهة أن تقولوا: * (إنما أنزل الكتاب على طائفتين) * يريدون اليهود والنصارى * (وإن كنا) * هي المخففة من المثقلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، أي: وإنه * (كنا عن دراستهم لغافلين) * والهاء ضمير الشأن (6)، والدراسة: # القراءة، أي: لم نعرف مثل دراستهم * (أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا # PageV01P632 # أهدى منهم) * في المبادرة إلى قبوله والتمسك به لجودة أذهاننا وثقابة (1) أفهامنا، فإن العرب كانوا يدلون بحدة الذهن وذكاء (2) الحدس وحفظ أيامهم ووقائعهم وخطبهم وأشعارهم * (فقد جاءكم بينة من ربكم) * تبكيت لهم، وهو على قراءة من قرأ: " يقولوا " بالياء (3) على لفظ الغيبة أحسن لما فيه من الالتفات، والمعنى: إن صدقتم فيما كنتم تعدونه من أنفسكم * (فقد جاءكم بينة من ربكم) * فحذف الشرط * (فمن أظلم ممن كذب بآيات الله) * بعد ما عرف صحتها وصدقها، أو تمكن من معرفة ذلك * (وصدف عنها) * الناس فضل وأضل. # * (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة ms0363 أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا قل انتظروا إنا منتظرون) * (158) أي: ما ينتظر هؤلاء * (إلا أن تأتيهم) * ملائكة الموت أو العذاب * (أو يأتي ربك) * أي: كل آيات ربك بدلالة قوله: * (أو يأتي بعض آيات ربك) * يريد آيات القيامة والهلاك الكلي، وبعض الآيات (4): أشراط الساعة كطلوع الشمس من مغربها وغير ذلك * (يوم يأتي بعض آيات ربك) * التي يزول التكليف عندها * (لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت) * أي: لا ينفع الإيمان حينئذ نفسا غير مقدمة إيمانها * (من قبل) * ظهور الآيات، ولا ينفع الكسب للخيرات في الإيمان حينئذ # PageV01P633 # نفسا غير كاسبة لها * (في إيمانها) * من قبل ظهورها، وفي هذا دلالة على أن كسب الخير الذي هو عمل الجوارح غير الإيمان الذي هو عمل القلب، ألا ترى أنه عطف هذا على ذاك، والشئ لا يعطف على نفسه وإنما يعطف على غيره * (قل انتظروا إنا منتظرون) * وعيد وتهديد، وقرئ: * (تأتيهم الملائكة) * بالتاء والياء (1). # * (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شئ إنما أمرهم إلى الله ثم ينبهم بما كانوا يفعلون (159) من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون) * (160) * (فرقوا دينهم) * بأن جعلوه أديانا * (وكانوا شيعا) * أي: أحزابا وفرقا يكفر بعضهم بعضا كل فرقة تشيع إماما لها. # وفي الحديث: " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة وهي الناجية، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة وهي الناجية، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في الهاوية إلا واحدة " (2). # سورة الأنعام / 159 - 162 وقرئ: " فارقوا دينهم " (3) أي: تركوه * (لست منهم في شئ) * أي: من السؤال عنهم وعن تفرقهم (4)، وقيل: معناه: أنك على المباعدة التامة من # PageV01P634 # الاجتماع معهم في شئ من مذاهبهم الفاسدة (1) * (إنما أمرهم) * والحكم بينهم في اختلافهم * (إلى الله) *، * (فله عشر أمثالها) * أقيمت الصفة مقام الموصوف، ms0364 تقديره: # عشر حسنات أمثالها، وقرئ: " عشر أمثالها " برفعهما (2) جميعا على الوصف، وهذا أقل ما وعد من الأضعاف، فقد وعد بالواحد سبعمائة، ووعد أضعافا مضاعفة بغير حساب، ومضاعفة الحسنات فضل ومكافأة السيئات عدل * (وهم لا يظلمون) * لا ينقص من ثوابهم ولا يزاد على عقابهم. # * (قل إنني هداني ربى إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (161) قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العلمين (162) لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين) * (163) * (دينا) * بدل من موضع قوله: * (إلى صرا ط) * فإن المعنى: هداني صراطا، والقيم فيعل من " قام " كالسيد والهين، وقرئ: * (قيما) * وهو مصدر بمعنى القيام وصف به، و * (ملة إبراهيم) * عطف بيان و * (حنيفا) * حال من * (إبراهيم) * أي: # هداني وعرفني ملة إبراهيم في حال حنيفيته (3) * (إن صلاتي ونسكي) * أي: # عبادتي وتقربي كله (4)، وقيل: وذبحي فجمع بين الصلاة والذبح (5)، ونحوه: # PageV01P635 # * (فصل لربك وانحر) * (1)، وقيل: ومناسك حجي (2) * (ومحياي ومماتي) * وما آتيه في حال حياتي وأموت عليه من الإيمان والعمل الصالح * (لله رب العلمين) * خالصة لوجهه * (وبذلك) * الإخلاص * (أمرت وأنا أول المسلمين) * لأن إسلام كل نبي متقدم لإسلام أمته. # * (قل أغير الله أبغى ربا وهو رب كل شئ ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون (164) وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجت ليبلوكم في ما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم) * (165) سورة الأنعام / 165 هذا جواب عن دعائهم إياه إلى عبادة آلهتهم، والهمزة للإنكار، أي: منكر أن * (أبغى ربا) * غيره وهو رب كل شئ، فكل من دونه مربوب، ليس في الوجود من له الربوبية غيره، ونحوه: * (أفغير الله تأمروني أعبد) * (3)، * (ولا تكسب كل نفس إلا عليها) * جواب عن قولهم: * (اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاكم) * (4)، * (ولا تزر وازرة وزر أخرى) * معناه: لا تؤخذ نفس آثمة بإثم نفس أخرى * (جعلكم خلائف الأرض) * يخلف أهل كل عصر أهل العصر الذي قبله، كلما مضى قرن ms0365 خلفهم قرن، يجري ذلك على انتظام واتساق إلى يوم القيامة (5)، وقيل: المراد بذلك أمة نبينا # PageV01P636 # محمد (صلى الله عليه وآله) لأنه خاتم النبيين فخلفت أمته سائر الأمم (1) * (ورفع بعضكم فوق بعض درجت) * في الشرف والرزق (2)، وقيل: في الصورة والعقل والمال والعمر (3) * (ليبلوكم في ما آتاكم) * كيف تشكرون نعمه، وكيف يصنع الشريف بالوضيع والغني بالفقير * (إن ربك سريع العقاب) * بمن كفر نعمته * (وإنه لغفور رحيم) * لمن قام بشكرها، ووصف العقاب بالسرعة لأن كل ما هو آت قريب. # PageV01P637 # سورة الأعراف مكية (1)، مائتان وست آيات كوفي، خمس بصري، عد الكوفي * (المص) * (2) و * (كما بدأكم تعودون) * (3)، وعد البصري * (مخلصين له الدين) * (4). # في حديث أبي: " من قرأ سورة الأعراف جعل الله بينه وبين إبليس سترا وكان آدم له شفيعا يوم القيامة " (5). # الصادق (عليه السلام): " من قرأها في كل شهر كان يوم القيامة من الذين لاخوف عليهم ولاهم يحزنون، فإن قرأها في كل جمعة كان ممن لا يحاسب يوم القيامة " (6). # PageV01P638 # * (المص (1) كتب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين (2) اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون) * (3) أي: هو * (كتب أنزل إليك) * بأمر الله تعالى * (فلا يكن في صدرك حرج منه) * أي: من تبليغه، والحرج: الضيق، لأنه (عليه السلام) كان يخاف تكذيب قومه له وإعراضهم عن قبول قوله وأذاهم له، فكان يضيق صدره من الأذاء (1) ولا ينبسط له، فأمنه الله سبحانه وأمره بترك المبالاة بهم * (لتنذر به) * تعلق ب‍ * (أنزل إليك) * أي: أنزل إليك لإنذارك به * (وذكرى) * يحتمل النصب على معنى: لتنذر به وتذكر تذكيرا فإن الذكرى في معنى التذكير، والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أو عطف على * (كتب) *، والجر للعطف على محل " أن تنذر " أي: للإنذار والذكرى (2) * (اتبعوا # PageV01P639 # ما أنزل إليكم) * من القرآن والوحي * (ولا تتبعوا من دونه) * الضمير ل‍ * (ما أنزل) * أي: ولا تتبعوا من دون دين الله دين * (أولياء) * كم، أو ل‍ * (ربكم) * أي: ولا تتبعوا من دون الله أولياء، أي: ms0366 ولا تتولوا من دونه من شياطين الإنس والجن فيحملوكم على الأهواء والبدع ويضلوكم عن دين الله وعما أمركم باتباعه، وعن الحسن: # يا بن آدم أمرت باتباع كتاب الله وسنة نبيه، والله ما أنزلت آية إلا ويجب أن تعلم فيما أنزلت وما معناها (1)، * (قليلا ما تذكرون) * أي: " تتذكرون " فأدغم (2)، وقرئ: # * (تذكرون) * خفيفة الذال بحذف التاء، وقرئ: " يتذكرون " بياء وتاء (3) أي: # يتذكرون تذكرا قليلا حيث يتركون دين الله ويتبعون غيره. # * (وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بيتا أو هم قائلون (4) فما كان دعويهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين) * (5) سورة الأعراف / 5 - 8 * (فجاءها) * أي: فجاء أهلها * (بأسنا) * أي: عذابنا * (بيتا) * مصدر وضع موضع الحال أي: بائتين أو قائلين، ويجوز أن لا يقدر حذف المضاف في القرية ويكون الضمير في * (أهلكناها) * للقرية، لأن القرية تهلك كما يهلك أهلها، فلا حاجة بنا إلى الإضمار (4)، وقوله: * (أو هم قائلون) * لم يحتج فيه إلى الواو، لأن # PageV01P640 # الضمير العائد قد أغنى عنه، ولأنها إذا عطفت على حال قبلها يحذف الواو استثقالا لاجتماع حرفي عطف، لأن واو الحال هي واو العطف استعيرت للوصل (1)، والمعنى: وكم من قرية أردنا إهلاكها فجاءها عذابنا في هذين الوقتين: # وقت البيات ووقت القيلولة، لأنهما وقتا الغفلة والدعة فيكون نزول العذاب فيهما أشد * (فما كان دعويهم) * ما كانوا يدعون من دينهم إلا اعترافهم ببطلانه وقولهم: # * (إنا كنا ظالمين) * فيما كنا عليه، أو فما كان دعاءهم ربهم إلا اعترافهم بظلمهم وتحسرهم على ما كان منهم (2)، و * (دعويهم) * خبر * (كان) *، و * (أن قالوا) * رفع لأنه اسمه، ويجوز العكس (3). # * (فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين (6) فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين (7) والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (8) ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون) * (9) أي: * (فلنسئلن) * المرسل * (إليهم) * وهم الأمم، نسألهم عما أجابوا به رسلهم * (ولنسئلن المرسلين) * عما أجيبوا به وعما عملت أممهم فيما جاءوا به * (فلنقصن عليهم) * على الرسل والمرسل إليهم ما كان منهم * (بعلم) ms0367 * أي: عالمين بأحوالهم الظاهرة والباطنة * (وما كنا غائبين) * عنهم وعما وجد منهم، وأما المعني في سؤالهم مع علمه بأحوالهم فالتوبيخ والتقرير عليهم وازدياد سرور المثابين بالثناء عليهم وغم المعاقبين بإظهار قبائحهم (4) * (والوزن يومئذ الحق) * يعني: # PageV01P641 # وزن الأعمال والتمييز بين خفيفها وراجحها، ورفعه على الابتداء و * (الحق) * صفته و * (يومئذ) * خبر المبتدأ (1)، أي: والوزن الحق يوم يسأل الله الأمم ورسلهم الوزن الحق أي: العدل. # واختلف في كيفية الوزن: فقيل: إنه عبارة عن القضاء الحق والحكم بالعدل (2)، وقيل: توزن صحف الأعمال بميزان له كفتان تأكيدا للحجة وإظهارا للنصفة (3) * (فمن ثقلت موازينه) * جمع ميزان أو موزون، فمن رجحت أعماله الموزونة التي لها قدر ووزن وهي الحسنات، أو ما توزن به حسناتهم * (بآياتنا يظلمون) * أي: يكذبون بها ظلما كقوله: * (فظلموا بها) * (4). # سورة الأعراف / 10 - 12 * (ولقد مكنكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معيش قليلا ما تشكرون (10) ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين (11) قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين) * (12) * (مكنكم في الأرض) * جعلنا لكم فيها مكانا، أو ملكناكم فيها وأقدرناكم # PageV01P642 # على التصرف فيها * (وجعلنا لكم فيها معيش) * جمع معيشة، وهي ما يعاش به من أنواع الرزق ووجوه النعم والمنافع، أو ما يتوصل به إلى ذلك (1)، والوجه التصريح بالياء (2)، وقرأ بعضهم بالهمزة (3) على التشبيه ب‍ " صحائف "، * (ولقد) * خلقنا أباكم آدم طينا غير مصور * (ثم) * صورناه بعد ذلك * (ثم قلنا للملائكة اسجدوا لادم) *، و " لا " في قوله: * (ألا تسجد) * صلة بدليل قوله: * (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) * (4)، والفائدة في زيادتها توكيد معنى الفعل الذي تدخل عليه وتحقيقه (5)، كأنه قيل: ما منعك أن تحقق السجود وتلزمه نفسك * (إذ أمرتك) *، لأن أمري لك بالسجود قد أوجبته عليك لابد لك منه، قال: * (أنا خير منه خلقتني من نار) * وعن ابن عباس: قاس إبليس فأخطأ القياس، وهو أول من قاس (6). # وإنما دخلت الشبهة عليه من حيث ظن أن ms0368 النار أشرف من الطين ومن حق الأشرف أن لا يؤمر بالسجود للأدون، فكأنه قال: من كان على مثل صفتي يستبعد # PageV01P643 # أن يؤمر بما أمرت به. # * (قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين (13) قال أنظرني إلى يوم يبعثون (14) قال إنك من المنظرين (15) قال فبما أغويتني لاقعدن لهم صراطك المستقيم (16) ثم لاتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمنهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين (17) قال اخرج منها مذؤوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين) * (18) سورة الأعراف / 16 - 18 * (فاهبط منها) * أي: من الجنة (1)، أو من السماء (2)، أو من الدرجة أو المنزلة التي أنت عليها (3) * (فما يكون لك أن تتكبر) * عن أمر الله * (فيها فاخرج إنك من الصاغرين) * أي: من أهل الصغار والهوان على الله وعلى أوليائه لتكبرك، وذلك أنه لما أظهر الاستكبار ألبس لباس الصغار. # وفي الحديث: " من تكبر وضعه الله، ومن تواضع رفعه الله " (4). # * (قال أنظرني) * أي: أمهلني وأخرني في الأجل * (إلى يوم يبعثون) * أي: # يبعث الخلق من قبورهم * (قال فبما أغويتني) * أي: بسبب إغوائك إياي وهو تكليفه إياه ما وقع به في الغي ولم يثبت كما ثبتت (5) الملائكة، وعن بعضهم: # PageV01P644 # أمرتني بالسجود فحملتني الانفة على معصيتك (1)، فبسبب وقوعي في الغي لأجتهدن في إغوائهم حتى يفسدوا بسببي كما فسدت بسببهم، والباء يتعلق بفعل القسم المحذوف (2) أي: فبسبب إغوائك إياي أقسم * (لاقعدن لهم صراطك المستقيم) * أي: لأعترضن لهم على طريق الإسلام كما يعترض العدو على الطريق ليقطعه على المارة، وانتصب * (صراطك) * على الظرف * (ثم لاتينهم) * من الجهات الأربع التي يأتي منها العدو في الغالب، وهذا مثل لوسوسته إليهم على كل وجه يقدر عليه، وعن الباقر (عليه السلام): * (من بين أيديهم) * أهون عليهم أمر الآخرة * (ومن خلفهم) * آمرهم بجمع الأموال ومنعها عن الحقوق لتبقى لورثتهم * (وعن أيمنهم) * أفسد عليهم أمر دينهم بتزيين الضلالة وتحسين الشبهة * (وعن شمائلهم) * بتحبيب اللذات إليهم وتغليب الشهوات على قلوبهم (3) * (ولا تجد أكثرهم شاكرين) * قاله تظنيا بدليل قوله: * (ولقد صدق ms0369 عليهم إبليس ظنه) * (4) (5)، وقيل: سمعه من الملائكة بإخبار الله لهم (6) * (قال اخرج منها مذؤوما) * من ذأمه: إذا ذمه * (مدحورا) * مطرودا * (لمن تبعك منهم) * اللام فيه موطئة للقسم، و * (لأملأن) * جواب القسم وقد سد مسد جواب الشرط (7) * (منكم) * أي: منك ومنهم فغلب # PageV01P645 # ضمير المخاطب كما في قوله: * (إنكم قوم تجهلون) * (1). # * (ويا آدم أسكن أنت وزوجك الجنة فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين (19) فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءا تهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخلدين (20) وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين (21) فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءا تهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين) * (22) سورة الأعراف / 21 و 22 أي: * (و) * قلنا: * (يا آدم) *، * (فوسوس لهما الشيطان) * أي: تكلم كلاما خفيا يكرره ومنه " وسوس الحلي "، وهو فعل غير متعد، ورجل موسوس بكسر الواو ولا يقال: موسوس بالفتح ولكن موسوس له أو إليه، ومعنى " وسوس له " فعل الوسوسة لأجله، و " وسوس إليه " ألقاها إليه * (ليبدي لهما) * جعل ذلك غرضا له ليسوءهما إذا رأيا ما يؤثران ستره مكشوفا، وفيه دليل على أن كشف العورة لم يزل مستقبحا في العقول، والمواراة: جعل الشئ وراء ما يستره، ولم يهمز الواو المضمومة في " ووري " كما همز واو " أو يصل " لأن الواو الثانية مدة (2) * (إلا أن تكونا) * إلا كراهة أن تكونا * (ملكين) * أوهمهما أنهما إذا أكلا من هذه الشجرة تغيرت صورتهما إلى صورة الملك (3) * (أو تكونا من الخلدين) * من الذين لا # PageV01P646 # يموتون ويبقون في الجنة * (وقاسمهما) * وأقسم لهما: * (إني لكما لمن الناصحين) * أي: المخلصين النصيحة في دعائكما إلى التناول من هذه الشجرة، ولذلك تأكدت شبهتهما إذ ظنا أن أحدا لا يقسم بالله كاذبا * (فدلاهما بغرور) * من تدلية الدلو وهو إرسالها في البئر، أي: نزلهما إلى الأكل من الشجرة بما غرهما به من القسم بالله ms0370 عز وجل، وعن قتادة: وإنما يخدع المؤمن بالله (1)، وعن ابن عمر: # أنه كان إذا رأى من عبده حسن صلاة أعتقه، فقيل له: إنهم يخدعونك، فقال: من خدعنا بالله انخدعنا له (2) * (فلما ذاقا الشجرة) * وجدا طعمها آخذين في الأكل منها * (بدت لهما سوءا تهما) * ظهرت لهما عوراتهما * (وطفقا) * يقال: طفق يفعل كذا بمعنى جعل يفعل * (يخصفان) * ورقة فوق ورقة على عوراتهما (3) كما يخصف النعل * (من ورق الجنة) * قيل: كان ورق التين (4) * (ألم أنهكما) * عتاب من الله وتنبيه على الخطأ حيث لم يحذرا ما حذرهما الله من عداوة إبليس ومكره. # * (قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين (23) قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض # PageV01P647 # مستقر ومتع إلى حين (24) قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون) * (25) سميا خطأهما ظلما لأنفسهما وقالا: * (لنكونن من الخاسرين) * وإن كان ذلك تركا للمندوب عندنا، لأن الأنبياء معصومون منزهون عن ارتكاب القبائح على عادة أولياء الله في استعظام الصغير من الزلات واستصغار العظيم من الحسنات (1) * (اهبطوا) * الخطاب لآدم وحواء وإبليس (2)، و * (بعضكم لبعض عدو) * في محل النصب على الحال، أي: متعادين (3) يعاديهما إبليس ويعاديانه * (ولكم في الأرض مستقر) * أي: موضع استقرار، أو استقرار (4) * (ومتع إلى حين) * وانتفاع بعيش إلى انقضاء آجالكم * (قال) * الله سبحانه * (فيها) * في الأرض * (تحيون) * تعيشون * (وفيها تموتون ومنها تخرجون) * عند البعث. # * (يا بني ادم قد أنزلنا عليكم لباسا يوارى سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون (26) يا بني ادم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يريكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشيطين أولياء للذين لا يؤمنون) * (27) سورة الأعراف / 26 و 27 جعل ما في الأرض منزلا من السماء لأنه ثم قضي وكتب، ومنه (5): * (وأنزل # PageV01P648 # لكم من الانعام ثمانية أزواج) * (1)، والريش: لباس الزينة استعير من ريش الطير لأنه لباسه وزينته، والمعنى: * (أنزلنا عليكم) * لباسين: * (لباسا يوارى) * عوراتكم، ولباسا يزينكم * (ولباس التقوى) * وهو الورع ms0371 والخشية من الله، وهو مبتدأ وخبره الجملة التي هي * (ذلك خير) * (2)، كأنه قيل: هو خير، لأن أسماء الإشارة تقرب من الضمائر فيما يرجع إلى عود الذكر، وقيل: لباس التقوى خبر مبتدأ محذوف أي: وهو لباس التقوى، ثم قيل: * (ذلك خير) * (3)، وقيل: المراد بلباس التقوى ما يلبس من الدروع والمغافر وغيرهما مما يتقى به في الحرب (4)، وقرئ: # " ولباس التقوى " بالنصب (5) عطفا على * (لباسا) * و * (ريشا) *، * (ذلك من آيات الله) * الدالة على فضله ورحمته على عباده، يعني: إنزال اللباس عليهم * (لعلهم يذكرون) * فيعرفوا عظيم النعمة فيه، وهذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقيب ذكر بدو السوآت إظهارا لنعمته فيما خلق من اللباس * (لا يفتننكم الشيطان) * أي: # لا يضلنكم عن الدين ولا يصرفنكم عن الحق بأن يدعوكم إلى المعاصي التي تميل إليها نفوسكم، ولا يمحننكم بأن لا تدخلوا الجنة كما محن أبويكم بأن أخرجهما منها * (ينزع عنهما لباسهما) * في موضع نصب على الحال، أي: أخرجهما نازعا # PageV01P649 # لباسهما عنهما بأن كان السبب في نزع لباسهما عنهما * (إنه يريكم هو) * تعليل للنهي والتحذير من فتنة الشيطان بأنه بمنزلة العدو المداجي (1) الذي يكيدكم من حيث لا تشعرون * (وقبيله) * وجنوده من الشياطين * (من حيث لا ترونهم) * عن ابن عباس: إن الله تعالى جعلهم يجرون من بني آدم مجرى الدم، وصدور بني آدم مساكن لهم (2)، وعن قتادة: والله إن عدوا يراك ولا تراه لشديد المؤونة إلا من عصمه الله (3) * (إنا جعلنا الشيطين أولياء للذين لا يؤمنون) * أي: خلينا بينهم وبينهم، لم نكفهم عنهم حتى تولوهم وأطاعوهم فيما سولوا لهم من مخالفة الله. # * (وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون (28) قل أمر ربى بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون (29) فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضللة إنهم اتخذوا الشيطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون) * (30) سورة الأعراف / 29 - 31 أي: * (وإذا فعلوا) * معصية كبيرة اعتذروا بأن آباءهم ms0372 كانوا يفعلونها، وبأن الله أمرهم بأن يفعلوها، وكلاهما عذر باطل، لأن أحدهما تقليد والآخر كذب وافتراء على الله * (قل إن الله لا يأمر بالفحشاء) * لأنه لا يفعل القبيح فكيف يأمر بفعله * (أتقولون على الله ما لا تعلمون) * إنكار لإضافتهم القبيح إليه وشهادة عليهم بالجهل * (قل أمر ربى بالقسط) * أي: بالعدل (4) وبما يشهد العقل أنه مستقيم حق # PageV01P650 # حسن، وقيل بالتوحيد (1)، * (وأقيموا وجوهكم) * أي وقل: أقيموا وجوهكم، أي: # اقصدوا عبادته مستقيمين إليها غير عادلين إلى غيرها * (عند كل مسجد) * في كل وقت سجود (2)، أو في كل مكان سجود وهو الصلاة (3) * (وادعوه) * واعبدوه * (مخلصين له الدين) * أي: الطاعة مبتغين بها وجهه خالصا * (كما بدأكم تعودون) * كما أنشأكم ابتداء يعيدكم فيجازيكم على أعمالكم فأخلصوا له العبادة * (فريقا هدى) * وهم المؤمنون وفقهم للإيمان * (وفريقا حق عليهم الضللة) * أي: الخذلان إذ لم يقبلوا الهدى ولم يكن لهم لطف فهم يضلون ولا يهتدون، وانتصب قوله: # * (وفريقا) * بفعل مضمر يفسره ما بعده، والتقدير: وخذل فريقا (4) * (حق عليهم الضللة إنهم) * إن الفريق الذين حق عليهم الضلالة * (اتخذوا الشيطين أولياء) * أطاعوهم فيما أمروهم به. # * (يا بني ادم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين (31) قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيمة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون (32) قل إنما حرم ربى ألفوا حش ما ظهر منها وما بطن والاثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطنا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) * (33) أي: * (خذوا) * ثيابكم التي تتزينون بها * (عند كل) * صلاة. # PageV01P651 # سورة الأعراف / 33 - 36 وروي: أن الحسن بن علي (عليهما السلام) كان إذا قام إلى الصلاة لبس أجود ثيابه، فقيل له في ذلك، فقال: إن الله جميل يحب الجمال فأتجمل لربي، وقرأ الآية (1). # وقيل: هو أمر بلبس الثياب في الصلاة والطواف، وكانوا يطوفون عراة وقالوا: # لا نعبد الله في ثياب أذنبنا فيها (2)، وقيل: أخذ الزينة ms0373 هو التمشط عند كل صلاة (3) * (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا) * عن ابن عباس: كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة (4) (5)، * (قل من حرم زينة الله) * أي: من حرم الثياب التي يتزين بها الناس وكل ما يتجمل به مما أخرجه الله من الأرض * (لعباده والطيبات من الرزق) * المستلذات من المآكل والمشارب، ومعنى الاستفهام إنكار تحريم هذه الأشياء * (قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا) * غير خالصة لهم لأن المشركين يشركونهم فيها * (خالصة يوم القيمة) * لهم لا يشركهم فيها أحد، ولم يقل: هي للذين آمنوا ولغيرهم في الحياة الدنيا، لينبه على أنها خلقت للذين آمنوا وأن الكافرين تبع لهم، وقرئ: * (خالصة) * بالنصب على الحال وبالرفع (6) على أنها خبر بعد خبر * (إنما حرم ربى ألفوا حش) * أي: لم يحرم ربي # PageV01P652 # إلا الفواحش، والفاحشة: ما تزايد قبحه * (ما ظهر منها وما بطن) * ما علن منها وما خفي * (والاثم) * عام في كل ذنب، وقيل: شرب الخمر (1) * (والبغي) * الظلم والكبر * (بغير الحق) * تأكيد * (وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطنا) * فيه تهكم، لأنه لا يجوز أن ينزل سلطانا وبرهانا بأن يشرك به غيره * (وأن تقولوا) * أي: # تتقولوا على الله وتفتروا الكذب من التحريم وغيره. # * (ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (34) يا بني ادم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون (35) والذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها أولئك أصحب النار هم فيها خلدون (36) فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كفرين) * (37) * (ولكل أمة أجل) * وعيد لكفار قريش بالعذاب النازل في أجل معلوم عند الله كما نزل بالأمم قبلهم * (يا بني ادم) * خطاب لجميع المكلفين من بني آدم * (إما يأتينكم) * إن يأتكم * (رسل) * من جنسكم، وإنما ضمت " ما " إلى " إن " الشرطية توكيدا لمعنى ms0374 الشرط، ولذلك لزمت فعلها النون الثقيلة أو الخفيفة، وجزاء الشرط الفاء وما بعده من الشرط والجزاء (2)، والمعنى: * (فمن اتقى) * منكم، * (والذين # PageV01P653 # كذبوا) * منكم * (فمن أظلم) * أي: فمن أشنع ظلما * (ممن) * قال * (على الله) * ما لم يقله * (أو كذب) * ما قاله * (أولئك ينالهم نصيبهم من الكتاب) * أي: مما كتب لهم من الأعمار (1) والأرزاق * (حتى إذا جاءتهم رسلنا) *: * (حتى) * غاية لنيلهم نصيبهم واستيفائهم إياه، أي: إلى وقت وفاتهم وهي التي يبتدأ بعدها الكلام، والمستأنف هنا الجملة الشرطية، و * (يتوفونهم) * حال من الرسل، والمراد بالرسل هنا: ملك الموت وأعوانه * (قالوا) * أي: الرسل * (أين) * الآلهة اللاتي كنتم تدعونها * (قالوا ضلوا عنا) * أي: غابوا عنا فلا نراهم ولا ننتفع بهم، اعترافا منهم بأنهم لم يكونوا على شئ فيما كانوا عليه. # * (قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخريهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فاتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون (38) وقالت أوليهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون) * (39) سورة الأعراف / 38 - 40 أي: يقول الله جل جلاله للكفار يوم القيامة: * (ادخلوا في أمم) * أي: كائنين في جملة * (أمم) * وفي غمارهم (2) مصاحبين لهم، والمعنى: ادخلوا في النار مع أمم * (قد خلت من قبلكم) * وتقدم زمانهم زمانكم * (كلما دخلت أمة) * من هذه الأمم النار * (لعنت أختها) * التي ضلت بالاقتداء بها * (حتى إذا اداركوا) * أي: # تداركوا * (فيها) * بمعنى: تلاحقوا واجتمعوا في النار * (قالت أخراهم) * منزلة وهي # PageV01P654 # الأتباع والسفلة * (لأولاهم) * منزلة وهي القادة والرؤساء، ومعنى * (لأولاهم) * لأجل أولاهم، لأن خطابهم مع الله لا معهم * (ربنا هؤلاء أضلونا) * أي: دعونا إلى الضلال وحملونا عليه * (فاتهم عذابا ضعفا) * أي: مضاعفا * (قال لكل ضعف) * أي: لكل من رؤساء الضلالة وأتباعهم عذاب مضاعف، لأن جميعهم كانوا ضالين مضلين * (ولكن لا تعلمون) * قرئ بالتاء والياء (1) * (وقالت أوليهم لأخراهم) * أي: وقال الرؤساء للأتباع: * (فما كان لكم علينا من فضل) ms0375 * عطفوا هذا الكلام على قول الله سبحانه للأتباع: * (لكل ضعف) * أي: فقد ثبت أن لافضل * (لكم علينا) * فإنا قد استوينا في استحقاق الضعف * (فذوقوا العذاب) * من قول الرؤساء أو من قول الله لكلا الفريقين جميعا * (بما كنتم تكسبون‍) * - ه باختياركم لا باختيارنا لكم. # * (إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبوا ب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزى المجرمين (40) لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزى الظالمين (41) والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحب الجنة هم فيها خلدون (42) ونزعنا ما في صدورهم من غل تجرى من تحتهم الأنهر وقالوا الحمد لله الذي هدينا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدينا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون) * (43) * (لا تفتح لهم أبوا ب السماء) * أي: لا يصعد لهم عمل صالح، ونحوه * (إليه # PageV01P655 # يصعد الكلم الطيب) * (1)، وقيل: لا تصعد أرواحهم إذا ماتوا كما تصعد أرواح المؤمنين (2)، وقيل: لا تنزل عليهم البركة ولا يغاثون (3) كما قال: * (ففتحنا أبوا ب السماء) * (4)، وقرئ: * (لا تفتح) * بالتشديد والتخفيف والتاء والياء (5)، [* (ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) *] (6) أي: لا يدخلون الجنة حتى يكون مالا يكون أبدا من ولوج الجمل الذي لا يلج إلا في باب واسع في ثقب الإبرة، والخياط والمخيط: ما يخاط به وهو الإبرة * (وكذلك) * أي: ومثل ذلك الجزاء الفظيع * (نجزى) * سائر * (المجرمين) * وقد كرره فقال: * (وكذلك نجزى الظالمين) * عن ابن عباس: يريد الذين أشركوا به واتخذوا من دونه إلها (7)، سورة الأعراف / 43 و 44 والمهاد: الفراش، والغواشي: الأغطية * (لا نكلف نفسا إلا وسعها) * جملة معترضة بين المبتدأ والخبر للترغيب في اكتساب ما لا يبلغه وصف الوصاف من النعيم الدائم (8) مع الإجلال والتعظيم بما هو في الوسع وهو الإمكان الواسع غير الضيق من الإيمان والعمل الصالح * (ونزعنا ما في صدورهم) * قلوبهم * (من غل) * على إخوانهم في الدنيا، فسلمت قلوبهم وطهرت من ms0376 الحقد والحسد والشحناء ولم يكن # PageV01P656 # بينهم إلا التعاطف والتراحم والتواد * (الحمد لله الذي هدينا لهذا) * أي: وفقنا لموجب هذا الفوز العظيم والذخر الجسيم * (وما كنا لنهتدي) * اللام لتأكيد النفي، أي: وما كان يصح لنا أن نهتدي * (لولا) * هداية الله وتوفيقه، وقرئ: " ما كنا لنهتدي " بغير واو (1) على أنها جملة موضحة للأولى * (لقد جاءت رسل ربنا بالحق) * من جهة الله تعالى ونبهونا على الاهتداء فاهتدينا باتباع قولهم، يقولون ذلك سرورا واغتباطا بما نالوا وتلذذا بالتكلم به لا تعبدا * (ونودوا أن تلكم الجنة) *: * (أن) * مخففة من الثقيلة، تقديره: * (ونودوا) * بأنه تلكم الجنة، والضمير ضمير الشأن، ويجوز أن يكون بمعنى " أي " لأن المناداة من القول كأنه قيل: # وقيل لهم: أي تلكم الجنة (2) * (أورثتموها) * بسبب أعمالكم. # * (ونادى أصحب الجنة أصحب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين (44) الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كفرون) * (45) * (أن) * في قوله: * (أن قد وجدنا) * يحتمل أن تكون مخففة من الثقيلة وأن تكون مفسرة كالتي ذكرت قبل (3)، وكذلك * (أن لعنة الله على الظالمين) *، وإنما قالوا لهم ذلك ابتهاجا واغتباطا بحالهم وشماتة بأصحاب النار، ولتكون هذه الحكاية لطفا لمن سمعها، وكذلك قول المؤذن بينهم: * (أن لعنة الله على # PageV01P657 # الظالمين) *، وقيل: هو مالك خازن النار يأمره الله تعالى بذلك فينادي نداء يسمع أهل الجنة وأهل النار (1). # وروي عن علي (عليه السلام) أنه قال: " أنا ذلك المؤذن " (2). # وقرئ: " أن " بالتشديد " لعنة الله " بالنصب (3)، وقرئ: " نعم " بكسر العين كل القرآن (4)، ولم يقل: " وعدكم ربكم " كما قيل: * (وعدنا) * وأطلق ليتناول كل ما وعد الله من البعث والحساب والثواب والعقاب، لأنهم كانوا مكذبين بذلك أجمع * (يصدون) * أي: يعرضون عن دين الله وشريعته أو يصرفون غيرهم عنها * (ويبغونها عوجا) * أي: يطلبون لها الاعوجاج بالشبه التي يتوهمون أنها قادحة فيها * (وهم ب‍) * الدار * (الآخرة) * وهي القيامة جاحدون. # * (وبينهما حجاب وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحب ms0377 الجنة أن سلم عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون (46) وإذا صرفت أبصرهم تلقاء أصحب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين) * (47) سورة الأعراف / 46 و 47 " وبين " الجنة والنار أو بين أهليهما * (حجاب) * أي: ستر، ونحوه: * (فضرب # PageV01P658 # بينهم بسور) * (1)، * (وعلى الأعراف) * أي: وعلى أعراف الحجاب وهو السور المضروب بين الجنة والنار وهي أعاليه، جمع عرف مستعار من عرف الفرس (2) والديك * (رجال) * الصادق (عليه السلام): الأعراف: كثبان (3) بين الجنة والنار يوقف عليها كل نبي وكل خليفة نبي مع المذنبين من أهل زمانه كما يقف صاحب الجيش مع الضعفاء من جنده وقد سيق (4) المحسنون إلى الجنة، فيقول ذلك الخليفة للمذنبين الواقفين معه: انظروا إلى إخوانكم المحسنين قد سيقوا (5) إلى الجنة، فيسلم عليهم المذنبون، وذلك قوله: * (سلم عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون) * أن يدخلهم الله إياها بشفاعة النبي والإمام، وينظر هؤلاء المذنبون إلى أهل النار فيقولون: * (ربنا لا تجعلنا) * إلى آخره (6)، وقيل: إنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم فجعلوا هنالك حتى يقضي الله فيهم ما شاء ويدخلهم الجنة (7) * (يعرفون كلا) * من زمر السعداء والأشقياء * (بسيماهم) * بعلامتهم التي أعلمهم الله بها * (وإذا صرفت أبصرهم تلقاء أصحب النار) * ورأوا ما هم فيه من العذاب استعاذوا بالله و * (قالوا ربنا لا تجعلنا) * معهم (8)، وفي هذا أن صارفا يصرف أبصارهم لينظروا فيستعيذوا (9)، الصادق (عليه السلام): وإذا قلبت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا: عائذا # PageV01P659 # بك أن تجعلنا مع القوم الظالمين (1)، وكذلك هو في مصحف عبد الله بن مسعود (2). # * (ونادى أصحب الأعراف رجالا يعرفونهم بسيماهم قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون (48) أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة ادخلوا الجنة لاخوف عليكم ولا أنتم تحزنون) * (49) الصادق (عليه السلام): وينادي أصحاب الأعراف وهم الأنبياء والخلفاء * (رجالا) * من أهل النار ورؤساء الكفار يقولون لهم مقرعين: * (ما أغنى عنكم جمعكم) * واستكباركم * (أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة) * إشارة لهم إلى أهل الجنة الذين كان الرؤساء يستضعفونهم ويحتقرونهم لفقرهم، ويستطيلون عليهم بدنياهم، ويقسمون أن الله لا يدخلهم الجنة * (ادخلوا الجنة) * يقول ms0378 أصحاب الأعراف لهؤلاء المستضعفين عن أمر من الله عز وجل لهم بذلك: * (ادخلوا الجنة لاخوف عليكم ولا أنتم تحزنون) * أي: لا خائفين ولا محزونين (3). # وروى الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: " نحن نوقف يوم القيامة بين الجنة والنار، فمن نصرنا عرفناه بسيماه فأدخلناه الجنة، ومن أبغضنا عرفناه بسيماه فأدخلناه النار " (4). # سورة الأعراف / 50 - 52 * (ونادى أصحب النار أصحب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين (50) الذين # PageV01P660 # اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون) * (51) * (أفيضوا علينا) * فيه دليل على أن الجنة فوق النار (1) * (أو مما رزقكم الله) * من الأطعمة والفواكه (2) * (قالوا إن الله حرمهما) * حرم شراب الجنة وطعامها * (على الكافرين الذين اتخذوا دينهم) * الذي كان يلزمهم التدين به * (لهوا ولعبا) * فحرموا ما شاءوا واستحلوا ما شاءوا * (فاليوم ننساهم) * أي: نعاملهم معاملة المنسي في النار فلا نجيب لهم دعوة ولا نرحم لهم عبرة * (كما نسوا لقاء يومهم هذا) * فلم يخطروه ببالهم ولم يهتموا به، و * (ما) * في الموضعين مصدرية، والتقدير: كنسيانهم وكونهم جاحدين * (بآياتنا) *. # * (ولقد جئنهم بكتب فصلنه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون (52) هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون) * (53) * (بكتب) * يعني: القرآن * (على علم) * أي: عالمين، كيف نفصل أحكامه ومواعظه وجميع معانيه حتى جاء قيما غير ذي عوج، و * (هدى ورحمة) * حال من الهاء في * (فصلنه) * كما أن * (على علم) * حال من " نا " في * (فصلنه) * (3)، # PageV01P661 # * (إلا تأويله) * إلا عاقبة أمره، وما يؤول إليه من تبين صدقه وظهور صحة ما نطق به من الوعد والوعيد * (يوم يأتي) * عاقبة ما وعدوا به * (يقول الذين نسوه) * أي تركوا العمل به ترك الناسي له * (قد جاءت رسل ربنا بالحق) * اعترفوا ms0379 بأنهم جاءوا بالحق * (فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا) * في إزالة العقاب (1) * (أو نرد) * أو هل نرد إلى الدنيا * (فنعمل غير الذي كنا) * نعمله، وارتفع * (نرد) * لوقوعه موقعا يصلح للاسم كما تقول ابتداء: هل يضرب زيد. # * (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشى اليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرا ت بأمره ألا له الخلق والامر تبارك الله رب العلمين (54) ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين (55) ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين) * (56) سورة الأعراف / 54 - 56 * (إن) * سيدكم ومالككم * (الله الذي) * أنشأ * (السماوات والأرض) * وأوجدهما * (في ستة أيام) * في مقدار ستة أيام من أيام الدنيا، لأن إنشاء الشئ بعد الشئ على ترتيب أدل على كون فاعله عليما حكيما يدبره على مقتضى حكمته، أو لأنه أراد تعليم خلقه التثبت والتأني في الأمور * (يغشى اليل النهار) * وقرئ بالتخفيف، أي: يلحق الليل بالنهار والنهار بالليل بأن يأتي أحدهما عقيب الآخر * (يطلبه حثيثا) * بأن يأتي في أثره كما يأتي الشئ في أثر الشئ طالبا له، و * (حثيثا) * حال من الفاعل أو المفعول أو منهما جميعا (2)، ومثله * (تحمله) * في # PageV01P662 # قوله: * (فأتت به قومها تحمله) * (1)، * (والشمس والقمر والنجوم مسخرا ت) * قرئ الجميع بالنصب حملا على * (خلق) * أي: خلقهن جاريات على حسب تدبيره، وقرئ - أيضا - جميعا بالرفع (2) على الابتداء والخبر * (بأمره) * أي: # بمشيئته وتصريفه، وسمي ذلك أمرا على التشبيه كأنهن مأمورات بذلك * (ألا له الخلق والامر) * أي: هو الذي خلق الأشياء وهو الذي صرفها على حسب إرادته * (تضرعا وخفية) * نصب على الحال أي: ذوي تضرع وخفية، وكذا قوله: * (خوفا وطمعا) *، والتضرع من الضراعة وهي الذل أي: تذللا وتملقا، وقرئ: " خفية " بكسر الخاء (3) وهما لغتان (4) * (إنه لا يحب المعتدين) * أي: المجاوزين الحد المرسوم في جميع العبادات والدعوات، وقيل: التضرع: رفع الصوت والخفية: # السر أي: ادعوه علانية وسرا (5)، وقيل: معناهما تخشعا وسرا (6) * (ولا تفسدوا في الأرض) * بالعمل بالمعاصي * (بعد ms0380 إصلحها) * بعد أن أصلحها الله بالكتب والرسل * (إن رحمت الله قريب من المحسنين) * إنما ذكر * (قريب) * على معنى الترحم (7)، # PageV01P663 # أو لأنه صفة موصوف محذوف أي: شئ قريب (1)، أو لأن تأنيث الرحمة غير حقيقي (2)، والمحسن: فاعل الإحسان. # * (وهو الذي يرسل الريح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون (57) والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون) * (58) سورة الأعراف / 57 - 59 قرئ: " نشرا " (3) مصدر " نشر "، لأن " أرسل " و " نشر " متقاربان فكأنه قال: # ينشر الرياح نشرا، ويجوز أن يكون واقعا موقع الحال بمعنى " منتشرات " (4)، و " نشرا " (5) جمع نشور، و " نشرا " بتخفيفه (6) كرسل ورسل، وقرئ: " بشرا " (7) جمع بشيرة و * (بشرا) * بتخفيفه * (بين يدي رحمته) * أمام نعمته وهي الغيث الذي هو من أحسن النعم أثرا وأجلها قدرا * (حتى إذا أقلت) * أي: حملت ورفعت * (سحابا ثقالا) * بالماء جمع سحابة * (سقناه) * الضمير للسحاب على اللفظ * (لبلد # PageV01P664 # ميت) * لأجل بلد ليس فيه حيا (1) ولسقيه * (فأنزلنا به) * بالبلد أو بالسحاب * (الماء فأخرجنا به) * بهذا الماء * (من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى) * أي: # مثل ذلك الإخراج وهو إخراج الثمرات نحيي الأموات بعد موتها * (لعلكم تذكرون) * فيؤديكم التذكر إلى أنه لافرق بين الإخراجين، إذ كل واحد منهما إعادة للشئ بعد إنشائه * (والبلد الطيب) * الأرض العذاة (2) الكريمة التربة * (يخرج نباته) * زرعه خروجا زاكيا ناميا بأمر * (ربه والذي خبث) * وهو السبخة التي لا تنبت ما ينتفع به * (لا يخرج) * نباته * (إلا نكدا) * فحذف المضاف الذي هو النبات وأقيم المضاف إليه مقامه فاستكن في الفعل، أو يكون التقدير: ونبات الذي خبث (3)، والنكد: العسر الممتنع من الخروج * (كذلك) * أي: مثل ذلك التصريف (4) * (نصرف الآيات) * نرددها ونكررها * (لقوم يشكرون) * نعمة الله تعالى. # * (لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يقوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (59) قال الملا من قومه إنا لنريك في ضلل ms0381 مبين (60) قال يقوم ليس بي ضللة ولكني رسول من رب العلمين (61) أبلغكم رسالات ربى وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون (62) أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون (63) فكذبوه فأنجيناه والذين معه في الفلك وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوما عمين) * (64) * (لقد أرسلنا) * جواب قسم محذوف، هو نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ # PageV01P665 # وهو إدريس النبي (عليه السلام)، وقرئ: " غيره " بالجر (1) على اللفظ وبالرفع على محل سورة الأعراف / 63 - 65 * (من إله) *، وقوله: * (مالكم من إله غيره) * بيان لوجه اختصاصه بالعبادة، وقوله: * (إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) * بيان للداعي إلى عبادته بأنه هو الذي يحذر عقابه دون من كانوا يعبدونه من دونه، واليوم العظيم: هو يوم القيامة أو يوم نزول العذاب عليهم (2)، و * (الملا) *: السادة والأشراف * (في ضلل) * أي: # ذهاب عن الحق والصواب، والمراد بالرؤية رؤية القلب الذي هو العلم، وقيل: # رؤية البصر أي: نراك بأبصارنا على هذه الحال (3) * (ليس بي ضللة) * أي: ليس بي شئ من الضلال * (أبلغكم) * بيان لكونه رسول رب العالمين، وهي جملة مستأنفة * (رسالات ربى) * ما أوحي إلي في الأوقات المتطاولة، وفي المعاني المختلفة من الأوامر والنواهي * (وأنصح لكم) * في زيادة اللام دلالة على إمحاض النصيحة للمنصوح له * (وأعلم من الله) * أي: من صفاته وأحواله وشدة بطشه على أعدائه * (ما لا تعلمون) *، * (أوعجبتم) * الهمزة للإنكار والواو للعطف والمعطوف عليه محذوف (4)، كأنه قال: أكذبتم وعجبتم من * (أن جاءكم ذكر) * أي: موعظة * (من ربكم على رجل) * على لسان رجل * (منكم) * مثل قوله: * (ما وعدتنا على رسلك) * (5) وذلك أنهم تعجبوا من نبوة نوح وقالوا: * (ما هذا إلا بشر مثلكم) * (6)، * (لينذركم) * ليحذركم عاقبة الكفر * (ولتتقوا) * ولتوجد منكم التقوى وهي # PageV01P666 # خشية الله بسبب الإنذار * (ولعلكم ترحمون) * ولترحموا بالتقوى إن وجدت منكم * (فأنجيناه والذين معه) * وكانوا أربعين رجلا وأربعين امرأة، وقيل: كانوا عشرة (1): بنوه: سام وحام ويافث وستة ممن آمن به (2)، وتعلق قوله * (في الفلك) * ب‍ * (معه) * كأنه قال: والذين استقروا معه ms0382 في الفلك أو صحبوه فيه، أو ب‍ " أنجيناه " أي: أنجيناهم في السفينة من الطوفان * (قوما عمين) * أي: عمي القلوب غير مستبصرين. # * (وإلى عاد أخاهم هودا قال يقوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره أفلا تتقون (65) قال الملا الذين كفروا من قومه إنا لنريك في سفاهة وإنا لنظنك من الكذبين (66) قال يقوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العلمين (67) أبلغكم رسالات ربى وأنا لكم ناصح أمين (68) أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بصطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون) * (69) * (أخاهم) * في النسب يعني واحدا منهم من قولك: " يا أخا العرب " للواحد منهم، وإنما جعل واحدا منهم ليكونوا به أسكن وبحاله أعرف في صدقه وأمانته، وهو هود بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، وعطف * (أخاهم) * على * (نوحا) * (3)، و * (هودا) * (4) عطف بيان له، وحذف العاطف من قوله: * (قال # PageV01P667 # يقوم) * لأنه على تقدير سؤال سائل سأل فقال: ما قال لهم هود؟ فقيل: * (قال يقوم اعبدوا الله) *، وكذلك قوله: * (قال الملا الذين كفروا) *، والسفاهة: خفة الحلم وسخافة العقل، وصفوه بالسفه حيث هجر دينهم إلى دين الله، وقالوا: * (في سفاهة) * وجعلوا السفاهة ظرفا على طريق المجاز، يريدون أنه متمكن فيها غير خال عنها، وفي إجابة نوح وهود وغيرهما من الأنبياء (عليهم السلام) من نسبوهم إلى الضلالة والسفاهة بالكلام الصادر عن الإغضاء والمجاملة - مع علمهم بأن خصومهم أضل الخلق وأسفههم - أدب حسن، وحكاية الله ذلك تعليم لعباده كيف يخاطبون السفهاء ويدارونهم * (وأنا لكم ناصح) * فيما أدعوكم إليه من توحيد الله وطاعته * (أمين) * ثقة مأمون في تأدية الرسالة فلا أكذب ولا أغير * (إذ جعلكم) * أي: وقت جعلكم * (خلفاء من بعد قوم نوح) * أي: خلفتموهم في الأرض من بعد هلاك قوم نوح بالعصيان * (وزادكم في الخلق بصطة) * فيما خلق من أجرامكم ذهابا في الطول والبدانة، قال الباقر (عليه السلام): " كانوا كالنخل الطوال، وكان الرجل منهم ينحو الجبل بيده فيهد (1) منه قطعة " (2) * (فاذكروا ms0383 آلاء الله) * في استخلافكم وبسطة أجسامكم وما سواهما من نعمه، وواحد الآلاء إلي (3) ونحوه: إني وآناء (4). # سورة الأعراف / 70 - 72 * (قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما # PageV01P668 # تعدنا إن كنت من الصدقين (70) قال قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطن فانتظروا إني معكم من المنتظرين (71) فأنجيناه والذين معه برحمة منا وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا وما كانوا مؤمنين) * (72) أنكروا اختصاصه لله بالعبادة وتركه دين آبائهم في ترك عبادة الأصنام إلفا منهم بما نشأوا عليه * (فأتنا بما تعدنا) * استعجال منهم بالعذاب * (قال قد وقع عليكم) * أي: وجب عليكم أو نزل عليكم، فجعل المتوقع بمنزلة الواقع (1) * (رجس) * أي: عذاب، من الارتجاس وهو الاضطراب * (أتجادلونني في أسماء سميتموها) * أي: في أشياء ما هي إلا أسماء ليس تحتها مسميات، لأنكم سميتموها آلهة ومعنى الإلهية فيها معدوم، ونحوه قوله: * (ما يدعون من دونه من شئ) * (2)، * (فانتظروا) * عذاب الله فإنه نازل بكم * (إني معكم من المنتظرين) * لنزوله بكم * (وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا) * أي: دمرناهم واستأصلناهم عن آخرهم. # * (وإلى ثمود أخاهم صلحا قال يقوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم (73) واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين) * (74) # PageV01P669 # أي: * (و) * أرسلنا * (إلى ثمود) * قرئ بمنع الصرف على تأويل القبيلة (1)، وهو ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح، وصالح من ولد ثمود * (قد جاءتكم بينة) * أي: دلالة معجزة وآية ظاهرة شاهدة على صحة نبوتي * (هذه ناقة الله) * كأنه قيل: ما هذه البينة؟ فقال: * (هذه ناقة الله) * أضافها إلى * (الله) * لأنه خلقها بلا واسطة، وخرجت من صخرة ملساء تمخضت بها تمخض النتوج (2) بولدها، ثم انصدعت عن ناقة عشراء جوفاء وبراء (3) لا ms0384 يعلم ما بين جنبيها إلا الله عظما وهم سورة الأعراف / 74 و 75 ينظرون، ثم نتجت ولدا مثلها في العظم، وكان لها شرب يوم تشرب فيه ماء الوادي كله، وتسقيهم اللبن بدله، ولهم شرب يوم يخصهم لاتقرب فيه ماءهم، و * (آية) * نصب على الحال، والعامل فيها مادلت عليه اسم الإشارة التي هي * (هذه) * من معنى الفعل، كأنه قيل: أشير إليها آية، و * (لكم) * بيان لمن هي له آية موجبة عليه الإيمان خاصة وهم ثمود، لأنهم عاينوها وسمع غيرهم خبرها وليس الخبر كالمعاينة، فكأنه قال: لكم خصوصا * (فذروها تأكل في أرض الله) * أي: الأرض أرض الله والناقة ناقة الله فذروها تأكل في أرض ربها، فليست الأرض لكم ولا ما فيها من النبات من إنباتكم * (ولا تمسوها بسوء) * أي: بعقر أو نحر أو شئ من الأذى إكراما لآية الله * (واذكروا إذ جعلكم خلفاء... في الأرض) * بأن مكنكم فيها * (من بعد عاد وبوأكم) * ونزلكم وجعل لكم فيها مساكن تأوون إليها # PageV01P670 # * (تتخذون من سهولها قصورا) * أي: تبنونها من سهولة الأرض بما تعملون منها من اللبن والآجر * (وتنحتون الجبال بيوتا) * تسكنونها في الشتاء، و * (بيوتا) * نصب على الحال كما يقال: خط هذا الثوب قميصا، وهي من الحال المقدرة (1) لأن الجبل لا يكون بيتا في حال النحت، ولا الثوب قميصا في حال الخياطة (2) * (فاذكروا آلاء الله) * أي: نعمه عليكم بما أعطاكم من القوة والتمكن في الأرض * (ولا تعثوا) * أي: ولا تبالغوا في الفساد. # * (قال الملا الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صلحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون (75) قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كفرون (76) فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ربهم وقالوا يصلح ائتنا بما تعدنا إن كنت من المرسلين (77) فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (78) فتولى عنهم وقال يقوم لقد أبلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين) * (79) قرأ ابن عامر (3) " وقال الملا " بإثبات الواو (4)، و * (الذين استكبروا) * أي: # PageV01P671 # تعظموا وأنفوا (1) من اتباع الرسول الداعي ms0385 إلى الله * (للذين استضعفوا) * للذين استضعفوهم واستذلوهم، و * (لمن آمن منهم) * بدل من * (للذين استضعفوا) *، والضمير في * (منهم) * يعود إلى * (قومه) * (2) أو إلى " الذين استضعفوا " (3)، * (أتعلمون أن صلحا مرسل من ربه) * إنما قالوه على سبيل السخرية * (فعقروا الناقة) * أسند العقر إلى جميعهم لأنه كان برضاهم وإن لم يعقرها إلا بعضهم وهو قدار بن سالف مع أصحابه، وكان أحمر أزرق قصيرا، وكانوا تسعة رهط. # قال النبي (صلى الله عليه وآله): يا علي من أشقى الأولين؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال (عليه السلام): # عاقر الناقة، أتدري من أشقى الآخرين؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: الذي يخضب هذه من هذا، وأشار إلى لحيته ورأسه (4). # سورة الأعراف / 79 - 81 * (وعتوا عن أمر ربهم) * تولوا عنه واستكبروا عن امتثاله عاتين، وأمر ربهم هو ما أمر به على لسان صالح من قوله: * (فذروها تأكل في أرض الله) * (5) أو شأن ربهم وهو دينه (6) * (ائتنا بما تعدنا) * أي: من العذاب، وإنما استعجلوه لتكذيبهم به، ولذلك علقوه بما كانوا به كافرين وهو كونه * (من المرسلين) *، * (فأخذتهم الرجفة) * أي: الصيحة التي زلزلت لها الأرض واضطربوا لها * (فأصبحوا في دارهم) * (7) أي: في بلادهم ومساكنهم * (جاثمين) * أي: ميتين # PageV01P672 # هامدين (1) لا يتحركون، يقال: الناس جثم، أي: قعود لا حراك بهم * (فتولى عنهم) * تولي متحسر على ما فاته من إيمانهم متحزن لهم * (وقال يقوم لقد) * بذلت فيكم وسعي ولم آل جهدا في النصيحة لكم، والظاهر يدل على أنه كان مشاهدا لما جرى عليهم، وأنه تولى عنهم بعد ما أبصرهم موتى صرعى. # * (ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العلمين (80) إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون (81) وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون (82) فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين (83) وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عقبة المجرمين) * (84) أي: * (و) * أرسلنا * (لوطا) * (2)، و * (إذ) * ظرف ل‍ " أرسلنا "، * (أتأتون الفاحشة) * أتفعلون السيئة المتمادية في القبح وهي إتيان الرجال في أدبارهم ms0386 * (ما سبقكم بها) * أي: ما عملها قبلكم أحد، والباء للتعدية ومنه قوله (عليه السلام): " سبقك بها عكاشة " (3)، و * (من) * في * (من أحد) * مزيدة لتوكيد النفي وإفادة معنى الاستغراق، و * (من) * الثانية للتبعيض (4) أ * (إنكم لتأتون الرجال) * من أتى المرأة: # إذا غشيها * (شهوة) * مفعول له أي: للاشتهاء لا حامل لكم عليه إلا مجرد الشهوة من # PageV01P673 # غير داع آخر، ويجوز أن يكون حالا أي: مشتهين تابعين للشهوة (1) * (من دون النساء) * في موضع الحال أيضا، أي: تاركين إتيان النساء اللاتي أباح الله إتيانهن * (بل أنتم قوم مسرفون) * متجاوزون الحد في الفساد حتى تجاوزتم المعتاد إلى غير المعتاد * (وما كان جواب قومه إلا أن قالوا) * يعني: ما أجابوا لوطا عما كلمهم به بما يكون جوابا ولكنهم جاءوا بما لا يتعلق بكلامه ونصيحته من الأمر بإخراجه ومن معه من المؤمنين من قريتهم * (إنهم أناس يتطهرون) * من الفواحش والخبائث * (فأنجيناه) * أي: فخلصنا لوطا * (وأهله) * المختصين به من الهلاك * (إلا امرأته كانت من الغابرين) * الذين غبروا في ديارهم أي: بقوا فيها فهلكوا (2)، أو (3) كانت كافرة موالية لأهل سدوم * (وأمطرنا عليهم مطرا) * أي: أرسلنا عليهم الحجارة إرسال المطر نحو قوله: * (وأمطرنا عليها حجارة من سجيل) * (4)، والمعنى: وأمطرنا عليهم نوعا من المطر عجيبا، ونحوه قوله: * (فسآء مطر المنذرين) * (5). # سورة الأعراف / 85 * (وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يقوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين (85) ولا تقعدوا بكل صرا ط توعدون وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا # PageV01P674 # كيف كان عقبة المفسدين (86) وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحكمين) * (87) * (و) * أرسلنا * (إلى مدين أخاهم شعيبا) * وكان يقال لشعيب: " خطيب الأنبياء " لحسن مراجعته قومه (1)، وكانوا أهل بخس للمكيال والميزان * (قد جاءتكم بينة من ربكم) * أي: معجزة شاهدة بصحة ms0387 نبوتي أوجبت عليكم الإيمان بي (2) * (فأوفوا الكيل والميزان) * أريد بالكيل آلة الكيل وهو المكيال، أو سمي ما يكال به بالكيل كما قيل: العيش لما يعاش به، أو أريد أوفوا الكيل ووزن الميزان، أو يكون الميزان بمعنى المصدر كالميعاد والميلاد (3) * (ولا تبخسوا) * ولا تنقصوا، وإنما قيل: * (أشياءهم) * لأنهم كانوا يبخسون الناس كل شئ في مبايعاتهم * (بعد إصلاحها) * بعد الإصلاح فيها، أي: * (لا تفسدوا) * فيها * (بعد) * ما أصلح فيها الصالحون من الأنبياء وأتباعهم، فيكون هذه الإضافة (4) كما في # PageV01P675 # قوله: * (بل مكر اليل والنهار) * (1) أي: مكركم في الليل والنهار، أو بعد إصلاح أهلها على حذف المضاف (2) * (ذلكم) * إشارة إلى ما ذكر من الوفاء بالكيل والميزان وترك البخس والإفساد في الأرض * (خير لكم) * في الإنسانية وحسن الأحدوثة وما تطلبونه من الربح، لأن الناس إذا عرفوا منكم النصفة والأمانة رغبوا في متاجرتكم * (إن كنتم مؤمنين) * مصدقين لي في قولي * (ولا تقعدوا بكل) * منهج من مناهج الدين مقتدين بالشيطان في قوله: * (لاقعدن لهم صراطك المستقيم) * (3) تتوعدون من آمن بالله * (وتصدون عن سبيل الله) * وكانوا يجلسون على الطرق فيقولون لمن يمر بها: إن شعيبا كذاب فلا يفتننكم عن دينكم، كما كان يفعل قريش بمكة * (وتبغونها عوجا) * أي: وتطلبون لسبيل الله عوجا، والمعنى: تصفونها للناس بأنها سبيل معوجة غير مستقيمة لتصدوهم عن سلوكها والدخول فيها * (واذكروا إذ كنتم قليلا) *: * (إذ) * مفعول به غير ظرف، أي: واذكروا على وجه الشكر وقت كونكم قليلا عددكم، قالوا: إن مدين بن إبراهيم الخليل سورة الأعراف / 88 و 89 تزوج بنت لوط فولدت له فرمى الله في نسلها بالبركة والنماء فكثروا (4)، ويجوز: # إذ كنتم فقراء مقلين فجعلكم أغنياء مكثرين (5) * (وانظروا كيف كان عقبة) * من أفسد قبلكم كقوم نوح وهود وصالح ولوط وكانوا قريبي العهد بهم * (وإن كان) * جماعة * (منكم آمنوا) * وصدقوا * (بالذي أرسلت به) * وقبلوا قولي وجماعة لم يصدقوني * (فاصبروا) * فتربصوا وانتظروا * (حتى يحكم الله) * بين الفريقين بأن ينصر المحق على المبطل، وهذا وعيد للكافرين. # PageV01P676 # * (قال الملا الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا ms0388 شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا قال أولو كنا كارهين (88) قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجينا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شئ علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفتحين) * (89) أي: * (قال) * الذين رفعوا أنفسهم فوق مقدارها من قوم شعيب: ليكونن أحد الأمرين: إما إخراجكم من بلدتنا أو عودكم في الكفر، وقد يكون العود بمعنى الصيرورة (1) كما في قول الشاعر: # تلك المكارم لا قعبان من لبن * شيبا بماء فعادا بعد أبوالا (2) * (قال) * شعيب: * (أولو كنا كارهين) * الواو واو الحال والهمزة للاستفهام (3)، أي: أتعيدوننا في ملتكم وتردوننا إليها في حال كوننا كارهين للدخول فيها؟ يريد أنا مع كراهتنا لذلك لما عرفناه من بطلانه لا نرجع (4)، أو أنكم لا تقدرون على ردنا إلى دينكم على كره منا، فيكون * (كارهين) * على هذا بمعنى: مكرهين * (قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم) * معناه: إن عدنا في ملتكم * (بعد إذ نجينا الله منها) * بأن أقام لنا الدلائل على بطلانها وأوضح الحق لنا فقد افترينا على الله كذبا فيما دعوناكم إليه (5) * (وما يكون لنا) * أي: وما ينبغي لنا وما يصح لنا * (أن # PageV01P677 # نعود فيها إلا أن يشاء الله) * خذلاننا ومنعنا الألطاف بأن يعلم أنها لا تنفع فينا فيكون فعلها بنا عبثا والله عز اسمه متعال عن فعل العبث، ويدل على هذا قوله: # * (وسع ربنا كل شئ علما) * أي: هو عالم لذاته، يعلم كل شئ مما كان ويكون، فهو يعلم أحوال عباده كيف تتحول وقلوبهم كيف تتقلب * (على الله توكلنا) * في أن يثبتنا على الإيمان ويوفقنا لازدياد الإيقان (1)، ويجوز أن يكون قوله: * (إلا أن يشاء الله) * تعليقا لما لا يكون بما علم أنه لا يكون على وجه التبعيد، لأن مشيئة الله لعودهم في الكفر محال خارج عن الحكمة (2) * (ربنا افتح بيننا) * أي: احكم بيننا * (وبين قومنا بالحق) * والفتاحة: الحكومة ms0389 (3)، أو أظهر أمرنا حتى ينفتح ما بيننا وبين قومنا وينكشف بأن تنزل عليهم عذابا يتبين معه أنا على الحق وأنهم على الباطل (4) * (وأنت خير الفتحين) * الحاكمين. # سورة الأعراف / 90 - 95 * (وقال الملا الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون (90) فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (91) الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين (92) فتولى عنهم وقال يقوم لقد أبلغتكم رسالات ربى ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كفرين (93) وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون (94) ثم بدلنا # PageV01P678 # مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون) * (95) أي: * (قال) * أشراف * (الملا الذين كفروا من قومه) * للذين دونهم يثبطونهم عن الإيمان: * (لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون) * لاستبدالكم الضلالة بالهدى، وقيل: تخسرون باتباعه فوائد البخس والتطفيف، لأنه ينهاكم عنهما ويحملكم على الإيفاء والتسوية (1)، واللام في * (لئن اتبعتم) * موطئة للقسم، وجواب القسم * (إنكم إذا لخاسرون) * وقد سد مسد جواب الشرط (2) * (الذين كذبوا شعيبا) * مبتدأ وخبره * (كأن لم يغنوا فيها) * وكذلك * (كانوا هم الخاسرين) *، وفي هذا الابتداء معنى الاختصاص، كأنه قيل: الذين كذبوا شعيبا هم المخصوصون بالهلاك والاستئصال كأن لم يقيموا في دارهم، لأن الذين اتبعوا شعيبا أنجاهم الله * (الذين كذبوا شعيبا) * هم المخصوصون بالخسران العظيم دون أتباعه لأنهم الرابحون، وفي هذا الابتداء والتكرير تسفيه لرأي الملا ورد لمقالتهم ومبالغة في ذلك * (فتولى عنهم) * شعيب لما رأى إقبال العذاب عليهم * (وقال يقوم لقد) * أعذرت إليكم في النصيحة وإبلاغ الرسالة والتحذير مما حل بكم فلم تصدقوني * (فكيف آسى) * أي: فكيف أحزن * (على قوم) * ليسوا بأهل للحزن عليهم لكفرهم واستحقاقهم العذاب النازل بهم، والبأساء: البؤس والفقر، والضراء: الضر والمرض * (لعلهم يضرعون) * أي: ليتضرعوا ويتوبوا ويتذللوا * (ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة) * أي: رفعنا السيئة يعني: ما كانوا فيه من البلاء والمحنة، ووضعنا الحسنة مكانها يعني: الرخاء والسعة والصحة * (حتى عفوا) * أي: كثروا ونموا في أنفسهم # PageV01P679 # وأموالهم ms0390 من قولهم: عفا النبات وعفا الشحم والوبر: إذا كثرت، ومنه قوله (صلى الله عليه وآله): # " واعفوا اللحى " (1) * (وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء) * يريد أبطرتهم النعمة وأشروا فقالوا: هذه عادة الدهر يعاقب في الناس بين الضراء والسراء وقد مس آباءنا نحو ذلك فلم ينتقلوا عما كانوا عليه، فكونوا على ما أنتم عليه كما كان آباؤكم كذلك * (فأخذناهم بغتة) * فجاءة عبرة لمن بعدهم * (وهم لا يشعرون) * أن العذاب نازل بهم إلا بعد حلوله. # * (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون (96) أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بيتا وهم نائمون (97) أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون (98) أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون) * (99) سورة الأعراف / 97 - 99 اللام في * (القرى) * إشارة إلى القرى التي دل عليها قوله: * (وما أرسلنا في قرية من نبي) * (2) فكأنه قال: * (ولو أن أهل) * تلك * (القرى) * الذين كذبوا وأهلكوا * (آمنوا) * بدل كفرهم * (واتقوا) * الشرك والمعاصي * (لفتحنا عليهم بركت) * أي: خيرات نامية * (من السماء والأرض) * بإنزال المطر وإخراج النبات، والمعنى: لآتيناهم بالخير من كل وجه * (ولكن كذبوا فأخذناهم) * بسوء كسبهم، ومعنى " فتح البركات ": تيسيرها عليهم كما ييسر أمر الأبواب المغلقة # PageV01P680 # بفتحها، ومنه قولهم: فتحت على القارئ: إذا تعذرت عليه القراءة فيسرتها عليه بالتلقين * (أفأمن أهل القرى) * المكذبون لنبينا * (أن يأتيهم) * عذابنا * (بيتا) * أي: # بائتين أو وقت بيات، ويجوز أن يكون البيات بمعنى التبييت كالسلام بمعنى التسليم فيكون - أيضا - حالا أو ظرفا (1)، و * (ضحى) * نصب على الظرف وهو في الأصل اسم لضوء الشمس إذا أشرقت وارتفعت، والفاء والواو في * (أفأمن) * و * (أو أمن) * حرفا عطف دخلت عليهما همزة الإنكار، والمعطوف عليه قوله: # * (فأخذناهم بغتة) * (2) وما بينهما اعتراض أي: * (أ) * بعد ذلك * (أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بيتا) * وأمنوا * (أن يأتيهم بأسنا ضحى) * (3)، وقرئ: " أو أمن " بسكون الواو (4) على العطف ب‍ " أو "، * (وهم يلعبون) * أي: يشتغلون بما لا ينفعهم كأنهم يلعبون، وقوله: ms0391 * (أفأمنوا مكر الله) * تكرير لقوله: * (أفأمن أهل القرى) *، و * (مكر الله) * استعارة لأخذه العبد من حيث لا يشعر ولاستدراجه إياه بالصحة والسلامة وظاهر النعمة، وعن الربيع بن خيثم (5) أن ابنته قالت له: مالي أرى # PageV01P681 # الناس ينامون ولا أراك تنام؟ قال: يا بنتاه إن أباك يخاف البيات (1) * (فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون) * فيه تنبيه على ما يجب أن يكون عليه المكلف من الخوف لعقاب الله، فيكون كالمحارب الذي يخاف من أعدائه البيات والغيلة، ليسارع إلى الطاعة واجتناب المعصية، ولا يستشعر الأمن من ذلك فيكون قد خسر دنياه وآخرته بالوقوع في المعاصي. # سورة الأعراف / 101 و 102 * (أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون (100) تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين (101) وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين) * (102) المعنى: * (أولم يهد للذين) * يخلفون من خلا قبلهم في ديارهم ويرثونهم أرضهم هذا الشأن وهو أنا * (لو نشاء أصبناهم بذنوبهم) * كما أصبنا من قبلهم وأهلكناهم كما أهلكنا أولئك، وقد قرئ: " أولم نهد " بالنون (2)، وعلى ذلك فيكون * (أن لو نشاء أصبناهم) * منصوب الموضع، بمعنى: أولم نبين لهم هذا الشأن، ولذلك عدي الهداية باللام لأنه بمعنى التبيين * (ونطبع على قلوبهم) * معطوف على ما دل عليه معنى * (أولم يهد) * فكأنه قيل: يغفلون عن الهداية ونطبع على قلوبهم * (تلك القرى) * مبتدأ وخبر و * (نقص عليك من أنبائها) * حال، ويجوز أن يكون * (القرى) * صفة ل‍ * (تلك) * و * (نقص) * خبرا (3)، أي: تلك القرى المذكورة # PageV01P682 # نقص عليك من أنبائها لتخبر قومك بها فيعتبروا ويحذروا عن الإصرار على مثل حالهم * (فما كانوا ليؤمنوا) * عند مجئ الرسل بالبينات * (بما كذبوا) * به من قبل مجيئهم (1)، أو فما كانوا ليؤمنوا إلى آخر أعمارهم بما كذبوا به أولا حين جاءتهم الرسل، أي: استمروا على التكذيب إلى أن ماتوا مصرين (2)، ومعنى اللام تأكيد النفي وأن ms0392 الإيمان كان منافيا لحالهم * (كذلك) * أي: مثل ذلك الطبع الشديد * (يطبع الله على قلوب الكافرين وما وجدنا لأكثرهم من عهد) * الضمير للناس على الإطلاق، أي: وما وجدنا لأكثر الناس من عهد فإن الأكثر ينقض عهد الله في الإيمان والتقوى * (وإن وجدنا) * وإن الشأن والحديث وجدنا * (أكثرهم لفاسقين) * خارجين عن الطاعة، والآية اعتراض، ويجوز أن يرجع الضمير إلى الأمم (3) المذكورين وأنهم كانوا إذا عاهدوا الله في ضر: لئن أنجيتنا لنؤمنن، ثم لما نجاهم نكثوا، والوجود بمعنى العلم من قولك: وجدت زيدا ذا الحفاظ. # * (ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملأه فظلموا بها فانظر كيف كان عقبة المفسدين (103) وقال موسى يفرعون إني رسول من رب العلمين (104) حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل (105) قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصدقين (106) فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين (107) ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين) * (108) # PageV01P683 # * (فظلموا بها) * معناه: فكفروا * (بآياتنا) *، أجرى الظلم مجرى الكفر (1) كما قال: * (إن الشرك لظلم عظيم) * (2)، أو فظلموا الناس بسببها حين صدوهم عنها وآذوا الذين آمنوا بها (3) * (حقيق على أن لا أقول) * جائز أن يكون ضمن * (حقيق) * معنى " حريص " (4) كما ضمن " هيجني " معنى " ذكرني " في بيت النابغة: # إذا تغنى الحمام الورق هيجني * ولو تعزيت عنها أم عمار (5) ويجوز أن يكون موسى (عليه السلام) أغرق في وصف نفسه بالصدق في ذلك المقام فقال: أنا حقيق على قول الحق (6)، أي: واجب على قول الحق أن أكون أنا قائله، ولا يرضى إلا مثلي ناطقا به، وقرأ نافع: " حقيق علي أن لا أقول " (7) ومعناه: # واجب علي * (فأرسل معي بني إسرائيل) * أي: خلهم حتى يذهبوا معي راجعين إلى الأرض المقدسة التي هي وطنهم، وذلك أن فرعون والقبط كانوا قد استعبدوا بني إسرائيل واستخدموهم في الأعمال الشاقة، فأنقذهم الله بموسى، وكان بين اليوم الذي دخل يوسف مصر واليوم الذي دخله موسى أربعمائة عام * (قال إن كنت جئت) * من عند من ms0393 أرسلك * (بآية فأت بها) * لتصح دعواك ويثبت صدقك سورة الأعراف / 108 و 109 * (فألقى) * موسى * (عصاه فإذا هي ثعبان مبين) * ظاهر أمره لا يشك في أنه ثعبان، # PageV01P684 # وروي: أنه كان ثعبانا ذكرا أشعر (1) فاغرا فاه (2) بين لحييه كذا ذراعا، وضع لحيه الأسفل في الأرض ولحيه الأعلى على سور القصر، فوثب فرعون من سريره وهرب وأحدث (3) وصاح: يا موسى خذه وأنا أو من بك وأرسل معك بني إسرائيل فأخذه موسى فعاد عصا (4) * (ونزع يده فإذا هي بيضاء) * بياضا نورانيا غلب شعاعها شعاع الشمس، وكان موسى (عليه السلام) آدم فيما يروى (5) * (للناظرين) * أي: # للنظارة هناك. # * (قال الملا من قوم فرعون إن هذا لسحر عليم (109) يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون (110) قالوا أرجه وأخاه وأرسل في المدائن حشرين (111) يأتوك بكل سحر عليم (112) وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لاجرا إن كنا نحن الغالبين (113) قال نعم وإنكم لمن المقربين (114) قالوا يا موسى إما أن تلقى وإما أن نكون نحن الملقين (115) قال ألقوا فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤا بسحر عظيم) * (116) في سورة الشعراء * (قال للملا حوله) * (6) وهنا * (قال الملا) * ويمكن أن يكون قاله هو وقالوه هم فحكي قوله هنالك وقولهم هنا، أو قالوه عنه للناس على طريق التبليغ كما يفعله الملوك يبلغ خواصهم ما يرونه من الرأي إلى العامة، ويدل # PageV01P685 # عليه أنهم أجابوه في قولهم: * (أرجه وأخاه) *، وقوله: * (فماذا تأمرون) * من آمرته فأمرني بكذا: إذا شاورته فأشار عليك برأي * (قالوا أرجه) * أي: أخره * (وأخاه) * وأصدرهما عنك حتى ترى رأيك فيهما وتدبر أمرهما، وقرئ: " أرجئه " بالهمزة (1)، وأرجأه وأرجاه لغتان (2) * (قالوا إن لنا لاجرا) * أي: جعلا على الغلبة، وقرئ: * (إن لنا لاجرا) * على الإخبار (3) وإثبات الأجر العظيم وإيجابه كأنهم قالوا: لابد لنا من أجر، والتنكير للتعظيم، قالت العرب: إن له لإبلا، يقصدون الكثرة، وقوله: * (وإنكم لمن المقربين) * معطوف على محذوف سد مسده حرف الإيجاب، أي: نعم إن لكم لأجرا وإنكم لمن المقربين، يعني لا اقتصر بكم على الأجر وحده وإن لكم مع الأجر ما ms0394 يقل عنده الأجر وهو التبجيل والتقريب، وروي أنه قال لهم: تكونون أول من يدخل وآخر من يخرج (4). # سورة الأعراف / 116 و 117 وتخيير السحرة موسى (عليه السلام) مراعاة منهم لأدب حسن معه كما يفعل أهل الصناعات إذا التقوا، وقولهم: * (وإما أن نكون نحن الملقين) * فيه ما يدل على # PageV01P686 # رغبتهم في أن يلقوا قبله، وهو تأكيد الضمير المستكن بالمنفصل وتعريف الخبر، وقد سوغ لهم موسى ما رغبوا فيه قلة مبالاة بهم وثقة بما كان بصدده من المعجز الإلهي والتأييد السماوي * (فلما ألقوا سحروا أعين الناس) * بما أروهم من الحيل والشعوذة (1)، فقد روي أنهم ألقوا حبالا غلاظا وخشبا طوالا فإذا هي أمثال الحيات قد ملأت الأرض وركب بعضها بعضا (2) * (واسترهبوهم) * وأرهبوهم إرهابا شديدا كأنهم استدعوا رهبتهم * (وجاؤا بسحر عظيم) * أي: عظيم في باب السحر، وذلك أنهم جعلوا في حبالهم وخشبهم ما يوهم الحركة وخيل إلى الناس أنها تسعى. # * (وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون (117) فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون (118) فغلبوا هنالك وانقلبوا صاغرين (119) وألقى السحرة ساجدين (120) قالوا آمنا برب العلمين (121) رب موسى وهارون (122) قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون (123) لاقطعن أيديكم وأرجلكم من خلف ثم لأصلبنكم أجمعين (124) قالوا إنا إلى ربنا منقلبون (125) وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين) * (126) معناه: فألقاها فصارت حية عظيمة * (فإذا هي تلقف ما يأفكون) *: * (ما) * مصدرية أو موصولة (3)، أي: تلقف إفكهم تسمية للمأفوك بالإفك، أو ما يأفكونه # PageV01P687 # أي: يقلبونه عن الحق إلى الباطل ويزورونه. روي أنها لما تلقفت ملء الوادي من سورة الأعراف / 126 و 127 الخشب والحبال ورفعها موسى فعادت عصا كما كانت (1)، وأعدم الله بقدرته تلك الأجرام العظيمة أو فرقها أجزاء لطيفة، وكلا الأمرين يعلم كل عاقل أنه لا يدخل تحت مقدور البشر * (فوقع الحق) * فحصل وثبت * (وانقلبوا صاغرين) * أي: # صاروا أذلاء مبهوتين * (وألقى السحرة) * أي: وخروا ms0395 سجدا كأنما ألقاهم ملق لشدة خرورهم، وقيل: إنهم لم يتمالكوا مما رأوا فكأنهم ألقوا (2) * (قال فرعون آمنتم به) * على الإخبار، أي: فعلتم هذا الفعل، وقرئ: " آمنتم " بحرف الاستفهام (3) ومعناه الإنكار * (قبل أن آذن لكم) * قبل أن آمركم بالإيمان به وآذن لكم فيه * (إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة) * إن صنعكم هذا لحيلة احتلتموها أنتم وموسى في مصر قبل أن تخرجوا منها إلى هذه الصحراء، وتواطأتم على ذلك لغرض لكم وهو أن تخرجوا منها القبط وتسكنوها بني إسرائيل، وكان ذلك الكلام من فرعون تمويها على الناس لئلا يتبعوا السحرة في الإيمان * (فسوف تعلمون) * وعيد مجمل وقد فصل الإجمال بقوله: * (لاقطعن أيديكم وأرجلكم من خلف) * أي: من كل شق طرفا، وعن الحسن: هو أن يقطع اليد اليمنى مع الرجل اليسرى (4)، وقيل: إن أول من قطع من خلاف وصلب: فرعون (5) * (إنا إلى ربنا منقلبون) * أي: لا نبالي بالموت لانقلابنا إلى لقاء ربنا ورحمته، أو إنا جميعا ننقلب # PageV01P688 # إلى الله فيحكم بيننا (1) * (وما تنقم منا إلا أن آمنا) * أي: وما تعيب منا إلا الإيمان * (بآيات) * الله وهو أصل كل منقبة (2) وخير، ومثله قول الشاعر: # ولاعيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب (3) * (ربنا أفرغ علينا صبرا) * أفض علينا صبرا واسعا كثيرا حتى يغمرنا كما يفرغ الماء إفراغا * (وتوفنا مسلمين) * ثابتين على الإسلام. # * (وقال الملا من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبنائهم ونستحي ى نساءهم وإنا فوقهم قاهرون (127) قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعقبة للمتقين (128) قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون) * (129) لما أسلم السحرة قال الملا ذلك تحريصا لفرعون على موسى * (ويذرك) * عطف على * (ليفسدوا) * لأنه إذا تركهم ولم يمنعهم وكان ذلك مؤديا إلى تركه وترك آلهته، فكأنه تركهم لذلك. # وروي عن علي (عليه السلام) أنه قرأ: " ويذرك وإلهتك " (4) أي: عبادتك. ms0396 # PageV01P689 # وعن ابن عباس أنه لما آمن السحرة أسلم من بني إسرائيل ستمائة ألف نفس فأرادوا بالفساد في الأرض ذلك، وخافوا أن يغلبوا على الملك (1)، وقيل: إن فرعون صنع لقومه أصناما وأمرهم أن يعبدوها تقربا إليه، ولذلك قال: * (أنا ربكم الاعلى) * (2) (3)، * (سنقتل أبنائهم) * أي: سنعيد عليهم ما كنا نفعله بهم من قتل الأبناء ليعلموا أنا على ما كنا عليه من الغلبة والقهر، وأنهم مقهورون تحت أيدينا كما كانوا، وأن غلبة موسى لا أثر لها في ملكنا * (قال موسى) * عند ذلك * (لقومه استعينوا بالله) * يسكنهم ويسليهم ويعدهم النصر من الله، وقوله: * (إن الأرض لله يورثها من يشاء) * يجوز أن يكون اللام للعهد ويعني: أرض مصر خاصة، ويجوز أن يكون للجنس فيتناول أرض مصر أيضا (4) * (والعقبة للمتقين) * بشارة بأن الخاتمة المحمودة للمتمسكين بالتقوى، وأن المشيئة متناولة لهم * (قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا) * يعنون قتل أبنائهم قبل مولد موسى وإعادته عليهم من بعد نبوته وتأييده بالمعجزات، وقوله: * (عسى ربكم أن يهلك عدوكم) * تصريح بما أشار إليه من البشارة ورمز به قبل، وهو إهلاك فرعون واستخلافهم بعده في أرض مصر * (فينظر كيف تعملون) * فيرى الكائن منكم من العمل حسنه وقبيحه ليجازيكم على حسب ما يوجد منكم. # سورة الأعراف / 130 و 131 * (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون (130) فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة # PageV01P690 # يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون) * (131) أي: عاقبنا قوم * (فرعون) * الذين يؤول أمرهم إليه * (بالسنين) * بسني القحط، والسنة من الأسماء الغالبة كالدابة والنجم، وقالوا: أسنت القوم: أقحطوا، وعن ابن عباس: إن السنين كانت لباديتهم وأهل مواشيهم، وكان نقص الثمرات في أمصارهم (1) * (لعلهم يذكرون) * فيتنبهوا أن ذلك لإصرارهم على الكفر * (فإذا جاءتهم الحسنة) * من الخصب والرخاء * (قالوا لنا هذه) * أي: هذه مختصة بنا ونحن مستحقوها، واللام مثلها في قولك: الجل للفرس * (وإن تصبهم سيئة) * من جدب وضيقة * (يطيروا) * أي: يتطيروا * (بموسى ومن معه) * ويتشاءموا ms0397 بهم ويقولوا: لولا مكانهم لما أصابتنا، كما قال الكفار لرسول الله (صلى الله عليه وآله): * (هذه من عندك) * (2)، * (ألا إنما طائرهم عند الله) * أي: سبب خيرهم وشرهم عند الله وهو حكمه ومشيئته، والله هو الذي يشاء ما يصيبهم وليس شؤم أحد ولا يمنه بسبب فيه، كقوله: * (قل كل من عند الله) * (3). # * (وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين (132) فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين (133) ولما وقع عليهم الرجز قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل (134) فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بلغوه إذا هم ينكثون (135) فانتقمنا منهم # PageV01P691 # فأغرقناهم في اليم بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين) * (136) سورة الأعراف / 134 * (مهما) * هي " ما " المتضمنة معنى الجزاء ضمت إليها " ما " المزيدة المؤكدة للجزاء في نحو: * (أينما تكونوا) * (1) و * (إما نرينك) * (2) إلا أن الألف قلبت هاء استثقالا لتكرير المتجانسين (3) ومحل * (مهما) * الرفع بمعنى: أيما شئ تأتنا به، أو النصب بمعنى: أيما شئ تحضرنا تأتنا به (4)، و * (من آية) * تبيين ل‍ * (مهما) * وذكر الضمير في * (به) * على اللفظ وفي * (بها) * على المعنى، وقد رجع كلاهما إلى * (مهما) * وهو في معنى الآية، ونحوه قول زهير (5): # ومهما يكن عند امرئ من خليقة * وإن خالها تخفى على الناس تعلم (6) والمعنى: أنهم قالوا لموسى: أي شئ * (تأتنا به من) * الآيات * (لتسحرنا) * لتموه علينا * (بها فما نحن لك) * بمصدقين، أرادوا أنهم مصرون على تكذيبه وإن أتى بجميع الآيات * (فأرسلنا عليهم الطوفان) * وهو ما طاف بهم وغلبهم من مطر أو سيل، قيل: إنه أرسل عليهم السماء حتى كادوا يهلكون، إذ امتلأت بيوتهم ماء حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم فمن جلس غرق ولم يدخل بيوت بني إسرائيل قطرة (7)، وقيل: الطوفان: الجدري (8)، وهم أول من عذبوا بذلك فبقي في الأرض، # PageV01P692 # وقيل: هو الموت الذريع (1)، ف‍ * (قالوا) * ل‍ * (موسى ادع لنا ربك) * يكشف عنا ونحن نؤمن بك، ms0398 فدعا فرفع، فلم يؤمنوا، فبعث الله عليهم * (الجراد) * فأكلت عامة زروعهم (2) وثمارهم، ثم أكلت كل شئ حتى الأبواب وسقوف البيوت، ولم يدخل بيوت بني إسرائيل منها شئ، ففزعوا إلى موسى فدعا فكشف عنهم، فما آمنوا، فسلط الله عليهم * (القمل) * وهو الحمنان كبار القردان، وقيل: الدبى وهو أولاد الجراد (3)، وقيل: البراغيث (4)، وكان يدخل بين ثوب أحدهم وبين جلده فيمصه، ففزعوا إلى موسى، فرفع عنهم العذاب، فقالوا: قد تحققنا الآن أنك ساحر، فأرسل الله عليهم * (الضفادع) * فامتلأت منها آنيتهم (5) وأطعمتهم، وكان الرجل منهم إذا أراد أن يتكلم وثب الضفدع إلى فيه، فضجوا وفزعوا إلى موسى وقالوا: # ارحمنا هذه المرة ونتوب ولا نعود، فدعا فكشف عنهم، ولم يؤمنوا، فأرسل الله عليهم * (الدم) * فصارت مياههم دما، وإذا شربه الإسرائيلي كان ماء، وكان القبطي يقول للإسرائيلي: خذ الماء في فيك وصبه في في فكان إذا صبه في فم القبطي تحول دما، وعطش فرعون حتى أشفى على الهلاك فكان يمص الأشجار الرطبة فإذا مضغها صار ماؤها الطيب ملحا أجاجا (6)، وروي: أن موسى (عليه السلام) مكث فيهم بعدما غلب السحرة عشرين سنة يريهم هذه الآيات (7) * (آيات مفصلات) * # PageV01P693 # مبينات ظاهرات (1)، أو فصل بين بعضها وبعض بزمان تمتحن فيه أحوالهم وينظر أيوفون بما وعدوا من أنفسهم أم ينكثون، إلزاما للحجة عليهم (2) * (بما عهد عندك) * " ما " مصدرية أي: بعهده عندك وهو النبوة، والباء: إما أن يتعلق بقوله: # * (ادع لنا ربك) * على وجهين: أحدهما: أسعفنا إلى ما نطلب إليك من الدعاء لنا بحق ما عندك من عهد الله، أو ادع الله متوسلا إليه بعهده عندك، وإما أن يكون قسما أي: أقسمنا بعهد الله عندك (3) * (لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك) *، وقوله: * (إلى أجل) * إلى حد من الزمان * (هم بلغوه) * لا محالة فيعذبون فيه * (إذا هم ينكثون) * جواب " لما " يعني: * (فلما كشفنا عنهم) * فاجأوا النكث وبادروه ولم يؤخروه * (فانتقمنا منهم) * فأردنا الانتقام منهم * (فأغرقناهم في اليم) * أي: البحر الذي لا يدرك قعره (4)، وقيل: هو لجة البحر (5) * (بأنهم كذبوا) * أي: كان إغراقهم بسبب ms0399 تكذيبهم * (بآياتنا) * وغفلتهم عنها. # سورة الأعراف / 137 و 138 * (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشرق الأرض ومغربها التي باركنا فيها وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون (137) # PageV01P694 # وجوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون (138) إن هؤلاء متبر ما هم فيه وبطل ما كانوا يعملون (139) قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العلمين) * (140). # * (القوم) * هم بنو إسرائيل كان يستضعفهم فرعون وقومه، و * (الأرض) * أرض مصر والشام ملكها بنو إسرائيل بعد العمالقة والفراعنة فتصرفوا في نواحيها الشرقية والغربية كيف شاءوا * (التي باركنا فيها) * بأنواع الخصب من الزروع والثمار والعيون والأنهار * (وتمت كلمت ربك الحسنى) * وهو قوله: * (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا) * إلى قوله: * (ما كانوا يحذرون) * (1)، و * (الحسنى) * تأنيث " الأحسن " صفة للكلمة * (و) * معنى * (تمت... على بني إسرائيل) * مضت عليهم، من قولك: تم على الأمر: إذا مضى عليه واستمر * (بما صبروا) * بسبب صبرهم * (ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه) * ما كانوا يعملونه من العمارات وبناء القصور * (وما كانوا يعرشون) * من الجنات، وقرئ: * (يعرشون) * بضم الراء (2) وكسرها، وهذا آخر ما اقتص الله سبحانه من نبأ فرعون والقبط وتكذيبهم بآيات الله. # ثم اقتص سبحانه نبأ بني إسرائيل وما أحدثوه بعد إنقاذهم من فرعون ومعاينتهم الآيات العظام * (وجوزنا ببني إسرائيل البحر) * يعني: النيل (3) نهر # PageV01P695 # مصر * (فأتوا) * فمروا * (على قوم يعكفون على أصنام لهم) * قرئ بضم الكاف وكسرها (1)، يواظبون على عبادتها، وقيل: كانت تماثيل بقر (2)، وذلك أول شأن العجل * (قالوا يا موسى اجعل لنا إلها) * صنما نعكف عليه * (كما لهم آلهة) * أصنام يعكفون عليها، و " ما " كافة للكاف ولذلك وقعت الجملة بعدها * (قال إنكم قوم تجهلون) * فوصفهم بالجهل المطلق لتعجبه من قولهم عقيب ما رأوا من الآيات الباهرة * (إن هؤلاء) * يعني: عبدة التماثيل * (متبر ما هم فيه) * أي: مدمر مكسر ما هم فيه من عبادة الأصنام، ms0400 أي: يتبر الله دينهم ويهدمه على يدي ويحطم أصنامهم هذه ويجعلها رضاضا * (وبطل ما كانوا يعملون) * أي: ما عملوا شيئا من عبادتها فيما سلف إلا وهو باطل مضمحل لا ينتفعون به * (قال أغير الله أبغيكم إلها) * أغير الله المستحق للعبادة أطلب لكم معبودا وهو فعل بكم ما فعل من الاختصاص بالنعمة التي لم يعطها أحدا غيركم لتخصوه بالعبادة ولا تشركوا به غيره؟ ومعنى الهمزة الإنكار والتعجب من طلبهم عبادة غير الله مع كونهم مغمورين في نعمة الله. # سورة الأعراف / 141 و 142 * (وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبنائكم ويستحيون نساءكم وفى ذلكم بلاء من ربكم عظيم (141) # PageV01P696 # ووا عدنا موسى ثلثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون أخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين) * (142) وقرئ: " أنجاكم " (1)، * (يسومونكم سوء العذاب) * أي: يبغونكم شدة العذاب، من سام السلعة: إذا طلبها، وهي جملة في موضع الحال من المخاطبين أو من آل فرعون، أو جملة مستأنفة لا محل لها (2) * (وفى ذلكم) * إشارة إلى الإنجاء أو العذاب (3)، والبلاء: النعمة أو المحنة، وقرئ: " يقتلون " بالتخفيف (4) كان موسى (عليه السلام) وعد بني إسرائيل بمصر إن أهلك الله عدوهم أتاهم بكتاب من عند الله فيه بيان ما يأتون وما يذرون، فلما هلك فرعون سأل موسى ربه الكتاب، فأمره بصوم ثلاثين وهو شهر ذي القعدة، ثم أنزل عليه التوراة في العشر وكلمه فيها (5)، وعن الحسن: كان الموعد أربعين ليلة فأجمل في سورة البقرة وفصل هاهنا (6)، و * (ميقات ربه) * ما وقت له من الوقت (7) وضربه له، و * (أربعين ليله) * نصب على # PageV01P697 # الحال، أي: تم الميقات بالغا هذا العدد * (وقال موسى) * وقت خروجه إلى الميقات، و * (هارون) * جر عطف بيان ل‍ * (لأخيه) *، * (أخلفني في قومي) * كن خليفتي فيهم * (وأصلح) * وكن مصلحا أو أصلح ما يجب أن يصلح من أمور بني إسرائيل في حال غيبتي، ومن دعاك منهم إلى الإفساد فلا تطعه ولا تتبعه. # وفي هذا دلالة على أن منزلة الإمامة غير ms0401 داخلة في النبوة، إذ لو كانت داخلة فيها لما احتاج هارون إلى استخلاف موسى إياه في القيام بأمر أمته مع كونه نبيا. # * (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تريني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تريني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين) * (143) سورة الأعراف / 143 * (لميقاتنا) * أي: لوقتنا الذي وقتنا له وحددناه، ومعنى اللام الاختصاص، فكأنه قال: واختص مجيئه لميقاتنا، كما تقول: أتيته لخمس خلون من الشهر * (وكلمه ربه) * من غير واسطة كما يكلم الملك، وتكليمه أن ينشئ الكلام منطوقا به في بعض الأجرام كما خلقه مخطوطا في اللوح، لأن الكلام عرض لابد له من محل يقوم به، وروي: أنه (عليه السلام) كان يسمع ذلك الكلام من كل جهة (1) * (قال رب أرني أنظر إليك) * المفعول الثاني محذوف، يعني: أرني نفسك أنظر إليك، أي: # اجعلني متمكنا من رؤيتك بأن تتجلى لي فأنظر إليك وأراك (2)، وإنما طلب الرؤية # PageV01P698 # لقومه حين قالوا له: * (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) * (1) ولذلك دعاهم سفهاء وضلالا، وقال لما أخذتهم الرجفة: * (أتهلكنا بما فعل السفهاء منا) * (2)، ولم يسأل ذلك إلا بعد أن أنكر عليهم ونبههم على الحق فلجوا وتمادوا في لجاجهم، فأراد أن يسمعوا النص من عند الله باستحالة الرؤية عليه وهو قوله: * (لن تريني) * ليتيقنوا وتزول شبهتهم، ومعنى * (لن) *: تأكيد النفي الذي يعطيه " لا "، وذلك أن " لا " لنفي المستقبل، تقول: لا أفعل غدا، فإذا أكدت النفي قلت: لن أفعل غدا (3)، والمعنى: أن فعله ينافي حالي، كقوله سبحانه: * (لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له) * (4)، فقوله: # * (لا تدركه الابصار) * (5) نفي للرؤية فيما يستقبل، وقوله: * (لن تريني) * تأكيد وبيان أن الرؤية منافية لصفاته * (ولكن انظر إلى الجبل) * معناه: أن النظر إلي محال فلا تطلبه ولكن عليك بنظر آخر وهو أن تنظر إلى الجبل الذي يرجف بك وبمن طلبت الرؤية لأجلهم كيف أفعل به، وكيف أجعله دكا بسبب ms0402 طلبك الرؤية لتستعظم ما أقدمت عليه بما أريك من عظم أثره، كأنه جل جلاله حقق عند طلب الرؤية ما مثله عند نسبة الولد إليه في قوله: * (وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا) * (6)، * (فإن استقر مكانه) * كما كان مستقرا ثابتا * (فسوف تريني) * تعليق لوجود الرؤية بوجود مالا يكون من استقرار الجبل مكانه حين يدكه دكا ويسويه # PageV01P699 # بالأرض * (فلما تجلى ربه للجبل) * أي: ظهر له اقتداره وتصدى له أمره وإرادته * (جعله دكا) * أي: مدكوكا، مصدر بمعنى مفعول، والدك والدق مثلان، وقرئ: # " دكاء " (1)، والدكاء: الربوة الناشزة من الأرض لا تبلغ أن تكون جبلا، أو يريد أرضا دكاء: مستوية، من قولهم: ناقة دكاء: مستوية السنام (2) * (وخر موسى صعقا) * من هول ما رأى، وصعق من باب فعلته ففعل، تقول: صعقته فصعق وأصله من الصاعقة، ومعناه: خر مغشيا عليه غشية كالموت * (فلما أفاق) * من صعقته * (قال سبحانك) * أنزهك مما لا يجوز عليك * (تبت إليك) * من طلب الرؤية * (وأنا أول المؤمنين) * بأنك لا ترى. # سورة الأعراف / 143 - 145 وقيل (3): في الآية وجه آخر وهو أن يكون المراد بقوله: * (أرني أنظر إليك) * عرفني نفسك تعريفا واضحا جليا بإظهار بعض آيات الآخرة التي تضطر الخلق إلى معرفتك * (أنظر إليك) * أعرفك معرفة ضرورية كأني أنظر إليك، كما جاء في الحديث: " سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر " (4) بمعنى: ستعرفونه معرفة جلية هي في الجلاء مثل إبصاركم القمر إذا امتلأ واستوى بدرا، قال: * (لن تريني) * لن تطيق معرفتي على هذه الطريقة ولن تحتمل قوتك تلك الآية * (ولكن انظر إلى الجبل) * فإني أورد عليه آية من تلك الآيات * (فإن) * ثبت لتجليها و * (استقر مكانه فسوف) * تثبت لها وتطيقها * (فلما تجلى ربه) * فلما ظهرت للجبل آية من آيات ربه * (جعله دكا وخر موسى صعقا) * لعظم ما رأى * (فلما أفاق قال سبحانك # PageV01P700 # تبت إليك) * مما اقترحت * (وأنا أول المؤمنين) * بعظمتك وجلالك. # * (قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين (144) وكتبنا له في الألواح من كل شئ ms0403 موعظة وتفصيلا لكل شئ فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأوريكم دار الفسقين) * (145) * (قال) * الله سبحانه * (يا موسى إني) * اتخذتك صفوة وفضلتك * (على) * أهل زمانك من * (الناس برسالاتي) * وهي أسفار التوراة، وقرئ: " برسالتي " على التوحيد (1)، * (وبكلامي) * وبتكليمي إياك * (فخذ ما آتيتك) * أي: أعطيتك من شرف النبوة والحكمة * (وكن من الشاكرين) * على النعمة في ذلك فهي من أجل النعم، وقيل: خر موسى صعقا يوم عرفة، وأعطي التوراة يوم النحر (2) * (وكتبنا له في الألواح) * يريد ألواح التوراة، واختلف في عددها وفي جوهرها: فقيل: كانت سبعة ألواح (3)، وقيل: عشرة (4)، وقيل: لوحين (5)، وأنها كانت من زمرد (6)، # PageV01P701 # وقيل: من زبرجدة خضراء (1) أو ياقوتة حمراء (2)، وقيل: كانت من خشب نزل سورة الأعراف / 146 و 147 من السماء (3) * (من كل شئ) * في محل النصب مفعول * (كتبنا) *، و * (موعظة وتفصيلا) * بدل منه (4)، والمعنى: كتبنا له فيها كل شئ احتاجت إليه بنو إسرائيل في دينهم من المواعظ وتفصيل الأحكام والحلال والحرام وذكر الجنة والنار وغير ذلك من العبر والأخبار * (فخذها بقوة) * أي: بجد واجتهاد وإقبال وعزيمة، فعل أولي العزم من الرسل، وهو عطف على * (كتبنا له) * والتقدير: فقلنا له: خذها، ويجوز أن يكون بدلا من قوله: * (فخذ ما آتيتك) *، والضمير في * (فخذها) * ل‍ * (الألواح) * أو ل‍ * (كل شئ) * لأنه في معنى الأشياء أو ل‍ " الرسالات " (5)، * (وأمر قومك يأخذوا بأحسنها) * أي: فيها ما هو حسن وأحسن كالاقتصاص والعفو والانتصار والصبر، فمرهم أن يأخذوا بما هو أدخل في الحسن وأكثر للثواب (6)، كقوله: * (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم) * (7)، وقيل: يأخذوا بما هو واجب أو ندب، لأنه أحسن من المباح (8) * (سأوريكم دار الفسقين) * أي: # منازل القرون الماضية المخالفة لأمر الله لتعتبروا بها (9)، وقيل: دار الفاسقين نار # PageV01P702 # جهنم (1)، فلتكن منكم على ذكر لتحذروا أن تكونوا منهم. # * (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغى يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين (146) والذين كذبوا ms0404 بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعملهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون) * (147) * (سأصرف) * المتكبرين * (عن آياتي) * بالطبع على قلوبهم وخذلانهم فلا يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها. # وفي الحديث: " إذا عظمت أمتي الدنيا نزعت عنها هيبة الإسلام، وإذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي " (2). # وقيل: معناه: سأصرفهم عن إبطالها وإن اجتهدوا كما اجتهد فرعون في إبطال آية موسى فأبى الله إلا علو أمره (3) * (بغير الحق) * فيه وجهان: أحدهما: أن يكون حالا أي: يتكبرون غير محقين، لأن التكبر بالحق لله وحده، والآخر: أن يكون صلة للتكبر أي: يتكبرون بما ليس بحق (4) * (وإن يروا كل آية) * من الآيات المنزلة عليهم * (لا يؤمنوا بها) *، * (ذلك) * رفع أو نصب (5)، أي: ذلك الصرف بسبب # PageV01P703 # تكذيبهم، أو صرفهم الله ذلك الصرف بسببه * (ولقاء الآخرة) * من إضافة المصدر إلى المفعول به، أي: ولقائهم الآخرة وما وعد الله فيها. # * (واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين (148) ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين) * (149) سورة الأعراف / 148 و 149 * (من بعده) * أي: من بعد خروجه إلى الطور * (من حليهم) * التي استعاروها من قوم فرعون وبقيت في أيديهم بعد هلاك فرعون وقومه، فاتخذ السامري منها * (عجلا جسدا) * لا روح فيه، وهو بدل من * (عجلا) *، * (له خوار) * أي: صوت، والحلي جمع حلي (1)، وقرئ: " حليهم " بكسر الحاء (2) على الاتباع، و " من حليهم " على التوحيد (3)، وهو اسم ما يتحسن به من الذهب والفضة (4)، وقيل: كان جسدا ذا لحم ودم كسائر الأجساد (5)، وعن الحسن: أن السامري قبض قبضة من تراب أثر حافر فرس جبرئيل يوم قطع البحر فقذفه في في (6) العجل فكان عجلا # PageV01P704 # له خوار (1) * (ألم يروا) * حين اتخذوه إلها * (أنه لا) * يقدر على كلام ولا على هداية سبيل حتى لا يتخذوه معبودا، ثم ابتدأ فقال: * (اتخذوه) * أي: أقدموا على ما أقدموا عليه من الأمر المنكر * (وكانوا ms0405 ظالمين) * في كل شئ، فلم تكن عبادة العجل أمرا بديعا منهم * (ولما سقط في أيديهم) * ولما اشتد ندمهم على عبادة العجل، لأن من شأن من اشتدت حسرته أن يعض على يديه غما فتصير يده مسقوطا فيها، لأن فاه قد وقع فيها (2) * (ورأوا أنهم قد ضلوا) * وتبينوا ضلالهم بعبادة العجل حين رجع إليهم موسى * (قالوا لئن لم يرحمنا ربنا) * وقرئ: " لئن لم ترحمنا " بالتاء " ربنا " بالنصب على النداء " وتغفر لنا " بالتاء (3) أيضا. # وعن الحسن: كلهم عبدوا العجل إلا هارون بدلالة قول موسى: * (رب اغفر لي ولأخي) * (4)، وقال غيره: لم يعبده الكل (5). # * (ولما رجع موسى إلى قومه غضبن أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدى أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين (150) قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا # PageV01P705 # في رحمتك وأنت أرحم الراحمين) * (151) سورة الأعراف / 150 - 152 الأسف: الشديد الغضب (1)، وقيل: الحزين (2) * (قال بئسما خلفتموني) * أي: # قمتم مقامي وكنتم خلفائي * (من بعدى) * حيث عبدتم العجل مكان عبادة الله، وفاعل " بئس " مضمر يفسره " ما خلفتموني "، والمخصوص بالذم محذوف تقديره: بئس خلافة خلفتمونيها من بعدي خلافتكم (3) * (أعجلتم أمر ربكم) * تقول: عجلت عن الأمر: إذا تركته غير تام، وأعجلني عنه غيري، ويضمن معنى سبق فيقال: عجلت الأمر، فالمعنى: أعجلتم عن أمر ربكم وهو انتظار موسى حافظين لعهده فبنيتم الأمر على أن الميعاد قد بلغ آخره وحدثتم أنفسكم بموتي ففعلتم ما فعلتم، روي: أن السامري قال لهم: إن موسى لن يرجع وأنه قد مات (4) * (وألقى الألواح) * أي: طرحها لما لحقه من الضجر غضبا لله وحمية لدينه * (وأخذ برأس أخيه) * أي: بشعر رأسه * (يجره إليه) * لشدة ما ورد عليه من الأمر * (قال) * هارون * (ابن أم) * قرئ بالفتح تشبيها ب‍ " خمسة عشر " وبالكسر (5) على طرح ياء الإضافة (6)، وعن الحسن: والله لقد كان أخاه لأبيه وأمه، وإنما نسبه إلى الأم # PageV01P706 # لأن ذكر الأم أبلغ وأنسب في الاستعطاف (1) * (إن القوم) * الذين ms0406 تركتني بين أظهرهم * (استضعفوني) * قهروني واتخذوني ضعيفا، ولم آل جهدا في كفهم بالإنذار والوعظ * (وكادوا يقتلونني) * أي: هموا بقتلي لشدة إنكاري عليهم * (فلا تشمت بي الأعداء) * فلا تفعل بي ما هو أمنيتهم من الإساءة بي * (ولا تجعلني مع القوم الظالمين) * أي: قرينا لهم في إظهار الموجدة علي * (قال رب اغفر لي ولأخي) * بين بهذا الدعاء أنه لم يجر رأسه إليه لعصيان وجد منه، وإنما فعله كما يفعل الإنسان بنفسه عند شدة الغضب على غيره (2) * (وأدخلنا في رحمتك) * أي: # نعمتك وجنتك. # * (إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزى المفترين (152) والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (153) ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفى نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون) * (154) * (غضب من ربهم وذلة) * الغضب: ما أمروا به من قتل أنفسهم، والذلة: # خروجهم من ديارهم، لأن الغربة ذلة (3)، وقيل: هي الجزية المضروبة عليهم (4) # PageV01P707 # * (وكذلك نجزى المفترين) * على الله، ولا فرية أعظم من قول السامري: * (هذا إلهكم وإله موسى) * (1)، * (والذين عملوا السيئات) * من الكفر والمعاصي * (ثم تابوا) * رجعوا * (من بعدها) * إلى الله وأخلصوا الإيمان * (إن ربك من) * بعد تلك العظائم * (لغفور رحيم) *. # * (ولما سكت عن موسى الغضب) * هذا مثل، كأن الغضب كان يغريه على ما فعل ويقول له: ألق الألواح وجر برأس أخيك إليك فترك النطق بذلك، والمعنى: # ولما طفئ غضبه * (أخذ الألواح) * التي ألقاها * (وفى نسختها) * وفيما نسخ فيها وكتب، والنسخة فعلة بمعنى مفعول كالخطبة * (هدى) * دلالة وبيان لما يحتاج إليها (2) من أمور الدين * (ورحمة) * ونعمة ومنفعة * (للذين هم لربهم يرهبون) * دخلت اللام لتقدم المفعول (3)، تقول: لك ضربت، ونحوه: * (للرؤيا تعبرون) * (4). # * (واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدى من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين) * (155) سورة الأعراف / 155 تقديره: ms0407 * (واختار موسى) * من * (قومه) * فحذف الجار * (سبعين رجلا) * خرج بهم إلى طور سيناء (5) لميقات ربه، فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود # PageV01P708 # الغمام حتى تغشى الجبل كله، ودنا موسى ودخل فيه ودخلوا وسجدوا فسمعوا كلام الله، ثم انكشف الغمام فطلبوا الرؤية فأنكر عليهم، فقالوا: * (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة) * (1)، ف‍ * (قال رب أرني أنظر إليك) * فأجيب ب‍ * (لن تريني) * (2)، ورجف بهم الجبل فصعقوا * (فلما أخذتهم الرجفة قال) * موسى * (رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي) * وهذا تمن منه للإهلاك قبل أن يرى ما رأى من تبعة طلب الرؤية * (أتهلكنا) * يعني: نفسه وإياهم * (بما فعل السفهاء منا) * لأنه إنما طلب الرؤية زجرا للسفهاء وهم طلبوه سفها وجهلا * (إن هي إلا فتنتك) * أي: # محنتك وابتلاؤك حين كلمتني وسمعوا كلامك فاستدلوا بالكلام على الرؤية استدلالا فاسدا حتى افتتنوا وضلوا * (تضل بها) * بالمحنة الجاهلين أي: غير الثابتين في معرفتك * (وتهدى) * العالمين بك، وجعل ذلك إضلالا وهدى من الله، لأن محنته لما كانت سببا لأن ضلوا واهتدوا فكأنه أضلهم بها وهداهم * (أنت ولينا) * مولانا والقائم بأمورنا (3). # * (واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفى الآخرة إنا هدنا إليك قال عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شئ فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون (156) الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهيهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات # PageV01P709 # ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والاغلل التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون) * (157) سورة الأعراف / 157 و 158 أي: * (و) * أثبت * (لنا في هذه الدنيا حسنة) * أي: عافية وحياة طيبة * (وفى الآخرة) * الجنة * (إنا هدنا إليك) * أي: تبنا إليك، من هاد إليه: إذا رجع وتاب، والهود جمع هائد وهو التائب * (قال عذابي) * من صفته أني * (أصيب به من أشاء) * ممن عصاني واستحقه بعصياني * (ورحمتي وسعت كل شئ) * فما من مسلم ولا كافر ولا مطيع ولا عاص ms0408 إلا وهو متقلب في نعمتي، فسأكتب هذه الرحمة كتبة خاصة منكم يا بني إسرائيل * (للذين) * يكونون في آخر الزمان من أمة محمد (صلى الله عليه وآله) * (والذين هم ب‍) * جميع * (آياتنا) * وكتبنا * (يؤمنون) * لا يكفرون بشئ منها * (الذين يتبعون الرسول) * الذي نوحي إليه كتابا مختصا به وهو القرآن * (النبي) * المؤيد بالمعجزات * (الذي يجدونه) * أي: يجدون نعته أولئك الذين يتبعونه من بني إسرائيل * (مكتوبا عندهم في التورية والإنجيل) *، * (ويحل لهم) * ما حرم عليهم من الأشياء الطيبة كالشحوم وغيرها أو ما طاب في الشريعة * (ويحرم عليهم الخبائث) * ما يستخبث نحو الميتة والدم ولحم الخنزير، أو ما خبث في الحكم من المكاسب الخبيثة * (ويضع عنهم إصرهم) * والإصر: الثقل الذي يأصر صاحبه أي: يحبسه من الحراك لثقله، وهو مثل لثقل تكليفهم نحو قتل الأنفس في التوبة * (و) * كذلك * (الأغلال) * مثل لما كان في شرائعهم من التكاليف الشاقة نحو قرض موضع النجاسة من الجلد والثوب وإحراق الغنائم وتحريم السبت (1) * (وعزروه) * ومنعوه حتى لا يقوى عليه عدو، أصل العزر: المنع، ومنه # PageV01P710 # التعزير للضرب دون الحد لأنه يمنع من معاودة القبيح، و * (النور) * القرآن * (أنزل معه) * أي: مع نبوته، أو تعلق * (معه) * ب‍ * (اتبعوا) * أي: واتبعوا القرآن الذي أنزل مع اتباع النبي والعمل بسنته، أو: واتبعوا القرآن كما اتبعه النبي يصاحبونه في اتباعه (1). # * (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحى ى ويميت فامنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلمته واتبعوه لعلكم تهتدون (158) ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون (159) وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا أمما وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن اضرب بعصاك الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم وظللنا عليهم الغمم وأنزلنا عليهم المن والسلوى كلوا من طيبت ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) * (160) * (جميعا) * نصب على الحال من * (إليكم) * (2)، * (الذي له ملك السماوات والأرض) * في موضع الجر على الوصف لله، أو النصب على ms0409 المدح بإضمار " أعني " (3)، و * (لا إله إلا هو) * بدل من الصلة التي هي * (له ملك السماوات والأرض) *، وكذلك * (يحى ى ويميت) *، وفي * (لا إله إلا هو) * بيان للجملة قبلها، لأن من ملك العالم كان هو الإله على الحقيقة، وفي * (يحى ى ويميت) * بيان لاختصاصه بالإلهية، لأنه لا يقدر على الإحياء والإماتة غيره * (وكلمته) * يريد # PageV01P711 # بها ما أنزل عليه وعلى من تقدمه من الرسل * (لعلكم تهتدون) * إرادة أن تهتدوا * (ومن قوم موسى أمة) * هم المؤمنون التائبون (1) من بني إسرائيل * (يهدون) * الناس * (ب‍) * كلمة * (الحق) * ويدلونهم على الاستقامة ويرشدونهم * (و) * بالحق * (يعدلون) * بينهم في الحكم لا يجورون، أو أراد الذين وصفهم ممن أدرك النبي (صلى الله عليه وآله) وآمن به من أعقابهم (2)، وقيل: إنهم قوم من بني إسرائيل فتح الله لهم نفقا في الأرض حتى خرجوا من وراء الصين، وهم هنالك حنفاء مسلمون يستقبلون قبلتنا (3) * (وقطعناهم) * وصيرناهم قطعا أي: فرقا، وميزنا بعضهم من بعض، والأسباط: أولاد الولد جمع سبط، والأسباط في ولد يعقوب بن (4) إسحاق بمنزلة القبائل في ولد إسماعيل، وكانوا اثني عشر سبطا، وقوله: * (أسباطا) * بدل من * (اثنتي عشرة) * والمميز محذوف والتقدير: اثنتي عشرة فرقة (5)، و * (أمما) * نصب على الحال، يعني: أن كل سبط من الأسباط كانت أمة عظيمة وجماعة كثيرة * (فانبجست) * فانفجرت وهو الانفتاح بسعة وكثرة، قال العجاج: # وكيف غربي دالج تبجسا (6) سورة الأعراف / 161 - 163 * (قد علم كل أناس) * أي: كل أمة من تلك الأمم * (مشربهم) *، والأناس اسم # PageV01P712 # جمع غير تكسير نحو: رخال (1) وتناء (2) وتؤام وأخوات لها. # * (وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية وكلوا منها حيث شئتم وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا نغفر لكم خطيتكم سنزيد المحسنين (161) فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم فأرسلنا عليهم رجزا من السماء بما كانوا يظلمون (162) وسلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون (163) وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله ms0410 مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون) * (164) * (القرية) * بيت المقدس (3)، وقرئ: " تغفر لكم خطيئاتكم " (4) و " خطيئتكم " (5) أيضا، وقرئ: * (نغفر لكم) * بالنون * (خطيتكم) * و " خطاياكم " (6)، " وسلهم " وسل اليهود، وقرئ: * (وسلهم) * وهو سؤال تقرير وتقريع بقديم كفرهم وتجاوزهم لحدود الله * (حاضرة البحر) * قريبة منه * (إذ # PageV01P713 # يعدون في السبت) * إذ يتجاوزون حد (1) الله فيه وهو اصطيادهم في يوم السبت سورة الأعراف / 155 و 156 وقد نهوا عنه، والسبت مصدر سبتت اليهود: إذا عظمت سبتها بترك الصيد والاشتغال بالتعبد، وكذلك قوله: * (يوم سبتهم) * معناه: يوم تعظيمهم أمر السبت، و * (إذ يعدون) * محله جر (2) بدل من * (القرية) * والمراد بالقرية أهلها، والتقدير: # واسألهم عن أهل القرية وقت عدوانهم في السبت وهو بدل الاشتمال، ويجوز أن يكون منصوب المحل ب‍ * (كانت) * أو ب‍ * (حاضرة) *، و * (إذ تأتيهم) * منصوب ب‍ * (يعدون) *، ويجوز أن يكون بدلا بعد بدل (3) * (شرعا) * ظاهرة على وجه الماء، وعن الحسن: تشرع الحيتان على أبوابهم كأنها الكباش البيض (4) يقال: شرع علينا فلان: إذا دنا منا وأشرف علينا * (كذلك) * أي: مثل ذلك البلاء نبلوهم بسبب فسقهم * (وإذ قالت) * معطوف على * (إذ يعدون) * وإعرابه إعرابه * (أمة منهم) * أي: # جماعة من أهل القرية من صلحائهم (5) يئسوا من قبولهم وعظهم لآخرين كانوا ينهونهم ويعظونهم * (لم تعظون قوما الله مهلكهم) * أي: مخترمهم في الدنيا بسبب معصيتهم * (أو معذبهم عذابا شديدا) * في الآخرة، قال الواعظون: * (معذرة إلى ربكم) * أي: موعظتنا (6) معذرة إلى الله وتأدية لفرضه في النهي عن المنكر * (ولعلهم يتقون) * ولطمعنا أن يتقوا ويرجعوا، وقرئ: * (معذرة) * بالنصب (7)، أي: # وعظناهم معذرة، أو اعتذرنا معذرة. # PageV01P714 # * (فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بيس بما كانوا يفسقون (165) فلما عتوا عن مانهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين) * (166) * (فلما نسوا) * يعني: أهل القرية، أي تركوا ما ذكرهم به الصالحون ترك الناسي لما ينساه * (أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بيس) * أي: شديد، ولم يذكر الفرقة الثالثة التي قالت: * (لم تعظون) ms0411 * أهي من الناجية أم من الهالكة، واختلف في ذلك: فقيل: هلكت الفرقتان ونجت الفرقة الناهية، وروي ذلك عن الصادق (عليه السلام) (1)، وقيل: نجت الفرقتان وهلكت الواحدة وهي الآخذة للحيتان (2)، لأن الناهي إذا علم أن النهي لا يؤثر في المنهي سقط عنه النهي، وقرئ: # " بعذاب بيس " (3) على تخفيف العين من " بئس " ونقل حركتها إلى الفاء وقلب الهمزة ياء كذيب في " ذئب "، وقرئ - أيضا - بالهمزة (4)، وقرئ: # " بيئس " (5) على وزن فيعل فيكون وصفا كضيغم (6) * (فلما عتوا عن مانهوا عنه) * # PageV01P715 # أي: تكبروا عن ترك مانهوا عنه * (قلنا لهم كونوا قردة) * عبارة عن مسخهم قردة * (خاسئين) * مطرودين مبعدين، وقيل: إنهم بقوا كذلك ثلاثة أيام ينظر إليهم الناس ثم هلكوا ولم يتناسلوا (1). # * (وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيمة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم (167) وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون) * (168) سورة الأعراف / 168 و 169 هو تفعل من الإيذان وهو الإعلام، ومعناه: * (و) * أذكر * (إذ) * عزم * (ربك) * لأن العازم على الأمر يحدث به نفسه ويؤذنها بفعله، وأجري مجرى فعل القسم ك‍ " علم الله " و " شهد الله "، ولذلك أجيب بما يجاب به القسم وهو قوله: * (ليبعثن) *، فكأنه قال: * (وإذ) * كتب * (ربك) * على نفسه وأوجب * (ليبعثن) * على اليهود * (إلى يوم القيمة من يسومهم سوء العذاب) * فكانوا يؤدون الجزية إلى المجوس إلى أن بعث الله محمدا (صلى الله عليه وآله) ثم ضربها عليهم فلا تزال مضروبة عليهم إلى آخر الدهر، ومعنى * (ليبعثن) *: ليسلطن عليهم كقوله: * (بعثنا عليكم عبادا لنا) * (2)، * (وقطعناهم في الأرض أمما) * أي: فرقناهم في البلاد فرقا وجماعات شتى، فلا يكاد يخلو بلد من فرقة منهم * (منهم الصالحون) * وهم الذين آمنوا بالله ورسوله (3) * (ومنهم دون ذلك) * أي: ومنهم ناس دون ذلك الوصف أي: منحطون عنه، فقوله: * (دون ذلك) * في محل الرفع لأنه صفة لموصوف محذوف، ونحوه # PageV01P716 # قوله: * (وما منا إلا له مقام معلوم) * (1) أي: وما منا أحد إلا له مقام * (وبلوناهم بالحسنات والسيئات) ms0412 * بالنعم والنقم والمنح والمحن * (لعلهم يرجعون) * ينتهون فينيبون (2). # * (فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون (169) والذين يمسكون بالكتب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين) * (170) * (فخلف من بعدهم) * أي: من بعد المذكورين * (خلف) * وهم الذين كانوا في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال الفراء: يقال: " خلف صدق " و " خلف سوء " بالسكون (3)، قال لبيد: # وبقيت في خلف كجلد الأجرب (4) * (ورثوا الكتاب) * بقيت التوراة في أيديهم بعد سلفهم يقرؤونها ويدرسونها ولا يعملون بها * (يأخذون عرض هذا الأدنى) * أي: متاع هذا الشئ الأدنى، يريد الدنيا وما يتمتع به منها، وفي قوله: * (هذا الأدنى) * تحقير وتخسيس، وهو: إما من الدنو بمعنى القرب، وإما من الدناءة وسقوط الحال، والمراد: ما كانوا يأخذونه من # PageV01P717 # الرشى في الأحكام وعلى تحريف الكلم للتسهيل على العامة * (ويقولون سيغفر لنا) * أي: لا يؤاخذنا الله بما أخذنا * (وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه) * الواو للحال، أي: يرجون المغفرة وهم مصرون عائدون إلى مثل فعلهم * (ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب) * ألم يؤخذ على هؤلاء المرتشين الميثاق في التوراة أن لا يكذبوا على الله ولا يضيفوا (1) إليه إلا ما أنزله، كأنه قيل: ألم يقل لهم: * (أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه) * وقرأوا ما فيه فهم ذاكرون لذلك * (والدار الآخرة خير) * من ذلك العرض الحقير * (للذين يتقون) * محارم الله * (أفلا تعقلون) * قرئ بالياء (2) والتاء * (والذين يمسكون بالكتب) * مرفوع بالابتداء وخبره: * (إنا لا نضيع أجر المصلحين) * (3)، والمعنى: لا نضيع أجرهم، وضع الظاهر موضع المضمر، لأن المصلحين في معنى * (الذين يمسكون بالكتب) *، ويجوز أن يكون مجرورا عطفا على " الذين يتقون " ويكون قوله: * (إنا لا نضيع) * اعتراضا (4). # * (وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون) * (171) سورة الأعراف / 171 ms0413 و 172 * (نتقنا الجبل فوقهم) * قلعناه ورفعناه كقوله: * (ورفعنا فوقهم الطور) * (5)، والظلة: كل ما أظلك من سقيفة أو سحاب * (وظنوا أنه واقع بهم) * وعلموا أنه ساقط عليهم، وذلك أنهم أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة، فرفع الله الطور على # PageV01P718 # رؤوسهم مقدار عسكرهم، وكان فرسخا في فرسخ، وقيل لهم: إن قبلتموها بما فيها وإلا ليقعن عليكم، فلما نظروا إلى الجبل خروا سجدا على أحد شقي وجوههم ينظرون إلى الجبل فرقا (1) من سقوطه (2) * (خذوا ما آتيناكم بقوة) * على إرادة القول، أي: وقلنا: خذوا، أو قائلين: خذوا ما آتيناكم من الكتاب بقوة أي: بجد وعزم على احتمال تكاليفه * (واذكروا ما فيه) * من الأوامر والنواهي ولا تنسوه. # * (وإذ أخذ ربك من بني ادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيمة إنا كنا عن هذا غافلين (172) أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون (173) وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون) * (174) وقرئ: " ذرياتهم " (3)، ومن أفرد فللاستغناء عن جمعه لوقوعه على الجمع، ألا ترى إلى قوله تعالى: * (وكنا ذرية من بعدهم) *، * (من ظهورهم) * بدل من * (بني آدم ) * بدل البعض من الكل، ومعنى أخذ ذرياتهم من ظهورهم: إخراجهم من أصلابهم، وقوله: * (وأشهدهم على أنفسهم) * وقوله: * (ألست بربكم قالوا بلى شهدنا) * من باب التمثيل، والمعني في ذلك أنه نصب لهم الأدلة على ربوبيته، وشهدت بها عقولهم التي ركبها فيهم وجعلها مميزة بين الضلالة والهداية، فكأنه * (أشهدهم على أنفسهم) * وقررهم وقال لهم: * (ألست بربكم) *، وكأنهم * (قالوا بلى) * أنت ربنا * (شهدنا) * على أنفسنا وأقررنا بربوبيتك * (أن تقولوا) * مفعول له، # PageV01P719 # أي: نصبنا الأدلة التي تشهد العقول على صحتها كراهة أن تقولوا * (يوم القيمة إنا كنا عن هذا غافلين) * لم ننبه عليه * (أو) * كراهة أن * (تقولوا) *: * (إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم) * فاقتدينا بهم، لأن نصب الأدلة على التوحيد قائم معهم، فلا عذر لهم في الإعراض عنه والإقبال على تقليد الآباء والاقتداء بهم، سورة الأعراف / 175 كما ms0414 لا عذر لآبائهم في الشرك وقد نصبت الأدلة لهم على التوحيد * (أفتهلكنا بما فعل المبطلون) * أي: كانوا السبب في شركنا لتأسيسهم الشرك لنا وتقدمهم فيه (1) * (وكذلك) * أي: ومثل ذلك التفصيل البليغ * (نفصل الآيات) * لهم * (ولعلهم يرجعون) * وإرادة أن يرجعوا عن شركهم نفصلها، وقرئ: " أن يقولوا " بالياء (2). # PageV01P720 # * (واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين (175) ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هويه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون (176) ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون (177) من يهد الله فهو المهتدى ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون) * (178) * (واتل عليهم) * على اليهود خبر * (الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها) * هو عالم من علماء بني إسرائيل أوتي علم بعض كتب الله (1)، وقيل: هو من الكنعانيين (2)، واسمه بلعم بن باعورا (3) * (فانسلخ منها) * من الآيات بأن كفر بها ونبذها وراء ظهره * (فأتبعه الشيطان) * فلحقه الشيطان وأدركه وصار قرينا له، أو فأتبعه خطواته * (فكان من الغاوين) * أي: من الضالين الكافرين. # PageV01P721 # قال الباقر (عليه السلام): " الأصل فيه بلعم ثم ضربه الله مثلا لكل مؤثر هواه على هدى الله من أهل القبلة " (1). # * (ولو شئنا لرفعناه بها) * أي: لعظمناه ورفعناه إلى منازل الأبرار من العلماء بتلك الآيات * (ولكنه أخلد إلى الأرض) * مال إلى الدنيا ورغب فيها، وإنما علق رفعه بمشيئة الله تعالى ولم يعلقه بفعله الذي يستحق به الرفع، لأن مشيئة الله رفعه تابعة للزومه الآيات فذكرت المشيئة والمراد ما هي تابعة له، فكأنه قيل: ولو لزمها لرفعناه بها، ألا ترى إلى قوله: * (ولكنه أخلد إلى الأرض) * فاستدرك المشيئة بإخلاده الذي هو فعله، فوجب أن يكون * (ولو شئنا) * في معنى ما هو فعله * (فمثله كمثل الكلب) * أي: فصفته كصفة الكلب في أخس أحواله، وهي حال دوام اللهث به واتصاله، سواء حمل عليه أي: شد عليه وهيج فطرد أو ترك غير محمول عليه، وذلك أن سائر الحيوان لا يكون ms0415 منه اللهث إلا إذا هيج وحرك وإلا لم يلهث، والكلب يتصل لهثه في الحالتين جميعا، فكان حق الكلام أن يقال: ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض فحططناه، ولكن تمثيله بالكلب في أخس أحواله في معنى ذلك، ومحل الجملة الشرطية النصب على الحال، كأنه قيل: كمثل الكلب ذليلا دائم الذلة لاهثا في الحالين. # سورة الأعراف / 177 - 179 وقيل: إن بلعم طلب منه قومه أن يدعو على موسى ومن معه، فأبى وقال: كيف ادعوا على من معه الملائكة! فألحوا عليه حتى فعل، فخرج لسانه فوقع على صدره وجعل يلهث كما يلهث الكلب (2) * (ذلك مثل القوم الذين كذبوا # PageV01P722 # بآياتنا) * من اليهود بعد ما قرأوا نعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) في التوراة، وبشروا الناس بقرب مبعثه وكانوا يستفتحون به * (فاقصص) * قصص بلعم الذي هو نحو قصصهم * (لعلهم يتفكرون) * فيحذرون مثل عاقبته إذا ساروا بسيرته وزاغوا شبه زيغه، ويعلمون أنك علمته من جهة الوحي فتزداد الحجة لزوما لهم * (ساء مثلا القوم) * أي: مثل القوم * (وأنفسهم كانوا يظلمون) * تقديم المفعول به للاختصاص، فكأنه قيل: وخصوا أنفسهم بالظلم لم يتعدها إلى غيرها * (فهو المهتدى) * فهو محمول على اللفظ * (فأولئك هم الخاسرون) * محمول على المعنى. # * (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالانعم بل هم أضل أولئك هم الغافلون (179) ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون (180) وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) * (181) أي: خلقنا * (كثيرا من الجن والإنس) * على أن مصيرهم إلى جهنم بسوء اختيارهم، وهم الذين علم الله أنه لا لطف لهم، جعلهم سبحانه في أنهم لا يتدبرون أدلة الله وبيناته بعقولهم، ولا ينظرون إلى مخلوقاته نظر اعتبار، ولا يسمعون ما يتلى عليهم من المواعظ والأذكار، ولا يأتي منهم إلا أفعال أهل النار مخلوقين للنار * (أولئك كالانعم) * في عدم التدبر والتفكر والنظر للاعتبار * (بل هم أضل) * فإن البهائم إذا ms0416 زجرت انزجرت وإذا أرشدت إلى طريق اهتدت، وهؤلاء لا يهتدون إلى شئ من أمور الديانات مع ما ركب فيهم من العقول الدالة على الرشاد الصارفة عن العناد * (أولئك هم الغافلون) * الكاملون في الغفلة PageV01P723 # * (ولله الأسماء الحسنى) * التي هي أحسن الأسماء، لأنها تتضمن معاني حسنة، بعضها يرجع إلى صفات ذاته كالعالم والقادر والحي والإله، وبعضها يرجع إلى صفات فعله كالخالق والرازق والبارئ والمصور، وبعضها تفيد التمجيد والتقديس كالقدوس والغني والواحد (1) * (فادعوه بها) * فسموه بتلك الأسماء * (وذروا الذين يلحدون في أسمائه) * أي: واتركوا الذين يعدلون بأسمائه عما هي عليه فيسمون بها أصنامهم، أو يصفونه بما لا يليق به ويسمونه بما لا يجوز تسميته به (2) * (وممن خلقنا أمة يهدون بالحق) * عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه كان يقول إذا قرأها: " هذه لكم وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها * (ومن قوم موسى أمة) * الآية " (3). # سورة الأعراف / 182 - 185 وعن علي (عليه السلام) قال: " والذي نفسي بيده، لتفترقن هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا فرقة * (وممن خلقنا أمة يهدون بالحق) * الآية، # PageV01P724 # فهذه التي تنجو " (1). # وعن الباقر والصادق (عليهما السلام) أنهما قالا: " نحن هم " (2). # * (والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (182) وأملى لهم إن كيدي متين (183) أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين (184) أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شئ وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون (185) من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون) * (186) الاستدراج من الدرجة بمنزلة الاستصعاد والاستنزال درجة بعد درجة، والمعنى: سنستدنيهم قليلا قليلا إلى الهلاك حتى يقعوا فيه بغتة * (من حيث لا يعلمون) * ما يراد بهم * (وأملى لهم) * عطف على * (سنستدرجهم) * وهو داخل في حكم السين * (إن كيدي متين) * سماه كيدا لأنه شبيه بالكيد، لأنه في الظاهر إحسان وفي الحقيقة خذلان * (أولم يتفكروا) * هؤلاء الكفار فيعلموا * (ما بصاحبهم) * بمحمد (صلى الله عليه وآله) * (من جنة) * أي: جنون، وكانوا يقولون: شاعر مجنون، ms0417 وعن قتادة: أن النبي (صلى الله عليه وآله) علا الصفا فدعاهم فخذا فخذا يحذرهم بأس الله، فقال قائلهم: إن صاحبكم هذا لمجنون بات يهوت (3) إلى الصباح (4) * (أولم # PageV01P725 # ينظروا) * نظر استدلال * (في ملكوت السماوات والأرض) * فيما يدلان عليه من عظم الملك * (وما خلق الله من شئ) * وفيما خلق الله مما يقع عليه اسم الشئ من أجناس خلقه التي لا يحصرها العدد، * (و) * في * (أن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم) * ولعلهم يموتون عن قريب فيسارعوا إلى النظر فيما ينجيهم قبل مغافصة (1) الأجل، و * (أن) * هذه مخففة من الثقيلة، وأصله: وأنه عسى، على أن الضمير ضمير الشأن (2) * (فبأي حديث بعده) * أي: بعد القرآن * (يؤمنون) * والمعنى: لعل أجلهم قد اقترب فما لهم لا يبادرون إلى الإيمان بالقرآن قبل الفوت؟! وبأي حديث أحق منه يريدون أن يؤمنوا؟! وقرئ: * (ويذرهم) * بالياء والنون وبالرفع (3) والجزم (4)، والرفع على الاستئناف، والجزم عطف على محل * (فلا هادي له) * كأنه قيل: من يضلل الله لا يهده أحد ويذرهم. # سورة الأعراف / 187 * (يسئلونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربى لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسئلونك كأنك حفى عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون (187) قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت # PageV01P726 # أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون) * (188) الساعة: من الأسماء الغالبة كالنجم للثريا، وسميت القيامة بالساعة لوقوعها بغتة، أو لأنها على طولها عند الله كساعة من ساعات الخلق (1)، و * (أيان) * بمعنى متى، وقيل: اشتقاقه من أي، لأن معناه أي وقت (2)، و * (مرساها) * إرساؤها أو وقت إرسائها أي: إثباتها، ورسو كل شئ ثباته واستقراره، والمعنى: متى يرسيها الله؟ * (قل إنما علمها) * أي: علم وقت إرسائها عنده قد استأثر به لم يخبر أحدا من خلقه ليكون العباد على حذر منه، وذلك أدعى لهم إلى الطاعة وأزجر عن المعصية، كما أخفى سبحانه وقت الموت ms0418 لذلك * (لا يجليها لوقتها إلا هو) * أي: # لا تزال خفية لا يكشف خفاء علمها إلا هو وحده إذا جاء بها في وقتها * (ثقلت في السماوات والأرض) * أي: أهم شأن الساعة أهل السماوات والأرض من الملائكة والجن والإنس، فكل منهم يود أن يتجلى له علمها وشق عليه خفاؤها وثقل عليه (3)، أو ثقلت فيهما لأن أهليهما يتوقعونها ويخافون شدائدها وأهوالها (4) * (لا تأتيكم إلا بغتة) * أي: فجاءة على غفلة منكم. # وفي الحديث: " إن الساعة تهيج بالناس والرجل يصلح حوضه، والرجل # PageV01P727 # يسقي ماشيته، والرجل يقوم سلعته في سوقه، والرجل يخفض ميزانه ويرفعه " (1). # سورة الأعراف / 188 و 189 * (كأنك حفى عنها) * أي: كأنك عالم بها، وأصله: كأنك أحفيت في السؤال عنها حتى علمتها، أي: استقصيت وألحفت، وقيل: إن * (عنها) * يتعلق ب‍ * (يسئلونك) * أي: يسألونك عنها كأنك حفي أي: عالم بها (2)، وقيل: كأنك حفي بالسؤال عنها تحبه وتؤثره (3)، يعني: أنك تكره السؤال عنها لأنه من علم الغيب الذي استأثر الله به * (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) * أنه المختص بالعلم بها (4) * (قل لا أملك لنفسي) * هو إظهار العبودية، أي: أنا عبد ضعيف لا أملك لنفسي اجتلاب نفع ولا دفع ضرر * (إلا ما شاء) * ربي ومالكي من النفع لي والدفع عني * (ولو كنت أعلم الغيب) * لكانت حالي على خلاف ما هي عليه، فكنت أستكثر # PageV01P728 # المنافع وأجتنب المضار ولم أكن غالبا مرة ومغلوبا أخرى في الحروب ورابحا وخاسرا في المتاجر * (إن أنا إلا) * عبد أرسلت بشيرا ونذيرا، وما من شأني علم الغيب. # * (هو الذي خلقكم من نفس وا حدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشيها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صلحا لنكونن من الشاكرين (189) فلما آتاهما صلحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون (190) أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون (191) ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون (192) وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون) * (193) * (خلقكم) * خطاب لبني آدم * (من نفس وا حدة) * وهي ms0419 نفس آدم (عليه السلام) * (وجعل منها زوجها) * وهي حواء خلقها من جسد آدم من ضلع من أضلاعه أو من جنسها كقوله: * (جعل لكم من أنفسكم أزواجا) * (1)، * (ليسكن إليها) * ليطمئن إليها ويأنس بها، لأن الجنس إلى الجنس أميل وبه آنس، وذكر * (ليسكن) * ذهابا إلى معنى النفس ليتبين أن المراد بها آدم، ولأن الذكر هو الذي يسكن إلى الأنثى ويتغشاها، والتغشي كناية عن الجماع، وكذلك الغشيان والإتيان * (حملت حملا خفيفا) * وهو الماء الذي حصل في رحمها خف عليها ولم تستثقله * (فمرت به) * أي: استمرت بالحمل على الخفة وقامت به وقعدت كما كانت قبل ذلك، لم يمنعها الحمل عن شئ من التصرف * (فلما أثقلت) * أي: حان وقت ثقل حملها كما يقال: أقربت (2) # PageV01P729 # * (دعوا الله) * أي: دعا آدم وحواء ربهما ومالك أمرهما الذي هو الحقيق بأن يلتجأ إليه فقالا: * (لئن آتيتنا صلحا) * لئن وهبت لنا ولدا سويا قد صلح بدنه وبرئ، وقيل: ولدا ذكرا (1) لأن الذكورة من الصلاح والجودة، والضمير في * (آتيتنا) * و * (لنكونن) * لهما ولكل من يتناسل من ذريتهما * (فلما آتاهما) * ما طلباه من الولد الصالح السوي * (جعلا له شركاء) * أي: جعل أولادهما له شركاء، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، وكذلك * (فيما آتاهما) * أي: آتي أولادهما (2)، وقد دل على ذلك قوله: * (فتعالى الله عما يشركون) * حيث جمع الضمير، ومعنى إشراكهم فيما آتاهم الله: تسميتهم أولادهم بعبد العزى وعبد مناة وعبد يغوث وما أشبه ذلك مكان عبد الله وعبد الرحمن، وقرئ: " جعلا له شركا " (3) أي: ذوي شرك وهم الشركاء. # وفي الآية وجه آخر: وهو أن يكون الخطاب لقريش وهم آل قصي، أي: # خلقكم من نفس قصي وجعل من جنسها زوجها عربية قرشية، فلما آتاهما ما طلبا من الولد الصالح السوي جعلا له شركاء فيما آتاهما حيث سميا أولادهما الأربعة بعبد مناف وعبد العزى وعبد قصي وعبد الدار (4). # سورة الأعراف / 192 - 195 * (أيشركون مالا) * يقدر على خلق شئ * (وهم يخلقون) * لأن عبدتهم يخلقونهم فهم أعجز من عبدتهم * (ولا يستطيعون) * لعبدتهم * (نصرا ولا أنفسهم ms0420 # PageV01P730 # ينصرون) * فيدفعون عنها ما يعتريها من الحوادث * (وإن تدعوهم إلى الهدى) * أي: إلى ما هو هدى، أو إلى أن يهدوكم (1) * (لا يتبعوكم) * إلى مرادكم وطلبتكم، ولا يجيبوكم كما يجيبكم الله * (سواء عليكم أدعوتموهم أم) * صمتم عن دعائهم في أنه لا فلاح معهم. # * (إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين (194) ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون) * (195) * (إن الذين) * تعبدونهم وتسمونهم آلهة * (من دون الله عباد أمثالكم) * استهزاء بهم، أي: نهاية أمرهم أن يكونوا أحياء عقلاء، فإن ثبت ذلك فهم عباد أمثالكم لا تفاضل بينكم * (فادعوهم) * في مهماتكم ولصرف الأسواء عنكم، ثم أبطل أن يكونوا عبادا أمثالهم بقوله: * (ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها) * ثم قال: * (قل ادعوا شركاءكم) * واستعينوا بهم في عداوتي * (ثم كيدون‍) * - ي جميعا أنتم وشركاؤكم * (فلا تنظرون) * - ي فإني لا أبالي بكم، وهذا لا يقوله إلا من هو واثق بعصمة الله، وكانوا قد خوفوه بآلهتهم فأمر أن يجيبهم بذلك. # * (إن ولى الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصلحين (196) والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون (197) وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتريهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون (198) خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن # PageV01P731 # الجهلين) * (199) * (إن) * ناصري وحافظي ودافع شركم عني * (الله الذي نزل) * القرآن وأعزني برسالته * (وهو يتولى الصلحين) * ومن عاداته أن ينصر المطيعين له الصالحين من عباده * (وتريهم ينظرون إليك) * أي: يشبهون الناظرين إليك لأنهم صوروا أصنامهم بصورة من يقلب حدقته إلى الشئ ليراه * (وهم لا يبصرون) * وهم لا يدركون المرئي * (خذ العفو) * أي: خذ ما عفاك من أفعال الناس وأخلاقهم وما يأتي منهم من غير كلفة، ولا تداقهم، واقبل الميسور منهم (1)، ونحوه قوله (عليه السلام): # " يسروا ولا تعسروا " (2)، أمر سبحانه بالتسامح وترك الاستقصاء في القضاء والاقتضاء * (وأمر بالعرف) * بالمعروف والجميل من الأفعال والحميد ms0421 من الخصال * (وأعرض عن الجهلين) * ولا تكافئ السفهاء بمثل سفههم، وأعرض عما يسوؤك منهم. # وقيل: إنه لما نزلت الآية سأل جبرئيل، فقال: " لا أدري حتى أسأل "، ثم أتاه فقال: " يا محمد إن الله يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك " (3). # سورة الأعراف / 200 - 202 وعن الصادق (عليه السلام): " أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق منها " (4). # PageV01P732 # * (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم (200) إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون (201) وإخوانهم يمدونهم في الغى ثم لا يقصرون (202) وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى إلى من ربى هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) * (203) * (وإما) * ينخسنك * (من الشيطان) * نخس في القلب يوسوسك على خلاف ما أمرت به * (فاستعذ بالله) * ولا تطعه، وجعل النزغ نازغا مثل قولهم: # جد جده، والنزغ والنسغ والنخس بمعنى، كأنه ينخس الإنسان حين يغريه على المعاصي، وقرئ: " طيف " (1) و * (طائف) * وهو مصدر قولهم: طاف به الخيال يطيف طيفا، أو هو تخفيف طيف فيعل من طاف يطيف كلين، أو من طاف يطوف كهين (2)، وهذا تأكيد وتقرير لما تقدم من وجوب الاستعاذة بالله عند نزغ الشيطان، وأن المتقين هذه عادتهم * (إذا) * أصابهم أدنى لمة (3) * (من الشيطان تذكروا) * ما أمر الله به ونهى عنه فأبصروا الرشد ودفعوا الوسوسة * (و) * أما إخوان الشياطين الذين ليسوا بمتقين فإن الشياطين * (يمدونهم في الغى) * أي: يكونون مددا لهم ويزيدونهم فيه، وقرئ: " يمدونهم " (4) من # PageV01P733 # الإمداد (1)، وفي الشواذ: " يمادونهم " (2) والمعنى: يعاونونهم * (ثم لا يقصرون) * أي: لا يمسكون عن إغوائهم حتى يصروا ولا يرجعوا، وقوله: * (وإخوانهم يمدونهم) * كقول الشاعر: # قوم إذا الخيل جالوا في كواثبها (3) سورة الأعراف / 204 و 205 في أن الخبر جرى على غير من هو له، ويجوز أن يراد بالإخوان: الشياطين ويرجع الضمير إلى * (الجهلين) * فيكون الخبر جاريا على من هو له (4)، والأول أوجه، لأن * (إخوانهم) * في مقابلة * (الذين اتقوا) *، وجاز ms0422 جمع الضمير في * (إخوانهم) * والشيطان مفرد لأن المراد به الجنس، فهو كقوله: * (أولياؤهم الطاغوت) * (5)، * (وإذا لم تأتهم بآية) * مقترحة * (قالوا لولا اجتبيتها) * اجتبى الشئ: إذا جباه لنفسه بمعنى جمعه، كقوله: " اجتمعته ": أو جبي إليه فاجتباه أي: # أخذه، والمعنى: هلا اجتمعتها افتعالا من عند نفسك لأنهم كانوا يقولون: " إن هذا إلا إفك مفترى "، أو هلا أخذتها منزلة عليك مقترحة * (قل إنما أتبع ما يوحى إلى من ربى) * ولست بمفتعل للآيات، أو لست بمقترح لها * (هذا بصائر) * أي: هذا # PageV01P734 # القرآن حجج بينة ودلائل واضحة يعود الناس بها بصراء بعد العمى، أو هو بمنزلة بصائر القلوب. # * (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون (204) واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين (205) إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون) * (206) هذا بظاهره يوجب استماع القرآن والإنصات له وقت قراءته في الصلاة وغير الصلاة، وقيل: إنه في الصلاة خاصة خلف الإمام الذي يؤتم به إذا سمعت قراءته، وكان المسلمون يتكلمون في الصلاة فنزلت (1)، ثم صار سنة في غير الصلاة أن ينصت القوم في المجلس الذي يقرأ فيه القرآن (2)، وقيل: معناه: إذا تلى عليكم الرسول القرآن عند نزوله * (فاستمعوا له) * (3). # قال الصادق (عليه السلام): " إذا قرئ عندك القرآن وجب عليك الإنصات والاستماع " (4). # * (لعلكم ترحمون) * لترحموا بذلك * (واذكر ربك في نفسك) * هو عام في الأذكار من قراءة القرآن والدعاء والتسبيح والتهليل والتحميد * (تضرعا وخيفة) * أي: # PageV01P735 # متضرعا وخائفا * (ودون الجهر) * ومتكلما كلاما دون الجهر، لأن الإخفاء أدخل في الإخلاص وأبعد من الرياء وأقرب إلى القبول * (بالغدو والآصال) * بالغدوات والعشيات لفضل هذين الوقتين، وقيل: المراد به دوام الذكر واتصاله (1) * (ولا تكن من الغافلين) * عن ذكر الله اللاهين عنه * (إن الذين عند ربك) * وهم الملائكة، والمعني في * (عند) *: دنو المنزلة والزلفة والقرب من فضل الله ورحمته، لتوفرهم على طاعته * (لا يستكبرون عن عبادته) * مع جلالة قدرهم وعلو أمرهم * (ويسبحونه) * ينزهونه عما لا يليق به * (وله يسجدون) * ويختصونه بالسجود ms0423 والعبادة، وهذا أول سجدات القرآن (2). # PageV01P736 # تفسير جوامع الجامع للمفسر الكبير والمحقق النحرير الشيخ أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي قدس سره من اعلام القرن السادس الهجري الجزء الثاني تحقيق مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة PageV02P001 # شابك 5 - 158 - 470 - 964 5 - 158 - 470 - ISBN 964 جوامع الجامع ج 2 تأليف: المفسر الكبير الشيخ الفضل بن الحسن الطبرسي قدس سره تحقيق ونشر: مؤسسة النشر الاسلامي الموضوع: التفسير عدد الاجزاء: 3 أجزاء الطبعة: الأولى المطبوع: 2000 نسخة التاريخ: 1420 ه‍ مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة PageV02P002 # سورة الأنفال مدنية (1)، وهي ست وسبعون آية بصري، خمس كوفي، * (ثم يغلبون) * (2) و * (مفعولا) * (3) الأول بصري، * (بنصره وبالمؤمنين) * (4) كوفي. # في خبر أبي: " ومن قرأ سورة الأنفال وبراءة فأنا شفيع له وشاهد له يوم القيامة أنه برئ من النفاق، وأعطي من الأجر بعدد كل منافق ومنافقة في دار الدنيا عشر حسنات، ومحي عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، وكان العرش وحملته يصلون عليه أيام حياته في دار الدنيا " (5). # قال الصادق (عليه السلام): " من قرأهما في كل شهر لم يدخله نفاق أبدا، وكان من شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) حقا، ويأكل يوم القيامة من موائد الجنة معهم حتى يفرغ الناس من الحساب " (6). # PageV02P003 # بسم الله الرحمن الرحيم * (يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين (1)) * قرأ ابن مسعود وعلي بن الحسين زين العابدين والباقر والصادق (عليهم السلام): # " يسئلونك الأنفال " (1)، وهذه القراءة مؤدية للسبب في القراءة الأخرى التي هي * (عن الأنفال) * وذلك أنهم إنما سألوه عنها استعلاما لحالها، هل يسوغ طلبها؟ # وفي القراءة (2) بالنصب تصريح بطلبها، وبيان عن الغرض في السؤال عنها. # والنفل: الزيادة على الشئ، قال لبيد: # إن تقوى ربنا خير نفل (3) قال الصادق (عليه السلام): الأنفال كل ما أخذ من دار الحرب بغير قتال، وكل أرض انجلى أهلها عنها بغير قتال أيضا - وسماها الفقهاء فيئا - والأرضون الموات والآجام وبطون الأودية وقطائع الملوك وميراث ms0424 من لا وارث له، وهي لله والرسول ولمن قام مقامه بعده (4) * (فاتقوا الله) * باتقاء مخالفة ما يأمركم هو ورسوله به * (وأصلحوا ذات بينكم) * حقيقة أحوال بينكم، والمعنى: أصلحوا ما بينكم من الأحوال حتى تكون أحوال ألفة واتفاق ومودة، ونحوه: " ذات الصدور " وهي مضمراتها. # PageV02P004 # * (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون (2) الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجت عند ربهم ومغفرة ورزق كريم (4)) * أي: * (إنما) * الكاملون في الايمان * (الذين) * من صفتهم أنهم * (إذا ذكر الله) * عندهم واقتداره وأليم عقابه على المعاصي * (وجلت قلوبهم) * أي: خافت * (وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا) * أي: ازدادوا بها يقينا وطمأنينة نفس وتصديقا إلى تصديقهم بما أنزل قبل ذلك من القرآن * (وعلى ربهم يتوكلون) * وإليه يفوضون أمورهم فيما يخافون ويرجون، وخص الصلاة والزكاة بالذكر لعظم شأنهما وتأكد الامر فيهما. # * (أولئك) * المستجمعون لهذه الخصال * (هم) * الذين استحقوا إطلاق اسم الايمان على الحقيقة، و * (حقا) * صفة لمصدر محذوف، أي: إيمانا حقا، أو هو مصدر مؤكد للجملة التي هي * (أولئك هم المؤمنون) * كما تقول: هو عبد الله حقا، أي: حق ذلك حقا * (درجت) * شرف وكرامة وعلو رتبة * (ومغفرة) * وتجاوز لسيئاتهم * (ورزق كريم) * نعيم الجنة، أي: منافع دائمة، على سبيل التعظيم، وهذا معنى الثواب. # * (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون (5) يجادلونك في الحق بعد ما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون (6) وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلمته ويقطع دابر الكافرين (7) ليحق الحق ويبطل البطل ولو كره المجرمون (8)) * PageV02P005 # الكاف في محل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هذه الحال كحال إخراجك، والمعنى: أن حالهم في كراهة ما حكم الله في الأنفال مثل حالهم في كراهة خروجك من بيتك للحرب. ويجوز أن يكون في محل النصب على أنه صفة لمصدر الفعل المقدر في قولك: " الأنفال لله ms0425 والرسول "، أي: الأنفال استقرت لله والرسول، وثبتت مع كراهتهم ثباتا مثل ثبات إخراج ربك إياك من بيتك مع كراهتهم، فعلى هذا لا يكون الوقف من قوله: * (قل الأنفال) * إلى قوله: * (بالحق) *، وعلى الأول جاز الوقف على قوله: * (والرسول) * وقوله: * (مؤمنين) *، و * (من بيتك) * يريد بيته بالمدينة، أو المدينة نفسها، لأنها مهاجره ومسكنه * (بالحق) * أي: إخراجا متلبسا بالحكمة والصواب الذي لا محيد عنه، وهو الجهاد * (وإن فريقا من المؤمنين لكارهون) * في موضع الحال، أي: أخرجك في حال كراهتهم. # * (يجادلونك في الحق) * فيما دعوتهم إليه، وهو تلقي النفير، وهو جيش قريش لإيثارهم عليه تلقي العير * (بعد ما تبين) * بعد إعلام رسول الله بأنهم ينصرون، وجدالهم أنهم قالوا: ما خرجنا إلا للعير، وذلك: أن عير قريش أقبلت من الشام معها أربعون راكبا منهم أبو سفيان وعمرو بن العاص، فأخبر جبرئيل رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأخبر المسلمين، فأعجبهم تلقي العير، فلما خرجوا بلغ أهل مكة خبر خروجهم، فنادى أبو جهل فوق الكعبة: يا أهل مكة النجا النجا (1) على كل صعب وذلول، عيركم، أموالكم، إن أصابها محمد لن تفلحوا بعدها أبدا، وخرج أبو جهل بجميع أهل مكة وهم النفير، وفي المثل السائر: " لا في العير ولا في النفير " (2)، فقيل له: # PageV02P006 # إن العير أخذت طريق الساحل ونجت، فارجع بالناس إلى مكة، فقال: لا والله حتى ننحر الجزر ونشرب الخمر ببدر، فتتسامع العرب بأن محمدا - (صلى الله عليه وآله) - لم يصب العير، وأنا أغضضناه، فمضى بهم إلى بدر. # وبدر ماء كانت العرب تجتمع فيه لسوقهم يوما في السنة، ونزل جبرئيل فقال: # يا محمد - (صلى الله عليه وآله) - إن الله وعدكم * (إحدى الطائفتين) *: إما العير وإما قريشا، فاستشار النبي (صلى الله عليه وآله) أصحابه وقال: ما تقولون؟ إن القوم قد خرجوا من مكة فالعير أحب إليكم أم النفير؟ قالوا: بل العير أحب إلينا من لقاء العدو، فتغير وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال: إن العير قد مضت على ساحل البحر، وهذا أبو جهل قد ms0426 أقبل، فقالوا: يا رسول الله عليك بالعير ودع العدو، فقام رجال من أصحابه وقالوا، ثم قام المقداد بن عمرو وقال: والله لو أمرتنا أن نخوض جمر الغضى (1) وشوك الهراس (2) لخضنا (3) معك، ولا نقول لك ما قالت بنو إسرائيل لموسى: * (فاذهب أنت وربك فقتلا إنا ههنا قاعدون) * (4) ولكنا نقول: امض لما أمرك ربك فإنا معك مقاتلون ما دامت منا عين تطرف، وقام سعد بن معاذ وقال: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) امض لما أردت، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله، ففرح رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقوله، وقال: سيروا على بركة الله وأبشروا، فإن الله وعدني * (إحدى الطائفتين) * والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم (5). # PageV02P007 # وقوله: * (كأنما يساقون إلى الموت) * تشبيه حالهم بحال من يعتل إلى القتل وهو ناظر إلى أسباب الموت لا يشك فيه. # * (وإذ) * منصوب بإضمار " اذكروا "، * (أنها لكم) * بدل من * (إحدى الطائفتين) *، و * (غير ذات الشوكة) *: العير، لأنه لم يكن فيها إلا أربعون فارسا، والشوكة: الحدة، مستعارة من حدة الشوك، أي: تتمنون أن يكون العير لكم، ولا تريدون الطائفة الأخرى التي هي ذات الشوكة (1) والحدة * (ويريد الله أن يحق الحق) * أي: يثبته، بأن يعز الإسلام ويعلي كلمته ويهلك وجوه قريش على أيديكم * (بكلمته) * بآياته المنزلة في محاربتهم * (ويقطع دابر الكافرين) * باستئصالهم وقتلهم وأسرهم وطرحهم في قليب بدر، والدابر: الآخر، من دبر: إذا أدبر، والمعنى: أنكم تريدون الفائدة العاجلة والله يريد ما يرجع إلى علو أمور الدين ونصرة الحق، ولذلك اختار لكم الطائفة الأخرى ذات الشوكة، وغلب كثرتهم بقلتكم، وأذلهم وأعزكم، وقوله: * (ليحق الحق) * تعلق بمحذوف، تقديره: # ليحق الحق ويبطل الباطل فعل ذلك. # * (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين (9) وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم (10) إذ يغشيكم النعاس ms0427 أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الاقدام (11) إذ يوحى ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقى في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان (12) ذلك بأنهم شاقوا الله # PageV02P008 # ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب (13) ذا لكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار (14)) * * (إذ تستغيثون ربكم) * بدل من * (إذ يعدكم الله) *، وقيل: إنه يتعلق بقوله: # * (ليحق الحق ويبطل ا لبطل) * (1)، واستغاثتهم: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما نظر إلى المشركين وهم ألف وإلى أصحابه وهم ثلاثمائة ونيف، استقبل القبلة ومد يديه يدعو: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة (2) لا تعبد في الأرض، فما زال كذلك حتى سقط رداؤه من منكبه (3) (4)، * (فاستجاب لكم) * فأغاثكم وأجاب دعوتكم * (أني ممدكم) * أصله: بأني ممدكم، فحذف الجار، وقرئ: * (مردفين) * بكسر الدال وفتحها (5)، من قولك: ردفه: إذا تبعه، وأردفته إياه: إذا أتبعته، ويقال: أردفته وأتبعته: إذا جئت بعده، فعلى الأول يكون معنى * (مردفين) * بكسر الدال: متبعين بعضهم بعضا، أو متبعين أنفسهم المؤمنين، وعلى الثاني يكون معناه: متبعين بعضهم لبعض، أو متبعين للمؤمنين يحفظونهم، ومن قرأ بفتح الدال فمعناه: متبعين أو متبعين. # * (وما جعله الله) * أي: وما جعل الله إمدادكم بالملائكة * (إلا بشرى) * أي: # بشارة لكم بالنصر كالسكينة لبني إسرائيل، والمعنى: أنكم استغثتم ربكم وتضرعتم، فكان الإمداد بالملائكة بشارة لكم بالنصر، وتسكينا منكم، وربطا على قلوبكم * (وما النصر إلا من عند الله) * أي: وما النصر بالملائكة وغيرهم من # PageV02P009 # الأسباب إلا من عند الله، ينصر من يشاء، قل العدد أم كثر. # * (إذ يغشيكم النعاس) * بدل ثان من * (إذ يعدكم الله) *، أو (1) منصوب ب‍ * (- النصر) * أو ب‍ * (- ما جعله الله) *، وقرئ: * (يغشيكم) * بالتخفيف (2) والتشديد ونصب * (النعاس) *، والضمير لله عز وجل، و * (أمنة) * مفعول له، و * (منه) * صفة ل‍ * (أمنة) *، أي: أمنة حاصلة لكم من الله، والمعنى: إذ تنعسون لأمنكم الحاصل من الله بإزالة الرعب ms0428 من قلوبكم * (وينزل عليكم) * قرئ بالتشديد والتخفيف (3) * (من السماء ماء) * أي: مطرا، و * (رجز الشيطان) *: وسوسته إليهم، وذلك أن المشركين قد سبقوهم إلى الماء، ونزل المسلمون في كثيب أعفر (4) تسوخ فيه الأقدام، وناموا، فاحتلم أكثرهم، فتمثل لهم إبليس وقال: يا أصحاب محمد أنتم تزعمون أنكم على الحق وأنتم تصلون على الجنابة وقد عطشتم، ولو كنتم على حق ما غلبكم هؤلاء على الماء، وهاهم الآن يمشون إليكم ويقتلونكم ويسوقون بقيتكم إلى مكة، فحزنوا لذلك، فأنزل الله المطر فمطروا ليلا حتى جرى الوادي، واغتسلوا وتوضأوا، واتخذوا الحياض على عدوة (5) الوادي، وتلبد (6) الرمل الذي كان بينهم وبين العدو حتى ثبت الأقدام عليه، وزالت وسوسة الشيطان، والضمير في * (به) * للماء أو للربط، لأن الجرأة تثبت القدم في مواطن الحرب. # PageV02P010 # * (إذ يوحى) * يجوز أن يكون بدلا ثالثا من * (إذ يعدكم) *، وأن ينتصب ب‍ * (يثبت) *، * (أني معكم) * أعينكم على التثبيت فثبتوهم. # وقوله: * (سألقى) * إلى قوله: * (فاضربوا) * يجوز أن يكون تفسيرا لقوله: * (أني معكم فثبتوا) *، ولا معونة أعظم من إلقاء الرعب في قلوب الكفار، ولا تثبيت أبلغ من ضرب أعناقهم، ويجوز أن يكون غير تفسير، وأن يراد بالتثبيت أن يظهروا ما تيقن به المؤمنون أنهم أمدوا بهم * (فاضربوا فوق الأعناق) * التي هي المذابح، وقيل: أراد الرؤوس (1)، وال‍ * (بنان) *: الأصابع، يريد به الأطراف، والمعنى: # * (فاضربوا) * المقاتل والأطراف من اليدين والرجلين، ويجوز أن يكون من قوله: # * (سألقى) * إلى قوله: * (كل بنان) * عقيب قوله: * (فثبتوا الذين آمنوا) * تلقينا للملائكة ما يثبتونهم به، أي: قولوا لهم قولي: * (سألقى) *. # * (ذلك) * إشارة إلى ما وقع بهم من القتل والعقاب العاجل، أي: ذلك العقاب وقع بهم بسبب مشاقتهم، والمشاقة مشتقة من الشق لأن كلا من المتعاديين في شق خلاف شق صاحبه، والكاف في * (ذلك) * لخطاب الرسول (صلى الله عليه وآله) أو لخطاب كل أحد. وفي * (ذا لكم) * للكفرة على طريقة الالتفات، و * (ذلك) * مبتدأ و * (بأنهم) * خبره، و * (ذا لكم) * في محل الرفع أيضا، أي: ذلكم العقاب أو العقاب ذلكم * (فذوقوه) *، ويجوز أن يكون ms0429 في محل النصب على تقدير: عليكم ذلكم * (فذوقوه) *، كقولك: زيدا فاضربه * (وأن للكافرين) * عطف على * (ذا لكم) * في الوجهين أو نصب على أن الواو بمعنى " مع "، أي: ذوقوا هذا العذاب العاجل مع الآجل الذي لكم في الآخرة، فوضع الظاهر موضع الضمير. # PageV02P011 # * (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الادبار (15) ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير (16) فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلى المؤمنين منه بلاء حسنا إن الله سميع عليم (17)) * الزحف: الجيش الذي يرى لكثرته، كأنه يزحف أي: يدب دبيبا، من زحف الصبي: إذا دب على استه، سمي بالمصدر، والجمع زحوف، والمعنى: إذا لقيتموهم للقتال وهم كثير جم وأنتم قليل فلا تفروا، فضلا عن أن تساووهم في العدد أو تدانوهم، فيكون * (زحفا) * حالا من * (الذين كفروا) *، ويجوز أن يكون حالا من الفريقين، أي: إذا لقيتموهم متزاحفين أنتم وهم، أو حالا من " المؤمنين "، كأنهم أخبروا بما سيكون منهم يوم حنين (1) حين ولوا مدبرين وهم زحف: اثنا عشر ألفا، وفي قوله: * (ومن يولهم يومئذ دبره) * أمارة عليه * (إلا متحرفا لقتال) * هو الكر بعد الفر، يخيل عدوه أنه منهزم ثم يعطف عليه، وهو نوع من مكائد الحرب * (أو متحيزا) * أي: أو منحازا * (إلى فئة) * إلى جماعة أخرى من المسلمين سوى الفئة التي هو فيها، وانتصابهما على الحال و * (إلا) * لغو، أو على الاستثناء من " المولين "، أي: ومن يولهم إلا رجلا منهم متحرفا أو متحيزا، ووزن متحيز متفيعل لا متفعل، لأنه من حاز يحوز، فبناء متفعل منه متحوز. # * (فلم تقتلوهم) * الفاء جواب شرط محذوف، تقديره: إن افتخرتم بقتلهم فأنتم # PageV02P012 # لم تقتلوهم * (ولكن الله قتلهم) * بأن أنزل الملائكة، وألقى الرعب في قلوبهم، وقوى قلوبكم * (وما رميت) * أنت يا محمد (صلى الله عليه وآله) * (إذ رميت) * (1)، وذلك أن قريشا لما جاءت بخيلائها (2) أتاه جبرئيل فقال: خذ قبضة من تراب فارمهم بها، فقال ms0430 لعلي (عليه السلام): أعطني قبضة من حصباء الوادي، فأعطاه، فرمى بها في وجوههم، وقال: شاهت الوجوه، فلم يبق مشرك إلا شغل بعينيه، فانهزموا وردفهم المؤمنون يقتلونهم ويأسرونهم * (ولكن الله رمى) * حيث أثرت الرمية ذلك الأثر العظيم، أثبت الرمي لرسول الله لأنه وجد منه صورة، ونفاه عنه معنى لأن أثره الذي لا يدخل في قدرة البشر فعل الله عز وعلا، فكأنه فاعل الرمية على الحقيقة، وكأنها لم توجد من الرسول أصلا. وقرئ: " ولكن الله قتلهم... ولكن الله رمى " (3)، * (وليبلى المؤمنين) * وليعطيهم * (بلاء) * عطاء * (حسنا) * جميلا، قال زهير: # وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو (4) والمعنى: وللإحسان إلى المؤمنين والإنعام عليهم فعل ما فعل، ولم يفعله إلا لذلك * (إن الله سميع) * لأقوالهم * (عليم) * بأحوالهم. # * (ذا لكم وأن الله موهن كيد الكافرين (18) إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغنى عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين (19) يا أيها الذين آمنوا أطيعوا # PageV02P013 # الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون (20) ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون (21)) * * (ذا لكم) * إشارة إلى البلاء الحسن، ومحله الرفع، أي: الغرض ذلكم * (وأن الله موهن) * عطف على * (ذا لكم) * يعني: أن الغرض إبلاء المؤمنين وتوهين كيد الكافرين، وقرئ: " موهن " بالتشديد (1)، وقرئ على الإضافة (2)، وعلى الأصل الذي هو التنوين والإعمال (3). # * (إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح) * خطاب لأهل مكة على طريق التهكم، وذلك أنهم حين أرادوا أن ينفروا تعلقوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين، وروي: أن أبا جهل قال يوم بدر: اللهم أينا كان أهجر وأقطع للرحم فأحنه (4) اليوم (5)، أي: فأهلكه، وقيل: * (إن تستفتحوا) * خطاب للمؤمنين و * (إن تنتهوا) * للكافرين (6)، أي: وإن تنتهوا عن عداوة رسول الله * (فهو خير لكم وإن تعودوا) * لمحاربته * (نعد) * لنصرته عليكم. # وقرئ: * (وأن الله) * بالفتح على: ولان الله مع المؤمنين كان ذلك، وبالكسر (7) # PageV02P014 # وهو الأوجه، ويقويه قراءة عبد الله: " والله مع المؤمنين " (1). # وقرئ: * (ولا تولوا) * بحذف التاء وإدغامها في الثاني (2)، والضمير ms0431 في * (عنه) * لرسول الله، لأن المعنى: أطيعوا رسول الله، كقوله: * (والله ورسوله أحق أن يرضوه) * (3)، ولأن طاعة الله وطاعة الرسول شئ واحد ورجوع الضمير إلى أحدهما رجوع إليهما، كما تقول: الإحسان والإجمال لا ينفع في فلان * (وأنتم تسمعون) * دعاءه لكم. * (ولا تكونوا كالذين) * ادعوا السماع * (وهم لا يسمعون) * لأنهم ليسوا بمصدقين فكأنهم غير سامعين. # * (إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون (22) ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون (23) يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون (24) واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب (25)) * * (إن شر) * من يدب على وجه الأرض، أو: إن شر البهائم، جعلهم من جنس البهائم ثم جعلهم شرها * (الصم البكم) * أي: الذين هم صم عن الحق لا يسمعونه، بكم لا يقرون به. * (ولو علم الله) * في هؤلاء الصم البكم * (خيرا) * أي: انتفاعا باللطف * (لأسمعهم) * للطف بهم حتى يسمعوا سماع المصدقين * (ولو أسمعهم لتولوا) * أعرضوا، وفي هذا دلالة على أنه سبحانه لا يمنع أحدا اللطف، وإنما لا يلطف لمن يعلم أنه لا ينتفع به. # PageV02P015 # وقال الباقر (عليه السلام): " هم بنو عبد الدار لم يسلم منهم غير مصعب بن عمير وسويد بن حرملة، كانوا يقولون: نحن صم بكم عما جاء به محمد، وقد قتلوا جميعا بأحد، كانوا أصحاب اللواء " (1). # * (إذا دعاكم) * وحد الضمير، لأن استجابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) استجابة الله، والمراد بالاستجابة: الطاعة والامتثال * (لما يحييكم) * من علوم الدين والشرائع، لأن العلم حياة والجهل موت، وقيل: لمجاهدة الكفار وللشهادة (2) لقوله: * (بل أحياء عند ربهم) * (3). * (واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه) * أي: يملك على المرء قلبه فيغير نياته ويفسخ عزائمه، ويبدله بالذكر نسيانا وبالنسيان ذكرا وبالخوف أمنا وبالأمن خوفا، وقيل: معناه: أن المرء لا يستطيع أن يكتم الله بقلبه شيئا وهو يطلع على ضمائره وخواطره، فكأنه حال بينه وبين قلبه ms0432 (4)، وقيل: معناه: أنه يميت المرء فتفوته الفرصة التي هو واجدها، وهي التمكن من إخلاص القلب ومعالجة أدوائه ورده سليما كما يريده الله (5)، فاغتنموا هذه الفرصة وأخلصوا قلوبكم، واعلموا أنكم * (إليه تحشرون) * فيثيبكم على حسب سلامة القلوب وإخلاص الطاعة. # وعن الصادق (عليه السلام): " يحول بين المرء وبين أن يعلم أن الباطل حق " (6). # * (واتقوا فتنة) * أي: بلية (7)، وقيل: ذنبا (8)، وقيل: عذابا (9)، وقيل: هو إقرار # PageV02P016 # المنكر بين أظهرهم (1). # وقوله: * (لا تصيبن) * لا يخلو أن يكون جوابا للأمر، أو نهيا بعد أمر معطوفا عليه بحذف الواو، أو صفة ل‍ * (فتنة) *، فإذا كان جوابا فالمعنى: إن أصابتكم لا تصيب الظالمين * (منكم خاصة) * ولكنها تعمكم، وإنما جاز دخول النون في جواب الأمر لأن فيه معنى النهي، كما تقول: انزل عن الدابة لا تطرحك، ويجوز: # لا تطرحنك، وإذا كانت نهيا بعد أمر فكأنه قيل: واحذروا بلية أو ذنبا أو عقابا، ثم قيل: لا تتعرضوا للظلم فتصيب البلية أو العقاب أو أثر الذنب ووباله من ظلم منكم خاصة، وكذلك إذا جعلته صفة على إرادة القول كأنه قيل: * (واتقوا فتنة) * مقولا فيها: * (لا تصيبن) *، ونظيره قول الشاعر: # حتى إذا جن الظلام واختلط * جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط (2) أي: بمذق يقال فيه هذا القول، لأن فيه لون الورقة التي هي لون الذئب، ويعضده قراءة ابن مسعود: " لتصيبن " (3) على جواب القسم المحذوف، ويكون " من " للتبيين على هذا، لأن المعنى: لا تصيبنكم أو لتصيبنكم خاصة على ظلمكم، لأن الظلم أقبح منكم من سائر الناس. # وعن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية قال النبي (صلى الله عليه وآله): " من ظلم عليا مقعدي هذا بعد وفاتي فكأنما جحد نبوتي ونبوة الأنبياء قبلي "، أورده الحاكم # PageV02P017 # أبو القاسم الحسكاني في كتاب شواهد التنزيل (1) مرفوعا. # وعن ابن عباس أيضا: أنه سئل عن هذه الفتنة، فقال: أبهموا ما أبهم الله، وعن السدي: نزلت في أهل بدر فاقتتلوا يوم الجمل (2). # * (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات ms0433 لعلكم تشكرون (26) يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أمنتكم وأنتم تعلمون (27) واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم (28)) * * (واذكروا) * معاشر المهاجرين * (إذ أنتم قليل) * أي: وقت كونكم أقلة أذلة، ف‍ * (إذ) * هنا مذكور مفعول به وليس بظرف * (مستضعفون) * يستضعفكم قريش * (في الأرض) * يعني: أرض مكة قبل الهجرة * (تخافون أن يتخطفكم الناس) * أي: يستلبكم المشركون من العرب إن خرجتم منها * (فآواكم) * إلى المدينة * (وأيدكم بنصره) * أي: قواكم بمظاهر النصر بإمداد الملائكة يوم بدر * (ورزقكم من الطيبات) * يعني: الغنائم * (لعلكم تشكرون) * إرادة أن تشكروا هذه النعم. # وعن قتادة: كانت العرب أذل الناس وأشقاهم عيشا، وأعراهم جلدا، يؤكلون ولا يأكلون، فمكن الله لهم في البلاد، ووسع عليهم في الرزق والغنائم، وجعلهم ملوكا (3). # ومعنى الخون: النقص، كما أن معنى الوفاء: التمام، ومنه تخونه أي: تنقصه، # PageV02P018 # ثم استعمل في ضد الأمانة والوفاء (1)، لأنك إذا خنت الرجل في شئ فقد أدخلت عليه النقصان فيه، والمعنى: لا تخونوا الله بترك أوامره، والرسول بترك سنته وشرائعه، و * (أمنتكم) * فيما بينكم بأن لا تحفظوها * (وأنتم تعلمون) * وبال ذلك وعقابه، وقيل: * (وأنتم تعلمون) * أنكم تخونون (2)، يعني: أن الخيانة توجد منكم عن عمد، ويحتمل أن يكون * (وتخونوا) * جزما داخلا في حكم النهي، وأن يكون نصبا بإضمار " أن "، نحو: لا تأكل السمك وتشرب اللبن. # * (واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة) * جعلهم فتنة، لأنهم سبب الوقوع في الفتنة وهي الإثم أو العذاب، أو يريد: محنة من الله ليبلوكم كيف تحافظون فيهم على حدوده * (وأن الله عنده أجر عظيم) * فعليكم أن تزهدوا في الدنيا، ولا تحرصوا على جمع المال وحب الولد، ولا تؤثروهما على نعيم الأبد. # * (يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيأتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم (29) وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين (30)) * * (فرقانا) * أي: فتحا ونصرا، كقوله: * (يوم الفرقان) * (3) لأنه يفرق بين الحق بإعزاز أهله والباطل بإذلال أهله، أو هداية ms0434 ونورا وتوفيقا وشرحا للصدور، أو بيانا وظهورا يشهر أمركم في أقطار الأرض. # PageV02P019 # * (وإذ يمكر بك الذين كفروا) * لما فتح الله عليه، ذكره مكر قريش به حين كان بمكة ليشكر النعمة الجليلة في إنجائه منهم واستيلائه عليهم، أي: واذكر إذ يمكرون بك حين اجتمعوا في دار الندوة وتآمروا في أمرك، فقال بعضهم: # نحبسه في بيت ونلقي إليه الطعام والشراب، وقال بعضهم: نحمله على جمل ونخرجه من بين أظهرنا، وقال أبو جهل: نأخذ من كل بطن غلاما ونعطيه سيفا صارما فيضربونه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل فلا يقوى بنو هاشم على حرب قريش كلهم، فإذا طلبوا العقل عقلناه، فقال إبليس وكان قد دخل عليهم في صورة شيخ من أهل نجد: هذا الفتى أجودكم رأيا، فتفرقوا على رأيه مجمعين على قتله. # وعن ابن عباس: * (ليثبتوك) *: ليقيدوك ويوثقوك (1)، وقيل: ليثخنوك (2) بالضرب والجرح (3) من قولهم: ضربوه حتى أثبتوه لا حراك به، وفلان مثبت وجعا * (ويمكرون) * ويخفون المكائد * (ويمكر الله) * ويخفي الله ما أعد لهم حتى يأتيهم بغتة * (والله خير الماكرين) * (4) أي: مكره أنفذ من مكر غيره، أو لأنه لا ينزل إلا ما هو حق وعدل. # * (وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن # PageV02P020 # هذا إلا أساطير الأولين (31) وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم (32) وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون (33) ومالهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون (34)) * * (لو نشاء لقلنا مثل هذا) * قائله: النضر بن الحارث بن كلدة، وأسر يوم بدر فقتله النبي (صلى الله عليه وآله) صبرا بيد علي (عليه السلام)، وإنما قاله صلفا (1) ونفاجة (2)، فإنهم لم يتوانوا في مشيئتهم لو استطاعوا ذلك، وإلا فما منعهم أن يشاءوا غلبة من تحداهم وقرعهم بالمعجز حتى يغلبوه مع فرط حرصهم على قهره وغلبته؟! # * (إن هذا إلا أساطير الأولين) ms0435 * قاله النضر أيضا، وذلك أنه جاء بحديث رستم وإسفنديار من بلاد فارس، وزعم أن هذا مثل ذلك، وهو القائل: اللهم إن كان هذا هو الحق - أي: إن كان القرآن هو الحق - فعاقبنا على إنكاره بالسجيل كما فعلت بأصحاب الفيل، أو بعذاب آخر، ومراده أن ينفي كونه حقا، وإذا انتفي كونه حقا لم يستوجب منكره عذابا، فكان تعليق العذاب بكونه حقا مع اعتقاد أنه ليس بحق كتعليقه بالمحال. # * (ليعذبهم) * اللام لتأكيد النفي، والدلالة على أن تعذيبهم وهو بين أظهرهم غير مستقيم في الحكمة، ومن قضية حكمة الله أن لا يعذب قوما عذاب استئصال ونبيهم بين أظهرهم، وفيه إشعار بأنهم مرصدون بالعذاب إذا هاجر عنهم بدلالة # PageV02P021 # قوله: * (ومالهم ألا يعذبهم الله) *، فكأنه قال: ما يعذبهم وأنت فيهم وهو معذبهم إذا فارقتهم * (ومالهم ألا يعذبهم) *، وقوله: * (وهم يستغفرون) * في موضع الحال، أي: * (وما كان الله معذبهم) * وفيهم من يستغفر وهم المسلمون بين أظهرهم من المستضعفين الذين تخلفوا بعد خروج رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهم على عزم الهجرة، وقيل: معناه نفي الاستغفار عنهم، أي: ولو كانوا ممن يؤمن بالله ويستغفر لما عذبهم، ولكنهم لا يؤمنون ولا يستغفرون (1). # * (ومالهم ألا يعذبهم الله) * وأي شئ لهم في انتفاء العذاب عنهم، يعني: # لاحظ لهم في ذلك * (وهم) * معذبون لا محالة، وكيف لا يعذبون وحالهم أنهم * (يصدون عن المسجد الحرام) * أولياءه * (وما كانوا أولياءه) * أي: وما استحقوا مع شركهم بالله وعداوتهم لرسوله أن يكونوا ولاة أمره * (إن أولياؤه إلا المتقون) * إنما يستحق ولايته من كان تقيا من المسلمين * (ولكن أكثرهم لا يعلمون) * كأنه استثنى من يعلم ويعاند، أو أراد بالأكثر الجميع كما يراد بالقلة العدم. # * (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (35) إن الذين كفروا ينفقون أموا لهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون (36) ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك ms0436 هم الخاسرون (37)) * المكاء: الصفير، والتصدية: التصفيق، وهو ضرب اليد على اليد، وهو تفعلة من الصدى، والمعنى: أنهم وضعوا المكاء والتصدية موضع الصلاة، كما أن الشاعر في قوله: # PageV02P022 # وما كنت أخشى أن يكون عطاؤه * أداهم سودا أو محدرجة سمرا (1) وضع القيود والسياط موضع العطاء، وذلك أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة وهم مشبكون بين أصابعهم يصفرون فيها ويصفقون، وكانوا يفعلون نحو ذلك إذا قرأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) في صلاته يخلطون عليه * (فذوقوا) * عذاب القتل والأسر يوم بدر بسبب كفركم. # * (ينفقون أموا لهم) * نزلت في المطعمين يوم بدر، كان كل يوم يطعم واحد منهم عشر جزر، وقيل: إنهم قالوا لكل من كانت له تجارة في العير: أعينوا بهذا المال على حرب محمد - (صلى الله عليه وآله) - لعلنا ندرك منه ثأرنا بما أصيب منا ببدر (2) * (ليصدوا عن سبيل الله) * أي: كان غرضهم في الإنفاق الصد عن اتباع محمد (صلى الله عليه وآله) وهو سبيل الله * (ثم تكون عليهم حسرة) * ثم تكون عاقبة إنفاقها حسرة * (ثم يغلبون) * آخر الأمر يغلبهم المؤمنون، والكافرون * (إلى جهنم يحشرون) *. # * (ليميز الله) * الفريق الخبيث من الفريق الطيب * (ويجعل الخبيث بعضه) * فوق * (بعض) * في جهنم يضيقها عليهم * (فيركمه) * عبارة عن الجمع والضم حتى يتراكموا، كقوله: * (كادوا يكونون عليه لبدا) * (3)، وقيل: نفقة الكافر من نفقة المؤمن، ويجعل نفقة الكافر بعضها * (على بعض) * فوق بعض * (فيركمه) * ويجمعه # PageV02P023 # * (جميعا فيجعله في جهنم) * يعاقبهم به (1)، كما قال: * (يوم يحمى عليها في نار جهنم) * الآية (2)، وقرئ: * (ليميز) * على التخفيف (3). # * (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنت الأولين (38) وقتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير (39) وإن تولوا فاعلموا أن الله موليكم نعم المولى ونعم النصير (40)) * * (قل للذين كفروا) * أي: قل لأجلهم هذا القول وهو * (إن ينتهوا) *، ولو كان بمعنى خاطبهم به لقيل: إن تنتهوا - بالتاء - يغفر لكم، أي: إن ينتهوا عما هم عليه بالدخول في الإسلام * (يغفر ms0437 لهم ما قد سلف) * من الشرك وعداوة الرسول * (وإن يعودوا) * لعداوته وقتاله * (فقد مضت سنت الأولين) * الذين تحزبوا على أنبياء الله في تدميرهم، فليتوقعوا مثل ذلك إن لم ينتهوا. # * (وقتلوهم حتى لا تكون فتنة) * أي: إلى أن لا يوجد فيهم شرك * (ويكون الدين كله لله) * ويضمحل كل دين باطل ويبقى دين الإسلام وحده. # قال الصادق (4) (عليه السلام): " لم يجئ تأويل هذه الآية، ولو قد قام قائمنا بعد سيرى من يدركه ما يكون من تأويل هذه الآية، وليبلغن دين محمد (صلى الله عليه وآله) ما بلغ الليل حتى لا يكون شرك (5) على ظهر الأرض " (6). # * (فإن انتهوا) * عن الكفر وأسلموا * (فإن الله بما يعملون بصير) * يثيبهم على # PageV02P024 # توبتهم وإسلامهم، وقرئ: " تعملون " بالتاء (1)، فيكون المعنى: فإن الله بما تعملون من الجهاد في سبيله * (بصير) * يجازيكم عليه أحسن الجزاء. # * (وإن تولوا) * ولم ينتهوا فثقوا بولاية الله ونصرته. # * (واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمسكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شئ قدير (41) إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضى الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم (42)) * " ما " موصولة، و * (من شئ) * بيانه * (فأن لله) * مبتدأ، وخبره محذوف تقديره: فواجب، أو فحق أن * (لله خمسه) *. # قال أصحابنا رضوان الله عليهم أجمعين: إن الخمس يقسم على ستة أسهم كما في الآية: سهم لله، وسهم للرسول (صلى الله عليه وآله)، وسهم لذوي القربى، فهذه الأسهم الثلاثة اليوم للإمام القائم مقام الرسول (صلى الله عليه وآله)، وسهم ليتامى آل محمد، وسهم لمساكينهم، وسهم لأبناء سبيلهم لا يشركهم في ذلك غيرهم، لأن الله سبحانه حرم عليهم الصدقة لكونها أوساخ الناس وعوضهم من ذلك الخمس (2). روى ذلك الطبري (3) عن علي بن الحسين زين العابدين ومحمد بن علي الباقر صلوات الله عليهما. ms0438 # PageV02P025 # ورووا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قيل له: إن الله تعالى قال: * (واليتامى والمسكين) * فقال: " أيتامنا ومساكيننا " (1). # وقوله: * (إن كنتم آمنتم بالله) * تعلق بمحذوف يدل عليه * (واعلموا) *، والمعنى: إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أن الخمس من الغنيمة يجب التقرب به فاقطعوا عنه أطماعكم واقتنعوا بالأخماس الأربعة * (وما أنزلنا) * معطوف على * (بالله) * أي: إن كنتم آمنتم بالله وبالمنزل * (على عبدنا يوم الفرقان) * يعني: # يوم بدر (2)، و * (الجمعان) *: الفريقان من المسلمين والكافرين، والمراد: ما أنزل من الآيات والملائكة والفتح يومئذ. # * (إذ) * بدل من * (يوم الفرقان) *، و " العدوة ": شط الوادي، بالكسر والضم، و * (الدنيا) * و * (القصوى) * تأنيث الأدنى والأقصى، والقياس أن تقلب الواو ياء كالعليا إلا أن القصوى جاءت على الأصل شاذا كالقود، والعدوة الدنيا مما يلي المدينة، والعدوة القصوى مما يلي مكة * (والركب أسفل منكم) * يعني أبا سفيان والعير * (أسفل) * نصب على الظرف، معناه: مكانا أسفل من مكانكم يقودون العير بالساحل، ومحله رفع لأنه خبر المبتدأ. # والفائدة في ذكر هذه المراكز الإخبار عن الحال الدالة على قوة المشركين وضعف المسلمين، وأن غلبتهم على مثل هذه الحال أمر إلهي لم يتيسر إلا بحوله وقوته، وذلك أن العدوة القصوى كان فيها الماء، ولا ماء بالعدوة الدنيا وهي خبار (3) تسوخ فيها الأرجل، وكانت العير وراء ظهورهم مع كثرة عددهم، وكانت # PageV02P026 # الحماية دونها تضاعف حميتهم وتحملهم على أن يبرحوا مواطنهم ويبذلوا نهاية نجدتهم، وفيه تصوير ما دبره عز اسمه من أمر وقعة بدر * (ليقضى الله أمرا كان مفعولا) * من إعزاز دينه وإعلاء كلمته * (ولو تواعدتم) * أنتم وأهل مكة وتواضعتم بينكم على موعد تلتقون فيه للقتال لخالف بعضكم بعضا، فثبطكم قلتكم وكثرتهم عن الوفاء بالموعد، وثبطهم ما في قلوبهم من الرعب، فلم يتفق لكم من اللقاء ما وفقه الله * (ليقضى) * متعلق بمحذوف، أي: ليقضي أمرا كان واجبا أن يفعل دبر ذلك، وقوله: * (ليهلك) * بدل منه، واستعير الهلاك والحياة للكفر والإسلام، أي: # ليصدر كفر من كفر عن وضوح بينة وقيام حجة عليه، ويصدر إسلام من أسلم عن ms0439 يقين وعلم بأنه الدين الحق الذي يجب التمسك به * (لسميع عليم) * يعلم كيف يدبر أموركم. # * (إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أربكهم كثيرا لفشلتم ولتنزعتم في الامر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور (43) وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضى الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور (44)) * * (إذ) * نصب بإضمار " أذكر "، أو هو بدل ثان من * (يوم الفرقان) *، أو متعلق بقوله: * (لسميع عليم) * أي: يعلم المصالح إذ يقللهم في عينك * (في منامك) * أي: # في رؤياك، وذلك أن الله سبحانه أراهم إياه في رؤياه قليلا، فأخبر بذلك أصحابه فكان (1) تشجيعا لهم عليهم، وعن الحسن: * (في منامك) * في عينك لأنها مكان النوم (2)، والفشل: الجبن، أي: لجبنتم وهبتم الاقدام، ولتنازعتم في الرأي وتفرقت كلمتكم فيما تصنعون * (ولكن الله سلم) * أي: أنعم بالسلامة من الفشل والتنازع # PageV02P027 # * (إنه عليم بذات الصدور) * يعلم ما سيكون فيها من الجرأة والجبن. # * (وإذ يريكموهم) * أي: يبصركم إياهم، و * (قليلا) * نصب على الحال، وإنما قللهم في أعينهم تصديقا لرؤيا رسول الله. # وعن ابن مسعود: لقد قللوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ قال: أراهم مائة، فأسرنا رجلا منهم فقلنا: كم كنتم؟ قال: ألفا (1). # * (ويقللكم في أعينهم) * حتى قال قائل منهم: إنما هم أكلة جزور، وإنما قللهم في أعينهم ليجترئوا عليهم قبل اللقاء، ثم كثرهم فيها بعد اللقاء لتفجأهم الكثرة فيهابوا وتفل شوكتهم حين يرون ما لم يكن في حسابهم، وذلك قوله: * (يرونهم مثليهم رأى العين) * (2)، ويمكن أن يكونوا قد أبصروا الكثير قليلا بأن ستر الله عنهم بعض أولئك بساتر. # * (يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (45) وأطيعوا الله ورسوله ولا تنزعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصبرين (46) ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديرهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط (47)) * أي: إذا حاربتم جماعة كافرة، وإنما لم يصفهم لأن المؤمنين لا يحاربون إلا الكفار، واللقاء اسم للقتال غالب ms0440 * (فاثبتوا) * لقتالهم ولا تفروا * (واذكروا الله كثيرا) * في مواطن القتال، مستعينين به مستظهرين بذكره * (لعلكم تفلحون) * أي: # تظفرون بمرادكم من النصرة والمثوبة. * (ولا تنزعوا) * أي: لا تتنازعوا فيما بينكم فتضعفوا عن قتال عدوكم، و * (تفشلوا) * منصوب بإضمار " أن "، والريح: الدولة، # PageV02P028 # شبهت في نفوذ أمرها بالريح وهبوبها، قالوا: هبت رياح فلان: إذا دالت له الدولة ونفذ أمره، وقيل: لم يكن قط نصر إلا بريح يبعثها الله (1). # وفي الحديث: " نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور " (2). # * (كالذين خرجوا من ديرهم) * هم أهل مكة خرجوا ليحموا (3) عيرهم، فأتاهم رسول أبي سفيان وهم بالجحفة (4): أن ارجعوا فقد سلمت عيركم، فأبى أبو جهل وقال: حتى نقدم بدرا نشرب بها الخمور وتعزف علينا القيان، فذلك بطرهم ورئاؤهم الناس: إطعامهم، فوافوها فسقوا كأس الحمام (5) مكان الخمر، وناحت عليهم النوائح مكان القيان. # * (وإذ زين لهم الشيطان أعملهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني برئ منكم إني أرى مالا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب (48)) * قيل: إن قريشا لما اجتمعت للمسير ذكرت ما بينها وبين كنانة من الحرب فكاد ذلك يثنيهم، فتمثل لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم الكناني (6) وكان من أشرافهم، ف‍ * (قال لا غالب لكم اليوم... وإني) * مجيركم من بني كنانة * (فلما) * رأى الملائكة تنزل * (نكص) * ولما نكص قال له # PageV02P029 # الحارث (1) وكانت يده في يده: إلى أين؟ أتخذلنا في هذه الحال؟ ف‍ * (قال... إني أرى مالا ترون) * ودفع في صدره وانطلق، وانهزموا، فلما بلغوا مكة قالوا: هزم الناس سراقة، فبلغ ذلك سراقة، فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم (2). # * (إذ يقول المنفقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم (49) ولو ترى إذ يتوفي الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق (50) ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلم للعبيد (51)) * * (إذ يقول المنفقون) * بالمدينة * (والذين في قلوبهم مرض) * والشاكون في الإسلام * (غر هؤلاء ms0441 دينهم) * يعنون المسلمين، أي: اغتروا بدينهم وأنهم ينصرون من أجله، فخرجوا مع قلتهم إلى قتال المشركين مع كثرتهم * (ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز) * غالب ينصر الضعيف على القوي، والقليل على الكثير. # * (ولو ترى) * أي: ولو عاينت وشاهدت، لأن " لو " يرد المضارع إلى معنى الماضي، كما أن " إن " ترد الماضي إلى معنى الاستقبال، و * (إذ) * نصب على الظرف، وقرئ: * (يتوفي) * بالياء والتاء (3)، و * (يضربون) * حال، وعن مجاهد: * (أدبرهم) *: # أستاههم ولكن الله كريم يكني (4)، وقيل: يضربون ما أقبل منه (5) وما أدبر، # PageV02P030 # والمراد به قتلى بدر (1) * (وذوقوا) * معطوف على * (يضربون) * على إرادة القول، أي: * (و) * يقولون: * (ذوقوا عذاب الحريق) * بعد هذا في الآخرة، وقيل: كانت مع الملائكة مقامع من حديد كلما ضربوا بها التهبت النار في جراحاتهم (2). # * (ذلك بما قدمت أيديكم) * يحتمل أن يكون من كلام الله، ومن كلام الملائكة، و * (ذلك) * مبتدأ، و * (بما قدمت) * خبره * (وأن الله) * عطف عليه، أي: # ذلك العذاب بسببين: بسبب كفركم ومعاصيكم وبأن الله يعذب الكفار بالعدل، لأنه لا يظلم عباده في عقوبتهم، وقد بالغ في نفي الظلم عن نفسه بقوله: * (ليس بظلم للعبيد) *. # * (كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوى شديد العقاب (52) ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم (53) كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين (54)) * الكاف في محل الرفع، أي: دأب هؤلاء مثل دأب * (آل فرعون) *، ودأبهم: # عادتهم وعملهم الذي دأبوا فيه، أي: داوموا عليه، و * (كفروا) * تفسير لدأب آل فرعون. و * (ذلك) * إشارة إلى ماحل بهم، أي: * (ذلك) * العذاب * (ب‍) * سبب * (أن الله) * لا يصح في حكمته أن يغير نعمته عند * (قوم حتى يغيروا ما) * بهم من الحال، وعن السدي (3): النعمة محمد (صلى الله عليه وآله) أنعم الله به على قريش فكفروا به # PageV02P031 # وكذبوه فنقله إلى الأنصار (1) * (وأن الله سميع) * لما يقول مكذبو ms0442 الرسل * (عليم) * بما يفعلون. # * (كدأب آل فرعون) * تكرير للتأكيد، وفي قوله: * (بآيات ربهم) * زيادة دلالة على كفران النعم، وفي ذكر الإغراق بيان للاخذ بالذنوب * (وكل كانوا ظالمين) * أي: وكل من غرقى آل فرعون وقتلى قريش كانوا ظالمين أنفسهم بكفرهم ومعاصيهم. # * (إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون (55) الذين عهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون (56) فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون (57) وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين (58)) * * (الذين كفروا فهم لا يؤمنون) * أي: أصروا على الكفر فلا يتوقع منهم إيمان، وهم بنو قريظة عاهدهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) على أن لا يمالئوا (2) عليه عدوا، فنكثوا بأن أعانوا مشركي مكة بالسلاح وقالوا: نسينا و (3) أخطأنا، ثم عاهدهم فنكثوا ومالأوا عليه الأحزاب يوم الخندق. * (الذين عهدت منهم) * بدل من * (الذين كفروا) * أي: الذين عاهدتهم من الذين كفروا، جعلهم شر الدواب لأن شر الناس الكفار، وشر الكفار المصرون منهم، وشر المصرين الذين ينقضون العهد # PageV02P032 # * (وهم لا يتقون) * أي: لا يخافون عاقبة الغدر، ولا يبالون ما فيه من العار والنار. # * (فإما تثقفنهم) * أي: تصادفنهم في الحرب، والمعنى: إن ظفرت بهم وأدركتهم * (فشرد بهم من خلفهم) * أي: ففرق عن محاربتك ومناصبتك من وراءهم من الكفرة بقتلهم شر قتلة، حتى لا يجسر عليك بعدهم أحد، اعتبارا بهم واتعاظا بحالهم. * (وإما تخافن من قوم) * معاهدين * (خيانة) * ونكثا للعهد * (فانبذ إليهم) * أي: فاطرح إليهم العهد * (على سواء) * على طريق مقتصد (1) مستو، وذلك بأن تخبرهم بنبذ العهد إخبارا ظاهرا مكشوفا، وتبين لهم أنك قطعت ما بينك وبينهم، ولا تبدأهم بالقتال وهم على توهم بقاء العهد فيكون ذلك خيانة * (إن الله لا يحب الخائنين) * فلا تخنهم بأن تناجزهم القتال من غير إعلامهم بالنبذ، وقيل: معناه على استواء في العلم بنقض العهد (2)، والجار والمجرور في موضع الحال، كأنه قيل: # فانبذ إليهم ثابتا على طريق قصد سوي، أو حاصلين على استواء ms0443 في العلم على أنها حال من النابذ والمنبوذ إليهم معا. # * (ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون (59) وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شئ في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون (60) وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم (61)) * * (سبقوا) * أي: فاتوا من أن يظفر بهم * (إنهم لا يعجزون) * أي: لا يفوتون ولا يجدون طالبهم عاجزا عن إدراكهم، وقرئ: " أنهم " بالفتح (3) بمعنى " لأنهم "، # PageV02P033 # وكل واحدة من المكسورة والمفتوحة تعليل، إلا أن المكسورة على طريقة الاستئناف والمفتوحة تعليل صريح، والمعنى: لا تحسبن (1) يا محمد - (صلى الله عليه وآله) - الكافرين قد فاتوك فإن الله يظفرك بهم ويظهرك عليهم، وفي الشواذ قراءة ابن محيصن (2): " لا يعجزون " بكسر النون (3)، وقرئ: * (ولا يحسبن) * بالياء على أن الفعل ل‍ * (الذين كفروا) * كأنه قيل: لا يحسبن الذين كفروا أن سبقوا، فحذفت " أن "، كقوله: * (ومن آياته يريكم البرق) * (4) أو على أن المعنى: ولا يحسبنهم الذين كفروا سبقوا. # والقوة: كل ما يتقوى به في الحرب من العدد، والرباط: اسم للخيل التي تربط في سبيل الله، ويجوز أن يسمى بالرباط الذي هو بمعنى المرابطة، ويجوز أن يكون جمع ربيط كفصال جمع فصيل * (ترهبون) * قرئ بالتخفيف والتشديد (5)، يقال: أرهبته ورهبته، أي: تخيفون بما تعدونه * (عدو الله وعدوكم) * يعني أهل مكة * (وآخرين) * أي: وترهبون كفارا آخرين * (من) * دون هؤلاء * (لا تعلمونهم) * لأنهم يصلون ويصومون ويقولون: لا إله إلا الله، محمد - (صلى الله عليه وآله) - رسول الله * (الله يعلمهم) * لأنه المطلع على الأسرار * (وما تنفقوا من شئ) * في الجهاد يوفر عليكم ثوابه * (وأنتم لا تظلمون) * لا تنقصون شيئا منه. # * (وإن جنحوا) * جنح له وإليه: مال، و " السلم " بفتح السين وكسرها: الصلح، # PageV02P034 # يؤنث تأنيث نقيضها وهي الحرب، قال الشاعر: # السلم تأخذ منها ما رضيت به * والحرب يكفيك من أنفاسها جرع (1) * (وتوكل على الله) * ولا تخف من خديعتهم ومكرهم فإن الله ms0444 عاصمك وكافيك من مكرهم. # * (وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين (62) وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم (63) يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين (64) يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون (65) آلآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصبرين (66)) * * (وإن يريدوا أن يخدعوك) * في الصلح بأن يقصدوا به دفع أصحابك عن القتال حتى يقوى أمرهم فيبدؤوكم بالقتال من غير استعداد منكم * (فإن حسبك الله) * أي محسبك الله * (هو الذي أيدك) * أي: قواك * (بنصره وبالمؤمنين) * الذين ينصرونك على أعدائك، يريد الأنصار وهم: الأوس والخزرج. * (وألف بين قلوبهم) * حتى صاروا متحابين متوادين بعد ما كان بينهم من التضاغن والتحارب # PageV02P035 # ولم يكن لبغضائهم أمد، فأنساهم الله ذلك كله حتى تصافوا وعادوا إخوانا * (لو أنفقت ما في الأرض جميعا) * لما أمكنك التأليف * (بين قلوبهم) * وإزالة ضغائن الجاهلية عنهم * (ولكن الله ألف بينهم) * بالاسلام. # * (ومن اتبعك) * الواو بمعنى " مع " وما بعده منصوب، لأن عطف الظاهر المجرور على المكني قبيح، والمعنى: كفاك وكفي متبعيك * (من المؤمنين) * الله ناصرا، أو يكون في محل الرفع أي: كفاك الله وكفاك المؤمنون، وهذه الآية نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال (1). # والتحريض: المبالغة في الحث على الأمر، من الحرض وهو أن ينهكه المرض حتى يشفي (2) على الموت، وهذه عدة من الله بأن الجماعة من المؤمنين إن صبروا غلبوا عشرة أمثالهم من الكفار بتأييد الله * (بأنهم قوم لا يفقهون) * أي: # بسبب أن الكفار جهلة يقاتلون على غير احتساب ثواب كالبهائم. # وعن ابن جريج (3): كان عليهم أن لا يفروا ويثبت الواحد للعشرة، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعث حمزة بن عبد ms0445 المطلب في ثلاثين راكبا، فلقي أبا جهل في ثلاثمائة راكب، فثقل عليهم ذلك وضجوا منه بعد مدة، فنسخ وخفف عنهم بمقاومة الواحد الاثنين (4)، وقرئ: * (ضعفا) * بفتح الضاد وضمها (5)، # PageV02P036 # و " ضعفاء " (1) جمع ضعيف، وقرئ: * (يكن) * في الموضعين بالياء والتاء (2)، والمراد بالضعف: الضعف في البدن، وقيل: في البصيرة والاستقامة في الدين وكانوا متفاوتين في ذلك (3). # * (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم (67) لولا كتب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم (68) فكلوا مما غنمتم حللا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم (69)) * الإثخان: كثرة القتل والمبالغة فيه، من قولهم: أثخنته الجراحات حتى أثبتته، وأصله من الثخانة التي هي الغلظ (4) والكثافة، والمعنى: * (ما) * استقام * (لنبي) * وما صح له * (أن يكون له أسرى حتى) * يذل الكفر ويضعفه بإشاعة القتل في أهله، ويعز الإسلام ويقويه بالاستيلاء والقهر، وكان هذا يوم بدر، فلما كثر المسلمون نزل: * (فإما منا بعد وإما فداء) * (5) (6). # وروي: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أتي بسبعين أسيرا فيهم العباس عمه وعقيل بن # PageV02P037 # أبي طالب ولم يؤسر أحد من أصحاب رسول الله (1). # * (عرض الدنيا) * حطامها، سمي بذلك لأنه حدث قليل اللبث، يريد الفداء، والخطاب للمؤمنين الذين رغبوا في أخذ الفداء من الأسرى * (والله يريد الآخرة) * أي: تريدون عاجل الحظ من عرض الدنيا، والله يريد لكم ثواب الآخرة * (والله عزيز) * يغلب أولياءه على أعدائه، ويتمكنون منهم قتلا وأسرا ويطلق لهم الفداء، ولكنه * (حكيم) * يؤخر ذلك وهم يعجلون. # * (لولا كتب من الله) * أي: حكم منه * (سبق) * إثباته في اللوح بإباحة الغنائم لكم * (لمسكم فيما) * استحللتم قبل الإباحة * (عذاب عظيم) *، وقيل: لولا كتاب من الله في القرآن: أنه لا يعذبكم والنبي بين أظهركم (2). # * (فكلوا مما غنمتم) * هذا إباحة للفداء لأنه من جملة الغنائم، وقيل: إنهم أمسكوا عن الغنائم ولم يمدوا أيديهم إليها، فنزلت الآية (3)، ومعنى الفاء التسبيب، أي: قد أبحت لكم الغنائم * (فكلوا مما غنمتم) *، و * (حللا) * نصب على الحال من ms0446 المغنوم، أو صفة للمصدر، أي: أكلا حلالا. # * (يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الاسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم والله غفور رحيم (70) وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل فأمكن منهم والله عليم حكيم (71)) * وقرئ: * (من الاسرى) * وهو أقيس من " الأسارى " (4)، لأن الأسير فعيل # PageV02P038 # بمعنى مفعول، وذلك يجمع على فعلى نحو جرحى وقتلى، وقالوا: أسارى، تشبيها بكسالى، كما شبهوا كسلى بأسرى * (قل لمن في أيديكم) * أي: لمن في ملكتكم، فكأن أيديكم قابضة عليهم * (إن يعلم الله في قلوبكم خيرا) * خلوص عقيدة وصحة نية في الإيمان * (يؤتكم خيرا مما أخذ منكم) * من الفداء: إما أن يخلفكم أضعافه في الدنيا أو يثيبكم في الآخرة. # وروي: أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال للعباس: افد ابني أخويك: عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحرث، فقال: أتتركني أتكفف قريشا ما بقيت؟ قال: فأين الذهب الذي دفعته إلى أم الفضل، وقلت: إن حدث بي حدث فهو لك وللفضل و عبد الله وقثم؟ # فقال العباس: وما يدريك؟ قال: أخبرني به ربي، قال: أشهد أنك صادق، وأن لا إله إلا الله، وأنك عبده ورسوله، والله لم يطلع عليه أحد إلا الله، ولقد دفعت إليها في سواد الليل، ولقد كنت مرتابا في أمرك، فأما إذا أخبرتني بذلك فلا ريب، قال العباس: فأبدلني الله خيرا من ذلك: لي الآن عشرون عبدا إن أدناهم ليضرب في عشرين ألفا، وأعطاني زمزم، وما أحب أن لي بها جميع أموال أهل مكة، وأنا أنتظر المغفرة من ربي (1). # * (وإن يريدوا خيانتك) * نكث ما بايعوك عليه، ومنع ما ضمنوا من الفداء * (فقد خانوا الله من قبل) * بأن خرجوا إلى بدر وقاتلوا مع المشركين * (فأمكن) * الله * (منهم) * وسيمكن منهم إن أعادوا الخيانة. # * (إن الذين آمنوا وهاجروا وجهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا # PageV02P039 # ولم يهاجروا مالكم من وليتهم من شئ حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم ms0447 النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير (72) والذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير (73) والذين آمنوا وهاجروا وجهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم (74) والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجهدوا معكم فأولئك منكم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتب الله إن الله بكل شئ عليم (75)) * * (هاجروا) * أي: فارقوا أوطانهم وقومهم حبا لله ولرسوله، وهم المهاجرون من مكة إلى المدينة * (والذين آووا) * هم إلى ديارهم * (ونصروا) * هم على أعدائهم، هم الأنصار * (بعضهم أولياء بعض) * أي: يتولى بعضهم بعضا في الميراث، وكان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالمؤاخاة الأولى حتى نسخ ذلك بقوله: * (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) * (1)، وقرئ: * (من وليتهم) * بالفتح والكسر (2)، قال الزجاج: هي بفتح الواو من النصرة والنسب، وبالكسر هي بمنزلة الإمارة (3)، والوجه في الآية أنه شبه تولي بعضهم بعضا بالصناعة والعمل، لأن كل ما كان من هذا الجنس فمكسور كالصياغة والكتابة، وكأن الرجل بتوليه صاحبه يباشر أمرا ويزاول عملا * (وإن استنصروكم) * أي: وإن طلب المؤمنون الذين لم يهاجروا منكم النصرة لهم على الكفار * (فعليكم النصر) * لهم * (إلا على # PageV02P040 # قوم بينكم وبينهم ميثاق) * وعهد، فلا يجوز لكم نصركم عليهم. # * (والذين كفروا بعضهم أولياء بعض) * معناه نهي المسلمين عن موالاة الكفار ومعاونتهم وإن كانوا أقارب، وأن يتركوا يتولى بعضهم بعضا * (إلا تفعلوه) * أي: إن لا تفعلوا ما أمرتكم به من تواصل المسلمين وتولي بعضهم بعضا حتى في التوارث، تفضيلا لنسبة الإسلام على نسبة القرابة، ولم تقطعوا العلائق بينكم وبين الكفار تحصل * (فتنة في الأرض) * ومفسدة كبيرة، لأن المسلمين ما لم يكونوا يدا واحدة على أهل الشرك كان الشرك ظاهرا، وتجرأ أهله على أهل الإسلام ودعوهم إلى الكفر. # ثم عاد سبحانه إلى ذكر المهاجرين والأنصار وأثنى عليهم بقوله: * (أولئك هم المؤمنون حقا) * لأنهم حققوا إيمانهم بالهجرة والنصرة والانسلاخ من الأهل والمال لأجل الدين. # * (والذين آمنوا من بعد) * يريد: اللاحقين بعد السابقين إلى الهجرة، كقوله: ms0448 # * (والذين جاءوا من بعدهم) * الآية (1) * (فأولئك منكم) * من جملتكم، وحكمهم حكمكم في وجوب موالاتهم ونصرتهم وإن تأخر إيمانهم وهجرتهم * (وأولوا الأرحام) * وأولو القرابات أولى بالتوارث، بعضهم أحق بميراث بعض من غيرهم، وهو نسخ للتوارث بالهجرة والنصرة (2) * (في كتب الله) * أي: في حكمه، وقيل: # في اللوح المحفوظ (3)، وقيل: في القرآن (4)، وفيه دلالة على أن من كان أقرب إلى الميت في النسب كان أولى بالميراث. # PageV02P041 # سورة التوبة مدنية (1)، وهي مائة وتسع وعشرون آية كوفي، ثلاثون بصري، عد البصري * (برئ من المشركين) *. # وعن الصادق (عليه السلام) قال: " الأنفال وبراءة واحدة " (2). # وعن علي (عليه السلام): " لم ينزل " بسم الله الرحمن الرحيم " على رأس سورة براءة، لأن " بسم الله " للأمان والرحمة، ونزلت براءة لرفع الأمان وللسيف " (3). # وقيل: إن السورتين كانتا تدعيان القرينتين، وتعدان السابعة من السبع الطوال (4). # PageV02P043 # * * * * (براءة من الله ورسوله إلى الذين عهدتم من المشركين (1) فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين (2) وإذا ن من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله برئ من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله وبشر الذين كفروا بعذاب أليم (3) إلا الذين عهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين (4)) * * (براءة) * خبر مبتدأ محذوف، و * (من) * لابتداء الغاية، والمعنى: هذه براءة واصلة * (من الله ورسوله إلى الذين عهدتم) *، ويجوز أن تكون * (براءة) * مبتدأ وإن كانت نكرة لتخصصها بصفتها، والخبر * (إلى الذين عهدتم) * كما تقول: رجل من قريش في الدار، والمراد: أن الله ورسوله قد برئا * (من) * العهد الذي عاهدتم به * (المشركين) * وأن عهدهم منبوذ إليهم. # * (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر) * هذا خطاب للمشركين، أمروا أن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر - وهي الأشهر الحرم - آمنين أين شاءوا لا يتعرض لهم، وذلك لصيانة الأشهر الحرم من القتل والقتال فيها، وقيل: إن " براءة " نزلت في شوال سنة تسع من الهجرة والأشهر الأربعة: شوال، ms0449 وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم (1)، وقيل: هي عشرون من ذي الحجة والمحرم وصفر # PageV02P044 # وشهر ربيع الأول، وعشر من شهر ربيع الآخر (1)، وكانت حرما لأنهم أومنوا فيها وحرم قتلهم وقتالهم، وهو الأصح. # وأجمع المفسرون على أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين نزلت " براءة " دفعها إلى أبي بكر ثم أخذها منه ودفعها إلى علي (عليه السلام) (2) وإن اختلفوا في تفصيله، وقد شرحناه في الكتاب الكبير (3). # وعن الباقر (عليه السلام) قال: " خطب علي (عليه السلام) الناس يوم النحر واخترط سيفه فقال: لا يطوفن بالبيت عريان، ولا يحجن البيت مشرك، ومن كانت له مدة فهو إلى مدته، ومن لم يكن له مدة فمدته أربعة أشهر، وقرأ عليهم سورة براءة " (4)، وقيل: # إنه قرأ ثلاث عشرة آية من أول براءة (5)، وقيل: ثلاثين أو أربعين آية (6). # * (فاعلموا أنكم غير معجزي الله) * أي: لا تفوتونه وإن أمهلكم * (وأن الله مخزي الكافرين) * أي: مذلهم في الدنيا بالقتل، وفي الآخرة بالعذاب. # * (وإذا ن من الله) * الوجه في رفعه ما ذكرناه في * (براءة) * بعينه، ثم الجملة معطوفة على مثلها، وهو بمعنى الإيذان كما أن الأمان والعطاء بمعنى الإيمان والإعطاء، والجملة الأولى إخبار بثبوت البراءة، والجملة الثانية إخبار بوجوب الإعلام بما ثبت من البراءة الواصلة من الله ورسوله إلى المعاهدين والناكثين لجميع الناس، من عاهد منهم ومن لم يعاهد * (يوم الحج الأكبر) * يوم عرفة، وقيل: # PageV02P045 # يوم النحر (1)، لأن فيه تمام الحج ومعظم أفعاله (2). # وروي أن عليا (عليه السلام) أخذ رجل بلجام دابته فقال: ما الحج الأكبر؟ فقال: # " يومك هذا، خل عن دابتي " (3). # * (أن الله برئ) * حذفت الباء تخفيفا، وقرئ في الشواذ: " إن الله " بالكسر (4)، لأن الأذان في معنى القول * (ورسوله) * عطف على الضمير في * (برئ) * أو على محل " إن " المكسورة واسمها، وقرئ بالنصب (5) عطفا على اسم " إن "، أو لأن الواو بمعنى " مع "، * (فإن تبتم) * من الكفر والغدر * (فهو خير لكم) * من الإقامة عليهما * (وإن توليتم) * عن الإيمان * (فاعلموا أنكم غير معجزي الله) * غير سابقين الله، ولا فائتين بأسه وعذابه. # * (إلا ms0450 الذين عهدتم من المشركين) * استثناء من * (فسيحوا في الأرض) * لأن الاستثناء بمعنى الاستدراك، والمعنى: ولكن الذين لم ينكثوا ولم ينقصوا من شرط العهد * (شيئا ولم يظهروا عليكم أحدا) * من أعدائكم * (فأتموا إليهم عهدهم إلى) * انقضاء * (مدتهم) * التي وقع العهد إليها، ولا تجعلوا الوفي كالغادر. # * (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # PageV02P046 # وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم (5) وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلم الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون (6)) * أي: * (إذا انسلخ الأشهر) * التي أبيح فيها للناكثين أن يسيحوا في الأرض * (فاقتلوا المشركين) * فضعوا السيف فيهم حيث كانوا وأين وجدوا، في حل أو حرم * (وخذوهم) * أي: أيسروهم، والأخيذ: الأسير * (واحصروهم) * أي: قيدوهم وامنعوهم من التصرف في البلاد، وقيل: حولوا بينهم وبين المسجد الحرام (1) * (واقعدوا لهم كل مرصد) * أي: كل ممر وطريق ترصدونهم به، وانتصب (2) على الظرف كقوله: * (لأقعدن لهم صراطك المستقيم) * (3)، * (فخلوا سبيلهم) * أي: # دعوهم يتصرفون في البلاد، أو: فكوا (4) عنهم ولا تتعرضوا لهم، أو: دعوهم يحجوا ويدخلوا المسجد الحرام * (إن الله غفور رحيم) * يغفر لهم ما قد سلف من كفرهم وغدرهم. # * (أحد) * مرفوع بفعل الشرط وهو مضمر يفسره الظاهر، تقديره: وإن استجارك أحد استجارك، والمعنى: وإن جاءك أحد من المشركين بعد انقضاء الأشهر لا عهد بينك وبينه فاستأمنك ليسمع ما تدعو إليه من القرآن والدين فأمنه * (حتى يسمع كلم الله) * ويتدبره، فإن معظم الأدلة فيه * (ثم أبلغه مأمنه) * بعد ذلك، يعني داره التي يأمن فيها إن لم يسلم، ثم قاتله إن شئت من غير غدر ولا خيانة، وهذا الحكم # PageV02P047 # ثابت في كل وقت * (ذلك) * أي: ذلك الأمر بالإجارة * (ب‍) * سبب * (أنهم قوم) * جهلة * (لا يعلمون) * الإيمان فأمنهم حتى يسمعوا ويعلموا. # * (كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله إلا الذين عهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب المتقين (7) كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم ms0451 إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون (8)) * * (كيف يكون للمشركين عهد) * صحيح ومحال أن يثبت لهم عهد مع إضمارهم الغدر والنكث، فلا تطمعوا في ذلك، ولكن * (الذين عهدتم) * منهم * (عند المسجد الحرام) * ولم يظهر منهم نكث كبني كنانة وبني ضمرة، فتربصوا أمرهم ولا تقاتلوهم * (فما استقاموا لكم) * على العهد * (فاستقيموا لهم) * على مثله. # * (كيف) * تكرار لاستبعاد ثبات المشركين على العهد، وحذف الفعل لكونه معلوما، أي: * (كيف) * يكون لهم عهد * (و) * حالهم أنهم * (إن يظهروا عليكم) * ويظفروا بكم بعد ما سبق لهم من الأيمان والمواثيق * (لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة) * أي: لا يحفظوا فيكم قرابة ولا عهدا، قال حسان (1): # لعمرك إن إلك من قريش * كإل السقب من رأل النعام (2) # PageV02P048 # وقيل: إلا: حلفا (1)، وقيل: إلا: إلها (2) * (يرضونكم) * كلام مبتدأ في وصف حالهم من مخالفة الباطن الظاهر، وإباء القلوب: مخالفة ما فيها من الأضغان لما يجرونه على ألسنتهم من الكلام الجميل * (وأكثرهم فاسقون) * متمردون في الكفر والشرك، لا مروءة تردعهم كما توجد في بعض الكفار من التعفف عما يثلم العرض والتفادي عن النكث. # * (اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ساء ما كانوا يعملون (9) لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون (10) فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين ونفصل الآيات لقوم يعلمون (11) وإن نكثوا أيمنهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمن لهم لعلهم ينتهون (12) ألا تقتلون قوما نكثوا أيمنهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين (13)) * استبدلوا * (بآيات الله) * أي: بالقرآن والإسلام * (ثمنا قليلا) * وهو اتباع الأهواء والشهوات * (فصدوا عن سبيله) * فعدلوا عنه وصرفوا غيرهم. # و * (المعتدون) * المجاوزون الغاية في الظلم والكفر. # * (فإن تابوا) * عن الكفر ونقض العهد * (ف‍) * هم * (إخوانكم) * حذف المبتدأ * (ونفصل الآيات) * ونبينها، وهذا اعتراض، فكأنه قيل: ومن تأمل تفصيلها فهو العالم. * (وإن نكثوا) * أي: نقضوا عهودهم * (بعد) * أن عقدوها * (وطعنوا في # PageV02P049 # دينكم) * وعابوه * (فقتلوا أئمة ms0452 الكفر) * أي: فقاتلوهم، وضع الظاهر موضع المضمر إشعارا بأنهم إذا نكثوا في حال الشرك تمردا وطرحا لعادات الكرام الأوفياء من العرب ثم آمنوا * (وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة) * وصاروا إخوانا للمسلمين * (في الدين) * ثم رجعوا فارتدوا عن الإسلام ونكثوا ما بايعوا عليه من الايمان وطعنوا في دين الله فهم رؤساء الكفر والضلالة والمتقدمون فيه. # وعن حذيفة: لم يأت أهل هذه الآية بعد (1). # وقرأ علي (عليه السلام) هذه الآية يوم الجمل، ثم قال: " أما والله لقد عهد إلي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال لي: يا علي لتقاتلن الفئة الناكثة والفئة الباغية والفئة المارقة " (2). # * (إنهم لا أيمن لهم) * أي: لا عهود لهم يعني: لا يحفظونها، وقرئ بكسر الهمزة (3)، أي: فلا يعطون الأمان بعد النكث والردة، أو لا إسلام لهم ولا إيمان على الحقيقة، ولا اعتبار بما أظهروه من الإيمان * (لعلهم ينتهون) * يتعلق ب‍ " قتلوا " أي: ليكن غرضكم في مقاتلتهم أن ينتهوا عما هم عليه، وهذا من غاية كرمه سبحانه وفضله. * (ألا تقاتلون) * دخلت الهمزة للتقرير، ومعناه: الحض على المقاتلة * (نكثوا أيمنهم) * التي عقدوها * (وهموا بإخراج الرسول) * من مكة حين تشاوروا في أمره حتى أذن الله له في الهجرة فخرج بنفسه * (وهم بدؤوكم) * بالمقاتلة والبادئ أظلم، فما يمنعكم أن تقاتلوهم بمثله؟! * (أتخشونهم) * تقريع بالخشية منهم وتوبيخ عليها * (فالله أحق أن تخشوه) * فقاتلوا أعداءه * (إن كنتم مؤمنين) * فإن المؤمن لا يخشى إلا الله. # PageV02P050 # * (قتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين (14) ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم (15) أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون (16)) * وبخهم بترك القتال، ثم أكد ذلك بالأمر بالقتال فقال: * (قتلوهم) *، ثم وعدهم أنه * (يعذبهم) * بأيديهم قتلا، ويخزيهم أسرا، وينصرهم * (عليهم) * ويشفي * (صدور) * طائفة من المؤمنين وهم خزاعة (1)، وعن ابن عباس: هم بطون من اليمن قدموا مكة وأسلموا فلقوا منهم أذي، فقال لهم رسول الله ms0453 (صلى الله عليه وآله): " أبشروا فإن الفرج قريب " (2). * (ويذهب غيظ قلوبهم) * لما لقوا منهم من المكروه، وقد أنجز الله هذه المواعيد كلها لهم، فكان ذلك دليلا على صحة نبوة نبيه (عليه السلام) * (ويتوب الله على من يشاء) * استئناف كلام، وفيه إخبار بأن بعض أهل مكة سيتوب عن كفره، وقد كان ذلك - أيضا - فقد أسلم كثير منهم * (والله عليم) * يعلم ما سيكون كما يعلم ما قد كان * (حكيم) * لا يفعل إلا ما فيه الحكمة. # * (أم) * منقطعة وفي الهمزة معنى التوبيخ، يعني: أنكم لا تتركون على ما أنتم عليه حتى يميز المخلصون منكم وهم (3) المجاهدون في سبيل الله لوجه الله * (ولم يتخذوا... وليجة) * أي: بطانة وأولياء يوالونهم ويفشون إليهم أسرارهم، و * (لما) * معناها التوقع، ودلت على أن تميز ذلك وإيضاحه متوقع، وقوله: # PageV02P051 # * (ولم يتخذوا) * عطف على * (جهدوا) * فهو داخل - أيضا - في الصلة، فكأنه قيل: ولما يعلم الله المجاهدين منكم والمخلصين غير المتخذين وليجة من دون الله، والوليجة: فعيلة من ولج، كالدخيلة من دخل، والمراد بنفي العلم نفي المعلوم كما يقال: ما علم الله ما قيل في فلان أي: ما وجد ذلك منه. # * (ما كان للمشركين أن يعمروا مسجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعملهم وفي النار هم خالدون (17) إنما يعمر مسجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين (18)) * * (ما) * صح * (للمشركين) * وما استقام لهم * (أن يعمروا مسجد الله) * يعني: # عمارة المسجد الحرام، وإنما جمع لأن كل موضع منه مسجد، أو لأنه قبلة المساجد كلها فعامره كعامر جميع المساجد، أو أريد جنس المساجد فيدخل فيه ما هو صدرها ومقدمها، وقرئ: " مسجد الله " (1)، * (شاهدين) * حال من الواو في * (يعمروا) *، ومعنى شهادتهم * (على أنفسهم بالكفر) *: ظهور كفرهم، وأنهم نصبوا أصنامهم حول البيت وطافوا حول البيت عراة، وكلما طافوا شوطا سجدوا لها، وقيل: هو قولهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريك هولك، تملكه وما ملك (2). # وروي: أن المهاجرين والأنصار عيروا أسارى ms0454 بدر، ووبخ علي العباس بقتال رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقطيعة الرحم، فقال العباس: تذكرون مساوينا وتكتمون محاسننا؟ فقالوا: أولكم محاسن؟ قالوا: نعم، إنا لنعمر المسجد الحرام ونحجب # PageV02P052 # الكعبة ونسقي الحجيج ونفك العاني (1)، فنزلت (2). * (أولئك حبطت أعملهم) * التي هي العمارة والسقاية والحجابة وفك العناة. # * (إنما يعمر) * أي: إنما يستقيم عمارة هؤلاء، والعمارة تتناول: بناها ورم ما استرم منها، وكنسها وتنظيفها، وتنويرها بالمصابيح، وزيارتها للعبادة والذكر - ومن الذكر درس العلم بل هو أفضله وأجله - وصيانتها من فضول الكلام. # وفي الحديث: " يأتي في آخر الزمان ناس من أمتي يأتون المساجد يقعدون فيها حلقا، ذكرهم الدنيا وحب الدنيا، لا تجالسوهم فليس لله بهم حاجة " (3). # * (ولم يخش إلا الله) * يعني: الخشية والتقوى في أبواب الدين، وأن لا يختار على رضاء الله رضاء غيره. # * (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين (19) الذين آمنوا وهاجروا وجهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون (20) يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوا ن وجنت لهم فيها نعيم مقيم (21) خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم (22)) * التقدير: * (أجعلتم) * أهل * (سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله) * ويعضده قراءة من قرأ: " سقاة الحاج وعمرة المسجد الحرام " (4)، وهو إنكار # PageV02P053 # تشبيه المشركين بالمسلمين، وتشبيه أعمالهم المحبطة بأعمالهم المثبتة وأن يسوى بينهم، وجعلت تسويتهم ظلما بعد ظلمهم بالكفر، أي: هم * (أعظم درجة عند الله) * من غيرهم من المؤمنين الذين لم يفعلوا هذه الأشياء * (وأولئك هم الفائزون) * المختصون بالفوز، ونكر المبشر به من الرحمة والرضوان والنعيم المقيم، لوقوع ذلك وراء صفة الواصف وتعريف المعرف. # * (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون (23) قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموا ل اقترفتموها وتجرة تخشون كسادها ومسكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي ms0455 الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين (24)) * لما أمر المؤمنون بالهجرة وأرادوا أن يهاجروا، فمنهم من تعلقت به زوجته، ومنهم من تعلق به أبواه وأولاده، فكانوا يمنعونهم من الهجرة فيتركونها لأجلهم، فبين سبحانه أن أمر الدين مقدم على النسب، وإذا وجب قطع قرابة الوالدين والولد فالأجنبي أولى * (إن استحبوا الكفر) * أي: اختاروه * (على الإيمان) *. # وفي الحديث: " لا يجد أحدكم طعم الايمان حتى يحب في الله ويبغض في الله " (1). # وقرئ: * (عشيرتكم) * على الواحد (2)، * (فتربصوا حتى يأتي الله بأمره) * وعيد، عن الحسن: بعقوبة عاجلة أو آجلة (3)، وهذه آية شديدة كلف المؤمن # PageV02P054 # فيها أن يتجرد من الآباء والأبناء والعشائر وجميع حظوظ الدنيا لأجل الدين. # اللهم وفقنا لما يوافق رضاك حتى نحب فيك الأبعدين ونبغض فيك الأقربين. # * (لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين (25) ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزاء الكافرين (26) ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم (27)) * * (مواطن) * الحرب: مقاماتها ومواقفها، و * (حنين) *: واد بين مكة والطائف، كانت فيه الوقعة بين المسلمين وهم اثنا عشر ألفا منهم عشرة آلاف حضروا فتح مكة وقد انضم إليها من الطلقاء ألفان، وبين هوازن وثقيف وهم أربعة آلاف في من انضوى إليهم من أمداد (1) العرب، فلما التقوا قال رجل من المسلمين: لن نغلب اليوم من قلة، فساءت مقالته رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقيل: إن قائلها أبو بكر (2) وذلك قوله: * (أعجبتكم كثرتكم) * فاقتتلوا قتالا شديدا، وأدركت المسلمين كلمة الإعجاب بالكثرة فانهزموا حتى بلغ فلهم (3) مكة، وبقي رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مركزه لا يتحلحل (4)، وبقي علي (عليه السلام) ومعه الراية يقاتلهم والعباس بن عبد المطلب آخذ بلجام بغلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن يمينه وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب (5) # PageV02P055 # عن يساره في تسعة من بني هاشم وعاشرهم أيمن ms0456 بن أم أيمن (1)، وقتل يومئذ، وقال (عليه السلام) للعباس - وكان صيتا -: صح بالناس، فنادى: يا معشر المهاجرين والأنصار، يا أهل بيعة الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة، إلى أين تفرون؟ هذا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فكروا وهم يقولون: لبيك لبيك، ونزلت الملائكة عليهم البياض على خيول بلق، فنظر رسول الله إلى قتال المسلمين فقال: الآن حمي الوطيس، أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، ونزل النصر من عند الله وانهزمت هوازن (2). # قوله: * (بما رحبت) *: * (ما) * مصدرية، والباء بمعنى " مع "، أي: مع رحبها، والجار والمجرور في موضع الحال، والمعنى: لا تجدون موضعا تستصلحونه لهربكم إليه لفرط رعبكم، فكأنها ضاقت عليكم * (ثم وليتم مدبرين) * ثم انهزمتم. # * (ثم أنزل الله سكينته) * رحمته التي سكنوا بها * (على رسوله وعلى المؤمنين) * الذين ثبتوا معه * (وعذب الذين كفروا) * بالقتل والأسر وسبي النساء والذراري وسلب الأموال. * (ثم يتوب الله) * أي: يسلم من بعد ذلك ناس منهم، وقيل: إنه سبي يومئذ ستة آلاف نفس، وأخذ من الإبل والبقر ما لا يحصى (3). # * (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم (28)) * # PageV02P056 # " النجس " مصدر، ومعناه: ذو نجس، لأن معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس، أو جعلوا كأنهم النجاسة بعينها مبالغة في وصفهم بها، وعن ابن عباس: أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير (1)، وعن الحسن: من صافح مشركا توضأ (2). # وعن الصادقين (عليهما السلام): " من صافح الكافر ويده رطبة غسل يده، وإلا مسحها بالحائط " (3). # * (فلا يقربوا المسجد الحرام) * فلا يحجوا ولا يعتمروا كما كانوا يفعلون في الجاهلية * (بعد) * حج * (عامهم هذا) * وهو عام تسع من الهجرة * (وإن خفتم عيلة) * أي: فقرا بسبب منع المشركين من الحج وما كان لكم في قدومهم عليكم من الإرفاق والمكاسب * (فسوف يغنيكم الله من فضله) * من عطائه وتفضله على وجه آخر، فأسلم أهل جدة وصنعاء وجرش (4) وتبالة (5) فحملوا الطعام إلى مكة فكان ذلك أعود عليهم، وأرسل السماء عليهم ms0457 مدرارا أكثر بها خيرهم. # * (قتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الاخر ولا يحرمون ما حرم # PageV02P057 # الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (29)) * عن ابن عباس: ألقى الشيطان في قلوبهم الخوف وقال: من أين تأكلون؟ # فأمرهم الله تعالى بقتال أهل الكتاب، وأغناهم بالجزية وبفتح البلاد والغنائم (1) * (من الذين أوتوا الكتاب) * بيان ل‍ * (الذين) * مع ما في حيزه، نفي عن اليهود والنصارى الإيمان بالله، لأنهم أضافوا إليه مالا يليق به، ونفي عنهم الإيمان * (باليوم الاخر) * لأنهم في ذلك على خلاف ما ينبغي، ونفي عنهم تحريم * (ما حرم الله ورسوله) * لأنهم لا يحرمون ما حرم في الكتاب والسنة. # وسميت الجزية جزية لأنها قطعة مما على أهل الذمة أن يجزوه أي يقضوه * (عن يد) *: إما أن يراد يد المعطي، أو يد الاخذ، فمعناه على الأول: * (حتى يعطو) * ها عن يد مؤاتية غير ممتنعة، كما يقال: أعطى بيده: إذا أصحب وانقاد، أو حتى يعطوها عن يد إلى يد نقدا غير نسيئة ولا مبعوثا على يد أحد. ومعناه على إرادة يد الآخذ: حتى يعطوها عن يد قاهرة مستولية أو عن إنعام عليهم * (وهم صاغرون) * أي: تؤخذ منهم الجزية على الصغار والذل، وهو أن يأتي بها بنفسه ماشيا غير راكب، ويسلمها وهو قائم والآخذ جالس، وأن يؤخذ بتلبيبه (2) ويقال له: أدها. # * (وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قتلهم الله أنى # PageV02P058 # يؤفكون (30) اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها وا حدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون (31) يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون (32) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (33)) * * (عزير ابن الله) * مبتدأ وخبر، وهو اسم أعجمي، ولعجمته وتعريفه امتنع من الصرف، ومن نونه جعله عربيا، وإنما قال ms0458 ذلك جماعة من اليهود ولم يقله كلهم * (ذلك قولهم بأفواههم) * معناه: أنهم اخترعوه بأفواههم ولم يأتهم به كتاب، ومالهم به حجة * (يضاهئون قول الذين كفروا) * أي: يضاهي قولهم قولهم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، والمعنى: أن الذين كانوا في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) من اليهود والنصارى يضاهي قولهم قول قدمائهم، يريد أنه كفر قديم فيهم، أو: يضاهي قولهم قول المشركين: " إن الملائكة بنات الله "، وقرئ: # * (يضاهئون) * بالهمزة من قولهم: امرأة ضهيأ على فعيل، وهي التي ضاهأت الرجال في أنها لا تحيض * (قتلهم الله) * أي: لعنهم * (أنى يؤفكون) * كيف يصرفون عن الحق. # * (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا) * بأن أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما حلله، كما يطاع الأرباب في أوامرهم * (والمسيح ابن مريم) * أهلوه للعبادة حين جعلوه ابنا لله * (وما أمروا إلا ليعبدوا إلها وا حدا) * أمرتهم بذلك أدلة العقل والنصوص في التوراة والإنجيل * (سبحانه) * تنزيه له عن الاشراك واستبعاد له. # * (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم) * مثل سبحانه حالهم في طلبهم إبطال PageV02P059 # نبوة محمد (صلى الله عليه وآله) بتكذيبه بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم، يريد الله أن يبلغه الغاية القصوى من الإضاءة والإنارة ليطفئه بنفخه * (ليظهره) * أي: ليظهر الرسول على أهل الأديان كلهم، أو ليظهر دين الحق على كل دين، وقد أجرى " أبى " مجرى لم يرد، ولذلك قابل * (يريدون أن يطفئوا) * بقوله: * (ويأبى الله) * فكأنه قال: ولا يريد الله إلا أن يتم نوره. # * (يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموا ل الناس بالبطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم (34) يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون (35)) * أكل المال * (بالباطل) *: عبارة عن أخذه وتناوله من الجهة التي يحرم منها أخذه، والمعنى: أنهم كانوا يأخذون الرشا في الاحكام وفي تخفيف الشرائع عن عوامهم * (والذين يكنزون) * يحتمل أن يكون ms0459 إشارة إلى الكثير من الأحبار والرهبان، ويحتمل أن يكون المراد به المسلمين الكانزين غير المنفقين، قرن بينهم وبين المرتشين من اليهود والنصارى، وعنى بترك الإنفاق في سبيل الله: منع الزكاة. # وفي الحديث: " ما أدي زكاته فليس بكنز وإن كان باطنا، وما بلغ أن يزكى فلم يزك فهو كنز وإن كان ظاهرا " (1). # * (ولا ينفقونها) * الضمير يرجع إلى المعنى، لأن كل واحد من الذهب والفضة # PageV02P060 # جملة وافية: دنانير ودراهم، فهو كقوله: * (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) * (1) وقيل: معناه: ولا ينفقونها والذهب (2)، كما أن معنى قوله: # فإني وقيار بها لغريب (3) وقيار كذلك، وإنما خص الذهب والفضة من بين الأموال بالذكر لأنهما قانون التمول وأثمان الأشياء، ولا يكنزهما إلا من فضلا عن حاجته. # * (يوم يحمى عليها في نار جهنم) * أي: يوقد على الكنوز أو على الذهب والفضة حتى تصير نارا * (فتكوى بها) * أي: بتلك الكنوز المحماة * (جباههم وجنوبهم وظهورهم) * خصت هذه الأعضاء لأنهم لم يطلبوا بترك الإنفاق إلا الأغراض الدنيوية: من وجاهة عند الناس وأن يكون ماء وجوههم مصونا، ومن أكل الطيبات يتضلعون منها فينفخون جنوبهم، ومن لبس ثياب ناعمة يطرحونها على ظهورهم، وقيل: لأنهم كانوا يعبسون وجوههم للفقير ويولونه جنوبهم في المجالس وظهورهم (4) * (هذا ما كنزتم) * على إرادة القول * (لأنفسكم) * لانتفاع أنفسكم * (فذوقوا) * وبال الذي * (كنتم تكنزون‍) * - ه، أو وبال كونكم كانزين. # * (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم وقتلوا المشركين كآفة كما يقتلونكم كآفة واعلموا # PageV02P061 # أن الله مع المتقين (36)) * * (في كتب الله) * أي: في اللوح المحفوظ، أو في القرآن، أو فيما أثبته من حكمه ورآه حكمة وصوابا * (منها أربعة حرم) * ثلاثة سرد: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، وواحد فرد وهو رجب، ومنه قوله صلوات الله عليه في خطبته في حجة الوداع: " ألا إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة: # اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم " (1). # والمعنى: رجعت الأشهر إلى ما ms0460 كانت عليه، وعاد الحج في ذي الحجة، وبطل النسئ الذي كان في الجاهلية * (ذلك الدين القيم) * يعني: أن تحريم الأشهر الأربعة هو الدين المستقيم: دين إبراهيم وإسماعيل، وكانت العرب قد تمسكت به وراثة منهما، وكانوا يعظمون الأشهر الحرم، ويحرمون القتال فيها، حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه (2) لم يهجه، وسموا رجبا: الأصم (3) ومنصل الأسنة (4) حتى أحدثوا النسئ فغيروا، وقيل: ذلك الحساب القيم لا ما أحدثوه من النسئ (5) * (فلا تظلموا فيهن أنفسكم) * بأن تجعلوا حرامها حلالا * (كآفة) * حال من الفاعل أو المفعول * (مع المتقين) * أي: ناصرهم، حثهم على التقوى بضمان النصرة لأهلها. # * (إنما النسئ زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما # PageV02P062 # ويحرمونه عاما ليواطوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعملهم والله لا يهدي القوم الكافرين (37)) * * (النسئ) * تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر، وذلك أنهم كانوا أصحاب حروب، فإذا جاء الشهر الحرام وهم محاربون شق عليهم ترك المحاربة، فكانوا يحلونه ويحرمون مكانه شهرا آخر، وذلك قوله: * (ليواطوا عدة ما حرم الله) * أي: ليوافقوا العدة التي هي الأربعة ولا يخالفوها، وقد خالفوا تخصيص الأشهر الحرم بالتحريم، وربما زادوا في عدة الشهور فيجعلونها ثلاثة عشر شهرا ليتسع لهم الوقت، ولذلك قال: * (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا) * يعني: من غير زيادة زادوها، والضمير في * (يحلونه) * و * (يحرمونه) * ل‍ * (النسئ) * أي: إذا أحلوا شهرا من الأشهر الحرم * (عاما) * رجعوا فحرموه في العام القابل، وقرئ: # * (يضل) * على البناء للمفعول، وقرئ: " يضل " (1) على أن الفعل لله تعالى، " ويضل " قراءة الأكثرين (2)، وقرئ: " النسي " بالتشديد (3)، وهو تخفيف الهمزة في " النسئ "، وعن الصادق (عليه السلام): " النسي " (4) على وزن الهدي، وهو على إبدال الياء من الهمزة، وهو مصدر نسأه: إذا أخره، يقال: نسأه نسئا ونسيئا نحو مسه مسا ومسيسا * (فيحلوا ما حرم الله) * معناه: فيحلوا بمواطأة العدة وحدها * (ما حرم الله) * # PageV02P063 # من القتال * (زين لهم سوء أعملهم) * خذلهم الله فحسبوا أعمالهم القبيحة حسنة * (والله لا يهدي) * أي: لا يلطف بهم بل ms0461 يخذلهم. # * (يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل (38) إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شئ قدير (39)) * أصله: تثاقلتم، فأدغمت التاء في الثاء ثم أدخلت همزة الوصل، أي: تباطأتم، وضمن معنى الميل فعدي ب‍ " إلى "، والمعنى: ملتم إلى الدنيا ولذاتها، وكرهتم مشاق السفر، ونحوه: * (أخلد إلى الأرض واتبع هواه) * (1)، وقيل: ملتم إلى الإقامة بأرضكم ودياركم (2)، وكان ذلك في غزوة تبوك في سنة عشر بعد رجوعهم من الطائف، استنفروا في وقت قحط وقيظ مع بعد الشقة وكثرة العدو فشق ذلك عليهم، وقيل: إنه صلوات الله عليه ما خرج في غزوة إلا ورى عنها بغيرها إلا في غزوة تبوك، ليستعد الناس تمام العدة (3). * (من الآخرة) * بدل الآخرة، ونحوه: * (لجعلنا منكم ملائكة) * (4)، * (فما متع الحياة الدنيا في) * جنب * (الآخرة إلا قليل) *. # * (إلا تنفروا) * سخط عظيم على المتثاقلين، حيث هددهم بعذاب عظيم مطلق يتناول عذاب الدارين، وأنه يهلكهم * (ويستبدل) * بهم * (قوما) * آخرين خيرا # PageV02P064 # منهم وأطوع، وأنه غني عنهم في نصرة دينه، لا يؤثر تثاقلهم فيها * (شيئا) *، وقيل: الضمير للنبي (صلى الله عليه وآله) (1)، أي: * (لا تضروه شيئا) * لان الله وعد أن يعصمه من الناس ولا يخذله بل ينصره، ووعد الله كائن لا محالة. # * (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم (40)) * أي: إن تركتم نصرته فإن الله قد أوجب له النصرة، وجعله منصورا حين لم يكن معه إلا رجل واحد، فلن يخذله من بعد * (إذ أخرجه الذين كفروا) * أسند الإخراج إلى الكفار كما في قوله: * (من قريتك التي أخرجتك) * (2)، لأنهم حين هموا بإخراجه أذن الله له في الخروج عنهم، فكأنهم أخرجوه ms0462 * (ثاني اثنين) * أحد اثنين كقوله: * (ثالث ثلاثة) * (3)، وهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأبو بكر، وانتصابه على الحال، و * (إذ هما) * بدل من * (إذ أخرجه) *، و * (إذ يقول) * بدل ثان، و * (الغار) *: الثقب العظيم في الجبل، وهو هاهنا غار ثور، جبل في يمنى مكة على مسيرة ساعة * (لا تحزن) * أي: لا تخف * (إن الله معنا) * مطلع علينا وعالم بحالنا يحفظنا وينصرنا، ولما دخلا الغار بعث الله حمامتين فباضتا في أسفله، والعنكبوت فنسجت عليه، وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " اللهم أعم أبصارهم "، فجعلوا يترددون حول الغار ولا يفطنون، أخذ الله بأبصارهم عنه * (فأنزل الله سكينته عليه) * قرأ الصادق (عليه السلام): " على رسوله " (4)، وسكينته: ما ألقى في قلبه من الأمنة التي سكن # PageV02P065 # إليها، وأيقن أنهم لا يصلون إليه، والجنود: الملائكة يوم بدر والأحزاب وحنين أو ذلك اليوم صرفوا وجوه الكفار وأبصارهم عن أن يروه، و * (كلمة الذين كفروا) * دعوتهم إلى الكفر * (وكلمة الله) * دعوته إلى الإسلام، وقرئ: " وكلمة الله " بالنصب (1)، و * (هي) * فصل، وفيها تأكيد فضل كلمة الله في العلو، وأنها المختصة به دون سائر الكلم. # * (انفروا خفافا وثقالا وجهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذا لكم خير لكم إن كنتم تعلمون (41) لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون (42) عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكذبين (43)) * * (خفافا) * في النفور لنشاطكم له * (وثقالا) * عنه لمشقته عليكم، أو * (خفافا) * من السلاح * (وثقالا) * منه، أو * (خفافا) * لقلة عيالكم * (وثقالا) * لكثرته، أو ركبانا ومشاة، أو شبابا وشيوخا، أو صحاحا ومراضا. عن ابن عباس: نسخت بقوله: # * (ليس على الضعفاء ولا على المرضى) * (2) (3)، * (وجهدوا بأموالكم وأنفسكم) * إيجاب للجهاد بهما إن أمكن، أو بأحدهما على حسب الحال والحاجة. والعرض: ما عرض لك من منافع الدنيا، والمعنى: * (لو كان) * ما دعوا إليه غنما * (قريبا وسفرا قاصدا) * أي: وسطا مقاربا * (لاتبعوك) *، و * (الشقة) *: المسافة الشاقة، وسيحلف ms0463 المتخلفون عند رجوعك من غزوة تبوك * (بالله) * يقولون: # PageV02P066 # * (لو استطعنا) *، وقوله: * (لخرجنا) * سد مسد جواب * (لو) * وجواب القسم جميعا، والإخبار بما سوف يكون بعد قفوله من خلفهم (1) واعتذارهم، وقد كان من جملة المعجزات، والمراد ب‍ * (لو استطعنا) *: استطاعة العدة، أو استطاعة الأبدان كأنهم تمارضوا * (يهلكون أنفسهم) * بدل من * (سيحلفون) *، أو حال بمعنى: مهلكين، أي: # يوقعونها في الهلاك بحلفهم الكاذب. # * (عفا الله عنك) * هذا من لطيف المعاتبة، بدأه بالعفو قبل العتاب، ويجوز العتاب من الله فيما غيره منه أولى، لا سيما للأنبياء، ولا يصح ما قاله جار الله: # إن * (عفا الله عنك) * كناية عن الجناية (2)، حاشا سيد الأنبياء وخير بني حواء من أن ينسب إليه جناية (3). # * (لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين (44) إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون (45) ولو أرادوا الخروج لاعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين (46) لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سمعون لهم والله عليم بالظالمين (47) لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور # PageV02P067 # حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون (48)) * أي: ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوك في * (أن يجهدوا) *، أو كراهة أن يجاهدوا. * (إنما يستأذنك) * المنافقون * (يترددون) * عبارة عن التحير، لأن التردد صفة المتحير كما أن الثبات صفة المستبصر. * (ولكن كره الله انبعاثهم) * خروجهم إلى الغزو لعلمه بأنهم لو خرجوا لكانوا يمشون بالنميمة من المسلمين * (فثبطهم) * أي: بطأ بهم وكسلهم وخذلهم لما علم منهم من الفساد، وإنما وقع الاستدراك ب‍ * (لكن) * لأن قوله: * (ولو أرادوا الخروج) * يعطي معنى النفي، فكأنه قيل: لم يخرجوا ولكن تثبطوا عن الخروج، لأن الله كره انبعاثهم فضعف رغبتهم في الانبعاث * (وقيل اقعدوا مع) * النساء والصبيان، وهو إذن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لهم في القعود، وفي هذا دلالة على أن إذنه (عليه السلام) لهم غير قبيح وإن كان الأولى أن لا يأذن ms0464 ليظهر للناس نفاقهم. # ثم بين سبحانه وجه الحكمة في تثبيطهم عن الخروج فقال: * (لو خرجوا فيكم) * أي: لو خرج هؤلاء معكم إلى الجهاد * (ما زادوكم) * بخروجهم * (إلا خبالا) * أي: فسادا وشرا، وتقديره: ما زادوكم شيئا إلا خبالا * (ولأوضعوا خلالكم) * أي: # ولسعوا بينكم بالتضريب (1) والنمائم وإفساد ذات البين، يقال: وضع البعير وضعا: # إذا أسرع، وأوضعته أنا، والمعنى: ولأوضعوا ركائبهم بينكم، والمراد: الإسراع بالفساد، لأن الراكب أسرع من الماشي * (يبغونكم الفتنة) * أي: يحاولون (2) أن يفتنوكم بأن يوقعوا الخلاف فيما بينكم، ويفسدوا نياتكم في غزواتكم * (وفيكم سمعون لهم) * أي: عيون نمامون يسمعون حديثكم فينقلونه إليهم، أو: فيكم قوم يسمعون قول المنافقين ويقبلونه ويطيعونهم، يريد من كان ضعيف الإيمان من # PageV02P068 # جملة المسلمين * (والله عليم بالظالمين) * المصرين على الفساد. # * (لقد ابتغوا الفتنة من قبل) * الفتنة: اسم يقع على كل شر وفساد، أي: نصبوا لك الغوائل وسعوا في تشتيت شملك، وعن سعيد بن جبير: وقفوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في غزوة تبوك على الثنية (1) ليلة العقبة ليفتكوا به وهم اثنا عشر رجلا * (وقلبوا لك الأمور) * أي: ودبروا لك الحيل والمكائد، واحتالوا في إبطال أمرك * (حتى جاء الحق) * وهو تأييدك ونصرتك * (وظهر أمر الله) * وغلب دينه وعلا أهله * (وهم كارهون) * في موضع الحال. # * (ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين (49) إن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك مصيبة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون (50) قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولينا وعلى الله فليتوكل المؤمنون (51) قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون (52)) * ومن هؤلاء المنافقين * (من يقول ائذن لي) * في القعود عن الجهاد * (ولا تفتني) * ولا توقعني في الفتنة وهي الإثم بأن لا تأذن لي، فإني إن تخلفت بغير إذنك أثمت، وقيل: هو الجد بن قيس (2)، قال: قد علمت الأنصار أني مستهتر بالنساء فلا تفتني ببنات الأصفر، ms0465 يعني: نساء الروم، ولكني أعينك بمال فاتركني (3) * (ألا في الفتنة سقطوا) * أي: إن الفتنة هي التي سقطوا فيها، وهي فتنة # PageV02P069 # التخلف * (وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) * أي: بهم يوم القيامة، أو محيطة بهم الآن، لأن أسباب إحاطتها بهم معهم، فكأنهم في وسطها. # * (إن تصبك) * في بعض غزواتك * (حسنة) * أي: ظفر وغنم ونعمة من الله * (تسؤهم وإن تصبك مصيبة) * شدة وبلية ونكبة، نحو ما كان يوم أحد * (يقولوا قد أخذنا أمرنا) * الذي نحن متسمون به من الحذر والعمل بالحزم * (من قبل) * ما وقع هذا البلاء، وتولوا عن مقام التحدث بذلك والاجتماع له * (وهم فرحون) * مسرورون. # وقرأ عبد الله: " هل يصيبنا " (1)، واللام في قوله: * (ما كتب الله لنا) * للاختصاص، أي: * (لن يصيبنا إلا ما) * اختصنا الله بإثباته وإيجابه: من النصرة أو الشهادة، و * (هو مولينا) * يتولانا ونتولاه * (وعلى الله فليتوكل المؤمنون) * أي: # وحق المؤمنين أن لا يتوكلوا على غير الله تعالى فليفعلوا ما هو حقهم. # * (قل هل تربصون بنا) * هل تتوقعون * (إلا إحدى الحسنيين) * أي: إحدى العاقبتين اللتين كل واحدة منهما هي حسنى العواقب، وهما: النصرة والشهادة * (ونحن نتربص بكم) * إحدى السوأتين من العواقب، وإنهما: * (أن يصيبكم الله بعذاب من عنده) * أي: من السماء كما نزل على عاد وثمود * (أو) * بعذاب * (بأيدينا) * وهو القتل على الكفر * (فتربصوا) * بنا ما ذكرنا من عواقبنا * (إنا معكم متربصون) * فلابد أن يلقى كلنا ما يتربصه لا يتجاوزه. # * (قل أنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم إنكم كنتم قوما فاسقين (53) وما منعهم أن تقبل منهم نفقتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ولا ينفقون إلا وهم # PageV02P070 # كارهون (54) فلا تعجبك أموا لهم ولا أولدهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (55)) * * (طوعا أو كرها) * حال، أي: طائعين أو مكرهين، وهو أمر في معنى الخبر، والمعنى: * (لن يتقبل منكم) * ما أنفقتم طوعا أو كرها، ونحوه قوله: * (استغفر لهم أولا تستغفر لهم) * (1) وقول كثير (2): # أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة * لدينا ms0466 ولا مقلية إن تقلت (3) أي: لن يغفر الله لهم استغفرت لهم أو لم تستغفر لهم، ولا نلومك أسأت إلينا أو أحسنت، وإنما يجوز هذا إذا دل الكلام عليه، كما جاز عكسه في قولك: رحم الله زيدا، أو الله غفر له * (إنكم كنتم قوما فاسقين) * تعليل لرد إنفاقهم. # * (أنهم كفروا) * فاعل " منع "، أي: لم يمنع المنافقين قبول نفقاتهم إلا كفرهم * (بالله وبرسوله) *، وقرئ: * (تقبل) * بالتاء والياء (4)، والإعجاب بالشئ أن تسر به سرور راض به متعجب من حسنه، والمعنى: فلا تستحسن ما أوتوا من زينة الدنيا، فإن الله أعطاهم ذلك للعذاب، بأن عرضه للغنائم والسبي وبلاهم فيه # PageV02P071 # بالآفات والمصائب، وكلفهم الإنفاق منه في أبواب الخير * (وهم كارهون) * على رغم أنوفهم، وأذاقهم أنواع الكلف في جمع الأموال وتربية الأولاد. # وقوله: * (وتزهق أنفسهم وهم كافرون) * مثل قوله: * (إنما نملي لهم ليزدادوا إثما) * (1) ومعناه: الاستدراج بالنعم، أي: و * (يريد) * أن يديم عليهم نعمته إلى أن يموتوا * (وهم كافرون) * مشتغلون بالتمتع عن النظر للعاقبة. # * (ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون (56) لو يجدون ملجا أو مغرا ت أو مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون (57) ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون (58) ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون (59)) * * (لمنكم) * أي: من جملة المسلمين * (يفرقون) * يخافون القتل والأسر فيتظاهرون بالإسلام تقية. * (لو يجدون) * مكانا يلجؤون إليه متحصنين به من رأس جبل أو قلعة * (أو مغرا ت) * أي: غيرانا * (أو مدخلا) * وهو: مفتعل من الدخول، وأصله: " مدتخلا " يبدل التاء بعد الدال دالا، وقرئ: " مدخلا " (2) أي: # موضع دخول يأوون إليه ونفقا ينجحرون فيه * (لولوا إليه وهم يجمحون) * يسرعون إسراعا لا يردهم شئ، من الفرس الجموح. # * (ومنهم من يلمزك) * أي: يعيبك * (في) * قسمة * (الصدقات) * ويطعن عليك، ثم وصفهم بأن رضاهم وسخطهم لأنفسهم لا للدين، و * (إذا) * للمفاجأة، أي: # ف‍ * (- إن لم يعطوا منها) * فاجأوا السخط. # PageV02P072 # * (ولو أنهم ms0467 رضوا) * جواب * (لو) * محذوف، تقديره: ولو أنهم رضوا * (ما) * أعطاهم * (الله ورسوله) * من الغنيمة والصدقة وطابت به نفوسهم * (وقالوا) * مع ذلك: * (حسبنا الله) * سيعطينا * (الله من فضله) * وإنعامه * (ورسوله إنا إلى الله) * في أن يوسع علينا من فضله ل‍ * (راغبون) * لكان خيرا لهم. # * (إنما الصدقات للفقراء والمسكين والعملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم (60)) * * (إنما) * لقصر * (الصدقات) * على هذه الأصناف الثمانية، وأنها مختصة بها لا تتجاوزها إلى غيرها، ونحوه: إنما السخاء لحاتم، أي: ليس لغيره، ويحتمل أن تصرف إلى بعضها، وعن حذيفة وابن عباس وغيرهما من الصحابة أنهم قالوا: في أي صنف منها وضعتها أجزأك (1)، وهو مذهبنا (2)، و " الفقراء " هم: المتعففون الذين لا يسألون * (والمسكين) * الذين يسألون، وقيل بالعكس (3)، والأول أصح، وقيل: الفقير: الذي لا شئ له، والمسكين: الذي له بلغة من العيش لا تكفيه (4)، وقيل بالعكس (5)، * (والعملين عليها) * هم السعاة الذين يقبضونها # PageV02P073 # * (والمؤلفة قلوبهم) * أشراف من العرب كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يتألفهم على أن يسلموا فيرضخ (1) لهم شيئا منها حين كان في المسلمين قلة، و * (الرقاب) * المكاتبون يعانون منها في فك رقابهم من الرق، والعبيد إذا كانوا في شدة يشترون ويعتقون ويكون ولاؤهم لأرباب الزكاة * (والغارمين) * وهم الذين ركبتهم الديون في غير معصية ولا إسراف * (وفي سبيل الله) * وهو الجهاد وجميع مصالح المسلمين * (وابن السبيل) * وهو المسافر المنقطع به عن ماله فهو فقير حيث هو، غني حيث ماله * (فريضة) * في معنى المصدر المؤكد، لأن قوله: * (إنما الصدقات للفقراء) * معناه: فرض الله الصدقات لهم، وإنما عدل عن " اللام " إلى " في " في الأربعة الأخيرة ليدل على أنهم أحق بأن توضع فيهم الصدقات ممن سبق ذكره، لأن " في " للوعاء. # وإنما وقعت الآية في أثناء ذكر المنافقين لتدل بكون هذه الأصناف مصارف الصدقات خاصة، على أن أهل النفاق ليسوا من مستحقيها، وأنهم بعداء من مصارفها، فما لهم وللتكلم فيها ولمن قاسمها؟! # * (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل ms0468 أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين ورحمة للذين آمنوا منكم والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم (61) يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين (62) ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فأن له نار جهنم خلدا فيها ذلك الخزي العظيم (63)) * الأذن: الرجل الذي يصدق كل ما يسمع ويقبل قول كل أحد، سمي بالعضو # PageV02P074 # الذي هو آلة السماع، كأن جملته أذن سامعة كما سموا الربيئة (1) بالعين، و * (أذن خير) * كقولك: رجل صدق، تريد الجودة والصلاح، كأنه سبحانه قال: * (قل) * نعم هو أذن ولكن نعم الأذن، أو يريد: هو أذن في الخير وفيما يجب سماعه، وليس بأذن في غير ذلك، ويدل عليه قراءة حمزة: " ورحمة " (2) بالجر عطفا عليه، أي: # هو أذن خير لكم ورحمة لا يسمع غيرهما ولا يقبله. # ثم فسر كونه أذن خير بأنه يصدق * (بالله) * ويقبل من * (المؤمنين) * ويصدقهم فيما يخبرونه به، ولهذا عدي الأول بالباء والثاني باللام، كما في قوله: # * (وما أنت بمؤمن لنا) * (3)، * (و) * هو * (رحمة) * لمن آمن * (منكم) * أي: أظهر الإيمان أيها المنافقون، حيث يسمع منكم ويقبل إيمانكم ولا يفضحكم مراعاة لما رأى الله سبحانه من المصلحة في الإبقاء عليكم، فهو أذن كما قلتم إلا أنه أذن خير لكم لا أذن سوء، فسلم لهم قولهم فيه، إلا أنه فسر بما هو مدح له وإن كانوا قصدوا به المذمة، وأنه من أهل سلامة القلب. # وروي: أن جماعة ذموه وبلغه ذلك، فقال بعضهم: لا عليكم، فإنما هو أذن سامعة، يسمع كلام المبلغ ونحن نأتيه فنعتذر إليه فيسمع عذرنا أيضا (4). # وقرئ: " أذن خير لكم " (5) وهو خبر مبتدأ محذوف، و " خير " مثله، أي: # هو أذن، هو خير لكم، يعني: إن كان كما تقولون فهو خير لكم، لأنه يقبل عذركم # PageV02P075 # ولا يكافئكم على سوء دخلتكم (1). # * (يحلفون بالله لكم ليرضوكم) * الخطاب للمسلمين، وكان المنافقون يتكلمون بالمطاعن ثم يأتونهم فيعتذرون إليهم ويحلفون ليرضوا عنهم، فقيل لهم: * (إن) * كنتم * (مؤمنين) * كما تزعمون فأحق من أرضيتم * (الله ورسوله) * بالطاعة والموافقة، ms0469 وإنما وحد الضمير لأنه لا تفاوت بين رضا الله ورسوله، فهما في حكم مرضى واحد، أو: والله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك. # المحادة: مفاعلة من الحد، أي: المنع * (فأن له) * أي: فحق أن له * (نار جهنم) *، ويجوز أن يكون * (فأن له) * معطوفا على * (أنه) * على أن جواب * (من) * محذوف، والتقدير: * (ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله) * يهلك * (فأن له نار جهنم) *. # * (يحذر المنفقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون (64) ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون (65) لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين (66)) * كانوا يستهزئون بالإسلام وأهله وكانوا يحذرون أن يفضحهم الله بالوحي فيهم، والضمير في * (عليهم) * و * (تنبئهم) * للمؤمنين، وفي * (قلوبهم) * للمنافقين، وصح ذلك لأن المعنى يقود إليه، ويجوز أن يكون الضمير في الكل للمنافقين لأن السورة إذا نزلت في معناهم فهي نازلة عليهم، والمعنى: أنها تذيع أسرارهم فكأنها تخبرهم بها، وقيل: معناه ليحذر * (المنفقون) * على الأمر (2)، * (قل استهزءوا) * # PageV02P076 # وعيد بلفظ الأمر * (إن الله مخرج) * أي: مظهر * (ما تحذرون) * إظهاره من نفاقكم. # وكان النبي (صلى الله عليه وآله) يسير منصرفه من غزوة تبوك وبين يديه أربعة نفر يسيرون ويضحكون ويقولون: انظروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتح قصور الشام وحصونه، هيهات هيهات، فأخبره جبرئيل (عليه السلام) بذلك، فقال (صلى الله عليه وآله) لعمار: إن هؤلاء يستهزئون بي وبالقرآن * (ولئن سألتهم ليقولن) *: * (كنا) * نتحدث بحديث الركب، فاتبعهم عمار وقال لهم: مم تضحكون؟ قالوا: كنا نتحدث بحديث الركب، فقال عمار: # صدق الله ورسوله احترقتم أحرقكم الله، فأقبلوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) يعتذرون، فنزلت الآيات (1). # وقيل: نزلت في اثني عشر رجلا وقفوا على العقبة ليفتكوا برسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقال بعضهم لبعض: إن فطن نقول: * (إنما كنا نخوض ونلعب) * (2). # * (لا تعتذروا) * لا تشتغلوا باعتذاراتكم الكاذبة فإنها لا تنفعكم بعد ظهور أسراركم * (قد ms0470 كفرتم) * قد أظهرتم كفركم * (بعد) * إظهاركم الإيمان * (إن نعف عن طائفة منكم) * بإحداثهم الإيمان بعد النفاق * (نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين) * مصرين على النفاق، أو: إن نعف عن طائفة منكم لم يؤذوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يستهزئوا به نعذب طائفة بأنهم كانوا مؤذين لرسول الله (صلى الله عليه وآله) مستهزئين، وقرئ: # " إن يعف عن طائفة يعذب طائفة " على البناء للفاعل (3) وهو الله عز وجل. # * (المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنفقين هم # PageV02P077 # الفاسقون (67) وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم (68) كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلقهم فاستمتعتم بخلقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعملهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون (69) ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (70)) * * (بعضهم من) * جملة * (بعض) * وبعضهم مضاف إلى بعض وهو تكذيب لهم فيما حلفوا: * (إنهم لمنكم) * (1)، وتحقيق لقوله: * (وما هم منكم) * (2)، ثم وصفهم بما يدل على مضادة حالهم لحال المؤمنين بقوله: * (يأمرون بالمنكر) * وهو الكفر والمعاصي * (وينهون عن المعروف) * من: الإيمان والطاعات * (ويقبضون أيديهم) * شحا بالخيرات والصدقات والإنفاق في سبيل الله * (نسوا الله) * أغفلوا ذكره * (فنسيهم) * فتركهم عن رحمته وفضله * (إن المنفقين هم الفاسقون) * هم الكاملون في الفسق الذي هو التمرد في الكفر والانسلاخ عن كل خير. * (خالدين فيها) * أي: # مقدرا لهم الخلود فيها * (هي حسبهم) * دلالة على عظم عذابها، وأنه لا شئ أبلغ منه، نعوذ بالله منها * (ولعنهم الله) * أبعدهم من خيره وأهانهم * (ولهم عذاب مقيم) * سوى الصلي بالنار، دائم كعذاب النار، أو: * (عذاب مقيم) * معهم في العاجل لا ينفكون منه، وهو ما يقاسونه من تعب النفاق وما يخافونه أبدا من الفضيحة. # ومحل الكاف رفع تقديره: أنتم مثل * (الذين من ms0471 قبلكم) *، أو نصب تقديره: # PageV02P078 # فعلتم مثل فعل * (الذين من قبلكم) * وهو أنكم استمتعتم وخضتم كما استمتعوا وخاضوا، وقوله: * (كانوا أشد منكم) * تفسير لتشبيههم بهم، وتمثيل لفعلهم بفعلهم، والخلاق: النصيب، وهو ما خلق للإنسان أي: قدر، كما قيل: له قسم ونصيب، لأنه قسم له ونصب أي: أثبت * (وخضتم) * أي: دخلتم في الباطل واللهو * (كالذي خاضوا) * كالفوج الذي خاضوا، أو كالخوض الذي خاضوا، وعن ابن عباس: هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم، والذي نفسي بيده لتتبعنهم حتى لو دخل الرجل منهم جحر ضب لدخلتموه (1). # * (وأصحب مدين) * قوم شعيب * (والمؤتفكات) * مدائن قوم لوط أهلكها الله بالخسف وقلبها عليهم، من الإفك وهو القلب والصرف * (فما كان الله ليظلمهم) * فما صح منه أن يظلمهم، لأنه حكيم لا يجوز أن يفعل القبيح ويعاقب بغير جرم * (ولكن) * ظلموا * (أنفسهم) * بالكفر فاستحقوا العقاب. # * (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم (71) وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومسكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم (72) يا أيها النبي جهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير (73)) * * (بعضهم أولياء بعض) * في مقابلة قوله: * (بعضهم من بعض) * (2) أي: يلزم # PageV02P079 # كل واحد منهم موالاة بعض ونصرته، وهم يد واحدة على من سواهم * (سيرحمهم الله) * السين تفيد وجود الرحمة لا محالة وتؤكد الوعد، ونحوه: * (سيجعل لهم الرحمن ودا) * (1)، و * (سوف يؤتيهم أجورهم) * (2)، * (عزيز) * غالب على كل شئ قادر عليه، فهو يقدر على الثواب والعقاب * (حكيم) * واضع كل شئ موضعه. # * (ومسكن طيبة) * يطيب العيش فيها، بناها الله من اللؤلؤ والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر، و * (عدن) * علم بدليل قوله: * (جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب) * (3)، ويدل عليه ما رواه أبو الدرداء (4) عن النبي (صلى الله عليه وآله): " عدن: دار الله التي لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر، لا يسكنها غير ثلاثة: النبيون والصديقون والشهداء، يقول ms0472 الله عز وجل: طوبى لمن دخلك " (5)، وقيل: هي مدينة في الجنة (6)، * (ورضوا ن من الله) * أي: وشئ من رضوان الله * (أكبر) * من ذلك كله، لأن رضاه سبب كل سعادة وموجب كل فوز، وبه ينال تعظيمه وكرامته، والكرامة أكبر أصناف الثواب * (ذلك) * إشارة إلى ما وعد الله أو إلى الرضوان، أي: # * (هو الفوز العظيم) * وحده دون ما يعده الناس فوزا. # * (جهد الكفار) * بالسيف * (والمنفقين) * بالحجة. # الصادق (عليه السلام): " جاهد الكفار بالمنافقين " وقال: " هل سمعتم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قاتل منافقا؟ إنما كان يتألفهم " (7). # PageV02P080 # * (واغلظ عليهم) * ولا تحابهم، وعن الحسن: جهاد المنافقين إقامة الحدود عليهم (1). # * (يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغنيهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة ومالهم في الأرض من ولى ولا نصير (74)) * حلفوا * (بالله ما قالوا) * ما حكي عنهم * (ولقد قالوا كلمة الكفر) * وأظهروا كفرهم بعد إظهارهم الإسلام * (وهموا بما لم ينالوا) * وهموا بالفتك برسول الله (صلى الله عليه وآله)، وذلك عند مرجعه من تبوك، تواثق اثنا عشر رجلا - وقيل: # خمسة عشر - على أن يدفعوه عن راحلته إلى الوادي إذا تسنم العقبة بالليل، فأخذ عمار بن ياسر بخطام ناقته يقودها، وحذيفة خلفها يسوقها، فبينا هما كذلك إذ سمع حذيفة بوقع أخفاف الإبل وبقعقعة السلاح، فالتفت فإذا قوم متلثمون، فقال: # إليكم يا أعداء الله، وضرب وجوه رواحلهم حتى نحاهم، فلما نزل رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لحذيفة: من عرفت منهم؟ قال: لم أعرف منهم أحدا، فقال (صلى الله عليه وآله): إنه فلان وفلان، حتى عدهم كلهم، فقال حذيفة: ألا تقتلهم يا رسول الله؟ فقال: أكره أن تقول العرب: لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم (2). # وعن الباقر (عليه السلام): " كانت ثمانية منهم من قريش وأربعة من العرب " (3). # * (وما نقموا) * أي: وما أنكروا وما عابوا * (إلا أن أغنيهم الله ورسوله من # PageV02P081 # فضله) * والمعنى: ms0473 أنهم جعلوا موضع شكر النعمة كفرانها، وكان الواجب عليهم أن يقابلوها بالشكر. # * (ومنهم من عهد الله لئن آتينا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين (75) فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون (76) فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون (77) ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم وأن الله علم الغيوب (78)) * هو ثعلبة بن حاطب قال: يا رسول الله، ادع الله أن يرزقني مالا، فقال: يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه، فقال: والذي بعثك بالحق لئن رزقني مالا لأعطين كل ذي حق حقه، فدعا له، فاتخذ غنما، فنمت كما ينمي الدود حتى ضاقت بها المدينة، فنزل واديا وانقطع عن الجماعة والجمعة، وبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) المصدق (1) ليأخذ الصدقة فأبى وبخل، فقال: وما هذه إلا أخت الجزية، فقال: # يا ويح ثعلبة يا ويح ثعلبة. # * (فأعقبهم) * عن الحسن: أن الضمير للبخل (2)، فأورثهم البخل * (نفاقا) * متمكنا * (في قلوبهم) * لأنه كان سببا فيه وداعيا إليه، والظاهر أن الضمير لله عز وجل، أي: فخذلهم حتى نافقوا وتمكن النفاق في قلوبهم فلا ينفك عنها حتى يموتوا بسبب إخلافهم ما وعدوا الله من التصدق والصلاح، وبكونهم كاذبين، ومنه جعل خلف الموعد ثلث النفاق. # وعن علي (عليه السلام): * (سرهم ونجواهم) *: " ما أسروه من النفاق والعزم على # PageV02P082 # إخلاف ما وعدوه، وما يتناجون به فيما بينهم من المطاعن في الدين وتسمية الصدقة جزية " (1). # * (الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم (79) استغفر لهم أولا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين (80)) * * (الذين يلمزون) * في محل النصب أو الرفع على الذم، والمطوع: المتبرع، وأصله: المتطوع، أي: يعيبون المتطوعين بالصدقة * (من المؤمنين) * ويطعنون عليهم * (في الصدقات و) * يعيبون * (الذين لا يجدون إلا) * طاقتهم فيتصدقون بالقليل * (فيسخرون منهم) * ويستهزئون * (سخر الله منهم) ms0474 * هو مثل قوله: * (الله يستهزئ بهم) * (2) في أنه خبر غير دعاء. # وقوله: * (استغفر لهم) * أمر في معنى الخبر، والمعنى: لن يغفر الله لهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، وفيه معنى الشرط، و " السبعون " جار في كلامهم مجرى المثل للتكثير (3)، قال علي (عليه السلام): # لأصبحن العاص وابن العاصي * سبعين ألفا عاقدي النواصي (4) # PageV02P083 # * (فرح المخلفون بمقعدهم خلف رسول الله وكرهوا أن يجهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون (81) فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون (82) فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخلفين (83)) * * (فرح المخلفون) * الذين خلفهم النبي (صلى الله عليه وآله) ولم يخرجهم معه إلى تبوك، لما استأذنوه في التأخر فأذن لهم * (بمقعدهم) * بقعودهم عن الغزو، و * (خلف رسول الله) *: خلفه، يقال: أقام خلاف الحي أي: بعدهم، وقيل: هو بمعنى المخالفة، لأنهم خالفوه حيث قعدوا ونهض (1)، وانتصب بأنه مفعول له أو حال، أي: قعدوا لمخالفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو مخالفين له * (وكرهوا أن يجهدوا بأموالهم وأنفسهم) * هو تعريض بالمؤمنين وبتحملهم المشاق العظيمة لوجه الله في بذل أموالهم ونفوسهم * (وقالوا) * لهم أو قال بعضهم لبعض: لا تخرجوا إلى الغزو * (في) * هذا * (الحر قل نار جهنم أشد حرا) * استجهال لهم، فإن من تصون من مشقة ساعة فوقع بذلك التصون في مشقة الأبد كان أجهل من كل جاهل. * (فليضحكوا قليلا) * معناه: فسيضحكون قليلا ويبكون * (كثيرا جزاء) * إلا أنه أخرج على لفظ الأمر للدلالة على أنه حتم واجب لا يكون غيره. # وإنما قال: * (إلى طائفة منهم) * لأن منهم من تاب وندم على التخلف أو اعتذر بعذر صحيح * (فاستأذنوك للخروج) * إلى غزوة بعد غزوة تبوك * (أول مرة) * هي الخرجة إلى غزوة تبوك * (مع الخلفين) * مر تفسيره. # PageV02P084 # * (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا ms0475 وهم فاسقون (84) ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (85)) * * (مات) * صفة ل‍ * (أحد) *، وإنما قيل بلفظ الماضي والمعنى على الاستقبال على تقدير الكون والوجود، لأنه كائن موجود لا محالة * (إنهم كفروا) * تعليل للنهي، وكان (صلى الله عليه وآله) يصلي عليهم ويجريهم على أحكام المسلمين، وكان إذا صلى على ميت وقف على قبره ساعة ويدعو له، فنهي عن الأمرين بسبب كفرهم بالله وموتهم على النفاق. # وأعيد قوله: * (ولا تعجبك أموا لهم) * لأن تجدد النزول له شأن في تقرير ما نزل له وتأكيده لا سيما إذا تراخى ما بين النزولين، ويجوز أن يكون النزولان في فريقين من المنافقين. # * (وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين (86) رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون (87) لكن الرسول والذين آمنوا معه جهدوا بأموالهم وأنفسهم وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون (88) أعد الله لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك الفوز العظيم (89)) * يجوز أن يراد السورة بتمامها، وأن يراد بعضها كما يقع القرآن والكتاب على كله وعلى بعضه * (أن آمنوا) * هي " أن " المفسرة * (أولوا الطول) * ذوو الفضل والسعة، من طال عليه طولا * (مع القاعدين) * الذين لهم عذر في التخلف. * (رضوا بأن يكونوا مع الخوالف) * وهم النساء والصبيان والمرضى * (فهم لا يفقهون) * PageV02P085 # ما في الجهاد من السعادة والفوز، وما في التخلف من الشقاوة. # * (لكن الرسول) * إن تخلف هؤلاء فقد نهض إلى الغزو مع المؤمنين، ونحوه: # * (فإن يكفر بها هؤلاء) * الآية (1) * (الخيرات) * الجنة ونعيمها، وقيل: منافع الدارين (2). # * (وجاء المعذرون من الاعراب ليؤذن لهم وقعد الذين كذبوا الله ورسوله سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم (90)) * * (المعذرون) * المقصرون، من عذر في الأمر: إذا توانى ولم يجد فيه، وحقيقته: أن يوهم أن له عذرا فيما يفعل ولا عذر له، أو: " المعتذرون " بإدغام التاء في الذال ونقل حركتها إلى العين، ويجوز في العربية كسر العين لالتقاء الساكنين ms0476 وضمها لاتباع الميم ولكن لم يثبت بهما قراءة، وهم: الذين يعتذرون بالباطل، وقرئ: " المعذرون " بالتخفيف (3) وهو الذي يجتهد في العذر ويبالغ فيه * (وقعد الذين كذبوا الله ورسوله) * في ادعائهم الإيمان، فلم يجيئوا ولم يعتذروا، وعن أبي عمرو بن العلاء (4): كلا الفريقين كان مسيئا: جاء فريق فعذروا وجنح آخرون فقعدوا (5) * (سيصيب الذين كفروا منهم) * من الأعراب * (عذاب أليم) * بالقتل في # PageV02P086 # الدنيا وبالنار في الآخرة. # * (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم (91) ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون (92) إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون (93)) * * (الضعفاء) * الزمنى (1) والهرمى، و * (الذين لا يجدون) * الفقراء، والنصح * (لله ورسوله) *: الإيمان والطاعة في السر والعلانية * (ما على المحسنين) * أي: # المعذورين الناصحين * (من سبيل) * ومعنى لا سبيل عليهم: لا جناح عليهم ولا طريق للعاتب عليهم. # * (قلت لا أجد) * حال من الكاف في * (أتوك) * " وقد " مضمر قبله، والمعنى: # ولا على الذين إذا ما أتوك وأنت قائل: لا أجده * (تولوا وأعينهم تفيض من الدمع) *، و * (من) * للبيان، والجار والمجرور في محل النصب على التمييز، أي: # تفيض دمعا، وهو أبلغ من قولك: يفيض دمعها، لأن العين جعلت كأنها كلها دمع فائض * (ألا يجدوا) * أي: لأن لا يجدوا، ومحله نصب لأنه مفعول له وناصبه المفعول له الذي هو * (حزنا) *. و * (رضوا) * استئناف، كأنه قيل: ما بالهم استأذنوا * (وهم أغنياء) * فقيل: رضوا بالدناءة والانتظام في جملة * (الخوالف وطبع الله على قلوبهم) * يعني: أن السبب في استئذانهم رضاهم بالدناءة وخذلان الله إياهم. # PageV02P087 # * (يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى علم الغيب والشهدة فينبئكم بما كنتم تعملون (94) سيحلفون بالله لكم ms0477 إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون (95) يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين (96)) * * (لن نؤمن لكم) * علة للنهي عن الاعتذار، لأن غرض المعتذر أن يصدق فيما يعتذر به، فإذا علم أنه مكذب فينبغي أن يترك الاعتذار، وقوله: * (قد نبأنا الله من أخباركم) * علة لانتفاء تصديقهم، لأن الله سبحانه إذا أعلم بأخبارهم وأحوالهم وأسرارهم لم يستقم تصديقهم في معاذيرهم * (وسيرى الله عملكم) * أتتوبون أم تثبتون على كفركم؟ * (ثم تردون) * إليه وهو * (علم) * كل غيب وشهادة وسر وعلن، فيجازيكم على حسب ذلك. # * (لتعرضوا عنهم) * لتصفحوا عن جرمهم ولا توبخوهم * (فأعرضوا عنهم) * فأعطوهم طلبتهم * (إنهم رجس) * تعليل لترك معاتبتهم، والمراد: أن العتاب لا ينجع فيهم ولا يصلحهم، إنما يعاتب الأديم ذو البشرة، ويوبخ المؤمن على الزلة ليطهره التوبيخ بالحمل على التوبة، وهؤلاء أرجاس لا سبيل إلى تطهيرهم. # * (لترضوا عنهم) * أي: غرضهم في الحلف طلب رضاكم لينفعهم ذلك في دنياهم، ولا ينفعهم رضاكم إذا كان الله ساخطا عليهم. # * (الاعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم (97) ومن الاعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء والله سميع عليم (98) PageV02P088 # ومن الاعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربت عند الله وصلوا ت الرسول ألا إنها قربة لهم سيدخلهم الله في رحمته إن الله غفور رحيم (99)) * * (الاعراب) * أهل البدو * (أشد كفرا ونفاقا) * من أهل الحضر لقسوة قلوبهم وجفائهم، ونشوئهم في بعد من مشاهدة العلماء وسماع التنزيل * (وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله) * من الشرائع والأحكام * (والله عليم) * بحال أهل الوبر والمدر * (حكيم) * فيما يحكم به عليهم. # * (مغرما) * أي: غرامة وخسرانا، فلا ينفق إلا تقية من أهل الإسلام ورئاء، لا لوجه الله * (ويتربص بكم) * دوائر الزمان وحوادث الأيام، ليذهب غلبتكم عليه فيتخلص من إعطاء الصدقة * (عليهم دائرة السوء) * دعاء معترض، وقرئ: # " السوء " بالضم (1) وهو العذاب، و ms0478 * (السوء) * بالفتح ذم للدائرة، كما يقال: رجل سوء، ونقيضه رجل صدق، قال: # وكنت كذئب السوء لما رأى دما * بصاحبه يوما أحال على الدم (2) * (والله سميع) * لأقوالهم * (عليم) * بأحوالهم. # * (قربت) * مفعول ثان ل‍ * (يتخذ) * والمعنى: أن ما ينفقه سبب لحصول القربات * (عند الله وصلوا ت الرسول) *، لأن الرسول كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم، كقوله: " اللهم صل على آل أبي أوفي " (3) لما أتاه أبو أوفي بصدقته، # PageV02P089 # فلما كان ما ينفق سببا لذلك قيل: * (يتخذ ما ينفق قربت... وصلوا ت) *، * (ألا إنها قربة لهم) * هذا شهادة من الله للمتصدق بصحة ما اعتقده من كون نفقته قربات وصلوات، وتصديق لرجائه على طريق الاستئناف مع حرفي التنبيه والتحقيق المؤذنين بثبات الأمر وتحققه، و * (سيدخلهم الله) * كذلك لما في السين من تحقق الوعد، وقرئ: " قربة " بضم الراء (1). # * (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم (100)) * * (السابقون الأولون من المهاجرين) * هم الذين صلوا إلى القبلتين، وقيل: # الذين شهدوا بدرا (2)، * (و) * من * (الأنصار) * أهل بيعة العقبة الأولى وكانوا اثني عشر رجلا، وأهل العقبة الثانية وكانوا سبعين رجلا، والذين آمنوا حين قدم عليهم مصعب بن عمير فعلمهم القرآن، وقرئ: " الأنصار " بالرفع (3) عطفا على * (والسابقون) *، وارتفع * (السابقون) * بالابتداء وخبره * (رضي الله عنهم) *، وقرأ ابن كثير (4): " من تحتها " (5). # PageV02P090 # * (وممن حولكم من الاعراب منفقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم (101) وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صلحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم) * (102) ومن جملة من حول بلدتكم وهي المدينة * (من الاعراب) * الذين يسكنون البدو * (منفقون) * وهم جهينة وأسلم وغفار وأشجع ومزينة، كانوا نازلين حول المدينة * (ومن أهل المدينة) * عطف على خبر المبتدأ الذي هو * (ممن حولكم) *، ويجوز أن يكون جملة معطوفة على المبتدأ والخبر إذا قدرت: ومن أهل المدينة قوم * (مردوا على النفاق) * على أن يكون * (مردوا) ms0479 * صفة موصوف محذوف كقوله: # أنا ابن جلا وطلاع الثنايا (1) أي: ابن رجل وضح أمره، و * (مردوا على النفاق) * تمهروا فيه، من قولهم: # مرد فلان على عمله، ومرد عليه: إذا درب به حتى لان عليه ومهر فيه، ودل على مهارتهم فيه بقوله: * (لا تعلمهم) * أي: يخفون عليك مع فطنتك وصدق فراستك لفرط تنوقهم (2) في تحامي (3) ما يشكك في أمرهم، ثم قال: * (نحن نعلمهم) * أي: # لا يعلمهم إلا الله المطلع على البواطن، لأنهم يبطنون الكفر في ضمائرهم ويظهرون لك الإيمان وظاهر الإخلاص الذي لا تشك معه في أمرهم * (سنعذبهم مرتين) * هما: ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند قبض أرواحهم، وعذاب القبر # PageV02P091 # * (ثم يردون إلى عذاب عظيم) * في النار. # * (وآخرون اعترفوا بذنوبهم) * ولم يعتذروا بالمعاذير الكاذبة كغيرهم، وهم ثلاثة نفر من الأنصار: أبو لبابة بن عبد المنذر، وأوس بن حذام، وثعلبة بن وديعة (1) * (خلطوا عملا صلحا وآخر سيئا) * فيه دلالة على بطلان القول بالإحباط لأنه لو كان أحد العملين محبطا لم يكن لقوله: * (خلطوا) * معنى، لأن الخلط يستعمل في الجمع مع الامتزاج كخلط الماء واللبن، وبغير امتزاج كخلط الدنانير والدراهم * (وآخر) * أي: وعملا آخر. # * (خذ من أموا لهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلوا تك سكن لهم والله سميع عليم (103) ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم (104) وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى علم الغيب والشهدة فينبئكم بما كنتم تعملون (105)) * * (تطهرهم) * صفة ل‍ * (صدقة) *، والتاء فيه للخطاب أو للتأنيث، أي: * (صدقة تطهرهم) * أنت * (وتزكيهم بها) * فيكون كلا الفعلين مسندا إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، أو * (صدقة تطهرهم) * تلك الصدقة * (وتزكيهم) * أنت * (بها) * أي: تنسبهم إلى الزكاة، والتزكية: مبالغة في التطهير وزيادة فيه، أو بمعنى الإنماء والبركة في المال * (وصل عليهم) * أي: وترحم عليهم بالدعاء لهم بقبول صدقاتهم * (إن صلاتك سكن لهم) * إن دعواتك يسكنون إليها وتطمئن قلوبهم بها * (والله سميع) * يسمع # PageV02P092 # دعاءك لهم * (عليم) * يعلم ما يكون منهم، وقرئ: ms0480 * (صلاتك) * على التوحيد هنا وفي هود (1). # * (ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة) * إذا صحت * (و) * يقبل * (الصدقات) * إذا صدرت عن خلوص النية، و * (هو) * للتخصيص والتأكيد، و * (أن الله) * من شأنه قبول توبة التائبين. * (وقل) * لهؤلاء التائبين: * (اعملوا) * فإن * (عملكم) * لا يخفي على الله ولا على رسوله ولا على المؤمنين، خيرا كان أو شرا. # وروى أصحابنا: أن أعمال الأمة تعرض على النبي (صلى الله عليه وآله) في كل اثنين وخميس فيعرفها، وكذلك تعرض على الأئمة القائمين مقامه وهم المعنيون بقوله: # * (والمؤمنون) * (2). # * (وستردون) * سترجعون * (إلى) * الله الذي يعلم السر والعلانية * (فينبئكم) * بأعمالكم ويجازيكم عليها. # * (وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم والله عليم حكيم (106)) * قرئ: * (مرجون) * و " مرجؤون " (3) من أرجيته وأرجأته: إذا أخرته، أي: # * (وآخرون) * من المتخلفين موقوف أمرهم: * (إما) * أن * (يعذبهم) * الله إن بقوا على الإصرار ولم يتوبوا، * (وإما) * أن * (يتوب عليهم) * إن تابوا، وهم ثلاثة: كعب ابن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع، أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أصحابه أن # PageV02P093 # لا يكلموهم ففعلوا ذلك، ثم تاب الله عليهم بعد خمسين يوما، وتصدق كعب بثلث ماله شكرا لله على توبته. # * (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون (107) لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين (108) أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوا ن خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين (109) لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم (110)) * قرأ أهل المدينة والشام: " الذين اتخذوا " بغير واو (1)، وكذلك هو في مصاحفهم (2) لأنها قصة برأسها. # روي: أن بني عمرو بن عوف (3) لما بنوا مسجد قباء وصلى فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) حسدتهم ms0481 إخوتهم بنو غنم بن عوف (4) وقالوا: نبني مسجدا نصلي فيه ولا نحضر جماعة محمد، فبنوا مسجدا إلى جنب مسجد قباء، وقالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يتجهز إلى تبوك: إنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه، فقال (صلى الله عليه وآله): # " إني على جناح سفر "، ولما انصرف من تبوك نزلت (5)، فأرسل من هدم المسجد وأحرقه، وأمر أن يتخذ مكانه كناسة تلقى فيها الجيف والقمامة (6). # PageV02P094 # * (ضرارا) * مضارة لإخوانهم: أصحاب مسجد قباء، معازة (1) * (وكفرا) * وتقوية للنفاق * (وتفريقا بين المؤمنين) * لأنهم كانوا يصلون مجتمعين في مسجد قباء فأرادوا أن يتفرقوا عنه وتختلف كلمتهم * (وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل) * أي: وإعدادا لأجل من حارب الله ورسوله وهو أبو عامر الراهب (2)، وكان قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح، فلما قدم النبي المدينة حسده وحزب عليه الأحزاب، ثم هرب بعد فتح مكة وخرج إلى الروم وتنصر، وهو أبو " حنظلة " غسيل الملائكة (3)، قتل يوم أحد وكان جنبا فغسلته الملائكة، وكان هؤلاء يتوقعون رجوع أبي عامر إليهم، وأعدوا هذا المسجد له ليصلي فيه ويظهر على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ويتعلق * (من قبل) * ب‍ * (اتخذوا) * أي: اتخذوا مسجدا من قبل أن ينافق هؤلاء بالتخلف، أو يتعلق ب‍ * (حارب) * أي: لأجل من حارب الله ورسوله من قبل أن يتخذوا المسجد * (وليحلفن) * يعني هؤلاء المنافقين: ما * (أردنا إلا) * الفعلة * (الحسنى) * أو الإرادة الحسنى وهي: الصلاة وذكر الله والتوسعة على المصلين. # * (لا تقم فيه أبدا) * أي: لا تصل فيه أبدا، يقال: فلان يقوم بالليل أي: يصلي * (لمسجد أسس على التقوى) * هو مسجد قباء أسسه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصلى فيه أيام مقامه بقباء، وقيل: هو مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالمدينة (4) * (من أول يوم) * من أيام وجوده * (أحق أن تقوم فيه) * أي: أولى بأن تصلي فيه * (فيه رجال يحبون # PageV02P095 # أن يتطهروا) * روي: أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال لهم: إن الله عز وجل قد أثنى عليكم فماذا تفعلون في طهوركم؟ قالوا: ms0482 نغسل أثر الغائط، فقال: أنزل الله فيكم: * (والله يحب المطهرين) * (1) أي: المتطهرين، ومحبتهم للتطهر: أنهم يؤثرونه ويحرصون عليه، ومحبة الله إياهم: أنه يرضى عنهم ويحسن إليهم كما يفعل المحب بمحبوبه. # وقرئ: * (أسس بنيانه) * و " أسس بنيانه " (2)، وفي الشواذ: " أسس بنيانه " على الإضافة (3)، وهو جمع أساس، والمعنى: أفمن أسس بنيان دينه * (على) * قاعدة محكمة وهي الحق الذي هو * (تقوى... الله) * ورضوانه * (خير أم من) * أسسه * (على) * قاعدة هي أضعف القواعد وأقلها بقاء وهو الباطل والنفاق الذي مثله مثل * (شفا جرف هار) * في قلة الثبات، والشفا: الشفير، وجرف الوادي: جانبه الذي يتحفر أصله بالماء وتجرفه السيول، والهار: الهائر الذي أشفي على السقوط والتهدم، ووزنه " فعل " قصر عن هائر كخلف عن خالف، ونظيره: شاك وصات من شائك وصائت، وألفه ليست بألف فاعل، وأصله هور وشوك وصوت، ولما جعل الجرف الهار مجازا عن الباطل قيل: * (فانهار به في نار جهنم) * والمعنى: فهوى به الباطل في نار جهنم، فكأن المبطل أسس بنيانا على شفير جهنم فطاح به إلى قعرها. * (ريبة) * أي: شكا في الدين ونفاقا، والمعنى: * (لا يزال) * هدم * (بنيانهم الذي) * بنوه سبب شك ونفاق * (في قلوبهم) * لا يضمحل أثره * (إلا أن تقطع) * أي: # تتقطع * (قلوبهم) * قطعا وتتفرق أجزاء، فحينئذ يسلون عنه، والريبة باقية فيها ما دامت سالمة، وقرئ: * (تقطع) * بالتخفيف (4) والتشديد، ويجوز أن يراد حقيقة # PageV02P096 # تقطيعها بقتلهم أو في النار، وقرئ: " إلى أن " (1)، وروي ذلك عن الصادق (عليه السلام) (2)، وفي قراءة عبد الله: " ولو قطعت قلوبهم " (3)، وقيل: معناه: إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندما على تفريطهم (4). # * (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموا لهم بأن لهم الجنة يقتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرءان ومن أوفي بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم (111) التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين (112)) * عبر سبحانه عن إثابتهم بالجنة على بذلهم * (أنفسهم وأموا لهم) * في سبيله: ms0483 # بالاشتراء، وجعل الثواب ثمنا وأعمالهم الحسنة مثمنا تمثيلا، وروي: أنه تاجرهم فأغلى لهم الثمن (5). # وعن الصادق (عليه السلام): " ليس لأبدانكم ثمن إلا الجنة، فلا تبيعوها إلا بها " (6). # وعن الحسن: أنفسا هو خلقها، وأموالا هو رزقها (7). # وروي: أن الأنصار حين بايعوه على العقبة قال عبد الله بن رواحة (8): اشترط # PageV02P097 # لربك ولنفسك ما شئت، قال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم، قال: فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: # لكم الجنة، قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل (1). # * (يقتلون) * فيه معنى الأمر، كقوله: * (تجاهدون في سبيل الله) * (2)، ثم قال: # * (يغفر لكم ذنوبكم) * (3)، وقرئ: * (فيقتلون ويقتلون) * وعلى العكس (4) * (وعدا عليه حقا) * مصدر مؤكد، يعني: أن الوعد الذي وعده للمجاهدين في سبيله وعد ثابت قد أثبته * (في التوراة والإنجيل) * كما أثبته في * (القرآن ومن أوفي بعهده من الله) * أي: لا أحد أوفي بعهده من الله، لأن الخلف قبيح لا يقدم عليه الكريم (5) من الخلق مع جوازه عليهم لحاجتهم، فكيف بالكريم الغني الذي لا يجوز عليه فعل القبيح * (فاستبشروا) * أي: فافرحوا بهذه المبايعة إذ بعتم فانيا بباق وزائلا بدائم * (وذلك هو الفوز) * والظفر * (العظيم) * ولا ترغيب في الجهاد أحسن وأبلغ منه. # * (التائبون) * رفع على المدح، أي: هم التائبون، يعني: المؤمنين المذكورين، ويدل عليه قراءة أبي (6) و عبد الله والباقر والصادق (عليهما السلام): " التائبين " بالياء (7) # PageV02P098 # إلى قوله: " والحافظين " نصبا على المدح، أو جرا على الصفة ل‍ * (المؤمنين) *، ويجوز أن يكون * (التائبون) * مبتدأ وخبره * (العابدون) *، وما بعده خبر بعد خبر، أي: التائبون من الكفر على الحقيقة هم الجامعون لهذه الخصال، و * (العابدون) * هم الذين أخلصوا في عبادة الله، و * (السائحون) *: الصائمون، شبهوا بذوي السياحة في الأرض في امتناعهم من شهواتهم، وقيل: هم طلاب العلم يسيحون في الأرض يطلبونه من مظانه (1)، * (والحافظون لحدود الله) * القائمون بأوامره، والمجتنبون لنواهيه. # * (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحب الجحيم (113) وما ms0484 كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لاواه حليم (114)) * عن الحسن: أن المسلمين قالوا: ألا نستغفر لآبائنا الذين ماتوا في الجاهلية؟ # فنزلت (2)، أي: لا ينبغي لنبي ولا مؤمن أن يدعو لكافر ويستغفر له، ولا يصح ذلك في حكمة الله * (ولو كانوا) * قرابتهم * (من بعد ما تبين لهم أنهم) * ماتوا على الشرك. * (إلا عن موعدة وعدها إياه) * أي: وعدها إبراهيم أباه وهو قوله: # * (لأستغفرن لك) * (3)، ويدل عليه قراءة الحسن: " وعدها أباه " (4)، * (فلما تبين له) * من جهة الوحي * (أنه) * لن يؤمن ويموت كافرا، وانقطع رجاؤه عن إيمانه * (تبرأ منه) *، والأواه: فعال من أوه، وهو الذي يكثر التأوه والبكاء والدعاء، # PageV02P099 # ويكثر ذكر الله عز اسمه. # * (وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون إن الله بكل شئ عليم (115) إن الله له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وما لكم من دون الله من ولى ولا نصير (116)) * أي: لا يؤاخذ * (الله) * عباده الذين * (هداهم) * للإسلام، ولا يسميهم ضلالا ولا يخذلهم بارتكاب المحظورات إلا بعد أن * (يبين لهم) * حظرها عليهم، ويعلمهم أنها واجبة الاتقاء والاجتناب، فأما قبل البيان فلا سبيل عليهم، والمراد ب‍ * (ما يتقون) *: ما يجب اتقاؤه للنهي، فأما ما يعلم بالعقل من القبائح فغير موقوف على التوقيف. # * (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم (117) وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم (118) يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصدقين (119)) * إنما ذكر النبي (صلى الله عليه وآله) استفتاحا باسمه ولأنه سبب توبتهم، وإلا فمن المعلوم أنه لم يكن منه ما أوجب التوبة، وروي عن الرضا (عليه السلام): أنه قرأ: " لقد تاب الله بالنبي ms0485 على المهاجرين " (1) وهو بعث للمؤمنين على التوبة، وأنه مامن مؤمن إلا وهو محتاج إلى الاستغفار والتوبة * (في ساعة العسرة) * في وقتها، وقد يستعمل الساعة في معنى الزمان المطلق كما يستعمل الغداة والعشية واليوم، نحو قوله: # PageV02P100 # عشية قارعنا جذام وحميرا (1) [وقوله:] غداة طفت علماء بكر بن وائل (2) أي: على الماء، و * (العسرة) *: حالهم في غزوة تبوك، كان يعتقب العشرة على بعير واحد، وكان زادهم الشعير المسوس والتمر المدود والإهالة (3) النسخة (4)، وبلغت الشدة بهم أن اقتسم التمرة اثنان، وربما مصها الجماعة ليشربوا عليها الماء، وكانوا في حمارة القيظ (5) وفي الضيقة الشديدة من القحط وقلة الماء " كاد تزيغ قلوب فريق منهم " عن الثبات على الإيمان، أو عن اتباع الرسول (صلى الله عليه وآله) في تلك الغزوة، وفي * (كاد) * ضمير الأمر والشأن، وشبهه سيبويه بقولهم: " ليس خلق الله مثله " (6)، وقرئ: * (يزيغ) * بالياء (7)، قيل: إن قوما منهم هموا بالانصراف من غزاتهم بغير استئذان، فعصمهم الله تعالى حتى مضوا (8)، * (ثم تاب عليهم) * من بعد ذلك الزيغ * (إنه بهم رؤوف رحيم) * تداركهم # PageV02P101 # برأفته ورحمته. # * (وعلى الثلاثة الذين خلفوا) * وهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال ابن أمية، خلفوا عن قبول التوبة بعد قبول توبة من قبل توبتهم، وقيل: خلفوا عن غزوة تبوك لما تخلفوا (1)، وقراءة أهل البيت (عليهم السلام) وأبي عبد الرحمن السلمي (2): " خالفوا " (3)، * (بما رحبت) * أي: برحبها، والمعنى: مع سعتها، وهو مثل لحيرتهم في أمرهم، كأنهم لا يجدون في الأرض موضع قرار * (وضاقت عليهم أنفسهم) * أي: قلوبهم من فرط الوحشة والغم * (وظنوا) * وعلموا * (أن لا ملجأ من) * سخط * (الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا) * ثم رجع عليهم بالقبول والرحمة مرة بعد أخرى ليستقيموا على توبتهم ويثبتوا، أو ليتوبوا أيضا في المستقبل إن فرطت منهم خطيئة، علما منهم ب‍ * (ان الله) * تواب على من تاب ولو عاد في اليوم سبعين مرة. # * (مع الصدقين) * الذين صدقوا في دين الله نية وقولا وعملا، وعن الباقر (عليه السلام): " كونوا مع آل محمد " (4). # وقرأ ابن عباس: " من الصادقين " (5)، وروي ms0486 أيضا ذلك عن الصادق (عليه السلام) (6). # PageV02P102 # * (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الاعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صلح إن الله لا يضيع أجر المحسنين (120) ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون (121)) * ظاهره خبر ومعناه نهي، مثل قوله: * (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله) * (1)، * (ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه) * أمروا بصحبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) على البأساء والضراء، وبأن يكابدوا معه الشدائد برغبة ونشاط * (ذلك) * إشارة إلى ما دل عليه قوله: " ما كان لهم أن يتخلفوا " من وجوب مشايعته، أي * (ذلك) * الوجوب * (ب‍) * سبب * (أنهم لا يصيبهم) * شئ من عطش ولا تعب ولا مجاعة في طريق الجهاد، ولا يضعون أقدامهم ولا يدوسون بحوافر خيولهم وأخفاف رواحلهم موضعا * (يغيظ الكفار) * وطأهم إياه، ولا يتصرفون في أرضهم تصرفا يضيق صدورهم * (ولا ينالون من عدو نيلا) * ولا يرزؤونهم شيئا بقتل أو أسر أو أمر يغمهم * (إلا كتب لهم به عمل صلح) * واستوجبوا الثواب عند الله، والموطئ: إما مصدر كالمورد وإما مكان، والنيل: يجوز أن يكون مصدرا مؤكدا وأن يكون بمعنى المنيل، وهو عام في كل ما يسوؤهم ويضرهم. * (ولا يقطعون واديا) * أي: # أرضا في ذهابهم ومجيئهم، والوادي: كل منعرج بين جبال وآكام يكون منفذا للسيل، وهو في الأصل فاعل من ودي: إذا سال، ومنه الودي (2) * (إلا كتب لهم) * # PageV02P103 # ذلك الإنفاق وقطع الوادي، وتعلق * (ليجزيهم) * ب‍ * (- كتب) * أي: أثبت في صحائفهم لأجل الجزاء. # * (وما كان المؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون (122) يا أيها الذين آمنوا قتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين (123) وإذا ما أنزلت سورة فمنهم ms0487 من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون (124) وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون (125)) * * (لينفروا) * اللام لتأكيد النفي، والمعنى: أن نفير الكافة عن أوطانهم لطلب الفقه (1) والعلم غير صحيح ولا ممكن، وفيه: أنه لو صح وأمكن ولم يؤد إلى مفسدة لوجب على الكافة، لأن طلب العلم فريضة على كل مسلم * (فلولا نفر) * فحين لم يمكن نفير الكافة فهلا نفر * (من كل فرقة) * أي: جماعة كثيرة * (طائفة) * أي: جماعة قليلة " منهم ": * (ليتفقهوا في الدين) * ليتكلفوا الفقاهة فيه، ويتجشموا المشاق في تحصيلها * (ولينذروا قومهم) * وليجعلوا غرضهم بالتفقه إنذار قومهم وإرشادهم * (لعلهم يحذرون) * عقاب الله ويطيعونه. # * (قتلوا الذين يلونكم من الكفار) * أي: يقربون منكم، فإن القتال واجب مع جميع الكفار، ولكن الأقرب فالأقرب أوجب، ونظيره: * (وأنذر عشيرتك الأقربين) * (2)، وقد حارب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قومه ثم غيرهم من العرب، وقيل: # PageV02P104 # هم قريظة والنضير (1) وفدك (2) وخيبر (3)، والأول أصح، لأن السورة نزلت في سنة تسع، وقد فرغ النبي من أولئك * (وليجدوا فيكم غلظة) * أي: شدة وصبرا على جهادهم، ونحوه: * (واغلظ عليهم) * (4). # * (فمنهم من يقول) * فمن المنافقين من يقول بعضهم لبعض: * (أيكم زادته هذه) * السورة * (إيمانا) * استهزاء باعتقاد المؤمنين زيادة الإيمان بزيادة العلم الحاصل بالوحي * (فزادتهم إيمانا) * أي: تصديقا ويقينا وثلجا لصدورهم. # وقوله: * (فزادتهم رجسا إلى رجسهم) * أي: كفرا مضموما إلى كفرهم، لأنهم بتجديد الوحي جددوا كفرا ونفاقا فازداد كفرهم عنده واستحكم. # * (أو لا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولاهم يذكرون (126) وإذا ما أنزلت سورة نظر بعضهم إلى بعض هل يراكم من أحد ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم # PageV02P105 # لا يفقهون (127) لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم (128) فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم (129)) * قرئ: " أو لا ترون " بالتاء (1) أيضا * (يفتنون) * أي: يبتلون ويمتحنون بالمرض والقحط وغيرهما من البلايا ms0488 * (ثم) * لا ينتهون و * (لا يتوبون) * من نفاقهم * (ولاهم يذكرون) * لا يعتبرون، أو يبتلون بالجهاد مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ويعاينون أمره وما ينزل الله عليه من النصرة والتأييد، أو يفتنهم الشيطان فينقضون عهودهم مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيقتلهم وينكل بهم ثم لا ينزجرون. # * (نظر بعضهم إلى بعض) * أي: تغامزوا بعيونهم إنكارا للوحي قائلين: # * (هل يراكم من أحد) * من المسلمين لننصرف فإنا لا نصبر على استماعه، أو ترامقوا يتشاورون في تدبير الخروج والانسلال * (ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم) * دعاء عليهم بالخذلان، أو بصرف قلوبهم عما في قلوب أهل الإيمان من الانشراح * (ب‍) * سبب * (أنهم قوم لا يفقهون) * لا يتدبرون حتى يفقهوا ويعلموا. # * (من أنفسكم) * من جنسكم ومن نسبكم عربي قرشي مثلكم، شديد * (عليه) * - لكونه بعضا منكم - عنتكم ولقاؤكم المكروه، فهو يخاف عليكم سوء العاقبة والوقوع في العذاب * (حريص عليكم) * حتى لا يخرج أحد منكم عن الاستسعاد به وبدينه الذي جاء به * (بالمؤمنين) * منكم ومن غيركم * (رؤوف رحيم) *، وقرئ: " من أنفسكم " (2) أي: من أشرفكم وأفضلكم، وقيل: # PageV02P106 # هي قراءة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفاطمة (عليها السلام) (1). # * (فإن تولوا) * عن الإيمان بك فاستعن بالله وفوض إليه، فإنه يكفيك أمرهم وينصرك عليهم. # وقيل: هي آخر آية نزلت من السماء (2)، وهذه السورة آخر سورة كاملة نزلت (3). # سعيد بن جبير، عن ابن عباس: سألته عن سورة التوبة؟ فقال: تلك الفاضحة، ما زال ينزل منهم ومنهم، حتى خشينا أن لا يبقى منا أحد إلا ذكر (4). # PageV02P107 # سورة يونس مكية (1)، وهي مائة وتسع آيات. # وفي حديث أبي: " من قرأها أعطي من الأجر عشر حسنات، بعدد من صدق بيونس وكذب به، وبعدد من غرق مع فرعون " (2). # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأها في كل شهرين لم يخف عليه أن يكون من الجاهلين، وكان يوم القيامة من المقربين " (3). # بسم الله الرحمن الرحيم * (الر تلك آيات الكتاب الحكيم (1) أكان للناس عجبا أن أوحينا # PageV02P109 # إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم ms0489 صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لسحر مبين (2)) * * (تلك) * إشارة إلى ما تضمنته السورة من الآيات * (الكتاب الحكيم) * اللوح المحفوظ، أو القرآن ذي الحكمة لاشتماله عليها، أو نطقه بها. # * (أكان للناس عجبا) * الهمزة لإنكار التعجب والتعجيب منه، و * (أن أوحينا) * اسم * (كان) *، و * (عجبا) * خبره، ومعنى اللام في * (للناس) *: أنهم جعلوه لهم أعجوبة يتعجبون منها، والذي تعجبوا منه: أن يوحى * (إلى) * بشر يكون رجلا من جنس رجالهم دون أن يكون عظيما من عظمائهم، وهذا ليس بعجب، لأن الله إنما يختار من يستقل بما اختير له من أعباء الرسالة (1) * (أن أنذر الناس) *: * (أن) * هي المفسرة، لأن * (أوحينا) * فيه معنى القول، ويجوز أن تكون المخففة من الثقيلة، وأصله: أنه أنذر الناس، على معنى: أن الشأن قولنا: أنذر الناس * (أن لهم) * أي: # بأن لهم، فحذف الباء * (قدم صدق) * أي: سابقة وفضلا * (عند ربهم) *، ولما كان السعي والسبق بالقدم سميت المسعاة الجميلة والسابقة قدما، كما سميت النعمة يدا وباعا (2) لأنها تعطى باليد وصاحبها يبوع بها، وإضافته إلى * (صدق) * دلالة على زيادة فضل، وأنه من السوابق العظيمة * (إن هذا) * الكتاب " لسحر " (3)، وقرئ: # * (لسحر) * فعلى هذه القراءة يكون * (هذا) * إشارة إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهو دليل عجزهم واعترافهم بذلك وإن كانوا كاذبين في تسميته سحرا. # * (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الامر مامن شفيع إلا من بعد إذنه ذا لكم الله # PageV02P110 # ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون (3) إليه مرجعكم جميعا وعد الله حقا إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون) * (4) * (يدبر الامر) * يقضيه ويقدره ويرتبه في مراتبه على أحكام عواقبه، كما يفعل الناظر في أدبار الأمور، والامر: أمر الخلق كله، وقد دل سبحانه بالجملة قبلها على عظمة ملكوته بخلق * (السماوات والأرض في) * وقت يسير مع بسطتها واتساعها، وبالاستواء * (على العرش) *، ثم أتبعها هذه الجملة لزيادة الدلالة على العظمة في أنه ms0490 لا يخرج شئ من قضائه وتقديره، وكذا قوله: * (مامن شفيع إلا من بعد إذنه) * دليل على العزة والكبرياء * (ذا لكم) * إشارة إلى المعلوم بتلك العظمة، أي: ذلك العظيم الموصوف بما وصف به هو * (الله) * الذي يستحق العبادة منكم، وهو * (ربكم فاعبدوه) * وحده ولا تشركوا به بعض خلقه من ملك أو إنسان فضلا عن جماد لا يضر ولا ينفع * (أفلا تذكرون) * وأصله " تتذكرون " يعني: أن أدنى تذكر ينبه على الخطاء فيما أنتم عليه. # * (إليه مرجعكم جميعا) * أي: إليه رجوعكم جميعا في العاقبة فاستعدوا للقائه * (وعد الله) * مصدر مؤكد لقوله: * (إليه مرجعكم) *، و * (حقا) * مصدر مؤكد لقوله: # * (وعد الله) *، * (إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده) * استئناف معناه التعليل لوجوب المرجع إليه، وهو: أن الغرض بابتداء الخلق وإعادته جزاء المكلفين على أعمالهم، وقرئ: " أنه " بالفتح (1)، بمعنى: لأنه، أو هو منصوب بالفعل الذي نصب * (وعد الله) * أي: وعد الله وعدا إبداء الخلق ثم إعادته، والمعنى: إعادة الخلق # PageV02P111 # بعد إبدائه * (بالقسط) * أي: بالعدل، وهو متعلق ب‍ " يجزي " والمعنى: ليجزيهم بقسطه ويوفيهم أجورهم، أو بقسطهم وعدلهم حين * (آمنوا وعملوا الصالحات) * لأن الشرك ظلم، ويؤيد هذا الوجه أنه يقابل قوله: * (بما كانوا يكفرون) *. # * (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون (5) إن في اختلف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون (6)) * الياء في * (ضياء) * منقلبة عن واو (1) لكسرة ما قبلها، والضياء أقوى من النور * (وقدره) * أي: قدر * (القمر) *، * (منازل) * أي: ذا منازل، أو قدر مسيره منازل، كقوله: * (والقمر قدرناه منازل) * (2)، * (والحساب) * حساب الأوقات من الأشهر والأيام والليالي * (ذلك) * إشارة إلى المذكور، أي: * (ما خلق‍) * - ه * (إلا) * ملتبسا * (بالحق) * الذي هو الحكمة البالغة ولم يخلقه عبثا. وخص " المتقين " لأنهم يحذرون العاقبة فيدعوهم ذلك إلى التأمل والنظر. # * (إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غفلون (7) أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون (8) إن الذين آمنوا ms0491 وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم (9) دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العلمين (10)) * أي: لا يأملون حسن * (لقاءنا) * كما يأمله السعداء، أو: لا يخافون سوء لقائنا * (ورضوا بالحياة الدنيا) * قنعوا بها من الآخرة، واختاروا القليل الفاني على # PageV02P112 # الكثير الباقي * (واطمأنوا بها) * وسكنوا إليها سكون من لا يزعج عنها * (والذين هم عن آياتنا غفلون) * ذاهبون عن تأملها، ذاهلون عن النظر فيها. # * (يهديهم ربهم بإيمانهم) * يوفقهم بسبب إيمانهم للاستقامة على سلوك الطريق الموصل إلى الثواب، ولذلك جعل قوله: * (تجري من تحتهم الأنهار) * بيانا له وتفسيرا، لأن التمسك بسبب السعادة كالوصول إليها، أو: * (يهديهم) * في الآخرة بنور إيمانهم إلى سبيل الجنة، نحو قوله: * (يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم) * (1). * (دعواهم) * أي: دعاؤهم * (فيها سبحانك اللهم) *، ومعناه: # اللهم إنا نسبحك، كما ورد في دعاء القنوت: " اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد " (2)، ويجوز أن يراد بالدعاء العبادة على معنى: أنه لا تكليف في الجنة ولا عبادة، وما عبادتهم إلا أن يسبحوا الله ويحمدوه، وينطقون بذلك تلذذا من غير كلفة * (وآخر دعواهم) * وخاتمة دعائهم * (أن) * يقولوا: * (الحمد لله رب العلمين) *، وقوله: * (وتحيتهم فيها سلم) * معناه: أن بعضهم يحيي بعضا بالسلام، وقيل: هي تحية الملائكة إياهم (3)، فيكون المصدر مضافا إلى المفعول، وقيل: هي تحية الله لهم (4)، و " أن " هي المخففة من الثقيلة، وأصله: أنه الحمد لله. # * (ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضى إليهم أجلهم فنذر الذين لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون (11) وإذا مس الانسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون (12)) * # PageV02P113 # وضع * (استعجالهم بالخير) * موضع تعجيله لهم الخير إشعارا بسرعة إجابته لهم حتى كأن استعجالهم بالخير تعجيل له، والمراد قول من قال: * (فأمطر علينا حجارة من السماء) * (1)، والمعنى: * (ولو) * عجلنا لهم * (الشر) * الذي دعوا به كما نعجل لهم الخير ونجيبهم إليه * (لقضى إليهم أجلهم) * لأميتوا ms0492 وأهلكوا، وقرئ: # " لقضى إليهم أجلهم " (2) وتنصره قراءة عبد الله: " لقضينا إليهم أجلهم " (3)، * (فنذر الذين لا يرجون لقاءنا) * معناه: فلا نعجل لهم الشر ولا نقضي إليهم أجلهم، فنذرهم * (في طغيانهم) * أي: فنمهلهم ونملي لهم إلزاما للحجة عليهم. # وقوله: * (لجنبه) * في موضع الحال أي: مضطجعا، والمعنى: أنه لا يزال داعيا لا يفتر في الدعاء حتى يزول عنه * (الضر) * فهو يدعو في حالاته كلها ليستدفع البلاء، و * (الانسان) * للجنس * (فلما كشفنا) * أي: أزلنا * (عنه ضره مر) * أي: # مضى على طريقته الأولى قبل أن مسه الضر، أو مر عن موقف الدعاء والتضرع لا يرجع إليه كأنه لا عهد له به * (كأن) * تخفيف " كأن " وحذف ضمير الشأن منه، كقوله: # كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم (4) * (كذلك) * أي: مثل ذلك التزيين * (زين للمسرفين) * زين الشيطان بوسوسته لهم ترك الدعاء عند الرخاء واتباع الشهوات والأماني الباطلة. # PageV02P114 # * (ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا وجاءتهم رسلهم بالبينات وما كانوا ليؤمنوا كذلك نجزى القوم المجرمين (13) ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون (14)) * * (لما) * ظرف ل‍ * (أهلكنا) *، والواو في * (وجاءتهم) * للحال، أي: * (ظلموا) * بالتكذيب وقد * (جاءتهم رسلهم) * بالمعجزات والدلالات * (وما كانوا ليؤمنوا) * اللام لتأكيد النفي، أي: وما كانوا يؤمنون حقا، والمعنى: أن السبب في إهلاكهم تكذيبهم الرسل، وعلم الله إصرارهم على الكفر، وأنه لا فائدة في إمهالهم بعد أن لزمتهم الحجة بإرسال الرسل * (كذلك) * أي: مثل ذلك الجزاء يعني الإهلاك * (نجزى) * المشركين في المستقبل إذا لم يؤمنوا، وهو وعيد لأهل مكة. # * (ثم جعلناكم خلائف) * أي: استخلفناكم * (في الأرض من بعد) * القرون التي أهلكناها * (لننظر) * أتعملون خيرا أم شرا فنعاملكم على حسب أعمالكم، و * (كيف) * في محل نصب ب‍ * (تعملون) *: إما حالا وإما مصدرا، والنظر هنا مستعار بمعنى العلم المحقق الذي هو العلم بالشئ موجودا، شبه بنظر الناظر وعيان المعاين في تحققه. # * (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينت قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن ms0493 أتبع إلا ما يوحى إلى إني أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم (15) قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون (16) فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح المجرمون (17)) * أي: قالوا: * (ائت بقرآن) * آخر ليس فيه ما يغيظنا من ذم عبادة الأوثان PageV02P115 # والوعيد لعابديها * (أو بدله) * بأن تجعل مكان آية عذاب آية رحمة، وتسقط ذكر الآلهة وذم عبادتها، فأمر بأن يجيب عن التبديل لأنه داخل تحت مقدور الإنسان، فأما الإتيان بقرآن آخر فغير مقدور عليه للإنسان * (ما يكون لي) * ما ينبغي لي * (أن أبدله من تلقاء نفسي) * من قبل نفسي، من غير أن يأمرني بذلك ربي * (إن أتبع إلا ما يوحى إلى) * لا آتي ولا أذر شيئا من نحو ذلك إلا متبعا لوحي الله، إن نسخت آية أو بدلت مكان أخرى تبعت ذلك، وليس إلي تبديل ولا نسخ * (إني أخاف إن عصيت ربى) * في التبديل والنسخ من عند نفسي * (عذاب يوم عظيم) *. # * (قل لو شاء الله ما تلوته عليكم) * يعني: أن تلاوته ليست إلا بمشيئة الله وإحداثه أمرا عجيبا خارقا للعادة، وهو أن يخرج رجل أمي لم يتعلم ساعة من عمره ولا نشأ في بلد فيه العلماء فيقرأ عليكم كتابا بهر بفصاحته كل كلام فصيح، مشحونا بعلوم الأصول والفروع والإخبار بما كان ويكون لا يعلمها إلا الله، وقد نشأ فيكم لم تسمعوا منه حرفا من ذلك منذ أربعين سنة * (ولا أدراكم به) * أي: # ولا أعلمكم به على لساني، وقرئ: " ولأدراكم به " (1) على إثبات الإدراء، واللام لام الابتداء، والمعنى: لو شاء الله ما تلوته أنا عليكم ولأعلمكم به على لسان غيري ولكنه خصني بهذه الكرامة * (فقد لبثت فيكم عمرا) * أي: فقد أقمت فيما بينكم ناشئا وكهلا فلم تعرفوني متعاطيا شيئا من نحوه فتتهموني باختراعه * (أفلا تعقلون) * فتعلموا أنه ليس إلا من عند الله تعالى. # * (ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء ms0494 # PageV02P116 # شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون (18) وما كان الناس إلا أمة وا حدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضى بينهم فيما فيه يختلفون (19)) * كان أهل الطائف * (يعبدون) * اللات (1)، وأهل مكة العزى (2) ومناة (3) وهبل (4)، # PageV02P117 # وإسافا ونائلة (1)، وكانوا يقولون: * (هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله) * أتخبرونه بكونهم شفعاء عنده وهو إخبار * (بما) * ليس بمعلوم لله، وإذا لم يكن معلوما له وهو العالم بالذات المحيط بجميع المعلومات لم يكن شيئا، لأن الشئ ما يصح أن يعلم وقد أخبرتم بما لا يدخل تحت الصحة، وقوله: * (في السماوات ولا في الأرض) * تأكيد لنفيه، لأن ما لا يوجد فيهما فهو منتف معدوم * (عما يشركون) * " ما " موصولة أو مصدرية، أي: عن الشركاء الذين يشركونهم به، أو عن إشراكهم، وقرئ: " تشركون " بالتاء (2) أيضا. # * (وما كان الناس إلا أمة وا حدة) * متفقين على ملة واحدة ودين واحد من غير أن يختلفوا بينهم، وذلك في عهد آدم إلى أن قتل قابيل هابيل، وقيل: بعد الطوفان (3) * (ولولا كلمة سبقت من ربك) * وهو تأخير الحكم بينهم إلى يوم # PageV02P118 # القيامة * (لقضى بينهم فيما) * اختلفوا * (فيه) * ويميز المحق من المبطل، ولكن الحكمة أوجبت أن تكون هذه الدار للتكليف وتلك للثواب والعقاب. # * (ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين (20) وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون (21)) * أرادوا * (آية) * من الآيات التي كانوا يقترحونها * (فقل إنما الغيب لله) * هو المختص به، والصارف عن إنزال الآيات المقترحة أمر مغيب لا يعلمه إلا هو * (فانتظروا) * نزول ما اقترحتموه * (إني معكم من المنتظرين) * لما يفعل الله بكم لعنادكم وتماديكم في جحود الآيات الباهرة التي لم ينزل على أحد من الأنبياء مثلها، ومن جملتها القرآن المعجز الباقي على وجه الدهر. # * (إذا) * الأولى للشرط والأخيرة جوابها، وهي ظرف مكان، والمكر: إخفاء المكيدة وطيها، ms0495 من الجارية الممكورة: المطوية الخلق، و * (مستهم) * خالطتهم حتى أحسوا بسوء أثرها فيهم، وهو أنه سبحانه سلط على أهل مكة القحط سبع سنين حتى كادوا يهلكون، ثم لما رحمهم بالحيا (1) صاروا يطعنون في آيات الله ويعادون رسوله ويكيدونه، فلذلك وصفهم بسرعة المكر حتى أتى بكلمة المفاجأة، فكأنه قال: فاجأوا وقوع المكر منهم وسارعوا إليه * (قل الله أسرع مكرا) * يدبر عقابكم ويوقعه بكم قبل أن تدبروا في إطفاء نور الإسلام * (إن رسلنا يكتبون ما تمكرون) * إعلام بأن ما يظنونه خافيا غير خاف عند الله تعالى. # * (هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين # PageV02P119 # بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين (22) فلما أنجيهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متع الحياة الدنيا ثم إلينا مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون (23)) * قرئ: " ينشركم " (1) من النشر، ومثله: * (ثم إذا أنتم بشر تنتشرون) * (2) والمعنى: * (هو الذي) * يمكنكم من السير بما هيأ لكم من أسباب السير * (في البر) * بخلق الدواب وتسخيرها لكم * (و) * في * (البحر) * بإرسال الرياح التي تجري السفن في الجهات المختلفة * (حتى إذا كنتم في الفلك) * خص الخطاب براكبي البحر، أي: إذا كنتم في السفن * (وجرين بهم) * عدل عن الخطاب إلى الغيبة للمبالغة، كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها، أي: وجرت الفلك أي: السفن بالناس * (بريح طيبة) * لينة يستطيبونها، وجواب * (إذا) * قوله: * (جاءتها ريح عاصف) * أي: شديدة الهبوب هائلة * (وجاءهم الموج من كل مكان) * من أمكنة الموج * (وظنوا أنهم أحيط بهم) * وهو مثل في الهلاك * (دعوا الله) * هو بدل من * (ظنوا) * لأن دعاءهم من لوازم ظنهم الهلاك، وهو ملتبس به، والجملة الشرطية الواقعة بعد * (حتى) * بما في حيزها غاية للتسيير، فكأنه قال: هو الذي يسيركم حتى إذا وقعت هذه الحادثة وكان كيت وكيت من مجئ الريح العاصف وتراكم الأمواج والظن للهلاك ms0496 والدعاء بالإنجاء، وقال: * (مخلصين له الدين) * لأنهم # PageV02P120 # لا يدعون حينئذ غيره معه * (لئن أنجيتنا) * على إرادة القول، أو لأن * (دعوا) * من جملة القول. # * (يبغون في الأرض) * يفسدون فيها ويعيثون ممعنين في ذلك، وقرئ: * (متع الحياة الدنيا) * بالنصب، والفرق بين القراءتين (1) أنك إذا رفعت كان " المتاع " خبر المبتدأ الذي هو * (بغيكم) *، و * (على أنفسكم) * صلته كقوله: * (فبغى عليهم) * (2)، ومعناه: إنما بغيكم على أمثالكم، أي: بغي بعضكم على بعض منفعة الحياة الدنيا لا بقاء لها، وإذا نصبت فالخبر * (على أنفسكم) * والمعنى: إنما بغيكم وبال على أنفسكم، و * (متع) * مصدر مؤكد. # وفي الحديث: " لا تمكر ولا تعن ماكرا، ولا تبغ ولا تعن باغيا، ولا تنكث ولا تعن ناكثا " وكان يتلوها (3). وروي: " ثنتان يعجلهما الله في الدنيا: البغي، وعقوق الوالدين " (4). # * (إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والانعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قدرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون (24) والله يدعوا إلى دار السلم ويهدي من يشاء إلى صرا ط مستقيم (25) للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة أولئك أصحب الجنة هم فيها خالدون (26)) * # PageV02P121 # شبه حال * (الدنيا) * في سرعة انقضائها بحال * (نبات الأرض) * في جفافه بعد خضرته ونضرته * (فاختلط به) * فاشتبك بسببه حتى خالط بعضه بعضا * (أخذت الأرض زخرفها وازينت) * مثل الأرض بالعروس إذا أخذت الثياب الفاخرة من كل لون، فاكتستها وتزينت بغيرها من أنواع الزين، وأصل * (ازينت) *: # تزينت * (قدرون عليها) * متمكنون منها محصلون لمنفعتها * (أتاها أمرنا) * وهو ضرب زروعها ببعض العاهات والآفات بعد أمنهم وإيقانهم أنه قد سلم * (فجعلناها) * أي: فجعلنا زرعها * (حصيدا) * شبيها بما يحصد من الزرع من قطعه واستئصاله * (كأن لم تغن) * أي: كأن لم تغن زرعها، فحذف المضاف، أي: لم ينبت، ولابد من حذف المضاف الذي هو الزرع في هذه المواضع وإلا لم يستقم المعنى. # وعن الحسن: " كأن لم يغن " بالياء (1)، على أن ms0497 الضمير للمضاف المحذوف الذي هو الزرع، و " الأمس ": مثل في الوقت القريب، كأنه قيل: كأن لم يوجد من قبل. # * (دار السلم) * الجنة، أضافها إلى اسمه، وقيل: السلام: السلامة (2)، لأن أهلها سالمون من كل مكروه، وقيل: لفشو السلام بينهم وتسليم الملائكة عليهم (3) * (ويهدي) * ويوفق * (من يشاء) * وهم الذين لهم في المعلوم لطف يجدي عليهم. # و * (الحسنى) *: المثوبة الحسنى * (وزيادة) * وما يزيد على المثوبة وهي التفضل، ويدل عليه قوله: * (ويزيدهم من فضله) * (4)، وعن علي (عليه السلام): # " الزيادة: غرفة من لؤلؤة واحدة " (5)، وعن ابن عباس: الزيادة: عشر # PageV02P122 # أمثالها (1)، وعن مجاهد (2): الزيادة: مغفرة من الله ورضوان (3) * (ولا يرهق وجوههم) * ولا يغشاها * (قتر) * غبرة فيها سواد * (ولا ذلة) * ولا أثر هوان، والمعنى: # لا يرهقهم ما يرهق أهل النار، كقوله: * (ترهقها قترة) * (4)، و * (ترهقهم ذلة) *. # * (والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل مظلما أولئك أصحب النار هم فيها خالدون (27) ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون (28) فكفي بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين (29) هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت وردوا إلى الله موليهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون (30)) * * (والذين كسبوا) * إما أن يكون معطوفا على قوله: * (للذين أحسنوا) * كأنه قيل: * (و) * ل‍ * (الذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها) *، وإما أن يكون تقديره: * (و) * جزاء * (الذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها) *، والمعنى: # جزاؤهم أن تجازى سيئة واحدة بمثلها لا يزاد عليها، وهذا أوجه لأن في الأول # PageV02P123 # عطفا على عاملين، وفي هذا دليل على أن المراد بالزيادة: الفضل * (ما لهم من الله من عاصم) * أي: لا يعصمهم أحد من سخط الله وعذابه، أو مالهم من جهة الله من يعصمهم كما يكون للمؤمنين * (مظلما) * حال من الليل، ومن قرأ: " قطعا " بالسكون (1) جعله صفة له * (مكانكم) * الزموا مكانكم لا تبرحوا حتى تنظروا ما يفعل بكم، و * (أنتم) * تأكيد للضمير في * (مكانكم) *، لأنه ms0498 سد مسد " الزموا " * (وشركاؤكم) * عطف عليه * (فزيلنا بينهم) * ففرقنا بينهم وقطعنا الوصل التي كانت بينهم في الدنيا * (ما كنتم إيانا تعبدون) * إنما كنتم تعبدون الشياطين حيث أمروكم أن تتخذوا لله أندادا فأطعتموهم. # * (إن كنا) * هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة، وهم الملائكة والمسيح ومن عبدوه من دون الله من أولي العقل، وقيل: هم الأصنام ينطقها الله عز وجل بذلك مكان الشفاعة التي رجوها منهم (2). # * (هنالك) * أي: في ذلك المقام، أو في ذلك الوقت على الاستعارة * (تبلوا) * أي: تختبر وتذوق * (كل نفس ما أسلفت) * من العمل فتعرف كيف هو، أنافع أم ضار؟ أو مقبول أو مردود؟ ومنه * (يوم تبلى السرائر) * (3)، وقرئ: " تتلوا " (4) أي: # تتبع ما أسلفت، لأن عمله هو الذي يهديه إلى طريق الجنة أو إلى طريق النار، أو تقرأ في صحيفتها ما قدمت من خير أو شر * (موليهم الحق) * ربهم الصادق ربوبيته، أو الذي يتولى حسابهم العدل الذي لا يجور * (وضل عنهم ما كانوا يفترون) * # PageV02P124 # وضاع عنهم ما كانوا يدعون أنهم شركاء لله. # * (قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصر ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الامر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون (31) فذا لكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلل فأنى تصرفون (32) كذلك حقت كلمت ربك على الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون (33)) * أي: * (من يرزقكم) * منهما جميعا؟ لم يقتصر برزقكم على جهة واحدة ليفيض عليكم نعمته * (أمن يملك السمع والأبصر) * من يستطيع خلقهما وتسويتهما على الحد الذي هما عليه من الفطرة العجيبة؟ أو من يحميهما ويحصنهما من الآفات؟ * (ومن يدبر الامر) * ومن يلي تدبير أمر العالم كله؟ * (أفلا تتقون) * عقابه في عبادة غيره. # * (فذا لكم) * إشارة إلى من هذه صفته وأفعاله * (الله ربكم الحق) * الثابت ربوبيته وإلهيته ثباتا لا ريب فيه لمن نظر * (فماذا بعد الحق إلا الضلل) * لأن الحق والضلال لا واسطة بينهما، فمن تعدى الحق وقع في الضلال * (فأنى تصرفون) * عن الحق؟ # * (كذلك) * أي: مثل ذلك الحق ms0499 * (حقت كلمت ربك) * أي: كما حق وثبت أن الحق بعده الضلال فكذلك حقت كلمة ربك * (على الذين) * تمردوا في الكفر وخرجوا إلى الغاية القصوى فيه * (أنهم لا يؤمنون) * بدل من " الكلمة "، أي: حق عليهم انتفاء الإيمان وعلم الله ذلك منهم، أو أراد بالكلمة: العذاب، و * (أنهم لا يؤمنون) * تعليل، بمعنى: لأنهم لا يؤمنون. # * (قل هل من شركائكم من يبدؤا الخلق ثم يعيده قل الله يبدؤا الخلق PageV02P125 # ثم يعيده فأنى تؤفكون (34) قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون (35) وما يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغنى من الحق شيئا إن الله عليم بما يفعلون (36)) * وضع سبحانه إعادة الخلق موضع ما يكون دافعه مكابرا، لظهور برهانه، ثم قال لنبيه (صلى الله عليه وآله): * (قل الله يبدؤا الخلق ثم يعيده) * أمره أن ينوب عنهم في الجواب، إذ لا يدعهم لجاجهم ومكابرتهم أن ينطقوا بكلمة الحق، هداه للحق وإلى الحق: # لغتان، فجمع سبحانه بين اللغتين، ويقال: هدى بنفسه، بمعنى: اهتدى، كما يقال: # شرى بمعنى: اشترى، ومنه قراءة من قرأ: " أمن لا يهدي " (1)، وقرئ: " لا يهدي " بفتح الهاء (2) وبكسرها، وبكسر الهاء والياء (3)، وأصله: " يهتدي "، فأدغم وفتحت الهاء لحركة التاء، أو كسرت لالتقاء الساكنين، وكسرت الياء لاتباع ما بعدها، ومعناه: أن الله وحده هو الذي يهدي للحق بما ركب في المكلفين من العقول ومكنهم من النظر في الأدلة ووقفهم (4) على الشرائع، ف‍ * (هل من شركائكم) * الذين جعلتموهم لله أندادا أحد * (يهدي إلى الحق) * مثل هداية الله؟ # ثم قال: * (أفمن يهدي إلى الحق) * هذه الهداية * (أحق) * بالاتباع أم الذي * (لا يهدي) * أي: لا يهتدي بنفسه، أو لا يهدي غيره * (إلا أن) * يهديه الله، # PageV02P126 # أو لا يهتدي إلا أن ينقله الله من حاله إلى أن يجعله حيوانا مكلفا فيهديه؟! # * (فما لكم كيف تحكمون) * بالباطل؟! # * (وما يتبع أكثرهم) * في إقرارهم بالله * (إلا ظنا) * لأنه قول لا ms0500 يسند إلى دليل * (إن الظن) * في معرفة الله * (لا يغنى من الحق) * وهو العلم * (شيئا إن الله عليم بما يفعلون) * وعيد. # * (وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العلمين (37) أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين (38) بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم فانظر كيف كان عقبة الظالمين (39) ومنهم من يؤمن به ومنهم من لا يؤمن به وربك أعلم بالمفسدين (40)) * أي: * (وما كان هذا القرآن) * افتراء * (من دون الله ولكن) * كان * (تصديق الذي بين يديه) * وهو ما تقدمه من الكتب المنزلة، لأنه معجز دونها، وهو عيار عليها وشاهد بصحتها، ومعنى * (وما كان... أن يفترى) *: وما صح وما استقام وكان محالا أن يكون مثله في إعجازه وعلو شأنه مفترى * (وتفصيل الكتاب) * وتبيين ما شرع وفرض من الأحكام من قوله: * (كتب الله عليكم) * (1)، * (ولكن) * كان القرآن تصديقا للكتب السماوية وتفصيلا للأحكام الشرعية، منتفيا عنه الريب كائنا * (من رب العلمين) *. # * (أم يقولون افتراه) * بل أيقولون: اختلقه؟! والهمزة: إما تقرير لإلزام الحجة عليهم، أو استبعاد لقولهم وإنكار، والمعنيان متقاربان * (قل) * إن افتريته كما # PageV02P127 # زعمتم * (فأتوا) * أنتم * (بسورة) * مفتراة * (مثله) * في البلاغة وحسن النظم، كما أنتم مثلي في العربية والفصاحة * (وادعوا من استطعتم) * للاستعانة به على الإتيان بمثله * (من دون الله) * يعني أن الله وحده هو القادر على أن يأتي بمثله، لا يقدر على ذلك أحد غيره، فاستعينوا بكل من دونه على ذلك * (إن كنتم صادقين) * أنه افتراه. * (بل كذبوا) * بالقرآن قبل أن يعلموا كنه أمره، ويقفوا على * (تأويله) * ومعانيه، لنفورهم عما يخالف ما ألفوه من دين آبائهم، وقيل: * (ولما يأتهم تأويله) * أي: ولم يأتهم بعد تأويل ما فيه من الإخبار بالغيوب - أي عاقبته - حتى تبين لهم أهو كذب أم صدق (1)، يعني: أنه كتاب معجز من جهتين: إعجاز نظمه، وما فيه من الإخبار بالغائبات، فسارعوا ms0501 إلى التكذيب قبل أن ينظروا في بلوغه حد الإعجاز، وقبل أن يختبروا إخباره بالمغيبات. # * (ومنهم من يؤمن به) * في نفسه ويعلم أنه حق، ولكنه يعاند * (ومنهم من لا) * يصدق * (به) *، أو: ومنهم من سيؤمن به في المستقبل، ومنهم من يصر على الكفر * (وربك أعلم بالمفسدين) * بالمعاندين، أو المصرين. # * (وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا برئ مما تعملون (41) ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون (42) ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمى ولو كانوا لا يبصرون (43) إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون (44)) * * (وإن) * يئست من إجابتهم وأصروا على تكذيبك فتبرأ منهم وخلهم، فقد # PageV02P128 # أعذرت إليهم، ومثله: * (فإن عصوك فقل إني برئ مما تعملون) * (1)، * (قل يا أيها الكافرون) * إلى آخر السورة (2)، وقيل: هي منسوخة بآية القتال (3). # * (ومنهم من يستمعون إليك) * أي: ناس يستمعون إذا قرأت القرآن وعلمت الأحكام ولكنهم لا يقبلون ولا يعون، وناس ينظرون إليك ويعاينون دلالاتك وأعلام نبوتك ولكنهم لا يصدقون، ثم قال: أتقدر على إسماع * (الصم) * ولو انضم إلى صممهم عدم العقل؟! لأن الأصم العاقل ربما استدل وعلم، و: أتطمع أن تقدر على هداية * (العمى) * ولو انضم إلى فقد البصر فقد البصيرة؟! يعني: أنهم في اليأس من قبولهم وتصديقهم كالصم والعمي الذين لا عقول لهم ولا بصائر. # * (إن الله لا يظلم الناس شيئا) * لا ينقصهم شيئا مما يتصل بمصالحهم، أو لا يظلمهم في تعذيبهم يوم القيامة، بل العذاب لاحق بهم على سبيل العدل والاستحقاق. # * (ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين (45) وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ثم الله شهيد على ما يفعلون (46) ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون (47)) * يستقربون أيام لبثهم في الدنيا لقلة انتفاعهم بها، وقيل: في القبور لهول ما يرون (4) * (يتعارفون بينهم) * يعرف بعضهم بعضا كأنهم لم يتفارقوا (5) إلا قليلا، ms0502 وذلك عند خروجهم من القبور، ثم ينقطع التعارف بينهم لشدة الأمر عليهم، قوله: # * (كأن لم يلبثوا) * حال من " هم " أي: نحشرهم مشابهة أحوالهم أحوال من لم # PageV02P129 # يلبث * (إلا ساعة) *، و * (يتعارفون) * جملة مبينة لقوله: * (كأن لم يلبثوا إلا ساعة) *، لأن التعارف لا يبقى مع طول العهد ويصير تناكرا، أو يتعلق بالظرف * (قد خسر) * على إرادة القول، أي: يتعارفون بينهم قائلين ذلك، أو هو شهادة من الله على خسرانهم، والمعنى: قد خسروا في تجارتهم وبيعهم الإيمان بالكفر * (وما كانوا مهتدين) * للتجارة عارفين بها، وهو استئناف فيه معنى التعجب، كأنه قال: # ما أخسرهم! # * (فإلينا مرجعهم) * جواب * (نتوفينك) *، وجواب * (نرينك) * محذوف كأنه قال: وإما نرينك بعض الذي نعدهم في الدنيا فذاك، أو نتوفينك قبل أن نريكه فنحن نريكه في الآخرة * (ثم الله شهيد) * ذكر الشهادة والمراد مقتضى الشهادة وهو العقاب، فكأنه قال: ثم الله معاقب * (على ما يفعلون) *. # * (ولكل أمة رسول) * يبعث إليهم * (فإذا جاء رسولهم) * بالمعجزات فكذبوه * (قضى بينهم) * أي: بين النبي ومن كذبه * (بالقسط) * بالعدل، فأنجي الرسول وعذب المكذبون، وقيل: * (ولكل أمة) * يوم القيامة * (رسول) * تنسب إليه * (فإذا جاء رسولهم) * الموقف فيشهد عليهم بالكفر والإيمان * (قضى بينهم) * (1). # * (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (48) قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (49) قل أرأيتم إن أتيكم عذابه بيتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون (50) أثم إذا ما وقع آمنتم به آلآن وقد كنتم به تستعجلون (51) ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون (52)) * # PageV02P130 # * (متى هذا الوعد) * استعجال لما وعدوا من العذاب على سبيل التكذيب والاستبعاد * (قل لا أملك لنفسي ضرا) * من فقر أو مرض * (ولا نفعا) * من غنى أو صحة * (إلا ما شاء الله) * استثناء منقطع، أي: ولكن ما شاء الله من ذلك كائن فكيف أملك لكم الضر؟! * (لكل أمة أجل) * في عذابهم وحد محدود من الزمان * (إذا جاء) * ذلك الوقت أنجز ms0503 وعدكم فلا تستعجلوه. # * (إن أتيكم عذابه بيتا) * ظرف، أي: وقت بيات فبيتكم وأنتم نائمون * (أو نهارا) * أي: أو في وقت أنتم فيه مشتغلون بطلب معاشكم، والبيات بمعنى التبييت، كالسلام بمعنى التسليم * (ماذا يستعجل منه المجرمون) * أي: أي شئ يستعجلون من العذاب وليس شئ منه يوجب الاستعجال؟ ويجوز أن يكون معناه التعجب، كأنه قال: أي هول شديد يستعجلون منه؟! وقيل: الضمير في * (منه) * لله تعالى وتعلق الاستفهام ب‍ * (أرأيتم) * (1)، والمعنى: أخبروني ماذا يستعجل منه المجرمون؟ وجواب الشرط محذوف وهو " تندموا على الاستعجال " أو " تعرفوا الخطأ فيه "، ويجوز أن يكون * (ماذا يستعجل منه المجرمون) * جوابا للشرط، كقولك: إن أتيتك ماذا تطعمني؟ ثم تتعلق الجملة ب‍ * (أرأيتم) *، وأن يكون * (أثم إذا ما وقع آمنتم به) * جواب الشرط، و * (ماذا يستعجل منه المجرمون) * اعتراضا، والمعنى: إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان به؟ # ودخول حرف الاستفهام على " ثم " كدخوله على الواو والفاء في قوله: * (أفأمن) * (2) * (أو أمن أهل القرى) * (3)، * (آلآن) * على إرادة القول، أي: قيل لهم إذا آمنوا بعد وقوع العذاب: الآن آمنتم به وقد كنتم تكذبون به؟ لأن استعجالهم كان # PageV02P131 # للتكذيب. * (ثم قيل للذين ظلموا) * عطف على " قيل " المضمر قبل * (آلآن) *. # * (ويستنبئونك أحق هو قل أي وربى إنه لحق وما أنتم بمعجزين (53) ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون (54) ألا إن لله ما في السماوات والأرض ألا إن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون (55) هو يحيي ويميت وإليه ترجعون (56)) * أي: ويستخبرونك فيقولون: * (أحق هو) *، وهو استفهام على وجه الإنكار والاستهزاء * (قل أي) * ومعناه: " نعم " في القسم، كما كان " هل " بمعنى " قد " في الاستفهام خاصة * (وما أنتم بمعجزين) * بفائتين العذاب، وهو لاحق بكم لا محالة. # * (ظلمت) * صفة * (نفس) * أي: * (ولو أن لكل نفس) * ظالمة * (ما في) * الدنيا اليوم من خزائنها وأموالها على كثرتها * (لافتدت به) * لجعلته فدية لها، يقال: فداه فافتدى * (وأسروا الندامة لما رأوا ms0504 العذاب) * لأنهم بهتوا لرؤيتهم ما لم يحتسبوه، عاينوا من تفاقم الأمر ما سلبهم قواهم فلم يطيقوا عنده بكاء ولا صراخا سوى إسرار الندامة في القلوب، وقيل: أسروا الرؤساء منهم الندامة من أتباعهم حياء منهم وخوفا من توبيخهم (1)، وقيل: * (أسروا الندامة) * أخلصوها، لأن سر الشئ خالصه (2)، وقيل: معناه: أظهروها (3) * (وقضى بينهم) * بين الظالمين والمظلومين. # ثم ذكر سبحانه: أن له الملك كله، وأنه المثيب والمعاقب، وأن ما وعده * (حق) *، وهو القادر على الإحياء والإماتة لا يقدر عليهما غيره، وإلى حسابه وجزائه # PageV02P132 # المرجع، ليعلم أن الأمر كذلك فيخاف ويرجى. # * (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين (57) قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون (58) قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحللا قل أألله أذن لكم أم على الله تفترون (59) وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيمة إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون (60)) * أي: قد جاءكم كتاب جامع لهذه الفوائد من: * (موعظة) * وتنبيه على التوحيد * (وشفاء) * أي: دواء * (لما في الصدور) * من العقائد الفاسدة * (وهدى) * أي: دلالة تؤدي إلى الحق * (ورحمة) * لمن آمن به وعمل بما فيه. الأصل: * (قل بفضل الله وبرحمته) * فليفرحوا * (فبذلك فليفرحوا) * (1)، والتكرير للتأكيد والتقرير، وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا، وأحد الفعلين حذف لدلالة الآخر عليه، ودخلت الفاء لمعنى الشرط، أي: إن فرحوا بشئ فليخصوهما بالفرح فإنه لا مفروح به أحق منهما، وقرئ: " فلتفرحوا " بالتاء (2) على الأصل والقياس، وقيل: فضل الله: الإسلام، ورحمته: القرآن (3). # PageV02P133 # وعن الباقر (عليه السلام): " فضل الله: رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ورحمته: علي بن أبي طالب (عليه السلام) " (1). # * (أرأيتم) * أخبروني، و * (ما أنزل الله) *: * (ما) * منصوب ب‍ * (أنزل) * أو ب‍ * (أرأيتم) * في معنى: أخبرونيه * (فجعلتم منه حراما وحللا) * أي: أنزله الله رزقا حلالا كله، فجعلتم بعضه حلالا وبعضه حراما، كقولهم: * (هذه أنعم وحرث حجر) * (2)، * (قل أألله أذن لكم) *: * (قل) ms0505 * تكرير، و * (أألله أذن لكم) * تعلق ب‍ * (أرأيتم) *، أي أخبروني: أالله أذن لكم في التحريم والتحليل * (أم) * تكذبون على الله في نسبة ذلك إليه؟ ويجوز أن يكون * (أم) * منقطعة، بمعنى: بل أتفترون على الله؟ تقريرا للافتراء. # وكفي بهذه الآية زاجرة عن التجوز فيما يسأل عنه من أحكام الشرع، وباعثة على وجوب الاحتياط فيه، وأن لا يقال: جائز وغير جائز إلا بعد الإيقان والإتقان، حتى لا يكون مفتريا على الله. # * (وما ظن الذين يفترون) * أي: وأي شئ ظن المفترين في ذلك اليوم ما يصنع بهم فيه؟ وهو يوم الجزاء بالإحسان والإساءة، وهو وعيد عظيم حيث أبهم أمره * (إن الله لذو فضل على الناس) * بما فعل بهم من ضروب الإنعام * (ولكن أكثرهم لا يشكرون) * نعمه. # * (وما تكون في شأن وما تتلوا منه من قرءان ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتب مبين (61) ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولاهم يحزنون (62) الذين # PageV02P134 # آمنوا وكانوا يتقون (63) لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم (64) ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم (65)) * * (ما) * نافية، والخطاب لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، والشأن: الأمر، وهو من شأنت شأنه، ومعناه: قصدت قصده، والضمير في * (منه) * للشأن، لأن تلاوة القرآن شأن من معظم شأن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أو للتنزيل، أي: * (وما تتلوا) * من التنزيل * (من قرءان) *، وهو إضمار قبل الذكر للتفخيم * (ولا تعملون) * أنتم جميعا * (من عمل إلا كنا عليكم) * شاهدين، به عالمين * (إذ تفيضون فيه) * من أفاض في العمل: إذا اندفع فيه * (وما يعزب) * قرئ بالضم والكسر (1)، أي وما يغيب وما يبعد * (عن) * علم * (ربك) *، * (من مثقال ذرة) * في موضع رفع * (ولا أصغر من ذلك ولا أكبر) * قرئ بالنصب والرفع (2)، فالرفع على الابتداء ليكون كلاما برأسه، والنصب على ms0506 نفي الجنس، فأما العطف على موضع * (من مثقال ذرة) * في الرفع، والعطف على لفظ * (مثقال) * في النصب، إذا جعلته فتحا في موضع الجر، فليسا بالوجه، لأن قولك: لا يعزب عنه شئ إلا في كتاب لا وجه له. # * (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) * وهم الذين يتولونه بالطاعة ويتولاهم بالحفظ والكرامة، وقد أبان عنهم بقوله: * (الذين آمنوا وكانوا يتقون) *. # وعن سعيد بن جبير، قال: سئل النبي (صلى الله عليه وآله) عن أولياء الله، فقال: " هم الذين # PageV02P135 # يذكر الله برؤيتهم " (1)، يعني: في السمت (2) والهيئة، وقيل: هم المتحابون في الله (3). # * (الذين آمنوا) * نصب أو رفع على المدح أو الابتداء، والخبر: * (لهم البشرى) *، والبشرى * (في... الدنيا) *: ما بشر الله المتقين في غير موضع من كتابه. # وعن النبي (صلى الله عليه وآله): " هي في الدنيا الرؤيا الصالحة يراها المؤمن لنفسه أو ترى له، وفي الآخرة الجنة " (4). # وعنه (عليه السلام): " ذهبت النبوة وبقيت المبشرات " (5). # وعن عطاء (6): لهم البشرى عند الموت يأتيهم الملائكة بالرحمة، قال الله تعالى: * (تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا) * (7)، وأما البشرى في الآخرة فتلقي الملائكة إياهم مسلمين مبشرين بالفوز والكرامة وغير ذلك من البشارات، نحو إعطاء الصحف بأيمانهم وما يرون من بياض وجوههم * (لا تبديل لكلمات الله) * لا تغيير لأقواله، ولا إخلاف لمواعيده * (ذلك) * إشارة إلى كونهم مبشرين في الدارين، وكلتا الجملتين اعتراض. # * (ولا يحزنك قولهم) * تكذيبهم وتدبيرهم في إبطال أمرك وسائر ما يتكلمون # PageV02P136 # به في شأنك * (إن العزة لله) * استئناف فيه تعليل، كأنه قال: مالي لا أحزن؟ # فأجيب: * (إن العزة لله جميعا) * أي: إن الغلبة والقهر جميعا لله وفي ملكته، لا يملك أحد شيئا منهما، لا هم ولا غيرهم، فهو يغلبهم وينصرك عليهم، إنا لننصر رسلنا * (هو السميع) * لما يقولون * (العليم) * بما يعزمون عليه، فيكافئهم بذلك. # * (ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون (66) هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار ms0507 مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون (67) قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغنى له ما في السماوات وما في الأرض إن عندكم من سلطن بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون (68) قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (69) متع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون (70)) * * (من في السماوات ومن في الأرض) * هم العقلاء المميزون من الملائكة والجن والإنس، وإنما خصهم ليبين أنهم إذا كانوا عبيده وفي ملكته ولا يصلح أحد منهم للإلهية فما وراءهم مما لا يعقل ولا يميز أحق أن لا يكون شريكا له؟! # ومعنى * (وما) * يتبعون * (شركاء) *: وما يتبعون حقيقة الشركاء، لأن شركة الله في الإلهية محال * (إن يتبعون إلا) * ظنهم أنهم شركاء * (وإن هم إلا يخرصون) * يقدرون تقديرا باطلا، ويجوز أن يكون * (وما يتبع) * استفهاما، أي: وأي شئ يتبعون؟ وعلى هذا فيكون * (شركاء) * نصبا ب‍ * (يدعون) *، وعلى الأول ب‍ * (يتبع) *، وكان حقه: وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء شركاء، فاقتصر على أحدهما للدلالة، ويجوز أن يكون * (ما) * موصولة عطفا على * (من) *، بمعنى: PageV02P137 # ولله ما يتبعه الذين يدعون من دون الله شركاء، أي: وله شركاؤهم. # ثم نبه على عظيم نعمته بأنه * (جعل... الليل) * مظلما * (والنهار) * مضيئا * (مبصرا) * ليسكنوا في الليل، ويبصروا في النهار مطالب أرزاقهم. # * (سبحانه) * تنزيه له عن اتخاذ الولد * (هو الغنى) * علة لنفي الولد، لأن ما يطلب به الولد من يلد، وما يطلبه له، السبب في كله الحاجة، وإذا كانت عنه منتفية كان الولد عنه منتفيا * (له ما في السماوات وما في الأرض) * فهو مستغن عن اتخاذ أحد منهم ولدا * (إن عندكم من سلطن) * أي: ما عندكم من حجة * (بهذا) * القول، ولما نفي عنهم الحجة جعلهم غير عالمين، فدل بذلك على أن كل قول ليس عليه برهان فهو جهل وليس بعلم. # * (إن الذين يفترون على الله الكذب) * بإضافة الولد إليه. * (متع في الدنيا) * أي: افتراؤهم هذا متاع قليل ومنفعة يسيرة في الدنيا * (ثم) * يلقون الشقاء ms0508 المؤبد بعده. # * (واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يقوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلى ولا تنظرون (71) فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجرى إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين (72) فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلنهم خلائف وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عقبة المنذرين (73)) * * (إن كان كبر عليكم) * أي: شق وثقل عليكم مكاني و * (مقامي) * يعني: نفسه، كما يقال: فعلت كذا لمكان فلان، ومنه * (ولمن خاف مقام ربه) * (1) يعني: خاف # PageV02P138 # ربه، أو يريد: قيامي ومكثي بين أظهركم مددا طوالا، أو مقامي (1) * (وتذكيري) * لأنهم كانوا إذا وعظوا قاموا على أرجلهم ليكون كلامهم مسموعا * (فأجمعوا أمركم) * من أجمع على الأمر وأجمع الأمر وأزمعه: إذا عزم عليه، والواو بمعنى " مع "، أي: فأجمعوا أمركم مع * (شركاءكم) * واحتشدوا (2) فيما تريدون من إهلاكي، وابذلوا وسعكم فيه * (ثم لا يكن أمركم عليكم غمة) * أي: ولا يكن قصدكم إلى إهلاكي مستورا عليكم ولكن مكشوفا مشهورا تجاهرونني به، والغمة: السترة، من غمه: إذا ستره، ومنه الحديث " لا غمة في فرائض الله " (3) أي: # لا تستروا، ولكن تجاهروا بها، ويجوز أن يكون المعنى: ثم أهلكوني لئلا يكون عيشكم بسببي غمة، أي: غما وهما، والغمة والغم بمعنى كالكربة والكرب * (ثم اقضوا إلى) * ذلك الأمر الذي تريدون بي، أي: أدوا إلي ما هو حق عليكم عندكم، من إهلاكي كما يقضي الرجل غريمه * (ولا تنظرون‍) * ي ولا تمهلوني. # * (فإن توليتم) * فإن أعرضتم عن نصيحتي وعن اتباع الحق * (فما سألتكم من أجر) * فما كان عندي ما ينفركم عني من طمع في أموالكم، وطلب أجر على موعظتكم * (إن أجرى إلا على الله) * وهو الثواب الذي يثيبني في الآخرة * (وأمرت أن أكون من المسلمين) * المستسلمين لأمر الله، أو الذين لا يطلبون على تعليم الدين أجرا ولا يأخذون به دنيا، يريدون: أن ذلك مقتضى الإسلام. # * (فكذبوه) * أي: فتموا على تكذيبه، وكان تكذيبهم له في ms0509 آخر المدة الطويلة كتكذيبهم في أولها * (فنجيناه ومن معه في) * السفينة * (وجعلنهم خلائف) * خلفاء لمن هلك بالغرق * (فانظر كيف كان عقبة المنذرين) * هذا تعظيم لما جرى عليهم، # PageV02P139 # وتحذير لمكذبي رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن مثله. # * (ثم بعثنا من بعده رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل كذلك نطبع على قلوب المعتدين (74) ثم بعثنا من بعدهم موسى وهارون إلى فرعون وملأه بآياتنا فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين (75) فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين (76) قال موسى أتقولون للحق لما جاءكم أسحر هذا ولا يفلح الساحرون (77) قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكما الكبرياء في الأرض وما نحن لكما بمؤمنين (78)) * أي: * (بعثنا من) * بعد نوح * (رسلا) * يعني: هودا وصالحا وإبراهيم ولوطا وشعيبا * (فجاءوهم) * بالمعجزات والحجج المبينة (1) لدعواهم * (فما كانوا ليؤمنوا) * أي: فما كان إيمانهم إلا ممتنعا لتصميمهم على الكفر * (بما كذبوا به من قبل) * يريد: أنهم كانوا أهل جاهلية قبل بعثة الرسل، فلم يكن بين حالتيهم فرق: # قبل البعثة وبعدها * (كذلك) * أي: مثل ذلك الطبع * (نطبع على قلوب المعتدين) * كأن الطبع جار مجرى الكناية عن عنادهم، لأن الخذلان يتبعه، ألا ترى أنه وصفهم بالاعتداء وأسنده إليهم. # * (من بعدهم) * أي: من بعد الرسل * (فاستكبروا) * عن قبول الآيات بعد تبينها * (وكانوا قوما مجرمين) * كفارا ذوي آثام عظام، فلذلك استكبروا عنها واجترأوا على ردها. # * (فلما) * عرفوا أنه هو * (الحق) * وأنه * (من) * عند الله * (قالوا إن هذا السحر مبين) *. # PageV02P140 # * (أتقولون للحق) * أي: أتعيبونه وتطعنون فيه؟ ونحوه: * (سمعنا فتى يذكرهم) * (1) أي: يعيبهم * (أسحر هذا) * إنكار لما قالوه في عيبه والطعن عليه، ويجوز أن يكون مفعول * (أتقولون) * محذوفا، وهو ما دل عليه قولهم: * (إن هذا لسحر مبين) *، ثم قال: * (أسحر هذا) *. * (لتلفتنا) * لتصرفنا، واللفت والفتل مثلان، مطاوعهما: الالتفات والانفتال * (عما وجدنا عليه آباءنا) * يريدون عبادة الأصنام * (وتكون لكما الكبرياء) * أي: الملك، لأن الملوك موصوفون بالكبر، وقرئ: # " ويكون " بالياء (2). # * (وقال فرعون ائتوني بكل سحر عليم (79) فلما جاء ms0510 السحرة قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون (80) فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين (81) ويحق الله الحق بكلمته ولو كره المجرمون (82) فما آمن لموسى إلا ذرية من قومه على خوف من فرعون وملأهم أن يفتنهم وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين (83)) * * (ما جئتم به) *: * (ما) * موصولة، و * (السحر) * خبر المبتدأ، أي: الذي جئتم به هو السحر، لا الذي سميتموه سحرا من المعجزات، وقرئ: " السحر " على الاستفهام (3)، وعلى هذه القراءة تكون * (ما) * استفهامية، بمعنى: أي شئ جئتم به؟ أهو السحر؟ * (إن الله سيبطله) * سيظهر بطلانه * (لا يصلح عمل المفسدين) * # PageV02P141 # لا يثبته ولا يديمه، بل يدمر عليه. * (ويحق الله الحق) * ويثبته * (بكلمته) * بقضاياه ووعده النصر. # * (فما آمن لموسى) * في أول أمره * (إلا ذرية من قومه) * أي: طائفة من ذراري بني إسرائيل، كأنه قال: إلا أولاد من أولاد قومه، وذلك أنه دعا الآباء فلم يجيبوه خوفا * (من فرعون) * وقيل: هم بنو إسرائيل، وكانوا ستمائة ألف، وكان يعقوب دخل مصر منهم باثنين وسبعين، وإنما سماهم ذرية على وجه التصغير لقلتهم بالإضافة إلى قوم فرعون (1)، وقيل: الضمير في * (قومه) * لفرعون، و " الذرية ": مؤمن آل فرعون وآسية امرأته وخازنه وامرأة خازنه وماشطة امرأته (2)، والضمير في * (وملإيهم) * يرجع إلى فرعون، والمعنى: حزب آل فرعون كما يقال: ربيعة ومضر، ويجوز أن يرجع إلى " الذرية "، أي: على خوف من فرعون وخوف من أشراف بني إسرائيل، لأنهم كانوا يمنعونهم خوفا من فرعون عليهم وعلى أنفسهم، ويدل عليه قوله: * (أن يفتنهم) * أي: يعذبهم * (وإن فرعون لعال) * أي: قاهر * (في الأرض) *، * (وإنه لمن المسرفين) * في الظلم والفساد، وفي الكبر والعتو. # * (وقال موسى يقوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين (84) فقالوا على الله توكلنا ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين (85) ونجنا برحمتك من القوم الكافرين (86)) * * (فعليه توكلوا) * أي: إليه أسندوا أموركم في العصمة من فرعون، ثم شرط في التوكل الإسلام، وهو أن يسلموا نفوسهم لله، أي: يجعلوها ms0511 له سالمة خالصة # PageV02P142 # لاحظ للشيطان فيها. * (فقالوا على الله توكلنا) * لا جرم قبل الله توكلهم، وأجاب دعاءهم، ونجاهم وأهلك أعداءهم، وجعلهم خلفاء في أرضه * (لا تجعلنا فتنة) * أي: موضع فتنة لهم، أي: عذاب يعذبوننا أو يفتنوننا عن ديننا، أو فتنة لهم يفتتنون بنا، يقولون: لو كان هؤلاء على الحق لما أصيبوا. * (ونجنا برحمتك من) * قوم فرعون واستعبادهم إيانا. # * (وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلوات وبشر المؤمنين (87) وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملاه زينة وأموا لا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموا لهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم (88) قال قد أجيبت دعوتكما فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون (89)) * تبوأ المكان: اتخذه مباءة، نحو توطنه: اتخذه موطنا (1)، والمعنى: اجعلا * (بمصر بيوتا) * من بيوته مباءة * (لقومكما) * ومرجعا يرجعون إليه * (واجعلوا بيوتكم) * تلك * (قبلة) * أي: مساجد يذكر فيها اسم الله، وقيل: اجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضا (2) * (وأقيموا الصلاة) * داوموا على فعلها * (وبشر المؤمنين) * خطاب لموسى، وقيل: لمحمد (صلى الله عليه وآله) (3). # والزينة: ما يتزين به من لباس أو حلي أو فراش أو غير ذلك * (ليضلوا عن # PageV02P143 # سبيلك) * قيل: هو دعاء بلفظ الأمر (1) كقوله: * (ربنا اطمس... واشدد) * لما لم يبق له طمع في إيمانهم اشتد غضبه عليهم فدعا الله عليهم بما علم أنه لا يكون غيره، ليشهد عليهم أنهم لا يستحقون إلا الخذلان، وأن يخلي بينهم وبين ضلالهم، ومعنى الطمس على الأموال: تغييرها عن جهتها إلى جهة لا ينتفع بها، قيل: صارت جميع أموالهم حجارة (2)، والشد على القلوب: عبارة عن الخذلان والطبع * (فلا يؤمنوا) * جواب للدعاء، وقيل: إن اللام في * (ليضلوا) * للتعليل (3) على أنهم جعلوا نعمة الله سببا في الضلال فكأنهم أعطوها ليضلوا، وقوله: * (فلا يؤمنوا) * عطف على * (ليضلوا) *، وقوله: * (ربنا اطمس على أموا لهم واشدد على قلوبهم) * دعاء معترض بين المعطوف والمعطوف عليه، وكان موسى يدعو وهارون يؤمن فسماهما داعيين (4). # * (فاستقيما) * فاثبتا على ما أنتما ms0512 عليه من الدعوة والزيادة في إلزام الحجة. # الصادق (عليه السلام): " مكث فرعون بعد هذا الدعاء أربعين سنة " (5). # * (ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون) * أي: لا تتبعا طريق الجهلة ولا تعجلا، وقرئ: " ولا تتبعان " بنون الخفيفة وكسرها (6) لالتقاء الساكنين تشبيها بنون التثنية. # PageV02P144 # * (وجوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين (90) آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين (91) فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون (92)) * أي: عبرنا بهم * (البحر) * حتى جاوزوه سالمين * (فأتبعهم) * لحقهم * (فرعون وجنوده) * يقال: تبعته حتى أتبعته، قرئ: * (أنه) * بالفتح على حذف الباء، و " إنه " بالكسر (1) على الاستئناف، بدلا من * (آمنت) * كرر المعنى الواحد ثلاث مرات في ثلاث عبارات حرصا على القبول، ثم لم يقبل منه حيث أخطأ وقته وقاله في وقت الإلجاء، وكانت المرة الواحدة كافية وقت الاختيار وبقاء التكليف. # * (آلآن) * أي: أتؤمن الساعة في وقت الاضطرار حين أدركك الغرق؟ # ويحكى: أنه حين قال: * (آمنت) * أخذ جبرئيل من حال (2) البحر فدسه في فيه (3) * (وكنت من المفسدين) * أي: الضالين المضلين عن الإيمان. # قرئ: * (ننجيك) * بالتشديد والتخفيف (4)، أي: نبعدك مما وقع فيه قومك، وقيل: نلقيك بنجوة من الأرض وهي المكان المرتفع (5) * (ببدنك) * في موضع الحال، أي: في الحال التي لا روح فيك وإنما أنت بدن، أو ببدنك كاملا سويا لم ينقص منه شئ ولم يتغير، أو بدرعك وكانت له درع من ذهب يعرف بها * (لمن # PageV02P145 # خلفك آية) * لمن وراءك من الناس علامة، وهم بنو إسرائيل، وكان في أنفسهم أن فرعون أجل شأنا من أن يغرق فألقاه الله على الساحل حتى عاينوه، ومعنى كونه آية: أن يظهر للناس عبوديته ومهانته، وأن ما كان يدعيه من الربوبية محال، وأن يكون عبرة يعتبر بها الأمم بعده فلا يجترئوا على ما اجترأ عليه. # * (ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ورزقناهم من الطيبات فما اختلفوا حتى جاءهم العلم إن ms0513 ربك يقضى بينهم يوم القيمة فيما كانوا فيه يختلفون (93) فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (94) ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين (95) إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون (96) ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم (97)) * * (مبوأ صدق) * منزلا صالحا مرضيا وهو بيت المقدس والشام * (ورزقناهم من الطيبات) * وهي الأشياء اللذيذة * (فما اختلفوا) * في دينهم، وما تشعبوا فيه شعبا * (حتى جاءهم العلم) * بدين الحق ولزمهم الثبات عليه، وقيل: العلم بمحمد (صلى الله عليه وآله) ونعته (1)، واختلافهم فيه: أنه هو أم ليس به. # * (فإن كنت في شك) * أي: فإن وقع لك شك فرضا وتقديرا * (فسل) * علماء أهل * (الكتاب) * فإنهم محيطون علما بصحة ما أنزل إليك، وعن الصادق (عليه السلام): # " لم يشك ولم يسأل " (2)، * (لقد جاءك الحق من ربك) * أي: ثبت عندك بالآيات والبراهين أن ما أتاك هو الحق الذي لا مدخل فيه للمرية * (فلا تكونن من # PageV02P146 # الممترين ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله) * أي: فأثبت على ما أنت عليه من انتفاء المرية والتكذيب بآيات الله عنك، وقيل: خوطب رسول الله والمراد أمته (1)، والمعنى: فإن كنتم في شك مما أنزلنا إليكم، كقوله: * (وأنزلنا إليكم نورا مبينا) * (2)، وقيل: الخطاب للسامع ممن يجوز عليه الشك (3)، كقول العرب: # " إذا عز أخوك فهن " (4). # وقيل: * (إن) * للنفي (5)، أي: فما كنت في شك... فسأل، والمعنى: لا نأمرك بالسؤال لأنك شاك ولكن لتزداد يقينا، كما ازداد إبراهيم بمعاينة إحياء الموتى * (حقت عليهم كلمت ربك) * ثبت عليهم قول الله الذي كتبه في اللوح وأخبر به الملائكة أنهم يموتون كفارا، فلا يكون غيره، وتلك كتابة علم لا كتابة إرادة، تعالى الله عن ذلك. # * (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين (98) ولو شاء ربك لامن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ms0514 (99)) * # PageV02P147 # فهلا * (كانت قرية) * واحدة من القرى التي أهلكناها تابت عن الكفر، و * (آمنت) * وقت بقاء التكليف قبل معاينة البأس، ولم تؤخر التوبة كما أخرها فرعون إلى أن أدركه الغرق * (فنفعها إيمانها) * بأن يقبله الله منها * (إلا قوم يونس) * استثناء من القرى، لأن المراد أهاليها، وهو استثناء منقطع بمعنى: ولكن قوم يونس، ويجوز أن يكون متصلا والجملة في معنى النفي، كأنه قيل: ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلا قوم يونس، وكان قد بعث إلى نينوى (1) من أرض الموصل (2)، فكذبوه، فذهب عنهم مغاضبا، فلما فقدوه خافوا نزول العذاب، فلبسوا المسوح وعجوا وبكوا، فصرف الله * (عنهم) * العذاب وكان قد نزل وقرب منهم، وعن الفضيل بن عياض: أنهم قالوا: اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل، افعل بنا ما أنت أهله، ولا تفعل بنا ما نحن أهله (3). # * (ولو شاء ربك) * مشيئة الإلجاء * (لامن من في الأرض كلهم) * على وجه الإحاطة والعموم * (جميعا) * مجتمعين على الإيمان، يدل عليه قوله: * (أفأنت تكره الناس) * يعني: إنما يقدر الله على إكراههم لا أنت، لأنه هو يقدر أن يفعل في قلوبهم ما يضطرون عنده إلى الإيمان، وليس ذلك في مقدور القدر، ولا يستطيعه البشر. # PageV02P148 # * (وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون (100) قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغنى الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون (101) فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم قل فانتظروا إني معكم من المنتظرين (102) ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين (103)) * * (وما كان لنفس) * من النفوس التي علم الله أنها تؤمن * (أن تؤمن إلا بإذن الله) * أي: بتسهيله وتوفيقه له وتمكينه منه ودعائه إليه * (ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون) * قابل الإذن بالرجس وهو الخذلان، والنفس المعلوم إيمانها ب‍ * (الذين لا يعقلون) * وهم المصرون على الكفر، كقوله: * (صم بكم عمى فهم لا يعقلون) * (1)، وسمى الخذلان رجسا وهو العذاب لأنه سببه. # * (ماذا في السماوات والأرض) * من العبر والآيات * (وما تغنى ms0515 الآيات والنذر) * الرسل المنذرون أو الإنذارات * (عن قوم لا يؤمنون) * أي: لا يتوقع إيمانهم، و * (ما) * نافية أو استفهامية. # و * (أيام الذين خلوا من قبلهم) * وقائع الله فيهم، كما يقال: أيام العرب، لوقائعها. * (ثم ننجي رسلنا) * عطف على كلام محذوف يدل عليه ما قبله، كأنه قال: نهلك الأمم ثم ننجي رسلنا، على حكاية الأحوال الماضية * (والذين آمنوا) * معهم، و * (كذلك... ننج المؤمنين) * أي: مثل ذلك الإنجاء ننج المؤمنين منكم ونهلك المشركين، و * (حقا علينا) * اعتراض، يعني: حق ذلك علينا حقا، وقرئ: # " ننجي " بالتشديد (2). # PageV02P149 # * (قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفيكم وأمرت أن أكون من المؤمنين (104) وأن أقم وجهك للدين حنيفا ولا تكونن من المشركين (105) ولا تدع من دون الله مالا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين (106) وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم (107) قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل (108) واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحكمين (109)) * * (إن كنتم في شك من) * صحة * (ديني ف‍) * هذا ديني وهو: أني * (لا أعبد) * الحجارة التي * (تعبدون‍) * - ها * (من دون) * من هو ربكم وإلهكم * (ولكن أعبد الله الذي يتوفيكم) * فهو الحقيق بأن يخاف ويرجى ويعبد * (وأمرت أن أكون من) * المصدقين بالتوحيد. # * (وأن أقم) * والباء مراد فحذف، أي: بأن أكون وبأن أقم، فإن " أن " قد توصل بالأمر والنهي، وشبه ذلك بقولهم: " أنت الذي تفعل " على الخطاب، لأن الغرض وصلها بما يكون معه في معنى المصدر، والأمر والنهي يدلان على المصدر كما يدل غيرهما من الأفعال. * (أقم وجهك) * استقم إليه فلا تلتفت يمينا ولا شمالا، و * (حنيفا) * حال من * (الدين) * أو من الوجه. * (فإن فعلت) * أي: فإن دعوت * (من دون ms0516 الله ما لا ينفعك ولا يضرك) * فكنى عنه بالفعل إيجازا * (فإنك إذا من الظالمين) *: * (إذا) * جزاء للشرط وجواب لسؤال مقدر، كأن سائلا سأل عن تبعة عبادة غير الله، فأعلم أن الشرك من أعظم الظلم. PageV02P150 # ثم عقب النهي عن عبادة مالا ينفع ولا يضر بأن الله هو الضار والنافع الذي إن أصابك * (بضر) * لم يقدر على كشفه * (إلا هو وإن) * أرادك * (بخير) * لم يرد أحد ما يريد بك من * (فضله) * فهو الحقيق بأن يعبد دون الأوثان. # * (قد جاءكم الحق) * فلم يبق لكم عذر، ولا لكم على الله حجة * (فمن) * اختار الهدى واتباع الحق لم ينفع إلا نفسه * (ومن) * اختار الضلال لم يضر إلا نفسه، واللام و " على " دليلان على معنى النفع والضرر * (وما أنا عليكم بوكيل) * بحفيظ موكل إلي أمركم وحملكم على ما أريد، إنما أنا بشير ونذير. # * (واصبر) * على دعوتهم واحتمال أذاهم * (حتى يحكم الله) * لك بالنصر عليهم والغلبة * (وهو خير الحكمين) * لأنه لا يحكم إلا بالحق والعدل. PageV02P151 # سورة هود مكية (1)، مائة وإحدى وعشرون آية بصري، ثلاث كوفي، عد الكوفي: # * (برئ مما تشركون) * (2)، * (في قوم لوط) * (3). # في حديث أبي: " ومن قرأها أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بنوح وكذب به وهود وصالح وشعيب ولوط وإبراهيم وموسى، وكان يوم القيامة من السعداء " (4). # الباقر (عليه السلام): " من قرأها في كل جمعة بعثه الله يوم القيامة في زمرة النبيين، وحوسب حسابا يسيرا، ولم تعرف له خطيئة عملها يوم القيامة " (5). # PageV02P153 # بسم الله الرحمن الرحيم * (الر كتب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير (1) ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير (2) وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله وإن تولوا فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير (3) إلى الله مرجعكم وهو على كل شئ قدير (4) ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور (5)) * * (أحكمت آياته) * نظمت محكما لا نقص (1) فيه ms0517 ولا خلل كالبناء المحكم، أو جعلت آياته حكيمة، من حكم: إذا صار حكيما، كقوله: * (آيات الكتاب الحكيم) * (2)، أو منعت من الفساد، من أحكم الدابة: وضع عليها الحكمة (3) لتمنعها من الجماح، قال جرير: # أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم * إني أخاف عليكم أن أغضبا (4) * (ثم فصلت) * كما تفصل القلائد، بدلائل التوحيد والمواعظ والأحكام والقصص، أو جعلت فصولا: آية آية وسورة سورة، أو فرقت في التنزيل فلم تنزل جملة واحدة، ومعنى * (ثم) *: التراخي في الحال لا في الوقت، كما تقول: هي محكمة أحسن الإحكام ثم مفصلة أحسن التفصيل، و * (كتب) *: خبر مبتدأ # PageV02P154 # محذوف * (من لدن حكيم) * أحكمها، و * (خبير) *: عالم فصلها، أي: بينها وشرحها. # * (ألا تعبدوا) * مفعول له، أي: لأن لا تعبدوا، أو يكون " أن " مفسرة، لأن في تفصيل الآيات معنى القول، كأنه قيل: قال: لا تعبدوا إلا الله، أو أمركم أن لا تعبدوا إلا الله، أي: أمركم بالتوحيد. * (وأن استغفروا) * أي: وأمركم بالاستغفار، والضمير في * (منه) * لله، أي: * (إنني لكم... نذير وبشير) * من جهته، كقوله: * (رسول من الله) * (1)، أو هي صلة ل‍ * (نذير) * أي: أنذركم * (منه) * ومن عذابه إن كفرتم، وأبشركم بثوابه إن آمنتم * (ثم توبوا إليه) * يعني: استغفروا من الشرك ثم أخلصوا التوبة واستقيموا عليها كقوله: * (ثم استقاموا) * (2)، * (يمتعكم) * في الدنيا بالنعم السابغة والمنافع المتتابعة * (إلى أجل مسمى) * إلى أن يتوفاكم * (ويؤت كل ذي فضل فضله) * أي: ويعط في الآخرة كل ذي فضل في العمل وزيادة فيه جزاء فضله لا يبخس، أو فضله في الثواب والدرجات * (وإن تولوا) * أي: تتولوا، فحذف إحدى التاءين * (عذاب يوم كبير) * يوم القيامة، وبين العذاب بأن مرجعهم إلى القادر على ما يريده من عذابهم. # * (يثنون صدورهم) * أي: يزورون عن الحق وينحرفون عنه، لأن من أقبل على الشئ استقبله بصدره، ومن انحرف عنه ثنى عنه صدره * (ليستخفوا منه) * أي: يريدون ليستخفوا من الله، فلا يطلع (3) رسوله والمؤمنين على ازورارهم * (ألا حين يستغشون ثيابهم) * معناه: يتغطون بثيابهم كراهة لاستماع كلام الله، كقوله: * (جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم) * (4)، ثم ms0518 قال: * (يعلم ما يسرون وما يعلنون) * يعني: أنه لا تفاوت في علمه بين إسرارهم وإعلانهم. # PageV02P155 # وفي قراءة أهل البيت (عليهم السلام): " يثنوني صدورهم " (1) على يفعوعل، من الثني وهو بناء مبالغة، وقرئ بالتاء (2) والياء (3). # * (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتب مبين (6) وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين (7) ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة ليقولن ما يحبسه ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون (8)) * * (على الله رزقها) * لما ضمن سبحانه أن يتفضل بالرزق عليهم وتكفل به صار التفضل واجبا، فلذلك جاء بلفظ الوجوب كالنذور الواجبة على العباد * (ويعلم مستقرها) * موضع قرارها ومسكنها * (ومستودعها) * حيث كانت مودعة فيه قبل الاستقرار من: أصلاب الآباء وأرحام الأمهات، أو البيض * (كل) * أي: كل واحدة من الدواب ورزقها ومستقرها ومستودعها * (في كتب) * في اللوح المحفوظ، يعني: أن ذكرها مكتوب فيه ظاهر. # * (وكان عرشه على الماء) * أي: ما كان تحته خلق إلا الماء، قبل خلق السماوات والأرض وارتفاعه فوقها، وفيه دلالة على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل خلق السماوات والأرض (4) * (ليبلوكم) * يتعلق ب‍ * (خلق) * أي: # PageV02P156 # خلقهن لحكمة بالغة، وهي أن يجعلها مساكن لعباده، وينعم عليهم فيها بفنون النعم، ويكلفهم ويعرضهم لثواب الآخرة، ولما أشبه ذلك اختبار المختبر قال: # * (ليبلوكم) * أي: ليفعل بكم ما يفعل المبتلي لأحوالكم كيف تعملون * (أيكم أحسن عملا) * تعليق، لأن في الاختبار معنى العلم، وهو طريق إليه، والذين هم أحسن عملا: هم المتقون، فخصهم بالذكر تشريفا لهم وترغيبا في حيازة فضلهم * (ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت) * فتوقعوه لقالوا: * (إن هذا إلا سحر مبين) * أي: أمر باطل، وأشاروا بهذا إلى القرآن لأن القرآن هو الناطق بالبعث، فإذا جعلوه سحرا فقد اندرج تحته إنكار ما فيه من البعث وغيره، وقرئ: " إلا ساحر " (1) يريدون الرسول. ms0519 # و * (العذاب) * عذاب الآخرة، وقيل: عذاب يوم بدر (2) * (إلى أمة) * أي: # حين، والمعنى: إلى جماعة من الأوقات * (ليقولن ما يحبسه) * أي: ما يمنعه من النزول استعجالا له، و * (يوم يأتيهم) * منصوب بخبر * (ليس) *، وفيه دليل (3) على جواز تقديم خبر " ليس " على " ليس "، لأن المعمول لا يقع إلا حيث يجوز وقوع العامل فيه، ووضع * (يستهزءون) * موضع يستعجلون، لأن استعجالهم كان على وجه الاستهزاء * (وحاق) * في معنى: " يحيق " إلا أنه جاء على عادة الله في إخباره. # * (ولئن أذقنا الانسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور (9) ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عنى إنه لفرح # PageV02P157 # فخور (10) إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير (11)) * * (الانسان) * للجنس * (رحمة) * أي: نعمة من صحة أو ثروة أو نحو ذلك * (ثم نزعناها) * أي: سلبناها منه * (إنه ليئوس) * شديد اليأس، قنوط من أن تعود إليه تلك النعمة المنزوعة، قاطع رجاءه من سعة فضل الله * (كفور) * عظيم الكفران لنعمه. # * (ذهب السيئات عنى) * أي: المصائب التي ساءتني وحزنتني * (إنه لفرح) * أي: أشر بطر * (فخور) * على الناس بما أنعم الله عليه، قد شغله الفرح والفخر عن الشكر. * (إلا الذين صبروا) * أي: قابلوا الشدة بالصبر، والنعمة بالشكر. # * (فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شئ وكيل (12) أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين (13) فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون (14)) * كانوا يقترحون عليه أشياء تعنتا، فقالوا: * (لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك) *، وكان يضيق صدره صلوات الله عليه وآله بما يقولونه * (أن يقولوا) * كراهة أن يقولوا: هلا * (أنزل عليه) * ما اقترحناه من الكنوز والملائكة؟ ولم أنزل عليه مالا نريده ولا نقترحه؟ * (إنما أنت نذير) * أي: ليس عليك إلا إنذارهم بما أوحي إليك * (والله على كل ms0520 شئ وكيل) * يحفظ ما يقولون ثم يفعل بهم ما يجب أن يفعل، فكل أمرك إليه، وعليك بتبليغ الوحي غير مبال بمقالهم ولا ملتفت إلى فعالهم من: # استكبارهم واستهزائهم. # * (أم) * منقطعة، والضمير في * (افتراه) * ل‍ * (ما يوحى إليك) *، تحداهم * (بعشر PageV02P158 # سور) * ثم تحداهم بسورة واحدة لما استبان عجزهم عن الإتيان بالعشر * (مثله) * بمعنى: أمثاله، لأنه أراد مماثلة كل واحدة منها له * (مفتريات) * صفة ل‍ " عشر سور "، والمعنى: هبوا أني افتريته من عند نفسي كما زعمتم * (فأتوا) * أنتم بكلام * (مثله) * في حسن النظم والفصاحة مفترى مختلق من عند أنفسكم، فأنتم فصحاء مثلي تقدرون على مثل ما أقدر عليه من الكلام. # * (فإلم يستجيبوا لكم) * أي: لك وللمؤمنين * (فاعلموا) * أيها المؤمنون، أي: # أثبتوا على العلم الذي أنتم عليه وازدادوا يقينا * (أنما أنزل بعلم الله) * أي: أنزل ملتبسا بما لا يعلمه إلا الله من نظم معجز لجميع الخلق وإخبار بغيوب لا سبيل لهم إليه * (و) * اعلموا عند ذلك: * (أن لا إله إلا) * الله وحده، وأن توحيده هو الحق، والشرك به هو الظلم الصريح * (فهل أنتم مسلمون) * مخلصون موقنون بعد قيام الحجة القاطعة؟ ويجوز أن يكون الخطاب للكفار، فيكون المعنى: فإن لم يستجب لكم من تدعونهم إلى معارضته فقد قامت عليكم الحجة، * (فهل أنتم مسلمون) * متابعون بالإسلام معتقدون للتوحيد. # * (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعملهم فيها وهم فيها لا يبخسون (15) أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وبطل ما كانوا يعملون (16) أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتب موسى إماما ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (17)) * * (نوف إليهم) * نوصل إليهم ونوفر عليهم أجور * (أعملهم) * من غير بخس PageV02P159 # في الدنيا، وهو ما يرزقون * (فيها) * من الصحة والرزق، وقيل: هم أهل الرياء (1). # * (وحبط ما صنعوا) * أي: ما صنعوه، أو صنيعهم * (فيها) * في الآخرة، يعني: لم يكن ms0521 لصنيعهم ثواب، لأنهم لم يريدوا به الآخرة، وإنما أرادوا به الدنيا وقد وفي إليهم ما أرادوا * (وبطل ما كانوا يعملون) * أي: كان عملهم في نفسه باطلا، لأنه لم يعمل للوجه الصحيح الذي هو ابتغاء وجه الله، فلا ثواب يستحق عليه ولا أجر. # والتقدير: * (أفمن كان على بينة من ربه) * كمن كان يريد الحياة الدنيا على برهان من الله وبيان وحجة على أن دين الإسلام حق وهو دليل العقل، والمعنى: # أنهم لا يقاربونهم في المنزلة، وبين الفريقين تفاوت شديد وبون بعيد * (ويتلوه) * ويتبع ذلك البرهان * (شاهد) * يشهد بصحته وهو القرآن * (منه) * من الله، وقيل: # البينة: القرآن، والشاهد: جبرئيل يتلو القرآن (2)، وقيل: أفمن كان على بينة هو النبي، والشاهد منه: علي بن أبي طالب (عليه السلام) يشهد له وهو منه، وهو المروي عنهم (عليهم السلام) (3) * (ومن قبله) * من قبل القرآن * (كتب موسى) * وهو التوراة يتلوه أيضا في التصديق * (إماما) * مؤتما به في الدين قدوة فيه * (ورحمة) * ونعمة عظيمة على المنزل عليهم * (أولئك) * يعني: من كان على بينة * (يؤمنون به) * أي: بالقرآن * (ومن يكفر به من الأحزاب) * يعني: أهل مكة ومن وافقهم وضامهم من المتحزبين على رسول الله * (فالنار موعده فلا تك في مرية) * أي: شك من القرآن، أو من الموعد. # PageV02P160 # * (ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الاشهد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين (18) الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كفرون (19) أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء يضعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون (20) أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون (21) لاجرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون (22)) * * (يعرضون على ربهم) * أي: يحبسون ويوقفون موقفا يراهم الخلائق للمطالبة بما عملوا * (و) * يشهد عليهم * (الاشهد) * من: الملائكة الحفظة والأنبياء بأنهم الكاذبون * (على) * الله بأنه اتخذ ولدا وشريكا، وأنهم أضافوا إليه ما لم ينزله، ويقولون: * (ألا لعنة الله على ms0522 الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله) * أي: # يغوون الخلق ويصرفونهم عن دين الله * (ويبغونها عوجا) * أي: يصفونها بالاعوجاج وهي مستقيمة، أو يبغون أهلها أن يعوجوا بالارتداد و * (هم) * الثانية: # فصل أكد به كفرهم بالآخرة. * (أولئك لم يكونوا معجزين) * أي: فائتين الله * (في) * الدنيا أن يعاقبهم لو أراد عقابهم * (وما كان لهم) * من يتولاهم فينصرهم ويمنعهم منه، ولكنه أراد إنظارهم وتأخير عقابهم إلى هذا اليوم، وهو من كلام * (الاشهد) *، وقرئ: " يضعف " (1)، * (ما كانوا يستطيعون السمع) * المعنى: أنهم لفرط تصاممهم عن استماع الحق كأنهم لا يستطيعون السمع. * (خسروا أنفسهم) * بأن اشتروا عبادة الآلهة بعبادة الله * (وضل عنهم) * أي: وضاع عنهم ما اشتروه، # PageV02P161 # وهو: * (ما كانوا يفترون) * من شفاعة آلهتهم لهم. * (لاجرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون) * أي: لا ينفعهم ذلك، كسب ذلك الفعل لهم الخسران، وقيل: معناه: حقا لهم أنهم أخسر الناس في الآخرة (1). # * (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحب الجنة هم فيها خالدون (23) مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون (24)) * * (أخبتوا إلى ربهم) * اطمأنوا إليه وخشعوا له وانقطعوا إلى عبادته وذكره، من الخبت وهو الأرض المستوية. شبه فريق الكفار ب‍ * (الأعمى والأصم) * وفريق المؤمنين ب‍ * (البصير والسميع) * وهو من اللف والطباق، وفيه معنيان: أن يشبه الفريق بشيئين، كما شبه امرؤ القيس قلوب الطير بالحشف والعناب في قوله: # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا * لدى وكرها العناب والحشف البالي (2) وأن يشبهه بالذي جمع بين العمى والصمم، وبالذي جمع بين السمع والبصر، على أن يكون الواو في * (والأصم) * وفي * (والسميع) * لعطف الصفة على الصفة * (هل يستويان) * الفريقان * (مثلا) * تشبيها؟ # * (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين (25) أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم (26) فقال الملا الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نربك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كذبين (27) قال يقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ms0523 ربى وآتاني رحمة من عنده فعميت # PageV02P162 # عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون (28)) * قرئ: * (إني) * بالفتح (1) والكسر، فالفتح على * (أرسلنا) * ه ب‍ " أني لكم نذير "، والمعنى: * (أرسلنا نوحا) * ملتبسا بهذا الكلام وهو قوله: * (إني لكم نذير) * بالكسر، فلما اتصل به الجار فتح كما فتح " كأن " وأصله الكسر في قولك: إن زيدا كالأسد، وأما كسر " إن " فعلى إرادة القول. # * (أن لا تعبدوا) * بدل من * (إني لكم) * أي: أرسلنا بأن لا تعبدوا * (إلا الله) * أو تكون * (أن) * مفسرة متعلقة ب‍ * (أرسلنا) * أو ب‍ * (نذير) *، * (أليم) * مجاز في صفة * (يوم) * أو * (عذاب) *، لأن الأليم في الحقيقة هو المعذب، ونظيره قولهم: نهاره صائم وليله قائم. # * (الملا) * الأشراف، لأنهم يملؤون القلوب هيبة * (ما نراك إلا بشرا مثلنا) * ظنوا أن الرسول ينبغي أن يكون من غير جنس المرسل إليه، وال‍ " أراذل ": جمع الأرذل، و * (بادي الرأي) * قرئ بالهمزة (2) وغير الهمزة، بمعنى: اتبعوك أول الرأي، أو ظاهر الرأي، وإنما انتصب على الظرف، وأصله: وقت حدوث أول رأيهم أو وقت حدوث ظاهر رأيهم فحذف المضاف، وأريد: أن اتباعهم لك إنما كان بديهة من غير روية ونظر، وإنما استرذلوهم لفقرهم وقلة ذات يدهم * (وما نرى لكم علينا من فضل) * أي: زيادة شرف تؤهلكم للنبوة. # * (أرأيتم) * أخبروني * (إن كنت على) * برهان * (من ربى) * وشاهد يشهد بصحة نبوتي * (وآتاني رحمة من عنده) * بإيتاء البينة، على أن البينة هي الرحمة # PageV02P163 # بعينها، ويجوز أن يريد بالبينة: المعجزة وبالرحمة: النبوة (1) " فعميت عليكم " (2) أي: خفيت بعد البينة (3)، وقرئ: * (فعميت) * أي: أخفيت عليكم * (أنلزمكموها وأنتم لها كارهون) * أنكرهكم على قبولها، ونجبركم على الاهتداء بها * (وأنتم) * تكرهونها ولا تختارونها ولا إكراه في الدين؟ # * (ويقوم لا أسئلكم عليه مالا إن أجرى إلا على الله وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون (29) ويقوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون (30) ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما ms0524 في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين (31)) * الضمير في * (عليه) * يرجع إلى قوله: * (إني لكم نذير مبين) *، * (إنهم ملقوا ربهم) * معناه: إنهم يلاقون الله فيعاقب من طردهم، أو يلاقونه فيجازيهم على ما يعتقدونه من الإخلاص في الإيمان كما ظهر لي منهم، أو على ما تقرفونهم (4) به من خلاف ذلك * (تجهلون) * الحق وأهله، أو تسفهون على المؤمنين، أو تجهلون لقاء ربكم. # * (من ينصرني من الله) * من يمنعني من انتقام الله وعذابه * (إن طردتهم) *؟ # وكانوا يسألونه أن يطردهم ليؤمنوا، أنفة من أن يكونوا معهم على سواء. # * (ولا أقول لكم عندي خزائن الله) * فأدعي فضلا عليكم في الدنيا حتى # PageV02P164 # تجحدوا فضلي بقولي: * (وما نرى لكم علينا من فضل) *، * (ولا) * أدعي أني * (أعلم الغيب) * حتى أطلع على نفوس أتباعي وضمائر قلوبهم * (ولا أقول إني ملك) * حتى تقولوا لي: ما أنت إلا بشر مثلنا، ولا أحكم على من تسترذلونه لفقرهم: أن الله * (لن يؤتيهم... خيرا) * كما تقولون، لهوانهم عليه * (إني إذا لمن الظالمين) * إن قلت شيئا من ذلك، والازدراء: افتعال من زرى عليه: إذا عابه. # * (قالوا ينوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصدقين (32) قال إنما يأتيكم به الله إن شاء وما أنتم بمعجزين (33) ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون (34) أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلى إجرامي وأنا برئ مما تجرمون (35)) * أي: حاججتنا وزدت في مجادلتنا على قدر الكفاية * (فأتنا بما تعدنا) * من العذاب فإنا لا نؤمن بك. * (قال إنما يأتيكم به الله) * وليس الإتيان به إلي * (إن شاء) * تعجيله لكم. # وقوله: * (إن كان الله يريد أن يغويكم) * شرط جزاؤه ما دل عليه قوله: # * (لا ينفعكم نصحي) *، وهذا الدال في حكم ما دل عليه، فوصل بشرط كما يوصل الجزاء بالشرط في قولهم: إن أحسنت إلي أحسنت إليك إن أمكنني. وأما المعني في قوله: * (إن كان الله يريد أن يغويكم) * فهو أن الكافر إذا علم الله منه الإصرار على الكفر ms0525 فخلاه وشأنه ولم يقسره على الإيمان سمي ذلك إغواء وإضلالا، كما أنه إذا عرف منه الإرعواء (1) إلى الإيمان فلطف به سمي إرشادا وهداية. # PageV02P165 # * (فعلى إجرامي) * معناه: إن صح وثبت أني * (افتريته) * فعلي عقوبة إجرامي أي: افترائي، وكان حقي حينئذ أن تعرضوا عني * (وأنا برى ء) * أي: ولم يثبت ذلك وأنا برئ منه، ومعنى * (مما تجرمون) *: من إجرامكم في إسناد الافتراء علي، فلا وجه لإعراضكم عني. # * (وأوحى إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون (36) واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون (37) ويصنع الفلك وكلما مر عليه ملا من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون (38) فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم (39)) * أقنطه الله سبحانه من إيمانهم * (إلا من قد آمن) * إلا من وجد منه ما كان يتوقع من الإيمان، و * (قد) * للتوقع * (فلا تبتئس) * أي: فلا تحزن حزن بائس مسكين، قال: # ما يقسم الله فاقبل غير مبتئس * منه واقعد كريما ناعم البال (1) أي: فلا تحزن بما فعلوه من تكذيبك وإيذائك، فقد حان وقت الانتقام لك منهم وإنجائك. # * (بأعيننا) * في موضع الحال، أي: * (اصنع الفلك) * ملتبسا * (بأعيننا) *، كأن لله سبحانه معه أعينا تكلؤه (2) أن يزيغ في صنعته عن الصواب * (ووحينا) * وأنا نوحي إليك ونلهمك كيف تصنع؟ وعن ابن عباس: لم يعلم كيف صنعة الفلك، # PageV02P166 # فأوحى الله إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر (1) (2). * (ولا تخاطبني في الذين ظلموا) * ولا تدعني في شأن قومك واستدفاع العذاب عنهم بشفاعتك * (إنهم) * محكوم عليهم بالإغراق، وقد وجب ذلك فلا سبيل إلى كفه. # * (ويصنع الفلك) * حكاية حال ماضية * (سخروا منه) * ومن عمله السفينة، وكان يعملها في برية في أبعد موضع من الماء، فكانوا يتضاحكون ويقولون: # يا نوح، صرت نجارا بعدما كنت نبيا! * (فإنا نسخر منكم) * في المستقبل * (كما تسخرون) * منا الساعة إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة. # * (من يأتيه) * في محل النصب ب‍ ms0526 * (تعلمون) *، أي: * (فسوف تعلمون) * الذي * (يأتيه عذاب يخزيه) * وهو عذاب الدنيا * (ويحل عليه) * حلول الدين والحق اللازم * (عذاب مقيم) * وهو عذاب الآخرة، ويجوز أن يكون * (من) * استفهامية ويكون تعليقا. # * (حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل (40) وقال اركبوا فيها بسم الله مجريها ومرسها إن ربى لغفور رحيم (41) وهي تجري بهم في موج كالجبال ونادى نوح ابنه وكان في معزل يبنى اركب معنا ولا تكن مع الكافرين (42) قال ساوى إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين (43)) * * (حتى) * هذه هي التي يبتدأ بعدها الكلام، دخلت على الجملة من: الشرط # PageV02P167 # والجزاء * (وفار التنور) * بالماء، أي: ارتفع الماء بشدة اندفاع، وهو تنور الخابزة، وكان في ناحية الكوفة، وقيل: التنور: وجه الأرض (1)، * (وأهلك) * عطف على * (اثنين) *، وكذلك * (ومن آمن) *، يعني: ف‍ * (احمل) * أهلك والمؤمنين من غيرهم، و * (اثنين) * مفعول * (احمل) *، والمراد ب‍ * (كل زوجين) *: الشياع، وقرئ: # * (من كل) * بالتنوين (2) وحذف المضاف إليه من * (كل) *، والمراد: من كل شئ زوجين، فعلى هذا يكون انتصاب ال‍ * (اثنين) * على أنه صفة ل‍ * (زوجين) *، واستثني من أهله * (من سبق عليه القول) * أنه من أهل النار للعلم بأنه يختار الكفر، * (وما آمن معه إلا قليل) * قيل: كانوا ثمانية (3)، وقيل: كانوا اثنين وسبعين رجلا وامرأة (4). # * (وقال) * نوح لمن معه: * (اركبوا فيها) *، وقرئ: * (مجريها) * بضم الميم (5) وفتحه، واتفقوا على ضم الميم في * (مرسيها) * إلا ما روي عن ابن محيصن: أنه فتح الميم فيهما (6)، من جرى ورسا: إما مصدرين، أو وقتين، أو مكانين، والمعنى: # اركبوا فيها مسمين الله، أو قائلين: * (بسم الله) * وقت إجرائها ووقت إرسائها، أو وقت جريها ووقت رسوها، على القراءة الأخرى، ويجوز أن يكونا مصدرين حذف منهما الوقت المضاف، كقولهم: خفوق النجم ومقدم الحاج، ويجوز أن يكونا # PageV02P168 # مكاني الإجراء والإرساء، وانتصابهما بما في * (بسم الله) * من معنى ms0527 الفعل، أو بما فيه من إرادة القول، وروي: أن نوحا كان يقول إذا أراد أن تجري: " بسم الله " وإذا أراد أن ترسو: " بسم الله " (1)، ويجوز أن يراد: بالله إجراؤها وإرساؤها، أي: بأمره ومشيئته، والاسم مقحم (2). # * (وهي تجري بهم) * معناه: أن السفينة تجري بنوح ومن معه على الماء * (في) * أمواج * (كالجبال) * في عظمها وارتفاعها. # وقرأ علي (عليه السلام): " ونادى نوح ابنه " بفتح الهاء (3)، اكتفي بالفتحة عن الألف، وروي أيضا: " ابنها " (4) والضمير لامرأته * (وكان في معزل) * وهو مفعل من عزله عنه: إذا نحاه وأبعده، يعني: وكان في مكان عزل فيه نفسه عن أبيه وعن مركب المؤمنين، وقيل: كان في معزل عن دين أبيه (5)، * (يبنى) * قرئ بفتح الياء وكسرها (6)، فالكسر للاقتصار عليه من ياء الإضافة، والفتح للاقتصار عليه من الألف المبدلة من ياء الإضافة في قولك: يا بنيا، أو سقطت الياء والألف لالتقاء # PageV02P169 # الساكنين، لأن الراء بعدهما ساكنة. # * (لا عاصم اليوم من) * الطوفان * (إلا من رحم) * الله، أي: إلا مكان من رحم الله من المؤمنين، يعني: السفينة، أو: لا عاصم اليوم إلا الراحم وهو الله تعالى، وقيل: لا عاصم بمعنى: لا ذا عصمة إلا من رحمه الله، كقولهم: ماء دافق، وعيشة راضية (1)، وقيل: * (إلا من رحم) * استثناء منقطع، كأنه قيل: ولكن من رحمه الله فهو معصوم (2). # * (وقيل يا أرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضى الامر واستوت على الجودي وقيل بعدا للقوم الظالمين (44) ونادى نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحكمين (45) قال ينوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صلح فلا تسئلن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجهلين (46) قال رب إني أعوذ بك أن أسلك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين (47) قيل ينوح اهبط بسلم منا وبركت عليك وعلى أمم ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم (48) تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من ms0528 قبل هذا فاصبر إن العقبة للمتقين (49)) * نداء ال‍ " أرض " وال‍ " سماء " بما ينادي به العقلاء مما يدل على كمال العزة والاقتدار، وأن هذه الأجرام العظيمة منقادة لتكوينه فيها ما يشاء، غير ممتنعة عليه، كأنها عقلاء مميزون قد عرفوا جلالته وعظمته، فهم ينقادون له ويمتثلون # PageV02P170 # أمره على الفور من غير ريث، والبلع: عبارة عن النشف، والإقلاع: الإمساك * (وغيض الماء) * من غاضه: إذا نقصه * (وقضى الامر) * وأنجز الموعود في إهلاك القوم * (واستوت) * أي: استقرت السفينة * (على الجودي) * وهو جبل بالموصل * (وقيل بعدا) * يقال: بعد بعدا وبعدا: إذا أرادوا البعد البعيد من حيث الهلاك والموت ونحو ذلك، ولذلك اختص بدعاء السوء، ومجئ إخباره عز اسمه على (1) الفعل المبني للمفعول للدلالة على الجلال والعظمة، وأن تلك الأمور العظام لا تكون إلا بفعل قاهر قادر لا يشارك في أفعاله، فلا يذهب الوهم إلى أن غيره يقول: * (يا أرض... ويا سماء) * وأن أحدا سواه يقضي ذلك الأمر. # * (إن ابني من أهلي) * أي: من بعض أهلي، لأنه كان ابنه من صلبه، أو كان ربيبا له فهو بعض أهله * (وإن وعدك الحق) * لاشك في إنجازه، وقد وعدتني أن تنجي أهلي * (وأنت أحكم الحكمين) * أي: أعدلهم وأعلمهم. # * (إنه ليس من أهلك) * الذين وعدتك بنجاتهم معك، لأنه ليس على دينك * (إنه عمل غير صلح) * تعليل لانتفاء كونه من أهله، وفيه إيذان بأن قرابة الدين غامرة لقرابة النسب، وجعلت ذاته عملا غير صالح مبالغة في ذمه، كقول الخنساء: # فإنما هي إقبال وإدبار (2) وقرئ: " إنه عمل غير صالح " (3)، وقرئ: * (فلا تسئلن) * بكسر النون بالياء (4) # PageV02P171 # وبغير ياء، وقرئ: " فلا تسئلن " مشددة النون مفتوحة (1)، و " لا تسلني " بالتشديد وإثبات الياء (2) وغير ياء (3). والمعنى: فلا تلتمس مني التماسا لاتعلم أصواب هو أم غير صواب، حتى تقف على كنهه، وذكر السؤال دليل على أن النداء كان قبل أن يغرق، وجعل سبحانه سؤال مالا يعرف كنهه جهلا، ثم وعظ أن لا يعود إليه وإلى أمثاله من فعل * (الجهلين) *. # * (أن أسلك) * أن أطلب منك في المستقبل * (ما) * لاعلم ms0529 * (لي) * بصحته، تأدبا بأدبك واتعاظا بموعظتك * (وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين) * قاله على سبيل الخضوع لله عز اسمه والتذلل له والاستكانة. # * (بسلم منا) * أي: مسلما محفوظا من جهتنا، أو مسلما عليك مكرما * (وبركت عليك) * ومباركا عليك، والبركات: الخيرات النامية * (وعلى أمم ممن معك) *: " من " للبيان، يريد: الأمم الذين كانوا معه في السفينة، لأنهم كانوا جماعات، ولأن الأمم تشعبت منهم، ويجوز أن تكون " من " لابتداء الغاية، أي: # على أمم ناشئة ممن معك، وهي الأمم إلى آخر الدهر، وهذا أوجه، و * (أمم) * رفع بالابتداء، و * (سنمتعهم) * صفته، والخبر محذوف تقديره: وممن معك أمم سنمتعهم، والمعنى: أن السلام منا والبركات عليك وعلى أمم مؤمنين ينشؤون ممن معك، وممن معك أمم ممتعون بالدنيا صائرون إلى النار، وكان نوح أبا الأنبياء، والخلق بعد الطوفان منه وممن كان معه في السفينة. # * (تلك) * إشارة إلى قصة نوح، ومحلها رفع بالابتداء، والجمل بعدها أخبار، # PageV02P172 # أي: تلك القصة بعض * (أنباء الغيب) * موحاة * (إليك) * مجهولة عندك وعند * (قومك من قبل هذا) * أي: من قبل إيحائي إليك، أو من قبل هذا العلم الذي كسبته بالوحي، أو من قبل هذا الوقت * (فاصبر) * على تبليغ الرسالة وعلى أذي قومك كما صبر نوح * (إن العقبة) * في الفوز والنصر والغلبة * (للمتقين) *. # * (وإلى عاد أخاهم هودا قال يقوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون (50) يقوم لا أسئلكم عليه أجرا إن أجرى إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون (51) ويقوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين (52) قالوا يهود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين (53) إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أنى برئ مما تشركون (54) من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون (55) إني توكلت على الله ربى وربكم مامن دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربى على صراط مستقيم (56) فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم ويستخلف ربى قوما ms0530 غيركم ولا تضرونه شيئا إن ربى على كل شئ حفيظ (57) ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ (58) وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد (59) وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة ويوم القيمة ألا إن عادا كفروا ربهم ألا بعدا لعاد قوم هود (60)) * * (أخاهم) * في النسب دون الدين، أي: واحدا منهم، عطف على * (أرسلنا نوحا) *، و * (هودا) * عطف بيان * (إن أنتم إلا مفترون) * على الله كذبا باتخاذكم PageV02P173 # الأوثان له شركاء. * (أفلا تعقلون) * إذ تردون نصيحة من لا يطلب عليها * (أجرا... إلا) * من الله، ولا شئ أنفي للتهمة من حسم المطامع. # ال‍ " مدرار ": الكثير الدرور، كالمغزار، رغبهم في الإيمان بكثرة المطر وزيادة القوة، لأن القوم كانوا أصحاب زروع وبساتين، وكانوا يدلون (1) بالقوة والبطش والنجدة. # وعن الحسن بن علي (عليهما السلام) أنه وفد على معاوية، فلما خرج تبعه بعض حجابه وقال: إني رجل ذو مال ولا يولد لي، فعلمني شيئا لعل الله يرزقني ولدا، فقال: " عليك بالاستغفار "، فكان يكثر الاستغفار حتى ربما استغفر في اليوم سبعمائة مرة، فولد له عشرة بنين، فبلغ ذلك معاوية، فقال: هلا سألته مم قال ذلك؟ # فوفد وفدة أخرى، فسأله الرجل، فقال: " ألم تسمع قول الله عز وجل في قصة (2) هود: * (ويزدكم قوة إلى قوتكم) * وفي قصة نوح: * (ويمددكم بأموال وبنين) * (3) " (4). # * (ولا تتولوا) * ولا تعرضوا عني وعما أدعوكم إليه * (مجرمين) * مصرين على أجرامكم وآثامكم. # * (ما جئتنا ببينة) * كذب منهم وجحود، كما قالت قريش لرسول الله (صلى الله عليه وآله): # * (لولا أنزل عليه آية من ربه) * (5) مع كثرة آياته ومعجزاته، * (عن قولك) * حال من الضمير في * (تاركي آلهتنا) * بمعنى: وما نترك آلهتنا صادرين عن قولك. # * (اعتراك) * مفعول * (نقول) * و * (إلا) * لغو، والمعنى: ما نقول إلا قولنا: * (اعتراك # PageV02P174 # بعض آلهتنا بسوء) * أي: خبلك ومسك بجنون، لسبك إياها وعداوتك لها، مكافاة منها لك، فمن ثم تتكلم بكلام المجانين * (قال) * هود: * (إني أشهد الله) * واجههم بهذا الكلام لثقته بربه واعتصامه به، كما ms0531 قال نوح لقومه: * (ثم اقضوا إلى ولا تنظرون) * (1)، * (مما تشركون من دونه) * من إشراككم آلهة من دونه، أو مما تشركونه من آلهة من دونه، أي: أنتم تجعلونها شركاء له ولم يجعلها هو شركاء * (فكيدوني جميعا) * أنتم وآلهتكم من غير إنظار، فإني لا أبالي بكم ولا بكيدكم. # ولما ذكر توكله على الله ووثوقه به وبكلاءته (2) وصفه بما يوجب التوكل عليه من اشتمال ربوبيته عليه وعليهم، وكون كل * (دابة) * تحت ملكته (3) وقهره، والأخذ * (بناصيتها) *: تمثيل لذلك * (إن ربى على صراط مستقيم) * أي: على طريق الحق والعدل لا يفوته ظالم. # * (فإن تولوا) * أي: تتولوا، لم أعاتب على التفريط في الإبلاغ * (فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم) * فأبيتم إلا تكذيب الرسالة * (ويستخلف ربى) * كلام مستأنف، يريد: ويهلككم الله ويجئ بقوم آخرين يخلفونكم في دياركم وأموالكم * (ولا تضرونه) * بتوليكم * (شيئا) * من ضرر قط، وإنما تضرون أنفسكم * (إن ربى على كل شئ حفيظ) * أي: رقيب عليه مهيمن، فما تخفي عليه أعمالكم، ولا يغفل عن مؤاخذتكم. # * (ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا) * حين أهلكنا عدوهم * (برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ) * وهو السموم (4) التي كانت تدخل في أنوفهم # PageV02P175 # وتخرج من أدبارهم فتقطعهم عضوا عضوا، وقيل: أراد بالتنجية الثانية إنجاءهم من عذاب الآخرة (1). # * (وتلك عاد) * إشارة إلى آثارهم وقبورهم، ثم استأنف وصفهم فقال: # * (جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله) * لأنهم إذا عصوا رسولهم فقد عصوا جميع رسل الله * (كل جبار عنيد) * يريد رؤساءهم ودعاتهم إلى تكذيب الرسل. # * (وأتبعوا في هذه الدنيا لعنة) * جعلت اللعنة تابعة لهم في الدارين تكبهم على وجوههم في عذاب الله، وتكرير * (ألا) * مع الشهادة بكفرهم والدعاء عليهم تفظيع لأمرهم، وبعث على الاعتبار بهم، والحذر من مثل حالهم. # * (وإلى ثمود أخاهم صلحا قال يقوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربى قريب مجيب (61) قالوا يصلح قد كنت فينا مرجوا قبل هذا أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا وإننا لفي شك مما تدعونا إليه مريب ms0532 (62) قال يقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربى وآتاني منه رحمة فمن ينصرني من الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير (63) ويقوم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب (64) فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب (65) فلما جاء أمرنا نجينا صلحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزى يومئذ إن ربك هو القوى العزيز (66) وأخذ الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديرهم جاثمين (67) كأن لم يغنوا فيها ألا إن ثمودا كفروا ربهم ألا بعدا لثمود (68)) * # PageV02P176 # * (هو أنشأكم من الأرض) * معناه: ما أنشأكم من الأرض إلا هو * (و) * لا * (استعمركم فيها) * غيره، وإنشاؤهم منها هو: خلق آدم من تراب، واستعمارهم فيها هو: أمرهم بعمارتها، والعمارة متنوعة إلى: واجب ومندوب ومباح ومكروه، وقيل: * (استعمركم) * من العمر، نحو: استبقاكم، من البقاء (1)، وقيل: هو من العمرى (2)، فيكون * (استعمركم) * بمعنى: أعمركم (3)، أي: أعمركم فيها دياركم ثم هو وارثها منكم إذا انقضت أعماركم، وبمعنى: جعلكم معمرين دياركم فيها، لأن الرجل إذا ورث داره غيره من بعده فكأنما أعمره إياها، لأنه يسكنها عمره، ثم يتركها لغيره * (إن ربى قريب) * داني الرحمة * (مجيب) * لمن دعاه. # * (كنت فينا) * فيما بيننا * (مرجوا) * نرجو منك الخير، لما كانت تلوح فيك من مخائله، فكنا نسترشدك في تدابيرنا، ونشاورك في أمورنا، فالآن انقطع رجاؤنا عنك، وعلمنا أن لاخير فيك * (يعبد آباؤنا) * حكاية حال ماضية * (مريب) * من أرابه: إذا أوقعه في الريبة، أو من أراب الرجل: إذا كان ذا ريبة. # * (وآتاني منه رحمة) * وهي النبوة * (فما تزيدونني) * بما تقولون * (غير تخسير) * غير أن أخسركم، أي: أنسبكم إلى الخسران وأقول لكم: إنكم خاسرون. # * (آية) * نصب على الحال، والعامل فيها معنى الإشارة، و * (لكم) * حال أيضا من * (آية) * متقدمة عليها، لأنها لو تأخرت لكانت صفة لها، فلما تقدمت انتصبت على الحال * (فذروها تأكل) * أي: فاتركوها آكلة * (في أرض الله) * ولا تصيبوها * (بسوء فيأخذكم) * إن فعلتم ذلك * (عذاب قريب) * عاجل لا يستأخر. # PageV02P177 # * (فعقروها فقال) ms0533 * صالح: * (تمتعوا) * استمتعوا بالعيش * (في داركم) * في بلدكم، ويسمى البلد الدار، لأنه يدار فيه بالتصرف، يقال: ديار بكر، لبلادهم * (ثلاثة أيام ) * قيل: عقروها يوم الأربعاء وهلكوا يوم السبت (1)، * (ذلك وعد غير مكذوب) * فيه، فاتسع في الظرف بحذف الحرف وإجرائه مجرى المفعول به، نحو قوله: # ويوم شهدناه سليما وعامرا (2) أو * (مكذوب) * مصدر كالمعقول (3) والمجلود، أي: غير كذب. # * (ومن خزى يومئذ) * قرئ مفتوح الميم (4)، لأنه مضاف إلى " إذ " وهو غير متمكن، كقوله: # على حين عاتبت المشيب على الصبا (5) وقرئ مكسور الميم، لأنه اسم معرب فانجر بالإضافة، والمعنى: # و * (نجينا) * هم من خزي ذلك اليوم ومهانته وذلته وفضيحته، كما قال: * (ونجيناهم من عذاب غليظ) * (6)، ولا خزي أعظم من خزي من كان هلاكه بغضب الله وبأسه. # وقرئ: * (إن ثمودا) * و * (لثمود) * بمنع الصرف وبالتنوين (7) في جميع القرآن، # PageV02P178 # فالصرف لأنه اسم الحي أو الأب الأكبر، ومنع الصرف للتعريف والتأنيث بمعنى القبيلة. # * (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلما قال سلم فما لبث أن جاء بعجل حنيذ (69) فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط (70) وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحق ومن وراء إسحاق يعقوب (71) قالت يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشئ عجيب (72) قالوا أتعجبين من أمر الله رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد (73) فلما ذهب عن إبراهيم الروع وجاءته البشرى يجادلنا في قوم لوط (74) إن إبراهيم لحليم أوا ه منيب (75) يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود (76)) * * (رسلنا) * يعني: الملائكة، وكانوا ثلاثة: جبرئيل وميكائيل وإسرافيل، الصادق (عليه السلام): " كانوا أربعة ورابعهم ملك آخر " (1)، وقيل: كانوا تسعة (2)، وقيل: # أحد عشر (3)، وكانوا على صور الغلمان * (بالبشرى) * هي البشارة بإسحاق. # وعن الباقر (عليه السلام): " إن هذه البشارة كانت بإسماعيل من هاجر " (4)، * (قالوا سلما) * أي: سلمنا عليك سلاما، أو أصبت سلاما أي: سلامة * (قال) * إبراهيم * (سلم) * أي: أمركم سلام، وقرئ: " سلم " (5) وهو بمعنى: سلام، ms0534 مثل حل وحلال # PageV02P179 # وحرم وحرام، قال الشاعر: # مررنا فقلنا: إيه سلم فسلمت * كما اكتل بالبرق الغمام اللوائح (1) * (فما لبث أن جاء بعجل) * أي: فما لبث في المجئ بل عجل فيه، أو فما لبث مجيئه، والحنيذ: المشوي بالحجارة المحماة في أخدود من الأرض، وقيل: هو المشوي يقطر دسمه (2)، ويدل عليه قوله: * (بعجل سمين) * (3). * (فلما رأى) * إبراهيم أيدي الملائكة * (لا تصل) * إلى العجل الحنيذ، أنكرهم، يقال: نكره وأنكره واستنكره بمعنى، وإنما أنكرهم، لأنه خاف أن يكونوا نزلوا لأمر أنكره الله من قومه، ولذلك * (قالوا لا تخف إنا أرسلنا إلى قوم لوط) *، * (وأوجس) * أي: أضمر * (منهم) * خوفا. # * (وامرأته قائمة) * وراء الستر تسمع تحاورهم، وقيل: كانت قائمة تخدمهم (4) * (فضحكت) * سرورا بزوال الخيفة، أو بهلاك أهل الخبائث، وقيل: # * (فضحكت) * حاضت (5) (6)، وهي سارة، وكانت ابنة عم إبراهيم * (فبشرناها بإسحق) * بنبي بين نبيين، والوراء: ولد الولد، وقرئ: * (يعقوب) * بالنصب، كأنه قال: ووهبنا لها إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، على طريقة قوله: # مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة * ولا ناعب إلا بشؤم غرابها (7) # PageV02P180 # ومن قرأ: " يعقوب " بالرفع (1) فارتفاعه بالابتداء أو بالظرف. والألف في * (يا ويلتي) * مبدلة من ياء الإضافة، وكذا في " يا عجبا " و " يا لهفا "، * (شيخا) * نصب على الحال، والعامل فيه معنى الإشارة، وكان لها ثمان وسبعون (2) سنة ولإبراهيم مائة سنة * (إن هذا لشئ عجيب) * أن يولد ولد بين هرمين. # * (رحمت الله وبركته عليكم أهل البيت) * أي: إن هذه وأمثالها مما يكرمكم الله به يا أهل بيت النبوة، فليس هذا مكان عجب، وقيل: الرحمة: النبوة، والبركات: # الأسباط من بني إسرائيل، لأن الأنبياء منهم (3)، * (حميد) * فاعل لما يستحق به الحمد من عباده * (مجيد) * كريم كثير الإحسان إليهم، و * (أهل البيت) * نصب على النداء، أو على المدح. # * (فلما ذهب عن إبراهيم الروع) * أي: لما اطمأن قلبه بعد الخوف وملئ سرورا بسبب البشرى بدل الغم، فرغ للمجادلة، وجواب " لما " محذوف تقديره: اجترأ على خطابنا، أو قال: كيت وكيت، ثم استأنف * (يجادلنا في قوم لوط) * وقيل: إن * (يجادلنا) * جواب " لما "، وإنما جئ به ms0535 مضارعا لحكاية الحال (4)، وقيل: إن " لما " يرد المضارع إلى معنى الماضي، كما أن " إن " ترد الماضي إلى معنى الاستقبال (5)، # PageV02P181 # وقيل: معناه: أخذ يجادلنا، أو أقبل يجادلنا (1)، أي: يجادل رسلنا * (في قوم لوط) * أي: في معناهم، ومجادلته إياهم أنه قال لهم: إن كان فيها خمسون من المؤمنين أتهلكونهم؟ قالوا: لا، قال: فأربعون؟ قالوا: لا، فما زال ينقص حتى قال: # فواحد؟ قالوا: لا، ف‍ * (قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله) * (2). # * (إن إبراهيم لحليم) * غير عجول على من أساء إليه * (أوا ه) * كثير الدعاء * (منيب) * راجع إلى الله بما يحب ويرضى، وفيه بيان: أن هذه الصفات مما حمله (3) على المجادلة فيهم، رجاء أن يرفع العذاب عنهم. # * (يا إبراهيم) * على إرادة القول، أي: قالت له الملائكة: * (أعرض عن هذا) * الجدال وإن كانت الرحمة دأبك، فلا فائدة فيه * (إنه قد جاء أمر ربك) * أي: قضاؤه وحكمه الذي لا يصدر إلا عن حكمة، والعذاب نازل بهم لا محالة لا مرد له بجدال ولا غيره. # * (ولما جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب (77) وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يقوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد (78) قالوا لقد علمت مالنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد (79) قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد (80) قالوا يلوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب (81) فلما جاء أمرنا جعلنا عليها # PageV02P182 # سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود (82) مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد (83)) * يعني: ساء * (لوطا) * مجئ الرسل * (وضاق) * بمجيئهم ذرعه، وذلك لأنه حسب أنهم آدميون ورأى حسن صورتهم وجمال جملتهم، فخاف عليهم خبث قومه وسوء سيرتهم، و * (يوم عصيب) * وعصبصب: شديد، من عصبه: إذا شده. # وروي (1): أن لوطا ms0536 قد تقدمهم وهم يمشون خلفه إلى المنزل، فقال في نفسه: # أي شئ صنعت؟ آتي بهم قومي وأنا أعرفهم؟! فالتفت إليهم وقال: إنكم لتأتون شرار خلق الله، وكان الله سبحانه قال لجبرئيل: لا تهلكهم حتى يشهد (2) عليهم ثلاث شهادات، فقال جبرئيل: هذه واحدة، ثم مشى لوط، ثم التفت إليهم ثانيا وقال ذلك، ثم التفت ثالثة عند باب المدينة وقال ذلك، فقال جبرئيل: هذه الثلاثة، فدخلوا معه منزله ولم يعلم بذلك أحد، فصعدت امرأته فوق السطح فصفقت، فلم يسمعوا، فدخنت، فلما رأوا الدخان أقبلوا * (يهرعون إليه) * أي: يسرعون كما (3) يدفعون دفعا * (ومن قبل) * ذلك الوقت * (كانوا يعملون) * الفواحش فضروا (4) بها ومرنوا عليها * (قال) * لوط * (هؤلاء بناتي) * فتزوجوهن، وكان تزويج المسلمات من الكفار جائزا، كما زوج رسول الله (صلى الله عليه وآله) ابنتيه من عتبة بن أبي لهب وأبي العاص بن الربيع قبل أن يسلما وهما كافران، وقيل: كان لهم سيدان مطاعان فأراد أن يزوجهما ابنتيه (5) * (هن أطهر لكم) * أي: أحل لكم من الرجال * (فاتقوا الله) * # PageV02P183 # في مواقعة الذكور * (ولا تخزون) * أي: لا تفضحون، من الخزي، أو: لا تخجلون، من الخزاية وهي الحياء * (في ضيفي) * في حق أضيافي (1)، فإنه إذا خزي ضيف الرجل أو جاره فقد خزي الرجل، وذلك من الكرم * (أليس منكم رجل رشيد) * رجل واحد يهتدي إلى سبيل الرشد في الكف عن القبيح. * (قالوا لقد علمت مالنا في بناتك من حق) * لأنا لا نتزوجهن، أو مالنا فيهن من حاجة لأنا نرغب عن نكاح الإناث * (وإنك لتعلم ما نريد) * عنوا إتيان الذكور. # وجواب * (لو) * محذوف، يعني: * (لو أن لي بكم قوة) * لفعلت بكم وصنعت، أي: لو قويت عليكم بنفسي * (أو) * أويت * (إلى) * قوي أمتنع به منكم لدفعتكم عن أضيافي، فشبه القوي العزيز بالركن من الجبل في شدته ومنعته، ولذلك قال جبرئيل: إن ركنك لشديد، افتح الباب ودعنا وإياهم، ففتح الباب ودخلوا، فضرب جبرئيل بجناحه وجوههم وطمس أعينهم فأعماهم. # قالت الملائكة: * (إنا رسل ربك) * أرسلنا لهلاكهم فلا تغتم * (لن يصلوا إليك) * بسوء أبدا ms0537 * (فأسر بأهلك) * قرئ بالقطع والوصل (2)، أي: سر بأهلك ليلا، والقطع: # القطعة العظيمة من الليل، كأنما قطع بنصفين * (ولا يلتفت منكم أحد) * أي: ولا يتخلف منكم أحد، أو لا ينظر أحد منكم وراءه (3)، والأول أوجه * (إلا امرأتك) * قرئ بالنصب والرفع (4)، وروي: أنه قال: متى موعد إهلاكهم؟ قالوا: * (الصبح) * فقال: أريد أسرع من ذلك، لضيق صدره بهم، فقالوا: * (أليس الصبح بقريب) * (5). # PageV02P184 # * (جعلنا عليها سافلها) * جعل جبرئيل جناحه في أسفلها ثم رفعها إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب وصياح الديكة، ثم قلبها عليهم، وأتبعوا الحجارة من فوقهم * (من سجيل) * هي كلمة معربة من: سنك كل، بدليل قوله: # * (حجارة من طين) * (1)، * (منضود) * نضد في السماء نضدا معدا للعذاب، وقيل: # أرسل بعضه في أثر بعض متتابعا (2). * (مسومة) * معلمة للعذاب * (وما هي من) * كل ظالم * (ببعيد) *، وفيه وعيد لكفار قريش. # * (وإلى مدين أخاهم شعيبا قال يقوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط (84) ويقوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين (85) بقيت الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ (86) قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لانت الحليم الرشيد (87) قال يقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربى ورزقني منه رزقا حسنا وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الأصلح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب (88) ويقوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صلح وما قوم لوط منكم ببعيد (89) واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربى رحيم ودود (90)) * * (إني أراكم بخير) * أي: برخص من السعر وثروة وسعة (3) تغنيكم عن # PageV02P185 # التطفيف، أو: أراكم بخير ونعمة من الله فلا تزيلوه عنكم بما أنتم عليه * (يوم محيط) * مهلك من قوله: * (وأحيط بثمره) * (1)، وأصله من إحاطة العدو، وصف " اليوم ms0538 " به لأن الزمان يشتمل على ما يحدث فيه. والبخس: النقص والهضم. # * (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) * نهي عن السرقة والغارة وقطع السبيل. # * (بقيت الله) * ما يبقي لكم من الحلال بعد التنزه عما هو حرام عليكم * (خير لكم إن كنتم مؤمنين) * أي: بشرط الإيمان لظهور فائدتها مع الإيمان من حصول الثواب مع النجاة من العقاب، أو يريد: إن كنتم مصدقين لي في نصيحتي لكم * (وما أنا عليكم بحفيظ) * أحفظ أعمالكم (2) وأجازيكم عليها، إنما أنا نذير ناصح لكم. # كان شعيب كثير الصلوات فقصدوا بقولهم: * (أصلاتك تأمرك) * الهزء، والمعنى: أصلواتك التي تداوم عليها تأمرك بتكليف * (أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن) * نترك فعل * (ما نشاء) * في أموالنا؟ فحذف المضاف، لأن الإنسان لا يؤمر بفعل غيره، وقرئ: * (أصلوا تك) * على التوحيد (3)، * (إنك لانت الحليم الرشيد) * أرادوا بذلك نسبته إلى غاية السفه والغي، فعكسوا ليتهكموا به. # * (ورزقني منه) * أي: من لدنه * (رزقا حسنا) * وهو ما رزقه من النبوة والحكمة، وقيل: أراد رزقا حلالا طيبا من غير بخس (4)، وجواب * (أرأيتم) * محذوف، والمعنى: أخبروني * (إن كنت على) * حجة واضحة ويقين * (من ربى) * وكنت نبيا على الحقيقة: أيصح لي أن لا آمركم بترك عبادة الأوثان والكف عن القبائح والأنبياء لا يبعثون إلا لذلك؟! * (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه) * # PageV02P186 # معناه: وما أريد أن أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها لأستبد بها دونكم * (إن أريد) * أي: ما أريد * (إلا الأصلح) * وهو أن أصلحكم بموعظتي ونصيحتي * (ما استطعت) * ظرف، أي: مدة استطاعتي للإصلاح وما دمت متمكنا منه، أو بدل من * (الأصلح) * أي: المقدار الذي استطعت منه، ويجوز أن يكون مفعولا * (الأصلح) * كقوله: # ضعيف النكاية أعداءه (1) أي: ما أريد إلا أن أصلح ما استطعت إصلاحه من فاسدكم * (وما توفيقي إلا بالله) * وما كوني موفقا لإصابة الحق فيما آتي وأذر إلا بمعونته وتوفيقه، والمعنى: # أنه استوفق ربه في إمضاء أمره على رضاء الله، وطلب منه التأييد والنصر على عدوه، وفي ضمنه تهديد للكفار وحسم لأطماعهم منه. # * (لا يجرمنكم) * لا ms0539 يكسبنكم * (شقاقي) * أي: خلافي وعداوتي إصابة العذاب * (وما قوم لوط منكم ببعيد) * يعني: أنهم أهلكوا في عهد قريب من عهدكم فهم أقرب الهالكين منكم. * (رحيم ودود) * عظيم الرحمة متودد إلى عباده بكثرة الإنعام عليهم، مريد لمنافعهم. # * (قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز (91) قال يقوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا إن ربى بما تعملون محيط (92) ويقوم اعملوا على مكانتكم إني عمل سوف تعلمون من # PageV02P187 # يأتيه عذاب يخزيه ومن هو كذب وارتقبوا إني معكم رقيب (93) ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديرهم جاثمين (94) كأن لم يغنوا فيها ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود (95)) * * (ما نفقه) * أي: ما نفهم * (كثيرا مما تقول) * وكانوا يفهمونه ولكنهم لم يقبلوه، فكأنهم لم يفقهوه * (وإنا لنراك فينا ضعيفا) * لا قوة لك ولا عز فيما بيننا فلا تقدر على الامتناع منا إن أردنا بك مكروها * (ولولا رهطك لرجمناك) * أي: قتلناك شر قتلة، والرهط: من الثلاثة إلى العشرة * (وما أنت علينا بعزيز) * فندع قتلك لعزتك علينا، ولكن لم نقتلك لأجل قومك، والمراد: ما أنت بعزيز علينا بل رهطك هم الأعزة علينا، ولذلك قال في جوابهم: * (أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا) * ونسيتموه وجعلتموه كالشئ المنبوذ وراء الظهر لا يعبأ به، والظهري منسوب إلى الظهر، والكسر من تغييرات النسب * (إن ربى بما تعملون محيط) * قد أحاط بأعمالكم علما، فلا يخفي عليه شئ منها. # * (اعملوا على مكانتكم) * المكانة: إما مصدر من مكن مكانة فهو مكين، أو اسم المكان، يقال: مكان ومكانة، والمعنى: اعملوا قارين على مكانكم الذي أنتم عليه من الشرك والعداوة لي، أو اعملوا متمكنين من عداوتي مطيقين (1) لها * (إني عمل) * على حسب ما يؤتيني الله من النصرة والتأييد ويمكنني * (سوف تعلمون من يأتيه) * يجوز أن يكون * (من) * استفهامية معلقة لفعل (2) العلم عن عمله فيها، كأنه قال: سوف تعلمون أينا يأتيه * (عذاب ms0540 يخزيه و) * أينا * (هو كذب) *، ويجوز أن تكون موصولة، والمعنى: سوف تعلمون الشقي الذي يأتيه # PageV02P188 # عذاب يخزيه والذي هو كاذب * (وارتقبوا) * وانتظروا العاقبة * (إني معكم رقيب) * منتظر، والرقيب بمعنى الراقب أو بمعنى المراقب أو بمعنى المرتقب، الجاثم: اللازم لمكانه لا يريم (1). روي: أن جبرئيل صاح بهم صيحة فزهق روح كل واحد منهم حيث هو (2). * (كأن لم يغنوا) * كأن لم يقيموا * (في ديرهم) * أحياء متصرفين مترددين. # * (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطن مبين (96) إلى فرعون وملأه فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد (97) يقدم قومه يوم القيمة فأوردهم النار وبئس الورد المورود (98) وأتبعوا في هذه لعنة ويوم القيمة بئس الرفد المرفود (99) ذلك من أنباء القرى نقصه عليك منها قائم وحصيد (100) وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شئ لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب (101) وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظلمة إن أخذه أليم شديد (102) إن في ذلك لاية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود (103) وما نؤخره إلا لأجل معدود (104) يوم يأت لاتكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقى وسعيد (105)) * * (بآياتنا) * أي: بحججنا ومعجزاتنا * (وسلطن مبين) * وحجة ظاهرة مخلصة من التلبيس والتمويه. * (وما أمر فرعون برشيد) * أي: ما في أمره رشد، إنما هو غي وضلال. * (يقدم قومه يوم القيمة) * يتقدمهم إلى النار وهم يتبعونه كما كان لهم # PageV02P189 # قدوة في الضلال. # ويجوز أن يريد بقوله: * (وما أمر فرعون برشيد) * وما أمره بصالح العاقبة حميدها، ويكون قوله: * (يقدم قومه) * تفسيرا لذلك وإيضاحا * (فأوردهم النار) * أتي بلفظ الماضي لأن الماضي يدل على أمر موجود مقطوع به، والمراد: يقدمهم فيوردهم النار لا محالة * (وبئس الورد) * الذي يردونه: النار، لأن الورد إنما يراد لتسكين العطش وتبريد الأكباد والنار ضده، والورد: الماء الذي يورد، والإبل الواردة أيضا. # * (وأتبعوا في هذه) * أي: في الدنيا * (لعنة و) * يلعنون * (يوم القيمة بئس الرفد المرفود) * رفدهم، أي: بئس العون المعان، وذلك أن اللعنة في الدنيا رفد ms0541 للعذاب ومدد له وقد رفدت باللعنة في الآخرة، وقيل: بئس العطاء المعطى (1). # * (ذلك من أنباء القرى) * أي: ذلك النبأ بعض أنباء القرى المهلكة * (نقصه عليك) * خبر بعد خبر * (منها) * الضمير ل‍ * (القرى) * أي: بعضها * (قائم) * أي: باق وبعضها عافي الأثر، كالزرع القائم على ساقه والمحصود، وهذه جملة مستأنفة لا محل لها. # * (وما ظلمناهم) * بإهلاكنا * (ولكن ظلموا أنفسهم) * بارتكاب ما به أهلكوا * (فما أغنت عنهم آلهتهم) * فما قدرت أن ترد عنهم بأس الله * (التي يدعون) * أي: # يعبدونها، وهي حكاية حال ماضية * (لما جاء أمر ربك) * أي: عذابه ونقمته، و * (لما) * منصوب ب‍ * (ما أغنت) *، والتتبيب: التخسير، ومنه تببه: أوقعه في الخسران. # * (وكذلك) * الكاف مرفوع المحل، أي: ومثل ذلك الأخذ * (أخذ ربك... # القرى) *، * (وهي ظلمة) * حال من * (القرى) *، * (أليم شديد) * وجيع صعب على # PageV02P190 # المأخوذ، حذر سبحانه من وخامة عاقبة الظلم لكل أهل قرية ظالمة، بل لكل ظالم ظلم غيره أو نفسه. # * (إن في ذلك) * إشارة إلى ما قص الله من قصص الأمم الهالكة بذنوبها * (لاية) * لعبرة * (لمن خاف) * لأنه ينظر إلى ما أحل الله بالمجرمين في الدنيا، وهو أنموذج لما أعده لهم في الآخرة، فإذا رأى عظمه وشدته اعتبر به عظم العذاب الموعود في الآخرة فيكون له لطفا في زيادة الخشية، ونحوه: * (إن في ذلك لعبرة ذلك لمن يخشى) * (1)، * (ذلك) * إشارة إلى يوم القيامة يدل عليه قوله: * (عذاب الآخرة) *، و * (الناس) * رفع باسم المفعول الذي هو * (مجموع) * كما يرفع بفعله إذا قلت: يجمع له الناس، أي: * (ذلك يوم) * موصوف بأن يكون موعدا لجمع الناس له صفة لازمة * (ذلك يوم مشهود) * أي: مشهود فيه، يشهد فيه الخلائق الموقف لا يغيب عنه أحد، قال الشاعر: # في محفل من نواصي الناس مشهود (2) الأجل يطلق على مدة التأجيل وعلى منتهاها، فيقولون: انتهى الأجل، وبلغ الأجل آخره، ويقولون: حل الأجل، * (فإذا جاء أجلهم) * (3) يراد آخر مدة التأجيل، والعد إنما هو للمدة لا لغايتها ومنتهاها، فالمعنى: ما يؤخره (4) إلا لانتهاء مدة معدودة فحذف المضاف. # وقرئ: * (يوم يأت) * بغير ms0542 ياء، ونحوه قولهم: " لا أدر " بحذف الياء للاجتزاء # PageV02P191 # بالكسرة عنها، وفاعل * (يأت) *: الله عز وجل، لقوله: * (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله) * (1)، * (وجاء ربك) * (2)، ويدل عليه قراءة من قرأ: " وما يؤخره " بالياء (3) وقوله: * (بإذنه) *، ويجوز أن يكون الفاعل ضميرا ل‍ * (يوم) * (4) كقوله: * (هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم) * (5)، وانتصب الظرف ب‍ * (لاتكلم) * أي: لا تتكلم، والمراد بإتيان اليوم: إتيان هوله وشدائده * (فمنهم) * الضمير لأهل الموقف، ولم يذكروا، لأن ذلك معلوم. # * (فأما الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق (106) خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد (107) وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ (108) فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل وإنا لموفوهم نصيبهم غير منقوص (109) ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضى بينهم وإنهم لفي شك منه مريب (110)) * الزفير: إخراج النفس، والشهيق: رده (6) قال الشماخ (7): # PageV02P192 # بعيد مدى التطريب أول صوته * زفير ويتلوه شهيق محشرج (1) * (ما دامت السماوات والأرض) * يعني: المبدلتين، أي: ما دامت سماوات الآخرة وأرضها وهي مخلوقة للأبد، وكل ما علاك وأظلك فهو سماء، ولابد لأهل الآخرة مما يظلهم ويقلهم، وقيل: إن ذلك عبارة عن التأبيد (2) كقول العرب: # " ما لاح كوكب وما أقام ثبير ورضوى "، وغير ذلك من كلمات التأبيد * (إلا ما شاء ربك) * هو استثناء من الخلود في عذاب النار ومن الخلود في نعيم الجنة، وذلك أن أهل النار لا يعذبون بالنار وحدها، بل يعذبون بأنواع من العذاب، وبما هو أغلظ من الجميع وهو سخط الله عليهم وإهانته إياهم، وكذلك أهل الجنة لهم سوى الجنة مما هو أكبر منها وهو رضوان الله وإكرامه وتبجيله، فهو المراد بالاستثناء، وقيل: # المراد بالاستثناء من * (الذين شقوا) * وخلودهم: من شاء الله أن يخرجه من النار بتوحيده وإيمانه لإيصال الثواب الذي استحقوه بطاعتهم إليهم (3)، ويكون " ما " بمعنى " من "، كما يروى عن ms0543 العرب: " سبحان ما سبحت له " يقولونه عند سماع الرعد، وكقوله: * (سبح لله ما في السماوات وما في الأرض) * (4)، والمراد بالاستثناء من * (الذين سعدوا) * وخلودهم في الجنة أيضا: هؤلاء الذين ينقلون إلى الجنة من النار، والمعنى: * (خالدين فيها... إلا ما شاء ربك) * من الوقت الذي أدخلهم فيه النار قبل أن ينقلهم إلى الجنة، ف‍ * (ما) * هاهنا على بابه والاستثناء # PageV02P193 # من الزمان، والاستثناء في الأول من الأعيان. # وعن قتادة: الله أعلم بثنياه (1)، ذكر لنا أن ناسا يصيبهم سفع (2) من النار بذنوبهم ثم يتفضل الله عليهم فيدخلهم الجنة، يسمون الجهنميين، وهم الذين أنفذ فيهم الوعيد ثم أخرجوا بالشفاعة (3). # وقرئ: * (سعدوا) * بضم السين، ويكون على هذا أسعده الله فهو مسعود، وسعد الرجل فهو سعيد، ونحوه: حزن الرجل وحزنته * (عطاء غير مجذوذ) * أي: # غير مقطوع، ولكنه ممتد إلى غير نهاية. # ولما قص قصص الكفار وماحل بهم من نقمة الله سبحانه قال: * (فلا تك في مرية مما يعبد هؤلاء) * أي: فلا تشك بعد ما أنزل عليك من هذه القصص في سوء عاقبة عبادتهم للأوثان، وتعرضهم بها لما أصاب أمثالهم قبلهم، تسلية لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، ووعدا له بالانتقام منهم ووعيدا لهم * (ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل) * أي: حالهم في الشرك مثل حال آبائهم من غير تفاوت بين الحالتين، فسينزل بهم مثل ما نزل بآبائهم، وهو استئناف معناه: تعليل النهي عن المرية * (وإنا لموفوهم نصيبهم) * أي: حظهم من العذاب كما وفينا آباءهم أنصباءهم. # * (فاختلف فيه) * أي: آمن به قوم وكفر به قوم، كما اختلف في القرآن * (ولولا كلمة) * يعني: كلمة الإنظار إلى يوم القيامة * (لقضى) * بين قوم موسى أو بين قومك، وهذا من جملة التسلية أيضا. # * (وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعملهم إنه بما يعملون خبير (111) # PageV02P194 # فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير (112) ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ومالكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون (113)) * * (وإن كلا) * التنوين عوض عن المضاف إليه، يعني: ms0544 وإن كلهم أي: جميع المختلفين فيه * (ليوفينهم) * جواب قسم محذوف، واللام في * (لما) * موطئة للقسم و " ما " مزيدة، والمعنى: وإن جميعهم والله ليوفينهم * (ربك أعملهم) * من حسن وقبيح وإيمان وكفر، وقرئ: " وإن كلا " بالتخفيف (1) على إعمال المخففة عمل الثقيلة اعتبارا لأصلها الذي هو الثقيل، وقرئ: * (لما) * بالتشديد مع * (إن) * الثقيلة والخفيفة، وكلاهما مشكل عند النحويين، إذ ليس يجوز أن يراد ب‍ * (لما) * معنى الحين، ولا معنى " إلا " كالتي في قولهم: نشدتك الله لما فعلت وإلا فعلت، ولا معنى " لم "، وأحسن ما يصرف إليه أن يقال: إنه أراد " لما " من قوله: * (أكلا لما) * (2)، ثم وقف فقال: * (لما) *، ثم أجرى الوصل مجرى الوقف، ويكون المعنى: وإن كلا ملمومين يعني: مجموعين، كأنه قال: وإن كلا جميعا، كقوله: * (فسجد الملائكة كلهم أجمعون) * (3)، ويجوز أن يكون * (لما) * مصدرا على زنة فعلى، مثل: # الدعوى والشروى. # * (فاستقم كما أمرت) * أي: فاستقم استقامة مثل الاستقامة التي أمرت بها على جادة الحق غير عادل عنها * (ومن تاب معك) * عطف على الضمير المستكن في " استقم "، وجاز ذلك من غير تأكيد بالضمير المنفصل لأن الفاصل قام (4) مقامه، # PageV02P195 # والمعنى: فاستقم أنت وليستقم من تاب عن الكفر وآمن معك * (ولا تطغوا) * ولا تخرجوا عن حدود الله * (إنه بما تعملون بصير) * عالم فهو مجازيكم به. # وعن الصادق (عليه السلام): " * (فاستقم كما أمرت) * أي: افتقر إلى الله بصحة العزم " (1). # وعن ابن عباس: ما نزلت آية كانت أشق على رسول الله (صلى الله عليه وآله) من هذه الآية (2)، ولهذا قال: " شيبتني هود والواقعة وأخواتها " (3). # * (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا) * ولا تميلوا إلى الذين وجد منهم الظلم، والنهي متناول للدخول معهم في ظلمهم، وإظهار الرضا بفعلهم ومصاحبتهم ومصادقتهم ومداهنتهم، وعن الحسن: جعل الله الدين بين لاءين: * (لا تطغوا) * و * (لا تركنوا) * (4). # وفي الحديث: " من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه " (5). # * (ومالكم من دون الله من أولياء) * حال من قوله: * (فتمسكم النار) * أي: # فتمسكم النار وأنتم على هذه الحال، ومعناه: ومالكم من أنصار يقدرون ms0545 على منعكم من عذابه غيره * (ثم) * لا ينصركم هو. # * (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين (114) واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (115) فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا # PageV02P196 # ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين (116)) * * (طرفي النهار) * غدوة وعشية * (وزلفا من الليل) * وساعات من الليل، وهي ساعته (1) القريبة من آخر النهار، من أزلفه: إذا قربه، وصلاة الغدوة: صلاة الفجر، وصلاة العشية: المغرب، وصلاة الزلف: العشاء الآخرة، وترك ذكر الظهر والعصر، لأنهما مذكوران على التبع للطرف الأخير لأنهما بعد الزوال، وقد قال سبحانه: # * (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل) * (2)، والدلوك: الزوال، وقرئ: # " وزلفا " بضمتين (3) * (إن الحسنات يذهبن السيئات) * قيل: معناه: إن الصلوات الخمس تكفر ما بينها من الذنوب (4)، لأن * (الحسنات) * معرفة باللام، وقد تقدم ذكر الصلوات. # وعن علي (عليه السلام): " أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: أرجى آية في كتاب الله هذه الآية " (5). # وقيل: * (إن الحسنات) * يكن لطفا في ترك * (السيئات) * (6)، * (ذلك) * إشارة إلى قوله: * (فاستقم) * وما بعده * (ذكرى للذاكرين) *: عظة للمتعظين. # * (واصبر) * على الامتثال بما أمرت به، والانتهاء عما نهيت عنه * (فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) *. وهذه الآيات اشتملت على الاستقامة، وإقامة الصلوات، والانتهاء عن الطغيان والركون إلى الظلمة، وغير ذلك من الطاعات. # * (فلولا كان) * أي: فهلا كان * (من القرون من قبلكم أولوا بقية) * أي: أولو # PageV02P197 # فضل وخير، وسمي الفضل والجودة بقية، لأن الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله، فصار مثلا في الجودة والفضل، ويقال: فلان من بقية القوم أي: من خيارهم، وقد تكون البقية بمعنى: البقوى، وعلى ذلك فيكون معناه: فهلا كان منهم ذوو بقاء على أنفسهم، وصيانة لها من سخط الله وعقابه * (إلا قليلا) * استثناء منقطع معناه: ولكن قليلا * (ممن أنجينا منهم) *، و " من " للبيان * (واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه) * أراد ب‍ * (الذين ظلموا) * تاركي النهي عن المنكرات، أي: اتبعوا ما عودوا من ms0546 التنعم وطلب أسباب العيش الهنئ، ورفضوا ما وراء ذلك. # * (وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون (117) ولو شاء ربك لجعل الناس أمة وا حدة ولا يزالون مختلفين (118) إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين (119) وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين (120) وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون (121) وانتظروا إنا منتظرون (122) ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الامر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغفل عما تعملون (123)) * * (كان) * بمعنى: صح واستقام، واللام لتأكيد النفي، و * (بظلم) * حال عن الفاعل، والمعنى: استحال في الحكمة أن يهلك الله * (القرى) * ظالما * (وأهلها) * قوم * (مصلحون) * تنزيها لذاته عن الظلم، وإيذانا بأن إهلاك المصلحين ظلم (1)، وقيل: الظلم: الشرك (2)، أي: لا يهلك القرى بسبب شرك أهلها وهم مصلحون # PageV02P198 # يتعاطون الحق فيما بينهم، ولا يضمون إلى ظلمهم فسادا آخر. # * (ولو شاء ربك) * لاضطر * (الناس) * إلى أن يكونوا أهل * (أمة وا حدة) * أي: # ملة واحدة وهي ملة الإسلام، ولكنه مكنهم من الاختيار ليستحقوا الثواب، فاختار بعضهم الحق وبعضهم الباطل فاختلفوا * (ولا يزالون مختلفين إلا) * ناسا هداهم الله ولطف بهم، فاتفقوا على دين الحق غير مختلفين فيه * (ولذلك) *: " ذلك " إشارة إلى ما دل عليه الكلام الأول، يعني: ولذلك من التمكين والاختيار الذي كان عنه الاختلاف * (خلقهم) * ليثيب الذي يختار الحق بحسن اختياره * (وتمت كلمة ربك) * وهي قوله للملائكة: * (لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين) *. # * (وكلا) * أي: وكل نبأ * (نقص عليك) *، و * (من أنباء الرسل) * بيان ل‍ * (كلا) *، و * (ما نثبت به فؤادك) * بدل من * (كلا) *، ويجوز أن يكون المعنى: وكل اقتصاص نقص، على معنى: وكل نوع من أنواع الاقتصاص نقص عليك على الأساليب المختلفة، و * (ما نثبت) * مفعول * (نقص) *، ومعنى تثبيت فؤاده: زيادة يقينه وطمأنينة قلبه، لأن تكاثر الأدلة أثبت للقلب * (وجاءك في هذه) * السورة، أو في هذه الأنباء المقصوصة فيها ما هو حق * (وموعظة) * وتذكير. # * (اعملوا على ms0547 مكانتكم) * على حالكم التي أنتم عليها * (إنا عاملون) *. # * (وانتظروا) * بنا الدوائر * (إنا منتظرون) * أن ينزل بكم نحو ما قص الله من النقم النازلة بأمثالكم. # * (ولله غيب السماوات والأرض) * لا يخفي عليه خافية، فلا يخفي عليه أعمالكم * (وإليه يرجع الامر كله) * فينتقم لك منهم * (فاعبده وتوكل عليه) * فإنه ينصرك ويكفيك أمرهم. PageV02P199 # بسم الله الرحمن الرحيم سورة يوسف مكية، وهي مائة وإحدى عشرة آية بالإجماع (1). # في حديث أبي: " علموا أرقاءكم سورة يوسف (عليه السلام)، فأيما مسلم تلاها وعلمها أهله وما ملكت يمينه هون الله عليه سكرات الموت، وأعطاه القوة أن لا يحسد مسلما " (2). # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأها في كل ليلة بعثه الله يوم القيامة وجماله مثل جمال يوسف (عليه السلام)، ولا يصيبه فزع، وكان من خيار عباد الله الصالحين " (3). # * (الر تلك آيات الكتاب المبين (1) إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم # PageV02P201 # تعقلون (2) نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين (3) إذ قال يوسف لأبيه يأبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين (4) قال يبنى لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للانسان عدو مبين (5)) * * (الكتاب المبين) * الظاهر أمره في الإعجاز، أو المبين أنه من عند الله لا من عند البشر، أو المبين الواضح الذي لا تشتبه معانيه على العرب لنزوله بلسانهم. # * (قرآنا عربيا) * حال * (لعلكم تعقلون) * إرادة أن تفهموه وتحيطوا بمعانيه، * (ولو جعلنه قرآنا أعجميا) * (1) لالتبس عليكم. # و * (القصص) * يكون مصدرا، أو يكون بمعنى المقصوص، كالنقص والحسب، فإن أريد المصدر فالمعنى: نحن نقص عليك أحسن الاقتصاص * (بما أوحينا إليك) * أي: بإيحائنا إليك هذه السورة، فيكون * (أحسن) * نصبا على المصدر لإضافته إلى المصدر، والمراد بأحسن الاقتصاص: أنه اقتص على أبدع أسلوب وأحسن طريقة وأعجب نظم، وإن أريد ب‍ * (القصص) * المقصوص فالمعنى: نحن نقص عليك أحسن ما يقص من الأحاديث في بابه لما يتضمن من النكت والحكم والعبر التي ليست في غيرها * (وإن كنت) *: * (إن) * مخففة من الثقيلة (2)، والضمير في ms0548 * (قبله) * يعود إلى * (ما أوحينا) * أي: الحديث وإن كنت من قبل إيحائنا إليك من * (الغافلين) * عنه: ما كان لك به علم قط. # * (إذ قال يوسف) * بدل من * (أحسن القصص) * وهو من بدل الاشتمال، لأن # PageV02P202 # الوقت مشتمل على ما يقص فيه * (يا أبت) * قرئ بكسر التاء وفتحها (1)، وهي تاء التأنيث جعلت عوضا من ياء الإضافة، وإنما صح أن يكون عوضا منها لأن التأنيث والإضافة يتناسبان في أن كل واحد منهما زيادة مضمومة إلى الاسم في آخره، ومن فتح حذف الألف من " يا أبتا " وأبقى الفتحة دليلا عليها * (إني رأيت) * من الرؤيا، وعن ابن عباس: أن يوسف رأى في المنام ليلة القدر أحد عشر كوكبا نزلن من السماء فسجدن له، ورأى الشمس والقمر نزلا من السماء فسجدا له، فالشمس والقمر أبواه والكواكب إخوته الأحد عشر (2)، وقيل: الشمس أبوه والقمر خالته (3)، وذلك أن أمه " راحيل " قد ماتت، ويجوز أن يكون الواو في * (والشمس والقمر) * بمعنى " مع " أي: رأيت الكواكب مع الشمس والقمر، و * (رأيتهم) * كلام مستأنف على تقدير سؤال وقع جوابا له، كأنه قال له يعقوب: # كيف رأيتها؟ فقال: * (رأيتهم لي ساجدين) *. # * (قال) * يعقوب: * (لا تقصص رؤياك على إخوتك) * خاف عليه حسد إخوته له وبغيهم عليه، لما عرف من دلالة رؤياه على أن الله يبلغه من شرف الدارين أمرا عظيما * (فيكيدوا) * منصوب بإضمار " أن "، والمعنى: إن قصصتها عليهم كادوك، ضمن قوله: " يكيدوا " معنى " يحتالوا " فعداه باللام ليفيد معنى الفعلين، ثم أكده بالمصدر فقال: * (كيدا) *، * (عدو مبين) * ظاهر العداوة. # * (وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما أتمها على أبويك من قبل إبراهيم وإسحق إن ربك عليم حكيم (6) لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين (7) # PageV02P203 # إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلل مبين (8) اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين (9)) * الاجتباء: الاصطفاء، و * (الأحاديث) * الرؤى جمع الرؤيا، لأن الرؤيا: إما حديث نفس أو حديث ms0549 ملك أو حديث شيطان، وتأويلها: عبارتها وتفسيرها، وكان يوسف (عليه السلام) أعبر الناس للرؤيا وأصحهم عبارة لها، وقيل: هو معاني كتب الله تعالى وسنن الأنبياء وما غمض على الناس من مقاصدها، يفسرها لهم ويشرحها (1)، وهي اسم جمع للحديث، ومعنى إتمام النعمة: أنه وصل نعمة الدنيا لهم بنعمة الآخرة فجعلهم أنبياء وملوكا ثم نقلهم إلى نعيم الآخرة والدرجات العلى من الجنة، و * (آل يعقوب) * أهله ونسله، وأصل " آل ": أهل، بدليل أن تصغيره " أهيل " إلا أنه لا يستعمل إلا فيمن له خطر فيقال: آل النبي وآل الملك، و * (إبراهيم) * عطف بيان ل‍ * (أبويك) *، * (إن ربك عليم) * بموضع الاجتباء * (حكيم) * في إتمام الإنعام على من يستحقه. # * (في يوسف وإخوته) * في قصتهم وحديثهم * (آيات) * أي: علامات ودلائل على حكمته، أو عبر وأعاجيب * (للسائلين) * عن قصتهم، أو آيات على نبوة محمد (صلى الله عليه وآله) * (للسائلين) * للذين سألوه: من اليهود عنها فأخبرهم بالصحة (2) من غير سماع ولا قراءة كتاب، فقد روي: أنهم قالوا لكبراء المشركين: سلوا محمدا: # لم انتقل آل يعقوب من الشام إلى مصر؟ وعن قصة يوسف (3)، وقرئ: " آية " (4). # PageV02P204 # * (ليوسف) * لام الابتداء، وفيها تأكيد وتحقيق لمضمون الجملة، أرادوا: # أن زيادة محبته ليوسف وأخيه بنيامين أمر ثابت لا شبهة فيه، وإنما قالوا: * (أخوه) * لأن أمهما كانت واحدة * (ونحن عصبة) * حال، والمراد: أنه يفضلهما في المحبة علينا وهما ابنان صغيران لا كفاية فيهما، ونحن جماعة: عشرة رجال كفاة نقوم بمرافقه * (إن أبانا لفي) * ذهاب عن طريق الحق والثواب، والعصبة والعصابة: # العشرة فصاعدا، سموا بذلك لأنهم تعصب بهم الأمور. # * (اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا) * مجهولة بعيدة من العمران، هذا هو المعنى في تنكيرها وإخلائها من الوصف، ولإبهامها من هذا الوجه نصب نصب الظروف المبهمة * (يخل لكم وجه أبيكم) * يقبل عليكم إقبالة واحدة ولا يلتفت عنكم إلى غيركم، وقيل: * (يخل لكم) * يفرغ لكم من الشغل بيوسف (1)، * (وتكونوا من) * بعد يوسف، أي: بعد قتله أو تغريبه * (قوما صالحين) * تائبين إلى الله مما جنيتم عليه، أو تصلح دنياكم وتنتظم أموركم ms0550 (2). # * (قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيبت الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فعلين (10) قالوا يأبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون (11) أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون (12) قال إني ليحزنني أن تذهبوا به وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غفلون (13) قالوا لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون (14)) * القائل: يهودا، وكان أحسن إخوته رأيا فيه، وهو الذي قال: * (فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبى) * (3)، * (قال) * لهم: القتل أمر عظيم * (ألقوه في غيبت # PageV02P205 # الجب) * وهو غوره وما غاب منه عن عين الناظر وأظلم من أسفله، وقرئ: # " غيابات " في الموضعين على الجمع (1)، والجب: البئر التي لم تطو * (يلتقطه) * يأخذه * (بعض السيارة) * وهم الذين يسيرون في الأرض * (إن كنتم فعلين) * أي: # إن كنتم على أن تفعلوا ما يحصل به غرضكم فهذا هو الرأي. # " مالك لا تأمننا " بإظهار النونين (2)، وقرئ: * (لا تأمنا) * بالإدغام بإشمام وغير إشمام (3)، والمعنى: لم تخافنا عليه ونحن نريد له الخير ونحبه، وما فعلنا في أمره ما يدل على خلاف النصيحة؟ # وقرئ: " نرتع ونلعب " بالنون فيهما (4) وبالياء فيهما والجزم، وقرئ: الأول بالنون والثاني بالياء (5)، وأصل الرتعة: الخصب والسعة، والمعنى: ننال ما نحتاج إليه ونتسع في أكل الفواكه وغيرها، وقرئ: " يرتع " بكسر العين " ويلعب " بالياء فيهما (6) وبالنون (7) من ارتعى يرتعي، يقال: رعى وارتعى، مثل: شوى واشتوى، وقد يستقيم أن يقال: " نرتع " وإنما يرتع إبلهم، ونرتع وإنما يرتعي إبلهم (8)، فيكون على حذف المضاف، وأرادوا به اللعب المباح مثل الرمي والاستباق بالأقدام. # * (ليحزنني أن تذهبوا به) * اعتذر إليهم بشيئين: أحدهما: أن مفارقته إياه مما # PageV02P206 # يحزنه لأنه كان لا يصبر عنه ساعة، والآخر: خوفه عليه من عدوة * (الذئب) * إذا غفلوا * (عنه) * برعيهم ولعبهم * (لئن أكله الذئب) * اللام موطئة للقسم، و * (إنا إذا لخاسرون) * جواب القسم وقد سد مسد جواب الشرط، والواو في * (ونحن عصبة) * واو الحال، حلفوا له: لئن كان ما خافه من خطفة الذئب أخاهم من بينهم وحالهم أنهم عشرة رجال، بمثلهم تعصب الأمور وتستكفي ms0551 الخطوب، إنهم إذا لقوم هالكون ضعفا وخورا وعجزا، أو مستحقون أن يهلكوا لأنه لاغناء عندهم، أو مستحقون لأن يدعى عليهم بالخسار والدمار فيقال: خسرهم الله، حين أكل الذئب بعضهم وهم حضور. # * (فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيبت الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون (15) وجاؤوا أباهم عشاء يبكون (16) قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متعنا فأكله الذئب وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين (17) وجاؤوا على قميصه بدم كذب قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون (18)) * * (أن يجعلوه) * مفعول * (أجمعوا) * من أجمع الأمر وأزمعه، جواب " لما " محذوف، والتقدير: فعلوا به ما فعلوا من الأذى، فقد روي: أنهم لما برزوا به إلى البرية أظهروا له العداوة وأخذوا يضربونه، فلما أرادوا إلقاءه في الجب ربطوا يديه ونزعوا قميصه ودلوه في البئر، فلما بلغ نصفها ألقوه وكان في البئر ماء فسقط فيه، ثم آوى إلى صخرة فقام عليها، وكان إبراهيم خليل الرحمن لما ألقي في النار عريانا أتاه جبرئيل بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه، فدفعه إبراهيم إلى إسحاق، وإسحاق إلى يعقوب، وجعله يعقوب في تميمة علقها في عنق يوسف، PageV02P207 # فجاء جبرئيل فأخرجه وألبسه إياه، وهو القميص الذي وجد يعقوب ريحه لما فصلت العير من مصر (1). # * (وأوحينا إليه) * أوحى إليه في الصغر كما أوحى إلى يحيى وعيسى: # * (لتنبئنهم بأمرهم هذا) *، وإنما أوحى إليه ليبشر بما يؤول إليه أمره، والمعنى: # لتتخلصن مما أنت فيه، ولتحدثن إخوتك بما فعلوا بك * (وهم لا يشعرون) * أنك يوسف، لعلو شأنك ولطول عهدهم بك، وقيل: يريد * (وهم لا يشعرون) * بإيحائنا إليه وإزالتنا الوحشة عنه، ويحسبون أنه مستوحش لا أنيس له. # وجاء إخوته * (أباهم عشاء) * آخر النهار، وأظهروا البكاء ليوهموه أنهم صادقون. * (قالوا يا أبانا إنا ذهبنا نستبق) * أي: نتسابق في العدو أو في الرمي، وقيل: في تفسيره: ننتضل (2) (3)، * (وما أنت ب‍) * مصدق * (لنا ولو كنا) * من أهل الصدق عندك لشدة محبتك ليوسف فكيف وأنت سيئ الظن ms0552 بنا غير واثق بقولنا! # * (بدم كذب) * أي: ذي كذب، أو (4) وصف بالمصدر مبالغة، كقول الشاعر: # فهن به جود وأنتم به بخل (5) وروي: أن يعقوب أخذ القميص وألقاه على وجهه وبكى حتى خضب وجهه بدم القميص وقال: تالله ما رأيت كاليوم ذئبا أحلم من هذا، أكل ابني ولم يمزق عليه قميصه (6). # PageV02P208 # * (على قميصه) * محله نصب على الظرف، أي: * (وجاؤوا) * فوق * (قميصه بدم كذب) *، ولا يجوز أن يكون حالا متقدمة، لأن الحال عن المجرور لا يتقدم عليه * (قال بل سولت) * أي: سهلت * (لكم أنفسكم أمرا) * عظيما ارتكبتموه من يوسف وهونته في أعينكم (1)، والسول: الاسترخاء * (فصبر جميل) * أي: فأمري صبر جميل، أو فصبر جميل أمثل، وفي الحديث: " إن الصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه " (2) يعني: إلى الخلق، لقوله: * (إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله) * (3)، * (والله المستعان على) * احتمال * (ما تصفون‍) * - ه من هلاك يوسف. # * (وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام وأسروه بضعة والله عليم بما يعملون (19) وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين (20)) * * (سيارة) * جماعة مارة تسير من قبل مدين إلى مصر، وذلك بعد ثلاثة أيام من إلقاء يوسف في الجب، فأخطأوا الطريق فنزلوا قريبا منه * (فأرسلوا واردهم) * والوارد: الذي يرد ليستقي للقوم، أي: بعثوا رجلا يطلب لهم الماء، وهو مالك بن ذعر * (فأدلى دلوه) * في البئر، فتعلق يوسف بالحبل، فلما خرج إذا هو بغلام أحسن ما يكون من الغلمان، " قال يا بشراي " (4) أي: أضاف البشرى إلى نفسه، وقرئ: # * (يا بشرى) * نادى: البشرى، كأنه قال: تعالي فهذا أوانك * (وأسروه) * الضمير للوارد وأصحابه: أخفوه من الرفقة، وقيل: أخفوا أمره ووجدانهم له في الجب # PageV02P209 # وقالوا لهم: دفعه إلينا أهل الماء لنبيعه لهم بمصر (1)، وعن ابن عباس: أن الضمير لإخوة يوسف وأنهم قالوا للرفقة: هذا غلام لنا قد أبق فاشتروه منا، وسكت يوسف مخافة أن يقتلوه (2)، وانتصب * (بضعة) * على الحال، أي: أخفوه متاعا للتجارة، والبضاعة: ما يبضع من المال للتجارة، أي: يقطع. # * (وشروه) * باعوه * (بثمن بخس) * مبخوس ناقص ms0553 عن القيمة نقصانا ظاهرا * (دراهم) * لا دنانير * (معدودة) * قليلة تعد عدا ولا توزن، وعن ابن عباس: كانت عشرين درهما (3) * (وكانوا فيه من الزاهدين) * ممن يرغب عما في يده فيبيعه بما طف من الثمن، لأنهم التقطوه، والملتقط للشئ لا يبالي بم باعه، ويجوز أن يكون المعنى: واشتروه من إخوته يعني: الرفقة وكانوا من الزاهدين في نفس يوسف. # * (وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون (21) ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزى المحسنين (22) وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربى أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون (23)) * * (الذي اشتراه من مصر) * هو العزيز الذي كان على خزائن مصر، واسمه قطفير أو اطفير، والملك يومئذ: الريان بن الوليد، وعن ابن عباس: العزيز ملك مصر (4)، وقيل: اشتراه العزيز وهو ابن سبع عشرة سنة، وأقام في منزله ثلاث عشرة سنة، واستوزره الريان بن الوليد وهو ابن ثلاثين سنة، وآتاه الله الحكمة # PageV02P210 # والعلم وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة (1)، وقيل: اشتراه العزيز بأربعين دينارا وزوج نعل وثوبين أبيضين (2). # * (وقال... لامرأته أكرمي مثواه) * أي: اجعلي منزله ومقامه عندنا كريما، أي: # حسنا مرضيا بدليل قوله: * (إنه ربى أحسن مثواي) * ومعناه: تعهديه بالإحسان حتى يكون نفسه طيبة في صحبتنا * (عسى أن ينفعنا) * لعله ينفعنا بكفايته وأمانته، أو نتبناه ونقيمه مقام الولد، وكان قد تفرس فيه الرشد فقال ذلك * (وكذلك) * أي: # ومثل ذلك الإنجاء والعطف، والمراد: كما أنجيناه وعطفنا عليه العزيز * (مكنا) * له * (في) * أرض مصر، وجعلناه ملكا يتصرف فيها بأمره ونهيه * (ولنعلمه من تأويل الأحاديث) * كان ذلك الإنجاء والتمكين * (والله غالب على أمره) * لا يمنع مما يشاء ويقضي، أو على أمر يوسف يدبره ولا يكله إلى غيره. # وقيل في ال‍ " أشد ": ثاني عشرة سنة (3)، وعشرون (4)، وثلاث وثلاثون (5)، وأربعون (6)، وقيل: ms0554 أقصاه ثنتان وستون سنة (7)، * (حكما) * أي: حكمة، يعني: # النبوة * (وعلما) * بالشريعة، وقيل: الحكم على الناس والعلم بوجوه المصالح (8)، * (وكذلك نجزى المحسنين) * فيه تنبيه على أن الله آتاه الحكم والعلم جزاء على إحسانه في العمل وتقواه. # PageV02P211 # وعن الحسن: من أحسن عبادة ربه في شبيبته آتاه الحكمة في اكتهاله (1). # والمراودة: مفاعلة من راد يرود: إذا جاء وذهب، والمعنى: خادعته * (عن نفسه) * أي: فعلت ما يفعله المخادع بصاحبه عن الشئ الذي لا يريد أن يخرجه من يده، يحتال أن يغلبه عليه ويأخذه منه، وهي عبارة عن التمحل (2) لمواقعته إياها، و * (هيت لك) * أي: أقبل وتعال، وقرئ: " هيت لك " بضم التاء (3)، و " هيت لك " بكسر الهاء وفتح التاء (4)، و " هئت لك " بالهمزة وضم التاء (5)، بمعنى تهيأت لك، يقال: هاء يهئ، واللام من صلة الفعل وأما في الأصوات فللبيان، كأنه قيل: # لك أقول هذا * (معاذ الله) * أعوذ بالله معاذا * (إنه) * الضمير للشأن والحديث * (ربى أحسن مثواي) * مبتدأ وخبر، يريد قطفير حين قال لامرأته: * (أكرمي مثواه) * فليس جزاؤه أن أخلفه في أهله بسوء وأخونه. # * (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهن ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين (24) واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدا الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم (25) قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكذبين (26) وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من # PageV02P212 # الصدقين (27) فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم (28) يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين (29)) * هم بالأمر: إذا قصده وعزم عليه، والمعنى: * (ولقد همت) * بمخالطته * (وهم) * بمخالطتها * (لولا أن رأى برهن ربه) * جوابه محذوف تقديره: لولا أن رأى برهان ربه لخالطها، فحذف لأن قوله: * (وهم بها) * يدل عليه، كقولك: هممت بقتله لولا أني خفت الله، معناه: لولا أني خفت الله لقتلته، والمراد في ms0555 قوله: * (وهم بها) *: أن نفسه مالت إلى المخالطة ونازعت إليها عن شهوة الشباب ميلا يشبه الهم بها والقصد إليها، ولو لم يكن ذلك الميل الشديد المسمى هما لشدته لما كان صاحبه ممدوحا عند الله بالامتناع، ولو كان همه كهمها لما مدحه الله بأنه: * (من عبادنا المخلصين) *، ويجوز أن يريد بقوله: * (وهم بها) *: وشارف أن يهم بها، كما يقول الرجل: قتلته لو لم أخف الله، ومن حق القارئ أن يقف على * (ولقد همت به) * ويبتدئ * (وهم بها لولا أن رأى برهن ربه) * (1)، * (كذلك) * الكاف في محل النصب أي: مثل ذلك التثبيت ثبتناه، أو في محل الرفع أي: الأمر مثل ذلك * (لنصرف عنه السوء) * من خيانة السيد * (والفحشاء) * من الزنا " إنه من عبادنا المخلصين " الذين أخلصوا دينهم لله، وبالفتح: الذين أخلصهم الله لطاعته بأن عصمهم. # * (واستبقا الباب) * وتسابقا إلى الباب، على حذف الجار أو على تضمينه معنى " ابتدرا "، ففر منها يوسف فأسرع يريد الباب البراني ليخرج، وأسرعت وراءه لتمنعه الخروج * (وقدت قميصه من دبر) * اجتذبته من خلفه فانقد، أي: # PageV02P213 # انشق * (وألفيا سيدها) * وصادفا بعلها وهو قطفير، و * (ما) * نافية، أي: ليس جزاؤه إلا السجن، أو استفهامية بمعنى: أي شئ جزاؤه إلا السجن؟ كما يقول: من في الدار إلا زيد؟ وقيل: العذاب الأليم: الضرب بالسياط (1). # ولما عرضته للسجن والعذاب وأغرت به وجب عليه الدفع عن النفس ف‍ * (قال هي راودتني عن نفسي) * ولولا ذلك لكتم عليها * (وشهد شاهد من أهلها) * قيل: كان ابن عم لها وكان جالسا مع زوجها عند الباب (2)، وقيل: كان ابن خال لها صبيا في المهد (3)، وسمي قوله شهادة لما أدى مؤدى الشهادة في أن ثبت به قول يوسف وبطل قولها. # * (فلما رأى) * يعني: قطفير، وعلم براءة يوسف وصدقه وكذبها * (قال إنه) * أي: # إن قولك: * (ما جزاء من أراد بأهلك سوءا) * أو: إن هذا الأمر * (من كيدكن) *، واستعظم كيد النساء لأنهن ألطف مكيدة وأنفذ حيلة من الرجال. * (يوسف) * حذف منه حرف النداء لأنه منادى قريب * (أعرض عن هذا) * الأمر واكتمه ms0556 ولا تحدث به * (واستغفري) * أنت * (لذنبك إنك كنت من) * القوم المتعمدين للذنب، يقال: خطئ إذا أذنب متعمدا. # * (وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين (30) فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكئا وآتت كل وا حدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا # PageV02P214 # إن هذا إلا ملك كريم (31) قالت فذالكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين (32) قال رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه وإلا تصرف عنى كيدهن أصب إليهن وأكن من الجهلين (33) فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم (34) ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين (35)) * * (وقال) * جماعة من النساء، والنسوة: اسم مفرد لجمع المرأة، وتأنيثه غير حقيقي كتأنيث اللمة (1)، وفيه (2) لغتان: كسر النون وضمها * (في المدينة) * في مصر * (امرأة العزيز) * يردن قطفير، والعزيز: الملك بلسان العرب، * (فتاها) * غلامها * (شغفها) * خرق حبه شغاف قلبها حتى وصل إلى الفؤاد، والشغاف: # حجاب القلب، وروي عن أهل البيت (عليهم السلام): " شعفها " بالعين (3)، من شعف البعير: # إذا هنأه فأحرقه بالقطران، قال امرؤ القيس: # كما شعف المهنوءة الرجل الطالي (4) و * (حبا) * نصب على التمييز * (إنا لنراها في ضلال مبين) * أي: في خطأ وبعد عن الصواب. * (فلما سمعت بمكرهن) * باغتيابهن وتعبيرهن وقولهن: امرأة العزيز عشقت عبدها الكنعاني * (أرسلت إليهن) * دعتهن * (وأعتدت لهن متكئا) * ما يتكئن عليه من نمارق (5)، قصدت بتلك الهيئة وهي قعودهن متكئات # PageV02P215 # والسكاكين في أيديهن أن يدهشن عند رؤيته ويشغلن عن نفوسهن فيقطعن أيديهن، وقيل: * (متكئا) * مجلس طعام، لأنهم كانوا يتكئون للطعام والشراب والحديث كعادة المترفين (1)، وقيل: * (متكئا) * طعاما يجز جزا، أي: يعتمد بالسكين، لأن القاطع يتكئ على المقطوع بالسكين (2)، * (أكبرنه) * أعظمنه وهبن ذلك الحسن الرائع والجمال الرائق، قيل: كان يوسف إذا سار في أزقة مصر يرى تلألؤ وجهه على الجدار كما يرى نور الشمس ms0557 من الماء عليها (3)، وقيل: ورث الجمال من جدته سارة (4)، * (وقطعن أيديهن) * جرحنها * (حاش) * كلمة تفيد معنى التنزيه (5) في باب الاستثناء، تقول: أساء القوم حاشا زيد، فمعنى حاشا لله: # براءة الله وتنزيه الله من صفات العجز والتعجب من قدرته على خلق جميل مثله، وأما قوله: * (حش لله ما علمنا عليه من سوء) * (6) فالتعجب من قدرته على خلق عفيف مثله * (ما هذا بشرا) * نفين عنه البشرية، لغرابة حاله في الحسن، وأثبتن له الملكية لما هو مركوز في الطباع أنه لا أحسن من الملك. # * (قالت فذا لكن الذي لمتنني فيه) * ولم تقل: فهذا، وهو حاضر، رفعا لمنزلته في الحسن واستحقاق أن يحب ويفتتن به، أو تقول: هو ذلك العبد الذي صورتن في أنفسكن ثم لمتنني فيه، ولو صورتنه بما عاينتن لعذرتنني في الافتتان به * (فاستعصم) * أي: امتنع أشد امتناع كأنه في عصمة، واجتهد في الاستزادة منها، # PageV02P216 # ونحوه: استمسك، وفي هذا برهان قوي على أن يوسف برئ مما أضاف إليه الحشوية (1) من هم المعصية * (ولئن لم يفعل ما آمره) * الأصل: ما آمر به، فحذف الجار، كما في قولك: أمرتك الخير * (ليسجنن) * ليحبسن في السجن * (وليكونا) * بالنون الخفيفة ولذلك كتبت في المصحف ألفا. # * (قال رب السجن أحب إلى) * أي: أسهل علي * (مما يدعونني إليه) * من الفاحشة، أو نزول السجن أحب إلي من ركوب المعصية، روي: أن النسوة لما خرجن من عندها أرسلت كل واحدة منهن إلى يوسف سرا تسأله الزيارة (2)، وقيل: إنهن قلن له: أطع مولاتك فإنها مظلومة وأنت تظلمها (3)، وقرئ: " السجن " بالفتح (4) على المصدر * (وإلا تصرف عنى كيدهن) * فزع إلى ألطاف الله تعالى وعصمته كعادة الأنبياء والأولياء فيما وطن عليه نفسه من الصبر * (أصب إليهن) * أمل إليهن * (وأكن من الجهلين) * الذين لا يعملون بما يعلمون، أو من السفهاء لأن الحكيم لا يفعل القبيح. # PageV02P217 # * (ثم بدا لهم) * الفاعل مضمر لدلالة ما يفسره عليه وهو * (ليسجننه) *، والمعنى: بدا لهم بداء، أي: ظهر لهم رأي: * (ليسجننه) *، * (من بعد ما رأوا الآيات) * وهي الشواهد على براءته * (حتى حين) ms0558 * إلى زمان، والضمير في * (لهم) * ل‍ * (العزيز) * وأهله. # * (ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نربك من المحسنين (36) قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذا لكما مما علمني ربى إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كفرون (37) واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شئ ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (38) يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار (39) ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطن إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (40)) * * (ودخل معه السجن فتيان) * أي: عبدان للملك: ملك مصر مصاحبين له، لأن " مع " تدل على الصحبة، والفتيان: خباز الملك وشرابيه أدخلا السجن ساعة أدخل يوسف، نمي (1) إلى الملك أنهما يسمانه * (إني أراني) * يعني: في المنام، وهي حكاية حال ماضية * (أعصر خمرا) * يعني: عنبا، تسمية للعنب بما يؤول إليه * (من المحسنين) * من الذين يحسنون عبارة الرؤيا، أو من المحسنين إلى أهل السجن، فأحسن إلينا: بأن تفرج عنا الغمة بتأويل ما رأينا إن كانت لك يد في تأويل الرؤيا، # PageV02P218 # روي: أنه كان إذا مرض رجل منهم قام عليه، وإذا ضاق على أحد منهم مكانه وسع له، وإن احتاج جمع له (1). # وعن الشعبي: أن الفتيين امتحناه، فقال الشرابي: إني أراني في بستان فإذا بأصل حبلة (2) عليها ثلاث عناقيد من عنب فقطعتها وعصرتها في كأس الملك وسقيته، وقال الخباز: إني أراني فوق رأسي ثلاث سلال فيها أنواع الأطعمة فإذا سباع الطير ينهبن منها (3). * (نبئنا) * بتأويل ذلك. # ولما استعبراه ووصفاه بالإحسان ابتدأ فوصف نفسه بما هو فوق علم العلماء وهو الإخبار بالغيب، وأنه ينبئهما بما يحمل إليهما من الطعام في السجن قبل أن يأتيهما، ويصفه ms0559 لهما ويقول: اليوم * (يأتيكما طعام) * بصفة كذا وكذا فيجدانه على ما أخبر به، وجعل ذلك تخلصا إلى أن يذكر لهما التوحيد ويعرض عليهما الإيمان ويقبح إليهما الشرك بالله * (ذا لكما) * إشارة إلى التأويل، أي: ذلك التأويل والاخبار بالغائبات * (مما علمني ربى) * وأوحى به إلي، ولم أقله عن تكهن وتنجم * (إني تركت) * يجوز أن يكون استئناف كلام، وأن يكون تعليلا لما قبله أي: علمني ربي لأني تركت * (ملة) * أولئك * (واتبعت ملة آبائي) * الأنبياء المذكورين وهي الملة الحنيفية، وذكر آباءه ليريهما أنه من أهل بيت النبوة ومعدن الوحي بعد أن عرفهما أنه نبي يوحى إليه، ليقوي رغبتهما في الاستماع إليه * (ما كان لنا) * أي: ما صح لنا - معشر الأنبياء - الشرك * (بالله) *، * (ذلك) * التمسك بالتوحيد * (من فضل الله علينا وعلى الناس) * على الرسل وعلى المرسل إليهم * (ولكن أكثر) * المرسل إليهم # PageV02P219 # * (لا يشكرون) * فضل الله فيشركون. # * (يا صاحبي السجن) * يريد: يا صاحبي في السجن، فأضافهما إلى السجن، كقوله: يا سارق الليلة أهل الدار، فكما أن الليلة مسروق فيها غير مسروقة فكذلك السجن مصحوب فيه غير مصحوب، وإنما المصحوب غيره وهو يوسف (عليه السلام)، ويجوز أن يريد: يا ساكني السجن، كقوله عز اسمه: * (أصحب النار وأصحب الجنة) * (1)، * (أأرباب متفرقون) * في العدد، أي: أأن يكون لكما أرباب شتى يستعبدكما هذا ويستعبدكما هذا * (خير) * لكما * (أم) * أن يكون لكما رب واحد قاهر لا يغالب ولا يشارك في الربوبية؟ وهذا مثل ضربه لعبادة الله وحده ولعبادة الأصنام. * (ما تعبدون من دونه إلا أسماء) * فارغة سميتم بها، يقال: سميته بزيد وسميته زيدا * (ما أنزل الله) * بتسميتها * (من سلطن) * أي: حجة * (إن الحكم) * في أمر الدين والعبادة * (إلا لله) *، ثم بين ما حكم الله فقال: * (أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم) * الثابت بالدلائل. # * (يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقى ربه خمرا وأما الاخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضى الامر الذي فيه تستفتيان (41) وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في ms0560 السجن بضع سنين (42)) * * (أما أحدكما) * يعني: الشرابي * (فيسقى ربه خمرا) * أي: سيده * (قضى الامر) * أي: قطع وفرغ منه، وروي: أنهما قالا: ما رأينا شيئا، فأخبرهما أن ذلك كائن صدقتما أو كذبتما (2). # PageV02P220 # * (وقال للذي ظن أنه ناج منهما) * الظن هنا بمعنى العلم، كما في قوله: * (إني ظننت أنى ملق حسابيه) * (1)، * (اذكرني عند ربك) * صفني عند الملك بصفتي وأخبره بحالي وأني حبست ظلما، فأنسى الشرابي * (الشيطان ذكر ربه) * أن يذكره لربه، وقيل: أنسى الشيطان يوسف ذكر ربه في تلك الحال حين وكل أمره إلى غيره حتى استغاث بمخلوق (2)، والبضع: ما بين الثلاث إلى التسع، وأصح الأقوال: أنه * (لبث في السجن) * سبع * (سنين) *. # * (وقال الملك إني أرى سبع بقرا ت سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملا أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون (43) قالوا أضغاث أحلم وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين (44) وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون (45) يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرا ت سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلى أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون (46) قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون (47) ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون (48) ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون (49)) * قرأ الصادق (عليه السلام): " وسبع سنابل... يأكلن ما قربتم لهن " (3). # لما دنا فرج يوسف من الحبس رأى الملك وهو الريان بن الوليد رؤيا هالته: # PageV02P221 # رأى * (سبع بقرا ت سمان) * خرجن من نهر يابس، و * (سبع) * بقرات * (عجاف) * فأكلت العجاف السمان * (و) * رأى * (سبع سنبلات خضر) * قد انعقد حبها * (و) * سبعا * (أخر يابسات) * قد استحصدت، فالتوت اليابسات على الخضر حتى غلبن عليها، فجمع الأشراف والكهان وقص رؤياه عليهم * (وقال... أفتوني في رؤياي) * أي: عبروا ما رأيت في منامي * (إن كنتم للرؤيا تعبرون) * أي: إن كنتم تنتدبون (1) لعبارة الرؤيا، وحقيقة عبرت الرؤيا: ذكرت عاقبتها، ms0561 كما تقول: عبرت النهر: إذا قطعته حتى تبلغ آخر عرضه، وأما اللام في قوله: * (للرؤيا) * إما أن تكون للبيان كقوله: * (وكانوا فيه من الزاهدين) * (2)، وإما أن تدخل لأن المعمول إذا تقدم على عامله لم يقو على العمل فعضد باللام كما يعضد به اسم الفاعل إذا قيل: هو عابر للرؤيا لانحطاطه عن الفعل في القوة، ويجوز أن يكون * (للرؤيا) * خبر " كان "، كما تقول: كان فلان لهذا الأمر: إذا كان مستقلا به متمكنا منه، و * (تعبرون) * خبر بعد خبر أو حال، والسبب في وقوع * (عجاف) * جمعا ل‍ " عجفاء "، وأفعل وفعلاء لا يجمعان على فعال، حمله على * (سمان) * لأنه نقيضه، وهم يحملون النظير على النظير والنقيض على النقيض * (وأخر يابسات) * أي: وسبعا أخر. # وأضغاث الأحلام: تخاليطها وأباطيلها، وما يكون منها من وسوسة أو حديث نفس، وأصل الأضغاث: ما جمع من أخلاط النبات وحزم، والواحد ضغث، والإضافة بمعنى " من "، أي: أضغاث من أحلام، والمعنى: هي أضغاث أحلام. # * (وادكر بعد أمة) * أي: بعد مدة طويلة * (أنا أنبئكم بتأويله) * أنا أخبركم به عمن عنده علمه * (فأرسلون) * فابعثوني إليه لأسأله ومروني باستعباره، فأرسلوه # PageV02P222 # إلى يوسف، فأتاه فقال: * (يوسف أيها الصديق) * أيها البليغ في الصدق، وإنما قاله لأنه تعرف صدقه في تأويل رؤياه ورؤيا صاحبه، ولذلك كلمه كلام محترز فقال: # * (لعلى أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون) * لأنه ليس على يقين من الرجوع فربما اخترم دونه، ولا من علمهم فربما لم يعلموا، ومعنى * (لعلهم يعلمون) *: لعلهم يعلمون فضلك ومكانك من العلم فيطلبونك ويخلصونك من حبسك، وعن ابن عباس: لم يكن السجن في المدينة (1). # * (تزرعون) * خبر في معنى الأمر، كقوله: * (تؤمنون بالله ورسوله وتجهدون) * (2)، ويدل عليه قوله: * (فذروه في سنبله) *، قرئ: * (دأبا) * بسكون الهمزة (3) وتحريكها، وهما مصدرا دأب في العمل، وهو حال من المأمورين، أي: # دائبين: إما على تدأبون دأبا، وإما على إيقاع * (دأبا) * بمعنى: ذوي دأب * (فذروه في سنبله) * لئلا يتسوس، و * (يأكلن) * من الإسناد المجازي: جعل أكل أهلهن مسندا إليهن * (تحصنون) * تحرزون وتخبؤون. * (يغاث الناس) * من الغوث أو ms0562 من الغيث، يقال: غيثت البلاد: إذا مطرت (4)، ومنه قول الأعرابية: غثنا ما شئنا * (يعصرون) * العنب والسمسم، وقرئ: " يعصرون " (5) من عصره: إذا أنجاه، وقيل: # معناه: يمطرون (6). # تأول البقرات السمان والسنبلات الخضر بسنين مخصبة، والعجاف # PageV02P223 # واليابسات بسنين مجدبة، ثم بشرهم بعد الفراغ من تأويل الرؤيا بأن العام الثامن يجئ مباركا خصيبا كثير الخير، وذلك من جهة الوحي. # * (وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فسله ما بال النسوة التي قطعن أيديهن إن ربى بكيدهن عليم (50) قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصدقين (51) ذلك ليعلم أنى لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين (52) وما أبرئ نفسي إن النفس لامارة بالسوء إلا ما رحم ربى إن ربى غفور رحيم (53)) * تأنى (عليه السلام) وتثبت في إجابة الملك وقدم سؤال النسوة ليظهر براءة ساحته عما اتهم به وحبس لأجله، ومن كرمه وحسن أدبه أنه لم يذكر امرأة العزيز مع ما صنعت به من السجن والعذاب، واقتصر على ذكر * (النسوة التي قطعن أيديهن) *. * (ما خطبكن) * ما شأنكن * (إذ راودتن يوسف عن نفسه) * هل وجدتن منه ميلا إليكن؟ * (قلن حاش لله) * تعجبا من عفته ونزاهته عن الريبة * (الآن حصحص الحق) * أي: ثبت الحق واستقر، وهو من حصحص البعير: إذا ألقى ثفناته للإناخة، ولا مزيد على شهادتهن له بالبراءة واعترافهن على أنفسهن بأنه لم يفعل شيئا مما قرفنه به لأنهن خصومه، وإذا اعترف الخصم بأن صاحبه على الحق وهو على الباطل لم يبق لأحد كلام. # * (ذلك) * أي: ذلك التشمر والتمكن والتثبت * (ليعلم) * العزيز * (أنى لم أخنه) * بظهر الغيب في حرمته، وقوله: * (بالغيب) * في محل النصب على الحال من الفاعل أو المفعول، بمعنى: وأنا غائب عنه أو هو غائب عني * (و) * ليعلم * (أن الله PageV02P224 # لا يهدي كيد الخائنين) * أي: لا ينفذه ولا يسدده. # ثم تواضع لله وبين أن ما فيه من الأمانة ms0563 إنما هو بتوفيق الله وعصمته، فقال: # * (وما أبرئ نفسي) * من الزلل * (إن النفس لامارة بالسوء) * أراد الجنس * (إلا ما رحم ربى) * إلا البعض الذي رحمه ربي بالعصمة، ويجوز أن يكون بمعنى الزمان، أي: وقت رحمة ربي، وقيل: هو من كلام امرأة العزيز (1)، أي: ذلك الذي قلت ليعلم يوسف أني لم أكذب عليه في حال الغيبة وصدقت فيما سئلت عنه، وما أبرئ نفسي مع ذلك من الخيانة فإني خنته حين قذفته وسجنته، تريد الاعتذار مما كان منها. # * (وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين (54) قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم (55) وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين (56) ولاجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون (57)) * * (أستخلصه) * وأستخصه متقاربان، والمعنى: أنه جعله خالصا لنفسه وخاصا به يرجع إليه في تدبيره * (فلما كلمه) * وعرف فضله وأمانته، لأنه استدل بكلامه على عقله، وبعفته على أمانته * (قال إنك) * أيها الصديق * (اليوم لدينا مكين) * ذو مكانة ومنزلة * (أمين) * مؤتمن على كل شئ. # ثم قال: أيها الصديق، إني أحب أن أسمع رؤياي منك، قال: نعم أيها الملك رأيت سبع بقرات، فوصف لونهن وأحوالهن ووصف السنابل على الهيئة التي رآها، ثم قال له: من حقك أن تجمع الطعام وتزرع زرعا كثيرا في هذه السنين # PageV02P225 # المخصبة، وتبني الأهراء (1) فيأتيك الخلق من النواحي ويمتارون منك، ويجتمع لك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد قبلك، فقال الملك: من لي بهذا؟ ف‍ * (قال اجعلني على خزائن الأرض) * أي: ولني خزائن أرضك * (إني حفيظ) * لما استودعتني أحفظه عن أن تجري فيه خيانة * (عليم) * بوجوه التصرف، وصف نفسه بالأمانة والكفاية اللتين يطلبهما الملوك ممن يولونه، وإنما طلب يوسف الولاية ليتوصل بذلك إلى إمضاء أحكام الله وبسط العدل، ووضع الحقوق مواضعها، ويتمكن من الأمور التي كانت مفوضة إليه من حيث كان نبيا إماما، ولعلمه أن غيره لا يقوم في ذلك مقامه، وفي ذلك دلالة على جواز تولي ms0564 القضاء من جهة السلطان الجائر إذا كان فيه تمكن من إقامة الحق وتنفيذ أحكام الدين، وقيل: إن الملك كان يصدر عن رأيه ولا يعترض عليه في كل ما رأى، فكان في حكم التابع له والمطيع (2). # * (وكذلك) * أي: ومثل ذلك التمكين الظاهر * (مكنا ليوسف في) * أرض مصر * (يتبوأ منها حيث يشاء) * أي: كل مكان أراد أن يتخذه منزلا ومتبوأ لم يمتنع منه لاستيلائه على جميعها، وقرئ: " نشاء " بالنون (3) * (نصيب برحمتنا) * بعطائنا في الدنيا والدين * (من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين) * في الدنيا. * (ولاجر الآخرة خير) * لهم. # * (وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون (58) ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين (59) فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي # PageV02P226 # ولا تقربون (60) قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون (61) وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون (62)) * لما تمكن يوسف بمصر وقحط الناس جمع يعقوب بنيه وقال: بلغني أنه يباع الطعام بمصر وأن صاحبه رجل صالح، فاذهبوا إليه، فتجهزوا وساروا حتى وردوا مصر * (فدخلوا) * على يوسف * (فعرفهم) * لأن همته كانت معقودة بهم وبمعرفتهم * (وهم له منكرون) * لم يعرفوه لطول العهد، ولاعتقادهم أنه قد هلك. # * (ولما جهزهم بجهازهم) * أي: أصلحهم بعدتهم وأوقر ركائبهم بما طلبوه من الميرة * (قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم) * لابد من مقدمة سبقت معهم حتى جرت هذه المسألة، روي (1): أنه لما رآهم قال: من أنتم؟ قالوا: نحن إخوة عشرة وأبونا نبي من الأنبياء اسمه: يعقوب، وكنا اثني عشر إخوة (2) فهلك منا واحد، قال: فأين الأخ الحادي عشر؟ قالوا: هو عند أبيه يتسلى به من الهالك * (قال) * يوسف: # * (ائتوني) * به * (ألا ترون أني أوفي الكيل) * ولا أبخس أحدا شيئا * (وأنا خير المنزلين) * المضيفين. * (فإن لم تأتوني به ف‍) * ليس * (لكم عندي) * طعام أكيله عليكم، وقوله: * (ولا تقربون) * يجوز أن يكون مجزوما عطفا على محل قوله: # * (فلا كيل لكم) * كأنه قال: فإن لم تأتوني به ms0565 تحرموا ولا تقربوا، ويجوز أن يكون بمعنى النهي. # * (قالوا سنراود عنه أباه) * أي: سنخادعه عنه ونحتال حتى ننتزعه من يده * (وإنا لفاعلون) * لقادرون على ذلك. # PageV02P227 # " وقال لفتيته " (1) وقرئ: * (لفتيانه) * وهما: جمع فتى، مثل إخوة وإخوان في جمع أخ، وفعلة: جمع القلة، وفعلان: جمع الكثرة، أي: لغلمانه الكيالين * (اجعلوا بضاعتهم في رحالهم) * يعني: ثمن طعامهم وما كانوا جاؤوا به في أوعيتهم، واحدها رحل، يقال للوعاء: رحل، وللمسكن: رحل، واصله: الشئ المعد للرحيل * (لعلهم يعرفونها) * لعلهم يعرفون حق ردها وحق التكرم بإعطاء البدلين * (إذا انقلبوا إلى أهلهم) * وفرغوا ظروفهم * (لعلهم يرجعون) * لعل معرفتهم بذلك تدعوهم إلى الرجوع إلينا، قيل: لم ير من الكرم أن يأخذ من أبيه وإخوته ثمنا (2). # * (فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يأبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له لحافظون (63) قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حفظا وهو أرحم الراحمين (64) ولما فتحوا متعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير (65) قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل (66)) * * (منع منا الكيل) * أرادوا قول يوسف (عليه السلام): * (فلا كيل لكم عندي) * لأنه إذا أعلمهم بمنع الكيل فقد منعهم الكيل * (فأرسل معنا أخانا) * بنيامين * (نكتل) * برفع المانع من الكيل فنكتل ما نحتاج إليه من الطعام، وقرئ: " يكتل " بالياء (3)، أي: # يكتل أخونا فينضم اكتياله إلى اكتيالنا، أو يكن سببا للاكتيال. * (قال هل آمنكم) * # PageV02P228 # أي: لا آمنكم * (على) * بنيامين في الذهاب به * (إلا كما أمنتكم على أخيه) * يوسف إذ قلتم فيه: * (إنا له لحافظون) * (1) كما تقولونه في أخيه ثم لم تفوا بضمانكم * (فالله خير حفظا) * فتوكل على الله فيه ودفعه إليهم، و * (حفظا) * نصب على التمييز كقولهم: " لله دره فارسا "، ويجوز أن يكون حالا، وقرئ: " حفظا " (2)، * (وهو أرحم الراحمين) * يرحم ضعفي وكبر ms0566 سني، فيحفظه ويرده علي ولا يجمع علي مصيبتين. # * (ولما فتحوا متعهم) * أي: أوعية طعامهم * (وجدوا بضاعتهم ردت إليهم) *، وقرأ يحيى بن وثاب (3): " ردت " بكسر الراء (4) على أن كسر الدال المدغمة نقلت إلى الراء * (ما نبغي) *: * (ما) * للنفي، أي: ما نبغي في القول، أو ما نبتغي شيئا وراء ما فعل بنا من الإحسان والإكرام، أو للاستفهام بمعنى: أي شئ نطلب وراء هذا من الإحسان؟ وقيل: معناه: ما نريد منك بضاعة أخرى (5)، وقوله: * (هذه بضاعتنا ردت إلينا) * جملة مستأنفة موضحة لقوله: * (ما نبغي) * والجمل بعدها معطوفة عليها على معنى: أن بضاعتنا ردت إلينا فنستظهر بها * (ونمير أهلنا) * في رجوعنا إلى الملك * (ونحفظ أخانا) * فما يصيبه شئ مما تخافه * (ونزداد) * باستحضار أخينا وسق (6) بعير زائدا على أوساق أباعرنا، فأي شئ نطلب وراء # PageV02P229 # هذه المباغي التي نستصلح بها أحوالنا؟ * (ذلك كيل يسير) * أي: ذلك مكيل قليل لا يكفينا، يعنون: ما يكال لهم فأرادوا أن يزدادوا إليه ما يكال لأخيهم، أو يكون * (ذلك) * إشارة إلى كيل بعير، أي: ذلك الكيل شئ قليل لا يضايقنا فيه الملك، أو سهل عليه لا يتعاظمه. # * (حتى تؤتون) * أي: تعطوني ما أتوثق به * (من) * عند * (الله) * من عهد أو حلف * (لتأتنني به) * جواب القسم، لأن المعنى: حتى تقسموا بالله لتأتنني به * (إلا أن يحاط بكم) * إلا أن تغلبوا فلم تقدروا على الإتيان به، أو إلا أن تهلكوا * (فلما آتوه موثقهم) * أي: أعطوه ما يوثق به من العهود والأيمان * (قال) * يعقوب * (الله على ما نقول وكيل) * أي: رقيب مطلع، إن أخلفتم انتصف لي منكم. # * (وقال يبنى لا تدخلوا من باب وا حد وادخلوا من أبوا ب متفرقة وما أغنى عنكم من الله من شئ إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون (67) ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغنى عنهم من الله من شئ إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمنه ولكن أكثر الناس لا يعلمون (68)) * نهاهم أن يدخلوا * (من باب وا حد) * لأنهم ms0567 كانوا ذوي جمال وبهاء وهيئة حسنة، قد شهروا في مصر بالقربة من الملك والتكرمة الخاصة التي لم تكن لغيرهم، فخاف عليهم العين * (وما أغنى عنكم من الله من شئ) * يعني: إن أراد الله بكم سوء لم ينفعكم، ولم يدفع عنكم ما أشرت به عليكم من التفرق وهو مصيبكم لا محالة * (إن الحكم إلا لله) *. # * (ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم) * أي: متفرقين * (ما كان يغنى عنهم) * رأي يعقوب ودخولهم متفرقين شيئا قط * (إلا حاجة) * استثناء منقطع على معنى: PageV02P230 # ولكن حاجة * (في نفس يعقوب قضاها) * وهي إظهار الشفقة عليهم بما قاله لهم * (وإنه لذو علم) * أي: إنه لذو يقين ومعرفة بالله * (لما علمنه) * أي: من أجل تعليمنا إياه. # * (ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون (69) فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون (70) قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون (71) قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم (72) قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سرقين (73) قالوا فما جزاؤه إن كنتم كذبين (74) قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزى الظالمين (75) فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجت من نشاء وفوق كل ذي علم عليم (76)) * * (آوى إليه) * أي: ضم إليه * (أخاه) * بنيامين، روي: أنهم قالوا له: هذا أخونا قد جئناك به، فقال: أحسنتم، فأنزلهم وأكرمهم وأجلس كل اثنين منهم على مائدة فبقي بنيامين وحده، فأجلسه معه على مائدته وقال له: أتحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟ قال: من يجد أخا مثلك؟ ولكن لم يلدك يعقوب ولا راحيل، فبكى يوسف وقام إليه وعانقه وقال له: * (إني أنا أخوك فلا تبتئس) * فلا تحزن * (بما كانوا يعملون) * بنا فيما مضى، فإن الله تعالى قد أحسن إلينا وجمعنا، ولا تعلمهم بما ms0568 أعلمتك (1). # PageV02P231 # و * (السقاية) *: مشربة يسقى بها وهي الصواع، قيل: كان يسقى بها الملك ثم جعلت صاعا يكال به وكانت من فضة مموهة بالذهب (1)، وقيل: كانت من ذهب مرصعة بالجواهر (2) * (ثم أذن مؤذن) * ثم نادى مناد، يقال: آذن: أعلم، وأذن: أكثر الإعلام، و * (العير) *: الإبل التي عليها الأحمال لأنها تعير، أي: تجئ وتذهب، وقيل: هي قافلة الحمير ثم كثر حتى قيل لكل قافلة: عير (3)، والمراد: أصحاب العير كقوله: يا خيل الله اركبي. * (وأنا به زعيم) * أي: قال المنادي: من * (جاء) * بالصواع فله * (حمل بعير) * من الطعام * (وأنا) * بذلك كفيل: ضامن أؤديه إليه. # * (تالله) * قسم فيه معنى التعجب مما أضيف إليهم، وإنما قالوا: * (لقد علمتم) * فاستشهدوا بعلمهم لما ثبت عندهم من دلائل دينهم وأمانتهم وحسن سيرتهم في معاملتهم معهم مرة بعد أخرى، ولأنهم ردوا بضاعتهم التي وجدوها في رحالهم مخافة أن يكون وضع ذلك بغير إذن العزيز * (وما كنا سرقين) * وما كنا موصوفين بالسرقة قط. # * (قالوا فما جزاؤه) * الهاء للصواع، أي: فما جزاء سرقته * (إن كنتم كذبين) * في ادعائكم البراءة منه؟ * (قالوا جزاؤه) * أي: جزاء سرقته أخذ * (من وجد في رحله) *، وكانت السنة في بني إسرائيل أن يسترق السارق سنة فلذلك استفتوا في جزائه، وقولهم: * (فهو جزاؤه) * معناه: فهو جزاؤه لاغير، كقولك: حق فلان أن يكرم وينعم عليه فذلك حقه، أي: فهو حقه، ويجوز أن يكون * (جزاؤه) * مبتدأ والجملة الشرطية خبره، والأصل: جزاؤه من وجد في رحله فهو هو، فوضع * (جزاؤه) * موضع " هو " إقامة للظاهر مقام المضمر. # PageV02P232 # * (فبدأ ب‍) * تفتيش * (أوعيتهم قبل وعاء أخيه) * بنيامين لنفي التهمة * (ثم استخرجها من) * وعائه، والصواع يذكر ويؤنث * (كذلك) * أي: مثل ذلك الكيد العظيم * (كدنا ليوسف) * يعني: علمناه إياه وأوحينا به إليه * (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك) * هذا تفسير للكيد وبيان له، لأنه كان في دين ملك مصر وحكمه في السارق أن يضرب ويغرم مثل ما أخذ لا أن يستعبد * (إلا أن يشاء الله) * أي: ما كان يأخذ إلا بمشيئة الله وإذنه فيه * (نرفع ms0569 درجت من نشاء) * في العلم كما رفعنا درجة يوسف فيه، وقرئ: " يرفع " بالياء (1) و * (درجت) * بالتنوين (2)، * (وفوق كل ذي علم عليم) * أرفع درجة منه في علمه حتى ينتهي إلى الله تعالى العالم لذاته، فلا يختص بمعلوم دون معلوم فيقف عليه ولا يتعداه. # * (قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون (77) قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نربك من المحسنين (78) قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متعنا عنده إنا إذا لظالمون (79) فلما استيئسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبى أو يحكم الله لي وهو خير الحكمين (80)) * * (أخ له) * عنوا به يوسف، واختلف فيما أضافوه إلى يوسف من السرقة، وأصح الأقوال (3) فيه: أن عمته كانت تحضنه بعد وفاة أمه وتحبه حبا شديدا، # PageV02P233 # فلما ترعرع أراد يعقوب استرداده منها، وكانت منطقة إسحاق عندها لكونها أكبر ولده وكانوا يتوارثونها بالكبر، فعمدت إلى المنطقة وشدته على يوسف تحت ثيابه وادعت أنه سرقها، فحبسته بذلك السبب عندها * (فأسرها يوسف) * هذا إضمار قبل الذكر على شريطة التفسير، وتفسيره: * (أنتم شر مكانا) * فكأنه قال: فأسر الجملة أو الكلمة التي هي قوله: * (أنتم شر مكانا) *، والمعنى: قال * (في نفسه) *: # أنتم شر مكانا، لأن قوله: * (قال أنتم شر مكانا) * بدل من * (فأسرها) * أي: أنتم شر منزلة في السرقة، لأنكم سرقتم أخاكم من أبيكم * (والله أعلم بما تصفون) * يعلم أنه ليس الأمر كما تصفون، ولم يصح لي ولا لأخي سرقة. # ثم رفقوا في القول واستعطفوه بذكر أبيهم يعقوب، وأنه شيخ كبير السن أو كبير القدر، وأن بنيامين أحب إليه منهم * (فخذ أحدنا مكانه) * أي: بدله على وجه الاسترهان أو الاستعباد * (إنا نربك من المحسنين) * إلينا فأتمم إحسانك، أو اجر على عادتك في الإحسان فإنه ms0570 عادتك. * (قال معاذ الله) * هو كلام موجه، ظاهره: # أنه يجب أخذ من وجد الصواع في رحله على مقتضى فتياكم، فلو أخذنا غيره كان ظلما عندكم فلا تطلبوا مني ما تعرفون أنه ظلم، وباطنه: أن الله تعالى أمرني بأخذ بنيامين واحتباسه لمصالح علمها في ذلك، فلو أخذت غيره كنت ظالما: # عاملا بخلاف ما أمرت به، ومعنى * (معاذ الله أن نأخذ) *: نعوذ بالله معاذا من أن نأخذ، و * (إذا) * جواب لهم وجزاء، لأن المعنى: إن نأخذ بدله ظلمنا. # * (فلما استيئسوا) * يئسوا * (خلصوا) * أي: اعتزلوا وانفردوا عن الناس خالصين لا يشوبهم سواهم * (نجيا) *: ذوي نجوى، فيكون النجي مصدرا بمعنى التناجي، كما قيل: * (وإذ هم نجوى) * (1) تنزيلا للمصدر منزلة الوصف، أو قوما # PageV02P234 # نجيا أي: مناجيا لمناجاة بعضهم بعضا، فيكون مثل العشير والسمير بمعنى المعاشر والمسامر، ومنه قوله تعالى: * (وقربناه نجيا) * (1)، وكان تناجيهم في تدبير أمرهم: # أيرجعون أم يقيمون، وإذا رجعوا فماذا يقولون لأبيهم في شأن أخيهم * (قال كبيرهم) * في السن وهو روبيل، وقيل: رئيسهم وهو شمعون (2)، وقيل: كبيرهم في الرأي والعقل وهو يهوذا (3) أو لاوي (4) * (ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله) * ذكرهم الوثيقة التي أخذها عليهم يعقوب * (ومن قبل ما فرطتم في يوسف) * فيه وجوه: أن تكون * (ما) * مزيدة، أي: ومن قبل هذا قصرتم في شأن يوسف ولم تحفظوا عهد أبيكم، وأن تكون مصدرية على أن تكون مبتدأ و * (من قبل) * خبره، أي: وقع من قبل تفريطكم في يوسف، أو يكون في محل نصب عطفا على مفعول * (ألم تعلموا) * أي: ألم تعلموا أخذ أبيكم موثقا عليكم وتفريطكم من قبل في يوسف؟ وأن تكون موصولة بمعنى: ومن قبل هذا ما فرطتموه، أي: # قدمتموه في حق يوسف من الخيانة العظيمة، ومحله الرفع أو النصب على الوجهين * (فلن أبرح الأرض) * فلن أفارق أرض مصر * (حتى يأذن لي أبى) * في الانصراف إليه * (أو يحكم الله) * بالخروج منها، أو بالانتصاف ممن أخذ أخي، أو بخلاصه من يده. # * (ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك ms0571 سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين (81) وسل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون (82) قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا # PageV02P235 # فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم (83) وتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم (84) قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين (85) قال إنما أشكوا بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون (86) يبنى اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولاتايئسوا من روح الله إنه لا يايئس من روح الله إلا القوم الكافرون (87)) * * (وما شهدنا) * عليه * (إلا بما علمنا) * في الظاهر أن الصواع استخرج من وعائه * (وما كنا للغيب) * أي: للأمر الخفي * (حافظين) * ولم نشعر أسرق أم دس الصاع في رحله. * (وسل القرية التي كنا فيها) * هي مصر، أي: أرسل إلى أهلها فسلهم عن كنه القصة * (والعير التي أقبلنا فيها) * أي: أصحاب العير. # والمعنى: فرجعوا إلى أبيهم وقالوا له: ما قال أخوهم، ف‍ * (قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا) * أردتموه، وإلا فما أدرى ذلك الرجل أن السارق يؤخذ بسرقته لولا تعليمكم * (عسى الله أن يأتيني بهم جميعا) * بيوسف وأخيه وروبيل أو غيره * (إنه هو العليم) * بحالي في الحزن والأسف * (الحكيم) * الذي لم يبتلني إلا لحكمة ومصلحة. # * (وتولى) * وأعرض * (عنهم) * كراهة لما جاؤوا به * (وقال يا أسفي) * أضاف الأسف إلى نفسه، والألف بدل من ياء الإضافة، والأسف: أشد الحزن والحسرة، وتأسفه * (على يوسف) * دون غيره دليل على أنه لم يقع فائت عنده موقعه، وأن الرزء (1) فيه كان عنده غضا طريا مع طول العهد * (وابيضت عيناه من الحزن) * # PageV02P236 # والبكاء حتى أشرف على العمى فكان لا يرى إلا رؤية ضعيفة، وقيل: إنه عمي (1) * (فهو كظيم) * أي: مملوء من الغيظ على أولاده ولا يظهر ما يسؤهم. # * (تفتؤا) * أي: لا تفتأ، حذف حرف النفي لأنه لا يلتبس بالإثبات لأنه لو كان إثباتا لم يكن بد من اللام والنون، ونحوه: # فقلت: يمين الله ms0572 أبرح قاعدا (2) ومعنى " لا تفتأ ": لا تزال، كما يقال: ما فتئ يفعل كذا * (حتى تكون حرضا) * أي: مشفيا على الهلاك، وأحرضه المرض، ويستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث لأنه مصدر، والصفة حرض، ومثله: دنف ودنف. # البث: أصعب الهم الذي لا يصبر عليه صاحبه فيبثه إلى الناس، أي: ينشره، و * (إنما أشكوا) * معناه: لا أشكو إلى أحد وإنما أشكو * (إلى الله وأعلم من) * صنع * (الله) * ورحمته * (ما لا تعلمون) * وحسن ظني به أنه يأتيني بالفرج من حيث لا أحتسب، وروي: أنه رأى ملك الموت (عليه السلام) فسأله: هل قبضت روح يوسف؟ # فقال: لا، فعلم أنه حي (3). فقال: * (اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه) * أي: # فتعرفوا منهما وتطلبوا خبرهما، وهو تفعل من الإحساس وهو المعرفة * (من روح الله) * من فرجه وتنفيسه، وقيل: من رحمته (4) * (إنه لا يايئس من روح الله إلا القوم الكافرون) * لأن المؤمن من الله على خير، يرجوه عند البلاء، ويشكره في الرخاء. # PageV02P237 # * (فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزى المتصدقين (88) قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون (89) قالوا أإنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (90) قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين (91) قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين (92) اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين (93)) * * (الضر) * الهزال من الجوع والشدة، شكوا إلى يوسف ما نالهم من القحط وهلاك المواشي، والبضاعة المزجاة: المدفوعة، يدفعها كل تاجر رغبة عنها وتحقيرا لها، من أزجيته: إذا دفعته وطردته، قيل: كانت من متاع الأعراب: # الصوف والسمن (1)، وقيل: كانت دراهم زيوفا (2) لا تنفق في ثمن الطعام (3)، * (فأوف لنا الكيل) * كما كنت توفيه في السنين الماضية * (وتصدق علينا) * وتفضل علينا بالمسامحة، وزدنا على حقنا * (إن الله يجزى المتصدقين) * يثيبهم على صدقاتهم بأفضل منها. ms0573 # فرق يوسف لهم ولم يتمالك أن عرفهم نفسه، و * (قال) * لهم: * (هل علمتم ما فعلتم) * استفهم عن وجه القبح الذي يجب أن يراعيه التائب، أي: هل علمتم قبح * (ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون) * لا تعلمون قبحه فلذلك أقدمتم عليه، يعني: هل علمتم قبحه فتبتم إلى الله منه؟ لأن علم القبح يجر إلى التوبة، فكان # PageV02P238 # كلامه شفقة عليهم ونصحا لهم في الدين، إيثارا لحق الله على حق نفسه في ذلك المقام الذي ينفث فيه المصدور ويتشفي المحنق المغيظ، وقيل: معناه: إذ أنتم صبيان أو شبان حين يغلب على الإنسان الجهل (1). # وقرئ: * (أإنك) * على الاستفهام، و " إنك " على الإيجاب (2)، قيل: إنه تبسم فأبصروا ثناياه فعرفوه وكانت كاللؤلؤ المنظوم (3)، وقيل: رفع التاج عن رأسه فعرفوه (4) * (إنه من يتق) * الله: من يخف الله وعقابه * (ويصبر) * عن المعصية وعلى الطاعة * (فإن الله لا يضيع أجر) * هم، فوضع * (المحسنين) * موضع الضمير، لاشتماله على المتقين والصابرين. # * (لقد آثرك الله علينا) * أي: فضلك علينا بالتقوى والصبر وسيرة المحسنين، وإن شأننا وحالنا أنا * (كنا لخاطئين) * متعمدين للإثم، لاجرم أن الله أعزك وأذلنا. # * (لا تثريب عليكم) * لا عتب ولا تعيير ولا تأنيب * (عليكم اليوم) * أي: لا أثربكم اليوم فيما فعلتم * (يغفر الله لكم) * ذنوبكم، دعا لهم بالمغفرة لما فرط منهم. # * (اذهبوا بقميصي هذا) *، قيل: إنه القميص المتوارث الذي كان في تعويذ يوسف وكان من الجنة (5) * (يأت بصيرا) * أي: يرجع بصيرا، أو يأت إلي وهو بصير، وينصره قوله: * (وأتوني بأهلكم أجمعين) * أي: ليأتني أبي وآله جميعا. # * (ولما فصلت العير قال أبوهم إني لاجد ريح يوسف لولا أن تفندون (94) قالوا تالله إنك لفي ضللك القديم (95) فلما أن جاء البشير ألقبه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله # PageV02P239 # ما لا تعلمون (96) قالوا يأبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خطين (97) قال سوف أستغفر لكم ربى إنه هو الغفور الرحيم (98)) * * (ولما) * خرجت القافلة وانفصلت * (العير) * من مصر * (قال أبوهم) * يعقوب لولد ولده ومن حوله: * (إني لاجد ريح يوسف) ms0574 * أوجده الله تعالى ريح القميص حين أقبل من مسيرة ثمان أو عشر * (لولا أن تفندون) * أي: تنسبوني إلى الفند وهو الخرف، والمعنى: لولا تفنيدكم إياي لصدقتموني. # * (إنك لفي ضللك القديم) * أي: في ذهابك عن الصواب قدما (1) في إفراط محبتك ليوسف ورجائك للقائه، وكان عندهم أنه قد مات. # * (فلما أن جاء البشير ألقبه) * يعني: القميص، طرحه * (على) * وجه يعقوب، أو ألقاه يعقوب * (فارتد) * فرجع * (بصيرا قال ألم أقل لكم) * يعني قوله: * (ولا تايئسوا من روح الله) * (2)، وقوله: * (إني أعلم) * كلام مبتدأ لم يقع عليه القول، ويجوز أيضا أن يكون واقعا عليه. # * (سوف أستغفر لكم) * قيل: إنه أخر الاستغفار إلى وقت السحر، لأنه أقرب إلى إجابة الدعاء (3)، وقيل: إلى سحر ليلة الجمعة (4). # * (فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين (99) ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربى حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين # PageV02P240 # إخوتي إن ربى لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم (100) رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت ولى ى في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين (101) ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون (102)) * معنى دخولهم * (على يوسف) * قبل دخولهم مصر: أنهم حين استقبلهم يوسف كأنه نزل لهم في بيت أو مضرب هناك، فدخلوا عليه وضم * (إليه أبويه) * ثم * (قال) * لهم: * (ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين) * وتعلقت المشيئة بالدخول مقيدا بالأمن، والتقدير: ادخلوا مصر آمنين إن شاء الله دخلتموه آمنين، ثم حذف الجزاء لدلالة الكلام عليه، ثم اعترض بالجملة الجزائية بين الحال وذي الحال، وقوله: * (آوى إليه أبويه) * معناه: ضمهما إليه واعتنقهما. # ولما دخل مصر وجلس في مجلسه مستويا على سريره واجتمعوا إليه أكرم أبويه فرفعهما * (على) * السرير * (وخروا له) * يعني: الإخوة الأحد عشر * (سجدا) * وكانت ms0575 السجدة عندهم جارية مجرى التحية والتكرمة، وقيل: معناه: خر إخوته وأبواه لأجله سجدا لله شكرا (1)، ويعضده ما روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قرأ: # " وخروا لله ساجدين "، * (وقد أحسن بي) * يقال: أحسن به وإليه، وأساء به وإليه، قال: # أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة * لدينا ولا مقلية إن تقلت (2) و * (البدو) * البادية، وهم كانوا أهل بادية وأصحاب مواش، ينتقلون في المياه # PageV02P241 # والمناجع (1) * (نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي) * أي: أفسد بيننا وحرش * (إن ربى لطيف) * في تدبير عباده يسهل لهم العسير، وبلطفه اجتمعنا. # وروي: أن يعقوب أقام معه أربعا وعشرين سنة ثم مات ودفن بالشام عن وصية منه بذلك (2)، وقيل: إنه عاش مع يوسف حولين، وعاش يوسف بعد أبيه ثلاثا وعشرين سنة (3)، فلما تم أمره وعلم أنه لا يدوم له ملكه طلبت نفسه الملك الدائم الذي لا يفنى، فتمنى الموت وما تمناه نبي قبله ولا بعده، فتوفاه الله طيبا طاهرا. # و * (من) * في قوله: * (من الملك) * و * (من تأويل الأحاديث) * للتبعيض، لأنه لم يؤت إلا بعض ملك الدنيا أو بعض ملك مصر وبعض التأويل * (أنت ولى ى) * أنت الذي تتولاني بالنعمة في الدارين، وتوصل الملك الفاني بالملك الباقي * (فاطر السماوات) * وصف لقوله: * (رب) * أو نصب على النداء * (وألحقني بالصالحين) * من آبائي، أو على العموم. # * (ذلك) * إشارة إلى ما سبق من نبأ يوسف وهو مبتدأ، و * (من أنباء الغيب نوحيه إليك) * خبران، والمعنى: أن هذا النبأ غيب لم يحصل لك إلا من جهة الوحي، لأنك لم تحضر بني يعقوب حين * (أجمعوا أمرهم وهم يمكرون) * بيوسف، ويبغون له الغوائل حتى ألقوه في الجب. # PageV02P242 # * (وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين (103) وما تسلهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعلمين (104) وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون (105) وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (106) أفأمنوا أن تأتيهم غشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون (107) قل هذه سبيلي ادعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان ms0576 الله وما أنا من المشركين (108) وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون (109)) * * (وما أكثر الناس) * يريد العموم، وعن ابن عباس: يريد أهل مكة (1)، أي: # وما هم بمؤمنين * (ولو حرصت) * على إيمانهم، لعنادهم وتصميمهم على الكفر. # * (وما تسلهم) * على تبليغ الرسالة أجرا فيصدهم ذلك عن الإيمان * (إن هو إلا ذكر) * عظة من الله تعالى * (للعلمين) * عامة، يعني: القرآن. # * (و) * كم * (من آية) * أي: علامة ودلالة على توحيد الله * (يمرون عليها) * ويشاهدونها * (وهم... معرضون) * عنها، لا يعتبرون بها. * (وما يؤمن أكثرهم) * في إقرارهم * (بالله) * وبأنه خلقهم وخلق السماوات والأرض * (إلا وهم مشركون) * بعبادة الأوثان، يريد: مشركي قريش، وقيل: هم الذين يشبهون الله بخلقه (2)، وقيل: هم أهل الكتاب معهم شرك وإيمان (3). # PageV02P243 # وعن الباقر (عليه السلام): " أنه شرك الطاعة لا شرك العبادة، أطاعوا الشيطان في ارتكاب المعاصي " (1). # * (أفأمنوا أن تأتيهم غشية) * أي: نقمة تغشاهم، وعذاب يغمرهم. # * (قل هذه سبيلي) * هذه السبيل التي هي الدعوة إلى الإيمان والتوحيد سبيلي، ثم فسر سبيله بقوله: * (ادعوا إلى الله على بصيرة) * أي: أدعو إلى دينه مع حجة واضحة، و * (أنا) *: تأكيد للضمير المستكن في * (ادعوا) *، و * (من اتبعني) * عطف عليه، أي: أدعو إليها أنا ويدعو إليها من اتبعني، ويجوز أن يكون * (على بصيرة) * حالا من * (ادعوا) * عاملة الرفع في * (أنا ومن اتبعني) *، * (وسبحان الله) * وأنزه الله من الشركاء. # * (إلا رجالا) * لا ملائكة، وقرئ: * (نوحي إليهم) * بالنون (2) * (من أهل القرى) * لأنهم أعلم وأحلم، وأهل البوادي أهل الجفاء والقسوة * (ولدار) * الساعة * (الآخرة) *، أو الحالة * (الآخرة خير للذين اتقوا) * أي: خافوا الله فلم يشركوا به. # * (حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجى من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين (110) لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شئ وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (111)) * هنا حذف ms0577 دل الكلام عليه، كأنه قيل: وما أرسلنا قبلك إلا رجالا قد تأخر نصرنا إياهم كما أخرناه عن هذه الأمة * (حتى إذا) * استيأسوا عن النصر * (وظنوا أنهم قد كذبوا) * أي: فظن * (الرسل) * أنهم قد كذبهم قومهم فيما وعدوهم من # PageV02P244 # العذاب والنصر عليهم، وقرئ: * (كذبوا) * بالتخفيف، وهو قراءة أئمة الهدى (عليهم السلام) (1)، ومعناه: وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوهم فيما أخبروهم به من نصرة الله إياهم (2)، جاء الرسل * (نصرنا) * بإرسال العذاب على الكفار " فننجي من نشاء " (3) أي: نخلص من نشاء من العذاب عند نزوله، وقرئ: * (فنجى) * بالتشديد على لفظ الماضي المبني للمفعول، والمراد ب‍ * (من نشاء) *: المؤمنون، ويبين ذلك قوله: * (ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين) *. # الضمير في * (قصصهم) * راجع إلى يوسف وإخوته * (عبرة) * أي: اعتبار للعقلاء، فإن نبينا (صلى الله عليه وآله) لم يقرأ كتابا ولا سمع حديثا ولا خالط أهله ثم حدثهم به في حسن نظمه ومعانيه بحيث لم يرد عليه أحد من ذلك شيئا، وفيه أوضح برهان على صحة نبوته * (ما كان) * القرآن * (حديثا يفترى) * أي: يختلق * (ولكن) * كان * (تصديق الذي بين يديه) * أي: قبله من الكتب السماوية * (وتفصيل كل شئ) * يحتاج إليه في الدين * (وهدى) * ودلالة * (ورحمة) * ونعمة ينتفع بها المؤمنون علما وعملا. # PageV02P245 # سورة الرعد مختلف فيها (1)، وهي خمس وأربعون آية بصري، وثلاث كوفي، عد غير الكوفي * (لفي خلق جديد) * (2)، * (الظلمات والنور) * (3). # في حديث أبي: " ومن قرأ سورة الرعد أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل سحاب مضى وكل سحاب يكون إلى يوم القيامة، وكان يوم القيامة من الموفين بعهد الله " (4). # وعن الصادق (عليه السلام): " من أكثر قراءة الرعد لم يصبه الله بصاعقة أبدا، وأدخل الجنة بغير حساب " (5). # PageV02P247 # بسم الله الرحمن الرحيم * (المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (1) الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجرى لأجل مسمى يدبر الامر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون (2) وهو الذي مد الأرض ms0578 وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشى الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (3)) * * (تلك) * مبتدأ و * (آيات الكتاب) * خبره * (والذي أنزل إليك) * من القرآن كله هو * (الحق) * الذي لا مزيد عليه. # * (الله) * مبتدأ و * (الذي رفع) * خبره، بدليل قوله: * (وهو الذي مد الأرض) *، ويجوز أن يكون صفة وقوله: * (يدبر الامر يفصل الآيات) * خبرا بعد خبر * (ترونها) * كلام مستأنف بمعنى: وأنتم ترونها كذلك، ليس دونها دعامة ولا فوقها علاقة، وقيل: * (ترونها) * صفة ل‍ * (عمد) * (1)، وقرئ: " عمد " بضمتين (2)، يعني: # بغير عمد مرئية، وإنما تعمدها قدرة الله عز وجل * (يدبر) * أمر ملكوته وأمور خلقه على الوجه الذي توجبه الحكمة * (يفصل) * آياته في كتبه المنزلة * (لعلكم... # توقنون) * بالجزاء، وبأن هذا المدبر المفصل قادر على البعث والنشور، ولابد لكم من الرجوع إليه. # * (مد الأرض) * بسطها طولا وعرضا * (وجعل فيها رواسي) * جبالا ثوابت # PageV02P248 # * (ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين) * أي: خلق فيها من جميع أنواعها زوجين زوجين: أسود وأبيض وحلوا وحامضا ورطبا ويابسا وما أشبه ذلك من الأصناف المختلفة * (يغشى الليل النهار) * يلبس ظلمة الليل ضياء النهار فيصير مظلما بعد أن كان مضيئا. # * (وفي الأرض قطع متجاورات وجنت من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء وا حد ونفضل بعضها على بعض في الاكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (4) وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحب النار هم فيها خالدون (5)) * * (قطع متجاورات) * بقاع مختلفة مع كونها متجاورة متلاصقة: طيبة إلى سبخة، وصلبة إلى رخوة، وصالحة للزرع والشجر إلى أخرى على عكسها مع انتظام جميعها في جنس الأرضية، وكذلك الكروم والزروع والنخيل النابتة (1) في هذه القطع مختلفة الأجناس والأنواع وهي تسقى * (بماء وا حد) *، وتراها متغايرة الثمار في الأشكال والهيئات والطعوم والروائح، متفاضلة فيها، و * (في ذلك) * دلالة على صنع القادر العالم الموقع أفعاله على وجه دون وجه، وقرئ: " وزرع ونخيل صنوان وغير ms0579 صنوان " بالجر (2) عطفا على * (أعناب) *، والصنوان: جمع صنو، وهي النخلة لها رأسان واصلهما واحد، وقرئ بضم الصاد (3) وكسرها وهما # PageV02P249 # لغتان، وقرئ: * (يسقى) * بالتاء (1) والياء، وقرئ: * (نفضل) * بالنون والياء (2) * (في الاكل) * بضم الكاف وسكونها (3). # * (وإن تعجب) * يا محمد من قولهم في إنكار البعث * (ف‍) * قولهم * (عجب) * حقيق بأن يتعجب منه، لأن من قدر على إنشاء ما عدد عليك من الصنائع العجيبة والفطر البديعة كانت الإعادة أهون عليه * (أإذا كنا) * إلى آخر قولهم، يجوز أن يكون في محل الرفع بدلا من * (قولهم) *، وأن يكون في محل نصب بالقول، و * (إذا) * نصب بما دل عليه قوله: * (أإنا لفي خلق جديد) * فكأنه قيل: أنبعث إذا متنا و * (كنا ترابا) *، * (أولئك الذين كفروا) * أولئك المتمادون في كفرهم الكاملون فيه * (وأولئك الأغلال في أعناقهم) * وصف لهم بالإصرار، كقوله: # * (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا) * (4)، وكقول الشاعر: # لهم عن الرشد أغلال وأقياد (5) أو هو من جملة الوعيد. # * (ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب (6) ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم هاد (7) الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل # PageV02P250 # شئ عنده بمقدار (8) علم الغيب والشهدة الكبير المتعال (9) سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار (10) له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له ومالهم من دونه من وال (11)) * * (بالسيئة قبل الحسنة) * بالعذاب والنقمة قبل الرحمة، بالعافية والإحسان إليهم بالإمهال، وذلك أنهم سألوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يأتيهم بالعذاب * (وقد خلت) * أي: وقد مضت * (من قبلهم المثلات) * أي: عقوبات أمثالهم من المكذبين، وسميت العقوبة مثلة لما بين العقاب والمعاقب عليه من المماثلة، وجزاء السيئة سيئة مثلها، ويقال: أمثلت الرجل من صاحبه وأقصصته منه، والمثال: ms0580 القصاص * (وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم) * أي: مع ظلمهم أنفسهم بالذنوب، ومحله النصب على الحال، بمعنى: ظالمين لأنفسهم. # وعن سعيد بن المسيب (1): لما نزلت هذه الآية قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحدا العيش، ولولا وعيد الله وعقابه لاتكل كل واحد " (2). # * (لولا أنزل عليه آية) * لم يعتدوا بالآيات المنزلة على رسول الله (صلى الله عليه وآله) عنادا، فاقترحوا نحو آيات موسى وعيسى (عليهما السلام) من انقلاب العصا حية وإحياء الموتى، فقيل: * (إنما أنت) * يا محمد * (منذر) * مخوف لهم من سوء العاقبة، وما عليك # PageV02P251 # إلا الإتيان بما يصح به أنك رسول منذر، والآيات كلها متساوية في حصول صحة الدعوى بها * (ولكل قوم هاد) * يهديهم إلى الدين، ويدعوهم إلى الله بوجه من الهداية وبآية خص بها، ولم يجعل الأنبياء شرعا (1) سواء في الآيات والمعجزات. # * (الله يعلم ما تحمل كل أنثى) *: * (ما) * إما موصولة في * (ما تحمل) * و * (ما تغيض) * و * (ما تزداد) * وإما مصدرية، فإن كانت موصولة فالمعنى: أنه يعلم ما تحمله من الولد على أي حال هو من ذكورة وأنوثة وتمام وخداج (2) وحسن وقبح وغير ذلك من الصفات * (و) * يعلم * (ما) * تغيضه * (الأرحام) * أي: تنقصه، يقال: غاض الماء وغضته أنا * (وما تزداد) * أي: تأخذه زائدا، ومما تنقصه الرحم وتزداده عدد الولد، فإن الرحم يشتمل على واحد واثنين وثلاثة وأكثر، ومنه حد الولد في أن يكون تاما ومخدجا، ومنه مدة الولادة. وإن كانت مصدرية فالمعنى: # أنه يعلم حمل كل أنثى ويعلم غيض الأرحام وازديادها، لا يخفي عليه شئ من ذلك، ويجوز أن يراد غيوض ما في الأرحام وزيادته، فأسند الفعل إلى " الأرحام " وهو لما فيها، على أن يكون الفعلان غير متعديين، ويعضده قول الحسن: # الغيضوضة: أن تضع لثمانية أشهر أو أقل من ذلك، والازدياد: أن تزيد على تسعة أشهر (3)، وعنه: الغيض: أن يكون سقطا لغير تمام والازدياد ما ولد لتمام (4)، * (وكل شئ عنده بمقدار) * بقدر (5) وحد لا يجاوزه ولا يقصر عنه. # * (الكبير) * العظيم ms0581 الشأن الذي كل شئ دونه * (المتعال) * المستعلي عل كل شئ بقدرته، أو الذي كبر عن صفات المخلوقين. # PageV02P252 # * (سارب) * أي: ذاهب في سربه، بالفتح أي: في طريقه ومذهبه، يقال: سرب في الأرض سروبا، والمعنى: سواء عنده من استخفي أي: طلب الخفاء (1) في مختبأ * (بالليل) * في ظلمته ومن يضطرب في كل وجه ظاهرا * (بالنهار) * يبصر كل أحد، والضمير في * (له) * راجع إلى * (من) * والمعنى: لمن أسر ومن جهر، ومن استخفي ومن سرب. # * (معقبات) * أي: جماعات من الملائكة تعتقب في حفظه وكلاءته، والأصل: # معتقبات، فأدغمت التاء في القاف، أو مفعلات (2) من عقبه: إذا جاء على عقبه، كما يقال: قفاه، لأن بعضهم يعقب بعضا، أو لأنهم يعقبون ما يتكلم به فيكتبونه * (يحفظونه من أمر الله) * هما صفتان جميعا، وليس * (من أمر الله) * بصلة للحفظ، كأنه قيل: له معقبات من أمر الله، أو: يحفظونه من أجل أمر الله تعالى أي: من أجل أن الله أمرهم بحفظه، والدليل عليه قراءة علي (عليه السلام) وابن عباس وجعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام): " له رقيب من بين يديه ومعقبات من خلفه يحفظونه بأمر الله " (3)، * (إن الله لا يغير ما بقوم) * من العافية والنعمة * (حتى يغيروا ما بأنفسهم) * من الحال الجميلة بكثرة المعاصي * (ومالهم من دونه من وال) * يلي أمرهم ويدفع عنهم. # * (هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال (12) ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجدلون في الله وهو شديد المحال (13) له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشئ إلا كبسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببلغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلل (14) ولله # PageV02P253 # يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال (15)) * * (خوفا وطمعا) * لا يجوز أن يكون انتصابهما على المفعول له، لأنهما ليسا بفعل فاعل الفعل المعلل إلا أن يكون على تقدير حذف مضاف، أي: إرادة خوف وطمع، أو على معنى: إخافة وإطماعا، ويجوز أن يكون انتصابهما على الحال من * (البرق) * كأنه ms0582 في نفسه خوف وطمع، أو على: ذا خوف وطمع، أو من المخاطبين أي: خائفين وطامعين، ومعنى الخوف والطمع: أنه يخاف عند لمع البرق من وقوع الصواعق ويطمع في الغيث، وقيل: يخاف المطر من له فيه ضرر كالمسافر ومن له بيت يكف (1) عليه، ويطمع فيه من له نفع فيه (2)، * (وينشئ السحاب الثقال) * بالماء: يرفعها من الأرض ويجريها في الجو. # * (ويسبح الرعد) * أي: سامعو الرعد من العباد حامدين له، يقولون: سبحان الله والحمد لله، وقيل: إن الرعد ملك موكل بالسحاب يزجره بصوته، فهو يسبح الله ويحمده (3) * (والملائكة من خيفته) * أي: يسبح الملائكة من هيبته وجلاله. # ولما ذكر سبحانه ما دل على أنه العالم القادر على كل شئ قال: * (وهم) * يعني: الكفار الذين أنكروا آياته * (يجدلون في الله) * حيث ينكرون على رسوله ما يصفه به من القدرة على البعث والإعادة ويتخذون له الشركاء والأنداد، فهذا جدالهم، و * (المحال) *: المماحلة وهي المماكرة والمكايدة، ومنه تمحل لكذا: # إذا تكلف استعمال الحيلة واجتهد فيه، ومحل بفلان: إذا سعى به إلى السلطان، ومنه # PageV02P254 # الحديث: " ولا تجعله بنا ماحلا مصدقا " يعني: القرآن، والمعنى: أنه شديد المكر بأعدائه، يأتيهم بالهلاك من حيث لا يشعرون. # * (له دعوة الحق) * معناه: أنه سبحانه يدعى فيستجيب الدعوة، فأضيفت ال‍ * (دعوة) * إلى * (الحق) * لكونها مختصة بالحق وبمعزل من الباطل، وقيل: إن معناه: دعوة المدعو الحق الذي يسمع ويجيب وهو الله سبحانه (1)، وعن الحسن: # الحق: هو الله، وكل دعاء إليه دعوة الحق (2)، * (والذين يدعون من دونه) * أي: # والآلهة الذين يدعوهم الكفار من دون الله * (لا يستجيبون لهم بشئ) * من طلباتهم * (إلا كبسط كفيه) * إلا استجابة كاستجابة باسط كفيه، أي: كاستجابة * (الماء) * من بسط كفيه إليه يطلب منه أن يبلغ * (فاه) *، والماء جماد لا يشعر ببسط كفيه ولا بحاجته إليه، ولا يقدر أن يجيب دعاءه ويبلغ فاه، وقيل: معناه: أنهم كمن أراد أن يغرف الماء بيديه ليشربه فيبسطهما ناشرا أصابعه فلم تلق كفاه منه شيئا (3) * (إلا في ضلل) * أي: في ضياع لا جدوى فيه. # * (ولله يسجد) ms0583 * أي: ينقادون لإحداث ما أراده فيهم من أفعاله شاؤوا أم أبوا، وينقاد له (4) * (ظللهم) * أيضا، حيث يتصرف على مشيئته في الامتداد والتقلص والفئ والزوال. # * (قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوى الأعمى والبصير أم هل تستوى الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشبه # PageV02P255 # الخلق عليهم قل الله خلق كل شئ وهو الواحد القهر (16)) * * (قل) * يا محمد لهؤلاء الكفار: * (من رب السماوات والأرض) * ومدبرهما؟ # فإذا استعجم (1) عليهم الجواب ولا يمكنهم أن يقولوا: الأصنام، فلقنهم و * (قل الله) *، فإنهم لا يقدرون أن ينكروه * (قل أفاتخذتم) * بعد أن علمتموه رب السماوات والأرض * (من دونه أولياء) * فجعلتم ما كان يجب أن يكون سبب التوحيد من علمكم وإقراركم سبب الإشراك * (لا يملكون لأنفسهم) * أي: # لا يستطيعون لها * (نفعا ولا ضرا) * فكيف يستطيعونه لغيرهم وقد آثرتموهم على الخالق الرازق فما أبين ضلالكم! * (أم جعلوا) * بل اجعلوا، وهي همزة الإنكار * (خلقوا) * صفة ل‍ * (شركاء) *، يعني: أنهم لم يتخذوا * (لله شركاء) * خالقين قد * (خلقوا) * مثل خلق الله * (فتشبه... عليهم) * خلق الله وخلقهم حتى يقولوا: قدر هؤلاء على الخلق كما قدر الله عليه فاستحقوا العبادة، فنتخذهم له شركاء ونعبدهم كما عبدنا الله، ولكنهم اتخذوا له شركاء عاجزين لا يقدرون على شئ * (قل الله خلق كل شئ) * لا خالق سواه، فلا يكون له شريك في العبادة * (وهو الواحد) * في الإلهية * (القهر) * لا يغالب، ومن سواه مربوب ومقهور. # * (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والبطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال (17) للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم # PageV02P256 # جهنم وبئس المهاد (18)) * هذا مثل ضربه * (الله) * تعالى للحق وأهله والباطل ms0584 وأهله، فمثل الحق وأهله بالماء الذي ينزله * (من السماء) * فتسيل به * (أودية) * الناس فيحيون به وينتفعون منه بأنواع المنافع، وبالفلز الذي ينتفعون به في اتخاذ الحلي والآلات المختلفة، وأن ذلك ماكث في الأرض باق بقاء ظاهرا، يثبت الماء في منافعه ويبقى آثاره في العيون والآبار والحبوب والثمار التي تنبت به، وكذلك الجواهر تبقى أزمنة طويلة، وشبه الباطل في سرعة اضمحلاله ووشك زواله وخلوه من المنفعة بزبد السيل الذي يرمي به وبزبد الفلز الذي يطفو فوقه إذا أذيب. # وقوله: * (بقدرها) * معناه: بمقدارها الذي عرف الله أنه نافع غير ضار، والفائدة في قوله: * (ابتغاء حلية) * كالفائدة في قوله: * (بقدرها) * لأنه جمع الماء والفلز في النفع في قوله: * (وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) *، فذكر وجه الانتفاع بما يوقد عليه منه ويذاب وهو الحلية والمتاع، وقوله: * (ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متع) * عبارة جامعة لأنواع الفلز مع إظهار الكبرياء في ذكره على وجه التهاون به كما جاء في ذكر الآجر * (فأوقد لي يا هامان على الطين) * (1)، و * (من) * لابتداء الغاية، أي: ومنه ينشأ * (زبد) * مثل زبد الماء، أو للتبعيض بمعنى: وبعضه زبد، والرابي: العالي المنتفخ على وجه الماء، والجفاء: # المتفرق، جفأه السيل أي: رمى به، وجفأت القدر بزبدها، وقرئ: * (يوقدون) * بالياء (2)، أي: يوقد الناس. # * (للذين استجابوا) * اللام متعلقة ب‍ * (يضرب) * أي: كذلك يضرب الله الأمثال # PageV02P257 # للذين استجابوا وهم المؤمنون * (و) * للذين * (لم يستجيبوا) * وهم الكافرون، أي: # هما مثلا الفريقين، و * (الحسنى) * صفة لمصدر * (استجابوا) * أي: استجابوا الاستجابة الحسنى، وقوله: * (لو أن لهم) * كلام مبتدأ في ذكر ما أعد لغير المستجيبين، وقيل: إن الكلام قد تم عند قوله: * (كذلك يضرب الله الأمثال) * وما بعده كلام مستأنف (1)، و * (الحسنى) * مبتدأ خبره * (للذين استجابوا) *، والمعنى: لهم المثوبة الحسنى وهي الجنة، و * (الذين لم يستجيبوا) * مبتدأ خبره * (لو) * مع ما في حيزه، و * (سوء الحساب) * المناقشة في الحساب، وعن النخعي (2): أن يحاسب الرجل بذنوبه كلها: لا يغفر منها شئ (3). # الصادق (عليه السلام): " هو ms0585 أن لا يقبل لهم حسنة، ولا يغفر لهم سيئة " (4). # * (أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب (19) الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق (20) والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب (21) والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار (22) جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذريتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل # PageV02P258 # باب (23) سلم عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار (24)) * دخلت همزة الإنكار على الفاء لإنكار أن تقع شبهة بعد ما ضرب من المثل في أن حال من علم * (أنما أنزل إليك من ربك الحق) * فاستجاب، بخلاف حال الجاهل الذي لم يستبصر فيستجيب، وبينهما من البون ما بين الزبد والماء والخبث والإبريز (1) * (إنما يتذكر أولوا الألباب) * الذين يعملون على قضايا عقولهم فيتفكرون ويستبصرون. # * (الذين يوفون) * مبتدأ وخبره * (أولئك لهم عقبى الدار) *، ويجوز أن يكون صفة ل‍ * (أولوا الألباب) * والأول أوجه * (ما أمر الله به أن يوصل) * من الأرحام والقرابات، ويدخل فيه وصل قرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقرابة المؤمنين (2) الثابتة بسبب الإيمان، بالإحسان إليهم بحسب الطاقة (3) والذب عنهم ونصرتهم والنصيحة لهم وعيادة مرضاهم وحضور جنائزهم، ومنه مراعاة حق الخدم والجيران والرفقاء في السفر * (ويخشون ربهم) * أي: يخافون وعيده كله * (ويخافون) * خصوصا * (سوء الحساب) * فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا. # * (والذين صبروا) * على القيام بأوامر الله ومشاق التكليف، وعلى المصائب في النفوس والأموال، وعن معاصي الله * (ابتغاء وجه ربهم) * لا لغرض من الأغراض الدنيوية، أو ليقال: ما أصبره وأوقره ولئلا يشمت به الأعداء، كقوله: # وتجلدي للشامتين أريهم * أني لريب الدهر لا أتضعضع (4) # PageV02P259 # * (وأنفقوا مما رزقناهم) * من الحلال، لأن الحرام لا يكون رزقا ولا يسند إلى الله * (سرا وعلانية) * يتناول النافلة، لأنها في السر أفضل، فأما الفرائض فالمجاهرة بها أفضل، نفيا للتهمة * (ويدرءون بالحسنة السيئة) * يدفعونها، ومنه الحديث: " أتبع السيئة الحسنة تمحها " (1)، وعن ابن عباس: يدفعون ms0586 بالحسن من الكلام ما يرد عليهم من سيئ غيرهم (2)، وعن الحسن: إذا حرموا أعطوا، وإذا ظلموا عفوا، وإذا قطعوا وصلوا (3) * (أولئك لهم عقبى الدار) * عاقبة الدنيا وهي الجنة، لأنها التي أراد الله أن تكون عاقبة الدنيا ومرجع أهلها، و * (جنات عدن) * بدل من * (عقبى الدار) *. # * (من آبائهم) * جمع أبوي كل واحد منهم، فكأنه قيل: من آبائهم وأمهاتهم، جعل سبحانه من ثواب المطيع سروره بما يريه في أهله وأنسابه وذريته وإلحاقهم به في الجنة * (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب) * من أبواب قصورهم. # * (سلم عليكم) * في موضع الحال، لأن المعنى: قائلين: سلام عليكم أو مسلمين، وتعلق قوله: * (بما صبرتم) * بمحذوف تقديره: هذا بما صبرتم، يعنون: هذا الثواب بما صبرتم، أي: بسبب صبركم، أو بدل ما احتملتم من مشاق الصبر، والمعنى: لئن تعبتم في الدنيا لقد استرحتم الساعة، ويجوز أن يتعلق ب‍ * (سلم) * أي: نسلم عليكم ونكرمكم بصبركم. # PageV02P260 # * (والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار (25) الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متع (26) ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب (27) الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب (28) الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب (29) كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربى لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب (30)) * * (من بعد ميثاقه) * أي: من بعد ما أوثقوه به من الاعتراف والقبول * (ويفسدون في الأرض) * بمعاصي الله وظلم عباده وإخراب بلاده * (ولهم سوء الدار) * أي: عذاب النار. # * (الله يبسط الرزق) * أي: الله وحده هو يبسط الرزق ويقدره دون غيره، وهو الذي بسط رزق قريش * (وفرحوا) * بما بسط لهم منه فرح بطر لا فرح سرور بفضل الله وإنعامه عليهم، * (و) ms0587 * ليست هذه * (الحياة الدنيا في) * جنب نعيم * (الآخرة إلا متع) * أي: شئ قليل يتمتع به كعجالة الراكب ثم يفنى ويضمحل، وخفي عليهم ذلك حتى آثروه على النعيم الدائم. # * (ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه) * هو جار مجرى التعجب من قولهم، مع كثرة آياته الباهرة التي لم يؤتها نبي قبله، وكفي بالقرآن وحده آية معجزة، فإذا لم يعتدوا بها كان موضعا للتعجب، فكأنه قيل لهم: ما أشد عنادكم! # * (إن الله يضل من يشاء) * ممن كان مثلكم في التصميم على الكفر فلا سبيل إلى PageV02P261 # اهتدائهم وإن أنزلت كل آية * (ويهدي إليه من) * كان على خلاف صفتكم، ومعنى الإنابة: الإقبال على الحق، والدخول في نوبة الخير. # و * (الذين آمنوا) * بدل من * (من أناب) *، * (وتطمئن قلوبهم بذكر الله) * بذكر رحمة الله ومغفرته. # * (الذين آمنوا) * مبتدأ و * (طوبى لهم) * خبره، وطوبى: من طاب، مصدر كبشرى وزلفى، ومعنى طوبى لك: أصبت خيرا وطيبا، واللام للبيان، مثلها في: # سقيا لك، والواو في " طوبى " منقلبة عن ياء لضمة ما قبلها، كواو موقن وموسر. # وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله): " أن طوبى شجرة أصلها في داري وفرعها على أهل الجنة " (1). # وقال مرة أخرى: " في دار علي " فقيل له في ذلك، فقال: " إن داري ودار علي " في الجنة بمكان واحد " (2). # * (كذلك) * أي: مثل ذلك الإرسال * (أرسلناك) * يعني: أرسلناك إرسالا له فضل على غيره من الإرسالات * (في أمة قد) * تقدمتها * (أمم) * كثيرة، فهي آخر الأمم وأنت خاتم الأنبياء * (لتتلوا عليهم) * الكتاب العظيم * (الذي أوحينا إليك و) * حال هؤلاء أنهم * (يكفرون بالرحمن) * الواسع الرحمة، فكفروا بنعمته في إرسال مثلك إليهم، وإنزال هذا القرآن المعجز عليهم * (قل هو) * الرحمن * (ربى) * وخالقي * (لا إله إلا هو) * تعالى عن الشركاء والأنداد * (عليه توكلت) * في نصرتي عليكم * (وإليه) * مآبي، فيثيبني على مصابرتكم ومجاهدتكم. # * (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الامر جميعا أفلم يايئس الذين آمنوا أن لو يشاء الله # PageV02P262 # لهدى الناس جميعا ms0588 ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد (31) ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب (32) أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبونه بما لا يعلم في الأرض أم بظهر من القول بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فماله من هاد (33) لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق ومالهم من الله من واق (34)) * جواب * (لو) * محذوف، والمعنى: * (ولو أن قرآنا سيرت به الجبال) * عن مقارها، وزعزعت عن أماكنها * (أو قطعت به الأرض) * حتى تتصدع وتشقق قطعا، وقيل: معناه: شققت فجعلت أنهارا وعيونا (1) * (أو كلم به الموتى) * فتسمع وتجيب لكان هذا القرآن لعظم قدره وجلالة أمره، وقيل: لما آمنوا به (2)، كقوله: # * (ولو أننا نزلنا...) * الآية (3). وعن الفراء (4): أنه يتعلق بما قبله، والمعنى: وهم يكفرون بالرحمن ولو أن قرآنا سيرت به الجبال، وما بينهما اعتراض (5) * (بل لله الامر جميعا) * بل لله القدرة على كل شئ، وهو قادر على الآيات التي اقترحوها # PageV02P263 # لكنه لا يفعل، لما يعلمه من المصلحة. # * (أفلم يايئس) * أي: أفلم يعلم، وهي لغة قوم من النخع (1)، وقيل: إنما استعمل اليأس بمعنى العلم لتضمنه معناه، لأن اليائس عن الشئ عالم بأنه لا يكون، كما استعمل الرجاء بمعنى الخوف لذلك (2)، ويدل عليه أن أهل البيت (عليهم السلام) وابن عباس وجماعة من الصحابة والتابعين قرأوا: " أفلم يتبين " (3) وهو تفسير * (أفلم يايئس) *، ويجوز أن يكون المعنى: أولم يقنط عن إيمان هؤلاء الكفار * (الذين آمنوا) * ب‍ * (أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا) * ولهداهم * (ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا) * من كفرهم وسوء أفعالهم * (قارعة) * أي: داهية تقرعهم من صنوف المصائب في نفوسهم وأموالهم * (أو تحل) * القارعة * (قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله) * وهو موتهم أو القيامة، وقيل: المراد بالقارعة: سرايا النبي (صلى الله عليه وآله) التي كان يبعثها إليهم ms0589 فتغير حول مكة وتختطف منهم (4)، أو: تحل أنت يا محمد بجيشك قريبا من دارهم كما حل بالحديبية (5) حتى يأتي وعد الله وهو فتح مكة، لأنه سبحانه وعده ذلك. # PageV02P264 # والإملاء: الإمهال وأن يترك ملاوة من الزمان في خفض وأمن كالبهيمة يملى لها في المرعى، وهذا وعيد لهم. # * (أفمن هو قائم) * احتجاج عليهم في إشراكهم بالله، يعني: أفالله الذي هو رقيب * (على كل نفس) * صالحة أو طالحة * (بما كسبت) * يعلم خيره وشره، ويعد لكل جزاءه، كمن ليس كذلك؟ ويجوز أن يقدر ما يكون خبرا للمبتدأ ويعطف عليه * (وجعلوا) * وتقديره: أفمن هو بهذه الصفة لم يوحدوه وجعلوا له وهو الله الذي يستحق العبادة وحده * (شركاء قل سموهم) * أي: جعلتم له شركاء فسموهم له من هم، وأنبئوه بأسمائهم، ثم قال: * (أم تنبئونه) * هي " أم " المنقطعة، أي: بل أتنبئونه بشركاء لا يعلمهم * (في الأرض) * وهو العالم بما في السماوات والأرض، فإذا لم يعلمهم فإنهم ليسوا بشئ يتعلق بهم العلم، والمراد: نفي أن يكون له شركاء، ونحوه: * (قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض) * (1)، * (أم بظهر من القول) * بل أتسمونهم شركاء بظاهر من القول ليس له حقيقة، وهذه الأساليب العجيبة في الاحتجاج تنادي بلسان فصيح أنها ليست من كلام البشر * (وصدوا) * قرئ: بفتح الصاد (2) وضمها * (ومن يضلل الله) * ومن يخذله لعلمه بأنه لا يهتدي * (فماله من) * أحد يقدر على هدايته. * (لهم عذاب في الحياة الدنيا) * بالقتل والسبي وسائر المحن تلحقهم، عقوبة لهم على كفرهم * (ومالهم من الله من واق) * أي: دافع يدفع عنهم عذابه. # * (مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار (35) والذين # PageV02P265 # آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه ادعوا وإليه مآب (36) وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم مالك من الله من ولى ولا واق (37)) * * (مثل الجنة) * صفتها التي هي ms0590 في غرابة المثل، وهو مبتدأ محذوف الخبر عند سيبويه (1)، أي: فيما نقص عليكم مثل الجنة، وعند غيره (2) الخبر: * (تجري من تحتها الأنهار) * كما تقول: صفة زيد أسمر، وعن الزجاج: معناه: مثل الجنة جنة تجري من تحتها الأنهار، على حذف الموصوف تمثيلا لما غاب عنا بما نشاهد (3) * (أكلها دائم) * كقوله: * (لا مقطوعة ولا ممنوعة) * (4)، * (وظلها) * دائم لا ينسخ كما ينسخ في الدنيا بالشمس. # * (والذين آتيناهم الكتاب) * وهم: عبد الله بن سلام (5) وكعب (6) وأصحابهما ومن أسلم من النصارى وهم ثمانون رجلا: أربعون بنجران واثنان وثلاثون بأرض الحبشة وثمانية باليمن * (يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب) * # PageV02P266 # أي: ومن أحزابهم، وهم كفارهم المتحزبون على رسول الله بالعداوة * (من ينكر بعضه) * مما يخالف أحكامهم وغير ذلك مما حرفوه وبدلوه من الشرائع * (قل إنما أمرت) * فيما أنزل إلي ب‍ * (أن أعبد الله ولا أشرك به) * فإنكاركم له إنكار لعبادة الله وتوحيده * (إليه ادعوا) * خصوصا لا أدعو إلى غيره * (وإليه) * لا إلى غيره مرجعي، فلا معنى لإنكاركم وأنتم تقولون مثل ذلك. # * (وكذلك) * ومثل ذلك الإنزال * (أنزلناه) * مأمورا فيه بعبادة الله وتوحيده والدعوة إليه وإلى دينه * (حكما عربيا) * حكمة عربية مترجمة بلسان العرب، وانتصابه على الحال * (ولئن اتبعت أهواءهم) * في أمور يدعونك إلى أن توافقهم عليها ما هي إلا أهواء وشبه * (بعد) * ثبوت * (العلم) * عندك بالحجج والدلائل والبينات، لم ينصرك الله وخذلك، فلا يقيك منه * (واق) *، وهذا من باب الإلهاب والتهييج والبعث للسامعين على الصلابة في الدين، والتثبت فيه من الزلة عند الشبهة بعد الاستمساك بالحجة. # * (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب (38) يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب (39) وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلغ وعلينا الحساب (40)) * كانوا يعيرون رسول الله (صلى الله عليه وآله) بكثرة تزوج النساء، فقيل: إن الرسل قبله كانوا مثله ذوي أزواج وذرية * (وما كان) * لهم أن يأتوا بآيات برأيهم وبما يقترح عليهم ms0591 منها، والشرائع: مصالح تختلف باختلاف الأوقات والأحوال، ف‍ * (لكل) * وقت حكم يكتب على العباد، أي: يفرض عليهم على ما يقتضيه استصلاحهم. # * (يمحوا الله ما يشاء) * أي: ينسخ ما يستصوب نسخه * (ويثبت) * بدله ما يرى PageV02P267 # المصلحة في إثباته أو يتركه غير منسوخ، وقيل: يمحو من ديوان الحفظة ما يشاء من ذنوب المؤمنين فضلا فيسقط عقابه ويترك ذنوب من يريد عقابه مثبتا عدلا (1)، وقيل: يمحو بعض الخلائق ويثبت بعضا من الأناسي وسائر الحيوان والنبات والأشجار وصفاتها وأحوالها، فيمحو من الرزق والأجل ويزيد فيهما ويمحو السعادة والشقاوة ويثبتهما (2) * (وعنده أم الكتاب) * أصل كل كتاب وهو اللوح المحفوظ، لأن كل كائن مكتوب فيه. # * (وإن ما نرينك) * وكيفما دارت الحال أريناك * (بعض الذي) * وعدنا هؤلاء الكفار من نصرة المؤمنين عليهم، وتمكينك منهم بالقتل والأسر واغتنام الأموال، أو توفيناك قبل ذلك * (فإنما) * يجب * (عليك) * تبليغ الرسالة فحسب * (وعلينا) * حسابهم لا عليك، نجازيهم وننتقم منهم إما عاجلا وإما آجلا. # * (أولم يروا أنا نأتى الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب (41) وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفر لمن عقبى الدار (42) ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفي بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب (43)) * يريد: أرض الكفر * (ننقصها من أطرافها) * بما نفتح على المسلمين من بلادهم، فننقص من بلاد الحرب ونزيد في بلاد الإسلام وذلك من آيات النصر، والمعنى: عليك البلاغ ولا يهمنك ما وراء ذلك، فنحن نكفيكه ونتم ما وعدناك من الظفر وإعلاء كلمة الإسلام، وقيل: ننقصها بذهاب علمائها وخيار أهلها (3) # PageV02P268 # * (لا معقب لحكمه) * لا راد لحكمه، والمعقب: الذي يكر على الشئ فيبطله، وهو جملة في موضع الحال، كأنه قيل: والله يحكم نافذا حكمه. # * (وقد مكر الذين من قبلهم) * وصفهم بالمكر، ثم جعل مكرهم ك‍ " لا مكر " بالإضافة إلى مكره فقال: * (فلله المكر جميعا) *، ثم فسر ذلك بقوله: * (يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفر لمن عقبى الدار) *، لأن من علم ما ms0592 تكسب كل نفس وأعد لها جزاءها فهو المكر كله، لأنه يأتيهم من حيث لا يشعرون، وقرئ: # " الكافر " (1) والمراد بالكافر: الجنس. # * (كفي بالله شهيدا) * بما أظهر من المعجزات على نبوتي * (ومن عنده علم الكتاب) * والذي عنده علم القرآن وما ألف عليه من النظم المعجز، وقيل: ومن هو من علماء أهل الكتاب الذين أسلموا، لأنهم يشهدون بنعته في كتبهم (2)، وقيل: # هو الله عز وجل و * (الكتاب) * اللوح المحفوظ (3)، وقيل: هو علي بن أبي طالب (عليه السلام) (4). # الصادق (عليه السلام): " إيانا عنى، وعلي أولنا وأفضلنا وخيرنا بعد النبي (صلى الله عليه وآله) " (5). # PageV02P269 # سورة إبراهيم مكية إلا آيتين (1)، إحدى وخمسون آية بصري، اثنتان كوفي، عد الكوفي * (بخلق جديد) * (2) آية. # في حديث أبي: " من قرأ سورة إبراهيم أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من عبد الأصنام ومن لم يعبدها " (3). # الصادق (عليه السلام): " من قرأ سورة إبراهيم والحجر في ركعتين جميعا في كل جمعة لم يصبه فقر ولا جنون ولا بلوى " (4). # PageV02P271 # بسم الله الرحمن الرحيم * (الر كتب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد (1) الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد (2) الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلل بعيد (3) وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم (4)) * * (من الظلمات إلى النور) * من الضلالة إلى الهدى، ومن الكفر إلى الإيمان * (بإذن ربهم) * بتسهيله وتيسيره، مستعار من الإذن الذي هو تسهيل للحجاب، والمراد: ما يمنحهم سبحانه من التوفيق والألطاف * (إلى صراط العزيز) * بدل من قوله: * (إلى النور) * بتكرير العامل * (الله) * بالجر عطف بيان ل‍ * (العزيز الحميد) *، لأنه جرى مجرى الأعلام، لاختصاصه بالمعبود الذي تحق له العبادة، كما غلب النجم للثريا، وقرئ بالرفع (1) على " هو الله "، و " الويل ": نقيض الوأل وهو النجاة، وهو اسم معنى كالهلاك، إلا أنه لا يشتق منه فعل، إنما يقال: " ويلا له ms0593 " فينصب نصب المصادر، ثم يرفع رفعها لإفادة معنى الثبات فيقال: " ويل له " كما يقال: # سلام عليك، والمعنى: أنهم يولولون * (من عذاب شديد) * ويضجون منه فيقولون: # " يا ويلاه " كقوله تعالى: * (دعوا هنالك ثبورا) * (2). # * (الذين يستحبون) * مبتدأ خبره * (أولئك في ضلل بعيد) *، ويجوز أن # PageV02P272 # يكون مجرورا صفة ل‍ " الكافرين " ومنصوبا على الذم أو مرفوعا على: أعني * (الذين يستحبون) *، أو: هم * (الذين يستحبون) *، والاستحباب: استفعال من المحبة ومعناه: الإيثار * (ويبغونها عوجا) * أي: ويطلبون لسبيل الله اعوجاجا، وأن يدلوا الناس على أنها سبيل ناكبة عن الحق غير مستوية، والأصل: " يبغون لها " فحذف الجار وأوصل الفعل * (في ضلل بعيد) * أي: ضلوا عن طريق الحق ووقعوا دونه بمراحل، ووصف الضلال بالبعيد مجاز، وإنما البعد في الحقيقة للضال، لأنه هو الذي يتباعد عن الطريق، فهو نحو قولهم: جد جده. # * (إلا بلسان قومه) * أي: بلغة قومه * (ليبين لهم) * أي: ليفقهوا عنه ما يدعوهم إليه * (فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء) * هو مثل قوله: * (فمنكم كافر ومنكم مؤمن) * (1) لأنه سبحانه لا يضل إلا من يعلم أنه لن يؤمن، ولا يهدي إلا من يعلم أنه يؤمن، والمراد بالإضلال: التخلية ومنع الألطاف، والمراد بالهداية: التوفيق واللطف، فكان ذلك كناية عن الكفر والإيمان. # * (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (5) وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبنائكم ويستحيون نساءكم وفي ذا لكم بلاء من ربكم عظيم (6) وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد (7) وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغنى حميد (8)) * # PageV02P273 # * (أن أخرج) * هي " أن " المفسرة، لأن الإرسال فيه معنى القول، فكأنه قال: # أرسلناه وقلنا له: * (أخرج قومك) *، ويجوز أن تكون " أن " الناصبة للفعل والتقدير: # بأن أخرج قومك، ويجوز أن يوصل " أن " بفعل الأمر، لأن الغرض وصلها بما يكون معه في تأويل المصدر وهو الفعل، والأمر وغيره ms0594 سواء في الفعلية * (وذكرهم بأيام الله) * أي: وأنذرهم بوقائع الله الواقعة على الأمم قبلهم، ومنه: " أيام العرب " لحروبها وملاحمها، كيوم بعاث (1) ويوم النسار (2) ويوم الفجار (3) ونحوها، وعن ابن عباس: هي نعماؤه وبلاؤه (4) * (لكل صبار) * يصبر على بلاء الله * (شكور) * يشكر نعمه. # * (إذ أنجاكم) * ظرف للنعمة بمعنى الإنعام، أي: إنعامه * (عليكم) * ذلك الوقت، ويجوز أن يكون بدلا من * (نعمة الله) * أي: * (اذكروا) * وقت إنجائكم وهو بدل الاشتمال. * (وإذ تأذن ربكم) * من جملة ما * (قال موسى لقومه) * أي: واذكروا حين تأذن ربكم، وتأذن وآذن بمعنى، مثل توعد وأوعد وتفضل وأفضل، ولابد في تفعل من زيادة معنى ليس في " أفعل "، كأنه قال: وإذ آذن ربكم إيذانا بليغا # PageV02P274 # ينتفي عنده الشكوك، والمعنى: وإذ تأذن ربكم فقال: * (لئن شكرتم) * ما خولتم (1) من نعمة الإنجاء وغيرها * (لأزيدنكم) * نعمة إلى نعمة * (ولئن كفرتم) * وغمطتم (2) ما أنعمت به عليكم * (إن عذابي لشديد) * لمن كفر نعمتي. # * (إن تكفروا أنتم و) * الناس جميعهم فمضرة كفرانكم عائدة عليكم، و * (الله) * غني عن شكركم * (حميد) * مستوجب للحمد بكثرة أنعمه وإن لم يحمده حامد. # * (ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب (9) قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين (10)) * * (والذين من بعدهم) * مبتدأ وخبره * (لا يعلمهم إلا الله) * وهي جملة اعتراضية، أو: * (والذين) * في محل جر عطفا على * (قوم نوح) *، و * (لا يعلمهم إلا الله) * اعتراض، والمعنى: أنهم من الكثرة بحيث لا يعلم عددهم إلا الله، وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال: كذب النسابون (3)، وقيل: إن بين عدنان (4) وإسماعيل ثلاثين أبا لا يعرفون (5) * (فردوا أيديهم في أفواههم) * أي: فعضوا على # PageV02P275 # أصابع أيديهم من شدة الغيظ والضجر ms0595 لما جاءت به الرسل، كقوله: * (عضوا عليكم الأنامل من الغيظ) * (1)، أو أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقت به من قولهم: # * (إنا كفرنا بما أرسلتم به) * أي: هذا جوابنا لكم ليس عندنا غيره إقناطا لهم من التصديق، أو وضعوا أيديهم على أفواههم يقولون للأنبياء: اسكتوا، وقيل: الأيدي جمع يد وهي: النعمة، بمعنى الأيادي، أي: ردوا نعم الأنبياء التي هي أجل النعم من مواعظهم والشرائع التي أوحيت إليهم في أفواههم، لأنهم إذا لم يقبلوها فكأنهم ردوها في أفواههم ورجعوها إلى حيث جاءت منه على طريق المثل (2) * (شك... # مريب) * موقع في الريبة، أو ذي ريبة. # * (أفي الله شك) * دخلت همزة الإنكار على الظرف لأن الكلام في المشكوك فيه، وأنه لا يحتمل الشك لافي الشك * (يدعوكم ليغفر لكم) * أي: لأجل المغفرة، كما تقول: دعوته ليأكل معي، أو يدعوكم إلى الإيمان ليغفر لكم * (ويؤخركم إلى أجل مسمى) * أي: إلى وقت بين مقداره وسماه يبلغكموه: إن آمنتم وإلا عاجلكم بالهلاك قبل ذلك الوقت * (إن أنتم) * أي: ما أنتم * (إلا بشر مثلنا) * لافضل لكم علينا، فلم خصصتم بالنبوة؟ * (بسلطان مبين) * بحجة واضحة، أرادوا بذلك ما اقترحوه من الآيات تعنتا (3) وعنادا. # * (قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (11) وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا # PageV02P276 # ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون (12)) * * (إن نحن إلا بشر مثلكم) * تسليم لقولهم، يعنون: أنهم مثلهم في البشرية وحدها * (ولكن الله يمن على من يشاء من عباده) * بالنبوة، ولا يخصهم بتلك الكرامة إلا لخصائص فيهم ليست في أبناء جنسهم * (وما) * صح * (لنا أن نأتيكم) * بالآية التي اقترحتموها * (إلا) * بمشيئة * (الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون) * أمر منهم للمؤمنين كافة بالتوكل وقصدوا بذلك أنفسهم، أي: ومن حقنا أن نتوكل على الله في الصبر على معاداتكم وعنادكم، وأي عذر * (لنا) * في * (ألا نتوكل على الله وقد) * فعل بنا ما يوجب ms0596 توكلنا عليه، وهو التوفيق لهداية كل واحد منا إلى السبيل الذي يجب عليه سلوكه في الدين. # * (وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين (13) ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد (14) واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد (15) من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد (16) يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ (17) مثل الذين كفروا بربهم أعملهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شئ ذلك هو الضلل البعيد (18)) * أي: * (لنخرجنكم من) * بلادنا، إلا أن ترجعوا إلى أدياننا ومذاهبنا * (لنهلكن الظالمين) * حكاية تقتضي إضمار القول أو أجري الإيحاء مجرى القول، والمراد ب‍ " الأرض ": أرض الظالمين وديارهم. PageV02P277 # وفي الحديث: " من آذي جاره ورثه الله داره " (1). # * (ذلك) * إشارة إلى ما قضى الله به من الهلاك للظالمين (2) وإسكان المؤمنين ديارهم، أي: ذلك الأمر حق * (لمن خاف مقامي) * أي: موقفي وهو موقف الحساب، لأنه موقف الله الذي يقف فيه عباده، أو على إقحام المقام. # * (واستفتحوا) * واستنصروا الله على أعدائهم، أو استحكموا الله وسألوه القضاء بينهم، من الفتاحة وهي الحكومة، ومنه: * (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق) * (3)، وهو عطف على * (أوحى إليهم) *، * (وخاب كل جبار عنيد) * معناه: # فنصروا وظفروا وخاب كل جبار عنيد وهم قومهم. * (من ورائه) * من بين يدي هذا الجبار نار * (جهنم) * يلقى فيها ما يلقى * (ويسقى من ماء صديد) * هو عطف بيان، كأنه قال: ويسقى من ماء، فأبهمه إبهاما ثم بينه بقوله: * (صديد) * وهو ما يسيل من جلود أهل النار من الدم والقيح. * (يتجرعه) * يتكلف جرعه * (ولا يكاد يسيغه) * دخل " كاد " للمبالغة، أي: ولا يقارب أن يسيغه فكيف يكون الإساغة، كقوله: * (لم يكد يربها) * (4) أي: لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها * (ويأتيه الموت من كل مكان) * كأن أسباب الموت قد أحاطت به من كل الجهات * (وما هو بميت) * فيستريح * (ومن ورائه عذاب غليظ) * أي: ومن بين يديه عذاب أشد ms0597 مما قبله وأغلظ. # * (مثل الذين كفروا بربهم) * مبتدأ محذوف الخبر عند سيبويه (5)، والتقدير: # فيما نقص عليكم مثل الذين كفروا، وقوله: * (أعملهم كرماد) * جملة مستأنفة على # PageV02P278 # تقدير جواب سائل يقول: كيف مثلهم؟ فقيل: أعمالهم كرماد، أو يكون * (أعملهم) * بدلا من * (مثل الذين كفروا) * والتقدير: مثل أعمال الذين كفروا * (كرماد اشتدت به الريح) * فذرته وسفته * (في يوم عاصف) * جعل العصف لليوم وهو لما فيه، كما تقول: يوم ماطر، و * (أعملهم) * هي: المكارم التي كانت لهم من صلة الأرحام وعتق الرقاب وإغاثة الملهوفين وإكرام الأضياف وغير ذلك من صنائعهم، شبهت في حبوطها وذهابها هباء منثورا لبنائها على غير أساس من معرفة الله تعالى والإيمان به برماد طيرته الريح العاصف * (لا يقدرون) * يوم القيامة منها * (على شئ) * كما لا يقدر من الرماد المطير على شئ لا يرون بشئ منها ثوابا. # * (ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد (19) وما ذلك على الله بعزيز (20) وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شئ قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا مالنا من محيص (21)) * * (بالحق) * بالحكمة والغرض الصحيح ولم يخلقهما عبثا ولا شهوة، وقرئ: # " خالق السماوات والأرض " (1) * (إن يشأ يذهبكم) * أي: يعدمكم * (و) * يخلق مكانكم خلقا آخرين. * (وما ذلك على الله) * بممتنع متعذر، بل هو عليه هين يسير، لأنه قادر لذاته، لا اختصاص له بمقدور دون مقدور. # * (وبرزوا لله) * ويبرزون يوم القيامة لله، أي: يظهرون من قبورهم ويخرجون منها لحكم الله وحسابه، و * (الضعفاء) *: الأتباع والعوام، والذين * (استكبروا) *: # سادتهم وكبراؤهم الذين استتبعوهم واستغووهم وصدوهم عن اتباع الأنبياء # PageV02P279 # واستماع كلامهم، و " التبع ": جمع التابع، مثل: خادم وخدم وغائب وغيب * (قالوا لو هدانا الله لهديناكم) * أي: لو هدانا الله إلى طريق الخلاص من العقاب لهديناكم إلى ذلك * (سواء علينا أجزعنا أم صبرنا) * مستويان علينا الجزع والصبر * (مالنا من محيص) * أي: منجى ومهرب. # * (وقال الشيطان لما قضى الامر إن ms0598 الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطن إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم (22) وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلم (23)) * يقول * (الشيطان) * وهو إبليس، يقوم خطيبا في الأشقياء من الجن والإنس إذا * (قضى الامر) * أي: قطع وفرغ من الأمر وهو الحساب: * (إن الله وعدكم وعد الحق) * وهو البعث والجزاء على الأعمال فوفي لكم بما وعدكم * (ووعدتكم) * خلاف ذلك * (فأخلفتكم) * ولم أوف لكم بما وعدتكم * (وما كان لي عليكم من سلطن) * أي: تسلط وقهر، فأقسركم على الكفر والمعاصي وأكرهكم عليها * (إلا أن دعوتكم) * إلا دعائي إياكم إلى الضلالة بوسوستي وتزييني، وليس الدعاء من جنس السلطان، ولكنه كقولهم: ما تحيتهم إلا الضرب * (فلا تلوموني ولوموا أنفسكم) * حيث اغتررتم بي وأطعتموني إذ دعوتكم ولم تطيعوا ربكم إذ دعاكم * (ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي) * لا ينجي بعضنا بعضا من عذاب الله ولا يغيثه، والإصراخ: الإغاثة، و " ما " في * (بما أشركتمون) * مصدرية، يعني: # * (كفرت) * اليوم بإشراككم إياي * (من قبل) * هذا اليوم أي: في الدنيا، ونحوه: PageV02P280 # * (ويوم القيمة يكفرون بشرككم) * (1)، ومعنى كفره بإشراكهم إياه: تبرؤه منه واستنكاره له، وقيل: تعلق * (من قبل) * ب‍ * (كفرت) * (2)، و " ما " موصولة أي: # كفرت من قبل حين أبيت السجود لآدم بالذي أشركتمونيه وهو الله جل جلاله، تقول: شركت زيدا، ثم تقول: أشركنيه فلان أي: جعلني له شريكا، وهذا آخر قول إبليس، وقوله: * (إن الظالمين) * قول الله عز وجل، ويحتمل أن يكون من جملة قول إبليس. # * (ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء (24) تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون (25) ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار (26) يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ms0599 ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء (27) ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار (28) جهنم يصلونها وبئس القرار (29) وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار (30)) * * (ضرب الله مثلا) * أي: اعتمد مثلا ووضعه، و * (كلمة) * منصوبة بفعل مضمر، أي: جعل * (كلمة طيبة كشجرة طيبة) *، وهو تفسير لقوله: * (ضرب الله مثلا) * كما تقول: أكرم الأمير زيدا: كساه حلة وحمله على فرس، ويجوز أن ينتصب * (مثلا) * و * (كلمة) * ب‍ * (ضرب) * أي: ضرب كلمة طيبة مثلا، بمعنى: جعلها مثلا، ثم قال: # * (كشجرة) * على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي: هي كشجرة طيبة * (أصلها ثابت) * # PageV02P281 # في الأرض: ضارب بعروقه فيها * (وفرعها في السماء) * أي: في جهة العلو والصعود، أي: وفروعها، على الاكتفاء بلفظ الجنس، والكلمة الطيبة: كلمة التوحيد (1)، وقيل: هي كل كلمة حسنة كالتسبيحة والتحميدة والتوبة والاستغفار (2)، وأما الشجرة: فكل شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة والتين والرمان وغير ذلك، وعن ابن عباس: شجرة في الجنة (3). # وعن الباقر (عليه السلام): " الشجرة: رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وفرعها: علي (عليه السلام)، وعنصر (4) الشجرة: فاطمة (عليها السلام)، وثمرها: أولادها، وأغصانها (5) وورقها: شيعتها (6) " (7). # وعن النبي (صلى الله عليه وآله): " أنا شجرة، وفاطمة فرعها، وعلي لقاحها، والحسن والحسين ثمرها، وشيعتنا أوراقها " (8). # * (تؤتى أكلها كل حين) * تعطي ثمرها كل وقت وقته الله لإثمارها * (بإذن ربها) * بتيسير خالقها وتكوينه * (كشجرة خبيثة) * كمثل شجرة، أي: صفتها كصفتها، والكلمة الخبيثة: كلمة الشرك، وقيل: كل كلمة قبيحة (9)، وأما الشجرة الخبيثة: # فكل شجرة لا يطيب ثمرها كشجرة الحنظل والكشوث (10). # PageV02P282 # وعن الباقر (عليه السلام): " أنها بنو أمية " (1). # * (اجتثت) * أي: استوصلت، وهي في مقابلة قوله: * (أصلها ثابت) *، * (مالها من قرار) * أي: استقرار، يقال: قر قرارا مثل: ثبت ثباتا، شبه بها القول الذي لم يعضد بحجة فهو داحض غير ثابت يضمحل عن قريب، ونحوه: الباطل لجلج (2). # والقول * (الثابت) * الذي ثبت بالحجة والبرهان في قلب صاحبه وتمكن فيه واطمأنت إليه نفسه، وتثبيتهم به في الدنيا أنهم إذا فتنوا في دينهم ms0600 لم يزلوا * (وفي الآخرة) * أنهم إذا سئلوا في القبر عن معتقدهم ودينهم ونبيهم يقول كل منهم: الله ربي وديني الإسلام ونبيي محمد (صلى الله عليه وآله)، فيقول له الملكان: نم قرير العين نوم الشاب الناعم * (ويضل الله الظالمين) * الذين لم يتمسكوا بحجة في دينهم، واقتصروا على تقليد شيوخهم في الدنيا، فلا يثبتون في مواقف الفتن، وتزل أقدامهم عن الحق، وهم في الآخرة أضل وأزل * (ويفعل الله ما يشاء) * ولا يشاء إلا ما توجبه الحكمة من تثبيت المؤمنين وتأييدهم وخذلان الظالمين. # * (بدلوا نعمت الله كفرا) * أي: شكر نعمة الله كفرا بأن وضعوه مكانه، وقيل: # هم الأفجران من قريش: بنو أمية وبنو المغيرة، فأما بنو أمية فمتعوا إلى حين، وأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر (3) * (وأحلوا قومهم) * ممن تابعهم على الكفر * (دار البوار) * أي: الهلاك. * (جهنم) * عطف بيان ل‍ * (دار البوار) *. # وقرئ: * (ليضلوا) * بفتح الياء (4) وضمها، ولما كان الضلال والإضلال نتيجة # PageV02P283 # اتخاذ " الأنداد " أدخل اللام وإن لم يكن غرضا على طريق التشبيه والتقريب * (تمتعوا) * إيذان بأنهم كأنهم مأمورون بالتمتع (1) لانغماسهم فيه، وأنهم لا يعرفون غيره ولا يريدونه. # * (قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لابيع فيه ولا خلال (31) الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار (32) وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار (33) وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الانسان لظلوم كفار (34)) * المقول محذوف، لأن جواب * (قل) * يدل عليه، والتقدير: * (قل لعبادي) * أقيموا الصلاة وأنفقوا * (يقيموا الصلاة وينفقوا) *، وقيل: هو بمعنى: ليقيموا ولينفقوا وهو المقول (2)، وجاز حذف اللام لأن الأمر الذي هو * (قل) * عوض منه، ولو قيل ابتداء: * (يقيموا الصلاة وينفقوا) * لم يجز، وانتصب * (سرا وعلانية) * على الحال، بمعنى: مسرين ومعلنين، أو على الظرف أي: وقتي سر وعلانية، أو على المصدر أي: إنفاق سر وإنفاق علانية، والخلال: المخالة. ms0601 # * (الله) * مبتدأ و * (الذي خلق) * خبره، و * (من الثمرات) * بيان للرزق، أي: # " أخرج به... رزقا " هو ثمرات، ويجوز أن يكون * (من الثمرات) * مفعول " أخرج " و * (رزقا) * حالا من المفعول أو نصبا على المصدر ل‍ " أخرج " لأنه في # PageV02P284 # معنى: رزق * (لتجري في البحر بأمره) * أي: بقوله: كن فيكون. * (دائبين) * يد أبان في سيرهما، لا يفتران في منافع الخلق وإصلاح ما يصلحان من الأرض والأبدان والنبات * (وسخر لكم الليل والنهار) * يتعاقبان لمعاشكم وسباتكم. # * (وآتاكم من كل ما سألتموه) * من جميع ما سألتموه نظرا في مصالحكم، و * (من) * للتبعيض، وقيل: معناه: من كل شئ سألتموه ولم تسألوه (1)، فيكون * (ما) * موصوفة بالجملة وحذف " ولم تسألوه "، لأن ما أبقي يدل على ما ألقي، ومثله: * (سرا بيل تقيكم الحر) * (2) وحذف " والبرد "، وقرئ: " من كل " بالتنوين (3) وهو قراءة السيدين: الباقر والصادق (عليهما السلام)، وعلى هذا فيكون * (ما سألتموه) * نفيا ومحله نصب على الحال، أي: آتاكم من جميع ذلك غير سائليه، أو تكون * (ما) * موصولة بمعنى: ما آتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه، فكأنكم سألتموه أو طلبتموه بلسان الحال * (لا تحصوها) * أي: لا تعدوها ولا تطيقوا حصرها * (لظلوم) * للنعمة لا يشكرها * (كفار) * يكفرها، أو ظلوم في الشدة: يشكو ويجزع، كفار في النعمة: يجمع ويمنع. # * (وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبنى أن نعبد الأصنام (35) رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه منى ومن عصاني فإنك غفور رحيم (36) ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون (37) ربنا إنك # PageV02P285 # تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شئ في الأرض ولا في السماء (38) الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحق إن ربى لسميع الدعاء (39) رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء (40) ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب (41)) * يريد * (البلد) * الحرام * (آمنا) * ذا أمن، ويقال: جنبه الشر وجنبه الخير ms0602 وأجنبه، والمعنى: ثبتني * (وبنى) * على اجتناب عبادة * (الأصنام) * وأراد بنيه من صلبه. * (إنهن أضللن كثيرا من الناس) * فأعوذ بك لأن تعصمني وبني من ذلك، ومعنى إضلالهن الناس: أنهم ضلوا بسببهن فكأنهن أضللنهم، كما يقال: غرته الدنيا بمعنى: اغتر بها وبسببها * (فمن تبعني) * على ملتي * (فإنه منى) * أي: هو بعضي، لاختصاصه بي وملابسته لي، ونحوه قوله (صلى الله عليه وآله): " من غشنا فليس منا " (1) أي: ليس بعض المؤمنين، لأن الغش ليس من أفعالهم * (ومن عصاني فإنك غفور) * تستر على العباد معاصيهم * (رحيم) * بهم. # * (من ذريتي) * أي: بعض أولادي وهو إسماعيل وأولاده * (بواد) * هو وادي مكة * (غير ذي زرع) * لا يكون فيه شئ من زرع قط * (عند بيتك المحرم) * الذي لم يزل ممنعا عزيزا يهابه كل جبار كالشئ المحرم الذي حقه أن يجتنب، أو جعل محرما على الطوفان ممنوعا منه كما سمي عتيقا لأنه أعتق منه، أو هو محرم محترم عظيم الحرمة لا يحل انتهاكها، وما حوله حرم لحرمته * (ربنا ليقيموا الصلاة) * يتعلق اللام ب‍ * (أسكنت) * أي: ما أسكنتهم بهذا الوادي إلا ليقيموا الصلاة عند بيتك المحرم ويعمروه بذكرك وعبادتك * (فاجعل أفدة من) * أفئدة # PageV02P286 # * (الناس) *، و * (من) * للتبعيض * (تهوى إليهم) * أي: تسرع إليهم وتفزع، وقرئ: # " تهوى إليهم " (1) من هوى يهوى: إذا أحب، ضمن معنى " تنزع " فعدي تعديته، وهي قراءة أهل البيت (عليهم السلام) * (وارزقهم من الثمرات) * مع سكناهم واديا ليس فيه شئ منها بأن تجلب إليهم من البلاد * (لعلهم يشكرون) * النعمة في أن يرزقوا أنواع الثمرات حاضرة في واد يباب (2). # * (إنك تعلم ما نخفي وما نعلن) * أي: تعلم السر كما تعلم العلن علما لا تفاوت فيه، فلا حاجة بنا إلى الدعاء والطلب وإنما ندعوك إظهارا للعبودية لك، وافتقارا إلى ما عندك، واستعجالا لنيل مواهبك * (وما يخفى على الله) * الذي هو علام الغيوب * (من شئ في) * كل مكان من * (الأرض و... السماء) * و * (من) * للاستغراق. # * (على الكبر) * أي: مع الكبر، كقول الشاعر: # إني على ما ترين من كبري * أعلم من حيث يؤكل الكتف ms0603 (3) وهو في موضع الحال، أي: وهب لي وأنا كبير أو في حال الكبر * (إن ربى لسميع الدعاء) * أي: مجيبه وقابله، وهو إضافة الصفة إلى مفعولها، والأصل: لسميع الدعاء. * (ومن ذريتي) * أي: وبعض ذريتي عطفا على الضمير المنصوب في * (اجعلني) *، * (وتقبل) * دعائي أي: عبادتي، أو: وأجب دعائي، لأن قبول الدعاء: # الإجابة، وقبول الطاعة: الإثابة. * (ربنا اغفر لي ولولدي) * في هذا دلالة على أن # PageV02P287 # أبويه لم يكونا كافرين وإنما كان آزر عمه أو جده لأمه على الخلاف فيه، لأنه سأل المغفرة لهما * (يوم يقوم الحساب) * وهو يوم القيامة، وقرئ: " ولولدي " (1) وهو قراءة أهل البيت (عليهم السلام)، وهما إسماعيل وإسحاق، و * (يقوم الحساب) * معناه: # يثبت، وهو مستعار من قيام القائم على الرجل، يدل عليه قولهم: قامت الحرب على ساق، ويجوز أن يسند إلى * (الحساب) * قيام أهله إسنادا مجازيا، أو أن يكون مثل * (وسل القرية) * (2). # * (ولا تحسبن الله غفلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الابصار (42) مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء (43) وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل مالكم من زوال (44) وسكنتم في مسكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال (45)) * هذا وعيد للظالم وتسلية للمظلوم * (تشخص فيه الابصار) * أي: أبصارهم لا تقر في أماكنها من هول ما ترى في ذلك اليوم. * (مهطعين) * مسرعين إلى الداعي، وقيل: الإهطاع: أن تقبل ببصرك على ما ترى تديم النظر إليه لا تطرف (3) * (مقنعي رؤوسهم) * رافعي رؤوسهم * (لا يرتد إليهم طرفهم) * لا ترجع إليهم أعينهم، فلا يغمضونها لكنها مفتوحة ممدودة من غير تحريك الأجفان * (وأفئدتهم # PageV02P288 # هواء) * أي خلاء: خالية عن العقول، وصفت الأفئدة بالهواء إذا كان صاحبها لا قوة في قلبه ولا جرأة، قال حسان: # فأنت مجوف نخب هواء (1) وعن ابن جريج (2): هواء صفر من الخير خاوية منه (3). # * (يوم يأتيهم العذاب) * مفعول ثان ل‍ * (أنذر) * وهو يوم القيامة * (أخرنا إلى أجل قريب) * ردنا ms0604 إلى الدنيا وأمهلنا إلى أمد من الزمان قريب نتدارك ما فرطنا فيه من إجابة دعوتك واتباع رسلك، ويجوز أن يكون المراد يوم هلاكهم بالعذاب العاجل أو يوم موتهم معذبين فيسألون يومئذ تأخيرهم إلى أجل كما في قوله: # * (لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق) * (4)، * (أولم تكونوا أقسمتم) * على إرادة القول، أي: حلفتم * (مالكم من) * انتقال إلى دار أخرى، أو قلتم ذلك بلسان الحال حيث بنيتم شديدا وأملتم بعيدا، و * (مالكم) * جواب القسم وإن جاء بلفظ الخطاب. # يقال: سكن الدار وسكن فيها، من السكنى أو من السكون، أي: اطمأننتم فيها طيبي النفوس سائرين سيرة من قبلكم في الظلم * (وتبين لكم) * بالإخبار والمشاهدة * (كيف) * أهلكناهم * (وضربنا لكم الأمثال) * فلم تعتبروا. # * (وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال (46) فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام (47) يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله # PageV02P289 # الواحد القهار (48) وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد (49) سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار (50) ليجزى الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب (51) هذا بلغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله وا حد وليذكر أولوا الألباب (52)) * * (وقد مكروا مكرهم) * العظيم * (وعند الله مكرهم) * يمكن أن يكون مضافا إلى الفاعل كالأول، والمعنى: وعند الله مكرهم يجازيهم عليه، وأن يكون مضافا إلى المفعول، والمعنى: وعند الله مكرهم الذي يمكرهم به وهو عذابهم الذي يأتيهم من حيث لا يشعرون * (وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال) * أي: وإن كان مكرهم لعظمه وكبره يكاد يزيل الجبال عن أماكنها، وعلى هذا تكون * (إن) * هي المخففة من الثقيلة، واللام في * (لتزول) * هي الفارقة، وقد جعلت * (إن) * نافية واللام مؤكدة لها، كقوله: * (وما كان الله ليضيع إيمنكم) * (1)، أي: وما كان مكرهم لتزول منه ما هو مثل الجبال من دلائل النبي (صلى الله عليه وآله) وشرائعه في الثبات والتمكن. # وقرأ علي (عليه السلام) وعمر وابن مسعود: " وإن كاد مكرهم " (2). # * (فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله) * مثل قوله: * (إنا لننصر ms0605 رسلنا) * (3)، * (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي) * (4)، وقدم الوعد ليعلم أنه لا يخلف الوعد أصلا، ثم قال: * (رسله) * ليؤذن أنه إذا لم يخلف أحدا وعده فكيف يخلفه رسله الذين هم خيرته من عباده؟ # * (يوم تبدل الأرض) * بدل من * (يوم يأتيهم) * أو على الظرف للانتقام، # PageV02P290 # والمعنى: يوم تبدل هذه الأرض التي تعرفونها أرضا أخرى غيرها، وكذلك * (السماوات) *، والتبديل: التغيير، وقد يكون في الذوات كقولك: بدلت الدراهم دنانير، ومنه: * (بدلناهم جلودا غيرها) * (1)، * (وبدلناهم بجنتيهم جنتين) * (2)، وقد يكون في الأوصاف كقولك: بدلت الحلقة خاتما: إذا أذبتها وسويتها خاتما فنقلتها من شكل إلى شكل. واختلف في تبديل الأرض والسماوات، فقيل: تبدل أوصافها فتسير على الأرض جبالها، وتفجر بحارها، وتسوى فلا يرى فيها عوج ولا أمت (3) (4)، وقيل: تخلق أرض وسماوات أخر (5). # * (مقرنين) * قرن بعضهم مع بعض ومع الشياطين، أو مغللين قرنت أيديهم إلى أرجلهم * (في الأصفاد) * أي: الأغلال. * (سرابيلهم) * أي: قميصهم * (من قطران) * وهو ما يطلى به الإبل الجربى فيحرق الجرب والجلد، وقرئ: " من قطران " (6)، والقطر: النحاس أو الصفر المذاب، والآني: المتناهي حره * (وتغشى وجوههم النار) * خص الوجوه لأن الوجه أعز موضع في ظاهر البدن وأشرفه كالقلب في باطنه، ولذلك قال: * (تطلع على الأفئدة) * (7). # * (ليجزى الله) * هو من صلة قوله: * (وترى المجرمين) * أي: يفعل بهم ما يفعل # PageV02P291 # ليجزي الله * (كل نفس ما كسبت) *. # * (هذا بلغ للناس) * أي: كفاية للتذكير والموعظة، ويعني ب‍ * (هذا) * ما وصفه من قوله: * (فلا تحسبن الله) * إلى قوله: * (سريع الحساب) *، * (ولينذروا به) * معطوف على محذوف، أي: لينصحوا ولينذروا به أي: بهذا البلاغ * (وليعلموا أنما هو إله وا حد) * لأن الخوف يدعو إلى النظر الموصل إلى التوحيد، وقيل: معناه: # هذا القرآن عظة بالغة كافية للناس، أنزل ليبلغوا ولينذروا بما فيه من الوعيد، وليعلموا أنما هو إله واحد بالنظر في الأدلة المؤدية إلى التوحيد المثبتة في القرآن (1)، وليتذكر وليتعظ به * (أولوا الألباب) * ذوو العقول والنهى. # PageV02P292 # سورة الحجر مكية (1)، وهي تسع وتسعون آية بلا خلاف. # في حديث أبي: " من قرأها أعطي من الأجر عشر حسنات ms0606 بعدد المهاجرين والأنصار والمستهزئين بمحمد (صلى الله عليه وآله) " (2). # بسم الله الرحمن الرحيم * (الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين (1) ربما يود الذين كفروا # PageV02P293 # لو كانوا مسلمين (2) ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الامل فسوف يعلمون (3) وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم (4) ما تسبق من أمة أجلها وما يستخرون (5) وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون (6) لوما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصدقين (7) ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين (8)) * * (ربما) * قرئ بتشديد الباء (1) وتخفيفها، ودخلت على الفعل المضارع وإن كانت إنما تدخل على الماضي فإنها إنما تدل على أمر قد مضى، لأن المترقب في أخبار الله عز وجل بمنزلة الماضي المقطوع به في التحقق، فكأنه قال: ربما ودوا، والمعنى: ربما يتمنى الكفار يوم القيامة إذا عاينوا حالهم وحال المسلمين، وروي: # أن ذلك يكون إذا رأوا المسلمين يخرجون من النار (2)، و * (لو كانوا مسلمين) * حكاية ودادتهم. # * (ذرهم) * أي: اقطع طمعك منهم ودعهم عن النهي عما هم عليه وخلهم * (يأكلوا ويتمتعوا) * بدنياهم، ويشغلهم أملهم الكاذب عن اتباعك * (فسوف يعلمون) * سوء صنيعهم، وهذا إيذان بأنهم لا ينفعهم الوعظ ولا ينجع فيهم النصح، ومبالغة في الإنذار وإلزام للحجة. # * (إلا ولها كتاب) * صفة ل‍ * (قرية) *، والقياس أن لا يتوسط الواو بينهما كما في قوله: * (وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون) * (3)، وإنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف كما تقول في الحال: جاءني زيد عليه ثوب، وجاءني وعليه # PageV02P294 # ثوب، ومعناه: مكتوب * (معلوم) * وهو أجلها الذي كتب في اللوح المحفوظ، ألا ترى إلى قوله: * (ما تسبق من أمة أجلها) * في موضع كتابها، وأنث " الأمة " أولا ثم ذكرها ثانيا حملا على اللفظ والمعنى، وأراد: * (ما يستخرون) * عنه فحذف. # * (يا أيها الذي نزل عليه الذكر) * كان هذا النداء منهم على وجه الاستهزاء، كما قال فرعون: * (إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون) * (1)، والمعنى: إنك لتقول قول المجانين حين تدعي أن الله تعالى نزل عليك الذكر. # وركبت " لو " مع " لا " و " ما " لمعنيين: أحدهما: امتناع الشئ لوجود ms0607 غيره، والآخر: التحضيض، وأما " هل " فلم تركب إلا مع " لا " وحدها للتحضيض، قال ابن مقبل (2): # لوما الحياء ولوما الدين عبتكما * ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري (3) والمعنى: هلا تأتينا بالملائكة يشهدون بصدقك، أو هلا يأتوننا الملائكة للعقاب على تكذيبنا إياك. # " ما تنزل " أي: ما تتنزل الملائكة (4)، وقرئ: * (ننزل) * بالنونين * (الملائكة) * بالنصب، وقرئ: " تنزل الملائكة " على البناء للمفعول (5) * (إلا بالحق) * إلا تنزيلا ملتبسا بالحق أي: بالحكمة والمصلحة، وقيل: بالوحي أو بالعذاب (6)، و * (إذا) * # PageV02P295 # جواب وجزاء، والتقدير: * (و) * لو نزلنا الملائكة * (ما كانوا... منظرين) * أي: # مؤخرين ممهلين، والمعنى: لا نمهلهم ساعة. # * (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (9) ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين (10) وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزءون (11) كذا لك نسلكه في قلوب المجرمين (12) لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين (13) ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون (14) لقالوا إنما سكرت أبصرنا بل نحن قوم مسحورون (15) ولقد جعلنا في السماء بروجا وزينها للناظرين (16) وحفظناها من كل شيطن رجيم (17) إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين (18)) * هذا رد لإنكارهم واستهزائهم في قولهم: * (يا أيها الذي نزل عليه الذكر) * ولذلك قال: * (إنا نحن) * فأكد عليهم أنه هو المنزل للقرآن على القطع والثبات، وأنه حافظه من كل زيادة ونقصان وتغيير وتحريف، بخلاف الكتب المتقدمة فإنه لم يتول حفظها وإنما استحفظها الربانيين ولم يكل القرآن إلى غير حفظه، وعن الفراء: يجوز أن يكون الضمير في * (له) * لرسول الله (صلى الله عليه وآله) (1)، كقوله: * (والله يعصمك من الناس) * (2). # * (في شيع الأولين) * أي: في فرقهم وطوائفهم، والشيعة: الفرقة إذا اتفقوا في (3) مذهب وطريقة، أي: نبأنا من قبلك رسلا فيهم. # * (وما يأتيهم) * حكاية حال ماضية، لأن " ما " لا يدخل على مضارع إلا وهو في معنى الحال، ولا على ماض إلا وهو قريب من الحال. # PageV02P296 # والضمير في * (نسلكه) * للذكر، وسلكت الخيط في الإبرة وأسلكته: أدخلته فيها ونظمته، أي: مثل ذلك السلك ونحوه نسلك الذكر * (في قلوب المجرمين) *، على معنى: أنه يلقيه في قلوبهم ms0608 مكذبا به غير مقبول، كما لو أنزلت بلئيم حاجة فلم يجبك إليها تقول: كذلك أنزلها باللئام، يعني: هذا الإنزال أنزلها بهم مردودة غير مقضية. # و * (لا يؤمنون به) * في محل النصب على الحال أي: غير مؤمنين به، أو هو بيان لقوله: * (كذلك نسلكه) *، * (وقد خلت سنة الأولين) * أي: طريقتهم التي سنها الله في إهلاكهم حين كذبوا رسلهم، وهو وعيد. # وقرئ: * (يعرجون) * بضم الراء وكسرها (1)، و * (سكرت) * بالتثقيل والتخفيف (2)، والمعنى: حبست عن الإبصار، من السكر أو السكر، أي: كما يحبس النهر من الجري، يريد: أن هؤلاء المشركين بلغ من عنادهم أن لو فتح لهم باب من أبواب السماء، ويسر لهم معراج يصعدون فيه إليها لقالوا: هو شئ خيل إلينا على غير حقيقة، بل قالوا: قد سحرنا محمد - (صلى الله عليه وآله) - بذلك، وقيل: الضمير للملائكة (3)، أي: لو أريناهم الملائكة يصعدون في السماء عيانا * (لقالوا) * ذلك، وذكر " ظلوا " ليجعل عروجهم بالنهار ليكونوا مستوضحين لما يرونه، وقال: # * (إنما) * ليدل على أنهم يقطعون بأن ذلك ليس إلا تسكيرا لأبصارهم. # * (من استرق) * في محل النصب على الاستثناء. عن ابن عباس: أنهم كانوا لا يحجبون عن السماوات، فلما ولد عيسى منعوا من ثلاث سماوات، فلما ولد محمد (صلى الله عليه وآله) منعوا من السماوات كلها (4). * (شهاب مبين) * أي: ظاهر للمبصرين. # PageV02P297 # * (والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شئ موزون (19) وجعلنا لكم فيها معيش ومن لستم له برا زقين (20) وإن من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم (21) وأرسلنا الريح لوا قح فأنزلنا من السماء ماء فأسقينكموه وما أنتم له بخازنين (22) وإنا لنحن نحى ى ونميت ونحن الوارثون (23) ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين (24) وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم (25)) * * (مددناها) * بسطناها وجعلنا لها طولا وعرضا * (رواسي) * جبالا ثابتة، والموزون: المقدر (1) المعلوم، وزن بميزان الحكمة، أو الذي له وزن وقدر في أبواب المنفعة، وقيل: هو ما يوزن نحو الذهب والفضة وغيرهما (2). # * (معيش) * بياء صريحة بخلاف " الشمائل " ونحوها فإنها تهمز، وتصريح الياء ms0609 فيها خطأ، أو يخرج الياء بين بين (3) * (ومن لستم له برا زقين) * عطف على * (معيش) * أو على محل * (لكم) *، كأنه قيل: وجعلنا لكم فيها معايش وجعلنا لكم من لستم له برازقين، وأراد بهم العيال والمماليك الذين يحسبون أنهم يرزقونهم وإنما الله رازقهم وإياهم، ولا يجوز أن يكون مجرورا عطفا على الضمير المجرور في * (لكم) *. # PageV02P298 # * (و) * ما * (من شئ) * ينتفع به العباد * (إلا) * ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه، وضرب " الخزائن " مثلا لاقتداره على كل مقدور * (وما ننزله) * أي: # وما نعطيه * (إلا) * بمقدار * (معلوم) * نعلم أنه مصلحة لهم. # * (لوا قح) * فيه قولان: أحدهما: أن معناها الملاقح، جمع ملقحة (1)، كما قال: # ومختبط مما تطيح الطوائح (2). # أراد المطاوح جمع مطيحة، والثاني: أنه يقال: ريح لاقح: إذا جاءت بخير وضدها العقيم (3)، ونحوه: سحاب ماطر * (فأسقيناكموه) * فجعلناه لكم سقيا * (وما أنتم له بخازنين) * نفي عنهم ما أثبته لنفسه في قوله: * (وإن من شئ إلا عندنا خزائنه) * أي: نحن الخازنون للماء، القادرون على خلقه في السماء وإنزاله منها، ولا تقدرون على ذلك. # * (ونحن الوارثون) * الباقون بعد هلاك الخلق كله، وهو استعارة من وارث الميت، لأنه يبقى بعد فناء الموروث منه. # وفي حديثه صلوات الله عليه وآله: " واجعله الوارث منا " (4). # PageV02P299 # * (ولقد علمنا) * من استقدم ولادة وموتا، ومن استأخر أي: تأخر من الأولين والآخرين، أو من خرج من أصلاب الرجال ومن لم يخرج بعد، أو من تقدم في الإسلام، أو في صف الجماعة ومن تأخر. * (هو يحشرهم) * أي: هو وحده القادر على حشرهم، والعالم بحصرهم مع كثرتهم ووفور عدتهم * (إنه حكيم) * باهر الحكمة * (عليم) * واسع العلم، أحاط بكل شئ علما. # * (ولقد خلقنا الانسان من صلصل من حمأ مسنون (26) والجان خلقناه من قبل من نار السموم (27) وإذ قال ربك للملائكة إني خلق بشرا من صلصل من حمأ مسنون (28) فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (29) فسجد الملائكة كلهم أجمعون (30) إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين (31) قال يا إبليس مالك ألا تكون مع الساجدين (32) قال لم أكن لأسجد ms0610 لبشر خلقته من صلصل من حمأ مسنون (33) قال فاخرج منها فإنك رجيم (34) وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين (35) قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون (36) قال فإنك من المنظرين (37) إلى يوم الوقت المعلوم (38) قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين (39) إلا عبادك منهم المخلصين (40)) * الصلصال: الطين اليابس الذي يصلصل وهو غير مطبوخ فإذا طبخ فهو فخار، والحمأ: الطين الأسود المتغير، والمسنون: المصور، وسنة الوجه: صورته، وقيل: # هو المصبوب المفرغ كأنه أفرغ حتى صار صورة (1)، وحق * (مسنون) * بمعنى: # PageV02P300 # مصور أن يكون صفة ل‍ * (صلصل) * كأنه أفرغ الحمأ فصور منها تمثال إنسان أجوف فيبس حتى إذا نقر صلصل ثم غير بعد ذلك فصير إنسانا. # * (والجان) * للجن كآدم للناس * (من نار السموم) * من نار الحر الشديد النافذ في المسام. # * (و) * أذكر * (إذ قال ربك) * وقت قوله: * (فإذا سويته) * أي: عدلت خلقته وأكملتها وهيأتها لنفخ الروح فيها * (ونفخت فيه من روحي) * معناه: أحييته، وليس ثم نفخ ولا منفوخ فيها وإنما هو تمثيل لتحصيل ما يحيى به فيه (1). # * (مالك ألا تكون) * حذف حرف الجر مع " أن " والتقدير: مالك في أن لا تكون * (مع الساجدين) *، والمعنى: أي غرض لك في إبائك السجود، وأي داع لك إليه؟ * (لم أكن لأسجد) * اللام لتأكيد النفي، أي: لا يصح مني أن أسجد ويستحيل مني ذلك. * (رجيم) * مرجوم، ملعون، مطرود من الرحمة، مبعد منها، والضمير في * (منها) * يعود إلى الجنة أو إلى السماء أو إلى الملائكة. # و * (يوم الدين) * و * (يوم يبعثون) * و * (يوم الوقت المعلوم) * في معنى واحد خولف بين العبارات سلوكا لطريق البلاغة، وقيل: إنما سأل الإنظار إلى اليوم الذي فيه يبعثون لئلا يموت، لأنه لا يموت يوم البعث أحد، فلم يجب إلى ذلك وأنظر إلى آخر أيام التكليف (2). # PageV02P301 # * (بما أغويتني) * الباء للقسم و " ما " مصدرية، وجواب القسم * (لأزينن) *، والمعنى: أقسم بإغوائك إياي * (لأزينن لهم) *، ومعنى إغوائه إياه: تسبيبه لغيه بأن أمره بالسجود لآدم فأفضى ذلك إلى غيه، وما الأمر بالسجود إلا حسن وتعريض للثواب بالتواضع والخضوع ms0611 لأمر الله، ولكن الملعون اختار الاستكبار فهلك وغوى باختياره. ويجوز أن لا يكون * (بما أغويتني) * قسما ويقدر قسم محذوف، ويكون المعنى: بسبب تسبيبك لإغوائي أقسم لأفعلن بهم نحو ما فعلت بي من التسبيب لإغوائهم بأن أزين لهم المعاصي وأوسوس إليهم ما يكون سبب هلاكهم * (في الأرض) * أي: في الدنيا التي هي دار الغرور، كقوله تعالى: * (أخلد إلى الأرض واتبع هواه) * (1)، أو أراد: لأجعلن مكان التزيين عندهم الأرض ولأوقعن تزييني فيها، أي: لأزيننها في أعينهم حتى يستحبوها على الآخرة ويطمئنوا إليها. ثم استثنى * (المخلصين) * لأنه علم أنهم لا يقبلون قوله. # * (قال هذا صراط على مستقيم (41) إن عبادي ليس لك عليهم سلطن إلا من اتبعك من الغاوين (42) وإن جهنم لموعدهم أجمعين (43) لها سبعة أبوا ب لكل باب منهم جزء مقسوم (44) إن المتقين في جنات وعيون (45) ادخلوها بسلم آمنين (46) ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقبلين (47) لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين (48) نبئ عبادي أنى أنا الغفور الرحيم (49) وأن عذابي هو العذاب الأليم (50)) * أي: * (هذا) * طريق حق * (على) * أن أراعيه، وهو أن لا يكون لك * (سلطن) * # PageV02P302 # على عبادي إلا من اختار منهم متابعتك لغوايته، وقرئ: " صراط علي " (1) وهو من علو الشرف والفضل. * (لموعدهم) * الضمير ل‍ * (الغاوين) *. # وأبواب جهنم: أطباقها، بعضها فوق بعض * (جزء مقسوم) * أي: نصيب مفروض (2). # و * (المتقين) * الذين يتقون ما يجب عليهم اتقاؤه مما نهوا عنه، يقال لهم: # * (ادخلوها بسلم) * أي: سالمين مسلمين من الآفات * (آمنين) * من الإخراج منها. # والغل: الحقد الكامن في القلب، معناه: وأزلنا ما كان في قلوبهم من أسباب العدواة في الدنيا، وقيل: معناه: طهرنا قلوبهم من أن يتحاسدوا على الدرجات في الجنة (3)، و * (إخوانا) * نصب على الحال، و * (على سرر متقبلين) * كذلك: أي: # كائنين على مجالس السرور متواجهين، ينظر بعضهم إلى وجه بعض * (لا يمسهم فيها) * تعب وعناء. # ثم قرر ما ذكره من الوعد ومكنه في نفوسهم بقوله: * (نبئ عبادي أنى أنا) * وحدي * (الغفور) * للذنوب * (الرحيم) * الكثير الرحمة * (وأن عذابي) * هو المستأهل ms0612 لأن يسمى أليما، فارجوا رحمتي وخافوا عذابي. # * (ونبئهم عن ضيف إبراهيم (51) إذ دخلوا عليه فقالوا سلما قال إنا منكم وجلون (52) قالوا لا تؤجل إنا نبشرك بغلام عليم (53) قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون (54) قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القنطين (55) قال ومن يقنط من رحمة ربه # PageV02P303 # إلا الضالون (56) قال فما خطبكم أيها المرسلون (57) قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (58) إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين (59) إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين (60)) * * (ونبئهم) * عطف على * (نبئ عبادي) *، أي: وأخبرهم عنهم ليتخذوا ما أحل بقوم لوط من العذاب، عبرة يعتبرون بها سخط الله وانتقامه من المجرمين، ويتحققوا عنده أن عذابه هو العذاب الأليم * (فقالوا سلما) * أي: نسلم عليك سلاما، أو سلمت سلاما * (قال) * إبراهيم * (إنا منكم وجلون) * أي: خائفون، وكان خوفه لأنهم دخلوا بغير إذن وبغير وقت، أو لامتناعهم من الأكل. # * (إنا نبشرك) * استئناف في معنى التعليل للنهي عن الوجل، المعنى: إنك آمن مبشر ف‍ * (لا تؤجل) *. # * (قال أبشرتموني) * مع مس * (الكبر) * بأن يولد لي؟ أي: أن الولادة أمر عجيب مع الكبر * (فبم تبشرون) * وهي " ما " الاستفهامية دخلها معنى التعجب، كأنه قال: فبأي أعجوبة تبشرون، وقرئ بفتح النون وكسرها (1) على حذف نون الجمع، والأصل " تبشرونن "، وقرئ بإثبات الياء " تبشروني " (2) و " تبشرون " (3) بإدغام نون الجمع في نون العماد. # * (قالوا بشرناك بالحق) * أي: باليقين الذي لا لبس فيه * (فلا تكن من القنطين) * أي: الآيسين. # PageV02P304 # وقرئ: * (يقنط) * بكسر النون (1) وفتحها * (إلا الضالون) * أي: المخطئون سبيل الصواب، يعني: لم أستنكره قنوطا من رحمته ولكن استبعادا له في العادة الجارية بين الخلق * (فما خطبكم) * أي: فما شأنكم الذي بعثتم له؟ # وقوله: * (إلا آل لوط) * إن كان استثناء من * (قوم) * كان منقطعا، لأن القوم موصوفون بالإجرام فاختلف لذلك الجنسان، وإن كان استثناء من الضمير في * (مجرمين) * كان متصلا، كأنه قال: * (إلى قوم) * قد أجرموا كلهم إلا آل لوط. # وقوله: * (إلا امرأته) * استثناء من الضمير المجرور في * (لمنجوهم) * وليس استثناء من الاستثناء * (إنها لمن الغابرين) * تعليق، لأن ms0613 التقدير يتضمن معنى العلم، ولذلك فسر العلماء تقدير الله تعالى أعمال العباد بالعلم (2)، وإنما أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم وهو لله تعالى لما لهم من القرب والاختصاص بالله، كما يقول خاصة الملك: فعلنا كذا وأمرنا بكذا، والمدبر والآمر هو الملك لا هم، وقرئ: " قدرنا " بالتخفيف (3) وكذلك في النمل (4). # * (فلما جاء آل لوط المرسلون (61) قال إنكم قوم منكرون (62) قالوا بل جئنك بما كانوا فيه يمترون (63) وأتيناك بالحق وإنا # PageV02P305 # لصادقون (64) فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبرهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون (65) وقضينا إليه ذلك الامر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين (66) وجاء أهل المدينة يستبشرون (67) قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون (68) واتقوا الله ولا تخزون (69) قالوا أولم ننهك عن العلمين (70) قال هؤلاء بناتي إن كنتم فعلين (71) لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (72) فأخذتهم الصيحة مشرقين (73) فجعلنا عليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل (74) إن في ذلك لآيات للمتوسمين (75) وإنها لبسبيل مقيم (76) إن في ذلك لاية للمؤمنين (77)) * * (منكرون) * أي: تنكركم نفسي وتنفر منكم فأخاف أن تطرقوني بشر، يدل عليه قولهم: * (بل جئنك بما كانوا فيه يمترون) * أي: ما جئناك بما تنكرنا لأجله، بل جئناك بما فيه فرحك وسرورك وهو العذاب الذي كنت تخوفهم به وتتوعدهم بنزوله فيمترون أي: يشكون فيه. * (وأتيناك بالحق) * باليقين عن عذابهم * (وإنا لصادقون) * في الإخبار بنزوله بهم. # * (فأسر بأهلك) * قرئ بقطع الهمزة ووصلها (1) من سرى وأسرى * (بقطع من الليل) * وهو من آخره بعدما يمضي أكثر الليل * (واتبع أدبرهم) * أي: اقتف آثارهم وكن وراءهم لتكون عينا عليهم فلا يتخلف أحد منهم * (ولا يلتفت منكم أحد) * إلى ما خلف وراءه في المدينة، أو هو كناية عن مواصلة السير وترك التوقف، لأن من يلتفت لابد له في ذلك من أدنى وقفة * (وامضوا) * أي: اذهبوا إلى * (حيث تؤمرون) * أي: إلى الموضع الذي أمرتم بالذهاب إليه وهو الشام، وعدي # PageV02P306 # * (امضوا) * إلى * (حيث) * كما يعدى إلى الظرف المبهم، لأن " حيث " مبهم في الأمكنة، وكذلك الضمير في " تؤمرونه ". # وعدي * (وقضينا) * ب‍ " إلى " لأن المعنى: ms0614 وأوحينا * (إليه ذلك الامر) * مقضيا، وفسر * (الامر) * بقوله: * (أن دابر هؤلاء مقطوع) * وفي إبهامه وتفسيره تعظيم للأمر، وقرئ: " إن " بالكسر (1) على الاستئناف، كأن قائلا قال: أخبرنا عن ذلك الأمر فقيل: إن دابر هؤلاء مقطوع، ودابرهم: آخرهم، يعني: يستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد * (مصبحين) * أي: داخلين في وقت الصبح. # * (وجاء أهل المدينة) * وهي سدوم (2) التي يضرب بقاضيها المثل في الجور (3)، مستبشرين بالملائكة. * (فلا تفضحون‍) * - ي بفضيحة ضيفي، لأن من أسئ إلى ضيفه وجاره فقد أسئ إليه. * (ولا تخزون‍) * - ي ولا تذلوني بإذلال ضيفي، من الخزي، أو لا تشوروا بي، من الخزاية وهي الحياء. # * (عن العلمين) * أي: عن أن تجير منهم أحدا أو تدفع عنهم أو تمنع بيننا وبينهم وهو ما أوعدوه من قولهم: * (لئن لم تنته يلوط لتكونن من المخرجين) * (4)، وقيل: عن ضيافة الناس وإنزالهم (5). # * (هؤلاء بناتي) * إشارة إلى النساء، لأن كل أمة أولاد نبيها، أي: هؤلاء بناتي فانكحوهن وخلوا بني فلا تتعرضوا لهم * (إن كنتم فعلين) * شك في قبولهم لقوله، # PageV02P307 # فكأنه قال: إن فعلتم ما أقوله لكم وما أظنكم تفعلون، وقيل: معناه: إن كنتم متزوجين (1). # * (لعمرك) * أي: وحياتك يا محمد ومدة بقائك، وعن المبرد (2): هو دعاء معناه: أسأل الله عمرك (3)، وتقديره: لعمرك مما أقسم به، والعمر والعمر واحد إلا أنهم خصوا القسم بالمفتوح لخفة الفتحة * (إنهم لفي سكرتهم) * أي: في غوايتهم التي أذهبت عقولهم يتحيرون. # * (فأخذتهم الصيحة) * وهي صيحة جبرئيل * (مشرقين) * داخلين في الشروق وهو طلوع الشمس. * (من سجيل) * من طين عليه كتاب. # والمتوسم: المتفرس، المتأمل، المتثبت في نظره حتى يعرف حقيقة سمة الشئ. # الصادق (عليه السلام): " نحن المتوسمون " (4). # وفي الحديث: " إن لله عبادا يعرفون الناس بالتوسم " (5). # * (وإنها) * وإن آثارها * (لبسبيل مقيم) * ثابت يسلكه الناس لم يندرس بعد وهم يبصرون تلك الآثار، وهي تنبيه لقريش، كقوله: * (وإنكم لتمرون عليهم مصبحين) * (6). # PageV02P308 # * (وإن كان أصحب الأيكة لظالمين (78) فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين (79) ولقد كذب أصحب الحجر المرسلين (80) وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين (81) وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين (82) فأخذتهم ms0615 الصيحة مصبحين (83) فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (84) وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل (85) إن ربك هو الخلق العليم (86)) * * (أصحب الأيكة) * قوم شعيب، وتقديره: وإنه كان أصحاب الأيكة ظالمين. # * (وإنهما) * يعني: قرى قوم لوط والأيكة * (لبإمام مبين) * لبطريق واضح يؤم ويتبع ويهتدى به. # و * (أصحب الحجر) *: ثمود، والحجر: واديهم، وهو بين المدينة والشام. # * (آمنين) * من أن تنهدم بيوتهم ومن نقب اللصوص لوثاقتها واستحكامها، أو آمنين من عذاب الله، يحسبون أن الجبال تحميهم منه. # * (فما أغنى عنهم) * فما دفع عنهم العذاب * (ما كانوا) * يكسبونه من البناء الوثيق والمال والعدد. # * (إلا بالحق) * أي: إلا خلقا ملتبسا بالحق والحكمة والثواب لا باطلا وعبثا، أو بسبب العدل والإنصاف يوم الجزاء على الأعمال * (وإن الساعة لآتية) * فينتقم الله لك فيها من أعدائك، ويجازيك وإياهم وجميع الخلائق على أعمالهم * (فاصفح) * أي: فأعرض عنهم واحتمل ما تلقى منهم إعراضا جميلا بحلم وإغضاء. * (إن ربك هو الخلق) * الذي خلقك وخلقهم * (العليم) * بحالك وحالهم. # * (ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرءان العظيم (87) لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك PageV02P309 # للمؤمنين (88) وقل إني أنا النذير المبين (89) كما أنزلنا على المقتسمين (90) الذين جعلوا القرآن عضين (91) فوربك لنسئلنهم أجمعين (92) عما كانوا يعملون (93) فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (94) إنا كفيناك المستهزءين (95) الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون (96)) * * (سبعا) * أي: سبع آيات وهي الفاتحة، أو سبع سور وهي السبع الطول (1)، والسابعة الأنفال وبراءة لأنهما في حكم سورة واحدة، ولذلك لم يفصل بينهما ب‍ " بسم الله الرحمن الرحيم " والأول أصح، و * (المثاني) * من التثنية وهي التكرير، لأن الفاتحة تكرر قراءتها في الصلاة، أو من الثناء لاشتمالها على الثناء على الله، والواحدة مثناة: مفعلة، أي: موضع ثناء أو تثنية، و * (من) * إما للبيان أو للتبعيض. # * (لا تمدن عينيك) * أي: لا تطمح ببصرك * (إلى ما متعنا به أزواجا) * أي: # أصنافا من المشركين من أنواع النعم طموح راغب فيه متمن له، ms0616 واستغن بما أوتيت من النعمة التي كل نعمة وإن عظمت فهي بالإضافة إليها نزرة يسيرة وهي القرآن العظيم * (ولا تحزن عليهم) * أن لم يؤمنوا فيتقوى بهم الإسلام وأهله، وتواضع لمن معك من المؤمنين، وطب نفسا عن إيمان الأغنياء والأقوياء. # * (وقل) * لهم * (إني أنا النذير المبين) * أنذركم ببيان وبرهان أن عذاب الله نازل بكم، وأبين لكم ما تحتاجون إليه وما أرسلت به إليكم. # * (كما أنزلنا على المقتسمين) * فيه وجهان: أحدهما: أن يتعلق بقوله: # * (ولقد آتيناك) * أي: أنزلنا عليك مثل ما أنزلنا على اليهود والنصارى وهم # PageV02P310 # المقتسمون * (الذين جعلوا القرآن عضين) * إذ قالوا بعنادهم: بعضه حق موافق للتوراة والإنجيل وبعضه باطل مخالف لهما، فاقتسموه إلى حق وباطل وعضوه. # والثاني: أن يتعلق بقوله: * (وقل إني أنا النذير المبين) * أي: أنذركم عذابا مثل ما أنزلنا على المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة أيام الموسم، وهم ستة عشر رجلا بعثهم الوليد بن المغيرة فقعدوا في كل مدخل ينفرون الناس عن الإيمان برسول الله (صلى الله عليه وآله)، يقول بعضهم: لا تغتروا بالخارج منا والمدعي النبوة فإنه ساحر، ويقول الآخر: كذاب، والآخر: شاعر، فأهلكهم الله يوم بدر وقبله بآفات، * (عضين) * اجزاء، جمع عضة، وأصله عضوة، فعلة من عضي الشاة إذا جعلها أعضاء. # * (لنسئلنهم) * عبارة عن الوعيد، وقيل: نسألهم سؤال توبيخ وتقريع: # لم عصيتم؟! (1). # * (فاصدع بما تؤمر) * أي: فاجهر به وأظهره، يقال: صدع بالحجة: إذا تكلم بها جهارا، من الصديع وهو الصبح، والأصل: بما تؤمر به من الشرائع، فحذف الجار، كما في قول الشاعر: # أمرتك الخير فافعل ما أمرت به (2) ثم حذف ضمير المفعول، ويجوز أن يكون " ما " مصدرية، أي: بأمرك، وهو مصدر من المبني للمفعول. # والمستهزئون: خمسة نفر ذوو أسنان وشرف: الوليد بن المغيرة والعاص بن # PageV02P311 # وائل والأسود بن عبد يغوث والأسود بن المطلب بن عبد مناف والحارث بن الطلاطلة، ماتوا كلهم قبل بدر، قال جبرئيل للنبي (صلى الله عليه وآله): أمرت أن أكفيكهم، فأومأ إلى ساق الوليد فمر وهو يجر ثوبه، فتعلقت بثوبه شوكة فمنعه الكبر ms0617 أن يخفض رأسه فينزعها فخدشت ساقه فمات من ذلك، وأومأ إلى أخمص (1) العاص بن وائل فوطأ شبرمة (2) فدخلت فيها وقال: لدغت، ولم يزل يحكها حتى مات، وأشار إلى عيني الأسود فعمي، وجعل يضرب رأسه على الجدار حتى مات، وأشار إلى أنف الحارث فامتخط قيحا فمات، وأشار إلى الأسود فاستسقى فمات * (فسوف يعلمون) * وعيد. # * (ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون (97) فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين (98) واعبد ربك حتى يأتيك اليقين (99)) * أي: * (بما يقولون) * من تكذيبك، والطعن فيك وفي القرآن. * (فسبح) * أي: # فافزع إلى الله عز اسمه فيما نابك (3) يكشف عنك الغم ويكفك المهم * (وكن من) * الذين يسجدون لله، كان صلوات الله عليه وآله وسلم إذا أحزنه أمر فزع إلى الصلاة. # ودم على عبادة * (ربك حتى يأتيك اليقين) * أي: الموت، يعني: ما دمت حيا. # PageV02P312 # سورة النحل وتسمى أيضا سورة النعم، أكثرها مكي (1)، مائة وثمان وعشرون آية بلا خلاف. # في حديث أبي: " من قرأها لم يحاسبه الله تعالى على النعم التي أنعمها عليه في دار الدنيا، وإن مات في يوم تلاها أو ليلة أعطي من الأجر كالذي مات فأحسن الوصية " (2). # وعن الباقر (عليه السلام): " من قرأها في كل شهر كفي المغرم في الدنيا وسبعين نوعا من أنواع البلاء أهونه الجنون والجذام والبرص، وكان مسكنه في جنة عدن وهي وسط الجنان " (3). # PageV02P313 # بسم الله الرحمن الرحيم * (أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون (1) ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون (2) خلق السماوات والأرض بالحق تعلى عما يشركون (3) خلق الانسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين (4) والانعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون (5) ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون (6) وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم (7)) * قرب * (أمر الله) * بعذاب هؤلاء الكفار، أو * (أتى أمر) * (1) القيامة، أي: هو بمنزلة الآتي الواقع وإن كان منتظرا لقرب وقوعه * (فلا تستعجلوه) *، كانوا يستعجلون ذلك كما ms0618 حكى الله عنهم قولهم: * (فأمطر علينا حجارة من السماء) * (2)، * (سبحانه وتعالى عما يشركون) * تبرأ (3) عز وجل عن أن يكون له شريك وأن تكون آلهتهم له شركاء فتكون " ما " موصولة، أو عن إشراكهم فتكون مصدرية، وقرئ: * (يشركون) * بالياء والتاء (4). # وقرئ: * (ينزل) * بالتخفيف (5) والتشديد و * (الملائكة) * بالنصب، وقرئ: # " تنزل الملائكة " (6) أي: تتنزل * (بالروح من أمره) *: بما يحيي القلوب الميتة # PageV02P314 # بالجهل من وحيه أو بما يقوم في الدين مقام الروح في الجسد، و * (أن أنذروا) * بدل من " الروح " أي: ينزلهم بأن أنذروا، والتقدير: بأنه، والضمير للشأن أي: بأن الشأن أقول لكم: أنذروا، أو يكون * (أن) * مفسرة لأن تنزيل الملائكة بالوحي فيه معنى القول، ومعنى أنذروا: أعلموا ب‍ * (أنه لا إله إلا أنا) * من نذرت بكذا: إذا علمته، أي: يقول لهم: أعلموا الناس قولي: * (لا إله إلا أنا فاتقون) *. # ثم دل على وحدانيته وأنه لا إله إلا هو بذكر ما لا يقدر عليه غيره من خلق * (السماوات والأرض) * وخلق * (الانسان) * وما يصلحه وما لابد له منه من خلق البهائم لأكله وركوبه وحمل أثقاله وسائر حاجاته وخلق ما لا يعلمون من أصناف خلقه * (تعلى) * وجل من أن يشرك به غيره * (فإذا هو خصيم مبين) * معناه: فإذا هو مجادل للخصوم (1)، منطيق، مبين عن نفسه بعدما كان نطفة جمادا، وقيل: فإذا هو خصيم لربه، منكر لخالقه (2). # و * (الانعام) *: الأزواج الثمانية، وأكثر ما يقع على الإبل، وانتصب بفعل مضمر يفسره الظاهر، و " الدف ء ": اسم ما يدفأ به، كالملء اسم ما يملأ به، وهو اللباس المعمول من صوف أو وبر أو شعر، * (ومنافع) *: هي نسلها ودرها وغير ذلك من الحمل والركوب وإثارة الأرض. # ومن سبحانه بالتجمل بها كما من بالانتفاع بها لأنها من أغراض أصحاب المواشي، لأنهم إذا أراحوها بالعشي وسرحوها بالغداة فزينت الأفنية (3) # PageV02P315 # وتجاوب فيها الثغاء (1) والرغاء (2) فرحت أربابها وأجلهم الناظرون إليها فكسبتهم الجاه والحرمة عند الناس، وقدم الإراحة على السرح لأن الجمال في الإراحة أظهر إذا أقبلت ملأى البطون حافلة الضروع. # وقرئ: * (بشق الأنفس) * بفتح الشين ms0619 (3) وكسرها، وهما لغتان في معنى المشقة، والفرق بينهما: أن المفتوح مصدر " شق الأمر عليه " وحقيقته راجعة إلى الشق الذي هو الصدع، وأما الشق: فالنصف كأنه يذهب نصف قوته لما يناله من الجهد، والمعنى: * (وتحمل أثقالكم إلى بلد) * بعيد * (لم تكونوا بالغيه) * في التقدير: # لو لم يخلق الإبل، إلا بجهد أنفسكم ومشقتها، ويجوز أن يكون المعنى: لم تكونوا بالغيه بها إلا بشق الأنفس، وقيل: إن البلد مكة (4) * (إن ربكم لرءوف رحيم) * حيث رحمكم بخلق هذه الحوامل وتيسير هذه المصالح. # * (والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون (8) وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين (9) هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون (10) ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لاية لقوم يتفكرون (11) وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرا ت بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (12) وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لاية لقوم يذكرون (13)) * # PageV02P316 # عطف * (الخيل) * على * (الانعام) *، أي: خلق هؤلاء للركوب وللزينة، وعطف * (زينة) * على محل * (لتركبوها) * ولم يرد المعطوف والمعطوف عليه على سنن واحد، لأن الركوب فعل المخاطبين، والزينة فعل الزائن وهو الخالق عز اسمه * (ويخلق ما لا تعلمون) * من أنواع الحيوان والنبات والجماد لمنافعكم. # والمراد ب‍ * (السبيل) *: الجنس، ولذلك أضاف إليها " القصد " وقال: * (ومنها جائر) *، والقصد مصدر بمعنى الفاعل، سبيل قصد وقاصد أي: مستقيم، كأنه يقصد الوجه الذي يؤمه السالك لا يعدل عنه، ومعنى قوله: * (وعلى الله قصد السبيل) *: # أن هداية الطريق الموصل إلى الحق واجبة عليه، ونحوه: * (إن علينا للهدى) * (1)، * (ومنها) * أي: ومن السبيل * (جائر) * عن القصد، فأعلم سبحانه بأن السبيل العادل عن الحق لا يضاف إليه بقوله: * (ومنها جائر) *، ولو كان الأمر على ما ظنه المجبرة لقال: وعليه جائرها أو وعليه الجائر، * (ولو شاء لهداكم أجمعين) * قسرا وإلجاء إلى السبيل القصد. # * (أنزل من السماء ماء) * أي: مطرا * (لكم منه شراب) * أي: لكم هو شراب ms0620 كقوله: # يأبى الظلامة منه النوفل الزفر (2) والشراب: ما يشرب، وقوله: * (شجر) * يعني: الشجر الذي ترعاه المواشي، وقيل: معناه لكم من ذلك الماء شراب (3) * (ومنه) * شرب * (شجر) * أو سقي شجر فحذف المضاف، أو لكم من إنباته شجر أو من سقيه شجر فحذف المضاف إلى # PageV02P317 # الهاء في * (منه) * كما قال زهير: # أمن أم أوفي دمنة لم تكلم (1) أي: من ناحية أم أوفي * (تسيمون) * من سامت الماشية: إذا رعت فهي سائمة وأسمتها أنا. وقرئ: * (ينبت) * بالياء والنون (2)، * (ومن كل الثمرات) *: * (من) * للتبعيض، لأن كل الثمرات لا تكون إلا في الجنة، وأنبت في الأرض بعض من كلها * (يتفكرون) * ينظرون فيستدلون بها عليه وعلى كمال حكمته وقدرته. # وقرئ جميعها بالنصب (3) فيكون المعنى: وجعل النجوم مسخرات، إذ لا يصلح أن يقال: وسخر النجوم مسخرات، ويجوز أن يكون المعنى: أنه سخرها أنواعا من التسخير، جمع " مسخر "، بمعنى " تسخير "، من قولك: سخره الله مسخرا، فكأنه قال: وسخرها لكم تسخيرات بأمره، وقرئ بنصب * (الليل والنهار) * وحدهما ورفع ما بعدهما على الابتداء والخبر (4)، وقرئ: * (والنجوم مسخرا ت) * بالرفع وما قبله بالنصب، * (إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) * جمع الآية هنا، لأن الآثار (5) العلوية أظهر دلالة للعقلاء على عظمة الله وباهر قدرته. # PageV02P318 # * (وما ذرأ لكم) * معطوف على * (الليل والنهار) *، يعني: ما خلق فيها من حيوان ونبات وغير ذلك من أنواع النعم مختلف الهيئات والأشكال لا يشبه بعضها بعضا. # * (وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (14) وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون (15) وعلمت وبالنجم هم يهتدون (16) أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون (17) وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم (18)) * * (سخر البحر) * أي: ذلله لكم وسهل لكم الطريق إلى ركوبه، واستخراج ما فيه من المنافع، وأراد ب‍ " اللحم الطري ": السمك، وصفه بالطراوة لأن الفساد يسرع إليه فيسارع إلى أكله لئلا يفسد، و " الحلية " هي: اللؤلؤ والمرجان * (تلبسونها) * أي: # تتزينون بها ms0621 وتلبسونها نساءكم * (مواخر) * أي: شواق لماء البحر بحيازيمها (1)، وعن الفراء (2): المخر: صوت جري الفلك بالرياح، وابتغاء الفضل: التجارة * (أن تميد بكم) * كراهة أن تميل بكم وتضطرب * (وأنهارا) * وجعل فيها أنهارا، لأن في " ألقى " معنى " جعل " كما قال سبحانه: * (ألم نجعل الأرض مهدا والجبال أوتادا) * (3)، # PageV02P319 # * (وسبلا) * أي: طرقا * (تهتدون) * بها إلى حيث شئتم من البلاد. # * (وعلمت) * وهي معالم الطرق وكل ما يستدل به المارة من جبل وسهل وغير ذلك، والمراد ب‍ " النجم ": الجنس، كما يقال: كثر الدرهم في أيدي الناس، وعن السدي: هو الثريا والفرقدان وبنات نعش والجدي (1)، فكأنه سبحانه بتقديم النجم وإقحام * (هم) * فيه والخروج من الخطاب إلى الغيبة أراد أن قريشا - خصوصا - لهم اهتداء بالنجوم - خصوصا - في أسفارهم، فكان لهم بذلك علم لم يكن مثله لغيرهم، فكان الشكر أوجب عليهم فلذلك خصصوا. # الصادق (عليه السلام): " نحن العلامات، والنجم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) " (2). # * (كمن لا يخلق) * أريد به الأصنام، وجعل " من " فيما لا يعقل لما اتصل بذكر الخالق * (أفلا تذكرون) * فتعتبرون. # * (لا تحصوها) * أي: لا تضبطوا عددها فضلا عن أن تطيقوا القيام بشكرها * (إن الله لغفور رحيم) * يتجاوز عن تقصيركم في أداء شكر نعمه ولا يقطعها عنكم. # * (والله يعلم ما تسرون وما تعلنون (19) والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون (20) أموا ت غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون (21) إلهكم إله وا حد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون (22) لاجرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين (23)) * * (يدعون) * قرئ بالياء والتاء (3)، نفي عنهم خصائص الإلهية بنفي كونهم # PageV02P320 # خالقين، وأحياء لا يموتون، وعالمين بوقت البعث، وأثبت لهم صفات الخلق بأنهم مخلوقون وأنهم أموات وأنهم جاهلون بالغيب، أي: لو كانوا آلهة على الحقيقة لكانوا أحياء غير أموات وأمرهم على العكس من ذلك، والضمير في * (يبعثون) * للداعين، أي: لا يشعرون متى يبعث عابدوهم، وفيه تهكم بالمشركين، وأن آلهتهم لا يعلمون وقت بعثهم فكيف يكون لهم وقت جزاء منهم على عبادتهم! # * (لاجرم) * حقا ms0622 * (أن الله يعلم) * سرهم وعلانيتهم فيجازيهم، وهو وعيد. # * (وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين (24) ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيمة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون (25) قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنينهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون (26) ثم يوم القيمة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين (27) الذين تتوفيهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون (28) فأدخلوا أبوا ب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين (29)) * * (ماذا) * منصوب ب‍ * (أنزل) * بمعنى: أي شئ أنزل ربكم؟ أو مرفوع بالابتداء بمعنى: أي شئ أنزله ربكم؟ فإذا نصبت فمعنى * (أساطير الأولين) *: # ما تدعون نزوله أساطير الأولين، وإذا رفعت فالمعنى: المنزل أساطير الأولين، أي: # أحاديث الأولين وأباطيلهم. PageV02P321 # * (ليحملوا أوزارهم) * أي: قالوا ذلك إضلالا للناس وصدا عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فحملوا أوزار ضلالهم * (كاملة) * وبعض * (أوزار) * من أضلوهم، لأن المضل والضال شريكان، هذا يضله وهذا يطاوعه على إضلاله، وجاء باللام من غير أن يكون غرضا، نحو قولك: خرجت من البلد مخافة الشر، * (بغير علم) * حال من المفعول، أي: يضلون من لا يعلم أنهم ضلال، وإنما وصف بالضلال من لا يعلم لأنه كان عليه أن يبحث وينظر بعقله حتى يميز بين المحق والمبطل. # و * (القواعد) * أساطين البناء، وقيل: الأساس (1)، وهذا تمثيل لاستئصالهم، والمعنى: أنهم سووا منصوبات (2) ليمكروا الله بها فجعل الله هلاكهم في تلك المنصوبات، كحال قوم بنوا بنيانا وعمدوه بالأساطين فأتي البنيان من الأساطين بأن ضعضعت فسقط عليهم السقف وهلكوا، ومن أمثالهم: من حفر لأخيه جبا وقع فيه منكبا (3)، والمراد بإتيان الله: إتيان أمره * (من القواعد) * من جهة القواعد. # وقرأ الصادق (عليه السلام): " فأتى الله بيتهم " (4). # * (يخزيهم) * أي: يذلهم بعذاب الخزي، يعني: هذا لهم في الدنيا ثم العذاب في الآخرة * (أين شركائي) * أضافهم إلى نفسه على ms0623 طريق الاستهزاء بهم ليوبخهم بذلك * (تشقون) * أي: تعادون المؤمنين وتخاصمونهم في شأنهم ومعناهم (5)، # PageV02P322 # وقرئ بكسر النون (1) بمعنى: تشاقونني، لأن مشاقة المؤمنين كأنها مشاقة الله، و * (الذين أوتوا العلم) * هم: الأنبياء والعلماء من أممهم، وقيل: هم الملائكة (2). # * (تتوفيهم) * قرئ بالتاء والياء (3)، وبإدغام التاء في التاء (4) * (فألقوا السلم) * أي: تسالموا وأخبتوا (5) وجاءوا بخلاف ما كانوا عليه في الدنيا من الشقاق (6) والكبر، وقالوا: * (ما كنا نعمل من سوء) * جحدوا ما وجد منهم من الكفر والعدوان في الدنيا، فرد عليهم أولو العلم: * (إن الله عليم بما كنتم تعملون) * فهو يجازيكم عليه، وهذا أيضا من الشماتة، وكذلك * (فأدخلوا أبوا ب جهنم) *. # * (وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين (30) جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون كذلك يجزى الله المتقين (31) الذين تتوفيهم الملائكة طيبين يقولون سلم عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون (32) هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (33) فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون (34)) * * (خيرا) * أي: أنزل خيرا، ونصب هذا ورفع الأول فصلا بين جواب المقر # PageV02P323 # وبين جواب الجاحد، فهؤلاء أطبقوا الجواب على السؤال مفعولا للإنزال فقالوا: # خيرا، وأولئك عدلوا بالجواب عن السؤال فقالوا: هو أساطير الأولين وليس من الإنزال في شئ * (للذين أحسنوا) * وما بعده بدل من * (خيرا) * حكاية لقول الذين اتقوا، أي: قالوا هذا القول، ويجوز أن يكون كلاما مبتدأ عدة للقائلين * (حسنة) * أي: مكافأة * (في... الدنيا) * بإحسانهم، ولهم في الآخرة ما هو خير منها * (ولنعم دار المتقين) * دار الآخرة، فحذف المخصوص بالمدح لتقدم ذكره. # * (جنات عدن) * خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون المخصوص بالمدح. # * (طيبين) * طاهرين من ظلم أنفسهم بالكفر والمعاصي، لأنه في مقابلة * (ظالمي أنفسهم) *، * (يقولون سلم عليكم) * سلامة لكم من كل سوء. # * (تأتيهم الملائكة) * لقبض الأرواح * (أو يأتي أمر ربك) * بالعذاب المستأصل أو القيامة ms0624 * (كذلك) * أي: مثل ذلك الفعل من الشرك والتكذيب * (فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله) * بتدميرهم * (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) * لأنهم فعلوا ما استوجبوا به التدمير. # * (وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شئ نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شئ كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلغ المبين (35) ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عقبة المكذبين (36) إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من نصرين (38)) * * (كذلك فعل الذين من قبلهم) * من الكفار والضلال: أشركوا بالله وحرموا ما أحل الله وارتكبوا ما حرمه، فلما نبهوا على قبح أفعالهم نسبوها إلى الله وقالوا: PageV02P324 # * (لو شاء الله) * لم نفعلها * (فهل على الرسل إلا) * أن يبلغوا الحق وأن الله لا يشاء الشرك والمعاصي بالبيان والبرهان. # * (في كل أمة) * أي: مامن أمة إلا وقد * (بعثنا) * فيهم * (رسولا) * يأمرهم بالخير الذي هو عبادة الله، وينهاهم عن الشر (1) الذي هو اجتناب (2) * (الطاغوت فمنهم من هدى الله) * أي: لطف به لعلمه أنه من أهل اللطف * (ومنهم من حقت عليه الضلالة) * أي: ثبت عليه الخذلان والترك من اللطف لتصميمه على الكفر * (فسيروا في الأرض فانظروا) * ما فعلت ب‍ * (المكذبين) * حتى لا يبقى لكم شبهة في أني لا أريد الشر حيث أفعل ما أفعل بالأشرار. # ثم ذكر سبحانه عناد قريش، وحرص النبي (صلى الله عليه وآله) على إيمانهم، وعرفه أنهم ممن حقت عليهم الضلالة، وأنه * (لا يهدي من يضل) * أي: لا يلطف بمن يخذله، وقيل: معناه: لا يهتدي (3)، يقال: هداه الله فهدي، وقرئ: " لا يهدي " على البناء للمفعول (4) والعائد إلى * (من) * الموصولة الهاء المحذوف، أي: من يضله. # * (وأقسموا بالله جهد أيمنهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون (38) ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا ms0625 كذبين (39) إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون (40)) * * (بلى) * إثبات لما بعد النفي، أي: بلى يبعثهم، و * (وعدا) * مصدر مؤكد لما دل # PageV02P325 # عليه * (بلى) * لأن * (يبعث) * موعد من الله، ثم بين أن الوفاء بذلك الوعد حق واجب على الله في الحكمة * (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) * أنهم يبعثون، أو أنه وعد واجب على الله لأنهم يقولون: لا يجب على الله شئ من مواجب الحكمة. # * (ليبين لهم) * الضمير ل‍ * (من يموت) * وهو عام للمؤمنين والكافرين، و * (الذي) * اختلفوا * (فيه) * هو الحق * (وليعلم الذين كفروا أنهم) * كذبوا في قولهم: لا يبعث الله من يموت. # * (قولنا) * مبتدأ و * (أن نقول) * خبره و * (كن فيكون) * من " كان " التامة، أي: # إذا أردنا وجود شئ فليس إلا أن نقول * (له) *: أحدث فهو محدث عقيب ذلك لا يتوقف، وهذا مثل في أن مرادا لا يمتنع عليه، وأن وجوده عند إرادته مثل وجود المأمور به عند أمر الآمر المطاع إذا ورد على المأمور المطيع الممتثل، ولا قول هناك، وقرئ: " فيكون " بالنصب (1) عطفا على * (نقول) *. # * (والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولاجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (41) الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (42) وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (43) بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون (44)) * * (والذين هاجروا) * هم: رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأصحابه، ظلمهم أهل مكة ففروا بدينهم إلى الله، فهاجر بعضهم إلى الحبشة ثم بعد هاجروا إلى المدينة، وقيل: هم الذين كانوا محبوسين بمكة بعد هجرة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وكلما خرجوا تبعوهم # PageV02P326 # وردوهم، منهم بلال وصهيب (1) وعمار وخباب (2) (3) * (في الله) * في حقه ولوجهه * (حسنة) * صفة لمصدر محذوف، أي: * (لنبوئنهم) * تبوئة حسنة، وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): " لنثوينهم " (4) ومعناه: إثواءة حسنة، أي: لننزلنهم في الدنيا منزلة حسنة، وهي الغلبة على أهل مكة الذين ظلموهم وعلى العرب قاطبة وعلى أهل المشرق والمغرب، ms0626 وقيل: لنبوئنهم مباءة حسنة وهي المدينة حيث آواهم الأنصار ونصروهم (5) * (لو كانوا يعلمون) * الضمير للكفار، أي: لو علموا أن الله يجمع للمهاجرين الدنيا والآخرة لرغبوا في دينهم، ويجوز أن يكون الضمير للمهاجرين، أي: لو كانوا يعلمون ذلك لزادوا في اجتهادهم وصبرهم. # * (الذين صبروا) * أي: هم الذين صبروا، أو أعني الذين صبروا، وكلاهما مدح، صبروا على العذاب وعلى مفارقة الوطن وعلى الجهاد. # قالت قريش: الله لا يرسل إلينا بشرا مثلنا، فقال: * (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم) * على ألسنة الملائكة * (فسلوا أهل الذكر) * وهم أهل # PageV02P327 # الكتاب ليعلموكم أنه سبحانه لم يبعث إلى من تقدم من الأمم إلا البشر، وقيل: # إن أهل الذكر: أهل القرآن، والذكر: القرآن (1)، وقيل: أهل العلم (2). # وعن الباقر (عليه السلام): " نحن أهل الذكر " (3). # * (بالبينات) * يتعلق ب‍ * (ما أرسلنا) * ويدخل تحت الاستثناء، أي: وما أرسلنا إلا رجالا بالبينات، كما تقول: ما ضربت إلا زيدا بالسوط، وأصله: ضربت زيدا بالسوط، أو يتعلق ب‍ * (رجالا) * صفة له، أي: رجالا ملتبسين بالبينات، أو ب‍ * (نوحي) * أي: نوحي إليهم بالبينات، وقوله: * (فسلوا أهل الذكر) * اعتراض * (وأنزلنا إليك الذكر) * أي: القرآن، إنما سمي ذكرا لأنه موعظة وتنبيه للغافلين * (لتبين للناس ما) * نزل الله * (إليهم) * في الذكر مما أمروا به ونهوا عنه إرادة أن يتفكروا فينتبهوا (4). # * (أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون (45) أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين (46) أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرءوف رحيم (47) أو لم يروا إلى ما خلق الله من شئ يتفيؤا ظلله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون (48) ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون (49) يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون (50)) * # PageV02P328 # أي: * (مكروا) * المكرات * (السيئات) *، يريد: أهل مكة وما مكروا به رسول الله (صلى الله عليه وآله). * (في تقلبهم) * حال، أي: متقلبين في أسفارهم ومتاجرهم. * (على تخوف) * أي: متخوفين، وهو أن يهلك قوما قبلهم فيتخوفوا، أي: * (يأخذهم) * العذاب ms0627 وهم متخوفون متوقعون، وهو خلاف قوله: * (من حيث لا يشعرون) *، وقيل: معناه: على تنقص، أي: يأخذهم على أن يتنقصهم شيئا بعد شئ في أنفسهم وأموالهم حتى يهلكوا (1) * (فإن ربكم لرءوف رحيم) * حيث يحلم عنكم ولا يعذبكم عاجلا. # وقرئ: " أو لم تروا " (2) و " تتفيؤا " بالتاء (3) والياء * (ما خلق الله) *: * (ما) * موصولة، وهو مبهم بيانه: * (من شئ يتفيؤا ظلله) *، و * (اليمين) * بمعنى الأيمان * (سجدا) * حال من الظلال * (وهم داخرون) * حال من الضمير في * (ظلله) * لأنه في معنى الجمع، وهو ما خلق الله من كل شئ له ظل، وجمع بالواو والنون لأن الدخور من أوصاف العقلاء، أو لأن في جملة ذلك من يعقل فغلب العقلاء، والمعنى: أو لم يروا إلى ما خلق الله من الأجرام التي لها ظلال متفيئة عن أيمانها وشمائلها، أي: عن جانبي كل واحد منها، مستعار من يمين الإنسان وشماله، أي: # يرجع الظلال من جانب إلى جانب منقادة لله، غير ممتنعة عليه فيما سخرها له من التفيؤ، والأجرام في أنفسها - أيضا - داخرة صاغرة منقادة لأفعال الله فيها. # * (من دابة) * بيان ل‍ * (ما في السماوات وما في الأرض) * جميعا، على أن السماوات خلقا لله يدبون فيها، أو بيان ل‍ * (ما في الأرض) * وحده ويراد # PageV02P329 # ب‍ * (ما في السماوات) * الملائكة، وكرر ذكرهم على معنى: * (والملكة) * خصوصا من بين الساجدين لأنهم أعبد الخلق، أو يراد ملائكة الأرض من الحفظة وغيرهم، والمراد بسجود المكلفين: طاعتهم وعبادتهم، وبسجود غيرهم: # انقيادها لإرادة الله وأنها غير ممتنعة عليه. # * (يخافون) * حال من الضمير في * (لا يستكبرون) *، أو استئناف لبيان نفي الاستكبار وتأكيده، لأن من خاف الله لم يستكبر عن عبادته * (من فوقهم) * إن تعلق ب‍ * (يخافون) * فالمعنى: يخافونه أن يرسل عليهم عذابا من فوقهم، وإن تعلق ب‍ * (ربهم) * فهو حال منه، أي: يخافون ربهم غالبا لهم قاهرا، كقوله: # * (وإنا فوقهم قاهرون) * (1). # * (وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله وا حد فإياي فارهبون (51) وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون (52) وما بكم من ms0628 نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجرون (53) ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون (54) ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون (55)) * * (إلهين اثنين) * هو تأكيد للعدد ودلالة على العناية به، ألا ترى أنك لو قلت: # إنما هو إله، ولم تؤكده ب‍ " واحد " لم يحسن، وخيل أنك أثبت الإلهية لا الوحدانية * (فإياي فارهبون) * نقل الكلام من الغيبة إلى التكلم على طريقة الالتفات، لأن الغائب هو المتكلم، ولأنه أبلغ في الترهيب من قوله: وإياه فارهبوه، ومن أن يجئ ما قبله على لفظ التكلم. # PageV02P330 # و * (الدين) *: الطاعة * (واصبا) * حال عمل فيها الظرف، والواصب: الواجب الثابت، لأن كل نعمة منه فالطاعة واجبة له على كل منعم عليه، ويجوز أن يكون من الوصب، أي: وله الدين ذا كلفة ومشقة ولذلك سمي تكليفا، أو: وله الجزاء دائما ثابتا سرمدا لا يزال (1) يعني: الثواب والعقاب. # * (وما بكم من نعمة) * أي: ما اتصل بكم من نعمة في النفس أو المال * (ف‍) * هو * (من الله) *، * (فإليه تجرون) * أي: فما تتضرعون إلا إليه، والجؤار: رفع الصوت بالدعاء، وقرئ: " تجرون " بطرح الهمزة وإلقاء حركتها على الجيم (2). # * (إذا فريق منكم) * يجوز أن يكون الضمير في * (وما بكم من نعمة) * عاما ويريد بالفريق فريق الكفرة، وأن يكون الخطاب للكفار، و * (منكم) * للبيان لا للتبعيض، كأنه قال: إذا فريق كافر وهم أنتم، ويجوز أن يكون فيهم من اعتبر، كقوله: * (فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد) * (3). # * (ليكفروا بما آتيناهم) * من نعمة الكشف عنهم، كأنهم جعلوا غرضهم في الشرك كفران النعمة * (فتمتعوا فسوف تعلمون) * تخلية ووعيد، ويجوز أن يكون * (ليكفروا) * و * (فتمتعوا) * من الأمر الوارد بمعنى الخذلان والتخلية، واللام لام الأمر. # * (ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسئلن عما كنتم تفترون (56) ويجعلون لله البنت سبحانه ولهم ما يشتهون (57) وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم (58) يتوارى من القوم # PageV02P331 # من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون (59) للذين لا يؤمنون بالآخرة ms0629 مثل السوء ولله المثل الاعلى وهو العزيز الحكيم (60)) * أي: * (لما لا يعلمون‍) * - ها، يريد: آلهتهم، لأنهم اعتقدوا فيها أنها تضر وتنفع وتشفع وهي جماد، فهم إذن جاهلون بها، وقيل: الضمير في * (لا يعلمون) * للآلهة، أي: لأشياء غير موصوفة بالعلم، أي: يتقربون إليها (1)، ف‍ * (يجعلون) * لها * (نصيبا) * في أنعامهم وزروعهم وهي لا تشعر بذلك * (لتسئلن) * وعيد * (عما كنتم تفترون) * من الإفك في زعمكم أنها آلهة، وأنها أهل للتقرب إليها. # زعموا أن الملائكة بنات الله * (سبحانه) * تنزيه لذاته من نسبة الولد إليه، أو تعجب من قولهم * (ولهم ما يشتهون) * يعني: البنين، ومحله نصب عطفا على * (البنت) * أي: وجعلوا لأنفسهم ما يشتهونه من الذكور، أو رفع على الابتداء. # و * (ظل) * بمعنى: صار، كما يستعمل " أصبح " و " أمسى " و " بات " بمعنى الصيرورة، أي: صار * (وجهه مسودا) * مربدا (2) من الكآبة، ف‍ * (هو كظيم) *: # مملوء حنقا على المرأة. * (يتوارى) * أي: يستخفي * (من القوم من) * أجل * (سوء) * المبشر * (به) * ويحدث نفسه وينظر * (أيمسكه على) * هوان وذل * (أم يدسه في التراب) * أي: يئده * (ألا ساء ما يحكمون) * حيث يجعلون الولد الذي هو عندهم بهذا المحل لله تعالى، ويجعلون لأنفسهم من هو على العكس من هذه الصفة. # * (مثل السوء) * أي: صفة السوء، وهي الحاجة إلى الولد، أو صفة النقص من الجهل والعجز * (ولله المثل الاعلى) * وهو صفات الإلهية والغنى عن الصاحبة # PageV02P332 # والولد، والنزاهة عن صفات المخلوقين. # * (ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستخرون ساعة ولا يستقدمون (61) ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لاجرم أن لهم النار وأنهم مفرطون (62) تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعملهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم (63) وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (64) والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لاية لقوم يسمعون (65)) * * (بظلمهم) * أي: بكفرهم ومعاصيهم * (عليها) * أي: على ms0630 الأرض، أي: لأهلك الدواب كلها بشؤم ظلم الظالمين، وقيل: ما ترك من دابة ظالمة تدب عليها (1)، وعن ابن عباس: من مشرك (2). # * (ويجعلون لله ما يكرهون) * لأنفسهم من البنات ومن شركاء في رياستهم ومن الاستخفاف برسولهم، ويجعلون له أرذل أموالهم ولأصنامهم أكرمها * (وتصف ألسنتهم) * مع ذلك * (الكذب) *، و * (أن لهم الحسنى) * بدل من * (الكذب) *، وهو قول قريش: لنا البنون، أو هو قولهم: إن كان ما يقوله محمد (صلى الله عليه وآله) حقا فإن لنا الجنة * (مفرطون) * قرئ مفتوح الراء ومكسورها (3)، وبالتخفيف والتشديد (4)، فالمفتوح بمعنى: مقدمون إلى النار معجلون إليها، من أفرطت فلانا وفرطته في # PageV02P333 # طلب الماء، أي: قدمته، وقيل: منسيون متروكون (1)، من أفرطت فلانا خلفي: # إذا خلفته ونسيته، والمكسور المخفف من الإفراط في المعاصي، وبالتشديد من التفريط في الطاعات. # * (فهو وليهم اليوم) * أي: فهو قرينهم في الدنيا، جعل * (اليوم) * عبارة عن زمان الدنيا، ويجوز أن يرجع الضمير إلى مشركي قريش، أي: زين * (الشيطان) * للكفار قبلهم * (أعملهم) * فهو ولي هؤلاء لأنهم منهم. # * (وهدى ورحمة) * عطف على محل * (لتبين) *، و * (الذي اختلفوا فيه) * هو البعث، لأن بعضهم كان يؤمن به وأشياء من التحريم والتحليل. # * (لقوم يسمعون) * سماع إنصاف وتدبر، لأن من لم يسمع بقلبه فكأنه أصم. # * (وإن لكم في الانعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين (66) ومن ثمرا ت النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لاية لقوم يعقلون (67) وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون (68) ثم كلى من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لاية لقوم يتفكرون (69) والله خلقكم ثم يتوفيكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير (70)) * وقرئ: * (نسقيكم) * بفتح النون (2) وضمها، هاهنا وفي " المؤمنون " (3) # PageV02P334 # وهو استئناف، كأنه قيل: كيف العبرة؟ فقيل: نسقيكم * (مما في بطونه) *، وإذا ذكر * (الانعام) * فعلى أن يكون اسما مفردا ms0631 بمعنى الجمع، مثل " نعم " في قوله: # في كل عام نعم تحوونه * يلقحه قوم وتنتجونه (1) وإذا أنث فلأنه تكسير نعم، والمعنى: أنه سبحانه يخلق اللبن وسيطا بين الفرث والدم يكتنفانه، وبينه وبينهما برزخ من قدرة الله عز وجل لا يشوبانه ولا يبغي أحدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة، بل هو خالص من ذلك كله * (سائغا) * أي: سهل المرور في الحلق، و * (من) * الأولى للتبعيض، لأن اللبن بعض ما في بطونه، والثانية لابتداء الغاية، لأن بين الفرث والدم مكان الإسقاء الذي منه يبتدئ. # * (ومن ثمرا ت النخيل) * يتعلق بمحذوف، والتقدير: ونسقيكم من ثمرات النخيل * (والأعناب) * أي: من عصيرها، و * (تتخذون منه سكرا) * بيان لكيفية الإسقاء، أو يتعلق ب‍ * (تتخذون) * وتكون * (منه) * تكريرا للظرف للتوكيد، والهاء في * (منه) * يعود إلى " الثمرات " لأن " الثمر " بمعنى " الثمرات "، ويجوز أن يعود إلى موصوف محذوف و * (تتخذون) * صفة له، والتقدير: ما تتخذون منه سكرا، وتكون " ما " نكرة موصوفة، أو: ثمر تتخذون منه سكرا * (ورزقا حسنا) * لأنهم كانوا يأكلون بعضها ويتخذون بعضها سكرا، والسكر: الخمر وكل ما يسكر، سميت بالمصدر من سكر سكرا وسكرا، قال: # فجاؤونا بهم سكر علينا * فأجلى اليوم والسكران صاحي (2) # PageV02P335 # والرزق الحسن: ما هو حلال منها كالخل والدبس والتمر (1) والزبيب. # * (وأوحى ربك إلى النحل) * أي: ألهمها وقذف في قلوبها وعلمها على وجه لا سبيل لأحد إلى الوقوف عليه، فإن صنعتها الأنيقة ولطفها في تدبير أمرها والعجائب المركبة في طباعها شواهد بينة على أن الله سبحانه أودعها علما بذلك * (أن اتخذي) * هي " أن " المفسرة، لأن الإيحاء فيه معنى القول، وقرئ: " بيوتا " بكسر الباء (2) لأجل الياء في جميع القرآن و * (يعرشون) * بضم الراء (3) وكسرها، أي: ومن الكرم الذي يعرشونه، أي: يتخذون منه العريش (4)، والضمير في * (يعرشون) * للناس و * (من) * في جميعها للبعضية، لأنها لا تبني بيوتها في كل جبل وكل شجر وكل ما يعرش ولا في كل مكان منها. * (ثم كلى من كل الثمرات) * أي: من أي ثمرة شئت واشتهيت، فإذا أكلتها * (فاسلكي سبل ربك) * أي: ms0632 الطرق التي ألهمك وأفهمك في عمل العسل، أو: إذا أكلت الثمار فاسلكي إلى بيوتك راجعة سبل ربك لا تتوعر عليك ولا تضلين فيها، و * (ذللا) * جمع ذلول حال من * (سبل ربك) *، لأن الله ذللها لها وسهلها، أو من الضمير في * (فاسلكي) * أي: وأنت ذلل منقادة لما أمرت به * (يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه) * يعني: العسل اختلف ألوانه: أبيض وأصفر وأحمر * (فيه شفاء للناس) * لأنه من جملة الأشفية والأدوية المشهورة، وتنكيره: إما لتعظيم الشفاء الذي فيه، أو لأن فيه بعض الشفاء، # PageV02P336 # وقال: * (يخرج من بطونها) * وإن كانت تلقيه من أفواهها كالريق، لئلا يظن أنه ليس من بطنها. # * (إلى أرذل العمر) * أي: أخسه وأحقره، وهو خمس وسبعون سنة عن علي (عليه السلام) (1)، وتسعون سنة عن قتادة (2)، لأنه لا عمر أسوء حالا من عمر الهرم * (لكي لا يعلم بعد علم شيئا) * ليصير إلى حال شبيهة بحال الطفولية في النسيان، وأن يعلم شيئا ثم ينسى فلا يعلمه إن سئل عنه، وقيل: لئلا يعلم زيادة علم على علمه (3). # * (والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمنهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون (71) والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمت الله هم يكفرون (72) ويعبدون من دون الله مالا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون (73) فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون (74)) * أي: جعلكم متفاوتين * (في الرزق) * فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم وهم بشر مثلكم، فأنتم لا تسوون بينكم وبينهم فيما أنعم الله به عليكم، ولا تجعلونهم فيه شركاء، ولا ترضون ذلك لأنفسكم، فكيف رضيتم أن تجعلوا عبيده له شركاء وتوجهوا العبادة والقرب إليهم كما توجهون ذلك إليه؟! وقيل: معناه: أن الموالي # PageV02P337 # والمماليك الله رازقهم جميعا * (فهم) * في رزقه * (سواء) * فلا يحسب الموالي أنهم يرزقونهم من عندهم وإنما هو رزق الله أجراه إليهم على أيديهم (1)، وقيل: # معناه: فلم يرد الموالي فضل ms0633 ما رزقوه على مماليكهم حتى يتساووا في المطعم والملبس (2). # ويحكى عن أبي ذر: أنه سمع النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: إنما هم إخوانكم فاكسوهم مما تلبسون وأطعموهم مما تطعمون، فما رئي عبده بعد ذلك إلا ورداؤه رداؤه وإزاره إزاره من غير تفاوت (3). # * (أفبنعمة الله يجحدون) * فجعل ذلك من جملة جحود النعمة، وقرئ: # * (يجحدون) * بالياء والتاء (4) * (من أنفسكم) * أي: من جنسكم * (حفدة) * أي: # خدما وأعوانا. الصادق (عليه السلام): " هم أختان (5) الرجل على بناته " (6). وقيل: هم أولاد الأولاد (7)، وهو جمع حافد، وحفد الرجل: أسرع في الطاعة والخدمة. # وفي الدعاء: " إليك نسعى ونحفد " (8). # * (من الطيبات) * يعني: بعضها * (أفبالباطل يؤمنون) * وهو ما يعتقدون من # PageV02P338 # منفعة الأصنام وشفاعتها * (و... يكفرون) *، * (بنعمت الله) * المشاهدة التي لا شبهة فيها، وقيل: يريد بنعمة الله رسول الله (صلى الله عليه وآله) والقرآن والإسلام (1) أي: هم كافرون بها منكرون لها. # * (رزقا) * مصدر و * (شيئا) * منتصب به، كقوله: * (أو إطعم... يتيما... أو مسكينا) * (2)، أي: * (مالا يملك) * أن يرزق شيئا، ويجوز أن يكون بمعنى: # " ما يرزق " فيكون * (شيئا) * بدلا منه بمعنى: قليلا، و * (من السماوات والأرض) * صلة للرزق إن كان مصدرا، بمعنى: لا يرزق من السماوات مطرا ومن الأرض نباتا، أو صفة إن كان اسما لما يرزق، والضمير في * (ولا يستطيعون) * ل‍ * (ما) * لأنه في معنى الآلهة بعدما قيل: * (لا يملك) * على اللفظ، ويجوز أن يكون للكفار، أي: ولا يستطيعون مع أنهم أحياء شيئا من ذلك فكيف بالجماد. # * (فلا تضربوا لله الأمثال) * تمثيل للإشراك بالله والتشبيه به، لأن من يضرب الأمثال يشبه حالا بحال وقصة بقصة * (إن الله يعلم) * ما تفعلونه ويعاقبكم عليها * (وأنتم لا تعلمون) * ذلك. # * (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شئ ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (75) وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شئ وهو كل على موليه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوى هو ومن يأمر بالعدل وهو على ms0634 صراط مستقيم (76) ولله غيب السماوات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شئ قدير (77)) * # PageV02P339 # ذكر * (مملوكا) * ليميز العبد من الحر لأنهما من عباد الله، و * (من) * في قوله: # * (ومن رزقناه) * موصوفة، أي: وحرا رزقناه ليطابق * (عبدا) *، ويجوز أن يكون موصولة، و * (يستوون) * معناه: هل يستوي الأحرار والعبيد؟ وإذا كان القادر والعاجز لا يستويان فكيف يسوى بين الحجارة وبين الله القادر على ما يشاء الرازق جميع خلقه؟! # الأبكم: الذي ولد أخرس فلا يفهم ولا يفهم * (وهو كل على موليه) * أي: ثقل وعيال على من يلي أمره ويعوله * (أينما يوجهه) * حيثما يرسله في حاجة أو يصرفه في كفاية مهم لم ينفع ولم * (يأت) * بنجح ولا يهتدي إلى منفعة * (هل يستوى هو ومن) * كان سليم الحواس نفاعا كافيا ذا رشد وديانة فهو * (يأمر) * الناس * (بالعدل) * والخير * (وهو) * في نفسه * (على صراط مستقيم) * أي: دين قويم وسيرة صالحة؟! # وهذان مثلان ضربهما الله لنفسه ولما يفيضه على عباده من النعم الدينية والدنياوية، وللأصنام التي هي جماد وموات لا تنفع ولا تضر، وقيل: ضربهما الله مثلين للكافر والمؤمن (1). # * (ولله غيب السماوات والأرض) * أي: يختص به علم ما غاب منهما عن العباد وخفي عليهم علمه * (إلا كلمح البصر) * أي: هو عند الله وإن تراخى، كما تقولون في الشئ الذي تستقربونه: هو كلمح البصر * (أو هو أقرب) * إذا بالغتم في استقرابه، ونحوه: * (وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون) * (2)، يعني: إنه عنده قريب دان وهو عندكم بعيد، وقيل: معناه: أن إقامة الساعة وإحياء جميع # PageV02P340 # الأموات تكون في أقرب وقت وأوحاه (1) (2) * (إن الله على كل شئ قدير) * فهو يقدر على أن يقيم الساعة. # * (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصر والأفئدة لعلكم تشكرون (78) ألم يروا إلى الطير مسخرا ت في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (79) والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الانعام بيوتا تستخفونها يوم ms0635 ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين (80)) * قرئ: * (أمهاتكم) * بضم الهمزة وكسرها (3) في جميع القرآن * (لا تعلمون شيئا) * في موضع الحال، المعنى: غير عالمين شيئا من حق المنعم الذي خلقكم في البطون، ويجوز أن يكون * (شيئا) * مصدرا والمعنى: لا تعلمون علما * (وجعل لكم) * أي: وركب فيكم هذه الأشياء لإزالة الجهل الذي ولدتم عليه، واكتساب العلم والعمل به من شكر المنعم وطاعته وعبادته. # وقرئ: * (ألم يروا) * بالياء والتاء (4) * (مسخرا ت) * مذللات للطيران بما خلق لها من الأجنحة والأسباب المؤاتية لذلك، والجو: الهواء المتباعد من الأرض في سمت العلو والسكاك واللوح أبعد منه * (ما يمسكهن) * في قبضهن وبسطهن ووقوفهن * (إلا الله) * جل جلاله. # PageV02P341 # * (من بيوتكم) * التي تسكنونها من الحجر والمدر والخيام والأخبية (1) * (سكنا) * هو فعل بمعنى مفعول، وهو ما يسكن إليه من بيت أو إلف * (بيوتا) * هي القباب من الأدم والأنطاع * (تستخفونها) * ترونها خفيفة المحمل * (يوم ظعنكم) * أي: ارتحالكم من بلد إلى بلد، وقرئ بفتح العين (2) وسكونها * (ويوم إقامتكم) * أي: تخف عليكم في أوقات السفر والحضر جميعا * (ومتاعا) * أي: شيئا ينتفع به * (إلى حين) * إلى أن تبلى، أو إلى أن تموتوا. # * (والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرا بيل تقيكم الحر وسرا بيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون (81) فإن تولوا فإنما عليك البلغ المبين (82) يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون (83) ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولاهم يستعتبون (84) وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولاهم ينظرون (85)) * * (مما خلق) * من الأشجار والأبنية أشياء تستظلون بها في الحر والبرد * (أكنانا) * جمع " كن " وهو ما يستكن به من الغيران والبيوت المنحوتة في الجبال * (سرا بيل) * أي: قمصا من القطن والكتان والصوف وغيرها * (تقيكم الحر) * ولم يذكر البرد لأن الوقاية من الحر عندهم أهم، ودل ذكر الحر على البرد * (وسرا بيل تقيكم بأسكم) * يريد الدروع والجواشن، والسربال عام يقع على كل ما كان من ms0636 حديد أو غيره * (لعلكم تسلمون) * تنظرون في نعمه الفاشية فتؤمنون به وتنقادون له. # * (فإن تولوا) * فلم يقبلوا منك فقد أعذرت وأديت ما وجب عليك من التبليغ. # PageV02P342 # * (يعرفون نعمت الله) * التي عددناها حيث يعترفون بها وأنها من الله * (ثم ينكرونها) * بعبادتهم غير الله * (وأكثرهم) * الجاحدون، وقيل: نعمة الله: نبوة محمد (صلى الله عليه وآله) (1) كانوا يعرفونها ثم ينكرونها عنادا، وأكثرهم المنكرون بقلوبهم. # * (شهيدا) * وهو نبيها أو إمامها القائم مقامه يشهد لهم وعليهم بالإيمان والتصديق والكفر والتكذيب * (ثم لا يؤذن للذين كفروا) * في الاعتذار، والمعنى: لا حجة لهم، فدل بترك الإذن على أن لا حجة لهم ولا عذر * (ولاهم يستعتبون) * يسترضون، أي: لا يقال لهم: أرضوا ربكم، لأن الآخرة ليست بدار تكليف، وانتصب * (يوم نبعث) * بمحذوف، والتقدير: واذكر يوم نبعث، أو: يوم نبعث وقعوا فيما وقعوا فيه. وكذا قوله: * (وإذا) * رأوا * (العذاب) * أي: إذا رأوه ثقل عليهم * (فلا يخفف عنهم) *. # * (وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكذبون (86) وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون (87) الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون (88) ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبينا لكل شئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين (89) إن الله يأمر بالعدل والأحسن وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) * (90) * (شركاؤنا) * أي: آلهتنا التي دعوناها شركاء * (فألقوا إليهم القول) * أي: قال الذين عبدوهم لهم بإنطاق الله إياهم: * (إنكم لكذبون) * في أنا أمرناكم بعبادتنا # PageV02P343 # أو في قولكم: إنا آلهة. * (وألقوا) * يعني: الذين أشركوا * (السلم) * أي: الاستسلام لأمر الله وحكمه بعد الإباء والاستكبار في الدنيا * (وضل عنهم) * أي: بطل عنهم * (ما كانوا يفترون) * من أن لله شركاء وأنهم يشفعون لهم. # * (الذين كفروا) * وحملوا غيرهم على الكفر يضاعف الله عقابهم كما ضاعفوا كفرهم * (بما كانوا يفسدون) * بكونهم مفسدين للناس بصدهم * (عن سبيل الله) ms0637 *. # * (شهيدا عليهم من أنفسهم) * يعني: نبيهم الذي أرسل إليهم، أو الحجة الذي هو إمام عصرهم * (وجئنا بك) * يا محمد * (شهيدا على هؤلاء) * أي: أمتك * (تبينا) * أي: بيانا بليغا * (لكل شئ) * من أمور الدين، فما من شئ منها إلا وقد بين في القرآن: إما بالنص عليه، أو الإحالة على ما يوجب العلم من: بيان النبي (صلى الله عليه وآله) أو الحجج القائمين مقامه أو إجماع الأمة، فيكون على هذا حكم جميعها مستفادا من القرآن. # * (بالعدل) * بالواجب من الإنصاف بين الخلق وغير ذلك * (والأحسن) * وهو التفضل والندب، ولفظ الإحسان جامع لكل خير * (وإيتاء ذي القربى) * وإعطاء الأقارب (1) حقهم بصلتهم، وقيل: هم قرابة النبي (صلى الله عليه وآله) * (وينهى عن الفحشاء) * أي: الفاحشة وهي ما جاوز حدود الله * (والمنكر) * ما تنكره العقول * (والبغي) * طلب التطاول بالظلم. # * (وأوفوا بعهد الله إذا عهدتم ولا تنقضوا الأيمن بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون (91) ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيمة ما كنتم # PageV02P344 # فيه تختلفون (92) ولو شاء الله لجعلكم أمة وا حدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسلن عما كنتم تعملون (93) ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم (94)) * عهد الله: هو البيعة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) على الإسلام والإيمان لقوله تعالى: * (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله) * (1)، * (ولا تنقضوا الأيمن) * البيعة * (بعد توكيدها) * أي: بعد توثيقها باسم الله، و " أكد " و " وكد " لغتان، والأصل: الواو والهمزة بدل منه * (وقد جعلتم الله عليكم كفيلا) * رقيبا وشاهدا، لأن الكفيل يراقب حال المكفول به ويراعيه. # * (ولا تكونوا) * في نقض الأيمان * (ك‍) * المرأة * (التي) * غزلت ثم * (نقضت غزلها) * بعد إمراره (2) وإحكامه فجعلته * (أنكاثا) * جمع نكث، وهو ما ينكث فتله، وهي ريطة بنت سعد بن تيم بن مرة من ms0638 قريش، كانت تغزل مع جواريها إلى انتصاف النهار ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن * (أن تكون أمة) * بسبب أن تكون أمة، يعني: جماعة قريش * (هي أربى من أمة) * أي: أزيد عددا وأوفر مالا من أمة من جماعة المؤمنين * (إنما يبلوكم الله به) * الضمير لقوله: * (أن تكون أمة) * لأنه في معنى المصدر، أي: إنما يختبركم بكونهم أربى لينظر أتوفون بعهد الله وبيعة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أم تغترون بكثرة قريش وقوتهم وثروتهم وقلة غيرهم من المؤمنين وضعفهم وفقرهم * (وليبينن لكم يوم القيمة) * وعيد وتحذير من مخالفة الرسول. # * (ولو شاء الله لجعلكم أمة وا حدة) * مسلمة مؤمنة * (ولكن يضل من يشاء) * # PageV02P345 # وهو أن يخذل من علم أنه يختار الضلال والكفر، ويلطف بمن علم أنه يختار الإيمان، يعني: أنه بنى الأمر على الاختيار لا على الإجبار، وحقق ذلك بقوله: # * (ولتسلن عما كنتم تعملون) *. # ثم كرر النهي عن اتخاذ الأيمان * (دخلا) * بينهم، تأكيدا عليهم، والدخل: أن يكون الباطن خلاف الظاهر، فيكون داخل القلب على الكفاء (1) والظاهر على الوفاء * (فتزل قدم) * أي: فتزل أقدامكم عن محجة الإسلام * (بعد ثبوتها) * عليها، وإنما وحدت القدم ونكرت لاستعظام أن تزل قدم واحدة عن طريق الحق بعد أن ثبتت عليه فكيف بأقدام كثيرة * (وتذوقوا السوء) * في الدنيا بصدودكم * (عن سبيل الله) * أو بصدكم غيركم عنها، لأنهم لو نقضوا أيمان البيعة وارتدوا لاتخذوا نقضها سنة لغيرهم يستنون بها * (ولكم عذاب عظيم) * في الآخرة. # الصادق (عليه السلام): " نزلت هذه الآية في ولاية علي (عليه السلام) والبيعة له حين قال النبي (صلى الله عليه وآله): سلموا على علي بإمرة المؤمنين " (2). # * (ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون (95) ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (96) من عمل صلحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حيوا ة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (97) فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (98) إنه ليس له سلطن ms0639 على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (99) إنما سلطنه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون (100)) * # PageV02P346 # * (ولا) * تستبدلوا * (بعهد الله) * وبيعة رسول الله * (ثمنا قليلا) * عرضا يسيرا من الدنيا * (إنما عند الله) * من الثواب على الوفاء بالعهود * (خير لكم) * وأشرف * (إن كنتم تعلمون) * الفرق بين الخير والشر. * (ما عندكم) * من متاع الدنيا * (ينفد) * أي: يفنى، وقرئ: * (لنجزين) * بالياء (1) والنون. * (حيوا ة طيبة) * يعني: في الدنيا، وهو الظاهر لقوله: * (ولنجزينهم) * وعده الله ثواب الدنيا والآخرة، وعن ابن عباس: الحياة الطيبة: الرزق الحلال (2)، وعن الحسن: القناعة (3)، وقيل: يعني في الجنة (4)، ولا يطيب لمؤمن حياة إلا في الجنة. # ولما ذكر العمل الصالح وثوابه وصل به قوله: * (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله) * ليعلم أن الاستعاذة من جملة العمل الصالح، يعني: فإذا أردت قراءة القرآن فاستعذ، كقوله: * (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) * (5) وكما تقول: إذا أكلت فسم الله، وإنما عبر عن إرادة الفعل بلفظ الفعل لأن الفعل يوجد عند القصد والإرادة بغير فاصل. * (ليس له سلطن) * أي: تسلط على أولياء الله، يعني: أنهم لا يقبلون منه ما يريده منهم * (إنما سلطنه على) * من يتولاه ويطيعه * (به مشركون) * الضمير في * (به) * يرجع إلى * (ربهم) *، ويجوز أن يرجع إلى * (الشيطان) * أي: بسببه مشركون. # * (وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون (101) قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت # PageV02P347 # الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين (102) ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين (103) إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم (104) إنما يفترى الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون (105)) * تبديل الآية * (مكان) * الآية هو النسخ * (والله أعلم بما ينزل) * فينزل في كل وقت ما توجبه المصلحة، وما كان مصلحة أمس جاز أن يصير مفسدة اليوم وخلافه مصلحة، وهو سبحانه عالم بالمصالح كلها * (قالوا إنما أنت مفتر) * أي: # كاذب تأمر أمس بأمر واليوم بخلافه * (بل ms0640 أكثرهم لا يعلمون) * جواز النسخ، وأنه من عند الله لجهلهم. # * (قل نزله روح القدس) * يعني: جبرئيل، أضيف إلى * (القدس) * وهو الطهر كقولهم: حاتم الجود، وزيد الخير، والمراد: الروح المقدس، وحاتم الجواد، وزيد الخير. والمقدس: المطهر من المآثم، وفي * (ينزل) * و * (نزله) * من المعنى أنه نزله شيئا بعد شئ على حسب المصالح، وفيه إشارة إلى أن التنزيل (1) أيضا من باب المصالح * (بالحق) * في موضع الحال من الهاء في * (نزله) * أي: ملتبسا بالحكمة، يعني: أن النسخ من جملة الحق * (ليثبت الذين آمنوا) * بما فيه من الحجج والبينات فيزدادوا تصديقا ويقولوا: هو الحق من ربنا * (وهدى وبشرى) * معطوفان على محل * (ليثبت) * والتقدير: تثبيتا لهم وهداية وتبشيرا. # * (إنما يعلمه بشر) * قالوا: يعلمه غلام رومي كان لحويطب بن عبد العزى (2)، # PageV02P348 # اسمه: عائش أو يعيش، أسلم وحسن إسلامه وكان صاحب كتاب، وقيل: هو سلمان الفارسي (رحمه الله)، قالوا: إنه يتعلم القصص منه (1) * (لسان الذي يلحدون إليه أعجمي) * أي: لغة الذي يضيفون إليه التعليم ويميلون إليه القول أعجمية، من ألحد القبر ولحده فهو ملحد وملحود: إذا أمال حفره عن الاستقامة، ثم استعير ذلك لكل إمالة عن استقامة، فقالوا: ألحد فلان في قوله، وألحد في دينه * (وهذا) * يعني: # القرآن * (لسان عربي مبين) * ذو بيان وفصاحة، وقرئ: " يلحدون " بفتح الياء والحاء (2). # * (إن الذين لا يؤمنون بآيات الله) * أي: يعلم الله منهم أنهم لا يؤمنون * (لا يهديهم الله) * لا يلطف بهم ويخذلهم. * (إنما يفترى الكذب) * رد لقولهم: * (إنما أنت مفتر) *، أي: إنما يليق افتراء الكذب بمن لا يؤمن بالله، لأن الإيمان يمنع من الكذب. # * (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالأيمن ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم (106) ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين (107) أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصرهم وأولئك هم الغافلون (108) لاجرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون (109) ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جهدوا وصبروا ms0641 إن ربك من بعدها لغفور رحيم (110)) * * (من كفر) * بدل من * (الذين لا يؤمنون بآيات الله) *، والمعنى: إنما يفتري # PageV02P349 # الكذب * (من كفر بالله من بعد إيمانه) * واستثنى منهم المكره، ويجوز أن ينتصب على الذم، أو يكون شرطا مبتدأ محذوف الجواب، لأن جواب * (من شرح) * يدل عليه، كأنه قيل: من كفر بالله فعليهم غضب من الله، إلا من أكره. # وروي: أن أناسا من أهل مكة ارتدوا عن الإسلام، وكان فيهم من أكره فأجرى كلمة الكفر على لسانه وهو معتقد للإيمان، منهم عمار وأبواه ياسر وسمية، وصهيب وبلال وخباب، وقتل أبو عمار وأمه فأعطاهم عمار بلسانه ما أرادوا، فقال قوم من المسلمين: كفر عمار، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " كلا، إن عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه، واختلط الإيمان بلحمه ودمه "، وجاء عمار إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يبكي، فقال له: " ما وراءك؟ " قال: شر يا رسول الله، ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير، فجعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) يمسح عينيه ويقول: " مالك، إن عادوا لك فعد لهم بما قلت " (1). # * (ذلك) * إشارة إلى الوعيد بسبب استحبابهم * (الدنيا على الآخرة) * واستحقاقهم خذلان الله بكفرهم. * (أولئك هم) * الكاملون في الغفلة فلا أحد أغفل منهم، إذ غفلوا عن تدبر عاقبة حالهم في الآخرة وذلك غاية الغفلة. # * (ثم إن ربك) * دلالة على تباعد حال هؤلاء من حال أولئك وهم عمار وأصحابه، ومعنى " إن ربك لهم ": أنه لهم لا عليهم، بمعنى: أنه وليهم وناصرهم لا عدوهم وخاذلهم، وقيل: إن خبر * (إن) * قوله: * (لغفور رحيم) * (2)، وهذا من باب ما جاء في القرآن تكرير " إن "، وكذلك الآية التي فيما بعد: * (ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهلة) * إلى آخره (3) * (من بعد ما فتنوا) * أي: عذبوا في الله # PageV02P350 # وأكرهوا على الكفر فأعطوهم بعض ما أرادوا ليسلموا من شرهم. # * (يوم تأتى كل نفس تجدل عن نفسها وتوفي كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون (111) وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها ms0642 رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون (112) ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون (113) فكلوا مما رزقكم الله حللا طيبا واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون (114) إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم (115)) * انتصب * (يوم تأتى) * ب‍ * (رحيم) * أو ب‍ " أذكر "، والمعنى: يوم يأتي * (كل) * إنسان يجادل * (عن) * ذاته لا يهمه غيرها، كل يقول: نفسي نفسي، ومعنى المجادلة: # الاحتجاج عنها والاعتذار لها، كقولهم: * (هؤلاء أضلونا) * (1) ونحو ذلك. # * (وضرب الله مثلا قرية) * أي: جعل القرية التي هذه صفتها مثلا لكل قوم أنعم الله عليهم فبطروا وكفروا النعمة وتولوا فأنزل الله بهم العذاب والنقمة * (مطمئنة) * أي: قارة ساكنة لا يزعجها خوف أو ضيق * (رغدا) * أي: واسعا، وسمي أثر * (الجوع والخوف) * لباسا لأن أثرهما يظهر على الإنسان كما يظهر اللباس، وقيل: لأنه شملهم الجوع والخوف كما يشمل اللباس البدن، فكأنه قال: فأذاقهم ما غشيهم وشملهم من الجوع والخوف (2)، وقيل: هذه القرية هي مكة (3) عذبهم # PageV02P351 # الله بالجوع سبع سنين حتى أكلوا القد والعلهز - وهو الوبر يختلط بالدم - والقراد (1)، وكانوا مع ذلك خائفين من النبي (صلى الله عليه وآله) وأصحابه يغيرون على قوافلهم، وذلك حين دعا عليهم فقال: " اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعل عليهم سنين كسني يوسف (عليه السلام) " (2). * (وهم ظالمون) * في موضع الحال. # ثم خاطب المؤمنين بقوله: * (فكلوا) * أي: كلوا * (مما) * أعطاكم * (الله) * من الغنائم وأحلها لكم، وما بعده مفسر في سورة البقرة. # * (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلل وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (116) متع قليل ولهم عذاب أليم (117) وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (118) ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهلة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (119)) * يجوز أن ms0643 تكون " ما " موصولة، وينتصب * (الكذب) * ب‍ * (لا تقولوا) *، والمعنى: ولا تقولوا الكذب * (لما) * تصفه * (ألسنتكم) * من البهائم بالحل والحرمة في قولكم: * (ما في بطون هذه الانعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا) * (3)، واللام مثلها في قولك: ولا تقولوا لما أحل الله: هو حرام، وقوله: * (هذا حلل وهذا حرام) * بدل من * (الكذب) *. ويجوز أن تكون " ما " مصدرية، وينتصب * (الكذب) * ب‍ * (تصف) *، والمعنى: ولا تقولوا: هذا حلال وهذا حرام لوصف # PageV02P352 # ألسنتكم الكذب، أي: لا تحرموا ولا تحللوا لأجل قول كذب نطقت به ألسنتكم لا لأجل حجة * (لتفتروا على الله) * في إضافة التحريم والتحليل إليه، واللام في * (لتفتروا) * من التعليل الذي لا يتضمن معنى الغرض. # * (متع قليل) * خبر مبتدأ محذوف، أي: منفعتهم فيما هم عليه من أفعال الجاهلية منفعة قليلة وعقابها عظيم. * (ما قصصنا عليك) * يعني في سورة الأنعام. # * (بجهلة) * في موضع الحال، أي: * (عملوا السوء) * جاهلين غير متدبرين للعاقبة * (من بعدها) * أي: من بعد التوبة والجهالة. # * (إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين (120) شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم (121) وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين (122) ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (123) إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيمة فيما كانوا فيه يختلفون (124)) * * (كان أمة) * أي: كان وحده أمة من الأمم لكماله في صفات الخير، وعن مجاهد: كان مؤمنا وحده منفردا في دهره بالتوحيد والناس كفار (1)، وعن قتادة: كان إمام هدى قدوة يؤتم به (2) * (قانتا) * مطيعا * (لله) * دائما على عبادته * (حنيفا) * مستقيما في الطاعة، مائلا إلى الإسلام غير زائل عنه * (ولم يك من المشركين) * تكذيب لكفار قريش في زعمهم أنهم على ملة إبراهيم. # * (شاكرا لأنعمه) * يعني: لأنعم الله تعالى معترفا بها، روي: أنه كان لا يتغذى # PageV02P353 # إلا مع ضيف (1) (2). # * (حسنة) * عن قتادة: هي تنويه (3) الله باسمه وذكره حتى أنه ليس من أهل دين إلا وهم يتولونه (4)، وقيل: هي النبوة (5)، وقيل: هي قول المصلي منا: ms0644 # كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم (6) * (لمن الصالحين) * أي: من أهل الجنة، وناهيك بهذا ترغيبا في الصلاح. # * (ثم أوحينا إليك) * وفي * (ثم) * هذه تعظيم لمنزلة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإعلام بأن أفضل ما أوتي خليل الله من الكرامة اتباع نبينا محمد (صلى الله عليه وآله) ملته من قبل أنها دلت على تباعد هذا النعت في المرتبة من بين سائر النعوت التي أثنى الله عليه بها. # المعنى: * (إنما جعل) * وبال * (السبت) * وهو المسخ * (على الذين اختلفوا فيه) * فأحلوا الصيد فيه تارة وحرموا أخرى، وكان الواجب عليهم أن يحرموه على كلمة واحدة ويتفقوا فيه. # * (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجد لهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (125) وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين (126) واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولاتك في ضيق مما يمكرون (127) إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون (128)) * * (ادع إلى) * دين * (ربك) * الذي هو طريق إلى مرضاته * (بالحكمة) * بالمقالة # PageV02P354 # المحكمة الصحيحة وهي الدليل الموضح للحق، وقيل: بالقرآن (1) * (والموعظة الحسنة) * وهي التي لا يخفي عليهم أنك تناصحهم بها وتنفعهم فيها * (وجد لهم بالتي هي أحسن) * أي: بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة من الرفق واللين من غير فظاظة وعنف ليكونوا أقرب إلى الإجابة. # * (وإن عاقبتم) * وإن أردتم معاقبة غيركم على وجه المجازاة فعاقبوه * (ب‍) * قدر * (ما عوقبتم به) * ولا تزيدوا عليه، وسمي الفعل الأول باسم الثاني للمزاوجة. # كان المشركون قد مثلوا بقتلى أحد وبحمزة بن عبد المطلب (رحمه الله)، أخذت هند كبده فجعلت تلوكه (2)، وجدعوا أنفه وأذنه، فقال المسلمون: لئن أمكننا الله منهم لنمثلن بالأحياء فضلا عن الأموات، فنزلت. # * (لهو خير) * الضمير يرجع إلى " الصبر " وهو مصدر * (صبرتم) *، ويراد ب‍ * (الصبرين) * المخاطبون، والمعنى: ولئن صبرتم لصبركم خير لكم، فوضع " الصابرون " موضع الضمير ثناء من الله عليهم بأنهم صابرون، ويجوز أن يراد جنس الصابرين، أي: الصبر خير للصابرين. # * (واصبر) * أنت ms0645 يا محمد فيما تلقاه من الأذى * (وما صبرك إلا ب‍) * توفيق * (الله) * وتثبيته * (ولا تحزن عليهم) * أي: على المشركين في إعراضهم عنك، أو على قتلى أحد فإن الله تعالى نقلهم إلى كرامته، وقرئ: * (في ضيق) * بفتح الضاد وكسرها (3)، أي: لا يضيقن صدرك من مكرهم. # * (مع الذين اتقوا) * أي: هو ولي الذين اتقوا الشرك والكبائر * (و) * ولي * (الذين هم محسنون) * في أعمالهم. # PageV02P355 # سورة بني إسرائيل مكية (1)، وهي مائة وإحدى عشرة آية كوفي، عشر في غيرهم، عد الكوفي * (للأذقان سجدا) * (2). # في حديث أبي: " من قرأ سورة بني إسرائيل فرق قلبه عند ذكر الوالدين أعطي في الجنة قنطارين من الأجر " (3). # الصادق (عليه السلام): " من قرأها في كل ليلة جمعة لم يمت حتى يدرك القائم (عليه السلام)، ويكون من أصحابه " (4). # PageV02P357 # بسم الله الرحمن الرحيم * (سبحن الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير (1) وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا (2) ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا (3)) * * (سبحن) * علم للتسبيح، وانتصابه بفعل مضمر ترك إظهاره، والتقدير: أسبح الله سبحان (1)، ثم نزل " سبحان " منزلة الفعل فسد مسده، ودل على التنزيه البليغ من جميع القبائح (2)، و * (أسرى) * وسرى بمعنى، ونكر قوله: * (ليلا) * لتقليل مدة الإسراء، وأنه أسري (3) في ليلة من جملة الليالي من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة، وقد عرج به إلى السماء من بيت المقدس في تلك الليلة وبلغ البيت المعمور وبلغ سدرة المنتهى، وقيل: إنه كان قبل الهجرة بسنة (4)، و * (المسجد الأقصى) *: بيت المقدس، لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد * (باركنا حوله) * يريد بركات الدين والدنيا، لأنه متعبد الأنبياء ومهبط الوحي، وهو محفوف بالأنهار الجارية والأشجار المثمرة * (لنريه من آياتنا) * العجيبة التي منها إسراؤه في ليلة واحدة من مكة إلى هناك، والعروج به إلى السماء، ورؤية الأنبياء، والبلوغ إلى البيت المعمور وسدرة المنتهى. # PageV02P358 # وروي: أنه لما رجع وحدث بذلك قريشا كذبوه، وفيهم من سافر ms0646 إلى بيت المقدس فاستنعتوه مسجد بيت المقدس، فجلي له فطفق ينظر إليه وينعته لهم حتى وصف جملته، ثم قالوا له: أخبرنا عن عيرنا، فأخبرهم بعدد جمالها وأحمالها، وقال: يقدمها جمل أورق (1)، ويطلع عليكم عند طلوع الشمس، فخرجوا يشتدون نحو الثنية (2) فقال قائل منهم: هذه والله الشمس قد طلعت، وقال آخر: هذه والله الإبل قد أقبلت يقدمها جمل أورق كما قال محمد (صلى الله عليه وآله)، ثم لم يؤمنوا وقالوا: # هذا سحر (3). # قرئ: " ألا يتخذوا " بالياء (4) على: لئلا يتخذوا، وبالتاء على: أي لا تتخذوا، كقولك: كتبت إليه أن افعل كذا * (وكيلا) * أي: معتمدا تكلون إليه أموركم. # * (ذرية من حملنا مع نوح) * نصب على الاختصاص، وقيل: على النداء (5) في قراءة من قرأ: " لا تتخذوا " بالتاء على النهي، والمعنى: قلنا لهم: لا تتخذوا من دوني وكيلا يا ذرية من حملنا مع نوح، أو: لا تتخذوا ذرية من حملنا مع نوح وكيلا، فيكون * (وكيلا) * موحد اللفظ مجموع المعنى، كرفيق في قوله: * (وحسن أولئك رفيقا) * (6)، أي: لا تجعلوهم أربابا، ومن ذرية من حمل مع نوح عزير وعيسى، ذكرهم سبحانه نعمته في إنجاء آبائهم من الغرق بحملهم في السفينة * (إنه) * أي: # إن نوحا * (كان عبدا شكورا) * كثير الشكر. # روي عن الباقر والصادق (عليهما السلام): " أنه كان إذا أصبح وأمسى قال: اللهم # PageV02P359 # إني أشهدك أن ما أصبح أو أمسى بي من نعمة في دين أو دنيا فمنك وحدك لا شريك لك، لك الحمد ولك الشكر بها علي حتى ترضى وبعد الرضا، فهذا كان شكره " (1). # * (وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا (4) فإذا جاء وعد أوليهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد فجاسوا خلل الديار وكان وعدا مفعولا (5) ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا (6) إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا (7) عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم ms0647 للكافرين حصيرا (8)) * أي: * (و) * أوحينا * (إلى بني إسرائيل) * وحيا مقضيا مقطوعا بأنهم يفسدون * (في الأرض) * لا محالة، ويعلون أي: يتعظمون ويبغون، والمراد ب‍ * (الكتاب) *: # التوراة، وقوله: * (لتفسدن) * جواب قسم محذوف، أو يكون القضاء المقطوع به جاريا مجرى القسم فيكون * (لتفسدن) * جوابا له، فكأنه قال: أقسمنا لتفسدن * (مرتين) *: أوليهما: قتل زكريا وحبس إرميا حين أنذرهم سخط الله، والأخرى: # قتل يحيى بن زكريا وقصد قتل عيسى * (عبادا لنا) * وعن علي (عليه السلام): " عبيدا لنا " (2) # PageV02P360 # وهم سنحاريب وجنوده، وقيل: بختنصر (1)، فقتلوا علماءهم وأحرقوا التوراة وخربوا المسجد وقتلوا سبعين ألفا منهم وسبوا سبعين ألفا. # ومعنى قوله: * (بعثنا عليكم) *: خلينا بينهم وبين ما فعلوا ولم نمنعهم، فهو كقوله: # * (وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون) * (2)، وأسند الجوس إليهم وهو التردد * (خلل الديار) * بالفساد، وتخريب المسجد وإحراق التوراة من جملة الجوس، وقوله: * (وعد أوليهما) * معناه: وعد عقاب أولاهما * (وكان) * وعد العقاب * (وعدا) * لابد أن يفعل. # * (ثم رددنا لكم الكرة عليهم) * أي: الدولة والغلبة على الذين بعثوا عليكم، وأظهرناكم عليهم وأكثرنا أموالكم وأولادكم * (وجعلناكم أكثر نفيرا) * أكثر عددا من أعدائكم، وهو جمع نفر كالمعيز والعبيد، وقيل: النفير: من ينفر مع الرجل من قومه (3). # * (إن أحسنتم) * فالإحسان مختص ب‍ * (أنفسكم وإن أسأتم) * فالإساءة مختصة بها، لا يتعدى النفع والضرر إلى غيركم. # وعن علي (عليه السلام): " ما أحسنت إلى أحد ولا أسأت إليه " وتلا هذه الآية (4). # * (فإذا جاء وعد) * المرة * (الآخرة) * بعثناهم * (ليسوا وجوهكم) * حذف لدلالة ذكره أولا عليه، والمعنى: ليجعلوا وجوهكم تبدو آثار المساءة والكآبة فيها، وقرئ: " ليسوء " (5) والضمير لله أو للوعد أو للبعث، و " لنسوء " بالنون (6)، # PageV02P361 # وقوله: * (ما علوا) * محله نصب بأنه مفعول * (ليتبروا) * أي: ليهلكوا كل شئ غلبوه واستولوا عليه، ويجوز أن يكون بمعنى: مدة علوهم. # * (عسى ربكم أن يرحمكم) * بعد المرة الثانية إن تبتم * (وإن عدتم) * مرة ثالثة * (عدنا) * إلى عقوبتكم، وقد عادوا فأعاد الله عليهم النقمة بتسليط الأكاسرة عليهم، وقيل: ببعث محمد (صلى الله عليه وآله)، فالمؤمنون يأخذون منهم الجزية إلى يوم القيامة ms0648 (1)، والحصير: السجن. # * (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا (9) وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة اعتدنا لهم عذابا أليما (10) ويدع الانسان بالشر دعاءه بالخير وكان الانسان عجولا (11) وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شئ فصلنه تفصيلا (12)) * * (يهدي) * للملة * (التي هي أقوم) * الملل، أو للطريقة أو للحالة التي هي أشد استقامة، وعطف قوله: * (وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة) * على * (أن لهم أجرا كبيرا) * على معنى: أنه * (يبشر المؤمنين) * ببشارتين: بثوابهم وبعقاب أعدائهم. # * (ويدع الانسان) * ربه عند غضبه * (بالشر) * على نفسه وأهله وماله كما يدعوه لهم * (بالخير وكان الانسان عجولا) * يتسرع إلى طلب كل ما يقع في قلبه ويخطر بباله لا يتأنى فيه. # * (آيتين) * أي: دلالتين تدلان على وحدانية خالقهما، لما في كل واحد منهما من الفوائد، فكل واحد من * (الليل والنهار) * آية في نفسه، وعلى هذا فيكون إضافة # PageV02P362 # * (آية) * إلى * (الليل) * و * (النهار) * للتبيين كإضافة العدد إلى المعدود، أي: # * (فمحونا) * الآية التي هي الليل * (وجعلنا) * الآية التي هي النهار * (مبصرة) *، وقيل: # إن المراد: وجعلنا نيري الليل والنهار آيتين (1)، يعني: الشمس والقمر * (فمحونا آية الليل) * أي: فجعلنا الليل ممحو الضوء مظلما * (وجعلنا) * النهار مبصرا يبصر فيه الأشياء، أو: فمحونا آية الليل التي هي القمر حيث لم يخلق له شعاعا كشعاع الشمس، وجعلنا الشمس ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شئ * (لتبتغوا فضلا من ربكم) * لتتوصلوا ببياض النهار إلى التصرف في معايشكم وطلب أرزاقكم * (ولتعلوا) * باختلاف الليل والنهار * (عدد السنين) * والشهور * (و) * جنس * (الحساب) * وآجال الديون وغير ذلك، ولولاهما لم يعلم شئ من ذلك، ولتعطلت الأمور * (وكل شئ فصلنه تفصيلا) * بيناه بيانا غير ملتبس، وميزناه تمييزا بينا غير خاف. # * (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيمة كتبا يلقيه منشورا (13) اقرأ كتبك كفي بنفسك اليوم عليك حسيبا (14) من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر ms0649 وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (15)) * * (طائره) * عمله، وقيل: هو من قولك: طار له سهم: إذا خرج (2)، يعني: # * (ألزمناه) * ما طار من عمله، يريد: أن عمله له لازم لزوم القلادة أو الغل العنق لا ينفك عنه، كما قيل في المثل: تقلدها طوق الحمامة (3)، وقرئ: * (ونخرج له) * بالنون، و " يخرج له " بالياء (4) والضمير لله عز وجل، و " يخرج " على البناء # PageV02P363 # للمفعول (1)، و " يخرج " (2) من خرج، والضمير للطائر أي: يخرج الطائر * (كتبا) *، وانتصب * (كتبا) * على الحال، وقرئ: " يلقيه " بالتشديد على البناء للمفعول (3)، و * (يلقيه منشورا) * صفتان ل‍ " الكتاب "، أو * (يلقيه) * صفة و * (منشورا) * حال من * (يلقيه) *. # * (اقرأ) * على إرادة القول، وعن قتادة: يقرأ ذلك اليوم من لم يكن في الدنيا قارئا (4)، و * (بنفسك) * في محل الرفع فاعل * (كفي) *، و * (حسيبا) * تمييز، وهو بمعنى حاسب، كضريب القداح (5) بمعنى ضاربها، و * (عليك) * يتعلق به من قولهم: # حسب عليه كذا، ويجوز أن يكون بمعنى " الكافي " وضع موضع " الشهيد " فعدي ب‍ " على "، لأن الشاهد يكفي المدعي ما أهمه، وذكر * (حسيبا) * لأنه بمنزلة الشهيد والقاضي، والأغلب أن ذلك يتولاه الرجال، فكأنه قال: كفي بنفسك رجلا حسيبا، أو تؤول النفس بالشخص، كما يقال: ثلاثة أنفس. # * (ولا تزر وازرة وزر أخرى) * أي: كل نفس حاملة وزرها ولا تحمل وزر نفس أخرى * (وما كنا معذبين) * وما صح منا في الحكمة أن نعذب قوما إلا بعد أن * (نبعث) * إليهم * (رسولا) * فنلزمهم الحجة. # * (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا (16) وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفي بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا (17) من كان يريد العاجلة عجلنا له # PageV02P364 # فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصليها مذموما مدحورا (18) ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا (19) كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا (20) انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجت وأكبر تفضيلا (21) لا تجعل مع الله إلها آخر ms0650 فتقعد مذموما مخذولا (22)) * المعنى: * (وإذا أردنا أن نهلك) * أهل * (قرية) * بعد قيام الحجة عليهم وإرسال الرسل إليهم * (أمرنا مترفيها) * المتنعمين فيها بالإيمان والطاعة توكيدا للحجة عليهم * (ففسقوا فيها) * بالمعاصي * (فحق عليها القول) * أي: فوجب حينئذ على أهلها الوعيد فأهلكناها إهلاكا، وإنما خص المترفين - وهم الرؤساء - بالذكر لأن غيرهم تبع لهم، وقيل: معناه: كثرنا مترفيها (1)، فيكون من باب أمرته فأمر، أي: كثرته فكثر، مثل: بشرته فبشر. وفي الحديث: " خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة " (2) أي: كثيرة النتاج. وقرئ: " آمرنا " (3) أي: أفعلنا، من أمر وآمره غيره، وأمرنا بمعناه، أو من أمر إمارة وأمره الله، أي: جعلناهم أمراء وسلطناهم. # * (وكم) * مفعول * (أهلكنا) *، و * (من القرون) * تبيين ل‍ * (كم) * وتمييز له، يعني: عادا وثمود وقرونا بين ذلك كثيرا. # * (من) * كانت * (العاجلة) * وهي النعم الدنيوية همته ولم يرد غيرها تفضلنا # PageV02P365 # عليه ب‍ * (ما نشاء) * منها * (لمن نريد) * فقيد الأمر بقيدين: أحدهما: تقييد المعجل بالمشيئة، والثاني: تقييد المعجل له بإرادته، وقوله: * (لمن نريد) * بدل من * (له) * بدل البعض من الكل، لأن الضمير من * (له) * يرجع إلى * (من) * وهو للكثرة، وقيل: # هو من يريد الدنيا بعمل الآخرة كالمرائي والمنافق (1) * (مدحورا) * مطرودا من رحمة الله تعالى. * (وسعى لها سعيها) * أي: حقها من السعي، اشترط ثلاث شرائط في كون السعي * (مشكورا) *: إرادة الآخرة والسعي فيما كلف من الفعل والترك والإيمان الصحيح، وشكر الله سعيه هو ثوابه على الطاعة. # * (كلا) * أي: كل واحد من الفريقين، والتنوين عوض من المضاف إليه * (نمد) * هم: نزيدهم * (من) * عطائنا، ونجعل الآنف منه مددا للسالف لا نقطعه، فنرزق المطيع والعاصي جميعا على وجه التفضل * (وما كان عطاء ربك) * وفضله ممنوعا: لا يمنع من عاص لعصيانه. # * (انظر) * بعين الاعتبار * (كيف) * جعلناهم متفاوتين في التفضل، ودرجات الآخرة ومراتبها * (أكبر) * والتفاوت فيها أكثر. # * (فتقعد مذموما) * يعني: أنك إذا فعلت ذلك بقيت ما عشت مذموما على ألسنة العقلاء * (مخذولا) * لا ناصر لك، وقيل: معنى القعود: الذل والخزي والعجز لا الجلوس (2)، كما يقال: قعد به الضعف. # * (وقضى ربك ألا تعبدوا ms0651 إلا إياه وبالوالدين إحسنا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما (23) واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما # PageV02P366 # ربياني صغيرا (24) ربكم أعلم بما في نفوسكم إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا (25)) * معناه: أمر * (ربك) * أمرا مقطوعا به * (أن لا تعبدوا) * (1): * (أن) * بمعنى " أي "، و * (لا تعبدوا) * نهي، أو يريد: بأن لا تعبدوا، * (وبالوالدين) * أي: وأحسنوا بالوالدين * (إحسنا) * أو: بأن تحسنوا بالوالدين إحسانا. # * (إما) * هي " إن " الشرطية زيدت عليها " ما " توكيدا، ولذلك دخلت النون المؤكدة في الفعل، و * (أحدهما) * فاعل * (يبلغن) *، وقرئ: " يبلغان " (2) وعلى هذا فيكون * (أحدهما) * بدلا من ألف الضمير، و * (كلاهما) * عطف على * (أحدهما) *. # " أف " (3) صوت يدل على تضجر، وقرئ: * (أف) * بالتنوين والكسر، و " أف " بالفتح (4) وكذلك في الأنبياء (5) والأحقاف (6)، وقرأ أبو السمال (7): " أف " بالضم (8)، فأما الكسر فعلى أصل البناء، وأما الفتح فتخفيف للضمة والتشديد ك‍ " ثم "، وأما الضم فللإتباع ك‍ " منذ "، ومعنى قوله: * (يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما) *: أن يكبرا ويكونا كلا على ولدهما لا كافل لهما غيره، فهما عنده في بيته وكنفه وذلك أشق عليه، وربما تولى منهما ما كانا يتوليان منه في حال صغره، فأمر بأن يستعمل معهما لين الجانب وخفض الجناح والاحتمال حتى لا يقول لهما # PageV02P367 # عند الضجر بما يستقذر منهما أو يستثقل من مؤونتهما: أف، فضلا عما يزيد عليه. # ولقد بالغ عز وعلا في التوصية بهما حيث شفع الإحسان إليهما بتوحيده، ثم ضيق الأمر في البر بهما حتى لم يرخص في أدنى كلمة تدل على التضجر مع موجبات الضجر. وعن الصادق (عليه السلام): " أدنى العقوق: أف، ولو علم الله شيئا أهون من " أف " لنهى عنه " (1). # * (ولا تنهرهما) * أي: لا تزجرهما عما يفعلانه، ولا تمتنع من شئ أراداه منك * (وقل لهما) * بدل التأفيف والنهر * (قولا كريما) * جميلا كما يقتضيه حسن الأدب، وقيل: هو أن يقول: يا أبتاه ويا أماه كما قال إبراهيم (عليه السلام) لأبيه مع كفره: # * (يا أبت) * (2) ولا ms0652 تدعوهما بأسمائهما فإنه من الجفاء وسوء الأدب (3). # وفي * (جناح الذل) * وجهان: أحدهما: أن يكون كإضافة حاتم إلى الجود إذا قلت: حاتم الجود، أي: ف‍ * (اخفض لهما) * جناحك الذليل، والآخر: أن تجعل لذله جناحا منخفضا، كما جعل لبيد (4) للشمال يدا وللقرة زماما في قوله: # وغداة ريح قد كشفت وقرة * قد أصبحت بيد الشمال زمامها (5) أراد المبالغة في التواضع والتذلل لهما * (من الرحمة) * من فرط رحمتك لهما # PageV02P368 # لكبرهما، ولا تكتف برحمتك عليهما التي لابقاء لها بل ادع الله سبحانه بأن يرحمهما رحمته الباقية، واجعل ذلك جزاء لرحمتهما عليك في حال صغرك وتربيتهما لك. # وفي الصحيح: أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " رغم أنفه " ثلاث مرات، قالوا: من يا رسول الله؟ قال: " من أدرك أبويه عند الكبر أحدهما أو كليهما ولم يدخل الجنة " (1). # وعن حذيفة: أنه استأذن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في قتل أبيه وهو في صف المشركين، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): " دعه يله غيرك " (2). # * (بما في نفوسكم) * بما في ضمائركم من البر والعقوق * (إن تكونوا) * قاصدين إلى الصلاح والبر * (فإنه كان للأوابين) * أي: التوابين الراجعين إلى الله فيما يتوبهم * (غفورا) *. # * (وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا (26) إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا (27) وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا (28) ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا (29) إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه كان بعباده خبيرا بصيرا (30)) * وصى سبحانه بغير الوالدين من القرابات، وبأن يوتى حقهم بعد أن وصى بهما، وقيل: إن المراد ب‍ * (ذا القربى) * قرابة النبي (3). # PageV02P369 # وعن أبي سعيد الخدري (1): أنه لما نزلت أعطى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاطمة (عليها السلام) فدك (2). # * (والمسكين) * أي: وآت المسكين * (حقه) * الذي جعله الله له من الزكاة * (و) * آت * (ابن السبيل) * حقه وهو المنقطع به من المجتازين * (ولا تبذر) * والتبذير: تفريق المال فيما لا ينبغي، وإنفاقه ms0653 على وجه الإسراف. # وعن مجاهد: لو أنفق مدا في باطل كان تبذيرا، ولو أنفق جميع ماله في الحق لم يكن مبذرا (3). # ومر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بسعد وهو يتوضأ فقال: " ما هذا السرف يا سعد؟! " قال: # أو في الوضوء سرف؟ قال: " نعم وإن كنت على نهر جار " (4). # * (إخوان الشيطين) * أمثالهم السالكون طريقتهم، وهذا غاية الذم * (وكان الشيطان لربه كفورا) * فلا ينبغي أن يطاع فإنه لا يدعو إلا إلى مثل فعله من الشر، وإن تعرض عن هؤلاء الذين أمرتك بإيتاء حقوقهم حياء من الرد لتبتغي الفضل * (من ربك) * والسعة التي يمكنك معها البذل * (فقل لهم قولا ميسورا) * أي: عدهم عدة جميلة، فوضع الابتغاء موضع فقد الرزق، لأن فاقد الرزق مبتغ له، ويجوز أن يتعلق * (ابتغاء رحمة من ربك) * بجواب الشرط مقدما عليه، أي: فقل لهم قولا سهلا تطييبا لقلوبهم ابتغاء رحمة الله التي ترجوها برحمتك عليهم، ويجوز أن # PageV02P370 # يكون الإعراض عنهم كناية عن عدم الاستطاعة، أي: وإن لم تنفعهم. # ثم أمر سبحانه بالاقتصاد الذي هو بين الإسراف والتقتير، وهو تمثيل لمنع الشحيح وإعطاء المسرف * (فتقعد ملوما) * أي: فتصير ملوما عند الله، لأن المسرف غير مرضي عنده وعند الناس * (محسورا) * منقطعا بك لا شئ عندك، وقيل: محسورا: عريانا (1). # * (إن ربك) * يوسع * (الرزق) * ويضيقه بحسب المصلحة مع سعة خزائنه. # * (ولا تقتلوا أولدكم خشية إملق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا (31) ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا (32) ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطنا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا (33) ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا (34) وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا (35)) * كانوا يئدون بناتهم * (خشية) * الفقر وهو الإملاق، فذلك قتلهم أولادهم، فنهاهم الله سبحانه عن ذلك وضمن لهم أرزاقهم، وقرئ: * (خطئا) * يقال: خطئ خطأ أي: أثم إثما، والخطء والخطأ كالحذر والحذر (2)، وقرئ: ms0654 " خطأ " بالكسر والمد (3). # * (فاحشة) * قبيحة زائدة على حد القبح * (وساء سبيلا) * أي: وبئس طريقا # PageV02P371 # طريقه وهو أن يغصب على الغير امرأته أو أخته أو بنته من غير سبب، والسبب ممكن وهو النكاح المشروع. # * (إلا بالحق) * وهو أن يكفر بعد إيمان أو يزني بعد إحصان أو يقتل مؤمنا عمدا * (ومن قتل مظلوما) * غير راكب واحدة من هذه الثلاث * (فقد جعلنا لوليه) * الذي بينه وبينه قرابة توجب المطالبة بدمه * (سلطنا) * أي: تسلطا على القاتل في الاقتصاص منه، وقرئ: * (فلا يسرف) * بالياء والتاء (1)، فالياء على أن الضمير للولي، أي: فلا يقتل الولي غير القاتل، ولا اثنين والقاتل واحد كعادة الجاهلية، أو لا يمثل بالقاتل، وقيل: إن الضمير للقاتل الأول (2)، والتاء على أن الخطاب للولي أو قاتل المظلوم * (إنه كان منصورا) * والضمير: إما للولي أي: نصره الله بأن أوجب له القصاص، وإما للمظلوم، لأن الله ناصره بأن أوجب القصاص بقتله ويثيبه في الآخرة. # * (بالتي هي أحسن) * وهي حفظه عليه * (إن العهد كان مسؤولا) * أي: مطلوبا يطلب من المعاهد أن يفي به، ويجوز أن يكون تخييلا، كأنه يقال للعهد: لم نكثت؟ # توبيخا للناكث كما تسأل الموؤودة * (بأي ذنب قتلت) * (3). # وقرئ: * (بالقسطاس) * بضم القاف (4) وكسرها، وهو الميزان صغيرا كان أو كبيرا * (وأحسن تأويلا) * وأحسن عاقبة، وهو تفعيل من آل: إذا رجع، وهو ما يؤول إليه. # PageV02P372 # * (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا (36) ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا (37) كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها (38) ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا (39) أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما (40)) * يقال: قفا أثره وقافه واقتفاه واقتافه بمعنى: اتبعه، ومنه القافة (1)، أي: لا تكن في اتباعك * (ما) * لا علم * (لك به) * من قول أو فعل كمن يتبع مسلكا لا يعلم أنه يوصله إلى مقصده، والمراد: النهي عن ms0655 أن يقول الرجل ما لا يعلم أو يعمل بما لا يعلم، ويدخل فيه النهي عن اتباع الظن وعن التقليد، وعن الحسن: لا تقف أخاك المسلم إذا مر بك فتقول: هذا يفعل كذا، ورأيته يفعل كذا ولم تر، وسمعته ولم تسمع (2). * (أولئك) * إشارة إلى * (السمع والبصر والفؤاد) *، و * (عنه) * في موضع الفاعل، أي: * (كل) * واحد منها كان * (مسؤولا) * عنه، ف‍ " مسؤول " مسند إلى الجار والمجرور، يقال للإنسان: لم سمعت ما لا يحل لك سماعه؟ ولم نظرت إلى ما لا يحل لك النظر إليه؟ ولم عزمت على ما لا يحل لك العزم عليه؟ # * (مرحا) * حال، أي: ذا مرح * (لن تخرق الأرض) * لن تجعل فيها خرقا بشدة وطئك لها * (ولن تبلغ الجبال طولا) * بتطاولك، وهذا تهكم بالمختال. # قرئ: " سية " (3) و * (سيئه) * على إضافة " سئ " إلى ضمير * (كل) *، والسية في حكم الأسماء بمنزلة الإثم والذنب، فلذلك قال: * (سيئه) * مع قوله: * (مكروها) * # PageV02P373 # إذ لا اعتبار بتأنيثه، أي: كل ما نهي عنه من هذه الخصال المعدودة كان إثما مكروها. # * (ذلك) * إشارة إلى ما تقدم من قوله: * (لا تجعل مع الله إلها آخر) * إلى هذه الغاية، وسماه حكمة، لأنه كلام محكم لا مجال فيه للفساد بوجه. # وعن ابن عباس: أن هذه الثماني عشرة آية كانت في ألواح موسى أولها: # * (لا تجعل مع الله إلها آخر) *، جعل الله سبحانه فاتحتها وخاتمتها النهي عن الشرك، لأن التوحيد رأس كل حكمة (1). # * (أفأصفاكم) * أي: أفخصكم * (ربكم بالبنين) * وهم أفضل الأولاد لم يجعل فيهم نصيبا لنفسه واتخذ الأدون وهي البنات وهذا خلاف الحكمة، وهو خطاب للذين قالوا: الملائكة بنات الله * (إنكم لتقولون قولا عظيما) * بإضافتكم إليه الأولاد ثم بتفضيلكم أنفسكم عليه. # * (ولقد صرفنا في هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا نفورا (41) قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا (42) سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا (43) تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا (44)) * * (صرفنا) ms0656 * أي: كررنا الدلائل وفصلنا العبر فيه، أو: أوقعنا التصريف فيه وجعلناه مكانا للتكرير * (ليذكروا) * ليتعظوا ويعتبروا، وقرئ: " ليذكروا " (2)، ف‍ * (ما يزيدهم إلا نفورا) * عن الحق، وعن سفيان: زادني خضوعا ما زاد أعداءك نفورا (3). # PageV02P374 # * (إذا) * يدل على أن قوله: * (لابتغوا) * جواب عن مقالة المشركين وجزاء ل‍ * (لو) * والمعنى: لطلبوا * (إلى) * من له الملك والإلهية * (سبيلا) * بالمغالبة، كما يفعل الملوك بعضهم ببعض، وفيه إشارة إلى دليل التمانع كما في قوله: * (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) * (1). * (علوا كبيرا) * في معنى: تعاليا، والمراد: البراءة من ذلك والنزاهة، ووصف العلو بالكبر مبالغة في معنى البراءة عما وصفوه به. # * (تسبح له السماوات) * بلسان الحال، حيث تدل على صانعها وعلى صفاته العلى، فكأنها تنطق بذلك، وكأنها تنزه الله عما لا يجوز عليه من الشركاء، وليس * (شئ) * من الموجودات * (إلا) * و * (يسبح) * بحمد الله على هذا الوجه، إذ كلها حادث مصنوع يحتاج إلى صانع غير مصنوع، فهو يدل على إثبات قديم غني عن كل شئ سواه، لا يجوز عليه ما يجوز على المحدثات * (ولكن لا تفقهون تسبيحهم) * أي: لا تعلمون تسبيح هذه الأشياء، إذ لم تنظروا فيها فتعلموا دلالتها على التوحيد * (إنه كان حليما غفورا) * لا يعاجلكم بالعقاب على سوء نظركم وشرككم. # * (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا (45) وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبرهم نفورا (46) نحن أعلم بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم نجوى إذ يقول الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا (47) انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا (48) وقالوا أإذا كنا عظما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا (49)) * # PageV02P375 # * (حجابا مستورا) * أي: ذا ستر كقولك: سيل مفعم (1) أي: ذو إفعام، وقيل: # حجابا مستورا عن العيون من قدرة الله تعالى لا يبصر، حجبه الله سبحانه عن أبصار أعدائه من المشركين فكانوا يمرون به ولا يرونه (2). # * (وحده) * من نوع قولهم: رجع عوده على بدئه (3) في أنه مصدر ms0657 يسد مسد الحال، يقال: وحد يحد وحدا وحدة، والأصل يحد وحده، والنفور: مصدر بمعنى التولية، أو جمع نافر كشهود جمع شاهد، أي: أحبوا أن تذكر معه آلهتهم لأنهم مشركون، فإذا لم تذكرهم نفروا. # * (بما يستمعون به) * من اللغو والاستهزاء بالقرآن، و * (به) * في موضع الحال، أي: يستمعون هازئين، و * (إذ يستمعون) * نصب ب‍ * (أعلم) * أي: أعلم وقت استماعهم بما به يستمعون * (وإذ هم نجوى) * وبما يتناجون به إذ هم ذوو نجوى، أي: متناجون * (إذ يقول) * بدل من * (إذ هم) * أي: ما * (تتبعون إلا رجلا) * قد سحر فجن واختلط عليه عقله، وإنما قالوا ذلك لينفروا عنه. # * (كيف ضربوا لك الأمثال) * مثلوك بالساحر والمجنون * (فضلوا) * في ذلك ضلال المتحير في أمره لا يدري كيف يتوجه. * (ورفاتا) * أي: ترابا وغبارا وانتثر لحومنا أنبعث بعد ذلك * (خلقا جديدا) *؟ # * (قل كونوا حجارة أو حديدا (50) أو خلقا مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا (51) يوم يدعوكم # PageV02P376 # فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا (52) وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للانسان عدوا مبينا (53) ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم وما أرسلناك عليهم وكيلا (54) وربك أعلم بمن في السماوات والأرض ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داوود زبورا (55)) * رد قوله: * (كونوا حجارة) * على قولهم: * (كنا عظما) *، فكأنه قال: كونوا حجارة * (أو حديدا) * ولا تكونوا عظاما فإنه يقدر على إعادتكم أحياء، وردكم إلى رطوبة الحي وغضاضته (1). * (أو خلقا مما يكبر في صدوركم) * عن قبول الحياة، ويعظم عندكم أن يحييه الله * (قل الذي فطركم) * أي: خلقكم * (أول مرة) * فإن من قدر على الإنشاء كان على الإعادة أقدر، وإنما قال ذلك لكونهم مقرين بالنشأة الأولى * (فسينغضون) * أي: فسيحركون نحوك * (رؤوسهم) * تعجبا واستهزاء. # * (يوم يدعوكم) * أي: يبعثكم فتنبعثون منقادين غير ممتنعين، والدعاء والاستجابة كلاهما مجاز هنا * (بحمده) * حال منهم أي: حامدين لله، موحدين، وعن ms0658 سعيد بن جبير: يخرجون من قبورهم قائلين: سبحانك اللهم وبحمدك (2) * (وتظنون) * أنكم ما * (لبثتم) * في الدنيا * (إلا قليلا) * لسرعة انقلاب الدنيا إلى الآخرة، أو لعلمكم بطول اللبث في الآخرة، ونزل النفي منزلة الاستفهام في التعليق. # * (وقل) * للمؤمنين: * (يقولوا) * للمشركين الكلمة * (التي هي أحسن) *، وفسر * (التي هي أحسن) * بقوله: * (ربكم أعلم بكم إن يشأ يرحمكم أو إن يشأ يعذبكم) * ولا تقولوا لهم ما يغيظهم ويغضبهم، وقيل: معناه: مرهم يقولوا الكلمة الحسنى # PageV02P377 # وهي كلمة الشهادتين والأقوال المندوب إليها (1) * (إن الشيطان ينزغ بينهم) * أي: # يفسد بينهم ويغري بعضهم على بعض ليوقع بينهم العداوة والبغضاء. # * (ربكم أعلم) * بأحوالكم وبتدبير أموركم (2) * (إن يشأ يرحمكم) * بفضله * (أو إن يشأ يعذبكم) * بعدله * (وكيلا) * أي: ربا موكولا إليك أمرهم تجبرهم على الإسلام، وإنما أرسلناك بشيرا ونذيرا فدارهم واحتمل منهم. # * (وربك أعلم) * رد على كفار قريش في إنكارهم نبوة نبينا (صلى الله عليه وآله)، أي: ربك أعلم * (ب‍) * أحوال * (من في السماوات والأرض) * ومقاديرهم، فلا يختار من يختاره من الملائكة والأنبياء لميله إليهم، وإنما يختارهم لعلمه ببواطنهم وبما يستأهل كل واحد منهم * (ولقد فضلنا) * إشارة إلى تفضيل رسول الله * (وآتينا داوود زبورا) * دلالة على تفضيله - أيضا - فإنه خاتم الأنبياء، ومكتوب في زبور داود: * (أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) * (3) وهم محمد وأهل بيته (عليهم السلام). # * (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا (56) أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا (57) وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيمة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا (58) وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا (59) وإذ قلنا لك إن ربك # PageV02P378 # أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا (60)) * * (الذين زعمتم من دونه) * هم الملائكة، وقيل: عيسى وعزير (1)، وقيل: ms0659 نفر من الجن عبدهم قوم من العرب ثم أسلم الجن (2)، والمعنى: ادعوهم فإنهم لا يقدرون على أن يكشفوا * (عنكم) * الضر * (ولا) * أن يحولوه عنكم إلى غيركم. # * (أولئك) * مبتدأ وخبره * (يبتغون) * يعني: أن آلهتهم يبتغون * (الوسيلة) * وهي القربة * (إلى) * الله عز وجل، و * (أيهم) * بدل من واو * (يبتغون) *، و " أي " اسم موصول، أي: يبتغي من هو * (أقرب) * منهم الوسيلة إلى الله فكيف غير الأقرب! # أو ضمن * (يبتغون) * معنى يحرصون، أي: يحرصون أيهم يكون أقرب إلى الله، وذلك بأن يزيدوا في الطاعة والخير * (ويرجون... ويخافون) * كغيرهم فكيف تدعونهم آلهة! # * (إلا نحن مهلكوها) * بالموت * (أو معذبوها) * بالقتل وأنواع العذاب، وقيل: # الهلاك للصالحة والعذاب للطالحة (3)، و * (الكتاب) *: اللوح المحفوظ، استعار سبحانه المنع لترك إرسال الآيات من أجل صارف الحكمة. # و * (أن) * الأولى منصوبة الموضع والثانية مرفوعة، والمعنى: ولم يمنعنا إرسال * (الآيات إلا) * تكذيب الأولين، يريد الآيات التي اقترحوها من إحياء الموتى وأن يحول الصفا ذهبا وغير ذلك، وقد حكم الله تعالى في الأمم: أن من كذب بالآية المقترحة عوجل بعذاب الاستئصال، وقد علم سبحانه أنه لو أرسل هذه # PageV02P379 # الآيات لكذبوا بها واستوجبوا العذاب العاجل المستأصل، ومن حكمه (1) سبحانه في هذه الأمة أن لا يعذبهم بعذاب الاستئصال تشريفا لنبيه (صلى الله عليه وآله)، وأن يؤخر أمرهم إلى يوم القيامة. # ثم ذكر سبحانه من الآيات التي * (كذب بها الأولون) * فأهلكوا: ناقة صالح، لأن آثارهم في بلاد العرب قريبة منهم * (مبصرة) * بينة * (فظلموا) * أي: فكفروا * (بها وما نرسل بالآيات) * التي نظهرها على الأنبياء * (إلا تخويفا) * وإنذارا بعذاب الآخرة. # * (و) * أذكر * (إذ قلنا لك) * أي: أوحينا إليك: * (إن ربك أحاط بالناس) * بقريش، يعني: بشرناك بوقعة بدر ونصرتك عليهم وهو قوله: * (سيهزم الجمع ويولون الدبر) * (2)، * (ستغلبون وتحشرون إلى جهنم) * (3)، فجعله سبحانه كأن قد كان، فقال: أحاط بالناس، على عادته سبحانه في إخباره، وقيل: معناه: أحاط علما بأحوال الناس وأفعالهم وما يستحقونه عليها من الثواب والعقاب وهو قادر على فعل ذلك بهم، عالم بما يصلحهم (4)، وهذا وعد له بالعصمة من ms0660 أذي قومه. # واختلف في * (الرؤيا التي) * أريها النبي (صلى الله عليه وآله)، فقيل: هي رؤية العين المذكورة في أول السورة من الإسراء إلى بيت المقدس والمعراج (5)، وأراد بالفتنة: الامتحان وشدة التكليف ليعرض المصدق بذلك لجزيل الثواب والمكذب لأليم العقاب، وقيل: هي الرؤيا التي في قوله: * (لقد صدق الله رسوله الرؤيا # PageV02P380 # بالحق) * (1) رأى أنه سيدخل مكة وهو بالمدينة فصده المشركون عن دخولها يوم الحديبية، وإنما كانت فتنة لما دخل على بعض المسلمين من الشبهة والشك فقال: # أليس قد أخبرتنا بأن ندخل المسجد الحرام آمنين؟ فقال (صلى الله عليه وآله): لم أقل: إنكم تدخلونها العام، لتدخلنها إن شاء الله، ورجع ثم دخلها في العام القابل (2)، وقيل: # هي رؤيا رآها في منامه أن قرودا تصعد منبره وتنزل (3)، وقيل - على هذا التأويل -: إن * (الشجرة الملعونة في القرآن) * هي بنو أمية أخبره الله سبحانه بتغلبهم على مقامه وقتلهم ذريته (4)، وقيل: إن الشجرة الملعونة هي شجرة الزقوم لعنت في القرآن حيث لعن طاعموها من الكفار، فوصفت بلعن أصحابها على المجاز (5) * (ونخوفهم) * بمخاوف الدنيا والآخرة * (فما يزيدهم) * التخويف * (إلا طغيانا كبيرا) * أي: عتوا في الكفر لا يرجعون عنه. # * (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس قال أأسجد لمن خلقت طينا (61) قال أرأيتك هذا الذي كرمت على لئن أخرتن إلى يوم القيمة لاحتنكن ذريته إلا قليلا (62) قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا (63) واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (64) إن عبادي ليس لك عليهم # PageV02P381 # سلطن وكفي بربك وكيلا (65)) * * (طينا) * حال من الموصول الذي هو * (من خلقت) * على معنى: * (أأسجد) * له وهو طين أي: أصله طين، أو من الضمير المحذوف من الصلة على معنى: # * (لمن) * كان في وقت خلقه طينا. # والكاف في * (أرأيتك) * للخطاب و * (هذا) * مفعول به، والمعنى: أخبرني عن * (هذا الذي) * كرمته * (على) * أي: فضلته واخترته علي: لم اخترته علي وأنا خير منه؟ فحذف للاختصار، ثم ابتدأ فقال: * (لئن أخرتن‍) ms0661 * - ي، واللام لتوطئة القسم * (لاحتنكن ذريته) * لأستأصلنهم بالإغواء ولأستولين عليهم، من احتنك الجراد الأرض: إذا أكل ما عليها، وأصله من الحنك، وإنما طمع الملعون في ذلك لأنه سبحانه أخبر الملائكة أنه سيجعل في الأرض من يفسد فيها ويسفك الدماء. # * (اذهب) * معناه: امض لشأنك الذي اخترته، وليس هو من الذهاب الذي هو ضد المجئ، ثم قال: * (فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم) * كما قال موسى للسامري: * (فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لامساس) * (1)، والتقدير: فإن جهنم جزاؤهم وجزاؤك، فغلب المخاطب على الغائب فقال: * (جزاؤكم جزاء موفورا) * مصدر على إضمار تجازون، أو لأن * (فإن جهنم جزاؤكم) * بمعنى: # تجازون، والموفور: الموفر الكامل. # * (واستفزز) * واستخف * (من استطعت منهم) * واستزلهم بوسوستك، والفز: # الخفيف، و * (أجلب) * من الجلبة وهي الصياح، أي: صح " بخيلك ورجلك " واحشرهم عليهم، والرجل: اسم جمع للراجل، ونظيره الركب والصحب، وقرئ: * (ورجلك) * (2) # PageV02P382 # على أن فعلا بمعنى فاعل، يقال: رجل ورجل، أي: راجل، ومعناه: وجمعك الرجل (1) * (وشاركهم في الأموال والأولاد) * يريد كل معصية يحملهم عليها: # في باب الأموال كالربا والإنفاق في الفسق ومنع الزكاة، وفي باب الأولاد بالزنا ودعوى الولد بغير سبب * (وعدهم) * بالمواعيد الكاذبة من: شفاعة الآلهة وتمني البقاء وطول الأمل. * (إن عبادي) * الصالحين * (ليس لك عليهم سلطن) * أي: # لا تقدر أن تغويهم لأنهم لا يغترون بك * (وكفي بربك وكيلا) * لهم، يتوكلون عليه في الاستعاذة منك فيحفظهم من شرك. # * (ربكم الذي يزجى لكم الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما (66) وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجيكم إلى البر أعرضتم وكان الانسان كفورا (67) أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا (68) أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا (69)) * * (يزجى لكم الفلك) * أي: يسير ويجري لكم السفن * (في البحر) *. # * (وإذا مسكم الضر) * أي: خوف الغرق * (ضل من تدعون) * أي: ذهب عن أوهامكم وخواطركم ms0662 كل من تدعونه * (إلا إياه) * وحده، فلا ترجون هناك النجاة إلا من عنده، ولا يخطر ببالكم أن غيره يقدر على إنقاذكم * (فلما نجيكم) * من البحر * (إلى البر) * فأمنتم فحملكم ذلك على الإعراض. # و * (جانب البر) * منصوب ب‍ * (يخسف) * مفعول به، كالأرض في قوله: # PageV02P383 # * (فخسفنا به وبداره الأرض) * (1)، و * (بكم) * حال، والمعنى: أن يقلب جانب البر وأنتم عليه * (أو يرسل عليكم حاصبا) * وهي الريح التي تحصب، أي: ترمي بالحصباء، والمعنى: وإن لم يصبكم بالهلاك من تحتكم بالخسف أصابكم به من فوقكم بريح يرسلها عليكم فيها الحصباء يرجمكم بها * (ثم لا تجدوا لكم وكيلا) * حافظا يصرف عنكم ذلك. # * (أم أمنتم أن) * يقوي دواعيكم إلى أن ترجعوا فتركبوا البحر الذي نجاكم منه فأعرضتم * (ف‍) * ينتقم منكم بأن * (يرسل عليكم قاصفا) * وهي * (الريح) * التي لها قصيف، أي: صوت شديد، كأنها تتقصف أي: تتكسر، وقيل: هي التي لا تمر بشئ إلا قصفته (2) * (فيغرقكم) * وقرئ بالتاء (3) يعني: الريح، وبالنون (4)، وكذلك * (يخسف) * و * (يرسل) *، و * (يعيدكم) * قرئ بالياء والنون (5) * (بما كفرتم) * أي: # بكفرانكم النعمة في الإنجاء، والتبيع: المطالب من قوله: * (فاتباع بالمعروف) * (6) أي: مطالبة، قال الشماخ: # كما لاذ الغريم من التبيع (7) المعنى: أنا نفعل ما نفعل بهم * (ثم لا تجدوا) * أحدا يطالبنا بما فعلنا، انتصارا منا. # PageV02P384 # * (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا (70) يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتى كتبه بيمينه فأولئك يقرءون كتبهم ولا يظلمون فتيلا (71) ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا (72)) * يعني: * (كرمنا) * هم بالنطق والعقل والتمييز والصورة الحسنة والقامة المعتدلة، وتدبير أمر المعاش والمعاد، وبتسليطهم على ما في الأرض، وتسخير سائر الحيوانات لهم * (وحملناهم في البر) * على الدواب * (و) * في * (البحر) * على السفن * (وفضلناهم على كثير ممن خلقنا) * هو ما سوى الملائكة، لأن الفضل عام في جنس الملائكة وخاص في بني آدم. # * (بإمامهم) * بمن ائتموا به من نبي أو إمام أو كتاب. # الصادق (عليه السلام): " ألا تحمدون الله؟ ms0663 إذا كان يوم القيامة فدعي كل قوم إلى من يتولونه، وفزعنا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفزعتم إلينا، فإلى أين ترون يذهب بكم؟ # إلى الجنة ورب الكعبة " قالها ثلاثا (1). # * (فمن أوتى) * من هؤلاء * (كتبه بيمينه فأولئك) * إشارة إلى * (من) * لأنه في معنى الجمع * (يقرءون كتبهم) * لا يجبنون (2) عن قراءته لما يرون فيه من مواجب السرور * (ولا يظلمون فتيلا) * هو المفتول الذي في شق النواة، أي: # لا ينقصون من ثوابهم أدنى شئ. # * (ومن كان في) * الدنيا * (أعمى) * لا يهتدي إلى طريق النجاة * (فهو في الآخرة أعمى) * لا يهتدي إلى طريق الجنة، وجوز أن يكون الثاني بمعنى التفضيل، # PageV02P385 # ولذلك قرأ أبو عمرو الأول ممالا والثاني بالتفخيم (1)، لأن أفعل التفضيل تمامه ب‍ " من " فكانت ألفه كأنها في وسط الكلمة، كقولك: أعمالكم. # * (وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا (73) ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا (74) إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا (75) وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلفك إلا قليلا (76) سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا (77)) * * (إن) * هذه مخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، ومعناه: أن الحديث أو الأمر قاربوا أن يصرفوك * (عن) * القرآن * (الذي أوحينا إليك) * أي: # عن حكمه، لتضيف إلينا ما لم ننزله عليك * (وإذا لاتخذوك خليلا) * أي: ولو اتبعت مرادهم لأظهروا خلتك. # روي: أن قريشا قالوا للنبي (صلى الله عليه وآله): لا ندعك تستلم الحجر الأسود حتى تلم (2) بآلهتنا، فقال في نفسه: ما علي في أن ألم بها والله يعلم أني لها كاره ويدعوني أستلم الحجر، فأنزلت (3). وروي غير ذلك وهو مذكور في موضعه (4). # * (ولولا أن ثبتناك) * أي: لولا تثبيتنا لك بالعصمة والألطاف * (لقد) * قاربت أن تميل * (إليهم) * أدنى ميل فتعطيهم بعض ما سألوك. * (إذا لأذقناك ضعف) * عذاب * (الحياة وضعف) * عذاب * (الممات) * يعني: عذاب الدنيا والآخرة # PageV02P386 # مضاعفين، أي: لضاعفنا لك العذاب المعجل ms0664 للعصاة في الحياة الدنيا وما نؤخره لما بعد الموت، وفي هذا دليل على أن القبيح يكون عظم قبحه على مقدار عظم شأن فاعله. # وعن ابن عباس: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) معصوم، وإنما هو تخويف لئلا يركن مؤمن إلى مشرك في شئ من أحكام الله تعالى (1). # * (وإن كادوا) * يعني: قريشا * (ليستفزونك) * ليزعجونك * (من الأرض) * أرض مكة بالإخراج * (وإذا لا يلبثون) * أي: لا يبقون بعد إخراجك * (إلا) * زمانا * (قليلا) * فإن الله يهلكهم وقد أهلكوا ببدر بعد إخراجه بقليل، أو: إلا ناسا قليلا منهم يريد من انفلت منهم يوم بدر ومن آمن، وقيل: من أرض المدينة، لأن اليهود قالوا له: إن الأنبياء بعثوا بالشام وهي مهاجر إبراهيم، فلو خرجت إلى الشام لامنا بك، فهم بالخروج إلى الشام فنزلت (2)، وقرئ: " خلفك " (3) و * (خلفك) * ومعناهما واحد، قال: # عفت الديار خلافهم فكأنما * بسط الشواطب بينهن حصيرا (4) أي: بعدهم * (سنة من قد أرسلنا) * يعني: أن كل قوم أخرجوا رسولهم من بينهم فسنة أن يهلكهم، وانتصابه بأنه مصدر مؤكد، أي: سن الله ذلك سنة. # * (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن # PageV02P387 # قرءان الفجر كان مشهودا (78) ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا (79) وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطنا نصيرا (80) وقل جاء الحق وزهق البطل إن البطل كان زهوقا (81) وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا (82)) * الدلوك: الزوال، وقيل: هو الغروب (1)، والأول أصح، لتكون الآية جامعة للصلوات الخمس، فصلاتا دلوك الشمس: الظهر والعصر، وصلاتا * (غسق الليل) *: # المغرب والعشاء الآخرة، والمراد ب‍ * (قرءان الفجر) *: صلاة الفجر، و * (غسق الليل) *: # أول بدو الليل وظلمته * (مشهودا) * يشهده ملائكة الليل والنهار، يصعد هؤلاء وينزل هؤلاء، فهو في آخر ديوان الليل وأول ديوان النهار، ويجوز أن يكون * (وقرآن الفجر) * حثا على طول القراءة في صلاة الفجر لكونها مشهودة بالجماعة الكثيرة ليسمع الناس القرآن فيكثر الثواب * (ومن الليل) * وعليك بعض الليل ms0665 * (فتهجد به) * والتهجد: ترك الهجود للصلاة، ونحوه: التأثم والتحرج، ويقال للنوم: التهجد أيضا * (نافلة لك) * أي: عبادة زائدة لك على الصلوات الخمس، وضع * (نافلة) * موضع تهجدا، لأن التهجد عبادة زائدة فجمعهما معنى واحد، فالمعنى: أن التهجد زيد لك على الصلوات المكتوبة فريضة عليك خاصة وتطوعا لغيرك، وقيل: معناه: # نافلة لك ولغيرك (2)، وخص بالخطاب لما في ذلك من دعاء الغير (3) إلى الاستنان بسنته * (مقاما محمودا) * نصب على الظرف، أي: * (عسى أن يبعثك ربك) * فيقيمك # PageV02P388 # مقاما محمودا، أو ضمن * (يبعثك) * معنى: يقيمك، ويجوز أن يكون حالا بمعنى: # ذا مقام محمود، ومعنى المقام المحمود: المقام الذي يحمده فيه الأولون والآخرون وهو مقام الشفاعة، يسأل فيه فيعطى، ويشفع فيه فيشفع، ويشرف فيه على جميع الخلائق فيوضع في كفه لواء الحمد يجتمع تحته الأنبياء والملائكة. # و * (مدخل) * و * (مخرج) * بمعنى المصدر، أي: * (أدخلني) * في جميع ما أرسلتني به إدخالا مرضيا * (وأخرجني) * منه إخراجا مرضيا يحمد عاقبته، وقيل: يريد إدخاله مكة ظاهرا عليها بالفتح وإخراجه منها سالما (1)، وقيل: هو عام (2) * (سلطنا) * حجة تنصرني على من خالفني، أو ملكا وعزا ناصرا للإسلام على الكفر، فأجيبت دعوته بقوله: * (ليظهره على الدين كله) * (3)، * (فإن حزب الله هم الغالبون) * (4). # وكان حول البيت ثلاثمائة وستون صنما لقبائل العرب يحجون إليها، فلما نزلت هذه الآية يوم الفتح قال جبرئيل لرسول الله (صلى الله عليه وآله): خذ مخصرتك (5) ثم ألقها، فجعل يأتي صنما صنما وينكت بالمخصرة في عينه ويقول: * (جاء الحق وزهق البطل) *، فينكب الصنم لوجهه، فألقاها جميعا، وبقي صنم خزاعة فوق الكعبة وكان من قوارير صفر، فقال: يا علي ارم به، فحمله رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى صعد فرمى به فكسره، فجعل أهل مكة يتعجبون ويقولون: ما رأينا رجلا أسحر من محمد (صلى الله عليه وآله) (6). # PageV02P389 # * (وزهق البطل) * هلك وذهب، من قولهم: زهقت نفسه: إذا خرجت، و * (الحق) * الإسلام، و * (البطل) * الشرك * (كان زهوقا) * أي: مضمحلا غير ثابت. # * (من القرآن) *: * (من) * للتبيين أو للتبعيض، أي: كل شئ نزل من القرآن ms0666 فهو * (شفاء... للمؤمنين) * يزدادون به إيمانا، فيقع منهم موقع الشفاء من المرضى. # وعن النبي (صلى الله عليه وآله): " من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله " (1). # ولا يزداد به الكافرون * (إلا خسارا) * أي: نقصانا، لتكذيبهم به وكفرهم. # * (وإذا أنعمنا على الانسان أعرض ونئا بجانبه وإذا مسه الشر كان يئوسا (83) قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا (84) ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربى وما أوتيتم من العلم إلا قليلا (85) ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا (86) إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا (87)) * * (وإذا أنعمنا على الانسان) * بالصحة والغناء * (أعرض) * عن ذكر الله تعالى كأنه مستغن عنه * (ونا بجانبه) * تأكيد للإعراض، لأن معنى الإعراض عن الشئ: أن يوليه عرض وجهه، ومعنى النأي بالجانب: أن يوليه ظهره، أو يريد التجبر والاستكبار، لأن ذلك من عادة المتكبر المعجب بنفسه * (وإذا مسه الشر) * أي: المحنة والشدة، أو الفقر * (كان يئوسا) * شديد القنوط واليأس من رجاء الفرج، وقرئ: " وناء بجانبه " (2) قدم اللام على العين كما قالوا: " راء " في " رأى "، أو يكون من ناء: إذا نهض. # * (قل كل) * أحد * (يعمل على شاكلته) * أي: مذهبه وطريقته التي تشاكل حاله # PageV02P390 # في الهدى والضلال، بدلالة قوله: * (فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا) * أي: أسد طريقة وأصوب مذهبا. # * (الروح) * المسؤول عنه هو الروح الذي في الحيوان، سئل (صلى الله عليه وآله) عن حقيقته فأخبر أنه * (من أمر) * الله (1)، أي: مما استأثر الله به، وقيل: إن اليهود قالت: إن أجاب محمد عن الروح فليس بنبي، وإن لم يجب فهو نبي فإنا نجد في كتبنا ذلك (2)، وقيل: هو جبرئيل (3) أو ملك من الملائكة يقوم صفا والملائكة صفا (4)، وقيل: هو القرآن (5)، و * (من أمر ربى) * أي: من وحيه وكلامه، ليس من كلام البشر * (وما أوتيتم) * الخطاب عام * (إلا قليلا) * أي: شيئا يسيرا، لأن معلومات الله سبحانه لا نهاية لها. # * (لنذهبن) * جواب قسم محذوف وسد مسد جواب الشرط، والمعنى: إن * (شئنا) ms0667 * ذهبنا بالقرآن ومحوناه عن الصدور فلم نترك له أثرا * (ثم لا تجد لك) * بعد الذهاب * (به) * من يتوكل * (علينا) * باسترداده وإعادته محفوظا مسطورا. # * (إلا رحمة من ربك) * إلا أن يرحمك ربك فيرده عليك، كأن رحمته تتوكل عليه # PageV02P391 # بالرد، أو يكون استثناء منقطعا بمعنى: ولكن رحمة من ربك تركته غير مذهوب به، وهذا امتنان منه سبحانه ببقاء القرآن محفوظا بعد المنة في تنزيله وتحفيظه. # * (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (88) ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا (89) وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا (90) أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خللها تفجيرا (91) أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتى بالله والملائكة قبيلا (92) أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتبا نقرؤه قل سبحان ربى هل كنت إلا بشرا رسولا (93)) * أي: لو تظاهر الثقلان * (على أن يأتوا بمثل هذا القرآن) * في فصاحته وبلاغته وحسن تأليفه ونظمه لعجزوا عن الإتيان * (بمثله) *. # * (ولقد صرفنا للناس) * أي: بينا لهم وكررنا * (من كل) * معنى هو كالمثل في حسنه وغرابته، وقد احتاجوا إليه في دينهم ودنياهم فلم يرضوا * (إلا كفورا) * أي: جحودا. # ولما تبين إعجاز القرآن، وانضاف إليه غيره من المعجزات * (و) * لزمتهم الحجة " قالوا لن نؤمن لك حتى تفجر " (1) أي: تفتح * (لنا من) * أرض مكة * (ينبوعا) * أي: عينا ينبع منه الماء لا ينقطع، وهو يفعول كيعبوب (2) من عب، # PageV02P392 # وقرئ: * (تفجر) * بالتخفيف. # وقولهم: * (كما زعمت) * عنوا به قوله تعالى: * (إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء) * (1) وقرئ: * (كسفا) * بفتح السين وسكونه (2) جمع كسفة * (قبيلا) * أي: كفيلا بما تقول، شاهدا بصحته، والمعنى: * (أو تأتى بالله) * قبيلا * (و) * ب‍ * (الملائكة) * قبلا (3)، كقوله: # رماني بأمر كنت منه ووالدي * بريئا ومن جول الطوي رماني (4) أو يريد: مقابلا لنا حتى نشاهده ms0668 ونعاينه، أو جمع قبيلة أي: جماعة، حالا من * (الملائكة) *. # والزخرف: الذهب * (أو ترقى في) * معارج * (السماء) * فحذف المضاف * (ولن نؤمن) * لأجل رقيك * (حتى تنزل علينا) * من السماء * (كتبا) * فيه تصديقك، وإنما قصدوا بهذه الاقتراحات اللجاج والعناد * (قل سبحان ربى) * وقرئ: # " قال سبحان ربي " (5)، تعجب من اقتراحاتهم عليه * (هل كنت إلا بشرا) * مثل سائر الرسل، وقد كانوا لا يأتون أممهم إلا بما يظهره الله عليهم من الآيات، وليس أمر الآيات إلي، إنما هو إلى الله وهو العالم بالمصالح، فلا وجه لطلبكم إياها مني. # PageV02P393 # * (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا (94) قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا (95) قل كفي بالله شهيدا بيني وبينكم إنه كان بعباده خبيرا بصيرا (96) ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيمة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا (97) ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أإذا كنا عظما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا (98) أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلا لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفورا (99) قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربى إذا لأمسكتم خشية الانفاق وكان الانسان قتورا (100)) * أي: * (وما منع الناس) * الإيمان بالقرآن وبنبوة محمد (صلى الله عليه وآله) * (إلا) * إنكارهم أن يرسل الله البشر، ف‍ * (أن) * الأولى مفعول ثان ل‍ * (منع) *، و * (أن) * الثانية فاعل (1) والهمزة في * (أبعث الله) * للإنكار، فبين سبحانه أن ما أنكروه غير منكر وإنما المنكر خلافه عند الله، لأن حكمته البالغة تقتضي أن لا يرسل الملك بالوحي إلا إلى الأنبياء أو إلى أمثاله من الملائكة، ثم قرر سبحانه بأنه * (لو كان في الأرض ملائكة يمشون) * على أرجلهم * (مطمئنين) * ساكنين في الأرض لنزل الله * (عليهم من السماء ملكا رسولا) * يهديهم إلى الرشد ويعلمهم الدين، فأما الإنس فإنما يرسل الملك إلى من يختاره منهم ms0669 للنبوة فيقوم بدعوتهم وإرشادهم. # PageV02P394 # * (شهيدا بيني وبينكم) * على أني قضيت ما علي من التبليغ وأنكم كذبتم * (إنه كان بعباده خبيرا) * عالما بأحوالهم، وهذا وعيد للكفار وتسلية للنبي (صلى الله عليه وآله)، و * (شهيدا) * تمييز أو حال. # * (ومن يهد الله) * أي: يوفقه * (فهو المهتد ومن يضلل) * ومن يخذل * (فلن تجد لهم أولياء) * أي: أنصارا * (على وجوههم) * يسحبون عليها إلى النار كما يفعل في الدنيا بمن يبالغ في إهانته وتعذيبه * (عميا) * عما يسرهم * (بكما) * عن التكلم بما ينفعهم * (صما) * عما يمتعهم، كما كانوا في الدنيا لا يستبصرون ولا ينطقون بالحق ويتصامون عن استماعه، ويجوز أن يحشروا وقد إيفت (1) حواسهم من الموقف إلى النار بعد الحساب، فقد أخبر عنهم بأنهم يتكلمون * (كلما خبت) * أي: # كلما احترقت (2) لحومهم فسكن لهبها بدلوا غيرها فرجعت ملتهبة مستعرة. # * (ذلك جزاؤهم) * وهو تسليط النار على أجزائهم تأكلها وتفنيها ثم إعادتها، ليزيد بذلك تحسرهم على التكذيب بالبعث. # * (أولم) * يعلموا * (أن) * من قدر على خلق * (السماوات والأرض) * فهو * (قادر على) * خلق أمثالهم من الإنس، لأنهم ليسوا بأشد خلقا منهن كما قال: # * (أأنتم أشد خلقا أم السماء) * (3) * (وجعل لهم أجلا لا ريب فيه) * وهو الموت أو القيامة، فأبوا مع وضوح الدليل * (إلا) * الجحود. # * (قل لو أنتم تملكون) * تقديره: لو تملكون أنتم تملكون، لأن " لو " لا تدخل إلا على الفعل، فأضمر " تملكون " على شريطة التفسير، وأبدل من الضمير المتصل الذي هو الواو ضمير منفصل وهو * (أنتم) *، ف‍ * (أنتم) * فاعل الفعل المضمر # PageV02P395 # و * (تملكون) * تفسيره، أي: لو ملكتم * (خزائن) * أرزاق الله ونعمه على خلقه * (لأمسكتم) * شحا وبخلا، والقتور: البخيل، وقيل: هو جواب قولهم: * (لن نؤمن لك حتى تفجر لنا) * (1) وما اقترحوه من الزخرف وغيره، ويريد: أنهم لو ملكوا خزائن الله لبخلوا بها (2). # * (ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات فسل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون إني لأظنك يا موسى مسحورا (101) قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر وإني لأظنك يفرعون مثبورا (102) فأراد أن يستفزهم من الأرض فأغرقناه ومن ms0670 معه جميعا (103) وقلنا من بعده لبني إسرائيل اسكنوا الأرض فإذا جاء وعد الآخرة جئنا بكم لفيفا (104) وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا (105)) * الآيات التسع: هي العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم والحجر والبحر والطور الذي رفع فوق بني إسرائيل، هذا قول ابن عباس (3)، وقد ذكر أيضا: الطوفان والسنون ونقص من الثمرات مكان الحجر والبحر والطور (4)، وقيل: إنها تسع آيات في الأحكام، فروي: أن بعض اليهود سأل رسول الله عن ذلك فقال: أوحى الله إلى موسى أن: قل لبني إسرائيل: لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا ولا تمشوا ببرئ إلى ذي سلطان ليقتله ولا تقذفوا محصنة # PageV02P396 # ولا تفروا من الزحف، وأنتم يا يهود خاصة لا تعدوا في السبت، فقبل اليهودي يده وقال: أشهد أنك نبي (1). # * (فسل بني إسرائيل) * أي: سلهم من فرعون وقل له: أرسل معي بني إسرائيل، أو سلهم عن حال دينهم، أو سلهم أن يعاضدوك، وقيل: معناه: فسأل يا رسول الله المؤمنين من بني إسرائيل وهم عبد الله بن سلام وأصحابه لتزداد يقينا وطمأنينة قلب (2)، وعلى القول الأول تعلق * (إذ جاءهم) * بالقول المحذوف، أي فقلنا له: سلهم، وأما على القول الثاني فتعلق ب‍ * (آتينا) * أو بإضمار " أذكر "، والمعنى: إذ جاء آباءهم (3) * (مسحورا) * سحرت فخولط عقلك. # * (لقد علمت) * يا فرعون * (ما أنزل هؤلاء) * الآيات * (إلا رب السماوات والأرض بصائر) * حججا وبينات مكشوفات ولكنك معاند، وقرئ: " علمت " (4) بمعنى: لست بمسحور بل أنا عالم بصحة الأمر، ثم قابل ظنه بظنه، فكأنه قال: إن ظننتني مسحورا ف‍ * (إني) * أظنك * (مثبورا) * هالكا، وظني أصح من ظنك، فإن له أمارة ظاهرة وهي إنكارك ما تعرف صحته وعنادك. # * (فأراد) * فرعون * (أن) * يستخف موسى وقومه * (من) * أرض مصر ويخرجهم منها، أو ينفيهم عن ظهر * (الأرض) * بالقتل، فاستفززناه: بأن أغرقناه وقومه بأجمعهم. * (وقلنا... لبني إسرائيل اسكنوا) * أرض مصر * (فإذا جاء وعد الآخرة) * وهو قيام الساعة * (جئنا بكم لفيفا) * جميعا مختلطين ms0671 ثم يحكم بينكم، واللفيف: # PageV02P397 # الجماعات من قبائل شتى. # * (وبالحق أنزلناه) * أي: ما أنزلنا القرآن إلا بالحق والحكمة * (و) * ما * (نزل) * إلا بالحكمة، لاشتماله على الهداية إلى الخيرات * (وما أرسلناك إلا) * لتبشرهم وتنذرهم. # * (وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا (106) قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا (107) ويقولون سبحن ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا (108) ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا (109) قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا (110) وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولى من الذل وكبره تكبيرا (111)) * * (وقرآنا) * منصوب بفعل مضمر يفسره: " فرقناه " (1) وقرئ بالتخفيف، وروي عن علي (عليه السلام) بالتشديد وعن ابن عباس وأبي وغيرهم (2)، ومعنى المشدد: # وجعلناه مفرقا منجما في النزول * (على مكث) * أي: على تثبت وتؤدة (3) وترتيل ليكون أمكن في قلوبهم * (ونزلناه) * على حسب الحاجة والحوادث. # وعن ابن عباس: لان أقرأ سورة البقرة وأرتلها أحب إلي من أن أقرأ # PageV02P398 # القرآن هذا (1) (2). # * (قل آمنوا به أو لا تؤمنوا) * أمر بالإعراض عنهم وقلة الاكتراث بهم وبإيمانهم، وأنهم لم يدخلوا في الإيمان، فإن من هم أفضل منهم من الذين قرأوا الكتاب وعلموا الشرائع قد آمنوا به وصح عندهم أنه النبي الموعود في كتبهم، ف‍ * (إذا) * تلي * (عليهم) * خروا * (سجدا) * تعظيما لأمر الله، ولإنجازه ما وعده في الكتب المنزلة من بعثة محمد (صلى الله عليه وآله) وإنزال القرآن عليه، وهو المراد بالوعد في قوله: # * (إن كان وعد ربنا لمفعولا) * أي: إنه كان وعد الله حقا كائنا، وإنما ذكر الذقن لأن الساجد أقرب شئ منه إلى الأرض ذقنه، ومعنى اللام: الاختصاص، لأنهم جعلوا أذقانهم ووجوههم للسجود والخرور. # وكرر قوله: * (يخرون للأذقان) * لاختلاف الحالين، وهما: خرورهم في حال كونهم ساجدين، وخرورهم في حال كونهم باكين * (ويزيدهم) * القرآن * (خشوعا) * أي: لين قلب وتواضعا لله. # والدعاء بمعنى ms0672 التسمية لا بمعنى النداء، وهو يتعدى إلى مفعولين، تقول: # دعوته زيدا، ثم تترك أحد المفعولين استغناء عنه فتقول: دعوت زيدا، و * (الله) * و * (الرحمن) * يريد بهما الاسم لا المسمى، و * (أو) * للتخيير، أي: سموا الله بهذا الاسم أو بهذا، والتنوين في " أي " عوض من المضاف إليه، و * (ما) * مزيدة مؤكدة للشرط، و * (تدعوا) * مجزوم بالشرط الذي يتضمنه " أي " والمعنى: أي هذين الاسمين سميتم أو ذكرتم * (فله الأسماء الحسنى) *، والضمير في * (له) * لا يرجع إلى أحد الاسمين لكن إلى مسماهما وهو ذاته عز اسمه، لأن التسمية للذات # PageV02P399 # لا للاسم، والمراد: * (أيا) * ما تدعوه فهو حسن، فوضع موضعه * (فله الأسماء الحسنى) * لأنه إذا حسنت أسماؤه كلها حسن هذان الاسمان لأنهما منها، والمعني في كون أسمائه أحسن الأسماء: أنها تستقل بمعاني التمجيد والتعظيم والتقديس. # * (ولا تجهر ب‍) * قراءة * (صلاتك) * حذف المضاف لفقد الالتباس، لأن الجهر والمخافتة معلوم أنهما صفتان للصوت لاغير، والصلاة عبارة عن أفعال مخصوصة وأذكار * (وابتغ بين) * الجهر والمخافتة * (سبيلا) * وسطا، وقيل: بأن تجهر بصلاة الليل وتخافت بصلاة النهار (1)، وقيل: بصلاتك: بدعائك (2). # * (ولى من الذل) * ناصر من الذل ومانع له منه يتعزز به، أو: لا يوالي أحدا من أجل مذلة به ليدفعها بموالاته. # PageV02P400 # سورة الكهف مكية (1)، مائة وإحدى عشرة آية بصري، عشر كوفي، عد البصري * (عندها قوما) * (2). # في حديث أبي: " من قرأها فهو معصوم ثمانية أيام من كل فتنة، ومن قرأ الآية التي في آخرها حين يأخذ مضجعه كان له في مضجعه نورا يتلألأ إلى الكعبة، حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يقوم " (3). # الصادق (عليه السلام): " من قرأها في كل ليلة جمعة لم يمت إلا شهيدا، وبعثه الله مع الشهداء " (4). # PageV02P401 # بسم الله الرحمن الرحيم * (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا (1) قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا (2) ماكثين فيه أبدا (3) وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا (4) مالهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم ms0673 إن يقولون إلا كذبا (5)) * علم سبحانه عباده كيف يحمدونه على أجل نعمه عليهم وهي ما أنزله * (على عبده) * محمد (صلى الله عليه وآله) من القرآن الذي هو سبب نجاتهم * (ولم يجعل له عوجا) * أي: # شيئا من العوج، والعوج في المعاني كالعوج في الأعيان، والمراد به: نفي التناقض عن معانيه. # وانتصب * (قيما) * بمضمر وليس بحال من * (الكتاب) *، لأن قوله: * (ولم يجعل له عوجا) * معطوف على * (أنزل) * فهو داخل في حيز الصلة، فمن جعله حالا من * (الكتاب) * يكون فاصلا بين الحال وذي الحال ببعض الصلة وذلك غير جائز، والتقدير: ولم يجعل له عوجا بل جعله * (قيما) * لأنه إذا نفي عنه العوج فقد أثبت له الاستقامة، وجمع بينهما للتأكيد، وقيل: معناه: قيما بمصالح العباد وقيما على سائر الكتب شاهدا بصحتها (1) * (لينذر) * الذين كفروا * (بأسا شديدا) * فاقتصر على أحد المفعولين * (من لدنه) * أي: صادرا من عنده، والأجر الحسن: # الجنة. * (ماكثين) * أي: لابثين * (فيه) * مؤبدين. # * (مالهم به من علم) * لأنه ليس مما يعلم لاستحالته * (كلمة) * نصب على # PageV02P402 # التمييز وفيه معنى التعجب، كأنه قال: ما أكبرها كلمة، وقيل: * (كبرت) * مثل " نعمت " (1)، و * (كلمة) * تفسير لفاعل * (كبرت) *، و * (تخرج) * صفة لموصوف محذوف، والتقدير: كبرت الكلمة كلمة خارجة * (من أفواههم) * والكلمة هي قولهم: * (اتخذ الله ولدا) * سميت كلمة كما سموا القصيدة كلمة. # * (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا (6) إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا (7) وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا (8)) * * (باخع) * أي: قاتل * (نفسك) * وجدا وأسفا * (إن لم يؤمنوا) * بالقرآن، شبهه برجل فارقه أعزته فهو يتحسر * (على آثارهم) * ويبخع نفسه تلهفا على فراقهم، و * (أسفا) * حال أو مفعول له، والأسف: المبالغة في الحزن والغضب، ورجل أسف وأسيف. # * (ما على الأرض) * يعني: ما يصلح أن يكون * (زينة) * وحلية للأرض ولأهلها من زخارف الدنيا وما يستحسن منها * (لنبلوهم) * أي: لنختبرهم * (أيهم أحسن عملا) * وهو من كان أزهد فيها. # ثم زهد سبحانه فيها بقوله: * (وإنا لجاعلون ما عليها) * من هذه الزينة ms0674 * (صعيدا جرزا) * أي: مثل أرض بيضاء لا نبات فيها بعد أن كانت خضراء مؤنقة (2) في زوال بهجته وذهاب رونقه وحسنه. # * (أم حسبت أن أصحب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا (9) إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا # PageV02P403 # من أمرنا رشدا (10) فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا (11) ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا (12)) * * (الكهف) * الغار الواسع في الجبل، واختلف في * (الرقيم) *: فقيل: هو لوح من رصاص رقمت فيه أسماؤهم جعل على باب الكهف (1)، وقيل: هو اسم الوادي الذي كان فيها الكهف (2)، وقيل: هم النفر الثلاثة الذين دخلوا في غار فانسد عليهم فدعا كل واحد منهم بما عمله لله خالصا ففرج عنهم (3) * (كانوا) * آية عجبا * (من آياتنا) * وصفا بالمصدر، أو ذات عجب. # * (آتنا من لدنك رحمة) * أي: رحمة من خزائن رحمتك، وهي المغفرة والرزق والأمن من الأعداء * (وهيئ لنا من أمرنا) * الذي نحن فيه * (رشدا) * حتى نكون بسببه راشدين، أو: اجعل أمرنا رشدا كله كقولك: رأيت منك أسدا (4). # * (فضربنا على آذانهم) * حجابا من أن تسمع، يعني: أنمناهم إنامة ثقيلة لا تنبههم منها الأصوات، فحذف المفعول الذي هو الحجاب، كما قالوا: بنى على امرأته، يعنون: بنى عليها القبة * (سنين عددا) * أي: ذوات عدد أي: سنين كثيرة. # * (ثم بعثناهم) * أي: أيقظناهم من نومهم * (أي الحزبين) * فيه معنى الاستفهام، ولذلك علق عنه * (لنعلم) * فلم يعمل فيه، و * (أحصى) * فعل ماض ومعناه: أي الحزبين من المؤمنين والكافرين من قوم أصحاب الكهف ضبط أمدا لأوقات لبثهم، ولا يكون * (أحصى) * من أفعل التفضيل في شئ، لأنه لا يبنى من غير الثلاثي المجرد، ولم يزل سبحانه عالما بذلك، وإنما أراد ما تعلق به العلم من ظهور # PageV02P404 # الأمر لهم ليزدادوا إيمانا، وقيل: يعني بالحزبين: أصحاب الكهف وأنهم لما استيقظوا اختلفوا في مقدار لبثهم (1). # * (نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى (13) وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعوا من دونه إلها لقد ms0675 قلنا إذا شططا (14) هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا (15) وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا (16)) * * (وزدناهم هدى) * بالتوفيق والألطاف المقوية لدواعيهم. * (وربطنا على قلوبهم) * أي: قويناها وشددنا عليها حتى صبروا على هجر الأوطان والفرار بالدين إلى بعض الغيران * (إذ قاموا) * بين يدي ملكهم الجبار: دقيانوس من غير مبالاة به * (فقالوا ربنا) * الذي نعبده * (رب السماوات والأرض) *، * (شططا) * أي: # قولا ذا شطط، وهو الإفراط في الظلم، من شط: إذا بعد. # * (هؤلاء) * مبتدأ و * (قومنا) * عطف بيان وخبره * (اتخذوا) * وهو إخبار في معنى الإنكار * (لولا يأتون عليهم) * أي: هلا يأتون على عبادتهم * (بسلطان بين) * بحجة ظاهرة، وهو تبكيت (2) لأن الإتيان بالحجة على ذلك محال، وفيه دلالة على فساد التقليد * (افترى على الله كذبا) * بنسبة الشريك إليه. # * (وإذ اعتزلتموهم) * خطاب من تمليخا - وهو رئيس أصحاب الكهف - لأصحابه * (وما يعبدون) * في محل النصب للعطف على الضمير، يعني: وإذ # PageV02P405 # اعتزلتموهم واعتزلتم معبوديهم * (إلا الله) * يجوز أن يكون استثناء متصلا على أنهم كانوا يعترفون بالله ويشركون معه، وأن يكون منقطعا، وقيل: هو اعتراض ومعناه: الإخبار من الله تعالى أنهم لم يعبدوا غير الله (1) * (مرفقا) * قرئ بفتح الميم (2) وكسرها، وهو ما يرتفق به أي: ينتفع. # * (وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا (17) وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم بسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا (18) وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا (19) إنهم إن يظهروا ms0676 عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا (20)) * قرئ: * (تزاور) * بالتخفيف والتشديد (3)، فالتخفيف لحذف التاء، والتشديد للإدغام، وقرئ: " تزور " على وزن " تحمر " (4) وكلها من الزور وهو الميل، و * (ذات اليمين) *: جهة اليمين، وحقيقتها الجهة المسماة باليمين * (تقرضهم) * # PageV02P406 # تقطعهم لا تقربهم، من معنى القطيعة والصرم * (وهم في فجوة منه) * أي: في متسع من الكهف، ومعناه: أنهم لا تصيبهم الشمس في طلوع نهارهم ولا في غروبها مع أنهم في مكان واسع منفتح من غارهم، ينالهم فيه برد النسيم وروح الهواء * (ذا لك من آيات الله) * وهو ما صنعه بهم من ازورار الشمس وقرضها طالعة وغاربة، وقوله: * (من يهد الله فهو المهتد) * ثناء عليهم بأنهم جاهدوا في الله فلطف بهم، وأرشدهم إلى نيل تلك الكرامة. # * (وتحسبهم) * خطاب لكل أحد، والأيقاظ: جمع يقظ، أي: * (وهم) * نيام وعيونهم مفتحة، فيحسبهم من ينظر إليهم * (أيقاظا) * وقيل: لكثرة تقلبهم (1)، وقرأ الصادق (عليه السلام): " وكالبهم " (2) أي: صاحب كلبهم * (بسط ذراعيه) * حكاية حال ماضية، لأن اسم الفاعل لا يعمل إلا إذا كان بمعنى المضارع، ولا يعمل (3) إذا كان في معنى الماضي، والوصيد: الفناء، وقيل: العتبة (4)، والرعب: الخوف الذي يرعب الصدر، أي: يملؤه، وذلك لما ألبسهم الله من الهيبة، وقيل: لطول أظفارهم وشعورهم (5)، وقيل: لوحشة مكانهم (6). # * (و) * كما أنمناهم تلك النومة * (بعثناهم) * منها * (ليتساءلوا بينهم) * أي: ليسأل بعضهم بعضا، ويتعرفوا حالهم وما صنع الله بهم، فيعتبروا ويستدلوا على معرفة صانعهم، ويزدادوا يقينا إلى يقينهم * (قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم) * لأنهم دخلوا # PageV02P407 # الكهف غدوة وانتبهوا بعد الزوال فظنوا أنهم في يومهم، فلما نظروا إلى طول أظفارهم وشعورهم * (قالوا ربكم أعلم بما لبثتم) * أي: ربكم أعلم بذلك، لا طريق لكم إلى علمه، فخذوا في شئ آخر مما يهمكم، وقرئ: * (بورقكم) * بكسر الراء وسكونها (1) وهو الفضة * (أيها) * أي: أي أهلها، فحذف، مثل: * (وسل القرية) * (2)، * (أزكى طعاما) * أي: أطيب وأحل وأكثر وأرخص * (وليتلطف) * أي: # وليتكلف اللطف في أمر البيع أو في أمر التخفي حتى لا يعرف * (ولا يشعرن بكم أحدا) * أي: ms0677 لا يخبرن بمكانكم أحدا من أهل المدينة * (إنهم إن) * يعلموا بمكانكم ويطلعوا * (عليكم) * يقتلوكم بالرجم وهي أخبث القتلة * (أو) * يدخلوكم * (في ملتهم) * بالعنف ويصيروكم إليها * (ولن تفلحوا) * إن دخلتم في دينهم * (أبدا) *. # * (وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنينا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا (21) سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربى أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مراء ظهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا (22) ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا (23) إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربى لأقرب من هذا رشدا (24)) * * (و) * كما أنمناهم وبعثناهم لما في ذلك من الحكمة أطلعنا (3) * (عليهم) * # PageV02P408 # ليعلم الذين أطلعناهم (1) على حالهم * (أن وعد الله) * الذي هو البعث * (حق) * لأن حالهم في نومهم وانتباههم (2) كحال من يموت ثم يبعث، و * (إذ يتنازعون) * يتعلق ب‍ * (أعثرنا) * أي: أعثرناهم عليهم حين * (يتنازعون بينهم) * أمر دينهم، ويختلفون في البعث، فكان يقول بعضهم: يبعث الأرواح دون الأجساد، ويقول بعضهم: يبعث الأجساد مع الأرواح حتى يرتفع الخلاف ويتبين أن الأجساد تبعث حية حساسة فيها أرواحها كما كانت قبل الموت * (فقالوا) * حين توفي الله أصحاب الكهف: # * (ابنوا) * على باب كهفهم * (بنينا) * كما يبنى المقابر * (قال الذين غلبوا على أمرهم) * من المسلمين وملكهم: * (لنتخذن) * على باب الكهف * (مسجدا) * يصلي فيه المسلمون ويتبركون بمكانهم * (ربهم أعلم بهم) * أأحياء نيام هم أم أموات؟ # فقد قيل: إنهم ماتوا (3)، وقيل: إنهم لا يموتون إلى يوم القيامة (4). # * (سيقولون) * الضمير لمن خاض في قصتهم في زمان رسول الله (صلى الله عليه وآله) من أهل الكتاب والمسلمين، و * (ثلاثة) * خبر مبتدأ محذوف، أي: هم ثلاثة، وكذلك * (خمسة) * و * (سبعة) *، و * (رابعهم كلبهم) * جملة من مبتدأ وخبر وقعت صفة ل‍ * (ثلاثة) *، وكذلك * (سادسهم كلبهم) * و * (ثامنهم كلبهم) *، وأما الواو الداخلة ms0678 على الجملة الثالثة فإنها دخلت على الجملة الواقعة صفة للنكرة كما تدخل على الجملة الواقعة حالا عن المعرفة، تقول: جاءني رجل ومعه آخر، وجاءني زيد ومعه غلامه، وفائدة الواو تأكيد لصوق الصفة بالموصوف، والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت مستقر، فهذه الواو تؤذن بأن قول الذين قالوا: * (سبعة وثامنهم # PageV02P409 # كلبهم) * قول صادر عن علم لا عن رجم ظن كقول غيرهم، ومعنى قوله: * (رجما بالغيب) *: رميا بالخبر الخفي وإتيانا به، نحو قوله: * (ويقذفون بالغيب) * (1) أي: # يأتون به، أو وضع الرجم موضع الظن كأنه قال: ظنا بالغيب، قال زهير: # وما هو عنها بالحديث المرجم (2) أي: المظنون، وعن ابن عباس: حين وقعت الواو انقطعت العدة، يعني: لم يبق بعدها عدة عاد يلتفت إليها، وثبت أنهم سبعة وثامنهم كلبهم على القطع (3)، ويدل عليه أنه سبحانه أتبع القولين قوله: * (رجما بالغيب) * وأتبع القول الثالث قوله: # * (ما يعلمهم إلا قليل) *، وقال ابن عباس: أنا من أولئك القليل (4) * (فلا تمار فيهم) * أي: فلا تجادل أهل الكتاب في أمر أصحاب الكهف * (إلا) * جدالا * (ظهرا) * بحجة ودلالة تقص عليهم ما أوحى الله إليك، وهو كقوله: * (وجد لهم بالتي هي أحسن) * (5)، * (ولا تستفت) * ولا تسأل * (أحدا) * منهم عن قصتهم. # * (ولا تقولن ل‍) * أجل * (شئ) * تعزم عليه: * (إني فاعل ذلك) * الشئ * (غدا) * أي: فيما يستقبل من الأوقات. * (إلا أن يشاء الله) * متعلق بالنهي لا بقوله: # * (إني فاعل) * لأنه لو قال: إني فاعل كذا إلا أن يشاء الله كان معناه: إلا أن تعترض # PageV02P410 # مشيئة الله دون فعله، وذلك ما لا مدخل فيه للنهي، وتعلقه بالنهي على وجهين: # أحدهما: لا تقولن ذلك القول إلا أن يشاء الله أن تقوله بأن يأذن لك فيه، والثاني: # لا تقولن ذلك إلا بأن يشاء الله أي: بمشيئة الله، وهو في موضع الحال يعني: إلا ملتبسا (1) بمشيئة الله، قائلا: إن شاء الله * (واذكر ربك) * أي: مشيئة ربك وقل: إن شاء الله * (إذا) * اعتراك نسيان لذلك، يعني: * (إذا نسيت) * كلمة الاستثناء ثم ذكرت فتداركها، وعن ابن عباس: ولو ms0679 بعد سنة (2)، وعن الصادق (عليه السلام): " ما لم ينقطع الكلام "، وقيل: معناه: واذكر ربك إذا اعتراك النسيان ليذكرك المنسي (3) * (وقل عسى أن) * يهديني * (ربى) * بشئ آخر بدل هذا المنسي أقرب منه * (رشدا) * وأدنى خيرا ومنفعة، وقيل: معناه: لعل ربي يؤتيني من البينات على أني نبي ما هو أعظم في (4) الدلالة من نبأ أصحاب الكهف (5)، وقد فعل سبحانه ذلك حيث قص عليه أخبار الأنبياء وأنبأه من الغيوب بما هو أعظم من ذلك. # * (ولبثوا في كهفهم ثلث مائة سنين وازدادوا تسعا (25) قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السماوات والأرض أبصر به وأسمع مالهم من دونه من ولى ولا يشرك في حكمه أحدا (26) واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلمته ولن تجد من دونه ملتحدا (27) واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا (28) وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن # PageV02P411 # ومن شاء فليكفر إنا اعتدنا للظلمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوى الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا (29)) * * (ولبثوا في كهفهم) * الآية بيان لما أجمل في قوله: * (فضربنا على آذانهم) * الآية (1)، و * (سنين) * عطف بيان ل‍ * (ثلث مائة) *، وقرئ: " ثلاث مائة سنين " مضافا (2)، على وضع الجمع موضع الواحد في التمييز، كما قال سبحانه: # * (بالأخسرين أعمالا) * (3)، * (وازدادوا تسعا) * أي: تسع سنين، لأن ما قبله دل عليه. * (قل الله أعلم بما لبثوا) * يريد أنه أعلم من الذين اختلفوا فيهم بمدة لبثهم، والحق ما أخبرك به. # وروي: أن يهوديا سأل عليا (عليه السلام) عن مدة لبثهم، فأخبر بما في القرآن، فقال: # إنا نجد في كتابنا (4) ثلاثمائة، فقال (عليه السلام): " ذاك بسني الشمس وهذا بسني القمر " (5). # ثم ذكر اختصاصه بما غاب في * (السماوات والأرض) * وأنه العالم بذلك، ثم جاء بما دل على التعجب من إدراكه المسموعات والمبصرات للدلالة على أن أمره في الإدراك خارج عن حد ما عليه ms0680 إدراك كل سامع ومبصر، لأنه يدرك ألطف الأشياء وأصغرها * (مالهم) * الضمير لأهل السماوات والأرض * (من ولى) * أي: متول لأمورهم * (و) * ليس * (يشرك في) * قضائه * (أحدا) * منهم، قرئ: # " ولا تشرك " بالتاء والجزم على النهي (6). # * (لا مبدل لكلمته) * لا يقدر أحد على تبديل أحكام كلماته وتغييرها # PageV02P412 # * (و) * لا * (تجد من دونه ملتحدا) * (1) وموئلا، يقال: التحد إلى كذا: إذا مال إليه. # * (واصبر نفسك) * أي: احبسها * (مع) * المؤمنين * (الذين) * يداومون على الدعاء عند الصباح والمساء، وقيل: المراد ب‍ * (الغداة والعشي) *: صلاة الفجر والعصر (2) وقرئ: " بالغدوة " (3) * (ولا تعد عيناك عنهم) * أي: لا تتجاوز عيناك عنهم بالنظر إلى غيرهم من أبناء الدنيا * (تريد زينة الحياة الدنيا) * في مجالسة أهل الغنى، وهي جملة في موضع الحال، وكان النبي (صلى الله عليه وآله) حريصا على إيمان عظماء المشركين طمعا في إيمان أتباعهم، فأمر بالإقبال على فقراء المؤمنين كخباب وعمار وأبي ذر وغيرهم، وأن لا يرفع بصره عنهم * (من أغفلنا قلبه) * أي: # جعلنا قلبه غافلا بالخذلان، أو وجدناه غافلا * (عن ذكرنا) *، أو: لم نسمه بالذكر ولم نجعله من الذين كتبنا في قلوبهم الإيمان، من أغفل إبله: إذا تركها بغير وسم * (واتبع هواه) * في أفعاله ومشتهياته * (فرطا) * أي: إفراطا وتجاوزا للحد، ونبذا للحق وراء ظهره، من قولهم: فرس فرط أي: متقدم للخيل. # * (وقل الحق من ربكم) *: * (الحق) * خبر مبتدأ محذوف، والمعنى: جاء الحق وزاحت العلل فلم يبق إلا اختياركم لنفوسكم ما شئتم من الأخذ في طريق النجاة أو في طريق الهلاك * (اعتدنا) * أي: أعددنا وهيأنا للذين ظلموا أنفسهم بعبادة غير الله، وشبه سبحانه ما يحيط * (بهم) * من النار من جوانبهم بالسرادق * (يغاثوا بماء كالمهل) * وهو كل شئ أذيب كالنحاس والصفر، وقيل: هو دردي (4) الزيت (5)، # PageV02P413 # وروي: أنه كعكر (1) الزيت فإذا قرب إليه سقطت فروة رأسه (2) * (يشوى الوجوه) * إذا قدم ليشرب انشوى الوجه من حرارته * (بئس الشراب) * ذلك * (وساءت) * النار * (مرتفقا) * متكأ، من المرفق، وهو يشاكل قوله: * (وحسنت مرتفقا) * (3). # * (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا (30) أولئك ms0681 لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا (31)) * وقع قوله: * (من أحسن عملا) * موقع الضمير العائد إلى اسم * (إن) *، * (أولئك) * استئناف كلام، ويجوز أن يكون * (أولئك) * خبر * (إن) * و * (إنا لا نضيع) * اعتراضا. # و * (من) * في * (من أساور) * لابتداء الغاية، وفي * (من ذهب) * للتبيين، والسندس: مارق من الديباج، والإستبرق: ما غلظ منه * (متكئين فيها على الأرائك) * أي: متنعمين في تلك الجنات على السرر في الحجال، لأن الاتكاء هيئة أهل التنعم من الملوك وغيرهم. # * (واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا (32) كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا (33) وكان له ثمر فقال لصحبه # PageV02P414 # وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا (34) ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا (35) وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربى لأجدن خيرا منها منقلبا (36)) * مثل سبحانه حال المؤمنين والكافرين بحال * (رجلين) * متجاورين كان * (لأحدهما) * بستانان أجنهما الأشجار * (من أعناب) * وهما محفوفتان * (بنخل) * تطيف (1) النخل بهما، وبين البستانين مزرعة، وعن ابن عباس: كانا ابني ملك في بني إسرائيل ورثا مالا جزيلا، فأخذ المؤمن منهما حقه وتقرب به إلى الله تعالى، وأخذ الآخر حقه فتملك به الجنتين والضياع والأموال (2). * (كلتا الجنتين آتت أكلها) * أي: كل واحدة من البستانين أعطت غلتها، و * (آتت) * محمولة على اللفظ، لأن لفظ * (كلتا) * مفرد * (ولم تظلم منه شيئا) * أي: لم تنقص * (وفجرنا) * أي: وشققنا وسط الجنتين ماء جاريا. # * (وكان له ثمر) * أي: أنواع من المال، من ثمر ماله: إذا كثره، وقرئ: " ثمر " و " بثمره " (3) بضمتين (4) وبسكون الميم أيضا (5) في الموضعين، ويجوز أن يكون " ثمر " جمع " ثمرة " أو جمع " ثمار " ثم يخفف ويقال: " ثمر " مثل: " كتب "، وقرئ: # بفتح الثاء والميم وهو جمع ثمرة: ما يجتني من ذي الثمرة، و * (أعز نفرا) * يعني: # أنصارا وحشما، وقيل: أولادا ذكورا لأنهم ms0682 ينفرون معه (6)، و * (يحاوره) *: # PageV02P415 # يراجعه الكلام، من حار يحور: إذا رجع. # * (ودخل جنته) * آخذا بيد صاحبه المسلم يطوف به ويريه أملاكه ويفاخره بأمواله * (وهو ظالم لنفسه) * أي: معجب بما أوتي، مفتخر به، كافر لنعمة ربه. # * (ولئن رددت إلى ربى) * أقسم على أنه إن رد إلى ربه على سبيل التقدير كما يزعم صاحبه ليجدن في الآخرة * (خيرا) * من جنته في الدنيا، وقرئ: " خيرا منهما " (1) بعود الضمير إلى * (الجنتين) *، * (منقلبا) * مرجعا وعاقبة، وانتصابه على التمييز. # * (قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سويك رجلا (37) لكنا هو الله ربى ولا أشرك بربي أحدا (38) ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا (39) فعسى ربى أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا (40) أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا (41) وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا (42) ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا (43) هنالك الولية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا (44)) * * (خلقك) * أي: خلق أصلك * (من تراب) * لأن خلق أصله سبب في خلقه، فكأن خلقه خلق له * (ثم سواك) * أي: عدلك وأكملك إنسانا معتدل الخلق بالغا مبلغ الرجال. # * (لكنا) * أصله: " لكن أنا " فحذفت الهمزة وألقيت حركتها على نون " لكن " # PageV02P416 # فالتقت النونان فأدغم، و * (هو) * ضمير الشأن، أي: الشأن * (الله ربى) *، والجملة خبر " أنا " والراجع منها إليه ياء الضمير، وقرئ بحذف ألف " أنا " في الوصل (1)، وقرئ أيضا بإثباتها في الوصل والوقف جميعا (2)، وحسن ذلك وقوع الألف عوضا من حذف الهمزة، يقول لصاحبه: أنت كافر بالله لكني مؤمن موحد. # * (ما شاء الله) *: * (ما) * موصولة مرفوعة المحل على خبر الابتداء، والتقدير: # الأمر ما شاء الله، أو شرطية منصوبة المحل والجزاء محذوف، والتقدير: أي شئ شاء الله كان، والمعنى هلا * (قلت) * عند دخول * (جنتك) *: الأمر ما ms0683 شاء الله اعترافا بأنها حصلت لك بمشيئة الله وفضله، وأن أمرها بيده إن شاء حال بينك وبينها ونزع بركتها عنك * (لا قوة إلا بالله) * إقرار بأن قوته على عمارتها بمعونته، إذ لا يقوى أحد في بدنه وما يملكه إلا بالله، و * (أنا) * فصل و * (أقل) * مفعول ثان ل‍ * (ترن) *، وفي قوله: * (وولدا) * دلالة على أن النفر في قوله: * (وأعز نفرا) * المراد به الأولاد، والمعنى: * (إن) * ترني أفقر * (منك) * فأنا أتوقع من صنع الله * (أن) * يرزقني * (خيرا من جنتك) * ويسلبك نعمه، ويخرب جنتك لإيماني وكفرانك، و " الحسبان " مصدر بمعنى الحساب، أي: مقدارا قدره الله وحسبه وهو الحكم بتخريبها، وقيل: * (حسبانا) *: مرامي من عذابه: حجارة أو صاعقة (3) * (صعيدا) * أرضا مستوية لا نبات عليها، يزلق عنها القدم لملاستها، و * (زلقا) * و * (غورا) * كلاهما وصف بالمصدر. # * (وأحيط) * به عبارة عن الهلاك، وأصل الإحاطة: إدارة الحائط على الشئ، # PageV02P417 # وتقليب الكفين عبارة عن الندم والتحسر، لأن النادم يفعل ذلك، فكأنه قال: # فأصبح يندم * (على ما أنفق فيها) * أي: في عمارتها * (وهي خاوية على عروشها) * يعني: سقطت عروش كرومها على الأرض وسقطت فوقها الكروم، قالوا: أرسل الله عليها نارا فأهلكتها (1) وغار * (ماؤها) * ثم تمنى لو لم يكن مشركا حتى لا يهلك الله بستانه، ويجوز أن يكون توبة من الشرك ودخولا في الإيمان. # وقرئ: * (لم تكن) * بالتاء والياء (2) و * (ينصرونه) * محمول على المعنى دون اللفظ، والمعنى: * (لم تكن له) * جماعة تقدر على نصرته * (من دون الله) * أي: هو سبحانه وحده القادر على نصرته، لا يقدر أحد غيره أن ينصره، إلا أنه لم ينصره لأنه استوجب الخذلان * (وما كان منتصرا) * أي: ممتنعا بقوته عن انتقام الله. # قرئ: * (الولية) * بفتح الواو وكسرها (3)، والفتح بمعنى النصرة، والكسر بمعنى السلطان والملك، و * (هنالك) * أي: في ذلك المقام وتلك الحال النصرة * (لله) * وحده لا يستطيعها أحد سواه، أو: السلطان لله لا يمتنع منه، أو: في مثل تلك الحال الشديدة يتولى الله ويؤمن به كل مضطر، يعني: أن قوله: * (يا ليتني لم أشرك) * كلمة ms0684 ألجأته الضرورة إليها، و * (الحق) * قرئ بالرفع (4) صفة ل‍ * (الولية) *، وبالجر صفة لله * (هو خير ثوابا) * لأوليائه و * (خير عقبا) * أي: عاقبة، يعني: عاقبة طاعته خير من عاقبة طاعة غيره، وقرئ بضم القاف (5) وسكونها. # PageV02P418 # * (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الريح وكان الله على كل شئ مقتدرا (45) المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا (46) ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا (47) وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا (48) ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصيها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا (49)) * * (فاختلط به نبات الأرض) * أي: تكاثف بسببه حتى خالط بعضه بعضا * (فأصبح هشيما) * متهشما متحطما * (تذروه الريح) * فتنقله من موضع إلى موضع، وقرئ: " تذروه الريح " (1) شبه حال الدنيا في نضرتها وبهجتها وما يتعقبها من الهلاك بحال النبات يكون أخضر ثم يهيج فتطيره الرياح. # * (والباقيات الصالحات) * هي الطاعات والحسنات يبقى ثوابها أبدا، وقيل: # هي الصلوات الخمس (2) * (خير... ثوابا) * يعني: ما يتعلق بها من الثواب، وما يتعلق بها من الأمل، لأن صاحبها يأمل في الدنيا ثواب الله ونصيبه في الآخرة. # وقرئ: " تسير " (3) من سيرت و * (نسير) * من سيرنا، وتسييرها: قلعها من أماكنها وجعلها هباء منثورا، أو تسييرها في الجو * (بارزة) * ليس عليها ما يسترها # PageV02P419 # مما كان عليها * (وحشرناهم) * جمعناهم إلى الموقف، ويقال: غادره وأغدره أي: تركه، ومنه الغدير: ما غادره السيل، وشبهت حالهم بحال الجنود يعرضون على الملك. # * (صفا) * مصطفين ظاهرين، ترى جماعتهم كما يرى كل واحد منهم * (لقد جئتمونا) * على إرادة القول، والمعنى: قلنا لهم: لقد بعثناكم * (كما) * أنشأناكم * (أول مرة) *، وقيل: جئتمونا عراة لا شئ معكم (1) * (موعدا) * أي: وقتا لإنجاز ما وعدتم على ألسنة الرسل من البعث. # و * (الكتاب) * للجنس، يعني: صحائف الأعمال * (يا ويلتنا) ms0685 * ينادون هلكتهم الخاصة من بين الهلكات (2) * (صغيرة ولا كبيرة) * عبارة عن الإحاطة بالجميع * (إلا أحصيها) * أي: عدها وضبطها * (ووجدوا ما عملوا حاضرا) * في الصحف، أو وجدوا جزاء ما عملوا * (ولا يظلم ربك أحدا) * أي: لا ينقص ثواب محسن، ولا يزيد في عقاب مسئ. # * (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظلمين بدلا (50) ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا (51) ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم # PageV02P420 # موبقا (52) ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا (53) ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الانسان أكثر شئ جدلا (54) وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا (55)) * * (كان من الجن) * كلام مستأنف، والفاء للتسبيب، جعل كونه من الجن سببا في فسقه، ومعنى " فسق ": خرج عما أمره به ربه من السجود، أو صار فاسقا كافرا بسبب * (أمر ربه) * الذي هو قوله: * (اسجدوا) *، * (أفتتخذونه) * الهمزة للإنكار والتعجب، أي: أبعد ما وجد منه تتخذونه * (وذريته أولياء من دوني) * وتستبدلونهم بي؟! * (بئس) * البدل من الله إبليس لمن استبدله. # وقرئ: " ما أشهدناهم " (1) أي: ما أحضرت إبليس وذريته * (خلق السماوات والأرض) * أي: اعتضادا بهم * (ولا) * أشهدت بعضهم * (خلق) * بعض، وهو كقوله: # * (ولا تقتلوا أنفسكم) * (2)، * (وما كنت متخذ المضلين عضدا) * وضع * (المضلين) * موضع الضمير ذما لهم بالإضلال، أي: فما لكم تتخذونهم شركاء لي (3) في العبادة. # وقرئ: * (يقول) * بالياء والنون (4)، وأضاف " الشركاء " إليه على زعمهم توبيخا لهم يريد الجن، والموبق: المهلك، من وبق يبق: إذا هلك، ويجوز أن يكون مصدرا أي: * (وجعلنا بينهم) * واديا من أودية جهنم، هو مكان الهلاك والعذاب # PageV02P421 # الشديد مشتركا يهلكون فيه جميعا، وعن الفراء: البين: الوصل، أي: جعلنا تواصلهم في الدنيا هلاكا يوم القيامة (1)، ويجوز أن يريد بالشركاء: الملائكة وعزيرا وعيسى، وبالموبق: البرزخ ms0686 البعيد، أي: جعلنا بينهم أمدا بعيدا. # * (فظنوا) * أي: فأيقنوا * (أنهم مواقعوها) * مخالطوها واقعون في عذابها * (مصرفا) * أي: معدلا (2). # * (أكثر شئ جدلا) * أي: أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدل إن فصلتها، جدلا: خصومة ومماراة في الباطل، وانتصابه على التمييز. # * (أن) * الأولى نصب، والثانية رفع وقبلها مضاف محذوف، والتقدير: * (وما منع الناس) * الإيمان والاستغفار * (إلا) * انتظار * (أن تأتيهم سنة الأولين) * وهي الإهلاك * (أو) * انتظار أن * (يأتيهم) * عذاب الآخرة " قبلا " (3) عيانا، وقرئ: # * (قبلا) * أنواعا. # * (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجدل الذين كفروا بالبطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا (56) ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا (57) وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا (58) وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا (59)) * جدالهم: قولهم للأنبياء: * (ما أنتم إلا بشر مثلنا) * (4)، * (ولو شاء الله لأنزل # PageV02P422 # ملائكة) * (1) ونحو ذلك * (ليدحضوا) * أي: ليزيلوا ويبطلوا، من إدحاض القدم وهو إزلاقها * (وما أنذروا) *: * (ما) * موصولة والعائد إليها من الصلة محذوف، أي: وما أنذروه من البعث والجزاء، أو مصدرية بمعنى: وإنذارهم * (هزوا) * أي: موضع استهزاء. # * (بآيات ربه) * بالقرآن، ولذلك عاد الضمير إليه مذكرا في قوله: * (أن يفقهوه) * أي: لا أحد أظلم ممن ذكر بالقرآن فلم يتذكر حين ذكر، و * (أعرض) * عنه جانبا * (ونسي) * عاقبة * (ما قدمت يداه) * من الكفر والمعاصي غير مفكر فيها، ثم علل إعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوع * (على قلوبهم) *، وجمع بعد الإفراد للحمل على لفظ " من " ومعناه، * (فلن يهتدوا) * أي: فلا يكون منهم اهتداء البتة، و * (إذا) * جواب وجزاء يعني: أنهم جعلوا ما كان يجب أن يكون سبب الاهتداء سببا في انتفائه. # و * (الغفور) *: البليغ المغفرة * (ذو الرحمة) * الموصوف بالرحمة فلا * (يؤاخذهم) * عاجلا مع استحقاقهم العذاب * (بل لهم موعد) * يعني: يوم القيامة، وقيل: يوم بدر (2) * (لن يجدوا من دونه موئلا) ms0687 * ملجأ ومنجى، يقال: وأل إليه: # إذا لجأ إليه، ووأل: إذا نجى. # * (وتلك القرى) * إشارة إلى قرى عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم، و * (القرى) * صفة ل‍ * (تلك) * و * (تلك) * مبتدأ و * (أهلكنا هم) * خبره، ويجوز أن يكون * (تلك القرى) * نصبا بفعل مضمر يفسره " أهلكنا "، والمعنى: وتلك أصحاب القرى أهلكناهم * (لما ظلموا) * مثل ظلم قريش " وجعلنا لمهلكهم " (3) أي: لإهلاكهم # PageV02P423 # أو لوقت إهلاكهم، وقرئ: * (لمهلكهم) * ومعناه: لهلاكهم، أو لوقت هلاكهم * (موعدا) * معلوما، والموعد: وقت أو مصدر. # * (وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضى حقبا (60) فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا (61) فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا (62) قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا (63) قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا (64)) * * (فتاه) * يوشع بن نون، وسماه فتاه لأنه كان يخدمه ويتبعه ليأخذ منه العلم. # وفي الحديث: " ليقل أحدكم: فتاي وفتاتي، ولا يقل: عبدي وأمتي " (1). # و * (لا أبرح) * بمعنى: لا أزال، وخبره محذوف لدلالة الحال عليه، لأنها كانت حال سفر، فلو كان بمعنى: " لا أزول " لدل على الإقامة، فلابد أن يكون المعنى: # * (لا أبرح) * أسير * (حتى أبلغ مجمع البحرين) * وهو المكان الذي وعد فيه موسى لقاء الخضر (عليهما السلام)، وهو ملتقى بحري فارس والروم، فبحر الروم مما يلي المغرب وبحر فارس مما يلي المشرق * (أو أمضى حقبا) * أو أسير زمانا طويلا، والحقب: # ثمانون سنة، أو سبعون. * (نسيا حوتهما) * أي: نسيا تفقد أمره وما يكون منه مما جعل أمارة على وجدان البغية، وقيل: نسي يوشع أن يقدمه ونسي موسى أن يأمره فيه بشئ وكان سمكة مملوحة (2)، وقيل: إن يوشع حمل الحوت والخبز في المكتل فنزلا ليلة على شاطئ عين تسمى عين الحياة ونام موسى، فلما أصاب # PageV02P424 # السمكة روح الماء وبرده عاشت ووقعت في الماء (1)، وقيل: توضأ يوشع من تلك العين فانتضح الماء على الحوت فعاش ms0688 ووثب في الماء (2) * (فاتخذ) * الحوت * (سبيله) * أي: طريقه * (في البحر سربا) * أي: مسلكا يذهب فيه، صار الماء عليه مثل الطاق وحصل من الماء في مثل السرب. # * (فلما جاوزا) * الموعد وهو الصخرة لنسيان موسى تفقد أمر الحوت ونسيان يوشع أن يذكر لموسى ما رآه من حياته (3) ووقوعه في الماء ألقي على موسى النصب والجوع ولم يجع ولم يتعب قبل ذلك، فتذكر موسى الحوت وطلبه، وقوله: # * (من سفرنا هذا) * إشارة إلى مسيرهما حين جاوزا الصخرة وسارا تلك الليلة والغد إلى الظهر، ولما طلب موسى الحوت ذكر يوشع ما رأى منه وما اعتراه من نسيانه إلى تلك الغاية، فدهش فطفق يسأل موسى عن سبب ذلك، فكأنه * (قال أرأيت) * ما دهاني * (إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت) * ونسيت حديثه، وقيل: معناه: تركت الحوت وفقدته (4)، و * (أن أذكره) * بدل من الهاء في * (أنسانيه) * أي: وما أنساني ذكره * (إلا الشيطان) * وقرأ حمزة (5): * (وما أنسانيه) * وفي الفتح * (عليه الله) * (6) بضم الهاء (7)، و * (عجبا) * مفعول ثان ل‍ * (اتخذ) * مثل * (سربا) *، أي: واتخذ سبيله سبيلا عجبا وهو كونه مثل السرب، وقوله: * (وما # PageV02P425 # أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره) * اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه. # و * (ذلك) * إشارة إلى اتخاذه سبيلا، أي: ذلك الذي * (كنا) * نطلب من العلامة * (فارتدا) * أي: رجعا في الطريق الذي جاءا منه يقصان آثارهما * (قصصا) *، وقرئ: * (نبغ) * بغير ياء في الوصل (1) وإثباتها أحسن (2). # * (فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمنه من لدنا علما (65) قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا (66) قال إنك لن تستطيع معي صبرا (67) وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا (68) قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصى لك أمرا (69) قال فإن اتبعتني فلا تسئلني عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا (70) فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا (71) قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا (72) قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا (73) فانطلقا حتى ms0689 إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا (74) قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا (75)) * * (رحمة من عندنا) * هي الوحي والنبوة * (من لدنا) * مما يختص بنا من العلم وهو الإخبار عن الغيوب. وقرئ: " رشدا " (3) ومعناه: علما ذا رشد أرشد به في ديني، و * (لن تستطيع) * نفي استطاعة الصبر معه على وجه التأكيد كأنها مما لا يصح ثبوته، وعلل ذلك بأنه يأتي بما لا يعرف هو باطنه ولا يعلم حقيقته # PageV02P426 # فظاهره عنده منكر، والخبر: العلم، و * (خبرا) * تمييز، أي: * (لم) * يحط * (به) * خبرك. * (ولا أعصى) * في محل نصب عطف على * (صابرا) * أي: * (ستجدني) * صابرا وغير عاص، وعلق صبره بمشيئة الله علما منه بشدة الأمر. وقرئ: " فلا تسلني " بالنون الثقيلة (1)، والمعنى: أن من شرط اتباعك لي أن لا تسألني * (عن شئ) * أفعله مما تنكره علي إذ يخفي عليك وجه حسنه * (حتى) * أكون أنا مفسره * (لك) * وهذا من أدب المتعلم على العالم والمتبوع على التابع. # * (فانطلقا) * على ساحل البحر يطلبان السفينة * (حتى إذا ركبا في السفينة) * أخذ الخضر الفأس فخرق السفينة بأن قلع لوحين مما يلي الماء منها، فحشاها موسى بثوبه وجعل يقول: * (أخرقتها لتغرق أهلها) *، وقرئ: " ليغرق أهلها " (2)، * (لقد جئت شيئا إمرا) * أي: عظيما، من قولهم: أمر الأمر: إذا عظم. # * (بما نسيت) * أي: بشئ نسيته، أو بالذي نسيته، أو بنسياني، أراد: أنه نسي وصيته ولا مؤاخذة على الناسي، وعن أبي: أنه لم ينس ولكنه من معاريض الكلام (3)، أراد: أنه أخرج الكلام في معرض النهي عن المؤاخذة بالنسيان يوهمه أنه قد نسي، ويجوز أن يريد بالنسيان: الترك، أي: * (لا تؤاخذني بما) * تركت من وصيتك أول مرة * (ولا ترهقني) * أي: لا تكلفني * (من أمري) * مشقة، وعاملني باليسير، ورهقه: غشيه، وأرهقه إياه، فكأنه قال: ولا تغشني * (عسرا) * من أمري وهو اتباعه إياه، وقرئ: " عسرا " بضمتين (4). # PageV02P427 # فخرجا من البحر وانطلقا يمشيان، ف‍ * (لقيا غلما فقتله) * الخضر، " زاكية " (1) أي: طاهرة من الذنوب، وقرئ: * (زكية) *، * (بغير نفس) * أي: لم يقتل ms0690 نفسا فيقتص (2) منها * (نكرا) * أي: فظيعا منكرا، وقرئ بضمتين (3)، وفي زيادة * (لك) * هنا زيادة العتاب على ترك الوصية. # * (قال إن سألتك عن شئ بعدها فلا تصحبني قد بلغت من لدني عذرا (76) فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا (77) قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا (78) أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا (79) وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا (80) فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما (81) وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صلحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تستطع عليه صبرا (82)) * * (بعدها) * أي: بعد هذه المرة، أو بعد المسألة * (فلا تصحبني) * أي: فلا تتابعني على صحبتك وإن طلبتها، وقرئ: " فلا تصحبني " (4) أي: فلا تكن # PageV02P428 # صاحبي * (قد بلغت من لدني عذرا) * أي: قد أعذرت فيما بيني وبينك إذ أخبرتني أن لا أستطيع معك صبرا. # وعن النبي (صلى الله عليه وآله): " استحيا نبي الله موسى، فلو صبر لرأى ألفا من العجائب " (1). # وقرئ: " من لدني " بتخفيف النون (2). * (أهل قرية) * هي أنطاكية، وقيل: # أيلة (3)، وقيل: قرية على ساحل البحر تسمى ناصرة (4) * (أن يضيفوهما) * أي: # لم يضفهما أحد من أهلها، والتضييف والإضافة بمعنى، وعن النبي (صلى الله عليه وآله): " كانوا أهل قرية لئاما " (5)، وقيل: شر القرى: التي لا يضاف الضيف فيها، ولا يعرف لابن السبيل حقه (6) * (يريد أن ينقض) * أي: أشرف على أن ينهدم، استعيرت الإرادة للمشارفة والقرب كما استعير الهم والعزم لذلك، قال: # يريد الرمح صدر أبي براء * ويرغب عن دماء بني عقيل (7) وقال حسان: # إن دهرا يلف شملي بجمل * لزمان يهم بالإحسان (8) وانقض: أسرع سقوطه، وهو انفعل مطاوع قضضته (9)، وقيل: هو افعل من # PageV02P429 # النقض كاحمر من ms0691 الحمرة (1) * (فأقامه) * بيده، وقيل: مسحه بيده فقام واستوى (2)، ولما أقام الجدار وكانت الحال حال افتقار إلى المطعم ولم يجدا مواسيا، لم يملك موسى نفسه أن * (قال لو شئت) * اتخذت * (عليه أجرا) * حتى نسد به جوعتنا (3)، وقرئ: " لاتخذت " (4) والتاء من " تخذت " أصل، " اتخذ " افتعل منه ك‍ " اتبع " من " تبع " وليس من الأخذ في شئ. # * (قال هذا) * أي: الاعتراض سبب الفراق، والأصل: هذا فراق بيني وبينك، فأضاف المصدر إلى الظرف كما يضاف إلى المفعول به * (لمسكين) * لفقراء * (يعملون) * بها * (في البحر) * ويتعيشون بها * (وراءهم) * أمامهم كقوله: # * (ومن ورائهم برزخ) * (5)، وقيل: خلفهم (6)، وكان طريقهم في رجوعهم عليه، وما كان عندهم خبره فأعلم الله به الخضر وهو جلندى (7)، وقرأ أبي و عبد الله (8): # " كل سفينة صالحة غصبا " (9)، وقرأ أبي وابن عباس: " وأما الغلام فكان كافرا # PageV02P430 # وأبواه مؤمنين " (1) وكلاهما قراءة أهل البيت (عليهم السلام) (2)، * (فخشينا) * أي: فخفنا * (أن) * يغشي الوالدين المؤمنين * (طغيانا) * عليهما * (وكفرا) * لنعمتهما بعقوقه وسوء صنيعه، ويلحق بهما بلاء، أو يعذبهما برأيه (3) فيحملهما على الطغيان والكفران. وقرئ: * (يبدلهما) * بالتشديد (4) والتخفيف، والزكاة: الطهارة والنقاء من الذنوب، والرحم: الرحمة والعطف. # الصادق (عليه السلام): " إنهما أبدلا بالغلام المقتول جارية فولدت سبعين نبيا " (5). # واختلف في الكنز، فقيل: مال مدفون من الذهب والفضة (6)، وقيل: كتب علم مدفونة (7)، وقيل: لوح من ذهب مكتوب فيه: " عجبا لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن، عجبا لمن أيقن بالرزق كيف يتعب، عجبا لمن أيقن بالموت كيف يفرح، عجبا لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، عجبا لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها لا إله إلا الله محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) " (8). # الصادق (عليه السلام): " إنه كان بينهما وبين ذلك الأب الصالح سبعة آباء " (9). # PageV02P431 # * (رحمة) * مفعول له، أو مصدر منصوب ب‍ * (أراد ربك) * لأنه في معنى " رحمهما "، * (وما فعلته) * ما رأيت * (عن أمري) * أي: عن اجتهادي ورأيي، وإنما فعلته بأمر الله، وفي قراءة علي (عليه السلام): " وما فعلته يا موسى عن أمري ". # * (ويسئلونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا (83) إنا مكنا ms0692 له في الأرض وآتيناه من كل شئ سببا (84) فأتبع سببا (85) حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا (86) قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا (87) وأما من آمن وعمل صلحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا (88) ثم أتبع سببا (89) حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا (90) كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا (91) ثم أتبع سببا (92)) * * (ذي القرنين) * هو الإسكندر الذي ملك الدنيا، وقيل: ملك الدنيا مؤمنان: # ذو القرنين وسليمان، وكافران: نمرود وبخت نصر (1). واختلف فيه (2) فقيل: كان عبدا صالحا أعطاه الله العلم والحكمة وملكه الأرض (3)، وقيل: كان نبيا فتح الله على يديه الأرض (4). # وعن علي (عليه السلام): " كان عبدا صالحا ضرب على قرنه الأيمن في طاعة الله # PageV02P432 # فمات، ثم بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات فبعثه الله، فسمي ذا القرنين، وفيكم مثله " (1). # وقيل: سمي ذا القرنين لأنه قد بلغ قطري الأرض من المشرق والمغرب (2)، وقيل: كان لتاجه قرنان (3)، والسائلون: هم اليهود، سألوه على وجه الامتحان، وقيل: سأله أبو جهل وأشياعه (4) * (وآتيناه من) * أسباب * (كل شئ) * أراده من أغراضه ومقاصده في ملكه * (سببا) * طريقا موصلا إليه، فأراد بلوغ المغرب " فاتبع سببا " يوصله إليه حتى بلغ، وكذلك أراد المشرق " فاتبع سببا " وأراد بلوغ السدين " فاتبع سببا " (5)، وقرئ: * (فأتبع) * بقطع الهمزة، أي: فأتبع أمره سببا، أو أتبع ما هو عليه سببا. # وقرئ: * (حمئة) * من حمئت البئر: إذا صارت فيها الحمأة (6)، و " حامية " (7) أي: حارة * (ووجد) * عند العين ناسا كانوا كفرة، فخيره الله بين أن يعذبهم بالقتل وأن يدعوهم إلى الإسلام فاختار دعوتهم واستمالتهم، ف‍ * (قال أما من) * دعوته فأبى إلا البقاء على أعظم الظلم وهو الكفر فذاك هو المعذب في الدارين # PageV02P433 # * (وأما من آمن و) * أصلح " فله جزاء الحسنى " (1) أي: جزاء الفعلة الحسنى، وقرئ: * (جزاء) * بالنصب والتنوين، ومعناه: فله ms0693 المثوبة الحسنى جزاء أي: مجزية، فهو مصدر وضع موضع الحال * (من أمرنا يسرا) * أي: لا نأمره بالصعب الشاق ولكن بالسهل المتيسر من الخراج وغير ذلك، وتقديره: ذا يسر. # وقرئ: * (مطلع) * بفتح اللام (2) وكسرها وهو مصدر، والمعنى: * (بلغ) * مكان مطلع الشمس * (على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا) * لم يكن بها جبل ولا شجر ولا بناء، وعن كعب: كان أرضهم لا تمسك الأبنية وبها أسراب، فإذا طلعت الشمس دخلوها، فإذا غربت تصرفوا في أمورهم ومعايشهم (3)، وقيل: الستر: # اللباس (4)، وعن مجاهد: من لا يلبس الثياب من السودان عند مطلع الشمس أكثر من جميع أهل الأرض (5). # * (كذلك) * أي: أمر ذي القرنين كذلك، أي: كما وصفناه تعظيما لأمره * (وقد أحطنا بما لديه) * من الجنود والآلات وأسباب الملك * (خبرا) * أي: علما تكثيرا لذلك، وقيل: يريد * (بلغ مطلع الشمس) * مثل ذلك أي: كما بلغ مغربها (6)، وقيل: # تطلع على قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب عليهم (7)، ومعناه: أنهم كفرة مثلهم، وحكمهم مثل حكمهم في تعذيبه لمن بقي منهم على الكفر وإحسانه إلى من آمن منهم. # * (حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون # PageV02P434 # قولا (93) قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا (94) قال ما مكنى فيه ربى خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما (95) آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا (96) فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا (97) قال هذا رحمة من ربى فإذا جاء وعد ربى جعله دكاء وكان وعد ربى حقا (98)) * السدان: جبلان سد ذو القرنين ما بينهما، وقرئ: بالضم (1) والفتح، وقيل: # ما كان من عمل العباد فهو مفتوح، وما كان من خلق الله فهو مضموم، لأنه فعل بمعنى مفعول فعله الله وخلقه، والمفتوح مصدر فهو حدث يحدثه الناس (2)، و * (بين) * انتصب على أنه مفعول به، كما انجر بالإضافة في قوله: * (هذا فراق بيني وبينك) ms0694 * (3)، وهذا المكان في منقطع أرض الترك مما يلي المشرق * (من دونهما قوما) * قيل: هم الترك (4) * (لا يكادون يفقهون قولا) * أي: لا يكادون يفهمونه إلا بجهد ومشقة من إشارة ونحوها، وقرئ: " يفقهون " (5) أي: لا يفهمون السامع كلامهم ولا يبينونه، لأن لغتهم غريبة مجهولة. # * (يأجوج ومأجوج) * اسمان أعجميان، وقرئا: بالهمزة * (مفسدون في # PageV02P435 # الأرض) * قيل: كانوا يأكلون الناس (1)، وقيل: كانوا يخرجون أيام الربيع فلا يتركون شيئا أخضر إلا أكلوه ولا يابسا إلا احتملوه (2) (3). # وعن النبي (صلى الله عليه وآله) في صفتهم: " أنه لا يموت أحد منهم حتى ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلهم قد حمل السلاح " (4). # وقيل: إنهم صنفان: طوال مفرطو الطول وقصار مفرطو القصر (5). # وقرئ: * (خرجا) * و " خراجا " (6) أي: جعلا نخرجه من أموالنا، ونظيرهما النول والنوال. # * (ما مكنى... ربى) * أي: ما جعلني ربي فيه مكينا من كثرة المال واليسار * (خير) * مما تبذلونه من الخراج فلا حاجة بي إليه، وقرئ: بالإدغام وفكه (7) * (فأعينوني بقوة) * أي: برجال وصناع يحسنون البناء وبالآلات * (ردما) * أي: # حاجزا حصينا، والردم: أكبر من السد، قيل: حفر الأساس حتى بلغ الماء، وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب، والبنيان من * (زبر الحديد) * بينهما الحطب والفحم * (حتى) * سد ما * (بين) * الجبلين إلى أعلاهما، ثم وضع المنافيخ * (حتى إذا) * صارت كالنار صب النحاس المذاب على الحديد المحمى فالتصق # PageV02P436 # بعضه ببعض وصار جبلا صلدا (1)، والصدفان بفتحتين: جانبا الجبلين، لأنهما يتصادفان أي: يتقابلان، وقرئ: " الصدفين " بضمتين (2) وبضمة وسكون (3)، والقطر: النحاس المذاب، و * (قطرا) * منصوب ب‍ * (أفرغ) * وتقديره: * (آتوني) * قطرا أفرغ عليه قطرا، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، وقرئ: " قال ائتوني " (4) جيئوني. # * (فما اسطاعوا) * بحذف التاء للخفة، وقرئ: " فما اصطاعوا " بقلب السين صادا (5) * (أن يظهروه) * أن يعلوه، أي: لا حيلة لهم في صعوده لارتفاعه وملاسته، ولا في نقبه لصلابته وثخانته. # * (هذا) * إشارة إلى السد، أي: هذا السد نعمة * (من) * الله و * (رحمة) * على عباده * (فإذا جاء وعد ربى) * أي: دنا مجئ يوم القيامة جعل السد " دكا " (6) أي: # مدكوكا مبسوطا مسوى بالأرض، وكل ما انبسط بعد ms0695 ارتفاع فقد اندك، وقرئ: # * (دكاء) * بالمد، أي: أرضا مستوية * (وكان وعد ربى حقا) * هذا آخر حكاية قول ذي القرنين. # * (وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا (99) وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا (100) الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكرى وكانوا لا يستطيعون سمعا (101) أفحسب # PageV02P437 # الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا اعتدنا جهنم للكافرين نزلا (102) قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا (103) الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا (104) أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعملهم فلا نقيم لهم يوم القيمة وزنا (105) ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا (106)) * * (وتركنا بعضهم) * أي: وجعلنا بعض الخلق يوم خروج يأجوج ومأجوج * (يموج في بعض) * أي: يضطربون ويختلطون إنسهم وجنهم حيارى، أو يكون الضمير ليأجوج ومأجوج وأنهم يموجون حين يخرجون مما وراء السد مزدحمين في البلاد. # وقد روي: أنهم يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه، ثم يأكلون الشجر ومن ظفروا به ممن لم يتحصن منهم من الناس، ثم يبعث الله نغفا (1) في أقفائهم فتدخل آذانهم فيهلكون بها (2). # * (وعرضنا جهنم) * وأبرزناها لهم فرأوها وشاهدوها. # * (عن ذكرى) * عن آياتي والتفكر فيها، ونحوه: * (صم بكم عمى) * (3). # * (وكانوا لا يستطيعون سمعا) * أي: وكانوا صما عنه. # وقراءة أمير المؤمنين (عليه السلام): " أفحسب الذين كفروا " (4) أي: أفكافيهم ومحسبهم * (أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء) * وهم الملائكة، فهو مبتدأ وخبر، # PageV02P438 # أو بمنزلة الفعل والفاعل، لأن اسم الفاعل إذا اعتمد على الهمزة ساوى الفعل في العمل، كقولك: أقائم الزيدان، والمعنى: أن ذلك لا يكفيهم ولا ينفعهم عند الله كما حسبوا. # وأما القراءة المشهورة فمعناها: أفحسبوا أن يتخذوهم من دوني أربابا ينصرونهم، أي: لا يكونون لهم أولياء ناصرين، والنزل: ما يقام للنزيل وهو الضيف، ونحوه: * (فبشرهم بعذاب أليم) * (1). # * (الذين ضل سعيهم) * أي: ضاع وبطل عملهم، وهم الرهبان * (وهم) * يظنون * (أنهم) * محسنون، وأن أفعالهم طاعة وقربة. وعن علي (عليه السلام): هو كقوله: * (عاملة ناصبة) * (2) وقال: " منهم أهل حروراء " (3) (4). # * (فلا نقيم لهم يوم القيمة ms0696 وزنا) * أي: لا يكون لهم عندنا وزن ومقدار، ونزدري بهم (5). # * (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا (107) خالدين فيها لا يبغون عنها حولا (108) قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى لنفد البحر قبل أن تنفد كلمت ربى ولو جئنا بمثله مددا (109) قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صلحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا (110)) * # PageV02P439 # الحول: التحول (1)، يقال: حال عن مكانه حولا، كما قالوا: عادني حبها عودا، أي: لا يطلبون تحولا * (عنها) * إلى موضع آخر لكمال طيبها. # المداد: اسم ما يمد به الدواة، والمعنى: * (لو) * كتبت كلمات علم الله وحكمته و * (كان البحر مدادا) * لها، والمراد بالبحر: الجنس * (لنفد البحر قبل أن تنفد) * ال‍ * (كلمت) *، * (ولو جئنا) * بمثل البحر مدادا لنفد أيضا والكلمات لا تنفد، و * (مددا) * تمييز، كقولك: لي مثله رجلا، والمدد مثل المداد: وهو ما يمد به، وقرئ: # " ينفد " بالياء (2). # * (فمن كان يرجوا) * أي: يأمل حسن * (لقاء ربه) * وأن يلقاه لقاء رضا وقبول، أو: فمن كان يخاف سوء لقائه، والمراد بالنهي عن الإشراك بالعبادة: أن لا يرائي بعمله، وأن لا يبتغي به إلا وجه ربه خالصا لا يريد به غيره. # وعن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " قال الله عز وجل: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه برئ، فهو للذي أشرك " (3). # وعن الصادق (عليه السلام): " ما من أحد يقرأ آخر الكهف عند النوم إلا تيقظ في الساعة التي يريدها " (4) (5). # PageV02P440 # سورة مريم مكية (1)، ثمان وتسعون آية، عد الكوفي * (كهيعص) * آية ولم يعدها غيرهم، ولم يعدوا * (الرحمن مدا) * (2) وعدها غيرهم. # وفي حديث أبي: " من قرأها أعطي من الأجر بعدد كل من صدق بزكريا ويحيى ومريم وعيسى وموسى وهارون وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وإسماعيل عشر حسنات " (3) الخبر بتمامه. # وعن الصادق (عليه السلام): " من أدمن قراءة سورة مريم (عليها السلام) لم يمت في الدنيا حتى يصيب منها ما يغنيه في نفسه وماله وولده، ms0697 وأعطي في الآخرة مثل ملك سليمان بن داود في الدنيا " (4) (5). # PageV02P441 # بسم الله الرحمن الرحيم * (كهيعص (1) ذكر رحمت ربك عبده زكريا (2) إذ نادى ربه نداء خفيا (3) قال رب إني وهن العظم منى واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا (4) وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا (5) يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا (6) يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا (7) قال رب أنى يكون لي غلم وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا (8) قال كذلك قال ربك هو على هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا (9)) * قرأ أبو عمرو (1) بإمالة * (- ه‍) * وتفخيم * (ي‍) * (2)، وقرئ على عكسه (3)، وقرئ بإمالتهما (4). أي: هذا * (ذكر رحمت ربك) * زكريا * (عبده) *، ف‍ * (ذكر) * مضاف إلى المفعول، و * (رحمت) * مضاف إلى الفاعل، وانتصب * (عبده) * لأنه مفعول * (رحمت ربك) *، والرحمة: إجابته إياه حين دعاه وسأله الولد. # * (إذ نادى ربه نداء) * أي: دعا ربه دعاء * (خفيا) * يخفيه في نفسه. # PageV02P442 # وفي الحديث: " خير الدعاء الخفي " (1). # وعن الحسن: نداء (2) لا رياء فيه (3)، أو أخفاه لئلا يلام في طلب الولد وقت الشيخوخة، وأضاف الوهن إلى * (العظم) * لأن به قوام البدن، فإذا * (وهن) * تساقطت قوته، واللام للجنس، يعني: أن هذا الجنس الذي هو العمود والقوام قد أصابه الوهن، وشبه الشيب بشواظ النار في بياضه، وانتشاره في الشعر باشتعال النار، وأسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو * (الرأس) * وجعل " الشيب " مميزا، ولم يقل: " رأسي " اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأسه، ثم توسل إليه سبحانه بما سلف له معه من الاستجابة. # و * (الموالي) *: هم العمومة وبنو العم * (من ورائي) * أي: من بعد موتي، وقرأ علي بن الحسين ومحمد بن علي (عليهم السلام): " خفت الموالي من ورائي " (4)، ومعناه: قل بنو عمي وأهلي ومن أخلفه من بعدي * (وكانت امرأتي) * عقيما لا تلد * (فهب لي من لدنك وليا) * أي: ولدا يليني ويكون أولى بميراثي، وقوله: * (من لدنك) * تأكيد لكونه * (وليا) * مرضيا بكونه مضافا إلى ms0698 الله وصادرا من عنده. # * (يرثني ويرث) * بالجزم (5) على الجواب للدعاء، وبالرفع على الصفة، كقوله: # * (ردءا يصدقني) * (6)، وقرأ علي (عليه السلام) وابن عباس وجعفر بن محمد (عليه السلام) والحسن # PageV02P443 # وجماعة (1): " يرثني وارث من آل يعقوب " (2) ويسمى التجريد في علم البيان، وتقديره: فهب لي وليا يرثني به وارث من آل يعقوب وهو نفسه الوارث، وهذا ضرب غريب كأنه جرد منه وارثا، ومثله قوله: * (لهم فيها دار الخلد) * (3) وهي نفسها دار الخلد * (واجعله رب رضيا) * أي: واجعل يا رب هذا الولي مرضيا عندك ممتثلا لأمرك. # * (لم نجعل له من قبل سميا) * لم يسم أحد ب‍ * (يحيى) * قبله. # عن الصادق (عليه السلام): " وكذلك الحسين (عليه السلام) لم يكن له من قبل سمي، ولم تبك السماء إلا عليهما أربعين صباحا، قيل له: وما كان بكاؤها؟ قال: كانت تطلع حمراء وتغيب حمراء، وكان قاتل يحيى ولد زناء، وقاتل الحسين (عليه السلام) ولد زناء " (4). # وعن مجاهد: * (سميا) * أي: مثلا وشبيها (5)، كقوله: * (هل تعلم له سميا) * (6)، وإنما قيل للمثل: سمي، لأن كل متشابهين يسمى كل واحد منهما باسم شبيهه، فكل واحد منهما سمي لصاحبه. # * (وكانت امرأتي عاقرا) * أي: كانت على صفة العقر حين أنا شاب وكهل، فما رزقت الولد لاختلال أحد السببين، أفحين اختل السببان جميعا أرزقه؟! # والعتي: اليبس والجسأة (7) في العظام والمفاصل من أجل الكبر، وقرئ: * (عتيا) * # PageV02P444 # بكسر العين (1)، وكذلك * (صليا) * (2) و * (جثيا) * (3) و * (بكيا) * (4) (5). # * (كذلك) * الكاف رفع، أي: الأمر كذلك، تصديق له، ثم ابتدأ * (قال ربك) *، أو هو نصب ب‍ * (قال) *، و * (ذلك) * إشارة إلى مبهم يفسره * (هو على هين) *، ونحوه: * (وقضينا إليه ذلك الامر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين) * (6)، * (ولم تك شيئا) * يعتد به، وقرئ: " وقد خلقناك " (7). # * (قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلث ليال سويا (10) فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا (11) يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا (12) وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا (13) وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا (14) وسلم عليه يوم ولد ms0699 ويوم يموت ويوم يبعث حيا (15)) * يعني: * (اجعل لي) * علامة أعلم بها وقوع ما بشرت به * (قال) *: علامتك أن تمنع الكلام فلا تطيقه وأنت سوي الخلق ما بك خرس، ودل ذكر " الليالي " هنا و " الأيام " في آل عمران (8) على أن ذلك كان ثلاثة أيام بلياليها. # * (فأوحى) * أي: أشار إليهم بيده، وقيل: كتب لهم على الأرض * (سبحوا) * (9) أي: صلوا، أو هو على الظاهر، و * (أن) * هي المفسرة. # * (خذ الكتاب) * أي: التوراة * (بقوة) * بجد وصحة عزيمة على القيام به # PageV02P445 # * (وآتيناه الحكم) * أي: الحكمة والنبوة في حال صباه وهو ابن ثلاث سنين. # * (وحنانا) * وآتيناه رحمة * (من) * عندنا وتعطفا وتحننا على العباد، وقيل لله تعالى: # حنان كما قيل: رحيم على سبيل الاستعارة (1) * (وزكاة) * لمن قبل دينه فيكون زكيا طاهرا. * (و) * بارا * (بوالديه) * محسنا إليهما، مطيعا لهما، طالبا رضاهما * (ولم يكن) * متكبرا متطاولا على الناس * (عصيا) * عاصيا لربه. # * (وسلم عليه) * منا في هذه الأحوال، وخصه سبحانه بالكرامة والسلامة في هذه المواطن الثلاثة التي هي أوحش المواطن: * (يوم ولد) * فيرى نفسه خارجا مما كان فيه * (ويوم يموت) * فيرى أشياء ليس له بها عهد * (ويوم يبعث) * فيرى نفسه في المحشر العظيم. # * (واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا (16) فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا (17) قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا (18) قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلما زكيا (19) قالت أنى يكون لي غلم ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا (20) قال كذلك قال ربك هو على هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا (21) فحملته فانتبذت به مكانا قصيا (22) فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا (23) فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا (24)) * * (إذ) * بدل من * (مريم) * وهو بدل الاشتمال، وفيه دلالة على أن المقصود بذكر مريم ذكر هذا الوقت لوقوع قصتها العجيبة فيه، و * (انتبذت) * أي: اعتزلت # PageV02P446 # في مكان مما يلي شرقي بيت المقدس قد تخلت ms0700 للعبادة فيه، وإنما اتخذت النصارى الشرق قبلة لأن مريم انتبذت * (مكانا شرقيا) *. # * (فاتخذت من) * دون أهلها * (حجابا) * أي: سترا وحاجزا بينها وبينهم * (فأرسلنا إليها روحنا) * يعني: جبرئيل (عليه السلام)، أضافه إلى نفسه تشريفا له، فأتاها فانتصب بين يديها في صورة آدمي شاب سوي الخلق، لم ينتقص (1) من الصورة الآدمية شيئا. # * (قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا) * أرادت: إن كان يرجى منك أن تتقي الله وتخشاه فإني عائذة به منك. * (قال إنما أنا رسول) * من استعذت به * (لأهب لك) * لأكون سببا في هبة * (غلما زكيا) * طاهرا من الأدناس أو نام في أفعال الخير، أو هو حكاية لقول الله عز وجل، وقرئ: " ليهب " (2) والضمير للرب وهو الواهب. # * (ولم يمسسني بشر) * جعل المس عبارة عن النكاح الحلال، كقوله: * (من قبل أن تمسوهن) * (3)، ويقال في الزنا: فجر بها وما أشبه ذلك، والبغي: الفاجرة التي تبغي الرجال، وهي فعول عند المبرد بغوي فأدغمت الواو في الياء (4)، وقيل: # هي فعيل، ولو كانت فعولا لكان يقال: بغو كما قيل: فلان نهو عن المنكر (5). # * (ولنجعله آية للناس) * فعلنا ذلك، فحذف، أو هو معطوف على تعليل مضمر، أي: لنبين به قدرتنا ولنجعله آية * (وكان أمرا مقضيا) * مقدرا، مسطورا في اللوح # PageV02P447 # لابد من جريه عليك، أو كان أمرا حقيقا بأن يقضى لكونه * (آية... ورحمة) *، والمراد بالآية: العبرة والبرهان على قدرة الله تعالى، وبالرحمة: الشرائع والألطاف، وما كان كذلك فهو جدير بالتكوين. # وعن ابن عباس: فاطمأنت إلى قوله فدنا منها فنفخ في جيب درعها فحملت من ساعتها (1). # وعن الباقر (عليه السلام): " فكمل الولد في الرحم من ساعته كما يكمل الولد في أرحام النساء بتسعة أشهر " (2). # وقيل: حملته وهي بنت ثلاث (3) عشرة سنة (4)، وقيل: بنت عشر (5) * (فانتبذت به) * أي: اعتزلت وهو في بطنها، كقوله تعالى: * (تنبت بالدهن) * (6) أي: # تنبت ودهنها فيها، والجار والمجرور في موضع الحال * (قصيا) * بعيدا من أهلها. # و " أجاء " منقول من " جاء " إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء، ونظيره: " آتي " حيث لم يستعمل ms0701 إلا في الإعطاء، و * (المخاض) *: # تمخض الولد في بطنها، أي: ألجأها وجع الولادة * (إلى جذع) * نخلة في الصحراء يابسة، ليس لها ثمرة ولا خضرة، وكان الوقت شتاء، والتعريف للعهد، أي: # * (النخلة) * المعروفة في تلك الصحراء، وقرئ: * (مت) * بالضم (7) والكسر، يقال: # PageV02P448 # مات يموت، ومات يمات * (وكنت نسيا منسيا) * أي: شيئا حقيرا متروكا، وهو مامن حقه أن يطرح وينسى كخرقة الحائض، كما أن الذبح (1) اسم مامن شأنه (2) أن يذبح، وقرئ: * (نسيا) * بالفتح (3) وهما لغتان كالوتر والوتر. # " فناد بها من تحتها " (4) عيسى أو جبرئيل، والضمير في " من تحتها " ل‍ * (النخلة) *، وقرئ: * (من تحتها) * (5)، وقيل: كان أسفل منها تحت الأكمة فصاح بها: # * (ألا تحزني) * (6)، وسئل النبي (صلى الله عليه وآله) عن السري، فقال: " هو الجدول " (7)، قال لبيد: # فتوسطا عرض السري فصدعا * مسجورة متجاورا قلامها (8) أي: * (قد جعل ربك) * تحت قدميك نهرا تشربين منه وتتطهرين، وقيل: # السري: الشريف الرفيع، من السرو يعني: عيسى (عليه السلام) (9)، وعن الحسن: كان والله عبدا سريا (10). # * (وهزى إليك بجذع النخلة تسقط عليك رطبا جنيا (25) فكلى واشربي وقرى عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت # PageV02P449 # للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا (26) فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا (27) يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا (28) فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا (29) قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا (30) وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا (31) وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا (32) والسلم على يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا (33)) * أي: واجذبي * (إليك بجذع النخلة) *، وقرئ: " تساقط " بالتاء (1) والياء (2) والتشديد، والأصل: " تتساقط " و " يتساقط " فأدغم، و " تساقط " بطرح التاء الثانية (3)، و * (تسقط) * بضم التاء وكسر القاف، والتاء ل‍ * (النخلة) * والياء ل‍ * (جذع) *، و * (رطبا) * تمييز أو مفعول على حسب القراءة، والباء في * (بجذع النخلة) * مزيدة للتأكيد كما في قوله: * (ولا تلقوا بأيديكم) * (4)، أو على معنى: # افعلي الهز به، والجني: المجني، من ms0702 جنيت الثمرة. # * (فكلى) * يا مريم من هذا الرطب * (واشربي) * من ماء السري، وقد جمعنا (5) لك في السري والرطب فائدتين: إحداهما: الأكل والشرب، والأخرى: قرة العين وسلوة الصدر لكونهما معجزتين. # PageV02P450 # وعن الباقر (عليه السلام): " لم تستشف النفساء بمثل الرطب، لأن الله أطعمه مريم في نفاسها " (1). # * (فإما ترين) * أصله: ترأين إلا أن الاستعمال بغير همز، والياء فيه ضمير المخاطب المؤنث، أي: إن تري * (أحدا) * من البشر يسألك عن ولدك * (فقولي إني) * أوجبت على نفسي صوما أي: صمتا، يريد إمساكا عن الكلام، لأنهم كانوا لا يتكلمون في صيامهم، وقد نهى النبي (صلى الله عليه وآله) عن صوم الصمت لأنه نسخ في شريعته. # * (تحمله) * حال من الضمير المرفوع في * (فأتت) * أو من الهاء المجرور في * (به) * أو منهما جميعا * (شيئا فريا) * أي: عظيما بديعا أو أمرا قبيحا. و * (هارون) * كان أخاها من أبيها، وكان معروفا بحسن الطريقة، وقيل: هو أخو موسى (عليه السلام)، وكانت من ولده كما يقال: يا أخا تميم أي: يا واحدا منهم (2)، وقيل: رجل صالح أو طالح في زمانها شبهوها به (3)، أي: كنت عندنا مثله في الصلاح، أو شتموها به (4). # * (فأشارت إليه) * فأومأت إلى عيسى بأن كلموه * (من كان في المهد صبيا) * أي: من وجد صبيا في المهد. # أنطقه الله أولا بأنه * (عبد الله) * ردا لقول النصارى * (آتاني الكتاب) * يعني: # الإنجيل * (وجعلني نبيا) * أكمل الله عقله واستنبأه طفلا. * (وجعلني مباركا) * أي: # نفاعا، معلما (5) للخير حيث * (ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة) * كلفنيهما # PageV02P451 # * (ما) * بقيت * (حيا) * مكلفا. * (وبرا بوالدتي) * أي: بارا بوالدتي مؤديا شكرها * (ولم يجعلني) * من الجبابرة الأشقياء. * (والسلم على) * أدخل لام التعريف لتعرفه بالذكر قبله، كقولك: جاءنا رجل فكان من فعل الرجل كذا، والمعنى: ذلك السلام الموجه إلى يحيى في المواطن الثلاثة موجه إلي. # * (ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون (34) ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (35) وإن الله ربى وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (36) فاختلف الأحزاب من بينهم ms0703 فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم (37) أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلل مبين (38) وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضى الامر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون (39) إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون (40)) * أي: * (ذلك) * الذي قال: إني عبد الله * (عيسى ابن مريم) *، لا ما يقوله النصارى من: أنه ابن الله، وأنه إله * (قول الحق) * قرئ بالنصب والرفع (1)، فالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو على أنه خبر بعد خبر أو بدل، والنصب على المدح إن فسر ب‍ " كلمة الله " وعلى أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة إن أريد قول الصدق كقولك: هو عبد الله الحق لا الباطل، وإنما قيل لعيسى (عليه السلام): " كلمة الله " و * (قول الحق) * لأنه لم يولد إلا بكلمة الله وحدها، وهي قوله: * (كن) * من غير واسطة أب، تسمية للمسبب باسم السبب كما سمي الغيث بالسماء، أي: أمره حق يقين، وهم * (فيه يمترون) * يشكون، أو يتمارون يتلاحون (2): قالت اليهود: ساحر # PageV02P452 # كذاب، وقالت النصارى: ابن الله وثالث ثلاثة * (ما كان لله أن يتخذ من ولد) * تكذيب للنصارى وتبكيت (1) لهم بالدلالة على انتفاء الولد عنه، وأنه مما لا يتصور في العقول، وأن من المحال أن يكون ذاته كذات من ينشأ منه الولد، ثم بين * (سبحانه) * إحالته بأن من أراد شيئا من الأجناس كلها أوجده ب‍ * (كن) * فهو منزه من شبه الحيوان الوالد (2). # وقرئ: * (وإن الله) * بفتح الهمزة (3) وكسرها، فالفتح على معنى: ولأنه * (ربى وربكم فاعبدوه) *، أو بأنه أي: بسبب ذلك فاعبدوه، والكسر على استئناف الكلام. # و * (الأحزاب) *: اليهود والنصارى، وقيل: النصارى (4)، لأنهم تفرقوا ثلاث فرق: نسطورية ويعقوبية وملكائية، وقال: * (من بينهم) * لأن منهم من ثبت على الحق * (من مشهد يوم عظيم) *: من شهودهم هول الحساب والجزاء في يوم القيامة، أو من مكان الشهود فيه وهو الموقف، أو من وقت الشهود، أو من شهادة ذلك اليوم عليهم وأن تشهد عليهم الملائكة والأنبياء وألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بسوء أعمالهم، أو من مكان الشهادة أو وقتها. # * (أسمع بهم ms0704 وأبصر) * أي: ما أسمعهم وأبصرهم (5)، ولا يوصف الله بالتعجب، والمراد: أن أسماعهم وأبصارهم يومئذ جدير بأن يتعجب منهما (6) بعدما كانوا صما عميا في الدنيا * (لكن الظالمون) * وقع الظاهر موقع الضمير (7) إيذانا بأن # PageV02P453 # لا ظلم أعظم من ظلمهم حيث أغفلوا النظر والاستماع. # * (قضى الامر) * فرغ من الحساب، وحكم بين الخلائق بالعدل، وتصادر الفريقان إلى الجنة والنار، و * (إذ) * بدل من * (يوم الحسرة) * أو منصوب ب‍ * (الحسرة... وهم في غفلة) * يتعلق بقوله: * (في ضلل مبين) * و * (أنذرهم) * اعتراض، أو يتعلق ب‍ * (أنذرهم) * والمعنى: وأنذرهم على هذه الحال غافلين غير مؤمنين. # * (إنا نحن نرث الأرض ومن عليها) * أي: نميت سكانها، فلا يبقى فيها مالك ولا متصرف. # * (واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا (41) إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغنى عنك شيئا (42) يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا (43) يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا (44) يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا (45) قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا (46) قال سلم عليك سأستغفر لك ربى إنه كان بي حفيا (47) وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعوا ربى عسى ألا أكون بدعاء ربى شقيا (48) فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا (49) ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا (50)) * * (في الكتاب) * في القرآن، والصديق: من أبنية المبالغة، أي: المبالغ في الصدق وكثير التصديق لكتب الله وأنبيائه، و * (كان... نبيا) * في نفسه. و * (إذ قال) * بدل من * (إبراهيم) * وما بينهما اعتراض، أو يتعلق ب‍ * (كان) * أي: كان جامعا PageV02P454 # لخصائص الصديقين والأنبياء حين خاطب أباه تلك المخاطبات في أحسن ترتيب، فطلب منه العلة أولا في عبادته * (ما لا يسمع ولا يبصر) * مع أن العبادة لا يستحقها إلا المنعم الذي له غاية الإنعام، وهو الله الخالق الرازق الذي منه ms0705 أصول النعم، ثم دعاه إلى اتباعه بأن قال: * (قد جاءني من العلم) * بالله والمعرفة به * (ما لم يأتك) *، ثم نهاه عن عبادة * (الشيطان) * وطاعته فيما يدعوه إليه، وذكر عصيان * (الشيطان... للرحمن) * واستكباره، ثم خوفه سوء العاقبة لما هو فيه، وصدر كل نصيحة من هذه النصائح بقوله: * (يا أبت) * استعطافا له، والتاء في * (يا أبت) * عوض من ياء الإضافة، فلا يقال: يا أبتي، وقرئ: " يا أبت " بفتح التاء (1)، و * (ما) * في * (ما لا يسمع) * و * (ما لم يأتك) * يجوز أن تكون موصولة وموصوفة، والمفعول في * (لا يسمع) * و * (لا يبصر) * غير منوي، والمراد: ما ليس به استماع ولا إبصار، و * (شيئا) * في موضع المصدر، أي: شيئا من الغناء، أو مفعول به من قولهم: أغن عني وجهك، أي: أبعد عني. # * (أراغب أنت عن آلهتي) * أي: أمعرض أنت عن عبادة آلهتي التي هي الأصنام، وزاهد فيها؟ * (لئن لم) * تمتنع عن هذا * (لأرجمنك) * أي: لأرمينك بلساني، يريد الشتم والذم، ومنه الرجيم: المرمي باللعن، أو لأقتلنك من رجم الزاني، أو لأطردنك رميا بالحجارة، وأصل الرجم: الرمي بالرجام * (مليا) * أي: # زمانا طويلا، من الملاوة، وعطف * (واهجرني) * على محذوف، أي: لأرجمنك فاحذرني واهجرني. # * (سلم عليك) * سلام توديع ومتاركة ومباعدة منه، كقوله: * (وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلما) * (2) ويجوز أن يكون دعاء له بالسلامة استمالة، ويدل عليه # PageV02P455 # أنه وعده الاستغفار، والحفي: البليغ في البر والألطاف، يقال: حفي به وتحفي به. # * (وأعتزلكم) * أي: وأتنحى منكم جانبا، أراد مهاجرته إلى الشام * (وأدعوا ربى) * أي: أعبده، ومنه قوله (عليه السلام): " الدعاء: هو العبادة " (1)، ويجوز أن يريد بالدعاء ما حكاه الله في سورة الشعراء (2)، وقوله: * (عسى ألا أكون بدعاء ربى شقيا) * فيه تعريض لشقاوتهم بدعاء آلهتهم مع التواضع لله عز اسمه في كلمة * (عسى) *. # و * (لما) * فارقهم وتركهم وهب الله سبحانه * (له) * أولادا أنبياء، وأراد ب‍ " الرحمة ": النبوة، وعن الحسن: المال والولد (3) (4)، وهي عامة في كل خير ديني ودنيوي أوتوه، ولسان الصدق: الثناء الحسن، وعبر باللسان عما يوجد باللسان كما يعبر باليد عما ms0706 يطلق باليد وهي العطية، قال: # إني أتتني لسان لا أسر بها (5). # أي: رسالة، ولسان العرب: لغتهم وكلامهم * (عليا) * أي: مرتفعا، فكل أهل الأديان يتولونه ويثنون عليه وعلى ذريته، وقيل: معناه: أعلينا ذكرهم بأن محمدا وأمته يذكرونهم بالجميل، ويصلون عليهم إلى يوم القيامة (6). # PageV02P456 # * (واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا (51) وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا (52) ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا (53) واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا (54) وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا (55) واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا (56) ورفعنه مكانا عليا (57) أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا (58)) * قرئ: * (مخلصا) * بفتح اللام وكسرها (1)، ومعناه بالكسر: أنه أخلص العبادة عن الشرك والرياء، وأخلص نفسه وأسلم وجهه لله، وبالفتح: أنه الذي أخلصه الله، والرسول: من الأنبياء الذي معه كتاب، والنبي: الذي ينبئ عن الله وإن لم يكن معه كتاب. # و * (الأيمن) * من اليمين، أي: من ناحية * (الطور) * اليمنى، أو من اليمن فيكون صفة ل‍ * (الطور) *، * (وقربناه) * حيث كلمناه بغير واسطة ملك ورفعنا منزلته * (نجيا) * أي: مناجيا كليما. # * (من رحمتنا) * أي: من أجل رحمتنا له * (وهبنا له... هارون) *. # * (صادق الوعد) * إذا وعد بشئ وفي به، وذكر بصدق الوعد وإن كان غيره من الأنبياء كذلك، تشريفا له وإكراما، أو لأنه المشهور من خصاله، وناهيك أنه وعد من نفسه الصبر على الذبح حيث قال: * (ستجدني إن شاء الله من الصبرين) * (2) # PageV02P457 # فوفي، وعن ابن عباس: أنه واعد (1) رجلا أن ينتظره في مكان ونسي الرجل فانتظره سنة (2). * (وكان يأمر أهله) * وقومه * (بالصلاة) * والعبادة ليجعلهم قدوة لمن وراءهم، ولأنهم أولى بذلك من سائر الناس، وهو كقوله: * (وأنذر عشيرتك الأقربين) * (3)، * (قوا أنفسكم وأهليكم) * (4)، * (وأمر أهلك بالصلاة) * (5). # قيل: سمي * (إدريس) * لكثرة دراسته كتاب الله (6)، وفيه نظر، لأن الاسم أعجمي، ولذلك امتنع من ms0707 الصرف، ولو كان " إفعيلا " من الدرس لم يكن فيه إلا سبب واحد وهو العلمية فكان يجب أن ينصرف. والمكان العلي: شرف النبوة والقربة من الله، وقد أنزل الله تعالى عليه ثلاثين صحيفة، وهو أول من خاط الثياب ولبسها وكانوا يلبسون الجلود، وهو أول من خط بالقلم ونظر في علم النجوم والحساب، وقيل: لأنه رفع إلى السماء الرابعة (7) أو السادسة (8). # * (أولئك) * إشارة إلى المذكورين في السورة من زكريا إلى إدريس (عليهم السلام)، و * (من) * في * (من النبيين) * للبيان، لأن جميع الأنبياء منعم عليهم، و * (من) * الثانية للتبعيض، والبكي: جمع باك، كالسجود والقعود في جمع ساجد وقاعد. # * (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا (59) إلا من تاب وآمن وعمل صلحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا (60) جنات عدن التي وعد الرحمن عباده # PageV02P458 # بالغيب إنه كان وعده مأتيا (61) لا يسمعون فيها لغوا إلا سلما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا (62) تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا (63) وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا (64) رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبدته هل تعلم له سميا (65)) * يقال: خلفه: إذا عقبه، ثم يقال في عقب الخير: خلف - بالفتح - وفي عقب السوء خلف - بالسكون - كما قيل: وعد في ضمان الخير ووعيد في ضمان الشر، وعن ابن عباس: هم اليهود (1) (2)، وقيل: * (أضاعوا الصلاة) * بتأخيرها عن أوقاتها (3) * (واتبعوا الشهوات) *. # رووا عن علي (عليه السلام): " من بنى الشديد، وركب المنظور، ولبس المشهور " (4). # وكل شر عند العرب غي، وكل خير رشاد، قال: # فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره * ومن يغو لا يعدم على الغي لائما (5) وقيل: يريد جزاء غي (6)، كقوله: * (يلق أثاما) * (7) أي: مجازاة أثام، # PageV02P459 # أو: * (غيا) * عن طريق الجنة، وقيل: غي: واد في جهنم (1). * (لا يظلمون) * أي: # لا ينقصون * (شيئا) * من جزاء أعمالهم ولا يمنعونه. # * (جنات عدن) * بدل من * (الجنة) *، لأن * (الجنة) * اشتملت عليها، قيل: إن " المأتي " مفعول بمعنى فاعل (2)، والوجه: أن ms0708 " الوعد " هو الجنة وهم يأتونها، أو هو من قولك: أتى إليه إحسانا، فمعناه: * (كان وعده) * مفعولا منجزا. # * (لغوا) * أي: فضول كلام لا طائل فيه، وهو تنبيه على وجوب تجنب اللغو حيث نزه الله عنه الدار التي لا تكليف فيها * (إلا) * تسليم بعضهم على بعض أو تسليم الملائكة عليهم، أي: فإن كان ذلك لغوا ف‍ * (لا يسمعون) * إلا ذلك، فيكون من قبيل قول الشاعر: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * بهن فلول من قراع الكتائب (3) كانت العرب تكره الوجبة، وهي الأكلة الواحدة في اليوم الواحد، فأخبر سبحانه أن * (لهم) * في الجنة * (رزقهم... بكرة وعشيا) * وهي العادة المحمودة، ولا يكون ثم ليل ولا نهار ولكن على التقدير. # وقرئ: " نورث " بالتشديد (4)، والمعنى: نبقي عليه الجنة كما يبقى على الوارث مال الموروث، وقيل: أورثوا من الجنة المساكن التي كانت لأهل النار لو أطاعوا (5). # PageV02P460 # * (وما نتنزل) * حكاية قول جبرئيل (عليه السلام) حين استبطأه رسول الله (1)، والتنزل له معنيان: أحدهما: النزول على مهل، والآخر: النزول على الإطلاق، والمراد هنا: # أن نزولنا وقتا بعد وقت ليس * (إلا بأمر) * الله * (له ما) * قدامنا * (وما خلفنا) * من الجهات والأماكن وما نحن فيها، فلا ننتقل من جهة إلى جهة إلا بأمره ومشيئته، وقيل: ما مضى من أعمارنا وما بقي منها والحال التي نحن فيها (2)، وقيل: ما مضى من أمر الدنيا وما يستقبل من أمر الآخرة (3) * (وما بين ذلك) * ما بين النفختين وهو أربعون سنة، وقيل: الأرض التي بين أيدينا إذا نزلنا والسماء التي وراءنا وما بين السماء والأرض (4) * (وما كان ربك نسيا) * أي: تاركا لك يا محمد، كقوله: # * (ما ودعك ربك وما قلى) * (5)، وقيل: وما كان ربك ناسيا لأعمال العاملين (6). # وكيف يجوز النسيان والغفلة على من له ملك * (السماوات والأرض وما بينهما) * فحين عرفته بهذه الصفة * (فاعبده) * وحده * (واصطبر ل‍) * مشاق * (عبدته هل تعلم له سميا) * أي: مثلا وشبيها، أي: إذا صح أن لا معبود إلا هو وحده لم يكن بد من عبادته، وعن ابن عباس: لا يسمى أحد الرحمن ms0709 غيره (7)، وقيل: لم يسم شئ بالله قط (8). # * (ويقول الانسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا (66) أولا يذكر # PageV02P461 # الانسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا (67) فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا (68) ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا (69) ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا (70) وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا (71) ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا (72) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينت قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا (73) وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورؤيا (74)) * يجوز أن يكون المراد ب‍ * (الانسان) * الجنس بأسره، لما كانت هذه المقالة موجودة في جنسهم أسندت إلى جميعهم، وأن يكون بعض الجنس وهم الكفرة، وانتصب * (إذا) * بفعل مضمر يدل عليه * (لسوف أخرج حيا) *، لأن ما بعد لام الابتداء لا يعمل فيما قبله، ودخلت * (ما) * للتوكيد، كأنهم قالوا: أحقا أنا سنخرج أحياء بعد الموت؟! والواو عطفت " لا يذكر " (1) على * (يقول) *، والمعنى: أيقول ذلك (2) ولا يتذكر حال النشأة الأولى حتى لا ينكر النشأة الأخرى، فإن تلك أعجب وأدل على قدرة الصانع، إذ أخرج الجواهر والأعراض (3) من العدم إلى الوجود على غير مثال سبق من غيره، وأما الثانية فقد تقدمت نظيرتها وليس فيها إلا ردها على ما كانت عليه مجموعة بعد التفريق، وقوله: * (ولم يك شيئا) * دليل على هذا المعنى، وقرئ: * (أولا يذكر) * بالتخفيف * (من قبل) * أي: من قبل الحالة التي هو فيها وهي حالة بقائه. # أقسم سبحانه باسمه مضافا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، تفخيما لشأنه ورفعا لقدره، # PageV02P462 # ويجوز أن يكون الواو في * (والشياطين) * للعطف، وأن يكون بمعنى " مع "، أي: # يحشرون مع قرنائهم من الشياطين الذين أضلوهم، يقرن كل كافر مع شيطان في سلسلة * (ثم) * يحضرون * (حول جهنم) * متجاثين (1) مستوفزين (2) على الركب، متخاصمين يتبرأ بعضهم من بعض، ومثله: * (وترى كل أمة جاثية) * (3). # و " الشيعة " هنا هي الطائفة التي شاعت، أي: تبعت غاويا من الغواة، والمعنى: # نستخرج * (من ms0710 كل) * طائفة من طوائف الغي والضلال أعتاهم وأعصاهم، فإذا اجتمعوا طرحناهم في النار على الترتيب: نقدم أولاهم بالعذاب فأولاهم، ويجوز أن يريد بأشدهم * (عتيا) *: رؤساء الشيع وأئمتهم لتضاعف جرمهم، فإنهم ضلال ومضلون، كقوله: * (وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم) * (4). # واختلف في إعراب * (أيهم أشد) * فقال الخليل (5): إنه مرفوع على الحكاية والتقدير: * (لننزعن) * الذين يقال فيهم: * (أيهم أشد) * (6)، وقال سيبويه: هو مبني على الضم لسقوط صدر الجملة التي هي صلة * (أيهم) * وأصله: لننزعن من كل شيعة أيهم هو أشد، منصوبا (7). # * (وإن منكم) * التفات إلى الإنسان، ويعضده قراءة ابن عباس: " وإن # PageV02P463 # منهم " (1)، أو خطاب للناس من غير التفات إلى المذكور، فإن أريد الجنس كله فمعنى الورود: دخولهم فيها وهي خامدة (2) فيعبرها المؤمنون وتنهار النار بغيرهم، وعن ابن مسعود والحسن: هو الجواز على الصراط، لأن الصراط ممدود عليها (3)، وعن ابن عباس: قد يرد الشئ الشئ وإن لم يدخله، كقوله: * (ولما ورد ماء مدين) * (4) ووردت القافلة البلد وإن لم تدخله (5) (6)، وعن مجاهد: # ورود المؤمن النار هو مس الحمى جسده في الدنيا (7)، لقوله (عليه السلام): " الحمى من فيح جهنم " (8)، و " الحمى حظ كل مؤمن من النار " (9) (10) وإن أريد الكفار خاصة فالمعنى ظاهر، والحتم مصدر حتم الأمر: إذا أوجبه فسمي به الموجب، أي: # * (كان) * ورودهم واجبا * (على) * الله، أوجبه على نفسه وقضى به. # وقرئ: * (ننجي) * و " ننجي " (11) بالتشديد والتخفيف (12) * (جثيا) * حال، وهو جمع جاث. # PageV02P464 # * (بينت) * ظاهرات الحجج، مبينات المقاصد، وهي حال مؤكدة، كقوله تعالى: * (وهو الحق مصدقا) * (1)، وقرئ: " مقاما " (2) بالضم وهو موضع الإقامة، وقرئ بالفتح وهو موضع القيام، والندي: المجلس وحيث ينتدي القوم، والمعنى: # أنهم إذا سمعوا الآيات (3) قالوا: * (أي الفريقين) * من المؤمنين بها والجاحدين لها أوفر حظا من الدنيا (4). # و * (كم) * مفعول * (أهلكنا) *، و * (من) * تبيين لإبهامها، أي: كثيرا من القرون أهلكنا، و * (هم أحسن) * في موضع نصب صفة ل‍ * (كم) *، والأثاث: متاع البيت، وقرئ: * (ورؤيا) * بالهمزة وغير الهمزة (5) وهو فعل بمعنى مفعول من رأيت، ومن لم يهمز قلب الهمزة ياء وأدغم، ويجوز أن يكون من ms0711 الري الذي هو النعمة والترفه، من قولهم: ريان من النعيم. # * (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا (75) ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا (76) أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا (77) أطلع الغيب أم اتخذ عند # PageV02P465 # الرحمن عهدا (78) كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا (79) ونرثه ما يقول ويأتينا فردا (80)) * المعنى: مد * (له الرحمن) * أي: أمهله وأملى له في العمر (1)، فأتى به على لفظ الأمر ليعلم بذلك أنه حتم مفعول لا محالة كالمأمور به، ليقطع عذر الضال إذ عمره ما يمكنه التذكر فيه، أو يكون في معنى الدعاء بأن يمهله الله، أو بمعنى: # فليعش ما شاء فإنه لا ينفعه طول عمره * (حتى إذا رأوا) * الموعود رأي عين: * (إما العذاب) * في الدنيا وهو ظفر المسلمين بهم وتعذيبهم إياهم قتلا وأسرا * (وإما الساعة) * أي: يوم القيامة، وما ينالهم من النكال * (ف‍) * حينئذ * (يعلمون) * أن الأمر على عكس ما قدروه، وأنهم * (شر مكانا وأضعف جندا) * لا * (خير مقاما وأحسن نديا) * كما قالوه، و * (حتى) * هذه هي التي تحكى بعدها الجمل، والجملة هي قوله: # * (إذا رأوا ما يوعدون... فسيعلمون) *، والندي: المجلس الجامع لوجوه القوم. # * (ويزيد) * معطوف على موضع * (فليمدد) * والمعنى: يزيد في ضلال الضلال بخذلانه، ويزيد في هداية المهتدين بتوفيقه، و * (الباقيات الصالحات) * وهي أعمال الآخرة كلها * (خير... ثوابا) * من مفاخرات الكفار * (وخير) * مرجعا وعاقبة أو خير منفعة، من قولهم: ليس لهذا الأمر مرد وهو أرد عليك أي: أنفع، قال: # ولا يرد بكاي زندا (2) ولما كانت رؤية الشئ طريقا إلى علمه، وصحة الخبر عنه استعملوا " أرأيت " # PageV02P466 # في معنى " أخبر "، والفاء جاءت للتعقيب، فكأنه قال: أخبر أيضا بقصة هذا الكافر عقيب حديث أولئك وهو العاص بن وائل: كان لخباب بن الأرت عليه دين فتقاضاه، فقال: لا والله حتى تكفر بمحمد، فقال: لا والله لا أكفر بمحمد حيا ولا ms0712 ميتا، ولا حين تبعث (1)، قال: فإني لمبعوث؟ فإذا بعثت سيكون لي مال وولد فأعطيك. # * (أطلع الغيب) * من قولهم: اطلع الجبل: إذا ارتقى إلى أعلاه، والمعنى: أو قد بلغ من عظمة قدره أن ارتقى إلى علم الغيب حتى علم أنا سنؤتيه * (مالا وولدا... # أم اتخذ عند) * الله * (عهدا) *؟ فإن ما ادعاه لا يتوصل إليه إلا بأحد هذين الطريقين، وقرئ: " ولدا " (2) وهو جمع ولد. # * (كلا) * ردع وتنبيه على الخطأ، أي: هو مخطئ فيما تصوره لنفسه وتمناه، فليرتدع عنه. * (ونرثه ما يقول) * أي: ما عنده من المال والولد بإهلاكنا إياه * (ويأتينا فردا) * وحيدا بلا مال ولا ولد ولا عدة ولا عدد. # * (واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا (81) كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا (82) ألم تر أنا أرسلنا الشيطين على الكافرين تؤزهم أزا (83) فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا (84) يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا (85) ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا (86) لا يملكون الشفعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا (87) وقالوا اتخذ الرحمن ولدا (88) لقد جئتم شيئا إدا (89) تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا (90) أن دعوا للرحمن ولدا (91)) * # PageV02P467 # أي: ليتعززوا بآلهتهم بأن يكونوا لهم شفعاء في الآخرة. * (كلا) * ردع لهم وإنكار لتعززهم بهم * (سيكفرون) * الضمير ل‍ " الآلهة " أي: سيجحدون عبادتهم وينكرونها ويقولون: والله ما عبدتمونا، كقوله: * (وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكذبون) * (1) أو للمشركين، أي: ينكرون أن يكونوا عبدوها كما في قوله: * (والله ربنا ما كنا مشركين) * (2)، * (ويكونون عليهم ضدا) * هو في مقابلة * (لهم عزا) * والمراد: ضد العز وهو الذل والهوان، أي: يكونون عليهم ضدا لما قصدوه وذلا لهم لا عزا، أو يكونون عليهم عونا، والضد: العون، لأنه يضاده بإعانته عليه، وإنما وحد لأنهم كشئ واحد في تضامهم وتوافقهم، كقوله (عليه السلام): " وهم يد على من سواهم " (3). # * (تؤزهم أزا) * أي: تزعجهم إزعاجا من الطاعة إلى المعصية، وتهيجهم وتغريهم لها بالوساوس، والمعنى: خلينا بينهم وبينهم ولم نمنعهم ms0713 (4) ولم نحل بينهم وبينهم بالإلجاء. # * (فلا تعجل عليهم) * بأن يهلكوا ويبيدوا حتى تستريح منهم، فليس بينك وبين هلاكهم إلا أياما معدودة قليلة. # وعن ابن عباس: أنه كان إذا قرأها بكى وقال: آخر العدد خروج نفسك، آخر العدد فراق أهلك، آخر العدد دخول قبرك (5). # PageV02P468 # وعن ابن السماك (1): إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم يكن لها مدد فما أسرع ما تنفد (2). # ذكر * (المتقين) * بلفظ التبجيل، وهو أنهم يجمعون إلى ربهم الذي غمرهم برحمته كما يفد الوفاد على الملوك ينتظرون فضله وإكرامه، وذكر الكافرين بأنهم يساقون إلى النار باستخفاف وإهانة كأنهم إبل عطاش تساق إلى الماء. # * (لا يملكون) * الواو ضمير العباد، ودل عليه ذكر * (المتقين) * و * (المجرمين) *، و * (من اتخذ) * بدل، ويجوز أن تكون علامة الجمع على لغة من قال: أكلوني البراغيث، والفاعل * (من اتخذ) * لأنه في معنى الجمع، وإن نصبت * (من اتخذ) * على تقدير حذف المضاف جاز، أي: * (إلا) * شفاعة * (من اتخذ) *، والمراد: # لا يملكون أن يشفع لهم، واتخاذ العهد هو الاستظهار بالإيمان والإقرار بوحدانية الله وتصديق أنبيائه وأوليائه، وقيل: إن المعنى: لا يشفع إلا من أطلق الرحمن له الشفاعة وأذن له فيه كالأنبياء والأئمة وخيار المؤمنين (3). # وعن ابن مسعود: أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال لأصحابه ذات يوم: " أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهدا؟ " قالوا: وكيف ذلك؟ قال: " يقول: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدا عبدك ورسولك، وإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل # PageV02P469 # لي عندك عهدا توفينيه يوم القيامة، إنك لاتخلف الميعاد. فإذا قال ذلك طبع عليه بطابع ووضع تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين لهم عند الرحمن عهد فيدخلون الجنة " (1). # والإد: العظيم المنكر، وقيل: العجب (2). وقرئ: * (تكاد) * بالياء (3) والتاء، وقرئ: " ينفطرن " (4) من الانفطار، و * (يتفطرن) *، و * (هدا) * أي: مهدودة، أو تهد هدا، أو مفعول ms0714 له أي: لأنها تهد (5). # و * (أن دعوا) * يجوز أن يكون مجرورا بدلا من الهاء في * (منه) *، ومنصوبا بتقدير سقوط اللام وإفضاء الفعل أي: لأن دعوا، فيكون قد علل الخرور بالهد، والهد بدعاء الولد * (للرحمن) *، ومرفوعا بأنه فاعل * (هدا) * أي: * (تخر) * لأن هدها دعاء الولد * (للرحمن) *. # * (وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا (92) إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا (93) لقد أحصيهم وعدهم عدا (94) وكلهم آتيه يوم القيمة فردا (95) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا (96) فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا (97) وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا (98)) * " انبغى " مطاوع " بغى ": إذا طلب، أي: * (ما) * يتأتى لله اتخاذ الولد، وما # PageV02P470 # ينطلب له لو طلب مثلا لأنه مستحيل. # * (لقد أحصيهم) * أي: حصرهم بعلمه، والمعنى: مامن معبود لهم * (في السماوات والأرض) * من الملائكة ومن الناس * (إلا) * وهو يأتي * (الرحمن) * أي: يأوي إليه * (عبدا) * منقادا لا يدعي لنفسه ما يدعيه هؤلاء له. * (وكلهم) * مقهورون، متقلبون (1) في ملكوته، وهو محيط بهم وبجمل (2) أمورهم وتفاصيلها وكيفيتهم وكميتهم لا يفوته شئ من أحوالهم، وكل واحد منهم يأتيه * (يوم القيمة) * منفردا، بريئا من هؤلاء المشركين. * (ودا) * عن ابن عباس: يعني يحبهم الله ويحببهم إلى خلقه (3). # وروي عن الباقر (عليه السلام) وجابر بن عبد الله: " أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال لعلي (عليه السلام): # قل: اللهم اجعل لي عندك عهدا، واجعل لي في قلوب المؤمنين ودا، فقالهما، فنزلت " (4). # وعن قتادة: ما أقبل العبد إلى الله تعالى إلا أقبل الله بقلوب العباد إليه (5). # بلغ هذا القرآن وبشر به وأنذر * (فإنما) * أنزلناه * (بلسانك) * أي: بلغتك وهو اللسان العربي، و * (يسرناه) * لك * (لتبشر... وتنذر) *، واللد: جمع الألد وهو الشديد الخصومة بالباطل، الآخذ في كل لديد أي: كل جانب من الجدال، يريد أهل مكة. # * (وكم أهلكنا) * تخويف لهم، و * (تحس) * من أحسه: إذا شعر به، ومنه الحاسة، والركز: الصوت الخفي، أي: لا يرى لهم عين ولا ms0715 يسمع لهم صوت، وكانوا أكثر أموالا وأكبر أجساما وأشد خصاما من هؤلاء، فحكم هؤلاء حكمهم. # PageV02P471 # سورة طه مكية (1)، وهي مائة وخمس وثلاثون آية كوفي، اثنتان بصري، عد الكوفي: # * (طه) * * (نسبحك كثيرا) * (2) * (ونذكرك كثيرا) * (3) * (لنفسي) * (4) * (ما غشيهم) * (5) * (رأيتهم ضلوا) * (6)، وعد البصري: * (فتونا) * (7) * (منى هدى) * (8) * (زهرة الحياة الدنيا) * (9). # في حديث أبي: " من قرأها أعطي يوم القيامة ثواب المهاجرين والأنصار " (10). # وعن الصادق (عليه السلام): " لا تدعوا قراءة طه، فإن الله يحبها ويحب من قرأها، ومن أدمن قراءتها أعطاه الله كتابه بيمينه ولم يحاسبه بما عمل في الإسلام، وأعطي من الأجر حتى يرضى " (11). # PageV02P473 # بسم الله الرحمن الرحيم * (طه (1) ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى (2) إلا تذكرة لمن يخشى (3) تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى (4) الرحمن على العرش استوى (5) له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى (6) وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفي (7) الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى (8)) * قرئ بتفخيم * (ط) * وإمالة * (- ه) * (1)، وقرئ بإمالتهما (2)، وتفخيمهما (3)، وعن الحسن: " طه " (4)، وفسر بأنه أمر بالوطء (5)، وأن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه، فأمر بأن يطأ الأرض بقدميه معا (6)، وروي ذلك عن الصادق (عليه السلام) (7)، والأصل " طأ " فقلبت همزته هاء، أو قلبت ألفا في " يطأ " ثم بني عليه الأمر، والهاء للسكت. # * (ما أنزلنا) * إن جعلت * (طه) * اسما للسورة احتمل أن يكون خبرا عنه وهو مبتدأ و * (القرآن) * أوقع موقع الضمير لأن السورة قرآن، واحتمل أن يكون جوابا # PageV02P474 # له وهو قسم * (لتشقى) * أي: لتتعب هذا التعب، وكان (عليه السلام) يصلي الليل كله ويعلق صدره بحبل حتى لا يغلبه النوم، فأمره الله سبحانه أن يخففه على نفسه، و " الشقاء " يجئ بمعنى " التعب " ومنه المثل: " أتعب من رائض مهر " و " أشقى من رائض مهر ". # * (تذكرة) * علة للفعل و * (لتشقى) * كذلك، إلا أن هذا وجب مجيئه مع اللام لأنه ليس لفاعل الفعل المعلل (1)، والمعنى: لكن أنزلناه * (ل‍) * نذكر به * (من يخشى) * الله، والتذكرة بمعنى التذكير. # * (تنزيلا) * أي: ننزل تنزيلا، ms0716 ويجوز أن ينصب ب‍ * (أنزلنا) * لأن معنى " ما أنزلناه إلا تذكرة ": أنزلناه تذكرة، أو يكون بمعنى: أنزله الله تذكرة لمن يخشى تنزيل الله، وما بعد * (تنزيلا) * إلى قوله: * (له الأسماء الحسنى) * تعظيم لشأن المنزل لنسبته إلى من هذه أفعاله وصفاته، و * (العلى) * جمع " العليا " تأنيث " الأعلى "، ووصف * (السماوات) * بذلك دلالة على عظم اقتدار من يخلق مثلها في علوها. # و * (الرحمن) * مرفوع على المدح على تقدير: هو الرحمن، والجملة التي هي * (على العرش استوى) * يجوز أن تكون خبر لمبتدأ محذوف، وأن تكون مع * (الرحمن) * خبرين للمبتدأ، ولما كان الاستواء * (على العرش) * الذي هو سرير الملك مما يردف (2) الملك جعلوه كناية عن الملك فقالوا: استوى على العرش بمعنى: ملك، ونحوه: قولهم: يد فلان مبسوطة أي: هو جواد، ويده مغلولة أي: # هو بخيل، من غير تصور يد ولا غل ولا بسط. * (وما تحت الثرى) * أي: ما في ضمن الأرض من الكنوز والأموات. # PageV02P475 # * (يعلم السر) * وهو ما أسررته إلى غيرك * (وأخفي) * من ذلك وهو ما أخطرته ببالك، أو ما أسررته في نفسك * (وأخفي) * منه وهو ما ستسره فيها، والمعنى: * (وإن تجهر) * بذكر الله وغيره فاعلم أنه غني عن جهرك لأنه علم * (السر وأخفي) * منه (1). و * (الحسنى) * تأنيث الأحسن. # * (وهل أتيك حديث موسى (9) إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلى آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى (10) فلما أتاها نودي يا موسى (11) إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى (12) وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى (13) إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكرى (14) إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى (15) فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هويه فتردى (16)) * ثم قفاه بقصة * (موسى) * (عليه السلام) ليقتدي به في الصبر على تكاليف الرسالة ومقاساة الشدائد، و * (إذ) * ظرف ل‍ * (حديث) * أو مفعول ل‍ " أذكر "، استأذن موسى (عليه السلام) شعيبا في الخروج إلى أمه، وخرج بأهله، فولد له في الطريق ابن في ليلة شاتية مظلمة، ms0717 وقد ضل الطريق وتفرقت ماشيته ولم ينقدح زنده (2)، ف‍ * (رأى نارا) * من بعيد * (فقال لأهله امكثوا) * في مكانكم * (إني آنست) * أي: أبصرت، والإيناس: # الإبصار البين الذي لا شبهة فيه، وقيل: هو إبصار ما يؤنس به (3)، ولما كان الإيناس متيقنا حققه بلفظة " إن "، ولما كان الإتيان بالقبس - وهو النار المقتبسة - # PageV02P476 # ووجود الهدى متوقعين بنى الأمر فيهما على الرجاء والطمع فقال: * (لعلى) * لئلا يعد ما ليس الوفاء به مستيقنا، وأراد ب‍ * (هدى) * قوما يهدونه إلى الطريق، أو ينفعونه بهداهم في أبواب الدين، لأن أفكار الأبرار مغمورة بالهمم الدينية في جميع أحوالهم، والمعنى: ذوي هدى، أو إذا وجد الهداة فقد وجد الهدى. # وقرئ: " أني " بالفتح (1)، أي: * (نودي) * بأني * (أنا ربك) * ومن كسر فالمعنى: نودي فقيل: * (يا موسى) *، أو لأن النداء ضرب من القول، والمعنى في تكرير الضمير: توكيد الدلالة وتحقيق المعرفة. # وروي (2): أنه حين انتهى رأى شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها تتوقد فيها نار بيضاء، وسمع تسبيح الملائكة، ورأى نورا عظيما لم تكن الخضرة تطفئ النار ولا النار تحرق الخضرة، فعلم أنه لأمر عظيم، فبهت فألقيت عليه السكينة ثم نودي: * (فاخلع نعليك) * قيل: أمر بخلع النعلين لأنهما كانتا من جلد حمار ميت (3)، وقيل: ليباشر الوادي بقدميه متبركا به واحتراما له (4) (5) * (طوى) * قرئ بالتنوين وغير التنوين (6) بتأويل المكان والبقعة، وقيل: سمي به لأنه قدس مرتين فكأنه طوي بالبركة كرتين (7). # PageV02P477 # * (وأنا اخترتك) * أي: اصطفيتك للرسالة، وقرئ: " وإنا اخترناك " (1)، * (لما يوحى) * تعلق اللام ب‍ * (استمع) * أو ب‍ * (اخترتك) * و " ما " موصولة أو مصدرية. # * (لذكرى) * أي: لتذكرني (2) فيها، لأن * (الصلاة) * تشتمل على الأذكار، وعن مجاهد: لأني ذكرتها في الكتاب وأمرت بها (3)، وقيل: لأن أذكرك بالمدح والثناء وأجعل لك لسان صدق (4)، أو لذكري خاصة لا تشوبه بذكر غيري، أو لأوقات ذكري وهي مواقيت الصلاة، واللام مثلها في قولك: جئتك لوقت كذا ولست مضين، ومثله قوله: * (قدمت لحياتي) * (5)، وقيل: إنه ذكر الصلاة بعد نسيانها أي: # أقمها متى ذكرت: كنت في وقتها أو لم تكن (6)، وروي ذلك عن الباقر ms0718 (7) (عليه السلام) (8)، وكان ينبغي أن يقال: لذكرها ولكنه على حذف المضاف أي: لذكر صلاتي، أو لأنه إذا ذكر الصلاة فقد ذكر الله. # * (أكاد أخفيها) * أي: فلا أقول: هي * (آتية) * لفرط إرادتي إخفاءها، ولولا ما في الإخبار بإتيانها مع تعمية وقتها من اللطف لما أخبرت به، وفي مصحف أبي: # " أكاد أخفيها من نفسي " (9) وروي ذلك عن الصادق (عليه السلام) (10) * (لتجزى) * يتعلق ب‍ * (آتية) *، * (بما تسعى) * أي: بسعيها. # PageV02P478 # * (فلا يصدنك) * عن تصديقها، والضمير للقيامة أو عن الصلاة * (من لا يؤمن بها) * بالقيامة، ولا يهولنك كثرة عددهم ووفور سوادهم فإن بناء أمرهم على اتباع الهوى * (فتردى) * أي: فتهلك. # * (وما تلك بيمينك يا موسى (17) قال هي عصاي أتوكؤا عليها وأهش بها على غنمي ولى فيها مارب أخرى (18) قال ألقها يا موسى (19) فألقيها فإذا هي حية تسعى (20) قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى (21) واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى (22) لنريك من آياتنا الكبرى (23) اذهب إلى فرعون إنه طغى (24) قال رب اشرح لي صدري (25) ويسر لي أمري (26) واحلل عقدة من لساني (27) يفقهوا قولي (28) واجعل لي وزيرا من أهلي (29) هارون أخي (30) اشدد به أزرى (31) وأشركه في أمري (32) كي نسبحك كثيرا (33) ونذكرك كثيرا (34) إنك كنت بنا بصيرا (35) قال قد أوتيت سؤلك يا موسى (36)) * * (بيمينك) * في موضع الحال، والعامل فيه معنى الإشارة، وإنما سأله ليريه عظم ما يفعله بها (1)، وينبهه على باهر قدرته. # * (أتوكؤا عليها) * أعتمد عليها إذا مشيت أو وقفت على رأس القطيع * (وأهش) * أي: أخبط الورق * (بها على) * رؤوس * (غنمي) * تأكله * (ولى فيها مارب أخرى) * أي: حاجات أخر، قالوا: انقطع لسانه من الهيبة فأجمل (2). # * (تسعى) * أي: تمشي بسرعة وخفة حركة، وعن ابن عباس: انقلب ثعبانا # PageV02P479 # ذكرا يبتلع الصخر والشجر، فلما رآه موسى خاف (1). # ولما * (قال) * سبحانه: * (خذها ولا تخف) * بلغ من ذهاب خوفه أن أدخل يده في فمها وأخذ بلحيها، والسيرة: من السير كالركبة من الركوب ثم نقلت إلى معنى الطريقة (2) فقيل: سير الأولين، فيجوز أن ينتصب على الظرف أي: * (سنعيدها) ms0719 * في طريقتها * (الأولى) * أي: في حال ما كانت عصا، ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا ل‍ " أعاد "، أو ينتصب بفعل مضمر والمعنى: سنعيدها سائرة * (سيرتها الأولى) * حيث كنت تتوكأ عليها ولك * (فيها) * المآرب التي عرفتها. # * (واضمم يدك إلى جناحك) * إلى جنبك (3) تحت العضد مستعار من جناح الطائر * (من غير سوء) * كناية عن البرص كما كني عن العورة بالسوءة (4). # روي: أنه (عليه السلام) كان آدم (5)، فأخرج يده من مدرعته * (بيضاء) * لها شعاع كشعاع الشمس تغشي البصر (6). # وقوله: * (بيضاء) * و * (آية) * حالان، و * (من غير سوء) * حال من معنى * (بيضاء) * أي: ابيضت من غير سوء، ويجوز أن ينتصب * (آية) * بإضمار " خذ " ونحوه، وتعلق به * (لنريك) * أي: خذ هذه الآية أيضا بعد قلب العصا حية لنريك # PageV02P480 # بهاتين الآيتين بعض * (آياتنا الكبرى) * أو لنريك بهما الكبرى من آياتنا، ويجوز أن يكون التقدير: لنريك من آياتنا فعلنا ذلك. # ولما أمره سبحانه بالذهاب * (إلى فرعون) * عرف أنه كلف أمرا عظيما، فسأل ربه أن يشرح صدره حتى لا يضجر ولا يغتم، ويستقبل الشدائد بجميل الصبر، وأن يسهل عليه أمره الذي هو خلافة الله في أرضه وما يصحبها من مقاساة الخطوب الجليلة، وعن ابن عباس: كان في لسانه رتة (1) (2) لما روي من حديث الجمرة (3)، واختلف في زوال العقدة: فقيل: انحلت عن لسانه وزالت وهو الصحيح لقوله: * (أوتيت سؤلك يا موسى) * (4)، وقيل: بقي بعضها لقوله: * (وأخي هارون هو أفصح منى لسانا) * (5) (6). # والوزير من الوزر، لأنه يتحمل عن الملك أوزاره (7)، أو من الوزر (8) لأن الملك يعتصم برأيه (9)، أو من المؤازرة وهي المعاونة * (وزيرا) * و * (هارون) * مفعولان ل‍ * (اجعل) * أي: اجعل هارون وزيرا * (لي) * فقدم عناية بأمر الوزارة، # PageV02P481 # وقيل: إن المفعولين * (لي وزيرا) * و * (هارون) * عطف بيان (1)، وقرأ ابن عامر: # " اشدد... وأشركه " على الجواب (2)، والأزر: القوة، وأزره: قواه، أي: اجعله شريكي في الرسالة حتى نتعاون على عبادتك وذكرك ونتزايد الخير. # * (إنك كنت بنا بصيرا) * أي: عالما بأحوالنا، وأن هارون نعم المعين (3) لي والشاد لعضدي، والسؤل: الطلبة، فعل في معنى مفعول كالخبز والأكل ms0720 بمعنى المخبوز والمأكول. # * (ولقد مننا عليك مرة أخرى (37) إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى (38) أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة منى ولتصنع على عيني (39) إذ تمشى أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى (40) واصطنعتك لنفسي (41) اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكرى (42) اذهبا إلى فرعون إنه طغى (43) فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى (44) قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى (45) قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى (46) فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلم على من اتبع الهدى (47) إنا قد أوحى إلينا أن العذاب على من كذب وتولى (48)) * # PageV02P482 # * (أوحينا إلى أمك) * أي: ألهمناها * (ما) * يلهم، وهو ما كان سبب نجاتك من القتل، أو بعثنا إليها ملكا كما بعثنا إلى مريم. * (أن اقذفيه... في اليم) * أي: ضعيه وألقيه، وهي * (أن) * المفسرة، لأن الوحي بمعنى القول، والضمائر كلها ترجع إلى * (موسى) *، * (فليلقه اليم بالساحل) * وهو شط البحر، كأنه أمر البحر كما أمر أم موسى، وهذا على طريق المجاز جعله كذي تمييز، أمر بذلك ليطيع لما كانت مشيئته عز اسمه إلقاءه إلى الساحل * (يأخذه عدو لي وعدو له) * وهو فرعون، لأنه تصور أن ملكه ينقرض على يده، و * (منى) * إن تعلق ب‍ * (ألقيت) * فالمعنى: إني أحببتك ومن أحبه الله أحبته القلوب، وإن تعلق بمحذوف هو صفة ل‍ * (محبة) * فالمعنى: * (ألقيت عليك محبة) * واقعة * (منى) * قد ركزته أنا في القلوب وزرعته فيها ولذلك أحبك فرعون وكل من رآك، و * (لتصنع) * معطوف على علة مضمرة (1)، مثل: " ليعطف عليك " ونحوه، أو حذف المعلل أي: " ولتصنع فعلت ذلك " والمعنى: ولتربى وتغذي ويحسن إليك وأنا أراعيك كما يراعى الرجل الشئ بعينيه (2) إذا اعتنى به، ms0721 وكما تقول للصانع، اصنع هذا على عيني أنظر إليك ليكون صنيعك على حسب ما أريده منك، وقرئ: " ولتصنع " بالجزم وسكون اللام (3) أو كسرها على أنه أمر. والعامل في * (إذ تمشى) *: * (ألقيت) * أو * (تصنع) * أو يكون بدلا من * (إذ أوحينا) *. # وروي: أن أخت موسى (عليه السلام) لما قالت لها أمه: قصيه اتبعت موسى متعرفة خبره، فرأتهم يطلبون له مرضعة يقبل ثديها لأنه كان لا يقبل ثدي امرأة، فقالت: # * (هل أدلكم) * فجاءت بأم موسى فقبل ثديها (4) * (وقتلت نفسا) * يعني: القبطي # PageV02P483 # الذي استغاثه عليه الذي هو من شيعته فوكزه فقتله * (فنجيناك من) * غم القصاص ومن بأس فرعون، و * (فتونا) * يجوز أن يكون مصدرا على فعول في المتعدي كالشكور والثبور، وأن يكون جمع فتن أو فتنة كبدور في جمع بدرة، أي: # * (فتنك) * ضروبا من الفتن فتنة بعد فتنة، وذاك أنه ولد في عام كان يقتل فيه الولدان، وألقته أمه في البحر، وهم فرعون بقتله، وقتل القبطي، وآجر نفسه عشر سنين، والفتنة: المحنة وكل ما يشق على الإنسان، و * (مدين) * على ثماني مراحل من مصر * (على قدر) * على مقدار من الزمان يوحى فيه إلى الأنبياء وهو رأس أربعين سنة، وقيل: معناه: سبق في قدري وقضائي أن أكلمك في وقت بعينه (1)، ف‍ * (جئت) * على ذلك القدر. * (واصطنعتك لنفسي) * اتخذتك صنيعتي وخالصتي، واختصصت (2) بكرامتي. # * (ولا تنيا في ذكرى) * الونى: الفتور والتقصير، يعني: ولا تنسياني ولا أزال منكما على ذكر حيثما كنتما، أو يريد بالذكر تبليغ الرسالة أي: لا تضعفا في ذلك ولا تقصرا. # و " القول اللين " نحو قوله تعالى: * (هل لك إلى أن تزكى) * (3) * (وأهديك إلى ربك فتخشى) * (4)، وقيل: عداه شبابا لا يهرم بعده وملكا لا ينزع منه إلا بالموت (5)، واذهبا على رجائكما وطمعكما فعل من يبذل أقصى وسعه وطاقته، وإنما أرسلهما إليه مع علمه بأنه لا يؤمن، إلزاما للحجة * (يتذكر) * أي: يتأمل فينصف من نفسه ويذعن للحق * (أو يخشى) * أن يكون الأمر كما تصفان. # PageV02P484 # * (نخاف) * أي: نخاف * (أن) * يعجل * (علينا) * بالعقوبة، يقال: فرط منه فعل أي: ms0722 سبق، وفرس فرط: يسبق الخيل * (أو أن يطغى) * أي: يجاوز الحد في الإساءة بنا. # * (إنني معكما) * بالحفظ والنصرة، أي: حافظكما وناصركما * (أسمع وأرى) * ما يجري بينكما وبينه، وكانت بنو إسرائيل في ملكة فرعون، والقبط يعذبونهم بتكليف الأعمال الشاقة والسخرة في كل شئ. # * (قد جئنك بآية من ربك) * أي: بمعجزة وبرهان على ما ادعيناه * (والسلم) * سلام الملائكة، أو السلامة من عذاب الله * (على) * المهتدين، و * (العذاب على) * المكذبين. # * (قال فمن ربكما يا موسى (49) قال ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى (50) قال فما بال القرون الأولى (51) قال علمها عند ربى في كتب لا يضل ربى ولا ينسى (52) الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى (53) كلوا وارعوا أنعمكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى (54) منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى (55) ولقد أرينه آياتنا كلها فكذب وأبى (56)) * خاطب الاثنين ووجه النداء إلى موسى، لأن الأصل في النبوة موسى، أو حمله خبثه على استدعاء كلام موسى دون كلام أخيه لما عرف من فصاحة هارون. # * (خلقه) * مفعول أول ل‍ * (أعطى) * أي: أعطى خلقه يعني: خليقته * (كل شئ) * يحتاجون إليه، أو مفعول ثان بمعنى: أعطى كل شئ صورته وشكله الذي يوافق المنفعة المنوطة به كما أعطى العين الهيئة التي تطابق الإبصار، والأذن PageV02P485 # الشكل الذي يطابق الاستماع، وكذلك باقي الأعضاء وقيل: أعطى كل حيوان نظيره في الخلق والصورة أي: زوجه (1)، وقرئ: " خلقه " (2) أي: كل شئ خلقه الله لم يخله من عطائه وإنعامه. # * (ما بال القرون الأولى) * أي: ما حال الأمم الماضية في السعادة والشقاوة؟ # فأجاب أن علم أحوالها مكتوب * (عند ربى في) * اللوح المحفوظ، لا يخطئ شيئا ولا ينساه، وقيل: لا يتركه حتى يجازيه (3) أي: * (لا يضل) * كما تضل أنت * (ولا ينسى) * كما تنسى يا مدعي الربوبية. # * (الذي جعل) * صفة ل‍ * (ربى) * أو خبر مبتدأ محذوف * (مهدا) * أي: مهدها مهدا، أو يمهدونها فهي لهم كالمهد الذي يمهد للصبي، وقرئ: " مهادا " (4) أي: # فراشا ms0723 وبساطا، و * (سلك لكم) * أي: حصل لكم * (فيها سبلا... فأخرجنا) *، انتقل فيه من لفظ الغيبة إلى لفظ المتكلم على طريقة الالتفات، ومثله قوله تعالى: * (وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شئ) * (5) وفيه تخصيص بأنا نحن نقدر على مثل ذلك ولا يدخل تحت قدرة أحد * (أزواجا) * أصنافا، و * (شتى) * جمع شتيت، والنبات: مصدر سمي به النابت كما سمي بالنبت فاستوى فيه الواحد والجمع، يعني: أنها مختلفة النفع والطعم واللون والرائحة والشكل. # والمعنى: قائلين: * (كلوا وارعوا) * حال من الضمير في * (أخرجنا) * أي: مبيحين أكلها والانتفاع بها. # PageV02P486 # * (أرينه آياتنا كلها) * يعني: الآيات التسع، أي: معجزاتنا الدالة على صدق موسى (عليه السلام) * (فكذب) * بجميع ذلك * (وأبى) * أن يؤمن. # * (قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى (57) فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى (58) قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى (59) فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى (60) قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى (61) فتنزعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى (62) قالوا إن هذا ن لسحرا ن يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى (63) فأجمعوا كيدكم ثم ائتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى (64) قالوا يا موسى إما أن تلقى وإما أن نكون أول من ألقى (65) قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى (66)) * قوله: * (بسحرك) * تعلل من فرعون، وإلا فلا يخفي على أحد أن ساحرا لا يقدر على أن يخرج ملكا مثله من أرضه بالسحر، ويلوح من كلامه هذا أنه كان يخاف منه أن يغلبه على ملكه. # * (موعدا) * مصدر بمعنى " الوعد " على تقدير مضاف محذوف، أي: مكان موعد، والهاء في * (نخلفه) * للموعد، و * (مكانا) * بدل من المكان المحذوف، وهو بمعنى الوقت في قوله: * (موعدكم) * أي: وقت الوعد * (يوم الزينة) * وهو يطابق ما تقدم معنى وإن لم يطابقه لفظا من حيث إن الاجتماع يوم الزينة لابد أن يكون في مكان مشهور، ms0724 فبذكر الزمان يعلم المكان، ويجوز أن لا يقدر في الأول مضاف محذوف ويكون المعنى: اجعل بيننا وبينك وعدا لا نخلفه، وينتصب * (مكانا) * PageV02P487 # بالمصدر ويكون * (موعدكم) * معناه: وعدكم وعد يوم الزينة، وقرئ: " لا نخلفه " بالجزم (1) على جواب (2) الأمر، وقرئ: " سوى " و * (سوى) * بكسر السين (3) وضمها ومعناه: منصفا بيننا وبينك أي: يستوي مسافته على الفريقين، وقرئ: " يوم الزينة " بالنصب (4) وهو مثل قولك: قيامك يوم الجمعة، فيكون * (موعدكم) * مصدرا والظرف خبرا عنه أو على تقدير: إنجاز موعدكم يوم الزينة، و * (أن يحشر) * في موضع جر، أي: موعدكم يوم الزينة وحشر * (الناس) * فيكون معطوفا على * (الزينة) *، أو في موضع رفع أي: إنجاز موعدكم وحشر الناس * (ضحى) * في يوم الزينة، وهو يوم عيد كان لهم في كل عام، وقيل: يوم كانوا يتخذون فيه سوقا ويتزينون ذلك اليوم (5)، وإنما واعدهم ذلك اليوم ليكون ظهور دين الله وعلو كلمته وزهوق الباطل على رؤوس الأشهاد ويشيع ذلك في الناس. # * (فتولى فرعون) * أي: انصرف * (فجمع كيده) * أي: حيلته ومكره وذلك جمعه السحرة. # * (لا تفتروا على الله كذبا) * أي: لا تكذبوا على الله بأن تدعوا آياته ومعجزاته سحرا، قرئ: " فيسحتكم " (6) و * (فيسحتكم) *، والسحت والإسحات بمعنى وهو الاستئصال. # * (فتنزعوا أمرهم بينهم) * أي: تشاوروا وتجاذبوا أهداب القول * (وأسروا # PageV02P488 # النجوى) * يعني: السحرة، ونجواهم: إن غلبنا موسى اتبعناه، وقيل: إن كان ساحرا فسنغلبه وإن كان من السماء فله أمر (1)، ولما * (قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا... # قالوا) *: ما هذا بقول ساحر. # قال فرعون وقومه للسحرة: " إن هذان لساحران " (2) وهي لغة بلحرث (3) ابن كعب، جعلوا الاسم المثنى نحو الأسماء التي آخرها ألف كعصا وسلمى ولم يقلبوها ياء في الجر والنصب، وقيل: " إن " هنا بمعنى: نعم و " ساحران " خبر مبتدأ محذوف تقديره: لهما ساحران (4)، وقرئ: * (إن هذا ن لسحرا ن) * وهو مثل قولك: إن زيد لمنطلق، واللام هي الفارقة بين " إن " النافية والمخففة من الثقيلة، وقرأ أبو عمرو: " إن هذين لساحران " (5) على الوجه الظاهر، وقرئ: " هذان " بتشديد النون (6) وهو لغة. # و * (المثلى) * تأنيث الأمثل، وهو الأفضل ms0725 والأشبه بالحق، والمعنى: * (يريدان أن) * يصرفا وجوه الناس إليهما، وقيل: الطريقة: اسم لوجوه الناس وأشرافهم الذين هم قدوة لغيرهم (7)، ويقال أيضا للواحد: هو طريقة قومه، وقيل: إن طريقتهم المثلى: بنو إسرائيل وكانوا أكثر القوم عددا ومالا (8)، أي: يريدان أن # PageV02P489 # * (يذهبا) * بهم لأنفسهم لقول موسى: * (فأرسل معنا بني إسرائيل) * (1). # * (فأجمعوا كيدكم) * أي: أزمعوه واجعلوه مجمعا عليه حتى لا تختلفوا، وهذا قول فرعون للسحرة أو قول بعض لبعض، وقرئ: " فاجمعوا " (2) ويعضده قوله: # * (فجمع كيده) *، * (ثم ائتوا صفا) * أي: مصطفين مجتمعين ليكون أشد لهيبتكم * (وقد أفلح اليوم من استعلى) * أي: فاز من غلب وعلا. # * (أن تلقى) * مرفوع بأنه خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر إلقاؤك أو إلقاؤنا، أو منصوب بفعل مضمر معناه: اختر أحد الأمرين، وهذا التخيير منهم حسن أدب وخفض جناح له. # * (فإذا حبالهم) *: * (إذا) * هذه للمفاجأة، والتقدير: * (فإذا حبالهم وعصيهم) * مخيلة * (إليه) * السعي، وقوله: * (أنها تسعى) * فاعل (3) (يخيل) * والضمير في * (إليه) * يرجع إلى * (موسى) * (عليه السلام)، وقيل: إلى * (فرعون) * (4)، وقرئ: " تخيل " بالتاء (5) على أن يكون مسندا إلى ضمير " الحبال " و " العصي "، ويكون * (أنها تسعى) * بدلا من الضمير وهو بدل الاشتمال، كقولك: أعجبني زيد علمه. # * (فأوجس في نفسه خيفة موسى (67) قلنا لا تخف إنك أنت الاعلى (68) وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد سحر ولا يفلح الساحر حيث أتى (69) فألقى السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى (70) قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي # PageV02P490 # علمكم السحر فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى (71) قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضى هذه الحياة الدنيا (72) إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطينا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى (73) إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى (74) ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى (75) جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من ms0726 تزكى (76)) * * (أوجس) * الخوف: أضمر شيئا منه، وكان إيجاس الخيفة من موسى (عليه السلام) للجبلة البشرية عند رؤية أمر فظيع، وقيل: لأجل أن يتخالج فيه شك على الناس فلا يتبعوه (1). # * (إنك أنت الاعلى) * فيه تقرير لقهره (2) وغلبته، وتأكيد بالاستئناف وبكلمة التحقيق وبتكرير الضمير وبلام التعريف وبلفظ العلو - وهو الغلبة الظاهرة - وبلفظ التفضيل. # قرئ: " تلقف " (3) بالرفع (4) على الاستئناف أو على الحال، أي: ألقها متلقفة، وقرئ: * (تلقف) * بالتخفيف * (ما صنعوا) * أي: ما زوروا وافتعلوا * (إنما صنعوا) * أي: الذي صنعوه " كيد سحر " (5) أي: ذوي سحر، أو بين الكيد بسحر كما يبين # PageV02P491 # المائة بدرهم، لأن الكيد يكون سحرا أو غير سحر، ومثله: علم فقه، وقرئ: # * (كيد سحر) * وحد لأن القصد معنى الجنسية لا معنى العدد، يدل عليه قوله: # * (ولا يفلح الساحر) * أي: هذا الجنس * (حيث أتى) * هو كقولهم: أينما كان، وأية سلك، وهاهنا حذف أي: فألقى عصاه فتلقفت ما صنعوا. # * (فألقى السحرة سجدا) * وعن عكرمة: لما سجدوا أراهم الله في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة (1). # * (قبل أن آذن لكم) * أي: من غير إذني * (إنه لكبيركم) * أي: رئيسكم و (2) أسحركم و (3) أستاذكم ومعلمكم * (من خلف) * هو أن يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، لأن كل واحد من العضوين يخالف الآخر بشيئين: بأن هذا يد وذاك رجل وهذا يمين وذاك شمال، و * (من) * لابتداء الغاية، لأن القطع مبتدأ (4) من مخالفة العضو العضو، والجار والمجرور في موضع الحال، أي: لأقطعنها مختلفات * (في جذوع النخل) * شبه تمكن المصلوب في الجذع بتمكن الشئ في وعائه فهذا معنى " في " * (ولتعلمن) * أيها السحرة * (أينا أشد عذابا) * يريد الملعون نفسه وموسى (عليه السلام)، بدليل قوله: * (آمنتم له) *، واللام مع الإيمان لغير الله في القرآن كقوله: * (يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين) * (5)، وقيل: يريد الله تعالى (6). # * (قالوا لن نؤثرك) * أي: لن نختارك * (على ما) * أتانا * (من) * المعجزات * (و) * على * (الذي فطرنا) * أي: خلقنا، أو هو قسم أي: والله الذي فطرنا * (فاقض ما أنت قاض) * أي: فاصنع ما أنت صانعه فإنا لا نرجع عن الإيمان، أو: ms0727 فاحكم ما أنت # PageV02P492 # حاكمه * (هذه الحياة الدنيا) * منصوبة على الظرف. # * (وما أكرهتنا عليه) * روي: أنهم قالوا لفرعون: أرنا موسى نائما، ففعل، فوجدوه تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بسحر، فإن الساحر إذا نام بطل سحره، فأبى فرعون إلا أن يعملوا، فذلك إكراههم (1) * (والله خير) * لنا منك * (و) * ثوابه * (أبقى) * لنا من ثوابك. # والآيات الثلاث بعد حكاية قولهم، وقيل: هي خبر من الله عز وجل (2) * (مجرما) * أي: كافرا، و * (العلى) * جمع العليا تأنيث " الأعلى "، و * (تزكى) * تطهر من أدناس الذنوب، وعن ابن عباس: قال: لا إله إلا الله (3). # * (ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخف دركا ولا تخشى (77) فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم (78) وأضل فرعون قومه وما هدى (79) يبني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى (80) كلوا من طيبت ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبى ومن يحلل عليه غضبى فقد هوى (81) وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صلحا ثم اهتدى (82) وما أعجلك عن قومك يا موسى (83) قال هم أولاء على أثرى وعجلت إليك رب لترضى (84) قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري (85) فرجع موسى إلى قومه غضبن أسفا قال يقوم ألم يعدكم ربكم # PageV02P493 # وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي (86)) * * (أن أسر بعبادي) * أي: سر بهم ليلا من أرض مصر، فاجعل * (لهم طريقا في البحر يبسا) * أي: يابسا، من قولهم: ضرب له في ماله سهما، أو ضرب اللبن أي: # عمله، وأصل اليبس مصدر * (لا تخف) * حال من الضمير في * (فاضرب) *، وقرئ: # " لا تخف " (1) على الجواب * (دركا) * هو اسم من الإدراك، أي: لا يدركك فرعون وجنوده ولا يلحقونك، وإذا قرئ: " لا تخف " بالجزم ففي * (لا تخشى) * وجهان: أن يكون مقطوعا من الأول أي: وأنت لا تخشى، وأن يكون الألف للإطلاق من أجل الفاصلة كقوله: * (فأضلونا السبيلا) * (2). # * (ما غشيهم) * من جوامع الكلم المستقلة بالمعاني الكثيرة ms0728 مع قلتها، وفيه تفخيم للأمر، و * (ما هدى) * تهكم به لقوله: * (وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) * (3). # * (يبني إسرائيل) * خطاب لهم بعد إنجائهم من البحر وإهلاك فرعون، أي: قلنا لبني إسرائيل أو للذين كانوا في عهد نبينا (صلى الله عليه وآله): من الله عليهم بما فعل بأسلافهم، وقرئ: " أنجيتكم... وواعدتكم... ورزقتكم " (4)، وقرئ: " وعدناكم " (5)، ذكرهم النعمة في نجاتهم وهلاك عدوهم وفيما وعد موسى (عليه السلام) من المناجاة ب‍ * (جانب الطور) * وكتب التوراة في الألواح، ونسب المواعدة إليهم حيث كانت لنبيهم ولنقبائهم وإليهم رجعت منافعها التي بها قوام دينهم. # * (ولا تطغوا فيه) * أي: لا تتعدوا حدود الله تعالى * (فيحل عليكم غضبى) * أي: # PageV02P494 # فيجب عليكم عقوبتي، من حل الدين يحل: إذا وجب أداؤه، وقرئ: " فيحل " بضم الحاء (1) أي: فينزل، لأن الغضب بمعنى العقوبة * (ومن يحلل) * بالضم (2) والكسر * (فقد هوى) * أي: هلك، وأصله: أن يسقط من جبل، كما قيل: # هوى من رأس مرقبة * ففتت تحتها كبده (3) أو (4) سقط سقوطا لا نهوض بعده. # * (ثم اهتدى) * أي: استقام واستمر عليه حتى يموت. وعن الباقر (عليه السلام): # * (ثم اهتدى) * إلى ولايتنا أهل البيت (5). # * (وما أعجلك) * أي شئ عجل بك عنهم؟! وكان قد مضى مع النقباء إلى الطور، ثم تقدمهم شوقا إلى كلام ربه. * (قال) * موسى (عليه السلام) * (هم أولاء على أثرى) * يدركونني عن قريب، وسبقتهم إليك حرصا على تحصيل رضاك. # * (فتنا قومك من بعدك) * يريد الذين خلفهم مع هارون، أضاف سبحانه الفتنة إلى نفسه والضلال إلى * (السامري) * ليدل على أن الفتنة غير الإضلال، أي: # امتحناهم بخلق العجل وحملهم السامري على الضلال وأوقعهم فيه بقوله: * (هذا إلهكم وإله موسى) * (6) والمراد بالفتنة: تشديد التكليف عليهم بما حدث فيهم من أمر العجل ليظهر المؤمن المخلص من المنافق. # والوعد الحسن: هو أن وعدهم إعطاء التوراة التي فيها هدى ونور (7)، # PageV02P495 # و * (العهد) *: الزمان، يريد مدة مفارقته لهم، يقال: طال عهدي بك أي: طال زماني بسبب مفارقتك، وهم وعدوه أن يقيموا على ما تركهم عليه من الإيمان فأخلفوا موعده بعبادتهم العجل. # * (قالوا ما أخلفنا ms0729 موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري (87) فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسى (88) أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا (89) ولقد قال لهم هارون من قبل يقوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري (90) قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى (91) قال يهرون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا (92) ألا تتبعن أفعصيت أمري (93) قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسى إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي (94) قال فما خطبك يا سامري (95) قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي (96)) * * (بملكنا) * قرئ بالحركات الثلاث (1)، أي: * (ما أخلفنا موعدك) * بأن ملكنا أمرنا، أي: لو ملكنا أمرنا وخلينا ورأينا لما أخلفناه، ولكن غلبنا من جهة السامري وكيده، والمعنى: " حملنا " (2) أحمالا * (من) * حلي القبط التي استعرناها منهم * (فقذفناها) * في نار السامري التي أوقدها في الحفرة وأمرنا أن نطرح فيها الحلي، # PageV02P496 # وقرئ: * (حملنا) * أي: جعلنا نحمل " أوزار " القوم * (فكذلك ألقى السامري) * أراهم أنه يلقي حليا في يده (1)، وإنما ألقى التربة التي أخذها من موطئ فرس جبرئيل. * (فأخرج لهم) * من الحفرة * (عجلا جسدا... فنسى) * أي: فنسي موسى أن يطلبه هاهنا وذهب يطلبه عند الطور ويكون من قول السامري، أو: فنسي السامري أي: ترك ما كان عليه من الإيمان الظاهر. # * (ألا يرجع) * من رفعه فعلى أن " أن " مخففة من الثقيلة، ومن نصبه فعلى أنها الناصبة للفعل. # * (من قبل) * أي: من قبل أن يعود موسى إليهم، و " لا " مزيدة، والمعنى: # " ما منعك... أن... تتبعني " في شدة الزجر عن الكفر وقتال من كفر بمن آمن، أو مالك لم تلحقني؟ وكان موسى (عليه السلام) شديد الغضب لله ولدينه مجبولا على الحدة والخشونة في ذات الله، فلم يتمالك حين رأى القوم يعبدون العجل بعد رؤيتهم المعجزات والآيات أن ألقى الألواح لما عرته من الدهشة غضبا لله وحمية، وعنف بأخيه ms0730 وخليفته على قومه إذ أجراه مجرى نفسه إذا غضب في القبض على شعر رأسه ووجهه. # * (إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل) * أي: لو قاتلت بعضهم ببعض لتفرقوا وتفانوا، فأردت أن تكون أنت المتلاقي لأمرهم بنفسك، وخشيت عتابك على ترك ما أوصيتني به حين قلت: * (أخلفني في قومي وأصلح) * (2). # * (فما خطبك يا سامري) * أي: ما شأنك وما دعاك إلى ما صنعت؟ وهو مصدر خطب الأمر: إذا طلبه، فكأنه * (قال) *: ما طلبك؟ * (قال بصرت بما لم يبصروا به) * أي: رأيت ما لم يروه، أو: علمت ما لم يعلموه، من البصيرة، وعن ابن مسعود وأبي # PageV02P497 # والحسن: " فقبصت قبصة " بالصاد (1)، ومعنى الضاد (2): الأخذ بجميع الكف، والصاد (3): بأطراف الأصابع. # روي: أن موسى (عليه السلام) لما حل ميعاد ذهابه إلى الطور أرسل الله تعالى جبرئيل راكب حيزوم فرس الحياة ليذهب به، فأبصره السامري فقال: إن لهذا شأنا، فقبض * (قبضة) * من تربة موطئه، فلما سأله موسى عن قصته قال: قبضت * (من أثر) * فرس * (الرسول) * الذي أرسل إليك * (فنبذتها) * في العجل، وكما حدثتك يا موسى * (سولت) * أي: زينت * (لي نفسي) * من أخذ القبضة وإلقائها في صورة العجل (4). # * (قال فاذهب فإن لك في الحياة أن تقول لا مساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا (97) إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شئ علما (98) كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا (99) من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيمة وزرا (100) خالدين فيه وساء لهم يوم القيمة حملا (101) يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا (102) يتخافتون بينهم إن لبثتم إلا عشرا (103) نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما (104)) * عوقب السامري في الدنيا بأن منع من مخالطة الناس منعا كليا، وحرمت عليهم مكالمته ومبايعته ومجالسته ومؤاكلته، وإذا اتفق أن يماس أحدا، رجلا كان أو امرأة حم الماس والممسوس، فكان يهيم في البرية مع الوحش، ms0731 وإذا لقي أحدا # PageV02P498 # قال: * (لامساس) * أي: لا تقربني ولا تمسني، وقيل: إن ذلك بقي في ولده إلى اليوم: # إن مس واحد من غيرهم واحدا منهم حم كلاهما في الوقت (1) * (لن تخلفه) * أي: # لن يخلفك الله تعالى موعده الذي وعدك على الشرك والفساد في الأرض، ينجزه لك في الآخرة، فأنت ممن خسر الدنيا والآخرة، وقرئ: " لن تخلفه " بكسر اللام (2) وهو من أخلفت الموعد: إذا وجدته خلفا، وقرئ: " لن نخلفه " بالنون (3) حكاية لقوله عز وجل * (ظلت) * أي: ظللت، حذفت اللام الأولى، وقرئ: # " لنحرقنه " (4) وهي قراءة علي (عليه السلام) (5)، ومعناه: لنبردنه بالمبرد ولنحتنه حتا، ويجوز أن يكون * (لنحرقنه) * مبالغة في حرق: إذا برد، وهذه القراءة تدل على أنه كان ذهبا وفضة ولم يصر حيوانا. # * (كل شئ) * مفعول * (وسع) *، و * (علما) * منصوب على التمييز وهو في المعنى فاعل. # * (كذلك) * أي: مثل ذلك الاقتصاص وهو ما قصصنا عليك من قصة موسى وفرعون * (نقص عليك من) * سائر أخبار الأمم السالفة وأحوالهم تكثيرا في آياتك ومعجزاتك، والمراد بالذكر: القرآن، لأن فيه ذكر كل ما يحتاج إليه من أمور الدين، أي: * (ذكرا) * مشتملا على هذه الأقاصيص وعلى الأخبار الحقيقة بالتفكر فيها، فمن أقبل عليه سعد ونجا، و * (من أعرض عنه) * فقد شقي وهوى، والمراد # PageV02P499 # ب‍ " الوزر ": العقوبة لما فيها من الثقل والصعوبة تشبيها بالحمل الثقيل الذي يفدح حامله، أو: لأنها جزاء الوزر الذي هو الإثم * (خالدين) * حمل على معنى * (من) * ووحد الضمير في * (أعرض) * حملا على اللفظ * (فيه) * أي: في ذلك الوزر أو في احتماله * (وساء) * حكمه حكم " بئس "، وفيه ضمير مبهم يفسره * (حملا) *، والمخصوص بالذم محذوف لدلالة الوزر الذي تقدم ذكره عليه، تقديره: وساء حملا وزرهم، ونحوه: * (وساءت مصيرا) * (1) جهنم، و * (لهم) * للبيان، مثله في * (هيت لك) * (2). # وقرأ أبو عمرو: " ننفخ " بالنون (3)، وقيل في " الزرق ": إن المراد: العمى (4)، وقيل: العطاش (5) يظهر في عيونهم كالزرقة (6)، وقيل: زرق العيون: سود الوجوه (7). # * (يتخافتون) * أي: يتسارون * (بينهم) * يقول بعضهم لبعض: ما * (لبثتم إلا) * عشر ليال، وإنما تخافتوا لما اعتراهم من الرعب ms0732 والهول، استقصروا مدة لبثهم في الدنيا لاستطالتهم في الآخرة، أو مدة لبثهم في القبور. # و * (أمثلهم طريقة) * أوفرهم عقلا وأصوبهم رأيا عند نفسه، ونحوه: * (قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم) * (8). # * (ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربى نسفا (105) فيذرها قاعا # PageV02P500 # صفصفا (106) لا ترى فيها عوجا ولا أمتا (107) يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا (108) يومئذ لا تنفع الشفعة إلا من أذن له الرحمن ورضى له قولا (109) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما (110) وعنت الوجوه للحى القيوم وقد خاب من حمل ظلما (111) ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما (112) وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا (113) فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقرءان من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما (114)) * * (ينسفها ربى) * أي: يجعلها بمنزلة الرمل، ثم يرسل عليها الرياح فتذريها وتفرقها كما يذرى الطعام. * (فيذرها) * أي: فيذر مقارها ومراكزها، أو يكون الضمير للأرض وإن لم يجر لها ذكر. * (لا ترى فيها عوجا) * أي: اعوجاجا * (ولا أمتا) * ولا نتوا (1) يسيرا، وعن الحسن: العوج: ما انخفض من الأرض، والأمت: # ما ارتفع من الروابي (2). # وأضاف " اليوم " إلى وقت نسف الجبال في قوله: * (يومئذ) * أي: يوم إذ نسفت، ويجوز أن يكون بدلا بعد بدل من * (يوم القيمة) * (3)، * (يتبعون) * صوت * (الداعي) * إلى المحشر، وهو إسرافيل الذي ينفخ في الصور يدعو الناس قائما على صخرة بيت المقدس، فيقبلون من كل أوب (4) إلى صوته * (لا عوج له) * أي: # PageV02P501 # لا يعوج له مدعو، بل يستوون إليه من غير انحراف * (وخشعت الأصوات) * أي: # خفضت من شدة الفزع وخفتت * (فلا تسمع إلا همسا) * وهو الركز الخفي ومنه الحروف المهموسة، وقيل: هو من هميس الإبل وهو صوت أخفافها إذا مشت، أي: # لا تسمع إلا خفق (1) الأقدام ونقلها إلى المحشر (2). # * (من) * يجوز فيه الرفع والنصب: فالرفع على البدل من * (الشفعة) * بتقدير حذف المضاف، أي: * (لا تنفع الشفعة إلا) * شفاعة ms0733 * (من أذن له الرحمن) *، والنصب على المفعولية، ومعنى * (أذن له... ورضى له) *: لأجله، كاللام في قوله: # * (وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه) * (3). # * (يعلم ما بين أيديهم) * أي: ما تقدمهم من الأحوال * (وما خلفهم) * أي: # ما يستقبلونه * (ولا يحيطون) * بمعلوماته * (علما) *. # * (وعنت) * وجوه العصاة أي: خشعت وذلت إذا عاينت أهوال يوم القيامة، وقيل: المراد ب‍ * (الوجوه) * الرؤساء والملوك (4)، أي: صاروا كالعناة وهم الأسارى، وقوله: * (وقد خاب) * وما بعده اعتراض. # * (فلا يخاف ظلما) * وهو أن يؤخذ بذنب لم يعمله، أو لا يجزى بعمله * (ولا هضما) * وهو أن يكسر من حقه فلا يوفي له، أو يبطل بعض حسناته، وقرئ: # " فلا يخف " على النهي (5)، والمعنى: فليأمن الظلم والهضم. # * (وكذلك) * عطف على * (كذلك نقص) * (6) أي: مثل ذلك الإنزال، و (7) كما # PageV02P502 # أنزلنا عليك هؤلاء الآيات المتضمنة للوعيد أنزلنا القرآن كله * (وصرفنا) * أي: # وكررنا * (فيه) * آيات * (الوعيد) * وبيناها على ألفاظ مختلفة ليتقوا المعاصي * (أو يحدث) * القرآن * (لهم) * شرفا بإيمانهم به، أو اعتبارا بأن يذكروا به عقاب الله للأمم. # * (فتعالى الله الملك الحق) * استعظام له سبحانه، ولما يصرف عليه عباده من أوامره ونواهيه ووعده ووعيده، وما يجري عليه أمور ملكوته. # ولما ذكر القرآن وإنزاله قال على سبيل الاستطراد: وإذا لقنك جبرئيل الوحي ف‍ * (لا تعجل) * بتلاوته قبل أن يفرغ من قراءته، ولا تكن قراءتك مساوقة لقراءته، ونحوه: * (لا تحرك به لسانك لتعجل به) * (1)، وقيل: معناه: لا تقرئه أصحابك حتى يبين لك ما كان مجملا (2)، واستزد من الله سبحانه علما إلى علمك * (وقل رب زدني علما) * إلى علم. # * (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزما (115) وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس أبى (116) فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى (117) إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى (118) وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى (119) فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى (120) فأكلا منها فبدت لهما سوءا تهما ms0734 وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى (121) ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى (122) قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم # PageV02P503 # منى هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى (123)) * عطف سبحانه قصة آدم على قوله: * (وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون) *، والمعنى: * (و) * أقسم قسما * (لقد) * وصينا أباهم بأن لا يقرب الشجرة * (فنسى) * العهد ولم يتذكر الوصية، يقال: عهد الملك إلى فلان وأوعز إليه وعزم عليه * (ولم نجد له عزما) * يجوز أن يكون من الوجود الذي هو بمعنى العلم ومفعولاه * (له عزما) *، وأن يكون نقيض العدم، كأنه قال: وعدمنا له عزما، وقيل: * (فنسى) * معناه: فترك الأمر (1). # * (وإذ) * منصوب بمضمر، أي: واذكر وقت ما جرى عليه من معاداة إبليس ووسوسته إليه، وتزيينه له الأكل من الشجرة * (أبى) * جملة مستأنفة كأنه جواب قائل يقول: لم لم يسجد؟ والوجه: أن لا يقدر له مفعول وهو السجود، وأن يكون معناه: أظهر الإباء وتوقف. # وقوله: * (فلا يخرجنكما) * معناه: فلا يكونن سببا لإخراجكما * (فتشقى) * أسند الشقاء إلى آدم دون حواء بعد اشتراكهما في الخروج، لأن المراد بالشقاء هنا: # التعب في طلب القوت ومعاناة العمل وذلك معصوب برأس الرجل، وعن سعيد بن جبير: أنه أهبط إلى آدم ثور أحمر فكان يحرث عليه ويرشح العرق من جبينه فذلك هو الشقاوة (2). # وقرئ: * (وأنك) * بفتح الهمزة وكسرها (3)، ووجه الفتح: العطف على * (ألا تجوع) * والتقدير: وإن لك أنك لا تظمأ، والكسر: على الاستئناف، والشبع # PageV02P504 # والري والكسوة والكن (1) هي الأقطاب التي يدور عليها كفاف الإنسان، فذكر سبحانه استجماعها له في الجنة، وأنه لا يحتاج إلى كفاية كاف ولا إلى كسب كاسب كما أن أهل الدنيا يحتاجون إلى ذلك، وذكرها بلفظ النفي لنقائضها التي هي الجوع والعري والظمأ والضحي ليطرق سمعه بأسامي أصناف الشقوة التي حذره منها حتى يتحرز عن السبب الموقع فيها كراهة لها. # * (فوسوس إليه الشيطان) * أي: أنهى (2) إليه الوسوسة كما يقال: أسر إليه، وأضاف ال‍ * (شجرة) * إلى * (الخلد) * وهو الخلود، لأن من أكل * (منها) * خلد ms0735 بزعمه. # وطفق يفعل كذا مثل: جعل يفعل، وأخذ يفعل، وحكمها حكم " كاد " في أن خبرها الفعل المضارع، وهي للشروع في أول الأمر، و " كاد " للدنو من الأمر * (يخصفان عليهما) * أي: يلزقان بسوءاتهما * (من ورق الجنة) * للتستر، وهو ورق التين * (وعصى آدم ربه) * أي: خالف ما أمره به ربه، والمعصية: مخالفة الأمر، سواء كان الأمر واجبا أو ندبا * (فغوى) * أي: فخاب من الثواب الذي كان يستحقه على فعل المأمور به، أو خاب مما كان يطمع فيه بأكل الشجرة من الخلود، ويستشهد على ذلك بقول الشاعر: # فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره * ومن يغو لا يعدم على الغي لائما (3) * (ثم اجتباه ربه) * أي: اصطفاه ربه وقربه إليه، من قولهم: جبى إلي كذا فاجتبيته * (فتاب عليه) * أي: قبل توبته وهداه إلى ذكره، وقيل: هداه للكلمات التي تلقاها منه (4). ولما كان آدم وحواء أصلي البشر جعلا كأنهما البشر، فخوطبا # PageV02P505 # مخاطبتهم فقيل: * (فإما يأتينكم) * على لفظ الجماعة كما أسند الفعل إلى السبب وهو في الحقيقة للمسبب، والمراد بالهدى: الكتاب والشريعة. # وعن ابن عباس: ضمن الله لمن اتبع القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، ثم تلا قوله: * (فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى) * (1). # * (ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيمة أعمى (124) قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا (125) قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى (126) وكذلك نجزى من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى (127) أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مسكنهم إن في ذلك لآيات لأولي النهى (128) ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى (129) فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى (130)) * * (ومن أعرض عن) * القرآن، وقيل: عن الدلائل (2) فلم ينظر فيها * (فإن له معيشة ضنكا) * أي: عيشا ضيقا، والضنك مصدر يستوي في الوصف به المذكر والمؤنث، والمعني فيه: أن مع الدين القناعة والتوكل ms0736 على الله والرضا بقسمته، فصاحبه ينفق مما رزق بسهولة وسماح فيكون في رفاهية من عيشه، ومن أعرض عن الدين استولى عليه الحرص والجشع، ويتسلط عليه الشح الذي يقبض يده عن الإنفاق فيعيش في ضنك * (ونحشره يوم القيمة أعمى) * البصر، وقيل: أعمى # PageV02P506 # عن الحجة لا يهتدي إليها (1)، والأول أوجه (2) لأنه الظاهر. # * (كذلك) * أي: مثل ذلك فعلت أنت، ثم فسره بأن آياتنا * (أتتك) * واضحة منيرة فلم تنظر إليها بعين المعتبر وتركتها وعميت عنها ف‍ * (كذلك) * نتركك على عماك، ولا نزيل غطاءه عن عينيك. # ولما توعد المعرض عن ذكره بعقوبتين: المعيشة الضنك في الدنيا وحشره أعمى في الآخرة، ختم آيات الوعيد بقوله: * (ولعذاب الآخرة أشد وأبقى) * كأنه قال: وللحشر على العمى الذي لا يزول أبدا أشد من ضيق العيش المنقضي، أو أراد: ولتركنا إياه في العمى أشد وأبقى من تركه لآياتنا. # وفاعل * (أفلم يهد) * الجملة بعده، والمراد: ألم يهد لهم هذا بمضمونه ومعناه، كما أن قوله تعالى: * (وتركنا عليه في الآخرين سلم على نوح في العلمين) * (3) معناه: تركنا عليه هذا الكلام، ويجوز أن يكون فيه ضمير الله أو الرسول، ويدل عليه القراءة بالنون (4) * (يمشون في مسكنهم) * يريد: أن قريشا يتقلبون في بلاد عاد وثمود ويعاينون آثار إهلاكهم * (إن في ذلك) * لعبرا ودلالات لذوي العقول. # * (ولولا كلمة سبقت من ربك) * وهي العدة بتأخير جزائهم إلى الآخرة * (لكان) * مثل إهلاكنا عادا وثمود لازما لهؤلاء الكفرة، واللزام: إما مصدر لازم وصف به، وإما فعال بمعنى مفعل كأنه آلة اللزوم، لفرط لزومه كما قيل: لزاز (5) خصم * (وأجل مسمى) * معطوف على * (كلمة) * أو على الضمير في * (كان) * أي: # PageV02P507 # لكان الأخذ العاجل وأجل مسمى لازمين له كما كانا لازمين لعاد وثمود. # وقوله: * (بحمد ربك) * في موضع نصب على الحال، أي: وأنت حامد لربك على أن وفقك للتسبيح وأعانك عليه، والمراد بالتسبيح: الصلاة أو هو على الظاهر * (قبل طلوع الشمس) * يعني: صلاة الفجر * (وقبل غروبها) * يعني: الظهر والعصر، لأنهما واقعتان في النصف الأخير من النهار بين زوال الشمس وغروبها * (ومن ms0737 آناء الليل) * أي: ساعاته، وعن ابن عباس: هي صلاة الليل كله (1)، وقيل: إن قبل غروبها هو صلاة العصر و * (أطراف النهار) * هو الظهر لأن وقته الزوال وهو طرف النصف الأول وطرف النصف الثاني من النهار (2)، وقد تؤول أيضا التسبيح في * (آناء الليل) * بصلاة العتمة وفي * (أطراف النهار) * بصلاة الفجر والمغرب، فيكون تكرارا على إرادة الاختصاص كما في قوله: * (حفظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) * (3) ومن حمل التسبيح على الظاهر قال: أراد المداومة على التسبيح والتحميد في عموم الأوقات " لعلك ترضى " (4) بالشفاعة والدرجة الرفيعة، وقرئ بفتح التاء كما في قوله: * (ولسوف يعطيك ربك فترضى) * (5). # * (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى (131) وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسلك رزقا نحن نرزقك والعقبة للتقوى (132) وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى (133) ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا # PageV02P508 # فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى (134) قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحب الصراط السوى ومن اهتدى (135)) * أي: * (لا تمدن) * نظر * (عينيك) *، ومد النظر تطويله وأن لا يكاد يرده، استحسانا للمنظور إليه وإعجابا به، وتمنيا أن يكون ذلك له. # وقد قال بعض الزهاد: ويجب غض البصر (1) عن أبنية الظلمة وملابسهم المحرمة، لأنهم اتخذوا ذلك لعيون النظارة (2)، فالناظر إليها محصل لغرضهم وكأنه يحملهم على اتخاذها (3). # * (أزواجا منهم) * أصنافا من الكفرة، ويجوز أن ينتصب حالا من هاء الضمير، والفعل واقع على * (منهم) *، كأنه قال: إلى الذي متعنا به وهو أصناف بعضهم وناسا منهم، وفي انتصاب * (زهرة الحياة) * وجوه: أن ينتصب على الذم وهو النصب على الاختصاص، وعلى تضمين * (متعنا) * معنى " أعطينا " و " خولنا " وكونه مفعولا ثانيا له، وعلى إبداله من محل الجار والمجرور، وعلى إبداله من * (أزواجا) * على تقدير: ذوي زهرة، والزهرة: الزينة والبهجة، وقرئ بفتح الهاء (4) فيكون لغة في " الزهرة " كما جاء في " الجهرة ": " الجهرة "، أو يكون جمع زاهر وصفا لهم بأنهم زاهرو ms0738 الدنيا، لتهلل وجوههم وصفاء ألوانهم مما يتنعمون * (لنفتنهم) * لنبلوهم، أو لنعذبهم في الآخرة بسببه * (ورزق ربك) * المدخر لك في الآخرة * (خير) * منه وأدوم، أو: ما رزقت من نعمة النبوة خير مما متعناهم به. # * (وأمر أهلك) * أي: أهل بيتك * (بالصلاة) * واستعينوا بها على خصاصتكم * (واصطبر عليها) * واصبر على فعلها والأمر بها، ولا تهتم بأمر الرزق والمعيشة، # PageV02P509 # فإن رزقك مكفي من عندنا * (لا نسلك) * أن ترزق نفسك ولا أهلك. # وعن أبي سعيد الخدري: لما نزلت هذه الآية كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يأتي باب فاطمة وعلي (عليهما السلام) تسعة أشهر وقت كل صلاة فيقول: الصلاة رحمكم الله * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * (1) (2). # وعن بكر بن عبد الله المزني (3): أنه كان إذا أصاب أهله خصاصة قال: قوموا فصلوا، بهذا أمر الله (4) رسوله، ثم يتلو هذه الآية (5). # * (والعقبة) * المحمودة * (للتقوى) * أي: لأهل التقوى. # * (وقالوا لولا يأتينا بآية) * اقترحوا على عادتهم في التعنت آية على النبوة، فقيل لهم: * (أولم) * تأتكم آية هي أصل الآيات وأجلها في باب الإعجاز، يعني: # القرآن، وذلك أن القرآن به يستدل على صحة سائر الكتب المنزلة، وجميعها مفتقرة إلى شهادته على صحة ما فيها كما يحتاج المحتج عليه إلى شهادة الحجة، لأنه معجزة وتلك الكتب ليست بمعجزات، وذكر الضمير الراجع إلى " البينة " في * (من قبله) * لأنها في معنى الدليل والبرهان. # * (كل) * أي: كل واحد منا ومنكم * (متربص) * منتظر للعاقبة، فنحن ننتظر وعد الله لنا فيكم، وأنتم تتربصون بنا الدوائر، و * (الصراط السوى) *: الدين المستقيم. # وفي قوله: * (ولو أنا أهلكناهم) * الآية، دلالة على وجوب اللطف، وأنه إنما بعث الرسول لكونه لطفا، ولو لم يبعثه لكان للخلق الحجة عليه سبحانه وتعالى. # PageV02P510 # سورة الأنبياء مكية (1)، وهي مائة واثنتا عشرة آية كوفي، وإحدى عشرة آية غيرهم، عد الكوفي * (لا ينفعكم شيئا ولا يضركم) * (2). # في حديث أبي: " من قرأ سورة الأنبياء حاسبه الله حسابا يسيرا، وصافحه وسلم عليه كل نبي ذكر اسمه في القرآن " (3). # وقال أبو عبد الله (عليه ms0739 السلام): " من قرأها حبا لها كان ممن رافق النبيين في جنات النعيم، وكان مهيبا في أعين الناس في الدنيا " (4). # بسم الله الرحمن الرحيم * (اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون (1) ما يأتيهم من # PageV02P511 # ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون (2) لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون (3) قال ربى يعلم القول في السماء والأرض وهو السميع العليم (4) بل قالوا أضغث أحلم بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الأولون (5)) *. # اللام في * (للناس) * لتوكيد معنى إضافة " الحساب " إلى " الناس "، والأصل (1): # اقتراب حساب الناس (2)، ثم اقترب للناس الحساب، ثم * (اقترب للناس حسابهم) * والمراد: اقتراب القيامة، وإذا اقتربت فقد اقترب ما يكون فيها من الحساب والثواب والعقاب وغير ذلك، وإنما وصفت بالقرب لأن كل آت وإن طالت مدة ترقبه قريب، وإنما البعيد هو الذي وجد وانقرض. # وفي كلام أمير المؤمنين (عليه السلام): " أن الدنيا ولت حذاء (3) ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء " (4). # وصفهم بالغفلة مع الإعراض على معنى: أنهم غافلون عن حسابهم، ساهون لا يتفكرون في عاقبتهم، وإذا نبهوا عن سنة الغفلة بما يتلى عليهم من الآيات أعرضوا عن التفكر فيها والتدبر لها والإيمان بها، ثم قرر سبحانه إعراضهم عن تنبيه المنبه بأن الله يجدد لهم الذكر وقتا فوقتا، ويحدث لهم الآية بعد الآية والسورة بعد السورة ليتعظوا، فما يزيدهم استماع الآي والسور إلا لعبا وتلهيا. # وقوله: * (وهم يلعبون لاهية قلوبهم) * حالان مترادفتان أو متداخلتان، وأبدل # PageV02P512 # * (الذين ظلموا) * من واو * (وأسروا) * إذانا بأنهم الموسومون بالظلم فيما أسروا به، أو يكون على لغة من قال: أكلوني البراغيث، أو هو مبتدأ وخبره * (وأسروا النجوى) * قدم عليه، والمعنى: * (و) * هؤلاء * (أسروا النجوى) * بالغوا في إخفاتها، فوضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا على أفعالهم بأنه ظلم * (هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون) * هذا الكلام كله في محل النصب بدلا من * (النجوى) * أي: وأسروا هذا الحديث، ويجوز أن يتعلق ب‍ " قالوا " مضمرا. # اعتقدوا أن ms0740 الرسول من الله لا يكون إلا ملكا، وأن كل من ادعى الرسالة من البشر وأتى بالمعجزات فهو ساحر، وما أتى به فهو سحر، فلذلك قالوا: * (أفتأتون السحر وأنتم) * تعاينون أنه سحر؟ # وقرئ: * (قال ربى) * على الخبر عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يقل: يعلم السر، لأن القول عام يشمل السر والجهر، فكان في العلم به العلم بالسر وزيادته (1)، ثم بين ذلك بقوله: * (وهو السميع العليم) * أي: العالم لذاته لا يخفي عليه خافية. # ثم أضربوا عن قولهم: هو سحر، إلى: أنه تخاليط * (أحلم) *، ثم إلى: أنه كلام مفترى من عنده، ثم إلى: أنه قول شاعر، لأن الباطل لجلج، والمبطل متحير لا يثبت على قول واحد، وصحة التشبيه في قوله: * (كما أرسل الأولون) * من حيث إنه في معنى: كما أتى * (الأولون) * بالآيات، لأن إرسال الرسل متضمن للإتيان بالآيات، فلا فرق بين أن يقول: أرسل محمد (صلى الله عليه وآله)، وبين قولك: أتى محمد (صلى الله عليه وآله) بالمعجز. # * (ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون (6) وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (7) وما # PageV02P513 # جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين (8) ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين (9) لقد أنزلنا إليكم كتبا فيه ذكركم أفلا تعقلون (10)) * في قوله: * (أفهم يؤمنون) * دلالة على أنهم أعتى من الأمم التي اقترحت على أنبيائهم الآيات ووعدوهم أن يؤمنوا عندها، فلما جاءتهم خالفوا وأخلفوا الوعد فأهلكهم الله، أي: فلو أعطيناهم ما اقترحوا لكانوا أنكث منهم. # واختلف في * (أهل الذكر) * فقيل: هم أهل الكتاب (1)، وقيل: هم أهل العلم بأخبار من مضى من الأمم (2). # وعن علي (عليه السلام): " نحن أهل الذكر " (3). # * (لا يأكلون الطعام) * صفة الجسد، والمعنى: وما جعلنا الأنبياء قبله ذوي جسد غير طاعمين، ووحد " الجسد " لإرادة الجنس، كأنه قال: ذوي ضرب من الأجساد، وهذا رد لقولهم: * (مال هذا الرسول يأكل الطعام) * (4)، * (وما كانوا خالدين) * أي: ما أخرجناك (5) وما أخرجناهم عن حد البشرية بأن أوحينا إليهم. # * (ثم ms0741 صدقناهم الوعد) * أي: في الوعد، فهو مثل قوله: * (واختار موسى قومه) * (6) أي: من قومه. ومنه قولهم: صدقني سن بكره، وصدقوهم القتال * (فأنجيناهم) * من أعدائهم * (و) * أنجينا * (من نشاء) * من المؤمنين بهم * (وأهلكنا المسرفين) * وهم المشركون، أسرفوا على أنفسهم بتكذيبهم الأنبياء. # PageV02P514 # * (فيه ذكركم) * أي: شرفكم وصيتكم، كما في قوله: * (وإنه لذكر لك ولقومك) * (1)، أو: موعظتكم، أو فيه مكارم الأخلاق التي كنتم تطلبون بها الثناء وحسن الذكر، كالسخاء وأداء الأمانة والوفاء وحسن الجوار وصدق الحديث وأشباهها من محاسن الأفعال. # * (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين (11) فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون (12) لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومسكنكم لعلكم تسئلون (13) قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين (14) فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين (15) وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين (16) لو أردنا أن نتخذ لهوا لأتخذنه من لدنا إن كنا فعلين (17) بل نقذف بالحق على البطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون (18) وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون (19) يسبحون الليل والنهار لا يفترون (20)) * هذا كلام وارد عن غضب شديد، لأن القصم أفظع الكسر، بخلاف الفصم، وهو سبحانه قاصم الجبارين، وأراد بالقرية أهلها ولذلك وصفها بالظلم، والمعنى: # أهلكنا قوما وأنشأنا قوما آخرين، وعن ابن عباس: أنها " حضور "، وهي و " سحول " قريتان باليمن، تنسب إليهما الثياب (2). # وفي الحديث: كفن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ثوبين سحوليين، ويروى: # حضوريين (3). # PageV02P515 # بعث الله إليهم نبيا اسمه " حنظلة " فقتلوه، فسلط عليهم " بختنصر " كما سلط على أهل بيت المقدس فاستأصلهم. # وظاهر الآية على الكثرة، ولعل ابن عباس ذكر " حضور " بأنها إحدى القرى التي أرادها الله بهذه الآية. # فلما علموا شدة بطشنا (1) بأجسامهم وشاهدوا عذابنا ركضوا من ديارهم، والركض: ضرب الدابة بالرجل، أي: هربوا وانهزموا من قريتهم لما أدركتهم مقدمة العذاب، فقيل لهم: * (لا تركضوا) * والقول محذوف، ويحتمل أن يكون القائل بعض الملائكة، أو من هناك من المؤمنين * (وارجعوا إلى ما ms0742 أترفتم فيه) * من العيش الرافه والحال الناعمة، والإتراف: إبطار النعمة، وهي الترفه * (لعلكم تسئلون) * تهكم بهم، أي: ارجعوا إلى نعمتكم ومساكنكم لعلكم تسألون غدا عما جرى عليكم ونزل بأموالكم ومساكنكم فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة، أو: ارجعوا واجلسوا في مجالسكم ومراتبكم كما كنتم كذلك حتى تسألكم حشمكم ومن تملكون أمره ويقولوا لكم: بم تأمرون؟ وماذا ترسمون؟ كعادة المنعمين، أو: # يسألكم الناس في أنديتكم المعاونة في الخطوب النازلة، ويستشفون بآرائكم في المهمات الكادسة (2). # * (تلك) * إشارة إلى * (يا ويلنا) *، والدعوى بمعنى الدعوة، أي: * (فما زالت تلك) * الدعوى * (دعواهم) *، وإنما سمي الدعوى لأن المولول كأنه يدعو الويل فيقول: تعال يا ويل فهذا وقتك، والحصيد: الزرع المحصود، أي: جعلناهم مثل الحصيد، شبههم به في استئصالهم، أي: جعلناهم جامعين لمماثلة الحصيد والخمود، كما يقال: جعلته حلوا حامضا أي: جامعا للطعمين. # PageV02P516 # وما جعلنا هذا السقف المرفوع وهذا المهاد الموضوع * (وما بينهما) * من أنواع الخلائق للهو واللعب، وإنما سويناها للفوائد الدينية والحكم الإلهية. * (لأتخذنه من لدنا) * أي: من جهة قدرتنا، واللهو: الولد، وقيل: المرأة (1)، وقيل: * (من لدنا) * أي: من الملائكة لا من الإنس (2)، وهو رد لولادة المسيح وعزير، بل إضراب عن اتخاذ اللهو، كأنه قال: سبحاننا أن نتخذ اللهو واللعب. * (بل) * من موجب حكمتنا أن نغلب اللهو بالجد وندحض الباطل * (بالحق) *، واستعار لذلك القذف والدفع تصويرا لإبطاله به ومحقه، فجعله كأنه جرم صلب كالصخرة مثلا قذف به على جرم رخو أجوف فدمغه، ثم قال: * (ولكم الويل مما تصفون) * به مما لا يجوز عليه. # * (ومن عنده) * هم الملائكة، يعني: أنهم منزلون منه منزلة المقربين عند الملوك، لشرفهم على الخلق وكرامتهم عليه * (ولا يستحسرون) * أي: لا يعيون ولا يملون. * (يسبحون) * أي: ينزهون الله تعالى عما لا يليق بصفاته على الدوام في * (الليل والنهار) * لا يضعفون عنه. # * (أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون (21) لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحن الله رب العرش عما يصفون (22) لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون (23) أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا ms0743 برهنكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون (24) وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون (25) وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون (26) لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون (27) يعلم ما بين # PageV02P517 # أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون (28) ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزى الظالمين (29) أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شئ حي أفلا يؤمنون (30)) * * (أم) * هذه منقطعة بمعنى " بل "، والهمزة فقد دلت على الإضراب عما قبلها، والإنكار لما بعدها، وهو أن يتخذوا * (من الأرض) * آلهة * (ينشرون) * الموتى، ومن أعظم المنكرات أن ينشر الموات الأموات، وإذا ادعوا لها الإلهية لزمهم أن يدعوا لها الإنشار، لأنه لا يستحق هذا الاسم إلا القادر على كل مقدور، وقوله: # * (من الأرض) * من نحو قولك: فلان من الكوفة، تريد: أنه كوفي، فيه إيذان بأنها الأصنام التي تعبد في الأرض، أو يريد: * (آلهة) * من جنس الأرض، لأنها: إما أن تنحت من بعض حجارة الأرض أو تعمل من بعض جواهرها، وقرئ: # " ينشرون " (1)، ويقال: أنشر الله الموتى ونشرها، وهما لغتان. # ثم دل سبحانه على توحيده فقال: * (لو كان فيهما) * أي: في السماء والأرض * (آلهة إلا الله لفسدتا) * وصفت الآلهة ب‍ * (إلا) * كما توصف ب‍ " غير "، كما لو قيل: # آلهة غير الله، ولا يجوز أن يكون بدلا، لأن البدل لا يسوغ إلا في غير الموجب، كقوله: * (ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك) * (2) وذلك أن أعم العام يصح نفيه ولا يصح إيجابه، والمعنى: لو كان يدبر أمرهما آلهة شتى غير الواحد الذي هو منشئهما ومحدثهما * (لفسدتا) * ولم ينتظم أمرهما، وفي هذا دليل التمانع الذي بنى عليه المتكلمون في مسألة التوحيد. # PageV02P518 # * (لا يسئل عما يفعل) * لأن أفعاله كلها حكمة وصواب، ولا يجوز عليه فعل القبيح * (وهم يسئلون) * لأنهم مملوكون مستعبدون، يقع منهم الحسن والقبيح، فهم ms0744 جدراء بأن يقال لهم: لم فعلتم في كل شئ فعلوه؟ # وكرر * (أم اتخذوا من دونه آلهة) * استعظاما لكفرهم * (قل) * لهم: * (هاتوا برهنكم) * على ذلك من جهة العقل أو من جهة الوحي، فإنكم لا تجدون كتابا من كتب الأولين إلا وفيه الدعاء إلى التوحيد والنهي عن الشرك * (هذا) * القرآن * (ذكر من معي) * أي: عظة الذي معي، يعني: أمته * (وذكر) * الذين * (قبلي) * من أمم الأنبياء ممن نجا بالإيمان أو هلك بالكفر. وعن الصادق (عليه السلام): يعني ب‍ * (ذكر من معي) * من معه وما هو كائن، وب‍ * (ذكر من قبلي) * ما قد كان (1). ثم ذمهم سبحانه بالجهل في قوله: * (بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون) * عن التأمل والنظر. # وقرئ: * (نوحي) * و " يوحى " (2) وهذه الآية مقررة لما قبلها من آي التوحيد. # * (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا) * هم خزاعة حيث قالوا: الملائكة بنات الله * (سبحانه) * نزه ذاته عن ذلك، ثم أخبر عنهم بأنهم * (عباد) *، والعبودية تنافي الولادة * (مكرمون) * أكرمهم الله وقربهم. * (لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون) * يعني: يتبعون قوله ولا يقولون شيئا حتى يقوله، فلا يسبق قولهم قوله، وكما أن قولهم تابع لقوله فعملهم أيضا كذلك مبني على أمره، لا يعملون عملا لم يأمرهم به، وجميع ما يأتون ويذرون مما قدموا وأخروا بعين الله، يحيط علما بما عملوا وما هم عاملون، ولا يجترئون أن يشفعوا * (إلا لمن ارتضى) * الله دينه، أو: ارتضى # PageV02P519 # أن يشفع فيه وأهله للشفاعة وهم المؤمنون، ثم إنهم مع هذا كله * (من) * خشية الله * (مشفقون) * خائفون وجلون من التقصير في عبادته. # ثم أوعد بعذاب جهنم من أشرك منهم إن كان ذلك على سبيل الفرض والتمثيل، تقطيعا لأمر الشرك، كما قال: * (ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون) * (1) وقرئ: " ألم ير "، بغير واو (2)، والمعنى: أن السماء كانت لاصقة بالأرض لا فضاء بينهما، وكانت * (السماوات) * متلاصقات وكذلك الأرضون لا فرج بينها ففتقها الله وفرج الله بينهما، وقيل: * (ففتقناهما) * بالمطر والنبات بعد ما كانت مصمتة (3) وهو المروي عنهم (عليهم السلام) (4)، وإنما قال: * (كانتا) * ولم ms0745 يقل: " كن "، لأن المراد جماعة السماوات وجماعة الأرض، كما قيل: لقاحان سوداوان أي: # جماعتان، فعل في المضمر مثل ما فعل في المظهر * (وجعلنا) * لا يخلو أن يتعدى إلى واحد أو اثنين، فإن كان الأول فالمعنى: خلقنا * (من الماء كل) * حيوان كقوله: # * (والله خلق كل دابة من ماء) * (5)، أو: كأنما خلقناه من الماء لحاجته إليه وقلة صبره عنه كقوله: * (خلق الانسان من عجل) * (6)، وإن كان الثاني فالمعنى: صيرنا * (كل شئ حي) * بسبب * (من الماء) * لا بد له منه، ويكون * (من) * هنا كما في قوله (عليه السلام): " ما أنا من دد ولا الدد مني " (7). # PageV02P520 # * (وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون (31) وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون (32) وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون (33) وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون (34) كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون (35)) * * (رواسي) * أي: جبال ثوابت، أي: كراهة * (أن تميد بهم) * وتضطرب، أو لأن لا تميد بهم، فحذف " لا " واللام، وإنما حذف " لا " لعدم الالتباس، كما زيد لذلك في نحو قوله: * (لئلا يعلم أهل الكتاب) * (1) وهذا مذهب الكوفيين * (وجعلنا فيها) * أي: في الرواسي * (فجاجا) * أي: طرقا واسعة بينها، جمع " فج " وهي صفة ل‍ " سبل "، فلما تقدمت عليها جعلت حالا منها. # * (سقفا محفوظا) * من أن يسقط إلى الأرض ويتزلزل، أو: محفوظا بالشهب عن أن يتسمع الشياطين على سكانه من الملائكة * (وهم عن آياتها) * أي: عما وضع الله فيها من الأدلة والعبر بالشمس والقمر وسائر الكواكب ومسائرها على الحساب القويم والترتيب المستقيم الدال على الحكمة البالغة، فمن أعرض عن الاستدلال بها على عظم شأن من أوجدها وبديع حكمته فلا جهل أعظم من جهله. # * (كل) * التنوين فيه عوض عن المضاف إليه، أي: كلهم * (في فلك يسبحون) *، والضمير ل‍ * (الشمس والقمر) * والمراد: جنس الطوالع كل يوم وليلة، ولذلك جعلت متكاثرة لتكاثر مطالعها، وهو السبب في جمعها بالشموس والأقمار وإن كانت الشمس واحدة ms0746 والقمر واحدا، وإنما جعل الضمير " واو " العقلاء للوصف # PageV02P521 # بفعلهم وهو السباحة. # كانوا قد تمنوا موته (عليه السلام) ليشمتوا بذلك فنفي الله عنه الشماتة بهذا، أي: قضى الله أن لا يخلد في الدنيا بشرا، فإن * (مت) * أنت أيبقى هؤلاء؟ # و * (فتنة) * مصدر مؤكد ل‍ * (نبلوكم) * من غير لفظه، أي: يختبركم بما يجب فيه الصبر من البلايا، وبما يجب فيه الشكر من العطايا * (وإلينا) * مرجعكم فنجازيكم على حسب ما يوجد منكم من الصبر والشكر. # * (وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كفرون (36) خلق الانسان من عجل سأوريكم آياتي فلا تستعجلون (37) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (38) لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون (39) بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون (40)) * الذكر يكون بالخير وبالشر، فإذا دلت الحال على أحدهما أطلق، تقول للرجل: سمعت فلانا يذكرك، فإن كان الذاكر صديقا فهو ثناء، وإن كان عدوا فهو ذم، ومنه قوله: * (أهذا الذي يذكر آلهتكم) * وقوله: * (سمعنا فتى يذكرهم) * (1)، والمعنى: أنهم يذكرون آلهتهم بما يجب أن لا تذكر به لكونهم شفعاء وشهداء، ويسؤهم أن يذكرها ذاكر بخلاف ذلك و * (هم كفرون) * بما يجب أن يذكر الله به من الوحدانية لا يصدقون به، فهم أحق بأن يتخذوا * (هزوا) * منك لأنهم مبطلون وأنت محق، والجملة في موضع " الهزء " وهو الكفر بالله، ويجوز أن يكون في موضع الحال على حذف القول، أي: قائلين: * (أهذا الذي يذكر آلهتكم) *. # PageV02P522 # كانوا يستعجلون عذاب الله ويقولون: * (متى هذا الوعد) *، فأراد الله سبحانه نهيهم عن الاستعجال فقدم أولا ذم * (الانسان) * على العجلة وأنه مطبوع عليها، ثم نهاهم وزجرهم، فكأنه قال: ليس ببدع منكم أن تستعجلوا، فإنكم مجبولون على ذلك وهو سجيتكم، وعن ابن عباس: أنه أراد بالإنسان آدم، إنه لما بلغ الروح صدره أراد أن يقوم (1)، والظاهر أن المراد به الجنس، وقيل: العجل: الطين بلغة حمير (2) واستشهد بقول شاعرهم: # والنبع ينبت ms0747 بين الصخر صاخية * والنخل ينبت بين الماء والعجل (3) وجواب * (لو) * محذوف أي: لو علموا لما قاموا على الكفر ولما استعجلوا، و * (حين) * مفعول * (يعلم) *، أي: * (لو يعلم الذين كفروا) * الوقت الذي يستعجلون عنه بقولهم: متى هذا الوعد، وهو وقت صعب يحيط بهم فيه * (النار) * من ورائهم وقدامهم، فلا يقدرون على رفعها من نفوسهم، ولا يجدون ناصرا ينصرهم، لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء، ويجوز أن يكون * (يعلم) * متروكا بلا تعدية بمعنى: لو كان معهم علم ولم يكونوا جاهلين لما كانوا مستعجلين، ويكون * (حين) * منصوبا بمضمر، أي: * (حين لا يكفون عن وجوههم النار) * يعلمون أنهم كانوا على الباطل. * (بل) * تفجأهم الساعة أو النار التي وعدوا بها فتغلبهم، ويقال # PageV02P523 # لمن غلب في الحجاج: مبهوت، وفي قوله: * (ولا هم ينظرون) * تذكير بإنظاره وإمهاله إياهم، أي: لا يمهلون بعد طول الإمهال. # * (ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون (41) قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون (42) أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون (43) بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا نأتى الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون (44) قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون (45)) * ثم سلى سبحانه نبيه (صلى الله عليه وآله) عن استهزائهم به بأن له في الأنبياء قبله أسوة، وأنه يحل بهم وبال استهزائهم كما حل بأولئك. # * (من الرحمن) * أي: من بأس الرحمن وعذابه، والكلاءة: الحفظ، بل هم * (معرضون) * عن ذكر ربهم لا يخطرونه ببالهم فضلا عن أن يخافوا بأسه، والمراد: # أنه أمر بسؤالهم عن الكالئ، ثم بين أنهم لا يصلحون لذلك، لإعراضهم عن ذكر من يكلؤهم. ثم أضرب عن ذلك لما في * (أم) * من معنى " بل "، وقال: * (أم لهم آلهة تمنعهم من) * العذاب تتجاوز منعنا وحفظنا، ثم استأنف وبين أن ما ليس بقادر على نصر نفسه ومنعها، ولا بمصحوب من الله بالنصر كيف يمنع ms0748 غيره وينصره؟! # ثم قال: * (بل) * ما هم فيه من الكلاءة إنما هو منا أمهلناهم ومتعناهم بالحياة الدنيا كما متعنا * (آباءهم حتى طال عليهم) * الأمد، فظنوا أنهم لا ينزع عنهم ثوب الأمن والطمأنينة. # * (أفلا يرون أنا) * ننقص أرض الكفر بتسليط المسلمين عليها وإظهارهم على PageV02P524 # أهلها، وقيل: ننقصها بموت العلماء (1)، وعلى القول الأول ففي قوله: * (أنا نأتى الأرض ننقصها) * تصوير لما كان ينجز به الله على أيدي المسلمين من الغلبة على ديار المشركين، والنقص من أطرافها. # وقرئ: " لا تسمع الصم " (2) على الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله). # * (ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين (46) ونضع الموازين القسط ليوم القيمة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفي بنا حاسبين (47) ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضيآء وذكرا للمتقين (48) الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون (49) وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون (50)) * أي: وإن مسهم مما أنذروا به أدنى شئ لذلوا وأقروا بالظلم على أنفسهم، وفي " النفحة " معنى القلة لبناء المرة، ولقولهم: نفحته الدابة وهو ريح يسير، ونفحه بعطية إذا رضخه (3). # * (ونضع لموازين) * ذوات * (القسط) * فحذف المضاف، ووصفت * (الموازين) * ب‍ * (القسط) * وهو العدل مبالغة، كأنها في أنفسها قسط * (ل‍) * أهل * (يوم القيمة) * أي: لأجلهم، أو هو كاللام في قولك: لخمس ليال خلون من الشهر، ومنه قول النابغة: # توسمت آيات لها فعرفتها * لستة أعوام وذا العام سابع (4) # PageV02P525 # * (فلا تظلم نفس شيئا) * لا ينقص من إحسان محسن، ولا يزاد في إساءة مسئ * (وإن كان) * الظلامة * (مثقال حبة من خردل أتينا بها) * أحضرناها للمجازاة، ويجوز أن يؤنث ضمير " المثقال " لإضافته إلى " الحبة "، كما يقال: # ذهبت بعض أصابعه، وقرأ الصادق (عليه السلام) وابن عباس ومجاهد: " آتينا بها " بالمد (1)، وهي مفاعلة من الإتيان بمعنى: المجازاة والمكافأة، لأنهم أتوه بالأعمال وأتاهم بالجزاء. # و * (الفرقان) *: التوراة، و * (ضياء) * أي: وآتيناهما به ضياء * (وذكرا للمتقين) * والمعنى: أنه في نفسه ضياء وذكرى، أو يريد: أتيناهما بما فيه من الشرائع ضياء وذكرى، ms0749 وقيل: * (الفرقان) * فلق البحر (2)، وقيل: المخرج من الشبهات (3). ومحل * (الذين) * جر على الوصف، أو نصب على المدح، أو رفع عليه. * (وهذا) * القرآن * (ذكر مبارك) * وبركته: خيره ومنافعه، ودوام ذلك إلى يوم القيامة. # * (ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به علمين (51) إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عكفون (52) قالوا وجدنا آباءنا لها عبدين (53) قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلل مبين (54) قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين (55) قال بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذا لكم من الشاهدين (56) وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين (57) فجعلهم جذاذا # PageV02P526 # إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون (58) قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين (59) قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم (60)) * الرشد: الاهتداء لوجوه الصلاح، ومعنى إضافته إليه: أنه رشد مثله، وأنه رشد له شأن، وقيل: هو الحجج الموصلة إلى التوحيد (1)، وقيل: النبوة (2) * (من قبل) * أي: من قبل موسى وهارون * (وكنا به) * أي: بصفاته الرضية وأسراره * (علمين) * حتى أهلناه لخلتنا. # * (إذ) * يتعلق ب‍ * (آتينا) * أو ب‍ * (رشده) *، وقوله: * (ما هذه التماثيل) * تصغير لشأن آلهتهم، وتحقير لها، ولم ينو للعاكفين مفعولا وأجراه مجرى ما لا يتعدى، أي: فاعلون للعكوف لها، ولو قصد التعدية لقال: * (عكفون) * عليها. # وروي عن الأصبغ بن نباتة أنه قال: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) مر بقوم يلعبون بالشطرنج فقال: * (ما هذه التماثيل التي أنتم لها عكفون) *؟ لقد عصيتم الله ورسوله (3). # اعترفوا بتقليد الآباء حين لم يجدوا حجة في عبادتها، وكفي أهل التقليد عارا وسبة أن عابدي الأوثان منهم. * (أنتم) * من التوكيد الذي لا يصح الكلام مع الإخلال به، لأن العطف على ضمير " هو " في حكم بعض الفعل لا يجوز، أي: أنتم ومن قلدتموهم قد انخرطتم في سلك ضلال ظاهر غير خاف. # * (قالوا) * له: هذا الذي * (جئتنا) * به أجد هو وحق * (أم) * هزل ولعب؟ # إذ تعجبوا من تضليله إياهم، واستبعدوا أن يكونوا على ضلال. # PageV02P527 # والضمير في * (فطرهن) * ل‍ * (السماوات والأرض) * أو ل‍ * (التماثيل) ms0750 *. # و * (تالله) * التاء فيها بدل من الواو المبدلة من الباء، وفي التاء زيادة معنى وهو التعجب، كأنه تعجب من تسهل الكيد على يده، وتأنيه لصعوبته، وتعذره على يده (1) في زمن النمرود مع فرط عتوه واستكباره، وعن قتادة: قال ذلك سرا من قومه (2). # وروي (3): أنهم خرجوا في يوم عيد لهم، فجعل إبراهيم أصنامهم جذاذا أي: # قطعا، من الجذ وهو القطع، كسرها كلها بفأس في يده حتى إذا لم يبق إلا الصنم الكبير علق الفأس في عنقه، وقرئ: " جذاذا " (4) جمع جذيذ، وإنما استبقى الكبير، لأنه غلب في ظنه أنهم لا يرجعون إلا * (إليه) * لما كانوا يسمعون من إنكاره لدينهم وسبه لآلهتهم، فأراد أن يبكتهم بقوله: * (بل فعله كبيرهم هذا فسلوهم) * (5) وعن الكلبي: * (إليه) * أي: إلى * (كبيرهم) * كما يرجع إلى العالم في حل المشكلات (6)، فيقولون له: ما لهؤلاء مكسورة وما لك صحيحا والفأس على عاتقك؟ فتبين لهم أنه عاجز لا ينفع ولا يضر، وأنهم في عبادته على غاية الجهل * (إنه لمن الظالمين) * أي: من فعل هذا الكسر والحطم إنه لشديد الظلم، لجرأته على آلهتنا * (إبراهيم) * خبر مبتدأ محذوف، أو منادى، والأوجه أن يكون فاعل " يقال "، لأن المراد الاسم لا المسمى. # PageV02P528 # * (قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون (61) قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم (62) قال بل فعله كبيرهم هذا فسلوهم إن كانوا ينطقون (63) فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون (64) ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون (65) قال أفتعبدون من دون الله مالا ينفعكم شيئا ولا يضركم (66) أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون (67) قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فعلين (68) قلنا ينار كونى بردا وسلما على إبراهيم (69) وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين (70)) * أي: فجيئوا * (به على أعين الناس) * أي: معاينا مشاهدا بمرأى من الناس ومنظر، فهو في موضع الحال * (لعلهم يشهدون) * عليه بما فعله، أو يحضرون عقوبتنا له. # * (فعله كبيرهم هذا) * من معاريض الكلام، ولم يكن قصدا من إبراهيم (عليه السلام) إلى أن ينسب الفعل إلى الصنم، ms0751 وإنما قصد تقريره (عليه السلام) لنفسه على هذا الأسلوب تبكيتا لهم، كما لو قال لك صاحبك وقد كتبت كتابا بخط رائق وأنت مشهور بحسن الخط: أنت كتبت هذا؟ وصاحبك أمي لا يحسن الكتابة، فقلت له: بل كتبت أنت، وقصدك بهذا الجواب تقرير الكتاب لك مع الاستهزاء به، لا نفيه عنك وإثباته لصاحبك الأمي، وقيل: إن تقديره: * (بل فعله كبيرهم.... إن كانوا ينطقون) * فاسألوهم، فعلق الكلام بشرط لا يوجد (1)، وقيل إن التقدير: * (بل فعله) * من فعله ويوقف عليه، ويبتدأ فيقرأ * (كبيرهم هذا فسلوهم إن كانوا ينطقون) * (2). # PageV02P529 # * (ف‍) * لما ألقمهم الحجر * (رجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون) * على الحقيقة لا من ظلمتموه حين قلتم: * (من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين) *. # ونكست الشئ: قلبته فجعلت أسفله أعلاه، وانتكس: انقلب، والمعنى: # انتكسوا عن كونهم مجادلين لإبراهيم وصاروا مجادلين عنه حين نفوا عنها القدرة على النطق، أو يريد: قلبوا على * (رؤوسهم) * لفرط إطراقهم، خجلا مما بهتهم به إبراهيم، فما أجابوا جوابا إلا ما هو حجة عليهم. # * (أف) * صوت يعلم به أن صاحبه متضجر، تأفف بهم: إذا ضجره ما رأى من ثباتهم على عبادتهم (1) بعد وضوح الحق وانقطاع العذر، واللام لبيان المتأفف به، أي: * (لكم) * ولآلهتكم هذا التأفف. # ولما غلبوا أزمعوا على إهلاكه وتحريقه، فجمعوا الحطب حتى إن الرجل ليمرض فيوصي بماله يشترى به حطب لإبراهيم! ثم أشعلوا نارا عظيما كادت الطير تحترق في الجو من وهجها، ثم وضعوه في المنجنيق مقيدا مغلولا فرموا به فيها، وذكر أن جبرائيل (عليه السلام) قال له حين رمي به: هل لك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، قال: فاسأل ربك، قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي (2). # وعن الصادق (عليه السلام): أنه قال: يا الله يا واحد يا أحد يا صمد يا من لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، فحسرت النار عنه، وإنه لمختبئ ومعه جبرائيل (عليه السلام) وهما يتحدثان في روضة خضراء (3). # * (كونى بردا وسلما) * يعني: ذات برد وسلام، فبولغ في ذلك، كأن ذاتها برد ms0752 # PageV02P530 # وسلام، والمراد: ابردي فيسلم منك إبراهيم (عليه السلام)، وابردي بردا غير ضار، وعن ابن عباس: لو لم يقل ذلك لأهلكته ببردها (1)، نزع الله عن النار طبعها من الحر والإحراق وأبقاها على الإنارة والإشراق كما كانت، والتحقيق: أن النار من جهة مطاوعتها فعل الله تعالى وإرادته كانت كمأمور أمر بشئ فامتثله، وأرادوا أن يكيدوه فما كانوا إلا مغلوبين مقهورين. # * (ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعلمين (71) ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين (72) وجعلنهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عبدين (73) ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فسقين (74) وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين (75)) * أي: نجينا إبراهيم ولوطا - وهو ابن أخيه - من نمرود وكيده من كوثى (2) * (إلى الأرض التي باركنا فيها) * وهي الشام، وبركاتها الواصلة إلى العالمين: إن أكثر الأنبياء بعثوا فيها فانتشرت في العالمين شرائعهم، وقيل: إنها بلاد خصب يكثر أشجارها وثمارها ويطيب العيش فيها (3)، روي: أنه نزل بفلسطين، ولوط بالمؤتفكة، وبينهما مسيرة يوم وليلة (4). # والنافلة: ولد الولد، قيل: إنه سأل الولد فأعطي * (إسحاق و) * أعطي * (يعقوب # PageV02P531 # نافلة) * أي: زيادة وفضلا من غير سؤال (1)، أي: * (صالحين) * للنبوة والرسالة. # * (وجعلنهم أئمة) * يقتدى بهم في دين الله * (يهدون) * إلى طريق الحق والدين القويم * (بأمرنا) * وكل من صلح أن يكون قدوة للخلق، فالهداية محتومة عليه، مأمور هو بها من جهة الله تعالى، وأولها أن يهتدي بنفسه ليعم الانتفاع بهداه، وتسكن النفوس إلى الاقتداء به. # و * (لوطا) * منصوب بفعل مضمر * (آتيناه) * يفسره * (حكما) * أي: حكمة وهو ما يجب فعله، أو فصلا بين الخصوم، وقيل: هو النبوة (2)، و * (القرية) * سدوم. # * (في رحمتنا) * أي: في أهل رحمتنا، أو في الجنة. # * (ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم (76) ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين (77) وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ms0753 (78) ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فعلين (79) وعلمنه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شكرون (80)) * أي: * (من قبل) * هؤلاء المذكورين * (ونصرناه من القوم) * أي: جعلناه منتصرا منهم، من: نصرته فانتصر * (الكرب العظيم) * الطوفان وما كان فيه من تكذيب قومه. # * (و) * أذكر * (داود وسليمان) *، و * (إذ) * بدل منهما، والنفش: الانتشار بالليل # PageV02P532 # * (لحكمهم) * جمع الضمير لأنه أرادهما والمتحاكمين إليهما، والضمير في * (فهمناها) * للحكومة أو للفتوى، حكم داود (عليه السلام) بالغنم لصاحب الحرث، فقال سليمان (عليه السلام) وهو ابن إحدى عشرة سنة: غير هذا يا نبي الله، أرفق بالفريقين، فقال: # وما ذاك؟ قال: يدفع الغنم إلى صاحب الحرث فينتفع بها، والحرث إلى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان، فقال: القضاء ما قضيت، وأمضى الحكم بذلك. # والصحيح: أنهما جميعا حكما بالوحي، إلا أن حكومة سليمان نسخت حكومة داود، لأن الأنبياء لا يجوز أن يحكموا بالظن والاجتهاد، ولهم طريق إلى العلم، وفي قوله: * (وكلا آتينا حكما وعلما) * دلالة على أن كلاهما كان مصيبا. # * (يسبحن) * حال بمعنى: مسبحات، ويجوز أن يكون على الاستئناف، كأن قائلا قال: كيف سخرهن؟ فقال: يسبحن * (والطير) *: إما معطوف على * (الجبال) * وإما مفعول معه، وكانت الجبال تجاوبه بالتسبيح، وكانت الطير تسبح معه بالغداة والعشي * (وكنا فعلين) * أي: قادرين على أن نفعل هذا وإن كان عجبا عندكم، وقيل: وكنا نفعل مثل ذلك بالأنبياء (1). # واللبوس: اللباس، والمراد هنا الدرع، وأول من صنع الدرع داود (عليه السلام)، وإنما كانت صفائح فسردها (2) وحلقها فجمعت الخفة والتحصين، وقرئ: * (لتحصنكم) * بالنون (3) والتاء والياء (4)، فالنون لله عز وجل، والياء لداود أو للبوس، والتاء # PageV02P533 # للصنعة، والبأس: المراد به الحرب والقتال. # * (ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شئ علمين (81) ومن الشيطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين (82) وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين (83) فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من ms0754 عندنا وذكرى للعبدين (84) وإسماعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصبرين (85) وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين (86)) * * (الريح) * عطف على * (الجبال) *، كانت الريح مطيعة * (لسليمان) * إذا أراد أن تعصف عصفت، وإذا أراد أن ترخي رخت، وذلك قوله: * (رخاء حيث أصاب) * (1)، وكان هبوبها على حسب ما يريد، ويحتكم آية إلى آية * (وكنا بكل شئ علمين) * تجري الأشياء على ما يقتضيه علمنا وحكمتنا. # * (يغوصون له) * في البحار فيستخرجون الجواهر * (ويعملون) * له أعمالا سواء من بناء المدائن والقصور، واختراع الصنائع العجيبة، والله جل اسمه يحفظهم من أن يمتنعوا عليه ويزيغوا عن أمره، أو يكون منهم فساد فيما عملوه. # ناداه، ب‍ * (أني مسني الضر) * والضر بالضم: الضرر في النفس من مرض وهزال، وبالفتح: الضرر في كل شئ، ألطف في السؤال حيث ذكر عن نفسه ما يوجب الرحمة، وذكر ربه بغاية الرحمة وكنى عن المطلوب * (فكشفنا ما به من) * الضر (2) والأمراض، وكان أيوب كثير الأولاد والأموال، فابتلاه الله تعالى بذهاب ولده وماله وبالمرض في بدنه ثلاث عشرة سنة أو سبع سنين وسبعة أشهر، فلما # PageV02P534 # كشف الله ضره أحيا ولده ورزقه مثلهم ونوافل منهم * (رحمة) * منا، أي: لرحمتنا العابدين وذكرنا إياهم بالإحسان لا ننساهم، أو: * (رحمة) * منا لأيوب وتذكرة لغيره من العابدين ليصبروا كما صبر حتى يثابوا كما أثيب في الدنيا والآخرة. # * (وذا الكفل) * قيل: هو إلياس (1)، وقيل: هو اليسع (2)، وقيل: إنه نبي كان بعد سليمان، يقضي بين الناس كقضاء داود (عليه السلام)، ولم يغضب قط إلا لله عز وجل (3). # * (وذا النون إذ ذهب مغضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (87) فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين (88) وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين (89) فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسرعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين (90)) * * (النون) * الحوت، وصاحبه يونس بن متى، برم بقومه لطول ما ذكرهم فلم يذكروا وأقاموا على كفرهم، ms0755 فراغمهم فظن أن ذلك سائغ حيث لم يفعله إلا غضبا لله وأنفة لدينه وبغضا للكفر وأهله، وقد كان الأولى به أن يصابر وينتظر الإذن من الله جل اسمه في مهاجرتهم فابتلي ببطن الحوت، ومعنى مغاضبته لقومه أنه أغضبهم بمفارقته لخوفهم حلول العقاب عليهم عندها. # وسأل معاوية ابن عباس كيف يظن نبي الله (عليه السلام) أن لا يقدر عليه؟ فقال: # هو من القدر لا من القدرة، يعني: أن لن نضيق عليه كما في قوله: * (ومن قدر عليه # PageV02P535 # رزقه) * (1). وقيل: إنه استفهام تقديره: أفظن أن لن نقدر عليه؟ فحذف الهمزة (2)، وقيل: معناه: فظن أن لم تعمل فيه قدرتنا (3) * (في الظلمات) * أي: في الظلمة الشديدة في البحر في بطن الحوت، أي: بأنه * (لا إله إلا أنت) *، أو هو بمعنى: # * (إني كنت من الظالمين) * أي: من الذين يقع منهم الظلم. # وقرئ: * (ننجي) * و " ننجي " (4) و " نجي " بنون واحدة وبتشديد الجيم والنون لا تدغم في الجيم (5)، وربما أخفيت فحذفت في الكتابة وهي في اللفظ ثابتة، فظن الراوي ذلك إدغاما. # سأل الله تعالى زكريا أن يرزقه وارثا، ولا يدعه * (فردا) * بلا ولد، ثم رد الأمر إلى الله واستسلم فقال: * (وأنت خير الوارثين) * يعني: إن لم ترزقني ولدا يرثني فلا أبالي فإنك خير وارث. * (وأصلحنا له زوجه) * أي: وجعلناها صالحة لأن تلد بعد أن كانت عاقرا. وقيل: معناه: جعلناها حسنة الخلق وكانت سيئة الخلق (6). # وقيل: رددنا عليها شبابها (7) * (إنهم) * الضمير للأنبياء المذكورين، أي: استحقوا الإجابة منا لمسارعتهم * (في الخيرات) * ومبادرتهم إلى الطاعات * (رغبا ورهبا) * أي: راغبين وراهبين كقوله تعالى: * (يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه) * (8) # PageV02P536 # * (خاشعين) * أي: ذللا لأمر الله، وقيل: متواضعين لأمر الله تعالى (1)، وعن مجاهد: # الخشوع: الخوف الدائم في القلب (2). # * (والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعلمين (91) إن هذه أمتكم أمة وا حدة وأنا ربكم فاعبدون (92) وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون (93) فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون (94) وحرا م على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون ms0756 (95) حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون (96) واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصر الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين (97)) * * (أحصنت فرجها) * إحصانا كليا من الحلال والحرام جميعا، كقولها: * (ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا) * (3)، * (فنفخنا فيها من روحنا) * أي: فعلنا النفخ فيها من جهة روحنا وهو جبرائيل (عليه السلام)، لأنه نفخ في جيب درعها فوصل النفخ إلى جوفها، وإن جعلت نفخ الروح بمعنى الإحياء كما في قوله: * (ونفخت فيه من روحي) * (4) أي: أحييته، فالمعنى: فنفخنا الروح في عيسى (عليه السلام) فيها أي: أحييناه في جوفها، كما يقول الزامر: نفخت في بيت فلان، أي: نفخت في المزمار في بيته * (وجعلناها وابنها آية للعلمين) * لم يقل: آيتين، لأن حالهما آية واحدة وهي ولادتها إياه من غير فحل. # والمراد بالأمة: ملة الإسلام، يعني: أن ملة الإسلام ملتكم التي يجب أن # PageV02P537 # تكونوا عليها لا تنحرفون عنها، يشار إليها ملة * (وا حدة) * غير مختلفة * (وأنا) * إلهكم إله واحد * (فاعبدون‍) * - ي. # الأصل: وتقطعتم، إلا أن الكلام صرف إلى الغيبة على طريقة الالتفات، كأنه يقبح عندهم فعلهم ويقول لهم: ألا ترون إلى عظيم ما ارتكب هؤلاء في دين الله تعالى؟ والمعنى: جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعا كما يتقسم الجماعة الشئ فيصير لهذا نصيب ولذلك نصيب، تمثيلا لاختلافهم فيه، وصيرورتهم فرقا وأحزابا شتى يتبرأ بعضهم من بعض، ثم أوعدهم بأن هؤلاء الفرق المختلفة إليه يرجعون فيجازيهم بما عملوا. # الكفران: مثل في حرمان الثواب، كما أن الشكر مثل في الإثابة إذا قيل لله: # شكور، أي: لا يكفر سعيه * (وإنا له كاتبون) * أي: نحن كاتبون ذلك السعي، ثبته في صحيفة عمله. # * (وحرا م) * مستعار للممتنع وجوده، كما في قوله تعالى: * (إن الله حرمهما على الكافرين) * (1) أي: منعهما منهم، وأبى أن يكونا لهم، وقرئ: " وحرم " (2) ومعناه: # ممتنع من * (قرية) * قدرنا إهلاكها وغير متصور رجوعهم من الكفر إلى الإسلام، و " لا " مزيدة، وقال الزجاج: تقديره: حرام على قرية أهلكناها أن ms0757 يتقبل منهم عمل لأنهم لا يرجعون (3). وعلى هذا فيكون * (حرام) * خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون التقدير: وحرام عليها ذلك المذكور في الآية المتقدمة من السعي المشكور غير المكفور، لأنهم لا يرجعون عن الكفر. # PageV02P538 # وتعلقت * (حتى) * ب‍ * (حرا م) * وهي غاية له، لأن امتناع رجوعهم لا يزول حتى يوم القيامة، و * (حتى) * هذه هي التي يحكى بعدها الكلام، والجملة الشرطية هنا هي الكلام المحكي بعد * (حتى) * أعني: * (إذا) * وما في حيزها، أي: فتح سد * (يأجوج ومأجوج) * فحذف المضاف، وقرئ: " فتحت " بالتشديد (1)، والحدب: # النشر من الأرض، والنسلان العسلان: الإسراع. # و " إذا " هي ظرف المفاجأة وتسد في الجزاء مسد الفاء، فإذا جاءت الفاء معها تعاونتا على وصل الجزاء بالشرط فيتأكد، ولو قيل: إذا هي شاخصة أو: فهي شاخصة لجاز، وهي ضمير مبهم يفسره الإبصار، و * (يا ويلنا) * تعلق بمحذوف، والتقدير: يقولون: * (يا ويلنا) * وهو في موضع الحال من * (الذين كفروا) *. # * (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون (98) لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون (99) لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون (100) إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون (101) لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون (102) لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون (103) يوم نطوى السماء كطى السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فعلين (104) ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون (105)) * * (حصب جهنم) * وقودها وحطبها * (وما تعبدون من دون الله) * يحتمل الأوثان والشياطين، لأنهم بطاعتهم لهم في حكم عبدتهم، والفائدة في مقارنتهم بآلهتهم: أنهم قدروا أنهم يشفعون لهم عند الله تعالى، فإذا صادفوا الأمر على # PageV02P539 # عكس ما قدروه لم يكن شئ أبغض إليهم منهم. # * (الحسنى) * الخصلة المفضلة في الحسن، وهي: السعادة أو البشارة بالثواب أو التوفيق للطاعات. والحسيس: الصوت الذي يحس، والشهوة: طلب النفس اللذة يقال: اشتهى شهوة. # وقرئ: " لا يحزنهم " (1)، و * (الفزع الأكبر) *: النفخة الأخيرة، كقوله: * (ويوم ينفخ ms0758 في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض) * (2) وعن الحسن: # حين يؤمر بهم إلى النار (3)، وعن الضحاك: حين يطبق على النار (4)، وقيل: حين يذبح الموت على صورة كبش أملح وينادي: يا أهل الجنة خلود لا موت، ويا أهل النار خلود لا موت (5)، * (وتتلقاهم الملائكة) * أي: تستقبلهم على أبواب الجنة بالتهنئة، يقولون: * (هذا) * وقت ثوابكم * (الذي) * وعدكم ربكم قد حل. # و * (يوم نطوى) * منصوب ب‍ * (لا يحزنهم) * أو ب‍ * (تتلقاهم) *، وقرئ: " يوم تطوى السماء " على البناء للمفعول (6)، و * (السجل) * الصحيفة، أي: كما يطوى الطومار (7) للكتابة، أي: ليكتب فيه، أو: لما يكتب فيه، لأن الكتاب أصله المصدر كالبناء، ثم يوقع على المكتوب، وقرئ: * (للكتب) * (8) والمراد بذلك المكتوبات أي: لما يكتب فيه من المعاني الكثيرة، قيل: السجل: ملك يطوي كتب بني آدم # PageV02P540 # إذا رفعت إليه (1)، وقيل: هو اسم كاتب للنبي (صلى الله عليه وآله) (2)، وعلى هذا فالكتاب: اسم للصحيفة المكتوب فيها * (أول خلق) * مفعول " نعيد " الذي يفسره * (نعيده) *، و * (ما) * كافة للكاف، والمعنى: نعيد أول الخلق كما بدأناه، تشبيها للإعادة بالابتداء في تناول القدرة لهما على السواء، وأول الخلق: إيجاده عن عدم، أي: فكما أوجدناه أولا عن عدم نعيده ثانيا، وقوله: * (أول خلق) * كقولك: هو أول رجل جاءني، تريد: أول الرجال، ولكنك نكرته ووحدته إرادة تفصيلهم رجلا رجلا، فكذلك معنى * (أول خلق) *: أول الخلق، بمعنى: أول الخلائق، لأن " أول الخلق " مصدر لا يجمع. # ويجوز فيه وجه آخر: وهو أن ينتصب الكاف بفعل مضمر يفسره * (نعيده) * و * (ما) * موصولة، أي: نعيد مثل الذي بدأناه نعيده، و * (أول خلق) * ظرف ل‍ * (بدأنا) * أي: أول ما خلق، أو حال من الهاء المحذوف من الصلة * (وعدا) * مصدر مؤكد، لأن قوله: * (نعيده) * عدة للإعادة * (إنا كنا فعلين) * أي: قادرين على أن نفعل ذلك. # قيل: * (الزبور) * اسم لجنس ما أنزل على الأنبياء من الكتب، و * (الذكر) *: أم الكتاب يعني: اللوح (3)، وقيل: زبور داود (عليه السلام)، والذكر: التوراة (4)، أي: * (يرثها) * المؤمنون، كقوله: * (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون) * الآية (5). # وعن ms0759 الباقر (عليه السلام): " هم أصحاب المهدي (عليه السلام) في آخر الزمان " (6). # PageV02P541 # وقيل: * (الأرض) * هي أرض الجنة (1). # * (إن في هذا لبلاغا لقوم عبدين (106) وما أرسلناك إلا رحمة للعلمين (107) قل إنما يوحى إلى أنما إلهكم إله وا حد فهل أنتم مسلمون (108) فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء وإن أدرى أقريب أم بعيد ما توعدون (109) إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون (110) وإن أدرى لعله فتنة لكم ومتع إلى حين (111) قل رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون (112)) * * (هذا) * إشارة إلى المذكور في السورة من الأخبار والمواعظ * (لبلغا) * أي: # كفاية (2) موصلة إلى البغية. # كان صلوات الله عليه وآله * (رحمة للعلمين) * كافة، إذ جاء بما يسعدهم إن اتبعوه، ومن لم يتبعه فقد أتى من عند نفسه، وقيل: إن الوجه في كونه * (رحمة) * للكافرين: أن عقابهم أخر بسببه، وأمنوا به عذاب الاستئصال (3). # * (إنما) * لقصر الحكم على شئ، كما يقال: إنما زيد قائم، أو: لقصر الشئ على حكم، كقولك: إنما يقوم زيد، وقد اجتمع كلاهما في الآية، لأن * (إنما يوحى إلى) * مع فاعله بمنزلة: إنما يقوم زيد، و * (أنما إلهكم إله وا حد) * بمنزلة: إنما زيد قائم، وفائدة اجتماعهما: الدلالة على أن الوحي إلى رسوله (صلى الله عليه وآله) مقصور على أن الله عز اسمه استأثر بالوحدانية، وفي قوله: * (فهل أنتم مسلمون) * أن الوحي الوارد على هذه الطريقة موجب أن تخلصوا التوحيد لله، ويجوز أن يكون * (ما) * موصولة، فيكون معناه: أن الذي يوحى إلي. # PageV02P542 # ومعنى * (آذنتكم) *: أعلمتكم، ولكنه كثر استعماله في معنى الإنذار، ومنه قول ابن حلزة: # آذنتنا ببينها أسماء (1) والمعنى: أني بعد إعراضكم عن قبول توحيد الله تعالى، وتنزيهه عن الأنداد كرجل بينه وبين أعدائه هدنة، فنبذ إليهم العهد وآذنهم جميعا بذلك * (على سواء) * أي: مستوين في الإعلام به لم يطوه عن أحد منهم، و * (ما توعدون) * من غلبة المسلمين عليكم، أو: القيامة كائن لا محالة إلا أن الله تعالى لم يطلعني عليه. # * (إنه) * سبحانه * (يعلم) * السر والعلانية منكم، وهو مجازيكم على ms0760 ذلك. # وما * (أدرى) * لعل تأخير هذا الموعد امتحان * (لكم) * لينظر كيف تعملون، أي: تمتيع لكم * (إلى حين) * ليكون ذلك حجة عليكم. # وقرئ: * (قل) * على حكاية قول النبي (صلى الله عليه وآله) (2) و * (رب احكم) * على الاكتفاء بالكسرة، و " رب احكم " على الضم (3) و " ربي احكم " على أفعل التفضيل (4)، أمر (عليه السلام) باستعجال العذاب لقومه فعذبوا ببدر، ومعنى قوله: * (بالحق) *: # لا تحابهم، وافعل بهم ما يستحقون * (على ما تصفون) * من الحال التي تجري على خلاف ما يظنون، وقد نصر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم، وخذلهم وخيب ظنونهم. # PageV02P543 # سورة الحج مكية (1)، وقيل: مدنية غير ست آيات (2)، وآياتها ثمانية وسبعون آية كوفي، خمس بصري، عد الكوفي: * (الحميم) * (3) * (الجلود) * (4) * (وقوم لوط) * (5). # وفي حديث أبي: " من قرأ سورة الحج أعطي من الأجر كحجة حجها، أو عمرة اعتمرها بعدد من حج واعتمر " (6). # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأها في كل ثلاثة أيام لم تخرج سنته حتى يخرج إلى بيت الله الحرام " (7). # بسم الله الرحمن الرحيم * (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شئ عظيم (1) يوم # PageV02P545 # ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكرى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد (2) ومن الناس من يجدل في الله بغير علم ويتبع كل شيطن مريد (3) كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير (4) يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفي ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج (5)) * الزلزلة والزلزال: شدة التحريك والإزعاج، وأن يضاعف ذليل الأشياء عن مراكزها ومقارها، وهي مضافة إلى الفاعل على تقدير: أن الساعة تزلزل الأشياء، أو: ms0761 إلى تقدير المفعول فيها على طريقة الاتساع في الظرف وإجرائه مجرى المفعول به، كقوله: * (بل مكر الليل والنهار) * (1)، علل سبحانه وجوب التقوى على الناس بذكر * (الساعة) * ووصفها بأهول صفة ليتصوروها بعقولهم ويتزودوا لها. # فروي: أن هاتين الآيتين نزلتا ليلا في غزوة بني المصطلق فقرأهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم ير أكثر باكيا من تلك الليلة، ولما أصبحوا لم يضربوا الخيام وقت النزول ولم يطبخوا قدرا، وكانوا بين باك ومفكر (2). # * (يوم) * منصوب ب‍ * (تذهل) * والضمير له " الزلزلة "، والذهول: الذهاب عن # PageV02P546 # الأمر بدهشة، والمرضعة: هي التي ألقمت ثديها الصبي، والمرضع - بغير هاء - التي من شأنها أن ترضع، والمعنى: أن هول تلك الزلزلة إذا فاجأها وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته عن فيه، لما يلحقها من الدهشة * (عما أرضعت) * عن إرضاعها، أو: # عن الذي أرضعته، وعن الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام، وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام (1)، وقرئ: " سكرى " و " بسكارى " (2) فهو نظير عطشى من عطشان، * (سكرى) * و * (بسكارى) * نحو: " كسالى "، والمعنى: # وتراهم سكارى على التشبيه لما هم فيه من شدة الفزع، وما هم بسكارى من الشراب * (ولكن) * أذهب عقولهم خوف * (عذاب الله) *. # والمجادل * (في الله بغير علم) * قيل: هو النضر بن الحارث وكان ينكر البعث ويقول: القرآن أساطير الأولين، والملائكة بنات الله (3)، وقيل: هي عامة في كل من تعاطى الجدال فيما يجوز على الله وفيما لا يجوز من الصفات والأفعال ولا يرجع إلى علم ولا برهان (4) * (ويتبع) * في ذلك * (كل شيطن مريد) *: عات متجرد للفساد، يغويه عن الهدى ويدعوه إلى الضلال. وعلم من حاله أن من جعله وليا له فإن ثمرة ولايته الإضلال عن طريق الجنة والهداية إلى النار. # وقوله: * (كتب عليه) * تمثيل، والهاء للشيطان، أي: كأنما كتب إضلال من يتولاه عليه، لظهور ذلك في حاله، وقرئ: * (أنه) * أي: فإنه بالفتح والكسر (5)، فأما الفتح فلأن الأول فاعل * (كتب) * والثاني عطف عليه، والأولى أن يكون الفاء # PageV02P547 # وما بعده في موضع جواب الشرط إن جعلت * (من) * شرطا، وفي موضع خبر ms0762 المبتدأ إن جعلت * (من) * بمعنى " الذي " لكونه موصلا بالفعل، والجملة في موضع خبر " ان " الأولى. وأما الكسر فعلى حكاية المكتوب كما هو، أي: كأنما كتب عليه هذا الكلام، كما تقول: كتبت إن الله على كل شئ قدير، أو: على تقدير " قيل "، أو على: أن كتب فيه معنى القول. # المعنى: * (إن) * ارتبتم في * (البعث) * فالذي يزيل ريبكم أن تنظروا في مبدأ خلقكم، والعلقة: القطعة الجامدة من الدم، والمضغة: اللحمة الصغيرة قدر ما يمضغ، والمخلقة: المسواة الملساء من العيب والنقص، يقال: خلق السواك إذا سواه وملسه، كأنه سبحانه يخلق بعض المضغ كاملا أملس من العيب وبعضها على عكسه، فيتفاوت لذلك الناس في خلقهم وصورهم وتمامهم ونقصهم * (لنبين لكم) * بهذا التدريج قدرتنا وحكمتنا، وأن من قدر على خلق البشر * (من تراب) * أولا * (ثم من نطفة) * ثانيا، وقدر على أن يجعل النطفة علقة والعلقة مضغة والمضغة عظاما قدر على إعادة ما أبدأه * (ونقر) * أي: ونبقي * (في) * أرحام الأمهات * (ما نشاء) * أن نقره * (إلى أجل مسمى) * وهو وقت الوضع، وما لم نشأ إقراره أسقطته * (الأرحام) *، ووحد قوله: * (طفلا) * لأن الغرض الدلالة على الجنس، أو أراد: * (ثم) * نخرج وكل واحد منكم طفلا، ثم * (لتبلغوا أشدكم) * وهو حال اجتماع العقل وتمام الخلق والقوة والتمييز، وهو من ألفاظ الجموع التي لم يأت لها واحد، كأنها شدة في غير شئ واحد فبنيت لذلك على لفظ الجمع، و * (أرذل العمر) *: # الهرم والخرف حتى يعود كهيئته الأولى وقت الطفولية * (لكيلا يعلم من بعد علم شيئا) * أي: ليصير نساء، بحيث لو كسب علما في شئ زال عنه من ساعته ولا يستفيد علما، وينسى ما كان علمه. PageV02P548 # والهامدة: الميتة اليابسة، وهذه دلالة أخرى على البعث، ولكونها معاينة ظاهرة كررها الله في كتابه * (اهتزت وربت) * تحركت بالنبات، وانتفخت لظهور نمائها * (وأنبتت من كل) * جنس مؤنق حسن الصورة سار للناظر إليه. # * (ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحى الموتى وأنه على كل شئ قدير (6) وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في ms0763 القبور (7) ومن الناس من يجدل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتب منير (8) ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزى ونذيقه يوم القيمة عذاب الحريق (9) ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلم للعبيد (10)) * أي: * (ذلك) * الذي ذكرنا من تصريف الخلق وإحياء الأرض وما فيهما (1) من البدائع والحكم حاصل * (ب‍) * سبب * (أن الله هو الحق) * أي: الثابت الموجود، وأنه قادر على إحياء * (الموتى) * وعلى كل مقدور، وهو حكيم لا يخلف الميعاد، وقد وعد البعث فلابد أن يفي بوعده. # * (بغير علم) * ضروري * (ولا هدى) * أي: استدلال ونظر يهدي إلى المعرفة * (ولا كتب منير) * وهو الوحي. * (ثاني عطفه) * أي: متكبرا في نفسه، فإن ثني العطف عبارة عن الخيلاء والكبر كتصعير الخد * (ليضل عن سبيل الله) * لما كان جداله مؤديا إلى الضلال جعل كأنه الغرض في الضلال. # * (ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين (11) يدعوا من دون الله مالا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلل البعيد (12) يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس # PageV02P549 # العشير (13) إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار إن الله يفعل ما يريد (14) من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ (15) وكذلك أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدي من يريد (16)) * * (على حرف) * أي: على طرف في الدين، لا في وسطه وقلبه، وهذا مثل لكونهم على قلق واضطراب في دينهم لا على هيئة وطمأنينة، كالذي يكون على طرف من العسكر، فإن أحس بظفر وغنيمة اطمأن وقر، وإلا انهزم وفر، وقرئ: # " خاسر الدنيا والآخرة " (1) وهو منصوب على الحال. # و * (الضلل البعيد) * مستعار من ضلال من أبعد في التيه، فبعدت مسافة ضلاله. # سفه الله سبحانه هذا الكافر بأنه يعبد جمادا لا يملك ضرا ولا نفعا، وهو يعتقد أنه ينتفع ms0764 به حين يستشفع به، ثم قال: يقول هذا الكافر يوم القيامة بدعاء وصراخ حين يرى دخوله النار بعبادة الأصنام، ولا يرى أثر الشفاعة التي أملها منها * (لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير) *، وكرر " يدعو " كأنه قال: # يدعو يدعو من دون الله مالا يضره وما لا ينفعه، ثم قال: لمن ضره بكونه معبودا أقرب من نفعه بكونه شفيعا لبئس المولى، والمولى: الناصر، والعشير: الصاحب، كقوله: * (فبئس القرين) * (2). # * (من كان يظن) * من أعادي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحساده أن الله لا ينصره ويطمع # PageV02P550 # فيه، ويغيظه أنه لا يظفر بمطلوبه، فليستفرغ جهده في إزالة ما يغيظه بأن يفعل ما يفعله من بلغ به الغيظ كل مبلغ حتى مد حبلا * (إلى) * سماء بيته فاختنق، فلينظر أنه إن فعل ذلك * (هل) * يذهب نصر الله الذي يغيظه؟ وسمى الاختناق قطعا لأن المختنق يقطع نفسه بحبس مجاريه، ولذلك يقال للبهر (1): قطع، وسمى فعله " كيدا " لأنه وضعه موضع الكيد حيث لم يقدر على غيره، أو: على سبيل الاستهزاء لأنه لم يكد به محسوده، إنما كاد به نفسه، والمراد: ليس في يده إلا ما ليس بمذهب لما يغيظه. وقيل: معناه: * (فليمدد) * بحبل * (إلى السماء) * المظلة ليصعد عليه و * (ليقطع) * الوحي أن ينزل عليه (2)، وقرئ: * (ثم ليقطع) * بكسر اللام (3) وسكونها، وأصل هذه اللام الكسر، إلا أنه جاز إسكانها مع الفاء والواو، لأن كل واحد منهما لا ينفرد بنفسه، فهو كحرف من نفس الكلمة فصار بمنزلة: فخذ وعضد، ثم شبه الميم في * (ثم) * بالواو والفاء كقولهم: أراك منتصبا. # * (وكذلك) * أي: ومثل ذلك الإنزال أنزلنا القرآن كله * (آيات بينات) *، ولأن * (الله يهدي) * به الذين علم أنهم يؤمنون، أو: يثبت الذين آمنوا ويزيدهم هدى أنزله كذلك. # * (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيمة إن الله على كل شئ شهيد (17) ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من ms0765 الناس # PageV02P551 # وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فماله من مكرم إن الله يفعل ما يشاء (18)) * دخلت * (إن) * على واحدة من جزأي الجملة لزيادة التأكيد، كما في قول جرير: # إن الخليفة إن الله سربله * سربال ملك به ترجى الخواتيم (1) والفصل: التمييز بين المحق والمبطل، أو: الحكم والقضاء بينهما، وسميت مطاوعة هذه الأشياء لله عز وجل اسمه فيما يحدث من أفعاله وتسخيره لها " سجودا " تشبيها لذلك بما يفعله المكلف من السجود الذي كل خضوع دونه. # * (وكثير من الناس) * أي: ويسجد له كثير من الناس سجود طاعة وعبادة، وقيل: التقدير: وكثير من الناس استحق الثواب إذ وحد الله وأطاعه * (وكثير حق عليه العذاب) * إذ أبى السجود ولم يوحده جل اسمه (2) * (ومن) * يهنه الله بأن كتب عليه الشقاوة وأدخله النار * (فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء) * من الإكرام والإهانة. # * (هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم (19) يصهر به ما في بطونهم والجلود (20) ولهم مقمع من حديد (21) كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق (22) إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (23) وهدوا إلى الطيب # PageV02P552 # من القول وهدوا إلى صراط الحميد (24)) * * (هذان) * فريقان أو جمعان مختصمان، والخصم مصدر وصف به، فاستوى فيه الواحد والجمع، وقوله: * (هذان) * للفظ و * (اختصموا) * للمعنى، كقوله: * (ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك) * (1)، ولو قال: هؤلاء * (خصمان) * أو اختصما كان جائزا، وقيل: نزلت في النفر الستة من المؤمنين والكافرين تبارزوا يوم بدر، وهو حمزة بن عبد المطلب قتل عتبة بن ربيعة، وعلي (عليه السلام) قتل الوليد بن عتبة، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب وقرنه شيبة بن ربيعة (2) * (في ربهم) * في دين ربهم وصفاته. # * (فالذين كفروا) * هو فصل الخصومة المعني بقوله: * (إن الله يفصل بينهم يوم القيمة) *، * (قطعت لهم ثياب من نار) * أي: ألبسوا مقطعات ms0766 النيران وهي الثياب القصار، كأنه سبحانه يقدر لهم نيرانا على مقادير جثثهم كما يقطع الثياب الملبوسة، ونحوه: * (سرابيلهم من قطران) * (3) و * (الحميم) * الماء الحار، وعن ابن عباس: # لو سقطت منه نقطة على جبال الدنيا لأذابتها (4). * (يصهر) * أي: يذاب وينضج بذلك الحميم أمعاؤهم وأحشاؤهم كما يذاب به جلودهم. المقامع: السياط، أي: # * (كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم) * فخرجوا * (أعيدوا فيها) * وعن الحسن: أن النار تضربهم بلهبها فترفعهم حتى إذا كانوا في أعلاها ضربوا بالمقامع فهووا فيها سبعين خريفا (5)، وقيل لهم: * (ذوقوا عذاب الحريق) * وهو الغليظ من النار # PageV02P553 # المنتشر العظيم الإحراق. # وقرئ: * (لؤلؤا) * بالنصب (1) على تقدير: ويؤتون لؤلؤا. * (وهدوا) * أي: # وهداهم الله إلى أن يقولوا: * (الحمد لله الذي صدقنا وعده) * (2)، وهداهم إلى طريق الجنة، و * (الحميد) * هو الله المستحمد على عباده بنعمه. # والأساور: جمع أسوار، وفيه ثلاث لغات: أسوار، وسوار، وسوار. # * (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلنه للناس سواء العكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم (25) وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود (26) وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق (27) ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير (28) ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق (29) ذلك ومن يعظم حرمت الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الانعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور (30)) * * (ويصدون عن سبيل الله) * يعني: أن الصدود يقع منهم على سبيل الاستمرار والدوام * (للناس) * أي: للذين يقع عليهم اسم الناس، من غير فرق بين حاضر وباد، وناء وطارئ، وقرئ: * (سواء) * بالرفع والنصب (3)، فالنصب على أنه # PageV02P554 # المفعول الثاني ل‍ * (جعلنه) * أي: جعلناه مستويا * (العكف فيه والباد) *، والرفع على أن الجملة في محل النصب على المفعول الثاني، وفيه دلالة على امتناع جواز بيع دور مكة، ms0767 والمراد ب‍ * (المسجد الحرام) *: الحرم كله، كما قال: * (أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام) * (1)، والإلحاد: العدول عن القصد، وقوله: * (بإلحاد بظلم) * حالان مترادفان، ومفعول * (يرد) * متروك ليتناول كل متناول، كأنه قال: # * (ومن يرد فيه) * مرادا ما عادلا عن القصد ظالما * (نذقه من عذاب أليم) * يعني: # أن الواجب على من كان فيه أن يسلك طريق العدل والسداد في جميع ما يهم به ويقصده، وخبر * (إن) * محذوف، لدلالة جواب الشرط عليه، وتقديره: إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام نذيقهم من عذاب أليم، وكل من ارتكب فيه ذنبا فهو كذلك. # واذكر حين جعلنا * (لإبراهيم مكان البيت) * مباءة، أي: مرجعا يرجع إليه للعمارة والعبادة، و * (أن) * هي المفسر، أي: تعبدنا إبراهيم وقلنا له: * (لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي) * من الأصنام والأقذار أن تطرح حوله. * (وأذن في الناس) * ناد فيهم، والنداء * (بالحج) * أن يقول: حجوا، أو: عليكم * (بالحج) *. # وروي: أنه صعد أبا قبيس فقال: يا أيها الناس، حجوا بيت ربكم، فأسمع الله صوته كل من سبق علمه بأنه يحج إلى يوم القيامة، فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال (2). # وعن الحسن: أن الخطاب لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، أمر أن يعلم الناس بوجوب الحج في حجة الوداع (3). * (رجالا) * أي: مشاة، جمع راجل، كقائم وقيام * (وعلى كل # PageV02P555 # ضامر) * حال معطوف على حال، كأنه قال: رجالا وركبانا * (يأتين) * صفة ل‍ * (كل ضامر) * لأنه في معنى الجمع، وقرأ الصادق (عليه السلام): " رجالا " بضم الراء مشددة، وقال: هم الرجالة (1)، وقرئ " يأتون " بالواو (2) صفة للرجال والركبان * (فج عميق) * طريق بعيد. # ونكر * (منافع) * لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادات دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات، وقيل: هي منافع الآخرة من العفو والمغفرة (3). # واختلف في " الأيام المعلومات ": فالمروي عن الباقر (عليه السلام): أنها يوم النحر والثلاثة بعده أيام التشريق، و " الأيام المعدودات " عشر ذي الحجة (4). وهو قول ابن عباس (5) واختيار الزجاج، قال: لأن الذكر هنا يدل على التسمية على ما يذبح وينحر، وهذه الأيام تختص بذلك (6). # وعن ms0768 الصادق (عليه السلام): " هو التكبير بمنى عقيب خمس عشرة صلاة أولها صلاة الظهر من يوم النحر، يقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا والحمد لله على ما أولانا ورزقنا من بهيمة الأنعام (7). # البهيمة: مبهمة في كل ذات أربع، فبينت ب‍ * (الانعام) * وهي: الإبل والبقر والضأن والمعز، والأمر بالأكل منها أمر إباحة، لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون # PageV02P556 # من نسائكهم، ويجوز أن يكون ندبا لما فيه من المساواة للفقراء ومواساتهم * (البائس) * الذي أصابه بؤس، أي: شدة وقضاء. # التفث: قص الشارب والأظفار والاستحداد (1) واستعمال الطيب، والتفث: # الوسخ، والمراد: قضاء إزالة التفث * (وليوفوا نذورهم) * ما وجب حجهم، أو: ما عسى ينذرونه من أعمال البر في حجهم * (وليطوفوا بالبيت العتيق) * طواف الزيارة، وروى أصحابنا (2): أنه طواف النساء الذي يستباح به وطء النساء، وذلك بعد طواف الزيارة، والعتيق: القديم لأنه * (أول بيت وضع للناس) * (3) وقيل: أعتق من الجبابرة، كم من جبار سار إليه ليهدمه فمنعه الله (4)، وقيل: أعتق من الغرق (5)، وقيل: هو الكريم من قولهم عتاق الطير (6). # * (ذلك) * خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر والشأن ذلك، والحرمة: ما لا يحل هتكه، وجميع ما كلفه الله به من مناسك الحج وغيرها فهو بهذه الصفة، فيحتمل أن يكون عاما في جميع التكاليف، ويحتمل أن يكون خاصا في مناسك الحج * (فهو) * خبر له، فالتعظيم * (خير له) * ومعنى التعظيم: العلم بأنها واجبة الحفظ * (إلا ما يتلى عليكم) * آية تحريمه، وذلك قوله: * (حرمت عليكم الميتة) * الآية في سورة المائدة (7). # PageV02P557 # ثم لما حث الله سبحانه على تعظيم حرماته أمر عقيبه باجتناب الأوثان وقول الزور، لأن توحيد الله ونفي الشرك عنه وصدق القول من أعظم الحرمات، وقيل: # * (قول الزور) * وهو قول أهل الجاهلية: لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك (1). # * (حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق (31) ذلك ومن يعظم شعائر الله ms0769 فإنها من تقوى القلوب (32) لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق (33) ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله وا حد فله أسلموا وبشر المخبتين (34) الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (35)) * * (حنفاء) * أي: مستقيمي الطريقة على أمر الله، مائلين عن سائر الأديان، وقرئ: " فتخطفه الطير " (2) أي: فتتخطفه فحذف تاء التفعل، وهذا التشبيه يجوز أن يكون من المركب والمفرق، والمركب مثل أن يقول: * (من يشرك بالله) * فإن حاله كحال من * (خر من السماء) * فاختطفته الطير، أي: أخذته بسرعة فتفرق أجزاؤه في حواصلها، أو عصفت * (به الريح) * فهوت به إلى الأماكن البعيدة، والمفرق أن يكون الإيمان مشبها في علوه بالسماء، وتاركه مشبها بالساقط من السماء، والأهواء الموزعة أفكاره بالطير المختطفة، والشيطان الذي يستهويه في الضلالة بالريح التي * (تهوى به) * في المهاوي المهلكة. # PageV02P558 # وتعظيم ال‍ * (شعائر) * وهي الهدايا، لأنها من معالم الحج استسمانها، واستحسانها أن يترك المكاس في شرائها، فقد كانوا يغالون في ثلاث ويكرهون المكاس فيهن: الهدي، والأضحية، والرقبة. # وعن الباقر (عليه السلام): " لا تماكس في أربعة أشياء: في الأضحية، وفي ثمن النسمة، وفي الكفن، وفي الكراء إلى مكة " (1). # * (فإنها من تقوى القلوب) * أي: فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب، فحذفت هذه المضافات، ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها، لأنه لابد من عائد من الجزاء إلى من ليرتبط به، وإنما ذكرت * (القلوب) * لأنها من مراكز التقوى، فإذا تمكنت فيها ظهر أثرها في الجوارح. # * (لكم) * في الشعائر * (منافع) * بركوب ظهورها وشرب ألبانها * (إلى أجل مسمى) * إلى أن ينحر ويتصدق بلحومها، و * (ثم) * للتراخي في الوقت، فاستعيرت للتراخي في الأحوال، والمعنى: أن لكم في الهدي منافع كثيرة في دينكم ودنياكم، وأعظم هذه المنافع * (محلها إلى البيت) * ومحلها: حيث يجب نحرها، أو: وقت وجوب نحرها، أو: وجوب نحرها منتهية إلى البيت كقوله: * (هديا بلغ الكعبة) * (2)، فإن كان الهدي للحج ينحر بمنى، وإن كان للعمرة بمكة. ms0770 # وقرئ: * (منسكا) * بفتح السين وكسرها (3)، وهو مصدر بمعنى النسك، والمكسور بمعنى: الموضع، أي: شرعنا * (لكل أمة) * أن ينسكوا، أي: يذبحوا لوجه الله تعالى لأن يذكروا اسمه على النسائك * (فله أسلموا) * أي: أخلصوا له # PageV02P559 # الذكر خاصة، واجعلوه لوجهه سالما أي: خالصا لا يشوبه إشراك، والمخبتون: # المتواضعون، من الخبت وهو المطمئن من الأرض. # * (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون (36) لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين (37) إن الله يدا فع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور (38) أذن للذين يقتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير (39) الذين أخرجوا من ديرهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوا ت ومسجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوى عزيز (40)) * * (البدن) * جمع بدنة، سمي بذلك لعظم بدنها، وهي الإبل خاصة، وجعل البقر في حكم الإبل لقوله (عليه السلام): " البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة " (1)، وهي منصوب بإضمار الفعل الذي ظهر تفسيره * (من شعائر الله) * من أعلام الشريعة التي شرعها الله، وإضافتها إلى اسمه تعظيم لها * (لكم فيها خير) * أي: نفع في الدنيا والآخرة، وذكر * (اسم الله عليها) * أن يقول: بسم الله والله أكبر، اللهم منك ولك * (صواف) * أي: قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن، قد ربطت اليدان من كل واحدة منها ما بين الرسغ إلى الركبة، وعن الباقر (عليه السلام): أنه قرأ " صوافن " (2)، وروي ذلك عن ابن # PageV02P560 # مسعود وابن عباس (1)، وهو من صفون الفرس، وهو أن يقوم على ثلاث وينصب الرابعة على طرف سنبكه، لأن البدنة قد تعقل إحدى يديها فتقوم على ثلاث * (فإذا وجبت جنوبها) * أي: سقطت على الأرض، من وجب الحائط وجبة، ووجبت الشمس جبة، وهو عبارة عن تمام خروج الروح ms0771 منها * (فكلوا) * أي: فحل لكم الأكل * (منها) * والإطعام، و * (القانع) *: السائل، من قنعت إليه وكنعت: إذا خضعت له وسألته قنوعا * (والمعتر) * المعترض بغير سؤال، والقانع: الراضي يقنع بما أعطيته، والمعتر: المار بك تطعمه، يقال: عراه واعتراه وعره واعتره بمعنى * (سخرناها لكم) * تأخذونها مطيعة منقادة للأخذ فتعقلونها، من الله سبحانه بذلك على عباده. # لن يصيب رضاء الله * (لحومها) * المتصدق بها * (ولا دماؤها) * المهراقة بالنحر * (ولكن) * يصيب رضاه * (التقوى منكم) * والإخلاص وصدق النية، وقرئ: # * (ينال) * و * (يناله) * بالتاء (2) والياء. # وروي (3): أن أهل الجاهلية كانوا إذا نحروا لطخوا البيت بالدم، فلما حج المسلمون أرادوا مثل ذلك، فنزلت. # فكرر سبحانه تذكير النعمة بالتخير، ثم قال: * (لتكبروا الله على ما هداكم) * وهو أن يقال: الله أكبر على ما هدانا، وقيل: إنه ضمن معنى الشكر فعداه تعدية، أي: # لتشكروا الله على هدايتكم لأعلام دينه ومناسك حجه، بأن تكبروا وتهللوا (4). # ثم خص المؤمنين بالدفع عنهم والنصرة لهم كما قال: * (إنا لننصر رسلنا # PageV02P561 # والذين آمنوا) * (1)، وجعل العلة في ذلك أنه لا يحب أضدادهم الذين يخونون الله ورسوله ويكفرون نعمه، وقرئ: * (يدافع) * (2) أي: يبالغ في الدفع عنهم كما يبالغ من يغالب فيه. # وقرئ: * (أذن) * و * (يقتلون) * على البناء للفاعل (3) والمفعول جميعا، والمعنى: أذن لهم في القتال، فحذف المأذون فيه لدلالة * (يقتلون) * عليه * (بأنهم ظلموا) * بسبب كونهم مظلومين، وهم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهي أول آية نزلت في القتال، والإخبار بكونه قادرا على نصرهم عدة منه بالنصر، وما قبل الآية من قوله: * (يدا فع عن الذين آمنوا) * مؤذن بهذه العدة أيضا. # و * (أن يقولوا) * مجرور الموضع على البدل من * (حق) *، أي: * (بغير) * موجب سوى التوحيد الذي كان ينبغي أن يوجب التمكين والإقرار لا الإخراج من الديار، والمعنى: * (دفع الله الناس بعضهم ببعض) * تسليطه المسلمين على الكفار * (ولولا) * ذلك لاستولى أهل الشرك على أهل الملل وعلى متعبداتهم فهدموها، ولما تركوا للنصارى بيعا ولا لرهبانهم * (صوامع) * ولا لليهود * (صلوا ت) * ولا للمسلمين * (مسجد) * وسميت الكنيسة صلاة لأنها يصلى فيها، ms0772 وقرأ الصادق (عليه السلام): # " صلوات " بضم الصاد واللام (4)، وفسرها بالحصون والآطام (5) وقرئ: " دفاع " (6) # PageV02P562 # و " لهدمت " بالتخفيف (1) * (من ينصره) * أي: ينصر دينه وأولياءه. # * (الذين إن مكنهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عقبة الأمور (41) وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود (42) وقوم إبراهيم وقوم لوط (43) وأصحب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير (44) فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد (45)) * هذا ثناء من الله عز اسمه على المؤمنين، وإخبار عما سيكون منهم بظهر الغيب: أن مكنهم * (في الأرض) * وبسط لهم في الدنيا من القيام بأمور الدين. # وعن الباقر (عليه السلام) أنه قال: " نحن هم " (2). # و * (الذين إن مكنهم) * منصوب بدل من قوله: * (من ينصره) *، وقيل: هو تابع ل‍ * (الذين أخرجوا) * (3) فيكون المعني بهم: المهاجرين * (ولله عقبة الأمور) * أي: # مرجعها إلى حكمه وتقديره. # أي: لست بواحد في التكذيب، فقد كذب الرسل أقوامهم، ولك بهم أسوة. # وكذب موسى أيضا مع ظهور معجزاته * (فكيف كان نكير) * أي: إنكاري وتغييري حيث أبدلتهم بالنعمة نقمة وبالمنحة محنة، وبالعمارة خرابا. # والخاوي: الساقط، من خوى النجم: إذا سقط، أو الخالي من خوى المنزل: # إذا خلا من أهله، وخوى بطن الحامل. وكل مرتفع أظلك من سقف بيت أو أظلة # PageV02P563 # أو كرم فهو عرش، وقوله: * (على عروشها) * إن تعلق ب‍ * (خاوية) * فالمعنى: أنها ساقطة، على سقوفها، أي: خرت سقوفها على الأرض ثم سقطت حيطانها عليها، أو: أنها ساقطة أو: خالية مع بقاء عروشها، وإن كان خبرا بعد خبر فالمعنى: هي خالية وهي مطلة على عروشها، على معنى: أن العرش سقطت على الأرض وبقيت الحيطان مشرفة عليها، وقرئ: " أهلكتها " (1) ومعنى " المعطلة ": أنها عامرة، فيها الماء، ومعها آلات الاستسقاء إلا أنها عطلت أي: تركت لا يستسقى منها لهلاك أهلها، أي: وكم من * (بئر) * عطلناها عن سقائها * (وقصر مشيد) * أخليناه عن ساكنيه، فحذفت لدلالة * (معطلة) * عليه، وفي هذا دليل على أن * (على) * بمعنى " مع " في ms0773 * (على عروشها) *، والمشيد المرتفع، وقيل: هو المجصص (2). # * (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (46) ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون (47) وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلى المصير (48) قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين (49) فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم (50) والذين سعوا في آياتنا معجزين أولئك أصحب الجحيم (51)) * ثم حث سبحانه على السفار والاعتبار بمصارع من أهلكه (3) الله من الكفار، أي: * (يعقلون بها) * ما يجب أن يعقل من التوحيد، و * (يسمعون) * ما يجب سماعه # PageV02P564 # من الوحي * (فإنها) * الضمير للشأن والقصة، وقد يجئ مؤنثا، ويجوز أن يكون ضميرا مبهما يفسره * (الابصار) *، وفي * (تعمى) * راجع إليه، والمعنى: أن أبصارهم صحيحة لا عمى بها وإنما العمى بقلوبهم، أو يريد: أن لا اعتبار بعمى الأبصار، فكأنه ليس بعمى (1) بالإضافة إلى عمى القلوب، وقوله: * (التي في الصدور) * توكيد كما في قوله: * (يقولون بأفواههم) * (2)، وذلك لتقرير: أن مكان العمى هو القلب لا البصر. # ثم أنكر استعجالهم للعذاب المتوعد به، أي: كأنهم يجوزون فوته والله عز اسمه لا * (يخلف.. وعده) * ولا محالة أن يصيبهم ذلك إلا أنه عز اسمه حليم لا يعجل، ومن حلمه واستقصاره المدد الطويلة أن * (يوما) * واحدا عنده * (كألف سنة) * عندكم، وقيل: معناه: كيف يستعجلون بعذاب من يوم واحد من أيام عذابه في طول ألف سنة من سنيكم، لأن أيام الشدائد طوال (3). # وكم * (من) * أهل * (قرية) * قد أنظرتهم حينا * (ثم) * أخذتهم بالعذاب * (وإلى) * المرجع. # * (سعوا في آياتنا) * بالفساد: من الطعن فيها بأن سموها سحرا وشعرا وأساطير الأولين، ومن تثبيط الناس عنها * (معجزين) * أي: مسابقين في زعمهم وتقديرهم، وقرئ: " معجزين " (4) أي: مسابقين عندهم طامعين أن كيدهم للإسلام يتم لهم، أو: قاصدين تعجيز رسولنا، يقال: عاجزه أي: سابقه، لأن كل واحد من المتسابقين (5) في طلب عجز الآخر عن اللحاق به، فإذا سبقه قيل: أعجزه ms0774 وعجزه. # PageV02P565 # * (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقى الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم (52) ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد (53) وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم (54) ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم (55)) * روي: أن السبب في نزول هذه الآية أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تلا سورة النجم وهو في نادي قومه، فلما بلغ قوله: * (ومنوا ة الثالثة الأخرى) * (1) * (ألقى الشيطان في أمنيته) * أي: في تلاوته: " تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجي "، فسر بذلك المشركون، فنزلت الآية تسلية له صلوات الله عليه وآله (2)، ومعناه: أنه لم يبعث رسول ولا نبي * (إلا إذا تمنى) * أي: تلا، حاول الشيطان تغليطه فألقى في تلاوته ما يوهم أنه من جملة الوحي فيرفع الله ما ألقاه بمحكم آياته، وقيل: إنما ألقى ذلك في تلاوته بعض الكفار، فأضيف ذلك إلى الشيطان لما حصل بإغوائه (3). ومما يبين أن التمني يكون في معنى التلاوة، قول حسان بن ثابت: # تمنى كتاب الله أول ليلة * وآخرها لاقى حمام المقادر (4) # PageV02P566 # وعن مجاهد: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا تأخر عنه الوحي تمنى أن ينزل عليه فيلقي الشيطان في أمنيته بما يوسوس إليه، وينسخ الله ذلك ويبطله بما يرشده إليه من مخالفة الشيطان (1). وقال: " تلك الغرانيق " إشارة إلى الملائكة، أي: هم الشفعاء لا الأصنام، والغرانيق: جمع غرنوق، وهو الشاب الجميل الممتلئ ريا (2) * (فينسخ الله ما يلقى الشيطان) * أي: يذهب به ويبطله * (ثم يحكم الله آياته) * أي: يثبتها حتى لا يتطرق عليها ما يشعثها. # * (ليجعل ما يلقى الشيطان) * في الأمنية وتمكينه من ذلك * (فتنة) * أي: محنة وابتلاء، يزداد المنافقون به شكا وظلمة، وهم الذين * (في قلوبهم مرض) *، والمؤمنون يقينا ونورا قد ms0775 ازدادوا إيمانا إلى إيمانهم * (والقاسية قلوبهم) * هم المشركون المكذبون، * (وإن الظالمين) * يعني: وإن هؤلاء المنافقين والمشركين، والأصل: " وإنهم " إلا أنه وضع الظاهر موضع الضمير ليقضي عليهم بالظلم * (لفي شقاق) * أي: مشاقة الله تعالى. # * (وليعلم الذين أوتوا العلم) * بالله وبحكمته * (أنه الحق من ربك) * في الحكمة فيصدقوا به * (فتخبت له قلوبهم) * أي: تطمئن وتسكن * (وإن الله) * لهادي * (الذين آمنوا إلى) * أن يتأولوا ما يتشابه في الدين بالتأويلات الصحيحة، فلا تعتريهم شبهة ولا تخالجهم مرية. # والضمير في قوله: * (في مرية منه) * للقرآن أو للرسول، والمراد باليوم العقيم: # يوم بدر، وصفه بالعقيم لأن أولاد النساء يقتلون فيه فيصرن كأنهن عقم لم يلدن، أو: لأن المقاتلين يوصفون بأنهم أبناء الحرب فإذا قتلوا وصف يوم الحرب بأنه # PageV02P567 # عقيم مجازا، أو: لأنه لا مثل لهذا اليوم في عظم أمره لقتال الملائكة فيه، كما قيل: # عقم النساء فما يلدن شبيهه * إن النساء بمثله لعقيم (1) وقيل: المراد به: يوم القيامة، وسماه عقيما لأنه لا ليلة له (2)، وكأنه قال: # * (تأتيهم الساعة... أو يأتيهم) * عذابها، فوضع الظاهر موضع الضمير. # * (الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم (56) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين (57) والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين (58) ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم (59) ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغى عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور (60)) * التقدير في * (يومئذ) *: يوم يؤمنون، أو: يوم تزول مريتهم، سوى بين من مات من المهاجرين في سبيل الله وبين من قتل منهم في الموعد تفضلا منه، و * (الله) * عليم بدرجات العاملين ومراتب استحقاقهم * (حليم) * عن تفريط من فرط منهم بفضله وكرمه. # وروي: أنهم قالوا: يا رسول الله، هؤلاء الذين قتلوا قد علمنا ما أعطاهم الله من الخير، ونحن نجاهد معك كما جاهدوا، فما لنا إن متنا معك؟ فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين (3). # * (ومن عاقب بمثل ما عوقب به) * أي: ومن ms0776 جازى الظالم بمثل ما ظلمه، # PageV02P568 # سمي الابتداء بالمعاقبة من حيث إنه سبب وذاك مسبب عنه، كما حملوا النظير على النظير والنقيض على النقيض للملابسة * (لينصرنه الله) * الضمير للمبغي عليه * (لعفو غفور) * ولا يلومه على ترك ما بعثه عليه من العفو عن الجاني بقوله: * (وأن تعفوا أقرب للتقوى) * (1)، ومن عفا وأصلح فأجره على الله. # * (ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع بصير (61) ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو البطل وأن الله هو العلى الكبير (62) ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير (63) له ما في السماوات وما في الأرض وإن الله لهو الغنى الحميد (64) ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه إن الله بالناس لرءوف رحيم (65)) * أي: * (ذلك) * النصر بسبب أنه قادر، ومن آيات قدرته أنه * (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل) *، أو: بسبب أنه خالق الليل والنهار فلا يخفي عليه ما يجري فيهما على أيدي عباده من خير أو شر، فإنه * (سميع) * لما يقولون * (بصير) * بما يعملون. # وقرئ: * (يدعون) * بالياء والتاء (2) * (ذلك) * أي: ذلك الوصف بخلق الليل والنهار وبالإحاطة بما يجري فيهما بسبب أنه * (الله... الحق) * الثابت إلهيته، وأن كل ما يدعى إلها من دونه باطل الدعوة وأنه * (العلى) * عن الأشباه، ولا شئ أعلى منه شأنا وأكبر سلطانا. # PageV02P569 # * (فتصبح الأرض مخضرة) * إنما رفع لأن المعنى إثبات الاخضرار، ولو نصب جوابا للاستفهام لانقلب المعنى إلى نفي الاخضرار * (لطيف) * وأصل علمه وفضله إلى عباده * (خبير) * بمصالحهم. # * (سخر لكم ما في الأرض) * من البهائم مذللة للركوب في البر، ومن المراكب جارية * (في البحر) * وغير ذلك من المسخرات * (أن تقع) * أي: كراهة أن تقع إلا بمشيئته. # * (وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الانسان لكفور (66) لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينزعنك في الامر وادع إلى ms0777 ربك إنك لعلى هدى مستقيم (67) وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون (68) الله يحكم بينكم يوم القيمة فيما كنتم فيه تختلفون (69) ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتب إن ذلك على الله يسير (70) ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطنا وما ليس لهم به علم وما للظلمين من نصير (71) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينت تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذا لكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير (72)) * * (لكفور) * أي: جحود يجحد الخالق مع هذه الأدلة الدالة على الخلق. # * (فلا ينزعنك) * نهي لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، أي: لا تلتفت إلى قولهم، ولا تمكنهم من أن ينازعوك، أو: هو زجر لهم عن منازعته * (في الامر) * أي: في أمر الدين. # روي: أن بديل بن ورقاء وغيره من كفار خزاعة قالوا للمسلمين: ما لكم تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله؟ يعنون الميتة (1). # PageV02P570 # وإن أبوا إلا مجادلتك فادفعهم بأن تقول: * (الله أعلم) * بأعمالكم وبقبحها، فهو مجازيكم عليها، وهذا وعيد برفق ولطف. * (الله يحكم بينكم) * أي: يفصل بينكم (1) بالثواب والعقاب، وهذا تسلية لرسول الله (صلى الله عليه وآله) مما كان يلقاه منهم، أي: # وكيف تخفي عليه أعمالهم وقد علم بالدليل أنه سبحانه * (يعلم) * كل * (ما) * يحدث * (في السماء والأرض) *، وقد كتبه في اللوح المحفوظ قبل حدوثه؟! وحفظه ذلك وإثباته والإحاطة به عليه * (يسير) *. # * (ويعبدون) * ما لم يتمسكوا في صحة عبادته ببرهان سماوي، ولا عرفوه بدليل عقلي * (وما) * لمن ظلم مثل هذا الظلم ناصر ينصره. # * (المنكر) * (2) الفظيع من التجهم والعبوس، أو: الإنكار كالمكرم بمعنى الإكرام، و * (يسطون) * أي: يقعون ويبطشون من شدة الغيظ * (النار) * خبر مبتدأ محذوف، كأن قائلا قال: ما هو؟ فقال: النار، أي: هو النار * (من ذا لكم) * أي: # من سطوكم على التالين للآيات وغيظكم عليهم، أو: مما أصابكم من الغيظ والكراهة بسبب ما تلي عليكم * (وعدها الله) * استئناف، أو تكون ms0778 * (النار) * مبتدأ * (وعدها الله) * خبره. # * (يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب (73) ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز (74) الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس إن الله سميع بصير (75) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الأمور (76) يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير # PageV02P571 # لعلكم تفلحون (77) وجهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير (78)) * قد تسمى الصفة أو القصة الرائعة " مثلا " لاستحسانها واستغرابها (1)، تشبيها ببعض الأمثال التي سيرت لكونها مستحسنة عندهم، وقرئ: * (تدعون) * بالياء (2) والتاء * (ولو اجتمعوا له) * في محل النصب على الحال، كأنه قال: إن خلق الذباب يستحيل منهم مشروطا عليهم اجتماعهم لخلقه، وهذا مبالغة في تجهيل قريش حيث وصفوا (3) صورا ممثلة يستحيل منها أن يقدروا على أقل ما خلق (4) الله وأحقره * (ولو اجتمعوا) * لذلك بالإلهية التي تقتضي الاقتدار على كل أجناس المقدورات، والإحاطة بجميع المعلومات، و * (الطالب) * الذباب * (والمطلوب) * الصنم، وقيل: بالعكس منه، والمعنى: ضعف السالب والمسلوب (5)، وقيل: معناه: # جهل العابد والمعبود (6). # * (ما قدروا الله حق قدره) * أي: ما عرفوه حق معرفته، وما عظموه حق عظمته حيث (7) جعلوا الأصنام شركاء له. # * (الله يصطفي) * هذا رد لإنكارهم من أن يكون الرسول من البشر، وبيان أن # PageV02P572 # رسل الله قد يكونون (1) * (من الملائكة) * ومن البشر. ثم ذكر أنه سبحانه عالم بأحوال المكلفين من مضى منهم ومن غبر، فلا يعترض عليه في حكمه واختياره. # أمر سبحانه بالصلاة التي هي أجل العبادات، ثم بغيرها من العبادات كالصوم والحج والزكاة، ثم بفعل الخيرات على العموم، وعن ابن عباس: أن * (الخير) * صلة الأرحام ومكارم الأخلاق (2) * (لعلكم تفلحون) * أي: افعلوا ms0779 هذا كله وأنتم طامعون في الفلاح، لا تتكلمون (3) على أعمالكم. # وعن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسول الله، في سورة الحج سجدتان؟ قال: # " نعم، إن لم تسجدهما فلا تقرأهما " (4). # * (وجهدوا في الله) * أمر بالغزو، أو: بمجاهدة النفس والهوى وهو الجهاد الأكبر، كما روي أنه (صلى الله عليه وآله) رجع من بعض الغزوات فقال: " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر في الله " (5) أي في ذات الله، ومن أجله * (حق جهاده) * كما يقال: هو حق عالم أي: عالم حقا، فكان القياس: حق الجهاد فيه أو حق جهادكم فيه، إلا أن الجهاد لما اختص بالله من حيث إنه يفعل لوجهه ومن أجله جازت إضافته إليه، لأن الإضافة قد تكون بأدنى اختصاص، ويجوز أن يتسع في الظرف، كقول الشاعر: # ويوم شهدناه سليما وعامرا (6) * (اجتباكم) * أي: اختاركم لدينه ولنصرته * (ما جعل عليكم في الدين من # PageV02P573 # حرج) * أي: ضيق، فلم يكلفكم مالا تطيقونه، ورخص لكم عند الضرورات كالقصر والتيمم، وجعل التوبة مخلصا لكم من الذنوب، ونحوه: * (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) * (1). # وفي الحديث: " إن أمتي أمة مرحومة " (2). # * (ملة أبيكم) * نصب على الاختصاص، أي: أعني بالدين ملة أبيكم، أو بمضمون ما تقدمها، كأنه قال: وسع دينكم توسعة ملة أبيكم، ثم حذف المضاف، وجعل * (إبراهيم) * أبا الأمة كلها، لأن العرب من ولد إسماعيل، وأكثر العجم من ولد إسحاق، ولأنه أبو رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو أب لأمته، والأمة في حكم أولاده * (هو سماكم) * الضمير لله تعالى أو لإبراهيم * (من قبل) * القرآن في سائر الكتب * (وفي هذا) * القرآن، أي: فضلكم على الأمم وسماكم بهذا الاسم * (ليكون الرسول شهيدا عليكم) * بالطاعة والقبول * (وتكونوا شهداء على) * الأمم بأن الرسل قد بلغوهم، ومثله: * (كذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا) * الآية (3)، وقيل: # * (شهيدا عليكم) * أنه قد بلغكم * (وتكونوا شهداء على الناس) * بعدكم بأن تبلغوا إليهم ما بلغه الرسول إليكم (4). وإذ خصكم سبحانه بهذه الكرامة فاعبدوه وثقوا به وتمسكوا بدينه (5) * (هو مولاكم) * المتولي لأمركم، وهو خير مولى وناصر. ms0780 # PageV02P574 # سورة المؤمنون مكية (1) مائة وثمان عشرة آية كوفي، وتسع عشرة آية غيرهم، لم يعد الكوفي * (وأخاه هارون) * (2). # في حديث أبي: " من قرأها بشرته الملائكة بالروح والريحان يوم القيامة، وبما تقر به عينه عند نزول ملك الموت " (3). # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأها ختم الله له بالسعادة، [و] إذا كان يدمن قراءتها في كل جمعة كان منزله في الفردوس الأعلى مع النبيين والمرسلين " (4). # بسم الله الرحمن الرحيم * (قد أفلح المؤمنون (1) الذين هم في صلاتهم خاشعون (2) # PageV02P575 # والذين هم عن اللغو معرضون (3) والذين هم للزكوة فعلون (4) والذين هم لفروجهم حافظون (5) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمنهم فإنهم غير ملومين (6) فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (7) والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون (8) والذين هم على صلوا تهم يحافظون (9) أولئك هم الوارثون (10) الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون (11)) * الفلاح: الظفر بالمراد، وقيل: البقاء في الخير (1)، و * (أفلح) *: دخل في الفلاح، كأبشر دخل في البشارة. والخشوع * (في) * الصلاة: خشية القلب والتواضع، وأضيفت الصلاة إليهم لأنهم المنتفعون بها، وهي عدتهم وذخيرتهم، والذي يصلون له جل وتقدس عن الحاجة إليها. و * (اللغو) *: ما لا يعنيك من قول أو فعل كالهزل واللعب، والمعنى: أنهم شغلهم الجد عن الهزل (2) والباطل وجميع المعاصي، ولما وصفهم بالخشوع في الصلاة وصفهم عقيبه بالإعراض عن اللغو ليجمع لهم الفعل والترك. # والزكاة: اسم مشترك بين عين ومعنى، فالعين: ما يخرجه المزكي، والمعنى: # فعله الذي هو التزكية، وهو المراد في الآية، وما من مصدر إلا وقد يعبر عن معناه بالفعل، ويقال لمحدثه: فاعل، كما يقال للضارب: فاعل الضرب، وأنشد لأمية بن أبي الصلت: # المطعمون الطعام في السنة * الأزمة والفاعلون للزكوات (3) # PageV02P576 # ويجوز أن يراد بالزكاة: العين على تقدير مضاف محذوف وهو الأداء، ويحمل البيت على هذا أيضا. # * (على أزواجهم) * في موضع الحال، أي: الأوالين على أزواجهم، والمعنى: # أنهم * (لفروجهم حافظون) * في جميع الأحوال * (إلا) * في حال تزويجهم أو تسريهم، ويجوز أن يتعلق * (على) * بمحذوف يدل عليه قوله تعالى: * (غير ملومين) * كأنه قال: يلامون إلا على أزواجهم، ms0781 أي: يلامون على كل مباشر إلا على ما أطلق لهم * (فإنهم غير ملومين) * عليه. * (فمن ابتغى وراء ذلك) * أي: # طلب سوى الأزواج والمملوكة * (فأولئك هم العادون) * الكاملون في العدوان المتناهون فيه. # وقرئ: " لأمانتهم " (1) و * (لأماناتهم) *، و " على صلاتهم " (2) و * (على صلوا تهم) * على الواحد والجمع، وسمي الشئ المؤتمن عليه والمعاهد عليه أمانة وعهدا، ومثله: * (يأمركم أن تؤدوا الأمانات) * (3)، * (وتخونوا أمنتكم) * (4)، وإنما يؤدى المؤتمن عليه لا الأمانة نفسها، وكذلك الخيانة. ويحتمل العموم في كل ما أتمنوا عليه وعهدوا من جهة الله ومن جهة المخلوقين، والخصوص فيما حملوه من الأمانات للناس وعهودهم. # وكرر ذكر الصلاة لأن في الأول وصفهم بالخشوع فيها، وفي الثاني وصفهم بالمحافظة عليها، وهو أن يؤدوها في أوقاتها ويراعوا أركانها، وكان أولئك الجامعون لهذه الصفات هم الأحقاء بأن يسموا وراثا دون من عداهم، ثم بين # PageV02P577 # الوارثين بقوله: * (الذين يرثون الفردوس) * وأنث * (الفردوس) * على تأويل الجنة. # * (ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين (12) ثم جعلنه نطفة في قرار مكين (13) ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظما فكسونا العظم لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخلقين (14) ثم إنكم بعد ذلك لميتون (15) ثم إنكم يوم القيمة تبعثون (16) ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين (17) وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكنه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون (18) فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون (19) وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين (20)) * السلالة: خلاصة تسل من بين الكدر، وعن الحسن: ماء بين ظهراني الطين (1)، والمعنى: * (خلقنا) * جوهر * (الانسان) * أولا * (من طين) * ثم جعلنا جوهره بعد ذلك * (نطفة) *، و * (من) * الأول للابتداء و * (من) * الثاني للبيان. والقرار: # المستقر، يريد: الرحم، وصفها بالمكان (2) التي هي صفة المستقر فيها، كقولهم: # طريق سائر، أو بمكانتها في نفسها لأنها مكنت، بحيث هي وأحرزت. # وقرئ: " عظما فكسونا العظم " على الإفراد (3) وعلى الجمع في الموضعين، وضع الواحد موضع الجمع لزوال اللبس، لأن الإنسان ذو ms0782 عظام كثيرة، أي: * (خلقا آخر) * مباينا للخلق الأول، حيث جعله حيوانا بعد كونه جمادا، وأودع كل جزء # PageV02P578 # من أجزائه من عجائب فطرة وغرائب حكمة ما لا يكتنه بالوصف * (فتبارك الله) * تعالى واستحق التعظيم * (أحسن الخلقين) * أي: أحسن المقدرين تقديرا، فترك ذكر المميز لدلالة * (الخلقين) * عليه. # والطرائق: السماوات، لأنه طورق بعضها فوق بعض، وكل شئ فوقه مثله فهو طريقه، أو: لأنها طرق الملائكة ومتقلباتهم، أو: هي الأفلاك لأنها طرائق الكواكب وفيها مسائرها. # * (بقدر) * أي: بتقدير يصلون به إلى المنفعة ويسلمون من المضرة، أو: بمقدار ما علمنا من مصالحهم وحاجاتهم به * (فأسكنه في الأرض) * كقوله: * (فسلكه ينابيع في الأرض) * (1)، وكما قدرنا على إنزاله فنحن قادرون على رفعه وإزالته، وقوله: * (على ذهاب) * يعني على وجه من وجوه الذهاب * (به) *. # وخص هذه الأنواع الثلاثة من جملة الأشجار لأنها أكرمها وأجمعها للمنافع، ووصف النخيل والأعناب بأن ثمرهما جامع بين أمرين: إنه فاكهة يتفكه بها، وطعام يؤكل رطبا ويابسا، ولذلك أتي بالواو، والزيتون بأن دهنه صالح للاستصباح والاصطباغ جميعا. # * (وشجرة) * عطف على * (جنات) *، وقرئ: * (سيناء) * بكسر السين (2) وفتحها، فمن كسرها فإنما يمنع الصرف للتعريف والعجمة أو للتأنيث لأنها بقعة، لأن " فعلاء " بكسر الفاء لا يكون ألفه للتأنيث كألف " صحراء " و " طور سيناء "، وطور سينين لا يخلو: إما أن يكون مضافا إلى بقعة اسمها: " سيناء " أو " سينون "، وإما أن يكون اسما للجبل مركبا من مضاف ومضاف إليه ك‍ " امرئ القيس " # PageV02P579 # * (بالدهن) * في موضع الحال، أي: تنبت وفيها الدهن، وقرئ: " تنبت " (1)، وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون " أنبت " بمعنى " نبت " كما في بيت زهير: # رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم * قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل (2) والآخر: أن يكون مفعوله محذوفا، والمعنى: ينبت زيتونها، وفيه الزيت. # * (وإن لكم في الانعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون (21) وعليها وعلى الفلك تحملون (22) ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون (23) فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا ms0783 بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين (24) إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين (25)) * القصد ب‍ * (الانعام) * إلى الإبل لأنها مقرونة بالفلك التي هي السفن، وهي سفن البر، أي: * (ولكم فيها منافع) * من الركوب والحمل وغير ذلك، وفيها منفعة زائدة وهي الأكل الذي هو انتفاع بذواتها. # * (غيره) * بالرفع على المحل وبالجر على اللفظ (3)، والجملة استئناف يجري مجرى التعليل للأمر بالعبادة. # * (يريد أن يتفضل عليكم) * أي: يطلب الفضل عليكم والرئاسة، ونحوه: # * (وتكون لكما الكبرياء في الأرض) * (4)، * (بهذا) * أي: ما سمعنا بهذا (5) الكلام، أو: بمثل هذا الذي يدعي أنه رسول الله وهو * (بشر) *. والجنة: الجنون أو الجن # PageV02P580 # أي: به جن يخيلونه * (حتى حين) * أي: اصبروا عليه إلى زمان، فإن أفاق من جنونه وإلا فاقتلوه. # * (قال رب انصرني بما كذبون (26) فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون (27) فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين (28) وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين (29) إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين (30)) * أي: * (انصرني) * بإهلاكهم بسبب تكذيبهم إياي، و * (انصرني) * بدل " ما كذبوني "، كما يقال: هذا بذاك، أي: مكان ذاك، والمعنى: أبدلني من غم تكذيبهم النصرة عليهم، وانصرني بإنجاز ما وعدتهم من العذاب، وهو ما كذبوه فيه حين قال لهم: * (إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) * (1). # * (بأعيننا) * أي: بحفظنا وكلاءتنا، كان معه من الله حفظة يكلؤونه بعيونهم لئلا يتعرض له، ومنه قولهم: عليه من الله عين كالئة * (ووحينا) * أي: بأمرنا وتعليمنا إياك كيف تصنع. # روي: أنه قيل لنوح (عليه السلام): إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت ومن معك في السفينة، فلما نبع الماء من التنور أخبرته امرأته فركب (2). # وقيل: التنور: وجه الأرض (3)، وقد مر ذكره وبيانه (4)، وسلك فيه: ms0784 دخله، # PageV02P581 # وسلك غيره وأسلكه بمعنى * (ولا تخطبني) * أي: ولا تكلمني * (في الذين ظلموا) * أي: بشأنهم، نهاه عن الدعاء لهم لكونهم ظالمين، ولأن الحكمة أوجبت إغراقهم ليكونوا عبرة للمعتبرين. # وكما نهى عن ذلك أمر بالحمد على هلاكهم والنجاة منهم، ثم أمره أن يدعوه بدعاء هو أنفع له، وهو طلب أن ينزله في السفينة أو في الأرض عند خروجه منها * (منزلا مباركا) * يبارك له فيه، وأن يشفع الدعاء بالثناء عليه المطابق لمسألته، وهو قوله: * (وأنت خير المنزلين) *، وقرئ: " منزلا " (1) بمعنى: إنزالا، أو موضع إنزال. # * (وإن كنا) *: * (إن) * هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية، والمعنى: وإن الشأن والقصة كنا مبتلين، أي: مصيبين قوم نوح ببلاء عظيم، أو: مختبرين بهذه الآيات عبادنا ليعتبروا. # * (ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين (31) فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله مالكم من إله غيره أفلا تتقون (32) وقال الملا من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفنهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون (33) ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون (34) أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظما أنكم مخرجون (35) هيهات هيهات لما توعدون (36) إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين (37) إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين (38) قال رب انصرني بما كذبون (39) قال عما قليل ليصبحن نادمين (40)) * # PageV02P582 # * (قرنا آخرين) * هم عاد قوم هود، لأنه المبعوث بعد نوح. * (أن) * مفسرة ل‍ * (أرسلنا) * أي: قلنا لهم على لسان الرسول: * (اعبدوا الله) *. # * (كذبوا بلقاء الآخرة) * أي: بلقاء ما فيها من الحساب والجزاء * (مما تشربون) * منه، وحذف لدلالة ما قبله عليه، أو حذف الضمير، والمعنى: من مشروبكم. # * (أنكم مخرجون) * في موضع الرفع بأنه فاعل فعل هو جزاء الشرط، كأنه قال: * (أيعدكم أنكم إذا متم) * وقع إخراجكم؟ والجملة الشرطية في موضع الرفع بأنها خبر عن * (أنكم) * أو كرر * (أنكم) * للتأكيد، فيكون * (مخرجون) * خبرا عن الأول، وحسن التكرير بفصل ما بين الأول والثاني بالظرف، ms0785 أو ارتفع قوله: # * (أنكم مخرجون) * بالظرف على تقدير: أيعدكم أنكم وقت موتكم وكونكم * (ترابا وعظما) * إخراجكم بكون الظرف مع ما ارتفع به خبرا ل‍ " أن ". # وقرئ * (هيهات) * بالفتح والكسر (1)، وعن الزجاج: معناه: أن البعد لما توعدون (2)، فنزله منزلة المصدر، ويجوز أن يكون اللام لبيان المستبعد ما هو بعد التصويت بكلمة الاستبعاد، كما أن اللام في * (هيت لك) * (3) لبيان المهيت له. # * (إن هي إلا حياتنا) *: * (هي) * ضمير لا يعلم ما يعني به إلا بما يتلوه من بيانه، وأصله: إن الحياة إلا حياتنا الدنيا، ثم وضع * (هي) * موضع الحياة لأن الخبر يدل عليها ويبينها، ومثله: هي النفس ما حملتها تتحمل، والمعنى: لا حياة إلا هذه الحياة * (نموت ونحيا) * أي: يموت بعض ويولد بعض، وينقرض قرن ويأتي قرن. # * (قليل) * صفة للزمان، كقديم وحديث في قولك: ما رأيته قديما ولا حديثا، # PageV02P583 # وفي معناه: عن قريب، و " ما " توكيد بمعنى: قلة المدة وقصرها. # * (فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين (41) ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين (42) ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون (43) ثم أرسلنا رسلنا تترا كل ما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلنهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون (44) ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطن مبين (45) إلى فرعون وملأه فاستكبروا وكانوا قوما عالين (46) فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عبدون (47) فكذبوهما فكانوا من المهلكين (48) ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون (49) وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآوينهما إلى ربوة ذات قرار ومعين (50)) * * (الصيحة) * صيحة جبرائيل (عليه السلام)، صاح بهم فدمرهم * (بالحق) * باستحقاقهم العذاب أو: بالعدل من الله، والغثاء: حميل السيل مما اسود وبلي من العود والورق، وشبه دمارهم بذلك * (فبعدا) * أي: سحقا، وهو من المصادر الموضوعة مواضع أفعالها، أي: بعدوا وهلكوا، يقال: بعد بعدا وبعدا، قال: # إخوتي لا تبعدوا أبدا * وبلى والله قد بعدوا و * (للقوم الظالمين) * بيان لمن دعي عليه بالبعد كما ذكرناه في * (لما توعدون) *. * (أجلها) * الوقت الذي حل لهلاكها. * (تترا) * فعلى، والألف للتأنيث، أي: أرسلناها متواترة يتبع بعضهم ms0786 بعضا، واحدا بعد واحد، وقرئ: " تترى " بالتنوين (1)، والتاء بدل (2) الواو، وأضاف " الرسل " إلى نفسه هنا وإلى أممهم # PageV02P584 # في قوله: * (جاءتهم رسلهم بالبينات) * (1) لأن الإضافة تكون بالملابسة، والوصول يلابس المرسل والمرسل إليه جميعا * (فأتبعنا) * الأمم والقرون * (بعضهم بعضا) * في الإهلاك * (وجعلنهم) * أخبارا يسمر بها، والأحاديث: اسم جمع للحديث، ويكون جمعا أيضا للأحدوثة التي هي مثل الأعجوبة والأضحوكة، وهي ما يتحدث به الناس تعجبا، وهو المراد هنا. # والمراد ب‍ " السلطان المبين ": العصا، لأنها كانت أم آيات موسى، وقد تعلقت بها معجزات شتى، كانفلاق (2) البحر وانفجار العيون من الحجر يضربهما بها، فجعلت كأنها ليست بعضها، فعطفت عليها كقوله: جبرائيل وميكائيل، ويجوز أن يراد به الآيات أنفسها، أي: هي آيات وحجة ظاهرة بينة. # * (قوما عالين) * أي: متكبرين، من قوله: * (إن فرعون علا في الأرض) * (3) أي: متطاولين على الناس ببغيهم وظلمهم. # * (لبشرين مثلنا) * لإنسانين خلقهما مثل خلقنا، والبشر يكون واحدا وجمعا، و " مثل " و " غير " يوصف بهما الاثنان والجمع والمذكر والمؤنث، كقوله: * (إنكم إذا مثلهم) * (4) * (ومن الأرض مثلهن) * (5) ويقال أيضا: هما مثلاه، وهم أمثاله * (إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم) * (6)، * (وقومهما) * يعني: بني إسرائيل * (عبدون) * أي: مطيعون لنا طاعة العبد لمولاه، أي: أعطينا قوم موسى التوراة لكي يهتدوا إلى طريق الحق، ويعملوا بشرائعها. # * (آية) * أي: حجة على قدرتنا على الاختراع، فهو مثل قوله: * (وجعلناها # PageV02P585 # وابنها آية للعلمين) * (1) وذلك أن الآية في كليهما واحدة، وهي: أن عيسى (عليه السلام) خلق من غير ذكر، ومريم حملت من غير فحل * (وآويناهما إلى ربوة) * أي: # وجعلنا مكانهما ومأواهما أرضا مرتفعة، وهي أرض بيت المقدس، فإنها كبد الأرض، وأقرب الأرض إلى السماء، وقيل: فلسطين والرملة (2)، وقيل: هي حيرة الكوفة وسوادها (3)، والقرار: المستقر من أرض مستوية منبسطة. وعن الباقر (عليه السلام) والصادق (عليه السلام): " القرار: مسجد الكوفة " (4). والمعين: الفرات، وأصله الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض، واختلف في زيادة ميمه، فقيل: إنه مفعول من عانه: # إذا أدركه بعينه (5)، وقيل: إنه فعيل من الماعون وهو المنفعة (6)، أي: نفاع لظهوره وجريه. ms0787 # * (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صلحا إني بما تعملون عليم (51) وإن هذه أمتكم أمة وا حدة وأنا ربكم فاتقون (52) فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون (53) فذرهم في غمرتهم حتى حين (54) أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين (55) نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون (56)) * قيل: إنه خطاب لنبينا (صلى الله عليه وآله) (7)، وفيه إعلام بأن كل رسول في زمانه مأمور # PageV02P586 # بذلك وموصى به، والمراد ب‍ * (الطيبات) *: ما طاب وحل، وقيل: هنا كل ما يستطاب ويستلذ من الأكل والفواكه (1)، ويشهد لذلك مجيئه في إثر قوله: # * (وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين) *، ويجوز أن يكون وقع هذا الإعلام عند إيواء عيسى (عليه السلام) ومريم إلى الربوة، فذكر على سبيل الحكاية، أي: آويناهما وقلنا لهما هذا، فعلمهما أن الرسل كلهم خوطبوا به، فكلا مما رزقناكما واعملا صالحا اقتداء بالرسل. # وقرئ: * (وإن هذه) * بالكسر على الاستئناف، " وأن " بالفتح (2) بمعنى: # ولأن، " وأن " المخففة من الثقيلة (3)، و * (أمتكم) * مرفوعة معها. # وقرئ: * (زبرا) * جمع زبور، أي: كتبا مختلفة، يعني: جعلوا دينهم أديانا، وقرئ: " زبرا " (4) أي: قطعا، استعيرت من زبر الفضة والحديد، و * (كل) * فرقة من فرق هؤلاء المختلفين الذين تقطعوا دينهم فرح بباطله، معتقدا أنه على الحق، راض بما عنده. * (في غمرتهم) * أي: فيما هم مغمورون فيه من جهلهم وعمايتهم، وأصل الغمرة: الماء الذي يغمر القامة، أو: شبههم الله باللاعبين في الغمرة لما هم عليه من الباطل، قال ذو الرمة: # كأنني ضارب في غمرة لعب (5) * (حتى حين) * إلى أن يقتلوا أو يموتوا، أي: يحسبون هذه الأمداد مسارعة # PageV02P587 # * (لهم في الخيرات) * ومعاجلة بالثواب قبل وقته، وليس ذلك إلا استدراجا لهم إلى الهلاك، و * (بل) * استدراك لقوله: * (أيحسبون) * أي: بل هم أشباه البهائم لا فطنة لهم حتى يتأملوا ويتفكروا هو استدراج أم مسارعة في الخيرات، والراجع من خبر " أن " إلى اسمه محذوف، والتقدير: نسارع به. # * (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون (57) والذين هم بآيات ربهم يؤمنون (58) والذين هم بربهم لا يشركون (59) والذين يؤتون ms0788 ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون (60) أولئك يسرعون في الخيرات وهم لها سابقون (61) ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتب ينطق بالحق وهم لا يظلمون (62) بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمل من دون ذلك هم لها عاملون (63) حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجرون (64) لا تجروا اليوم إنكم منا لا تنصرون (65) قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقبكم تنكصون (66) مستكبرين به سمرا تهجرون (67)) * * (يؤتون ما آتوا) * أي: يعطون ما أعطوا من الزكاة والصدقة، وقيل: أعمال البر كلها (1) * (وقلوبهم وجلة) * الصادق (عليه السلام): " أي: خائفة أن لا يقبل منهم " (2). # وعنه (عليه السلام): " يؤتي ما آتي وهو خائف راج " (3). # وعن الحسن: المؤمن جمع إحسانا وشفقة، والمنافق جمع إساءة وأمنا (4)، لأنهم أو ب‍ * (- أنهم إلى ربهم راجعون) * وحذف الجار، أي: لإيقانهم بأنهم # PageV02P588 # راجعون إلى الله وجلت قلوبهم، إذ لم يأمنوا التفريط. # * (أولئك يسارعون في الخيرات) * أي: هم الذين يبادرون إلى الطاعات رغبة منهم فيها * (وهم لها سابقون) * أي: فاعلون السبق لأجلها، أو: سابقون الناس لأجلها، أي: وهذا الذي وصف به الصالحون ليس بخارج من حد الوسع والطاقة، وكل ما عمله العباد من التكاليف مثبت عندنا في * (كتب) * ناطق بالحق، وهو صحيفة الأعمال يقرؤون فيه (1) يوم القيامة ما هو صدق وعدل، لا زيادة فيه ولا نقصان، يوفون أجور أعمالهم * (وهم لا يظلمون) * أي: لا ينقص من ثوابهم ولا يزداد في عقابهم، ولا يؤاخذون بذنب غيرهم. # * (بل) * قلوب الكفار * (في غمرة) * أي: غفلة غامرة لها * (من هذا) * أي: من هذا الكتاب المشتمل على الوعد والوعيد وهو القرآن، أو: من هذا الذي عليه هؤلاء الموصوفون من المؤمنين * (ولهم أعمل) * متجاوزة ل‍ * (ذلك) * أي: لما وصف المؤمنون به * (هم لها) * معتادون، وبها مشتغلون. # * (حتى) * يأخذهم الله * (بالعذاب) *: و " حتى " هذه هي التي يبتدأ بعدها الكلام، والعذاب: قتلهم يوم بدر، أو: الجوع حين دعا عليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: # " اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف ms0789 (عليه السلام) (2) " فابتلاهم الله بالقحط حتى أكلوا الجيف والكلاب والعظام المحترقة والقد والأولاد " تجأرون " أي: تصيحون وتصرخون باستغاثة، أي: يقال لهم حينئذ: * (لا تجروا) * فإن الجؤار غير نافع لكم * (إنكم منا لا تنصرون) * أي: لا تغاثون (3) ولا تمنعون منا، أو: من جهتنا لا يلحقكم نصر ومعونة. # PageV02P589 # والضمير في * (به) * للبيت الحرام أو للحرم، والباء يتعلق ب‍ * (مستكبرين) * كانوا يستكبرون (1) على الناس ويفخرون بأنهم ولاته، أو يكون الضمير لا يأتي لأنها في معنى " كتابي "، ومعنى استكبارهم بالقرآن: تكذيبهم به استكبارا، ضمن * (مستكبرين) * معنى " مكذبين " فعدي تعديته، أو: استكبروا بسببه فلم يقبلوه، وعلى هذا فالوقف يكون على * (به) *، ويجوز أن يتعلق الباء ب‍ * (سامرا) * أي: # يستمرون بالطعن في القرآن وتسميته سحرا و (2) شعرا، وبسب النبي (صلى الله عليه وآله)، والسامر: القوم الذين (3) يسمرون ليلا، ويجوز أن يتعلق ب‍ * (تهجرون) * أيضا، أي: # تهذون بذلك، وعلى هذين الوجهين يجوز الوقف على * (مستكبرين) *، وقرئ: # " تهجرون " بضم التاء (4)، من أهجر الرجل في منطقه أي: أفحش، والهجر بالضم: # الفحش، و * (تهجرون) * بالفتح يجوز أن يكون معناه: تهجرون آياتي وكتابي، لا تنقادون له وتكذبون به، من الهجر بالفتح. # * (أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين (68) أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون (69) أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون (70) ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون (71) أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين (72) وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم (73) وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون (74) ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر # PageV02P590 # للجوا في طغيانهم يعمهون (75) ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون (76) حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون (77)) * * (القول) * القرآن، يقول: * (أفلم) * يتدبروا القرآن ليعرفوا أنه الحق الدال على صدق نبينا، بل أجاءهم * (ما لم يأت آباءهم) * فلذلك استبدعوه (1) وأنكروه، كما قال: * (لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم) * (2)، أو: ليخافوا عند تدبر آياته ms0790 مثل ما نزل بمن قبلهم من المكذبين * (أم جاءهم) * من الأمن (3) * (ما لم يأت آباءهم) * حيث خافوا الله فآمنوا به وأطاعوه، وآباؤهم: إسماعيل وأعقابه. # وعن النبي (صلى الله عليه وآله): " لا تسبوا مضر ولا ربيعة فإنهما كانا مسلمين، ولا تسبوا حارث بن كعب ولا أسد بن خزيمة ولا تميم بن مرة فإنهم كانوا على الإسلام، وما شككتم منه من شئ فلا تشكوا في أن تبعا كان مسلما " (4). # * (أم لم يعرفوا) * محمدا وشرفه في نسبه وصدق لسانه وأمانته، وأنه كما قال أبو طالب في خطبته لنكاح خديجة: لا يوزن برجل إلا رجح. # * (أم يقولون به جنة) * أي: جنون وهم يعلمون أنه برئ منها، وأنه أرجح الناس عقلا، وأجلهم قدرا، وأتقنهم (5) رأيا، ولكنه جاءهم بما خالف أهواءهم، ولم يوافق ما ألفوه ونشأوا عليه، ولم يمكنهم دفعه (6)، لأنه الحق المبين، فقولوا على البهت من النسبة إلى الجنون والسحر والشعر. # ثم عظم سبحانه شأن الحق بأن السماوات والأرض ومن فيهن لم يقم إلا به # PageV02P591 # * (ولو اتبع... أهواءهم) * لانقلب باطلا، ولذهب ما يقوم به العالم، ويجوز أن يكون المراد بالحق الإسلام، أي: ولو اتبع أهواءهم وانقلب شركا لأهلك الله العالم، ولجاء بالقيامة ولم يؤخره، وعن قتادة: الحق هو الله تعالى (1)، أي: لو اتبع الله أهواءهم وأمر بالشرك لما كان إلها * (أتيناهم بذكرهم) * أي: بالكتاب الذي هو ذكرهم، أي: شرفهم وصيتهم وفخرهم، أو: بالذكر الذي كانوا يتمنونه ويقولون: # * (لو أن عندنا ذكرا من الأولين لكنا عباد الله المخلصين) * (2). # وأصل الخرج والخراج واحد، وهو ما تخرجه إلى الإمام و (3) والعامل من أجرة أرضك، والخرج أخص من الخراج، يعني: لم * (تسألهم) * على هدايتك لهم قليلا من عطاء الخلق، فالكثير (4) من عطاء الخالق خير. # ألزمهم سبحانه الحجة في هذه الآيات بأن الذي أرسله إليهم رجل معروف أمره، مخبور علانيته وسره، صالح لان يصطفي للرسالة، جدير به، لأنه لم يعهد منه إلا الصدق ووفور العقل والشهامة والأمانة حتى يدعي النبوة بباطل، ولم يجعل ذلك ذريعة إلى استعطاف أموالهم، ولم يدعهم ms0791 إلا إلى الصراط السوي الذي هو دين الإسلام، هذا مع إبراز المكنون من أدوائهم، وهو إخلالهم بالتدبر، وشغفهم بتقليد آباء الضلال من غير برهان، وتعللهم بأنه مجنون بعد ثبات تصديقه من الله بالمعجزات والدلالات، وإعراضهم عما فيه حظهم من الذكر والشرف * (لناكبون) * أي: عادلون عن هذا الصراط المذكور. # ولما أسلم ثمامة بن أثال الحنفي ولحق باليمامة ومنع الميرة من أهل مكة، # PageV02P592 # وأخذهم الله بالسنين حتى أكلوا العلهز - وهو دم القراد مع الصوف - جاء أبو سفيان بن حرب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال له: أنشدك بالله والرحم، ألست تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟ فقال: " بلى "، قال: قتلت الآباء بالسيف، والأبناء بالجوع. والمعنى: لو كشف الله تعالى عنهم هذا الضر وهو الهزال والقحط الذي أصابهم برحمته عليهم ووجدوا الخصب لرجعوا إلى ما كانوا عليه من الاستكبار، ولتمادوا في غوايتهم يترددون. واستشهد على ذلك بأنا أخذناهم بالسيوف، وبما جرى عليهم يوم بدر من قتل صناديدهم وأسرهم، فما وجدت منهم بعد ذلك استكانة ولا تضرع، حتى فتحنا عليهم باب الجوع الذي هو آلم (1) العذاب وأشد من الأسر والقتل، فأبلسوا الساعة وخضعت رقابهم، وجاء أعتاهم في العناد والاستكبار يستعطفك، أو: محناهم بكل محنة من الجوع والقتل فما رئي منهم لين قياد وهم كذلك حتى إذا عذبوا بنار جهنم فحينئذ " يبلسون "، كقوله: * (ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون) * (2)، والإبلاس: اليأس من كل خير، وقيل: هو السكوت مع التحير (3)، واستكان: (4) استفعل من الكون، أي: انتقل من كون إلى كون، كاستحال: إذا انتقل من حال إلى حال، أو: هو افتعل من السكون أشبعت فتحة عينه، كما قيل:... بمنتزاح (5). # * (وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما # PageV02P593 # تشكرون (78) وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون (79) وهو الذي يحى ويميت وله اختلف الليل والنهار أفلا تعقلون (80) بل قالوا مثل ما قال الأولون (81) قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظما أإنا لمبعوثون (82) لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين (83) قل لمن الأرض ومن فيها ms0792 إن كنتم تعلمون (84) سيقولون لله قل أفلا تذكرون (85) قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم (86) سيقولون لله قل أفلا تتقون (87) قل من بيده ملكوت كل شئ وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون (88) سيقولون لله قل فأنى تسحرون (89) بل أتيناهم بالحق وإنهم لكذبون (90)) * إنما خص * (السمع والأبصر والأفئدة) * لأنه يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية ما لا يتعلق بغيرها، وإحدى منافعها أن يستعملوها في آيات الله تعالى وأفعاله، فيستدلوا بذلك على توحيده، ويشكروا نعمه، فإن مقدمة الشكر للنعمة الإقرار بالمنعم بها (1)، وأن لا يجعل معه شريك، أي: * (تشكرون) * شكرا قليلا، و " ما " مزيدة للتأكيد. # ومعنى * (ذرأكم) *: خلقكم وبثكم بالتناسل * (وإليه) * تجمعون بعد تفرقكم. # * (وله اختلف الليل والنهار) * أي: هو المختص به، وهو يتولاه ولا يقدر على تصريفهما غيره، وقرئ: " أفلا يعقلون " بالياء (2). # * (بل قالوا) * أي: قال أهل مكة كما * (قال الأولون) * المنكرون للحشر. # PageV02P594 # والأساطير: جمع أسطورة، وهي ما كتبه الأولون وسطروه مما لا حقيقة له. # ثم احتج عليهم بما فيه تجهيل لهم، والمراد: أجيبوني عما استعملتكم فيه (1): # إن كان عندكم فيه علم * (أفلا) * تتذكرون فتعلموا أن من فطر الأرض ومن فيها من العقلاء وغيرهم كان قادرا على الإعادة إذ ليس ذلك بأعظم منه، وكان حقيقا بأن لا يشرك به في الإلهية بعض مخلوقاته. # قرئ الأول * (لله) * باللام، وفي الآيتين بعده باللام وغير اللام (2)، لأن قولك: # " من ربه " و " لمن هو " في معنى واحد * (أفلا تتقون) * أي: أفلا تخافونه؟ فلا تشركوا به. # يقال: أجار الرجل فلانا على فلان أي: أغاثه منه ومنعه، أي: من يجير من يشاء على من يشاء ولا يجير عليه أحد من أراده بسوء. * (فأنى تسحرون) * أي: # فكيف تخدعون عن توحيده ويموه عليكم؟! كما قال امرؤ القيس: # أرانا موضعين لحتم غيب * ونسحر بالطعام وبالشراب (3) أي: نخدع، والخادع هو الشيطان، أو الهوى. * (بل) * جئناهم * (بالحق) * بأن الشرك باطل، ونسبة الولد إليه محال * (وإنهم لكذبون) * بادعائهم الشرك ونسبتهم إليه الولد. # * (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه ms0793 من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحن الله عما يصفون (91) علم الغيب والشهدة فتعالى عما يشركون (92) قل رب إما تريني ما يوعدون (93) # PageV02P595 # رب فلا تجعلني في القوم الظالمين (94) وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون (95) ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون (96) وقل رب أعوذ بك من همزا ت الشيطين (97) وأعوذ بك رب أن يحضرون (98) حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون (99) لعلى أعمل صلحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون (100)) * * (إذا) * تكون جزاء وجوابا لكلام مقدم، وها هنا شرط محذوف، والتقدير: # ولو * (كان معه آلهة لذهب كل إله بما خلق) * أي: لا نفرد كل واحد من الآلهة بما خلقه من الخلق واستبد به، ولرأيتم ملك كل واحد من الآلهة متميزا من ملك الآخرين، ولغلب بعضهم بعضا، كما أن ملوك الدنيا يتغالبون ويطلب بعضهم قهر بعض، وممالكهم متمايزة، فحين لم تروا أثرا لتمايز الممالك والتغالب فاعلموا أنه إله واحد منزه * (عما يصفون) * من الأولاد والأنداد. # قرئ: * (علم الغيب) * بالجر صفة ل‍ " لله "، وبالرفع (1) خبر مبتدأ محذوف. # والنون و " ما " مؤكدتان، " لأن " أي: إن كان لابد أن * (تريني) * ما وعدوه من العذاب في الدنيا أو في الآخرة فلا تجعلني فيهم، وأخرجني من بينهم إذا أردت إحلال العذاب بهم. وعن الحسن: أخبره الله تعالى أن له في أمته نقمة، ولم يخبره أفي حياته هي أم بعد وفاته، فأمره أن يدعو بهذا الدعاء (2). # وعن ابن عباس رضي الله عنه، وجابر بن عبد الله: أنه (صلى الله عليه وآله) قال في حجة الوداع وهو بمنى: " لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، وأيم الله # PageV02P596 # لئن فعلتموها لتعرفني في كتيبة يضاربونكم "، فغمز من خلفه منكبه الأيسر، فالتفت فقال: " أو علي "، فنزلت الآيات (1). # وقوله: * (رب) * مرتين قبل الشرط وقبل الجزاء، حث على فضل تضرع وجوار * (وإنا... لقادرون) * على إنجاز ما نعدهم، ولكن ننظرهم ونمهلهم. # * (ادفع) * السيئة بالحسنى، وهو الصفح ms0794 عنها ومقابلتها بالإحسان * (نحن أعلم بما) * يذكرونه من أحوالك بخلاف صفتها أو (2) بوصفهم وسوء ذكرهم، وأقدر على جزائهم. # * (أعوذ بك) * أي: أعتصم بك * (من) * نزغات * (الشيطين) * والهمز: النخس، ومنه: مهماز الرائض، والشياطين يحثون الناس على المعاصي كما تهمز الراضة الدواب يحثونها على المشي، ونحوه: * (تؤزهم أزا) * (3)، فأمر عز اسمه بالتعوذ من نخساتهم بلفظ المتضرع إلى ربه المكرر لندائه، وبالتعوذ من أن يحضروه أصلا ويشهدوه، وعن ابن عباس: عند تلاوة القرآن (4)، وعن عكرمة: عند النزع (5)، والأظهر أنه في الأحوال كلها حتى يتعلق ب‍ * (يصفون) * أي: لا يزالون على سوء الذكر إلى هذا الوقت. # * (ارجعون) * خطاب لله تعالى بلفظ الجمع للتعظيم، إذا أيقن بالموت تحسر على ما فرط فيه فسأل ربه الرجعة وقال: * (لعلي أعمل صلحا) * في الذي * (تركت‍) * - ه من المال، وفيما ضيعته من الطاعات، وقيل: هو في الزكاة (6). # PageV02P597 # وسئل الرضا (عليه السلام): أيعرف القديم سبحانه الشئ الذي لم يكن أنه لو كان كيف كان يكون؟ فقال: " أما قرأت قوله عز اسمه: * (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) * وفي موضع آخر: * (ولعلا بعضهم على بعض) * فقد عرف الشئ الذي لم يكن ولا يكون أن لو كان كيف كان يكون، وقوله سبحانه [حين] حكى قول الأشقياء: # * (رب ارجعون لعلى أعمل صلحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها) * قال: # * (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكذبون) * فقد علم الشئ الذي لم يكن أن لو كان كيف كان يكون " (1). # و * (كلا) * معناه: ردع عن طلب الرجعة، وإنكار واستبعاد * (إنها كلمة هو قائلها) * بلسانه لا حقيقة لها، أو: هو قائلها وحده لا تسمع منه * (ومن ورائهم برزخ) * والضمير للجماعة، أي: أمامهم حائل وحاجز بينهم وبين الرجعة إلى يوم البعث من القبور. # * (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون (101) فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (102) ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون (103) تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون (104) ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون (105) قالوا ms0795 ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين (106) ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون (107) قال اخسئوا فيها ولا تكلمون (108) إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين (109) فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكرى وكنتم منهم تضحكون (110)) * # PageV02P598 # * (فلا أنساب بينهم) * أي: لا يتواصلون بالأنساب ولا يتعاطفون بها مع معرفة بعضهم بعضا، أو: يتفرقون معاقبين ومثابين. # وعن النبي (صلى الله عليه وآله): " كل حسب ونسب منقطع يوم القيامة إلا حسبي ونسبي " (1). # * (ولا يتساءلون) * أي: لا يسأل بعضهم بعضا عن حاله وخبره، لشغل كل واحد منهم بنفسه، وأما قوله: * (يتعارفون بينهم) * (2)، * (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) * (3) فقد سئل عنه ابن عباس فقال: هذه تارات يوم القيامة (4)، يعني: # أن للقيامة أحوالا مختلفة يتساءلون ويتعارفون في بعضها، ويشغلهم عظم الهول عن المسألة في بعضها. # والموازين: جمع موزون، وهي الموزونات من الأعمال التي لها قدر ووزن عند الله، وقوله: * (في جهنم خالدون) * بدل من * (خسروا أنفسهم) *، أو يكون خبرا ل‍ * (أولئك) * بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف. * (تلفح) * أي: يصيب وجوههم لفح النار، وعن الزجاج: اللفح والنفح واحد، إلا أن اللفح أشد تأثيرا (5). و " الكلوح " أن تتقلص الشفتان عن الأسنان. # * (غلبت علينا) * أي: ملكتنا، من قولهم: غلبني فلان على كذا إذا أخذه منه، وقرئ: * (شقوتنا) * و " شقاوتنا " (6) ومعناهما واحد، وهو سوء العاقبة الذي استحقوه لسوء أعمالهم. * (اخسئوا فيها) * أي: ذلوا فيها وانزجروا كما تنزجر الكلاب إذا زجرت، يقال: خسئ الكلب فخسأ، لازم ومتعد * (ولا تكلمون‍) * - ي # PageV02P599 # في رفع العذاب فإنه لا يرفع. # * (سخريا) * قرئ بضم السين (1) وكسرها، وهو مصدر سخر كالسخر، إلا أن في الياء زيادة قوة في الفعل، وقيل: إن المكسور من الهزء، والمضموم من السخرة والعبودية (2)، أي: سخرتموهم واستعبدتموهم * (حتى أنسوكم) * بتشاغلكم بهم عن تلك الصفة * (ذكرى) * فتركتموه، أي: تركتم أن تذكروني فتخافوني في أوليائي. # * (إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون (111) قل كم لبثتم في الأرض عدد سنين (112) قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فسئل العادين (113) قل ms0796 إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون (114) أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون (115) فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم (116) ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهن له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون (117) وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين (118) قرئ: * (أنهم) * بفتح الهمزة وكسرها (3)، فالفتح على أنه مفعول * (جزيتهم) *، والكسر استئناف، أي: قد فازوا حيث صبروا فجزوا أحسن الجزاء بصبرهم. # والضمير في * (قال) * لله تعالى، أو للسائل عن لبثهم، وقرئ: " قل " في الموضعين (4) على معنى: قل أيها السائل عن لبثهم، استقصروا مدة لبثهم في الدنيا بالإضافة إلى خلودهم في النار، أو: لم يشعروا بطول لبثهم في القبور لكونهم # PageV02P600 # أمواتا أو: لأن المنقضي في حكم ما لم يكن. وصدقهم الله في تقالهم (1) لسني لبثهم في الدنيا، ووبخهم على غفلتهم التي كانوا عليها. # والمراد ب‍ * (- العادين) * الملائكة، لأنهم أحصوا أعمال العباد وأيامهم، وقيل: # هم الحساب (2)، أي: فاسأل الملائكة الذين عدوا أعمار الخلق، أو: من يقدر أن يلقي فكره إلى العد فإنا لا نعرف عدد تلك السنين إلا أن نستقلها ونحسبها * (يوما أو بعض يوم) *. # * (عبثا) * حال، أي: عابثين، أو مفعول له، أي: ما * (خلقناكم) * للعبث بل للحكمة التي اقتضته، وهي أن نتعبدكم ونكلفكم الطاعات ثم نعيدكم في دار الجزاء لنثيب ونعاقب، وقرئ: * (ترجعون) * بفتح التاء (3). # و * (الحق) * الثابت الذي لا يزول، أو: الذي يحق له الإلهية والملك فلا يزول ملكه، وكل ملك غيره فملكه مستعار، وإنما يملك بعض الأشياء من بعض الوجوه، وهو * (الملك) * المالك لجميع الأشياء من جميع الوجوه ووصف * (العرش) * بالكرم (4) لأن الرحمة تنزل منه، وينال الخير والبركة من جهته، ولنسبته إلى أكرم الأكرمين. # * (لا برهن له به) * صفة لازمة، نحو قوله: * (يطير بجناحيه) * (5) جئ بها للتوكيد، أو: هو اعتراض بين الشرط والجزاء، كما يقال: من أحسن إلى فلان لا أحق بالإحسان منه، فالله مثيبه. # PageV02P601 # سورة النور مدنية (1)، أربع وستون آية. # في حديث أبي: " من قرأها أعطي ms0797 من الأجر عشر حسنات بعدد كل مؤمن ومؤمنة فيما مضى وما بقي " (2). # الصادق (عليه السلام): " حصنوا أموالكم وفروجكم بتلاوة سورة النور، وحصنوا بها نساءكم، فإن من أدمن قراءتها في كل يوم أو في كل ليلة لم يزن أحد من أهل بيته أبدا حتى يموت، فإذا هو مات شيعه إلى قبره سبعون ألف ملك كلهم يدعون ويستغفرون الله له حتى يدخل في قبره " (3) صدق ولي الله. # PageV02P603 # بسم الله الرحمن الرحيم * (سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينت لعلكم تذكرون (1) الزانية والزاني فاجلدوا كل وا حد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين (2) الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين (3)) * * (سورة) * خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ موصوف ب‍ * (أنزلناها) * والخبر محذوف أي: فيما يتلى عليكم * (سورة أنزلناها) *، وقرئ في الشواذ: " سورة أنزلناها " بالنصب (1) على: زيدا ضربته، و * (أنزلناها) * تفسير للفعل المضمر، أو على: اقرأ سورة و * (أنزلناها) * صفة * (وفرضناها) * وفرضنا أحكامها التي فيها، أي (2): جعلناها واجبة مقطوعا بها، وأصل الفرض القطع، وقرئ: " فرضناها " بالتشديد (3) وهو للتوكيد وللمبالغة في الإيجاب، أو: لأن فيها فرائض شتى، تقول: فرضت الفريضة وفرضت الفرائض، وقرئ: * (تذكرون) * بتشديد الذال (4) وتخفيفها. # * (الزانية والزاني) * رفعهما على الابتداء، والخبر محذوف، والتقدير: فيما # PageV02P604 # فرض عليكم الزانية والزاني أي: جلدهما، ويجوز أن يكون الخبر * (فاجلدوا) * لأن الألف واللام بمعنى " الذي " و " التي "، والتقدير: الذي زنى والتي زنت فاجلدوهما، كما تقول: من زنى فاجلدوه. والجلد: ضرب الجلد، تقول: جلده كما تقول: ظهره وبطنه وركبه، وهذا حكم من ليس بمحصن من الزناة الأحرار البالغين، فأما المحصن فحكمه الرجم. وقرئ: " رأفة " بفتح الهمزة (1)، والمعنى: # أن الواجب على المؤمنين أن يستعملوا الجد في دين الله، ولا يأخذهم اللين والهوادة في استيفاء حدوده، وقوله: * (إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) * من باب التهييج وإلهاب الغضب لله ولدينه، وقيل: معناه: * (لا تأخذكم بهما) * رحمة ms0798 تمنعكم عن إقامة الحد عليهما فتعطلوا الحدود (2)، أو: من الضرب الشديد، بل أوجعوهما ضربا ولا تخففوا كما يخفف في حد الشارب. # والرجل يجلد قائما على حالته التي وجد عليها ضربا وسطا مفرقا على الأعضاء كلها، لا يستثنى منها إلا ثلاثة: الوجه والرأس والفرج، وفي لفظ: " الجلد " إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتجاوز الألم إلى اللحم. والمرأة تجلد قاعدة عليها ثيابها قد ربطت عليها حتى لا تبدو عورتها. # وفي تسميته " عذابا " دليل على أنه عقوبة، ويجوز أن يسمى " عذابا " لأنه يمنع من المعاودة كما يسمى " نكالا ". # والطائفة: الفرقة الحافة حول الشئ، وهم ثلاثة فصاعدا، وهي صفة غالبة، وعن الباقر (عليه السلام) وابن عباس (رضي الله عنه) والحسن وغيرهم: " أن أقلها رجل واحد " (3). # PageV02P605 # وينبغي أن لا يشهد إلا خيار الناس. # الفاسق: الذي من شأنه الزنا، لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء اللاتي على خلاف صفته، وإنما يرغب في زانية مثله أو مشركة، وكذلك الزانية المسافحة المشهورة بذلك لا يرغب في نكاحها الصلحاء من الرجال وينفرون عنها، وإنما يرغب فيها من هو من شكلها. وإنما قرن سبحانه بين الزاني والمشرك تفخيما لأمر الزنا واستعظاما له، ومعنى الجملة الأولى: وصف الزاني بكونه غير راغب في العفائف لكن في الزواني، ومعنى الجملة الثانية: وصف الزانية بكونها غير مرغوب فيها للاعفاء ولكن للزناة، وبينهما فرق، وإنما قدمت الزانية على الزاني في الأولى لأن الآية مسوقة لعقوبتهما على جنايتهما، والمرأة منها منشأ الجناية، وهي الأصل والمادة في ذلك، ثم قدم الزاني عليها في الثانية (1) لأن الآية مسوقة لذكر النكاح، والرجل هو الأصل فيه والخاطب، ومنه مبدأ الطلب. وحرم الزنا (2) * (وحرم) * نكاح المشهورات بالزنا على المؤمنين. # * (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمنين جلدة ولا تقبلوا لهم شهدة أبدا وأولئك هم الفاسقون (4) إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (5)) * ذكر سبحانه حد الزنا، ثم ذكر حد القذف بالزنا، أي: يقذفون العفائف من النساء بالزنا والفجور * (ثم لم يأتوا بأربعة) ms0799 * عدول يشهدون بأنهم شاهدوهن يفعلن ذلك * (فاجلدوهم) * والواجب أن يحضروا في مجلس واحد، فإن جاءوا متفرقين كانوا قذفة. # PageV02P606 # ويقتضي نظم الآية أن تكون هذه الجمل الثلاث بأجمعها جزاء للشرط، فيكون التقدير: من قذف المحصنات فاجلدوهم وردوا شهادتهم وفسقوهم، أي: # فاجمعوا لهم الجلد ورد الشهادة والتفسيق * (إلا الذين تابوا) * عن القذف * (وأصلحوا فإن الله) * يغفر لهم، فلا يجلدون ولا ترد شهادتهم ولا يفسقون. # والأبد: اسم لزمان طويل انتهى أو لم ينته، فإذا تاب القاذف قبلت شهادته، سواء حد أو لم يحد، عن أئمة الهدى (عليهم السلام) وابن عباس (رضي الله عنه) (1)، وهو مذهب الشافعي (2). ومن شرط توبة القاذف أن يكذب نفسه، فإن لم يفعل ذلك لم تقبل شهادته. # * (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهدا ت بالله إنه لمن الصدقين (6) والخمسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكذبين (7) ويدرؤا عنها العذاب أن تشهد أربع شهدا ت بالله إنه لمن الكذبين (8) والخمسة أن غضب الله عليها إن كان من الصدقين (9) ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم (10)) * روي: أنه لما نزلت آية القذف قام عاصم بن عدي الأنصاري فقال: يا رسول الله، إن رأى رجل منا مع امرأته رجلا فأخبر بما رأى جلد ثمانين! وإلى أن يجئ بأربعة شهداء فقد قضى الرجل حاجته ومضى، قال: كذلك أنزلت يا عاصم، فخرج فلم يصل إلى منزله حتى استقبله هلال بن أمية يسترجع، فقال: ما وراءك؟ قال: # شر، وجدت على بطن امرأتي خولة شريك بن سمحاء، فقال: هذا والله سؤالي، # PageV02P607 # فرجعا، فأخبر عاصم رسول الله، فبعث إليها فقال: ما يقول زوجك؟ فقالت: # لا أدري، الغيرة أدركته أم بخلا على الطعام، وكان شريك نزيلهم، فنزلت الآيات ولا عن بينهما (1). # وقرئ: " أربع شهادات " بالنصب (2) لأنه في حكم المصدر الذي هو * (فشهادة أحدهم) * وهي مبتدأ محذوف الخبر، فيكون التقدير: فواجب أن يشهد أحدهم أربع شهادات، ويكون * (بالله) * من صلة * (شهدا ت) *، وفي الرفع يكون * (أربع شهدا ت) * خبرا. # وقرئ: ms0800 " أن لعنة الله " و " أن غضب الله " على تخفيف * (أن) * ورفع ما بعدهما (3). وقرئ بنصب * (الخمسة) * الثانية (4) على معنى: وتشهد الخامسة. # وصفة اللعان: أن يوقف الرجل بين يدي الحاكم والمرأة عن يمينه، فيقول الرجل أربع مرات: أشهد بالله أني لمن الصادقين فيما ذكرته من الفجور عنها، ثم يقول في المرة الخامسة: لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به. # ويدرأ (5) عن المرأة العذاب - وهو حد الزنا - أن تقول: أشهد بالله أنه لمن الكاذبين فيما قذفني به، أربع مرات، مرة بعد أخرى، وتقول في الخامسة: غضب الله علي إن كان من الصادقين فيما قذفني به، ثم يفرق الحاكم بينهما، ولا تحل له أبدا، وكان عليها العدة من وقت اللعان. وإن نكل الرجل عن اللعان قبل استكمال # PageV02P608 # الشهادات وجب عليه حد القذف. # وجواب * (لولا) * متروك، وتركه دال على أمر عظيم لا يكتنه. # * (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرى منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم (11) لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين (12) لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون (13) ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم (14) إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم (15) ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم (16) يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين (17) ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم (18) إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون (19) ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤوف رحيم (20)) * " الإفك ": أبلغ الكذب، وأصله من " الإفك " وهو القلب، لأنه قول مأفوك عن وجهه، والمراد: ما أفك به على عائشة وصفوان بن المعطل. والعصبة: الجماعة ms0801 من العشرة إلى أربعين، وكذلك العصابة، واعصوصبوا: اجتمعوا، وهم: عبد الله بن أبي وهو الذي * (تولى كبره) * أي: إثمه، ومسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم. * (لكل امرئ) * من تلك العصبة نصيبه * (من الإثم) * على مقدار خوضه في الإفك، والعذاب العظيم لابن أبي، لأن معظم الشر كان منه، PageV02P609 # يشيع ذلك في الناس ويقول: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقودها، والله ما نجت منه ولا نجا منها. # والخطاب في قوله: * (هو خير لكم) * لعائشة وصفوان لأنهما المقصودان بالإفك، ولمن ساءه ذلك من المؤمنين ولكل من رمي بسب، ومعنى كونه خيرا لهم: # أن الله تعالى يعوضهم بصبرهم. # وكان سبب الإفك: أن عائشة ضاع عقدها في غزوة بني المصطلق، وكانت قد خرجت لقضاء حاجة، فرجعت طالبة له، وحمل هودجها على بعيرها ظنا منهم أنها فيه، فلما عادت إلى الموضع وجدتهم قد رحلوا، وكان صفوان من وراء الجيش، فلما وصل إلى ذلك الموضع وعرفها أناخ بعيره حتى ركبته وهو يسوقه حتى أتى الجيش وقد نزلوا في قائم الظهيرة. كذا رواه الزهري عن عائشة (1). # وقرئ: " كبره " بضم الكاف (2)، أي: عظمه * (بأنفسهم) * أي: الذين هم كأنفسهم، لأن المؤمنين كلهم كالنفس الواحدة. ونحوه: * (ولا تلمزوا أنفسكم) * (3) و * (فسلموا على أنفسكم) * (4)، وقيل: معناه: هلا ظننتم ما تظنونه بأنفسكم لو خلوتم بها (5)، ولم يقل: ظننتم بأنفسكم خيرا، عدولا عن المضمر إلى المظهر، وعن الخطاب إلى الغيبة، ليبالغ في التوبيخ بطريقة الالتفات. ويدل على أن الاشتراك في الإيمان مقتض أن لا يصدق مؤمن على أخيه قول غائب، وموجب أن يصرح ببراءة ساحته وتكذيب قاذفه. # PageV02P610 # * (لولا) * الأولى والثانية للتحضيض، وهذه لامتناع الشئ لوجود غيره، والمعنى: ولولا أني حكمت بأن أتفضل عليكم في الدنيا والآخرة لعاجلتكم بالعقاب فيما خضتم فيه. يقال: أفاض في الحديث واندفع وخاض. # * (إذ) * ظرف * (لمسكم) * أو ل‍ * (أفضتم) *، * (تلقونه) * يأخذه بعضكم من بعض، يقال: تلقى القول وتلقنه وتلقفه بمعنى، والأصل تتلقونه، وصفهم بارتكاب آثام ثلاثة، وعلق مس العذاب العظيم بها، ms0802 وهو: التحدث منهم به حتى انتشر وشاع، وقولهم بأفواههم ما لا علم لهم به، واستحقارهم لذلك. # وفصل بين * (لولا) * و * (قلتم) * بالظرف لفائدة، وهي بيان أنه كان يجب عليهم أول ما سمعوا أن يتفادوا عن التكلم به، فكان ذكر الوقت أهم، فوجب تقديمه * (سبحانك) * فيه تعجب من عظم الأمر، أو تنزيه الله من أن تكون زوجة نبيه فاجرة. * (يعظكم الله) * في * (أن تعودوا) * من قولك: وعظت فلانا في كذا فتركه، أو كراهة أن تعودوا أبدا، أي: ما دمتم أحياء مكلفين، و * (إن كنتم مؤمنين) * تهييج (1) لهم، أو (2) تذكير بما يوجب ترك العود، وهو اتصافهم بالإيمان الصارف عن القبيح. # * (تشيع الفاحشة) * أي: تشيعونها عن قصد إلى الإشاعة ومحبة لها، وعذاب الدنيا: الحد * (والله يعلم) * ما في القلوب من الأسرار. # * (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوا ت الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكى من يشاء والله سميع عليم (21) ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولى القربى والمسكين # PageV02P611 # والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم (22) إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم (23) يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون (24) يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين (25)) * * (ما زكى منكم) * أي: ما طهر أحد منكم من وسوسة الشيطان، لكنه سبحانه يطهر بلطفه من يشاء، وهو من له لطف يفعله به ليزكو عنده ويصلح به. # * (ولا يأتل) * أي: لا يحلف، وهو افتعال من الألية، وقرئ: " ولا يتأل " (1)، وعن الزجاج: يريد أن لا يؤتوا فحذف " لا "، والمعنى: لا يحلفوا على أن لا يحسنوا إلى من يستحق الإحسان (2) * (أولوا الفضل) * أولو الغنى * (منكم والسعة) * في المال، وقيل: معناه: لا يقصروا في أن يحسنوا إليهم وإن كانت بينهم وبينهم إحنة لجناية اقترفوها (3)، من قولهم: ما ألوت جهدا، إذا ms0803 لم تدخر منه شيئا، نزلت في شأن مسطح، وكان ابن خالة أبي بكر، وكان فقيرا، وكان أبو بكر ينفق عليه، فلما خاض في الإفك حلف أن لا ينفق عليه. وقيل: نزلت في جماعة من الصحابة حلفوا أن لا يتصدقوا على من تكلم بشئ من الإفك ولا يواسوهم (4). # * (الغافلات) * عن الفواحش. وقرئ: * (يوم تشهد) * بالتاء والياء (5). والدين: # PageV02P612 # الجزاء، و * (الحق) * صفة للدين، أي: يوفيهم الجزاء الحق الذي هم أهله * (أن الله هو الحق المبين) * أي: العادل، الظاهر العدل الذي لا ظلم في حكمه. # * (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرؤون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم (26) يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذا لكم خير لكم لعلكم تذكرون (27) فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم (28) ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متع لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون (29)) * * (الخبيثات) * من الكلم تقال أو تعد للخبيثين من الرجال والنساء * (والخبيثون) * منهم يتعرضون للخبيثات من القول، وكذلك * (الطيبات... # والطيبون) *، و * (أولئك) * إشارة إلى الطيبين، وأنهم * (مبرؤون) * مما يقول الخبيثون من خبيثات الكلم. ويجوز أن يكون المراد بالخبيثات والطيبات النساء، أي: الخبائث يتزوجن الخباث، والخباث الخبائث، فكذلك أهل الطيب. # * (حتى تستأنسوا) * فيه وجهان: أحدهما: أنه من الاستئناس، خلاف الاستيحاش، لأن الذي يطرق باب غيره لا يدري أيؤذن له أم لا، فهو كالمستوحش لخفاء الحال عليه، فإذا أذن له استأنس، فالمعنى: حتى يؤذن لكم، فهو كقوله: * (لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم) * (1) فوضع الاستئناس موضع الإذن، لأن الاستئناس يرادف الإذن. والثاني: أنه استفعال من أنس الشئ: # إذا أبصره مكشوفا، والمعنى: حتى تستعلموا وتستكشفوا الحال هل يراد دخولكم # PageV02P613 # أم لا؟ ومنه قولهم: استأنست فلم أر أحدا، أي: استعلمت وتعرفت، ومنه قول النابغة: # على مستأنس وحد (1) وعن أبي أيوب الأنصاري: قلنا: يا رسول الله، ما ms0804 الاستئناس؟ قال: " يتكلم الرجل بالتسبيحة والتحميدة والتكبيرة ويتنحنح، يؤذن أهل البيت، والتسليم: # أن يقول: السلام عليكم، أأدخل، ثلاث مرات. فإن أذن له وإلا رجع " (2). # * (ذا لكم) * الاستئذان والتسليم * (خير لكم) * من تحية الجاهلية وهو قولهم: # حييتم صباحا أو مساء، أو من الدخول بغير إذن * (لعلكم تذكرون) * أي: أنزل عليكم هذا إرادة أن تتعظوا وتعملوا بما أمرتم به في باب الاستئذان. # * (فإن لم تجدوا فيها أحدا) * من الآذنين * (فلا تدخلوها) * واصبروا حتى تجدوا من يأذن لكم، أو: إن لم تجدوا فيها أحدا من أهلها فلا تدخلوها إلا بإذن أهلها لأنه تصرف في ملك غيرك، فلابد أن يكون برضاه * (فارجعوا) * ولا تقفوا على الأبواب منتظرين، ولا تلحوا (3) في تسهيل الحجاب * (هو أزكى لكم) * الرجوع أطهر لكم، لما فيه من السلامة والبعد عن الريبة لكم، وأنفع لكم وأنمى خيرا، ثم أوعد المخاطبين بأنه * (عليم) * بما يأتون وما يذرون، فيجازي بحسب ذلك. # ثم استثنى من البيوت التي لا يجب على داخلها الاستئذان: ما ليس بمسكون # PageV02P614 # منها نحو: الفنادق وهي الخانات والربط وحوانيت الباعة والأرحية والحمامات، والمتاع: المنفعة والارتفاق والبيع والشراء، وقيل: هي الخربات المعطلة يتبرز فيها، والمتاع: التبرز (1). # * (قل للمؤمنين يغضوا من أبصرهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون (30) وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بنى إخوانهن أو بنى أخوا تهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورا ت النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون (31)) * * (من) * للتبعيض، والمراد: غض البصر عما يحرم، والاقتصار به على ما يحل. # ويجوز عند الأخفش أن يكون " من " مزيدة (2)، ولم يجزه سيبويه (3). # الصادق (عليه السلام): " حفظ الفروج عبارة عن التحفظ من ms0805 الزنا في جميع القرآن، إلا هنا فإن المراد به الستر حتى لا ينظر إليها أحد، ولا يحل للرجل أن ينظر إلى فرج أخيه، ولا للمرأة أن تنظر إلى فرج أختها " (4). # ثم أخبر أنه * (خبير) * بأحوالهم وأفعالهم، ويعلم كيف * (يصنعون) *، فعليهم أن يكونوا على حذر واتقاء في كل حركة وسكون. # PageV02P615 # وأمر النساء أيضا بغض الأبصار وحفظ الفروج كما أمر الرجال. # وعن أم سلمة قالت: كنت عند النبي (صلى الله عليه وآله) وعنده ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم، وذلك بعد أن أمرنا بالحجاب، فقال: احتجبا، فقلنا: يا رسول الله، أليس أعمى لا يبصرنا؟ فقال: أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه (1)؟ # الزينة: ما تزينت المرأة من حلي أو كحل أو خضاب، وهي ظاهرة وباطنة، فالظاهر لا يجب سترها وهي الثياب، وقيل: الكحل والخاتم والخضاب في الكف (2)، وقيل: الوجه والكفان (3)، وعنهم (عليهم السلام): الكفان والأصابع، والباطنة كالخلخال والسوار والقلادة والقرط، فلا تبديه إلا لهؤلاء المذكورين (4). # وسئل الشعبي: لم لم يذكر الله الأعمام والأخوال؟ فقال: لئلا يصفها العم عند ابنه، وكذلك الخال (5). # وذكر الزينة دون مواقعها للمبالغة في الأمر بالتستر، لأن هذه الزين واقعة على مواضع من الجسد، لا يحل النظر إليها لغير هؤلاء، وأما الظاهرة فسومح فيها لهن، لأن المرأة لا تجد بدا من ذلك، خصوصا في الشهادة والمحاكمة. # والخمر: المقانع، جمع خمار، أمرن بإلقائها على جيوبهن لأنها لو كانت واسعة تبدو منها نحورهن، وكن يسدلن الخمر من ورائهن فتبقى مكشوفة، فأمرن بسدلها من قدامهن حتى تغطيها. ويجوز أن يكون المراد بالجيوب الصدور تسمية بما # PageV02P616 # يليها، كما قيل: ناصح الجيب، وضربها بالخمار على الجيب وضعها عليه، كقولك: # ضربت بيدي على الحائط. وقرئ: " جيوبهن " بكسر الجيم (1) لأجل الياء، و " بيوتا غير بيوتكم " (2) بكسر الباء (3). * (أو نسائهن) * يعني: النساء المؤمنات، لأنه ليس للمؤمنة أن تتجرد بين يدي مشركة أو كتابية، وعن ابن عباس: والظاهر أنه عنى بنسائهن و * (ما ملكت أيمانهن) * من في صحبتهن وخدمتهن من الحرائر والإماء (4). وقيل: * (ما ملكت أيمانهن) * هم الذكور والإناث جميعا (5). # والتابع: هو ms0806 الذي يتبعك لينال من طعامك، ولا حاجة له في النساء، وهو الأبله الذي لا يعرف شيئا من أمر النساء، وقرئ * (غير) * بالنصب (6) على الاستثناء أو الحال، وبالجر على الوصفية، و * (الإربة) * الحاجة * (أو الطفل) * وضع الواحد موضع الجمع لأنه يفيد الجنس، و * (لم يظهروا) * هو إما من ظهر على الشئ: إذا اطلع عليه، أي: لا يعرفون ما العورة، ولا يميزون بينها وبين غيرها، وإما من ظهر على فلان: إذا قوي عليه، أي: لم يبلغوا وقت القدرة على الوطء لعدم شهوتهم. # وكانت المرأة تضرب الأرض برجلها ليتقعقع خلخالها، وقيل: كانت تضرب بإحدى رجليها الأخرى * (ليعلم) * أنها ذات خلخالين (7)، وإذا نهين عن إظهار صوت الحلي بعدما نهين عن إظهار الحلي علم أن النهي عن إظهار مواضع الحلي أبلغ. # PageV02P617 # وقرئ: " أيه المؤمنون " بضم الهاء (1)، والوجه فيه: أن الألف لما سقطت من " أيها " لالتقاء الساكنين اتبعت حركتها حركة ما قبلها. # * (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله وا سع عليم (32) وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم (33) ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين (34)) * الأيامى واليتامى أصلهما " أياييم " و " تيايم " فقلبا، والأيم للرجل والمرأة، وتأيما إذا لم يتزوجا بكرين كانا أو ثيبين. # وفي الحديث: " اللهم إنا نعوذ بك من العيمة والأيمة والغيمة " (2). # أي: * (أنكحوا) * من يأتم منكم من الأحرار والحرائر، ومن كان فيه صلاح من غلمانكم وجواريكم، وهذا أمر ندب واستحباب. # وعنه (عليه السلام): " من أحب فطرتي فليستن بسنتي، وهي النكاح " (3). # وعنه (عليه السلام): " من كان له ما يتزوج به فلم يتزوج فليس منا " (4). # وعنه (عليه السلام): " التمسوا الرزق بالنكاح " (5). # PageV02P618 # الصادق (عليه السلام): " من ترك التزويج مخافة العيلة فقد ms0807 أساء الظن بربه، لقوله تعالى: * (إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله) * " (1). # * (لا يجدون نكاحا) * أي: استطاعة تزوج، ويجوز أن يراد بالنكاح ما ينكح به من المال * (والذين يبتغون) * مرفوع بالابتداء، أو منصوب بفعل مضمر يفسره * (فكاتبوهم) * كقولك: زيدا فاضربه، ودخلت الفاء لتضمن معنى الشرط. والمكاتبة والكتاب أن يقول الرجل لمملوكه: كاتبتك على كذا، ومعناه: كتبت لك على نفسي أن تعتق مني إذا وفيت بالمال وكتبت لي على نفسك أن تفي بذلك، أو: كتبت عليك الوفاء بالمال وكتبت علي العتق * (إن علمتم فيهم خيرا) * أي: صلاحا ورشدا، وقيل: قدرة على أداء مال الكتابة (2). * (وآتوهم) * أمر بإعانتهم وإعطائهم سهمهم الذي جعله الله لهم في قوله: * (وفي الرقاب) * (3)، أو: حظهم من المال الذي عليهم وهو استحباب. * (ولا تكرهوا) * إماءكم على الزنا، وكانت إماء أهل الجاهلية يساعين على مواليهن، وكانت لعبد الله بن أبي ست جوار يكرههن على البغاء، وضرب عليهن ضرائب، فشكت اثنتان منهن إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فنزلت (4). # ويكنى بالفتى والفتاة عن العبد والأمة. # وفي الحديث: " ليقل أحدكم: فتاي وفتاتي، ولا يقل: عبدي وأمتي " (5). # و * (البغاء) * مصدر البغي، وإنما شرط إرادة التحصن لأن الإكراه لا يتأتى إلا مع إرادة التحصن، وهو التعفف. وكلمة * (إن) * وإيثارها على " إذا " تؤذن بأنهن كن يفعلن ذلك برغبة وطوع، ومن يجبرهن * (فإن الله من بعد إكراههن غفور) * # PageV02P619 # وللمكرهات لا للمكره * (رحيم) * بهن، وعن الصادق (عليه السلام): " لهن غفور رحيم ". # و * (مبينات) * أي: واضحات ظاهرات في معاني الأحكام والحدود، و " مبينات " بالفتح: موضحات مفصلات * (ومثلا) * من أمثال * (من قبلكم) * وشبها من حالهم بحالكم. # * (الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب درى يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثل للناس والله بكل شئ عليم (35) في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو ms0808 والآصال (36) رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصر (37) ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب (38)) * قال: * (نور السماوات) *، ثم قال: * (مثل نوره) * و * (يهدي الله لنوره) *، كما يقال: فلان كرم وجود، ثم يقول: ينعش الناس بكرمه ويشملهم جوده. ومعناه: ذو نور السماوات وصاحب نور السماوات، وإضافة النور إلى السماوات والأرض لأحد معنيين: إما لأن المراد أهل السماوات والأرض وأنهم يستضيئون بنوره، وإما للدلالة على عموم إضاءته وشيوع إشراقه. # ورووا عن علي (عليه السلام): * (الله نور السماوات والأرض) * والمعنى: نشر فيها الحق فأضاءت بنوره، أو نور قلوب أهلها به (1). # PageV02P620 # * (مثل نوره) * أي: صفة نوره العجيبة الشأن في الإضاءة والإشراق * (كمشكاة) * أي: كصفة مشكاة، وهي الكوة في الجدار غير النافذة * (فيها مصباح) * أي: سراج ثاقب * (المصباح في زجاجة) * زهراء هي مشبهة في ظهورها (1) ب‍ * (كوكب درى) * من الكواكب المشهورة بمزيد الضوء والظهور (2) كالمشتري والزهرة ونحوهما، وهو منسوب إلى الدر، أي: أبيض متلألئ. وقرئ: " درئ " بالهمزة (3) على زنة " سكيت "، كأنه يدرأ الظلام أي: يدفعه بضيائه، و " دري " (4) كمريق، وهو العصفر * (يوقد) * هذا المصباح * (من شجرة) * أي: مبدأ ثقوبه من شجرة الزيتون، يعني: رويت ذبالته بزيتها، ومن قرأ " توقد " بالتاء (5) فالفعل للزجاجة، والتقدير: # مصباحه الزجاجة، فحذف المضاف، وقرئ: * (يوقد) * بالياء أيضا * (مباركة) * كثيرة البركة والمنفعة، لأنه يسرج بدهنها، ويؤتدم بها، ويوقد بحطبه وثفله، ويغسل الإبريسم برماده، وهي أول شجرة نبتت بعد الطوفان في الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، وقيل: لأن سبعين نبيا باركوا فيها منهم إبراهيم (عليه السلام) (6) * (لا شرقية ولا غربية) * لأن منبتها الشام، وهي بين المشرق والمغرب، وأجود الزيتون زيتون الشام، وقيل: لا يفئ عليها ظل شرق ولا غرب، بل هي ضاحية للشمس لا يظلها شجر ولا جبل، فزيتها يكون أصفى (7)، وقيل: ليست في مقنأة (8) لا تصيبها الشمس، ولا في مضحى لا يصيبها الظل، لكن الشمس والظل # PageV02P621 # يتعاقبان عليها (1). وعن الحسن: ليست ms0809 من شجرة الدنيا فتكون شرقية أو غربية (2) * (يكاد زيتها يضئ) * من صفائه وفرط تلألئه وضيائه من غير نار، و * (نور على نور) * أي: هو نور متضاعف، قد تظاهر فيه نور الزيت ونور المصباح ونور الزجاجة، فلم يبق مما يقوي النور ويزيد في إضاءته بقية. # واختلف في هذا النور الذي أضافه سبحانه إلى نفسه وما شبهه به، فذهب الأكثر من المفسرين إلى أنه نبينا محمد (صلى الله عليه وآله)، فكأنه قال: مثل محمد (صلى الله عليه وآله) رسول الله وهو المشكاة، والمصباح قلبه، والزجاجة صدره، شبهه بالكوكب الدري، ثم رجع إلى قلبه المشبه بالمصباح فقال: يوقد هذا المصباح من شجرة مباركة يعني: # إبراهيم (عليه السلام)، لأن أكثر الأنبياء من صلبه، أو: شجرة الوحي لا شرقية ولا غربية: لا نصرانية ولا يهودية، لأن النصارى تصلي إلى المشرق واليهود إلى المغرب * (يكاد) * أعلام النبوة تشهد له قبل أن يدعو إليها، أو: يكاد صدقه في نبوته يتبين ويتميز وإن لم ير شئ من معجزاته، كما قال عبد الله بن رواحة: # لو لم تكن فيه آيات مبينة * كانت بديهته تنبئك بالخير (3) وعن الباقر (عليه السلام): " إن قوله: * (كمشكاة) * عليها مصباح هو نور العلم في صدر النبي (صلى الله عليه وآله)، والزجاجة صدر علي (عليه السلام)، علمه النبي (صلى الله عليه وآله) علمه فصار إلى صدره * (يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار) * يكاد العالم من آل محمد (صلى الله عليه وآله) يتكلم بالعلم قبل أن يسأل * (نور على نور) * أي: إمام يؤيد بنوره العلم والحكمة في إثر إمام من آل محمد (صلى الله عليه وآله)، وذلك من لدن آدم إلى قيام الساعة، هم خلفاء الله في أرضه، وحججه على خلقه، لا تخلو الأرض في كل عصر من واحد منهم " (4). # PageV02P622 # وهذا يقتضي أن تكون الشجرة المباركة هي هذه الشجرة التي أشرقت الأرض بنورها من عهد آدم إلى منقرض العالم. # وقيل: إن نور الله هو الحق (1)، كما في قوله: * (يخرجهم من الظلمات إلى النور) * (2) أي: من الباطل ms0810 إلى الحق، وعن أبي بن كعب: أنه قرأ " مثل نور من آمن به " (3) يهدي الله بهذا النور الثاقب من يشاء من عباده، بأن يفعل به لطفا إذا علم أنه يصلح له، ويوفقه لاتباع دلائله. # * (في بيوت) * يتعلق بما قبله، أي: كمشكاة في بعض بيوت الله، وهي المساجد، أو بما بعده وهو * (يسبح له... رجال) * في بيوت. وقوله: * (فيها) * هو تكرير كما يقال: زيد في الدار جالس فيها، والمراد بالإذن: الأمر * (أن ترفع) * أي: # تبنى، كقوله: بناها: رفع سمكها * (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت) * (4)، أو: # تعظم وترفع من قدرها، وقيل: هي بيوت الأنبياء (5)، وروي ذلك مرفوعا، وهو: # أنه (عليه السلام) لما قرأ هذه الآية سئل: أي بيوت هذه؟ قال: بيوت الأنبياء، فقام أبو بكر فقال: يا رسول الله، هذا البيت منها، وأشار إلى بيت علي (عليه السلام) وفاطمة (عليهما السلام)؟ فقال: # نعم، من أفاضلها (6). * (ويذكر فيها اسمه) * أي: يتلى فيها كتابه، ويذكر أسماؤه الحسنى، وقرئ: " يسبح له " على البناء للمفعول (7)، وإسناده إلى أحد الظروف الثلاثة وهي: * (له فيها بالغدو والآصال) *. # PageV02P623 # ويرتفع * (رجال) * بما دل عليه * (يسبح) * أي: يسبح رجال، والآصال: جمع أصل وهو العشي، والمعنى: بأوقات الغدو أي: بالغدوات، والتجارة: صناعة التاجر، أي: لا يشغلهم عن الذكر والصلاة، فإذا حضرت الصلاة تركوا التجارة وقاموا إليها * (وإقام الصلاة) * أي: إقامتها، فإن التاء في " إقامة " عوض من العين الساقطة، إذ الأصل " إقوام " فلما أضيفت أقيمت الإضافة مقام حرف التعويض فأسقطت، ونحوه: # وأخلفوك عدا الأمر الذي وعدوا (1) وتقلب القلوب والأبصار: أن تضطرب من الهول والفزع، و " تشخص " أي: # تتقلب أحوالها فتفقه القلوب وتبصر الأبصار بعد أن كانت لا تفقه ولا تبصر، أي: # يسبحون ليجزيهم جزاء أعمالهم مضاعفا، ويزيدهم على الثواب تفضلا، والتفضل يكون * (بغير حساب) *. # * (والذين كفروا أعملهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفه حسابه والله سريع الحساب (39) أو كظلمات في بحر لجي يغشه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمت بعضها فوق ms0811 بعض إذا أخرج يده لم يكد يربها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور (40) ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صفت كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون (41) ولله ملك السماوات والأرض وإلى الله المصير (42)) * # PageV02P624 # والسراب: ما يرى في الفلاة يسرب على وجه الأرض كأنه ماء يجري، والقيعة: بمعنى القاع أو جمع القاع، وهو المستوي من الأرض، شبه ما يعمله الكفار من الأعمال التي يحسبها نافعة عند الله بسراب، يراه من غلبه العطش فيحسبه ماء، فيأتيه فلا يجد ما يرتجيه * (ووجد الله) * عند عمله فجازاه على كفره، أو: وجد الله عنده بالمرصاد فأتم له جزاءه، وهذا في الظاهر خبر عن * (الظمآن) * وفي المعنى خبر عن الكفار، وفي معناه: * (وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا) * (1) * (عاملة ناصبة) * (2) * (يحسبون أنهم يحسنون صنعا) * (3). # والبحر اللجي: الكثير الماء، منسوب إلى اللج وهو معظم ماء البحر * (يغشه) * أي: يعلو ذلك البحر * (موج) * من فوق ذلك الموج * (موج من) * فوق الموج * (سحاب... ظلمات) * ظلمة البحر وظلمة الموج وظلمة السحاب * (إذا أخرج) * الواقع فيها * (يده لم يكد يربها) * مبالغة في: لم يرها، أي: لم يقرب أن يراها، وهذا تشبيه ثان لأعمالهم في خلوها عن نور الحق وظلمتها لبطلانها بظلمات متراكمة * (ومن لم يجعل الله له نورا) * بتوفيقه ولطفه فهو في ظلمة الباطل لا نور له. وقرئ: " سحاب ظلمات " على الإضافة (4)، و " سحاب " بالرفع والتنوين " ظلمات " بالجر (5) بدلا من * (ظلمات) * الأولى. # * (صفت) * يصففن أجنحتهن في الهواء، والضمير في * (علم) * ل‍ * (كل) * أو ل‍ * (الله) *، وكذلك في * (صلاته وتسبيحه) * كما ألهمها سائر العلوم الدقيقة التي لا يكاد العقلاء يهتدون إليها. # PageV02P625 # * (ألم تر أن الله يزجى سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالابصار (43) يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة ms0812 لأولي الأبصار (44) والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشى على بطنه ومنهم من يمشى على رجلين ومنهم من يمشى على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شئ قدير (45) لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (46)) * * (يزجى) * يسوق، ومنه: البضاعة المزجاة، يزجيها كل أحد لا يرضاها، والسحاب قد يكون واحدا كالغماء وجمعا كالرباب * (ثم يؤلف بينه) * أي: بين أجزائه بأن يضم بعضها إلى بعض، ولذلك جاز " بينه " وهو واحد، كما قيل في قوله: # بين الدخول فحومل (1) والركام: المتراكم، والودق: المطر * (من خلله) * من فتوقه ومخارج القطر منه جمع خلل، وقرئ في الشواذ: " من خلله " (2). ذكر من جملة الدلائل على ربوبيته: # تسبيح من في السماوات والأرض وكل ما يطير، ثم ذكر سبحانه: تسخير السحاب، وإنزال المطر منه، وما يحدث فيه من الأفعال على ما تقتضيه الحكمة. # و * (من) * الأولى لابتداء الغاية والثانية للتبعيض والثالثة للتبيين، أو: الأولتان للابتداء، والآخرة للتبعيض، على معنى: ينزل البرد من السماء * (من جبال فيها) *، # PageV02P626 # وعلى الأول يكون * (من جبال) * مفعول * (ينزل) * وقرئ: * (يذهب بالأبصار) * على أن يكون الباء مزيدة كما في قوله: * (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) * (1) أي: # يكاد ضوء برقه يخطف البصر لشدة لمعانه. * (يقلب الله الليل والنهار) * أي: # يصرفهما ويخالف بينهما بالطول والقصر. # ولما كان اسم " الدابة " يقع على المميز وغير المميز غلب حكم المميز بأن قال: * (فمنهم من يمشى) * في الماشي على بطنه، والماشي على * (أربع) * قوائم، ولم يذكر ما يمشي على أكثر من أربع، لأنه كما يمشي على أربع في مرأى العين. # وعن الباقر (عليه السلام): " ومنهم من يمشي على أكثر من ذلك " (2). وإنما نكر قوله: * (من ماء) * لأن المعنى: أنه خلق كل دابة من نوع من الماء مختص بتلك الدابة، فمنها ناس، ومنها بهائم، ومنها هوام، ومن نحوه قوله: * (يسقى بماء وا حد) * (3). وسمى الزحف على البطن مشيا على طريق الاستعارة، كما قالوا: مشى هذا الأمر، أو: # على طريق المشاكلة لأنه ذكرها مع ms0813 الماشين. وقرئ: " خالق " (4). # * (ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين (47) وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون (48) وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين (49) أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون (50) إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك # PageV02P627 # هم المفلحون (51) ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون (52)) * يعني بقوله: * (إلى الله ورسوله) * إلى رسول الله بدلالة قوله: * (ليحكم بينهم) *، كما قيل: أعجبني زيد وكرمه، والمراد: كرم زيد. وروي: أن رجلا كانت بينه وبين علي (عليه السلام) خصومة في ماء وأرض، فقال الرجل: لا أحاكم إلى محمد (صلى الله عليه وآله) فإني أخاف أن يحكم له علي (1). وذكر أبو القاسم البلخي: أنها كانت بين علي (عليه السلام) وبين عثمان، وكان قد اشترى أرضا من علي (عليه السلام)، فخرجت فيها أحجار، فأراد ردها بالعيب، فقال: بيني وبينك رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال الحكم بن أبي العاص: # إن حاكمته إلى ابن عمه حكم له، فنزلت (2). # * (مذعنين) * مسرعين منقادين، و * (إليه) * صلته أو صلة * (يأتوا) *، والمعنى: # أنهم ينحرفون عن المحاكمة إليك إذا كان الحق عليهم لعلمهم بأنك لا تحكم إلا بالحق المر والعدل البحت، وإن ثبت لهم حق على خصم أسرعوا إليك ولم يرضوا إلا بحكومتك، لتأخذ لهم ما ثبت لهم في ذمة الخصم. * (بل أولئك هم الظالمون) * أي: لا يخافون أن يحيف عليهم لمعرفتهم بحاله، وإنما هم ظالمون يريدون ظلم من له الحق عليهم. # وقرئ: * (يتقه) * بكسر القاف والهاء مع الوصل (3) وبغير وصل (4)، وبسكون # PageV02P628 # الهاء (1)، وبسكون القاف وكسر الهاء. شبه " تقه " بكتف فخفف، كقول الشاعر: # قالت سليمى: اشتر لنا سويقا (2) وعن ابن عباس: * (ومن يطع الله) * في فرائضه * (ورسوله) * في سننه، ويخشى * (الله) * على ما مضى من ذنوبه ويتقه في المستقبل (3). # * (وأقسموا بالله جهد أيمنهم لئن أمرتهم ليخرجن ms0814 قل لا تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون (53) قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلغ المبين (54) وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون (55)) * * (جهد أيمنهم) * أصله: يجهدون الأيمان جهدا، فحذف الفعل وقدم المصدر فوضع موضعه مضافا إلى المفعول، كقوله: * (فضرب الرقاب) * (4)، وحكم هذا المنصوب حكم الحال، كأنه قال: جاهدين أيمانهم، وجهد يمينه مستعار من جهد نفسه إذا بلغ أقصى وسعها، وذلك إذا بالغ في اليمين وبلغ غاية وكادتها، وعن ابن عباس: من قال: بالله، فقد جهد يمينه (5). * (لئن أمرتهم) * بالخروج في غزواتك # PageV02P629 # * (طاعة معروفة) * خبر مبتدأ محذوف، أي: أمركم، والذي يطلب منكم طاعة معلومة لا يشك فيها كطاعة المخلصين لا أيمان تقسمون بها بأفواهكم وقلوبكم لا تطابقها، أو: مبتدأ محذوف الخبر أي: طاعة معلومة (1) أولى بكم من هذه الأيمان الكاذبة * (إن الله خبير بما) * في ضمائركم يجازيكم عليه. # * (فإن) * تتولوا عن طاعة الله ورسوله فإنما ضررتم أنفسكم، فإن الرسول ليس عليه إلا ما حمله الله وكلفه من أداء الرسالة، فإذا أدى فقد خرج عن العهدة * (وعليكم) * ما كلفتم من التلقي بالقبول والانقياد للطاعة، و * (البلغ) *: التبليغ، كالأداء بمعنى التأدية، و * (المبين) * المقرون بالآيات والمعجزات. # * (وعد الله) * المؤمنين المطيعين لله، ورسوله أن ينصر دين الإسلام على الكفر، ويورثهم الأرض، ويجعلهم خلفاء فيها كما فعل ببني إسرائيل إذ أهلك الجبابرة، وأورثهم أرضهم وأموالهم، وأن يمكن * (لهم دينهم الذي) * أمرهم أن يدينوا به، وتمكينه وتثبيته وتوطيده وإظهاره على الدين كله، كما قال (عليه السلام): " زويت لي الأرض فأريت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها " (2). # وروى المقداد عنه (عليه السلام) أنه قال: " لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر ولا وبر إلا أدخله ms0815 الله كلمة الإسلام بعز عزيز أو ذل ذليل، إما أن يعزهم الله فيجعلهم من أهلها، وإما أن يذلهم فيدينون لها " (3). # وقرئ: " كما استخلف " بضم التاء (4) * (وليبدلنهم) * من الأبدال * (يعبدونني) * استئناف أو حال من " وعدهم ". # PageV02P630 # وروي عن علي بن الحسين (عليهما السلام)، أنه قال: " هم والله شيعتنا أهل البيت، يفعل ذلك بهم على يدي رجل منا، وهو مهدي هذه الأمة، وهو الذي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): # لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لطول الله ذلك اليوم حتى يلي رجل من عترتي اسمه اسمي وكنيته كنيتي، يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا " (1). # وروي ذلك عن الباقر (عليه السلام) والصادق أيضا (عليه السلام). # * (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون (56) لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير (57) يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلث عورا ت لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوا فون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم (58) وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستئذنوا كما استأذن الذين من قبلهم كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم (59) والقوا عد من النساء التي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم (60)) * * (أقيموا) * معطوف على * (وأطيعوا الرسول) * وجاز وإن طال الفاصل بينهما، لأن حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه. # وقرئ: " لا يحسبن " بالياء (2)، والوجه فيه أن يكون فاعله ضمير النبي (صلى الله عليه وآله) # PageV02P631 # لتقدم ذكره، أو يكون أحد المفعولين محذوفا، أي: ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم معجزين. # أمر سبحانه بأن يستأذن العبيد والأطفال الذين لم يحتلموا من الأحرار * (ثلث مرا ت) * في اليوم والليلة: * (قبل صلاة الفجر) * لأنه وقت القيام عن المضاجع ولبس الثياب، وب‍ * (الظهيرة) * لأنه وقت وضع الثياب ms0816 للقائلة، و * (بعد صلاة العشاء) * لأنه وقت التجرد من ثياب اليقظة والالتحاف بثياب النوم، وسمى كل وقت من هذه الأوقات عورة لأن الناس يختل تحفظهم وتسترهم فيها. # والعورة: الخلل، ثم عذرهم في ترك الاستئذان في غير هذه الأحوال، وبين وجه العذر في ذلك بقوله: * (طوا فون عليكم) * أي: هم خدمكم يطوفون عليكم للخدمة، فلا يجدون بدا من دخولهم عليكم * (بعضكم على بعض) * أي: يطوف بعضكم وهم المماليك على الموالي. وقرئ: " ثلاث عورات " بالنصب (1) بدلا عن * (ثلث مرات) * أي: أوقات ثلاث عورات، وإذا رفعت * (ثلث عورات) * كان قوله: * (ليس عليكم) * في محل الرفع على الوصف، والمعنى: هن ثلاث عورات مخصوصة بالاستئذان، وإذا نصبت كان * (ليس عليكم) * كلاما مستأنفا مقررا للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة، و * (بعضكم) * مبتدأ، والتقدير: بعضكم طائف على بعض، فحذف لأن * (طوا فون) * يدل عليه. # * (بلغ الأطفال منكم) * الأحرار دون المماليك، والمعنى: أن الأطفال مأذون لهم في الدخول بغير إذن إلا في الأحوال الثلاث، فإذا خرجوا من حد الطفولية * (فليستئذنوا) * في جميع الأوقات كالرجال الكبار. وعن ابن مسعود: عليكم أن تستأذنوا على آبائكم وأمهاتكم وأخواتكم وإخوانكم (2). # PageV02P632 # القاعد: التي قعدت عن الحيض والولد لكبرها * (لا يرجون نكاحا) * لا يطمعن فيه، والمراد بالثياب: الثياب الطاهرة (1) كالملحفة والجلباب الذي فوق الخمار، وفي قراءة أهل البيت (عليهم السلام): " أن يضعن من ثيابهن غير متبرجات بزينة " (2) غير مظهرات زينة بوضع ثيابهن. وحقيقة التبرج: تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه، واختص بأن تنكشف المرأة للرجال بإبداء زينتها، وإظهار محاسنها، والاستعفاف بلبس الجلابيب * (خير لهن) * وإن سقط الحرج عنهن فيه. # * (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخوا تكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عمتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية ms0817 من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون (61) إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنوك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم (62)) * كان المؤمنون يذهبون بالضعفاء وذوي العاهات إلى بيوت أزواجهم وأولادهم، وإلى بيوت أقربائهم وأصدقائهم فيطعمونهم منها، فخافوا أن يلحقهم فيه حرج فقيل: " ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على أنفسكم " يعني: # PageV02P633 # ليس عليكم وعلى من في مثل حالكم من المؤمنين * (حرج) * في ذلك، وقيل: كان هؤلاء يتوقون مجالسة الناس ومؤاكلتهم لما عسى أن يلحقهم من الكراهة من قبلهم (1). وقيل: كانوا يخرجون إلى الغزو ويخلفون الضعفاء في بيوتهم ويدفعون إليهم المفاتيح ويأذنون لهم أن يأكلوا من بيوتهم فكانوا يتحرجون، فقيل: ليس على هؤلاء الضعفاء حرج فيما تحرجون عنه ولا عليكم * (أن تأكلوا) * من هذه البيوت (2)، ولم يأت ذكر الأولاد لأن ذكرهم قد دخل في قوله: * (من بيوتكم) * لأن ولد الرجل بعضه، وحكمه حكم نفسه. # وفي الحديث: " إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه " (3). # وملك المفاتيح: كونها في يده وحفظه، و " الصديق " يكون واحدا أو (4) جمعا، وكذلك العدو، والمعنى: أو بيوت أصدقائكم، وعن أئمة الهدى (عليهم السلام) قالوا: " لا بأس بالأكل لهؤلاء من بيوت من ذكره الله تعالى بغير إذنهم قدر حاجتهم من غير إسراف " (5). # وعن الحسن: أنه دخل داره فإذا حلقة من أصدقائه وقد استلوا سلالا من تحت سريره فيها الخبيص وأطايب الأطعمة وهم يأكلون، فتهلل وجهه سرورا وقال: هكذا وجدناهم - يريد كبراء الصحابة - وكان الرجل منهم يدخل دار صديقه وهو غائب، فيسأل جاريته كيسه فيأخذ ما شاء، فإذا حضر مولاها فأخبرته أعتقها سرورا بذلك (6). # PageV02P634 # وعن جعفر الصادق (عليه السلام): " من عظم حرمة الصديق أن جعله الله من الأنس والثقة والانبساط وطرح الحشمة بمنزلة النفس والأب والأخ والابن " (1). # * (جميعا أو أشتاتا) * أي: مجتمعين أو متفرقين، ms0818 كانوا لا يأكلون إلا مع ضيفهم، ويتحرج الرجل أن يأكل وحده، و * (إذا دخلتم بيوتا) * من هذه البيوت فابدأوا بالسلام على أهلها الذين هم منكم دينا وقرابة * (تحية من عند الله) * ثابتة بأمره، مشروعة من لدنه، ولأن التسليم طلب سلامة للمسلم عليه، والتحية طلب حياة للمحيى من عند الله، ووصفها بالبركة والطيب لأنها دعوة مؤمن لمؤمن، يرجى بها من الله زيادة الخير وطيب الرزق. ومنه قوله (عليه السلام): " سلم على أهل بيتك يكثر خير بيتك " (2) و * (تحية) * منصوبة ب‍ " سلموا " لأنها في معنى " تسليما "، كما تقول: # حمدت شكرا. # * (وإذا كانوا) * مع النبي (صلى الله عليه وآله) * (على أمر جامع) * يقتضي الاجتماع عليه والتعاون فيه، من حضور حرب أو مشورة في أمر أو صلاة جمعة وما أشبهها * (لم يذهبوا حتى يستأذنوه) * جعل ترك ذهابهم حتى يستأذنوه ثالث الإيمان بالله والإيمان برسوله مع تصدير الجملة ب‍ * (إنما) *، وإيقاع " المؤمنين " مبتدأ مخبرا عنه بموصول يحيط صلته بذكر الإيمانين، ثم أكد ذلك بأن أعاد ذكره على أسلوب آخر فقال: * (إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله) * ضمنه شيئا آخر، وهو أنه جعل الاستئذان كالمصداق لصحة الإيمانين، ثم خيره (صلى الله عليه وآله) بين أن يأذن وبين أن لا يأذن، وهكذا حكم من قام مقامه من الأئمة (عليهم السلام). # * (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله # PageV02P635 # الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم (63) ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شئ عليم (64)) * أي: * (لا تجعلوا) * تسميته ونداءه * (بينكم) * كما يسمي بعضكم بعضا ويناديه باسمه، فلا تقولوا: يا محمد (صلى الله عليه وآله)، ولكن: يا نبي الله، ويا رسول الله، مع التوقير والتعظيم والتواضع وخفض الصوت، أو: لا تقيسوا دعاء (1) إياكم على * (دعاء بعضكم بعضا) * ورجوعكم عن المجمع بغير إذن الداعي، فإن في القعود عن أمره قعودا عن أمر ms0819 الله تعالى، أو: لا تجعلوا * (دعاء الرسول) * لكم أو عليكم مثل دعائكم، فإن دعوته مستجابة مسموعة * (يتسللون منكم) * قليلا * (لواذا) * أي: # ملاوذة، يلوذ هذا بذاك وذاك بهذا، المعنى: يتسللون عن الجماعة في الخفية، يستتر بعضهم ببعض. و * (لواذا) * حال، أي: ملاوذين، وقيل: نزلت في حفر الخندق وكان قوم يتسللون بغير إذن (2)، وقيل: كانوا يتسللون عن الجهاد يرجعون عنه (3)، وقيل: عن خطبة النبي (صلى الله عليه وآله) يوم الجمعة (4). يقال: خالفه إلى الأمر: إذا ذهب هو إليه دونه، ومنه قوله تعالى: * (وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهكم عنه) * (5) وخالفه عن الأمر: إذا صد عنه دونه، ومعناه: الذين يصدون عن أمره دون المؤمنين، والمفعول محذوف، والضمير في * (أمره) * لله أو للرسول، والمعنى: # PageV02P636 # عن طاعة الله ودينه * (أن تصيبهم فتنة) * أي: محنة في الدنيا تظهر نفاقهم أو بلية. # وعن جعفر بن محمد (عليهما السلام): " يسلط عليهم سلطانا جائرا، وعذابا أليما في الآخرة " (1)، وهذا يدل على أن أوامر النبي (صلى الله عليه وآله) على الوجوب. # أدخل * (قد) * ليؤكد علمه بما هم عليه من المخالفة، وتوكيد العلم لتوكيد الوعيد، وذلك أن " قد " إذا دخلت على المضارع كانت بمعنى " ربما "، فوافقت " ربما " في خروجها إلى معنى التكثير في نحو قوله: # فإن تمس مهجور الغناء فربما * أقام به بعد الوفود وفود (2) ونحوه قول زهير: # أخي ثقة لا تهلك الخمر ماله * ولكنه قد يهلك المال نائله (3) * (ألا إن لله ما في السماوات والأرض) * قد اختص جميعها به، خلقا وملكا وعلما، فكيف يخفي عليه أحوال المنافقين وإن كانوا يجتهدون في سترها عن العيون وإخفائها، وس‍ * (ينبئهم) * يوم القيامة بما أبطنوه ويجازيهم عليه. # والخطاب والغيبة في قوله: * (قد يعلم ما أنتم عليه) *، * (ويوم يرجعون إليه) * يجوز أن يكونا معا (4) للمنافقين على طريق الالتفات، ويجوز أن يكون * (ما أنتم عليه) * عاما و * (يرجعون) * خاصا. (5) # PageV02P637 # سورة الفرقان مكية إلا آيات (1)، وهي سبع وسبعون آية بلا خلاف. # وفي حديث أبي: " من قرأها بعث يوم القيامة وهو مؤمن بأن الساعة آتية لا ريب ms0820 فيها، وأدخل الجنة بغير نصب " (2). # [عن إسحاق بن عمار] عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال: " يا بن عمار، لا تدع قراءة سورة * (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده) * فإن من قرأها في كل ليلة لم يعذبه الله أبدا، ولم يحاسبه، وكان منزله في الفردوس الأعلى " (3). # PageV02P639 # بسم الله الرحمن الرحيم * (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعلمين نذيرا (1) الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شئ فقدره تقديرا (2) واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حيوا ة ولا نشورا (3) وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا (4) وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا (5) قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما (6) وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشى في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا (7) أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا (8) انظر كيف ضربوا لك الأمثل فضلوا فلا يستطيعون سبيلا (9) تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا (10)) * البركة: الكثرة من الخير، ومنها: * (تبارك) * الله أي: عظمت خيراته وكثرت. # وسمي القرآن " فرقانا " لفصله بين الحق والباطل، أو: لأنه لم ينزل جملة واحدة بل متفرقا مفصولا بين بعضه وبعض في الإنزال * (ليكون) * الضمير ل‍ * (عبده) * أو ل‍ * (الفرقان) *، * (للعلمين) * للجن والإنس * (نذيرا) * منذرا مخوفا، أو: إنذارا كالنكير بمعنى الإنكار. * (الذي له) * بدل من * (الذي نزل) *، أو مدح * (وخلق كل شئ) * أي: وأوجد كل شئ * (فقدره) * هيأه لما يصلح له. PageV02P640 # والخلق بمعنى الافتعال (1) في قوله: * (لا يخلقون شيئا) * (2) أي: لا يقدرون على شئ من أفعال الله ولا من أفعال العباد، فلا يفتعلون شيئا وهم يفتعلون، لأنهم عبدتهم ينحتونهم ويصورونهم * (ولا يملكون) * لا يستطيعون ms0821 * (لأنفسهم) * دفع ضرر عنها ولا جلب نفع إليها، وإذا عجزوا عن ذلك فهم عن الموت والحياة أعجز. # * (وأعانه عليه قوم آخرون) * وهم اليهود، وقيل: عداس مولى حويطب بن عبد العزى، ويسار مولى العلاء بن الحضرمي (3). " جاء " و " أتى " يستعملان في معنى فعل، فيعديان تعديته، ويجوز أن يحذف الجار ويوصل الفعل، وظلمهم أنهم جعلوا العربي يتلقن من العجمي كلاما عربيا أعجز الفصحاء (4) بفصاحته، والزور: # بهتهم بنسبة ما هو برئ منه إليه. # و * (أساطير الأولين) *: ما سطره المتقدمون في كتبهم * (اكتتبها) * كتبها لنفسه وأخذها، كما تقول: إصطب الماء: إذا صبه لنفسه وأخذه، * (فهي تملى عليه) * أي: # تلقى عليه من كتابه يتحفظها * (بكرة وأصيلا) * أي: دائما، أو: في الخفية قبل أن ينتشر الناس، وحين يأوون إلى مساكنهم، أي: يعلم الخفيات وبواطن الأمور، ومن جملتها: ما تسرونه أنتم من الكيد لرسوله مع علمكم بأن ما تقولونه باطل وزور * (إنه كان غفورا رحيما) * لا يعاجل بعقابكم مع استيجابكم بمكابرتكم هذه أن يصب عليكم العذاب. # * (مال هذا الرسول) * حاله مثل حالنا * (يأكل الطعام) * كما نأكل * (ويمشى في الأسواق) * لطلب المعاش كما نمشي وكان يجب أن يكون مستغنيا عن الأكل والتعيش بأن يكون ملكا، ثم نزلوا عن هذا إلى اقتراح أن يكون إنسانا معه # PageV02P641 # * (ملك) * يعينه على الإنذار والتخويف، ثم نزلوا أيضا بأن قالوا: * (أو يلقى إليه كنز) * يستظهر به ويستغني عن طلب المعاش، ثم نزلوا فاتسعوا بأن يكون رجلا له بستان يأكل منه ويأكلون منه، فقد قرئ: * (يأكل) * بالياء والنون (1) * (وقال الظالمون) * وضع الظاهر موضع المضمر، وإنما أرادهم، وقوله: * (فيكون) * نصب لأنه جواب، * (لولا) * بمعنى " هلا "، وحكمه حكم الاستفهام، وعطف * (يلقى) * و * (يكون) * على * (أنزل) * لأن محله الرفع، لأنه في معنى " ينزل " بالرفع. # * (ضربوا لك الأمثل) * أي: قالوا فيك تلك الأقوال النادرة من نبوة مشتركة بين إنسان وملك، وإلقاء كنز عليك من السماء وغير ذلك، فهم متحيرون ضلال لا يجدون قولا يستقرون عليه، أو: فضلوا عن الحق لا يهتدون إليه، تكاثر خير * (الذي إن شاء) * وهب ms0822 لك في الدنيا خيرا مما قالوا. وقرئ: * (ويجعل لك) * بالرفع (2) والجزم عطفا على * (جعل) * لأن الشرط إذا وقع ماضيا جاز في جزائه الجزم والرفع، كقول زهير: # وإن أتاه خليل يوم مسغبة * يقول لا غائب مالي ولا حرم (3) * (بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا (11) إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا (12) وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا (13) لا تدعوا اليوم ثبورا وا حدا وادعوا ثبورا كثيرا (14) قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون # PageV02P642 # كانت لهم جزاء ومصيرا (15) لهم فيها ما يشاءون خالدين كان على ربك وعدا مسؤولا (16) ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل (17) قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا (18) فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا (19) وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا (20)) * * (بل كذبوا بالساعة) * عطف على ما حكى عنهم، يقول: بل أتوا بما هو أعجب من ذلك كله وهو تكذيبهم بالساعة، أو هو متصل بما يليه أي: كيف يصدقون بذلك وهم لا يؤمنون بالآخرة، والسعير: النار المستعرة. * (إذا رأتهم) * نسب الرؤية إلى النار، وإنما يرونها هم وهو كقولهم: دور بني فلان تترى (1) أي: كان بعضها يرى بعضا، فالمعنى: إذا كانت منهم بمرائي النظر (2) سمعوا صوت التهابها، وشبه ذلك بصوت المتغيظ والزافر، وقيل: التغيظ للنار والزفير لأهلها (3). # * (مكانا ضيقا) * جمع على أهل النار التضييق والإرهاق، نعوذ بالله منها. # وعن ابن عباس: أنه يضيق عليهم كما يضيق الزج في الرمح، وهم مع ذلك الضيق مسلسلون مصفدون، قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الجوامع والأصفاد (4). وقيل: # قرنوا مع الشياطين في السلاسل (5). والثبور: الهلاك، ودعاؤه أن يقولوا: وا ثبوراه، # PageV02P643 # أي: تعال فهذا زمانك. * (لا تدعوا) * أي: يقال لهم، أو: ms0823 هم حري بأن يقال لهم ذلك وإن لم يكن هناك قول، أي: وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه بواحد، إنما هو ثبور كثير. # أي: وعدها المتقون * (لهم فيها ما يشاءون‍) * - ه، * (كانت لهم جزاء) * أي: كان ذلك مكتوبا في اللوح، أو: لأن موعد الله في تحققه كأنه قد كان، والضمير في * (كان) * ل‍ * (ما يشاءون) * أي: كان ذلك موعودا واجبا * (على ربك) * إنجازه، حقيقا بأن يسأل ويطلب لأنه ثواب مستحق، وقيل: * (مسؤولا) * يسأله الملائكة والناس في دعواتهم (1) * (ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم) * (2) * (ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك) * (3). # وقرئ: * (يحشرهم... فيقول) * كلاهما بالنون (4) والياء * (وما يعبدون) * يريدون معبودهم من الملائكة والإنس والأصنام إذا أنطقهم الله. والفائدة في * (أنتم) * و * (هم) * وإيلائهما حرف الاستفهام: أن السؤال إنما وقع عن متولي الفعل لا عن الفعل ووجوده، فقدم ليعلم أنه المسؤول عنه. # * (قالوا سبحانك) * أي: تنزيها لك عن الشريك، وهذا تعجب منهم مما قيل لهم لأنهم ملائكة وأنبياء معصومون، أو: قالوا سبحانك ليدلوا على أنهم المسبحون الموسومون بذلك * (ما كان) * يصح لنا ولا يستقيم أن نتولى أحدا دونك، فكيف يصح لنا أن نحمل غيرنا على أن يتولانا دونك؟ وقرئ: " نتخذ " (5)، وروي ذلك # PageV02P644 # عن الصادق (عليه السلام) (1). و " اتخذ " قد يتعدى إلى مفعول واحد وإلى مفعولين، فالقراءة الأولى من المتعدي إلى مفعول واحد وهو * (من أولياء) *، والأصل: " أن نتخذ أولياء " فزيدت * (من) * لتأكيد النفي، والثانية من المتعدي إلى مفعولين و * (من) * للتبعيض أي: نتخذ بعض أولياء، و * (الذكر) * ذكر الله والإيمان به، أو: القرآن والشرع، والبور: الهلاك يوصف به الواحد والجمع، أو: هو جمع بائر كعائذ وعوذ. # وفي هذه الآية دلالة على أن بطلان قول من يزعم أن الله تعالى يضل عباده على الحقيقة، حيث يقول للمعبودين من دونه: * (أأنتم أضللتم عبادي.. أم هم ضلوا) * بأنفسهم، فيتبرؤون من إضلالهم ويستعيذون به من أن يكونوا مضلين، ويقولون: بل أنت تفضلت على هؤلاء وآبائهم، فجعلوا النعمة التي هي سبب الشكر سببا للكفر ونسيان الذكر، وكان ذلك ms0824 سبب هلاكهم، فبرؤا أنفسهم من الإضلال ونزهوه سبحانه أيضا منه حيث أضافوا إليه " التمتيع بالنعمة "، وأضافوا نسيان الذكر الذي هو سبب البوار إليهم، فشرحوا الإضلال المجازي الذي نسبه الله إلى ذاته في قوله: * (يضل من يشاء) * (2)، ولو كان هو المضل على الحقيقة لكان الجواب أن يقولوا: بل أنت أضللتهم. # * (بما تقولون) * قرئ بالتاء والياء (3)، فالتاء على معنى: فقد كذبوكم بقولكم: # لهم آلهة، والياء على معنى: فقد كذبوكم بقولهم: * (سبحانك ما كان ينبغي لنا) * الآية، وقرئ: * (فما تستطيعون) * بالتاء والياء (4) أيضا، فالتاء على: فما تستطيعون # PageV02P645 # أنتم صرف العذاب عنكم، وقيل: الصرف: التوبة (1)، وقيل: الحيلة (2) من قولهم: # إنه ليتصرف، أي: ليحتال، والياء على: فما يستطيع آلهتكم ذلك * (نذقه عذابا كبيرا) * في الآخرة، والكافر ظالم لقوله: * (إن الشرك لظلم عظيم) * (3). # والجملة بعد * (إلا) * صفة لمحذوف، والمعنى: وما أرسلنا أحدا من المرسلين إلا آكلين وماشين، وإنما حذف لدلالة الجار والمجرور عليه، ونحوه: * (وما منا إلا له مقام معلوم) * (4) أي: وما منا أحد، وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): # " ويمشون " على البناء للمفعول (5) أي: يمشيهم حوائجهم أو الناس * (فتنة) * أي: # محنة وابتلاء، وهذا تسلية لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وتصبير له على ما قالوه واستبدعوه من أكله الطعام ومشيه في الأسواق، يعني: إنا نبتلي المرسلين بالمرسل إليهم وأنواع أذاهم. وموقع قوله: * (أتصبرون) * بعد ذكر الفتنة موقع " أيكم " بعد الابتلاء في قوله: * (ليبلوكم أيكم أحسن عملا) * (6)، * (وكان ربك بصيرا) * أي: عالما بالصواب فيما يبتلى به وغيره، فلا يضيقن صدرك بأقوالهم واصبر، وقيل: هو تسلية له عما عيروه به من الفقر حين قالوا: * (أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة) * (7) أي: جعلنا الأغنياء فتنة للفقراء لننظر هل يصبرون، وقيل: جعلناك فتنة لهم لأنك لو كنت غنيا صاحب كنوز وجنات لكان ميلهم إليك وطاعتهم لك للدنيا أو ممزوجة بها، فبعثناك فقيرا لتكون طاعة من يطيعك خالصة لنا من غير طمع وغرض دنيوي (8)، وقيل: كان أبو جهل وأضرابه يقولون: إن أسلمنا وقد أسلم # PageV02P646 # قبلنا صهيب وبلال وفلان ms0825 وفلان، ترفعوا علينا إذلالا بالسابقة فذلك الفتنة (1). # * (وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتو عتوا كبيرا (21) يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا (22) وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا (23) أصحب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا (24) ويوم تشقق السماء بالغمم ونزل الملائكة تنزيلا (25) الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا (26) ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا (27) يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا (28) لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للانسان خذولا (29) وقال الرسول يرب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا (30)) * أي: لا يأملون لقاءنا بالخير لأنهم كفرة، أو: لا يخافون لقاءنا بالشر، والرجاء: # الخوف في لغة تهامة، جعلت الصيرورة إلى دار جزائه بمنزلة لقائه لو كان ملقيا، هلا * (أنزل علينا الملائكة) * فتخبرنا بأن محمدا صادق * (أو نرى ربنا) * جهرة فيأمرنا بتصديقه واتباعه * (استكبروا في أنفسهم) * بأن أضمروا الاستكبار عن الحق والعناد في قلوبهم، ونحوه: * (إن في صدورهم إلا كبر) * (2)، و * (عتوا) * أي: # تجاوزوا لحد في الطغيان، ووصف العتو بالكبير فبالغ في إفراطه، أي: أنهم لم يجسروا على هذا القول العظيم إلا لأنهم بلغوا أقصى العتو وغاية الاستكبار، واللام جواب قسم محذوف. # PageV02P647 # * (يوم يرون) * منصوب بما دل عليه * (لا بشرى) * أي: يمنعون البشرى، و * (يومئذ) * تكرير، أو منصوب ب‍ " ذكر " أي: أذكر يوم * (يرون الملائكة) *، ثم ابتدأ * (لا بشرى يومئذ) *، وقوله: * (للمجرمين) * إما ظاهر في موضع مضمر، وإما لأنه عام، فقد تناولهم بعمومه * (حجرا محجورا) * منصوب بفعل ترك إظهاره، قال سيبويه: يقول الرجل للرجل: أتفعل كذا وكذا؟ فيقول: حجرا (1)، وهو من حجره: # إذا منعه. والمعنى: أسأل الله أن يحجر ذلك حجرا، ومجيئه على فعل أو فعل تصرف فيه لاختصاصه بموضع واحد، كما قيل: فديت وعمرك، قال: عوذ بربي منكم وحجر، وهذه كلمة كانوا يقولونها عند لقاء عدو أو هجوم نازلة يضعونها موضع الاستعاذة * (محجورا) ms0826 * صفة ل‍ * (حجرا) * جاءت لتأكيد معناه، كما قالوا: موت مائت. والمعنى: أنهم يطلبون الملائكة، وإذا رأوهم يوم القيامة كرهوا لقاءهم وقالوا عند رؤيتهم ما كانوا يقولونه عند لقاء العدو الموتور، وقيل: هو من قول الملائكة (2)، ومعناه: حراما محرما عليكم الغفران والجنة أو البشرى، أي: جعل الله ذلك حراما عليكم. # * (وقدمنا إلى ما عملوا) * ليس هنا قدوم ولكن شبه حالهم وأعمالهم التي عملوها في كفرهم من صلة رحم وقري ضيف وإغاثة ملهوف وغيرها من المكارم بحال قوم عصوا ملكهم فقدم إلى أسبابهم وأملاكهم فأبطلها ولم يترك لها أثرا، والهباء: ما يخرج من الكوة مع ضوء الشمس، شبيه بالغبار * (منثورا) * صفة ل‍ * (هباء) * أي: منتشرا متناثرا. # PageV02P648 # المستقر: المكان الذي يستقرون فيه متحادثين، والمقيل: المكان الذي يأوون إليه للاسترواح إلى أزواجهم، وسمي مقيلا على طريق التشبيه، وفي لفظ * (أحسن) * رمز إلى ما يتزين به مقيلهم من حسن الوجوه والصور وغير ذلك من التحاسين. # وقرئ: * (تشقق) * والأصل " تتشقق " فحذف التاء في إحدى القراءتين وأدغم في القراءة الأخرى * (بالغمم) * الباء للحال، أي: تتشقق السماء وعليها الغمام، كما تقول: ركب الأمير بسلاحه، أي: وعليه سلاحه * (ونزل الملائكة) * ينزلون وفي أيديهم صحائف أعمال العباد، وقرئ: " وننزل الملائكة " (1). # * (الملك يومئذ الحق) * الثابت * (للرحمن) *، لأن كل ملك يزول يومئذ ويبطل ولا يبقى إلا ملكه، ف‍ * (الملك) * مبتدأ، و * (يومئذ) * ظرف له، و * (الحق) * صفة له، و * (للرحمن) * خبره. ويجوز أن يكون * (يومئذ) * ظرفا للخبر، ويجوز أن يكون * (الحق) * خبرا، والجار والمجرور في موضع الحال. # العض على اليدين، والسقوط في اليد، وأكل البنان، وحرق الإرم، وقرع الأسنان، كنايات عن الغيظ والحسرة لأنها من روادفهما، واللام في * (الظالم) * يجوز أن يكون للعهد فيكون مخصوصا على ما ذكر في الرواية، ويجوز أن يكون للجنس فيتناول كل ظالم تبع خليله وتابعه على إضلاله تمنى أن لو صحب الرسول وسلك معه سبيل الحق. # الأصل " يا ويلتي " فقلبت الياء ألفا كما في " صحارى " و " مدارى " * (فلانا) * كناية عن الأعلام، كما أن الهن كناية عن الأجناس ms0827 (2). # PageV02P649 # * (عن الذكر) * ذكر الله أو القرآن أو متابعة الرسول، والشيطان إشارة إلى " خليله "، سماه شيطانا لأنه أضله كما يضل الشيطان ثم خذله ولم ينفعه في العاقبة، أو: أراد إبليس فإنه الذي حمله على مخالة المضل ومخالفة الرسول ثم خذله، ويحتمل أن يكون * (وكان الشيطان) * حكاية كلام الظالم، وأن يكون كلام الله الرسول (1) محمد (صلى الله عليه وآله) وقومه قريش، حكى الله عنه شكواه قومه إليه. # * (مهجورا) * أي: تركوه ولم يؤمنوا به، وقيل: هو من هجر إذا هذي (2)، أي: # جعلوه مهجورا فيه، أي: زعموا أنه هذيان وباطل، أو: هجروا فيه حين سمعوه كقوله: * (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه) * (3). # * (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفي بربك هاديا ونصيرا (31) وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة وا حدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا (32) ولا يأتونك بمثل إلا جئنك بالحق وأحسن تفسيرا (33) الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا (34) ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا (35) فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا (36) وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلنهم للناس آية وأعتدنا للظلمين عذابا أليما (37) وعادا وثمودا وأصحب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا (38) وكلا ضربنا له الأمثل وكلا تبرنا تتبيرا (39) ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون نشورا (40)) * # PageV02P650 # هذا تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله)، أي: * (كذلك) * كان كل نبي قبلك مبتلى بعداوة قومه، وكفاك بي * (هاديا) * إلى الانتصار منهم، وناصرا لك عليهم. والعدو يكون واحدا وجمعا. # و * (نزل) * هنا بمعنى " أنزل "، كخبر وأخبر، أي: هلا أنزل * (عليه القرآن) * دفعة في وقت واحد كما أنزلت التوراة والإنجيل والزبور * (جملة وا حدة) *، وقوله: # * (كذلك) * جواب لهم، أي: كذلك أنزل مفرقا. والحكمة فيه أن نثبت به قلبك ونقويه بتفريقه حتى تعيه وتحفظه، لأن المتلقن إنما يقوى قلبه بأن يحفظ العلم شيئا بعد شئ، وأيضا فإن فيه ناسخا ومنسوخا وما هو جواب للسائل على حسب ms0828 سؤاله، ولا يتأتى ذلك فيما ينزل جملة واحدة، ولأنه كان (عليه السلام) أميا لا يقرأ ولا يكتب ولابد له من التلقن، فأنزل عليه مفرقا، وكان موسى وعيسى قارئين وكاتبين * (ورتلناه) * معطوف على الفعل الذي تعلق به * (كذلك) *، كأنه قال: # فرقناه * (ورتلناه) * أي: قدرناه آية بعد آية، وسورة عقيب سورة، أو: أمرنا بترتيل قراءته وهو أن يقرأ بترتل (1) وتثبت، وأصل الترتيل: في الأسنان، يقال: ثغره رتل ومرتل أي: مفلج، وقيل: هو تنزيله على تمكث وتمهل في مدة بعيدة (2). # * (ولا يأتونك) * بسؤال عجيب كأنه مثل في البطلان * (إلا) * أتيناك بالجواب الحق الذي لا محيد لهم عنه، وبما هو * (أحسن) * معنى من سؤالهم، وضع " التفسير " موضع " المعنى " لأن التفسير هو الكشف عما يدل عليه الكلام، يعني: أن تنزيله مفرقا وتحديهم بسورة سورة منها أدخل في باب الاعجاز من أن ينزل جملة واحدة فيقال لهم: إئتوا بمثلها في الفصاحة، كأنه قال: إنما يحملكم على هذه # PageV02P651 # السؤالات أنكم تضللون سبيله وتحقرون مكانه ومنزلته. وإذا سحبتم * (على) * وجوهكم * (إلى جهنم) * علمتم أن مكانكم شر من مكانه، وسبيلكم أضل من سبيله، ويجوز أن يراد بالمكان: الشرف والمنزلة، وأن يراد الدار والمسكن، كقوله: # * (أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا) * (1). # * (وزيرا) * أي: مؤازرا له على تأدية الرسالة. والمعنى: فذهبا إليهم فكذبوهما * (فدمرناهم) * فاختصر لأن المقصود من القصة إلزام الحجة بإرسال الرسل واستحقاق التدبير بتكذيبهم. ورووا عن علي (عليه السلام): " فدمراهم " (2)، و " فدمرانهم " على التأكيد بالنون المشددة (3). # * (كذبوا الرسل) * لأن تكذيبهم له تكذيب لجميعهم، أو: كذبوه ومن قبله من الرسل، أو: لم يروا بعثة الرسل كالبراهمة * (وجعلنهم) * أي: إغراقهم وقصتهم * (وأعتدنا للظلمين) * أي: لهم، إلا أنه قصد تظليمهم فأظهر، أو تناول الظالمين بعمومه. # * (وعادا) * عطف على " هم " في * (جعلناهم) *، * (وأصحب الرس) * كان لهم نبي اسمه حنظلة، فقتلوه فأهلكوا، والرس: البئر غير المطوية، وقيل: الرس: قرية باليمامة يقال لها فلج (4)، وروي عن الصادق (عليه السلام): " أن نساءهم كن سحاقات " (5). # * (وقرونا بين ذلك) * المذكور، كما يحسب الحاسب أعدادا كثيرة ثم يقول: فذلك ms0829 كذا، بمعنى: فذلك المحسوب أو المعدود. # PageV02P652 # * (وكلا) * منصوب بمضمر وهو " أنذرنا " و " حذرنا "، ودل عليه قوله: * (ضربنا له الأمثل) * أي: بينا له القصص العجيبة * (وكلا) * الثاني (1) بمضمر وهو * (تبرنا) * والتتبير: التكسير. # وأراد ب‍ * (- القرية) * سدوم من قرى قوم لوط، وكانت خمسا، أهلك الله أربعا منها وبقيت واحدة، و * (مطر السوء) *: الحجارة، وكانت قريش يمرون في متاجرهم إلى الشام على تلك القرية التي أهلكت بالحجارة ويرونها * (لا يرجون) * أي: لا يتوقعون وضع الرجاء موضع التوقع، لأنه إنما يتوقع العاقبة من يكون مؤمنا، أو: لا يأملون * (نشورا) *، أو: لا يخافون فلذلك لم ينظروا ولم يتذكروا. # * (وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا (41) إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا (42) أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا (43) أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالانعم بل هم أضل سبيلا (44) ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا (45) ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا (46) وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا (47) وهو الذي أرسل الريح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا (48) لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعما وأناسي كثيرا (49) ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا (50)) * * (إن) * الأولى نافية، والثانية مخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينهما، أي: # PageV02P653 # ما * (يتخذونك إلا) * موضع هزء ومهزوءا به، ومعناه: يستهزئون بك ويقولون: # * (أهذا الذي) * بعثه * (الله) *؟! وهذا استصغار. # وفي قولهم: * (إن كاد ليضلنا) * دليل على بذل رسول الله (صلى الله عليه وآله) غاية المجهود في دعوتهم وعرض الآيات والمعجزات عليهم حتى قاربوا أن يتركوا دينهم إلى دين الإسلام، و * (لولا) * هنا جار مجرى التقييد للحكم المطلق من حيث المعنى و * (سوف يعلمون) * وعيد، وقوله: * (من أضل سبيلا) * كالجواب عن قولهم: * (إن كاد ليضلنا عن آلهتنا) * أي: من جعل هواه معبوده، ms0830 أفتتوكل عليه بأن تدعوه إلى الهدى وتجبره عليه وتقول: لابد أن تسلم شئت أو أبيت؟ كما قال: * (لست عليهم بمصيطر) * (1) * (وما أنت عليهم بجبار) * (2). # * (أم) * منقطعة، أي: بل أ * (تحسب) *، * (بل هم أضل سبيلا) * لأن الأنعام تنقاد لمن يتعهدها، وتعرف من يحسن إليها ممن يسئ إليها، وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه إليهم من إساءة الشيطان، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع، ولا يجتنبون العقاب الذي هو أشد المضار. # * (ألم تر إلى ربك) * ألم تنظر إلى صنع ربك وقدرته * (كيف مد الظل) * أي: # جعله ممتدا منبسطا لينتفع به الناس * (ولو شاء لجعله ساكنا) * أي: لاصقا بأصل كل ذي ظل من بناء أو شجر فلم ينتفع به أحد، سمى سبحانه انبساط الظل وامتداده تحركا منه، وعدم ذلك سكونا. ومعنى كون الشمس * (دليلا) *: أن الناس يستدلون بالشمس وأحوالها في مسيرها على أحوال الظل من كونه ثابتا في مكان وزائلا (3) # PageV02P654 # ومتسعا ومتقلصا، ولولا الشمس ما عرف الظل، ولولا النور لما عرفت الظلمة. # ومعنى " قبضه إليه ": ينسخه بضح الشمس * (قبضا يسيرا) * على مهل شيئا بعد شئ، وفي ذلك منافع غير محصورة، ولو قبض دفعة واحدة لتعطلت أكثر مرافق الناس بالظل والشمس جميعا. # وأما فائدة * (ثم) * في الموضعين فهو أنه بيان لتفاضل الأمور الثلاثة تشبيها لتباعد ما بينها في الفضل بتباعد ما بين الحوادث في الوقت. # وفي الآية وجه آخر وهو: أنه سبحانه مد الظل حين بنى السماء كالقبة، فألقت القبة ظلها على وجه الأرض * (ولو شاء لجعله ساكنا) * مستقرا على تلك الحالة، ثم خلق الشمس وجعلها على ذلك الظل دليلا متبوعا له كما يتبع الدليل في الطريق، فهو يزيد بها وينقص، ثم نسخه بها وقبضه قبضا سهلا يسيرا غير عسير. # ويمكن أن يكون المراد قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه وهي الأجرام ذوات الظل، أي: نعدمه بإعدام أسبابه كما أنشأه بإنشاء أسبابه، وفي قوله: * (قبضناه إلينا) * دلالة عليه، وكذلك في قوله: * (يسيرا) * كقوله: * (ذلك حشر علينا ms0831 يسير) * (1). # جعل ظلام الليل مثل اللباس الساتر، والنائم شبه الميت، والسبات: الموت لأن في مقابلته النشور، فالنوم واليقظة مشبهان بالموت والحياة، وقيل: * (سباتا) * راحة لابد منها للناس (2) وقطعا لأعمالهم (3) * (وجعل النهار نشورا) * ينتشر الناس فيه لطلب معاشهم، ويتفرقون لحوائجهم، نشرا أي: إحياء، ونشر جمع نشور وهي المحيية، و " نشرا " تخفيف " نشر ". # PageV02P655 # و " بشرا " تخفيف " بشر " جمع بشور وبشرى * (بين يدي رحمته) * أي: قدام المطر * (طهورا) * أي: بليغا في طهارته، وقيل: طاهرا في نفسه مطهرا لغيره (1)، وهو صفة في قولك: ماء طهور، واسم لما يتطهر به كالوضوء والوقود. # قال: * (بلدة ميتا) * لأن البلدة في معنى " البلد " في قوله: * (فسقناه إلى بلد ميت) * (2)، وقرئ: " نسقيه " بالفتح (3)، وسقى وأسقى لغتان، وقيل: أسقاه: جعل له سقيا (4)، والأناسي: جمع إنسي أو إنسان، كالظرابي في جمع ظربان، على قلب النون من " أناسين " و " ظرابين " ياء. # * (ولقد) * صرفنا المطر بينهم في البلدان المختلفة والأوقات المتغايرة وعلى الصفات المتفاوتة ليستدلوا بذلك على سعة مقدورنا، فأبوا * (إلا كفورا) * وأن يقولوا: مطرنا بنوء كذا (5). # * (ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا (51) فلا تطع الكافرين وجهدهم به جهادا كبيرا (52) وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا (53) وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا (54) # PageV02P656 # ويعبدون من دون الله مالا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا (55) وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا (56) قل ما أسئلكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا (57) وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفي به بذنوب عباده خبيرا (58) الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فسل به خبيرا (59) وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا (60)) * * (لبعثنا) * في كل قرية * (نذيرا) * ينذرها، وإنما قصرنا الأمر عليك تفضيلا لك على سائر الرسل، فقابل هذا التعظيم والتبجيل بالتصبر، و * (لا تطع الكافرين) * فيما يريدونك عليه. # والضمير في * (به) ms0832 * للقرآن، أو: لترك الطاعة الذي دل عليه * (فلا تطع) * والمراد: أن الكفار يجتهدون في توهين أمرك فقابلهم من جدك واجتهادك بما تغلبهم به، وجعله * (جهادا كبيرا) * للمشاق العظيمة التي يحتملها فيه. ويجوز أن يكون المراد: وجاهدهم بسبب كونك نذيرا للجميع جهادا كبيرا جامعا لكل مجاهدة. # * (مرج البحرين) * خلاهما متجاورين كما يخلى الخيل في المرج، والفرات: # البالغ في العذوبة، والأجاج ضده * (برزخا) * أي: حائلا من قدرته يفصل بينهما ويمنعهما التمازج * (وحجرا محجورا) * مر تفسيره (1)، وهو هنا مجاز، كأن كل واحد من البحرين يتعوذ من صاحبه ويقول له: حجرا محجورا، كما قال: # PageV02P657 # * (لا يبغيان) * (1) أي: لا يبغي أحدهما على صاحبه، فانتفاء البغي هناك كالتعوذ هنا، جعل كل واحد منهما في صورة الباغي على صاحبه فهو يتعوذ منه. # * (خلق من الماء) * أي: من النطفة * (بشرا فجعله نسبا) * أي: فقسم البشر قسمين: ذوي نسب ذكورا ينسب إليهم، و * (صهرا) * أي: إناثا يصاهر بهن * (وكان ربك قديرا) * يخلق من النطفة الواحدة نوعين: ذكرا وأنثى. # والظهير بمعنى المظاهر، أي: يظاهر الشيطان على ربه بعبادة الأوثان. # * (إلا من شاء) * معناه: إلا فعل من شاء أن ينفق المال في طلب رضا ربه، ويتقرب بالصدقة في سبيله، وهو معنى الاتخاذ إلى الله سبيلا. # أي: تمسك بالتوكل * (على الحي الذي لا يموت) * وثق به في استكفاء شرورهم، وعن بعض السلف أنه قرأها فقال: لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق (2) * (وكفي به) * الباء زائدة، أي كفاك الله * (خبيرا) * تمييز أو حال، أراد بهذا أنه ليس إليه من أمر عباده شئ، آمنوا أم كفروا، وأنه خبير بأحوالهم، كاف في جزاء أعمالهم. # * (الذي خلق) * مبتدأ و * (الرحمن) * خبره، أو: هو صفة ل‍ * (الحي) * و * (الرحمن) * خبر مبتدأ محذوف، أو بدل عن الضمير المستكن في * (استوى) *. # وقرئ: " الرحمن " بالجر (3) صفة ل‍ * (الحي) *، وقرئ: " فأسأل " (4)، والباء في * (به) * صلة " سل " كقوله: * (سأل سائل بعذاب واقع) * (5) كما أن " عن " صلته # PageV02P658 # في قوله: * (لتسئلن يومئذ عن النعيم) * (1)، فقولك: " سأل به " مثل " اهتم به " و " اعتنى ms0833 به "، و " سأل عنه " ك‍ " فتش عنه " و " بحث عنه ". ويجوز أن يكون صلة * (خبيرا) * ويجعل * (خبيرا) * مفعول " سل "، والمعنى: فسل عنه رجلا عارفا يخبرك برحمته، أو: فسل رجلا خبيرا به وبرحمته، أو: فسل بسؤاله خبيرا، كما تقول: # رأيت به أسدا، أي: برؤيته، والمعنى: إن سألته وجدته خبيرا، أو تجعله حالا عن الهاء تريد: فسل عنه عالما بكل شئ. وقيل: الرحمن اسم من أسماء الله تعالى مذكور في الكتب المتقدمة، ولم يكونوا يعرفونه، فقيل له: سل بهذا الاسم من يخبرك به من أهل الكتاب (2). # * (وما الرحمن) * أنكروا إطلاق هذا الاسم على الله لأنه لم يكن مستعملا في كلامهم * (أنسجد لما تأمرنا) * أي: للذي * (تأمرنا) * بالسجود له؟ فحذف على ترتيب، وقرئ بالياء (3) أي: لما يأمرنا محمد (صلى الله عليه وآله)، ويأمرنا المسمى بالرحمن. # ويجوز أن تكون " ما " مصدرية أي: لأمرك لنا، وفي * (زادهم) * ضمير * (اسجدوا للرحمن) * لأنه هو المقول. # * (تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا (61) وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا (62) وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلما (63) والذين يبيتون لربهم سجدا وقيما (64) والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما (65) إنها ساءت مستقرا ومقاما (66) والذين إذا أنفقوا لم # PageV02P659 # يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما (67) والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما (68) يضعف له العذاب يوم القيمة ويخلد فيه مهانا (69) إلا من تاب وآمن وعمل عملا صلحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنت وكان الله غفورا رحيما (70)) * يريد بالبروج: منازل الكواكب السيارة، وهي اثنا عشر برجا، سميت بالبروج التي هي القصور العالية لأنها لهذه الكواكب كالبروج لسكانها، والسراج: الشمس. # وقرئ: " سرجا " (1) وهي الشمس والكواكب الكبار معها. وعنهم (عليهم السلام): " لا تقرأ سرجا إنما هي سراجا، وهي الشمس ". # والخلفة: الحالة التي يختلف عليها الليل والنهار، ويخلف كل ms0834 واحد منهما الآخر، والمعنى: جعلهما ذوي خلفة، أي: ذوي عقبة، يعقب هذا ذاك وذاك هذا. # وقرئ: " يذكر " (2) و * (يذكر) *، أي: لينظر في اختلافهما الناظر فيعلم أن لابد لهما من مغير وناقل من حال إلى حال، ويشكر الشاكر على النعمة فيهما من السكون بالليل والتصرف بالنهار، أو: ليكونا وقتا للمتذكرين والشاكرين، من فاته ورده في أحدهما قضاه في الآخر. # * (وعباد الرحمن) * مبتدأ خبره في آخر السورة قوله: * (أولئك يجزون الغرفة) *، ويجوز أن يكون خبره * (الذين يمشون على الأرض...) *، * (هونا) * حال أو صفة للمشي، أي: هينين أو: مشيا هينا، إلا أن في وضع المصدر موضع # PageV02P660 # الصفة مبالغة، والهون: الرفق واللين، وفي المثل: " إذا عز أخوك فهن " (1) أي: # يمشون بسكينة وتواضع * (سلاما) * تسلما منكم لا نجاهلكم، ومتاركة لا خير بيننا ولا شرا، أي: نتسلم منكم تسلما، فأقيم السلام مقام التسلم، وقيل: قالوا سدادا من القول يسلمون فيه من الإثم (2). والمراد بالجهل السفه وقلة الأدب. # " بات " خلاف " ظل "، وصفوا بإحياء الليل أو أكثره ساجدين وقائمين. # * (غراما) * أي: هلاكا وخسرانا ملحا لازما، قال: # إن يعاقب يكن غراما وإن يعط * جزيلا فإنه لا يبالي (3) ومنه: الغريم لأنه يلح ويلزم، يعني: أنهم مع عبادتهم واجتهادهم خائفون متضرعون إلى الله في استدفاع العذاب عنهم. * (ساءت) * في حكم " بئست "، فيها ضمير مبهم يفسره * (مستقرا) *، والمخصوص بالذم محذوف، ومعناه: ساءت مستقرا * (ومقاما) * هي، وهذا الضمير هو الذي ربط الجملة باسم " إن " وجعلها خبرا لها. ويجوز أن يكون " ساءت " بمعنى " أحزنت "، وفيها ضمير اسم " إن "، و * (مستقرا) * حال أو تمييز. التعليلان يصح أن يكونا متداخلين ومترادفين، وأن يكونا من كلام الله وحكايته لقولهم. # * (ولم يقتروا) * قرئ بكسر التاء (4) وضمها و " يقتروا " بضم الياء (5)، والقتر والإقتار نقيض الإسراف الذي هو مجاوزة الحد في النفقة، وصفهم بالقصد الذي هو بين الغلو والتقصير، والقوام: العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين واعتدالهما، # PageV02P661 # ونظييره " السواء " من الاستواء. ويجوز أن يكون * (بين ذلك) * و * (قواما) * خبرين معا، وأن يكون * (بين ذلك) * لغوا، و * (قواما) * مستقرا، وأن يكون الظرف ms0835 خبرا و * (قواما) * حال مؤكدة. # * (النفس التي حرم الله) * أي: حرمها، والمعنى: حرم قتلها، وتعلق * (إلا بالحق) * بهذا القتل المحذوف أو ب‍ * (لا يقتلون) *، نفي عنهم هذه الخصال القبيحة، وبرأهم منها تعريضا بما كان عليه أعداؤهم من الكفار، كأنه قال: والذين برأهم الله مما أنتم عليه، والقتل بغير حق يدخل فيه الوأد وغيره. والأثام: جزاء الإثم كالوبال والنكال، وقيل: هو الإثم (1). والمعنى جزاء أثام. # * (يضاعف) * بدل من * (يلق) * لأنهما في معنى واحد، وقرئ: " يضاعف " بالرفع و " يخلد " بالرفع (2)، و " يضعف " بالرفع (3) والجزم (4)، والرفع على الاستئناف أو على الحال. # وتبديل السيئات حسنات أن تمحى السيئة وتثبت بدلها الحسنة، وقرئ: # " يبدل " (5) من الإبدال، وقيل: يبدلون بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام (6). # * (ومن تاب وعمل صلحا فإنه يتوب إلى الله متابا (71) والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما (72) والذين إذا ذكروا # PageV02P662 # بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا (73) والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذريتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما (74) أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلما (75) خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما (76) قل ما يعبؤا بكم ربى لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما (77)) * * (ومن) * ترك المعاصي وندم عليها، ودخل في العمل الصالح فإنه يرجع * (إلى الله) * وإلى ثوابه مرجعا حسنا أي مرجع، أو: فإنه تاب بذلك إلى الله * (متابا) * مرضيا عنده. # * (لا يشهدون الزور) * أي: مجالس الفساق، ولا يحضرون الباطل، وقيل: هو الغناء (1)، وروي ذلك عن السيدين الباقر والصادق (عليهما السلام) (2)، وفي مواعظ عيسى ابن مريم: " إياكم ومجالسة الخطائين (3) ". وقيل: لا يشهدون شهادة الزور (4) فحذف المضاف * (وإذا مروا باللغو) * أي: بأهل اللغو والمشتغلين به * (مروا كراما) * مكرمين أنفسهم عن التوقف عليهم والخوض معهم، معرضين عنهم، واللغو: كل ما ينبغي أن يلقى ويطرح. * (إذا ذكروا بآيات ربهم) * أي: وعظوا بالقرآن والأدلة * (لم يخروا عليها صما) * ليس بنفي للخرور، بل هو إثبات له ونفي للصمم والعمى، أي: إذا ذكروا بها أكبوا عليها حرصا على استماعها وهم سامعون ms0836 بآذان واعية، مبصرون بعيون راعية. # PageV02P663 # وقرئ: " وذريتنا " (1)، سألوا ربهم أن يرزقهم أزواجا وأولادا وأعقابا تقر بهم عيونهم، وتسر بهم نفوسهم، وعن ابن عباس: هو الولد إذا رآه يكتب الفقه (2) * (إماما) * أراد أئمة، واكتفي بالواحد لدلالته على الجنس، أو: أراد جمع " آم " كصائم وصيام، و * (من) * للبيان، أي: * (هب لنا... قرة أعين) * ثم بين القرة بقوله: # * (من أزواجنا وذريتنا) *، وهو من قولهم: رأيت منك أسدا أي: أنت أسد. ويجوز أن يكون للابتداء بمعنى: هب لنا من جهتهم ما تقر به أعيننا من صلاح وعلم، ونكر القرة بتنكير المضاف إليه، فكأنه قال: هب لنا منهم سرورا وفرحا. # وعن الصادق (عليه السلام) في قوله: * (واجعلنا للمتقين إماما) * قال (عليه السلام): " إيانا عنى " (3). وروي عنه (عليه السلام) أنه قال: " هذه فينا " (4). # وعن أبي بصير قال: قلت: واجعلنا للمتقين إماما؟ فقال (عليه السلام): " سألت ربك عظيما، إنما هي: واجعل لنا من المتقين إماما " (5). # * (يجزون الغرفة) * يريد الغرفات، وهي العلالي في الجنة، فوحد اقتصارا على الواحد الدال على الجنس، يدل عليه قوله: * (وهم في الغرفات آمنون) * (6)، * (بما صبروا) * بصبرهم على الطاعات وعن الشهوات، وعلى مجاهدة الكفار ومقاساة الفقر ومشاق الدنيا، لشياع اللفظ في كل مصبور عليه. وقرئ: * (يلقون) *، # PageV02P664 # وهو كقوله: * (ولقاهم نضرة) * (1) و " يلقون " (2) كقوله: * (يلق أثاما) *، * (تحية) * قولا يسرون به، ودعاء بالتعمير تحييهم الملائكة ويسلمون عليهم، أو: يحيي بعضهم بعضا ويسلم عليه، وقيل: يعطون ملكا عظيما وتخليدا مع السلامة من كل آفة (3). * (مستقرا ومقاما) * موضع استقرار وموضع إقامة. # * (ما يعبؤا بكم) * أي: ما يبالي بكم ربي، ولم يعتد بكم * (لولا دعاؤكم) * أي: # عبادتكم، وقيل: " ما " استفهامية في محل النصب، وهي عبارة عن المصدر (4)، كأنه قال: أي عب ء يعبأ بكم لولا دعاؤكم، أي: لا تستأهلون شيئا من العب ء بكم لولا عبادتكم، وحقيقة قولهم: ما عبأت به: ما اعتدت به من مهماتي وما يكون عبأ علي، وقيل: لولا دعاؤكم إياه إذا مسكم ضر رغبة إليه وخضوعا له (5). وفي هذا دلالة على أن الدعاء من الله ms0837 بمكان، وقيل: معناه: ما يصنع بكم ربي لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام (6) * (فقد كذبتم) * بالتوحيد وبمن دعاكم إليه * (فسوف يكون) * العذاب * (لزاما) * أي: لازما لكم واقعا بكم لا محالة، وهو القتل يوم بدر أو عذاب الآخرة. # PageV02P665 # سورة الشعراء مكية كلها (1) إلا قوله: * (والشعراء يتبعهم الغاوون) * إلى آخرها، مائتان وسبع وعشرون آية كوفي، ست في غيرهم، * (طسم) * كوفي، * (فلسوف تعلمون) * (2) غيرهم، * (أين ما كنتم تعبدون من دون الله) * (3) غير البصري. # في حديث أبي: " من قرأ سورة الشعراء كان له من الأجر بعدد من صدق بنوح وكذب به، وهود وشعيب وصالح وإبراهيم، وبعدد من كذب بعيسى، وصدق بمحمد (صلى الله عليه وآله) " (4). # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأ الطواسين الثلاث في ليلة الجمعة كان من أولياء الله وفي جواره وكنفه، ولم يصبه في الدنيا بؤس أبدا، وأعطي في الآخرة من الجنة حتى يرضى وفوق رضاه، وزوجه الله مائة حوراء من حور العين " (5). # PageV02P667 # بسم الله الرحمن الرحيم * (طسم (1) تلك آيات الكتاب المبين (2) لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين (3) إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين (4) وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين (5) فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون (6) أو لم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم (7) إن في ذلك لاية وما كان أكثرهم مؤمنين (8) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (9)) * " طاء وياء وحاء " من * (طسم) * و * (يس) * و * (حم) *: قرئ بالإمالة (1) والتفخيم (2)، وقرئ نون " سين " بالإظهار (3) والإدغام (4). # * (الكتاب المبين) * هو اللوح المحفوظ يتبين للناظرين في كل ما هو كائن، أو: القرآن يبين ما أودع من الحكم والشرائع وأنواع العلوم، أو: هو الظاهر إعجازه وصحة أنه من عند الله. # والبخع: الإهلاك، و * (لعلك) * للإشفاق، أي: أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة على ما فاتك من إسلام قومك * (ألا يكونوا مؤمنين) * أي: خيفة أن لا يؤمنوا، # PageV02P668 # أو: لأن لا يؤمنوا. # * (إن نشأ ننزل... آية) * ملجئة إلى الإيمان، كما نتق الجبل على بني ms0838 إسرائيل * (فظلت) * معطوف على * (ننزل) *، والأصل: فظلوا * (لها خاضعين) * فأقحمت " الأعناق " لبيان موضع الخضوع، وترك الكلام على أصله. ويجوز أن يكون " الأعناق " لما وصفت بالخضوع الذي هو للعقلاء قيل: * (خاضعين) * كقوله: * (لي ساجدين) * (1)، وقيل: المراد بالأعناق الرؤساء والمقدمون (2)، شبهوا بالأعناق كما قيل لهم: الرؤوس والصدور والنواصي، قال: # في محفل من نواصي الناس مشهود (3) وقيل: * (أعناقهم) * جماعاتهم (4). يقال: جاء عنق من الناس أي: جماعة. # وما يجدد الله بوحيه موعظة وتذكيرا إلا جددوا إعراضا عنه وكفرا به. # وصف " الزوج " وهو الصنف من النبات بالكرم والكريم صفة لكل ما يرضى ويحمد في بابه، يقال: وجه كريم مرضي في حسنه وبهائه، وكتاب كريم مرضي في معانيه، فالنبات الكريم هو المرضي في المنافع المتعلقة به. # * (إن في) * إنبات تلك الأصناف * (لآية) * على أن منبتها قادر على إحياء الأموات، وقد علم الله أن * (أكثرهم) * لا يؤمنون. * (وإن ربك لهو العزيز) * في انتقامه منهم * (الرحيم) * بمن يؤمن. # PageV02P669 # * (وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين (10) قوم فرعون ألا يتقون (11) قال رب إني أخاف أن يكذبون (12) ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون (13) ولهم على ذنب فأخاف أن يقتلون (14) قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون (15) فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العلمين (16) أن أرسل معنا بني إسرائيل (17) قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين (18) وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين (19) قال فعلتها إذا وأنا من الضالين (20) ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربى حكما وجعلني من المرسلين (21) وتلك نعمة تمنها على أن عبدت بني إسرائيل (22)) * * (قوم فرعون) * عطف بيان * (ألا يتقون) * كلام مستأنف، أي: أما آن لهم أن يتقوا الله ويحذروا من أيامه. # * (ويضيق صدري ولا ينطلق لساني) * بالرفع لأنهما معطوفان على خبر * (أن) *، وقرئا بالنصب (1) عطفا على صلة * (أن) *، والرفع يفيد أن فيه ثلاث علل: # خوف التكذيب، وضيق الصدر، وامتناع انطلاق اللسان. والنصب يفيد أن خوفه يتعلق بهذه الثلاثة. * (فأرسل) * جبرائيل * (إلى هارون) * واجعله نبيا، وأزرني به واشدد به ظهري. * (ولهم ms0839 على ذنب) * هو قتله القبطي، أي: ولهم علي تبعة ذنب، وهي قود ذلك القتل * (فأخاف أن يقتلون‍) * - ي به، فحذف المضاف، أو: سمى تبعة الذنب ذنبا، كما سمى جزاء السيئة سيئة. # * (قال) * الله تعالى: * (كلا) * يعني: ارتدع يا موسى عما تظن، لأنهم لن يقتلوك به، فإني لا أسلطهم عليك، فاذهب أنت وهارون. وقوله: * (إنا معكم مستمعون) * # PageV02P670 # من مجاز الكلام لأنه تعالى لا يوصف بالاستماع على الحقيقة، فإن الاستماع جار مجرى الإصغاء، وإنما يوصف بأنه سميع وسامع، والمراد: إنا لكما كالظهير المعين إذا حضر واستمع ما يجري بينكما وبينه، فأظهركما عليه وأكسر شوكته عنكما. ويجوز أن يكونا خبرين ل‍ " أن "، وأن يكون * (مستمعون) * مستقرا، و * (معكم) * لغوا. # * (إنا رسول رب العالمين) * جعل " رسول " هنا بمعنى الرسالة، فلم يثن كما ثنى في قوله: * (إنا رسولا ربك) * (1)، كما يفعل في الصفة بالمصادر نحو: صوم وزور. # ويجوز أن يوحد لأن حكمهما واحد بالاتفاق والأخوة، فكأنهما رسول واحد. # * (أن أرسل) * بمعنى: أي أرسل لتضمن الرسول معنى الإرسال، وفي الإرسال معنى القول، كما في المناداة ونحوها. ومعنى هذه الارسال التخلية والإطلاق، كما يقال: أرسل البازي، والمراد: خل بني إسرائيل يذهبوا معنا إلى فلسطين، وكانت مسكنهما. # وفي الكلام حذف تقديره: فذهبا إلى فرعون وبلغا الرسالة على ما أمرا به، فعند ذلك * (قال) * فرعون لموسى: * (ألم نربك) * وهذا النوع من الاختصار كثير في التنزيل. الوليد: الصبي لقرب عهده بالولادة * (سنين) * قيل: لبث عندهم ثماني عشرة سنة (2)، وقيل: ثلاثين سنة (3)، وقال الكلبي: أربعين سنة (4). * (فعلت فعلتك) * يعني: قتلت القبطي، أي: * (وأنت) * لذلك * (من الكافرين) * لنعمتي وحق تربيتي. # PageV02P671 # وأجابه موسى بأن تلك الفعلة إنما فرطت منه وهو * (من الضالين) * أي: # الذاهبين عن الصواب أو الناسين من قوله: * (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) * (1). كذب فرعون ودفع الوصف بالكفر من نفسه بأن وضع " الضالين " موضع " الكافرين " رياء بمحل من رشح للنبوة عن تلك الصفة، ثم أبطل امتنانه عليه بالتربية، وأبى أن يسمي نعمته نعمة بأن بين أن حقيقة إنعامه عليه تعبيد ms0840 بني إسرائيل، لأن تعبيدهم وقصدهم بذبح أبنائهم هو السبب في حصوله عنده وتربيته، فكأنه من عليه بتعبيد قومه، وتعبيدهم: اتخاذهم عبيدا وتذليلهم. # * (وتلك) * إشارة إلى خصلة منكرة لا ندري إلا بتفسيرها، ومحل * (أن عبدت) * الرفع بأنه عطف بيان ل‍ * (- تلك) *، ونظيره * (وقضينا إليه ذا لك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع) * (2)، والمعنى: تعبيدك بني إسرائيل نعمة * (تمنها على) *؟! # ويجوز أن يكون في محل نصب، والمعنى: إنما صارت نعمة علي لأن عبدت بني إسرائيل، أي: لو لم تفعل ذلك لكفلني أهلي ولم يلقوني في اليم. # * (قال فرعون وما رب العلمين (23) قال رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين (24) قال لمن حوله ألا تستمعون (25) قال ربكم ورب آبائكم الأولين (26) قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون (27) قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون (28) قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين (29) قال أولو جئتك بشئ مبين (30) قال فأت به إن كنت من الصدقين (31) فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين (32) ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين (33) قال للملا حوله إن هذا لسحر عليم (34) يريد أن # PageV02P672 # يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون (35) قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حشرين (36) يأتوك بكل سحار عليم (37) فجمع السحرة لميقات يوم معلوم (38) وقيل للناس هل أنتم مجتمعون (39) لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين (40) فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لاجرا إن كنا نحن الغالبين (41) قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين (42)) * * (وما رب العلمين) * يريد: وأي شئ هو من الأشياء المشاهدة؟ فأجابه موسى بما يستدل عليه من أفعاله ليعرفه أنه ليس بشئ يمكن أن يشاهد من الأجسام والأعراض، وإنما هو شئ مخالف لجميع الأشياء، ليس كمثله شئ، منشئ * (السماوات والأرض) * ومبدعهما * (وما بينهما إن كنتم موقنين) * بأن هذه الأشياء محدثة منشأة وليست من فعلكم، والمحدث لابد له من محدث. # فلما أجاب موسى بما أجاب عجب فرعون قومه من جوابه حيث نسب الربوبية إلى غيره. فلما ثنى موسى (عليه السلام) بتقرير قوله نسبه فرعون إلى الجنون ms0841 وأضافه إلى قومه حيث سماه " رسولهم " طنزا به (1). # فلما ثلث (عليه السلام) بتقرير آخر غضب وقال: * (لئن اتخذت إلها غيري) * وعارض موسى (عليه السلام) قوله: * (إن رسولكم... لمجنون) * بقوله: * (إن كنتم تعقلون) *. # * (أولو جئتك) * الواو للحال، دخلت عليها همزة الاستفهام، والمعنى: أتفعل ذلك بي ولو جئتك * (بشئ مبين) * أي: جائيا بالمعجز الظاهر. # وفي قوله: * (إن كنت من الصدقين) * أن المعجز لا يأتي به إلا الصادق في دعواه، لأنه يجري مجرى التصديق من الله تعالى، فلابد من يدل على الصادق، # PageV02P673 # وتقديره: إن كنت من الصادقين في دعواك إئت به، فحذف الجزاء لأن الأمر بالإتيان به يدل عليه. # * (ثعبان مبين) * ظاهر الثعبانية، لا شئ يشبه الثعبان. * (بيضاء للناظرين) * فيه دلالة على أن بياضها كان شيئا تجتمع النظارة على النظر إليه لخروجه عن العادة، فكان بياضا نورانيا له شعاع يغشى الأبصار ويسد الأفق. # وقوله: * (حوله) * منصوب اللفظ على الظرف، ومنصوب المحل على الحال. # * (فماذا تأمرون) * من المؤامرة وهي المشاورة، أو: من الأمر الذي هو ضد النهي، جعل العبيد آمرين وربهم مأمورا، لما دهاه من الدهش والحيرة حين أبصر الآيتين، واعترف لهم بما توقعه وأحس به من جهة موسى (عليه السلام) وغلبته على ملكه وأرضه. و * (ماذا) * منصوب: إما لكونه في معنى المصدر، وإما لأنه مفعول به من قولهم: أمرتك الخير. # وقرئ: " أرجئه " وقد مر بيانه (1). * (يوم معلوم) * وهو يوم الزينة، وميقاته وقت الضحى لأنه الوقت الذي وقته لهم موسى (عليه السلام) من يوم الزينة. * (هل أنتم مجتمعون) * استبطاء لهم في الاجتماع، والمراد منه: استعجالهم، ومنه قول تأبط شرا: # هل أنت باعث دينار لحاجتنا؟ (2) يريد: إبعثه إلينا سريعا ولا تبطئ (3). * (لعلنا نتبع السحرة) * في دينهم إن غلبوا موسى، ولا نتبع موسى في دينه. # * (قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون (43) فألقوا حبالهم وعصيهم # PageV02P674 # وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون (44) فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون (45) فألقى السحرة ساجدين (46) قالوا آمنا برب العلمين (47) رب موسى وهارون (48) قال آمنتم له قبل أن آذن لكم ms0842 إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لاقطعن أيديكم وأرجلكم من خلف ولأصلبنكم أجمعين (49) قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون (50) إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطينا أن كنا أول المؤمنين (51) وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون (52) فأرسل فرعون في المدائن حشرين (53) إن هؤلاء لشرذمة قليلون (54) وإنهم لنا لغائظون (55) وإنا لجميع حذرون (56) فأخرجناهم من جنات وعيون (57) وكنوز ومقام كريم (58) كذلك وأورثناها بني إسرائيل (59) فأتبعوهم مشرقين (60) فلما تراءا الجمعان قال أصحب موسى إنا لمدركون (61) قال كلا إن معي ربى سيهدين (62) فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم (63) وأزلفنا ثم الآخرين (64) وأنجينا موسى ومن معه أجمعين (65) ثم أغرقنا الآخرين (66) إن في ذلك لاية وما كان أكثرهم مؤمنين (67) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (68)) * أقسموا * (بعزة فرعون) * وهي من أقسام الجاهلية، وفي الإسلام لا يصح الحلف إلا بالله تعالى أو ببعض أسمائه وصفاته، وفي الحديث: " لا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون " (1). # وعبر عن الخرور بالإلقاء على طريق المشاكلة إذ جرى ذكر الإلقاء، يعني: # PageV02P675 # أنهم إذا رأوا ما رأوا رموا بنفوسهم إلى الأرض * (ساجدين) * كأنهم أخذوا وطرحوا وألقوا. # الضير: الضر، أرادوا: لا ضرر علينا في ذلك بل لنا فيه أعظم النفع لما يحصل لنا في الصبر عليه من الثواب العظيم، أو: * (لا ضير) * لنا في القتل إذ لابد لنا من الانقلاب إلى ربنا بسبب من أسباب الموت، والقتل أهون أسبابه وأرضاها، لأننا ننقلب إلى ربنا انقلاب من يطمع في مغفرته ورحمته لما رزقنا من السبق إلى الإيمان * (أن كنا) * معناه: لأن كنا. # وعلل الأمر بالإسراء بقوله: * (إنكم متبعون) * على معنى: أن التدبير في أمرهم أن يتقدموا ويتبعهم فرعون وجنوده ويسلكوا مسالكهم في البحر فيهلكهم الله بإطباق البحر عليهم. # * (إن هؤلاء) * محكي بعد قول مضمر، والشرذمة: الطائفة القليلة، ذكرهم بهذا الاسم الدال على القلة ثم وصفهم بالقلة. ويجوز أن يريد بالقلة المذلة والغمارة (1)، فلا يريد قلة العدد، يعني: أنهم لقلتهم لا يبالي بهم. ms0843 * (وإنهم) * يفعلون أفعالا تغيظنا، ونحن قوم من عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور، فإذا خرج علينا خارج بادرنا إلى حسم مادة فساده، وهذه معاذير اعتذر بها إلى أهل المدائن لئلا يظن به ما يكسر من سلطانه. وقرئ: " حذرون " (2) و * (حذرون) *، فالحذر: # المتيقظ، والحاذر: المستعد. # * (ومقام كريم) * منازل حسنة، وقيل: مجالس الأمراء التي تحتف (3) بها # PageV02P676 # الأتباع (1). * (كذلك) * الكاف رفع لأنه خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر كذلك، أو نصب أي: أخرجناهم مثل ذلك الإخراج الذي وصفناه. * (فأتبعوهم) * فلحقوهم * (مشرقين) * داخلين في وقت الشروق. # * (سيهدين‍) * - ي طريق النجاة من إدراكهم. أي: فضرب فانفلق البحر وظهر فيه اثنا عشر طريقا، والفرق: الجزء المتفرق فيه، والطود: الجبل العظيم. # * (وأزلفنا ثم) * أي: حيث انفلق البحر * (الآخرين) * يعني: قوم فرعون قربناهم من بني إسرائيل، وأدنينا بعضهم من بعض، وجمعناهم حتى لا ينجو منهم أحد. # * (إن في ذلك لآية) * لا توصف، قد عاينها الناس وما انتبه عليها * (أكثرهم) *. # * (واتل عليهم نبأ إبراهيم (69) إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون (70) قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين (71) قال هل يسمعونكم إذ تدعون (72) أو ينفعونكم أو يضرون (73) قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون (74) قال أفرءيتم ما كنتم تعبدون (75) أنتم وآباؤكم الأقدمون (76) فإنهم عدو لي إلا رب العلمين (77) الذي خلقني فهو يهدين (78) والذي هو يطعمني ويسقين (79) وإذا مرضت فهو يشفين (80) والذي يميتني ثم يحيين (81) والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين (82) رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين (83) واجعل لي لسان صدق في الآخرين (84) واجعلني من ورثة جنة النعيم (85) واغفر لأبي إنه كان من الضالين (86) ولا تخزني يوم يبعثون (87) يوم لا ينفع مال ولا بنون (88) إلا من أتى الله بقلب سليم (89) وأزلفت الجنة للمتقين (90) وبرزت الجحيم للغاوين (91) وقيل لهم أين ما كنتم # PageV02P677 # تعبدون (92) من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون (93) فكبكبوا فيها هم والغاوون (94) وجنود إبليس أجمعون (95) قالوا وهم فيها يختصمون (96) تالله إن كنا لفي ضلل مبين (97) إذ نسويكم برب العلمين (98) وما أضلنا إلا المجرمون (99) فما لنا من شافعين (100) ولا صديق حميم ms0844 (101) فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين (102) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (103) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (104)) * سألهم إبراهيم (عليه السلام) وإن كان يعلم عبادتهم الأصنام ليريهم أن ما يعبدونه بعيد عن استحقاق العبادة. ولابد في * (يسمعونكم) * من تقدير حذف المضاف، معناه: # هل يسمعون دعاءكم، وهل يقدرون على ذلك؟ وجاء مضارعا مع إيقاعه على * (إذ) * لأنه حكاية حال ماضية. # وإنما قال: * (عدو لي) * على معنى: أني فكرت في أمري فرأيت عبادتي لها عبادة للعدو الذي هو الشيطان فاجتنبتها، وآثرت عبادة من الخير كله منه، وأراهم بهذا القول أنه نصيحة نصح بها نفسه، لينظروا فيقولوا: ما نصحنا إبراهيم إلا بما نصح به نفسه، ويكونوا إلى القبول أقرب، ولو قال: * (فإنهم عدو) * لكم لم يكن بهذه المثابة. والعدو والصديق يكونان بمعنى الواحد والجمع، قال: # وقوم علي ذوي مئرة * أراهم عدوا وكانوا صديقا * (إلا رب العلمين) * استثناء منقطع، كأنه قال: لكن رب العالمين. # وقال: * (إذا مرضت) * ولم يقل: أمرضني لأن كثيرا من أسباب المرض يحدث بتفريط من الإنسان في طعامه وشرابه وغير ذلك. # وإنما قال: * (أطمع أن يغفر لي خطيئتي) * على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى، PageV02P678 # أو أراد: أطمع أن يغفر لأجلي خطيئة من يشفعني فيه، فإن الأنبياء (عليهم السلام) منزهون عن الخطايا (1) والآثام، فاستغفارهم محمول على تواضعهم لربهم وهضمهم لأنفسهم، ويدل على ذلك قوله: * (أطمع) * ولم يجزم القول بالمغفرة، وفيه تعليم لأممهم. * (هب لي حكما) * أي: حكمة أو حكما بين الناس بالحق، وقيل: الحكم: # النبوة (2)، لأن النبي ذو حكم بين الناس وذو الحكمة والعلم * (وألحقني بالصالحين) * إجمع بيني وبينهم في الجنة. * (ولا تخزني يوم يبعثون) * من الخزي الذي هو الهوان، أو: من الخزاية التي هي الحياء، وهذا أيضا من نحو استغفارهم مع عصمتهم وبعدهم عما يوجب الاستغفار، وفي * (يبعثون) * ضمير للعباد لأنه معلوم. * (إلا) * حال من * (أتى الله بقلب سليم) * وهو من قولهم: # تحية بينهم ضرب وجيع (3). # وبيانه أن يقال لك: هل لزيد مال وبنون؟ فتقول: ماله وبنوه سلامة ms0845 قلبه، تريد نفي المال والبنين عنه، وإثبات سلامة القلب له بدلا من ذلك. ويجوز حمل الكلام على المعنى بأن يجعل المال والبنين في معنى " الغنى "، إلا غنى من أتى الله بقلب سليم، لأن غنى الرجل في دينه بسلامة قلبه، كما أن غناه في دنياه بماله وبنيه. # ويجوز أن يكون مفعولا ل‍ * (ينفع) * أي: لا ينفع مال ولا بنون إلا رجلا سلم قلبه مع ماله حيث أنفقه في طاعة الله، ومع بنيه حيث أرشدهم إلى الدين وعلمهم الشرائع. وقيل: القلب السليم الذي أسلم وسالم واستسلم (4). وعن الصادق (عليه السلام): # PageV02P679 # " هو القلب الذي سلم من حب الدنيا ". # * (وأزلفت الجنة للمتقين) * أي: قربت من موقفهم ينظرون إليها ويغتبطون بمكانهم منها. * (وبرزت الجحيم) * كشفت للأشقياء يتحسرون على أنهم المسوقون إليها، قال: * (فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا) * (1) يجمع عليهم الغموم، فتجعل النار بمرأى منهم ويقال لهم: أين آلهتكم هل ينفعونكم بنصرتهم لكم؟ أو: هل ينفعون أنفسهم بانتصارهم لأنهم وما كانوا يعبدونهم وقود النار، وهو قوله: * (فكبكبوا فيها هم والغاوون) * أي: الآلهة، والغاوون أي: عبدتهم، والكبكبة: # تكرير الكب، جعل التكرير في اللفظ دليلا على التكرير في المعنى، كأنه إذا ألقي في النار يكب مرة بعد مرة حتى يستقر في قعر جهنم، اللهم أعذنا منها. وكبكب معهم * (جنود إبليس) * أي: أتباعه وشياطينه. # * (يختصمون) * أي: يخاصم بعضهم بعضا. و " إن " هي المخففة من الثقيلة، أي: # إنا كنا في * (ضلل مبين إذ) * سويناكم بالله في توجيه العبادة إليكم. # والمراد بالمجرمين الذين أضلوهم: رؤساؤهم وكبراؤهم والذين اقتدوا بهم * (ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا) * (2)، * (فما لنا من شافعين) * يشفعون لنا، ويسألون في أمرنا، كما نرى المؤمنين لهم شفعاء من النبيين والأوصياء، ولا صديق كما نرى لهم أصدقاء. # الصادق (عليه السلام): " والله لنشفعن في شيعتنا، قالها ثلاثا، حتى يقول عدونا: # * (فما لنا من شافعين) * إلى قوله: * (من المؤمنين) * " (3). # وعن جابر بن عبد الله عن النبي (صلى الله عليه وآله): " إن الرجل يقول في الجنة: ما فعل # PageV02P680 # صديقي فلان، ms0846 وصديقه في الجحيم؟ فيقول الله سبحانه: أخرجوا له صديقه إلى الجنة، فيقول من بقي في النار: * (فما لنا من شافعين ولا صديق حميم) * " (1). # والحميم من الاحتمام، وهو الاهتمام، وهو الذي يهمه ما يهمك، أو من " الحامة " بمعنى الخاصة، وهو الصديق الخاص. وإنما جمع " الشفعاء " ووحد " الصديق " لكثرة الشفعاء وقلة الصديق الصادق في الوداد. ويجوز أن يكون المراد بالصديق الجمع. والكرة: الرجعة إلى الدنيا، و " لو " هنا في معنى التمني، المعنى: فليت لنا كرة. ويمكن أن يكون " لو " على أصل معناه، ويكون محذوف الجواب والتقدير: لفعلنا كذا. # * (كذبت قوم نوح المرسلين (105) إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون (106) إني لكم رسول أمين (107) فاتقوا الله وأطيعون (108) وما أسئلكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العلمين (109) فاتقوا الله وأطيعون (110) قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون (111) قال وما علمي بما كانوا يعملون (112) إن حسابهم إلا على ربى لو تشعرون (113) وما أنا بطارد المؤمنين (114) إن أنا إلا نذير مبين (115) قالوا لئن لم تنته ينوح لتكونن من المرجومين (116) قال رب إن قومي كاذبون (117) فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين (118) فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون (119) ثم أغرقنا بعد الباقين (120) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (121) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (122)) * # PageV02P681 # " القوم " مؤنث، وتصغيره " قويمة ". * (أخوهم) * مثل قول العرب: يا أخا بني أسد، يريدون: يا واحدا منهم، ومنه بيت الحماسة: # لا يسألون أخاهم حين يندبهم * في النائبات على ما قال برهانا (1) * (رسول أمين) * على الرسالة، أو كان مشهورا فيهم بالأمانة كمحمد (صلى الله عليه وآله) في قريش. * (وأطيعون) * فيما أدعوكم إليه من الإيمان والتوحيد. * (وما أسئلكم) * على هذا الأمر * (من أجر) * يعني على دعائه ونصحه. * (فاتقوا الله) * في طاعتي، وكرر ذلك ليقرره في نفوسهم مع أن كل واحد منهما قد تعلق بعلة: جعل علة الأول كونه أمينا فيما بينهم، وعلة الثاني حسم طمعه عنهم. # وقرئ: " وأتباعك " (2) جمع تابع كشاهد وأشهاد، أو جمع تبع كبطل وأبطال. # والواو للحال، والتقدير: وقد اتبعك، فأضمر ms0847 " قد "، والرذالة والنذالة: الخسة والدناءة، وإنما استرذلوهم لاتضاع نسبهم وقلة نصيبهم من الدنيا، وقيل: كانوا من أهل الصناعات الدنيئة كالحياكة ونحوها (3). # * (وما علمي) * وأي شئ علمي؟ والمراد: انتفاء علمه بسر أمرهم وباطنه، وإنما قال هذا لأنهم قد طعنوا مع استرذالهم في إيمانهم، وادعوا أنهم لم يؤمنوا على بصيرة وإنما آمنوا هوى وبديهة، كما حكى الله عنهم قولهم: * (الذين هم أراذلنا بادي الرأي) * (4). ويجوز أن يكون قد فسر نوح قولهم: * (الأرذلون) * # PageV02P682 # بما هو الرذالة عنده من سوء الأعمال وفساد العقيدة، ثم بنى جوابه على ذلك فقال: # ما علي إلا اعتبار الظواهر دون الفحص عن الضمائر، فإن كانوا على ما وصفتم فالله محاسبهم ومجازيهم * (وما.. أنا إلا نذير) * لا محاسب ولا مجاز، وليس من شأني أن أطرد * (المؤمنين) * طمعا في إيمانكم. # * (قالوا لئن لم تنته) * أي: لئن لم ترجع عما تقول * (لتكونن من المرجومين) * بالحجارة أو بالشتم. * (قال رب) * إنهم * (كذبون‍) * - ي في وحيك ورسالتك فاحكم بيني وبينهم. والفتاح: الحاكم، والفتاحة: الحكومة. # و * (الفلك) * السفينة، وهو واحد هنا، وجمع في قوله: * (وترى الفلك فيه مواخر) * (1) فالواحد كقفل، والجمع كأسد، جمعوا فعلاء (2) على " فعل " كما جمعوا " فعلى " على " فعل " لأنهما أخوان في قولك: العرب والعرب، والعجم والعجم، والرشد والرشد، و * (المشحون) * المملوء. # * (كذبت عاد المرسلين (123) إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون (124) إني لكم رسول أمين (125) فاتقوا الله وأطيعون (126) وما أسئلكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العلمين (127) أتبنون بكل ريع آية تعبثون (128) وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون (129) وإذا بطشتم بطشتم جبارين (130) فاتقوا الله وأطيعون (131) واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون (132) أمدكم بأنعم وبنين (133) وجنت وعيون (134) إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (135) قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين (136) إن هذا إلا خلق الأولين (137) وما نحن بمعذبين (138) فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية # PageV02P683 # وما كان أكثرهم مؤمنين (139) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (140)) * الريع: المكان المرتفع، والآية: العلم، قيل: كانوا يهتدون بالنجوم في أسفارهم، فاتخذوا في طرقهم أعلاما طوالا فعبثوا بذلك، لأنهم ms0848 كانوا مستغنين عنها بالنجوم (1)، وقيل: كانوا يبنون أبنية لا يحتاجون إليها لسكناهم، فجعل بناء ما يستغنون عنه عبثا منهم (2). # وعن النبي (صلى الله عليه وآله): " كل بناء يبنى وبال على صاحبه يوم القيامة إلا مالابد منه " (3). # وقيل: كانوا يبنون بالمواضع المرتفعة ليشرفوا على المارة فيعبثوا بهم (4). # والمصانع: مآخذ الماء، وقيل: القصور المشيدة والحصون (5) * (لعلكم تخلدون) * أي: ترجون الخلود في الدنيا، أو: يشبه حالكم حال من يخلد. # * (وإذا بطشتم) * بسوط أو سيف * (بطشتم) * ظالمين عالين، وقيل: الجبار: # الذي يقتل ويضرب على الغضب (6)، وعن الحسن: مبادرين تعجيل العذاب لا يتفكرون في العواقب (7). # ثم نبههم على نعم الله تعالى عليهم، فأجملها بقوله: * (أمدكم بما تعلمون) *، ثم فصلها وعددها عليهم، وعرفهم المنعم النعم بتعديدها، أي: * (سواء علينا # PageV02P684 # أوعظت أم لم تكن) * من أهل الوعظ. # وقرئ: " خلق الأولين " بالفتح (1)، ومعناه: إن ما جئت به ليس إلا اختلاق الأولين وكذبهم، أو: ما خلقنا هذا إلا خلق القرون الماضية، نحيا كما حيوا، ونموت كما ماتوا ولا بعث ولا حساب. وقرئ: " خلق الأولين " بالضم (2)، أي: ما هذا الذي نحن عليه من الحياة والموت إلا عادة لم يزل عليها الناس في قديم الدهر، أو: ما هذا الذي جئت به من الكذب إلا عادة الأولين كانوا يلفقون مثله. # * (كذبت ثمود المرسلين (141) إذ قال لهم أخوهم صلح ألا تتقون (142) إني لكم رسول أمين (143) فاتقوا الله وأطيعون (144) وما أسئلكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العلمين (145) أتتركون في ما ههنا آمنين (146) في جنات وعيون (147) وزروع ونخل طلعها هضيم (148) وتنحتون من الجبال بيوتا فرهين (149) فاتقوا الله وأطيعون (150) ولا تطيعوا أمر المسرفين (151) الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون (152) قالوا إنما أنت من المسحرين (153) ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصدقين (154) قال هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم (155) ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم (156) فعقروها فأصبحوا نادمين (157) فأخذهم العذاب إن في ذلك لاية وما كان أكثرهم مؤمنين (158) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (159)) * # PageV02P685 # * (في ما ههنا) * أي: ms0849 في الذي استقر في هذا المكان من النعيم. ثم فسر ذلك بقوله: * (في جنات وعيون) * والمعنى: * (أتتركون) * فيما أنتم فيه من نعيم الدنيا لا تزالون عنه. # وخص " النخل " بأفرادها من جملة الجنات لفضله، أو: لأنه أراد بالجنات غير النخل من الشجر ثم عطفها عليها، والطلع: الكفرى (1) لأنه يطلع من النخل، والهضيم: اللطيف الضامر من قولهم: كشح هضيم، وفي طلع إناث النخل لطف ليس ذلك في طلع فحالها، وقيل: الهضيم: اللين النضيج (2). وقرئ: " فرهين " (3) و * (فرهين) *، والفاره: الكيس الحاذق، أي: حاذقين بنحتها، والفره: الأشر البطر. # أي: * (أطيعون‍) * - ي فيما آمركم به. * (ولا تطيعوا) * رؤساءكم المفسدين، ولا تمتثلوا (4) أو أمرهم. # والمسحر الذي سحر كثيرا حتى غلب على عقله، أي: سحرت مرة بعد أخرى فصرت لا تدري ما تقول، وقيل: معناه: أنت من المخلوقين المعللين بالطعام والشراب مثلنا، فلم صرت أولى بالنبوة منا؟! (5). # والشرب: النصيب من الماء إذا كان يوم شربها شربت ماءهم كله، ولهم * (شرب يوم) * لا تشرب فيه الماء، وإنما عظم اليوم لحلول العذاب العظيم فيه. # * (كذبت قوم لوط المرسلين (160) إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون (161) إني لكم رسول أمين (162) فاتقوا الله وأطيعون (163) # PageV02P686 # وما أسئلكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العلمين (164) أتأتون الذكران من العلمين (165) وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون (166) قالوا لئن لم تنته يلوط لتكونن من المخرجين (167) قال إني لعملكم من القالين (168) رب نجنى وأهلي مما يعملون (169) فنجيناه وأهله أجمعين (170) إلا عجوزا في الغابرين (171) ثم دمرنا الآخرين (172) وأمطرنا عليهم مطرا فسآء مطر المنذرين (173) إن في ذلك لاية وما كان أكثرهم مؤمنين (174) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (175)) * أي: أتأتون من بين أولاد آدم ذكرانهم كأن الإناث قد أعوزتكم؟ والمراد ب‍ * (- العلمين) * الناس، أو: أتأتون أنتم من بين ما عداكم من العالمين الذكران؟ # بمعنى: أنكم يا قوم لوط وحدكم مختصون بهذه الفاحشة. والمراد بالعالمين: # كل ما ينكح من الحيوان. # في * (من أزواجكم) * تبيين لما خلق * (عادون) * معتدون في الظلم، متجاوزون فيه الحد. ms0850 * (لئن لم تنته) * عن نهينا، ولم تمتنع عن تقبيح أفعالنا * (لتكونن) * من جملة من أخرجناه من بين أظهرنا، وطردناه من بلدنا. * (من القالين) * أبلغ من أن يقول: * (إني لعملكم) * قال، كما يقول: فلان من العلماء، أي: معدود في جملتهم معروف بالعلم فيهم، ويجوز أن يكون المراد: إني من الكاملين في قلاكم، والقلى: # البغض الشديد، كأنه بغض يقلي الفؤاد والكبد مما يعلمون من عقوبة عملهم. # * (إلا عجوزا في الغابرين) * أي: مقدرا غبورها في العذاب والهلاك، قيل: # إنها هلكت مع من خرج من القرية بما أمطر عليهم من الحجارة (1). قال قتادة: # PageV02P687 # أمطر الله على شذاذ القوم حجارة من السماء فأهلكهم (1)، وعن ابن زيد: لم يرض بالائتفاك (2) حتى أتبعه مطرا من حجارة (3)، والتقدير: * (فسآء مطر المنذرين) * مطرهم فحذف، ولم يرد بالمنذرين قوما بأعيانهم إنما هو للجنس. # * (كذب أصحب ليكة المرسلين (176) إذ قال لهم شعيب ألا تتقون (177) إني لكم رسول أمين (178) فاتقوا الله وأطيعون (179) وما أسئلكم عليه من أجر إن أجرى إلا على رب العلمين (180) أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين (181) وزنوا بالقسطاس المستقيم (182) ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين (183) واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين (184) قالوا إنما أنت من المسحرين (185) وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكذبين (186) فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصدقين (187) قال ربى أعلم بما تعملون (188) فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم (189) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (190) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (191)) * قرئ: * (أصحب ليكة) * بالهمزة وبتخفيفه وبالجر على الإضافة، وقرئ بالفتح (4) على أن " أيكة " اسم بلد، وروي: أن أصحاب الأيكة كانوا أصحاب شجر ملتف، وكان شجرهم الدوم (5). ولم يقل: أخوهم شعيب كما في المواضع # PageV02P688 # المتقدمة، لأن شعيبا لم يكن من أصحاب الأيكة، وفي الحديث: " أن شعيبا أخا مدين أرسل إليهم وإلى أصحاب الأيكة " (1). # بخسه حقه بمعنى: نقصه إياه * (ولا تبخسوا) * أي: لا تنقصوا الناس حقوقهم، وهو عام في أن لا يهضم حق لأحد، ولا يغصب ملك ms0851 ولا يتصرف فيه إلا بإذن مالكه، وعثا في الأرض يعثو، وعثا يعثي، وعاث يعيث بمعنى، وذلك نحو: قطع الطريق وإهلاك الزرع. # * (والجبلة) * الخليقة، أي: ذوي الجبلة، وهو كقولك: والخلق الأولين. * (وما أنت إلا بشر مثلنا) * دخلت الواو هنا لمعنى، وهو أنهم قصدوا أن البشرية والتسخير كليهما مناف للرسالة عندهم * (إن) * المخففة من الثقيلة، وهي ولامها تفرقتا على فعل " الظن " وثاني مفعوليه، لأنهما في الأصل يتفرقان على المبتدأ والخبر، فلما كان باب " كان " وباب " ظننت " من جنس باب المبتدأ والخبر، قالوا أيضا في البابين: إن كان زيد لقائما * (وإن نظنك لمن الكذبين) *. # وقرئ: * (كسفا) * بسكون السين (2) وفتحها، وكلاهما جمع كسفة، أي: # إن كنت صادقا فادع الله أن يسقط علينا كسفا من السماء. * (قال ربى أعلم بما تعملون) * أي: بأعمالكم وبما تستوجبون عليها من العقاب، فإن أراد أن يعاقبكم بإسقاط كسف من السماء فعل، وإن أراد عقابا آخر فعل، فأخذهم الله بمثل ما اقترحوه من عذاب * (الظلة) *، يروى: أنه حبس عنهم الريح سبعا، وسلط عليهم الومد (3) فأخذ بأنفاسهم، فخرجوا إلى البرية فأظلتهم سحابة وجدوا لها بردا # PageV02P689 # ونسيما، فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا (1). # * (وإنه لتنزيل رب العلمين (192) نزل به الروح الأمين (193) على قلبك لتكون من المنذرين (194) بلسان عربي مبين (195) وإنه لفي زبر الأولين (196) أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل (197) ولو نزلناه على بعض الأعجمين (198) فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين (199) كذلك سلكنه في قلوب المجرمين (200) لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم (201) فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (202) فيقولوا هل نحن منظرون (203) أفبعذابنا يستعجلون (204) أفرأيت إن متعناهم سنين (205) ثم جاءهم ما كانوا يوعدون (206) ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون (207) وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون (208) ذكرى وما كنا ظالمين (209) وما تنزلت به الشيطين (210) وما ينبغي لهم وما يستطيعون (211) إنهم عن السمع لمعزولون (212)) * * (وإنه) * الضمير للقرآن، والمراد بالتنزيل: المنزل. وقرئ: * (نزل به الروح الأمين) *، و " نزل به الروح " (2)، والباء في كلتا القراءتين للتعدية، أي: جعل الله الروح الأمين نازلا ms0852 به. * (على قلبك) * أي: حفظك وفهمك إياه وأثبته في قلبك إثبات ما لا ينسى، كقوله: * (سنقرئك فلا تنسى) * (3). * (بلسان) * الباء يتعلق ب‍ * (المنذرين) * أي: لتكون من الذين أنذروا بهذا اللسان وهم خمسة: هود وصالح وشعيب وإسماعيل ومحمد صلوات الله عليهم أجمعين، أو يتعلق ب‍ * (- نزل) * # PageV02P690 # فيكون المعنى: نزله باللسان العربي لتنذر به، لأنه لو نزله باللسان الأعجمي وقالوا: # ما نصنع بما لا نفهمه؟ فيتعذر الإنذار. وفي هذا الوجه أن تنزيله بالعربية التي هي لسانك ولسان قومك تنزيل له على قلبك لأنك تفهمه وتفهمه قومك، ولو كان أعجميا لكان نازلا على سمعك دون قلبك، فكنت تسمع أجراس حروف ولا تفهم معانيها ولا تعيها. * (وإنه) * يعني القرآن * (لفي زبر الأولين) * يعني: ذكره مثبت في سائر الكتب السماوية على وجه البشارة به وبمحمد (صلى الله عليه وآله)، وقيل: إن معانيه من الدعاء إلى التوحيد وغيره فيها (1). # وقرئ: * (أولم يكن) * بالتذكير و * (آية) * بالنصب على أنها خبره و * (أن يعلمه) * هو الاسم، وقرئ: " تكن " بالتأنيث و " آية " بالرفع (2) على أن في " تكن " ضمير القصة و " آية " خبر المبتدأ الذي هو * (أن يعلمه) *، والجملة خبر " كان "، والمعنى: ألم يكن علم علماء بني إسرائيل بمجيئه دلالة لهم على صحة نبوته، وهم عبد الله بن سلام وغيره، كما قال سبحانه: * (وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين) * (3). # والأعجم الذي لا يفصح، يقال: في لسانه عجمة واستعجام. * (كذلك سلكنه) * أي: كما أنزلنا القرآن عربيا مبينا أدخلناه وأوقعناه * (في قلوب) * الكافرين بأن قرأه رسولنا عليهم. ثم أسند ترك الإيمان إليهم بقوله: * (لا يؤمنون به) * ولا يزالون على التكذيب والجحود به حتى يعاينوا الوعيد ويروا العذاب، فيلحق بهم * (بغتة) * أي: مفاجأة * (وهم لا يشعرون) * بمجيئه. * (أفبعذابنا يستعجلون) * تبكيت لهم وتوبيخ. # PageV02P691 # ثم قال: هب أن الأمر كما يظنون من التمتيع والتعمير، فإذا أتاهم العذاب ما ينفعهم حينئذ ما مضى من طول أعمارهم وطيب عيشهم؟ # * (لها منذرون) * أي: رسل ينذرونهم. * (ذكرى) * منصوبة بمعنى " تذكرة ms0853 "، إما لأن " أنذر " و " ذكر " متقاربان، فكأنه قال: مذكرون تذكرة، وإما لأنها حال من الضمير في * (منذرون) * أي: ينذرونهم ذوي تذكرة، وإما لأنها مفعول له بمعنى: # أنهم ينذرونهم لأجل التذكرة. ويجوز أن يكون * (ذكرى) * متعلقة ب‍ * (أهلكنا) * مفعولا له، والمعنى: وما أهلكنا من أهل قرية ظالمة إلا بعدما ألزمناهم الحجة بإرسال المنذرين إليهم ليكون إهلاكهم تذكرة وعبرة لغيرهم * (وما كنا ظالمين) * فنهلك قوما غير ظالمين. # كانوا يقولون: إنما يتنزل على محمد (صلى الله عليه وآله) من جنس ما ينزل به الشياطين على الكهنة، فكذبهم الله بأن ذلك مما لا يتسهل للشياطين ولا يقدرون عليه، لأنهم مرجومون بالشهب * (معزولون) * عن استماع كلام أهل السماء. # * (فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين (213) وأنذر عشيرتك الأقربين (214) واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين (215) فإن عصوك فقل إني برئ مما تعملون (216) وتوكل على العزيز الرحيم (217) الذي يربك حين تقوم (218) وتقلبك في الساجدين (219) إنه هو السميع العليم (220) هل أنبئكم على من تنزل الشيطين (221) تنزل على كل أفاك أثيم (222) يلقون السمع وأكثرهم كاذبون (223) والشعراء يتبعهم الغاوون (224) ألم تر أنهم في كل واد يهيمون (225) وأنهم يقولون مالا يفعلون (226) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا PageV02P692 # وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (227)) * علم عز اسمه أن ذلك لا يكون، لكنه أراد أن يحرك منه لازدياد الإخلاص والتقوى، وهي (1) لطف للمكلفين كما قال: * (ولو تقول علينا بعض الأقاويل) * (2). # * (وأنذر عشيرتك الأقربين) * أمر صلوات الله وسلامه عليه بإنذار الأقرب فالأقرب من قومه، وأن يقدم إنذارهم على إنذار غيرهم. وروي: أنه جمع بني عبد المطلب، وهم يومئذ أربعون رجلا، الرجل منهم يأكل الجذعة ويشرب العس (3) على رجل شاة وقعب من لبن، فأكلوا وشربوا حتى صدروا، ثم أنذرهم فقال: " يا بني عبد المطلب، إني أنا النذير إليكم من الله عز وجل، فأسلموا وأطيعوني تهتدوا "، ثم قال: " من يؤاخيني ويؤازرني فيكون وليي ووصيي بعدي، وخليفتي في أهل بيتي "؟ فسكت القوم، وأعادها ثلاثا، كل ذلك يسكت القوم ms0854 ويقول علي (عليه السلام): أنا، وقال في المرة الثالثة: أنت، فقام القوم وهم يقولون لأبي طالب: أطع ابنك فقد أمر عليك (4). # و " خفض الجناح " مثل في التواضع ولين الجانب. * (فإن عصوك) * فتبرأ منهم ومن أعمالهم. * (وتوكل على) * الله يكفك شر من يعصيك، وفوض أمرك إلى من يقدر على نفعك وضرك، وقرئ " فتوكل " بالفاء (5) ويكون عطفا على: * (فقل) * أو * (فلا تدع) *. * (الذي يربك) * ويطلع عليك * (حين تقوم) * للتهجد، والمراد ب‍ * (- الساجدين) * المصلون، وتقلبه فيهم: تصرفه فيما بينهم بقيامه وركوعه وسجوده وقعوده إذا أمهم، وقيل: معناه: وتقلبك في أصلاب الموحدين حتى # PageV02P693 # أخرجك نبيا (1)، وهو المروي عن أئمة الهدى (عليهم السلام) (2). # ثم ذكر سبحانه من * (تنزل) * عليه الشياطين * (كل أفاك أثيم) * هم الكهنة: # كشق وسطيح، والمتنبئة: كمسيلمة الكذاب وطليحة. * (يلقون السمع) * هم الشياطين كانوا قبل أن يحجبوا بالرجم يستمعون إلى الملا الأعلى، فيختطفون بعض ما يتكلمون به مما اطلعوا عليه من الغيوب، ثم * (يلقون) * ما يسمعونه أي: # يوحون به إليهم. # وقوله: * (وإنه لتنزيل رب العلمين) * * (وما تنزلت به الشيطين) * * (هل أنبئكم على من تنزل الشيطين) * (3) أخوان، فرق سبحانه بينهن بآيات ليست في معناهن لتطرئة ذكر ما فيهن كرة بعد كرة، فيدل بذلك على أن المعنى الذي نزل فيه من المعاني التي اشتدت كراهة الله لخلافها. # * (والشعراء) * مبتدأ و * (يتبعهم الغاوون) * خبره، أي: لا يتبعهم على كذبهم وباطلهم وفضول قولهم، وما هم عليه من الهجاء وتمزيق الأعراض ومدح من لا يستحق المدح، ولا يستحسن ذلك منهم إلا الغاوون السفهاء (4)، وقيل: # الغاوون: الراوون (5)، وقيل: الشياطين (6)، وقيل: هم شعراء المشركين: عبد الله بن الزبعرى، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وأبو غرة، وأمية بن أبي الصلت وغيرهم، قالوا: نحن نقول مثل ما قال محمد (صلى الله عليه وآله) وكانوا يهجونه، ويجتمع إليهم الأعراب من قومهم يستمعون أشعارهم وأهاجيهم (7). # PageV02P694 # وقوله: * (في كل واد يهيمون) * مثل لذهابهم في كل شعب من القول، وقلة مبالاتهم بالغلو في المنطق ومجاوزة حد القصد فيه، وقذف التقي وبهت البرئ. # * (إلا الذين ms0855 آمنوا) * استثنى الشعراء المؤمنين الذين يكثرون ذكر الله وتلاوة القرآن، وكان ذلك أغلب عليهم من الشعر، وإذا قالوا شعرا قالوه في توحيد الله والحكمة والموعظة والآداب الحسنة ومدح رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصلحاء المؤمنين، وكان هجاؤهم على سبيل الانتصار والرد على من هجا المسلمين، وهم: عبد الله بن رواحة، والكعبان - كعب بن مالك وكعب بن زهير - وحسان بن ثابت. # قال (عليه السلام) لكعب بن مالك: " اهجهم، فوالذي نفسي بيده لهو أشد عليهم من النبل " (1). وقال لحسان: " قل وروح القدس معك " (2). # * (وسيعلم الذين ظلموا) * وعيد بليغ وتهديد شديد * (أي منقلب ينقلبون) * أي منصرف ينصرفون، أي: سيعلمون أن ليس لهم وجه من وجوه الانقلاب وهو النجاة. # وقرأ الصادق (عليه السلام): " وسيعلم الذين ظلموا آل محمد (صلى الله عليه وآله) حقهم " (3) ويشبه أن تكون قراءة على سبيل التأويل. # PageV02P695 # سورة النمل مكية (1) أربع وتسعون آية بصري، ثلاث كوفي، عد البصري * (من قوارير) * آية (2). # وفي حديث أبي: " من قرأ طس سليمان، كان له من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بسليمان وكذب به، وهود وشعيب وصالح وإبراهيم، ويخرج من قبره وهو ينادي: لا إله إلا الله " (3). # بسم الله الرحمن الرحيم * (طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين (1) هدى وبشرى للمؤمنين # PageV02P697 # (2) الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون (3) إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعملهم فهم يعمهون (4) أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون (5) وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم (6) إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون (7) فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العلمين (8) يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم (9) وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون (10)) * * (تلك) * مبتدأ و * (آيات القرآن) * خبره و * (هدى) * خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ مضمر، أو نصب على الحال، أي: هادية ms0856 ومبشرة. # * (وهم بالآخرة هم يوقنون) * أي: هؤلاء هم الموقنون بالآخرة، ومعناه: # وما يوقن بالآخرة حق الإيقان إلا هؤلاء الجامعون بين الإيمان وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. # * (زينا لهم أعملهم) * أسند تزيين أعمالهم إلى ذاته، وقد أسند ذلك إلى الشيطان في قوله: * (وزين لهم الشيطان أعملهم) * (1)، وبين الإسنادين فرق، وذلك أن إسناده إلى الشيطان حقيقة، وإسناده إلى الله عز اسمه استعارة أو مجاز حكمي، فالاستعارة هي أنه لما متعهم بطول العمر والتوسعة في الرزق فجعلوا إنعامه بذلك ذريعة إلى اتباع شهواتهم وإيثارهم الترفه ونفارهم عن لوازم التكليف، فكأنه زين لهم بذلك أعمالهم، وإلى هذا أشارت الملائكة في قولهم: # PageV02P698 # * (ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر) * (1). وأما المجاز الحكمي: هو أن إمهاله الشيطان بتخليته حتى زين لهم أعمالهم القبيحة، وخلقه فيهم شهوة القبيح الداعية لهم إليها، وحرمانه إياهم التوفيق عقوبة لهم على كفرهم، كالأسباب للتزيين، فلذلك أضاف التزيين إلى ذاته. والعمه: التحير والتردد. # و * (سوء العذاب) * هو القتل والأسر يوم بدر، و * (الأخسرون) * أشد الناس خسرانا لأنهم يخسرون الثواب الدائم ويحصلون في العقاب الدائم. # * (تلقى القرآن) * أي: تؤتاه وتلقنه من عند أي * (حكيم) * وأي * (عليم) *، وهذا معنى مجيئهما نكرتين. وهذه الآية تمهيد لما يريد أن يقصه بعدها من الأقاصيص، لما فيها من لطائف حكمته ودقائق علمه. # * (إذ) * منصوب بمضمر وهو " أذكر "، كأنه قال على أثر ذلك: خذ من آثار حكمته وعلمه قصة موسى ويجوز أن ينتصب ب‍ * (عليم) *. لم يكن مع موسى غير امرأته وقد كنى الله تعالى عنها بالأهل، فتبع ذلك ورود الخطاب على لفظ الجمع وهو قوله: * (امكثوا) * و * (آتيكم) *، * (إني آنست نارا) * أي: أبصرتها، والشهاب: # الشعلة، والقبس: النار المقبوسة، وأضاف " الشهاب " إلى " القبس " (2) لأنه يكون قبسا وغير قبس، وقرئ: * (بشهاب) * منونا، فيكون * (قبس) * بدلا أو صفة لما فيه من معنى القبس، وقال: * (سآتيكم) * فجاء بسين التسويف عدة لأهله أنه يأتيهم به وإن أبطأ وجاء بلفظه، أو لأنه بنى الأمر على أنه: إن لم يظفر بأحد الأمرين لم يعدم الآخر: إما هداية ms0857 الطريق وإما اقتباس النار، لأنه كان قد ضل عن الطريق، وأراد بالخبر: معرفة حال الطريق * (لعلكم تصطلون) * تستدفئون بها، وما أدراه حين قال ذلك أنه يظفر على النار بعز الدنيا وعز الآخرة. # PageV02P699 # * (أن بورك) * مفسرة، لأن النداء فيه معنى القول، أي: قيل له: * (بورك من في النار ومن حولها) * والمعنى: بورك من في مكان النار ومن حول مكانها، ومكانها البقعة التي حصلت فيها وهي البقعة المباركة، ويدل عليه قراءة أبي: " تباركت الأرض ومن حولها " (1). والذي بوركت له البقعة وبورك من فيها وحواليها حدوث أمر ديني فيها، وهو تكليم الله جل جلاله موسى (عليه السلام) واستنباؤه له وإظهار المعجزات عليه، وقيل: المراد بمن بورك: موسى والملائكة (2)، والظاهر أنه عام في كل من كان في تلك الأرض وذلك الوادي وحواليها من أرض الشام، كما وسم سبحانه أرض الشام بالبركات في قوله: * (ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعلمين) * (3). والفائدة في ابتداء الخطاب من الله تعالى بذلك أنه بشارة من الله تعالى لموسى (عليه السلام) بأنه قد قضي أمر عظيم ينتشر (4) منه في أرض الشام كلها البركات والخيرات * (وسبحان الله رب العلمين) * إعلام بأن ذلك الأمر من جلائل الأمور، وأن مكونه رب العالمين. # * (إنه) * الضمير للشأن * (أنا الله) * مبتدأ وخبر، و * (العزيز الحكيم) * صفتان له، أي: أنا القوي القادر الذي لا يمتنع عليه شئ، المحكم لتدابيره. * (وألق عصاك) * عطف على * (بورك) * وكلاهما تفسير ل‍ * (نودي) *، والمعنى: قيل له: بورك من في النار، وقيل له: ألق عصاك، بدلالة قوله: * (وأن ألق عصاك) * في سورة القصص (5) على تكرير حرف التفسير * (ولم يعقب) * أي: لم يرجع، يقال: عقب المقاتل: # إذا كر بعد الفرار، قال: # PageV02P700 # فما عقبوا إذ قيل هل من معقب * ولا نزلوا يوم الكريهة منزلا (1) وإنما خاف لظنه أن ذلك لأمر أريد به، ويدل عليه قوله: * (إني لا يخاف لدي المرسلون) *. # * (إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم (11) وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات ms0858 إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فسقين (12) فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين (13) وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عقبة المفسدين (14)) * * (إلا) * بمعنى " لكن "، لأنه لما أطلق نفي الخوف عن الرسل كان ذلك مظنة لطروء الشبهة، فاستدرك ذلك ب‍ " لكن "، والمعنى: لكن * (من ظلم) * من غير المرسلين * (ثم بدل) * توبة وندما على ما فعله من السوء، وعزما على أن لا يعود فيما بعد * (فإني غفور رحيم) * لظلمه. # * (في تسع آيات) * كلام مستأنف، وحرف الجر فيه يتعلق بمحذوف، والمعنى: # واذهب في تسع آيات إلى فرعون، ونحوه: # فقلت إلى الطعام فقال منهم * فريق: نحسد الإنس الطعاما (2) ويجوز أن يكون المعنى: * (وألق عصاك... وأدخل يدك) * في جملة " تسع آيات " وعدادهن. # PageV02P701 # المبصرة: الواضحة البينة، جعل الإبصار لها وهو في الحقيقة لمتأمليها لأنهم ملابسوها، وكانوا بسبب منها بنظرهم وتفكرهم فيها، أو: جعلت كأنها تبصر فتهتدي (1)، لأن الأعمى لا يهتدي فضلا عن أن يهدي غيره، ومنه قولهم: عوراء لأنها تغوي. وقرأ علي بن الحسين (عليهما السلام) وقتادة " مبصرة " (2) وهي نحو: مجنبة ومنجلة أي: مكانا يكثر فيه التبصرة (3). # الواو في * (واستيقنتها) * واو الحال، و " قد " مضمرة، والعلو: الكبر والترفع عن الإيمان بما جاء به موسى، كقوله: * (وكانوا قوما عالين فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون) * (4) والمعنى: جحدوها بألسنتهم واستيقنوها في قلوبهم، والاستيقان أبلغ من الإيقان. # * (ولقد آتينا داوود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين (15) وورث سليمان داوود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شئ إن هذا لهو الفضل المبين (16) وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون (17) حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مسكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون (18) فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين (19)) * أي: * (علما) * جليلا (5) سنيا أو كثيرا من العلم، أي: ms0859 آتيناهما علما فعملا به # PageV02P702 # وعلماه * (وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين) * وفي هذا دلالة على شرف العلم وفضله وتقدم أهله، وأن نعمة العلم من أجل النعم، وأن من أوتيه فقد أوتي فضلا على كثير من الأمم. # * (وورث سليمان داوود) * فيه دلالة على أن الأنبياء يورثون كتوريث غيرهم، لأن إطلاق اللفظ يقتضي ذلك * (وقال يا أيها الناس علمنا) * فيه تشهير لنعمة الله واعتراف بها، ودعاء للناس إلى التصديق بذكر المعجز الذي هو علم * (منطق الطير) * وغير ذلك مما أوتيه من جلائل الأمور، والمنطق: كل ما يصوت به من المفرد والمؤلف، والذي علم سليمان من منطق الطير هو ما يفهم بعضه من بعض من معانيه وأغراضه، كما يحكى أنه مر على بلبل في شجرة فقال: إنه يقول: أكلت نصف ثمرة فعلى الدنيا العفاء (1) * (وأوتينا من كل شئ) * يريد كثرة ما أوتيه * (إن هذا لهو الفضل المبين) * وعن الصادق (عليه السلام): يعني الملك والنبوة (2). # سخر الله له الريح والجن والإنس والطير، فكان إذا خرج إلى مجلسه عكف عليه الطير، وقام الجن والإنس حتى يجلس على سريره، وكان لا يسمع بملك في ناحية من الأرض إلا أذله وأدخله في الإسلام. ويروى أنه خرج من بيت المقدس مع ستمائة ألف كرسي عن يمينه ويساره، وأمر الطير فأظلتهم، وأمر الريح فحملتهم حتى وردت بهم المدائن، ثم رجع فبات في إصطخر، فقال بعضهم لبعض: # هل رأيتم قط ملكا أعظم من هذا أو سمعتم؟ قالوا: لا، فنادى ملك من السماء: # لثواب تسبيحة واحدة في الله أعظم مما رأيتم! * (فهم يوزعون) * أي: يحبس أولهم على آخرهم بأن توقف هواديهم حتى يلحقهم تواليهم، فيكونوا مجتمعين # PageV02P703 # لا يتخلف منهم أحد، وذلك للكثرة العظيمة. # فسار سليمان بجنوده * (حتى إذا أتوا على واد النمل) * وهو واد بالطائف أو بالشام كثير النمل، وإنما عدي * (أتوا) * ب‍ * (على) * لأن إتيانهم كان من فوق، أو هو من قولهم: أتى على الشئ: إذا أنفذه وبلغ آخره، كأنهم أرادوا أن ينزلوا عند مقطع الوادي، ms0860 لأنهم ما دامت الريح تحملهم في الهواء لا يخاف عليهم الحطم. ويمكن أن يكون جنود سليمان كانوا ركبانا ومشاة في ذلك الوقت ولم تحملهم الريح، أو كانت القصة قبل أن سخر الله الريح له. ولما كان صوت النمل مفهوما لسليمان عبر عنه بالقول، ولما جعلت النملة قائلة والنمل مقولا لهم كما في " أولي العقول " أجرى خطابهم، و * (لا يحطمنكم) * جواب الأمر أو نهي بدل من الأمر، لأن " ادخلوا في مساكنكم " في معنى: لا تكونوا حيث أنتم، والمراد: لا يحطمنكم جنود سليمان، فجاء بما هو أبلغ، ونحوه: عجبت من نفسي ومن إشفاقها. # * (فتبسم ضاحكا من قولها) * أي: أخذ في الضحك، يعني: أنه قد تجاوز التبسم إلى الضحك، وكذلك ضحك الأنبياء، وإنما ضحك لإعجابه بما دل من قولها على ظهور شفقة جنوده وشهرة حالهم في التقوى حيث قالت: * (وهم لا يشعرون) *، أو لسروره بما آتاه الله من إدراكه بسمعه ما همس به أصغر خلق الله وإحاطته بمعناه، ولذلك قال: * (رب أوزعني) * أي: اجعلني أزع شكر نعمتك عندي، وأرتبطه لا ينفلت (1) عني، حتى لا أزال شاكرا لك وذاكرا إنعامك * (على وعلى والدي) * بأن أكرمته بالنبوة وغيرها، وعلى والدتي بأن زوجتها نبيك، جعل النعمة عليهما نعمة عليه يلزمه شكرها * (وأن أعمل صلحا ترضه) * استوقفه سبحانه لزيادة العمل الصالح في المستقبل * (في عبادك الصالحين) * إبراهيم # PageV02P704 # وإسماعيل وإسحاق ومن بعدهم من النبيين، أي: أدخلني في جملتهم. # * (وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين (20) لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين (21) فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين (22) إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شئ ولها عرش عظيم (23) وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعملهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون (24) ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخب ء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون (25) الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم (26)) * * (أم) * منقطعة، نظر سليمان (عليه ms0861 السلام) إلى مكان الهدهد فلم يره، فقال: * (مالي) * لا أراه؟ على معنى: أنه لا يراه وهو حاضر، لساتر أو غيره، ثم ظهر له أنه غائب، فأضرب عن ذلك وأخذ يقول: هو غائب، كأنه يسأل عن صحة ما ظهر له من غيبته، فهو نحو قولهم: إنها الإبل أم شاء. # ويروى أن أبا حنيفة سأل أبا عبد الله الصادق (عليه السلام): كيف تفقد سليمان الهدهد من بين الطير؟ فقال: لأن الهدهد يرى الماء في بطن الأرض كما يرى أحدكم الدهن في القارورة، فضحك أبو حنيفة وقال: كيف لا يرى الفخ في التراب ويرى الماء في بطن الأرض؟! قال: يا نعمان، أو ما علمت أنه إذا نزل القدر غشي البصر (1). # * (لأعذبنه) * بنتف ريشه وتشميسه، وقيل: بالتفريق بينه وبين إلفه (2)، وقرئ: # PageV02P705 # " ليأتينني " بنونين أولهما مشددة (1)، وبنون واحدة مشددة، والسلطان: الحجة والعذر. # قرئ * (فمكث) * بفتح الكاف وضمها (2)، * (غير بعيد) * كقولك: عن قريب، وصف مكثه بقصر المدة للدلالة على إسراعه خوفا من سليمان وتسخيره له، وقرئ: * (أحطت) * بإدغام الطاء بالتاء بإطباق (3) وغير إطباق (4). وعن ابن عباس: فأتاه الهدهد بحجة وعذر فقال: اطلعت على ما لم تطلع عليه * (وجئتك) * بخبر صادق لم تعلمه (5). ألهم الله الهدهد فكافحه بهذا الكلام مع ما أوتي من العلوم الكثيرة، ابتلاء له في علمه وتنبيها له على أن في أدنى خلقه من أحاط (6) * (بما لم تحط به) * ليكون لطفا له في ترك الإعجاب الذي هو فتنة العلماء، وقرئ: # * (سبأ) * بالهمزة منونا وغير منون على منع الصرف (7)، و " سبا " بالألف (8)، ومثله في سورة سبأ: * (لقد كان لسبأ) * (9)، وهو: سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، فمن جعله اسما للقبيلة لم يصرفه، ومن جعله اسما للحي أو الأب الأكبر صرفه، ثم سميت مدينة مأرب ب‍ " سبأ "، وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام، كما سميت معافر ب‍ " معافر بن أد "، والنبأ: الخبر الذي له شأن. # * (وجدت امرأة) * وهي بلقيس بنت شراحيل أو شرحيل، كان أبوها ملك # PageV02P706 # أرض اليمن كلها * (وأوتيت من كل شئ) * مما يحتاج ms0862 إليه الملوك من زينة الدنيا * (ولها عرش عظيم) * سرير أعظم من سريرك، مقدمه من ذهب مرصع بالياقوت الأحمر والزمرد الأخضر، ومؤخره من فضة، وكان عليه سبعة أبيات على كل بيت باب مغلق. وقال أبو مسلم: أراد بالعرش الملك (1). # وقرئ: * (ألا يسجدوا) * بالتشديد على أن المراد: فصدهم الشيطان عن السبيل لأن لا يسجدوا، فحذف الجار، وقرئ بالتخفيف وهو " ألا يا اسجدوا " (2): # " ألا " للتنبيه، و " يا " حرف النداء، والمنادى محذوف، كما حذفه من قال: # ألا يا اسلمي... (3) * (الذي يخرج الخب ء) * أي: المخبوء في السماء (4)، سماه بالمصدر، وهو النبات والمطر وغيرهما مما خبأه عز وجل من غيوبه، وقرئ: * (الخب ء) * بتخفيف الهمزة بالحذف (5). # وقيل: إن الجميع من قوله: * (أحطت) * إلى قوله: * (العظيم) * من كلام الهدهد (6)، وقيل: * (ألا يسجدوا) * إلى آخره كلام رب العزة، أمر جميع خلقه بالسجود (7). # وفي إحدى القراءتين أمر بالسجود وفي الأخرى ذم لتاركه، فسجدة التلاوة # PageV02P707 # مسنونة في كلتيهما، وإذا خفف فالوقف على * (لا يهتدون) * ومن شدد لم يقف إلا على * (العرش العظيم) *، وقرئ: * (تخفون) * و * (تعلنون) * بالتاء (1). # * (قال سننظر أصدقت أم كنت من الكذبين (27) اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون (28) قالت يا أيها الملأ إني ألقى إلى كتب كريم (29) إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم (30) ألا تعلوا على وأتوني مسلمين (31) قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون (32) قالوا نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والامر إليك فانظري ماذا تأمرين (33) قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون (34) وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون (35) فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال فما آتان الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون (36) ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون (37)) * * (سننظر) * هو من النظر بمعنى الفكر والتأمل، والمراد: * (أصدقت أم) * كذبت، إلا أن قوله: * (أم كنت من الكذبين) * أبلغ. * (تول عنهم) * تنح عنهم إلى مكان قريب تتوارى ms0863 فيه ليكون ما يقولونه يسمع منك * (ماذا يرجعون) * أي: ماذا يردون من الجواب، ومنه قوله تعالى: * (يرجع بعضهم إلى بعض القول) * (2) قيل: دخل عليها من الكوة فألقى الكتاب إليها وتوارى في الكوة (3). # PageV02P708 # وفي الكلام اختصار كثير، أي: فمضى الهدهد وألقى إليهم الكتاب، فلما قرأته بلقيس * (قالت) * لقومها بعد أن جمعتهم: * (يا أيها الملأ) * يعني: الأشراف * (إني ألقى إلى كتب كريم) * وصفته بالكرم لأنه من عند ملك كريم، أو كتاب حسن مضمونه وما فيه، أو مختوم لقوله (عليه السلام): " كرم الكتاب ختمه " (1)، أو: لأنه صدره ببسم الله الرحمن الرحيم. * (إنه من سليمان) * استئناف وتبيين لما ألقي إليها، كأنه قيل لها: ممن هو، وما هو؟ فقالت: إنه من سليمان. و " أن " في * (ألا تعلوا) * مفسرة، والمعنى: لا تتكبروا كما يفعل الملوك * (وأتوني) * منقادين مستسلمين، أو: مؤمنين. # الفتوى: الجواب في الحادثة، وأرادت أن يشيروا عليها بما عندهم فيما حدث لها من الرأي والتدبير، وقصدت بالرجوع إلى استشارتهم استعطافهم ليوافقوها ويقوموا معها * (قاطعة أمرا) * أي: فاصلة، لا أقطع أمرا إلا بحضوركم. # * (نحن أولوا قوة) * في الأجساد والآلات والعدد * (وأولوا بأس) *: أي نجدة وبلاء في الحرب * (والامر) * موكول * (إليك) * ونحن مطيعون لك، فمرينا بأمرك نطع أمرك ونتبع رأيك. # فمالت إلى الصلح ورأت الابتداء بالأحسن، وذكرت في الجواب لهم عاقبة الحرب (2) وسوء مغبتها (3)، و * (إن الملوك إذا دخلوا قرية) * قسرا وعنوة خربوها، وأذلوا أعزتها، وقتلوا وأسروا، ثم قالت: * (وكذلك يفعلون) * أي: وهذه عادتهم المستمرة الثابتة التي لا تتغير، وقيل: هو تصديق من الله سبحانه لقولها (4). # ثم ذكرت حديث الهدية، وما رأت من الرأي في ذلك، أي: * (مرسلة إليهم) * # PageV02P709 # رسلا * (بهدية) * أمانعه (1) بذلك عن ملكي * (فناظرة) * أي: منتظرة ما يكون منهم (2) حتى أعمل على حسب ذلك. # وقرئ: * (أتمدونن) * بحذف الياء والاجتزاء بالكسرة، والهدية اسم " المهدي "، كما أن العطية اسم " المعطى "، فيضاف إلى المهدي والمهدى له، والمضاف إليه في قوله: * (بهديتكم) * هو المهدى إليه، والمعنى: أن ما عندي خير مما عندكم، وذلك أن الله عز اسمه آتاني ما ms0864 لا مزيد عليه، فلا يمد مثلي بمال * (بل أنتم) * قوم لا تعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا، فلذلك * (تفرحون) * بما تزادون ويهدى إليكم، لأن ذلك مبلغ همتكم، وليس حالي كحالكم، فما أرضى منكم بشئ إلا بالإيمان، ولما أنكر عليهم إمداده بالمال أضرب عن ذلك إلى بيان السبب الذي حملهم عليه. ويجوز أن تكون الهدية مضافة إلى المهدي، أي: بل أنتم بهديتكم هذه التي أهديتموها تفرحون. # * (ارجع) * خطاب للرسول * (لا قبل لهم بها) * أي: لا طاقة، وحقيقته: المقابلة والمقاومة، والمعنى: لا يقدرون أن يقابلوهم منها من أرضها ومملكتها وهم ذليلون بذهاب ما كانوا فيه من العز والملك * (صاغرون) * بوقوعهم في الاستعباد والأسر. # * (قال يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين (38) قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوى أمين (39) قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربى ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربى # PageV02P710 # غنى كريم (40) قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون (41) فلما جاءت قيل أهكذا عرشك قالت كأنه هو وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين (42) وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كفرين (43) قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير قالت رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العلمين (44)) * يروى أنها أمرت عند خروجها إلى سليمان فجعل عرشها في آخر سبعة أبيات، ووكلت به حرسا يحفظونه (1)، فأراد سليمان أن يريها بعض ما يخصه به الله تعالى من المعجزات الشاهدة لنبوته. # وعن الباقر (عليه السلام): " قال عفريت من عفاريت الجن " والعفريت: المارد القوي الداهي * (من مقامك) * أي: مجلسك الذي تقضي فيه * (وإني) * على الإتيان به * (لقوى أمين) * آتي به كما هو لا أبدله. و * (الذي عنده علم من ms0865 الكتاب) * وزير سليمان وابن أخته، وهو آصف بن برخيا، وكان يعرف اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وهو قوله: " يا إلهنا وإله كل شئ، إلها واحدا لا إله إلا أنت "، وقيل هو: " يا حي يا قيوم "، وبالعبرانية: " آهيا شراهيا " (2)، وقيل هو: " يا ذا الجلال والإكرام " (3)، وقيل: الذي عنده علم من الكتاب ملك أيد الله به سليمان (4)، وقيل: هو جبرئيل والكتاب هو اللوح (5)، وقيل: من جنس كتب الله # PageV02P711 # المنزلة على أنبيائه (1)، وقيل: هو علم الوحي والشرائع (2). # وقوله: * (آتيك) * في الموضعين يجوز أن يكون فعلا واسم فاعل، " الطرف ": # تحريكك أجفانك إذا نظرت، فوضع موضع النظر. ولما كان الناظر موصوفا بإرسال الطرف في نحو قوله: # وكنت إذا أرسلت طرفك رائدا * لقلبك يوما أتعبتك المناظر (3) وصف برد الطرف، ووصف الطرف بالارتداد، فعلى هذا يكون معنى قوله: # * (قبل أن يرتد إليك طرفك) * إنك ترسل طرفك إلى شئ فقبل أن ترده أبصرت العرش بين يديك، وروي: أن آصف قال لسليمان: مد عينيك حتى تنتهي طرفك، فمد عينيه فنظر نحو اليمين، ودعا آصف فغار العرش في مكانه بمأرب ثم نبع عند مجلس سليمان بالشام بقدرة الله قبل أن يرتد طرفه (4). # * (ومن شكر فإنما يشكر لنفسه) * لأنه يرتبط به النعمة، ويحط به عن نفسه عب ء الواجب، ويستوجب المزيد * (ربى) * غني عن الشكر * (كريم) * بالإنعام على الشاكر والكافر. # * (نكروا لها عرشها) * اجعلوه متنكرا متغيرا عن شكله، أراد بذلك اعتبار عقلها * (ننظر أتهتدي) * لمعرفته، أو للجواب على الصواب إذا سئلت عنه، أو للدين والإيمان بنبوة سليمان إذا رأت تلك المعجزة. # * (أهكذا) * أربع كلمات: حرف الاستفهام، وحرف التنبيه، وكاف التشبيه، واسم الإشارة. أي: أمثل هذا عرشك؟ ولم يقل: أهذا عرشك؟ لئلا يكون تلقينا # PageV02P712 # * (قالت كأنه هو) * ولم تقل هو هو ولا ليس به، وذلك من رجاحة عقلها، إذ لم تقطع في موضع الاحتمال * (وأوتينا العلم من قبلها) * قيل: هو من كلام بلقيس (1) أي: # وأوتينا العلم بالله وبقدرته وبصحة نبوة سليمان من قبل هذه المعجزة، أو: من قبل هذه ms0866 الحالة، وقيل: هو من كلام سليمان وقومه (2) أي: وأوتينا العلم بإسلامها ومجيئها طائعة قبل مجيئها، أو: أوتينا العلم بالله وبقدرته قبل علمها ولم نزل على دين الإسلام. * (وصدها) * عن التقدم إلى الإسلام عبادة الشمس ونشوؤها بين الكفار، وقيل: صدها الله أو سليمان عما * (كانت تعبد) * بتقدير حذف الجار وإيصال الفعل (3). # والصرح: القصر، والممرد: المملس، وقيل: الصرح: الموضع البسيط المنكشف من غير سقف (4)، أمر سليمان الشياطين ببنائه وأجرى تحته الماء، ثم وضع له فيه سرير فجلس عليه * (فلما رأته) * بلقيس * (حسبته لجة) * وهي معظم الماء * (وكشفت عن ساقيها) * لدخول الماء، فقال لها سليمان: * (إنه صرح) * مملس * (من قوارير) * وليس بماء * (ظلمت نفسي) * يريد بكفرها فيما تقدم. # * (ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صلحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون (45) قال يقوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون (46) قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون (47) وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون (48) قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله # PageV02P713 # ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون (49) ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون (50) فانظر كيف كان عقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين (51) فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لاية لقوم يعلمون (52) وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون (53)) * * (هم فريقان) * مبتدأ وخبر، و * (إذا) * خبر ثان، و * (يختصمون) * حال أو صفة ل‍ * (فريقان) * أي: فريق مؤمن وفريق كافر، يقول كل فريق: الحق معي. # والسيئة: العقوبة، والحسنة: التوبة من الشرك، ومعنى استعجالهم * (بالسيئة قبل الحسنة) * أنهم قالوا: إن كان ما أتيتنا به حقا فأتنا بالعذاب، هلا * (تستغفرون) * الله من الشرك بأن تؤمنوا * (لعلكم ترحمون) * فلا تعذبون في الدنيا. # * (اطيرنا) * أي: تطيرنا بك، ومعناه: تشاءمنا بك وبمن على دينك، وكانوا قد قحطوا * (قال طائركم عند الله) * أي: سببكم الذي يجئ به خيركم وشركم عند الله، وهو قدره وقسمه، إن شاء رزقكم وإن شاء حرمكم. ويجوز أن يريد: عملكم مكتوب عند الله ms0867 فمنه نزل بكم ما نزل عقوبة لكم وابتلاء، ومنه قوله: * (طائركم معكم) * (1) * (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه) * (2)، * (بل أنتم قوم تفتنون) * تختبرون وتبتلون أو تعذبون. # * (وكان في المدينة) * التي بها صالح، وهي الحجر * (تسعة) * أنفس سعوا في عقر الناقة، وكانوا عتاة قوم صالح ومن أبناء أشرافهم، أي: شأنهم الإفساد البحت الذي لا يختلط بشئ من الصلاح. * (تقاسموا) * يجوز أن يكون أمرا، ويجوز أن يكون خبرا في محل الحال بإضمار " قد "، أي: قالوا متقاسمين: * (لنبيتنه) * أي: # لنقتلن صالحا وأهله، وقرئ: " لتبيتنه " بالتاء وضم التاء الثانية " ثم لتقولن " (3)، # PageV02P714 # وعلى هذا يكون * (تقاسموا) * أمرا لا غير، والتقاسم: التحالف، والبيات: مباغتة العدو ليلا، وقرئ: " مهلك " من الهلاك و " مهلك " من الإهلاك (1). * (ومكروا مكرا) * بأن أخفوا تدبيرا للفتك بصالح وأهله * (ومكرنا) * بإهلاكهم من حيث * (لا يشعرون) * شبه بمكر الماكر على سبيل الاستعارة. # " إنا دمرناهم " (2) استئناف، ومن قرأ بالفتح رفعه بدلا من " العاقبة "، أو: على أنه خبر مبتدأ محذوف وتقديره: هي تدميرهم، أو نصبه على خبر * (كان) * أي: كان عاقبة مكرهم الدمار، أو على معنى " لأنا ". # و * (خاوية) * نصب على الحال من معنى الإشارة، أي: فارغة خالية بظلمهم وكفرهم (3). وعن ابن عباس: أجد في كتاب الله عز اسمه أن الظلم يخرب البيوت، وتلا هذه الآية (4). # * (ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون (54) أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون (55) فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون (56) فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين (57) وأمطرنا عليهم مطرا فسآء مطر المنذرين (58)) * أرسلنا لوطا * (وأنتم تبصرون) * من: بصر القلب، أي: تعلمون أنها فاحشة لم تسبقوا إليها، أو: تبصرونها، لأنهم كانوا يرتكبون ذلك معالنين به، لا يستتر بعضهم # PageV02P715 # من بعض خلاعة أو مجانة، أو: تبصرون آثار العصاة قبلكم وما نزل بهم. # * (تجهلون) * تفعلون فعل الجاهلين بأنها فاحشة مع علمكم بذلك، أو: تجهلون العاقبة. * (يتطهرون) * يتنزهون عن هذا الفعل وينكرونه، وعن ابن عباس: هو استهزاء (1). # أي: قدرنا ms0868 كونها * (من الغابرين) * أي: الباقين في العذاب، فالتقدير واقع على الغبور في المعنى. # * (قل الحمد لله وسلم على عباده الذين اصطفي أألله خير أما يشركون (59) أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون (60) أمن جعل الأرض قرارا وجعل خللها أنهرا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون (61) أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون (62) أمن يهديكم في ظلمت البر والبحر ومن يرسل الريح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعلى الله عما يشركون (63) أمن يبدؤا الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهنكم إن كنتم صادقين (64) قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون (65)) * فيه بعث على الاستفتاح بالتحميد والسلام على المصطفين من عباده، والتيمن بالذكرين، والاستظهار بهما على قبول ما يلقى إلى السامعين، وقيل: اتصل بما قبله # PageV02P716 # إذا جعل تحميدا على الهالكين من كفار الأمم، والصلاة على الأنبياء وأشياعهم الناجين (1). # وعنهم (عليهم السلام): أن * (الذين اصطفي) * محمد وآله (عليهم السلام) (2). # * (أألله خير) * لمن عبده أم الأصنام لعابديها؟ وهذا إلزام للحجة على المشركين بعد ذكر هلاك الكفار. وعن الصادق (عليه السلام): يقول إذا قرأها: " الله خير " ثلاث مرات (3). # و " أم " في * (أما يشركون) * متصلة، والمعنى: أيهما خير؟ وهي في: * (أمن خلق) * منقطعة، والمعنى: بل أمن خلق السماوات والأرض خير. وفيه تقرير لهم بأن من قدر على خلق العالم خير من جماد لا يقدر على شئ. وفي قوله: * (فأنبتنا به) * وانتقاله إلى التكلم عن ذاته بعد الإخبار عن الغيبة على طريق الالتفات تأكيد لمعنى اختصاص الفعل بذاته، وأنه لا يقدر على إنبات الحدائق مع بهجتها وبهائها إلا هو وحده. ألا ترى كيف رشح معنى الاختصاص بقوله: * (ما كان لكم أن تنبتوا شجرها) * ومعنى ms0869 الكينونة: الابتغاء، يعني: أن تأتي ذلك من غيره محال، وكذلك قوله: * (بل هم) * بعد الخطاب أبلغ في تخطئة رأيهم. والحديقة: البستان عليه حائط، من قولهم: أحدقوا به أي: أحاطوا به، و * (ذات بهجة) * بمعنى: جماعة حدائق ذات بهجة، كما يقال: النساء ذهبت، والبهجة: الحسن لأن الناظر يبتهج به * (أإله مع الله) * أغيره يقترن به ويجعل شريكا له؟ ولك أن تحقق الهمزتين وتوسط بينهما مدة، وأن تخرج الثانية بين بين * (يعدلون) * به غيره، أو: يعدلون عن الحق والتوحيد. # PageV02P717 # * (أمن جعل) * وما بعده بدل من * (أمن خلق) * وحكمها حكمه * (قرارا) * سواها للاستقرار عليها * (حاجزا) * أي: برزخا. # الاضطرار: افتعال من الضرورة، والمضطر: الذي أحوجه مرض أو فقر أو نازلة من نوازل الأيام إلى التضرع إلى الله تعالى، يقال: إضطره إلى كذا، والفاعل والمفعول: مضطر * (ويكشف السوء) * أي: الشدة وكل ما يسوء * (ويجعلكم خلفاء الأرض) * خلفاء فيها، تتوارثون التصرف فيها خلفا بعد سلف وقرنا بعد قرن، أو: # أراد بالخلافة الملك والتسلط، و * (ما) * مزيدة أي: يذكرون تذكيرا قليلا، والمعنى: # نفي التذكر، وقرئ بالياء مع الإدغام، وبالتاء مع الإدغام والحذف (1). # * (أمن يهديكم) * بالنجوم في السماء، وبالعلامات في الأرض إذا جن عليكم الليل وأنتم مسافرون في البحر أو البر؟ * (أمن يبدؤا الخلق ثم يعيده) * أقروا بالابتداء والإنشاء فيلزمهم الإقرار بالإعادة بعد الفناء * (من السماء) * بإنزال الأمطار ومن * (الأرض) * بالنبات والثمار. # وجاء قوله: * (إلا الله) * على لغة بني تميم في قولهم: ما أتاني زيد إلا عمرو، وقول الشاعر: # وبلدة ليس لها أنيس * إلا اليعافير وإلا العيس (2) وإنما اختير هذا ليؤول المعنى إلى قولك: إن كان الله ممن في السماوات والأرض ففيهم من يعلم الغيب، كما كان المعنى في البيت: إن كان اليعافير أنيسا # PageV02P718 # ففيها أنيس * (أيان) * بمعنى " متى ". # * (بل ادا رك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون (66) وقال الذين كفروا أإذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون (67) لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين (68) قل سيروا في ms0870 الأرض فانظروا كيف كان عقبة المجرمين (69) ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون (70) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (71) قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون (72) وإن ربك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون (73) وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون (74) وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتب مبين (75)) * قرئ: * (بل ادارك) * و " أدرك " (1)، وأصل " ادارك ": تدارك فأدغمت التاء في الدال، و " أدرك " افتعل، ومعنى: أدرك * (علمهم) *: انتهى وتكامل، و * (ادارك) *: # تتابع واستحكم، يعني: أن أسباب استحكام علمهم وتكاملهم (2) بأن القيامة كائنة لا ريب فيها قد حصلت لهم، ومكنوا منها ومن معرفتها، وهم شاكون جاهلون، وذلك قولهم: * (بل هم في شك منها بل هم منها عمون) * يريد المشركين ممن في السماوات والأرض، لأنهم لما كانوا في جملتهم نسب فعلهم إلى الجميع، كما يقال: بنو فلان فعلوا كذا، وإنما فعله ناس منهم. # ووجه آخر وهو: أن يكون " أدرك " بمعنى " انتهى " و " فني "، من قولك: # أدركت الثمرة، لأن تلك غايتها التي عندها تعدم، وقد فسره الحسن ب‍ " اضمحل # PageV02P719 # علمهم " (1). وتدارك من: تدارك بنو فلان إذا تتابعوا في الهلاك. ومعنى الإضراب ثلاث مرات أنه وصفهم أولا بأنهم " لا يشعرون " وقت البعث، ثم بأنهم * (لا يعلمون) * بأن القيامة كائنة، ثم بأنهم * (في شك) * يستطيعون إزالته ولا يزيلونه، ثم بما هو أسوأ حالا وهو العمى، وجعل الآخرة مبدأ إعمائهم فلذلك عداه ب‍ " من " دون " عن "، لأن الكفر بالعاقبة هو الذي جعلهم كالبهائم لا يتدبرون. # والعامل في * (إذا) * ما دل عليه * (أئنا لمخرجون) * وهو تخرج، لأن بين يدي " عمل " اسم فاعل فيه موانع من العمل، وهي: همزة الاستفهام و " إن " ولام الابتداء، واحدة منها كافية، فكيف إذا اجتمع الجميع. والمراد: الإخراج من الأرض أو من حال الفناء إلى الحياة، وتكرير حرف الاستفهام بإدخاله على " إذا " و " إن " جميعا إنكار على إنكار وجحود بعد جحود، والضمير في * (إنا) * لهم ولآبائهم، لأن كونهم * (ترابا) * قد تناولهم وآباءهم. فانظر ms0871 * (كيف كان عقبة المجرمين) * أي: الكافرين. * (ولا تحزن عليهم) * لأنهم لم يتبعوك، والمراد: لم يسلموا * (ولا تكن في) * حرج صدر من مكرهم وكيدهم، ولا تبال بذلك، فإن الله يعصمك منهم، يقال: ضاق الشئ ضيقا بالفتح والكسر، وقد قرئ بهما جميعا (2). # استعجلوا العذاب الموعود، فقيل لهم: * (عسى أن يكون) * ردفكم بعضه وهو عذاب يوم بدر، فزيدت اللام للتأكيد كما زيدت الباء في * (ولا تلقوا بأيديكم) * (3)، أو ضمن * (ردف) * معنى فعل يتعدى باللام نحو: دنا لكم وأزف لكم، والمعنى: تبعكم ولحقكم، و " عسى " و " لعل " و " سوف " في وعد الملوك # PageV02P720 # ووعيدهم يدل على صدق الأمر وجده، يعنون بذلك أنهم لا يعجلون بالانتقام لوثوقهم بغلبتهم، وبأن الأمر لا يفوتهم. والفضل: الإفضال أي: هو مفضل عليهم بتأخير العقوبة، وأكثرهم لا يعرفون حق النعمة فيه ولا يشكرونه. # كننت الشئ وأكننته: سترته، أي: يعلم ما يخفون وما يعلنون من عداوة رسول الله وكيده، وهو معاقبهم على ذلك على حسب استحقاقهم. # التاء في " الغائبة " و " الخافية " بمنزلتها في " العاقبة " و " العافية "، والمعنى: # الشئ الذي يغيب ويخفي، وهما اسمان، ويجوز أن يكونا صفتين، والتاء تكون للمبالغة ك‍ " الراوية " في قولهم: حماد الراوية، كأنه قال: وما من شئ شديد الغيبوبة والخفاء إلا وقد علمه الله وأثبته في اللوح. # * (إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون (76) وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين (77) إن ربك يقضى بينهم بحكمه وهو العزيز العليم (78) فتوكل على الله إنك على الحق المبين (79) إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (80) وما أنت بهدي العمى عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون (81) وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون (82) ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون (83) حتى إذا جاءوا قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أماذا كنتم تعملون (84) ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون (85)) * أي: * (يقص) * عليهم ما اختلفوا فيه من ms0872 أمر المسيح ومريم وأشياء كثيرة وقع بينهم الاختلاف فيه من الأحكام وغيرها، وكان ذلك من معجزات نبينا (صلى الله عليه وآله)، PageV02P721 # إذ كان لا يدرس كتبهم وأخبرهم بما فيها. * (يقضى بينهم) * أي: بين من آمن بالقرآن ومن كفر به، أو: بين المختلفين في الدين يوم القيامة * (بحكمه) * أي: بما يحكم به وهو عدله، فسمى المحكوم به حكما، أو بحكمته * (وهو العزيز) * فلا يرد قضاؤه * (العليم) * بمن يقضي له وعليه. # أمره بالتوكل على الله وقلة المبالاة بأعداء الدين، وعلل التوكل بأنه * (على الحق) * وصاحب الحق حقيق بالوثوق بنصرة الله. * (إنك لا تسمع الموتى) * ومن سمع آيات الله وهو حي صحيح الحواس فلا تعيها أذنه، وحاله كحال الموتى الذين فقدوا مصحح السماع، وحاله كحال الصم الذين ينعق بهم فلا يسمعون. # و * (العمى) * الذين يضلون الطريق ولا يقدر أحد على أن يجعلهم هداة بصراء إلا الله، وقوله: * (إذا ولوا مدبرين) * تأكيد لحال الأصم، لأنه إذا ولى عن الداعي مدبرا كان أبعد عن إدراك صوته، وقرئ: " ولا يسمع الصم " (1) " وما أنت تهدي العمي " (2). وهداه عن الضلال كقوله: سقاه عن العيمة (3) أي: أبعده عنها بالسقي، وأبعده عن الضلال بالهدى * (إن تسمع) * أي: ما تسمع * (إلا) * من يطلب الحق، ويعلم الله أنه يؤمن بآياته ويصدق بها * (فهم مسلمون) * مخلصون. # * (وإذا وقع القول) * أي: حصل ما وعده الله من علامات قيام الساعة وظهور أشراطها * (أخرجنا لهم دابة من الأرض) * تخرج من بين الصفا والمروة، فتخبر المؤمن بأنه مؤمن والكافر بأنه كافر. # وعن حذيفة: أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " دابة الأرض طولها ستون # PageV02P722 # ذراعا، لا يدركها طالب، ولا يفوتها هارب، فتسم المؤمن بين عينيه، وتسم الكافر بين عينيه، ومعها عصا موسى، وخاتم سليمان، فتجلو وجه المؤمن بالعصا، وتختم أنف الكافر بالخاتم حتى يقال: يا مؤمن، ويا كافر " (1). # وروي: " فتضرب المؤمن بين عينيه بعصا موسى فتنكت نكتة بيضاء فتفشو تلك النكتة في وجهه حتى يبيض لها وجهه، ويكتب بين عينيه: مؤمن، وتنكت الكافر بالخاتم فتفشو النكتة حتى ms0873 يسود لها وجهه، ويكتب بين عينيه: كافر " (2). # وعن السدي: تكلمهم ببطلان الأديان كلها سوى دين الإسلام (3). # وعن محمد بن كعب قال: سئل علي (عليه السلام) عن الدابة فقال: " أما والله مالها ذنب، وإن لها للحية " (4). وفي هذا إشارة إلى أنها من الإنس. # وقد روي عنه (عليه السلام) أنه قال: " أنا صاحب العصا والميسم " (5). # وعن ابن عباس وغيره (6): * (تكلمهم) * من الكلم وهو الجرح، والمراد به الوسم بالعصا والخاتم، ويجوز أن يكون تكلمهم من الكلم أيضا على معنى التكثير، يقال: فلان مكلم أي: مجرح، ويجوز أن يستدل بالتخفيف على أن المراد بالتكليم التجريح، كما فسر * (لنحرقنه) * بقراءة علي (عليه السلام): " لنحرقنه " (7)، ويستدل # PageV02P723 # بقراءة أبي " تنبئهم " (1)، وبقراءة ابن مسعود: * (تكلمهم) * بالتشديد " بأن الناس " (2) على أنه من الكلام. # وعن الباقر (عليه السلام): كلم الله من قرأ " تكلمهم "، ولكن * (تكلمهم) * بالتشديد (3). # وقرئ: " إن " بالكسر (4) على حكاية قول الدابة أو قوله تعالى عند ذلك، وإذا كانت حكاية لقول الدابة فمعنى * (بآياتنا) *: بآيات ربنا، أو: لأنها من خواص خلق الله أضافت آيات الله إلى نفسها، كما يقول بعض خاصة الملك: بلادنا وجندنا، وإنما هي بلاد مولاه وجنده. والقراءة بفتح * (أن) * على حذف الجار. # * (فهم يوزعون) * أي: يحبس أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا * (ويوم نحشر) * منصوب بما دل عليه * (فهم يوزعون) * لأن * (يوم) * هاهنا بمنزلة " إذا ". # وقد استدل بعض الإمامية (5) بهذه الآية على صحة الرجعة وقال: إن المذكور فيها: يوم نحشر فيه * (من كل) * جماعة فوجا، وصفة يوم القيامة أنه يحشر فيه الخلائق بأسرهم كما قال سبحانه: * (وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا) * (6). # وورد عن آل محمد (عليهم السلام): أن الله تعالى يحيي عند قيام المهدي (عليه السلام) قوما من أعدائهم قد بلغوا الغاية في ظلمهم واعتدائهم، وقوما من مخلصي أوليائهم قد ابتلوا بمعاناة كل عناء ومحنة في ولائهم، لينتقم هؤلاء من أولئك، ويتشفوا مما # PageV02P724 # تجرعوه من الغموم بذلك، وينال كل من الفريقين بعض ما استحقه من الثواب والعقاب (1). وهذا غير مستحيل في العقول فإن أحدا من المسلمين لا ms0874 يشك في أنه مقدور لله تعالى، وقد نطق القرآن بوقوع أمثاله في الأمم الخالية ك‍ * (- الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت) * (2)، والذي * (أماته الله مئة عام ثم بعثه) * (3) (4). # وروي عنه (عليه السلام): " سيكون في أمتي كل ما كان في بني إسرائيل، حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة " (5). وعلى هذا فيكون المراد بالآيات: الأئمة الهادية (عليهم السلام). # وقوله: * (ولم تحيطوا بها علما) * الواو للحال، فكأنه قال: أكذبتم بها بادئ الرأي من غير فكر ونظر يؤدي إلى إحاطة العلم بكنهها، أو للعطف أي: # أجحدتموها ومع جحودكم لم تقصدوا معرفتها وتحققها * (أماذا كنتم تعملون) * من غير الكفر والتكذيب بآيات الله، يعني: لم يكن لكم عمل في الدنيا غير ذلك. # * (ووقع القول عليهم) * أي: غشيهم العذاب بسبب ظلمهم فشغلهم عن الاعتذار والنطق به. # * (ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (86) ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين (87) وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شئ إنه خبير بما تفعلون (88) من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ # PageV02P725 # آمنون (89) ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون (90) إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شئ وأمرت أن أكون من المسلمين (91) وأن أتلوا القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين (92) وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغفل عما تعملون (93)) * * (مبصرا) * معناه: ليبصروا فيه طرق المكاسب. # * (ففزع) * ولم يقل: فيفزع ليعلم أنه كائن لا محالة، والمراد: أن أهل السماوات والأرض يفزعون عند النفخة الأولى * (إلا من شاء الله) * من الملائكة الذين ثبتهم الله تعالى وهم: جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، وقيل: الشهداء (1)، وقرئ: " وكل أتوه " (2) أي: فاعلوه، وكلاهما محمول على معنى " كل "، والداخر: # الصاغر، ومعنى الإتيان: حضورهم الموقف بعد النفخة الثانية، ويجوز أن ms0875 يكون المراد: رجوعهم إلى أمرهم وانقيادهم له. # * (تحسبها جامدة) * من جمد في المكان: إذا لم يبرح منه، تجمع الجبال وتسير كما تسير الريح السحاب، فإذا نظر إليها الناظر حسبها واقفة * (وهي تمر) * مرا حثيثا. وهكذا الأجرام العظام المتكاثرة العدد إذا تحركت لا يتبين حركتها، كما قال النابغة الجعدي يصف جيشا: # بأرعن مثل الطود تحسب أنهم * وقوف لحاج والركاب تهملج (3) # PageV02P726 # * (صنع الله) * مصدر مؤكد، وانتصابه بما دل عليه ما تقدم من قوله: * (وهي تمر مر السحاب) * وجعل هذا الصنع من جملة الأشياء التي أتى بها على وجه الحكمة والإتقان وهو حسن الاتساق * (إنه خبير) * بما يفعله العباد، وما يستحقونه عليه فيجازيهم بحسب ذلك، وقرئ: * (تفعلون) * بالتاء على الخطاب (1). # وقرئ: " من فزع يومئذ " مجرورا بالإضافة (2) و " يومئذ " مفتوحا مع الإضافة (3) لأنه أضيف إلى غير متمكن، ومنصوبا مع تنوين " فزع ". ومن نون ففي انتصاب " يومئذ " ثلاثة أوجه: أن يكون ظرفا للمصدر، وأن يكون صفة له كأنه قال: من فزع يحدث يومئذ، وأن يتعلق ب‍ * (آمنون) * كأنه قال: وهم آمنون يومئذ من فزع شديد لا يكتنهه الوصف، وهو خوف النار. # وعن علي (عليه السلام): " الحسنة حبنا أهل البيت، والسيئة بغضنا " (4). # ويؤيده ما رووه عن جابر عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " يا علي، لو أن أمتي صاموا حتى صاروا كالأوتار، وصلوا حتى صاروا كالحنايا، ثم أبغضوك، لأكبهم الله على مناخرهم في النار " (5). # * (هل تجزون) * على إضمار القول. * (هذه البلدة) * يعني: مكة، خصها الله سبحانه بإضافة اسمه إليها، وأشار إليها إشارة تعظيم لها، ووصف ذاته بالتحريم الذي هو خاص، وصفها: لا يختلى خلاها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، # PageV02P727 # ومن التجأ إليها فهو آمن، ومن انتهك حرمتها فهو ظالم، وهو مالك * (كل شئ) * فيحرم ما يشاء ويحل ما يشاء. # * (فمن اهتدى) * باتباعه إياي فمنفعة اهتدائه راجعة إليه لا إلي * (ومن ضل) * ولم يتبعني فلا علي، وما أنا إلا رسول منذر، وليس علي إلا البلاغ المبين. # ثم أمر سبحانه أن يحمد الله على ما ms0876 آتاه من نعمة النبوة، وأن يهدد أعداءه بما سيريهم سبحانه من الآيات التي تلجئهم إلى المعرفة والإقرار بأنها آيات الله، وذلك حين لا تنفعهم المعرفة، يعني: في الآخرة، وقيل: هي العذاب في الدنيا والقتل يوم بدر فيشاهدونها (1)، وقرئ: * (تعملون) * بالتاء والياء (2). # PageV02P728 # سورة القصص مكية (1)، وهي ثمان وثمانون آية، * (طسم) * كوفي، * (يسقون) * غيرهم. # وفي حديث أبي: " من قرأها أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق موسى (عليه السلام) ومن كذب به " (2). # PageV02P729 # بسم الله الرحمن الرحيم * (طسم (1) تلك آيات الكتاب المبين (2) نتلوا عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون (3) إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبنائهم ويستحى ى نساءهم إنه كان من المفسدين (4) ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين (5) ونمكن لهم في الأرض ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون (6)) * * (نتلوا عليك) * بعض * (نبأ موسى وفرعون بالحق) * أي: محقين كقوله: # * (تنبت بالدهن) * (1)، * (لقوم يؤمنون) * سبق في علمنا أنهم يؤمنون، لأن التلاوة إنما ينفع هؤلاء. * (إن فرعون) * جملة مستأنفة كالتفسير لما تقدم * (علا) * أي: # بغى وتجبر * (في) * أرض مصر، وتجاوز الحد في الظلم * (وجعل أهلها شيعا) * أي: # فرقا يشيعونه على ما يريد، أو: يشيع بعضهم بعضا في طاعته، أو: فرقا مختلفة قد أوقع بينهم العداوة، وهم: بنو إسرائيل والقبط * (يستضعف طائفة منهم) * وهم بنو إسرائيل، وسبب ذبح الأبناء أن كاهنا قال له: يولد مولود في بني إسرائيل يذهب ملكك على يده، * (يذبح) * بدل من * (يستضعف) *، و * (يستضعف) *: إما حال من الضمير في * (جعل) * أو صفة ل‍ * (شيعا) * أو كلام مستأنف. # * (ونريد أن نمن) * جملة معطوفة على الكلام المتقدم، لأن الجميع تفسير ل‍ * (نبأ موسى وفرعون) *، * (ونريد) * حكاية حال ماضية، ويجوز أن يكون حالا من * (يستضعف) * أي: يستضعفهم فرعون ونحن نريد أن نمن عليهم # PageV02P730 # * (ونجعلهم أئمة) * متقدمين في الدين والدنيا، وقادة في الخير يقتدى بهم. # وعن سيد العابدين (عليه السلام): والذي بعث محمدا (صلى الله عليه وآله) بالحق بشيرا ms0877 ونذيرا، إن الأبرار منا أهل البيت، وشيعتهم بمنزلة موسى وشيعته، وإن عدونا وأشياعهم بمنزلة فرعون وأشياعه. # * (ونجعلهم الوارثين) * يرثون فرعون وقومه ملكهم. * (ونمكن لهم) * في أرض مصر والشام، أي: نجعلها لهم ممهدة لا تنبو بهم كما كانت في أيام الجبابرة، وننفذ أمرهم، ونطلق أيديهم فيها ونسلطهم عليها. وقرئ: " ويرى " بالياء " فرعون وجنوده " بالرفع (1)، أي: يرون منه * (ما كانوا يحذرون‍) * - ه من ذهاب ملكهم وهلاكهم. # * (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين (7) فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خطين (8) وقالت امرأة فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون (9) وأصبح فؤاد أم موسى فرغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين (10)) * * (اليم) * البحر وهو نيل مصر، يعني: ألهمناها، أو أتاها جبرائيل بذلك * (أن أرضعيه) * ما لم تخافي عليه * (فإذا خفت عليه) * القتل فاقذفيه في النيل * (ولا تخافي) * عليه الغرق والضياع، والفرق بين الخوف والحزن: أن الخوف غم يلحق الإنسان لمتوقع، والحزن غم يلحقه لواقع، وهو فراقه والإخطار به، وقد # PageV02P731 # نهيت عن الأمرين جميعا، ووعدت بما يسليها ويطمئن قلبها ويبهجها، وهو رده إليها وجعله * (من المرسلين) *. # واللام في * (ليكون) * لام " كي " التي معناها التعليل، ولكن معنى التعليل فيها وارد على طريق المجاز، لأنه لم يكن داعيهم إلى الالتقاط أن يكون لهم * (عدوا وحزنا) * غير أن ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له وثمرته شبه بالداعي الذي يفعل الفعل لأجله. وقرئ: " حزنا " (1) هما لغتان كالرشد والرشد * (كانوا خطئين) * في كل شئ، وليس خطأهم في تربية عدوهم ببدع منهم، أو: كانوا مجرمين مذنبين فعاقبهم الله بأن ربى عدوهم الذي هو سبب هلاكهم على أيديهم. وقرئ: # " خاطين " بتخفيف الهمزة (2)، أو: هو من خطوت أي: خاطين الصواب إلى الخطأ. # وروي أنهم التقطوا التابوت فدنت آسية فرأت في جوف التابوت نورا ففتحته فإذا بصبي ms0878 يمص إبهامه فأحبوه، فقالت آسية لفرعون: * (قرت عين لي ولك) * أي: # هو قرة عين. # وعن ابن عباس: أن أصحاب فرعون جاءوا ليقتلوه فمنعتهم وقالت: لا تقتلوه، فقال فرعون: قرة عين لك، فأما لي فلا، ولو أنه أقر بأن يكون له قرة عين كما أقرت امرأته لهداه الله به كما هداها (3). # * (عسى أن ينفعنا) * فإن فيه مخائل اليمن توسمت في سيمائه النجابة المؤذنة بكونه نفاعا * (أو نتخذه ولدا) * فإنه أهل لأن يكون ولدا للملوك * (وهم لا يشعرون) * أنهم وجدوا المطلوب الذي يطلبونه فارغا من الهم حين سمعت بعطف فرعون عليه وتبنيه له. # PageV02P732 # وقيل: * (فرغا) * صفرا من العقل حين سمعت بوقوعه في يد فرعون (1)، ونحوه: * (وأفئدتهم هواء) * (2) أي: لا عقول فيها. قال حسان: # ألا أبلغ أبا سفيان عني * فأنت مجوف نخب هواء (3) * (إن كادت لتبدي به) * معناه: أنها كادت تذكر موسى فتقول: يا ابناه، من شدة الوجد * (لولا أن ربطنا على قلبها) * بإلهام الصبر * (لتكون من) * المصدقين بوعد الله في * (إنا رادوه إليك) *، وقيل: كادت تخبر أنها أمه لما رأته عند فرعون لشدة سرورها به (4)، والهاء في * (به) * لموسى، والمراد بأمره وقصته. # * (وقالت لأخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون (11) وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون (12) فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون (13) ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزى المحسنين (14) ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين (15) قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم (16)) * # PageV02P733 # * (وقالت) * أم موسى لأخت موسى: * (قصيه) * أي: اتبعي أثره وتتبعي خبره * (فبصرت به عن جنب) * عن بعد، والمراد: فذهبت فوجدت آل فرعون أخرجوا التابوت وأخرجوا موسى، ms0879 فرأت أخاها موسى وهم لا يحسون بأنها أخته. # والتحريم: استعارة للمنع، لأن من حرم عليه الشئ فقد منع ذلك، وذلك أن الله منع موسى أن يرضع ثديا، فكان لا يقبل ثدي مرضع حتى أهمهم ذلك، و * (المراضع) * جمع مرضع وهي التي ترضع، أو جمع مرضع وهو الرضاع أو موضع الرضاع يعني الثدي من قبل قصها أثره. # وروي أنها لما قالت: * (وهم له ناصحون) * قال هامان: إنها لتعرفه، وتعرف أهله، فقالت: إنما أردت: وهم للملك ناصحون (1). والنصح: إخلاص العمل من شائب الفساد. فانطلقت إلى أمه فجاءت بها، والصبي على يد فرعون يقبله شفقة عليه، إذ ألقى الله محبته في قلبه، وهو يبكي بطلب الرضاع، فحين وجد ريحها استأنس إليها والتقم ثديها، فقال فرعون: ومن أنت منه؟ قالت: إني امرأة طيبة اللبن، لا أوتى بصبي إلا قبلني، فدفعه إليها وأجرى عليها، وذهبت به إلى بيتها، وأنجز الله وعده في الرد، فعند ذلك استقر عندها أنه يكون نبيا، وذلك قوله: # * (ولتعلم أن وعد الله حق) * والمراد: ليثبت علمها ويتمكن * (ولكن أكثرهم لا يعلمون) * أنه حق كما علمت. # * (واستوى) * أي: اعتدل واستحكم وبلغ المبلغ الذي لا يزاد عليه وهو أربعون سنة * (آتيناه حكما) * وهو النبوة * (وعلما) * وهو التوراة. # * (ودخل المدينة) * يعني: مصر، وقيل: مدينة من أرض مصر (2) * (على حين # PageV02P734 # غفلة) * يعني: ما بين العشاءين، وقيل: وقت القائلة (1) * (من شيعته) * ممن شايعه على دينه من بني إسرائيل * (من عدوه) * من مخالفيه من القبط. والوكز: الدفع بأطراف الأصابع، وقيل: بجمع الكف (2) * (قال هذا من عمل الشيطان) * يعني: أن العمل الذي وقع القتل بسببه من عمل الشيطان إذ حصل بوسوسته * (إنه عدو) * لبني آدم * (مضل) * ظاهر الإضلال. # * (قال رب إني ظلمت نفسي) * بهذا القتل لأن القوم لو علموا بذلك لقتلوني، وقيل: إنما قاله على سبيل الانقطاع إلى الله، والاعتراف بالتقصير عن أداء حقوق نعمه (3). # * (قال رب بما أنعمت على فلن أكون ظهيرا للمجرمين (17) فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالأمس يستصرخه قال له موسى إنك ms0880 لغوى مبين (18) فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين (19) وجاء رجل من أقصا المدينة يسعى قال يا موسى إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين (20) فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجنى من القوم الظالمين (21)) * * (بما أنعمت على) * يجوز أن يكون قسما جوابه محذوف، والتقدير: أقسم بإنعامك علي لأتحفظن * (فلن أكون ظهيرا للمجرمين) *، وأن يكون معناه: # PageV02P735 # * (بما أنعمت على) * من القوة فلن استعملها إلا في مظاهرة أولئك (1) المؤمنين، ولا أدع قبطيا يغلب أحدا من بني إسرائيل. # * (يترقب) * المكروه وهو أن يستقاد منه، أو ينتظر الأخبار في قتل القبطي ويتجسس، لأنه خاف من فرعون وقومه أن يكونوا عرفوا أنه قتله، وقال للإسرائيلي: * (إنك لغوى مبين) * لأنه كان سبب قتل رجل وهو يقاتل آخر. # * (فلما) * أخذته الرقة على الإسرائيلي و * (أراد) * أن يدفع القبطي الذي هو عدو لموسى والإسرائيلي عنه و * (يبطش) * به، وقرئ: " يبطش " بالضم (2)، والجبار: الذي يفعل ما يريد من الضرب والقتل بظلم، لا ينظر في العواقب، وقيل: # هو المتعظم الذي لا يتواضع لأمر الله (3). # فلما قال للإسرائيلي هذا اشتهر أمر القتل في المدينة، وأنهي إلى فرعون وهموا بقتله * (وجاء رجل) * قيل: هو من آل فرعون وكان ابن عم فرعون (4)، و * (يسعى) * يجوز أن يكون في محل الرفع وصفا ل‍ * (رجل) *، ويجوز أن يكون منصوبا حالا عنه، لأنه قد تخصص بوصفه الذي هو * (من أقصا المدينة) *، ويجوز أن يكون صلة ل‍ * (جاء) * فيكون * (يسعى) * صفة ل‍ * (رجل) * لا غير، * (يأتمرون) * يتشاورون بسببك، يقال: تأمر القوم وائتمروا، و * (لك) * ليس بصلة ل‍ * (الناصحين) * بل هو بيان. * (فخرج) * موسى من مصر * (يترقب) * التعرض له في الطريق، أو: # أن يلحق * (قال رب نجنى من) * فرعون وقومه. # * (ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربى أن يهديني سواء # PageV02P736 # السبيل (22) ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة ms0881 من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقى حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير (23) فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلى من خير فقير (24) فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبى يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين (25) قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين (26) قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين (27) قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل (28)) * * (توجه تلقاء مدين) * صرف وجهه نحوها، وهي قرية شعيب، وعن ابن عباس: خرج وليس له علم بالطريق إلا حسن ظنه بربه (1) و * (سواء السبيل) * وسطه، وقيل: خرج خافيا (2) لا يعيش إلا بورق الشجر (3). # * (ولما ورد ماء مدين) * الذي يسقون منه وكان بئرا، ووروده: مجيئه والوصول إليه * (وجد) * فوق شفيره ومستقاه * (أمة) * جماعة كثيرة العدد من أناس مختلفين * (ووجد من دونهم) * أي: مكان أسفل من مكانهم * (امرأتين تذودان) * عنهما، والذود: الطرد والدفع، كانتا تكرهان المزاحمة على الماء، وقيل: كانتا لا تتمكنان من السقي، لأن على الماء من هو أقوى منهما (4) * (ما خطبكما) * # PageV02P737 # ما شأنكما، وأصله: ما مخطوبكما أي: مطلوبكما من الذياد. وقرئ: " يصدر الرعاء " (1) أي: يصدروا مواشيهم من ورودهم، والرعاء: جمع الراعي كالصيام والقيام. * (فسقى لهما) * فسقى غنمهما لأجلهما، وروي: أن الرعاء كانوا يضعون على رأس البئر حجرا لا يقله إلا سبعة رجال، وقيل: عشرة (2)، وقيل: أربعون (3)، فأقله وحده، وسألهم دلوا فأعطوه دلوهم، وكان لا ينزعها إلا عشرة، فاستقى بها وحده مرة (4) فروى غنمهما وأصدرهما، وإنما فعل ذلك رغبة في المعروف وإغاثة للملهوف. ولم يذكر مفعول * (يسقون) * و * (تذودان) * و * (لا نسقي) * لأن الغرض هو الفعل لا المفعول. والوجه في مطابقة جوابهما لسؤاله أنه سألهما ms0882 عن سبب ذودهما الغنم، فقالتا: سبب ذلك أنهما ضعيفتان لم تقدرا على مزاحمة الرجال، ولابد لهما من تأخير السقي إلى أن يصدروا * (وأبونا شيخ كبير) * ضعيف (5) لا يقدر على تولي السقي بنفسه، وكأنما قالتا ذلك تعريضا للطلب منه الإعانة على سقي غنمهما، وإبلاء للعذر في توليهما السقي بأنفسهما. # * (ثم تولى إلى) * ظل سمرة من شدة الحر وهو جائع فقال: * (رب إني لما أنزلت إلي) * أي: لأي شئ قليل أو كثير * (فقير) * وإنما تعدى * (فقير) * باللام لأنه ضمن معنى " سائل " و " طالب ". وروي أنه قال ذلك وخضرة البقل ترى في بطنه من الهزال، وما سأل إلا خبزا يأكله. # * (على استحياء) * في موضع الحال، أي: مستحيية خفرة، وذلك أنهما لما رجعتا إلى أبيهما قبل الناس وأغنامهما حفل بطان وقالتا: وجدنا رجلا صالحا # PageV02P738 # رحمنا وسقى لنا، قال لإحداهما: علي به، فرجعت فتبعها موسى، فألصقت الريح ثوبها بجسدها فوصفته، فقال لها: إمشي خلفي وأريني السمت بقولك، فلما قص عليه قصته * (قال لا تخف) * فلا سلطان لفرعون بأرضنا، و * (القصص) * مصدر سمي به المقصوص. # * (قالت إحداهما) * وهي كبراهما، وهي التي ذهبت به، وهي التي تزوجها. # وروي أن شعيبا قال لها: وكيف علمت قوته وأمانته؟ فذكرت إقلال الحجر ونزع الدلو، وأنه صوب رأسه حتى أبلغته رسالته وأمرها بالمشي خلفه، وفي قولها حكمة جامعة (1) لأنه إذا حصلت الأمانة والكفاية في القيام بالأمر فقد تم المراد. # * (تأجرني) * من أجرته إذا كنت له أجيرا، و * (ثمني حجج) * ظرف له * (فمن عندك) * أي: فإتمامه من عندك، يعني: لا أوجبه عليك ولا ألزمكه، ولكنك إن فعلت فهو تبرع منك * (وما أريد أن أشق عليك) * بإتمام الأجلين وإيجابه * (من الصالحين) * في حسن المعاملة ولين الجانب. * (ذلك) * مبتدأ و * (بيني وبينك) * خبره، أي: ذلك الذي قلته وعاهدتني فيه قائم بيننا لا تخرج عنه، أي أجل * (قضيت) * من الأجلين: الثماني أو العشر، فلا يعتدى * (على) * في طلب الزيادة عليه، و * (ما) * مؤكدة لإبهام " أي " زائدة في شياعها، والوكيل: الذي وكل الأمر إليه، ولما استعمل ms0883 بمعنى الشاهد والمهيمن عدي ب‍ * (على) *. # * (فلما قضى موسى الاجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلى آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون (29) فلما أتاها نودي من شطر الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العلمين (30) # PageV02P739 # وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين (31) اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملأه إنهم كانوا قوما فسقين (32) قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون (33) وأخي هارون هو أفصح منى لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون (34) قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطنا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون (35)) * قرئ: * (جذوة) * بالحركات الثلاث (1)، وفيها اللغات الثلاث، وهي العود الغليظ في رأسه نار. و * (من) * الأولى والثانية لابتداء الغاية، أي: أتاه النداء من شاطئ الوادي من قبل الشجرة. و * (من الشجرة) * بدل من * (شطئ الواد) * وهو بدل الاشتمال، لأن الشجرة قد نبتت على الشاطئ. # والرهب: الخوف، والجناح المراد به اليد، لأن يد الإنسان بمنزلة جناحي الطائر، وإذا أدخل الإنسان يده اليمنى تحت عضده اليسرى فقد ضم جناحه إليه، من الرهب أي: من أجل الرهب، يعني: إذا أصابك الرهب عند رؤية الحية فاضمم إليك جناحك * (فذانك) * قرئ مخففا ومشددا (2)، فالمخفف تثنية " ذاك " والمشدد تثنية " ذلك "، * (برهانان) * حجتان (3)، وسميت الحجة برهانا لبياضها ووضوحها، وقالوا: امرأة برهرهة أي: بيضاء، وأبره الرجل: جاء بالبرهان، وكذلك " السلطان " مشتق من السليط وهو الزيت لإنارته. # PageV02P740 # والردء: اسم ما يعان به، فعل بمعنى مفعول به، كالدف ء لما يدفأ به، قال: # وردئي كل أبيض مشرفي * شحيذ الحد عذب ذي فلول (1) وقرئ: " ردا " على التخفيف (2)، وقرئ: * (يصدقني) * بالرفع والجزم (3) صفة وجوابا كقوله: * (وليا يرثني) * (4) سواء، والمراد بالتصديق أن يخلص بلسانه الحق ويجادل به ms0884 الكفار كما يفعله المصقع البليغ، فإنه يجري مجرى التصديق، كما أن البرهان يصدق القول، أو يبين كلامه حتى يصدقه الذي يخاف تكذيبه. وأسند التصديق إليه لأنه السبب فيه على سبيل الاستعارة، ويدل عليه قوله: * (إني أخاف أن يكذبون) *. # ومعنى * (سنشد عضدك بأخيك) * سنقويك به ونؤيدك بأن نقرنه إليك في النبوة، لأن العضد قوام اليد، قال طرفة: # أبني لبينى لستم بيد * إلا يدا ليست لها عضد (5) * (ونجعل لكما سلطنا) * أي: غلبة وتسلطا، أو حجة وبرهانا * (بآيتنا) * يتعلق ب‍ * (نجعل لكما سلطنا) * أي: نسلطكما، أو تعلق ب‍ * (لا يصلون) * أي: # تمتنعان منهم بآياتنا، أو: هو بيان ل‍ * (الغالبون) * لا صلة، لأن الصلة لا تتقدم على الموصول، أو على تقدير: إذهبا بآياتنا. # PageV02P741 # * (فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين (36) وقال موسى ربى أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون (37) وقال فرعون يا أيها الملا ما علمت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلى أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكذبين (38) واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون (39) فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عقبة الظالمين (40) وجعلنهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيمة لا ينصرون (41) وأتبعنهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيمة هم من المقبوحين (42)) * أي: * (سحر) * ظاهر افتراؤه، وليس بمعجز من الله * (في آبائنا) * حال عن هذا، أي: كائنا في زمان آبائنا، أي: لم يسمع بكون ما يدعيهم (1). # * (ربى أعلم) * منكم بحال من يؤهله النبوة ويبعثه بالهدى، يعني نفسه، ولو كان كما تزعمون كاذبا مفتريا لما أهله لذلك، لأنه غني حكيم، لا يرسل الكاذبين والساحرين، و * (لا يفلح) * عنده * (الظالمون) *، و * (عقبة الدار) * هي العاقبة المحمودة، يدل عليه قوله: * (أولئك لهم عقبى الدار جنات عدن) * (2) والدار هي الدنيا، وعقباها وعاقبتها أن يختم للعبد بالرضوان والرحمة. وقرئ: " قال موسى " بغير واو ms0885 (3)، و * (تكون) * بالتاء والياء (4). # PageV02P742 # * (فأوقد لي يا هامان على الطين) * (1) واتخذ الآجر فاجعل لي قصرا وبناء مرتفعا عاليا * (لعلى) * أقف على حال * (إله موسى) * وأشرف عليه، وهذا تلبيس من فرعون وإيهام على العوام، إن الذي يدعو إليه موسى يجري مجراه في الحاجة إلى المكان، وقصد بنفي علمه بإله غيره نفي وجوده، يعني: مالكم من إله غيري، أو: يريد أن إلها غيره غير معلوم عنده لكنه مظنون، والطلوع والاطلاع: الصعود. # وكل مستكبر متكبر سوى الله عز وجل، فاستكباره * (بغير الحق) *، وهو جل جلاله المتكبر على الحقيقة، أي: المبالغ في كبرياء الشأن. # قال (عليه السلام) فيما حكاه عن ربه عز اسمه: " الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما ألقيته في النار " (2). # وقرئ * (يرجعون) * بالضم والفتح (3). * (فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم) * من الكلام الدال على عظم شأنه وجلال كبريائه، شبههم استحقارا لهم - وإن كانوا الجم الغفير - بكف من تراب أخذها الإنسان بكفه وطرحه في البحر! # * (وجعلنهم أئمة) * أي: دعوناهم (4) دعاة إلى النار، وقلنا: إنهم أئمة دعاة إلى النار، من قولك: جعله بخيلا، أي: دعاه وقال: إنه بخيل. ومعناه: إنهم دعاة إلى موجبات النار من الكفر والمعاصي، ويجوز أن يكون المعنى: خذلناهم حتى كانوا أئمة الكفر ومنعناهم ألطافنا، وإنما يمنع الألطاف من علم أنها لا تنفع فيه، وهو المصمم على الكفر الذي لا تغني عنه الآيات والنذر، فكأنه قال: صمموا على الكفر حتى كانوا أئمة فيه دعاة إليه. ولولا ذلك لما خذلناهم و * (هم) * يوم القيامة # PageV02P743 # مخذولون لا ينصرون * (من المقبوحين) * أي: من المطرودين المبعدين. # * (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون (43) وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الامر وما كنت من الشاهدين (44) ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلوا عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين (45) وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون (46) ولولا ms0886 أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين (47) فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتى مثل ما أوتى موسى أولم يكفروا بما أوتى موسى من قبل قالوا ساحران تظهرا وقالوا إنا بكل كفرون (48) قل فأتوا بكتب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين (49) فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هويه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين (50)) * إنتصب * (بصائر) * على الحال، والبصيرة نور القلب الذي يستبصر به، كما أن البصر نور العين الذي تبصر به، يعني: آتيناه الكتاب أنوارا للقلوب * (وهدى) * وإرشادا * (ورحمة) * لمن آمن به. # و * (الغربي) *: المكان الواقع في شق الغرب، وهو المكان الذي وقع فيه ميقات موسى (عليه السلام) من الطور، والخطاب لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، أي: * (وما كنت) * حاضرا المكان الذي أوحينا فيه إلى موسى ولا * (كنت من الشاهدين) * للوحي إليه أو على الوحي إليه، حتى تقف بالمشاهدة على ما جرى من أمره. * (ولكنا أنشأنا) * PageV02P744 # بعد عهد الوحي إليه إلى عهدك * (قرونا) * كثيرة * (فتطاول) * على آخرهم، وهو القرن الذي أنت فيهم * (العمر) * أي: أمد انقطاع الوحي واندرست العلوم فأرسلناك وأوحينا إليك قصص الأنبياء وقصة موسى * (وما كنت ثاويا) * أي: # مقيما * (في أهل مدين) * وهم شعيب والمؤمنون به * (تتلوا عليهم آياتنا) * تعلما منهم، يريد الآيات التي فيها قصة شعيب وقومه * (ولكنا) * أرسلناك وعلمناكها وأخبرناك بها. * (إذ نادينا) * موسى، يريد ليلة المناجاة * (ولكن) * علمناك * (رحمة) *، * (لتنذر قوما) * هم العرب * (ما أتهم من نذير) * في زمان الفترة بينك وبين عيسى، وهو خمسمائة وخمسون سنة، ونحوه: * (لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم) * (1). # * (لولا) * الأولى امتناعية وجوابها محذوف، والثانية تحضيضية، وإحدى الفاءين للعطف، والأخرى جواب * (لولا) * لكونها في حكم الأمر من حيث أن الأمر يبعث على الفعل، والباعث والمحرض من باب واحد. والمعنى: لولا أنهم قائلون إذا عوقبوا بكفرهم: هلا * (أرسلت إلينا رسولا) * يحتجون علينا بذلك لما أرسلنا ms0887 إليهم، يريد: أن إرسال الرسول إنما هو لإلزام الحجة إياهم، و * (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) * (2)، * (أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير) * (3) * (لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى) * (4). # ولما كانت أكثر الأعمال بالأيدي اتسع فيه حتى عبر عن كل عمل بتقديم الأيدي، وإن كان من أعمال القلوب. # * (فلما جاءهم الحق) * وهو الرسول المصدق بالمعجزات * (قالوا لولا أوتى مثل ما أوتى موسى) * من فلق البحر وقلب العصا حية، أو: الكتاب المنزل جملة # PageV02P745 # واحدة، إلى غير ذلك من اقتراحاتهم المبينة على التعنت والعناد * (أولم يكفروا) * يعني: أبناء جنسهم ومن مذهبهم وعنادهم، وهم الكفار في زمن موسى * (بما أوتى موسى) * قالوا في موسى وهارون " ساحران تظاهرا " أي: تعاونا، وقرئ: # * (سحران) * (1) أي: ذوا سحر، جعلوهما سحرين مبالغة في وصفهما بالسحر، أو أرادوا: نوعان من السحر و * (إنا بكل) * واحد منهما * (كافرون) *. # و * (من قبل) * متعلق ب‍ * (أولم يكفروا) *، وإن تعلق ب‍ * (أوتى) * انقلب المعنى إلى: أن أهل مكة الذين قالوا هذه المقالة كما كفروا بمحمد (صلى الله عليه وآله) وبالقرآن فقد كفروا بموسى والتوراة، فقالوا في موسى ومحمد: ساحران * (تظهرا) *، أو: في الكتابين * (ساحران) * وذلك حين بعثوا الرهط إلى رؤساء اليهود بالمدينة يسألونهم عن محمد (صلى الله عليه وآله)، فأخبروهم أن نعته وصفته في كتابهم، فقالوا: ذلك * (هو أهدى) * مما أنزل على موسى ومما أنزل علي. # أي: * (فإن لم يستجيبوا) * دعاءك إلى الإتيان بالكتاب الأهدى فاعلم أنهم قد ألزموا، ولم يبق لهم حجة إلا اتباع الهوى، ثم قال: * (ومن أضل ممن) * لا يتبع في دينه إلا * (هواه بغير هدى من الله، إن الله لا يهدي) * أي: لا يلطف بالقوم الثابتين على الظلم، وقوله: * (بغير هدى) * في موضع الحال، أي: مخذولا. # * (ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون (51) الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون (52) وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين (53) أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما ms0888 صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون (54) # PageV02P746 # وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعملنا ولكم أعملكم سلم عليكم لا نبتغي الجهلين (55) إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين (56) وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرا ت كل شئ رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون (57) وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مسكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين (58)) * أي: آتيناهم القرآن متتابعا متواصلا، وعدا ووعيدا، وعبرا ومواعظ، إرادة أن يتذكروا فيفلحوا، فنزلناه (1) عليهم نزولا متصلا بعضه في إثر بعض. # * (الذين آتيناهم الكتاب من قبله) * أي: من قبل محمد (صلى الله عليه وآله) أو القرآن، وهم مؤمنو أهل الكتاب، وقيل: هم أربعون من أهل الإنجيل، جاءوا مع جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة، وثمانية من الشام، منهم بحيرا (2). # * (إنه الحق) * تعليل للإيمان به، لأن كونه حقا من الله يوجب أن يؤمن به، و * (إنا كنا من قبله مسلمين) * بيان لقولهم: * (آمنا به) * أخبروا أن إيمانهم به متقادم، و " الإسلام " صفة كل موحد مصدق بالوحي. * (أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا) * بصبرهم على الإيمان بالتوراة والإيمان بالقرآن، أو: بصبرهم على الإيمان بالقرآن قبل نزوله أو بعد نزوله، أو: بصبرهم على أذي المشركين وأهل الكتاب، ونحوه: * (يؤتكم كفلين من رحمته) * (3)، * (ويدرءون) * بالإيمان والطاعة المعاصي المتقدمة أو بالحلم الأذي. # PageV02P747 # * (سلم عليكم) * متاركة وتوديع. وعن الحسن: كلمة حلم من المؤمنين (1) * (لا نبتغي الجهلين) * لا نريد مخالطتهم، ولا نطلب مجالستهم ومصاحبتهم. # * (لا تهدي من أحببت) * لا تقدر أن تدخل في الإيمان كل من أحببت أن تدخل فيه من قومك وغيرهم * (ولكن الله) * يدخل فيه * (من يشاء) * وهو من علم أن الألطاف تنفع فيه * (وهو أعلم) * بالذين يهتدون باللطف، وكان النبي (صلى الله عليه وآله) حريصا على إيمان قومه وإقرارهم بنبوته، فأخبره سبحانه بأن ذلك ليس في مقدوره. # وقالوا: إن الآية نزلت في أبي طالب (2)، وقد ms0889 ورد عن أئمة الهدى (عليهم السلام): أن أبا طالب مات مسلما، واجتمعت الإمامية على ذلك، وأشعاره مشحونة بالإسلام وتصديق النبي (صلى الله عليه وآله) (3). # * (وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف) * أي: نستلب * (من أرضنا) * قيل: إن القائل الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف، قال: إنما نحن أكلة رأس، أي: # قليلون، ونخاف إن اتبعناك وخالفنا العرب أن يتخطفونا من أرضنا، فرد الله عليهم بقوله: * (أولم نمكن لهم حرما آمنا) * والعرب حوله يتغاورون، وهم آمنون في حرمهم لا يخافون * (يجبى) * إليهم الثمرات من كل أرض، فإذا خولهم الله ما خولهم من الأمن والرزق وهم كفرة عبدة أصنام فكيف يعرضهم للتخطف ويسلبهم الأمن إذا آمنوا به ووحدوه وصدقوا رسوله؟ (4). # PageV02P748 # وإسناد الأمن إلى أهل الحرم حقيقة وإلى الحرم مجاز، و * (يجبى) * من: جبيت الماء في الحوض أي: جمعته، ومعنى الكلية الكثرة كما في قوله: * (وأوتيت من كل شئ) * (1)، * (ولكن أكثرهم لا يعلمون) * تعلق بقوله: * (من لدنا) * أي: قليل منهم يقرون بأن ذلك رزق من عند الله وأكثرهم لا يعلمون ذلك، ولو علموا ذلك لما خافوا التخطف إذا آمنوا به، و * (رزقا) * مفعول له أو مصدر، لأن معنى * (يجبى إليه ثمرا ت كل شئ) * و " يرزق ثمرات كل شئ " واحد. # * (وكم أهلكنا) * تخويف لأهل مكة من سوء عاقبة قوم كانت حالهم مثل حالهم في كفرانهم نعم الله تعالى ومقابلتها بالأشر حتى دمرهم الله وأبادهم. # وانتصب قوله: * (معيشتها) * بحذف الجار وإيصال الفعل كما في قوله: # * (واختار موسى قومه) * (2)، أو بالظرف بتقدير حذف الزمان المضاف أي: بطرت أيام معيشتها، كخفوق النجم، أو: بتضمين " بطرت " معنى " غمطت " و " كفرت "، والبطر: سوء احتمال الغنى، وهو أن لا يحفظ حق الله فيه * (إلا قليلا) * من السكنى لم يسكنها إلا المسافر ومار الطريق يوما أو ساعة * (وكنا نحن الوارثين) * لتلك المساكن من ساكنيها تركناها على حال لا يسكنها أحد، أو: كنا خربناها فسويناها بالأرض. # * (وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلوا عليهم آياتنا وما كنا ms0890 مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون (59) وما أوتيتم من شئ فمتع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون (60) أفمن وعدنه وعدا حسنا فهو لقيه كمن متعناه متع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيمة من المحضرين (61) ويوم يناديهم # PageV02P749 # فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون (62) قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون (63) وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون (64) ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين (65) فعميت عليهم الانباء يومئذ فهم لا يتساءلون (66)) * أي: * (وما كان) * من أمر * (ربك) * أن يهلك * (القرى) * في الأرض * (حتى يبعث) * في أم القرى أي: مكة * (رسولا) * وهو محمد صلوات الله عليه وآله خاتم الأنبياء، أو: ما كان مهلك القرى في كل وقت حتى يبعث في القرية التي هي أمها أي: أصلها رسولا لإلزام الحجة عليهم. وهذا إخبار عن تنزيهه عن الظلم حيث لا يهلكهم مع كونهم ظالمين إلا بعد تأكيد الحجة عليهم ببعثة الرسل، مع علمه بأنهم لا يؤمنون، ولم يجعل علمه بهم حجة عليهم. # * (وما) * أعطيتم من أسباب الدنيا فتمتع وزينة أياما قلائل، وهي مدة الحياة المنقضية * (وما عند الله) * وهو الثواب * (خير وأبقى) * لأن بقاءه سرمدا * (فلا تعقلون) * وقرئ بالتاء والياء (1). * (أفمن وعدنه) * هذا تقرير للأمة (2) التي قبلها، أي: أفبعد هذا التفاوت الظاهر سوى بين أبناء الدنيا وأبناء الآخرة، والوعد الحسن: الثواب لأنه منافع دائمة مقارنة للتعظيم والإجلال * (فهو لقيه) * كقوله: # * (ولقبهم نضرة وسرورا) * (3)، * (من المحضرين) * أي: من الذين أحضروا النار، ونحوه: * (فكذبوه فإنهم لمحضرون) * (4)، وقرئ: " ثم هو " بسكون الهاء (5)، # PageV02P750 # كما قيل: عضد في عضد تشبيها للمنفصل بالمتصل، وسكون الهاء في " وهو " " فهو " " لهو " أحسن، لأن الحرف الواحد لا ينطق به وحده، فهو كالمتصل. # * (شركائي) * مبني على زعمهم، وهو تهكم. ومفعولا " زعم " محذوفان هنا، والتقدير: الذي كنتم تزعمونهم شركائي، وهذا جائز وإن لم يجز الاقتصار على أحد المفعولين. # و * (الذين حق عليهم القول) * الشياطين أو رؤساء ms0891 الضلالة، ومعنى * (حق عليهم القول) *: وجب عليهم مقتضى القول وهو قوله: * (لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين) * (1)، * (هؤلاء) * مبتدأ و * (الذين أغوينا) * صفته، وحذف العائد إلى الموصول، و * (أغويناهم) * خبر المبتدأ، والكاف صفة مصدر محذوف، وتقديره: # أغويناهم فغووا غيا مثل ما غوينا، يعنون أنهم غووا باختيارهم كما غوينا نحن باختيارنا، لأن إغواءنا لهم كان وسوسة وتسويلا لا قسرا ولجأ * (تبرأنا إليك) * منهم ومما اختاروه من الكفر * (ما كانوا إيانا يعبدون) * إنما يعبدون أهواءهم ويطيعون شهواتهم، وإخلاء الجملتين من حرف العطف إنما هو لتقريرهما معنى الجملة الأولى * (لو أنهم كانوا يهتدون) * بوجه من وجوه الحيل يدفعون به العذاب ثم يبكتون بالاحتجاج عليهم بإرسال الرسل، ويسألون سؤال تقرير الذنب. # * (فعميت عليهم الأنباء) * فصارت الأنباء مشتبهة طرق جوابها عليهم * (فهم) * كالعمي تنسد عليهم طرق الأرض * (فهم لا يتساءلون) * لا يتساءل بعضهم بعضا كما يتساءل الناس في المشكلات، لأنهم يتساوون جميعا في عمى الأنباء عليهم وعجزهم عن الجواب، والمراد بالنبأ: الخبر عما أجاب به المرسل إليه رسوله. # * (فأما من تاب وآمن وعمل صلحا فعسى أن يكون من المفلحين # PageV02P751 # (67) وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحن الله وتعالى عما يشركون (68) وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون (69) وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون (70) قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيمة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون (71) قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيمة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون (72) ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (73) ويوم يناديهم فيقول أين شركائي الذين كنتم تزعمون (74) ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهنكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون (75)) * * (فأما من تاب) * من المشركين، وجمع بين الإيمان والعمل الصالح * (فعسى) * أن يفلح عند الله، و " عسى " من الكرام تحقيق. # و * (الخيرة) ms0892 * من التخير، كالطيرة من التطير، يستعمل بمعنى المصدر وبمعنى المتخير، يقال: محمد (صلى الله عليه وآله) خيرة الله من خلقه، وقوله: * (ما كان لهم الخيرة) * بيان لقوله: * (ويختار) *، فإن معناه: ويختار * (ما يشاء) * ولهذا لم يدخل العاطف، والمعنى: إن الخيرة لله في أفعاله، وهو أعلم بوجوه الحكمة فيها، وليس لأحد من خلقه الاختيار، إذ لا طريق له إلى العلم بجميع أحوال المختار. وقيل: معناه: # ويختار الذي لهم فيه الخيرة (1)، فحذف فيه كما حذف منه في قوله: * (إن ذلك لمن عزم الأمور) * (2) أن يختار للعباد ما هو خير لهم وأصلح وهو أعلم بمصالحهم # PageV02P752 # من أنفسهم، والحمد في * (الآخرة) * قولهم: * (الحمد لله الذي صدقنا وعده) * (1) والتحميد هناك على وجه اللذة كالكلفة (2). # * (أرأيتم) * معناه: أخبروني من يقدر على هذا؟ والسرمد: الدائم المتصل، من السرد، والميم مزيدة، والمراد بالضياء: ضوء الشمس، وقرن به * (أفلا تسمعون) * لأن السمع يدرك ما لا يدركه البصر من ذكر منافعه ووصف فوائده. وقرن بالليل * (أفلا تبصرون) * لان غيرك يبصر ما تبصره من منفعة الظلام. * (ومن رحمته) * زاوج بين الليل والنهار * (لتسكنوا) * في أحدهما * (ولتبتغوا من) * فضل الله في الآخر، ولإرادة شكركم، وقد سلكت فيه طريقة اللف. # وكرر سبحانه التوبيخ باتخاذ الشركاء إيذانا بأن الشرك أجلب الأشياء لغضب الله، كما أن التوحيد أجمع لمرضاته. # * (ونزعنا) * أي: وأخرجنا * (من كل أمة شهيدا) * وهو نبيهم، يشهد على تلك الأمة بما كان منها، وقيل: هم عدول الآخرة الذين لا يخلو زمان من واحد منهم (3) فقلنا للأمة: * (هاتوا برهنكم) * فيما ذهبتم إليه وكنتم عليه، فعلموا حينئذ أن الحق لله ولرسوله * (وضل عنهم ما كانوا يفترون) * من الأباطيل. # * (إن قرون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين (76) وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين (77) قال إنما ms0893 أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر # PageV02P753 # جمعا ولا يسل عن ذنوبهم المجرمون (78) فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يليت لنا مثل ما أوتى قرون إنه لذو حظ عظيم (79) وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صلحا ولا يلقاها إلا الصابرون (80) فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين (81) وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون (82)) * * (قرون) * اسم أعجمي كان من بني إسرائيل، وهو ابن خالة موسى، وكان أقرأ بني إسرائيل للتوراة، ولما جاوز بهم موسى البحر وصارت الرئاسة لهارون فقرب القربان وجد قارون في نفسه * (فبغى عليهم) * من البغي الذي هو الكبر والبذخ، والمفاتح: جمع المفتح، وهو ما يفتح به، وقيل: هي الخزائن (1)، واحدها مفتح، وناء به الحمل: إذا أثقله حتى أماله، والعصبة: الجماعة الكثيرة، و * (إذ) * نصب ب‍ " تنوء "، * (لا تفرح) * أي: لا تأشر ولا تتكبر بسبب كنوزك. # * (وابتغ فيما آتاك الله) * من الغنى * (الدار الآخرة) * بأن تفعل فيه أفعال الخير تزود بها إلى الآخرة * (ولا تنس نصيبك) * وهو أن تأخذ منها ما يكفيك * (وأحسن) * إلى عباد الله * (كما أحسن الله إليك) * وقيل: إن المخاطب بذلك موسى (عليه السلام) (2). # * (على علم) * على استحقاق واستيجاب لما في من العلم الذي فضلت به الناس، وذلك أنه كان أعلم بني إسرائيل بالتوراة، وقيل: هو علم الكيمياء (3)، # PageV02P754 # وقيل: علم الله تعالى موسى (عليه السلام) علم الكيمياء فعلمه موسى أخته فعلمته أخته قارون (1)، وقال: * (عندي) * معناه: في ظني كما يقول: الأمر عندي كذا، أي: # هو في ظني ورأيي هكذا * (أولم يعلم) * في جملة ما عنده من العلم وقرأه في التوراة * (أن الله قد أهلك من قبله) * من هو أقوى منه فلا يغتر بكثرة ماله ms0894 وقوته، ويجوز أن يكون نفيا لعلمه بذلك * (وأكثر جمعا) * للمال، أو: أكثر جماعة وعددا * (ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون) * بل يدخلون النار بغير حساب. * (في زينته) * التي كان يتزين بها، وهو حشمه وخيله، والحظ والجد: البخت والدولة. # ويلك: أصله الدعاء بالهلاك، ثم استعمل في الزجر والردع والبعث على ترك ما لا يرتضى، والضمير في * (ولا يلقاها) * للكلمة التي تكلم بها العلماء، أو للثواب لأنه في معنى المثوبة. * (من المنتصرين) * من المنتقمين من موسى، أو من الممتنعين من عذاب الله، يقال: نصره من عدوه فانتصر، أي: منعه منه فامتنع. # أراد * (بالأمس) * الوقت القريب على طريق الاستعارة، والمكان: المنزلة * (وي) * مفصولة من * (كأن) * وهي كلمة تنبه على الخطأ وتندم، والمعنى: أن القوم تنبهوا على خطئهم في تمنيهم منزلة قارون وتندموا، ثم قالوا: كأن الله، أي: ما أشبه الحال بأن الله يبسط الرزق لمن يشاء لا لكرامة * (ويقدر) * أي: يضيق على من يشاء لا لهوان، لكن بحسب المصلحة، ما أشبه الحال بأن الكافرين لا ينالون الفلاح. # وعند الكوفيين أن " ويك " بمعنى " ويلك "، وأن المعنى: ألم تعلم أنه * (لا يفلح الكافرون) *، ويجوز أن يكون الكاف كاف الخطاب قد ضمت إلى " وي "، كقوله: # ويك عنتر أقدم (2) # PageV02P755 # و " أنه " بمعنى " لأنه "، واللام للبيان الذي قيل لأجله هذا القول، أو: لأنه يفلح الكافرون كان ذلك، وهو الخسف بقارون، وقرئ: " لخسف بنا " (1) وفيه ضمير لله. # * (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعقبة للمتقين (83) من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون (84) إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قل ربى أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلل مبين (85) وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين (86) ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين (87) ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل ms0895 شئ هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون (88)) * * (تلك) * تعظيم للدار وتفخيم لها، أي: تلك التي بلغك صفتها. علق الوعد بترك إرادة العلو والفساد، ولم يقل: لا يعلون ولا يفسدون، كما علق الوعيد بالركون في قوله: * (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا) * (2). # وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: " الرجل ليعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه فيدخل تحتها (3). # وعن الفضيل أنه قرأها ثم قال: ذهبت الأماني هاهنا (4)، * (والعقبة) * الحميدة للذين اتقوا معاصي الله. # PageV02P756 # المعنى: فلا يجزون، فوضع الظاهر موضع الضمير، لأن في إسناد السيئات إليهم مكررا زيادة تهجير لهم. # * (إن الذي فرض عليك القرآن) * أي: أوجب عليك تلاوته وتبليغه والعمل بما فيه يثيبك عليه ثوابا لا يحاط بكنهه، و * (لرادك) * بعد الموت * (إلى معاد) * أي معاد، وإلى معاد ليس لغيرك من الخلق، ونكر المعاد لذلك، وقيل: أراد بالمعاد مكة فرده إليها يوم الفتح (1)، ووجه تنكيره أن كان معادا له ذكر عال وشأن جليل، ظهر عز الإسلام وأهله به، وقيل: نزلت عليه حين بلغ الجحفة في مهاجره وقد اشتاق إلى مكة (2). ولما وعده الرد إلى معاد قال: قل للمشركين: * (ربى أعلم من جاء بالهدى) * يعني: نفسه وما يستحقه من الثواب في معاده * (ومن هو في ضلل مبين) * يعنهم وما يستحقونه من العقاب في معادهم. # * (إلا رحمة من ربك) * بمعنى " لكن " للاستدراك، أي: ولكن لرحمة من ربك ألقي إليك، وقيل: هو محمول على المعنى والتقدير: وما ألقي إليك الكتاب إلا رحمة (3). * (بعد إذ أنزلت إليك) * أي: بعد وقت إنزاله إليك. وقوله: * (فلا تكونن ظهيرا للكافرين) * وما بعده من باب التهيج الذي سبق ذكره. # وعن ابن عباس: أن أكثر القرآن: إياك أعني فاسمعي يا جارة. # و * (كل شئ هالك) * أي: فان بائد * (إلا وجهه) * إلا ذاته. # PageV02P757 # سورة العنكبوت مكية (1) وقيل: مدنية، وهي تسع وستون آية * (ألم) * كوفي، * (مخلصين له الدين) * (2) بصري. # وفي حديث أبي: " من قرأ سورة العنكبوت كان له من الأجر عشر حسنات بعدد المؤمنين والمنافقين " (3). # وروى أبو ms0896 بصير عن الصادق (عليه السلام) قال: " من قرأ سورتي العنكبوت والروم في شهر رمضان في ليلة ثلاث وعشرين فهو والله - يا أبا محمد - من أهل الجنة، لا أستثني فيه أبدا، ولا أخاف أن يكتب الله علي في يميني إثما، وإن لهاتين السورتين من الله مكانا " (4). # PageV02P759 # بسم الله الرحمن الرحيم * (ألم (1) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون (2) ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكذبين (3) أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون (4) من كان يرجوا لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم (5) ومن جهد فإنما يجهد لنفسه إن الله لغنى عن العلمين (6) والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون (7)) * الحسبان إنما يتعلق بمضامين الجمل، وتقدير الكلام هنا: * (أحسب الناس أن يتركوا) * غير مفتونين لأن * (يقولوا آمنا) *، وكان التقدير قبل المجئ بالحسبان: # تركهم غير مفتونين لقولهم: " آمنا " على الابتداء والخبر، و " غير مفتونين " من تتمة الترك، لأنه من الترك الذي هو بمعنى التصيير، كما في قول عنترة: # فتركته جزر السباع ينشنه * يقضمن حسن بنانه والمعصم (1) وهذا كما تقول: خروجه لمخافة الشر، فصح أن يقع خبر مبتدأ وإن كان علة، وتقول: حسبت خروجه لمخافة الشر، فتجعلهما مفعولين كما جعلتهما مبتدأ وخبرا. # * (وهم لا يفتنون) * أي: لا يمتحنون بشدائد التكليف من مفارقة الأوطان ومجاهدة الأعداء، ولا يصابون بمصائب الدنيا ومحنها، بل يبتليهم الله بضروب المكاره # PageV02P760 # حتى يبلو صبرهم وصحة ضمائرهم، وليميز المخلص من غير المخلص، والراسخ في الدين من المضطرب فيه. * (ولقد فتنا الذين من قبلهم) * يعني: أتباع الأنبياء قبلهم فقد أصابهم من الفتن بالفرائض التي افترضت عليهم أو بالشدائد والمحن. # وجاء في الحديث: " قد كان من قبلكم يؤخذ فيوضع المنشار على رأسه فيفرق فرقتين ما يصرفه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه " (1). # و * (ليعلمن الله) * بالامتحان * (الذين صدقوا) * في الإيمان * (وليعلمن الكذبين) * فيه، ولم يزل ms0897 عز وعلا عالما بذلك ولكنه لا يعلمه موجودا إلا إذا وجد، والمعنى: وليميزن الصادق من الكاذب، ورووا عن علي (عليه السلام): فليعلمن وليعلمن (2)، من الإعلام أي: وليعرفنهم الله الناس من هم، أو: ليسمنهم بسمة يعرفون بها من بياض الوجوه وسوادها. # وروي: أن العباس جاء إلى علي (عليه السلام) فقال له: امش حتى يبايع لك الناس، فقال: أتراهم فاعلين؟ قال: نعم، قال: فأين قول الله عز وجل: * (ألم أحسب الناس) * الآيات (3)؟ # * (أن يسبقونا) * أي: يفوتونا، يعني: أن الجزاء يلحقهم، مثل قوله: * (وما هم بمعجزين) * (4)، و * (أم) * منقطعة، ومعنى الإضراب فيها أن هذا الحسبان أبطل من الحسبان الأول، لأن ذلك يقدر أنه لا يمتحن لإيمانه، وهذا يظن أنه لا يجازى بكفره وعصيانه * (ساء ما يحكمون) * أي: بئس الذي يحكمونه حكمهم هذا، # PageV02P761 # أو بئس حكما يحكمونه حكمهم هذا، فحذف المخصوص بالذم. # * (لقاء الله) * مثل للوصول إلى العاقبة من لقاء الجزاء والبعث والحساب، مثلت تلك الحال بحال عبد قدم على سيده بعد عهد بعيد وقد اطلع سيده على أحواله، فتلقاه ببشر وترحيب أو تقطيب لما رضي أو سخط من أفعاله، فالمعنى: * (من كان يرجوا) * تلك الحال وأن يلقى فيها الكرامة من الله والبشرى * (فإن أجل الله) * وهو الموت * (لات) * لا محالة، فليبادر بالعمل الصالح، والذي يحقق رجاءه ويقربه إلى الله، وقيل: يرجو: يخاف (1). # * (ومن جهد) * أعداء الدين لإحيائه، وجاهد نفسه التي هي أعدى أعدائه * (فإنما يجهد) * لإجل نفسه، فإن المنفعة عائدة إليها، ف‍ * (إن الله لغنى عن العلمين) * ولا يحتاج إلى طاعتهم، وإنما يأمرهم وينهاهم لمنفعتهم. # * (لنكفرن عنهم سيئاتهم) * التي اقترفوها قبل ذلك، ولنبطلنها حتى يصير كأنهم لم يعملوها * (ولنجزينهم) * بحسناتهم التي كانوا يعملونها. # * (ووصينا الانسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلى مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون (8) والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين (9) ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا ms0898 كنا معكم أوليس الله بأعلم بما في صدور العلمين (10) وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنفقين (11) وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطيهم من شئ إنهم لكذبون (12) وليحملن أثقالهم # PageV02P762 # وأثقالا مع أثقالهم وليسئلن يوم القيمة عما كانوا يفترون (13)) * أي: أمرنا الإنسان بأن يفعل * (بوالديه حسنا) * أو بإيلاء والديه حسنا، أي: # فعلا ذا حسن، يقال: وصيته بأن يفعل شيئا وأمرته به، بمعنى: * (وإن جاهداك) * أبواك * (لتشرك بي ما ليس لك به علم) * ما لا علم لك بإلهيته وحملاك عليه * (فلا تطعهما) * في الشرك، والمراد بنفي العلم نفي المعلوم، كأنه قال: لتشرك بي شيئا لا يصح أن يكون إلها، نبه بذلك سبحانه على أن كل حق وإن عظم ساقط إذا جاء حق الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ثم قال: * (إلى) * مرجع المؤمن والمشرك منكم فأجازيكم على حسب استحقاقكم. * (في الصالحين) * أي: في جملتهم وزمرتهم في الجنة. # * (من يقول آمنا بالله) * أي: يؤمنون بألسنتهم، فإذا أصابهم أذي من الكفار * (في الله) * أي: في ذات الله وبسبب دين الله، رجع عن الدين، وهو المراد بفتنة الناس، يعني: يصرفهم ما مسهم من أذاهم عن الإيمان كما أن عذاب الله يصرف المؤمنين عن الكفر، وإذا * (جاء نصر) * من الله للمؤمنين ودولة لهم على الكافرين قالوا: * (إنا كنا معكم) * أي: متابعين لكم في دينكم فأعطونا نصيبنا من الغنيمة، ثم أخبر سبحانه بأنه: * (أعلم بما في صدور العلمين) * ومن ذلك ما يخفيه صدور هؤلاء من النفاق. ثم وعد المؤمنين وأوعد المنافقين. # أمر الكفار أهل الإيمان باتباع سبيلهم وطريقتهم التي كانوا عليها، وأمروا نفوسهم بحمل خطاياهم، فعطف الأمر على الأمر، وأرادوا: ليجتمع هذان الأمران في الحصول: أن تتبعوا سبيلنا وأن نحمل خطاياكم، والمعنى: تعليق الحمل بالاتباع، والمراد ما كان قريش تقوله لمن آمن منهم: لا بعث ولا نشور، ولو كان ذلك فإنا نتحمل آثامكم. * (وليحملن) * أثقال أنفسهم * (وأثقالا) * أخر * (مع PageV02P763 # أثقالهم) * وهي أثقال الذين كانوا سببا في آثامهم * (وليسئلن) * سؤال ms0899 تقريع وتعنيف * (عما كانوا) * يختلقونه من الأباطيل. # * (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون (14) فأنجيناه وأصحب السفينة وجعلناها آية للعلمين (15) وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذا لكم خير لكم إن كنتم تعلمون (16) إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون (17) وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلغ المبين (18) أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير (19)) * * (الطوفان) * ما أطاف وأحاط بكثرة وغلبة. والضمير في * (وجعلناها) * للسفينة أو للقصة. و " إبراهيم " عطف على " نوح "، و * (إذ قال) * ظرف ل‍ * (أرسلنا) * أي: أرسلناه حين بلغ السن التي صلح فيها لأن يعظ قومه ويعرض عليهم الإيمان، ويأمرهم بالعبادة والتقوى * (إن كنتم تعلمون) * وإن كان فيكم علم بما هو خير لكم مما هو شر لكم، وإن نظرتم بعين البصيرة علمتم أنه * (خير لكم) *. # أي: وتختلقون * (إفكا) * بتسميتكم الأوثان شركاء لله وآلهة أو شفعاء عند الله، وقيل: معناه: وتصنعون أصناما بأيديكم سماها إفكا، ونحتهم لها خلقا للإفك (1) * (لا يملكون) * أن يرزقوكم شيئا من الرزق فاطلبوا * (عند الله الرزق) * كله، فإنه هو الرازق * (إليه ترجعون) * فاستعدوا للقائه بعبادته * (واشكروا له) * على نعمه. # PageV02P764 # * (وإن) * تكذبوني فلا تضروني بتكذيبكم * (فقد كذب‍) * - ت الأمم رسلهم ولم يضروهم بالتكذيب بل ضروا أنفسهم، إذ حل بهم ما حل بسبب ذلك، و * (البلغ المبين) * الذي يزول معه الشك لاقترانه بالمعجزات. # وهذه الآية والآيات التي بعدها إلى قوله: * (فما كان جواب قومه) * يحتمل أن يكون من جملة قول إبراهيم لقومه، وأن تكون آيات وقعت معترضة في شأن نبي الله (صلى الله عليه وآله) وشأن قريش بين أول قصة إبراهيم وآخرها، على معنى: أنكم يا معشر قريش إن تكذبوا محمدا (صلى الله عليه وآله) فقد كذب إبراهيم قومه، وكذبت كل أمة نبيها. # وكذلك الآيات ms0900 التابعة لها لأنها ناطقة بدلائل التوحيد ووصف قدرة الله وإيضاح حججه. # وقرئ: * (أولم يروا) * بالتاء (1) والياء. وقوله: * (ثم يعيده) * إخبار بالإعادة بعد الموت غير معطوف على * (يبدئ) *، ولم تقع الرؤية عليه كما وقع النظر بعده على البدء دون الإنشاء في قوله: * (كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة) *، * (ذلك) * إشارة إلى معنى الإعادة في * (يعيده) *. # * (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شئ قدير (20) يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون (21) وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء وما لكم من دون الله من ولى ولا نصير (22) والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم (23) فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه فأنجاه الله من النار إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (24) وقال إنما اتخذتم من دون # PageV02P765 # الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيمة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار ومالكم من نصرين (25)) * * (النشأة الآخرة) * يدل على أنهما نشأتان، كل واحدة منهما ابتداء وإخراج من العدم إلى الوجود، ولا فرق بينهما إلا أن الثانية إنشاء بعد إنشاء مثله، والأولى ليست كذلك. وقرئ: " النشآة " (1) و * (النشأة) * كالرآفة والرأفة. والمعنى: ثم الله الذي أنشأ النشأة الأولى هو الذي ينشئ النشأة الآخرة، وللتنبيه على هذا المعنى أظهر اسمه ولم يقل: ثم ينشئ. * (يعذب من يشاء) * تعذيبه * (ويرحم من يشاء) * رحمته * (وإليه) * تردون وترجعون. # * (وما أنتم بمعجزين) * ربكم، أي: لا تفوتونه إن هربتم من حكمه في الأرض العريضة البسيطة ولا في السماء التي هي أفسح منها لو كنتم فيها، أو: لا تعجزون أمره الجاري * (في السماء) * والأرض أن يجري عليكم فيصيبكم ببلاء يظهر من الأرض أو ينزل من السماء. # عن قتادة: أن الله ذم قوما هانوا عليه فقال: * (أولئك يئسوا من رحمتي) * وقال: * (لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون) * فينبغي للمؤمن أن لا ييأس من روح ms0901 الله ولا من رحمته ولا يأمن عقابه، وصفة المؤمن أن يكون راجيا لله خائفا (2). # * (مودة بينكم) * قرئت منصوبة بغير إضافة وبإضافة، ومرفوعة كذلك (3). # PageV02P766 # والنصب على وجهين: على التعليل، أي: لتتوادوا بينكم وتتواصلوا لاتفاقكم على عبادتها كما يتفق الناس على مذهب واحد فيكون ذلك سبب توادهم، وعلى أن يكون مفعولا ثانيا، أي: اتخذتم الأوثان سبب المودة بينكم، على تقدير حذف المضاف، أو: اتخذتموها مودة يعني: مودودة بينكم كقوله: * (يحبونهم كحب الله) * (1). والرفع على وجهين أيضا: أن يكون خبرا ل‍ " إن " على أن تكون " ما " موصولة، وأن يكون خبر مبتدأ محذوف، والمعنى: أن الأوثان مودة بينكم، أي: # سبب مودة أو مودودة، يعني: إنما تتوادون عليها أو تودونها * (في الحياة الدنيا ثم يوم القيمة) * تتباغضون وتتلاعنون، تتبرأ القادة من الأتباع * (ويلعن) * الأتباع القادة. # * (فامن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربى إنه هو العزيز الحكيم (26) ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين (27) ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العلمين (28) أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصدقين (29) قال رب انصرني على القوم المفسدين (30)) * * (لوط) * أول من صدق بإبراهيم، وهو ابن أخته * (وقال) * إبراهيم * (إني مهاجر) * من كوثى - وهو من سواد الكوفة - إلى حران من أرض الشام، ثم منها إلى فلسطين، وكان معه في هجرته لوط وامرأته سارة وهاجر * (إلى ربى) * حيث أمرني ربي بالهجرة إليه * (إنه هو العزيز) * الذي يمنعني من أعدائي * (الحكيم) * # PageV02P767 # الذي لا يأمرني إلا بما فيه مصلحتي. و * (أجره في الدنيا) * هو الذكر الحسن، والصلاة عليه إلى آخر الدهر، والذرية الطيبة، وأن أهل الملل كلهم يتولونه. # * (ولوطا) * عطف على * (إبراهيم) * أو على ما عطف عليه، و * (الفاحشة) * مفسرة بقوله: * (أئنكم لتأتون الرجال) *. وقرئ: " إنكم " بغير الاستفهام في الأول دون الثاني، وقطع * (السبيل) * عمل قطاع الطريق من قتل ms0902 الأنفس وأخذ الأموال، وقيل: هو قطعهم الناس عن الأسفار بإتيان هذه الفاحشة بالمجتازين في ديارهم (1)، وعن الحسن: هو قطع النسل باختيار الرجال على النساء (2)، و * (المنكر) * هو الحذف بالحصا، فأيهم أصابه ينكحونه، والصفع وضرب المعازف والقمار والسباب والفحش في المزاح، وقيل: كانوا يتحابقون (3)، وقيل: المجاهرة في ناديهم بذلك العمل وكل معصية، فإظهارها أقبح من سرها (4). # وفي الحديث: " من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له " (5). # والنادي: مجتمع القوم، فإذا تفرقوا عنه لا يكون ناديا * (إن كنت من الصدقين) * فيما وعدتنا من نزول العذاب. # * (انصرني على القوم المفسدين) * الذين يفسدون الناس بحملهم على ما كانوا عليه من الفاحشة طوعا وكرها، وبابتداعهم إياها، وبأن سنوها لمن بعدهم. # * (ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين (31) قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم # PageV02P768 # بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين (32) ولما أن جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين (33) إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون (34) ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون (35) وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يقوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر ولا تعثوا في الأرض مفسدين (36) فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (37) وعادا وثمودا وقد تبين لكم من مسكنهم وزين لهم الشيطان أعملهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين (38)) * * (مهلكوا أهل هذه القرية) * إضافة تخفيف لا إضافة تعريف، ومعناه الاستقبال، و * (القرية) * هي سدوم التي قيل فيها: " أجور من قاضي سدوم " * (كانوا ظالمين) * استمر بهم فعل الظلم في الأيام السالفة وأصروا عليه. # وقرئ: * (لننجينه) * و * (منجوك) * بالتشديد والتخفيف (1). * (ضاق بهم ذرعا) * أي: ضاق بشأنهم وتدبيرهم ذرعه أي: طاقته، جعلوا ضيق الذراع والذرع عبارة عن فقد الطاقة، كما قالوا: رحب الذراع إذا كان مطيقا. # والرجز والرجس: العذاب، من قولهم: إرتجز وارتجس: إذا اضطرب لما يلحق المعذب من القلق والاضطراب. والآية البينة: آثار منازلهم المخربة، ms0903 وقيل: # الماء الأسود على وجه الأرض (2) * (لقوم) * يتعلق ب‍ * (تركنا) * أو ب‍ * (بينة) *. # PageV02P769 # * (وارجوا اليوم الآخر) * افعلوا ما ترجون منه العاقبة، فأقيم المسبب مقام السبب، أي: وارجوا ثواب اليوم الآخر بفعل الإيمان والطاعات، وقيل: هو من الرجاء بمعنى الخوف (1). * (الرجفة) * الزلزلة الشديدة، وقيل: هي صيحة جبرائيل (2)، لأن القلوب رجفت لها * (في دارهم) * في بلدهم وأرضهم، واكتفي بالواحد والمراد: في ديارهم لأنه لا يلتبس * (جاثمين) * باركين على الركب ميتين. # * (و) * أهلكنا * (عادا وثمودا) * ويدل عليه قوله: * (فأخذتهم الرجفة) * لأنه في معنى الإهلاك * (وقد تبين لكم) * يعني: ما وصفه من إهلاكهم من جهة * (مسكنهم) * إذا نظرتم إليها عند مروركم بها * (وكانوا مستبصرين) * عقلاء متمكنين من النظر ولم يفعلوا، أو: كانوا متباينين أن العذاب نازل بهم. # * (وقرون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سبقين (39) فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (40) مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون (41) إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شئ وهو العزيز الحكيم (42) وتلك الأمثل نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون (43) خلق الله السماوات والأرض بالحق إن في ذلك لآية للمؤمنين (44)) * * (ما كانوا سابقين) * أي: فائتين الله، أدركهم أمر الله فلم يفوتوه. " الحاصب " # PageV02P770 # لقوم لوط، وهي ريح عاصف فيها حصباء، وقيل: ملك كان يرميهم (1)، و " الصيحة " لمدين وثمود، و " الخسف " لقارون، و " الغرق " لقوم نوح وفرعون. # شبه سبحانه ما اتخذوه متكلا في دينهم ومعولا عليه بما هو مثل في الضعف والوهن، وهو نسج * (العنكبوت) *، والولي: المتولي للنصرة، وهو أبلغ من الناصر * (لو كانوا يعلمون) * أن هذا مثلهم، وأن أمر دينهم بلغ هذه الغاية في الضعف، أو: إذا صح هذا التشبيه فقد تبين أن دينهم أوهن الأديان لو كانوا يعلمون. # وقرئ: * (يدعون) * بالتاء (2) والياء وهذا أوكد مما تقدمه إذ ms0904 لم يجعل ما يدعونه شيئا * (وهو العزيز الحكيم) * فيه تجهيل لهم حيث عبدوا ما ليس بشئ، وتركوا عبادة القادر الحكيم. * (وما يعقلها إلا العالمون) * أي: لا يعقل صحة ضرب المثل بالعنكبوت والذباب وفائدته إلا العلماء بالله، فإن الأمثال والتشبهات هي الطرق إلى المعاني المحتجبة في الأستار، تكشف عنها وتصورها للأفهام، كما صور هذا التشبيه الفرق بين حال المشرك وحال الموحد. # وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه تلا هذه الآية فقال: " العالم الذي عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه " (3). # * (بالحق) * أي: بالغرض الصحيح الذي هو حق، وهو أن يكونا (4) مساكن عباده، وعبرة للمعتبرين، ودلالة للموحدين على وحدانيته وكمال قدرته. # * (أتل ما أوحى إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى # PageV02P771 # عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون (45) ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم وا حد ونحن له مسلمون (46) وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون (47) وما كنت تتلوا من قبله من كتب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون (48) بل هو آيات بينت في صدور الذين أوتوا العلم وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون (49)) * الصلاة لطف للمكلف في ترك المعاصي، فكأنها ناهية عنها. وعن النبي (صلى الله عليه وآله): # " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم تزده من الله إلا بعدا " (1). # * (ولذكر الله أكبر) * والصلاة أكبر من غيرها من الطاعات، وسماها بذكر الله كما قال: * (فاسعوا إلى ذكر الله) * (2) فكأنه قال: الصلاة أكبر لأنها ذكر الله. # وعن ابن عباس: ولذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته (3) * (والله يعلم ما تصنعون) * من الخير والطاعة فيثيبكم (4) عليه. # * (ولا تجادلوا) * اليهود والنصارى * (إلا) * بالخصلة التي * (هي أحسن) * وهي مقابلة الخشونة باللين كقوله: * (ادفع بالتي هي أحسن) * (5)، وفي هذا دلالة على أن الدعاء إلى الله تعالى يجب أن يكون على أحسن ms0905 الوجوه وألطفها * (إلا الذين ظلموا منهم) * فأفرطوا في الاعتداء والعناد، ولم ينجح فيهم الرفق # PageV02P772 # واللطف * (وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم) * هو من جملة المجادلة التي هي أحسن. # ومثل ذلك الإنزال * (أنزلنا إليك الكتاب) * أي: أنزلناه مصدقا لسائر الكتب السماوية * (فالذين آتيناهم الكتاب) * هم عبد الله بن سلام وأضرابه * (ومن هؤلاء) * أي: ومن أهل مكة، وقيل: أراد بالذين آتيناهم الكتاب من تقدم عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) منهم * (ومن هؤلاء) * من في عهده منهم (1) * (وما يجحد بآياتنا) * مع ظهورها * (إلا) * المصممون على الكفر. # وما كنت تقرأ من قبل القرآن كتابا، وكنت أميا لم تعرف بخط قط، إذ لو كان شئ من ذلك أي: من التلاوة والخط * (لارتاب المبطلون) * من أهل الكتاب وقالوا: الذي نجده في كتبنا: أمي لا يكتب ولا يقرأ وليس هو به، أو: لارتاب مشركو مكة وقالوا: لعله تعلمه أو خطه بيده، بل القرآن * (آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم) * وهم النبي والأئمة والعلماء الذين حفظوه ووعوه، ورسخ معناه في قلوبهم. وهذان من خصائص القرآن: كون آياته بينات الإعجاز، وكونه محفوظا في الصدور يتلوه حملته ظاهرا بخلاف سائر الكتب الإلهية فإنها لم تكن معجزات، وما كانت تقرأ إلا من المصاحف * (وما يجحد) * بالآيات الواضحات * (إلا) * المكابرون المتوغلون في الظلم. # * (وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين (50) أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون (51) قل كفي بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض والذين آمنوا بالبطل # PageV02P773 # وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون (52) ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون (53) يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين (54) يوم يغشهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون (55)) * وقرئ (1): * (آيات) * أي: هلا أنزل عليه مثل ناقة صالح ومائدة عيسى ونحو ذلك * (إنما الآيات عند الله) * ينزل أيتها شاء، ولو شاء أن ينزل ms0906 ما يقترحونه لأنزل * (وإنما أنا) * منذر أنذر بما أعطيت من الآيات، وليس لي اختيار الآيات على الله عز اسمه، ومع علمي بأن الغرض من الآية ثبوت الدلالة، والآيات كلها في حكم آية واحدة في ذلك. # * (أولم يكفهم أنا أنزلنا) * القرآن عليك وهو المعجزة الواضحة، والآية المغنية عن سائر الآيات، يدوم تلاوته عليهم في كل مكان وزمان، فلا يزال معهم آية ثابتة إلى آخر الدهر * (إن في ذلك) * لنعمة عظيمة وتذكرة * (لقوم يؤمنون) *. # * (قل كفي بالله بيني وبينكم شهيدا) * لي بأن قد أبلغت الرسالة، وعليكم بأن كذبتم وعاندتم * (يعلم ما في السماوات والأرض) * فهو مطلع على أمري وأمركم، عالم بحقي وباطلكم * (والذين آمنوا بالباطل) * منكم وهو ما يعبدون من دون الله * (أولئك هم الخاسرون) * المغبونون في صفقتهم حيث اشتروا الكفر بالإيمان. # " استعجالهم العذاب ": استهزاء منهم وتكذيب، ومنه قول النضر بن الحارث: # " أمطر علينا حجارة من السماء " * (ولولا أجل مسمى) * قد سماه الله، ووقت قدره الله أوجبت الحكمة تأخيره إلى ذلك الوقت * (لجاءهم العذاب) * وهو وقت فنائهم بآجالهم، وقيل: المراد بالأجل: الآخرة (2)، لأن الله سبحانه وعد رسوله (عليه السلام) أن # PageV02P774 # لا يعذب أمته ولا يستأصلهم، وأن يؤخر عذابهم إلى يوم القيامة. # * (وإن جهنم لمحيطة) * بهم لأنها مصيرهم لا محالة، فكأنها أحاطت بهم، أو: # ستحيط بهم * (يوم يغشهم العذاب) *، وعلى الأول ينتصب * (يوم يغشهم) * بمضمر، و * (من فوقهم ومن تحت أرجلهم) * كقوله: * (لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش) * (1)، * (لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل) * (2)، وقرئ: * (ويقول) * بالياء والنون (3)، أي: ذوقوا جزاء أعمالكم. # * (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضى واسعة فإياي فاعبدون (56) كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون (57) والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العملين (58) الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (59) وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم (60) ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون (61) الله يبسط الرزق لمن ms0907 يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شئ عليم (62)) * معناه: إذا لم يتسهل لكم العبادة، ولم تتمش أمور دينكم في بلد أنتم فيه فاخرجوا منه إلى بلد آخر. وعن الصادق (عليه السلام): " إذا عصي الله في أرض أنت بها فاخرج منها إلى غيرها ". # وعن النبي (صلى الله عليه وآله): " من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض استوجب الجنة، وكان رفيق إبراهيم ومحمد (عليهما السلام) " (4). # PageV02P775 # * (فإياي فاعبدون) * هو في المتكلم مثل: " إياه ضربته " في الغائب، و " إياك ضربتك " في المخاطب، والتقدير: فإياي فاعبدوني. والفاء جواب شرط محذوف، لأن المعنى: إن أرضي واسعة فإن لم تخلصوا العبادة لي في أرض فأخلصوها لي في غيرها، ثم حذف الشرط وعوض من حذفه تقديم المفعول مع إفادة تقديمه معنى الاختصاص والإخلاص. # ولما أمر عباده بالحرص على العبادة والإخلاص فيها حتى يطلبوا لها أوفق البلاد عقبه بقوله: * (كل نفس ذائقة الموت) * أي: واجد مرارته بأي أرض كان. # * (لنبوئنهم) * لننزلنهم * (من الجنة غرفا) * أي: علالي عاليات، وقرئ: # " لنثوينهم " (1) من الثواء، يقال: ثوى في المنزل وأثوى غيره، والوجه في تعديته إلى الغرف أن يكون الأصل " لنثوينهم في غرف " وحذف الجار، أو أجري مجرى " لننزلنهم "، أو شبه الظرف المؤقت بالمبهم. * (الذين صبروا) * على مفارقة الأوطان لأجل الدين، وعلى المحن والشدائد، وعلى الطاعات، وعن المعاصي، ولم يتوكلوا إلا على ربهم. # ولما أمروا بالهجرة من مكة خافوا الفقر والضيعة وقالوا: كيف نخرج إلى بلدة ليس لنا فيها معيشة؟ فقيل: * (وكأين من دابة) * والدابة: كل نفس دبت على وجه الأرض، عقلت أو لم تعقل * (لا تحمل رزقها) * لا تستطيع أن تحمله لضعفها * (الله يرزقها وإياكم) * أي: لا يرزق تلك الدواب إلا الله، ولا يرزقكم أيضا إلا هو، وإن كنتم تطيقون حمل أرزاقكم وكسبها فلا تتركوا الهجرة بسبب الاهتمام للرزق * (وهو السميع) * لقولكم: نخشى الفقر * (العليم) * بضمائركم. # * (ولئن) * سألت هؤلاء المشركين من أهل مكة * (من خلق السماوات # PageV02P776 # والأرض) *؟ لأقروا بأنه خالقهما ومسخر الشمس والقمر ومسيرهما * (فأنى يؤفكون) ms0908 * أي: فكيف تصرفون عن توحيد الله؟ # وقدر الرزق وقتره: ضيقه، أي: ويقدر لمن يشاء، فوضع الضمير موضع " من يشاء ". # * (ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون (63) وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهى الحيوان لو كانوا يعلمون (64) فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون (65) ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون (66) أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون (67) ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين (68) والذين جهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين (69)) * * (قل الحمد لله) * على ما وفق من توحيده، ونفي الأنداد عنه * (بل أكثرهم لا يعقلون) * ما يقولون وما فيه من الدلالة على بطلان الشرك وصحة التوحيد. # * (هذه) * فيها ازدراء لأمر الدنيا وتحقير لها، أي: ما هي بسرعة زوالها عن أهلها إلا كما يلعب الصبيان ساعة ثم يتفرقون * (وإن... الآخرة لهى الحيوان) * أي: # ليس فيها إلا حياة دائمة لا موت فيها ولا تنغيص، فكأنها في ذاتها حياة، والحيوان: مصدر " حيي "، وأصله " حييان " فقلبت الثانية واوا، وبه سمي ما فيه حياة حيوانا * (لو كانوا يعلمون) * لم يؤثروا عليها الحياة الفانية. PageV02P777 # واتصل قوله: * (فإذا ركبوا) * بمحذوف دل عليه ما شرحه من أمرهم، والمعنى: # أنهم على ما وصفوا به من الشرك والعناد فإذا ركبوا في الفلك * (دعوا الله) * كائنين في صورة من يخلص الدين لله من المؤمنين، حيث لا يذكرون إلا الله، ولا يدعون معه إلها آخر * (فلما نجاهم إلى البر) * وأمنوا عادوا إلى حالهم الأولى من الإشراك معه في العبادة. # * (ليكفروا... وليتمتعوا) * قرئ بكسر اللامين، فيحتمل أن يكون لام كي، بمعنى: أنهم يعودون إلى شركهم ليكونوا بالعود كافرين بنعمة الله قاصدين التمتع بها والتلذذ لا غير، وأن يكون لام الأمر على معنى التهديد والتوعيد، ms0909 وقراءة من قرأ: " وليتمتعوا " بالسكون (1) تشهد له، ونحوه قوله سبحانه: * (اعملوا ما شئتم) * (2). # ثم ذكرهم الله سبحانه النعمة عليهم في كونهم آمنين من القتل والغارة، والعرب حول مكة يغزو بعضهم بعضا، ويتغاورون مع قلتهم وكثرة العرب، ووبخهم بأنهم يؤمنون بالباطل الذي هم عليه، وهذه النعمة الظاهرة إلى غيرها من نعم الله مكفورة عندهم. # * (أليس في جهنم) * كقول الشاعر: # ألستم خير من ركب المطايا * وأندى العالمين بطون راح (3) والهمزة همزة الإنكار دخلت على النفي فرجع إلى معنى التقرير، وفيها وجهان: أحدهما: ألا يثوون في جهنم، ولا يستحقون الثواء فيها وقد افتروا مثل هذا الكذب على الله في ادعائهم له شريكا، وكذبوا بالحق هذا التكذيب؟ والثاني: # PageV02P778 # ألم يصح عندهم أن في جهنم مثواهم حتى اجترأوا مثل هذه الجرأة؟ # * (والذين جهدوا) * ما يجب مجاهدته من النفس الأمارة بالسوء، والشيطان وأعداء الدين * (فينا) * أي: في حقنا، ولوجهنا، ومن أجلنا * (لنهدينهم سبلنا) * لنزيدنهم هداية إلى السبيل الموصلة إلى ثوابنا، وتوفيقا لازدياد الطاعات الموجبة لرضائنا، كقوله: * (والذين اهتدوا زادهم هدى) * (1) وقيل: والذين جاهدوا فيما علموا لنهدينهم إلى ما لم يعلموا (2). # PageV02P779 # 978 تفسير جوامع الجامع للمفسر الكبير والمحقق النحرير الشيخ أبي علي الفضل بن حسن الطبرسي قدس سره المتوفي من أعلام القرن السادس الهجري الجزء الثالث تحقيق مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة PageV03P001 # شابك 5 - 158 - 470 - 964 - - - - - - - - - - - - - - ISBN 964 - 470 - 158 - 5 جوامع الجامع (ج 3) تأليف: المفسر الكبير الشيخ الفضل بن حسن الطبرسي قدس سره تحقيق و نشر: مؤسسة النشر الإسلامي الموضوع: تفسير عدد الأجزاء: 3 أجزاء الطبعة: الأولى المطبوع: 2000 نسخة التاريخ: 1421 ه‍. # مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة PageV03P002 # سورة الروم مكية (1) إلا آية منها، وهي قوله: (فسبحان الله حين تمسون) (2) وهي ستون آية، (ألم) كوفي، (بضع سنين) غيرهم. # في حديث أبي: " من قرأها كان له من الأجر عشر حسنات بعدد كل ملك سبح الله بين السماء والأرض، وأدرك ما ضيع في يومه وليلته " (3). # بسم الله الرحمن الرحيم (ألم (1) غلبت ms0910 الروم (2) في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم # PageV03P003 # سيغلبون (3) في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون (4) بنصر الله ينصر من يشآء وهو العزيز الرحيم (5) وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون (6) يعلمون ظهرا من الحيواة الدنيا وهم عن الآخرة هم غفلون (7) أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهمآ إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقآى ربهم لكفرون (8)) (الأرض) أرض العرب، لأن المعهودة عند العرب أرضهم، والمعنى: (غلبت الروم في أدنى) أرض العرب منهم، وهي أطراف أرض الشام، وقيل: هي أرض الجزيرة، وهي أدنى أرض الروم إلى فارس (1). # والبضع: ما بين الثلاث إلى العشر، قيل: احتربت الروم وفارس بين أذرعات وبصرى، فغلبت فارس الروم، فبلغ الخبر مكة، فشق على رسول الله (صلى الله عليه وآله) والمسلمين، لأن فارس مجوس والروم أهل كتاب، وفرح المشركون وقالوا: أنتم والنصارى أهل كتاب، ونحن وفارس لا كتاب لنا، وقد ظهر إخواننا على إخوانكم، ولنظهرن نحن عليكم، فنزلت: (وهم من بعد غلبهم سيغلبون) يعني: أن الروم من بعد غلبة فارس إياهم سيغلبونهم (في بضع سنين) (2). وهذه من الآيات الشاهدة على صحة نبوة نبينا (صلى الله عليه وآله)، وأن القرآن من عند الله سبحانه؛ لأنه أنبأ بما سيكون وهو الغيب الذي لا يعلمه إلا الله عز وجل. # وعن أبي سعيد الخدري قال: التقينا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومشركي العرب، والتقت الروم وفارس، فنصرنا الله على مشركي العرب ونصر الله الروم على # PageV03P004 # المجوس ففرحنا (بنصر الله) إيانا على المشركين، ونصر أهل الكتاب على المجوس، فذلك قوله: (ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله) وهو يوم بدر (1). # (من قبل ومن بعد) أي: في أول الوقتين وآخرهما، حين غلبوا وحين يغلبون، يعني: أن كونهم مغلوبين أولا وغالبين آخرا، ليس إلا بأمر الله وقضائه (ويومئذ) ويوم يغلب الروم فارس (يفرح المؤمنون) بنصر الله، وتغليبه من له كتاب على من لا كتاب له، وقيل: نصر الله ms0911 أنه ولى بعض الظالمين بعضا وفرق بين كلمتهم، وفي ذلك قوة للإسلام (2). (وعد الله) مصدر مؤكد، كقولك: له علي ألف درهم اعترافا؛ لأن معناه: اعترفت لك بها اعترافا، ووعد الله ذلك وعدا لأن الكلام المتقدم في معنى " وعدتم ". # ثم ذمهم الله تعالى بأنهم بصراء بأمور الدنيا، يعلمون منافعها ومضارها، غافلون عن أمور الدين، وعن الحسن: بلغ من علم أحدهم بدنياه أنه يقلب الدرهم على ظفره فيخبرك بوزنه، وما يحسن أن يصلي (3). # وقوله: (يعلمون) بدل من (لا يعلمون)، وفي هذا الإبدال إيذان بأن عدم العلم الذي هو الجهل، ووجود العلم الذي لا يتجاوز الدنيا، مستويان في أنفسهم. # يحتمل أن يكون ظرفا، فيكون المعنى: أولم يحدثوا التفكر في قلوبهم الفارغة من الفكر؟ والتفكر لا يكون إلا في القلوب ولكنه زيادة تصوير لحال المتفكرين، كما يقال: اعتقد في قلبه، أي: أولم يتفكروا فيقولوا هذا القول أو فيعلموا ذلك؟ # ويحتمل أن يكون صلة للتفكر، فيكون المعنى: أولم يتفكروا في أنفسهم التي هي # PageV03P005 # أقرب إليهم من غيرها من المخلوقات فيتدبروا ما أودعها الله من غرائب الحكم الدالة على التدبير دون الإهمال؟ # وقوله: (إلا بالحق وأجل مسمى) أي: ما خلقها باطلا وعبثا بغير غرض صحيح، وإنما خلقها مقرونة بالحق مصحوبة بالحكمة وبتقدير أجل مسمى لابد أن ينتهي إليه، وهو قيام الساعة ووقت الجزاء والحساب، والمراد بلقاء ربهم: الأجل المسمى، والباء في (بالحق) مثلها في قولك: اشتريت الفرس بسرجه ولجامه. # (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروهآ أكثر مما عمروها وجآءتهم رسلهم بالبينت فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (9) ثم كان عقبة الذين أسوا السوأى أن كذبوا بايت الله وكانوا بها يستهزءون (10) الله يبدؤا الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون (11) ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون (12) ولم يكن لهم من شركآئهم شفعؤا وكانوا بشركآئهم كفرين (13) ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون (14) فأما الذين ءامنوا وعملوا الصلحت فهم في روضة يحبرون (15) وأما الذين كفروا وكذبوا بايتنا ولقآى ms0912 الآخرة فأولئك في العذاب محضرون (16)) هذا تقرير لسيرهم في البلاد ونظرهم إلى آثار المهلكين من الأمم الخالية بتكذيبهم الرسل، ثم وصف أحوالهم وأنهم (كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الارض) أي: حرثوا الأرض، وسمي الثور لإثارته الأرض، والبقرة لبقرها، وهو الشق (وعمروهآ أكثر مما) عمر هؤلاء (فما كان الله ليظلمهم) بتدميره إياهم، لأن حاله منافية للظلم ولكنهم ظلموا أنفسهم بفعلهم ما أوجب تدميرهم. PageV03P006 # وقرئ: (عقبة) بالنصب والرفع (1)، و (السوأى) تأنيث " الأسوء "، وهو الأقبح، كما أن " الحسنى " تأنيث " الأحسن "، والمعنى: أنهم عوقبوا في الدنيا بالدمار ثم كانت عاقبتهم السوأى، إلا أنه وضع المظهر موضع المضمر، فمن نصب (عقبة) جعلها الخبر، والسوأى: هي العقوبة التي هي أسوأ العقوبات في القيامة وهي جهنم، و (أن كذبوا) بمعنى " لأن كذبوا ". # (ثم إليه) أي: إلى ثوابه أو عقابه (ترجعون) وقرئ بالتاء والياء (2). # والإبلاس: أن يبقى يائسا ساكنا متحيرا، و " شركاؤهم " الذين عبدوهم من دون الله (وكانوا بشركآئهم كفرين) يكفرون بإلهيتهم ويجحدونها. والضمير في (تفرقون) للمسلمين والكافرين، يدل على ذلك ما بعده، يتفرقون فرقة لا اجتماع لها. (في روضة) في بستان وهي الجنة، ونكرت للتفخيم والإبهام، أي: # في روضة وأي روضة، والروضة عند العرب: كل أرض ذات نبات وماء، وفي المثل " أحسن من بيضة في روضة " (يحبرون) يسرون، وقيل: هو السماع في الجنة (3). (محضرون) لا يغيبون عنه ولا يخفف عنهم. # (فسبحن الله حين تمسون وحين تصبحون (17) وله الحمد في السموات والارض وعشيا وحين تظهرون (18) يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحي ويحي الارض بعد موتها وكذا لك تخرجون (19) ومن ءايته أن خلقكم من تراب ثم إذآ أنتم بشر تنتشرون (20) ومن ءايته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا # PageV03P007 # إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذا لك لآيت لقوم يتفكرون (٢١) ومن ءايته خلق السموات والارض واختلف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لايت للعلمين (٢٢) ومن ءايته منامكم باليل والنهار وابتغآؤكم من فضله إن في ذلك لايت لقوم يسمعون (٢٣) ومن ءايته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السمآء ms0913 مآء فيحيي به الارض بعد موتهآ إن في ذا لك لايت لقوم يعقلون (٢٤) ومن ءايته أن تقوم السمآء والارض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الارض إذآ أنتم تخرجون (٢٥)) ثم عقب سبحانه ذكر الوعد والوعيد بما يوصل إلى الوعد وينجي من الوعيد، والمراد بالتسبيح: ظاهره الذي هو تنزيه الله جل اسمه من السوء وذكره في هذه الأوقات، وقيل: هو الصلاة (١). وقيل لابن عباس: هل تجد الصلوات الخمس في القرآن؟ قال: نعم، وتلا هذه الآية: (تمسون) صلاة المغرب والعشاء و (تصبحون) صلاة الصبح (وعشيا) صلاة العصر (وحين تظهرون) صلاة الظهر (٢). # وعن النبي (صلى الله عليه وآله): " من سره أن يكال له بالقفيز الأوفى فليقل: (فسبحن الله حين تمسون) إلى قوله: (وكذا لك تخرجون) ومثل ذلك الإخراج تخرجون من القبور وتبعثون " (٣). # (خلقكم) أي: خلق أصلكم من تراب، و (إذا) للمفاجأة، والتقدير: ثم فاجأتم وقت كونكم بشرا منتشرين في الأرض، كقوله: ﴿وبث منهما رجالا كثيرا ونساء﴾ (4). (من أنفسكم) أي: من شكل أنفسكم وجنسها لا من جنس آخر # PageV03P008 # (أزواجا) لتطمئنوا إليها وتألفوا بها، وذلك لما بين الاثنين من جنس واحد من الإلف والسكون، وما بين الجنسين المختلفين من التنافر (وجعل بينكم مودة ورحمة) أي: توادا وتراحما بعد أن لم يكن بينكم معرفة ولا سبب يوجب التحاب والتعاطف من القرابة والرحم. والألسنة: اللغات أو أجناس المنطق وأشكاله. خالف سبحانه بين هذه الأشياء حتى لا يكاد يسمع بين منطقين متفقين في شيء من صفات النطق وأحواله، وكذلك الصور وتخطيطها (١) والألوان وتنويعها، ولهذا الاختلاف وقع التعارف، ولو اتفقت وتشاكلت لوقع الالتباس، و (في ذا لك) آية بينة في حكمة الصانع وكمال قدرته، وقرئ: (للعلمين) بفتح اللام وكسرها (٢)، ويشهد للكسر قوله: ﴿وما يعقلها إلا العلمون﴾ (3). # (منامكم باليل والنهار) هو من باب اللف وترتيبه (ومن ءايته منامكم، وابتغآؤكم من فضله) بالليل والنهار، إلا أنه فصل بين القرينين الأولين بالقرينين الآخرين لأنهما زمانان، والزمان والواقع فيه كشيء واحد، من إعانة اللف على الاتحاد، ويجوز أن يكون المراد: منامكم في الزمانين ms0914 وابتغاؤكم من فضله فيهما، والأول أظهر لتكرره في القرآن. # وفي (يريكم) وجهان: أحدهما: إضمار، والآخر: إنزال الفعل منزلة المصدر وفسر المثل: " تسمع بالمعيدي خير من أن تراه " على الوجهين (خوفا) من الصاعقة أو من الإخلاف (وطمعا) في الغيث، وقيل: خوفا للمسافر وطمعا # PageV03P009 # للحاضر (1)، وهما منصوبان على المفعول له، وكأ نه قيل: يجعلكم رائين البرق خوفا وطمعا، أو تقديره: إرادة خوف وإرادة طمع، فحذف المضاف، ويجوز أن يكونا حالين أي: خائفين وطامعين. # (ومن ءايته) قيام السماوات والأرض واستمساكهما بغير عمد (بأمره) أي: بقوله: كونا قائمين، والمراد بإقامته لهما: إرادته لكونهما على صفة القيام دون الزوال، وقوله: (إذا دعاكم) بمنزلة (يريكم) في أن الجملة وقعت موقع المفرد على المعنى، كأنه قال: ومن آياته قيام السماوات والأرض (ثم) خروج الموتى من القبور إذا دعاهم (دعوة) واحدة: يا أهل القبور أخرجوا، والمراد: سرعة وجود ذلك من غير تلبث كما يجيب المدعو داعيه المطاع، وتقول: دعوت زيدا من أعلى الجبل فنزل علي، ودعوته من أسفل الجبل فطلع إلي، و (إذا) الأولى للشرط، والثانية للمفاجأة. # (وله من في السموات والارض كل له قنتون (26) وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الاعلى في السموات والارض وهو العزيز الحكيم (27) ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمنكم من شركآء في ما رزقنكم فأنتم فيه سوآء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذا لك نفصل الايت لقوم يعقلون (28) بل اتبع الذين ظلموا أهوآءهم بغير علم فمن يهدى من أضل الله وما لهم من نصرين (29)) (قنتون) أي: مطيعون منقادون لوجود أفعاله فيهم. (وهو أهون عليه) كما يجب عندكم أن من أعاد منكم صنعة شيء كان أهون عليه وأسهل من إنشائها، # PageV03P010 # وتسمون الماهر في صناعته معاودا، بمعنى: أنه عاودها كرة بعد أخرى حتى مرن عليها، وذكر الضمير لأن المراد: وأن يعيده أهون عليه، وقيل: الأهون بمعنى الهين (1)، كقول الشاعر: # لعمرك ما أدري وإني لاوجل (2) أي: لوجل (وله المثل الأعلى) أي: الوصف الأعلى الذي ليس لغيره مثله، قد ms0915 وصف به (في السموات والارض) وهو أنه القادر الذي لا يعجز عن شيء من إنشاء وإعادة (وهو العزيز) القاهر (الحكيم) المحكم لأفعاله. وعن قتادة: # المثل الأعلى قول: " لا إله إلا الله " وهو الوصف بالوحدانية (3). # (ضرب لكم مثلا من أنفسكم) أي: أخذ لكم مثلا وانتزعه من أقرب شيء منكم وهو أنفسكم، ف‍ " من " هنا لابتداء الغاية (هل لكم مما ملكت أيمنكم من شركآء) أي: هل ترضون لأنفسكم وعبيدكم أمثالكم بشر كبشر وعبيد كعبيد أن يشاركوكم فيما (رزقنكم) من الأموال تكونون أنتم وهم فيه على السواء من غير تفرقة بينكم وبينهم، تهابون أن تستبدوا بالتصرف دونهم كما يهاب بعضكم بعضا من الأحرار، فإذا لم ترضوا بذلك لأنفسكم فكيف ترضون لرب الأرباب ومالك الرقاب من العبيد والأحرار أن تجعلوا بعض عبيده له شركاء (كذا لك) يعني: مثل هذا التفصيل (نفصل الآيت) أي: نبينها، لأن التمثيل مما يوضح المعاني الخفية، ويكون كالتشكيل والتصوير لها. (بل اتبع الذين ظلموا) أي: # PageV03P011 # أشركوا، لقوله: ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ (1)، (أهوآءهم بغير علم) أي: جاهلين، لأن العالم إذا ركب هواه ربما ردعه علمه، والجاهل يهيم على وجهه كالبهيمة لا يكفه شيء (فمن يهدى من أضل الله) أي: خذله ولم يلطف به لعلمه أنه ممن لا لطف له، أي: فمن يقدر على هداية مثله، ويدل على أن المراد بالإضلال الخذلان قوله: (وما لهم من نصرين). # (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذا لك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (30) منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلواة ولا تكونوا من المشركين (31) من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون (32) وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذآ أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون (33) ليكفروا بمآ ءاتينهم فتمتعوا فسوف تعلمون (34) أم أنزلنا عليهم سلطنا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون (35) وإذآ أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون (36) أولم يروا أن ms0916 الله يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر إن في ذلك لايت لقوم يؤمنون (37)) أي: قوم وجهك للدين وعدله غير ملتفت عنه يمينا وشمالا، وهو تمثيل لثباته على الدين واستقامته عليه واهتمامه بأسبابه، فإن من اهتم بشيء قوم له وجهه، وسدد إليه نظره، وأقبل عليه بكله (حنيفا) حال من المأمور، أو من " الدين " (فطرت الله) أي: الزموا فطرة الله، أو: عليكم فطرة الله. # وقوله: (منيبين إليه) حال من الضمير في " الزموا "، ولذلك أضمر على # PageV03P012 # خطاب الجماعة، وقوله: (واتقوه وأقيموا الصلواة ولا تكونوا) معطوف على هذا المضمر، والفطرة: الخلقة، ألا ترى إلى قوله: (لا تبديل لخلق الله) والمعنى: # أنه خلقهم قابلين للتوحيد ودين الإسلام، غير نائين عنه، ولا منكرين له، حتى لو تركوا لما اختاروا عليه دينا آخر، ومن غوى منهم فبإغواء شياطين الجن والإنس. # ومنه الحديث: " خلقت عبادي حنفاء، فاحتالتهم الشياطين عن دينهم، وأمروهم أن يشركوا بي غيري " (١). # وقوله (عليه السلام): " كل مولود يولد على الفطرة، حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه وينصرانه " (٢). # (لا تبديل لخلق الله) أي: لا ينبغي أن تبدل تلك الفطرة وتغير. وخوطب الرسول (صلى الله عليه وآله) أولا فوحد، ثم جمع ثانيا لأن خطابه (عليه السلام) خطاب لأمته. # (من الذين) بدل من (المشركين)، " فارقوا دينهم " (٣) أي: دين الإسلام وقرئ: (فرقوا) أي: جعلوه أديانا مختلفة لاختلاف أهوائهم (وكانوا شيعا) أي: فرقا، كل واحدة تشايع إمامها الذي أضلها (كل حزب) منهم فرح بمذهبه مسرور، يحسب باطله حقا. ويجوز أن يكون (من الذين) منقطعا عما قبله، والمعنى: من المفارقين دينهم، كل حزب فرحين بما لديهم، لكنه رفع (فرحون) على الوصف ل‍ (كل). # (وإذا مس الناس ضر) أي: مرض أو قحط أو شدة انقطعوا (إلى الله) وأنابوا إليه (ثم إذآ أذاقهم... رحمة) بأن يخلصهم مما أصابهم قابلوا النعمة بالكفران. واللام في (ليكفروا) مجاز، مثلها في ﴿ليكون لهم عدوا وحزنا﴾ (4)، # PageV03P013 # (فتمتعوا) نظير ﴿اعملوا ما شئتم﴾ (1)، (فسوف تعلمون) وبال تمتعكم. # والسلطان: الحجة (فهو يتكلم) مجاز، كما يقال: كتابه ينطق بكذا، ومعناه الدلالة، كأنه قال: ms0917 فهو يشهد بصحة شركهم، و " ما " مصدرية، أي: بكونهم بالله يشركون، ويجوز أن تكون موصولة ويرجع الضمير إليها، ومعناه: فهو يتكلم بالأمر الذي بسببه يشركون. # " وإذا أذقناهم رحمة " أي: نعمة من مطر أو غنى أو صحة (فرحوا بها وإن تصبهم سيئة) أي: بلاء من جدب أو فقر أو مرض بسبب معاصيهم قنطوا من الرحمة، ثم أنكر عليهم بأنهم قد علموا أنه الباسط القابض فما لهم (يقنطون) من رحمته، ولا يرجعون إليه تائبين من المعاصي التي عوقبوا بالشدة من أجلها حتى يعيد إليهم رحمته؟ # (فات ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون (38) ومآ ءاتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله ومآ ءاتيتم من زكوا ة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون (39) الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركآئكم من يفعل من ذا لكم من شىء سبحنه وتعلى عما يشركون (40)) عن أبي سعيد الخدري أنه قال: لما نزلت الآية أعطى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاطمة فدكا وسلمه إليها، وهو المروي عن أئمتنا (عليهم السلام) (2). # ولما ذكر أن السيئة أصابتهم بما قدمت أيديهم أتبعه ذكر ما يجب فعله وذكر ما يجب تركه. وحق ذي القربى: صلة الرحم، وحق المسكين وابن السبيل: # PageV03P014 # نصيبهما الذي سمي لهما (يريدون وجه الله) أي: يقصدون جهة التقرب إليه خالصا لا جهة أخرى. # (ومآ ءاتيتم من ربا) قيل: إنه ربا الحلال، وهو أن تعطي العطية أو تهدي الهدية لتثاب أكثر منها فليس فيه أجر ولا وزر (1)، وهو المروي عن الباقر (عليه السلام)، وقيل: هو مثل (يمحق الله الربوا ويربى الصدقات) أي: ليزيد ويزكو في أموال الناس ولا يزكو (عند الله) ولا يبارك فيه (2). (ومآ ءاتيتم من زكوا ة) تبتغون به (وجه الله) خالصا لا تطلبون مكافأة (فأولئك هم) ذوو الإضعاف من الحسنات، ونظير المضعف المقوي والموسر لذوي القوة واليسار، وقرئ: " ما أتيتم من ربا " وهو يؤول في المعنى إلى قراءة ms0918 من مد (3)، وهو كما يقول: أتيت الخطأ وآتيت الصواب، ولم يختلفوا في (مآ ءاتيتم من زكوا ة) أنه بالمد، وقرئ: # " لتربوا " (4) أي: لتزيدوا في أموالهم، أو: لتصيروا ذوي زيادة فيما آتيتم من أموال الناس أي: تجتلبونها وتستدعونها. # وقوله: (فأولئك هم المضعفون) التفات حسن، كأنه قال: فأولئك الذين يريدون وجه الله بصدقاتهم هم المضعفون، فهو أمدح لهم من أن يقول: فأنتم المضعفون، والضمير الراجع إلى " ما " محذوف، أي: هم المضعفون به. # (الله) مبتدأ، وخبره (الذي خلقكم)، أي: الله هو فاعل هذه الأفعال التي لا يقدر عليها غيره، ثم قال: (هل من شركآئكم) الذين اتخذتموهم آلهة من يفعل # PageV03P015 # شيئا من تلك الأفعال حتى يصح ما ذهبتم إليه؟ ثم نزه نفسه عن أن يشرك معه غيره في العبادة. # (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون (41) قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين (42) فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتى يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون (43) من كفر فعليه كفره ومن عمل صلحا فلأنفسهم يمهدون (44) ليجزى الذين ءامنوا وعملوا الصلحت من فضله إنه لا يحب الكافرين (45)) المراد ب‍ (الفساد في البر والبحر) هو القحط وقلة الريع في المزروعات والبياعات (1)، ومحق البركات من كل شيء (بما كسبت أيدي الناس) يعني: # كفار مكة، يريد: بسبب كفرهم وشؤم معاصيهم. وعن الحسن: أن المراد بالبحر مدن البحر وقراه التي على شاطئه (2). وعن عكرمة: أن العرب تسمي الأمصار البحار (3). ويجوز أن يريد ظهور الشر والمعاصي بكسب الناس ذلك، والأول أوجه (ليذيقهم بعض الذي عملوا) أي: وبال بعض أعمالهم في الدنيا قبل أن يعاقبهم بجميعها في الآخرة (لعلهم يرجعون) عما هم عليه. # ثم أكد سبحانه تسبيب المعاصي لغضب الله ونكاله، حيث أمر بأن يسيروا في الأرض وينظروا كيف أهلك الله الأمم بمعاصيهم وشركهم. # القيم: المستقيم، البليغ الاستقامة الذي لا يتأتى فيه عوج، وتعلق من الله ب‍ (- يأتي) بمعنى: من قبل أن يأتي ms0919 من الله يوم لا يرده أحد، كقوله تعالى: # PageV03P016 # ﴿فلا يستطيعون ردها﴾ (1)، أو: بمرد على معنى: لا يرده هو بعد أن يجيء به، فلا رد له من جهته (يصدعون) يتصدعون أي: يتفرقون فيه: فريق في الجنة وفريق في السعير. (من كفر فعليه) عقوبة (كفره)، (فلأنفسهم يمهدون) أي: # يوطنون لأنفسهم منازلهم كما لنفسه يوطئ من مهد فراشه وسواه كيلا يصيبه في مضجعه ما ينغص عليه مرقده، ويجوز أن يريد: فعلى أنفسهم يشفقون، من قولهم في الشفيق: " أم فرشت فأنامت " (2)، وتقديم الظرفين للدلالة على أن ضرر الكفر ومنفعة الإيمان والصلاح لا يتعديان الكافر والمؤمن. # وقوله: (ليجزى) متعلق ب‍ (يمهدون) لتعليله (من فضله) أي: مما يتفضل عليهم بعد توفية الواجب من الثواب، أو: أراد من عطائه وفواضله وهو الثواب. # وترك الضمير إلى الصريح لتقرير أن الفلاح للمؤمن الصالح عنده، وقوله: (إنه لا يحب الكافرين) تقرير بعد تقرير على الطرد والعكس. # (ومن ءايته أن يرسل الرياح مبشرا ت وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (46) ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجآءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين (47) الله الذي يرسل الريح فتثير سحابا فيبسطه في السمآء كيف يشآء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلله فإذا أصاب به من يشآء من عباده إذا هم يستبشرون (48) وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين (49) فانظر إلى ءاثر رحمت الله كيف يحي الأرض بعد موتهآ إن ذا لك لمحي الموتى وهو على كل شىء قدير (50) ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من # PageV03P017 # بعده يكفرون (٥١) فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (٥٢) ومآ أنت بهد العمى عن ضللتهم إن تسمع إلا من يؤمن بايتنا فهم مسلمون (٥٣)) عدد سبحانه الغرض في إرسال رياح الرحمة، وهو أن يبشر بالغيث والإذاقة من الرحمة - وهي المطر - وحصول الخصب الذي يتبعه والروح الذي مع هبوب الريح، وغير ذلك (ولتجري الفلك) في البحر عند هبوبها، وإنما زاد (بأمره) ms0920 لأن الريح قد تهب ولا تكون موافقة (ولتبتغوا من فضله) يريد: تجارة البحر ولتشكروا نعمة الله فيها، ويجوز أن يتعلق (وليذيقكم) بمحذوف تقديره: # وليذيقكم وليكون كذا وكذا أرسلها، وأن يكون معطوفا على (مبشرات) كأنه قال: ليبشركم وليذيقكم. # وفي قوله: (وكان حقا علينا نصر المؤمنين) تعظيم للمؤمنين ورفع شأنهم حيث جعلهم مستحقين لأن ينصرهم ويظهرهم. # (فيبسطه) متصلا تارة (ويجعله كسفا) أي: قطعا متفرقة تارة (فترى الودق يخرج من خلله) في التارتين جميعا، والمراد ب‍ (السمآء): سمت السماء كقوله: # (وفرعها في السمآء) (١)، وبإصابة العباد إصابة أراضيهم وبلادهم. (من قبله) من باب التكرير للتوكيد كقوله: ﴿فكان عقبتهما أنهما في النار خالدين فيها﴾ (2). # وقرئ: " إلى أثر " (3)، (إن ذا لك) للقادر الذي يحيي الناس من بعد موتهم. # (فرأوه) أي: فرأوا أثر رحمة الله التي هي الغيث وأثره النبات، ومن قرأ بالجمع فالضمير يرجع إلى معناه، لأن معنى آثار الرحمة: النبات، واسم النبات يقع على # PageV03P018 # القليل والكثير؛ لأنه مصدر سمي به ما ينبت. واللام في (لئن) هي الموطئة للقسم، و (لظلوا) جواب القسم سد مسد الجوابين (مصفرا) بعد الخضرة والنضرة. ذمهم الله سبحانه بأنه إذا حبس عنهم القطر قنطوا وأبلسوا، فإذا رزقوا المطر استبشروا وابتهجوا، فإذا أرسل ريحا فضربت زروعهم بالصفار كفروا بنعمة الله، وقيل: معناه: فرأوا السحاب مصفرا لأنه إذا كان كذلك لم يمطر (١). # (الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشآء وهو العليم القدير (٥٤) ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذا لك كانوا يؤفكون (٥٥) وقال الذين أوتوا العلم والايمان لقد لبثتم في كتب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون (٥٦) فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون (٥٧) ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون (٥٨) كذا لك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون (٥٩) فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك ms0921 الذين لا يوقنون (٦٠)) (من ضعف) قرئ بفتح الضاد وضمها (٢)، يعني: أن بنيتكم مجبولة على الضعف ﴿وخلق الإنسان ضعيفا﴾ (3) أي: ابتدأناكم في أول الأمر ضعافا وذلك حال الطفولية حتى بلغتم وقت الشبيبة والفتار (4) تلك حال القوة إلى وقت الاكتهال، ثم ردكم إلى الضعف وهو حال الشيخوخة والهرم، وفي ذلك أوضح دلالة على الصانع العليم القدير. # PageV03P019 # (ما لبثوا غير ساعة) أرادوا لبثهم في الدنيا، أو في القبور، أو في ما بين فناء الدنيا إلى البعث، وإنما قدروا وقت لبثهم ساعة على وجه الاستقصار له، أو ينسون ويخمنون (كذا لك) أي: مثل ذلك الإفك - وهو الصرف - كانوا يصرفون عن الصدق والتحقيق في الدنيا، وهكذا كانوا يبنون أمرهم على خلاف الحق. # القائلون هم الملائكة أو الأنبياء أو المؤمنون (في كتب الله) في علم الله المثبت في اللوح المحفوظ، أو: في علم الله وقضائه الذي أوجبه بحكمته ردوا ما قالوه وحلفوا عليه، ثم قرعوهم على إنكار البعث بقولهم: (فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون) إنه حق، فلا ينفعكم العلم به الآن. # (فيومئذ) لا يمكنون من الاعتذار، ولو اعتذروا لم تقبل معذرتهم، ولا يطلب منهم الإعتاب، يقال: استعتبني فلان فأعتبته، أي: استرضاني فأرضيته، وحقيقة " أعتبته ": أزلت عتبه، والمعنى: لا يقال لهم ارضوا ربكم بتوبة وطاعة. # (ولقد) وصفنا لهم (كل) صفة كأنها (مثل) في غرابتها، وقصصنا عليهم كل قصة عجيبة كقصة المبعوثين يوم القيامة وما يقولونه وما يقال لهم، ولكنهم لقسوة قلوبهم وعنادهم إذا جئتهم بآية من آيات القرآن قالوا: جئتنا بزور وباطل. # (كذا لك) أي: مثل ذلك الطبع (يطبع الله على قلوب) الجهلة فيمنعهم ألطافه الشافية (1) للصدور حتى سموا المحقين مبطلين. # (فاصبر) على عداوتهم (إن وعد الله) بنصرك وإظهار دينك على كل الأديان (حق) ولا يحملنك على الخفة والجزع من كفرهم وعنادهم فإنهم قوم ظانون (لا يوقنون) بأنهم يبعثون. # * * * # PageV03P020 # سورة لقمان مكية (1) سوى أربع آيات، وهي أربع وثلاثون آية، (ألم) كوفي، (مخلصين له الدين) (2) بصري. # في حديث أبي: " من قرأ سورة لقمان كان له لقمان ms0922 رفيقا يوم القيامة، وأعطي من الحسنات عشرا عشرا بعدد من عمل بالمعروف ونهى عن المنكر " (3). # وعن الباقر (عليه السلام): " من قرأ سورة لقمان في ليلة وكل الله به في ليلته ثلاثين ملكا يحفظونه من إبليس وجنوده حتى يصبح، فإن قرأها بالنهار حفظوه من إبليس وجنوده حتى يمسي " (4). # PageV03P021 # بسم الله الرحمن الرحيم (ألم (1) تلك ءايت الكتب الحكيم (2) هدى ورحمة للمحسنين (3) الذين يقيمون الصلواة ويؤتون الزكواة وهم بالأخرة هم يوقنون (4) أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون (5) ومن الناس من يشترى لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (6) وإذا تتلى عليه ءايتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم (7) إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت لهم جنت النعيم (8) خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم (9) خلق السموات بغير عمد ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دآبة وأنزلنا من السمآء مآء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم (10) هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلل مبين (11)) (هدى ورحمة) بالنصب على الحال في الآيات، والعامل فيها ما في تلك من معنى الإشارة. وقرئ بالرفع (1) على أنه خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ محذوف (للمحسنين) للذين يعملون الحسنات، وهم الذين وصفهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإيقان بالآخرة، كما يحكى (2) عن الأصمعي أنه سئل عن الألمعي، فأنشد قول أوس بن حجر: # PageV03P022 # الألمعي الذي يظن بك الظن * كأن قد رأى وقد سمعا (١) ولم يزد، أو: للذين يعملون ما يحسن من الأعمال، ثم خص منهم القائمين بهذه الثلاث لفضلها. # واللهو: كل باطل ألهى عن الخير، و (لهو الحديث): هو الطعن في الحق والاستهزاء به، والتحدث بالخرافات والمضاحيك، والغناء والمعازف. والإضافة بمعنى " من " ومعناها التبيين، والمعنى: (من يشترى) اللهو من الحديث، وهو إضافة الشيء إلى ما هو منه كباب ساج وثوب خز. # وقيل: نزلت في النضر بن الحارث، وكان يتجر إلى فارس فيشتري كتب الأعاجم ms0923 ويحدث بها قريشا ويقول: إن كان محمد يحدثكم بحديث عاد وثمود، فأنا أحدثكم بحديث رستم واسفنديار والأكاسرة، فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن (٢). # فعلى هذا يكون (يشترى) من الشراء، وعلى الأول يكون من قوله: # ﴿اشتروا الكفر بالأيمان﴾ (3) أي: استبدلوه منه واختاروه عليه، وعن قتادة: # اشتراؤه: استحبابه، أي: يختار حديث الباطل على حديث الحق (4)، وقرئ: # (ليضل) بضم الياء وفتحها (5)، وقرئ: (يتخذها) بالرفع (6) والنصب، فالرفع # PageV03P023 # للعطف على (يشترى)، والنصب للعطف على (ليضل) والضمير ل‍ " السبيل " لأنها مؤنثة. وقوله: (بغير علم) معناه: بغير علم بالتجارة، وبغير بصيرة بها حيث يشتري الباطل بالحق، والضلال بالهدى، ونحوه قوله: ﴿فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين﴾ (1) أي: ما كانوا بصراء بالتجارة. (ولى مستكبرا) رافعا نفسه فوق مقدارها، لا يعبأ بآياتنا، يشبه حاله حال من لم يسمعها وهو سامع (كأن في أذنيه) ثقلا. وقوله: (كأن لم يسمعها) في محل نصب حال من (مستكبرا) و (كأن) مخففة، والأصل: كأنه، والضمير للشأن (وكأن في أذنيه وقرا) حال من (كأن لم يسمعها)، ويجوز أن يكونا جميعا استئنافين. # (وعد الله حقا) مصدران مؤكدان، الأول مؤكد لنفسه والثاني مؤكد لغيره، لأن قوله: (لهم جنت النعيم) في معنى: وعدهم الله جنات النعيم، فأكد معنى الوعد بالوعد. وأما (حقا) فدال على معنى الثبات، أكد به معنى الوعد، ومؤكدهما جميعا قوله: (لهم جنت النعيم)، (وهو العزيز) الذي يقدر على كل شيء فيعطي النعيم من يشاء والبؤس من يشاء (الحكيم) الذي لا يشاء إلا ما توجبه الحكمة. هذا إشارة إلى ما ذكر من مخلوقاته. # والخلق بمعنى المخلوق، و (الذين من دونه): آلهتهم بكتهم بأن هذه الأشياء العظيمة مما خلقه الله (فأروني) ماذا خلقته آلهتكم حتى استوجبوا عندكم العبادة. ثم أضرب عن تبكيتهم إلى الشهادة عليهم بالتورط في ضلال ظاهر وعدول عن الحق. # (ولقد ءاتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غنى حميد (12) وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه # PageV03P024 # يبنى لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم (13) ووصينا الانسان بوالديه حملته ms0924 أمه وهنا على وهن وفصله في عامين أن اشكر لي ولوا لديك إلى المصير (14) وإن جهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلى ثم إلى مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون (15) يبنى إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير (16) يبنى أقم الصلواة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على مآ أصابك إن ذا لك من عزم الامور (17) ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور (18) واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير (19)) الأظهر أن لقمان لم يكن نبيا وكان حكيما، وقيل: كان نبيا (1)، وقيل: خير بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة، وكان ابن أخت أيوب أو ابن خالته (2)، وقيل: إنه عاش ألف سنة وأدرك داود (عليه السلام) وأخذ منه العلم (3)، وقيل: إنه دخل عليه وهو يسرد الدرع وقد لين الله له الحديد، فأراد أن يسأله فأدركته الحكمة فسكت، فلما أتمها لبسها وقال: نعم لبوس الحرب أنت، فقال لقمان: الصمت حكم، وقليل فاعله، فقال داود: بحق ما سميت حكيما (4). # (أن) هي المفسرة؛ لأن إيتاء الحكمة في معنى القول، وقد نبه عن اسمه على # PageV03P025 # أن الحكمة الحقيقية والعلم الأصلي هو العمل بما هو عبادة الله والشكر له، حيث فسر إيتاء الحكمة بالبعث على الشكر (فإن الله غنى) لا يحتاج إلى الشكر (حميد) حقيق بأن يحمد وإن لم يحمده أحد. # وقرئ: (يبنى) بفتح الياء وكسرها (١) كل القرآن، و " يا بني " (٢)، ومن كسر فهو على قولك: يا غلام أقبل، ومن فتح على قولك: يا غلاما، أبدلت الألف من ياء الإضافة ثم حذفت الألف للتخفيف، ومن أسكن الياء في الوصل فإنه أجرى الوصل مجرى الوقف (إن الشرك لظلم عظيم) لأن التسوية بين من لا نعمة إلا هي منه وبين من لا نعمة منه البتة ولا يتصور ms0925 أن يكون منه نعمة ظلم لا يحاط بكنهه. # (حملته أمه) تهن (وهنا على وهن) وهو مثل قولك: رجع عودا على بدء. # وهو في موضع الحال، أي: يتزايد ضعفها ويتضاعف، لأن الحمل كلما عظم ازدادت المرأة ثقلا وضعفا (أن اشكر) تفسير ل‍ (وصينا). # (ما ليس لك به علم) أراد بنفي العلم به نفيه، أي: لا تشرك بي ما ليس بشيء، كقوله: ﴿ما يدعون من دونه من شىء﴾ (3). (معروفا) أي: صحابا معروفا حسنا بخلق جميل واحتمال وبر وصلة وما تقتضيه المروة (واتبع سبيل من أناب إلى) من المؤمنين في دينك، ولا تتبعهما في دينهما وإن أمرت بحسن مصاحبتهما (في الدنيا)، (ثم إلى) مرجعك ومرجعهما فأجازيهما على كفرهما وأجازيك على إيمانك. وهذا كلام وقع في أثناء وصية لقمان على سبيل الاستطراد، تأكيدا لما في وصية لقمان من النهي عن الشرك. # ولما وصى بالوالدين ذكر ما تقاسيه الأم من المشاق في مدة الحمل والفصال؛ # PageV03P026 # إيجابا للتوصية بالوالدة خصوصا وتذكيرا بعظيم حقها مفردا. # وقرئ: (مثقال حبة) بالرفع (1) والنصب، فمن نصب كان الضمير للهنة من الإساءة أو الاحسان، أي: إن كانت مثلا في الصغر كحبة الخردل وكانت مع صغرها في أخفى موضع وأحرزه كجوف الصخرة (أو) حيث كانت (في السموات أو في الأرض يأت بها الله) يوم القيامة فيحاسب بها عاملها (إن الله لطيف) يصل علمه إلى كل خفي (خبير) عالم بكنهه. ومن رفع ف‍ (تك) تامة، وأنث (مثقال) لإضافته إلى (حبة) كما قيل: # كما شرقت صدر القناة من الدم (2) وهو من باب ما اكتسب فيه المضاف من المضاف إليه التأنيث. # الصادق (عليه السلام): " إياكم والمحقرات من الذنوب فإن لها من الله طالبا، لا يقولن أحدكم: أذنب وأستغفر الله، إن الله تعالى يقول: (إن تك مثقال حبة) الآية " (3). # (واصبر على ما أصابك) من الأذى في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (إن ذا لك) مما عزمه الله من الأمور، أي: قطعه قطع إيجاب وإلزام. # ومنه الحديث: " إن الله يحب أن يؤخذ برخصته كما يحب أن يؤخذ بعزائمه ms0926 " (4). # وقيل: من الأمور التي يجب الثبات عليها (5). وأصله من معزومات الأمور ومقطوعاتها، أو: من عازمات الأمور، من قوله: فإذا عزم الأمر، كقولك: جد الأمر # PageV03P027 # وصدق القتال، فهو مصدر وصف به الفاعل أو المفعول، وفيه دلالة على أن هذه الطاعات كانت مأمورا بها في سائر الأمم. # وقرئ: " تصاعر " (1) و (تصعر) من صاعر خده وصعرها. ومعناه: أقبل على الناس بوجهك تواضعا ولا تولهم صفحة وجهك كما يفعل المتكبر (مرحا) نصب على الحال بمعنى: ولا تمش تمرح مرحا، أو أراد: ولا تمش لأجل المرح والأشر، لا يكن غرضك في المشي البطر والبطالة لا لكفاية مهم ديني أو دنيوي، والمختال: # مقابل للماشي مرحا، و " الفخور " للمصعر خده كبرا. # (واقصد في مشيك) إعدل فيه حتى يكون مشيا بين مشيين، لا تدب دبيب المتماوتين، ولا تثب وثوب الذعار (واغضض من صوتك) أنقص منه (إن أنكر الأصوات) أي: أوحشها من قولهم: شيء نكر: إذا أنكرته النفوس ونفرت واستوحشت منه. # (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجدل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتب منير (20) وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه ءابآءنآ أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير (21) ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى وإلى الله عقبة الأمور (22) ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور (23) نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ (24) ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (25) لله ما في السموات # PageV03P028 # والأرض إن الله هو الغنى الحميد (26) ولو أنما في الأرض من شجرة أقلم والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمت الله إن الله عزيز حكيم (27) ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير (28)) (ما في السموات) الشمس والقمر والنجوم (وما في الأرض) الحيوان والنبات والبحار والأنهار ms0927 وغير ذلك، وقرئ: " نعمة " (1) و (نعمه)، والنعمة: كل نفع قصد به وجه الإحسان، والله سبحانه خلق العالم كله نعمة، فما ليس بحيوان نعمة على الحيوان ينتفع به، وأما الحيوان فإيجاده حيا نعمة عليه، لأنه لولا إيجاده حيا لما صح منه الانتفاع، وكل ما أدى إلى الانتفاع وصححه فهو نعمة، والنعمة الظاهرة: كل ما يعلم بالمشاهدة، والباطنة: ما لا يعلم إلا بدليل أو غاب عن العباد علمه فلا يهتدون إليها. # (أولو كان الشيطان) معناه: أيتبعونهم ولو كان الشيطان يدعوهم إلى العذاب؟ أي: في حال دعاء الشيطان إياهم. # (ومن يسلم وجهه إلى الله) أي: يفوض أمره إليه ويتوكل عليه (فقد استمسك بالعروة الوثقى) هو من باب التمثيل، مثلت حال المتوكل بحال من تدلى من موضع عال فاستمسك بعروة حبل وثيق يأمن انقطاعه. # وقرئ (فلا يحزنك) و " يحزنك " (2) من حزن وأحزن، والذي عليه الاستعمال: أحزنه، ويحزنه، والمعنى: لا يهمنك كفر من كفر وكيده للإسلام، فإن الله سبحانه ينتقم منه (إن الله) يعلم ما في صدور عباده، لا يخفى عليه شيء. # (نمتعهم) زمانا قليلا بدنياهم (ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ) شبه إلزامهم # PageV03P029 # التعذيب باضطرار المضطر إلى الشيء الذي لا يقدر على الانفكاك منه، والمراد بالغلظ: الشدة والثقل على المعذب. # (قل الحمد لله) إلزام لهم على إقرارهم بأن الذي خلق السماوات والأرض هو الله وحده، وأنه يجب أن يكون له الحمد والشكر، وأن لا يعبد معه غيره (بل أكثرهم لا يعلمون) أن ذلك يلزمهم. (إن الله هو الغنى) عن حمد الحامدين، المستحق للحمد وإن لم يحمدوه. # وقرئ: " والبحر " بالنصب (1) عطفا على اسم " إن "، وبالرفع عطفا على محل " إن " ومعمولها، أي: ولو ثبت كون الأشجار أقلاما، وثبت البحر ممدودا بسبعة أبحر، أو: على الابتداء والواو للحال على معنى: ولو أن الأشجار أقلام في حال كون البحر ممدودا، وهي من الأحوال التي حكمها حكم الظروف، ولا يعود منها ضمير إلى ذي الحال، كبيت امرئ القيس: # وقد أغتدي والطير في وكناتها * بمنجرد قيد الأوابد هيكل (2) جعل البحر الأعظم ms0928 بمنزلة الدواة، وجعل الأبحر السبعة مملوءة مدادا، فهي تصب فيه مدادها أبدا صبا لا ينقطع، فمعناه: ولو أن أشجار الأرض أقلام والبحر ممدود بسبعة أبحر، وكتبت بتلك الأقلام وبذلك المداد كلمات الله، لنفدت الأقلام والمداد وما نفدت كلمات الله. # وقرأ الصادق (عليه السلام): " والبحر مداده " (3) ويقوي الوجه الثاني. # والأولى أن يكون (كلمات الله) عبارة عن مقدوراته ومعلوماته، لأنها # PageV03P030 # إذا كانت لا تتناهى فالكلمات التي تقع عبارة عنها أيضا لا تتناهى. # (ما خلقكم ولا بعثكم إلا) كخلق نفس واحدة وبعثها، والمعنى: أنه يستوي في قدرته القليل والكثير، والواحد والجمع، إذ لا يشغله فعل عن فعل وشأن عن شأن (إن الله سميع) يسمع كل مسموع (بصير) يبصر كل مبصر في حال واحدة لا يشغله بعض عن بعض، فكذلك الخلق والبعث. # (ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجرى إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير (29) ذا لك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه البطل وأن الله هو العلى الكبير (30) ألم تر أن الفلك تجرى في البحر بنعمت الله ليريكم من ءايته إن في ذلك لايت لكل صبار شكور (31) وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجلهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بايتنآ إلا كل ختار كفور (32) يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزى والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحيواة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور (33) إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا وما تدرى نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير (34)) أي: كل واحد من (الشمس والقمر) يجري في فلكه على وتيرة واحدة، ويقطعه إلى وقت معلوم: الشمس إلى آخر السنة والقمر إلى آخر الشهر، وعن الحسن: الأجل المسمى: يوم القيامة، لأنه لا ينقطع جريهما إلا حينئذ (1). # PageV03P031 # (ذا لك) الذي وصف من ms0929 آثار صنعته وحكمته بسبب أن الله هو الحق، الثابت إلهيته، وأن الذي يدعونه من دونه باطل، وأنه (العلى الكبير) عن أن يشرك به. # (بنعمت الله) أي: بإحسانه ورحمته ليريكم بعض دلالاته على كمال قدرته (إن في ذا لك لايت لكل صبار شكور) أي: لكل مؤمن صبار على بلائه شكور لنعمائه. # الظلل: جمع الظلة، وهي كل ما أظلك من جبل أو سحاب (فمنهم مقتصد) في الإخلاص الذي كان عليه، وقيل: مؤمن قد ثبت على ما عاهد عليه الله في البحر (1)، والختار: الغدار، والختر: أسوأ الغدر وأقبحه. # (لا يجزى) أي: لا يقضي (والد عن ولده شيئا): والمعنى: " لا يجزي فيه " فحذف، و (الغرور): الشيطان. # (إن الله عنده علم الساعة) استأثر به ولم يطلع عليه أحدا (وينزل الغيث) في أيامه (2)، ويعلم نزوله في مكانه وزمانه (ويعلم ما في) أرحام الحوامل، أتام أو ناقص، أذكر أم أنثى، أواحد أم أكثر (وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا) من خير أو شر (وما تدرى نفس) أين (تموت) وجعل العلم لله، والدراية للعبد لما في الدراية من معنى الختل والحيلة، أي: لا تعرف نفس وإن عملت حيلتها ما يختص بها من كسبها وعاقبتها، فمن أين له معرفة ما عداهما؟ # وعن النبي (صلى الله عليه وآله): " مفاتيح الغيب خمس " وتلا هذه الآية (3). # * * * # PageV03P032 # سورة السجدة مكية (1) غير ثلاث آيات، من قوله: (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا) (2) إلى تمام الآيات، تسع وعشرون آية بصري، ثلاثون آية غيرهم. # في حديث أبي: " ومن قرأ سورة ألم تنزيل وسورة الملك فكأنما أحيا ليلة القدر " (3). وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأ سورة السجدة في ليلة كل جمعة أعطاه الله كتابه بيمينه ولم يحاسبه بما كان منه، وكان من رفقاء محمد وأهل بيته (عليهم السلام) " (4). # بسم الله الرحمن الرحيم (ألم (1) تنزيل الكتب لا ريب فيه من رب العلمين (2) أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما مآ أتاهم من نذير من قبلك # PageV03P033 # لعلهم يهتدون (3) الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ms0930 ستة أيام ثم استوى على العرش مالكم من دونه ى من ولى ولا شفيع أفلا تتذكرون (4) يدبر الأمر من السمآء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون (5)) (تنزيل) مبتدأ وخبره (من رب العلمين)، و (لا ريب فيه) إعتراض أثبت أولا: أن تنزيل الكتاب من رب العالمين، وأن ذلك مما لا ريب فيه، ثم أضرب عن ذلك إلى قوله: (أم يقولون افتراه): لأن (أم) هذه منقطعة إنكارا لقولهم، وتعجيبا منه لظهور الأمر في عجزهم عن الإتيان بسورة منه، ثم أضرب عن الإنكار إلى إثبات أنه (الحق من ربك) وقوله: (لتنذر قوما ما أتهم من نذير من قبلك) يعني: قريشا، إذ لم يأتهم نبي قبل نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) (لعلهم يهتدون) استعار لفظ الترجي للإرادة (ما لكم من دونه من ولى ولا شفيع) هو على معنيين: أحدهما: أنكم إذا جاوزتم رضاه لم تجدوا لأنفسكم وليا، أي: ناصرا ينصركم ولا شفيعا يشفع لكم، والآخر: أنه سبحانه وليكم الذي يتولى مصالحكم، وشفيعكم أي: ناصركم على سبيل المجاز؛ لأن الشفيع ينصر المشفوع له. # (يدبر الأمر) أي: أمر الوحي، فينزله مع جبرائيل من السماء إلى الأرض (ثم يعرج إليه) ما كان من قبول الوحي أو رده مع جبرائيل في وقت هو في الحقيقة (ألف سنة)، كأن المسافة في الهبوط والصعود مسيرة ألف سنة، لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة، وهو يوم من أيامكم، فيقطع جبرئيل مسيرة ألف سنة مما يعده البشر في يوم واحد، وقيل: معناه: يدبر أمر الدنيا كلها PageV03P034 # من السماء إلى الأرض، لألف سنة، وهو يوم من أيام الله (1) (ثم يعرج) الأمر (إليه) أي: يصير إليه، ويثبت عنده، ويكتب في صحف ملائكته كل وقت من أوقات هذه المدة ما يرتفع من ذلك الأمر إلى أن تبلغ المدة آخرها، ثم (يدبر) أيضا ليوم آخر، وهلم جرا إلى أن تقوم الساعة، وقيل: يدبر المأمور به من الطاعات وينزله مدبرا من السماء إلى الأرض، فلا يصعد إليه ذلك ms0931 لقلة عمال الله المخلصين وقلة الأعمال الصاعدة، لأنه لا يوصف بالصعود إلا الخالص (2). # (ذلك علم الغيب والشهدة العزيز الرحيم (6) الذي أحسن كل شىء خلقه وبدأ خلق الانسان من طين (7) ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين (8) ثم سوله ونفخ فيه من روحه ى وجعل لكم السمع والأبصار والأفدة قليلا ما تشكرون (9) وقالوا أءذا ضللنا في الارض أءنا لفي خلق جديد بل هم بلقآء ربهم كافرون (10) * قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون (11) ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صلحا إنا موقنون (12)) وقرئ: (خلقه) بفتح اللام وسكونها (3)، فالأول على الوصف لكل شيء، بمعنى: أن كل شيء خلقه فقد أحسنه، والثاني على البدل، أي: أحسن خلق كل شيء، وأحسن بمعنى " حسن "، يعني: أن جميع خلقه ومخلوقاته حسنة وإن تفاوتت إلى حسن وأحسن منه، كما قال: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن # PageV03P035 # تقويم) (1) وقيل: معناه: علم كيف يخلقه وأحسن معرفته، أي: عرفه معرفة حسنة بتحقيق وإتقان (2). ومنه: " قيمة كل امرئ ما يحسنه " (3). # وسميت الذرية نسلا لأنها تنسل منه أي: تنفصل منه. (ثم سوه) أي: قومه، وأضاف " الروح " إلى ذاته إيذانا بأنه خلق عجيب لا يعلم كنهه إلا هو. # (أءذا ضللنا في الأرض) أي: صرنا ترابا وذهبنا مختلطين بتراب الأرض لا نتميز منه كما يضل الماء في اللبن، أو: غبنا في الأرض بالدفن فيها، كقول النابغة (4): # وآب مضلوه بعين جلية * وغودر بالجولان حزم ونائل (5) وقرى: (أءذا) و (أءنا)، بالاستفهام (6) وتركه، وروي عن علي (عليه السلام) وابن عباس: " صللنا " بالصاد وكسر اللام (7)، من صل اللحم وأصل: إذا أنتن، وقيل: # صرنا من جنس الصلة وهي الأرض (8) وانتصب الظرف بما دل عليه قوله: # PageV03P036 # (أءنا لفي خلق جديد) وهو " نبعث " أو " يجدد خلقنا "، (لقاء ربهم) هو الوصول إلى العاقبة من تلقي ملك الموت وما ورائه. # ولما ذكر كفرهم بالإنشاء أضرب عنه إلى ما هو أبلغ في الكفر، وهو أنهم كافرون بجميع ما يكون في العاقبة لا بالإنشاء ms0932 وحده، ألا ترى كيف خوطبوا بالتوفي وبالرجوع إلى ربهم بعد ذلك مبعوثين للجزاء؟ وهذا معنى " لقاء الله " والتوفي: استيفاء النفس وهي الروح، وهي أن تقبض كلها لا يترك منها شيء، من قولهم: توفيت حقي واستوفيته. # وعن ابن عباس: جعلت الدنيا لملك الموت مثل الجام، يأخذ منها ما يشاء إذا حان القضاء (1). # وعن قتادة: إن له أعوانا من ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، أي: يتوفاهم ومعه أعوانه (2). وقيل: يدعو الأرواح فتجيبه ثم يأمر أعوانه بقبضها (3). # (ولو ترى) خطاب لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وجواب (لو) محذوف، أي: # لرأيت أمرا فظيعا عظيما وحالا سيئة، ويجوز أن يكون خطابا لكل أحد، كما يقال: # فلان لئيم إن أكرمته أهانك، ولا يريد مخاطبا بعينه؛ و (إذ) ظرف للرؤية (ناكسوا رءوسهم) مطرقوها ومطأطئوها حياء وذلا، يستغيثون بقولهم: (ربنا أبصرنا وسمعنا) فلا يغاثون، والمعنى: أبصرنا صدق وعدك ووعيدك، وسمعنا منك تصديق رسلك، أو: كنا عميا وصما فأبصرنا وسمعنا (فارجعنا) إلى الدنيا نعمل صالحا (إنا موقنون) اليوم. # PageV03P037 # (ولو شئنا لأتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين (١٣) فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون (١٤) إنما يؤمن بايتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون (١٥) تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون (١٦) فلا تعلم نفس مآ أخفى لهم من قرة أعين جزآء بما كانوا يعملون (١٧) أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون (١٨) أما الذين ءامنوا وعملوا الصلحت فلهم جنت المأوى نزلا بما كانوا يعملون (١٩) وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون (٢٠) ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون (٢١)) يريد: أنا بنينا أمر التكليف على الاختيار دون الاضطرار (ولو شئنا لأتينا كل نفس هداها) على طريق القسر والإجبار ﴿ولكن حقت كلمة العذاب﴾ (1) أي: # على أهل الضلال والعمى لاستحبابهم العمى على ms0933 الهدى. # ثم قال: (فذوقوا) بنسيانكم العاقبة، وقلة مبالاتكم بها، وترك استعدادكم لها، والمراد بالنسيان خلاف التذكر (إنا نسيناكم) أي: جازيناكم جزاء نسيانكم، وقيل: هو بمعنى الترك، أي: تركتم الفكر في العاقبة فتركناكم من الرحمة (2). # وفي استئناف قوله: (إنا نسيناكم) وبناء الفعل على " أن " واسمها تشديد في # PageV03P038 # الانتقام منهم، أي: فذوقوا العذاب، أي: ما أنتم فيه من نكس الرؤوس والغم والخزي بسبب نسيان اللقاء. # وذوقوا عذاب الخلد في جهنم بسبب ما عملتم و (ذكروا بها) أي: وعظوا فتذكروا واتعظوا بأن سجدوا شكرا لله سبحانه على أن هداهم لمعرفته وتواضعا وخشوعا (وسبحوا) ونزهوا الله من نسبة القبائح إليه، وأثنوا عليه حامدين له. # (تتجافى جنوبهم) أي: ترتفع وتتنحى عن المضاجع، وهي الفرش ومواضع النوم والاضطجاع، وهم المتهجدون بالليل الذين يقومون لصلاة الليل (يدعون ربهم) لأجل خوفهم من سخطه وطمعهم في رحمته. # وعن بلال عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): " عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وإن قيام الليل قربة إلى الله، ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة للداء عن الجسد " (1). # وعنه (عليه السلام): " شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه كف الأذى عن الناس " (2). # وقرئ: " ما أخفى لهم " على البناء للفاعل (3)، وهو الله عز وجل، و (ما) بمعنى " الذي " أو بمعنى " أي "، وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): " قرات أعين " (4)، أي: # لا تعلم النفوس كلهن، ولا نفس واحدة منهن، ولا ملك مقرب، ولا نبي مرسل أي نوع عظيم من الثواب خبئ وادخر لأولئك، أو: أي ذلك أخبئ وأدخر لهم مما تقر به عيونهم، ولا مزيد على هذه العدة ولا مطمع لهمة وراءها. # PageV03P039 # ومثله الحديث: " يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما أطلعتكم عليه، اقرأوا إن شئتم: # (فلا تعلم نفس) الآية " (١). # (كان مؤمنا) و (كان فاسقا) محمولان على لفظ " من "، و (لا يستوون) محمول على معناه، بدليل قوله: ف‍ (أما الذين ءامنوا) (وأما الذين فسقوا) و (جنت المأوى) نوع ms0934 من الجنان. وعن ابن عباس: تأوي إليها أرواح الشهداء (٢). وقيل: هي عن يمين العرش (٣) (نزلا) عطاء بأعمالهم، والنزل: # عطاء النازل، ثم صار عاما. # (فمأواهم النار) أي: النار لهم مكان جنة المأوى للمؤمن (كنتم به تكذبون) فيه دلالة: أن المراد بالفاسق هنا الكافر و (العذاب الأدنى) عذاب الدنيا من القتل والأسر، وما محنوا به من السنة سبع سنين حتى أكلوا الجيف، وقيل: هو القتل يوم بدر بالسيف (٤)، وقيل: الدابة والدجال (٥)، وقيل: عذاب القبر (٦)، و (العذاب الأكبر) عذاب الآخرة (لعلهم يرجعون) أي: يتوبون عن الكفر، أو: لعلهم يريدون الرجوع ويطلبونه كقوله: # (فأرجعنا نعمل صلحا) (٧) وسميت إرادة الرجوع رجوعا كما سميت إرادة القيام قياما في قوله: ﴿إذا قمتم إلى الصلوة﴾ (8). # PageV03P040 # (ومن أظلم ممن ذكر بايت ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون (٢٢) ولقد ءاتينا موسى الكتب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلنه هدى لبني إسراءيل (٢٣) وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بأيتنا يوقنون (٢٤) إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (٢٥) أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مسكنهم إن في ذلك لأيت أفلا يسمعون (٢٦) أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعمهم وأنفسهم أفلا يبصرون (٢٧) ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين (٢٨) قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون (٢٩) فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون (٣٠)) معنى (ثم): الاستبعاد لإعراضهم عن آيات الله مع وضوحها بعد التذكير بها. # و (الكتب) للجنس، والضمير في (لقائه) له، والمعنى: إنا آتينا موسى مثل ما آتيناك من الكتاب، فلا تك في شك من أنك لقيت مثله، إذ لقيناك مثل ما لقيناه من الوحي ونحوه ﴿وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم﴾ (1) وقيل: إن الضمير في (لقائه) لموسى (2)، والتقدير: من لقائك موسى أو لقاء موسى إياك ليلة الإسراء بك إلى السماء فقد روي أنه (عليه السلام) قال: " رأيت ليلة أسري بي موسى بن عمران رجلا آدم طوالا جعدا ms0935 كأنه من رجال شنوءة " (3). # وعلى هذا فيكون قد وعد (عليه السلام) أن يلقى موسى قبل أن يموت (و) جعلنا # PageV03P041 # الكتاب المنزل على موسى (هدى) لقومه (وجعلنا منهم أئمة) يقتدى بأقوالهم وأفعالهم (يهدون) الناس إلى ما في التوراة من دين الله وشرائعه (لما صبروا) أي: لصبرهم، وكذلك: لنجعلن الكتاب المنزل إليك " نورا وهدى " ولنجعلن بعدك في أمتك أئمة يهدون الناس مثل تلك الهداية لما صبروا عليه من نصرة الدين، وثبتوا عليه من الحق اليقين. وقرئ: (لما صبروا) (1) ومعناه: لما صبروا جعلناهم أئمة، وعن الحسن: صبروا عن الدنيا (2). # (إن ربك هو يفصل بينهم) أي: يقضي فيميز المحق من المبطل، و (هو) فصل. ويجوز ذلك في المضارع لأنه يشبه الاسم، ولو قلت: إن زيدا هو فعل لم يجز. # الواو في (أولم يهد لهم) للعطف على معطوف عليه منوي من جنس المعطوف، وقرئ بالنون (3) والياء، والفاعل ما دل عليه (كم أهلكنا) لأن " كم " لا تقع فاعلة، وتقديره: (أولم يهد لهم) كثرة إهلاكنا القرون؟ أو: هذا الكلام كما هو بمضمونه، ومعناه كما تقول: تعصم " لا إله إلا الله " الدم والمال. ويجوز أن يكون فيه ضمير " الله " بدلالة القراءة بالنون، والضمير في (لهم) لأهل مكة، و (القرون) عاد وثمود وقوم لوط يمشي أهل مكة (في مسكنهم) وديارهم وبلادهم. # (الجرز): الأرض التي جرز نباتها أي: قطع، إما لعدم الماء وإما لأنه رعي، ولا يقال للأرض التي لا تنبت: جرز، ويدل عليه قوله: (فنخرج به زرعا) والضمير في " به " للماء، (تأكل) من الزرع (أنعامهم) من عصفه و (أنفسهم) من حبه. # PageV03P042 # الفتح: النصر أو الفصل بالحكومة من قوله: ﴿ربنا افتح بيننا﴾ (1) وكانوا يستمعون المسلمين ويستفتحون الله عليهم ويقولون: يفتح الله بيننا وبينكم، فقالوا لهم: (متى هذا الفتح)؟ أي: في أي وقت يكون (إن كنتم صادقين) في أنه كائن؟ و (يوم الفتح) يوم القيامة، وقيل: يوم بدر (2)، وقيل: هو يوم فتح مكة (3). # وغرضهم في السؤال عن وقت الفتح هو التكذيب والاستهزاء، فوقع جوابهم على حسب ما عرف من مرادهم في ms0936 سؤالهم، فكأنه قال: لا تستعجلوا به، فإن ذلك اليوم ستؤمنون ولا ينفعكم الإيمان كما لم ينفع فرعون إيمانه عند حلول النازل، وستنظرون ولا تنظرون. # (وانتظر) حكم الله فيهم وانتظر النصرة عليهم وهلاكهم ف (إنهم منتظرون) هلاككم والغلبة عليكم. # * * * # PageV03P043 # سورة الأحزاب مدنية (1)، ثلاث وسبعون آية. # في حديث أبي: " من قرأ سورة الأحزاب وعلمها أهله وما ملكت يمينه أعطي الأمان من عذاب القبر " (2). # وعن الصادق (عليه السلام): " من كان كثير القراءة لسورة الأحزاب كان يوم القيامة في جوار محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأزواجه " (3). # PageV03P045 # بسم الله الرحمن الرحيم (يأيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما (1) واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا (2) وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (3) ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم الائي تظهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعيآءكم أبنآءكم ذا لكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدى السبيل (4) ادعوهم لأبآئهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا ءابآءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ى ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما (5)) ناداه سبحانه بالنبي وبالرسول، وترك نداءه باسمه كما قال: يا آدم، يا داود، ويا موسى، إجلالا لمحله وتشريفا له (اتق الله) أي: دم على ما أنت عليه من التقوى، وأثبت عليه وازدد منه (ولا تطع الكافرين والمنفقين) ولا تساعدهم على شيء، ولا تقبل منهم رأيا ومشورة. # وقرئ: " بما يعملون " بالياء (1)، أي: بما يعمل المنافقون من الكيد والمكر. # (وتوكل على الله) وفوض أمرك إليه وكله إليه (وكفى بالله وكيلا) موكولا إليه كل أمر. # (ما جعل الله) قلبين في جوف رجل، ولا زوجية وأمومة في امرأة، ولا بنوة ودعوة في رجل. والمعنى: أن الله عز اسمه كما ليس في حكمته أن يجعل للإنسان قلبين، لأ نه لو كان ذلك لكان لا ينفصل إنسان واحد من إنسانين، إذ كان يؤدي إليه # PageV03P046 # أن يكون الجملة الواحدة متصفة بكونها ms0937 مريدة كارهة لشيء واحد في حالة واحدة إذا أريد بأحد القلبين وكره بالآخر، فكذلك لا تكون المرأة الواحدة اما لرجل وزوجة له، ولا يكون الرجل الواحد دعيا لرجل وابنا له؛ لأن الابن هو العريق في النسب، والدعي لاصق في التسمية لا غير، ولا يجتمع في الشيء أن يكون أصيلا وغير أصيل. # وهذا مثل ضربه الله تعالى في زيد بن حارثة، وهو رجل من كلب، سبى في الجاهلية فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة، فلما تزوجها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهبته له، وقيل: بل اشتراه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بسوق عكاظ وأسلم، فقدم أبوه حارثة بن شراحيل الكلبي بمكة واستشفع بأبي طالب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في أن يبيعه منه، فقال (عليه السلام): هو حر فليذهب حيث شاء، فأبى زيد أن يفارق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال أبوه: يا معشر قريش، اشهدوا أن زيدا ليس بابني، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): اشهدوا أن زيدا ابني، فكان يدعى زيد بن محمد، فلما تزوج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) زينب بنت جحش - وكانت تحت زيد بن حارثة - قالت اليهود والمنافقون: تزوج محمد امرأة ابنه، وهو ينهى الناس عن ذلك، فأنزل الله عز وجل هذه الآية، قوله: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله) (1). # وقرئ: (الئى) بهمزة ممدودة مشبعة بعدها ياء. وقرئ: " اللآء " بهمزة ممدودة مختلسة لا ياء بعدها (2)، وقرئ: " اللاي " بغير همزة ولا مد حيث كانت من القرآن (3)، وقرئ: (تظهرون) من: ظاهر، و " تظاهرون " من: # PageV03P047 # اظاهر (1) بمعنى تظاهر، و " تظهرون " من: اظهر (2) بمعنى. تظهر، وأصل الظهار أن يقول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أمي، يقال: ظاهر من امرأته، وكان ذلك طلاقا في الجاهلية، يتجنبون المرأة المظاهر منها كما يتجنب المطلقة، فكان معنى قولهم: تظاهر منها: تباعد منها بجهة الظهار، وتظهر منها: تحرز منها، وظاهر منها: حاذر منها. ونظيره: آلى من امرأته لما ضمن ms0938 معنى التباعد منها، عدي ب‍ " من ". # ومعنى قولهم: أنت علي كظهر أمي، أنهم أرادوا أن يقولوا كبطن أمي في التحريم، فكنوا عن البطن بالظهر، لأن ذكر البطن يقارب ذكر الفرج. # (ذلكم) النسب هو (قولكم بأفواهكم): هذا ابني، ولا حقيقة له عند الله (والله يقول الحق) أي: لا يقول إلا الذي يوافق الحقيقة (وهو يهدى السبيل) ولا يهدي إلا سبيل الحق، فقال ما هو الحق، وهدى إلى ما هو سبيل الحق، وهو قوله: (ادعوهم لابآئهم هو أقسط عند الله) أي: أعدل حكما وقولا (فإن لم تعلموا) لهم آباء فهم (إخوانكم في الدين) وأولياؤكم، أي: بنو أعمامكم وناصروكم، وقيل: (ومواليكم): معتقوكم إذا أعتقتموهم فلكم ولاؤهم (3) (وليس عليكم جناح) أي: إثم (فيما أخطأتم به) إذا نسبتموهم إلى المتبني لظنكم أنه أبوه، و (ما تعمدت) في محل الجر عطفا على (ما أخطأتم)، ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر، والتقدير: ولكن ما تعمدت قلوبكم فيه الجناح، ويجوز أن يكون المراد العفو عن الخطأ دون العمد على طريق العموم، كقوله (عليه السلام): # PageV03P048 # " وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه " (1)، ويتناول خطأ التبني وعمده لعمومه. # (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتب الله من المؤمنين والمهجرين إلا أن تفعلوا إلى أولياءكم معروفا كان ذلك في الكتب مسطورا (6) وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (7) ليسئل الصدقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما (8) يأيها الذين ءامنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جآءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا (9) إذ جآءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا (10) هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا (11)) (النبي أولى بالمؤمنين) في كل شيء من أمور الدين والدنيا، ولذلك أطلق ولم يقيد، فيجب عليهم أن يكون أحب إليهم من أنفسهم، وحكمه أنفذ عليهم من حكمها، وحقه أوجب عندهم من حقوقها، وشفقتهم عليه ms0939 أكثر من شفقتهم عليها، وأن يبذلوها دونه إذا حل خطب، ويجعلوها فداه إذا لقحت حرب. # وروي عن أبي وابن مسعود وابن عباس أنهم قرأوا: " النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم " وروي ذلك عن الباقر والصادق (عليهما السلام) (2). # PageV03P049 # وعن مجاهد: كل نبي أب لأمته (١)، ولذلك صار المؤمنون إخوة؛ لأن النبي أبوهم في الدين، وأزواجه أمهاتهم في تحريم النكاح، كما قال: (ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا) (٢) ولسن بأمهات لهم على الحقيقة، إذ لو كن كذلك لكانت بناتهن أخوات، فكان لا يحل للمؤمن من التزويج بهن (وأولوا الأرحام) أي: # ذوو الأنساب (بعضهم أولى ببعض) في الميراث بحق القرابة، وكان المسلمون في صدر الإسلام يتوارثون بالمؤاخاة في الدين وبالهجرة، فصارت هذه الآية ناسخة للتوارث بالهجرة والمؤاخاة (في كتب الله) في اللوح المحفوظ، أو: في القرآن (من المؤمنين) يجوز أن يكون بيانا لأولي الأرحام، أي: لأقرباء من هؤلاء بعضهم أولى بأن يرث بعضا من الأجانب، ويجوز أن يكون لابتداء الغاية، أي: أولي الأرحام بحق القرابة أولى بالميراث من المؤمنين بحق المؤاخاة، ومن المهاجرين بحق الهجرة (إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا) عنى بذلك وصية الرجل لإخوانه في الدين، وعدي (تفعلوا) ب‍ " إلى " لأنه في معنى " تسدوا " و " تزلوا "، (كان ذلك) المشار إليه من نسخ الميراث بالهجرة ورده إلى أولي الأرحام مكتوبا في اللوح أو القرآن أو التوراة. # واذكر حين أخذنا (من النبيين) جميعا (ميثاقهم) بتبليغ الرسالة والدعاء إلى التوحيد (ومنك) خصوصا (ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى) وإنما فعلنا ذلك ليسأل الله تعالى يوم القيامة عند تواقف الأشهاد المؤمنين الذين صدقوا عهدهم فيشهد الأنبياء لهم بأنهم صدقوا عهدهم وكانوا مؤمنين، أو: ليسأل الأنبياء ما الذي أجابتهم به أممهم كقوله: ﴿ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين﴾ (3)، # PageV03P050 # أو: ليسأل الذين صدقوا ماذا قصدتم بصدقكم وجه الله أم غيره؟ وفيه تهديد للكاذب. # قال الصادق (عليه السلام): إذا سئل الصادق عن صدقه على أي وجه فيجازى بحسبه، فكيف يكون حال الكاذب؟! # والميثاق الغليظ: اليمين بالله على ms0940 الوفاء بما حملوا، والغلظ استعارة، والمراد: # عظم الميثاق وجلالة قدره في بابه. # (اذكروا نعمة الله عليكم) يوم الأحزاب، وهو يوم الخندق (إذ جاءتكم جنود) وهم الأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (فأرسلنا عليهم ريحا) وهي الصبا أرسلت عليهم حتى أكفأت قدورهم، ونزعت فساطيطهم، وسفت التراب في وجوههم. # وفي الحديث: " نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور " (1). # (وجنودا لم تروها) وهم الملائكة، وحين سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بإقبالهم ضرب الخندق على المدينة، أشار عليه بذلك سلمان الفارسي، ثم خرج ومعه ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب معسكره والخندق بينه وبين القوم، واشتد الخوف في المسلمين، ورفعت الذراري والنساء في الآطام، ونجم النفاق من المنافقين، وكانت قريش قد أقبلت حتى نزلت بين الجرف والغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تابعهم من كنانة وأهل تهامة وقائدهم أبو سفيان، وأقبلت غطفان ومن تابعهم من أهل نجد حتى نزلوا إلى جانب أحد وقائدهم عيينة بن حصين وعامر بن الطفيل ومالأتهم اليهود من قريظة والنضير، وأقام المشركون بضعا # PageV03P051 # وعشرين ليلة لم يكن بينهم وبين المسلمين قتال إلا الرمي بالنبل والحجارة، غير أن فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود، وضرار بن الخطاب، وهبيرة بن أبي لهب، ونوفل بن عبد الله خرجوا على خيولهم حتى مروا ببني كنانة فقالوا: تهيأوا للحرب فستعلمون اليوم من الفرسان، ثم أقبلوا تعنق بهم خيولهم حتى وقفوا على الخندق فقالوا: والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها، ثم تيمموا مكانا ضيقا من الخندق فضربوا خيولهم فاقتحموا، ونادى عمرو وكان يعد بألف فارس: من يبارز؟ فقام علي (عليه السلام) وهو مقنع في الحديد فقال له: أنا له يا رسول الله، فقال: إنه عمرو، اجلس، ونادى عمرو الثانية والثالثة يقول: ألا رجل؟ أين جنتكم التي تزعمون أن من قتل منكم دخلها؟ فقام علي (عليه السلام)، فأذن له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وألبسه درعه ذات الفضول، وأعطاه ذا الفقار، وعممه عمامته السحاب، وقال: ms0941 اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوق رأسه، ومن تحت قدميه، وتجاولا فضربه عمرو في الدرقة فقدها وأصاب رأسه فشجه، وضربه علي (عليه السلام) وثارت بينهما عجاجة، فسمع علي (عليه السلام) يكبر، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): قتله والذي نفسي بيده، فجز علي رأسه وأقبل نحو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ووجهه يتهلل، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أبشر يا علي، فلو وزن اليوم عملك بعمل أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لرجح عملك بعملهم (1). # (إذ جاءوكم من فوقكم) من أعلى الوادي من قبل المشرق بنو غطفان (ومن أسفل منكم) من أسف الوادي من قبل المغرب قريش (وإذ زاغت الأبصر) مالت عن سننها حيرة وشخوصا، وقيل: عدلت عن كل شيء فلم تلتفت # PageV03P052 # إلا إلى عدوها لشدة الخوف (1)، و (الحناجر) جمع الحنجرة وهي منتهى الحلقوم، قالوا: إذا انتفخت الرئة من فزع أو غم أو غضب ربت وارتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة، ولذلك قيل للجبان: انتفخ سحره. ويجوز أن يكون ذلك مثلا في اضطراب القلوب ووجيبها وإن لم تبلغ الحناجر حقيقة (وتظنون بالله الظنونا) المختلفة، زيدت الألف في الفاصلة كما زادوها في القافية، نحو قوله: # أقل اللوم عاذل والعتابا (2) وكذلك " الرسولا " و " السبيلا " (وزلزلوا زلزالا شديدا) أي: أزعجوا أشد إزعاج. # (وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا (12) وإذ قالت طائفة منهم يأهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستئذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا (13) ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لأتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا (14) ولقد كانوا عهدوا الله من قبل لا يولون الادبار وكان عهد الله مسئولا (15) قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا (16) قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم ms0942 من دون الله وليا ولا نصيرا (17) قد يعلم الله المعوقين منكم # PageV03P053 # والقائلين لاخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا (18) أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعملهم وكان ذلك على الله يسيرا (19) يحسبون الاحزاب لم يذهبوا وإن يأت الاحزاب يودوا لو أنهم بادون في الاعراب يسئلون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قتلوا إلا قليلا (20)) قيل: إن القائل معتب بن قشير وأضرابه من المنافقين قالوا: كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر، ونحن لا نقدر أن نذهب إلى الغائط، هذا والله الغرور (1). # (يثرب) اسم المدينة، وقيل: أرض وقعت المدينة في ناحية منها (2). قرئ: # (لا مقام لكم) بضم الميم وفتحها (3)، أي: لا قرار لكم ها هنا ولا مكان تقيمون فيه أو تقومون (فارجعوا) إلى المدينة، أمروهم بالهرب من عسكر رسول الله، وقيل: قالوا لهم: ارجعوا كفارا وأسلموا محمدا وإلا فليست يثرب لكم بمكان (4)، (إن بيوتنا عورة) أي ذوات عورة، والعورة: الخلل، اعتذروا بأن بيوتهم مكشوفة ليست بحصينة، أو: خالية من الرجال يخشى عليها السراق، فكذبهم سبحانه بقوله: # (وما هي بعورة) بل هي حصينة، وإنما يريدون الفرار. # (ولو دخلت عليهم) المدينة أو بيوتهم، من قولهم: دخلت على فلان بيته (من أقطارها) أي: جوانبها، يريد: ولو دخلت هذه العساكر مدينتهم وبيوتهم من # PageV03P054 # نواحيها كلها ينهبونهم (ثم سئلوا) عند ذلك الفزع و (الفتنة) أي: الردة والرجعة إلى الكفر ومقاتلة المسلمين لأتوها أي: لجاؤوها وفعلوها، وقرئ: (لآتوها) (1) أي: لأعطوها (وما تلبثوا بها) أي: وما لبثوا بالمدينة بعد ارتدادهم (إلا يسيرا) فإن الله يهلكهم، وقيل: وما تلبثوا بها أي: ما لبثوا عطاءها وإجابتهم إليها إلا يسيرا، ريثما يكون السؤال والجواب من غير توقف (2). # (كانوا عاهدوا الله) ورسوله (من قبل) ليلة العقبة أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم (مسئولا) أي: مطلوبا يسألون عنه في الآخرة. (قل لن ينفعكم الفرار) مما لا بد لكم من نزوله ms0943 بكم من حتف أنف أو قتل، وإن ينفعكم الفرار - مثلا - فمتعتم بالتأخير لم يكن ذلك التمتيع إلا زمانا قليلا. # (المعوقين) المثبطون عن رسول الله، وهم المنافقون يقولون (لإخوانهم) من ضعفة المسلمين: ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس ولو كانوا لحما لالتهمهم هؤلاء، فخلوهم و (هلم إلينا) أي: تعالوا وقربوا أنفسكم إلينا، وهي لغة الحجاز يستوون فيه بين الواحد والجماعة، وأما تميم فيقولون: هلم، هلما، هلموا، وهي صوت سمي به فعل متعد مثل: احضر وقرب (إلا قليلا) أي: إتيانا قليلا، يخرجون مع المؤمنين ولا يبارزون ولا يقاتلون إلا شيئا قليلا إذا اضطروا إليه، كقوله: و (ما قاتلوا إلا قليلا). # (أشحة عليكم) في وقت الحرب أضناء بكم، يترفرفون حولكم كما يفعل # PageV03P055 # الرجل بالذاب عنه المحامي دونه عند الخوف، وقيل: معناه: أشحة بالقتال معكم ولا ينصرونكم (1)، (فإذا جآء الخوف رأيتهم ينظرون إليك) في تلك الحالة كما ينظر المغشي عليه من معالجة سكرات الموت حذرا وخوفا ولواذا بك (فإذا ذهب الخوف) وحيزت الغنائم نقلوا ذلك الشح عنكم إلى الخير وهو المال والغنيمة وقالوا: وفروا علينا قسمتنا، فإنا قد شاهدناكم وبمكاننا غلبتم أعداءكم، ونصب (أشحة) على الحال أو على الذم. والسلق: أصله الضرب، سلقه بالكلام أسمعه المكروه، أي: آذوكم، وخاصموكم بألسنة سليطة ذربة. # (يحسبون الاحزاب) لم ينهزموا وقد انهزموا، (وإن يأت الاحزاب) كرة ثانية تمنوا لخوفهم ما تمنوا به هذه الكرة، أنهم خارجون إلى البدو، و (يسئلون عن) أخباركم (ولو كانوا) معكم و (فيكم) ووقع قتال لم يقاتلوا معكم إلا قدرا يسيرا رياء وسمعة ليوهموا أنهم من جملتكم لا لنصرتكم. # (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الأخر وذكر الله كثيرا (21) ولما رءا المؤمنون الاحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله ومآ زادهم إلا إيمانا وتسليما (22) من المؤمنين رجال صدقوا ما عهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا (23) ليجزى الله الصدقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شآء أو يتوب عليهم إن ms0944 الله كان غفورا رحيما (24) ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا (25)) (لمن كان يرجوا الله) بدل من (لكم) وهو مثل قولك: رجوت زيدا فضله، # PageV03P056 # أي: فضل زيد، و " الأسوة " من الايتساء كالقدوة من الاقتداء، أي: كان لكم به اقتداء لو اقتديتم به في النصرة والصبر عند مواطن الكفاح كما فعل هو يوم أحد إذ كسرت رباعيته وشج وجهه وقتل عمه، فواساكم مع ذلك بنفسه، فهلا فعلتم مثل ما فعله هو (وذكر الله كثيرا) أي: قرن الرجاء بالطاعات الكثيرة، والمؤتسى به من كان كذلك. # وعدهم عز اسمه أن يزلزلوا حتى يستغيثوه في قوله: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم﴾ (1)، فلما جاء الأحزاب واضطربوا (قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله) وأيقنوا بالنصر، وهذا إشارة إلى البلاء (وما زادهم إلا إيمانا) بالله (وتسليما) لقضائه. # (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه) بأنهم إذا لقوا حربا مع رسول الله ثبتوا وقاتلوا حتى يستشهدوا (فمنهم من قضى نحبه) أي: قتل فوفى بنذره من الثبات مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعن ابن عباس: هو حمزة بن عبد المطلب ومن قتل معه، وأنس بن النضر وأصحابه (2) (ومنهم من ينتظر) النصرة والشهادة على ما مضى عليه أصحابه (وما بدلوا تبديلا) وما غيروا العهد، لا المستشهد ولا من ينتظر الشهادة. # وعن علي (عليه السلام): فينا نزلت، وأنا والله المنتظر وما بدلت تبديلا (3). # (ليجزى الله الصدقين بصدقهم) في عهودهم (ويعذب المنفقين) بنقض العهد (إن شاء أو يتوب عليهم) يعني: إن شاء قبل توبتهم وأسقط عقابهم، # PageV03P057 # وإن شاء لم يقبل توبتهم وعذبهم، والظاهر يقتضي بما يقتضيه العقل من الحكم (ورد الله الذين كفروا) يعني: الأحزاب (بغيظهم) مغيظين، كقوله: ﴿تنبت بالدهن﴾ (1) (لم ينالوا خيرا) غير ظافرين. وهما حالان بتداخل أو تعاقب، ويجوز أن يكون الثانية بيانا للأولى أو استئنافا (وكفى الله المؤمنين القتال) بالريح والجنود. # وعن ابن مسعود أنه كان يقرأ: " وكفى الله المؤمنين القتال ms0945 بعلي " (2). # (وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا (26) وأورثكم أرضهم وديرهم وأموا لهم وأرضا لم تطئوها وكان الله على كل شىء قديرا (27)) (من صياصيهم) من حصونهم، والصيصية: ما تحصن به، يقال لقرن الظبي والبقر: صيصية، ولشوكة الديك التي في ساقه، ولشوكة الحائك أيضا، قال: # كوقع الصياصي في النسيج الممدد (3) وقرئ: (الرعب) بضم العين (4) وسكونها. # وروي أن جبرائيل (عليه السلام) نزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) صبيحة الليلة التي انصرف عن الخندق إلى المدينة فقال: يا رسول الله، إن الملائكة لم تضع السلاح، إن الله يأمرك بالسير إلى بني قريظة وأنا عامد إليهم، فعزم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على الناس أن لا يصلوا العصر إلا في بني قريظة، فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة # PageV03P058 # حتى أجهدهم الحصار، فنزلوا على حكم سعد بن معاذ، فحكم فيهم بأن يقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم، وتغنم أموالهم، وتكون عقارهم للمهاجرين دون الأنصار، فالأنصار ذوو عقار وليس للمهاجرين عقار، فكبر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقال لسعد: " لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرفعة " (1) والرفيع: اسم سماء الدنيا، فقتل مقاتلتهم وكانوا ستمائة مقاتل، وقيل: أربعمائة وخمسين، وسبي سبعمائة وخمسون (2). # (وأرضا لم تطئوها) بأقدامكم بعد، وسيفتحها الله عليكم، وهي خيبر، وقيل: # مكة (3)، وقيل: فارس والروم (4)، وقيل: هي كل أرض تفتح إلى يوم القيامة (5) وقيل: هي كل ما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب (6). # (يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحيوة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا (28) وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الأخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما (29) ينسآء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا (30) ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صلحا نؤتهآ أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما (31) ينسآء النبي لستن كأحد من النسآء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي ms0946 في # PageV03P059 # قلبه مرض وقلن قولا معروفا (32) وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجهلية الأولى وأقمن الصلوة وءاتين الزكوة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (33) واذكرن ما يتلى في بيوتكن من ءايت الله وا لحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا (34)) قالوا: إن أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) سألنه شيئا من عرض الدنيا وطلبن منه زيادة في النفقة وتغايرن، فآذى ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وآلى منهن، وصعد إلى غرفة فمكث فيها شهرا، فنزلت آية التخيير (1) (فتعالين) أي: أقبلن بإرادتكن واختياركن لأحد أمرين، ولم يرد نهوضهن إليه بأنفسهن كما تقول: أقبل يخاصمني، وذهب يكلمني. (أمتعكن) أعطكن متعة الطلاق (وأسرحكن) أطلقكن (سراحا جميلا) طلاقا بالسنة من غير ضرار. # (للمحسنات) المريدات الإحسان المطيعات لله منكن. # واختلف في حكم التخيير، والمروي عن أئمة الهدى (عليهم السلام) أن ذلك كان خاصا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولو اخترن أنفسهن لبن منه من غير طلاق، وليس لغيره ذلك (2). # والفاحشة: السيئة البليغة في القبح، وهي الكبيرة، والمبينة: الظاهر فحشها. # والمراد: كل ما اقترفن من الكبائر. قرئ: " يضعف " (3)، و (يضاعف) بالياء على بناء الفعل للمفعول، و (نضعف) بالنون والبناء للفاعل (4)، وإنما ضوعف عذابهن لزيادة نعمة الله عليهن بنزول الوحي في بيوتهن وبمكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) # PageV03P060 # منهن، وزيادة قبح المعصية تتبع زيادة النعمة على المعاصي من المعصي، ومتى ازداد الفعل قبحا ازداد عقابه شدة، ولذلك تكون المعصية من العالم أقبح، وذم العقلاء له أكثر (وكان ذلك على الله يسيرا) إيذان بأن كونهن نساء النبي لا يغني عنهن شيئا. # وقرئ: (من يأت) (ومن يقنت) " ويعمل " بالياء والتاء (1) و (نؤتها) بالياء (2) والنون، أي: نعطها ثوابها مثلي ثواب غيرها، كما يكون عذابها ضعف عذاب غيرها، والقنوت: الطاعة. # و " أحد " في الأصل: وحد، بمعنى الواحد، ثم وضع في النفي العام فيستوي فيه المذكر والمؤنث والواحد والجمع، ومعنى قوله: (لستن كأحد من النساء) لستن كجماعة واحدة من جماعات النساء ms0947 في الفضل والسابقة (إن اتقيتن) أي: # إن كنتن متقيات وأردتن التقوى (فلا تخضعن بالقول) لا ترققن الكلام للرجال مثل كلام المريبات والمومسات (فيطمع الذي في قلبه مرض) أي: نفاق وفجور (وقلن قولا معروفا) بعيدا من التهمة مستقيما بجد وخشونة من غير تخنث، أو: # قولا حسنا مع كونه خشنا. # (وقرن) قرئ بكسر القاف (3) وفتحها، فالكسرة من: وقر يقر وقارا، أو من: # قر يقر قرارا، حذفت الراء الأولى من " أقررن " ونقلت كسرتها إلى القاف كما يقال: # ظلن في " ظللن "، والفتح أصله: " أقررن " حذفت الراء ونقلت الحركة إلى القاف # PageV03P061 # مثل: " ظلن "، (ولا تبرجن تبرج الجهلية الأولى) وهي القديمة التي يقال لها: # الجاهلية الجهلاء، وهي الزمن الذي ولد فيه إبراهيم (عليه السلام)، كانت المرأة تلبس الدرع من اللؤلؤ فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال، وقيل: ما بين آدم ونوح (1)، وقيل: هي جاهلية الكفر قبل الإسلام (2). # (أهل البيت) نصب على النداء أو على المدح، و (الرجس) مستعار للذنوب، و " الطهر " للتقوى، لأن عرض المقترف للقبيح يتدنس به كما يتلوث جسده بالأرجاس. # واتفقت الأمة على أن المراد أهل بيت نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) (3). # PageV03P062 # وعن أبي سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " نزلت في خمسة: في وفي علي والحسن والحسين وفاطمة " (1). # وعن أم سلمة قالت: جاءت فاطمة إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تحمل حريرة لها، قال: # ادعي زوجك وابنيك، فجاءت بهم فطعموا، ثم ألقى عليهم كساء خيبريا وقال: # هؤلاء أهل بيتي وعترتي فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، فقلت: يا رسول الله، وأنا معهم؟ قال: أنت على خير (2). # (واذكرن) ولا تنسين (ما يتلى في بيوتكن) من القرآن الذي هو آيات الله البينات والحكمة التي هي العلوم والشرائع، واعملن بموجبهما (إن الله كان لطيفا خبيرا) حين علم ما ينفعكم ويصلحكم في دينكم. # (إن المسلمين والمسلمت والمؤمنين والمؤمنت والقنتين والقنتت والصدقين والصدقت والصبرين والصبرات والخشعين والخشعت والمتصدقين والمتصدقت والصائمين # PageV03P063 # والصائمات والحفظين فروجهم والحفظت والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة ms0948 وأجرا عظيما (35) وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضللا مبينا (36) وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفى في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجنكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا (37)) قيل: إن أم سلمة قالت: يا رسول الله، ذكر الله الرجال في القرآن بخير، أفما فينا خير فنذكر به؟ فنزلت الآية (1). وقيل: إن القائلة أسماء بنت عميس لما رجعت من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب (2). # المسلم: الداخل في السلم، المنقاد غير المعاند، وقيل: المستسلم لأوامر الله، والمفوض أمره إلى الله (3). والمؤمن: المصدق بالله وبرسوله وبما يجب أن يصدق به، و القانت: القائم بالطاعة الدائم عليها، والصادق: الذي يصدق في قوله وعمله ونيته، والصابر: الذي يصبر على الطاعة وعن المعصية، والخاشع: المتواضع لله بقلبه وجوارحه، والمتصدق: الذي يزكي ماله، والذاكر الله كثيرا: من لا يخلو من ذكر الله بقلبه أو بلسانه أو بهما. # وعن أبي سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " إذا أيقظ الرجل أهله من الليل # PageV03P064 # فتوضآ وصليا ركعتين كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات " (١). # وعن الصادق (عليه السلام): " من بات على تسبيح فاطمة (عليها السلام) كان من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات ". # والمعنى: والحافظاتها والذاكراته، فحذف لأن الظاهر يدل عليه، وعطف الإناث في الآية على الذكور من نحو قوله: ﴿ثيبات وأبكارا﴾ (2) في أنهما جنسان مختلفان إذا اشتركا في حكم فلابد من أن يتوسط حرف العطف بينهما. وأما عطف الزوجين على الزوجين فإنه من عطف الصفة على الصفة بحرف الجمع، فكان معناه: إن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات أعد الله لهم مغفرة. # خطب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) زينب بنت جحش الأسدية على زيد بن حارثة مولاه وكانت بنت عمته ms0949 أميمة بنت عبد المطلب، فأبت وأبى أخوها عبد الله بن جحش، فنزل: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى) الآية (3)، أي: وما صح لرجل ولا امرأة من أهل الإيمان إذا قضى الله ورسوله أمرا من الأمور أن يكون لهم الاختيار من أمرهم على اختيار الله لهم، بل من حقهم أن يجعلوا رأيهم تبعا لرأيه، والخيرة ما يتخير، فلما نزلت قالا: رضينا يا رسول الله، فأنكحها زيدا وساق عنه إليها مهرها عشرة دنانير وستين درهما وخمارا وملحفة ودرعا وإزارا وخمسين مدا من طعام وثلاثين صاعا من تمر. # وقرئ: (يكون) بالتاء والياء (4). # (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه) بتوفيقك لعتقه ومحبته (وأنعمت عليه) # PageV03P065 # بما وفقك الله فيه من اختصاصه وتبنيه وهو زيد بن حارثة (أمسك عليك زوجك) يعني زينب بنت جحش، وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أتى منزل زينب ذات يوم، فإذا زينب جالسة وسط حجرتها تسحق طيبا بفهر لها، فدفع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الباب فوقع بصره عليها فقال: سبحان الله خالق النور، تبارك الله أحسن الخالقين، ورجع، فجاء زيد فأخبرته زينب بما كان، فقال لها: لعلك وقعت في قلب رسول الله، فهل لك أن أطلقك؟ فقالت: أخشى أن تطلقني ولا يتزوجني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فجاء زيد وقال: يا رسول الله، أريد أن أفارق صاحبتي، فقال: # مالك؟ أرابك منها شيء؟ قال: لا، والله ما رأيت منها إلا خيرا، ولكنها تتعظم علي لشرفها وتؤذيني، فقال له: أمسك عليك زوجك (واتق الله) ثم طلقها بعد فلما اعتدت قال رسول الله: ما أجد أحدا أوثق في نفسي منك، أخطب علي زينب، قال زيد: فانطلقت فإذا هي تخمر عجينها، فلما رأيتها عظمت في نفسي حتى ما أستطيع أن أنظر إليها حين علمت أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذكرها، فوليتها ظهري وقلت: يا زينب أبشري، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يخطبك، ففرحت بذلك، وقالت: ما أنا بصانعة شيئا حتى ms0950 أؤامر ربي، فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن (زوجنكها) فتزوجها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ودخل بها، وما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها، ذبح شاة وأطعم الناس الخبز واللحم حتى امتد النهار. # وقوله: (واتق الله) يريد: لا تطلقها، وهو نهي تنزيه لا نهي تحريم؛ لأن الأولى أن لا يطلق، وقيل: أراد اتق الله فلا تذمها بالنسبة إلى الأذى والكبر (1). # وقوله: (وتخفى في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس) قيل: أخفى في نفسه أنه إن طلقها زيد تزوجها، وخشى لائمة الناس أن يقولوا: أمره بطلاقها # PageV03P066 # ثم تزوجها (1) وقيل: إن الذي أخفاه هو الله سبحانه أعلمه أنها ستكون من أزواجه وأن زيدا سيطلقها (2) فأبدى سبحانه ما أخفاه في نفسه بقوله: (زوجنكها)، ولم يرد سبحانه بقوله: (والله أحق أن تخشه) خشية التقوى؛ لأنه صلوات الله عليه كان يتقي الله حق تقاته ويخشاه فيما يجب أن يخشاه فيه. ولكن المراد خشيته الاستحياء، لأن الحياء من الشيمة الكريمة، وقد يستحي الإنسان ويتحفظ من شيء هو في نفسه مباح حلال عند الله، لئلا يطلق الجهال الذين لا يعرفون حقائق الأمور ألسنتهم فيه، ألا ترى أنهم إذا طعموا في بيوته كانوا يستأنسون بالحديث ولا يريمون (3)، فكان يؤذيه قعودهم، ويصده الحياء أن يأمرهم بالانتشار حتى نزلت: (إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم) (4) فأخبر الله سبحانه الناس بما كان يضمره الرسول صلوات الله عليه وآله وعاتبه عليه، وكأنه سبحانه أراد منه أن يقول لزيد: أنت أعلم بشأنك، أو يصمت عند قوله: أريد مفارقتها ليكون ظاهره مطابقا لباطنه. # كما جاء في حديث إرادة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قتل عبد الله بن سعد بن أبي سرح وقد كان أهدر دمه قبل ذلك، واعترض عثمان له بالشفاعة: أن عباد بن بشير قال له: يا رسول الله، كان عيني إلى عينك انتظار أن تومئ إلي فأقتله، فقال (عليه السلام): " إن الأنبياء لا تكون لهم خائنة الأعين " فلم يستجز الإشارة بقتل كافر وإن كان مباحا. # والواو ms0951 في (وتخفى في نفسك)، (وتخشى الناس)، (والله أحق أن # PageV03P067 # تخشه): واو الحال، أي: تقول لزيد: أمسك عليك زوجك مخفيا في نفسك إرادة أن لا يمسكها، وتخفي خاشئا مقالة الناس، وتخشى الناس حقيقا في ذلك بأن تخشى الله. أو: واو العطف كأنه قيل: وإذ تجمع بين قولك: " أمسك " وإخفاء خلافه وخشية الناس. # (فلما قضى زيد منها وطرا) أي: فلما لم يبق لزيد فيها حاجة وطاب عنها نفسه وطلقها وانقضت عدتها (زوجنكها)، وقراءة أهل البيت (عليهم السلام) " زوجتكها "، وعن الصادق (عليه السلام): " ما قرأتها على أبي إلا كذلك، إلى أن قال: وما قرأ علي على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا كذلك " (1). # ثم بين سبحانه الغرض والمصلحة العامة في تزويجه إياها بقوله: (لكي لا يكون على المؤمنين حرج) أي: ضيق وإثم (في) أن يتزوجوا (أزواج أدعيآئهم) وهم الذين تبنوهم (إذا قضوا) من نسائهم (وطرا) أي: بلغوا منهن حاجتهم وفارقوهن، فلا يجرونهم في تحريم النساء (2) مجرى الابن من النسب والرضاع (وكان أمر الله مفعولا) جملة اعتراضية، أي: كان أمر الله الذي يريد أن يكونه مكونا لا محالة. # وروي أن زينب كانت تقول للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إني لأدل عليك بثلاث ليس من نسائك امرأة تدل بهن: جدي وجدك واحد، وزوجنيك الله، والسفير جبرائيل (عليه السلام) (3). # (ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين # PageV03P068 # خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا (38) الذين يبلغون رسلت الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا (39) ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شىء عليما (40)) (فرض الله له) أي: قسم الله وأوجب من التزوج بامرأة المتبنى، ليبطل حكم الجاهلية في الأدعياء، ومنه فرض لفلان في الديوان كذا (سنة الله) اسم وضع موضع المصدر المؤكد لقوله تعالى: (ما كان على النبي من حرج) كأنه قيل: سن الله ذلك سنة في الذين خلوا من الأنبياء الماضين، وهو أن لا يحرج ms0952 عليهم فيما أباح لهم الإقدام عليه من النكاح وغيره، وقد كان لداود مائة امرأة وثلاثمائة سرية، ولسليمان ثلاثمائة امرأة وسبعمائة سرية. # (الذين يبلغون) يحتمل الوجوه الثلاثة من الإعراب: الجر على الوصف للأنبياء، والرفع والنصب على المدح، أي: هم الذين يبلغون، أو: أعني الذين يبلغون. وقرئ: " رسالة الله " (1). # (وكان أمر الله) المنزل على أنبيائه (قدرا مقدورا) حكما مبتوتا وقضاء مقضيا (2). # (ولا يخشون أحدا إلا الله) فيما يتعلق بالتبليغ والأداء (3). # (وكفى بالله حسيبا) كافيا للمخاوف، وقيل: حافظا لأعمال خلقه # PageV03P069 # محاسبا مجازيا عليها (1). # (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم) أي: لم يكن أبا رجل منكم على الحقيقة حتى يثبت بينه وبينه ما يثبت بين الأب وولده من حرمة الصهر والنكاح (ولكن) كان (رسول الله) وكل رسول أبو أمته فيما يرجع إلى وجوب التوقير والتعظيم له عليهم، لا في سائر الأحكام الثابتة بين الآباء والأبناء، وزيد واحد من رجالكم الذين ليسوا بأولاده حقيقة، وكان حكمه حكمهم (وخاتم النبيين) آخرهم، ختمت النبوة به، فشريعته باقية إلى آخر الدهر. وكان صلوات الله عليه أبا للحسن والحسين لقوله: " ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا " (2) وهما من رجاله لا من رجالهم. وقرئ: (خاتم النبيين) بفتح التاء (3) بمعنى الطابع. # (يأيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا (41) وسبحوه بكرة وأصيلا (42) هو الذي يصلى عليكم وملئكته ليخرجكم من الظلمت إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما (43) تحيتهم يوم يلقونه سلم وأعد لهم أجرا كريما (44) يأيها النبي إنآ أرسلنك شهدا ومبشرا ونذيرا (45) وداعيا إلى الله بإذنه ى وسراجا منيرا (46) وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا (47) ولا تطع الكافرين والمنفقين ودع أذلهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (48)) (اذكروا الله) أثنوا عليه بضروب الثناء من التحميد والتهليل والتمجيد # PageV03P070 # والتسبيح والتكبير، وأكثروا ذلك. # وعن الصادق (عليه السلام): " من سبح تسبيح فاطمة (عليها السلام) فقد ذكر الله ذكرا كثيرا " (1). # وعنهم (عليهم السلام): " من قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ثلاثين مرة فقد ذكر الله ذكرا كثيرا " (2). # (وسبحوه) التسبيح من ms0953 جملة الذكر، واختصه من بين أنواعه اختصاص جبرئيل وميكائيل من بين الملائكة، ليبين فضله على سائر الأذكار، لأن معناه: # تنزيه ذاته عما لا يجوز عليه من الصفات والأفعال، ويجوز أن يريد بالذكر وإكثاره تكثير الطاعات، فإن كل طاعة من جملة الذكر. ثم خص من ذلك التسبيح (بكرة وأصيلا) وهو الصلاة في جميع أوقاتها؛ لفضل الصلاة على غيرها، أو: # صلاة الفجر والعشاءين لأن أداءها أشق، ومراعاتها أشد. # ولما كان من شأن المصلي أن ينعطف وينحني في ركوعه وسجوده استعير لمن انعطف على غيره حنوا عليه، واستعمل في الرحمة والترؤف، ومنه قولهم: " صلى الله عليه وآله وسلم " أي: ترحم عليه وترأف. وأما صلاة الملائكة فهي قولهم: # " اللهم صل على المؤمنين " جعلوا لكونهم مستجابي الدعوة كأنهم فاعلون الرحمة والرأفة. ونظيره قولهم: " حياك الله " أي: أحياك وأبقاك، و " حييته " أي: دعوت له بأن يحييه الله ويبقيه، لأنه لاتكاله على إجابة دعوته كأنه يبقيه على الحقيقة، وعليه قوله: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يأيها الذين ءامنوا صلوا عليه) (3) أي: ادعوا الله بأن يصلي عليه. والمعنى: هو الذي يترحم عليكم ويترأف حيث يأمركم بإكثار الخير والتوفر على الطاعة ليخرجكم من ظلمات # PageV03P071 # المعصية إلى نور الطاعة، وفي قوله: (وكان بالمؤمنين رحيما) دلالة على أن المراد بالصلاة الرحمة. # (تحيتهم) هو من باب إضافة المصدر إلى المفعول، أي: يحيون يوم لقائه: # ب‍ (سلم)، وعن البراء بن عازب: لا يقبض ملك الموت روح مؤمن إلا سلم عليه (١). وقيل: هو سلام الملائكة عند الخروج من القبور (٢)، وقيل: عند دخول الجنة (٣)، كما قال: ﴿والملئكة يدخلون عليهم من كل باب سلم عليكم﴾ (4)، والأجر الكريم: الجنة. # (إنآ أرسلنك شهدا) على أمتك فيما يفعلونه، مقبولا قولك عند الله لهم وعليهم كما يقبل قول الشاهد العدل، وهو حال مقدرة كمسألة الكتاب: مررت برجل معه صقر صائدا به غدا، أي: مقدرا به الصيد غدا (بإذنه) مستعار للتسهيل والتيسير، وفيه إيذان بأن دعاء أهل الشرك إلى التوحيد والشرائع أمر صعب لا يتسهل إلا بتيسير الله (وسراجا منيرا) ms0954 يهتدى بك في الدين كما يهتدى بالسراج في ظلام الليل، أو: يمد بنور نبوتك نور البصائر كما يمد بنور السراج نور الأبصار. # والفضل الكبير: الزيادة على ما يستحقونه من الثواب، ويجوز أن يكون المراد أن لهم فضلا كبيرا على سائر الأمم. # (ولا تطع الكافرين) معناه: الدوام على ما كان عليه أو التهيج. (ودع أذلهم) أي: ودع أن تؤذيهم بضرر أو قتل وخذ بظاهرهم، وحسابهم على الله، # PageV03P072 # ويكون المصدر مضافا إلى المفعول. قيل: وذلك قبل أن يؤمر بالقتال (1)، وقيل: # معناه: ودع ما يؤذونك به، فيكون مضافا إلى الفاعل (2)، (وتوكل على الله) فإنه يكفيكهم (وكفى بالله وكيلا) كافيا مفوضا إليه. # (يأيها الذين ءامنوا إذا نكحتم المؤمنت ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا (49) يأيها النبي إنآ أحللنا لك أزواجك التي ءاتيت أجورهن وما ملكت يمينك ممآ أفآء الله عليك وبنات عمك وبنات عمتك وبنات خالك وبنات خللتك التي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمنهم لكيلا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما (50)) (تعتدونها) تستوفون عددها من قولك: عددت الدراهم فاعتدها، وكلت الشيء فاكتاله. وفيه دليل على أن العدة حق واجب للرجال على النساء (فمتعوهن) إذا لم تفترضوا لهن صداقا (وسرحوهن سراحا جميلا) من غير ضرار ولا منع واجب. # (أجورهن) أي: مهورهن، لأن المهر أجر على البضع، وإيتاؤها: إعطاؤها عاجلا وفرضها وتسميتها في العقد. وقد اختار الله عز وجل لرسوله الأفضل والأولى وهو تسمية المهر في العقد وسوق المهر إليها عاجلا، فإنه أفضل من أن يسميه ويؤجله، ولذلك كان التعجيل ديدنهم وسنتهم. وكذلك الجارية إذا كانت # PageV03P073 # سبية مالكها ومما غنمه الله من دار الحرب كانت أحل وأطيب مما يشترى، وذلك قوله: (مما أفآء الله عليك)، وكذلك النساء (التي هاجرن) مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من قرابته غير المحارم أفضل ms0955 من غير المهاجرات معه، وأحللنا لك (امرأة) مصدقة بتوحيد الله (إن وهبت نفسها) لك بغير صداق إن آثر النبي نكاحها ورغب فيها (خالصة لك) أي: خاصة لك (من دون المؤمنين) أي: لا يحل لغيرك وهو لك حلال. # شرط سبحانه في الإحلال هبتها نفسها، وفي الهبة إرادة استنكاح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وهو أن يطلب نكاحها ويرغب فيه، فكأنه قال: أحللناها لك إن وهبت لك نفسها وأنت تريد أن تستنكحها، لأن إرادته هي قبول الهبة، وعدل عن الخطاب إلى الغيبة للإيذان بأنه مما خص به، ومجيئه على لفظ " النبي " للدلالة على أن هذا الاختصاص تكرمة له لأجل النبوة، وتكريره تقرير لاستحقاقه الكرامة لنبوته. # (خالصة) مصدر مؤكد، مثل: وعد الله، وصبغة الله، أي: خلص لك إحلال ما أحللناك خالصة، بمعنى خلوصا (قد علمنا) ما فرضنا على المؤمنين في أزواجهم وإمائهم وعلى أي حد وصفة يجب أن يفرض عليهم، وآثرناك بالاختصاص بما خصصناك به (لكيلا يكون عليك حرج) أي: ضيق في دينك ودنياك (وكان الله غفورا) لذنوب عباده (رحيما) بالتوسعة عليهم. # (ترجى من تشآء منهن وتئوى إليك من تشآء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بمآ ءاتيتهن كلهن والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما (51) لا يحل لك النسآء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك PageV03P074 # حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شىء رقيبا (52) يأيها الذين ءامنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير نظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستئنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذى النبي فيستحىى منكم والله لا يستحىى من الحق وإذا سألتموهن متعا فسألوهن من ورآء حجاب ذا لكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده ى أبدا إن ذا لكم كان عند الله عظيما (53) إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله ms0956 كان بكل شىء عليما (54)) (ترجى) بهمز وغير همز. تؤخر (وتئوى) تضم، يعني: تترك مضاجعة من تشاء منهن وتضاجع من تشاء، أو تطلق من تشاء وتمسك من تشاء، أو: لا تقسم لأيتهن شئت، وتقسم لمن شئت، وكان (عليه السلام) يقسم بين أزواجه فأبيح له ترك ذلك، أو: تترك تزوج من شئت من نساء أمتك، وتتزوج من شئت، وكان (عليه السلام) إذا خطب امرأة لم يكن لغيره أن يخطبها حتى يدعها، وروي أن عائشة قالت: إني أرى ربك يسارع في هواك! (1). # (ومن ابتغيت) أن تضمها إليك (ممن) عزلتهن (فلا جناح عليك) في ابتغائها (ذلك) التفويض إلى اختيارك ومشيئتك (أدنى) إلى قرة عيونهن وقلة حزنهن ورضائهن جميعا، لأنه إذا سوى بينهن في الإيواء والإرجاء والعزل والابتغاء، ولم يكن لإحداهن مما تريد ومما لا تريد إلا مثل ما للأخرى، وعلمن أن هذا التفويض من عند الله سكنت نفوسهن، وذهب التنافس، وحصل التراضي # PageV03P075 # (كلهن) تأكيد لنون (يرضين)، (والله يعلم ما في قلوبكم) فيه وعيد لمن لم يرض منهن بما فوض الله إلى مشيئة رسوله، وبعث على طلب رضاه (عليه السلام) (وكان الله عليما) بمصالح عباده (حليما) لا يعاجلهم بالعقوبة. # وقرئ: (لا يحل) بالتاء (1) والياء، أي: لا تحل لك (النسآء من بعد) النساء اللواتي أحللناهن لك من الأجناس: من اللواتي أعطيت مهورهن، ومن المهاجرات من القرائب، ومن الإماء المسبية (2)، ومن وهبت نفسها له بجميع ما شاء من العدد، (ولآ أن تبدل بهن) أي: بالمسلمات الكتابيات، لأ نه لا ينبغي أن يكن أمهات المسلمين (إلا ما ملكت يمينك) من الكتابيات، وقيل: إن التبدل المحرم هو ما كان يفعل في الجاهلية، يقول الرجل للرجل: بادلني بامرأتك أبادلك بامرأتي، فينزل كل واحد منهما عن امرأته لصاحبه (3). # ويحكى أن عيينة بن حصين دخل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وعنده عائشة من غير استئذان، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " يا عيينة، أين الاستئذان "؟ قال: يا رسول الله، ما استأذنت على رجل قط منذ أدركت، ثم قال: ms0957 من هذه الجميلة إلى جنبك؟ # فقال (عليه السلام): " هذه عائشة بنت أبي بكر "، قال عيينة: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق؟ # قال (عليه السلام): " قد حرم ذلك "، فلما خرج قالت عائشة: من هذا يا رسول الله؟ فقال: # " أحمق مطاع، وإنه على ما ترين لسيد قومه " (4). # وقيل: معناه: لا يحل لك النساء من بعد نسائك اللاتي خيرتهن فاخترن الله ورسوله وهن التسع، ولا أن تستبدل بهن أزواجا أخر (5) (ولو أعجبك حسنهن) واستثنى ممن حرم عليه الإماء. # PageV03P076 # (أن يؤذن لكم) في معنى الظرف، تقديره: إلا وقت أن يؤذن لكم (غير نظرين) حال من (لا تدخلوا) وقع الاستثناء على الوقت والحال معا، كأنه قال: # لا تدخلوا بيوت النبي إلا وقت الإذن، ولا تدخلوها إلا غير ناظرين. وهؤلاء قوم كانوا يتحينون أي: يتعرضون طعام رسول الله فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه، والمعنى: لا تدخلوا يا هؤلاء المتحينون للطعام إلا أن يؤذن لكم إلى طعام. وإلا فلو لم يكن لهؤلاء خصوصا لما جاز لأحد أن يدخل بيوت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا أن يؤذن له إذنا خاصا إلى طعام فحسب. و (إناه) إدراكه ونضجه، يقال: أنى الطعام إنى، وقيل: إناه: وقته (1)، أي: غير ناظرين وقت الطعام وساعة أكله. # وروي: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أولم على زينب بتمر وسويق وذبح شاة فأمر أنسا أن يدعو أصحابه، فترادفوا أفواجا، يأكل فوج فيخرج، ثم يدخل فوج، إلى أن قال: يا نبي الله قد دعوت حتى ما أجد أحدا أدعوه، فقال: ارفعوا طعامكم وتفرق الناس وبقى ثلاثة نفر يتحدثون فأطالوا، فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليخرجوا، فطاف بالحجرات ورجع فإذا الثلاثة جلوس مكانهم، وكان صلوات الله عليه شديد الحياء فتولى، فلما رأوه متوليا خرجوا، فرجع ونزلت الآية (2). # (مستأنسين) مجرور عطف على: (نظرين)، أو منصوب على: ولا تدخلوها (مستأنسين) أي: يستأنس بعضكم ببعض لأجل حديث يحدثه به، أو: مستأنسين حديث أهل البيت، واستئناسه: تسمعه وتوجسه. ولا بد في قوله: # (فيستحىى منكم) من ms0958 تقدير مضاف، أي: من إخراجكم، بدليل قوله: (والله لا يستحىى من الحق) ومعناه: أن إخراجكم حق ما ينبغي أن يستحيي منه، # PageV03P077 # ولما كان الحياء مما يمنع الحيي من بعض الأفعال قيل: والله لا يستحيي من الحق، بمعنى: لا يمتنع منه ولا يتركه ترك الحيي منكم، وهذا أدب أدب الله به الثقلاء. # وعن عائشة قالت: حسبك في الثقلاء أن الله تعالى لم يحتملهم وقال: (فإذا طعمتم فانتشروا) (1). # والضمير في (سألتموهن) لنساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يذكرن لأن الحال ينطق بذكرهن (فاسألوهن) المتاع. # وقيل: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يطعم ومعه بعض أصحابه فأصابت يد رجل منهم يد عائشة، فكره النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك، فنزلت آية الحجاب (2). # وروي أن بعضهم قال: أننهى أن نكلم بنات عمنا إلا من وراء الحجاب؟! لئن مات محمد، لأتزوجن عائشة (3) وعن مقاتل: هو طلحة بن عبيد الله فنزلت: (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله) (4)؛ أي: وما صح لكم إيذاء رسول الله ولا نكاح (أزواجه من بعده) وسمي نكاح أزواجه بعده (عظيما) تعظيما لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإيجابا لحرمته حيا وميتا عليه أفضل الصلاة والسلام. # (إن تبدوا شيئا) من نكاحهن على ألسنتكم (أو تخفوه) في صدوركم فإن الله يعلم ذلك. # (لا جناح عليهن في ءابآبهن ولا أبنآبهن ولا إخوانهن ولا أبنآء إخوانهن ولا أبنآء أخوا تهن ولا نسآئهن ولا ما ملكت أيمنهن واتقين الله إن الله كان على كل شىء شهيدا (55) إن الله وملئكته يصلون على # PageV03P078 # النبي يأيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما (٥٦) إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والاخرة وأعد لهم عذابا مهينا (٥٧) والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنت بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتنا وإثما مبينا (٥٨)) لما نزلت آية الحجاب قال الآباء والأبناء والأقارب لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أو نحن أيضا نكلمهن من وراء حجاب؟ فنزلت (١). # أي: لا إثم عليهن في أن لا يحتجبن عن هؤلاء، ولم ms0959 يذكر العم والخال لأنهما يجريان مجرى الوالدين، وقد سمى الله العم أبا في قوله: ﴿وإله ءابآئك إبراهيم وإسمعيل وإسحق﴾ (2) وإسماعيل عم يعقوب، وقيل: كره ترك الاحتجاب عنهما لأنهما يصفانهن لأبنائهما وأبناؤهما غير محارم (3) (واتقين الله) في نقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب دلالة على فضل تشديد فيما أمرن به من الاحتجاب والاستتار، أي: واسلكن طريق التقوى فيما أمرتن به واحتطن فيه، وكان الله (على كل شىء) من السر والعلن، وظاهر الحجاب وباطنه (شهيدا) لا تتفاوت الأحوال في علمه. # صلاة الله على النبي (عليه السلام) هي ما يفعله به من إعلاء درجاته ورفع منازله وتعظيم شأنه وغير ذلك من أنواع كراماته، وصلاة الملائكة عليه مسألتهم الله عز اسمه أن يفعل به مثل ذلك (صلوا عليه) أي: قولوا: اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم (وسلموا) له في الأمور (تسليما) أي: انقادوا لأمره وأطيعوه، أو: سلموا عليه بأن تقولوا: السلام عليك يا رسول الله. # PageV03P079 # (يؤذون الله ورسوله) أذى الله تعالى عبارة عن أذى رسوله وأوليائه، وإنما أضافه إلى نفسه مبالغة في تعظيم المعصية. # وعن علي (عليه السلام): حدثني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو آخذ بشعره فقال: " من آذى شعرة منك فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن آذى الله فعليه لعنة الله " (1). # وقيد إيذاء المؤمنين والمؤمنات بعد أن أطلق إيذاء الله ورسوله، لأن إيذاء الله ورسوله لا يكون إلا بغير حق أبدا. ومعنى (بغير ما اكتسبوا) بغير جناية واستحقاق للأذى (بهتانا) أي: كذبا، أي: فعلوا ما هو في الإثم مثل البهتان؛ يعني بذلك أذية اللسان. # (يأيها النبي قل لازواجك وبناتك ونسآء المؤمنين يدنين عليهن من جلبيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما (59) لبن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيهآ إلا قليلا (60) ملعونين أينمآ ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا (61) سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ms0960 (62)). # الجلباب: ثوب واسع، أوسع من الخمار ودون الرداء، تلويه المرأة على رأسها وتبقي منه ما ترسله على صدرها. وعن ابن عباس: الرداء الذي يستر من فوق إلى أسفل (2)، وقيل: الجلباب: الملحفة وكل ما يتستر به من كساء أو غيره (3). قال الشاعر: # PageV03P080 # مجلبب من سواد الليل جلبابا (1) ومعنى (يدنين عليهن من جلبيبهن): يرخينها عليهن ويغطين بها وجوههن وأعطافهن، يقال إذا زل الثوب عن وجه المرأة: أدني ثوبك على وجهك. وذلك أن النساء كن في أول الإسلام على عادتهن في الجاهلية مبتذلات يبرزن في درع وخمار، لا فرق بين الحرة والأمة، وكان أهل الشطارة والريبة يتعرضون للإماء، فربما تعرضوا للحرة بعلة الأمة. فأمرن أن يخالفن بزيهن من زي الإماء لئلا يطمع فيهن طامع، وذلك قوله: (ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين) أي: أقرب إلى أن لا يتعرض لهن ولا يلقين ما يكرهن. و (من) في: (جلبيبهن) للتبعيض، بمعنى: # تجلببن ببعض جلابيبهن أو يرخين بعض جلبابهن على الوجه (وكان الله غفورا رحيما) لما سلف منهن في ذلك. # (والذين في قلوبهم مرض) أي: ضعف في الإيمان، وقيل: هم الزناة وأهل الفجور (2)، من قوله: (فيطمع الذي في قلبه مرض) (3)، (والمرجفون في المدينة) بالأخبار المضعفة لقلوب المسلمين عن سرايا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، يقولون: # هزموا وقتلوا، وأصله من الرجفة، وهي الزلزلة لكونه خبرا متزلزلا غير ثابت، والمعنى: لئن لم ينته المنافقون عن عدواتهم وكيدهم، والفسقة عن إيذاء النساء، والمرجفون عما يؤلفونه (4) من أخبار السوء، لنأمرنك بأن تفعل بهم ما يسوؤهم وينوؤهم ويضطرهم إلى طلب الجلاء عن المدينة، ثم لا يساكنونك في المدينة # PageV03P081 # إلا زمانا قليلا، فسمى ذلك عن إغراء وهو التحريش (1) على سبيل المجاز. # (ملعونين) نصب على " الشتم " أو الحال، أي: (لا يجاورونك) إلا ملعونين. # دخل حرف الاستثناء على الظرف والحال معا، كما مر ذكره في قوله: (إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير نظرين إناه) (2) وقيل: إن (قليلا) منصوب على الحال أيضا، أي: أقلاء أذلة (3)، و (لا يجاورونك) عطف على (لنغزينك)، فهو جواب ms0961 آخر للقسم. # (سنة الله) مصدر مؤكد، أي: سن الله في الذين ينافقون الأنبياء أن يقتلوا أينما ثقفوا. # (يسئلك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا (63) إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا (64) خالدين فيهآ أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا (65) يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يليتنآ أطعنا الله وأطعنا الرسولا (66) وقالوا ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا فأظلونا السبيلا (67) ربنآ ءاتهم ضعفين من ا لعذاب وا لعنهم لعنا كبيرا (68) يأيها الذين ءامنوا لا تكونوا كالذين ءاذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها (69)) كان المشركون يسألون (عن الساعة) ووقت قيامها استعجالا على سبيل الإنكار والهزء، واليهود يسألون ذلك امتحانا، فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن يجيبهم بأنه علم قد استأثر الله به، ثم قال: لعلها (تكون قريبا) مجيئها، أو: شيئا قريبا، أو: في زمان قريب. # PageV03P082 # و " السعير ": النار المسعورة. وتقليب الوجوه معناه: تصريفها في الجهات، كما أن البضعة من اللحم تدور في القدر من جهة إلى جهة إذا استجمعت غليا، أو تغييرها عن أحوالها، أو طرحها في النار منكوبين مغلوبين (1)، وخص الوجوه بالذكر لأن الوجه أكرم الأعضاء، ويجوز أن يكون الوجه عبارة عن الجملة. # وانتصب (يوم) ب‍ (يقولون)، أو ب‍ (اذكر) و (يقولون) حال. # وقرئ: " ساداتنا " (2) وهم رؤساء الكفار الذين أضلوهم، وزيادة الألف لإطلاق الصوت، جعل فواصل الآي كقوافي الشعر، وفائدتها الوقف والدلالة على أن الكلام قد انقطع، وأن ما بعده مستأنف. # وقرئ (كبيرا) بالباء والثاء (3)، والكثرة أشبه بالموضع لأنهم يلعنون مرة بعد مرة، والكبير بمعنى: الشديد العظيم، أي: (ءاتهم ضعفين من العذاب) ضعفا لضلالهم وضعفا لإضلالهم. # (لا تكونوا كالذين ءاذوا موسى) (عليه السلام): قيل: نزلت في شأن زيد وزينب وما سمع فيه من مقالة بعض الناس (4). وقيل: في أذى موسى (عليه السلام): هو حديث المومسة التي حملها قارون على قذفه بنفسها (5). وقيل: اتهامهم إياه بقتل هارون، وقد كانا صعدا الجبل فمات هارون، فحملته الملائكة ومروا به على ms0962 بني إسرائيل ميتا، حتى عرفوا أنه قد مات ولم يقتل (6). وقيل: قذفوه بعيب في جسده، من # PageV03P083 # برص أو أدرة (1)، فأطلعهم الله على أنه بريء منه (2). (وجيها) ذا جاه ومنزلة عنده، فلذلك كان يميط عنه التهم، ويحافظ عليه لئلا يلحقه وصم (3)، كما يفعل الملوك بمن له عندهم وجاهة، والمعنى: (فبرأه الله) من قولهم أو من مقولهم، فيكون " ما " مصدرية أو موصولة. والمراد بالقول أو المقول مضمونه ومؤداه، وهو الأمر المعيب، كما سموا السبة (4) بالقالة، والقالة بمعنى القول. # (يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا (70) يصلح لكم أعملكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما (71) إنا عرضنا الأمانة على السموات والارض والجبآل فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان إنه كان ظلوما جهولا (72) ليعذب الله المنفقين والمنفقت والمشركين والمشركت ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنت وكان الله غفورا رحيما (73)) (قولا سديدا) أي: قاصدا إلى الحق، والسداد: القصد إلى الحق والقول بالعدل (5)، يقال: سدد السهم نحو الرمية، كما قالوا: سهم قاصد. وقيل: إن المراد نهيهم عما خاضوا فيه من حديث زينب من غير عدل في القول (6)، وهو البعث على أن يسد قولهم في كل باب، لأن حفظ اللسان وسداد القول رأس الخير كله. # PageV03P084 # والمعنى: احفظوا ألسنتكم وسددوا قولكم، فإنكم إذا فعلتم ذلك أعطاكم الله غاية مطلوبكم من تزكية أعمالكم، وتقبل حسناتكم، ومغفرة سيئاتكم. # ولما علق سبحانه طاعته وطاعة رسوله بالفوز العظيم أتبعه قوله: (إنا عرضنا الأمانة) وهو يريد بالأمانة: الطاعة، فعظم أمرها، والمعنى: أن هذه الأجرام العظام قد انقادت لأمر الله فلم تمتنع على مشيئته إيجادا وتكوينا وتسوية على أشكال متنوعة وصفات مختلفة، وأما الإنسان فلم يكن حاله فيما يصح منه من الطاعة ويليق به من الانقياد لأوامر الله ونواهيه، وهو حيوان عاقل صالح للتكليف مثل حال تلك الجمادات فيما يصح منها من الانقياد وعدم الامتناع. # والمراد بالأمانة: الطاعة؛ لأنها لازمة الأداء، وعرضها على الجمادات وإباؤها وإشفاقها مجازا، وأما حمل الأمانة فمن قولك: فلان حامل الأمانة ومحتمل لها، تريد ms0963 لا يؤديها إلى صاحبها حتى يخرج من عهدتها، لأن الأمانة كأنها راكبة للمؤتمن عليها، فإذا أداها لم تبق راكبة له ولم يكن هو حاملا لها. # فالمعنى: (فأبين) أن لا يؤدينها وأبى الإنسان إلا أن يكون محتملا لها لا يؤديها، ثم وصفه بالظلم لكونه تاركا لأداء الأمانة، وبالجهل لإغفاله ما يسعده مع تمكنه من ذلك بأن يؤدي الأمانة. # واللام في (ليعذب) لام التعليل على طريق المجاز، لأن التعذيب نتيجة حمل الأمانة، كما أن التأديب في قولك: ضربته للتأديب نتيجة الضرب، أي: ليعذب الله حامل الأمانة (ويتوب الله) على غيره ممن لم يحملها، لأنه إذا تيب على الوافي كان ذلك نوعا من عذاب الغادر. # * * * PageV03P085 # سورة سبأ مكية (1) وهي أربع وخمسون آية. # وفي حديث أبي: " من قرأ سورة سبأ لم يبق نبي ولا رسول إلا كان له يوم القيامة رفيقا ومصافحا " (2). # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأ الحمدين جميعا - سبأ وفاطر - في ليلته لم يزل في ليلته في حفظ الله وكلاءته، فإن قرأهما في نهاره لم يصبه فيه مكروه، وأعطي من خير الدنيا والآخرة ما لم يخطر على قلبه ولم يبلغه مناه " (3). # بسم الله الرحمن الرحيم (الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الارض وله الحمد في الأخرة وهو الحكيم الخبير (1) يعلم ما يلج في الارض وما يخرج # PageV03P087 # منها وما ينزل من السمآء ومآ يعرج فيها وهو الرحيم الغفور (2) وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم علم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الارض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتب مبين (3) ليجزى الذين ءامنوا وعملوا الصلحت أولئك لهم مغفرة ورزق كريم (4) والذين سعو في ءايتنا معجزين أولئك لهم عذاب من رجز أليم (5)) (ما في السموات وما في الأرض) كله نعمة من الله سبحانه، فكأنه سبحانه وصف نفسه بالإنعام بجميع النعم الدنيوية، فمعناه: أنه المحمود على نعم الدنيا (وله الحمد في الآخرة) إيذان بأنه المحمود على نعم الآخرة، وهي الثواب الدائم والنعيم ms0964 المقيم (وهو الحكيم) الذي أحكم أمور الدارين (الخبير) بكل كائن وبكل ما سيكون. (يعلم ما يلج في الأرض) من مطر أو كنز أو ميت (وما يخرج منها) من نبات أو جوهر أو حيوان (وما ينزل من السماء) من ملك أو مطر أو رزق (وما يعرج فيها) أي: ما يصعد من الملائكة وأعمال العباد، وهو مع كثرة نعمه وسبوغ فضله (الرحيم الغفور) لعباده المقصرين في أداء الواجب من شكره. # قال منكر البعث: (لا تأتينا الساعة) وهو نفي أو استبطاء على طريق الهزء (قل بلى وربى) أوجب ما بعد النفي ببلى على معنى: أن ليس الأمر إلا إتيانها، ثم أكده بالقسم بالله عز وجل، ثم أكد التوكيد القسمي بما أتبعه من وصف المقسم به بأنه (علم الغيب) لا يفوته (مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض) فيندرج تحته علمه بوقت قيام الساعة. ثم أتبع القسم الحجة القاطعة وهو (ليجزى) لأنه ركب في العقول أن المحسن لابد له من ثواب، والمسيء PageV03P088 # مستوجب العقاب، فاتصل (ليجزى) بقوله: (لتأتينكم) تعليلا له، وقرئ: (علم الغيب) و " علام الغيب " (1) بالجر صفة ل‍ (ربي) وقرئ: " علم " (2) بالرفع على المدح، (ولا أصغر من ذلك) إشارة إلى (مثقال)، وارتفع (أصغر) على أصل الابتداء، وهو كلام منقطع عما قبله، ولا يجوز أن يكون (أصغر) عطفا على (مثقال) لأن حرف الاستثناء تأباه. # (سعو في آيتنا) أي: عملوا بجهدهم في إبطال حججنا وبيناتنا مقدرين إعجاز ربهم، أو: ظانين أنهم يفوتونه. وقرئ: " معجزين " (3) وقد مر ذكره في سورة الحج (4). وقرئ: (أليم) بالرفع والجر (5)، والرجز أسوأ العذاب، والجر في (أليم) أبين صفة ل‍ (رجز). # (ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدى إلى صراط العزيز الحميد (6) وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد (7) أفترى على الله كذبا أم به ى جنة بل الذين لا يؤمنون بالأخرة في العذاب والضلل البعيد (8) أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السمآء والأرض إن ms0965 نشأ نخسف بهم الارض أو نسقط عليهم كسفا من السمآء إن في ذلك لأية لكل عبد منيب (9)) # PageV03P089 # (يرى) في موضع الرفع، أي: ويعلم (الذين أوتوا العلم) وهم أصحاب رسول الله، أو علماء أهل الكتاب الذين أسلموا (الذي أنزل إليك... الحق) وهما مفعولان ل‍ (يرى) وهو فصل. وقيل: (ويرى) في موضع النصب عطفا على (ليجزى) (1)، أي: وليعلم أولو العلم عند مجيء الساعة أنه الحق علما لا يتخالجه ريب، و (الذي أنزل إليك) هو القرآن، (ويهدى) القرآن (إلى صراط العزيز) الذي لا يغالب، (الحميد) على جميع أفعاله وهو الله سبحانه. # والعامل في (إذا) ما دل عليه قوله: (إنكم لفي خلق جديد) وقد مر نظيره، و " الممزق " مصدر أو مكان. وأسقطت الهمزة في قوله: (افترى) دون قوله: # (السحر) وكلتاهما همزة وصل؛ لأن القياس طرحها، ولكن لم تطرح هناك لخوف التباس الاستفهام بالخبر، لكون همزة الوصل مفتوحة، وهي مكسورة هنا فلا التباس، أي: أهو مفتر على الله (كذبا) فيما ينسب إليه (أم به جنة) جنون يوهمه ذلك، ثم قال: ليس محمد من الافتراء والجنون في شيء، بل هؤلاء الكافرون بالبعث واقعون (في) عذاب النار (والضلل) عن الحق وذلك أجن الجنون، ولما كان العذاب من لوازم الضلال جعلا كأنهما مقترنان. ووصف الضلال ب‍ (البعيد) من الإسناد المجازي؛ لأن " البعيد " صفة الضال إذا بعد عن الجادة. # (أفلم يروا) أي: أعموا فلم ينظروا إلى (السمآء والأرض) وأنهما - حيثما كانوا - محيطتان بهم لا يقدرون أن ينفذوا من أقطارهما؟ وقيل: أفلم يتفكروا فيهما ولم يستدلوا بذلك على قدرتنا؟ (2) ثم ذكر سبحانه قدرته على إهلاكهم بأن يخسف (بهم الارض) كما خسف بقارون، أو يسقط (عليهم) قطعة (من # PageV03P090 # السمآء إن في ذلك) النظر إلى السماء والأرض والفكر فيهما لدلالة (لكل عبد) مطيع لله راجع إليه. وقرئ: (إن نشأ) (نخسف) و (نسقط) بالياء (1) والنون في الجميع، وأدغم الكسائي الفاء في الباء في (نخسف بهم) (2) وليس بقوي. # (ولقد ءاتينا داوود منا فضلا يجبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد (10) أن اعمل سبغت وقدر ms0966 في السرد واعملوا صلحا إنى بما تعملون بصير (11) ولسليمن الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير (12) يعملون له ما يشآء من محريب وتمثيل وجفان كالجواب وقدور راسيت اعملوا ءال داوود شكرا وقليل من عبادي الشكور (13) فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته ى إلا دآبة الارض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين (14)) (يا جبال) إما أن يكون بدلا من (فضلا) وإما من (آتينا) بتقدير قولنا: يا جبال، أو قلنا: يا جبال (أوبي) من التأويب، أي: رجعي معه التسبيح، ويجوز أن يكون الله سبحانه خلق فيها تسبيحا كما خلق الكلام في الشجرة، فيسمع من الجبال التسبيح كما يسمع من المسبح؛ معجزة لداود. وقرئ: (والطير) رفعا (3) ونصبا عطفا على لفظ الجبال ومحلها. وجوزوا أن ينتصب بالعطف على (فضلا) بمعنى: وسخرنا له الطير، وعلى (4) أنه مفعول معه، (وألنا له الحديد) وجعلناه له # PageV03P091 # لينا كالطين والشمع يصرفه بيده كيف شاء من غير نار ولا ضرب بمطرقة. # (أن اعمل سابغات) أي: دروعا واسعة صافية، وهو أول من اتخذها، وكانت قبل صفائح (وقدر في السرد) أي: في نسج الدروع، فلا تجعل مساميرها دقاقا فتغلق، ولا غلاظا فتقصم الحلق (واعملوا) الضمير لداود وأهله (و) سخرنا (لسليمن الريح) وقرئ: " الريح " بالرفع (١)، أي: ولسليمان الريح مسخرة، أو: وله تسخير الريح (غدوها شهر) جريها بالغداة مسيرة شهر، وجريها بالعشي كذلك (وأسلنا له عين القطر) أي: أذبنا له معدن النحاس وأظهرناه له، ينبع كما ينبع الماء من العين، ولذلك سماه: " عين القطر " تسمية بما آل إليه، كما قال: ﴿إني أراني أعصر خمرا﴾ (2)، (و) سخرنا له (من الجن من يعمل) بحضرته ما يأمرهم به من الأعمال (ومن يزغ) أي: ومن يعدل منهم عما أمرناهم به من طاعة سليمان (نذقة من عذاب السعير) في الآخرة، وقيل: في الدنيا، وقد وكل الله به ملكا ms0967 بيده سوط يضربه ضربة تحرقه (3). # والمحاريب: البيوت الشريفة، وقيل: هي المساجد والقصور يتعبد فيها (4)، (وتمثيل) قيل: كانت غير صور الحيوان، كصور الأشجار وغيرها، لأن التماثيل: # كل ما صور على صورة غيره من حيوان وغير حيوان (5)، وروي ذلك عن الصادق (عليه السلام) (6). وروي أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه ونسرين فوقه، # PageV03P092 # وإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أضله النسران بأجنحتهما من الشمس (1). والجوابي: الحياض الكبار لأن الماء يجيء فيها أي: يجمع، جعل الفعل لها مجازا وهي من الصفات الغالبة كالدابة، والقياس أن تثبت الياء، فيه، ومن حذف الياء في الوقف أو في الوصل والوقف فلأنه مشبه بالفاصلة (اعملوا) حكاية ما قيل لآل داود، وانتصب (شكرا) على أنه مفعول له، والمعنى: اعملوا لله واعبدوه على وجه الشكر لنعمه، وفيه دلالة على أن العبادة يجب أن تؤدى على وجه الشكر (2)، أو على الحال، أي: شاكرين أو على تقدير: اشكروا شكرا، لأن " اعملوا " فيه معنى الشكر من حيث إن العمل للمنعم شكرا له، و (الشكور): # المتوفر على أداء الشكر، الباذل وسعه فيه، وقد شغل به قلبه ولسانه وجوارحه اعتقادا واعترافا وكدحا. # (فلما) حكمنا على سليمان (الموت) ما دل الجن (على موته إلا دآبة الأرض) وهي الأرضة (تأكل منسأته) وهي العصا الكبيرة يسوق بها الراعي غنمه، من: نسأته إذا زجرته، وقرئ: " منسأته " بتخفيف الهمزة (3) (تبينت الجن) من تبين الشيء إذا ظهر وتجلى، و (أن) مع صلتها بدل من (الجن) وهو بدل الاشتمال، تقول: تبين زيد جهله. أي: ظهر أن الجن (لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين)، أو: علم الجن كلهم علما بينا بعد التباس الأمر على عامتهم وتوهمهم أن كبارهم يعلمون الغيب، وعنهم (عليهم السلام): " تبينت الإنس " (4)، # PageV03P093 # وهو قراءة أبي (1)، ويكون الضمير في (كانوا) للجن في قوله: (ومن الجن من يعمل بين يديه) أي: علمت الإنس أن لو كان الجن يصدقون فيما يوهمونهم من علمهم الغيب ما لبثوا، وفي قراءة ابن مسعود: " تبينت الإنس أن الجن لو ms0968 كانوا يعلمون " (2). وكان عمر سليمان ثلاثا وخمسين سنة، وملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، فمدة ملكه أربعون سنة. # (لقد كان لسبإ في مسكنهم ءاية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور (15) فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلنهم بجنتيهم جنتين ذواتى أكل خمط وأثل وشىء من سدر قليل (16) ذلك جزينهم بما كفروا وهل نجزى إلا الكفور (17) وجعلنا بينهم وبين القرى التي بركنا فيها قرى ظهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما ءامنين (18) فقالوا ربنا بعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلنهم أحاديث ومزقنهم كل ممزق إن في ذلك لأيت لكل صبار شكور (19) ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين (20)) سبأ: أبو عرب اليمن كلهم (في مسكنهم) أي: بلدهم. وقرئ: " مساكنهم " (3) (جنتان) بدل من (ءاية) أو خبر مبتدأ محذوف، أي: الآية جنتان، ومعنى كونهما آية: أن أهلهما أعرضوا عن شكر الله عليهما فخربهم (4) الله وأبدلهم عنهما الخمط # PageV03P094 # والأثل (١) آية وعبرة لهم ولغيرهم، وقيل: إن الآية أنه لم يكن في بلدهم بعوضة ولا ذباب ولا عقرب ولا حية، وكان الغريب إذا دخل في بلدهم وفي ثيابه قمل ماتت (٢). ولم يرد بستانين فحسب، وإنما أراد جماعتين من البستانين، جماعة عن يمين بلدهم وأخرى عن شمالها، وكل واحدة من الجماعتين في تقاربهما وتضامهما كأنهما جنة واحدة، أو: أراد بستاني كل رجل منهم عن يمين مسكنه وشماله، كما قال: ﴿جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب﴾ (3)، (كلوا من رزق ربكم) إما حكاية لما قال لهم أنبياء الله المبعوثون إليهم، أو: لما قال لهم لسان الحال (بلدة طيبة) أي: هذه البلدة بلدة طيبة مخصبة، نزهة أرضها عذبة ليست بسبخة، (ورب غفور) أي: ربكم الذي رزقكم وطلب شكركم غفور لمن شكره. # (فأعرضوا) عن الحق ولم يشكروا الله عز اسمه (فأرسلنا عليهم سيل العرم) والعرم: اسم الجرذ الذي نقب عليهم السكر، ضربت لهم (4) بلقيس الملكة بسد ما بين الجبلين بالصخر والقار، فحقنت به ماء العيون والأمطار، وتركت فيه خروقا على مقدار ms0969 ما يحتاجون إليه في سقيهم، فلما طغوا سلط الله على سدهم الخلد (5) فنقبه من أسفله فغرقهم، وقيل: العرم: جمع عرمة وهي الحجارة المركومة (6)، # PageV03P095 # ويقال للكدس من الطعام: عرمة، والمراد: المسناة التي عقدوها سكرا. وقيل: # العرمة اسم واد كان يجتمع فيه السيول (1)، وقيل: العرم: المطر الشديد (2). وقرئ: # (أكل) بالضم والسكون (3)، وبالتنوين والإضافة (4)، ومن نون فالأصل. ذواتي أكل أكل خمط، فحذف " أكل " المضاف، أو: وصف الأكل بالخمط، فكأنه قال: # ذواتي أكل بشع، ومن أضاف فكأنه قال: ذواتي برير (5)، لأن أكل الخمط في معنى البرير، و " الأثل " و " السدر " معطوفان على (أكل) لا على (خمط)، لأن الأثل لا أكل له، وتسمية البدل (جنتين) لأجل المشاكلة، وفيه ضرب من التهكم، وعن الحسن: قلل السدر لأنه أكرم ما بدلوا (6). وقرئ: (وهل نجزى) بالنون (7)، والمعنى: ومثل هذا الجزاء لا يستحقه إلا الكافر، وهو العقاب العاجل. # (وجعلنا بينهم وبين) قرى الشام (التي بركنا فيها) بالماء والشجر (قرى ظهرة) متواصلة، يرى بعضها من بعض لتقاربها، فهي ظاهرة لأعين الناظرين، أو راكبة متن الطريق ظاهرة للسائلة (8)، (وقدرنا فيها السير) من القرية إلى القرية مقدارا واحدا، كان الغادي منهم يقيل في قرية، والرائح يبيت في قرية إلى أن يبلغ الشام، لا يخاف جوعا ولا عطشا ولا عدوا، ولا يحتاج إلى حمل زاد ولا ماء. # PageV03P096 # (سيروا) أي: وقلنا لهم: سيروا ولا قول ثم، لكن لما سهلت لهم أسباب السير فكأنهم أمروا به، والمعنى: سيروا إن شئتم بالليل وإن شئتم بالنهار، فإن الأمن فيها لا يختلف باختلاف الأوقات، أو: سيروا فيها (ءامنين) لا يخافون وإن تطاولت مدة سفركم فيها وامتدت أياما وليالي. # (فقالوا ربنا بعد) وبعد على الدعاء، بطروا النعمة وملوا العافية فطلبوا الكد والتعب، وقرئ: " ربنا باعد بين أسفارنا " (1) وهو قراءة الباقر (عليه السلام)، " ربنا " مبتدأ والمعنى خلاف الأول، وهو أنهم استبعدوا مسائرهم على قصرها لفرط تنعمهم (فجعلنهم أحاديث) يتحدث الناس بهم، وفرقناهم تفريقا اتخذه الناس مثلا مضروبا، يقولون: ذهبوا أيدي سبأ، وتفرقوا أيادي سبأ، قال كثير: # أيادي سبأ يا عز ms0970 ما كنت بعدكم * فلم يحل بالعينين بعدك منظر (2) (إن في ذلك لايت) وعبرا (لكل صبار) عن المعاصي (شكور) للنعم بالطاعات. # وقرئ: (صدق) بالتشديد والتخفيف (3)، فمن شدد فعلى: حقق عليهم إبليس ظنه، أو: وجده صادقا، ومن خفف فعلى: صدق في ظنه. وقرئ: " صدق " بالتشديد " إبليس " بالنصب " ظنه " بالرفع (4)، والمعنى: وجد ظنه صادقا حين # PageV03P097 # قال: ﴿لاحتنكن ذريته إلا قليلا﴾ (١) ﴿ولا تجد أكثرهم شاكرين﴾ (٢) ﴿ولاغوينهم أجمعين﴾ (3)، والضمير في (عليهم) يعود إلى أهل سبأ، وقيل: يعود إلى الناس كلهم إلا من أطاع الله (4) وذلك قوله: (إلا فريقا من المؤمنين). # (وما كان له عليهم من سلطن إلا لنعلم من يؤمن بالأخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شىء حفيظ (21) قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الارض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير (22) ولا تنفع الشفعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلى الكبير (23) قل من يرزقكم من السموات والارض قل الله وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلل مبين (24) قل لا تسئلون عمآ أجرمنا ولا نسئل عما تعملون (25)). # أي: لم يكن لإبليس عليهم من سلطنة واستيلاء يتمكن بها من إجبارهم على الغي والضلال، كما قال: (وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم) (5) وتمكينه من الاستغواء بالوسوسة لغرض صحيح وحكمة بالغة، وذلك أن يتميز المؤمن بالآخرة من الشاك فيها، وعلل ذلك بالعلم والمراد ما تعلق به العلم، والحفيظ: المحافظ، وفعيل ومفاعل متأخيان. # وأحد مفعولي (زعمتم) الضمير المحذوف الراجع منه إلى الموصول، # PageV03P098 # والمفعول الثاني: إما أن يكون (من دون الله) أو (لا يملكون) أو محذوفا، فلا يصح الأول لأن قولك: " هم من دون الله " لا يلتئم كلاما، ولا الثاني لأنهم ما كانوا يزعمون ذلك، فبقي أن يكون محذوفا تقديره: زعمتموهم آلهة من دون الله، فحذف الموصوف لكونه مفهوما، وأقام صفته مقامه، فمفعولا (زعمتم) محذوفان كما ترى بسببين مختلفين. ms0971 ثم أخبر عن آلهتهم بأنهم (لا يملكون) زنة ذرة من خير وشر ونفع وضر (في السموات ولا في الأرض) وليس لهم في شيء منهما نصيب ولا (شرك) وليس لله (منهم من ظهير) على خلق شيء منهما. # يقال: الشفاعة لزيد على معنى: أنه الشافع، وعلى معنى أنه المشفوع له، فيحتمل قوله: (ولا تنفع الشفعة عنده إلا) كائنة (لمن أذن له) من الشافعين ومطلقة له، مثل: الملائكة والأنبياء والأولياء، أو: لا تنفع الشفاعة إلا كائنة لمن أذن له أي: لشفيعه، وهذا تكذيب لقولهم: ﴿هؤلاء شفعؤنا عند الله﴾ (1)، واتصل قوله: # (حتى إذا فزع عن قلوبهم) بما فهم من هذا الكلام من أن ثم انتظارا للإذن وفزعا من الراجين للشفاعة، والشفعاء هل يؤذن لهم أو لا يؤذن، وأنه لا يطلق الإذن إلا بعد تربص وتوقف، فكأنه قال: يتربصون مليا فزعين (حتى إذا فزع عن قلوبهم) أي: كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بأن يأذن رب العزة في الشفاعة تباشروا بذلك، وسأل بعضهم بعضا: (ماذا قال ربكم؟ قالوا) القول (الحق) وهو الإذن بأن يشفعوا لمن ارتضى. وقرئ: (أذن له) أي: أذن الله له، و " أذن له " (2) على البناء للمفعول، وقرئ: (فزع) على البناء للفاعل (3) وهو الله # PageV03P099 # وحده (وهو العلى الكبير) ذو العلو والكبرياء، لا يملك أحد أن يتكلم في ذلك اليوم إلا بإذنه. # ثم أمره عز اسمه أن يقررهم بقوله: (من يرزقكم) ثم أمره أن يتولى الإجابة والإقرار عنهم بقوله: يرزقكم (الله) وذلك للإعلام بأنهم مقرون به بقلوبهم إلا أنه ربما لم يتكلموا به عنادا، وأمره أن يقول لهم بعد الإلزام: (وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ضلل مبين) معناه: أن أحد الفريقين من الموحدين ومن المشركين لعلى أحد الأمرين من الهدى والضلال، وهذا من كلام المنصف الذي كل من سمعه قال للذي خوطب به: قد أنصفك صاحبك، وفي درجه بعد تقديم ما قدم من التقرير البليغ دلالة على من هو على الهدى ومن هو في الضلال المبين من الفريقين، ونحوه قول القائل ms0972 لغيره: إن أحدنا لكاذب، وإن كان الكاذب معلوما، ومنه قول حسان: # أتهجوه ولست له بكفء * فشركما لخيركما الفداء (1) (عمآ أجرمنا) من المعاصي (ولا نسئل عما) تعملونه، بل كل إنسان يسأل عما يعمله ويجازى على فعله دون فعل غيره. # (قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم (26) قل أروني الذين ألحقتم به ى شركآء كلا بل هو الله العزيز الحكيم (27) ومآ أرسلنك إلا كآفة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون (28) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (29) قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون (30)). # PageV03P100 # (يفتح بيننا) أي: يحكم ويفصل بالحق (وهو الفتاح) الحاكم (العليم) بالحكم. ومعنى قوله: (أروني) وقد كان يراهم ويعرفهم، أنه أراد بذلك أن يريهم الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء بالله، وينبئهم عن ضلالهم في ذلك، و (كلا) ردع لهم عن مذهبهم، ونبه على غلطهم الفاحش بقوله: (بل هو الله العزيز الحكيم) كأنه قال: أين الذين ألحقتم به شركاء من هذه الصفات إذ هي لله عز اسمه وحده. # (إلا كآفة للناس) أي: إلا رسالة عامة لهم محيطة بهم، لأنها إذا عمتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم، قال الزجاج: معناه: أرسلناك جامعا للناس في الإنذار والإبلاغ (1)، فجعله حالا من الكاف، والتاء للمبالغة كتاء " الراوية " و " العلامة "، (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) ما لهم في اتباعك من الثواب، وما عليهم من مخالفتك من العقاب، أو: لا يعلمون رسالتك لإعراضهم عن النظر في معجزتك. # (ميعاد يوم) أي: ميقات يوم ينزل بكم فيه ما وعدتموه، وهو إضافة تبيين ك‍ " سحق ثوب " و " باب ساج "، سألوا على طريق التعنت فأجيبوا على طريق التهديد أنهم مرصدون بيوم يفاجئهم، فلا يستطيعون تأخرا عنه ولا تقدما عليه. # (وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ولو ترى إذ الظلمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين (31) قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددنكم عن ms0973 الهدى بعد إذ جآءكم بل كنتم مجرمين (32) وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننآ أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا # PageV03P101 # الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلل في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون (33) ومآ أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوهآ إنا بمآ أرسلتم به ى كافرون (34) وقالوا نحن أكثر أموالا وأولدا وما نحن بمعذبين (35)) (الذي بين يديه) كتب الله المتقدمة، وقيل: هو يوم القيامة (1)، ومعناه: أنهم جحدوا أن يكون القرآن من قبل الله، وأن يكون للبعث والجزاء حقيقة، ثم أخبر سبحانه عن عاقبة أمرهم بأن قال: (ولو ترى) يا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أو: أيها السامع موقفهم في الآخرة وهم يراجعون المجادلة بينهم، لرأيت أمرا عجيبا، فحذف جواب (لو). # و (الذين استضعفوا) هم الأتباع، و (الذين استكبروا) هم الرؤساء والقادة. وقوله: (أنحن صددنكم عن الهدى) إنكار أن يكونوا هم الصادين لهم عن الإيمان، وإثبات أنهم هم الذين صدوا بأنفسهم عنه باختيارهم، كأنهم قالوا: # أنحن أجبرناكم وحلنا بينكم وبين اختياركم؟ بل أنتم آثرتم الضلال على الهدى، وأمر الشهوة على أمر النهي فكنتم مجرمين كافرين، وقوله: (بعد إذ جآءكم) أضيف (بعد) إلى (إذ) اتساعا مع كونها من الظروف اللازمة، كما أضيفت هي إلى الجملة التي هي (جآءكم) فقد اتسع في الزمان ما لم يتسع في غيره، فأضيف إليه الزمان وأضيف إلى الجمل نحو: " حينئذ " و " يومئذ "، و " جئتك أوان الحجاج أمير " و " حين خرج زيد ". # ثم كر المستضعفون على المستكبرين بقولهم: (بل مكر الليل والنهار) فأبطلوا إضرابهم بإضرابهم، كأنهم قالوا: ما كان الإجرام من جهتنا بل من جهة # PageV03P102 # مكركم لنا دائبا ليلا ونهارا، وحملكم إيانا على الكفر واتخاذ الأنداد. والمعنى: # مكركم في الليل والنهار، فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به في إضافة المكر إليه، أو: جعل ليلهم ونهارهم ماكرين على الإسناد المجازي. والضمير في (وأسروا) ضمير الجنس المشتمل على النوعين من المستكبرين والمستضعفين، وهم الظالمون في قوله سبحانه: (إذ ms0974 الظللمون موقوفون) فندم الرؤساء على ضلالهم وإضلالهم، والأتباع على ضلالهم. والمعنى: أخفوا الندامة، وقيل: # أظهروها (1)، وهو من الأضداد، وقد فسر على الوجهين بيت امرئ القيس: # تجاوزت أحراسا إليها ومعشرا * علي حراصا لو يسرون مقتلي (2) (في أعناق الذين كفروا) أي: في أعناقهم فجاء بالمظهر للتنويه بذمهم. # (قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون (36) ومآ أموا لكم ولا أولدكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من ءامن وعمل صلحا فأولئك لهم جزآء الضعف بما عملوا وهم في الغرفت ءامنون (37) والذين يسعون في ءايتنا معجزين أولئك في العذاب محضرون (38) قل إن ربى يبسط الرزق لمن يشآء من عباده ى ويقدر له ومآ أنفقتم من شىء فهو يخلفه وهو خير الرازقين (39) ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملئكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون (40) قالوا سبحنك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم # PageV03P103 # مؤمنون (٤١) فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون (٤٢)) (وما أموالكم) التي خولتموها (ولا أولادكم) التي رزقتموها بالجماعة التي (تقربكم عندنا) قربة، والزلفى والزلفة كالقربى والقربة، ومحل (زلفى) نصب على المصدر، فهو كقوله: ﴿والله أنبتكم من الأرض نباتا﴾ (1)، (إلا من ءامن) استثناء من " كم " في (تقربكم) والمعنى: إن الأموال لا تقرب أحدا إلا المؤمن الصالح الذي ينفقها في سبيل الله، والأولاد لا تقرب أحدا إلا من رشحهم للصلاح وعلمهم الدين (فأولئك لهم جزاء الضعف) بأن يضاعف لهم حسناتهم فيجزي بالحسنة الواحدة عشرا فصاعدا إلى سبعمائة وأكثر، و " جزاء الضعف " من إضافة المصدر إلى المفعول. وأصله: فأولئك لهم أن يجازوا الضعف، ثم جزاء الضعف ثم جزاء الضعف. وقرئ: " جزاء الضعف " (2) على: فأولئك لهم الضعف جزاء، وقرئ: " في الغرفة " على التوحيد (3)، و (في الغرفت) على الجميع (4)، وهي البيوت فوق الأبنية (ءامنون) من الغير (5) والآفات والموت والحزن. # (والذين يسعون) يجتهدون (في) إبطال (ءايتنا معجزين) لأنبيائنا، ومعجزين: مثبطين غيرهم عن طاعتهم (أولئك) محصلون في العذاب أحضروا فيه. # وكرر قوله: (قل ms0975 إن ربى يبسط الرزق لمن يشآء) لأن الأول خوطب به # PageV03P104 # الكفار، والثاني وعظ للمؤمنين، فكأنه قال: ليس إغناء الكفار لكرامتهم، وإغناء المؤمنين يجوز أن يكون زيادة في سعادتهم بأن ينفقوها في سبيل الله، ويدل عليه قوله: (ومآ أنفقتم من شىء فهو يخلفه) أي: يعوضه، ويعقبكم (١) خلفه إما عاجلا بزيادة النعمة، وإما آجلا بالثواب الذي كل خلف دونهم (٢). # (ويوم يحشرهم جميعا) الغرض من سؤال الملائكة أن يقول ويقولوا، ويسأل ويجيبوا، فيكون تقريع الكفار أبلغ وتعييرهم أشد، ويكون اقتصاص ذلك زجرا للسامع ولطفا له، ونحوه قوله: ﴿يا عيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾ (3) والموالاة مفاعلة من الولي وهو القرب، كما أن المعاداة مفاعلة من العدو وهي البعد، والولي يقع على الموالي والموالى جميعا، والمعنى: أنت الذي تواليه من دونهم إذ لا موالاة بيننا وبينهم، فبينوا بإثبات موالاة الله ومعاداة الكفار براءتهم من الرضا لعبادتهم لهم (بل كانوا يعبدون الجن) يريدون الشياطين حيث أطاعوهم في عبادة غير الله. # (وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينت قالوا ما هذآ إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد ءابآؤكم وقالوا ما هذآ إلا إفك مفترى وقال الذين كفروا للحق لما جآءهم إن هذآ إلا سحر مبين (43) ومآ ءاتينهم من كتب يدرسونها ومآ أرسلنآ إليهم قبلك من نذير (44) وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار مآ ءاتينهم فكذبوا رسلي فكيف كان نكير (45) قل إنمآ أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد (46) قل ما # PageV03P105 # سألتكم من أجر فهو لكم إن أجرى إلا على الله وهو على كل شىء شهيد (٤٧) قل إن ربى يقذف بالحق علم الغيوب (٤٨)) (هذا) الأول إشارة إلى رسول الله، والثانية إلى القرآن، والثالثة إلى الحق، والحق أمر النبوة كله ودين الإسلام كما هو، وفي قوله: (وقال الذين كفروا) ولم يقل " قالوا "، وفي قوله: (للحق لما جآءهم) وما في اللامين من الإشارة إلى القائلين والمقول فيه ms0976 وما في " لما " من المبادهة بالكفر، دليل على أن الكلام صدر عن إنكار عظيم وغضب شديد، كأنه قال: وقال أولئك الكفرة المتمردون بجرأتهم على الله ومكابرتهم لمثل ذلك الحق الواضح قبل أن يختبروه ويتدبروه: (إن هذا إلا سحر مبين) فقضوا بأنه سحر ظاهر. # (وما ءاتينهم) كتبا يدرسونها فيها برهان على صحة الشرك، ولا (أرسلنآ إليهم) نذيرا ينذرهم بالعقاب إن لم يشركوا كما قال: ﴿أم أنزلنا عليهم سلطنا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون﴾ (١) أو أراد: ليس لهم عهد بإنزال الكتاب ولا بعث رسول، فهم أميون أهل جاهلية لا ملة لهم، كما قال: ﴿أم ءاتينهم كتبا من قبله فهم به مستمسكون﴾ (2) ثم توعدهم على تكذيبهم فقال: (وكذب الذين من قبلهم) كما كذبوا، وما بلغ هؤلاء (معشار) ما آتينا أولئك من طول الأعمار وكثرة الأموال وعظم الأجسام، فحين كذبوا (رسلي) جاءهم نكيري، أي: # عقوبتي وتغييري لأحوالهم بالتدمير والاستئصال، ولم يغن عنهم ما استظهروا به من القوة والثروة، فما بال هؤلاء لا يحذرون أن ينزل بهم مثل ما نزل بأولئك من النقمة؟ # (قل إنما أعظكم) بخصلة (واحدة)، وفسرها بقوله: (أن تقوموا لله مثنى) # PageV03P106 # على أنه عطف بيان لها، وأراد بقيامهم: إما القيام عن مجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وتفرقهم عنه، وإما القيام الذي لا يراد به المثول على القدمين ولكن الانتصاب في الأمر والنهوض فيه بالهمة، والمعنى: إنما أعظكم بواحدة إن فعلتموها أصبتم الحق، وهي أن تقوموا لوجه الله خالصا اثنين اثنين وواحدا واحدا (ثم تتفكروا) في أمر محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وما جاء به بعدل وإنصاف من غير عناد ومكابرة. # وأراد بقوله: (ما بصاحبكم من جنة) أن هذا الأمر العظيم الذي تحته ملك الدنيا والآخرة جميعا لا يتصدى لادعاء مثله إلا أحد رجلين: إما مجنون لا يبالي بافتضاحه إذا طولب بالبرهان فعجز، وإما عاقل كامل مرشح للنبوة مؤيد من عند الله بالآيات والحجج، وقد علمتم أن محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) ما به من جنون، بل ms0977 علمتموه أرجح الناس عقلا، وأصدقهم قولا، وأجمعهم للمحامد. و (ما) للنفي، ويكون استئناف كلام تنبيها من الله على طريقة النظر في أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويجوز أن يكون المعنى: (ثم تتفكروا) فتعلموا ما بصاحبكم من جنة. ويجوز أن يكون (ما) استفهامية بمعنى: أي شيء به من جنة؟ وهل رأيتم من منشئه إلى مبعثه وصمة فيه تنافي النبوة؟ (إن هو إلا نذير) أي: مخوف (بين يدي عذاب شديد) يوم القيامة. # (ما سألتكم) تقديره: أي شيء سألتكم (من أجر فهو لكم) وفيه معنيان: # أحدهما: نفي مسألة الأجر رأسا كما يقول الرجل لصاحبه: إن أعطيتني شيئا فخذه، وهو يعلم أنه لم يعطه شيئا، والمراد: لا أسألكم على تبليغ الرسالة شيئا من عرض الدنيا فتتهموني، والآخر: أن يريد بالأجر ما يريده في قوله: ﴿قل ما أسئلكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا﴾ (1) وفي قوله: (قل لا أسئلكم عليه # PageV03P107 # أجرا إلا المودة في القربى) (1)؛ لأن اتخاذ السبيل إلى الله يصيبهم، ونفعه عائد إليهم، وكذلك المودة في القربى؛ لأن ذخرها لهم دونه (إن أجرى إلا على الله) أي: ليس ثواب عملي إلا على الله فهو يثيبني عليه. # القذف: الرمي، وهو مستعار لمعنى الإلقاء، ومعنى (يقذف بالحق): يلقيه وينزله إلى أنبيائه، أو: يلقيه على الباطل (فيدمغه) ويزهقه (علم الغيوب) رفع محمول على محل (إن) مع اسمها، وهو خبر مبتدأ محذوف. # (قل جآء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد (49) قل إن ضللت فإنمآ أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحى إلى ربي إنه سميع قريب (50) ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب (51) وقالوا ءامنا به ى وأنى لهم التناوش من مكان بعيد (52) وقد كفروا به ى من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد (53) وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب (54)) الحي: إما أن يبدأ فعلا أو يعيده، فإذا هلك لم يكن منه إبداء ولا إعادة، فجعلوا قولهم: " لا ms0978 يبدئ ولا يعيد " مثلا للهلاك، ومنه قول عبيد: # أقفر من أهله عبيد * فاليوم لا يبدي ولا يعيد (2) والمعنى: (جاء الحق) وهلك الباطل، وعن ابن مسعود قال: دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مكة وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: " جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا، جاء الحق # PageV03P108 # وما يبدئ الباطل وما يعيد " (1). # (قل إن ضللت) عن الحق كما زعمتم (فإنمآ أضل على نفسي) أي: فإنما يرجع وبال الضلال علي لأن المأخوذ به دون غيري (وإن اهتديت) إلى الحق فبفضل (ربى) حيث أوحى (إلى) فله المنة بذلك علي. # (ولو ترى) جوابه محذوف والتقدير: لرأيت أمرا عظيما. و (لو) و (إذ) والأفعال التي هي (فزعوا... وأخذوا... وحيل بينهم) كلها للمضي، والمراد بها الاستقبال؛ لأن ما الله فاعله في المستقبل بمنزلة ما قد كان ووجد لتحققه، ووقت الفزع: وقت البعث (فلا فوت) لا يفوت منهم أحد، والمكان القريب يعني به القبر، وقيل: هو فزعهم عند الموت ومعاينة ملائكة العذاب لقبض الأرواح (2)، وقيل: # يوم بدر حين ضربت أعناقهم فلم يستطيعوا فرارا (3)، وقيل: هو جيش يخسف بهم بالبيداء، يؤخذون من تحت أقدامهم (4)، (وأخذوا) عطف على (فزعوا) أي: فزعوا وأخذوا فلا فوت لهم، أو: على (لا فوت) أي: إذ فزعوا فلم يفوتوا وأخذوا. (وقالوا) أي: ويقولون في ذلك الوقت: (ءامنا به) أي: بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ لأن ذكره مر في قوله: (ما بصاحبكم من جنة)، (وأنى لهم التناوش) وهو التناول السهل لشيء قريب، وهذا تمثيل لطلبهم ما لا يكون، وهو أن ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت كما نفع المؤمنين إيمانهم في الدنيا، مثلت حالهم بحال من يريد تناول الشيء من مكان بعيد مثل ما يتناوله الآخر من موضع قريب تناولا # PageV03P109 # سهلا، وقرئ: " التناؤش " (1) همزت الواو المضمومة كما همزت واو " أدؤر " (2)، وقيل: هو من " النأش " وهو الطلب (3)، قال رؤبة: # إليك نأش القدر... (4) النؤوش والنئيش: الحركة في الإبطاء، قال: # تمنى نئيشا أن يكون أطاعني * وقد حدثت بعد ms0979 الأمور أمور (5) أي: أخيرا، فنصبه على الظرف. (ويقذفون) عطف على (كفروا) على حكاية الحال الماضية، أي: وكانوا يرمون محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) بالظنون الكاذبة، ويأتون به (من مكان بعيد)، وهو قولهم: إنه ساحر وشاعر وكذاب ومجنون، وقد أتوا به من (مكان بعيد) أي: من جهة بعيدة من حاله، لأن أبعد شيء مما جاء به: السحر، والشعر، والجنون، وأبعد شيء من عادته الكذب، والزور. # (وحيل بينهم) أي: فرق بينهم وبين مشتهياتهم (كما فعل بأشياعهم) بأشباههم من كفرة الأمم وموافقيهم وأهل دينهم، أنهم كانوا (في شك مريب) أي: مشكك، كما قالوا: عجب عجيب. # * * * # PageV03P110 # سورة فاطر أو سورة الملائكة (1)، مكية (2) إلا آيتين، وهي خمس وأربعون آية، (لهم عذاب شديد) (3)، و (أن تزولا) (4)، و (تبديلا) (5) ثلاثهن بصري جديد، و (البصير) (6) و (النور) (7) غيرهم (8). # في حديث أبي: " من قرأ سورة الملائكة دعته يوم القيامة ثمانية أبواب من أبواب الجنة: أن أدخل من أي الأبواب شئت " (9). # بسم الله الرحمن الرحيم (الحمد لله فاطر السموات والارض جاعل الملئكة رسلا أولى # PageV03P111 # أجنحة مثنى وثلث وربع يزيد في الخلق ما يشآء إن الله على كل شىء قدير (1) ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده ى وهو العزيز الحكيم (2) يأيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خلق غير الله يرزقكم من السمآء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون (3) وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الامور (4) يأيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحيواة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور (5)) (فاطر السموات) إن جعلت الإضافة لفظية - بأن تكون في تقدير الانفصال - فهو بدل، وإن جعلتها معنوية فهو صفة (مثنى وثلث وربع) صفة ل‍ (أجنحة) عدلت عن اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، ومعنى العدل: أنك أردت بمثنى ما أردت باثنين اثنين، والأصل أن تريد بالكلمة معناها دون كلمة أخرى، والعدل: أن تلفظ بكلمة وأنت تريد كلمة أخرى، والمعنى: أنه جعل من الملائكة خلقا أجنحتهم ms0980 اثنان اثنان، أي: لكل واحد جناحان، وخلقا أجنحتهم ثلاثة ثلاثة، وخلقا أجنحتهم أربعة أربعة (يزيد في) خلق الأجنحة وفي غير ذلك (ما يشآء) مما تقتضيه حكمته ومشيئته. والآية مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق من: طول قامة، واعتدال صورة، وقوة في البطش، وحصافة في العقل... إلى غير ذلك، وقيل: هو الوجه الحسن والصوت الحسن والشعر الحسن (1). # (ما يفتح الله) يعني: أي شيء يطلق الله (من رحمة) أي: من نعمة رزق أو مطر أو عافية أو صحة أو غير ذلك من أصناف نعمه (فلا) أحد يقدر على # PageV03P112 # إمساكها، وأي شيء (يمسك) الله فلا أحد يقدر على إطلاقه، والفتح مستعار للإطلاق والإرسال بدلالة قوله: (فلا مرسل له) مكان " لا فاتح له "، وإنما نكر " الرحمة " لإرادة الشياع، كأنه قال: من أية رحمة كانت سماوية أو أرضية، وأنث الضمير أولا وذكره ثانيا وهو يرجع في الحالين معا إلى ما حملا على اللفظ والمعنى، ولأن الأول فسر بالرحمة فتبع الضمير التفسير، والثاني لم يفسر فترك على أصل التذكير، ولأن تفسير الثاني يحتمل أن يكون مطلقا في كل ما يمسكه من غضبه ورحمته. وإنما فسر الأول دون الثاني ليدل على أن رحمته سبقت غضبه. # و (اذكروا نعمت الله عليكم) بالقلب واللسان، واحفظوها عن الغمط والكفران، واشكروها بالاعتراف بها وطاعة موليها! (هل من خلق غير الله) قرئ: (غير) بالرفع والجر (1) على الوصف لفظا ومحلا، و (يرزقكم) يجوز أن يكون في محل جر بأن يكون صفة ل‍ (خلق)، وأن لا يكون له محل بأن يكون محل (من خلق) رفعا بإضمار " يرزقكم "، ويفسره هذا الظاهر، أو يكون كلاما مستأنفا بعد قوله: (هل من خلق غير الله)، وعلى هذا الوجه الثالث يكون فيه دلالة على أن الخالق لا يطلق على غير الله عز وجل، وأما على الوجهين المتقدمين من الوصف والتفسير فلا دليل فيه على اختصاص الاسم بالله عز وجل؛ لأنه تقيد بالرزق من السماء والأرض (2) وخرج من الإطلاق، والرزق من السماء بالمطر ومن الأرض بالنبات (لا إله إلا هو) ms0981 جملة مفصولة لا محل لها (فأنى تؤفكون) فمن أي وجه تصرفون عن التوحيد إلى الشرك، وعن الحق إلى الباطل؟ وقيل: # كيف تصرفون عن هذه الدلالة التي أقيمت (3) لكم على التوحيد مع وضوحها؟ # PageV03P113 # الأصل: (وإن يكذبوك) فتأس بتكذيب الرسل من قبلك، فوضع (فقد كذبت رسل من قبلك) موضع " فتأس به " استغناء بالسبب عن المسبب، أعني: # بالتكذيب عن التأسي، ونكر (رسل) لأن تقديره: رسل ذوو عدد كثير وأولو آيات ومعجزات، ونحو ذلك. # (إن وعد الله) الذي هو البعث والنشور والجنة والنار والجزاء والحساب (حق فلا) تخدعنكم (الحيوة الدنيا) فتغتروا بملاذها، فإنها عن قليل تنفد وتبيد، و (الغرور): الشيطان، أو الدنيا وزينتها. # (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحب السعير (6) الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين ءامنوا وعملوا الصلحت لهم مغفرة وأجر كبير (7) أفمن زين له سوء عمله ى فرءاه حسنا فإن الله يضل من يشآء ويهدى من يشآء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون (8) والله الذي أرسل الريح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور (9) من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصلح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور (10)) لما ذكر الكافرين والمؤمنين قال للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم): (أفمن زين له سوء عمله) من هذين الفريقين كمن لم يزين له؟ فكأن النبي (عليه السلام) قال: لا، فقال: (فإن الله يضل من يشآء ويهدى من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات) ومعنى تزيين العمل والإضلال واحد، وهو أن يكون العاصي على صفة لا يجدي عليه اللطف فيستوجب أن يخليه الله وشأنه، فعند ذلك يهيم في الضلال فيرى القبيح حسنا PageV03P114 # والحسن قبيحا، وإذا خذله الله فمن حق الرسول صلوات الله عليه أن لا يهتم بأمره ولا يتحسر. وعن الزجاج: أن المعنى: أفمن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم حسرة؟ فحذف لدلالة (فلا تذهب نفسك) عليه، أو: ms0982 أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله؟ فحذف لدلالة (فإن الله يضل من يشآء ويهدى من يشآء) عليه (1). # و (حسرت) مفعول له، أي: ولا تهلك نفسك للحسرات، و (عليهم) صلة (تذهب) كما تقول: هلك عليه حبا، ويجوز أن يكون حالا، كأن كلها صارت حسرات لفرط التحسر. # (فتثير سحابا) أي: تهيجه، وجاء على لفظ المضارع دون ما قبله وما بعده لتحكي الحال التي تقع فيها إثارة السحاب، وتستحضر تلك الصورة البديعة الدالة على كمال القدرة الربانية، وكذلك سوق السحاب إلى البلد الميت وإحياء الأرض بالمطر بعد موتها لما كان من الدلائل على القدرة، قال: (فسقناه... فأحيينا) معدولا بهما عن لفظ الغيبة إلى ما هو أدخل في الاختصاص، والكاف في (كذلك) في محل الرفع، أي: مثل إحياء الموات نشور الأموات. # تقديره: من يريد العزة فليطلبها عند الله، فوضع قوله: (فلله العزة جميعا) موضعه استغناء به عنه؛ لدلالته عليه، فإن الشيء لا يطلب إلا عند صاحبه ومالكه، ومعناه: العزة كلها مختصة بالله: عزة الدنيا وعزة الآخرة، فمن أراد العزة فليتعزز بطاعة الله. # ويدل عليه ما رواه أنس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " إن ربكم يقول كل يوم: أنا العزيز، فمن أراد عز الدارين فليطع العزيز " (2). # PageV03P115 # ثم عرف سبحانه أن ما يطلب به العزة عنده هو الإيمان والعمل الصالح بقوله: # (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصلح يرفعه) والكلم: جمع كلمة، وكل جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء جاز فيه التذكير والتأنيث، يقول: هذا كلم وهذه كلم، ومعنى الصعود هنا هو القبول، وكل ما يتقبله الله تعالى من الطاعات يوصف بالرفع والصعود، لأن الملائكة يكتبون أعمال بني آدم ويرفعونها إلى حيث يشاء الله تعالى، كما في قوله تعالى: ﴿كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين﴾ (1)، و (الكلم الطيب): تمجيده وتقديسه وتحميده، وأطيب الكلم: لا إله إلا الله (والعمل الصلح يرفعه) أي: يرفع الكلم الطيب إلى الله، فالهاء ضمير (الكلم)، وقيل: # معناه: والعمل الصالح يرفعه الكلم الطيب (2)، أي: لا ينفع العمل إلا ms0983 إذا صدر عن التوحيد، وقيل: معناه: والعمل الصالح يرفعه الله لصاحبه (3). فعلى الوجهين الأخيرين يكون الهاء ضمير (العمل). # (والذين يمكرون) المكرات (السيئات) أو أصناف المكر السيئات، فهي صفة للمصدر أو لما في حكمه، وقيل: عنى بهن مكرات قريش حين اجتمعوا في دار الندوة وتداوروا الرأي في إحدى المكرات الثلاث: إما إثبات رسول الله، وإما قتله، وإما إخراجه، كما حكى الله عنهم في قوله: (وإذ يمكر بك الذين كفروا) الآية (4)، (5) (ومكر أولئك) الذين مكروا تلك المكرات (هو) خاصة (يبور) أي: يكسد ويفسد دون مكر الله بهم حين أخرجهم من مكة وقتلهم وأثبتهم في قليب بدر، فجمع الله عليهم مكراتهم. # PageV03P116 # (والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ى وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره ى إلا في كتب إن ذلك على الله يسير (11) وما يستوي البحران هذا عذب فرات سآبغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ى ولعلكم تشكرون (12) يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجرى لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ى ما يملكون من قطمير (13) إن تدعوهم لا يسمعوا دعآءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيمة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير (14) يأيها الناس أنتم الفقرآء إلى الله والله هو الغنى الحميد (15) إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد (16) وما ذلك على الله بعزيز (17)) (أزوجا) أي: أصنافا وضروبا، أو: ذكرانا وإناثا، ولا (تحمل) من الإناث حاملة ولدها في بطنها (ولا تضع إلا بعلمه) إلا وهو عالم بذلك (وما يعمر من معمر) معناه: وما يعمر من أحد، وإنما سماه معمرا بما هو صائر إليه (ولا ينقص من عمره) بأن يذهب بعضه بمضي الليل والنهار (إلا وهو في كتب) محفوظ أثبته الله قبل كونه، وقيل: معناه: لا يطول عمر ولا يقصر إلا في كتاب الله، ms0984 وهو أن يكتب في اللوح المحفوظ: لو أطاع الله فلان بقي إلى وقت كذا، وإذا عصى نقص من عمره الذي وقت له (1). وإليه أشار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله: " إن الصدقة # PageV03P117 # وصلة الرحم تعمران الديار وتزيدان في الأعمار " (١). # ثم ضرب " البحرين ": العذب والملح مثلين للمؤمن والكافر، ثم قال على سبيل الاستطراد في صفة البحرين وما علق بهما من نعمة (ومن) كل واحد منهما (تأكلون لحما طريا) وهو السمك (وتستخرجون حلية) وهو اللؤلؤ والمرجان (من فضله) من فضل الله، ولم يجر له ذكر في الآية ولكن فيما قبلها، ولو لم يجر ذكره لم يشكل؛ لدلالة المعنى عليه، وحرف الرجاء مستعار بمعنى الإرادة؛ كأنه قيل: لتبتغوا ولتشكروا. ويحتمل غير طريقة الاستطراد وهو أن يشبه الجنسين بالبحرين، ويفضل البحر الأجاج على الكافر بأنه قد شارك العذب في منافع: من السمك واللؤلؤ وجري الفلك فيه، والكافر خال من النفع. # (ذلكم) مبتدأ، و (الله ربكم له الملك) أخبار مترادفة، و القطمير: قشر النواة. (لا يسمعوا دعاءكم) لأنهم جماد (ولو سمعوا) على سبيل الفرض والتقدير ل‍ (ما استجابوا لكم) لأنهم لا يدعون ما تدعون لهم من الإلهية (ويوم القيمة يكفرون) بإشراككم لهم وعبادتكم إياهم، يقولون: ﴿ما كنتم إيانا تعبدون﴾ (2)، (ولا ينبئك مثل خبير) ولا يخبرك بالأمر مخبر مثل خبير عالم به، يريد أن الخبير بالأمر وحده هو الذي يخبرك بالحقيقة دون سائر المخبرين، والمعنى: أن ما أخبرتكم به من حال معبوديهم هو الحق، لأني عالم خبير بما أخبرتكم به. # وعرف الفقراء ليريهم سبحانه أنهم جنس الفقراء لشدة افتقارهم إليه، ولو نكر لكان المعنى: أنتم بعض الفقراء، ولما أثبت فقرهم إليه وغناه عنهم ذكر (الحميد) # PageV03P118 # ليدل به على أنه الغني النافع خلقه بغناء المنعم عليهم، المستحق بإنعامه عليهم أن يحمدوه، و " العزيز ": الممتنع. # (ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شىء ولو كان ذا قربى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلوة ومن تزكى فإنما يتزكى ms0985 لنفسه ى وإلى الله المصير (18) وما يستوي الأعمى والبصير (19) ولا الظلمات ولا النور (20) ولا الظل ولا الحرور (21) وما يستوي الاحيآء ولا الأموات إن الله يسمع من يشآء ومآ أنت بمسمع من في القبور (22) إن أنت إلا نذير (23) إنآ أرسلنك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير (24) وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جآءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتب المنير (25) ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير (26)) وزر الشيء: حمله (ولا تزر) أي: لا تحمل نفس وزارة يوم القيامة إلا وزرها الذي اقترفته، لا تؤخذ نفس بوزر غيرها. وفيه دلالة على أنه سبحانه لا يؤاخذ نفسا بغير ذنبها (وإن تدع) نفس (مثقلة) بالآثام غيرها إلى أن تحمل شيئا من إثمها لم تجب ولم تغث ولم يحمل شيء من حملها ولو كان المدعو بعض قرابتها وأقرب الناس إليها، فكل نفس بما كسبت رهينة. # وقوله: (بالغيب) حال من الفاعل أو المفعول، أي: (يخشون ربهم) غائبين عن عذابه، أو: يخشون عذابه غائبا عنهم (ومن تزكى) ومن تطهر بفعل الطاعات وترك المعاصي، وهو اعتراض مؤكد لخشيتهم وإقامتهم الصلاة لأنهما من جملة التزكي، (وإلى الله المصير) وعد لمن تزكى بالثواب. PageV03P119 # (وما يستوي الأعمى والبصير) الفرق بين الواوات أن بعضها ضمت شفعا إلى شفع، وبعضها ضمت وترا إلى وتر، والواو ربما قرن بها " لا " في النفي؛ لتأكيد معنى النفي. و (الحرور) و " السموم ": الريح الحارة، وقيل: إن الأعمى والبصير مثل للمؤمن والمشرك، و " الظلمات والنور " للشرك والإيمان، و " الظل والحرور " للجنة والنار و " الأحياء والأموات " للمؤمنين والكفار (1)، أو العلماء والجهال (2). # (إن أنت إلا نذير) أي: ما عليك إلا التبليغ والإنذار، فإن كان المنذر ممن يسمع نفعه إنذارك، وإن كان من المصرين فلا عليك إلا التبليغ (بالحق) حال من أحد الضميرين، بمعنى: محقا أو محقين، أو صفة للمصدر أي: إرسالا مصحوبا بالحق، أو صلة (بشيرا ونذيرا) أي بشيرا بالوعد الحق، ونذيرا بالوعيد الحق، واكتفى في آخر الآية بذكر النذير عن البشير؛ لأن النذارة لما كانت ms0986 مقرونة بالبشارة دلت إحداهما على الأخرى، لا سيما قد اشتملت الآية على ذكرهما. # (بالبينات) يريد: المعجزات الدالة على النبوة (وبالزبر) يريد: الصحف (وبالكتاب المنير) يريد: التوراة والإنجيل. # (ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فأخرجنا به ى ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود (27) ومن الناس والدوآب والانعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلمؤا إن الله عزيز غفور (28) إن الذين يتلون كتب الله وأقاموا الصلوة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور (29) ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ى إنه غفور شكور (30)) # PageV03P120 # (ألوانها) أجناسها من التين والرمان والعنب وغيرها. أو هيئاتها من الصفرة والخضرة والحمرة ونحوها، و " الجدد ": الخطط والطرائق، وجدة الحمار هي الخطة السوداء على ظهره و (غرابيب) معطوف على (بيض) أو على (جدد)، كأنه قال: (ومن الجبال) مخطط ذو جدد، ومنها ما هو على لون واحد: # غرابيب (1). وعن عكرمة: هي الجبال الطوال السود (2). والوجه في قوله: # (وغرابيب سود) مع أن " الغرابيب " يكون تأكيد الأسود، أن يضمر المؤكد قبله ويكون (سود) الظاهر تفسيرا للمضمر، كقول النابغة: # والمؤمن العائذات الطير يمسحها * ركبان مكة بين الغيل والسند (3) وإنما يفعل ذلك لزيادة التوكيد، حيث يدل على المعنى الواحد من طريقي الإظهار والإضمار جميعا، ولابد من تقدير حذف المضاف في قوله: (ومن الجبال جدد بيض) أي: ومن الجبال ذو جدد بيض وحمر وسود غرابيب، حتى يؤول إلى قوله: (ومن الجبال... مختلف ألوانها) كما قال: (ثمرات مختلفا ألوانها). # (ومن الناس والدوآب والانعام مختلف ألوانه) يعني: ومنهم بعض مختلف ألوانه كذلك، أي: كاختلاف الثمرات والجبال، وتم الكلام ثم قال: (إنما يخشى الله من عباده العلمؤا) والمعنى: أن الذين يخشون الله من بين عباده هم العلماء دون غيرهم، إذ عرفوه حق معرفته، وعلموه حق علمه. # وعن الصادق (عليه السلام): " يعني بالعلماء من صدق فعله قوله، ومن لم يصدق # PageV03P121 # فعله قوله فليس بعالم " (1). # (إن الذين يتلون كتب الله) أي: يداومون على تلاوته، وهي شأنهم وديدنهم، وعن مطرف: ms0987 هي آية القراء (2). و (يرجون) خبر (إن)، (لن تبور) لن تكسد ولن تفسد، وتعلق به (ليوفيهم) أي: تجارة تنفق عند الله ليوفيهم بنفاقها عنده (أجورهم) وهي ما استحقوه من الثواب (ويزيدهم) على قدر (3) استحقاقهم (من فضله)، وإن شئت جعلت (يرجون) في موضع الحال، بمعنى: # فعلوا جميع ذلك من التلاوة وإقامة الصلاة والإنفاق راجين تجارة مربحة ليوفيهم، وخبر (إن) قوله: (إنه غفور شكور) أي: غفور لهم وشكور لأعمالهم. # (والذي أوحينا إليك من الكتب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده ى لخبير بصير (31) ثم أورثنا الكتب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ى ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير (32) جنت عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (33) وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور (34) الذيأحلنا دار المقامة من فضله ى لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب (35)) (من الكتب) يعني: القرآن، و (من) للتبيين، أو يريد الجنس و (من) للتبعيض، (مصدقا) حال مؤكدة؛ لأن الحق لا ينفك عن هذا التصديق (لما بين يديه) أي: لما تقدمه من الكتب، إنه (بعباده لخبير بصير) يعني: إنه خبرك وأبصر شمائلك فرآك أهلا لما أوحاه إليك من الكتاب المعجز. # PageV03P122 # (ثم أورثنا الكتب) المعنى: إنا أوحينا إليك القرآن مصدقا لما قبله من الكتب موافقا لما بشرت به تلك الكتب من حاله وحال من أتى به، ثم أورثناه الذين اصطفينا من عبادنا بعدك وهم علماء الأمة، لما ورد في الحديث: " أن العلماء ورثة الأنبياء " (1)، والمروي عن الباقر والصادق (عليهما السلام) أنهما قالا: " هي لنا خاصة، وإيانا عنى " (2). وهذا هو الصحيح؛ لأن الوصف بالاصطفاء أليق بهم، إذ هم ورثة الأنبياء، وقدوة العلماء، المستحفظون للكتاب، العارفون بحقائقه. # (فمنهم ظالم لنفسه) وعن ابن عباس والحسن: أن الضمير للعباد (3)، واختاره المرتضى قدس روحه قال: علل تعليقه سبحانه وراثة الكتاب بالمصطفين من عباده بأن فيهم من هو ظالم لنفسه ومن هو (مقتصد) ومن هو ms0988 (سابق بالخيرت) (4). وقيل: إن الضمير للذين اصطفاهم الله (5). # وروي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: " الظالم لنفسه منا: من لا يعرف حق الإمام، والمقتصد منا: العارف بحق الإمام، والسابق بالخيرات: هو الإمام " (6). # وكلهم مغفور لهم، وذلك لاصطفاء وإيراث الكتاب، أو: ذلك السبق بالخيرات هو (الفضل الكبير). # (جنت عدن) بدل من (الفضل الكبير) الذي هو السبق بالخيرات، لأنه لما كان السبب في نيل الثواب نزله منزلة المسبب، كأنه هو الثواب، فأبدلت عنه # PageV03P123 # (جنت عدن) وقرئ: " يدخلونها " على البناء للمفعول (1)، (من أساور): " من " للتبعيض، أي: (يحلون) بعض أساور، كأنه بعض سابق لسائر الأبعاض كما سبق المسورون به غيرهم. # وفي ذكر " الشكور " دلالة على كثرة حسناتهم و (المقامة) بمعنى الإقامة (من فضله) من عطائه وأفضاله. و النصب: العناء والمشقة التي تصيب المنتصب للأمر المزاول له، واللغوب: الإعياء والفتور الذي يلحق بسبب النصب، فاللغوب نتيجة النصب. # (والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزى كل كفور (36) وهم يصطرخون فيها ربنآ أخرجنا نعمل صلحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجآءكم النذير فذوقوا فما للظلمين من نصير (37) إن الله علم غيب السموات والارض إنه عليم بذات الصدور (38) هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكفرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكفرين كفرهم إلا خسارا (39) قل أرءيتم شركآءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات أم ءاتينهم كتبا فهم على بينت منه بل إن يعد الظلمون بعضهم بعضا إلا غرورا (40)) (فيموتوا) جواب النفي (كذلك) أي: مثل ذلك الجزاء (نجزى) وقرئ: # " يجزى " (2). (وهم يصطرخون) أي: يتصارخون (فيها) يفتعلون من الصراخ # PageV03P124 # وهو الصياح باستغاثة وجهد وشدة. والفائدة في قولهم: (غير الذي كنا نعمل) من غير اكتفاء بقولهم: (صلحا) أنه للتحسر على ما عملوا من غير الصالح مع الاعتراف به، ولأنهم كانوا يحسبون أنهم على سيرة صالحة فقالوا: (أخرجنا نعمل صلحا ms0989 غير الذي كنا) نحسبه صالحا فنعمله: (أولم نعمركم) توبيخ من الله، فيقول لهم وهو متناول لكل عمر تمكن فيه المكلف من إصلاح شأنه وإن قصر، وإن كان التوبيخ في المتطاول أعظم، وقد قيل: إنه ستون سنة (1)، وقيل: أربعون (2)، وقيل: ثماني عشرة سنة (3) (وجآءكم النذير) عطف على معنى (أولم نعمركم) كأنه قيل: قد عمرناكم وجاءكم النذير وهو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو القرآن، وقيل: النذير: # الشيب (4)، وقيل: موت الأهل والأقارب (5) (فذوقوا) العذاب. # (إنه عليم بذات الصدور) كالتعليل، لأنه إذا علم ما في الصدور وهو أخفى ما يكون فقد علم كل غيب في العالم، وذات الصدور: مضمراتها وهي تأنيث " ذو "، وذو موضوع بمعنى الصحبة، فالمضمرات تصحب الصدور. # والخلائف: جمع خليفة وهو المستخلف (فعليه كفره) أي: ضرر كفره وعقاب كفره، والمقت: أشد البغض، وقيل لمن نكح امرأة أبيه: مقتي لكونه ممقوتا في كل قلب. # (أروني) بدل من (أرأيتم) لأن معنى " أرأيتم ": أخبروني، فكأنه قال: # أخبروني عن هؤلاء الشركاء وعما استحقوا به العبادة، أروني أي جزء (من) # PageV03P125 # أجزاء (الأرض) خلقوه بأنفسهم (أم لهم) مع الله شركة في خلق (السموت) والأرض أم معهم كتاب من عند الله ينطق بأنهم شركاء (فهم على) حجة من ذلك الكتاب؟ أو يكون الضمير للمشركين كقوله: (أم ءاتينهم كتبا) من قبل أم أنزلنا عليهم سلطانا (بل إن يعد) أي: ما يعد (الظلمون بعضهم) وهم الرؤساء (بعضا) وهم الأتباع (إلا غرورا) وهو قولهم: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. # (إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتآ إن أمسكهما من أحد من بعده ى إنه كان حليما غفورا (41) وأقسموا بالله جهد أيمنهم لبن جآءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جآءهم نذير ما زادهم إلا نفورا (42) استكبارا في الأرض ومكر السيىء ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ى فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا (43) أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما ms0990 كان الله ليعجزه من شىء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا (44) ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دآبة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جآء أجلهم فإن الله كان بعباده ى بصيرا (45)) (أن تزولا) كراهة أن تزولا، أو: يمنعهما من أن تزولا، لأن الإمساك منع (إنه كان حليما غفورا) غير معاجل بالعقوبة حيث يمسكهما، وكانتا جديرتين بأن تهدا هدا لعظم كلمة الشرك كما يقال: (تكاد السموت يتفطرن منه وتنشق PageV03P126 # الأرض) (1)، و (إن أمسكهما) جواب القسم سد مسد جواب الشرط في (ولئن زالتا)، و (من) الأولى مزيدة والثانية للابتداء: " من بعد إمساكه ". # أي: أقسموا بأيمان غليظة (لئن جآءهم نذير) من جهة الله (ليكونن أهدى) إلى قبول قوله (من إحدى الأمم) الماضية، يعنون اليهود والنصارى. (ما زادهم) إسناد مجازي لأنه هو السبب في أن زادوا أنفسهم (نفورا) من الحق. # (استكبارا) بدل من (نفورا)، أو مفعول له بمعنى: إلا أن نفروا لاستكبارهم ومكرهم، أو حال يعني: مستكبرين وماكرين برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين. # ويجوز أن يكون (ومكر السييء) معطوفا على (نفورا) وأصله: وإن مكروا السيء أي: المكر السيء ثم ومكر السيء، ويدل عليه: (ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله). # وعن كعب الأحبار أنه قال لابن عباس: قرأت في التوراة أنه من حفر مغواة وقع فيها، قال: إني وجدت ذلك في كتاب الله، وقرأ الآية (2). # وفي أمثال العرب: " من حفر جبا وقع فيه منكبا " (3). # وقرأ حمزة: " ومكر السيء " بسكون الهمزة (4)، وذلك لاستثقاله الحركات مع الياء والهمزة، ولعله اختلس فظن سكونا أو وقف وقفة خفيفة (فهل ينظرون إلا) عادة الله في (الأولين) المكذبين للرسل، وهو إنزال العذاب بهم وإهلاكهم؟ جعل استقبالهم لذلك انتظارا له منهم، والتبديل: تصيير الشيء مكان غيره، والتحويل: # PageV03P127 # تصيير الشيء في غير المكان الذي كان فيه. والتغيير: تصيير الشيء على خلاف ما كان (ليعجزه) أي: ليسبقه ويفوته. # (بما كسبوا) من الشرك والتكذيب. الضمير في (ظهرها) للأرض وإن لم يجر لها ذكر ms0991 لعدم الالتباس، أي: ما ترك على ظهر الأرض (من دآبة) أي: نسمة تدب عليها، يريد: بني آدم، وقيل: ما ترك بني آدم وغيرهم من سائر الدواب بشؤم كفرهم ومعاصيهم (1) (إلى أجل مسمى) إلى يوم القيامة (كان بعباده بصيرا) وعيد بالجزاء. # * * * # PageV03P128 # سورة يس مكية (1) إلا آية، وهي ثلاث وثمانون آية كوفي، واثنتان غيرهم، (يس) كوفي. # وفي حديث أبي: " من قرأ سورة يس يريد بها وجه الله عز وجل غفر الله له، وأعطي من الأجر كأنما قرأ القرآن اثنتي عشرة مرة. وأيما مريض قرئت عنده سورة يس نزل عليه بعدد كل حرف منها عشرة أملاك، يقومون بين يديه صفوفا، ويستغفرون له، ويشهدون قبضه، ويتبعون جنازته، ويصلون عليه، ويشهدون دفنه " إلى آخر الخبر (2). # وعن الصادق (عليه السلام): " إن لكل شيء قلبا، وقلب القرآن يس، فمن قرأها في نهاره كان من المحفوظين والمرزوقين حتى يمسي، ومن قرأها في ليله قبل أن ينام وكل به ألف ملك يحفظونه من كل شيطان رجيم، ومن كل آفة، وإن مات # PageV03P129 # في يومه أدخله الله الجنة... " الخبر بطوله (1). # بسم الله الرحمن الرحيم (يس (1) والقرءان الحكيم (2) إنك لمن المرسلين (3) على صراط مستقيم (4) تنزيل العزيز الرحيم (5) لتنذر قوما مآ أنذر ءابآؤهم فهم غفلون (6) لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون (7) إنا جعلنا في أعنقهم أغللا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون (8) وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشينهم فهم لا يبصرون (9) وسوآء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (10)) قرئ (ياسين) بالإمالة والتفخيم (2) في " يا "، وبإظهار النون وإخفائها (3)، وكذلك نون والقلم. وعن ابن عباس: معناه " يا إنسان " (4)، وعن الحسن: معناه " يا رجل " (5)، وقيل: يا سيد الأولين والآخرين (6). وعن علي (عليه السلام): هو اسم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (7). # (والقرآن الحكيم) ذي الحكمة، أو: لأنه دليل ناطق بالحكمة كالحي، # PageV03P130 # أو: لأنه كلام حكيم، فوصف بصفة المتكلم به (إنك لمن المرسلين) جواب القسم (على صراط مستقيم) خبر بعد خبر، أو صلة ل‍ (المرسلين) (١) أي: إنك لمن الرسل الثابتين على طريق ms0992 ثابت وشريعة واضحة. # وقرئ: (تنزيل) بالرفع (٢) على أنه خبر مبتدأ محذوف، وبالنصب على: # أعني. # (لتنذر قوما) لم ينذر (ءاباؤهم) قبلهم، لأنهم كانوا في زمان الفترة بين عيسى ونبينا (عليهما السلام)، ومثله: ﴿لتنذر قوما ماءاتهم من نذير من قبلك﴾ (٣) (وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير) (٤) فيكون (ما أنذر ءاباؤهم) في موضع نصب على الصفة. وقد فسر (ما أنذر) على إثبات الإنذار بأن جعل " ما " مصدرية بمعنى: # لتنذر قوما إنذار آبائهم، أو: موصولة منصوبة على المفعول الثاني بمعنى: لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم من العذاب كقوله: (إنا أنذرناكم عذابا قريبا) (٥). وقوله: (فهم غافلون) على التفسير الأول يتعلق بالنفي، أي: لم ينذروا فهم غافلون، على أن عدم إنذارهم سبب غفلتهم، وعلى الثاني يتعلق بقوله: (إنك لمن المرسلين) لتنذر، كما تقول: أرسلتك إلى فلان لتنذره فإنه غافل. # (لقد حق القول على أكثرهم) وهو قوله سبحانه: ﴿لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ (6) أي: ثبت عليهم هذا القول ووجب لأنهم ممن علم من حالهم أنهم يموتون على الكفر. # PageV03P131 # ثم مثل تصميمهم على الكفر بأن جعلهم كالمغلولين المقمحين، في أنهم لا يلتفتون إلى الحق ولا يعطفون أعناقهم نحوه، وكالحاصلين بين سدين. (لا يبصرون) ما بين أيديهم وما خلفهم في أن لا تأمل لهم ولا استبصار (فهي إلى الأذقان) معناه: فالأغلال واصلة إلى الأذقان، فلا تخليه يطأطئ رأسه فلا يزال مقمحا، وهو الذي يرفع رأسه ويغض بصره، ويقال: قمح البعير: إذا رفع رأسه ولم يشرب الماء، وأقمحتها أنا، وبعير قامح، وإبل قماح، قال الشاعر يصف سفينة: # ونحن على جوانبها قعود * نغض الطرف كالإبل القماح (1) وعن ابن عباس: أن المعني بذلك ناس من قريش هموا بقتل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم يستطيعوا أن يبسطوا إليه يدا، وخرج إليهم وطرح التراب على رؤوسهم وهم لا يبصرونه (2). وعلى هذا فيكون معنى " السدين " أنه جعلهم لا يبصرونه، ومعنى (فأغشيناهم): جعلنا على أبصارهم غشاوة وحلنا (3) بينهم وبينه. # (إنما تنذر من اتبع الذكر وخشى الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم (11) إنا نحن ms0993 نحى الموتى ونكتب ما قدموا وءاثرهم وكل شىء أحصينه في إمام مبين (12) واضرب لهم مثلا أصحب القرية إذ جآءها المرسلون (13) إذ أرسلنآ إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنآ إليكم مرسلون (14) قالوا مآ أنتم إلا بشر مثلنا ومآ أنزل الرحمن من شىء إن أنتم إلا تكذبون (15) قالوا ربنا يعلم إنآ إليكم لمرسلون (16) وما علينآ إلا البلغ المبين (17) قالوا إنا تطيرنا بكم لبن # PageV03P132 # لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم (١٨) قالوا طائركم معكم أبن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون (١٩) وجآء من أقصا المدينة رجل يسعى قال يقوم اتبعوا المرسلين (٢٠) اتبعوا من لا يسلكم أجرا وهم مهتدون (٢١)) أي: (إنما) ينتفع بإنذارك (من اتبع) القرآن (وخشى) الله متلبسا (بالغيب) يعني في حال غيبته عن الناس (فبشر) من هذه صفته (بمغفرة) من الله لذنوبه (وأجر كريم) ثواب عظيم خالص من الشوب. # (نحى الموتى) نبعثهم يوم القيامة للجزاء، وعن الحسن: إحياؤهم أن يخرجهم من الشرك إلى الإيمان (١). (ونكتب) ما أسلفوا من الأعمال الصالحة وغيرها (وءاثرهم) أي: وأعمالهم التي صارت سنة من بعدهم يقتدى فيها بهم حسنة كانت أم قبيحة، ومن الآثار الحسنة: علم علم أو كتاب في الدين صنف أو صدقة أجريت أو وقف وقف أو مسجد لله بني... ونحو ذلك، ومن الآثار السيئة: # وظيفة ضارة على المسلمين وظفت أو شيء صاد عن ذكر الله من الملاهي والألحان أحدث... ونحو ذلك، ومثله قوله تعالى: ﴿ينبؤا الإنسان يومئذ بما قدم وأخر﴾ (2) أي: قدم من أعماله وأخر من آثاره، وقيل: هي آثار المشائين إلى المساجد (3). # وقال (عليه السلام): " إن أعظم الناس أجرا في الصلاة أبعدهم إليها ممشى فأبعدهم " (4). # والإمام المبين: هو اللوح المحفوظ، وقيل: هو صحائف الأعمال سماه مبينا # PageV03P133 # لأنه لا يندرس أثره (1). # (واضرب لهم مثلا) مثل لهم من قولهم: عندي من هذا الضرب كذا، أي: من هذا المثال، والمعنى: واضرب لهم مثلا مثل (أصحاب القرية) والمثل الثاني بيان للأول، و (إذ) بدل من (أصحب القرية)، والقرية: أنطاكية، والمرسلون: رسل عيسى (عليه السلام) إلى أهلها، بعثهم دعاة ms0994 إلى الحق، وكانوا عبدة الأوثان، وإنما أضاف سبحانه إرسالهم إلى نفسه لأنه أرسلهم بأمره (فعززنا) فقويناهما وشددنا ظهورهما برسول ثالث، يقال: المطر يعزز الأرض أي: يلبدها ويشدها، وقرئ: # " فعززنا بثالث " بالتخفيف (2) من: عزه يعزه إذا غلبه، أي: فغلبنا وقهرنا بثالث. # وترك ذكر المفعول به لأن الغرض ذكر المعزز به وهو شمعون الصفا رأس الحواريين. # (قالوا إنا إليكم مرسلون) أولا و (إنا إليكم لمرسلون) ثانيا، لأن الأول ابتداء إخبار، والثاني جواب عن إنكار، قوله: (ربنا يعلم) جار مجرى القسم في التوكيد، ومثله قولهم: شهد الله وعلم الله، وإنما حسن منهم هذا الجواب الوارد على سبيل التوكيد لأنهم حققوه بقوله: (وما علينا إلا البلاغ المبين) وهو الظاهر المكشوف بالآيات والمعجزات الشاهدة بصحته، وإلا فلو قال المدعي: والله إني لصادق فيما أدعي، ولم يحضر البينة لكان قبيحا. # (قالوا إنا تطيرنا) أي: تشأمنا (بكم) وذلك أنهم كرهوا دينهم ونفرت منه نفوسهم (لئن لم تنتهوا) عما تدعونه من الرسالة (لنرجمنكم) بالحجارة أو لنشتمنكم، قال الرسل: (طائركم معكم) أي: سبب شؤمكم معكم، وهو # PageV03P134 # إقامتكم على الكفر والشرك، فأما الدعاء إلى الإيمان والتوحيد ففيه غاية اليمن والبركة (أئن ذكرتم) أي: أتطيرون إن ذكرتم، وقرئ: " أن ذكرتم " بالفتح (1)، بمعنى: أتطيرتم لان ذكرتم، (بل أنتم قوم مسرفون) في العصيان، فمن ثم أتاكم الشؤم لا من قبل الرسل وتذكيرهم إياكم، بل أنتم قوم مسرفون في ضلالكم، متمادون في غوايتكم حيث تتشأمون بمن يتبرك به. # (رجل يسعى) هو حبيب بن إسرائيل النجار، وكان منزله عند (أقصى) باب من أبواب المدينة، فلما بلغه أن قومه هموا بقتل الرسل (جاء) يعدو ويشتد. # وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): " سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين: علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام، وصاحب ياسين، ومؤمن آل فرعون، فهم الصديقون، وعلي (عليه السلام) أفضلهم " (2). # وقوله: (من لا يسئلكم أجرا وهم مهتدون) كلمة جامعة في الترغيب فيهم، أي: لا تخسرون معهم شيئا من دنياكم وتربحون صحة دينكم فتفوزون بخير الدنيا والآخرة. # (وما لي ms0995 لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون (22) ءأتخذ من دونه ى ءالهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عنى شفعتهم شيئا ولا ينقذون (23) إنى إذا لفي ضلل مبين (24) إنى ءامنت بربكم فاسمعون (25) قيل ادخل الجنة قال يليت قومي يعلمون (26) بما غفر لي ربى وجعلني من المكرمين (27) ومآ أنزلنا على قومه ى من بعده ى من جند من السمآء # PageV03P135 # وما كنا منزلين (28) إن كانت إلا صيحة وا حدة فإذا هم خمدون (29) يحسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به ى يستهزءون (30)) أبرز الكلام في معرض المناصحة لنفسه وهو يريد مناصحتهم تلطفا لهم، فكأنه قال: وما لكم لا تعبدون الذي فطركم؟ ألا ترى إلى قوله: (وإليه ترجعون) ولم يقل: وإليه أرجع، ثم ساق كلامه ذلك المساق إلى أن قال: (إني آمنت بربكم فاسمعون) يريد: فاسمعوا قولي وأطيعوني فقد نبهتكم على الحق الصريح والدين الصحيح الذي لا محيص عنه، وهو أن العبادة لا تصح إلا لمن أنشأ خلقكم (1) وأوجدكم وإليه مرجعكم، ومن أنكر الأشياء في العقل أن تؤثروا على عبادته عبادة أشياء، إن أرادكم هو (بضر) وشفع لكم هؤلاء لم ينفعكم شفاعتهم ولم يقدروا على إنقاذكم، إنكم في هذا الاختيار لواقعون (في ضلال) ظاهر بين لا يخفى على ذي حجى. # ثم إن قومه لما سمعوا منه ذلك القول وطؤوه بأرجلهم حتى مات، فأدخله الله الجنة وهو حي فيها يرزق، وذلك قوله: (قيل ادخل الجنة)، وقيل: إنهم قتلوه على أن الله سبحانه أحياه وأدخله الجنة، فلما دخلها (قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربى) (2) تمنى أن يعلم قومه ما أعطاه الله تعالى من المغفرة وجزيل الثواب ليرغبوا في مثله، ويؤمنوا لينالوا ذلك. وورد في حديث مرفوع: " أنه نصح قومه حيا وميتا " (3). # و " ما " في (بما غفر لي) مصدرية أو موصولة، أي: بمغفرة ربي لي، أو: بالذي # PageV03P136 # غفره ربي لي من الذنوب، ويجوز أن تكون استفهامية أي: بأي شيء غفر لي؟ # يريد ما كان منه معهم من المصابرة على الجهاد في إعزاز ms0996 دين الله حتى قتل، إلا أنه على هذا الوجه " بم غفر لي " بطرح الألف أجود وإن كان إثباتها جائزا. # (وما أنزلنا على قومه من) بعد قتله (من جند) أي: لم تنزل لإهلاكهم جندا من جنود السماء كما فعلنا يوم بدر (وما كنا) منزليهم على الأمم إذ أهلكناهم. # (إن كانت إلا صيحة وحدة) أي: لم تكن مهلكتهم عن آخرهم إلا بأيسر أمر (صيحة وحدة) أخذ جبرائيل بعضادتي باب المدينة وصاح بهم صيحة فماتوا من آخرهم، لا يسمع لهم حس، كالنار إذا طفئت. وكأنه قال عز اسمه: إن إنزال الجنود من السماء من عزائم الأمور التي لا يؤهل لها إلا مثلك يا محمد، حيث أنزلوا يوم بدر والخندق وما كنا نفعله بغيرك. وقرئ: " إلا صيحة " بالرفع (1) على " كان " التامة، أي: ما وقعت إلا صيحة، والقياس التذكير؛ لأن المعنى: ما وقع شيء إلا صيحة، ولكن جوز ذلك لأن " الصيحة " في حكم فاعل الفعل، ومثله بيت ذي الرمة: # وما بقيت إلا الضلوع الجراشع (2) والقراءة بالنصب على معنى: إن كانت الأخذة أو العقوبة إلا صيحة. # (يا حسرة على العباد) نوديت الحسرة كأنها قيل لها: تعال يا حسرة فهذا من أوقاتك التي حقك أن تحضري فيها، وهي حال استهزائهم بالرسل، والمعنى: # أنهم أحقاء بأن يتحسر عليهم المتحسرون، أو: هم متحسر عليهم من جهة الملائكة # PageV03P137 # والمؤمنين، ويجوز أن يكون من جهة الله تعالى على سبيل الاستعارة في معنى تعظيم ما جنوه على أنفسهم، وفرط إنكاره له وتعجبه منه. وروي عن أبي بن كعب وابن عباس وعلي بن الحسين زين العابدين (عليهما السلام): " يا حسرة العباد " (1) على الإضافة إليهم لاختصاصها بهم من حيث إنها موجهة إليهم. # (ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون (31) وإن كل لما جميع لدينا محضرون (32) وءاية لهم الأرض الميتة أحيينها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون (33) وجعلنا فيها جنت من نخيل وأعنب وفجرنا فيها من العيون (34) ليأكلوا من ثمره ى وما عملته أيديهم أفلا يشكرون (35) سبحن الذي خلق الأزواج كلها مما ms0997 تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون (36) وءاية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون (37) والشمس تجرى لمستقر لها ذا لك تقدير العزيز العليم (38) والقمر قدرنه منازل حتى عاد كالعرجون القديم (39) لا الشمس ينبغى لهآ أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون (40)) (ألم يروا) ألم يعلموا، وهو معلق عن العمل في (كم) لأن " كم " لا يعمل فيها عامل قبلها، سواء كانت للاستفهام أم للخبر؛ لأن أصلها للاستفهام، و (أنهم إليهم لا يرجعون) بدل من (كم أهلكنا) على المعنى لا على اللفظ، والتقدير: أولم يروا كثرة إهلاكنا القرون قبلهم كونهم غير راجعين إليهم، أي: لا يعودون إلى الدنيا، أفلا يعتبرون بهم؟ # PageV03P138 # وقرئ: " لما " بالتخفيف (1) على أن يكون " ما " صلة للتوكيد، و (إن) مخففة من الثقيلة والتقدير: إن كلهم لمجموعون محشورون محضرون للحساب. وقرئ: # (لما) بالتشديد بمعنى " إلا " كمسألة الكتاب: نشدتك بالله لما فعلت، و (إن) نافية والتقدير: ما كل إلا مجموعون محضرون لدينا، والتنوين في (كل) عوض من المضاف إليه، وال‍ (جميع) فعيل بمعنى مفعول، يقال: حي جميع، وجاؤوا جميعا. # والقراءة بالميتة مخففة أشيع وأسلس على اللسان، و (أحييناها) استئناف، بيان لكون الأرض الميتة آية، ودلالة لهم على قدرة الله على البعث، وكذلك (نسلخ) ويجوز أن يكون صفتين ل‍ (الأرض) و (الليل) لأنه أريد بهما الجنسان مطلقين، لا " أرض " ولا " ليل " بأعيانهما، فعوملا معاملة النكرات في وصفهما بالجمل، ونحوه: # ولقد أمر على اللئيم يسبني (2) أي: أحييناها بالنبات، و (أخرجنا منها) كل حب يتقوتونه مثل: الحنطة والشعير والأرز ونحوها (فمنه يأكلون) قدم الظرف للدلالة على أن الحب هو الذي يتعلق به معظم العيش ويتقوم بالإرزاق منه صلاح الإنس، وإذا قل جاء القحط. # وخص النخيل والأعناب لكثرة أنواعهما ومنافعهما (وفجرنا) في الأرض أو في الجنات من عيون الماء (ليأكلوا من ثمره) والمعنى: ليأكلوا مما خلقه الله # PageV03P139 # من الثمر، ومما (عملته أيديهم) من الغرس والسقي والآبار وغير ذلك من الأعمال، إلى أن بلغ الثمر منتهاها وأوان أكلها. وقرئ: (ثمره) ms0998 و " ثمره " بفتحتين وضمتين (1) وضمة وسكون (2)، وأصله: " من ثمرنا " كما قال: (وجعلنا) و (فجرنا) فنقل الكلام من التكلم إلى الغيبة على طريقة الالتفات، ويجوز أن يكون الضمير ل‍ " النخيل " وتترك " الأعناب " غير مرجوع إليها الضمير؛ لأنها في حكم النخيل فيما علق به من أكل ثمره، ويجوز أن يراد به: من ثمره المذكور وهو الحبات، كما قال رؤبة: # فيها خطوط من سواد وبلق * كأنه في الجلد توليع البهق (3) فسئل عنه فقال: أردت كأن ذلك. ويجوز أن يكون (ما) في (ما عملته) نافية، أي: ولم يعمل تلك الثمار أيديهم ولا يقدرون عليه، وقرئ على الوجه الأول: " وما عملت أيديهم " من غير هاء (4). # و (الأزوج): الأشكال والأصناف والأجناس من الأشياء (ومما لا يعلمون) أي: ومن أزواج لم يطلعهم الله عليها، ولا توصلوا إلى معرفتها بطريق من طرق العلم، ولا يبعد أن يخلق الله من الحيوان والجماد ما لم يجعل للبشر طريقا إلى العلم به في بطون الأرض وقعر البحار. # سلخ الشاة: كشط جلدها عنها، فاستعير لإزالة الضوء وكشفه عن مكان الليل # PageV03P140 # وملقى ظله (فإذا هم مظلمون) أي: داخلون في ظلام الليل لا ضياء لهم فيه. # (والشمس تجرى لمستقر لها) أي: لحد لها موقت مقدر تنتهي إليه من فلكها في آخر السنة، شبه بمستقر المسافر إذا قطع مسيره، أو: منتهى لها من المشارق والمغارب حتى تبلغ أقصاها فذلك مستقرها لأنها لا تعدوه، أو: لحد لها من مسيرها كل يوم في مرائي عيوننا وهو المغرب، وقرأ ابن مسعود: " لا مستقر لها " (1) وهو قراءة أهل البيت (عليهم السلام) (2) ومعناه: أنها لا تزال تجري لا تستقر ذلك الجري على ذلك التقدير والحساب الدقيق الذي يكل الفطن عن استخراجه، تقدير الغالب بقدرته على كل مقدور، المحيط علما بكل معلوم. # وقرئ: (والقمر) بالرفع (3) على الابتداء أو عطفا على (الليل) أي: ومن آياته القمر، وبالنصب بفعل مضمر يفسره (قدرنه). والمعنى: قدرنا مسيره (منازل) وهي ثمانية وعشرون منزلا، ينزل كل ليلة في واحد منها لا يتخطؤه ولا يتقاصر عنه، على تقدير ms0999 مستو (حتى عاد كالعرجون القديم) وهو عود العذق الذي تقادم عهده حتى يبس وتقوس، وقيل: إنه يصير كذلك في كل ستة أشهر (4)، قال الزجاج: هو فعلون من الانعراج وهو الانعطاف (5) والقديم يدق وينحني ويصفر، فشبه القمر به من ثلاثة أوجه. # (لا الشمس ينبغى لهآ أن تدرك القمر) في سرعة سيره فإنها تقطع منازلها # PageV03P141 # في سنة والقمر يقطعها في شهر، ولأن الله سبحانه باين بين فلكيهما ومجاريهما، فلا يمكن أن يدرك أحدهما الآخر (ولا الليل سابق النهار) أي: ولم يسبق الليل النهار (وكل) التنوين فيه عوض من المضاف إليه، وكلهم: الشمس والقمر والنجوم (في فلك يسبحون) أي: يسيرون فيه بانبساط، وإنما قيل بالواو والنون لما أضيف إليها ما هو من فعل العقلاء. وعن ابن عباس: معناه: يجري كل واحد منهما في فلكه كما يدور المغزل في الفلكة (1). # (وءاية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون (41) وخلقنا لهم من مثله ى ما يركبون (42) وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون (43) إلا رحمة منا ومتعا إلى حين (44) وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون (45) وما تأتيهم من ءاية من ءايت ربهم إلا كانوا عنها معرضين (46) وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين ءامنوا أنطعم من لو يشآء الله أطعمه و إن أنتم إلا في ضلل مبين (47) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صدقين (48) ما ينظرون إلا صيحة وا حدة تأخذهم وهم يخصمون (49) فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون (50)) قرئ: (ذريتهم) على التوحيد و " ذرياتهم " على الجمع (2)، وهم أولادهم ومن يهمهم حمله، وقيل: إن اسم الذرية يقع على النساء لأنهن مزارعها (3). # وفي الحديث: " أنه نهى عن قتل الذراري، وخصهم بالحمل لضعفهم، ولأنه # PageV03P142 # لا قوة لهم على السفر كقوة الرجال " (1). # (وخلقنا لهم من) مثل الفلك (ما يركبون) يعني الإبل، وهي سفن البر، وقيل: (الفلك المشحون) سفينة نوح (2)، و (من مثله) أي: مثل ذلك الفلك ما يركبون من السفن والزوارق. (فلا صريخ لهم) أي: لا ms1000 مغيث لهم، أو: لا إغاثة، يقال: أتاهم الصريخ. (إلا رحمة منا) أي: لرحمة منا ولتمتع بالحياة إلى أجل يموتون فيه لابد لهم منه بعد النجاة من موت الغرق. # وجواب (إذا) محذوف يدل عليه قوله: (إلا كانوا عنها معرضين)، كأنه قال: (وإذا قيل لهم اتقوا) أعرضوا، ثم قال: وعادتهم الإعراض عند كل آية وموعظة. وعن الصادق (عليه السلام): " معناه: اتقوا (ما بين أيديكم) من الذنوب (وما خلفكم) من العقوبة " (إن أنتم إلا في ضلال مبين) قول الله سبحانه، أو حكاية قول المؤمنين لهم، أو هو من جملة جوابهم للمؤمنين. # وقرئ: (وهم يخصمون) بإدغام التاء من " يختصمون " في الصاد مع فتح الخاء (3)، وكسرها وإتباع الياء الخاء في الكسر، و " يخصمون " (4) من خصمه يخصمه. أي: يختصمون في أمورهم ويتبايعون في أسواقهم، يعني: أن القيامة تأتيهم بغتة فلا يقدرون على الإيصاء بشيء، ولا يرجعون إلى منازلهم من الأسواق. # (ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون (51) # PageV03P143 # قالوا يويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون (52) إن كانت إلا صيحة وا حدة فإذا هم جميع لدينا محضرون (53) فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون (54) إن أصحب الجنة اليوم في شغل فكهون (55) هم وأزواجهم في ظلل على الأرآئك متكون (56) لهم فيها فكهة ولهم ما يدعون (57) سلم قولا من رب رحيم (58) وامتزوا اليوم أيها المجرمون (59) ألم أعهد إليكم يبنى ءادم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين (60) وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم (61)) (الأجداث) القبور (ينسلون) يعدون، وهي النفخة الثانية. (من بعثنا من مرقدنا) من حشرنا من منامنا الذي كنا فيه نياما؟ لأن إحياءهم كالإنباه من الرقاد، وقيل: إنهم عدوا أحوالهم في قبورهم بالإضافة إلى أهوال القيامة رقادا (1). # وروي عن علي (عليه السلام) أنه قرأ: " من بعثنا " (2) على " من " الجار، والمصدر (هذا) مبتدأ و (ما وعد) خبره " وما " مصدرية أو موصولة. ويجوز أن يكون (هذا) صفة ل‍ (مرقدنا) و (ما وعد) خبر مبتدأ محذوف أي: هذا وعد الرحمن. ms1001 وعن قتادة: أول الآية قول الكافر، وآخر الآية (هذا ما وعد الرحمن) قول المسلم (3)، وقيل: هو كلام الكافرين أيضا يتذكرون ما سمعوه من الرسل فيجيبون به أنفسهم أو يجيب بعضهم بعضا (4). وإذا جعلت " ما " موصولة فتقديره: هذا الذي وعده الرحمن والذي صدقه المرسلون، أي: صدقوا فيه، من قولهم: صدقوهم القتال، # PageV03P144 # والمثل: " صدقني سن بكره " (1)، أي: هو الذي وعده الله في كتبه المنزلة على ألسنة رسله الصادقين، وليس ببعث النائم من مرقده بل هو البعث الأكبر، أي: # لم تكن تلك المدة إلا مدة صيحة واحدة، فإذا الأولون والآخرون مجموعون (لدينا) في عرصات القيامة، محصلون في موقف الحساب (فاليوم لا تظلم نفس شيئا). # (إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون) حكاية ما يقال لهم في ذلك اليوم، وفي مثل هذه الحكاية تصوير للموعود، وتمكين له في النفوس، وترغيب في الحرص على العمل بما يثمره ويؤدي إليه (في شغل) وقرئ: " في شغل " بسكون الغين (2) وهما لغتان، أي: في أي شغل لا يحاط بوصفه، وهو النعيم الذي شملهم وشغلهم عما فيه أهل النار فلا يذكرونهم وإن كانوا أقاربهم، وقيل: شغلوا بافتضاض العذارى وباستماع الألحان (3). وقرئ: (فاكهون) و " فكهون " (4) والمعنى واحد، أي: متنعمون متلذذون، ومنه الفاكهة لأنها مما يتلذذ به، وقيل: # فرحون طيبو النفوس معجبون بما هم فيه من الفكاهة وهي المزاح والأحاديث الطيبة (5). # PageV03P145 # (هم) يحتمل أن يكون مبتدأ، وأن يكون تأكيدا للضمير في (شغل) وفي (فاكهون) على أن (أزوجهم) تشاركهم في ذلك الشغل والتفكه والاتكاء (على الأرآئك) تحت الظلال، وقرئ: " في ظلل " (1) وهو جمع ظلة، والأريكة: # السرير في الحجلة، وقيل: كل ما اتكئ عليه فهو أريكة (2) (ولهم ما يدعون) أي: يتمنون ويشتهون، من قولهم: ادع علي ما شئت، يعني: تمنه علي، وقيل: هو يفتعلون من الدعاء، أي: يدعون به لأنفسهم (3)، كقوله: اشتوى إذا شوى لنفسه. # (سلم) بدل من (ما يدعون) كأنه قال لهم: سلام، يقال لهم (قولا) من جهة (رب رحيم)، والمعنى: أن الله سبحانه يسلم عليهم بواسطة الملك أو بغير واسطة مبالغة في ms1002 تعظيمهم، وذلك متمناهم، ولهم ذلك ما يمنعونه، وقيل: (ما يدعون) مبتدأ، وخبره (سلم) بمعنى: ولهم ما يدعون سلام خالص لا شوب فيه، ف‍ (قولا) مصدر مؤكد لقوله: (ولهم ما يدعون سلم)، أي: عدة من رب رحيم (4). # (وامتزوا) أي: انفردوا عن المؤمنين وكونوا على حدة، وذلك حين يحشر المؤمنون ويسار بهم إلى الجنة، يقال: مزته فامتاز وانماز، وعن قتادة: اعتزلوا عن كل خير (5) وعن الضحاك: لكل كافر بيت في النار يدخله فيردم بابه لا يرى ولا يرى (6). # هذا إشارة إلى ما عهد إليهم فيه من معصية الشيطان وطاعة الرحمن # PageV03P146 # (هذا صرط مستقيم) بليغ في استقامته، حقيق بأن يوصف بالكمال في بابه. # (ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون (62) هذه ى جهنم التي كنتم توعدون (63) اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون (64) اليوم نختم على أفواههم وتكلمنآ أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون (65) ولو نشآء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون (66) ولو نشآء لمسخنهم على مكانتهم فما استطعوا مضيا ولا يرجعون (67) ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون (68) ومآ علمنه الشعر وما ينبغى له إن هو إلا ذكر وقرءان مبين (69) لينذر من كان حيا ويحق القول على الكفرين (70)) (جبلا) قرئ بضمتين (1) وبضمة وسكون (2) وبضمتين وتشديدة (3) وبكسرتين وتشديدة، ومعناهن جميعا: الخلق الكثير الذي جبلوا على خليقته أضلهم الشيطان بأن دعاهم إلى الضلال (4) وأغواهم. # (اصلوها اليوم) أي: الزموها وصيروا صلاها، أي: وقودها بسبب كفركم وتكذيبكم الأنبياء. # (فاستبقوا الصرط) أي: إلى الصراط، فحذف الجار وأوصل الفعل، أو ضمن " استبقوا " معنى: " ابتدروا "، أو: نصب (الصرط) على الظرف، والمعنى: ولو نشاء لمسخنا أعينهم، فلو حاولوا أن يستبقوا إلى الطريق الذي اعتادوا سلوكه إلى # PageV03P147 # مقاصدهم كما كانوا يستبقون إليه ساعين في متصرفاتهم لم يقدروا، فكيف (يبصرون) ويعلمون جهة السلوك وقد أعميناهم؟ # والمكانة والمكان واحد، كالمقامة والمقام. وقرئ (على مكانتهم) و " مكاناتهم " (١) على التوحيد والجمع، أي: لمسخناهم مسخا يجمدهم على مكانهم لا يقدرون أن يبرحوه، بمضي ولا رجوع بأن يجعلهم حجارة، وقيل: # لمسخناهم قردة وخنازير في منازلهم فلا يستطيعون ms1003 (مضيا) عن العذاب ولا رجوعا إلى الخلقة الأولى بعد المسخ (٢). # (ومن نعمره ننكسه) (٣) أي: نقلبه في الخلق فنخلقه على عكس ما خلقناه قبل، إذ كان يتزايد في القوة والعقل والعلم إلى أن استكمل قوته وبلغ أشده، وإذا انتهى نكسناه في الخلق، فجعلناه يتناقص حتى يرجع في حال شبيهة بحال الصبي في ضعف الجسد وقلة العقل والعلم، كما ينكس السهم فيجعل أعلاه أسفله، كما قال: ﴿ثم رددناه أسفل سافلين﴾ (٤) ثم ﴿يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا﴾ (5) وقرئ: " ننكسه " من التنكيس. # (وما علمناه) بتعليم القرآن (الشعر) ومعناه: أن القرآن ليس بشعر، ولا مناسبة بينه وبين الشعر، لأن الشعر كلام موزون مقفى، وليس القرآن منه في شيء (وما ينبغى له) أي: وما يصح له، وما ينطلب لو طلب، فلو أراد أن يقول الشعر لم يتأت له ولم يتسهل، حتى لو تمثل ببيت شعر جرى على لسانه منكسرا، # PageV03P148 # كما روي أنه كان يتمثل بهذا البيت: # كفى الإسلام والشيب للمرء ناهيا فقال أبو بكر: إنما قال الشاعر: " كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا " أشهد أنك رسول الله (١). # وأما قوله (عليه السلام): # أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبد المطلب (٢) وما روي من نحوه فإن ذلك كلام من جنس كلامه الذي كان يرمى به على السليقة من غير صفة فيه، إلا أنه اتفق أن جاء موزونا من غير قصد منه كما يتفق في كثير من إنشاءات الناس في خطبهم ومحاوراتهم أشياء موزونة ولا يسميها أحد شعرا، ولا يخطر ببال المتكلم ولا السامع أنه شعر، على أن الخليل لم يكن يعد المشطور من الرجز شعرا (٣). # ولما نفى سبحانه أن يكون القرآن شعرا قال: (إن هو إلا ذكر) أي: ما هو إلا ذكر من الله يوعظ به الإنس والجن كما قال: ﴿إن هو إلا ذكر للعلمين﴾ (4) وما هو إلا قرآن يقرأ في المحاريب، وينال بقراءته والعمل بما فيه فوز الدارين. # (لينذر) القرآن أو الرسول (من كان حيا) أي: عاقلا متأملا؛ لأن غير العاقل كالميت، أو ms1004 من المعلوم من حاله أن يؤمن فيحيا بالإيمان (ويحق القول) أي: # ويجب الوعيد (على الكفرين) بكفرهم. # PageV03P149 # (أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينآ أنعما فهم لها ملكون (71) وذللنها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون (72) ولهم فيها منفع ومشارب أفلا يشكرون (73) واتخذوا من دون الله ءالهة لعلهم ينصرون (74) لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون (75) فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون (76)) (مما عملت أيدينا) أي: ما تولينا خلقه وإنشاءه ولم يقدر على توليه غيرنا (فهم لها ملكون) أي: خلقنا (أنعاما) لأجلهم فملكناهم إياها (فهم) متصرفون فيها تصرف الملاك، أو: فهم لها ضابطون قاهرون، لم نخلقها وحشية نافرة منهم لا يقدرون على ضبطها، فهي مسخرة لهم، وهو قوله: (وذللنها لهم)، والركوب والركوبة: ما يركب، كما أن الحلوب والحلوبة: ما يحلب، أي: فمنها ما ينتفعون بركوبه ومنها ما ينتفعون بذبحه وأكله (ولهم فيها منفع ومشارب) منها لبس أصوافها وأوبارها وأشعارها، وشرب ألبانها إلى غير ذلك من وجوه الانتفاع بها، والمشارب: جمع المشرب وهو موضع الشراب والشرب. # (اتخذوا... ءالهة) يعبدونها طمعا في أن ينصروهم، ويدفعوا عنهم، ويشفعوا لهم عند الله، والأمر على عكس ما قدروا فإنهم يوم القيامة (جند محضرون) لعذابهم لأنهم يجعلون وقود النار، أو: اتخذوهم طمعا في أن يتقووا بهم، والأمر بالضد مما توهموه، إذ هم جند لآلهتهم يخدمونهم ويذبون عنهم، والآلهة ليس لهم قدرة على نصرهم، فلا يهمنك قولهم في تكذيبك وأذاهم إياك، فإنا عالمون بما (يسرون) من عداوتهم (وما يعلنون) وإنا نجازيهم على ذلك. # (أولم ير الانسان أنا خلقنه من نطفة فإذا هو خصيم مبين (77) PageV03P150 # وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحى العظم وهى رميم (78) قل يحييها الذي أنشأهآ أول مرة وهو بكل خلق عليم (79) الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذ آ أنتم منه توقدون (80) أوليس الذي خلق السموات والأرض بقدر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلق العليم (81) إنمآ أمره إذ آ أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (82) فسبحن الذي بيده ى ms1005 ملكوت كل شىء وإليه ترجعون (83)) روي: أن أبي بن خلف والعاص بن وائل جاءا بعظم بال متفتت، وقالا: يا محمد، أتزعم أن الله يبعث هذا؟! فقال: نعم، فنزلت (1). # قبح الله سبحانه إنكارهم البعث تقبيحا عجيبا، حيث قرره بأن خلقهم من النطفة التي هي أخس شيء، ثم عجب من حالهم بأن يتصدوا مع مهانة مبدئهم لمخاصمة الجبار ويقولوا: من يقدر على إحياء الميت بعدما رمت عظامه؟ ثم يكون خصامه في ألزم وصف له، وهو كونه منشأ من موات وهو ينكر الإنشاء من الموات!! فهذه مكابرة لا مطمح وراءها، وقيل: معناه: (فإذا هو) بعد ما كان ماء مهينا رجل مميز منطيق قادر على هذا الخصام، معرب عما في نفسه فصيح (2). # وسمي قوله: (من يحى العظم وهى رميم) مثلا لما دل عليه من قصة عجيبة شبيهة بالمثل، وهي إنكار قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، أو: لما فيه من التشبيه؛ لأن ما أنكر من قبيل ما يوصف الله بالقدرة عليه بدليل النشأة الأولى. # فإذا قيل: من يحيي العظام وهي رميم على طريق (3) الإنكار لأن يكون ذلك مما # PageV03P151 # يوصف سبحانه بالقدرة عليه، كان تعجيزا لله وتشبيها له بخلقه في أنهم غير موصوفين بالقدرة عليه. والرميم: ما بلي من العظام، ومثله: " الرمة " و " الرفات "، وهو اسم غير صفة فلذلك لم يؤنث. # ويريد ب‍ (الشجر الأخضر) المرخ والعفار، وهما شجرتان تتخذ الأعراب زنودها (1) منهما، فبين سبحانه أن من قدر على أن يجعل في الشجر الذي هو في غاية الرطوبة نارا حتى إذا حك بعضه ببعض خرجت منه النار، قدر أيضا على الإعادة. # وقرئ: " يقدر " (2) أيضا هنا وفي الأحقاف (3)، واحتمل قوله: (أن يخلق مثلهم) معنيين: أن يخلق مثلهم في القمأة والصغر بالإضافة إلى السماوات والأرض، أو: أن يعيدهم لأن الإعادة مثل الابتداء وليس به إنما شأنه (إذا أراد) تكوين شيء (أن يقول له كن) معناه أن يكونه من غير توقف (فيكون) فيحدث، أي: فهو كائن لا محالة. وحقيقته: أنه لا يمتنع عليه شيء من المكونات؛ لأنها بمنزلة ms1006 المأمور المطيع، إذا ورد عليه أمر من الأمر المطاع، و (يكون) خبر مبتدأ محذوف تقديره: فهو يكون، فهي جملة معطوفة على جملة هي: أمره أن يقول له كن. ومن قرأ بالنصب (4) فللعطف على (يقول) والمعنى: أنه لا يجوز عليه شيء مما يجوز على الأجسام إذا فعلت شيئا من الأفعال مما تقدر عليه من المباشرة بمحال القدرة واستعمال الآلات، وما يتبع ذلك من التعب واللغوب # PageV03P152 # (إنما أمره) وهو القادر العالم لذاته أن يخلص داعيه إلى الفعل فيتكون الفعل، فكيف يعجز عز اسمه عن مقدور حتى يعجز عن الإعادة؟ # (بيده ملكوت كل شىء) أي: هو مالك كل شيء، والمتصرف فيه بموجب مشيئته وقضايا حكمته، أي: فتنزيها له عن نفي القدرة على الإعادة وعن كل ما لا يليق بصفاته. # وعن ابن عباس: كنت لا أعلم كيف خصت سورة يس بالفضائل التي رويت في قراءتها، فإذا إنه لهذه الآية (1). # * * * # PageV03P153 # سورة الصافات مكية (1)، وهي مائة وإحدى وثمانون آية بصري، اثنتان غيرهم، (وما كانوا يعبدون) (2) غير البصري. # في حديث أبي: " من قرأ سورة الصافات أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل جني وشيطان، وتباعدت منه مردة الشياطين، وبرأ من الشرك، وشهد له حافظاه يوم القيامة أنه كان مؤمنا بالمرسلين " (3). # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأ سورة الصافات في كل جمعة لم يزل محفوظا من كل آفة، مدفوعا عنه كل بلية في حياة الدنيا، مرزوقا بأوسع ما يكون من الرزق، ولم يصبه الله في ماله ولا ولده ولا بدنه بسوء من شيطان رجيم ولا من جبار عنيد، وإن مات في يومه أو في ليلته بعثه الله شهيدا وأدخله الجنة مع الشهداء " (4). # PageV03P155 # بسم الله الرحمن الرحيم (والصفت صفا (1) فالزاجرات زجرا (2) فالتليت ذكرا (3) إن إلهكم لوا حد (4) رب السموات والأرض وما بينهما ورب المشرق (5) إنا زينا السمآء الدنيا بزينة الكواكب (6) وحفظا من كل شيطن مارد (7) لا يسمعون إلى الملا الاعلى ويقذفون من كل جانب (8) دحورا ولهم عذاب واصب (9) إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب (10)). # قرئ بإدغام التاء في ms1007 الصاد، وفي الزاي (1)، وفي الذال (2) (3) والأكثر الإظهار. أقسم الله سبحانه بالملائكة تصف صفوفا في السماء، أو تصف أقدامها في الصلاة كما يصف المؤمنون، أو أجنحتها في الهواء منتظرة لأمر الله، وبالملائكة التي تزجر الخلق عن المعاصي زجرا أو تزجر السحاب وتسوقها. وقيل: هي آيات القرآن الزاجرة عن القبائح (4). و التاليات: الملائكة تتلو كتاب الله الذي كتبه لها وفيه ذكر الحوادث، فتزداد يقينا بوجود المخبر على وفق الخبر، وقيل: هي نفوس العلماء العمال (5). # (الصفت) أقدامها في التهجد وسائر الصلوات وصفوف الجماعات (فالزجرت) المواعظ والنصائح (فالتليت) آيات الله الدارسات شرائعه، وقيل: هي نفوس الغزاة في سبيل الله التي تصف الصفوف وتزجر الخيل للجهاد # PageV03P156 # وتتلو الذكر، مع ذلك لا يشغلها عنه تلك الشواغل، كما يحكى عن علي (عليه السلام) (١). # (رب السموت) خبر مبتدأ محذوف، أو خبر بعد خبر (ورب المشرق) مشارق الشمس: مطالعها، تطلع كل يوم من مشرق وتغرب في مغرب، وخص المشارق بالذكر لأن الشروق قبل الغروب. # (السمآء الدنيا) أي: القربى منكم (بزينة الكواكب) الزينة مصدر كالنسبة، أو اسم لما يزان به الشيء، كالليقة اسم لما يلاق به الدواة، فإن أردت المصدر فهي مضافة إلى الفاعل، أي: بأن زانتها الكواكب، وأصله: بزينة الكواكب، أو إلى المفعول أي: بأن زان الله الكواكب وحسنها لأنها إنما زينت السماء بحسنها في ذواتها، وأصله: بزينة الكواكب وهي قراءة أبي بكر بن عياش (٢). وإن أردت الاسم فللإضافة وجهان: أن يقع بيانا للزينة؛ لأن الزينة مبهمة في الكواكب وغيرها مما يزان به، وأن يراد ما زينت به الكواكب، وجاء عن ابن عباس: بزينة الكواكب: # بضوء الكواكب (٣). ويجوز أن يراد أشكالها المختلفة، كشكل بنات نعش والثريا وغير ذلك من مسائرها ومطالعها، وقرئ على هذا المعنى (بزينة الكواكب) بتنوين " زينة " وجر " الكواكب " على الإبدال، ويجوز في نصب " الكواكب " أن يكون بدلا من محل " بزينة ". # (وحفظا) محمول على المعنى، لأن معناه: خلقنا الكواكب زينة للسماء وحفظا من الشياطين، كما قال: ﴿ولقد زينا السمآء الدنيا بمصبيح وجعلنها رجوما للشيطين﴾ (4). ويجوز تقدير فعل ms1008 معلل به، أي: وحفظا من كل شيطان # PageV03P157 # زيناها بالكواكب، وقيل: حفظناها حفظا من كل شيطان (1) (مارد) خارج من الطاعة متملس منها. والضمير في (لا يسمعون) ل‍ (كل شيطن)، لأنه في معنى الشياطين، وقرئ بالتخفيف (2) والتشديد، وأصله " يتسمعون "، والتسمع: طلب السماع، يقال: تسمع فسمع أو فلم يسمع، وهو كلام منقطع مما قبله، فيه اقتصاص حال المسترقة للسمع، وأنهم لا يقدرون أن يسمعوا إلى كلام الملائكة أو يتسمعوا إليه، وهم مقذفون (من كل جانب) من جوانب السماء بالشهب مدحورون عن ذلك أي: مدفوعون بالعنف مطرودون (ولهم) مع ذلك (عذاب واصب) أي: # دائم يوم القيامة (إلا من) أمهل حتى (خطف) خطفة، أو استرق استراقة، فعندها يعاجله الهلاك بإتباع الشهاب الثاقب وهو النير المضيء، والفرق بين قولك: " سمعت فلانا يتحدث "، و " سمعت إليه يتحدث " أن المعدى بنفسه يفيد الإدراك، والمعدى بإلى يفيد الإصغاء مع الإدراك. و (الملأ الاعلى) الملائكة، لأنهم يسكنون السماوات، والإنس والجن الملأ الأسفل لأنهم سكان الأرض، وعن ابن عباس: هم أشراف الملائكة (3)، وعنه: الكتبة من الملائكة (4). # و (دحورا) في موضع الحال، أي: مدحورين، أو مفعول له أي: يقذفون للدحور، و (من خطف) مرفوع الموضع بدل من الواو في (لا يسمعون) أي: لا يتسمع الشياطين إلا الشيطان الذي خطف الخطفة. # (فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنآ إنا خلقنهم من طين # PageV03P158 # لازب (11) بل عجبت ويسخرون (12) وإذا ذكروا لا يذكرون (13) وإذا رأوا ءاية يستسخرون (14) وقالوا إن هذآ إلا سحر مبين (15) أءذا متنا وكنا ترابا وعظما أءنا لمبعوثون (16) أو ءابآؤنا الأولون (17) قل نعم وأنتم داخرون (18) فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون (19) وقالوا يويلنا هذا يوم الدين (20) هذا يوم الفصل الذي كنتم به ى تكذبون (21) احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون (22) من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم (23) وقفوهم إنهم مسولون (24) مالكم لا تناصرون (25) بل هم اليوم مستسلمون (26)) أي: فاستخبرهم (أهم أشد خلقا) أي: أقوى خلقا وأصعب خلقا (أم من خلقنآ) من الملائكة والسماوات والأرض والكواكب، وغلب ما يعقل فقال: (أم من خلقنآ)، ms1009 (إنا خلقنهم من طين لازب) يعني: آدم (عليه السلام)، فإنهم نسله وذريته، واللازب: الملتصق من الطين الحر، وهذه شهادة عليهم بالضعف والرخاوة، لأن ما يصنع من الطين غير موصوف بالصلابة والقوة. # (بل عجبت) من إنكارهم البعث وهم (يسخرون) من أمر البعث، أو: # عجبت من تكذيبهم إياك وهم يسخرون من تعجبك، وقرئ: " بل عجبت " (1) وهو قراءة علي (عليه السلام) عليه الصلاة والسلام وابن عباس (2)، ومعناه: بلغ من كثرة آياتي وعظم مخلوقاتي أن عجبت من إنكارهم البعث ممن هذه أفعاله وهم يسخرون ممن يصفني بالقدرة على البعث، ويكون العجب المسند إلى الله تعالى بمعنى الاستعظام. # PageV03P159 # وقد جاء في الحديث: " عجب ربكم من ألكم وقنوطكم وسرعة إجابته إياكم " (1). # وقيل: معناه: قل يا محمد: بل عجبت (2). (وإذا ذكروا) أي: خوفوا بالله ووعظوا بالقرآن لا يتعظون (وإذا رأوا ءاية) من آيات الله معجزة كانشقاق القمر وغيره (يستسخرون) أي: يبالغون في السخرية، أو: يستدعي بعضهم بعضا للسخرية، أو: يعتقدونه سخرية كما يقال: استقبحه أي: اعتقده قبيحا. # (أو ءاباؤنا) عطف على الضمير في (مبعوثون)، وجوز العطف عليه للفصل بهمزة الاستفهام، أو عطف على موضع " إن " واسمه، يعنون: أن آباءهم أقدم فبعثهم أبعد، وقرئ: " أو آباؤنا " (3) ومثله في سورة الواقعة (4). (قل نعم) تبعثون (وأنتم دخرون) صاغرون أشد الصغار. # و (إنما) جواب شرط مقدر. والتقدير: إذا كان ذلك فما هي إلا (زجرة وحدة) أي: صيحة واحدة من إسرافيل وهي نفخة البعث (فإذا هم) أحياء بصراء (ينظرون) وهي ضمير مبهم لا يرجع إلى شيء ويوضحها خبرها، ويجوز أن يكون: فإنما البعثة زجرة واحدة. (وقالوا) أي: ويقولون معترفين على نفوسهم بالمعصية (يويلنا) من العذاب (هذا يوم) الحساب والجزاء. (هذا يوم الفصل) أي: القضاء بين الخلائق وتميز الحق من الباطل (الذي كنتم به # PageV03P160 # تكذبون) يقولون ذلك بعضهم لبعض، وقيل: هو كلام الملائكة جوابا لهم (1). # (احشروا) خطاب الله للملائكة، أو: خطاب بعض الملائكة لبعض (وأزوجهم) أي: ضرباءهم وأشباههم من العصاة، أهل الزنا مع أهل الزنا، وأهل الخمر مع أهل الخمر، وقيل: وأزواجهم الكافرات ms1010 (2)، وقيل: وقرناءهم من الشياطين (3). (فاهدوهم) فعرفوهم طريق النار حتى يسلكوها. # (وقفوهم) واحبسوهم عن دخول النار (إنهم مسئولون) عما دعوا إليه من البدع، وقيل: عن أعمالهم وخطيئاتهم (4)، وعن أبي سعيد الخدري وسعيد بن جبير: عن ولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) (5). يقال: وقفت أنا، ووقفت غيري. # (ما لكم لا تناصرون) هذا تهكم بهم وتوبيخ لهم بالعجز عن التناصر بعد ما كانوا على خلاف ذلك في الدنيا متناصرين. (بل هم اليوم مستسلمون) قد أسلم بعضهم بعضا وخذله. # (وأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون (27) قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين (28) قالوا بل لم تكونوا مؤمنين (29) وما كان لنا عليكم من سلطن بل كنتم قوما طغين (30) فحق علينا قول ربنآ إنا لذآبقون (31) فأغوينكم إنا كنا غوين (32) فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون (33) إنا كذا لك نفعل بالمجرمين (34) إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون (35) ويقولون أبنا لتاركوا ءالهتنا لشاعر مجنون (36) بل جآء # PageV03P161 # بالحق وصدق المرسلين (37) إنكم لذآبقوا العذاب الأليم (38) وما تجزون إلا ما كنتم تعملون (39) إلا عباد الله المخلصين (40)) (يتسآءلون) يتعاتبون ويتلاومون، يقول الغاوي للذي أغواه: لم أغويتني؟ # ويقول ذلك المغوي له: لم قبلت مني؟ و (اليمين) مستعارة لجهة الخير وجانبه، ومعناه: (إنكم كنتم تأتوننا) من قبل الدين فتروننا أن الحق والدين ما تضلوننا به، وقيل: إنها مستعارة للقوة والقهر، لأن اليمين موصوفة بالقوة وبها يقع البطش (1)، ومعناه: أنكم كنتم تأتوننا عن القوة والقهر فتجبروننا على الضلال، فأجابوهم بأن قالوا: بل اللوم لازم لكم إذ لم يكن (لنا عليكم) قدرة نجبركم بها على تخيركم الغي (بل كنتم قوما طغين) متجاوزين الحد في الكفر. (فحق علينا) فلزمنا (قول ربنآ) ووعيده: بأنا ذائقون لعذابه لا محالة؛ لعلمه بحالنا واستحقاقنا العقوبة، ولو حكى الوعيد كما هو لقال: إنكم لذائقون، ولكنه عدل به إلى لفظ المتكلم لأنهم متكلمون بذلك عن أنفسهم، ونحوه قول الشاعر: # لقد زعمت هوازن قل مالي (2) ولو حكى قولها لقال: قل مالك. (فإنهم) أي: فإن المتبوعين والتابعين جميعا (يومئذ) في ذلك اليوم (مشتركون) ms1011 في العذاب والإهانة، كما كانوا مشتركين في الغواية. # (يستكبرون) أي: يأنفون من قول: (لا إله إلا الله)، ويستخفون بمن يدعوهم إلى هذه المقالة. (إنكم) أيها المشركون (لذآئقوا العذاب الأليم) على # PageV03P162 # كفركم ونسبتكم رسول الله إلى الشعر والجنون، (وما تجزون إلا) بما عملتم جزاء سيئا بعمل سيئ (إلا عباد الله) لكن عباد الله على الاستثناء المنقطع. # (أولئك لهم رزق معلوم (41) فواكه وهم مكرمون (42) في جنت النعيم (43) على سرر متقبلين (44) يطاف عليهم بكأس من معين (45) بيضآء لذة للشربين (46) لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون (47) وعندهم قصرات الطرف عين (48) كأنهن بيض مكنون (49) فأقبل بعضهم على بعض يتسآءلون (50) قال قآبل منهم إنى كان لي قرين (51) يقول أءنك لمن المصدقين (52) أءذا متنا وكنا ترابا وعظما أءنا لمدينون (53) قال هل أنتم مطلعون (54) فاطلع فرءاه في سوآء الجحيم (55) قال تالله إن كدت لتردين (56) ولولا نعمة ربى لكنت من المحضرين (57) أفما نحن بميتين (58) إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين (59) إن هذا لهو الفوز ا لعظيم (60) لمثل هذا فليعمل العملون (61)) حكم لهم سبحانه بالرزق المعلوم المقدر، ثم فسر ذلك الرزق بالفواكه، وهي كل ما يتلذذ به ولا يتقوت به لحفظ الصحة، والمعنى: أن رزقهم كله فواكه، لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات، إذ أجسامهم محكمة مخلوقة للأبد، فلا يأكلون ما يأكلون إلا للتلذذ، وقيل: معلوم الوقت (1)، كقوله: (ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا) (2)، (وهم مكرمون) هو ما قاله الشيوخ في حد الثواب أنه النفع المستحق المقارن للتعظيم والإجلال. (متقبلين) يستمتع بعضهم بالنظر إلى وجوه بعض، وهو أتم للأنس والسرور. (بكأس) هو الإناء بما فيه من الشراب، # PageV03P163 # وعن الأخفش: كل كأس في القرآن فهي الخمر (1) (من معين) من شراب جار في أنهار ظاهرة للعيون، وصف بما يوصف به الماء لأنه يجري في الجنة كما يجري الماء. (بيضآء) صفة للكأس (لذة) هي تأنيث " اللذ " ووزنه " فعل " مثل: # " صب " و " طب "، وقال يصف النوم: # ولذ كطعم الصرخدي تركته * بأرض العدى من خشية الحدثان (2) أو: وصفت باللذة كأنها نفس اللذة وذاتها. (لا فيها ms1012 غول) لا يغتال عقولهم فتذهب بها، ولا يصيبهم منها وجع (ولا هم عنها ينزفون) من نزف الشارب: إذا ذهب عقله، ويقال للمطعون إذا خرج دمه كله: نزف فمات، وقرئ: " ينزفون " (3) من أنزف الشارب: إذا ذهب عقله أو شرابه، ومعناه: صار ذا نزف، ومثله: أقشع السحاب وقشعته الريح، وأكب الرجل وكببته، وحقيقتهما: دخلا في القشع والكب. # (قصرت الطرف) قصرن طرفهن على أزواجهن فلا يرين غيرهم، أو: لا يفتحن أعينهن دلالا (كأنهن بيض مكنون) في الأداحي، وهي بيض النعام، والعرب تشبه بها النساء وتسميهن ببيضات الخدود. # (فأقبل بعضهم) معطوف على (يطاف عليهم) والمعنى: يشربون فيتحادثون على الشراب فيقبل (بعضهم على بعض يتسآءلون) عما جرى عليهم ولهم في الدنيا، إلا أنه جيء به ماضيا على عادة الله عز اسمه في إخباره. (قال قآئل منهم إنى كان لي قرين) في دار الدنيا أي: صاحب يختص بي (يقول) # PageV03P164 # لي على وجه الإنكار علي والتهجين لي: (أئنك لمن المصدقين) بالبعث والحساب. (لمدينون) أي: لمجزيون، من الدين الذي هو الجزاء، أو: لمسوسون مربوبون، من دانه إذا ساسه. # وفي الحديث: " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت " (1). # (قال) أي: ذلك القائل لإخوانه في الجنة: (هل أنتم مطلعون) إلى النار لأريكم ذلك القرين؟ وقيل: إن القائل هو الله (2)، وقيل: بعض الملائكة (3)، يقال: # طلع علينا فلان واطلع وأطلع بمعنى واحد، عرض عليهم الاطلاع فاعترضوه (فاطلع) هو بعد ذلك فرأى قرينه (في سوآء الجحيم) في وسطها. (قال) له: # (تالله إن كدت لتردين) " إن " هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة، أي: إنك كدت تهلكني بما قلته لي ودعوتني إليه (ولولا نعمة ربي) علي بالعصمة والتوفيق (لكنت من المحضرين) الذين أحضروا العذاب معك في النار. # والفاء عاطفة على محذوف تقديره: أنحن مخلدون منعمون فما نحن بميتين ولا معذبين؟! والمعنى: أن هذه حال المؤمنين أن لا يذوقوا إلا الموتة الأولى، بخلاف الكفار فإنهم في آلام وغموم وأحوال يتمنون فيها الموت كل ساعة، وإنما يقوله المؤمن تحدثا بنعمة الله بمسمع من قرينه ليكون ms1013 توبيخا له، ويجوز أن يكون قولهم جميعا. وكذلك قوله: (إن هذا لهو الفوز العظيم) أي: إن هذا الأمر الذي نحن فيه، وقيل: هو من قول الله عز وجل اسمه تقريرا لقولهم (4). # PageV03P165 # تمت قصة المؤمن وقرينه (١) (أذا لك خير نزلا أم شجرة الزقوم (٦٢) إنا جعلنها فتنة للظلمين (٦٣) إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم (٦٤) طلعها كأنه رءوس الشيطين (٦٥) فإنهم لأكلون منها فمالون منها البطون (٦٦) ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم (٦٧) ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم (٦٨) إنهم ألفوا ءابآءهم ضآلين (٦٩) فهم على ءاثرهم يهرعون (٧٠) ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين (٧١) ولقد أرسلنا فيهم منذرين (٧٢) فانظر كيف كان عقبة المنذرين (٧٣) إلا عباد الله المخلصين (٧٤)) ثم عاد سبحانه إلى ذكر الرزق المعلوم فقال: (أذلك خير نزلا) أي: خير حاصلا، وأصل النزل: الفضل والريع في الطعام، فاستعير للحاصل من الشيء، وحاصل الرزق المعلوم: اللذة والسرور، وحاصل شجرة الزقوم: الألم والنقم (٢). # و (نزلا) منصوب على التمييز أو الحال، والنزل: ما يقام للنازل بالمكان من الرزق، ومعنى الأول: أن للرزق المعلوم نزلا، ولشجرة الزقوم نزلا، فأيهما خير نزلا؟ ومعنى الثاني: أن الرزق المعلوم نزل أهل الجنة، وشجرة الزقوم نزل أهل النار، فأيهما خير في كونه نزلا؟ # (فتنة للظلمين) افتتنوا بها إذ كذبوا بكونها، وقيل: عذابا لهم (٣)، من قوله: # ﴿يوم هم على النار يفتنون﴾ (4). # والطلع يكون للنخلة، فاستعير لما طلع من شجرة الزقوم من حملها، وشبه # PageV03P166 # ب‍ (رءوس الشيطين) دلالة على تناهيه في الكراهة وقبح المنظر، لأن الشيطان مكروه مستقبح في طباع الناس، وقيل: الشيطان: حية عرفاء قبيحة المنظر هائلة جدا (1) وقيل: إن شجرا يقال له: الأستن خشنا منتنا مرا منكر الصورة يسمى ثمره: # رؤوس الشياطين (2) (لأكلون منها) أي: من طلعها (فمالئون) بطونهم منه لشدة ما يلحقهم من الجوع، فتغلي بطونهم فيعطشون فيسقون بعد ملي ما هو أحر، وهو الشراب المشوب بالحميم (ثم إن مرجعهم) بعد أكل الزقوم وشرب الحميم (لإلى الجحيم) وذلك أنهم يوردون الحميم كما يورد الإبل الماء، ثم يردون إلى الجحيم وهي النار المتوقدة. # (إنهم) صادفوا ms1014 (ءاباءهم) ذاهبين عن الحق، فهم يسرعون (على ءاثرهم) ويتبعونهم اتباعا، أي: ضل قبل هؤلاء الكفار عن طريق الهدى أكثر الأولين من الأمم الخالية، وفيه دلالة على أن أهل الحق في كل زمان كانوا أقل من أهل الباطل. # ولما ذكر إرسال المنذرين من الأنبياء والرسل، وسوء عاقبة المنذرين المكذبين عقبه سبحانه بقصة نوح ودعائه إياه حين يئس من قومه فقال: # (ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون (75) ونجينه وأهله من الكرب العظيم (76) وجعلنا ذريته هم الباقين (77) وتركنا عليه في الأخرين (78) سلم على نوح في العلمين (79) إنا كذلك نجزى المحسنين (80) إنه من عبادنا المؤمنين (81) ثم أغرقنا الأخرين (82) وإن من شيعته ى لإبراهيم (83) إذ جآء ربه بقلب سليم (84) إذ قال لأبيه # PageV03P167 # وقومه ى ماذا تعبدون (85) أبفكا ءالهة دون الله تريدون (86) فما ظنكم برب العلمين (87) فنظر نظرة في النجوم (88) فقال إنى سقيم (89) فتولوا عنه مدبرين (90) فراغ إلى ءالهتهم فقال ألا تأكلون (91) مالكم لا تنطقون (92) فراغ عليهم ضربا باليمين (93) فأقبلوا إليه يزفون (94) قال أتعبدون ما تنحتون (95) والله خلقكم وما تعملون (96)) أي: (فلنعم المجيبون) نحن، واللام جواب قسم محذوف (هم الباقين) هم الذين بقوا وقد فني غيرهم، وهم الذين بقوا متناسلين إلى يوم القيامة، فالناس كلهم من ولد نوح، فالعرب والعجم من أولاد سام بن نوح، والسودان من أولاد حام بن نوح، والترك والخزر ويأجوج من أولاد يافث بن نوح. (وتركنا عليه في الأخرين) من الأمم هذه الكلمة وهي (سلم على نوح في العلمين) أي: # يسلمون عليه تسليما إلى يوم القيامة، وهو من الكلام المحكي. ومعنى قوله: (في العلمين): الدعاء بثبوت هذه التحية فيهم جميعا. وعلل مجازاة نوح بتلك الكرامة من تبقية الذكر، وتسليم العالمين إلى آخر الدهر بأنه كان محسنا، ثم علل كونه محسنا بأنه كان عبدا من عباده (المؤمنين)، ليريك جلالة محل الإيمان. # (من شيعته) أي: ممن شايعه على أصول الدين، أو: شايعه على التصلب في دين الله ومصابرة المكذبين، وتعلق (إذ) بما في الشيعة بمعنى المشايعة، أي: وإن ممن شايعه على دينه وتقواه حين (جآء ms1015 ربه بقلب سليم) لإبراهيم، أو: بمحذوف هو " اذكر "، ومعناه: حين أخلص الله قلبه من كل ما سواه، فلم يتعلق بشيء غيره، فضرب المجيء مثلا لذلك. # " إفكا " مفعول له، والتقدير: أتريدون آلهة من دون الله إفكا؟ وإنما قدمه للعناية، وقدم المفعول له على المفعول به لأنه كان الأهم عنده أن يواجههم بأنهم PageV03P168 # على إفك وباطل في شركهم. ويجوز أن يكون " إفكا " مفعولا به، أي: أتريدون به إفكا؟ ثم فسر الإفك بقوله: " آلهة من دون الله " على أنها إفك في نفسها، ويجوز أن يكون حالا، أي: أتريدون آلهة من دون الله آفكين؟! (فما ظنكم) بمن هو الحقيق بالعبادة؟ لأن من كان رب العالمين استحق عليهم أن يعبدوه حتى تركتم عبادته إلى عبادة الأصنام، والمعنى: أنه لا يقدر في ظن ولا وهم ما يصد عن عبادته، أو: # فما ظنكم به؟ فماذا يفعل بكم وقد عبدتم غيره؟ # (فنظر نظرة في النجوم) في علم النجوم أو في كتابها أو في أحكامها، لأنهم كانوا يتعاطون علم النجوم فأوهمهم أنه استدل بأمارة في علم النجوم على أنه يسقم (فقال إنى سقيم) أي: مشارف للسقم، وهو من معاريض الكلام، وإنما نوى به أن من كان آخر أمره الموت سقيم. وروي عن الباقر والصادق (عليهما السلام) أنهما قالا: # " والله ما كان سقيما ولا كذب " (١) (فتولوا عنه) فأعرضوا عنه وتركوه وخرجوا إلى عيدهم (فراغ إلى ءالهتهم) فمال إلى أصنامهم في خفية (فقال ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون) استهزاء بها وبانحطاطها عن حال عبدتها (فراغ عليهم) فأقبل عليهم يضربهم (ضربا)، أو: فراغ عليهم ضربا بمعنى: ضاربا (باليمين) أي: # ضربا شديدا قويا، لأن اليمين أقوى الجارحتين وأشدهما بالقوة، وقيل: بسبب الحلف (٢) وهو قوله: ﴿تالله لأكيدن أصنامكم﴾ (3). # (فأقبلوا) بعد الفراغ من عيدهم إلى إبراهيم، قرئ: " يزفون " (4) يسرعون، # PageV03P169 # من زفيف النعام، و (يزفون) من أزف: إذا دخل في الزفيف، أو: من أزفه إذا حمله على الزفيف، أي: يزف بعضهم بعضا، و " يزفون " (1) خفيفا، من وزف يزف (قال) محتجا عليهم: (أتعبدون) ما تنحتونه بأيديكم ms1016 (والله خلقكم) وخلق ما تعملونه من الأصنام، يقال: عمل النجار الباب والكرسي، وعمل الصائغ السوار والخاتم، والمراد: عمل أشكال هذه الأشياء وصورها دون جواهرها، والأصنام جواهر وأشكال، فخالق جواهرها هو الله، وعاملو أشكالها مصوروها ومشكلوها بنحتهم، و (ما تعملون) ترجمة عن قوله: (ما تنحتون)، و " ما " في: (ما تنحتون) موصولة ولا مقال فيها، فالعدول بها عن أختها تعسف. # (قالوا ابنوا له بنينا فألقوه في الجحيم (97) فأرادوا به ى كيدا فجعلنهم الأسفلين (98) وقال إنى ذاهب إلى ربى سيهدين (99) رب هب لي من الصلحين (100) فبشرنه بغلم حليم (101) فلما بلغ معه السعي قال يبنى إنى أرى في المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى قال يأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شآء الله من الصبرين (102) فلمآ أسلما وتله للجبين (103) وندينه أن يإبراهيم (104) قد صدقت الرءيآ إنا كذا لك نجزى المحسنين (105) إن هذا لهو البلؤا المبين (106) وفدينه بذبح عظيم (107) وتركنا عليه في الأخرين (108) سلم على إبراهيم (109) كذلك نجزى المحسنين (110) إنه من عبادنا المؤمنين (111) وبشرنه بإسحق نبيا من الصلحين (112) وبركنا عليه وعلى إسحق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه ى مبين (113)). # PageV03P170 # لما لزمته الحجة (قالوا ابنوا له بنينا) وعن ابن عباس: بنوا حائطا من الحجارة طوله في السماء ثلاثون ذراعا، وعرضه عشرون ذراعا، وملؤوه نارا وألقوه فيها (فجعلنهم الأسفلين) بأن أهلكناهم ونجيناه وسلمناه (١). # (وقال) إبراهيم: (إنى ذاهب إلى ربى) أي: مهاجر إلى حيث أمرني ربي بالمهاجرة إليه من أرض الشام. أي (رب هب لي) بعض (الصلحين) يريد الولد، لأن لفظ " الهبة " على الولد أغلب وإن كان قد جاء في الأخ حيث قال: # ﴿ووهبنا له من رحمتنآ أخاه هرون﴾ (٢) قال سبحانه: ﴿ووهبنا له يحيى﴾ (٣) ﴿ووهبنا له إسحق ويعقوب﴾ (4) و (بشرناه بغلم حليم) اشتملت البشارة على أن الولد ذكر، وأنه يبقى حتى ينتهي في السن ويوصف بالحلم، وأي حلم أعظم من حلمه حين عرض عليه أبوه الذبح فقال: (ستجدني إن شاء الله من الصبرين) ثم استسلم لذلك معه. # بيان: كأنه لما قال: (فلما بلغ معه السعي) أي: الحد الذي ms1017 يقدر فيه على السعي، قيل: مع من؟ قال: مع أبيه، وكان إذ ذاك ابن ثلاث عشرة سنة، أتي في المنام فقيل له: اذبح ابنك، ورؤيا الأنبياء وحي فلهذا قال: (إنى أرى في المنام أني أذبحك) والأولى أن يكون قد أوحي إليه في حال اليقظة، وتعبد بأن يمضي ما يؤمر به في حال النوم (فانظر ماذا) تراه، أو: أي شيء ترى من الرأي، فيكون (ماذا) في موضع نصب بمنزلة اسم واحد، وعلى الأول يكون " ذا " بمعنى " الذي "، أي: ما الذي تبصره من رأيك؟ و " ما " مبتدأ، والموصول مع صلته خبره، # PageV03P171 # وقرئ: " ماذا تري " (1) بضم التاء وكسر الراء، معناه: أجلدا تري على ما تحمل عليه أم خورا؟ (افعل ما تؤمر) أي: ما تؤمر به، فحذف الجار كما حذف من قولهم: # أمرتك الخير فافعل ما أمرت به (2). # أو: " أمرك " على إضافة المصدر إلى المفعول، وتسمية المأمور به أمرا. # وقرأ علي (عليه السلام) وابن عباس: " سلما "، يقال: سلم لأمر الله وأسلم واستسلم: إذا انقاد وخضع، وحقيقة معناه: أخلص نفسه لله وجعلها سالمة له وخالصة. وعن قتادة في (أسلما): أسلم هذا ابنه، وأسلم هذا نفسه (3)، وجواب " لما " محذوف، وتقديره: (فلما أسلما وتله للجبين، وندينه أن يإبراهيم قد صدقت الرءيآ) كان ما كان مما لا يحيط به الوصف من شكرهما لله على ما أنعم به عليهما من دفع البلاء العظيم بعد حلوله، وما فازا به من رضوان الله واكتساب الثواب والأعواض الجليلة، والتل: الصرع، يقال: وضع جبينه على الأرض لئلا يرى وجهه فيلحقه رقة الآباء. (قد صدقت الرؤيا) أي: فعلت ما أمرت به في الرؤيا. # وقوله: (إنا كذلك نجزى المحسنين) تعليل لتخويل ما خولهما الله من الفرج بعد الشدة. (إن هذا لهو البلؤا المبين) أي: الامتحان الظاهر والمحنة الصعبة التي لا محنة أصعب منها، أو: الاختبار البين الذي يتميز فيه المخلصون من غيرهم. # (وفدينه بذبح) وهو المهيأ لأن يذبح (عظيم) ضخم الجثة سمين، والمفتدى # PageV03P172 # منه هو الله عزو جل لأنه الآمر بالذبح، والفادي هو إبراهيم (عليه ms1018 السلام)، وهب الله سبحانه له الكبش ليفدى به. وإنما قال: (وفدينه) إسنادا للفداء إلى السبب الذي هو الممكن من الفداء بهبته. # واختلف في الذبيح على قولين: أحدهما: أنه إسحاق، والأظهر في الروايات أنه إسماعيل، ويعضده قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): " أنا ابن الذبيحين " (١) وكذلك قوله سبحانه بعد قصة الذبح: (وبشرنه بإسحق نبيا من الصلحين) ولا بد من تقدير مضاف محذوف، أي: بوجود إسحاق، و (نبيا) حال مقدرة، والمعنى: بأن يوجد مقدرة نبوته، والعامل في الحال الوجود لا فعل البشارة، فيكون نظير قوله: # ﴿فادخلوها خلدين﴾ (2)، وقوله: (من الصلحين) حال ثانية وردت على سبيل الثناء والتقريظ، لأن كل نبي لابد أن يكون من الصالحين. # (وبركنا عليه وعلى إسحق) أي: جعلنا ما أعطيناهما من الخير دائم البركة ثابتا ناميا، ويجوز أن يكون المراد كثرة ولدهما وبقاءهم قرنا بعد قرن إلى أن تقوم الساعة. # (ولقد مننا على موسى وهرون (114) ونجينهما وقومهما من الكرب العظيم (115) ونصرنهم فكانوا هم الغلبين (116) وءاتينهما الكتب المستبين (117) وهدينهما الصراط المستقيم (118) وتركنا عليهما في الأخرين (119) سلم على موسى وهرون (120) إنا كذا لك نجزى المحسنين (121) إنهما من عبادنا المؤمنين (122)) (الكرب العظيم) تسخير قوم فرعون إياهم، واستعمالهم في الأعمال # PageV03P173 # الشاقة (ونصرنهم) الضمير لهما ولقومهما في قوله: (ونجينهما وقومهما)، و (الكتب المستبين) البليغ في بيانه وهو التوراة. # (وإن إلياس لمن المرسلين (123) إذ قال لقومه ى ألا تتقون (124) أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخلقين (125) الله ربكم ورب ءابآبكم الأولين (126) فكذبوه فإنهم لمحضرون (127) إلا عباد الله المخلصين (128) وتركنا عليه في الأخرين (129) سلم على إل ياسين (130) إنا كذا لك نجزى المحسنين (131) إنه من عبادنا المؤمنين (132)) اختلف في (إلياس) فقيل: هو إدريس النبي (1)، وقيل: هو من بني إسرائيل من ولد هارون بن عمران ابن عم اليسع (2)، وقيل: إنه استخلف اليسع على بني إسرائيل ورفعه الله وكساه الريش فصار إنسيا ملكيا وأرضيا سماويا (3)، وقيل: إن إلياس صاحب البراري، والخضر صاحب الجزائر، ويجتمعان كل يوم عرفة بعرفات (4). وبعل: صنم لهم كانوا يعبدونه. وقرئ: " الله ربكم " بالرفع (5) على الابتداء، وبالنصب ms1019 على البدل. (فإنهم لمحضرون) للحساب أو في العذاب أو في النار. واستثنى من جملة قومه الذين أخلصوا عبادتهم لله. وقرئ: (سلم على إل ياسين) على أنه لغة في " إلياس "، وقرأ ابن مسعود والأعمش " وإن إدريس " و " على إدراسين " (6)، ولعل لزيادة الياء والنون معنى في السريانية، ولو كان جمعا # PageV03P174 # - كما قيل - لعرف بالألف واللام، وقرئ: " على آل ياسين " (1) ووجد في المصحف مفصولا من " ياسين "، وفي فصله منه دلالة على أن " آل " هو الذي تصغيره " أهيل "، قاله أبو علي الفارسي. # وعن ابن عباس: آل ياسين: آل محمد، وياسين اسم من أسمائه (2). # (وإن لوطا لمن المرسلين (133) إذ نجينه وأهله أجمعين (134) إلا عجوزا في الغبرين (135) ثم دمرنا الأخرين (136) وإنكم لتمرون عليهم مصبحين (137) وبالليل أفلا تعقلون (138) وإن يونس لمن المرسلين (139) إذ أبق إلى الفلك المشحون (140) فساهم فكان من المدحضين (141) فالتقمه الحوت وهو مليم (142) فلولا أنه كان من المسبحين (143) للبث في بطنه ى إلى يوم يبعثون (144) فنبذنه بالعرآء وهو سقيم (145) وأنبتنا عليه شجرة من يقطين (146) وأرسلنه إلى مائة ألف أو يزيدون (147) فامنوا فمتعنهم إلى حين (148)) (لتمرون) على منازلهم في متاجركم إلى الشام (مصبحين) داخلين في الصباح (وبالليل) عطف عليه، أي: وممسين (أفلا) تعتبرون بها. # (إذ أبق) أي: هرب من قومه إلى السفينة المملوءة من الناس والأحمال خوفا من أن ينزل العذاب بهم وهو مقيم فيهم (فساهم) القوم أي: قارعهم (فكان من المدحضين) أي: من المغلوبين المقروعين، والمراد: من الملقين في البحر. # (فالتقمه الحوت) أي: ابتلعه (وهو مليم) داخل في الملامة على خروجه من # PageV03P175 # بين قومه من غير أمر ربه. (من المسبحين) الذاكرين الله كثيرا بالتسبيح والتقديس (للبث في بطنه) حيا (إلى يوم) البعث، وعن قتادة: لكان بطن الحوت قبرا له إلى يوم القيامة (1). (فنبذنه) فطرحناه بالعراء، وهو المكان الخالي الذي لا نبت فيه ولا شجر (وهو) مريض. # واليقطين: كل نبت ينبسط على وجه الأرض ولا ساق له كشجر البطيخ والقثاء، وهو " يفعيل " من قطن بالمكان: إذا أقام به، وقيل: هو القرع (2)، وفائدته أن الذباب لا يجتمع ms1020 عنده، وقيل: هو التين (3)، وقيل: هو شجرة الموز، تغطى بورقها، واستظل بأغصانها، وأفطر على ثمارها (4). ومعنى (أنبتنا عليه): أنبتنا فوقه كما يطنب البيت على الإنسان. # (وأرسلنه إلى مائة ألف) عن قتادة: أرسل إلى أهل نينوى من أرض الموصل (5) (أو يزيدون) في مرأى الناظر، إذا رآهم (6) الرائي قال: هي مائة ألف أو أكثر. وقرأ الصادق (عليه السلام): " ويزيدون فآمنوا وأنابوا ". (فمتعنهم) إلى انقضاء آجالهم، يحتمل أن يكون أرسل إلى قوم بعد قومه، ويجوز أن يكون أرسل إلى الأولين. # (فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون (149) أم خلقنا الملئكة إنثا وهم شهدون (150) ألا إنهم من إفكهم ليقولون (151) ولد الله وإنهم لكذبون (152) أصطفى البنات على البنين (153) مالكم كيف # PageV03P176 # تحكمون (154) أفلا تذكرون (155) أم لكم سلطن مبين (156) فأتوا بكتبكم إن كنتم صدقين (157) وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون (158) سبحن الله عما يصفون (159) إلا عباد الله المخلصين (160)) (فاستفتهم) معطوف على مثله (1) في السورة وإن تباعد ما بينهما، أمر الله رسوله باستفتاء قريش عن وجه إنكار البعث أولا، ثم ساق الكلام موصولا بعضه ببعض، ثم أمره باستفتائهم عن وجه القسمة التي قسموها ضيزى حيث جعلوا لله الإناث ولأنفسهم الذكور في قولهم: الملائكة بنات الله مع كراهتهم لهن ووأدهم إياهن. (أم خلقنا) بل أخلقنا (الملائكة إنثا وهم شهدون) حاضرون خلقنا إياهم، أي: كيف جعلوهم إناثا ولم يشهدوا. ولقد ارتكبوا ثلاثة أنواع من الكفر في ذلك: أحدها: التجسيم؛ لأن الولادة مختصة بالأجسام، والثاني: تفضيل أنفسهم على ربهم حيث اختاروا البنين لأنفسهم والبنات لله، والثالث: أنهم استهانوا بالملائكة حيث أنثوهم. # (أصطفى البنات) دخلت همزة الاستفهام على همزة الوصل فسقطت همزة الوصل، ونحوه قول ذي الرمة: # أستحدث الركب عن أشياعهم خبرا * أم راجع القلب من أطرابه طرب (2) (ما لكم كيف تحكمون) لله بالبنات ولأنفسكم بالبنين (أفلا) تنتهون من مثل هذا القول (أم لكم سلطان مبين) أي: حجة نزلت عليكم من السماء بأن الملائكة بنات الله (فأتوا بكتبكم) الذي أنزل عليكم في ذلك. # PageV03P177 # (وجعلوا) بين الله (وبين الجنة نسبا) وهو ms1021 زعمهم أن الملائكة بنات الله، فأثبتوا بذلك جنسية جامعة له وللملائكة، وسموا: جنة لاستتارهم عن العيون، وقيل: هو قول الزنادقة: إن الله خالق الخير، وإبليس خالق الشر (1)، (ولقد علمت الجنة) أي: الملائكة (أنهم) في ذلك كاذبون (محضرون) النار معذبون بما يقولون، ثم نزه سبحانه نفسه عما وصفوه به. (إلا عباد الله) استثناء منقطع من الواو في (يصفون) أي: يصفه هؤلاء بذلك، ولكن (المخلصين) براء من أن يصفوه به. # (فإنكم وما تعبدون (161) مآ أنتم عليه بفتنين (162) إلا من هو صال الجحيم (163) وما منآ إلا له مقام معلوم (164) وإنا لنحن الصآفون (165) وإنا لنحن المسبحون (166) وإن كانوا ليقولون (167) لو أن عندنا ذكرا من الأولين (168) لكنا عباد الله المخلصين (169) فكفروا به ى فسوف يعلمون (170) ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين (171) إنهم لهم المنصورون (172) وإن جندنا لهم الغلبون (173) فتول عنهم حتى حين (174) وأبصرهم فسوف يبصرون (175) أفبعذابنا يستعجلون (176) فإذا نزل بساحتهم فسآء صباح المنذرين (177) وتول عنهم حتى حين (178) وأبصر فسوف يبصرون (179) سبحن ربك رب العزة عما يصفون (180) وسلم على المرسلين (181) والحمد لله رب العلمين (182)) الضمير في (عليه) لله عز اسمه، والمعنى: فإنكم ومعبوديكم (ما أنتم) وهم # PageV03P178 # جميعا (بفتنين) على الله، أي: لستم تفتنون على الله أحدا بإغوائكم واستهزائكم (1)، من قولك: فتن فلان على فلان امرأته إذا أفسدها عليه (إلا من هو صال الجحيم) أي: إلا من سبق في علم الله أنه يستوجب صلي الجحيم بسوء أعماله. ويحتمل أن يكون الواو في (وما تعبدون) بمعنى: " مع "، فيجوز السكوت على: (وما تعبدون)، كما يجوز السكوت على قولك: كل رجل وضيعته، فيكون المعنى: فإنكم مع معبوديكم، أي: فإنكم قرناؤهم. والضمير في (عليه) ل‍ (ما تعبدون)، أي: فما أنتم على ما تعبدون (بفتنين) بباعثين، أي: # حاملين على طريق الفتنة والإضلال (إلا من) يصلى (الجحيم) بسوء اختياره، ويحترق بها مثلكم (وما منآ إلا له مقام معلوم) أي: وما منا ملك، فحذف الموصوف وأقيم الصفة مقامه، كقوله: # أنا ابن جلا وطلاع الثنايا (2) أي: مقام معلوم في السموات يعبد الله فيه، أو: مقام في ms1022 العبادة والانتهاء إلى أمر الله لا يتجاوز ما أمر به ورتب له، كما روي: فمنهم سجود لا يركعون، وركوع لا ينتصبون، وصافون لا يتزايلون. (لنحن الصآفون) نصف أقدامنا في الصلاة، أو أجنحتنا حول العرش داعين للمؤمنين، أو في الهواء منتظرين أمر الله، وقيل: إن المسلمين إنما اصطفوا في الصلاة منذ نزلت هذه الآية (3) وليس يصطف أحد من أهل الملل في صلاتهم غير المسلمين. و (المسبحون): المصلون، أو المنزهون. # PageV03P179 # (إن) هي المخففة من الثقيلة، وهم مشركو قريش كانوا يقولون: (لو أن عندنا ذكرا) كتابا (من) كتب (الأولين) الذين نزل عليهم التوراة أو (١) الإنجيل، لأخلصنا العبادة لله، ولما خالفنا كما خالفوا، فجاءهم الذكر (٢) الذي هو سيد الأذكار، وهو المعجز من بين الكتب (فكفروا به فسوف يعلمون) عاقبة كفرهم. # الكلمة هي قوله: (إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغلبون) سماها كلمة وإن كانت كلمات عدة؛ لأنها لما انتظمت في معنى واحد كانت في حكم كلمة مفردة. و " هم " في: (لهم) فصل، والمراد: الوعد بعلوهم على عدوهم في الدنيا، وعلوهم عليهم في الآخرة. # (فتول عنهم) وأغض عليهم أذاهم (٣) (حتى حين) إلى مدة يسيرة هي مدة الكف عن القتال (وأبصرهم) وما يقضى عليهم من القتل والأسر عاجلا، والعذاب الأليم آجلا (فسوف يبصرون) - ك وما يقتضى لك من النصرة والتأييد اليوم والثواب والنعيم غدا، والمراد بالأمر بإبصارهم على الحال المنتظرة الموعودة الدالة على أنها كائنة لا محالة، قريبة الوقوع كأنها قدام ناظريك، وفي ذلك تسلية له صلوات الله عليه وآله. # وكانت العرب تفاجئ أعداءها بالغارة صباحا، فخرج الكلام على عادتهم، فكأن العذاب الذي ينزل بساحتهم جيش نزل بساحتهم فشن عليهم الغارة، ولأن الله سبحانه أجرى العادة بتعذيب الأمم وقت الصباح، كما قال: ﴿إن موعدهم الصبح﴾ (4) والمعنى: (فسآء صباح المنذرين) وصباحهم. # PageV03P180 # إنما كرر قوله: (وتول عنهم) ليكون تسلية على تسلية، وتأكيدا لحصول الوعد على تأكيد، وقيل: أريد بأحدهما الدنيا وبالآخر الآخرة (١)، وفي قوله: # (أبصر)، و (يبصرون) من غير تقييد بالمفعول فائدة زائدة، أي: ما لا يحيط به ms1023 الوصف من ضروب المسرة لك، وأنواع المساءة لهم. # (رب العزة) أضاف الرب إلى العزة لاختصاصه بها، كأنه قال: ذو العزة، أو: # لأنه لا عزة لأحد إلا وهو مالكها، كما قال: ﴿وتعز من تشاء﴾ (2). # وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): " من أراد أن يكتال بالمكيال الأوفى فليكن آخر كلامه في مجلسه: (سبحان ربك رب العزة عما يصفون) إلى آخر السورة " (3) * * * # PageV03P181 # سورة ص مكية (1) وهي ثمان وثمانون آية كوفي، ست بصري، عد الكوفي (ذي الذكر) (2) و (غواص) (3). # وفي حديث أبي: " من قرأ سورة ص أعطي من الأجر بوزن كل جبل سخره الله لداود حسنات " (4). # وعن الباقر (عليه السلام): " من قرأها في ليلة الجمعة أعطي من خير الدنيا والآخرة ما لم يعط أحد من الناس إلا نبي مرسل أو ملك مقرب، وأدخله الله الجنة، وكل من أحب من أهل بيته " (5) # PageV03P183 # بسم الله الرحمن الرحيم (ص والقرءان ذي الذكر (1) بل الذين كفروا في عزة وشقاق (2) كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص (3) وعجبوا أن جآءهم منذر منهم وقال الكفرون هذا سحر كذاب (4) أجعل الالهة إلها واحدا إن هذا لشىء عجاب (5) وانطلق الملا منهم أن امشوا واصبروا على ءالهتكم إن هذا لشىء يراد (6) ما سمعنا بهذا في الملة الأخرة إن هذآ إلا اختلق (7) أءنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكرى بل لما يذوقوا عذاب (8)) إن جعلت (ص) حرفا من حروف المعجم ذكر على سبيل التحدي والتنبيه على الإعجاز، فقوله: (والقرءان ذي الذكر) قسم محذوف الجواب لدلالة التحدي عليه، فكأنه قال: والقرآن ذي الذكر إنه لكلام معجز، وإن جعلت (ص) خبر مبتدأ محذوف على أنها اسم للسورة، فكأنه قال: هذا (ص) أي السورة التي أعجزت الفصحاء والقرآن ذي الذكر، كما تقول: هذا حاتم والله، تريد: هذا هو المشهور بالجود والله، وإن جعلتها قسما فكمثله، كأنه قال: أقسمت بصاد والقرآن ذي الذكر إنه لمعجز، وإن جعلتها مقسما به وعطفت عليها (والقرءان ذي الذكر) جاز أن تريد بالقرآن القرآن كله، وأن تريد ms1024 السورة بعينها فيكون معناه: أقسم بالسورة الشريفة وبالقرآن ذي الذكر، كما تقول: مررت بالرجل الكريم وبالنفس الشريفة، ولا تريد بالنفس غير الرجل، والذكر: الشرف، أو الذكرى والموعظة، أو ذكر ما يحتاج إليه من الشرائع وغيرها من التوحيد وذكر الأنبياء وأخبار الأمم وأحوال القيامة. PageV03P184 # (بل الذين كفروا) من أهل مكة (في عزة) أي: في تكبر عن قبول الحق (وشقاق) وخلاف وعداوة شديدة. # (كم أهلكنا) وعيد لذوي العزة والشقاق (فنادوا) فدعوا واستغاثوا عند وقوع الهلاك بهم (ولات) هي لاء المشبهة ب‍ " ليس "، زيدت عليها تاء التأنيث كما زيدت على " رب " و " ثم " للتأكيد، وتغير بذلك حكمها حيث لم تدخل إلا على الأحيان، ولم يبرز إلا اسمها أو خبرها وامتنع بروزهما جميعا، فتقديره: # ولات الحين (حين مناص) أي: وليس الحين حين مناص، ولو رفع لكان تقديره: ولات حين مناص حاصلا لهم، والمناص: الملجأ. (وقال الكفرون) ولم يقل: وقالوا، إظهارا للغضب عليهم، ودلالة على أن هذا القول لا يجسر عليه إلا الكافر المتمادي للكفر. (أجعل الآلهة إلها وحدا) ومعنى الجعل: التصير في القول على سبيل الدعوى، كأنهم قالوا: أجعل الجماعة واحدا في قوله وزعمه: (إن هذا لشىء) بليغ في العجب. # و (الملا): أشراف قريش، يريد: وانطلقوا عن مجلس أبي طالب لما أتوه وهم خمسة وعشرون رجلا فيهم الوليد بن المغيرة وهو أكبرهم، وأبو جهل، وأبي ابن خلف، وأخوه أمية وعتبة وشيبة، والنضر بن الحارث، فقالوا: أتيناك لتقضي بيننا وبين ابن أخيك، فإنه سفه أحلامنا وشتم آلهتنا، فقال أبو طالب: يا بن أخي، هؤلاء قومك يسألونك فيقولون: دعنا وآلهتنا ندعك وإلهك، فقال (عليه السلام): أتعطونني كلمة واحدة تملكون بها العرب والعجم؟ فقال أبو جهل: لله أبوك نعطيك ذلك وعشر أمثالها، فقال: قولوا: لا إله إلا الله، فقاموا قائلين بعضهم لبعض: (امشوا واصبروا) فلا حيلة لكم في أمر محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). PageV03P185 # وروي: أنه (عليه السلام) استعبر ثم قال: يا عم، والله لو وضعت الشمس في يميني والقمر في شمالي ما تركت هذا القول ms1025 حتى أنفذه أو أقتل دونه، فقال له أبو طالب: # امض لأمرك، فوالله لا أخذلك أبدا (1). # و (أن) هي المفسرة بمعنى: " أي "، لأن انطلاقهم من مجلس التقاول يتضمن معنى القول (إن هذا) الأمر (لشىء يراد) أي: يريده الله تعالى وما أراد الله كونه فلا مرد له، ولا ينفع فيه إلا الصبر، وقيل: معناه: أن هذا الأمر الذي نراه من زيادة أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لشيء من نوائب الدهر يراد بنا ولا انفكاك لنا منه (2) ومعنى (واصبروا على آلهتكم): اصبروا على عبادتها والتمسك بها حتى لا تزالوا عنها. # (ما سمعنا بهذا) في ملة عيسى التي هي آخر الملل، لأن النصارى يقولون: # ثالث ثلاثة ولا يوحدون، أو: في ملة قريش التي أدركنا عليها آباءنا، أو: ما سمعنا بهذا كائنا في الملة الآخرة، على أن يكون (في الملة الآخرة) حالا من (هذا) فلا يتعلق ب‍ (ما سمعنا) كما في الوجهين، والمعنى: أنا لم نسمع من أهل الكتاب ولا الكهان أنه يحدث التوحيد في الملة الآخرة. ما (هذا إلا اختلق) أي: افتعال وكذب. # ثم أنكروا أن يختص (عليه السلام) بشرف النبوة من بين رؤسائهم، وينزل عليه الكتاب دونهم (بل هم في شك من) القرآن المنزل، ووصفهم له بالاختلاق مخالف لاعتقادهم فيه، وإنما يقولونه على سبيل الحسد (بل) لم (يذوقوا) عذابي بعد، فإذا ذاقوه زال عنهم ما بهم من الشك والحسد. # PageV03P186 # (أم عندهم خزآبن رحمة ربك العزيز الوهاب (9) أم لهم ملك السموات والارض وما بينهما فليرتقوا في الاسبب (10) جند ما هنالك مهزوم من الاحزاب (11) كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد (12) وثمود وقوم لوط وأصحب ليكة أولئك الاحزاب (13) إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب (14) وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق (15) وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب (16)) أي: ليس (عندهم خزآئن) الرحمة، وما بأيديهم مفاتيح النبوة فيضعوها حيث شاؤوا ويختاروا لها من شاؤوا. (أم لهم ملك السموت والأرض) حتى يتكلموا في التدابير الربانية والأمور الإلهية التي ms1026 يختص بها رب العزة. ثم تهكم بهم سبحانه فقال: فإن كان إليهم تدبير الخلائق وعندهم الحكمة التي بها يعرفون من هو أحق بالنبوة (فليرتقوا في الأسبب) فليصعدوا في معارج السماء وطرقها التي يتوصل بها إلى العرش حتى يستووا (1) عليه، ويدبروا أمر العالم، وينزلوا الوحي إلى من يختارونه. ثم أخبر عن حاله (2) وما لهم فقال: (جند ما هنالك) يريد: ما لهم إلا جند من الكفار المتحزبين على الله (3) (مهزوم) مكسور عما قريب فلا تبال بهم، و " ما " مزيدة، وفيها معنى الاستعظام، كما في قول امرئ القيس: # وحديث ما على قصره (4) # PageV03P187 # إلا أنه على سبيل الهزء، و (هنالك) إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الانتداب لمثل ذلك القول العظيم، كما يقول لمن ينتدب لأمر ليس من أهله: لست هنالك، وقيل: إشارة إلى مصارعهم، وجاء تأويله يوم بدر (1). # (ذو الأوتاد) مستعار لثبات ملكه، كما قال الأسود: # ولقد غنوا فيها بأنعم عيشة * في ظل ملك ثابت الأوتاد (2) وقيل: كان يعذب الناس بالأوتاد (3). (أولئك الأحزاب) وقصد بهذه الإشارة الإعلام بأن الأحزاب الذين جعل الجند المهزوم منهم هم هم، وأنهم الذين وجد منهم التكذيب، وذكر تكذيبهم على وجه الإبهام في الجملة الخبرية، ثم أوضح ذلك في الجملة الاستثنائية، بأن كل واحد من الأحزاب (كذب) جميع (الرسل) لأنهم إذا كذبوا واحدا منهم فقد كذبوا جميعهم (فحق عقاب) أي: # فوجب لذلك أن أعاقبهم حق عقابهم. # (وما ينظر) أي: وما ينتظر هؤلاء، يعني كفار مكة (إلا صيحة وحدة) ما لتلك الصيحة (من فواق) قرئ بفتح الفاء وضمها (4)، أي: ما لها من توقف مقدار فواق، وهو ما بين حلبتي الحالب ورضعتي الراضع، يعني: إذا جاء وقتها لم تستأخر هذا المقدار من الوقت، وعن ابن عباس: ما لها من رجوع وترداد (5)، من أفاق المريض: إذا رجع إلى الصحة، وفواق الناقة: ساعة يرجع الدر إلى ضرعها، # PageV03P188 # يريد: أنها نفخة واحدة فحسب لا تثنى ولا تردد. # (عجل لنا قطنا) أي: نصيبنا من العذاب الذي وعدته، أو: عجل لنا صحيفة أعمالنا ننظر فيها، ms1027 والقط: القسط من الشيء، لأنه قطعة منه، من قطه: إذا قطعه، ولذلك قيل لصحيفة الجائزة: قط؛ لأنها قطعة من القرطاس. # (اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داوود ذا الأيد إنه أواب (17) إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق (18) والطير محشورة كل له أواب (19) وشددنا ملكه وءاتينه الحكمة وفصل الخطاب (20) * وهل أتاك نبؤا الخصم إذ تسوروا المحراب (21) إذ دخلوا على داوود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنآ إلى سوآء الصراط (22) إن هذآ أخي له تسع وتسعون نعجة ولى نعجة وا حدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب (23) قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ى وإن كثيرا من الخلطآء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين ءامنوا وعملوا الصلحت وقليل ما هم وظن داوود أنما فتنه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب (24) فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن ماب (25)) (ذا الأيد) ذا القوة على العبادة، المضطلع بأعباء النبوة، وقيل: ذا القوة على الأعداء (1)، لأنه رمى بحجر من مقلاعه صدر الرجل فأنفذه من ظهره فأصاب آخر فقتله، يقال: فلان أيد وذو أيد وذو آد، وأياد كل شيء: ما يتقوى به (إنه أواب) تواب رجاع عن كل ما يكره الله إلى ما يحب، وقيل: مسبح مطيع (2). # PageV03P189 # (يسبحن) حال، واختير على " مسبحات " وإن كان في معناه ليدل على حدوث التسبيح من الجبال حالا بعد حال. وكان داود إذا سبح جاوبته الجبال بالتسبيح، واجتمعت إليه الطير فسبحت، فذلك حشرها: كل واحد من الجبال والطير (له) لأجل داود، اي: لأجل تسبيحه؛ لأنها كانت تسبح بتسبيحه وضع " الأواب " موضع " المسبح " إما لأنها كانت ترجع التسبيح، والمرجع: رجاع لأنه يرجع إلى فعله رجوعا بعد رجوع، وإما لأن " الأواب " وهو التواب يكثر الرجوع إلى مرضاة الله ويديم تسبيحه وذكره، وقيل: الضمير في (له) " لله " أي: كل من داود والجبال والطير لله مسبح يرجع التسبيح (1). # (وشددنا ملكه) قويناه (وءاتينه الحكمة) وهي الزبور وعلم الشرائع، وقيل: كل كلام وافق الحق فهو حكمة ms1028 (2)، و (فصل الخطاب) فصل بمعنى: # مفصول ك‍ " ضرب الأمير "، وهو الكلام البين الملخص الذي تبينه من يخاطب به ولا يلتبس عليه، أو بمعنى: " فاصل " ك‍ " صوم " و " زور "، أي: الفاصل من الخطاب الذي يفصل بين الحق والباطل، والصحيح والفاسد، وهو كلامه في القضايا والحكومات وتدابير الملك. وعن علي (عليه السلام): هو قوله: " البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه " (3)، وهو من الفصل بين الحق والباطل، ويدخل فيه قول بعضهم: هو قوله: " أما بعد ". # (وهل أتك نبؤا الخصم) ظاهره الاستفهام، ومعناه: الدلالة على أنه من الأنباء العجيبة التي حقها أن لا تخفى، والخصم: الخصماء، وهو يقع على الواحد # PageV03P190 # والجمع كالضيف؛ لأنه مصدر في الأصل، أي: فريقان خصيمان، ومثله قوله: # ﴿هذان خصمان اختصموا﴾ (1)، وانتصب (إذ) بمحذوف تقديره: وهل آتاك نبأ تحاكم الخصم حين (تسوروا المحراب) أي: تصعدوا سوره ونزلوا إليه، والسور: # الحائط المرتفع، ونظيره: " تسنمه " إذا علا سنامه، و " تفزعه " إذا فزعه. # (إذ دخلوا) بدل من (إذ) الأولى، (خصمان) خبر مبتدأ محذوف أي: نحن خصمان (ولا تشطط) أي: ولا تجر، قال: # ألا يا لقومي قد أشطت عواذلي (2) (أخي) بدل من (هذآ) أو خبر ل‍ (إن)، والمراد أخوة الدين أو أخوة الصداقة والألفة والخلطة (أكفلنيها) وملكنيها، وحقيقته: اجعلني أكفلها كما أكفل ما تحت يدي (وعزني) أي: غلبني في مخاطبة الحجاج والجدال، أو أراد: # خطبت المرأة وخطبها هو، فخاطبني خطابا أي: غالبني في الخطبة فغلبني حيث زوجها دوني، وعلى هذا فيكون " النعجة " مستعارة من المرأة، كما استعير لها " الشاة " في نحو قوله: # يا شاة ما قنص لمن حلت له * حرمت علي وليتها لم تحرم (3) (لقد ظلمك) جواب قسم محذوف، و " سؤال " مصدر مضاف إلى المفعول، كقوله: من دعاء الخير، وقد ضمن معنى الإضافة فعدي تعديتها، كأنه قال: " بإضافة نعجتك إلى نعاجه " على وجه السؤال والطلب. وما في قوله: (وقليل ما هم) الإبهام، وفيه تعجب من قلتهم (وظن داوود) لما كان غلبة الظن كالعلم استعيرت # PageV03P191 # له، أي: وعلم داود وأيقن (أنما فتنه) أي: اختبرناه وابتليناه ms1029 لا محالة بامرأة أوريا، قيل: إن أهل زمان داود كانوا قد اعتادوا أن ينزل بعضهم لبعض عن امرأته إذا أعجبته، فاتفق أن عين داود وقعت على امرأة رجل يقال له: أوريا فأعجبته، فسأله النزول له عنها، فاستحيا أن يرده ففعل، فتزوجها، فقيل له: إنك على (1) ارتفاع منزلتك وكثرة نسائك لم يكن ينبغي لك أن تسأل رجلا ليس له إلا امرأة واحدة النزول عنها (2). وقيل: خطبها أوريا ثم خطبها داود فآثره أهلها (3). # وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): أنه قال: " لا أوتى برجل يزعم أن داود تزوج امرأة أوريا إلا جلدته حدين: حدا للنبوة وحدا للإسلام " (4). # وروي: أن التحاكم كان بين ملكين (5)، وقيل: كانا من الإنس، وكانت الخصومة على الحقيقة بينهما: إما كانا خليطين في الغنم، وإما كان أحدهما موسرا وله نسوان كثيرة من السراري والمهائر، والثاني معسرا ماله إلا امرأة واحدة فاستنزله عنها (6)، وإنما فزع لدخولهما عليه في غير وقت الحكومة أن يكونا مغتالين، وإنما عوتب على عجلته في الحكم قبل تثبت، وكان من حقه حين سمع الدعوى من أحدهما أن يسأل الآخر عنده فيها. وعن مجاهد: مكث ساجدا أربعين يوما لا يرفع رأسه إلا لصلاة مكتوبة، أو لحاجة لابد منها (7)، وقد يعبر عن السجود بالركوع. # PageV03P192 # (يداوود إنا جعلنك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب (26) وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما بطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار (27) أم نجعل الذين ءامنوا وعملوا الصلحت كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار (28) كتب أنزلنه إليك مبرك ليدبروا ءايته ى وليتذكر أولوا الالبب (29)) أي: (جعلنك خليفة) ممن كان قبلك من الأنبياء، أو: استخلفناك على الملك في الأرض (بما نسوا) أي: بنسيانهم (يوم الحساب)، أو: لهم عذاب يوم القيامة بسبب نسيانهم، وهو ضلالهم عن سبيل الله. # (بطلا) أي: خلقا باطلا لا لغرض صحيح وحكمة بالغة، أو: مبطلين عابثين ذوي ms1030 باطل، أو وضع (بطلا) موضع " عبثا "، كما وضع " هنيئا " موضع المصدر وهو صفة، أي: وما خلقناهما وما بينهما للعبث ولكن للحق المبين، وهو أنا خلقنا نفوسا أودعناها العقل والتمييز، وعرضنا للمنافع العظيمة، بالتكليف، وأعددنا لها الجزاء على حسب أعمالها (ذلك) إشارة إلى خلقها باطلا، والظن بمعنى المظنون، أي: خلقها للعبث لا للحكمة، والغرض الصحيح مظنون (الذين كفروا)، ولما كان إنكارهم للبعث مؤديا إلى أن خلقها عبث جعلوا كأنهم يظنون ذلك، لأن الجزاء هو الذي ساق إليه الحكمة في خلق العالم، فمن أنكره فقد أنكر الحكمة، ومن أنكر الحكمة في خلق العالم فقد أظهر أنه لا يقدره حق قدره. # (أم) منقطعة، ومعنى الاستفهام فيها الإنكار، والمعنى: أنه لو بطل الجزاء PageV03P193 # لاستوت عند الله حال الصالح والطالح، والمحسن والمسيء، ومن سوى بينهم لم يكن حكيما. # وقرئ: " لتدبروا " (1) على الخطاب، وتدبر الآيات: التفكر فيها والاتعاظ بمواعظها، والمبارك: الكثير النفع والخير. # (ووهبنا لداوود سليمن نعم العبد إنه أواب (30) إذ عرض عليه بالعشي الصفنت الجياد (31) فقال إنى أحببت حب الخير عن ذكر ربى حتى توارت بالحجاب (32) ردوها على فطفق مسحا بالسوق والأعناق (33) ولقد فتنا سليمن وألقينا على كرسيهى جسدا ثم أناب (34) قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغى لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب (35) فسخرنا له الريح تجرى بأمره ى رخآء حيث أصاب (36) والشيطين كل بنآء وغواص (37) وءاخرين مقرنين في الأصفاد (38) هذا عطآؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب (39) وإن له عندنا لزلفى وحسن ماب (40)) أي: (نعم العبد) هو المخصوص بالمدح محذوف، وعلل كونه ممدوحا بكونه أوابا رجاعا إلى الله عز اسمه في أموره، أو مؤوبا مرجعا لتسبيحه وتقديسه لأن كل مؤوب أواب، و (الصفنت): الخيل القائمة على ثلاث قوائم، الواضعة طرف السنبك الرابع على الأرض (الجياد) السريعة المشي، الواسعة الخطو، جمع سبحانه بين وصفيها المحمودين واقفة وجارية، وضمن (أحببت) معنى فعل متعد ب‍ " عن "، فكأنه قال: أنبت حب الخير عن ذكر ربي أو: جعلت حب الخير مغنيا # PageV03P194 # عن ذكر ربي، والخير: المال كما ms1031 في قوله: ﴿وإنه لحب الخير لشديد﴾ (١) وقوله: # ﴿إن ترك خيرا﴾ (2). والمال هنا: الخيل التي شغلته، وسمى الخيل خيرا كأنها نفس الخير لتعلق الخير بها، كقوله (عليه السلام): " الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة " (3). # وقال (عليه السلام) في زيد الخيل حين وفد عليه وأسلم: " أنت زيد الخير " (4). # (حتى توارت بالحجاب) الضمير للشمس أي: غربت، وهو مجاز عن تواري الملك بحجابه، ويدل عليه مرور ذكر " العشي "، ولا بد للمضمر من جري ذكر أو دليل ذكر، وقيل: الضمير ل‍ (الصفنت) أي: حتى توارت بحجاب الليل يعني: # الظلام (5). (فطفق مسحا) أي: فجعل يمسح مسحا، أي: يمسح بالسيف سوقها وأعناقها يعني: يقطعها، يقال: مسح علاوته: إذا ضرب عنقه، ومسح المسفر الكتاب إذا قطع أطرافه بسيفه، وقيل: مسحها بيده استحسانا لها وإعجابا بها ثم جعلها مسبلة في سبيل الله (6)؛ والسوق: جمع الساق، كأسد في جمع الأسد، واتصل قوله: (ردوها على) بمحذوف تقديره: " قال: ردوها علي "، فأضمر ما هو جواب له، كأن قائلا قال: فماذا قال سليمان؟ لأنه موضع مقتض للسؤال اقتضاء # PageV03P195 # ظاهرا، وهو اشتغال نبي الله بأمر الدنيا حتى تفوته الصلاة عن وقتها. وقيل: إنما ذبحها تقربا إلى الله تعالى ليتصدق بلحومها (1)، وقيل: معناه: أنه سأل الله تعالى أن يرد الشمس عليه فردها عليه حتى صلى العصر، والهاء في (ردوها) للشمس (2). # (فتنا سليمن) اختبرناه وشددنا المحنة عليه، واختلف في الجسد الذي ألقي على كرسيه، فقيل: إنه قال ذات يوم: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة، تلد كل امرأة منهن غلاما، يضرب بالسيف في سبيل الله، ولم يقل إن شاء الله، فطاف عليهن فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة وجاءت بشق ولد، فهو الجسد الذي ألقي على كرسيه (3). وروي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال " والذي نفس محمد بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا " (4)، (ثم أناب) إلى الله وفزع إلى الصلاة والدعاء على وجه الانقطاع إلى الله سبحانه، وقيل: إنه ولد له ابن فاسترضعه في المزن - وهو السحاب - إشفاقا عليه ms1032 من كيد الشيطان، فلم يشعر إلا وقد وضع على كرسيه ميتا، تنبيها له على أن الحذر لا ينفع من القدر (5). # قدم الاستغفار على استيهاب الملك جريا على عادة الأنبياء في تقديم أمر الدين على أمور الدنيا (ملكا لا ينبغى) أي: لا يتكون ولا يتسهل، ومعنى (من بعدي): دوني، طلب من ربه سبحانه ملكا زائدا على الممالك، زيادة تبلغ حد الإعجاز، ليكون دليلا على صحة نبوته، فذلك معنى قوله: (لا ينبغى لأحد من # PageV03P196 # بعدي)، وقيل: كان ملكا عظيما فخاف أن يعطى غيره مثله فلا يحافظ على حدود الله فيه، كما قالت الملائكة: ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾ (1) (2). # (رخآء) أي: لينة طيبة لا تزعزع (3)، وقيل: مطيعة له (4) (تجرى) إلى حيث يشاء، وقوله: (حيث أصاب) معناه: حيث قصد وأراد. و (الشيطين) عطف على (الريح)، و (كل بناء) بدل من (الشيطين) (وءاخرين) عطف على (كل) داخل في حكم البدل، وهو بدل الكل من الكل. كانوا يبنون له ما يشاء من الأبنية الرفيعة، ويغوصون له في البحر على اللالئ والجواهر، فيستخرجون ما شاء منها، وهو أول من استخرج الدر من البحر، وكان يقرن مردة الشياطين بعضهم مع بعض في القيود والأغلال، ويجمع بين اثنين وثلاثة منهم في سلسلة يؤدبهم إذا تمردوا، والصفد: القيد، وسمي به العطاء لأنه ارتباط للمنعم عليه، وفرقوا بين الفعلين فقالوا: صفده: قيده، وأصفده: أعطاه. # هذا الذي أعطيناك من الملك والبسط (عطآؤنا... بغير حساب) أي: جما كثيرا لا يقدر على حسبه وحصره، أو: لا يحاسب يوم القيامة على ما تعطي وتمنع، (فامنن) فأعط منه ما شئت من المنة وهي العطاء (أو أمسك) مفوضا إليك التصرف فيه، أو: فامنن على من شئت من الشياطين بالإطلاق وأمسك من شئت منهم في الوثاق (بغير حساب) لا حساب عليك في ذلك. (وإن له عندنا) النعمة الباقية في الآخرة، وهي الزلفة والقربى وحسن المآب. # PageV03P197 # (واذكر عبدنآ أيوب إذ نادى ربه أنى مسني الشيطن بنصب وعذاب (41) اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب (42) ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة ms1033 منا وذكرى لأولي الالبب (43) وخذ بيدك ضغثا فاضرب بهى ولا تحنث إنا وجدنه صابرا نعم العبد إنه أواب (44)) (أيوب) عطف بيان، و (إذ) بدل الاشتمال منه، (أنى) أي: بأني (مسني) حكاية لكلامه الذي ناداه بسببه، ولو لم يحك لقال: بأنه مسه، وقرئ: # (بنصب) بضم النون، وبفتح النون والصاد (1)، وضمها (2)، والنصب والنصب: # التعب والمشقة، كالرشد والرشد، والنصب: تثقيل " نصب "، والعذاب الأليم يريد مرضه وما كان يقاس فيه من أنواع الوصب. وقيل: النصب: الضر في البدن، والعذاب: في ذهاب الأهل والمال (3)، وإنما نسبه إلى الشيطان لما كان يوسوس به إليه من تعظيم ما نزل به من البلاء ويغريه على الجزع، فالتجأ إلى الله سبحانه في أن يكفيه ذلك بكشف البلاء. # (اركض برجلك) على تقدير القول، أي: قلنا له: ادفع برجلك الأرض هذا ما تغتسل به (4) وتشرب منه فيبرأ باطنك وظاهرك، وقيل: إنه نبعت عينان فاغتسل من إحداهما وشرب من الأخرى، فذهب الداء من ظاهره وباطنه بإذن الله (5). # (رحمة منا وذكرى) مفعول لهما، والمعنى: أن الهبة كانت للرحمة له ولتذكير أولي الألباب، لأنهم إذا سمعوا بذلك رغبوا في الصبر على البلاء. # PageV03P198 # (وخذ) معطوف على (اركض)، (ضغثا) هو ملء الكف من الشماريخ (1)، وذلك أنه حلف على امرأته لقول أنكره منها لئن عوفي ليضربنها مائة جلدة، فاضربها دفعة واحدة (ولا تحنث) في يمينك (إنا وجدنه) علمناه (صابرا) على البلاء الذي ابتليناه به. # (واذكر عبدنآ إبراهيم وإسحق ويعقوب أولى الأيدي والأبصر (45) إنآ أخلصنهم بخالصة ذكرى الدار (46) وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار (47) واذكر إسمعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار (48) هذا ذكر وإن للمتقين لحسن ماب (49) جنت عدن مفتحة لهم الأبواب (50) متكين فيها يدعون فيها بفكهة كثيرة وشراب (51) وعندهم قصرات الطرف أتراب (52) هذا ما توعدون ليوم الحساب (53) إن هذا لرزقنا ماله من نفاد (54)) (إبرهيم وإسحق ويعقوب) عطف بيان ل‍ (عبدنآ) ومن قرأ " عبدنا " (2) جعل (إبرهيم) وحده عطف بيان، وعطف (إسحق ويعقوب) على " عبدنا "، (أولى الأيدي والأبصر) أولي الأعمال الدينية والفكر العلمية، كان الذين لا يعملون أعمال الآخرة ms1034 ولا يتفكرون أفكار ذوي الديانات في حكم الزمنى، الذين لا يقدرون على إعمال جوارحهم، والمسلوبي العقول الذين لا استبصار بهم، والأبصار: جمع البصر وهو العقل. # (إنآ أخلصنهم) جعلناهم لنا خالصين (بخالصة) بخصلة خالصة لا شوب # PageV03P199 # فيها، ثم فسرها ب‍ (ذكرى الدار) شهادة لذكرى الدار بالخلوص والصفاء، وأن الكدورة منتفية عنها. وقرئ: " بخالصة ذكرى " على الإضافة (1)، والمعنى: بما خلص من ذكرى الدار، على أنهم لا يشوبون ذكرى الدار بهم آخر، إنما همهم ذكرى الدار لا غير، ومعنى (ذكرى الدار): ذكرهم الآخرة دائما ونسيانهم إليها ذكر الدنيا، أو: تذكيرهم الآخرة وترغيبهم فيها وتزهيدهم في الدنيا كما هو شأن الأنبياء، وقيل: ذكرى الدار: الثناء الجميل في الدنيا، ولسان الصدق الذي ليس لغيرهم (2) والمعنى: أخلصناهم بسبب هذه الخصلة وبأنهم من أهلها، أو: # أخلصناهم بتوفيقهم لها. (لمن المصطفين) أي: المختارين من بين أبناء جنسهم (الأخيار) جمع خير أو خير على التخفيف، كأموات في جمع " ميت " أو " ميت ". # (واليسع) كان حرف التعريف دخل على " يسع "، وقرئ: " والليسع " (3) كان حرف التعريف دخل على " اليسع " فيعل من " اللسع "، والتنوين في (وكل) عوض عن المضاف إليه، أي: وكلهم من الأخيار. # (هذا ذكر) أي: نوع من الذكر وهو القرآن، ولما أجرى ذكر الأنبياء وأتمه قال: (هذا ذكر) كما يقال: هذا باب، ثم ذكر عقيبه الجنة وأهلها فقال: (وإن للمتقين لحسن مآب) أي: حسن منقلب ومرجع، ولما أتم ذكر الجنة وأراد أن يعقبه بذكر أهل النار قال: (هذا وإن للطغين لشر مآب)، وقيل: معناه: هذا ذكر جميل وشرف يذكرون به أبدا (4). وعن ابن عباس: هذا ذكر من مضى من # PageV03P200 # الأنبياء (١). (جنت عدن) معرفة كقوله: ﴿جنت عدن التي وعد الرحمن عباده﴾ (2)، وهي عطف بيان ل‍ (حسن مآب)، و (مفتحة) حال، والعامل فيها ما في (للمتقين) من معنى الفعل، وفي (مفتحة) ضمير " الجنات "، و (الأبواب) بدل من الضمير تقديره: مفتحة هي الأبواب كقولهم: ضرب زيد اليد والرجل، وهو من بدل الاشتمال. # (أتراب) جمع ترب، كأنهن سمين أترابا لأن التراب مسهن في وقت واحد، ms1035 وإنما جعلن على سن واحدة لأن التحاب بين الأقران أثبت، وقيل: هن أتراب لأزواجهن أسنانهن كأسنانهم (3). # وقرئ: (توعدون) بالتاء والياء (4) (ليوم الحساب) لأجل يوم الحساب، كما يقال: هذا ما تدخرونه ليوم الحساب، أي: ليوم تجزى كل نفس بما كسبت (إن هذا) الذي ذكرنا (لرزقنا) أي: عطاؤنا الجاري المتصل (ما له من نفاد) أي: # فناء وانقطاع. # (هذا وإن للطغين لشر ماب (55) جهنم يصلونها فبئس المهاد (56) هذا فليذوقوه حميم وغساق (57) وءاخر من شكله ى أزواج (58) هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار (59) قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار (60) قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار (61) وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار (62) أتخذنهم سخريا أم زاغت عنهم # PageV03P201 # ا لابصر (٦٣) إن ذا لك لحق تخاصم أهل النار (٦٤) قل إنمآ أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار (٦٥) رب السموات والارض وما بينهما العزيز الغفر (٦٦)) أي: الأمر هذا، أو: هذا كما ذكر إن للذين طغوا على الله (لشر مآب)، (جهنم) عطف بيان له (فبئس المهاد) شبه ما تحتهم من النار بالمهاد الذي يفترشه النائم. أي: (هذا) حميم فليذوقوه، أو: العذاب هذا فليذوقوه ثم ابتدأ فقال: هو (حميم وغساق)، أو: ليذوقوا هذا (فليذوقوه) مثل قوله: ﴿فإياى فارهبون﴾ (1)، وقرئ: (وغساق) بالتشديد والتخفيف (2) حيث كان، وهو ما يغسق من صديد أهل النار أي: يسيل، يقال: غسقت العين إذا سالت دموعها، ويقال: الحميم يحرق بحره والغساق يحرق ببرده. " وأخر " (3) أي: ومذوقات أخر من شكل هذا المذوق، أي: مثله في الفظاعة والشدة، (أزوج) أي: أجناس، وقرئ: (وآخر) أي: وعذاب آخر أو مذوق آخر، و (أزوج) صفة ل‍ (ءاخر) لأنه يجوز أن يكون ضروبا أو صفة للثلاثة وهي: (حميم) و (غساق) و (آخر من شكله). # (هذا فوج مقتحم معكم) هذا جمع كثيف قد اقتحم معكم النار، أي: دخل النار في صحبتكم، وهو حكاية كلام الطاغين بعضهم لبعض أي: يقولون هذا، # PageV03P202 # والمراد بالفوج: أتباعهم الذين ms1036 اقتحموا معهم الضلالة، فيقتحمون معهم النار (لا مرحبا بهم) دعاء منهم على أتباعهم، أي: لا نالوا رحبا وسعة (إنهم) لازموا (النار) فيقول الأتباع: (بل أنتم) لا اتسعت لكم أماكنكم، أنتم حملتمونا على ما أوجب لنا النار، والضمير في (قدمتموه) للعذاب، تقول لمن تدعو له: مرحبا، أي: أتيت رحبا من البلاد لا ضيقا، أو: رحبت بلادك رحبا، ثم تدخل عليه " لا " في دعاء السوء، و (بهم) بيان للمدعو عليهم. # قال الأتباع أيضا: (ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا) أي: مضاعفا، ومعناه: ذا ضعف، وهو أن يزيد على عذابه ضعفه أي: مثله فيصير ضعفين كقوله: # ﴿ربنا ءاتهم ضعفين من العذاب﴾ (1). # (لا نرى رجالا) يعنون فقراء المؤمنين الذين لا يؤبه بهم (من الأشرار) الذين لا خير فيهم، ولأنهم كانوا على خلاف دينهم فعدوهم أشرارا. # وعن الباقر (عليه السلام): " يعنونكم، لا يرون والله واحدا منكم في النار ". # (أتخذنهم سخريا) قرئ بلفظ الإخبار (2) على أنه صفة ل‍ (رجالا)، وبهمزة الاستفهام على أنه إنكار على أنفسهم وتأنيب لها في الاستسخار منهم، وقوله: (أم زاغت عنهم الأبصر) فيه وجهان: أحدهما: أن يتصل بقوله: (ما لنا) أي: ما لنا لا نراهم في النار كأنهم ليسوا فيها، بل أزاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم فيها، والثاني: أن يتصل ب‍ (أتخذنهم سخريا) ويكون (أم) متصلة بمعنى: # أي الفعلين فعلنا بهم: الاستسخار منهم أم تحقيرهم وازدراءهم، وأن أبصارنا كانت تحتقرهم على معنى: إنكار الأمرين على أنفسهم، أو منقطعة بعد مضي (أتخذنهم # PageV03P203 # سخريا) على الخبر أو على الاستفهام، كما يقول: إنها الإبل أم شاة، و: أزيد عندك أم عندك عمرو. ويجوز أيضا أن تقدر همزة الاستفهام محذوفة فيمن قرأ بغير الهمزة؛ لأن " أم " تدل عليها، فلا تفترق القراءتان في المعنى. (إن ذلك) الذي حكينا عنهم (لحق) لابد أن يتكلموا به، ثم بين بقوله: (تخاصم أهل النار) شبه ما يجري بينهم من التقاول بما يجري بين المتخاصمين فسماه تخاصما. # (قل هو نبؤا عظيم (67) أنتم عنه معرضون (68) ما كان لي من علم ms1037 بالملا الاعلى إذ يختصمون (69) إن يوحى إلى إلا أنمآ أنا نذير مبين (70) إذ قال ربك للملئكة إنى خلق بشرا من طين (71) فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له سجدين (72) فسجد الملئكة كلهم أجمعون (73) إلا إبليس استكبر وكان من الكفرين (74) قال يإبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي استكبرت أم كنت من العالين (75) قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين (76) قال فاخرج منها فإنك رجيم (77) وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين (78) قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون (79) قال فإنك من المنظرين (80) إلى يوم الوقت المعلوم (81) قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين (82) إلا عبادك منهم المخلصين (83) قال فالحق والحق أقول (84) لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين (85) قل مآ أسلكم عليه من أجر ومآ أنا من المتكلفين (86) إن هو إلا ذكر للعلمين (87) ولتعلمن نبأه بعد حين (88)) أي: هذا الذي أنبأتكم به من كوني رسولا وأن الله واحد وأمر القيامة نبأ عظيم لا يعرض عن مثله إلا غافل شديد الغفلة، وقيل: النبأ العظيم هو القرآن (1). # PageV03P204 # (ما كان لي من علم) بكلام (الملا الأعلى) وقت اختصامهم. و (إذ قال) بدل من (إذ يختصمون). و (الملا الأعلى) هم أصحاب القصة المذكورة بعد: عن الملائكة وآدم وإبليس، لأنهم كانوا في السماء وكان التقاول بينهم. قرئ: # " إنما " (١) بالكسر على الحكاية، أي: ما (يوحى إلى إلا) هذا القول، وهو أن أقول لكم: (إلا أنمآ أنا نذير مبين)، وقرئ: (أنما) بالفتح أي: لأنما، ومعناه: ما يوحى إلي إلا للإنذار، فحذف اللام فوصل الفعل، ويجوز أن يكون مرفوع الموضع، أي: # ما يوحى إلي إلا هذا القول، وهو أن أنذر وأبلغ ولا أفرط في ذلك. # (لما خلقت بيدي) لما توليت خلقه بنفسي من غير واسطة، وذلك أن الإنسان لما كان يباشر أكثر أعماله بيده غلب العمل باليدين على سائر الأعمال التي بغيرها حتى قالوا في عمل القلب: هذا مما عملت يداك، وقالوا لمن لا يدين له: " يداك أوكتا وفوك نفخ " (٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿مما عملت أيدينا﴾ (3) (ولما خلقت ms1038 بيدي). وقيل: إن العرب تطلق لفظة " اليدين " للقدرة والقوة (4)، كما قال الشاعر: # تحملت من عفراء ما ليس لي به * ولا للجبال الراسيات يدان (5) (أستكبرت) أو رفعت نفسك فوق قدرها أم كنت من الذين علت أقدارهم عن السجود؟ (فاخرج منها) من الجنة، وقيل: من السموات (6)، وقيل: من # PageV03P205 # الخلقة التي افتخرت بها فاسود وأظلم بعد أن كان أبيض نورانيا (١). # وقرئ: (فالحق) بالرفع والنصب (٢)، فالرفع على أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي: فأنا الحق، أو مبتدأ محذوف الخبر أي: فالحق قسمي، والنصب على أنه مقسم به والتقدير: الحق لأملأن، نحو: الله لأفعلن (الحق أقول) اعتراض بين المقسم به والمقسم عليه، والمراد بالحق: إما اسمه جل وعز الذي في قوله: ﴿أن الله هو الحق المبين﴾ (3) أو: الحق الذي هو نقيض الباطل عظمه الله سبحانه بإقسامه به. (منك) أي: من جنسك وهم الشياطين (وممن تبعك منهم) من ذرية آدم، والمعنى: (لأملأن جهنم) من المتبوعين والتابعين (أجمعين). # (مآ أسئلكم عليه) أي: على القرآن (من أجر) تعطونيه (ومآ أنا من المتكلفين) من الذي يتصنعون ويتحلون بما ليسوا من أهله. # وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): " للمتكلف ثلاث علامات: ينازع من فوقه، ويتعاطى ما لا ينال، ويقول ما لا يعلم " (4). # وما (هو) يعني القرآن (إلا ذكر) للخلق أجمعين. (ولتعلمن) خبر صدقه وحقيقة حقه، (بعد) الموت، أو بعد ظهور أمر الدين وفشو الإسلام. # * * * # PageV03P206 # سورة الزمر مكية (1) سوى آيات، وهي خمس وسبعون آية كوفي، اثنتان بصري. فيما فيه يختلفون غير الكوفي: (مخلصا له الدين) (2) الثاني و (مخلصا له ديني) (3) و (من هاد) (4) الثاني و (فسوف تعلمون) (5) أربعتهن كوفي. # وفي حديث أبي: " من قرأ سورة الزمر لم يقطع الله رجاه، وأعطاه ثواب الخائفين " خافوا الله (6). # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأ سورة الزمر أعطاه الله شرف الدنيا والآخرة، وأعزه بلا مال ولا عشيرة حتى يهابه من يراه، وحرم جسده على النار " (7) تمام الخبر. # PageV03P207 # بسم الله الرحمن الرحيم (تنزيل الكتب من الله العزيز الحكيم (1) إنآ أنزلنآ إليك الكتب بالحق فاعبد الله ms1039 مخلصا له الدين (2) ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه ى أوليآء ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدى من هو كذب كفار (3) لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشآء سبحنه هو الله الواحد القهار (4) خلق السموات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجرى لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفر (5)) (تنزيل) مبتدأ أخبر عنه بالظرف، أو خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذا تنزيل الكتاب، والجار صلة (تنزيل) كما تقول: نزل من عند الله، أو غير صلة فيكون خبرا بعد خبر، أو حالا من (تنزيل) عمل فيها معنى الإشارة. # (مخلصا له الدين) من الشرك والرياء بالتوحيد وتصفية السر. (الدين الخالص) ما لا يشوبه الرياء والسمعة، وعن قتادة: هو شهادة أن لا إله إلا الله (1)، وقيل: هو الاعتقاد الواجب من التوحيد والعدل والنبوة، والعمل بموجب الشرائع، والبراءة من كل دين سواها (2). (والذين اتخذوا من دون الله أوليآء) قائلين: # (ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله) أي: ليشفعوا لنا إليه، و (زلفى) اسم أقيم مقام المصدر، وخبر (الذين) قوله: (إن الله يحكم بينهم)، والمراد بمنع الهداية: # PageV03P208 # منع اللطف تسجيلا عليهم بأن لا لطف لهم، وأنهم في علم الله من الهالكين، ولم يرد به الهداية إلى الإيمان كقوله: ﴿أما ثمود فهدينهم﴾ (1) وكذبهم قولهم: إن الملائكة بنات الله، ولذلك عقبه بقوله: (لو أراد الله أن يتخذ ولدا) أي: لو أراد اتخاذ الولد لامتنع ولم يصح ولم يتأت ذلك لكونه محالا، إلا أن يصطفي من خلقه بعضهم ويقربهم، كما يختص الرجل ولده ويقربه، ثم تنزه نفسه عن اتخاذ الولد بقوله: # (سبحنه) أي: تنزيها له عن ذلك. # ثم دل بخلق السماوات والأرض، وتكوير كل واحد من الملوين (2) على الآخر، وتسخير النيرين (3) وجريهما (لأجل مسمى)، وبث الناس على كثرتهم (من نفس وحدة) وخلق الأنعام على أنه واحد لا ثاني له في القدم، قهار لا ms1040 يغالب. والتكوير: اللف واللي، يقال: كار العمامة على رأسه وكورها، والمعنى: # يغشي الليل النهار، يذهب هذا ويغشي مكانه هذا، فكأنه لفه عليه كما يلف اللباس على اللابس، وقيل: معناه: أن كل واحد منهما يغيب الآخر: إذا طرأ عليه، فشبه بشيء ظاهر لف عليه ما غيبه عن الناظر (4). # (خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الانعم ثمنية أزواج يخلقكم في بطون أمهتكم خلقا من بعد خلق في ظلمت ثلث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون (6) إن تكفروا فإن الله غنى عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن # PageV03P209 # تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور (7) * وإذا مس الانسن ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسى ما كان يدعوا إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله ى قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحب النار (8) أمن هو قنت ءانآء الليل ساجدا وقآبما يحذر الأخرة ويرجوا رحمة ربهى قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألبب (9) قل يعباد الذين ءامنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله وا سعة إنما يوفى الصبرون أجرهم بغير حساب (10)) أي: (خلقكم من نفس) آدم، وخلق حواء زوجه من قصيراه، وعطف ب‍ " ثم " للدلالة على مباينة هذه الآية - التي لم تجر العادة بمثلها - للآية الأولى التي هي إيجاد الخلق الكثير من نفس واحدة في الفضل والمزية، وقيل: أخرج ذرية آدم من ظهره كالذر، ثم خلق بعد ذلك حواء (1) (وأنزل لكم) أي: قضى لكم وقسم، لأن قضاياه وقسمه موصوفة بالنزول من السماء حيث كتب في اللوح المحفوظ: كل كائن يكون، وقيل: لأن الحيوان لا يعيش إلا بالنبات، والنبات لا ينبت إلا بالماء، وقد أنزل الماء، فكأنه أنزلها (2) (ثمنية أزوج) ذكرا وأنثى، من الإبل ومن البقر والضأن والمعز (خلقا من بعد خلق) حيوانا سويا من بعد عظام ms1041 مكسوة لحما من بعد عظام عارية، من بعد مضغ، من بعد علق، من بعد نطف والظلمات الثلاث: ظلمة البطن والرحم والمشيمة (ذلكم) الذي هذه أفعاله هو (الله ربكم... فأنى # PageV03P210 # تصرفون) فكيف يعدل بكم عن عبادته إلى عبادة غيره (فإن الله غنى عنكم) وعن إيمانكم، وأنتم المحتاجون إليه (ولا يرضى لعباده الكفر) به؛ رحمة لهم لأنه سبب هلاكهم (وإن تشكروا) يرض الشكر لكم لأنه سبب فوزكم وفلاحكم، وإنما كره كفركم ورضي شكركم لأجل نفعكم وصلاحكم، لا لمنفعة راجعة إليه، والهاء في (يرضه) ضمير " الشكر " الذي دل عليه (إن تشكروا). # (منيبا إليه) راجعا إليه وحده لا يرجو سواه (ثم إذا خوله) أي: أعطاه، وأصله: جعله خائل مال وخال مال، وهو أن يكون متعهدا له حسن القيام به، أو: # جعله يخول أي: يختال ويفتخر، ومنه المثل: " الغني طويل الذيل مياس " (١) (نسي) الضر الذي (كان يدعوا) الله إلى كشفه، وقيل معناه: نسي ربه الذي كان يتضرع إليه (٢)، و (ما) بمعنى " من "، كما في قوله: ﴿وما خلق الذكر والانثى﴾ (3)، وقرئ: (ليضل) بفتح الياء (4) وضمها، يعني: أن نتيجة جعله لله أندادا ضلاله عن سبيل الله أو إضلاله، والنتيجة قد يكون غرضا في الفعل وقد يكون غير غرض، (قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحب النار) أمر في معنى الخبر، كقوله: " إذا لم تستح فاصنع ما شئت " (5) كأنه قيل له: إذ قد أبيت قبول ما أمرت به من الإيمان، فمن حقك أن لا تؤمر به بعد ذلك، وتؤمر بتركه مبالغة في خذلانه وتخليته وشأنه. # PageV03P211 # قرئ: (أمن هو قنت) بالتخفيف والهمزة للاستفهام (1)، وبالتشديد على إدخال " أم " على " من " والتقدير: أمن هو قانت كغيره، ف (من) مبتدأ محذوف الخبر لدلالة الكلام عليه، وهو جري ذكر الكافر قبله، وقوله بعده: (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)، وقيل: معناه: أهذا أفضل أم من هو قانت؟ أو: # أمن هو قانت أفضل أم من هو كافر (2)؟ (آناء الليل) ساعاته (ساجدا وقآئما) يسجد تارة للصلاة ويقوم أخرى، يريد صلاة الليل والقنوت في ms1042 الوتر وهو دعاء المصلي قائما، وفي الحديث: " أفضل الصلاة طول القنوت " (3). وأراد بالذين يعلمون: العاملين من علماء الدين، كأنه جعل من لا يعمل بعلمه غير عالم، أو يريد: لا يستوي القانتون وغيرهم كما لا يستوي العالمون والجاهلون. # وعن الصادق (عليه السلام): " نحن (الذين يعلمون)، وعدونا (الذين لا يعلمون) وشيعتنا (أولوا الألبب) (4) ". # قوله: (في هذه الدنيا) يتعلق ب‍ (أحسنوا) لا ب‍ (حسنة)، والمعنى: الذين أحسنوا في هذه الدنيا فلهم حسنة في الآخرة، وهي دخول الجنة، أي: حسنة لا يحاط بكنهها، وقيل: يتعلق ب‍ (حسنة) أي: لهم على ذلك حسنة في هذه الدنيا وهي الثناء الحسن والمدح والصحة والعافية والرزق الواسع (5) (وأرض الله وسعة) معناه: لا عذر للمفرطين في الإحسان حتى إن اعتلوا بأنهم لا يتمكنون منه في أوطانهم قيل لهم: فأرض الله واسعة، وبلاده كثيرة، فتحولوا إلى بلاد أخر، # PageV03P212 # واقتدوا بالأنبياء وخيار المؤمنين في مهاجرتهم إلى غير بلادهم ليزدادوا إحسانا إلى إحسانهم (إنما يوفى الصبرون أجرهم) ثوابهم على طاعتهم وصبرهم على الشدائد (بغير حساب) لكثرته لا يمكن عده وحسابه. وعن ابن عباس: لا يهتدي إليه حساب الحساب (1). # وعن الصادق (عليه السلام) أنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " إذا نشرت الدواوين ونصبت الموازين لم ينصب لأهل البلاء ميزان ولم ينشر لهم ديوان " وتلا هذه الآية (2). # (قل إنى أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين (11) وأمرت لان أكون أول المسلمين (12) قل إنى أخاف إن عصيت ربى عذاب يوم عظيم (13) قل الله أعبد مخلصا له ديني (14) فاعبدوا ما شئتم من دونه ى قل إن الخسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيمة ألا ذا لك هو الخسران المبين (15) لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به ى عباده يعباد فاتقون (16) والذين اجتنبوا الطغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد (17) الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألبب (18) أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار (19) لكن ms1043 الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجرى من تحتها الانهر وعد الله لا يخلف الله الميعاد (20)) أي: (أمرت) بإخلاص الدين لله (وأمرت) بذلك (لأن أكون أول # PageV03P213 # المسلمين) أي: سابقهم ومقدمهم في الدنيا والآخرة، والمعنى: أن الإخلاص له السبقة في الدين، فمن أخلص كان سابقا. # وكرر في قوله: (قل الله أعبد مخلصا له ديني) لأن الأول للإخبار بأنه مأمور بالعبادة والإخلاص، والثاني: للإخبار بأنه يخص الله بعبادته مخلصا له دينه، ولذلك قدم المعبود على فعل العبادة وأخره في الأول، فالكلام أولا في الفعل نفسه، وثانيا فيمن يفعل الفعل لأجله، ولذلك رتب عليه قوله: (فاعبدوا ما شئتم من دونه)، (قل إن) الكاملين في الخسران هم (الذين خسروا أنفسهم) بأن قذفوها في الجحيم (و) خسروا (أهليهم) الذين أعدوا لهم في جنة النعيم، ثم ذكر ان خسرانهم بلغ الغاية في قوله: (ألا ذلك هو الخسران المبين) بأن صدر الجملة بحرف التنبيه، ووسط الفصل بين المبتدأ والخبر، وعرف الخسران ووصفه بالمبين. # (لهم من فوقهم ظلل) جمع ظلة وهي السترة العالية أي: أطباق من النار (ومن تحتهم) أطباق وهي (ظلل) للآخرين، لأن النار أدراك (ذلك) الذي وصف من العذاب (يخوف الله به عباده) ليتقوا عذابه بامتثال أوامره (يعباد فاتقون) فقد ألزمتكم الحجة. # و (الطغوت) تطلق على الشيطان والشياطين لكونها مصدرا، والمراد بها هنا الجمع، (أن يعبدوها) بدل من (الطغوت) وهو بدل الاشتمال، وأراد بعباده: (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه) الذين اجتنبوا الطاغوت وأنابوا لا غيرهم، فوضع الظاهر موضع المضمر، أراد: أنهم نقاد في الدين، يميزون بين الحسن والأحسن، ويدخل تحته المذاهب واختيار أثبتها وأقواها. # التقدير: (أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ) ه تخلصه من (النار) فوضع الظاهر موضع المضمر، وقيل: إن الوقف على كلمة (العذاب) أي: أفهو PageV03P214 # كمن وجبت له الجنة، ثم ابتدأ: (أفأنت تنقذ) (1). والمراد بكلمة " العذاب " قوله: # (لأملأن جهنم) الآية، ومعناه: أنك لا تقدر على إدخال الإسلام في قلوبهم قسرا. # (لهم غرف) أي: علالي، بعضها فوق بعض (وعد الله) مصدر ms1044 مؤكد، لأن قوله: (لهم غرف) في معنى: وعدهم الله ذلك. # (ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء فسلكه ينبيع في الأرض ثم يخرج به ى زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطما إن في ذلك لذكرى لأولي الألبب (21) أفمن شرح الله صدره للاسلم فهو على نور من ربه فويل للقسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلل مبين (22) الله نزل أحسن الحديث كتبا متشبها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذا لك هدى الله يهدى به ى من يشآء ومن يضلل الله فما له من هاد (23) أفمن يتقى بوجهه ى سوء العذاب يوم القيمة وقيل للظلمين ذوقوا ما كنتم تكسبون (24) كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون (25)) (فسلكه) أي: فأدخل ذلك الماء (ينبيع) ينبع منها الماء (في الأرض) مثل العيون والأنهار والقنى (زرعا مختلفا ألونه) أي: صنوفه من البر والشعير والأرز ونحوها، وقيل: ألوانه من أخضر وأصفر وأبيض وأحمر (2) (ثم يهيج) أي: يجف (ثم يجعله حطما) أي: رفاتا متفتتا (إن في ذلك) لتذكيرا (لأولي) العقول السليمة في معرفة الصانع المحدث للعالم. # PageV03P215 # (أفمن) عرف الله أنه من أهل اللطف فلطف به حتى انشرح صدره للإسلام وقبله كمن لا لطف به، فهو حرج الصدر قاسي القلب، ونور الله لطفه، وهو نظير (أمن هو قنت) في حذف الخبر في ذكر الله، أي: من أجل ذكر الله، أي: إذا ذكر الله وآياته عندهم اشمأزوا وازدادت قلوبهم قسوة. # (كتبا) بدل من (أحسن الحديث) أو حال منه، (متشبها) هو مطلق في مشابهة بعضه بعضا، فيتناول تشابه معانيه في الصحة والإحكام ومنفعة الأنام، وتشابه ألفاظه في التناسب والتناصف في التخير والإصابة وتجارب النظم والتأليف في الإعجاز (مثاني) جمع مثنى، بمعنى المردد والمكرر لما ثني من قصصه وأحكامه ومواعظه، وقيل: لأنه مثنى في التلاوة فلا يمل (1)، كما جاء في وصفه: " لا يتفه ولا يتشان " (2) " ولا يخلق على كثرة الرد " (3)، وإنما وصف الواحد بالجمع ms1045 لأن الكتاب جملة ذات تفاصيل، وتفاصيل الشيء هي جملته لا غير. ويجوز أن يكون " المثاني " منصوبا على التمييز من (متشبها) كما تقول: # رأيت رجلا حسنا شمائل، والمعنى: متشابهة مثانية، والفائدة في التكرير والتثنية أن النفوس تنفر عن النصيحة والمواعظ، فما لم يكرر عليها عودا بعد بدء لم يرسخ فيها (تقشعر) أي: تتقبض (منه) جلودهم تقبضا شديدا، يقال: اقشعر جلده من الخوف: وقف شعره، ومعناه: أنهم إذا سمعوا القرآن وآيات الوعيد فيه أصابتهم خشية شديدة، ثم إذا ذكروا الله ورحمته وسعة مغفرته لانت جلودهم، وضمن # PageV03P216 # " لان " معنى فعل متعد ب‍ " إلى "، فكأنه قال: سكنت أو اطمأنت إلى ذكر الله، لينة غير متقبضة، راجية غير خائفة، واقتصر على ذكر الله من غير ذكر الرحمة، لأن رحمته سبقت غضبه، فأصل أمره الرحمة والرأفة، فكأنه قال: إذا ذكروا الله - ومبنى أمره على الرحمة والرأفة - استبدلوا بالخشية رجاء في قلوبهم وبالقشعريرة لينا في جلودهم (ذلك) إشارة إلى الكتاب وهو (هدى الله) يوفق (من يشآء) من عباده المتقين حتى يخشوا تلك الخشية ويرجوا ذلك الرجاء، أو: ذلك الكائن من الخشية والرجاء هدى الله أي: أثر هداه وهو لطفه، فسماه: " هدى " لأنه حاصل بالهدى، يهدي بهذا الأثر من يشاء من عباده، يعني: من صحب أولئك ورآهم خائفين وراجين اقتدى بسيرتهم (ومن يضلل الله) أي: من لم يؤثر فيه لطف الله لقسوة قلبه (فما له من هاد) أي: مؤثر فيه. # (أفمن يتق بوجهه سوء العذاب) كمن أمن العذاب، فحذف الخبر، يقال: # اتقاه بترسه: استقبله فوقى بها نفسه إياه. والمعنى: أن الإنسان إذا لقي مخوفا استقبله بيده وطلب أن يقي بها وجهه لأنه أعز أعضائه عليه، والذي يلقى في النار مغلولا يداه إلى عنقه لا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه الذي كان يتقي المخاوف بغيره وقاية له، وقيل: المراد بالوجه الجملة (1) (من حيث لا يشعرون) من الجهة التي لا يحتسبون، ولا يخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منها. # (فأذاقهم الله الخزي في الحيواة الدنيا ولعذاب الأخرة أكبر لو ms1046 كانوا يعلمون (26) ولقد ضربنا للناس في هذا القرءان من كل مثل لعلهم يتذكرون (27) قرءانا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون (28) ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء متشكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا # PageV03P217 # الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (29) إنك ميت وإنهم ميتون (30) ثم إنكم يوم القيمة عند ربكم تختصمون (31)) (قرءانا عربيا) حال مؤكدة كما يقال: جاءني زيد رجلا صالحا، أو ينتصب على المدح (غير ذي عوج) أي: مستقيما بريئا من التناقض والاختلاف، والعوج مخصوص بالمعاني دون الأعيان أي: رجلا مملوكا قد اشترك فيه شركاء بينهم اختلاف وتنازع، كل واحد منهم يدعي أنه عبده فيتعاورونه في خدمتهم (ورجلا) آخر قد سلم لمالك واحد وخلص له، فهو معتمد عليه فيما يصلحه، فهمه واحد: أي هذين العبدين أحسن حالا وأصلح أمرا. والمراد بذلك تمثيل حال من يثبت آلهة شتى، وما يلزمه على قضية مذهبه من أن يدعي كل واحد منهم عبوديته ويتشاكسوا في ذلك ويتغالبوا، ويبقى هو متحيرا ضائعا لا يدري أيهم يعبد وعلى أيهم يعتمد، وحال من لم يثبت إلا إلها واحدا فهو قائم بما كلفه، عارف بما أرضاه وأسخطه، و (فيه) تعلق ب‍ (شركآء)، كأنه قال: اشتركوا فيه، والتشاكس والتشاخس: الاختلاف، يقال: # تشاكست أحواله وتشاخست أسنانه، والسالم: الخالص، وقرئ: (سلما) و " سلما " (1) وهما مصدران، يقال: سلم سلما وسلما وسلامة، والمعنى: ذا سلامة لرجل، أي: ذا خلوص له من الشركة من قولهم: سلمت له الضيعة. # (هل يستويان مثلا) أي: صفة منصوب على التمييز، والمعنى: هل يستوي صفتاهما وحالاهما (الحمد لله) أي: يجب أن يكون الحمد موجها إلى الله الذي لا شريك له وحده دون كل معبود سواه (بل أكثرهم لا يعلمون) فيشركون به غيره. # PageV03P218 # أي: إنك وإياهم وإن كنتم أحياء فأنتم في عداد الموتى، لأن ما هو كائن فكأن قد كان. (ثم إنكم) أي: إنك وإياهم، فغلب ضمير المخاطب على ضمير الغيب (تختصمون) فتحتج أنت عليهم بأنك قد بلغت فكذبوا. # وعن عبد الله بن عمر: لقد عشنا برهة من الدهر ونحن ms1047 نرى أن هذه الآية فينا وفي أهل الكتاب، وقلنا: كيف نختصم ونبينا واحد وكتابنا واحد، حتى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف، فعرفت أنها فينا نزلت (1). # (فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جآءه أليس في جهنم مثوى للكفرين (32) والذي جآء بالصدق وصدق به ى أولئك هم المتقون (33) لهم ما يشآءون عند ربهم ذلك جزآء المحسنين (34) ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون (35) أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ى ومن يضلل الله فما له من هاد (36) ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام (37) ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل أفرءيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كشفت ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكت رحمته ى قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون (38) قل يقوم اعملوا على مكانتكم إنى عمل فسوف تعلمون (39) من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم (40)) (كذب على الله) بزعمه أن له ولدا وشريكا (وكذب بالصدق) و (2) # PageV03P219 # بالقرآن والتوحيد، ثم هدد من هذه صفته بأن في جهنم مثواه، والاستفهام للتقرير. # (والذي جآء بالصدق) وصدق به هو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جاء بالحق وامن به وأراد به إياه ومن تبعه، كما أراد بموسى إياه ومن تبعه في قوله: ﴿ولقد ءاتينا موسى الكتب لعلهم يهتدون﴾ (1) ولذلك قال: (أولئك هم المتقون)، إلا أن هذا في الصفة وذاك في الاسم ويجوز أن يريد الفريق الذي جاء بالصدق وصدق به، وهم الرسول والذين صدقوا به من المؤمنين. # و (أسوأ الذي عملوا) هو الشرك والمعاصي التي عملوها قبل إيمانهم، و (أحسن الذي كانوا يعملون) هو المفروض والمندوب إليه من أعمالهم، فإن المباح يوصف بالحسن أيضا. # (أليس الله بكاف عبده) وهو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وقرئ: " عباده " (2) وهم الأنبياء. وقرئ: (كشفت ضره) و (ممسكت رحمته) بالتنوين (3) على الأصل، وبالإضافة على التخفيف، وأنثهن بعد التذكير في ms1048 قوله: (ويخوفونك بالذين من دونه) ليضعفهن ويعجزهن، زيادة تضعيف وتعجيز عم طالبهم به من كشف الضر وإمساك الرحمة، لأن الأنوثة من باب اللين والرخاوة، كما أن الذكورة من باب الشدة والصلابة، فكأنه قال: الإناث اللاتي هن اللات والعزى ومناة أضعف مما تدعونه لهن وأعجز. # (اعملوا على مكانتكم) على حالتكم التي أنتم عليها وجهتكم من العداوة التي تمكنتم منها، والمكانة بمعنى المكان، فاستعيرت عن العين للمعنى كما # PageV03P220 # يستعار: " هنا " و " حيث " للزمان وهما للمكان، وحق الكلام: فإني عامل على مكانتي، فحذف للاختصار. و (يخزيه) صفة ل‍ (عذاب) أي: عذاب مخز له، وهو يوم بدر (ويحل عليه عذاب مقيم) دائم يوم القيامة. # (إنآ أنزلنا عليك الكتب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ى ومن ضل فإنما يضل عليها ومآ أنت عليهم بوكيل (٤١) الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لأيت لقوم يتفكرون (٤٢) أم اتخذوا من دون الله شفعآء قل أولو كانوا لا يملكون شيا ولا يعقلون (٤٣) قل لله الشفعة جميعا له ملك السموات والأرض ثم إليه ترجعون (٤٤) وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالأخرة وإذا ذكر الذين من دونه ى إذا هم يستبشرون (٤٥)) (الكتب) القرآن (للناس) لجميع الناس ولأجل حاجتهم إليه. # (الله يتوفى الأنفس حين موتها) بأن يسلبها ما هي به حية حساسة دراكة من صحة أجزائها وسلامتها (و) يتوفى الأنفس (التي لم تمت في منامها) أي: # يتوفاها حين تنام تشبيها للنائمين بالموتى حيث لا يميزون ولا يتصرفون، كما أن الموتى كذلك (فيمسك) الأنفس (التي قضى عليها الموت) الحقيقي، أي: # لا يردها في وقتها حية (ويرسل الأخرى) النائمة (إلى أجل مسمى) إلى وقت ضربه وسماه لموتها. # (أم) منقطعة، أي: بل اتخذ قريش، والهمزة للإنكار (من دون الله) من دون إذنه حيث قالوا: ﴿هؤلاء شفعؤنا عند الله﴾ (1) ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه # PageV03P221 # (أولو كانوا) معناه: أيشفعون ولو كانوا (لا يملكون شيئا) ولا عقل لهم؟! ms1049 # (قل لله الشفعة جميعا) فلا يملكها أحد إلا بتمليكه. # (وإذا ذكر الله وحده) يدور المعنى على " وحده " والمعنى: إذا أفرد الله عز اسمه بالذكر ووحد اشمأزوا، أي: نفروا وتقبضوا، وإذا ذكر معه آلهتهم استبشروا، فقابل الاشمئزاز وهو أن يمتلئ القلب غما وغيظا حتى يظهر الانقباض في الوجه بالاستبشار وهو أن يمتلئ القلب سرورا حتى تنبسط له بشرة الوجه، والعامل في (إذا ذكر) المفاجأة، وتقديره: وقت ذكر الذين من دونه فاجؤوا وقت الاستبشار. # (قل اللهم فاطر السموات والأرض علم الغيب والشهدة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون (46) ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به ى من سوء العذاب يوم القيمة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون (47) وبدا لهم سيات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به ى يستهزءون (48) فإذا مس الانسن ضر دعانا ثم إذا خولنه نعمة منا قال إنمآ أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون (49) قد قالها الذين من قبلهم فمآ أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (50) فأصابهم سيات ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيات ما كسبوا وما هم بمعجزين (51)) أمر الله سبحانه نبيه (عليه السلام) أن يحاكمهم إليه ليفعل بهم ما يستحقونه، فقال له: ادع بهذا الدعاء، أي: أنت تقدر على الحكم بيني وبينهم، وفيه بشارة له بالنصر والظفر، لأنه إنما أمره به للإجابة لا محال. # وعن سعيد بن المسيب: إني لأعرف موضع آية لم يقرأها أحد قط فسأل الله تعالى شيئا إلا أعطاه وقرأ الآية (1). # PageV03P222 # (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون) وعيد لا يحاط بكنهه، ونظيره في الوعد قوله: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ (١). # وعن محمد بن المنكدر أنه جزع عند موته، فقيل له في ذلك فقال: أخشى آية من كتاب الله وتلاها، ثم قال: أخشى أن يبدو لي من الله ما لم أحتسب. # وعن سفيان الثوري أنه قرأها فقال: ويل لأهل الرياء، ويل لأهل الرياء (٢). # (وبدا ms1050 لهم سيئات) أعمالهم التي كسبوها، أو: سيئات كسبهم حين تعرض صحائفهم وكانت خافية عليهم كقوله: ﴿أحصه الله ونسوه﴾ (٣)، أو: جزاء سيئاتهم من أنواع العذاب سماها سيئات كما قال: ﴿جزآء سيئة سيئة مثلها﴾ (٤)، (وحاق بهم) أحاط بهم ونزل بهم جزاء استهزائهم، يقال: خوله شيئا إذا أعطاه على غير جزاء. # قال: (إنمآ أوتيته على علم) أي: على علم مني بأني أعطيته لما في من الفضل والاستحقاق، أو: على علم من الله باستحقاقي فلذلك آتاني ما آتاني، أو: # على علم مني بوجوه الكسب كما قال قارون: ﴿على علم عندي﴾ (5) وذكر الضمير العائد إلى (نعمة) في (أوتيته) لأنه أراد شيئا من النعمة أو قسما منها، ويمكن أن يكون " ما " في (إنمآ) موصولة لا كافة، فيرجع الضمير إليه (بل هي فتنة) إنكار لذلك القول، أي: ليس كما تقول بل هي فتنة أي: ابتلاء واختبار له أيشكر أم يكفر؛ ذكر الضمير أولا على المعنى، وأنث هنا على اللفظ، أو: لأن الخبر مؤنث. # PageV03P223 # والضمير في (قالها) راجع إلى قوله: (إنمآ أوتيته على علم) لأنها كلمة أو جملة من القول، و (الذين من قبلهم) هم قارون وقومه حيث قال: أوتيته على علم عندي وقومه راضون بها، فكأنهم قالوها ويجوز أن يكون فيمن مضى من الأمم قوم قائلون مثلها فصارت وبالا عليهم وأصابهم جزاء سيئاتهم. # (أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر إن في ذا لك لأيت لقوم يؤمنون (٥٢) قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (٥٣) وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون (٥٤) واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون (٥٥) أن تقول نفس يحسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن السخرين (٥٦) أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين (٥٧) أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين (٥٨) بلى قد جآءتك ءايتى ms1051 فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكفرين (٥٩) ويوم القيمة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين (٦٠)). # (يغفر الذنوب جميعا) للتائب، فإن مات الموحد من غير توبة فهو في مشيئة الله إن شاء عذبه بعدله وإن شاء غفر له بفضله كما قال: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (1). (وأنيبوا إلى ربكم) ارجعوا إليه من الشرك والمعاصي (وأسلموا له) أي: انقادوا له بالطاعة، وقيل: اجعلوا أنفسكم خالصة له (2). (أحسن مآ أنزل إليكم) هو أن يأتي المأمور به ويترك المنهي عنه. # PageV03P224 # (أن تقول نفس) أي: كراهة أن تقول نفس، وإنما نكرت لأن المراد بها بعض الأنفس، وهي نفس الكافر أو نفس متميزة من الأنفس. وقرئ: " يا حسرتاي " (1) على الجمع بين العوض والمعوض عنه، والجنب: الجانب، قالوا: فرطت في جنبه وفي جانبه أي: في حقه، قال: # أما تتقين الله في جنب وامق * له كبد حرى عليك تقطع (2) وهذا من باب الكناية، لأنك إذا أثبت الأمر في مكان الرجل فقد أثبته فيه، قالوا: لمكانك فعلت كذا، أو: من جهتك فعلت، أي: لأجلك، فالتقدير: فرطت في ذات الله، ولا بد من تقدير مضاف محذوف، سواء قيل: " في جنب الله " أو " في الله " فإن المعنى: فرطت في طاعة الله وعبادة الله ونحوهما، و " ما " في (ما فرطت) مصدرية، (وإن كنت لمن السخرين) " إن " مخففة من الثقيلة، قال قتادة: لم يكفه أن ضيع في طاعة الله حتى سخر من أهلها (3) والجملة في موضع الحال، فكأنه قال: فرطت وأنا ساخر، أي: فرطت في حال سخريتي. # (أو تقول لو أن الله هدنى) إنما يقول هذا تحيرا في أمره وتعللا بما لا يجدي عليه، كما حكى الله تعالى عنهم تعللهم بإغواء الرؤساء والشياطين، وقوله: # (بلى قد جآءتك ءايتى) رد عليه من الله عز اسمه، والمعنى: بلى قد هديت بالقرآن فكذبت به واستكبرت عن قبوله وكفرت به، وإنما صح وقوع " بلى " جوابا عن غير المنفي لأن معنى قوله: (لو أن الله هدنى) ما هديت. (كذبوا على الله) وصفوه ms1052 بما لا يجوز عليه، فأضافوا إليه الولد والشريك وقالوا: (هؤلآء شفعؤنا # PageV03P225 # عند الله) (١) و ﴿لو شاء الرحمن ما عبدناهم﴾ (2) والله أمرنا بهذا، ولا يبعد عنهم من ينسب فعل القبائح إلى الله ويثبت معه قدماء. # وعن الباقر (عليه السلام): كل إمام انتحل إمامة ليست له من الله فهو من أهل هذه الآية، قيل: وإن كان علويا فاطميا؟ قال: وإن كان (3). # وعن الصادق (عليه السلام): من حدث عنا بحديث فنحن سائلوه عنه يوما، فإن صدق علينا فإنما يصدق على الله وعلى رسوله، وإن كذب علينا فإنما يكذب على الله وعلى رسوله، لأنا إذا حدثنا لا نقول: قال فلان وقال فلان، وإنما نقول: قال الله وقال رسوله ثم تلا هذه الآية (4). # (وجوههم مسودة) في موضع الحال إن كان (ترى) من رؤية البصر، ومفعول ثان إن كان من رؤية القلب. # (وينجى الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون (61) الله خلق كل شىء وهو على كل شىء وكيل (62) له مقاليد السموات والأرض والذين كفروا بايت الله أولئك هم الخسرون (63) قل أفغير الله تأمرونى أعبد أيها الجهلون (64) ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لبن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخسرين (65) بل الله فاعبد وكن من الشكرين (66) وما قدروا الله حق قدره ى والارض جميعا قبضته يوم القيمة والسموات مطويت بيمينه ى سبحنه وتعلى عما يشركون (67)) # PageV03P226 # وقرئ: " بمفازاتهم " على الجمع (1)، والمفازة والفوز واحد، ومن جمع فلأن المصادر قد تجمع إذا اختلفت أجناسها. وقرئ: " ينجي " (2) و (ينجى)، وتفسير المفازة قوله: (لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون)، أو: أراد بسبب منجاتهم وهو العمل الصالح، فقوله: (لا يمسهم) على التفسير الأول لا محل له لأنه كلام مستأنف، وعلى الثاني محله نصب على الحال. # (له مقاليد السموت والأرض) أي: هو مالك أمرها وحافظها، وهو من باب الكناية، لأن حافظ الخزائن هو الذي يملك مقاليدها، والمقاليد: المفاتيح لا واحد لها من لفظها (والذين كفروا) متصل بقوله: (وينجي الله الذين اتقوا)، واعترض بينهما بأنه خالق الأشياء والمهيمن عليها، فلا ms1053 يخفى عليه ما يستحق على الأعمال من الجزاء، (والذين) جحدوا أن يكون الأمر كذلك (أولئك هم الخسرون). # (أفغير الله) منصوب ب‍ (أعبد)، و (تأمرونى) اعتراض، فالمعنى: أفغير الله أعبد بأمركم؟ وذلك حين قال له المشركون: استسلم بعض آلهتنا نؤمن بإلهك، أو: منصوب بما يدل عليه جملة قوله: (تأمرونى أعبد) لأنه في معنى " تعبدونني وتقولون لي: اعبد " فكذلك: أفغير الله تأمرونني أن أعبد، وقرئ: (تأمرونى) بالتشديد للإدغام، وجاز الإدغام لأن قبل النون المدغمة حرف لين وهو الواو، و " تأمرونني " بنونين (3) على الأصل، و " تأمروني " بحذف النون الثانية (4) لأن الأولى علامة الرفع، وفتح الياء وإسكانها معا سائغ. # PageV03P227 # (ولقد أوحى إليك) لئن أشركت (وإلى الذين من قبلك) مثله، أو: أوحي إليك وإلى كل واحد منهم (لئن أشركت) كقوله: وكسانا حلة أي: كل واحد منا، واللام الأولى لتوطئة القسم، والثانية لام الجواب، وهذا الكلام إنما أتى على سبيل الفرض، والتقدير: فإن رسل الله منزهون عن الشرك، والمحال يصح فرضه لغرض فكيف ما هو دونه؟ # (بل الله فاعبد) رد لما أمروه به من استسلام بعض آلهتهم كأنه قال: لا تعبد ما أمروك بعبادته، بل إن كنت قد تثبت فاعبد الله، فحذف الشرط وجعل تقديم المفعول عوضا عنه. # لما كان العظيم من الأشياء إذا عرفه الإنسان حق معرفته وقدره في نفسه حق تقديره عظمه حق تعظيمه، قال سبحانه: (وما قدروا الله حق قدره) بمعنى: وما عظموه كنه تعظيمه اذ عبدوا غيره وأمروا نبيه بعبادة غيره، ثم نبههم على عظمته على طريق التخييل فقال: (والأرض جميعا قبضته يوم القيمة والسموت مطويت بيمينه) وهو تصوير لجلالته وعظمة شأنه لا غير، من غير أن تصور قبضته بهن، ويمين لا حقيقة ولا مجازا وأكد " الأرض " بقوله: (جميعا) قبل مجيء الخبر، ليعلم أن الخبر لا يقع عن أرض واحدة، والمعنى: والأرضون جميعا ذوات قبضة يقبضهن قبضة واحدة، أي: أنها بأجمعها مع عظمها لا تبلغ إلا قبضة واحدة من قبضاته، كأنه يقبضها قبضة بكف واحدة. قوله: (مطويت) من الطي الذي هو ضد ms1054 النشر، كما قال: ﴿يوم نطوى السمآء كطى السجل للكتب﴾ (1) والعادة أن يطوى السجل باليمين، وقيل: قبضته: ملكه بلا منازع، وبيمينه: # PageV03P228 # بقدرته (1)، وقيل: مطويات بيمينه: مفنيات بقسمه (2) وهذا قول مرغوب عنه. # (ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شآء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون (68) وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتب وجاىء بالنبيين والشهدآء وقضى بينهم بالحق وهم لا يظلمون (69) ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون (70) وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جآءوها فتحت أبوا بها وقال لهم خزنتهآ ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم ءايت ربكم وينذرونكم لقآء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكفرين (71) قيل ادخلوا أبواب جهنم خلدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (72) وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جآءوها وفتحت أبوا بها وقال لهم خزنتها سلم عليكم طبتم فادخلوها خلدين (73) وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشآء فنعم أجر العملين (74) وترى الملئكة حآفين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العلمين (75)) (صعق): مات بحال هائلة (إلا من شآء الله) هم الملائكة الأربعة، وقيل: # هم الشهداء (3) (أخرى) أي: نفخة أخرى، ويحتمل النصب على قراءة من قرأ: # " نفخة واحدة "، وحذفت " نفخة " لدلالة " أخرى " عليها، ولكونها معلومة بذكرها في غير مكان. (ينظرون) يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا عراه # PageV03P229 # خطب، وقيل: ينتظرون ما يفعل بهم (١). ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والجمود في مكان لتحيرهم. # قد استعار سبحانه النور للحق والقرآن والبرهان في مواضع من كتابه، وهذا من ذلك، والمعنى: (وأشرقت الأرض) بما يقيمه فيها من الحق والعدل، و (الكتب): صحائف الأعمال، وهو اسم الجنس. # (زمرا) أفواجا متفرقة بعضها في إثر بعض (قالوا بلى) أتانا الرسل وتلوا علينا الآيات والحجج، ولكن وجبت علينا (كلمة) ربنا: ﴿لأملأن جهنم﴾ (2) بسوء أعمالنا. (مثوى المتكبرين) فاعل (بئس) واللام للجنس، والمخصوص بالذم محذوف وهو ms1055 " جهنم ". (حتى) هي التي يحكى بعدها الجمل، والجملة المحكية التي بعدها هي الشرطية، إلا أن جزاءها محذوف، وإنما حذف لأنه في صفة ثواب أهل الجنة، فدل بحذفه على أنه شيء لا يحيط به الوصف، وموضعه بعد قوله: (خلدين)، وقيل: (حتى إذا جآءوها وفتحت أبوبها) أي: مع فتح أبوابها (3)، والمراد بسوق أهل النار طردهم إليها بعنف وإهانة، والمراد بسوق أهل الجنة سوق مراكبهم وحثها سراعا بهم إلى منزل الكرامة والرضوان، وقيل: إن أبواب جهنم لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها، وأما أبواب الجنة فيقدم فتحها بدليل قوله: (مفتحة لهم الأبوب) فلذلك جيء بالواو، كأنه قيل: وقد فتحت أبوابها (4). # (سلم عليكم) دعاء لهم بالسلامة والخلود (طبتم) بالعمل الصالح في الدنيا، وطابت أعمالكم وزكت (فادخلوها) جعل دخولهم الجنة مسببا عن الطيب # PageV03P230 # والزكاة، لأنها دار الطيبين، طهرها الله من كل دنس، فإنما يدخلها من اتصف بصفتها، وما أبعد أحوالنا عن اكتساب هذه الصفة إلا أن يتغمدنا الله بفضله ورحمته (خلدين) مقدرين الخلود. # والأرض عبارة عن المكان الذي اتخذوه مقرا ومبوءا، وأورثناها: ملكناها، وجعلنا ملوكها وأطلق لنا التصرف فيها؛ تشبيها بحال الوارث وتصرفه فيما يشاء مما يرثه. # (حآفين) أي: طائفين (من حول العرش) محدقين بها يذكرون الله بصفاته العلى (وقضى) بين الخلائق بالعدل، وقيل: بين الأنبياء والأمم (١)، وقيل: بين أهل الجنة والنار (٢) (وقيل الحمد لله) على قضائه بيننا بالحق، وقيل: إنه من كلام الله عز اسمه (٣)، وقد قال من (٤) ابتداء الخلق: ﴿الحمد لله الذي خلق السموت والأرض﴾ (5) تعليما لخلقه في ابتداء كل أمر بالحمد وختمه بالحمد. # * * * # PageV03P231 # سورة غافر (1) مكية إلا آيتين (2)، خمس وثمانون آية كوفي، اثنتان بصري، عد الكوفي (حم تنزيل الكتب) (3)، (يسبحون) (4)، (كنتم تشركون) (5)، وعد البصري (كظمين) (6). # وعن أنس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): " الحواميم ديباج القرآن " (7) وفي حديث أبي: " من قرأ حم المؤمن لم يبق روح نبي ولا صديق ولا مؤمن إلا صلوا عليه واستغفروا له " (8). # PageV03P233 # وعن الباقر (عليه السلام): " من قرأ حم المؤمن في كل ليلة ثلاث مرات غفر ms1056 الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وألزمه كلمة التقوى، وجعل الآخرة خيرا له من الدنيا " (1) بسم الله الرحمن الرحيم (حم (1) تنزيل الكتب من الله العزيز العليم (2) غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير (3) ما يجدل في ءايت الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلد (4) كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجدلوا بالبطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب (5)) قرئ بإمالة الألف من " حا " وبالتفخيم (2)، و (التوب) والتوب والأوب أخوات في معنى الرجوع، (الطول) الإنعام الذي يطول لبثه على صاحبه، وطال عليه وتطول أي: تفضل (غافر الذنب وقابل التوب) معرفتان وإضافتهما حقيقة؛ لأنه لم يرد بهما حدوث الفعلين في الحال والاستقبال بل أريد ثبوت ذلك ودوامه فهما صفتان (3). وأما (شديد العقاب) فتقديره: شديد عقابه، وقيل: إنه بدل (4)، والوجه أن يكون صفة وإنما حذف الألف واللام من (شديد) ليوافق ما قبله وما بعده لفظا، وذكر بعد (غافر الذنب) لئلا يعول المكلف على الغفران بل يكون مرجأ بين الرجاء والخوف (ذي الطول) ذي النعم السابغة على عباده دينا ودنيا. # PageV03P234 # و (ما يجادل) أي: ما يخاصم في دفع حجج الله إلا الكفار (فلا يغررك تقلبهم) بالتجارات والمكاسب (في البلاد) فإن مصير ذلك إلى الزوال والنفاد، فلا يفوتون الله على حال. # ثم ضرب سبحانه لتكذيبهم بالرسل وجدالهم بالباطل مثلا ما كان من نحو ذلك من الأمم الماضية فقال: (كذبت قبلهم قوم نوح) رسولهم (والأحزاب) الذين تحزبوا على أنبيائهم وناصبوهم وهم عاد وثمود وفرعون وغيرهم (وهمت كل أمة) من هذه الأمم (برسولهم ليأخذوه) ليتمكنوا من قتله وإهلاكه أو تعذيبه، ويقال للأسير: أخيذ (فأخذتهم) أي: قصدوا أخذه فجعلت جزاءهم على إرادة أخذه أن أخذتهم (فكيف كان عقاب) هذا تقرير فيه معنى التعجب. # (وكذا لك حقت كلمت ربك على الذين كفروا أنهم أصحب النار (6) الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ى ويستغفرون للذين ءامنوا ربنا وسعت ms1057 كل شىء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم (7) ربنا وأدخلهم جنت عدن التي وعدتهم ومن صلح من ءابآبهم وأزواجهم وذريتهم إنك أنت العزيز الحكيم (8) وقهم السيات ومن تق السيات يومئذ فقد رحمته وذا لك هو الفوز العظيم (9) إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمن فتكفرون (10) قالوا ربنآ أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل (11) ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم وإن يشرك به ى تؤمنوا فالحكم لله العلى الكبير (12)) (أنهم أصحب النار) في محل الرفع بدل من (كلمت ربك)، أي: ومثل PageV03P235 # ذلك الوجوب وجب على الكفرة كونهم من أصحاب النار، والمعنى: كما وجب إهلاكهم في الدنيا بعذاب الاستئصال كذلك وجب إهلاكهم في الآخرة بعذاب النار، أو في محل النصب على حذف لام التعليل وإيصال الفعل، و (الذين كفروا) كفار مكة أي: كما وجب إهلاك أولئك الأمم كذلك وجب إهلاك هؤلاء، لأن علة واحدة تجمعهم أنهم من أصحاب النار، وقرئ: " كلمات " على الجمع (1). # ثم ذكر سبحانه بعد ذكر حال الكفار حال المؤمنين الأبرار وأن الملائكة المقربين يمدونهم بالاستغفار فقال: (الذين يحملون العرش) على عواتقهم امتثالا لأمر الله (ومن) حول العرش من الملائكة المطيفين به وهم الكروبيون وسادة الملائكة (يسبحون بحمد ربهم) وينزهونه عما يصفه به هؤلاء المجادلون، أو: يسبحونه بالتسبيح المعهود، أي يقولون: (ربنا) وهذا المضمر (2) في محل الرفع بيانا ل‍ (يستغفرون) أو نصب حالا، (وسعت كل شىء رحمة وعلما) الرحمة والعلم هما اللذان وسعا كل شيء في المعنى، والأصل: وسع كل شئ رحمتك وعلمك، فأسند الفعل إلى صاحبهما وأخرجا منصوبين على التمييز للإغراق في وصفه بالرحمة، كأن ذاته سبحانه رحمة وعلم واسعان كل شيء (فاغفر للذين) علمت منهم التوبة واتباع (سبيلك) وسبيل الله: الحق الذي دعا عباده إليه، وفي هذا دلالة على أن قبول التوبة وإسقاط العقاب عندها تفضل من الله تعالى، إذ لو كان واجبا لما احتيج فيه إلى الدعاء والسؤال. # (وقهم السيئات) ms1058 أي: العقوبات، سماها سيئات اتساعا، أو: جزاء السيئات فحذف المضاف. # PageV03P236 # (إن الذين كفروا ينادون) يوم القيامة فيقال لهم: (لمقت الله أكبر من مقتكم) والتقدير: لمقت الله أنفسكم أكبر من مقتكم أنفسكم اليوم، فاستغنى بذكرها مرة، و (إذ تدعون) منصوب بالمقت الأول، والمعنى: أنه يقال لهم يوم القيامة: # كان الله يمقت أنفسكم الأمارة بالسوء والكفر حين كان الأنبياء يدعونكم إلى الإيمان فتأبون وتختارون عليه الكفر، أشد مما تمقتونهن اليوم وأنتم في النار، إذا أوقعتكم فيها باتباعكم هواهن، وقيل: معناه: لمقت الله إياكم الآن أكبر من مقت بعضكم لبعض، و (إذ تدعون) تعليل (1)، والمقت أشد البغض، فوضع في موضع أشد الإنكار. # (اثنتين) أي: إماتتين وإحياءتين، أو: موتين وحياتين أراد بالإماتتين: # خلقهم أمواتا أولا وإماتتهم عند انقضاء آجالهم، وبالإحياءتين: الإحياءة الأولى وإحياءة البعث، وقيل: الإماتتان هما: التي في الدنيا بعد الحياة والتي في القبر قبل البعث، والإحياءتان هما: التي في القبر للمساءلة والتي في البعث (2) (فاعترفنا بذنوبنا) التي اقترفناها في الدنيا (فهل إلى خروج) أي: إلى نوع من الخروج (من سبيل) قط، أو: اليأس حاصل دون ذلك فلا خروج ولا سبيل إليه. (ذلكم) أي: ذلكم الذي أنتم فيه وأن لا سبيل لكم إلى الخروج بوجه من الوجوه بسبب أنكم كفرتم بالتوحيد وآمنتم بالإشراك (فالحكم لله) حيث حكم عليكم بعذاب الأبد. # (هو الذي يريكم ءايته ى وينزل لكم من السمآء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب (13) فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكفرون (14) # PageV03P237 # رفيع الدرجت ذو العرش يلقى الروح من أمره ى على من يشآء من عباده ى لينذر يوم التلاق (١٥) يوم هم برزون لا يخفى على الله منهم شىء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار (١٦) اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب (١٧) وأنذرهم يوم الازفة إذ القلوب لدى الحناجر كظمين ما للظلمين من حميم ولا شفيع يطاع (١٨) يعلم خآئنة الأعين وما تخفي الصدور (١٩) والله يقضى بالحق والذين يدعون من دونه ى لا يقضون بشىء إن الله ms1059 هو السميع البصير (٢٠)) (آياته) أي: مصنوعاته الدالة على كمال قدرته وتوحيده (وما يتذكر) وما يتفكر في حقيقتها ولا يتعظ بها (إلا من ينيب) أي: يرجع إلى الله ويقبل إلى طاعته، فإن المعاند لا سبيل إلى تذكره واتعاظه. ثم قال لمن ينيب: (فادعوا الله) أي: اعبدوه (مخلصين له الدين) من الشرك (ولو كره) ذلك أعداؤكم الكفار. # (رفيع الدرجت ذو العرش يلقى الروح) ثلاثة أخبار لقوله: (هو) مترتبة على قوله: (الذي يريكم)، أو أخبار مبتدأ محذوف، وهي مختلفة تعريفا وتنكيرا. و (رفيع الدرجت) مثل قوله: ﴿ذي المعارج﴾ (1) وهي مصاعد الملائكة إلى أن تبلغ العرش، وهي دليل على عزته وملكوته، وعن سعيد بن جبير: # سماء فوق سماء والعرش فوقهن (2)، وقيل: هي درجات ثوابه التي ينزلها أنبياءه وأولياءه في الجنة (3)، وقيل: هو عبارة عن رفعة شأنه وعلو سلطانه، كما أن ذات # PageV03P238 # العرش عبارة عن ملكه (1) (يلقى الروح) الذي هو سبب الحياة للقلب (من أمره) يريد الوحي الذي هو أمر بالخير، وقيل: إن الروح جبرائيل (2) (لينذر) الله أو الملقي عليه وهو الرسول أو الروح، وقرئ: " لتنذر " بالتاء (3) لأن الروح مؤنث، أو: على خطاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (يوم التلاق) يوم القيامة لأن الخلائق تلتقي فيه، أو: يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض والأولون والآخرون. # والمعنى: أنهم كانوا يظنون إذا استتروا أن الله لا يراهم فهم اليوم صائرون من البروز إلى حال لا يتوهمون ذلك (لمن الملك اليوم لله الوحد القهار) حكاية لما يسأل عنه في ذلك اليوم ولما يجاب به، أي: ينادي مناد: لمن الملك اليوم؟ فيجيبه أهل الحشر: لله الواحد القهار، أو يكون المنادي هو المجيب. ولما قروا أن الملك لله وحده في ذلك اليوم عدد نتائج ذلك، وهي: أن (كل نفس) تجزى (بما كسبت) وأن (لا ظلم) من أحد على أحد، ولا ينقص من ثواب أحد، ولا يزاد في عقاب أحد، وأن الحساب لا يبطئ لأنه سبحانه لا يشغله حساب عن حساب. # و (الآزفة): الدانية وهي القيامة، لأن كل ما هو ms1060 آت قريب دان، و (كظمين) نصب على الحال من أصحاب القلوب، لأن المعنى: إذ قلوبهم لدى حناجرهم كاظمين عليها، ويجوز أن يكون حالا من (القلوب) وأن القلوب كاظمة على كرب وغم فيها مع بلوغها الحناجر، ولما وصفها بالكظم الذي هو من أوصاف العقلاء جمع " كاظم " جمع سلامة، و (يطاع) مجاز في الشفيع، لأن الطاعة لا تكون إلا لمن فوقك. # PageV03P239 # والخائنة: مصدر بمعنى الخيانة، كالعافية بمعنى المعافاة، أو: صفة للنظرة، والمراد: استراق النظر إلى ما لا يحل، وقوله: (يعلم خآئنة الأعين) خبر من أخبار (هو) في قوله: (هو الذي يريكم) مثل: (يلقى الروح) ولكن قد علل سبحانه (يلقى الروح) بقوله: (لينذر يوم التلاق) ثم استطرد ذكر أحوال يوم التلاق إلى قوله: (ولا شفيع يطاع) فبعد لذلك عن أخواته. # (والله يقضى بالحق) لاستغنائه عن الظلم (والذين يدعون) قرئ بالتاء (1) والياء يعني آلهتهم (لا يقضون بشىء) وهذا تهكم بهم، لأن ما لا يوصف بالقدرة لا يقال فيه يقضي أو لا يقضي. # (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وءاثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق (21) ذا لك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينت فكفروا فأخذهم الله إنه قوى شديد العقاب (22) ولقد أرسلنا موسى بايتنا وسلطن مبين (23) إلى فرعون وهمن وقرون فقالوا سحر كذاب (24) فلما جآءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبنآء الذين ءامنوا معه واستحيوا نسآءهم وما كيد الكفرين إلا في ضلل (25) وقال فرعون ذرونى أقتل موسى وليدع ربه إنى أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد (26) وقال موسى إنى عذت بربى وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب (27)) (هم) في (كانوا هم) فصل، والفصل لا يقع إلا بين معرفتين، فالوجه هنا أن (أشد منهم) ضارع المعرفة في أنه لا يدخله الألف واللام فأجري مجراه، # PageV03P240 # وقرئ: " أشد منكم قوة " (1)، والمراد بالآثار: حصونهم وقلاعهم وعدودهم مما يوصف بالشدة. # (فقالوا) هذا (سحر كذاب) فسموا السلطان المبين ms1061 سحرا وكذبا. # (بالحق) أي: بالدين الحق، أو بالنبوة (قالوا اقتلوا) عن ابن عباس: أي أعيدوا عليهم القتل كالذي كان أولا (2) يريد أن هذا قتل غير القتل الأول (في ضلل) أي: ضياع وذهاب لم يجد عليهم. # (وليدع ربه) فيه دلالة على خوف فرعون من موسى (عليه السلام) ومن دعوته ربه، وأن قوله: (ذرونى أقتل موسى) تمويه منه على قومه، وإيهام أنهم كانوا هم المشيرين عليه بأن لا يقتله، وما كان يكفه عن ذلك إلا ما في نفسه من الفزع، وقرئ: " وأن يظهر " بالواو وفتح الياء " الفساد " بالرفع (3)، والمعنى: إني أخاف فساد دينكم ودنياكم معا. # (وقال رجل مؤمن من ءال فرعون يكتم إيمنه أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله وقد جآءكم بالبينت من ربكم وإن يك كذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدى من هو مسرف كذاب (28) يقوم لكم الملك اليوم ظهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جآءنا قال فرعون مآ أريكم إلا مآ أرى ومآ أهديكم إلا سبيل الرشاد (29) وقال الذي ءامن يقوم إنى أخاف عليكم مثل يوم الاحزاب (30) مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من # PageV03P241 # بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد (31) ويقوم إنى أخاف عليكم يوم التناد (32) يوم تولون مدبرين مالكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد (33) ولقد جآءكم يوسف من قبل بالبينت فما زلتم في شك مما جآءكم به ى حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده ى رسولا كذا لك يضل الله من هو مسرف مرتاب (34)) (من ءال فرعون) صفة ل‍ (رجل) أو صلة ل‍ (يكتم) أي: (يكتم إيمانه) من آل فرعون، واسمه حبيب أو خربيل (1) أو خزبيل (أن يقول) لان يقول، أي: # أترتكبون قتل رجل بأن يقول الكلمة الصادقة التي نطق بها وهي قوله: (ربى الله) مع أنه أحضر لتصحيح قوله بينات عدة من عند من نسب إليه الربوبية وهو ربكم لا ربه وحده؟! استدرجهم إلى الاعتراف به، ثم ms1062 احتج عليهم على طريقة التقسيم بأن قال: لا يخلو من أن يكون صادقا أو كاذبا (فإن يك كذبا فعليه كذبه) أي: يعود عليه ضرر كذبه (وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم) وفي ذلك البعض هلاككم. وهذا كلام من ينصف في مقاله ليسمع منه، لأنه حين فرضه صادقا فقد أثبت أنه صادق في جميع ما يعد، ولكنه أردفه (يصبكم بعض الذي يعدكم) ليهضمه بعض حقه في الظاهر، وليريهم أنه ليس بكلام من يتعصب له. # (ظهرين في الأرض) أي: عالين في أرض مصر على بني إسرائيل (قال فرعون مآ أريكم إلا مآ أرى) أي: ما أشير عليكم برأي إلا بما أرى من قتله، يعني: # لا أستصوب إلا قتله، وهذا الذي تقولونه غير صواب (ومآ أهديكم) بهذا الرأي (إلا سبيل الرشاد) والصواب (2) عندي. # (مثل يوم الاحزاب) أي: مثل أيامهم، لأنه لما أضافه إلى الأحزاب وفسر # PageV03P242 # الأحزاب بقوم نوح وعاد وثمود ولم يلتبس أن كل حزب منهم كان له يوم دمار، اقتصر على الواحد عن الجمع؛ لأن المضاف إليه أغنى عن ذلك، كقوله: # كلوا في بعض بطنكم تعفوا (1). # ودأبهم: دؤوبهم في عملهم من الكفر والتكذيب والمعاصي، وكون ذلك دائبا دائما منهم لا يفترون عنه، ولابد من حذف مضاف أي: " مثل جزاء دأبهم " وإنما انتصب (مثل) الثاني بأنه عطف بيان مثل الأول، لأن آخر ما تناولته الإضافة " قوم نوح "، ولو قلت: " أهلك الله الأحزاب قوم نوح وعاد وثمود " لم يكن إلا عطف بيان لإضافة " قوم " إلى أعلام، فسري ذلك الحكم إلى أول ما تناولته الإضافة (وما الله يريد ظلما للعباد) فتدميرهم كان عدلا منه إذ استوجبوه بأعمالهم. # والتنادي: ما حكاه الله في سورة الأعراف من قوله: (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار) (2) (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة) (3). وقيل: ينادي بعض الظالمين بعضا بالويل والثبور (4)، وقيل: ينادى فيه كل أناس بإمامهم (5). # (يوم تولون) أي: يوم تعرضون عن النار (مدبرين) فارين مقدرين أن الفرار ينفعكم. # (يوسف) هو يوسف بن يعقوب، قيل: إن فرعون موسى هو فرعون يوسف، ms1063 # PageV03P243 # عمر إلى زمنه (1)، وقيل: هو فرعون آخر (2) (كذلك) أي: مثل ذلك الضلال (يضل الله من هو مسرف) على نفسه كافر (مرتاب) شاك في التوحيد ونبوة الأنبياء. # (الذين يجدلون في ءايت الله بغير سلطن أتلهم كبر مقتا عند الله وعند الذين ءامنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار (35) وقال فرعون يهمن ابن لي صرحا لعلى أبلغ الاسبب (36) أسبب السموات فأطلع إلى إله موسى وإنى لأظنه كذبا وكذا لك زين لفرعون سوء عمله ى وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب (37) وقال الذي ءامن يقوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد (38) يقوم إنما هذه ى الحيواة الدنيا متع وإن الأخرة هي دار القرار (39) من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صلحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب (40)) (الذين يجدلون) بدل من قوله: (من هو مسرف) لأنه في معنى: كل مسرف، وفاعل (كبر) ضمير (من هو مسرف) على اللفظ، ويجوز أن يكون (الذين يجدلون) مبتدأ ويكون قوله: (كبر مقتا عند الله) على حد قولك: نعم رجلا زيد، والمخصوص بالذم محذوف وهو جدالهم، وتكون الجملة خبر المبتدأ، ولا يكون " جدالهم " فاعلا ل‍ (كبر) فيمتنع حذفه على ما ذكره جار الله (3)، وقرئ: " قلب " بالتنوين (4)، وجاز وصف القلب بالتكبر والتجبر لأنه موضعهما # PageV03P244 # ومنبعهما، كما قال سبحانه: ﴿فإنه آثم قلبه﴾ (1)، والإثم هو الجملة، أو يكون على حذف المضاف أي: على كل ذي قلب (متكبر)، ومن قرأ على الإضافة فالمعنى: # يطبع الله على القلوب إذا كانت قلبا من كل متكبر، وحذف " كل " لتقدم ذكره كما جاء في المثل: " ما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة " (2) فحذف " كل " لتقدم ذكره. # والصرح: البناء الظاهر الذي لا يخفى على الناظر وإن بعد، من صرح الشيء إذا ظهر، وهامان: وزير فرعون وصاحب أمره، وأسباب السماوات: طرقها وأبوابها وما يؤدي إليها، وكل ما أوصلك إلى شيء فهو سبب إليه كالرشاء ونحوه. # وفائدة التكرير أنه لما أراد تفخيم ما أمل بلوغه من أسباب ms1064 السماوات أبهمها ثم أوضحها (فأطلع) قرئ بالرفع (3) والنصب، للعطف على (أبلغ)، والنصب على جواب الترجي تشبيها للترجي بالتمني (وكذلك) أي: ومثل ذلك التزيين وذلك الصد (زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل)، وقرئ: " صد " على البناء للفاعل (4) بمعنى: أنه صد نفسه أو صد غيره (وما كيد فرعون) في إبطال آيات موسى (عليه السلام) (إلا في تباب) أي: خسار لا ينفعه. # ثم عاد إلى ذكر نصيحة مؤمن آل فرعون فأجمل لهم بأن قال: (أهدكم سبيل الرشاد)، ثم فسر فافتتح بذم الدنيا وتحقير شأنها، لأن الركون إليها أصل لكل شر وإثم، وجالب لسخط الله وعقابه، ثم ثنى بتعظيم الآخرة فإنها (دار القرار) # PageV03P245 # والإقامة، ثم ذكر الأعمال السيئة والحسنة وما يستحق على كل واحدة منهما. # وقوله: (بغير حساب) في مقابل (إلا مثلها)، معناه: أن جزاء السيئة له حساب وتقدير، فلا يزيد على المستحق، وأما جزاء العمل الصالح فبغير تقدير وحساب، بل هو زائد على المستحق بما شئت من الزيادة والكثرة. # (ويقوم مالى أدعوكم إلى النجوة وتدعوننى إلى النار (41) تدعوننى لأكفر بالله وأشرك به ى ما ليس لي به ى علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفر (42) لا جرم أنما تدعوننى إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الأخرة وأن مردنآ إلى الله وأن المسرفين هم أصحب النار (43) فستذكرون مآ أقول لكم وأفوض أمرى إلى الله إن الله بصير بالعباد (44) فوقاه الله سيات ما مكروا وحاق بال فرعون سوء العذاب (45) النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا ءال فرعون أشد العذاب (46)) يقال: دعاه إلى الشيء وللشيء، كما قيل: هداه إلى الطريق وللطريق. (ليس لي به) أي: بربوبيته (علم) والمراد بنفي العلم نفي المعلوم، كأنه قال: وأشرك به ما ليس بإله و " ما ليس " كيف يصح أن يعلم إلها؟! # (لا جرم) سياقه على مذهب البصريين أن يجعل " لا " ردا لما دعاه إليه قومه، و " جرم " فعل بمعنى " حق "، و " أن " مع ما في حيزه فاعله، أي: حق ووجب بطلان دعوته (1)، أو: بمعنى " كسب ms1065 " أي: كسب ذلك الدعاء إليه بطلان دعوته، على معنى: أنه ما حصل من ذلك إلا ظهور بطلان دعوته (2)، وقيل: " لا جرم " نظير # PageV03P246 # " لابد " فعل من الجرم وهو القطع (١)، كما أن " بدا " فعل من التبديد وهو التفريق، فكما أن معنى " لابد أنك تفعل كذا " بمعنى " لا بد لك من فعله " فكذلك ﴿لا جرم أن لهم النار﴾ (2) بمعنى " لا قطع لذلك " أي: يستحقون النار أبدا، لا انقطاع لاستحقاقهم، ولا قطع لبطلان دعوة الأصنام، أي: لا تزال باطلة لا ينقطع ذلك فينقلب حقا، ومعناه: (أنما تدعوننى إليه ليس له دعوة) إلى نفسه قط، ولا يدعي إلهية، وقيل: ليس له استجابة دعوة تنفع في الدنيا ولا في الآخرة أو دعوة مستجابة (3)، جعل الدعوة التي لا منفعة لها كلادعوة، أو سميت الاستجابة باسم الدعوة كما سمي الفعل المجازى عليه باسم الجزاء في قولهم: " كما تدين تدان " (4). # (فستذكرون) عند نزول العذاب بكم، أو يوم القيامة صحة (مآ أقول لكم) من النصح، وأسلم (أمرى إلى الله) وأتوكل عليه. # (النار) بدل من (سوء العذاب)، أو: خبر مبتدأ محذوف أي: هو النار، أو: # مبتدأ خبره (يعرضون عليها غدوا وعشيا) أي: يعذبون بها في هذين الوقتين، وفيما بين ذلك الله أعلم بحالهم، فإما أن يعذبوا بجنس آخر من العذاب، أو ينفس عنهم، فإذا قامت القيامة قيل لهم: " ادخلوا (5) يا آل فرعون أشد عذاب جهنم " وقرئ: (أدخلوا) أي: يقال لخزنة جهنم: أدخلوهم. وفي هذه الآية دلالة على صحة عذاب القبر. # (وإذ يتحآجون في النار فيقول الضعفؤا للذين استكبروا إنا كنا # PageV03P247 # لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار (47) قال الذين استكبروا إنا كل فيهآ إن الله قد حكم بين العباد (48) وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب (49) قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينت قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعؤا الكفرين إلا في ضلل (50)) واذكر وقت تحاجهم في النار (تبعا) أي: أتباعا، جمع " تابع " ومثله " خدم " جمع " خادم "، أو: ذوي تبع أي: أتباع، أو: هو ms1066 وصف بالمصدر و (كل) معرفة، والتنوين فيه عوض من المضاف إليه، أي: كلنا فيها لخزنة جهنم، ولم يقل: # " لخزنتها " لأن في ذكر جهنم تهويلا، ويحتمل أن تكون جهنم هي أبعد النار قعرا، من قولهم: بئر جهنام: بعيدة القعر. (أولم تك تأتيكم) إلزام للحجة وتوبيخ (قالوا فادعوا) أنتم فإنا لا ندعو إلا بإذن الله ولم يؤذن لنا فيه. # (إنا لننصر رسلنا والذين ءامنوا في الحيواة الدنيا ويوم يقوم الاشهد (51) يوم لا ينفع الظلمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار (52) ولقد ءاتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسراءيل الكتب (53) هدى وذكرى لأولي الألبب (54) فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكر (55) إن الذين يجدلون في ءايت الله بغير سلطن أتلهم إن في صدورهم إلا كبر ماهم ببلغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير (56) لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون (57) وما يستوي الأعمى والبصير والذين ءامنوا وعملوا الصلحت ولا المسىء قليلا ما تتذكرون (58) إن الساعة لأتية لا ريب فيها ولكن PageV03P248 # أكثر الناس لا يؤمنون (59) وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين (60)) أي: نغلب (رسلنا) في الدارين بالظفر على مخالفيهم وبالحجة، ولو غلبوا في بعض الأحايين فالعاقبة لهم، و " اليوم " الثاني بدل من الأول، و الأشهاد: جمع شاهد وهم الملائكة والأنبياء والأولياء، وقرئ: (لا ينفع) بالتاء (1) والياء. # والمراد ب‍ (الهدى): ما آتاه الله في باب الدين من المعجزات والتوراة والشرائع (وأورثنا) وتركنا على (بني إسرائيل) من بعده (الكتب) أي: # التوراة (هدى وذكرى) أي: إرشادا وتذكرة، وهما مفعول لهما أو حالان. # (فاصبر إن وعد الله حق) في ضمان نصرة رسله، واستشهد بحال موسى ونصرته على فرعون وجنوده، وإبقاء آثار هداه في بني إسرائيل، فإن الله ينصرك كما نصره (واستغفر لذنبك) تعبده سبحانه بالدعاء والاستغفار ليزيد في درجاته، ويصير سنة لأمته. # (إن في صدورهم إلا كبر) أي: تكبر، وهو إرادة التقدم والرئاسة، وأن لا يكون أحد فوقهم، ولذلك عادوك ودفعوا معجزاتك، ms1067 وذلك أن النبوة تحتها كل ملك ورئاسة، أو: إرادة أن تكون لهم النبوة دونك (ما هم ببلغيه) أي: ببالغي موجب الكبر ومقتضيه، وهو متعلق إرادتهم من الرئاسة أو النبوة (فاستعذ بالله) من شرهم (إنه هو السميع) لأقوالهم (البصير) بأحوالهم، وفيه تهديد. # ولما كان جدالهم وحجاجهم في آيات الله مشتملا على إنكار البعث، حجوا بخلق السماوات والأرض، لأنهم كانوا يقرون بأنه سبحانه خالقهما، وخلق الناس # PageV03P249 # بالقياس إليهما أهون. ثم ضرب (الأعمى والبصير) مثلا للمحسن والمسيء، وقرئ: (تتذكرون) بالتاء والياء (1). # (لا ريب فيها) لابد من مجيئها، وليس بمرتاب فيها لأنه لا بد من الجزاء. # (ادعوني أستجب لكم) إذا اقتضت المصلحة إجابتكم، وقيل: معناه: ادعوني أثبكم (2). # وفي الحديث: " الدعاء هو العبادة " وقرأ هذه الآية (3). # وعن الباقر (عليه السلام): " هو الدعاء، وأفضل العبادة الدعاء " (4). # (الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (61) ذا لكم الله ربكم خلق كل شىء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون (62) كذا لك يؤفك الذين كانوا بايت الله يجحدون (63) الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسمآء بنآء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبت ذا لكم الله ربكم فتبارك الله رب العلمين (64) هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العلمين (65) قل إنى نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جآءنى البينت من ربى وأمرت أن أسلم لرب العلمين (66) هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون (67) هو الذي # PageV03P250 # يحىى ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (68)) (مبصرا) من الإسناد المجازي، ومعناه: لتبصروا فيه (إن الله لذو فضل) لا يوازنه فضل، وكرر ذكر " الناس " تخصيصا لكفران النعم بهم، وأنهم هم الذين لا يشكرونه. (ذلكم) المعلوم المختص بهذه الأفعال هو (الله ربكم خلق كل شىء لا إله إلا هو) ms1068 هي أخبار مترادفة، أي: هو الجامع لهذه الأوصاف من الإلهية والربوبية وإنشاء الأشياء والوحدانية (فأنى تؤفكون) فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة الأصنام؟! ثم ذكر أن كل من جحد (بآيت الله) أفك كما أفكوا. # ثم وصف نفسه بأفعال أخر خاصة به، وهي أنه (جعل... الأرض) مستقرا (والسمآء بنآء) أي: قبة، ومضارب العرب: أبنيتهم؛ لأن السماء في منظر العين كالقبة المضروبة على الأرض. (فادعوه مخلصين له) الطاعة من الشرك في دعائه وعبادته، قائلين: (الحمد لله رب العلمين). (أن أسلم) أي: استسلم لأمر (رب العلمين). # (لتبلغوا أشدكم) متعلق بفعل محذوف، والتقدير: ثم يبقيكم لتبلغوا، وكذلك (لتكونوا شيوخا)، ويفعل ذلك (لتبلغوا أجلا مسمى) وهو وقت الموت، أو يوم القيامة، وقوله: (من قبل) يريد: من قبل الشيخوخة، أو: من قبل هذه الأحوال (ولعلكم تعقلون) هذه الأغراض المذكورة، وتتفكرون في العبر والحجج (فإذا قضى أمرا فإنما) يكونه من غير كلفة، جعل هذا نتيجة من قدرته على الإحياء والإماتة وسائر ما ذكر من أفعاله الدالة على أنه لا يمتنع عليه شيء من المقدورات، فكأنه قال: فلذلك الاقتدار (إذا قضى أمرا) تيسر له ولم يمتنع عليه، وكان أهون شيء وأسرعه. PageV03P251 # (ألم تر إلى الذين يجدلون في ءايت الله أنى يصرفون (69) الذين كذبوا بالكتب وبمآ أرسلنا به ى رسلنا فسوف يعلمون (70) إذ الأغلل في أعنقهم والسلسل يسحبون (71) في الحميم ثم في النار يسجرون (72) ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون (73) من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعوا من قبل شيا كذلك يضل الله الكفرين (74) ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون (75) ادخلوا أبواب جهنم خلدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (76)) (أنى يصرفون) أي: من أي جهة يقلبون عن الحق إلى الضلال. (إذ الأغلل في أعنقهم) المعنى على: إذ إن أخباره سبحانه لما كانت متيقنة عبر عن الأمور المستقبلة فيها بلفظ ما قد كان ووجد، و (يسحبون) حال (في حميم) في الماء الذي انتهت حرارته (ثم في النار يسجرون) ويقذفون فيها وتوقد بهم. ms1069 # (بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا) أي: تبين لنا أنهم لم يكونوا شيئا، وما كنا نعبد بعبادتهم شيئا (كذلك) أي: مثل ضلال آلهتهم عنهم يضلهم الله عن آلهتهم حتى لو طلبوها أو طلبتهم لم يتصادفوا. (ذلكم) الإضلال بسبب ما كان لكم من الفرح (في الأرض) والمرح (بغير الحق) وهو الشرك وعبادة الأوثان. # (فبئس مثوى المتكبرين) مثواكم أي: جهنم. # (فاصبر إن وعد الله حق فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون (77) ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتى باية إلا بإذن الله فإذا جآء أمر الله قضى بالحق وخسر هنالك المبطلون (78) الله الذي PageV03P252 # جعل لكم الأنعم لتركبوا منها ومنها تأكلون (79) ولكم فيها منفع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون (80) ويريكم ءايته ى فأى ءايت الله تنكرون (81)) الأصل: " فإن نرينك "، و " ما " مزيدة لتأكيد معنى الشرط، ولذلك ألحقت النون بالفعل، لا يقال: إن تكرمني أكرمك، ولكن: إما تكرمني أكرمك، وقوله: # (فإلينا يرجعون) يتعلق ب‍ (نتوفينك)، وجزاء (نرينك) محذوف وتقديره: # (فإما نرينك بعض الذي نعدهم) من العذاب في حياتك وهو القتل يوم بدر فذاك (أو نتوفينك) قبل أن يحل بهم ذلك (فإلينا يرجعون) يوم القيامة نفعل بهم ما يستحقونه، ولا يفوتنا منهم. # (من قصصنا عليك) ذكرهم وأخبارهم (ومنهم من لم نقصص عليك) ذكرهم. (لتركبوا منها) إلى الحج والغزو والهجرة من بلد إلى بلد لإقامة دين أو طلب علم، وهذه أغراض دينية تتعلق بها إرادة الحكيم، فأما الأكل فمن جنس المنافع المباحة التي لا تتعلق بها إرادته، وعلى الأنعام (وعلى الفلك) في البر والبحر (تحملون ويريكم ءايته) أي حججه وبيناته (فأى ءايت الله تنكرون) توبيخ لهم على الجحد. # (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وءاثارا في الأرض فمآ أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (82) فلما جآءتهم رسلهم بالبينت فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا ms1070 به ى يستهزءون (83) فلما رأوا بأسنا قالوا ءامنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به ى مشركين (84) فلم يك ينفعهم إيمنهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده ى وخسر هنالك الكفرون (85)) PageV03P253 # آثارهم: أبنيتهم العظيمة التي بنوها، وقصورهم ومصانعهم، وقيل: مشيهم بأرجلهم لعظم أجرامهم (١) (فما أغنى): " ما " نافية أو استفهامية في محل نصب و " ما " الثانية مصدرية أو موصولة في محل رفع معناه: أي شيء أغنى عنهم مكسوبهم أو كسبهم. # (فرحوا بما عندهم من العلم) قيل فيه وجوه: أحدها: أنه ورد على طريق التهكم، كما في قوله: ﴿بل ادارك علمهم في الآخرة﴾ (2) وعلمهم في الآخرة أنهم كانوا يقولون: لا نبعث، وكانوا يفرحون بذلك ويدفعون به علم الأنبياء (3). والآخر: # أن المراد علم الفلاسفة كانوا يصغرون علم الأنبياء إلى علمهم (4). # وعن سقراط أنه قيل: ائت موسى (عليه السلام) وكان في زمانه، فقال: نحن قوم مهذبون، فلا حاجة بنا إلى من يهدينا (5). # PageV03P254 # وقيل: إن الفرح للرسل (١) والمعنى: أن الرسل لما رأوا استهزاءهم بالحق وجهلهم فرحوا بما أوتوا من العلم وشكروا الله عليه (وحاق) بالكافرين جزاء جهلهم واستهزائهم، وقيل: إن المراد علمهم بأمور الدنيا (٢) كما قالوا: ﴿يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا﴾ (3) فلما جاءهم الرسل بعلوم الديانات لم يلتفتوا إليها، إذ كانت باعثة على رفض الشهوات وترك الدنيا، واعتقدوا أن لا علم أنفع من علمهم ففرحوا به. (فلم يك ينفعهم إيمنهم) أي: لم يصح أن ينفعهم إيمانهم (لما رأوا) بأس الله (سنت الله) بمنزلة " وعد الله " ونحو ذلك من المصادر المؤكدة، و (هنالك) مكان مستعار للزمان، أي: وخسروا وقت رؤية البأس، وكذلك قوله: # (وخسر هنالك المبطلون) بعد قوله: (فإذا جآء أمر الله قضى بالحق) أي: # خسروا وقت مجيء أمر الله، أو: وقت القضاء بالحق. # * * * # PageV03P255 # سورة فصلت (1) مكية (2) آياتها أربع وخمسون آية كوفي، اثنتان بصري، عد الكوفي (حم) (3) آية، (عاد وثمود) (4) آية. # وفي حديث أبي: " ومن قرأ حم السجدة أعطي من الأجر بعدد كل حرف منها عشر حسنات " (5). # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأ ms1071 حم السجدة كانت له نورا يوم القيامة مد بصره، وسرورا، وعاش في هذه الدنيا مغبوطا محمودا " (6). # بسم الله الرحمن الرحيم (حم (1) تنزيل من الرحمن الرحيم (2) كتب فصلت ءايته قرءانا # PageV03P257 # عربيا لقوم يعلمون (3) بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون (4) وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونآ إليه وفي ءاذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عملون (5) قل إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إلى أنمآ إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين (6) الذين لا يؤتون الزكوة وهم بالأخرة هم كفرون (7) إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت لهم أجر غير ممنون (8)) (تنزيل) مبتدأ و (كتب) خبره، أو: (تنزيل) خبر مبتدأ محذوف و (كتب) بدل من (تنزيل)، أو: خبر بعد خبر. (قرءانا عربيا) نصب على المدح، أي: أعني بالكتاب المفصل قرآنا بهذه الصفة، وقيل: نصب على الحال (1) أي: # (فصلت ءايته) في حال كونه قرآنا عربيا (لقوم يعلمون) ما نزل عليهم من الآيات المفصلة المبينة بلسانهم العربي، لا يلتبس عليهم شيء منه، وتعلق اللام ب‍ (فصلت) أو ب‍ (تنزيل)، أي: فصلت آياته لهم، أو: تنزيل من الرحمن لأجلهم، وأجود منهما أن يكون صفة مثل ما قبله وما بعده، أي: قرآنا عربيا كائنا لقوم عرب لئلا يفرق بين الصفات والصلات. (بشيرا) يبشر المؤمن بما تضمنه من الوعد (ونذيرا) يندر الكافر بما فيه من الوعيد (فهم لا يسمعون) لا يقبلون ولا يطيعون. # (قلوبنا في أكنة) أي: أغطية (مما تدعونآ إليه) فلا نفقه ما تقول (وفي ءاذاننا) ثقل وصمم على استماع القرآن، (ومن بيننا وبينك حجاب) ساتر وحاجز منيع، وهذه تمثيلات لنبو قلوبهم عن قبول الحق (فاعمل) على دينك إنا (عملون) على ديننا، أو: فاعمل في ابطال أمرنا إنا عاملون في إبطال أمرك. # PageV03P258 # والفائدة في زيادة " من " في قوله: (ومن بيننا) أنه لو قال: " وبيننا وبينك حجاب " لكان المعنى: أن حجابا حاصل وسط الجهتين، ومعنى (من بيننا وبينك حجاب): أن الحجاب ابتداء منا وابتداء منك. فالمسافة المتوسطة بجهتك وجهتنا مستوعبة بالحجاب لا فراغ فيها. # وقوله: (إنمآ أنا ms1072 بشر مثلكم) جواب لقولهم: (قلوبنا في أكنة) لأن المعنى: # إني لست بملك وإنما أنا بشر مثلكم وقد أوحي (إلى) دونكم، وإذا صحت بالوحي نبوتي وجب عليكم اتباعي (فاستقيموا) فاستووا (إليه) بالتوحيد وإخلاص العبادة (واستغفروه) من الشرك. # وخص من أوصاف المشركين منع الزكاة مقرونا بالكفر بالآخرة، لأن أحب الأشياء إلى الإنسان ماله، فإذا بذله لله دل ذلك على ثباته في الدين وصدق نيته، وفيه حث شديد على أداء الزكاة، وتخويف من منعها، حيث جعله مقرونا بالكفر بالآخرة. (لهم أجر غير ممنون) أي: غير مقطوع بل هو متصل دائم، أو: هو خالص من المنة. # (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذا لك رب العلمين (9) وجعل فيها رواسي من فوقها وبرك فيها وقدر فيهآ أقواتها في أربعة أيام سوآء للسآئلين (10) ثم استوى إلى السمآء وهى دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا طآئعين (11) فقضهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سمآء أمرها وزينا السمآء الدنيا بمصبيح وحفظا ذا لك تقدير العزيز العليم (12) فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صعقة مثل صعقة عاد وثمود (13) إذ جآءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا PageV03P259 # لو شآء ربنا لأنزل ملئكة فإنا بمآ أرسلتم به ى كفرون (14) فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بايتنا يجحدون (15)) (أئنكم لتكفرون) استفهام تعجب، أي: كيف تستجيزون أن تكفروا بمن (خلق الارض) مقدار (يومين وتجعلون له أندادا) أمثالا وأشباها تعبدونهم (ذلك) الذي قدر على الخلق (رب العلمين) ومالك التصرف فيهم. # (وجعل فيها) أي: في الأرض جبالا (رواسي) أي: ثوابت (من فوقها) جعلها فوق الأرض لتكون منافعها حاصلة لمن طلبها (وبرك فيها) وأكثر خيرها (وقدر فيهآ أقوتها) أي: أرزاق أهلها ومنافعهم ومعائشهم (في) تتمة (أربعة أيام) من حين ابتداء الخلق، كأنه قال: كل ذلك في أربعة أيام كاملة مستوية بلا زيادة ولا نقصان، وقرئ: (سوآء) ms1073 بالحركات الثلاث (1)، فالجر على الوصف ل‍ (أيام)، والنصب على " استوت سواء " أي: استواء، والرفع على " هي سواء "، وتعلق قوله: (للسآئلين) بمحذوف فكأنه قال: هذا الحصر لأجل من سأل في كم خلقت الأرض وما فيها، أو: يقدر أي: قدر فيها أقواتها لأجل الطالبين لها المحتاجين إليها من المقتاتين. # (ثم استوى إلى السمآء) من قولك: استوى إلى مكان كذا: إذا توجه إليه توجها لا يلوي على شيء، وهو من الاستواء الذي هو ضد الاعوجاج، ونحوه قولهم: استقام إليه وامتد إليه، ومنه قوله: (فاستقيموا إليه) (2) والمعنى: ثم دعاه # PageV03P260 # داعي الحكمة إلى خلق السماء بعد خلق الأرض وما فيها من غير صارف يصرفه عن ذلك. # ومعنى أمر السماء والأرض بالإتيان، وقولهما: (أتينا طآئعين) أنه أراد تكوينهما وإنشائهما فلم تمتنعا عليه ووجدتا كما أرادهما، وليس هناك أمر على الحقيقة ولا جواب، وهو من المجاز الذي يسمى التمثيل، بمعنى: أنهما كانتا كالمأمور المطيع إذا ورد عليه أمر الآمر المطاع، وخلق سبحانه جرم الأرض غير مدحوة، ثم دحاها بعد خلق السماء، كما قال: ﴿والأرض بعد ذلك دحاها﴾ (١) فالمعنى: ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا من الشكل والوصف: ائتي يا أرض مدحوة قرارا لسكانك، وائتي يا سماء سقفا مبنيا عليهم، ومعنى الإتيان: الحصول والوقوع، كما يقال: أتى عمل فلان مقبولا، وقوله: (طوعا أو كرها) مثل للزوم تأثير قدرته فيهما، وانتصابهما على الحال، أي: طائعتين أو مكرهتين، ولما خوطبن جعلن مجيبات ووصفن بالطوع والكره، وقيل: " طائعين " في موضع " طائعات " (٢) نحو قوله: ﴿كل في فلك يسبحون﴾ (٣)، ﴿رأيتهم لي ساجدين﴾ (4). # (فقضاهن) يجوز أن يرجع الضمير فيه إلى (السمآء) على المعنى، ويجوز أن يكون ضميرا مبهما مفسرا ب‍ (سبع سموات)، والفرق بينهما أن " سبع سماوات " على الوجه الأول نصب على الحال، وفي الثاني نصب على التمييز (وأوحى) أي: خلق أوامر (في كل سمآء أمرها) ما أمر به فيها ود بره من خلق الملائكة والنيرات وغير ذلك، أو: شأنها وما يصلحها (وزينا السماء الدنيا # PageV03P261 # بمصبيح) يهتدى بها (وحفظا) أي: وحفظناها حفظا من استراق ms1074 السمع بالثواقب، ويجوز أن يكون مفعولا له أي: وخلقنا المصابيح زينة وحفظا. # (فإن أعرضوا) بعدما تتلو عليهم من هذه الحجج الدالة على الوحدانية والقدرة فحذرهم أن تصيبهم (صعقة) أي: عذاب شديد الوقع كأنه صاعقة. # (إذ جآءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم) يريد: أتوهم من كل جانب فلم يروا منهم إلا العتو، وقيل: معناه: أنذروهم من وقائع الله فيمن قبلهم من الأمم، ومن عذاب الآخرة، لأنهم إذا حذروهم ذلك فقد جاؤوهم بالوعظ من جهة الزمان الماضي، وما جرى فيه على أمثالهم، ومن جهة المستقبل وما سيجري عليهم (1). # (أن) في (أن لا تعبدوا) بمعنى: أي، أو: مخففة من الثقيلة، وأصله " بأن لا تعبدوا " أي: بأن الشأن والحديث قولنا لكم: لا تعبدوا، ومفعول (شاء) محذوف، أي: لو شاء ربنا إرسال الرسل لأنزل ملائكة. # وحقيقة القوة زيادة القدرة، وهي في الإنسان صحة البنية والاعتدال والشدة والصلابة (وكانوا بآياتنا يجحدون) كانوا يعرفون أنها حق ولكنهم جحدوها كما يجحد المودع الوديعة، وهو معطوف على (فاستكبروا). # (فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات لنذيقهم عذاب الخزى في الحيوة الدنيا ولعذاب الأخرة أخزى وهم لا ينصرون (16) وأما ثمود فهدينهم فاستحبوا العمى على الهدى فأخذتهم صعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون (17) ونجينا الذين ءامنوا وكانوا يتقون (18) ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون (19) حتى إذا ما جآءوها شهد عليهم سمعهم وأبصرهم وجلودهم بما كانوا # PageV03P262 # يعملون (٢٠) وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شىء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون (٢١) وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون (٢٢) وذا لكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخسرين (٢٣)) (ريحا صرصرا) عاصفة تصرصر، أي: تصوت، والصرة: الصيحة، وقيل: # باردة تحرق ببردها (١)، من الصر وهو البرد الذي يصر أي: يجمع ويقبض (نحسات) قرئ بكسر الحاء وسكونها (٢)، يقال: نحس نحسا فهو نحس، فالنحس يجوز أن يكون مخفف " نحس "، وأن يكون وصفا بالمصدر، نحو: رجل عدل. ms1075 و (عذاب الخزى) أضاف " العذاب " إلى " الخزي " وهو الذل والهوان، على أنه وصف للعذاب، كأنه قال: " عذاب خزي " كما تقول: " فعل السوء " تريد: # الفعل السيئ، والدليل عليه قوله: (ولعذاب الأخرة أخزى) وهو أبلغ في الوصف، فإن قولك: هو شاعر، وله شعر شاعر، بينهما بون بعيد. # (وأما ثمود فهدينهم) أي: دللناهم على طريقي الضلالة والرشد، وبينا لهم سبيلي الخير والشر، كقوله: ﴿وهدينه النجدين﴾ (3)، (فاستحبوا العمى على الهدى) فاختاروا الكفر على الإيمان، والضلال على الرشد (فأخذتهم صعقة العذاب) أي: قارعة العذاب، وواهية العذاب، و (الهون): الهوان، وصف به العذاب مبالغة أو أبدله منه، وفي هذا حجة بالغة على المجبرة. # PageV03P263 # (ويوم يحشر) قرئ بالياء على البناء للمفعول و (أعدآء الله) بالرفع، و " يحشر " على البناء للفاعل و " أعداء " بالنصب (1)، (فهم يوزعون) يحبس أولهم على آخرهم، أي: تستوقف سوابقهم حتى يدركهم لواحقهم. # و " ما " في قوله: (إذا ما جآءوها) مزيدة للتأكيد، أي: لابد أن يكون وقت مجيئهم النار وقت الشهادة عليهم. وأما كيفية نطق الجوارح فإن الله ينطقها كما أنطق الشجرة بأن يخلق فيها كلاما، وقيل: إن الجلود كناية عن الفروج (2)، وأراد ب‍ (كل شىء) من الحيوان، ومعناه: أن نطقنا ليس بعجيب من قدرة الله (الذي أنطق كل) حيوان (وهو) أنشأكم (أول مرة) وهو القادر على إعادتكم ورجعكم إلى جزائه. # (وما كنتم تستترون) بالحجب عند ارتكاب المعاصي مخافة (أن يشهد عليكم) جوارحكم لأنكم لم تعلموا أنها تشهد عليكم (ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا) من أعمالكم، وعن ابن عباس: أنهم قالوا: إن الله لا يعلم ما في نفوسنا، إنما يعلم ما يظهر (3). و (ذلكم) رفع بالابتداء و (ظنكم) و (أرداكم) خبران، ويجوز أن يكون (ظنكم) بدلا من (ذلكم) و (أرداكم) الخبر. # وعن الصادق (عليه السلام): " إن الله عند ظن عبده: إن خير فخير، وإن شر فشر " (4). # (فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين (24) وقيضنا لهم قرنآء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم # PageV03P264 # وحق عليهم القول في أمم قد ms1076 خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خسرين (٢٥) وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرءان وا لغوا فيه لعلكم تغلبون (٢٦) فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون (٢٧) ذا لك جزآء أعدآء الله النار لهم فيها دار ا لخلد جزآء بما كانوا بايتنا يجحدون (٢٨) وقال الذين كفروا ربنآ أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس نجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الاسفلين (٢٩) إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقموا تتنزل عليهم الملئكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون (٣٠) نحن أوليآؤكم في الحيواة الدنيا وفي الأخرة ولكم فيها ما تشتهى أنفسكم ولكم فيها ما تدعون (٣١) نزلا من غفور رحيم (٣٢)) أي: (فإن يصبروا) لم ينفعهم الصبر ولم ينفكوا به من الثواء في النار (وإن) يسألوا العتبى ويطلبوا الرضا لم يعتبوا ولم يجابوا إلى العتبى، ولم يعطوا الرضا. # (وقيضنا) أي: وقدرنا (لهم قرنآء) أخدانا (١) من الشياطين، جمع قرين وهو كقوله: ﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين﴾ (2) والمعنى: # أنه خذلهم ومنعهم التوفيق لتصميمهم على الكفر، فلم يبق لهم قرناء سوى الشياطين (فزينوا لهم) ما تقدم من أعمالهم وما هم عازمون عليها، أو: (ما بين أيديهم) من أمر الدنيا واتباع الشهوات (وما خلفهم) من أمر العاقبة، وأن لا بعث ولا حساب (وحق عليهم القول) أي: كلمة العذاب (في أمم) في جملة أمم، ومثله قول الشاعر: # PageV03P265 # إن تك عن أحسن المروءة مأ * فوكا ففي آخرين قد أفكوا (١) يريد: فأنت في جملة آخرين، أو: في عداد آخرين لست في ذلك بأوحد، و (في أمم) في محل النصب على الحال من الضمير في (عليهم)، (إنهم كانوا خاسرين) تعليل لاستحقاقهم العذاب، والضمير في (لهم) للأمم. # (وقال الذين كفروا) بعضهم لبعض (لا تسمعوا لهذا القرءان) الذي يقرأه محمد ولا تصغوا إليه (والغوا فيه) يقال: لغي يلغى، واللغو: الساقط من الكلام الذي لا طائل تحته، أي: واشتغلوا عند قراءته برفع الأصوات بالخرافات وبالزجر والهذيان حتى تشوشوا عليه قراءته لتغلبوه بذلك، ولا يتمكن ms1077 أصحابه من الاستماع. # (النار) عطف بيان للجزاء، أو: خبر مبتدأ محذوف (لهم فيها دار الخلد) معناه: أن النار في نفسها دار الخلد، كقوله: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ (2) معناه: أن رسول الله أسوة حسنة، وتقول: لك في هذا الدار دار السرور، وأنت تعني الدار بعينها (جزآء بما كانوا) يلغون فيها، فذكر الجحود الذي هو سبب اللغو. # وقرئ: " أرنا " بسكون الراء (3) لثقل الكسرة، كما قيل: " فخذ " في " فخذ "، أي الشيطانين اللذين (أضلانا من الجن والإنس) لأن الشيطان ضربان: جني وإنسي (نجعلهما تحت أقدامنا) في النار، والمراد به: ندوسهما ونطؤهما بأقدامنا ليكونا أشد عذابا منا. # PageV03P266 # (ثم استقموا) ثم استمروا عليه وثبتوا على مقتضياته من أنواع الطاعة. # وسأل محمد بن الفضيل علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) عن الاستقامة فقال: # هي والله ما أنتم عليه. # (تتنزل عليهم الملئكة) عند الموت بالبشرى (أن لا تخافوا) بمعنى " أي "، أو: مخففة من الثقيلة، وأصله: بأنه لا تخافوا، والهاء ضمير الشأن، والخوف: # غم يلحق لتوقع المكروه، والحزن: غم يلحق لوقوعه من فوت نفع أو حصول ضرر، والمعنى: أن الله كتب لكم الأمان من كل خوف وغم، وكما أن الشياطين قرناء من تقدم، فالملائكة أولياء هؤلاء وأحباؤهم في الدارين (ولكم فيها ما تدعون) أي: تتمنون من النعيم، وفي بشراهم بولاية الملائكة إياهم في دنياهم وأخراهم، وإنالتهم في الجنة مشتهاهم وغاية متمناهم، دلالة على شرف هذه الطاعة التي هي الاستقامة، وأنها أجل الديانات والدرجة القصوى فيها. والنزل: # رزق النزيل وهو الضيف، وانتصب على الحال من الموصول، أو من الضمير المنصوب المحذوف، لأن التقدير: ما تدعونه. # (ومن أحسن قولا ممن دعآ إلى الله وعمل صلحا وقال إننى من المسلمين (33) ولا تستوى الحسنة ولا السيئة ادفع بالتى هى أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم (34) وما يلقلهآ إلا الذين صبروا وما يلقلهآ إلا ذو حظ عظيم (35) وإما ينزغنك من الشيطن نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم (36) ومن ءايته الليل والنهار والشمس وا لقمر لا تسجدوا ms1078 للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون (37) فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له باليل والنهار وهم لا يسمون (38)) PageV03P267 # من (دعآ إلى الله) هو رسول الله، والأئمة الدعاة إلى الحق القائمون مقامه، وقيل: هم المؤذنون (1)، والآية عامة في كل من جمع بين الأوصاف الثلاثة: أن يكون موحدا معتقدا للحق عاملا للخير داعيا إليه. # والمعنى: أن الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما، فلا تستوي الأعمال الحسنة والأعمال السيئة، فخذ بالحسنة التي هي أحسن من أختها إذا اعترضتك حسنتان ف (ادفع) بها السيئة الواردة عليك من بعض أعدائك، ومثال ذلك: أن الحسنة أن تعفو عنه (والتى هي أحسن) أن تحسن إليه في مقابلة إساءته، مثل أن يذمك فتمدحه، فإنك إذا فعلت ذلك صار الذي هو عدوك المناوئ مثل الولي الحميم المناسب المصافي. وما يلقى هذه الخصلة الحميدة والسجية المرضية التي هي مقابلة الإساءة بالإحسان ولا يؤتاها (إلا الذين صبروا) على كظم الغيظ واحتمال المكاره، و (إلا ذو) نصيب و (حظ عظيم) من الثواب والخير. # والنزع والنسخ بمعنى، وهو شبه النخس، وكان الشيطان ينخس الإنسان: إذا بعثه على بعض المعاصي، وأسند الفعل إلى النزغ كما قالوا: جد جده، أو: وصف الشيطان وتسويله بالمصدر، والمعنى: وإن صرفك الشيطان عما وصيت به من الدفع بالتي هي أحسن (فاستعذ بالله) من شره ولا تطعه. # (ومن ءايته) أي: حججه وأدلته الدالة على وحدانيته (الليل والنهار) وتقديرهما على حد مستقر ونظام مستمر (والشمس والقمر) وما ظهر فيهما من التدبير والتسيير في فلك التدوير. والضمير في (خلقهن) لجميعها؛ لأن حكم جماعة ما لا يعقل حكم الأنثى أو الإناث، تقول: الدور رأيتها ورأيتهن، أو: لأنها # PageV03P268 # في معنى الآيات فلذلك قال: (خلقهن). وموضع السجدة عند الشافعي (1) (تعبدون) وهو المروي عن أئمتنا (عليهم السلام) (2)، وعند أبي حنيفة (يسئمون) (3). # وقوله: (عند ربك) عبارة عن قرب المنزلة والكرامة والزلفى. # (ومن ءايته ى أنك ترى الأرض خشعة فإذ آ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحى الموتى إنه على كل ms1079 شىء قدير (39) إن الذين يلحدون في ءايتنا لا يخفون علينآ أفمن يلقى في النار خير أم من يأتى ءامنا يوم القيمة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير (40) إن الذين كفروا بالذكر لما جآءهم وإنه لكتب عزيز (41) لا يأتيه البطل من بين يديه ولا من خلفه ى تنزيل من حكيم حميد (42) ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم (43) ولو جعلنه قرءانا أعجميا لقالوا لولا فصلت ءايته ءاعجمى وعربى قل هو للذين ءامنوا هدى وشفآء والذين لا يؤمنون في ءاذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد (44) ولقد ءاتينا موسى الكتب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضى بينهم وإنهم لفي شك منه مريب (45)) # PageV03P269 # والخشوع في وصف الأرض مستعار لكونها يابسة غير ممطورة، لا نبات فيها، وهو خلاف وصفها بالاهتزاز، والربو وهو الانتفاخ: إذا أخصبت وتزينت بالنبات تشبيها لها بالمختال في زيه، وشبهت قبل بالذليل الخاضع في الأطمار الرثة، وقرئ: " وربأت " (١) أي: ارتفعت. # ولحد الحافر وألحد: إذا مال عن الاستقامة فحفر في شق، فاستعير للانحراف في تأويل آيات القرآن عن جهة الصحة والاستقامة، وقرئ باللغتين (٢) (لا يخفون علينا) وعيد. وقوله: (إن الذين كفروا) بدل من قوله: (إن الذين يلحدون في ءايتنا)، والذكر: القرآن لأنهم لكفرهم به طعنوا فيه وحرفوا تأويله (وإنه لكتب عزيز) منيع محمي بحماية الله. (لا يأتيه البطل) مثل، أي: لا يتطرق إليه الباطل من جهة من الجهات، ونحوه: ﴿وإنا له لحفظون﴾ (3)، وعن السيدين الباقر والصادق (عليهما السلام): " ليس في أخباره عما مضى، ولا في أخباره عما يكون في المستقبل باطل، بل أخباره كلها موافقة لمخبراتها ". # (ما يقال لك) أي: ما يقول لك كفار قومك (إلا) مثل ما قال للرسل كفار قومهم من الكلمات المؤذية (إن ربك لذو مغفرة) لمن آمن بك (وذو عقاب أليم) لمن كذبك، أو يكون المعنى: ما يقول لك الله إلا مثل ما قال للرسل من قبلك، والمقول: إن ربك لذو مغفرة ms1080 وذو عقاب أليم. # (ولو) جعلنا القرآن (أعجميا) بغير لغة العرب، وسموا من لم يبين كلامه # PageV03P270 # من أي صنف كان من الناس أعجم، قال عنترة: # حزق يمانية لأعجم طمطم (١) (لقالوا لولا فصلت ءايته) أي: بينت بلسان تفهمه (٢) (ءأعجمى وعربى) والهمزة للإنكار، أي: قرآن أعجمي ورسول عربي، أو مرسل إليه عربي، لأن مبنى الإنكار على تنافي حالتي الكتاب والمكتوب إليه، لا على أن المكتوب إليه واحد أو جماعة (قل هو) الضمير للقرآن (هدى) و (٣) إرشاد إلى الحق ﴿وشفاء لما في الصدور﴾ (٤) من الشك، أو: شفاء من الأدواء، و (الذين لا يؤمنون) إن عطفته على (الذين ءامنوا) كان في موضع جر على معنى قولك: وهو للذين لا يؤمنون (في ءاذانهم وقر)، إلا أن فيه عطفا على عاملين وقد أجازه الأخفش (٥)، وإن جعلته مبتدأ فالخبر: هو (في ءاذانهم وقر) على حذف " هو "، أو: في آذانهم منه وقر، و (ينادون من مكان بعيد) يعني: أنهم لا يقبلونه ولا يرعونه أسماعهم، فمثلهم في ذلك مثل من يصوت به من مكان بعيد، لا يسمع من مثله الصوت فلا يسمع النداء. # (فاختلف فيه) أي: آمن به قوم وكذب به آخرون، وهو تسلية لنبينا (عليه السلام) (ولولا كلمة سبقت من ربك) في تأخير العذاب عن قومك لفرغ من عذابهم واستئصالهم، وهي كقوله: ﴿بل الساعة موعدهم﴾ (6). # PageV03P271 # (من عمل صلحا فلنفسه ى ومن أسآء فعليها وما ربك بظلم للعبيد (46) إليه يرد علم الساعة وما تخرج من ثمرا ت من أكمامها وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ى ويوم يناديهم أين شركآءى قالوا ءاذنك مامنا من شهيد (47) وضل عنهم ما كانوا يدعون من قبل وظنوا مالهم من محيص (48) لا يسم الانسن من دعآء الخير وإن مسه الشر فيوس قنوط (49) ولئن أذقنه رحمة منا من بعد ضرآء مسته ليقولن هذا لى ومآ أظن الساعة قآئمة ولئن رجعت إلى ربى إن لى عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ (50) وإذآ أنعمنا على الانسن أعرض ونا بجانبه ى وإذا ms1081 مسه الشر فذو دعآء عريض (51) قل أرءيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به ى من أضل ممن هو في شقاق بعيد (52) سنريهم ءايتنا في الافاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شىء شهيد (53) ألا إنهم في مرية من لقآء ربهم ألا إنه بكل شىء محيط (54)) (فلنفسه) نفع صلاحه (فعليها) وبال إساءته دون غيرها. # (إليه يرد علم الساعة) أي: إذا سئل عنها قيل: الله يعلم، أو: لا يعلمها إلا الله، الأكمام جمع كم بكسر الكاف وهو وعاء الثمرة، وقرئ: (من ثمرت) على الجمع (1) (أين شركآءى) أضافهم إليه على زعمهم، وفيه تقريع على طريق التهكم (ما منا من شهيد) أي: ما منا أحد اليوم يشهد بأنهم شركاؤك، وما منا أحد يشاهدهم، وذلك أنهم ضلوا عنهم، ومعنى (ءاذنك): أنك تعلم من نفوسنا ذلك، # PageV03P272 # أو: هو كما تقول: أعلم الملك أنه كان كيت وكيت، وعلق (ما منا من شهيد) معنى الإعلام؛ لأن النفي له حكم الاستفهام في أن له صدر الكلام. وكذا قوله: (وظنوا ما لهم من محيص) والمعنى: علموا أن لا مخلص لهم من عذاب الله، عبر بالظن عن العلم. # (من دعآء الخير) من طلب السعة في المال والصحة (وإن مسه) البلاء والشدة (فيئوس قنوط) شديد اليأس مقطوع الرجاء من فضل الله وروحه، وهذه صفة الكافر بدلالة قوله: ﴿ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾ (١). # (ليقولن هذا لى) أي: هذا حقي وصل إلي، لأني استوجبته بما عندي من فضل، أو: هذا لي دائما أبدا (وما أظن الساعة قائمة) كائنة (ولئن رجعت إلى ربى) على ما يقوله المسلمون (إن لى عنده) الحالة الحسنى وهي الجنة، أي: # سيعطيني في الآخرة مثل ما أعطاني في الدنيا. # (فذو دعآء عريض) استعار العرض لكثرة الدعاء ودوامه كما استعار الغلظ لشدة العذاب. وقرئ: " ونأى " بإمالة الألف وكسر النون (٢)، " ونآء " (٣) على القلب كما قيل: " راء " في " رأى "، ويريد (بجانبه) نفسه وذاته، فكأنه قال: ونأى بنفسه، أو يريد (بجانبه) عطفه، ومعناه: ms1082 انحرف وازور، كما قيل: ثنى عطفه (٤)، و ﴿تولى بركنه﴾ (5). # (أرءيتم) أخبروني (إن كان) القرآن (من عند الله) وقد (كفرتم به) وكان # PageV03P273 # الكسائي يحذف همزة " رأى " إذا كان مع همزة الاستفهام، نحو: " أريتم " و " أريتكم " في جميع القرآن استثقالا للهمزتين، ولا يحذف في غيرها، نحو: " رأى القمر " و " رأى الشمس " (من أضل) منكم وأنتم بلغتم الغاية في المشاقة والمناصبة؟ فوضع (ممن هو في شقاق بعيد) موضع " منكم " بيانا لصفتهم. # (سنريهم ءايتنا) في نصرة رسولنا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) (في) آفاق الدنيا من الفتوح ومن الإظهار على الأكاسرة والملوك وتغليب العدد القليل على الكثير، والأمور الخارجة عن المعهود (وفي أنفسهم) يوم بدر، أو: يوم فتح مكة، (بربك) مرفوع المحل بأنه فاعل، و (أنه على كل شىء شهيد) بدل منه على الموضع (1)، وتقديره: أولم يكفهم أن ربك على كل شيء شهيد، والمعنى: أن الموعود من إظهار آيات الله في الآفاق وفي أنفسهم سيرونه ويشاهدونه، فيتبينون عند ذلك أن القرآن تنزيل عالم الغيب الذي هو على كل شيء شهيد، أي: مطلع مهيمن، يستوي عنده غيبه وشهادته، فيكفيهم ذلك دليلا على أنه حق وأنه من عنده. # * * * # PageV03P274 # سورة الشورى (1) مكية (2) غير آيات منها، وهي ثلاث وخمسون آية كوفي، خمسون في الباقي، عد الكوفي (حم) و (عسق) و (كالأعلم) (3). # وفي حديث أبي: " من قرأ سورة حم عسق كان ممن تصلي عليه الملائكة، ويستغفرون له " (4). # عن الصادق (عليه السلام): " من قرأها بعثه الله يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر "، الخبر بطوله (5). # PageV03P275 # بسم الله الرحمن الرحيم (حم (1) عسق (2) كذا لك يوحى إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم (3) له ما في السموات وما في الأرض وهو العلى العظيم (4) تكاد السموات يتفطرن من فوقهن والملئكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم (5) والذين اتخذوا من دونه ى أوليآء الله حفيظ عليهم ومآ أنت عليهم بوكيل (6) وكذا لك أوحينآ إليك قرءانا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب ms1083 فيه فريق في الجنة وفريق في السعير (7) ولو شآء الله لجعلهم أمة وا حدة ولكن يدخل من يشآء في رحمته ى والظلمون مالهم من ولى ولا نصير (8) أم اتخذوا من دونه ى أوليآء فالله هو الولى وهو يحى الموتى وهو على كل شىء قدير (9) وما اختلفتم فيه من شىء فحكمه إلى الله ذا لكم الله ربى عليه توكلت وإليه أنيب (10)) (كذلك) أي: مثل ذلك الوحي يوحي إليك وإلى الأنبياء (من قبلك الله) يعني: أن ما تضمنته هذه السورة من المعاني قد أوحى الله إليك مثله في غيرها من السور، وأوحاه إلى من قبلك، على معنى: أن الله كرر هذه المعاني في القرآن وفي جميع الكتب السماوية، لما فيها من المنافع الدينية لعباده، وقرئ: " يوحى إليك " (1)، وعلى هذا فإنما يرتفع اسم " الله " بما دل عليه " يوحى "، فكأن قائلا قال: من الموحى؟ فقيل: الله. # PageV03P276 # (تكاد) قرئ بالتاء والياء (1)، وقرئ: " ينفطرن " (2) و (يتفطرن) ومعناه: # يتشققن من علو شأن الله وعظمته، بدلالة مجيئه بعد قوله: (العلى العظيم)، وقيل: # من دعائهم له ولدا (3) (من فوقهن) أي: يكاد يبتدأ الانفطار من جهتهن الفوقانية التي هي أعظم آيات الجلال والعظمة، وهي العرش والكرسي، وقيل: من فوق الأرضين (4)، وعن الصادق (عليه السلام): (ويستغفرون لمن في الأرض) من المؤمنين. # (الله حفيظ) يحفظ عليهم أعمالهم ولم توكل لحفظها، فلا يضيقن صدرك لتكذيبهم إياك. (وكذلك) ومثل ذلك (أوحينا إليك): و " ذلك " إشارة إلى معنى الآية قبلها من أن الله هو الحفيظ عليهم وما أنت بحفيظ عليهم ولكن نذير لهم، لأنه قد تكرر ذكره في مواضع من التنزيل، فالكاف مفعول ل‍ (أوحينآ) و (قرءانا عربيا) حال من المفعول به، أي: أوحيناه إليك وهو قرآن عربي، ويجوز أن يكون (ذلك) إشارة إلى مصدر (أوحينآ) أي: ومثل ذلك الإيحاء البين أوحينا إليك قرآنا عربيا بلسانك (لتنذر) أهل (أم القرى) وهي مكة (ومن حولها) من سائر الناس، وتنذرهم (يوم الجمع) وهو يوم القيامة، يجمع الله فيه الأولين والآخرين، يقال: أنذرته كذا وأنذرته بكذا، وقد عدى ms1084 الأول إلى المفعول الأول والثاني إلى المفعول الثاني وهو يوم الجمع، وقيل: يجمع فيه بين الأرواح والأجساد (5)، وقيل: يجمع بين كل عامل وعمله (6)، و (لا ريب فيه) اعتراض لا محل له. # PageV03P277 # (ولو شآء الله) مشيئة قدرة لأجبرهم جميعا على الإيمان، ولكنه شاء مشيئة حكمة أن يكلفهم، وبنى أمرهم على الاختيار ليدخل المؤمنين (في رحمته). # (أم) منقطعة، ومعنى الهمزة فيها الإنكار (فالله هو الولى) هو الذي يجب أن يتولى وحده، ويعتقد أنه الحقيق بالولاية دون غيره، والفاء جواب شرط مقدر كأنه قال بعد إنكار كل ولي سواه: إن أرادوا وليا بحق فالله هو الولي الحق، ومن شأن هذا الولي أنه (يحى الموتى وهو على كل شىء قدير) فهو الحري بأن يتخذ وليا دون من لا يقدر على شيء. # (وما اختلفتم فيه من شىء) حكاية قول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) للمؤمنين، ومعناه: # ما تختلفون فيه من أمور الدين فحكم ذلك المختلف فيه مفوض (إلى الله) يثيب المحق ويعاقب المبطل (ذلكم) الحاكم (الله) هو (ربى عليه توكلت) في رد كيد الأعداء (وإليه أنيب) في جميع الأمور. # (فاطر السموات والارض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الانعم أزواجا يذرؤكم فيه ليس كمثله ى شىء وهو السميع البصير (11) له مقاليد السموات والارض يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر إنه بكل شىء عليم (12) شرع لكم من الدين ما وصى به ى نوحا والذي أوحينآ إليك ومآ وصينا به ى إبرا هيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبى إليه من يشآء ويهدى إليه من ينيب (13) وما تفرقوا إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضى بينهم وإن الذين أورثوا الكتب من بعدهم لفي شك منه مريب (14) فلذا لك فادع واستقم كمآ أمرت ولا تتبع أهوآءهم وقل ءامنت بمآ أنزل الله من كتب PageV03P278 # وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنآ أعملنا ولكم أعملكم لا حجة بيننا وبينكم الله ms1085 يجمع بيننا وإليه المصير (15)) (فاطر) خبر بعد خبر ل‍ (ذلكم)، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: خلق لكم من جنسكم (أزوجا) وخلق (الأنعم) أيضا من أجناسها (أزوجا يذرؤكم) يكثركم (فيه) في هذا التدبير، وهو أن جعل بين الذكور والإناث من الناس والأنعام التوالد والتناسل، والضمير في (يذرؤكم) يرجع إلى المخاطبين والأنعام (ليس كمثله شىء) وهو كقولهم: مثلك لا يبخل، والمراد: نفي البخل عن ذاته، وهو من باب الكناية، لأنهم إذا نفوا الشيء عمن يسد مسده فقد نفوه عنه، فالمعنى: # نفي المماثلة عن ذاته سبحانه، فلا فرق بين أن يقال: ليس كالله شيء، وأن يقال: # ليس كمثله شيء، إلا فائدة الكناية، وقيل: كررت كلمة التشبيه للتأكيد (1) كما كررت في قول الشاعر: # وصاليات ككما يؤثفين (2) (شرع لكم من الدين) دين نوح ومحمد ومن بينهما من الأنبياء، ثم فسر المشروع الذي اشترك هؤلاء الرسل فيه بقوله: (أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) والمراد: إقامة دين الإسلام الذي هو توحيد الله وطاعته والإيمان برسله وحججه وباليوم الآخر، ومحل (أن أقيموا) نصب بدل من مفعول (شرع) والمعطوفين عليه (كبر على المشركين) أي: عظم عليهم وشق (يجتبى إليه) والضمير ل‍ (الدين) أي: يجتلب إليه بالتوفيق (من يشاء) من يجدي عليهم لطفه. # PageV03P279 # (وما تفرقوا) يعني: أهل الكتاب بعد أنبيائهم (إلا من بعد) أن علموا أن الفرقة ضلال وفساد (ولولا كلمة سبقت من ربك) وهي عدة التأخير (إلى) يوم القيامة (لقضى بينهم) حين افترقوا لعظم ما اقترفوا (وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم) وهم أهل الكتاب الذين كانوا على عهد رسول الله (لفي شك) من كتابهم لا يؤمنون به حق الإيمان. وقيل: وما تفرق أهل الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بمبعث رسول الله، (وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم) العرب، والكتاب: القرآن (1). (فلذلك) أي: فلأجل ذلك التفرق (فادع) إلى الاتفاق والائتلاف على الملة الحنيفة (واستقم) عليها وعلى الدعوة إليها (كمآ أمرت ولا تتبع أهوآءهم) المختلفة الباطلة (وقل ءامنت بما أنزل الله) من الكتب على الأنبياء قبلي (وأمرت ms1086 لأعدل بينكم) في الدعاء إلى الحق ولا أحابي أحدا، أو: # أعدل بينكم في جميع الأشياء (لا حجة بيننا وبينكم) أي: لا خصومة لأن الحق قد ظهر، والحجة قد لزمتكم فلا حاجة إلى المحاجة، والمعنى: لا إيراد حجة بيننا وبينكم (الله يجمع بيننا) يوم القيامة فيفصل بيننا وينتقم لنا منكم. # (والذين يحآجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد (16) الله الذي أنزل الكتب بالحق والميزان وما يدريك لعل الساعة قريب (17) يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين ءامنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلل بعيد (18) الله لطيف بعباده ى يرزق من يشآء وهو القوى العزيز (19) من كان يريد حرث # PageV03P280 # الأخرة نزد له في حرثه ى ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته ى منها وماله في الأخرة من نصيب (20)) (الذين يحآجون في) دين (الله من بعد ما استجيب له) أي: استجابوا للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى ما دعاهم إليه ودخلوا في الإسلام لظهور حجته بالمعجزات والآيات التي أظهرها الله سبحانه فيه (حجتهم داحضة) أي: باطلة، سمى شبهتهم حجة على حسب اعتقادهم. # (الله الذي أنزل) جنس (الكتب... والميزان) أي: وأنزل العدل والتسوية في كتبه المنزلة، وقيل: الميزان الذي يوزن به أنزله من السماء (1) (بالحق) متلبسا بالحق مقترنا به، أو: بالغرض الصحيح كما اقتضته الحكمة، أو: بالواجب من التحريم والتحليل وغير ذلك (الساعة) في تأويل البعث، فلذلك قال: (قريب)، أو: لعل مجيء الساعة قريب. # (يمارون) يلاجون ويخاصمون في مجيء الساعة (لفي ضلل بعيد) من الحق؛ لأن قيام الساعة غير مستبعد من قدرة القادر بالذات، ولدلالة الكتاب المعجز على أنها آتية لا ريب فيها، ولقيام دليل العقل على أنه لابد من دار جزاء (الله لطيف بعباده) أي: بر بهم، بليغ البر، قد وصل بره إلى جميعهم، وإلى حيث لا يبلغه وهم أحد منهم. # سمى ما يعمله العامل مما يبتغي به الفائدة حرثا على المجاز، وفرق بين عمل ms1087 العاملين بأن من عمل للآخرة وفق في عمله وضوعفت حسناته، ومن عمل للدنيا أعطى شيئا منها لا ما يبتغيه (وما له... نصيب) قط في الآخرة، ولم يذكر في معنى # PageV03P281 # عامل الآخرة: " وله في الدنيا نصيب " مع أن رزقه المقسوم له لابد أن يصل إليه؛ للاستهانة بذلك إلى جنب ما هو بصدده من الفوز والسعادة في المآب. # (أم لهم شركؤا شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضى بينهم وإن الظلمين لهم عذاب أليم (21) ترى الظلمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين ءامنوا وعملوا الصلحت في روضات الجنات لهم ما يشآءون عند ربهم ذا لك هو الفضل الكبير (22) ذا لك الذي يبشر الله عباده الذين ءامنوا وعملوا الصلحت قل لا أسلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور (23) أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشإ الله يختم على قلبك ويمح الله البطل ويحق الحق بكلمته ى إنه عليم بذات الصدور (24) وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ى ويعفوا عن السيات ويعلم ما تفعلون (25) ويستجيب الذين ءامنوا وعملوا الصلحت ويزيدهم من فضله ى والكفرون لهم عذاب شديد (26) ولو بسط الله الرزق لعباده ى لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشآء إنه بعباده ى خبير بصير (27)) (أم لهم شركوءا) الهمزة في " أم " للتقريع والتقرير، وشركاؤهم: شياطينهم الذين زينوا لهم الشرك، والعمل للدنيا، وإنكار الحشر والجزاء وما لم يأمر الله به ولا أذن فيه (ولولا كلمة الفصل) في تأخير عذاب هذه الأمة إلى الآخرة (لقضى بينهم) أي: فرغ من عذابهم في الدنيا. # (ترى الظلمين) في الآخرة (مشفقين) خائفين خوفا شديدا، أرق قلوبهم (مما كسبوا) من السيئات (وهو واقع بهم) وجزاؤه وباله واقع بهم، واصل PageV03P282 # إليهم، أشفقوا أو لم يشفقوا، والضمير لكسبهم الذي دل عليه " ما كسبوا "، والروضة: # الأرض الخضرة لحسن النبات، وكأن (روضات الجنات) أطيب البقاع فيها وأنزهها (لهم ما يشآءون) ويشتهون، وانتصب (عند ربهم) بالظرف ms1088 لا ب‍ (يشآءون)، (ذلك) الثواب (هو الفضل) العظيم، والنعيم المقيم الذي يستأهل أن يسمى كبيرا (ذلك) الثواب (الذي يبشر الله به عباده) فحذف الجار كما في قوله: # ﴿واختار موسى قومه﴾ (1)، ثم حذف الضمير العائد إلى الموصول، أو: ذلك التبشير الذي يبشر الله به عباده المؤمنين الصالحين ليستبشروا بذلك في الدنيا. # وقرئ: (يبشر) من: بشره، و " يبشر " (2) من: أبشره. # وروي: أن المشركين قالوا فيما بينهم: أترون محمدا يسأل على ما يتعاطاه أجرا؟ ونزلت الآية (3)، (قل لا أسئلكم) على تبليغ الرسالة (أجرا إلا المودة في القربى) يجوز أن يكون استثناء متصلا، أي: لا أسألكم أجرا إلا هذا، وهو أن تودوا أهل قرابتي، ولم يكن هذا أجرا في الحقيقة لأن قرابته قرابتهم، فكانت صلتهم لازمة لهم في المروءة، ويجوز أن يكون استثناء منقطعا، أي: لا أسألكم أجرا قط ولكن أسألكم أن توادوا قرابتي وعترتي وتحفظوني فيهم، ومعنى (في القربى) أنه جعلهم مكانا للمودة ومقرا لها، كما تقول: لي في آل فلان مودة؛ و: لي فيهم حب شديد، تريد: أحبهم، و: هم مكان حبي ومودتي، وليست (في) بصلة ل‍ (المودة) كاللام إذا قلت: إلا المودة للقربى، إنما هي متعلقة بمحذوف كما # PageV03P283 # يتعلق الظرف به في قولك: المال في الكيس، وتقديره: إلا المودة ثابتة في القربى. # وعن ابن عباس: أنها لما نزلت قالوا: من قرابتك هؤلاء الذين أمرنا الله بمودتهم؟ قال: " علي وفاطمة وولدهما " (١). # وروى زاذان عن علي (عليه السلام) قال: " فينا من آل حم آية لا يحفظ مودتنا إلا كل مؤمن " ثم قرأ هذه الآية (٢). وإلى ذلك أشار الكميت في قوله: # وجدنا لكم في آل حم آية * تأولها منا تقي ومعرب (٣) (ومن يقترف حسنة) عن السدي: أن الحسنة المودة في آل رسول الله (٤) وزيادة حسنها من جهة الله عز اسمه: مضاعفتها، كقوله: ﴿فيضعفه له أضعافا كثيرة﴾ (5)، و " الشكور " في صفة الله عز وجل مجاز للاعتداد بالطاعة وتوفية ثوابها، والتفضل على المثاب. # (أم) منقطعة، ومعنى الهمزة فيها: التوبيخ، كأنه قال: أينسبون مثله إلى الافتراء، ثم ms1089 إلى الافتراء على الله الذي هو أفحش الفرى وأعظمها (فإن يشأ الله) يجعلك من المختوم على قلوبهم حتى تفتري عليه الكذب، فإنه لا يجترئ على افتراء الكذب على الله إلا من كان في مثل حالهم، وهذا الأسلوب مؤداه استبعاد الافتراء من مثله، وأنه في البعد مثل الشرك بالله، والدخول في جملة المختوم على قلوبهم. ثم أخبر سبحانه أنه يبطل ما يقولونه بقوله: (ويمحو الله البطل) أي: # PageV03P284 # ومن عادة الله أن يمحو الباطل (ويحق الحق) ويثبته (بكلمته) بوحيه أو بقضائه، كما قال: ﴿بل نقذف بالحق على البطل فيدمغه﴾ (١)، فهو يمحو الباطل الذي هم عليه من تكذيبك والبهت عليك، ويثبت الحق الذي أنت عليه وينصرك عليهم. # يقال: قبلت الشيء منه وقبلته عنه، فمعنى قبلته منه: أخذته منه وجعلته مبدأ قبولي، ومعنى قبلته عنه: عزلته عنه وأبنته عنه. # والتوبة: أن يرجع عن القبيح والإخلال بالواجب، بأن يندم عليها ويعزم على أن لا يعاودهما في المستقبل، لأن المرجوع عنه قبيح وإخلال بالواجب، وإن كان فيه لعبد حق لم يكن بد من التقصي (٢) على طريقه، وقرئ (ما تفعلون) بالتاء والياء (٣). # (ويستجيب الذين آمنوا) ويستجيب لهم فحذف اللام كما حذف في قوله: # ﴿وإذا كالواهم﴾ (4)، أي: يقبل طاعاتهم وعباداتهم (ويزيدهم) على ما يستحقونه من الثواب تفضلا، وإذا دعوه استجاب لهم دعاءهم وزادهم على مطلوبهم. # وعن عبد الله عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله: (ويزيدهم من فضله) إنه الشفاعة لمن وجبت له النار ممن أحسن إليهم في الدنيا (5). # (ولو بسط الله الرزق) أي: لو وسع الله الرزق على عباده على حسب ما يطلبونه (لبغوا) وظلموا (في الأرض) أي: يظلم هذا ذاك، وذاك هذا، لأن # PageV03P285 # الغنى مأشرة مبطرة وكفى بحال قارون عبرة، ولكنه (ينزل بقدر) أي: بتقدير. # وفي الحديث: " أخوف ما أخاف على أمتي زهرة الدنيا وكثرتها " (١). # ويجوز أن يكون من البغي الذي هو البذخ والتكبر، أي: لتكبروا في الأرض وفعلوا ما يدعو إليه الكبر من الفساد فيها، ولا شبهة أن كلا الأمرين مع الفقر أقل ms1090 ومع البسط أكثر (إنه خبير) بأحوال عباده (بصير) بمصالحهم ومفاسدهم. # (وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته وهو الولى الحميد (٢٨) ومن ءايته ى خلق السموات والأرض وما بث فيهما من دآبة وهو على جمعهم إذا يشآء قدير (٢٩) ومآ أصبكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير (٣٠) ومآ أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولى ولا نصير (٣١) ومن ءايته ى الجوار في البحر كالاعلم (٣٢) إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره ى إن في ذا لك لأيت لكل صبار شكور (٣٣) أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير (٣٤) ويعلم الذين يجدلون في ءايتنا مالهم من محيص (٣٥)) يريد برحمته: بركات الغيث ومنافعه، وما يحصل به من الخصب بإخراج النبات والثمار، ويجوز أن يريد: رحمته في كل شيء، أي: (ينزل الغيث) وينشر غيرها من رحمته الواسعة. # (وما بث) يجوز أن يكون مجرورا ومرفوعا عطفا على المضاف إليه أو المضاف، وقال فيهما: " والدواب في الأرض " لأن الشيء يجوز أن ينسب إلى جميع المذكور وإن كان ملتبسا ببعضه، كقوله ﴿يخرج منهما اللولؤ والمرجان﴾ (2) وإنما يخرج من الملح، ويجوز أن يكون للملائكة مشي مع الطيران فيوصفوا # PageV03P286 # بالدبيب كما يوصف به الإنسان، ولا يبعد أن يكون في السماوات من يمشي فيها كما يمشي الأناسي في الأرض. # وقرئ: " بما كسبت " بغير فاء (1) وكذلك هو في مصاحف أهل المدينة (2)، على أن يكون " بما كسبت " خبر المبتدأ الذي هو (ما أصبكم) من غير تضمين معنى الشرط، والآية مخصوصة بالمجرمين، ولا يمتنع أن يستوفي الله بعض عقاب المجرم في الدنيا ويعفو عن بعض، فأما من لا جرم له من المعصومين أو غير المكلفين من الأطفال والمجانين، فإذا أصابهم شيء من الآلام من مرض وغيره فللعوض الموفى عليه والغرض الذي هو المصلحة. # وعن علي (عليه السلام)، عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " خير آية في كتاب الله هذه الآية، يا علي ما من خدش عود ولا نكبة (3) قوم إلا بذنب، وما عفا ms1091 الله عنه في الدنيا فهو أكرم من أن يعود فيه، وما عاقب عليه في الدنيا فهو أعدل من أن يثني على عبده " (4). # والأعلام: الجبال، واحدها علم، قالت الخنساء: # وإن صخرا لتأتم الهداة به * كأنه علم في رأسه نار (5) (الجوار) وقرئ بحذف الياء وإثباتها (6)، والقياس الإثبات، وحذف هذه # PageV03P287 # الياءات قد كثر في كلامهم فصار مثل القياس، وهي السفن الجارية (إن يشأ) الله (يسكن الريح) فتبقى السفن راكدة واقفة (على) ظهر الماء، فجعل سبحانه بكمال قدرته هبوب الريح في الجهة التي تسير إليها السفينة (لكل صبار) على بلاء الله (شكور) لنعمائه، وهما صفتا المؤمن المخلص. (أو يوبقهن) أي: # يهلكهن بأن يرسل الريح عاصفة فيغرقهن بسبب (ما كسبوا) من الذنوب (ويعف عن كثير) منها، وعطف (يوبقهن) على (يسكن) لأن المعنى: إن يشأ يسكن الريح فيركدن أو يعصفها فيغرقن بعصفها. # وقرئ: (ويعلم) بالنصب والرفع (١) فأما النصب فللعطف على تعليل محذوف، وتقديره: لننتقم منهم ويعلم الذين يجادلون، ونحوه كثير في التنزيل، منه قوله: ﴿ولنجعلك ءاية للناس﴾ (٢) ﴿ولتجزى كل نفس بما كسبت﴾ (3)، وأما الرفع فعلى الاستئناف. # (فمآ أوتيتم من شىء فمتع الحيوة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين ءامنوا وعلى ربهم يتوكلون (36) والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون (37) والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلوة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقنهم ينفقون (38) والذين إذ آ أصابهم البغى هم ينتصرون (39) وجزاؤا سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظلمين (40) ولمن انتصر بعد ظلمه ى فأولئك ما عليهم من سبيل (41) إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم (42) ولمن صبر وغفر إن ذا لك لمن عزم الامور (43) ومن يضلل # PageV03P288 # الله فماله من ولى من بعده ى وترى الظلمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل (44) وتراهم يعرضون عليها خشعين من الذل ينظرون من طرف خفي وقال الذين ءامنوا إن الخسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيمة ألا إن الظلمين في عذاب مقيم ms1092 (45) وما كان لهم من أوليآء ينصرونهم من دون الله ومن يضلل الله فما له من سبيل (46)) وقرئ: " كبير الإثم " على التوحيد (1) وجاز أن يراد به الجمع كما في قوله: # (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) (2). # وفي الحديث: " منعت العراق درهمها وقفيزها " (3). # (والذين يجتنبون) عطف على (الذين ءامنوا) وكذلك ما بعده، (هم يغفرون) أي: هم الأخصاء بالغفران في حال الغضب، لا يغول الغضب أحلامهم كما يغول أحلام غيرهم من الناس، فهذه فائدة " هم " وإيقاعه مبتدأ، ومثله (هم ينتصرون). # والشورى: مصدر بمعنى التشاور، أي: (وأمرهم شورى بينهم) وقيل: إن المعني بالآية أن الأنصار تشاوروا في أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما ورد النقباء عليهم من عنده، فاجتمعوا في دار أبي أيوب على الإيمان به والنصرة له (4). والمنتصرون هم المؤمنون الذين أخرجوا من مكة وبغى عليهم الكفار، ثم مكنهم الله فانتصروا منهم. # PageV03P289 # (وجزؤا سيئة سيئة مثلها) سمى سبحانه كلتا الفعلتين: الأولى وجزاءها سيئة؛ لأنها تسوء من تنزل به. ومعناه: أنه إذا قوبلت الإساءة وجب أن يقابل بمثلها من غير زيادة (فمن عفا) عما له المؤاخذة به (وأصلح) أمره فيما بينه وبين ربه، أو: بينه وبين خصمه بالعفو والإغضاء (فأجره على الله) عدة مبهمة لا يحاط بكنهها في العظم (إنه لا يحب الظلمين) فيه دلالة على أن الانتصار لا يؤمن فيه تجاوز النصفة والسوية والاعتداء، ولا سيما في حال الغضب، فربما كان المنتصر ظالما من حيث لا يشعر. # وفي الحديث: " إذا كان يوم القيامة نادى مناد: من كان أجره على الله فليدخل الجنة، فيقال: من ذا الذي أجره على الله؟ فيقال: العافون عن الناس يدخلون الجنة بغير حساب " (1). # (بعد ظلمه) أضاف المصدر إلى المفعول، أي: بعد أن ظلم وتعدي عليه (فأولئك) إشارة إلى معنى " من " دون لفظه (ما عليهم من سبيل) للمعاقب ولا للعائب (إنما السبيل) أي: العقاب والذم (على الذين يظلمون الناس) ابتداء. # (ولمن صبر) على الظلم والأذى (وغفر) ولم ينتصر (إن ذلك) الصبر والمغفرة منه (لمن عزم الامور) وحذف ms1093 الراجع؛ للعلم به كما حذف من قولهم: السمن منوان بدرهم، و عزم الأمور: هو الأخذ بأعلاها في باب نيل الثواب والأ جر. # (خشعين) متواضعين متضائلين مما يلحقهم (من الذل ينظرون من طرف خفي) أي: يبتدئ نظرهم من تحريك ضعيف لأجفانهم، خفي بمسارقة، كما ترى المصبور (2) ينظر إلى السيف لا يملأ أجفانه منه كما يفعله الناظر إلى # PageV03P290 # ما يحبه، وقوله: (يوم القيمة) إن تعلق ب‍ (خسروا) كان قول المؤمنين واقعا في الدنيا، وإن تعلق ب‍ (قال) فالمعنى: يقولون يوم القيامة: (إن الخسرين) في الحقيقة هم الذين فوتوا (أنفسهم) الانتفاع بنعيم الجنة (و) خسروا (أهليهم) وأولادهم وأزواجهم إذ حيل بينهم وبينهم، وأهليهم (1) من الحور العين. # (استجيبوا لربكم من قبل أن يأتى يوم لا مرد له من الله مالكم من ملجإ يومئذ وما لكم من نكير (47) فإن أعرضوا فمآ أرسلنك عليهم حفيظا إن عليك إلا البلغ وإنآ إذ آ أذقنا الانسن منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الانسن كفور (48) لله ملك السموات والارض يخلق ما يشآء يهب لمن يشآء إنثا ويهب لمن يشآء الذكور (49) أو يزوجهم ذكرانا وإنثا ويجعل من يشآء عقيما إنه عليم قدير (50) وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من ورآى حجاب أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ى ما يشآء إنه على حكيم (51) وكذا لك أوحينآ إليك روحا من أمرنا ما كنت تدرى ما الكتب ولا الايمن ولكن جعلنه نورا نهدى به ى من نشآء من عبادنا وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم (52) صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الامور (53)) (من الله): " من " صلة (لا مرد) أي: لا يرده الله بعدما حكم به، أو: " من " صلة (يأتى) أي: من قبل أن يأتي من الله يوم لا يقدر أحد على رده، والنكير: # الإنكار والتغيير. # والمراد بالإنسان هنا الجمع لا الواحد لقوله: (وإن تصبهم) والمعني بهم # PageV03P291 # المجرمون، لأن إصابة السيئة (بما قدمت أيديهم) لا يستقيم إلا فيهم، والمراد ms1094 بالرحمة: النعمة من الصحة والعافية والغنى والأمن، وبالسيئة: البلاء من القحط والمرض والفقر والمخاوف، والكفور: البليغ في الكفران، ولم يقل: فإنه كفور ليسجل على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعم كما قال: (إن الانسن لظلوم كفار) (١)، ﴿إن الانسن لربه لكنود﴾ (2) أي: يذكر البلاء وينسى النعم. # ولما ذكر سبحانه إذاقة الإنسان الرحمة وإصابته بضدها عقب ذلك بأن له (ملك السموت والارض) وأنه يقسم كيف شاء النعمة والبلاء، و (يهب) كيف أراد لعباده الأولاد فيخص بعضهم بالإناث، وبعضهم بالذكور، وبعضهم بالصنفين جميعا، ويعقم منهم من يشاء فلا يهب له ولدا. # (وما كان لبشر) وما صح لأحد من البشر (أن يكلمه الله) إلا على أحد ثلاثة أوجه: إما على طريق الوحي وهو الإلهام والقذف في القلب أو المنام، كما أوحى إلى أم موسى، وإلى إبراهيم في ذبح ولده، وأوحى إلى داود الزبور في صدره، وإما أن يسمعه كلامه الذي يحدثه في بعض الأجرام من غير أن يبصر السامع من يكلمه، لأنه في ذاته غير مرئي، وقوله: (من ورآء حجاب) مثل أي: # كما يكلم الملك المحتجب بعض خواصه وهو من وراء حجاب فيسمع صوته ولا يرى شخصه، وذلك كما كلم سبحانه موسى ويكلم الملائكة، وإما على أن يرسل إليه رسولا من الملائكة فيوحي الملك إليه، كما كلم غير موسى من الأنبياء على ألسنتهم وقيل: (وحيا) كما أوحى إلى الرسل بواسطة الملك، أو يرسل رسولا نبيا كما كلم أمم الأنبياء على ألسنتهم (3)، و (وحيا) و " أن يرسل " مصدران وقعا موقع الحال، كما يقال: جئت ركضا، و: أتيت مشيا، لأن " أن يرسل " في معنى # PageV03P292 # " إرسالا "، و (من وراء حجاب) ظرف وقع موقع الحال أيضا كقوله: ﴿دعانا لجنبه أو قاعدا أو قآئما﴾ (1)، وتقديره: وما صح أن يكلم الله واحدا إلا موحيا أو مسمعا (من وراء حجاب) أو مرسلا رسولا. ويجوز أن يكون (وحيا) موضوعا موضع " كلاما " لأن الوحي كلام خفي في سرعة، كما يقول: لا أكلمه إلا جهرا، لأن الجهر ضرب من الكلام، وكذلك " إرسالا " جعل الكلام ms1095 على لسان الرسول بمنزلة الكلام بغير واسطة، تقول: قلت لفلان كذا، وإنما قاله وكيلك أو رسولك، وقوله: (أو من وراء حجاب) معناه: أو إسماعا من وراء حجاب. ومن جعل (وحيا) في معنى " أن يوحي " وعطف (أو يرسل) عليه على معنى: وما كان لبشر أن يكلمه إلا بأن يوحي أو بأن يرسل، فلا بد أن يقدر قوله: (أو من وراء حجاب) تقديرا يطابقهما عليه، نحو: أو أن يسمع من وراء حجاب. وقرئ: " أو يرسل فيوحى " بالرفع (2) على: " أو هو يرسل "، أو: هو بمعنى " مرسلا " عطفا على (وحيا) في معنى " موحيا " (إنه على) عن صفات المخلوقين (حكيم) يجري أفعاله عن الحكمة، فيكلم تارة بواسطة، وأخرى بغير واسطة: إما إلهاما أو خطابا. # (روحا من أمرنا) يعني: القرآن، لأن الخلق يحيون به في دينهم كما يحيا الجسد بالروح، وقيل: هو روح القدس (3)، وقيل: هو ملك أعظم من جبرائيل أو ميكائيل كان مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (4) (ولا الايمن) يعني: معالم الإيمان من الشرائع. # * * * # PageV03P293 # سورة الزخرف مكية (1)، وقيل: إلا آيات، وروي أن قوله: (وسئل من أرسلنا) (2) نزلت ببيت المقدس (3)، وقيل: إن قوله: (فإما نذهبن بك) (4) الآيات نزلت في حجة الوداع (5). تسع وثمانون آية (حم) كوفي، (هو مهين) (6) بصري. # وفي حديث أبي: " من قرأ سورة الزخرف كان ممن يقال له يوم القيامة: # (يعباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون) " (7). # وعن الباقر (عليه السلام): " من أدمن قراءة حم الزخرف آمنه الله في قبره من هوام الأرض، ومن ضمة القبر " (8). # PageV03P295 # بسم الله الرحمن الرحيم (حم (١) والكتب المبين (٢) إنا جعلنه قرءا نا عربيا لعلكم تعقلون (٣) وإنه في أم الكتب لدينا لعلى حكيم (٤) أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين (٥) وكم أرسلنا من نبى في الأولين (٦) وما يأتيهم من نبى إلا كانوا به ى يستهزءون (٧) فأهلكنآ أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين (٨) ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن خلقهن العزيز العليم (٩) الذي جعل لكم الارض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون (١٠)) (الكتب المبين) ms1096 القرآن، وهو البين للذين أنزل عليهم، لأنه بلغتهم، وقيل: # الذي أبان طريق الهدى وما تحتاج إليه الأمة من الحرام والحلال وشرائع الإسلام (١). و (إنا جعلنه) جواب القسم، وهو بمعنى " صيرناه " فتعدى إلى مفعولين، أو تعدى إلى مفعول واحد على معنى " خلقناه "، و (قرءنا عربيا) حال، و " لعل " مستعار بمعنى الإرادة لتلاحظ معناها ومعنى (٢) الترجي، أي: خلقناه عربيا غير عجمي إرادة أن تعقله العرب، ولئلا يقولوا: ﴿لولا فصلت ءايته﴾ (٣). # وقرئ: " إم الكتاب " بكسر الهمزة (٤) وهو اللوح، كقوله: ﴿بل هو قرءان مجيد في لوح محفوظ﴾ (5) سمي بأم الكتاب لأنه الأصل الذي أثبتت فيه الكتب، # PageV03P296 # منه تنقل وتستنسخ (لعلى) أي: عال رفيع الشأن في الكتب لكونه معجزا من بينها، (حكيم) ذو حكمة بالغة، أي: منزلته عندنا منزلة كتاب هما صفتاه، وهو مثبت في أم الكتاب هكذا. # (أفنضرب عنكم الذكر) أي: أفننحي (1) عنكم الذكر ونذوده عنكم على سبيل المجاز، من قولهم: " ضرب الغرائب عن الحوض " (2) والفاء للعطف على محذوف تقديره: أنهملكم فنضرب عنكم الذكر (صفحا) على وجهين: إما مصدر من: صفح عنه إذا أعرض، انتصب على أنه مفعول له على معنى: أفنعزل عنكم إنزال القرآن وإلزام الحجة إعراضا عنكم، وإما بمعنى الجانب فانتصب على الظرف كما تقول: فلان يمشي جانبا (أن كنتم) لان كنتم. وقرئ " إن كنتم " (3) وإنما استقام معنى الشرط وقد كانوا (مسرفين) على القطع، لأنه من الشرط الذي يصدر عن المدل أي: المظهر بصحة الأمر المتحقق لثبوته، كما يقول الأجير: إن كنت عملت لك فوفني حقي، وهو عالم بذلك ولكنه يخيل في كلامه أن تفريطك في الخروج عن الحق فعل من له شك في الاستحقاق مع وضوحه استجهالا له. # (وما يأتيهم) حكاية حال ماضية مستمرة، وهي تسلية لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن استهزاء قومه. الضمير في (أشد منهم) للمسرفين، لأنه صرف الخطاب عنهم إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يخبره عنهم (ومضى مثل الأولين) أي: سلف في القرآن في مواضع منه ذكر قصتهم التي سارت مسير المثل، ms1097 وهذا وعد لرسول الله ووعيد # PageV03P297 # لهم. (ليقولن خلقهن العزيز العليم) لينسبن خلقها إلى الله العزيز، وليسندنه إليه. # (والذي نزل من السمآء مآء بقدر فأنشرنا به ى بلدة ميتا كذا لك تخرجون (11) والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والانعم ما تركبون (12) لتستووا على ظهوره ى ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحن الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين (13) وإنآ إلى ربنا لمنقلبون (14) وجعلوا له من عباده ى جزءا إن الانسن لكفور مبين (15) أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين (16) وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم (17) أومن ينشؤا في الحلية وهو في الخصام غير مبين (18) وجعلوا الملئكة الذين هم عبد الرحمن إنثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهدتهم ويسلون (19) وقالوا لو شآء الرحمن ما عبدنهم مالهم بذا لك من علم إن هم إلا يخرصون (20)) (بقدر) بمقدار الحاجة ولم يكن طوفانا يضر بالبلاد والعباد. و (الازوج): # الأصناف و (ما تركبون) أي: تركبونه في البر والبحر، يقال: ركبوا الأنعام وركبوا في الفلك، فغلب المتعدي بغير واسطة لقوته على المتعدي بواسطة وإن كان الجنسان مذكورين. (لتستووا على ظهوره) أي: على ظهور ما تركبونه، و (تذكروا نعمة ربكم) عليكم، وهو أن تعترفوا بها في قلوبكم مستعظمين لها، ثم تحمدوه عليها بألسنتكم. # وهو ما روي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان إذا استوى على بعيره خارجا في سفر كبر ثلاثا وقال: (سبحن الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون) اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى والعمل بما ترضى، اللهم هون علينا PageV03P298 # سفرنا هذا واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في الأهل والمال، وإذا رجع قال: آيبون تائبون لربنا حامدون (1). # وعن الصادق (عليه السلام) قال: " ذكر النعمة أن تقول: الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وعلمنا القرآن، ومن علينا بمحمد (صلى الله عليه وآله ms1098 وسلم)، وتقول بعده: (سبحن الذي سخر لنا هذا) إلى آخره " (2). # (مقرنين) أي: مطيقين، وحقيقة " أقرنه ": وجده قرينته وما يقرن به؛ لأن الصعب لا يقرن بالضعيف، ولما كان الركوب مباشرة أمر ذي خطر، فمن حق الراكب أن لا ينسى انقلابه إلى الله، ولا يدع ذكر ذلك حتى يكون مستعدا للقاء الله. # (وجعلوا له من عباده جزءا) متصل بقوله: (ولئن سألتهم) أي: إن سألتهم عن الخالق اعترفوا به، وقد جعلوا له مع ذلك الاعتراف من عباده جزءا بأن قالوا: # الملائكة بنات الله، فجعلوهم جزءا له وبعضا منه، كما يكون الولد بضعة من والده، فوصفوه بصفة المخلوقين (إن الإنسن لكفور) جحود النعمة (مبين) ظاهر جحوده؛ لأن نسبة الولد إليه كفر، والكفر أصل الكفران كله. # (أم اتخذ) بل اتخذ، الهمزة للإنكار تجهيلا لهم وتعجيبا من نشأتهم (3) حيث لم يرضوا بأن جعلوا لله من عباده جزءا، حتى جعلوا ذلك الجزء أدون الجزأين، وهو الإناث دون الذكور، على أنهم أمقت خلق الله للإناث حتى أنهم كانوا يئدونهن. (وإذا بشر أحدهم) بالجنس الذي جعله الله (مثلا) أي: شبها، # PageV03P299 # لأنه إذا جعل الملائكة جزءا له وبعضا منه فقد جعله من جنسه ومماثلا له، لأن الولد إنما يكون من جنس الوالد (ظل وجهه مسودا) غيظا وأسفا (وهو كظيم) مملوء من الكرب. ثم قال: (أو) يجعل للرحمن من الولد من هذه صفته وهو أنه (ينشؤا في الحلية) أي: يتربى في الزينة والنعمة، وهو إذا احتاج إلى مجاثاة الخصوم ومخاصمة الرجال كان (غير مبين) ليس عنده بيان، ولا يأتي ببرهان يحج به من خاصمه، وذلك لضعف عقول النساء. # وقرئ: " عند الرحمن " (1) وهو مثل لاختصاصهم وزلفاهم و (عبد الرحمن) وقرئ: " ينشأ " (2) و (ينشؤا)، ومعنى (جعلوا) سموا وقالوا: إنهم إناث، وقرئ " أأشهدوا " بهمزتين مفتوحة ومضمومة (3)، و " آأشهدوا " بألف بين الهمزتين (4)، وهذا تهكم بهم، يعني: أنهم كانوا يقولون ذلك بغير علم ودليل، فلم يبق إلا أن يشاهدوا (خلقهم) فأخبروا عن المشاهدة (ستكتب شهادتهم) التي شهدوا بها على الملائكة (ويسئلون) وهذا وعيد. # (وقالوا لو شاء ms1099 الرحمن ما عبدنهم) هما نوعان من الكفر: عبادتهم الملائكة، وزعمهم أن عبادتهم بمشيئة الله كما قال إخوانهم المجبرة، ثم كذبهم سبحانه بقوله: (إن هم إلا يخرصون) أي: يكذبون. # (أم ءاتينهم كتبا من قبله ى فهم به ى مستمسكون (21) بل قالوا إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة وإنا على ءاثرهم مهتدون (22) وكذا لك مآ # PageV03P300 # أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوهآ إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة وإنا على ءاثرهم مقتدون (23) قل أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه ءابآءكم قالوا إنا بمآ أرسلتم به ى كفرون (24) فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عقبة المكذبين (25) وإذ قال إبرا هيم لأبيه وقومه ى إننى برآء مما تعبدون (26) إلا الذي فطرنى فإنه سيهدين (27) وجعلها كلمة باقية في عقبه ى لعلهم يرجعون (28) بل متعت هؤلاء وءابآءهم حتى جآءهم الحق ورسول مبين (29) ولما جآءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به ى كفرون (30)) أي: أهذا شيء يخرصونه (أم ءاتينهم كتبا) قبل هذا الكتاب نسبنا فيه الكفر إلينا فهم (مستمسكون) به، بل لا حجة لهم يستمسكون بها إلا قولهم: (إنا وجدنا ءابآءنا على أمة) أي: دين وملة وطريقة (وإنا على ءاثرهم مهتدون) خبران ل‍ " إن " أو الظرف صلة (مهتدون). و (مترفوهآ): الذين أترفتهم النعمة، أي: أبطرتهم فآثروا الترفه على طلب الحجة، وعافوا مشاق التكليف، وكل فريق يقلد أسلافه. # وقرئ " قل " (1) و (قال) أي: قال لهم النذير، و " قل " حكاية لما أوحي إلى النذير، أي: قل لهم (أولو جئتكم)، وقرئ: " جئناكم " (2)، أي: أتبعون آباءكم ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم؟ (قالوا إنا) ثابتون على دين آبائنا وإن جئتنا بما هو أهدى. # PageV03P301 # (برآء) يستوي فيه الواحد والاثنان والجماعة، والمذكر والمؤنث؛ لأنه مصدر، يقال: نحن البراء منك والخلاء منك. (الذي فطرنى) يجوز أن يكون منصوبا على أنه استثناء منقطع، كأنه قال: لكن الذي فطرني وأنشأني فإنه (سيهدين)، وأن يكون مجرورا بدلا من المجرور ب‍ " من " كأنه قال: إني براء مما تعبدون إلا من الذي فطرني. وعن قتادة: كانوا يقولون: الله ms1100 ربنا مع عبادتهم الأصنام (1)، ويجوز أن يكون " ما " موصوفة في (ما تعبدون)، و (إلا) صفة بمعنى " غير "، ويكون التقدير: إنني براء من آلهة تعبدونها غير الذي فطرني. # (وجعلها) أي: جعل إبراهيم كلمة التوحيد التي تكلم بها (كلمة باقية في عقبه) في ذريته، فلا يزال فيهم من يوحد الله ويدعو إلى توحيده، وقيل: وجعلها الله (2). # وعن الصادق (عليه السلام): " الكلمة الباقية في عقبه هي الإمامة إلى يوم القيامة " (3). # وعن السدي: هم آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) (4). # (لعلهم يرجعون) لعل من أشرك منهم يرجع بدعاء من وحد منهم. (بل متعت هؤلاء) يعني: أهل مكة وهم من عقب إبراهيم بالمد في العمر والنعمة، فاغتروا بالمهلة، وشغلوا باتباع الشهوات عن كلمة التوحيد (حتى جاءهم الحق) وهو القرآن (ورسول مبين) الرسالة واضحها بما معه من المعجزات، فكذبوه وسموه ساحرا وما جاء به سحرا. # PageV03P302 # (وقالوا لولا نزل هذا القرءان على رجل من القريتين عظيم (31) أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحيوة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجت ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون (32) ولولا أن يكون الناس أمة وا حدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون (33) ولبيوتهم أبوا با وسررا عليها يتكون (34) وزخرفا وإن كل ذا لك لما متع الحيوة الدنيا والأخرة عند ربك للمتقين (35) ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطنا فهو له قرين (36) وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون (37) حتى إذا جآءنا قال يليت بينى وبينك بعد المشرقين فبئس القرين (38) ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون (39) أفأنت تسمع الصم أو تهدى العمى ومن كان في ضلل مبين (40)) القريتان: مكة والطائف (من القريتين) من إحدى القريتين، وقيل: من رجلي القريتين وهما: الوليد بن المغيرة من مكة، وحبيب بن عمرو الثقفي من الطائف عن ابن عباس (1)، والوليد بن المغيرة وعروة بن مسعود الثقفي عن قتادة (2)، وأراد بعظم الرجل رئاسته في الدنيا. # (أهم يقسمون رحمت ربك) الهمزة للإنكار والتعجب ms1101 من اعتراضهم وتحكمهم، أي: أهم المدبرون لأمر النبوة والتخير لها من يصلح لها ويقوم بها، والمتولون لقسمة رحمة الله التي لا يتولاها إلا هو بحكمته، ثم ضرب لهم مثلا # PageV03P303 # فأعلم أنهم عاجزون عن تدبير مصالحهم في دنياهم، وأنه سبحانه قسم بينهم معيشتهم وقدرها، وفضل بعضهم على بعض فيها فجعل منهم أغنياء ومحاويج، وأقوياء وضعفاء، ليستخدم (بعضهم بعضا) وليسخروهم في أشغالهم حتى يصلوا إلى منافعهم، ولم يولهم ذلك التدبير ولم يفوضه إليهم مع قلة خطره، فكيف يكون اختيار النبوة إليهم مع جلالة قدرها وعظم خطرها وكونها رحمة الله الكبرى؟ ثم قال: (ورحمت ربك) يريد: وهذه الرحمة التي هي دين الله وما يتبعه من الفوز والثواب (خير مما) يجمع هؤلاء من حطام الدنيا. # ثم أخبر سبحانه عن هوان الدنيا وقلة خطرها عنده فقال: (ولولا أن يكون الناس أمة وحدة) أي: لولا كراهة أن يجتمعوا على الكفر (لجعلنا) للكفار سقوفا ومصاعد، و (أبوبا وسررا) من فضة (و) جعلنا لهم (زخرفا) أي: زينة من كل شيء، والزخرف: الذهب والزينة. ويجوز أن يكون الأصل: " سقفا من فضة وزخرف " يعني: بعضها من فضة وبعضها من ذهب، فنصب (زخرفا) عطفا على محل (من فضة). وقوله: (لبيوتهم) بدل اشتمال من قوله: (لمن يكفر) وقرئ: " سقفا " بفتح السين وسكون القاف (١)، و (سقفا) بضمهما، جمع سقف ك‍ " رهن " و " رهن "، و (معارج) جمع معرج، أو: اسم جمع لمعراج وهي المصاعد إلى العلالي، (عليها يظهرون) أي: على المعارج، يظهرون السطوح: # يعلونها كما في قوله: ﴿فما اسطعوا أن يظهروه﴾ (2) وقرئ (لما) بالتخفيف (3) والتشديد، فالتخفيف على أن اللام هي المفارقة بين النفي والإثبات، و (إن) # PageV03P304 # هي المخففة من الثقيلة و " ما " مزيدة، والتشديد على أن (لما) بمعنى " إلا "، و (إن) هي النافية. # يقال: عشا يعشو: إذا نظر نظر المعشي ولا آفة به، وعشى يعشي: إذا حصلت الآفة في بصره، أي: من يتعام (عن ذكر الرحمن) فيعرف أنه حق ويتجاهل (نقيض له شيطنا) نخذله ونخل بينه وبين الشياطين، كقوله: ﴿وقيضنا لهم قرناء﴾ (١)، ﴿ألم تر ms1102 أنا أرسلنا الشيطين﴾ (2). وقرئ " يقيض " بالياء (3)، وجمع ضمير " من " وضمير " الشيطان " في قوله: (وإنهم ليصدونهم) لأن " من " مبهم في جنس العاشي وقد قيض له شيطان مبهم في جنسه، فلما جاز أن يتناولا لإبهامهما غير واحدين جاز أن يرجع الضمير إليهما مجموعا. # (حتى إذا جآءنا) العاشي، وقرئ " جاءانا " (4) على أن الفعل له ولشيطانه، قال لشيطانه: (يا ليت بينى وبينك بعد المشرقين) يريد: المشرق والمغرب، فغلب، كما قيل: " القمران " للقمر والشمس، قال: # أخذنا بآفاق السماء عليكم * لنا قمراها والنجوم الطوالع (5) وبعدهما: تباعدهما، الأصل: بعد المشرق من المغرب، والمغرب من المشرق. # (أنكم) في موضع رفع، أي: (لن ينفعكم) كونكم مشتركين (في العذاب)، (إذ ظلمتم) معناه: إذا صح ظلمكم وتبين. # PageV03P305 # (أفأنت تسمع) إنكار تعجيب، والمراد: أنت لا تقدر على إكراههم على الإيمان. # (فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون (41) أو نرينك الذي وعدنهم فإنا عليهم مقتدرون (42) فاستمسك بالذي أوحى إليك إنك على صرا ط مستقيم (43) وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسلون (44) وسل من أرسلنا من قبلك من رسلنآ أجعلنا من دون الرحمن ءالهة يعبدون (45)) " ما " في قوله (فإما نذهبن) بمنزلة لام القسم في أنها (1) إذا دخلت معها النون الثقيلة، والمعنى: إن قبضناك وتوفيناك (فإنا... منتقمون) منهم بعدك. وعن الحسن وقتادة: أن الله أكرم نبيه بأن لم يره تلك النقمة، وقد كان ذلك بعده (2). # وقد روي أنه (عليه السلام) أري ما تلقى أمته بعده، فما زال منقبضا ولم ينبسط ضاحكا حتى قبض (3). # وروى جابر بن عبد الله قال: إني لأدناهم من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في حجة الوداع بمنى حين قال: " لا ألفينكم، ترجعون بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، وأيم الله لئن فعلتموها لتعرفنني في الكتيبة التي تضاربكم " ثم التفت إلى خلفه فقال: " أو علي أو علي " ثلاث مرات، فرأينا أن جبرائيل (عليه السلام) غمزه فأنزل الله تعالى على أثر ذلك: (فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون) بعلي بن أبي طالب (عليه السلام) " (4). # وإن أردنا أن نريك ما وعدناهم من العذاب فإنهم ms1103 تحت قدرتنا لا يفوتوننا، # PageV03P306 # وقيل: إنه (عليه السلام) رأى نقمة الله منهم يوم بدر بأن أسر منهم وقتل (1). # (فاستمسك) أي: تمسك بما أوحينا (إليك) والعمل به (إنك على صرط مستقيم) لا يحيد عنه إلا ضال. (وإنه) وإن الذي أوحي إليك (لذكر لك) لشرف لك (ولقومك) لقريش أو للعرب، يختص بذلك الشرف الأقرب منهم فالأقرب، ول‍ (سوف تسئلون) يوم القيامة عن قيامكم بحقه، وشكركم على أن رزقتموه وخصصتم به من بين العالمين. # والمراد بسؤال الرسل النظر في أديانهم والفحص عنها: هل جاءت عبادة الأوثان قط في شيء من مللهم؟ وهذا كما قيل: سل الأرض من شق أنهارك، وغرس أشجارك، وجنى ثمارك؟ فإنها إن لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا، وقيل: # إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جمع له الأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس فأمهم، وقيل له: # سلهم، فلم يشكك ولم يسأل (2). # (ولقد أرسلنا موسى بايتنآ إلى فرعون وملايه فقال إنى رسول رب العلمين (46) فلما جآءهم بايتنآ إذا هم منها يضحكون (47) وما نريهم من ءاية إلا هى أكبر من أختها وأخذنهم بالعذاب لعلهم يرجعون (48) وقالوا يأيه الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون (49) فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون (50) ونادى فرعون في قومه ى قال يقوم أليس لى ملك مصر وهذه ى الانهر تجرى من تحتى أفلا تبصرون (51) أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين (52) فلولا ألقى عليه أسورة من ذهب أو جآء معه الملئكة # PageV03P307 # مقترنين (53) فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فسقين (54) فلمآ ءاسفونا انتقمنا منهم فأغرقنهم أجمعين (55) فجعلنهم سلفا ومثلا للاخرين (56)) ما أجابوه به عند قوله: (إنى رسول رب العلمين) محذوف دل عليه قوله: # (فلما جاءهم بآيتنا) وهو مطالبتهم إياه بالدلالة على دعواه، وأجيب (لما) ب‍ (إذا) المفاجأة، لأن فعل المفاجأة معها مقدر، وهو عامل النصب في محلها، كأنه قال: فلما جاءهم بآياتنا فاجؤوا وقت ضحكهم. (وما نريهم من ءاية) من آياته المترادفة عليهم من الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس (إلا ms1104 هى أكبر من أختها) التي قبلها (لعلهم يرجعون) أي: إرادة أن يرجعوا عن الكفر إلى الإيمان. # (بما عهد عندك) أي: بعهده عندك من النبوة، وأن دعوتك مستجابة، أو: بما عهد عندك من كشف العذاب عمن اهتدى، وقولهم: (إننا لمهتدون) وعد قد نووا خلافه، فما كانت تسميتهم إياه بالساحر بمنافية لقولهم: (إننا لمهتدون). # (ونادى فرعون في قومه) جعلهم محلا لندائه، والمعنى: أنه أمر بالنداء في محافلهم من نادى فيها بذلك، فأسند النداء إليه، كقولك: قطع الأمير اللص: إذا أمر بقطعه (وهذه الأنهر) من النيل وغيره (تجرى من) تحت أمري، مبتدأ وخبر، ويجوز أن يكون (الأنهر) عطفا على (ملك مصر) و (تجرى) نصب على الحال منها. (أم أنا خير): " أم " هذه متصلة، لأن المعنى: أفلا تبصرون أم تبصرون، إلا أنه وضع قوله: (أنا خير) موضع (تبصرون) لأنهم إذا قالوا له: أنت خير فهم عنده بصراء، ويجوز أن تكون منقطعة على معنى: بل أنا خير، والهمزة للتقرير والمعنى: أثبت عندكم واستقر أني أنا خير مع أني على هذه الحالة (من هذا الذي PageV03P308 # هو مهين) أي: ضعيف حقير (ولا يكاد يبين) الكلام؛ لما به من الرتة (1). # وعن الحسن: كانت العقدة زالت عن لسانه كما قال: (واحلل عقدة من لسانى) وإنما عيره بما كان في لسانه قبل النبوة (2). # وقرئ: " أساورة " (3) وهي جمع أسوار على تعويض التاء من ياء " أساوير "، و " أسورة " جمع " سوار " (مقترنين) به، من قولك: قرنته به فاقترن به، أو: من قولك: اقترنوا بمعنى " تقارنوا ". # (فاستخف قومه) فاستفزهم، وحقيقته: حملهم على أن يخفوا له ولما أراده منهم، وكذلك " استفزه " فإن الفز هو الخفيف. (فلما ءاسفونا) أي: أغضبونا، وغضبه سبحانه على العصاة هو إرادة عقابهم، وقيل: معناه: آسفوا رسلنا (4)، لأن في الأسف معنى الحزن (5). وقرئ: (سلفا) جمع سالف، و " سلفا " (6) جمع سليف، أي: جعلناهم قدوة لمن أتى بعدهم من الكفار يقتدون بهم في استحقاق مثل عقابهم لإتيانهم بمثل أفعالهم (ومثلا) أي: حديثا عجيب الشأن، سائرا مسير المثل، يشبه غيرهم بهم. # (ولما ضرب ابن مريم ms1105 مثلا إذا قومك منه يصدون (57) وقالوا # PageV03P309 # ءأالهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون (٥٨) إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلنه مثلا لبنى إسراءيل (٥٩) ولو نشآء لجعلنا منكم ملئكة في الأرض يخلفون (٦٠) وإنه لعلم للساعة فلا تمترون بها واتبعون هذا صراط مستقيم (٦١) ولا يصدنكم الشيطن إنه لكم عدو مبين (٦٢) ولما جآء عيسى بالبينت قال قد جئتكم بالحكمة ولابين لكم بعض الذي تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون (٦٣) إن الله هو ربى وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (٦٤) فاختلف الاحزاب من بينهم فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم (٦٥)) قرئ: (يصدون) بضم الصاد (١) وكسرها، واختلفوا في معنى الآية على وجوه: # أحدها: أنه لما نزل قوله: ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾ (2) قالوا: ألست تزعم أن عيسى نبي؟ وقد علمت أن النصارى يعبدونه، وعزير يعبد، والملائكة يعبدون، فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا في النار معهم!! والمعنى: ولما ضربوا عيسى بن مريم مثلا بعبادة النصارى إياه إذا قريش من هذا المثل (يصدون) بالكسر، أي: يرتفع لهم جلبة وضجيج فرحا وجدلا وضحكا، وبالضم من الصدود أي: يصدون عن الحق ويعرضون عنه من أجل هذا المثل، وقيل: من الصديد وهو الجلبة (3)، وهما لغتان (وقالوا ءألهتنا خير أم هو) أي: ليست آلهتنا عندك خيرا من عيسى، فإذا كان عيسى من حصب النار # PageV03P310 # كان أمر آلهتنا هينا!! ما ضربوا هذا المثل لك إلا لأجل الجدل والغلبة في القول لا لطلب المعرفة (بل هم قوم خصمون) دأبهم الخصومة (١) واللجاج. وذلك أن قوله: ﴿إنكم وما تعبدون﴾ (2) ما أريد به إلا الأصنام، ومحال أن يقصد به الأنبياء والملائكة. # وثانيها: أنهم لما سمعوا أن مثل عيسى عند الله كمثل آدم، قالوا: نحن أهدى من النصارى؛ لأنهم عبدوا آدميا ونحن نعبد الملائكة، فنزلت (3). فعلى هذا يكون في قولهم: (ءألهتنا خير أم هو) تفضيل آلهتهم على عيسى!! وما قالوا هذا القول إلا للجدل، أو يكون (جدلا) حالا بمعنى: جدلين. # وثالثها: أن النبي ms1106 (صلى الله عليه وآله وسلم) لما مدح المسيح وأمه قالوا: ما يريد محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا إلا أن نعبده كما عبدت النصارى المسيح (4). ومعنى (يصدون): يضجرون ويضجون، والضمير في (أم هو) لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وغرضهم بالموازنة بينه وبين آلهتهم السخرية والاستهزاء. # والمروي عن أهل البيت (عليهم السلام): أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: جئت إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يوما فوجدته في ملأ من قريش، فنظر إلي ثم قال: " يا علي، إنما مثلك في هذه الأمة كمثل عيسى بن مريم، أحبه قوم وأفرطوا في حبه فهلكوا، وأبغضه قوم وأفرطوا في بغضه فهلكوا، واقتصد فيه قوم فنجوا " فعظم ذلك عليهم وضحكوا، فنزلت الآية (5). # (إن هو إلا عبد) أي: ما عيسى إلا عبد كسائر العبيد (أنعمنا عليه) حيث # PageV03P311 # (جعلنه) آية بأن خلقناه من غير سبب كما خلقنا آدم، وشرفناه بالنبوة، وصيرناه عبرة (1) عجيبة كالمثل السائر (لبنى إسرءيل). # (ولو نشاء) لقدرتنا على عجائب الأمور (لجعلنا منكم) أي: لولدنا منكم يا رجال (ملائكة) يخلفونكم (في الأرض) كما يخلفكم أولادكم، كما ولدنا عيسى من أنثى من غير فحل، أو: لجعلنا بدلا منكم يا بني آدم ملائكة يخلفونكم في الأرض ويكون (منكم) في الآية مثل ما في قول الشاعر: # فليت لنا من ماء زمزم شربة * مبردة باتت على الطهيان (2) أو: لجعلناكم أيها البشر ملائكة، فيكون (منكم) من باب التجريد، ويكون فيه إشارة إلى قدرته على تغيير بنية البشر إلى بنية الملائكة. # (وإنه) وإن عيسى (لعلم للساعة) أي: شرط من أشراطها تعلم به، فسمي الشرط علما لحصول العلم به، وقرأ ابن عباس: " وإنه لعلم " (3) أي: علامة وأمارة (فلا تمترن بها) فلا تشكوا فيها ولا تكذبوا بها. # وفي الحديث: " أن عيسى (عليه السلام) ينزل على ثنية بالأرض المقدسة يقال لها: # أفيق، وعليه ممصرتان، وشعر رأسه دهين، وبيده حربة وبها يقتل الدجال، فيأتي بيت المقدس والناس في صلاة الصبح والإمام (عليه السلام) يؤم بهم، فيتأخر الإمام فيقدمه عيسى ويصلي خلفه على ms1107 شريعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم يقتل الخنازير، ويكسر # PageV03P312 # الصليب، ويخرب البيع والكنائس، ويقتل النصارى إلا من آمن به " كذا وجدته في الكشاف (1). # وعن الحسن: أن الضمير للقرآن وبه تعلم الساعة لأن فيه الإعلام بها (2)، (واتبعون) هو أمر لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقوله، أي: واتبعوا شرعي وهداي، أو: معناه: واتبعوا رسولي. # (ولما جاء عيسى بالبينات) أي: بالمعجزات الدالة على نبوته (ولابين لكم بعض الذي تختلفون فيه) وهو ما احتاجوا إليه من أمور الدين وما تعبدوا بمعرفته دون ما اختلفوا فيه من أمور الدنيا، و (الأحزاب): الفرق المتحزبة بعد عيسى. # (هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (66) الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين (67) يعباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون (68) الذين ءامنوا بايتنا وكانوا مسلمين (69) ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون (70) يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خلدون (71) وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون (72) لكم فيها فكهة كثيرة منها تأكلون (73) إن المجرمين في عذاب جهنم خلدون (74) لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون (75) وما ظلمنهم ولكن كانوا هم الظلمين (76) ونادوا يملك ليقض علينا ربك قال إنكم # PageV03P313 # مكثون (٧٧) لقد جئنكم بالحق ولكن أكثركم للحق كرهون (٧٨) أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون (٧٩) أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون (٨٠)) (أن تأتيهم) بدل من (الساعة)، (بغتة) أي: فجأة (وهم لا يشعرون) معناه: وهم غافلون لاشتغالهم بأمور دنياهم. (يومئذ) ينتصب ب‍ (عدو) أي: # ينقطع في ذلك اليوم كل خلة فينقلب عداوة إلا خلة (المتقين) المتخالين في الله، فإنها الخلة الباقية تزداد وتتأكد. # (الذين ءامنوا) منصوب الموضع صفة ل‍ (عبد) لأنه منادى مضاف (وكانوا مسلمين) مستسلمين لأمرنا خاضعين منقادين، جاعلين نفوسهم سالمة لطاعتنا. (أنتم وأزوجكم) اللاتي كن مؤمنات مثلكم (تحبرون) أي: تسرون سرورا، يظهر حباره - أي: أثره - على وجوهكم، كقوله: ﴿تعرف في وجوههم نضرة النعيم﴾ (1). والصحاف: القصاع، والأكواب: الكيزان لا عرى لها، وقيل: هي الآنية ms1108 المستديرة الرؤوس (2)، وفيها الضمير ل‍ (الجنة)، وقرئ " ما تشتهي " (3) و (ما تشتهيه) وهذا حصر لأنواع النعم، لأنها: إما مشتهاة في القلوب، وإما مستلذة في العيون. # (وتلك) إشارة إلى الجنة المذكورة، وهي مبتدأ و (الجنة) خبر، و (التي أورثتموها) صفة ل‍ (الجنة)، أو: (الجنة) صفة ل‍ (تلك) و (التي أورثتموها) خبر، و (بما كنتم تعملون) خبر المبتدأ والباء يتعلق بمحذوف، وفي الوجه الأول # PageV03P314 # يتعلق ب‍ (أورثتموها) وشبهت في بقائها على أهلها بالميراث الباقي على الورثة. # (منها تأكلون): " من " للتبعيض، أي: لا تأكلون إلا بعضها. # وفي الحديث: " لا ينزع رجل في الجنة من ثمرها إلا ثبت مكانها مثلها " (1). # (مبلسون) آيسون من كل خير. وروي عن علي (عليه السلام) وابن مسعود: " يا مال " بحذف الكاف للترخيم (2)، أي: (يملك) سل (ربك) أن يقضي علينا أي: # يميتنا لنتخلص ونستريح مما بنا، فيقول مالك: (إنكم مكثون) لابثون دائمون. # (لقد جئنكم بالحق) هو كلام مالك، وإنما قال: " جئناكم " لأنه من الملائكة، وقيل: إنه كلام الله عز وجل (3)، وعلى هذا فيكون في (قال) ضميرا " لله "، لما سألوا مالكا أن يسأل الله القضاء عليهم أجابهم الله بذلك. # (أم) منقطعة أي: بل أبرموا، أي: أأحكم الملأ من قريش (أمرا) أي: كيدا في الخلاف عن أمرك (فإنا مبرمون) كيدنا كما أبرموا كيدهم والسر: ما حدث به الرجل نفسه أو غيره في مكان خال، و النجوى: ما تكلموا به فيما بينهم، وقيل: # السر: ما يضمر الإنسان في نفسه، والنجوى: ما يحدث به غيره في الخفية (بلى) نسمعهما ونطلع عليهما (ورسلنا) الحفظة مع ذلك عندهم (يكتبون) ما يكيدونه ويبيتونه. وقد روي عنهم (عليهم السلام) السبب في نزول الآيتين (4). # (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العبدين (81) سبحن رب # PageV03P315 # السموات والارض رب العرش عما يصفون (82) فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلقوا يومهم الذي يوعدون (83) وهو الذي في السمآء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم (84) وتبارك الذي له ملك السموات والارض وما بينهما وعنده علم الساعة وإليه ترجعون (85) ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفعة ms1109 إلا من شهد بالحق وهم يعلمون (86) ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون (87) وقيله ى يرب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون (88) فاصفح عنهم وقل سلم فسوف يعلمون (89)) (إن كان للرحمن ولد) إن صح ذلك وثبت ببرهان صحيح (فأنا أول) من يعظم ذلك الولد ويطيعه كما يعظم الرجل الولد الملك لتعظيم أبيه، وهو وارد على سبيل الفرض والتقدير للمبالغة في نفي الولد لأنه تعليق للعبادة بكينونة الولد، وهو محال، فالمعلق به محال مثله، فهو في صورة الإثبات والمراد النفي على أبلغ الوجوه، وقيل: معناه: إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول العابدين الموحدين لله المكذبين قولكم (1)، وقيل: فأنا أول الآنفين من أن يكون له ولد أو من عبادته، لأن من كان له ولد لا يكون إلا محدثا جسما غير مستحق للعبادة، من: # عبد يعبد: إذا اشتد أنفه فهو عبد وعابد (2). وقيل: هي " إن " النافية، أي: ما كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين لله (3). ثم نزه نفسه عما يصفونه من اتخاذ الولد. # التقدير: وهو الذي هو في السماء إله وفي الأرض إله، ف‍ (إله) خبر المبتدأ # PageV03P316 # العائد إلى الموصول، وهو اسم ضمن معنى الوصف، فلذلك علق به الظرف في قوله: (في السمآء... وفي الأرض) كما يقول: " هو حاتم في طي وحاتم في تغلب " على تضمين معنى الجواد الذي هو مشهور به، ومثله قوله: ﴿وهو الله في السموت وفي الأرض﴾ (1) فكأنك قلت: هو المعبود أو المالك أو نحو ذلك، وحذف " هو " العائد لطول الكلام بالصلة كقولهم: ما أنا بالذي قائل لك شيئا، وزاده طولا هاهنا أن المعطوف داخل في حيز الصلة. # (ولا يملك) آلهتهم (الذين) يدعونهم من دون الله (الشفعة) كما زعموا أنهم شفعاؤهم عند الله لكن (من شهد بالحق) وهو توحيد الله، وهو يعلم ما يشهد به عن بصيرة وإخلاص هو الذي يملك الشفاعة، وهو استثناء منقطع، ويجوز أن يكون متصلا لأن في جملة: " الذين يدعون من دون الله " الملائكة، وقرئ: " تدعون " بالتاء (2). # (وقيله) قرئ بالنصب (3) والجر، وعن مجاهد: بالرفع ms1110 والنصب (4) للعطف على موضع (الساعة)، والجر على اللفظ، أي: " وعنده علم الساعة وقيله " كما تقول: عجبت من ضرب زيد وعمروا أو عمرو، والمعنى: يعلم الساعة ومن يصدق بها ويعلم قيله (5)، لأن " الساعة " ليست بظرف وإنما هي مفعول بها، والرفع للعطف أيضا على تقدير حذف المضاف أي: وعلم قيله، أو: على الابتداء والخبر محذوف # PageV03P317 # والتقدير: وقيله يا رب مسموع ومتقبل، أو: وقيله قيل يا رب، وحمل الأخفش النصب على (أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم) وقيله (1)، وعنه أيضا أنه على تأويل: " وقال قيله " (2). وقال جار الله: الجر والنصب على إضمار حرف القسم وحذفه، والرفع على قولهم: أيمن الله، ولعمرك، ويكون قوله: (إن هؤلاء قوم لا يؤمنون) جواب القسم، فكأنه قال: وأقسم بقيله يا رب، أو: قيله يا رب قسمي (إن هؤلآء قوم لا يؤمنون) (3). # (فاصفح) أي: أعرض عنهم بصفحة وجهك (وقل) لهم (سلم) أي: تسلم منكم ومتاركة (فسوف يعلمون) وعيد، وقرئ بالتاء (4) أيضا. # * * * # PageV03P318 # سورة الدخان مكية (1)، وهي تسع وخمسون آية، سبع بصري، (حم) و (إن هؤلاء ليقولون) (2) كوفي. # في حديث أبي: " ومن قرأ سورة الدخان في ليلة الجمعة غفر الله له " (3). # وعن الباقر (عليه السلام): " من قرأها في فرائضه ونوافله بعثه الله من الآمنين يوم القيامة، وأظله تحت ظل عرشه، وحاسبه حسابا يسيرا، وأعطي كتابه بيمينه " (4). # بسم الله الرحمن الرحيم (حم (1) وا لكتب المبين (2) إنآ أنزلنه في ليلة مبركة إنا كنا منذرين (3) فيها يفرق كل أمر حكيم (4) أمرا من عندنآ إنا كنا # PageV03P319 # مرسلين (5) رحمة من ربك إنه هو السميع العليم (6) رب السموات والارض وما بينهمآ إن كنتم موقنين (7) لا إله إلا هو يحىى ويميت ربكم ورب ءابآبكم الاولين (8) بل هم في شك يلعبون (9)). # (إنا أنزلنه) جواب القسم (في ليلة مبركة) هي ليلة القدر وهو الصحيح، وقيل: ليلة النصف من شعبان (1). ومعنى إنزال الله القرآن في ليلة القدر أنه أنزله جملة واحدة إلى السماء الدنيا فيها، فكان جبرئيل ينزله إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نجوما، وقيل: كان ينزل ما ms1111 يحتاجون إليه في كل سنة: في هذه الليلة، ثم كان ينزله شيئا فشيئا وقت الحاجة (2). وسميت مباركة لأن فيها يقسم الله نعمه على عباده فتدوم بركاتها، والبركة: نماء الخير، والمباركة: الكثيرة الخير والبركة، ولو لم يوجد فيها إلا إنزال القرآن لكفى به بركة. (فيها يفرق) أي: يفصل ويكتب (كل أمر حكيم) كل شأن ذي حكمة، أي: مفعول على ما تقتضيه الحكمة من أرزاق العباد وآجالهم وغير ذلك من أمور السنة إلى الليلة الأخرى القابلة، ووصف الأمر بالحكيم مجاز؛ لأن " الحكيم " صفة صاحب الأمر على الحقيقة. # وقوله: (إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم) جملتان مستأنفتان ملفوفتان فسر بهما جواب القسم، كأنه قيل: إنا أنزلناه لأن من شأننا الإنذار، وأنزلناه في هذه الليلة خصوصا لأن إنزال القرآن من الأمور الحكيمة، وهذه الليلة مفرق كل أمر حكيم. # (أمرا من عندنا) نصب على الاختصاص، أي: أعني أمرا حاصلا من عندنا على ما اقتضته حكمتنا وتدبيرنا، ويجوز أن يراد به الأمر ضد النهي فوضع موضع # PageV03P320 # مصدر (يفرق) من حيث أن الأمر والفرقان واحد، لأن من حكم بالشيء وكتبه فقد أمر به وأوجبه، أو: جعل حالا من أحد الضميرين في (أنزلنه) أي: أنزلناه في حال كونه أمرا بما يجب أن يفعل، أو: أنزلناه آمرين (إنا كنا مرسلين) يجوز أن يكون بدلا من: (إنا كنا منذرين)، و (رحمة من ربك) مفعول له والمعنى: إنا أنزلنا القرآن لأن من شأننا إرسال الرسل بالكتب إلى عبادنا لأجل الرحمة عليهم، وأن يكون تعليلا ل‍ (يفرق)، أو: لقوله: (أمرا من عندنا) و (رحمة) مفعولا به، أي: يفرق في هذه الليلة كل أمر، أو: تصدر الأوامر من عندنا، لأن من عادتنا أن نرسل رحمتنا، وفصل كل أمر من قسمة الأرزاق وغيرها من باب الرحمة، وكذلك الأوامر الصادرة من جهته عز وجل؛ لأن الغرض من تكليف العباد تعريضهم للمنافع، والأصل: إنا كنا مرسلين رحمة منا، فوضع الظاهر موضع المضمر إيذانا بأن الربوبية تقتضي الرحمة على المربوبين (إنه هو السمع العليم) وما ms1112 بعده تحقيق لربوبيته وأنها لا تحق إلا لمن هذه أوصافه. # وقرئ: " رب السموات " و " ربكم ورب آبائكم " بالجر (1) بدلا من (ربك)، (إن كنتم موقنين) أي: إن كان إقراركم بأن للسماوات والأرض ربا وخالقا عن معرفة وإيقان. ثم رد كونهم موقنين بقوله: (بل هم في شك يلعبون) أي: إقرارهم لا يصدر عن علم وحقيقة بل هو قول مخلوط بلعب وهزء. # (فارتقب يوم تأتى السمآء بدخان مبين (10) يغشى الناس هذا عذاب أليم (11) ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون (12) أنى لهم الذكرى وقد جآءهم رسول مبين (13) ثم تولوا عنه وقالوا معلم # PageV03P321 # مجنون (14) إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عآئدون (15) يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون (16) ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجآءهم رسول كريم (17) أن أدوا إلى عباد الله إنى لكم رسول أمين (18) وأن لا تعلوا على الله إنى ءاتيكم بسلطن مبين (19) وإنى عذت بربى وربكم أن ترجمون (20) وإن لم تؤمنوا لى فاعتزلون (21)) (يوم تأتى) مفعول به (فارتقب) يقال: رقبته وارتقبته. واختلف في " الدخان " فقيل: إنه دخان يأتي من السماء قبل قيام الساعة يدخل في أسماع الكفرة حتى يكون رأس الواحد كالرأس الحنيذ (1)، ويعتري المؤمن منه كهيئة الزكام، وتكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه ليس فيه خصاص (2)، ويمتد ذلك أربعين يوما، روي ذلك عن علي (عليه السلام) وابن عباس والحسن (3) وقيل: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) دعا على قومه لما كذبوه فقال: اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف، فأصابهم الجهد حتى أكلوا الجيف والعلهز (4)، وكان الرجل يرى بين السماء والأرض الدخان، وكان يحدث الرجل فيسمع كلامه ولا يراه من الدخان، فمشى إليه أبو سفيان ونفر معه وناشدوه بالله والرحم، وواعدوه إن دعا لهم وكشف عنهم أن يؤمنوا، فلما كشف عنهم رجعوا إلى شركهم، # PageV03P322 # روي ذلك عن ابن مسعود (١). # (يغشى الناس) أي: يشملهم ويلبسهم، وهو في محل الجر صفة ل‍ (دخان) أي: يقولون: (هذا عذاب أليم) إلى قوله: (مؤمنون)، و " يقولون " المحذوف نصب على الحال أي: قائلين ذلك. و ms1113 (إنا مؤمنون) موعدة بالإيمان إن كشف العذاب عنهم (أنى لهم الذكرى) كيف يذكرون ويتعظون ويفون بوعدهم (وقد جآءهم) ما هو أعظم من كشف الدخان، وهو ما ظهر على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من الآيات البينات من الكتاب المعجز وغيره من المعجزات القاهرة، فلم يذكروا و (تولوا عنه) وبهتوه، بأن غلاما أعجميا اسمه عداس هو الذي علمه، ونسبوه إلى الجنون. # ثم قال: (إنا كاشفوا العذاب) الجوع والدخان (قليلا إنكم عآئدون) أي: # ريثما يكشف عنكم العذاب تعودون إلى شرككم، لا تلبثون غب الكشف على ما أنتم عليه من الابتهال والتضرع. ومن جعل الدخان قبل يوم القيامة قال في قوله: # (إنا كاشفوا العذاب): إنه إذا أتت السماء بالدخان تضرع المعذبون به وقالوا: ربنا اكشف عنا العذاب إنا منيبون مؤمنون، فيكشفه الله عنهم، فريثما يكشفه عنهم يرتدون. # ثم قال: (يوم نبطش البطشة) يريد: يوم القيامة، كقوله: ﴿فإذا جآءت الطامة الكبرى﴾ (2)، (إنا منتقمون) ننتقم منهم في ذلك اليوم، فانتصب (يوم نبطش) بما دل عليه (إنا منتقمون)، لأن ما بعد " إن " لا يعمل فيما قبلها. وقرئ: # (نبطش) بضم الطاء (3) وكسرها. # PageV03P323 # (ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون) معنى الفتنة: أنه أمهلهم ووسع عليهم الرزق، وكان ذلك سببا لانهماكهم في المعاصي، وابتلاهم بإرسال موسى إليهم ليؤمنوا، فاختاروا الكفر على الإيمان (وجآءهم رسول كريم) على الله، أو: كريم الأخلاق والأفعال. (أن أدوا) هي " أن " المفسرة، لأنه لا يجيء الرسول قومه إلا مبشرا ونذيرا، فيتضمن معنى القول، وهي مخففة من الثقيلة أي: جاءهم بأن الشأن والحديث أدوا إلي، و (عباد الله) مفعول به وهم بنو إسرائيل، أي: أدوهم إلي وأرسلوهم معي، أو: أدوا إلي يا عباد الله ما يجب عليكم من الإيمان بي وقبول دعوتي، وعلل ذلك بأنه (رسول أمين) قد ائتمنه الله على وحيه ورسالته. (وأن لا تعلوا): " أن " هذه مثل الأولى، أي: لا تستكبروا على الله بالاستهانة برسوله ووحيه. # وقرئ: " عت " بالإدغام (1) ومعناه: أنه عائذ بربه، معتصم به من كيدهم، فلا يكترث بتهددهم بالقتل والرجم. (فاعتزلون) ms1114 يريد: (إن لم تؤمنوا بى) فتنحوا عني واقطعوا أسباب الوصلة بيني وبينكم، أو: فخلوني كفافا لا علي ولا لي، ولا تتعرضوا لي بشرككم وأذاكم، فليس جزاء من دعاكم إلى ما فيه صلاحكم وفلاحكم ذلك. # (فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون (22) فأسر بعبادى ليلا إنكم متبعون (23) واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون (24) كم تركوا من جنت وعيون (25) وزروع ومقام كريم (26) ونعمة كانوا فيها فكهين (27) كذا لك وأورثنها قوما ءاخرين (28) فما بكت عليهم # PageV03P324 # السمآء والارض وما كانوا منظرين (29) ولقد نجينا بنى إسراءيل من العذاب المهين (30) من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين (31) ولقد اخترنهم على علم على العلمين (32) وءاتينهم من الأيت ما فيه بلؤا مبين (33)) (فدعا ربه) قال: (إن هؤلاء قوم مجرمون) أي: مشركون لا يؤمنون. # (فأسر بعبادى) فيه وجهان: إضمار القول بعد الفاء " فقال: أسر "، وأن يكون جواب شرط محذوف نحو: إن كان الأمر كما تقول فأسر بعبادي. # (رهوا) فيه وجهان: أحدهما: أنه الساكن (1)، قال الأعشى: # يمشين رهوا فلا الأعجاز خاذلة * ولا الصدور على الأعجاز تتكل (2) أي: مشيا ساكنا على هينته، أراد موسى (عليه السلام) لما جاوز البحر أن يضربه بعصاه فينطبق كما ضربه فانفلق، فأمره سبحانه أن يتركه ساكنا قارا على حاله من انتصاب الماء وكون الطريق يبسا ليدخله القبط فيغرقوا، وقيل: الرهوة: الفجوة الواسعة (3)، أي: تركه مفتوحا على حاله (ومقام كريم) ومجلس خطير ومنزل بهي ونعمة وتنعم وسعة في العيش. # (كذلك) الكاف منصوبة على معنى: مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها، أو: # في موضع الرفع، أي الأمر كذلك (وأورثنها قوما ءاخرين) ليسوا منهم في شيء من قرابة ولا دين. (فما بكت عليهم السماء والأرض) فيه تهكم بهم وبحالهم المنافية لحال من يجل رزؤه ويعظم فقده فيقال فيه: بكت عليه السماء (وما كانوا # PageV03P325 # منظرين) أي: ممهلين من فرعون، بدل من قوله: (من العذاب المهين) كأنه في نفسه كان عذابا مهينا لإفراطه في تعذيبهم، ويجوز أن يكون (من فرعون) حالا من (العذاب) أي: واقعا من جهة فرعون (عاليا من المسرفين) أي: كبيرا ms1115 رفيع الطبقة من بينهم بليغا في إسرافه، أو: عاليا متكبرا، و (من المسرفين) خبر ثان كأنه قال: كان متكبرا مسرفا. # (على علم) في موضع الحال أي: عالمين بمكان الخيرة، وبأنهم أحقاء بالاختيار (على العلمين) عالمي زمانهم (وءاتينهم من) الدلالات والمعجزات (ما فيه بلؤا مبين) نعمة ظاهرة (1) أو اختبار ظاهر لننظر كيف يعملون. # (إن هؤلاء ليقولون (34) إن هى إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين (35) فأتوا بابآبنآ إن كنتم صدقين (36) أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم أهلكنهم إنهم كانوا مجرمين (37) وما خلقنا السموات والارض وما بينهما لعبين (38) ما خلقنهمآ إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون (39) إن يوم الفصل ميقتهم أجمعين (40) يوم لا يغنى مولى عن مولى شيا ولا هم ينصرون (41) إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم (42) إن شجرت الزقوم (43) طعام الأثيم (44) كالمهل يغلى في البطون (45) كغلى الحميم (46) خذوه فاعتلوه إلى سوآء الجحيم (47) ثم صبوا فوق رأسه ى من عذاب الحميم (48) ذق إنك أنت العزيز الكريم (49) إن هذا ما كنتم به ى تمترون (50)) # PageV03P326 # ثم رجع سبحانه إلى ذكر من ذكرهم في أول السورة من كفار قريش، فقال: # (إن هؤلاء ليقولون إن هى) أي: ما الموتة (إلا موتتنا الأولى) نموتها في الدنيا ثم لا بعث بعدها (وما نحن بمنشرين) بمبعوثين ولا معادين. (فأتوا بآبائنا) الذين ماتوا قبلنا وأعيدوهم (إن كنتم صدقين) في أن الله يعيد الأموات، وقائله أبو جهل قال: إن كنت صادقا فابعث جدك قصي بن كلاب!! وهذا جهل من أبي جهل؛ لأن النشأة الثانية إنما وجبت للجزاء لا للتكليف، وليست هذه الدار بدار جزاء بل دار تكليف، فكأنه قال: إن كنت صادقا في إعادتهم للجزاء فأعدهم للتكليف!! فلذلك عدل عن مقابلته إلى الوعيد والوعظ بما هو أعود عليه فقيل: # (أهم خير أم قوم تبع) أي: أهم أكثر عددا وعدة ونعمة وقوة؟! كقوله: ﴿أكفاركم خير من أولئكم﴾ (1) بعد ذكر آل فرعون، وهو تبع الحميري، كان مؤمنا وقومه كافرين، وهو الذي سار بالجيوش حتى حير الحيرة، ثم أتى سمرقند فهدمها ms1116 ثم بناها، وكان إذا كتب كتب: " باسم الله الذي ملك برا وبحرا وضحا وريحا " ذم الله قومه ولم يذمه. # وعن الصادق (عليه السلام): أن تبع قال للأوس والخزرج: كونوا هاهنا حتى يخرج هذا النبي، أما أنا فلو أدركته لخدمته وخرجت معه (2). # (وما بينهما) يريد: وما بين الجنسين. (إن يوم الفصل) ميقات حسابهم وجزائهم (أجمعين). (يوم لا يغنى مولى) أي مولى كان من قرابة وغيرها (عن) أي (مولى) كان شيئا من إغناء (ولا هم ينصرون) الضمير للموالي؛ لأنهم في المعنى كثير لتناول اللفظ على الإبهام والشياع كل مولى. (من رحم الله) # PageV03P327 # في محل الرفع على البدل من الواو في (ينصرون)، أي: لا يمنع من العذاب إلا من رحمه الله: إما بأن يسقط عقابهم ابتداء، أو يأذن بالشفاعة فيهم لمن علت درجته عنده فيسقط عقاب المشفوع له بشفاعته (إنه هو العزيز) في انتقامه من أعدائه (الرحيم) بالمؤمنين، ويجوز أن يكون (من رحم الله) منصوبا على الاستثناء. # و (الأثيم): الآثم، وقيل: هو أبو جهل (1)، وروي أنه أتى بتمر وزبد فجمع بينهما وأكل وقال: هذا هو الزقوم الذي يخوفنا محمد به ونحن نتزقمه أي: نملأ أفواهنا به (2). (كالمهل) وهو المذاب من النحاس، وقيل: هو دردي الزيت (3)، وقرئ: (يغلى) بالياء والتاء (4)، فمن قرأ بالتاء فعلى " الشجرة "، ومن قرأ بالياء حمله على " الطعام "، لأن الطعام هو الشجرة في المعنى، ولا يحمل على " المهل " بل على المشبه بالمهل، والكاف في محل الرفع خبر بعد خبر، وكذلك يغلي. # يقال للزبانية: (خذوه فاعتلوه) فقودوه بعنف، وهو أن يؤخذ بتلابيب (5) الرجل فيجر إلى قتل أو حبس، ومنه: " العتل "، وقرئ بكسر التاء وضمها (6) (إلى سوآء الجحيم) إلى وسطها ومعظمها، وسمي وسط الشيء سواء لاستواء المسافة بينه وبين أطرافه المحيطة به. ويجوز أن يكون " الصب " على طريق الاستعارة كقول الشاعر: # PageV03P328 # صبت عليه صروف الدهر من صبب (١) وكقوله: ﴿أفرغ علينا صبرا﴾ (2) يقال: (ذق إنك أنت العزيز الكريم) على سبيل الهزء والتهكم لمن كان يتعزز ويتكرم على قومه. # وروي أن أبا جهل قال لرسول ms1117 الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " ما بين جبليها أعز ولا أكرم مني " (3). # وقرئ: " أنك " بالفتح (4) أي: لأنك. (إن هذا) العذاب، أو: إن هذا الأمر هو (ما كنتم به تمترون) أي: تشكون فيه، أو: تتمارون وتتلاجون بسببه. # (إن المتقين في مقام أمين (51) في جنت وعيون (52) يلبسون من سندس وإستبرق متقبلين (53) كذا لك وزوجنهم بحور عين (54) يدعون فيها بكل فكهة ءامنين (55) لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم (56) فضلا من ربك ذا لك هو الفوز العظيم (57) فإنما يسرنه بلسانك لعلهم يتذكرون (58) فارتقب إنهم مرتقبون (59)) قرئ (مقام) بالفتح (5) وهو موضع القيام، وبالضم (6) - مقام - وهو موضع الإقامة، و " الأمين " في وصف المكان مستعار، لأن المكان المخيف كأنما يخوف صاحبه مما يلقى فيه من المكاره. # PageV03P329 # قالوا: السندس: ما رق من الديباج، والاستبرق: ما غلظ منه (1)، وهو معرب " استبر "، وإنما ساغ وقوع اللفظ الأعجمي في القرآن لأن معنى التعريب أن يجعل عربيا بالتصرف فيه، وإجرائه على وجوه الإعراب (2). (كذلك) الكاف مرفوعة، أي: الأمر كذلك، أو: منصوبة أي: مثل ذلك آتيناهم (وزوجنهم) وعن الأخفش: # هو التزويج المعروف (3)، وعن غيره: لا يكون في الجنة تزويج، والمعنى: # وقرناهم (بحور عين) (4). (يدعون) أي: يستدعون فيها أي ثمرة شاؤوها واشتهوها (ءامنين) من نفادها ومضرتها، غير خائفين فوتها. # أي: (لا يذوقون فيها الموت) ألبتة، فوضع قوله: (إلا الموتة الأولى) موضع ذلك، لأن الموتة الماضية لا يمكن ذوقها في المستقبل، وهو من باب التعليق بالمحال، فكأنه قال: إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها. (فضلا من ربك) أي: تفضلا منه وعطاء وثوابا. يعني: كل ما أعطي المتقين من نعيم الجنة والنجاة من النار (فإنما يسرنه) معناه: ذكرهم بالكتاب المبين فإنما سهلناه (بلسانك) بلغتك، حيث أنزلناه عربيا ليسهل عليك وعلى قومك تفهمه والتذكر به. (فارتقب) فانتظر ما يحل بهم (إنهم مرتقبون) ما يحل بك ومتربصون بكم (5) الدوائر، وقيل: انتظر نصرك عليهم فإنهم ينتظرون خلافه بزعمهم (6). # * * * # PageV03P330 # سورة الجاثية مكية (1) إلا آية نزلت بالمدينة: (قل للذين ءامنوا يغفروا) (2) سبع ms1118 وثلاثون آية كوفي، ست في غيرهم، (حم) كوفي. # في حديث أبي: " ومن قرأ حم الجاثية ستر الله عورته وسكن روعته عند الحساب " (3). # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأها كان ثوابها أن لا يرى النار أبدا، وهو مع محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) " (4). # بسم الله الرحمن الرحيم (حم (1) تنزيل الكتب من الله العزيز الحكيم (2) إن في السموات # PageV03P331 # والارض لأيت للمؤمنين (3) وفي خلقكم وما يبث من دآبة ءايت لقوم يوقنون (4) واختلف الليل والنهار ومآ أنزل الله من السمآء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الريح ءايت لقوم يعقلون (5) تلك ءايت الله نتلوها عليك بالحق فبأى حديث بعد الله وءايته ى يؤمنون (6)) (إن في السموت) يجوز أن يكون على ظاهره، وأن يكون بمعنى " إن في خلق السموات " لقوله: (وفي خلقكم). وقرئ: (ءايت) بالرفع والنصب (1) في الموضعين: فأما الأول فعلى قولك: إن في الدار لزيدا وفي البيت عمرا، أو: في البيت عمر. وأما الثاني وهو قوله: (ءايت لقوم يعقلون) فمن العطف على عاملين مختلفين سواء نصبت أو رفعت، فالعاملان إذا نصبت هما: " إن " و " في "، وإذا رفعت فالعاملان: الابتداء و " في "، عمل الابتداء الرفع في (ءايت) وعمل في الجر في (اختلف)، والعطف على عاملين سديد سائغ على مذهب الأخفش (2)، فأما سيبويه فلا يجيزه (3)، ومخرج الآية على مذهبه أن يقدر " في " ويضمر، لأن ذكره قد تقدم في الآيتين قبله كما قدره سيبويه في قول الشاعر: # أكل امرء تحسبين امرأ * ونار تأجج بالليل نارا (4) وقال: إن " كل " في حكم الملفوظ واستغني عن إظهاره بتقدم ذكره (5)، # PageV03P332 # أو: يحمل (واختلف الليل) على " في " المتقدم ذكرها ويجعل (ءايت) على التكرر لطول الكلام، كما قيل في الثانية في قوله تعالى: ﴿ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله فإن له نار جهنم﴾ (١)، أو: ينتصب على الاختصاص بعد انقضاء المجرور معطوفا على ما قبله، ويرتفع بإضمار " هي "، فهذه ثلاثة أوجه. # (تلك) إشارة إلى الآيات المتقدمة، أي: تلك الآيات آيات الله، و (نتلوها) في محل الحال أي: متلوة عليك بالحق، ms1119 والعامل في الحال معنى الإشارة (بعد الله وءايته) أي: بعد آيات الله كما قالوا: أعجبني زيد وكرمه. والمراد: أعجبني كرم زيد. ويجوز أن يراد: (فبأى حديث بعد) حديث (الله) وهو كتابه وقرآنه كقوله: # ﴿الله نزل أحسن الحديث﴾ (2) وآياته أي: أدلته الفاصلة بين الحق والباطل. # (ويل لكل أفاك أثيم (7) يسمع ءايت الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم (8) وإذا علم من ءايتنا شيا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (9) من ورآبهم جهنم ولا يغنى عنهم ما كسبوا شيا ولا ما اتخذوا من دون الله أوليآء ولهم عذاب عظيم (10) هذا هدى والذين كفروا بايت ربهم لهم عذاب من رجز أليم (11) الله الذي سخر لكم البحر لتجرى الفلك فيه بأمره ى ولتبتغوا من فضله ى ولعلكم تشكرون (12) وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه إن في ذا لك لايت لقوم يتفكرون (13)) الأفاك: الكثير الإفك، وهو الكذب. (يصر) يقبل على كفره ويقيم عليه (مستكبرا) عن الإيمان بالآيات، وعن الانقياد للحق (كأن) مخففة من الثقيلة # PageV03P333 # أي: كأنه (لم يسمعها) والضمير ضمير الشأن والحديث، والجملة في محل النصب على الحال، أي: يصر مثل غير السامع (وإذا) بلغه شيء (من ءاياتنا) وعلم أنه منها (اتخذها) أي: اتخذ الآيات (هزوا) ولم يقل: اتخذه؛ للإيذان بأنه إذا أحس بشيء من الكلام أنه من جملة الآيات التي أنزلها الله على رسوله استهزأ بجميع الآيات، ولم يقتصر على الاستهزاء بما بلغه (أولئك) إشارة إلى كل أفاك أثيم. # والوراء: اسم للجهة التي يواريها الشخص من خلف أو قدام، والمعنى: من قدامهم جهنم (ولا يغنى عنهم ما كسبوا) أي: ما اكتسبوه وحصلوه من الأموال في متاجرهم (ولا ما اتخذوا من دون الله) من الأصنام. # (هذا) إشارة إلى القرآن (هدى) أي: دلالة موصلة إلى الحق كاملة في الهداية، كما تقول: زيد رجل، أي: كامل في الرجولية وأي رجل، والرجز: أشد العذاب، وقرئ بجر (أليم) ورفعه (1). # ثم دل سبحانه على توحيده فقال: (الله الذي سخر لكم البحر ms1120 لتجرى الفلك) أي: السفن (فيه)، (ولتبتغوا من فضله) بالتجارة أو بالغوص على اللؤلؤ والمرجان، واستخراج اللحم الطري وغير ذلك من منافع البحر. وقوله: # (منه) واقعة موقع الحال، والمعنى: سخر لكم هذه الأشياء كائنة منه وحاصلة من عنده، والمعنى: أنه مكونها وموجدها بقدرته ومسخرها لخلقه، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره: هي جميعا منه، وأن يكون (وما في الأرض) مبتدأ و (منه) خبره. # PageV03P334 # (قل للذين ءامنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزى قوما بما كانوا يكسبون (14) من عمل صلحا فلنفسه ى ومن أسآء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون (15) ولقد ءاتينا بنى إسراءيل الكتب والحكم والنبوة ورزقنهم من الطيبت وفضلنهم على العلمين (16) وءاتينهم بينت من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا بينهم إن ربك يقضى بينهم يوم القيمة فيما كانوا فيه يختلفون (17) ثم جعلنك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهوآء الذين لا يعلمون (18) إنهم لن يغنوا عنك من الله شيا وإن الظلمين بعضهم أوليآء بعض والله ولى المتقين (19) هذا بصبر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون (20)) أي: (قل للذين ءامنوا) اغفروا (يغفروا) فحذف المقول لدلالة جوابه عليه (للذين لا يرجون أيام الله) أي: لا يتوقعون وقائع الله بأعدائه، وهو من قولهم: # أيام العرب؛ لوقائعهم، وقيل: لا يأملون الأوقات التي وقتها الله لثواب المؤمنين ووعدهم الفوز فيها (1)، (ليجزى قوما) تعليل الأمر بالمغفرة، أي: إنما أمروا بأن يغفروا لما أراده الله من توفيتهم جزاء مغفرتهم في الآخرة، ونكر (قوما) والمراد به الذين آمنوا؛ للثناء عليهم، كأنه قال: ليجزي قوما أيما قوم، أو: قوما مخصوصين لصبرهم وإغضائهم على أذى أعدائهم (بما كانوا يكتسبون‍) - ه من الثواب العظيم باحتمال المكاره وكظم الغيظ، وقرئ: " لنجزي " (2) بالنون، وقرئ: " ليجزي قوما " (3) على معنى: ليجزي الجزاء قوما. # PageV03P335 # (ورزقنهم من الطيبت) يريد ما أحله لهم وأطاب من الأرزاق (وفضلنهم على العلمين) في كثرة الأنبياء منهم، (وءاتينهم بينت) آيات معجزات (من الأمر) من أمر الدين (فما اختلفوا فيه) فما وقع بينهم الخلاف في الدين (إلا ms1121 من بعد ما جآءهم) ما يوجب دفع (1) الخلاف وهو (العلم)، وإنما اختلفوا لبغي حدث بينهم، أي: لعداوة وحسد. # (ثم جعلناك على شريعة) أي: طريقة ومنهاج (من) أمر الدين، وأصله: # الشريعة التي هي الطريق إلى الماء (فاتبعها) أي: فاتبع شريعتك الثابتة بالبراهين والمعجزات (ولا تتبع أهوآء) الجهال من قومك (الذين لا يعلمون) الحق (إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا) إن اتبعت أهواءهم. # (هذا) القرآن (بصئر للناس) جعل سبحانه ما فيه من معالم الدين والشرائع بمنزلة البصائر في القلوب، كما جعله روحا وحياة (وهدى) وهو هدى للناس (ورحمة) من الله. # (أم حسب الذين اجترحوا السيات أن نجعلهم كالذين ءامنوا وعملوا الصلحت سوآء محياهم ومماتهم سآء ما يحكمون (21) وخلق الله السموات والارض بالحق ولتجزى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون (22) أفرءيت من اتخذ إلهه هوله وأضله الله على علم وختم على سمعه ى وقلبه ى وجعل على بصره ى غشوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون (23) وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنآ إلا الدهر وما لهم بذا لك من علم إن هم إلا يظنون (24) وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينت ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بابآبنآ إن كنتم # PageV03P336 # صدقين (25) قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيمة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون (26) ولله ملك السموات والارض ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون (27)) (أم) منقطعة، ومعنى الهمزة فيها إنكار الحسبان، والاجتراح: الاكتساب (أن نجعلهم) أن نصيرهم، وهو من " جعل " الذي يتعدى إلى مفعولين، فالأول الضمير والثاني الكاف، والجملة التي هي (سوآء محياهم ومماتهم) بدل من الكاف؛ لأن الجملة تقع مفعولا ثانيا، فكانت في حكم المفرد. ومن قرأ (1) (سوآء) بالنصب جعل " سواء " مثل " مستويا " ويكون (محياهم ومماتهم) رفعا على الفاعلية، والمعنى: إنكار أن يستوي المسيئون والمحسنون محياهم وأن يستووا مماتا؛ لافتراق أحوالهم أحياء حيث عاشوا على الحالتين المختلفتين: # هؤلاء على الطاعات وأولئك على المعاصي، وأمواتا حيث مات هؤلاء على البشرى بالرحمة والوصول ms1122 إلى رضوان الله وثوابه، وأولئك على اليأس من رحمة الله والوصول إلى سخطه وعقابه، وقيل: معناه: إنكار أن يستووا في الممات كما استووا في الحياة، لأن المسيئين والمحسنين مستو محياهم في الرزق والصحة وإنما يفترقون في الممات (2)، وقيل: " سواء محياهم ومماتهم " كلام مستأنف على معنى: أن محيا المسيئين ومماتهم سواء، وكذلك محيا المحسنين ومماتهم، كل يموت على ما عاش عليه (3). # PageV03P337 # (ولتجزى) عطف على (بالحق) لأن فيه معنى التعليل، أو على معلل محذوف تقديره: وخلق الله السماوات والأرض ليدل على قدرته ولتجزى (كل نفس). # (من اتخذ إلهه هواه) أي: اتخذ معبوده ما يهواه، فهو مطواع له يتبع ما يدعوه إليه (وأضله الله) أي: تركه عن الهداية واللطف وخذله (على علم) أي: # عالما بأن ذلك لا يجدي عليه وأنه ممن لا لطف له، أو: مع علمه بوجوه الهداية وإحاطته بأنواع الألطاف (فمن يهديه من بعد) إضلال (الله). # (نموت ونحيا) أي: نموت نحن ويحيا أولادنا، أو: يموت بعض منا ويحيا بعض، أو: يصيبنا الأمران: الموت والحياة، يريدون: الحياة في الدنيا والموت بعدها، وليس وراء ذلك حياة (وما يهلكنآ إلا الدهر) أي: وما يميتنا إلا الأيام والليالي، وكانوا يضيفون كل حادثة تحدث إلى الدهر، ويجعلونه المؤثر في هلاك النفوس. # ومنه قوله (عليه السلام): " لا تسبوا الدهر، فإن الله هو الدهر " (1). أي: فإنه الفاعل للحادث لا الدهر. # وسمى ما ليس بحجة من مقالتهم الباطلة حجة؛ لأنهم أدلوا به كما يدلى بالحجة، وساقوه مساقها فسمي حجة على سبيل التهكم، أو: لأنه في أسلوب قولهم: # تحية بينهم ضرب وجيع (2) # PageV03P338 # كأنه قيل: ما كان حجتهم إلا ما ليس بحجة، والمراد نفي الحجة. وإنما وقع قوله: (قل الله يحييكم) جوابا لقولهم: (ائتوا بآبائنا) لأنهم لما أنكروا البعث ألزموا ما هم به مقرون من أن الله هو الذي يحييهم ثم يميتهم، وضم إلى ذلك إلزام ما هو واجب الإقرار به إن أنصفوا وهو جمعهم (إلى يوم القيمة) ومن كان قادرا على ذلك قدر على الإتيان بآبائهم. وعامل النصب في (يوم ms1123 تقوم الساعة): # (يخسر)، و (يومئذ) بدل من (يوم تقوم الساعة). # (وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتبها اليوم تجزون ما كنتم تعملون (28) هذا كتبنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون (29) فأما الذين ءامنوا وعملوا الصلحت فيدخلهم ربهم في رحمته ى ذا لك هو الفوز المبين (30) وأما الذين كفروا أفلم تكن ءايتى تتلى عليكم فاستكبرتم وكنتم قوما مجرمين (31) وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندرى ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين (32) وبدا لهم سيات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به ى يستهزءون (33) وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقآء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من نصرين (34) ذا لكم بأنكم اتخذتم ءايت الله هزوا وغرتكم الحيواة الدنيا فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون (35) فلله الحمد رب السموات ورب الأرض رب العلمين (36) وله الكبريآء في السموات والارض وهو العزيز الحكيم (37)) (وترى) يوم القيامة أهل (كل) ملة باركة على ركبها مستوفزة، وعن PageV03P339 # قتادة: (جاثية) جماعات (١)، من الجثوة وهي الجماعة وجمعها: " جثى ". # وفي الحديث: " من جثى جهنم " (٢). # (كل أمة تدعى إلى كتابها) أي: إلى كتب أعمالها التي كانت تستنسخ لها، فاكتفى باسم الجنس كما في قوله: ﴿ووضع الكتب﴾ (٣)، وقيل: إلى كتابها المنزل على رسولها ليسألوا عما عملوا به (٤)، والأول أصح (اليوم تجزون) محمول على القول. (هذا كتبنا) إنما أضيف إليهم وإلى الله عز وجل لأن الإضافة تكون للملابسة، وقد لابسهم لأن أعمالهم مثبتة فيه، ولابسه سبحانه لأنه الآمر ملائكته أن يكتبوا فيه أعمال العباد (ينطق عليكم) يشهد عليكم بما عملتم (بالحق) بلا زيادة ونقصان (إنا كنا نستنسخ) الملائكة، أي: نستكتبهم أعمالكم. (في رحمته) أي: في جنته وثوابه، وقرأ الباقر (عليه السلام): " ينطق عليكم " على البناء للمفعول. # (وأما الذين كفروا) جوابه محذوف، والتقدير: فيقال لهم: (أفلم تكن ءايتى تتلى عليكم) والمعنى: ألم يأتكم رسلي فلم تكن آياتي تتلى عليكم؟ # فحذف المعطوف عليه (فاستكبرتم) فتعظمتم عن قبولها (وكنتم قوما مجرمين) أي: ms1124 كافرين، كما قال: ﴿أفنجعل المسلمين كالمجرمين﴾ (5). # PageV03P340 # وقرئ: (والساعة) بالرفع والنصب (١). فالرفع محمول على موضع (إن) وما عملت فيه، والنصب على لفظة (إن)، و (لا ريب فيها) في موضع الرفع، (ما الساعة) أي: وأي شيء الساعة (إن نظن إلا ظنا) والأصل: نظن ظنا. # ومعناه: إثبات الظن، فأدخل حرف النفي وحرف الاستثناء ليفيد إثبات الظن مع نفي ما سواه، وزاد نفي ما سوى الظن تأكيدا لقوله: (وما نحن بمستيقنين). # (وبدا لهم) أي: ظهر لهم (سيئات ما عملوا) أي: قبائح أعمالهم، أو: # عقوبات سيئاتهم كقوله: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ (2). # (اليوم ننساكم) أي: نترككم في العذاب كما تركتم عدة (لقآء يومكم هذا) وهي الطاعة، أو: نجعلكم بمنزلة الشيء المنسي الذي لا يبالي به كما لم تبالوا بلقاء يومكم هذا، وإضافة " اللقاء " إلى " اليوم " كإضافة " المكر " في قوله: (بل مكر الليل والنهار) (3) أي: نسيتم لقاء الله ولقاء جزائه في يومكم هذا. (ذلكم) المفعول بكم (بأنكم اتخذتم) بسبب استهزائكم بآيات الله واغتراركم بالدنيا (ولا هم يستعتبون) ولا يطلب منهم أن يعتبوا ربهم أي: يرضوه. # (فلله الحمد) فاحمدوا الله الذي هو ربكم ورب كل شيء من السماوات والأرض والعالمين وكبروه، فقد ظهرت آثار كبريائه في الجميع، فإن مثل هذه الربوبية الشاملة العامة توجب الثناء والحمد والتكبير والتعظيم على المربوبين. # * * * # PageV03P341 # سورة الأحقاف مكية (1) غير آيات، وهي خمس وثلاثون آية كوفي، أربع في الباقين، (حم) كوفي. # وفي حديث أبي: " من قرأ سورة الأحقاف أعطي من الأجر بعدد كل رمل في الدنيا عشر حسنات ورفع له عشر درجات " (2). # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأها كل ليلة أو كل جمعة لم يصبه الله بروعة في الحياة الدنيا، وآمنه من فزع يوم القيامة " (3). # بسم الله الرحمن الرحيم (حم (1) تنزيل الكتب من الله العزيز الحكيم (2) ما خلقنا السموات والارض وما بينهمآ إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا # PageV03P343 # عمآ أنذروا معرضون (3) قل أرءيتم ما تدعون من دون الله أرونى ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات ائتونى بكتب من قبل هذآ أو ms1125 أثرة من علم إن كنتم صدقين (4) ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيمة وهم عن دعآبهم غفلون (5) وإذا حشر الناس كانوا لهم أعدآء وكانوا بعبادتهم كفرين (6) وإذا تتلى عليهم ءايتنا بينت قال الذين كفروا للحق لما جآءهم هذا سحر مبين (7) أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لى من الله شيا هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به ى شهيدا بينى وبينكم وهو الغفور الرحيم (8)) (إلا بالحق) أي: إلا خلقا ملتبسا بالحق والحكمة والغرض الصحيح، ولم يخلقها عبثا ولا باطلا (وأجل مسمى) وبتقدير أجل مسمى ينتهي إليه وهو يوم القيامة (والذين كفروا عما أنذروا) من يوم القيامة والجزاء (معرضون) لا يؤمنون به ولا يستعدون له، ولابد من انتهائهم وانتهاء كل خلق إليه، ويجوز أن يكون " ما " مصدرية أي: عن الإنذار. # (قل) لهم (أرأيتم) ما تعبدونهم من الأصنام وتدعونهم مع الله آلهة (أرونى ماذا خلقوا من الأرض) حتى استحقوا به العبادة وتوجيه القرب إليهم، بل (لهم شرك في) خلق (السموت) فإنهم لا يقدرون على ادعاء ذلك، (ائتونى بكتب) أنزله الله يدل على صحة قولكم في عبادتكم غيره (أو أثرة من علم) أو بقية من علم تؤثر من كتب الأولين، وفي الشواذ عن علي (عليه السلام): # " أو أثرة " بسكون الثاء (1)، وعن ابن عباس: " أثرة " بفتحتين (2)، فالأثرة: المرة # PageV03P344 # من مصدر أثر الحديث أي: رواه، والأثرة بمعنى الأثارة أيضا، أي: خاصة من علم أوثرتم به وخصصتم الإحاطة به لغيركم. # (ومن أضل) معنى الاستفهام فيه إنكار أن يكون في الضلال كله (1) أبلغ ضلالا من عبدة الأصنام حيث يدعون جمادا (لا يستجيب) لهم ولا يقدر على استجابة أحد ما دامت الدنيا وإلى تقوم الساعة، ويتركون دعاء القادر على كل شيء، السميع المجيب. (وإذا حشر الناس كانوا) عليهم ضدا و (لهم أعدآء) فليسوا في الدارين إلا على نكد ومضرة منهم. # (بينت) جمع بينة، وهي الحجة والشاهد، أو: واضحات مبينات، واللام في (للحق) مثلها في قوله: (للذين ءامنوا لو كان ms1126 خيرا) (2) أي: لأجل الحق ولأجل الذين آمنوا، والمراد بالحق: الآيات، وبالذين كفروا: المتلو عليهم، فوضع الظاهران موضع المضمرين للتسجيل عليهم بالكفر وللتملق بالحق (لما جآءهم) أي: بادهوه (3) بالجحود ساعة أتاهم وأول ما سمعوه من غير فكر ونظر وسموه سحرا مبينا ظاهرا لظلمهم وعنادهم. # (أم يقولون افتراه) إعراض وإضراب عن ذكر تسميتهم الآيات سحرا إلى ذكر قولهم: إن محمدا افتراه، كأنه قيل: دع هذا واسمع قولهم المنكر العجيب، وذلك أن محمدا كان لا يقدر عليه حتى يتقوله ويفتريه على الله، ولو اختص بالقدرة عليه من بين سائر العرب الفصحاء لكانت قدرته عليه معجزة خارقة للعادة، وإذا كانت معجزة كانت تصديقا من الله له، والحكيم لا يصدق الكاذب فلا يكون مفتريا، والضمير في (افتراه) ل‍ (الحق) والمراد به الآيات (قل إن # PageV03P345 # افتريته) على سبيل الفرض عاجلني الله لا محالة بعقوبة الافتراء عليه (فلا تملكون) دفع شيء من عقابه عني، فكيف أتعرض لعقابه؟! يقال: فلان لا يملك إذا غضب، ومثله: ﴿قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم﴾ (1)، ثم قال: (هو أعلم بما تفيضون فيه) أي: تندفعون فيه من القدح في وحي الله والطعن في آياته (كفى به شهيدا بينى وبينكم) يشهد لي بالصدق والبلاغ ويشهد عليكم بالكذب والجحود، ومعنى ذلك (2) العلم والشهادة وعيد بمجازاتهم (وهو الغفور الرحيم) وعد بالرحمة والمغفرة إن رجعوا عن الكفر وتابوا وآمنوا، وإشعار بحلم الله عنهم مع عظم ما ارتكبوه. # (قل ما كنت بدعا من الرسل ومآ أدرى ما يفعل بى ولا بكم إن أتبع إلا ما يوحى إلى ومآ أنا إلا نذير مبين (9) قل أرءيتم إن كان من عند الله وكفرتم به ى وشهد شاهد من بنى إسراءيل على مثله ى فامن واستكبرتم إن الله لا يهدى القوم الظلمين (10) وقال الذين كفروا للذين ءامنوا لو كان خيرا ما سبقونآ إليه وإذ لم يهتدوا به ى فسيقولون هذآ إفك قديم (11) ومن قبله ى كتب موسى إماما ورحمة وهذا كتب مصدق لسانا عربيا لينذر ms1127 الذين ظلموا وبشرى للمحسنين (12) إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (13) أولئك أصحب الجنة خلدين فيها جزآء بما كانوا يعملون (14) ووصينا الانسن بوالديه إحسنا حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصله ثلثون شهرا حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعنى أن # PageV03P346 # أشكر نعمتك التي أنعمت على وعلى والدى وأن أعمل صلحا ترضاه وأصلح لى في ذريتى إنى تبت إليك وإنى من المسلمين (15) أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سياتهم في أصحب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون (16)) البدع: البديع، وهو مثل الخف بمعنى الخفيف، أي: (ما كنت بدعا من الرسل) فآتيكم بكل ما تقترحونه من الآيات، وأخبركم بكل ما تسألون عنه من المغيبات التي لم يوح بها إلي، فإن الرسل ما كانوا يأتون من الآيات إلا بما آتاهم الله، ولا كانوا يخبرون من الغيوب إلا بما أوحاه إليهم (وما أدرى) ما يفعله (الله بى ولا بكم) فيما يستقبل من الزمان، وما يقدره لي ولكم من أفعاله وقضاياه، وقيل: وما أدري ما يصير إليه أمري وأمركم في الدنيا، ومن الغالب منا والمغلوب (1)، ووجه الكلام: ما يفعل بي وبكم، لأنه مثبت غير منفي، ولكن النفي في " ما أدري " لما كان مشتملا عليه لتناوله " ما " وما في حيزه صح ذلك وحسن، و " ما " في (ما يفعل) يجوز أن يكون موصولة منصوبة، وأن يكون استفهامية مرفوعة. # (قل أرءيتم إن كان من عند الله) جواب الشرط محذوف، والتقدير: إن كان القرآن من عند الله (وكفرتم به) ألستم ظالمين؟ ويدل على هذا المحذوف قوله: # (إن الله لا يهدى القوم الظلمين)، والشاهد من بني إسرائيل عبد الله بن سلام، لما قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة نظر إلى وجهه وتأمله، وسأله عن مسائل ثلاث لا يعلمهن إلا نبي، وتحقق أنه النبي المنتظر فقال: أشهد أنك رسول الله حقا، ثم قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت، وإن علموا بإسلامي قبل أن ms1128 تسألهم عني # PageV03P347 # بهتوني عندك، فجاءت اليهود فقال لهم النبي (عليه السلام): أي رجل عبد الله فيكم؟ فقالوا: # خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، قال: أرأيتم إن أسلم عبد الله؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج إليهم عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، فقالوا: شرنا وابن شرنا، قال: هذا ما كنت أخاف يا رسول الله (١). # قال سعد بن أبي وقاص: ما سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول لأحد يمشي على وجه الأرض: إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، وفيه نزل (وشهد شاهد من بنى إسرءيل على مثله) (٢) والضمير للقرآن، أي: على مثله في المعنى، وهو ما في التوراة من المعاني المطابقة لمعاني القرآن، ويدل عليه قوله: ﴿وإنه لفي زبر الأولين﴾ (٣)، ﴿إن هذا لفي الصحف الأولى﴾ (4). ويجوز أن يكون المعنى: # وشهد شاهد على نحو ذلك، يعني: على كونه من عند الله. # ونظم هذا الكلام أن الواو الأولى عاطفة ل‍ (كفرتم) على فعل الشرط، وكذلك الواو الأخيرة عاطفة ل‍ (استكبرتم) على (شهد)، فأما الواو في (وشهد) فقد عطفت جملة قوله: (وشهد شاهد من بنى إسراءيل على مثله فآمن واستكبرتم) على جملة قوله: (كان من عند الله وكفرتم به)، والمعنى: قل أخبروني إن اجتمع كون القرآن من عند الله مع كفركم به، واجتمع شهادة أعلم بني إسرائيل على نزول مثله بإيمانه به مع استكباركم عنه وعن الإيمان به، ألستم أضل الناس وأظلمهم؟ وجعل الإيمان في قوله: (فآمن) مسببا عن الشهادة على مثله، # PageV03P348 # لأنه لما علم أن مثله أنزل على موسى (عليه السلام)، وأنه وحي وليس من كلام البشر فشهد عليه واعترف، كان إيمانه نتيجة ذلك. # (وقال الذين كفروا للذين ءامنوا) أي: لأجلهم قالوا: عامة أتباع محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) سقاط، فلو (كان) ما جاء به (خيرا) لما سبقنا (إليه) هؤلاء، وقيل: لما أسلمت جهينة ومزينة وأسلم وغفار، قالت بنو عامر بن صعصعة وغطفان وأسد وأشجع: ms1129 لو كان دين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) خيرا ما سبقنا إليه عامة البهم (١). والعامل في (إذ) محذوف لدلالة الكلام عليه، والتقدير: وإذ لم يهتدوا به ظهر عنادهم (فسيقولون هذا إفك قديم) وهو كقولهم: ﴿أساطير الأولين﴾ (2). # (كتب موسى) مبتدأ، (ومن قبله) خبر مقدم، و (إماما) حال من الظرف كقولك: في الدار زيد قائما، أي: مؤتما به قدوة في دين الله (ورحمة) لمن آمن به (وهذا) القرآن (كتب مصدق) لكتاب موسى، أو: لما تقدمه من الكتب، و (لسانا عربيا) حال من ضمير " الكتاب " في (مصدق) والعامل فيه (مصدق)، أو: حال من (كتب) لتخصصه بالصفة ويعمل فيه معنى الإشارة، وقرئ (لتنذر) بالتاء (3) والياء، و (بشرى) في محل النصب عطفا على محل (لتنذر) لأنه مفعول له. # وقرئ: " حسنا " (4) و (إحسنا)، و (كرها) بضم الكاف وفتحها (5) وهما # PageV03P349 # لغتان، وانتصب على الحال أي: ذات كره، أو: على أنه صفة للمصدر أي: حملا ذا كره (وحمله وفصله ثلثون شهرا) أي: ومدة حمله وفصاله ثلاثون شهرا، وقرئ: (وفصله) (1)، والفصل والفصال في معنى الفطم والفطام، والمراد: بيان مدة الرضاع لا الفطام. ولكن عبر عنه بالفصال لما كان الرضاع يليه الفصال وينتهي به، وفيه فائدة وهي: الدلالة على الرضاع التام المنتهي بالفصال ووقته. وبلوغ الأشد: أن يكتهل ويستوفي السن التي يستحكم فيها قوته وعقله وتميزه، وذلك إذا أناف على الثلاثين وناهز الأربعين، وعن ابن عباس وقتادة: ثلاث وثلاثون سنة (2)، ووجهه أن يكون ذلك أول الأشد وغايته الأربعين، وذلك وقت إنزال الوحي على الأنبياء (رب أوزعنى) أي: ألهمني، والمراد بالنعمة التي استوزع الشكر عليها: نعمة الدين (وأصلح لى في ذريتى) سأله سبحانه أن يجعل ذريته مظنة للصلاح، كأنه قال: هب لي الصلاح في ذريتي، وأوقعه فيهم. (وإنى من المسلمين) المنقادين لأمرك. # وقرئ " يتقبل " و " يتجاوز " و " أحسن " بالرفع (3)، و (نتقبل) و (نتجاوز) بالنون و (أحسن) بالنصب، و (في أصحب الجنة) من نحو قولك: أكرمني الأمير في ناس من أصحابه، تريد: أكرمني في جملة من أكرم منهم ونظمني في عدادهم، ms1130 وهو في محل النصب على الحال على معنى: كائنين في أصحاب الجنة، معدودين فيهم. (وعد الصدق) مصدر مؤكد لأن قوله: (نتقبل عنهم) وعد من الله لهم بتقبل أعمالهم، وبالتجاوز عن سيئاتهم. # PageV03P350 # (والذي قال لوا لديه أف لكمآ أتعداننى أن أخرج وقد خلت القرون من قبلى وهما يستغيثان الله ويلك ءامن إن وعد الله حق فيقول ما هذآ إلا أسطير الاولين (17) أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خسرين (18) ولكل درجت مما عملوا وليوفيهم أعملهم وهم لا يظلمون (19) ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيبتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون (20)) (الذي قال) مبتدأ وخبره: (أولئك الذين حق عليهم القول) والمراد بالذي قال الجنس القائل ذلك القول، ولذلك جاء الخبر بلفظ الجمع، و (أف) كلمة تضجر، واللام للبيان، معناه: هذا التأفيف (لكمآ) ولأجلكما خاصة دون غيركما (أتعدانني أن أخرج) أي: أبعث وأخرج من الأرض (وهما يستغيثان الله) يقولان: الغياث بالله منك ومن قولك (ويلك) دعاء عليه بالثبور، والمراد به التحريص على الإيمان لا حقيقة الهلاك. (إن وعد الله) بالبعث والجزاء (حق فيقول) في جوابهما: (ما هذآ) القرآن أو الذي تدعونني إليه (إلا أسطير الأولين) سطروها وليس لها حقيقة. # (في أمم) مثل قوله: (في أصحب الجنة) (ولكل) من الجنسين المذكورين (درجت) على مراتبهم ومقادير أعمالهم من الخير والشر، أو: من أجل أعمالهم الحسنة والقبيحة، وإنما قال: " درجات " وقد جاء: " الجنة درجات والنار دركات " على وجه التغليب؛ لاشتمال كل على الفريقين. (وليوفيهم) تعليل معلله محذوف لدلالة الكلام عليه، كأنه قال: وليوفيهم أعمالهم ولا يظلمهم PageV03P351 # حقوقهم، قدر جزاءهم على مقادير أعمالهم، فجعل الثواب درجات والعقاب دركات. # (ويوم يعرض) انتصب بالقول المضمر قبل (أذهبتم)، وعرضهم على النار: # تعذيبهم بها، كما يقال: عرض بنو فلان على السيف إذا قتلوا به. ومنه قوله: ﴿النار يعرضون عليها﴾ (1)، أو يكون المعنى: عرضت النار عليهم، كما يقال: ms1131 عرضت الناقة على الحوض، وإنما يعرض الحوض عليها، وهو من القلب. ويدل عليه تفسير ابن عباس: يجاء بهم إليها فيكشف لهم عنها (2) (أذهبتم طيبتكم) أي: ما كتب لكم حظ من الطيبات إلا ما قد أصبتموه في دنياكم وقد ذهبتم به وأخذتموه فلم يبق لكم بعد استيفاء حظكم شيء منها، وقيل: معناه: أنفقتم طيبات ما رزقتم في شهواتكم وفي ملاذ الدنيا ولم تنفقوها في مرضاة الله عز اسمه (3). # وروي: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) دخل على أهل الصفة وهم يرقعون ثيابهم بالأدم وما يجدون لها رقاعا، فقال: " أنتم اليوم خير أم يوم يغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى، ويغدى عليه بجفنة ويراح عليه بأخرى، ويستر بيته كما تستر الكعبة "؟ # قالوا: نحن يومئذ خير؟ قال: " بل أنتم اليوم خير " (4). # وقرئ: " أأذهبتم " (5) بهمزة الاستفهام، و " آأذهبتم " بألف بين همزتين (6). # (واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ى ألا تعبدوا إلا الله إنى أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (21) قالوا أجئتنا لتأفكنا عن ءالهتنا فأتنا بما تعدنآ إن كنت من # PageV03P352 # الصدقين (22) قال إنما العلم عند الله وأبلغكم مآ أرسلت به ى ولكنى أراكم قوما تجهلون (23) فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ى ريح فيها عذاب أليم (24) تدمر كل شىء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مسكنهم كذا لك نجزى القوم المجرمين (25) ولقد مكنهم فيمآ إن مكنكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصرا وأفدة فمآ أغنى عنهم سمعهم ولا أبصرهم ولا أفدتهم من شىء إذ كانوا يجحدون بايت الله وحاق بهم ما كانوا به ى يستهزءون (26) ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الايت لعلهم يرجعون (27) فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا ءالهة بل ضلوا عنهم وذا لك إفكهم وما كانوا يفترون (28)) (أخا عاد) هود (عليه السلام)، الأحقاف: جمع حقف وهو الرمل المستطيل (1) المرتفع فيه انحناء، من: احقوقف الشيء إذا اعوج. وكانت عاد بين رمال مشرفة ms1132 على البحر بالشحر (2) من بلاد اليمن، وقيل: بين عمان ومهرة (3). (4) و (النذر) جمع نذير بمعنى المنذر أو الإنذار (من بين يديه ومن خلفه) من قبل هود ومن بعده، أي: قال لهم: (لا تعبدوا إلا الله إنى أخاف عليكم) العذاب، وقوله: (وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه) اعتراض. # PageV03P353 # (قالوا أجئتنا لتأفكنا) لتصرفنا عن عبادة (ءالهتنا فأتنا بما تعدنا) من العذاب. (قال إنما العلم عند الله) معناه: إني لا أعلم الوقت الذي فيه يكون تعذيبكم حكمة وثوابا (1)، إنما علم ذلك عند الله، فكيف أدعوه بأن يأتيكم بعذابه في هذا الوقت؟ (وأبلغكم) أي: وأنا أبلغكم (مآ أرسلت به) وأمرت بتبليغه إليكم (ولكنى أركم قوما تجهلون) حيث لا تجيبون إلى ما فيه صلاحكم ونجاتكم، وتستعجلون العذاب الذي فيه هلاككم. # (فلما رأوه) الضمير يعود إلى (ما تعدنا)، أو: هو ضمير مبهم قد وضح بقوله: (عارضا) إما تمييزا وإما حالا، والعارض: السحاب الذي يعرض في أفق من آفاق السماء، ومثله: العنان من: عن إذا عرض، والحبي من: حبا، وإضافة (مستقبل) و (ممطر) غير حقيقية لكونهما نكرتين وإن أضيفا إلى المعرفتين، ألا ترى أن كليهما وصف للنكرة، وفي تقدير الانفصال كأنه قال: عارضا مستقبلا أوديتهم وهذا عارض ممطر إيانا (بل هو) أي: قال هود: ليس هو كما توهمتم (بل هو ما استعجلتم به) هي (ريح فيها عذاب) مؤلم. (تدمر) أي: تهلك (كل شىء) من نفوس عاد وأموالهم و دوابهم الكثيرة، فعبر عن الكثرة بالكلية " فأصبحوا لا ترى " أيها الرائي " إلا مسكنهم "، وقرئ: (لا يرى) على البناء للمفعول (إلا مسكنهم) بالرفع (2). # (فيمآ إن مكنكم فيه): " إن " نافية أي: فيما ما مكناكم فيه من قوة الأجسام وطول العمر وكثرة المال، إلا أن " إن " أحسن في اللفظ لما في تكرير " ما " من # PageV03P354 # البشاعة، ألا ترى أنهم قلبوا الألف من " ما " هاء في " مهما " وأصله " ماما " لبشاعة التكرير (من شىء) من الإغناء، وهو القليل منه، وانتصب (إذ كانوا) بقوله: # (فمآ أغنى) وجرى مجرى التعليل، ألا ترى أن قولك: ضربته ms1133 لإساءته، و: ضربته إذ أساء يستويان في المعنى، لأنك إذا ضربته في وقت إساءته فإنما ضربت فيه لوجود إساءته فيه. # (ولقد أهلكنا ما حولكم) يا أهل مكة (من القرى) نحو حجر ثمود وقرية سدوم وغيرهما، والمراد: أهل القرى، ولذلك قال: (لعلهم يرجعون). (فلولا) أي: فهلا نصر هؤلاء المهلكين الذين اتخذوهم شفعاء متقربا بهم إلى الله حيث قالوا: ﴿هؤلاء شفعؤنا عند الله﴾ (1) وأحد مفعولي " اتخذ " المحذوف الراجع إلى " الذين " والثاني: (ءالهة) و (قربانا) حال، والمعنى: فهلا منعهم من الهلاك آلهتهم (بل ضلوا عنهم) أي: غابوا عن نصرتهم و (ذلك) إشارة إلى امتناع نصرة آلهتهم لهم وضلالهم عنهم، أي: (وذلك) أثر (إفكهم) الذي هو اتخاذهم إياها آلهة، وثمرة شركهم وافترائهم على الله الكذب من كونه ذا شركاء. # (وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن يستمعون القرءان فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين (29) قالوا يقومنآ إنا سمعنا كتبا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدى إلى الحق وإلى طريق مستقيم (30) يقومنآ أجيبوا داعى الله وءامنوا به ى يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم (31) ومن لا يجب داعى الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه ى أوليآء أولئك في ضلل مبين (32) أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والارض ولم يعى # PageV03P355 # بخلقهن بقدر على أن يحىى الموتى بلى إنه على كل شىء قدير (33) ويوم يعرض الذين كفروا على النار أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (34) فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلغ فهل يهلك إلا القوم الفسقون (35)) (صرفنا إليك نفرا من الجن) أي: أملناهم إليك من بلادهم بالتوفيق والألطاف حتى أتوك، والنفر: دون العشرة، وجمعه: أنفار. وعن ابن عباس: # صرفناهم إليك عن استراق سمع السماء برجوم الشهب فقالوا: ما هذا الذي حدث في السماء إلا لأجل شيء حدث في الأرض، فضربوا في الأرض حتى ms1134 وقفوا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ببطن نخلة عامدا إلى عكاظ وهو يصلي الفجر، فاستمعوا القرآن ونظروا كيف يصلي (1). والضمير في (حضروه) للقرآن أو لرسول الله (قالوا) أي: قال بعضهم لبعض: (أنصتوا) أي: اسكتوا مستمعين (فلما قضى) أي: فرغ من التلاوة (ولوا) انصرفوا (إلى قومهم منذرين) يخوفونهم من عذاب الله إن لم يؤمنوا. # قالوا: (من بعد موسى) لأنهم كانوا على اليهودية (أجيبوا داعى الله) محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم)، دعاهم إلى توحيده (وءامنوا به) الهاء ل‍ " الله "، فجاءوا إلى رسول الله وآمنوا وعلمهم شرائع الإسلام، وأنزل الله سبحانه سورة الجن، وكانوا يفدون إليه في كل وقت وفيه دلالة على أنه كان مبعوثا إلى الجن والإنس. (فليس بمعجز في الأرض) أي: لا ينجي منه مهرب ولا يسبقه سابق (وليس له من دونه أوليآء) أي: أنصار يدفعون عنه عذاب الله إذا نزل بهم. # PageV03P356 # (بقدر) محله الرفع لأنه خبر (أن) وإنما دخلت الباء لاشتمال النفي في أول الآية على " أن " وما في حيزها، كأنه قال: أليس الله بقادر؟ ألا ترى أن (بلى) مقررة لكونه سبحانه قادرا على كل شيء لا لرؤيتهم؟ وقرئ: " يقدر " (١). # (ولم يعى بخلقهن) يقال: عيي فلان بأمره: إذا لم يهتد له ولم يعرف وجهه، ومنه ﴿أفعيينا بالخلق الاول﴾ (2). # (أليس هذا بالحق) محكي بعد قول مضمر، وهذا المضمر هو الناصب للظرف، و (هذا) إشارة إلى العذاب بدلالة قوله: (فذوقوا العذاب) وهو توبيخ لهم على استهزائهم بوعد الله ووعيده. # (أولوا العزم) أولو الجد والثبات والصبر، قيل: إن " من " للتبيين (3)، والمراد: جميع الرسل، والأظهر أن " من " للتبعيض، وأولو العزم من الرسل: من أتى بشريعة مستأنفة نسخت شريعة من تقدمه، وهم خمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله وعليهم أجمعين (ولا تستعجل لهم) العذاب، أي: لا تدع لهم بتعجيله فإنه نازل بهم لا محالة وإن تأخر، وإنهم مستقصرون حينئذ مدة لبثهم في الدنيا حتى يحسبوها (ساعة من نهار)، و (بلغ) أي: هذا بلاغ، والمعنى: هذا القرآن بما فيه ms1135 من البيان كفاية، أو: هذا تبليغ من الرسول (فهل يهلك إلا القوم) الخارجون من أمر الله تعالى، المتمردون في الفسق والمعاصي؟ وعن الزجاج: ما جاء في رحمة الله شيء أبلغ من هذه الآية (4). # * * * # PageV03P357 # سورة محمد مدنية (1) وهي أربعون آية بصري، ثمان وثلاثون كوفي، عد البصري (أوزارها) (2) و (للشربين) (3). # وفي حديث أبي: " ومن قرأ سورة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) كان حقا على الله أن يسقيه من أنهار الجنة " (4). # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأها لم يدخله شك في دينه أبدا، ولم يزل محفوظا من الشرك والكفر حتى يموت " (5)، تمام الخبر (6). # PageV03P359 # بسم الله الرحمن الرحيم (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعملهم (1) والذين ءامنوا وعملوا الصلحت وءامنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سياتهم وأصلح بالهم (2) ذا لك بأن الذين كفروا اتبعوا ا لبطل وأن الذين ءامنوا اتبعوا الحق من ربهم كذا لك يضرب الله للناس أمثلهم (3) فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذ آ أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فدآء حتى تضع الحرب أوزارها ذا لك ولو يشآء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعملهم (4) سيهديهم ويصلح بالهم (5) ويدخلهم الجنة عرفها لهم (6)) (أضل أعملهم) أحبط الله أعمالهم التي ظنوها خيرا وقربة، يسمونها مكارم الأخلاق من صلة الأرحام وقرى الأضياف وحفظ الجوار ونحو ذلك، وأذهبها وأبطلها كأنها لم تكن، وقيل: هم العشرة في وقعة بدر أطعم كل واحد منهم الجند يوما (1)، وقيل: هو عام في كل من صد وأعرض عن الدخول في دين الإسلام أو صد غيره عنه (2). وحقيقة " أضلها ": جعلها ضالة ضائعة ليس لها من يتقبلها ويثيب عليها، كالضالة من الإبل التي هي بمضيعة لا حافظ لها. # PageV03P360 # وقوله: (وءامنوا بما نزل على محمد) (صلى الله عليه وآله وسلم) اختصاص للإيمان بما نزل على رسول الله من بين ما يجب الإيمان به تعظيما لشأنه، وإيذانا بأن الإيمان لا يتم إلا به، وأكد ذلك بالجملة ms1136 الاعتراضية التي هي قوله: (وهو الحق من ربهم)، وقيل: معناه: أن دين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) هو الحق إذ لا يرد عليه النسخ وهو ناسخ لغيره (1)، (وأصلح بالهم) أي: حالهم وشأنهم بأن نصرهم على أعدائهم في الدنيا، ويدخلهم الجنة في العقبى. # (ذلك) مبتدأ، أي: ذلك الأمر وهو إضلال أعمال أحد الفريقين، وتكفير سيئات الآخرين وإصلاح بالهم كائن بسبب اتباع هؤلاء الباطل وهؤلاء الحق، ويجوز أن يكون (ذلك) خبر مبتدأ محذوف، أي: الأمر ذلك بهذا السبب، فيكون محل الجار والمجرور منصوبا على هذا الوجه، ومرفوعا على الأول، و (البطل): ما لا ينتفع به، وعن قتادة: الباطل: الشيطان (2) (كذلك) أي: مثل ذلك الضرب (يضرب الله للناس أمثلهم) والضمير راجع إلى (الناس) أو إلى المذكورين، قيل: من الفريقين (3)، أي: يضرب أمثالهم للناس لأجل الناس ليعتبروا بهم، وضرب المثل هو في أن جعل الإضلال مثلا لخيبة الكافرين، وإصلاح البال مثلا لفوز المؤمنين، أو: في أن جعل الحق كأنه دعا المؤمنين إلى نفسه فأجابه، والباطل كأنه دعا الكافرين إلى نفسه فأجابه. # (فإذا لقيتم) هو من اللقاء بمعنى الحرب (فضرب الرقاب) أصله: فاضربوا الرقاب ضربا، فحذف الفعل وقدم المصدر وأنيب منابه مضافا إلى المفعول، # PageV03P361 # وفيه اختصار مع إعطاء معنى التوكيد، لأنك تذكر المصدر وتدل على الفعل بالنصبة التي فيه، وضرب الرقاب عبارة عن القتل، لأن الواجب أن يضرب الرقاب خاصة دون غيرها من الأعضاء في القتل، وإن جاز الضرب في سائر المواضع (حتى إذآ أثخنتموهم) أي: أكثرتم قتلهم وأغلظتموه، من: الشيء الثخين وهو الغليظ، أو: أثقلتموهم بالقتل والجراح حتى أذهبتم عنهم النهوض (فشدوا الوثاق) أي: فأسروهم وأحكموا وثاقهم، والوثاق - بالفتح والكسر -: اسم ما يوثق به (فإما منا بعد وإما فداء) هما منصوبان بفعليهما مضمرين أي: فإما تمنون منا وإما تفدون فداء، والمعنى: التخيير بعد الأسر بين أن يمنوا عليهم فيطلقوهم، وبين أن يفادوهم بأسارى المسلمين أو بالمال. # والمروي (1) عن أئمتنا (عليهم السلام): أن الأسارى ضربان: ضرب يؤخذون قبل انقضاء القتال والحرب قائمة، فالإمام مخير ms1137 فيهم بين أن يقتلهم أو يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وضرب يؤخذون بعد انقضاء القتال، فالإمام مخير فيهم بين المن والفداء: إما بالمال أو بالنفس، وبين الاسترقاق، وبين ضرب الرقاب (2). # (حتى تضع الحرب أوزارها) وأوزار الحرب: آلاتها وأثقالها التي لا تقوم إلا بها كالسلاح والكراع (3). وسميت أوزارها لأنها لم يكن لها بد من جرها فكأنها تحملها. فإذا انقضت فكأنها وضعتها، وقيل: أوزارها: آثامها، يعني: حتى يترك أهل الحرب - وهم المشركون - شركهم ومعاصيهم بأن يسلموا فلا يبقى إلا الإسلام خير الأديان، ولا يعبد الأوثان (4). وعن الفراء: حتى لا يبقى إلا مسلم # PageV03P362 # أو مسالم (1). وعن الزجاج: يعني: اقتلوهم وأسروهم حتى يؤمنوا، فما دام الكفر باق فالحرب قائمة أبدا (2) (ذلك) أي: الأمر ذلك، أو: افعلوا ذلك (ولو يشآء الله لانتصر منهم) ببعض أسباب الهلاك من خسف أو رجفة أو حاصب أو غرق أو موت خارق (ولكن) أمركم بقتالهم (ليبلوا) المؤمنين بالكافرين بأن يجاهدوا ويصبروا، أو: يبذلوا أنفسهم في إحياء الدين حتى يستوجبوا الثواب العظيم " والذين قاتلوا في سبيل الله " (3) أي جاهدوا. وقرئ: (قتلوا)، (فلن يضل أعملهم) بل يتقبلها ويثيبهم عليها جزيل الثواب. # (سيهديهم) إلى طريق الجنة (ويصلح) حالهم. (عرفها لهم) أعلمها لهم وبينها بما يعلم به كل أحد منزلته ودرجته من الجنة، وعن مجاهد: يهتدي أهل الجنة إلى مساكنهم لا يخطئون، كأنهم كانوا سكانها منذ خلقوا (4). وعن مقاتل: أن الملك الذي وكل بحفظ عمله في الدنيا يمشي بين يديه فيعرفه كل شيء أعطاه الله (5). وقيل: معناه: طيبها لهم، من العرف وهو طيب الرائحة (6). # (يأيها الذين ءامنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم (7) والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعملهم (8) ذا لك بأنهم كرهوا مآ أنزل الله فأحبط أعملهم (9) أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكفرين أمثلها (10) ذا لك بأن # PageV03P363 # الله مولى الذين ءامنوا وأن الكفرين لا مولى لهم (11) إن الله يدخل الذين ءامنوا وعملوا الصلحت جنت تجرى من تحتها الانهر والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل ms1138 الانعم والنار مثوى لهم (12) وكأين من قرية هى أشد قوة من قريتك التى أخرجتك أهلكنهم فلا ناصر لهم (13) أفمن كان على بينة من ربهى كمن زين له سوء عمله ى واتبعوا أهوآءهم (14)) (إن تنصروا) دين الله (ينصركم) على عدوكم (ويثبت أقدامكم) في مواطن الحرب، أو: على محجة الإسلام. (والذين كفروا) مبتدأ (وأضل أعملهم) عطف على الفعل الذي هو الخبر، وانتصب به (تعسا) أي: فقضي تعسا لهم، أو: فقال: تعسا لهم أي: أتعسهم الله فتعسوا تعسا، ونقيض " تعسا له ": لعا له، قال الأعشى: # فالتعس أولى لها من أن يقال لعا (1) والمراد: فالعثور والانحطاط أقرب لها من الانتعاش والثبوت، وعن ابن عباس: يريد في الدنيا القتل وفي الآخرة التردي في النار (2). (ذلك بأنهم كرهوا) القرآن و (مآ أنزل الله) فيه من الأحكام، لأنهم قد ألفوا الإهمال فشق عليهم التكاليف. قال الباقر (عليه السلام): " كرهوا ما أنزل الله في علي (عليه السلام) " (3). # (دمر الله عليهم) أي: أهلكهم، ومعناه: دمر عليهم وأهلك ما اختص بهم من أنفسهم وأولادهم وأموالهم (وللكفرين أمثلها) الضمير للعاقبة المذكورة، أو: # PageV03P364 # للهلكة؛ لأن التدمير يدل عليها. (ذلك) الذي فعلناه بالفريقين بسبب (أن الله مولى الذين ءامنوا) أي: وليهم وناصرهم والدافع عنهم، (وأن الكفرين لا مولى لهم) ينصرهم ويدفع عنهم. # (والذين كفروا يتمتعون) وينتفعون بمتاع الحياة الدنيا أياما قلائل (ويأكلون) غافلين غير مفكرين في العاقبة (كما تأكل الأنعم) في مسارحها ومعالفها غافلة عما هي بصدده من الذبح والنحر (والنار مثوى لهم) أي: منزل لهم ومقام. # (من قرية) أي: أهل قرية، ولذلك قال: (أهلكنهم)، فكأنه قال: وكم من قوم هم أشد قوة من قومك الذين أخرجوك من مكة أهلكناهم، ومعنى " أخرجوك ": كانوا سبب خروجك (فلا ناصر لهم) يجري مجرى الحال المحكية بمعنى: فهم لا ينصرون. # (أفمن كان على بينة من ربه) أي: على حجة من عند ربه وبرهان وهي القرآن المعجز وسائر المعجزات، يريد: رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (كمن زين له سوء عمله) يريد: أهل مكة الذين زين لهم ms1139 الشيطان شركهم وعداوتهم لله ولرسوله، وقال: (سوء عمله) و (اتبعوا) حملا على لفظ " من " ومعناه. # (مثل الجنة التى وعد المتقون فيهآ أنهر من مآء غير ءاسن وأنهر من لبن لم يتغير طعمه وأنهر من خمر لذة للشربين وأنهر من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خلد في النار وسقوا مآء حميما فقطع أمعآءهم (15) ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال ءانفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهوآءهم (16) والذين اهتدوا PageV03P365 # زادهم هدى وءاتاهم تقولهم (17) فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جآء أشراطها فأنى لهم إذا جآءتهم ذكراهم (18) فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنت والله يعلم متقلبكم ومثواكم (19) ويقول الذين ءامنوا لولا نزلت سورة فإذ آ أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشى عليه من الموت فأولى لهم (20)) قوله: (مثل الجنة... كمن هو خلد) كلام في صورة الإثبات، والمعنى: النفي والإنكار؛ لانطوائه تحت كلام مصدر بحرف الإنكار ودخوله في حيزه، وهو قوله: # (أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله) فكأنه قال: أمثل الجنة كمثل جزاء من هو خالد في النار، وفي تعريته من حرف الإنكار زيادة تصوير لمكابرة من يسوي بين المتمسك بالبينة والمتبع لهواه، وأنه بمنزلة من يسوي بين الجنة التي فيها تلك الأنهار وبين النار التي يسقى أهلها الحميم، ونظيره قول القائل: # أفرح أن ارزأ الكرام وأن * أورث ذودا شصائصا نبلا (1) فإنه إنكار للفرح برزئة الكرام ووراثة الذود مع تعري الكلام عن حرف الإنكار، لانطوائه تحت حكم قول من قال له: أتفرح بموت أخيك وبوراثة إبله؟ # فكأنه قال: أمثلي يفرح بذلك! وهو من التسليم الذي تحته كل إنكار، و (مثل الجنة) صفة الجنة العجيبة الشأن، وهو مبتدأ وخبره (كمن هو خلد)، وقوله: # (فيها أنهر) داخل في حكم الصلة كالتكرير لها. ويجوز أن يكون في محل # PageV03P366 # النصب ms1140 على الحال، أي: مستقرة فيها أنهار. وفي قراءة علي (عليه السلام): " أمثال الجنة " (1) أي: ما صفاتها كصفات النار، وقرئ: " أسن " (2) يقال: أسن الماء وأجن: إذا تغير طعمه وريحه، فهو آسن وأسن. (من لبن لم يتغير طعمه) كما يتغير ألبان الدنيا، فلا يصير قارصا ولا حازرا (3) (لذة) تأنيث " لذ " وهو اللذيذ، أو: وصف بمصدر أي: يلتذون بها ولا يتأذون بعاقبتها بخلاف خمر الدنيا التي لا تخلو من المرارة والخمار والصداع (مصفى) أي: خالص من الشمع والقذى والأذى (ولهم) مع ذلك (فيها من كل الثمرت ومغفرة من ربهم) أي: ستر لذنوبهم وإنساء لسيئاتهم، حتى لا يتنغص عليهم النعيم (وسقوا مآء حميما) شديد الحر، روي: أنه إذا دني منهم شوى وجوههم وانمازت فروة رؤوسهم، فإذا شربوه قطع أمعاءهم (4). # (ومنهم من يستمع إليك) وهم المنافقون، أي: يستمعون إلى كلامك فيسمعونه ولا يعونه، فإذا (خرجوا من عندك قالوا للذين) آتاهم الله (العلم) من المؤمنين (ماذا قال ءانفا) أي شيء قال الساعة؟ وإنما قالوه استهزاء وقلة مبالاة به، يعنون: أنا لم نشتغل بوعيه وفهمه، قال الزجاج: هو من [قولك:] استأنفت الشيء إذا ابتدأته، والمعنى: ماذا قال في أول وقت يقرب منا؟! (5) وعن الأصبغ بن نباتة عن علي (عليه السلام) قال: إنا كنا عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيخبرنا بالوحي، فأعيه أنا ومن يعيه، فإذا خرجنا قالوا: ماذا قال آنفا. # PageV03P367 # (والذين اهتدوا زادهم) الله (هدى) بالتوفيق (وءاتهم) جزاء (تقولهم)، أو: أعانهم عليها، وقيل: الضمير في (زادهم) لقول الرسول، أو: # لاستهزاء المنافقين أي: زادهم استهزاؤهم بصيرة وتصديقا لنبيهم (1). # (فهل ينظرون) أي: ينتظرون (أن تأتيهم) بدل اشتمال من (الساعة) ، (فقد جآء أشراطها) أي: علاماتها، وقيل: هي مبعث محمد خاتم الأنبياء صلوات الله عليه وآله ونزول آخر الكتب وانشقاق القمر والدخان (2)، وقيل: قطع الأرحام وشهادة الزور وكثرة اللئام وقلة الكرام (3) (فأنى لهم) أي: فمن أين لهم وكيف لهم الذكرى والاتعاظ والتوبة (إذا جآءتهم) الساعة؟ أي: لا تنفعهم الذكرى يومئذ. # ثم خاطب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ms1141 والمراد أمته قال: إذا علمت سعادة هؤلاء وشقاوة هؤلاء فاثبت على ما أنت عليه من العلم بوحدانية الله عز اسمه وعلى التواضع وهضم النفس بالاستغفار (لذنبك) مع كمال عصمتك لتستن أمتك بسنتك (وللمؤمنين والمؤمنت) أمره بالاستغفار لذنوبهم تكرمة لهم، إذ هو الشفيع المجاب فيهم (والله يعلم متقلبكم) في معايشكم ومتاجركم (ومثواكم) ومستقركم في (4) منازلكم، أو: متقلبكم في حياتكم ومثواكم في القبور أو: في (5) الجنة والنار، أو: متقلبكم في أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات ومقامكم في الأرض، ومثله حقيق بأن يتقى ويخشى. # PageV03P368 # وسئل سفيان بن عيينة عن فضل العلم فقال: ألم تسمع قوله حين بدأ به: # (فاعلم أنه لا إله إلا الله) ف‍ (استغفر لذنبك) فأمر بالعمل بعد العلم، وقال: # (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو) (١) ثم قال: (سابقوا إلى مغفرة) (٢)، وقال: ﴿واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ (٣) ثم قال: ﴿فاحذروهم﴾ (4) (5). # (لولا نزلت سورة) أي: هلا نزلت سورة، كانوا يدعون الحرص على الجهاد ويقولون: هلا نزلت سورة في معنى الجهاد (فإذا أنزلت سورة محكمة) مبينة غير متشابهة، وأوجب عليهم فيها القتال وأمروا به (رأيت الذين في قلوبهم) شك (ينظرون إليك) أي: يشخصون نحوك بأبصارهم (نظر المغشى عليه من الموت) كما ينظر من أصابته الغشية عند الموت جبنا وهلعا، (فأولى لهم) وعيد بمعنى: فويل لهم، وهو أفعل من الولي وهو القرب، ومعناه: وليهم وقاربهم ما يكرهون. # (طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم (21) فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم (22) أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصرهم (23) أفلا يتدبرون القرءان أم على قلوب أقفالهآ (24) إن الذين ارتدوا على أدبرهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطن سول لهم وأملى لهم (25) ذا لك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم (26) فكيف إذا توفتهم الملئكة يضربون وجوههم # PageV03P369 # وأدبرهم (27) ذا لك بأنهم اتبعوا مآ أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعملهم (28) أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغنهم ms1142 (29) ولو نشآء لارينكهم فلعرفتهم بسيمهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعملكم (30) ولنبلونكم حتى نعلم المجهدين منكم والصبرين ونبلوا أخباركم (31)) هذا استئناف كلام، أي: (طاعة وقول معروف) خير لهم، وقيل: هي حكاية قولهم (1) يعني: قالوا: طاعة وقول معروف، أي: أمرنا طاعة وقول معروف، أي: # حسن لا تنكره العقول (فإذا عزم الأمر) أي: جد، وإنما العزم والجد لأصحاب الأمر، وأسند إلى الأمر مجازا (فلو صدقوا) فيما زعموا من الحرص على الجهاد، أو: في إيمانهم بأن يواطئ فيه قلوبهم ألسنتهم (لكان خيرا لهم) من نفاقهم. # (فهل عسيتم) أي: يتوقع منكم يا معشر المنافقين (إن توليتم) أي: # تسلطتم وملكتم أمور الناس وتأمرتم عليهم وجعلتم ولاة (أن تفسدوا في الأرض) بسفك الدم الحرام وأخذ الرشا (وتقطعوا أرحامكم) تهالكا على ملك الدنيا، فيقتل بعضكم بعضا، ويقطع بعضكم رحم بعض. (أولئك) إشارة إلى المذكورين الذين لعنهم الله لإفسادهم في الأرض وقطعهم الأرحام، فمنعهم ألطافه وخذلهم حتى صموا عن استماع الموعظة، وعموا عن إبصار طريق الهدى. # (أفلا يتدبرون القرءان) ويتصفحونه ويعتبرون به ويقضون ما عليهم من الحقوق (أم على قلوب أقفالهآ) هي " أم " المنقطعة، ومعنى الهمزة فيه: التسجيل عليهم بأن قلوبهم مقفلة لا يتوصل إليها ذكر، ومعنى تنكير القلوب: أنها قلوب # PageV03P370 # قاسية مبهم أمرها، أو: بعض القلوب وهي قلوب المنافقين. وأما إضافة الأقفال إليها فلأن المراد الأقفال المختصة بها، وهي أقفال الكفر التي استغلقت فلا تفتح. # (إن الذين ارتدوا على أدبارهم) بأن رجعوا عن الحق والإيمان (من بعد ما تبين لهم الهدى) وظهر لهم طريق الحق (الشيطان سول لهم) جملة من مبتدأ وخبر، وقعت خبرا ل‍ (إن) ومعناه: الشيطان سول لهم ركوب العظائم من الذنوب، من السول وهو الاسترخاء (وأملى لهم) ومد لهم في الآمال. # (ذلك) بسبب (أنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله) من القرآن، وعن الصادق (عليه السلام): في ولاية علي (عليه السلام) (1). (سنطيعكم في بعض الأمر) أي: في بعض ما تأمرون به وتريدونه " والله يعلم أسرارهم " وقرئ: (إسرارهم) بكسر الهمزة (2)، أي: ما أسره بعضهم ms1143 إلى بعض من القول، وما أسروه في أنفسهم من الاعتقاد. (فكيف) يعملون وما حيلتهم (إذا توفتهم الملئكة) وقبضت أرواحهم (يضربون وجوههم وأدبارهم)؟؟ (ذلك) التوفي الموصوف (ب‍) تلك الصفة بسبب (أنهم اتبعوا ما أسخط الله) من عظائم الأمور، (وكرهوا رضونه فأحبط الله أعملهم) التي كانوا يعملونها من صلاة وغيرها لأنها في غير إيمان. # بل (أحسب الذين في قلوبهم مرض أن يخرج الله أضغنهم) أحقادهم على المؤمنين، وإخراجها: إبرازها لرسول الله وللمؤمنين المخلصين، وإظهارهم على نفاقهم. (ولو نشاء لأرينكهم) يا محمد حتى تعرفهم بأعيانهم، وقوله: # (فلعرفتهم بسيمهم) بعلامتهم، وعن أنس: ما خفي على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد # PageV03P371 # هذه الآية أحد من المنافقين، وكان يعرفهم بسيماهم (1). # والفرق بين اللامين في: (فلعرفتهم)، (ولتعرفنهم): أن الأولى هي الداخلة في جواب " لو " كالتي في (لارينكهم) ثم كررت في المعطوف، واللام في (ولتعرفنهم) وقعت مع النون في جواب القسم المحذوف، (في لحن القول) أي: تعرفهم في فحوى كلامهم ومغزاه ومعناه، وعن أبي سعيد الخدري: لحن القول: # بغضهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) (2). وعن جابر مثله (3). # وعن عبادة بن الصامت: كنا نبور (4) أولادنا بحب علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فإذا رأينا أحدهم لا يحبه علمنا أنه لغير رشدة (5). # وقيل: اللحن أن تلحن بكلامك أي: تميله إلى نحو من الأنحاء ليتفطن له صاحبك كالتعريض والتورية (6)، قال: # ولقد لحنت لكم لكيما تفقهوا * واللحن يعرفه ذوو الألباب (7) # PageV03P372 # وإنما قيل للمخطئ: لاحن؛ لأنه يعدل بكلامه عن الصواب. (ولنبلونكم) بمشاق الأمور والتكاليف. # وعن الفضيل أنه كان إذا قرأها بكى وقال: اللهم لا تبلنا فإنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا وعذبتنا (1). # (ونبلو أخباركم) أي: ما يحكى عنكم وما يخبر به عن أعمالكم لنعلم حسنه من قبيحه، لأن الخبر على حسب المخبر عنه. وقرئ: " وليبلونكم " و " يعلم " و " يبلو " بالياء (2)، وهو قراءة الباقر (عليه السلام)، وقرئ: " ونبلو " بالنون وسكون الواو (3)، والنون على معنى: ونحن نبلو. # (إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشآقوا الرسول من بعد ما تبين لهم ms1144 الهدى لن يضروا الله شيا وسيحبط أعملهم (32) يأيها الذين ءامنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعملكم (33) إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم (34) فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعملكم (35) إنما الحيواة الدنيا لعب ولهو وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم ولا يسلكم أموا لكم (36) إن يسلكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغنكم (37) هأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه ى والله الغنى وأنتم الفقرآء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثلكم (38)) # PageV03P373 # (من بعد ما تبين لهم الهدى) وظهر لهم الحق إنما ضروا أنفسهم (1)، و (لن يضروا الله) بذلك (وسيحبط أعملهم) التي عملوها فلا يرون لها في الآخرة ثوابا. # (ولا تبطلوا أعملكم) بمعصية الله والرسول، أو: بالشك والنفاق. وعن ابن عباس: لا تبطلوها بالرياء والسمعة (2). (فلا تهنوا) أي: فلا تضعفوا ولا تتوانوا في قتال أعداء الله، (و) لا (تدعوا إلى السلم) قرئ بالفتح والكسر (3) وهما المسالمة (وأنتم الأعلون) أي: الأغلبون الأقهرون، وقيل: إن الواو للحال، أي: لا تدعوهم إلى الصلح والحال أنكم الغالبون القاهرون لهم، و (تدعوا) مجزوم لدخوله في حكم النهي كما ذكرنا، ويجوز أن يكون منصوبا بإضمار " أن "، (ولن يتركم أعملكم) هو من: وترت الرجل إذا قتلت له قتيلا أو حربته (4)، وحقيقته: # أفردته من حميمه أو ماله، من الوتر وهو الفرد. # ومنه قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): " ومن فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله " (5)، أي: أفرد عنهما قتلا ونهبا، فشبه سبحانه إضاعة عمل العامل وإبطال ثوابه بوتر الواتر، وهو من فصيح الكلام. # (وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم أجوركم) أي: ثواب إيمانكم وتقواكم (ولا يسئلكم أمولكم) أي: ولا يسألكم جميعها في الصدقة، وإنما أوجب عليكم الزكاة # PageV03P374 # في بعضها، واقتصر منه على القليل وهو ربع العشر، وقيل: لا يسألكم الرسول على أداء الرسالة أموالكم أن تدفعوها إليه (إن يسألكموها فيحفكم) أي: فيجهدكم بمسألة جميعها (1)، والإخفاء: المبالغة ms1145 وبلوغ الغاية في كل شيء، يقال: أحفاه في المسألة إذا لم يترك شيئا من الإلحاح، ومنه: إحفاء الشارب وهو استئصال شعره (تبخلوا ويخرج أضغنكم) أي: تضطغنون على رسول الله وتضيق صدوركم لذلك، والضمير في (يخرج) لله عز وجل، أي: يضغنكم بطلب أموالكم، أو: للبخل لأنه سبب الاضطغان. # (هؤلاء) موصول صلته (تدعون)، أي: ها أنتم الذين تدعون، أو: أنتم يا مخاطبون هؤلاء الموصوفون، ثم استأنف وصفهم، كأنهم قالوا: وما وصفنا؟ فقال: # (تدعون لتنفقوا في سبيل الله) كأنه قيل: الدليل على أنه لو أحفاكم لبخلتم وكرهتم العطاء واضطغنتم أنكم تدعون إلى أداء ربع العشر، فمنكم ناس يبخلون به، ثم قال: (ومن يبخل) بالصدقة وأداء الفريضة فلا يتعداه ضرر بخله، وإنما (يبخل عن نفسه) إذ يلزمها العقاب الأليم ويحرمها الثواب العظيم، يقال: بخلت عليه وعنه، وضننت عليه وعنه. وفي الآية إشارة إلى أن معطي المال أحوج إليه من الفقير الآخذ، فبخله به بخل على نفسه. (والله الغنى) عما عندكم من الأموال (وأنتم الفقراء) إلى ما عند الله من الرحمة والثواب (وإن تتولوا) معطوف على (وإن تؤمنوا وتتقوا)، (يستبدل قوما غيركم) على خلاف صفتكم، راغبين في الإيمان والتقوى، غير متولين عنهما (ثم لا يكونوا أمثلكم) بل خيرا منكم وأطوع لله. # PageV03P375 # روي: أنهم قالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من هؤلاء؟ فضرب (عليه السلام) يده على فخذ سلمان فقال: " هذا وقومه، لو كان الإيمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس " (1). # وعنهم (عليهم السلام): (إن تتولوا) يا معشر العرب (يستبدل قوما غيركم) يعني: # الموالي (2). # * * * # PageV03P376 # سورة الفتح مدنية (1) وهي تسع وعشرون آية. # في حديث أبي: " من قرأ سورة الفتح فكأنما شهد مع محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فتح مكة (2) ". وفي رواية أخرى (3): " فكأنما كان مع من بايع محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) تحت الشجرة " (4). # وعن الصادق (عليه السلام): " حصنوا أموالكم ونساءكم وما ملكت أيمانكم من التلف بقراءة (إنا فتحنا لك فتحا مبينا) فإنه إذا كان ممن يدمن قراءتها ناداه مناد يوم القيامة: أنت ms1146 من عبادي المخلصين، ألحقوه بالصالحين من عبادي، فأسكنوه جنات النعيم، واسقوه من الرحيق المختوم بمزاج الكافور " (5). # PageV03P377 # بسم الله الرحمن الرحيم (إنا فتحنا لك فتحا مبينا (1) ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما (2) وينصرك الله نصرا عزيزا (3) هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمنا مع إيمنهم ولله جنود السموات والارض وكان الله عليما حكيما (4) ليدخل المؤمنين والمؤمنت جنت تجرى من تحتها الانهر خلدين فيها ويكفر عنهم سياتهم وكان ذا لك عند الله فوزا عظيما (5) ويعذب المنفقين والمنفقت والمشركين والمشركت الظآنين بالله ظن السوء عليهم دآئرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وسآءت مصيرا (6) ولله جنود السموات والارض وكان الله عزيزا حكيما (7)) اختلف في هذا الفتح، فقيل: هو فتح مكة وعده الله ذلك عند انكفائه من الحديبية (1)، وعن جابر: ما كنا نعلم فتح مكة إلا يوم الحديبية (2). وجاء به على لفظ الماضي على عادته عز اسمه في أخباره، لأنها في تحققها وتيقنها بمنزلة الكائنة الموجودة، وقيل: هو فتح الحديبية (3)، فروي: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما رجع من الحديبية قال رجل من أصحابه: ما هذا بفتح، لقد صدونا عن البيت وصد هدينا! فقال (عليه السلام): " بئس الكلام هذا بل هو أعظم الفتوح، قد رضي المشركون أن # PageV03P378 # يدفعوكم عن بلادهم بالراح، ويسألوكم القضية، ورغبوا إليكم في الأمان، وقدروا منكم ما كرهوا " (1). وعن الزهري: لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن الإسلام في قلوبهم وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير كثر بهم سواد الإسلام (2). # والحديبية بئر نفد ماؤها حتى لم يبق فيها قطرة، فأتاها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فجلس على شفيرها ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم تمضمض ومجه فيها، فدرت بالماء حتى أصدرت جميع من معه وركابهم (3). # وعن سالم بن أبي الجعد قال: قلت لجابر: كم كنتم يوم الشجرة؟ قال: كنا ألفا وخمسمائة، وذكر عطشا أصابهم ثم ms1147 قال: فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بماء في تور فوضع يده فيه فجعل الماء يخرج من بين أصابعه كأنه العيون، قال: فشربنا وسقانا وكفانا، ولو كنا مائة ألف كفانا (4). # وقيل: المراد بالفتح هنا فتح خيبر (5)، وذكر مجمع بن حارثة الأنصاري - وهو أحد القراء - في حديثه: لما انصرفنا من الحديبية أوحي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فوجدناه واقفا عند كراع الغنم وقرأ (إنا فتحنا) السورة، فقال عمر: أو فتح هو؟! # قال: " نعم والذي نفسي بيده إنه لفتح " فقسمت خيبر على أهل الحديبية لم يدخل فيها أحد إلا من شهدها (6). # PageV03P379 # (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) لأصحابنا فيه وجهان (1) من التأويل: أحدهما: أن المراد: يغفر لك ما تقدم من ذنب أمتك وما تأخر بشفاعتك. # وحسنت إضافة ذنوب أمة إليه للاتصال بينه وبينهم، ويعضده ما رواه المفضل بن عمر عن الصادق (عليه السلام) أنه سئل عن هذه الآية فقال: والله ما كان له ذنب ولكن الله سبحانه ضمن له أن يغفر ذنوب شيعة علي (عليه السلام) ما تقدم وما تأخر. # والآخر: ذكره المرتضى (2) قدس الله روحه: أن الذنب مصدر، والمصدر يجوز إضافته إلى الفاعل والمفعول، والمراد هنا: ما تقدم من ذنبهم إليك في إخراجهم إياك من مكة وما تأخر من صدك عن المسجد الحرام، أي: ليغفر ما أذنبه قومك إليك من إخراجك من مكة وصدك عنها، فالذنب مضاف إلى المفعول هنا، ويعدى بنفسه حملا على الإخراج والصد اللذين هو في معناهما، ولذلك جعل المغفرة علة للفتح وغرضا فيه. والمراد بالمغفرة على هذا إزالة أحكام المشركين وفتحها (3) عنه، وستر تلك الوصمة عليه بما يفتح له من مكة بأن يدخلها فيما بعد، ولو أراد مغفرة ذنوبه لم يكن لكون المغفرة غرضا في الفتح معنى (ويتم نعمته عليك) في الدنيا بإعلاء أمرك وإظهارك على الدين كله وبقاء شريعتك، وفي الآخرة برفع محلك (ويهديك صرطا مستقيما) ويرشدك طريقا يؤدي سالكه إلى الجنة ويثبتك عليها. (وينصرك الله نصرا عزيزا) ms1148 تمتنع به من كل جبار عنيد، وصف النصر بالعزيز لأن فيه العزة والمنعة، أو: يعني عزيزا صاحبه، أو: وصفه بصفة المنصور إسنادا مجازيا. # PageV03P380 # (السكينة) السكون، أي: أنزل الله السكون (في قلوب المؤمنين) والطمأنينة بسبب الصلح والأمن، ليعرفوا فضل الله عليهم بتيسير الأمن بعد الخوف فيزدادوا يقينا إلى يقينهم بما يرون من الفتوح وعلو كلمة الإسلام وفق ما وعدوا (ولله جنود السموت والأرض وكان الله عليما حكيما) يسلط بعضها على بعض على ما يقتضيه علمه وحكمته. ومن قضيته أن سكن قلوب المؤمنين بصلح الحديبية، ووعدهم أن يفتح لهم مكة ليعرف المؤمنون نعمة الله في ذلك ويشكروها فيثيبهم. (ويعذب المنفقين) والكافرين. # ومعنى (ظن السوء): أن الله لا ينصر الرسول والمؤمنين ولا يرجعهم إلى مكة ظافرين فاتحين إياها، والسوء: عبارة عن رداءة الشيء وفساده، كما يقع الصدق عبارة عن جودة الشيء وصلاحه (عليهم دآئرة السوء) أي: ما يظنونه ويتربصونه بالمؤمنين فهو دائر عليهم، حائق بهم، وهو الهلاك والدمار، وقرئ: # (دآئرة السوء) بفتح السين وضمها (1) وهما لغتان من " ساء " كالكره والكره، والضعف والضعف، إلا أن المفتوح غلب في أن يضاف إليه ما يراد ضمه من كل شيء، والمضموم جار مجرى الشر الذي هو نقيض الخير، يقال: أراد به السوء،: # وأراد به الخير، ولذلك أضيف " الظن " إلى المفتوح لكونه مذموما، وكانت " الدائرة " محمودة فكان حقها أن لا تضاف إليه إلا على التأويل الذي ذكرناه (وغضب الله عليهم ولعنهم) بأن أبعدهم من رحمته. # وكرر قوله: (ولله جنود السموت والأرض) لأن الأول اتصل بذكر المؤمنين، أي: فله الجنود التي يقدر على أن يعينهم بها، والثاني اتصل بذكر # PageV03P381 # الكافرين، أي: فله الجنود التي يقدر على الانتقام منهم بها (وكان الله عزيزا) في قهره وانتقامه من أعدائه (حكيما) في فعله وقضائه. # (إنآ أرسلنك شهدا ومبشرا ونذيرا (8) لتؤمنوا بالله ورسوله ى وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا (9) إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ى ومن أوفى بما عهد عليه الله فسيؤتيه ms1149 أجرا عظيما (10) سيقول لك المخلفون من الاعراب شغلتنآ أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم قل فمن يملك لكم من الله شيا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا (11) بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذا لك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا (12) ومن لم يومن بالله ورسوله ى فإنآ أعتدنا للكفرين سعيرا (13) ولله ملك السموات والارض يغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء وكان الله غفورا رحيما (14)) وقرئ: (لتؤمنوا) وما بعده بالتاء والياء (1)، فالتاء على الخطاب لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ولأمته، والياء على أن الضمير في الجميع للناس (وتعزروه) أي: # تقووه بالنصرة (وتوقروه) أي: تعظموه وتطيعوه (وتسبحوه) من التسبيح أو: # من السبحة، والضمائر لله عز اسمه، والمراد بتعزيز الله: تعزيز دينه ورسوله. # (إن الذين يبايعونك) يريد: بيعة الحديبية وهي بيعة الرضوان، أي: بايعوا # PageV03P382 # رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على الموت (إنما يبايعون الله) هو كقوله: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ (1) ثم أكده تأكيدا بقوله: (يد الله فوق أيديهم) كأن يد رسول الله التي تعلو أيدي المبايعين يد الله، إذ هو جل جلاله منزه عن صفات الأجسام (فمن نكث فإنما ينكث على نفسه) لا يعود ضرر نكثه إلا عليه، ويقال: وفيت بالعهد وأوفيت به، وقرئ: (فسيؤتيه) بالنون (2) والياء. # (سيقول لك المخلفون من الأعراب) وهم الذين تخلفوا عن صحبة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عام الحديبية لما أراد المسير إلى مكة معتمرا، وذلك في ذي القعدة من سنة ست من الهجرة، فاستنفر من حول المدينة من الأعراب وأهل البوادي ليخرجوا معه حذرا من قريش أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت، وأحرم بالعمرة وساق معه الهدي ليعلم الناس أنه لا يريد حربا، فتثاقل عنه كثير من الأعراب فقالوا: نذهب معه إلى قوم قد جاؤوه فقتلوا كثيرا من أصحابه، فتخلفوا عنه واعتلوا بالشغل، وظنوا أنه لا ينقلب ms1150 إلى المدينة ويهلك، و (يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم) هو تكذيب لهم في اعتذارهم، وإخبار عن ضمائرهم وأسرارهم، وأنهم لا يبالون استغفر لهم الرسول أم لا (قل فمن يملك لكم من الله شيئا) أي: فمن يمنعكم من مشيئة الله وقضائه (إن أراد بكم) ما يضركم من قتل أو موت (أو أراد بكم نفعا) من ظفر وغنم، وقرئ: " ضرا " (3) وهما لغتان، كالفقر والفقر، وقيل: إن الضر خلاف النفع، والضر: سوء الحال (4). # PageV03P383 # والأهلون: جمع أهل، وأما الأهالي فاسم للجميع (١) كالليالي، والبور: جمع بائر كعائذ وعوذ، وقيل: إنه مصدر " بار " كالهلك مصدر " هلك "، ولذلك وصف به الواحد والجمع والمذكر والمؤنث (٢). والمعنى: (وكنتم قوما) فاسدين في أنفسكم وقلوبكم ونياتكم، وهالكين عند الله، لا خير فيكم، ومستوجبين لسخطه وعقابه. # (للكافرين) أقيم مقام " لهم " ليعلم أن من لم يجمع بين الإيمانين وهو الإيمان بالله وبرسوله فهو كافر، ونكر (سعيرا) إيذانا بأنها نار مخصوصة لهم، كما نكر قوله: ﴿نارا تلظى﴾ (3). # (سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلم الله قل لن تتبعونا كذا لكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا (15) قل للمخلفين من الاعراب ستدعون إلى قوم أولى بأس شديد تقتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما (16) ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ومن يطع الله ورسوله يدخله جنت تجرى من تحتها الانهر ومن يتول يعذبه عذابا أليما (17) لقد رضى الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثبهم فتحا قريبا (18) ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما (19)) # PageV03P384 # (سيقول) الذين تخلفوا عن الحديبية (إذا انطلقتم إلى مغانم) خيبر لتأخذوها (ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلم الله) وقرئ: " كلم الله " (1) أي: # موعد الله لأهل الحديبية خاصة بغنيمة خيبر عوضا من مغانم مكة (قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل) مرجعنا إليكم ms1151 أن غنيمة خيبر عوضا لمن شهد الحديبية لا يشركهم فيها غيرهم (فسيقولون بل تحسدوننا) أن نصيب معكم من الغنائم ونشارككم فيها (بل كانوا) قوما (لا يفقهون) أي: لا يفهمون (إلا) فهما (قليلا) وهو فطنتهم لأمور الدنيا دون أمور الدين، والفرق بين حرفي الإضراب: # أن الأول إضراب من أن يكون ذلك حكم الله وإثبات للحسد، والثاني إضراب من وصفهم المؤمنين بالحسد وإثبات لجهلهم. # (قل للمخلفين) الذين تخلفوا عن الحديبية (ستدعون) فيما بعد (إلى قوم أولى بأس شديد) وهم هوازن وثقيف (أو يسلمون) معطوف على (تقاتلونهم)، أي: يكون أحد الأمرين: إما المقاتلة أو الإسلام، لا ثالث لهما، (فإن تطيعوا) وتجيبوا إلى قتالهم يأجركم الله، (وإن تتولوا) عن قتالهم (كما توليتم من قبل) عن الخروج إلى الحديبية (يعذبكم الله) في الآخرة. # (ليس على الأعمى حرج) نفى الحرج عن هؤلاء من ذوي العاهات في التخلف عن الغزو، وقرئ (يدخله) و (يعذبه) بالنون (2) والياء. # إنما سميت بيعة الرضوان بهذه الآية، بايعوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالحديبية تحت الشجرة المعروفة وهي الشجرة السمرة (3) (فعلم ما في قلوبهم) من صدق النية # PageV03P385 # في القتال والصبر والوفاء، وكان عددهم ألفا وخمسمائة أو ثلاثمائة (فأنزل السكينة عليهم) والضمير للمؤمنين، والسكينة: هي اللطف المقوي لقلوبهم كالطمأنينة (1) (وأثبهم فتحا قريبا) يعني: فتح خيبر (ومغانم كثيرة يأخذونها) وهي مغانم خيبر وكانت مشهورة بكثرة الأموال والعقار (2). # (وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه ى وكف أيدى الناس عنكم ولتكون ءاية للمؤمنين ويهديكم صرا طا مستقيما (20) وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شىء قديرا (21) ولو قتلكم الذين كفروا لولوا الادبر ثم لا يجدون وليا ولا نصيرا (22) سنة الله التى قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (23) وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم وكان الله بما تعملون بصيرا (24) هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام وا لهدى معكوفا أن يبلغ محله ولولا رجال مؤمنون ونسآء مؤمنت لم ms1152 تعلموهم أن تطوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته ى من يشآء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما (25)) (وعدكم الله مغانم كثيرة) هي جميع ما يفيء على المؤمنين إلى يوم القيامة (فعجل لكم هذه) المغانم يعني: غنائم خيبر (وكف أيدى الناس عنكم) يعني: # أيدي أهل خيبر وحلفائهم من أسد وغطفان حين جاءوا لنصرتهم (فقذف) الله # PageV03P386 # ﴿في قلوبهم الرعب﴾ (1) فنكصوا، وقيل: يريد أيدي أهل مكة بصلح الحديبية (2) (ولتكون) هذه الكفة والهدنة والغنيمة التي عجلت (ءاية للمؤمنين) وعبرة يعرفون بها أنهم من الله بمكان، وأنه ضامن نصرهم والفتح عليهم، وذلك لأن الصلح وقع: على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس، وعلى أن من قدم مكة من المسلمين فهو آمن على دمه وماله، ومن قدم المدينة من قريش فهو آمن على دمه وماله، ومن أحب أن يدخل في عقد محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه، فقالت خزاعة: نحن في عقد محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وعهده، وقالت كنانة: نحن في عقد قريش، فقال سهيل بن عمرو لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): على أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، ومن جاءنا ممن معك لا نرده عليك، فقال المسلمون: سبحان الله! # كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلما؟ فقال (عليه السلام): من جاءهم منا فأبعده الله، ومن جاءنا منهم رددناه إليهم ولو علم الله الإسلام من قلبه جعل له مخرجا، فقال سهيل: وعلى أنك ترجع عنا عامك هذا فلا تدخل مكة، فإذا كان العام القابل خرجنا عنها لك فدخلتها بأصحابك فأقمت بها ثلاثا فلا تدخلها بالسلاح إلا والسيوف في القراب، وعلى أن هذا الهدي حيث ما حسبناه محله لا تقدمه علينا، فقال (عليه السلام): نحن نسوق وأنتم تردون؟! قال عمر بن الخطاب: والله ما شككت منذ أسلمت إلا يومئذ، فأتيت النبي (صلى الله عليه وآله ms1153 وسلم) فقلت: ألست نبي الله؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ فقال: بلى، قلت: فلم تعطي الدنية في ديننا إذا؟ # قال: إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري، قلت: أولست كنت تحدثنا أنا # PageV03P387 # سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرتك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا قال: فإنك تأتيه، فتطوف به، فنحر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بدنة ودعا بحالقه فحلق شعره (1). # وعن محمد بن كعب: كان كاتب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا الصلح علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فلما قال له: اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو، وجعل علي يتلكأ ويأبى أن يكتب إلا: محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال (عليه السلام): # فإن لك مثلها، تعطيها وأنت مضطهد، فكتب (2). # ولما قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة من الحديبية مكث بها عشرين ليلة ثم خرج إلى خيبر فأعطى اللواء أبا بكر وبعثه إلى القوم، فانطلق فلقي القوم ثم انكشف هو وأصحابه فرجعوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ثم بعث عمر بن الخطاب ونهض بمن نهض معه من الناس، فلقوا أهل خيبر فانكشف هو وأصحابه فرجعوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يجبنه أصحابه ويجبنهم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، كرارا غير فرار، لا يرجع حتى يفتح الله على يديه فبات الناس يدوكون بجملتهم أيهم يعطاها، فلما أصبح قال: أين علي بن أبي طالب (عليه السلام)؟ فقالوا: هويا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يشتكي عينيه، فقال: أرسلوا إليه، فأتي به، فبصق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في عينيه ودعا له فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فبرز مرحب وهو يقول: # قد علمت خيبر أني مرحب (3) # PageV03P388 # الأبيات، فقال علي (عليه السلام): # أنا الذي سمتني أمي حيدره * كليث ms1154 غابات كريه المنظره أوفيهم بالصاع كيل السندره (١) فضرب مرحبا فقتله، وكان الفتح (٢). # وقوله: (ولتكون ءاية للمؤمنين) اعتراض، أي: وليكون ذلك آية فعل ذلك، ويجوز أن يكون المعنى: وعدكم المغانم فجعل هذه الغنيمة وكف الأعداء لينفعكم بها، ولتكون آية للمؤمنين إذا وجدوا وعد الله بها صادقا؛ لأن الإخبار بالمغيبات معجزة وآية (ويهديكم صراطا مستقيما) أي: ويزيدكم بصيرة وثقة - بفضل الله - ويقينا. (وأخرى) أي: ووعدكم الله مغانم أخرى (لم تقدروا عليها) بعد، وهي مغانم هوازن في غزوة حنين (قد أحاط الله بها) أي: قد قدر عليها واستولى، وأظهركم عليها وغنمكموها. # (ولو قتلكم الذين كفروا لولوا الأدبر) هذا من العلم بالمعدوم، علم سبحانه ما لم يكن أن لو كان كيف يكون. (سنة الله) في موضع المصدر المؤكد، أي: سن الله جل جلاله غلبة أنبيائه سنة، وهو كقوله: ﴿كتب الله لأغلبن أنا ورسلى﴾ (3). # (وهو الذي كف أيديهم) يعني: أيدي أهل مكة (عنكم وأيديكم عنهم) بالنهي (ببطن مكة) يوم الحديبية، وذلك أنهم بعثوا أربعين رجلا ليصيبوا من المسلمين، فأسروا فخلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سبيلهم. # PageV03P389 # وعن عبد الله بن المغفل: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جالسا في ظل شجرة وبين يديه علي (عليه السلام) يكتب كتاب الصلح، فخرج ثلاثون شابا عليهم السلاح، فدعا عليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخذ الله أبصارهم، فقمنا فأخذناهم، فخلى (عليه السلام) سبيلهم (1). # وقرئ: (بما تعملون) بالتاء والياء (2). (والهدى) عطف على الضمير المنصوب في (وصدوكم) أي: وصدوا (الهدى معكوفا) محبوسا عن (أن يبلغ محله) وهو مكانه الذي يحل فيه نحره، أي: يجب، وبعض الحديبية من الحرم، وروي: أن مضارب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان في الحل ومصلاه في الحرم (3). # (ولولا رجال مؤمنون) مستضعفون كانوا بمكة بين الكفار (ونسآء مؤمنت) كذلك (لم تعلموهم) صفة لرجال ونساء جميعا، و (أن تطئوهم) بدل اشتمال منهم، أو: من الضمير المنصوب في (تعلموهم)، (فتصيبكم منهم معرة) هي مفعلة، من: عره يعره: إذا دهاه ما ms1155 يكرهه ويشق عليه (بغير علم) متعلق ب‍ (أن تطئوهم) يعني: أن تطئووهم غير عالمين بهم، والوطء عبارة عن الإيقاع والإبادة، وقال: # ووطئتنا وطأ على حنق * وطأ المقيد نابت الهرم (4) # PageV03P390 # والمعنى: لولا كراهة أن تهلكوا ناسا مؤمنين بين ظهراني المشركين مختلطين بهم، وأنتم غير عارفين بهم، فيصيبكم بإهلاكهم مكروه ومشقة لما كف (أيديهم عنكم وأيديكم عنهم) فحذف جواب " لولا " لدلالة الكلام عليه، ويجوز أن يكون (لو تزيلوا) كالتكرير ل‍ (لولا رجال مؤمنون) لرجوعهما إلى معنى واحد، ويكون الجواب (لعذبنا)، والمعرة التي كانت تصيبهم إذا قتلوهم هي وجوب الدية والكفارة وسوء مقالة المشركين: إنهم فعلوا بأهل دينهم مثل ما فعلوا بنا، وقوله: (ليدخل الله في رحمته) تعليل لما دلت عليه الآية، كأنه قال: كان الكف ومنع التعذيب ليدخل الله في توفيقه للخير والطاعة مؤمنيهم، أو: ليدخل في الإسلام من رغب فيه من مشركيهم (لو تزيلوا) لو تفرقوا وتميز بعضهم من بعض، من: زاله يزيله (لعذبنا الذين كفروا) من أهل مكة بأيديكم وبالسيف، ولكن الله يدفع عن الكفار بالمؤمنين وحرمة اختلاطهم بهم. # (إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجهلية فأنزل الله سكينته على رسوله ى وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلهآ وكان الله بكل شىء عليما (26) لقد صدق الله رسوله الرءيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله ءامنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذا لك فتحا قريبا (27) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا (28) محمد رسول الله والذين معه أشدآء على الكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذا لك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطه فازره فاستغلظ فاستوى PageV03P391 # على سوقه ى يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين ءامنوا وعملوا الصلحت منهم مغفرة وأجرا عظيما (29)) (إذ) يتعلق بما قبله، أي: لعذبناهم إذ (1) صدوكم عن المسجد الحرام حين جعلوا ms1156 (في قلوبهم) الأنفة التي تحمي الإنسان، و (حمية الجهلية) قولهم: قد قتل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه أبناءنا وإخواننا، ويدخلون علينا في منازلنا، لا يتحدث (2) العرب بذلك، وقيل: هي أنفتهم من الإقرار لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بالرسالة و (3) الاستفتاح ببسم الله الرحمن الرحيم حين قالوا: ما نعرف هذا، ولكن اكتب: # باسمك اللهم، هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله (4). (فأنزل الله) سبحانه (سكينته على رسوله وعلى المؤمنين) فتوقروا وحلموا وصبروا على الدخول تحت ما أرادوه (وألزمهم كلمة التقوى) وهي قوله: لا إله إلا الله وقيل: هي بسم الله الرحمن الرحيم ومحمد رسول الله قد اختارها الله لنبيه والمؤمنين (5). # ومعنى إضافتها إلى التقوى أنها سبب التقوى وأساسها (وكانوا أحق) بالسكينة (وأهلها) أو: أحق بتلك الكلمة من المشركين، أو: أحق بمكة ودخولها. (لقد صدق الله رسوله الرؤيا) أي: صدقه في رؤياه تعالى وتقدس عن الكذب وعن كل قبيح، فحذف الجار وأوصل الفعل، وقوله: (بالحق) تعلق ب‍ (صدق) أي: # صدقة فيما رأى وفي حصوله صدقا ملتبسا بالحق، أي: بالحكمة والغرض الصحيح، وذلك ما فيه من الابتلاء والتمييز بين المخلصين والمنافقين، ويجوز أن يتعلق ب‍ (الرءيا) أي: صدقه الرؤيا ملتبسة بالحق. (لتدخلن) جواب قسم # PageV03P392 # محذوف: رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في المنام بالمدينة قبل أن يخرج إلى الحديبية: أن المسلمين يدخلون المسجد الحرام، فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا، فلما انصرفوا من الحديبية ولم يدخلوا مكة قال المنافقون: ما حلقنا ولا قصرنا ولا دخلنا المسجد الحرام، فنزلت (1). أخبرهم بأن منامه حق وصدق، وأكد الدخول بالقسم. # وفي دخول (إن شاء الله) وجوه: أن يريد: لتدخلن جميعا إن شاء الله ولم يمت منكم أحد، ويريد: تعليم عباده أن يقولوا في عداتهم مثل ذلك متأدبين بأدب الله، أو: هو متعلق ب‍ (ءامنين محلقين رءوسكم ومقصرين) أي: يحلق بعضكم ويقصر بعض وهو أن يؤخذ بعض الشعر، (فعلم ما لم تعلموا) من الحكمة والصلاح في الصلح المبارك لموقعه وتأخير فتح مكة (فجعل من ms1157 دون ذلك) أي: من دون فتح مكة (فتحا قريبا) وهو فتح خيبر لتستروح إليه قلوب المؤمنين إلى أن يتيسر الفتح الموعود. # و (هو الذي أرسل رسوله بالهدى) أي: بالقرآن وبالدليل الواضح (ودين الحق) وهو الإسلام (ليظهره) ليعليه على جنس (الدين كله)، يريد: الأديان المختلفة من أديان المشركين وأهل الكتاب، وهذا توكيد لما وعده سبحانه من الفتح، وتوطين لنفوس المؤمنين على أن الله تعالى سيفتح لهم من البلاد ما يستقلون إليه فتح مكة، وقيل: إن تمام ذلك عند خروج المهدي عجل الله فرجه فلا يبقى في الأرض دين غير دين الإسلام (2) (وكفى بالله شهيدا) على أن ما وعده كائن لا محالة. # (محمد) إما خبر مبتدأ أي: هو محمد؛ لتقدم قوله: (هو الذي أرسل # PageV03P393 # رسوله)، وإما مبتدأ و (رسول الله) عطف بيان، (والذين معه) أصحابه (أشدآء على الكفار رحمآء بينهم) جمع " شديد " و " رحيم ". وعن الحسن: بلغ من تشددهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن يلزق بثيابهم ومن أبدانهم أن تمس أبدانهم، وبلغ من تراحمهم فيما بينهم أن كان لا يرى مؤمن مؤمنا إلا صافحه وعانقه (١). ومثله قوله: ﴿أذلة على المؤمنين أعزة على الكفرين﴾ (2)، (تراهم ركعا سجدا) إخبار عن كثرة صلاتهم ومداومتهم عليها (يبتغون) أي: يلتمسون بذلك زيادة نعمة من الله يطلبون مرضاته. # (سيماهم) علامتهم (في وجوههم) يريد: السمة التي تحدث في جبهة السجاد من كثرة السجود، يفسرها قوله: (من أثر السجود) أي: من التأثير الذي يؤثره السجود، وكان يقال لعلي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام): ذو الثفنات؛ لأنه كان قد ظهر في مواضع سجوده أشباه ثفنات البعير. وعن سعيد بن جبير: هي ندى الطهور وتراب الأرض (3). (ذلك) الوصف (مثلهم) أي: وصفهم العجيب الشأن (في التوراة) وتم الكلام، ثم ابتدأه: (ومثلهم في الإنجيل كزرع)، وقيل: معناه: ذلك مثلهم في الكتابين جميعا (4)، ثم ابتدأ فقال: (كزرع) أي: هم كزرع (أخرج شطئه) أي: فراخه، يقال: أشطأ الزرع إذا أفرخ. وقرئ: " شطأه " بفتح الطاء (5). (فآزره) من المؤازرة وهي المعاونة. وعن الأخفش: أنه ms1158 أفعل (6)، # PageV03P394 # أي: شده وأعانه وقواه، وقرئ: " فأزره " (1) أي: شد أزره (فاستغلظ) فصار من الدقة إلى الغلظة (فاستوى على سوقه) جمع ساق أي: فاستقام على قصبه، وهذا مثل ضربه الله لبدء أمر الإسلام وترقيه في الزيادة إلى أن قوي وعلا أمره (يعجب الزراع) أي: يروع ذلك الزرع الأكرة الذين زرعوه (ليغيظ بهم الكفار) هذا تعليل لما دل عليه تشبيههم بالزرع في نمائهم وترقيهم في القوة والاستكمال وتظاهرهم، ويجوز أن يكون تعليلا لقوله: (وعد الله الذين ءامنوا) لأن الكفار إذا سمعوا ما أعد الله لهم في الآخرة من الأجر مع ما ينيلهم في الدنيا من العز غاظهم ذلك، أي: وعد الله من أقام منهم على الإيمان والعمل الصالح (مغفرة) لذنوبهم وثوابا (عظيما) ونعيما مقيما. # * * * # PageV03P395 # سورة الحجرات مدنية (1) وهي ثمان عشرة آية. # في حديث أبي: " من قرأ سورة الحجرات أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من أطاع الله ومن عصاه " (2). # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأها في كل يوم أو في كل ليلة كان من زوار محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) " (3). # بسم الله الرحمن الرحيم (يأيها الذين ءامنوا لا تقدموا بين يدى الله ورسوله ى واتقوا الله إن الله سميع عليم (1) يأيها الذين ءامنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط # PageV03P397 # أعملكم وأنتم لا تشعرون (2) إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم (3) إن الذين ينادونك من ورآء الحجرات أكثرهم لا يعقلون (4) ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم (5)) (لا تقدموا) يجوز أن يكون من: قدم بمعنى: " تقدم "، مثل: وجه وبين بمعنى: " توجه " و " تبين "، ويعضده قراءة من قرأ: " لا تقدموا " (1)، أي: لا تتقدموا فحذف أحد التاءين، ويجوز أن يكون متعديا، يقال: قدمه وأقدمه، فحذف المفعول ليتناول كل ما يقدم، والمعنى: لا تقطعوا أمرا دون أن يأذن الله ورسوله فيه، وعن ابن عباس: لا تتكلموا قبل أن يتكلم رسول الله ms1159 (صلى الله عليه وآله وسلم) وإذا سئل عن مسألة فلا تسبقوه بالجواب حتى يجيب أولا (2). وعن الحسن: نزل في قوم ذبحوا الأضحية قبل صلاة العيد فأمرهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالإعادة (3). وعلى الجملة فالمراد: كونوا تبعا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وأخروا أقوالكم وأفعالكم عن قوله وفعله، ولا تعملوا شيئا من ذات أنفسكم حتى تستأمروه (واتقوا الله) فإنكم إن اتقيتموه لم تسبقوا رسوله بقول ولا فعل حتى يأمركم به (إن الله سميع) لأقوالكم (عليم) بأعمالكم. # ثم أعاد سبحانه النداء عليهم استدعاء منهم لتجديد الاستبصار عند كل خطاب وارد: (لا ترفعوا أصوتكم فوق صوت النبي) يعني: إذا نطق ونطقتم فعليكم أن لا تبلغوا بأصواتكم وراء الحد الذي يبلغه صوته (ولا تجهروا له # PageV03P398 # بالقول كجهر بعضكم لبعض) أي: لا تجهروا له جهرا مثل جهر بعضكم لبعض، وهذا يدل على أنهم نهوا عن جهر موصوف بمماثلة ما قد اعتادوه منه فيما بينهم، وهو أن يكون خاليا من مراعاة حشمة النبوة وجلالة مقدارها، وقيل: معناه: ولا تقولوا: يا محمد يا أحمد، كما يخاطب بعضكم بعضا، بل خاطبوه بالتعظيم وقولوا: # يا رسول الله (1). # وعن ابن عباس: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس وكان في أذنه وقر، وكان جهوري الصوت، فكان إذا كلمه رفع صوته وربما تأذى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بصوته (2). # وعن أنس: لما نزلت الآية فقد ثابت، فتفقده رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأخبر بشأنه، فدعاه فسأله، فقال: يا رسول الله، لقد أنزلت هذه الآية وإني رجل جهير الصوت فأخاف أن يكون عملي قد حبط، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لست هناك، إنك تعيش بخير وتموت بخير وإنك من أهل الجنة " (3). # (أن تحبط أعملكم) مفعول له، ومعناه: انتهوا عما نهيتم عنه لحبوط أعمالكم أي: لخشية حبوطها، فحذف المضاف (وأنتم لا تشعرون) أن أعمالكم حبطت. # (إن الذين يغضون أصوتهم) أي: يخفضونها عند رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إجلالا له (أولئك ms1160 الذين امتحن الله قلوبهم) أي: اختبرها فأخلصها (للتقوى) من قولهم: # PageV03P399 # امتحن فلان لأمر كذا وجرب فهو مضطلع به غير مقصر فيه، أو: وضع الامتحان موضع المعرفة؛ لأن الشيء إنما يتحقق بالاختبار، فكأنه قال: عرف الله قلوبهم للتقوى، ويكون اللام متعلقة بمحذوف كما في قولك: أنت لهذا الأمر، أي: كائن له ومختص به، قال: # أعداء من لليعملات على الوجى (1) وهي مع معمولها في موضع الحال. (إن الذين ينادونك من ورآء الحجرت) من خلفها وقدامها، و " من " لابتداء الغاية، وإن النداء إنشاء من ذلك المكان، والحجرة: البقعة من الأرض المحجورة بحائط يحوط عليها، وهي فعلة بمعنى مفعولة كالغرفة والقبضة. والمراد حجرات نساء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). # وروي: أن وفد بني تميم أتوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقت الظهيرة وهو راقد فنادوه: يا محمد، اخرج إلينا! فاستيقظ فخرج، فنزلت (2). # (أكثرهم لا يعقلون) سجل عليهم بالسفه والجهل لما أقدموا عليه. (ولو أنهم صبروا) في محل رفع على الفاعلية، لأن المعنى: ولو ثبت صبرهم، والصبر: حبس النفس عن أن تنازع إلى هواها، وقولهم: " صبروا عن كذا " حذف منه المفعول وهو النفس، وهو حبس فيه شدة على المحبوس، ولذلك قيل للحبس على اليمين أو القتل: صبر، والفائدة في قوله: (إليهم) أنه لو خرج ولم يكن خروجه لأجلهم # PageV03P400 # للزمهم أن يصبروا إلى أن يعلموا أن خروجه إليهم ولأجلهم (لكان خيرا لهم) في " كان ": إما ضمير مصدر الفعل (1) المضمر بعد " لو " وإما ضمير مصدر (صبروا) كقولهم: من كذب كان شرا له. # (يأيها الذين ءامنوا إن جآءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهلة فتصبحوا على ما فعلتم ندمين (6) واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الايمن وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون (7) فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم (8) وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقتلوا التى تبغى حتى تفيء إلى أمر ms1161 الله فإن فآءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (9) إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون (10)) الفاسق هو الوليد بن عقبة (2)؛ أخو عثمان لأمه، وهو الذي ولاه عثمان الكوفة، فصلى بالناس وهو سكران صلاة الصبح أربعا ثم قال: أزيدكم فإني نشيط؟! بعثه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مصدقا (3) إلى بني المصطلق، وكانت بينه وبينهم # PageV03P401 # إحنة (١) فاستقبلوه فظن أنهم هموا بقتله فرجع وقال: إنهم قد ارتدوا ومنعوا الزكاة، فغضب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهم أن يغزوهم فنزلت (٢). # وفي تنكير " الفاسق " و " النبأ " معنى الشياع، والمراد: أي فاسق جاءكم بأي نبأ كان (فتبينوا) صدقه من كذبه، وتطلبوا بيان الأمر وانكشاف الحقيقة ولا تعتمدوا قول الفاسق، وقرئ: " فتثبتوا " (٣) وروي ذلك عن الباقر (عليه السلام)، والتثبت والتبين متقاربان وهما التوقف وطلب الثبات والبيان (أن تصيبوا) مفعول له أي: # كراهة إصابتكم (قوما بجهلة) حال بمعنى: جاهلين بحقيقة الأمر، كقوله: ﴿ورد الله الذين كفروا﴾ (4) بغيظهم (فتصبحوا) أي: فتصيروا (على ما فعلتم) من إصابتهم بالخطأ (ندمين) والندم ضرب من الغم، وهو أن تغتم على ما وقع منك تتمنى أنه لم يقع. # (لو يطيعكم) هذه الجملة المصدرة ب‍ " لو " حال من أحد الضميرين في (فيكم) المرفوع المستكن أو المجرور الظاهر، والمعنى: إن فيكم رسول الله على حالة يجب عليكم تغييرها، أو: أنتم على حالة يجب عليكم تغييرها، وهي أنكم تحاولون منه أن يعمل في الحوادث ما تستصوبونه فعل التابع لغيره المطواع له، ولو فعل ذلك (لعنتم) أي: لوقعتم في الإثم والهلاك، وهذا يدل على أن بعض المؤمنين زينوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تصديق قول الوليد والإيقاع ببني المصطلق، # PageV03P402 # وأن نظائر ذلك من الهنات كانت تفرط منهم، وأن بعضهم يريمهم (1) التقوى عن الحسادة على ذلك، وهم الذين استثناهم بقوله: (ولكن الله حبب إليكم الإيمان) أي: إلى بعضكم، وهم (الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى)، والمعنى في تحبيب الله وتكريهه: اللطف والإمداد بالتوفيق، وكل عاقل يعلم أن الرجل لا ms1162 يكون ممدوحا بفعل غيره، وإذا حملت الآية على ظاهرها أدى ذلك إلى أن الله جل وعز أثنى عليهم بفعل نفسه، و (الكفر): تغطية نعم الله تعالى وغطيها بالجحود (والفسوق) الخروج عن قصد الإيمان ومحجته بركوب المعاصي، وقيل: هو الكذب (2) وهو المروي عن الباقر (عليه السلام) (3) (والعصيان) المعصية (أولئك هم الرشدون) المهتدون إلى محاسن الأمور، المستقيمون على الحق. (فضلا) مفعول له أو مصدر من غير فعله، والفضل والنعمة بمعنى الإفضال والإنعام. # وعن ابن عباس قال: وقف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على مجلس بعض الأنصار وهو على حمار، فراث (4) الحمار فأمسك عبد الله بن أبي بأنفه فقال: خل سبيل حمارك فقد آذانا نتنه، فقال عبد الله بن رواحة: والله لحمار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أطيب ريحا منك، ومضى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وطال الخوض بينهما حتى استبا وجاء قومهما الأوس والخزرج فتجالدوا بالعصي فرجع إليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأصلح بينهم، فنزلت، وقرأها عليهم فاصطلحوا (5). # والبغي: الاستطالة والظلم، والفيء: الرجوع، وقد يسمى به الظل والغنيمة؛ لأن الظل يرجع، والغنيمة: ما ترجع إلى المسلمين من أموال الكفار (فإن فاءت) أي: # PageV03P403 # رجعت وأنابت إلى طاعة الله (فأصلحوا بينهما) بين الطائفتين بالعدل (وأقسطوا) أي: اعدلوا (إن الله يحب المقسطين) أي: العادلين. # (إنما المؤمنون إخوة) في الدين (فأصلحوا بين أخويكم) بين كل رجلين تقاتلا وتخاصما، أي: كفوا الظالم عن المظلوم وأعينوا المظلوم. # وفي الحديث: " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه " (1). # وقيل: المراد بالأخوين: الأوس والخزرج (2)، وقرئ: " بين إخوتكم " على الجمع (3) (واتقوا الله) فإنكم إن فعلتم ذلك حملكم التقوى على التواصل والائتلاف، فتصل عند ذلك رحمة الله إليكم، وتشمل رأفته عليكم. # (يأيها الذين ءامنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نسآء من نسآء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالالقب بئس الاسم الفسوق بعد الايمن ومن لم يتب فأولئك هم الظلمون (11) يأيها الذين ءامنوا اجتنبوا ms1163 كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم (12) يأيها الناس إنا خلقنكم من ذكر وأنثى وجعلنكم شعوبا وقبآئل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير (13) قالت الاعراب ءامنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الايمن في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعملكم شيا إن الله غفور رحيم (14)) # PageV03P404 # القوم: رجال خاصة لأنهم القوام بأمور النساء، وهو في الأصل جمع " قائم "، كصوم وزور في جمع " صائم " و " زائر "، قال زهير: # وما أدري وسوف إخال أدري * أقوم آل حصن أم نساء (١) والمعنى (لا يسخر) بعض الرجال من بعض، ولا بعض النساء من بعض، وقوله: (عسى أن يكونوا خيرا منهم) كلام مستأنف، وقد ورد مورد جواب المستخبر عن العلة الموجبة لما جاء النهي عنه، والمعنى: أن المسخور منه ربما كان عند الله خيرا من الساخر، فينبغي أن لا يستهزئ أحد بمن يراه رث الحال أو ذا عاهة، فلعله أتقى عند الله وأخلص ضميرا ممن هو على ضد صفته، فيكون قد حقر من وقره الله. (ولا تلمزوا أنفسكم) أي: لا يطعن بعضكم على بعض، ومثله ﴿لا تقتلوا أنفسكم﴾ (2) لأن المؤمنين كنفس واحدة، أي: حصنوا أنفسكم بالانتهاء عن عيبها والطعن فيها، ولا عليكم أن يعتبوا (3) غيركم ممن لا يدين بدينكم. # وفي الحديث: " اذكروا الفاجر بما فيه كي يحذره الناس " (4). # واللمز: الطعن والعيب في المشهد، والهمز: في الغيب، وقيل: إن اللمز ما يكون باللسان وبالعين والإشارة، والهمز لا يكون إلا باللسان (5). (ولا تنابزوا بالألقب) أي: لا تداعوا بها، وهو تفاعل من النبز، وبنو فلان يتنابزون ويتنازبون # PageV03P405 # بمعنى، والتلقيب المنهي عنه هو ما يدخل على المدعو به كراهة لكونه ذما له وشينا، فأما ما يحبه وما يزينه وينوه به فلا بأس به. # وفي الحديث: " من حق المؤمن على أخيه أن يسميه بأحب أسمائه إليه " (1). # وعن ابن عباس: أن أم سلمة ربطت ms1164 حقويها بسبيبة - وهي ثوب أبيض - وسدلت طرفها خلفها فكانت تجره، فقالت عائشة لحفصة: انظري ما تجر خلفها كأنه لسان كلب، فهذه كانت سخريتها (2). وقيل: إنها عيرتها بالقصر وأشارت بيدها أنها قصيرة (3). # وقيل: إن صفية بنت حيي أتت رسول الله تبكي وقالت: إن عائشة تعيرني وتقول: يا يهودية بنت يهوديين، فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " هلا قلت إن أبي هارون، وإن عمي موسى، وإن زوجي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) " فنزلت (4). # (بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان) الاسم هنا بمعنى الذكر من قولهم: طار اسمه في الناس بالكرم أو باللؤم، أي: صيته وذكره، وحقيقته: ما سما من ذكره وارتفع بين الناس، كأنه قال: بئس الاسم المرتفع للمؤمنين بسبب ارتكاب هذه الجرائر أن يذكروا بالفسوق. وفي قوله: (بعد الايمن) ثلاثة أوجه: أحدها: # استقباح الجمع بين الإيمان والفسق، كما يقال: بئس الشأن بعد الكبر الصبوة. # والثاني: أن يكون المعنى: بئس الذكر أن يذكر الرجل بالفسق بعد إيمانه، وذلك أنهم كانوا يقولون لمن أسلم من اليهود: يا يهودي يا فاسق، فنهوا عنه، وتكون الجملة # PageV03P406 # على هذا التفسير متعلقة بالنهي عن التنابز، والثالث: أن يجعل من فسق غير مؤمن، كما تقول للمتحول عن التجارة إلى الفلاحة: بئست الحرفة الفلاحة بعد التجارة. # (اجتنبوا كثيرا من الظن) وهو أن يظن بأهل الخير سوءا، يقال: جنبه الشر إذا أبعده عنه، وحقيقته: جعله منه في جانب، فيعدى إلى مفعولين، ومطاوعته: اجتنب الشر، فتعدى إلى مفعول واحد (إن بعض الظن إثم) أي: ذنب يستحق به العقاب (ولا تجسسوا) والتجسس - بالجيم والحاء - واحد، والجيم تفعل من الجس، كما أن التلمس بمعنى التطلب من اللمس، والحاء بمعنى التعرف من الحس، ولتقاربهما قيل لمشاعر الإنسان: الحواس، بالحاء والجيم، والمراد: النهي عن تتبع عورات المسلمين ومعائبهم (ولا يغتب بعضكم بعضا) يقال: غابه واغتابه كغاله واغتاله، والغيبة من الاغتياب كالغيلة من الاغتيال، وهي ذكر السوء في الغيبة. # وسئل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن الغيبة فقال: " أن تذكر أخاك بما ms1165 يكره، فإن كان فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته " (1). # (أيحب أحدكم) تمثيل وتصوير لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفظع وجه. وعن قتادة: كما تكره إن وجدت جيفة مدودة أن تأكل منها كذلك فاكره لحم أخيك وهو حي (2). و (ميتا) نصب على الحال من (لحم أخيه) أو من " الأخ "، ولما قرر سبحانه بأن أحدا منهم لا يحب أكل جيفة أخيه عقب ذلك بقوله: # (فكرهتموه) أي: فتحققت بوجوب الإقرار عليكم كراهتكم له ونفور طباعكم منه، فاكرهوا ما هو نظيره من الغيبة. # PageV03P407 # وروي: أن أبا بكر وعمر بعثا سلمان إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ليأتي لهما بطعام، فبعثه إلى أسامة بن زيد - وكان خازن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على رحله - فقال: ما عندي شيء، فعاد إليهما فقالا: بخل أسامة، ولو بعثنا سلمان إلى بئر سميحة لغار ماؤها، ثم انطلقا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال لهما: ما لي أرى خضرة اللحم في أفواهكما؟ قالا: يا رسول الله، ما تناولنا اليوم لحما! قال: ظللتم تأكلون لحم سلمان وأسامة، فنزلت (1). # (واتقوا الله) بترك ما أمرتم باجتنابه، والندم على ما وجد منكم منه (إن الله تواب) يقبل توبتكم. # (إنا خلقنكم من ذكر وأنثى) من آدم وحواء، وقيل: خلقنا كل واحد منكم من أب وأم، فما منكم أحد إلا وهو يدلي بمثل ما يدلي به الآخر (2)، فلا وجه للتفاخر والتفاضل في النسب (وجعلناكم شعوبا) جمع شعب وهو الطبقة الأولى من طبقات الست مثل مضر وربيعة (وقبائل) وهي دون الشعوب كبكر بن (3) ربيعة وتميم بن (4) مضر، ثم العمارة دون القبيلة، ثم البطن، ثم الفخذ، ثم الفصيلة (لتعارفوا) أي: لتتعارفوا فيعرف بعضكم بعضا بنسبه وأبيه وقومه، لا لأن تتفاخروا بالآباء والأجداد وتدعوا التفاوت والتفاضل، ثم بين سبحانه الخصلة التي يكتسب الإنسان بها الكرم والشرف عند الله تعالى ويفضل غيره فقال: # (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) أي: أرفعكم منزلة عند الله وأكثركم ثوابا أتقاكم لمعاصيه، وأعملكم ms1166 بطاعته. # PageV03P408 # الإيمان: هو التصديق مع الثقة وطمأنينة النفس، والإسلام: الدخول في السلم، والخروج من أن يكون حربا للمؤمنين بإظهار الشهادتين، ألا ترى إلى قوله: # (ولما يدخل الإيمن في قلوبكم). وضع قوله (لم تؤمنوا) موضع " كذبتم " بدلالة قوله في صفة المخلصين: (أولئك هم الصادقون) تعريضا بأن هؤلاء هم الكاذبون، (ولكن قولوا أسلمنا) ولم يقل: " ولكن أسلمتم " ليكون خارجا مخرج الزعم والدعوى، كما كان قولهم: (ءامنا) كذلك، (لا يلتكم) أي: لا ينقصكم ولا يظلمكم (من) ثواب (أعملكم شيئا) يقال: ألته حقه يألته ألتا، ولاته يليته بمعناه، وقرئ (لا يلتكم) و " لا يألتكم " (1) على اللغتين. # وعن ابن عباس: أن نفرا من بني أسد قدموا المدينة في سنة جدبة فأظهروا الشهادة، وأغلوا أسعار المدينة، وهم يغدون ويروحون إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ويقولون: أتتك العرب بأنفسها على ظهور رواحلها، وجئناك بالأثقال والذراري، يريدون الصدقة ويمنون عليه، فنزلت (2). # (إنما المؤمنون الذين ءامنوا بالله ورسوله ى ثم لم يرتابوا وجهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصدقون (15) قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السموات وما في الأرض والله بكل شىء عليم (16) يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا على إسلمكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للايمن إن كنتم صدقين (17) إن الله يعلم غيب السموات والارض والله بصير بما تعملون (18)) # PageV03P409 # (ثم لم يرتابوا) ثم لم يشكوا بعد ثلج صدورهم بالإيمان بأن يعترضهم الشيطان أو بعض المضلين فيشككهم ويقذف في قلوبهم ما يثلم اليقين (وجهدوا) العدو المحارب أو الشيطان أو النفس الأمارة بالسوء (أولئك هم) الذين صدقوا في قولهم: آمنا، ولم يكذبوا كما كذب أعراب بني أسد، وهم الذين إيمانهم إيمان صدق وحق. # (قل أتعلمون الله بدينكم) أي: أتخبرون الله بدينكم، والمعنى: أنه عالم بذلك، ومحيط بضمائركم، ولا يحتاج إلى إخباركم به؛ لأنه (يعلم) جميع المعلومات لذاته، فلا يحتاج إلى علم يعلم به ولا إلى من يعلمه. # يقال: من عليه بيد أسداها إليه: إذا اعتدها عليه إنعاما، أي: لا تعتدوا على ms1167 بما ليس جديرا بالاعتداد به من حديثكم الذي حق تسميته أن يقال له: إسلام لا إيمان (بل الله) يعتد (عليكم) بأن أمدكم بتوفيقه حين (هداكم للايمن) على ما زعمتم وادعيتم: أنكم أرشدتم إليه ووفقتم له، إن صح زعمكم وصدقت دعواكم، لا أنكم تزعمون: ما الله عالم بخلافه! وفي إضافة " الإسلام " إليهم وإيراد " الإيمان " غير مضاف ما لا يخفى على متأمله، وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه، تقديره: إن كنتم صادقين في ادعائكم الإيمان فلله المنة عليكم. # وقرئ: (بما تعملون) بالتاء والياء (1) وفيه إشارة إلى كونهم غير صادقين في دعواهم، أي: لا يخفى عليه شيء من أسراركم فكيف لا يظهر على صدقكم وكذبكم؟ # * * * # PageV03P410 # سورة ق مكية (1) إلا آية (2)، وهي خمس وأربعون آية. # وفي حديث أبي: " من قرأ سورة ق هون الله عليه سكرات الموت " (3). # وعن الباقر (عليه السلام): " من قرأ في فرائضه ونوافله سورة ق وسع الله عليه في رزقه، وأعطاه الله كتابه بيمينه وحاسبه حسابا يسيرا " (4). # بسم الله الرحمن الرحيم (ق والقرءان المجيد (1) بل عجبوا أن جآءهم منذر منهم فقال الكفرون هذا شىء عجيب (2) أءذا متنا وكنا ترابا ذا لك رجع بعيد (3) # PageV03P411 # قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتب حفيظ (٤) بل كذبوا بالحق لما جآءهم فهم في أمر مريج (٥) أفلم ينظروا إلى السمآء فوقهم كيف بنينها وزينها ومالها من فروج (٦) والارض مددنها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج (٧) تبصرة وذكرى لكل عبد منيب (٨) ونزلنا من السمآء مآء مبركا فأنبتنا به ى جنت وحب الحصيد (٩) والنخل باسقت لها طلع نضيد (١٠) رزقا للعباد وأحيينا به ى بلدة ميتا كذا لك الخروج (١١)) الكلام في (ق والقرءان المجيد) مثل الكلام في ﴿ص والقرءان ذى الذكر﴾ (1) لأنهما في أسلوب واحد، و (المجيد): ذو المجد والشرف على غيره من الكتب الكريمة على الله. # (بل عجبوا) أي: تعجبوا مما ليس بعجب وهو (أن جآءهم رجل منهم) قد عرفوا أمانته وعدالته ينذرهم بالمخوف من البعث والجزاء (فقال الكفرون) وضع الظاهر موضع الضمير ليدل ms1168 على أنهم في قولهم: (هذا شىء عجيب) مقدمون على كفر عظيم. و (هذا) إشارة إلى الرجع، و (إذا) منصوب بمضمر، والمعنى: أحين نموت ونصير ترابا نبعث ونرجع؟! (ذلك رجع بعيد) مستبعد مستنكر، كما تقول: هذا قول بعيد، أي: بعيد من الوهم والعادة. # و (قد علمنا) رد لاستبعادهم الرجع، أي: علمنا ما تأكل (الأرض) من لحومهم وتبليه من عظامهم، فلا يتعذر علينا رجعهم أحياء، وعن السدي: (ما تنقص الأرض منهم) ما يموت فيدفن في الأرض منهم (2). (وعندنا كتب # PageV03P412 # حفيظ) أي: محفوظ عن البلى والدروس، وهو كتاب الحفظة، أو: كتاب حافظ لما أودع وكتب فيه. # (بل كذبوا) إضراب أتبع الإضراب الأول للدلالة على أنهم جاءوا بما هو أفظع من تعجبهم، وهو التكذيب (بالحق) الذي هو النبوة المؤيدة بالمعجزات (فهم في أمر مريج) أي: مختلط مضطرب، يقال: مرج الخاتم في إصبعه وخرج، فمرة يقولون: مجنون، وتارة: ساحر، وتارة: شاعر. # (أفلم ينظروا) حين كفروا بالبعث (إلى) آثار قدرة الله في بناء (السمآء) مع عظمها وحسن انتظامها (كيف بنينها) بغير علاقة وعماد (وما لها من فروج) أي: شقوق وفتوق، كقوله: ﴿هل ترى من فطور﴾ (1). (والارض مددنها) دحوناها وبسطناها، (وألقينا فيها روسى) أي: جبالا ثوابت (من كل زوج بهيج) من كل صنف تبتهج به لحسنه. (تبصرة) ليبصر به ويذكر كل (عبد منيب) راجع إلى ربه، مفكر في بدائع خلقه. # (ماء مبركا) أي: مطرا وغيثا يكثر النفع به والبركة (فأنبتنا به جنت) أي: # بساتين فيها أشجار تشتمل على الفواكه (وحب الحصيد) أي: وحب الزرع الذي من شأنه أن يحصد، وهو ما يقتات به من نحو الحنطة والشعير وغيرهما (و) أنبتنا به (النخل باسقت) طوالا في السماء (لها طلع نضيد) منضود، نضد بعضه على بعض، يريد: كثرة الطلع وتراكمه وكثرة ما فيه من الثمر. (رزقا) مفعول له، أي: # أنبتناها لنرزقهم (2)، أو: مصدر (أنبتنا) لأن الإنبات في معنى الرزق، و (كذلك الخروج) أي: كما (أحيينا به بلدة ميتا) لا تنبت شيئا فنبتت وعاشت كذلك تخرجون أحياء بعد موتكم، والكاف ms1169 في موضع الرفع على الابتداء. # PageV03P413 # (كذبت قبلهم قوم نوح وأصحب الرس وثمود (12) وعاد وفرعون وإخوان لوط (13) وأصحب الأيكة وقوم تبع كل كذب الرسل فحق وعيد (14) أفعيينا بالخلق الاول بل هم في لبس من خلق جديد (15) ولقد خلقنا الانسن ونعلم ما توسوس به ى نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد (16) إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد (17) ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد (18) وجآءت سكرة الموت بالحق ذا لك ما كنت منه تحيد (19) ونفخ في الصور ذا لك يوم الوعيد (20)) كل من هؤلاء المذكورين كذبوا (الرسل) الذين بعثوا إليهم (فحق) أي: # وجب وحل (وعيد) وهو كلمة العذاب، وفيه تسلية لنبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) ووعيد للكفار. # (أفعيينا) الهمزة للإنكار، يقال: عيي بالأمر: إذا لم يهتد له، والمعنى: إنا لم نعجز عن الخلق (الاول) كما علموا حتى نعجز عن الثاني (بل هم في لبس من خلق جديد) يعني: أنهم لم ينكروا قدرتنا على الخلق الأول، بل هم في خلط وشبهة من البعث بعد الموت، قد لبس عليهم الشيطان وحيرهم بأن سول إليهم أن إحياء الأموات أمر خارج عن العادة. # والوسوسة: الصوت الخفي، ووسوسة النفس: ما يخطر ببال الإنسان ويهجس في ضميره من حديث النفس، والباء مثلها في قولك: صوت بكذا، ويجوز أن يكون للتعدية، والضمير ل‍ (الانسن) أي: ما تجعله موسوسا، و " ما " مصدرية؛ لأنهم يقولون: حدث نفسه بكذا، كما يقولون: حدثته به نفسه، قال لبيد: # واكذب النفس إذا حدثتها * إن صدق النفس يزري بالأمل (1) # PageV03P414 # (ونحن أقرب إليه) يريد: قرب علمه منه وتعلقه بالأحوال حتى لا يخفى عليه شيء منها، فكأن ذاته قريبة منه (وحبل الوريد) مثل في فرط القرب، كما قالوا: هو مني معقد العذار، والحبل: العرق، والوريدان: عرقان مكتنفان بصفحتي العنق في مقدمها يتصلان بالوتين يردان من الرأس إليه. # (إذ) منصوب ب‍ (أقرب) والمعنى: أنه سبحانه يعلم خطرات النفس وهو أقرب إلى الإنسان من كل قريب حين (يتلقى المتلقيان) أي: المكان الحافظان يأخذان ما يتلفظ ms1170 به، وهذا إيذان باستغنائه عز اسمه عن استحفاظ الملكين، إذ هو مطلع على أخفى الخفيات، وإنما ذلك لحكمة تقتضيه، وهي ما في ذلك من زيادة اللطف في انتهاء العباد عن القبائح والرغبة في العبادات، والتلقي: التلقن، والقعيد: # القاعد كالجليس، وتقديره: عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد من المتلقيين، فترك أحدهما لدلالة الثاني عليه، كقول الشاعر: # رماني بأمر كنت منه ووالدي * بريا ومن جول الطوي رماني (1) (ما يلفظ من قول إلا لديه) ملك يرقب عمله (عتيد) حاضر معه. # وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): " كاتب الحسنات على يمين الرجل، وكاتب السيئات على يساره، وصاحب اليمين أمير على صاحب الشمال، فإذا عمل حسنة كتبها ملك اليمين عشرا، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: دعه سبع ساعات لعله يسبح أو يستغفر " (2). # PageV03P415 # (وجآءت سكرة الموت) أي: شدته الذاهبة بالعقل، والباء في (بالحق) للتعدية، أي: وأحضرت شدة الموت حقيقة الأمر من السعادة أو الشقاوة، وقيل: # بالحق الذي خلق له الإنسان (١)، ويجوز أن يكون الباء مثلها في قوله: ﴿تنبت بالدهن﴾ (2) أي: جاءت ملتبسة بالحق أي: بحقيقة الأمر أو بالحكمة والغرض الصحيح، وقرئ: " سكرة الحق بالموت " (3) وروي ذلك عن أئمتنا (عليهم السلام) (4)، أضيفت " السكرة " إلى " الحق " دلالة على أنه السكرة المكتوبة على الإنسان، وأنها حكمة، والباء للتعدية؛ لأنها سبب زهوق الروح لشدتها، أو: لأن الموت يعقبها، فكأنها جاءت به، ويجوز أن يكون المعنى: جاءت ومعها الموت، وقيل: # سكرة الحق: سكرة الله أضيفت إليه تعظيما وتفظيعا لشأنها (5) (ذلك) إشارة إلى الموت، والخطاب للإنسان في قوله: (ولقد خلقنا الإنسن) على طريق الالتفات، أو: إلى الحق، والخطاب للفاجر (تحيد) أي: تهرب وتنفر، (ذلك) إشارة إلى مصدر (نفخ) أي: وقت ذلك يوم الوعيد فحذف المضاف. # (وجآءت كل نفس معها سآئق وشهيد (21) لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطآءك فبصرك اليوم حديد (22) وقال قرينه هذا ما لدى عتيد (23) ألقيا في جهنم كل كفار عنيد (24) مناع للخير معتد مريب (25) الذي جعل مع الله إلها ءاخر فألقياه في العذاب ms1171 الشديد (26) قال قرينه ربنا مآ أطغيته ولكن كان في ضلل # PageV03P416 # بعيد (٢٧) قال لا تختصموا لدى وقد قدمت إليكم بالوعيد (٢٨) ما يبدل القول لدى ومآ أنا بظلم للعبيد (٢٩) يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد (٣٠) وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد (٣١) هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ (٣٢) من خشى الرحمن بالغيب وجآء بقلب منيب (٣٣) ادخلوها بسلم ذا لك يوم الخلود (٣٤) لهم ما يشآءون فيها ولدينا مزيد (٣٥)) (معها سآئق) من الملائكة يحثها على السير إلى الحساب (وشهيد) منهم أيضا يشهد عليها بما يعلم من حالها، و (معها سآئق) في موضع الحال من (كل) لتعرفه بالإضافة إلى ما هو في حكم المعرفة، أي: يقال له: (لقد كنت في غفلة من هذا) اليوم في الدنيا، وجعلت الغفلة كأنها غطاء لك وغشاوة لعينك (فكشفنا عنك) الغطاء وزالت عنك الغفلة فرجع (بصرك) الكليل عن الإبصار حديدا لتيقظه. # (وقال قرينه) وهو الشيطان الذي قيض له في قوله سبحانه: ﴿نقيض له شيطنا فهو له قرين﴾ (1) وقيل: هو الملك الشهيد عليه (2) وهو المروي عنهم (عليهم السلام) (هذا ما لدى عتيد): إن كان المراد بالقرين الشيطان فالمعنى: هذا شيء لدي وفي ملكتي عتيد لجهنم أعتدته وهيأته لها بإغوائي وإضلالي، وإن كان المراد الملك فالمعنى: هذا شيء حاضر عندي من عمله كتبته عليه إذ وكلتني به، يقول لله سبحانه، و (ما) موصوفة و (عتيد) صفة لها، وإن جعلتها موصولة ف‍ (عتيد) بدل أو خبر بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف. # PageV03P417 # (ألقيا في جهنم) خطاب من الله للملكين: السائق والشهيد، ويجوز أن يكون خطابا للواحد بأن ينزل تثنية الفاعل منزلة تثنية الفعل، كأنه قيل: ألق ألق، أو: لأن العرب أكثر ما يرافق الرجل منهم اثنان فكثر على ألسنتهم أن يقولوا: " يا صاحبي " و " خليلي " و " قفا " حتى خاطبوا الواحد خطاب الاثنين، كما ورد عن الحجاج أنه كان يقول: يا حرسي اضربا عنقه، أو: يكون الألف بدلا من النون الخفيفة للتأكيد إجراء للوصل مجرى الوقف. # وعن أبي سعيد الخدري عن النبي (صلى ms1172 الله عليه وآله وسلم) قال: إذا كان يوم القيامة يقول الله لي ولعلي (عليه السلام): ألقيا في النار من أبغضكما، وأدخلا الجنة من أحبكما، وذلك قوله عز اسمه: (ألقيا في جهنم كل كفار عنيد) (1). والعنيد: المعاند، المجانب للحق، المعادي لأهله. # (مناع للخير) كثير المنع للمال عن حقوقه، أو: مناع لجنس الخير أن يصل إلى أهله، يحول بينه وبينهم، قيل: نزلت في الوليد بن المغيرة حين استشاره بنو أخيه في الإسلام فمنعهم (2) (معتد) ظالم متعد للحق (مريب) شاك في الله وفي دينه، وقيل: متهم بفعل ما يرتاب بفعله مثل المليم (3) (الذي جعل) مبتدأ مضمن معنى الشرط، وخبره: (فألقياه)، ويجوز أن يكون بدلا من (كل كفار) ويكون (فألقياه) تكريرا للتأكيد. # (قال قرينه ربنا ما أطغيته) أي: ما جعلته طاغيا، وما أوقعته في الطغيان، # PageV03P418 # ولكنه طغى واختار الضلال على الهدى، كقوله: (وما كان لى عليكم من سلطن إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى) (١). (قال) أي: يقول الله عز اسمه لهم: (لا تختصموا لدى) أي: لا يخاصم بعضكم بعضا عندي في دار الجزاء فلا فائدة في اختصامكم (وقد قدمت إليكم بالوعيد) على ألسنة رسلي، ثم قال: لا تطمعوا أن أبدل قولي ووعيدي لكم في تكذيب رسلي ومخالفة أمري بغيره (وما أنا بظلم للعبيد) في عقابي (٢)، ولكنهم ظلموا أنفسهم بارتكاب القبائح، والباء في (بالوعيد) مزيدة، مثلها في قوله: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ (3) أو متعدية إن كان " قدم " بمعنى " تقدم "، والجملة التي هي: (وقد قدمت إليكم) وقعت موقع الحال من (لا تختصموا)، بمعنى: وقد صح عندكم أني قدمت إليكم بالوعيد. # (يوم نقول) قرئ بالنون والياء (4)، وانتصب (يوم) ب‍ (ظلم) أو ب‍ (نفخ) وسؤال جهنم وجوابها من باب التخييل (5) الذي يقصد به تصوير المعنى في القلب، وفيه معنيان: أحدهما: أنه تمتلئ مع تباعد أطرافها حتى لا يزاد على امتلائها، والثاني: أنها من السعة بحيث يدخلوها من يدخلها وفيها موضع للمزيد، # PageV03P419 # والمزيد: مصدر كالمجيد، أو: اسم مفعول كالمبيع. (غير بعيد) نصب على الظرف أي: مكانا غير بعيد، أو ms1173 على الحال، وإنما ذكر لأنه على زنة المصدر، والمصادر يستوي في الوصف بها المذكر والمؤنث، أو: على حذف الموصوف أي: شيئا غير بعيد، ومعناه التوكيد كما تقول: هو قريب غير بعيد. # (هذا ما توعدون) جملة اعتراضية (لكل أواب) بدل من (المتقين) بتكرير الجار، و (هذا) إشارة إلى الثواب أو إلى مصدر (أزلفت)، و " الأواب ": # التواب الرجاع إلى الله وطاعته، والحفيظ: الحافظ لحدوده. (من خشى الرحمن) بدل بعد بدل تابع ل‍ (كل) ويجوز أن يكون بدلا عن موصوف (أواب) و (حفيظ)، ولا يجوز أن يكون في حكم (أواب) و (حفيظ) لأن " من " لا يوصف به، ولا يوصف بشيء من الموصولات إلا ب‍ (الذي) وحده، ويجوز أن يكون مبتدأ وخبره يقال لهم: (ادخلوها بسلم) لأن " من " في معنى الجمع، و (بالغيب) حال من المفعول أي: خشيه وهو غائب، أو: صفة لمصدر " خشيه " أي: خشيه خشية ملتبسة بالغيب حتى خشي عقابه وهو غائب، أو: من الفاعل أي: # وهو في الخلوة حيث لا يراه أحد (وجآء بقلب منيب) راجع إلى الله مقبل عليه، يقال لهم: ادخلوها سالمين من العذاب، أو: مسلما عليكم بسلام الله وملائكته عليكم (ذلك يوم) تقدير (الخلود)، كقوله: ﴿فادخلوها خلدين﴾ (1) أي: # مقدرين الخلود (ولهم ما) يريدون وما يشتهون من أنواع النعيم في الجنة (ولدينا مزيد) على (ما يشآءون‍) - ه مما لم يخطر ببالهم ولم تبلغه أمانيهم، أو: (مزيد) على قدر استحقاقهم. # PageV03P420 # (وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا في البلد هل من محيص (36) إن في ذا لك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد (37) ولقد خلقنا السموات والارض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب (38) فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب (39) ومن الليل فسبحه وأدبر السجود (40) واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب (41) يوم يسمعون الصيحة بالحق ذا لك يوم الخروج (42) إنا نحن نحىى ونميت وإلينا المصير (43) يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذا لك حشر علينا يسير ms1174 (44) نحن أعلم بما يقولون ومآ أنت عليهم بجبار فذكر بالقرءان من يخاف وعيد (45)) (فنقبوا) أي: فتحوا المسالك (في البلد)، من النقب وهو الطريق، والمعنى: دوخوا البلاد ونقروا عن أمورها، قال حارث بن حلزة: # نقبوا في البلاد من حذر الموت * وجالوا في الأرض كل مجال (1) والفاء للتسبيب عن قوله: (هم أشد منهم بطشا) أي: شدة بطشهم أقدرتهم على التنقيب وقوتهم عليه، ويجوز أن يكون المعنى: فنقب أهل مكة في بلاد تلك القرون فهل رأوا لهم محيصا من الله أو من الموت حتى يأملوا مثله لنفوسهم؟ # (إن في ذلك لذكرى) أي: تذكرة واعتبارا (لمن كان له قلب) واع، لأن من لا يعي قلبه فكأنه بلا قلب، وعن ابن عباس: القلب هنا العقل (2) (أو ألقى السمع) بأن يصغي ويستمع (وهو شهيد) حاضر بفطنته، لأن من لا يحضر ذهنه # PageV03P421 # فهو كالغائب، أو: وهو مؤمن شاهد على صحته وأنه وحي من الله. # واللغوب: النصب والإعياء، أكذب الله تعالى اليهود بقوله: (وما مسنا من لغوب) حيث قالوا: استراح الله يوم السبت! (فاصبر على) ما يقوله المشركون من إنكار البعث وتكذيبك، واحتمل ذلك حتى يأتي الله بالفرج (وسبح بحمد ربك) التسبيح: محمول على ظاهره وعلى الصلاة، فالصلاة (قبل طلوع الشمس) صلاة الصبح (وقبل الغروب) الظهر والعصر (ومن الليل) العشاءين، وقيل: صلاة الليل (1) فيدخل فيها المغرب والعشاء، (وأدبر السجود) التسبيح في أعقاب الصلوات، والسجود والركوع قد يعبر بهما عن الصلاة، وقيل: النوافل بعد المغرب (وأدبر النجوم) الركعتان قبل صلاة الفجر (2). وروي: " أن من صلاها بعد المغرب قبل أن يتكلم كتبت صلاته في عليين " (3). والأدبار: جمع دبر، وقرئ بكسر الهمزة (4)، من أدبرت الصلاة: إذا انقضت وتمت، والمعنى: وقت انقضاء السجود، كما يقال: آتيك خفوق النجم. # (واستمع) لما أخبرك به من حال يوم القيامة، وفيه تهويل لشأن المخبر به، وانتصب (يوم يناد) بما دل عليه (ذلك يوم الخروج) أي: يوم ينادي المنادي يخرجون من قبورهم، و (يوم يسمعون) بدل من (يوم يناد المناد)، والمنادي: # إسرافيل، ينفخ في الصور وينادي: أيتها ms1175 العظام البالية والأوصال المنقطعة واللحوم # PageV03P422 # المتمزقة، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. (من مكان قريب) من صخرة بيت المقدس، وهي أقرب الأرض من السماء، و (الصيحة) هي النفخة الثانية (بالحق) يتعلق ب‍ (الصيحة) والمراد به البعث والحشر للجزاء (ذلك يوم الخروج) من القبور إلى أرض الموقف. (إنا نحن نحى) الخلق ونميتهم بعد الحياة (وإلينا المصير) يوم القيامة. # وقرئ: (تشقق) بإدغام التاء في الشين وبحذف التاء (١) أي: تتصدع (الأرض عنهم) فيخرجون عنها (سراعا) بلا تأخير، وهو حال من الضمير المجرور في (عنهم)، والحشر: الجمع بالسوق من كل جهة (علينا يسير) تقديم الظرف يدل على الاختصاص، يعني: لا يتيسر مثل ذلك الأمر العظيم إلا على القادر بالذات الذي لا يشغله شأن عن شأن. # (نحن أعلم بما يقولون) تهديد لهم وتسلية لنبينا (عليه السلام) (وما أنت عليهم بجبار) أي: متسلط تجبرهم على الإيمان إنما أنت داع ومنذر، كقوله: ﴿لست عليهم بمصيطر﴾ (٢) يقال: جبره وأجبره على الأمر، و " على " بمنزلته في قولك: # هو عليهم: إذا كان واليهم ومالك أمرهم (من يخاف وعيد) كقوله: ﴿إنمآ أنت منذر من يخشها﴾ (3) خص التذكير بهم لأنه لا ينفع إلا فيهم. # * * * # PageV03P423 # سورة الذاريات مكية (1) وهي ستون آية. # في حديث أبي: " من قرأ سورة الذاريات أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل ريح هبت وجرت في الدنيا " (2). # وعن الصادق (عليه السلام): " ومن قرأها في يوم أو ليلة أصلح الله له معيشته، وآتاه برزق واسع، ونور له في قبره بسراج يزهر إلى يوم القيامة " (3). # بسم الله الرحمن الرحيم (والذاريت ذروا (1) فالحملت وقرا (2) فالجريت يسرا (3) فالمقسمت أمرا (4) إنما توعدون لصادق (5) وإن الدين لواقع (6) والسمآء ذات الحبك (7) إنكم لفي قول مختلف (8) يؤفك عنه من أفك (9) قتل الخراصون (10) الذين هم في غمرة ساهون (11) يسلون أيان يوم الدين (12) يوم هم على النار يفتنون (13) ذوقوا فتنتكم هذا # PageV03P425 # الذي كنتم به ى تستعجلون (١٤)) (الذاريت) الرياح، لأنها تذرو التراب (١) وغيره، كما يقال: ﴿تذروه الريح﴾ (٢) وقرئ بإدغام التاء في الذال (٣). (فالحملت وقرا) هي السحاب تحمل المطر. (فالجريت) هي ms1176 السفن (يسرا) أي: جريا ذا يسر وسهولة. # (فالمقسمت أمرا) هي الملائكة تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق وغيرها، أو: تفعل التقسيم مأمورة بذلك، وهذا التفسير مروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (٤) وعن ابن عباس (٥)، وعن مجاهد: تتولى الملائكة تقسيم أمر العباد: جبرئيل للغلظة، وميكائيل للرحمة، وملك الموت لقبض الأرواح، وإسرافيل للنفخ، وقد حملت على الكواكب السبعة (٦). # أقسم سبحانه بهذه الأشياء لما تضمنته من الدلالة على وحدانيته وبديع حكمته وكمال قدرته. وعنهم (عليهم السلام): " لا يجوز لأحد أن يقسم إلا بالله، وله عز اسمه أن يقسم بما يشاء من خلقه " (٧). وجواب القسم: (إنما توعدون)، و " ما " موصولة أو مصدرية، والموعود: البعث (لصادق) أي: ذو صدق ك‍ ﴿- عيشة راضية﴾ (8). و (الدين) الجزاء (لواقع) أي: حاصل كائن. و (الحبك) الطرائق مثل حبك الرمل والماء: إذا ضربته الريح، وكذلك: حبك الشعر: آثار تثنيه وتكسره، والدرع محبوكة لأن حلقها مطرق بطرائق، وعن الحسن: حبكها: # PageV03P426 # نجومها (1)، وعن علي (عليه السلام): حسنها وزينتها (2). ويجوز أن تكون النجوم تزينها كما تزين الموشى طرائق الوشي، وهي جمع حباك، ك‍ " - مثال " و " مثل "، وحبيكة ك‍ " طريقة ". # (إنكم لفي قول مختلف) هو قولهم في الرسول (عليه السلام): شاعر وساحر ومجنون، وفي القرآن: إنه سحر وكهانة وأساطير الأولين، وعن قتادة: منكم مصدق ومكذب، ومقر ومنكر (3). # (يؤفك عنه) الضمير للرسول أو القرآن، أي: يصرف عنه من صرف الصرف الذي لا صرف أشد منه وأعظم، كقوله (عليه السلام): " لا يهلك على الله إلا هالك " (4). # وقيل: يصرف عنه من هو مصروف عن الخير في سابق علم الله (5). ويجوز أن يكون الضمير ل‍ (- ما توعدون) ومعناه: يؤفك عن الإقرار بأمر القيامة من هو المأفوك. # (قتل الخراصون) دعاء عليهم، وأصله: الدعاء بالقتل والهلاك، ثم أجري مجرى: لعن وقبح، أي: لعن الكذابون المقدرون ما لا يصح، وهم أصحاب القول المختلف. واللام إشارة إليهم، كأنه قيل: قتل هؤلاء الخراصون (الذين هم في غمرة) أي: جهل يغمرهم (ساهون) غافلون عما أمروا به. (يسئلون) فيقولون: # (أيان يوم الدين) أي: متى يوم الجزاء؟ ms1177 ومعناه: أيان وقوع يوم الدين؟ # (يوم هم على النار يفتنون) أي: يحرقون ويعذبون، ومنه: الفتين، وهي # PageV03P427 # الحرة لأن حجارتها كأنها محرقة، و (يوم) يجوز أن يكون مفتوحا لإضافته إلى غير متمكن، فيكون محله رفعا على: هو يوم هم... يفتنون، أو: نصبا بفعل مضمر دل عليه السؤال، أي: يقع في ذلك اليوم، ويجوز أن يكون منصوبا في الأصل بالمضمر الذي هو " يقع ". # (ذوقوا فتنتكم) في محل الحال، أي: مقولا لهم هذا القول (هذا) مبتدأ و (الذي) خبره، أي: هذا العذاب هو الذي (كنتم به تستعجلون). # (إن المتقين في جنت وعيون (15) ءاخذين مآ ءاتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذا لك محسنين (16) كانوا قليلا من الليل ما يهجعون (17) وبالاسحار هم يستغفرون (18) وفي أموا لهم حق للسآبل والمحروم (19) وفي الأرض ءايت للموقنين (20) وفي أنفسكم أفلا تبصرون (21) وفي السمآء رزقكم وما توعدون (22) فورب السمآء والارض إنه لحق مثل مآ أنكم تنطقون (23)) (ءاخذين) أي: قابلين ما أعطاهم (ربهم) من النعيم والكرامة، راضين به (إنهم كانوا) في دار التكليف (محسنين) قد أحسنوا أعمالهم. وتفسير إحسانهم ما بعده، و " ما " مزيدة أي: كانوا يهجعون في زمان قليل من الليل إن جعلت (قليلا) ظرفا، ويجوز أن يكون صفة للمصدر أي: هجوعا قليلا. ويجوز أن يكون " ما " مصدرية أو موصولة على: كانوا قليلا من الليل هجوعهم، أو: ما يهجعون فيه هجوعا، فيكون فاعل (قليلا) وفيه ضروب من المبالغة بلفظ: " الهجوع " وهو الفرار من النوم، قال: # قد حصت البيضة رأسي فما * أطعم نوما غير تهجاع (1) # PageV03P428 # وقوله: (قليلا) و (من الليل) وزيادة (ما) المؤكدة لذلك، أي: يحيون الليل متهجدين فإذا سحروا أخذوا في الاستغفار، كأنهم أسلفوا في ليلهم الجرائم، وقوله: (هم يستغفرون) فيه: أنهم هم المختصون بالاستغفار لاستدامتهم له. # السائل: هو المستجدي، والمحروم: الذي يحسب غنيا فيحرمه الناس لتعففه. # وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ليس المسكين الذي ترده الأكلة والأكلتان والتمرة والتمرتان، قالوا: فمن هو؟ قال: الذي لا يجد ولا يتصدق عليه (1). وقيل: هو المحارف الذي لا ينمى له مال ms1178 (2). # (وفي الأرض ءايت) دلالات دالة على الصانع وكمال قدرته وبدائع حكمته بما فيها من السهل والجبل والبر والبحر، وأنواع النبات والأشجار، بالثمار المختلف ألوانها وطعومها وروائحها، الموافقة لحوائج ساكنيها ومنافعهم ومصالحهم، وما أنبت في أقطارها من أنواع الحيوان المختلفة الصور والأشكال، وغير ذلك (للموقنين) الموحدين الناظرين المتأملين ببصائرهم. # (وفي أنفسكم) في مبتدأ أحوالها وتنقلها من حال إلى حال، وما ركب في ظواهرها وبواطنها من عجائب الفطر وبدائع الحكم ما تحار فيه العقول، وحسبك بالقلوب وما ذكر فيها من لطائف المعاني، وبالألسن والنطق ومخارج الحروف، وبالصور والطبائع والألوان واختلافها في كل إنسان، وبالأسماع والأبصار وسائر الجوارح، وما رتب فيها من فنون الحكمة: # PageV03P429 # وفي كل شيء له آية * تدل على أنه واحد (1) (وفي السمآء رزقكم) وهو المطر لأنه سبب الأقوات (وما توعدون) الجنة، أو أراد: ما ترزقونه في الدنيا وما توعدونه في العقبى، كله مقدر مكتوب في السماء. (مثل مآ أنكم تنطقون) وقرئ: " مثل " بالرفع (2) صفة ل‍ (لحق) أي: # حق مثل نطقكم، وبالنصب على أنه: حق حقا مثل نطقكم، ويجوز أن يكون فتحا لإضافته إلى غير متمكن. و (ما) مزيدة بنص الخليل (3) وهذا مثل قولهم: إن هذا لحق كما أنك ترى وتسمع، ومثل ما أنك ها هنا، والضمير في (إنه) لما ذكر من الآيات والرزق، أو: للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو: (لما توعدون) والمعنى: أنه في صدقه وتحققه كالذي تعرفه ضرورة. # (هل أتلك حديث ضيف إبرا هيم المكرمين (24) إذ دخلوا عليه فقالوا سلما قال سلم قوم منكرون (25) فراغ إلى أهله ى فجآء بعجل سمين (26) فقربه إليهم قال ألا تأكلون (27) فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلم عليم (28) فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم (29) قالوا كذا لك قال ربك إنه هو الحكيم # PageV03P430 # العليم (30) قال فما خطبكم أيها المرسلون (31) قالوا إنآ أرسلنآ إلى قوم مجرمين (32) لنرسل عليهم حجارة من طين (33) مسومة عند ربك للمسرفين (34) فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين (35) فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين (36) وتركنا ms1179 فيهآ ءاية للذين يخافون العذاب الأليم (37) وفي موسى إذ أرسلنه إلى فرعون بسلطن مبين (38) فتولى بركنه ى وقال سحر أو مجنون (39) فأخذنه وجنوده فنبذنهم في اليم وهو مليم (40)) (هل أتك) تفخيم للحديث وتنبيه على أنه ليس من علم نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنما عرفه بالوحي، والضيف واحد وجمع، كالصوم والفطر، لأنه في الأصل مصدر ضافه، سماهم ضيفا لأنهم كانوا في صور الضيف، حيث أضافهم إبراهيم (عليه السلام) وكانوا اثني عشر ملكا، وقيل: ثمانية (1)، وقيل: ثلاثة (2) وإكرامهم: أن إبراهيم خدمهم بنفسه وعجل لهم القرى (3)، أو: لأنهم عند الله مكرمون. (إذ دخلوا) نصب ب‍ (المكرمين) إذا فسر بإكرام إبراهيم لهم، وإلا فيما في " ضيف " من معنى الفعل (سلما) مصدر سد مسد الفعل، وأصله: نسلم عليكم سلاما، و (سلم) على معنى: عليكم سلام، عدل به إلى الرفع ليدل على ثبات السلام، كأنه أراد أن يحييهم بأحسن مما حيوه به أخذا بأدب الله، وقرئ " سلم " (4) كما في سورة هود (5). # PageV03P431 # (قوم منكرون) أي: قال في نفسه: هؤلاء قوم لا نعرفهم. # (فراغ إلى أهله) فذهب إليهم في خفية من ضيوفه، ومن أدب المضيف أن يخفي أمره، وأن يبادره بالقرى من غير أن يشعر به الضيف حذرا من أن يكفه، وعن قتادة: كان عامة مال نبي الله إبراهيم البقر (فجاء بعجل) (1). والهمزة في (ألا تأكلون) للإنكار، أنكر عليهم ترك الأكل أو: حثهم عليه. (فأوجس) فأضمر. وعن ابن عباس: وقع في نفسه أنهم ملائكة أرسلوا للعذاب (2) (وبشروه بغلم عليم) يكون عالما نبيا وهو إسحاق، وعن مجاهد: هو إسماعيل (3). (في صرة) في صيحة، من: صر الجندب، وصر القلم والباب، وهو في محل الحال، أي: # جاءت صارة، وعن الحسن: أقبلت إلى بيتها وكانت في زاوية تنظر إليهم، لأنها وجدت حرارة الدم فلطمت وجهها من الحياء (4)، وقيل: فضربت بأطراف أصابعها جبهتها فعل المتعجب (5) (وقالت عجوز) أي: أنا عجوز (عقيم) فكيف ألد؟! # قالوا: (كذلك) مثل ذلك الذي قلنا وأخبرنا به (قال ربك) أي: إنما نخبرك عن أمر الله، والله قادر ms1180 على ما تستبعدين. # ولما علم إبراهيم أنهم رسل الله (قال فما خطبكم) أي: فما شأنكم وما طلبكم؟ سماهم: " مسرفين " كما سماهم " عادين " لإسرافهم في الفواحش وعدواتهم فيها. (فأخرجنا من كان فيها) أي: في قرى قوم لوط، ولم يجر لها ذكر لكونها معلومة، وفيه دليل على أن الإيمان والإسلام في الحقيقة واحد، وأنهما صفتا # PageV03P432 # مدح، والإيمان هو التصديق بما أوجب الله التصديق به، والإسلام هو الاستسلام لما أوجبه الله وألزمه. والبيت: لوط وبنتاه، وصفهم الله بالإيمان والإسلام جميعا، وقيل: كان لوط وأهل بيته الذين نجوا ثلاثة عشر (1). (وتركنا فيها ءاية) أي: # علامة يعتبر بها الخائفون دون الذين قست قلوبهم. # (وفي موسى) معطوف على (وفي الأرض ءايت). (فتولى بركنه) أي: # فأعرض فرعون بما كان يتقوى به من جنوده (وقال) هو (سحر). (وهو مليم) حال من الضمير في (فأخذنه) أي: آت بما يلام عليه من الكفر والعتو. # (وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم (41) ما تذر من شىء أتت عليه إلا جعلته كالرميم (42) وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين (43) فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصعقة وهم ينظرون (44) فما استطعوا من قيام وما كانوا منتصرين (45) وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوما فسقين (46) والسمآء بنينها بأييد وإنا لموسعون (47) والارض فرشنها فنعم المهدون (48) ومن كل شىء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون (49) ففروا إلى الله إنى لكم منه نذير مبين (50) ولا تجعلوا مع الله إلها ءاخر إنى لكم منه نذير مبين (51) كذا لك مآ أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون (52) أتواصوا به ى بل هم قوم طاغون (53) فتول عنهم فمآ أنت بملوم (54) وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين (55) ومآ خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (56) مآ أريد منهم من رزق ومآ أريد أن يطعمون (57) إن الله هو الرزاق ذو القوة # PageV03P433 # المتين (٥٨) فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحبهم فلا يستعجلون (٥٩) فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون (٦٠)) (العقيم) التي عقمت عن أن تأتي بخير من إنشاء سحاب أو إلقاح شجر أو منفعة، ms1181 إذ هي ريح الهلاك. (كالرميم) كالشيء البالي المتفتت من العظم والنبات أو غير ذلك. (تمتعوا حتى حين) تفسيره قوله: ﴿تمتعوا في داركم ثلثة أيام﴾ (١) (فأخذتهم الصعقة) بعد مضي الأيام الثلاثة، وقرئ: " الصعقة " (٢) وهي المرة من: صعقتهم الصاعقة (وهم ينظرون) إليها جهارا. (فما استطعوا من قيام) كقوله: ﴿فأصبحوا في ديرهم جثمين﴾ (3) أي: لم ينهضوا من تلك الصرعة (وما كانوا منتصرين) أي: ممتنعين من العذاب. (قوم نوح) على معنى: وأهلكنا قوم نوح، لأن ما قبله يدل عليه (من قبل) عاد وثمود. # (و) بنينا (السمآء بنينها) أي: رفعنا بناءها (بأييد) بقوة، والأيد والآد: # القوة (وإنا لموسعون) لقادرون، من الوسع وهو الطاقة، وعن الحسن: لموسعون الرزق على الخلق بالمطر (4). (فرشنها) أي: بسطناها (فنعم المهدون) نحن إذ فعلنا ذلك لمنافع الخلق لا لجر نفع أو دفع ضرر. (ومن كل شىء) من الحيوان (خلقنا زوجين) ذكرا وأنثى، وعن الحسن: السماء والأرض، والليل والنهار، والبر والبحر، والشمس والقمر، وعدد أشياء وقال: كل اثنين منها زوج، والله جل جلاله فرد لا مثل له (5). (لعلكم تذكرون) أي: فعلنا ذلك كله من: بناء السماء وفرش الأرض وخلق الأزواج إرادة أن تتذكروا فتعرفوا الخالق وتعبدوه. # PageV03P434 # (ففروا إلى الله) أي: طاعة الله وثوابه من معصيته وعقابه بتوحيده وإخلاص العبادة له. وكرر قوله: (إنى لكم منه نذير مبين) عند الأمر بالطاعة والنهي عن الشرك، ليعلم أن العلم والعمل مقترنان، وبالجمع بينهما يفوز الإنسان. # (كذلك) أي: الأمر مثل ذلك، و " ذلك " إشارة إلى تكذيبهم الرسول وقولهم: # هو (ساحر أو مجنون)، وقوله: (مآ أتى) تفسير لما أجمل. # (أتواصوا به) الضمير للقول، والمعنى: أتواصى الأولون والآخرون بهذا القول حتى قالوه جميعا متفقين عليه (بل هم قوم طاغون) أي: لم يتواصوا به لأنهم لم يتلاقوا في زمان واحد (بل) جمعتهم العلة الواحدة وهي الطغيان حملهم عليه. # (فتول عنهم) فأعرض عمن دعوتهم فلم يجيبوا، فلا لوم في إعراضك عنهم بعدما بلغت الرسالة وبذلت وسعك في الدعوة والإبلاغ. (وذكر) ولا تدع التذكير والموعظة (فإن الذكرى تنفع المؤمنين) الذين يعرفون ms1182 الله ويوحدونه. وعن علي (عليه السلام) أنه لما نزل: (فتول عنهم) اشتد ذلك علينا، فلما نزل: (وذكر) طابت نفوسنا (1). # المعنى (وما خلقت الجن والإنس إلا) لأجل العبادة، ولم أرد من جميعهم إلا إياها، والغرض في خلقهم تعريضهم للثواب، وذلك لا يحصل إلا بأداء العبادات. (مآ أريد منهم من رزق ومآ أريد أن يطعمون) أي: لا أستعين بهم في تحصيل أرزاقهم ومعايشهم بل أتفضل عليهم برزقهم وبما يصلحهم، وما أريد أن يطعموا أحدا من خلقي، وإنما أسند إلى نفسه لأن الخلق كلهم عياله، ومن أطعم # PageV03P435 # عيال أحد فكأنما أطعمه. (إن الله هو الرزاق) لعباده وللخلائق كلهم، فلا يحتاج إلى معين (ذو القوة) الذي لا يتطرق إليه العجز والضعف (المتين) الشديد القوة، البليغ الاقتدار على كل شيء، يقال: متن متانة فهو متين. # والذنوب: الدلو العظيم، وهذا تمثيل، وأصله في السقاة يقتسمون الماء فيكون لهذا ذنوب ولهذا ذنوب، قال: # لنا ذنوب ولكم ذنوب * فإن أبيتم فلنا القليب (1) والمعنى: (فإن للذين ظلموا) بتكذيب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نصيبا من عذاب الله (مثل) نصيب (أصحبهم) ونظرائهم من القرون المهلكة (فلا يستعجلون) بإنزال العذاب فإنهم لا يفوتونني. (من يومهم الذي يوعدون) هو يوم القيامة. # * * * # PageV03P436 # سورة الطور مكية (1)، آياتها تسع وأربعون آية كوفي، ثمان بصري، (دعا) (2) كوفي. # وفي حديث أبي: " ومن قرأ سورة الطور كان حقا على الله عز وجل أن يؤمنه من عذابه، وأن ينعمه في جنته " (3). # وعن الباقر (عليه السلام): " من قرأ سورة الطور جمع الله له خير الدنيا والآخرة " (4). # بسم الله الرحمن الرحيم (والطور (1) وكتب مسطور (2) في رق منشور (3) وا لبيت المعمور (4) والسقف المرفوع (5) والبحر المسجور (6) إن عذاب ربك لواقع (7) ما له من دافع (8) يوم تمور السمآء مورا (9) وتسير الجبال سيرا (10) فويل يومئذ للمكذبين (11) الذين هم في خوض يلعبون (12) # PageV03P437 # يوم يدعون إلى نار جهنم دعا (١٣) هذه ى النار التى كنتم بها تكذبون (١٤) أفسحر هذآ أم أنتم لا تبصرون (١٥) اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سوآء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون (١٦)) أقسم سبحانه ms1183 بالجبل الذي كلم عليه موسى بالأرض المقدسة. (وكتب مسطور) مكتوب (في رق منشور) والرق: الصحيفة، وقيل: هو التوراة (١) وقيل: هو صحائف الأعمال (٢) وقيل: هو القرآن مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ (٣). ونكر لأنه كتاب مخصوص من بين جنس الكتب، كقوله: ﴿ونفس وما سولها﴾ (٤). # (والبيت المعمور) هو بيت في السماء الرابعة بحيال الكعبة تعمره الملائكة بالعبادة. وعن علي (عليه السلام): يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه أبدا (٥). وروي: أن اسمه الضراح (٦). وقيل: هو الكعبة لكونها معمورة بالحجاج والعمار (٧). # (والسقف المرفوع) السماء (والبحر المسجور) المملوء، وقيل: هو الموقد المحمى (٨)، من قوله: ﴿وإذا البحار سجرت﴾ (9). # PageV03P438 # (لوقع) لنازل. (يوم تمور السمآء) ظرف ل‍ (وقع)، ومعنى (تمور): # تضطرب وتجيء وتذهب وتستدبر. (وتسير الجبال) وتزول عن أماكنها حتى تستوي الأرض. # (فويل) في ذلك اليوم لمن كذب الله ورسوله. والخوض: الاندفاع في الباطل. (يوم يدعون) أي: يدفعون دفعا بعنف وجفوة، وذلك أن خزنة النار يغلون أيديهم إلى أعناقهم، ويجمعون نواصيهم إلى أقدامهم، ويدفعونهم إلى النار دفعا على وجوههم، وزخا (1) في أقفيتهم، يقال لهم: (هذه النار)، (أفسحر هذآ) معناه: أنكم كنتم تقولون للوحي: هذا سحر، أفسحر هذا؟ والمراد: أهذا المصداق أيضا سحر؟ وإنما دخلته الفاء لهذا المعنى (أم أنتم لا تبصرون) كما كنتم لا تبصرون في الدنيا؟ أي: أم أنتم عمي عن المخبر عنه كما كنتم عميا عن الخبر؟ والصلي: لزوم النار، يقال: صلي يصلى صليا، أي: ألزموها (سوآء عليكم) الصبر وعدمه. # (إن المتقين في جنت ونعيم (17) فكهين بمآ ءاتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم (18) كلوا واشربوا هنيا بما كنتم تعملون (19) متكين على سرر مصفوفة وزوجنهم بحور عين (20) والذين ءامنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمن ألحقنا بهم ذريتهم ومآ ألتنهم من عملهم من شىء كل امرئ بما كسب رهين (21) وأمددنهم بفكهة ولحم مما يشتهون (22) يتنزعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم (23) ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون (24) وأقبل بعضهم على # PageV03P439 # بعض يتسآءلون (25) قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين (26) فمن الله علينا ووقانا ms1184 عذاب السموم (27) إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم (28) فذكر فمآ أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون (29) أم يقولون شاعر نتربص به ى ريب المنون (30) قل تربصوا فإنى معكم من المتربصين (31) أم تأمرهم أحلمهم بهذآ أم هم قوم طاغون (32)) (في جنت) أي: في أية جنات (و) أي (نعيم)، أو: في جنات مخصوصة خلقت لهم خاصة ونعيم اختص بهم. وقرئ: (فكهين)، و " فكهين " (1) وهو منصوب على الحال، أي: متلذذين (بما ءاتاهم ربهم)، (ووقهم ربهم عذاب الجحيم) يجوز أن يكون الواو للحال و " قد " مضمرة، ويجوز أن تعطفه على (ءاتاهم) إذا جعلت " ما " مصدرية، فيكون المعنى: فاكهين بإيتائهم ربهم ووقايتهم العذاب. # يقال لهم: (كلوا واشربوا) أكلا وشربا (هنيئا)، أو: طعاما وشرابا هنيئا لا تنغيص فيه. (وزوجنهم) أي: قرناهم (بحور) نقيات البياض في حسن وكمال (عين) واسعة العيون في صفاء وبهاء. # (والذين ءامنوا) عطف على (حور عين) أي: وبالذين آمنوا، أي: بالرفقاء والجلساء منهم، فيتمتعون تارة بملاعبة الحور العين، وتارة بمؤانسة الإخوان. # وقرئ: (واتبعتهم ذريتهم)، و " ذرياتهم " (2)، و " أتبعناهم ذرياتهم " (3)، وقرئ: # (ألحقنا بهم ذريتهم) و " ذرياتهم " (4). # PageV03P440 # وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): " إن المؤمنين وأولادهم في الجنة " وقرأ هذه الآية (1). # فالمعنى: أن الله سبحانه يجمع لهم أنواع السرور بسعادتهم في أنفسهم، وبمزاوجة الحور العين، وبمؤانسة الإخوان المؤمنين المتقابلين، وباجتماع أولادهم ونسلهم معهم، ثم قال: (بإيمن) أي: بسبب الإيمان الرفيع المحل، وهو إيمان الآباء، ألحقنا بدرجاتهم ذرياتهم وإن كانوا لا يستأهلونها؛ تفضلا عليهم وعلى آبائهم، ليتم سرورهم وتقر بهم عيونهم (وما ألتنهم) وما نقصناهم (من عملهم) من ثواب عملهم (من شىء)، وقيل: معناه: ما نقصناهم من ثواب عملهم شيئا نعطيه الأبناء بل ألحقناهم بهم على سبيل التفضل (2)، وقرئ: " ما ألتناهم " بكسر اللام (3)، من: ألت يألت، ويكون لغة في: ألت يألت (كل امرئ بما كسب رهين) أي: مرهون، والمعنى: كل نفس رهين عند الله بالعمل الصالح الذي هو مطالب به، كما يرهن الرجل عبده بدين عليه، فإن عمل صالحا فكها وخلصها وإلا ms1185 أوبقها. # (وأمددناهم) أي: وزدناهم حالا بعد حال بما يشتهونه من (فكهة ولحم). (يتنازعون) يتعاطون (4) ويتعاورون (كأسا) خمرا " لا لغو " (5) في شربها " ولا تأثيم " أي: لا يتكلمون في أثناء شربها بالكلام الذي لا طائل فيه، ولا يفعلون ما يؤثم به فاعله، أي: ينسب إلى الإثم من الكذب والفواحش، # PageV03P441 # وإنما يتكلمون بالحكمة والكلام الحسن لأنهم حكماء علماء، وقرئ: (لا لغو ولا تأثيم) بالرفع. # (غلمان لهم) مملوكون لهم مخصوصون بهم (كأنهم لؤلؤ مكنون) في الصدف لأنه رطب صاف، أو: مخزون لأنه لا يخزن إلا الثمين النفيس. # وسئل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): هذا الخادم فكيف المخدوم؟ فقال صلوات الله عليه وآله: # " والذي نفسي بيده إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب " (1). # (يتسآءلون) أي: يتحادثون ويسأل بعضهم بعضا عن أحواله وعما استوجب به ذلك. (مشفقين) أي: أرقاء القلوب من خشية الله. (عذاب السموم) عذاب النار ولفحها، والسموم: الريح الحارة التي تدخل المسام، فسميت بها نار جهنم. # (إنا كنا من قبل) لقاء الله والمصير إليه أي: في الدنيا (ندعوه) أي: ندعو الله ونوحده ونعبده (إنه هو البر) المحسن (الرحيم) الكثير الرحمة، وقرئ: " أنه " بالفتح (2) بمعنى: " لأنه ". # (فذكر) يا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أي: فاثبت على تذكير الناس ووعظهم، ولا تترك دعوتهم وإن أساؤوا القول فيك فإنه قول باطل، و (مآ أنت) بحمد الله وإنعامه عليك (بكاهن ولا مجنون) كما يقولون، بل أنت نبي صادق. # وريب المنون: حوادث الدهر، وقيل: المنون: الموت (3)، فعول من " منه " إذا قطعه، كما سموه شعوب، قالوا: ننتظر به نوائب الزمان فيهلك كما هلك من قبله # PageV03P442 # من الشعراء (فإنى معكم من المتربصين) أتربص هلاككم كما تتربصون هلاكي. # (أحلمهم) بهذا التناقض في القول وهو قولهم: كاهن وشاعر مع قولهم: # مجنون. وكانت قريش يدعون أهل النهى والأحلام (أم هم قوم طاغون) مجاوزون الحد في العناد (1)، حملهم طغيانهم وعنادهم على تكذيبك مع ظهور الحق لهم. # (أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون (33) فليأتوا بحديث مثله ى إن كانوا ms1186 صدقين (34) أم خلقوا من غير شىء أم هم الخلقون (35) أم خلقوا السموات والارض بل لا يوقنون (36) أم عندهم خزآبن ربك أم هم المصيطرون (37) أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطن مبين (38) أم له البنت ولكم البنون (39) أم تسلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (40) أم عندهم الغيب فهم يكتبون (41) أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون (42) أم لهم إله غير الله سبحن الله عما يشركون (43) وإن يروا كسفا من السمآء ساقطا يقولوا سحاب مركوم (44) فذرهم حتى يلقوا يومهم الذي فيه يصعقون (45) يوم لا يغنى عنهم كيدهم شيا ولا هم ينصرون (46) وإن للذين ظلموا عذابا دون ذا لك ولكن أكثرهم لا يعلمون (47) واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم (48) ومن الليل فسبحه وإدبر النجوم (49)) أي: افتعله واختلقه من تلقاء نفسه، والضمير للقرآن (بل لا يؤمنون) ولعنادهم وكفرهم يقولون ذلك مع علمهم بأنه ليس بمتقول. (فليأتوا بحديث) # PageV03P443 # مثل القرآن في نظمه وفصاحته (إن كانوا صدقين)، وإذا لم يقدروا على الإتيان بمثله - وما محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا واحد منهم - فليعلموا أنه لم يتقوله، بل أ (خلقوا) أي: # أحدثوا وقدروا التقدير الذي عليه فطرتهم (من غير شىء) من غير مقدر (أم هم) الذين خلقوا أنفسهم حيث لا يعبدون الخالق (بل لا يوقنون) وهم شاكون فيما يقولونه، وقيل: أخلقوا باطلا من أجل غير شيء من جزاء و (1) حساب؟ (2) بل أ (عندهم خزآئن) الرزق فيرزقوا النبوة من شاؤوا؟ أو: عندهم خزائن علمه حتى يختاروا لها من اختياره حكمة وصلاح؟ " أم هم المسيطرون " (3) الأرباب المسلطون على الناس حتى يدبروا أمر الربوبية؟ وقرئ: (المصيطرون) بالصاد. # (سلم) أي: مرقى ومصعد منصوب إلى السماء (يستمعون فيه) إلى كلام الملائكة، فوثقوا بما هم عليه وردوا ما سواه (بسلطن مبين) بحجة واضحة تصدق استماع مستمعهم. (أم له البنت ولكم البنون) وهذا تسفيه لأحلامهم، حيث أضافوا إلى الله تعالى ما أنفوا منه، وهذا غاية في جهلهم إذ جوزوا عليه الولد ثم ادعوا أنه اختار الأدون على الأعلى. ms1187 # (أم تسئلهم أجرا) على ما جئتهم به من الدين (فهم من) جهة (مغرم) فدحهم (4) (مثقلون) أثقلهم ذلك المغرم الذي سألتهم فزهدهم في اتباعك. (أم عندهم الغيب) أي: اللوح المحفوظ (فهم يكتبون) ما فيه حتى قالوا: لا نبعث ولا نعذب. # (أم يريدون كيدا) وهو كيدهم في دار الندوة (فالذين كفروا هم) الذين # PageV03P444 # يعود عليهم وبال كيدهم، وذلك أنهم قتلوا يوم بدر، و (المكيدون): المغلوبون في الكيد، من: كايدته فكدته. (وإن يروا كسفا) أي: قطعة (من السمآء ساقطا) لقالوا (هذا سحاب مركوم) بعضه فوق بعض " يصعقون " (١) أي: يموتون، وقرئ (يصعقون) من: صعقته فصعق وأصعقته لغة، وذلك عند النفخة الأولى. # (وإن) لهؤلاء الظلمة (عذابا دون ذلك) دون يوم القيامة وهو القتل يوم بدر، والقحط سبع سنين، أو عذاب القبر. # (لحكم ربك) بإمهالهم وما يلحقك فيه من الكلفة والمشقة (فإنك بأعيننا) مثل أي بحيث نراك ونكلؤك، وجمع " العين " لأن الضمير ضمير الجمع، وقال في موضع آخر: ﴿ولتصنع على عينى﴾ (2)، (وسبح بحمد ربك حين تقوم) من أي مكان قمت فيه، وقيل: من منامك (3)، وقيل: واذكر الله حين تقوم إلى الصلاة المفروضة إلى أن تدخل في الصلاة (4). (ومن الليل فسبحه) يعني: صلاة الليل إذا قام من النوم (وإدبر النجوم) يعني: ركعتي الفجر قبل الفريضة (5)، وقيل: هي الفريضة (6)، أي: حين تدبر النجوم وتغيب بضوء الصبح، وقرئ: " وأدبار " (7) بفتح الهمزة، مثل: أعقاب النجوم. # * * * # PageV03P445 # سورة النجم مكية (1) اثنتان وستون آية كوفي (2)، وآية غيرهم، (من الحق شيئا) (3) كوفي. # وفي حديث أبي: " من قرأ سورة النجم أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدق بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وجحد به " (4). # وعن الصادق (عليه السلام): " من كان يدمن قراءة (والنجم) في كل يوم أو ليلة عاش محمودا بين الناس محببا " (5). # PageV03P447 # بسم الله الرحمن الرحيم (والنجم إذا هوى (1) ما ضل صاحبكم وما غوى (2) وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحى يوحى (4) علمه شديد القوى (5) ذو مرة فاستوى (6) وهو بالأفق الاعلى (7) ثم دنا فتدلى (8) فكان قاب قوسين أو أدنى (9) فأوحى إلى ms1188 عبده ى مآ أوحى (10) ما كذب الفؤاد ما رأى (11) أفتمرونه على ما يرى (12) ولقد رءاه نزلة أخرى (13) عند سدرة المنتهى (14) عندها جنة المأوى (15) إذ يغشى السدرة ما يغشى (16) ما زاغ البصر وما طغى (17) لقد رأى من ءايت ربه الكبرى (18)) النجم: الثريا، اسم غالب لها، قال: # فوردن والعيوق مقعد رابئ * الضرباء فوق النجم لا يتتلع (1) أو: جنس النجوم (إذا هوى) إذا غرب أو انتثر يوم القيامة، أو: النجم الذي يرجم به إذا انقض، أو: النجم من نجوم القرآن وقد نزل منجما في نيف وعشرين سنة (إذا هوى) إذا نزل: (ما ضل صاحبكم) يعني: النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، والخطاب لقريش، وهو جواب القسم، أي: هو هاد مهتد راشد مرشد، وليس كما زعمتم في نسبتكم إياه إلى الضلال والغي. وما آتاكم به من الدين والقرآن ليس بمنطق صادر عن رأيه وهواه. ما (هو إلا وحى) من عند الله (يوحى) إليه. # (علمه) ملك (شديد القوى) أي: شديد قواه، وهو جبرئيل (عليه السلام)، والإضافة لفظية لأنها إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها. (ذو مرة) ذو حصافة في # PageV03P448 # عقله ورأيه، ومتانة في دينه، وصحة في جسمه (فاستوى) فاستقام على صورة نفسه الحقيقية دون الصور التي كان يتمثل بها كلما هبط بالوحي، وكان يأتيه في صورة الآدميين، فأحب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يراه في صورته التي جبل عليها فاستوى له. (وهو بالأفق الأعلى) يعني: أفق الشمس فملأ الأفق، وقيل: ما رآه أحد من الأنبياء في صورته الحقيقية غير محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) رآه مرتين: مرة في الأرض ومرة في السماء (1). # (ثم دنا) من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (فتدلى) فتعلق عليه في الهواء، وهو مثل في القرب. (فكان قاب قوسين) مقدار قوسين، والقاب والقيب والقاد والقيد والقاس والقيس: المقدار، وأصله: فكان مقدار مسافة قربه مثل قاب قوسين، فحذفت هذه المضافات، كما قال الشاعر: # وقد جعلتني من حزيمة إصبعا (2) أي: ذا مقدار مسافة إصبع أو أدنى من ذلك. (فأوحى ms1189 إلى عبده) الضمير لله، وإن لم يجر ذكر لاسمه سبحانه لأنه لا يلتبس (مآ أوحى) تفخيم للوحي الذي أوحي إليه، و " ما " مصدرية، ويجوز أن يكون موصولة، وقيل: فأوحى جبرائيل إلى عبد الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ما أوحى الله إليه (3)، وقيل: أوحى إليه أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى تدخلها أنت، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك (4). # (ما كذب) فؤاد محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) ما رآه ببصره من صورة جبرائيل (عليه السلام)، أي: # PageV03P449 # ما قال فؤاده لما رآه: لم أعرفك، ولو قال ذلك لكان كاذبا لأنه عرفه، يعني: أنه رآه بعينه وعرفه بقلبه ولم يشك في أنه حق، وقرئ: " ما كذب " (1) أي: صدقه ولم يشك أنه جبرائيل بصورته. # (أفتمرونه) من المراء وهو الجدال والملاحاة، واشتقاقه من: " مرى الناقة "، كأن كل واحد من المتجادلين يمري ما عند صاحبه، وقرئ: # " أفتمرونه " (2) من: ماريته فمريته، أي: أفتغلبونه في المراء؟ ولذلك عدي ب‍ " على "، كما تقول: غلبته على كذا. وقيل: أفتمرونه: أفتجحدونه؟ (3) (ولقد رءاه) يعني: رأى جبرئيل (عليه السلام) (نزلة أخرى) يعني: مرة أخرى، من النزول، أي: نازلا عليه من السماء نزلة أخرى في صورة نفسه. (عند سدرة المنتهى) وهي شجرة نبق عن يمين العرش فوق السماء السابعة، ثمرها كقلال هجر (4)، وورقها كآذان الفيول، يسير الركب في ظلها سبعين عاما. والمنتهى: # موضع الانتهاء ولم يجاوزها أحد، وإليها ينتهي علم الملائكة وغيرهم، لا يعلم أحد ما وراءها، وقيل: ينتهي إليها أرواح الشهداء (5)، وقيل: هي شجرة طوبى كأنها في منتهى الجنة (6). (عندها جنة المأوى) وهي جنة الخلد يصير إليها المتقون، وقيل: يأوي إليها أرواح الشهداء (7)، وعن علي (عليه السلام) وأبي الدرداء: " جنه # PageV03P450 # المأوى " بالهاء (1)، وروي ذلك عن الصادق (عليه السلام)، ومعناه: ستره بظلاله ودخل فيه. # (إذ يغشى السدرة) من النور والبهاء (ما يغشى) مما لا يكتنهه الوصف، وقيل: يغشاها الجم الغفير من الملائكة (2). # وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): " رأيت على كل ورقة من ورقها ملكا قائما يسبح الله عز وجل ms1190 " (3). # ومعناه: أنه رأى جبرئيل على صورته ليلة المعراج في الحال التي غشي السدرة فيها ما غشيه (4) من الخلائق الدالة على جلال الله وعظمته. (ما زاغ) بصر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (وما طغى) أي: أثبت ما رآه إثباتا صحيحا من غير أن يزيغ بصره عنه أو يتجاوزه، أو: ما عدل عن رؤية العجائب التي أمر برؤيتها، وما جاوز الحد الذي حد له. (لقد رأى) أي: والله لقد رأى (من ءايت ربه) التي هي كبراها وعظماها حين عرج به إلى السماء فأري عجائب الملكوت. و " من " للتبعيض لأنها كانت بعض آيات الله. # (أفرءيتم اللت والعزى (19) ومنواة الثالثة الاخرى (20) ألكم الذكر وله الأنثى (21) تلك إذا قسمة ضيزى (22) إن هى إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وءابآؤكم مآ أنزل الله بها من سلطن إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جآءهم من ربهم الهدى (23) أم للانسن ما تمنى (24) فلله الأخرة والاولى (25) وكم من ملك في السموات لا تغنى شفعتهم شيا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشآء ويرضى (26) # PageV03P451 # إن الذين لا يؤمنون بالاخرة ليسمون الملئكة تسمية الأنثى (27) وما لهم به ى من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغنى من الحق شيا (28) فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحيوة الدنيا (29) ذا لك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ى وهو أعلم بمن اهتدى (30)) ثم خاطب سبحانه المشركين فقال: (أفرءيتم) أيها الزاعمون أن (اللت والعزى ومنوة) آلهة؟ وهي مؤنثات، فاللات كانت لثقيف بالطائف، وقيل: كانت بنخلة يعبدها قريش (1)، والعزى كانت لغطفان، ومناة كانت لهذيل وخزاعة. وقيل: # هن أصنام من حجارة كانت في الكعبة يعبدونها (2)، و (الأخرى) صفة ل‍ (منوة)، وهي ذم، أي: المتأخرة الوضيعة المقدار، ويمكن أن تكون الأولية والتقدم عندهم اللات والعزى. # وكانوا يقولون: إن الملائكة وهذه الأصنام بنات الله، فقيل لهم: (ألكم الذكر وله الأنثى)، ويمكن أن يراد: أن الأصنام الثلاثة إناث وقد جعلتموهن شركاء لله، وقد استنكفتم من أن ms1191 يولد لكم الإناث وينسبن إليكم، فكيف سميتم الإناث آلهة وأنتم قوم لو خيرتم لاخترتم الذكور؟! (تلك إذا قسمة ضيزى) جائرة غير معتدلة، من: ضازه يضيزه إذا ضامه، والأصل: " ضوزى " ففعل بها ما فعل ب‍ " بيض " و " عين " لتسلم الياء، وقرئ بالهمزة (3) من: ضأزه. # و (هى) ضمير الأصنام، والمعنى: ما (هى إلا أسمآء) ليس تحتها في # PageV03P452 # الحقيقة مسميات، لأنكم تسمون آلهة ما هو أبعد شيء منها، أو: ضمير اللات والعزى ومناة، أي: ما هذه الأسماء التي سميتموها بهواكم وزعمتم أن اللات من " الله " والعزى من " العزيز "، ليس لكم من الله على صحة تسميتها برهان تتمسكون به، يقال: سميته زيدا وبزيد (إن يتبعون إلا الظن) إلا توهم أن ما هم عليه حق، وما تهواه أنفسهم، ويتركون ما جاءهم من (الهدى) والأدلة على أن ما هم عليه باطل. # (أم للانسن ما تمنى) هي " أم " المنقطعة، والهمزة للإنكار، أي: ليس للإنسان ما تمنى من نعيم الدنيا والآخرة، بل يفعله تعالى بحسب المصلحة. (فلله الآخرة والأولى) يعطي منها من يشاء ويمنع من يشاء، يعني: أن الملائكة مع كثرتهم وقربهم ومنزلتهم من الله (لا تغنى شفعتهم) عن أحد (شيئا إلا) بعد (أن يأذن الله) لهم في الشفاعة إليه (لمن يشآء ويرضى) لهم أن يشفعوا فيه من أهل الإيمان والتوحيد، فكيف تشفع الأصنام إليه لعابديهم؟! # (يسمون الملئكة تسمية الأنثى) بقولهم: إن الملائكة بنات الله. (وما لهم به) أي: بما يقولون (من علم)، (وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا) لأن حقيقة الشيء إنما تدرك بالعلم والتيقن لا بالظن والتوهم. # (فأعرض عن) دعوة (من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحيوة الدنيا) ومنافعها ولذاتها. (ذلك مبلغهم من العلم) أي: ذلك منتهى علمهم، وهو مبلغ خسيس لا يرضى به لنفسه عاقل (إن ربك هو أعلم) بالضال والمهتدي فيجازيهما على حسب ما يستحقانه. # (ولله ما في السموات وما في الأرض ليجزى الذين أسوا بما عملوا ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى (31) الذين يجتنبون كبائر الإثم PageV03P453 # والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة ms1192 هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الارض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى (32) أفرءيت الذي تولى (33) وأعطى قليلا وأكدى (34) أعنده علم الغيب فهو يرى (35) أم لم ينبأ بما في صحف موسى (36) وإبراهيم الذي وفى (37) ألا تزر وازرة وزر أخرى (38) وأن ليس للانسن إلا ما سعى (39) وأن سعيه سوف يرى (40) ثم يجزاه الجزآء الأوفى (41)) تعلق قوله: (ليجزى) بما قبله، لأن المعنى: أنه سبحانه إنما خلق (ما في السموات وما في الأرض) لهذا الغرض، وهو أن يجازي المسيئين والمحسنين بالإساءة والإحسان، أو: يتعلق بقوله: (هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى) لأن نتيجة العلم بالضال والمهتدي جزاؤهما بأعمالهما، ومعنى (الحسنى): المثوبة الحسنى، وهي الجنة. ويجوز أن يريد بسبب ما عملوا من السوء وبسبب الأعمال الحسنى. # (الذين يجتنبون كبائر الاثم) أي: عظائم الذنوب (والفوحش) جمع الفاحشة، وقرئ: " كبير الإثم " (1) أي: النوع الكبير منه، (إلا اللمم) وهو ما قل منه، ومنه اللمم: المس من الجنون، وألم الرجل بالمكان: إذا قل فيه لبثه، وألم بالطعام: إذا قل منه أكله، وهو استثناء منقطع أو صفة، كأنه قال: كبائر الإثم غير اللمم، وقيل: هو النظرة والغمزة والقبلة وما كان دون الزنا من الذنوب (2)، # PageV03P454 # وعن السدي: الخطرة من الذنب (1)، وعن الكلبي: كل ذنب لم يذكر الله عليه حدا ولا عقابا (2) (إن ربك واسع المغفرة) تسع مغفرته الذنوب ولا يضيق عنها حين، (أنشأكم) أي: أنشأ أباكم آدم (من) أديم (الأرض) وفي وقت كونكم (أجنة) في الأرحام، فهو يعلم ميل طباعكم إلى اللمم (فلا تزكوا أنفسكم) فلا تنسبوها إلى الزكاة والطهارة من المعاصي، ولا تثنوا عليها فقد علم الله الزكي منكم والتقي أولا وآخرا، وقيل: كان ناس يعملون أعمالا حسنة ثم يقولون: صلاتنا وزكاتنا وصيامنا وعباداتنا... فنزلت (3)، وهذا إذا كان على سبيل الإعجاب أو الرياء. # روي (4): أن عثمان كان يعطي ماله، فقال له عبد الله بن سعد بن أبي سرح وهو أخوه من الرضاعة: يوشك أن لا يبقى لك شيء، ms1193 فقال له عثمان: إن لي ذنوبا وخطايا وإني أطلب بما أصنع رضا الله، فقال عبد الله: أعطني ناقتك برحلها وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها، فأعطاه وأشهد عليه وأمسك عن العطاء، فنزلت: # (أفرءيت الذي تولى) عن الخير (وأعطى قليلا وأكدى) وقطع عطيته وأمسك، وأصله من: أكدى الحافر إذا بلغ الكدية، وهي صلابة كالصخرة إذا بلغ الحافر إليها يئس من الماء فأمسك عن الحفر. (أعنده علم الغيب) أي: ما غاب عنه من أمر العذاب (فهو يرى) أي: يعلم أن ما قاله له أخوه من احتمال أوزاره حق؟ ألم يخبر (بما في صحف موسى) من أسفار التوراة (و) في صحف (إبرهيم الذي وفى) أي: تمم ووفر ما أمر به، وإنما أطلق ليتناول كل توفية من: تبليغ الرسالة، # PageV03P455 # والصبر على ذبح الولد وعلى نار نمرود... وغير ذلك من قيامه بالأوامر، وعن الحسن: ما أمره الله بشيء إلا وفى به (1). (أن لا تزر) هي المخففة من الثقيلة، والمعنى: أنه لا تزر، والضمير للشأن، ومحل " أن " وما في حيزها الجر بدلا من (ما في صحف موسى)، أو: الرفع على: هو أن لا تزر، كأن قائلا قال: وما في صحف موسى وإبراهيم؟ فقال: أن لا تزر، (وأن ليس للإنسن إلا) سعيه، و " ما " مصدرية. # وأما ما جاء في الأخبار من الصدقة عن الميت والحج عنه والصلاة فإن ذلك وإن كان سعي غيره فكأنه سعي نفسه لكونه قائما مقامه وتابعا له، فهو بحكم الشريعة كالوكيل النائب عنه. (ثم يجزله الجزآء الأوفى) أي: ثم يجزى العبد سعيه، يقال: جزاه الله عمله، و: جزاه على عمله، والمعنى: أنه يرى سعيه يوم القيامة ثم يجزيه أوفى الجزاء. # (وأن إلى ربك المنتهى (42) وأنه هو أضحك وأبكى (43) وأنه هو أمات وأحيا (44) وأنه خلق الزوجين الذكر والانثى (45) من نطفة إذا تمنى (46) وأن عليه النشأة الاخرى (47) وأنه هو أغنى وأقنى (48) وأنه هو رب الشعرى (49) وأنه أهلك عادا الاولى (50) وثمودا فمآ أبقى (51) وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى (52) والمؤتفكة أهوى (53) فغشاها ما غشى ms1194 (54) فبأى ءالاء ربك تتمارى (55) هذا نذير من النذر الاولى (56) أزفت الأزفة (57) ليس لها من دون الله كاشفة (58) أفمن هذا الحديث تعجبون (59) وتضحكون # PageV03P456 # ولا تبكون (٦٠) وأنتم سمدون (٦١) فاسجدوا لله واعبدوا (٦٢)) الفتح في (أن) وما بعده على معنى: أن هذا كله في صحف موسى وإبراهيم، و (المنتهى) مصدر بمعنى الانتهاء، أي: ينتهي إليه الخلق ويرجعون إليه كقوله: # ﴿وإلى الله المصير﴾ (1). # ومعنى (أضحك وأبكى): خلق قوتي الضحك والبكاء، أو: فعل سبب الضحك والبكاء من السرور والحزن، وقيل: أضحك الأشجار بالأنوار وأبكى السحاب بالأمطار. # (إذا تمنى) إذا تدفق في الرحم، يقال: مني وأمنى، وقيل: معناه: تخلق (2). # قال: # حتى يبين ما يمني لك الماني (3) أي: يقدر لك المقدر. وقرئ: " النشآة " بالمد (4)، يريد: أنها واجبة عليه في الحكمة ليجازي على الإحسان والإساءة. (وأقنى) أي: أعطى القنية وهي المال المؤثل المدخر، وقيل: (أغنى): مول، (وأقنى): أرضى بما أعطى (5). # (رب الشعرى) أي: خالقها وكانت خزاعة تعبدها، سن لهم ذلك أبو كبشة رجل من أشرافهم، وكان أحد أجداد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من قبل أمهاته، وكانت قريش # PageV03P457 # يسمونه (عليه السلام): " ابن أبي كبشة " لمخالفته إياهم في الدين، كما خالف أبو كبشة غيره في عبادة الشعرى. # وعاد الأولى: قوم هود، وعاد الأخرى: إرم، وقيل: الأولى القدماء لأنهم أولى الأمم هلاكا بعد قوم نوح (١). وقرئ: " عاد لولى " بإدغام التنوين في اللام وطرح همزة " أولى " ونقل ضمتها إلى لام التعريف (٢). وقرئ: " وثمودا " (٣) (وثمود). # (و) أهلكنا (قوم نوح من قبل) عاد وثمود (إنهم كانوا هم أظلم وأطغى) لأنهم كانوا يؤذونه ويضربونه حتى لا يكون به حراك، وما أثر فيهم دعاؤه قريبا من ألف سنة. # (والمؤتفكة) أي: والقرى التي ائتفكت بأهلها أي: انقلبت، وهم قوم لوط (أهوى) أي: رفعها إلى السماء على جناح جبرئيل ثم أهواها إلى الأرض أي: # أسقطها، (فغشها) أي: فألبسها من العذاب (ما غشى) وهو تهويل لما صب عليها من العذاب وأمطر عليها من الحجارة المسومة. (فبأي ءالاء ربك تتمارى) تتشكك أيها الإنسان؟ وقد عدد سبحانه نعما ونقما وسماها ms1195 كلها آلاء؛ لما في نقمه من العبر للمعتبرين. # (هذا) القرآن إنذار من جنس الإنذارات (الأولى)، أو: هذا الرسول منذر من المنذرين الأولين، وإنما قال: (الأولى) على تأويل الجماعة. # (أزفت الآزفة) قربت الموصوفة بالقرب في قوله: ﴿اقتربت الساعة﴾ (4). # PageV03P458 # (ليس لها) نفس (كاشفة) أي: مبينة متى تقوم، كقوله: ﴿لا يجليها لوقتهآ إلا هو﴾ (1)، أو: ليس لها نفس قادرة على كشفها إذا وقعت إلا الله، غير أنه لا يكشفها. # وقيل: " كاشفة " مصدر بمعنى الكشف كالعافية والخائنة (2)، أي: ليس لها من دون الله كشف، والمراد: لا يكشف عنها غيره. # (أفمن هذا الحديث) وهو القرآن (تعجبون) إنكارا. (وتضحكون) استهزاء (ولا تبكون) انزجارا لما فيه من الوعيد. وعن الصادق (عليه السلام): أن المراد بالحديث ما تقدم من الأخبار. (وأنتم سامدون) لاهون لاعبون، وقال بعضهم لجاريته: اسمدي لنا أي: غني (3). (فاسجدوا لله واعبدوا) مخلصين ولا تعبدوا الآلهة. # * * * # PageV03P459 # سورة القمر مكية (1)، وهي خمس وخمسون آية. # وفي حديث أبي: " من قرأها في كل غب بعث يوم القيامة ووجهه على صورة القمر ليلة البدر " (2). # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأها أخرجه الله من قبره على ناقة من نوق الجنة " (3). # بسم الله الرحمن الرحيم (اقتربت الساعة وانشق القمر (1) وإن يروا ءاية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر (2) وكذبوا واتبعوا أهوآءهم وكل أمر مستقر (3) ولقد # PageV03P461 # جآءهم من الانبآء ما فيه مزدجر (4) حكمة بلغة فما تغن النذر (5) فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شىء نكر (6) خشعا أبصرهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر (7) مهطعين إلى الداع يقول الكفرون هذا يوم عسر (8) كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر (9) فدعا ربه أنى مغلوب فانتصر (10) ففتحنآ أبواب السمآء بمآء منهمر (11) وفجرنا الأرض عيونا فالتقى المآء على أمر قد قدر (12) وحملنه على ذات ألواح ودسر (13) تجرى بأعيننا جزآء لمن كان كفر (14) ولقد تركنهآ ءاية فهل من مدكر (15) فكيف كان عذابي ونذر (16)) انشقاق القمر من معجزات نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) الباهرة (1)، رواه كثير من الصحابة (2) منهم: حذيفة بن اليمان، وعبد الله بن مسعود، وأنس، وابن ms1196 عباس، وابن عمر وغيرهم. # قال حذيفة: إن الساعة قد اقتربت، وإن القمر قد انشق على عهد نبيكم (صلى الله عليه وآله وسلم) (3). # PageV03P462 # قال ابن مسعود: والذي نفسي بيده رأيت حراء بين فلقتي القمر (1). # وعن ابن عباس: انشق القمر فلقتين ورسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ينادي: " يا فلان ويا فلان اشهدوا " (2) (3). # (وإن يروا ءاية يعرضوا) عن الانقياد لصحتها (ويقولوا سحر مستمر) (4) قوي محكم، من قولهم: استمر مريرة، وقيل: مستمر: مار ذاهب يزول ولا يبقى؛ تمنية لنفوسهم وتعليلا (5). (واتبعوا أهوآءهم) وما زين لهم الشيطان من دفع الحق بعد ظهوره (وكل أمر مستقر) أي: كل أمر لا بد أن يصير إلى غاية ليستقر عليها، وإن أمر محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) سيصير إلى غاية يتبين عندها أنه حق أو باطل، وسيظهر لهم عاقبته. وقرئ: " مستقر " بالجر (6) عطفا على (الساعة) أي: اقتربت الساعة واقترب كل أمر مستقر يستقر ويتبين حاله. # (ولقد جآءهم من الأنبآء) أي: من القرآن المودع أنباء الآخرة، أو أنباء القرون الماضية (ما فيه مزدجر) أي: ازدجار، أو: موضع ازدجار عن الكفر وتكذيب الرسل. (حكمة بلغة) بدل من " ما "، أو: على هو حكمة (فما تغن النذر) نفي أو إنكار، معناه: وأي غناء تغني النذر. # (فتول عنهم) لعلمك بأن الإنذار لا يغني فيهم (يوم يدع الداع) انتصبت # PageV03P463 # ب‍ (يخرجون)، وقرئ بإسقاط الياء من " الداعي " اكتفاء بالكسرة عنها (١). # (إلى شىء نكر) منكر فظيع تنكره النفوس، وهو هول يوم القيامة. وقرئ " نكر " بالتخفيف (٢)، والداعي هو إسرافيل. # (خشعا أبصرهم)، وقرئ: " خاشعا " (٣) على: يخشعن أبصارهم، ويخشع أبصارهم، وهو حال من (يخرجون)، و (خشعا) على لغة من قال: أكلوني البراغيث وهم طيىء، أو: فيه ضمير " هم " و (أبصرهم) بدل عن ذلك الضمير تقول: مررت برجال حسن أوجههم وحسان أوجههم. وخشوع الأبصار كناية عن الذلة، لأن ذلة الذليل وعزة العزيز يظهران في عيونهما (من الأجداث) من القبور (كأنهم جراد منتشر) شبههم بالجراد لكثرتهم وتموجهم، يقال للجيش الكثير المائج بعضه في بعض: جاءوا كالجراد. (مهطعين إلى الداع) ms1197 أي: مسرعين إلى إجابة الداعي، مادي أعناقهم إليه. # (كذبت) قبل أهل مكة (قوم نوح فكذبوا عبدنا) نوحا تكذيبا على عقيب تكذيب (وقالوا) هو (مجنون وازدجر) وانتهر بالشتم والضرب والوعيد بالرجم في قولهم: ﴿لتكونن من المرجومين﴾ (4). (فدعا ربه) بأني (مغلوب) غلبني قومي ولم يسمعوا مني، ويئست من إجابتهم لي (فانتصر) فانتقم منهم بعذاب تنزله عليهم. (ففتحنا أبوب السمآء) قرئ بالتشديد (5) والتخفيف (بمآء # PageV03P464 # منهمر) منصب في كثرة وتتابع، لم ينقطع أربعين يوما. (وفجرنا الأرض) شققناها بالماء (عيونا) أي: جعلنا الأرض كلها كأنها عيون متفجرة (1)، (فالتقى المآء) أي: مياه السماء والأرض (على أمر قد قدر) على حال قدرها الله كيف شاء، وقيل: على حال جاءت مقدرة مستوية، وهي أن قدر ما أنزل من السماء كقدر ما أخرج من الأرض سواء بسواء (2). # (على ذات ألوح ودسر) يعني: السفينة، وهي صفة نائب مناب الموصوف، ونحوه قول الشاعر: # ... ولكن * قميصي مسرودة من حديد (3) أراد: ولكن قميصي درع. والدسر: جمع دسار وهو المسمار، فعال من دسره: # إذا دفعه. (تجرى بأعيننا) أي: بمرأى منا (جزآء) مفعول له، أي: فعلنا ذلك (جزآء لمن كان كفر) وهو نوح (عليه السلام)، جعله مكفورا لأن الرسول نعمة من الله ورحمة، فكان نوح نعمة مكفورة. (ولقد تركنها) الضمير للسفينة أو للفعلة (ءاية) يعتبر بها، والمدكر: المعتبر. و " النذر ": جمع نذير وهو بمعنى الإنذار. # (ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر (17) كذبت عاد فكيف كان عذابى ونذر (18) إنآ أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر (19) تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر (20) فكيف كان عذابى ونذر (21) ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر (22) كذبت ثمود بالنذر (23) فقالوا أبشرا منا وا حدا نتبعه إنآ إذا لفي ضلل # PageV03P465 # وسعر (24) أءلقى الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر (25) سيعلمون غدا من الكذاب الأشر (26) إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر (27) ونبئهم أن المآء قسمة بينهم كل شرب محتضر (28) فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر (29) فكيف كان عذابى ونذر (30) إنآ أرسلنا عليهم صيحة وا حدة فكانوا كهشيم المحتظر (31)) (يسرنا ms1198 القرءان للذكر) أي: سهلناه للحفظ، وأعنا عليه من أراد حفظه حتى يقرأه ظاهرا (فهل من مدكر) أي: طالب لحفظه ليعان عليه؟ أو: هيأناه للذكر من: # يسر ناقته للسفر إذا رحلها، قال: # وقمت إليه باللجام ميسرا * هنالك يجزيني الذي كنت أصنع (1) وروي: أنه ليس من كتب الله المنزلة كتاب يقرأ كله ظاهرا إلا القرآن (2). # وقيل: معناه: سهلناه للادكار والاتعاظ بأن شحناه بالمواعظ الشافية والزواجر الكافية (3) (فهل من) متعظ؟ # (ونذر) أي: وإنذار أتى لهم بالعذاب قبل نزوله، أو: إنذار أتى في تعذيبهم لمن بعدهم. (ريحا صرصرا) شديدة الهبوب، أو: شديدة البرد، من: الصر وهو البرد (في يوم نحس) شؤم (مستمر) دائم الشؤم قد استمر عليهم حتى أهلكهم، أو: استمر على كبيرهم وصغيرهم حتى لم يبق منهم نسمة، وكان في أربعاء في آخر الشهر لا تدور؛ وروي ذلك عن الباقر (عليه السلام). (تنزع الناس) تقلعهم عن أماكنهم (كأنهم أعجاز نخل منقعر) يعني: أنهم كانوا يتساقطون على الأرض أمواتا وهم # PageV03P466 # جثث طوال عظام كأنهم أصول نخل منقعر عن أماكنه ومغارسه، وقيل: شبهوا بذلك لأن الريح قطعت رؤوسهم فبقوا أجسادا بلا رؤوس (١). وذكر صفة (نخل) على اللفظ، ولو أنث حملا على المعنى لجاز، كما قال: ﴿أعجاز نخل خاوية﴾ (2). # (أبشرا منا) نصب بفعل يفسره (نتبعه)، أنكروا أن يتبعوا مثلهم في الجنسية، وقالوا: (منا) لتكون المماثلة أقوى، وقالوا: (وحدا) إنكارا لان تتبع الأمة رجلا واحدا ليس بأشرفهم (إنا إذا لفي ضلل) كأنه قال لهم: إن لم تتبعوني كنتم في ضلال عن الحق (وسعر) أي: ونيران، جمع سعير، فعكسوا عليه فقالوا: # إن اتبعناك كنا إذا كما تقول، وقيل: الضلال: الخطأ والبعد عن الصواب، والسعر: # الجنون (3). (أءلقي الذكر عليه من بيننا) أي: أأنزل عليه الوحي من بيننا وفينا من هو أحق منه بالاختيار للنبوة؟! (بل هو كذاب أشر) بطر متكبر، يريد أن يتعظم علينا بادعاء النبوة. (سيعلمون غدا) عند نزول العذاب بهم، أو: يوم القيامة (من الكذاب الأشر) أصالح أمن كذبه؟ # (إنا مرسلوا الناقة) أي: باعثوها ومخرجوها من الهضبة ms1199 كما سألوا (فتنة لهم) وامتحانا وابتلاء (فارتقبهم) فانتظرهم وتبصر ما هم صانعون (واصطبر) على ما يصيبك من أذاهم، ولا تعجل حتى يأتيك أمري. (ونبئهم أن المآء قسمة) مقسوم بينهم، لها شرب يوم ولهم شرب يوم، وقال: (بينهم) تغليبا للعقلاء (كل شرب محتضر) محضور يحضره أهله لا يحضره الآخر معه، وقيل: # يحضرون الماء في نوبتهم واللبن في نوبتها (4). (فنادوا صاحبهم) قدار بن سالف # PageV03P467 # أحيمر ثمود (فتعاطى) واجترأ على تعاطي الأمر العظيم غير مبال به، فأحدث العقر بالناقة، أو: فتعاطى السيف فعقرها. # (صيحة وحدة) هي صيحة جبرائيل (عليه السلام)، والهشيم: الشجر اليابس المتهشم المتكسر، و (المحتظر) الذي يعمل الحظيرة، وما يحتظر به ييبس وتتوطؤه البهائم فيتهشم. # (ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر (32) كذبت قوم لوط بالنذر (33) إنآ أرسلنا عليهم حاصبا إلا ءال لوط نجينهم بسحر (34) نعمة من عندنا كذا لك نجزى من شكر (35) ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر (36) ولقد راودوه عن ضيفه ى فطمسنآ أعينهم فذوقوا عذابى ونذر (37) ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر (38) فذوقوا عذابى ونذر (39) ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر (40) ولقد جآء ءال فرعون النذر (41) كذبوا بايتنا كلها فأخذنهم أخذ عزيز مقتدر (42)) (حاصبا) ريحا تحصبهم أي: ترميهم بالحصباء (1) (نجينهم بسحر) هو السدس الأخير من الليل، وصرف لأنه نكرة، وتقول: لقيته سحرا تريد: في سحر يومك. (نعمة) أي: إنعاما وهو مفعول له (كذلك نجزى من شكر) نعمة الله بإيمانه وطاعته. # (ولقد أنذرهم) لوط (بطشتنا) أخذتنا بالعذاب (فتماروا) أي: فشكوا بالإنذارات. (ولقد رودوه عن ضيفه) أي: طلبوا منه أن يسلم إليهم ضيفه (فطمسنآ أعينهم) فمحوناها حتى صارت ممسوحة كسائر الوجه لا يرى لها # PageV03P468 # شق، صفقهم جبرئيل بجناحه صفقة تركتهم يتردون، لا يهتدون إلى الباب حتى أخرجهم لوط (فذوقوا) فقلت لهم على ألسنة الملائكة: ذوقوا (عذابى ونذر). # (ولقد صبحهم) أي: أتاهم صباحا (بكرة) وباكرة أي: أول النهار، هي كقوله: # ﴿مشرقين﴾ (١) و ﴿مصبحين﴾ (2)، (عذاب مستقر) ثابت قد استقر عليهم. # والفائدة في تكرير قوله: (فذوقوا عذابى ونذر ولقد يسرنا القرءان...) الآية أن يجددوا ms1200 (3) عند استماع كل نبأ من أنباء الأمم ادكارا واتعاظا إذا سمعوا الحث على ذلك، وأن تقرع لهم العصا مرارا حتى لا تغلبهم الغفلة، وهكذا حكم التكرير في قوله: (فبأى ءالاء ربكما تكذبان) عند ذكر كل نعمة عدت في سورة " الرحمن "، وقوله: (ويل يومئذ للمكذبين) في " المرسلات "، وهكذا حكم تكرير الأنباء والقصص في أنفسها، ليكون كل منها حاضرة للقلوب غير منسية. # (ولقد جآء ءال فرعون النذر) موسى وهارون وغيرهما من الأنبياء لأنهما عرضا عليهم ما أنذر به المرسلون، أو: هو جمع نذير وهو الإنذار (كذبوا بآيتنا كلها) وهي الآيات التسع التي جاءهم بها موسى (فأخذناهم أخذ عزيز) لا يغالب (مقتدر) على ما يشاء. # (أكفاركم خير من أولئكم أم لكم برآءة في الزبر (43) أم يقولون نحن جميع منتصر (44) سيهزم الجمع ويولون الدبر (45) بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر (46) إن المجرمين في ضلل وسعر (47) يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر (48) إنا كل شىء # PageV03P469 # خلقنه بقدر (49) ومآ أمرنآ إلا وا حدة كلمح بالبصر (50) ولقد أهلكنآ أشياعكم فهل من مدكر (51) وكل شىء فعلوه في الزبر (52) وكل صغير وكبير مستطر (53) إن المتقين في جنت ونهر (54) في مقعد صدق عند مليك مقتدر (55)) (أكفاركم) يا أهل مكة (خير) وأقوى (من أولئكم) الكفار المعدودين: # قوم نوح وهود وصالح ولوط وآل فرعون؟ أي: أهم خير قوة وآلة ومكانة في الدنيا أو أقل كفرا وعنادا؟ والمراد: أن هؤلاء مثل أولئك بل شر منهم (أم) أنزلت (لكم برآءة) في الكتب المتقدمة: أن من كفر منكم وكذب الرسل كان آمنا من عذاب الله فآمنتم بتلك البراءة؟ (نحن جميع) أي: جماعة أمرنا مجتمع (منتصر) ممتنع لا نرام ولا نضام. # ويروى (1): أن أبا جهل ضرب فرسه يوم بدر وقال: نحن ننتصر اليوم من محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه، فنزلت: (سيهزم الجمع) يريد: كفار مكة (ويولون الدبر) أي: الأدبار، كما قال: # كلوا في بعض بطنكم تعفوا (2) أي: ينهزمون فيولونكم أدبارهم، وكانت هذه الهزيمة يوم بدر. (بل الساعة) أي: يوم القيامة (موعدهم) ms1201 للعذاب (والساعة أدهى) وأشد وأفظع، (وأمر) من الهزيمة والقتل والأسر ببدر. # (في ضلل وسعر) أي: هلاك ونيران، أو: في ضلال عن الحق في الدنيا # PageV03P470 # ونيران في الآخرة. (ذوقوا) على إرادة القول (مس سقر) هو مثل قولهم: وجد مس الحمى، وذاق طعم الضرب، لأن النار إذا أصابتهم بحرها وشدتها فكأنها مستهم مسا بذلك كما يمس الحيوان بما يؤذي ويؤلم، و (سقر): علم لجهنم، من: # سقرته النار وصقرته إذا لوحته. # (كل شىء خلقناه) منصوب بمضمر يفسره هذا الظاهر، والقدر: التقدير أي: # خلقنا كل شيء مقدرا محكما مرتبا على حسب ما اقتضته الحكمة. (ومآ أمرنآ إلا وحدة) أي: كلمة واحدة سريعة التكوين (كلمح بالبصر) والمراد قوله: " كن ". # والمراد: أنا إذا أردنا تكوين شيء لم يلبث كونه. # (ولقد أهلكنآ أشياعكم) أشباهكم ونظراءكم في الكفر من الأمم الماضية (وكل شىء فعلوه) في دواوين الحفظة (وكل صغير وكبير) من أعمالهم مسطور عليهم مكتوب، أو: كل ما هو كائن من الآجال والأرزاق وغيرهما مكتوب في اللوح المحفوظ. # (ونهر) أي: أنهار، اكتفى باسم الجنس، وقيل: هو السعة والضياء من النهار (1). (في مقعد صدق) في مكان مرضي، وقيل: في مجلس حق لا لغو فيه (2) (عند مليك) أي: مقربين عند مقتدر، لا شيء إلا وهو تحت ملكه وقدرته. # * * * # PageV03P471 # سورة الرحمن مكية (1)، وقيل: مدنية (2) وهي ثمان وسبعون آية كوفي، ست بصري، عد الكوفي (الرحمن) (3) و (المجرمون) (4). # وفي حديث أبي: " ومن قرأ سورة الرحمن رحم الله ضعفه، وأدى شكر ما أنعم الله عليه " (5). # وعن (6) الصادق (عليه السلام): " أحب أن يقرأ الرجل سورة الرحمن يوم الجمعة، # PageV03P473 # وكلما قرأ (فبأى ءالاء ربكما تكذبان) قال: لا بشيء من آلائك رب أكذب " (1). # وعن موسى بن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " لكل شىء عروس، وعروس القرآن سورة الرحمن " (2). # بسم الله الرحمن الرحيم (الرحمن (1) علم القرءان (2) خلق الانسن (3) علمه البيان (4) الشمس وا لقمر بحسبان (5) والنجم والشجر يسجدان (6) والسمآء رفعها ووضع الميزان (7) ألا تطغوا في الميزان (8) وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا ms1202 الميزان (9) والارض وضعها للأنام (10) فيها فكهة والنخل ذات الأكمام (11) والحب ذو العصف والريحان (12) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (13)) (الرحمن): الذي وسعت رحمته كل شيء. لما أراد سبحانه أن يعدد نعمه وآلاءه في هذه السورة قدم هذا الاسم ليعلم أن جميع نعمائه وأفعاله الحسنى صدرت من الرحمة التي شملت خلقه، وهو مبتدأ، وهذه الأفعال مع ضمائرها بعده أخبار مترادفة، وإخلاؤها من حرف العطف لمجيئها على نمط التعديد، وعد أول كل شيء نعمة الدين التي هي أجل النعم، وقدم منها ما هو في أعلى مراتبها، وهو تعليمه القرآن وتنزيله لأنه أعظم وحي الله منزلة، وهو مصداق الكتب الإلهية. # PageV03P474 # وقد أخر (خلق الانسن) عن ذكره ليعلم أنه إنما خلقه ليعلم وحيه، فما خلق الإنسان من أجله كان مقدما عليه. # ثم ذكر ما يميز به الإنسان من سائر الحيوان من (البيان) وهو النطق المعرب عما في الضمير، وقيل: إن (الإنسن) آدم (عليه السلام)، و (البيان) اللغات كلها وأسماء كل شيء (1). وقيل: (الإنسن) محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، و (البيان) ما كان وما يكون (2). # وعن الصادق (عليه السلام): (البيان) الاسم الأعظم الذي علم به كل شىء. # (الشمس والقمر بحسبان) بحساب معلوم وتقدير سوي يجريان في بروجهما ومنازلهما، وفي ذلك منافع عظيمة للناس منها: علم السنين والحساب. # (والنجم): النبات الذي ينجم من الأرض لا ساق له كالبقول (والشجر): الذي له ساق، وسجودهما: انقيادهما لله تعالى فيما خلقا له، أو: ما فيهما من الدلالة على حدوثهما، وأن لهما صانعا محدثا. واتصلت هاتان الجملتان ب‍ (الرحمن) اتصالا معنويا، وهو ما علم أن الحسبان حسبانه، والسجود له لا لغيره، فكأنه قال: # بحسبانه ويسجدان له. # (والسمآء رفعها) خلقها مرفوعة مسموكة، حيث جعلها منشأ أحكامه، ومنتزل أوامره ونواهيه، ومسكن ملائكته الذين يهبطون بالوحي على رسله (ووضع الميزان) وهو كل ما يوزن به الأشياء، ويعرف مقاديرها، ليوصل به إلى الإنصاف والانتصاف، وقيل: المراد به العدل (3). (أن لا تطغوا) لئلا تطغوا، أو: # هي " أن " المفسرة. (وأقيموا الوزن بالقسط) أي: قوموا وزنكم بالعدل، # PageV03P475 # (ولا ms1203 تخسروا الميزان) ولا تنقصوه، وهذا أمر بالتسوية، ونهى عن الطغيان الذي هو اعتداء وزيادة، وعن الخسران الذي هو تطفيف ونقصان. وكرر لفظ " الميزان " تشديدا للتوصية به وتأكيدا. # (والأرض وضعها) خفضها مدحوة على الماء (للأنام) للخلق، وهو كل ما على ظهرها من دابة، وعن الحسن: للإنس والجن (1)، فهي كالمهاد لهم يتصرفون فوقها. (فيها فكهة) ضروب مما يتفكه به (ذات الأكمام) وهي كل ما يكم أي: # يغطى من ليف النخل وسعفه وكفراه (2)، وينتفع بجميعه كما ينتفع بالمكموم من ثمره وجماره وجذوعه. وقيل: الأكمام: أوعية الثمر، والواحد " كم " بكسر الكاف (3). # و (العصف): ورق الزرع، وقيل: التين (4) و (الريحان) الرزق، وهو اللب، أراد فيها ما يتلذذ به من الفواكه، وما هو الجامع بين التلذذ والتغذي، وهو ثمر النخل وما يتغذى به، وهو الحب. وقرئ: " والريحان " بالكسر (5) ومعناه: والحب ذو العصف الذي هو علف الأنعام والريحان الذي هو مطعم الناس، وبالضم على: # وذو الريحان، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وقيل: معناه: وفيها الريحان الذي يشم (6)، وقرئ: " والحب ذا العصف والريحان " بالنصب (7)، أي: # PageV03P476 # وخلق الحب والريحان، أو: وأخص الحب والريحان. # (فبأي ءالاء ربكما) أيها الثقلان (تكذبان)، ويدل على أن الخطاب لهما قوله: (للأنام) وقوله: (سنفرغ لكم أيه الثقلان) (١). # (خلق الانسن من صلصل كالفخار (١٤) وخلق الجآن من مارج من نار (١٥) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (١٦) رب المشرقين ورب المغربين (١٧) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (١٨) مرج البحرين يلتقيان (١٩) بينهما برزخ لا يبغيان (٢٠) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (٢١) يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان (٢٢) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (٢٣) وله الجوار المنشات في البحر كالأعلم (٢٤) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (٢٥) كل من عليها فان (٢٦) ويبقى وجه ربك ذو الجلل والاكرام (٢٧) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (٢٨) يسله من في السموات والارض كل يوم هو في شأن (٢٩) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (٣٠)) الصلصال: الطين اليابس لتصلصله، و الفخار: الطين المطبوخ بالنار وهو الخزف. وفي موضع آخر: ﴿من حمأ مسنون﴾ (٢) و ﴿من طين لازب﴾ (3) والمعنى: أنه خلقه من تراب جعله طينا، ثم حمأ مسنونا، ثم صلصالا. # و (الجان) أبو الجن، ms1204 وقيل: هو إبليس (4)، والمارج: الصافي من لهب النار لا دخان فيه، وقيل: هو المختلط بسواد النار (5)، و " من " للبيان، فكأنه قال: # PageV03P477 # من صاف من نار أو مختلط من نار. # والمشرقان والمغربان: مشرقا الشتاء والصيف، أو: مشرقا الشمس والقمر ومغرباهما. # (مرج البحرين) أرسل البحر العذب والبحر الملح متجاورين متلاقيين لا فصل بينهما في مرأى العين. (بينهما برزخ) حاجز من قدرة الله لا يتجاوزان حديهما، ولا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة. (يخرج منهما) كبار الدر وصغاره، وقيل: (المرجان) خرز أحمر كالقضبان (1) وهو البسذ، وقرئ: # " يخرج " (2) من: أخرج، وقال: (منهما) وإنما يخرجان من الملح لأنهما لما التقيا صارا كالشيء الواحد، فكأنه قال: يخرج من البحر ولا يخرجان من جميع البحر ولكن من بعضه، كما تقول: خرجت من البلد وإنما خرجت من بعضه، وقيل: # إنهما يخرجان من ملتقى الملح والعذب. # والجواري: السفن، وقرئ: (المنشآت) بفتح الشين وكسرها (3)، وهي المرفوعات الشرع، وبالكسر: الرافعات الشرع، أو: اللواتي تنشئ الأمواج بجريهن، والأعلام: جمع علم وهو الجبل الطويل. # (كل من عليها) أي: على الأرض (فان) أي: هالك، يفنون ويخرجون من الوجود إلى العدم (ويبقى وجه ربك) أي: ذاته، والوجه يعبر به عن الجملة والذات (ذو الجلال والاكرام) صفة للوجه الذي يجل عن التشبيه بخلقه وعن أفعالهم، أو: من عنده الجلال والإكرام لأوليائه وأصفيائه، وهذه الصفة من عظيم صفات الله عز اسمه. # PageV03P478 # وفي الحديث: " الظوا بيا ذا الجلال والإكرام " (1). # والنعمة في الفناء أن عقيبه مجيء وقت الجزاء. (يسئله) أهل (السموات) ما يتعلق بدينهم (و) أهل (الأرض) ما يتعلق بدينهم ودنياهم، فكل من فيهما مفتقرون إليه لا يستغنون عنه، (كل يوم هو في شأن) أي: كل وقت وحين يحدث أمورا ويجدد أحوالا، كما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه تلاها، فقيل له: وما ذلك الشأن؟ فقال: " من شأنه أن يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع قوما ويضع آخرين " (2). # (سنفرغ لكم أيه الثقلان (31) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (32) يمعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموات والارض فانفذوا ms1205 لا تنفذون إلا بسلطن (33) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (34) يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران (35) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (36) فإذا انشقت السمآء فكانت وردة كالدهان (37) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (38) فيومئذ لا يسل عن ذنبه ى إنس ولا جآن (39) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (40) يعرف المجرمون بسيمهم فيؤخذ بالنواصى والاقدام (41) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (42) هذه ى جهنم التى يكذب بها المجرمون (43) يطوفون بينها وبين حميم ءان (44) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (45)) (سنفرغ لكم) مستعار من قول الرجل لمن يهدده: سأفرغ لك أي: سأتجرد للإيقاع بك من كل ما يشغلني عنه حتى لا يكون لي شغل سواه، ويجوز أن يكون # PageV03P479 # المراد: ستنتهي الدنيا وينتهي عند ذلك شؤون الخلق فلا يبقى إلا شأن واحد وهو جزاؤكم، فجعل ذلك فراغا على طريق التمثيل، وقرئ: (سيفرغ) بالياء (١) أي: # الله عز وجل، وسمي الإنس والجن " الثقلين " لأنهما ثقلان على الأرض، وكل شيء له وزن وقدر فهو ثقل. # ومنه قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): " إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي " (٢) سماهما " ثقلين " لعظم شأنهما وعلو مكانهما. # (يا معشر الجن والإنس) كالترجمة لقوله: (أيه الثقلان)، (إن استطعتم أن) تهربوا من قضائي وتخرجوا من أرضي وسمائي فافعلوا، ثم قال: لا تقدرون على النفوذ من نواحيهما (إلا بسلطن) أي: بقهر وقوة وغلبة، وأنى لكم ذلك، ونحوه: ﴿ومآ أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السمآء﴾ (3). # (شواظ) بالضم، وقرئ بالكسر (4)، وهو اللهب الخالص، والنحاس: # الدخان، وقيل: الصفر المذاب يصب على رؤوسهم (5). وعن ابن عباس: إذا خرجوا من قبورهم ساقهم شواظ إلى المحشر (6)، قرئ (نحاس) بالرفع عطفا # PageV03P480 # على (شواظ)، وبالجر (١) عطفا على (نار)، (فلا تنتصران) فلا تمتنعان. # (انشقت السمآء) تصدعت وانفك بعضها من بعض (فكانت وردة) حمراء (كالدهان) كدهن الزيت، كما قال: ﴿كالمهل﴾ (2) وهو دردي الزيت، وهو اسم ما يدهن به كالأدام، أو: جمع دهن، وقيل: الدهان: الأديم الأحمر (3). # (إنس) أي: بعض من الإنس (ولا جآن) أي: ولا بعض من الجن، فوضع الذي هو أبو الجن موضع الجن، كما يقال: هاشم ms1206 ويراد ولده، وعاد الضمير موحدا في قوله: (عن ذنبه) لكونه في معنى البعض، والمعنى: لا يسألون لأن المجرمين يعرفون بسيماهم من سواد الوجوه، وزرقة العيون وقيل: لا يسألون عن ذلك ليعلم من جهتهم، بل يسألون سؤال توبيخ (4)، وعن قتادة: قد كانت مسألة ثم ختم على أفواه القوم وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون (5). # (فيؤخذ بالنوصى والاقدام) عن الضحاك: يجمع بين ناصيته وقدمه في سلسلة من وراء ظهره (6)، وقيل: يسحبون تارة بأخذ النواصي وتارة بالأقدام (7). # (حميم ءان) ماء حار قد انتهى حره ونضجه، أي: تعاقب عليهم بين التصلية بالنار وبين شرب الحميم، ليس لهم من العذاب أبدا فرج. # (ولمن خاف مقام ربهى جنتان (46) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (47) ذواتآ أفنان (48) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (49) فيهما عينان # PageV03P481 # تجريان (٥٠) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (٥١) فيهما من كل فكهة زوجان (٥٢) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (٥٣) متكين على فرش بطآئنها من إستبرق وجنى الجنتين دان (٥٤) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (٥٥) فيهن قصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن (٥٦) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (٥٧) كأنهن الياقوت والمرجان (٥٨) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (٥٩) هل جزآء الاحسن إلا الاحسن (٦٠) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (٦١) ومن دونهما جنتان (٦٢) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (٦٣) مدهآمتان (٦٤) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (٦٥) فيهما عينان نضاختان (٦٦) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (٦٧) فيهما فكهة ونخل ورمان (٦٨) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (٦٩) فيهن خيرات حسان (٧٠) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (٧١) حور مقصورات في الخيام (٧٢) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (٧٣) لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن (٧٤) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (٧٥) متكين على رفرف خضر وعبقرى حسان (٧٦) فبأى ءالاء ربكما تكذبان (٧٧) تبرك اسم ربك ذى الجلل والاكرام (٧٨)) (خاف مقام ربه) موقفه الذي يقف فيه العباد للحساب يوم القيامة، ونحوه: # (ذلك لمن خاف مقامى) (١)، أو: يريد بمقام ربه: أن الله قائم عليه أي: حافظ مهيمن، من قوله: ﴿أفمن هو قآئم على كل نفس بما كسبت﴾ (2) فهو يراقب ذلك ولا يجسر على معصيته، أو: يكون مقاما مقحما، كما تقول: أخاف جانب فلان، و: فعلت ذلك لمكانك أي: لأجلك، (جنتان): جنة يثاب ms1207 بها، وجنة زائدة يتفضل # PageV03P482 # عليه بها كقوله تعالى: ﴿الحسنى وزيادة﴾ (1). أو: جنة لفعل الطاعات، وجنة لترك المعاصي، لأن التكليف يدور على الأمرين، أو: يكون على خطاب الثقلين فكأنه قال: لكل خائفين منكما جنتان: جنة للخائف من الإنس، وجنة للخائف من الجن. # (ذواتآ أفنان) وهي الأغصان، خصها بالذكر لأنها تثمر ومنها تمتد الظلال، وقيل: # الأفنان: ألوان النعم مما تشتهيه الأنفس (2). # (فيهما عينان تجريان) حيث شاءوا في الأعالي والأسافل. (زوجان) صنفان: صنف معروف وصنف غريب، أو: متشاكلان كالرطب واليابس، لا يقصر يابسه عن رطبه في الفضل والطيب. (متكئين) نصب على المدح للخائفين، أو: # حال منهم، لأن " من خاف " في معنى الجمع أي: قاعدين كالملوك على (فرش بطآئنها من إستبرق) ديباج ثخين، وإذا كانت البطائن من استبرق فما ظنك بالظهائر؟! وقيل: إن ظهائرها من سندس (3)، وقيل: من نور (4). (وجنى الجنتين دان) أي: ثمرها المجتنى قريب يناله القائم والقاعد والنائم. # (فيهن) أي: في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة والفرش والجنى، أو: في الجنتين لاشتمالهما على قصور ومجالس (قصرت الطرف) نساء قصرن أبصارهن على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم (لم) يطمث الإنسيات منهن أحد من الإنس، ولا الجنيات أحد من الجن، أي: لم يفتضهن ولم يطأهن أحد فهن أبكار، وفيه دليل على أن الجن يطمث كما يطمث الإنس، وقرئ: # " لم يطمثهن " بضم الميم (5). (كأنهن الياقوت والمرجان) يعني: أنهن في صفاء # PageV03P483 # الياقوت وبياض المرجان وصفار (١) الدر أنصع بياضا. (هل جزآء الاحسن) في العمل (إلا الاحسن) في الثواب. # (ومن دونهما) ومن دون تينك الجنتين الموعودتين للمقربين (جنتان) لمن دونهم من أصحاب اليمن. (مدهآمتان) قد ادهامتا من شدة الخضرة، وكل نبت أخضر، فتمام خضرته أن يضرب إلى السواد (نضاختان) فوارتان بالماء، والنضخ أكثر من النضح، لأن النضح مثل الرش. # وإنما عطف " النخل " و " الرمان " إلى الفاكهة وإن كانا منهما بيانا لفضلهما، فكأنهما لمزيتهما في الفضل جنسان آخران، كقوله: ﴿جبريل وميكل﴾ (2)، أو: # لأن النخل ثمره فاكهة وطعام، والرمان فاكهة ودواء فلم يخلصا للتفكه. (خيرت) أي: خيرات، فخفف ms1208 لأن " الخير " الذي هو بمعنى " أخير " لا يأتي منه " خيرون " ولا " خيرات "، والمعنى: فاضلات الأخلاق حسان الخلق. (مقصورت) مخدرات، قصرن في خدورهن، امرأة قصيرة ومقصورة أي: مخدرة (في الخيام) في الحجال. # وفي الحديث: " الخيمة درة واحدة طولها في السماء ستون ميلا، في كل زاوية منها أهل للمؤمن لا يراه الآخرون " (3). # والضمير في (قبلهم) لأصحاب الجنتين لدلالة ذكر " الجنتين " عليهم. # والرفرف: ضرب من البسط، وقيل: الرفرف رياض الجنة (4) والواحدة: # PageV03P484 # رفرفة، وقيل: الوسائد (1)، وقيل: كل ثوب عريض رفرف (2) (وعبقرى حسان) منسوب إلى عبقر، والعرب تزعم أنه بلد الجن فتنسب إليه كل شيء عجيب، وعن ابن عباس وقتادة: يريد الزرابي (3)، وعن مجاهد: الديباج (4). وقرئ في الشواذ: # " رفارف خضر وعباقري " (5) كمدائني، وروي ذلك عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (6). وإن شذ في القياس ترك صرف " عباقري " فلا يستنكر مع استمراره في الاستعمال. # وقرئ: " ذو الجلال " بالواو (7) صفة ل‍ (اسم). # * * * # PageV03P485 # سورة الواقعة مكية (1) (2) سبع وتسعون آية بصري، ست كوفي. عد البصري: (فأصحب الميمنة) (3) (وأصحب المشئمة) (4) (وأصحب اليمين) (5) (وأصحب الشمال) (6)، وعد الكوفي. (موضونة) (7) (وحور عين) (8) (أنشأنهن إنشآء) (9). # وفي حديث أبي: " من قرأ سورة الواقعة كتب أنه ليس من الغافلين ". # وعن ابن مسعود عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): " من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم يصبه فاقة أبدا " (10). # وعن الباقر (عليه السلام): " من قرأ سورة الواقعة قبل أن ينام لقي الله ووجهه كالقمر ليلة البدر " (11). # PageV03P487 # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأها في كل ليلة جمعة أحبه الله وحببه إلى الناس، ولم ير في الدنيا بؤسا أبدا، ولا فقرا، ولا آفة من آفات الدنيا، وكان من رفقاء أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهذه السورة لأمير المؤمنين (عليه السلام) خاصة، لا يشركه فيها أحد " (1)، تمام الخبر (2). # بسم الله الرحمن الرحيم (إذا وقعت الواقعة (1) ليس لوقعتها كاذبة (2) خافضة رافعة (3) إذا رجت الأرض رجا (4) وبست الجبال بسا (5) فكانت هبآء منبثا (6) وكنتم أزواجا ثلثة (7) فأصحب الميمنة مآ أصحب الميمنة (8) وأصحب المشمة مآ أصحب المشمة (9) والسبقون السبقون (10) أولئك المقربون (11) في جنت ms1209 النعيم (12) ثلة من الاولين (13) وقليل من الأخرين (14) على سرر موضونة (15) متكين عليها متقبلين (16)) (إذا) ظرف من معنى (ليس) لأن التقدير: لا يكون (لوقعتها كاذبة)، أو: # هو ظرف لمحذوف، والتقدير: (إذا وقعت) خفضت قوما ورفعت آخرين، ويدل عليه قوله: (خافضة رافعة). وقال ابن جني: (إذا) الأولى مرفوعة الموضع بالابتداء، و (إذا) الثانية خبر عن الأولى، وقد فارقتا الظرفية، والمعنى: وقت وقوع الواقعة وقت رج الأرض (3) والمراد: إذا كانت الكائنة وحدثت الحادثة # PageV03P488 # وهي يوم القيامة، وصفت بالوقوع لأنها تقع لا محالة. # (ليس لوقعتها) نفس (كاذبة) تكذب على الله، وتكذب في تكذيب الغيب، لأن كل نفس حينئذ مؤمنة صادقة مصدقة، وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذبات، واللام مثلها في قوله تعالى: ﴿قدمت لحياتى﴾ (1). وقيل: (كاذبة) كالعافية بمعنى التكذيب من قولهم: حمل فلان على قرنه فما كذب، أي: فما جبن (2)، وحقيقته: فما كذب نفسه فيما حدثته به من إطاقته له، قال زهير: # ليث بعثر يصطاد الرجال إذا * ما الليث كذب عن أقرانه صدقا (3) أي: إذا وقعت لم يكن لها رجعة ولا ارتداد. (خافضة) خبر مبتدأ محذوف أي: هي خافضة رافعة. # (إذا رجت الأرض رجا) أي: حركت تحريكا شديدا حتى ينهدم كل شيء فوقها من جبل وبناء. (وبست الجبال بسا) وفتتت حتى تعود كالسويق، أو: # سيقت وسيرت، من: بس الغنم إذا ساقها. (فكانت هبآء منبثا) متفرقا، وينتصب (إذا رجت) ب‍ (خافضة رافعة)، أو: على البدل من (إذا وقعت). # (وكنتم أزوجا) أي: أصنافا (ثلثة)، (فأصحب الميمنة) الذين يعطون صحائفهم بأيمانهم، (وأصحب المشئمة) الذين يعطونها بشمائلهم، أو: معناهما: # أصحاب المنزلة السنية وأصحاب المنزلة الدنية، من قولهم: فلان من فلان باليمين أو بالشمال: إذا وصفوه بالرفعة عنده أو بالضعة، وذلك لتيمنهم بالميامن وتشؤمهم # PageV03P489 # بالشمائل، ولذلك اشتقوا من اليمن: اليمنى لليمين، ومن الشؤم: الشؤمى للشمال، وتفألوا بالسانح وتطيروا بالبارح، وقيل: يؤخذ بأهل الجنة ذات اليمين، وبأهل النار ذات الشمال (1). (ما أصحب الميمنة) و (ما أصحب المشئمة) تعجيب من حال الفريقين في السعادة والشقاوة، كما يقال: هم، ما هم؟ والمعنى: أي ms1210 شيء هم؟ (والسبقون السبقون) أي: والسابقون من عرفت حالهم وبلغك صفتهم، كقول الشاعر: # أنا أبو النجم وشعري شعري أي: شعري ما عرفته وسمعت بفصاحته. (أولئك المقربون) مبتدأ وخبر، أي: # الذين قربت درجاتهم (في جنت النعيم) أي: أعلى المراتب. # والثلة: الأمة الكثيرة من الناس، وهي من " الثل " وهو الكسر، كما أن الأمة من " الأم " وهو الشج، كأنها جماعة كسرت من الناس وقطعت منهم، والمعنى: أن السابقين كثير (من الاولين) وهو الأمم من لدن آدم إلى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) (وقليل من الآخرين) وهم أمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: (من الأولين) من متقدمي هذه الأمة، ومن الآخرين: من متأخريها (2). وهذا في السابقين، وقال في أصحاب اليمين: (وثلة من الأخرين)، وعن الحسن: سابقو الأمم أكثر من سابقي أمتنا، وتابعو الأمم مثل تابعي هذه الأمة (3). و (ثلة) خبر مبتدأ محذوف، أي: هم ثلة. # (على سرر موضونة) أي: منسوجة مرمولة بالذهب مشبكة بالدر والياقوت، كما توضن حلق الدروع فيدخل بعضها في بعض، وقيل: متواصلة أدني # PageV03P490 # بعضها من بعض (1). (متكئين) حال من الضمير في (على) أي: استقروا عليها متكئين (متقبلين) لا ينظر بعضهم في أقفاء بعض، وصفهم سبحانه بتهذيب الأخلاق وحسن المعاشرة. # (يطوف عليهم ولدان مخلدون (17) بأكواب وأباريق وكأس من معين (18) لا يصدعون عنها ولا ينزفون (19) وفكهة مما يتخيرون (20) ولحم طير مما يشتهون (21) وحور عين (22) كأمثل اللؤلو المكنون (23) جزآء بما كانوا يعملون (24) لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما (25) إلا قيلا سلما سلما (26) وأصحب اليمين مآ أصحب اليمين (27) في سدر مخضود (28) وطلح منضود (29) وظل ممدود (30) ومآء مسكوب (31) وفكهة كثيرة (32) لا مقطوعة ولا ممنوعة (33) وفرش مرفوعة (34) إنآ أنشأنهن إنشآء (35) فجعلنهن أبكارا (36) عربا أترابا (37) لاصحب اليمين (38) ثلة من الاولين (39) وثلة من الأخرين (40)) (يطوف عليهم) وصفاء وغلمان للخدمة (مخلدون) مبقون أبدا على شكل الولدان، وحد الوصافة لا يتحولون عنه، وقيل: مقرطون والخلدة: القرط (2)، وقيل: هم أولاد أهل الدنيا لم يكن لهم حسنات فيثابوا عليها ولا سيئات فيعاقبوا عليها (3) روي ذلك عن علي (عليه السلام) (4). # PageV03P491 # وسئل ms1211 النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن أطفال المشركين، فقال: " هم خدام أهل الجنة " (1). # الأكواب: قداح واسعة الرؤوس بلا عرى ولا خراطيم، جمع كوب، والأباريق: التي لها خراطيم. (لا يصدعون عنها) أي: بسببها، وحقيقته: لا يصدر صداعهم عنها ولا يفرقون (2) عنها. (مما يتخيرون) أي: يأخذون خيره وأفضله، و (يشتهون) يتمنون. # وقرئ: (وحور عين) بالرفع على: وفيها حور عين، كبيت الكتاب (3): # بادت وغير آيهن مع البلى * إلا رواكد جمرهن هباء ومثجج أما سواء قذاله * فبدا وغير ساره المغراء (4) لأن المعني بها: " رواكد " و " مثجج " أو: العطف على (ولدن)، وبالجر (5) عطف على (جنت النعيم) كأنه قال: هم في جنات وفاكهة ولحم وحور، وقرأ أبي وابن مسعود: " وحورا عينا " بالنصب (6) على: ويؤتون حورا. (جزآء) مفعول له أي: يفعل ذلك كله بهم جزاء بأعمالهم. # (سلما سلما) بدل من (قيلا) بمعنى: لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما، # PageV03P492 # أو: مفعول به ل‍ (قيلا) بمعنى: لا يسمعون فيها إلا أن يقولوا: سلاما سلاما، والمراد: أنهم يفشون السلام بينهم فيسلمون سلاما بعد سلام. # والسدر: شجر النبق، والمخضود: الذي لا شوك له كأنما خضد شوكه، وعن مجاهد: هو الموقر الذي تثنى أغصانه كثرة حمله (1)، من: خضد الغصن إذا ثناه رطبا. والطلح: شجر الموز، وقيل: هو شجر أم غيلان، وله نوار كثير طيب الرائحة (2). وعن السدي: هو شجر يشبه طلح الدنيا ولكن له ثمر أحلى من العسل (3). والمنضود: الذي نضد بالحمل من أسفله إلى أعلاه، فليست له ساق بارزة. # (وظل ممدود) ممتد منبسط لا يتقلص كظل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. (وماء مسكوب) يسكب لهم أين شاءوا وكيف شاءوا ولا يتعنون فيه، وقيل: دائم الجرية لا ينقطع (4)، وقيل: مصبوب يجري على وجه الأرض في غير أخدود (5). (لا مقطوعة) أي: هي دائمة لا تنقطع في بعض الأزمان كفواكه الدنيا (ولا ممنوعة) بوجه من وجوه المنع من بعد متناول أو شوك، أو حظر عليها كما يحظر على بساتين الدنيا. # (وفرش) جمع فراش (مرفوعة) نضدت حتى ارتفعت، أو: مرفوعة على الأسرة، ms1212 وقيل: هي النساء؛ لأن المرأة يكنى عنها بالفراش مرفوعة على الأرائك (6)، # PageV03P493 # ويدل عليه قوله: (إنا أنشانهن إنشاء). وعلى التفسير الأول أضمر " لهن " لأن ذكر الفرش - وهي المضاجع - دل عليهن. # (أنشأنهن إنشاء) ابتدأنا خلقهن ابتداء جديدا من غير ولادة، فإما أن يراد: # اللاتي ابتدئ إنشاؤهن، أو اللاتي أعيد إنشاؤهن. # وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال لأم سلمة: " هن اللواتي قبضن في دار الدنيا عجائز شمطا رمصا، جعلهن الله بعد الكبر (أترابا) على ميلاد واحد في الاستواء، كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن (أبكارا) " فلما سمعت عائشة ذلك قالت: واوجعاه! # فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " ليس هناك وجع " (1). # (عربا) جمع عروب، وهي المتحببة إلى زوجها، وقرئ: " عربا " بالتحفيف (2)، (أترابا) مستويات في السن، وأزواجهن كذلك. # وفي الحديث: " يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا بيضا جعادا مكحلين، أبناء ثلاث وثلاثين " (3). # واللام في (لاصحب اليمين) من صلة " أنشأنا " و " جعلنا ". # (وأصحب الشمال مآ أصحب الشمال (41) في سموم وحميم (42) وظل من يحموم (43) لا بارد ولا كريم (44) إنهم كانوا قبل ذا لك مترفين (45) وكانوا يصرون على الحنث العظيم (46) وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظما أءنا لمبعوثون (47) أو ءابآؤنا # PageV03P494 # الاولون (48) قل إن الاولين والاخرين (49) لمجموعون إلى ميقت يوم معلوم (50) ثم إنكم أيها الضآلون المكذبون (51) لأكلون من شجر من زقوم (52) فمالون منها البطون (53) فشربون عليه من ا لحميم (54) فشربون شرب الهيم (55) هذا نزلهم يوم الدين (56) نحن خلقنكم فلولا تصدقون (57) أفرءيتم ما تمنون (58) ءأنتم تخلقونه أم نحن الخلقون (59) نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين (60) على أن نبدل أمثلكم وننشئكم في مالا تعلمون (61) ولقد علمتم النشأة الاولى فلولا تذكرون (62) أفرءيتم ما تحرثون (63) ءأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون (64) لو نشآء لجعلنه حطما فظلتم تفكهون (65) إنا لمغرمون (66) بل نحن محرومون (67) أفرءيتم المآء الذي تشربون (68) ءأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون (69) لو نشآء جعلنه أجاجا فلولا تشكرون (70) أفرءيتم النار التى تورون (71) ءأنتم أنشأتم شجرتهآ أم نحن المنشون (72) نحن جعلنها تذكرة ومتعا للمقوين (73) فسبح باسم ربك العظيم (74)) (في ms1213 سموم) في ريح حارة تدخل مسامهم (وحميم) في ماء مغلي حار انتهت حرارته وتناهت (وظل من يحموم) دخان أسود بهيم. (لا بارد ولا كريم) نفي لصفتي " الظل " عنه، يعني: أنه ظل حار ضار لا كسائر الظلال. # و (الحنث): الذنب، ومنه قولهم: بلغ الغلام الحنث أي: الحلم ووقت المؤاخذة بالمآثم. (أو ءاباؤنا) دخلت همزة الاستفهام على حرف العطف، وقرئ: " أو آباؤنا " (1). # PageV03P495 # (إلى ميقات يوم معلوم) إلى ما وقتت به الدنيا من يوم معلوم، والإضافة بمعنى: من، ك‍ " خاتم فضة "، والميقات: ما وقت به الشيء أي: حد، ومنه مواقيت الإحرام. # (من شجر من زقوم): " من " الأولى لابتداء الغاية، والثانية للتبيين، وأنث ضمير " الشجر " على المعنى، وذكره على اللفظ، في قوله: (منها) و (عليه). # (شرب الهيم) قرئ بفتح الشين (١) وضمها، وهما مصدران. والهيم: الإبل التي بها الهيام، وهو داء تشرب منه ولا تروى، جمع " أهيم " و " هيماء ". وقيل: # الهيم: الرمال (٢) فيكون جمع الهيام بفتح الهاء، جمع على " فعل " كسحاب وسحب، ثم فعل به ما فعل بجمع " أبيض " (٣)، والمعنى: أنه يسلط عليهم من الجوع ما يضطرهم إلى أكل الزقوم، فإذا ملؤوا منها البطون سلط عليهم من العطش ما يضطرهم إلى شرب الحميم الذي يقطع أمعاءهم فيشربونه شرب الهيم. # والنزل: الرزق الذي يعد للنازل تكرمة له، وفيه تهكم، كقوله: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ (4). (فلولا تصدقون) تحضيض على التصديق بالبعث، لأن من قدر على الإنشاء قدر على الإعادة، يريد: (ما تمنونه) أي: تقذفونه في الأرحام من النطف، (تخلقونه) تقدرونه وتصورونه. (نحن قدرنا بينكم الموت) تقديرا على تفاوت، كما اقتضته الحكمة فاختلفت أعماركم. وقرئ: " قدرنا " بالتخفيف (5)، يقال: سبقته على الشيء إذا غلبته عليه وأعجزته عنه. # PageV03P496 # فمعنى قوله: (وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم): إنا قادرون على ذلك لا تغلبونني عليه، و (أمثلكم) جمع " مثل "، أي: على أن نبدل أمثالكم ومكانكم أشباهكم من الخلق، وعلى أن (ننشئكم في) خلق لا تعلمونها وما عهدتم بمثلها، يعني: إنا نقدر على الأمرين جميعا: على خلق ما يماثلكم وما لا يماثلكم، فكيف ms1214 نعجز عن إعادتكم؟! ويجوز أن يكون " أمثال " جمع " مثل "، أي: # على أن نبدل ونغير صفاتكم التي أنتم عليها في خلقكم وأخلاقكم وننشئكم في صفات لا تعلمونها. وقرئ: (النشأة) و " النشآة " (1). # ما تحرثونه من الطعام أي: تبذرون حبه وتعملون في أرضه (ءأنتم تزرعونه) تنبتونه وتجعلونه نباتا يرف وينمى إلى أن يبلغ غايته؟ # وفي الحديث: " لا يقولن أحدكم: زرعت وليقل: حرثت " (2). # والحطام: ما تحطم وصار هشيما (فظلتم) أي: فظللتم (تفكهون) تتعجبون مما أصابكم، وعن الحسن: تندمون على تعبكم فيه وإنفاقكم عليه، أو: على ما اقترفتم من المعاصي التي بسببها أصابكم ذلك (3)، وتقولون: (إنا لمغرمون) أي: # ملزمون غرامة ما أنفقنا، أو: مهلكون لهلاك رزقنا، من: " الغرام " وهو الهلاك. # (بل نحن) قوم (محرومون) محارفون محدودون لاحظ لنا ولا بخت، ولو كنا مجدودين (4) لما أصابنا هذا. # و (المزن) السحاب، والأجاج: الملح الزعاق الذي لا يقدر على شربه، وحذف اللام من جواب " لو " هنا اختصارا، وهي ثابتة في المعنى. # PageV03P497 # تورونها: أي تقدحونها وتستخرجونها من الزناد، والعرب تقدح بعودين، تحك أحدهما على الآخر، ويسمون الأعلى: الزند، والأسفل: الزندة. (أنشأتم شجرتها) التي منها الزناد وأنبتموها. (تذكرة) تذكيرا لنار جهنم حيث علقنا بها أسباب المعايش كلها، وعممنا بالحاجة إليها البلوى لتكون حاضرة للناس ينظرون إليها ويذكرون ما أوعدوا به، أو: جعلناها أنموذجا من جهنم (ومتاعا) ومنفعة (للمقوين) الذين ينزلون القواء، وهو القفر، أو: الذين خلت بطونهم أو مزاودهم من الطعام. # (فسبح باسم ربك) أي: فأحدث التسبيح بذكر اسم ربك، و (العظيم): صفة للمضاف أو للمضاف إليه، وهو أن تقول: سبحان الله؛ تنزيها عما يقول الظالمون الجاحدون نعمه، أو: تعجبا من أمرهم، أو: شكرا على هذه النعم التي عددها سبحانه ونبه عليها. # (فلا أقسم بمواقع النجوم (75) وإنه لقسم لو تعلمون عظيم (76) إنه لقرءان كريم (77) في كتب مكنون (78) لا يمسه إلا المطهرون (79) تنزيل من رب العلمين (80) أفبهذا الحديث أنتم مدهنون (81) وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون (82) فلولا إذا بلغت الحلقوم (83) وأنتم حينئذ تنظرون (84) ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون (85) فلولا إن كنتم ms1215 غير مدينين (86) ترجعونهآ إن كنتم صدقين (87) فأمآ إن كان من المقربين (88) فروح وريحان وجنت نعيم (89) وأمآ إن كان من أصحب اليمين (90) فسلم لك من أصحب اليمين (91) وأمآ إن كان من المكذبين الضآلين (92) فنزل من حميم (93) وتصلية جحيم (94) إن هذا لهو حق اليقين (95) فسبح باسم ربك العظيم (96)) PageV03P498 # المعنى: فأقسم، و " لا " مزيدة مؤكدة، وقرأ الحسن: " فلأقسم " (1)، ومعناه: # فلأنا أقسم (بموقع النجوم) بمساقطها ومغاربها، أو: بمنازلها ومسائرها. وقوله: # (وإنه لقسم لو تعلمون عظيم) اعتراض بين القسم والمقسم عليه، وقوله: (لو تعلمون) اعتراض في اعتراض، اعترض به بين الموصوف والصفة، وقيل: # (موقع النجوم): أوقات وقوع نجوم القرآن أي: أوقات نزولها (2)، وقرئ: # " بموقع " على الإفراد (3) لأنه اسم جنس يؤدي مؤدى الجمع. # (إنه لقرءان كريم) عند الله أكرمه وأعزه، أو: كريم عام المنافع كثير الخير ينال الثواب العظيم بتلاوته والعمل بما فيه، أو: خطير معجز مرضي في جنسه من الكتب. (في كتب مكنون) مصون من غير المقربين من الملائكة، لا يطلع عليه من سواهم، وهم المطهرون من جميع الأدناس، إن جعلت الجملة صفة ل‍ (كتب مكنون) وهو اللوح المحفوظ، وإن جعلته صفة ل‍ (قرءان) فالمعنى: (لا يمسه إلا) من هو على الطهارة من الناس، يعني: مس المكتوب منه. (تنزيل) صفة أخرى للقرآن، أي: منزل (من رب العلمين)، أو: وصف بالمصدر لأنه نزل نجوما من بين سائر كتب الله، فكأنه في نفسه تنزيل، ولذلك جرى مجرى بعض أسمائه حين قالوا: نطق التنزيل بكذا، وجاء في التنزيل كذا، أو: هو تنزيل، على حذف المبتدأ. # (أفبهذا الحديث) يعني القرآن (أنتم مدهنون) أي: متهاونون به كمن يدهن في الأمر أي: يلين جانبه ولا يتصلب فيه تهاونا به. (وتجعلون رزقكم) على حذف المضاف، أي: وتجعلون شكر رزقكم التكذيب؟! والمعنى: أوضعتم # PageV03P499 # التكذيب موضع الشكر؟! وعن علي (عليه السلام) أنه قرأ: " وتجعلون شكركم " (1) وروي ذلك عن الباقر (عليه السلام) والصادق (عليه السلام) (2) أي: وتجعلون شكركم لنعمة القرآن أنكم تكذبون به، أو: تجعلون شكر ما يرزقكم الله من الغيث أنكم تكذبون بكونه من ms1216 الله حيث تنسبونه إلى النجوم؟ وقرئ: " تكذبون " (3) وهو قولهم في القرآن: سحر وشعر وافتراء، وفي المطر: هو من الأنواء، ولأن كل مكذب بالحق كاذب. # (فلولا إذا بلغت الحلقوم) ترتيبه: فلولا ترجعونها إذا بلغت الحلقوم إن كنتم غير مدينين، ف‍ " لولا " الثانية مكررة للتوكيد، والضمير في (ترجعونهآ) للنفس وهي الروح، وفي (أقرب إليه) للمحتضر. وقوله: (غير مدينين) من: دان السلطان الرعية إذا ساسهم، أي: غير مربوبين مملوكين. (ونحن أقرب إليه منكم) يا أهل الميت بعلمنا وقدرتنا، أو: بملائكتنا الذين يقبضون روحه، والمعنى: إنكم في جحودكم آيات الله سبحانه قد بلغتم كل مبلغ: إن أنزل عليكم كتابا معجزا قلتم: # سحر وافتراء، وإن أرسل إليكم رسولا صادقا قلتم: ساحر (4) كذاب، وإن رزقكم مطرا يحييكم به قلتم: صدق نوء كذا! فما لكم لا ترجعون الروح إلى البدن بعد بلوغه الحلقوم إن لم يكن ثم قابض وكنتم صادقين في كفركم بالله وتعطيلكم؟! # (فأما إن كان) المتوفى (من المقربين) السابقين (فروح) فله استراحة (وريحان) ورزق، وقرئ: " فروح " بالضم (5) وهو مروي عن الباقر (عليه السلام) (6)، # PageV03P500 # أي: فرحمة لأن الرحمة كالحياة للمرحوم، وقيل: هو البقاء (1)، أي: فهذان له معا، وهو الخلود مع الرزق. # (فسلم لك من أصحب اليمين) أي: فسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين أي: يسلمون عليك، كقوله: (إلا قيلا سلما سلما). # (فنزل من حميم) مثل قوله: (هذا نزلهم يوم الدين) (2). (إن هذا) الذي أنزل في هذه السورة (لهو حق اليقين) أي: هو الحق الثابت من اليقين. # * * * # PageV03P501 # سورة الحديد مدنية (1)، وهي تسع وعشرون آية، عد الكوفي: (من قبله العذاب) (2) والبصري: (الانجيل) (3). # وفي حديث أبي بن كعب: " ومن قرأ سورة الحديد كتب من الذين آمنوا بالله ورسوله " (4). # وعن الباقر (عليه السلام): " من قرأ المسبحات كلها قبل أن ينام لم يمت حتى يدرك القائم، وإن مات كان في جوار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) " (5). # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأ سورة الحديد والمجادلة في صلاة فريضة أدمنها لم يعذبه الله حتى يموت أبدا، ولا ms1217 يرى في نفسه ولا في أهله سوءا أبدا " (6). # PageV03P503 # بسم الله الرحمن الرحيم (سبح لله ما في السموات والارض وهو العزيز الحكيم (١) له ملك السموات والارض يحىى ويميت وهو على كل شىء قدير (٢) هو الاول والأخر والظهر والباطن وهو بكل شىء عليم (٣) هو الذي خلق السموات والارض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السمآء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير (٤) له ملك السموات والارض وإلى الله ترجع الامور (٥) يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور (٦)) (سبح) يعدى بنفسه وباللام، وأصله التعدي بنفسه كما مر في قوله تعالى: # ﴿وتسبحوه﴾ (1) لأن معنى " سبحته ": بعدته عن السوء، منقول من: سبح إذا ذهب وبعد، واللام مثلها في قولهم: نصحته ونصحت له، أو: بمعنى: أحدث التسبيح لأجل الله ولوجهه خالصا (ما في السموت والأرض) مما يصح منه أن يسبح. # (يحى) يجوز أن يكون مرفوع المحل على: هو يحيي، ومنصوبا على الحال من المجرور في (له)، والجار يعمل فيه، وأن يكون جملة برأسها لا محل لها كقوله: (له ملك السموت). # (هو الاول) القديم السابق لجميع الموجودات بما لا يتناهى من الأوقات أو تقدير الأوقات، (والاخر) الذي يبقى بعد فناء كل شيء (والظهر) بالأدلة # PageV03P504 # الدالة عليه (والباطن) من إحساس خلقه لا يدرك بالحواس، وقيل: معناهما: # العالم بما ظهر والعالم بما بطن (1). (وهو معكم) بالعلم (أينما كنتم) لا يخفى عليه شيء من أحوالكم. # (ءامنوا بالله ورسوله ى وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين ءامنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير (7) ومالكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد أخذ ميثقكم إن كنتم مؤمنين (8) هو الذي ينزل على عبده ى ءايت بينت ليخرجكم من الظلمت إلى النور وإن الله بكم لرءوف رحيم (9) ومالكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السموات والارض لا يستوى منكم من أنفق من قبل الفتح وقتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا ms1218 من بعد وقتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير (10)) (وأنفقوا) من أموالكم التي (جعلكم) الله خلفاء في التصرف فيها، ومتعكم بها، فليست هي بأموالكم على الحقيقة، وإنما أنتم بمنزلة الوكلاء من جهة الله فيها، فليهن عليكم الإنفاق منها، كما يهون على الإنسان الإنفاق من مال الغير إذا أذن له فيه، أو: (جعلكم مستخلفين) ممن كان قبلكم بتوريثه إياكم، فاعتبروا بحالهم حيث انتقل منهم إليكم، وسينتقل منكم إلى من بعدكم، فلا تبخلوا به واستوفوا حظكم منه قبل أن يصير لغيركم. # (لا تؤمنون) حال من معنى الفعل في (ما لكم) كما تقول: ما لك قائما؟ # بمعنى: ما تصنع قائما؟ أي: وما لكم كافرين بالله؟ والواو في (والرسول يدعوكم) واو الحال أيضا، فهما حالان متداخلتان، والمعنى: وأي عذر لكم في # PageV03P505 # ترك الإيمان والرسول يدعوكم إليه وينبهكم عليه، ويتلو عليكم القرآن المعجز؟ # (و) قبل ذلك (قد أخذ) الله (ميثقكم) بالإيمان حيث ركب فيكم العقول، ونصب لكم الأدلة، ومكنكم من النظر فيها، فإذا لم يبق لكم علة بعد أدلة العقول وتنبيه الرسول فما لكم لا تؤمنون (إن كنتم مؤمنين) لموجب ما، فإن هذا الموجب لا مزيد عليه، وقرئ: " أخذ ميثاقكم " (1) على البناء للمفعول. # (ليخرجكم) الضمير لله أو للرسول، أي: ليخرجكم الله بآياته وأدلته، أو الرسول بدعوته من ظلمات الكفر إلى نور الايمان. # (ما لكم ألا تنفقوا) في أن لا تنفقوا (ولله ميرث السموت والأرض) يرث كل شيء فيهما، لا يبقى منه باق لأحد من مال وغيره. والمعنى: وأي غرض لكم في ترك الإنفاق في سبيل الله، والجهاد مع رسول الله، والله مميتكم ووارث أموالكم؟ ثم بين التفاوت بين المنفقين فقال: (لا يستوى منكم من أنفق) قبل فتح مكة، قبل عز الإسلام وقوة أهله " ومن أنفق من بعد الفتح " فحذف للعلم به، (أولئك) الذين أنفقوا قبل الفتح (أعظم درجة... وكلا) وكل واحد من الفريقين (وعد الله) المثوبة (الحسنى) وهي الجنة مع تفاوت الدرجات، وقرئ بالرفع (2) على: وكل وعده الله الحسنى، وقيل: المراد: فتح الحديبية ms1219 (3). # (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضعفه له وله أجر كريم (11) يوم ترى المؤمنين والمؤمنت يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمنهم بشراكم اليوم جنت تجرى من تحتها الانهر خلدين فيها # PageV03P506 # ذا لك هو الفوز العظيم (12) يوم يقول المنفقون والمنفقت للذين ءامنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا ورآءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظهره من قبله ى العذاب (13) ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الامانى حتى جآء أمر الله وغركم بالله الغرور (14) فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأوئكم النار هى مولكم وبئس المصير (15)) قرئ: " فيضعفه " (1) و (فيضعفه) (2) وقرئا منصوبين ومرفوعين، أي: # يعطيه أجره على إنفاقه مضاعفا أضعافا من فضله (وله أجر كريم) جزاء خالص لا يشوبه ما ينغصه (3). # (يوم ترى) ظرف لقوله: (وله أجر كريم)، (يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمنهم) لأنهم أوتوا صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين، فجعل النور في الجهتين شعارا لهم وآية لسعادتهم وفلاحهم، فإذا ذهب بهم إلى الجنة ومروا على الصراط يسعون، سعى ذلك النور بسعيهم، ويقول لهم الذين يتلقونهم من الملائكة: # (بشراكم اليوم جنت) وعن ابن مسعود: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من نوره مثل الجبل، وأدناهم نورا نوره على إبهامه يطفأ مرة ويتقد أخرى (4). # PageV03P507 # (يوم يقول) بدل من (يوم ترى)، (انظرونا) انتظرونا لأنهم يسرع بهم إلى الجنة، أو: انظروا إلينا لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم والنور بين أيديهم فيستضيئون به، وقرئ: " أنظرونا " (1) من النظرة وهي الإمهال، جعل اتئادهم (2) في المضي إلى أن يلحقوا بهم إنظارا لهم (نقتبس من نوركم) نصب منه، ونستضيء به (قيل ارجعوا ورآءكم فالتمسوا نورا) تهكم بهم وطرد لهم، أي: # ارجعوا إلى حيث أعطينا هذا النور فاطلبوه هناك، فمن ثم يقتبس، أو: ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا النور منها فإنا كسبنا النور هناك، وقيل: إن (ورآءكم) اسم ل‍ (ارجعوا)، وليس بظرف للرجوع، كما تقول: وراءك بمعنى: ارجع، والتقدير: # ارجعوا ارجعوا (فضرب) بين المؤمنين والمنافقين (بسور) أي: ms1220 حائط حائل بين شق الجنة وشق النار، لذلك السور (باب) لأهل الجنة يدخلون منه، (باطنه) باطن السور أو الباب وهو الشق الذي يلي الجنة (فيه الرحمة) أي: # الجنة، (وظاهره) ما ظهر لأهل النار (من قبله) من عنده ومن جهته (العذاب) وهو النار. # (ينادونهم ألم نكن معكم) يريدون موافقتهم في الظاهر، قال المؤمنون: # (بلى) كنتم معنا تصلون وتصومون (ولكنكم فتنتم أنفسكم) محنتموها بالنفاق وأهلكتموها (وتربصتم) بالمؤمنين الدوائر (وارتبتم) وشككتم (وغرتكم الامانى) التي تمنيتموها (حتى جآء أمر الله) وهو الموت (وغركم بالله الغرور) الشيطان، وقيل: الدنيا (3). # PageV03P508 # (فاليوم لا يؤخذ) قرئ بالياء والتاء (1) (فدية) ما يفتدى به (مأواكم النار) أي: مقركم الذي تأوون أنتم إليه (هى مولكم) أولى بكم، كما قال لبيد: # فغدت كلا الفرجين تحسب أنه * مولى المخافة خلفها وأمامها (2) والمعنى: أنها تلي عليكم وتملك أمركم، فهي أولى بكم من كل شيء. # (ألم يأن للذين ءامنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فسقون (16) اعلموا أن الله يحى الأرض بعد موتها قد بينا لكم الأيت لعلكم تعقلون (17) إن المصدقين والمصدقت وأقرضوا الله قرضا حسنا يضعف لهم ولهم أجر كريم (18) والذين ءامنوا بالله ورسله ى أولئك هم الصديقون والشهدآء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم والذين كفروا وكذبوا بايتنآ أولئك أصحب الجحيم (19) اعلموا أنما الحيواة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطما وفي الأخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحيواة الدنيآ إلا متع الغرور (20) سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السمآء والارض أعدت للذين ءامنوا بالله ورسله ى ذا لك فضل الله يؤتيه من يشآء والله ذو الفضل العظيم (21)) أنى الأمر يأني: إذا جاء أناه أي: وقته، وعن ابن مسعود: ما كان بين إسلامنا # PageV03P509 # وبين أن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين (1). وعن ابن عباس: إن الله استبطأ قلوب ms1221 المؤمنين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن بهذه الآية (2). وعن محمد بن كعب: كانت الصحابة بمكة مجدبين فلما هاجروا أصابوا الريف (3) والنعمة، فتغيروا عما كانوا عليه، فقست قلوبهم فنزلت (4). والمعنى: ألم يحن للمؤمنين أن تلين قلوبهم وترق إذا ذكر الله وتلي القرآن عندهم؟ أو: لما يذكرهم الله به من مواعظه وما نزله من القرآن؟ وقرئ: (نزل) و " نزل " (5) بالتخفيف والتشديد (ولا يكونوا) عطف على (تخشع)، وقرئ: " ولا تكونوا " بالتاء (6) على الالتفات، ويجوز أن يكون نهيا عن مماثلة أهل الكتاب في قسوة القلوب، بعد أن وبخوا، وذلك أن بني إسرائيل كان الحق يحول بينهم وبين شهواتهم، وإذا سمعوا التوراة والإنجيل خشعوا لله ورقت قلوبهم، فلما طال عليهم الزمان غلبهم الجفاء والقسوة، واختلفوا، وأحدثوا ما أحدثوا من التحريف وغيره، و (الأمد): الأجل. # (اعلموا أن الله يحى الأرض بعد موتها) هذا تمثيل لأثر الذكر في القلوب، وأنه يحييها كما يحيي الغيث الأرض، أو: يحييها الله بعد موتها، ويلينها بعد القسوة بالألطاف والتوفيقات. # (إن المصدقين) قرئ بتشديد الصاد بمعنى: " المتصدقين "، وبتخفيفها (7) بمعنى: الذين يصدقون الله ورسوله، وعطف قوله: (وأقرضوا الله) على معنى # PageV03P510 # الفعل في (المصدقين) لأن اللام بمعنى " الذين "، واسم الفاعل بمعنى: # " اصدقوا " أو " صدقوا ". كأنه قيل: إن الذين اصدقوا وأقرضوا، وقرئ: # (يضعف) و " يضعف " (1). # (والذين ءامنوا بالله ورسله) هم عند الله بمنزلة الصديقين والشهداء، وهم الذين سبقوا (2) إلى التصديق، ورسخت أقدامهم فيه، والذين استشهدوا في سبيل الله (لهم أجرهم ونورهم) أي: لهم مثل أجر الصديقين والشهداء ومثل نورهم. # وعن الصادق (عليه السلام): إن المؤمن شهيد، وقرأ هذه الآية. # ويجوز أن يكون (والشهدآء) مبتدأ و (لهم أجرهم) خبره. # ثم زهد سبحانه المؤمنين في الدنيا فقال: ليست (الحيوة الدنيا) إلا محقرات من الأمور، وهي اللعب واللهو والزينة والتفاخر والتكاثر، ثم شبه حالها وسرعة انقضائها وقلة جدواها بنبات أنبته الغيث و (أعجب) الكفار وهم الزراع أو الكافرون نعمة الله، (ثم يهيج) ويصفر ويصير (حطما)، (وفي الأخرة) أمور عظام وهي: العذاب الشديد، ومغفرة الله، ms1222 ورضوانه. # (سابقوا) أي: بادروا مبادرة السابقين لأقرانهم في المضمار (إلى مغفرة من ربكم) منجية من العذاب الشديد، وإلى (جنة عرضها كعرض) السبع السموات وسبع الأرضين. وذكر العرض دون الطول لأن كل ما له عرض وطول فإن عرضه أقل من طوله، فإذا كان العرض مثل السموات والأرض فطولها لا يعلمه إلا الله. # وعن الحسن: أن الله يفني الجنة ثم يعيدها على ما وصفه، فلذلك صح وصفها بأن عرضها كعرض السماء والأرض (3) (أعدت للذين ءامنوا بالله ورسله) أي: # PageV03P511 # هيئت وادخرت للمؤمنين المصدقين ذلك الموعود من المغفرة والجنة (فضل الله) عطاؤه، ولأن الأسباب الموصلة إلى الثواب من التكليف والتعريض والتمكين والألطاف كلها تفضل (يؤتيه من يشآء) وهم المؤمنون. # (مآ أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتب من قبل أن نبرأهآ إن ذا لك على الله يسير (22) لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بمآ ءاتاكم والله لا يحب كل مختال فخور (23) الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول فإن الله هو الغنى الحميد (24) لقد أرسلنا رسلنا بالبينت وأنزلنا معهم الكتب وا لميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنفع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوى عزيز (25) ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ذريتهما النبوة والكتب فمنهم مهتد وكثير منهم فسقون (26) ثم قفينا على ءاثرهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وءاتينه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبنها عليهم إلا ابتغآء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فاتينا الذين ءامنوا منهم أجرهم وكثير منهم فسقون (27)) المصيبة في الأرض مثل القحط ونقص الثمار، وفي الأنفس مثل الأمراض والثكل بالأولاد، والكتاب: اللوح المحفوظ (من قبل أن نبرأهآ) الضمير للأنفس أو المصيبة (إن) تقدير (ذلك) وإثباته في كتاب (على الله يسير) هين. # ثم علل ذلك وبين وجه الحكمة فيه بقوله: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم) من نعم الدنيا (ولا تفرحوا بمآ ءاتكم) الله عز اسمه منها. والمعنى: أنكم إذا علمتم أن كل ms1223 شيء مقدر مكتوب عند الله قل حزنكم على الفائت وفرحكم على الآتي، وكذا إذا علمتم أن شيئا منها لا يبقى لم تهتموا لأجله واهتممتم لأمور الآخرة التي تدوم PageV03P512 # ولا تبيد (والله لا يحب كل مختال فخور) لأن من فرح بشيء من زخارف الدنيا وعظم قدره عنده اختال وافتخر به وتكبر على الناس. وقرئ: " بمآ ءاتكم " و " أتاكم " (١) من الإيتاء والإتيان. # (الذين يبخلون) بدل من قوله: (كل مختال فخور)، كأنه قال: لا يحب الذين يبخلون ويحملون الناس على البخل يرغبونهم فيه، وذلك كله نتيجة فرحهم بزينة الدنيا (ومن يتول) عن أوامر الله ونواهيه (فإن الله هو الغنى) عنه وعن طاعته (الحميد) في جميع أفعاله، وقرئ: " فإن الله الغني " (٢). # (بالبينت) بالدلائل والمعجزات، و (الكتب): الوحي وما يحتاج الخلق إليه من الحلال والحرام (والميزان): العدل، وقيل: هو الميزان ذو الكفتين (٣) وروي: أن جبرائيل (عليه السلام) نزل بالميزان فدفعه إلى نوح وقال: مر قومك يزنوا به (٤). # (وأنزلنا الحديد) أي: خلقناه وأنشأناه كقوله: ﴿وأنزل لكم من الانعم ثمنية أزوج﴾ (5)، وذلك أن أوامره تنزل من السماء إلى الأرض وأحكامه. # وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): " أن الله عز وجل أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض: # أنزل الحديد والنار والماء والملح " (6). # (فيه بأس شديد) وهو القتال به (ومنفع للناس) في معائشهم # PageV03P513 # وصنائعهم (1)، فما من صناعة إلا والحديد آلة فيها (وليعلم الله من ينصره ورسله) باستعمال السيوف وسائر الأسلحة في مجاهدة أعداء الدين (بالغيب) غائبا عنهم، عن ابن عباس: ينصرونه ولا يبصرونه (2)، (إن الله قوى) بقدرته (عزيز) يهلك من أراد هلاكه، فهو غني عن خلقه، وإنما كلفهم الجهاد ليصلوا بامتثال أمره إلى الثواب. # خص سبحانه نوحا وإبراهيم بالذكر لأنهما أبوا الأنبياء. (والكتب): # الوحي، وعن ابن عباس: الخط بالقلم (3) (فمنهم) فمن الذرية، أو: من المرسل إليهم، ودل عليه ذكر الإرسال والمرسلين، أي: فمنهم (مهتد) ومنهم فاسق، والغلبة للفساق. # وقرئ: " رآفة " (4) والمعنى: وفقناهم للتعاطف والتراحم بينهم، والرهبانية: # ترهبهم في الجبال والصوامع، وانفرادهم عن الجماعة للعبادة، ومعناها: الفعلة المنسوبة ms1224 إلى الرهبان وهو الخائف، فعلان من رهب، أي خاف، كخشيان من خشي، وانتصابها بفعل مضمر يفسره الظاهر، والتقدير: ابتدعوا رهبانية (ابتدعوها) أي: وأحدثوها من عند أنفسهم ونذروها (ما كتبنها عليهم) لم نفرضها نحن عليهم (إلا ابتغآء رضون الله) استثناء منقطع، أي: ولكنهم ابتدعوها (ابتغآء رضون الله فما رعوها حق رعايتها) كما يجب على الناذر رعاية نذره لأنه عهد مع الله لا يحل نكثه. (فآتينا الذين ءامنوا منهم) بعيسى، وهم أهل # PageV03P514 # الرأفة والرحمة (أجرهم وكثير منهم فسقون) لم يحافظوا على نذرهم، وقيل: # معناه: فما رعوها حق رعايتها إذ لم يؤمنوا بنبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) حين بعث (1)، فآتينا الذين آمنوا به منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون أي: كافرون. # (يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وءامنوا برسوله ى يؤتكم كفلين من رحمته ى ويجعل لكم نورا تمشون به ى ويغفر لكم والله غفور رحيم (28) لئلا يعلم أهل الكتب ألا يقدرون على شىء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشآء والله ذو الفضل العظيم (29)) (يا أيها الذين ءامنوا) بموسى وعيسى (اتقوا الله وءامنوا برسوله) أي: # بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) (يؤتكم) الله (كفلين) نصيبين (من رحمته) لإيمانكم بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وبمن تقدمه من الأنبياء (ويجعل لكم) يوم القيامة (نورا تمشون به ويغفر لكم) ما أسلفتموه من المعاصي. # (لئلا يعلم): " لا " مزيدة أي: لأن يعلم أو: ليعلم (أهل الكتب) الذين لم يؤمنوا بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) (أن لا يقدرون): " أن " مخففة من الثقيلة، وأصله: أنه لا يقدرون، والضمير للشأن (على شىء من فضل الله) أي: لا ينالون شيئا مما ذكر من فضله من الكفلين والنور والمغفرة، لأنهم لم يؤمنوا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم ينفعهم إيمانهم بمن تقدمه من الأنبياء، وقيل: إن (لا) ليست بزائدة، والمعنى: لئلا يعلم اليهود أن النبي والمؤمنين لا يقدرون على شيء من فضل الله (2)، أي: يعلمون أنهم يقدرون عليه ولم يعلموا خلافه، والضمير في (يقدرون) للنبي والمؤمنين. # * * * # PageV03P515 # سورة ms1225 المجادلة مدنية (1) اثنتان وعشرون آية. # في حديث أبي: " ومن قرأ سورة المجادلة كتب من حزب الله يوم القيامة " الخبر (2). # بسم الله الرحمن الرحيم (قد سمع الله قول التى تجدلك في زوجها وتشتكى إلى الله والله يسمع تحاوركمآ إن الله سميع بصير (1) الذين يظهرون منكم من نسآئهم ما هن أمهتهم إن أمهتهم إلا الى ولدنهم وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا وإن الله لعفو غفور (2) والذين يظهرون من # PageV03P517 # نسآئهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتمآسا ذا لكم توعظون به ى والله بما تعملون خبير (3) فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتمآسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذا لك لتؤمنوا بالله ورسوله ى وتلك حدود الله وللكفرين عذاب أليم (4) إن الذين يحآدون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنآ ءايت بينت وللكفرين عذاب مهين (5)) نزلت في خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت أخي عبادة، رآها ساجدة، فلما انصرفت من صلاتها راودها فأبت، فغضب، وكان به خفة ولمم (1)، فظاهر منها، فأتت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقالت: إن أوسا تزوجني وأنا شابة مرغوب في، فلما خلا سني ونثرت بطني - أي: كثر ولدي - جعلني عليه كأمه، فقال عليه وآله السلام: ما أراك إلا حرمت عليه، فقالت: يا رسول الله ما ذكر طلاقا، وإنه أبو ولدي، وجعلت تقول: أشكو إلى الله فاقتي وشدة حالي، فنزلت (2): (قول التى تجدلك) أي: تراجعك الكلام في أمر (زوجها) وشأنه، تظهر شكواها وما بها من المكروه (إلى الله والله يسمع تحاوركما) تخاطبكما. # وقرئ: " يظاهرون " (3) و " يظهرون " (4) وأصلهما: يتظاهرون ويتظهرون، وقرئ: (يظهرون) من المظاهرة والظهار (منكم) فيه توبيخ للعرب، إذ كان الظهار من أيمانهم، والمعنى: إن من يقول لامرأته: أنت علي كظهر أمي، ملحق في كلامه هذا امرأته بأمه وجاعلها مثلها. وهذا تشبيه باطل لتباين الحالين. # PageV03P518 # (إن أمهتهم) أي: ما أمهاتهم على الحقيقة (إلا الئى ولدنهم) وغيرهن ملحقات بهن لدخولهن في حكمهن، فالمرضعات دخلن بالرضاع في حكم ms1226 الأمهات، وكذلك أزواج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمهات المؤمنين، لأن الله تعالى حرم نكاحهن على الأمة، فدخلن بذلك في حكم الأمهات. وأما الزوجات فأبعد شيء من الأمومة، لأنهن لسن بأمهات على الحقيقة، ولا بداخلات في حكم الأمهات، فكان قول المظاهر (منكرا من القول) تنكره الحقيقة وتنكره الأحكام الشرعية، (وزورا) وكذبا باطلا منحرفا عن الحق (وإن الله لعفو غفور) لما سلف منه إذا تيب منه. # (ثم يعودون لما قالوا) فيه وجوه: أحدها: أن المراد: والذين كانوا يقولون هذا القول المنكر فتركوه بالإسلام ثم يعودون لمثله، فكفارة من عاد أن يحرر رقبة - أي: يعتقها - ثم يماس امرأته التي ظاهر منها، لا يحل له مماستها إلا بعد تقديم الكفارة. وثانيها: أن المعنى: ثم يتداركون ما قالوا، لأن المتدارك للأمر عائد إليه، ومنه المثل: " عاد غيث على ما أفسد " أي: تداركه بالإصلاح. ومعناه: أن تدارك هذا القول وتلافيه بأن يكفر حتى يرجع حالهما كما كانت قبل الظهار. وثالثها: أن يكون المراد بما قالوا: ما حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار تنزيلا للمقول منزلة المقول فيه، نحو ما ذكر في قوله تعالى: ﴿ونرثه ما يقول﴾ (1)، ومعناه: ثم يريدون العود للتماس، وهو الاستمتاع بها من جماع أو لمس بشهوة (ذلكم) الحكم (توعظون به) لأن الحكم بالكفارة دليل على ركوب الإثم والجناية، فينبغي أن يتعظوا بهذا الحكم حتى لا يعودوا إلى الظهار. # PageV03P519 # (فمن لم يجد) الرقبة فعليه (صيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا) فإن صام بعض الشهرين ثم وجد الرقبة لا يلزمه الرجوع إليها، وإن رجع كان أفضل (فمن لم يستطع) الصوم لعلة أو كبر فعليه (إطعام ستين مسكينا) لكل مسكين نصف صاع، فإن لم يقدر فمد (ذلك) البيان والتعليم للأحكام (لتؤمنوا بالله ورسوله) في العمل بشرائعه (وتلك حدود الله) التي لا يجوز تعديها (وللكفرين) المتعدين حدود الله (عذاب أليم). # (يحادون) يعادون ويشاقون (كبتوا) أي: أذلوا وأخزوا كما أخزي الذين من قبلهم من أعداء الرسل. # (يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصله الله ms1227 ونسوه والله على كل شىء شهيد (6) ألم تر أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذا لك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيمة إن الله بكل شىء عليم (7) ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتنجون بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول وإذا جآءوك حيوك بما لم يحيك به ى الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير (8) يأيها الذين ءامنوا إذا تنجيتم فلا تتنجوا بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول وتنجوا بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إليه تحشرون (9) إنما النجوى من الشيطن ليحزن الذين ءامنوا وليس بضآرهم شيا إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (10)) PageV03P520 # (يوم) نصب ب‍ (مهين) أو ب‍ " لهم " (1)، أي: يبعثهم الله كلهم، لا يترك منهم أحدا غير مبعوث، أو: مجتمعين في حالة واحدة كما يقال: حي جميع. (فينبئهم بما عملوا) توبيخا لهم وتخجيلا على رؤوس الأشهاد (أحصه الله) عليهم وأثبته في كتاب أعمالهم، (ونسوه). # (ألم تر) استفهام معناه: التقرير (ما يكون) قرئ بالتاء (2) والياء وهي " كان " التامة، و (من) مزيدة، والنجوى: التناجي، وهو مضاف إلى (ثلثة) أي: # من نجوى ثلاثة نفر، أو: موصوف ب‍ (ثلثة) أي: من أهل نجوى ثلاثة، فحذف " أهل " وذكر عز اسمه " الثلاثة " و " الخمسة "، وقال: (ولآ أدنى من ذلك) فدل على الاثنين والأربعة، وقال: (ولا أكثر) فدل على ما يلي هذا العدد ويقاربه. # وقرئ: (ولا أكثر) بالنصب ليدل على أن " لا " لنفي الجنس، ويجوز أن يكون " ولا أكثر " مرفوعا (3) معطوفا على محل (لا) مع (أدنى) كما يقال: " لا حول ولا قوة إلا بالله " بفتح الأول ورفع الثاني، ويجوز أن يكونا مرفوعين على الابتداء، أو: عطفا على محل (من نجوى)، ومعنى كونه (معهم): أنهم يتناجون وهو يعلم نجواهم لا يخفى عليه شىء منها، فكأنه يشاهدهم. # و (الذين نهوا عن ms1228 النجوى) اليهود والمنافقون، كانوا يتناجون فيما بينهم وينظرون إلى المؤمنين ويتغامزون بأعينهم، فكان ذلك يحزن المؤمنين، فنهاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ذلك، فعادوا لمثل فعلهم، وكان تناجيهم بما هو إثم وعدوان للمؤمنين، وتواص بمعصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومخالفته، وقرئ: " وينتجون " (4) # PageV03P521 # " فلا تنتجوا " (١) من الانتجاء، افتعال من " النجوى ". # (وإذا جآءوك حيوك بما لم يحيك به الله) يقولون في تحيتك: " السام عليك " والسام: الموت، والله تعالى يقول (٢): ﴿وسلام على عباده الذين اصطفى﴾ (3). # (ويقولون في أنفسهم): لو كان نبيا فهلا (يعذبنا الله بما نقول) فقال الله سبحانه: # (حسبهم جهنم) عذابا (يصلونها) يوم القيامة (فبئس المصير) والمآل. # (يأيها الذين ءامنوا) بألسنتهم إن كان الخطاب للمنافقين، وإن كان للمؤمنين فالمراد: (إذا تنجيتم) فلا تتشبهوا بأولئك في تناجيهم بالشر (وتنجوا بالبر والتقوى). # وفي الحديث: " إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون صاحبهما، فإن ذلك يحزنه " (4). وروي: " دون الثالث " (5). # (إنما النجوى) اللام إشارة إلى النجوى بالإثم والعدوان بدليل قوله: # (ليحزن الذين ءامنوا) والمعنى: أن الشيطان يزينها لهم فكأنها منه ليغيظ الذين آمنوا ويحزنهم (وليس) الشيطان أو الحزن (بضآرهم شيئا إلا بإذن الله) أي: # بمشيئة الله، وهو أن يقضي الموت على أقاربهم كما كانوا يوهمون المؤمنين ذلك إذا تناجوا، وقرئ: " ليحزن " (6) من: أحزنه. # (يأيها الذين ءامنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجلس فافسحوا # PageV03P522 # يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذين ءامنوا منكم والذين أوتوا العلم درجت والله بما تعملون خبير (١١) يأيها الذين ءامنوا إذا نجيتم الرسول فقدموا بين يدى نجواكم صدقة ذا لك خير لكم وأطهر فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم (١٢) ءأشفقتم أن تقدموا بين يدى نجواكم صدقت فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلواة وءاتوا الزكواة وأطيعوا الله ورسوله والله خبير بما تعملون (١٣) ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ماهم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون (١٤) أعد الله لهم عذابا شديدا إنهم سآء ما كانوا يعملون (١٥) اتخذوا أيمنهم جنة ms1229 فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين (١٦) لن تغنى عنهم أموا لهم ولا أولدهم من الله شيا أولئك أصحب النار هم فيها خلدون (١٧)) (تفسحوا في المجلس) توسعوا فيه، وليفسح بعضكم عن بعض، من قولهم: # افسح عني أي: تنح، ولا تتضاموا. وهو مجلس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا يتضامون فيه حرصا على القرب منه ليستمعوا منه كلامه، وقرئ: (في المجلس) على الجمع (١) وقيل: هو المجلس من مجالس القتال، وهي مراكز الغزاة كقوله: ﴿مقعد للقتال﴾ (2) وكان الرجل يأتي الصف فيقول: تفسحوا فيأبون لحرصهم على الشهادة (3) وقوله: (يفسح الله لكم) مطلق في كل ما يطلب الفسحة فيه من الرزق والمكان والقبر وغير ذلك (وإذا قيل انشزوا) انهضوا عن مجلس # PageV03P523 # النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو: انهضوا إلى الصلاة والجهاد وأعمال البر (فانشزوا) قرئ بضم الشين وكسرها (1) (يرفع الله) المؤمنين بامتثال أوامره وأوامر رسوله والعالمين منهم خاصة (درجت) وكان عبد الله بن مسعود إذا قرأها قال: يا أيها الناس افهموا هذه الآية، ولترغبكم في العلم (2). # وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): " بين العالم والعابد مائة درجة، بين كل درجتين حضر الجواد المضمر سبعين سنة " (3). # وعنه (عليه السلام): " فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب " (4). # وعنه (عليه السلام): " يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء " (5) فأعظم بمرتبة هي واسطة بين النبوة والشهادة بشهادة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). # وعن الزهري: العلم ذكر فلا يحبه إلا الذكورة من الرجال (6). # وروي: أن الناس أكثروا مناجاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى أملوه، فأمروا بالصدقة قبل المناجاة، فلما رأوا ذلك انتهوا عن مناجاته، فلم يناجه إلا علي (عليه السلام) قدم دينارا فتصدق به، ثم نزلت آية الرخصة (7). # PageV03P524 # وعن علي (عليه السلام): إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، كان لي دينار فصرفته، فكنت إذا ناجيته تصدقت بدرهم (١). قال الكلبي: # تصدق في عشر كلمات سألهن رسول الله (صلى ms1230 الله عليه وآله وسلم) (٢). # وعن ابن عمر: كان لعلي (عليه السلام) ثلاث لو كانت لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم: تزويجه فاطمة (عليها السلام)، وإعطاؤه الراية يوم خيبر، وآية النجوى (٣). # (ذلك) التقديم (خير لكم) في دينكم (وأطهر) لأن الصدقة تطهير. وعن ابن عباس: هي منسوخة بالآية التي بعدها (٤). (ءأشفقتم) أخفتم تقديم الصدقات لما فيه من الإنفاق الذي يعدكم الشيطان به الفقر والعيلة، (فإذ لم تفعلوا) ما أمرتم به وشق عليكم (وتاب الله عليكم) تقصيركم وتفريطكم فيه (فأقيموا الصلوة) فلا تفرطوا في الصلاة والزكاة وسائر الطاعات (بما تعملون) قرئ بالتاء والياء في الموضعين (٥). # كانوا يتولون اليهود وهم (الذين غضب الله عليهم) في قوله: ﴿من لعنه الله وغضب عليه﴾ (٦) ويناصحونهم (ما هم منكم) يا مسلمون (ولا منهم) ولا من اليهود كقوله: ﴿مذبذبين بين ذلك﴾ (7)، (ويحلفون على الكذب) أي: يقولون: # PageV03P525 # والله إنا مسلمون (وهم يعلمون) أن المحلوف عليه كذب. (اتخذوا أيمانهم) التي حلفوا بها (جنة) أي: سترة يدفعون بها عن نفوسهم الظنة إذا ظهرت منهم. # (يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شىء ألا إنهم هم الكذبون (18) استحوذ عليهم الشيطن فأنسهم ذكر الله أولئك حزب الشيطن الا إن حزب الشيطن هم الخسرون (19) إن الذين يحآدون الله ورسوله أولئك في الاذلين (20) كتب الله لأغلبن أنا ورسلى إن الله قوى عزيز (21) لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الأخر يوآدون من حآد الله ورسوله ولو كانوا ءابآءهم أو أبنآءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الايمن وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنت تجرى من تحتها الانهر خلدين فيها رضى الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون (22)) أي: (فيحلفون) لله تعالى في الآخرة بأنهم كانوا مؤمنين في الدنيا (كما يحلفون) اليوم (لكم ويحسبون أنهم على شىء) من النفع. وعن الحسن: في القيامة مواطن: فموطن يعرفون فيه قبح الكذب ضرورة فيتركونه، وموطن يكونون فيه كالمدهوشين فيتكلمون بكلام الصبيان: الكذب وغير الكذب (1). # (استحوذ عليهم الشيطن) ms1231 استولى عليهم، من: حاذ الحمار العانة (2): إذا جمعها وساقها غالبا عليها، وهو أحد ما جاء على الأصل، ومثله: استصوب واستنوق، أي: ملكهم الشيطان حتى جعلهم رعيته (فأنسهم) أن يذكروا (الله) # PageV03P526 # أصلا لا بقلوبهم ولا بألسنتهم (أولئك حزب الشيطن) أي: جنده. (في الأذلين) أي: في جملة من هو أذل خلق الله. # (كتب الله) في اللوح المحفوظ (لأغلبن أنا ورسلى) بالحجج والسيف أو بأحدهما. (لا تجد قوما) هو من باب التخييل، خيل أن من الممتنع المحال أن تجد قوما مؤمنين يوالون من خالف الله ورسوله، والغرض به أنه لا ينبغي أن يكون ذلك، وحقه أن يمتنع ولا يوجد بحال مبالغة في النهي عنه، ثم أكد ذلك بقوله: # (ولو كانوا ءابآءهم) وزاده تأكيدا بقوله: (أولئك كتب في قلوبهم الإيمن) وقابل قوله: (أولئك حزب الشيطن) بقوله: (أولئك حزب الله) فلا شىء أدخل في الإخلاص من موالاة أولياء الله ومعاداة أعداء الله، بل هو الإخلاص بعينه، ومعنى (كتب في قلوبهم الايمن): أثبته فيها بما وفقهم فيه، وشرح صدورهم له (وأيدهم بروح منه) بلطف من عنده حييت به قلوبهم، وقيل: بروح من الإيمان لأن القلوب تحيا به (1). # * * * # PageV03P527 # سورة الحشر مدنية (1) وهي أربع وعشرون آية. # وفي حديث أبي: " من قرأ سورة الحشر لم يبق جنة ولا نار ولا عرش ولا كرسي ولا السموات ولا الأرضون إلا صلوا عليه واستغفروا له " (2). # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأ إذا أمسى الرحمن والحشر وكل الله بداره ملكا شاهرا سيفه حتى يصبح ". # بسم الله الرحمن الرحيم (سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم (1) هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتب من ديرهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله # PageV03P529 # من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدى المؤمنين فاعتبروا يأولى الأبصر (2) ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الأخرة عذاب النار (3) ذا لك بأنهم شآقوا الله ورسوله ومن يشآق الله فإن ms1232 الله شديد العقاب (4) ما قطعتم من لينة أو تركتموها قآئمة على أصولها فبإذن الله وليخزى الفسقين (5) ومآ أفآء الله على رسوله ى منهم فمآ أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشآء والله على كل شىء قدير (6)) نزلت في إجلاء بني النضير من اليهود، فجلوا إلى الشام إلى أريحاء وأذرعات إلا آل حيي بن أخطب وآل أبي الحقيق فإنهم لحقوا بخيبر، وذلك أنهم صالحوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على أن لا يكونوا عليه ولا له، ثم نقضوا العهد، وخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبا إلى مكة وحالفوا عليه قريشا عند الكعبة، فأمر (عليه السلام) محمد بن مسلمة الأنصاري فقتل كعبا ذات ليلة غيلة - وكان أخاه من الرضاعة - ثم صبحهم بالكتائب وحاصرهم حتى أعطوه ما أراد منهم، فصالحهم على أن يحقن دماءهم، وأن يخرجهم من أرضهم وأوطانهم، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيرا وسقاء (1). # واللام في (لأول الحشر) يتعلق ب‍ (أخرج) وهي اللام في قولك: جئت لوقت كذا. والمعنى: أخرج الذين كفروا عند أول الحشر، ومعنى " أول الحشر ": أن هذا أول حشرهم إلى الشام وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء قط، وهم أول من # PageV03P530 # أخرج من أهل الكتاب من جزيرة العرب إلى الشام، أو: هذا أول حشرهم، وآخر حشرهم حشر يوم القيامة لأن المحشر يكون بالشام. (ما ظننتم أن يخرجوا) لشدة بأسهم، ووثاقة حصونهم، وكثرة عددهم وعدتهم، (وظنوا) أن حصونهم تمنعهم من بأس الله (فأتهم) أمر (الله من حيث لم يحتسبوا) من حيث لم يظنوا ولم يخطر ببالهم، وهو قتل رئيسهم كعب بن الأشرف، وذلك مما أضعف قلوبهم وسلبها الأمن والطمأنينة (وقذف) فيها (الرعب) وهو الخوف الذي يرعب الصدر أي: يملؤه وقرئ: (يخربون) و " يخربون " (1) من الإفعال والتفعيل، أي: # يهدمون بيوتهم من داخل ويخربون ما يستحسنونه منها حتى لا يكون للمسلمين، ويخربها المسلمون من خارج، ولما عرضوا المسلمين للتخريب وكانوا السبب فيه، فكأنهم أمروهم بذلك وكلفوهم إياه، (فاعتبروا) يا أهل البصائر بما دبر الله ms1233 سبحانه من أمر إخراجهم، وتسليط المؤمنين عليهم من غير قتال. # (ولولا) أنه (كتب الله عليهم الجلاء) واقتضته حكمته (لعذبهم في الدنيا) بالقتل كما فعل بإخوانهم بني قريظة (ولهم في الأخرة عذاب النار) سواء أجلوا أو قتلوا. # و اللينة: النخلة، وياؤها واو لأنها من: " اللون "، وقيل: هي النخلة الكريمة (2)، من: " اللين "، و (من لينة) بيان ل‍ (- ما قطعتم) ومحل (ما) نصب ب‍ (قطعتم) كأنه قال: أي شيء قطعتم؟ وأنث الضمير الراجع إلى ما في قوله: (أو تركتموها) لأنه في معنى " اللينة "، (فبإذن الله) فقطعها بإذن الله وأمره، (وليخزى الفسقين) وليذل اليهود وليغيظهم في قطعها، وذلك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر أن # PageV03P531 # يقطع نخلهم وتحرق، فقالوا: يا محمد، قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض، فما بال قطع النخل وتحريقها؟ فكأن في أنفس المسلمين من ذلك شيئا فنزلت (1). # يعني: أن الله سبحانه أذن في قطعها ليزيدكم غيظا إذا رأيتموهم يتحكمون في أموالكم كيف شاؤوا وأحبوا. وعن ابن مسعود: قطعوا منها ما كان موضعا للقتال (2). # ف‍ (ما أفاء الله على رسوله) أي: جعله فيئا له خاصة، والإيجاف: من الوجيف وهو السير السريع، والمعنى: (فمآ أوجفتم) على تحصيله وتغنيمه خيلا ولا ركابا وإنما مشيتم إليه على أرجلكم فلم تحصلوا أموالهم بالقتال والغلبة (ولكن الله يسلط) رسوله عليهم، وخوله أموالهم كما كان يسلط (رسله على) أعدائهم، فالأمر فيه إليه يضعه حيث يشاء والركاب: الإبل التي تحمل القوم، واحدتها: راحلة. # (مآ أفآء الله على رسوله ى من أهل القرى فلله وللرسول ولذى القربى واليتمى والمسكين وابن السبيل كى لا يكون دولة بين الاغنيآء منكم ومآ ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب (7) للفقرآء المهجرين الذين أخرجوا من ديرهم وأموا لهم يبتغون فضلا من الله ورضوا نا وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصدقون (8) والذين تبوءو الدار والايمن من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة ممآ أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ms1234 ومن يوق شح نفسه ى # PageV03P532 # فأولئك هم المفلحون (9) والذين جآءو من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمن ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين ءامنوا ربنآ إنك رءوف رحيم (10)) (من أهل القرى) من أموال كفار أهل القرى (فلله) يأمركم فيه بما أحب (وللرسول) بتمليك الله إياه (ولذى القربى) أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقرابته وهم بنو هاشم (واليتمى والمسكين وابن السبيل) منهم، وعن علي بن الحسين (عليه السلام): " هي قرباؤنا ومساكيننا وأبناء سبيلنا " (1). (كى لا يكون دولة) قرئ بالنصب والرفع (2)، فالنصب على معنى: كيلا يكون الفيء جدا بين الأغنياء يتكاثرون به، أو: كيلا يكون دولة جاهلية بينهم يستأثر به الرؤساء وأهل الدولة والغلبة وأنشد في ذلك: # لك المرباع منها والصفايا * وحكمك والنشيطة والفضول (3) وقيل: الدولة اسم ما يتداول (4) كالغرفة اسم ما يغترف، أي: كي لا يكون الفيء شيئا يتداوله الأغنياء بينهم ويتعاورونه، ومنه الحديث: " اتخذوا عباد الله خولا ومال الله دولا " (5)، أي: غلبة، من غلب منهم سلبه. والرفع على " كان " # PageV03P533 # التامة، أي: كي لا يقع دولة جاهلية، أو: كي لا يكون شيء يتداوله الأغنياء بينهم. # (ومآ ءاتكم الرسول) من قسمة غنيمة أو فيء (فخذوه وما نهاكم عنه) من أخذه منها (فانتهوا) عنه (واتقوا الله) أن تخالفوه (إن الله شديد العقاب) لمن خالف رسوله. # والأولى أن يكون عاما في كل ما أمر به رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ونهى عنه، ولهذا قسم (عليه السلام) أموال خيبر ومن عليهم في رقابهم، وأجلى بني النضير وبني قينقاع وأعطاهم شيئا من المال، وقتل رجال بني قريظة وسبى ذراريهم ونساءهم، وقسم أموالهم على المهاجرين خاصة، ومن على أهل مكة فأطلقهم. # وعن الصادق: ما أعطى الله نبيا من الأنبياء إلا وقد أعطى محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) مثله، قال لسليمان (عليه السلام): (امنن أو أمسك بغير حساب) وقال له (عليه السلام): (مآ ءاتاكم الرسول فخذوه) الآية (1). # (للفقرآء) بدل من قوله: (لذى القربى)، والمعطوف عليه (أولئك هم الصدقون) ms1235 في إيمانهم وجهادهم. (والذين تبوءوا) معطوف على (المهجرين) وهم الأنصار، ومعناه: (تبوءوا الدار) أي: المدينة، وأخلصوا (الايمن) كقوله: " علفتها تبنا وماء باردا ". أو: وجعلوا الإيمان مستقرا ومتوطنا لهم لتمكنهم فيه واستقامتهم عليه كما جعلوا المدينة كذلك، أو: أراد دار الهجرة ودار الإيمان فأقام لام التعريف في (الدار) مقام المضاف إليه، وحذف المضاف # PageV03P534 # من " دار الإيمان " ووضع المضاف إليه مقامه (من قبلهم) من قبل المهاجرين لأنهم سبقوهم في تبوء دار الهجرة والإيمان (ولا يجدون) ولا يعلمون في أنفسهم (حاجة ممآ أوتوا) أي: طلب محتاج إليه مما أوتي المهاجرون من الفيء وغيره، والمحتاج إليه قد يسمى حاجة. يقال: خذ منه حاجتك، و: أعطاه من ماله حاجته، يعني: أن نفوسهم لم تطمح إلى شيء مما أعطوا يحتاج إليه (ولو كان بهم خصاصة) أي: خلة، من: خصاص البيت وهي فروجه، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قسم أموال بني النضير على المهاجرين، ولم يعط الأنصار منها شيئا إلا ثلاثة نفر كانت بهم حاجة، وهم: أبو دجانة سماك بن خرشة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة، وقال للأنصار: إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وشاركتموهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة، فقالت الأنصار: بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا ونؤثرهم بالقسمة ولا نشاركهم فيها، فنزلت (1). والشح: اللؤم، وأن تكون نفس المرء حريصة على المنع، كما قال الشاعر: # يمارس نفسا بين جنبيه كزة * إذا هم بالمعروف قالت له مهلا (2) وقد أضيف إلى " النفس " لأنه غريزة فيها، وأما البخل فهو منع نفسه، والمعنى: # ومن غلب ما أمرته به نفسه وخالف هواها بتوفيق الله وعونه (فأولئك هم) الظافرون بما أرادوا. وقيل: (الذين تبوءوا) مبتدأ، وخبره (يحبون من هاجر إليهم) لأنه (عليه السلام) لم يقسم لهم في بني النضير إلا للثلاثة (3). # PageV03P535 # (والذين جآءو من بعدهم) وهم الذين هاجروا من بعد، وقيل: التابعون بإحسان (1) (غلا) أي: حقدا وعداوة. # (ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لاخوانهم الذين كفروا من ms1236 أهل الكتب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكذبون (11) لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الادبر ثم لا ينصرون (12) لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله ذا لك بأنهم قوم لا يفقهون (13) لا يقتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من ورآء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذا لك بأنهم قوم لا يعقلون (14) كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم (15) كمثل الشيطن إذ قال للانسن اكفر فلما كفر قال إنى برىء منك إنى أخاف الله رب العلمين (16) فكان عقبتهمآ أنهما في النار خلدين فيها وذا لك جزاؤا الظلمين (17)) ثم ذكر سبحانه المنافقين (يقولون لإخونهم) الذين بينهم وبينهم أخوة الكفر، وهم يهود بني النضير، كانوا يوالونهم في السر (ولا نطيع) في قتالكم (أحدا) يعنون محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه. وفي هذا دلالة على صحة النبوة لأنه إخبار بالغيب، وعلى أنه سبحانه كما يعلم ما يكون فإنه يعلم ما لا يكون أن لو كان كيف يكون، والتقدير: ولئن نصرهم المنافقون على الفرض والتقدير لينهزمن المنافقون (ثم لا ينصرون) بعد ذلك، أي: يهلكهم الله ولا ينفعهم نفاقهم لظهور كفرهم. # PageV03P536 # (رهبة) مصدر " رهب " المبني للمفعول، كأنه قال: أشد مرهوبية. وفي قوله: # (في صدورهم) دلالة على نفاقهم، والمعنى: أنهم يظهرون لكم في العلانية خوف الله وأنتم أهيب في صدورهم من الله (لا يفقهون) أي: لا يعلمون الله حتى يخشوه حق خشيته. # (لا يقتلونكم) لا يقدرون على مقاتلتكم (جميعا) مجتمعين يعني: اليهود والمنافقين (إلا) كائنين (في قرى محصنة) بالخنادق والدروب (أو من ورآء جدر) دون أن يصحروا لكم ويبارزوكم؛ لأن الله عز اسمه قذف الرعب في قلوبهم، وقرئ: " جدار " (1) (بأسهم بينهم شديد) أي: قوتهم وشوكتهم فيما بينهم شديدة، فإذا لاقوكم جبنوا ولم يبق لهم بأس وشدة، لأن الشجاع يجبن عند محاربة الله ورسوله (تحسبهم جميعا) مجتمعين ذوي ألفة واتحاد في الظاهر (وقلوبهم ms1237 شتى) متفرقة مختلفة لا ألفة فيها (لا يعقلون) ما فيه الرشد. # (كمثل الذين من قبلهم) أي: مثلهم كمثل الذين قتلوا ببدر في زمان قريب، وذلك قبل إجلاء بني النضير بستة أشهر، وانتصب (قريبا) ب‍ (مثل) على معنى: # كوجود مثل أهل بدر قريبا، وعن ابن عباس: إن الذين من قبلهم بنو قينقاع (2)، وذلك أنهم نقضوا العهد فرجع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من بدر فأمرهم (عليه السلام) أن يخرجوا، فقال عبد الله بن أبي: لا تخرجوا فإني أدخل معكم الحصن فكان هؤلاء في ترك نصرتهم كأولئك (ذاقوا وبال أمرهم) سوء عاقبة كفرهم في الدنيا (ولهم عذاب أليم) في الآخرة. # مثل المنافقين في إغرائهم اليهود على القتال ووعدهم إياهم النصر ثم # PageV03P537 # إخلافهم (كمثل الشيطن) إذا (١) استغوى الإنسان بكيده ثم تبرأ منه في العاقبة، كما استغوى قريشا يوم بدر بقوله لهم: (لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم) إلى قوله: ﴿إنى برىء منكم﴾ (٢). (خلدين فيها) حال. # (يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون (١٨) ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفسقون (١٩) لا يستوى أصحب النار وأصحب الجنة أصحب الجنة هم الفآئزون (٢٠) لو أنزلنا هذا القرءان على جبل لرأيته خشعا متصدعا من خشية الله وتلك الامثل نضربها للناس لعلهم يتفكرون (٢١) هو الله الذي لا إله إلا هو علم الغيب والشهدة هو الرحمن الرحيم (٢٢) هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلم المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحن الله عما يشركون (٢٣) هو الله الخلق البارئ المصور له الاسمآء الحسنى يسبح له ما في السموات والارض وهو العزيز الحكيم (٢٤)) نكر سبحانه " النفس " لاستقلال الأنفس الناظرة فيما تقدمه للآخرة، فكأنه قال: (ولتنظر نفس) واحدة في ذلك. ونكر " الغد " لتعظيم أمره، أي: لغد لا يعرف كنهه لعظمه، والمراد بالغد يوم القيامة، وعن الحسن: لم يزل يقربه حتى جعله كالغد (٣). نحوه في تقريب الزمان الماضي قوله: ﴿كأن لم تغن بالأمس﴾ (4). # PageV03P538 # وكرر ms1238 قوله: (اتقوا الله) لأن الأول في أداء الواجبات لأنه مقرون بالعمل، والثاني في ترك المقبحات لأنه مقرون بالوعيد. # (نسوا الله) نسوا حقه فجعلهم ناسين حق أنفسهم بالخذلان، حتى لا يسعوا لها بما ينفعهم عنده، أو: فأراهم من أهوال يوم القيامة فأنسوا فيه أنفسهم، كقوله: # (لا يرتد إليهم طرفهم) (١). # وقوله: (لا يستوى) تنبيه للناس وإيذان بأنهم لفرط غفلتهم وإيثارهم الدنيا على الآخرة كأنهم لا يعرفون الفرق بين الجنة والنار، والبون بين أصحابهما، فمن حقهم أن ينبهوا على ذلك، كما تقول لمن يعق أباه: هو أبوك، تجعله بمنزلة من لا يعرفه فتنبهه بذلك على حق الأبوة الذي يقتضي البر والتعطف. # التصدع: التفرق بعد التلاؤم، وهذا تمثيل وتخييل كما مر في قوله: ﴿إنا عرضنا الامانة﴾ (2)، يدل عليه قوله: (وتلك الامثل نضربها للناس)، والغرض: توبيخ الإنسان على قلة تدبره للقرآن، وتعقله لزواجره ومواعظه. # (علم الغيب والشهدة) عالم المعدوم والموجود، وقيل: ما غاب عن الخلق وما شاهدوه (3)، أو: السر والعلانية (4)، وعن الباقر (عليه السلام): ما لم يكن وما كان (5) (القدوس) المنزه عن القبائح، الطاهر من كل عيب ونقص، ونظيره: # " السبوح "، (السلم) بمعنى السلامة، وصف سبحانه به مبالغة في وصف كونه سليما من النقائص، أو: في إعطائه السلامة (المؤمن) واهب الأمن (المهيمن) # PageV03P539 # الرقيب على كل شىء والحافظ له، وقيل: الأمين الذي لا يضيع لأحد عنده حق (1)، مفيعل من " الأمن " إلا أن همزته قلبت هاء (الجبار) القاهر الذي جبر خلقه على ما أراد، وقيل: العظيم الشأن في الملك والسلطان (2)، ولا يطلق هذا الوصف على غيره إلا على وجه الذم (المتكبر) البليغ الكبرياء والعظمة (الخلق) المقدر لما يوجده (البارئ) المميز بعضه من بعض بالأشكال المختلفة (المصور) الممثل. # وسئل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن اسم الله الأعظم، فقال: عليك بآخر سورة الحشر (3) * * * # PageV03P540 # سورة الممتحنة مدنية (1)، وهي ثلاث عشرة آية. # وفي حديث أبي: " من قرأ سورة الممتحنة كان المؤمنون والمؤمنات له شفعاء يوم القيامة " (2). # وعن علي بن الحسين (عليهما السلام): " من قرأ سورة الممتحنة في فرائضه ونوافله امتحن ms1239 الله قلبه للإيمان ونور له بصره، ولا يصيبه فقر أبدا، ولا جنون في بدنه ولا في ولده " (3). # بسم الله الرحمن الرحيم (يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أوليآء تلقون إليهم # PageV03P541 # بالمودة وقد كفروا بما جآءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهدا في سبيلى وابتغآء مرضاتى تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بمآ أخفيتم ومآ أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سوآء السبيل (1) إن يثقفوكم يكونوا لكم أعدآء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودوا لو تكفرون (2) لن تنفعكم أرحامكم ولا أولدكم يوم القيمة يفصل بينكم والله بما تعملون بصير (3) قد كانت لكم أسوة حسنة في إبرا هيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاؤا منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضآء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده إلا قول إبرا هيم لأبيه لاستغفرن لك ومآ أملك لك من الله من شىء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير (4) ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنآ إنك أنت العزيز الحكيم (5)) نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، وذلك أن سارة مولاة أبي عمرو بن صيفي بن هاشم أتت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالمدينة وهو يتجهز للفتح فقال لها: أمسلمة جئت؟ # قالت: لا، قال: فما جاء بك؟ قالت: كنتم الأهل والموالي والعشيرة، وقد ذهبت الموالي، تعني قتلوا يوم بدر، فاحتجت حاجة شديدة، فحث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بني عبد المطلب فكسوها وحملوها وزودوها، فأتاها حاطب وأعطاها عشرة دنانير وكتب معها كتابا إلى أهل مكة، نسخته: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة، اعلموا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يريدكم، فخذوا حذركم، ونزل جبرائيل بالخبر، فبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا (عليه السلام) وعمارا وعمر وطلحة والزبير والمقداد وأبا مرثد - وكانوا كلهم فرسانا - وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ فإن بها ظعينة معها PageV03P542 # كتاب من حاطب إلى المشركين، ms1240 فخذوه منها، فخرجوا حتى أدركوها في ذلك المكان فجحدت وحلفت، فهموا بالرجوع، فقال علي (عليه السلام): والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وسل سيفه وقال: أخرجي الكتاب وإلا - والله - لأضربن عنقك، فأخرجته من عقاص شعرها (١). # وروي: أن حاطبا قال: يا رسول الله، والله ما كفرت منذ أسلمت، ولكني كنت عزيزا في قريش - أي: غريبا - ولم أكن من أنفسها، وكل من معك من المهاجرين لهم قرابات بمكة يحمون أهاليهم وأموالهم، فأردت أن أتخذ عندهم يدا، وقد علمت أن الله تعالى ينزل عليهم بأسه، وأن كتابي لا يغني عنهم شيئا، فعذره (٢). # " العدو " وقع موقع الجمع (تلقون) حال من الضمير في (لا تتخذوا)، أو صفة ل‍ (أوليآء)، أو استئناف. والإلقاء: عبارة عن إيصال المودة والإفضاء بها إليهم، والباء في (بالمودة) إما مزيدة مؤكدة للتعدي مثلها في قوله: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ (3)، وإما ثابتة على أن مفعول (تلقون) محذوف، معناه: # تلقون إليهم أخبار الرسول بسبب المودة التي بينكم وبينهم. وكذلك قوله: (تسرون إليهم بالمودة) أي: تفضون إليهم بمودتكم سرا، أو: تسرون إليهم أسرار رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بسبب المودة (وقد كفروا) حال من (تلقون)، أي: توادونهم وهذه حالهم (يخرجون الرسول وإياكم) هو كالتفسير لكفرهم، أو: حال من (كفروا)، و (أن تؤمنوا) تعليل ل‍ (يخرجون) أي: يخرجونكم لإيمانكم (إن كنتم خرجتم) شرط جوابه محذوف لدلالة ما قبله عليه، وهو متعلق ب‍ (لا تتخذوا). والمعنى: إن كنتم أوليائي فلا تتولوا أعدائي (تسرون إليهم # PageV03P543 # بالمودة) استئناف والمعنى: أي فائدة في إسراركم وقد علمتم أن الإخفاء والإعلان سيان في علمي، وأنا أطلع رسولي على ما تسرونه؟ (ومن) يفعل هذا الإسرار فقد أخطأ طريق الحق وجاز عن القصد. # (إن يثقفوكم) أي: يظفروا بكم (يكونوا لكم أعدآء) خالصي العداوة (ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء) بالقتال والشتم، وتمنوا (لو) ترتدون عن دينكم. # (لن تنفعكم أرحامكم) أي: أقرباؤكم (ولا أولدكم) الذين توالون الكفار بسببهم، وتتقربون إليهم من أجلهم، ثم قال: (يوم القيمة ms1241 يفصل بينكم) وبين أقاربكم وأولادكم، فما لكم عصيتم الله لأجلهم؟! وقرئ: (يفصل) و " يفصل " (1) على البناء للفاعل وهو الله عز وجل، أي: يميز بعضكم من بعض في ذلك اليوم، فلا يرى القريب المؤمن في الجنة قريبه الكافر في النار، وقيل: معناه: يقضي بينكم من: فصل القضاء (2). # (قد كانت لكم أسوة) أي: قدوة (حسنة) ومذهب حسن يؤتى به ويتبع أثره (في إبرهيم) وقومه، وهو قولهم لكفار قومهم حيث كاشفوهم بالعداوة: (إنا برءؤا منكم ومما تعبدون‍) - ه من الأصنام، أو: ومن عبادتكم، أي: لا نعتد بشأنكم ولا بشأن آلهتكم، وما أنتم عندنا على شىء، والسبب في عداوتنا إياكم كفركم بالله (كفرنا بكم) أي: جحدنا دينكم، والعداوة قائمة (بيننا وبينكم) حتى تصدقوا بوحدانية الله. (إلا قول إبرهيم) استثناء من قوله: (أسوة حسنة) لأن المراد بالأسوة الحسنة قولهم الذي يجب أن يؤتى به ويتخذ سنة، أي: فلا تقتدوا # PageV03P544 # بإبراهيم (عليه السلام) في قوله لأبيه: (لاستغفرن لك)، فإنما ذلك ل‍ (موعدة وعدها إياه) (1) بالإيمان (فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه) (2)، وقوله: (وما أملك لك) تابع لوعده بالاستغفار، كأنه قال: أنا أستغفر لك وما في وسعي وطاقتي إلا الاستغفار (ربنا عليك توكلنا) يجوز أن يتصل بما قبل الاستثناء فيكون من قول إبراهيم وقومه، ويجوز أن يكون تعليما من الله سبحانه لعباده أن يفوضوا أمورهم إليه بأن يقولوه، فيكون المعنى: قولوا ربنا. # (لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الأخر ومن يتول فإن الله هو الغنى الحميد (6) عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم (7) لا ينهاكم الله عن الذين لم يقتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من ديركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين (8) إنما ينهاكم الله عن الذين قتلوكم في الدين وأخرجوكم من ديركم وظهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظلمون (9) يأيها الذين ءامنوا إذا جآءكم المؤمنت مهجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمنهن فإن علمتموهن مؤمنت فلا ترجعوهن إلى ms1242 الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن وءاتوهم مآ أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذآ ءاتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر وسلوا مآ أنفقتم وليسلوا مآ أنفقوا ذا لكم حكم الله يحكم بينكم والله عليم حكيم (10)) كرر سبحانه الحث على الاقتداء بإبراهيم (عليه السلام) وقومه تأكيدا عليهم، ولذلك # PageV03P545 # جاء به مصدرا بالقسم (لمن كان يرجوا الله) بدل من قوله: (لكم) وذلك نوع من التأكيد، وكذلك قوله: (ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد) أي: ومن أعرض عن الايتاء بإبراهيم فإن الله هو الغني عن جميع خلقه لا يضره ذلك، وإنما ضروا أنفسهم. # ولما نزلت هذه الآيات تشدد المؤمنون في عداوة آبائهم وأقربائهم من المشركين، فلما رأى الله سبحانه منهم الجد والصبر على الوجه الشديد، رحمهم ووعدهم تيسير ما تمنوه من إسلام أقاربهم، وحصول التصافي والتواد بينهم. # و (عسى) وعد من الله على عادات الملوك، حيث يقولون في بعض الحوائج: " عسى " أو " لعل "، فلا يبقى شبهة للمحتاج في تمام ذلك، أو: قصد به إطماع المؤمنين، (والله قدير) على تقليب القلوب وتسهيل الأمور. # (أن تبروهم) بدل من (الذين لم يقتلوكم)، وكذلك (أن تولوهم) بدل من (الذين قتلوكم) والمعنى: (لا ينهكم) عن مبرة هؤلاء وإنما ينهاكم عن تولي هؤلاء. وهذا أيضا رحمة لهم لتشددهم وجدهم في العداوة، حيث رخص لهم في صلة من يجاهد (1) منهم بالقتال والإخراج من الديار، وهم خزاعة، وكانوا صالحوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على أن لا يقاتلوه ولا يعينوا عليه، وعن مجاهد: هم الذين آمنوا بمكة ولم يهاجروا (2). (وتقسطوا إليهم) أي: وتعدلوا فيما بينكم وبينهم، وتقضوا إليهم بالقسط ولا تظلموهم، أوصى سبحانه باستعمال القسط مع المشركين والتحامي عن ظلمهم، فما ظنك بحال من اجترأ على ظلم أخيه المسلم؟! # (إذا جآءكم المؤمنت) سماهن مؤمنات لتصديقهن بألسنتهن ونطقهن بكلمة الشهادة (فامتحنوهن) فاختبروهن بالحلف والنظر في الأمارات ليغلب على # PageV03P546 # ظنونكم صدق إيمانهن، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول للممتحنة: بالله الذي لا إله ms1243 إلا هو ما خرجت من بغض زوج، بالله ما خرجت رغبة عن أرض إلى أرض، بالله ما خرجت التماس دنيا، بالله ما خرجت إلا حبا لله ولرسوله. (الله أعلم بإيمنهن) منكم لأنكم لا تكسبون فيه علما تطمئن معه نفوسكم وإن استحلفتموهن ورزتم أحوالهن، وعند الله حقيقة العلم به (فإن علمتموهن مؤمنت) العلم الذي يبلغه وسعكم، وهو غالب الظن بظهور الأمارات (فلا) تردوهن (إلى) أزواجهن (الكفار) لأنه لا حل بين المشرك والمؤمنة، (وءاتوهم) وأعطوا أزواجهن (ما أنفقوا) أي: ما دفعوا إليهن من المهر. # ثم نفى عنهم الجناح في تزوج هؤلاء المهاجرات إذا آتوهن أجورهن - أي: # مهورهن - لأن المهر أجر البضع (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) قرئ بالتخفيف والتشديد (1)، العصمة: ما يعتصم به من عقد أو سبب، أي: لا يكن بينهم وبين الكافرات عصمة، ولا علقة زوجية، سواء كن حربيات أو ذميات، (وسئلوا ما أنفقتم) من مهور أزواجكم اللاحقات بالكفار، (وليسئلوا ما أنفقوا) من مهور نسائهم المهاجرات (ذلكم حكم الله) يعني جميع ما ذكر في هذه الآية (يحكم بينكم) كلام مستأنف، أو: حال من (حكم الله) على حذف الضمير، أي: يحكمه الله، أو: جعل الحكم حاكما، على المبالغة. # (وإن فاتكم شىء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فاتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل مآ أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به ى مؤمنون (11) يأيها النبي إذا جآءك المؤمنت يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيا # PageV03P547 # ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولدهن ولا يأتين ببهتن يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم (12) يأيها الذين ءامنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم قد يبسوا من الأخرة كما يبس الكفار من أصحب القبور (13)) لما نزلت الآية المتقدمة أدى المؤمنون ما أمروا به من نفقات المشركين على نسائهم، وأبى المشركون أن يؤدوا شيئا من مهور الكوافر إلى أزواجهن المسلمين، فنزلت: (وإن فاتكم) أي: وإن سبقكم وانفلت (شىء) منكم (من أزوجكم) أحد منهن (إلى الكفار)، وفي قراءة ابن مسعود: " أحد " (1) (فعاقبتم) ms1244 من: # " العقبة " وهي النوبة، شبه ما حكم به على المسلمين والكافرين من أداء هؤلاء مهور نساء أولئك تارة، وأداء أولئك مهور نساء هؤلاء أخرى، بأمر يتعاقبون فيه كما يتعاقب في الركوب وغيره. ومعناه: فجاءت عقبتكم من أداء المهر، (فآتوا) فأعطوا من فاتته امرأته إلى الكفار مثل مهرها من مهر المهاجرة، ولا تعطوه زوجها الكافر، وهكذا عن الزهري: يعطى من صداق من لحق بهم (2)، وقال الزجاج: (فعاقبتم) فأصبتموهم في القتال بعقوبة حتى غنمتم (3). والذي ذهبت زوجته كان يعطى من الغنيمة المهر، وقرئ في الشواذ: " فأعقبتم " (4) أي: دخلتم في العقبة " فعقبتم " بالتشديد (5) من: عقبه إذا قفاه، لأن كل واحد من المتعاقبين # PageV03P548 # يقفي صاحبه، " فعقبتم " (1) من: عقبه يعقبه. وقال الزجاج في تفسير جميعها: # فكانت العقبى لكم، أي: كانت الغلبة لكم حتى غنمتم (2). وقيل: إن جميع من لحق المشركين من نساء المهاجرين ست نسوة، وأعطاهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مهورهن من الغنيمة (3). # (ولا يقتلن أولادهن) يريد: وأد البنات أو الإسقاط، (ولا يأتين ببهتن يفترينه بين أيديهن وأرجلهن) كانت المرأة تلتقط المولود فتقول لزوجها: هذا ولدي منك. # كنى بالبهتان المفترى بين يديها ورجليها عن المولود الذي تلصقه بزوجها كذبا، لأن بطنها الذي تحمله فيه بين اليدين، وفرجها الذي تلده به بين الرجلين (ولا يعصينك في معروف) فيما تأمرهن به من المحسنات، وتنهاهن عنه من المقبحات، وكل ما دل عليه العقل أو الشرع على وجوبه أو ندبه فهو معروف. # وروي (4) في كيفية المبايعة أنه (عليه السلام) دعا بقدح من ماء فغمس فيه يده ثم غمسن أيديهن فيه، وقيل: كان يبايعهن من وراء الثوب (5). # (لا تتولوا قوما غضب الله عليهم) وهم اليهود، كان قوم من فقراء المسلمين يواصلون اليهود ليصيبوا من ثمارهم فنهوا عن ذلك (قد يئسوا من) أن يكون لهم حظ في (الأخرة) لتكذيبهم برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عنادا وهم يعلمون أنه الرسول المنعوت في التوراة (كما يئس الكفار) من موتاهم أن يبعثوا. # * * * # PageV03P549 # سورة الصف مدنية (1)، وهي أربع عشرة آية. ms1245 # في حديث أبي: " ومن قرأ سورة عيسى كان عيسى (عليه السلام) مصليا عليه مستغفرا له ما دام في الدنيا، وهو يوم القيامة رفيقه " (2). # وعن الباقر (عليه السلام): " من قرأ سورة الصف وأدمن قراءتها في فرائضه ونوافله صفه الله تعالى مع ملائكته وأنبيائه المرسلين " (3). # بسم الله الرحمن الرحيم (سبح لله ما في السموات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم (1) يأيها الذين ءامنوا لم تقولون مالا تفعلون (2) كبر مقتا عند الله أن # PageV03P551 # تقولوا مالا تفعلون (3) إن الله يحب الذين يقتلون في سبيله ى صفا كأنهم بنين مرصوص (4) وإذ قال موسى لقومه ى يقوم لم تؤذوننى وقد تعلمون أنى رسول الله إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدى القوم الفسقين (5) وإذ قال عيسى ابن مريم يبنى إسراءيل إنى رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدى من التوراة ومبشرا برسول يأتى من بعدى اسمه أحمد فلما جآءهم بالبينت قالوا هذا سحر مبين (6) ومن أظلم ممن افترى على الله الكذب وهو يدعى إلى الاسلم والله لا يهدى القوم الظلمين (7) يريدون ليطفوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ى ولو كره الكفرون (8) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون (9)) عن ابن عباس: كان ناس من المؤمنين يقولون قبل أن يؤمروا بالقتال: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله تعالى لعملناه، فدلهم الله سبحانه على الجهاد في سبيله، فولوا يوم أحد فعيرهم (1) وقيل: نزلت في قوم قالوا: أبلينا وفعلنا ولم يفعلوا وهم كذبة (2). وقصد في (كبر) التعجب من غير لفظ، وأسند إلى (أن تقولوا)، ونصب (مقتا) على التفسير دلالة على أن قولهم ما لا يفعلون مقت خالص لا شوب فيه، والمقت: أشد البغض، ولم يقتصر سبحانه على أن جعل البغض كبيرا حتى جعله أشده وأفحشه، وعند الله أبلغ من ذلك لأنه إذا كبر مقته عند الله فقد تناهى كبره وشدته. وذكر أنه قيل لبعض السلف: حدثنا، فسكت ثم قال: تأمرونني أن أقول ما لا أفعل، فأستعجل مقت الله. وفي ms1246 قوله سبحانه: (يحب الذين يقتلون في # PageV03P552 # سبيله) دليل على أن المقت تعلق بقول الذين وعدوا الثبات في القتال فلم يفوا. # (صفا) صافين أنفسهم، أو: مصفوفين كأنهم في تراصهم من غير فرجة (بنين) رص بعضهم إلى بعض ورصف، وقيل: إنه يدل على فضل القتال راجلا، لأن الرجالة يصطفون على هذه الصفة (١). وقوله: (صفا كأنهم بنين مرصوص) حالان متداخلتان. # (وإذ قال) ظرف لأذكر (تؤذوننى) آذوه بأنواع الأذى، من قولهم: ﴿اذهب أنت وربك﴾ (٢)، ﴿اجعل لنا إلها﴾ (3)، وطلبهم رؤية الله جهرة، وعبادتهم العجل وغير ذلك (وقد تعلمون) في موضع الحال، أي: تؤذونني عالمين (أنى رسول الله) وقضية علمكم بنبوتي ورسالتي تعظيمي وتوقيري لا إيذائي، (فلما زاغوا) عن الحق (أزاغ الله قلوبهم) بأن منعهم ألطافه (والله لا يهدى القوم الفسقين) لا يلطف بهم لأنهم ليسوا من أهل اللطف، أو: لا يهديهم إلى الجنة التي وعدها المؤمنين. # (مصدقا لما بين يدى) أي: أرسلت إليكم في حال تصديقي لما تقدمني من التوراة، وفي حال تبشيري (برسول يأتى من بعدى) وقرئ بسكون الياء وفتحها (4)، وسيبويه والخليل يختاران الفتح (5). # وعن كعب: أن الحواريين قالوا لعيسى: يا روح الله، هل بعدنا من أمة؟ قال: # نعم، أمة أحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، حكماء علماء أتقياء، كأنهم من الفقه أنبياء، يرضون من الله # PageV03P553 # باليسير من الرزق، ويرضى الله منهم باليسير من العمل (1). # وقرئ: " هذا ساحر " (2)، وأي الناس أشد ظلما ممن يدعوه ربه على لسان نبيه إلى الإسلام الذي فيه السعادة الأبدية فيجعل مكان إجابته إليه افتراء على الله الكذب بقوله لكلامه: (هذا سحر)؟! # (ليطفئوا) هذه اللام تزاد مع فعل الإرادة فتجعل تأكيدا له، والأصل: يريدون أن يطفئوا، كما في سورة التوبة (3)، وإطفاء (نور الله بأفوههم) تهكم بهم في إرادتهم إبطال الإسلام بقولهم في القرآن: (هذا سحر) فأشبهت حالهم حال من ينفخ في نور الشمس بفيه ليطفئه. (والله متم نوره) قرئ مضافا، وبالتنوين ونصب " نوره " (4)، أي: يتم الله الحق ويبلغه غايته. # و (دين الحق) الملة الحنيفية (ليظهره على الدين كله) أي: ليعليه ms1247 (5) على جميع الأديان المخالفة له. # وعن علي (عليه السلام): والذي نفسي بيده لا تبقى قرية إلا وينادى فيها بشهادة أن لا إله إلا الله بكرة وعشيا (6). # (يأيها الذين ءامنوا هل أدلكم على تجرة تنجيكم من عذاب أليم (10) تؤمنون بالله ورسوله ى وتجهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذا لكم خير لكم إن كنتم تعلمون (11) يغفر لكم ذنوبكم # PageV03P554 # ويدخلكم جنت تجرى من تحتها الانهر ومسكن طيبة في جنت عدن ذا لك الفوز العظيم (12) وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين (13) يأيها الذين ءامنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصارى إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فامنت طآئفة من بنى إسراءيل وكفرت طآئفة فأيدنا الذين ءامنوا على عدوهم فأصبحوا ظهرين (14)) (تنجيكم) قرئ بالتشديد (1) والتخفيف. (تؤمنون) استئناف، كأنهم قالوا: # كيف نعمل؟ فقيل لهم: تؤمنون، وهو خبر في معنى الأمر، ولهذا أجيب بقوله: (يغفر لكم)، وفي قراءة عبد الله: " آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا " (2)، وإنما جيء به على لفظ الخبر للإيذان بوجوب الامتثال، فكأنه امتثل، فهو يخبر عن إيمان وجهاد موجودين، ومثله قولهم: " غفر الله لك " و " يرحمك الله " (ذلكم) الإيمان والجهاد (خير لكم) من أموالكم وأنفسكم، والمعنى: (إن كنتم تعلمون) أنه خير لكم كان خيرا لكم حينئذ، لأنكم إذا علمتم ذلك أحببتم الإيمان والجهاد فوق ما تحبون أنفسكم وأموالكم فتفوزون. # (وأخرى تحبونها) أي: ولكم مع هذه النعمة المذكورة الآجلة من المغفرة والثواب والنعيم في الجنة نعمة أخرى عاجلة محبوبة إليكم، ثم فسرها بقوله: (نصر من الله وفتح قريب) وهو فتح مكة، وقيل: فتح فارس والروم وسائر فتوح الإسلام على العموم (3). وفي قوله: (تحبونها) ذرو من التوبيخ على محبة العاجل # PageV03P555 # (وبشر المؤمنين) معطوف على (تؤمنون) لأنه في معنى الأمر، فكأنه قال: # آمنوا وجاهدوا يثبكم الله وينصركم (وبشر) يا رسول الله (المؤمنين) بذلك. # وقرئ: (كونوا أنصار الله) و " أنصارا لله " (1)، والمعنى: كونوا أنصار الله كما كان الحواريون أنصار عيسى (عليه السلام) حين قال لهم: (من أنصارى إلى الله) ms1248 أي: من أنصاري متوجهين إلى نصرة الله؟ ومعناه: من الأنصار الذين يختصون بي ويكونون معي في نصرة الله؟ (قال الحواريون نحن أنصار الله) أي: نحن الذين ينصرون الله. فإضافة (أنصارى) خلاف إضافة (أنصار الله)، ولا يصح أن يكون معناه: من ينصرني مع الله؛ لأنه لا يطابق الجواب (فآمنت طائفة) منهم بعيسى (وكفرت) به (طآئفة فأيدنا) مؤمنيهم (على) كفارهم فظهروا عليهم أي: غلبوا، وقيل: معناه: فآمنت طائفة منهم بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وكفرت به طائفة، فأصبح المؤمنون غالبين بالحجة والقهر (2). # * * * # PageV03P556 # سورة الجمعة مدنية (1)، وهي إحدى عشرة آية. # في حديث أبي: " ومن قرأ سورة الجمعة أعطي من الأجر عشر حسنات، بعدد من أتى الجمعة وبعدد من لم يأتها في أمصار المسلمين " (2). # وعن الصادق (عليه السلام): " من الواجب على كل مؤمن أن يقرأ في ليلة الجمعة بالجمعة و (سبح اسم ربك الأعلى) وفي صلاة الظهر في الجمعة بالجمعة والمنافقين، فإذا فعل ذلك فكأنما يعمل بعمل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكان ثواب جزائه على الله الجنة ". # بسم الله الرحمن الرحيم (يسبح لله ما في السموات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم (1) هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلوا عليهم ءايته ى ويزكيهم ويعلمهم الكتب وا لحكمة وإن كانوا من قبل لفي # PageV03P557 # ضلل مبين (2) وءاخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم (3) ذا لك فضل الله يؤتيه من يشآء والله ذو الفضل العظيم (4) مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بايت الله والله لا يهدى القوم الظلمين (5)) في قوله: (سبح) تارة، و (يسبح) أخرى إشارة إلى دوام تنزيهه عز اسمه في الماضي والمستقبل. والأميون هم العرب، لأنهم كانوا لا يكتبون ولا يقرؤون من بين الأمم، وقيل: بدئت الكتابة بالطائف، أخذوها من أهل الحيرة (1). والمعنى: # أنه بعث في قوم أميين رجلا أميا (منهم) أي: من أنفسهم، يعلمون نسبه وأحواله (يتلوا) يقرأ (عليهم ءايته) مع كونه أميا مثلهم، لم يعهد منه ms1249 قراءة ولم يعرف بتعلم، وقراءة أمي أخبار القرون الماضية بغير تعلم على وفق ما في الكتب آية معجزة (ويزكيهم) ويطهرهم من الشرك وأدناس الجاهلية (ويعلمهم الكتب والحكمة) القرآن والشرائع (وإن كانوا) هي " إن " المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة، أي: كانوا (في ضلل) لا ضلال أعظم منه. # (وءاخرين) عطف على (الأميين) أي: بعثه في الأميين الذين على عهده (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي آخرين لم (يلحقوا بهم) بعد وسيلحقون بهم. # وروي: أنه لما قرأ هذه الآية قيل له: من هؤلاء؟ فوضع يده على كتف سلمان فقال: " لو كان الإيمان في الثريا لناله رجال من هؤلاء " (2). # وقيل: هم الذين يأتون بعده إلى يوم القيمة (3). ويجوز أن يكون نصبا عطفا # PageV03P558 # على الضمير في (ويعلمهم) أي: ويعلمهم ويعلم آخرين، لأن التعليم إذا تناسق إلى آخر الزمان وكان كله مستندا إلى أوله فكأنه (عليه السلام) تولى كل ما وجد منه (وهو العزيز الحكيم) في تمكينه رجلا أميا من هذا الأمر العظيم، واختياره إياه من بين سائر الخلق. # (ذلك) الفضل الذي أعطاه محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو النبوة لكافة خلق الأولين والآخرين إلى يوم القيامة هو (فضل الله يؤتيه) يعطيه (من يشآء) إعطاءه وتقتضيه حكمته (والله ذو الفضل العظيم) على خلقه ببعثه. # و (مثل الذين حملوا التورة) وهم اليهود الذين قرؤوها وحفظوها (ثم لم يحملوها) بكونهم غير عاملين (1) بها، ولا منتفعين بآياتها، لأن فيها صفة نبينا ونعته والبشارة به ولم يؤمنوا به (كمثل الحمار يحمل أسفارا) أي: كتبا كبارا من كتب العلم، فهو يمشي بها ولا يدري منها إلا ما يمر بجنبيه وظهره من الكد، وكذا كل من علم علما ولم يعمل بموجبه فهذا مثله، و (بئس) مثلا (مثل القوم الذين كذبوا بيت الله) وهم اليهود كذبوا بالتوراة، أو: بالقرآن، أو: بآيات الله الدالة على نبوة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم). # ومعنى قوله: (حملوا التورة): كلفوا علمها والعمل بها (ثم لم يحملوها) ثم لم يعملوا بها، فكأنهم لم يحملوها. وقوله: (يحمل ms1250 أسفارا) في محل نصب على الحال، أو: جر وصفا ل‍ (الحمار) لأنه مثل " اللئيم " (2) في قول الشاعر: # ولقد أمر على اللئيم يسبني (3) # PageV03P559 # (قل يأيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أوليآء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صدقين (٦) ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظلمين (٧) قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملقيكم ثم تردون إلى علم الغيب والشهدة فينبئكم بما كنتم تعملون (٨) يأيها الذين ءامنوا إذا نودى للصلواة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذا لكم خير لكم إن كنتم تعلمون (٩) فإذا قضيت الصلواة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (١٠) وإذا رأوا تجرة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قآئما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجرة والله خير الرازقين (١١)) (هادوا) تهودوا وسموا يهودا وكانوا يقولون: ﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾ (1) يعني: إن كان قولكم حقا (فتمنوا الموت) وأن ينقلكم الله إلى دار كرامته التي أعدها لأوليائه. ثم قال: (ولا يتمنونه أبدا) بسبب ما قدموه من الكفر، وقد قال لهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): " والذي نفسي بيده لا يقولها أحد منهم إلا غص بريقه " (2). فلولا أنهم عرفوا صدق النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنهم لو تمنوا لماتوا من ساعتهم لتمنوا، ولم يتمن أحد منهم، فكان هذا أحد معجزاته (صلى الله عليه وآله وسلم). # (قل إن الموت الذي) لا تجرؤون (3) أن تتمنوه (فإنه ملقيكم) لا تفوتونه، والفاء لتضمن الذي معنى الشرط، يعني: إن رمتم الفرار منه فإنه ملاقيكم (ثم تردون إلى) الله سبحانه فيجازيكم (بما) تستحقونه. # PageV03P560 # و (الجمعة) كان يقال لها العروبة (1)، وقيل: إن أول من سماها جمعة كعب بن لؤي (2)، وقيل: إن الأنصار قالوا: إن لليهود يوما يجتمعون فيه كل سبعة أيام، فهلموا نجعل لنا يوما نجتمع فيه فنذكر الله عز وجل ونصلي، فقالوا: يوم السبت لليهود، ويوم الأحد للنصارى، فاجعلوه يوم العروبة، فاجتمعوا إلى سعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ ركعتين وذكرهم، فسموه ms1251 يوم الجمعة لاجتماعهم فيه، فأنزل الله تعالى آية الجمعة، فهي أول جمعة كانت في الإسلام (3). # فأما أول جمعة جمعها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بأصحابه فهي أنه لما قدم المدينة نزل قباء على بني عمرو بن عوف يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول وأسس مسجدهم، وأقام بها إلى يوم الجمعة، ثم خرج عامدا إلى المدينة، فأدركته صلاة الجمعة في بني سالم بن العوف في بطن واد لهم - قد اتخذ اليوم هناك مسجد - فخطب وصلى الجمعة (4). # (إذا نودى) معناه: إذا أذن لصلاة الجمعة (فاسعوا) أي: فامضوا إلى الصلاة مسرعين غير متثاقلين (5)، وقرأ عمر وابن مسعود وابن عباس: # PageV03P561 # " فامضوا " (1)، وروي ذلك عن أئمة الهدى (عليهم السلام)، وعن الحسن: ليس السعي على الأقدام ولكنه على النيات والقلوب (2). # وفي الحديث: " إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المسجد، بأيديهم صحف من فضة وأقلام من ذهب، يكتبون الأول فالأول على مراتبهم " (3). # وكانت الطرقات في أيام السلف وقت السحر وبعد الفجر مغتصة بالمبكرين إلى الجمعة يمشون بالسرج، وقيل: أول بدعة أحدثت في الإسلام ترك البكور إلى الجمعة (4)، وعن ابن مسعود: أنه بكر فرأى ثلاثة نفر سبقوه فاغتم وأخذ يعاتب نفسه يقول: أراك رابع أربعة وما رابع أربعة بسعيد (5). (إلى ذكر الله) إلى الخطبة التي تتضمن ذكر الله (وذروا البيع) وتجارة الدنيا وبادروا إلى تجارة الآخرة. # فالظاهر يقتضي: أن البيع في وقت النداء فاسد؛ لأن النهي يدل على فساد المنهي عنه، وكذا جميع التصرفات، وإنما خص البيع بالنهي عنه لكونه من أعم التصرفات في أسباب المعائش. # وفرض الجمعة يلزم جميع المكلفين إلا أصحاب الأعذار من: السفر والمرض والعمى، والنساء، والشيوخ الذين لا حراك بهم، والعبيد، ومن كان على رأس أكثر من فرسخين. # وعند حصول الشروط لا تجب إلا عند حضور السلطان العادل أو من نصبه # PageV03P562 # للصلاة. ولا تنعقد إلا بثلاثة سوى الإمام عند أبي حنيفة (1)، وبأربعين عند الشافعي (2)، وبسبعة (3) عند أهل البيت (4) (عليهم السلام) (5). # (فإذا قضيت الصلوة فانتشروا في الأرض) ms1252 هذا إطلاق بعد الحظر في الانتشار وابتغاء الرزق مع الوصية بإكثار ذكر الله، وأن لا يلهيهم شىء من تجارة ولا غيرها عنه؛ لأن الفلاح منوط به، وعن ابن عباس: لم يؤمروا بطلب شيء من الدنيا، إنما هو عيادة المرضى، وحضور الجنائز، وزيارة أخ في الله (6). وعن الحسن وسعيد: طلب العلم (7). # وعن الصادق (عليه السلام): " الصلاة يوم الجمعة والانتشار يوم السبت " (8). # وعن جابر بن عبد الله: أقبل عير ونحن نصلي مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الجمعة، فانفض الناس إليها، فما بقي غير اثني عشر رجلا أنا منهم (9). # وعن الحسن: قدم دحية بن خليفة الكلبي بتجارة من زيت الشام # PageV03P563 # والنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يخطب يوم الجمعة، فقاموا إليه بالبقيع خشية أن يسبقوا إليه، فلم يبق مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا رهط، فنزلت الآية، فقال (عليه السلام): " والذي نفس محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بيده لو تتابعتم حتى لا يبقى أحد منكم لسال بكم الوادي نارا " (1). # وكانوا إذا أقبلت العير استقبلوها بالطبل والتصفيق، وهو المراد باللهو، وعن قتادة: فعلوا ذلك ثلاث مرات في كل مقدم عير، كل ذلك يوافق يوم الجمعة (2). # والتقدير: (وإذا رأوا تجرة) انفضوا إليها (أو لهوا) انفضوا إليه، فحذف أحدهما لدلالة الآخر عليه، وعن الصادق (عليه السلام): انصرفوا إليها (3) (وتركوك قآئما) تخطب على المنبر (قل) لهم (ما عند الله) من الثواب على سماع الخطبة والثبات والصلاة مع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (خير) وأحمد عاقبة. # * * * # PageV03P564 # سورة المنافقون (1) مدنية (2)، وهي إحدى عشرة آية. # وفي حديث أبي: " ومن قرأ سورة المنافقين برئ من النفاق " (3). # بسم الله الرحمن الرحيم (إذا جآءك المنفقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنفقين لكذبون (1) اتخذوا أيمنهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم سآء ما كانوا يعملون (2) ذا لك بأنهم ءامنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون (3) وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل ms1253 # PageV03P565 # صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قتلهم الله أنى يؤفكون (٤) وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون (٥) سوآء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدى القوم الفسقين (٦)) (قالوا نشهد إنك لرسول الله) شهادة يوافق فيها السر الإعلان، ويواطئ القلب اللسان، (والله يعلم إنك لرسوله) على الحقيقة (والله يشهد) إنهم (لكذبون) في ادعائهم المواطأة، أو: كاذبون في قولهم وشهادتهم؛ لأنها إذا خلت عن المواطأة لم تكن شهادة حقيقة. # (اتخذوا أيمنهم جنة) يستترون بها من الكفر لئلا يقتلوا، ويجوز أن يكون قولهم: (نشهد إنك لرسول الله) يمينا من أيمانهم الكاذبة، لأن الشهادة تجري مجرى الحلف، وقرأ الحسن: " إيمانهم " (١) أي: ما أظهروه من الإيمان بألسنتهم (سآء ما كانوا يعملون) من نفاقهم وصدهم الناس (عن سبيل الله)، وفي (سآء) معنى التعجب الذي هو تعظيم أمرهم عند السامعين. # (ذلك) إشارة إلى قوله: (سآء ما كانوا يعملون)، أي: ذلك القول الشاهد عليهم بأنهم أسوأ الناس أعمالا (ب‍) سبب (أنهم ءامنوا ثم كفروا)، أو: إلى ما وصف من حالهم في النفاق والاستجنان بالإيمان، أي: ذلك كله بسبب (أنهم ءامنوا ثم كفروا)، أي: نطقوا بكلمة الشهادة ثم ظهر كفرهم بعد ذلك بما اطلع عليه من قولهم: إن كان ما يقوله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) حقا فنحن حمير! ونحوه: ﴿لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمنكم﴾ (٢) ﴿ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلمهم﴾ (3) أو: # PageV03P566 # نطقوا بالإيمان عند المؤمنين، ثم نطقوا بالكفر إذا خلوا بأشباههم (فطبع على قلوبهم) فجسروا على كل عظيمة. # وكان عبد الله بن أبي رجلا جسيما فصيحا صبيحا، وقوم من المنافقين في مثل صفته، وكانوا يحضرون مجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيستندون فيه، فشبههم الله سبحانه في عدم الانتفاع بحضورهم وإن كانت هياكلهم معجبة وألسنتهم ذليقة بالخشب المسندة إلى الحائط، أو: بالأصنام المنحوتة من الخشب، والخطاب في (رأيتهم تعجبك) لرسول الله، أو: لكل من يخاطب. وقوله: (كأنهم خشب) كلام ms1254 مستأنف لا محل له، أو: في محل رفع على: هم كأنهم خشب، وقرئ: " خشب " (1) و (خشب)، والتحريك لغة أهل الحجاز واحدتها: خشبة، كبدنة وبدن، وثمرة وثمر، (عليهم) مفعول ثان، أي: (يحسبون كل صيحة) واقعة عليهم لجبنهم إذا نادى مناد في العسكر، أو: أنشدت ضالة ظنوه إيقاعا بهم، ويوقف على (عليهم) ويبتدأ (هم العدو) أي: الكاملون في العداوة (فاحذرهم) ولا يغررك ظاهرهم (قتلهم الله) دعاء عليهم، وطلب من ذاته أن يلعنهم ويخزيهم، أو: تعليم للمؤمنين أن يدعوا عليهم بذلك (أنى يؤفكون) كيف يصرفون عن الحق مع وفور أدلته. # (لووا رؤوسهم) عطفوها وأمالوها إعراضا عن ذلك واستكبارا، قرئ بالتخفيف (2) والتشديد للتكثير، أي: يستوي استغفارك لهم وعدم استغفارك لهم لأنهم لا يعتدون به لكفرهم، أو: لأن الله لا يغفر لهم. # PageV03P567 # (هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزآبن السموات والارض ولكن المنفقين لا يفقهون (7) يقولون لئن رجعنآ إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله ى وللمؤمنين ولكن المنفقين لا يعلمون (8) يأيها الذين ءامنوا لا تلهكم أموا لكم ولا أولدكم عن ذكر الله ومن يفعل ذا لك فأولئك هم الخسرون (9) وأنفقوا من ما رزقنكم من قبل أن يأتى أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتنى إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصلحين (10) ولن يؤخر الله نفسا إذا جآء أجلها والله خبير بما تعملون (11)) ازدحم على الماء في غزاة بني المصطلق رجل من المهاجرين ورجل من بني عوف بن الخزرج واقتتلا، فغضب عبد الله بن أبي وقال: والله، ما مثلنا مثلهم إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك، أما والله (لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) يعني: بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله، ثم قال لقومه: ماذا فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم وقاسمتموهم أموالكم؟ أما والله لو أمسكتم عنهم فضل الطعام لم يركبوا رقابكم، فلا تنفقوا عليهم (حتى ينفضوا) من حول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فسمع بذلك زيد بن أرقم - وهو حدث - فقال: أنت والله الذليل ms1255 القليل المبغض في قومك، ومحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في عز من الرحمن ومودة وقوة من المسلمين، فقال عبد الله: اسكت، فإنما كنت ألعب، فأخبر زيد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأرسل إلى عبد الله وقال: ما هذا الذي بلغني عنك؟ قال: والله الذي أنزل عليك الكتاب ما قلت شيئا من ذلك، وإن زيدا لكاذب، وذلك قوله تعالى: (اتخذوا أيمنهم جنة) وقال الحاضرون: يا رسول الله، شيخنا وكبيرنا، لا تصدق عليه كلام PageV03P568 # غلام، عسى أن يكون قد وهم، فعذره، وفشت الملامة من الأنصار لزيد، فلما نزلت لحق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) زيدا من خلفه فعرك أذنه وقال: وفت أذنك يا غلام إن الله صدقك وكذب المنافقين، فلما بان كذب عبد الله قيل له: قد نزلت فيك آي شداد، فاذهب إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يستغفر لك، فلوى رأسه ثم قال: أمرتموني أن أومن فآمنت، وأمرتموني أن أزكي مالي فزكيت، فما بقي إلا أن أسجد لمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فنزلت: (وإذا قيل لهم تعالوا) (1)، ولم يلبث إلا أياما قلائل حتى اشتكى ومات (ينفضوا) أي: يتفرقوا (ولله خزآئن السموت والأرض) وبيده الأرزاق فهو يرزقهم منها (ولكن) عبد الله وأمثاله جاهلون (لا يفقهون) ذلك. # (ولله العزة) أي: الغلبة والقوة ولمن أعزه الله وأيده. # وعن الحسن بن علي (عليهما السلام): أن رجلا قال له: إن الناس يزعمون أن فيك تيها! # قال: ليس بتيه ولكنه عزة، وتلا هذه الآية (2). # (لا تلهكم) لا تشغلكم (أمولكم) والتصرف فيها وابتغاء التلذذ بها (ولا أولدكم) وسروركم بهم وشفقتكم عليهم والقيام بما يصلحهم (عن ذكر الله ومن يفعل ذلك) يريد الشغل بالدنيا عن الدين (فأولئك هم الخسرون) في تجارتهم، إذ باعوا الخطير الباقي بالحقير الفاني. # (من ما رزقنكم): " من " للتبعيض أي: أنفقوا الواجب منه (من قبل أن يأتى أحدكم الموت) فيرى دلائله ويتعذر عليه الإنفاق، ويتحسر على المنع، ويفقد ما كان متمكنا منه (فيقول رب لولا أخرتنى) وقرئ: " أخرتن ms1256 " (3)، أي: # PageV03P569 # هلا أخرت موتي (إلى أجل قريب) إلى زمان قليل (فأصدق) فأتصدق، وقرئ: # (وأكن) عطفا على محل (فأصدق)، كأنه قيل: إن أخرتني أصدق وأكن. وقرئ: # " وأكون " (1) على اللفظ. # وعن ابن عباس: تصدقوا قبل أن ينزل عليكم سلطان الموت فلا يقبل توبة ولا ينفع عمل (2). وعنه: ما يمنع أحدكم إذا كان له مال أن يزكي، وإذا أطاق الحج أن يحج من قبل أن يأتيه الموت، فيسأل ربه الكرة فلا يعطاها (3). # وقيل: نزلت في مانعي الزكاة (4). # وعن الحسن: ما من أحدكم لم يزك ولم يحج ولم يصم إلا سأل ربه الرجعة (5). # (ولن يؤخر الله) نفي للتأخير على وجه التأكيد، والمعنى: إذا علمتم أن تأخير الموت عن وقته مما لا سبيل إليه، وأن الله عليم بأعمالكم، لم يبق إلا المسارعة إلى أداء الواجبات. وقرئ: (تعملون) بالياء (6) والتاء، فالتاء على عود الضمير إلى قوله: (نفسا) لأنه في معنى الجمع. # * * * # PageV03P570 # سورة التغابن مختلف فيها (1)، وهي ثمان عشرة آية. # وفي حديث أبي: " ومن قرأ سورة التغابن رفع عنه موت الفجأة " (2) وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأ سورة التغابن في فريضته كانت شفيعة له يوم القيامة، وشاهد عدل عند من يجيز شهادتها، ثم لا تفارقه حتى يدخل الجنة " (3). # بسم الله الرحمن الرحيم (يسبح لله ما في السموات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شىء قدير (1) هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن # PageV03P571 # والله بما تعملون بصير (2) خلق السموات والارض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير (3) يعلم ما في السموات والارض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور (4) ألم يأتكم نبؤا الذين كفروا من قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم (5) ذا لك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينت فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غنى حميد (6) زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربى لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذا لك على الله يسير (7) فامنوا بالله ورسوله ى والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير (8) يوم يجمعكم ليوم الجمع ms1257 ذا لك يوم التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل صلحا يكفر عنه سياته ى ويدخله جنت تجرى من تحتها الانهر خلدين فيهآ أبدا ذا لك الفوز العظيم (9) والذين كفروا وكذبوا بايتنآ أولئك أصحب النار خلدين فيها وبئس المصير (10)) (له الملك) على الحقيقة دون غيره لأنه مبدئ كل شيء ومبدعه، والمهيمن عليه (وله الحمد) دون غيره لأن أصول النعم وفروعها منه (1)، وأما ملك غيره فتسليط منه واسترعاء، وحمد غيره اعتداد بأن نعمة الله جرت على يده. # (فمنكم) آت بالكفر وفاعل له (ومنكم) آت بالإيمان وفاعل له (والله... # بصير) بكفركم وإيمانكم اللذين هما من جملة أعمالكم. والمعنى: هو الذي تفضل عليكم بأصل النعم الذي هو الإيجاد عن العدم، فكان يجب أن تنظروا النظر الصحيح فتكونوا مؤمنين موحدين، فما فعلتم ذلك مع تمكنكم، بل تفرقتم أمما (فمنكم كافر ومنكم مؤمن)، وقدم الكفر لأنه الأغلب عليهم والأكثر فيهم. # PageV03P572 # (بالحق) أي: بالغرض الصحيح والحكمة البالغة (وصوركم فأحسن صوركم) بأن جعلكم أحسن الحيوان وأبهاه، بدليل أن الإنسان لا يتمنى أن يكون صورته على صورة جنس آخر من الحيوان. # نبه سبحانه بعلمه (ما في السموت والأرض) ثم بعلمه ما يسره العباد وما يعلنونه ثم بعلمه ذوات الصدور أن شيئا من الكليات والجزئيات لا يعزب (١) عن علمه ولا يخفى عليه، فحقه أن يتقى ويحذر من معصيته. # (ألم يأتكم) خطاب للكفار. و (ذلك) إشارة إلى ما ذكر من الوبال الذي ذاقوه في الدنيا، وما أعده الله لهم من عذاب الآخرة (بأنه) بأن الشأن والحديث (كانت تأتيهم رسلهم بالبينت)، (أبشر يهدوننا) أنكروا أن يكون الرسل بشرا، ولم ينكروا أن يكون الله (٢) حجرا. و " البشر " يقع على الواحد والجمع ﴿قالوا مآ أنتم إلا بشر مثلنا﴾ (3)، (واستغنى الله) أطلق اللفظ ليتناول كل شيء، ومن جملته: إيمانهم... وطاعتهم، والمراد: وظهر استغناء الله حيث لم يضطرهم إلى الإيمان مع قدرته على ذلك. # الزعم: ادعاء العلم. وفي الحديث: " زعموا " مطية الكذب (4). (أن لن يبعثوا) أنهم لن يبعثوا، أو: سد مسد مفعولي (زعم)، (بلى) إثبات لما بعد ms1258 (لن) وهو البعث (وذلك على الله يسير) لا يصرفه عنه صارف. # (والنور الذي أنزلنا) هو القرآن. وقرئ: " نجمعكم " (5)، و " نكفر عنه "، # PageV03P573 # " وندخله " بالياء والنون (1)، (يوم يجمعكم) ظرف لقوله: (لتنبؤن) أو: # ل‍ (خبير) لما فيه من معنى الوعيد، كأنه قال: والله معاقبكم يوم يجمعكم (ليوم الجمع) ليوم يجمع فيه الأولون والآخرون، و (التغابن) مستعار من: تغابن القوم في التجارة، وهو أن يغبن بعضهم بعضا. # وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): " ما من عبد يدخل الجنة إلا أري مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرا، وما من عبد يدخل النار إلا أري مقعده من الجنة لو أحسن ليزداد حسرة " (2). # وهو من معنى (ذلك يوم التغابن) فيظهر في ذلك اليوم الغابن والمغبون، فالتغابن فيه هو التغابن على الحقيقة لا التغابن في أمور الدنيا وإن عظمت وجلت (صلحا) صفة للمصدر، أي: عملا صالحا. # (مآ أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شىء عليم (11) وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلغ المبين (12) الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون (13) يأيها الذين ءامنوا إن من أزواجكم وأولدكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم (14) إنمآ أموا لكم وأولدكم فتنة والله عنده أجر عظيم (15) فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه ى فأولئك هم المفلحون (16) إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم (17) علم الغيب والشهدة العزيز الحكيم (18)) # PageV03P574 # (بإذن الله) بتقديره ومشيئته، كأنه أذن للمصيبة أن تصيبه (يهد قلبه) يلطف به ويشرحه للازدياد من الطاعة والخير، وعن ابن عباس: يهد قلبه للاسترجاع عند المصيبة (1). وعن مجاهد: إن ابتلي صبر، وإن أعطي شكر، وإن ظلم غفر (2). وعن الضحاك: يهد قلبه حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه (3). # (إن من أزوجكم) أزواجا يعادينكم ويخاصمنكم، ومن (أولدكم) أولادا يعادونكم ويعقونكم (فاحذروهم) الضمير للعدو أو للأزواج والأولاد جميعا، ms1259 أي: فكونوا منهم على حذر ولا تأمنوا غوائلهم وشرورهم (وإن تعفوا) عنهم إذا اطلعتم منهم على عداوة، وتتجاوزوا عنهم، وتستروا ما فرط منهم عليهم (فإن الله) يغفر لكم ذنوبكم، ويكفر عنكم سيئاتكم. # (إنما أمولكم وأولدكم فتنة) (4) أي: بلاء ومحنة وسبب لوقوعكم في الجرائم والعظائم، وقيل: إذا أمكنكم الجهاد والهجرة فلا يفتننكم الميل إلى الأموال والأولاد (5). (فاتقوا الله ما استطعتم) جهدكم ووسعكم، أي: ابذلوا فيها جهدكم واستطاعتكم (واسمعوا) ما توعظون به (وأطيعوا) فيما تؤمرون به وتنهون عنه (وأنفقوا) في الوجوه التي تجب عليكم النفقة فيها (خيرا) منصوب بمحذوف، والتقدير: ائتوا خيرا لأنفسكم، أي: افعلوا ما هو خير لها وأنفع. وهذا # PageV03P575 # تأكيد للحث على امتثال هذه الأوامر وبيان، لأن هذه الأمور خير لأنفسكم من الأموال والأولاد، وما أقبلتم عليه من زبارج الدنيا ولذاتها الفانية. # وذكر القرض تلطف في الاستدعاء (يضعفه لكم) يكتب لكم بالواحد عشر أو (1) سبعمائة إلى ما شاء من الأضعاف المضاعفة (شكور) مجاز، أي: يفعل بكم ما يفعله المبالغ في الشكر من الأجر الجزيل والثواب العظيم (حليم) لا يعاجل بالعقوبة مع كثرة ذنوبكم. # * * * # PageV03P576 # سورة الطلاق (1) مدنية (2)، وهي إحدى عشرة آية بصري، واثنتا عشرة غيرهم، لم يعد البصري: (يجعل له مخرجا) (3). # في حديث أبي: " من قرأ سورة الطلاق مات على سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) " (4). # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأ سورة الطلاق والتحريم في فرائضه أعاذه الله من أن يكون يوم القيامة ممن يخاف أو يحزن، وعوفي من النار، وأدخله الله الجنة بتلاوته إياهما ومحافظته عليهما، لأ نهما للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) " (5). # بسم الله الرحمن الرحيم (يأيها النبي إذا طلقتم النسآء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة # PageV03P577 # واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذا لك أمرا (١) فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوى عدل منكم وأقيموا الشهدة لله ذا لكم ms1260 يوعظ به ى من كان يؤمن بالله واليوم الاخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا (٢) ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بلغ أمره ى قد جعل الله لكل شىء قدرا (٣) والى يئسن من المحيض من نسآئكم إن ارتبتم فعدتهن ثلثة أشهر والئى لم يحضن وأؤلت الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره ى يسرا (٤) ذا لك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر عنه سياته ى ويعظم له أجرا (٥)) خص النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنداء، وعم بالخطاب كما يقال للرئيس المتقدم في القوم: # يا فلان افعلوا كذا، إظهارا لتقدمه واعتبارا بأنه وحده في حكم جميعهم، والمعنى: # إذا أردتم تطليق النساء، كقوله: ﴿إذا قمتم إلى الصلوة﴾ (1)، (وإذا قرأت القرءان) (2) تنزيلا للمقبل على الأمر منزلة الشارع فيه (فطلقوهن لعدتهن) أي: # لزمان عدتهن، والمراد: أن يطلقن في طهر لم يجامعن فيه، وهو الطلاق للعدة، لأنها تعتد بذلك الطهر من عدتها، والمعنى: لطهرهن الذي يحصينه من عدتهن، وهو مذهب الشافعي (3) وأهل البيت (عليهم السلام) (4). وقيل: إن المعنى: فطلقوهن مستقبلات # PageV03P578 # لعدتهن، كقولك: أتيته لليلة خلت من الشهر (1)، فتكون العدة الحيض، وهو مذهب أبي حنيفة (2) (وأحصوا العدة) واضبطوها بالعدد وعدوها ثلاثة أقراء، وإنما أمر بإحصاء العدة لأن للمرأة فيها حقا، وهو النفقة والسكنى، وللزوج فيها حقا وهو المراجعة ومنعها من الأزواج. # (ولا تخرجوهن) حتى تنقضي عدتهن (من بيوتهن) من مساكنهن التي يسكنها (3) قبل العدة، وهي بيوت الأزواج، وأضيفت إليهن لاختصاصها بهن من حيث السكنى (ولا يخرجن) بأنفسهن إن أردن ذلك (إلا أن يأتين بفحشة مبينة) قرئ بفتح الياء (4) وكسرها، أي: مظهرة أو ظاهرة، وعن الحسن ومجاهد: # الفاحشة: الزنا (5)، وعن ابن عباس: هي البذاء على أهلها (6)، وروي ذلك عن أئمة الهدى (عليهم السلام) (7). (لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا) وهو أن يغير رأي الزوج ويوقع في قلبه أن يراجعها. والمعنى: فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة لعلكم ترغبون فيهن بعد الرغبة عنهن فتراجعون. # (فإذا ms1261 بلغن أجلهن) وهو آخر العدة وشارفنه فأنتم بالخيار: فراجعوهن إن شئتم وأمسكوهن بالمعروف والإحسان (أو فارقوهن) إن شئتم بترك الرجعة (بمعروف) بأن تتركوهن حتى يخرجن من العدة فيهن منكم (وأشهدوا ذوى عدل منكم) والظاهر يقتضي وجوب الإشهاد على ما ذهب إليه أصحابنا في # PageV03P579 # الطلاق (1)، (وأقيموا الشهدة لله) أي: لوجه الله لا لغرض من الأغراض سوى إقامة الحق. (ذلكم) الأمر بالحق، أو: الحث على إقامة الشهادة، (يوعظ به) المؤمنون (ومن يتق الله) فطلق للسنة، واحتاط في إيقاعه على الوجه المأمور، وأشهد عليه (يجعل الله له مخرجا) من كل هم وضيق (ويرزقه من حيث لا يحتسب) فتكون جملة اعتراضية مؤكدة لما سبق، ويجوز أن تكون جملة أتي بها على سبيل الاستطراد عند ذكر قوله: (ذلكم يوعظ به) ويكون المعنى: ومن يتق الله يجعل له مخلصا من غموم الدنيا والآخرة. # وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): " إني لأعلم آية لو أخذ الناس بها لكفتهم: (ومن يتق الله) فما زال يقرأها ويعيدها (2). # وقرئ: (بلغ أمره) بالإضافة، و " بالغ أمره " بالنصب (3)، أي: يبلغ ما يريده، لا يفوته مراد ولا يعجزه مطلوب (قد جعل الله لكل شىء قدرا) أي: تقديرا وتوقيتا، وفيه بيان لوجوب التوكل على الله، لأنه إذا علم أن كل شيء بتقديره وتوقيته لم يبق إلا التسليم لذلك والتفويض إليه. # (والئى يئسن من المحيض من نسآئكم) فلا يحضن (إن ارتبتم) فلا تدرون، لكبر ارتفع حيضهن أم لعارض (فعدتهن ثلثة أشهر) فهذه عدة المرتاب بها، وقدر ذلك بما دون خمسين سنة وهو مذهب أهل البيت (عليهم السلام) (4). (والئى # PageV03P580 # لم يحضن) أي: لم يبلغن المحيض من الصغائر، والمعنى: إن ارتبتم أيضا في أن مثلها تحيض فعدتهن ثلاثة أشهر، فحذف لدلالة المذكور قبل عليه، وقدر ذلك بتسع سنين فما زاد (1). # (وأولت الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) وعن ابن عباس: هي في المطلقات خاصة (2)، وهو المروي عن أئمتنا (عليهم السلام) (3). فأما المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملا فعدتهن أبعد الأجلين (4)، فإن مضت بها أربعة أشهر وعشر ولم ms1262 تضع انتظرت وضع الحمل (يجعل له من أمره يسرا) أي: يتيسر عليه أمور الدنيا والآخرة بسبب التقوى. # (ذلك أمر الله) يريد: ما علم من حكم المعتدات، والمعنى: (ومن يتق الله) في العمل بما (أنزله) من الأحكام في الطلاق والرجعة والعدة، وحافظ على الحقوق الواجبة عليه من الإسكان والنفقة وترك الضرار (يكفر) الله (عنه سيئاته ويعظم له أجرا) في الآخرة وهو ثواب الجنة. # (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضآروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولت حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فإن أرضعن لكم فاتوهن أجورهن وأتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسرتم # PageV03P581 # فسترضع له أخرى (٦) لينفق ذو سعة من سعته ى ومن قدر عليه رزقه فلينفق ممآ ءاتاه الله لا يكلف الله نفسا إلا مآ ءاتاها سيجعل الله بعد عسر يسرا (٧) وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله ى فحاسبنها حسابا شديدا وعذبنها عذابا نكرا (٨) فذاقت وبال أمرها وكان عقبة أمرها خسرا (٩) أعد الله لهم عذابا شديدا فاتقوا الله يأولى الالبب الذين ءامنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا (١٠) رسولا يتلوا عليكم ءايت الله مبينت ليخرج الذين ءامنوا وعملوا الصلحت من الظلمت إلى النور ومن يؤمن بالله ويعمل صلحا يدخله جنت تجرى من تحتها الانهر خلدين فيهآ أبدا قد أحسن الله له رزقا (١١) الله الذي خلق سبع سموا ت ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شىء قدير وأن الله قد أحاط بكل شىء علما (١٢)) بين سبحانه كيف يعمل بالتقوى في أمر المعتدات فقال: (أسكنوهن من حيث سكنتم) أي: بعض مكان سكناكم كما قال: ﴿يغضوا من أبصرهم﴾ (1) أي: بعض أبصارهم، وعن قتادة: إن لم يكن له إلا بيت واحد أسكنها في بعض جوانبه (2) (من وجدكم) عطف بيان لقوله: (من حيث سكنتم) وتفسير له، كأنه قال: # أسكنوهن مكانا من مسكنكم مما يطيقونه، والوجد: الوسع والطاقة. # والسكنى والنفقة واجبتان للمطلقة الرجعية بلا خلاف، وعندنا: أن المبتوتة (3) # PageV03P582 # لا سكنى لها ولا نفقة (١)، وحديث فاطمة بنت قيس أن زوجها بت طلاقها ms1263 فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " لا سكنى لك ولا نفقة " (٢) يدل عليه. # (ولا تضآروهن) ولا تدخلوا الضرر عليهن بالتقصير في السكنى والنفقة، (لتضيقوا عليهن) حتى تضطروهن إلى الخروج، وقيل: هو أن يراجعها إذا بقي من عدتها يومان ليضيق عليها أمرها (٣). (وإن كن أولت حمل) أي: حوامل، (فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن) سواء كن رجعيات أو مبتوتات (فإن أرضعن لكم) يعني: هؤلاء المطلقات إن أرضعن لكم ولدا منهن أو من غيرهن بعد انقطاع عصمة الزوجية (فآتوهن أجورهن) فأعطوهن أجرة الرضاع، (وأتمروا بينكم بمعروف) يقال: ائتمر القوم وتآمروا: إذا أمر بعضهم بعضا. والمعنى: وليأمر بعضكم بعضا، والخطاب للآباء والأمهات (بمعروف) بجميل في إرضاع الولد، وهو: المسامحة، وأن لا يماكس (٤) الأب، ولا تعاسر الأم، لأنه ولدهما معا، وهما شريكان فيه. (وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى) أي: الأب، أي: سيجد الأب مرضعة غير معاسرة ترضع له ولده إن عاسرته أمه. # (لينفق) كل واحد من الموسر والمعسر ما بلغه وسعه، يريد: ما أمر به من الإنفاق على المطلقات والمرضعات، وهو مثل قوله: ﴿ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره﴾ (5)، (سيجعل الله بعد عسر يسرا) هذا موعد لفقراء # PageV03P583 # ذلك الوقت بفتح أبواب الرزق عليهم، أو: لفقراء الأزواج إن أنفقوا ما قدروا عليه ولم يقصروا. # (وكأين) أي: وكم من أهل (قرية) أعرضوا (عن أمر) ربهم عتوا وعنادا، وجاوزوا الحد في المخالفة (حسابا شديدا) بالاستقصاء والمناقشة (عذابا نكرا) أي: منكرا عظيما. والمراد: حساب الآخرة وعذابها وما يذوقون فيها من الوبال، ويلقون من الخسران، وجيء به على لفظ الماضي كقوله: ﴿ونادى أصحب الجنة... ونادى أصحب النار﴾ (١) ونحو ذلك، لأن ما هو كائن فكان. # قد (أعد الله لهم عذابا شديدا) تكرير للتوعيد، وبيان لكونه مترقبا، ويجوز أن يراد إحصاء السيئات عليهم في الدنيا وهو إثباتها في صحائف أعمالهم، وإعداد العذاب الشديد (٢) لهم في الآخرة، وأن يكون (عتت) وما عطف عليه صفة للقرية، و (أعد الله) جواب ل‍ (كأين). # (رسولا) هو جبرئيل (عليه السلام)، أبدل من (ذكرا) ms1264 لأنه وصف بتلاوة آيات الله عز اسمه، فكان إنزاله في معنى إنزال الذكر، فلذلك صح إبداله منه، أو: أريد بالذكر الشرف كما في قوله: ﴿وإنه لذكر لك ولقومك﴾ (3)، فأبدل منه، كأنه في نفسه شرف، إما لأنه شرف للمنزل عليه وإما لأنه ذو شرف ومجد عند الله، أو: أريد: ذا ذكر، أي: ملكا مذكورا في الأمم، أو: دل قوله: (أنزل الله إليكم ذكرا) على: أرسل، فكأنه قال: أرسل رسولا، أو: أعمل (ذكرا) في (رسولا) (4) أي: أنزل الله أن ذكر رسولا أو: ذكره رسولا، ويجوز أن يكون المراد على هذا بقوله: (رسولا) # PageV03P584 # محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) (ليخرج الذين ءامنوا) بعد إنزاله لأنهم كانوا وقت الإنزال غير مؤمنين، وإنما آمنوا وأصلحوا بعد الإنزال والتبليغ، أو: ليخرج الذين عرف منهم أنهم يؤمنون، وقرئ: (يدخله) بالياء والنون (1) (قد أحسن الله له رزقا) فيه معنى التعجب والتعظيم لما يرزق المؤمن في الجنة من أنواع النعيم. # (الله الذي خلق) مبتدأ وخبر، و (مثلهن) عطف على (سبع سموت)، قالوا: ما في القرآن آية تدل على أن الأرضين سبع إلا هذه الآية (2). (يتنزل الأمر بينهن) أي: يجري أمر الله وحكمه بينهن، ويدبر تدبيراته فيهن، (لتعلموا) بالتدبير في خلق السموات والأرض أن الله الذي أنشأهما وأوجدهما (على كل شىء قدير) لكونه قادرا لذاته (وأن الله قد أحاط بكل شىء علما) لكونه عالما لذاته. # * * * # PageV03P585 # سورة التحريم مدنية (1)، وهي اثنتا عشرة آية. # في حديث أبي: " من قرأ سورة التحريم أعطاه الله توبة نصوحا ". # بسم الله الرحمن الرحيم (يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك تبتغى مرضات أزواجك والله غفور رحيم (1) قد فرض الله لكم تحلة أيمنكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم (2) وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه ى حديثا فلما نبأت به ى وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به ى قالت من أنبأك هذا قال نبأنى العليم الخبير (3) إن تتوبآ إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصلح ms1265 المؤمنين والملئكة بعد ذا لك ظهير (4) عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمت مؤمنت قنتت تائبت عبدات سبحت # PageV03P587 # ثيبت وأبكارا (5) يأيها الذين ءامنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملئكة غلاظ شداد لا يعصون الله مآ أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (6) يأيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون (7)) روي: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خلا بمارية في يوم عائشة، وعلمت بذلك حفصة فقال لها: " اكتمي علي وقد حرمت مارية على نفسي، فأخبرها أنه يملك من بعده أبو بكر وعمر، فأرضاها بذلك واستكتمها، فلم تكتم وأعلمت عائشة الخبر، وحدثت كل واحدة منهما أباها بذلك، فأطلع الله نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) على ذلك، فطلقها (1) واعتزل نساءه، ومكث تسعا وعشرين ليلة في بيت مارية (2). # وروي: أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) شرب عسلا في بيت زينب بنت جحش، فتواطأت عائشة وحفصة فقالتا له: إنا نشم منك ريح المغافير. وكان يكره رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) التفل، وحرم العسل (3). # والمعنى: (لم تحرم مآ أحل الله لك) من ملك اليمين، أو من العسل (تبتغى) حال من (تحرم)، أو: تفسير له، أو: استئناف، أي: تطلب به رضاء نسائك وهن أحق بطلب مرضاتك منك، وليس هذا بزلة منه صلوات الله وسلامه عليه كما زعمه جار الله (4)، لأن تحريم الإنسان بعض الملاذ بنفسه بسبب أو غير سبب ليس بقبيح ولا زلة، ويمكن أن يكون (عليه السلام) عوتب على ذلك لأنه كان تركا للأولى # PageV03P588 # والأفضل، ويحسن أن يقال لتارك النفل: لم لم تفعله؟ # (قد فرض الله لكم تحلة أيمنكم) أي: شرع لكم تحليل أيمانكم بالكفارة، وعن مقاتل: أمر الله نبيه أن يكفر عن يمينه ويراجع وليدته، فأعتق رقبة وعاد إلى مارية (1)، وعن الحسن: أنه لم يكفر وإنما هو تعليم للمؤمنين (2). # وفي الحديث: " لا يموت لمؤمن ثلاثة أولاد فتمسه النار إلا تحلة القسم " (3). # وهو عبارة عن القلة، كقول ذي الرمة: # قليلا كتحليل الألي (4) وقيل: معناه: ms1266 شرع لكم الاستثناء من قولهم: حلل فلان عن يمينه إذا استثنى فيها، وذلك أن يقول: " إن شاء الله " عقيبها حتى لا يحنث (5). (والله مولكم) سيدكم ومتولي أموركم (وهو العليم) بمصالحكم (الحكيم) يشرع لكم ما توجبه الحكمة، وقيل: (مولكم) أولى بكم من أنفسكم، فكانت نصيحته أنفع لكم من نصائحكم لأنفسكم (6). # (وإذ أسر النبي إلى بعض أزوجه) وهي حفصة (حديثا) أي: كلاما أمرها بإخفائه (فلما نبأت به) وأفشته وأخبرت غيرها به (وأظهره الله عليه) وأطلع الله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على إفشاء الحديث بالوحي (عرف) النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حفصة، أي: # أعلمها بعض الحديث، يعني: بعض ما اطلع عليه من ذلك (وأعرض عن بعض) # PageV03P589 # منه وصفح عنه، أو: عن بعض ما جرى من الأمر فلم يخبرها به تكرما، قال سفيان: # ما زال التغافل من فعل الكرام (١). وقرئ: " عرف " بالتخفيف (٢)، أي: جازى عليه، من قولك للمسيء: لأعرفن لك ذلك، و: قد عرفت ما صنعت، ﴿أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم﴾ (3)، وكان جزاؤه تطليقه إياها (فلما نبأها) رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بما أظهره الله عليه (قالت) حفصة (من) أخبرك ب‍ (هذا)؟ # (إن تتوبآ إلى الله) خطاب لعائشة وحفصة (4) على طريق الالتفات ليكون أبلغ في معاتبتهما (فقد صغت قلوبكما) فقد وجد منكما ما يوجب التوبة، وهو ميل قلوبكما عن الواجب في مخالصة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من حب ما يحبه وكراهة ما يكرهه. # وعن الصادق (عليه السلام): (إن تتوبآ إلى الله) مما هممتما من السم (فقد) زاغت (قلوبكما) (5). # وقرئ: (تظهرا) و (تظاهرا) بالتشديد (6) والتخفيف، والأصل: إن تتظاهرا، فخفف بالإدغام وبالحذف، أي: وإن تتعاونا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالإيذاء وبما يسوء فلم يعدم هو (صلى الله عليه وآله وسلم) من يظاهره، وكيف يعدم المظاهر من الله (موله) أي: وليه والمتولي حفظه ونصرته، وزيادة (هو) تؤذن بأن نصرته # PageV03P590 # عزيمة من عزائم الله، وأنه يتولى ذلك بذاته وجبرائيل: رأس الكروبيين (1)، وقرن ذكره بذكره من ms1267 بين سائر الملائكة تعظيما له، وإظهارا لمكانته عنده، (وصلح المؤمنين) ومن صلح من المؤمنين، وعن سعيد بن جبير: من برئ منهم من النفاق (2)، وعن قتادة: الأتقياء (3). ويجوز أن يكون واحدا أريد به الجمع، كما يقال: لا يفعل هذا الصالح من الناس، يراد الجنس، أي: من صلح منهم (4). ويجوز أن يكون الأصل: " صالحو المؤمنين " بالواو، فكتب بغير واو على اللفظ (5). # وروي من طريق الخاص والعام أنها لما نزلت أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بيد علي (عليه السلام) وقال: " يا أيها الناس هذا صالح المؤمنين " (6). # (والملئكة) على تكاثر عددهم (بعد ذلك) بعد نصرة الله وجبريل وصالح المؤمنين (ظهير) فوج مظاهر له، كأنهم يد واحدة على من يعاديه ويخالفه، فما يبلغ تظاهر امرأتين على من هؤلاء ظهراؤه؟! وقرأ موسى بن جعفر (عليهما السلام): " وإن تظاهروا عليه ". # PageV03P591 # (عسى ربه إن طلقكن) يا أزواج النبي (أن يبدله) بالتشديد (1) والتخفيف (أزوجا خيرا منكن) موصوفات بهذه الصفات من: الاستسلام لأمر الله، والتصديق لله ولرسوله، والقيام بطاعة الله في طاعة رسوله، والرجوع إلى أمره والتذلل له (سئحت) صائمات، وقيل: مهاجرات (2)، وعن زيد بن أسلم: لم يكن في هذه الأمة سياحة إلا الهجرة (3). وقيل: ماضيات في طاعة الله ورسوله (4). ووسط بين " الثيبات " و " الأبكار " بالواو لأنهما صفتان متنافيتان، لا يجتمعن فيهما اجتماعهن في سائر الصفات. # (قوا أنفسكم) بترك المعاصي وفعل الطاعات (وأهليكم) بأن تأخذوهم بما تأخذون به أنفسكم، وعن مقاتل: هو أن يؤدب المرء أهله وخدمه، فيعلمهم الخير وينهاهم عن الشر (5)، وذلك حق على كل مسلم. # وفي الحديث: " رحم الله رجلا قال: يا أهلاه صلاتكم، صيامكم، زكاتكم، مسكينكم، ويتيمكم، جيرانكم، لعل الله يجمعهم معه في الجنة " (6). # (نارا وقودها الناس والحجارة) نوعا من النار لا تتقد إلا بالناس والحجارة كما يتقد غيرها من أنواع النيران بالحطب. (عليها) أي: يلي أمرها (ملئكة غلاظ شداد) في أجرامهم غلظة وشدة، أي: جفاء وقوة، أو: في أفعالهم جفاء وخشونة، لا تأخذهم رأفة في الغضب لله ورأفة (7) لأهل النار، وهم الزبانية التسعة ms1268 # PageV03P592 # عشر (1). (مآ أمرهم) في محل نصب على البدل، أي: لا يعصون أمر الله، أو: معناه: # لا يعصون الله فيما أمرهم به. والمعنى الأول: أنهم يتقبلون أوامره ويلتزمونها، والمعنى الثاني: أنهم يؤدون ما يؤمرون به. ويمكن أن يكون الخطاب في الآية للذين آمنوا بألسنتهم وهم المنافقون، لأن الله عز اسمه جعل هذه النار الموصوفة بأن وقودها الناس والحجارة معدة للكافرين في موضع آخر من التنزيل (2)، ويعضده قوله تعالى على أثره: (يأيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم) أي: يقال لهم عند دخولهم النار: لا تعتذروا، لأنه لا عذر لكم، أو: لأنه لا ينفعكم العذر. # (يأيها الذين ءامنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سياتكم ويدخلكم جنت تجرى من تحتها الانهر يوم لا يخزى الله النبي والذين ءامنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمنهم يقولون ربنآ أتمم لنا نورنا واغفر لنآ إنك على كل شىء قدير (8) يأيها النبي جهد الكفار والمنفقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير (9) ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صلحين فخانتا هما فلم يغنيا عنهما من الله شيا وقيل ادخلا النار مع الداخلين (10) وضرب الله مثلا للذين ءامنوا امرأت فرعون إذ قالت رب ابن لى عندك بيتا في الجنة ونجنى من فرعون وعمله ى ونجنى من القوم الظلمين (11) ومريم ابنت عمران التى أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمت ربها وكتبه ى وكانت من القنتين (12)) # PageV03P593 # وصف التوبة بالنصح على الإسناد المجازي، والنصح صفة التائبين وهو أن ينصحوا أنفسهم بالتوبة، فيتوبوا عن القبائح لقبحها، نادمين عليها، عازمين على أنهم لا يعودون في قبيح من القبائح إلى أن يعود اللبن في الضرع، موطنين أنفسهم على ذلك. # وعن علي (عليه السلام): إن التوبة يجمعها ستة أشياء على الماضي من الذنوب الندامة وللفرائض الإعادة، ورد المظالم، واستحلال الخصوم، وأن تعزم على أن لا تعود، وأن تذيب نفسك في طاعة الله كما ربيتها في معصية الله، وأن تذيقها مرارة الطاعات كما ms1269 أذقتها حلاوة المعاصي (1). # وقيل: (نصوحا) من: نصاحة الثوب أي: توبة ترقع خروقك في دينك وترم خلك (2)، وقيل: توبة تنصح الناس أي: تدعوهم إلى مثلها لظهور أثرها في صاحبها، واستعماله الجد في العمل على مقتضياتها (3). وقرئ: " نصوحا " بالضم (4) وهو مصدر " نصح "، أي: ذات نصوح، أو: تنصح نصوحا، أو: توبوا لنصح أنفسكم على أنه مفعول له، والنصح والنصوح مثل: الشكر والشكور، والكفر والكفور (عسى ربكم) إطماع من الله لعباده، وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون على عادة الملوك في الإجابة ب‍ " عسى " و " لعل " وإيقاع ذلك موقع القطع والبت، والثاني: أن يكون على تعليم عباده الترجح بين الخوف والرجاء. (يوم لا يخزى الله) نصب ب‍ (يدخلكم) وهو تعريض بمن أخزاهم الله من أهل الكفر والنفاق، واستحماد إلى المؤمنين على أنه عصمهم من مثل حالهم، أي: لا يذل النبي # PageV03P594 # والمؤمنين معه، بل يعزه ويكرمه بالشفاعة، ويعز المؤمنين بإدخال الجنة، وقيل: # (والذين ءامنوا معه) مبتدأ وما بعده خبر (١) أي: يسعى نورهم على الصراط، وعن الصادق (عليه السلام): يسعى أئمة المؤمنين يوم القيامة بين أيديهم وبأيمانهم حتى ينزلوهم منازلهم من الجنة (٢) (يقولون ربنآ أتمم لنا نورنا) في موضع نصب على الحال، أو: خبر بعد خبر. وعن الحسن: الله متمه لهم، ولكنهم يدعون تقربا إلى الله (٣)، كقوله: ﴿واستغفر لذنبك﴾ (4) وهو مغفور له، وإنما قال تقربا، وليست الدار دار تقرب، لأن حالهم يشبه حال المقربين حيث يطلبون من الله سبحانه ما هو حاصل لهم، وقيل: إن النور يكون على قدر أعمالهم، فأدناهم منزلة في ذلك يسأل إتمامه تفضلا (5) (واغفر لنآ) أي: استر علينا ذنوبنا ولا تهلكنا بها. # (جهد الكفار) بالسيف (والمنفقين) بالقول الرادع وبالاحتجاج، وقرأ الصادق (عليه السلام): جاهد الكفار بالمنافقين، وقال: إنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يقاتل منافقا قط إنما كان يتألفهم (6)، وعن قتادة: بإقامة الحدود عليهم (7)، وعن الحسن: أكثر من كان يصيب الحدود في ذلك الزمان المنافقون، فأمر أن يغلظ عليهم في إقامة الحد (8). # مثل الله حال الكفار والمنافقين في أنهم يعاقبون على كفرهم ms1270 ونفاقهم من غير إبقاء ولا محاباة ولا اعتبار بالعلائق والوصل بحال (امرأت نوح وامرأت لوط) # PageV03P595 # لما نافقتا وخانتا الرسولين، لم يغن الرسولان (عنهما) بحق ما بينهما من وصلة الزوجية (شيئا) من عذاب الله (وقيل) لهما عند موتهما أو: يوم القيامة (ادخلا النار مع) سائر (الداخلين) الذين لا وصلة بينهم وبين الأنبياء، ومثل حال المؤمنين في القيامة في أن وصلة الكافرين لا تضرهم، ولا تنقص شيئا من ثوابهم وزلفاهم عند الله بحال (امرأت فرعون) ومنزلتها عند الله مع كونها زوجة أعظم الكافرين، القائل: ﴿أنا ربكم الاعلى﴾ (1) (ومريم ابنت عمرن) وما أتيت من كرامة الدنيا والآخرة، والاصطفاء على نساء العالمين مع أن قومها كانوا كافرين. # وفي طي التمثيلين تعريض بزوجتي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المذكورتين في أول السورة، وما فرط منهما من التظاهر على رسول الله بما كرهه، وتحذير لهما على أغلظ وجه وأشده، لما في التمثيل من ذكر الكفر، وإشارة إلى أن من حقهما أن لا تتكلا على أنهما زوجا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فإن ذلك الفضل لا ينفعهما إلا مع كونهما مؤمنتين مخلصتين، والتعريض بحفصة أكثر لأن امرأة لوط أفشت عليه كما أفشت حفصة على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). # ففي قوله: (عبدين من عبادنا صلحين) إشارة إلى أن عبدا من العباد لا يرجح عنده إلا بالصلاح، وبه ينال الفوز لا غير (فخانتاهما) بالنفاق والتظاهر على الرسولين: فامرأة نوح قالت لقومه: إنه مجنون، وامرأة لوط دلت على ضيفانه، وعن الضحاك: خانتاهما بالنميمة إذا أوحى الله إليهما أفشتاه إلى المشركين (2)، ولا يجوز أن يراد بالخيانة الفجور لأنه نقيصة عند كل أحد، سمج في كل طبيعة، بخلاف الكفر لأن الكفار لا يستسمجونه، وعن ابن عباس: ما زنت # PageV03P596 # امرأة نبي قط؛ لما في ذلك من التنفير عن الرسول، وإلحاق الوصمة به (1). # وامرأة فرعون: آسية بنت مزاحم، آمنت حين سمعت بتلقف عصا موسى الإفك، فعذبها فرعون بأن وتد يديها ورجليها بأربعة أوتاد واستقبل بها الشمس، وأضجعها ms1271 على ظهرها ووضع رحى على صدرها، ولما قالت: (رب ابن لى عندك بيتا في الجنة) أريت بيتها في الجنة يبنى، وقيل: رفعها الله إلى الجنة، فهي فيها تأكل وتشرب وتنعم فيها (2)، (ونجنى من) نفس (فرعون) الخبيثة (و) من (عمله) الذي هو الكفر والظلم والتعذيب بغير جرم (ونجنى من القوم الظلمين) من القبط كلهم. # (أحصنت فرجها) عفت عن الحرام، وقيل: منعت فرجها من الأزواج (فنفخنا فيه) أي: في الفرج (وصدقت بكلمت ربها) وهي ما تكلم سبحانه به وأوحاه إلى أنبيائه (وكتبه) أي: وبالكتب التي أنزلها على أنبيائه، وقرئ: # " وكتابه " (3) وهو الإنجيل (وكانت من القنتين) ولم يقل: من القانتات؛ تغليبا للذكور، و " من " للتبعيض، ويجوز أن يكون لابتداء الغاية على أنها ولدت من القانتين، لأنها من أعقاب هارون أخي موسى (عليه السلام). # * * * # PageV03P597 # سورة الملك مكية (1)، وتسمى المنجية تنجي صاحبها من عذاب القبر، والواقية تقي قارئها من عذاب القبر، ثلاثون آية. # في حديث أبي: " ومن قرأ سورة تبارك فكأنما أحيا ليلة القدر " (2). # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأ سورة تبارك في المكتوبة قبل أن ينام لم يزل في أمان الله حتى يصبح، وفي أمانه يوم القيامة حتى يدخل الجنة ". # بسم الله الرحمن الرحيم (تبرك الذي بيده ى الملك وهو على كل شىء قدير (1) الذي خلق الموت والحيوة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور (2) # PageV03P599 # الذي خلق سبع سموا ت طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفوت فارجع البصر هل ترى من فطور (3) ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك ا لبصر خاسئا وهو حسير (4) ولقد زينا السمآء الدنيا بمصبيح وجعلنها رجوما للشيطين وأعتدنا لهم عذاب السعير (5) وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير (6) إذ آ ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهى تفور (7) تكاد تميز من الغيظ كلمآ ألقى فيها فوج سألهم خزنتهآ ألم يأتكم نذير (8) قالوا بلى قد جآءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شىء إن أنتم إلا في ضلل كبير (9) وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحب ms1272 السعير (10) فاعترفوا بذنبهم فسحقا لاصحب السعير (11)) (تبرك) أي: تعالى وتعاظم عن صفات المخلوقين بأنه الثابت، الذي ثبوت الأشياء به، وجميع البركات منه (الذي بيده الملك) على كل موجود (وهو على كل شىء) لم يوجد مما يدخل تحت القدرة (قدير)، وذكر اليد مجاز عن الاستيلاء على الملك والإحاطة به. # (الذي خلق الموت والحيوة) قدم ذكر الموت لأنه إلى القهر أقرب، والحياة: # ما يوجب كون الشيء حيا، والحي هو الذي يصح منه أن يعلم ويقدر، والموت عدم ذلك فيه، ومعنى خلق الموت والحياة: إيجاد ذلك المصحح وإعدامه. # والمعنى: خلق موتكم وحياتكم أيها المكلفون (ليبلوكم) وسمى علم الواقع منهم باختيارهم بلوى - وهي الخبرة - استعارة من فعل المختبر (أيكم أحسن عملا) يتعلق ب‍ (يبلوكم) لأن البلوى تتضمن معنى العلم، فكأنه قال: ليعلم أيكم أحسن عملا. والجملة وقعت موقع الثاني من المفعولين، كما تقول: علمته أزيد أحسن عملا أم هو، وهذا لا يسمى تعليقا، لأن التعليق إنما يكون بأن يوقع بعده ما يسد PageV03P600 # المفعولين جميعا، كقولك: علمت أيهما عمرو، و (أحسن عملا) أي: أخلص وأصوب، والخالص أن يكون لوجه الله، والصواب أن يكون على الوجه المأمور به. # وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه تلاها ثم قال: " أيكم أحسن عقلا، وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله " (1) والمعنى: أيكم أتم عقلا عن الله وفهما لأغراضه. # والمراد: أنه أعطاكم الحياة التي تقدرون بها على العمل، وسلط عليكم الموت الذي هو داعيكم إلى اختيار العمل الحسن على القبيح، لأن وراء الموت البعث والجزاء. (وهو العزيز) الغالب الذي لا يعجزه من أساء العمل (الغفور) لمن يتفضل عليه من أهل الإساءة. # (طباقا) من: طابق النعل: إذا خصفها طبقا على طبق، أي: مطابقة بعضها فوق بعض، وهو وصف بالمصدر، أو: ذات طباق، أو: طوبقت طباقا (من تفوت) وقرئ: " من تفوت " (2) ومعناهما واحد، مثل: تظاهر وتظهر، وتعاهد وتعهد، يريد: # من اختلاف واعوجاج واضطراب في الخلقة، إنما هي مستقيمة ومستوية كلها، وحقيقة التفاوت عدم التناسب، كأن بعضه يفوت بعضا ولا ms1273 يلائمه، ونقيضه: # متناصف، وأصله: ما ترى فيهن من تفاوت، فوضع الظاهر موضع المضمر تعظيما لخلقهن، وتنبيها على أن سبب سلامتهن من التفاوت أنهن خلق الرحمان. # والخطاب فيما ترى للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولكل مخاطب (فارجع البصر) وأدرها في خلق الرحمان حتى يصح عندك ما أخبرت به بالمعاينة (هل ترى من فطور) من صدوع وشقوق، جمع " فطر " وهو الشق، وقرئ بإدغام اللام في التاء (3) # PageV03P601 # نحو: هترى، لأن اللام قريبة المخرج من التاء. # (ثم ارجع البصر كرتين) أي: ثم كرر البصر فيهن متصفحا ومتتبعا هل تجد عيبا وخللا (ينقلب إليك) أي: إن رجعت البصر وكررت النظر لم يرجع إليك بصرك بما طلبته من إدراك الخلل، بل يرجع إليك بالخسوء والحسور أي: بالبعد عن إصابة الملتمس، كأنه طرد عن ذلك طردا بالصغار والقماءة وبالإعياء والكلال لطول الترديد، ومعنى التثنية في قوله: (كرتين) التكرير بكثرة، كقولهم: لبيك وسعديك، بمعنى: إجابات كثيرة بعضها في إثر بعض، ونحوه: قولهم في المثل: # " دهدرين سعد القين " (1) أي: باطلا بعد باطل. # (السمآء الدنيا) أي: القربى إلى الناس، ومعناها: السماء الدنيا منكم (ولقد زينا السمآء الدنيا) التي اجتمعتم فيها (بمصبيح) أي: بأي مصابيح؟! لا توازيها مصابيحكم إضاءة، يريد: الكواكب، (وجعلنها رجوما) لأعدائكم الشياطين الذين يسترقون السمع، وذلك بأن ينفصل من نور الكواكب شهب تنقض لرميهم، كالقبس يؤخذ من النار والنار ثابتة، والرجوم: جمع رجم، وهو مصدر سمي به ما يرجم به، وقيل: معناه: وجعلناها ظنونا ورجوما بالغيب لشياطين الإنس وهم المنجمون (2) (وأعتدنا لهم) بعد الإحراق بالشهب في الدنيا (عذاب) الآخرة و (السعير) النار المسعرة. # PageV03P602 # (وللذين كفروا) ولكل من كفر بالله (عذاب جهنم). (إذآ ألقوا فيها) أي: # طرحوا كما يطرح الحطب في النار (سمعوا لها) أي: للنار (شهيقا) شبه حسيسها المنكر الفظيع بالشهيق (وهى تفور) أي: تغلي بهم غليان المرجل بما فيه. (تكاد تميز) أي: تنقطع وتنشق (1) (من الغيظ) عليهم، جعلها كالمغتاظة عليهم لشدة غليانها بهم، ويجوز أن يكون المراد غيظ الزبانية (كلمآ) طرح (فيها فوج سألهم خزنتهآ ألم ms1274 يأتكم نذير) وهو توبيخ لهم ليزدادوا عذابا إلى عذابهم، و (خزنتها): مالك وأعوانه من الزبانية. (قالوا بلى) اعتراف منهم بعدل الله وبعثه الرسل، وبأنهم أوتوا من قبل أنفسهم. ويجوز أن يكون بمعنى الإنذار، والمعنى: ألم يأتكم أهل نذير. (إن أنتم إلا في ضلل كبير) أي: قلنا للرسل: ما أنتم إلا في ذهاب عن الصواب كبير، وقيل: هو من قول الملائكة للكفار حكاية لما كانوا عليه من الضلال في الدنيا (2)، أو أرادوا بالضلال الهلاك. # (وقالوا لو كنا نسمع) الإنذار سماع الطالب للحق (أو نعقل) عقل الناظر المتأمل، وقيل: جمع بين السمع والعقل لأن التكليف يدور عليهما وعلى أدلتهما (3) (فاعترفوا بذنبهم) في تكذيبهم الرسل (فسحقا) قرئ بالتخفيف والتثقيل (4)، أي: فبعدا لهم اعترفوا أو جحدوا فإن ذلك لا ينفعهم. # (إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير (12) وأسروا قولكم أو اجهروا به ى إنه عليم بذات الصدور (13) ألا يعلم من خلق # PageV03P603 # وهو اللطيف الخبير (14) هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه ى وإليه النشور (15) ءأمنتم من في السمآء أن يخسف بكم الأرض فإذا هى تمور (16) أم أمنتم من في السمآء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير (17) ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير (18) أولم يروا إلى الطير فوقهم صفت ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شىء بصير (19) أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكفرون إلا في غرور (20) أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور (21)) (يخشون ربهم بالغيب) أي: يخافونه غائبين عن مرآة الناس، حيث لا يرونه فيتركون المعاصي. (وأسروا قولكم أو اجهروا به) ظاهره الأمر بأحد الأمرين: الإسرار والإجهار، ومعناه: ليستو عندكم إسراركم وإجهاركم في علم الله بهما، ثم علله ب‍ (إنه عليم بذات الصدور) أي: بضمائرها قبل أن يترجم الألسنة عنها، فكيف لا يعلم ما تكلمتم به؟! ثم أنكر أن لا يحيط علما بالمضمر والمسر والمجهر من خلق الأشياء وحاله إنه (اللطيف الخبير) ms1275 العالم بما ظهر من خلقه وما بطن، ويجوز أن يكون (من خلق) منصوبا بمعنى: ألا يعلم مخلوقه وهذه حاله؟ وعن ابن عباس: كانوا ينالون من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيخبره به جبرائيل (عليه السلام)، فقالوا: أسروا قولكم كي لا يسمع إله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فنزلت (1). # (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا) مذللة موطأة للتصرف فيها والمصير (2) عليها (فامشوا في مناكبها) هو مثل لفرط التذليل، لأن المنكبين من البعير # PageV03P604 # مما يصعب على الراكب وطؤه بقدمه، وقيل: مناكبها: جبالها، أي سهل لكم السلوك فيها (1)، وقيل: جوانبها (2) (وإليه النشور) فيسألكم عن شكر ما أنعم به عليكم. # ثم هدد سبحانه العصاة فقال: (ءأمنتم من في السماء) وفيه وجهان: # أحدهما: من ملكوته في السماء؛ لأنها مسكن ملائكته، ومنها ينزل قضاياه وأوامره. # والثاني: أنهم كانوا يعتقدون التشبيه، وأنه في السماء، فقيل على حسب اعتقادهم: أأمنتم من تزعمون أنه في السماء وهو متعال عن المكان أن يعذبكم بخسف أو بحاصب؟ (فإذا هى تمور) أي: تضطرب وتتحرك بهم حتى تلقيهم إلى أسفل. (فستعلمون) حينئذ (كيف نذير) أي: كيف إنذاري حيث لا ينفعكم العلم. # و (نكير) إنكاري عليهم وتغييري ما بهم من النعم. # (صفت) أي: باسطات أجنحتهن في الجو عند طيرانها (ويقبضن) ويضممنها إذا ضربن بها جنوبهن، ولم يقل: وقابضات، لأن أصل الطيران صف الأجنحة، والقبض طارئ على البسط للاستظهار به على التحرك فقيل: ويقبضن، أي: ويكون منهن القبض تارة بعد تارة، كما يكون من السابح في الماء (ما يمسكهن إلا الرحمن) بقدرته وبتوطئة الهواء لهن (إنه بكل شىء بصير) يعلم كيف يخلق ويدبر العجائب. # (أم من) يشار إليه فيقال: (هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون) الله إن أرسل عليكم عذابه. (أم من) يشار إليه فيقال: (هذا الذي يرزقكم إن أمسك) الله (رزقه) وهذا على التقدير، ويجوز أن يكون إشارة إلى جميع # PageV03P605 # الأوثان لاعتقادهم أنهم يحفظون من النوائب، ويرزقون ببركة آلهتهم، فكأنهم الجند الناصر والرازق، ونحوه: قوله: ﴿أم لهم ءالهة تمنعهم ms1276 من دوننا﴾ (1) (بل لجوا في عتو ونفور) بل تمادوا في عناد وشراد عن الحق، وبعاد من الإيمان. # (أفمن يمشى مكبا على وجهه ى أهدى أمن يمشى سويا على صراط مستقيم (22) قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصر والافدة قليلا ما تشكرون (23) قل هو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون (24) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صدقين (25) قل إنما العلم عند الله وإنمآ أنا نذير مبين (26) فلما رأوه زلفة سيت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم به ى تدعون (27) قل أرءيتم إن أهلكنى الله ومن معى أو رحمنا فمن يجير الكفرين من عذاب أليم (28) قل هو الرحمن ءامنا به ى وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ضلل مبين (29) قل أرءيتم إن أصبح مآؤكم غورا فمن يأتيكم بمآء معين (30)) يقال: كبيته فأكب، وهو شاذ، ومثله: قشعت الريح السحاب فأقشع. والمعنى: # من يمشي معتسفا في مكان غير مستو فيعثر ويخر على وجهه منكبا، فحاله نقيض حال (من يمشى سويا) سالما من العثار على طريق مستو، وهو مثل للمؤمن والكافر. # (فلما رأوه زلفة) الضمير للوعد، والزلفة: القربة، وانتصابها على الحال أو الظرف أي: رأوه ذا زلفة، أو: مكانا ذا زلفة (سيئت وجوه الذين كفروا) أي: # ساءت رؤية الوعد وجوههم بأن علتها الكآبة وغشيتها آثار الغم كما يكون وجوه # PageV03P606 # من يقاد إلى القتل، يعني: يوم القيامة، وعن مجاهد: يوم بدر (1) (تدعون) تفتعلون من " الدعاء "، أي: تطلبون وتستعجلون به، وقيل: هو من الدعوى (2)، أي: كنتم بسببه تدعون أنكم لا تبعثون، وقرئ: " تدعون " (3). # كانوا يتمنون هلاك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين، فأمر بأن يقول لهم: إن أهلكنا الله كما تمنون ونحن مؤمنون فننقلب إلى الجنة (أو رحمنا) بتأخير آجالنا (فمن) يجيركم وأنتم كافرون (من عذاب) النار، لا مخلص لكم منه. والمعنى: أنكم تطلبون لنا الهلاك الذي فيه الفوز والسعادة، وأنتم في أمر هو الهلاك الذي لا هلاك مثله، ولا تطلبون الخلاص منه. أو: إن أهلكنا الله بالموت فمن يجيركم من النار بعد موت ms1277 من يأخذ بحجزكم منها، وإن رحمنا بالإمهال والنصرة عليكم فمن يجيركم من القتل على أيدينا. # (قل هو الرحمن) الذي عمت نعمته ورحمته جميع الخلق (ءامنا به وعليه توكلنا) قدم مفعول (توكلنا) وأخر مفعول (ءامنا) لوقوع (ءامنا) تعريضا بالكافرين الذين تقدم ذكرهم، فكأنه قال: آمنا به ولم نكفر كما كفرتم، ثم قال: # (وعليه توكلنا) خصوصا، لا نتكل على غيره. # (غورا) أي: غائرا ذاهبا في الأرض، ناضبا في الآبار والعيون، وهو وصف بالمصدر ك‍ " عدل " و " رضا "، والمعين: الظاهر للعيون، وعن ابن عباس: بماء جار (4). # * * * # PageV03P607 # سورة القلم مكية (1)، وعن ابن عباس وقتادة: بعضها مكي، وبعضها مدني (2)، اثنتان وخمسون آية. # في حديث أبي: " ومن قرأ سورة القلم أعطاه الله ثواب الذين حسن أخلاقهم " (3). # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأها في فرائضه أو نوافله أمنه الله أن يصيبه في حياته فقر أبدا، وأعاذه من ضمة القبر " (4). # بسم الله الرحمن الرحيم (ن والقلم وما يسطرون (1) مآ أنت بنعمة ربك بمجنون (2) وإن لك # PageV03P609 # لأجرا غير ممنون (3) وإنك لعلى خلق عظيم (4) فستبصر ويبصرون (5) بأييكم المفتون (6) إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ى وهو أعلم بالمهتدين (7) فلا تطع المكذبين (8) ودوا لو تدهن فيدهنون (9) ولا تطع كل حلاف مهين (10) هماز مشآء بنميم (11) مناع للخير معتد أثيم (12) عتل بعد ذا لك زنيم (13) أن كان ذا مال وبنين (14) إذا تتلى عليه ءايتنا قال أسطير الاولين (15) سنسمه على الخرطوم (16)) قرئ: (نون) بالبيان والإدغام (1)، هو الحرف من حروف المعجم، وقيل: هو الحوت الذي عليه الأرضون (2)، وقيل: هو الدواة (3)، وقيل: هو نهر في الجنة، قال الله تعالى له: كن مدادا فجمد، وكان أشد بياضا من اللبن وأحلى من الشهد، ثم قال للقلم: اكتب، فكتب القلم ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة. روي ذلك عن الباقر (عليه السلام) (4) (والقلم) الذي يكتب، أقسم الله به لما فيه من المنافع والفوائد (وما يسطرون) ما يسطره الحفظة، و " ما " موصولة أو مصدرية، ويجوز أن يكون المراد بالقلم أصحابه، فيكون الضمير في (يسطرون) يرجع إليهم ms1278 كأنه قال: وأصحاب القلم ومسطوراتهم، أو: يريد: وسطرهم. # PageV03P610 # (بنعمة ربك) في محل نصب على الحال، والمعنى: ما أنت بمجنون منعما عليك بذلك، وهو جواب لقولهم: ﴿يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون﴾ (١) (وإن لك) على تحمل أعباء الرسالة وقيامك بواجبها (لأجرا) لثوابا (غير ممنون) غير مقطوع كقوله: ﴿عطآء غير مجذوذ﴾ (2)، أو: غير ممنون عليك به لأنه ثواب تستحقه على عملك. # (وإنك لعلى خلق عظيم) استعظم سبحانه خلقه لفرط احتماله الممضات (3) من قومه، وحسن مخالفته لهم، وقيل: هو الخلق الذي أمره الله به في قوله: # (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجهلين) (4). # وفي الحديث: " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " (5). # وعنه أيضا (عليه السلام): " أحبكم إلى الله أحسنكم أخلاقا، الموطئون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون، وأبغضكم إلى الله المشاؤون بالنميمة، المفرقون بين الإخوان، الملتمسون للبراء العثرات " (6). # (فستبصر) يا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) (ويبصرون) أيكم (المفتون) المجنون لأنه فتن أي: محن بالجنون، والباء مزيدة، أو: (المفتون) مصدر كالمعقول والمجلود، أي: بأيكم الجنون، أو: بأي الفريقين منكم الجنون، أبفريق المؤمنين أم بفريق الكافرين، أي: في أيهما يوجد من يستحق هذا الاسم، وهو تعريض بأبي جهل # PageV03P611 # والوليد بن المغيرة وأضرابهما، وهو مثل قوله: ﴿سيعلمون غدا من الكذاب الأشر﴾ (1). # (إن ربك هو أعلم) بالمجانين على الحقيقة، وهم الذين ضلوا (عن سبيله وهو أعلم) بالعقلاء وهم المهتدون، أو: يكون وعيدا ووعدا، وإنه أعلم بجزاء الفريقين. # وعن الضحاك: لما رأت قريش تقديم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليا قالوا: افتتن به محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فأنزل الله تعالى: (ن والقلم) إلى قوله (بمن ضل عن سبيله)، وهم النفر الذين قالوا ما قالوا (وهو أعلم بالمهتدين) علي بن أبي طالب (عليه السلام) (2). # (فلا تطع المكذبين) تهييج وإلهاب للتصميم على معاصاتهم فيما يريدون. # (ودوا لو تدهن) تلين وتصانع (فيدهنون) أي: فهم يدهنون حينئذ، أو: ودوا إدهانك فهم الآن يدهنون لطمعهم في إدهانك. # (ولا تطع كل حلاف) كثير الحلف في الحق والباطل، وكفى به زجرا لمن اعتاد ms1279 الحلف (مهين) من المهانة، وهي القلة والحقارة، يريد: القلة في الرأي والتدبير، أو: أراد الكذاب لأ نه حقير عند الناس. (هماز) عياب طعان، وعن الحسن: يلوي بشدقيه في أقفية الناس (3) (مشآء بنميم) قتات نقال للحديث من قوم إلى قوم على وجه السعاية والإفساد بينهم، والنميم والنميمة: السعاية. (مناع للخير) بخيل، والخير: المال، وعن ابن عباس: مناع عشيرته عن الإسلام وهو الوليد بن المغيرة، كان موسرا وله عشرة بنين فكان يقول لهم وللحمية: من أسلم # PageV03P612 # منكم منعته رفدي (1). وعن مجاهد: هو الأسود بن عبد يغوث (2)، وعن السدي: # الأخنس بن شريق (3). (معتد) مجاوز للحق ظلوم، (أثيم) آثم كثير الإثم. # (عتل) غليظ جاف (بعد ذلك) بعد ما عدده من المثالب (زنيم) دعي، قال حسان: # وأنت زنيم نيط في آل هاشم * كما نيط خلف الراكب القدح الفرد (4) وكان الوليد دعيا في قريش ادعاه أبوه بعد ثماني عشرة سنة من مولده، جعل جفاءه ودعوته أشد معائبه، لأن من جفا وقسا قلبه اجترأ على كل معصية، ولأن النطفة إذا خبثت خبث الناشئ منها، ولذلك قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): " لا يدخل الجنة ولد الزنا، ولا ولده، ولا ولد ولده " (5). # وعنه (عليه السلام): " لا يدخل الجنة جواظ ولا جعظري، ولا عتل زنيم " (6). # والزنيم: من " الزنمة " وهي الهنة من جلد الماعزة، تقطع فتعلق في حلقها، لأنه زيادة معلقة بغير أهله. (أن كان ذا مال) يتعلق بقوله: (ولا تطع) يعني: ولا تطعه مع هذه المثالب لأن كان ذا مال، أي: ليساره وحظه من الدنيا، ويجوز أن يتعلق بما # PageV03P613 # بعده على معنى: لكونه متمولا مستظهرا بالبنين كذب بآياتنا، ولا يعمل فيه. # (قال) الذي هو جواب (إذا) لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله، ولكن ما دلت عليه الجملة من معنى التكذيب. وقرئ: (أن كان) على الاستفهام بهمزتين (1) وبهمزة ممدودة (2) أي: آلأن كان ذا مال كذب؟ # و (الخرطوم) الأنف، والوجه أكرم موضع في الجسد، والأنف أكرم موضع من الوجه، ولذلك جعلوه مكان العزة والحمية، واشتقوا منه: الأنفة فقالوا: ms1280 " حمي أنفه "، و " شمخ بأنفه "، و " الأنف في الأنف " فعبر سبحانه بالوسم على الخرطوم عن غاية الإذلال والإهانة، لأن الوسم على الوجه شين وإذالة (3)، فكيف به على أكرم موضع منه، وفي لفظ (الخرطوم) استهانة به، وقيل: معناه: سنعلمه يوم القيامة بعلامة مشوهة يبين بها عن سائر الكفرة كما عادى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عداوة بان بها عنهم (4). # (إنا بلونهم كما بلونآ أصحب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين (17) ولا يستثنون (18) فطاف عليها طآئف من ربك وهم نآئمون (19) فأصبحت كالصريم (20) فتنادوا مصبحين (21) أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صرمين (22) فانطلقوا وهم يتخفتون (23) أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين (24) وغدوا على حرد قدرين (25) فلما رأوها قالوا إنا لضآلون (26) بل نحن محرومون (27) قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون (28) قالوا سبحن ربنآ إنا كنا ظلمين (29) فأقبل # PageV03P614 # بعضهم على بعض يتلومون (30) قالوا يويلنآ إنا كنا طغين (31) عسى ربنآ أن يبدلنا خيرا منهآ إنآ إلى ربنا راغبون (32) كذا لك العذاب ولعذاب الاخرة أكبر لو كانوا يعلمون (33)) إنا بلونا أهل مكة بالجوع والقحط بدعوة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (كما بلونآ أصحب الجنة) وهم قوم كان لأبيهم هذه الجنة دون صنعاء بفرسخين، فكان يأخذ منها قوت سنة ويتصدق بالباقي، وكان يترك للمساكين ما أخطأه المنجل، وما في أسفل الأكداس، وما أخطأه القطاف من العنب، وما بقي على البساط الذي يبسط تحت النخلة إذا صرمت، فكان يجتمع لهم شيء كثير، فلما مات قال بنوه: إن فعلنا ما كان يفعل أبونا ضاق علينا الأمر ونحن أولو عيال، فحلفوا (ليصرمنها مصبحين) داخلين في وقت الصباح خفية عن المساكين. ولم يستثنوا أي: لم يقولوا: إن شاء الله في يمينهم، فأحرق الله جنتهم، وإنما سمي ذلك استثناء وهو شرط لأن معنى قولك: لأخرجن إن شاء الله، ولأخرج إلا أن يشاء الله واحد. # (فطاف عليها) إهلاك أو بلاء (طآئف) في حال نومهم. (فأصبحت كالصريم) كالمصرومة لهلاك ثمرها، وقيل: كالليل المظلم أي: احترقت فاسودت (1) (فتنادوا) أي: نادى بعضهم بعضا ms1281 وقت الصباح (أن اغدوا على حرثكم) أي: أقبلوا عليه باكرين (إن كنتم صرمين) حاصدين وقاطعين النخل. # (فانطلقوا) فمضوا (وهم يتخفتون) يتسارون فيما بينهم. (أن لا يدخلنها): # " أن " مفسرة، والنهي عن الدخول للمسكين نهي لهم عن تمكينه منه، أي: لا تمكنوه من الدخول حتى يدخل، كقولك: لا أرينك ها هنا. # (وغدوا على حرد) وهو من: حاردت السنة: إذا منعت خيرها، والمعنى: # PageV03P615 # وغدوا قادرين على نكد وذهاب خير عاجزين عن النفع، أو: لما قالوا: اغدوا على حرثكم وقد فسدت نيتهم عاقبهم الله بأن حاردت جنتهم وحرموا خيرها، فلم يغدوا على حرث وإنما غدوا على حرد. و (قدرين) من عكس الكلام للتهكم، أي: قادرين على ما عزموا عليه من الصرام وحرمان المساكين، و (على حرد) ليس بصلة للقادرين، وقيل: (على حرد) على قصد إلى جنتهم بسرعة ونشاط (قدرين) عند أنفسهم يقولون: نحن نقدر على صرامها (1)، أو: مقدرين أن يتم لهم مرادهم من الصرام والحرمان. # (فلما) رأوا جنتهم على تلك الصفة (قالوا) في بديهة وصولهم (إنا لضآلون) ضللنا جنتنا وما هي بها، فلما تأملوا عرفوا أنها هي. قالوا: (بل نحن محرومون) حرمنا خيرها لجنايتنا على أنفسنا. (قال أوسطهم) أعدلهم وخيرهم، يقال: هو من وسط قومه (لولا تسبحون) هلا تذكرون الله وتتوبون إليه من خبث نيتكم؟ (قالوا سبحن ربنا إنا كنا ظلمين) تكلموا بما دعاهم إلى التكلم به، نزهوا الله سبحانه عن الظلم وعن كل قبيح، ثم اعترفوا بظلمهم في منع المعروف وترك الاستثناء. # (يتلومون) أي: يلوم بعضهم بعضا على ما فرط منهم. (إنا كنا طغين) متجاوزين الحد في الظلم. (أن يبدلنا) قرئ بالتشديد (2) والتخفيف (إنآ إلى ربنا رغبون) طالبون منه الخير. مثل ذلك (العذاب) الذي بلونا به أهل مكة وأصحاب الجنة عذاب الدنيا (ولعذاب الاخرة) أشد وأعظم منه. # وعن مجاهد: تابوا فأبدلوا خيرا منها (3). وعن ابن مسعود: بلغني أنهم # PageV03P616 # أخلصوا، وعرف الله منهم الصدق فأبدلهم بها جنة يقال لها: الحيوان، فيها عنب يحمل البغل منه عنقودا (1). # (إن للمتقين عند ربهم جنت النعيم (34) أفنجعل المسلمين ms1282 كالمجرمين (35) ما لكم كيف تحكمون (36) أم لكم كتب فيه تدرسون (37) إن لكم فيه لما تخيرون (38) أم لكم أيمن علينا بلغة إلى يوم القيمة إن لكم لما تحكمون (39) سلهم أيهم بذا لك زعيم (40) أم لهم شركآء فليأتوا بشركآئهم إن كانوا صدقين (41) يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون (42) خشعة أبصرهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سلمون (43) فذرنى ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (44) وأملى لهم إن كيدى متين (45) أم تسلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (46) أم عندهم الغيب فهم يكتبون (47) فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم (48) لولا أن تداركه نعمة من ربهى لنبذ بالعرآء وهو مذموم (49) فاجتبه ربه فجعله من الصلحين (50) وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصرهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون (51) وما هو إلا ذكر للعلمين (52)) (جنت النعيم) جنات ليس فيها إلا التنعم الخالص لا يشوبه ما ينقصه، كما يشوب جنات الدنيا. وكان المشركون يقولون: إن كان بعث وجزاء كما يقوله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فإن حالنا يكون مثل ما هي في الدنيا، فأخبره سبحانه أن ذلك لا يكون أبدا ثم خاطبهم على طريقة الالتفات فقال: (ما لكم كيف تحكمون) # PageV03P617 # هذا الحكم الباطل، كأن أمر الجزاء مفوض إليكم حتى تحكموا فيه بما شئتم. # (أم لكم كتب) من السماء تدرسون (فيه) أن ما تختارونه لكم. والأصل: # تدرسون أن لكم ما تخيرون، بفتح " أن " لأنه مدروس، فلما جاءت اللام كسرت " إن "، ويجوز أن يكون حكاية للمدروس كما هو قوله: ﴿وتركنا عليه في الاخرين سلم على نوح في العلمين﴾ (1)، وتخير الشيء: أخذ خيره، ومثله: اختاره، نحو: # تنخله وانتخله: أخذ منخوله. # (أم لكم أيمن) مغلظة متناهية في التوكيد ثابتة (علينا... إلى يوم القيمة) لا تخرج عن عهدتها إلى يوم القيامة، إذا أعطيناكم ما تحكمون، ويجوز أن يتعلق (إلى) ب‍ (بلغة) على معنى: أنها تبلغ ذلكم اليوم وتنتهي إليه، وافرة لم تبطل منها يمين إلى أن يحصل المقسم عليه، ms1283 وهو قوله: (إن لكم لما تحكمون). # (سلهم أيهم بذلك) الحكم (زعيم) أي: كفيل، وهو: أن لهم في الآخرة ما للمسلمين. (أم لهم شركآء) في هذا القول يشاركونهم فيه، ويوافقونهم عليه (فليأتوا) بهم (إن كانوا صدقين) في دعواهم، يريد: أن أحدا لا يسلم لهم هذا، كما أنه لا كتاب لهم ينطق به، ولا عهد لهم به عند الله، ولا زعيم لهم يقوم به. # (يوم يكشف عن ساق) هو عبارة عن شدة الأمر، وأصله في الحرب (2) والهزيمة بتشمير المخدرات عن سوقهن في الهرب، قال: # كشفت لكم عن ساقها * وبدا من الشر الصراخ (3) والمعنى: يوم يشتد الأمر ويتفاقم، ولا ساق ثم ولا كشف وإنما هو مثل، # PageV03P618 # وإنما جاء منكرا للدلالة على أنه أمر مبهم في الشدة، خارج عن العادة. والعامل في (يوم): (فليأتوا)، أو: هو على: يوم يكشف عن ساق يكون كيت وكيت، فحذف للتهويل والتنبيه على أن ثم من الكوائن ما لا يوصف لعظمته (ويدعون إلى السجود) تعنيفا لا تكليفا (فلا يستطيعون) حيل بينهم وبين الاستطاعة تحسيرا لهم وتنديما على ما فرطوا فيه حين دعوا إلى السجود وهم سالمو الأصلاب والمفاصل متمكنون. وفي الحديث: " يبقى أصلابهم طبقا واحدا " (1) أي: فقارة واحدة لا تثنى. # (فذرنى ومن يكذب بهذا الحديث) يعني: القرآن، يقال: ذرني وإياه، أي: # كله إلي فإني سأكفيكه، والمراد: حسبي مجازيا لمن يكذب بكتابي، فلا تشغل قلبك بشأنه. # وفي الأثر: " كم من مستدرج بالإحسان إليه! وكم من مغرور بالستر عليه! # وكم من مفتون بحسن القول فيه! " (2). # سمى جل اسمه إحسانه وتمكينه كيدا، كما سماه استدراجا وهو الاستنزال إلى الهلاك درجة درجة حتى يتورط فيه، لكون ذلك في صورة الكيد من حيث كان السبب في الهلاك. # والمغرم: الغرامة، أي: لم تطلب منهم على الهداية والتعليم (أجرا) فيثقل عليهم حمل الغرامات في أموالهم فثبطهم ذلك عن الإيمان. # (أم عندهم الغيب) أي: اللوح المحفوظ (فهم يكتبون) منه ما يحكمون به (فاصبر لحكم ربك) هو إمهالهم وتأخير نصرتك عليهم (ولا تكن كصاحب الحوت) يونس (عليه السلام) ms1284 (إذ نادى) في بطن الحوت (وهو مكظوم) مملو غما من: # PageV03P619 # كظم السقاء إذا ملأه، والمعنى: لا يوجد منك ما وجد منه من الضجر والمغاضبة لقومه. (لولا أن تدركه) رحمة (من ربه) بإجابته (1) وتخليصه من بطن الحوت حيا (لنبذ بالعرآء) لطرح بالفضاء، وحسن تذكير (تدركه) لفصل الضمير. # (فاجتبه ربه) أي: اختاره (فجعله من) الأنبياء المطيعين لله، وعن ابن عباس: # رد الله إليه الوحي وشفعه في نفسه وقومه (2). # (وإن) هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة، وقرئ: (ليزلقونك) بضم الياء وفتحها (3)، وزلقه وأزلقه بمعنى، والمعنى: يكاد الكفار من شدة تحديقهم ونظرهم إليك شزرا بعيون البغضاء والعداوة يزلون قدمك أو يهلكونك، من قولهم: # نظر إلي نظرا يكاد يصرعني، وقيل: كانت العين في بني أسد، فكان الرجل منهم يتجوع ثلاثة أيام، فلا يمر به شيء فيقول فيه: لم أر كاليوم مثله، إلا عانه، فأرادوا أن يقول بعضهم في رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مثل ذلك فعصمه الله منه (4). وعن الحسن: # دواء الإصابة بالعين أن يقرأ هذه الآية (5). (لما سمعوا الذكر) أي: # القرآن لم يملكوا أنفسهم على ما أوتيت من النبوة (ويقولون إنه لمجنون) حيرة في أمرك، وتنفيرا عنك. (وما هو) أي: وليس القرآن (إلا ذكر) وموعظة (للعلمين) وهداية لهم إلى الرشد، فكيف يجنن من جاء بمثله؟! وقيل: (ذكر) شرف (للعلمين) إلى أن تقوم الساعة (6). # PageV03P620 # سورة الحاقة مكية (1) وهي إحدى وخمسون آية بصري، اثنتان غيرهم، عد الكوفي بسم الله الرحمن الرحيم (الحآقة) الأولى. # في حديث أبي: " من قرأ سورة الحآقة حاسبه الله حسابا يسيرا " (2). # وعن الباقر (عليه السلام): " أكثروا من قراءة الحآقة، فإن قراءتها في الفرائض والنوافل من الإيمان بالله ورسوله، ولن يسلب قارئها دينه حتى يلقى الله عز وجل " (3). # (الحآقة (1) ما الحآقة (2) ومآ أدراك ما الحآقة (3) كذبت ثمود وعاد بالقارعة (4) فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية (5) وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية (6) سخرها عليهم سبع ليال وثمنية أيام حسوما # PageV03P621 # فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية (7) فهل ترى لهم من باقية (8) وجآء فرعون ms1285 ومن قبله والمؤتفكت بالخاطئة (9) فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية (10) إنا لما طغا المآء حملنكم في الجارية (11) لنجعلها لكم تذكرة وتعيهآ أذن واعية (12) فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة (13) وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة (14) فيومئذ وقعت الواقعة (15) وانشقت السمآء فهى يومئذ واهية (16) والملك على أرجآئها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمنية (17) يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية (18)) (الحآقة) الساعة الواجبة المجيء الثابتة الوقوع، التي هي آتية لا ريب فيها، أو: التي هي ذات الحواق من الأمور مثل: الحساب والثواب والعقاب، أو: الصادقة الواجبة الصدق تعرف فيها الأمور على الحقيقة. وهي مرتفعة على الابتداء، وخبرها (ما الحاقة)، والأصل: [الحاقة] (1) ما هي؟ أي: أي شىء هي؟ تفخيما لشأنها وتعظيما لهولها، فوضع الظاهر موضع المضمر لذلك. (ومآ أدرك) أي شىء أعلمك (ما الحآقة): (ما) مبتدأ و (أدرك) معلق عنه لتضمنه معنى الاستفهام، والمعنى: أنها من العظم والهول بحيث لا يبلغه دراية أحد، فمن أين لك العلم بكنهها ومدى عظمها؟ # والقارعة: التي تقرع الناس بالأهوال والأفزاع، وضعت موضع الضمير لتدل على معنى القرع في " الحاقة " زيادة في وصف شدتها. # ولما ذكرها وعظم أمرها أخبر سبحانه عن إهلاك من كذب بها تذكيرا لأهل # PageV03P622 # مكة وتخويفا لهم من أن يصيبهم مثل ما أصابهم (بالطاغية) بالواقعة المجاوزة للحد في الشدة، وهي الرجفة، أو الصيحة، أو الصاعقة، وقيل: " الطاغية " مصدر (1) أي: بطغيانهم. والصرصر: الشديدة الصوت لها صرصر، وقيل: الباردة من: " الصر " كأنها التي كرر فيها البرد وكثر، فهي تحرق لشدة بردها (2) (عاتية) عتت على خزانها فخرجت بلا كيل ولا وزن، أو: عتت على عاد بشدة عصفها فلم يقدروا على التوقي منها. # (سخرها عليهم) سلطها عليهم (سبع ليال وثمنية أيام) وهي أيام العجوز، وذلك أن عجوزا من عاد دخلت سربا فانتزعتها الريح في اليوم الثامن فأهلكتها، وقيل: سميت أيام العجوز لأنها في عجز الشتاء وهو آخره (3) (حسوما) مصدر أو: جمع " حاسم "، فإن كان مصدرا فهو صفة، أي: ذات حسوم، أو: منصوب بفعله المضمر أي: تحسم حسوما بمعنى: تستأصل ms1286 استئصالا، وإن كان جمعا فالمعنى: # متتابعة ليست لها فترة أو: نحسات حسمت كل خير، حال من الضمير في (سخرها)، والأول تشبيه بتتابع فعل الحاسم في إعادة الكي على الداء حتى ينحسم (فترى القوم فيها) أي: في مهابها، أو: في الليالي والأيام (كأنهم أعجاز) أصول (نخل خاوية) نخرة خالية الأجواف. (فهل ترى لهم من باقية) من بقية، أو: من نفس باقية، أو: من بقاء مصدر كالعافية، وقد قرئ بإدغام اللام في التاء (4). # PageV03P623 # " ومن قبله " (1) يريد: ومن عنده من حشمه وأتباعه، وقرئ: (ومن قبله) أي: ومن تقدمه (والمؤتفكت) المنقلبات بأهلها، وهي قرى قوم لوط (بالخاطئة) بالخطيئة العظيمة التي هي الشرك والفاحشة، أو: بالأفعال أو الفعلة ذات الخطأ الكبير (فأخذهم) ربهم (أخذة رابية) شديدة زائدة في الشدة، كما زادت قبائحهم في القبح، يقال: ربا يربو إذا زاد. (حملنكم) حملنا آباءكم (في الجارية) في سفينة نوح، لأنهم إذا كانوا من نسل المحمولين الناجين كان حمل آبائهم منة عليهم؛ لأن نجاتهم سبب ولادتهم. # (لنجعلها) الضمير للفعلة وهي نجاة المؤمنين وإغراق الكافرين (تذكرة) عبرة وموعظة (وتعيهآ) أي: تحفظها (أذن وعية) شأنها أن تعي وتحفظ ما سمعت به، ولا تضيعه بترك العمل به، وكل ما حفظته في نفسك فقد وعيته، وما حفظته في غير نفسك فقد أوعيته، كما يوعى الشيء في الظرف. # وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعلي (عليه السلام) عند نزول هذه الآية: سألت الله عز اسمه أن يجعلها أذنك يا علي، قال: فما نسيت شيئا بعد، وما كان لي أن أنسى (2). # وإنما نكر (أذن) ووحد ليؤذن بقلة الوعاة ويوبخ الناس بذلك، وليدل على # PageV03P624 # أن الأذن الواحدة إذا وعت وعقلت عن الله فهي السواد الأعظم عند الله، ولا مبالاة بما سواها وإن ملأوا ما بين الخافقين. وقرئ: " وتعيها " بسكون العين (١) للتخفيف، وشبه " تعي " بكبد. # (فإذا نفخ) أسند إلى (نفخة) وذكر للفصل، وهي النفخة الأولى، وقيل: هي الأخيرة (٢)، ووصفت النفخة بواحدة وهي لا تكون إلا مرة؛ تأكيدا، كقوله: ﴿إلهين اثنين﴾ (3)، وقالوا: أمس الدابر. (وحملت ms1287 الأرض والجبال) رفعت عن أماكنها بريح بلغت من قوة عصفها أنها تحملها، أو: بخلق من الملائكة، أو: بقدرة الله من غير سبب (فدكتا) أي: فدكت الجملتان: جملة الأرضين وجملة الجبال، فضرب بعضها ببعض حتى تندك وتندق وترجع كثيبا مهيلا وهباء منبثا، والدك أبلغ من الدق، وقيل: فبسطتا بسطة واحدة فصارتا أرضا مستوية لا ترى فيها عوجا ولا أمتا (4) من قولهم: بعير أدك: إذا تفرق سنامه، وناقة دكاء. # (فيومئذ) فحينئذ (وقعت الواقعة) نزلت النازلة وهي القيامة (وانشقت السمآء) انفرجت (فهى يومئذ واهية) مسترخية ساقطة القوة بانتقاض بنيتها بعد أن كانت مستمسكة محكمة. (والملك) أي: والخلق الذي يقال له الملك، ولذلك رد الضمير مجموعا في قوله: (فوقهم) على المعنى، وهو أعم من الملائكة (على أرجآئها) أي: جوانبها، الواحد " رجا " مقصور، يعني: أن السماء تنشق وهي مسكن الملائكة فينضوون إلى أطرافها وحافاتها (ويحمل عرش ربك... # PageV03P625 # ثمنية) من الملائكة، وروي: أنهم اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة آخرين فيكونون ثمانية (١). (يومئذ تعرضون) العرض: عبارة عن المحاسبة والمساءلة، شبه ذلك بعرض السلطان جنوده لتعرف أحوالهم (لا تخفى منكم خافية) سريرة وحال كانت تخفى في الدنيا. # (فأما من أوتى كتبه بيمينه ى فيقول هآؤم اقرءوا كتبيه (١٩) إنى ظننت أنى ملق حسابيه (٢٠) فهو في عيشة راضية (٢١) في جنة عالية (٢٢) قطوفها دانية (٢٣) كلوا واشربوا هنيا بمآ أسلفتم في الأيام الخالية (٢٤) وأما من أوتى كتبه بشماله ى فيقول يليتنى لم أوت كتبيه (٢٥) ولم أدر ما حسابيه (٢٦) يليتها كانت القاضية (٢٧) مآ أغنى عنى ماليه (٢٨) هلك عنى سلطنيه (٢٩) خذوه فغلوه (٣٠) ثم الجحيم صلوه (٣١) ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه (٣٢) إنه كان لا يؤمن بالله العظيم (٣٣) ولا يحض على طعام المسكين (٣٤) فليس له اليوم ههنا حميم (٣٥) ولا طعام إلا من غسلين (٣٦) لا يأكله إلا الخطون (٣٧)) (فأما) تفصيل للعرض في ذلك اليوم (هآ) صوت يصوت به فيفهم منه معنى: خذ، و (كتبيه) منصوب ب‍ (هآؤم) عند الكوفيين، وعند البصريين ب‍ (اقرءوا) لأنه أقرب العاملين، وأصله: هاؤم كتابي اقرأوا كتابي، ms1288 فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، ونظيره: ﴿ءاتونى أفرغ عليه قطرا﴾ (2)، قالوا: ولو كان العامل الأول لقيل: " اقرأه " و " أفرغه ". والهاء في (كتبيه) و (حسابيه) و (ماليه) # PageV03P626 # و (سلطنيه) للسكت، وحقها أن تسقط في الوصل، وقد استحب الوقف إيثارا لثبات الهاءات في المصحف. # (إنى ظننت) أي: علمت، أجري مجرى العلم لأن غلبة الظن تقوم مقام العلم في الأحكام. (فهو في عيشة راضية) في حالة من العيش منسوبة إلى الرضا، فهو كالدارع والنابل، والنسبة نسبتان: نسبة بالحرف، ونسبة بالصيغة، أو: جعل الفعل لها مجازا وهو لصاحبها. (في جنة عالية) مرتفعة المكان والقدر، أو: عالية المباني والقصور والأشجار. (قطوفها دانية) ينالها القاعد والنائم، يقال لهم: # (كلوا واشربوا) أكلا وشربا (هنيئا)، أو: هنئتم هنيئا، على المصدر (بمآ أسلفتم) أي: قدمتم من الأعمال الصالحة (في الأيام) الماضية من أيام الدنيا، وعن مجاهد: أيام الصيام (1)، أي: كلوا واشربوا بدل ما أمسكتم عن الأكل والشرب لوجه الله. # (يليتها) الضمير للموتة أي: يا ليت الموتة التي متها (كانت القاضية) أي: # القاطعة لأمري فلم أبعث بعدها ولم ألق ما لقيت، أو: للحالة أي: ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضيت علي، لأنه رأى تلك الحالة أشد وأمر مما ذاقه من مرارة الموت وشدته، فتمنى الموت عندها. (مآ أغنى) نفي أو استفهام على وجه الإنكار أي: أي شىء أغنى (عنى) ما كان لي من اليسار. (هلك عنى سلطنيه) أي: ملكي وتسلطي على الناس وأمري ونهيي، وعن ابن عباس: ضلت عني حجتي وبطلت (2). # (خذوه فغلوه) فأوثقوه بالغل (ثم الجحيم صلوه) ثم لا تصلوه إلا الجحيم، # PageV03P627 # وهي النار العظمى، لأنه كان سلطانا يتعظم على الناس، يقال: صلى النار، وصلاه النار. # سلكه في السلسلة: أن تلوى على جسده حتى يلتف عليه أثناؤها، وهو فيما بينها مرهق مضيق عليه لا يقدر على حركة، وجعلها سبعين ذراعا وصف لها بالطول، لأنها إذا طالت كان الإرهاق أشد، والمعنى: ثم لا تسلكوه إلا في هذه السلسلة، كأنها أفظع من سائر مواضع الإرهاق في الجحيم. والمعنى في (ثم) ms1289 في الموضعين: الدلالة على تفاوت ما بين الغل والتصلية، وما بينهما وبين السلك في السلسلة، لا على تراخي المدة. # (إنه كان لا يؤمن بالله العظيم) تعليل على طريق الاستئناف، كأنه قيل: ما له يعذب هذا العذاب الشديد؟ فأجيب بذلك. وفي قوله: (ولا يحض على طعام المسكين) دليلان على عظم الجرم في حرمان المسكين: أحدهما: عطفه على الكفر وجعله قرينة له، والثاني: ذكر الحض دون الفعل ليعلم أن تارك الحض بهذه المنزلة، فكيف بتاركي الفعل؟ # وعن أبي الدرداء: أنه كان يحض امرأته على تكثير المرق لأجل المساكين، وكان يقول: خلعنا نصف السلسلة بالإيمان، أفلا نخلع نصفها الآخر؟ (1). # (حميم) قريب يدفع عنه ويحزن عليه. والغسلين: غسالة أهل النار وما يسيل من أبدانهم من الصديد والدم، فعلين من الغسل. (الخطئون) الآثمون، أصحاب الخطايا، وخطئ الرجل: إذا تعمد الذنب، وهم المشركون، وقرئ: # " الخاطيون " بإبدال الهمزة ياء (2) و " الخاطون " بطرحها (3)، وقيل: هم الذين # PageV03P628 # يتخطون الحق إلى الباطل (1). # (فلا أقسم بما تبصرون (38) وما لا تبصرون (39) إنه لقول رسول كريم (40) وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون (41) ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون (42) تنزيل من رب العلمين (43) ولو تقول علينا بعض الأقاويل (44) لأخذنا منه باليمين (45) ثم لقطعنا منه الوتين (46) فما منكم من أحد عنه حجزين (47) وإنه لتذكرة للمتقين (48) وإنا لنعلم أن منكم مكذبين (49) وإنه لحسرة على الكفرين (50) وإنه لحق اليقين (51) فسبح باسم ربك العظيم (52)) أقسم سبحانه بالأشياء كلها على العموم، لأنها قسمان: مبصر وغير مبصر، وقد فسر بالخلق والخالق، وبالإنس والجن، وبالأجسام والأرواح، وبالدنيا والآخرة، وبالنعم الظاهرة والباطنة (2) أن هذا القرآن (لقول رسول كريم) يقول ويتكلم به على وجه الرسالة من عند الله، وقيل: هو جبرائيل (عليه السلام) (3). وقوله: (وما هو بقول شاعر) دليل على أنه محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، لأن المعنى على إثبات أنه رسول لا شاعر ولا كاهن، وأسند القول إليه لأن ما يسمع منه كلامه، ولما كان حكاية لكلام الله قيل: هو كلام الله، والكريم: الجامع لخصال الخير، و " القلة " في معنى ms1290 العدم أي: # لا تؤمنون ولا تذكرون ألبتة، والمعنى: ما أكفركم! وما أغفلكم! # أي: هو (تنزيل) بين أنه منزل (من) عنده على رسوله. التقول: افتعال القول واختلاقه، وفيه معنى التكلف، وسمى الأقوال المتقولة أقاويل تحقيرا لها، كما يقال: الأعاجيب والأضاحيك، كأنه جمع أفعولة من القول، والمعنى: ولو # PageV03P629 # ادعى علينا شيئا لم نقله لقتلناه صبرا، كما يفعل الملوك بمن يتكذب عليهم، فصور قتل الصبر بصورته ليكون أهول، وهو أن يؤخذ بيده وتضرب رقبته، وخص اليمين لأن القتال إذا أراد أن يوقع الضرب في قفاه أخذ بيساره، وإذا أراد أن يوقعه في جيده وأن يكفحه بالسيف أخذ بيمينه، وهو أشد على المصبور لنظره إلى السيف، والمعنى: (لأخذنا) بيمينه (ثم لقطعنا) وتينه، و (الوتين): نياط القلب، وهو حبل الوريد، إذا قطع مات صاحبه. # (فما منكم) الخطاب للناس، والضمير في (عنه) لرسول الله، أو: للقتل، أي: لا تقدرون أن تحجزوا عنه القاتل، أو: لا تقدرون أن تحجزوا عن ذلك وتدفعوا عنه، و (حجزين) صفة ل‍ (أحد) لأنه في معنى الجماعة، وهو اسم يقع في النفي العام، ويستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، ومنه قوله تعالى: # ﴿لا نفرق بين أحد من رسله﴾ (١) ﴿لستن كأحد من النسآء﴾ (2)، و (من أحد) في موضع رفع بأنه اسم (ما). وقيل: إن الخطاب للمسلمين (3)، وكذلك في قوله: # (وإنا لنعلم أن منكم مكذبين) والمعنى: أن منهم ناسا سيكفرون بالقرآن. # (وأنه) الضمير للقرآن (لحسرة على الكفرين) به المكذبين له إذا رأوا ثواب المصدقين به، أو: للتكذيب. (و) إن القرآن لليقين (حق اليقين) كما يقال: # هو العالم حق العالم، والمعنى: لعين اليقين ومحض اليقين لا شبهة ولا ريب فيه. # (فسبح) بذكر (باسم ربك العظيم) الذي يتضاءل كل شىء لعظمته؛ شكرا على ما أوحاه إليك من القرآن الكريم. # * * * # PageV03P630 # سورة المعارج مكية (1) وهي أربع وأربعون آية. # في حديث أبي: " ومن قرأ سورة (سأل سآئل) أعطاه الله ثواب الذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون " (2). # وعن الباقر (عليه السلام): " من أدمن قراءة (سأل سآئل) لم يسأله الله يوم القيامة ms1291 عن ذنب عمله، وأسكنه جنته مع محمد وآله (عليهم السلام) " (3). # بسم الله الرحمن الرحيم (سأل سآئل بعذاب واقع (1) للكفرين ليس له دافع (2) من الله ذى المعارج (3) تعرج الملئكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة (4) فاصبر صبرا جميلا (5) إنهم يرونه بعيدا (6) ونراه قريبا (7) # PageV03P631 # يوم تكون السمآء كالمهل (٨) وتكون الجبال كالعهن (٩) ولا يسل حميم حميما (١٠) يبصرونهم يود المجرم لو يفتدى من عذاب يومئذ ببنيه (١١) وصحبته ى وأخيه (١٢) وفصيلته التى تويه (١٣) ومن في الارض جميعا ثم ينجيه (١٤) كلا إنها لظى (١٥) نزاعة للشوى (١٦) تدعوا من أدبر وتولى (١٧) وجمع فأوعى (١٨) إن الانسن خلق هلوعا (١٩) إذا مسه الشر جزوعا (٢٠) وإذا مسه الخير منوعا (٢١)) أي: دعا داع (بعذاب واقع) ضمن (سأل) معنى: دعا فعداه تعديته، يقال: # دعا بكذا: إذا طلبه واستدعاه، ومنه: ﴿يدعون فيها بكل فكهة ءامنين﴾ (١). وعن مجاهد: هو النضر بن الحارث، قال: (إن كان هذا هو الحق...) الآية (٢). وقرئ: # " سال " بغير همز (٣) جعل الهمزة بين بين. (للكفرين) صفة ل‍ " عذاب " أي: # بعذاب واقع كائن للكافرين، أو: صلة ل‍ " دعا " أي: دعا للكافرين (ليس له دافع من الله) أي: من جهته إذا جاء وقته، وأوجبت الحكمة وقوعه، أو: معناه: بعذاب واقع من الله أي: من عنده (ذى المعارج) ذي المصاعد، جمع " معرج ". # ثم وصف المعارج وبعد مداها في العلو والارتفاع فقال: (تعرج الملئكة والروح) يعني: جبرائيل (عليه السلام)، خصه بالذكر تشريفا له (إليه) إلى عرشه ومهبط أوامره (في يوم كان مقداره) كمقدار مدة (خمسين ألف سنة) مما يعده الناس، وذلك من أسفل الأرضين إلى فوق السماوات السبع. وقوله: ﴿في يوم كان مقداره ألف سنة﴾ (4) هو من الأرض إلى السماء الدنيا خمسمائة، ومنها إلى الأرض # PageV03P632 # خمسمائة، والمعنى: لو قطع الإنسان هذا المقدار الذي قطعته الملائكة في يوم واحد، لقطعه في هذه المدة، وهو معنى قول مجاهد (1). وقيل: إن قوله: (في يوم)، من صلة (واقع)، أي: يقع في يوم طويل مقداره خمسون ألف سنة من سنيكم، وهو يوم القيامة (2)، إما أن يكون استطالة له لشدته ms1292 على الكفار، وإما لأنه على الحقيقة كذلك، قيل: فيه خمسون موطنا، كل موطن ألف سنة (3). وما قدر ذلك على المؤمن إلا كما بين الظهر والعصر. # وروي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: لو ولي الحساب غير الله تعالى لمكثوا فيه خمسين ألف سنة من قبل أن يفرغوا، والله سبحانه يفرغ من ذلك في ساعة. # وعنه (عليه السلام): لا ينتصف ذلك اليوم حتى يقبل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. # (فاصبر) يتعلق ب‍ (سأل سائل) لأنهم استعجلوا العذاب استهزاء وتكذيبا بالوحي، فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصبر عليه. # والضمير في (يرونه) للعذاب الواقع، أو: ليوم القيامة، يريد: أنهم يستبعدونه على جهة الإحالة (و) نحن (نره قريبا) هينا في قدرتنا، غير بعيد علينا ولا متعذر. # (يوم تكون) نصب ب‍ (قريبا)، أي: يمكن ولا يتعذر في ذلك اليوم، أو: # بمضمر أي: يقع في ذلك اليوم لدلالة (واقع) عليه، أو: هو بدل عن (في يوم)، (يوم تكون السمآء كالمهل) وهو دردي الزيت، وعن ابن مسعود: كالفضة # PageV03P633 # المذابة (١). (وتكون الجبال كالعهن) كالصوف المصبوغ ألوانا، لأن الجبال ﴿جدد بيض وحمر... وغرابيب سود﴾ (2)، فإذا بست وطيرت في الجو أشبهت العهن المنقوش إذا طيرته الريح. # (ولا يسئل حميم حميما) ولا يقول له: كيف حالك، ولا يكلمه، لأن كل إنسان مشغول بنفسه عن غيره. (يبصرونهم) أي: يبصرون الأحماء والأقرباء فلا يخفون عليهم، فلا يمنعهم من المساءلة أن بعضهم لا يبصر بعضا، وإنما يمنعهم التشاغل، وقرئ: " ولا يسأل " على البناء للمفعول (3)، أي: لا يقال لحميم: أين حميمك؟ ولا يطلب منه، لأنهم يبصرونهم فلا يحتاجون إلى السؤال والطلب. وهو كلام مستأنف، كأنه لما قال: ولا يسأل حميم حميما قيل: لعله لا يبصره، فقيل: # يبصرونهم، ولكنهم لتشاغلهم لم يتمكنوا من تساؤلهم. # قرئ: (يومئذ) بالجر والفتح (4) على البناء للإضافة إلى غير متمكن، أي: # يتمنى (المجرم لو يفتدى من عذاب) ذلك اليوم بإسلام كل كريم عليه من أبنائه وزوجته وأقربائه (وفصيلته) عشيرته الأدنون الذين فصل عنهم (تئويه) أي: # تضمه ms1293 انتماء إليها أو لياذا بها في النوائب. (ينجيه) عطف على (يفتدى) أي: # يود لو يفتدي ثم لو ينجيه الافتداء، وقوله: (ومن في الأرض) و (ثم) لاستبعاد الإنجاء، والمعنى: يتمنى لو كان هؤلاء جميعا تحت يده وبذلهم في فداء نفسه، ثم ينجيه ذلك، وهيهات أن ينجيه. # PageV03P634 # (كلا) ردع وتنبيه على أن الافتداء لا ينجي ولا ينفع (إنها) الضمير للنار وإن لم يجر لها ذكر، لأن ذكر العذاب دل عليها، أو: هو ضمير مبهم ترجم عنه الخبر، أو: ضمير القصة، و (لظى) علم للنار، منقول من " اللظى " يعني: اللهب، ويجوز أن يراد اللهب. " نزاعة " (1) خبر بعد خبر ل‍ (إن) أو: خبر ل‍ (لظى) إن كانت الهاء ضمير القصة، أو: صفة له إن أريد بها اللهب، والتأنيث لأنه في معنى النار، أو: خبر مبتدأ محذوف للتهويل أي: هي نزاعة، وقرئ: (نزاعة) بالنصب على الحال المؤكدة، أو: على الاختصاص للتهويل، والشوى: الأطراف، أو: جمع شواة وهي جلدة الرأس تنزعها نزعا ثم تعاد. # (تدعوا) إلى نفسها (من أدبر) عن الإيمان (وتولى) عن طاعة الله تعالى، تقول لهم: إلي إلي، وقيل: إنه مجاز عن إحضارهم كأنها تدعوهم فتحضرهم (2)، ونحوه قول ذي الرمة: # تدعو أنفه الريب (3) وقوله [أيضا]: # ليالي اللهو يطبيني فأتبعه (4) # PageV03P635 # (وجمع) المال (فأوعى) أمسكه في الوعاء وكنزه، ولم يؤد الزكاة والحقوق الواجبة منه، ولم ينفقه في الطاعة. # (إن الانسن) يريد: الجنس (خلق هلوعا) جزوعا، من: الهلع وهو سرعة الجزع عند مس المكروه، وناقة هلواع: سريعة السير، ثم فسره سبحانه بقوله: (إذا مسه الشر جزوعا) يريد: إذا ناله الفقر والضر أظهر شدة الجزع، وإذا أصابه الغنى منع من المعروف وشح بماله، والمعنى: أن الإنسان لإيثاره الجزع والمنع وتمكنهما منه، كأنه مجبول عليهما مطبوع، وكأنه أمر ضروري غير اختياري. # (إلا المصلين (22) الذين هم على صلاتهم دآئمون (23) والذين في أموالهم حق معلوم (24) للسآئل والمحروم (25) والذين يصدقون بيوم الدين (26) والذين هم من عذاب ربهم مشفقون (27) إن عذاب ربهم غير مأمون (28) والذين هم لفروجهم حفظون (29) إلا على أزواجهم أو ما ms1294 ملكت أيمنهم فإنهم غير ملومين (30) فمن ابتغى ورآء ذا لك فأولئك هم العادون (31) والذين هم لامنتهم وعهدهم راعون (32) والذين هم بشهداتهم قآئمون (33) والذين هم على صلاتهم يحافظون (34) أولئك في جنت مكرمون (35) فمال الذين كفروا قبلك مهطعين (36) عن اليمين وعن الشمال عزين (37) أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم (38) كلا إنا خلقنهم مما يعلمون (39) فلا أقسم برب المشرق والمغرب إنا لقدرون (40) على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين (41) فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلقوا يومهم الذي يوعدون (42) يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم PageV03P636 # إلى نصب يوفضون (43) خشعة أبصرهم ترهقهم ذلة ذا لك اليوم الذي كانوا يوعدون (44)) استثنى سبحانه من جنس الإنسان الموصوف بالجمع والمنع والشح والهلع الموحدين المطيعين، الذين جاهدوا أنفسهم وحملوها على الطاعات، وظلفوها عن الشهوات، حتى لم يكونوا جازعين ولا مانعين. # ومعنى قوله: (دائمون) أنهم يداومون عليها، ويواظبون على أدائها لا يتركونها. وفي الحديث: " أفضل العمل أدومه " (1). # وعن الباقر (عليه السلام): إن هذا في النوافل، وقوله: (على صلتهم يحافظون) في الفرائض والواجبات (2). # وقيل: إن معنى محافظتهم عليها: أن يراعوا مواقيتها، ويسبغوا الوضوء لها، ويقيموا أركانها (3). فالدوام يرجع إلى نفس الصلاة، والمحافظة على أحوالها. # والحق المعلوم هو الزكاة لأنها مقدرة معلومة. # وعن الصادق (عليه السلام): هو الشيء تخرجه من مالك إن شئت كل جمعة، وإن شئت كل يوم، ولكل ذي فضل فضله (4). # وعنه أيضا: هو أن تصل القرابة، وتعطي من حرمك، وتصدق على من عاداك. # والسائل: الذي يسأل، والمحروم: الذي يتعفف ولا يسأل فيحسب غنيا فيحرم. (والذين يصدقون بيوم الدين) لا يشكون فيه، ويستعدون له، ويشفقون # PageV03P637 # من عذاب ربهم. واعترض بقوله: (إن عذاب ربهم غير مأمون) أي: لا ينبغي لأحد وإن بالغ في الطاعة والعبادة أن يأمن عذاب الله، وينبغي أن يكون مترجحا بين الخوف والرجاء. # وقرئ: " بشهادتهم " (1) و (بشهدتهم) والشهادة من جملة الأمانات، وخصها من بينها إبانة لفضلها، لأن في إقامتها إحياء الحقوق وتصحيحها، وفي كتمانها تضييعها وإبطالها. # (فمال الذين كفروا قبلك) عندك يحتفون بك (مهطعين) مسرعين نحوك، ms1295 مادين أعناقهم إليك. (عن اليمين وعن الشمال عزين) جماعات متفرقين فرقة فرقة، جمع " عزة " وأصلها: " عزوة " كأن كل فرقة تعتزي إلى غير من تعتزي إليه الأخرى. وكانوا يحدقون بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يستمعون إلى كلامه، ويستهزئون ويقولون: إن دخل هؤلاء الجنة كما يقول محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) دخلناها قبلهم. # (كلا) ردع لهم عن طمعهم في دخول الجنة، ثم علل ذلك بقوله: (إنا خلقنهم مما يعلمون) إلى آخر السورة، وهو كلام دال على إنكارهم البعث، فكأنه قال: كلا إنهم منكرون للبعث والجزاء، فمن أين يطمعون في دخول الجنة؟ وذلك أنه احتج سبحانه عليهم بالنشأة الأولى، وأنه خلقهم (مما يعلمون) أي: من النطف، وبأنه قادر على أن يهلكهم ويبدل ناسا خيرا منهم، وأنه ليس بمسبوق على ما يريد تكوينه ولا يعجزه شىء، والغرض أن من قدر على ذلك لم يعجزه الإعادة. وقيل: معناه: إنا خلقناهم من النطفة المذرة، فهي أصلهم ومنصبهم الذي لا منصب أوضع منه، فمن أين يتشرفون ويدعون التقدم ويقولون: لندخلن الجنة # PageV03P638 # قبلهم؟ (1) وقيل: معناه إنا خلقناهم من النطف كما خلقنا سائر بني آدم، وحكمنا بأن لا يدخل الجنة منهم إلا من آمن، فلم يطمع الكافر أن يدخلها؟ (2) وقيل: (مما يعلمون) أي: من أجل ما يعلمون وهو الطاعة (3)، والمضاف محذوف. # (يوم يخرجون من الأجداث) من القبور (سراعا) مسرعين، وقرئ: " إلى نصب " (4) و (نصب)، وهو كل ما نصب فعبد من دون الله، وقيل: إنهما العلم والراية (5)، وقيل: إن " النصب " الراية، و " النصب " الأصنام المعبودة (6) (يوفضون) يسعون ويسرعون إلى الداعي مستبقين، كما أنهم كانوا يستبقون إلى أنصابهم. (خشعة أبصرهم) لا يستطيعون النظر من هول ذلك اليوم. # * * * # PageV03P639 # سورة نوح مكية (1) ثمان وعشرون آية كوفي، تسع بصري، عد الكوفي: (ونسرا) (2) والبصري (سواعا) (3) (فأدخلوا نارا) (4). # في حديث أبي: " ومن قرأ سورة نوح (عليه السلام) كان من المؤمنين الذين تدركهم دعوة نوح (عليه السلام) " (5). # وعن الصادق (عليه السلام): " من كان يؤمن بالله ويقرأ كتابه فلا يدع أن يقرأ سورة (إنآ أرسلنا نوحا)، ms1296 فأي عبد قرأها محتسبا صابرا في فريضة أو نافلة أسكنه الله تعالى مساكن الأبرار، وأعطاه ثلاث جنان مع جنته كرامة من الله له، وزوجه مائتي حوراء " (6). # PageV03P641 # بسم الله الرحمن الرحيم (إنآ أرسلنا نوحا إلى قومه ى أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم (1) قال يقوم إنى لكم نذير مبين (2) أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون (3) يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جآء لا يؤخر لو كنتم تعلمون (4) قال رب إنى دعوت قومى ليلا ونهارا (5) فلم يزدهم دعآءى إلا فرارا (6) وإنى كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصبعهم في ءاذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا (7) ثم إنى دعوتهم جهارا (8) ثم إنى أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا (9) فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا (10) يرسل السمآء عليكم مدرارا (11) ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنت ويجعل لكم أنهرا (12) مالكم لا ترجون لله وقارا (13) وقد خلقكم أطوارا (14)) أي: بعثنا (نوحا) رسولا (إلى قومه أن أنذر) أي: بأن أنذر، فحذف الجار، وهي " أن " الناصبة للفعل، والمعنى: أرسلناه بأن قلنا له: أنذر، ويجوز أن تكون مفسرة لأن الإرسال فيه معنى القول. و (أن اعبدوا الله) مثل: (أن أنذر) في الوجهين. # (يغفر لكم من ذنوبكم): " من " مزيدة، وقيل: للتبعيض (1)، أي: يغفر لكم ذنوبكم السالفة (ويؤخركم إلى أجل مسمى) فيه دلالة على ثبوت أجلين، مثل أن يكون قد قضى الله سبحانه أن يعمر قوم نوح إن آمنوا ألف سنة، وإن بقوا على كفرهم أهلكهم على رأس تسعمائة سنة، فقال لهم: آمنوا يؤخركم إلى أجل مسمى، # PageV03P642 # يعني الوقت الذي سماه الله تعالى وضربه أمدا ينتهون إليه لا يتجاوزونه، وهو تمام الألف سنة. ثم أخبر أنه (إذا جآء) ذلك الأمد (لا يؤخر) كما يؤخر هذا الوقت، ولم يكن لكم حيلة. # (إنى دعوت قومى ليلا ونهارا) أي: دائما دائبا من غير فتور. (فلم يزدهم دعآئى إلا فرارا) من قبوله، ونفارا منه، جعل الدعاء فاعل زيادة الفرار. والمعنى: # أنهم ازدادوا عنده فرارا، ونحوه قوله: ﴿فزادتهم رجسا إلى ms1297 رجسهم﴾ (1). (كلما دعوتهم لتغفر لهم) أي: ليتوبوا عن كفرهم فتغفر لهم، فذكر المسبب الذي هو حظهم خالصا ليكون أقبح لإعراضهم عنه (جعلوا أصبعهم في ءاذانهم) لئلا يسمعوا كلامي ودعائي (واستغشوا ثيابهم) تغطوا بها لئلا يروني، كأنهم طلبوا أن يغشاهم ثيابهم (وأصروا) وداوموا على كفرهم (واستكبروا) وأخذتهم العزة من اتباعي، وذكر المصدر تأكيد ودلالة على فرط استكبارهم وعتوهم. # ابتدأ (عليه السلام) في دعوتهم بالأهون وترقى إلى الأشد، وذلك أنه ناصحهم في السر، فلما لم يقبلوا ثنى بالمجاهرة، فلما لم يؤثر ثلث بالجمع بين الإسرار والإعلان. # ومعنى (ثم) الدلالة على تباعد الأحوال، فإن الجهار أغلظ من الإسرار، والجمع بين الأمرين أغلظ من إفراد أحدهما. و (جهارا) مصدر (دعوتهم) لأنه أحد نوعي الدعاء، فنصب به كما ينصب القرفصاء (2) ب‍ (قعد)، لكونها أحد أنواع القعود، أو: لأنه أراد ب‍ (دعوتهم) جاهرتهم، ويجوز أن يكون صفة لمصدر " دعوت " أي: دعاء جهارا مجاهرا به. # PageV03P643 # (فقلت استغفروا ربكم) أي: اطلبوا منه المغفرة على كفركم ومعاصيكم (إنه كان غفارا) لطالبي المغفرة. (يرسل السمآء عليكم مدرارا) قيل: إنهم لما طال إصرارهم على الكفر والتكذيب بعد تكرير دعوتهم، حبس الله عنهم القطر فقحطوا حتى هلكت أموالهم وأولادهم، فلذلك وعدهم أنهم إن آمنوا رزقهم الله الخصب ورفع عنهم ما كانوا فيه (1). وعن الحسن: أن رجلا شكا إليه الجدب فقال: استغفر الله، وشكا إليه آخر الفقر فقال: استغفر الله، وآخر قلة النسل، وآخر قلة ريع أرضه، فأمرهم كلهم بالاستغفار، فقال له الربيع بن صبيح: أتاك رجال يشكون أبوابا ويسألون أنواعا، فأمرتهم كلهم بالاستغفار، فتلا له الآية (2). # وسأل رجل الباقر (عليه السلام) فقال: جعلت فداك، إني رجل كثير المال وليس يولد لي ولد، فهل من حيلة؟ قال: نعم، استغفر ربك سنة في آخر الليل مائة مرة، فإن ضيعت ذلك بالليل فاقضه بالنهار، فإن الله تعالى يقول: (استغفروا ربكم...) إلى آخر الآية (3). # والمدرار: المطر الكثير الدرور، مفعال، يستوي فيه المذكر والمؤنث. (ما لكم لا ترجون لله وقارا) أي: تأملون له توقيرا أي: تعظيما. والمعنى: ms1298 ما لكم لا تكونون على حال تأملون فيها تعظيم الله إياكم في دار الكرامة؟ و (لله) بيان للموقر، ولو تأخر كان صلة ل‍ " الوقار ". # وقوله: (وقد خلقكم أطوارا) في موضع الحال، كأنه قال: ما لكم لا تؤمنون بالله والحال هذه، وهي أنه خلقكم تارات: ترابا، ثم نطفا، ثم علقا، إلى أن أنشأكم # PageV03P644 # خلقا آخر، وهذه موجبة للإيمان به. وعن ابن عباس: ما لكم لا تخافون لله عظمة؟ (1) وعنه: لا تخافون الله عاقبة (2)، لأن العاقبة حال استقرار الأمور وثبات الثواب والعقاب، من: وقر إذا ثبت واستقر، وقيل: لا تخافون لله حلما وترك معاجلة بالعقاب فتؤمنوا (3). # (ألم تروا كيف خلق الله سبع سموا ت طباقا (15) وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا (16) والله أنبتكم من الأرض نباتا (17) ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا (18) والله جعل لكم الارض بساطا (19) لتسلكوا منها سبلا فجاجا (20) قال نوح رب إنهم عصونى واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا (21) ومكروا مكرا كبارا (22) وقالوا لا تذرن ءالهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا (23) وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظلمين إلا ضللا (24) مما خطيتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا (25) وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكفرين ديارا (26) إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا (27) رب اغفر لى ولوالدى ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنت ولا تزد الظلمين إلا تبارا (28)) نبههم أولا على النظر في أنفسهم، وثانيا على النظر في العالم وما فيه من العجائب والبدائع الدالة على الصانع القادر العالم، قال: (وجعل القمر فيهن) # PageV03P645 # وهو في السماء الدنيا لأن بين السماوات ملابسة من حيث إنها طباق، واحدة فوق الأخرى كالقباب، فجاز أن يقال: فيهن كذا، كما يقال: في المدينة كذا، وهو في بعض نواحيها (وجعل الشمس سراجا) يبصر أهل الدنيا في ضوئها كما يبصر أهل البيت في ضوء السراج ما يحتاجون إلى إبصاره، والقمر ليس كذلك إنما هو نور لم يبلغ قوة ضياء الشمس. # (والله أنبتكم) ms1299 استعار الإنبات للإنشاء كما يقال: زرعك الله للخير، والمعنى: # أنبتكم فنبتم نباتا، أو: نصب (أنبتكم) لتضمنه معنى " نبتم ". (ثم يعيدكم فيها) أمواتا مقبورين (ويخرجكم) منها عند البعث، وأكده بالمصدر كأنه قال: # يخرجكم لا محالة. (والله جعل لكم الأرض بساطا) مبسوطة تتقلبون عليها كما يتقلب الرجل على بساطه، والفجاج: الطرق الواسعة المنفجة. # جعل أموالهم وأولادهم التي لم تزدهم في الدنيا إلا وجاهة زائدة (خسارا) في الآخرة، وجعل ذلك سمة يعرفون بها، وصفة لازمة لهم، أي: اتبعوا رؤوسهم المقدمين أصحاب الأموال وتركوا اتباعي، وقرئ: (وولده)، " وولده " (1). # (ومكروا) معطوف على (لم يزده) وجمع الضمير الراجع إلى (من) على المعنى، والماكرون هم الرؤساء، ومكرهم: كيدهم لنوح (عليه السلام)، وصد الناس عن الاستماع منه، وقولهم لهم: (لا تذرن ءالهتكم)، (مكرا كبارا) قرئ بالتخفيف (2) والتثقيل. والكبار: أكبر من الكبير، والكبار بالتشديد: أكبر من الكبار. # PageV03P646 # (ولا تذرن ودا) قرئ بضم الواو (1) وفتحها، وكانت هذه الأصنام (2) المذكورة أسماؤها أعظم أصنامهم عندهم فخصوها بعد قولهم: (لا تذرن ءالهتكم)، وقد انتقلت هذه الأصنام إلى العرب: فكان ود لكلب، وسواع لهمدان، ويغوث لمذحج، ويعوق لمراد، ونسر لحمير، ولذلك سميت العرب ب‍ " عبد ود " و " عبد يغوث ". (وقد أضلوا) الضمير للرؤساء، ومعناه: وقد أضلوا (كثيرا) قبل هؤلاء، أو: قد أضلوا بإضلالهم قوما كثيرا. # (ولا تزد الظلمين) معطوف على قوله: (رب إنهم عصونى) أي: قال نوح: (رب إنهم عصونى) وقال: (ولا تزد الظلمين إلا ضللا) والمراد بالضلال: أن يخذلوا ويمنعوا الألطاف لتصميمهم على الكفر ووقوع اليأس من إيمانهم، أو: يريد به الهلاك والضياع كقوله: (ولا تزد الظلمين إلا تبارا). # وقدم سبحانه قوله: (مما خطيئتهم) لبيان أن إغراقهم ما كان إلا من أجل خطاياهم، وكذا إدخالهم النار. وقرئ: (خطيئتهم) بالهمزة، و " خطياتهم " بقلب الهمزة ياء وإدغامها (3) و " خطاياهم " (4)، و " ما " مزيدة، وقال: (فأدخلوا) بالفاء لأن دخولهم النار كأنه متعقب لإغراقهم، كأنه قد كان لاقترابه أو: لإرادة عذاب القبر، وعن الضحاك: كانوا يغرقون من جانب ويحرقون من جانب (5). # وتنكير النار: إما لتعظيمها، وإما لأن الله ms1300 سبحانه أعد لهم نوعا من النار. # يقال: ما بالدار ديار، وهو فيعال من الدور، وأصله: ديوار، ففعل به ما فعل # PageV03P647 # بأصل " سيد " و " هين "، ولو كان على وزن فعال لكان " دوارا "، ولا يستعمل إلا في النفي العام. # (ولا يلدو إلا فاجرا كفارا) إنما قال ذلك بعد أن أخبره الله عز وجل أنه ﴿لن يؤمن من قومك إلا من قد ءامن﴾ (1) وأنهم لا يلدون مؤمنا، وقد أعقم الله أرحام نسائهم وأيبس أصلاب رجالهم قبل العذاب بأربعين سنة، فلم يكن فيهم صبي وقت العذاب، فلذلك دعا نوح (عليه السلام) عليهم بما دعا به. ومعنى: (ولا يلدوا يلد إلا فاجرا كفارا): لا يلدوا إلا من سيفجر ويكفر، فوصفهم بما يصيرون إليه، كقوله (عليه السلام): " من قتل قتيلا فله سلبه " (2). # (ولولدى) اسم أبيه: ملك بن متوشلخ، واسم أمه: شمخا بنت أنوش، وكانا مؤمنين (ولمن دخل بيتي) أي: داري، وقيل: مسجدي (3)، وقيل: سفينتي (4). # خص أولا من يتصل به لأنهم أحق بدعائه، ثم عم المؤمنين والمؤمنات (ولا تزد الظلمين إلا تبارا) هلاكا ودمارا. # * * * # PageV03P648 # سورة الجن مكية (1) ثمان وعشرون آية. # في حديث أبي: " ومن قرأ سورة الجن أعطي بعدد كل جني صدق بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وكذب به عتق رقبة " (2). # وعن الصادق (عليه السلام): " من أكثر قراءة (قل أوحى) لم يصبه في حياته شىء من أعين الجن ولا من نفثهم وكيدهم، وكان مع محمد وآله (عليهم السلام) " (3). # بسم الله الرحمن الرحيم (قل أوحى إلى أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرءانا عجبا (1) يهدى إلى الرشد فامنا به ى ولن نشرك بربنآ أحدا (2) وأنه تعلى جد ربنا ما اتخذ صحبة ولا ولدا (3) وأنه كان يقول سفيهنا على # PageV03P649 # الله شططا (4) وأنا ظننآ أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا (5) وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا (6) وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا (7) وأنا لمسنا السمآء فوجدنها ملئت حرسا شديدا وشهبا (8) وأنا كنا نقعد منها مقعد للسمع فمن ms1301 يستمع الان يجد له شهابا رصدا (9) وأنا لا ندرى أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا (10) وأنا منا الصلحون ومنا دون ذا لك كنا طرآئق قددا (11) وأنا ظننآ أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا (12) وأنا لما سمعنا الهدى ءامنا به ى فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا (13) وأنا منا المسلمون ومنا القسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا (14) وأما القسطون فكانوا لجهنم حطبا (15)) (أنه استمع) بالفتح لأنه فاعل (أوحى)، و (إنا سمعنا) بالكسر لأنه مبتدأ محكي بعد القول، ثم يحمل عليهما البواقي، فما كان من الوحي فتح، وما كان من قول الجن كسر، وكلهن من قولهم، إلا الثنتين الأخيرتين: (وأن المسجد لله) (1)، (وأنه لما قام عبد الله) (2)، ومن فتح كلهن فللعطف على محل الجار والمجرور في (ءامنا به) كأنه قيل: صدقنا به، وصدقنا (أنه تعلى جد ربنا)، (وأنه كان يقول سفيهنا) وكذلك البواقي. # (نفر من الجن) جماعة منهم ما بين الثلاثة إلى العشرة، وقيل: كانوا من بني الشيصبان وهم أكثر الجن عددا، وهم عامة جنود إبليس (3)، وقيل: كانوا سبعة نفر # PageV03P650 # من جن نصيبين آمنوا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأرسلهم إلى سائر الجن (١) (فقالوا إنا سمعنا) أي: قالوا لقومهم حين رجعوا إليهم كقوله: ﴿فلما قضى ولوا إلى قومهم منذرين﴾ (2)، قالوا: (إنا سمعنا قرءانا) كتابا (عجبا) بديعا مباينا لكلام الخلق، قائما، فيه دلائل الإعجاز، " عجب " مصدر يوضع موضع " العجيب "، وهو ما خرج من حد أشكاله ونظائره. # (يهدى إلى الرشد) يدعو إلى الصواب وإلى التوحيد والإيمان (فآمنا به) الضمير للقرآن. ولما كان الإيمان به إيمانا بوحدانية الله تعالى قالوا: (ولن نشرك بربنآ أحدا) أي: ولن نعود إلى ما كنا عليه من الإشراك به، ويجوز أن يكون الضمير لله، لأن قوله: (بربنآ) يفسره (تعلى جد ربنا) أي: تعالى جلال ربنا وعظمته عن اتخاذ الصاحبة والولد، من قولك: جد فلان في عيني: إذا عظم. وقيل: (جد ربنا) سلطانه وملكه وغناه (3)، من الجد الذي هو الدولة، والبخت ms1302 مستعار منه، وقوله: (ما اتخذ صحبة ولا ولدا) بيان لذلك. # (وأنه كان يقول سفيهنا) وهو إبليس أو غيره من مردة الجن (على الله شططا) أي: بعيدا من القول، وهو الكذب في التوحيد والعدل، والشطط: مجاوزة الحد، ومنه: أشط في القول إذا أبعد فيه، أي: يقول قولا هو في نفسه شطط لفرط ما أشط فيه، وهو نسبة الصاحبة والولد إلى الله. (وأنا ظننآ) أن أحدا من الجن والإنس لن يكذب على الله، ولن يقول عليه ما ليس بحق، فكنا نصدقهم فيما أضافوه إليه حتى تبين لنا بالقرآن كذبهم (كذبا) قولا كذبا أي: مكذوبا فيه، # PageV03P651 # وانتصب انتصاب المصدر لأن الكذب بعض القول ونوع منه، وقرئ: " لن تقول " (1) وعلى هذا فيكون: (كذبا) مصدرا وقع موقع " تقولا "، لأن التقول لا يكون إلا كذبا. # ومعنى قوله: (كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن): أن العرب كان إذا أمسى أحدهم في واد قفر وخاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، يريد: الجن وكبيرهم (فزادوهم رهقا) أي: فزاد الجن الإنس رهقا بإغوائهم وإضلالهم لاستعاذتهم بهم، أو: فزاد الإنس الجن رهقا أي: طغيانا واستكبارا لاستعاذتهم بهم، يقولون: سدنا الجن والإنس، والرهق: غشيان المحارم. (وأنهم ظنوا) أي: وأن الإنس ظنوا (كما ظننتم) وهو من كلام الجن يقوله بعضهم لبعض، وقيل: الآيتان من جملة الوحي، والضمير في: (وأنهم ظنوا) للجن، والخطاب في: (كما ظننتم) لكفار قريش (2). # (وأنا لمسنا السمآء) اللمس: المس، فاستعير للطلب لأن الماس طالب متعرف، قال: # مسسنا من الآباء شيئا وكلنا * إلى نسب في قومه غير واضع (3) ولمسه والتمسه وتلمسه: كطلبه واطلبه وتطلبه، والمعنى: طلبنا بلوغ السماء واستماع كلام الملائكة (فوجدنها ملئت حرسا شديدا) أي: حفظة من الملائكة شدادا. والحرس: اسم مفرد، كالخدم في معنى الحراس والخدام، ولذلك وصف # PageV03P652 # ب‍ " شديد "، ونحوه: # أخشى رجيلا أو ركيبا غاديا (1) لأن " الرجل " و " الركب " مفردان في معنى الرجال والركاب. والرصد: مثل الحرس، اسم جمع للراصد على معنى: ذوي شهاب راصدين بالرجم وهم الملائكة الذين يرجمونهم بالشهب، ms1303 أو: يكون صفة ل‍ " شهاب " بمعنى الراصد، والمعنى: يجد شهابا راصدا له، أي: لأجله. والصحيح: أن الرجم بالنجوم، وقد كان قبل مبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أيضا، وقد جاء ذكره في أشعارهم، قال بشير: # والعير يرهقها الغبار وجحشها * ينقض خلفهما انقضاض الكوكب (2) ولكن الشياطين كانت تسترق في بعض الأحوال، فلما بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كثر الرجم وزاد، ومنعت الشياطين الاستراق أصلا. وعن معمر: قلت للزهري: أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية؟ قال: نعم، قلت: أرأيت قوله: (وإنا كنا نقعد منها مقعد...) قال: غلظ وشدد أمرها حين بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (3). وفي قوله: (ملئت) دليل على أن الحادث هو الملء والكثرة، وكذلك قوله: (نقعد منها مقعد)، أي: # كنا نجد فيها بعض المقاعد خالية من الحرس والشهب، والآن ملئت المقاعد كلها، وهذا الذي حملهم على الضرب في البلاد حتى عثروا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واستمعوا قراءته. # يقولون: لما حدث هذا الحادث من كثرة الرجم والمنع الكلي من الاستراق # PageV03P653 # قلنا: ما هذا إلا لأمر أراده الله بأهل (الأرض) ولا يخلو من أن يكون شرا أو (رشدا) أي: عذابا أو رحمة. (وأنا منا الصلحون) الأبرار المتقون (ومنا دون ذلك) أي: ومنا قوم دون ذلك في الرتبة، فحذف الموصوف وهم المقتصدون في الصلاح، أو: أرادوا الطالحين (كنا طرآئق قددا) أي: ذوي مذاهب مختلفة، وهو بيان للقسمة المذكورة، أو: كنا في طرائق مختلفة كقوله: # كما عسل الطريق الثعلب (1). # أو: كانت طرائقنا طرائق قددا، على حذف المضاف الذي هو " طرائق " وإقامة الضمير المضاف إليه مقامه. والقدة من: قد، كالقطعة من: قطع. # وقوله: (في الأرض) و (هربا) حالان. أي: لن نعجز الله كائنين في الأرض أينما كنا، ولن نعجزه هاربين منها إلى السماء، وقيل: لن نعجزه في الأرض إن أراد بنا أمرا، ولن نعجزه في الأرض هربا إن طلبنا (2). والظن: بمعنى اليقين، وهذه صفة الجن وأحوالهم وعقائدهم، فمنهم أخيار وأشرار ومقتصدون، واعتقادهم أن الله عزيز لا ms1304 يفوته مطلب، ولا ينجي عنه مهرب. # (وأنا لما سمعنا الهدى) وهو القرآن (ءامنا به فمن يؤمن بربه) فهو (لا يخاف بخسا) أي نقصانا فيما يستحقه من الثواب (ولا رهقا) أي: لحاق ظلم، وقيل: لا يخاف نقصا من حسناته ولا زيادة في سيئاته، وروي ذلك عن ابن عباس والحسن وقتادة (3)، ودخلت الفاء لأن الكلام في تقدير المبتدأ والخبر، ولولا ذلك لقيل: لا يخف، والفائدة في إدخال الفاء وتقدير الابتداء الدلالة # PageV03P654 # على تحقيق أن المؤمن ناج لا محالة، وأنه المختص بذلك دون غيره. # (منا المسلمون) المستسلمون لأمر الله، المنقادون له (ومنا القسطون) الكافرون الجائرون عن طريق الحق (فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا) أي: # توخوا الرشد وتعمدوا إصابة الحق. (وأما القسطون فكانوا لجهنم حطبا) توقد بهم، وتحرقهم كما تحرق النار الحطب. # وروي: أن سعيد بن جبير لما أراد الحجاج قتله قال له: ما تقول في؟ قال: # قاسط وعادل، فقال القوم: وما أحسن ما قال! فقال الحجاج: يا جهلة، إنه سماني ظالما مشركا، وتلا لهم: (وأما القسطون...) الآية، [وقوله:] (1) (ثم الذين كفروا بربهم يعدلون) (2). # (وألو استقموا على الطريقة لاسقينهم مآء غدقا (16) لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربهى يسلكه عذابا صعدا (17) وأن المسجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا (18) وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا (19) قل إنمآ أدعوا ربى ولا أشرك به ى أحدا (20) قل إنى لا أملك لكم ضرا ولا رشدا (21) قل إنى لن يجيرنى من الله أحد ولن أجد من دونه ى ملتحدا (22) إلا بلغا من الله ورسلته ى ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خلدين فيهآ أبدا (23) حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا (24) قل إن أدرى أقريب ما توعدون أم يجعل له ربى أمدا (25) علم الغيب فلا يظهر على غيبه ى أحدا (26) إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه # PageV03P655 # ومن خلفه ى رصدا (٢٧) ليعلم أن قد أبلغوا رسلت ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شىء عددا (٢٨)) (أن) ms1305 مخففة من الثقيلة، أي: أوحي إلي أنه - والضمير للشأن والحديث - لو استقام الإنس والجن على طريقة الإيمان لأنعمنا عليهم وأوسعنا رزقهم، وذكر الماء الغدق لأنه أصل المعاش وسعة الرزق. (لنفتنهم فيه) ولنختبرهم كيف يشكرون ما خولوا منه، ومثله: (ولو أنهم أقاموا التورة والإنجيل) إلى قوله: # ﴿لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم﴾ (١). # وعن الباقر (عليه السلام) في الاستقامة: هو والله ما أنتم عليه، ثم تلا الآية. # وعن الصادق (عليه السلام) قال: لأفدناهم علما كثيرا يتعلمونه من الأئمة. # (ومن يعرض عن ذكر ربه) عن موعظته، أو: عن وحيه، أو: عن معرفته والإخلاص في عبادته (يسلكه) أي: يدخله (عذابا) والأصل: يسلكه في عذاب، كقوله: ﴿ما سلككم في سقر﴾ (2) فعدي إلى مفعولين: إما بحذف الجار وإيصال الفعل، وإما بتضمينه معنى " يدخله "، يقال: سلكه وأسلكه، قال: # حتى إذا أسلكوهم في قتائدة * مثلا كما تطرد الجمالة الشردا (3) وقرئ: (يسلكه) بالياء والنون (4). و " الصعد " مصدر " صعد " وصف به العذاب لأنه يتصعد المعذب أي: يعلوه ويغلبه فلا يطيقه. (وأن المسجد لله) # PageV03P656 # هو من جملة الموحى، وقيل: معناه: ولأن المساجد لله (1) (فلا تدعوا) على أن اللام يتعلق ب‍ (- لا تدعوا) أي: فلا تدعوا مع الله أحدا في المساجد لأنها لله خاصة ولعبادته، وعن الحسن: يعني: الأرض كلها لأنها جعلت للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مسجدا (2). وسأل المعتصم أبا جعفر الثاني (عليه السلام) عنها فقال: هي أعضاء السجود السبعة (3). # (وأنه لما قام عبد الله) وهو محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يقل: رسول الله، لأن تقديره: # وأوحي إلي أنه لما قام عبد الله، فلما كان واقعا في كلامه جيء به على ما يقتضيه التواضع والتذلل (يدعوه) أي: يعبده، يريد: قيامه لصلاة الفجر بنخلة حين أتاه الجن فاستمعوا لقراءته (كادوا يكونون عليه لبدا) أي: يزدحمون عليه متراكمين تعجبا مما رأوا من عبادته، وإعجابا بما كان يتلوه من القرآن، لأنهم رأوا ما لم يروا مثله، وسمعوا ما لم يسمعوا بمثله، وقيل: معناه: لما قام رسولا (صلى الله عليه وآله وسلم) ms1306 يعبد الله وحده، كاد المشركون لتظاهرهم على عداوته يزدحمون عليه متراكمين (4) (لبدا) جمع " لبدة "، وهي ما يلبد بعضه على بعض، وقرئ: " لبدا " بضم اللام (5)، واللبدة في معنى اللبدة، وعن قتادة: تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه، فأبى الله إلا أن يتم نوره (6). ومن قرأ: " وإنه " بالكسر (7)، جعله من كلام الجن، # PageV03P657 # قالوه لقومهم حين رجعوا إليهم يحكون ما رأوا من صلاته وازدحام أصحابه عليه في ائتمامهم به. # وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للذين تظاهروا عليه: (إنمآ ادعوا ربى) يريد: ما أتيتكم بأمر منكر، إنما أعبد ربي وحده (ولا أشرك به أحدا) وليس ذلك بموجب مظاهرتكم على شقاقي وعداوتي، أو: قال للجن عند ازدحامهم متعجبين: ليس ما ترونه من عبادتي لله وحده بأمر يتعجب منه، أو: قال الجن لقومهم ذلك حكاية عن رسول الله. # (قل) يا محمد (إنى لا أملك لكم ضرا ولا رشدا) أي: نفعا، لا أستطيع أن أضركم وأن أنفعكم، وإنما الضار والنافع هو الله، أو: أراد بالضر الغي أي: لا أستطيع أن أجبركم على الغي والرشد، وإنما يقدر الله على ذلك. و (إلا بلغا) استثناء منه، أي: لا أملك إلا بلاغا من الله. و (قل إنى لن يجيرنى) إلى قوله: (ملتحدا) جملة اعتراضية، اعترض بها لتأكيد نفي الاستطاعة عن نفسه وبيان عجزه، على معنى: # أن الله سبحانه إن أراد به سوءا من مرض أو موت أو غيرهما لم يصح أن يجيره منه أحد، أو: يجد من دونه ملاذا يأوي إليه، والملتحد: الملتجأ. وقيل: (بلغا) بدل من (ملتحدا) أي: لم أجد من دونه منجى إلا أن أبلغ عنه ما أنزله إلي فأقول: قال الله كذا، وأبلغ رسالته من غير زيادة ونقصان (١). و (من) ليست بصلة للتبليغ وإنما هو بمنزلة (من) في قوله: ﴿برآءة من الله﴾ (2) والتقدير: بلاغا كائنا من الله (خلدين) محمول على معنى " من "، وتعلق (حتى) بقوله: (يكونون عليه لبدا)، على: أنهم يتظاهرون عليه بالعداوة، ويستضعفون أنصاره، ويستقلون # PageV03P658 # عدده (حتى إذا رأوا ما يوعدون) يوم بدر، ms1307 أو: يوم القيامة (فسيعلمون) حينئذ أيهم (أضعف ناصرا وأقل عددا)، ويجوز أن يتعلق بمحذوف دلت عليه الحال، كأنه قال: لا يزالون على ما هم عليه حتى إذا رأوا ما يوعدون، وكأ نهم أنكروا هذا الموعود وقالوا: متى يكون؟ فقيل: (قل) يا محمد: إنه كائن لاريب فيه، وأما وقته فما (أدرى) متى يكون، لأن الله سبحانه لم يبينه لي، والأمد: الغاية والنهاية والمهلة. # (علم الغيب) أي: هو عالم الغيب (فلا) يطلع (على غيبه أحدا) من عباده. (إلا من ارتضى من رسول) تبيين لمن ارتضى، يعني: المرتضى للنبوة لا كل مرتضى (فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا) حفظة من الملائكة يحفظونه من الشياطين، يطردونهم عنه ويعصمونه عن وساوسهم حتى يبلغ ما أوحي به إليه. # (ليعلم) الله، أي: ليظهر معلومه على ما كان عالما به (أن قد) أبلغ الأنبياء (رسلت ربهم) وحد أولا على اللفظ في قوله: (من بين يديه ومن خلفه)، ثم جمع على المعنى كقوله: (فإن له نار جهنم خلدين فيهآ)، والمعنى: ليبلغوا رسالات ربهم كما هي محروسة من الزيادة والنقصان. وقرئ: " ليعلم " على البناء المفعول (1) (وأحاط) الله (بما لديهم) بما عند الرسل من الشرائع وغيرها، لا يفوته منها شيء (وأحصى كل شىء عددا) من الصغير والكبير، والقليل والكثير، مما كان وما يكون، و (عددا) حال بمعنى: معدودا محصورا، أو: مصدر بمعنى: إحصاء. # * * * # PageV03P659 # سورة المزمل مختلف فيها (1)، وقيل: بعضها مكي وبعضها مدني (2). تسع عشرة آية بصري، عشرون كوفي، عد الكوفي (المزمل). # في حديث أبي: " ومن قرأ المزمل دفع عنه العسر في الدنيا والآخرة " (3). # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأها في عشاء الآخرة أو في آخر الليل، كان له الليل والنهار مع السورة شاهدين، وأحياه الله حياة طيبة وأماته ميتة طيبة " (4). # بسم الله الرحمن الرحيم (يأيها المزمل (1) قم الليل إلا قليلا (2) نصفه أو انقص منه قليلا (3) # PageV03P661 # أو زد عليه ورتل القرءان ترتيلا (4) إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا (5) إن ناشئة الليل هى أشد وطا وأقوم قيلا (6) إن لك في النهار سبحا ms1308 طويلا (7) واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا (8) رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا (9) واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا (10) وذرنى والمكذبين أولى النعمة ومهلهم قليلا (11) إن لدينآ أنكالا وجحيما (12) وطعاما ذا غصة وعذابا أليما (13) يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا (14)) (يأيها المزمل) في ثيابه المتلفف بها، أدغم التاء في الزاي، وكذلك (المدثر) أصله: المتدثر، وكان (صلى الله عليه وآله وسلم) يتزمل بالثياب في أول ما جاءه جبرائيل (عليه السلام) حتى أنس به، فخوطب بهذا. # وروي أنه دخل على خديجة وقد جأث (1) فرقا فقال: زملوني، فبينا هو على ذلك إذ ناداه جبرائيل (عليه السلام): (يأيها المزمل) (2). # وعن عكرمة: أن معناه: يا أيها الذي زمل أمرا عظيما أي: حمله (3). والزمل: # الحمل، وازدمله: احتمله. (قم الليل) للصلاة، (نصفه) بدل من (الليل) و (إلا قليلا) استثناء من " النصف "، كأنه قال: قم أقل من نصف الليل (أو انقص منه قليلا أو زد عليه) خيره بين النقصان منه والزيادة عليه، وقيل: إن (نصفه) بدل من (قليلا) (4)، وعلى هذا فيكون تخييرا بين ثلاثة أشياء: بين قيام النصف بتمامه، وبين قيام الناقص منه، وبين قيام الزائد عليه. وإنما وصف النصف بالقلة # PageV03P662 # بالنسبة إلى الكل. ويعضد هذا القول ما روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: القليل: # النصف، أو انقص من القليل قليلا، أو زد على القليل قليلا (1). # وكان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وطائفة من المؤمنين معه يقومون على هذه المقادير، وكان الرجل منهم يقوم حتى يصبح مخافة أن لا يحفظ ما بين النصف والثلث والثلثين، حتى خفف الله عنهم بآخر هذه السورة، فصار قيام الليل تطوعا بعد أن كان فريضة، وعن سعيد بن جبير: كان بين أول السورة وآخرها الذي نزل فيه التخفيف عشر سنين (2). # (ورتل القرءان) أي: اقرأه على رتل وتؤدة بتبيين الحروف وإشباع الحركات حتى يجيء المتلو منه شبيها بالثغر المرتل وهو المفلج (3). # وعن أمير المؤمنين (عليه السلام): بينه تبيانا ولا تهذه هذ الشعر، ولا تنثره نثر الرمل، ms1309 ولكن اقرع به القلوب القاسية، ولا يكونن هم أحدكم آخر السورة (4). # وعن ابن عباس: لأن أقرأ البقرة أرتلها، أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله (5). # وعن الصادق (عليه السلام) في الترتيل: هو أن تتمكث فيه، وتحسن به صوتك. # وقال: إذا مررت بآية فيها ذكر الجنة فاسأل الله الجنة، وإذا مررت بآية فيها ذكر النار فتعوذ بالله من النار (6). # PageV03P663 # وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارق، ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها (1). # وسئلت عائشة عن قراءة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، قالت: لا كسردكم هذا، لو أراد السامع أن يعد حروفه لعدها (2). # وقوله: (ترتيلا) تأكيد في إيجاب الأمر، وأنه مما لابد منه للقارئ. # (إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا) هذه الآية اعتراض، وعنى بالقول الثقيل القرآن وما فيه من الأوامر والتكاليف الشاقة الصعبة. وأما ثقلها على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فلأنه متحملها بنفسه ومحملها أمته، فهي أبهظ له لما يلحقه خاصة من الأذى فيه. # وأراد بهذا الاعتراض: أن ما كلفه من القيام بالليل من جملة التكاليف الثقيلة، من حيث إن الليل وقت الراحة والهدوء، فلابد لمن أحياه من مجاهدة لنفسه، وقيل: # قولا ثقيلا في الميزان يوم القيامة، عظيم الشأن عند الله، له وزن ورجحان (3)، وقيل: قولا ثقيلا نزوله (4)، لأنه (عليه السلام) كان إذا نزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه، وإن جبينه ليرفض عرقا، وإن كان ليوحى له وهو على راحلته فيضرب بجرانها. # (ناشئة الليل) هي النفس الناشئة بالليل، التي تنشأ من مضجعها إلى العبادة، أي: تنهض وترتفع، من: نشأت السحابة: إذا ارتفعت، أو: قيام الليل على أن (ناشئة) مصدر من: نشأ إذا قام ونهض، ويدل عليه ما روي عن عبيد بن عمير قال: قلت لعائشة: رجل قام من أول الليل، أتقولين له: قام ناشئة الليل؟ قالت: لا، # PageV03P664 # إنما الناشئة القيام بعد النوم (1)، أو: العبادة التي تنشأ بالليل أي: تحدث وترتفع، ms1310 وقيل: هي ساعات الليل كلها لأنها تحدث واحدة بعد أخرى (2)، (هى أشد وطئا) هي خاصة دون ناشئة النهار، أشد مواطأة أي: موافقة، يواطئ قلبها لسانها إن أردت النفس، أو: يواطئ فيها قلب القائم لسانه إن أردت القيام أو العبادة أو الساعات، أو: أشد موافقة لما يراد من الخشوع والإخلاص، وعن الحسن: أشد موافقة بين السر والعلانية لانقطاع رؤية الخلائق (3). وقرئ: " أشد وطاء " (4) والمعنى: أشد ثبات قدم، وأبعد من الزلل، أو: أثقل وأشد على المصلي من صلاة النهار (وأقوم قيلا) وأثبت قراءة وأشد مقالا لهدوء الأصوات وانقطاع الشواغل. # (إن لك في النهار سبحا) أي: تصرفا وتقلبا في مهماتك ومشاغلك ولا تفرغ إلا بالليل، فاجعل الليل لعبادتك ومناجاة ربك لتفوز بخير الدنيا والآخرة. # (واذكر اسم ربك) ودم على ذكره، والذكر يتناول كل تحميد وصلاة وتلاوة قرآن وعبادة (وتبتل إليه) وانقطع إليه، وقال: (تبتيلا) لأن معنى " تبتل ": بتل نفسه، فجيء به على معناه مراعاة للفواصل. # (رب المشرق) رفع على المدح (فاتخذه وكيلا) مسبب على التهليل، أي: # هو الذي يجب - لتفرده بالوحدانية والربوبية - أن توكل إليه الأمور، وقيل: # (وكيلا) كفيلا بما وعدك من النصر (5). # والهجر الجميل: أن يخالفهم بقلبه وهواه، ويخالفهم في الظاهر بلسانه ودعوته # PageV03P665 # إياهم إلى الحق بالمداراة وترك المكافأة، وعن أبي الدرداء: إنا لنكشر في وجوه أقوام ونضحك إليهم، وإن قلوبنا لتقليهم (1). # (وذرنى والمكذبين) أي: ودعني وإياهم ووكل أمرهم إلي، واستكفني شرهم فإن في ما يفرغ بالك (أولى النعمة) أي: التنعم في الدنيا، وهم صناديد قريش كانوا أهل ثروة وترفه. والنعمة بالكسر: الإنعام، وبالضم: المسرة، يقال: # نعم، ونعمة عين. # (إن لدينا) ما يضاد تنعمهم من " أنكال " وهي القيود الثقال، الواحد: نكل، ومن " جحيم " وهي النار الشديدة الحر، ومن " طعام ذي غصة " ينشب في الحلق فلا ينساغ، يعني: الضريع والزقوم، ومن " عذاب أليم " من سائر أنواع العذاب، فننتقم لك منهم بذلك. # (يوم ترجف) منصوب بما في (لدينآ) من معنى الفعل، والرجفة: الزلزلة والحركة العظيمة والاضطراب الشديد، والكثيب: الرمل السائل المتناثر، والمهيل: # الذي هيل ms1311 هيلا أي: نثر وأسيل. # (إنآ أرسلنآ إليكم رسولا شهدا عليكم كمآ أرسلنآ إلى فرعون رسولا (15) فعصى فرعون الرسول فأخذنه أخذا وبيلا (16) فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا (17) السمآء منفطر به ى كان وعده مفعولا (18) إن هذه ى تذكرة فمن شآء اتخذ إلى ربهى سبيلا (19) إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى الليل ونصفه وثلثه وطآئفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرءوا ما تيسر من القرءان علم أن سيكون منكم مرضى وءاخرون # PageV03P666 # يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وءاخرون يقتلون في سبيل الله فاقرءوا ما تيسر منه وأقيموا الصلوة وءاتوا الزكوة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (20)) يخاطب قريشا (شهدا عليكم) في الآخرة بتكذيبكم وكفركم. (فعصى فرعون الرسول) يعني: موسى (عليه السلام)، أدخل لام التعريف إشارة إلى المذكور قبله (فأخذنه أخذا وبيلا) شديدا ثقيلا من قولهم: كلا وبيل: وخيم غير مستمرئ لثقله. والوبيل: العصاء الضخمة. # (يوما) مفعول به، أي: وكيف تقون أنفسكم يوم القيامة وهوله إن بقيتم على الكفر ولم تؤمنوا، ويجوز أن يكون ظرفا، أي: فكيف لكم بالتقوى في يوم القيامة إن كفرتم في الدنيا، أو: مفعولا ل‍ (كفرتم) على تأويل: (فكيف تتقون) الله إن جحدتم يوم القيامة والجزاء، لأن التقوى هو خوف عقاب الله، وقوله: (يجعل الولدن شيبا) مثل كما يقال: يوم يشيب النواصي. # (السمآء منفطر به) وصف لليوم بالشدة أيضا، وأن السماء على عظمها وإحكامها تنفطر فيه، والمعنى: ذات انفطار، أو: السماء شيء منفطر، والباء في (به) مثلها في: فطرت العود بالقدوم، بمعنى: أنها منفطر بشدة ذلك اليوم وهوله كما ينفطر الشيء بما يفطر به (وعده) مضاف إلى المفعول، والضمير لليوم، أو: إلى الفاعل والضمير لله عز اسمه وإن لم يجر له ذكر لكونه معلوما. # (أن هذه) الآيات الناطقة بالوعيد الشديد (تذكرة) موعظة لمن أنصف من نفسه (فمن شآء) اتعظ ms1312 بها و (اتخذ إلى ربه سبيلا) بالتقوى والخشية. # (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى الليل) أقل منهما، استعار الأدنى وهو الأقرب للأقل، لأن المسافة بين الشيئين إذا دنت قل ما بينهما من الأخيار، PageV03P667 # وإذا بعدت كثر ذلك، قرئ: (ونصفه وثلثه) بالنصب على معنى: أنك تقوم أقل من ثلثين وتقوم النصف والثلث، وقرئ: (ونصفه وثلثه) بالجر (1) أي: وأقل من النصف والثلث (وطآئفة من الذين معك) وتقوم ذلك جماعة من أصحابك، وعن ابن عباس: علي (عليه السلام) وأبو ذر (2). (والله يقدر الليل والنهار) ولا يقدر على ذلك غيره، فيعلم القدر الذي يقومونه من الليل (علم أن لن تحصوه) الضمير لمصدر (يقدر) أي: علم أنه لا يصح منكم ضبط الأوقات، ولا يتأتى حسابها لكم بالتعديل والتسوية إلا أن تأخذوا بالأوسع للاحتياط، وذلك يشق عليكم (فتاب عليكم) عبارة عن الترخيص في ترك القيام المقدر. # (فاقرءوا ما تيسر من القرءان) عبر عن الصلاة بالقراءة، لأنها بعض أركانها، يريد: فصلوا ما تيسر عليكم ولم يتعذر من صلاة الليل، وقيل: هي قراءة القرآن بعينها، ثم اختلفوا بالقدر الذي تضمنه الأمر، وعن سعيد بن جبير: أنه خمسون آية، وعن ابن عباس: مائة آية، وعن السدي: مائتا آية (3). ثم بين سبحانه وجه الحكمة في التخفيف، وهي تعذر القيام بالليل على المرضى، والضاربين في الأرض للتجارة، والمجاهدين في سبيل الله، وسوى سبحانه بين المجاهدين والمسافرين لطلب الحلال. والقرض الحسن: إخراج المال من أطيب وجوهه وأعوده على الفقراء وابتغاء وجه الله به، وصرفه إلى المستحق (تجدوه عند الله هو خيرا) هو: # فصل وقع بين مفعولي " وجد "، وجاز وإن لم يقع بين معرفتين؛ لأن " أفعل " من أشبه المعرفة في امتناعه من حرف التعريف. # PageV03P668 # سورة المدثر مكية (1) ست وخمسون آية. # في حديث أبي: " ومن قرأ سورة المدثر أعطي عشر حسنات بعدد من صدق بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وكذب به بمكة " (2). # وعن الباقر (عليه السلام): " من قرأ في الفريضة سورة المدثر كان حقا على الله أن يجعله مع محمد (صلى ms1313 الله عليه وآله وسلم) في درجته، ولا يدركه في الحياة الدنيا شقاء " (3). # بسم الله الرحمن الرحيم (يأيها المدثر (1) قم فأنذر (2) وربك فكبر (3) وثيابك فطهر (4) والرجز فاهجر (5) ولا تمنن تستكثر (6) ولربك فاصبر (7) فإذا نقر في الناقور (8) فذا لك يومئذ يوم عسير (9) على الكفرين غير يسير (10) # PageV03P669 # ذرنى ومن خلقت وحيدا (11) وجعلت له مالا ممدودا (12) وبنين شهودا (13) ومهدت له تمهيدا (14) ثم يطمع أن أزيد (15) كلا إنه كان لايتنا عنيدا (16) سأرهقه صعودا (17) إنه فكر وقدر (18) فقتل كيف قدر (19) ثم قتل كيف قدر (20) ثم نظر (21) ثم عبس وبسر (22) ثم أدبر واستكبر (23) فقال إن هذآ إلا سحر يؤثر (24) إن هذآ إلا قول البشر (25) سأصليه سقر (26) ومآ أدراك ما سقر (27) لا تبقى ولا تذر (28) لواحة للبشر (29) عليها تسعة عشر (30)) (المدثر): المتدثر بثيابه، وهو لابس الدثار، وهو ما فوق الشعار، والشعار: # الثوب الذي يلي الجسد، ومنه الحديث: " الأنصار شعار والناس دثار " (1). (قم) من نومك (فأنذر) قومك، أو: قم قيام عزم وتصميم فحذر قومك من عذاب الله إن لم يؤمنوا، والأوجه أن يكون المعنى: فافعل الإنذار، من غير تخصيص. # (وربك فكبر) واختص ربك بالتكبير، وهو أن تصفه بالكبرياء، أو: قل: الله أكبر، وقد حمل أيضا على التكبير في الصلاة، ودخلت الفاء لمعنى الشرط، كأنه قال: # وما كان فلا تدع تكبيره. # (وثيابك فطهر) ها من النجاسات، لأن طهارة الثياب شرط في صحة الصلاة، وعن قتادة: الثياب عبارة عن النفس، أي: ونفسك فطهر مما يستقذر من الأفعال (2)، يقال: فلان طاهر الثياب ونقي الجيب والذيل، إذا وصف بالنقاء من المعائب والرذائل، لأن الثوب يشتمل على الإنسان فكنى به عنه، كما قيل: # PageV03P670 # أعجبني زيد ثوبه، وقيل: معناه: وثيابك فقصر (1)، إذ لا يؤمن في تطويلها إصابة النجاسة. # (والرجز) قرئ بكسر الراء (2) وضمها، وهو العذاب، والمعنى اهجر ما يؤدي إليه عبادة الأوثان وغيرها، أي: واثبت على هجره لأنه صلوات الله عليه كان منزها عنه. # (ولا تمنن تستكثر) أي: ولا تعط مستكثرا، رائيا لما تعطيه كثيرا، أو طالبا للكثير، نهي عن الاستغزار، وهو أن يهب شيئا ms1314 وهو يطمع أن يتعوض من الموهوب له أكثر من الموهوب، وهذا جائز. ومنه الحديث: " المستغزر يثاب من هبته " (3). # وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون نهيا خاصا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، لأن الله عز اسمه اختار له أحسن الأخلاق، والآخر: أن يكون نهي تنزيه لا نهي تحريم. (ولربك فاصبر) ولوجه ربك فاستعمل الصبر على أذى المشركين وعلى أداء الطاعات. # والفاء في (فإذا نقر في الناقور) للتسبيب، كأنه قال: فاصبر على أذاهم فبين أيديهم (يوم عسير) يلقون فيه مغبة أذاهم، والفاء في (فذلك) للجزاء، وانتصب (إذا) بما دل عليه الجزاء، لأن المعنى: فإذا نقر في الناقور عسر الأمر على الكافرين، ولا يجوز وقوع (يومئذ) ظرفا ل‍ (عسير) لأن الصفة لا تعمل فيما قبل الموصوف، وإنما يتعلق ب‍ (ذلك) لأن (ذلك) كناية عن المصدر، والتقدير: # فذلك النقر في ذلك اليوم نقر يوم عسير، وعن مجاهد: معناه: فإذا نفخ في الصور (4)، واختلف في أنها النفخة الأولى أم الثانية. وإنما قال: (غير يسير) # PageV03P671 # وقوله: (عسير) يغني عنه، ليؤذن أنه لا يكون عليهم يسيرا كما يكون على المؤمنين، فيكون جمعا بين وعيد الكافرين ووعد المؤمنين. # (ذرنى ومن خلقت‍) - ه (وحيدا) أي: متوحدا بخلقه، يعني: وليد بن المغيرة، يريد: دعني وإياه، وخل بيني وبينه، فإني أجزئك في الانتقام منه عن كل منتقم، فهو حال من الله على معنيين: بمعنى: ذرني وحدي معه، أو خلقته وحدي، أو: # حال من المخلوق بمعنى: خلقته وهو وحيد فريد لا مال له. وروي عن الباقر (عليه السلام) أن الوحيد من لا يعرف له أب (1). # (مالا ممدودا) أي: مبسوطا كثيرا، عن ابن عباس (2): هو ما كان له بين مكة والطائف من صنوف الأموال، من الإبل المؤبلة، والخيل المسومة، والمستغلات التي لا تنقطع غلاتها، وكان له مائة ألف دينار، وعشر (بنين شهودا) أي: حضورا معه بمكة لا يغيبون عنه؛ لغناهم عن ركوب السفر للتجارة، أسلم منهم ثلاثة: # خالد بن الوليد، وهشام، وعمارة. (ومهدت له تمهيدا) أي: وبسطت له الجاه العريض والرئاسة في ms1315 قومه. (ثم يطمع أن أزيد) استبعادا لطمعه وحرصه. # (كلا) ردع له وقطع لطمعه (إنه كان لايتنا عنيدا) تعليل للردع على وجه الاستئناف، أي: كان معاندا لحججنا وآياتنا مع معرفته بها، كافرا بذلك لنعمنا، والكافر لا يستحق المزيد، وروي: أنه ما زال بعد نزول هذه الآية في نقصان من ماله حتى هلك (3). (سأرهقه صعودا) سأغشيه عقبة شاقة المصعد، وهو مثل لما يلقى من العقوبة الشديدة التي لا تطاق. # (إنه فكر) تعليل للوعيد، أو: بدل من (إنه كان لايتنا عنيدا)، بيانا لكنه # PageV03P672 # عناده، ومعناه: إنه فكر ماذا يقول في القرآن (وقدر) في نفسه ما يقول له وهيأه. # (فقتل كيف قدر) تعجيب من تقديره وإصابته فيه المحز (1) ورميه فيه الغرض، أو: ثناء عليه على طريقة الاستهزاء به، يقول القائل: قتله الله ما أشجعه! وقاتله الله ما أشعره! ومعناه: أنه حقيق بأن يحسد ويدعو عليه حاسده بذلك. # وروي (2): أن الوليد قال لبني مخزوم: والله لقد سمعت من محمد آنفا كلاما، ما هو من كلام الإنس، ولا من كلام الجن، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو وما يعلى، فقالت قريش: صبا (3) والله الوليد، والله ليصبأن قريش كلهم، فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه، فقعد إليه حزينا وكلمه بما أحماه (4)، فقام فأتاهم فقال: تزعمون أن محمدا مجنون فهل رأيتموه يخنق؟ # وتقولون: إنه كاهن، فهل رأيتموه يحدث فيما يتحدث به الكهنة؟ وتزعمون أنه شاعر، فهل رأيتموه يتعاطى شعرا قط؟ وتزعمون أنه كذاب، فهل جربتم عليه شيئا من الكذب؟ فقالوا في كل ذلك: اللهم لا، قالوا له: فما هو؟ ففكر فقال: ما هو إلا ساحر! أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه؟ وما يقوله (سحر يؤثر) عن أهل بابل، فتفرقوا معجبين متعجبين منه. (ثم نظر) في وجوه الناس (ثم) قطب وجهه مدبرا، وتشاوس مستكبرا لما خطرت بباله هذه الكلمة الشنعاء وقيل: (قدر) ما يقوله (ثم نظر) فيه (ثم عبس) لما ضاقت عليه الحيل ولم يدر ما يقول (5). # PageV03P673 # (سأصليه سقر) بدل ms1316 من (سأرهقه صعودا)، (لا تبقى) شيئا يلقى فيها إلا أهلكته (ولا تذر) ه من الهلاك، بل كل ما يلقى فيها هالك لا محالة. (لواحة) من: لوح الهجير، والبشر: أعالي الجلود، أي: مغيرة للجلود، وقيل: لافحة لها حتى تدعها أشد سوادا من الليل (1). (عليها تسعة عشر) من الملائكة هم خزنتها، وقيل: تسعة عشر صنفا (2). # (وما جعلنآ أصحب النار إلا ملئكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا ليستيقن الذين أوتوا الكتب ويزداد الذين ءامنوا إيمنا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتب وا لمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكفرون ماذآ أراد الله بهذا مثلا كذا لك يضل الله من يشآء ويهدى من يشآء ومآ يعلم جنود ربك إلا هو وما هى إلا ذكرى للبشر (31) كلا والقمر (32) والليل إذ أدبر (33) والصبح إذ آ أسفر (34) إنها لأحدى الكبر (35) نذيرا للبشر (36) لمن شآء منكم أن يتقدم أو يتأخر (37) كل نفس بما كسبت رهينة (38) إلا أصحب اليمين (39) في جنت يتسآءلون (40) عن المجرمين (41) ما سلككم في سقر (42) قالوا لم نك من المصلين (43) ولم نك نطعم المسكين (44) وكنا نخوض مع الخآئضين (45) وكنا نكذب بيوم الدين (46) حتى أتانا اليقين (47) فما تنفعهم شفعة الشفعين (48) فما لهم عن التذكرة معرضين (49) كأنهم حمر مستنفرة (50) فرت من قسورة (51) بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة (52) كلا بل لا يخافون الأخرة (53) كلا إنه # PageV03P674 # تذكرة (54) فمن شآء ذكره (55) وما يذكرون إلا أن يشآء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة (56)) روي: أن أبا جهل قال لقريش بعد نزول الآية: أتسمعون أن ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر، وأنتم الدهم الشجعاء، أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا بواحد منهم؟! فقال أبو الأسد الجمحي: أنا أكفيكم سبعة عشرة فاكفوني أنتم اثنين! فنزل (1): (وما جعلنآ أصحب النار إلا ملئكة) أي: وما جعلناهم رجالا من جنسكم فتطيقونهم (وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا) أي: وما جعلناهم على هذا العدد إلا فتنة للذين لم يؤمنوا بالله وبحكمته، ولم يذعنوا إذعان المؤمنين فيتعرضون ويستهزئون. كأنه قال: ms1317 جعلنا عدتهم عدة من شأنها أن يفتتن بها لأجل استيقان أهل الكتاب، لأن عدتهم تسعة عشر في الكتابين (2)، فإذا سمعوا أيقنوا أنه منزل من الله، وازدياد المؤمنين إيمانا لتصديقهم بذلك، ولما رأوا من تصديق أهل الكتاب به، وانتفاء ارتياب أهل الكتاب والمؤمنين. # وأفاد اللام في (ليقول) معنى السبب وإن لم يكن غرضا، و (مثلا) تمييز أو حال، والعامل معنى الإشارة في (هذا)، وسموه (مثلا) استعارة من المثل المضروب؛ استغرابا منهم لهذا العدد، يعنون: أي شيء أراد الله بهذا العدد العجيب؟ # وأي غرض في أن جعلهم تسعة عشر لا عشرين؟ ومرادهم الإنكار، والكاف في موضع نصب، أي: مثل ذلك الإضلال والهدى (يضل الله) الكافرين (ويهدى) المؤمنين. والمعنى: أنه يفعل فعلا حسنا على مقتضى الحكمة، فيراه المؤمنون صوابا حسنا فيزيدهم إيمانا وهدى، وينكره الكافرون فيزيدهم كفرا وضلالا. # PageV03P675 # (وما يعلم جنود ربك) وما عليه كل جند من العدد وما فيه من الحكمة (إلا هو)، ولا سبيل لأحد إلى معرفة ذلك، كما لا يعرف الحكمة في أعداد السماوات والكواكب والبروج، وأعداد الصلوات والنصب في الزكوات، وغير ذلك، أو: (ما يعلم جنود ربك) لفرط كثرتها (إلا هو) فلا يعز عليه تتميم الزبانية عشرين، ولكن له في هذا العدد الخاص حكمة لا يعلمها إلا هو (وما هى إلا ذكرى للبشر) متصل بوصف (سقر)، و (هى) ضميرها، أي: وما سقر وصفتها إلا تذكرة للبشر، أو: ضمير الآيات التي ذكرت فيها. # (كلا) إنكار بعد أن جعلها ذكرى، أن يكون لهم ذكرى لأنهم لا يتذكرون. # " دبر " و " أدبر " بمعنى واحد، ومنه قولهم: صاروا كأمس الدابر، وقيل: هو من: دبر الليل النهار: إذا خلفه (١)، وقرئ: " إذا دبر " (٢). (إنها لإحدى الكبر): " الكبرى " تأنيث " الأكبر "، جعلت ألف التأنيث كتائها، فكما جمعت " فعلة " على " فعل " جمعت " فعلى " على " فعل "، أي: لإحدى الدواهي الكبر، بمعنى: أنها واحدة في العظم من بينهن لا نظيرة لها. (نذيرا) تمييز من (إحدى) على معنى: إنها لإحدى البلايا إنذارا، كما يقال: فلانة إحدى النساء عفافا. وقيل: هي حال (٣). # (أن ms1318 يتقدم) في موضع الرفع بالابتداء، و (لمن شاء) خبر مقدم عليه، كما تقول: لمن توضأ أن يصلي، ومعناه مطلق لمن شاء التقدم أو التأخر أن يتقدم (أو يتأخر)، والمراد بالتقدم والتأخر: السبق إلى الخير والتأخر عنه، ونحوه: # ﴿فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر﴾ (4)، ويجوز أن يكون (لمن شاء) بدلا من # PageV03P676 # (للبشر) على أنها منذرة للمكلفين الممكنين الذين إن شاؤوا تقدموا ففازوا وإن شاؤوا تأخروا فهلكوا. # و (رهينة) ليست بتأنيث " رهين " لأن " فعيلا " بمعنى " مفعول " يستوي فيه المذكر والمؤنث، وإنما هي اسم بمعنى " الرهن " كالشتيمة بمعنى " الشتم "، كأنه قال: (كل نفس بما كسبت) رهين، ومثله بيت الحماسة: # أبعد الذي بالنعف نعف كويكب * رهينة رمس ذي تراب وجندل (1) أي: رهن رمس. والمعنى: كل نفس رهن بكسبها عند الله، غير مفكوك. # (إلا أصحب اليمين) فإنهم فكوا رقابهم عنه بإيمانهم وطاعاتهم كما يفك الراهن رهنه بأداء الحق. (في جنت) أي: هم في جنات لا يكتنه وصفها (يتسآءلون) يسأل بعضهم بعضا (عن المجرمين)، أو: يتساءلون غيرهم عنهم، كقوله: دعوته وتداعيناه. (ما سلككم في سقر) هذه حكاية قول المسؤولين عن المجرمين لأنهم يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين فيقولون: قلنا لهم: ما سلككم في سقر؟ (قالوا لم نك من المصلين) إلا أنه جاء على الحذف والاختصار. (وكنا نخوض) أي: نشرع في الباطل ونغوي مع الغاوين. وأخر التكذيب على معنى: أنهم بعد ذلك كله مكذبين (بيوم الدين) تعظيما للتكذيب. # (حتى أتنا اليقين) وهو الموت ومقدماته. (فما تنفعهم شفعة الشفعين) من الملائكة والنبيين وغيرهم كما ينفع الموحدين. # (فما لهم عن التذكرة) عن التذكير وهو القرآن وغيره من المواعظ (معرضين) حال، كما تقول: ما لك قائما؟ (كأنهم حمر مستنفرة) شديدة النفار # PageV03P677 # وحشية، كأنها تطلب النفار من نفوسها في حملها عليه، وقرئ بفتح الفاء (1) وهي المنفرة المحمولة على النفار. (فرت من قسورة) هربت من أسد، وهي فعولة من " القسر " وهو القهر والغلبة، وقيل: القسورة: جماعة الرماة الذين يتصيدونها (2). # (صحفا منشرة) قراطيس تنشر وتقرأ، وكتبا كتبت في السماء ونزلت ms1319 بها الملائكة ساعة كتبت منشرة على أيديها لم تطو بعد، وذلك أنهم قالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لن نؤمن لك حتى تأتي كل واحد منا كتابا من السماء عنوانها: " من رب العالمين إلى فلان ابن فلان " نؤمر فيها باتباعك! # (كلا) ردع لهم عن تلك الإرادة، وعن اقتراح الآيات (بل لا يخافون الآخرة) فلذلك أعرضوا عن التذكرة لا لامتناع إيتاء الصحف. (كلا) ردع عن إعراضهم عن التذكرة (إنه تذكرة) مبهم أمرها، بليغة كافية في بابها. (فمن شآء) أن يذكره ولا ينساه، ويجعله نصب عينيه فعل. والضمير في: (إنه) و (ذكره) للتذكرة في قوله: (فما لهم عن التذكرة معرضين)، وإنما ذكر لأنها في معنى الذكر أو القرآن. # (وما يذكرون إلا أن يشآء الله) إجبارهم على الذكر، لأنه علم أنهم لا يشاؤونه اختيارا (هو أهل التقوى) هو حقيق بأن يتقيه عباده ويخافوا عقابه فيؤمنوا ويطيعوا (وأهل المغفرة) وحقيق بأن يغفر لهم ذنوبهم إذا آمنوا به وأطاعوه. # وعن أنس: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تلا هذه الآية فقال: " قال الله تعالى: أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معي إله، فمن اتقى أن يجعل معي إلها فأنا أهل أن أغفر له " (3). # PageV03P678 # سورة القيامة مكية (1)، وهي أربعون آية كوفي، تسع وثلاثون غيرهم، عد الكوفي: # (لتعجل به) (2). # في حديث أبي: " ومن قرأ سورة القيامة شهدت له أنا وجبرائيل يوم القيامة أنه كان مؤمنا بيوم القيامة " (3). # وعن الصادق (عليه السلام): " من أدمن قراءة: (لا أقسم)، وكان يعمل بها بعثه الله معه في قبره في أحسن صورة، يبشره ويضحك في وجهه حتى يجوز الصراط والميزان " (4). # بسم الله الرحمن الرحيم (لا أقسم بيوم القيمة (1) ولا أقسم بالنفس اللوامة (2) أيحسب # PageV03P679 # الإنسن ألن نجمع عظامه (٣) بلى قدرين على أن نسوى بنانه (٤) بل يريد الانسن ليفجر أمامه (٥) يسل أيان يوم القيمة (٦) فإذا برق البصر (٧) وخسف القمر (٨) وجمع الشمس والقمر (٩) يقول الانسن يومئذ أين المفر (١٠) كلا لا وزر (١١) إلى ربك يومئذ المستقر (١٢) ينبؤا الانسن يومئذ بما قدم وأخر (١٣) بل ms1320 الانسن على نفسه ى بصيرة (١٤) ولو ألقى معاذيره (١٥) لا تحرك به ى لسانك لتعجل به ى (١٦) إن علينا جمعه وقرءانه (١٧) فإذا قرأنه فاتبع قرءانه (١٨) ثم إن علينا بيانه (١٩) كلا بل تحبون العاجلة (٢٠) وتذرون الأخرة (٢١)) عن ابن عباس: معناه: أقسم بيوم القيامة (١)، و (لا) صلة، وقد استفاض إدخال " لا " النافية على فعل القسم، قال امرؤ القيس: # لا وأبيك ابنة العامري * لا يدعي القوم أني أفر (٢) وقال غيره: # فلا بك ما أبالي (٣) وفائدتها توكيد القسم، والوجه أن يقال: إنها للنفي، والمعنى: أنه لا يقسم بالشيء إلا إعظاما له، كقوله: ﴿فلا أقسم بموقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم﴾ (4)، فكأنه بإدخال حرف النفي يقول: إن إعظامي له بمعنى: أنه يستأهل فوق ذلك. وقيل: إن (لا) نفي لكلام ورد له قبل القسم، كأنهم أنكروا البعث # PageV03P680 # فقيل: لا، أي: ليس الأمر على ما ذكرتم، ثم قيل: (أقسم بيوم القيمة) (1). # وقرئ: " لأقسم " (2)، على أن اللام للابتداء، و (أقسم) خبر مبتدأ محذوف، أي: # لأنا أقسم. # (النفس اللوامة) التي تلوم النفوس في يوم القيامة على تقصيرهن في التقوى، أو: التي لا تزال تلوم نفسها وإن اجتهدت في الإحسان، وعن الحسن: أن المؤمن لا تراه إلا لائما نفسه، وأن الفاجر يمضي قدما لا يعاتب نفسه (3). وجواب القسم ما دل عليه قوله: # (أيحسب الإنسن أن لن نجمع عظامه) وهو ليبعثن، أي: نجمعها بعد تفرقها ورجوعها رفاتا مختلطا بالتراب. (بلى) إيجاب لما بعد النفي وهو الجمع، فكأنه قال: بلى نجمعها، و (قدرين) حال من الضمير في (نجمع)، أي: نجمع العظام قادرين على إعادتها إلى التركيب الأول، إلى (أن نسوى بنانه) أي: أصابعه التي هي أطرافه كما كانت أولا على صغرها ولطافتها، فكيف كبار العظام؟ وقيل: معناه: # (بلى) نجمعها ونحن قادرون (على أن نسوى) أصابع يديه ورجليه، أي: # نجعلها مستوية شيئا واحدا كخف البعير وحافر الحمار، فلا يمكنه أن يعمل شيئا مما كان يعمل بأصابعه المفرقة ذات المفاصل والأنامل من البسط والقبض وأنواع الأعمال (4). # (بل يريد الانسن) عطف على: (أيحسب) فيجوز أن ms1321 يكون استفهاما # PageV03P681 # مثله، وأن يكون إيجابا (ليفجر أمامه) ليدوم على فجوره فيما بين يديه من الأوقات، وفيما يستقبله من الزمان لا ينزع عنه. وعن سعيد بن جبير: يقدم الذنب ويؤخر التوبة ويقول: سوف أتوب حتى يأتيه الموت على أسوأ أعماله (١). # (يسئل) سؤال متعنت مستبعد ليوم القيامة في قوله: (أيان يوم القيمة) ونحوه: ﴿ويقولون متى هذا الوعد﴾ (2). # (فإذا برق البصر) أي: شخص البصر وتحير من شدة الفزع، وأصله من: برق الرجل: إذا نظر إلى البرق فدهش بصره، وقرئ: " برق " (3) من البريق أي: لمع من شدة شخوصه. (وخسف القمر) ذهب نوره. (وجمع الشمس والقمر) حيث يطلعهما الله من المغرب، وقيل: جمعا في ذهاب الضوء (4). (أين المفر) أين الفرار. # (كلا) ردع من طلب المفر (لا وزر) لا ملجأ ولا مهرب، والوزر: ما يتحصن به من جبل أو غيره. (إلى ربك) خاصة (يومئذ المستقر) مستقر العباد أي: استقرارهم، لا يقدرون أن ينصبوا إلى غيره، أو: إلى حكمه يرجع أمور العباد لا يحكم فيها غيره، أو: معناه: مفوض إلى مشيئة ربك يومئذ موضع قرارهم من جنة أو نار، من شاء أدخله الجنة، ومن شاء أدخله النار. (ينبؤا الإنسن يومئذ بما قدم) من عمل الخير والشر (و) بما (أخر) من سنة حسنة أو سيئة عمل بها # PageV03P682 # بعده، أو: بما قدم من ماله لنفسه وبما خلفه لورثته بعده، وعن مجاهد: بأول عمله وآخره (١). # (بل الانسن على نفسه بصيرة) أي: حجة بينة وصفت بالبصارة على المجاز، كما وصفت الآيات بالإبصار في قوله: ﴿فلما جاءتهم ءاياتنا مبصرة﴾ (2)، أو: عين بصيرة. والمعنى: أنه ينبأ بأعماله، وإن لم ينبأ ففيه ما يجزي عن التنبئة (3)، لأنه شاهد عليها بما عملت لأن جوارحه تشهد عليه. (ولو ألقى معاذيره) ولو جاء بكل معذرة يتعذر بها عن نفسه ويجادل عنها، وعن السدي: ولو أرخى ستوره (4)، والمعاذير: الستور، واحدها: معذار، لأن الستر يمنع رؤية المحتجب كما أن المعذرة تمنع عقوبة المذنب. # (لا تحرك به لسانك) الضمير للقرآن، وكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذ ms1322 لقن الوحي نازع جبرائيل (عليه السلام) القراءة، ولم يصبر إلى أن يتمها مسارعة إلى الحفظ، وخوفا من النسيان (5)، فأمر أن يستنصت له، ملقيا إليه بقلبه وسمعه حتى يقضى إليه وحيه. # والمعنى: لا تحرك بقراءة الوحي لسانك ما دام جبرائيل يقرأ (لتعجل به) لتأخذه على عجلة ولئلا ينفلت منك. ثم علل النهي عن العجلة بقوله: (إن علينا جمعه) في صدرك وإثبات قراءته في لسانك. (فإذا قرأنه) جعل قراءة جبرائيل قراءته، والقرآن: القراءة (فاتبع قرءانه) فكن مقفيا له فيه ولا تراسله، فنحن في ضمان تحفيظه لك. (ثم إن علينا بيانه) إذا أشكل عليك شيء من معانيه، كأنه (عليه السلام) # PageV03P683 # كان يعجل في الحفظ والسؤال عن المعنى جميعا. # (كلا) ردع لرسول الله عن عادة العجلة، وحث له على تكرير القراءة على قومه بالتؤدة ليتقرر ذلك في قلوبهم، لأنهم غافلون عن الأدلة، لا يتدبرون القرآن وما فيه من البيان. " بل يحبون العاجلة " (1) أي يختارون الدنيا ويتركون الاهتمام بأمور الآخرة، فلا غنى بك معهم من إعادة القول وتكريره، وزيادة التنبيه وتقريره، وقرئ: (تحبون) و (تذرون)، بالتاء على معنى: قل لهم. # (وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة (23) ووجوه يومئذ باسرة (24) تظن أن يفعل بها فاقرة (25) كلا إذا بلغت التراقى (26) وقيل من راق (27) وظن أنه الفراق (28) والتفت الساق بالساق (29) إلى ربك يومئذ المساق (30) فلا صدق ولا صلى (31) ولكن كذب وتولى (32) ثم ذهب إلى أهله ى يتمطى (33) أولى لك فأولى (34) ثم أولى لك فأولى (35) أيحسب الانسن أن يترك سدى (36) ألم يك نطفة من منى يمنى (37) ثم كان علقة فخلق فسوى (38) فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى (39) أليس ذا لك بقدر على أن يحىى الموتى (40)) الوجه: عبارة عن الجملة، والناضرة: من نضرة النعيم والبهجة. (إلى ربها ناظرة) تنظر إلى ربها خاصة، لا تنظر إلى غيره، وهذا هو المعنى في تقديم المفعول، ألا ترى إلى قوله: (إلى ربك يومئذ المستقر) (2) (إلى ربك يومئذ # PageV03P684 # المساق) (١) ﴿إلى الله المصير﴾ (٢) ﴿عليه توكلت وإليه أنيب﴾ (3) كيف دل التقديم فيها وفي أمثالها على معنى الاختصاص. ومعلوم ms1323 أنهم ينظرون في المحشر إلى أشياء كثيرة لا يحيط بها الحصر، فاختصاصه بنظرهم إليه لو كان سبحانه منظورا إليه محال، فلابد من حمله على معنى يصح فيه الاختصاص، وذلك أن يكون من باب قولهم: أنا إليك ناظر ما تصنع به، يريدون معنى الرجاء والتوقع، ومنه قول جميل (4): # وإذا نظرت إليك من ملك * والبحر دونك زدتني نعما (5) وقول الآخر: # إني إليك لما وعدت لناظر * نظر الفقير إلى الغني الموسر (6) وعلى هذا فيكون معناه: أنهم لا يتوقعون النعمة والكرامة إلا من ربهم كما كانوا في الدنيا، كذلك لا يخافون ولا يرجون إلا إياه، وقيل: إن (إلى) اسم، وهو واحد " الآلاء " التي هي النعم (7)، وهو منصوب الموضع، أي: نعمة ربها منتظرة، وقيل: هو على حذف المضاف، والمراد: إلى ثواب ربها ناظرة (8). # PageV03P685 # (ووجوه يومئذ باسرة) أي، كالحة، عابسة، شديدة العبوس. (تظن) أي: # تتوقع (أن يفعل بها) فعل هو في فظاعته وصعوبته (فاقرة) داهية تقصم فقار الظهر، كما توقعت الوجوه الناضرة أن يفعل بها كل خير وكرامة. # (كلا) ردع عن إيثار الدنيا على الآخرة، كأنه قال: ارتدعوا عن ذلك، وتنبهوا على ما بين أيديكم من الموت الذي عنده، وتذرون العاجلة، وتنتقلون إلى الآجلة وتبقون فيها، والضمير في (بلغت) للنفس وإن لم يجر لها ذكر لدلالة الكلام عليه كما في قول حاتم: # لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى * إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر (1) (التراقى) العظام المكتنفة لثغرة النحر. (وقيل من راق) أي: وقال من حضره من أهل أو صديق بعضهم لبعض: أيكم يرقيه مما به؟ وقيل: هو من كلام ملائكة الموت: أيكم يرقى بروحه، ملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب؟ (2) (وظن) هذا المحتضر (أنه الفراق) أن هذا الذي نزل به هو فراق الدنيا المحبوبة. (والتفت) ساقه بساقه والتوت عليها، وعن قتادة: ماتت رجلاه فلا تحملانه وقد كان عليهما جوالا (3)، وعن ابن عباس: التفت شدة أمر الآخرة بأمر الدنيا (4)، على أن الساق مثل في الشدة. (إلى) حكم (ربك يومئذ) مساقه ومساق الخلائق. # PageV03P686 # (فلا صدق ولا صلى) أي: ms1324 لم يتصدق ولم يصل، أو: لم يصدق بالرسول والقرآن، قيل: نزلت في أبي جهل (1). (يتمطى) أي: يتبختر، وأصله: يتمطط أي: # يتمدد، لأن المتبختر يمد خطاه، والمعنى: (ولكن كذب) برسول الله وكتابه (وتولى) وأعرض. (ثم ذهب إلى) قومه يختال في مشيته ويتبختر افتخارا بذلك. (أولى لك فأولى) بمعنى: ويل لك فويل، وهو دعاء عليه بأن يليه ما يكره. # وقيل: وليك الشر في الدنيا فوليك، ثم وليك الشر في الآخرة فوليك، والتكرار للتأكيد (2). # (أن يترك سدى) أي: مهملا لا يؤمر ولا ينهى، والهمزة للإنكار. (ألم يك نطفة) أي: كيف يحسب أن يهمل وهو يرى في نفسه من تنقل الأحوال ما يستدل به على أن له صانعا حكيما، أكمل عقله وأقدره، وخلق فيه الشهوة؟ فيعلم أنه لا يجوز أن يكون مخلى عن التكليف (يمنى) أي: يقدر خلق الإنسان منه، وقيل: # يصب في الرحم (3)، وقرئ بالتاء (4)، حملا على: " نطفة " (فخلق) منها خلقا في الرحم (فسوى) فعدل صورته وأعضاءه الظاهرة والباطنة في بطن أمه، أو: فسواه إنسانا بعد الولادة. (فجعل منه) من الإنسان (الزوجين) الصنفين (الذكر والأنثى أليس ذلك) الذي أنشأ هذا الإنشاء (بقدر) على الإعادة؟ # وفي الحديث: أنه (عليه السلام) كان إذا قرأها قال: " سبحانك اللهم وبلى " (5). # PageV03P687 # سورة الإنسان (1) مختلف فيها (2)، والصحيح أنها مدنية، وقيل: إن قوله: (إنا نحن نزلنا...) إلى آخر السورة مكي، والباقي مدني (3). إحدى وثلاثون آية. # في حديث أبي: " ومن قرأ سورة (هل أتى) كان جزاؤه على الله جنة وحريرا " (4). # وعن الباقر (عليه السلام): " من قرأ سورة (هل أتى) في كل غداة خميس زوجه الله من الحور العين مائة عذراء، وأربعة آلاف ثيب وحورا من الحور العين، وكان مع محمد وآله عليهم السلام " (5). # PageV03P689 # بسم الله الرحمن الرحيم (هل أتى على الانسن حين من الدهر لم يكن شيا مذكورا (1) إنا خلقنا الانسن من نطفة أمشاج نبتليه فجعلنه سميعا بصيرا (2) إنا هدينه السبيل إما شاكرا وإما كفورا (3) إنآ أعتدنا للكفرين سلسلا وأغللا وسعيرا (4) إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا (5) عينا يشرب ms1325 بها عباد الله يفجرونها تفجيرا (6) يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا (7) ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا (8) إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزآء ولا شكورا (9) إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا (10) فوقاهم الله شر ذا لك اليوم ولقلهم نضرة وسرورا (11) وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا (12) متكين فيها على الارآئك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا (13) ودانية عليهم ظللها وذللت قطوفها تذليلا (14)) (هل) بمعنى " قد " في الاستفهام خاصة، والأصل: " أهل " بدلالة قوله: # أهل رأونا بسفح القاع ذي الأكم (1) فالمعنى: أقد أتى، على التقرير والتقريب جميعا، أي: (أتى على الانسن) قبل زمان قريب (حين من الدهر لم يكن) فيه (شيئا مذكورا) أي: كان شيئا غير مذكور. وعن حمران بن أعين قال: سألت الصادق (عليه السلام) عنه، فقال: كان شيئا مقدورا ولم يكن مكونا (2). والمراد بالإنسان جنس بني آدم، بدليل قوله: # PageV03P690 # (إنا خلقنا الإنسان من نطفة) وقيل: المراد به آدم (عليه السلام) (1). # وعن عمر بن الخطاب: أنها تليت عنده فقال: ليتها تمت (2). أراد تلك الحالة تمت ولم يخلق ولم يكلف. # و (نطفة أمشاج) مثل: برمة أعشار، ويقال: نطفة مشج، وليس " أمشاج " بجمع له، بل هما مثلان في الإفراد، يوصف المفرد بهما، ومشجه ومزجه بمعنى، والمعنى: من نطفة قد امتزج فيها الماءان: ماء الرجل وماء المرأة، وعن قتادة: # أمشاج: أطوار: طورا نطفة، وطورا علقة، وطورا مضغة، وطورا عظاما، إلى أن صار إنسانا (3). (نبتليه) في محل النصب على الحال، أي: خلقناه مبتلين له، أي: # مريدين ابتلاءه، كقولك: مررت برجل معه صقر صائدا به غدا، أي: قاصدا به الصيد غدا. (شاكرا) و (كفورا) حالان من الهاء في (هدينه) أي: بينا له الطريق، ونصبنا له الأدلة، وأزحنا العلة ومكناه في حالتيه جميعا. # ولما ذكر " الشاكر " و " الكافر " أتبعهما الوعيد والوعد. قرئ: (سلسلا) منونا (4) وغير منون، وفي التنوين وجهان: أحدهما: أن تكون هذه النون بدلا من حرف الإطلاق، وأجري الوصل مجرى الوقف، والآخر: أنه صرف غير المنصرف على عادة الشعراء. # (الأبرار) جمع " بر ms1326 " أو " بار " ك‍ " رب " و " أرباب "، و " صاحب " # PageV03P691 # و " أصحاب ". وقد أجمع أهل البيت (عليهم السلام) (1) وأكثر المفسرين (2) على أن المراد بهم: علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام). # وروى علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن عبد الله بن ميمون، عن الصادق (عليه السلام) قال: كان عند فاطمة (عليها السلام) شعير فجعلوه عصيدة، فلما وضعوها بين أيديهم جاء مسكين فقال: رحمكم الله، فقام علي (عليه السلام) فأعطاه ثلثها، فلم يلبث أن جاء يتيم، فقال اليتيم: رحمكم الله، فقام علي (عليه السلام) فأعطاه الثلث، ثم جاء أسير، فقال الأسير: رحمكم الله، فأعطاه الثلث الباقي وما ذاقوها، فأنزل الله الآيات فيهم، وهي جارية في كل مؤمن فعل ذلك لله عز اسمه (3). # وروي أيضا: أنهم أطعموا الطعام في ثلاث ليال وطووها (عليهم السلام) ولم يفطروا على شيء من الطعام، وكانوا قد نذروا هم وجارية لهم - تسمى فضة - صوم هذه الأيام، فأوفوا بنذرهم فنزلت في الثناء عليهم (4)، وأعظم بها شرفا وفضلا. # والكأس: الزجاجة إذا كانت فيها خمر، وتسمى الخمر نفسها كأسا (مزاجها) ما يمزج بها (كافورا) ماء كافور، وهو اسم عين في الجنة ماؤها في بياض الكافور ورائحته وبرده، و (عينا) بدل منه. وعن مجاهد: ليس ككافور # PageV03P692 # الدنيا (١)، وعن قتادة: يمزج لهم بالكافور ويختم لهم بالمسك (٢)، وقيل: تخلق فيها رائحة الكافور وبياضه وبرده فكأنها مزجت بالكافور (٣). و (عينا) على هذين القولين بدل من " كأسا " على تقدير حذف مضاف، كأنه قال: ويسقون فيها خمرا خمر عين، أو: نصب على الاختصاص. (يشرب بها) أي: يشرب عباد الله بها الخمر، كما تقول: شربت الماء بالعسل (يفجرونها) يجرونها حيث شاءوا من منازلهم (تفجيرا) سهلا لا يمتنع عليهم. (يوفون بالنذر) حال أو استئناف، يقال: وفى بنذره وأوفى به (كان شره مستطيرا) أي: فاشيا منتشرا، والمراد بالشر: أهوال ذلك اليوم وشدائده. # (ويطعمون الطعام على حبه) الضمير للطعام، أي: مع اشتهائه والحاجة إليه، ونحوه: ﴿وءاتى المال على حبه﴾ (4) وقيل: على حب الله تعالى (5). # وعن الحسن: كان رسول الله (صلى الله ms1327 عليه وآله وسلم) يؤتى بالأسير فيدفعه إلى بعض المسلمين فيقول: أحسن إليه، فيكون عنده اليومين والثلاثة (6). # وعن قتادة: كان أسيرهم يومئذ المشرك، وأخوك المسلم أحق أن تطعمه (7). # وعن أبي سعيد الخدري: هو المملوك والمسجون (8). # (إنما نطعمكم) على إرادة القول، وعن سعيد بن جبير ومجاهد: أنهم لم # PageV03P693 # يتكلموا بذلك، ولكن علم الله ما في قلوبهم فأثنى به عليهم (1). أي: لا نطلب بهذا الإطعام مكافأة عاجلة، ولا أن تشكرونا عليه، إذ هو مفعول لوجه الله، فلا معنى لمكافأة الخلق، و " الشكور " مصدر كالشكر، مثل: الكفور والكفر. (إنا نخاف) يحتمل أن يراد: أن إحساننا إليكم للخوف من شدة ذلك اليوم لا للمكافأة، وأن يراد: إنا لا نريد منكم المكافأة لخوف عقاب الله على طلب المكافأة بالصدقة (يوما عبوسا) مثل قولك: نهارك صائم، وصف اليوم بصفة أهله، أو: شبه اليوم في شدته بالأسد العبوس (قمطريرا) صعبا شديدا. # (فوقهم الله شر ذلك اليوم) أي: كفاهم شدائده وأهواله (ولقهم نضرة وسرورا) أي: أعطاهم بدل عبوس الفجار وحزنهم نضرة في الوجوه وسرورا في القلوب، وهذا يدل على أن " اليوم " موصوف بعبوس أهله. (وجزاهم بما صبروا) أي: وجزاهم بصبرهم على الإيثار وبما يؤدي إليه، من الجوع والعري (جنة) فيها مأكل هنيء (وحريرا) فيه ملبس بهي. # (لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا) يعني: أن هواءها معتدل لا حر شمس يحمي ولا زمهرير يؤذي. (ودانية عليهم ظللها) يجوز أن تكون معطوفة على الجملة التي قبلها، وتكون حالا مثلها. والتقدير: غير رائين فيها شمسا ولا زمهريرا ودانية عليهم ظلالها، ودخلت الواو للدلالة على أن الأمرين جميعا لهم، فكأنه قال: وجزاهم جنة جامعين فيها بين البعد عن الحر والبرد ودنو الظلال عليهم. # ويجوز أن يكون (متكئين) و (لا يرون) و (دانية) كلها صفات الجنة، هذا قول جار الله (2)، وعندي أنه ليس بالوجه، لأن اسم الفاعل إذا وصف به وكان # PageV03P694 # فعلا لغير الموصوف وجب إبراز الضمير الذي فيه، وليس الاتكاء والدنو في الآية للجنة، فالصحيح هو القول الأول. ويجوز في (ودانية) أن تنتصب ms1328 على: وجزهم جنة ولبس حرير ودخول جنة دانية عليهم ظلالها، فحذف المضاف (وذللت قطوفها) أي: جعلت ثمارها مذللة لقطافها لا تمتنع عليهم كيف شاءوا، أو: جعلت ذليلة لهم، خاضعة متقاصرة، من قولهم: حائط ذليل: إذا كان قصيرا، وعن مجاهد: # إن قام ارتفعت بقدره، وإن قعد أو اضطجع تذللت حتى تنالها يده (1). # (ويطاف عليهم بانية من فضة وأكواب كانت قواريرا (15) قواريرا من فضة قدروها تقديرا (16) ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا (17) عينا فيها تسمى سلسبيلا (18) ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا (19) وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا (20) عليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا (21) إن هذا كان لكم جزآء وكان سعيكم مشكورا (22)) قرئ: (قواريرا قواريرا) غير منونين، وبالتنوين فيهما (2) وبالتنوين في الأول منهما (3). وهذا التنوين بدل من حرف الإطلاق لأنه كالفاصلة من الشعر، وفي الثاني لإتباعه الأول. ومعنى قوله: (قواريرا من فضة) أنها مخلوقة من فضة، وهي مع بياض الفضة وحسنها في صفاء القوارير وشفيفها، ومعنى (كانت): # أنها تكونت قوارير بتكوين الله إياها، وهو تفخيم لتلك الخلقة العجيبة الجامعة # PageV03P695 # بين صفتي الجوهرين المتباينين، ومثله: " كان " في قوله: (كان مزاجها كافورا)، نحو " يكون " في قوله: ﴿كن فيكون﴾ (1). (قدروها) صفة ل‍ (قواريرا) والمعنى: أنهم قدروها في أنفسهم أن تكون على مقادير وأشكال على حسب شهواتهم، فجاءت كما قدروا، وقيل: إن الضمير " للطائفين " بها عليهم، أي: قدروا شرابها على قدر الري، وهو ألذ للشارب لكونه على قدر حاجته (2). وعن مجاهد: # لا تغيض ولا تفيض (3). وقرئ: " قدروها " بضم القاف (4)، والوجه فيه: أن يكون من: " قدر " منقولا من " قدر "، تقول: قدرت الشيء، و: قدرنيه فلان: إذا جعلك قادرا له، ومعناه: جعلوا قادرين لها كيف شاءوا على حسب ما اشتهوا. # (كان مزاجها زنجبيلا) العرب تستطيب الزنجبيل وتستلذه، قال الأعشى: # كأن القرنفل والزنجبي‍ل * باتا بفيها وأريا مشورا (5) وعن ابن عباس: كل ما ذكر الله في القرآن مما في الجنة ليس مثله في الدنيا، ولكن سماه بما يعرف (6). وسميت ms1329 العين زنجبيلا لطعم الزنجبيل فيها، يعني: أنها في طعمه وليس فيها لذعة، ولكن نقيض اللذع وهو السلاسة، يقال: شراب سلسل وسلسال وسلسبيل زيدت الباء في التركيب حتى صارت الكلمة خماسية ودلت # PageV03P696 # على غاية السلاسة، و (عينا) بدل من (زنجبيلا) وقيل: يمزج كأسهم بالزنجبيل (1)، أو: يخلق الله طعمه فيها (2)، فعلى هذا القول يكون (عينا) بدلا من (كأسا) كأنه قال: ويسقون فيها كأس عين، أو: منصوبة على الاختصاص. # (حسبتهم لؤلؤا منثورا) شبه الولدان المخلدون في حسنهم وصفاء ألوانهم وانبثاثهم في مجالسهم للخدمة باللؤلؤ المنثور، أو: باللؤلؤ الرطب إذا نثر من صدفه، لأنه أصفى ما يكون وأحسن. (وإذا رأيت): لا مفعول ل‍ (- رأيت) هنا، لا ظاهرا ولا مقدرا، فكأنه قال: وإذا وجدت الرؤية (ثم)، والمعنى: أن بصر الرائي أينما وقع لم يقع إلا على نعيم كثير وملك كبير، و (ثم) في محل نصب على الظرف، أي: في الجنة (ملكا كبيرا) واسعا دائما لا يزول، وقيل: إذا أرادوا شيئا كان (3)، وقيل: تسلم عليهم الملائكة ويستأذنون عليهم (4). # (عليهم) وقرئ بالسكون (5) على أنه مبتدأ خبره (ثياب سندس) أي: # ما يعلوهم من اللباس ثياب سندس، وقرئ بالنصب على الحال، و (ثياب) مرفوع به، أو: أجري " عال " مجرى " فوق " فانتصب على الظرف وسد مسد الحال، أو: هو على معنى: رأيت أهل نعيم وملك عاليهم ثياب، وقرئ: (خضر وإستبرق) بالرفع حملا على " الثياب "، وبالجر (6) حملا على (سندس)، وقرئ: # PageV03P697 # (وإستبرق) بالرفع (1) على معنى: ثياب سندس وثياب إستبرق، فحذف المضاف وأقام " إستبرق " مقامه، وقرئ بالجر أيضا (2)، (وحلوا) عطف على (ويطاف عليهم)، (أساور من فضة) لا يكتنه وصفها، يرى ما وراؤها، وقيل: إن الفضة في الجنة أفضل من الذهب ومن الدر والياقوت (3)، وقيل: إنهم يحلون بالذهب تارة، وبالفضة أخرى، أو: بهما جميعا على الجمع (4) (وسقهم ربهم شرابا طهورا) وليس برجس كخمر الدنيا، وقيل: يطهرهم من كل شيء سوى الله (5). # (إن هذا) و " هذا " إشارة إلى ما تقدم من عطاء الله، وما وصفه من النعيم والتعظيم (كان لكم جزآء) على أعمالكم المقبولة وطاعاتكم ms1330 المبرورة (وكان سعيكم) في مرضاة الله (مشكورا) مرضيا، والشكر مجاز. # وروي: أن جبرائيل لما تلا الآيات قال: خذها يا محمد هنأك الله في أهل بيتك (6). # (إنا نحن نزلنا عليك القرءان تنزيلا (23) فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم ءاثما أو كفورا (24) واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا (25) ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا (26) إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون ورآءهم يوما ثقيلا (27) نحن خلقنهم وشددنآ أسرهم وإذا شئنا # PageV03P698 # بدلنآ أمثلهم تبديلا (28) إن هذه ى تذكرة فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا (29) وما تشآءون إلا أن يشآء الله إن الله كان عليما حكيما (30) يدخل من يشآء في رحمته ى والظلمين أعد لهم عذابا أليما (31)) كرر سبحانه الضمير الذي هو اسم ل‍ " إن " للتأكيد، فكأنه قال: ما نزل (عليك القرءان تنزيلا) مفرقا مفصلا إلا أنا لا غيري. (فاصبر لحكم ربك) الصادر عن الحكمة والصواب على مكافتهم واحتمال أذاهم إلى أن يأتيك الأمر بالقتال (ولا تطع منهم) أحدا، قلة صبر منك على أذاهم، وقيل: إن " الآثم " عتبة بن ربيعة، و " الكفور " الوليد بن المغيرة، قالا: ارجع عن أمرك ونحن نرضيك بالمال والتزويج (1). ولو قال: ولا تطع آثما وكفورا لجاز أن يطيع أحدهما، فإذا أتي ب‍ " أو " ومعناه: ولا تطع أحدهما، علم أن الناهي عن طاعة أحدهما ناه عن طاعتهما جميعا. # (واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا) أي: صباحا ومساء. (ومن الليل) وبعض الليل (فاسجد له) أي: فصل لله، وقيل: يعني: المغرب والعشاء الآخرة (2) (وسبحه ليلا طويلا) وتهجد له هزيعا طويلا من الليل: ثلثيه أو نصفه أو ثلثه. # (إن هؤلاء) الكفرة (يحبون العاجلة) ويؤثرونها على الآخرة (ويذرون ورآءهم) قدامهم، أو: خلف ظهورهم لا يعبؤون به (يوما ثقيلا) عسيرا شديدا، مستعار من الشيء الثقيل الباهظ لحامله. (وشددنآ أسرهم) أي: شددنا توصيل عظامهم بعضها ببعض، وتوثيق مفاصلهم بالأعصاب، من الأسر الذي هو الربط والتوثيق بالإسار وهو القد، وفرس مأسور الخلق، كما قيل: جارية معصوبة الخلق، # PageV03P699 # وقيل: معناه: كلفناهم وشددناهم بالأمر والنهي. (وإذا شئنا) أهلكناهم و (بدلنآ أمثلهم) في شدة ms1331 الأسر، يعني: النشأة الأخرى، وقيل: معناه: بدلنا غيرهم ممن يطيع (1)، وحقه أن يكون: " وإن شئنا " ب‍ " إن "، لا ب‍ " إذا " (2)، كقوله: (وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم) (3). # (هذه) إشارة إلى السورة، أو: إلى الآيات القريبة (تذكرة) تذكير وعظة (فمن شآء) فمن اختار الخير (اتخذ إلى ربه سبيلا) بأن يتقرب إليه بالطاعات. # (وما تشآءون) الطاعة (إلا أن يشآء الله) يجبرهم عليها، وقرئ بالتاء والياء (4)، و (أن يشآء الله) منصوب المحل على الظرف، والأصل: إلا وقت مشيئة الله. (والظلمين) منصوب بفعل مضمر يفسره: (أعد لهم)، نحو: أوعد وكافأ ونحوهما. # * * * # PageV03P700 # سورة المرسلات مكية (1)، وهي خمسون آية. # في حديث أبي: " ومن قرأ سورة (والمرسلت) كتب: ليس من المشركين " (2). # وعن الصادق (عليه السلام) " من قرأها عرف الله بينه وبين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) " (3). # بسم الله الرحمن الرحيم (والمرسلت عرفا (1) فالعصفت عصفا (2) والنشرات نشرا (3) فالفرقت فرقا (4) فالملقيت ذكرا (5) عذرا أو نذرا (6) إنما توعدون لواقع (7) فإذا النجوم طمست (8) وإذا السمآء فرجت (9) وإذا الجبال # PageV03P701 # نسفت (١٠) وإذا الرسل أقتت (١١) لاى يوم أجلت (١٢) ليوم الفصل (١٣) ومآ أدراك ما يوم الفصل (١٤) ويل يومئذ للمكذبين (١٥) ألم نهلك الاولين (١٦) ثم نتبعهم الأخرين (١٧) كذا لك نفعل بالمجرمين (١٨) ويل يومئذ للمكذبين (١٩) ألم نخلقكم من مآء مهين (٢٠) فجعلنه في قرار مكين (٢١) إلى قدر معلوم (٢٢) فقدرنا فنعم القدرون (٢٣) ويل يومئذ للمكذبين (٢٤) ألم نجعل الأرض كفاتا (٢٥) أحيآء وأمواتا (٢٦) وجعلنا فيها رواسى شمخت وأسقينكم مآء فراتا (٢٧) ويل يومئذ للمكذبين (٢٨)) (المرسلت) الملائكة أرسلت بالمعروف فعصفت في مضيها كما تعصف الرياح. (والنشرات) هي الملائكة نشرت أجنحتها في الجو عند انحطاطها بالوحي، أو: نشرت الشرائع في الأرض. (فالفرقت فرقا) فرقت بين الحق والباطل. (فالملقيت ذكرا) إلى الأنبياء. (عذرا) للمحقين (أو نذرا) للمبطلين. # وقيل: (المرسلت) رياح العذاب أرسلت متتابعة كعرف الفرس فعصفت في شدة هبوبها. (والنشرت) رياح الرحمة نشرت السحاب في الجو (نشرا) للغيث ففرقت بينها وبددته، كقوله: ﴿ويجعله كسفا﴾ (1)، أو: هي السحاب نشرت الأرض الميتة ففرقت بين من يشكر الله وبين من يكفر، فألقت ذكرا: إما (عذرا) للذين يعتذرون إلى الله ms1332 بتوبتهم واستغفارهم إذا رأوا نعمة الله في الغيث ويشكرونها، وإما (نذرا) إنذارا للذين يغفلون عن الشكر لله (2). # PageV03P702 # وانتصاب (عرفا) في المعنى الأول على أنه مفعول له، أي: أرسلن للإحسان، وانتصابه في المعنى الثاني على الحال. و (عذرا) و (نذرا) مصدران من: عذر إذا محا الإساءة، ومن: أنذر إذا خوف، وانتصابهما على البدل أو: على المفعول له. وقرئا مخففين ومثقلين (١). # إن الذي (توعدون‍) - ه من مجيء يوم القيامة (ل‍) - كائن (وقع) لا محالة، وهو جواب القسم. # (طمست) أي: محيت ومحقت، وقيل: ذهب بنورها (٢). (فرجت) أي: # شقت، وصدعت، وفتحت فكانت أبوابا. (نسفت) كالحب إذا نسفت بالمنسف، ونحوه: ﴿وبست الجبال بسا﴾ (3) قيل: أخذت بسرعة من أماكنها (4). (أقتت): # وقتت، وهو الأصل، ومعنى توقيت الرسل: تبيين وقتها الذي يحضرون فيه للشهادة على أممهم. والتأجيل من الأجل، كالتوقيت من الوقت (لاى يوم أجلت) تعجيب من هول اليوم وتعظيم له. (ليوم الفصل) بيان ليوم التأجيل، وهو اليوم الذي يفصل فيه بين الخلائق، وقيل: وقتت: بلغت ميقاتها الذي كانت منتظرة وهو يوم القيامة (5). و (أجلت): أخرت. # (ويل) في الأصل مصدر منصوب ساد مسد فعله، لكنه عدل به إلى الرفع للدلالة على معنى ثبات الهلاك ودوامه للمدعو عليه. # PageV03P703 # (ألم نهلك الاولين) قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم (ثم نتبعهم) بالرفع على الاستئناف، وهو وعيد لقريش، والمراد: ثم نفعل بأمثالهم مثل ما فعلنا بهم؛ لأنهم كذبوا كتكذيبهم. (كذلك) مثل ذلك الفعل (نفعل) بكل من أجرم وكذب. # (من مآء مهين) حقير قليل الغناء. (فجعلنه في قرار مكين) يعني: الرحم. # (إلى قدر) مقدار من الوقت (معلوم) قد علمه الله وهو تسعة الأشهر أو ما دونها. (فقدرنا) ذلك تقديرا (فنعم) المقدرون له نحن، أو: (فقدرنا) على ذلك (فنعم القدرون) عليه نحن، والأول أولى لقراءة من قرأ: " فقدرنا " بالتشديد (١)، ولقوله: ﴿من نطفة خلقه فقدره﴾ (2). # الكفات: من: كفت الشيء إذا جمعه وضمه، وهو اسم ما يكفت، كالضمام والجماع لما يضم ويجمع، وبه انتصب (أحياء وأمواتا)، كأنه قال: كافتة أحياء وأمواتا، أو: بفعل مضمر يدل عليه وهو ms1333 " تكفت "، والمعنى: تكفت أحياء على ظهرها وأمواتا في بطنها. والتنكير للتفخيم، يعني: أحياء لا يحصرون وأمواتا كذلك، أو: لكونهما حالين من الضمير، لأن المعنى: تكفتكم أحياء وأمواتا. # (روسى شمخت) أي: جبالا ثابتة عالية، (وأسقينكم) وجعلنا لكم سقيا من ماء عذب. # (انطلقوا إلى ما كنتم به ى تكذبون (29) انطلقوا إلى ظل ذى ثلث شعب (30) لا ظليل ولا يغنى من اللهب (31) إنها ترمى بشرر كالقصر (32) كأنه جملت صفر (33) ويل يومئذ للمكذبين (34) هذا يوم لا ينطقون (35) ولا يؤذن لهم فيعتذرون (36) ويل يومئذ # PageV03P704 # للمكذبين (٣٧) هذا يوم الفصل جمعنكم والأولين (٣٨) فإن كان لكم كيد فكيدون (٣٩) ويل يومئذ للمكذبين (٤٠) إن المتقين في ظلل وعيون (٤١) وفواكه مما يشتهون (٤٢) كلوا واشربوا هنيا بما كنتم تعملون (٤٣) إنا كذا لك نجزى المحسنين (٤٤) ويل يومئذ للمكذبين (٤٥) كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون (٤٦) ويل يومئذ للمكذبين (٤٧) وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون (٤٨) ويل يومئذ للمكذبين (٤٩) فبأى حديث بعده يؤمنون (٥٠)) أي: يقول لهم الخزنة: (انطلقوا إلى) ما كذبتم (به) وجحدتموه من عذاب النار، والانطلاق: الذهاب من مكان إلى مكان من غير مكث، و (انطلقوا) الثاني تكرير، وقرئ بلفظ الماضي (١) إخبارا بعد الأمر من علمهم بموجبه واضطرارهم إلى فعله. (إلى ظل) يعني: دخان جهنم، كقوله: ﴿وظل من يحموم﴾ (2)، (ذى ثلث شعب) يتشعب لعظمه ثلاث شعب: شعبة فوقهم، وشعبة عن أيمانهم، وشعبة عن شمائلهم. (لا ظليل) تهكم بهم وتعريض بأن ظلهم يضاد ظل المؤمنين (ولا يغنى) في محل جر، أي: غير مغن عنهم (من) حر (اللهب) شيئا. # (إنها ترمى بشرر) متطاير في الجهات (كالقصر) أي: كل شرارة كالقصر من القصور في عظمها، وقيل: هو الغليظ من الشجر (3)، والواحدة: قصرة، نحو: # جمرة وجمر، وقرئ: " كالقصر " بفتحتين (4) وهي أعناق الإبل. " كأنه جمالات " (5) # PageV03P705 # جمع جمال، وقرئ: (جملت) جمع جمل، شبهت بالقصور ثم بالجمال لبيان التشبيه، كما شبه عنترة ناقته بالقصر في قوله: # فوقفت فيها ناقتي وكأنها * فدن لاقضي حاجة المتلوم (١) وقرئ: " جمالات " بالضم (٢)، وهي قلوس سفن البحر، وقيل: قلوس الجسور (٣)، الواحدة: جمالة، وقيل: (صفر) لإرادة الجنس (٤)، وقيل: (صفر) سود ms1334 تضرب إلى الصفرة (٥). # (هذا يوم لا ينطقون) بما ينفعهم، جعل نطقهم ك‍ " لأنطق " لأنه لا ينفع ولا يجدي، أو: ينطقون في وقت ولا ينطقون في وقت، ويوم القيامة طويل له مواطن ومواقيت، ولذلك ورد الأمران في القرآن، ألا ترى إلى قوله: ﴿ثم إنكم يوم القيمة عند ربكم تختصمون﴾ (6)؟ فيتكلمون ويختصمون ثم يختم على أفواههم وتتكلم أيديهم وأرجلهم، فحينئذ لا ينطقون. (فيعتذرون) عطف على (يؤذن) أي: ولا يكون لهم إذن واعتذار متعقب له من غير أن يكون الاعتذار مسببا عن الإذن، ولو نصب لكان مسببا عنه لا محالة. # (هذا يوم الفصل) أي: يوم الحكم والقضاء بين الخلق، والانتصاف للمظلوم من الظالم، (جمعنكم والأولين) بيان له، لأن الفصل إذا كان بين الأشقياء والسعداء، وبين الأنبياء وأممهم، فلابد من جمع الأولين والآخرين حتى يقع ذلك # PageV03P706 # الفصل بينهم. (فإن كان لكم كيد فكيدون) تقريع لهم على كيدهم لدين الله وأهله، وتسجيل عليهم بالمهانة والعجز. # (كلوا واشربوا) في موضع الحال من ضمير (المتقين) في قوله: (في ظلل) أي: مقولا لهم ذلك. و (كلوا وتمتعوا) حال من المكذبين، أي: الويل ثابت لهم في حال ما يقال لهم: كلوا وتمتعوا، أي: كنتم أحقاء في حياتكم بأن يدعى لكم بذلك، ويجوز أن يكون (كلوا) كلاما مستأنفا، خطابا للمكذبين في الدنيا. # (وإذا قيل لهم اركعوا) أي: صلوا، لا يصلون، وقيل: نزلت في ثقيف (1) حين أمرهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصلاة فقالوا: لا ننحني فإنها مسبة علينا، فقال (عليه السلام): " لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود " (2). (فبأى حديث) بعد القرآن (يؤمنون) وهو الآية المبصرة، والمعجزة الباهرة، والبرهان المبين! # وكرر (ويل يومئذ للمكذبين) في السورة عشر مرات، علق كل واحدة منها بقصة تخالف أخواتها، فعقب كلا منها بإثبات الويل للمكذب بما في ضمنها. # * * * # PageV03P707 # سورة النبأ (1) مكية (2) وهي أربعون آية كوفي، إحدى وأربعون بصري (عذابا قريبا) (3) بصري. # في حديث أبي: " ومن قرأ سورة (عم يتسآءلون) سقاه الله برد الشراب يوم القيامة " (4). # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأها ms1335 لم تخرج سنته، إذا كان يدمنها في كل يوم، حتى يزور البيت الحرام " (5). # بسم الله الرحمن الرحيم (عم يتسآءلون (1) عن النبإ العظيم (2) الذي هم فيه مختلفون (3) # PageV03P709 # كلا سيعلمون (4) ثم كلا سيعلمون (5) ألم نجعل الأرض مهدا (6) والجبال أوتادا (7) وخلقنكم أزواجا (8) وجعلنا نومكم سباتا (9) وجعلنا الليل لباسا (10) وجعلنا النهار معاشا (11) وبنينا فوقكم سبعا شدادا (12) وجعلنا سراجا وهاجا (13) وأنزلنا من المعصرات مآء ثجاجا (14) لنخرج به ى حبا ونباتا (15) وجنت ألفافا (16) إن يوم الفصل كان ميقتا (17) يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا (18) وفتحت السمآء فكانت أبوا با (19) وسيرت الجبال فكانت سرابا (20)) دخلت " عن " على " ما " الاستفهامية فأدغم النون في الميم وحذفت الألف، ونحوه: " بم " و " فيم " و " مم " و " لم " و " إلام " و " علام " و " حتام " (1). ومعنى هذا الاستفهام تفخيم الشأن، كأنه قال: عن أي شيء (يتسآءلون) أي: يسأل بعضهم بعضا، أو: يتساءلون غيرهم نحو: يتداعونهم. (عن النبإ العظيم) بيان للشأن المفخم، وهو نبأ يوم القيامة والبعث، أو: أمر الرسالة ولوازمها. (الذي هم فيه مختلفون) قيل: الضمير للكفار (2)، وقيل: الكفار والمسلمين جميعا (3). # (كلا) ردع للمتسائلين (سيعلمون) وعيد لهم بأنهم سوف يعلمون أن ما يتساءلون عنه ويستهزئون به حق لأنه واقع لا ريب فيه، أو: (سيعلمون) عاقبة تكذيبهم، وسيعلم المؤمنون عاقبة تصديقهم. والتكرير به تشديد في الأمر وتكرير للوعيد، و (ثم) إشعار بأن الوعيد الثاني أبلغ من الوعيد الأول. # (ألم نجعل الأرض مهدا) أي: فراشا، وأرسيناها بالجبال كما يرسى البيت # PageV03P710 # بالأوتاد. (وخلقنكم) أشكالا متشاكلين، أو: ذكرانا وإناثا، أو: أصنافا، (وجعلنا نومكم سباتا) أي: راحة ودعة لأجسادكم، وقيل: موتا، من السبت وهو القطع؛ لأنه مقطوع عن الحركة (1)، والنوم أحد الموتين. والمعنى: أن من خلق هذه الخلائق العجيبة الدالة على كمال القدرة والحكمة فلا وجه لإنكار قدرته على البعث، ولأنه يؤدي إلى أنه عابث في كل ما فعله، والحكيم لا يفعل فعلا عبثا. # (وجعلنا الليل لباسا) يستركم عن العيون، وتخفون فيه ما لا تحبون الاطلاع عليه من أموركم. (وجعلنا النهار معاشا) أي: وقت معاش، أو: مطلب معاش ms1336 تستيقظون فيه لحوائجكم، وتتصرفون في مكاسبكم. (سبعا) أي: سبع سماوات (شدادا) محكمة، جمع شديدة. (سراجا وهاجا) وقادا متلالئا، يعني: الشمس، وتوهجت النار: إذا تلظت. # و (المعصرت) السحائب إذا أعصرت، أي: شارفت أن تعصرها الرياح فتمطر، مثل: أجز الزرع أي: حان له أن يجز منه، ومنه: أعصرت الجارية: إذا حان أن تحيض، وعن مجاهد: المعصرات: الرياح ذوات الأعاصير لأنها تنشئ السحاب وتدر أخلافه (2). (مآء ثجاجا) منصبا بكثرة، يقال: ثجه وثج بنفسه. # وفي الحديث: " أفضل الحج العج والثج " (3). فالعج: رفع الصوت بالتلبية، والثج: صب دماء الهدي. # (حبا ونباتا) يعني: ما يتقوت به من نحو الحنطة والشعير، وما يعتلف به من # PageV03P711 # التبن والحشيش كما قال: ﴿كلوا وارعوا أنعامكم﴾ (1). والألفاف: الملتفة، لا واحد لها كالأخياف، وقيل: [بل] (2) واحدها لف (3). # (كان ميقتا) كان في حكم الله حدا وقت به الدنيا تنتهي عنده، أو: حدا للخلائق ينتهون عنده. (يوم ينفخ) بدل من (يوم الفصل)، أو: عطف بيان له (فتأتون أفواجا) من القبور إلى موقف الحساب أمما، كل أمة مع إمامهم، وقيل: # جماعات مختلفة (4). # وعن معاذ: أنه سأل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عنه، فقال: " يحشر عشرة أصناف من أمتي أشتاتا، قد ميزهم الله من المسلمين وبدل صورهم: فبعضهم على صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، وبعضهم منكسون: أرجلهم فوق رؤوسهم يسحبون عليها، وبعضهم عمي، وبعضهم صم بكم، وبعضهم يمضغون ألسنتهم فهي مدلاة على صدورهم، يسيل القيح من أفواههم يتقذرهم أهل الجمع، وبعضهم مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون على جذوع من نار، وبعضهم أشد نتنا من الجيف، وبعضهم ملبسون جبابا سابغة من قطران لازقة بجلودهم. فأما الذين على صورة القردة فالقتات من الناس، وأما الذين على صورة الخنازير فأهل السحت، وأما المنكسون على رؤوسهم فأكلة الربا، وأما العمي فالذين يجورون في الحكم، وأما الصم والبكم فالمعجبون بأعمالهم، وأما الذين يمضغون ألسنتهم فالعلماء والقصاص الذين خالف أقوالهم أعمالهم، وأما الذين قطعت أيديهم وأرجلهم فهم الذين يؤذون الجيران، وأما المصلبون على جذوع من نار فالسعاة بالناس إلى ms1337 السلطان، وأما الذين هم أشد نتنا من الجيف فالذين يتبعون الشهوات # PageV03P712 # واللذات ويمنعون حق الله في أموالهم، وأما الذين يلبسون الجباب فأهل الكبر والفخر والخيلاء " (١). # (وفتحت) قرئ بالتشديد (٢) والتخفيف، والمعنى: كثرت أبوابها المفتحة لنزول الملائكة، كأنها ليست إلا أبوابا مفتحة، كقوله: ﴿وفجرنا الأرض عيونا﴾ (٣)، كأن كلها عيون مفجرة، وقيل: الأبواب: الطرق والمسالك تكشط فينفتح مكانها ويصير طرقا لا يسدها شيء (٤). (فكانت سرابا) كقوله: ﴿فكانت هبآء منبثا﴾ (5) أي: يصير شيئا كلا شيء لتفرق أجزائها. # (إن جهنم كانت مرصادا (21) للطغين مابا (22) لبثين فيهآ أحقابا (23) لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا (24) إلا حميما وغساقا (25) جزآء وفاقا (26) إنهم كانوا لا يرجون حسابا (27) وكذبوا بايتنا كذابا (28) وكل شىء أحصينه كتبا (29) فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا (30) إن للمتقين مفازا (31) حدآئق وأعنبا (32) وكواعب أترابا (33) وكأسا دهاقا (34) لا يسمعون فيها لغوا ولا كذا با (35) جزآء من ربك عطآء حسابا (36) رب السموات والارض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا (37) يوم يقوم الروح والملئكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا (38) ذا لك اليوم الحق فمن شآء اتخذ إلى ربه مابا (39) إنآ أنذرنكم عذابا قريبا يوم ينظر # PageV03P713 # ا لمرء ما قدمت يداه ويقول الكافر يليتنى كنت ترا با (40)) المرصاد: الحد الذي يكون فيه الرصد، أي: هي حد (للطغين) يرصدون فيه للعذاب وهي مآبهم (1)، أو: هي مرصاد لأهل الجنة يرصدهم الملائكة الذين يستقبلونهم عندها لأن مجازهم عليها، وهي مآب للطاغين، وعن الحسن وقتادة: # طريقا وممرا لأهل الجنة (2). # وقرئ: (لبثين) و " لبثين " (3) واللبث أقوى، لأن اللابث: من وجد منه اللبث، واللبث من شأنه اللبث كالذي يجثم بالمكان لا يكاد ينفك منه (أحقابا) حقبا بعد حقب، كلما مضى حقب تبعه حقب إلى غير نهاية، وقيل: الحقب: ثمانون سنة (4)، وقيل: معناه: لابثين فيها أحقابا غير ذائقين (بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا) ثم يبدلون بعد الأحقاب غير الحميم والغساق (5). وروي عن الباقر (عليه السلام) أنه قال: هذه في الذين يخرجون من النار (6). # وعن ابن عمر، عن النبي (صلى الله عليه ms1338 وآله وسلم): لا يخرج من النار من دخلها حتى يمكث فيها أحقابا. [قال ابن عمر:] (7) فلا يتكلن أحد أن يخرج من النار (8). # PageV03P714 # والاستثناء منقطع، والمعنى: لا يذوقون فيها بردا وروحا ينفس عنهم حر النار، ولا شرابا يسكن من عطشهم، ولكن يذوقون فيها حميما وغساقا. وقيل: # البرد: النوم (١)، قالوا: منع البرد البرد، وقرئ: (غساقا) بالتخفيف (٢) والتشديد، وهو ما يغسق أي: يسيل من صديد أهل النار. (جزآء وفاقا) وصف بالمصدر، أو: # أريد: ذا وفاق يوافق أعمالهم. # (كذابا) أي: تكذيبا، و " فعال " قياس في مصدر " فعل " مثل: " فعلال " ل‍ " فعلل "، وقرئ بالتخفيف (٣)، روي ذلك عن علي (عليه السلام) (٤)، وهو مصدر " كذب "، قال الأعشى: # فصدقتها، وكذبتها * والمرء ينفعه كذابه (٥) فيكون مثل: ﴿أنبتكم من الأرض نباتا﴾ (6)، يعني: وكذبوا بآياتنا كذابا، أو: # انتصب ب‍ (كذبوا) لأنه يتضمن معنى " كذبوا "، لأن كل مكذب بالحق كاذب. # (كتبا) مصدر في موضع " إحصاء "، أو: يكون: " أحصينا " في معنى: # " كتبنا "، لالتقائهما في معنى الضبط والتحصيل، أو: يكون حالا في معنى: مكتوبا في اللوح وفي صحف الحفظة. والمعنى: إحصاء معاصيهم، وهو اعتراض. # وقوله: (فذوقوا) مسبب عن كفرهم بالحساب وتكذيبهم بالآيات. وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): " هذه الآية أشد ما في القرآن على أهل النار " (7). وحسبك ب‍ (لن # PageV03P715 # نزيدكم) وبمجيئها على طريق الالتفات شاهدا على أن الغضب قد بلغ الغاية. # (إن للمتقين مفازا) فوزا وظفرا بالبغية، أو: موضع فوز، وقيل: نجاة مما فيه أولئك (١)، أو: موضع نجاة، وفسر " المفاز " بما بعده. والحدائق: البساتين فيها أنواع الشجر المثمر، والأعناب: الكروم. والكواعب: اللاتي تكعب ثديهن وتفلكت، والأتراب: اللدات. والدهاق: المترعة المملوءة، وأدهق الحوض: ملأه. # (ولا كذا با) ولا تكذيب بعضهم لبعض، وقرئ بالتخفيف أيضا (٢) بمعنى الكذب أو المكاذبة، (جزآء) مصدر مؤكد منصوب، بمعنى قوله: (إن للمتقين مفازا)، كأنه قال: جازى المتقين بمفاز وعطاء، منصوب " جزآء " نصب المفعول به، أي: # جزاهم (عطآء)، و (حسابا) صفة بمعنى: كافيا، من: أحسبني الشيء: إذا كفاني حتى قلت: حسبي، وقيل: على حسب أعمالهم (٣). # قرئ: (رب السموت) و (الرحمن) ms1339 بالرفع (٤) على: هو رب السموات الرحمن، أو: " رب السموات " مبتدأ و " الرحمن " صفته و (لا يملكون) خبر، أو: # هما خبران، وبالجر على البدل من (ربك)، وبجر الأول ورفع الثاني (٥) على أنه مبتدأ خبره (لا يملكون)، أو: هو الرحمن. والضمير في (لا يملكون) لأهل السماوات والأرض، أي: لا يملكون أن يسألوا إلا فيما أذن لهم فيه، كقوله: # ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ (٦)، ﴿لا تكلم نفس إلا بإذنه﴾ (7). # PageV03P716 # و (يوم يقوم) يتعلق ب‍ (- لا يملكون)، أو: ب‍ (لا يتكلمون)، و (الروح) ملك ما خلق الله مخلوقا أعظم منه يقوم وحده صفا، وتقوم الملائكة صفا، وقيل: إن الروح خلق من خلق الله ليسوا بملائكة ولا ناس يقومون صفا والملائكة صفا، وهما سماطا رب العالمين يوم القيامة (١)، وقيل: هو جبرائيل (٢) (صفا) أي: # مصطفين، ومعنى الكلام هنا الشفاعة. # وعن الصادق (عليه السلام): نحن والله المأذونون لهم يوم القيامة، والقائلون [صوابا، أي] نمجد ربنا، ونصلي على نبينا، ونشفع لشيعتنا، فلا يردنا ربنا (٣). # (وقال صوابا) من القول، موافقا للغرض الحكمي. (ذلك اليوم الحق) الذي لا شك في حصوله وكونه (فمن شآء اتخذ إلى ربه مآبا) مرجعا بالطاعة والعمل الصالح، فقد أزيحت العلل، وأوضحت السبل، وبلغت الرسل. # وقيل: إن المراد بالمرء: الكافر (٤)، لقوله: (إنآ أنذرنكم عذابا قريبا)، و " الكافر " في قوله: (ويقول الكافر) ظاهر وضع موضع الضمير لزيادة الذم (ما قدمت يداه) من الشر، كقوله: ﴿ذلك بما قدمت أيديكم﴾ (5)، و " ما " استفهامية منصوبة ب‍ (قدمت) أي: ينظر أي شيء قدمت يداه، أو: موصولة منصوبة ب‍ (ينظر) يقال: نظرته بمعنى: نظرت إليه، والراجع من الصلة عام، وقيل: إن (المرء) عام، وخصص منه الكافر (6)، وعن قتادة: هو المؤمن (7) # PageV03P717 # (يليتنى كنت ترابا) في الدنيا فلم أخلق ولم أكلف، أو: ياليتني كنت ترابا في هذا اليوم ولم أبعث، وقيل: يحشر الحيوان غير المكلف حتى يقتص للجماء من القرناء ثم ترد ترابا، فيتمنى الكافر أن يكون كذلك (1)، وقيل: إن المراد بالكافر إبليس، عاب آدم بأن خلق من تراب وافتخر بالنار، فإذا رأى يوم ms1340 القيامة كرامة المؤمنين من ولد آدم قال: ياليتني كنت ترابا (2). # * * * # PageV03P718 # سورة النازعات مكية (1)، وهي ست وأربعون آية كوفي، خمس غيرهم، (ولانعمكم) (2) كوفي. # وفي حديث أبي: " ومن قرأ سورة النازعات لم يكن حسابه يوم القيامة إلا كقدر صلاة مكتوبة حتى يدخل الجنة " (3). # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأها لم يمت إلا ريانا، ولم يبعث إلا ريانا، ولم يدخل الجنة إلا ريانا " (4). # بسم الله الرحمن الرحيم (والنزعت غرقا (1) والنشطت نشطا (2) والسبحت سبحا (3) فالسبقت سبقا (4) فالمدبرات أمرا (5) يوم ترجف الراجفة (6) تتبعها # PageV03P719 # الرادفة (7) قلوب يومئذ واجفة (8) أبصرها خشعة (9) يقولون أءنا لمردودون في الحافرة (10) أءذا كنا عظما نخرة (11) قالوا تلك إذا كرة خاسرة (12) فإنما هى زجرة واحدة (13) فإذا هم بالساهرة (14) هل أتلك حديث موسى (15) إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى (16) اذهب إلى فرعون إنه طغى (17) فقل هل لك إلى أن تزكى (18) وأهديك إلى ربك فتخشى (19) فأراه الاية الكبرى (20) فكذب وعصى (21) ثم أدبر يسعى (22) فحشر فنادى (23) فقال أنا ربكم الاعلى (24) فأخذه الله نكال الاخرة والاولى (25) إن في ذا لك لعبرة لمن يخشى (26)) أقسم عز اسمه بالملائكة التي تنزع أرواح الكفار عن أبدانهم بالشدة، كما يغرق النازع في القوس فيبلغ غاية المد، وبالملائكة التي " تنشطها " أي: تخرجها، من قولهم: نشط الدلو من البئر: إذا أخرجها، وبالملائكة التي تسبح في مضيها، أي: # تسرع فتسبق إلى ما أمروا به فيدبروا أمور العباد من السنة إلى السنة. # وقيل: إنها خيل الغزاة التي تنزع في أعنتها نزعا، تغرق فيها الأعنة لطول أعناقها، والتي تخرج من دار الإسلام إلى دار الحرب، من قولهم: ثور ناشط: إذا خرج من بلد إلى بلد، والتي تسبح في جريها فتسبق إلى الغاية فتدبر أمر الظفر والغلبة (1). # وقيل: إنها النجوم التي تنزع من أفق إلى أفق، وإغراقها في النزع أن تقطع الفلك كله، والتي تخرج من برج إلى برج، والتي تسبح في الفلك من السيارة فيسبق بعضها بعضا في السير، فتدبر أمرا قضى الله سبحانه به (2). # PageV03P720 # والمقسم عليه محذوف وهو: لتبعثن، و (يوم ترجف) منصوب بهذا المضمر، ms1341 و (الراجفة): الصيحة التي ترجف عندها الأرض والجبال، وهي النفخة الأولى، وصفت بما يحدث بحدوثها. (تتبعها الرادفة) وهي النفخة الثانية تردف الأولى، والجملة في محل النصب على الحال، والمعنى: لتبعثن في الوقت الواسع الذي تقع فيه النفختان، وهم يبعثون في بعض ذلك الوقت وهو وقت النفخة الأخيرة. ويجوز أن ينتصب (يوم ترجف) بما دل عليه (قلوب يومئذ واجفة) أي: يوم ترجف وجفت القلوب، والوجيف والوجيب أخوان، والمعنى: أنها قلقة مضطربة غير هادئة لما عاينت من هول ذلك اليوم. # (أبصرها خشعة) أي: ذليلة، و (قلوب) مبتدأ، (واجفة) صفتها، و (أبصرها خشعة) خبره، وأضاف " الأبصار " إلى " القلوب "، والمراد: أبصار أصحابها، يدل عليه: (يقولون أءنا لمردودون في الحافرة) أي: في الحالة الأولى، يعنون الحياة بعد الموت، وأصلها: رجع فلان في حافرته، أي: في طريقته التي جاء فيها فحفرها أي: أثر فيها، بمشيه فيها جعل أثر قدميه حفرا، وقيل: حافرة كما قيل: ﴿عيشة راضية﴾ (1) أي: منسوبة إلى الحفر وإلى الرضا (2)، ثم قيل لمن كان في أمر فخرج منه ثم عاد إليه: رجع إلى حافرته، أي: إلى طريقته وحالته الأولى، قال: # أحافرة على صلع وشيب * معاذ الله من سفه وعار (3) # PageV03P721 # يريد: أرجوعا إلى حافرة؟ وقالوا: النقد عند الحافرة، يريدون: عند الحالة الأولى، وهي الصفقة. قرئ: (نخرة) و " ناخرة " (1) يقال: نخر العظم فهو نخر وناخر، و " فعل " أبلغ من " فاعل "، وهو البالي الأجوف الذي يمر فيه الريح فيسمع له نخير. و (إذا) منصوب بمحذوف، والتقدير: إذا كنا عظاما بالية متفتتة نبعث ونرد أحياء؟ (قالوا تلك) الكرة (إذا كرة خاسرة) منسوبة إلى الخسران، أو: # خاسر أصحابها بمعنى: أنها إن صحت فنحن إذا خاسرون لتكذيبنا بها، وهذا استهزاء منهم. # وتعلق قوله: (فإنما هى زجرة وحدة) بمحذوف، معناه: لا تستصعبوها ولا تحسبوها صعبة على الله (فإنما هى زجرة) أي: صيحة (وحدة) هينة سهلة في قدرته، وهي النفخة الثانية. (فإذا هم) أحياء على وجه الأرض بعد أن كانوا أمواتا في جوفها، و (الساهرة) الأرض البيضاء المستوية، وسميت ساهرة لأن السراب ms1342 يجري فيها، من قولهم: عين ساهرة: جارية الماء، و " نائمة " ضدها، قال: # وساهرة يضحي السراب مجلا * لأقطارها قد جبتها متلثما (2) أو: لأن سالكها لا ينام خوف الهلاك. # (اذهب إلى فرعون) على إرادة القول. تقول: هل لك في كذا، و: هل لك إلى كذا، كما تقول: هل ترغب فيه، و: هل ترغب إليه (تزكى) تتزكى، أي: تتطهر من الشرك، وقرئ: " تزكى " بالإدغام (3). (وأهديك) وأرشدك (إلى) معرفة # PageV03P722 # (ربك فتخشى) لأن الخشية لا تكون إلا بعد المعرفة: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ (١) أي: العلماء به. بدأ في مخاطبته بالاستفهام الذي معناه العرض، كما يقول الرجل لضيفه: هل لك أن تنزل بنا، وأردفه الكلام الرقيق ليستدعيه بالتلطف ويستنزله بالمداراة من عتوه، كما أمر بذلك في قوله: ﴿فقولا له قولا لينا﴾ (٢). # و (الآية الكبرى) قلب العصا حية لأنها كانت الأصل، و " الآية الأخرى " (٣) كالتبع لها، أو: أراد العصا واليد البيضاء وجعلهما واحدة، لأن الثانية كأنها من الأولى لكونها تابعة لها. (فكذب) بموسى والآية، وسماهما: ساحرا وسحرا (وعصى) الله. (ثم أدبر) لما رأى الثعبان مرعوبا (يسعى) في مشيته، أو: أدبر وتولى عن موسى يسعى ويجتهد في كيده. (فحشر) فجمع السحرة (فنادى) في المقام الذي اجتمعوا فيه معه، أو: أمر مناديا ينادي في الناس بذلك. # (نكال الاخرة والاولى) مصدر مؤكد، ك‍ (وعد الله) (٤)، و ﴿صبغة الله﴾ (٥)، كأنه قال: نكل الله به نكال الآخرة والأولى، والنكال بمعنى التنكيل، كالسلام والكلام، يعني: الإغراق في الدنيا والإحراق في الآخرة، وعن ابن عباس: # نكال كلمتيه: كلمته الأولى: ﴿ما علمت لكم من إله غيرى﴾ (6)، والأخيرة: # (أنا ربكم الأعلى) (7)، وكان بين الكلمتين أربعون سنة، وقيل: عشرون (8). # PageV03P723 # (ءأنتم أشد خلقا أم السمآء بناها (٢٧) رفع سمكها فسولها (٢٨) وأغطش ليلها وأخرج ضحاها (٢٩) والارض بعد ذا لك دحاهآ (٣٠) أخرج منها مآءها ومرعاها (٣١) والجبال أرسلها (٣٢) متعا لكم ولانعمكم (٣٣) فإذا جآءت الطآمة الكبرى (٣٤) يوم يتذكر الانسن ما سعى (٣٥) وبرزت الجحيم لمن يرى (٣٦) فأما من طغى (٣٧) وءاثر الحيوة الدنيآ (٣٨) فإن الجحيم هى المأوى (٣٩) وأما من خاف مقام ربه ونهى ms1343 النفس عن الهوى (٤٠) فإن الجنة هى المأوى (٤١) يسلونك عن الساعة أيان مرسلها (٤٢) فيم أنت من ذكراهآ (٤٣) إلى ربك منتهاهآ (٤٤) إنمآ أنت منذر من يخشاها (٤٥) كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها (٤٦)) الخطاب لمنكري البعث، أي: (ءأنتم) أيها المشركون أصعب (خلقا) وإنشاء (أم السمآء)؟ ثم بين كيف خلق السماء فقال: (بنها)، ثم بين البناء فقال: (رفع سمكها) أي: جعل مقدار ذهابها في سمت العلو مديدا رفيعا (فسولها) فعدلها مستوية بلا شقوق ولا فطور، أو: فتممها بما علم أنها تتم به وأصلحها، من قولك: سوى فلان أمر فلان. (وأغطش ليلها) يقال: أغطش الليل وأغطشه الله، (وأخرج ضحها) أبرز ضوء شمسها، يدل عليه قوله: ﴿والشمس وضحها﴾ (1) يريد: وضوئها، وأضاف " الليل " و " الضحى " إلى السماء لأن منها منشأ الظلام والضياء بغروب الشمس وطلوعها. # (والارض) منصوب بإضمار: دحا، وهو الإضمار قبل الذكر على شريطة # PageV03P724 # التفسير، وكذا قوله: (والجبال أرسها) ولم يدخل حرف العطف على (أخرج) لأنه فسر الدحو الذي هو التمهيد للأرض والبسط للسكنى بما لابد منه في تأتي سكناها، من: تسوية أمر المأكل والمشرب، وإمكان القرار عليها بإخراج الماء والمرعى، وإرساء الجبال أوتادا لها لتستقر ويستقر عليها. وأراد ب‍ (مرعها) ما يأكل الإنسان والأنعام، واستعير الرعي للإنسان كما استعير الرتع في قوله: (نرتع ونلعب) (١)، وقرئ: " نرتع " (٢) من الرعي، ولهذا قيل: دل الله سبحانه بذكر الماء والمرعى على عامة ما يرتفق به ويتمتع مما يخرج من الأرض (٣). (متعا لكم) أي: فعل ذلك تمتيعا لكم (ولانعمكم) لأن منفعة ذلك واصلة إلى الجميع. # (الطآمة): الداهية التي تطم على الدواهي، أي: تعلو وتغلب، وفي المثل: # " جرى الوادي فطم على القري " (٤)، وهي القيامة. (يوم يتذكر) بدل من (إذا جآءت)، (ما سعى) أي: ما عمله من خير وشر إذا رآه مدونا في كتابه تذكره وكان قد نسيه، كقوله: ﴿أحصه الله ونسوه﴾ (5). (وبرزت الجحيم) أي: أظهرت إظهارا مكشوفا بينا لكل أحد. # فأما جواب قوله: (فإذا) أي: (فإذا جآءت الطآمة): فإن الأمر كذلك، والمعنى: فإن الجحيم مأواه، كما تقول للرجل: ms1344 غض الطرف أي: طرفك، وليس # PageV03P725 # الألف واللام بدلا من الإضافة كما قال بعضهم (١)، ولكن لما علم أن الطاغي هو صاحب (المأوى) تركت الإضافة، ودخول حرف التعريف في (المأوى) لأنه معروف. و (هى) فصل أو مبتدأ. (ونهى النفس) الأمارة بالسوء (عن الهوى) المردي، وهو اتباع الشهوات وضبطها بالصبر. # (أيان مرسها) متى إرساؤها أي: إقامتها، والمراد: متى يقيمها الله ويكونها ويثبتها. (فيم أنت) في أي شىء أنت من أن تذكر وقتها لهم؟ والمراد: ما أنت من ذكرها لهم وتبين وقتها في شيء. (إلى ربك) منتهى علمها، لم يؤت علمها أحدا من خلقه، وقيل: (فيم) إنكار لسؤالهم، أي: فيم هذا السؤال (٢)، ثم قيل: أنت (من ذكراهآ) أي: إرسالك - وأنت خاتم الأنبياء المبعوث إلى قيام الساعة - ذكر من ذكراها وعلاماتها، فكفاكم بذلك دليلا على اقترابها ووجوب الاستعداد لها، ولا معنى لسؤالهم عنها. # وقرئ: (منذر) منونا (٣) وبالإضافة، وكلاهما يصلح للحال والاستقبال، وإذا أريد الماضي فليس إلا الإضافة. والمعنى: أنك لم تبعث لتعلمهم بوقت الساعة، وإنما بعثت لتنذر من أهوالها من يكون إنذارك لطفا لهم في الخشية منها. # (كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا) في الدنيا، أو: في القبور (إلا عشية أو ضحها) أضاف " الضحى " إلى " العشية " لاجتماعهما في نهار واحد، ومثله: ﴿كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار﴾ (4)، والمعنى: إلا قدر آخر نهار أو أوله. # * * * # PageV03P726 # سورة عبس مكية (1) وهي اثنتان وأربعون آية كوفي، وآية بصري عد الكوفي (ولأنعمكم) (2). # وفي حديث أبي: " ومن قرأ سورة عبس جاء يوم القيامة ووجهه ضاحك مستبشر " (3). # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأ سورة عبس و (إذا الشمس كورت) كان في ظل الله وكرامته في جنانه " (4). # بسم الله الرحمن الرحيم (عبس وتولى (1) أن جآءه الاعمى (2) وما يدريك لعله يزكى (3) أو يذكر فتنفعه الذكرى (4) أما من استغنى (5) فأنت له تصدى (6) # PageV03P727 # وما عليك ألا يزكى (7) وأما من جآءك يسعى (8) وهو يخشى (9) فأنت عنه تلهى (10) كلا إنها تذكرة (11) فمن شآء ذكره (12) في صحف مكرمة (13) مرفوعة مطهرة (14) بأيدي سفرة (15) كرام بررة (16) قتل الانسن مآ أكفره (17) من ms1345 أي شىء خلقه (18) من نطفة خلقه فقدره (19) ثم السبيل يسره (20) ثم أماته فأقبره (21) ثم إذا شآء أنشره (22) كلا لما يقض مآ أمره (23)) أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عبد الله بن شريح بن مالك الفهري، وهو ابن أم مكتوم، وعنده صناديد قريش: أبو جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وأخوه شيبة، والعباس بن عبد المطلب، وأبي وأمية ابنا خلف، يدعوهم إلى الإسلام رجاء أن يسلم بإسلامهم غيرهم، فقال: يا رسول الله، أقرئني وعلمني مما علمك الله، وكرر ذلك وهو لا يعلم تشاغله بالقوم، فكره رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قطعه لكلامه، وعبس، وأقبل على القوم يكلمهم (1)، فنزلت، فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يكرمه ويقول إذا رآه " مرحبا بمن عاتبني فيه ربي " واستخلفه على المدينة مرتين (2) (3). # PageV03P728 # (أن جآءه) منصوب ب‍ (تولى) و (عبس) على اختلاف المذهبين، ومعناه: عبس لأن جاءه الأعمى وأعرض لذلك، وروي أنه (عليه السلام) ما عبس بعدها في وجه فقير قط، ولا تصدى لغني (١) (وما يدريك) أي: وأي شيء يجعلك داريا بحال هذا الأعمى (لعله يزكى) أي: يتطهر بما يتلقن من الشرائع ويتعلم. (أو يذكر) أو يتعظ (فتنفعه) ذكراك أي: موعظتك، وقيل: إن الضمير في (لعله) للكافر (٢). والمعنى: إنك طمعت في أن يتزكى بالإسلام أو يتذكر ويقبل الحق، وما يدريك أن ما طمعت فيه كائن؟ وقرئ: (فتنفعه) بالرفع (٣) عطفا على (يذكر)، وبالنصب جوابا ل‍ " لعل ". # (فأنت له تصدى) تتصدى أي: تتعرض بالإقبال عليه، وقرئ: " تصدى " بإدغام التاء في الصاد (٤)، وقرأ الباقر (عليه السلام): " تصدى " و " تلهى " بضم التاء فيهما (٥)، والمعنى: يدعوك داع إلى التصدي له من الحرص على إسلامه، ويلهيك شأن الصناديد عنه. (وما عليك ألا يزكى) وليس عليك بأس، أو: أي شيء عليك في أن لا يتزكى بالإسلام، ﴿إن عليك إلا البلغ﴾ (6). # (وأما من جآءك يسعى) في طلب الخير (وهو يخشى) الله، أو: يخشى الكفار. وإذا هم في إتيانك (فأنت عنه تلهى) تتشاغل، من: لهى عنه وتلهى. # PageV03P729 # (كلا) ردع عن ms1346 معاودة مثله (إنها تذكرة) أي: موعظة يجب الاتعاظ بها. # (فمن شآء ذكره) أي: كان حافظا له غير ناس، وذكر الضمير لأن " التذكرة " في معنى " الذكر ". # (في صحف) صفة ل‍ (تذكرة) يعني: أنها مثبتة في صحف منتسخة من اللوح (مكرمة) عند الله. (مرفوعة) في السماء، أو: مرفوعة المقدار (مطهرة) منزهة عن الشياطين، لا يمسها إلا (أيدي) ملائكة مطهرين (سفرة) كتبة ينتسخون الكتب من اللوح. (كرام) على ربهم (بررة) أتقياء، وقيل: هي صحف الأنبياء (١)، كقوله: ﴿إن هذا لفي الصحف الأولى﴾ (٢). # (قتل الانسن) دعاء عليه (ما أكفره) تعجب من إفراطه في كفران نعم الله عز اسمه. ثم وصف حاله منذ (٣) مبدأ حدوثه إلى منتهاه، وما هو مغمور فيه من أصول النعم وفروعها الداعية إلى الإيمان والتوحيد، الموجبة للشكر والعبادة، فقال: (من أي شىء خلقه) أي: من أي شيء حقير مهين أنشأه وابتدأه؟ ثم بين ذلك الشيء فقال: (من نطفة خلقه فقدره) فهيأه لما يصلح له ويختص به حالا بعد حال، وطورا بعد طور: نطفة ثم علقة إلى آخر خلقه. (ثم السبيل يسره): نصب (السبيل) بمضمر يفسره: (يسره) ومعناه: ثم سهل سبيله وهو مخرجه من بطن أمه، أو: السبيل الذي يختار سلوكه من طريقي الخير والشر بإقداره وتمكينه، ونحوه: ﴿وهديناه النجدين﴾ (4)، وعن ابن عباس: بين له سبيل الخير والشر (5). # (فأقبره) فجعله ذا قبر يوارى فيه تكرمة له، ولم يجعله مطروحا بالعراء جزرا # PageV03P730 # للسباع والطير. (أنشره) أنشأه النشأة الأخرى. # (كلا) ردع للإنسان عما هو عليه (لما يقض) بعد تطاول الدهور من لدن آدم إلى هذه الغاية (مآ أمره) الله تعالى حتى يخرج عن جميع أوامره ويؤدي حق نعمه عليه مع كثرتها، ولما يعبده حق عبادته. # (فلينظر الانسن إلى طعامه ى (24) أنا صببنا المآء صبا (25) ثم شققنا الأرض شقا (26) فأنبتنا فيها حبا (27) وعنبا وقضبا (28) وزيتونا ونخلا (29) وحدآئق غلبا (30) وفكهة وأبا (31) متعا لكم ولانعمكم (32) فإذا جآءت الصآخة (33) يوم يفر المرء من أخيه (34) وأمه وأبيه (35) وصحبته ى وبنيه (36) لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه (37) وجوه يومئذ مسفرة (38) ضاحكة ms1347 مستبشرة (39) ووجوه يومئذ عليها غبرة (40) ترهقها قترة (41) أولئك هم الكفرة الفجرة (42)) لما عدد سبحانه النعم في نفسه أتبعها بذكر النعم فيما يحتاج إليه فقال: # (فلينظر الانسن إلى طعامه) الذي يتقوته كيف هيأناه لرزقه (أنا صببنا) قرئ بالكسر (1) على الاستئناف، وبالفتح على البدل من " الطعام "، ويعني بالماء: الغيث (ثم شققنا الأرض) بالنبات. وأراد بالحب: جنس الحبوب التي يتعذى بها. # وخص " العنب " لكثرة منافعه، و " القضب ": الرطبة تقتضب مرة بعد أخرى لعلف الدواب. (وحدآئق غلبا) ملتفة الشجر، وأصلها: الغلب الرقاب لغلاظها، فاستعير. # والأب: المرعى لأنه يؤب أي: يؤم وينتجع، والأب والأم أخوان، قال: # جذمنا قيس ونجد دارنا * ولنا الأب به والمكرع (2) # PageV03P731 # (متعا لكم) أي: تمتيعا. و (الصآخة): صيحة القيامة لأنها تصخ الآذان، تبالغ في سماعها حتى تكاد تصمها. (يوم يفر المرء من) أقرب الخلق إليه، لاشتغاله بما هو مدفوع إليه، أو: للحذر من مطالبتهم بالتبعات، يقول الأخ: لم تواسني بمالك، والأبوان: قصرت في برنا، والصاحبة: أطعمتني الحرام وفعلت وصنعت، والبنون: لم ترشدنا ولم تعلمنا. (يغنيه) يكفيه في الاهتمام به. # (وجوه... مسفرة) مضيئة متهللة، من: أسفر الصبح: إذا أضاء، وعن ابن عباس: من قيام الليل (1). # وفي الحديث: " من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار " (2). # والغبرة: الغبار. (ترهقها) أي: تعلوها (قترة) وهي السواد كالدخان. # * * * # PageV03P732 # سورة التكوير (1) مكية (2) وهي تسع وعشرون آية. # في حديث أبي: " من قرأ إذا الشمس كورت أعاذه الله أن يفضحه حين تنشر صحيفته " (3) (4). # بسم الله الرحمن الرحيم (إذا الشمس كورت (1) وإذا النجوم انكدرت (2) وإذا الجبال سيرت (3) وإذا العشار عطلت (4) وإذا الوحوش حشرت (5) وإذا البحار سجرت (6) وإذا النفوس زوجت (7) وإذا الموءودة سئلت (8) بأي ذنب قتلت (9) وإذا الصحف نشرت (10) وإذا السمآء كشطت (11) وإذا الجحيم سعرت (12) وإذا الجنة أزلفت (13) علمت نفس مآ أحضرت (14)) # PageV03P733 # (الشمس) مرفوع بالفاعلية، رافعها فعل مضمر يفسره: (كورت)، لأن (إذا) يطلب الفعل لتضمنه معنى الشرط، وكذا الجميع. وعن ابن عباس: # (كورت): ذهب نورها وضوؤها (١). وفيه وجهان: أن يكون من تكوير العمامة وهو لفها، أي: يلف ضوؤها فيذهب انتشاره وانبساطه في الآفاق، ms1348 وهي عبارة عن إزالتها والذهاب بها، أو: يكون لفها عبارة عن رفعها وسترها لأن الثوب إذا أريد رفعه لف وطوي، وأن يكون من: طعنه فكوره: إذا ألقاه، أي: تلقى وتطرح عن فلكها، كما وصف النجوم بالانكدار وهو الانقضاض، وعن مجاهد: (انكدرت) تناثرت وتساقطت (٢). (سيرت) عن وجه الأرض وأبعدت، أو: سيرت في الجو تسيير السحاب. كقوله: ﴿وهى تمر مر السحاب﴾ (3). # و (العشار) جمع " العشراء " كالنفاس في جمع " النفساء "، وهي التي أتى على حملها عشرة أشهر فصاعدا، وهي أنفس ما تكون عند أهلها (عطلت) تركت مسيبة مهملة لاشتغال أهلها بنفوسهم. (حشرت) جمعت حتى يتقص لبعضها من بعض، ويوصل إليها ما استحقته من الأعواض على الآلام التي نالتها في الدنيا. # وعن ابن عباس: حشرها: موتها (4). (سجرت) قرئ بالتشديد والتخفيف (5) من: سجر التنور: إذا ملاها بالحطب، أي: ملئت وفجر بعضها إلى بعض حتى يصير بحرا واحدا، وقيل: أوقدت فصارت نارا تضطرم (6). (زوجت) قرنت كل نفس # PageV03P734 # بشكلها، وقيل: قرنت الأرواح بالأجساد (١)، وقيل: قرنت نفوس الصالحين بالحور العين ونفوس الكافرين بالشياطين (٢). # وأد يئد مقلوب من: آد يؤود: إذا ثقل لأنه إثقال بالتراب. والمعنى في سؤال (الموءودة) عن ذنبها الذي قتلت به: التبكيت والتوبيخ لقاتلها، ويجري مجرى قوله سبحانه لعيسى: ﴿ءأنت قلت للناس اتخذونى وأمى إلهين من دون الله﴾ (3). # وعن علي (عليه السلام) أنه قرأ: " سألت بأي ذنب قتلت " وهي قراءة ابن عباس ومجاهد (4)، أي: خاصمت عن نفسها وسألت الله، أو: قاتلها. # وعن الباقر والصادق (عليهما السلام): (وإذا الموءودة سئلت) والمراد به: الرحم والقرابة، وأنه يسأل قاطعها عن سبب قطعها (5). وقالا: هو من قتل في مودتنا وولايتنا (6). وعلى هذا فيكون من باب حذف المضاف. # وقرئ: " قتلت " بالتشديد (7). وفي الآية دليل على أن أطفال المشركين لا يعذبون بذنوب آبائهم، وأن التعذيب لا يكون إلا بالذنب، وإذا بكت الله الكافر ببراءة الموءودة من الذنب فما أقبح بأن يكر عليها بعد هذا التبكيت فيعذبها، وعن ابن عباس: أنه سئل عن ذلك فاحتج بهذه الآية (8). # (نشرت) قرئ بالتخفيف والتشديد (9)، والمراد: صحف ms1349 الأعمال، تطوى # PageV03P735 # صحيفة الإنسان عند موته، ثم تنشر إذا حوسب. # وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: يحشر الناس حفاة عراة، فقالت أم سلمة: كيف بالنساء؟ فقال: شغل الناس يا أم سلمة، فقالت: وما شغلهم؟ قال: نشر الصحف وفيها مثاقيل الذر ومثاقيل الخردل (1). # ويجوز أن يراد: نشرت بين أصحابها، أي: فرقت بينهم. (كشطت) كشفت وأزيلت كما يكشط الإهاب عن الذبيحة، والغطاء عن الشيء. (سعرت) قرئ بالتخفيف (2) والتشديد: أوقدت إيقادا شديدا، قيل: سعرها غضب الله وخطايا بني آدم (3). (أزلفت) أي: قربت من أهلها بما فيها من النعيم. (علمت) هو عامل النصب في: (إذا الشمس كورت) وفيما عطف عليه. # وعن ابن مسعود: أن قارئا قرأها عنده، فلما بلغ: (علمت نفس مآ أحضرت) قال: وانقطاع ظهرياه! (4) (فلا أقسم بالخنس (15) الجوار الكنس (16) والليل إذا عسعس (17) والصبح إذا تنفس (18) إنه لقول رسول كريم (19) ذى قوة عند ذى العرش مكين (20) مطاع ثم أمين (21) وما صآحبكم بمجنون (22) ولقد رءاه بالأفق المبين (23) وما هو على الغيب بضنين (24) ومآ هو بقول شيطن رجيم (25) فأين تذهبون (26) إن هو إلا ذكر للعلمين (27) لمن شآء # PageV03P736 # منكم أن يستقيم (٢٨) وما تشآءون إلا أن يشآء الله رب العلمين (٢٩)) (الخنس) النجوم الخمسة الرواجع (١)، بينا ترى الكواكب في آخر البرج إذا كر راجعا إلى أوله. و " الجواري ": السيارة، و (الكنس): الغيب، من: كنس الوحشي: إذا دخل كناسه، فخنوسها: رجوعها، وكنوسها: اختفاؤها تحت ضوء الشمس. وقيل: هي جميع الكواكب تخنس بالنهار فتغيب عن العيون، وتكنس بالليل أي: تطلع في أماكنها كالوحش في كنسها (٢). (عسعس) الليل وسعسع: إذا أدبر، وقيل: عسعس: إذا أقبل ظلامه (٣). و (تنفس) امتد ضوؤه، والمعنى فيه: أن الصبح إذا أقبل، أقبل النسيم بإقباله، فجعل ذلك كالنفس له. # (إنه) الضمير للقرآن (لقول رسول كريم) على ربه، وهو جبرائيل (عليه السلام). # (ذى قوة) هو كقوله: ﴿شديد القوى ذو مرة﴾ (4)، (عند ذى العرش مكين) متمكن عند صاحب العرش وهو الله جل جلاله. (مطاع ثم) أي: في السماء، يطيعه ملائكة السماء، يصدرون عن أمره (أمين) على ms1350 وحي الله إلى أنبيائه. # (وما صاحبكم بمجنون) وهو معطوف على جواب القسم. (ولقد) رأى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جبرائيل على صورته التي خلقه الله تعالى عليها (بالأفق المبين) بمطلع الشمس الأعلى. # (وما) محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) (على) ما يخبر به من (الغيب) والوحي " بظنين " (5) # PageV03P737 # بمتهم، فإن أحواله ناطقة بالصدق والأمانة، وهو من: الظنة وهي التهمة، وقرئ: # (بضنين) بالضاد، من: الضن وهو البخل، أي: لا يبخل بالوحي بأن يسأل تعليمه فلا يعلمه، أو: يزوي بعضه فلا يبلغه. والفرق بين الضاد والظاء: أن مخرج الضاد من أصل حافة اللسان وما يليها من الأضراس من يمين اللسان أو يساره، وهي إحدى الحروف الشجرية: أخت الجيم والشين (1). والظاء مخرجها من طرف اللسان وأصول الثنايا العليا، وهي إحدى الحروف الذولقية (2): أخت الذال والتاء. # (وما) القرآن (بقول شيطن رجيم) مرجوم بالشهب، كما زعم الكفار أن الشيطان يلقى إليه كما كان يلقى إلى أوليائه من الكهنة، (فأين تذهبون) استضلال لهم، كما يقال لتارك الجادة اعتسافا: أين تذهب؟ مثلت حالهم بحاله في تركهم الحق وعدولهم عنه إلى الباطل. (إن هو) الضمير للقرآن (إلا ذكر) أي: # عظة وتذكرة (للعلمين). # (لمن شآء منكم) بدل من (للعلمين)، وإنما أبدلوا منهم لأن الذين شاءوا الاستقامة بالدخول في الإسلام هم المنتفعون بالذكر، فكأنه لم يوعظ به غيرهم وإن كانوا موعوظين جميعا. (وما تشآءون) الاستقامة يا من تشاؤونها (إلا) بتوفيق (الله) ولطفه، أو: ما تشاؤونها أنتم يا من لا تشاؤونها إلا بإلجاء الله وقسره. # * * * # PageV03P738 # سورة الانفطار (1) مكية (2)، وهي تسع عشرة آية. # في حديث أبي: " من قرأها أعطاه الله بعدد كل قطرة من السماء حسنة، وبعدد كل قبر حسنة " (3). # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأ هاتين السورتين: (إذا السمآء انفطرت) و (إذا السمآء انشقت) وجعلهما نصب عينيه في صلاة الفريضة والنافلة، لم يحجبه من الله حجاب، ولم يزل ينظر إلى الله وينظر الله إليه حتى يفرغ من حساب الناس " (4). # بسم الله الرحمن الرحيم (إذا السمآء انفطرت (1) وإذا الكواكب انتثرت (2) وإذا ms1351 البحار # PageV03P739 # فجرت (٣) وإذا القبور بعثرت (٤) علمت نفس ما قدمت وأخرت (٥) يأيها الانسن ما غرك بربك الكريم (٦) الذي خلقك فسواك فعدلك (٧) في أى صورة ما شآء ركبك (٨) كلا بل تكذبون بالدين (٩) وإن عليكم لحفظين (١٠) كراما كتبين (١١) يعلمون ما تفعلون (١٢) إن الأبرار لفي نعيم (١٣) وإن الفجار لفي جحيم (١٤) يصلونها يوم الدين (١٥) وما هم عنها بغآئبين (١٦) ومآ أدراك ما يوم الدين (١٧) ثم مآ أدراك ما يوم الدين (١٨) يوم لا تملك نفس لنفس شيا والأمر يومئذ لله (١٩)) (انفطرت): انشقت وانقطعت. و (انتثرت): تساقطت وتهافتت. # (فجرت) فتح بعضها في بعض فصارت بحرا واحدا واختلط الملح بالعذب. # (بعثرت) بحثت وأخرج موتاها، و " بعثر " و " بحثر " أخوان ركبا من: " بعث " و " بحث " مع راء ضم إليهما. (علمت نفس ما قدمت) من خير أو شر (و) ما (أخرت) من سنة استن بها بعده، وهو مثل قوله: ﴿ينبؤا الإنسن يومئذ بما قدم وأخر﴾ (1). # (ما غرك بربك) أي شىء خدعك بخالقك حتى عصيته وخالفته؟ وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): " غره جهله " (2)، وعن الحسن: غره والله شيطانه الخبيث (3)، قال له: # افعل ما شئت فربك الكريم الذي تفضل عليك بما تفضل به أولا وهو متفضل عليك آخرا، فورطه في المعاصي. # PageV03P740 # وقيل للفضيل بن عياض: إن أقامك الله يوم القيامة وقال: (ما غرك بربك الكريم) فماذا تقول؟ قال: أقول: غرتني ستورك المرخاة (1). وعن يحيى بن معاذ: أقول: غرني بك برك بي سالفا وآنفا (2). وعن غيره (3): أنه سبحانه إنما ذكر (الكريم) من بين سائر أسمائه لأنه كأنه لقنه الإجابة حتى يقول: غرني كرم الكريم. # كما يروى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه صاح بغلام له مرات فلم يلبه، فنظر فإذا هو بالباب فقال له: ما لك لم تجبني؟ فقال: لثقتي بحلمك، وأمني من عقوبتك، فاستحسن جوابه وأعتقه (4). # (فسواك) فجعلك سويا سالم الأعضاء " فعدلك " (5) فصيرك معتدلا متناسب الخلق، وقرئ: (فعدلك) بالتخفيف، وفيه وجهان: أحدهما: أن يكون بمعنى المشدد، أي: عدل بعض أعضائك ببعض حتى اعتدلت، والآخر: فصرفك عن خلقة غيرك وخلقك خلقة حسنة، ms1352 يقال: عدله عن الطريق أي: صرفه. " ما " في (ما شآء) مزيدة، أي: (ركبك) في أي صورة اقتضتها مشيئته وحكمته من الصور المختلفة في الحسن والقبح، والطول والقصر، والشبه ببعض الأقارب وخلاف الشبه، وهذه الجملة بيان ل‍ " عدلك ". وتعلق الجار والمجرور ب‍ (ركبك) على معنى: وضعك في بعض الصور، ويجوز أن يتعلق ب‍ (عدلك) # PageV03P741 # ويكون في معنى التعجب، أي: فعدلك في أي صورة عجيبة، ثم قال: (ما شآء ركبك)، أي: ركبك ما شاء من التراكيب، يعني: تركيبا حسنا. # (كلا) أي: ارتدعوا من الاغترار بالله (بل تكذبون بالدين) أصلا، وهو الجزاء، أو: دين الإسلام. (وإن عليكم لحفظين) من الملائكة يكتبون عليكم أعمالكم لتجازوا بها (إن) أولياء الله (الأبرار لفي نعيم وإن) الذين يكذبون بالدين (الفجار لفي جحيم يصلونها) أي: يلزمونها بكونهم فيها. (وما هم عنها بغآئبين) مثل قوله: ﴿وما هم بخرجين منها﴾ (١). # (ومآ أدرك ما يوم الدين) يعني: أن أمر يوم الدين بحيث لا تدرك دراية دار كنهه في الهول والشدة، وكيفما تصورته فهو فوق ذلك، والتكرير لزيادة التهويل. ثم أجمل القول في وصفه فقال: (يوم لا تملك نفس لنفس شيئا) أي: لا تستطيع دفعا عنها، ولا نفعا لها، ولا شفاعة إلا بإذنه وأمره (والأمر يومئذ) والحكم في الجزاء والثواب والعفو والعقوبة (لله) وحده. وقرئ: " يوم لا تملك " بالرفع (٢) على البدل من (يوم الدين)، أو: على تقدير: هو يوم لا تملك، وبالنصب على إضمار: يدانون، لأن (الدين) يدل عليه، أو: ترك ما يكون عليه في أكثر الأمر من كونه ظرفا (٣)، وهو في محل الرفع، ونحوه: ﴿يوم هم على النار يفتنون﴾ (4) يوم يكون الناس. # * * * # PageV03P742 # سورة المطففين مختلف فيها (1) (2) ستة وثلاثون آية. # في حديث أبي: " ومن قرأها سقاه الله من الرحيق المختوم يوم القيامة " (3). # وعن الصادق (عليه السلام): " من كانت قراءته في الفريضة: (ويل للمطففين) أعطاه الله يوم القيامة الأمن من النار، ولم تره ولا يراها، ولا يمر على جسر جهنم ولا يحاسب " (4). # بسم الله الرحمن الرحيم (ويل للمطففين (1) الذين إذا اكتالوا على الناس ms1353 يستوفون (2) # PageV03P743 # وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون (3) ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون (4) ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العلمين (6) كلا إن كتب الفجار لفي سجين (7) ومآ أدراك ما سجين (8) كتب مرقوم (9) ويل يومئذ للمكذبين (10) الذين يكذبون بيوم الدين (11) وما يكذب به ى إلا كل معتد أثيم (12) إذا تتلى عليه ءايتنا قال أسطير الاولين (13) كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون (14) كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون (15) ثم إنهم لصالوا الجحيم (16) ثم يقال هذا الذي كنتم به ى تكذبون (17) كلا إن كتب الأبرار لفي عليين (18) ومآ أدراك ما عليون (19) كتب مرقوم (20) يشهده المقربون (21) إن الأبرار لفي نعيم (22) على الارآئك ينظرون (23) تعرف في وجوههم نضرة النعيم (24) يسقون من رحيق مختوم (25) ختمه مسك وفي ذا لك فليتنافس المتنفسون (26) ومزاجه من تسنيم (27) عينا يشرب بها المقربون (28) إن الذين أجرموا كانوا من الذين ءامنوا يضحكون (29) وإذا مروا بهم يتغامزون (30) وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين (31) وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضآلون (32) ومآ أرسلوا عليهم حفظين (33) فاليوم الذين ءامنوا من الكفار يضحكون (34) على الارآئك ينظرون (35) هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون (36)) التطفيف: نقص المكيال والميزان والبخس فيهما، لأن ما يبخس في الكيل والوزن شيء طفيف نزر. ولما قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) المدينة كانوا أخبث الناس كيلا، فنزلت، فأحسنوا الكيل بعد ذلك (1). # PageV03P744 # وقال (عليه السلام) لهم: " خمس بخمس: ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين، وما منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر " (1). # (اكتالوا على الناس) لما كان اكتيالهم اكتيالا يضر الناس أبدل " على " مكان " من " للدلالة على ذلك، ويجوز أن يتعلق (على) ب‍ (يستوفون) وتقدم المفعول على الفعل لإفادة الخصوصية، أي: (يستوفون) على الناس خاصة، فأما أنفسهم فيستوفون لها. وقال الفراء: " من " و " على " تعتقبان في هذا الموضع لأنه حق عليه، فإذا قال: اكتلت عليك، ms1354 فكأنه قال: أخذت ما عليك، وإذا قال: اكتلت منك، فكأنه قال: استوفيت منك (2). والضمير في (كالوهم أو وزنوهم) ضمير منصوب راجع إلى (الناس)، وفيه وجهان: أن يراد: كالوا لهم أو وزنوا لهم، فحذف الجار وأوصل الفعل، كما قال: # ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا * ولقد نهيتك عن نبات الأوبر (3) [وفي المثل:] (4) " والحريص يصيدك لا الجواد " (5). والمعنى: جنيت لك، و: يصيد لك. وأن يكون على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، # PageV03P745 # والمضاف هو المكيل أو الموزون، ولا يجوز أن يكون ضميرا مرفوعا للمطففين لأنه يصير المعنى: إذا أخذوا من الناس استوفوا، وإذا تولوا الكيل أو الوزن هم على الخصوص أخسروا، وهذا الكلام متنافر؛ لأن الحديث واقع في الفعل لا في المباشر، ومعنى (يخسرون): ينقصون، يقال: خسر الميزان وأخسره. # (ألا يظن أولئك) تعجيب وإنكار عظيم عليهم في الاجتراء على التطفيف، كأنه لا يخطر ببالهم (أنهم مبعوثون) ومحاسبون، وعن قتادة: أوف يا بن آدم كما تحب أن يوفى لك، واعدل كما تحب أن يعدل لك (1). # وذكر: أن أعرابيا قال لعبد الملك بن مروان: قد سمعت ما قال الله في المطففين؟ أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه هذا الوعيد العظيم، فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن؟ (2) وقيل: إن الظن بمعنى اليقين (3). و (يوم يقوم) ظرف ل‍ (مبعوثون). # (كلا) ردع عن التطفيف والغفلة عن ذكر الحساب والبعث (إن كتب الفجار) أي: ما يكتب من أعمالهم (لفي سجين) قيل: هو جب في جهنم (4). # و (كتب مرقوم) خبر مبتدأ مضمر تقديره: هو كتاب، أي: هو موضع كتاب، فحذف المبتدأ والمضاف جميعا، وقيل (5): (سجين) كتاب جامع هو ديوان الشر، دون الله فيه أعمال الكفرة والفسقة من الجن والإنس، وهو (كتب مرقوم) مسطور بين الكتابة، أو: معلم يعلم من رآه أنه لا خير فيه، والمعنى: أن ما كتب # PageV03P746 # من أعمال الفجار مثبت في ذلك الديوان، وهو " فعيل " من " السجن " لأنه سبب الحبس والتضييق في جهنم، أو: لأنه مطروح - كما روي (1) - تحت الأرض السابعة في موضع ms1355 وحش يشهده الشياطين كما يشهد ديوان الخير الملائكة المقربون، وهو اسم علم منقول من وصف ك‍ " حاتم ". (الذين يكذبون) مما وصف به للذم لا للبيان، كما تقول: فعل ذلك فلان الفاسق الخبيث. # (كلا) ردع للمعتدي الأثيم عن قوله، ومعنى (ران على قلوبهم): ركبها كما يركب الصدأ، وغلب عليها، وهو أن يصر على الكبائر حتى يطبع على قلبه فلا يقبل الخير ولا يميل إليه، وعن الحسن: الذنب بعد الذنب حتى يسود القلب (2). يقال: # ران عليه الذنب وغان عليه رينا وغينا. والرين والغين: الغيم. وران فيه النوم: رسخ فيه، ورانت به الخمر: ذهبت به. وقرئ: (بل ران) بإدغام اللام في الراء والإظهار، والإدغام أجود، وبإمالة الألف وتفخيمها (3). # (كلا) ردع عن الكسب الرائن على قلوبهم، وكونهم " محجوبين عن ربهم " تمثيل للاستخفاف بهم وإهانتهم، لأنه لا يؤذن على الملوك إلا للوجهاء المكرمين، وعن ابن عباس: عن رحمة ربهم وكرامته (4). # (كلا) ردع عن التكذيب، و (كتب الأبرار) ما كتب من أعمالهم، وعليون: # PageV03P747 # علم لديوان الخير الذي دون فيه كل ما عمله المقربون، والأبرار: المتقون من الإنس والجن، منقول من جمع " علي " فعيل من العلو، سمي بذلك: إما لأنه سبب الارتفاع إلى أعالي الدرجات في الجنة، وإما لأنه مرفوع في السماء السابعة تحت العرش حيث يسكن الكروبيون، ويدل عليه قوله: (يشهده المقربون)، وقيل: # سدرة المنتهى (١). والأرائك: الأسرة في الحجال (ينظرون) إلى ما شاءوا مد أعينهم إليه من مناظر الجنة، وإلى ما آتاهم الله من النعيم والكرامة، وإلى أعدائهم يعذبون في النار. (تعرف في وجوههم) بهجة (النعيم) ونضرته وماءه، وقرئ: # " تعرف " على البناء للمفعول، و " نضرة النعيم " بالرفع (٢). # (يسقون من رحيق) خمر صافية خالصة من كل غش (مختوم) أوانيه بمسك مكان الطينة. وقيل: (ختمه مسك) مقطعة رائحة مسك إذا شرب (٣)، وقيل: يمزج بالكافور ويختم مزاجه بالمسك (٤). وقرئ: " خاتمه " بفتح التاء (٥)، أي: ما يختم به ويقطع. (وفي ذلك فليتنافس المتنفسون) فليرغب الراغبون، ونحوه: ﴿لمثل هذا فليعمل العملون﴾ (6). ومزاج ذلك الشراب (من تسنيم) وهو علم لعين بعينها، سميت بالتسنيم ms1356 الذي هو مصدر: " سنمه " إذا رفعه: إما لأنها أرفع شراب في الجنة، وإما لأنها تأتيهم من فوق، وعن قتادة: هو نهر يجري في الهواء فينصب في أواني أهل الجنة (7). (عينا) نصب على المدح، وقال الزجاج: # PageV03P748 # نصب على الحال (1). # (إن الذين أجرموا) هم المشركون (كانوا... يضحكون) من عمار وخباب وصهيب وغيرهم من فقراء المؤمنين، ويستهزئون بهم. # وروي: أن أمير المؤمنين عليا (عليه السلام) جاء في نفر من المسلمين إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فسخر منهم المنافقون، وضحكوا، وتغامزوا، ثم رجعوا إلى أصحابهم فقالوا: رأينا اليوم الأصلع فضحكنا منه، فنزلت قبل أن يصل علي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (2). # وروى أبو صالح عن ابن عباس: (إن الذين أجرموا) منافقو قريش (يتغامزون) يغمز بعضهم بعضا ويشيرون بأعينهم (3). قرئ: (فكهين) و " فاكهين " (4) أي: متلذذين بذكرهم والسخرية منهم. (ومآ أرسلوا) على المؤمنين (حفظين) موكلين بهم يحفظون أحوالهم عليهم، ولو اشتغلوا بما كلفوا لكان ذلك أولى بهم. # (فاليوم) يعني: يوم القيامة (الذين ءامنوا... يضحكون) من الكفار كما ضحك الكفار منهم في الدنيا، روي: أنه يفتح باب للكفار إلى الجنة فيقال لهم: # اخرجوا إليها، فإذا وصلوا إليه أغلق دونهم. يفعل ذلك بهم مرارا فيضحك منهم المؤمنون (5). (ينظرون) إليهم على سرر في الحجال، وهي: (الارآئك)، # PageV03P749 # (ينظرون) حال من (يضحكون) أي: يضحكون منهم ناظرين إليهم على الأرائك آمنون. (هل ثوب) هل جوزي (الكفار) إذا فعل بهم هذا (ما كانوا يفعلون‍) - ه من السخرية بالمؤمنين؟ يقال: ثوبه وأثابه: إذا جازاه، قال أوس: # سأجزيك أو يجزيك عني مثوب * وحسبك أن يثنى عليك وتحمدي (1) * * * # PageV03P750 # سورة الانشقاق (1) مكية (2) وهي خمس وعشرون آية كوفي، ثلاث بصري. (كتبه بيمينه) (3)، (ورآء ظهره) (4)، كلاهما كوفي. # في حديث أبي: " ومن قرأ سورة انشقت أعاذه الله أن يعطيه كتابه وراء ظهره " (5). (6) بسم الله الرحمن الرحيم (إذا السمآء انشقت (1) وأذنت لربها وحقت (2) وإذا الأرض مدت (3) وألقت ما فيها وتخلت (4) وأذنت لربها وحقت (5) يأيها الانسن إنك كادح إلى ربك كدحا فملقيه (6) فأما من أوتى كتبه # PageV03P751 # بيمينه ms1357 ى (٧) فسوف يحاسب حسابا يسيرا (٨) وينقلب إلى أهله ى مسرورا (٩) وأما من أوتى كتبه ورآء ظهره ى (١٠) فسوف يدعوا ثبورا (١١) ويصلى سعيرا (١٢) إنه كان في أهله ى مسرورا (١٣) إنه ظن أن لن يحور (١٤) بلى إن ربه كان به ى بصيرا (١٥) فلا أقسم بالشفق (١٦) والليل وما وسق (١٧) والقمر إذا اتسق (١٨) لتركبن طبقا عن طبق (١٩) فما لهم لا يؤمنون (٢٠) وإذا قرئ عليهم القرءان لا يسجدون (٢١) بل الذين كفروا يكذبون (٢٢) والله أعلم بما يوعون (٢٣) فبشرهم بعذاب أليم (٢٤) إلا الذين ءامنوا وعملوا الصلحت لهم أجر غير ممنون (٢٥)) (انشقت) تصدعت وانفرجت، وجواب (إذا) ما دل عليه قوله: # (فملقيه) أي: إذا انشقت السماء لاقى الإنسان كدحه، أو: حذف الجواب ليذهب المقدر كل مذهب. والمعنى: إذا انشقت السماء بالغمام، كما في قوله: # ﴿ويوم تشقق السمآء بالغمم﴾ (١). والأذن: الاستماع، قال عدي: # في سماع يأذن الشيخ له * وحديث مثل ماذي مشار (٢) ومنه قوله (عليه السلام): " ما أذن الله لشيء كإذنه لنبي يتغنى بالقرآن " (٣). # والمعنى: أنها فعلت في انقيادها حين أراد انشقاقها فعل المطيع إذا ورد الأمر عليه من المطاع: أذعن له وأنصت ولم يمتنع، كقوله: ﴿أتينا طئعين﴾ (4). (وحقت) من قولك: هو محقوق بكذا، وحقيق به. والمعنى: وهي حقيقة بأن تنقاد ولا تأبى. # PageV03P752 # (مدت) أي: بسطت بأن تزال جبالها وكل أمت فيها حتى تمتد وتنبسط، كقوله: ﴿قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا﴾ (١). (وألقت ما فيها) ورمت بما في جوفها مما دفن فيها من الأموات والكنوز، مثل: ﴿وأخرجت الأرض أثقالها﴾ (٢)، (وتخلت) وخلت غاية الخلو حتى لم يبق شيء في باطنها، كأنها تكلفت أقصى جهدها في الخلو، كقولهم: تكرم وتشجع ونحوهما. والمعنى: بلغ الجهد فيه، وتكلف فوق ما في طبعه. # والكدح: الكد في العمل، وجهد النفس فيه حتى يؤثر فيها، من: كدح جلده إذا خدشه، والمعنى: (إنك) جاهد (إلى) لقاء (ربك) وهو الموت وما بعده من الحال الممثلة باللقاء، (فملقيه) فملاق له لا محالة، لا مفر لك منه، وقيل: الضمير في (ملقيه) للكدح (٣). (حسابا يسيرا) أي: سهلا هينا لا يناقش ms1358 فيه، وروي: # أن الحساب اليسير هو الإثابة على الحسنات والتجاوز عن السيئات، ومن نوقش في الحساب عذب (٤). (وينقلب إلى أهله) من الحور العين في الجنة، أو: إلى أولاده وعشائره وقد سبقوه إلى الجنة. # (ورآء ظهره) لأن يمينه مغلولة إلى عنقه، وشماله خلف ظهره، فيؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره. (فسوف يدعوا ثبورا) ويقول: يا ثبوراه، والثبور: الهلاك. # (ويصلى سعيرا) ويصير صلاء للنار المسعرة، وقرئ: " ويصلى " (٥) كقوله: # ﴿وتصلية جحيم﴾ (6). (إنه كان في أهله) فيما بين أظهرهم أو: معهم، على أنهم # PageV03P753 # كانوا جميعا مسرورين، والمعنى: أنه كان مترفا في الدنيا بطرا، ما كان يهمه أمر الآخرة ولا يفكر فيها. (إنه ظن أن لن يحور) لن يرجع إلى الله، تكذيبا بالبعث، فارتكب المآثم وانتهك المحارم، قال لبيد: # يحور رمادا بعد إذ هو ساطع (1) (بلى) إيجاب لما بعد النفي، أي: بلى ليحورن وليبعثن، وليس الأمر كما ظنه، (إن ربه كان به بصيرا) وبأعماله، لا يخفى عليه شيء منها، فلابد أن يرجعه ويجازيه عليها. # والشفق: الحمرة التي تبقى عند المغرب بعد سقوط الشمس، وبسقوطه يخرج وقت المغرب. (وما وسق) وما جمع وضم مما كان منتشرا بالنهار، يقال: وسقه فاتسق واستوسق. (والقمر إذا اتسق) إذا اجتمع واستوى وتم ليلة أربع عشرة. # (لتركبن) جواب القسم، قرئ بضم الباء وفتحها (2). فالفتح على خطاب الإنسان في: (يأيها الانسن) والضم على خطاب الجنس، لأن النداء للجنس، والطبق: # ما طابق غيره، يقال: ما هذا بطبق لذا، أي: لا يطابقه، ومنه قيل للغطاء: الطبق، ثم قيل للحال المطابقة لغيرها: طبق، ومنه قوله: (طبقا عن طبق) أي: حالا بعد حال، كل واحدة مطابقة لأختها في الشدة والهول. ويجوز أن يكون جمع: طبقة، وهي المرتبة، على معنى: لتركبن أحوالا بعد أحوال، وهي طبقات بعضها أرفع من بعض، وهي الموت وما بعده من مواطن القيامة، و (عن طبق) صفة، أي: طبقا مجاوزا # PageV03P754 # لطبق، أو: حال من الضمير في (لتركبن) أي: مجاوزين، أو: مجاوزا، وعن مكحول: لتحدثن أمرا لم تكونوا عليه في كل عشرين سنة (1). وعن ms1359 أبي عبيدة: # لتركبن سنن من كان قبلكم من الأولين وأحوالهم (2)، وروي ذلك عن الصادق (عليه السلام) (3). # (فمالهم) تبكيت وتقريع للكفار، والمعنى: أي عذر لهم في ترك الإيمان والسجود لله إذا تلي (عليهم القرءان) مع وضوح الدلائل؟ # وروي: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قرأ ذات يوم: (واسجد واقترب) فسجد ومن معه من المؤمنين، وقريش تصفق فوق رؤوسهم وتصفر، فنزلت (4). # (يوعون) يجمعون في صدورهم ويضمرون في قلوبهم من الكفر والحسد والبغي، أو: يجمعون في صحفهم من الأعمال السيئة ويدخرون لأنفسهم من أنواع العذاب. (إلا الذين ءامنوا) استثناء منقطع (غير ممنون) غير منقوص ولا مقطوع. # * * * # PageV03P755 # سورة البروج مكية (1)، وهي اثنتان وعشرون آية. # في حديث أبي: " من قرأها أعطاه الله من الأجر بعدد كل يوم جمعة وكل يوم عرفة يكون في دار الدنيا عشر حسنات " (2). وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأها في فرائضه كان محشره وموقفه مع النبيين فإنها سورة النبيين " (3). # بسم الله الرحمن الرحيم (والسمآء ذات البروج (1) وا ليوم الموعود (2) وشاهد ومشهود (3) قتل أصحب الأخدود (4) النار ذات الوقود (5) إذ هم عليها قعود (6) وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود (7) وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد (8) الذي له ملك السموات والارض والله على كل شىء شهيد (9) إن الذين فتنوا المؤمنين # PageV03P757 # والمؤمنت ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق (١٠) إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت لهم جنت تجرى من تحتها الانهر ذا لك الفوز الكبير (١١) إن بطش ربك لشديد (١٢) إنه هو يبدئ ويعيد (١٣) وهو الغفور الودود (١٤) ذو العرش المجيد (١٥) فعال لما يريد (١٦) هل أتلك حديث الجنود (١٧) فرعون وثمود (١٨) بل الذين كفروا في تكذيب (١٩) والله من ورآئهم محيط (٢٠) بل هو قرءان مجيد (٢١) في لوح محفوظ (٢٢)) هي (البروج) الاثنا عشر التي هي قصور السماء، منازل الشمس والقمر والكواكب. (واليوم الموعود) يوم القيامة. (وشاهد) في ذلك اليوم (ومشهود) فيه، وقد اختلف أقوال المفسرين فيه: فروي عن الحسن بن علي (عليهما السلام) وابن عباس: أن الشاهد محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لقوله عز ms1360 اسمه: ﴿إنآ أرسلنك شهدا﴾ (١)، والمشهود يوم القيامة لقوله تعالى: ﴿وذلك يوم مشهود﴾ (2) (3). # وعن ابن عباس أيضا: الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة (4). وعن أبي الدرداء: الشاهد يوم عرفة، والمشهود يوم الجمعة (5). وقيل: الحجر الأسود والحجيج (6). وقيل: الأيام والليالي وبنو آدم (7). # PageV03P758 # جواب القسم محذوف يدل عليه قوله: (قتل أصحب الأخدود)، كأنه قال: # أقسم بهذه الأشياء أنهم الملعونون، يعني: كفار قريش، كما لعن أصحاب الأخدود، وذلك لأن السورة وردت في تثبيت المؤمنين، وتذكيرهم بما جرى على من تقدمهم من التعذيب على الإيمان مع صبرهم وثباتهم حتى يقتدوا بهم، ويصبروا على ما يلقون من قومهم، ويعلموا أن كفارهم بمنزلة أولئك المحرقين بالنار، ملعونون معذبون، أحقاء بأن يقال فيهم: قتلوا كما قتل أصحاب الأخدود، و (قتل) دعاء عليهم، أي: لعنوا بتحريقهم المؤمنين، والأخدود: الخد في الأرض، وهو الشق، ونحوهما بناء ومعنى: الخق والأخقوق، ومنه الحديث: # " فساخت قوائمه في أخاقيق جرذان " (1). # وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: " كان لبعض الملوك ساحر، فلما كبر ضم إليه غلاما ليعلمه السحر، وكان في طريق الغلام راهب فسمع منه وأعجبه كلامه، ثم رأى في طريقه ذات يوم دابة قد حبست الناس، فأخذ حجرا فقال: اللهم إن كان الراهب أحب إليك من الساحر فاقتلها، فقتلها، ثم كان الغلام بعد ذلك يبرئ الأكمه والأبرص ويشفي من الأمراض، فأخذ الملك الغلام فقال: ارجع عن دينك، فأبى، فأمر أن يذهب به إلى جبل فيطرح من ذروته، فدعا فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجفت بهم الخيل ونجا، فذهب به إلى قرقور (2) فلججوا به ليغرقوه، فدعا فانكفأت بهم السفينة فغرقوا ونجا، فقال للملك: لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد وتصلبني على جذع وتأخذ سهما من كنانتي وتقول: بسم الله رب الغلام، ثم ترميني به، فرماه فوقع في صدغه، فوضع يده عليه ومات، فقال الناس: آمنا # PageV03P759 # برب الغلام، فقيل للملك: قد نزل بك ما كنت تخاف: آمن الناس! فأمر بأخاديد على أفواه السكك وأوقدت فيها النيران، فمن لم يرجع منهم طرحه ms1361 فيها، حتى جاءت امرأة معها صبي فتقاعست أن تقع فيها، فقال الصبي: يا أماه، اصبري فإنك على الحق، فاقتحمت " (1). # وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): " أنه كان إذا ذكر أصحاب الأخدود تعوذ بالله من جهد البلاء " (2). # وعن ابن عباس: أدخل أرواحهم الجنة قبل أن تصل أجسادهم إلى النار (3). # (النار) بدل الاشتمال من (الأخدود)، (ذات الوقود) وصف لها بأنها نار عظيمة كثيرة الحطب، أو: ظرف ل‍ (قتل) أي: لعنوا حين أحدقوا بالنار قاعدين حولها. ومعنى (عليها): على ما يدنو منها من حافات الأخدود، كقول الأعشى: # وبات على النار الندى والمحلق (4) والشهود: جمع شاهد، أي: وهم يشهدون على إحراق المؤمنين، وكلوا بذلك ليشهد بعضهم لبعض عند الملك أن أحدا منهم لم يفرط فيما أمر به. (وما نقموا منهم) وما عابوا منهم، وما أنكروا (إلا) الإيمان، كقول الشاعر: # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم (5) # PageV03P760 # وذكر الأوصاف التي استحق سبحانه بها أن يؤمن به ويعبد، وهو كونه " عزيزا " أي: غالبا قادرا قاهرا " حميدا " أي: منعما، محمودا على نعمه، له التصرف في (السموت والأرض والله على كل شىء شهيد) وعيد لهم. # (إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات) أي: أحرقوهم وعذبوهم بالنار، وهم أصحاب الأخدود (فلهم) في الآخرة (عذاب جهنم) بكفرهم (ولهم عذاب الحريق) في الدنيا، لما روي: أن النار انقلبت عليهم فأحرقتهم (١). ويجوز أن يريد: (الذين فتنوا المؤمنين) أي: بلوهم بالأذى على العموم، لهم عذابان في الآخرة لكفرهم ولفتنتهم. # البطش: الأخذ بالعنف، فإذا وصفه بالشدة فقد تضاعف وتفاقم. (إنه هو يبدئ) البطش (ويعيد) ه، أي: يبطش بهم في الدنيا والآخرة، أو: هو وعيد للكفار بأنه يعيدهم كما أبدأهم، ليبطش بهم إذ لم يشكروا نعمة الإبداء وكذبوا بالإعادة. و (الودود): الفاعل بأهل طاعته ما يفعله الودود. قرئ: (المجيد) بالجر (٢) صفة ل‍ (العرش)، ومجده: علوه وعظمه، كما أن مجد الله عظمته، وبالرفع. (فعال) خبر مبتدأ محذوف. # (فرعون وثمود) بدل من (الجنود)، وأراد بفرعون إياه وآله، كما قال: # ﴿من فرعون وملئهم﴾ (3)، والمعنى: قد عرفت تكذيب تلك الجنود للرسل، ms1362 وما نزل بهم لتكذيبهم. # (بل الذين كفروا) من قومك (في تكذيب) لك واستيجاب للعذاب. # PageV03P761 # (والله) عالم بأحوالهم وقادر عليهم، والإحاطة (من ورآئهم) مثل لأنهم لا يفوتونه ولا يعجزونه، ومعنى الإضراب: أن أمرهم أعجب من أمر أولئك، لأنهم سمعوا بقصصهم وبما جرى عليهم ولم يعتبروا، وكذبوا أشد من تكذيبهم. (بل) هذا الذي كذبوا به (قرءان مجيد) شريف جليل القدر، كثير الخير، عالي الطبقة في الكتب، وفي نظمه وإعجازه، وقرئ: (محفوظ) بالرفع (1) صفة للقرآن، وبالجر صفة لللوح. # * * * # PageV03P762 # سورة الطارق مكية (1)، وهي سبع عشرة آية. # في حديث أبي: " من قرأها أعطاه الله بعدد كل نجم في السماء عشر حسنات " (2). # وعن الصادق (عليه السلام): " من كانت قراءته في الفريضة ب‍ (السمآء والطارق) كان له يوم القيامة عند الله جاه ومنزلة، وكان من رفقاء النبيين وأصحابهم " (3). # بسم الله الرحمن الرحيم (والسمآء والطارق (1) ومآ أدراك ما الطارق (2) النجم الثاقب (3) إن كل نفس لما عليها حافظ (4) فلينظر الانسن مم خلق (5) خلق من مآء دافق (6) يخرج من بين الصلب والترآئب (7) إنه على رجعه ى لقادر (8) يوم تبلى السرآئر (9) فما له من قوة ولا ناصر (10) والسمآء # PageV03P763 # ذات الرجع (١١) والارض ذات الصدع (١٢) إنه لقول فصل (١٣) وما هو بالهزل (١٤) إنهم يكيدون كيدا (١٥) وأكيد كيدا (١٦) فمهل الكفرين أمهلهم رويدا (١٧)) الطارق: الذي يجيء ليلا، كأنه عز اسمه أراد أن يقسم ب‍ " النجم الثاقب " أي: # المضيء الذي يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه، لما فيه من عجيب القدرة ولطيف الحكمة، فأتى بما هو صفة مشتركة بينه وبين غيره، وهو (الطارق) ثم فسره بقوله: (النجم الثاقب) إظهارا لفخامة شأنه. وجواب القسم قوله: (إن كل نفس لما عليها حافظ) لأن من قرأ (لما) مشددة ف‍ (إن) هي النافية. و " لما " بمعنى: # " إلا "، ومن قرأها مخففة (١) ف‍ " ما " صلة، و " إن " هي المخففة من الثقيلة، وكلاهما مما يتلقى به القسم، والمعنى: ما كل نفس إلا عليها حافظ من الملائكة، يحفظ عملها ويحصي عليها ما كسبت من خير أو شر، أو: حافظ رقيب عليها وهو الله عز وجل ﴿وكان ms1363 الله على كل شىء رقيبا﴾ (2) (فلينظر الانسن مم خلق) هذه توصية للإنسان بالنظر في بدء أمره حتى يعلم أن من أنشأ النشأة الأولى قادر على إعادته، فيعمل ليوم الإعادة، و (مم خلق) استفهام، جوابه: (خلق من مآء دافق) أي: ذي دفق، كاللابن والتامر، والدفق: صب فيه دفع، ولم يقل: ماءين، لامتزاجهما في الرحم واتحادهما حين ابتدئ في خلقه. (يخرج من بين) صلب الرجل وترائب المرأة، وهي عظام الصدر. # (إنه) الضمير للخالق لدلالة (خلق) عليه، ومعناه: أن ذلك الذي خلق # PageV03P764 # الإنسان ابتداء من نطفة (على رجعه) على إعادته خصوصا (لقادر) لبين القدرة، لا يعجز عنه. # (يوم تبلى السرآئر) منصوب ب‍ (رجعه)، وعن مجاهد: أنه على رد الماء إلى مخرجه من الصلب والترائب لقادر (1). وعلى هذا فيكون الظرف منصوبا بمضمر (يوم تبلى السرآئر) أي: تختبر السرائر في القلوب من العقائد والنيات وغيرها، وما أسر وما أخفى من الأعمال، فيميز بين ما طاب منها وما خبث. (فما له) أي: فما للإنسان (من قوة) من منعة في نفسه يمتنع (ولا ناصر) يمنعه. # (والسماء ذات الرجع) وهو المطر، سمي بالمصدر لأن الله يرجعه وقتا فوقتا. و (الصدع) ما يتصدع الأرض عنه من النبات. (إنه) الضمير للقرآن (لقول فصل) فاصل بين الحق والباطل، كما قيل له: فرقان. (وما هو بالهزل) بل هو الجد لا هوادة فيه، فمن حقه أن يكون معظما في القلوب مهيبا في الصدور، ومن حق قارئه وسامعه أن لا يلم بهزل ولعب، ويقرر في نفسه أن إلهه وربه جل جلاله يخاطبه، فيأمره وينهاه، ويعده ويوعده، فإذا مر بآية الوعد تضرع إليه راجيا أن يكون من أهلها، وإذا مر بآية الوعيد تعوذ به خائفا أن يكون من أهلها. # (إنهم يكيدون) يحتالون في إيقاع المكروه بك وبمن معك. (وأكيد كيدا) أدبر ما ينقض كيدهم واحتيالهم من حيث يخفى عليهم، (فمهل الكفرين) لا تدع بهلاكهم ولا تستعجل به، وارض بتدبير الله فيهم و (أمهلهم) أراد التوكيد وكره التكرير، فخالف بين اللفظين، ولما زاد في التوكيد أتى ms1364 بالمعنى وترك اللفظ فقال: (رويدا) أي: إمهالا يسيرا. # * * * # PageV03P765 # سورة الأعلى (1) مكية (2)، وقيل: مدنية (3)، تسع عشرة آية. # في حديث أبي: " من قرأها أعطاه الله من الأجر عشر حسنات بعدد كل حرف أنزله على إبراهيم وموسى ومحمد (عليهم السلام) " (4). # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأ (سبح اسم ربك الاعلى) في فريضة أو نافلة قيل له يوم القيامة: ادخل من أي أبواب الجنان شئت " (5). # بسم الله الرحمن الرحيم (سبح اسم ربك الاعلى (1) الذي خلق فسوى (2) والذي قدر فهدى (3) والذي أخرج المرعى (4) فجعله غثآء أحوى (5) سنقرئك # PageV03P767 # فلا تنسى (٦) إلا ما شآء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى (٧) ونيسرك لليسرى (٨) فذكر إن نفعت الذكرى (٩) سيذكر من يخشى (١٠) ويتجنبها الأشقى (١١) الذي يصلى النار الكبرى (١٢) ثم لا يموت فيها ولا يحيى (١٣) قد أفلح من تزكى (١٤) وذكر اسم ربه فصلى (١٥) بل تؤثرون الحيوة الدنيا (١٦) والاخرة خير وأبقى (١٧) إن هذا لفي الصحف الاولى (١٨) صحف إبرا هم وموسى (١٩)) عن ابن عباس: كان النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا قرأ (سبح اسم ربك الاعلى) قال: # " سبحان ربي الأعلى " (١). ومعناه: نزه ربك عن كل ما لا يليق به من الصفات التي هي إلحاد في أسمائه: كالجبر والتشبيه ونحو ذلك. و (الاعلى) يجوز أن يكون صفة للرب وللاسم، وهو بمعنى العلو الذي هو القهر والاقتدار. # وفي الحديث: لما نزل: (سبح اسم ربك الاعلى) قال: اجعلوها في سجودكم، ولما نزلت: ﴿فسبح باسم ربك العظيم﴾ (2) قال: اجعلوها في ركوعكم (3). # (الذي خلق) كل شيء (فسوى) خلقه تسوية، ولم يأت به متفاوتا غير ملتئم، ولكن على إحكام وانتظام ليدل على أنه صادر من عالم حكيم. (والذي قدر) لكل حيوان ما يصلحه (فهدا) ه وعرفه وجه الانتفاع به، حتى إنه هدى الطفل إلى ثدي أمه، والفرخ إلى طلب الزق من أمه. وهدايات الله للإنسان إلى ما لا يحد ولا يعد من مصالحه في أغذيته وأدويته، وفي أمور دنياه وآخرته، وإلهامات البهائم والطيور والحيوانات باب واسع لا يحاط بكنهه، فسبحان ربنا # PageV03P768 # الأعلى تبارك وتعالى. وقرئ: " قدر " بالتخفيف (١)، وهو ms1365 قراءة علي (عليه السلام) (٢) والمعنى واحد. (أحوى) صفة ل‍ (غثاء)، أي: (أخرج المرعى فجعله) بعد خضرته ورفيفه (غثاء أحوى) أي: درينا أسود، ويجوز أن يكون (أحوى) حالا من (المرعى) أي: أخرجه أحوى: أسود من شدة الخضرة والري، فجعله غثاء بعد حوته. # (سنقرئك فلا تنسى) هذه بشارة بشر نبيه عليه الصلاة والسلام بها، وهو أن يقرأ عليه جبرائيل (عليه السلام) ما يقرؤه من الوحي، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، فيحفظه ولا ينساه. (إلا ما شآء الله) فذهب به عن حفظه برفع حكمه وتلاوته، كما قال: # ﴿أو ننسها نأت بخير منها﴾ (3)، وهذه آية بينة ومعجزة دالة على نبوته. # (إنه يعلم الجهر وما يخفى) معناه: أنه يعلم ما تجهر بقراءته مع جبرائيل مخافة التفلت وما تخفي في نفسك، أو: يعلم ما أعلنتم وما أخفيتم من أقوالكم وأفعالكم وأعمالكم، وما ظهر وما بطن من أحوالكم، وما هو مصلحة في دينكم وما هو مفسدة فيه. # (ونيسرك لليسرى) معطوف على: (سنقرئك)، وقوله: (إنه يعلم الجهر وما يخفى) اعتراض، والمعنى: ونوفقك للطريقة التي هي أيسر وأسهل، يعني: # حفظ الوحي وتسهيله، وقيل للشريعة الحنيفية: السمحة التي هي أيسر الشرائع وأسهلها مأخذا. # (فذكر إن نفعت الذكرى) أي: ذكر الخلق وعظهم، وكرر التذكير بعد إلزام # PageV03P769 # الحجة إن نفعت ذكراك وإلا فأعرض عنهم، وقيل: معناه: ذكرهم ما بعثتك له إن نفعت ذكراك وإن لم ينفع، فإن إزاحة علتهم تقتضي تذكيرهم وإن لم يقبلوا (1). # (سيذكر) سيقبل التذكرة وينتفع بها (من يخشى) الله، فينظر ويفكر حتى تعوده النظر إلى اتباع الحق. (ويتجنبها) ويتجنب الذكرى ويتحاماها (الأشقى) الذي كفر بالله وبتوحيده. (الذي يصلى النار الكبرى) نار جهنم، والصغرى نار الدنيا. # (ثم لا يموت فيها) فيستريح، (ولا يحيى) حياة ينتفع بها. # (قد أفلح من تزكى) أي: تطهر من الشرك وقال: لا إله إلا الله، وقيل: # (تزكى) تطهر للصلوات فصلى الصلوات الخمس (2)، وقيل: أعطى زكاة ماله (3)، وقيل: أراد زكاة الفطر وصلاة العيد (4). وعن الضحاك: (وذكر اسم ربه) في طريق المصلى (فصلى) صلاة العيد (5). (بل تؤثرون) ms1366 تختارون (الحياة الدنيا) على الآخرة، ولا تتفكرون في أمور الآخرة. وقرئ: " يؤثرون " بالياء على الغيبة (6)، (والآخرة خير وأبقى) أفضل في نفسها وأدوم. # وفي الحديث: " من أحب آخرته أضر بدنياه، ومن أحب دنياه أضر بآخرته " (7). # (إن هذا) الذي ذكر من قوله: (قد أفلح) إلى قوله: (وأبقى) والمراد: # PageV03P770 # أن معنى هذا الكلام وارد في تلك (الصحف)، وقيل: (هذا) إشارة إلى ما في السورة كلها (1). # وعن أبي ذر قال: قلت: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كم الأنبياء؟ قال: مائة ألف نبي وأربعة وعشرون ألف نبي، قلت: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كم المرسلون منهم؟ قال: # ثلاثمائة وثلاثة عشر، قلت: كم أنزل الله من كتاب؟ قال: مائة وأربعة كتب: أنزل منها على آدم عشر صحف، وعلى شيث خمسين صحيفة، وعلى أخنوخ - وهو إدريس - ثلاثين صحيفة، وهو أول من خط بالقلم، وعلى إبراهيم عشر صحف، والتوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان " (2) * * * # PageV03P771 # سورة الغاشية مكية (1) وهي ست وعشرون آية. # في حديث أبي: " من قرأها حاسبه الله حسابا يسيرا " (2). # وعن الصادق (عليه السلام): " من أدمن قراءة الغاشية في فريضة أو نافلة غشاه الله رحمته في الدنيا والآخرة، وأعطاه الأمن يوم القيامة من عذاب النار " (3). # بسم الله الرحمن الرحيم (هل أتلك حديث الغشية (1) وجوه يومئذ خشعة (2) عاملة ناصبة (3) تصلى نارا حامية (4) تسقى من عين ءانية (5) ليس لهم طعام إلا من ضريع (6) لا يسمن ولا يغنى من جوع (7) وجوه يومئذ ناعمة (8) لسعيها راضية (9) في جنة عالية (10) لا تسمع فيها لغية (11) فيها عين جارية (12) فيها سرر مرفوعة (13) وأكواب موضوعة (14) ونمارق # PageV03P773 # مصفوفة (١٥) وزرابى مبثوثة (١٦) أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت (١٧) وإلى السمآء كيف رفعت (١٨) وإلى الجبال كيف نصبت (١٩) وإلى الأرض كيف سطحت (٢٠) فذكر إنمآ أنت مذكر (٢١) لست عليهم بمصيطر (٢٢) إلا من تولى وكفر (٢٣) فيعذبه الله العذاب الأكبر (٢٤) إن إلينآ إيابهم (٢٥) ثم إن علينا حسابهم (٢٦)) (الغشية) القيامة تغشى الناس بأهوالها وشدائدها، وقيل: هي النار (١)، من قوله: (وتغشى وجوههم النار) (٢). (يومئذ) يوم إذ غشيت، (خشعة) ذليلة بالعذاب الذي يغشاها. ms1367 (عاملة ناصبة) عاملة في النار عملا تتعب فيه، وهو جرها في السلاسل والأغلال، وارتقاؤها دائبة في صعود منها وهبوطها في حدور منها، وقيل: عملت ونصبت في الدنيا في أعمال لا تجدي عليها في الآخرة (٣) ﴿أولئك الذين حبطت أعملهم﴾ (٤) ﴿وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا﴾ (5)، عن سعيد بن جبير: وهم الرهبان وأصحاب الصوامع وأهل البدع، لا يقبل الله أعمالهم (6). # وعن الصادق (عليه السلام): كل عدو لنا وإن تعبد واجتهد يصير إلى هذه الآية (7). # قرئ: (تصلى) بفتح التاء وضمها (8) (حامية) حميت فهي تتلظى على # PageV03P774 # أعداء الله. (عين ءانية) حارة بلغت منتهاها في الحر. الضريع: يبيس الشبرق، وهو جنس من الشوك ترعاه الإبل ما دام رطبا، فإذا يبس تحامته، وهو سم قاتل. # (لا يسمن) مرفوع المحل أو مجروره، على وصف (طعام) أو (ضريع)، يعني: أن طعامهم من شيء ليس من مطاعم الإنس وإنما هو شوك، والشوك مما ترعاه الإبل، وهذا نوع منه تنفر عنه ولا تقربه، ومنفعتا الغذاء منتفيتان عنه، وهما: # إماطة الجوع وإفادة القوة والسمن في البدن، وقيل: إن كفار قريش قالت: إن الضريع لتسمن عليه إبلنا، فنزلت: (لا يسمن ولا يغنى من جوع) (١). # (ناعمة) منعمة من أنواع النعيم، أو: ذات بهجة وحسن. (لسعيها راضية) رضيت بعملها لما رأت ما أداهم إليه من الكرامة والثواب. (في جنة عالية) مرتفعة القصور والدرجات، أو: عالية المقدار. (لا تسمع) الوجوه، أو: هو خطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (لغية) أو لغوا، أو: كلمة ذات لغو، أو: نفسا تلغو، لا يتكلم أهل الجنة إلا بالحكمة وحمد الله، وقرئ: " لا يسمع " على البناء للمفعول بالياء والتاء (٢). (فيها عين جارية) يريد: عيونا في غاية الكثرة، كقوله: ﴿علمت نفس﴾ (3). (سرر مرفوعة) مرتفعة المقدار أو السمك ليرى المؤمن بجلوسه عليه جميع ما خوله ربه من الملك. (وأكواب موضوعة) على حافات العيون الجارية، أو: كلما أراد المؤمن شربها وجدها مملوءة حاضرة لا يحتاج إلى أن يدعو بها. # (ونمارق مصفوفة) أي: وسائد صف بعضها إلى جنب بعض، مساند ومطارح أينما أراد أن ms1368 يجلس جلس على مسورة، واستند إلى أخرى. (وزرابى) بسط # PageV03P775 # عراض فاخرة، وقيل: طنافس لها خمل رقيق (١)، جمع زريبة (مبثوثة) مبسوطة، أو: مفرقة في المجالس. # (أفلا ينظرون إلى الإبل) نظر اعتبار (كيف خلقت) خلقا عجيبا، فهي تنقاد لكل من اقتادها بأزمتها، وتبرك حتى تحمل أحمالها، ثم تنهض بها إلى البلاد الشاسعة، وليس ذلك في غيرها من ذوات الأربع، وصبرت على احتمال العطش حتى أن أظماءها (٢) ترتفع إلى العشر فصاعدا، إذ جعلت سفائن البر. (كيف رفعت) رفعا بعيد المدى بلا مساك وبغير عمد. (كيف نصبت) نصبا ثابتا فهي راسخة لا تزول. (كيف سطحت) سطحا فهي مهاد يتقلب عليها. وروي: أن عليا (عليه السلام) قرأ: " خلقت " و " رفعت " و " نصبت " و " سطحت " على البناء للفاعل وتاء الضمير (٣)، والتقدير في الجميع: فعلتها، فحذف المفعول. والمعنى: أفلا ينظرون إلى هذه المخلوقات الدالة على الصانع القادر العالم حتى لا ينكروا اقتداره على البعث والإعادة، ويؤمنوا برسوله، ويستعدوا للقائه؟ # (فذكر) يعني: أنهم لم ينظروا فذكرهم ولا يهمنك أنهم لا ينظرون ولا يذكرون، و (إنما أنت مذكر) كقوله: ﴿إن عليك إلا البلغ﴾ (٤). (لست عليهم بمصيطر) أي: بمتسلط، كقوله: ﴿ومآ أنت عليهم بجبار﴾ (5) (إلا من تولى) استثناء منقطع، أي: لست بمستول عليهم، ولكن من تولى منهم فإن لله الولاية والقهر، فهو يعذبه (العذاب الأكبر) الذي هو عذاب جهنم، وقيل: هو استثناء # PageV03P776 # من قوله: (فذكر) إلا من انقطع طمعك عن إيمانه وتولى فاستحق العذاب الأكبر، وما بينهما اعتراض (1). # وقرئ: " إيابهم " بالتشديد (2)، وأصله: أواب، من: أوب، ثم قلب الواو ياء ك‍ " ديوان "، ثم فعل به ما فعل بأصل " سيد " و " هين "، والمعنى في تقديم الظرف: # التشديد في الوعيد، وإن (إيابهم) ليس إلا إلى القهار المقتدر على الانتقام، وإن (حسابهم) ليس بواجب إلا عليه. # * * * # PageV03P777 # سورة الفجر مكية (1)، ثلاثون آية كوفي، تسع وعشرون بصري، عد الكوفي: (في عبدى) (2). # في حديث أبي: " من قرأها في ليال عشر غفر له، ومن قرأها في سائر الأيام كانت له نورا يوم القيامة " (3). # وعن الصادق (عليه السلام): " اقرؤوا ms1369 سورة الفجر في فرائضكم ونوافلكم فإنها سورة حسين بن علي عليه الصلاة والسلام، من قرأها كان مع الحسين (عليه السلام) يوم القيامة في درجته من الجنة " (4). # بسم الله الرحمن الرحيم (والفجر (1) وليال عشر (2) والشفع والوتر (3) والليل إذا يسر (4) # PageV03P779 # هل في ذا لك قسم لذى حجر (٥) ألم تر كيف فعل ربك بعاد (٦) إرم ذات العماد (٧) التى لم يخلق مثلها في البلد (٨) وثمود الذين جابوا الصخر بالواد (٩) وفرعون ذى الأوتاد (١٠) الذين طغوا في البلد (١١) فأكثروا فيها الفساد (١٢) فصب عليهم ربك سوط عذاب (١٣) إن ربك لبالمرصاد (١٤) فأما الانسن إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربى أكرمن (١٥) وأمآ إذا ما ابتلله فقدر عليه رزقه فيقول ربى أهنن (١٦) كلا بل لا تكرمون اليتيم (١٧) ولا تحضون على طعام المسكين (١٨) وتأكلون التراث أكلا لما (١٩) وتحبون المال حبا جما (٢٠) كلا إذا دكت الأرض دكا دكا (٢١) وجآء ربك والملك صفا صفا (٢٢) وجاىء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الانسن وأنى له الذكرى (٢٣) يقول يليتنى قدمت لحياتى (٢٤) فيومئذ لا يعذب عذابه أحد (٢٥) ولا يوثق وثاقه أحد (٢٦) يأيتها النفس المطمئنة (٢٧) ارجعى إلى ربك راضية مرضية (٢٨) فادخلى في عبدى (٢٩) وادخلى جنتى (٣٠)) الفجر: شق عمود الصبح، أقسم عز اسمه به كما أقسم بالصبح في قوله: ﴿والصبح إذا أسفر﴾ (١). ﴿والصبح إذا تنفس﴾ (2)، (وليال عشر) يعني: عشر ذي الحجة، وقيل: هي العشر الأواخر من شهر رمضان (3)، وإنما نكرت لأنها ليال مخصوصة من بين جنس الليالي العشر وبعض منها، أو: مخصوصة بفضائل ليست لغيرها. # (الشفع والوتر) إما الأشياء كلها شفعها ووترها، وإما شفع هذه الليالي ووترها، أو: (الشفع): يوم النحر لأنه عاشر أيامها (والوتر) عرفة لأنها تاسع # PageV03P780 # أيامها، أو: (الشفع): يوم التروية (والوتر): يوم عرفة، وروي ذلك عن الأئمة (عليهم السلام)، وقرئ: (والوتر) بفتح الواو (١) وهما لغتان في العدد، وفي " الترة " الكسر لا غير. # (والليل إذا يسر) إذا يمضي، كقوله: ﴿والليل إذا أدبر﴾ (2) ويحذف ياء " يسري " في الدرج اجتزاء عنها بالكسرة، فأما في الوقف فيحذف الياء والكسرة، وقيل: معنى " يسري ": يسرى فيه (3). # (هل في ذلك) أي: هل ms1370 في ما أقسمت به من هذه الأشياء (قسم) أي: # مقسم به (لذى حجر) يريد: لذي عقل لأن العقل يحجر عن القبيح، ولذلك سمي عقلا ونهية لأنه يعقل وينهى، أي: هل هو قسم عظيم يؤكد بمثله المقسم عليه؟ # وجواب القسم محذوف، وهو: ليعذبن، يدل عليه قوله: (ألم تر كيف فعل ربك) إلى قوله: (سوط عذاب)، وقيل لعقب عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح: # عاد، كما قيل لبني هاشم: هاشم، ثم قيل للأولين منهم: عاد الأولى، وإرم تسمية لهم باسم جدهم، ولمن بعدهم: عاد الأخيرة، ف‍ " إرم " في قوله: (بعاد إرم) عطف بيان ل‍ " عاد "، وقيل: إرم: بلدتهم التي كانوا فيها (4)، ويدل عليه قراءة من قرأ: # " بعاد إرم " على الإضافة (5)، وتقديره: بعاد أهل إرم، و (ذات العماد) إذا كانت صفة للقبيلة فالمعنى: أنهم كانوا بدويين أهل عمد، أو: طوال الأجسام على تشبيه قدودهم بالأعمدة، وإن كانت صفة للبلدة فالمعنى: أنها ذات أساطين. # PageV03P781 # وروي أنه كان لعاد ابنان: شداد وشديد، فملكا وقهرا، ثم مات شديد وخلص الأمر لشداد فملك الدنيا، وسمع بذكر الجنة فقال: أبني مثلها، فبنى إرم في بعض صحاري عدن في ثلاثمائة سنة، وكان عمره تسعمائة سنة، وهي مدينة عظيمة، قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطردة، ولما تم بناؤها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة بعث الله عليهم صيحة من السماء فهلكوا (١). # وعن عبد الله بن قلابة: أنه خرج في طلب إبل له في الصحاري، فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما ثم، وبلغ خبره معاوية فاستحضره فقص عليه، فبعث إلى كعب فسأله فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك أحمر أشقر قصير، على حاجبيه خال وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة فقال: هذا والله ذلك الرجل (٢). # (لم يخلق مثلها) أي: مثل عاد (في البلد) عظم أجرام وقوة، أو: لم يخلق مثل مدينة شداد في ms1371 جميع البلاد. (جابوا الصخر) أي: قطعوا صخر الجبال واتخذوا فيها بيوتا، كقوله: ﴿وتنحتون من الجبال بيوتا﴾ (3). وقيل لفرعون: # " ذو الأوتاد " لكثرة جنوده ومضاربهم التي كانوا يضربونها إذا نزلوا، أو: لتعذيبه بالأوتاد كما فعل بآسية. # (الذين طغوا) نصب على الذم، أو: رفع على: هم الذين طغوا، أو: جر صفة للمذكورين: عاد وثمود وفرعون. يقال: صب عليه السوط وغشاه وقنعه، وذكر السوط إشارة إلى أن ما أجله بهم في الدنيا من العذاب بالقياس إلى ما أعده # PageV03P782 # لهم في الآخرة كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به، وكان الحسن إذا أتى على هذه الآية قال: إن عند الله أسواطا كثيرة فأخذهم بسوط منها (1). # (المرصاد) المكان الذي يترقب (2) فيه الرصد، مفعال من: رصده. وهذا مثل لإرصاده العصاة بالعقاب وأنهم لا يفوتونه، وعن عمرو بن عبيد: أنه قرأ هذه السورة عند المنصور حتى بلغ هذا الموضع فقال: (إن ربك لبالمرصاد) يا أبا جعفر. عرض له في هذا النداء بأنه من جملة من توعد بذلك من الجبابرة (3). # وعن ابن عباس في هذه الآية: أن على جسر جهنم سبعة محابس، يسأل الله عز وجل العبد عند أولها عن شهادة لا إله إلا الله، وعند الثاني عن الصلاة، وعند الثالث عن الزكاة، وعند الرابع عن الصوم، وعند الخامس عن الحج، وعند السادس عن العمرة، فإن أجاب بها تامة جاز إلى السابع فيسأل عن المظالم، فإن خرج منها وإلا يقال: انظروا، فإن كان له تطوع أكمل به أعماله، فإذا فرغ انطلق به إلى الجنة (4). # واتصل قوله: (فأما الانسن) بقوله: (إن ربك لبالمرصاد) كأنه قال: إن الله لا يريد من الإنسان إلا الطاعة، وهو مرصد بالعقوبة للعاصي، فأما الإنسان فلا يهمه إلا العاجلة، فإذا (ابتله ربه) وامتحنه و (أكرمه ونعمه) بما وسع عليه من المال (فيقول ربى أكرمن) وهو خبر المبتدأ الذي هو (الانسن)، ودخول الفاء لما في (أما) من معنى الشرط، والظرف المتوسط بين المبتدأ والخبر في تقدير التأخير، والتقدير: مهما يكن من شيء فالإنسان قائل: ربي أكرمني ms1372 وقت الابتلاء، وسمى كلا الأمرين من بسط الرزق وتقديره: ابتلاء، لأن كل واحد منهما # PageV03P783 # لاختبار العبد أيشكر أم يكفر عند البسط، أو يصبر أم يجزع عند التقتير، فالحكمة فيهما واحدة، ونحوه قوله تعالى: ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة﴾ (1)، وقرئ: # (قدر) بالتخفيف والتشديد (2)، وقرئ: " أكرمن " و " أهانن " بسكون النون في الوقف (3) في من ترك الياء في الدرج مكتفيا منها بالكسرة. # (كلا) ردع عن هذا القول، أي: ليس الأمر كما قال، فإني لا أغني المرء لكرامته علي ولا أفقره لمهانته عندي، ولكني أبسط الرزق لمن أشاء وأقدر بحسب ما توجبه الحكمة وتقتضيه المصلحة (بل) يفعلون ما يستحقون به الإهانة، فلا يؤدون ما يلزمهم في المال إذا أكرمتهم بالإكثار منه، من: إكرام اليتيم وحض الأهل على (طعام المسكين)، و " يأكلون " أكل الأنعام، ويحبونه فيبخلون به. # وقرئ: (تكرمون) وما بعده بالتاء على الخطاب (4). وقرئ: " ولا يحاضون " (5)، أي: يحض بعضكم بعضا. # (أكلا لما) ذا لم، وهو الجمع بين الحلال والحرام، أي: يجمعون في أكلهم بين نصيبهم من الميراث ونصيب غيرهم، وكانوا لا يورثون النساء والصبيان ويأكلون تراثهم مع تراثهم، وقيل: (يأكلون التراث) فيما يشتهون أكلا واسعا، ولا يخرجون ما وجب عليهم فيه من الحقوق (6). (حبا جما) أي: كثيرا شديدا # PageV03P784 # مع الحرص والشره (١). # (كلا) ردع عن ذلك وإنكار لفعلهم، ثم أتى بالوعيد، وذكر تحسرهم عندما فرطوا فيه حين لا تنفع الحسرة. و (يومئذ) بدل من (إذا دكت الأرض) وظرف ل‍ (يتذكر). (دكا دكا) أي: دكا بعد دك، أي: كرر عليها دك جبالها وأنشازها حتى استوت قاعا صفصفا. # (وجآء ربك) هذا تمثيل لظهور آيات قهره وسلطانه، مثل ذلك بحال الملك إذا حضر بنفسه ظهر بحضوره من آثار الهيبة والسياسة ما لا يظهر بحضور من سواه من جنوده وخواصه. (والملك صفا صفا) أي: ينزل ملائكة كل سماء فيصطفون صفا بعد صف، (وجاىء يومئذ بجهنم) كقوله: ﴿وبرزت الجحيم﴾ (2). # وعن أبي سعيد الخدري: أنها لما نزلت تغير وجه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وعرف في وجهه، حتى اشتد على ms1373 أصحابه، فأخبروا عليا (عليه السلام)، فجاء فاحتضنه من خلفه، ثم قبل بين عاتقيه ثم قال: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي، ما الذي حدث اليوم؟ فقال: # جاء جبرائيل (عليه السلام) اليوم فأقرأني، وتلا الآية عليه، فقال له علي (عليه السلام): كيف يجاء بها؟ قال: يجيء بها سبعون ألف ملك يقودونها بسبعين ألف زمام، فتشرد شردة لو تركت لأحرقت أهل الجمع، ثم أتعرض لجهنم فتقول: مالي ولك يا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد حرم الله لحمك علي، فلا يبقى أحد إلا يقول: نفسي نفسي، وإن محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: أمتي أمتي (3). # (يومئذ يتذكر الانسن) ما فرط فيه، أو: يتعظ (وأنى له الذكرى) أي: # ومن أين له منفعة الذكرى، لابد من تقدير حذف المضاف، وإلا فبين (يتذكر) # PageV03P785 # وبين (أنى له الذكرى) تناقض. (يقول يليتنى قدمت لحياتى) هذه، وهي حياة الآخرة، أو: وقت حياتي في الدنيا، كقولك: جئته لخمس ليال مضين من شهر كذا، وفيه أوضح دلالة على أنهم كانوا مختارين لأفعالهم غير مجبرين عليها، وإلا فما معنى التحسر. # وقرئ: " يعذب " و " يوثق " بالفتح (١)، والضمير للإنسان الموصوف، وقيل: # هو أبي بن خلف، أي: لا يعذب أحد مثل عذابه، ولا يوثق أحد مثل وثاقه لتناهيه في كفره وعناده (٢) أو: لا يحمل عذابه أحد، كقوله: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ (3)، وقرئ بالكسر، والضمير لله، أي: لا يتولى عذاب الله أحد؛ لأن الأمر لله وحده في ذلك اليوم، أو: للإنسان أي: لا يعذب أحد من الزبانية مثل ما يعذبونه. # (يأيتها النفس) على إرادة القول، أي: يقول الله للمؤمن: يا أيتها النفس إكراما له، كما كلم موسى (عليه السلام)، أو: على لسان ملك، و (المطمئنة) الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن، أو: المطمئنة إلى الحق التي سكنها روح العلم وثلج اليقين فلا يخالجها شك، وإنما يقال لها ذلك عند الموت، أو: عند البعث، أو: عند دخول الجنة، على معنى: (ارجعى إلى) موعد (ربك راضية) بما أوتيت (مرضية) عند الله. (فادخلى في) ms1374 جملة (عبدى) الصالحين، (وادخلى جنتى) معهم. وقيل: النفس: الروح (4) والمعنى: فادخلي في أجساد عبادي، وقرأ ابن عباس: " في عبدي " (5)، وقال: ارجعي إلى صاحبك فادخلي في جسد عبدي (6). # PageV03P786 # سورة البلد مكية (1)، عشرون آية. # في حديث أبي: " ومن قرأها أعطاه الله الأمن من غضبه يوم القيامة " (2). # وعن الصادق (عليه السلام): " من كان قراءته في الفريضة (لا أقسم بهذا البلد) كان في الدنيا معروفا أنه من الصالحين، وكان في الآخرة معروفا أن له من الله مكانا، وكان من رفقاء النبيين والشهداء والصالحين " (3). # بسم الله الرحمن الرحيم (لا أقسم بهذا البلد (1) وأنت حل بهذا البلد (2) ووالد وما ولد (3) لقد خلقنا الانسن في كبد (4) أيحسب أن لن يقدر عليه أحد (5) يقول أهلكت مالا لبدا (6) أيحسب أن لم يره أحد (7) ألم نجعل له عينين (8) ولسانا وشفتين (9) وهدينه النجدين (10) فلا اقتحم # PageV03P787 # العقبة (11) ومآ أدراك ما العقبة (12) فك رقبة (13) أو إطعم في يوم ذى مسغبة (14) يتيما ذا مقربة (15) أو مسكينا ذا متربة (16) ثم كان من الذين ءامنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة (17) أولئك أصحب الميمنة (18) والذين كفروا بايتنا هم أصحب المشمة (19) عليهم نار مؤصدة (20)) أقسم سبحانه ب‍ (البلد) الحرام، وهو مكة، وب‍ (والد وما ولد) وهو آدم وذريته من الأنبياء والأوصياء وأتباعهم، وقيل: هو إبراهيم وولده (1)، وقيل: هو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن ولده (2). أقسم ببلده الذي هو مسقط رأسه، وحرم أبيه إبراهيم، ومنشأ أبيه إسماعيل، وبمن ولده وبه، وقيل: هو كل والد وولده (3). # وجواب القسم: (لقد خلقنا الانسن في كبد) أي: نصب وشدة، فهو مغمور في مكابدة المشاق والشدائد. واعترض بقوله: (وأنت حل بهذا البلد) بين القسم وجوابه، يعني: ومن المكابدة أن مثلك على عظم حرمتك تستحل بهذا البلد الحرام كما يستحل الصيد في غير الحرم، وقد استحلوا إخراجك وقتلك، وقيل: إنه وعد له بفتح مكة (4)، أي: وأنت حل به في المستقبل تصنع فيه ما تريد من القتل والأسر، بأن يفتحه الله عليك ويحله لك. والكبد: أصله من قولك: كبد الرجل كبدا فهو كبد: # إذا ms1375 وجعت كبده، ثم استعمل في كل تعب ومشقة. # والضمير في (أيحسب) لبعض صناديد قريش الذين كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) # PageV03P788 # يكابد منهم ما يكابد، والمعنى: أيظن هذا المتعزز القوي في قومه (أن لن يقدر) على الانتقام منه وعلى مكافأته أحد؟ (يقول أهلكت مالا لبدا) كثيرا، يريد: كثرة ما أنفقه فيما كانوا يسمونها مكارم الأخلاق. (أيحسب أن لم يره أحد) حين كان ينفق ما ينفق رياء الناس؟ يعني: أن الله كان يراه، وقيل: هو أبو الأشد، رجل من جمح وكان قويا، بحيث يقف على أديم عكاظي فيجره العشرة من تحته فيقطع ولا يبرح من مكانه (1). # (ألم نجعل له عينين) يبصر بهما المرئيات. (ولسانا) يترجم به عما في ضميره (وشفتين) يطبق بهما على فيه، ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب وغير ذلك. (وهدينه النجدين) أي: طريقي الخير والشر، وقيل: # الثديين (2). (فلا اقتحم العقبة) أي: فلم يشكر تلك الأيادي والنعم بالأعمال الصالحة من: فك الرقاب، وإطعام اليتامى والمساكين، مع الإيمان الذي هو أصل كل طاعة، وأساس كل خير، بل غمط النعم وكفر بالمنعم؟ والمعنى: أن الإنفاق على هذا الوجه هو الإنفاق النافع المرضي عند الله، لا أن يهلك مالا لبدا في الرياء والفخار. وقوله: (ثم كان من الذين ءامنوا) يدل على أن المعنى: فلا اقتحم العقبة ولا أمن، والاقتحام: الدخول بشدة ومشقة، والقحمة: الشدة، وجعل سبحانه الأعمال الصالحة عقبة، وعملها اقتحاما لها لما في ذلك من معاناة الشدة ومجاهدة النفس، وعن الحسن: عقبة والله شديدة: مجاهدة الإنسان نفسه وهواه وعدوه الشيطان (3). وفك الرقبة: تخليصها من رق أو غيره. وقرئ: " فك رقبة # PageV03P789 # أو أطعم " (1) على الإبدال من: (اقتحم العقبة). # وقوله: (ومآ أدراك ما العقبة) اعتراض، والمعنى: أنك لم تدر كنه ثوابها وكنه صعوبتها على النفس؟ وكل واحدة من: (مسغبة) و (مقربة) و (متربة) مفعلة من: سغب إذا جاع، وقرب في النسب، وترب إذا افتقر والتصق بالتراب، ووصف " اليوم " ب‍ (ذى مسغبة) كما قيل: هم ناصب: ذو نصب. # وقوله: (ثم كان من ms1376 الذين ءامنوا) إنما جاء ب‍ (ثم) لتراخي الإيمان وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة لا في الوقت، لأن الإيمان هو السابق المقدم على غيره، ولا يثبت عمل صالح إلا به (وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة) أي: وصى بعضهم بعضا بالصبر على الإيمان والثبات عليه، أو: بالصبر عن المعاصي وعلى الطاعات والمحن والبلايا بأن يكونوا متراحمين، أو: بما يؤدي إلى رحمة الله تعالى، أو: بالرحمة على أهل الحاجة. و (الميمنة) و (المشئمة): اليمين والشمال، أو: اليمن والشؤم، أي: أصحاب اليمن والبركة على نفوسهم، وأصحاب الشؤم عليها. وقرئ: (مؤصدة) بالهمزة وترك الهمز (2)، من: # أوصدت الباب وآصدته: إذا أطبقته، يعني: أن أبوابها عليهم مطبقة لا يخرج منها غم، ولا يدخل فيها روح إلى آخر الأبد. # * * * # PageV03P790 # سورة الشمس مكية (1) خمس عشرة آية. # في حديث أبي: " من قرأها فكأنما تصدق بكل شىء طلعت عليه الشمس والقمر " (2). # وعن الصادق (عليه السلام): " من أكثر قراءة (والشمس وضحها)، (والليل إذا يغشى)، و (والضحى)، و (ألم نشرح) في يومه أو ليلته لم يبق شىء بحضرته إلا شهد له يوم القيامة، حتى شعره وبشره ولحمه وعروقه وجميع ما أقلت الأرض منه، ويقول الرب تبارك وتعالى: قبلت شهادتكم لعبدي وأجزتها له، انطلقوا به إلى جناني حتى يتخير منها حيث ما أحب فأعطوه إياها غير من مني ولكن رحمة وفضلا، فهنيئا لعبدي " (3). # PageV03P791 # بسم الله الرحمن الرحيم (والشمس وضحاها (1) والقمر إذا تلاها (2) والنهار إذا جللها (3) والليل إذا يغشاها (4) والسمآء وما بناها (5) والارض وما طحاها (6) ونفس وما سولها (7) فألهمها فجورها وتقولها (8) قد أفلح من زكاها (9) وقد خاب من دساها (10) كذبت ثمود بطغوهآ (11) إذ انبعث أشقاها (12) فقال لهم رسول الله ناقة الله وسقيها (13) فكذبوه فعقروها فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسولها (14) ولا يخاف عقبها (15)) (ضحها) امتداد ضوئها وانبساطه وإشراقه، ولذلك قيل: وقت الضحى، وقيل: الضحوة: ارتفاع النهار، والضحى: فوق ذلك، والضحاء - بالفتح والمد -: # فوق ذلك إذا قارب النصف (1). (إذا تلها) طلع عند غروبها آخذا من نورها، وذلك في النصف الأول من الشهر. (إذا جلها) عند انبساط ms1377 النهار مجليا لها لظهور جرمها فيه وتمام انجلائها، وقيل: الضمير للظلمة أو للدنيا أو للأرض وإن لم يجر لها ذكر، كقولهم: أصبحت باردة، يعنون الغداة (2). (إذا يغشها) أي: يغشى الشمس فيظلم الآفاق ويلبسها سواده. # و " ما " في قوله: (وما بنها)، (وما طحها)، (وما سولها) موصولة، والمعنى: والسماء والقادر العظيم الذي بناها، والأرض والصانع العليم الذي طحاها، ونفس والخالق الحكيم الذي سواها أي: عدل خلقها، وفي كلامهم: # سبحان ما سخركن لنا. (فألهمها فجورها وتقولها) أي: عرفها طريق الفجور والتقوى، وأن أحدهما قبيح والآخر حسن، ومكنها من اختيار ما شاء منهما، # PageV03P792 # بدليل قوله: (قد أفلح من زكها وقد خاب من دسها) فجعله فاعل التزكية والتدسية ومتوليهما. والتزكية: الإنماء والإعلاء بالتقوى، والتدسية: النقص والإخفاء بالفجور، وأصل دسى: دسس، كما قيل: تقضى في " تقضض ". # ونكر قوله: (ونفس) لأنه أراد نفسا خاصة من بين النفوس، وهي نفس آدم، كأنه قال: وواحدة من النفوس، أو: لأنه أراد كل نفس، فيكون من عكس كلامهم الذي يقصدون به الإفراط فيما يعكس عنه، كقول الشاعر: # قد أترك القرن مصفرا أنامله (١) فجاء بلفظ التقليل الذي يفهم منه معنى الكثرة، ومنه قوله تعالى: ﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين﴾ (٢)، ومعناه معنى " كم " أو أبلغ منه. # وجواب القسم محذوف، وتقديره: ليدمدمن الله عليهم، أي: على أهل مكة لتكذيبهم برسول الله كما دمدم على ثمود لتكذيبهم صالحا. وأما قوله: (قد أفلح من زكها) فكلام تابع لقوله: (فألهمها فجورها وتقولها) على سبيل الاستطراد وليس من جواب القسم في شىء. # والباء في (بطغواها) مثلها في: كتبت بالقلم، والطغوى من: الطغيان، فصلوا بين الاسم والصفة في: " فعلى " من ثبات الياء بأن قلبوا الياء واوا في الاسم وتركوا القلب في الصفة فقالوا: امرأة خزياء وصدياء، والمعنى: فعلت ثمود التكذيب بطغيانها، كما تقول: ظلمني بجرأته على الله، وقيل: (كذبت) بما أوعدت به من العذاب ذي الطغوى (٣) كقوله: ﴿فأهلكوا بالطاغية﴾ (4). (إذ انبعث) ظرف # PageV03P793 # ل‍ (كذبت) أو: للطغوى، و (أشقها) قدار بن سالف، عاقر الناقة، وهو أشقى الأولين على ms1378 لسان نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) (1). # وعن عثمان بن صهيب عن أبيه: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لعلي (عليه السلام): من أشقى الأولين؟ قال: عاقر الناقة، قال: صدقت، فمن أشقى الآخرين؟ قال: لا أعلم يا رسول الله، قال: الذي يضربك على هذه، وأشار إلى يافوخه (2). # ويجوز أن يكونوا جماعة، وإنما وحد لأن أفعل التفضيل يستوي فيه بين الواحد والجمع في الإضافة، وكان يجوز أن يقال: أشقوها. (ناقة الله) نصب على التحذير، كقولك: الأسد الأسد بإضمار: " احذر " أو: ذروا عقرها (وسقيها) فلا تزووها عنها. (فكذبوه) فيما حذرهم منه من نزول العذاب إن فعلوا (فدمدم عليهم) فأطبق عليهم العذاب، ودمر عليهم (بذنبهم) بسبب ذنبهم، وفيه إنذار عظيم بعاقبة الذنب (فسوها) الضمير للدمدمة أي: فسوى الدمدمة بينهم لم يفلت منها أحد منهم. (ولا يخاف عقبها) أي: عاقبتها وتبعتها كما يخاف ذلك من يعاقب فيبقي بعض الإبقاء، وقرئ: " فلا يخاف " بالفاء (3)، وروي ذلك عن الصادق (عليه السلام). # PageV03P794 # سورة الليل مكية (1) إحدى وعشرون آية. # في حديث أبي: " من قرأها أعطاه الله حتى يرضى، وعافاه من العسر، ويسر له اليسر " (2). # بسم الله الرحمن الرحيم (والليل إذا يغشى (1) والنهار إذا تجلى (2) وما خلق الذكر والأنثى (3) إن سعيكم لشتى (4) فأما من أعطى واتقى (5) وصدق بالحسنى (6) فسنيسره لليسرى (7) وأما من بخل واستغنى (8) وكذب بالحسنى (9) فسنيسره للعسرى (10) ومآ يغنى عنه ماله إذا تردى (11) إن علينا للهدى (12) وإن لنا للاخرة والاولى (13) فأنذرتكم نارا تلظى (14) لا يصللهآ إلا الأشقى (15) الذي كذب وتولى (16) وسيجنبها الأتقى (17) الذي يؤتى ماله يتزكى (18) وما لأحد عنده من # PageV03P795 # نعمة تجزى (١٩) إلا ابتغآء وجه ربه الاعلى (٢٠) ولسوف يرضى (٢١)) أقسم سبحانه ب‍ (الليل إذا يغشى) الشمس أو النهار، من قوله: ﴿والليل إذا يغشاها﴾ (١) يغشى الليل النهار، أو: يغشى كل شيء، يواريه بظلامه. (تجلى) ظهر بزوال ظلمة الليل وطلوع الشمس. (وما خلق) أي: والقادر الذي قدر على خلق (الذكر والأنثى)، وقيل: هما خلق آدم وحواء (٢)، وفي قراءة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (٣) وعلي (عليه السلام) ms1379 وابن عباس: " والذكر والأنثى " (٤). (إن سعيكم لشتى) جواب القسم، أي: إن مساعيكم أشتات مختلفة، أو: شتى: جمع شتيت. # (فأما من أعطى) حق الله من ماله (واتقى) الله فلم يعصه. (وصدق) بالخصلة (الحسنى) وهي الإيمان، أو: بالملة الحسنى وهي ملة الإسلام، أو: # بالمثوبة الحسنى وهي الجنة. (فسنيسره) أي: فسنهيئه (لليسرى) من: يسر الفرس للركوب: إذا أسرجها وألجمها، ومنه قوله (عليه السلام): " كل ميسر لما خلق له " (٥). # والمعنى: فسنوفقه حتى تكون الطاعة أيسر الأمور عليه. (وأما من بخل واستغنى) وزهد فيما عند الله كأنه مستغن عنه فلم يتقه، أو: استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الجنة، لأنه في مقابلة (واتقى)، (فسنيسره للعسرى) أي: # فسنخذله ونمنعه الألطاف حتى تكون الطاعة أعسر شيء عليه، من قوله: ﴿ويجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء﴾ (6)، أو: سمى طريقة الخير باليسرى # PageV03P796 # لأن عاقبتها اليسر، وطريقة الشر بالعسرى لأن عاقبتها العسر، أو: أراد بهما: # طريقي الجنة والنار، أي: فسنهديهما في الآخرة للطريقين. # (وما يغنى عنه ماله) نفي أو استفهام في معنى الإنكار (إذا تردى) تفعل من الردى وهو الهلاك، يريد: إذا مات، أو: تردى في الحفرة إذا قبر، أو: تردى في قعر جهنم. # قال الباقر (عليه السلام): (فأما من أعطى) ما آتاه الله (وصدق بالحسنى) أي: بأن الله يعطي بالواحد عشرا إلى مائة ألف فما زاد. (فسنيسره لليسرى) لا يريد شيئا من الخير إلا يسره الله له. (وأما من بخل) بما آتاه الله (وكذب بالحسنى) بأن الله يعطي بالواحد عشرا إلى مائة ألف. (فسنيسره للعسرى) لا يريد شيئا من الشر إلا يسره له، (وما يغنى عنه ماله إذا تردى) قال: والله ما تردى من جبل ولا في بئر، ولكن تردى في نار جهنم (١). # (إن علينا للهدى) إن الإرشاد إلى الحق واجب علينا بنصب الدلائل وبيان الشرائع. (وإن لنا للاخرة والاولى) أي: ثواب الدارين للمهتدي، كقوله: # ﴿وءاتيناه أجره في الدنيا وإنه في الاخرة لمن الصلحين﴾ (2). # (نارا تلظى) أي: تتلهب وتتوقد. (لا يصلهآ إلا الأشقى) لا يختص بصلاها إلا الكافر ms1380 الذي هو أشقى الأشقياء، يريد: نارا مخصوصة من أعظم النيران. # وسيجنب النار (الأتقى) المبالغ في التقوى. (الذي) ينفق ماله في سبيل الله (يتزكى) يطلب أن يكون عند الله زاكيا، أو: يتفعل من: " الزكاة ". (وما لأحد # PageV03P797 # عنده من نعمة تجزى) أي: ولم يفعل ما فعله لنعمة أسديت عليه (1) يكافأ عليها، ولا ليد يتخذها عند أحد. (إلا ابتغآء وجه ربه) مستثنى من غير جنسه، وهو النعمة، أي: ما أعطيت لأحد عنده نعمة إلا ابتغاء وجه ربه، كقولك: ما في الدار أحد إلا حمارا، ويجوز أن يكون مفعولا له، لأن المعنى: لا يؤتي ماله إلا ابتغاء الثواب. # (ولسوف يرضى) بما يعطى من الثواب والخير. # * * * # PageV03P798 # سورة الضحى مكية (1) إحدى عشرة آية بالإجماع. # في حديث أبي: " من قرأها كان ممن يرضى الله بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يشفع له، وله عشر حسنات بعدد كل يتيم وسائل " (2). # بسم الله الرحمن الرحيم (والضحى (1) والليل إذ آ سجى (2) ما ودعك ربك وما قلى (3) وللاخرة خير لك من الاولى (4) ولسوف يعطيك ربك فترضى (5) ألم يجدك يتيما فاوى (6) ووجدك ضآلا فهدى (7) ووجدك عآئلا فأغنى (8) فأما اليتيم فلا تقهر (9) وأما السآئل فلا تنهر (10) وأما بنعمة ربك فحدث (11)) # PageV03P799 # أقسم سبحانه بوقت (الضحى) وهو صدر النهار، وقيل: أريد بالضحى النهار كله (١) كقوله: ﴿أن يأتيهم بأسنا ضحى﴾ (٢) في مقابلة قوله: ﴿بياتا﴾ (٣)، (سجى) أي: سكن وركد ظلامه، وليلة ساجية: ساكنة الريح، وقيل: معناه: سكون الناس والأصوات فيه (٤). (ما ودعك) جواب القسم، أي: ما قطعك قطع المودع، والتوديع مبالغة في الودع وهو الترك، لأن من ودعك فقد بالغ في تركك. # وروي: أن الوحي قد احتبس عنه أياما، فقال المشركون: إن محمدا ودعه ربه وقلاه فنزلت (٥). # وحذف الضمير من (قلى) كما حذف من ﴿الذاكرت﴾ (٦)، ونحوه: # (فآوى)، (فهدى)، (فأغنى) وهو اختصار لفظي لأن المحذوف معلوم. # (وللاخرة خير لك من الاولى) وجه اتصاله بما قبله: أنه لما كان في ضمن نفي التوديع والقلى أن الله مواصلك بالوحي إليك، وأنك حبيب الله، أخبره سبحانه أن حاله في الآخرة ms1381 أعظم من ذلك وأجل، وهو السبق والتقدم على جميع الرسل والأنبياء، وإعلاء المرتبة، وإعطاء الشفاعة والحوض وأنواع الكرامة. # وعن ابن الحنفية أنه قال: يا أهل العراق، تزعمون أن أرجى آية في كتاب الله عز وجل: ﴿قل يعبادى الذين أسرفوا...﴾ (7) الآية، وإنا أهل البيت نقول: # أرجى آية في كتاب الله: (ولسوف يعطيك ربك فترضى) وهي والله الشفاعة، ليعطينها في أهل لا إله إلا الله حتى يقول: رب رضيت (8). # PageV03P800 # واللام في (ولسوف) لام الابتداء المؤكدة لمضمون الجملة، والمبتدأ محذوف، والتقدير: ولأنت سوف يعطيك، وليس بلام القسم لأنها لا تدخل على المضارع إلا مع نون التوكيد. ثم عدد سبحانه عليه نعمه، وأنه لم يخله منها من ابتداء أمره ليقيس المترقب على السالف: (ألم يجدك) من الوجود الذي بمعنى العلم، والمنصوبان مفعولا " وجد "، والمعنى: ألم تكن يتيما؟ وذلك أن أباه مات وهو جنين، أو: بعد ولادته بمدة قليلة على اختلاف الرواية فيه، وماتت أمه وهو ابن سنتين فآواه الله بجده عبد المطلب أولا، وبعمه أبي طالب بعد وفاة عبد المطلب، وحببه إليه حتى كان أحب إليه من جميع أولاده، فكفله ورباه، ولما مات عبد المطلب كان ابن ثماني سنين. # (ووجدك ضآلا) عن علم الشرائع، كقوله: ﴿ما كنت تدرى ما الكتب ولا الايمن﴾ (1). وقيل: إن حليمة ظئره أضلته عند باب مكة حين فطمته وجاءت به لترده على عبد المطلب، فخرج عبد المطلب ودعا الله سبحانه فنودي وأشعر بمكانه (2). وروي أيضا: أنه ضل في صباه في بعض شعاب مكة فرده أبو جهل إلى عبد المطلب (3) (فهدى) أي: فعرفك القرآن والشرائع، أو: فأزال ضلالك عن جدك. (ووجدك عآئلا) أي: فقيرا لا مال لك فأغناك بمال خديجة، أو: بما أفاء عليك من الغنائم. # (فأما اليتيم فلا تقهر) أي: فلا تغلبه على حقه وماله لضعفه. # PageV03P801 # وعنه (عليه السلام): " من مسح يده على رأس يتيم كان له بكل شعرة تمر على يده نور يوم القيامة " (1). # (وأما السائل فلا تنهر) أي: فلا ترده ولا تزجره، وقيل: هو طالب العلم إذا جاءك ms1382 فلا تنهره (2). والتحديث (بنعمة) الله: شكرها وإشاعتها وإظهارها. # * * * # PageV03P802 # سورة الشرح (1) مكية (2)، ثماني آيات. # في حديث أبي: " ومن قرأها أعطي من الأجر كمن لقي محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) مغتما ففرج عنه " (3). # وروي عن أئمتنا (عليهم السلام): أن " الضحى "، و (ألم نشرح) سورة واحدة، وكذلك: # (ألم تر كيف) و (لإيلاف) سورة واحدة (4). # بسم الله الرحمن الرحيم (ألم نشرح لك صدرك (1) ووضعنا عنك وزرك (2) الذي أنقض ظهرك (3) ورفعنا لك ذكرك (4) فإن مع العسر يسرا (5) إن مع العسر يسرا (6) فإذا فرغت فانصب (7) وإلى ربك فارغب (8)) # PageV03P803 # هذا استفهام عن انتفاء " الشرح " على وجه الإنكار، فأفاد إثبات الشرح وإيجابه، فكأنه قال: " شرحنا لك صدرك " ولذلك عطف عليه (وضعنا) اعتبارا للمعنى، ومعنى " شرحنا لك صدرك ": فسحناه حتى وسع دعوة الثقلين، أو: # فسحناه بما أودعناه من العلوم والحكم، وعن الحسن: ملئ حكمة وعلما (1). # والوزر (الذي أنقض ظهرك) أي: حمله على النقيض وهو صوت الانتقاض والانفكاك، مثل لما كان يثقل على رسول الله من تحمل أعباء النبوة، وما كان يصيبه من أذى الكفار مع شدة حرصه على إسلامهم، ووضع ذلك عنه بأن أيده بالمعجزات، وأنزل السكينة عليه، وعلمه الشرائع ومهده عذره بعد أن بلغ. # ورفع ذكره وهو أن قرن ذكره بذكر الله في كلمة الشهادة والأذان والإقامة والتشهد والخطب وفي القرآن، وبأن ذكره في الكتب المتقدمة، وأخذ على الأنبياء والأمم أن يؤمنوا به. والفائدة في زيادة (لك) وإن كان المعنى يستقل بدونه، هي ما في طريقة الإبهام والإيضاح، فكأنه لما قال: (ألم نشرح لك) فهم أن ثم مشروحا، ثم قال: (صدرك) فأوضح ما كان مبهما. وكذلك قوله: و (لك ذكرك) و (عنك وزرك). # ولما ذكر سبحانه ما أنعم به على رسوله من جلائل النعم، وقد كان المشركون عيروه بالفقر حتى ظن أنهم إنما رغبوا عن الإسلام لافتقار أهله واحتقارهم عقب ذلك بقوله: (فإن مع العسر يسرا) فكأنه قال: خولناك ما خولناك تفضلا وإنعاما فلا تيأس من فضلنا، فإن مع العسر الذي أنت فيه يسرا. وقرب " اليسر " المترقب ms1383 بلفظة (مع) التي هي للصحبة، حتى جعله كالمقارن للعسر زيادة في تسليته وتقوية لقلبه. # PageV03P804 # والجملة الثانية تكرير للجملة الأولى لتقرير معناها في النفوس وتمكينها في القلوب، وعلى هذا فيكون معنى ما روي في الحديث أنه (عليه السلام) خرج ذات يوم وهو يضحك ويقول: " لن يغلب عسر يسرين " (1) أن يكون قوله: (فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا) موعدا من الله سبحانه مكررا. # وينبغي أن يحمل وعده على أبلغ ما يحتمله اللفظ، وقد علمنا أن الجملة الأولى عدة بأن العسر مردوف بيسر لا محالة، والثانية عدة مستأنفة بأن العسر متبوع بيسر، فهما يسران على تقدير الاستئناف، وإنما كان العسر واحدا؛ لأنه لا يخلو: إما أن يكون تعريفه للعهد وهو العسر الذي كانوا فيه، فهو هو لأن حكمه حكم " زيد " في قولك: إن مع زيد مالا، إن مع زيد مالا، وإما أن يكون للجنس الذي يعلمه كل أحد فهو هو أيضا. وأما " اليسر " فمنكر متناول بعض الجنس، وإذا كان الكلام الثاني مستأنفا غير مكرر فقد يتناول بعضها غير البعض الأول بغير إشكال. ويجوز أن يراد باليسرين: يسر الدنيا ويسر الآخرة، والمعنى في التنكير: # التفخيم، كأنه قال: إن مع العسر يسرا عظيما وأي يسر! # (فإذا فرغت فانصب) هذا بعث له (عليه السلام) على الشكر، والاجتهاد في العبادة والنصب فيها، وأن لا يخلو منها. # وعن ابن عباس: فإذا فرغت عن صلاتك فاجتهد في الدعاء وارغب إلى ربك في المسألة (2)، وهو المروي عن الصادق (عليه السلام) (3). # PageV03P805 # وعن الحسن: فإذا فرغت من الغزو فاجتهد في العبادة (1). # وعن مجاهد: فإذا فرغت من دنياك فانصب في صلاتك (2). وعن الشعبي أنه رأى رجلا يشيل حجرا فقال: ليس بهذا أمر الفارغ (3). # ومعنى تقديم الظرف الذي هو (إلى ربك): أن المراد خصه بالرغبة: ولا ترغب إلا إليه، ولا تعول إلا على فضله، ولا ترفع حوائجك إلا إليه. # * * * # PageV03P806 # سورة التين مختلف فيها (1) ثماني آيات. # في حديث أبي: " من قرأها أعطاه الله خصلتين: العافية واليقين ما دام في دار الدنيا، فإذا مات ms1384 أعطاه الله بعدد من قرأ هذه السورة صيام يوم " (2). # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأ (والتين) في فرائضه ونوافله أعطي من الجنة حيث يرضى " (3). # بسم الله الرحمن الرحيم (والتين والزيتون (1) وطور سينين (2) وهذا البلد الأمين (3) لقد خلقنا الانسن في أحسن تقويم (4) ثم رددنه أسفل سفلين (5) # PageV03P807 # إلا الذين ءامنوا وعملوا الصلحت فلهم أجر غير ممنون (6) فما يكذبك بعد بالدين (7) أليس الله بأحكم الحكمين (8)) أقسم سبحانه ب‍ (التين) الذي يؤكل (والزيتون) الذي يعصر منه الزيت، لأنهما عجيبتان من بين أصناف الأشجار المثمرة. # وروي أنه أهدي لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) طبق من تين فأكل منه وقال لأصحابه: # " كلوا فلو قلت: إن فاكهة نزلت من الجنة لقلت: هذه هي، لأن فاكهة الجنة بلا عجم، فكلوها فإنها تقطع البواسير، وتنفع من النقرس " (1). # ومر معاذ بن جبل بشجرة الزيتون فأخذ منها قضيبا واستاك به، وقال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: " نعم السواك الزيتون، من الشجرة المباركة، يطيب الفم ويذهب بالحفر "، وسمعته يقول: " هو سواكي وسواك الأنبياء قبلي " (2). # وقيل: هما جبلان من الأرض المقدسة (3)، وأضيف " الطور " وهو الجبل إلى (سينين) وهي البقعة، و " سينون " مثل " يبرون " في جواز الإعراب بالواو والياء، والإقرار على الياء وتحريك النون بحركات الإعراب. و (البلد الأمين) مكة، قد أمن فيه الخائف في الجاهلية والإسلام، يقال: أمن الرجل أمانة، فهو أمين وأمان، فكأنه يحفظ من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه. # (لقد خلقنا الانسن) جواب القسم (في أحسن تقويم) أي: في أحسن تعديل لشكله وصورته، وتسوية لأعضائه، وإبانة له من غيره بنطقه وتميزه وعقله # PageV03P808 # وتدبيره، (ثم رددنه) ثم كان عاقبة أمره حين لم يشكر النعمة في الخلقة القويمة أن رددناه (أسفل) من سفل خلقا وتركيبا، يعني: أقبح من قبح صورة من خلقه، وهم أصحاب النار. أو: ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفل من سفل في الصورة حيث نكسناه في الخلق، يريد: حال الخرف والهرم وكلال السمع والبصر. # والاستثناء على المعنى الأول متصل، واتصاله ظاهر، ms1385 وعلى الثاني منقطع بمعنى: ولكن الذين كانوا صالحين من الهرمى فلهم ثواب دائم على طاعاتهم وصبرهم على مقاساة المشاق والقيام بالعبادة في حال عجزهم وتخاذل قواهم، وعن ابن عباس: (إلا الذين ءامنوا) يعني: الذين قرأوا القرآن، وقال: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر وإن عمر طويلا (١). # (فما يكذبك) الخطاب للإنسان على طريقة الالتفات، أي: فما يجعلك كاذبا بسبب (الدين) وإنكاره بعد هذا الدليل؟ يعني: أنك تكذب إذا كذبت بالجزاء، فإن كل مكذب بالحق كاذب لا محالة، والباء مثلها في قوله: ﴿الذين هم به مشركون﴾ (2)، وقيل: الخطاب لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) (3). (أليس الله بأحكم الحكمين) وعيد للكفار بأنه يحكم عليهم بما هم أهله. # وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه كان إذا ختم هذه السورة قال: " بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين " (4). # * * * # PageV03P809 # سورة العلق مكية (1) تسع عشرة آية. # وفي حديث أبي: " ومن قرأها فكأنما قرأ المفصل كله " (2). # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأها ثم مات في يومه أو ليلته مات شهيدا، وبعث شهيدا، وكان كمن ضرب بسيفه في سبيل الله مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) " (3). # بسم الله الرحمن الرحيم (اقرأ باسم ربك الذي خلق (1) خلق الانسن من علق (2) اقرأ وربك الأكرم (3) الذي علم بالقلم (4) علم الانسن ما لم يعلم (5) كلا إن الانسن ليطغى (6) أن رءاه استغنى (7) إن إلى ربك الرجعى (8) أرءيت الذي ينهى (9) عبدا إذا صلى (10) أرءيت إن كان على الهدى (11) أو أمر بالتقوى (12) أرءيت إن كذب وتولى (13) ألم يعلم بأن الله # PageV03P811 # يرى (١٤) كلا لبن لم ينته لنسفعا بالناصية (١٥) ناصية كذبة خاطئة (١٦) فليدع ناديه (١٧) سندع الزبانية (١٨) كلا لا تطعه واسجد واقترب (١٩)) أكثر المفسرين على أنها أول سورة نزلت، وقيل: إن الفاتحة أول ما نزل (١)، وقيل: (يأيها المدثر) (٢) (باسم ربك) في محل الحال، أي: اقرأ مفتتحا باسم ربك، قل: بسم الله، ثم اقرأ: (الذي خلق) أي: حصل منه الخلق واستأثر به، لا خالق سواه، و (٣) خلق جميع الأشياء، فيتناول كل مخلوق. ثم قال: ms1386 (خلق الانسن) خصص الإنسان بالذكر من بين سائر ما يتناوله الخلق لأنه أشرف ما على الأرض (من علق) ولم يقل: من علقة لأن الإنسان في معنى الجمع، كقوله: # ﴿إن الانسن لفي خسر﴾ (4). # (وربك الأكرم) الذي له الكمال في زيادة كرمه على كل كريم، أنعم على عباده بأن أخرجهم إلى الوجود من العدم، وأفاض عليهم ما لا يدخل تحت الحصر من النعم، ويحلم عنهم في ركوبهم المناهي واطراحهم الأوامر، فلا يعاجلهم بالنقم، فما لكرمه نهاية. (الذي علم بالقلم) أي: علم الخط بالقلم، أو: علم الإنسان البيان بالقلم، أو: الكتابة. قيل: إن آدم أول من كتب (5)، وقيل: إدريس (6). # (علم الانسن ما لم يعلم) ونقله من ظلمة الجهل إلى نور العلم، فجميع ما يعلمه الإنسان من أمور الدين وأنواع العلم من جهته سبحانه: إما بأن اضطره إليه، # PageV03P812 # وإما بأن نصب الدليل عليه في عقله، أو: بينه له على ألسنة ملائكته ورسله، فكل العلوم (1) مضاف إليه مستفاد منه جل اسمه. # (كلا) ردع وتنبيه (2) لمن كفر بنعمة الله عليه بطغيانه وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه. (أن رءاه) وأن رأى نفسه، يقال في أفعال القلوب: رأيتني، وعلمتني، وذلك من خصائصها، ولو كانت الرؤية بمعنى الإبصار لامتنع في فعلها الجمع بين الضميرين. و (استغنى) هو المفعول الثاني، أي: لأن رأى نفسه مستغنية عن ربه بأمواله وعشيرته وقوته. وعن قتادة: إذا أصاب مالا زاد في مراكبه وثيابه وطعامه وشرابه فلذلك طغيانه (3). # (إن إلى ربك الرجعى) واقع على طريقة الالتفات إلى الإنسان تحذيرا له من عاقبة الطغيان، و (الرجعى) مصدر كالبشرى، بمعنى الرجوع. وقيل: نزلت في أبي جهل (4)، فروي أنه قال: هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم، قال: فوالذي يحلف به لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن عنقه، فجاءه ثم نكص على عقبيه يتقي بيديه، فقالوا: ما لك يا أبا الحكم؟ قال: إن بيني وبينه لخندقا من نار وهولا وأجنحة، وقال (عليه السلام): " والذي نفسي بيده لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا " فنزلت: (أرءيت الذي ينهى ms1387 عبدا إذا صلى) (5). # والمعنى: أخبرني عمن ينهى بعض عباد الله عن صلاته إن كان ذلك الناهي على طريقة شديدة فيما ينهى عنه من عبادة الله (أو) كان (أمر بالتقوى) # PageV03P813 # فيما يأمر به من عبادة الأوثان كما يعتقد، وكذلك (إن) كان على التكذيب للحق والتولي عن الدين، كما نقول نحن (ألم يعلم بأن الله يرى) ويطلع على أحواله من هداه وضلاله فيجازيه على حسب ذلك، وهذا وعيد. وقيل: معناه: أرأيت إن كان هذا الذي صلى على الهدى والطريقة المستقيمة، وأمر بأن تتقى معاصي الله، كيف تكون حال من ينهاه عن الصلاة ويزجره عنها؟ (1) فأما تقدير إعرابه، فإن (الذي ينهى) والجملة الشرطية هما في موضع مفعولي (أرءيت)، وحذف جواب الشرط الأول، فكأنه قال: إن كان على الهدى أو أمر بالتقوى ألم يعلم بأن الله يرى. وجاز حذفه لدلالة ذكره في جواب الشرط الثاني عليه، وصح الاستفهام في جواب الشرط كما تقول: إن أتيتك أتكرمني؟ # و (أرءيت) الثانية زائدة مكررة توسطت بين مفعولي (أرءيت) الأولى للتوكيد. # (كلا) ردع لأبي جهل وخسأ عن نهيه عن عبادة الله وأمره بعبادة الأصنام (لئن لم ينته) عما هو فيه " لنسفعن " لنأخذن بناصيته ولنسحبنه (2) بها إلى النار، واكتفى في (الناصية) بلام العهد عن الإضافة لما علم أنها ناصية المذكور، والسفع: القبض على الشيء وجذبه بشدة، وكتب (لنسفعا) في المصحف بالألف على حكم الوقف. (ناصية) بدل من (الناصية) أبدلت عن المعرفة وهي نكرة لأنها وصفت فاستقلت بفائدة، ووصفها بالكذب والخطأ على الإسناد المجازي، وهما في الحقيقة لصاحبها، وفي ذلك من الفصاحة والجزالة ما ليس في قولك: # ناصية كاذب خاطئ. والنادي: المجلس الذي ينتدي فيه القوم، أي: يجتمعون. # والمراد: أهل النادي، كما قال زهير: # PageV03P814 # وفيهم مقامات حسان وجوههم * وأندية ينتابها القول والفعل (1) والمقامة: المجلس. وعن ابن عباس: أن أبا جهل أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يصلي، فقال له: ألم أنهك؟ فانتهره رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: أتنهرني يا محمد وأنا أكثر أهل الوادي ms1388 ناديا؟ فنزلت: (سندع الزبانية) (2) يعني: الملائكة الموكلين بالنار، وهي في كلام العرب الشرط الواحد، زبنية من: " الزبن " وهو الدفع، كعفرية. # (كلا) ردع لأبي جهل (لا تطعه) يا محمد في النهي عن الصلاة، أي: اثبت على ما أنت عليه من عصيانه (واسجد) ودم على سجودك، وقيل: (واسجد) لله (واقترب) من الله (3). # وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): " أقرب ما يكون العبد إلى الله إذا سجد " (4). # والسجود هنا من العزائم الأربع. # * * * # PageV03P815 # سورة القدر خمس آيات، مختلف فيها (1). # في حديث أبي: " من قرأها أعطي من الأجر كمن صام رمضان وأحيا ليلة القدر " (2). # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأ (إنا أنزلنه) في فريضة من الفرائض نادى مناد: يا عبد الله قد غفر لك ما مضى، فاستأنف العمل " (3). # بسم الله الرحمن الرحيم (إنآ أنزلنه في ليلة القدر (1) ومآ أدراك ما ليلة القدر (2) ليلة # PageV03P817 # القدر خير من ألف شهر (3) تنزل الملئكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر (4) سلم هى حتى مطلع الفجر (5)) الضمير في (أنزلنه) للقرآن، وعن ابن عباس: أنزل الله القرآن جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم كان ينزله جبرائيل (عليه السلام) على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نجوما في ثلاث وعشرين سنة (1). وعن الشعبي: إنا ابتدأنا إنزاله (في ليلة القدر) (2). # وقد عظم الله عز اسمه القرآن هنا من ثلاثة أوجه: وهو إسناد إنزاله إليه، والإتيان بضميره دون اسمه الظاهر شهادة له بالنباهة، والرفع من قدر الوقت الذي أنزله فيه وهو ليلة القدر. # واختلف فيها، والأظهر الأصح من الأقوال: أنها في شهر رمضان في العشر الأواخر في أوتارها، ثم قيل: إنها ليلة إحدى وعشرين منه وهو اختيار الشافعي (3). وعن أبي سعيد الخدري عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): رأيت هذه الليلة ثم أنسيتها، ورأيتني أسجد في ماء وطين، فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر، قال: فأبصرت عيناي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) انصرف وعلى جبهته وأنفه أثر الماء والطين من صبيحة ms1389 إحدى وعشرين. أورده البخاري في الصحيح (4). # وقيل: إنها ليلة ثلاث وعشرين منه، وهي ليلة الجهني واسمه عبد الله بن أنيس الأنصاري، قال: يا رسول الله، إن منزلي ناء عن المدينة، فمرني بليلة أدخل فيها، فأمره بليلة ثلاث وعشرين (5). وعن ابن عمر في حديث آخر: فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): # PageV03P818 # " فمن كان منكم يريد أن يقوم من الشهر شيئا فليقم ليلة ثلاث وعشرين " (١). # وسأل عمر بن الخطاب أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن ليلة القدر فأكثروا القول فيه، فقال ابن عباس: رأيت الله أكثر ذكر السبع في القرآن، وعدد ذلك، ثم قال: فما أراها إلا ليلة ثلاث وعشرين لسبع بقين، فقال عمر: عجزتم أن تأتوا بما جاء به هذا الغلام الذي لم يجتمع شؤون رأسه، وقال له: وافق رأيي رأيك (٢). # وسئل الصادق (عليه السلام) فقال: هي ليلة إحدى وعشرين، أو ليلة ثلاث وعشرين، فقال السائل: فإن لم أقو على كلتيهما؟ فقال: ما أيسر ليلتين فيما تطلب، فقال: ربما ما رأينا الهلال وجاءنا من يخبرنا بخلافه في أرض أخرى؟ فقال: " ما أيسر أربع ليال فيما تطلب (٣). # وقيل: إنها ليلة سبع وعشرين، وروي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وأبي بن كعب (٤). # والفائدة في إخفاء هذه الليلة أن يجتهد الناس في العبادة، ويحيوا الليالي الكثيرة طمعا في إدراكها، كما أخفى الصلاة الوسطى في الصلوات الخمس، واسمه الأعظم في الأسماء، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة. # ومعنى ليلة القدر: ليلة تقدير الأمور وقضائها، من قوله: ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ (5)، أو: ليلة الشرف والخطر وعظم المقدار على سائر الليالي. (ومآ # PageV03P819 # أدرك ما ليلة القدر) يعني: ولم تبلغ درايتك غاية علو قدرها، ثم بين له ذلك فقال: (ليلة القدر خير من ألف شهر) أي: قيامها والعمل فيها خير من قيام ألف شهر ليس فيها ليلة القدر. (تنزل الملئكة) إلى السماء الدنيا، وقيل: إلى الأرض (1) (والروح) جبرائيل (عليه السلام)، وقيل: خلق من الملائكة لا يراهم الملائكة إلا تلك الليلة (2) (من كل أمر) من ms1390 أجل كل أمر قضاه الله لتلك السنة إلى قابل (سلم هى) أي: ما هي إلا سلامة، والمعنى: لا يقدر الله فيها إلا السلامة والخير، ويقضي في غيرها البلاء والسلامة، أو: ما هي إلا سلام لكثرة سلامهم على أولياء الله وأهل طاعته، وقرئ: (مطلع) بفتح اللام وكسرها (3). # * * * # PageV03P820 # سورة البينة (1) مختلف فيها (2)، تسع آيات بصري، ثمان غيرهم، عد البصري: (مخلصين له الدين) (3). # في حديث أبي: " من قرأها كان يوم القيامة مع خير البرية " (4). # وعن الباقر (عليه السلام): " من قرأها كان بريئا من الشرك، وأدخل في دين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبعثه الله عز وجل مؤمنا، وحاسبه الله حسابا يسيرا " (5). # بسم الله الرحمن الرحيم (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتب وا لمشركين منفكين حتى # PageV03P821 # تأتيهم البينة (1) رسول من الله يتلوا صحفا مطهرة (2) فيها كتب قيمة (3) وما تفرق الذين أوتوا الكتب إلا من بعد ما جآءتهم البينة (4) ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفآء ويقيموا الصلوة ويؤتوا الزكوة وذا لك دين القيمة (5) إن الذين كفروا من أهل الكتب والمشركين في نار جهنم خلدين فيهآ أولئك هم شر البرية (6) إن الذين ءامنوا وعملوا الصلحت أولئك هم خير البرية (7) جزآؤهم عند ربهم جنت عدن تجرى من تحتها الانهر خلدين فيهآ أبدا رضى الله عنهم ورضوا عنه ذا لك لمن خشى ربه (8)) كان (الذين كفروا من أهل الكتب) وعابدي الأوثان يقولون قبل مبعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): إنا لا ننفك من ديننا الذي نحن عليه، ولا نتركه حتى يبعث النبي الموعود الذي هو مكتوب في التوراة والإنجيل، وهو محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فحكى الله سبحانه ما كانوا يقولونه. وانفكاك الشيء من الشيء: أن يزايله بعد التحامه به، يعني: أنهم متشبثون بدينهم ولا يتركونه (حتى تأتيهم البينة) أي: الحجة الواضحة. و (رسول من الله) بدل من (البينة)، (يتلوا صحفا مطهرة) من الباطل. (فيها) في تلك الصحف (كتب) مكتوبات (قيمة) مستقيمة عادلة ناطقة بالحق. # (وما تفرق الذين أوتوا الكتب) عن ms1391 الحق، أو: ما تفرقوا فرقا: فمنهم آمن بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومنهم من أنكر وقال: ليس هو بذلك النبي الموعود، ومنهم من عرف وعاند. يعني: أنهم كانوا يعدون الاجتماع واتفاق الكلمة على الحق إذا جاءهم الرسول، وما فرقهم عن الحق إلا مجيء الرسول. (ومآ أمروا) في التوراة PageV03P822 # والإنجيل إلا بالدين الحنيفي، ولكنهم حرفوا وبدلوا (وذلك دين القيمة) أي: # دين الملة القيمة. والمعنى: (ومآ أمروا) بما في الكتابين (إلا) لأجل أن (يعبدوا الله) على وجه الإخلاص (حنفآء) مائلين عن جميع الأديان إلى دين الإسلام، مسلمين مؤمنين بالرسل كلهم، ويداوموا على إقامة (الصلوة) وإيتاء (الزكوة). # و (البرية) فعيلة من: برأ الله الخلق، إلا أنه قد استمر فيه الاستعمال على تخفيف الهمزة ورفض الأصل، و " النبي " كذلك، وقرئ: " البريئة " بالهمزة (1) على الأصل. # وعن ابن عباس في قوله: (أولئك هم خير البرية) قال: نزلت في علي وأهل بيته عليه وعليهم السلام (2). # * * * # PageV03P823 # سورة الزلزلة (1) مختلف فيها (2)، ثمان آيات كوفي، تسع غيرهم، لم يعد الكوفي (أشتاتا) (3). # في حديث أبي: " من قرأها فكأنما قرأ البقرة، وأعطي من الأجر كمن قرأ ربع القرآن " (4). # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأها في نوافله لم يصبه الله بزلزلة أبدا، ولم يمت بها ولا بصاعقة، ولا بآفة من آفات الدنيا، فإذا مات أمر به إلى الجنة فيقول الله عز وجل: عبدي أبحتك جنتي فاسكن منها حيث شئت وهويت، لا ممنوعا ولا مدفوعا " (5). # PageV03P825 # بسم الله الرحمن الرحيم (إذا زلزلت الأرض زلزالها (١) وأخرجت الأرض أثقالها (٢) وقال الانسن مالها (٣) يومئذ تحدث أخبارها (٤) بأن ربك أوحى لها (٥) يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعملهم (٦) فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (٧) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (٨)) الزلزلة والزلزال: شدة الاضطراب، ومعنى إضافتها إلى ضمير " الأرض ": أن المعنى: (زلزالها) الذي يستوجبه في الحكمة ومشيئة الله، وهو الزلزال الشديد خلاف المعهود، أو: زلزالها الذي يعم جميعها ولا يختص بعضها. (وأخرجت الأرض أثقالها) أي: أخرجت موتاها المدفونة فيها أحياء للجزاء، وهو جمع " ثقل ": متاع البيت. (وقال الانسن مالها) ms1392 زلزلت هذه الزلزلة الشديدة ولفظت ما في بطنها؟ وذلك عند النفخة الثانية، وقيل: المراد بالإنسان: الكافر (١)، لأن المؤمن يقول: ﴿هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون﴾ (2). # (يومئذ تحدث أخبارها) أي: تخبر الأرض بما عمل على ظهرها، وهو مجاز عن إحداث الله فيها ما يقوم مقام التحديث باللسان حتى ينظر من يقول: (ما لها) إلى تلك الأحوال فيعلم لم زلزلت، ولم لفظت الأموات. وقيل: ينطقها الله على الحقيقة، وتخبر بما عمل عليها من خير وشر (3)، و (يومئذ) بدل من (إذا)، وناصبهما (تحدث) والأصل: تحدث الخلق أخبارها، فحذف المفعول الأول وتعلقت الباء ب‍ (تحدث) لأن المعنى: تحدث أخبارها بسبب إيحاء ربك لها # PageV03P826 # وأمره لها بالتحديث، أو: يكون: (بأن ربك) بدلا من: (أخبارها) كأنه قال: # تحدث بأخبارها بأن ربك أوحى لها، لأنك تقول: حدثته كذا، و: حدثته بكذا. # و (أوحى لها) بمعنى: أوحى إليها، وهو مجاز كقوله: ﴿أن يقول له كن فيكون﴾ (1). قال الراجز: # أوحى لها القرار فاستقرت * وشدها بالراسيات الثبت (2) (يومئذ يصدر الناس) عن مخارجهم من القبور إلى موقف العرض والحساب (أشتاتا) بيض الوجوه آمنين، وسود الوجوه خائفين، أو: يصدرون عن الموقف أشتاتا يتفرق بهم طريقا الجنة والنار (ليروا) جزاء (أعملهم): # (فمن يعمل) زنة (ذرة) من الخير ير ثوابه وجزاءه، والذرة: النملة الصغيرة، وقيل: الذرة: ما يرى في شعاع الشمس من الهباء (3). (ومن يعمل) زنة (ذرة) من الشر (يره) في كتابه فيسوؤه، أو: ير المستحق عليه إن لم يعف الله عنه، لأن الآية مخصوصة بلا خلاف، فإن التائب معفو عنه بالإجماع، وآيات العفو دالة على جواز العفو عما دون الشرك، فجاز أن يشترط في المعصية التي يؤاخذ بها أن لا تكون مما قد عفي عنه. # * * * # PageV03P827 # سورة العاديات مختلف فيها (1)، إحدى عشرة آية. # في حديث أبي: " من قرأها أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من بات في المزدلفة وشهد جمعا " (2). # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأها وأدمن قراءتها بعثه الله مع أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم القيامة، وكان في حجره ورفقائه " (3). # بسم الله الرحمن ms1393 الرحيم (والعديت ضبحا (1) فالموريت قدحا (2) فالمغيرات صبحا (3) فأثرن به ى نقعا (4) فوسطن به ى جمعا (5) إن الانسن لربهى لكنود (6) وإنه # PageV03P829 # على ذا لك لشهيد (7) وإنه لحب الخير لشديد (8) أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور (9) وحصل ما في الصدور (10) إن ربهم بهم يومئذ لخبير (11)) العاديات: الخيل تعدو في سبيل الله للغزو، والضبح: صوت أنفاسها إذا عدت، قال عنترة: # والخيل تكدح حين تض‍بح * في حياض الموت ضبحا (1) وانتصابه على: يضبحن ضبحا، أو ب‍ (العديت) كأنه قال: والضابحات، لأن " الضبح " يكون مع العدو. (فالموريت) توري نار الحباحب، وهي ما تنقدح من حوافرها (قدحا) صاكات بحوافرها الحجارة، والقدح: الصك، والإيراء: إخراج النار، يقال: قدح فلان فأورى، وقدح فأصلد (2). وانتصب (قدحا) بمثل ما انتصب به (ضبحا). (فالمغيرت) تغير بفرسانها على العدو (صبحا) في وقت الصبح. (فأثرن به نقعا) فهيجن بذلك الوقت غبارا. (فوسطن به) أي: بذلك الوقت، أو: بالنقع، أي: وسطن النقع الجمع، أي: (جمعا) من جموع الأعداء. ويجوز أن يراد بالنقع الصياح، من قوله (عليه السلام): " ما لم يكن نقع ولا لقلقة " (3)، وقول لبيد: # فمتى ينقع صراخ صادق (4) # PageV03P830 # أي: فهيجن في الإغارة عليهم صياحا وجلبة. وعن ابن عباس: كنت جالسا في الحجر فجاءني رجل فسألني عن (العديت ضبحا) ففسرتها بالخيل، فذهب إلى علي (عليه السلام) وهو تحت سقاية زمزم فسأله فذكر له ما قلت، فقال: ادعه لي، فلما وقفت على رأسه قال: تفتي الناس بما لا علم لك به؟ والله إن كانت لأول غزوة في الإسلام - بدر - فما كان معنا إلا فرسان: فرس للزبير، وفرس للمقداد (والعديت ضبحا) الإبل من عرفة إلى المزدلفة، ومن المزدلفة إلى منى (1). فإن صحت هذه الرواية فقد استعير " الضبح " للإبل، كما استعير " الباقر " للإنسان، و " البقر " للثور وما أشبه ذلك. وقيل: الضبح بمعنى الضبع (2)، يقال: ضبحت الإبل وضبعت: إذا مدت أضباعها في السير. و " جمع ": هو المزدلفة. # إنها (3) نزلت في غزوة ذات السلاسل لما أوقع علي (عليه السلام) بهم، وذلك بعد أن بعث عليهم من لم يغن شيئا ms1394 ورجع (4). # وعطف قوله: (فأثرن) على الفعل الذي وضع اسم الفاعل موضعه، لأن المعنى: واللاتي عدون فأورين فأغرن. # والكنود: الكفور، يعني: أن الإنسان كفور لنعمة ربه خصوصا شديد الكفران. # (وإنه على ذلك) أي: وإن الإنسان على كنوده (لشهيد) يشهد على نفسه بالكفران والتفريط في شكر نعمة الله يوم القيامة، وقيل: معناه: وإن الله على كنوده # PageV03P831 # لشاهد (١)، على سبيل الوعيد. وإن الإنسان (لحب الخير) أي: لأجل حب الخير وهو المال، من قوله تعالى: ﴿إن ترك خيرا﴾ (2)، (لشديد) أي: بخيل ممسك، يقال: فلان شديد ومتشدد، قال طرفة: # أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي * عقيلة مال الفاحش المتشدد (3) أو: أراد: وإنه لحب الخيرات غير هش منبسط، ولكنه شديد منقبض. # (بعثر) أي: بعث. (وحصل) أي: ظهر محصلا مجموعا، وقيل: ميز بين خيره وشره (4). ومعنى خبره بهم يوم القيامة: مجازاته لهم على مقادير أعمالهم. # * * * # PageV03P832 # سورة القارعة مكية (1)، إحدى عشرة آية كوفي، ثماني آيات بصري. عد الكوفي: # (القارعة) الأولى، و (ثقلت موزينه) (2) و (خفت موزينه) (3). # في حديث أبي: " من قرأها ثقل الله ميزانه يوم القيامة " (4). وعن الباقر (عليه السلام): # " من قرأها آمنه الله من فتنة الدجال ومن قيح جهنم " (5). # بسم الله الرحمن الرحيم (القارعة (1) ما القارعة (2) ومآ أدراك ما القارعة (3) يوم يكون الناس كالفراش المبثوث (4) وتكون الجبال كالعهن المنفوش (5) فأما من ثقلت موازينه (6) فهو في عيشة راضية (7) وأما من خفت موازينه (8) فأمه هاوية (9) ومآ أدراك ما هيه (10) نار حامية (11)) # PageV03P833 # (يوم يكون) نصب بمضمر دلت عليه (القارعة)، أي: تقرع القلوب بالفزع (يوم يكون الناس كالفراش المبثوث) شبههم بالفراش في الكثرة والانتشار والضعف والمهانة والذلة، والتطاير إلى الداعي من كل جانب كما يتطاير الفراش، وفي أمثالهم: " أضعف من فراشة، وأذل، وأجهل " (1). # وشبه الجبال ب‍ (العهن) وهو الصوف المصبغ ألوانا، لأنها ألوان، وب‍ (المنفوش) منه لتفرق أجزائها. # والموازين: جمع موزون، وهو العمل الذي له وزن وخطر عند الله، أو: جمع ميزان، وثقلها: رجحانها. (فأمه هاوية) وهو من قولهم إذا دعوا على الرجل بالهلكة: هوت أمه، لأنه إذا هوى - أي: سقط وهلك ms1395 - فقد هوت أمه ثكلا وحزنا. # فكأنه قال: (وأما من خفت موزينه) فقد هلك، وقيل: (هاوية) من أسماء النار (2)، وكأن النار العميقة يهوي أهل النار فيها مهوى بعيدا، أي: فمأواه النار، وقيل: للمأوى: " أم " على التشبيه، لأن " الأم " مأوى الولد (3)، وعن ابن صالح: # فأم رأسه هاوية في قعر جهنم لأنه يطرح فيها منكوسا (4). (هيه) ضمير الداهية التي دل عليها قوله: (فأمه هاوية) في التفسير الأول، أو: ضمير (هاوية)، والهاء للسكت، فإذا وصل القارئ حذفها. (نار حامية) حارة شديدة الحرارة. # * * * # PageV03P834 # سورة التكاثر مكية (1)، ثماني آيات. # في حديث أبي: " من قرأها لم يحاسبه الله بالنعيم الذي أنعم به عليه في دار الدنيا، وأعطي من الأجر كأنما قرأ ألف آية " (2). # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأها في فريضة كتب له ثواب مائة شهيد، ومن قرأها في نافلة كان له ثواب خمسين شهيدا " (3) (4). # بسم الله الرحمن الرحيم (ألهلكم التكاثر (1) حتى زرتم المقابر (2) كلا سوف تعلمون (3) ثم كلا سوف تعلمون (4) كلا لو تعلمون علم اليقين (5) لترون # PageV03P835 # الجحيم (6) ثم لترونها عين اليقين (7) ثم لتسلن يومئذ عن النعيم (8)) (ألهكم) أي: شغلكم عن ذكر الآخرة التباري في كثرة المال، والتباهي بها، والتفاخر. (حتى زرتم المقابر) أي: حتى أدرككم الموت على تلك الحال، وقيل: # معناه: أنكم تكاثرتم بالأحياء حتى إذا استوعبتم عددهم صرتم إلى المقابر فتكاثرتم بالأموات (1). عبر عن بلوغهم ذكر الموتى بزيارة المقابر تهكما بهم. # (كلا) ردع وتنبيه على أنه لا ينبغي أن تكون الدنيا جميع همة الإنسان حتى لا يهتم بأمور دينه (سوف تعلمون) وعيد ليخافوا وليتنبهوا عن غفلتهم. والتكرير تأكيد للردع والإنذار عليهم، وفي (ثم) دلالة على أن الإنذار الثاني أشد من الأول، والمعنى: سوف تعلمون الخطأ في ما أنتم عليه إذا عاينتم ما قدامكم من هول المطلع. ثم كرر التنبيه أيضا وقال: (لو تعلمون) أي: لو تعلمون ما بين أيديكم (علم) الأمر (اليقين) أي: كعلمكم ما تستيقنونه من الأمور، لفعلتم ما لا يوصف، ولكنكم ضلال جهلة. فحذف جواب (لو). # (لترون الجحيم) جواب قسم محذوف، والقسم لتوكيد ms1396 الوعيد، وبيان ما أوعدهم به وأنذرهم منه، ثم كرر ذلك تغليظا في التهديد وزيادة في التهويل، وقرئ: " لترون " على البناء للمفعول (2). (عين اليقين) الرؤية التي هي نفس اليقين وخالصه، ويجوز أن يراد بالرؤية العلم والإبصار. (ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم) عن التنعم الذي شغلكم الالتذاذ به عن أمور الدين. # * * * # PageV03P836 # سورة العصر مكية (1)، ثلاث آيات. # في حديث أبي: " من قرأها ختم الله له بالصبر، وكان مع أصحاب الحق يوم القيامة " (2). # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأها في نوافله بعثه الله يوم القيامة مشرقا وجهه، ضاحكا سنه، قريرا عينه حتى يدخل الجنة " (3). # بسم الله الرحمن الرحيم (والعصر (1) إن الانسن لفي خسر (2) إلا الذين ءامنوا وعملوا الصلحت وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر (3)) أقسم سبحانه بالدهر لأن فيه عبرة لأولي الأبصار، أو بالعشي لما في ذلك من # PageV03P837 # دلائل القدرة بإدبار النهار وذهاب سلطان الشمس. (إن الانسن) وهو اسم الجنس (لفي خسر) أي: خسران، ينقص عمره كل يوم وهو رأس ماله، فإذا ذهب رأس ماله ولم يكتسب به الطاعة كان طول دهره (1) في نقصان. (إلا) المؤمنين الصالحين فإنهم اشتروا الآخرة بالدنيا فربحوا وفازوا وسعدوا (وتواصوا) أوصى بعضهم بعضا (بالحق) بالأمر الثابت الذي لا يسوغ إنكاره، وهو الخير كله من: توحيد الله وطاعته، واتباع أنبيائه وأوليائه، والزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، وأداء الواجبات، واجتناب المقبحات (وتواصوا بالصبر) عن المعاصي، وعلى الطاعات والبليات. # * * * # PageV03P838 # سورة الهمزة مكية (1)، تسع آيات. # في حديث أبي: " من قرأها أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من استهزأ بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وأصحابه " (2). # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأها في فرائضه نفت عنه الفقر، وجلبت عليه الرزق، ودفعت عنه ميتة السوء " (3). # بسم الله الرحمن الرحيم (ويل لكل همزة لمزة (1) الذي جمع مالا وعدده (2) يحسب أن ماله أخلده (3) كلا لينبذن في الحطمة (4) ومآ أدراك ما الحطمة (5) نار الله الموقدة (6) التى تطلع على الافدة (7) إنها عليهم مؤصدة (8) في عمد ممددة (9)) # PageV03P839 # الهمز: الكسر. قيل لأعرابي: أتهمز " الفارة "؟ فقال: السنور يهمزها (1). # واللمز: الطعن، " فالهمزة " الذي يكسر ms1397 أعراض الناس بالغض (2) منهم واغتيابهم، " واللمزة " الذي يطعن فيهم، وبناء " فعلة " يدل على أن ذلك عادة منه قد ضرى بها. # قال زياد الأعجم: # تدلي بودي إذ لاقيتني كذبا * وإن تغيبت كنت الهامز اللمزه (3) وهذا وعيد من الله لكل مغتاب، عياب، مشاء بالنميمة، مفرق بين الأحبة، وعن الحسن: الهمزة الذي يطعن في الوجه بالعيب، واللمزة الذي يغتاب عند الغيبة (4). # (الذي) بدل من (كل)، أو: نصب على الذم، وقرئ: (جمع) بالتشديد (5) والتخفيف، والتشديد أوفق ل‍ (عدده)، وقيل: (عدده): جعله عدة لحوادث الدهر (6). # و (أخلده) وخلده بمعنى، يعني: أن طول أمله ومناه الأماني البعيدة حتى حسب أن المال يتركه خالدا في الدنيا لا يموت، أو: يكون المعنى: أنه يعمل من تشييد البنيان وتوثيقها بالصخر والآجر عمل من يظن أن ماله أبقاه حيا، أو: هو تعريض بأن العمل الصالح هو الذي يخلد في النعيم صاحبه دون المال. # (كلا) ردع له عن حسبانه (لينبذن) هو وماله، أي: ليقذفن ويطرحن # PageV03P840 # (في الحطمة) وهو اسم من أسماء جهنم، وعن مقاتل: تحطم العظام وتأكل اللحوم حتى تهجم على القلوب (1). ويقال للرجل الأكول: حطمة. ثم فخم أمرها بقوله: (ومآ أدرك ما الحطمة). ثم فسرها وأضافها إلى نفسه بقوله: (نار الله الموقدة) أي: المؤججة. (التى تطلع على الأفئدة) وهي أوساط القلوب، ولا شىء في بدن الإنسان ألطف من الفؤاد، ولا أشد تأذيا منه بأدنى أذى، فكيف إذا اطلعت عليه نار جهنم واستولت عليه وعلته؟ (إنها عليهم مؤصدة) أي: مطبقة (في عمد) قرئ بضمتين (2) وبفتحتين، وهذا تأكيد لليأس من الخروج، وإيذان بحبس الأبد، أي: يوصد عليهم الأبواب، ويمدد على الأبواب العمد استيثاقا في استيثاق. نعوذ بالله من غضبه وأليم عذابه. # * * * # PageV03P841 # سورة الفيل مكية (1)، خمس آيات. # في حديث أبي: " من قرأها عافاه الله أيام حياته من القذف والمسخ " (2). # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأها في فرائضه شهد له كل سهل وجبل يوم القيامة أنه كان من المصلين وينادي له يوم القيامة مناد: صدقتم على عبدي، قبلت شهادتكم له وعليه، أدخلوه الجنة ولا ms1398 تحاسبوه فإنه ممن أحبه وأحب عمله، وكان من الآمنين " (3). # بسم الله الرحمن الرحيم (ألم تر كيف فعل ربك بأصحب الفيل (1) ألم يجعل كيدهم في تضليل (2) وأرسل عليهم طيرا أبابيل (3) ترميهم بحجارة من سجيل (4) فجعلهم كعصف مأكول (5)) # PageV03P843 # بنى أبرهة بن الصباح الأشرم ملك اليمن كنيسة بصنعاء، وأراد أن يصرف إليها الحاج، فخرج رجل من كنانة فقعد فيها ليلا، فأغضبه ذلك وأزمع أن يهدم الكعبة، فخرج بالحبشة ومعه فيل اسمه محمود، وكان قويا عظيما، وقيل: كان معه اثنا عشر فيلا غيره، فلما بلغ المغمس (1) خرج إليه عبد المطلب وقد أخذ له مائتا بعير، وكان رجلا جسيما وسيما، فقيل له: هذا سيد قريش، فأعظمه ونزل من سريره وجلس على الأرض وأجلسه معه، ثم قال: ما حاجتك؟ قال: حاجتي مائتا بعير أصابتها مقدمتك، فقال له: لقد سقطت من عيني، جئت لأهدم البيت الذي هو عزكم وشرفكم ودينكم، فألهاك عنه ذود أخذ لك؟! فقال: أنا رب الإبل، وللبيت رب سيمنعه، فراع ذلك أبرهة وأمر برد إبله عليه، ورجع وأتى إلى باب البيت فأخذ بحلقته وهو يقول: # لا هم إن المرء يم‍... نع أهله * فامنع حلالك لا يغلبن صليبهم * ومحالهم عدوا محالك إن كنت تاركهم وكعبتنا * فأمر ما بدا لك [وقال أيضا:] (2): # يا رب لا أرجو لهم سواكا * يا رب فامنع منهم حماكا فالتفت وهو يدعو فإذا هو بطير من نحو اليمن، فقال: والله إنها لطير غريبة، ما هي ببحرية [بنجدية] ولا تهامية... (3) (ألم تر) معناه: أنك رأيت آثار فعل الله بالحبشة الذين قصدوا تخريب الكعبة (بأصحاب الفيل) وكان ذلك العام الذي ولد فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). # PageV03P844 # و (كيف) في موضع نصب ب‍ (فعل ربك) لا ب‍ (ألم تر)؛ لما في " كيف " من معنى الاستفهام. # (ألم يجعل كيدهم) وإرادتهم السوء في تخريب بيت الله وقتل أهله واستباحتهم (في تضليل) في تضييع وإبطال، يقال: ضلل كيده: إذا جعله ضالا ضائعا. (وأرسل عليهم طيرا أبابيل) حزائق (1)، الواحدة: إبالة، وفي المثل: # " ضغث على إبالة " (2)، وهي ms1399 الحزقة الكبيرة، شبهت الحزقة من الطير في تضامها بالإبالة، وقيل: أبابيل مثل " عباديد " وشماطيط لا واحد لها (3). (ترميهم) تقذفهم تلك الطير (بحجارة من سجيل) من جملة العذاب المكتوب المدون، واشتقاقه من " الإسجال " وهو الإرسال، لأن العذاب موصوف بذلك، وقيل: من طين مطبوخ كما يطبخ الآجر (4)، وقيل: هو معرب من سنك كل (5)، وقيل: كانت طيرا بيضاء، مع كل طائر حجر في منقاره وحجران في رجليه أكبر من العدسة وأصغر من الحمصة (6). وقيل: كانت طيرا خضراء لها مناقير صفر (7). وعن ابن عباس: أنه رأى منها عند أم هاني نحو قفيز، مخططة بحمرة كالجزع الظفاري (8). # PageV03P845 # فكان الحجر يقع على رأس كل رجل فيخرج من دبره (فجعلهم كعصف مأكول) شبههم بورق الزرع إذا أكل، أي: وقع فيه الأكال، وهو أن يأكله الدود، أو: بتبن أكلته الدواب وراثته، ولكنه من كنايات القرآن اللطيفة. # وهذه السورة من قواصم الظهور للملاحدة والفلاسفة المنكرة للمعجزات الخارقة للعادات، فإنه لا يمكن أن ينسب شيء من أمر أصحاب الفيل إلى طبع وغيره (1)، وكيف يكون في أسرار (2) الطبيعة أن تأتي جماعات من الطير معها أحجار معدة لإهلاك أقوام معينين فترميهم بها حتى تهلكهم بأعيانهم؟ ولا يمكن أحد جحده والشك فيه؛ لأن نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) تلاها على أهل مكة فلم ينكروه، بل أقروا به مع شدة حرصهم على تكذيبه، وكيف وقد أرخوا بذلك كما أرخوا ببناء الكعبة وغيره؟ # * * * # PageV03P846 # سورة قريش (1) مكية (2) أربع آيات. # في حديث أبي: " من قرأها أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من طاف بالكعبة واعتكف بها " (3). # وعن الصادق (عليه السلام): " لا تجمع بين سورتين في ركعة إلا الضحى وألم نشرح، وألم تر كيف ولإيلاف قريش " (4) (5). # وعن عمرو بن ميمون: صليت المغرب خلف عمر بن الخطاب فقرأ في الأولى: (والتين والزيتون) وفي الثانية: (ألم تر كيف) و (لإيلاف قريش) (6). # PageV03P847 # (لإيلاف قريش (1) إىلفهم رحلة الشتآء والصيف (2) فليعبدوا رب هذا البيت (3) الذي أطعمهم من جوع وءامنهم من خوف (4)) تعلق اللام بقوله: (فليعبدوا)، أمرهم الله عز اسمه أن يعبدوه لأجل ms1400 (إىلفهم رحلة الشتآء والصيف) ويجعلوا عبادتهم إياه شكرا لهذه النعمة واعترافا بها، وقيل: هو متعلق بما قبله أي: فجعلهم كعصف مأكول لايلاف قريش (1)، وهما في مصحف أبي سورة واحدة بلا فصل. والمعنى: أنه أهلك الحبشة الذين قصدوهم ليتسامع الناس بذلك فيتهيبوهم زيادة تهيب، ويحترموهم حتى ينتظم لهم الأمر في رحلتيهم، فلا يجترئ أحد عليهم، وكانت لقريش رحلتان: # يرحلون في الشتاء إلى اليمن، وفي الصيف إلى الشام، فيتجرون ويمتارون، وكانوا في رحلتيهم آمنين لأنهم أهل حرم الله، فلا يتعرض لهم ويتخطف غيرهم من الناس. # والإيلاف من: ألفت المكان أولفه إيلافا: إذا ألفته، وقرئ: " ليلاف " مختلسة الهمزة (2)، وقرئ: (إيلفهم) و " إلافهم " (3) و " إلفهم " (4) يقال: ألفته إلفا وإلافا، وقد جمعهم الشاعر في قوله: # PageV03P848 # زعمتم أن إخوتكم قريش * لهم إلف وليس لكم إلاف (1) وقريش: ولد النضر بن كنانة، وهي دابة عظيمة في البحر، لا تمر بشيء إلا أكلته (2)، قال: # وقريش هي التي تسكن البح‍ر * بها سميت قريش قريشا (3) وقيل: هو من القرش وهو الكسب (4)، لأنهم كانوا يكسبون الأموال بتجاراتهم وضربهم في البلاد. أطلق أولا " الإيلاف " ثم أبدل عنه المقيد بالرحلتين تفخيما لأمر الإيلاف، وتذكيرا بعظيم النعمة فيه. # و (رحلة) مفعول به ل‍ (إيلفهم) وأراد: رحلتي الشتاء والصيف فأفرد، لا من الإلباس، كما قيل: # كلوا في بعض بطنكم تعفوا (5) والتنكير في (جوع) و (خوف) لشدتهما. يعني: أطعمهم بالرحلتين من جوع شديد كانوا فيه قبلهما، وآمنهم من خوف عظيم وهو خوف أصحاب الفيل، أو: خوف التخطف في بلدهم ومسائرهم. # * * * # PageV03P849 # سورة الماعون (1) مكية (2)، وقيل: مدنية، سبع آيات. # في حديث أبي: " من قرأها غفر الله له إن كان للزكاة مؤديا " (3). # وعن الباقر (عليه السلام): " من قرأها في فرائضه ونوافله قبل الله صلاته وصيامه، ولم يحاسبه بما كان منه في الحياة الدنيا " (4). # بسم الله الرحمن الرحيم (أرءيت الذي يكذب بالدين (1) فذا لك الذي يدع اليتيم (2) # PageV03P851 # ولا يحض على طعام المسكين (3) فويل للمصلين (4) الذين هم عن صلاتهم ساهون (5) الذين هم يرآءون (6) ويمنعون الماعون (7)) أي: هل عرفت (الذي يكذب) بالجزاء والحساب ms1401 وينكر البعث؟ من هو، إن لم تعرفه (فذلك) الذي يكذب بالجزاء هو (الذي يدع اليتيم) أي: يدفعه دفعا عنيفا بجفوة وغلظة، ويرده ردا قبيحا بزجر وخشونة. (ولا يحض) ولا يبعث أهله (على) بذل (طعام المسكين) فلا يطعمه ولا يأمر بإطعامه، جعل سبحانه علم التكذيب بالجزاء منع المعروف والإقدام على إيذاء الضعيف، يعني: أنه لو آمن بالجزاء، وأيقن بالحساب، ورجا الثواب، وخاف العقاب لما أقدم على ذلك، فحين اجترأ على ذلك علم أنه مكذب. # فما أشد هذا من كلام! وما أخوفه من مقام! وما أبلغه في التحذير من ارتكاب المعاصي والآثام! وإنها جديرة بأن يستدل بها على ضعف الإيمان. ثم وصل به قوله: (فويل للمصلين) كأنه قال: وإذا كان الأمر كذلك فويل للمصلين (الذين) يسهون عن الصلاة قلة مبالاة بها حتى تفوتهم أو يخرج وقتها، أو: يستخفون بأفعالها فلا يصلونها كما أمروا في تأدية أركانها والقيام بحدودها وحقوقها، ولكن ينقرونها نقر الغراب من غير خشوع وإخبات واجتناب المكروهات من: العبث بالشعر والثياب، وكثرة التثاؤب، والتمطي، والالتفات، الذين عادتهم الرياء والسمعة بأعمالهم، ولا يقصدون به الإخلاص والتقرب إلى الله سبحانه على وجه الاختصاص (ويمنعون) حقوق الله تعالى في أموالهم. والمعنى: أن هؤلاء هم الأحقاء بأن يكونوا ساهين عن الصلاة التي هي عماد الدين، والفارق بين الإيمان والكفر، وملتبسين بالرياء الذي هو شعبة من الشرك، ومانعين للزكاة التي هي PageV03P852 # قنطرة الإسلام، وتكون صفاتهم هذه علما على أنهم مكذبون بالدين مفارقون لليقين. # وعن أنس: الحمد لله على أن لم يقل: في صلاتهم (1). # والمراءاة: مفاعلة من الاراءة، لأن المرائي يري الناس عمله، وهم يرونه الثناء عليه والإعجاب به، ولا يكون الرجل مرائيا بإظهار العمل الصالح إن كان فريضة، فمن حق الفرائض الإعلان بها وتشهيرها، لقوله (عليه السلام): " ولا غمة في فرائض الله " (2) لأنها شعائر الدين وأعلام الإسلام. # وقوله (عليه السلام): " من صلى صلاة الخمس جماعة فظنوا به كل خير " (3). # وقوله (عليه السلام) لأقوام لم يحضروا الجماعة: " لتحضرن المسجد أو لأحرقن عليكم منازلكم " (4). # ولأن تاركها يستحق ms1402 الذم والتوبيخ فوجب إماطة التهمة بالإظهار. وإن كان تطوعا فالأولى فيه الإخفاء، لأنه مما لا يلام بتركه ولا تهمة فيه، فيكون أبعد من الرياء، فإن أظهره قاصدا للاقتداء به كان حسنا، فإنما الرياء أن يقصد بإظهاره أن يراه الناس فيثنوا عليه بالصلاح، على أن اجتناب الرياء أمر صعب إلا على المخلصين، ولذلك قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): " الرياء أخفى من دبيب النملة السوداء في # PageV03P853 # الليلة الظلماء على المسح الأسود " (1). # واختلف في (الماعون) فقيل: هو الزكاة المفروضة (2)، وهو المروي عن علي (عليه السلام) وجماعة (3)، قال الراعي: # قوم على الإسلام لما يمنعوا * ماعونهم ويضيعوا التهليلا (4) وعن ابن مسعود: هو ما يتعاوره الناس بينهم من الدلو والفأس والقدر، وما لا يمنع كالماء والملح (5). # وعن الصادق (عليه السلام): " هو القرض تقرضه، والمعروف تصنعه، ومتاع البيت تعيره، ومنه الزكاة " (6). # * * * # PageV03P854 # سورة الكوثر مختلف فيها (1)، ثلاث آيات. # في حديث أبي: " من قرأها سقاه الله من أنهار الجنة، وأعطي من الأجر بعدد كل قربان قربه العباد في يوم النحر أو يقربونه " (2). # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأها في فرائضه ونوافله سقاه الله يوم القيامة من الكوثر، وكان محدثه عند محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في أصل طوبى " (3). # بسم الله الرحمن الرحيم (إنآ أعطينك الكوثر (1) فصل لربك وانحر (2) إن شانئك هو الأبتر (3)) (الكوثر) فوعل من الكثرة، وهو المفرط الكثرة. # وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قرأها ثم قال: " أتدرون ما الكوثر؟ إنه نهر وعدنيه # PageV03P855 # ربي، فيه خير كثير، هو حوض يرد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته من فضة عدد نجوم السماء، فيختلج القرن منهم فأقول: يا رب إنهم من أمتي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ". أورده مسلم في الصحيح (1). # وعن ابن عباس: أنه فسر الكوثر بالخير الكثير، فقال له سعيد بن جبير: فإن ناسا يقولون: هو نهر في الجنة، فقال: هو من الخير الكثير (2). # وقيل: هو كثرة النسل والذرية (3)، وقد ظهر ذلك في نسله من ولد فاطمة (عليها السلام)، إذ لا ms1403 ينحصر عددهم، ويتصل - بحمد الله - إلى آخر الدهر مددهم. # وهذا يطابق ما ورد في سبب نزول السورة: أن العاص بن وائل السهمي سماه الأبتر لما توفي ابنه عبد الله (4). وقالت قريش: إن محمدا صنبور (5) (6). فيكون تنفيسا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ما وجده في نفسه الكبيرة من جهة مقالهم، وهدما لمحالهم. # وقيل: هو الشفاعة (7). واللفظ محتمل للجميع، فقد أعطاه سبحانه ما لا غاية لكثرته من خير الدارين. # وأما ما ذكره جار الله (8): أن الكوثر أولاده إلى يوم القيامة من أمته فليس # PageV03P856 # بالوجه، لأنه لا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز من غير ضرورة، وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للحسن والحسين (عليهما السلام): " ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا " (١). وقال للحسن (عليه السلام): " إن ابني هذا سيد " (٢). وفي التنزيل: ﴿ما كان محمد أبآ أحد من رجالكم﴾ (3)، فكيف يحمل الكوثر على أولاد أمته الذين أبى الله أن يكون رسوله أبا أحد منهم، ولا يحمل على أولاد ابنيه من ابنته الذين طبقوا البر والبحر وملاءوا السهل والجبل بكثرتهم؟ # والنحر: نحر البدن، أي: (فصل) صلاة الفجر بجمع (وانحر) البدن بمنى، وقيل: صلاة الفرض (لربك) واستقبل القبلة بنحرك (4)، من قول العرب: منازلنا تتناحر، أي: تتقابل. وأما ما رووه (5) عن علي (عليه السلام): معناه: " ضع يدك اليمنى على اليسرى حذاء النحر " فمما لم يصح عنه، لأن عترته (عليه السلام) رووا عنه خلاف ذلك، وهو أن معناه: ارفع يديك إلى النحر في الصلاة (6). # (إن شانئك) إن من أبغضك من قومك (هو الأبتر) لا أنت، والأبتر: الذي لا عقب له. # فانظر في نظم هذه السورة الأنيق وترتيبه الرشيق مع قصرها ووجازتها، # PageV03P857 # وتبصر كيف ضمنها الله النكت البديعة: حيث بنى الفعل في أولها على المبتدأ ليدل على الخصوصية، وجمع ضمير المتكلم ليؤذن بكبريائه وعظمته، وصدر الجملة بحرف التأكيد الجاري مجرى القسم، وأتى بالكوثر المحذوف الموصوف ليكون أدل على الشياع والتناول على طريق الاتساع، وعقب ذلك بفاء التعقيب ليكون القيام بالشكر الأوفر مسببا عن الإنعام بالعطاء ms1404 الأكثر. # وقوله: (لربك) تعريض بدين من تعرض له بالقول المؤذي من ابن وائل وأشباهه ممن كان في عبادته ونحره لغير الله. وأشار بهاتين العبارتين إلى نوعي العبادات: البدنية التي الصلاة إمامها، والمالية التي نحر البدن سنامها. وحذف اللام الأخرى (1) إذ دلت عليه الأولى، ولمراعاة حق التسجيع الذي هو من جملة نظمه البديع وأتى بكاف الخطاب على طريقة الالتفات إظهارا لعلو شأنه، وليعلم بذلك أن من حق العبادة أن يقصد بها وجه الله خالصا، ثم قال: (إن شانئك)، فعلل ما أمره به من الإقبال على شأنه في العبادة بذلك على سبيل الاستئناف، الذي هو جنس من التعليل رائع. وإنما ذكره بصفته لا باسمه ليتناول كل من أتى بمثل حاله، وعرف الخبر ليتم له البتر، وأقحم الفصل (2) لبيان أنه المعين لهذا النقص والعيب. # وذلك كله مع علو مطلعها، وتمام مقطعها، وكونها مشحونة بالنكت الجليلة، مكتنزة بالمحاسن غير القليلة، مما يدل على أنه كلام رب العالمين الباهر لكلام المتكلمين، فسبحان من لو لم ينزل إلا هذه السورة الموجزة لكفى بها آية معجزة، ولو هم الثقلان أن يأتوا بمثلها لشاب الغراب وساب كالماء السراب قبل أن يأتوا به. # PageV03P858 # وفيها أيضا دلالة على أنها معجزة وآية بينة من وجه آخر، وهو أنه إخبار بالغيب: من حيث إنه أخبر عما جرى على ألسنة أعدائه فكان كما أخبر، ووافق الخبر (1) الخبر أيضا في إعطائه الكوثر، إذ علت كلمته، وانتشرت في العالم ذريته، وانبتر أمر شانئه الأبتر، وانقطع ذنبه وعقبه كما ذكر، وبالله التوفيق. # * * * # PageV03P859 # سورة الكافرون مكية (1)، وقيل: مدنية، ست آيات. # في حديث أبي: " ومن قرأها فكأنما قرأ ربع القرآن، وتباعدت عنه مردة الشيطان، وبرئ من الشرك، وتعافى من الفزع الأكبر " (2). # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأ: (قل يأيها الكفرون)، و (قل هو الله أحد) في فريضة من الفرائض غفر الله له ولوالديه وما ولد، وإن كان شقيا محي من ديوان الأشقياء وكتب في ديوان السعداء، وأحياه الله سعيدا وأماته شهيدا " (3). # بسم الله الرحمن الرحيم (قل يأيها الكفرون ms1405 (1) لا أعبد ما تعبدون (2) ولا أنتم عبدون # PageV03P861 # مآ أعبد (3) ولا أنا عابد ما عبدتم (4) ولا أنتم عبدون مآ أعبد (5) لكم دينكم ولى دين (6)) نزلت في نفر من قريش قالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): هلم فاتبع ديننا ونتبع دينك، تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة، فقال: معاذ الله أن أشرك بالله غيره، قالوا: فاستلم بعض آلهتنا نصدقك ونعبد إلهك، فنزلت، فغدا إلى المسجد الحرام وفيه الملا من قريش، فقام على رؤوسهم فقرأها، فيئسوا (1). # (لا أعبد) في المستقبل (ما تعبدون) لأن " لا " لا تدخل إلا على مضارع في معنى الاستقبال، كما أن " ما " لا تدخل إلا على مضارع في معنى الحال. # والمعنى: لا أفعل في المستقبل ما تطلبونه مني من عبادة آلهتكم. (ولا أنتم) فاعلون فيه ما أطلب منكم من عبادة إلهي. # (ولا أنا عابد ما عبدتم) أي: وما كنت قط عابدا فيما سلف ما عبدتم فيه، يعني: لم يعهد مني عبادة صنم في الجاهلية، فكيف يرجى مني في الإسلام؟ # (ولا أنتم عبدون مآ أعبد) أي: وما عبدتم في وقت ما أنا على عبادته، ولم يقل: " ما عبدت " كما قال: (ما عبدتم) لأنهم كانوا يعبدون الأصنام قبل المبعث، ولم يكن له العبادة مشروعة في ذلك الوقت (2)، وأتى بلفظة " ما " دون " من " لأن المراد الصفة، كأنه قال: لا أعبد الباطل، ولا تعبدون الحق، وقيل: إن " ما " مصدرية، أي: لا أعبد عبادتكم، ولا تعبدون عبادتي (3). # PageV03P862 # (لكم دينكم ولى دين) لكم شرككم ولي توحيدي، والمعنى: أني مبعوث إليكم لأدعوكم إلى النجاة والحق، فإذا لم تقبلوا مني ولم تتبعوني فلا أقل من أن أنجو منكم كفافا، وقيل: معناه: لكم جزاء دينكم ولي جزاء ديني (1). # وعن الصادق (عليه السلام): إذا قرأت (قل يأيها الكفرون) فقل: يا أيها الكافرون، وإذا قرأت: (لا أعبد ما تعبدون) فقل: أعبد الله وحده، وإذا قلت: (لكم دينكم ولى دين) فقل: ربي الله وديني الإسلام (2). # * * * # PageV03P863 # سورة النصر مدنية (1)، وهي ثلاث آيات. # في حديث أبي: " ومن قرأها فكأنما شهد مع محمد ms1406 (صلى الله عليه وآله وسلم) فتح مكة " (2). # وعن الصادق (عليه السلام): " من قرأ: (إذا جآء نصر الله) في نافلة أو فريضة نصره الله على جميع أعدائه، وجاء يوم القيامة ومعه كتاب ينطق، قد أخرجه الله من جوف قبره، فيه أمان من حر جهنم، ومن النار، ومن زفير جهنم، يسمعه بأذنيه، فلا يمر على شيء يوم القيامة إلا بشره وأخبره بكل خير حتى يدخل الجنة ويفتح له في الدنيا من أسباب الخير ولم يخطر على قلبه (3) ". # بسم الله الرحمن الرحيم (إذا جآء نصر الله وا لفتح (1) ورأيت الناس يدخلون في دين الله # PageV03P865 # أفواجا (2) فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا (3)) (إذا جآء) ك يا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) (نصر الله) على من عاداك، وهم قريش (والفتح) يعني: فتح مكة. و (إذا) ظرف لقوله: (فسبح) وهذا من المعجزات والإخبار بالشيء قبل كونه. وكان فتح مكة لعشر مضين من شهر رمضان سنة ثمان، ومع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وطوائف العرب، وأقام بها خمس عشرة ليلة، ثم خرج إلى هوازن، وهي غزاة حنين، وحين دخل مكة وقف على باب الكعبة ثم قال: " لا إله إلا الله وحده وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا إن كل مال ومأثرة ودم يدعى فهو تحت قدمي هاتين، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج فإنهما مردودتان إلى أهليهما، ألا إن مكة محرمة بتحريم الله، لم تحل لأحد قبلي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار، وهي محرمة إلى أن تقوم الساعة، لا يختلى خلالها ولا يقطع شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا يحل لقطتها إلا لمنشد ". وكان صناديد قريش قد دخلوا الكعبة وهم يظنون أن السيف لا يرفع عنهم، فقال (عليه السلام) لهم: " ألا لبئس جيران النبي كنتم، لقد كذبتم وطردتم، ثم ما رضيتم حتى جئتموني في بلادي تقاتلونني، يا أهل مكة ما ترون أني فاعل بكم "؟ قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: " اذهبوا فأنتم الطلقاء ms1407 ". # فأعتقهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وقد كان الله تعالى أمكنه من رقابهم عنوة، وكانوا له فيئا فلذلك سموا الطلقاء، ثم بايعوه على الإسلام (1). # (ورأيت الناس يدخلون في دين الله) أي: ملة الإسلام (أفواجا) جماعات كثيفة، كانت تدخل فيه القبيلة بأسرها بعدما كانوا يدخلون فيه واحدا فواحدا، واثنين اثنين. # PageV03P866 # وعن جابر بن عبد الله أنه بكى ذات يوم، فقيل له في ذلك فقال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: " دخل الناس في دين الله أفواجا، وسيخرجون منه أفواجا " (1). # وقيل: أراد بالناس أهل اليمن (2). ولما نزلت قال (عليه السلام): " الله أكبر، جاء نصر الله والفتح، وجاء أهل اليمن، قوم رقيقة قلوبهم، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية " (3) وقال: " أجد نفس ربكم من قبل اليمن " (4). # وعن الحسن: لما فتح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مكة، أقبلت العرب بعضها على بعض وقالوا: أما إذا ظفر بأهل الحرم فليس لكم به يدان، وقد كان الله أجارهم من أصحاب الفيل ومن كل من أرادهم، فكانوا يدخلون في الإسلام أفواجا من غير قتال (5). # و (يدخلون) في محل نصب على الحال من (رأيت) إذا كان بمعنى: # أبصرت أو عرفت، وإن كان بمعنى: علمت فهو في موضع المفعول الثاني له. # (فسبح بحمد ربك) فقل: سبحان الله، حامدا لله، أي: فتعجب لتيسير (6) الله تعالى لك ما لم يخطر ببال أحد، أو: فاذكره مسبحا حامدا زيادة في عبادته والثناء عليه. والأمر بالاستغفار مع التسبيح تكميل للأمر بما هو قوام أمر الدين من الجمع بين الطاعة والاحتراس من المعصية، وليكون أمره بذلك مع عصمته لطفا لأمته، # PageV03P867 # ولأن الاستغفار من التواضع لله تعالى وهضم النفس فهو عبادة في نفسه. # وعنه صلوات الله عليه: " إني لأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرة " (1). # وروي أنه لما قرأها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على أصحابه استبشروا وبكى العباس، فقال (عليه السلام): ما يبكيك يا عم؟ قال: نعيت إليك نفسك، قال: إنها لكما تقول، فعاش بعدها سنتين ms1408 لم ير فيهما ضاحكا مستبشرا (2). # وعن عبد الله بن مسعود: لما نزلت السورة كان (عليه السلام) يقول كثيرا: " سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي إنك أنت التواب الرحيم " (3). وفي رواية أخرى: # " أستغفرك وأتوب إليك " (4). وكانت تسمى سورة التوديع (5). # (كان توابا) أي: كان في الأزمنة الماضية توابا على المكلفين إذا استغفروا، فعلى كل مستغفر أن يتوقع مثل ذلك. # * * * # PageV03P868 # سورة المسد (1) مكية (2)، خمس آيات. # في حديث أبى: " من قرأها رجوت أن لا يجمع الله بينه وبين أبي لهب في دار واحدة " (3). # وعن الصادق (عليه السلام): " إذا قرأتم (تبت) فادعوا على أبي لهب، فإنه كان من المكذبين بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وبما جاء به من عند الله تعالى " (4). # بسم الله الرحمن الرحيم (تبت يدآ أبى لهب وتب (1) مآ أغنى عنه ماله وما كسب (2) سيصلى نارا ذات لهب (3) وامرأته حمالة الحطب (4) في جيدها حبل من مسد (5)) # PageV03P869 # التباب: الخسران المؤدي إلى الهلاك، والمعنى: خسرت يداه وهلكت، والمراد: هلاك جملته، مثل قوله: ﴿ذلك بما قدمت يداك﴾ (1)، ومعنى (وتب): # وكان ذلك وحصل، كقول الشاعر: # جزاني جزاه الله شر جزائه * جزاء الكلاب العاويات وقد فعل (2) وقرئ: " أبي لهب " بسكون الهاء (3)، وهو من تغيير الأعلام، كما قيل: # شمس بن مالك بالضم، إنما كني لأنه كان مشهورا بالكنية دون الاسم، فلما أراد الله سبحانه تشهيره بدعوة السوء وأن تبقى سمة له ذكر الأشهر من علميه، ولأن اسمه كان عبد العزى فعدل عنه إلى كنيته. # (مآ أغنى) استفهام في معنى الإنكار، ومحله نصب أو نفي (وما كسب) مرفوع، و (ما) موصولة أو مصدرية بمعنى: " ومكسوبه " أو " وكسبه "، والمعنى: # لم ينفعه ماله وما كسب بماله، يعني: رأس المال والأرباح، أو: ماله الذي ورثه من أبيه والذي كسبه بنفسه، وعن ابن عباس: (ما كسب) ولده (4). وعن الضحاك: ما نفعه ماله وعمله الخبيث (5)، يعني: كيده في عداوة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). # (سيصلى) قرئ بفتح الياء وضمها (6). والسين للوعيد، أي: هو كائن لا محالة وإن تراخى وقته. (وامرأته) هي أم ms1409 جميل بنت حرب أخت أبي سفيان، # PageV03P870 # وكانت تحمل حزمة من الشوك والحسك والسعدان فتنثرها بالليل في طريق رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: كانت تمشي بالنمائم (1). تقول العرب: فلان يحطب على فلان: إذا كان يغري به، قال: # من البيض لم تصطد على ظهر لامة * ولم تمش بين الحي بالحطب الرطب (2) جعله رطبا ليدل على التدخين الذي هو زيادة في الشر. ورفعت (امرأته) عطفا على الضمير في (سيصلى) أي: سيصلى هو وامرأته. و (في جيدها) في موضع نصب على الحال، و (امرأته) مبتدأ، و (في جيدها) الخبر، و (حمالة الحطب) قرئ بالرفع (3) على الوصف، وبالنصب على الشتم. # والمسد: الحبل الذي فتل فتلا شديدا، ورجل ممسود الخلق: مجدوله، والمعنى: في جيدها حبل مما مسد من الحبال، وأنها تحمل تلك الحزمة من الشوك وتربطها في جيدها كما يفعل الحطابون؛ تحقيرا لها، وتصويرا لها بصورة بعض المواهن (4) الحطابات لتمتعض من ذلك ويمتعض بعلها، وهما في بيت الشرف والثروة. ويحتمل أن يكون المعنى: أن حالها تكون في نار جهنم على الصورة التي كانت عليها حين كانت تحمل حزمة الشوك، فلا يزال على ظهرها حزمة من حطب النار من الضريع والزقوم، وفي جيدها حبل مما مسد من سلاسل النار، كما يعذب كل مجرم بما يجانس حاله في جرمه. # PageV03P871 # سورة الإخلاص أربع آيات مكية (1)، وقيل: مدنية، وتسمى سورة التوحيد ونسبة الرب. # في حديث أبي: " من قرأها فكأنما قرأ ثلث القرآن، وأعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ". # وعن الصادق (عليه السلام): " من مضى به يوم واحد فصلى فيه خمس صلوات ولم يقرأ فيها ب‍ (قل هو الله أحد) قيل له: يا عبد الله، لست من المصلين " (2) (3). # PageV03P873 # وفي الحديث: أنه كان يقال لسورتي (قل يأيها الكفرون) و (قل هو الله أحد) المقشقشتان، أي: المبرئتان من الشرك والنفاق (1). # بسم الله الرحمن الرحيم (قل هو الله أحد (1) الله الصمد (2) لم يلد ولم يولد (3) ولم يكن له كفوا أحد (4)) (هو) ضمير الشأن، ms1410 و (الله أحد) هو الشأن، كقولك: هو زيد منطلق، كأنه قال: الشأن هذا، وهو: أن الله تعالى واحد لا ثاني له، وقيل: هو كناية عن الله (2)، و (الله) بدل منه، و (أحد) خبر المبتدأ، أو: يكون (الله) خبر مبتدأ، و (أحد) خبر ثان، أو على: هو أحد. وعن ابن عباس: قالت قريش: يا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) صف لنا ربك الذي تدعونا إليه، فنزلت (3). والمعنى: الذي سألتموني وصفه هو الله. # PageV03P874 # و (أحد) أصله: وحد، وقرئ: " أحد الله "، بغير تنوين (١) أسقط لملاقاته لام التعريف، ونحوه: # ولا ذاكر الله إلا قليلا (٢) والأحسن التنوين، وكسره لالتقاء الساكنين. # و (الصمد) فعل، بمعنى مفعول، من: صمد إليه في الحوائج أي: قصد، والمعنى: هو الله الذي تعرفونه وتقرون أنه خالق السماوات والأرض وخالقكم، وهو واحد متوحد بالإلهية لا يشاركه فيها غيره، وهو الذي يصمد إليه في الحوائج، لا يستغني عنه أحد من المخلوقين، وهو الغني عن جميعهم. # (لم يلد) لأنه لا يجانس حتى يكون له من جنسه صاحبة فيتوالدا، وقد دل على هذا المعنى بقوله: ﴿أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة﴾ (3). (ولم يولد) لأن كل مولود محدث وجسم، وهو قديم لا أول لوجوده وليس بجسم. # (ولم يكن له كفوا) أي: شكلا ومثلا (أحد) أي: لم يكافئه أحد ولم يماثله، ويجوز أن يكون من الكفاءة في النكاح نفيا للصاحبة. # سألوه أن يصف لهم ربه، فنزلت السورة محتوية على صفاته عز اسمه، لأن قوله: (هو الله) إشارة لهم إلى من هو خالق الأشياء ومنشئها، وفي ضمن ذلك وصفه بأنه قادر عالم، لأن الخلق والإنشاء لا يكون إلا من عالم قادر لوقوعه على غاية الإحكام والاتساق والانتظام، وفي ذلك وصفه بأنه حي موجود سميع بصير، وقوله: (أحد) وصف له بالوحدانية ونفي الشركاء عنه، و (الصمد) وصف له # PageV03P875 # بأنه ليس إلا محتاجا إليه، وإذا لم يكن إلا محتاجا إليه فهو غني، وفي كونه غنيا مع كونه عالما أنه عدل غير فاعل للقبيح لعلمه بقبح القبيح وعلمه ms1411 بغناه عنه، وقوله: # (لم يلد) نفي للتشبيه والمجانسة، وقوله: (ولم يولد) وصف بالأولية (1) والقدم، وقوله: (ولم يكن له كفوا أحد)، تقرير لنفي التشبيه وقطع به، وإنما قدم سبحانه (له) وهو غير مستقر لأن سياق هذا الكلام لنفي المكافأة عن ذات الباري، وهذا المعنى مركزه هذا الظرف، فكان أهم شيء بالذكر، وأغناه وأحقه بالتقديم وأحراه. # وقرئ: (كفوا) بضم الكاف والفاء، وبسكون الفاء (2)، وبالهمزة وتخفيفه (3). # وفي عظم محل هذه السورة وكونها معادلة لثلث القرآن (4) على قصرها وتقارب طرفيها، دلالة واضحة على أن علم التوحيد من الله بمكان، ولا غرو فإن العلم تابع للمعلوم، يشرف بشرفه ويتضع بضعته، وإذا كان معلوم هذا العلم هو الله جل جلاله، وصفاته، وما يجوز عليه وما لا يجوز، فما ظنك بشرف منزلته وعلو شأنه وجلالة رتبته؟ # وعن الباقر (عليه السلام): إذا فرغت من قراءة (قل هو الله أحد) فقل: كذلك الله ربي، ثلاثا (5). # ويروى: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقف عند آخر كل آية من هذه السورة (6). # PageV03P876 # سورة الفلق مختلف فيها (1)، وهي خمس آيات. # وفي حديث أبي: " من قرأ (قل أعوذ برب الفلق) و (قل أعوذ برب الناس) فكأنما قرأ جميع الكتب التي أنزلها الله على الأنبياء " (2). # عن عقبة بن عامر، عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " نزلت علي آيات لم ينزل مثلهن: # المعوذتان " (3). # وعن الباقر (عليه السلام): " من أوتر بالمعوذتين و (قل هو الله أحد) قيل له: أبشر يا عبد الله فقد قبل الله وترك " (4). # PageV03P877 # بسم الله الرحمن الرحيم (قل أعوذ برب الفلق (١) من شر ما خلق (٢) ومن شر غاسق إذا وقب (٣) ومن شر النفثت في العقد (٤) ومن شر حاسد إذا حسد (٥)) قالوا في المثل: " أبين من فلق الصبح، ومن فرق الصبح " (١). وهو فعل بمعنى: # مفعول. والمعنى: (قل) أعتصم وأمتنع (برب) الصبح ومدبره ومطلعه، وقيل: هو كل ما يفلقه الله كالأرض عن النبات، والجبال عن العيون، والسحاب عن المطر، والأرحام عن الأولاد (٢). وقيل: هو جب في جهنم (٣)، أي: واد فيها، كما قيل ms1412 للمطمئن من الأرض: فلق. # (من شر ما خلق) أي: من شر الأشياء التي خلقها الله تعالى من المكلفين وأفعالهم، من المعاصي والمضار والظلم والبغي وغير ذلك، وغير المكلفين وما يحصل منهم من الأكل والنهش واللدغ والعض، وما وضعه الله في غير الأحياء من أنواع الضر، كالإحراق بالنار والقتل في السم. # (ومن شر غاسق) وهو الليل إذا اعتكر ظلامه، من قوله: ﴿إلى غسق الليل﴾ (4)، ووقوبه: دخول ظلامه في كل شيء، يقال: وقبت الشمس إذا غابت. # وفي الحديث: لما رأى الشمس قد وقبت قال: " هذا حين حلها " (5) يعني: صلاة المغرب. وخص الليل بذلك لأن انبثاث الشر فيه أكثر، والتحرز منه أصعب. # PageV03P878 # وقالوا: " الليل أخفى للويل " (1). # و (النفثت) النساء، أو: النفوس، أو: الجماعات السواحر اللواتي يعقدن عقدا في خيوط، وينفثن عليها ويرقين. # (ومن شر حاسد إذا حسد) أي: إذا أظهر حسده وعمل بمقتضاه من بغي الغوائل للمحسود، لأنه إذا لم يظهر أثر ما أضمره لم يتعد منه ضرر وشر إلى من حسده، بل هو الضار لنفسه لاغتمامه بسرور غيره. وعن عمر بن عبد العزيز: لم أر ظالما أشبه بالمظلوم من الحاسد (2). وقيل معناه: من شر نفس الحاسد وعينيه (3) فإنه ربما أصاب بهما وعاب وضر. # وعن أنس: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " من رأى شيئا يعجبه فقال: الله الله، ما شاء الله، لا قوة إلا بالله، لم يضره شيئا " (4). # * * * # PageV03P879 # سورة الناس مختلف فيها (1) ست آيات. # عن الباقر (عليه السلام): " أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) اشتكى فأتاه جبرائيل وميكائيل، فقعد جبرائيل (عليه السلام) عند رأسه، وميكائيل (عليه السلام) عند رجليه، فعوذه جبرائيل ب‍ (قل أعوذ برب الفلق)، وميكائيل ب‍ (قل أعوذ برب الناس) (2). # وروي: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان كثيرا ما يعوذ الحسن والحسين (عليهما السلام) بهاتين السورتين " (3). # بسم الله الرحمن الرحيم (قل أعوذ برب الناس (1) ملك الناس (2) إله الناس (3) من شر # PageV03P881 # الوسواس الخناس (٤) الذي يوسوس في صدور الناس (٥) من الجنة والناس (٦)) (برب الناس) بخالقهم ومنشئهم ms1413 ومدبرهم. (ملك الناس) سيدهم والقادر عليهم. (إله الناس) معبودهم الذي تحق العبادة له دون غيره. و (ملك الناس) و (اله الناس) كلاهما عطف بيان ل‍ (رب الناس)، بين ب‍ (- ملك الناس) ثم زيد بيانا ب‍ (- إله الناس) لأنه قد يقال لغيره " رب الناس "، ألا ترى إلى قوله: # ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبنهم أربابا من دون الله﴾ (1)، وقد يقال: " ملك الناس "، فأما: " إله الناس " فخاص لا شركة فيه، فلذلك جعل غاية للبيان، وإنما أضيف " رب " إلى " الناس " خاصة لأن الاستعاذة إنما وقعت (من شر) الموسوس (في صدور الناس) فكأنه قال: أعوذ من شر الموسوس في صدور الناس، بربهم الذي يملك عليهم أمورهم، وهو إلههم ومعبودهم. وإنما أظهر المضاف إليه الذي هو (الناس) في الجميع، لأن عطف البيان إنما هو للكشف والبيان، فكان مظنة للإظهار دون الإضمار، وقيل: إن المراد بالناس الأول: الأجنة، ولذلك قال: (برب الناس) لأنه يربيهم، والمراد بالثاني: الأطفال، ولذلك قال: (ملك الناس) لأنه يملكهم، والمراد بالثالث: البالغون المكلفون، ولذلك قال: (إله الناس) لأنهم يعبدونه (2). # (من شر الوسواس) هو اسم بمعنى الوسوسة، كالزلزال بمعنى الزلزلة، وأما المصدر فوسواس - بالكسر - كزلزال، والمراد به الشيطان، سمي بالمصدر كأنه وسوسة في نفسه لأنها صنعته وشغله الذي هو عاكف عليه، أو: أريد: ذو الوسواس. # PageV03P882 # والوسوسة: الصوت الخفي، و (الخناس) الذي عادته أن يخنس، وهو منسوب إلى " الخنوس " وهو التأخر، ك‍ " - العواج " و " البتات " لما روى أنس بن مالك عنه (صلى الله عليه وآله وسلم): " أن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم، فإذا ذكر الله خنس، وإن نسي التقم قلبه " (١). # (الذي يوسوس) يجوز في محله الجر على: صفة (الوسواس)، والنصب والرفع على الشتم، ويحسن أن يقف القارئ على (الخناس)، ويبتدئ: (الذي يوسوس) على أحد هذين الوجهين. # (من الجنة والناس) بيان ل‍ (الذي يوسوس) على أن يكون الشيطان ضربين: جني وإنسي، كما قال: ﴿شيطين الإنس والجن﴾ (2)، وعن أبي ذر أنه قال لرجل: هل تعوذت بالله من شيطان الإنس؟ ويجوز أن يكون (من) لابتداء الغاية، وتعلق ب‍ ms1414 (يوسوس) أي: يوسوس في صدورهم من جهة الجن ومن جهة الإنس. # وعن الصادق (عليه السلام): إذا قرأت (قل أعوذ برب الفلق) فقل في نفسك: أعوذ برب الفلق، وإذا قرأت (قل أعوذ برب الناس)، فقل في نفسك: أعوذ برب الناس. # * * * # PageV03P883 # وهذا آخر الكتاب، ولله الحمد والشكر على تأييده وتسديده أولا وآخرا متواليا متواترا، وكان ابتدائي بتأليفه سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة في يوم السبت الثامن عشر من صفر، وفراغي منه بعون الله ومنه لست بقين من المحرم، الشهر الثاني عشر في مدة شهور العام، وعدة نقباء موسى الأعلام بأرض الشام في سالف الأيام، وخلفاء نبينا محمد عليه وعليهم السلام أئمة الإسلام وحجج المهيمن السلام، فالله الكريم الجواد الرحيم أسأل، وبهم إليه أتوسل، أن يجعل كدي وكدحي واجتهادي وجدي في تصنيفه وترصيفه، وتهليبه وتهذيبه، حتى جلا من كنه فردا فذا في فنه، مندمجا على جواهر التفسير وزواهره، مكتنزا ببواطن علمه وظواهره، عديم النظير في الكتب، جديرا أن يكتب بماء الذهب، في أوجز لفظ وأبلغه وأكمل معنى وأسبغه، ترى جميع متضمناته موافقا لأصول الدين وفروعه، مطابقا لمعقوله ومسموعه، فهو الحق القديم والدر اليتيم والصراط المستقيم، تستنجح ببركاته الحاجات ويستدفع به الملمات، ويستفتح به الأغلاق ويستنزل به الأرزاق، موجبا لرضوانه مؤديا إلى جنانه، وسببا لإحراز ذخائر الأجر وادخار كرائم الذخر، ووصلة إلى شفاعة النبي المصطفى وأهل بيته النجوم الزاهرة، الذين استضاءت بأضوائهم، وتفيأت بأفيائهم، واهتديت بمنارهم (1)، واقتبست من أنوارهم. # اللهم إن كنت تعلم أني لم أطلب بذلك إلا وجهك ولم أعتمد به غيرك، فاصفح عن جرمي، وتجاوز عن سيئاتي بشفاعتهم، وانضمني يوم القيامة في جملتهم، وأفض علي سجال نعمك، واخصصني بلطائف كرمك، إنك أنت الكريم المنان، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطيبين الأخيار، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وهو ربنا عليه توكلنا وإليه أنبنا وإليه المصير. # PageV03P884 ms1415