######OpenITI# #META# authinf: الشهرستاني (479 - 548 ه = 1086 - 1153 م) ¶ محمد بن عبد الكريم بن أحمد، أبو الفتح الشهرستاني: من فلاسفة الإسلام. ¶ كان إماما في علم الكلام وأديان الأمم ومذاهب الفلاسفة. ¶ يلقب بالأفضل. ¶ ولد في شهرستان (بين نيسابور وخوارزم) وانتقل إلى بغداد سنة 510 ه، فأقام ثلاث سنين، وعاد إلى بلده ، وتوفي بها. ¶ قال ياقوت في وصفه: (الفيلسوف المتكلم، صاحب التصانيف، كان وافر الفضل، كامل العقل، ولولا تخبطه في الاعتقاد ومبالغته في نصرة مذاهب الفلاسفة والذب عنهم لكان هو الإمام). ¶ من كتبه (الملل والنحل - ط) ثلاثة أجزاء، و (نهاية الإقدام في علم الكلام - خ) و (الإرشاد إلى عقائد العباد) و (تلخيص الأقسام لمذاهب الأنام) و (مصارعات الفلاسفة - خ) و (تاريخ الحكماء - خ) و (المبدأ والمعاد) و (تفسير سورة يوسف) بأسلوب فلسفي و (مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار - خ) في التفسير، منه نسخة كتبت سنة 667 ه، في خزانة مجلس الشورى الوطني بطهران . ¶ نقلا عن : الأعلام للزركلي #META# Lng: أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبى بكر أحمد الشهرستاني #META# auth: الشهرستاني #META# تحقيق: محمد سيد كيلاني #META# عدد الأجزاء: 2 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# [الملل والنحل - الشهرستاني] ¶ الكتاب: الملل والنحل ¶ المؤلف: محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني ¶ الناشر: دار المعرفة - بيروت، 1404 ¶ تحقيق: محمد سيد كيلاني ¶ عدد الأجزاء: 2 ¶ [طبعة أخرى] ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# ndata: مقدمات 80A8C9EE\ 264 ) #META# الكتاب: الملل والنحل #META# الناشر: دار المعرفة - بيروت، 1404 #META# bk: الملل والنحل - المعرفة #META# bkord: 8104 #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# cat: العقيدة #META# archive: 6 #META# bkid: 33890 #META# المؤلف: محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد الشهرستاني #META# digitization_comments: [طبعة أخرى] #META# iso: الملل والنحل المعرفه #META# ad: 548 #META# comp: 1 #META# max: 342 #META# higrid: 548 #META# idx: 1 #META# authno: 139 #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-01 #META#Header#End# ### | AUTO مقدمات PageV01P001 ### || AUTO [ افتتاح المؤلف ] PageV01P001 ~~بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله حمد الشاكرين بجميع محامده كلها على جميع نعائمه كلها حمدا ~~كثيرا طيبا مباركا كما هو أهله # وصلى الله على محمد المصطفى رسول الرحمة خاتم النبيين وعلى آله الطيبين ~~الطاهرين صلاة دائمة بركتها إلى يوم الدين كما صلى على إبراهيم وعلى آل ~~إبراهيم إنه حميد مجيد # وبعد فلما وفقني الله تعالى لمطالعة مقالات أهل العالم من أرباب الديانات ~~والملل وأهل الأهواء والنحل والوقوف على مصادرها ومواردها واقتناص أوانسها ~~وشواردها أردت أن أجمع ذلك في مختصر يحوي جميع ما تدين به المتدينون ~~وانتحله المنتحلون عبرة لمن استبصر واستبصارا لمن اعتبر # وقبل الخوض فيما هو الغرض لا بد من أن أقدم خمس مقدمات : # المقدمة الأولى : في بيان أقسام أهل العالم جملة مرسلة # المقدمة الثانية : في تعيين قانون يبنى عليه تعديد الفرق الإسلامية # المقدمة الثالثة : في بيان أول شبهة وقعت في الخليقة ومن مصدرها ومن ~~مظهرها ؟ ( 1 / 11 ) # المقدمة الرابعة : في بيان أول شبهة وقعت في الملة الإسلامية وكيفية ~~انشعابها ومن مصدرها ومن مظهرها ؟ # المقدمة الخامسة : في بيان السبب الذي أوجب ترتيب هذا الكتاب على طريق الحساب PageV01P001 ### || AUTO المقدمة الأولى : في بيان تقسيم أهل العالم جملة مرسلة : PageV01P011 # 1 - من الناس من قسم أهل العالم بحسب الأقاليم السبعة وأعطى أهل كل إقليم ~~حظه من اختلاف الطبائع والأنفس التي تدل عليها الألوان والألسن PageV01P011 ~~2 - ومنهم من قسمهم بحسب الأقطار الأربعة التي هي : الشرق والغرب والجنوب ~~والشمال # ووفر على كل قطر حقه من اختلاف الطبائع وتباين الشرائع PageV01P011 ~~3 - ومنهم من قسمهم بحسب الأمم فقال : كبار الأمم أربعة : العرب والعجم ~~والروم والهند # ثم زاوج بين أمة وأمة : # فذكر أن العرب والهند يتقاربان على مذهب واحد وأكثر ميلهم إلى تقرير خواص ~~الأشياء والحكم بأحكام الماهيات والحقائق واستعمال الأمور الروحانية # والروم والعجم يتقاربان على مذهب واحد وأكثر ميلهم إلى تقرير طبائع ~~الأشياء والحكم بأحكام الكيفيات والكميات واستعمال الأمور الجسمانية PageV01P011 ~~4 - ومنهم من قسمهم بحسب الآراء والمذاهب # وذلك غرضنا في ms001 تأليف هذا الكتاب # وهم منقسمون بالقسمة الصحيحة الأولى إلى أهل الديانات والملل وأهل ~~الأهواء والنحل # ( 1 / 12 ) # فأرباب الديانات مطلقا مثل المجوس واليهود والنصارى والمسلمين # وأهل الأهواء والآراء مثل الفلاسفة والدهرية والصابئة وعبدة الكواكب ~~والأوثان والبراهمة # ويفترق كل منهم فرقا # فأهل الأهواء ليست تنضبط مقالاتهم في عدد معلوم # وأهل الديانات قد انحصرت مذاهبهم بحكم الخبر الوارد فيها # فافترقت المجوس على سبعين فرقة واليهود على إحدى وسبعين فرقة والنصارى ~~على اثنتين وسبعين فرقة والمسلمون على ثلاث وسبعين فرقة والناجية أبدا من ~~الفرق واحدة إذ الحق من القضيتين المتقابلتين في واحدة ولا يجوز أن يكون ~~قضيتان متناقضتان متقابلتان على شرائع التقابل إلا وأن تقتسما الصدق والكذب # فيكون الحق في إحداهما دون الأخرى ومن المحال الحكم على المتخاصمين ~~المتضادين في أصول المعقولات بأنهما محقان صادقان # وإذا كان الحق في كل مسألة عقلية واحدا فالحق في جميع المسائل يجب أن ~~يكون مع فرقة واحدة # وإنما عرفنا هذا بالسمع وعنه أخبر التنزيل في قوله عز وجل : ( وممن خلقنا ~~أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ) # وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام : ( ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ~~الناجية منها واحدة والباقون هلكى ) # قيل : ومن الناجية ؟ # قال : ( أهل السنة والجماعة ) # قيل : وما السنة والجماعة ؟ # قال : ( ما أنا عليه اليوم وأصحابي ) # وقال عليه الصلاة والسلام : ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق إلى ~~يوم القيامة ) # وقال عليه الصلاة والسلام : ( لا تجتمع أمتي على ضلالة ) . ( 1 / 13 ) PageV01P011 ### || AUTO المقدمة الثانية : في تعيين قانون يبنى عليه تعديد الفرق ~~الإسلامية : PageV01P013 # اعلم أن لأصحاب المقالات طرقا في تعديد الفرق الإسلامية لا على قانون ~~مستند إلى أصل ونص ولا على قاعدة مخبرة عن الوجود # فما وجدت مصنفين منهم متفقين على منهاج واحد في تعديد الفرق # ومن المعلوم الذي لا مراء فيه أن ليس كل من تميز عن غيره بمقالة ما في ~~مسألة ما عد صاحب مقالة وإلا فتكاد تخرج المقالات عن حد الحصر والعد ويكون ~~من انفرد بمسألة في أحكام الجواهر مثلا معدودا في ms002 عداد أصحاب المقالات فلا ~~بد إذن من ضابط في مسائل هي أصول وقواعد يكون الاختلاف فيها اختلافا يعتبر ~~مقالة ويعد صاحبه صاحب مقالة # وما وجدت لأحد من أرباب المقالات عناية بتقرير هذا الضابط إلا أنهم ~~استرسلوا في إيراد مذاهب الأمة كيف اتفق وعلى الوجه الذي وجد لا على قانون ~~مستقر وأصل مستمر فاجتهدت على ما تيسر من التقدير وتقدر من التيسير حتى ~~حصرتها في أربع قواعد هي الأصول الكبار # القاعدة الأولى : الصفات والتوحيد فيها # وهي تشتمل على مسائل : # الصفات الأزلية : إثباتا عند جماعة ونفيا عند جماعة # وبيان صفات الذات وصفات الفعل # وما يجب لله تعالى وما يجوز عليه وما يستحيل # وفيها الخلاف بين الأشعرية والكرامية والمجسمة والمعتزلة # القاعدة الثانية : القدر والعدل فيه # وهي تشتمل على مسائل القضاء والقدر والجبر والكسب وإرادة الخير والشر ~~والمقدور والمعلوم إثباتا عند جماعة ( 1 / 14 ) ونفيا عند جماعة # وفيها الخلاف بين : القدرية والنجارية والجبرية والأشعرية والكرامية # القاعدة الثالثة : الوعد والوعيد والأسماء والأحكام # وهي تشتمل على مسائل : الإيمان والتوبة والوعيد والإرجاء والتفكير ~~والتضليل إثباتا على وجه عند جماعة ونفيا عند جماعة # وفيها الخلاف بين المرجئة والوعيدية والمعتزلة والأشعرية والكرامية # القاعدة الرابعة : السمع والعقل والرسالة والإمامة # وهي تشتمل على مسائل : التحسين والتقبيح والصلاح والأصلح واللطف والعصمة ~~في النبوة وشرائط الإمامة نصا عند جماعة وإجماعا عند جماعة وكيفية انتقالها ~~على مذهب من قال بالنص وكيفية إثباتها على مذهب من قال بالإجماع # والخلاف فيها بين الشيعة والخوارج والمعتزلة والكرامية والأشعرية # فإذا وجدنا انفراد واحد من أئمة الأمة بمقالة من هذه القواعد عددنا ~~مقالته مذهبا وجماعته فرقة # وإن وجدنا واحدا انفرد بمسألة فلا نجعل مقالته مذهبا وجماعته فرقة بل ~~نجعله مندرجا تحت واحد ممن وافق سواها مقالته ورددنا باقي مقالاته إلى ~~الفروع التي لا تعد مذهبا مفردا فلا تذهب المقالات إلى غير النهاية # فإذا تعينت المسائل التي هي قواعد الخلاف تبينت أقسام الفرق الإسلامية ~~وانحصرت كبارها في أربع بعد أن تداخل بعضها في بعض PageV01P013 ### || AUTO كبار الفرق الإسلامية أربع PageV01P014 ~~1 ms003 - القدرية 2 - الصفاتية 3 - الخوارج 4 - الشيعة # ثم يتركب بعضها مع بعض ويتشعب عن كل فرقة أصناف فتصل إلى ثلاث وسبعين ~~فرقة . ( 1 / 15 ) # ولأصحاب كتب المقالات طريقان في الترتيب : # أحدهما : أنهم وضعوا المسائل أصولا ثم أوردوا في كل مسألة مذهب طائفة ~~طائفة وفرقة فرقة # والثاني : أنهم وضعوا الرجال وأصحاب المقالات أصولا ثم أوردوا مذاهبهم في ~~مسألة مسألة # وترتيب هذا المختصر على الطريقة الأخيرة لأني وجدتها أضبط للأقسام وأليق ~~بباب الحساب # وشرطي على نفسي أن أورد مذهب كل فرقة على ما وجدته في كتبهم من غير تعصب ~~لهم ولا كسر عليهم دون أن أبين صحيحه من فاسده وأعين حقه من باطله وإن كان ~~لا يخفى على الأفهام الذكية في مدارج الدلائل العقلية لمحات الحق ونفحات ~~الباطل وبالله التوفيق PageV01P014 ### || AUTO المقدمة الثالثة : في بيان أول شبهة وقعت في الخليقة ومن ~~مصدرها في الأول ومن مظهرها في الآخر : PageV01P015 # اعلم أن أول شبهة وقعت في الخليقة : شبهة إبليس لعنه الله # ومصدرها استبداده بالرأي في مقابلة النص واختياره الهوى في معارضة الأمر ~~واستكباره بالمادة التي خلق منها وهي النار على مادة آدم عليه السلام وهي الطين # وانشعبت من هذه الشبهة سبع شبهات وسارت في الخليقة وسرت في أذهان الناس ~~حتى صارت مذاهب بدعة وضلالة وتلك الشبهات مسطورة في شرح الأناجيل الأربعة : ~~إنجيل لوقا ومارقوس ويوحنا ومتى ومذكورة في التوراة متفرقة على شكل مناظرات ~~بينه وبين الملائكة بعد الأمر بالسجود والامتناع منه . ( 1 / 16 ) # قال كما نقل عنه : إني سلمت أن الباري تعالى إلهي وإله الخلق عالم قادر ~~ولا يسأل عن قدرته ومشيئته وأنه مهما أراد شيئا قال له كن فيكون وهو حكيم ~~إلا أنه يتوجه على مساق حكمته أسئلة # قالت الملائكة : ما هي ؟ وكم هي ؟ # قال لعنه الله : سبع # الأول منها : أنه قد علم قبل خلقي أي شيء يصدر عني ويحصل مني فلم خلقني ~~أولا ؟ وما الحكمة في خلقه إياي ؟ # والثاني : إذ خلقني على مقتضى إرادته ومشيئته فلم كلفني بمعرفته وطاعته ؟ ~~وما الحكمة في ms004 هذا التكليف بعد أن لا ينتفع بطاعة ؟ ولا يتضرر بمعصية ؟ # والثالث : إذ خلقني وكلفني فالتزمت تكليفه بالمعرفة والطاعة فعرفت وأطعت ~~فلم كلفني بطاعة آدم والسجود له ؟ وما الحكمة في هذا التكليف على الخصوص ~~بعد أن لا يزيد ذلك في معرفتي وطاعتي إياه ؟ # والرابع : إذ خلقني وكلفني على الإطلاق وكلفني بهذا التكليف على الخصوص ~~فإذا لم أسجد لآدم فلم لعنني وأخرجني من الجنة ؟ وما الحكمة في ذلك بعد أن ~~لم أرتكب قبيحا إلا قولي : لا أسجد إلا لك ؟ # والخامس : إذ خلقني وكلفني مطلقا وخصوصا فلم أطع فلعنني وطردني فلم طرقني ~~إلى آدم حتى دخلت الجنة ثانيا وغررته بوسوستي فأكل من الشجرة المنهي عنها ~~وأخرجه من الجنة معي ؟ وما الحكمة في ذلك بعد أن لو منعني من دخول الجنة ~~لاستراح مني آدم وبقي خالدا فيها ؟ # والسادس : إذ خلقني وكلفني عموما وخصوصا ولعنني ثم طرقني إلى الجنة وكانت ~~الخصومة بيني وبين آدم فلم سلطني على أولاده حتى أراهم من حيث لا يرونني ~~وتؤثر فيهم وسوستي ولا يؤثر في حولهم وقوتهم وقدرتهم واستطاعتهم ؟ وما ~~الحكمة ( 1 / 17 ) في ذلك بعد أن لو خلقهم على الفطرة دون من يحتالهم عنها ~~فيعيشوا طاهرين سامعين مطيعين كان أحرى بهم وأليق بالحكمة # والسابع : سلمت هذا كله : خلقني وكلفني مطلقا ومقيدا وإذا لم أطع لعنني ~~وطردني وإذا أردت دخول الجنة مكنني وطرقني وإذا عملت عملي أخرجني ثم سلطني ~~على بني آدم فلم إذا استمهلته أمهلني فقلت : ( أنظرني إلى يوم يبعثون ) ( ~~قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم ) # وما الحكمة في ذلك بعد أن لو أهلكني في الحال استراح آدم والخلق مني وما ~~بقي شر ما في العالم ؟ أليس بقاء العالم على نظام الخير خيرا من امتزاجه ~~بالشر ؟ # قال : فهذه حجتي على ما ادعيته في كل مسألة # قال شارح الإنجيل : فأوحى الله تعالى إلى الملائكة عليهم السلام قولوا له ~~: إنك في تسليمك الأول أني إلهك وإله الخلق غير صادق ولا مخلص إذ لو صدقت ~~أني إله العالمين ما احتكمت ms005 علي بلم فأنا الله الذي لا إله إلا أنا لا أسأل ~~عما أفعل والخلق مسؤولون # وهذا الذي ذكرته مذكور في التوراة ومسطور في الإنجيل على الوجه الذي ذكرته # وكنت برهة من الزمان أتفكر وأقول : من المعلوم الذي لا مرية فيه أن كل ~~شبهة وقعت لبني آدم فإنما وقعت من إضلال الشيطان الرجيم ووساوسه ونشأت من ~~شبهاته وإذا كانت الشبهات محصورة في سبع عادت كبار البدع والضلالات إلى سبع # ولا يجوز أن تعدو شبهات فرق الزيغ والكفر والضلال هذه الشبهات وإن اختلفت ~~العبارات وتباينت الطرق فإنها بالنسبة إلى أنواع الضلالات كالبذور وترجع ~~جملتها إلى إنكار الأمر بعد الاعتراف بالحق وإلى الجنوح إلى الهوى في ~~مقابلة النص . ( 1 / 18 ) # هذا ومن جادل نوحا وهودا وصالحا وإبراهيم ولوطا وشعيبا وموسى وعيسى ~~ومحمدا صلوات الله عليهم أجمعين كلهم نسجوا على منوال اللعين الأول في ~~إظهار شبهاته # وحاصلها يرجع إلى دفع التكليف عن أنفسهم وجحد أصحاب الشرائع والتكاليف ~~بأسرهم إذ لا فرق بين قولهم : ( أبشر يهدوننا ) وبين قوله ( أأسجد لمن خلقت ~~طينا ) وعن هذا صار مفصل الخلاف ومحز الافتراق كما هو في قوله تعالى : ( ~~وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا ~~) فبين أن المانع من الإيمان هو هذا المعنى كما قال المتقدم في الأول ( ما ~~منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ) ~~وقال المتأخر من ذريته كما قال المتقدم ( أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا ~~يكاد يبين ) # وكذلك لو تعقبنا أقوال المتقدمين منهم وجدناها مطابقة لأقوال المتأخرين ( ~~كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم ) ( فما كانوا ليؤمنوا ~~بما كذبوا به من قبل ) # فاللعين الأول لما حكم العقل على من لا يحتكم عليه العقل لزمه أن يجري ~~حكم الخالق في الخلق أو حكم الخلق في الخالق والأول غلو والثاني تقصير # فثار من الشبهة الأولى مذاهب : # الحلولية والتناسخية والمشبهة والغلاة من الروافض حيث غلوا في حق شخص ms006 من ~~الأشخاص حتى وصفوه بأوصاف الإله # وثار من الشبهة الثانية مذاهب : # القدرية والجبرية والمجسمة حيث قصروا في وصفه تعالى حتى وصفوه بصفات ~~المخلوقين # فالمعتزلة مشبهة الأفعال والمشبهة حلولية الصفات وكل واحد منهم أعور بأي ~~عينيه شاء # فإن من قال : إنما يحسن منه ما يحسن منا ويقبح منه ما يقبح منا فقد شبه ~~الخالق ( 1 / 19 ) بالخلق # ومن قال : يوصف الباري تعالى بما يوصف به الخلق أو يوصف الخلق بما يوصف ~~به الباري تعالى فقد اعتزل عن الحق # وسنخ ( أصل ) القدرية طلب العلة في كل شيء وذاك من سنخ اللعين الأول إذ ~~طلب العلة في الخلق أولا والحكمة في التكليف ثانيا والفائدة في تكليف ~~السجود لآدم عليه السلام ثالثا # وعنه نشأ مذهب الخوارج إذ لا فرق بين قولهم : لا حكم إلا لله ولا نحكم ~~الرجال وبين قوله : لا أسجد إلا لك ( أأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ ~~مسنون ) # وبالجملة ( كلا طرفي قصد الأمور ذميم ) : # فالمعتزلة : غلوا في التوحيد بزعمهم حتى وصلوا إلى التعطيل بنفي الصفات # والمشبهة : قصروا حتى وصفوا الخالق بصفات الأجسام # والروافض : غلوا في النبوة والإمامة حتى وصلوا إلى الحلول # والخوارج : قصروا حتى نفوا تحكيم الرجال # وأنت ترى إذا نظرت أن هذه الشبهات كلها ناشئة من شبهات اللعين الأول وتلك ~~في الأول مصدرها وهذه في الآخرة مظهرها وإليه أشار التنزيل في قوله تعالى : ~~( ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين ) # وشبه النبي صلى الله عليه وسلم كل فرقة ضالة من هذه الأمة بأمة ضالة من ~~الأمم السالفة فقال : ( القدرية مجوس هذه الأمة ) وقال : ( المشبهة يهود ~~هذه الأمة والروافض نصاراها ) ( لم أجد له أصلا ) # وقال عليه الصلاة والسلام جملة : ( لتسلكن سبل الأمم قبلكم حذو القذة ~~بالقذة والنعل بالنعل حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ) . ( 1 / 20 ) PageV01P015 ### || AUTO المقدمة الرابعة : في بيان أول شبهة وقعت في الملة الإسلامية ~~وكيفية انشعابها ومن مصدرها ومن مظهرها : PageV01P020 # وكما قررنا أن الشبهات التي وقعت في آخر الزمان هي بعينها تلك الشبهات ~~التي وقعت في ms007 أول الزمان كذلك يمكن أن نقرر في زمان كل نبي ودور صاحب كل ~~ملة وشريعة : أن شبهات أمته في آخر زمانه ناشئة من شبهات خصماء أول زمانه ~~من الكفار والملحدين وأكثرها من المنافقين وإن خفي علينا ذلك في الأمم ~~السالفة لتمادي الزمان فلم يخف في هذه الأمة أن شبهاتها نشأت كلها من شبهات ~~منافقي زمن النبي عليه الصلاة والسلام إذ لم يرضوا بحكمه فيما كان يأمر ~~وينهى وشرعوا فيما لا مسرح للفكر فيه ولا مسرى وسألوا عما منعوا من الخوض ~~فيه والسؤال عنه وجادلوا بالباطل فيما لا يجوز الجدال فيه # اعتبر حديث ذي الخويصرة التميمي إذ قال : اعدل يا محمد فإنك لم تعدل حتى ~~قال عليه الصلاة والسلام : ( إن لم أعدل فمن يعدل ؟ ) فعاد اللعين وقال ( ~~هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تعالى ) وذلك خروج صريح على النبي عليه ~~الصلاة والسلام ولو صار من اعترض على الإمام الحق خارجيا فمن اعترض على ~~الرسول أحق بأن يكون خارجيا أوليس ذلك قولا بتحسين العقل وتقبيحه وحكما ~~بالهوى في مقابلة النص واستكبارا على الأمر بقياس العقل ؟ حتى قال عليه ~~الصلاة والسلام : ( سيخرج من ضئضئ هذا الرجل قوم يمرقون من الدين كما يمرق ~~السهم من الرمية . . . ) الخبر بتمامه . ( الضئضئ الجنس والأصل ) # واعتبر حال طائفة أخرى من المنافقين يوم أحد إذ قالوا : هل لنا من الأمر ~~من ( 1 / 21 ) شيء وقولهم : ( لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ) ~~وقولهم : ( لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ) فهل ذلك إلا تصريح بالقدر ؟ # وقول طائفة من المشركين : ( لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء ) وقول ~~طائفة : ( أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ) فهل هذا إلا تصريح بالجبر ؟ # واعتبر حال طائفة أخرى حيث جادلوا في ذات الله تفكرا في جلاله وتصرفا في ~~أفعاله حتى منعهم وخوفهم بقوله تعالى : ( ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء ~~وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال ) # فهذا ما كان في زمانه عليه الصلاة والسلام وهو على شوكته وقوته ms008 وصحة بدنه ~~والمنافقون يخادعون فيظهرون الإسلام ويبطنون الكفر وإنما يظهر نفاقهم ~~بالاعتراض في كل وقت على حركاته وسكناته فصارت الاعتراضات كالبذور وظهرت ~~منها الشبهات كالزروع # وأما الاختلافات الواقعة في حال مرضه عليه الصلاة والسلام وبعد وفاته بين ~~الصحابة رضي الله عنهم فهي اختلافات اجتهادية كما قيل كان غرضهم منها إقامة ~~مراسم الشرع وإدامة مناهج الدين # فأول تنازع وقع في مرضه عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام أبو عبد ~~الله محمد بن إسماعيل البخاري بإسناده عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه ~~قال : ( ائتوني بدواة وقرطاس أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي ) # فقال عمر رضي الله عنه : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غلبه الوجع ~~حسبنا كتاب الله وكثر اللغط # فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( قوموا عني لا ينبغي عندي التنازع ) # قال ابن عباس : ( الرزية كل الرزية ما حال بيننا وبين كتاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ) . ( 1 / 22 ) # الخلاف الثاني في مرضه أنه قال : ( جهزوا جيش أسامة لعن الله من تخلف عنه ) # فقال قوم : يجب علينا امتثال أمره وأسامة قد برز من المدينة # وقال قوم : قد اشتد مرض النبي عليه الصلاة والسلام فلا تسع قلوبنا ~~مفارقته والحالة هذه فنصبر حتى نبصر أي شيء يكون من أمره # وإنما أوردت هذين التنازعين لأن المخالفين ربما عدوا ذلك من الخلافات ~~المؤثرة في أمر الدين وليس كذلك وإنما الغرض كله : إقامة مراسم الشرع في ~~حال تزلزل القلوب وتسكين ثائرة الفتنة المؤثرة عند تقلب الأمور # الخلاف الثالث : في موته عليه الصلاة والسلام قال عمر بن الخطاب : من قال ~~إن محمدا قد مات قتلته بسيفي هذا وإنما رفع إلى السماء كما رفع عيسى عليه السلام # وقال أبو بكر بن أبي قحافة رضي الله عنه : من كان يعبد محمدا فإن محمدا ~~قد مات ومن كان يعبد إله محمد فإن إله محمد حي لم يمت ولن يموت وقرأ قول ~~الله سبحانه وتعالى : ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفأن مات ms009 ~~أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي ~~الله الشاكرين ) فرجع القوم إلى قوله # وقال عمر رضي الله عنه : ( كأني ما سمعت هذه الآية حتى قرأها أبو بكر ) # الخلاف الرابع : في موضع دفنه عليه الصلاة والسلام أراد أهل مكة من ~~المهاجرين رده إلى مكة لأنها مسقط رأسه ومأنس نفسه وموطئ قدمه وموطن أهله ~~وموقع رحله # وأراد أهل المدينة من الأنصار دفنه بالمدينة لأنها دار هجرته ومدار نصرته # وأرادت جماعة نقله إلى بيت المقدس لأنه موضع دفن الأنبياء ومنه معراجه ~~إلى السماء # ثم اتفقوا ( 1 / 23 ) على دفنه بالمدينة لما روي عنه عليه الصلاة والسلام ~~: ( الأنبياء يدفنون حيث يموتون ) # الخلاف الخامس : في الإمامة وأعظم خلاف بين الأمة خلاف الإمامة إذ ما سل ~~سيف في الإسلام على قاعدة دينية مثل ما سل على الإمامة في كل زمان # وقد سهل الله تعالى في الصدر الأول فاختلف المهاجرون والأنصار فيها فقالت ~~الأنصار : منا أمير ومنكم أمير واتفقوا على رئيسهم سعد بن عبادة الأنصاري ~~فاستدركه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما في الحال بأن حضرا سقيفة بني ساعدة # وقال عمر : كنت أزور في نفسي كلاما في الطريق فلما وصلنا إلى السقيفة ~~أردت أن أتكلم فقال أبو بكر : ( مه يا عمر فحمد الله وأثنى عليه وذكر ما ~~كنت أقدره في نفسي كأنه يخبر عن غيب فقبل أن يشتغل الأنصار بالكلام مددت ~~يدي إليه فبايعته وبايعه الناس وسكنت الفتنة إلا أن بيعة أبي بكر كانت فلتة ~~وقى الله المسلمين شرها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه فأيما رجل بايع رجلا من ~~غير مشورة من المسلمين فإنهما تغرة يجب أن يقتلا . ( التغرة : غرر بنفسه ~~تغريرا وتغرة : عرضها للهلاك ) # وإنما سكتت الأنصار عن دعواهم لرواية أبي بكر عن النبي عليه الصلاة ~~والسلام : ( الأئمة من قريش ) # وهذه البيعة هي التي جرت في السقيفة ثم لما عاد إلى المسجد انثال الناس ~~عليه وبايعوه عن رغبة سوى جماعة من بني هاشم وأبي سفيان من بني أمية وأمير ms010 ~~المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان مشغولا بما أمره النبي صلى الله ~~عليه وسلم من تجهيزه ودفنه وملازمة قبره من غير منازعة ولا مدافعة . ( 1 / 24 ) # الخلاف السادس : في أمر فدك والتوارث عن النبي عليه الصلاة والسلام ودعوى ~~فاطمة عليها السلام وراثة تارة وتمليكا أخرى حتى دفعت عن ذلك بالرواية ~~المشهورة عن النبي عليه الصلاة والسلام : ( نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما ~~تركناه صدقة ) . ( فدك : قرية شمال المدينة كانت لليهود ولما انهزم يهود ~~خيبر خشي يهود فدك على أنفسهم فسلموا قريتهم للنبي عليه الصلاة والسلام دون ~~قتال فكانت خالصة له ينفق بها على نفسه وعلى بعض المحتاجين من بني هاشم ) # الخلاف السابع : في قتال مانعي الزكاة : # فقال قوم : لا نقاتلهم قتال الكفرة # وقال قوم : بل نقاتلهم حتى قال أبو بكر رضي الله عنه : لو منعوني عقالا ~~مما أعطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه ومضى بنفسه إلى ~~قتالهم ووافقه جماعة الصحابة بأسرهم # وقد أدى اجتهاد عمر رضي الله عنه في أيام خلافته إلى رد السبايا والأموال ~~إليهم وإطلاق المحبوسين منهم والإفراج عن أسراهم # الخلاف الثامن : في تنصيص أبي بكر على عمر بالخلافة وقت الوفاة : # فمن الناس من قال : قد وليت علينا فظا غليظا وارتفع الخلاف بقول أبي بكر ~~: لو سألني ربي يوم القيامة لقلت : وليت عليهم خيرهم لهم # وقد وقع في زمانه اختلافات كثيرة في مسائل ميراث الجد والإخوة والكلالة ~~وفي عقل الأصابع وديات الأسنان وحدود بعض الجرائم التي لم يرد فيها نص # وإنما أهم أمورهم : الاشتغال بقتال الروم وغزو العجم وفتح الله تعالى ~~الفتوح على ( 1 / 25 ) المسلمين وكثرت السبايا والغنائم وكانوا كلهم يصدرون ~~عن رأي عمر رضي الله عنه وانتشرت الدعوة وظهرت الكلمة ودانت العرب ولانت العجم # الخلاف التاسع : في أمر الشورى واختلاف الآراء فيها # واتفقوا كلهم على بيعة عثمان رضي الله عنه وانتظم الأمر واستمرت الدعوة ~~في زمانه وكثرت الفتوح وامتلأ بيت المال وعاشر الخلق على أحسن خلق وعاملهم ~~بأبسط يد # غير ms011 أن أقاربه من بني أمية قد ركبوا نهابر فركبته وجاروا فجير عليه ووقعت ~~في زمانه اختلاقات كثيرة وأخذوا عليه أحداثا كلها محالة على بني أمية . ( ~~نهابر : مهالك جمع نهبورة بضم النون فيهما ) # منها : رده الحكم بن أمية إلى المدينة بعد أن طرده رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وكان يسمى طريد رسول الله وبعد أن تشفع إلى أبي بكر وعمر رضي ~~الله عنهما أيام خلافتهما فما أجابا إلى ذلك ونفاه عمر من مقامه باليمن ~~أربعين فرسخا # ومنها نفيه أبا ذر إلى الربذة وتزويجه مروان بن الحكم بنته وتسليمه خمس ~~غنائم أفريقية له وقد بلغت مائتي ألف دينار # ومنها : إيواؤه عبد الله بن سعد بن أبي سرح وكان رضيعه بعد أن أهدر النبي ~~عليه الصلاة والسلام دمه وتوليته إياه مصر بأعمالها وتوليته عبد الله بن ~~عامر البصرة حتى أحدث فيها ما أحدث إلى غير ذلك مما نقموا عليه # وكان أمراء جنوده : معاوية بن أبي سفيان عامل الشام وسعد بن أبي وقاص ~~عامل الكوفة وبعده الوليد بن عقبة وسعيد بن العاص وعبد الله بن عامر عامل ~~البصرة وعبد الله بن سعد بن أبي سرح عامل مصر وكلهم خذلوه ورفضوه حتى أتى ~~قدره عليه وقتل مظلوما في داره وثارت الفتنة من الظلم الذي جرى عليه ولم ~~تسكن بعد . ( 1 / 26 ) # الخلاف العاشر : في زمان أمير المؤمنين علي رضي الله عنه بعد الاتفاق ~~عليه وعقد البيعة له # فأوله : خروج طلحة والزبير إلى مكة ثم حمل عائشة إلى البصرة ثم نصب ~~القتال معه ويعرف ذلك بحرب الجمل # والحق أنهما رجعا وتابا إذ ذكرهما أمرا فتذكراه # فأما الزبير فقتله ابن جرموز بقوس وقت الانصراف وهو في النار لقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم : ( بشر قاتل ابن صفية بالنار ) # وأما طلحة فرماه مروان بن الحكم بسهم وقت الإعراض فخر ميتا # وأما عائشة رضي الله عنها فكانت محمولة على ما فعلت ثم تابت بعد ذلك ~~ورجعت . والخلاف بينه وبين معاوية وحرب صفين ومخالفة الخوارج وحمله على ~~التحكيم ومغادرة ms012 عمرو بن العاص أبا موسى الأشعري وبقاء الخلاف إلى وقت ~~وفاته مشهور # وكذلك الخلاف بينه وبين الشراة المارقين بالنهروان عقدا وقولا ونصب ~~القتال معه فعلا ظاهرا معروف # وبالجملة كان علي رضي الله عنه مع الحق والحق معه # وظهر في زمانه الخوارج عليه مثل الأشعث بن قيس ومسعود بن فدكي التميمي ~~وزيد بن حصين الطائي وغيرهم # وكذلك ظهر في زمانه الغلاة في حقه مثل عبد الله بن سبأ وجماعة معه # ومن الفريقين ابتدأت البدعة والضلالة وصدق فيه قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم : ( يهلك فيه اثنان محب غال ومبغض قال ) # وانقسمت الاختلافات بعده إلى قسمين : أحدهما : الاختلاف في الإمامة # والثاني : الاختلاف في الأصول . ( 1 / 27 ) # والاختلاف في الإمامة على وجهين : # أحدهما : القول بأن الإمامة تثبت بالاتفاق والاختيار # والثاني : القول بأن الإمامة تثبت بالنص والتعيين # فمن قال : إن الإمامة تثبت بالاتفاق والاختيار قال بإمامة كل من اتفقت ~~عليه الأمة أو جماعة معتبرة من الأمة : إما مطلقا وإما بشرط أن يكون قرشيا ~~على مذهب قوم وبشرط أن يكون هاشميا على مذهب قوم إلى شرائط أخرى كما سيأتي # ومن قال بالأول قال بإمامة معاوية وأولاده وبعدهم بخلافة مروان وأولاده # والخوارج اجتمعوا في كل زمان على واحد منهم بشرط أن يبقى على مقتضى ~~اعتقادهم ويجري على سنن العدل في معاملاتهم وإلا خذلوه وخلعوه وربما قتلوه # ومن قالوا إن الإمامة تثبت بالنص اختلفوا بعد علي رضي الله عنه : # فمنهم من قال : إنه نص على ابنه محمد بن الحنفية وهؤلاء هم الكيسانية ثم ~~اختلفوا بعده : # فمنهم من قال : إنه لم يمت ويرجع فيملأ الأرض عدلا : # ومنهم من قال : إنه مات وانتقلت الإمامة بعده إلى ابنه أبي هاشم وافترق ~~هؤلاء : # فمنهم من قال : الإمامة بقيت في عقبه وصية بعد وصية # ومنهم من قال : إنها انتقلت إلى غيره واختلفوا في ذلك الغير : # فمنهم من قال : هو بنان بن سمعان النهدي # ومنهم من قال : هو علي بن عبد الله بن عباس # ومنهم من قال : هو عبد الله بن حرب الكندي ms013 # ومنهم من قال : هو عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب # وهؤلاء كلهم يقولون : إن الدين طاعة رجل ويتأولون أحكام الشرع كلها على ~~شخص معين كما ستأتي مذاهبهم # وأما من لم يقل بالنص على محمد بن الحنفية فقال بالنص على الحسن والحسين ~~رضي الله عنهما وقال : لا إمامة في الأخوين إلا الحسن والحسين رضي الله ~~عنهما ثم اختلفوا : # فمنهم من أجرى الإمامة في أولاد الحسن فقال بعده بإمامة ابنه الحسن ثم ~~ابنه عبد الله ثم ابنه محمد ثم أخيه إبراهيم الإمامين وقد خرجا في أيام ~~المنصور فقتلا في أيامه # ومن ( 1 / 28 ) هؤلاء من يقول برجعة محمد الإمام # ومنهم من أجرى الوصية في أولاد الحسين وقال بعده بإمامة ابنه علي بن ~~الحسين زين العابدين نصا عليه ثم اختلفوا بعده : # فقالت الزيدية بإمامة ابنه زيد ومذهبهم أن كل فاطمي خرج وهو عالم زاهد ~~شجاع سخي كان إماما واجب الاتباع وجوزوا رجوع الإمامة إلى أولاد الحسن # ثم منهم من وقف وقال بالرجعة # ومنهم من ساق وقال بإمامة كل من هذا حاله في كل زمان وسيأتي فيما بعد ~~تفصيل مذاهبهم # وأما الإمامية : فقالوا بإمامة محمد بن علي الباقر نصا عليه ثم بإمامة ~~جعفر بن محمد الصادق وصية إليه ثم اختلفوا بعده في أولاده : من المنصوص ~~عليه ؟ وهم خمسة : # محمد وإسماعيل وعبد الله وموسى وعلي : # فمنهم من قال بإمامة محمد وهم العمارية # ومنهم من قال بإمامة إسماعيل وأنكر موته في حياة أبيه وهم المباركية : # ومن هؤلاء من وقف عليه وقال برجعته # ومنهم من ساق الإمامة في أولاده نصا بعد نص إلى يومنا هذا وهم ~~الإسماعيلية # ومنهم من قال بإمامة عبد الله الأفطح وقال برجعته بعد موته لأنه مات ولم يعقب # ومنهم من قال بإمامة موسى نصا عليه إذ قال والده : سابعكم قائمكم ألا وهو ~~سمي صاحب التوراة ثم هؤلاء اختلفوا : # فمنهم من اقتصر عليه وقال برجعته إذ قال لم يمت هو # ومنهم من توقف في موته وهم الممطورة # ومنهم ms014 من قطع بموته وساق الإمامة إلى ابنه علي بن موسى الرضا وهم القطعية ~~ثم هؤلاء اختلفوا في كل ولد بعده : # فالاثنا عشرية ساقوا الإمامة من علي الرضا إلى ابنه محمد ثم إلى ابنه علي ~~ثم إلى ابنه الحسن ثم إلى ابنه محمد القائم المنتظر الثاني عشر وقالوا : هو ~~حي لم يمت ويرجع فيملأ الدنيا عدلا كما ملئت جورا # وغيرهم ساقوا الإمامة إلى الحسن العسكري ثم قالوا بإمامة أخيه جعفر ~~وقالوا بالتوقف عليه أو قالوا بالشك في حال محمد ولهم خبط طويل في سوق ~~الإمامة والتوقف والقول بالرجعة بعد الموت والقول الغيبة ثم بالرجعة بعد الغيبة # فهذه جملة الاختلاف في الإمامة وسيأتي تفصيل ذلك عند ذكر المذاهب . ( 1 / 29 ) # وأما الاختلافات في الأصول : # فحدثت في آخر أيام الصحابة بدعة معبد الجهني وغيلان الدمشقي ويونس ~~الأسواري في القول بالقدر وإنكار إضافة الخير والشر إلى القدر ونسج على ~~منوالهم واصل بن عطاء الغزال وكان تلميذ الحسن البصري وتلمذ له عمرو بن ~~عبيد وزاد عليه في مسائل القدر # وكان عمرو من دعاة يزيد الناقص أيام بني أمية ثم والي المنصور وقال ~~بإمامته ومدحه المنصور يوما فقال : نثرت الحب للناس فلقطوا غير عمرو بن عبيد # والوعيدية من الخوارج والمرجئة من الجبرية # والقدرية ابتدءوا بدعتهم في زمان الحسن واعتزل واصل عنهم وعن أستاذه ~~بالقول منه بالمنزلة بين المنزلتين فسمي هو وأصحابه معتزلة وقد تلمذ له زيد ~~بن علي وأخذ الأصول فلذلك صارت الزيدية كلهم معتزلة # ومن رفض زيد بن علي لأنه خالف مذهب آبائه في الأصول وفي التبري والتولي ~~وهم أهل الكوفة وكانوا جماعة سموا رافضة # ثم طالع بعد ذلك شيوخ المعتزلة كتب الفلاسفة حين نشرت أيام المأمون فخلطت ~~مناهجها بمناهج الكلام وأفردتها فنا من فنون العلم وسمتها باسم الكلام : # إما لأن أظهر مسألة تكلموا فيها وتقاتلوا عليها هي مسألة الكلام فسمي ~~النوع باسمها # وإما لمقابلتهم الفلاسفة في تسميتهم فنا من فنون علمهم بالمنطق والمنطق ~~والكلام مترادفان # وكان أبو الهذيل العلاف - شيخهم الأكبر - وافق الفلاسفة في ms015 أن الباري ~~تعالى عالم بعلم وعلمه ذاته وكذلك قادر بقدرة وقدرته ذاته وأبدع بدعا في ~~الكلام والإرادة وأفعال العباد والقول بالقدر والآجال والأرزاق كما سيأتي ~~في حكاية مذهبه # وجرت بينه وبين هشام بن الحكم مناظرات في أحكام التشبيه # وأبو يعقوب الشحام والآدمي صاحبا أبي الهذيل وافقاه في ذلك كله . ( 1 / 30 ) # ثم إبراهيم بن سيار النظام - في أيام المعتصم - كان أغلى في تقرير مذاهب ~~الفلاسفة وانفرد عن السلف ببدع في القدر والرفض وعن أصحابه بمسائل نذكرها # ومن أصحابه : محمد بن شبيب وأبو شمر وموسى بن عمران والفضل الحدثي وأحمد ~~بن خابط # ووافقه الأسواري في جميع ما ذهب إليه من البدع # وكذلك الإسكافية أصحاب أبي جعفر الإسكافي # والجعفرية أصحاب الجعفر بن جعفر بن مبشر وجعفر بن حرب # ثم ظهرت بدع بشر بن المعتمر من القول بالتولد والإفراط فيه والميل إلى ~~الطبيعيين من الفلاسفة والقول بأن الله تعالى قادر على تعذيب الطفل وإذا ~~فعل ذلك فهو ظالم إلى غير ذلك مما تفرد به عن أصحابه # وتلمذ له أبو موسى المزدار راهب المعتزلة وانفرد عنه بإبطال إعجاز القرآن ~~من جهة الفصاحة والبلاغة وفي أيامه جرت أكثر التشديدات على السلف لقولهم ~~بقدم القرآن # وتلمذ له الجعفران وأبو زفر ومحمد بن سويد صاحبا المزدار وأبو جعفر ~~الإسكافي وعيسى بن الهيثم صاحبا جعفر بن حرب الأشج # وممن بالغ في القول بالقدر : هشام بن عمرو الفوطي والأصم من أصحابه وقدحا ~~في إمامة علي رضي الله عنه بقولهما : إن الإمامة لا تنعقد إلا بإجماع الأمة ~~عن بكرة أبيهم # والفوطي والأصم اتفقا على أن الله تعالى يستحيل أن يكون عالما بالأشياء ~~قبل كونها ومنعا كون المعدوم شيئا # وأبو الحسين الخياط وأحمد بن علي الشطوي صحبا عيسى الصوفي ثم لزما أبا مجالد # وتلمذ الكعبي لأبي الحسين الخياط ومذهبه بعينه مذهبه # وأما معمر بن عباد السلمي وثمامة بن أشرس النميري وأبو عثمان عمرو بن بحر ~~الجاحظ فكانوا في زمان واحد متقاربين في الرأي والاعتقاد منفردين عن ~~أصحابهم بمسائل في موضعها نذكرها ms016 # والمتأخرون : منهم أبو علي الجبائي وابنه أبو هاشم والقاضي عبد الجبار ( ~~1 / 31 ) وأبو الحسين البصري قد لخصوا طرق أصحابهم وانفردوا عنهم بمسائل ستأتي # أما رونق الكلام فابتداؤه من الخلفاء العباسيين : هارون والمأمون ~~والمعتصم والواثق والمتوكل وانتهاؤه من الصاحب بن عباد وجماعة من الديالمة # وظهرت جماعة من المعتزلة متوسطين مثل : ضرار بن عمرو وحفص الفرد والحسين النجار # ومن المتأخرين خالفوا الشيوخ في مسائل ونبغ منهم جهم بن صفوان في أيام ~~نصر بن سيار وأظهر بدعته في الجبر بترمذ وقتله سالم بن أحوز المازني في آخر ~~ملك بني أمية بمرو # وكانت بين المعتزلة وبين السلف في كل زمان اختلافات في الصفات وكان السلف ~~يناظرونهم عليها لا على قانون كلامي بل على قول إقناعي ويسمون الصفاتية : ~~فمن مثبت صفات الباري تعالى معاني قائمة بذاته ومن مشبه صفاته بصفات الخلق ~~وكلهم يتعلقون بظواهر الكتاب والسنة ويناظرون المعتزلة في قدم العالم على ~~قول ظاهر # وكان عبد الله بن سعيد الكلابي وأبو العباس القلانسي والحارث بن أسد ~~المحاسبي أشبههم إتقانا وأمتنهم كلاما # وجرت مناظرة بين أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري وبين أستاذه أبي علي ~~الجبائي في بعض مسائل التحسين والتقبيح فألزم الأشعري أستاذه أمورا لم يخرج ~~عنها بجواب فأعرض عنه وانحاز إلى طائفة السلف ونصر مذهبهم على قاعدة كلامية ~~فصار ذلك مذهبا منفردا # وقرر طريقته جماعة من المحققين مثل القاضي أبي بكر الباقلاني والأستاذ ~~أبي إسحاق الأسفرائيني والأستاذ أبي بكر بن فورك وليس بينهم كثير اختلاف # ونبغ رجل متنمس ( متستر ) بالزهد من سجستان يقال له أبو عبد الله محمد بن ~~كرام قليل العلم قد قمش ( قمش من كل مذهب : أخذ رذالته ) من كل مذهب ضغثا ( ~~الضغث : الباطل والكلام المخلط الفاسد ) وأثبته في كتابه وروجه على أغتام ( ~~الذين لا يفصحون ) غرجة وغور وسواد بلاد خراسان فانتظم ناموسه وصار ذلك مذهبا # وقد نصره محمود بن سبكتكين السلطان وصب البلاء على أصحاب الحديث والشيعة ~~من جهتهم # وهو أقرب مذهب إلى مذهب الخوارج وهم مجسمة وحاشا غير محمد ms017 بن الهيصم فإنه ~~مقارب . ( 1 / 32 ) PageV01P020 ### || AUTO المقدمة الخامسة : في السبب الذي أوجب ترتيب هذا الكتاب على ~~طريق الحساب وفيها إشارة إلى مناهج الحساب : PageV01P032 # لما كان مبنى الحساب على الحصر والاختصار وكان غرضي من تأليف هذا الكتاب ~~حصر المذاهب مع الاختصار اخترت طريق الاستيفاء ترتيبا وقدرت أغراضي على ~~مناهجه تقسيما وتبويبا وأردت أن أبين كيفية طرق هذا العلم وكمية أقسامه ~~لئلا يظن بي أني من حيث أنا فقيه ومتكلم أجنبي النظر في مسالكه ومراسمه ~~أعجمي القلم بمداركه ومعالمه # فآثرت من طرق الحساب أحكمها وأحسنها وأقمت عليه من حجج البرهان أوضحها ~~وأمتنها وقدرتها على علم العدد وكان الواضع الأول منه استمداد المدد فأقول : # مراتب الحساب تبتدئ من واحد وتنتهي إلى سبع ولا تجاوزها البتة # المرتبة الأولى : صدر الحساب وهو الموضوع الأول الذي يرد عليه التقسيم الأول # وهو فرد لا زوج له باعتبار وجملة يقبل التقسيم والتفصيل باعتبار # فمن حيث أنه فرد فهو لا يستدعي أختا تساويه في الصورة والمدة # ومن حيث هو جملة فهو قابل للتفصيل حتى ينقسم إلى قسمين # وصورة المدة يجب أن تكون من الطرف إلى الطرف ويكتب تحتها حشوا مجملات ~~التفاصيل ومرسلات التقدير والتقرير والنقل والتحويل وكليات وجوه المجموع ~~وحكايات الإلحاق والموضوع # ويكتب تحتها بارزا من الطرف الأيسر كميات مبالغ المجموع . ( 1 / 33 ) # المرتبة الثانية منها : الأصل وشكلها محقق وهو التقسيم الأول الذي ورد ~~على المجموع الأول # وهو زوج ليس بفرد ويجب حصره في قسمين لا يعدوان إلى ثالث # وصورة المدة يجب أن تكون أقصر من الصدر بقليل إذ الجزء أقل من الكل # ويكتب تحتها حشوا ما يخصها من التوجيه والتنويع والتفصيل # ولها أخت تساويها في المدة وإن لم يجب أن تساويها في المقدار # المرتبة الثالثة من ذلك : الأصل وشكله محقق أيضا وهو التقسيم الثاني الذي ~~ورد على الموضوع الأول والثاني وذلك لا يجوز أن ينقص عن قسمين ولا يجوز أن ~~يزيد على أربعة أقسام ومن جاوز من أهل الصنعة فقد أخطأ وما علم وضع الحساب ~~وسنذكر السبب ms018 فيه # وصورته ومدته أقصر من مدة منها الأصل بقليل # وكذلك يكتب تحتها ما يليق بها حشوا وبارزا # المرتبة الرابعة منها : المطموس وشكلها هكذا ( ط ) وذلك يجوز أن يجاوز ~~الأربعة وأحسن الطرق أن يقتصر على الأقل # ومدتها أقصر مما مضى # المرتبة الخامسة من ذلك : الصغير وشكله هكذا ( ص ) وذلك يجوز إلى حيث ~~ينتهي التقسيم والتبويب # والمدة أقصر مما مضى # المرتبة السادسة منها : المعوج وشكله هكذا ( ) وذلك أيضا يجوز إلى حيث ~~ينتهي التفصيل # المرتبة السابعة من ذلك : المعقد وشكله هكذا ( لل ) ولكن يمد من الطرف ~~إلى الطرف لا على أنه صدر الحساب بل من حيث إنه النهاية التي تشاكل البداية ~~. ( 1 / 34 ) # فهذه كيفية صور الحساب نقشا وكمية أبوابها جملة ولكل قسم من الأبواب أخت ~~تقابله وزوج يساويه في المدة لا يجوز إغفال ذلك بحال # والحساب تاريخ وتوجيه # والآن نذكر كمية هذه الصورة وانحصار الأقسام في سبع ولم صار العدد الأول ~~فردا لا زوج له في الصورة ؟ ولم انحصر منها الأصل في قسمين لا يعدوان إلى ~~ثالث ؟ ولم انحصر من ذلك الأصل في أربعة أقسام ؟ ولم خرجت الأقسام الأخر عن ~~الحصر ؟ # فأقول : إن العقلاء الذين تكلموا في علم العدد والحساب اختلفوا في الواحد ~~: أهو من العدد أم هو مبدأ العدد وليس داخلا في العدد ؟ وهذا الاختلاف إنما ~~ينشأ من اشتراك لفظ الواحد # فالواحد : يطلق ويراد به ما يتركب منه العدد فإن الاثنين لا معنى لها إلا ~~واحد مكرر أول تكرير وكذلك الثلاثة والأربعة # ويطلق ويراد به ما يحصل منه العدد أي هو علته ولا يدخل في العدد أي لا ~~يتركب منه العدد # وقد تلازم الواحدية جميع الأعداد لا على أن العدد تركب منها بل كل موجود ~~فهو في جنسه أو نوعه أو شخصه واحد يقال : إنسان واحد وشخص واحد # وفي العدد كذلك فإن الثلاثة في أنها ثلاثة واحدة # فالواحدية : # بالمعنى الأول داخلة في العدد # وبالمعنى الثاني علة للعدد # وبالمعنى الثالث ملازمة للعدد # وليس من الأقسام الثلاثة قسم يطلق على الباري تعالى معناه ms019 فهو واحد لا ~~كالآحاد أي هذه الوحدات والكثرة منه وجدت ويستحيل عليه الانقسام بوجه من ~~وجوه القسمة # وأكثر أصحاب العدد على أن الواحد لا يدخل في العدد فالعدد مصدره الأول اثنان # وهو ينقسم إلى زوج وفرد : # فالفرد الأول : ثلاثة # والزوج الأول : أربعة # وما وراء الأربعة فهو مكرر : # كالخمسة : فإنها مركبة من عدد وفرد وتسمى العدد الدائر # والستة : مركبة من فردين وتسمى العدد التام # والسبعة : مركبة من فرد وزوج وتسمى العدد الكامل # والثمانية : مركبة من زوجين وهي بداية أخرى وليس ذلك من غرضنا # فصدر الحساب في مقابلة الواحد الذي هو علة العدد وليس يدخل فيه ولذلك هو ~~( 1 / 35 ) فرد لا أخت له # ولما كان العدد مصدره من اثنين صار منها المحقق محصورا في قسمين # ولما كان العدد منقسما إلى فرد وزوج صار من ذلك الأصل محصورا في أربعة ~~فإن الفرد الأول ثلاثة والزوج الأول أربعة وهي النهاية وما عداها مركب منها # فكان البسائط العامة الكلية في العدد : واحد واثنان وثلاثة وأربعة وهي ~~الكمال وما زاد عليها فمركبات كلها ولا حصر لها فلذلك لا تنحصر الأبواب ~~الأخر في عدد معلوم بل تتناهى بما ينتهي به الحساب ثم تركيب العدد على ~~المعدود وتقدير البسيط على المركب فمن علم آخر # وسنذكر ذلك عند ذكرنا مذاهب قدماء الفلاسفة # فإذا نجزت المقدمات على أوفى تقرير وأحسن تحرير شرعنا في ذكر مقالات أهل ~~العالم من لدن آدم عليه السلام إلى يومنا هذا لعله لا يشذ من أقسامها مذهب # ونكتب تحت كل باب وقسم ما يليق به ذكرا حتى يعرف لم وضع ذلك اللفظ لذلك ~~الباب ؟ ونكتب تحت ذكر الفرقة المذكورة ما يعم أصنافها مذهبا واعتقادا وتحت ~~كل صنف ما خصه وانفرد به عن أصحابه # ونستوفي أقسام الفرق الإسلامية ثلاثا وسبعين فرقة # ونقتصر في أقسام الفرق الخارجة عن الملة الحنيفية على ما هو أشهر وأعرف ~~أصلا وقاعدة فنقدم ما هو أولى بالتقديم ونؤخر ما هو أجدر بالتأخير # وشرط الصناعة الحسابية أن يكتب بإزاء المحدود من الخطوط ما ms020 يكتب حشوا # وشرط الصناعة الكتابية أن تترك الحواشي على الرسم المعهود عفوا # فراعيت شرط الصناعتين ومددت الأبواب على شرط الحساب وتركت الحواشي على ~~رسم الكتاب وبالله أستعين وعليه أتوكل وهو حسبنا ونعم الوكيل . ( 1 / 36 ) PageV01P032 ### || AUTO مذاهب أهل العالم من أرباب الديانات والملل وأهل الأهواء ~~والنحل : PageV01P036 # من الفرق الإسلامية وغيرهم ممن له كتاب منزل محقق مثل : اليهود والنصارى ~~وممن له شبهة كتاب مثل : المجوس والمانوية وممن له حدود وأحكام دون كتاب ~~مثل : الفلاسفة الأولى والدهرية وعبدة الكواكب والأوثان والبراهمة # نذكر أربابها وأصحابها وننقل مآخذها ومصادرها عن كتب طائفة طائفة على ~~موجب اصطلاحاتها بعد الوقوف على مناهجها والفحص الشديد عن مبادئها وعواقبها # ثم إن التقسيم الصحيح الدائر بين النفي والإثبات هو قولنا : إن أهل ~~العالم انقسموا من حيث المذاهب إلى : أهل الديانات وإلى أهل الأهواء فإن ~~الإنسان إذا اعتقد عقدا أو قال قولا فإما أن يكون فيه مستفيدا من غيره أو ~~مستبدا برأيه # فالمستفيد من غيره مسلم مطيع والدين هو الطاعة # والمسلم المطيع فهو المتدين # والمستبد برأيه محدث مبتدع # وفي الخبر عن النبي عليه الصلاة والسلام : ( ما شقي امرؤ عن مشورة ولا ~~سعد باستبداد برأي ) # وربما يكون المستفيد من غيره مقلدا قد وجد مذهبا اتفاقيا بأن كان أبواه ~~أو معلمه على اعتقاد باطل فيتقلده منه دون أن يتفكر في حقه وباطله وصواب ~~القول فيه وخطئه فحينئذ لا يكون مستفيدا لأنه ما حصل على فائدة وعلم ولا ~~اتبع الأستاذ على بصيرة ويقين ( إلا من شهد بالحق وهم يعلمون ) شرط عظيم ~~فليعتبر # وربما يكون المستبد برأيه مستنبطا مما استفاده على شرط أن يعلم موضع ~~الاستنباط وكيفيته فحينئذ لا يكون مستبدا حقيقة لأنه حصل العلم بقوة تلك ~~الفائدة ( لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) ركن عظيم فلا تغفل . ( 1 / 37 ) # فالمستبدون بالرأي مطلقا هم المنكرون للنبوات مثل الفلاسفة والصابئة ~~والبراهمة وهم لا يقولون بشرائع وأحكام أمرية بل يضعون حدودا عقلية حتى ~~يمكنهم التعايش عليها # والمستفيدون هم القائلون بالنبوات # ومن كان قال بالأحكام الشرعية فقد قال بالحدود ms021 العقلية ولا ينعكس PageV01P036 ### || AUTO تمهيد : أرباب الديانات والملل من المسلمين وأهل الكتاب وممن ~~له شبهه كتاب : PageV01P037 # نتكلم ههنا في معنى الدين والملة والشرعة والمنهاج والإسلام والحنيفية ~~والسنة والجماعة فإنها عبارات وردت بالتنزيل ولكل واحدة منها معنى يخصها ~~وحقيقة توافقها لغة واصطلاحا # وقد بينا معنى الدين : أنه الطاعة والانقياد وقد قال الله تعالى : ( إن ~~الدين عند الله الإسلام ) # وقد يرد بمعنى الجزاء يقال : ( كما تدين تدان ) أي كما تفعل تجازى # وقد يرد بمعنى الحساب يوم المعاد والتناد قال تعالى : ( ذلك الدين القيم ) # فالمتدين : هو المسلم المطيع المقر بالجزاء والحساب يوم التناد والمعاد ~~قال الله تعالى : ( ورضيت لكم الإسلام دينا ) # ولما كان نوع الإنسان محتاجا إلى اجتماع مع آخر من بني جنسه في إقامة ~~معاشه والاستعداد لمعاده وذلك لاجتماع يجب أن يكون على شكل يحصل به التمانع ~~والتعاون حتى يحفظ بالتمانع ما هو أهله ويحصل بالتعاون ما ليس له فصورة ~~الاجتماع على هذه الهيئة هي الملة # والطريق الخاص الذي يوصل إلى هذه الهيئة هو المنهاج والشرعة ( 1 / 38 ) ~~والسنة . والاتفاق على تلك السنة هي الجماعة # قال الله تعالى : ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) # ولن يتصور وضع الملة وشرع الشرعة إلا بواضع شارع يكون مخصوصا من عند الله ~~بآيات تدل على صدقه وربما تكون الآية مضمنة في نفس الدعوى وقد تكون ملازمة ~~وربما تكون متأخرة # ثم اعلم أن الملة الكبرى هي ملة إبراهيم الخليل عليه السلام وهي الحنيفية ~~التي تقابل الصبوة تقابل التضاد . وسنذكر كيفية ذلك إن شاء الله تعالى قال ~~الله تعالى : ( ملة أبيكم إبراهيم ) # والشريعة ابتدأت من نوح عليه السلام قال الله تعالى : ( شرع لكم من الدين ~~ما وصى به نوحا ) # والحدود والأحكام ابتدأت من آدم وشيث وإدريس عليهم السلام # وختمت الشرائع والملل والمناهج والسنن بأكملها وأتمها حسنا وجمالا بمحمد ~~عليه الصلاة والسلام # قال الله تعالى : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم ~~الإسلام دينا ) # وقد قيل : خص آدم بالأسماء وخص نوح بمعاني تلك الأسماء وخص إبراهيم ~~بالجمع بينهما ms022 ثم خص موسى بالتنزيل وخص عيسى بالتأويل وخص المصطفى صلوات ~~الله عليهم أجمعين بالجمع بينهما على ملة أبيكم إبراهيم # ثم كيفية التقرير الأول والتكميل بالتقرير الثاني بحيث يكون مصدقا كل ~~واحد ما بين يديه من الشرائع الماضية والسنن السالفة تقديرا للأمر على ~~الخلق وتوفيقا للدين على الفطرة # فمن خاصية النبوة : لا يشاركهم فيها غيرهم # وقد قيل إن الله عز وجل أسس دينه على مثال خلقه ليستدل بخلقه على دينه ~~وبدينه على وحدانيته . ( 1 / 39 ) PageV01P037 ### | AUTO الباب الأول : المسلمون PageV01P039 ~~1 - قد ذكرنا معنى الإسلام ونفرق ههنا بينه وبين الإيمان والإحسان ونبين ~~ما المبدأ وما الوسط وما الكمال بالخبر المعروف في دعوة جبريل عليه السلام ~~حيث جاء على صورة أعرابي وجلس حتى ألصق ركبته بركبة النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقال : يا رسول الله ما الإسلام ؟ # فقال : ( أن تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وأن تقيم الصلاة ~~وتؤتي الزكاة وتصوم شهر رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ) # قال : صدقت ثم قال : ما الإيمان ؟ # قال عليه الصلاة والسلام : ( أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر وأن تؤمن بالقدر خيره وشره ) # قال : صدقت ثم قال : ما الإحسان ؟ # قال عليه الصلاة والسلام : ( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه ~~فإنه يراك ) # قال : صدقت ثم قال : متى الساعة ؟ # قال عليه الصلاة والسلام : ( ما المسئول عنها بأعلم من السائل ) # ثم قام وخرج فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( هذا جبريل جاءكم يعلمكم ~~أمر دينكم ) # ففرق بالتفسير بين الإسلام والإيمان # والإسلام قد يرد بمعنى الاستسلام ظاهرا ويشترك فيه المؤمن والمنافق # قال الله تعالى : ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ) ~~ففرق التنزيل بينهما . ( 1 / 40 ) # فإذا كان الإسلام بمعنى التسليم والانقياد ظاهرا موضع الاشتراك فهو المبدأ # ثم إذا كان الإخلاص معه بأن يصدق بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر ويقر عقدا بأن القدر خيره وشره من الله تعالى بمعنى أن ما أصابه لم ~~يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ms023 ليصيبه كان مؤمنا حقا # ثم إذا جمع بين الإسلام والتصديق وقرن المجاهدة بالمشاهدة وصار غيبه ~~شهادة فهو الكمال # فكان الإسلام مبدأ والإيمان وسطا والإحسان كمالا وعلى هذا شمل لفظ ~~المسلمين : الناجي والهالك # وقد يرد الإسلام وقرينه الإحسان قال الله تعالى : ( بلى من أسلم وجهه لله ~~وهو محسن ) وعليه يحمل قوله تعالى : ( ورضيت لكم الإسلام دينا ) وقوله : ( ~~إن الدين عند الله الإسلام ) وقوله : ( إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب ~~العالمين ) وقوله : ( فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) وعلى هذا خص الإسلام ~~بالفرق الناجية والله أعلم PageV01P039 ~~2 - أهل الأصول المختلفون في : التوحيد والعدل والوعد والوعيد والسمع والعقل # نتكلم ههنا في معنى الأصول والفروع وسائر الكلمات # قال بعض المتكلمين : الأصول : معرفة الباري تعالى بوحدانيته وصفاته ~~ومعرفة الرسل بآياتهم وبيناتهم # وبالجملة : كل مسألة يتعين الحق فيها بين المتخاصمين فهي من الأصول # ومن المعلوم أن الدين إذا كان منقسما إلى معرفة وطاعة والمعرفة أصل ~~والطاعة فرع # فمن تكلم في المعرفة والتوحيد كان أصوليا # ومن تكلم في الطاعة والشريعة كان فروعيا # فالأصول : هو موضوع علم الكلام # والفروع : هو موضوع علم الفقه # وقال بعض ( 1 / 41 ) العقلاء : كل ما هو معقول ويتوصل إليه بالنظر ~~والاستدلال فهو من الأصول # وكل ما هو مظنون ويتوصل إليه بالقياس والاجتهاد فهو من الفروع # وأما التوحيد : # فقد قال أهل السنة وجميع الصفاتية : إن الله تعالى واحد في ذاته لا قسيم ~~له وواحد في صفاته الأزلية لا نظير له وواحد في أفعاله لا شريك له # وقال أهل العدل : إن الله تعالى واحد في ذاته لا قسمة ولا صفة له وواحد ~~في أفعاله لا شريك له فلا قديم غير ذاته ولا قسيم له في أفعاله ومحال وجود ~~قديمين ومقدور بين قادرين وذلك هو التوحيد # وأما العدل : # فعلى مذهب أهل السنة أن الله تعالى عدل في أفعاله بمعنى أنه متصرف في ~~ملكه وملكه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد # فالعدل : وضع الشيء موضعه وهو التصرف في الملك على مقتضى المشيئة والعلم # والظلم بضده فلا ms024 يتصور منه جور في الحكم وظلم في التصرف # وعلى مذهب أهل الاعتزال : العدل ما يقتضيه العقل من الحكمة وهو إصدار ~~الفعل على وجه الصواب والمصلحة # وأما الوعد والوعيد : # فقد قال أهل السنة : الوعد والوعيد كلامه الأزلي وعد على ما أمر وأوعد ~~على ما نهى فكل من نجا واستوجب الثواب فبوعده وكل من هلك واستوجب العقاب ~~فبوعيده فلا يجب عليه شيء من قضية العقل # وقال أهل العدل : لا كلام في الأزل وإنما أمر ونهى ووعد وأوعد بكلام محدث ~~فمن نجا فبفعله استحق الثواب ومن خسر فبفعله استوجب العقاب والعقل من حيث ~~الحكمة يقتضي ذلك # وأما السمع والعقل : # فقد قال أهل السنة : الواجبات كلها بالسمع والمعارف كلها بالعقل . فالعقل ~~لا يحسن ولا يقبح ولا يقتضي ولا يوجب والسمع لا يعرف أي لا يوجد المعرفة بل يوجب # وقال أهل العدل : المعارف كلها معقولة بالعقل واجبة بنظر العقل وشكر ~~المنعم واجب قبل ورود السمع والحسن والقبح صفتان ذاتيتان للحسن والقبيح . ( ~~1 / 42 ) # فهذه القواعد هي المسائل التي تكلم فيها أهل الأصول وسنذكر مذهب كل طائفة ~~مفصلا إن شاء الله تعالى # ولكل علم موضوع ومسائل نذكرهما بأقصى الإمكان إن شاء الله تعالى PageV01P040 ~~3 - المعتزلة وغيرهم من الجبرية والصفاتية والمختلطة منهم # الفريقان من المعتزلة والصفاتية متقابلان تقابل التضاد وكذلك القدرية ~~والجبرية والمرجئة والوعيدية والشيعة والخوارج # وهذا التضاد بين كل فريق وفريق كان حاصلا في كل زمان ولكل فرقة مقالة على ~~حيالها وكتب صنفوها ودولة عاونتهم وصولة طاوعتهم PageV01P042 ### || AUTO الفصل الأول : المعتزلة PageV01P042 ~~ويسمون أصحاب العدل والتوحيد ويلقبون بالقدرية والعدلية # وهم قد جعلوا لفظ القدرية مشتركا وقالوا : لفظ القدرية يطلق على من يقول ~~بالقدر خيره وشره من الله تعالى احترازا من وصمة اللقب إذ كان الذم به ~~متفقا عليه لقول النبي عليه الصلاة والسلام : ( القدرية مجوس هذه الأمة ) # وكانت الصفاتية تعارضهم بالاتفاق على أن الجبرية والقدرية متقابلتان ~~تقابل التضاد فكيف يطلق لفظ الضد على الضد وقد قال النبي عليه الصلاة ~~والسلام : ( القدرية خصماء الله في القدر ) ؟ # والخصومة في ms025 القدر وانقسام الخير والشر على فعل الله وفعل العبد لن يتصور ~~على مذهب من يقول بالتسليم والتوكل وإحالة الأحوال كلها على القدر المحتوم ~~والحكم المحكوم # فالذي يعم طائفة المعتزلة من الاعتقاد ( 1 / 43 ) القول بأن الله تعالى ~~قديم والقدم أخص وصف ذاته ونفوا الصفات القديمة أصلا فقالوا : هو عالم ~~بذاته قادر بذاته حي بذاته لا بعلم وقدرة وحياة هي صفات قديمة ومعان قائمة ~~به لأنه لو شاركته الصفات في القدم الذي هو أخص الوصف ( 1 / 44 ) لشاركته ~~في الإلهية # واتفقوا على أن كلامه محدث مخلوق في محل وهو حرف وصوت كتب أمثاله في ~~المصاحف حكايات عنه فإن ما وجد في المحل عرض قد فني في الحال # واتفقوا على أن الإرادة والسمع والبصر ليست معاني قائمة بذاته لكن ~~اختلفوا في وجوه وجودها ومحامل معانيها كما سيأتي # واتفقوا على نفي رؤية الله تعالى بالأبصار في دار القرار ونفي التشبيه ~~عنه من كل وجه : جهة ومكانا وصورة وجسما وتحيزا وانتقالا وزوالا وتغيرا ~~وتأثرا وأوجبوا تأويل الآيات المتشابهة فيها وسموا هذا النمط توحيدا # واتفقوا على نفي رؤية الله تعالى بالأبصار في دار القرار ونفي التشبيه ~~عنه من كل وجه : جهة ومكانا وصورة وجسما وتحيزا وانتقالا وزوالا وتغيرا ~~وتأثرا . وأوجبوا تأويل الآيات المتشابهة فيها . وسموا هذا النمط : توحيدا PageV01P042 ~~واتفقوا على أن العبد قادر خالق لأفعاله خيرها وشرها مستحق على ما يفعله ~~ثوابا وعقابا في الدار الآخرة والرب تعالى منزه أن يضاف إليه شر وظلم وفعل ~~هو كفر ومعصية لأنه لو خلق الظلم كان ظالما كما لو خلق العدل كان عادلا # واتفقوا على أن الله تعالى لا يفعل إلا الصلاح والخير ويجب من حيث الحكمة ~~رعاية مصالح العباد # وأما الأصلح واللطف ففي وجوبه عندهم خلاف وسموا هذا النمط : عدلا # واتفقوا على أن المؤمن إذا خرج من الدنيا على طاعة وتوبة استحق الثواب ~~والعوض . والتفضل معنى آخر وراء الثواب # وإذا خرج من غير توبة عن كبيرة ارتكبها استحق الخلود في النار لكن يكون ~~عقابه أخف من عقاب ms026 الكفار وسموا هذا النمط : وعدا ووعيدا # واتفقوا على أن أصول المعرفة وشكر النعمة واجبة قبل ورود السمع والحسن ~~والقبح يجب معرفتهما بالعقل واعتناق الحسن واجتناب القبيح واجب كذلك # وورود التكاليف ألطاف للباري تعالى أرسلها إلى العباد بتوسط الأنبياء ~~عليهم السلام امتحانا واختبارا ( ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيي عن ~~بينة ) . ( 1 / 45 ) # واختلفوا في الإمامة والقول فيها نصا واختيارا كما سيأتي عند مقالة كل طائفة # والآن نذكر ما يختص بطائفة طائفة من المقالة التي تميزت بها عن أصحابها PageV01P044 ### || AUTO 1 - الواصلية PageV01P045 ~~أصحاب أبي حذيفة واصل بن عطاء الغزال الألثغ # كان تلميذا للحسن البصري يقرأ عليه العلوم والأخبار وكانا في أيام عبد ~~الملك بن مروان وهشام بن عبد الملك # وبالمغرب الآن منهم شرذمة قليلة في بلد إدريس بن عبد الله الحسني الذي ~~خرج بالمغرب في أيام أبي جعفر المنصور # ويقال لهم الواصلية واعتزالهم يدور على أربع قواعد : # القاعدة الأولى : القول بنفي صفات الباري تعالى من العلم والقدرة ~~والإرادة والحياة # وكانت هذه المقالة في بدئها غير نضيجة وكان واصل بن عطاء يشرع فيها على ~~قول ظاهر وهو الاتفاق على استحالة وجود إلهين قديمين أزليين قال : ومن أثبت ~~معنى صفة قديمة فقد أثبت إلهين # وإنما شرعت أصحابه فيها بعد مطالعة كتب الفلاسفة وانتهى نظرهم فيها إلى ~~رد جميع الصفات إلى كونه : عالما قادرا ثم الحكم بأنهما صفتان ذاتيتان هما ~~: اعتباران للذات القديمة كما قال الجبائي أو حالان كما قال أبو هاشم # وميل أبي الحسين البصري إلى ردهما إلى صفة واحدة وهي العالمية وذلك عين ~~مذهب الفلاسفة وسنذكر تفصيل ذلك # وكان السلف يخالف في ذلك إذ وجدوا الصفات مذكورة في الكتاب والسنة . ( 1 / 46 ) # القاعدة الثانية : القول بالقدر : وإنما سلكوا في ذلك مسلك معبد الجهني ~~وغيلان الدمشقي # وقرر واصل بن عطاء هذه القاعدة أكثر مما كان يقرر قاعدة الصفات فقال : إن ~~الباري تعالى حكيم عادل لا يجوز أن يضاف إليه شر ولا ظلم ولا يجوز أن يريد ~~من العباد خلاف ما يأمر ms027 ويحتم عليهم شيئا ثم يجازيهم عليه فالعبد هو الفاعل ~~للخير والشر والإيمان والكفر والطاعة والمعصية وهو المجازى على فعله والرب ~~تعالى أقدره على ذلك كله # وأفعال العباد محصورة في الحركات والسكنات والاعتمادات والنظر والعلم # قال : ويستحيل أن يخاطب العبد ب ( افعل ) وهو لا يمكنه أن يفعل وهو لا ~~يحس من نفسه الاقتدار والفعل ومن أنكره فقد أنكر الضرورة واستدل بآيات على ~~هذه الكلمات # ورأيت رسالة نسبت إلى الحسن البصري كتبها إلى عبد الملك بن مروان وقد ~~سأله عن القول بالقدر والجبر # فأجابه فيها بما يوافق مذهب القدرية واستدل فيها بآيات من الكتاب ودلائل ~~من العقل # ولعلها لواصل بن عطاء فما كان الحسن ممن يخالف السلف في أن القدر خيره ~~وشره من الله تعالى فإن هذه الكلمات كالمجمع عليها عندهم # والعجب أنه حمل هذا اللفظ الوارد في الخبر على البلاء والعافية والشدة ~~والرخاء والمرض والشفاء والموت والحياة إلى غير ذلك من أفعال الله تعالى ~~دون الخير والشر والحسن والقبيح الصادرين من اكتساب العباد وكذلك أورده ~~جماعة من المعتزلة في المقالات عن أصحابهم . ( 1 / 47 ) # القاعدة الثالثة : القول بالمنزلة بين المنزلتين : # والسبب فيه أنه دخل واحد على الحسن البصري فقال : يا إمام الدين لقد ظهرت ~~في زماننا جماعة يكفرون أصحاب الكبائر والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة ~~وهم وعيدية الخوارج # وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان بل العمل ~~على مذهبهم ليس ركنا من الإيمان ولا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع ~~الكفر طاعة وهم مرجئة الأمة فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقادا ؟ # فتفكر الحسن في ذلك وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء : أنا لا أقول إن صاحب ~~الكبيرة مؤمن مطلقا ولا كافر مطلقا بل هو في منزلة بين المنزلتين : لا مؤمن ~~ولا كافر # ثم قام واعتزل إلى أسطوانة من أسطوانات المسجد يقرر ما أجاب على جماعة من ~~أصحاب الحسن # فقال الحسن : اعتزل عنا واصل فسمي هو وأصحابه معتزلة # ووجه تقريره أنه قال : إن الإيمان ms028 عبارة عن خصال خير إذا اجتمعت سمي ~~المرء مؤمنا وهو اسم مدح # والفاسق لم يستجمع خصال الخير ولا استحق اسم المدح فلا يسمى مؤمنا وليس ~~هو بكافر مطلقا أيضا لأن الشهادة وسائر أعمال الخير موجودة فيه لا وجه ~~لإنكارها لكنه إذا خرج من الدنيا على كبيرة من غير توبة فهو من أهل النار ~~خالد فيها إذ ليس في الآخرة إلا فريقان : فريق في الجنة وفريق في السعير ~~لكنه يخفف عنه العذاب وتكون دركته فوق دركة الكفار # وتابعه على ذلك عمرو بن عبيد بعد أن كان موافقا له في القدر وإنكار ~~الصفات . ( 1 / 48 ) # القاعدة الرابعة : قوله في الفريقين من أصحاب الجمل وأصحاب صفين : إن ~~أحدهما مخطئ لا بعينه وكذلك قوله في عثمان وقاتليه وخاذليه قال : إن أحد ~~الفريقين فاسق لا محالة كما أن أحد المتلاعنين فاسق لا محالة لكن بعينه # وقد عرفت قوله في الفاسق وأقل درجات الفريقين أنه لا تقبل شهادتهما كما ~~لا تقبل شهادة المتلاعنين فلا يجوز قبول شهادة علي وطلحة والزبير على باقة بقل # وجوز أن يكون عثمان وعلي على الخطأ # هذا قوله وهو رئيس المعتزلة ومبدأ الطريقة في أعلام الصحابة وأئمة العترة # ووافقه عمرو بن عبيد على مذهبه وزاد عليه في تفسيق أحد الفريقين لا بعينه ~~بأن قال : لو شهد رجلان من أحد الفريقين مثل علي ورجل من عسكره أو طلحة ~~والزبير لم تقبل شهادتهما وفيه تفسيق الفريقين وكونهما من أهل النار # وكان عمرو بن عبيد من رواة الحديث معروفا بالزهد وواصل مشهورا بالفضل ~~والأدب عندهم PageV01P045 ### || AUTO 2 - الهذيلية PageV01P048 ~~أصحاب أبي الهذيل حمدان بن الهذيل العلاف شيخ المعتزلة ومقدم الطائفة ~~ومقرر الطريقة والمناظر عليها # أخذ الاعتزال عن عثمان بن خالد الطويل عن واصل بن عطاء # ويقال أخذ واصل عن أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية # ويقال أخذه عن الحسن بن أبي الحسن البصري # وإنما انفرد عن أصحابه بعشر قواعد : # الأولى : أن الباري تعالى عالم بعلم وعلمه ذاته قادر بقدرة وقدرته ذاته ~~حي بحياة وحياته ms029 ذاته # وإنما اقتبس هذا الرأي من الفلاسفة الذين اعتقدوا أن ذاته واحدة لا كثرة ~~فيها بوجه وإنما الصفات ليست وراء الذات معاني قائمة بذاته بل هي ذاته ~~وترجع إلى السلوب أو اللوازم كما سيأتي # والفرق بين قول القائل : عالم بذاته لا بعلم وبين قول القائل : عالم بعلم ~~هو ذاته : أن الأول نفي الصفة والثاني إثبات ذات هو بعينه صفة أو إثبات صفة ~~هي بعينها ذات # وإذا أثبت أبو الهذيل هذه الصفات وجوها للذات فهي بعينها أقانيم النصارى ~~أو أحوال أبي هاشم . ( 1 / 50 ) # الثانية : أنه أثبت إرادات لا محل لها يكون الباري تعالى مريدا بها # وهو أول من أحدث هذه المقالة وتابعه عليها المتأخرون # الثالثة : قال في كلام الباري تعالى : إن بعضه لا في محل وهو قوله ( كن ) ~~وبعضه في محل كالأمر والنهي والخبر والاستخبار # وكان أمر التكوين عنده غير أمر التكليف # الرابعة : قوله في القدر مثل ما قاله أصحابه إلا أنه قدري الأولى جبري الآخرة # فإن مذهبه في حركات أهل الخلدين في الآخرة أنها كلها ضرورية لا قدرة ~~للعباد عليها وكلها مخلوقة للباري تعالى إذ لو كانت مكتسبة للعباد لكانوا ~~مكلفين بها # الخامسة : قوله : إن حركات أهل الخلدين تنقطع وأنهم يصيرون إلى سكون دائم ~~خمودا وتجتمع اللذات في ذلك السكون لأهل الجنة وتجتمع الآلام في ذلك السكون ~~لأهل النار # وهذا قريب من مذهب جهم إذ حكم بفناء الجنة والنار وإنما التزم أبو الهذيل ~~هذا المذهب لأنه لما ألزم في مسألة حدوث العالم أن الحوادث التي لا أول لها ~~كالحوادث ( 1 / 51 ) التي لا آخر لها إذ كل واحدة لا تتناهى قال : إني لا ~~أقول بحركات لا تتناهى آخرا كما لا أقول بحركات لا تتناهى أولا بل يصيرون ~~إلى سكون دائم # وكأنه ظن أن ما لزمه في الحركة لا يلزمه في السكون # السادسة : قوله في الاستطاعة : إنها عرض من الأعراض غير السلامة والصحة ~~وفرق أفعال القلوب وأفعال الجوارح # فقال : لا يصح وجود أفعال القلوب منه مع عدم القدرة فالاستطاعة معها ms030 في ~~حال الفعل وجوز ذلك في أفعال الجوارح وقال بتقدمها فيفعل بها في الحال ~~الأولى وإن لم يوجد الفعل إلا في الحال الثانية قال : ( فحال يفعل ) غير ( ~~حال فعل ) ثم ما تولد من فعل العبد فهو فعله غير اللون والطعم والرائحة وكل ~~ما لا يعرف كيفيته # وقال في الإدراك والعلم الحادثين في غيره عند إسماعه وتعليمه : إن الله ~~تعالى يبدعهما فيه وليسا من أفعال العباد # السابعة : قوله في المكلف قبل ورود السمع : إنه يجب عليه أن يعرف الله ~~تعالى بالدليل من غير خاطر وإن قصر في المعرفة استوجب العقوبة أبدا # ويعلم أيضا حسن الحسن وقبح القبيح فيجب عليه الإقدام على الحسن كالصدق ~~والعدل والإعراض عن القبيح كالكذب والجور # وقال أيضا بطاعات لا يراد بها الله تعالى ولا يقصد بها التقرب إليه ~~كالقصد إلى النظر الأول والنظر الأول فإنه لم يعرف الله بعد والفعل عبادة # وقال في المكره : إذا لم يعرف التعريض والتورية فيما أكره عليه فله أن ~~يكذب ويكون وزره موضوعا عنه # الثامنة : قوله في الآجال والأرزاق : إن الرجل إن لم يقتل مات في ذلك ~~الوقت ولا يجوز أن يزاد في العمر أو ينقص # والأرزاق على وجهين : # أحدهما : ما خلق الله تعالى من الأمور المنتفع بها يجوز أن يقال : خلقها ~~رزقا للعباد فعلى هذا من قال : إن أحدا أكل أو انتفع بما لم يخلقه الله ~~رزقا فقد أخطأ لما فيه أن في الأجسام ما لم يخلقه الله تعالى . ( 1 / 52 ) # والثاني : ما حكم الله به من هذه الأرزاق للعباد فما أحل منها فهو رزقه ~~وما حرم فليس رزقا أي ليس مأمورا بتناوله # التاسعة : حكى الكعبي عنه أنه قال : إرادة الله غير المراد فإرادته لما ~~خلق هي خلقه له وخلقه للشيء عنده غير الشيء بل الخلق عنده قول لا في محل # وقال : إنه تعالى لم يزل سميعا بصيرا بمعنى سيسمع وسيبصر وكذلك لم يزل ~~غفورا رحيما محسنا خالقا رازقا مثيبا معاقبا مواليا معاديا آمرا ناهيا ~~بمعنى أن ذلك سيكون منه # العاشرة ms031 : حكى الكعبي عنه أنه قال : الحجة لا تقوم فيما غاب إلا بخبر ~~عشرين فيهم واحد من أهل الجنة أو أكثر # ولا تخلو الأرض عن جماعة هم أولياء الله معصومون لا يكذبون ولا يرتكبون ~~الكبائر فهم الحجة لا التواتر # إذ يجوز أن يكذب جماعة ممن لا يحصون عددا إذا لم يكونوا أولياء الله ولم ~~يكن فيهم واحد معصوم # وصحب أبا الهذيل : أبو يعقوب الشحام والآدمي وهما على مقالته # وكان سنه مائة سنة توفي في أول خلافة المتوكل سنة خمس وثلاثين ومائتين PageV01P048 ### || AUTO 3 - النظامية PageV01P052 ~~أصحاب إبراهيم بن يسار بن هانئ النظام وقد طالع كثيرا من كتب الفلاسفة ( 1 ~~/ 53 ) وخلط كلامهم بكلام المعتزلة وانفرد عن أصحابه بمسائل : # الأولى منها : أنه زاد على القول بالقدر خيره وشره منا قوله : أن الله ~~تعالى لا يوصف بالقدرة على الشرور والمعاصي وليست هي مقدورة للباري تعالى ~~خلافا لأصحابه فإنهم قضوا بأنه قادر عليها لكنه لا يفعلها لأنها قبيحة # ومذهب النظام أن القبح إذا كان صفة ذاتية للقبيح وهو المانع من الإضافة ~~إليه فعلا ففي تجويز وقوع القبيح منه قبح أيضا فيجب أن يكون مانعا ففاعل ~~العدل لا يوصف بالقدرة على الظلم # وزاد أيضا على هذا الاختباط فقال : إنما يقدر على فعل ما يعلم أن فيه ~~صلاحا لعباده ولا يقدر على أن يفعل بعباده في الدنيا ما ليس فيه صلاحهم # هذا في تعلق قدرته بما يتعلق بأمور الدنيا # وأما أمور الآخرة فقال : لا يوصف الباري تعالى بالقدرة على أن يزيد في ~~عذاب أهل النار شيئا ولا على أن ينقص منه شيئا # وكذلك لا ينقص من نعيم أهل الجنة ولا أن يخرج أحدا من أهل الجنة وليس ذلك ~~مقدورا له # وقد ألزم عليه أن يكون الباري تعالى مطبوعا مجبورا على ما يفعله فإن ~~القادر على الحقيقة من يتخير بين الفعل والترك # فأجاب : إن الذي ألزمتموني في القدرة يلزمكم في الفعل فإن عندكم يستحيل ~~أن يفعله وإن كان مقدورا فلا فرق # وإنما أخذ هذه المقالة من قدماء الفلاسفة ms032 حيث قضوا بأن الجواد لا يجوز أن ~~يدخر شيئا لا يفعله فما أبدعه وأوجده هو المقدور ولو كان في علمه تعالى ~~ومقدوره ما هو أحسن وأكمل مما أبدعه نظاما وتركيبا وصلاحا لفعله . ( 1 / 54 ) # الثانية : قوله في الإرادة : إن الباري تعالى ليس موصوفا بها على الحقيقة ~~فإذا وصف بها شرعا في أفعاله فالمراد بذلك أنه خالقها ومنشؤها على حسب ما علم # وإذا وصف بكونه مريدا لأفعال العباد فالمعني به أنه آمر بها وناه عنها # وعنه أخذ الكعبي مذهبه في الإرادة # الثالثة : قوله : إن أفعال العباد كلها حركات فحسب والسكون حركة اعتماد ~~والعلوم والإرادات حركات النفس # ولم يرد بهذه الحركة حركة النقلة وإنما الحركة عنده مبدأ تغير ما كما ~~قالت الفلاسفة من إثبات حركات في الكيف والكم والوضع والأين والمتى . . . ~~إلى أخواتها # الرابعة : وافقهم أيضا في قولهم : إن الإنسان في الحقيقة هو النفس والروح ~~والبدن آلتها وقالبها # غير أنه تقاصر عن إدراك مذهبهم فمال إلى قول الطبيعيين منهم : إن الروح ~~جسم لطيف مشابك للبدن مداخل للقلب بأجزائه مداخلة المائية في الورد ~~والدهنية في السمسم والسمنية في اللبن # وقال : إن الروح هي التي لها قوة واستطاعة وحياة ومشيئة وهي مستطيعة ~~بنفسها والاستطاعة قبل الفعل # الخامسة : حكى الكعبي عنه أنه قال : إن كل ما جاوز حد القدرة من الفعل ~~فهو من فعل الله تعالى بإيجاب الخلقة أي أن الله تعالى طبع الحجر طبعا ~~وخلقه خلقة إذا دفعته اندفع وإذا بلغت قوة الدفع مبلغها عاد الحجر إلى ~~مكانه طبعا # وله في الجواهر وأحكامها خبط ومذهب يخالف المتكلمين والفلاسفة # السادسة : وافق الفلاسفة في نفي الجزء الذي لا يتجزأ # وأحدث القول بالطفرة ( 1 / 55 ) لما ألزم مشي نملة على صخرة من طرف إلى ~~طرف أنها قطعت ما لا يتناهى فكيف يقطع ما يتناهى ما لا يتناهى ؟ # قال : تقطع بعضها بالمشي وبعضها بالطفرة # وشبه ذلك بحبل شد على خشبة معترضة وسط البئر طوله خمسون ذراعا وعليه دلو ~~معلق وحبل طوله خمسون ذراعا علق عليه معلاق فيجر به ms033 الحبل المتوسط فإن ~~الدلو يصل إلى رأس البئر وقد قطع مائة ذراع بحبل طوله خمسون ذراعا في زمان ~~واحد وليس ذلك إلا أن بعض القطع بالطفرة # ولم يعلم أن الطفرة قطع مسافة أيضا موازية لمسافة # فالإلزام لا يندفع عنه وإنما الفرق بين المشي والطفرة يرجع إلى سرعة ~~الزمان وبطئه # السابعة : قال : إن الجواهر مؤلفة من أعراض اجتمعت ووافق هشام بن الحكم ~~في قوله : إن الألوان والطعوم والروائح أجسام فتارة يقضي بكون الأجسام ~~أعراضا وتارة يقضي بكون الأعراض أجساما لا غير # الثامنة : من مذهبه أن الله تعالى خلق الموجودات دفعة واحدة على ما هي ~~عليه الآن معادن ونباتا وحيوانا وإنسانا ولم يتقدم خلق آدم عليه السلام خلق ~~أولاده غير أن الله تعالى أكمن بعضها في بعض # فالتقدم والتأخر إنما يقع في ظهورها من مكامنها دون حدوثها ووجودها # وإنما أخذ هذه المقالة من أصحاب الكمون والظهور من الفلاسفة وأكثر ميله ~~أبدا إلى تقرير مذاهب الطبيعيين منهم دون الإلهيين # التاسعة : قوله في إعجاز القرآن : إنه من حيث الإخبار عن الأمور الماضية ~~( 1 / 56 ) والآتية ومن جهة صرف الدواعي عن المعارضة ومنع العرب عن ~~الاهتمام به جبرا وتعجيزا حتى لو خلاهم لكانوا قادرين على أن يأتوا بسورة ~~من مثله بلاغة وفصاحة ونظما # العاشرة : قوله في الإجماع إنه ليس بحجة في الشرع وكذلك القياس في ~~الأحكام الشرعية لا يجوز أن يكون حجة وإنما الحجة في قول الإمام المعصوم # الحادية عشرة : ميله إلى الرفض ووقيعته في كبار الصحابة . قال : أولا : ~~لا إمامة إلا بالنص والتعيين ظاهرا مكشوفا # وقد نص النبي صلى الله عليه وسلم على علي رضي الله عنه في مواضع وأظهر ~~إظهارا لم يشتبه على الجماعة إلا أن عمر كتم ذلك وهو الذي تولى بيعة أبي ~~بكر يوم السقيفة ونسبه إلى الشك يوم الحديبية في سؤاله الرسول عليه الصلاة ~~والسلام حين قال : ألسنا على حق ؟ أليسوا على الباطل ؟ قال : نعم . قال عمر ~~: فلم نعطي الدنية في ديننا ؟ # قال هذا شك وتردد في الدين ووجدان حرج ms034 في النفس مما قضى وحكم # وزاد في الفرية فقال : إن عمر ضرب بطن فاطمة يوم البيعة حتى ألقت الجنين ~~من بطنها وكان يصيح : احرقوا دارها بمن فيها وما كان في الدار غير علي ~~وفاطمة والحسن والحسين # وقال : تغريبه نصر بن الحجاج من المدينة إلى البصرة وإبداعه التراويح ~~ونهيه عن متعة الحج ومصادرته العمال كل ذلك أحداث # ثم وقع في أمير المؤمنين عثمان وذكر أحداثه من رده الحكم بن أمية إلى ~~المدينة وهو طريد رسول الله عليه الصلاة والسلام ونفيه أبا ذر إلى الربذة ~~وهو صديق رسول الله وتقليده الوليد بن عقبة الكوفة وهو من أفسد الناس ~~ومعاوية الشام وعبد الله بن عامر البصرة . وتزويجه مروان بن الحكم ابنته ~~وهم أفسدوا عليه أمره . وضربه عبد الله بن مسعود على إحضار المصحف وعلى ~~القول الذي شاقه به كل ذلك أحداثه # ثم زاد على خزيه ذلك بأن عاب عليا وعبد الله بن مسعود لقولهما : أقول ~~فيها برأيي # وكذب ابن مسعود في روايته : ( السعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي ( ~~1 / 57 ) في بطن أمه ) وفي روايته انشقاق القمر وفي تشبيهه الجن بالبط # وقد أنكر الجن رأسا إلى غير ذلك من الوقيعة الفاحشة في الصحابة رضي الله ~~عنهم أجمعين # الثانية عشرة : قوله في المفكر قبل ورود السمع أنه إذا كان عاقلا متمكنا ~~من النظر يجب عليه تحصيل معرفة الباري تعالى بالنظر والاستدلال # وقال بتحسين العقل وتقبيحه في جميع ما يتصرف فيه من أفعال # وقال لا بد من خاطرين : # أحدهما : يأمر بالإقدام # والآخر : بالكف ليصح الاختيار # الثالثة عشرة : قد تكلم في مسائل الوعد والوعيد وزعم أن من خان في مائة ~~وتسعة وتسعين درهما بالسرقة أو الظلم لم يفسق بذلك حتى تبلغ خيانته نصاب ~~الزكاة وهو مائتا درهم فصاعدا فحينئذ يفسق وكذلك في سائر نصب الزكاة # وقال في المعاد : إن الفضل على الأطفال كالفضل على البهائم # ووافقه الأسواري في جميع ما ذهب إليه وزاد عليه بأن قال : إن الله تعالى ~~لا يوصف بالقدرة على ms035 ما علم أنه لا يفعله ولا على ما أخبر أنه لا يفعله مع ~~أن الإنسان قادر على ذلك لأن قدرة العبد صالحة للضدين # ومن المعلوم أن أحد الضدين واقع في المعلوم أنه سيوجد دون الثاني # والخطاب لا ينقطع عن أبي لهب وإن أخبر الرب تعالى بأنه سيصلى نارا ذات لهب # ووافقه أبو جعفر الإسكافي وأصحابه من المعتزلة وزاد عليه بأن قال : إن ~~الله تعالى لا يقدر على ظلم العقلاء وإنما يوصف بالقدرة على ظلم الأطفال ~~والمجانين . ( 1 / 58 ) # وكذلك الجعفران : جعفر بن مبشر وجعفر بن حرب وافقاه وما زادا عليه إلا أن ~~جعفر بن مبشر قال : في فساق الأمة من هو شر من الزنادقة والمجوس # وزعم أن إجماع الصحابة على حد شارب الخمر كان خطأ إذ المعتبر في الحدود ~~النص والتوقيف # وزعم أن سارق الحبة الواحدة فاسق منخلع من الإيمان # وكان محمد بن شبيب وأبو شمر وموسى بن عمران من أصحاب النظام إلا أنهم ~~خالفوه في الوعيد وفي المنزلة بين المنزلتين وقالوا : صاحب الكبيرة لا يخرج ~~من الإيمان إلا بمجرد ارتكاب الكبيرة # وكان ابن مبشر يقول في الوعيد : إن استحقاق العقاب والخلود في النار ~~بالكفر يعرف قبل ورود السمع وسائر أصحابه يقولون : التخليد لا يعرف إلا بالسمع # ومن أصحاب النظام : الفضل الحدثي وأحمد بن خابط # قال الرواندي : إنهما كانا يزعمان أن للخلق خالقين : # أحدهما : قديم وهو الباري تعالى # والثاني : محدث وهو المسيح عليه السلام لقوله تعالى : ( إذ تخلق من الطين ~~كهيئة الطير ) # وكذبه الكعبي في رواية الحدثي خاصة لحسن اعتقاده فيه . ( 1 / 59 ) PageV01P052 ### || AUTO 4 - الخابطية والحدثية PageV01P059 ~~الخابطية : أصحاب أحمد بن خابط وكذلك الحدثية أصحاب الفضل الحدثي كانا من ~~أصحاب النظام وطالعا كتب الفلاسفة أيضا وضما إلى مذهب النظام ثلاث بدع : # البدعة الأولى : إثبات حكم من أحكام الإلهية في المسيح عليه السلام ~~موافقة للنصارى على اعتقادهم أن المسيح هو الذي يحاسب الخلق في الآخرة وهو ~~المراد بقوله تعالى : ( وجاء ربك والملك صفا صفا ) وهو الذي يأتي في ظلل من ~~الغمام ms036 وهو المعني بقوله تعالى : ( أو يأتي ربك ) وهو المراد بقول النبي ~~عليه الصلاة والسلام : ( إن الله تعالى خلق آدم على صورة الرحمن ) وبقوله : ~~( يضع الجبار قدمه في النار ) # وزعم أحمد بن خابط أن المسيح تدرع بالجسد الجسماني وهو الكلمة القديمة ~~المتجسدة كما قالت النصارى . ( 1 / 60 ) # البدعة الثانية : القول بالتناسخ زعما أن الله تعالى أبدع خلقه أصحاء ~~سالمين عقلاء بالغين في دار سوى هذه الدار التي هم فيها اليوم وخلق فيهم ~~معرفته والعلم به وأسبغ عليهم نعمه # ولا يجوز أن يكون أول ما يخلقه إلا عاقلا ناظرا معتبرا وابتدأهم بتكليف شكره : # فأطاعه بعضهم في جميع ما أمرهم به # وعصاه بعضهم في جميع ذلك . ( 1 / 61 ) # وأطاعه بعضهم في البعض دون البعض # فمن أطاعه في الكل أقره في دار النعيم التي ابتدأهم فيها # ومن عصاه في الكل أخرجه من تلك الدار إلى دار العذاب وهي النار # ومن أطاعه في البعض وعصاه في البعض أخرجه إلى دار الدنيا فألبسه هذه ~~الأجسام الكثيفة وابتلاه بالبأساء والضراء والشدة والرخاء والآلام واللذات ~~على صور مختلفة من صور الناس وسائر الحيوانات على قدر ذنوبهم : # فمن كانت معصيته أقل وطاعته أكثر كانت صورته أحسن وآلامه أقل # ومن كانت ذنوبه أكثر كانت صورته أقبح وآلامه أكثر ثم لا يزال يكون ~~الحيوان في الدنيا كرة بعد كرة وصورة بعد أخرى ما دامت معه ذنوبه وطاعته ~~وهذا عين القول بالتناسخ # وكان في زمانهما شيخ المعتزلة أحمد بن أيوب بن مانوس وهو أيضا من تلامذة النظام # وقال أيضا مثلما قال أحمد بن خابط في التناسخ وخلق البرية دفعة واحدة إلا ~~أنه قال : متى ما صارت النوبة إلى البهيمية ارتفعت التكاليف ومتى ما صارت ~~النوبة إلى رتبة النبوة والملك ارتفعت التكاليف أيضا وصارت النوبتان عالم الجزاء # ومن مذهبهما أن الديار خمس : # داران للثواب : # إحداهما : فيها أكل وشرب وبعال وجنات وأنهار # والثانية : دار فوق هذه الدار ليس فيها أكل ولا شرب ولا بعال بل ملاذ ~~روحانية وروح وريحان غير جسمانية # والثالثة : دار العقاب ms037 المحض وهي نار جهنم ليس فيها ترتيب بل هي على نمط ~~التساوي # والرابعة : دار الابتداء التي خلق الخلق فيها قبل أن يهبطوا إلى دار ~~الدنيا وهي الجنة الأولى # والخامسة : دار الابتلاء وهي التي كلف الخلق فيها بعد أن اجترحوا في الأولى # وهذا التكوين والتكرير لا يزال في الدنيا حتى يمتلئ المكيالان : مكيال ~~الخير ( 1 / 62 ) ومكيال الشر # فإذا امتلأ مكيال الخير صار العمل كله طاعة والمطيع خيرا خالصا فينقل إلى ~~الجنة ولم يلبث طرفة عين فإن مطل الغني ظلم وفي الحديث : ( أعطوا الأجير ~~أجره قبل أن يجف عرقه ) # وإذا امتلأ مكيال الشر صار العمل كله معصية والعاصي شريرا محضا فينقل إلى ~~النار ولم يلبث طرفة عين وذلك قوله تعالى : ( فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ~~ساعة ولا يستقدمون ) # البدعة الثالثة : حملهما كل ما ورد في الخبر من رؤية الباري تعالى مثل ~~قوله عليه الصلاة والسلام : ( إنكم سترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ~~ليلة البدر لا تضامون في رؤيته ) على رؤية العقل الأول الذي هو أول مبدع ~~وهو العقل الفعال الذي منه تفيض الصور على الموجودات وإياه عنى النبي عليه ~~الصلاة والسلام بقوله : ( أول ما خلق الله تعالى العقل فقال له : أقبل ~~فأقبل . ثم قال له : أدبر فأدبر . فقال : وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أحسن ~~منك بك أعز وبك أذل وبك أعطي وبك أمنع ) # فهو الذي يظهر يوم القيامة وترتفع الحجب بينه وبين الصور التي فاضت منه ~~فيرونه كمثل القمر ليلة البدر # فأما واهب العقل فلا يرى البتة ولا يشبه إلا مبدع بمبدع # وقال ابن خابط : إن كل نوع من أنواع الحيوانات أمة على حيالها لقوله ~~تعالى : ( وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ) # وفي كل أمة رسول من نوعه لقوله تعالى : ( وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ) # ولهما طريقة أخرى في التناسخ وكأنهما مزجا كلام التناسخية والفلاسفة ~~والمعتزلة بعضها ببعض . ( 1 / 63 ) PageV01P059 ### || AUTO 5 - البشرية PageV01P063 ~~أصحاب بشر بن المعتمر كان من أفضل علماء المعتزلة ms038 وهو الذي أحدث القول ~~بالتولد وأفرط فيه # وانفرد عن أصحابه بمسائل ست : # الأولى منها : أنه زعم أن اللون والطعم والرائحة والإدراكات كلها من ~~السمع والرؤية يجوز أن تحصل متولدة من فعل العبد إذا كانت أسبابها من فعله # وإنما أخذ هذا من قول الطبيعيين إلا أنهم لا يفرقون بين المتولد والمباشر ~~بالقدرة . وربما لا يثبتون القدرة على منهاج المتكلمين . وقوة الفعل وقوة ~~الانفعال غير القدرة التي يثبتها المتكلم # وإنما أخذ هذا من قول الطبيعيين إلا أنهم لا يفرقون بين المتولد والمباشر ~~بالقدرة وربما لا يثبتون القدرة على نتهاج المتكلمين وقوة الفعل وقوة ~~الانفعال غير القدرة التي يثبتها المتكلم # الثانية : قوله إن الاستطاعة هي سلامة البنية وصحة الجوارح وتخليتها من الآفات # وقال : لا أقول يفعل بها في الحالة الأولى ولا في الحالة الثانية لكني ~~أقول : الإنسان يفعل والفعل لا يكون إلا في الثانية # الثالثة : قوله : إن الله تعالى قادر على تعذيب الطفل ولو فعل ذلك كان ~~ظالما إياه إلا أنه لا يستحسن أن يقال ذلك في حقه بل يقال : لو فعل ذلك كان ~~الطفل بالغا عاقلا عاصيا بمعصية ارتكبها مستحقا للعقاب # وهذا كلام متناقض # الرابعة : حكى الكعبي عنه أنه قال : إرادة الله تعالى فعل من أفعاله وهي ~~على وجهين : صفة ذات وصفة فعل # فأما صفة الذات : فهي أن الله تعالى لم يزل مريدا لجميع أفعاله ولجميع ~~الطاعات من عباده فإنه حكيم ولا يجوز أن يعلم الحكيم صلاحا وخيرا ولا يريده # وأما صفة الفعل : # فإن أراد بها فعل نفسه في حال إحداثه فهي خلقة له وهي ( 1 / 64 ) قبل ~~الخلق لأن ما به يكون الشيء لا يجوز أن يكون معه # وإن أراد بها فعل عباده فهي الأمر به # الخامسة : قال : إن عند الله تعالى لطفا لو أتى به لآمن جميع من في الأرض ~~إيمانا يستحقون عليه الثواب استحقاقهم لو آمنوا من غير وجوده وأكثر منه ~~وليس على الله تعالى أن يفعل ذلك بعباده ولا يجب عليه رعاية الأصلح لأنه لا ~~غاية لما يقدر ms039 عليه من الصلاح فما من أصلح إلا وفوقه أصلح وإنما عليه أن ~~يمكن العبد بالقدرة والاستطاعة ويزيح العلل بالدعوة والرسالة والمفكر قبل ~~ورود السمع يعلم الباري تعالى بالنظر والاستدلال وإذا كان مختارا في فعله ~~فيستغني عن الخاطرين لأن الخاطرين لا يكونان من قبل الله تعالى وإنما هما ~~من قبل الشيطان والمفكر الأول لم يتقدمه شيطان يخطر الشك بباله ولو تقدم ~~فالكلام في الشيطان كالكلام فيه # السادسة : قال : من تاب عن كبيرة ثم راجعها عاد استحقاقه العقوبة الأولى ~~فإنه قبل توبته بشرط أن لا يعود PageV01P063 ### || AUTO 6 - المعمرية PageV01P064 ~~أصحاب معمر بن عباد السلمي وهو من أعظم القدرية فرية في تدقيق القول ( 1 / ~~65 ) بنفي الصفات ونفي القدر خيره وشره من الله تعالى والتكفير والتضليل ~~على ذلك # وانفرد عن أصحابه بمسائل : # منها : أنه قال : إن الله تعالى لم يخلق شيئا غير الأجسام فأما الأعراض ~~فإنها من اختراعات الأجسام : # إما طبعا : كالنار التي تحدث الإحراق والشمس التي تحدث الحرارة والقمر ~~الذي يحدث التلوين # وإما اختيارا : كالحيوان يحدث الحركة والسكون والاجتماع والافتراق # ومن العجب أن حدوث الجسم وفناءه عنده عرضان فكيف يقول إنهما من فعل ~~الأجسام ؟ # وإذا لم يحدث الباري تعالى عرضا فلم يحدث الجسم فناءه فإن الحدوث عرض ؟ ~~فيلزمه أن لا يكون لله تعالى فعل أصلا # ثم ألزم أن كلام الباري تعالى إما عرض أو جسم : # فإن قال : هو عرض فقد أحدثه الباري فإن المتكلم على أصله هو من فعل الكلام # أو يلزمه أن لا يكون لله تعالى كلام هو العرض # وإن قال : هو جسم فقد أبطل ( 1 / 66 ) قوله إنه أحدثه في محل فإن الجسم ~~لا يقوم بالجسم فإذا لم يقل هو بإثبات الصفات الأزلية ولا قال بخلق الأعراض ~~فلا يكون لله تعالى كلام يتكلم به على مقتضى مذهبه وإذا لم يكن له كلام لم ~~يكن آمرا ناهيا وإذا لم يكن أمر ونهي لم تكن شريعة أصلا فأدى مذهبه إلى خزي عظيم # ومنها : أنه قال : إن الأعراض لا تتناهى في كل نوع ms040 # وقال : كل عرض قام بمحل فإنما يقوم به لمعنى أوجب القيام وذلك يؤدي إلى ~~التسلسل وعن هذه المسألة سمي هو وأصحابه أصحاب المعاني # وزاد على ذلك فقال : الحركة إنما خالفت السكون لا بذاتها بل بمعنى أوجب ~~المخالفة وكذلك مغايرة المثل المثل ومماثلته وتضاد الضد الضد كل ذلك عنده بمعنى # ومنها : ما حكى الكعبي عنه أن الإرادة من الله تعالى للشيء غير الله وغير ~~خلقه للشيء وغير الأمر والإخبار والحكم فأشار إلى أمر مجهول لا يعرف # وقال : ليس للإنسان فعل سوى الإرادة مباشرة كانت أو توليدا وأفعاله ~~التكليفية من القيام والقعود والحركة والسكون في الخير والشر كلها مستندة ~~إلى إرادته لا على طريق المباشرة ولا على طريق التوليد وهذا عجب غير أنه ~~إنما بناه على مذهبه في حقيقة الإنسان # وعنده الإنسان معنى أو جوهر غير الجسد وهو عالم قادر مختار حكيم ليس ~~بمتحرك ولا ساكن ولا متكون ولا متمكن ولا يرى ولا يمس ولا يحس ولا يجس ولا ~~يحل موضعا دون موضع ولا يحويه مكان ولا يحصره زمان لكنه مدبر للجسد وعلاقته ~~مع البدن علاقة التدبير والتصرف # وإنما أخذ هذا القول من الفلاسفة حيث قضوا بإثبات النفس الإنسانية أمرا ~~ما هو جوهر قائم بنفسه . لا متحيز ولا متمكن وأثبتوا من جنس ذلك موجودات ~~عقلية مثل العقول المفارقة # ثم لما كان ميل معمر بن عباد إلى مذهب الفلاسفة ميز بين أفعال النفس التي ~~سماها إنسانا وبين القالب الذي هو جسده فقال : فعل النفس هو الإرادة فحسب ~~والنفس إنسان ( 1 / 67 ) ففعل الإنسان هو الإرادة وما سوى ذلك من الحركات ~~والسكنات والاعتمادات فهي من فعل الجسد # ومنها : أنه يحكى عنه أنه كان ينكر القول بأن الله تعالى قديم لأن قديم ~~أخذ من قدم يقدم فهو قديم وهو فعل كقولك أخذ منه ما قدم وما حدث # وقال أيضا : هو يشعر بالتقادم الزماني ووجود الباري تعالى ليس بزماني # ويحكى عنه أيضا أنه قال : الخلق غير المخلوق والإحداث غير المحدث # وحكى جعفر بن حرب عنه أنه ms041 قال : إن الله تعالى محال أن يعلم نفسه لأنه ~~يؤدي إلى ألا يكون العالم والمعلوم واحدا ومحال أن يعلم غيره كما يقال : ~~محال أن يقدر على الموجود من حيث هو موجود ولعل هذا النقل فيه خلل فإن ~~عاقلا ما لا يتكلم بمثل هذا الكلام الغير معقول # لعمري لما كان الرجل يميل إلى الفلاسفة ومن مذهبهم : أنه ليس علم الباري ~~تعالى علما انفعاليا أي تابعا للمعلوم بل علمه علم فعلي فهو من حيث هو فاعل ~~عالم وعلمه هو الذي أوجب الفعل وإنما يتعلق بالموجود حال حدوثه لا محالة ~~ولا يجوز تعلقه بالمعدوم على استمرار عدمه وأنه علم وعقل وكونه عقلا وعاقلا ~~ومعقولا شيء واحد # فقال ابن عباد : لا يقال : # يعلم نفسه لأنه قد يؤدي إلى تمايز بين العالم والمعلوم # ولا يعلم غيره لأنه يؤدي إلى كون علمه من غيره يحصل فإما أن لا يصح النقل ~~وإما أن يحمل على مثل هذا المحمل ولسنا من رجال ابن عباد فنطلب لكلامه وجها PageV01P064 ### || AUTO 7 - المزدارية PageV01P067 ~~أصحاب عيسى بن صبيح المكنى بأبي موسى الملقب بالمزدار . وقد تلمذ ( 1 / 68 ~~) لبشر بن المعتمر وأخذ العلم منه وتزهد ويسمى راهب المعتزلة # وإنما انفرد عن أصحابه بمسائل : # الأولى منها : قوله في القدر : إن الله تعالى يقدر على أن يكذب ويظلم ولو ~~كذب وظلم كان إلها كاذبا ظالما تعالى الله عن قوله # والثانية : قوله في التولد مثل قول أستاذه وزاد عليه بأن جوز وقوع فعل ~~واحد من فاعلين على سبيل التولد # الثالثة : قوله في القرآن : إن الناس قادرون على مثل القرآن فصاحة ونظما وبلاغة # وهو الذي بالغ في القول بخلق القرآن وكفر من قال بقدمه بأنه قد أثبت قديمين # وكفر أيضا من لابس السلطان وزعم أنه لا يرث ولا يورث # وكفر أيضا من قال : إن أعمال العباد مخلوقة لله تعالى ومن قال : إنه يرى ~~بالأبصار # وغلا في التفكير حتى قال : هم كافرون في قولهم : لا إله إلا الله # وقد سأله إبراهيم بن السندي مرة عن أهل الأرض جميعا ms042 فكفرهم فأقبل عليه ~~إبراهيم وقال : الجنة التي عرضها السموات والأرض لا يدخلها إلا أنت وثلاثة ~~وافقوك ؟ فخزي ولم يحر جوابا # وقد تلمذ له أيضا الجعفران وأبو زفر ومحمد بن سويد # وصحب أبو جعفر ( 1 / 69 ) محمد بن عبد الله الإسكافي وعيسى بن الهيثم ~~وجعفر بن حرب الأشج # وحكى الكعبي عن الجعفرين أنهما قالا : إن الله تعالى خلق القرآن في اللوح ~~المحفوظ ولا يجوز أن ينقل إذ يستحيل أن يكون الشيء الواحد في مكانين في ~~حالة واحدة وما نقرؤه فهو حكاية عن المكتوب الأول في اللوح المحفوظ وذلك ~~فعلنا وخلقنا # قال : وهو الذي اختاره من الأقوال المختلفة في القرآن # وقال في تحسين العقل وتقبيحه : إن العقل يوجب معرفة الله تعالى بجميع ~~أحكامه وصفاته قبل ورود الشرع # وعليه يعلم أنه إن قصر ولم يعرفه ولم يشكره عاقبة عقوبة دائمة فأثبتنا ~~التخليد واجبا بالعقل PageV01P067 ### || AUTO 8 - الثمامية PageV01P069 ~~أصحاب ثمامة بن أشرس النميري كان جامعا بين سخافة الدين وخلاعة النفس مع ~~اعتقاده بأن الفاسق يخلد في النار إذا مات على فسقه من غير توبة وهو في حال ~~حياته في منزلة بين المنزلتين # وانفرد عن أصحابه بمسائل : ( 1 / 70 ) # منها : قوله : إن الأفعال المتولدة لا فاعل لها إذ لم يمكنه إضافتها إلى ~~فاعل أسبابها # حتى يلزمه أن يضيف الفعل إلى ميت مثل ما إذا فعل السبب ومات ووجد المتولد ~~بعده ولم يمكنه إضافتها إلى الله تعالى لأنه يؤدي إلى فعل القبيح وذلك محال ~~فتحير فيه وقال : المتولدات أفعال لا فاعل لها # ومنها : قوله في الكفار والمشركين والمجوس واليهود والنصارى والزنادقة ~~والدهرية : إنهم يصيرون في القيامة ترابا # وكذلك قوله في البهائم والطيور وأطفال المؤمنين # ومنها : قوله : الاستطاعة هي السلامة وصحة الجوارح وتخليتها من الآفات ~~وهي قبل الفعل # ومنها قوله : إن المعرفة متولدة من النظر وهو فعل لا فاعل له كسائر ~~المتولدات # ومنها : قوله في تحسين العقل وتقبيحه وإيجاب المعرفة قبل ورود السمع مثل ~~قول أصحابه غير أنه زاد عليهم فقال : من الكفار من لا يعلم خالقه ms043 وهو معذور # وقال : إن المعارف كلها ضرورية وإن من لم يضطر إلى معرفة الله سبحانه ~~وتعالى فليس هو مأمورا بها وإنما خلق للعبرة والسخرة كسائر الحيوان # ومنها : قوله : لا فعل للإنسان إلا الإرادة وما عداها فهو حدث لا محدث له # وحكى ابن الراوندي عنه أنه قال : العالم فعل الله تعالى بطباعه # ولعله أراد بذلك ما تريده الفلاسفة من الإيجاب بالذات دون الإيجاد على ~~مقتضى الإرادة لكن يلزمه على اعتقاده ذلك ما لزم الفلاسفة من القول بقدم ~~العالم إذ الموجب لا ينفك عن الموجب # وكان ثمامة في أيام المأمون وكان عنده بمكان . ( 1 / 71 ) PageV01P069 ### || AUTO 9 - الهشامية PageV01P071 ~~أصحاب هشام بن عمرو الفوطي ومبالغته في القدر أشد وأكثر من مبالغة أصحابه # وكان يمتنع من إطلاق إضافات أفعال إلى الباري تعالى وإن ورد بها التنزيل # منها : قوله : إن الله لا يؤلف بين قلوب المؤمنين بل هم المؤتلفون ~~باختيارهم وقد ورد في التنزيل : ( ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم ) # ومنها : قوله : إن الله لا يحبب الإيمان إلى المؤمنين ولا يزينه في ~~قلوبهم وقد قال تعالى : ( حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم ) # ومبالغته في نفي إضافات الطبع والختم والسد وأمثالها أشد وأصعب وقد ورد ~~بجميعها التنزيل # قال الله تعالى : ( ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ) # وقال : ( بل طبع الله عليها بكفرهم ) # وقال : ( وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا ) # وليت شعري ما يعتقده الرجل ؟ # إنكار ألفاظ التنزيل وكونها وحيا من الله تعالى ؟ فيكون تصريحا بالكفر # أو إنكار ظواهرها من نسبتها إلى الباري تعالى ووجوب تأويلها ؟ وذلك عين ~~مذهب أصحابه # ومن بدعه في الدلالة على الباري تعالى قوله : إن الأعراض لا تدل على كونه ~~خالقا ولا تصلح الأعراض دلالات بل الأجسام تدل على كونه خالقا وهذا أيضا عجب # ومن بدعه في الإمامة قوله : إنها لا تنعقد في أيام الفتنة واختلاف الناس ~~وإنما يجوز عقدها في حال الاتفاق والسلامة # وكذلك أبو بكر الأصم من أصحابه كان يقول : الإمامة لا تنعقد إلا بإجماع ~~الأمة عن ms044 بكرة أبيهم # وإنما أراد بذلك الطعن في إمامة علي رضي الله ( 1 / 72 ) عنه إذ كانت ~~البيعة في أيام الفتنة من غير اتفاق من جميع الصحابة إذ بقي في كل طرف ~~طائفة على خلافه # ومن بدعه أن الجنة والنار ليستا مخلوقتين الآن إذ لا فائدة في وجودهما ~~وهما جميعا خاليتان ممن ينتفع ويتضرر بهما # وبقيت هذه المسألة منه اعتقادا للمعتزلة # وكان يقول بالموافاة وأن الإيمان هو الذي يوافي الموت # وقال : من أطاع الله جميع عمره وقد علم الله أنه يأتي بما يحبط أعماله ~~ولو بكبيرة لم يكن مستحقا للوعد وكذلك على العكس # وصاحبه عباد من المعتزلة وكان يمتنع من إطلاق القول بأن الله تعالى خلق ~~الكافر لأن الكافر : كفر وإنسان والله تعالى لا يخلق الكفر # وقال : النبوة جزاء على عمل وأنها باقية ما بقيت الدنيا # وحكى الأشعري عن عباد أنه زعم أنه لا يقال : إن الله تعالى ( 1 / 73 ) لم ~~يزل قائلا ولا غير قائل ووافقه الإسكافي على ذلك قال : ولا يسمى متكلما # وكان الفوطي يقول : إن الأشياء قبل كونها معدومة ليست أشياء وهي بعد أن ~~تعدم عن وجود تسمى أشياء # ولهذا المعنى كان يمنع القول بأن الله تعالى قد كان لم يزل عالما ~~بالأشياء قبل كونها فإنها لا تسمى أشياء # قال : وكان يجوز القتل والغيلة على المخالفين لمذهبه وأخذ أموالهم غصبا ~~وسرقة لاعتقاده كفرهم واستباحة دمائهم وأموالهم . ( 1 / 74 ) PageV01P071 ### || AUTO 10 - الجاحظية PageV01P074 ~~أصحاب عمرو بن بحر أبي عثمان الجاحظ كان من فضلاء المعتزلة والمصنفين لهم # وقد طالع الكثير من كتب الفلاسفة وخلط وروج كثيرا من مقالاتهم بعباراته ~~البليغة وحسن براعته اللطيفة # وكان في أيام المعتصم والمتوكل # وانفرد عن أصحابه بمسائل : # منها : قوله : إن المعارف كلها ضرورية طباع وليس شيء من ذلك من أفعال ~~العباد . وليس للعبد كسب سوى الإرادة وتحصل أفعاله منه طباعا كما قال ثمامة # ونقل عنه أيضا أنه أنكر أصل الإرادة وكونها جنسا من الأعراض فقال : إذا ~~انتفى السهو عن الفاعل وكان عالما بما يفعله فهو المريد ms045 على التحقيق وأما ~~الإرادة المتعلقة بفعل الغير فهو ميل النفس إليه وزاد على ذلك بإثبات ~~الطبائع للأجسام كما قال الطبيعيون من الفلاسفة وأثبت لها أفعالا مخصوصة بها # وقال باستحالة عدم الجواهر فالأعراض تتبدل والجواهر لا يجوز أن تفنى # ومنها : قوله في أهل النار : إنهم لا يخلدون فيها عذابا بل يصيرون إلى ~~طبيعة النار # وكان يقول : النار تجذب أهلها إلى نفسها من غير أن يدخل أحد فيها # ومذهبه مذهب الفلاسفة في نفي الصفات # وفي إثبات القدر خيره وشره من العبد مذهب المعتزلة # وحكى الكعبي عنه أنه قال : يوصف الباري تعالى بأنه مريد بمعنى أنه لا يصح ~~عليه السهو في أفعاله ولا الجهل ولا يجوز أن يغلب ويقهر # وقال : إن الخلق كلهم من العقلاء عالمون بأن الله تعالى خالقهم وعارفون ~~بأنهم محتاجون إلى النبي وهم محجوجون بمعرفتهم # ثم هم صنفان : عالم بالتوحيد وجاهل به # فالجاهل معذور والعالم محجوج # ومن انتحل دين الإسلام فإن اعتقد أن الله تعالى ليس بجسم ولا صورة ولا ~~يرى بالأبصار وهو عدل لا يجور ولا يريد المعاصي وبعد ( 1 / 75 ) الاعتقاد ~~واليقين أقر بذلك كله فهو مسلم حقا وإن عرف ذلك كله ثم جحده وأنكره # وقال بالتشبيه والجبر فهو مشرك كافر حقا وإن لم ينظر في شيء من ذلك كله ~~واعتقد أن الله تعالى ربه وأن محمدا رسول الله فهو مؤمن لا لوم عليه ولا ~~تكليف عليه غير ذلك # وحكى ابن الراوندي عنه أنه قال : إن للقرآن جسدا يجوز أن يقلب مرة رجلا ~~ومرة حيوانا # وهذا مثل ما يحكى عن أبي بكر الأصم أنه زعم أن القرآن جسم مخلوق # وأنكر الأعراض أصلا # وأنكر صفات الباري تعالى # ومذهب الجاحظ هو بعينه مذهب الفلاسفة إلا أن الميل منه ومن أصحابه إلى ~~الطبيعيين منهم أكثر منه إلى الإلهيين PageV01P074 ### || AUTO 11 - الخياطية والكعبية PageV01P075 ~~أصحاب أبي الحسين بن أبي عمرو الخياط أستاذ أبي القاسم بن محمد ( 1 / 76 ) ~~الكعبي وهما من معتزلة بغداد على مذهب واحد إلا أن الخياط غالى في إثبات ~~المعدوم ms046 شيئا وقال : الشيء ما يعلم ويخبر عنه والجوهر جوهر في العدم والعرض ~~عرض في العدم # وكذلك أطلق جميع الأجناس والأصناف حتى قال : السواد سواد ( 1 / 77 ) في ~~العدم فلم يبقى إلا صفة الوجود أو الصفات التي تلزم الوجود والحدوث وأطلق ~~على المعدوم لفظ الثبوت # وقال في نفي الصفات عن الباري مثل ما قاله أصحابه # وكذا القول في القدر والسمع والعقل # وانفرد الكعبي عن أستاذه بمسائل : # منها : قوله : إن إرادة الباري تعالى ليست صفة قائمة بذاته ولا هو مريد ~~لذاته ولا إرادته حادثة في محل أو لا في محل بل إذا أطلق عليه أنه مريد ~~فمعناه أنه عالم قادر غير مكره في فعله ولا كاره # ثم إذا قيل : هو مريد لأفعاله فالمراد به أنه خالق لها على وفق علمه # وإذا قيل : هو مريد لأفعال عباده فالمراد به أنه آمر بها راض عنها # وقوله في كونه سميعا بصيرا راجع إلى ذلك أيضا فهو سميع بمعنى أنه عالم ~~بالمسموعات وبصير بمعنى أنه عالم بالمبصرات # وقوله في الرؤية كقول أصحابه نفيا وإحالة غير أن أصحابه قالوا : يرى ~~الباري تعالى ذاته ويرى المرئيات وكونه مدركا لذلك زائد على كونه عالما وقد ~~أنكر الكعبي ذلك # قال : معنى قولنا : يرى ذاته ويرى المرئيات : أنه عالم بها فقط PageV01P075 ### || AUTO 12 - الجبائية والبهشمية PageV01P077 ~~أصحاب أبي علي محمد بن عبد الوهاب الجبائي وابنه أبي هاشم ( 1 / 78 ) عبد ~~السلام وهما من معتزلة البصرة # انفردا عن أصحابهما بمسائل وانفرد أحدهما ( 1 / 79 ) عن صاحبه بمسائل # أما المسائل التي انفردا بها عن أصحابهما : # فمنها : أنهما أثبتا إرادات حادثة لا في محل يكون الباري تعالى بها ~~موصوفا مريدا # وتعظيما لا في محل إذا أراد أن يعظم ذاته # وفناء لا في محل إذا أراد أن يفني العالم # وأخص أوصاف هذه الصفات يرجع إليه من حيث إنه تعالى أيضا لا في محل # وإثبات موجودات هي أعراض أو في حكم الأعراض لا محل لها كإثبات موجودات هي ~~جواهر أو في حكم الجواهر لا مكان لها وذلك ms047 قريب من مذهب الفلاسفة حيث ~~أثبتوا عقلا هو جوهر لا في محل ولا في مكان وكذلك النفس الكلية والعقول ~~المفارقة # ومنها : أنهما حكما بكونه تعالى متكلما بكلام يخلقه في محل وحقيقة الكلام ~~عندهما أصوات مقطعة وحروف منظومة والمتكلم من فعل الكلام لا من قام به ( 1 ~~/ 80 ) الكلام إلا أن الجبائي خالف أصحابه خصوصا بقوله : يحدث الله تعالى ~~عند قراءة كل قارئ كلاما لنفسه في محل القراءة وذلك حين ألزم أن الذي يقرؤه ~~القارئ ليس بكلام الله . والمسموع منه ليس من كلام الله فالتزم هذا المحال ~~من إثبات أمر غير معقول ولا مسموع وهو إثبات كلامين في محل واحد # واتفقا على نفي رؤية الله تعالى بالأبصار في دار القرار # وعلى القول بإثبات الفعل للعبد خلقا وإبداعا # وإضافة الخير والشر والطاعة والمعصية إليه استقلالا واستبدادا # وأن الاستطاعة قبل الفعل وهي قدرة زائدة على سلامة البنية وصحة الجوارح # وأثبتا البنية شرطا في قيام المعاني التي يشترط في ثبوتها الحياة # واتفقا على أن المعرفة وشكر المنعم ومعرفة الحسن والقبح واجبات عقلية # وأثبتا شريعة عقلية وردا الشريعة النبوية إلى مقدرات الأحكام ومؤقتات ~~الطاعات التي لا يتطرق إليها عقل ولا يهتدي إليها فكر وبمقتضى العقل ~~والحكمة يجب على الحكيم ثواب المطيع وعقاب العاصي إلا أن التأقيت والتخليد ~~فيه يعرف بالسمع # والإيمان عندهما اسم مدح وهو عبارة عن خصال الخير التي إذا اجتمعت في شخص ~~سمي بها مؤمنا ومن ارتكب كبيرة فهو في الحال يسمى فاسقا لا مؤمنا ولا كافر ~~وإن لم يتب ومات عليها فهو مخلد في النار # واتفقا على أن الله تعالى لم يدخر عن عباده شيئا مما علم أنه إذا فعل بهم ~~أتوا بالطاعة والتوبة من الصلاح والأصلح واللطف لأنه قادر عالم جواد حكيم ~~لا يضره الإعطاء ولا ينقص من خزائنه المنح ولا يزيد في ملكه الادخار وليس ~~الأصلح هو الألذ بل هو الأعود في العاقبة والأصوب في العاجلة وإن كان ذلك ~~مؤلما مكروها وذلك كالحجامة والفصد وشرب الأدوية # ولا يقال : إنه تعالى ms048 يقدر على شيء هو أصلح مما فعله بعبده والتكاليف ~~كلها ألطاف وبعثة الأنبياء وشرع الشرائع وتمهيد الأحكام والتنبيه على ~~الطريق الأصوب كلها ألطاف . ( 1 / 81 ) # ومما تخالفا فيه : # أما في صفات الباري تعالى : # فقال الجبائي : الباري تعالى عالم لذاته قادر حي لذاته ومعنى قوله : ~~لذاته أي لا يقتضي كونه عالما صفة هي علم أو حال توجب كونه عالما # وعند أبي هاشم : هو عالم لذاته بمعنى أنه ذو حالة هي صفة معلومة وراء ~~كونه ذاتا موجودا وإنما تعلم الصفة على الذات لا بانفرادها فأثبت أحوالا هي ~~صفات لا موجودة ولا معدومة ولا معلومة ولا مجهولة أي هي على حيالها لا تعرف ~~كذلك بل مع الذات # قال : والعقل يدرك فرقا ضروريا بين معرفة الشيء مطلقا وبين معرفته على ~~صفة فليس من عرف الذات عرف كونه عالما ولا من عرف الجوهر عرف كونه متحيزا ~~قابلا للعرض # ولا شك أن الإنسان يدرك اشتراك الموجودات في قضية وافتراقها في قضية # وبالضرورة يعلم أن ما اشتركت فيه غير ما افترقت به # وهذه القضايا العقلية لا ينكرها عاقل وهي لا ترجع إلى الذات ولا إلى ~~أعراض وراء الذات فإنه يؤدي إلى قيام العرض بالعرض فتعين بالضرورة أنها ~~أحوال فكون العالم عالما حال هي صفة وراء كونه ذاتا أي المفهوم منها غير ~~المفهوم من الذات وكذلك كونه قادرا حيا # ثم أثبت للباري تعالى حالة أخرى أوجبت تلك الأحوال # وخالفه والده وسائر منكري الأحوال في ذلك وردوا الاشتراك والافتراق إلى ~~الألفاظ وأسماء الأجناس وقالوا : أليست الأحوال تشترك في كونها أحوالا ~~وتفترق في خصائص ؟ كذلك نقول في الصفات وإلا فيؤدي إلى إثبات الحال للحال ~~ويفضي إلى التسلسل بل هي راجعة : # إما إلى مجرد الألفاظ إذا وضعت في الأصل على وجه يشترك فيها الكثير لا أن ~~مفهومها معنى أو صفة ثابتة في الذات على وجه يشمل أشياء ويشترك فيها الكثير ~~فإن ذلك مستحيل # أو يرجع ذلك إلى وجوه واعتبارات عقلية هي المفهومة من قضايا الاشتراك ~~والافتراق وتلك الوجوه : كالنسب والإضافات والقرب ms049 والبعد وغير ذلك مما لا ~~يعد صفات بالاتفاق # وهذا هو اختيار أبي الحسين البصري وأبي الحسن الأشعري ( 1 / 82 ) ورتبوا ~~على هذه المسألة : مسألة أن المعدوم شيء فمن يثبت كونه شيئا - كما نقلنا عن ~~جماعة من المعتزلة - فلا يبقى من صفات الثبوت إلا كونه موجودا فعلى ذلك لا ~~يثبت للقدرة في إيجادها أثرا ما سوى الوجود والوجود : # على مذهب نفاة الأحوال لا يرجع إلا إلى اللفظ المجرد # وعلى مذهب مثبتي الأحوال هو حالة لا توصف بالوجود ولا بالعدم وهذا كما ~~ترى من التناقض والاستحالة # ومن نفاة الأحوال من يثبته شيئا ولا يسميه بصفات الأجناس # وعند الجبائي أخص وصف الباري تعالى هو القدم والاشتراك في الأخص يوجب ~~الاشتراك في الأعم # وليت شعري كيف يمكنه إثبات الاشتراك والافتراق والعموم والخصوص حقيقة وهو ~~من نفاة الأحوال ؟ # فأما على مذهب أبي هاشم فلعمري هو مطرد غير أن القدم إذا بحث عن حقيقته ~~رجع إلى نفي الأولية والنفي يستحيل أن يكون أخص وصف الباري # واختلفا في كونه سميعا بصيرا : # فقال الجبائي : معنى كونه سميعا بصيرا أنه حي لا آفة به # وخالفه ابنه وسائر أصحابه : # أما ابنه فصار إلى كونه سميعا حال وكونه بصيرا حال وكونه بصيرا حال سوى ~~كونه عالما لاختلاف القضيتين والمفهومين والمتعلقين والأثرين # وقال غيره من أصحابه : معناه كونه مدركا للمبصرات مدركا للمسموعات # واختلفا أيضا في بعض مسائل اللطف : # فقال الجبائي : فيمن يعلم الباري تعالى من حاله أنه لو آمن مع اللطف لكان ~~ثوابه أقل لقلة مشقته ولو آمن بلا لطف لكان ثوابه أكثر لكثرة مشقته أنه لا ~~يحسن منه أن يكلفه إلا مع اللطف ويسوي بينه وبين من المعلوم من حاله أنه لا ~~يفعل الطاعة على كل وجه إلا مع اللطف ويقول : إذ لو كلفه مع عدم اللطف لوجب ~~أن يكون مستفسدا حاله غير مزيح لعلته # ويخالفه أبو هاشم في بعض المواضع في هذه المسألة قال : يحسن منه تعالى أن ~~يكلفه ( 1 / 83 ) الإيمان على أشق الوجهين بلا لطف . واختلفا في فعل ms050 الألم ~~للعوض : # فقال الجبائي : يجوز ذلك ابتداء لأجل العوض وعليه بنى آلام الأطفال # وقال ابنه : إنما يحسن ذلك بشرط العوض والاعتبار جميعا # وتفصيل مذهب الجبائي في الأعواض على وجهين : # أحدهما : أنه يقول : يجوز التفضل بمثل الأعواض غير أنه تعالى علم أنه لا ~~ينفعه عوض إلا على ألم متقدم # والوجه الثاني : هو أنه إنما يحسن ذلك لأن العوض مستحق والتفضل غير مستحق ~~والثواب عندهم ينفصل عن التفضل بأمرين # أحدهما : تعظيم وإجلال للمثاب يقترن بالنعيم # والثاني : قدر زائد على التفضل فلم يجب إذا أجرى العوض مجرى الثواب لأنه ~~لا يتميز عن التفضل بزيادة مقدار ولا بزيادة صفة # وقال ابنه : يحسن الابتداء بمثل العوض تفضلا والعوض منقطع غير دائم # وقال الجبائي : يجوز أن يقع الانتصاف من الله تعالى للمظلوم من الظالم ~~بأعواض يتفضل بها عليه إذا لم يكن للظالم على الله عوض لشيء ضره به # وزعم أبو هاشم أن التفضل لا يقع به انتصاف لأن التفضل ليس يجب عليه فعله # وقال الجبائي وابنه : لا يجب على الله شيء لعباده في الدنيا إذا لم ~~يكلفهم عقلا وشرعا # فأما إذا كلفهم فعل الواجب في عقولهم واجتناب القبائح وخلق فيهم الشهوة ~~للقبيح والنفور من الحسن وركب فيهم الأخلاق الذميمة فإنه يجب عليه عند هذا ~~التكليف إكمال العقل ونصب الأدلة والقدرة والاستطاعة وتهيئة الآلة بحيث ~~يكون مزيحا لعللهم فيما أمرهم ويجب عليه أن يفعل بهم أدعى الأمور إلى فعل ~~ما كلفهم به وأزجر الأشياء لهم عن فعل القبيح الذي نهاهم عنه # ولهم في مسائل هذا الباب خبط طويل # وأما كلام جميع المعتزلة البغداديين في النبوة والإمامة فيخالف كلام ~~البصريين # فإن من شيوخهم من يميل إلى الروافض ومنهم من يميل إلى الخوارج # والجبائي وأبو هاشم قد وافقا أهل السنة في الإمامة وأنها بالاختيار وأن ~~الصحابة مترتبون في الفضل ترتبهم في الإمامة غير أنهم ينكرون الكرامات أصلا ~~للأولياء من ( 1 / 84 ) الصحابة وغيرهم # ويبالغون في عصمة الأنبياء عليهم السلام عن الذنوب كبائرها وصغائرها حتى ~~منع الجبائي القصد إلى الذنب ms051 إلا على تأويل # والمتأخرون من المعتزلة - مثل القاضي عبد الجبار وغيره - انتهجوا طريقة ~~أبي هاشم # وخالفه في ذلك أبو الحسين البصري وتصفح أدلة الشيوخ واعترض على ذلك ~~بالتزييف والإبطال وانفرد عنهم بمسائل : # منها : نفي الحال # ومنها : نفي المعدوم شيئا # ومنها : نفي الألوان أعراضا # ومنها : قوله : إن الموجودات تتمايز بأعيانها وذلك من توابع نفي الحال # ومنها : رده الصفات كلها إلى كون الباري تعالى عالما قادرا مدركا # وله ميل إلى مذهب هشام بن الحكم في أن الأشياء لا تعلم قبل كونها # والرجل فلسفي المذهب إلا أنه روج كلامه على المعتزلة في معرض الكلام فراج ~~عليهم لقلة معرفتهم بمسالك المذهب PageV01P077 ### || AUTO الفصل الثاني : الجبرية PageV01P084 ~~الجبر : هو نفي الفعل حقيقة عن العبد وإضافته إلى الرب تعالى # والجبرية أصناف : # فالجبرية الخالصة : هي التي لا تثبت للعبد فعلا ولا قدرة على الفعل أصلا # والجبرية المتوسطة : هي التي تثبت للعبد قدرة غير مؤثرة أصلا # فأما من أثبت للقدرة الحادثة أثرا ما في الفعل وسمي ذلك كسبا فليس بجبري # والمعتزلة يسمون من لم يثبت للقدرة الحادثة أثرا في الإبداع والإحداث ~~استقلالا جبريا . ويلزمهم أن يسموا من قال من أصحابهم بأن المتولدات أفعال ~~لا فاعل لها جبريا ( 1 / 85 ) إذ لم يثبتوا للقدرة الحادثة فيها أثرا # والمصنفون في المقالات عدوا النجارية والضرارية من الجبرية # وكذلك جماعة الكلابية من الصفاتية # والأشعرية سموهم تارة حشوية وتارة جبرية ونحن سمعنا إقرارهم على أصحابهم ~~من النجارية والضرارية فعددناهم من الجبرية ولم نسمع إقرارهم على غيرهم ~~فعددناهم من الصفاتية PageV01P084 ### || AUTO 1 - الجهمية PageV01P085 ~~أصحاب جهم بن صفوان وهو من الجبرية الخالصة # ظهرت بدعته بترمذ وقتله مسلم بن أحوز المازني بمرو في آخر ملك بني أمية # وافق المعتزلة في نفي الصفات الأزلية وزاد عليهم بأشياء : # منها : قوله : لا يجوز أن يوصف الباري تعالى بصفة يوصف بها خلقه لأن ذلك ~~يقضي تشبيها # فنفى كونه حيا عالما وأثبت كونه : قادرا فاعلا خالقا لأنه لا يوصف بشيء ~~من خلقه بالقدرة والفعل والخلق . ( 1 / 86 ) # ومنها : إثباته علوما حادثة للباري ms052 تعالى لا في محل قال : لا يجوز أن ~~يعلم الشيء قبل خلقه لأنه لو علم ثم خلق أفبقي علمه على ما كان أم لم يبق ؟ # فإن بقي فهو جهل فإن العلم بأن قد وجد # وإن لم يبق فقد تغير والمتغير مخلوق ليس بقديم # ووافق في هذا المذهب هشام بن الحكم كما تقرر # قال : وإذا ثبت حدوث العلم فليس يخلو : # إما أن يحدث في ذاته تعالى وذلك يؤدي إلى التغير في ذاته وأن يكون محلا ~~للحوادث # وإما أن يحدث في محل فيكون المحل موصوفا به لا الباري تعالى فتعين أنه لا ~~محل له فأثبت علوما حادثة بعدد الموجودات المعلومة # ومنها : قوله في القدرة الحادثة : إن الإنسان لا يقدر على شيء ولا يوصف ~~بالاستطاعة وإنما هو مجبور في أفعاله لا قدرة له ولا إرادة ولا اختيار # وإنما يخلق الله تعالى الأفعال فيه على حسب ما يخلق في سائر الجمادات ~~وتنسب إليه الأفعال مجازا كما تنسب إلى الجمادات كما يقال : أثمرت الشجرة ~~وجرى الماء وتحرك الحجر وطلعت الشمس وغربت وتغيمت السماء وأمطرت واهتزت ~~الأرض وأنبتت إلى غير ذلك والثواب والعقاب جبر كما أن الأفعال كلها جبر # قال : وإذا ثبت الجبر فالتكليف أيضا كان جبرا # ومنها : قوله : إن حركات أهل الخلدين تنقطع والجنة والنار تفنيان بعد ~~دخول أهلهما فيهما وتلذذ أهل الجنة بنعيمها وتألم أهل النار بجحيمها إذ لا ~~تتصور حركات لا تتناهى آخرا كما لا تتصور حركات لا تتناهى أولا # وحمل قوله تعالى : ( خالدين فيها ) على ( 1 / 87 ) المبالغة والتأكيد دون ~~الحقيقة في التخليد كما يقال خلد الله ملك فلان # واستشهد على الانقطاع بقوله تعالى : ( خالدين فيها مادامت السموات والأرض ~~إلا ما شاء ربك ) # فالآية اشتملت على شريطة واستثناء والخلود والتأبيد لا شرط فيه ولا ~~استثناء # ومنها : قوله : من أتى بالمعرفة ثم جحد بلسانه لم يكفر بجحده لأن العلم ~~والمعرفة لا يزولان بالجحد فهو مؤمن # قال : والإيمان لا يتبعض أي لا ينقسم إلى : عقد وقول وعمل # قال : ولا يتفاضل أهله فيه فإيمان الأنبياء ms053 وإيمان الأمة على نمط واحد إذ ~~المعارف لا تتفاضل # وكان السلف كلهم من أشد الرادين عليه ونسبته إلى التعطيل المحض # وهو أيضا موافق للمعتزلة في نفي الرؤية وإثبات خلق الكلام وإيجاب المعارف ~~بالعقل قبل ورود السمع PageV01P085 ### || AUTO 2 - النجارية PageV01P087 ~~أصحاب الحسين بن محمد النجار وأكثر معتزلة الري وما حواليها على مذهبه # وهم وإن اختلفوا أصنافا إلا أنهم لم يختلفوا في المسائل التي عددناها أصولا # وهم : برغوثية ( 1 / 88 ) وزعفرانية ومستدركة # ووافقوا المعتزلة في نفي الصفات من العلم والقدرة والإرادة والحياة ~~والسمع والبصر # ووافقوا الصفاتية في خلق الأعمال # قال النجار : الباري تعالى مريد لنفسه كما هو عالم لنفسه فألزم عموم ~~التعلق فالتزم وقال : هو مريد الخير والشر والنفع والضر # وقال أيضا : معنى كونه مريدا أنه غير مستكره ولا مغلوب # وقال : هو خالق أعمال العباد خيرها وشرها حسنها وقبيحها والعبد مكتسبا لها # وأثبت تأثيرا للقدرة الحادثة وسمى ذلك كسبا على حسب ما يثبته الأشعري # ووافقه أيضا في أن الاستطاعة مع الفعل # وأما في مسألة الرؤية فأنكر رؤية الله تعالى بالأبصار وأحالها غير أنه ~~قال : يجوز أن يحول الله تعالى القوة التي في القلب من المعرفة إلى العين ~~فيعرف الله تعالى بها فيكون ذلك رؤية # وقال بحدوث الكلام # لكنه انفرد عن المعتزلة بأشياء منها : # قوله : إن كلام الباري تعالى إذا قرئ فهو عرض وإذا كتب فهو جسم # ومن العجب أن الزعفرانية قالت : كلام الله غيره وكل ما هو غيره فهو مخلوق ~~ومع ذلك قالت : كل من قال : إن القرآن مخلوق فهو كافر # ولعلهم أرادوا بذلك الاختلاف وإلا فالتناقض ظاهر # والمستدركة منهم زعموا أن كلامه غيره وهو مخلوق لكن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال : ( كلام الله غير مخلوق ) والسلف عن آخرهم أجمعوا على هذه ( 1 / ~~89 ) العبارة فوافقناهم وحملنا قولهم غير مخلوق أي على هذا الترتيب والنظم ~~من الحروف والأصوات بل هو مخلوق على غير هذه الحروف بعينها وهذه حكاية عنها # والمستدركة منهم زعموا أن كلامه غيره وهو مخلوق لكن النبي صلى الله ms054 عليه ~~وسلم قال : ( كلام الله غير مخلوق ) والسلف عن آخرهم أجمعوا على هذه ~~العبارة فوافقناهم وحملنا قولهم غير مخلوق أي على هذا الترتيب والنظم من ~~الحروف والأصوات بل هو مخلوق على غير هذه الحروف بعينها وهذه حكاية عنها # وحكى الكعبي عن النجار أنه قال : الباري تعالى بكل مكان ذاتا ووجودا لا ~~على معنى العلم والقدرة وألزمه محالات على ذلك # وقال في المفكر قبل ورود السمع مثل ما قالت المعتزلة : إنه يجب عليه ~~تحصيل المعرفة بالنظر والاستدلال # وقال في الإيمان : إنه عبارة عن التصديق ومن ارتكب كبيرة ومات عليها من ~~غير توبة عوقب على ذلك ويجب أن يخرج من النار فليس من العدل التسوية بينه ~~وبين الكفار في الخلود # ومحمد بن عيسى الملقب ببرغوث وبشر بن غياث المريسي والحسن النجار ~~متقاربون في المذهب وكلهم أثبتوا كونه تعالى مريدا لم يزل لكل ما علم أنه ~~سيحدث من خير وشر وإيمان وكفر وطاعة ومعصية وعامة المعتزلة يأبون ذلك PageV01P087 ### || AUTO 3 - الضرارية PageV01P089 ~~أصحاب ضرار بن عمرو وحفص الفرد # واتفقا في التعطيل وعلى أنهما قالا الباري تعالى عالم قادر على معنى أنه ~~ليس بجاهل ولا عاجز وأثبتا لله سبحانه ماهية لا يعلمها إلا ( 1 / 90 ) هو # وقالا : إن هذه المقالة محكية عن أبي حنيفة رحمه الله وجماعة من أصحابه # وأراد بذلك أنه يعلم نفسه شهادة لا بدليل ولا خبر ونحن نعلمه بدليل وخبر # وأثبتا حاسة سادسة للإنسان يرى بها الباري تعالى يوم الثواب في الجنة # وقالا : أفعال العباد مخلوقة للباري تعالى حقيقة والعبد مكتسبها حقيقة ~~وجوزوا حصول فعل بين فاعلين # وقالا : يجوز أن يقلب الله تعالى الأعراض أجساما والاستطاعة والعجز بعض ~~الجسم وهو جسم ولا محالة بنفي زمانين # وقالا : الحجة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإجماع فقط فما ينقل ~~عنه في أحكام الدين من طريق أخبار الآحاد فغير مقبول # ويحكى عن ضرار أنه كان ينكر حرف عبد الله بن مسعود وحرف أبي بن كعب ويقطع ~~بأن الله تعالى لم ينزله # وقال في ms055 المفكر قبل ورود السمع أنه لا يجب عليه بعقله شيء حتى يأتيه ~~الرسول فيأمره وينهاه ولا يجب على الله تعالى شيء بحكم العقل # وزعم ضرار أيضا أن الإمامة تصلح في غير قريش حتى إذا اجتمع قرشي ونبطي ~~قدمنا النبطي إذ هو أقل عددا وأضعف وسيلة فيمكننا خلعه إذا خالف الشريعة # والمعتزلة وإن جوزوا الإمامة في غير قريش إلا أنهم لا يجوزون تقديم ~~النبطي على القرشي . ( 1 / 91 ) PageV01P089 ### || AUTO الفصل الثالث الصفاتية PageV01P091 ~~اعلم أن جماعة كبيرة من السلف كانوا يثبتون لله تعالى صفات أزلية من العلم ~~والقدرة والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام والجلال والإكرام والجود ~~والإنعام والعزة والعظمة ولا يفرقون بين صفات الذات وصفات الفعل بل يسوقون ~~الكلام سوقا واحدا # وكذلك يثبتون صفات خبرية مثل اليدين والوجه ولا يؤولون ذلك إلا أنهم ~~يقولون : هذه الصفات قد وردت في الشرع فنسميها صفات خبرية # ولما كانت المعتزلة ينفون الصفات والسلف يثبتون سمي السلف صفاتية ~~والمعتزلة معطلة # فبالغ بعض السلف في إثبات الصفات إلى حد التشبيه بصفات المحدثات # واقتصر بعضهم على صفات دلت الأفعال عليها وما ورد به الخبر فافترقوا ~~فرقتين : # فمنهم من أوله على وجه يحتمل اللفظ ذلك # ومنهم من توقف في التأويل وقال : عرفنا بمقتضى العقل أن الله تعالى ليس ~~كمثله شيء فلا يشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبهه شيء منها وقطعنا بذلك إلا ~~أنا لا نعرف معنى اللفظ الوارد فيه مثل قوله تعالى : ( الرحمن على العرش ~~استوى ) ومثل قوله : ( خلقت بيدي ) ومثل قوله : ( وجاء ربك ) إلى غير ذلك # ولسنا مكلفين بمعرفة تفسير هذه الآيات وتأويلها بل التكليف قد ورد ~~بالاعتقاد بأنه لا شريك له وليس كمثله شيء وذلك قد أثبتناه يقينا . ( 1 / 92 ) # ثم إن جماعة من المتأخرين زادوا على ما قاله السلف فقالوا : لا بد من ~~إجرائها على ظاهرها فوقعوا في التشبيه الصرف وذلك على خلاف ما اعتقده السلف # ولقد كان التشبيه صرفا خالصا في اليهود لا في كلهم بل في القرائين منهم ~~إذ وجدوا في التوراة ألفاظا كثيرة تدل ms056 على ذلك # ثم الشيعة في هذه الشريعة وقعوا في غلو وتقصير # أما الغلو : فتشبيه بعض أئمتهم بالإله تعالى وتقدس # وأما التقصير : فتشبيه الإله بواحد من الخلق # ولما ظهرت المعتزلة والمتكلمون من السلف رجعت بعض الروافض عن الغلو ~~والتقصير ووقعت في الاعتزال وتخطت جماعة من السلف إلى التفسير الظاهر فوقعت ~~في التشبيه # وأما السلف الذين لم يتعرضوا للتأويل ولا تهدفوا للتشبيه فمنهم : # مالك بن أنس رضي الله عنهما إذ قال : الاستواء معلوم والكيفية مجهولة ~~والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة # ومثل أحمد بن حنبل رحمه الله وسفيان الثوري وداود بن علي الأصفهاني ومن تابعهم # حتى انتهى الزمان إلى عبد الله بن سعيد الكلابي وأبي العباس القلانسي ~~والحارث بن أسعد المحاسبي وهؤلاء كانوا من جملة السلف إلا أنهم باشروا علم ~~الكلام وأيدوا عقائد السلف بحجج كلامية وبراهين أصولية # وصنف بعضهم ودرس بعض حتى جرى بين أبي الحسن الأشعري وبين أستاذه مناظرة ~~في مسألة من مسائل الصلاح والأصلح فتخاصما # وانحاز الأشعري إلى هذه الطائفة فأيد مقالتهم بمناهج كلامية وصار ذلك ~~مذهبا لأهل السنة والجماعة وانتقلت سمة الصفاتية إلى الأشعرية # ولما كانت المشبهة والكرامية من مثبتي الصفات عددناهم فرقتين من جملة ~~الصفاتية . ( 1 / 93 ) PageV01P091 ### || AUTO 1 - الأشعرية PageV01P093 ~~أصحاب أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري المنتسب إلى أبي موسى الأشعري رضي ~~الله عنهما # وسمعت من عجيب الاتفاقات أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه كان يقرر عين ~~ما يقرر الأشعري أبو الحسن في مذهبه # وقد جرت مناظرة بين عمرو بن العاص وبينه فقال : عمرو أين أجد أحدا أحاكم ~~إليه ربي ؟ # فقال أبو موسى : أنا ذلك المتحاكم إليه # فقال عمرو : أو يقدر علي شيء ثم يعذبني عليه ؟ # قال : نعم # قال عمرو : ولم ؟ # قال : لأنه لا يظلمك # فسكت عمرو ولم يحر جوابا # قال الأشعري : الإنسان إذا فكر في خلقته من أي شيء ابتدأ وكيف دار في ~~أطوار الخلقة طورا بعد طور حتى وصل إلى كمال الخلقة وعرف يقينا أنه بذاته ~~لم يكن ليدبر خلقته وينقله من درجة ms057 إلى درجة ويرقيه من نقص إلى كمال علم ~~بالضرورة أن له صانعا قادرا عالما مريدا إذ لا يتصور حدوث هذه الأفعال ~~المحكمة من طبع لظهور آثار الاختيار في الفطرة وتبين آثار الإحكام والإتقان ~~في الخلقة # فله صفات دلت أفعاله عليها لا يمكن جحدها وكما دلت الأفعال على كونه ~~عالما قادرا مريدا دلت على العلم والقدرة والإرادة لأن وجه الدلالة لا ~~يختلف شاهدا وغائبا # وأيضا لا معنى للعالم حقيقة إلا أنه ذو علم ولا للقادر إلا أنه ذو قدرة ~~ولا للمريد إلا أنه ذو إرادة فيحصل بالعلم الإحكام والإتقان ويحصل بالقدرة ~~الوقوع والحدوث ويحصل بالإرادة التخصيص بوقت دون وقت وقدر دون قدر وشكل دون شكل # وهذه الصفات لن يتصور أن يوصف بها الذات إلا وأن يكون الذات حيا بحياة ~~للدليل الذي ذكرناه # وألزم منكري الصفات إلزاما لا محيص لهم عنه وهو أنكم وافقتمونا بقيام ~~الدليل على ( 1 / 94 ) كونه عالما قادرا فلا يخلو : # إما أن يكون المفهومان من الصفتين واحدا أو زائدا : # فإن كان واحدا فيجب أن يعلم بقادريته ويقدر بعالميته ويكون من علم الذات ~~مطلقا علم كونه عالما قادرا وليس الأمر كذلك فعلم أن الاعتبارين مختلفان # فلا يخلو : # إما أن يرجع الاختلاف إلى مجرد اللفظ # أو إلى الحال # أو إلى الصفة # وبطل رجوعه إلى اللفظ المجرد فإن العقل يقضي باختلاف مفهومين معقولين ولو ~~قدر عدم الألفاظ رأسا ما ارتاب العقل فيما تصوره # وبطل رجوعه إلى الحال فإن إثبات صفة لا توصف بالوجود ولا بالعدم إثبات ~~واسطة بين الوجود والعدم والإثبات والنفي وذلك محال # فتعين الرجوع إلى صفة قائمة بالذات وذلك مذهبه # على أن القاضي الباقلاني من أصحاب الأشعري قد ردد قوله في إثبات الحال ~~ونفيها وتقرر رأيه على الإثبات ومع ذلك أثبت الصفات معاني قائمة به لا أحوالا # وقال : الحال الذي أثبته أبو هاشم هو الذي نسميه صفة خصوصا إذا أثبت حالة ~~أوجبت تلك الصفات # قال أبو الحسن : الباري تعالى عالم بعلم قادر بقدرة حي بحياة مريد بإرادة ~~متكلم بكلام ms058 سميع بسمع بصير ببصر وله في البقاء اختلاف رأي # قال : وهذه الصفات أزلية قائمة بذاته تعالى لا يقال : هي هو ولا هي غيره ~~ولا : لا هو ولا : لا غيره # والدليل على أنه متكلم بكلام قديم ومريد بإرادة قديمة : أنه قد قام ~~الدليل على أنه تعالى ملك والملك من له الأمر والنهي فهو آمر ناه # فلا يخلو : # إما أن يكون آمرا بأمر قديم # أو بأمر محدث # وإن كان محدثا فلا يخلو : # إما أن يحدثه في ذاته # أو في محل # أو لا في محل # ويستحيل أن يحدثه في ذاته لأنه يؤدي إلى أن يكون محلا للحوادث وذلك محال # ويستحيل أن يحدثه في محل لأنه يوجب أن يكون المحل به موصوفا # ويستحيل أن يحدثه لا في محل لأن ذلك غير معقول # فتعين أنه قديم قائم به صفة له # وكذلك التقسيم في الإرادة والسمع والبصر . ( 1 / 95 ) # قال : وعلمه واحد يتعلق بجميع المعلومات : المستحيل والجائز والواجب ~~والموجود والمعدوم # وقدرته واحدة تتعلق بجميع ما يصلح وجوده من الجائزات # وإرادته واحدة تتعلق بجميع ما يقبل الاختصاص # وكلامه واحد هو : أمر ونهي وخبر واستخبار ووعد ووعيد # وهذه الوجوه ترجع إلى اعتبارات في كلامه لا إلى عدد في نفس الكلام # والعبارات والألفاظ المنزلة على لسان الملائكة إلى الأنبياء عليهم السلام ~~دلالات على الكلام الأزلي والدلالة مخلوقة محدثة والمدلول قديم أزلي # والفرق بين القراءة والمقروء والتلاوة والمتلو كالفرق بين الذكر والمذكور ~~فالذكر محدث والمذكور قديم # وخالف الأشعري بهذا التدقيق جماعة من الحشوية إذ أنهم قضوا بكون الحروف ~~والكلمات قديمة # والكلام عند الأشعري معنى قائم بالنفس سوى العبارة والعبارة دلالة عليه ~~من الإنسان فالمتكلم عنده من قام به الكلام وعند المعتزلة من فعل الكلام ~~غير أن العبارة تسمى كلاما : إما بالمجاز وإما باشتراك اللفظ # قال : وإرادته واحدة قديمة أزلية متعلقة بجميع المرادات من أفعاله الخاصة ~~وأفعال عباده من حيث إنها مخلوقة له لا من حيث إنها مكتسبة لهم # فعن هذا قال : أراد الجميع : خيرها وشرها ونفعها وضرها # وكما أراد وعلم ms059 أراد من العباد ما علم # وأمر القلم حتى كتب في اللوح المحفوظ فذلك حكمه وقضاؤه وقدره الذي لا ~~يتغير ولا يتبدل # وخلاف المعلوم : مقدور الجنس محال الوقوع # وتكليف ما لا يطاق جائز على مذهبه للعلة التي ذكرناها ولأن الاستطاعة ~~عنده عرض والعرض لا يبقى زمانين ففي حال التكليف لا يكون المكلف قط قادرا ~~لأن المكلف من يقدر على إحداث ما أمر به فأما أن يجوز ذلك في حق من لا قدرة ~~له أصلا على الفعل فمحال وإن وجد ذلك منصوصا عليه في كتابه # قال : والعبد قادر على أفعاله إذ الإنسان يجد من نفسه تفرقة ضرورية بين ~~حركات ( 1 / 96 ) الرعدة والرعشة وبين حركات الاختيار والإرادة # والتفرقة راجعة إلى أن الحركات الاختيارية حاصلة تحت القدرة متوقفة على ~~اختيار القادر فعن هذا قال : المكتسب : هو المقدور بالقدرة الحاصلة والحاصل ~~تحت القدرة الحادثة # ثم على أصل أبي الحسين : لا تأثير للقدرة الحادثة في الأحداث لأن جهة ~~الحدوث قضية واحدة لا تختلف بالنسبة إلى الجوهر والعرض فلو أثرت في قضية ~~الحدوث لأثرت في حدوث كل محدث حتى تصلح لإحداث الألوان والطعوم والروائح ~~وتصلح لإحداث الجواهر والأجسام فيؤدي إلى تجويز وقوع السماء على الأرض ~~بالقدرة الحادثة غير أن الله تعالى أجرى سنته بأن يحقق عقيب القدرة الحادثة ~~أو تحتها أو معها الفعل الحاصل إذا أراده العبد وتجرد له ويسمى هذا الفعل ~~كسبا فيكون خلقا من الله تعالى إبداعا وإحداثا وكسبا من العبد حصولا تحت قدرته # والقاضي أبو بكر الباقلاني تخطى عن هذا القدر قليلا فقال : الدليل قد قام ~~على أن القدرة الحادثة لا تصلح للإيجاد لكن ليست تقتصر صفات الفعل أو وجوهه ~~واعتباراته على جهة الحدوث فقط بل ههنا وجوه أخر هن وراء الحدوث من كون ~~الجوهر جوهرا متحيزا قابلا للعرض ومن كون العرض عرضا ولونا وسوادا وغير ذلك ~~وهذه أحوال عند مثبتي الأحوال # قال : فجهة كون الفعل حاصلا بالقدرة الحادثة أو تحتها نسبة خاصة ويسمى ~~ذلك كسبا وذلك هو أثر القدرة الحادثة # قال : وإذا ms060 جاز على أصل المعتزلة أن يكون تأثير القدرة أو القادرية ~~القديمة في حال هو الحدوث والوجود أو في وجه من وجوه الفعل فلم لا يجوز أن ~~يكون تأثير القدرة الحادثة في حال : هو صفة للحادث أو في وجه من وجوه الفعل ~~وهو كون الحركة مثلا على هيئة مخصوصة ؟ وذلك أن المفهوم من الحركة مطلقا ~~ومن العرض مطلقا غير المفهوم من القيام والقعود وهما حالتان متمايزتان فإن ~~كل قيام حركة وليس كل حركة قياما . ( 1 / 97 ) # ومن المعلوم أن الإنسان يفرق فرقا ضروريا بين قولنا : أوجد وبين قولنا : ~~صلى وصام وقعد وقام وكما لا يجوز أن يضاف إلى الباري تعالى جهة ما يضاف إلى ~~العبد فكذلك لا يجوز أن يضاف إلى العبد جهة ما يضاف إلى الباري تعالى # فأثبت القاضي تأثيرا للقدرة الحادثة وأثرها : هي الحالة الخاصة وهي جهة ~~من جهات الفعل حصلت من تعلق القدرة الحادثة بالفعل وتلك الجهة هي المتعينة ~~لأن تكون مقابلة بالثواب والعقاب # فإن الوجود من حيث هو وجود لا يستحق عليه ثواب وعقاب خصوصا على أصل ~~المعتزلة فإن جهة الحسن والقبح هي التي تقابل بالجزاء والحسن والقبح صفتان ~~ذاتيتان وراء الوجود فالموجود من حيث هو موجود ليس بحسن ولا قبيح # قال : فإذا جاز لكم إثبات صفتين هما حالتان جاز لي إثبات حالة هي متعلق ~~القدرة الحادثة ومن قال : هي حالة مجهولة فبينا بقدر الإمكان جهتها ~~وعرفناها إيش هي ومثلناها كيف هي # ثم إن إمام الحرمين أبا المعالي الجويني تخطى عن هذا البيان قليلا قال : # أما نفي هذه القدرة والاستطاعة فمما يأباه العقل والحس # وأما إثبات قدرة لا أثر لها بوجه فهو كنفي القدرة أصلا # وأما إثبات تأثير في حالة لا يفعل فهو كنفي التأثير خصوصا والأحوال على ~~أصلهم لا توصف بالوجود والعدم فلا بد إذن من نسبة فعل العبد إلى قدرته ~~حقيقة لا على ( 1 / 98 ) وجه الإحداث والخلق فإن الخلق يشعر باستقلال ~~إيجاده من العدم والإنسان كما يحس من نفسه الاقتدار يحس من نفسه أيضا ms061 عدم ~~الاستقلال فالفعل يستند وجوده إلى القدرة والقدرة يستند وجودها إلى سبب آخر ~~تكون نسبة القدرة إلى ذلك السبب كنسبة الفعل إلى القدرة # وكذلك يستند سبب إلى سبب آخر حتى ينتهي إلى مسبب الأسباب فهو الخالق ~~للأسباب ومسبباتها المستغني على الإطلاق فإن كل سبب مهما استغنى من وجه ~~محتاج من وجه والباري تعالى هو الغني المطلق الذي لا حاجة له ولا فقر # وهذا الرأي إنما أخذه من الحكماء الإلهيين وأبرزه في معرض الكلام # وليس يختص نسبة السبب إلى المسبب على أصله بالفعل والقدرة بل كل ما يوجد ~~من الحوادث فذلك حكمه وحينئذ يلزم القول بالطبع وتأثير الأجسام في الأجسام ~~إيجادا وتأثير الطبائع في الطبائع إحداثا وليس ذلك مذهب الإسلاميين # كيف ورأي المحققين من الحكماء أن الجسم لا يؤثر في إيجاد الجسم قالوا : ~~الجسم لا يجوز أن يصدر عن جسم ولا عن قوة ما في جسم فإن الجسم مركب من مادة ~~وصورة فلو أثر لأثر بجهتيه أعني بمادته وصورته والمادة لها طبيعة عدمية فلو ~~أثرت لأثرت بمشاركة العدم والتالي محال فالمقدم إذن محال فنقيضه حق وهو أن ~~الجسم وقوة ما في الجسم لا يجوز أن يؤثر في جسم # وتخطى من هو أشد تحققا وأغوص تفكرا عن الجسم وقوة ما في الجسم إلى كل ما ~~هو جائز بذاته فقال : كل ما هو جائز بذاته لا يجوز أن يحدث شيئا ما فإنه لو ~~أحدث لأحدث بمشاركة الجواز والجواز له طبيعة عدمية فلو خلى الجائز وذاته ~~كان عدما . فلو أثر الجواز بمشاركة العدم لأدى إلى أن يؤثر العدم في الوجود ~~وذلك محال فإذن لا موجد على الحقيقة إلا واجب الوجود لذاته وما سواه من ~~الأسباب معدات لقبول الوجود لا محدثات لحقيقة الوجود ولهذا شرح سنذكره # ومن العجب أن مأخذ كلام الإمام أبي المعالي إذا كان بهذه المثابة فكيف ~~يمكن إضافة الفعل إلى الأسباب حقيقة ؟ ( 1 / 99 ) # هذا ونعود إلى كلام صاحب المقالة # قال أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري : إذا كان الخالق على الحقيقة ms062 هو ~~الباري تعالى لا يشاركه في الخلق غيره فأخص وصفه تعالى هو : القدرة على ~~الاختراع # قال : وهذا هو تفسير اسمه تعالى الله # وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني : أخص وصفه هو : كون يوجب تمييزه عن ~~الأكوان كلها # وقال بعضهم : نعلم يقينا أن ما من موجود إلا ويتميز عن غيره بأمر ما وإلا ~~فيقتضي أن تكون الموجودات كلها مشتركة متساوية والباري تعالى موجود فيجب أن ~~يتميز عن سائر الموجودات بأخص وصف إلا أن العقل لا ينتهي إلى معرفة ذلك ~~الأخص ولم يرد به سمع فنتوقف # ثم هل يجوز أن يدركه العقل ؟ ففيه خلاف أيضا وهذا قريب من مذهب ضرار غير ~~أن ضرارا أطلق لفظ الماهية عليه تعالى وهو من حيث العبارة منكر # ومن مذهب الأشعري : أن كل موجود يصح أن يرى فإن المصحح للرؤية إنما هو ~~الوجود والباري تعالى موجود فيصح أن يرى وقد ورد السمع بأن المؤمنين يرونه ~~في الآخرة قال الله تعالى : ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) إلى غير ~~ذلك من الآيات والأخبار # قال : ولا يجوز أن تتعلق به الرؤية على جهة ومكان وصورة ومقابلة واتصال ~~شعاع أو على سبيل انطباع فإن كل ذلك مستحيل # وله قولان في ماهية الرؤية : # أحدهما : أنه علم مخصوص ويعني بالخصوص أنه يتعلق بالوجود دون العدم # والثاني : أنه إدراك وراء العلم لا يقتضي تأثيرا في المدرك ولا تأثرا عنه ~~. ( 1 / 100 ) # وأثبت أن السمع والبصر للباري تعالى صفتان أزليتان هما إدراكان وراء ~~العلم يتعلقان بالمدركات الخاصة بكل واحد بشرط الوجود . وأثبت اليدين ~~والوجه صفات خبرية فيقول : ورد بذلك السمع فيجب الإقرار به كما ورد وصغوه ( ~~صغوه ميله ) إلى طريقة السلف من ترك التعرض للتأويل # وله قول أيضا في جواز التأويل # ومذهبه في الوعد والوعيد والأسماء والأحكام والسمع والعقل مخالف للمعتزلة ~~من كل وجه # قال : الإيمان هو التصديق بالجنان # وأما القول باللسان والعمل بالأركان ففروعه # فمن صدق بالقلب أي أقر بوحدانية الله تعالى واعترف بالرسل تصديقا لهم ~~فيما جاءوا به من عند الله تعالى بالقلب ms063 صح إيمانه حتى لو مات عليه في ~~الحال كان مؤمنا ناجيا ولا يخرج من الإيمان إلا بإنكار شيء من ذلك # وصاحب الكبيرة إذا خرج من الدنيا من غير توبة يكون حكمه إلى الله تعالى : # إما أن يغفر له برحمته # وإما أن يشفع فيه النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال : ( شفاعتي لأهل ~~لكبائر من أمتي ) # وإما أن يعذبه بمقدار جرمه ثم يدخله الجنة برحمته # ولا يجوز أن يخلد في النار مع الكفار لما ورد به السمع بالإخراج من النار ~~من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان # قال : ولو تاب فلا أقول بأنه يجب على الله تعالى قبول توبته بحكم العقل ~~إذ هو الموجب فلا يجب عليه شيء بل ورد السمع بقبول توبة التائبين وإجابة ~~دعوة المضطرين وهو المالك في خلقه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد # فلو أدخل الخلائق بأجمعهم الجنة لم يكن حيفا ولو أدخلهم النار لم يكن ~~جورا إذ الظلم هو التصرف فيما لا يملكه المتصرف أو وضع الشيء في غير موضعه ~~وهو المالك المطلق فلا يتصور منه ظلم ولا ينسب إليه جور # قال : والواجبات كلها سمعية والعقل لا يوجب شيئا ولا يقتضي تحسينا ولا ~~تقبيحا فمعرفة الله تعالى بالعقل تحصل وبالسمع تجب قال الله تعالى : ( وما ~~كنا معذبين حتى ( 1 \ 101 ) نبعث رسولا ) وكذلك شكر المنعم وإثابة المطيع ~~وعقاب العاصي يجب بالسمع دون العقل لا يجب على الله تعالى شيء ما بالعقل لا ~~الصلاح ولا الأصلح ولا اللطف وكل ما يقتضيه العقل من جهة الحكمة الموجبة ~~فيقتضي نقيضه من وجه آخر # وأصل التكليف لم يكن واجبا على الله إذ لم يرجع إليه نفع ولا اندفع به ~~عنه ضر وهو قادر على مجازاة العبيد ثوابا وعقابا وقادر على الإفضال عليهم ~~ابتداء تكرما وتفضلا # والثواب والنعيم واللطف كله منه فضل والعقاب والعذاب كله عدل ( لا يسأل ~~عما يفعل وهم يسألون ) # وانبعاث الرسل من القضايا الجائزة لا الواجبة ولا المستحيلة ولكن بعد ~~الانبعاث تأييدهم بالمعجزات وعصمتهم من الموبقات من ms064 جملة الواجبات إذ لا بد ~~من طريق للمستمع يسلكه ليعرف به صدق المدعي ولا بد من إزاحة العلل فلا يقع ~~في التكليف تناقض # والمعجزة : فعل خارق للعادة مقترن بالتحدي سليم عن المعارضة يتنزل منزلة ~~التصديق بالقول من حيث القرينة # وهو منقسم إلى خرق المعتاد وإلى إثبات غير المعتاد # والكرامات للأولياء حق وهي من وجه تصديق للأنبياء وتأكيد للمعجزات # والإيمان والطاعة بتوفيق الله # والكفر والمعصية بخذلانه # والتوفيق عنده : خلق القدرة على الطاعة # والخذلان عنده : خلق القدرة على المعصية # وعند بعض أصحابه : تيسير أسباب الخير هو التوفيق وبضده الخذلان . وما ورد ~~به السمع من الأخبار عن الأمور الغائبة مثل : القلم واللوح والعرش والكرسي ~~والجنة والنار فيجب إجراؤها على ظاهرها والإيمان بها كما جاءت إذ لا ~~استحالة في إثباتها # وما ورد من الأخبار عن الأمور المستقبلة في الآخرة مثل : سؤال القبر ~~والثواب والعقاب فيه ومثل : الميزان والحساب ( 1 \ 102 ) والصراط وانقسام ~~الفريقين : # فريق في الجنة وفريق في السعير حق يجب الاعتراف بها وإجراؤها على ظاهرها ~~إذ لا استحالة في وجودها # والقرآن عنده معجزة من حيث : البلاغة والنظم والفصاحة إذ خير العرب بين ~~السيف وبين المعارضة # فاختاروا أشد القسمين اختيار عجز عن المقابلة # ومن أصحابه من اعتقد أن الإعجاز في القرآن من جهة صرف الدواعي وهو المنع ~~من المعارضة ومن جهة الإخبار عن الغيب # وقال : الإمامة تثبت بالاتفاق والاختيار دون النص والتعيين إذ لو كان ثم ~~نص لما خفي والدواعي تتوفر على نقله # واتفقوا في سقيفة بني ساعدة على أبي بكر رضي الله عنه # ثم اتفقوا بعد تعيين أبي بكر على عمر رضي الله عنه # واتفقوا بعد الشورى على عثمان رضي الله عنه # واتفقوا بعده على علي رضي الله عنه # وهم مترتبون في الفضل ترتبهم في الإمامة # وقال : لا نقول في عائشة وطلحة والزبير إلا أنهم رجعوا عن الخطأ # وطلحة والزبير من العشرة المبشرين بالجنة # ولا نقول في حق معاوية وعمرو بن العاص : إلا أنهما بغيا على الإمام الحق ~~فقاتلهم على مقاتلة أهل البغي ms065 # وأما أهل النهروان فهم الشراة المارقون عن الدين بخبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم # ولقد كان علي رضي الله عنه على الحق في جميع أحواله يدور الحق معه حيث دار PageV01P093 ### || AUTO 2 - المشبهة PageV01P100 ~~اعلم أن السلف من أصحاب الحديث لما رأوا توغل المعتزلة في علم الكلام ~~ومخالفة السنة التي عهدوها من الأئمة الراشدين ونصرهم جماعة من أمراء بني ~~أمية على قولهم بالقدر وجماعة من خلفاء بني العباس على قولهم بنفي الصفات ~~وخلق القرآن تحيروا في تقرير مذهب أهل السنة والجماعة في متشابهات آيات ~~الكتاب الحكيم وأخبار النبي الأمين صلى الله عليه وسلم . ( 1 \ 103 ) # فأما أحمد بن حنبل وداود بن علي الأصفهاني وجماعة من أئمة السلف فجروا ~~على منهاج السلف المتقدمين عليهم من أصحاب الحديث مثل : مالك بن أنس ومقاتل ~~بن سليمان وسلكوا طريق السلامة فقالوا : نؤمن بما ورد به الكتاب والسنة ولا ~~نتعرض للتأويل بعد أن نعلم قطعا أن الله عز وجل لا يشبه شيئا من المخلوقات ~~وأن كل ما تمثل في الوهم فإنه خالقه ومقدره # وكانوا يحترزون عن التشبيه إلى غاية أن قالوا من حرك يده عند قراءته قوله ~~تعالى : ( خلقت بيدي ) أو أشار بإصبعيه عند روايته : ( قلب المؤمن بين ~~إصبعين من أصابع الرحمن ) وجب قطع يده وقلع أصبعيه # وقالوا : إنما توقفنا في تفسير الآيات وتأويلها لأمرين : # أحدهما : المنع الوارد في التنزيل في قوله تعالى : ( فأما الذين في ~~قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم ~~تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما ~~يذكر إلا أولوا الألباب ) فنحن نحترز عن الزيغ # والثاني : أن التأويل أمر مظنون بالاتفاق والقول في صفات الباري بالظن ~~غير جائز فربما أولنا الآية على غير مراد الباري تعالى فوقعنا في الزيغ بل ~~نقول كما قال الراسخون في العلم ( كل من عند ربنا ) آمنا بظاهره وصدقنا ~~بباطنه ووكلنا علمه إلى الله تعالى ولسنا مكلفين بمعرفة ذلك إذ ليس ذلك من ~~شرائط الإيمان وأركانه # واحتاط ms066 ( 1 \ 104 ) بعضهم أكثر احتياط حتى لم يفسر اليد بالفارسية ولا ~~الوجه ولا الاستواء ولا ما ورد من جنس ذلك بل إن احتاج في ذكره إلى عبارة ~~عبر عنها بما ورد لفظا بلفظ . فهذا هو طريق السلامة وليس هو من التشبيه في شيء # غير أن جماعة من الشيعة الغالية وجماعة من أصحاب الحديث الحشوية صرحوا ~~بالتشبيه مثل : الهشاميين من الشيعة ومثل مضر وكهمس وأحمد الهجيمي وغيرهم ~~من الحشوية قالوا : معبودهم على صورة ذات أعضاء وأبعاض إما روحانية وإما ~~جسمانية ويجوز عليه الانتقال والنزول والصعود والاستقرار والتمكن # فأما مشبهة الشيعة فستأتي مقالاتهم في باب الغلاة # وأما مشبهة الحشوية فحكى الأشعري عن محمد بن عيسى أنه حكى عن مضر وكهمس ~~وأحمد الهجيمي : أنهم أجازوا على ربهم الملامسة والمصافحة وأن المسلمين ~~المخلصين يعانقونه في الدنيا والآخرة إذا بلغوا في الرياضة والاجتهاد إلى ~~حد الإخلاص والاتحاد المحض # وحكى الكعبي عن بعضهم أنه كان يجوز الرؤية في دار الدنيا وأن يزوره ~~ويزورهم # وحكى عن داود الخوارمي أنه قال : اعفوني عن الفرج واللحية واسألوني عما ~~وراء ذلك # وقال : إن معبوده جسم ولحم ودم وله جوارح وأعضاء من يد ورجل ورأس ولسان ~~وعينين وأذنين ومع ذلك جسم لا كالأجسام ولحم لا كاللحوم ودم لا كالدماء ~~وكذلك سائر الصفات وهو لا يشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبهه شيء # وحكي عنه أنه قال : هو أجوف من أعلاه إلى صدره مصمت ما سوى ذلك وأن له ~~وفرة سوداء وله شعر قطط # وأما ما ورد في التنزيل من الاستواء والوجه واليدين والجنب والمجيء ~~والإتيان والفوقية وغير ذلك فأجروها على ظاهرها أعني ما يفهم عند الإطلاق ~~على الأجسام # وكذلك ما ورد في الأخبار من الصورة وغيرها في قوله عليه الصلاة والسلام : ~~( خلق آدم على ( 1 \ 105 ) صورة الرحمن ) وقوله : ( حتى يضع الجبار قدمه في ~~النار ) وقوله : ( قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن ) وقوله : ( خمر ~~طينة آدم بيده أربعين صباحا ) وقوله : ( وضع يده أو كفه على كتفي ) وقوله : ~~( حتى وجدت برد أنامله ms067 في صدري ) إلى غير ذلك أجروها على ما يتعارف في صفات ~~الأجسام # وزادوا في الأخبار أكاذيب وضعوها ونسبوها إلى النبي عليه الصلاة والسلام ~~وأكثرها مقتبسة من اليهود فإن التشبيه فيهم طباع حتى قالوا : اشتكت عيناه ~~فعادته الملائكة وبكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه وأن العرش ليئط من تحته ~~كأطيط الرحل الحديد وإنه ليفضل من كل جانب أربع أصابع # وروى المشبهة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال : ( لقيني ربي ~~فصافحني وكافحني ووضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله ) # وزادوا على التشبيه قولهم في القرآن : إن الحروف والأصوات والرقوم ~~المكتوبة قديمة أزلية . وقالوا : لا يعقل كلام ليس بحروف ولا كلم # واستدلوا بأخبار منها ما رووا عن النبي عليه الصلاة والسلام : ( ينادي ~~الله تعالى يوم القيامة بصوت يسمعه الأولون والآخرون ) ورووا أن موسى عليه ~~السلام كان يسمع كلام الله كجر السلاسل # قالوا : وأجمعت السلف على أن القرآن كلام الله غير مخلوق ومن قال : هو ~~مخلوق فهو كافر بالله ولا نعرف من القرآن إلا ما هو بين أظهرنا فنبصره ~~ونسمعه ونقرؤه ونكتبه # والمخالفون في ذلك : # وأما المعتزلة : فوافقونا على أن هذا الذي في أيدينا كلام الله وخالفونا ~~في القدم وهم محجوجون بإجماع الأمة # وأما الأشعرية : فوافقونا على أن القرآن قديم وخالفونا في أن الذي في ~~أيدينا ليس كلام الله وهم محجوجون أيضا بإجماع الأمة : أن المشار إليه هو ~~كلام الله فأما إثبات كلام هو صفة قائمة بذات الباري تعالى لا نبصرها ولا ~~نكتبها ولا نقرؤها ولا نسمعها فهو مخالفة الإجماع من كل وجه . ( 1 \ 106 ) # فنحن نعتقد أن ما بين الدفتين كلام الله أنزله على لسان جبريل عليه ~~السلام فهو المكتوب في المصاحف وهو المكتوب في اللوح المحفوظ وهو الذي ~~يسمعه المؤمنون في الجنة من الباري تعالى بغير حجاب ولا واسطة وذلك معنى ~~قوله تعالى : ( سلام قولا من رب رحيم ) وهو قوله تعالى لموسى عليه السلام : ~~( يا موسى إني أنا الله رب العالمين ) ومناجاته من غير واسطة حتى قال تعالى ~~: ( وكلم ms068 الله موسى تكليما ) وقال : ( إني اصطفيتك على الناس برسالاتي ~~وبكلامي ) وروي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال : ( إن الله تعالى ~~كتب التوراة بيده وخلق جنة عدن بيده وخلق آدم بيده ) وفي التنزيل : ( ~~وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء ) # قالوا : فنحن لا نزيد من أنفسنا شيئا ولا نتدارك بعقولنا أمرا لم يتعرض ~~له السلف # قالوا : ما بين الدفتين كلام الله قلنا : هو كذلك واستشهدوا عليه بقوله ~~تعالى : ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ) ومن ~~المعلوم أنه ما سمع إلا هذا الذي نقرؤه وقال تعالى : ( إنه لقرآن كريم في ~~كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين ) وقال : ( في صحف ~~مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة ) وقال : ( إنا أنزلناه في ليلة ~~القدر ) وقال : ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ) إلى غير ذلك من الآيات # ومن المشبهة من مال إلى مذهب الحلولية وقال : يجوز أن يظهر الباري تعالى ~~بصورة ( 1 \ 107 ) شخص كما كان جبريل عليه السلام ينزل في صورة أعرابي وقد ~~تمثل لمريم بشرا سويا # وعليه حمل قول النبي عليه الصلاة والسلام : ( رأيت ربي في أحسن صورة ) # وفي التوراة عن موسى عليه السلام : ( شافهت الله تعالى فقال لي كذا ) # والغلاة من الشيعة مذهبهم الحلول # ثم الحلول قد يكون بجزء وقد يكون بكل على ما سيأتي في تفصيل مذاهبهم إن ~~شاء الله تعالى PageV01P100 ### || AUTO 3 - الكرامية PageV01P107 ~~أصحاب أبي عبد الله محمد بن كرام # وإنما عددناه من الصفاتية لأنه كان ممن يثبت الصفات إلا أنه ينتهي فيها ~~إلى التجسيم والتشبيه # وقد ذكرنا كيفية خروجه وانتسابه إلى أهل السنة فيما قدمنا ذكره # وهم طوائف بلغ عددهم إلى اثنتي عشر فرقة . وأصولها ستة : العابدية ~~والتونية والزرينية والإسحاقية والواحدية وأقربهم الهيصمية ولكل واحدة منهم ~~رأي إلا أنه لما لم يصدر ذلك عن علماء معتبرين بل عن سفهاء أغتام جاهلين لم ~~نفردها مذهبا وأوردنا مذهب صاحب المقالة وأشرنا إلى ما يتفرع منه # نص أبو عبد ms069 الله على أن معبوده على العرش استقرارا وعلى أنه بجهة فوق ~~ذاتا وأطلق عليه اسم الجوهر فقال في كتابه المسمى ( عذاب القبر ) : إنه ~~أحدي الذات أحدي ( 1 \ 108 ) الجوهر وإنه مماس للعرش من الصفحة العليا وجوز ~~الانتقال والتحول والنزول # ومنهم من قال : إنه على بعض أجزاء العرش # وقال بعضهم : امتلأ العرش به وصار المتأخرون منهم إلى أنه تعالى بجهة فوق ~~وأنه محاذ للعرش # ثم اختلفوا : # فقالت العابدية : إن بينه وبين العرش من البعد والمسافة ما لو قدر مشغولا ~~بالجواهر لاتصلت به # وقال محمد بن الهيصم : إن بينه وبين العرش بعدا لا يتناهى وإنه مباين ~~للعالم بينونة أزلية ونفى التحيز والمحاذاة وأثبت الفوقية والمباينة # وأطلق أكثرهم لفظ الجسم عليه والمقاربون منهم قالوا : نعني بكونه جسما ~~أنه قائم بذاته وهذا هو حد الجسم عندهم وبنوا على هذا أن من حكم القائمين ~~بأنفسهما أن يكونا متجاورين أو متباينين : # فقضى بعضهم بالتجاور مع العرش # وحكم بعضهم بالتباين # وربما قالوا : كل موجودين : # فإما أن يكون أحدهما بحيث الآخر كالعرض مع الجوهر # وإما أن يكون بجهة منه والباري تعالى ليس بعرض إذ هو قائم بنفسه فيجب أن ~~يكون بجهة من العالم ثم أعلى الجهات وأشرفها جهة فوق # فقلنا : هو بجهة فوق بالذات حتى إذا رئي رئي من تلك الجهة # ثم لهم اختلافات في النهاية : # فمن المجسمة من أثبت النهاية له من ست جهات # ومنهم من أثبت النهاية له من جهة تحت # ومنهم من أنكر النهاية له فقال : هو عظيم # ولهم في معنى العظمة خلاف : # فقال بعضهم : معنى عظمته أنه مع وحدته على جميع أجزاء العرش والعرش تحته ~~وهو فوق كله على الوجه الذي هو فوق جزء منه # وقال بعضهم : معنى عظمته أنه يلاقي مع وحدته من جهة واحدة أكثر من واحد ~~وهو يلاقى جميع أجزاء العرش وهو العلي العظيم # ومن مذهبهم جميعا : جواز قيام كثير من الحوادث بذات الباري تعالى # ومن أصلهم أن ما يحدث في ذاته فإنما يحدث بقدرته وما يحدث مباينا لذاته ~~فإنما يحدث ms070 بواسطة ( 1 \ 109 ) الأحداث # ويعنون بالأحداث : الإيجاد والإعدام الواقعين في ذاته بقدرته من الأقوال ~~والإرادات # ويعنون بالمحدث : ما بين ذاته من الجواهر والأعراض # ويفرقون بين الخلق والمخلوق والإيجاد والموجود والموجد وكذلك بين الإعدام ~~والمعدوم فالمخلوق إنما يقع بالخلق والخلق إنما يقع في ذاته بالقدرة ~~والمعدوم إنما يصير معدوما بالإعدام الواقع في ذاته بالقدرة # وزعموا أن في ذاته سبحانه حوادث كثيرة مثل الإخبار عن الأمور الماضية ~~والآتية والكتب المنزلة على الرسل عليهم السلام والقصص والوعد والوعيد ~~والأحكام ومن ذلك المسمعات والمبصرات فيما يجوز أن يسمع ويبصر # والإيجاد والإعدام هو القول والإرادة وذلك قوله ( كن ) للشيء الذي يريد ~~كونه وإرادته لوجود ذلك الشيء وقوله للشيء ( كن ) : صورتان # وفسر محمد بن الهيصم الإيجاد والإعدام : بالإرادة والإيثار # قال : وذلك مشروط بالقول شرعا إذ ورد في التنزيل : ( إنما قولنا لشيء إذا ~~أردناه أن نقول له كن فيكون ) وقوله : ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول ~~له كن فيكون ) # وعلى قول الأكثرين منهم : الخلق عبارة عن القول والإرادة ثم اختلفوا في ~~التفصيل : # فقال بعضهم : لكل موجود إيجاد ولكل معدوم إعدام # وقال بعضهم : إيجاد واحد يصلح لموجودين إذا كانا من جنس واحد وإذا اختلف ~~الجنس تعدد الإيجاد # وألزم بعضهم : لو افتقر كل موجود أو كل جنس إلى إيجاد فليفتقر كل إيجاد ~~إلى قدرة فالتزم تعدد القدرة بتعدد الإيجاد # وقال بعضهم أيضا : تتعدد القدرة بعدد أجناس المحدثات وأكثرهم على أنها ~~تتعدد بعدد أجناس الحوادث التي تحدث في ذاته من الكاف والنون والإرادة ~~والتسمع والتبصر وهي خمسة أجناس . ( 1 \ 110 ) # ومنهم من فسر السمع والبصر بالقدرة على التسمع والتبصر # ومنهم من أثبت لله تعالى السمع والبصر أزلا والتسمعات والتبصرات هي إضافة ~~المدركات إليهما # وقد أثبتوا لله تعالى مشيئة قديمة متعلقة بأصول المحدثات وبالحوادث التي ~~تحدث في ذاته وأثبتوا إرادات حادثة تتعلق بتفاصيل المحدثات # وأجمعوا على أن الحوادث لا توجب لله تعالى وصفا ولا هي صفات له فتحدث في ~~ذاته هذه الحوادث من الأقوال والإرادات والتسمعات والتبصرات ولا يصير بها ms071 ~~قائلا ولا مريدا ولا سميعا ولا بصيرا ولا يصير بخلق هذه الحوادث محدثا ولا ~~خالقا وإنما هو قائل بقائليته وخالق بخالقيته ومريد بمريديته وذلك قدرته ~~على هذه الأشياء # ومن أصلهم أن الحوادث التي يحدثها في ذاته واجبة البقاء حتى يستحيل عدمها ~~إذ لو جاز عليها العدم لتعاقبت على ذاته الحوادث ولشارك الجوهر في هذه القضية # وأيضا فلو قدر عدمها فلا يخلو : # إما أن يقدر عدمها بالقدرة # أو بإعدام يخلقه في ذاته # ولا يجوز أن يكون عدمها بالقدرة لأنه يؤدي إلى ثبوت المعدوم في ذاته وشرط ~~الموجود والمعدوم أن يكونا مباينين لذاته ولو جاز وقوع معدوم في ذاته ~~بالقدرة من غير واسطة إعدام لجاز حصول سائر المعلومات بالقدرة ثم يجب طرد ~~ذلك في الموجد حتى يجوز وقوع موجد محدث في ذاته وذلك محال عندهم ولو فرض ~~إعدامها بالإعدام لجاز تقدير عدم ذلك الإعدام فيسلسل فارتكبوا لهذا التحكم ~~استحالة عدم ما يحدث في ذاته # ومن أصلهم : أن المحدث إنما يحدث في ثاني حال ثبوت الإحداث بلا فصل ولا ~~أثر للإحداث في حال بقائه # ومن أصلهم : أن ما يحدث في ذاته من الأمر فمنقسم إلى : PageV01P107 # 1 - أمر التكوين : وهو فعل يقع تحته المفعول PageV01P110 ~~2 - وإلى ما ليس أمر التكوين : وذلك إما خبر وإما أمر التكليف ونهي ~~التكليف وهي أفعال من حيث دلت على القدرة ولا تقع تحتها مفعولات # هذا هو تفصيل مذاهبهم محل الحوادث . ( 1 \ 111 ) # وقد اجتهد ابن الهيصم في إرمام مقالة أبي عبد الله في كل مسألة حتى ردها ~~من المحال الفاحش إلى نوع يفهم فيما بين العقلاء مثل التجسيم فإنه قال : ~~أراد بالجسم : القائم بالذات ومثل الفوقية فإنه حملها على العلو وأثبت ~~البينونة غير المتناهية وذلك الخلاء الذي أثبته بعض الفلاسفة ومثل الاستواء ~~فإنه نفى المجاورة والمماسة والتمكن بالذات غير مسألة محل الحوادث فإنها لم ~~تقبل المرمة فالتزمها كما ذكرنا وهي من أشنع المحالات عقلا # وعند القوم أن الحوادث تزيد على عدد المحدثات بكثير فيكون في ذاته أكثر ~~من عدد ms072 المحدثات عالم من الحوادث وذلك محال وشنيع # ومما أجمعوا عليه من إثبات الصفات قولهم : الباري تعالى عالم بعلم قادر ~~بقدرة حي بحياة شاء بمشيئته وجميع هذه الصفات صفات قديمة أزلية قائمة بذاته # وربما زادوا السمع والبصر كما أثبته الأشعري وربما زادوا اليدين والوجه ~~صفات قديمة قائمة بذاته وقالوا : له يد لا كالأيدي ووجه لا كالوجوه وأثبتوا ~~جواز رؤيته من جهة فوق دون سائر الجهات # وزعم ابن الهيصم أن الذي أطلقه المشبهة على الله عز وجل من : الهيئة ~~والصورة والجوف والاستدارة والوفرة والمصافحة والمعانقة ونحو ذلك لا يشبه ~~سائر ما أطلقه الكرامية من : أنه خلق آدم بيده وأنه استوى على عرشه وأنه ~~يجيء يوم القيامة لمحاسبة الخلق وذلك أنا لا نعتقد من ذلك شيئا على معنى ~~فاسد : من جارحتين وعضوين تفسيرا لليدين ولا مطابقة للمكان واستقلال العرش ~~بالرحمن تفسيرا للاستواء ولا ترددا في الأماكن التي تحيط به تفسيرا للمجيء ~~وإنما ذهبنا في ذلك إلى إطلاق ما أطلقه القرآن فقط من غير تكييف وتشبيه وما ~~لم يرد به القرآن والخبر فلا نطلقه كما أطلقه سائر المشبهة والمجسمة # وقال : الباري تعالى عالم في الأزل بما سيكون على الوجه الذي يكون وشاء ~~لتنفيذ ( 1 \ 112 ) علمه في معلوماته فلا ينقلب علمه جهلا ومريد لما يخلق ~~في الوقت الذي يخلق بإرادة حادثة وقائل لكل ما يحدث بقوله كن حتى يحدث وهو ~~الفرق بين الإحداث والمحدث والخلق والمخلوق # وقال : نحن نثبت القدر خيره وشره من الله تعالى وأنه أراد الكائنات كلها ~~خيرها وشرها وخلق الموجودات كلها حسنها وقبيحها ونثبت للعبد فعلا بالقدرة ~~الحادثة ويسمى ذلك كسبا والقدرة الحادثة مؤثرة في إثبات فائدة زائدة على ~~كونه مفعولا مخلوقا للباري تعالى تلك الفائدة هي مورد التكليف والمورد هو ~~المقابل بالثواب والعقاب # واتفقوا على أن العقل يحسن ويقبح قبل الشرع وتجب معرفة الله تعالى بالعقل ~~كما قالت المعتزلة إلا أنهم لم يثبتوا رعاية الصلاح والأصلح واللطف عقلا ~~كما قالت المعتزلة # وقالوا : الإيمان هو الإقرار باللسان فقط دون التصديق بالقلب ms073 ودون سائر ~~الأعمال وفرقوا بين تسمية المؤمن مؤمنا فيما يرجع إلى أحكام الظاهر ~~والتكليف وفيما يرجع إلى أحكام الآخرة والجزاء فالمنافق عندهم : مؤمن في ~~الدنيا على الحقيقة مستحق للعقاب الأبدي في الآخرة # وقالوا في الإمامة : إنها تثبت بإجماع الأمة دون النص والتعيين كما قال ~~أهل السنة إلا أنهم جوزوا عقد البيعة لإمامين في قطرين وغرضهم إثبات إمامة ~~معاوية في الشام باتفاق جماعة من أصحابه وإثبات أمير المؤمنين علي بالمدينة ~~والعراقين باتفاق جماعة من الصحابة # ورأوا تصويب معاوية فيما استبد به من الأحكام الشرعية قتالا على طلب ~~عثمان رضي الله عنه واستقلالا ببيت المال # ومذهبهم الأصلي اتهام علي رضي الله عنه في الصبر على ما جرى مع عثمان رضي ~~الله عنه والسكوت عنه وذلك عرق نزع . ( 1 \ 113 ) PageV01P110 ### || AUTO الفصل الرابع : الخوارج PageV01P113 ~~الخوارج والمرجئة والوعيدية # كل من خرج عن الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجيا سواء كان ~~الخروج في أيام الصحابة على الأئمة الراشدين أو كان بعدهم على التابعين ~~بإحسان والأئمة في كل زمان # والمرجئة : صنف آخر تكلموا في الإيمان والعمل إلا أنهم وافقوا الخوارج في ~~بعض المسائل التي تتعلق بالإمامة # والوعيدية : داخلة في الخوارج وهم القائلون بتكفير صاحب الكبيرة وتخليده ~~في النار فذكرنا مذاهبهم في أثناء مذاهب الخوارج # الخوارج # اعلم أن أول من خرج على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه جماعة ممن كان ~~معه في حرب صفين وأشدهم خروجا عليه ومروقا من الدين : الأشعث بن قيس الكندي ~~ومسعر بن فدكي التميمي وزيد بن حصين الطائي حين قالوا : القوم يدعوننا إلى ~~كتاب الله وأنت تدعونا إلى السيف حتى قال : أنا أعلم بما في كتاب الله ~~انفروا إلى بقية الأحزاب انفروا إلى من يقول : كذب الله ورسوله وأنتم ~~تقولون : صدق الله ورسوله # قالوا : لترجعن الأشتر عن قتال المسلمين وإلا لنفعلن بك مثل ما فعلنا بعثمان # فاضطر إلى رد الأشتر بعد أن هزم الجمع وولوا مدبرين وما بقي منهم إلا ~~شرذمة قليلة فيهم حشاشة قوة فامتثل الأشتر أمره . ( 1 \ 114 ms074 ) # وكان من أمر الحكمين : أن الخوارج حملوه على التحكيم أولا # وكان يريد أن يبعث عبد الله بن عباس رضي الله عنه فما رضي الخوراج بذلك ~~وقالوا : هو منك وحملوه على بعث أبي موسى الأشعري على أن يحكم بكتاب الله ~~تعالى فجرى الأمر على خلاف ما رضي به # فلما لم يرض بذلك خرجت الخوارج عليه وقالوا : لم حكمت الرجال ؟ لا حكم ~~إلا لله وهم المارقة الذين اجتمعوا بالنهروان # وكبار فرق الخوارج ستة : والأزارقة والنجدات والعجاردة والثعالبة ~~والإباضية والصفرية والباقون فروعهم # ويجمعهم القول بالتبرئ من عثمان وعلي رضي الله عنهما ويقدمون ذلك على ~~طاعة ولا يصححون المناكحات إلا على ذلك # ويكفرون أصحاب الكبائر ويرون الخروج على الإمام إذا خالف السنة حقا واجبا PageV01P113 ### || AUTO 1 - المحكمة الأولى PageV01P114 ~~هم الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه حين جرى أمر المحكمين ~~واجتمعوا بحروراء من ناحية الكوفة ورئيسهم عبد الله بن الكواء وعتاب بن ~~الأعور وعبد الله بن وهب الراسبي وعروة بن جرير ويزيد بن عاصم المحاربي ~~وحرقوص بن زهير البجلي المعروف بذي الثدية وكانوا يومئذ في اثني عشر ألف ~~رجل أهل صلاة وصيام أعني يوم النهروان # وفيهم قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( تحقر صلاة أحدكم في جنب صلاتهم ~~وصوم أحدكم في جنب صيامهم ولكن لا يجاوز إيمانهم تراقيهم ) # فهم المارقة الذين قال فيهم : ( سيخرج من ضئضئ هذا الرجل قوم يمرقون من ~~الدين كما يمرق السهم من الرمية ) . ( 1 \ 115 ) # وهم الذين أولهم ذو الخويصرة وآخرهم ذو الثدية # وإنما خروجهم في الزمن الأول على أمرين : # أحدهما : بدعتهم في الإمامة إذ جوزوا أن تكون الإمامة في غير قريش وكل من ~~نصبوه برأيهم وعاشر الناس على ما مثلوا له من العدل واجتناب الجور كان ~~إماما ومن خرج عليه يجب نصب القتال معه وإن غير السيرة وعدل عن الحق وجب ~~عزله أو قتله وهم أشد الناس قولا بالقياس # وجوزوا أن لا يكون في العالم إمام أصلا وإن احتيج إليه فيجوز أن يكون ~~عبدا أو حرا أو ms075 نبطيا أو قرشيا # والبدعة الثانية : أنهم قالوا : أخطأ علي في التحكيم إذ حكم الرجال ولا ~~حكم إلا لله # وقد كذبوا على علي رضي الله عنه من وجهين : # أ- أحدهما : في التحكيم أنه حكم الرجال وليس ذلك صدقا لأنهم هم الذين ~~حملوه على التحكيم # ب - والثاني : أن تحكيم الرجال جائز فإن القوم هم الحاكمون في هذه ~~المسألة وهم رجال ولهذا قال علي رضي الله عنه : ( كلمة حق أريد بها باطل ) # وتخطوا عن هذه التخطئة إلى التكفير ولعنوا عليا رضي الله عنه فيما قاتل ~~الناكثين والقاسطين والمارقين ( 1 \ 116 ) # فقاتل الناكثين وما اغتنم أموالهم وما سبى ذراريهم ونساءهم # وقتل مقاتلة القاسطين وما اغتنم ولا سبى ثم رضي بالتحكيم # وقاتل مقاتلة المارقين واغتنم أموالهم وسبى ذراريهم # وطعنوا في عثمان رضي الله عنه للأحداث التي عدوها عليه وطعنوا في أصحاب ~~الجمل وأصحاب صفين فقاتلهم علي رضي الله عنه بالنهروان مقاتلة شديدة فما ~~انفلت منهم إلا أقل من عشرة وما قتل من المسلمين إلا أقل من عشرة # فانهزم اثنان منهم إلى عمان واثنان إلى كرمان واثنان إلى سجستان واثنان ~~إلى الجزيرة وواحد إلى تل مورون باليمن # وظهرت بدع الخوارج في هذه المواضع منهم وبقيت إلى اليوم # وأول من بويع من الخوارج بالإمامة : عبد الله بن وهب الراسبي في منزل زيد ~~بن حصين بايعه عبد الله بن الكواء وعروة بن جرير ويزيد بن عاصم المحاربي ~~وجماعة منهم # وكان يمتنع عليهم تحرجا ويستقبلهم ويومئ إلى غيره تحرزا فلم يقنعوا إلا ~~به وكان يوصف برأي ونجدة # فتبرأ من الحكمين وممن رضي بقولهما وصوب أمرهما وأكفروا أمير المؤمنين ~~عليا رضي الله عنه وقالوا : إنه ترك حكم الله وحكم الرجال # وقيل : إن أول من تلفظ بهذا رجل من بني سعد بن زيد بن مناة بن تميم يقال ~~له الحجاج بن عبيد الله يلقب بالبرك وهو الذي ضرب معاوية على أليته لما سمع ~~بذكر الحكمين وقال : أتحكم في دين الله ؟ لا حكم إلا لله فلنحكم بما حكم ~~الله في القرآن به # فسمعها ms076 رجل فقال : طعن والله فأنفذ فسموا المحكمة بذلك # ولما سمع أمير المؤمنين علي رضي الله عنه هذه الكلمة قال : ( كلمة عدل ~~أريد بها جور إنما يقولون : لا إمارة ولا بد من إمارة بر أو فاجر ) # ويقال : إن أول سيف سل من سيوف الخوارج سيف عروة بن أذينة وذلك أن ( 1 \ ~~117 ) أقبل على الأشعث بن قيس فقال : ما هذه الدنية يا أشعث ؟ وما هذا ~~التحكيم ؟ أشرط أحدكم أوثق من شرط الله تعالى ؟ ثم شهر السيف والأشعث مولى ~~فضرب به عجز البغلة فشبت البغلة فنفرت اليمانية # فلما رأى ذاك الأحنف مشى هو وأصحابه إلى الأشعث فسألوه الصفح ففعل # وعروة بن أذينة نجا بعد ذلك من حرب النهروان وبقي إلى أيام معاوية ثم أتى ~~إلى زياد بن أبيه ومعه مولى له فسأله زياد عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ~~فقال فيهما خيرا # وسأله عن عثمان فقال : كنت أوالي عثمان على أحواله في خلافته ست سنين ثم ~~تبرأت منه بعد ذلك للأحداث التي أحدثها وشهد عليه بالكفر # وسأله عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه فقال : كنت أتولاه إلى أن حكم ~~الحكمين ثم تبرأت منه بعد ذلك وشهد عليه بالكفر # وسأله عن معاوية فسبه سبا قبيحا # ثم سأله عن نفسه فقال : أولك لزنية وآخرك لدعوة وأنت فيما بينهما بعد عاص ~~ربك فأمر زياد بضرب عنقه ثم دعا مولاه فقال له : صف لي أمره وأصدق # فقال : أأطنب أم أختصر # فقال : بل اختصر # قال : ما أتيته بطعام في نهار قط ولا فرشت له فراشا بليل قط # هذه معاملته واجتهاده وذلك خبثه واعتقاده PageV01P114 ### || AUTO 2 - الأزارقة PageV01P117 ~~أصحاب أبي راشد نافع بن الأزرق الذين خرجوا مع نافع من البصرة إلى الأهواز ~~( 1 \ 118 ) فغلبوا عليها وعلى كورها وما وراءها من بلدان فارس وكرمان في ~~أيام عبد الله بن الزبير وقتلوا عماله بهذه النواحي # وكان مع نافع من أمراء الخوارج : عطية بن الأسود الحنفي وعبد الله بن ~~الماحوز وأخواه عثمان والزبير وعمرو بن عمير العنبري وقطري بن ms077 الفجاءة ~~المازني وعبيدة ( 1 \ 119 ) بن هلال اليشكري وأخوه محرز بن هلال وصخر بن ~~حبيب التميمي وصالح بن مخراق العبدي وعبد ربه الكبير وعبد ربه الصغير في ~~زهاء ثلاثين ألف فارس ممن يرى رأيهم وينخرط في سلكهم # فأنفذ إليهم عبد الله بن الحارث بن نوفل النوفلي بصاحب جيشه مسلم بن عبيس ~~بن كريز بن حبيب فقتله الخوارج وهزموا أصحابه فأخرج إليهم أيضا عثمان بن ~~عبد الله بن معمر التميمي فهزموه فأخرج إليهم حارثة بن بدر العتابي في جيش ~~كثيف فهزموه # وخشي أهل البصرة على أنفسهم وبلدهم من الخوارج فأخرج إليهم المهلب بن أبي ~~صفرة فبقي في حرب الأزارقة تسع عشرة سنة إلى أن فرغ من أمرهم في أيام الحجاج # ومات نافع قبل وقائع المهلب مع الأزارقة وبايعوا بعده قطري بن الفجاءة ~~المازني وسموه أمير المؤمنين # وبدع الأزارقة ثمانية : # إحداها : أنه كفر عليا رضي الله عنه وقال : إن الله أنزل في شأنه : ( ومن ~~الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد ~~الخصام ) وصوب عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله وقال : إن الله تعالى أنزل في ~~شأنه : ( ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله ) # وقال عمران بن حطان وهو مفتي الخوارج وزاهدها وشاعرها الأكبر في ضربة ابن ~~ملجم لعنه الله لعلي رضي الله عنه : # يا ضربة من منيب ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا # إني لأذكره يوما فأحسبه ... أوفى البرية عند الله ميزانا ( 1 \ 120 ) # وعلى هذه البدعة مضت الأزارقة وزادوا عليه تكفير عثمان وطلحة والزبير ~~وعائشة وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم وسائر المسلمين معهم وتخليدهم في ~~النار جميعا # والثانية : أنه كفر القعدة وهو أول من أظهر البراءة من القعدة عن القتال ~~وإن كان موافقا له على دينه وكفر من لم يهاجر إليه # والثالثة : إباحته قتل أطفال المخالفين والنسوان معهم # والرابعة : إسقاط الرجم عن الزاني إذ ليس في القرآن ذكره وإسقاط حد القذف ~~عمن قذف المحصنين من الرجال مع ms078 وجوب الحد على قاذف المحصنات من النساء . ( ~~1 \ 121 ) # والخامسة : حكمه بأن أطفال المشركين في النار مع آبائهم # والسادسة : أن التقية غير جائزة في قول ولا عمل # والسابعة : تجويزه أن يبعث الله تعالى نبيا يعلم أنه يكفر بعد نبوته أو ~~كان كافرا قبل البعثة والكبائر والصغائر إذا كانت بمثابة عنده وهي كفر وفي ~~الأمة من جوز الكبائر والصغائر على الأنبياء عليهم السلام فهي كفر # والثامنة : اجتمعت الأزارقة على أن من ارتكب كبيرة من الكبائر كفر كفر ~~ملة خرج به عن الإسلام جملة ويكون مخلدا في النار مع سائر الكفار # واستدلوا بكفر إبليس وقالوا : ما ارتكب إلا كبيرة حيث أمر بالسجود لآدم ~~عليه السلام فامتنع وإلا فهو عارف بوحدانية الله تعالى PageV01P117 ### || AUTO 3 - النجدات العاذرية PageV01P121 ~~أصحاب نجدة بن عامر الحنفي وقيل : عاصم # وكان من شأنه أنه خرج من اليمامة ( 1 \ 122 ) مع عسكره يريد اللحوق ~~بالأزارقة فاستقبله أبو فديك وعطية بن الأسود الحنفي في الطائفة الذين ~~خالفوا نافع بن الأزرق فأخبروه بما أحدثه نافع من الخلاف بتكفير القعدة عنه ~~وسائر الأحداث والبدع وبايعوا نجدة وسموه أمير المؤمنين # ثم اختلفوا على نجدة : # فأكفره قوم منهم لأمور نقموها عليه : # منها : أنه بعث ابنه مع جيش إلى أهل القطيف فقتلوا رجالهم وسبوا نسائهم ~~وقوموها على أنفسهم وقالوا : إن صارت قيمتهن في حصصنا فذاك وإلا رددنا ~~الفضل ونكحوهن قبل القسمة وأكلوا من الغنيمة قبل القسمة فلما رجعوا إلى ~~نجدة وأخبروه بذلك قال : لم يسعكم ما فعلتم قالوا : لم نعلم أن ذلك لا ~~يسعنا فعذرهم بجهالتهم # واختلف أصحابه بذلك فمنهم من وافقه وعذر بالجهالات في الحكم الاجتهادي ~~وقالوا : الدين أمران : # أحدهما : معرفة الله تعالى ومعرفة رسله عليهم الصلاة والسلام وتحريم دماء ~~المسلمين يعنون موافقيهم والإقرار بما جاء من عند الله جملة فهذا واجب على ~~الجميع والجهل به لا يعذر فيه # والثاني : ما سوى ذلك فالناس معذورون فيه إلى أن تقوم عليهم الحجة في ~~الحلال والحرام # قالوا : ومن جوز العذاب على المجتهد المخطئ في الأحكام قبل قيام ms079 الحجة ~~عليه فهو كافر . ( 1 \ 123 ) # واستحل نجدة بن عامر دماء أهل العهد والذمة وأموالهم في حال التقية وحكم ~~بالبراءة ممن حرمها # قال : وأصحاب الحدود من موافقيه لعل الله تعالى يعفو عنهم وإن عذبهم ففي ~~غير النار ثم يدخلهم الجنة فلا تجوز البراءة عنهم # قال : ومن نظر نظرة أو كذب كذبة صغيرة أو كبيرة وأصر عليها فهو مشرك ومن ~~زنى وشرب وسرق غير مصر عليه فهو غير مشرك وغلظ على الناس في حد الخمر ~~تغليظا شديدا # ولما كاتب عبد الملك بن مروان وأعطاه الرضى نقم عليه أصحابه فيه ~~فاستتابوه فأظهر التوبة فتركوا النقمة عليه والتعرض له # وندمت طائفة على هذه الاستتابة وقالوا : أخطأنا وما كان لنا أن نستتيب ~~الإمام وما كان له أن يتوب باستتابتنا إياه فتابوا من ذلك وأظهروا الخطأ ~~وقالوا له : تب من توبتك وإلا نابذناك فتاب من توبته # وفارقه أبو فديك وعطية ووثب عليه أبو فديك فقتله ثم برئ أبو فديك من عطية ~~وعطية من أبي فديك # وأنفذ عبد الملك بن مروان عمر بن عبيد الله بن معمر التميمي مع جيش إلى ~~حرب أبي فديك فحاربه أياما فقتله # ولحق عطية بأرض سجستان ويقال لأصحابه العطوية ومن أصحابه : عبد الكريم بن ~~عجرد زعيم العجاردة # وإنما قيل للنجدات : العاذرية لأنهم عذروا بالجهالات في أحكام الفروع # وحكى الكعبي عن النجدات : أن التقية جائزة في القول والعمل كله وإن كان ~~في قتل النفوس # قال : وأجمعت النجدات على أنه لا حاجة للناس إلى إمام قط وإنما عليهم أن ~~يتناصفوا فيما بينهم فإن هم رأوا أن ذلك لا يتم إلا بإمام يحملهم عليه ~~فأقاموه جاز # ثم افترقوا بعد نجدة إلى عطوية وفديكية # وبرئ كل واحد منهما عن صاحبه بعد قتل نجدة وصارت الدار لأبي فديك إلا من ~~تولى نجدة # وأهل سجستان وخراسان وكرمان وقهستان من الخوارج على مذهب عطية # وقيل : كان نجدة بن عامر ونافع بن الأزرق قد اجتمعا بمكة مع الخوارج على ~~( 1 \ 124 ) ابن الزبير ثم تفرقا عنه واختلف نافع ونجدة ms080 فصار نافع إلى ~~البصرة ونجدة إلى اليمامة # وكان سبب اختلافهما أن نافعا قال : التقية لا تحل والقعود عن القتال كفر ~~واحتج بقول الله تعالى : ( إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله ) وبقوله ~~تعالى : ( يقاتلون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ) # وخالفه نجدة وقال : التقية جائزة واحتج بقول الله تعالى : ( إلا أن تتقوا ~~منهم تقاة ) وبقوله تعالى : ( وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه ) # وقال : القعود جائز والجهاد إذا أمكنه أفضل قال الله تعالى : ( وفضل الله ~~المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما ) # وقال نافع : هذا في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حين كانوا مقهورين ~~وأما في غيرهم مع الإمكان فالقعود كفر لقول الله تعالى : ( وقعد الذين ~~كذبوا الله ورسوله ) PageV01P121 ### || AUTO 4 - البيهسية PageV01P124 ~~أصحاب أبي بيهس الهيصم بن جابر وهو أحد بني سعد بن ضبيعة وقد كان الحجاج ~~طلبه أيام الوليد فهرب إلى المدينة فطلبه بها عثمان بن حيان المزني فظفر به ~~وحبسه . وكان يسامره إلى أن ورد كتاب الوليد بأن يقطع يديه ورجليه ثم يقتله ~~ففعل به ذلك # وكفر أبو بيهس : إبراهيم وميمون في اختلافهما في بيع الأمة وكذلك كفر ( 1 ~~\ 125 ) الواقفية # وزعم أنه لا يسلم أحد حتى يقر بمعرفة الله تعالى ومعرفة رسله ومعرفة ما ~~جاء به النبي صلى الله عليه وسلم # والولاية لأولياء الله تعالى والبراءة من أعداء الله # فمن جملة ما ورد به الشرع وحكم به ما حرم الله وجاء به الوعيد فلا يسعه ~~إلا معرفته بعينه وتفسيره والاحتراز عنه # ومنه ما ينبغي أن يعرف باسمه ولا يضره ألا يعرفه بتفسيره حتى يبتلى به # وعليه أن يقف عند ما لا يعلم ولا يأتي بشيء إلا بعلم # وبرئ أبو بيهس عن الواقفية لقولهم : إنا نقف فيمن واقع الحرام وهو لا ~~يعلم أحلالا واقع أم حراما ؟ قال : كان من حقه أن يعلم ذلك # والإيمان : هو أن يعلم كل حق وباطل # وأن الإيمان : هو العلم بالقلب دون القول والعمل # ويحكى عنه أنه قال : الإيمان هو الإقرار والعلم وليس ms081 هو أحد الأمرين دون الآخر # وعامة البيهسية على أن العلم والإقرار والعمل كله إيمان # وذهب قوم منهم إلى أنه لا يحرم سوى ما ورد في قوله تعالى : ( قل لا أجد ~~فيما أوحى إلي محرما على طاعم يطعمه ) الآية وما سوى ذلك فكله حلال # ومن البيهسية قوم يقال لهم العونية وهم فرقتان : PageV01P124 # 1 - فرقة تقول : من رجع من دار الهجرة إلى القعود برئنا منه # وفرقة تقول : بل نتولاهم لأنهم رجعوا إلى أمر كان حلالا لهم # والفرقتان اجتمعتا على أن الإمام إذا كفر كفرت الرعية : الغائب منهم ~~والشاهد # ومن البيهسية صنف يقال لهم أصحاب التفسير زعموا أن من شهد من المسلمين ~~شهادة أخذ بتفسيرها وكيفيتها ( 1 \ 126 ) # وصنف يقال لهم أصحاب السؤال قالوا : إن الرجل يكون مسلما إذا شهد ~~الشهادتين وتبرأ وتولى وآمن بما جاء من عند الله جملة وإن لم يعلم فيسأل ما ~~افترض الله عليه ولا يضره أن لا يعلم حتى يبتلى به فيسأل وإن واقع حراما لم ~~يعلم تحريمه فقد كفر # وقالوا في الأطفال بقول الثعلبية : إن أطفال المؤمنين مؤمنون وأطفال ~~الكافرين كافرون # ووافقوا القدرية في القدر وقالوا : إن الله تعالى فوض إلى العباد فليس ~~لله في أعمال العباد مشيئة فبرئت منهم عامة البيهسية # وقال بعض البيهسية : إن واقع الرجل حراما لم يحكم بكفره حتى يرفع أمره ~~إلى الإمام الوالي ويحده وكل ما ليس فيه حد فهو مغفور # وقال بعضهم : إن السكر إذا كان من شراب حلال فلا يؤاخذ صاحبه بما قال فيه وفعل # وقالت العونية : السكر كفر ولا يشهدون أنه كفر ما لم ينضم إليه كبيرة ~~أخرى من ترك الصلاة أو قذف المحصن # ومن الخوارج : أصحاب صالح بن مسرح ولم يبلغنا عنه أنه أحدث قولا تميز به ~~عن أصحابه فخرج على بشر بن مروان فبعث إليه بشر بن الحارث بن عميرة أو ~~الأشعث ( 1 \ 127 ) ابن عميرة الهمداني أنفذه الحجاج لقتاله فأصابت صالحا ~~جراحة في قصر جلولاء فاستخلف مكانه شبيب بن يزيد بن نعيم الشيباني المكنى : ~~بأبي الصحارى ms082 وهو الذي غلب على الكوفة وقتل من جيش الحجاج أربعة وعشرين ~~أميرا كلهم أمراء الجيوش ثم انهزم إلى الأهواز وغرق في نهر الأهواز وهو ~~يقول : ( ذلك تقدير العزيز العليم ) # وذكر اليمان أن الشبيبية يسمون مرجئة الخوارج لما ذهبوا إليه من الوقف في ~~أمر صالح # ويحكى عنه أنه برئ منه وفارقه ثم خرج يدعي الإمامة لنفسه # ومذهب شبيب ما ذكرناه من مذاهب البيهسية إلا أن شوكته وقوته ومقاماته مع ~~المخالفين مما لم يكن لخارج من الخوارج وقصته مذكورة في التواريخ PageV01P125 ### || AUTO 5 - العجاردة PageV01P127 ~~أصحاب عبد الكريم بن عجرد # وافق النجدات في بدعهم وقيل : إنه كان من أصحاب أبي بيهس ثم خالفه وتفرد ~~بقوله : تجب البراءة عن الطفل حتى يدعى إلى الإسلام ويجب دعاؤه إذا بلغ # وأطفال المشركين في النار مع آبائهم # ولا يرى المال فيئا حتى يقتل صاحبه # وهم يتولون القعدة إذا عرفوهم بالديانة ويرون الهجرة فضيلة لا فريضة ~~ويكفرون بالكبائر # ويحكى عنهم أنهم ينكرون كون سورة يوسف من القرآن ويزعمون أنها قصة من ~~القصص قالوا : ولا يجوز أن تكون قصة العشق من القرآن . ( 1 \ 128 ) # ثم إن العجاردة افترقوا أصنافا ولكل صنف مذهب على حياله إلا أنهم لما ~~كانوا من جملة العجاردة أوردناهم على حكم التفصيل بالجدول والضلع وهم : # أ- الصلتية : # أصحاب عثمان بن أبي الصلت أو الصلت بن أبي الصلت # تفرد عن العجاردة بأن الرجل إذا أسلم توليناه وتبرأنا من أطفاله حتى ~~يدركوا فيقبلوا الإسلام # ويحكى عن جماعة منهم أنهم قالوا : ليس لأطفال المشركين والمسلمين ولاية ~~ولا عداوة حتى يبلغوا فيدعوا إلى الإسلام فيقروا أو ينكروا # ب - الميمونية : # أصحاب ميمون بن خالد # كان من جملة العجاردة إلا أنه تفرد عنهم : # بإثبات القدر خيره وشره من العبد # وإثبات الفعل للعبد خلقا وإبداعا # وإثبات الاستطاعة قبل الفعل # والقول بأن الله تعالى يريد الخير دون الشر وليس له مشيئة في معاصي العباد # وذكر الحسين الكرابيسي في كتابه الذي حكى فيه مقالات الخوارج : أن ~~الميمونية يجيزون نكاح بنات البنات وبنات أولاد الأخوة والأخوات وقالوا ms083 : ~~إن الله تعالى حرم نكاح البنات وبنات الإخوة والأخوات ولم يحرم نكاح أولاد هؤلاء # وحكى الكعبي والأشعري عن الميمونية إنكارها كون سورة يوسف من القرآن ~~وقالوا بوجوب قتال السلطان وحده ومن رضي بحكمه فأما من أنكره فلا يجوز ~~قتاله إلا إذا أعان عليه أو طعن في دين الخوارج أو صار دليلا للسلطان # وأطفال المشركين عندهم في الجنة # ج - الحمزية : # أصحاب حمزة بن أدرك # وافقوا الميمونية في القدر وفي سائر ( 1 \ 129 ) بدعها إلا في أطفال ~~مخالفيهم والمشركين فإنهم قالوا : هؤلاء كلهم في النار # وكان حمزة من أصحاب الحصين بن الرقاد الذي خرج بسجستان من أهل أوق # وخالفه خلف الخارجي في القول بالقدر واستحقاق الرئاسة فبرئ كل واحد منهما ~~عن صاحبه # وجوز حمزة إمامين في عصر واحد ما لم تجتمع الكلمة ولم تقهر الأعداء # د - الخلفية : # أصحاب خلف الخارجي # وهم من خوارج كرمان ومكران # خالفوا الحمزية في القول بالقدر وأضافوا القدر خيره وشره إلى الله تعالى ~~وسلكوا في ذلك مسلك أهل السنة # وقالوا : الحمزية ناقضوا حيث قالوا : لو عذب الله العباد على أفعال قدرها ~~عليهم أو على ما لم يفعلوه كان ظالما وقضوا بأن أطفال المشركين في النار ~~ولا عمل لهم ولا ترك وهذا من أعجب ما يعتقد من التناقض # ه - الأطرافية : # فرقة على مذهب حمزة في القول بالقدر إلا أنهم عذروا أصحاب الأطراف في ترك ~~ما لم يعرفوه من الشريعة إذا أتوا بما يعرف لزومه من طريق العقل وأثبتوا ~~واجبات عقلية كما قالت القدرية # ورئيسهم غالب بن شاذل من سجستان # وخالفهم عبد الله السرنوري وتبرأ منهم . ( 1 \ 130 ) # ومنهم المحمدية أصحاب محمد بن رزق وكان من أصحاب الحصين بن الرقاد ثم برئ منه # و- الشعيبية : # أصحاب شعيب بن محمد # وكان مع ميمون من جملة العجاردة إلا أنه برئ منه حين أظهر القول بالقدر # قال شعيب : إن الله تعالى خالق أعمال العباد والعبد مكتسب لها قدرة ~~وإرادة مسؤول عنها خيرا وشرا مجازى عليها ثوابا وعقابا ولا يكون شيء في ~~الوجود إلا بمشيئة ms084 الله تعالى # وهو على بدع الخوارج في الإمامة والوعيد وعلى بدع العجاردة في حكم ~~الأطفال وحكم القعدة والتولي والتبرؤ # ز - الحازمية : # أصحاب حازم بن علي # أخذوا بقول شعيب في أن الله تعالى خالق أعمال العباد ولا يكون في سلطانه ~~إلا ما يشاء # وقالوا بالموافاة وأن الله تعالى إنما يتولى العباد على ما علم أنهم ~~صائرون إليه في آخر أمرهم من الإيمان ويتبرأ منهم على ما علم أنهم صائرون ~~إليه في آخر أمرهم من الكفر وأنه سبحانه لم يزل محبا لأوليائه مبغضا ~~لأعدائه # ويحكى عنهم أنهم يتوقفون في أمر علي رضي الله عنه ولا يصرحون بالبراءة ~~عنه ويصرحون بالبراءة في حق غيره PageV01P127 ### || AUTO 6 - الثعالبة PageV01P130 ~~أصحاب ثعلبة بن عامر # كان مع عبد الكريم بن عجرد يدا واحدة إلى أن اختلفا في أمر الأطفال # فقال ثعلبة : إنا على ولايتهم صغارا وكبارا حتى نرى منهم إنكارا للحق ~~ورضى بالجور فتبرأت العجاردة من ثعلبة # ونقل عنه أيضا أنه قال : ليس له حكم في حال الطفولة من ولاية وعداوة حتى ~~يدركوا ويدعوا فإن قبلوا فذاك وإن ( 1 \ 131 ) أنكروا كفروا # وكان يرى أخذ الزكاة من عبيدهم إذا استغنوا وإعطاءهم منها إذا افتقروا # أ- الأخنسية : # أصحاب أخنس بن قيس من جملة الثعالبة وانفرد عنهم بأن قال : أتوقف في جميع ~~من كان في دار التقية من أهل القبلة إلا من عرف منه إيمان فأتولاه عليه أو ~~كفر فأتبرأ منه # وحرموا الاغتيال والقتل والسرقة في السر ولا يبدأ أحد من أهل القبلة ~~بالقتال حتى يدعى إلى الدين فإن امتنع قوتل سوى من عرفوه بعينه على خلاف قولهم # وقيل : إنهم جوزوا تزويج المسلمات من مشركي قومهم أصحاب الكبائر # وهم على أصول الخوارج في سائر المسائل # ب - المعبدية : # أصحاب معبد بن عبد الرحمن كان من جملة الثعالبة # خالف الأخنس في الخطأ الذي وقع له في تزويج المسلمات من مشرك # وخالف ثعلبة في ما حكم من أخذ الزكاة من عبيدهم وقال : إني لأبرأ منه ~~بذلك ولا أدع اجتهادي في خلافه # وجوزوا أن ms085 تصير سهام الصدقة سهما واحدا في حال التقية # ج - الرشيدية : # أصحاب رشيد الطوسي # ويقال لهم العشرية # وأصلهم أن الثعالبة كانوا يوجبون فيما سقي بالأنهار والقنى نصف العشر ~~فأخبرهم زياد بن عبد الرحمن أن فيه العشر ولا تجوز البراءة ممن قال فيه نصف ~~العشر قبل هذا فقال رشيد : إن لم تجز البراءة منهم فإنا نعمل بما عملوا ~~فافترقوا في ذلك فرقتين # د - الشيبانية : # أصحاب شيبان بن سلمة الخارج في أيام أبي مسلم وهو المعين له ولعلي بن ~~الكرماني على نصر بن سيار وكان من الثعالبة فلما أعانهما برئت منه الخوارج ~~فلما قتل شيبان ذكر قوم توبته فقالت الثعالبة : لا تصح توبته لأنه قتل ~~الموافقين لنا في المذهب وأخذ أموالهم ولا تقبل توبة من قتل مسلما وأخذ ~~ماله إلا بأن يقتص من نفسه ويرد الأموال أو يوهب له ذلك . ( 1 \ 132 ) # ومن مذهب شيبان أنه قال بالجبر ووافق جهم بن صفوان في مذهبه إلى الجبر ~~ونفى القدرة الحادثة # وينقل عن زياد بن عبد الرحمن الشيباني أبي خالد أنه قال : إن الله تعالى ~~لم يعلم حتى خلق لنفسه علما وإن الأشياء إنما تصير معلومة له عند حدوثها ~~ووجودها # ونقل عنه أنه تبرأ من شيبان وأكفره حين نصر الرجلين فوقعت عامة الشيبانية ~~بجرجان ونسى وأرمينيا # والذي تولى شيبان وقال بتوبته : عطية الجرجاني وأصحابه # ه - المكرمية : # أصحاب مكرم بن عبد الله العجلي # كان من جملة الثعالبة وتفرد عنهم بأن قال : تارك الصلاة كافر لا من أجل ~~ترك الصلاة ولكن من أجل جهله بالله تعالى وطرد هذا في كل كبيرة يرتكبها ~~الإنسان # وقال : إنما يكفر لجهله بالله تعالى وذلك أن العارف بوحدانية الله تعالى ~~وأنه المطلع على سره وعلانيته المجازي على طاعته ومعصيته أن يتصور منه ~~الإقدام على المعصية والاجتراء على المخالفة ما لم يغفل عن هذه المعرفة ولا ~~يبالي بالتكليف منه وعن هذا قال النبي عليه الصلاة والسلام : ( لا يزني ~~الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ) الخبر ~~وخالفوا الثعالبة ms086 في هذا القول # وقالوا : بإيمان الموافاة والحكم بأن الله تعالى إنما يتولى عباده ~~ويعاديهم على ما هم صائرون إليه من موافاة الموت لا على أعمالهم التي هم ~~فيها فإن ذلك ليس بموثوق به إصرارا عليه ما لم يصل المرء إلى آخر عمره ~~ونهاية أجله # فحينئذ إن بقي على ما يعتقده فذلك هو الإيمان فنواليه وإن لم يبق فنعاديه # وكذلك في حق الله تعالى : حكم الموالاة والمعاداة على ما علم منه حال ~~الموافاة وكلهم على هذا القول # و- المعلومية والمجهولية : # كانوا في الأصل حازمية إلا أن المعلومية قالت : من لم يعرف الله تعالى ~~بجميع أسمائه وصفاته فهو جاهل به حتى يصير عالما بجميع ذلك فيكون مؤمنا # وقالت : الاستطاعة مع الفعل والفعل مخلوق للعبد فبرئت منه الحازمية . ( 1 ~~\ 133 ) # وأما المجهولية : فإنهم قالوا : من علم بعض أسماء الله تعالى وصفاته وجهل ~~بعضها فقد عرفه تعالى # وقالت : إن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى # ز - البدعية : # أصحاب يحيى بن أصدم # أبدعوا القول بأن نقطع على أنفسنا بأن من اعتقد اعتقادنا فهو من أهل ~~الجنة ولا نقول : إن شاء الله فإن ذلك شك في الاعتقاد ومن قال : أنا مؤمن ~~إن شاء الله فهو شاك فنحن من أهل الجنة قطعا من غير شك PageV01P130 ### || AUTO 7 - الإباضية PageV01P133 ~~أصحاب عبد الله بن إباض الذي خرج في أيام مروان بن محمد فوجه إليه عبد ~~الله بن محمد بن عطية فقاتله بتبالة # وقيل : إن عبد الله بن يحيى الإباضي كان رفيقا له في جميع أحواله وأقواله # قال : إن مخالفينا من أهل القبلة كفار غير مشركين ومناكحتهم جائزة ~~وموارثتهم حلال وغنيمة أموالهم من االسلاح والكراع عند الحرب حلال وما سواه ~~حرام وحرام قتلهم وسبيهم في السر غيلة إلا بعد نصب القتال وإقامة الحجة # وقالوا : إن دار مخالفيهم من أهل الإسلام دار توحيد إلا معسكر السلطان ~~فإنه دار بغي # وأجازوا شهادة مخالفيهم على أوليائهم # وقالوا في مرتكبي الكبائر : إنهم موحدون لا مؤمنون # وحكى الكعبي عنهم : أن الاستطاعة عرض من الأعراض وهي قبل الفعل ms087 بها يحصل الفعل # وأفعال العباد مخلوقة لله تعالى إحداثا وإبداعا ومكتسبة للعبد حقيقة لا مجازا # ولا يسمون إمامهم أمير المؤمنين ولا أنفسهم مهاجرين # وقالوا : العالم يفنى كله ( 1 \ 134 ) إذا فني أهل التكليف # قال : وأجمعوا على أن من ارتكب كبيرة من الكبائر كفر كفر النعمة لا كفر الملة # وتوقفوا في أطفال المشركين وجوزوا تعذيبهم على سبيل الانتقام وأجازوا أن ~~يدخلوا الجنة تفضلا # وحكى الكعبي عنهم أنهم قالوا بطاعة لا يراد بها الله تعالى كما قال أبو الهذيل # ثم اختلفوا في النفاق : أيسمى شركا أم لا ؟ # قالوا : إن المنافقين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا موحدين ~~إلا أنهم ارتكبوا الكبائر فكفروا بالكبيرة لا بالشرك # وقالوا : كل شيء أمر الله تعالى به فهو عام ليس بخاص وقد أمر به المؤمن ~~والكافر وليس في القرآن خصوص # وقالوا : لا يخلق الله تعالى شيئا إلا دليلا على وحدانيته ولا بد أن يدل ~~به واحدا # وقال قوم منهم : يجوز أن يخلق الله تعالى رسولا بلا دليل ويكلف العباد ~~بما أوحى إليه ولا يجب عليه إظهار المعجزة ولا يجب على الله تعالى ذلك إلى ~~أن يخلق دليلا ويظهر معجزة # وهم جماعة متفرقون في مذاهبهم تفرق الثعالبة والعجاردة # أ- الحفصية : # هم أصحاب حفص بن أبي المقدام # تميز عنهم بأن قال : إن بين ( 1 \ 135 ) الشرك والإيمان خصلة واحدة وهي ~~معرفة الله تعالى وحده فمن عرفه ثم كفر بما سواه من رسول أو كتاب أو قيامة ~~أو جنة أو نار أو ارتكب الكبائر من الزنا والسرقة وشرب الخمر فهو كافر لكنه ~~بريء من الشرك # ب - الحارثية : # أصحاب الحارث الإباضي # خالف الإباضية في قوله بالقدر على مذهب المعتزلة وفي الاستطاعة قبل الفعل ~~وفي إثبات طاعة لا يراد بها الله تعالى # ج - اليزيدية : # أصحاب يزيد بن أنيسة الذي قال بتولي المحكمة الأولى قبل الأزارقة وتبرأ ~~ممن بعدهم إلا الإباضية فإنه يتولاهم # وزعم أن الله تعالى سيبعث رسولا من العجم وينزل عليه كتابا قد كتب في ~~السماء وينزل عليه جملة ms088 واحدة ويترك شريعة المصطفى محمد عليه الصلاة ~~والسلام ويكون على ملة الصابئة المذكورة في القرآن وليست هي الصائبة ~~الموجودة بحران وواسط # وتولى يزيد من شهد لمحمد المصطفى عليه الصلاة والسلام من أهل الكتاب ~~بالنبوة وإن لم يدخل في دينه # وقال : إن أصحاب الحدود من موافقيه وغيرهم كفار مشركون # وكل ذنب صغير أو كبير فهو شرك . ( 1 \ 136 ) PageV01P133 ### || AUTO 8 - الصفرية الزيادية PageV01P136 ~~أصحاب زياد بن الأصفر # خالفوا الأزارقة والنجدات والإباضية في أمور منها : # أنهم لم يكفروا القعدة عن القتال إذا كانوا موافقين في الدين والاعتقاد # ولم يسقطوا الرجم ولم يحكموا بقتل أطفال المشركين وتكفيرهم وتخليدهم في النار # وقالوا : التقية جائزة في القول دون العمل # وقالوا : ما كان من الأعمال عليه حد واقع فلا يتعدى بأهله الاسم الذي ~~لزمه به الحد كالزنا والسرقة والقذف فيسمى زانيا سارقا قاذفا لا كافرا مشركا # وما كان من الكبائر مما ليس فيه حد لعظم قدره مثل ترك الصلاة والفرار من ~~الزحف فإنه يكفر بذلك # ونقل عن الضحاك منهم أنه جوز تزويج المسلمات من كفار قومهم في دار التقية ~~دون دار العلانية # ورأى زياد بن الأصفر جميع الصدقات سهما واحدا في حال التقية # ويحكى عنه أنه قال : نحن مؤمنون عند أنفسنا ولا ندري لعلنا خرجنا من ~~الإيمان عند الله # وقال : الشرك شركان : شرك هو طاعة الشيطان وشرك هو عبادة الأوثان # والكفر كفران : كفر بإنكار النعمة وكفر بإنكار الربوبية # والبراءة براءتان : براءة من أهل الحدود سنة وبراءة من أهل الجحود فريضة # ولنختتم المذاهب بذكر تتمة رجال الخوارج : # من المتقدمين : # عكرمة وأبو هارون العبدي وأبو الشعثاء وإسماعيل بن سميع # ومن المتأخرين : # اليمان بن رباب : ثعلبي ثم بيهسي # وعبد الله بن يزيد ومحمد بن حرب ويحيى بن كامل : إباضية # ومن شعرائهم : عمران بن حطان وحبيب بن مرة صاحب الضحاك بن قيس # ومنهم أيضا : جهم بن صفوان وأبو مروان غيلان بن مسلم ومحمد بن عيسى برغوث ~~( 1 \ 137 ) وأبو الحسين كلثوم بن حبيب المهلبي وأبو بكر محمد بن عبد الله ~~بن ms089 شبيب البصري وعلي بن حرملة وصالح بن قبة بن صبيح بن عمرو ومويس بن عمران ~~البصري وأبو عبد الله بن مسلمة وأبو عبد الرحمن بن مسلمة والفضل بن عيسى ~~الرقاشي وأبو زكريا يحيى بن أصفح وأبو الحسين محمد بن مسلم الصالحي وأبو ~~محمد عبد الله بن محمد بن الحسن الخالدي ومحمد بن صدقة وأبو الحسين علي بن ~~زيد الإباضي وأبو عبد الله محمد بن كرام وكلثوم بن حبيب المرادي البصري # والذين اعتزلوا إلى جانب فلم يكونوا مع علي رضي الله عنه في حروبه ولا مع خصومه # وقالوا : لا يدخل في غمار الفتنة من الصحابة رضي الله عنهم : عبد الله بن ~~عمر وسعد بن أبى وقاص ومحمد بن مسلمة الأنصاري وأسامة بن زيد بن حارثة ~~الكلبي مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم # وقال قيس بن أبي حازم : كنت مع علي رضي الله عنه في جميع أحواله وحروبه ~~حتى قال في يوم صفين ( انفروا إلى بقية الأحزاب انفروا إلى من يقول : كذب ~~الله ورسوله وأنتم تقولون : صدق الله ورسوله ) فعرفت أي شيء كان يعتقد في ~~الجماعة فاعتزلت عنه . ( 1 \ 138 ) PageV01P136 ### || AUTO الفصل الخامس : المرجئة PageV01P138 ~~الإرجاء على معنيين : # أحدهما : بمعنى التأخير كما في قوله تعالى : ( قالوا أرجه وأخاه ) أي ~~أمهله وأخره # والثاني : إعطاء الرجاء # أما إطلاق اسم المرجئة على الجماعة بالمعنى الأول فصحيح لأنهم كانوا ~~يؤخرون العمل عن النية والعقد # وأما بالمعنى الثاني فظاهر فإنهم كانوا يقولون : لا تضر مع الإيمان معصية ~~كما لا تنفع مع الكفر طاعة # وقيل الإرجاء تأخير حكم صاحب الكبيرة إلى يوم القيامة فلا يقضى عليه بحكم ~~ما في الدنيا من كونه من أهل الجنة أو من أهل النار # فعلى هذا المرجئة والوعيدية فرقتان متقابلتان # وقيل الإرجاء : تأخير علي رضي الله عنه عن الدرجة الأولى إلى الرابعة # فعلى هذا المرجئة والشيعة فرقتان متقابلتان # والمرجئة أربعة أصناف : مرجئة الخوارج ومرجئة القدرية ومرجئة الجبرية ~~والمرجئة الخالصة # ومحمد بن شبيب والصالحي والخالدي من مرجئة القدرية وكذلك الغيلانية أصحاب ~~غيلان الدمشقي أول ms090 من أحدث القول بالقدر والإرجاء # ونحن إنما نعد مقالات المرجئة الخالصة منهم . ( 1 \ 139 ) PageV01P138 ### || AUTO 1 - اليونسية PageV01P139 ~~أصحاب يونس بن عون النميري # زعم أن الإيمان هو المعرفة بالله والخضوع له وترك الاستكبار عليه والمحبة بالقلب # فمن اجتمعت فيه هذه الخصال فهو مؤمن وما سوى ذلك من الطاعة فليس من ~~الإيمان ولا يضر تركها حقيقة الإيمان ولا يعذب على ذلك إلا إذا كان الإيمان ~~خالصا واليقين صادقا # وزعم أن إبليس كان عارفا بالله وحده غير أنه كفر باستكباره عليه ( أبى ~~واستكبر وكان من الكافرين ) # قال : ومن تمكن في قلبه الخضوع لله والمحبة له على خلوص ويقين لم يخالفه ~~في معصية وإن صدرت منه معصية فلا تضره بيقينه وإخلاصه # والمؤمن إنما يدخل الجنة بإخلاصه ومحبته لا بعمله وطاعته PageV01P139 ### || AUTO 2 - العبيدية PageV01P139 ~~أصحاب عبيد المكتئب # حكي عنه أنه قال : ما دون الشرك مغفور لا محالة وإن العبد إذا مات على ~~توحيده لا يضره ما اقترف من الآثام واجترح من السيئات # وحكى اليمان عن عبيد المكتئب وأصحابه أنهم قالوا : إن علم الله تعالى لم ~~يزل شيئا غيره وإن كلامه لم يزل شيئا غيره وكذلك دين الله لم يزل شيئا غيره # وزعم أن الله - تعالى عن ( 1 \ 140 ) قولهم - على صورة إنسان وحل عليه ~~قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن الله خلق آدم على صورة الرحمن ) PageV01P139 ### || AUTO 3 - الغسانية PageV01P140 ~~أصحاب غسان الكوفي # زعم أن الإيمان هو المعرفة بالله تعالى وبرسوله والإقرار بما أنزل الله ~~وبما جاء به الرسول في الجملة دون التفصيل # والإيمان لا يزيد ولا ينقص # وزعم أن قائلا لو قال : أعلم أن الله تعالى قد حرم أكل الخنزير لا أدري ~~هل الخنزير الذي حرمه : هذه الشاة أم غيرها ؟ كان مؤمنا # ولو قال : أعلم أن الله تعالى فرض الحج إلى الكعبة غير أني لا أدري أين ~~الكعبة ؟ ولعلها بالهند كان مؤمنا # ومقصوده أن أمثال هذه الاعتقادات أمور وراء الإيمان لا أنه كان شاكا في ~~هذه الأمور فإن عاقلا لا يستجيز من عقله أن يشك ms091 في أن الكعبة إلى أي جهة هي ؟ # وأن الفرق بين الخنزير والشاة ظاهر # ومن العجيب أن غسان كان يحكي عن أبي حنيفة رحمه الله مثل مذهبه ويعده من ~~المرجئة ولعله كذب كذلك عليه # لعمري كان يقال لأبي حنيفة وأصحابه مرجئة السنة وعده كثير من أصحاب ~~المقالات من جملة المرجئة ولعل السبب فيه أنه لما كان يقول : # الإيمان : هو التصديق بالقلب وهو لا يزيد ولا ينقص ظنوا أنه يؤخر العمل ~~عن الإيمان # والرجل مع تخريجه في العمل كيف يفتي بترك العمل # وله سبب آخر وهو أنه كان يخالف القدرية والمعتزلة الذين ظهروا في الصدر الأول # والمعتزلة كانوا يلقبون كل من خالفهم في القدر مرجئا وكذلك الوعيدية من ~~الخوارج # فلا يبعد أن اللقب إنما لزمه من فريقي المعتزلة والخوارج والله أعلم . ( ~~1 / 142 ) PageV01P140 ### || AUTO 4 - الثوبانية PageV01P140 ~~أصحاب أبي ثوبان المرجئي الذين زعموا أن الإيمان هو المعرفة والإقرار ~~بالله تعالى وبرسله عليهم الصلاة والسلام وبكل ما لا يجوز في العقل أن ~~يفعله وما جاز في العقل تركه فليس من الإيمان وأخر العمل كله عن الإيمان # ومن القائلين بمقالة أبي ثوبان هذا : أبو مروان غيلان بن مروان الدمشقي ~~وأبو شمر ومويس بن عمران والفضل الرقاشي ومحمد بن شبيب والعتابي وصالح قبة ~~. ( 1 \ 142 ) # وكان غيلان يقول بالقدر خيره وشره من العبد # وفي الإمامة أنها تصلح في غير قريش وكل من كان قائما بالكتاب والسنة كان ~~مستحقا لها وأنها لا تثبت إلا بإجماع الأمة # والعجب أن الأمة أجمعت على أنها لا تصلح لغير قريش وبهذا دفعت الأنصار عن ~~قولهم : منا أمير ومنكم أمير # فقد جمع غيلان خصالا ثلاثا : القدر والإرجاء والخروج # والجماعة التي عددناهم اتفقوا على أن الله تعالى لو عفا عن عاص في ~~القيامة عفا عن كل مؤمن عاص هو في مثل حاله # وإن أخرج من النار واحدا أخرج من هو في مثل حاله # ومن العجب أنهم لم يجزموا القول بأن المؤمنين من أهل التوحيد يخرجون من ~~النار لا محالة # ويحكى عن مقاتل بن ms092 سليمان : أن المعصية لا تضر صاحب التوحيد والإيمان ~~وأنه لا يدخل النار مؤمن # والصحيح من النقل عنه : أن المؤمن العاصي ربه يعذب يوم القيامة على ~~الصراط وهو على متن جهنم يصيبه لفح النار وحرها ولهيبها فيتألم بذلك على ~~قدر معصيته ثم يدخل الجنة ومثل ذلك بالحبة على المقلاة المؤججة بالنار # ونقل عن بشر بن غياث المريسي أنه قال : إذا دخل أصحاب الكبائر ( 1 \ 143 ~~) النار فإنهم سيخرجون عنها بعد أن يعذبوا بذنوبهم وأما التخليد فيها فمحال ~~وليس بعدل # وقيل : إن أول من قال بالإرجاء : الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب وكان ~~يكتب فيه الكتب إلى الأمصار # إلا أنه ما أخر العمل عن الإيمان كما قالت المرجئة اليونسية والعبيدية ~~لكنه حكم بأن صاحب الكبيرة لا يكفر إذ الطاعات وترك المعاصي ليست من أصل ~~الإيمان حتى يزول الإيمان بزوالها PageV01P140 ### || AUTO 5 - التومنية PageV01P143 ~~أصحاب أبي معاذ التومني # زعم أن الإيمان هو ما عصم من الكفر وهو اسم لخصال إذا تركها التارك كفر ~~وكذلك لو ترك خصلة واحدة منها كفر ولا يقال للخصلة الواحدة منها إيمان ولا ~~بعض إيمان # وكل معصية كبيرة أو صغيرة لم يجمع عليها المسلمون بأنها كفر لا يقال ~~لصاحبها فاسق ولكن يقال فسق وعصى # قال : وتلك الخصال هي المعرفة والتصديق والمحبة والإخلاص والإقرار بما ~~جاء به الرسول # قال : ومن ترك الصلاة والصيام مستحلا كفر ومن تركهما على نية القضاء لم ~~يكفر ومن قتل نبيا أو لطمه كفر لا من أجل القتل واللطم ولكن من أجل ~~الاستخفاف والعداوة والبغض # وإلى هذا المذهب ميل ابن الراوندي وبشر المريسي قالا : الإيمان هو ~~التصديق بالقلب واللسان جميعا والكفر هو الجحود والإنكار والسجود للشمس ~~والقمر والصنم ليس بكفر في نفسه ولكنه علامة الكفر . ( 1 \ 144 ) PageV01P143 ### || AUTO 6 - الصالحية PageV01P144 ~~أصحاب صالح بن عمر الصالحي # والصالحي ومحمد بن شبيب وأبو شمر وغيلان كلهم جمعوا بين القدر والإرجاء ~~ونحن وإن شرطنا أن نورد مذاهب المرجئة الخالصة إلا أنه لا بد لنا في هؤلاء ~~لانفرادهم عن المرجئة ms093 بأشياء # فأما الصالحي فقال : # الإيمان : هو المعرفة بالله تعالى على الإطلاق وهو أن للعالم صانعا فقط # والكفر : هو الجهل به على الإطلاق # قال : وقول القائل : ثالث ثلاثة ليس بكفر لكنه لا يظهر إلا من كافر وزعم ~~أن معرفة الله تعالى هي المحبة والخضوع له # ويصح ذلك مع حجة الرسول ويصح في العقل أن يؤمن بالله ولا يؤمن برسوله غير ~~أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد قال : ( من لا يؤمن بي فليس بمؤمن بالله ~~تعالى ) # وزعم أن الصلاة ليست بعبادة الله تعالى وأنه لا عبادة له إلا الإيمان به ~~وهو معرفته وهو خصلة واحدة لا يزيد ولا ينقص وكذلك الكفر خصلة واحدة لا ~~يزيد ولا ينقص # وأما أبو شمر المرجئ القدري : فإنه زعم أن الإيمان هو المعرفة بالله عز ~~وجل والمحبة والخضوع له بالقلب والإقرار به أنه واحد ليس كمثله شيء ما لم ~~تقم عليه حجة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإذا قامت الحجة فالإقرار بهم ~~وتصديقهم من الإيمان والمعرفة والإقرار بما جاءوا به من عند الله غير داخل ~~في الإيمان الأصلي # وليست كل خصلة من خصال الإيمان إيمانا ولا بعض إيمان فإذا اجتمعت كانت ~~كلها إيمانا # وشرط في خصال الإيمان معرفة العدل يريد به القدر خيره وشره من العبد من ~~غير أن يضاف إلى الباري تعالى منه شيء . ( 1 \ 145 ) # وأما غيلان بن مروان من القدرية المرجئة : فإنه زعم أن الإيمان هو ~~المعرفة الثانية بالله تعالى والمحبة والخضوع له والإقرار بما جاء به ~~الرسول وبما جاء من عند الله والمعرفة الأولى فطرية ضرورية # فالمعرفة على أصله نوعان : # فطرية : وهي علمه بأن للعالم صانعا ولنفسه خالقا وهذه المعرفة لا تسمى إيمانا # إنما الإيمان : هو المعرفة الثانية المكتسبة # تتمة رجال المرجئة كما نقل : # الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب وسعيد بن جبير وطلق بن حبيب وعمرو بن ~~مرة ومحارب بن زياد ومقاتل بن سليمان وذر وعمرو بن ذر وحماد بن أبي سليمان ~~وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وقديد بن ms094 جعفر # وهؤلاء كلهم أئمة الحديث لم يكفروا أصحاب الكبائر بالكبيرة ولم يحكموا ~~بتخليدهم في النار خلافا للخوارج والقدرية PageV01P144 ### || AUTO الفصل السادس : الشيعة PageV01P145 ~~الشيعة هم الذين شايعوا عليا رضي الله عنه على الخصوص # وقالوا بإمامته وخلافته نصا ووصية إما جليا وإما خفيا واعتقدوا أن ~~الإمامة لا تخرج من أولاده وإن خرجت فبظلم يكون من غيره أو بتقية من عنده # وقالوا : ليست الإمامية قضية مصلحية تناط باختيار العامة وينتصب الإمام ~~بنصبهم بل هي قضية أصولية وهي ركن الدين لا يجوز للرسل عليهم الصلاة ~~والسلام إغفاله وإهماله ولا تفويضه إلى العامة وإرساله # يجمعهم القول بوجوب التعيين والتنصيص وثبوت عصمة الأنبياء والأئمة وجوبا ~~عن الكبائر والصغائر والقول بالتولي والتبرؤ قولا وفعلا وعقدا إلا في حال ~~التقية . ( 1 \ 146 ) # ويخالفهم بعض الزيدية في ذلك ولهم في تعدية الإمام كلام وخلاف كثير وعند ~~كل تعدية وتوقف : مقالة ومذهب وخبط # وهم خمس فرق : # كيسانية وزيدية وإمامية وغلاة وإسماعيلية # وبعضهم يميل في الأصول إلى الاعتزال وبعضهم إلى السنة وبعضهم إلى التشبيه PageV01P145 ### || AUTO 1 - الكيسانية PageV01P146 ~~أصحاب كيسان مولى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه # وقيل : تلمذ للسيد محمد بن الحنفية رضي الله عنه # يعتقدون فيه اعتقادا فوق حده ودرجته من إحاطته بالعلوم كلها واقتباسه من ~~السيدين الأسرار بجملتها من علم التأويل والباطن وعلم الآفاق والأنفس # ويجمعهم القول بأن الدين طاعة رجل حتى حملهم ذلك على تأويل الأركان ~~الشرعية من الصلاة والصيام والزكاة والحج وغير ذلك على رجال # فحمل بعضهم على ترك القضايا الشرعية بعد الوصول إلى طاعة الرجل # وحمل بعضهم على ضعف الاعتقاد بالقيامة # وحمل بعضهم على القول بالتناسخ والحلول والرجعة بعد الموت # فمن مقتصر على واحد معتقد أنه لا يموت ولا يجوز أن يموت حتى يرجع # ومن معتقد حقيقة الإمامة إلى غيره ثم متحسر عليه متحير فيه # ومن مدع حكم الإمامة وليس من الشجرة # وكلهم حيارى متقطعون ومن اعتقد أن الدين طاعة رجل ومن لا رجل له فلا دين له # نعوذ بالله من الحيرة والحور ms095 بعد الكور رب اهدنا السبيل # أ- المختارية # أصحاب المختار بن أبي عبيد الثقفي # كان خارجيا ثم صار زبيريا ثم صار شيعيا وكيسانيا . ( 1 \ 147 ) # قال بإمامة محمد بن الحنفية بعد أمير المؤمنين علي رضي الله عنهما # وقيل : لا بل بعد الحسن والحسين رضي الله عنهما # وكان يدعو الناس إليه وكان يظهر أنه من رجاله ودعاته ويذكر علوما مزخرفة ~~بترهاته ينوطها به # ولما وقف محمد بن الحنفية على ذلك تبرأ منه وأظهر لأصحابه أنه إنما نمس ~~على الخلق ذلك ليتمشى أمره ويجتمع الناس عليه # وإنما انتظم له ما انتظم بأمرين : # أحدهما : انتسابه إلى محمد بن الحنفية علما ودعوة # والثاني : قيامه بثأر الحسين بن علي رضي الله عنهما # واشتغاله ليلا ونهارا بقتال الظلمة الذين اجتمعوا على قتل الحسين # فمن مذهب المختار : # أنه يجوز البداء على الله تعالى والبداء له معان : # البداء في العلم : وهو أنه يظهر له خلاف ما علم ولا أظن عاقلا يعتقد هذا ~~الاعتقاد . ( 1 \ 148 ) # والبداء في الإرادة : وهو أن يظهر له صواب على خلاف ما أراد وحكم # والبداء في الأمر : وهو أن يأمر بشيء ثم يأمر بشيء آخر بعده بخلاف ذلك ~~ومن لم يجوز النسخ ظن أن الأوامر المختلفة في الأوقات المختلفة متناسخة # وإنما سار المختار إلى اختيار القول بالبداء لأنه كان يدعي علم ما يحدث ~~من الأحوال إما بوحي يوحى إليه وإما برسالة من قبل الإمام # فكان إذا وعد أصحابه بكون شيء وحدوث حادثة فإن وافق كونه قوله جعله دليل ~~على صدق دعواه وإن لم يوافق قال : قد بدا لربكم # وكان لا يفرق بين النسخ والبداء قال : إذا جاز النسخ في الأحكام جاز ~~البداء في الأخبار # وقد قيل : إن السيد محمد بن الحنفية تبرأ من المختار حين وصل إليه أنه قد ~~لبس على الناس أنه من دعاته ورجاله وتبرأ من الضلالات التي ابتدعها المختار ~~من التأويلات الفاسدة والمخاريق المموهة # فمن مخاريقه : # أنه كان عنده كرسي قديم غشاه بالديباج وزينه بأنواع الزينة وقال : هذا من ~~ذخائر أمير المؤمنين علي ms096 كرم الله وجهه وهو عندنا بمنزلة التابوت لبني ~~إسرائيل وكان إذا حارب خصومه يضعه في براح الصف ويقول : قاتلوا ولكم الظفر ~~والنصرة وهذا الكرسي محله فيكم محل التابوت في بني إسرائيل وفيه السكينة ~~والبقية والملائكة من فوقكم ينزلون مددا لكم # وحديث الحمامات البيض التي ظهرت في الهواء وقد أخبرهم قبل ذلك بأن ~~الملائكة تنزل على صورة الحمامات البيض معروف والأسجاع التي ألفاها أبرد ~~تآليف مشهورة # وإنما حمله على الانتساب إلى محمد بن الحنفية حسن اعتقاد الناس فيه ~~وامتلاء القلوب بمحبته # والسيد محمد بن الحنفية كان كثير العلم غزير المعرفة وقاد الفكر مصيب ~~الخاطر في العواقب # وقد أخبره أمير المؤمنين علي رضي الله عنه عن أحوال الملاحم ( 1 \ 149 ) ~~وأطلعه على مدارج المعالم وقد اختار العزلة فآثر الخمول على الشهرة # وقد قيل : إنه كان مستودعا علم الإمامة حتى سلم الأمانة إلى أهلها وما ~~فارق الدنيا إلا وقد أقرها في مستقرها # وكان السيد الحميري وكثير عزة الشاعر من شيعته # قال كثير فيه : # ألا إن الأئمة من قريش ... ولاة الحق أربعة سواء # علي والثلاثة من بنيه ... هم الأسباط ليس بهم خفاء # فسبط سبط إيمان وبر ... وسبط غيبته كربلاء # وسبط لا يذوق الموت حتى ... يقود الخيل يقدمه اللواء # تغيب لا يرى فيهم زمانا ... برضوى عنده عسل وماء # وكان السيد الحميري أيضا يعتقد فيه أنه لم يمت وأنه في جبل رضوى بين أسد ~~ونمر يحفظانه وعنده عينان نضاختان تجريان بماء وعسل وأنه يعود بعد الغيبة ~~فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا # وهذا هو أول حكم بالغيبة والعودة بعد الغيبة حكم به الشيعة وجرى ذلك في ~~بعض الجماعة حتى اعتقدوه دينا وركنا من أركان التشيع # ثم اختلفت الكيسانية بعد انتقال محمد بن الحنفية في سوق الإمامة وصار كل ~~اختلاف مذهبا # ب - الهاشمية # أتباع أبي هاشم بن محمد بن الحنفية # قالوا بانتقال محمد بن الحنفية إلى رحمة الله ورضوانه وانتقال الإمامة ~~منه إلى ابنه أبي هاشم # قالوا : فإنه أفضى إليه أسرار العلوم وأطلعه على مناهج تطبيق الآفاق ms097 على ~~الأنفس وتقدير التنزيل على التأويل وتصوير الظاهر على الباطن # قالوا : إن لكل ظاهر باطنا ولكل شخص روحا ولكل تنزيل تأويلا ولكل مثال في ~~هذا العالم حقيقة في ذلك العالم # والمنتشر في الآفاق من الحكم ( 1 / 151 ) والأسرار يجتمع في الشخص ~~الإنساني وهو العلم الذي استأثر علي رضي الله عنه به ابنه محمد بن الحنفية ~~وهو أفضى ذلك السر إلى ابنه أبي هاشم وكل من اجتمع فيه هذا العلم فهو ~~الإمام حقا # واختلفت بعد أبي هاشم شيعته خمس فرق : PageV01P146 # 1 - فرقة قالت : إن أبا هاشم مات منصرفا من الشام بأرض الشراة وأوصى إلى ~~محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وانجرت في أولاده الوصية حتى صارت الخلافة ~~إلى بني العباس # قالوا : ولهم في الخلافة حق لاتصال النسب وقد توفي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وعمه العباس أولى بالوراثة PageV01P149 ~~2 - وفرقة قالت : إن الإمامة بعد موت أبي هاشم لابن أخيه الحسن بن علي بن ~~محمد بن الحنفية PageV01P149 ~~3 - وفرقة قالت : لا بل إن أبا هاشم أوصى إلى أخيه علي بن محمد وعلي أوصى ~~إلى ابنه الحسن فالإمامة عندهم في بني الحنفية لا تخرج إلى غيرهم PageV01P149 ~~4 - وفرقة قالت : إن أبا هاشم أوصى إلى عبد الله بن عمرو بن الكندي وإن ~~الإمامة خرجت من أبي هاشم إلى عبد الله وتحولت روح أبي هاشم إليه # والرجل ما كان يرجع إلى علم وديانة فاطلع بعض القوم على خيانته وكذبه ~~فأعرضوا عنه وقالوا بإمامة عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب # وكان من مذهب عبد الله : أن الأرواح تتناسخ من شخص إلى شخص وأن الثواب ~~والعقاب في هذه الأشخاص إما أشخاص بني آدم وإما أشخاص الحيوانات # قال : وروح الله تناسخت حتى وصلت إليه وحلت فيه وادعى الإلهية والنبوة ~~معا وأنه يعلم الغيب فعبده شيعته الحمقى # وكفروا بالقيامة لاعتقادهم أن التناسخ يكون في الدنيا والثواب والعقاب في ~~هذه الأشخاص # وتأول قول الله تعالى : ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات ms098 جناح فيما ~~طعموا إذا ما اتقوا ) الآية على أن من وصل إلى الإمام وعرفه ارتفع عنه ~~الحرج في جميع ما يطعم ووصل إلى الكمال والبلاغ # وعنه نشأت الخرمية والمزدكية بالعراق # وهلك عبد الله بخراسان وافترقت أصحابه : # فمنهم من قال : إنه حي لم يمت ويرجع # ومنهم من قال : بل مات وتحولت روحه إلى إسحاق بن زيد الحارث الأنصاري وهم ~~الحارثية الذين يبيحون المحرمات ويعيشون عيش من لا تكليف عليه # وبين أصحاب عبد الله بن معاوية وبين أصحاب محمد بن علي خلاف شديد في ~~الإمامة فإن كل واحد منهما يدعي الوصية من أبي هاشم إليه ولم يثبت الوصية ~~على قاعدة معتمدة # ج - البيانية # أتباع بيان بن سمعان التميمي # قالوا : بانتقال الإمامة من أبي هاشم إليه # وهو من الغلاة القائلين بإلهية أمير المؤمنين علي رضي الله عنه # قال : حل في علي جزء إلهي واتحد يجسده فبه كان يعلم الغيب إذ أخبر عن ~~الملاحم وصح الخبر وبه كان يحارب الكفار وله النصرة والظفر وبه قلع باب ~~خيبر وعن هذا قال : والله ما قلعت باب خيبر بقوة جسدانية ولا بحركة غذائية ~~ولكن قلعته بقوة رحمانية ملكوتية بنور ربها مضيئة فالقوة الملكوتية في نفسه ~~كالمصباح في المشكاة والنور الإلهي كالنور في المصباح # قال : وربما يظهر علي في بعض الأزمان # وقال في تفسير قوله تعالى : ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من ~~الغمام ) : أراد به عليا فهو الذي يأتي في الظلل والرعد صوته والبرق تبسمه # ثم ادعى بيان أنه قد انتقل إليه الجزء الإلهي بنوع من التناسخ ولذلك ~~استحق أن ( 1 \ 152 ) يكون إماما وخليفة وذلك الجزء هو الذي استحق به آدم ~~عليه السلام سجود الملائكة # وزعم أن معبوده على صورة إنسان عضوا فعضوا وجزءا فجزءا # وقال : يهلك كله إلا وجهه لقوله تعالى : ( كل شيء هالك إلا وجهه ) # ومع هذا الخزي الفاحش كتب إلى محمد بن علي بن الباقر رضي الله عنهم ودعاه ~~إلى نفسه وفي كتابه : أسلم تسلم ويرتقي من سلم فإنك لا تدري ms099 حيث يجعل الله ~~النبوة ) فأمر الباقر أن يأكل الرسول قرطاسه الذي جاء به فأكله فمات في ~~الحال وكان اسم ذلك الرسول عمر بن أبي عفيف # وقد اجتمعت طائفة على بيان بن سمعان ودانوا به وبمذهبه فقتله خالد بن عبد ~~الله القسري على ذلك # وقيل : أحرقه والكوفي المعروف بالمعروف بن سعيد بالنار معا # د - الرزامية # أتباع رزام بن رزم # ساقوا الإمامة من علي إلى ابنه محمد ثم إلى ابنه هاشم ثم منه إلى علي بن ~~عبد الله بن عباس بالوصية ثم ساقوها إلى محمد بن علي وأوصى محمد إلى ابنه ~~إبراهيم الإمام وهو صاحب أبي مسلم الذي دعا إليه وقال بإمامته . ( 1 \ 153 ) # وهؤلاء ظهروا بخراسان في أيام أبي مسلم حتى قيل : إن أبا مسلم كان على ~~هذا المذهب لأنهم ساقوا الإمامة إلى أبي مسلم فقالوا : له حظ في الإمامة ~~وادعوا حلول روح الإله فيه ولهذا أيده على بني أمية حتى قتلهم عن بكرة ~~أبيهم واصطلمهم # وقالوا بتناسخ الأرواح # والمقنع الذي ادعى الإلهية لنفسه على مخاريق أخرجها كان في الأول على هذا ~~المذهب وتابعه مبيضة ما وراء النهر # وهؤلاء صنف من الخرامية دانوا بترك الفرائض # وقالوا : الدين معرفة الإمام فقط # ومنهم من قال : الدين أمران : معرفة الإمام وأداء الأمانة # ومن حصل له الأمران فقد وصل إلى الكمال وارتفع عنه التكليف # ومن هؤلاء من ساق الإمامة إلى محمد بن علي بن عبد الله بن عباس من أبي ~~هاشم محمد بن الحنفية وصية إليه لا من طريق آخر # وكان أبو مسلم صاحب الدولة على مذهب الكيسانية في الأول واقتبس من دعاتهم ~~العلوم التي اختصوا بها وأحس منهم أن هذه العلوم مستودعة فيهم فكان يطلب ~~المستقر فيه فبعث إلى الصادق جعفر بن محمد رضي الله عنهما أني قد أظهرت ~~الكلمة ودعوت الناس عن موالاة بني أمية إلى موالاة أهل البيت فإن رغبت فيه ~~فلا مزيد عليك # فكتب إليه الصادق رضي الله عنه : ما أنت من رجالي ولا الزمان زماني # فحاد أبو مسلم إلى أبي ms100 العباس عبد الله بن محمد السفاح وقلده أمر الخلافة PageV01P149 ### || AUTO 2 - الزيدية PageV01P153 ~~أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم # ساقوا الإمامة في أولاد فاطمة رضي الله عنها # ولم يجوزا ثبوت الإمامة في غيرهم إلا أنهم جوزا أن يكون كل فاطمي عالم ~~زاهد شجاع سخي خرج بالإمامة أن يكون إماما واجب الطاعة سواء كان ( 1 \ 154 ~~) من أولاد الحسن أو من أولاد الحسين رضي الله عنهما وعن هذا جوز قوم منهم ~~إمامة محمد وإبراهيم الإمامين ابني عبد الله بن الحسن بن الحسن اللذين خرجا ~~في أيام المنصور وقتلا على ذلك # وجوزا خروج إمامين في قطرين يستجمعان هذه الخصال ويكون كل واحد منهما ~~واجب الطاعة # وزيد بن علي لما كان مذهبه هذا المذهب أراد أن يحصل الأصول والفروع حتى ~~يتحلى بالعلم فتلمذ في الأصول لواصل بن عطاء الغزال الألثغ رأس المعتزلة ~~ورئيسهم مع اعتقاد واصل أن جده علي بن أبي طالب رضي الله عنه في حروبه التي ~~جرت بينه وبين أصحاب الجمل وأهل الشام ما كان على يقين من الصواب وأن أحد ~~الفريقين منهما كان على الخطأ لا بعينه فاقتبس منه الاعتزال وصارت أصحابه ~~كلهم معتزلة # وكان من مذهبه جواز إمامة المفضول مع قيام الأفضل # فقال : كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه أفضل الصحابة إلا أن الخلافة ~~فوضت إلى أبي بكر لمصلحة رأوها وقاعدة دينية راعوها من تسكين ثائرة الفتنة ~~وتطييب قلوب العامة فإن عهد الحروب التي جرت في أيام النبوة كان قريبا وسيف ~~أمير المؤمنين علي عن دماء المشركين من قريش وغيرهم لم يجف بعد والضغائن في ~~صدور القوم من طلب الثأر كما هي فما كانت القلوب تميل إليه كل الميل ولا ~~تنقاد له الرقاب كل الانقياد فكانت المصلحة أن يكون القائم بهذا الشأن من ~~عرفوه باللين والتؤدة والتقدم بالسن والسبق في الإسلام والقرب من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ألا ترى أنه لما أراد في مرضه الذي مات فيه تقليد ms101 الأمر ~~عمر بن الخطاب زعق الناس وقالوا : لقد وليت علينا فظا غليظا فما كانوا ~~يرضون بأمير المؤمنين عمر بن الخطاب لشدته وصلابته وغلظة في الدين وفظاظته ~~على الأعداء حتى سكنهم أبو بكر بقوله : لو سألني ربي لقلت وليت عليهم خيرهم لهم # وكذلك يجوز أن يكون المفضول إماما والأفضل قائم فيرجع إليه في الأحكام ~~ويحكم بحكمه في القضايا # ولما سمعت شيعة الكوفة هذه المقالة منه وعرفوا أنه لا يتبرأ من الشيخين ~~رفضوه حتى أتى قدره عليه فسميت رافضة . ( 1 \ 155 ) # وجرت بينه وبين أخيه الباقر محمد بن علي مناظرات لا من هذا الوجه بل : # من حيث كان يتلمذ لواصل بن عطاء ويقتبس العلم ممن يجوز الخطأ على جده في ~~قتال الناكثين والقاسطين والمارقين # ومن حيث يتكلم في القدر على غير ما ذهب إليه أهل البيت # ومن حيث أنه كان يشترط الخروج شرطا في كون الإمام إماما حتى قال له يوما ~~: على مقتضى مذهبك والدك ليس بإمام فإنه لم يخرج قط ولا تعرض للخروج # ولما قتل زيد بن علي وصلب قام بالإمامة بعده يحيى بن زيد ومضى إلى خراسان ~~واجتمعت عليه جماعة كثيرة وقد وصل إليه الخبر من الصادق جعفر بن محمد بأنه ~~يقتل كما قتل أبوه ويصلب كما صلب أبوه فجرى عليه الأمر كما أخبر # وقد فوض الأمر بعده إلى محمد وإبراهيم الإمامين وخرجا بالمدينة ومضى ~~إبراهيم إلى البصرة واجتمع الناس عليهما وقتلا أيضا # وأخبرهم الصادق بجميع ما تم عليهم وعرفهم أن آباءه رضي الله عنهم أخبروه ~~بذلك كله وأن بني أمية يتطاولون على الناس حتى لو طاولتهم الجبال لطالوا ~~عليها وهم يستشعرون بغض أهل البيت ولا يجوز أن يخرج واحد من أهل بيته حتى ~~يأذن الله تعالى بزوال ملكهم وكان يشير إلى أبي العباس وإلى أبي جعفر ابني ~~محمد بن علي بن عبد الله بن العباس وقال : إنا لا نخوض في الأمر حتى يتلاعب ~~به هذا وأولاده وأشار إلى المنصور # فزيد بن علي قتل بكناسة الكوفة قتله هشام بن عبد ms102 الملك # ويحيى بن زيد قتل بجوزجان خراسان قتله أميرها # ومحمد الإمام قتل بالمدينة قتله عيسى بن ماهان # وإبراهيم الإمام قتل بالبصرة أمر بقتلهما المنصور # ولم ينتظم أمر الزيدية بعد ذلك حتى ظهر بخراسان صاحبهم ناصر الأطروش فطلب ~~مكانه ليقتل فاختفى واعتزل الأمر وصار إلى بلاد الديلم والجبل ولم يتحلوا ~~بدين الإسلام بعد فدعا الناس دعوة إلى الإسلام على مذهب زيد بن علي فدانوا ~~بذلك ونشئوا عليه وبقيت الزيدية في تلك البلاد ظاهرين . ( 1 \ 156 ) # وكان يخرج واحد بعد واحد من الأئمة وبلي أمرهم وخالفوا بني أعمامهم من ~~الموسوية في مسائل الأصول ومالت أكثر الزيدية بعد ذلك عن القول بإمامة ~~المفضول وطعنت في الصحابة طعن الإمامية وهم أصناف ثلاثة : جارودية ~~وسليمانية وبترية # والصالحية منهم والبترية على مذهب واحد # أ- الجارودية # أصحاب أبي الجارود زياد بن أبي زياد # زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم نص ( 1 \ 157 ) على علي رضي الله عنه ~~بالوصف دون التسمية وهو الإمام بعده والناس قصروا حيث لم يتعرفوا الوصف ولم ~~يطلبوا الموصوف وإنما نصبوا أبا بكر باختيارهم فكفروا بذلك # وقد خالف أبو الجارود في هذه المقالة إمامه زيد بن علي فإنه لم يعتقد هذا ~~الاعتقاد # واختلفت الجارودية في التوقف والسوق : # فساق بعضهم الإمامة من علي إلى حسن ثم إلى الحسين ثم إلى علي بن الحسين ~~زين العابدين ثم إلى ابنه زيد بن علي ثم منه إلى الإمام محمد بن عبد الله ~~بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب وقالوا بإمامته # وكان أبو حنيفة رحمه الله على بيعته ومن جملة شيعته حتى رفع الأمر إلى ~~المنصور فحبسه حبس الأبد حتى مات في الحبس # وقيل : إنه إنما بايع محمد بن عبد الله الإمام في أيام المنصور ولما قتل ~~محمد بالمدينة بقي الإمام أبو حنيفة على تلك البيعة يعتقد موالاة أهل البيت ~~فرفع حاله إلى المنصور فتم عليه ما تم . ( 1 \ 158 ) # والذين قالوا بإمامة محمد بن عبد الله الإمام اختلفوا : # فمنهم من قال : إنه لم يقتل وهو ms103 بعد حي وسيخرج فيملأ الأرض عدلا # ومنهم من أقر بموته وساق الإمامة إلى محمد بن القاسم بن علي بن عمر بن ~~علي بن الحسين بن علي صاحب الطالقان وقد أسر في أيام المعتصم وحمل إليه ~~فحبسه في داره حتى مات # ومنهم من قال بإمامة يحيى بن عمر صاحب الكوفة فخرج ودعا الناس واجتمع ~~عليه خلق كثير وقتل في أيام المستعين وحمل رأسه إلى محمد بن عبد الله بن ~~طاهر حتى قال فيه بعض العلوية : # قتلت أعز من ركب المطايا ... وجئتك أستلينك في الكلام # وعز علي أن ألقاك إلا ... وفيما بيننا حد الحسام # وهو يحيى بن عمر بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي # وأما أبو الجارود فكان يسمى سرحوب سماه بذلك أبو جعفر محمد بن علي الباقر # وسرحوب : شيطان أعمى يسكن البحر قاله الباقر تفسيرا # ومن أصحاب أبي الجارود فضيل الرسان وأبو خالد الواسطي وهم مختلفون في ~~الأحكام والسير : # فبعضهم يزعم أن علم ولد الحسن والحسين رضي الله عنهما كعلم النبي صلى ~~الله عليه وسلم فيحصل لهم العلم قبل التعلم فطرة وضرورة # وبعضهم يزعم أن العلم مشترك فيهم وفي غيرهم وجائز أن يؤخذ عنهم وعن غيرهم ~~من العامة # ب - السليمانية # أصحاب سليمان بن جرير # وكان يقول : إن الإمامة شورى فيما بين الخلق ويصح أن تنعقد بعقد رجلين من ~~خيار المسلمين وإنها تصح في المفضول مع وجود الأفضل # وأثبت إمامة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما حقا باختيار الأمة حقا اجتهاديا # وربما كان يقول : إن الأمة أخطأت في البيعة لهما مع وجود علي رضي الله ~~عنه خطأ لا يبلغ درجة ( 1 \ 159 ) الفسق وذلك الخطأ خطأ اجتهادي # غير أنه طعن في عثمان رضي الله عنه للأحداث التي أحدثها وأكفره بذلك ~~وأكفر عائشة والزبير وطلحة رضي الله عنهم بإقدامهم على قتال علي رضي الله عنه # ثم إنه طعن في الرافضة فقال : إن أئمة الرافضة قد وضعوا مقالتين لشيعتهم ~~لا يظهر أحد قط عليهم : # إحداهما : القول بالبداء فإذا أظهروا قولا أنه سيكون ms104 لهم قوة وشوكة وظهور ~~ثم لا يكون الأمر على ما أظهروه قالوا : بدا الله تعالى في ذلك # والثانية : التقية فكل ما أرادوا تكلموا به فإذا قيل لهم في ذلك : إنه ~~ليس بحق وظهر لهم البطلان قالوا : إنما قلناه تقية وفعلناه تقية # وتابعه على القول بجواز إمامة المفضول مع قيام الأفضل قوم من المعتزلة ~~منهم جعفر بن مبشر وجعفر بن حرب وكثير النوى وهو من أصحاب الحديث # قالوا : الإمامة من مصالح الدين ليس يحتاج إليها لمعرفة الله تعالى ~~وتوحيده فإن ذلك حاصل بالعقل لكنها يحتاج إليها لإقامة الحدود والقضاء بين ~~المتحاكمين وولاية اليتامى والأيامى وحفظ البيضة وإعلاء الكلمة ونصب القتال ~~مع أعداء الدين وحتى يكون للمسلمين جماعة ولا يكون الأمر فوضى بين العامة ~~فلا يشترط فيها أن يكون الإمام أفضل الأمة علما وأقدمهم عهدا وأسدهم رأيا ~~وحكمة إذ الحاجة تنسد بقيام المفضول مع وجود الفاضل والأفضل # ومالت جماعة من أهل السنة إلى ذلك حتى جوزوا أن يكون الإمام غير مجتهد ~~ولا خبير بمواقع الاجتهاد ولكن يجب أن يكون معه من يكون من أهل الاجتهاد ~~فيراجعه في الأحكام ويستفتي منه في الحلال والحرام ويجب أن يكون في الجملة ~~ذا رأي متين وبصر في الحوادث نافذ # ( 1 \ 160 ) # ج - الصالحية والبترية # الصالحية : أصحاب الحسن بن صالح بن حي # والبترية : أصحاب كثير النوى الأبتر وهما متفقان في المذهب # وقولهم في الإمامة كقول السليمانية إلا أنهم توقفوا في أمر عثمان أهو ~~مؤمن أم كافر ؟ # قالوا : إذا سمعنا الأخبار الواردة في حقه وكونه من العشرة المبشرين ~~بالجنة قلنا : يجب أن يحكم بصحة إسلامه وإيمانه وكونه من أهل الجنة # وإذا رأينا الأحداث التي أحدثها من استهتاره بتربية بني أمية وبني مروان ~~واستبداده بأمور لم توافق سيرة الصحابة قلنا : يجب أن نحكم بكفره # فتحيرنا في أمره وتوقفنا في حاله ووكلناه إلى أحكم الحاكمين # وأما علي فهو أفضل الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأولاهم ~~بالإمامة لكنه سلم الأمر لهم راضيا وفوض الأمر إليهم طائعا وترك حقه ms105 راغبا ~~فنحن راضون بما رضي مسلمون لما سلم لا يحل لنا غير ذلك ولو لم يرض علي بذلك ~~لكان أبو بكر هالكا # وهم الذين جوزوا إمامة المفضول وتأخير الفاضل والأفضل إذا كان الفاضل ~~راضيا بذلك # وقالوا : من شهر سيفه من أولاد الحسن والحسين رضي الله عنهما وكان عالما ~~زاهدا شجاعا فهو الإمام # وشرط بعضهم صباحة الوجه # ولهم خبط عظيم في إمامين وجدت فيهما هذه الشرائط وشهرا سيفيهما ينظر إلى ~~الأفضل والأزهد وإن تساويا ينظر إلى الأمتن رأيا والأحزم أمرا وإن تساويا ~~تقابلا فينقلب الأمر عليهم كلا ويعود الطلب جذعا والإمام مأموما والأمير مأمورا # ولو كانا في قطرين انفرد كل واحد منهما ( 1 \ 161 ) بقطره ويكون واجب ~~الطاعة في قومه # ولو أفتى أحدهما بخلاف ما يفتي الآخر كان كل واحد منهما مصيبا وإن أفتى ~~باستحلال دم الإمام الآخر # وأكثرهم في زماننا مقلدون لا يرجعون إلى رأي واجتهاد : # أما في الأصول : فيرون رأي المعتزلة حذو القذة بالقذة ويعظمون أئمة ~~الاعتزال أكثر من تعظيمهم أئمة أهل البيت # وأما في الفروع : فهم على مذهب أبي حنيفة إلا في مسائل قليلة يوافقون ~~فيها الشافعي رحمه الله والشيعة # رجال الزيدية # أبو الجارود زياد بن المنذر العبدي لعنه جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه # والحسن بن صالح بن حي ومقاتل بن سليمان والداعي ناصر الحق الحسن بن علي ~~بن الحسن بن زيد بن عمر بن الحسين بن علي والداعي الآخر صاحب طبرستان الحسن ~~بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي ومحمد بن نصر PageV01P153 ### || AUTO 3 - الإمامية PageV01P161 ~~هم القائلون بإمامة علي رضي الله عنه بعد النبي عليه الصلاة والسلام نصا ~~ظاهرا وتعيينا صادقا من غير تعريض بالوصف بل إشارة إليه بالعين # قالوا : وما كان في الدين والإسلام أمر أهم من تعيين الإمام حتى تكون ~~مفارقته الدنيا على فراغ قلب من أمر الأمة فإنه إنما بعث لرفع الخلاف ~~وتقرير الوفاق فلا يجوز أن يفارق الأمة ويتركهم هملا يرى كل واحد منهم ms106 رأيا ~~ويسلك كل واحد منهم طريقا لا يوافقه في ذلك غيره بل يجب أن يعين شخصا هو ~~المرجوع إليه وينص على واحد هو الموثوق به والمعول عليه وقد عين عليا رضي ~~الله عنه في مواضع تعريضا وفي مواضع تصريحا . ( 1 \ 162 ) # أما تعريضاته : # فمثل أن يبعث أبا بكر ليقرأ سورة براءة على الناس في المشهد وبعث بعده ~~عليا ليكون هو القارئ عليهم والمبلغ عنه إليهم # وقال : نزل علي جبريل عليه السلام فقال : يبلغه رجل منك أو قال : من قومك ~~وهو يدل على تقديمه عليا عليه # ومثل أن كان يؤمر على أبي بكر وعمر وغيرهما من الصحابة في البعوث وقد أمر ~~عليهما عمرو بن العاص في بعث وأسامة بن زيد في بعث وما أمر على علي أحدا قط # وأما تصريحاته : # فمثل ما جرى في نأنأة الإسلام حين قال : من الذي يبايعني على ماله ؟ ~~فبايعته جماعة # ثم قال : من الذي يبايعني على روحه وهو وصي وولي هذا الأمر من بعدي ؟ فلم ~~يبايعه أحد حتى مد أمير المؤمنين علي رضي الله عنه يده إليه فبايعه على ~~روحه ووفى بذلك حتى كانت قريش تعير أبا طالب أنه أمر عليك ابنك # ومثل ما جرى في كمال الإسلام وانتظام الحال حين نزل قوله تعالى : ( يا ~~أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته ) فلما وصل ~~غدير خم أمر بالدرجات فقمن ونادوا الصلاة جامعة ثم قال عليه الصلاة والسلام ~~وهو على الرحال : من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من ~~عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه حيث دار ألا هل بلغت ثلاثا # فادعت الإمامية أن هذا نص صريح # فإننا ننظر من كان النبي صلى الله عليه وسلم مولى له وبأي معنى فنطرد ذلك ~~في حق علي رضي الله عنه وقد فهمت الصحابة من التولية ما فهمناه حتى قال عمر ~~حين استقبل عليا : طوبى لك يا علي أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة # قالوا : وقول النبي عليه ms107 الصلاة والسلام : ( أقضاكم علي ) نص في الإمامة ~~فإن الإمامة لا معنى لها إلا أن يكون أقضى القضاة في كل حادثة والحاكم على ~~المتخاصمين في كل واقعة وهو معنى قول الله سبحانه وتعالى : ( أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ( 1 \ 163 ) منكم ) # قالوا : فأولوا الأمر من إليه القضاء والحكم حتى في مسألة الخلافة لما ~~تخاصمت المهاجرون والأنصار كان القاضي في ذلك هو أمير المؤمنين علي دون ~~غيره فإن النبي صلى الله عليه وسلم كما حكم لكل واحد من الصحابة بأخص وصف ~~له فقال : ( أفرضكم زيد وأقرؤكم أبي وأعرفكم في الحلال والحرام معاذ ) ~~وكذلك حكم لعلي بأخص وصف له وهو قوله : ( أقضاكم علي ) والقضاء يستدعي كل ~~علم وليس كل علم يستدعي القضاء # ثم إن الإمامية تخطت عن هذه الدرجة إلى الوقيعة في كبار الصحابة طعنا ~~وتكفيرا وأقله ظلما وعدوانا وقد شهدت نصوص القرآن على عدالتهم والرضا عن ~~جملتهم قال الله تعالى : ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت ~~الشجرة ) وكانوا إذ ذاك ألفا وأربعمائة # وقال الله ثناء على المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله ~~عنهم : ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ~~رضي الله عنهم ورضوا عنه ) # وقال : ( لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ~~ساعة العسرة ) # وقال تعالى : ( وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في ~~الأرض كما استخلف الذين من قبلهم ) # وفي ذلك دليل على عظمة قدرهم عند الله تعالى وكرامتهم ودرجتهم عند الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فليت شعري كيف يستجيز ذو دين الطعن فيهم ونسبة الكفر ~~إليهم وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام : ( عشرة من أصحابي في الجنة : ~~أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد ~~وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح ) إلى غير ذلك من الأخبار الواردة ~~في حق كل واحد ( 1 \ 164 ) منهم على الانفراد وإن نقلت هنات من بعضهم ~~فليتدبر النقل فإن أكاذيب الروافض كثيرة وأحداث المحدثين كثيرة # ثم إن ms108 الإمامية لم يثبتوا في تعيين الأئمة بعد الحسن والحسين وعلي بن ~~الحسين رضي الله عنهم على رأي واحد بل اختلافاتهم أكثر من اختلافات الفرق ~~كلها حتى قال بعضهم : إن نيفا وسبعين فرقة من الفرق المذكورة في الخبر هو ~~في الشيعة خاصة ومن عداهم فهم خارجون عن الأمة # وهم متفقون في الإمامة وسوقها إلى جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه ~~ومختلفون في المنصوص عليه بعده من أولاده إذ كانت له خمسة أولاد وقيل : ستة ~~محمد وإسحق وعبد الله وموسى وإسماعيل وعلي # ومن ادعى منهم النص والتعيين : محمد وعبد الله وموسى وإسماعيل # ثم منهم من مات ولم يعقب ومنهم من مات وأعقب ومنهم من قال بالتوقف ~~والانتظار والرجعة ومنهم من قال بالسوق والتعدية كما سيأتي ذكر اختلافاتهم ~~عند ذكر طائفة طائفة # وكانوا في الأول على مذهب أئمتهم في الأصول ثم لما اختلفت الروايات عن ~~أئمتهم وتمادى الزمان اختارت كل فرقة منهم طريقة فصارت الإمامية : # بعضها معتزلة : إما وعيدية وإما تفضيلية # وبعضها إخبارية : إما مشبهة وإما سلفية # ومن ضل الطريق وتاه لم يبال الله به في أي واد هلك # أ- الباقرية والجعفرية الواقفة # أتباع محمد بن الباقر بن علي زين العابدين وابنه جعفر الصادق # قالوا بإمامتهما وإمامة والدهما زين العابدين إلا أن منهم من توقف على ~~واحد منهما وما ساق الإمامة إلى أولادهما ومنهم من ساق # وإنما ميزنا هذه الفرقة دون الأصناف المتشيعة التي نذكرها لأن من الشيعة ~~من توقف على الباقر وقال برجعته كما توقف القائلون بإمامة ( 1 \ 165 ) أبي ~~عبد الله جعفر بن محمد الصادق وهو ذو علم غزير في الدين وأدب كامل في ~~الحكمة وزهد بالغ في الدنيا وورع تام عن الشهوات # وقد أقام بالمدينة مدة يفيد الشيعة المنتمين إليه ويفيض على الموالين له ~~أسرار العلوم ثم دخل العراق وأقام بها مدة ما تعرض للإمامة قط ولا نازع ~~أحدا في الخلافة قط ومن غرق في بحر المعرفة لم يطمع في شط ومن تعلى إلى ~~ذروة الحقيقة لم يخف من حط ms109 وقيل : من أنس بالله توحش عن الناس ومن استأنس ~~بغير الله نهبه الوسواس # وهو من جانب الأب ينتسب إلى شجرة النبوة ومن جانب الأم ينتسب إلى أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه # وقد تبرأ عما كان ينسب إليه بعض الغلاة وبرئ منهم ولعنهم وبرئ من خصائص ~~مذاهب الرافضة وحماقاتهم من القول بالغيبة والرجعة والبداء والتناسخ ~~والحلول والتشبيه # لكن الشيعة بعده افترقوا وانتحل كل واحد منهم مذهبا وأراد أن يروجه على ~~أصحابه فنسبه إليه وربطه به والسيد برئ من ذلك ومن الاعتزال والقدر أيضا # هذا قوله في الإرادة : إن الله تعالى أراد بنا شيئا وأراد منا شيئا فما ~~أراده بنا طواه عنا وما أراده منا أظهره لنا فما بالنا نشتغل بما أراده بنا ~~عما أراده منا # وهذا قوله في القدر : هو أمر بين أمرين لا جبر ولا تفويض # وكان يقول في الدعاء : اللهم لك الحمد إن أطعتك ولك الحجة إن عصيتك لا ~~صنع لي ولا لغيري في إحسان ولا حجة لي ولا لغيري في إساءة # فنذكر الأصناف الذين اختلفوا فيه ونعدهم لا على أنهم من تفاصيل أشياعه بل ~~على أنهم منتسبون إلى أصل شجرته وفروع أولاده ليعلم ذلك # ب - الناووسية # أتباع رجل يقال له ناووس # وقيل : نسبوا إلى قرية ناووسا # قالت : إن الصادق حي بعد ولن يموت حتى يظهر فيظهر أمره وهو القائم المهدي # ورووا عنه ( 1 \ 166 ) أنه قال : لو رأيتم رأسي يدهده عليكم من الجبل فلا ~~تصدقوا فإني صاحبكم صاحب السيف # حكى أبو حامد الزوزني أن الناووسية زعمت أن عليا باق وستنشق الأرض عنه ~~يوم القيامة فيملأ الأرض عدلا # ج - الأفطحية # قالوا بانتقال الإمامة من الصادق إلى ابنه عبد الله الأفطح وهو أخو ~~إسماعيل من أبيه وأمه وأمهما فاطمة بنت الحسين بن الحسن بن علي وكان أسن ~~أولاد الصادق # زعموا أنه قال : الإمام في أكبر أولاد الأئمة # وقال الإمام : من يجلس مجلسي وهو الذي يجلس مجلسه والإمام لا يغسله ولا ~~يصلي عليه ولا يأخذ خاتمه ولا يواريه إلا الإمام ms110 وهو الذي تولى ذلك كله ~~ودفع الصادق وديعة إلى بعض أصحابه وأمره أن يدفعها إلى من يطلبها منه وأن ~~يتخذه إماما وما طلبها منه أحد إلا عبد الله ومع ذلك ما عاش بعد أبيه إلا ~~سبعين يوما ومات ولم يعقب ولدا ذكرا # د - الشميطية # أتباع يحيى بن أبي شميط # قالوا : إن جعفرا قال : إن صاحبكم اسمه اسم نبيكم وقد قال له والده رضوان ~~الله عليهما : إن ولد لك ولد فسميته باسمي فهو الإمام فالإمام بعده ابنه محمد # ه - الإسماعيلية الواقفة # قالوا : إن الإمام بعد جعفر إسماعيل نصا عليه باتفاق من أولاده إلا أنهم ~~اختلفوا في موته في حال حياة أبيه : # فمنهم من قال : لم يمت إلا أنه أظهر موته تقية من خلفاء بني العباس وأنه ~~عقد محضرا وأشهد عليه عامل المنصور بالمدينة . ( 1 \ 167 ) # ومنهم من قال : موته صحيح والنص لا يرجع قهقرى # والفائدة في النص : بقاء الإمامة في أولاد المنصوص عليه دون غيرهم # فالإمام بعد إسماعيل محمد بن إسماعيل # وهؤلاء يقال لهم : المباركية # ثم منهم من وقف على محمد بن إسماعيل وقال برجعته بعد غيبته # ومنهم من ساق الإمامة في المستورين منهم ثم في الظاهرين القائمين من ~~بعدهم وهم الباطنية وسنذكر مذاهبهم على الانفراد وإنما مذهب هذه الفرقة ~~الوقف على إسماعيل بن جعفر أو محمد بن إسماعيل # والإسماعيلية المشهورة في الفرق منهم هم الباطنية التعليمة الذين لهم ~~مقالة مفردة # و- الموسوية أو المفضلية # فرقة واحدة قالت بإمامة موسى بن جعفر نصا عليه بالاسم حيث قال الصادق رضي ~~الله عنه : سابعكم قائمكم # وقيل : صاحبكم قائمكم إلا وهو سمي صاحب التوراة # ولما رأت الشيعة أن أولاد الصادق على تفرق فمن ميت في حال حياة أبيه ولم ~~يعقب ومن مختلف في موته ومن قائم بعد موته مدة يسيرة ومن ميت غير معقب وكان ~~موسى هو الذي تولى الأمر وقام به بعد موت أبيه رجعوا إليه واجتمعوا عليه ~~مثل المفضل بن عمر وزرارة بن أعين وعمار الساباطي # وروت الموسوية عن الصادق رضي الله عنه ms111 أنه قال لبعض أصحابه : عد الأيام . ~~فعدها من الأحد حتى بلغ السبت # فقال له : كم عددته ؟ # فقال : سبعة # فقال جعفر : سبت السبوت وشمس الدهور ونور الشهور ومن لا يلهو ولا يلعب ~~وهو سابعكم قائمكم هذا وأشار إلى ولده موسى الكاظم # وقال فيه أيضا : إنه شبيه بعيسى عليه السلام # ثم إن موسى لما خرج وأظهر الإمامة حمله هارون الرشيد من المدينة فحبسه ~~عند عيسى ( 1 \ 168 ) بن جعفر ثم أشخصه إلى بغداد فحبسه عند السندي بن شاهك # وقيل : إن يحيى بن خالد بن برمك سمه في رطب فقتله وهو في الحبس ثم أخرج ~~ودفن في مقابر قريش ببغداد # واختلفت الشيعة بعده : # فمنهم من توقف في موته وقال : لا ندري أمات أم لم يمت ويقال لهم : ~~الممطورة سماهم بذلك علي بن إسماعيل فقال : ما أنتم إلا كلاب ممطورة # ومنهم من قطع بموته ويقال لهم : القطيعة # ومنهم من توقف عليه وقال : إنه لم يمت وسيخرج بعد الغيبة ويقال لهم : ~~الواقفة # ز - الاثنا عشرية # إن الذين قطعوا بموت موسى الكاظم بن جعفر الصادق - وسموا قطيعة - ساقوا ~~الإمامة بعده في أولاده فقالوا : # الإمام بعد موسى الكاظم ولده علي الرضى ومشهده بطوس # ثم بعده محمد التقي الجواد أيضا وهو في مقابر قريش ببغداد # ثم بعده علي بن محمد النقي ومشهده بقم # وبعده الحسن العسكري الزكي # وبعده ابنه محمد القائم المنتظر الذي هو بسر من رأى وهو الثاني عشر # هذا هو طريق الاثنا عشرية في زماننا # إلا أن الاختلافات التي وقعت في حال كل واحد من هؤلاء الاثنا عشر ~~والمنازعات التي جرت بينهم وبين إخوتهم وبني أعمامهم وجب ذكرها لئلا يشذ ~~عنا مذهب لم نذكره ومقالة لم نوردها # فاعلم أن من الشيعة من قال بإمامة أحمد بن موسى بن جعفر دون أخيه علي الرضى # ومن قال بعلي شك أولا في محمد بن علي إذ مات أبوه وهو صغير غير مستحق ~~للإمامة ولا علم عنده بمناهجها # وثبت قوم على إمامته # واختلفوا بعد موته أيضا : # فقال قوم بإمامة ( 1 ms112 \ 169 ) موسى بن محمد # وقال قوم آخرون بإمامة علي بن محمد ويقولون : هو العسكري # واختلفوا بعد موته أيضا : # فقال قوم بإمامة جعفر بن علي # وقال قوم بإمامة محمد بن علي # وقال قوم بإمامة الحسن بن علي # وكان لهم رئيس يقال له : علي بن فلان الطاحن وكان من أهل الكلام قوى ~~أسباب جعفر بن علي وأمال الناس إليه وأعانه فارس بن حاتم بن ماهويه وذلك أن ~~عليا قد مات وخلف الحسن العسكري # قالوا : امتحنا الحسن فلم نجد عنده علما ولقبوا من قال بإمامة الحسن ~~الحمارية # وقووا أمر جعفر بعد موت الحسن واحتجوا بأن الحسن مات بلا خلف فبطلت ~~إمامته ولأنه لم يعقب والإمام لا يموت إلا ويكون له خلف وعقب # وحاز جعفر ميراث الحسن بعد دعاوى ادعاها عليه أنه فعل ذلك في حبل في ~~جواريه وغيرهم وانكشف أمره عند السلطان والرعية وخواص الناس وعوامهم وتشتت ~~كلمة من قال بإمامة الحسن وتفرقوا أصنافا كثيرة : # فثبتت هذه الفرقة على إمامة جعفر ورجع إليهم كثير ممن قال بإمامة الحسن ~~منهم الحسن بن علي بن فضال وهو من أجل أصحابهم وفقهائهم كثير الفقه والحديث # ثم قالوا بعد جعفر بعلي بن جعفر وفاطمة بنت علي أخت جعفر # وقال قوم بإمامة علي بن جعفر دون فاطمة السيدة # ثم اختلفوا بعد موت علي وفاطمة اختلافا كثيرا وغلا بعضهم في الإمامة غلو ~~أبي الخطاب الأسدي # وأما الذين قالوا بإمامة الحسن فافترقوا بعد موته إحدى عشرة فرقة وليست ~~لهم ألقاب مشهورة ولكنا نذكر أقاويلهم : # الفرقة الأولى قالت : إن الحسن لم يمت وهو القائم ولا يجوز أن يموت ولا ~~ولد له ظاهرا لأن الأرض لا تخلو من إمام وقد ثبت عندنا أن القائم له غيبتان ~~وهذه إحدى الغيبتين وسيظهر ويعرف ثم يغيب غيبة أخرى # الثانية قالت : إن الحسن مات ولكنه يحيا وهو القائم لأن رأينا أن معنى ~~القائم هو القيام بعد الموت فنقطع بموت الحسن ولا نشك فيه ولا ولد له فيجب ~~أن يحيا بعد الموت # ( 1 \ 170 ) # الثالثة قالت : إن ms113 الحسن قد مات وأوصى إلى جعفر أخيه ورجعت الإمامة إلى جعفر # الرابعة قالت : إن الحسن قد مات والإمام جعفر وإنا كنا مخطئين في ~~الائتمام به إذ لم يكن إماما فلما مات ولا عقب له تبينا أن جعفر كان محقا ~~في دعواه والحسن مبطلا # الخامسة قالت : إن الحسن قد مات وكنا مخطئين في القول به وإن الإمام كان ~~محمد بن علي أخا الحسن وجعفر ولما ظهر لنا فسق جعفر وإعلانه به وعلمنا أن ~~الحسن كان على مثل حاله إلا أنه كان يتستر عرفنا أنهما لم يكونا إمامين ~~فرجعنا إلى محمد ووجدنا له عقبا وعرفنا أنه كان هو الإمام دون أخويه # السادسة قالت : إن الحسن كان له ابن وليس الأمر على ما ذكروا أنه مات ولم ~~يعقب بل ولد له ولد قبل وفاة أبيه بسنتين فاستتر خوفا من جعفر وغيره من ~~الأعداء واسمه محمد وهو الإمام القائم الحجة المنتظر # السابعة قالت : إن له ابنا ولكنه ولد بعد موته بثمانية أشهر # وقول من ادعى أنه مات وله ابن باطل لأن ذلك لو كان لم يخف ولا يجوز ~~مكابرة العيان # الثامنة قالت : صحت وفاة الحسن وصح أن لا ولد له وبطل ما ادعى من الحيل ~~في سرية له فثبت أن الإمام بعد الحسن غير موجود وهو جائز في المعقولات أن ~~يرفع الله الحجة عن أهل الأرض لمعاصيهم وهي فترة وزمان لا إمام فيه والأرض ~~اليوم بلا حجة كما كانت الفترة قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم # التاسعة قالت : إن الحسن قد مات وصح موته وقد اختلف الناس هذه الاختلافات ~~ولا ندري كيف هو ولا نشك أنه قد ولد له ابن ولا ندري قبل موته أو بعد موته ~~إلا أنا نعلم يقينا أن الأرض لا تخلو من حجة وهو الخلف الغائب فنحن نتولاه ~~ونتمسك به باسمه حتى يظهر بصورته # ( 1 \ 171 ) # العاشرة قالت : إن الحسن قد مات ولا بد للناس من إمام فلا تخلو الأرض من ~~حجة ولا ندري من ولده أم من ولد ms114 غيره # الحادية عشرة : فرقة توقفت في هذا التخابط وقالت : لا ندري على القطع ~~حقيقة الحال لكنا نقطع في الرضا ونقول بإمامته وفى كل موضع اختلفت الشيعة ~~فيه فنحن من الواقفة في ذلك إلى أن يظهر الله الحجة ويظهر بصورته فلا يشك ~~في إمامته من أبصره ولا يحتاج إلى معجزة وكرامة وبينة بل معجزته اتباع ~~الناس بأسرهم إياه من غير منازعة ولا مدافعة # فهذه جملة الفرق الإحدى عشرة قطعوا على كل واحد واحدا ثم قطعوا على الكل بأسرهم # ومن العجب أنهم قالوا : الغيبة قد امتدت مائتين ونيفا وخمسين سنة وصاحبنا ~~قال : إن خرج القائم وقد طعن في الأربعين فليس بصاحبكم ولسنا ندري كيف ~~تنقضي مائتان ونيف وخمسون سنة في أربعين سنة ؟ # وإذا سئل القوم عن مدة الغيبة كيف تتصور ؟ # قالوا أليس الخضر وإلياس عليهما السلام يعيشان في الدنيا من آلاف سنين لا ~~يحتاجان إلى طعام وشراب فلم لا يجوز ذلك في واحد من آل البيت ؟ # قيل لهم : ومع اختلافكم هذا كيف يصح لكم دعوى الغيبة ؟ ثم الخضر عليه ~~السلام ليس مكلفا بضمان جماعة والإمام عندكم ضامن مكلف بالهداية والعدل ~~والجماعة مكلفون بالاقتداء به والاستنان بسنته ومن لا يرى كيف يقتدى به ؟ # فلهذا صارت الإمامية متمسكين بالعدلية في الأصول وبالمشبهة في الصفات ~~متحيرين تائهين # وبين الإخبارية منهم والكلامية سيف وتكفير وكذلك بين التفضيلية والوعيدية ~~قتال وتضليل أعاذنا الله من الحيرة # ومن العجب أن القائلين بإمامة المنتظر مع هذا الاختلاف العظيم الذي بينت ~~( 1 \ 172 ) لا يستحيون فيدعون فيه أحكام الإلهية ويتأولون قوله تعالى عليه ~~: ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب ~~والشهادة ) # قالوا : هو الإمام المنتظر الذي يرد إليه علم الساعة ويدعون فيه أنه لا ~~يغيب عنا وسيخبرنا بأحوالنا حين يحاسب الخلق إلى تحكمات باردة وكلمات عن ~~العقول شاردة # لقد طفت في تلك المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم # فلم أر إلا واضعا كف حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم # أسامي الأئمة الاثنا عشر عند الإمامية ms115 : المرتضى والمجتبى والشهيد ~~والسجاد والباقر والصادق والكاظم والرضى والتقى والنقى والزكى والحجة ~~القائم المنتظر PageV01P161 ### || AUTO 4 - الغالية PageV01P172 ~~هؤلاء هم الذين غلوا في حق أئمتهم حتى أخرجوهم من حدود الخليقية وحكموا ~~فيهم بأحكام الإلهية فربما شبهوا واحدا من الأئمة بالإله وربما شبهوا الإله ~~بالخلق وهم على طرفي الغلو والتقصير # وإنما نشأت شبهاتهم من مذاهب الحلولية ومذاهب التناسخية ومذاهب اليهود ~~والنصارى إذ اليهود شبهت الخالق بالخلق والنصارى شبهت الخلق بالخالق فسرت ~~هذه الشبهات في أذهان الشيعة الغلاة حتى حكمت بأحكام الإلهية في حق بعض ~~الأئمة وكان التشبيه بالأصل والوضع في الشيعة وإنما عادت إلى بعض أهل السنة ~~بعد ذلك وتمكن الاعتزال فيهم لما رأوا أن ذلك أقرب إلى المعقول وأبعد من ~~التشبيه والحلول # وبدع الغلاة محصورة في أربع : التشبيه والبداء والرجعة والتناسخ # ولهم ( 1 \ 173 ) ألقاب وبكل بلد لقب : # فيقال بأصبهان : الخرمية والكوذية # وبالري : المزدكية والسنباذية # وبأذربيجان : الدقولية # وبموضع المحمرة وبما وراء النهر : المبيضة # وهم أحد عشر صنفا : # السبائية # أصحاب عبد الله بن سبأ الذي قال لعلي كرم الله وجهه : أنت أنت يعني أنت ~~الإله فنفاه إلى المدائن # زعموا أنه كان يهوديا فأسلم وكان في اليهودية يقول في يوشع بن نون : وصي ~~موسى عليهما السلام مثل ما قال في علي رضي الله عنه وهو أول من أظهر القول ~~بالنص بإمامة علي رضي الله عنه ومنه انشعبت أصناف الغلاة # زعم أن عليا حي لم يمت ففيه الجزء الإلهي ولا يجوز أن يستولى عليه وهو ~~الذي يجيء في السحاب والرعد صوته والبرق تبسمه وأنه سينزل إلى الأرض بعد ~~ذلك فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا # وإنما أظهر ابن سبأ هذه المقالة بعد انتقال علي رضي الله عنه واجتمعت ~~عليه جماعة وهم أول فرقة قالت بالتوقف والغيبة والرجعة # وقالت : يتناسخ الجزء الإلهي في الأئمة بعد علي رضي الله عنه # قال : وهذا المعنى مما كان يعرفه الصحابة وإن كانوا على خلاف مراده # هذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول فيه حين فقأ عين واحد ms116 بالحد في ~~الحرم ورفعت القصة إليه : ماذا أقول في يد الله فقأت عينا في حرم الله # فأطلق عمر اسم الإلهية عليه لما عرف منه ذلك # ب - الكاملية # أصحاب أبي كامل # أكفر جميع الصحابة بتركها بيعة علي رضي الله عنه وطعن في علي أيضا بتركه ~~طلب حقه ولم يعذره في القعود # قال : وكان عليه أن يخرج ويظهر الحق على أنه غلا في حقه # وكان يقول : الإمامة نور يتناسخ من شخص إلى شخص ( 1 \ 174 ) وذلك النور ~~في شخص يكون نبوة وفي شخص يكون إمامة وربما تتناسخ الإمامة فتصير نبوة # وقال بتناسخ الأرواح وقت الموت # والغلاة على أصنافها كلهم متفقون على التناسخ والحلول ولقد كان التناسخ ~~مقالة لفرقة في كل ملة تلقوها من المجوس المزدكية والهند البرهمية ومن ~~الفلاسفة الصائبة # ومذهبهم أن الله تعالى قائم بكل مكان ناطق بكل لسان ظاهر في كل شخص من ~~أشخاص البشر وذلك بمعنى الحلول # وقد يكون الحلول بجزء وقد يكون بكل # أما الحلول بجزء : فهو كإشراق الشمس في كوة أو كإشراقها على البلور # أما الحلول بكل : فهو كظهور ملك بشخص أو شيطان بحيوان # ومراتب التناسخ أربعة : النسخ والمسخ والفسخ والرسخ وسيأتي شرح ذلك عند ~~ذكر فرقهم من المجوس على التفصيل وأعلى المراتب مرتبة الملكية أو النبوة ~~وأسفل المراتب الشيطانية أو الجنية # وهذا أبو كامل كان يقول بالتناسخ ظاهرا من غير تفصيل مذهبهم # ج - العلبائية # أصحاب العلياء بن ذراع الدوسي وقال قوم : هو الأسدي وكان يفضل عليا على ~~النبي صلى الله عليه وسلم # وزعم أنه بعث محمدا يعني عليا وسماه إلها # وكان يقول بذم محمد صلى الله عليه وسلم # وزعم أنه بعث ليدعوا إلى علي فدعا إلى نفسه ويسمون هذه الفرقة الذميمة # ومنهم من قال بإلهيتهما جميعا ويقدمون عليا في أحكام الإلهية ويسمونهم ~~العينية # ومنهم من قال بإلهيتهما جميعا ويفضلون محمدا في الإلهية ويسمونهم الميمية # ومنهم من قال بإلهية لجملة أشخاص أصحاب الكساء : محمد وعلي وفاطمة والحسن ~~والحسين # وقالوا : خمستهم شيء واحد والروح حالة فيهم بالسوية لا ms117 فضل لواحد ( 1 \ ~~175 ) منهم على الآخر # وكرهوا أن يقولوا : فاطمة بالتأنيث بل قالوا : فاطم بلا هاء وفي ذلك يقول ~~بعض شعرائهم : # توليت بعد الله في الدين خمسة ... نبيا وسبطيه وشيخا وفاطما # المغيرية # أصحاب المغيرة بن سعيد العجلي # ادعى أن الإمامة بعد محمد بن علي بن الحسين في محمد النفس الزكية بن عبد ~~الله بن الحسن بن الحسن الخارج بالمدينة # وزعم أنه حي لم يمت # وكان المغيرة مولى لخالد بن عبد الله القسري وادعى الإمامة لنفسه بعد ~~الإمام محمد ( 1 \ 176 ) وبعد ذلك ادعى النبوة لنفسه واستحل المحارم وغلا ~~في حق علي رضي الله عنه غلوا لا يعتقده عاقل وزاد على ذلك قوله بالتشبيه ~~فقال : إن الله تعالى صورة وجسم ذو أعضاء على مثال حروف الهجاء وصورته صورة ~~رجل من نور على رأسه تاج من نور وله قلب تنبع منه الحكمة # وزعم أن الله تعالى لما أراد خلق العالم تكلم بالاسم الأعظم فطار فوقع ~~على رأسه تاجا # قال : وذلك قوله : ( سبح اسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى ) # ثم اطلع على أعمال العباد وقد كتبها على كفه فغضب من المعاصي فعرق فاجتمع ~~من عرقه بحران : أحدهما مالح والآخر عذب والمالح مظلم والعذب نير # ثم اطلع في البحر النير فأبصر ظله فانتزع عين ظله فخلق منها الشمس والقمر ~~وأفنى باقي ظله وقال : لا ينبغي أن يكون معي إله غيري # قال : ثم خلق الخلق كله من البحرين فخلق المؤمنون من البحر النير وخلق ~~الكفار من البحر المظلم # وخلق ظلال الناس أول ما خلق وأول ما خلق هو ظل محمد عليه الصلاة والسلام ~~وظل علي قبل خلق ظلال الكل # ثم عرض على السموات والأرض والجبال أن يحملن الأمانة وهي أن يمنعن علي بن ~~أبي طالب من الإمامة فأبين ذلك # ثم عرض ذلك على الناس فأمر عمر بن الخطاب أبا بكر أن يتحمل منعه من ذلك ~~وضمن له أن يعينه على الغدر به على شرط أن يجعل الخلافة له من بعده فقبل ~~منه وأقدما على ms118 المنع متظاهرين فذلك قوله تعالى : ( وحملها الإنسان إنه كان ~~ظلوما جهولا ) # وزعم انه نزل في حق عمر قوله تعالى كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر ~~فلما كفر قال إني بريء منك ) # ولما أن قتل المغيرة اختلف أصحابه : # فمنهم من قال بانتظاره ورجعته # ومنهم من قال بانتظار إمامة محمد كما كان يقول هو بانتظاره # وقد قال المغيرة بإمامة أبي جعفر محمد ( 1 \ 177 ) بن علي رضي الله عنهما ~~ثم غلا فيه وقال بإلهيته فتبرأ منه الباقر ولعنه # وقد قال المغيرة لأصحابه : انتظروه فإنه يرجع وجبريل وميكائيل يبايعانه ~~بين الركن والمقام # وزعم أنه يحي الموتى # المنصورية # أصحاب أبي منصور العجلي وهو الذي عزا نفسه إلى أبي جعفر محمد بن علي ~~الباقر في الأول # فلما تبرأ منه الباقر وطرده زعم أنه هو الإمام ودعا الناس إلى نفسه # ولما توفي الباقر قال : انتقلت الإمامة إلي وتظاهر بذلك # وخرجت جماعة منهم بالكوفة في بني كندة ( 1 \ 178 ) حتى وقف يوسف بن عمر ~~الثقفي وإلى العراق في أيام هشام بن عبد الملك على قصته وخبث دعوته فأخذه وصلبه # زعم أبو منصور العجلي أن عليا رضي الله عنه هو الكسف الساقط من السماء ~~وربما قال : من الكسف الساقط من السماء هو الله تعالى # وزعم حين ادعى الإمامة لنفسه أنه عرج به إلى السماء ورأى معبوده فمسح ~~بيده رأسه وقال : يا بني انزل فبلغ عني ثم أهبطه إلى الأرض فهو الكسف ~~الساقط من السماء # وزعم أيضا أن الرسل لا تنقطع أبدا والرسالة لا تنقطع # وزعم أن الجنة رجل أمرنا بموالاته وهو إمام الوقت # وأن النار رجل أمرنا بمعاداته وهو خصم الإمام # وتأول المحرمات كلها على أسماء رجال أمرنا الله تعالى بمعاداتهم وتأول ~~الفرائض على أسماء رجال أمرنا بموالاتهم # واستحل أصحابه قتل مخالفيهم وأخذ أموالهم واستحلال نسائهم وهم صنف من ~~الخرمية # وإنما مقصودهم من حمل الفرائض والمحرمات على أسماء رجال هو أن من ظفر ~~بذلك الرجل وعرفه فقد سقط عنه التكليف وارتفع الخطاب إذ قد وصل إلى الجنة ~~وبلغ ms119 الكمال # ومما أبدعه العجلي أنه قال : إن أول ما خلق الله تعالى هو عيسى بن مريم ~~عليه السلام ثم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه # والخطابية # أصحاب أبي الخطاب محمد بن أبي زينب الأسدي الأجدع مولى بني أسد # وهو الذي عزا نفسه إلى أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه # فلما وقف الصادق على غلوه الباطل في حقه تبرأ منه ولعنه وأمر أصحابه ~~بالبراءة منه وشدد القول في ذلك وبالغ في التبري منه واللعن عليه # فلما اعتزل عنه ادعى الإمامة لنفسه # زعم أبو الخطاب أن الأئمة أنبياء ثم ألهه # وقال : بإلهية جعفر بن محمد وإلهية آبائه رضي الله عنهم وهم أبناء الله ~~وأحباؤه # والإلهية نور في النبوة والنبوة نور ( 1 \ 179 ) في الإمامة ولا يخلو ~~العالم من هذه الآثار والأنوار # وزعم أن جعفرا هو الإله في زمانه وليس هو المحسوس الذي يرونه ولكن لما ~~نزل إلى هذا العالم لبس تلك الصورة فرآه الناس فيها # ولما وقف عيسى بن موسى صاحب المنصور على خبث دعوته قتله بسبخة الكوفة # وافترقت الخطابية بعده فرقا : # فزعمت فرقة أن الإمام بعد أبي الخطاب رجل يقال له معمر ودانوا به كما ~~دانوا بأبي الخطاب # وزعموا أن الدنيا لا تفنى وأن الجنة هي التي تصيب الناس من خير ونعمة ~~وعافية وأن النار هي التي تصيب الناس من شر ومشقة وبلية واستحلوا الخمر ~~والزنا وسائر المحرمات ودانوا بترك الصلاة والفرائض # وتسمى هذه الفرقة المعمرية # وزعمت طائفة أن الإمام بعد أبي الخطاب بزيغ # وكان يزعم أن جعفرا هو الإله أي ظهر الإله بصورته للخلق # وزعم أن كل مؤمن يوحى إليه من الله وتأول قول الله تعالى : ( وما كان ~~لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله أي يوحى إليه من الله وكذلك قوله تعالى : ( ~~وأوحى ربك إلى النحل ) # وزعم أن من أصحابه من هو أفضل من جبريل وميكائيل # وزعم أن الإنسان إذا بلغ الكمال لا يقال له أنه قد مات ولكن الواحد منهم ~~إذا بلغ النهاية قيل ms120 : رجع إلى الملكوت # وادعوا كلهم معاينة أمواتهم وزعموا أنهم يرونهم بكرة وعشية # وتسمى هذه الطائفة البزيغية # وزعمت طائفة أن الإمام بعد أبي الخطاب عمير بن بيان العجلي # وقالوا كما قالت الطائفة الأولى إلا أنهم اعترفوا أنهم يموتون # وكانوا قد نصبوا خيمة بكناسة الكوفة يجتمعون فيها على عبادة الصادق رضي ~~الله عنه فرفع خبرهم إلى يزيد بن عمر بن هبيرة فأخذ عميرا فصلبه في كناسة الكوفة # وتسمى هذه الطائفة العجلية والعميرية أيضا # ( 1 \ 180 ) # وزعمت طائفة أن الإمام بعد أبي الخطاب مفضل الصيرفي # وكانوا يقولون بربوبية جعفر دون نبوته ورسالته # وتسمى هذه الفرقة المفضلية # وتبرأ من هؤلاء كلهم جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنه وطردهم ولعنهم فإن ~~القوم كلهم حيارى ضالون جاهلون بحال الأئمة تائهون # ز - الكيالية # أتباع أحمد بن الكيال # وكان من دعاة واحد من أهل البيت بعد جعفر بن محمد الصادق وأظنه من الأئمة ~~المستورين ولعله سمع كلمات علمية فخلطها برأيه الفائل وفكره العاطل وأبدع ~~مقالة في كل باب علمي على قاعدة غير مسموعة ولا معقولة وربما عاند الحسن في ~~بعض المواضع # ولما وقفوا على بدعته تبرءوا منه ولعنوه وأمروا شيعتهم بمنابذته وترك ~~مخالطته ولما عرف الكيال ذلك منهم صرف الدعوة إلى نفسه وادعى الإمامة أولا ~~ثم ادعى أنه القائم ثانيا # وكان من مذهبه أن كل من قدر الآفاق على الأنفس وأمكنه أن يبين مناهج ~~العالمين أعني عالم الآفاق وهو العالم العلوي وعالم الأنفس وهو العالم ~~السفلي كان هو الإمام # وأن كل من قرر الكل في ذاته وأمكنه أن يبين كل كلي في شخصه المعين الجزئي ~~كان هو القائم # قال : ولم يجد في زمن من الأزمان أحد يقرر هذا التقرير إلا أحمد الكيال ~~فكان هو القائم # وإنما قتله من انتمى إليه أولا على بدعته ذلك أنه هو الإمام ثم القائم ~~وبقيت من مقالته في العالم تصانيف عربية وعجمية كلها مزخرفة مردودة شرعا وعقلا # قال الكيال : العوالم ثلاثة : العالم الأعلى والعالم الأدنى والعالم ~~الإنساني # وأثبت في العالم الأعلى خمسة ms121 أماكن : # الأول : مكان الأماكن وهو مكان فارغ ( 1 \ 181 ) لا يسكنه موجود ولا ~~يدبره روحاني وهو محيط بالكل # قال : والعرش الوارد في الشرع عبارة عنه # ودونه مكان النفس الأعلى # ودونه مكان النفس الناطقة # ودونه مكان النفس الإنسانية # قال : وأرادت النفس الإنسانية الصعود إلى عالم النفس الأعلى فصعدت وخرقت ~~المكانين أعني الحيوانية والناطقة فلما قربت من الوصول إلى عالم النفس ~~الأعلى كلت وانحسرت وتحيرت وتعفنت واستحالت أجزاؤها فأهبطت إلى العالم ~~السفلي ومضت عليها أكوار وأدوار وهي في تلك الحالة من العفونة والاستحالة # ثم ساحت عليها النفس الأعلى وأفاضت عليها من أنوارها جزءا فحدثت التراكيب ~~في هذا العالم وحدثت السماوات والأرض والمركبات من المعادن والنبات ~~والحيوان والإنسان ووقعت في بلايا هذه التراكيب تارة سرورا وتارة غما وتارة ~~فرحا وتارة ترحا وطورا سلامة وعافية وطورا بلية ومحنة حتى يظهر القائم ~~ويردها إلى حال الكمال وتنحل التراكيب وتبطل المتضادات ويظهر الروحاني على ~~الجسماني وما ذلك القائم إلا أحمد الكيال # ثم دل على تعيين ذاته بأضعف ما يتصور وأوهى ما يقدر وهو أن اسم أحمد ~~مطابق للعوالم الأربعة : # فالألف من اسمه في مقابلة النفس الأعلى # والحاء في مقابلة النفس الناطقة # والميم في مقابلة النفس الحيوانية # والدال في مقابلة النفس الإنسانية # قال : والعوالم الأربعة هي : المبادئ والبسائط # وأما مكان الأماكن فلا وجود فيه البتة # ثم أثبت في مقابلة العوالم العلوية العالم السفلي الجسماني # قال : فالسماء خالية وهي في مقابلة مكان الأماكن ودونها النار ودونها ~~الهواء ودونه الأرض ودونها الماء وهذه الأربعة في مقابلة العوالم الأربعة # ثم قال : الإنسان في مقابلة النار والطائر في مقابلة الهواء والحيوان في ~~مقابلة الأرض والحوت في مقابلة الماء وكذلك ما في معناه فجعل مركز الماء ~~أسفل المراكز والحوت أخس المركبات # ( 1 \ 182 ) # ثم قال : العالم الإنساني الذي هو أحد الثلاثة وهو عالم الأنفس مع آفاق ~~العالمين الأولين الروحاني والجسماني # قال : الحواس المركبة فيه خمس : # فالسمع : في مقابلة مكان الأماكن إذ هو فارغ وفي مقابلة السماء # والبصر : في مقابلة النفس الأعلى من ms122 الروحاني وفي مقابلة النار من ~~الجسماني وفيه إنسان العين لأن الإنسان مختص بالنار # والشم : في مقابلة الناطق من الروحاني والهواء من الجسماني لأن الشم من ~~الهواء يتروح ويتنسم # والذوق : في مقابلة الحيواني من الروحاني والأرض من الجسماني والحيوان ~~مختص بالأرض والطعم بالحيوان # واللمس : في مقابلة الإنساني من الروحاني والماء من الجسماني والحوت مختص ~~بالماء واللمس بالحوت وربما عبر عن اللمس بالكتابة # ثم قال : أحمد هو ألف وحاء وميم ودال وهو في مقابلة العالمين : # أما في مقابلة العالم العلوي الروحاني فقد ذكرناه # وأما في مقابلة العالم السفلي الجسماني فالألف تدل على الإنسان والحاء ~~تدل على الحيوان والميم على الطائر والدال على الحوت # فالألف من حيث استقامة القامة كالإنسان # والحاء كالحيوان لأنه معوج منكوس ولأن الحيوان من ابتداء اسم الحيوان # والميم تشبه رأس الطائر # والدال تشبه ذنب الحوت # ثم قال : إن البارئ تعالى إنما خلق الإنسان على شكل اسم أحمد : # فالقامة مثل الألف واليدان مثل الحاء والبطن مثل الميم والرجلان مثل الدال # ثم من العجب أنه قال : إن الأنبياء هم قادة أهل التقليد وأهل التقليد ~~عميان والقائم قائد أهل البصيرة وأهل البصيرة أولوا الألباب وإنما يحصلون ~~البصائر بمقابلة الآفاق والأنفس # ( 1 \ 183 ) # والمقابلة كما سمعتها من أخس المقالات وأوهى المقابلات بحيث لا يستجيز ~~عاقل أن يسمعها فكيف يرضى أن يعتقدها # وأعجب من هذا كله تأويلاته الفاسدة ومقابلاته بين الفرائض الشرعية ~~والأحكام الدينية وبين موجودات عالمي الآفاق والأنفس وادعاؤه أنه متفرد بها ~~وكيف يصح له ذلك وقد سبقه كثير من أهل العلم بتقرير ذلك لا على الوجه ~~المزيف الذي قرره الكيال وحمله الميزان على العالمين والصراط على نفسه ~~والجنة على الوصول إلى علمه من البصائر والنار على الوصول إلى ما يضاده # ولما كانت أصول علمه ما ذكرناه فانظر كيف يكون حال الفروع # ح - الهشامية # أصحاب الهشامين هشام بن الحكم صاحب المقالة في التشبيه وهشام بن سالم ~~الجواليقي الذي نسج على منواله في التشبيه # وكان هشام بن الحكم من متكلمي الشيعة وجرت بينه وبين ms123 أبي الهذيل مناظرات ~~في علم الكلام منها في التشبيه ومنها في تعلق علم الباري تعالى # حكى ابن الراوندي عن هشام أنه قال : إن بين معبوده وبين الأجسام تشابها ~~ما بوجه من الوجوه ولولا ذلك لما دلت عليه # وحكى الكعبي عنه أنه قال : هو جسم ذو أبعاض له قدر من الأقدار ولكن لا ~~يشبه شيئا من المخلوقات ولا يشبهه شيء # ونقل عنه أنه قال : هو سبعة أشبار بشبر نفسه وأنه في مكان مخصوص وجهة ~~مخصوصة وأنه يتحرك وحركته فعله وليست من مكان إلى مكان # وقال : هو متناه بالذات غير متناه بالقدرة # وحكى عنه أبو عيسى الوراق أنه قال : إن الله تعالى مماس لعرشه لا يفضل ~~منه شيء عن العرش ولا يفضل من العرش شيء عنه # ( 1 \ 184 ) # ومن مذهب هشام أنه قال : لم يزل الباري تعالى عالما بنفسه ويعلم الأشياء ~~بعد كونها بعلم لا يقال فيه أنه محدث أو قديم لأنه صفة والصفة لا توصف ولا ~~يقال فيه هو هو أو غيره أو بعضه # وليس قوله في القدرة والحياة كقوله في العلم إلا أنه لا يقول بحدوثهما # قال : ويريد الأشياء وإرادته حركة ليست هي عين الله ولا هي غيره # وقال في كلام الباري تعالى : إنه صفة للباري تعالى ولا يجوز أن يقال هو ~~مخلوق أو غير مخلوق # وقال : الأعراض لا تصلح أن تكون دلالة على الله تعالى لأن منها ما يثبت ~~استدلالا وما يستدل به على الباري تعالى يجب أن يكون ضروري الوجود لا ~~استدلالا # وقال : الاستطاعة كل ما لا يكون الفعل إلا به كالآلات والجوارح والوقت ~~والمكان # وقال هشام بن سالم : إنه تعالى على صورة إنسان أعلاه مجوف وأسفله مصمت ~~وهو نور ساطع يتلألأ وله حواس خمس ويد ورجل وأنف وأذن وفم وله وفرة سوداء ~~هي نور أسود لكنه ليس بلحم ولا دم # وقال هشام بن سالم : الاستطاعة بعض المستطيع وقد نقل عنه أنه أجاز ~~المعصية على الأنبياء مع قوله بعصمة الأئمة ويفرق بينهما بأن النبي يوحى ~~إليه فينبه على ms124 وجه الخطأ فيتوب عنه والإمام لا يوحى إليه فتجب عصمته # وغلا هشام بن الحكم في حق علي رضي الله عنه حتى قال : إنه إله واجب الطاعة # وهذا هشام بن الحكم صاحب عور في الأصول لا يجوز أن يغفل عن إلزاماته على ~~المعتزلة فإن الرجل وراء ما يلزم به على الخصم ودون ما يظهره من التشبيه # وذلك أنه ألزم العلاف فقال : إنك تقول : الباري تعالى عالم بعلم وعلمه ~~ذاته فيشارك المحدثات في أنه عالم بعلم ويباينها في أن علمه ذاته فيكون ~~عالما لا كالعالمين فلم لا تقول أنه جسم لا كالأجسام وصورة لا كالصور وله ~~قدر لا كالأقدار إلى غير ذلك # ( 1 \ 185 ) # ووافقه زرارة بن أعين في حدوث علم الله تعالى وزاد عليه بحدوث قدرته ~~وحياته وسائر صفاته وأنه لم يكن قبل حدوث هذه الصفات عالما ولا قادرا ولا ~~حيا ولا سميعا ولا بصيرا ولا مريدا ولا متكلما # وكان يقول بإمامة عبد الله بن جعفر فلما فاوضه في مسائل ولم يجده بها ~~مليا رجع إلى موسى بن جعفر # وقيل أيضا : إنه لم يقل بإمامته إلا أنه أشار إلى المصحف وقال : هذا ~~إمامي وأنه كان قد التوى على عبد الله بن جعفر بعض الالتواء # وحكي عن الزرارية أن المعرفة ضرورية وأنه لا يسع جهل الأئمة فإن معارفهم ~~كلها فطرية ضرورية وكل ما يعرفه غيرهم بالنظر فهو عندهم أولي ضروري ~~وفطرياتهم لا يدركها غيرهم # ط - النعمانية # أصحاب محمد بن النعمان أبي جعفر الأحول الملقب بشيطان الطاق وهم ~~الشيطانية أيضا # والشيعة تقول : هو مؤمن الطاق # وهو تلميذ الباقر محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم وأفضى إليه أسرارا ~~من أحواله وعلومه وما يحكى عنه من التشبيه فهو غير صحيح # قيل : وافق هشام بن الحكم في أن الله تعالى لا يعلم شيئا حتى يكون # قال شيطان الطاق وكثير من الروافض : إن الله عالم في نفسه ليس بجاهل ~~ولكنه إنما يعلم الأشياء إذا قدرها وأرادها فأما من قبل أن يقدرها ويريدها ~~فمحال أن يعلمها ms125 لا لأنه ليس بعالم ولكن الشيء لا يكون شيئا حتى يقدره ~~وينشئه بالتقدير والتقدير عنده الإرادة والإرادة فعله تعالى # ( 1 \ 186 ) # وقال : إن الله تعالى نور على صورة إنسان رباني ونفى أن يكون جسما لكنه ~~قال : قد ورد في الخبر أن الله خلق آدم على صورته وعلى صورة الرحمن فلا بد ~~من تصديق الخبر # ويحكى عن مقاتل بن سليمان مثل مقالته في الصورة وكذلك يحكى عن داود ~~الجواربي ونعيم بن حماد المصري وغيرهما من أصحاب الحديث أنه تعالى ذو صورة وأعضاء # ويحكى عن داود أنه قال : اعفوني من الفرج واللحية واسألوني عما وراء ذلك ~~فإن في الأخبار ما يثبت ذلك # وقد صنف ابن النعمان كتبا جمة للشيعة : منها افعل لم فعلت ومنها افعل لا ~~تفعل ويذكر فيها أن كبار الفرق أربعة : # الفرقة الأولى عنده القدرية # الفرقة الثانية عنده الخوارج # الفرقة الثالثة عنده العامة # الفرقة الرابعة عنده الشيعة # ثم عين الشيعة بالنجاة في الآخرة من هذه الفرق # وذكر عن هشام بن سالم ومحمد بن النعمان أنهما أمسكا عن الكلام في الله ~~ورويا عمن يوجبان تصديقه أنه سئل عن قول الله تعالى : ( وأن إلى ربك ~~المنتهى ) # قال : إذا بلغ الكلام إلى الله تعالى فأمسكوا فأمسكا عن القول في الله ~~والتفكر فيه حتى ماتا هذا نقل الوراق # ( 1 \ 187 ) # ومن جملة الشيعة # ي - اليونسية # أصحاب يونس بن عبد الرحمن القمي مولى آل يقطين # زعم أن الملائكة تحمل العرش والعرش يحمل الرب تعالى إذ قد ورد في الخبر ~~أن الملائكة تئط أحيانا من وطأة عظمة الله تعالى على العرش # وهو من مشبهة الشيعة وقد صنف لهم كتبا في ذلك # ك - النصيرية والإسحاقية # من جملة غلاة الشيعة ولهم جماعة ينصرون مذهبهم ويذبون عن أصحاب مقالاتهم # وبينهم خلاف في كيفية إطلاق اسم الإلهية على الأئمة من أهل البيت # قالوا : ظهور الروحاني بالجسد الجسماني أمر لا ينكره عاقل : # إما في جانب الخير فكظهور جبريل عليه السلام ببعض الأشخاص والتصور بصورة ~~أعرابي والتمثل بصورة البشر # وإما في جانب ms126 الشر فكظهور الشيطان بصورة إنسان حتى يعمل الشر بصورته ~~وظهور الجن بصورة بشر حتى يتكلم بلسانه فكذلك نقول : إن الله تعالى ظهر ~~بصورة أشخاص # ولما لم يكن بعد رسول الله شخص أفضل من علي رضي الله عنه ( 1 \ 188 ) ~~وبعده أولاده المخصوصون وهم خير البرية فظهر الحق بصورتهم ونطق بلسانهم ~~وأخذ بأيديهم فمن هذا أطلقنا اسم الإلهية عليهم وإنما أثبتنا هذا الاختصاص ~~لعلي رضي الله عنه دون غيره لأنه كان مخصوصا بتأييد إلهي من عند الله تعالى ~~فيما يتعلق بباطن الأسرار # قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أنا أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر ~~) وعن هذا كان قتال المشركين إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقتال المنافقين ~~إلى علي رضي الله عنه # وعن هذا شبهه بعيسى ابن مريم عليه السلام فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~: ( لولا أن يقول الناس فيك ما قالوا في عيسى ابن مريم عليه السلام لقلت ~~فيك مقالا ) # وربما أثبتوا له شركة في الرسالة إذ قال النبي عليه الصلاة والسلام : ( ~~فيكم من يقاتل على تأويله كما قاتلت على تنزيله ألا وهو خاصف النعل ) # فعلم التأويل وقتال المنافقين ومكالمة الجن وقلع باب خيبر لا بقوة ~~جسدانية من أول الدليل على أن فيه جزءا إلهيا وقوة ربانية ويكون هو الذي ~~ظهر الإله بصورته وخلق بيده وأمر بلسانه # وعن هذا قالوا : كان موجودا قبل خلق السموات والأرض # قال : كنا أظلة عن يمين العرش فسبحنا فسبحت الملائكة بتسبيحنا فتلك ~~الظلال وتلك الصور التي تنبئ عن الظلال هي حقيقته وهي مشرقة بنور الرب ~~تعالى إشراقا لا ينفصل عنها سواء كانت في هذا العالم أو في ذلك العالم # وعن هذا قال علي رضي الله عنه : أنا من أحمد كالضوء من الضوء يعني لا فرق ~~بين النورين إلا أن أحدهما سابق والثاني لاحق به تال له # قالوا : وهذا يدل على نوع الشركة # فالنصيرية أميل إلى تقرير الجزء الإلهي # والإسحاقية أميل إلى تقرير الشركة في النبوة # ولهم اختلافات كثيرة أخرى لا نذكرها # ( 1 \ 189 ) # وقد ms127 نجزت الفرق الإسلامية وما بقيت إلا فرقة الباطنية وقد أوردهم أصحاب ~~التصانيف في كتب المقالات إما خارجة عن الفرق وإما داخلة فيها وبالجملة هم ~~قوم يخالفون الاثنين والسبعين فرقة # رجال الشيعة ومصنفو كتبهم من المحدثين # فمن الزيدية : # أبو خالد الواسطي ومنصور بن الأسود وهارون بن سعد العجلي جارودية # ووكيع بن الجراح ويحيى بن آدم وعبد الله بن موسى وعلي بن صالح والفضل بن ~~دكين وأبو حنيفة بترية # وخرج محمد بن عجلان مع محمد الإمام # وخرج إبراهيم بن سعيد وعباد بن عوام ويزيد بن هارون والعلاء بن راشد ~~وهشيم بن بشير والعوام بن حوشب ومستلم بن سعيد مع إبراهيم الإمام # ومن الإمامية وسائر أصناف الشيعة : # سالم بن أبي الجعد وسالم بن أبي حفصة وسلمة بن كهيل وثوير بن أبي فاختة ~~وحبيب بن أبي ثابت وأبو المقدام وشعبة والأعمش وجابر الجعفي وأبو عبد الله ~~الجدلي وأبو إسحق السبيعي والمغيرة وطاووس والشعبي وعلقمة وهبيرة بن بريم ~~وحبة العرني والحارث الأعور # ومن مؤلفي كتبهم : # هشام بن الحكم وعلي بن منصور ويونس بن عبد الرحمن والشكال والفضل بن ~~شاذان والحسين بن أشكاب ومحمد بن عبد الرحمن وابن قبة وأبو سهل النوبختي ~~وأحمد بن يحيى الراوندي # ومن المتأخرين : أبو جعفر الطوسي # ( 1 \ 190 ) PageV01P172 ### || AUTO 5 - الإسماعيلية PageV01P190 ~~قد ذكرنا أن الإسماعيلية امتازت عن الموسوية وعن الاثنا عشرية بإثبات ~~الإمامة لإسماعيل بن جعفر وهو ابنه الأكبر المنصوص عليه في بدء الأمر # قالوا : ولم يتزوج الصادق رضي الله عنه على أمه بواحدة من النساء ولا ~~تسرى بجارية كسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق خديجة رضي الله عنها ~~وكسنة علي رضي الله عنه في حق فاطمة رضي الله عنها # وقد ذكرنا اختلافاتهم في موته في حال حياة أبيه : # فمنهم من قال : إنه مات وإنما فائدة النص عليه انتقال الإمامة منه إلى ~~أولاده خاصة كما نص موسى على هارون عليهما السلام ثم مات هارون في حال حياة ~~أخيه وإنما فائدة النص انتقال الإمامة منه إلى أولاده فإن النص ms128 لا يرجع ~~قهقرى والقول بالبداء محال ولا ينص الإمام على واحد من أولاده إلا بعد ~~السماع من آبائه والتعيين لا يجوز على الإبهام والجهالة # ومنهم من قال : إنه لم يمت ولكنه أظهر موته تقية عليه حتى لا يقصد بالقتل # ولهذا القول دلالات : # منها أن محمدا كان صغيرا وهو أخوه لأمه مضى إلى السرير الذي كان إسماعيل ~~نائما عليه ورفع الملاءة فأبصره وقد فتح عينيه فعاد إلى أبيه مفزعا وقال : ~~عاش أخي عاش أخي # قال والده : إن أولاد الرسول عليه الصلاة والسلام كذا تكون حالهم في الآخرة # قالوا : ومنها السبب في الإشهاد على موته وكتب المحضر عنه ولم نعهد ميتا ~~سجل على موته # وعن هذا لما رفع إلى المنصور أن إسماعيل بن جعفر رئي بالبصرة وقد مر على ~~مقعد فدعا له فبرئ بإذن الله تعالى بعث المنصور إلى الصادق أن إسماعيل بن ~~جعفر في الأحياء وأنه رئي بالبصرة أنفذ السجل إليه وعليه شهادة عامله ~~بالمدينة # ( 1 \ 191 ) # قالوا : وبعد إسماعيل محمد بن إسماعيل السابع التام وإنما تم دور السبعة ~~به ثم ابتدئ منه بالأئمة المستورين الذين كانوا يسيرون في البلاد سرا ~~ويظهرون الدعاة جهرا # قالوا : ولن تخلو الأرض قط من إمام حي قائم إما ظاهر مكشوف وإما باطن مستور # فإذا كان الإمام ظاهرا جاز أن يكون حجته مستورا # وإذا كان الإمام مستورا فلا بد أن يكون حجته ودعاته ظاهرين # وقالوا : إن الأئمة تدور أحكامهم على سبعة سبعة كأيام الأسبوع والسموات ~~السبع والكواكب السبعة والنقباء تدور أحكامهم على اثني عشر # قالوا : وعن هذا وقعت الشبهة للإمامية القطعية حيث قرروا عدد النقباء للأئمة # ثم بعد الأئمة المستورين كان ظهور المهدي بالله والقائم بأمر الله ~~وأولادهم نصا بعد نص على إمام بعد إمام # ومن مذهبهم أن من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية وكذلك من مات ~~ولم يكن في عنقه بيعة إمام مات ميتة جاهلية # ولهم دعوة في كل زمان ومقالة جديدة بكل لسان فنذكر مقالاتهم القديمة ~~ونذكر بعدها دعوة صاحب الدعوة ms129 الجديدة # وأشهر ألقابهم الباطنية وإنما لزمهم هذا اللقب لحكمهم بأن لكل ظاهر باطنا ~~ولكل تنزيل تأويلا # ولهم ألقاب كثيرة سوى هذه على لسان قوم قوم : # فبالعراق : يسمون الباطنية والقرامطة والمزدكية # وبخراسان : التعليمية والملحدة # وهم يقولون : نحن الإسماعيلية لأننا تميزنا عن فرق الشيعة بهذا الاسم ~~وهذا الشخص # ثم إن الباطنية القديمة قد خلطوا كلامهم ببعض كلام الفلاسفة وصنفوا كتبهم ~~( 1 \ 192 ) على هذا المنهاج فقالوا في الباري تعالى : إنا لا نقول هو ~~موجود ولا لا موجود ولا عالم ولا جاهل ولا قادر ولا عاجز # وكذلك في جميع الصفات : فإن الإثبات الحقيقي يقتضي شركة بينه وبين سائر ~~الموجودات في الجهة التي أطلقنا عليه وذلك تشبيه فلم يكن الحكم بالإثبات ~~المطلق والنفي المطلق بل هو إله المتقابلين وخالق المتخاصمين والحاكم بين ~~المتضادين # ونقلوا في هذا نصا عن محمد بن علي الباقر أنه قال : لما وهب العلم ~~للعالمين قيل هو عالم ولما وهب القدرة للقادرين قيل هو قادر فهو عالم قادر ~~بمعنى أنه وهب العلم والقدرة لا بمعنى أنه قام به العلم والقدرة أو وصف ~~بالعلم والقدرة # فقيل فيهم : إنهم نفاة الصفات حقيقة معطلة الذات عن جميع الصفات # قالوا : وكذلك نقول في القدم أنه ليس بقديم ولا محدث بل القديم أمره ~~وكلمته والمحدث خلقه وفطرته # أبدع بالأمر العقل الأول الذي هو تام بالفعل ثم بتوسطه أبدع النفس التالي ~~الذي هو غير تام # ونسبة النفس إلى العقل : # إما نسبة النطفة إلى تمام الخلقة والبيض إلى الطير # وإما نسبة الولد إلى الوالد والنتيجة إلى المنتج # وإما نسبة الأنثى إلى الذكر والزوج إلى الزوج # قالوا : ولما اشتاقت النفس إلى كمال العقل احتاجت إلى حركة من النقص إلى ~~الكمال واحتاجت الحركة إلى آلة الحركة فحدثت الأفلاك السماوية وتحركت حركة ~~دورية بتدبير النفس وحدثت الطبائع البسيطة بعدها وتحركت حركة استقامة ~~بتدبير النفس أيضا فتركبت المركبات من المعادن والنبات والحيوان والإنسان ~~واتصلت النفوس الجزئية بالأبدان وكان نوع الإنسان متميزا عن سائر الموجودات ~~بالاستعداد الخاص لفيض تلك الأنوار وكان عالمه في ms130 مقابلة العالم كله # وفي العالم العلوي عقل ونفس كلي فوجب أن يكون في هذا العالم عقل مشخص هو ~~كل وحكمه حكم الشخص الكامل البالغ ويسمونه الناطق وهو النبي ونفس ( 1 \ 193 ~~) مشخصة وهو كل أيضا وحكمه حكم الطفل الناقص المتوجه إلى الكمال أو حكم ~~النطفة المتوجهة إلى التمام أو حكم الأنثى المزدوجة بالذكر ويسمونه الأساس ~~وهو الوصي # قالوا : وكما تحركت الأفلاك والطبائع بتحريك النفس والعقل كذلك تحركت ~~النفوس والأشخاص بالشرائع بتحريك النبي والوصي في كل زمان دائرا على سبعة ~~سبعة حتى ينتهي إلى الدور الأخير ويدخل زمان القيامة وترتفع التكاليف ~~وتضمحل السنن والشرائع # إنما هذه الحركات الفلكية والسنن الشرعية لتبلغ النفس إلى حال كمالها ~~وكمالها بلوغها إلى درجة العقل واتحادها به ووصولها إلى مرتبته فعلا وذلك ~~هو القيامة الكبرى فتنحل تراكيب الأفلاك والعناصر والمركبات وتنشق السماء ~~وتتناثر الكواكب وتبدل الأرض غير الأرض وتطوى السماء كطي السجل للكتاب ~~المرقوم وفيه يحاسب الخلق ويتميز الخير عن الشر والمطيع عن العاصي وتتصل ~~جزئيات الحق بالنفس الكلي وجزئيات الباطل بالشيطان المضل المبطل فمن وقت ~~الحركة إلى وقت السكون هو المبدأ ومن وقت السكون إلى ما لا نهاية له هو الكمال # ثم قالوا : ما من فريضة وسنة وحكم من الأحكام الشرعية من بيع وإجارة وهبة ~~ونكاح وطلاق وجراح وقصاص ودية إلا وله وزان من العالم عددا في مقابلة عدد ~~وحكما في مطابقة حكم فإن الشرائع عوالم روحانية أمرية والعوالم شرائع ~~جسمانية خلقية وكذلك التركيبات في الحروف والكلمات على وزان التركيبات في ~~الصور والأجسام والحروف المفردة نسبتها إلى المركبات من الكلمات كالبسائط ~~المجردة إلى المركبات من الأجسام ولكل حرف وزان في العالم وطبيعة يخصها ~~وتأثير من حيث تلك الخاصية في النفوس فعن هذا صارت العلوم المستفادة من ~~الكلمات التعليمية غذاء للنفوس كما صارت الأغذية المستفادة من الطبائع ~~الخلقية غذاء للأبدان وقد قدر الله تعالى أن يكون ( 1 \ 194 ) غذاء كل ~~موجود مما خلق منه فعلى هذا الوزان صاروا إلى ذكر أعداد الكلمات والآيات ~~وأن التسمية مركبة ms131 من سبعة واثني عشر وأن التهليل مركب من أربع كلمات في ~~إحدى الشهادتين وثلاث كلمات في الشهادة الثانية وسبع قطع في الأولى وست في ~~الثانية واثني عشر حرفا في الأولى واثني عشر حرفا في الثانية وكذلك في كل آية # أمكنهم استخراج ذلك مما لا يعمل العاقل فكرته فيه إلا ويعجز عن ذلك خوفا ~~من مقابلته بضده وهذه المقابلات كانت طريقة أسلافهم قد صنفوا فيها كتبا ~~ودعوا الناس إلى إمام في كل زمان يعرف موازنات هذه العلوم ويهتدي إلى مدارج ~~هذه الأوضاع والرسوم # ثم إن أصحاب الدعوة الجديدة تنكبوا هذه الطريقة حين أظهر الحسن بن محمد ~~بن الصباح دعوته وقصر على الإلزامات كلمته واستظهر بالرجال وتحصن بالقلاع # وكان بدء صعوده على قلعة الموت في شهر شعبان سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة ~~وذلك بعد أن هاجر إلى بلاد إمامه وتلقى منه كيفية الدعوة لأبناء زمانه فعاد ~~ودعا الناس أول دعوة إلى تعيين إمام صادق قائم في كل زمان وتمييز الفرقة ~~الناجية عن سائر الفرق بهذه النكتة وهي أن لهم إماما وليس لغيرهم إمام ~~وإنما تعود خلاصة كلامه بعد ترديد القول فيه عودا على بدء بالعربية ~~والعجمية إلى هذا الحرف # ونحن ننقل ما كتبه بالعجمية إلى العربية ولا معاب على الناقل والموفق من ~~اتبع الحق واجتنب الباطل والله الموفق والمعين # فنبدأ بالفصول الأربعة التي ابتدأ بها دعوته وكتبها عجمية فعربتها : # الأول : قال : للمفتي في معرفة الله تعالى أحد قولين : # إما أن يقول : اعرف الباري تعالى بمجرد العقل والنظر من احتياج إلى تعليم معلم # وإما أن يقول : لا طريق إلى المعرفة مع العقل والنظر إلا بتعليم معلم # قال : ومن أفتى بالأول فليس له الإنكار على عقل غيره ونظره فإنه متى أنكر ~~فقد علم والإنكار تعليم ودليل على أن المنكر عليه محتاج إلى غيره # قال : والقسمان ضروريان لأن الإنسان إذا أفتى بفتوى أو قال قولا فإما أن ~~يعتقده من نفسه أو من غيره # ( 1 \ 195 ) # هذا هو الفصل الأول وهو كسر على أصحاب الرأي والعقل # وذكر ms132 في الفصل الثاني أنه إذا ثبت الاحتياج إلى معلم أفيصلح كل معلم على ~~الإطلاق أم لا بد من معلم صادق ؟ # قال : ومن قال أنه يصلح كل معلم ما ساغ له الإنكار على معلم خصمه وإذا ~~أنكر فقد سلم أنه لا بد من معلم صادق معتمد # قيل : وهذا كسر على أصحاب الحديث # وذكر في الفصل الثالث أنه إذا ثبت الاحتياج إلى معلم صادق أفلا بد من ~~معرفة المعلم أولا والظفر به ثم التعلم منه أم جاز التعلم من كل معلم من ~~غير تعيين شخصه وتبيين صدقه ؟ # والثاني رجوع إلى الأول ومن لم يمكنه سلوك الطريق إلا بمقدم ورفيق ~~فالرفيق ثم الطريق وهو كسر على الشيعة # وذكر في الفصل الرابع أن الناس فرقتان : # فرقة قالت : نحن نحتاج في معرفة الباري تعالى إلى معلم صادق ويجب تعيينه ~~وتشخيصه أولا ثم التعلم منه # وفرقة أخذت في كل علم من معلم وغير معلم # وقد تبين بالمقدمات السابقة أن الحق مع الفرقة الأولى فرئيسهم يجب أن ~~يكون رئيس المحقين # وإذ تبين أن الباطل مع الفرقة الثانية فرؤساؤهم يجب أن يكونوا رؤساء ~~المبطلين # قال : وهذه الطريقة هي التي عرفنا بها المحق بالحق معرفة مجملة ثم نعرف ~~بعد ذلك الحق بالمحق معرفة مفصلة حتى لا يلزم دوران المسائل وإنما عني ~~بالحق ههنا الاحتياج وبالمحق المحتاج إليه # وقال : بالاحتياج عرفنا الإمام وبالإمام عرفنا مقادير الاحتياج كما ~~بالجواز عرفنا الوجوب أي واجب الوجود وبه عرفنا مقادير الجواز في الجائزات # قال : والطريق إلى التوحيد كذلك حذو القذة بالقذة # ثم ذكر فصولا في تقرير مذهبه : إما تمهيدا وإما كسرا على المذاهب وأكثرها ~~كسر وإلزام واستدلال بالاختلاف على البطلان وبالاتفاق على الحق # ( 1 \ 196 ) # منها فصل الحق والباطل : الصغير والكبير يذكر أن في العالم حقا وباطلا ثم ~~يذكر أن علامة الحق هي الوحدة وعلامة الباطل هي الكثرة وأن الوحدة مع ~~التعليم والكثرة مع الرأي والتعليم مع الجماعة والجماعة مع الإمام والرأي ~~مع الفرق المختلفة وهي مع رؤسائهم # وجعل الحق والباطل والتشابه بينهما من ms133 وجه والتمايز بينهما من وجه ~~والتضاد في الطرفين والترتب في أحد الطرفين ميزانا يزن به جميع ما يتكلم فيه # قال : وإنما أنشأت هذا الميزان من كلمة الشهادة وتركيبها من النفي ~~والإثبات أو النفي والاستثناء # قال : فما هو مستحق النفي باطل وما هو مستحق الإثبات حق ووزن بذلك الخير ~~والشر والصدق والكذب وسائر المتضادات # ونكتته أن يرجع في كل مقالة وكلمة إلى إثبات المعلم وأن التوحيد هو ~~التوحيد والنبوة معا حتى يكون توحيدا وأن النبوة هي النبوة والإمامة معا ~~حتى تكون نبوة وهذا هو منتهى كلامه # وقد منع العوام من الخوض في العلوم وكذلك الخواص عن مطالعة الكتب ~~المتقدمة إلا من عرف كيفية الحال في كل كتاب ودرجة الرجال في كل علم # ولم يتعد بأصحابه في الإلهيات عن قوله : إن إلهنا إله محمد # قال : وأنتم تقولون إلهنا إله العقول أي ما هدي إليه عقل كل عاقل # فإن قيل لواحد منهم : ما تقول في الباري تعالى وأنه هل هو واحد أم كثير ~~عالم أم لا قادر أم لا ؟ # لم يجب إلا بهذا القدر : إن إلهي إله محمد وهو الذي أرسل رسوله بالهدى ~~ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون والرسول هو الهادي إليه # وكم قد ناظرت القوم على المقدمات المذكورة فلم يتخطوا عن قولهم : أفنحتاج ~~إليك أو نسمع هذا منك أو نتعلم عنك ؟ # ( 1 \ 197 ) # وكم قد ساهلت القوم في الاحتياج وقلت : أين المحتاج إليه وأي شيء يقرره ~~لي في الإلهيات وماذا يرسم لي في المعقولات إذ المعلم لا يعني لعينه وإنما ~~يعني ليعلم وقد سددتم باب العلم وفتحتم باب التسليم والتقليد وليس يرضى ~~عاقل بأن يعتقد مذهبا على غير بصيرة وأن يسلك طريقا من غير بينة # وإن كانت مبادئ الكلام تحكيمات وعواقبها تسليمات فلا وربك لا يؤمنون حتى ~~يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما PageV01P190 ### || AUTO الفصل السابع : أهل الفروع PageV01P197 ~~المختلفون في الأحكام الشرعية والمسائل الاجتهادية # اعلم أن أصول الاجتهاد وأركانه أربعة ms134 : الكتاب والسنة والإجماع والقياس # وربما تعود إلى اثنين # وإنما تلقوا صحة هذه الأركان وانحصارها من إجماع الصحابة رضي الله عنهم ~~وتلقوا أصل الاجتهاد والقياس وجوازه منهم أيضا # فإن العلم قد حصل بالتواتر أنهم إذا وقعت لهم حادثة شرعية من حلال أو ~~حرام فزعوا إلى الاجتهاد وابتدءوا بكتاب الله تعالى فإن وجدوا فيه نصا أو ~~ظاهرا فزعوا إلى السنة فإن روي لهم في ذلك خبر أخذوا به ونزلوا على حكمه ~~وإن لم يجدوا الخبر فزعوا إلى الاجتهاد # فكانت أركان الاجتهاد عندهم اثنين أو ثلاثة # ( 1 \ 198 ) # ولنا بعدهم أربعة إذ وجب علينا الأخذ بمقتضى إجماعهم واتفاقهم والجري على ~~مناهج اجتهادهم # وربما كان إجماعهم على حادثة إجماعا اجتهاديا وربما كان إجماعا مطلقا لم ~~يصرح فيه باجتهاد وعلى الوجهين جميعا فالإجماع حجة شرعية لإجماعهم على ~~التمسك بالإجماع # ونحن نعلم أن الصحابة رضي الله عنهم الذين هم الأئمة الراشدون لا يجتمعون ~~على ضلال وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا تجتمع أمتي على ضلالة ) # ولكن الإجماع لا يخلو عن نص خفي أو جلي قد اختصه لأنا على القطع نعلم أن ~~الصدر الأول لا يجمعون على أمر إلا عن تثبت وتوقيف : # فإما أن يكون ذلك النص في نفس الحادثة التي اتفقوا على حكمها من غير بيان ~~ما يستند إليه حكمها # وإما أن يكون النص في أن الإجماع حجة ومخالفة الإجماع بدعة # وبالجملة مستند الإجماع نص خفي أو جلي لا محالة وإلا فيؤدي إلى إثبات ~~الأحكام المرسلة # ومستند الاجتهاد والقياس هو الإجماع وهو أيضا مستند إلى نص مخصوص في جواز ~~الاجتهاد # فرجعت الأصول الأربعة في الحقيقة إلى اثنين وربما ترجع إلى واحد وهو قول ~~الله تعالى # وبالجملة نعلم قطعا ويقينا أن الحوادث والوقائع في العبادات والتصرفات ~~مما لا يقبل الحصر والعد ونعلم قطعا أيضا أنه لم يرد في كل حادثة نص ولا ~~يتصور ذلك أيضا # والنصوص إذا كانت متناهية والوقائع غير متناهية وما لا يتناهى لا يضبطه ~~ما يتناهى علم قطعا أن الاجتهاد والقياس واجب ms135 الاعتبار حتى يكون بصدد كل ~~حادثة اجتهاد # ثم لا يجوز أن يكون الاجتهاد مرسلا خارجا عن ضبط الشرع فإن القياس المرسل ~~شرع آخر وإثبات حكم من غير مستند وضع آخر والشارع هو الواضع للأحكام فيجب ~~على المجتهد أن لا يعدل في اجتهاده عن هذه الأركان # ( 1 \ 199 ) # ب - وشرائط الاجتهاد خمسة : # معرفة قدر صالح من اللغة : بحيث يمكنه فهم لغات العرب والتمييز بين ~~الألفاظ الوضعية والاستعارية والنص والظاهر والعام والخاص والمطلق والمقيد ~~والمجمل والمفصل وفحوى الخطاب ومفهوم الكلام وما يدل على مفهومه بالمطابقة ~~وما يدل بالتضمن وما يدل بالاستتباع # فإن هذه المعرفة كالآلة التي بها يحصل الشيء ومن لم يحكم الآلة والأداة ~~لم يصل إلى تمام الصنعة # ثم معرفة تفسير القرآن : خصوصا ما يتعلق بالأحكام وما ورد من الأخبار في ~~معاني الآيات وما رئي من الصحابة المعتبرين كيف سلكوا مناهجها وأي معنى ~~فهموا من مدارجها # ولو جهل تفسير سائر الآيات التي تتعلق بالمواعظ والقصص قيل : لم يضره ذلك ~~في الاجتهاد فإن من الصحابة من كان لا يدري تلك المواعظ ولم يتعلم بعد جميع ~~القرآن وكان من أهل الاجتهاد # ثم معرفة الأخبار : بمتونها وأسانيدها والإحاطة بأحوال النقلة والرواة ~~عدولها وثقلها ومطعونها ومردودها والإحاطة بالوقائع الخاصة فيها وما هو عام ~~ورد في حادثة خاصة وما هو خاص عمم في الكل حكمه ثم الفرق بين الواجب والندب ~~والإباحة والحظر والكراهة حتى لا يشذ عنه وجه من هذه الوجوه ولا يختلط عليه ~~باب بباب # ثم معرفة مواقع إجماع الصحابة والتابعين وتابعي التابعين من السلف ~~الصالحين : حتى لا يقع اجتهاده في مخالفة الإجماع # ثم التهدي إلى مواضع الأقيسة وكيفية النظر والتردد فيها من طلب أصل أولا ~~ثم طلب معنى مخيل يستنبط منه فيعلق الحكم عليه أو شبه يغلب على الظن فيلحق ~~الحكم به # فهذه خمسة شرائط لا بد من مراعاتها حتى يكون المجتهد مجتهدا واجب الاتباع ~~( 1 \ 200 ) والتقليد في حق العامي وإلا فكل حكم لم يستند إلى قياس واجتهاد ~~مثل ما ذكرنا فهو مرسل ms136 مهمل # قالوا : فإذا حصل المجتهد هذه المعارف ساغ له الاجتهاد ويكون الحكم الذي ~~أدى إليه اجتهاده سائغا في الشرع ووجب على العامي تقليده والأخذ بفتواه # وقد استفاض الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما بعث معاذا إلى ~~اليمن قال : يا معاذ بم تحكم ؟ # قال : بكتاب الله # قال : فإن لم تجد ؟ # قال : فبسنة رسول الله # قال : فإن لم تجد ؟ # قال : اجتهد برأيي # فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لما ~~يرضاه ) # وقد روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : لما ~~بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم قاضيا إلى اليمن قلت : يا رسول الله ~~كيف أقضي بين الناس وأنا حديث السن ؟ # فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده على صدري وقال : ( اللهم اهد ~~قلبه وثبت لسانه ) # فما شككت بعد ذلك في قضاء بين اثنين PageV01P197 ~~1 - أحكام المجتهدين في الأصول والفروع # ثم اختلف أهل الأصول في تصويب المجتهدين في الأصول والفروع : # فعامة أهل الأصول على أن الناظر في المسائل الأصولية والأحكام العقلية ~~اليقينية القطعية يجب أن يكون متعين الإصابة فالمصيب فيها واحد بعينه ولا ~~يجوز أن يختلف المختلفان في حكم عقلي حقيقة الاختلاف بالنفي والإثبات على ~~شرط التقابل المذكور بحيث ينفي أحدهما ما يثبته الآخر بعينه من الوجه الذي ~~يثبته في الوقت الذي يثبته إلا وأن يقتسما الصدق والكذب والحق والباطل سواء ~~كان الاختلاف بين أهل الأصول في الإسلام أو بين أهل الإسلام وبين أهل الملل ~~والنحل الخارجة عن الإسلام # فإن المختلف فيه لا يحتمل توارد الصدق والكذب والصواب والخطأ عليه في ~~حالة واحدة وهو مثل قول أحد المخبرين : زيد في هذه ( 1 \ 201 ) الدار في ~~هذه الساعة وقول الثاني : ليس زيد في هذه الدار في هذه الساعة # فإنا نعلم قطعا أن أحد المخبرين صادق والآخر كاذب لأن المخبر عنه لا ~~يحتمل اجتماع الحالتين فيه معا فيكون زيد في الدار ولا يكون في الدار # لعمري قد يختلف المختلفان ms137 في حكم عقلي في مسألة ويكون محل الاختلاف ~~مشتركا وشرط تقابل القضيتين نافذا فحينئذ يمكن أن يصوب المتنازعان ويرتفع ~~النزاع بينهما برفع الاشتراك أو يعود النزاع إلى أحد الطرفين # مثال ذلك المختلفان في مسألة الكلام ليسا يتواردان على معنى واحد بالنفي ~~والإثبات فإن الذي قال : هو مخلوق أراد به أن الكلام هو الحروف والأصوات في ~~اللسان والرقوم والكلمات في الكتابة قال : وهذا مخلوق # والذي قال : ليس بمخلوق لم يرد به الحروف والرقوم وإنما أراد به معنى آخر ~~فلم يتنازع في الخلق على معنى واحد # وكذلك في مسألة الرؤية : # فإن النافي قال : الرؤية إنما هي اتصال شعاع بالمرئي وهو لا يجوز في حق ~~الباري تعالى # والمثبت قال : الرؤية إدراك أو علم مخصوص ويجوز تعلقه بالباري تعالى فلم ~~يتوارد النفي والإثبات على معنى واحد إلا إذا رجع الكلام إلى إثبات حقيقة ~~الرؤية فيتفقان أولا على أنها ما هي ثم يتكلمان نفيا وإثباتا # وكذلك في مسألة الكلام يرجعان إلى إثبات ماهية الكلام ثم يتكلمان نفيا ~~وإثباتا وإلا فيمكن أن تصدق القضيتان # وقد صار أبو الحسن العنبري إلى أن كل مجتهد ناظر في الأصول مصيب لأنه أدى ~~ما كلف به من المبالغة في تسديد النظر في المنظور فيه وإن كان متعينا نفيا ~~وإثباتا إلا أنه أصاب من وجه # وإنما ذكر هذا في الإسلاميين من الفرق وأما الخارجون عن الملة فقد تقررت ~~النصوص والإجماع على كفرهم وخطئهم وكان سياق مذهبه يقتضي تصويب كل مجتهد ~~على الإطلاق إلا أن النصوص والإجماع صدته عن تصويب كل ناظر وتصديق كل قائل # ( 1 \ 202 ) # وللأصوليين خلاف في تكفير أهل الأهواء مع قطعهم بأن المصيب واحد بعينه ~~لأن التكفير حكم شرعي والتصويب حكم عقلي فمن مبالغ متعصب لمذهبه كفر وضلل ~~مخالفه ومن متساهل متألف لم يكفر # ومن كفر قرن كل مذهب ومقالة بمقالة واحد من أهل الأهواء والملل كتقرين ~~القدرية بالمجوس وتقرين المشبه باليهود وتقرين الرافضة بالنصارى وأجرى حكم ~~هؤلاء فيهم من المناكحة وأكل الذبيحة # ومن تساهل ولم يكفر قضى ms138 بالتضليل وحكم بأنهم هلكى في الآخرة # واختلفوا في اللعن على حسب اختلافهم في التكفير والتضليل # وكذلك من خرج على الإمام الحق بغيا وعدوانا : # فإن كان صدر خروجه عن تأول واجتهاد سمي باغيا مخطئا ثم البغي هل يوجب ~~اللعن : # فعند أهل السنة : إذا لم يخرج بالبغي عن الإيمان لم يستوجب اللعن # وعند المعتزلة : يستحق اللعن بحكم فسقه والفاسق خارج عن الإيمان # وإن كان صدر خروجه عن البغي والحسد والمروق عن الدين فإجماع المسلمين ~~استحق اللعن باللسان والقتل بالسيف والسنان # أما المجتهدون في الفروع فاختلفوا في الأحكام الشرعية من الحلال والحرام # ومواقع الاختلاف مظان غلبات الظنون بحيث يمكن تصويب كل مجتهد فيها وإنما ~~يبتني ذلك على أصل وهو أنا نبحث : هل لله تعالى حكم في كل حادثة أم لا ؟ # فمن الأصوليين من صار إلى أن لا حكم لله تعالى في الوقائع المجتهد فيها ~~حكما بعينه قبل الاجتهاد من جواز وحظر وحلال وحرام وإنما حكمه تعالى ما أدى ~~إليه اجتهاد المجتهد وأن هذا الحكم منوط بهذا السبب فما لم يوجد السبب لم ~~يثبت الحكم خصوصا على ( 1 \ 203 ) مذهب من قال أن الجواز والحظر لا يرجعان ~~إلى صفات في الذات وإنما هي راجعة إلى أقوال الشارع : افعل لا تفعل وعلى ~~هذا المذهب كل مجتهد مصيب في الحكم # ومن الأصوليين من صار إلى أن لله تعالى في كل حادثة حكما بعينه قبل ~~الاجتهاد من جواز وحظر بل وفي كل حركة يتحرك بها الإنسان حكم تكليف من ~~تحليل وتحريم وإنما يرتاده المجتهد بالطلب والاجتهاد إذ الطلب لا بد له من ~~مطلوب والاجتهاد يجب أن يكون من شيء إلى شيء فالطلب المرسل لا يعقل ولهذا ~~يتردد المجتهد بين النصوص والظواهر والعمومات وبين المسائل المجمع عليها ~~فيطلب الرابطة المعنوية أو التقريب من حيث الأحكام والصور حتى يثبت في ~~المجتهد فيه مثل ما يلفيه في المتفق عليه ولو لم يكن له مطلوب معين كيف يصح ~~منه الطلب على هذا الوجه ؟ فعلى هذا المذهب المصيب واحد من المجتهدين في ms139 ~~الحكم المطلوب وإن كان الثاني معذورا نوع عذر إذ لم يقصر في الاجتهاد # ثم هل يتعين المصيب أم لا ؟ # فأكثرهم على أنه لا يتعين فالمصيب واحد لا بعينه # ومن الأصوليين من فصل الأمر فيه : # فقال : ينظر في المجتهد فيه : # فإن كانت مخالفة النص ظاهرة في واحد من المجتهدين فهو المخطئ بعينه خطأ ~~لا يبلغ تضليلا والمتمسك بالخبر الصحيح والنص الظاهر مصيب بعينه # وان لم تكن مخالفة النص ظاهرة فلم يكن مخطئا بعينه بل كل واحد منهما مصيب ~~في اجتهاده وأحدهما مصيب في الحكم لا بعينه # هذه جملة كافية في أحكام المجتهدين في نوعي الأصول والفروع والمسألة ~~مشكلة والقضية معضلة # ( 1 \ 204 ) PageV01P200 ~~2 - حكم الاجتهاد والتقليد والمجتهد والمقلد # ثم الاجتهاد من فروض الكفايات لا من فروض الأعيان إذا اشتغل بتحصيله واحد ~~سقط الفرض عن الجميع وإن قصر فيه أهل عصر عصوا بتركه وأشرفوا على خطر عظيم ~~فإن الأحكام الشرعية الاجتهادية إذا كانت مترتبة على الاجتهاد ترتب المسبب ~~على السبب ولم يوجد السبب كانت الأحكام عاطلة والآراء كلها فائلة فلا بد ~~إذا من مجتهد # وإذا اجتهد المجتهدان وأدى اجتهاد كل واحد منهما إلى خلاف ما أدى إليه ~~اجتهاد الآخر فلا يجوز لأحدهما تقليد الآخر # وكذلك إذا اجتهد مجتهد واحد في حادثة وأدى اجتهاده إلى جواز أو حظر ثم ~~حدثت تلك الحادثة بعينها في وقت آخر فلا يجوز له أن يأخذ باجتهاده الأول إذ ~~يجوز أن يبدو له في الاجتهاد الثاني ما أغفله في الاجتهاد الأول # وأما العامي فيجب عليه تقليد المجتهد إنما مذهبه فيما يسأله مذهب من ~~يسأله عنه هذا هو الأصل # إلا أن علماء الفريقين لم يجوزوا أن يأخذ العامي الحنفي إلا بمذهب أبي ~~حنيفة والعامي الشافعي إلا بمذهب الشافعي لأن الحكم بأن لا مذهب للعامي وأن ~~مذهبه مذهب المفتي يؤدي إلى خلط وخبط فلهذا لم يجوزوا ذلك # وإذا كان مجتهدان في بلد اجتهد العامي فيهما حتى يختار الأفضل والأورع ~~ويأخذ بفتواه # وإذا أفتى المفتي على مذهبه وحكم به قاض من ms140 القضاة على مقتضى فتواه ثبت ~~الحكم على المذاهب كلها وكان القضاء إذا اتصل بالفتوى ألزم الحكم كالقبض ~~مثلا إذا اتصل بالعقد # ثم العامي بأي شيء يعرف أن المجتهد قد وصل إلى حد ( 1 \ 205 ) الاجتهاد ~~وكذلك المجتهد نفسه متى يعرف أنه قد استكمل شرائط الاجتهاد ؟ ففيه نظر # ومن أصحاب الظاهر مثل داود الأصفهاني وغيره من لم يجوز القياس والاجتهاد ~~في الأحكام # وقال : الأصول هي الكتاب والسنة والإجماع فقط ومنع أن يكون القياس أصلا ~~من الأصول وقال : إن أول من قاس إبليس وظن أن القياس أمر خارج عن مضمون ~~الكتاب والسنة ولم يدر أنه طلب حكم الشرع من مناهج الشرع ولم تنضبط قط ~~شريعة من الشرائع إلا باقتران الاجتهاد بها لأن من ضرورة الانتشار في ~~العالم الحكم بأن الاجتهاد معتبر وقد رأينا الصحابة رضي الله عنهم كيف ~~اجتهدوا وكم قاسوا خصوصا في مسائل المواريث من توريث الأخوة مع الجد وكيفية ~~توريث الكلالة وذلك مما لا يخفى على المتدبر لأحوالهم PageV01P204 ~~3 - أصناف المجتهدين # ثم المجتهدون من أئمة الأمة محصورون في صنفين لا يعدوان إلى ثالث : # أصحاب الحديث وأصحاب الرأي # أصحاب الحديث : # وهم أهل الحجاز هم أصحاب مالك بن أنس وأصحاب محمد بن إدريس الشافعي ~~وأصحاب سفيان الثوري وأصحاب أحمد بن حنبل وأصحاب داود بن علي بن محمد ~~الأصفهاني # وإنما سموا أصحاب الحديث لأن عنايتهم بتحصيل الأحاديث ونقل الأخبار وبناء ~~الأحكام على النصوص ولا يرجعون إلى القياس الجلي والخفي ما وجدوا خبرا أو أثرا # ( 1 \ 206 ) # وقد قال الشافعي : إذا وجدتم لي مذهبا ووجدتم خبرا على خلاف مذهبي ~~فاعلموا أن مذهبي ذلك الخبر # ومن أصحابه : أبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني والربيع بن سليمان ~~الجيزي وحرملة بن يحيى النجيبي والربيع بن سليمان المرادي وأبو يعقوب ~~البويطي والحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني ومحمد بن عبد الله بن عبد ~~الحكم المصري وأبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي # وهم لا يزيدون على اجتهاده اجتهادا بل يتصرفون فيما نقل عنه توجيها ~~واستنباطا ويصدرون عن رأيه جملة ms141 فلا يخالفونه البتة # أصحاب الرأي : وهم أهل العراق هم أصحاب أبي حنيفة النعمان بن ثابت # ومن أصحابه : محمد بن الحسن وأبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن محمد القاضي ~~وزفر بن الهذيل والحسن بن زياد اللؤلؤي وابن سماعة وعافية القاضي وأبو مطيع ~~البلخي وبشر المريسي # وإنما سموا أصحاب الرأي لأن أكثر عنايتهم بتحصيل وجه القياس والمعنى ~~المستنبط من الأحكام وبناء الحوادث عليها # وربما يقدمون القياس الجلي على آحاد ا # لأخبار # وقد قال أبو حنيفة : علمنا هذا رأي أحسن ما قدرنا عليه فمن قدر على غير ~~ذلك فله ما رأى ولنا ما رأينا # وهؤلاء ربما يزيدون على اجتهاده اجتهادا ويخالفونه في الحكم الاجتهادي ~~والمسائل التي خالفوه فيها معروفة # تفرقة وتذكرة : # اعلم أن بين الفريقين اختلافات كثيرة في الفروع ولهم فيها تصانيف وعليها ~~مناظرات وقد بلغت النهاية في مناهج الظنون حتى كأنهم قد أشرفوا على القطع ~~واليقين وليس يلزم من ذلك تكفير ولا تضليل بل كل مجتهد مصيب كما ذكرنا قبل هذا # ( 1 \ 207 ) PageV01P205 ### | AUTO الباب الثاني : أهل الكتاب PageV01P207 ~~الخارجون عن الملة الحنيفية والشريعة الإسلامية ممن يقول بشريعة وأحكام ~~وحدود وأعلام وهم قد انقسموا : # إلى من له كتاب محقق مثل التوراة والإنجيل وعن هذا يخاطبهم التنزيل بأهل الكتاب # وإلى من له شبهة كتاب مثل المجوس والمانوية فإن الصحف التي أنزلت على ~~إبراهيم عليه السلام قد رفعت إلى السماء لأحداث أحدثها المجوس ولهذا يجوز ~~عقد العهد والذمام معهم وينحى بهم نحو اليهود والنصارى إذ هم من أهل الكتاب ~~ولكن لا يجوز مناكحتهم ولا أكل ذبائحهم فإن الكتاب قد رفع عنهم # فنحن نقدم ذكر أهل الكتاب لتقدمهم بالكتاب ونؤخر ذكر من له شبهة كتاب # أهل الكتاب والأميون : # الفرقتان المتقابلتان قبل المبعث هم أهل الكتاب والأميون # والأمي : من لا يعرف الكتابة # وكانت اليهود والنصارى بالمدينة والأميون بمكة # وأهل الكتاب : كانوا ينصرون دين الأسباط ويذهبون مذهب بني إسرائيل # والأميون : كانوا ينصرون دين القبائل ويذهبون مذهب بنى إسماعيل # ولما انشعب النور الوارد من آدم عليه السلام إلى إبراهيم ms142 عليه السلام ثم ~~الصادر عنه إلى شعبتين : # شعبة ( 1 \ 208 ) في بني إسرائيل # وشعبة في بني إسماعيل # وكان النور المنحدر منه إلى بني إسرائيل ظاهرا # والنور المنحدر منه إلى بني إسماعيل مخفيا # كان يستدل على النور الظاهر بظهور الأشخاص وإظهار النبوة في شخص شخص ~~ويستدل على النور المخفي بإبانة المناسك والعلامات وستر الحال في الأشخاص # وقبلة الفرقة الأولى بيت المقدس # وقبلة الفرقة الثانية بيت الله الحرام الذي وضع للناس ببكة مباركا وهدى ~~للعالمين # وشريعة الأولى ظواهر الأحكام # وشريعة الثانية رعاية المشاعر الحرام # وخصماء الفريق الأول الكافرون مثل فرعون وهامان # وخصماء الفريق الثاني المشركون مثل عبدة الأصنام والأوثان # فتقابل الفريقان وصح التقسيم بهذين التقابلين # اليهود والنصارى # وهاتان الأمتان من كبار أمم أهل الكتاب والأمة اليهودية أكبر لأن الشريعة ~~كانت لموسى عليه السلام وجميع بني إسرائيل كانوا متعبدين بذلك مكلفين ~~بالتزام أحكام التوراة # والإنجيل النازل على المسيح عليه السلام لا يتضمن أحكاما ولا يستبطن ~~حلالا ولا حراما ولكنه رموز وأمثال ومواعظ ومزاجر وما سواها من الشرائع ~~والأحكام فمحالة على التوراة كما سنبين فكانت اليهود لهذه القضية لم ~~ينقادوا لعيسى بن مريم عليه السلام وادعوا عليه أنه كان مأمولا بمتابعة ~~موسى عليه السلام وموافقة التوراة فغير وبدل وعدوا عليه تلك التغييرات : # منها تغيير السبت إلى الأحد # ومنها تغيير أكل لحم الخنزير وكان حراما في التوراة # ومنها الختان والغسل وغير ذلك # والمسلمون قد بينوا أن الأمتين قد بدلوا وحرفوا وإلا فعيسى عليه السلام ~~كان مقررا لما جاء به موسى عليه السلام # وكلاهما مبشران بمقدم نبينا محمد نبي الرحمة صلوات الله عليهم أجمعين وقد ~~أمرهم أئمتهم وأنبياؤهم وكتابهم بذلك وإنما بنى أسلافهم الحصون ( 1 \ 209 ) ~~والقلاع بقرب المدينة لنصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم نبي آخر الزمان ~~فأمروهم بمهاجرة أوطانهم بالشام إلى تلك القلاع والبقاع حتى إذا ظهر وأعلن ~~الحق بفاران وهاجر إلى دار هجرته يثرب هجروه وتركوا نصره وذلك قوله تعالى : ~~( وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا ms143 به ~~فلعنة الله على الكافرين ) # وإنما الخلاف بين اليهود والنصارى ما كان يرتفع إلا بحكمه إذ كانت اليهود ~~تقول : ( ليست النصارى على شيء ) وكانت النصارى تقول : ( ليست اليهود على ~~شيء وهم يتلون الكتاب ) # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول لهم : ( لستم على شيء حتى تقيموا ~~التوراة والإنجيل ) وما كان يمكنهم إقامتها إلا بإقامة القرآن الحكيم وبحكم ~~نبي الرحمة رسول آخر الزمان فلما أبوا ذلك وكفروا بآيات الله ( ضربت عليهم ~~الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ) الآية PageV01P207 ### || AUTO الفصل الأول : اليهود خاصة PageV01P209 ~~هاد الرجل : أي رجع وتاب # وإنما لزمهم هذا الاسم لقول موسى عليه السلام : إنا هدنا إليك أي رجعنا ~~وتضرعنا # وهم أمة موسى عليه السلام وكتابهم التوراة وهو أول كتاب نزل من السماء ~~أعنى أن ما كان ينزل على إبراهيم وغيره من الأنبياء عليهم السلام ما كان ~~يسمى كتابا ( 1 \ 210 ) بل صحفا وقد ورد الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال : ( إن الله تعالى خلق آدم بيده وخلق جنة عدن بيده وكتب التوراة بيده ) # فأثبت لها اختصاصا آخر سوى سائر الكتب # وقد اشتمل ذلك على أسفار : # فيذكر مبتدأ الخلق في السفر الأول # ثم يذكر الأحكام والحدود والأحوال والقصص والمواعظ والأذكار في سفر سفر # وأنزل عليه أيضا الألواح على شبه مختصر ما في التوراة تشتمل على الأقسام ~~العلمية والعملية قال الله تعالى : ( وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة ~~) إشارة إلى تمام القسم العلمي ( وتفصيلا لكل شيء ) إشارة إلى تمام القسم العملي # قالوا : وكان موسى عليه السلام قد أفضى بأسرار التوراة والألواح إلى يوشع ~~بن نون وصيه وفتاه والقائم بالأمر من بعده ليفضي بها إلى أولاد هارون لأن ~~الأمر كان مشتركا بينه وبين أخيه هارون عليهما السلام إذ قال تعالى حكاية ~~عن موسى عليه السلام في دعائه حين أوحى إليه أولا : ( وأشركه في أمري ) ~~وكان هو الوصي فلما مات هارون في حال حياة موسى انتقلت الوصية إلى يوشع بن ~~نون ms144 وديعة ليوصلها إلى شبير وشبر ابني هارون قرارا # وذلك أن الوصية والإمامة بعضها مستقر وبعضها مستودع واليهود تدعي أن ~~الشريعة لا تكون إلا واحدة وهي ابتدأت بموسى عليه السلام وتمت به فلم تكن ~~قبله شريعة إلا حدود عقلية وأحكام مصلحية # ولم يجيزوا النسخ أصلا قالوا : فلا يكون بعده شريعة أصلا لأن النسخ في ~~الأوامر بداء ولا يجوز البداء على الله تعالى # ومسائلهم تدور على جواز النسخ ومنعه وعلى التشبيه ونفيه والقول بالقدر ~~والجبر وتجويز الرجعة واستحالتها # ( 1 \ 211 ) # أما النسخ فكما ذكرنا # وأما التشبيه : فلأنهم وجدوا التوراة ملئت من المتشابهات مثل الصورة ~~والمشافهة والتكليم جهرا والنزول على طور سينا انتقالا والاستواء على العرش ~~استقرارا وجواز الرؤية فوقا وغير ذلك # وأما القول بالقدر : فهم مختلفون فيه حسب اختلاف الفريقين في الإسلام ~~فالربانيون كالمعتزلة فينا والقراءون كالمجبرة والمشبهة # وأما جواز الرجعة : فإنما وقع لهم من أمرين : # أحدهما : حديث عزير عليه السلام إذ أماته الله مائة عام ثم بعثه # والثاني : حديث هارون عليه السلام إذ مات في التيه وقد نسبوا موسى إلى ~~قتله بالواحة # قالوا : حسده لأن اليهود كانوا أميل إليه منهم إلى موسى واختلفوا في حال موته : # فمنهم من قال : إنه مات وسيرجع # ومنهم من قال : غاب وسيرجع # واعلم أن التوراة قد اشتملت بأسرها على دلالات وآيات تدل على كون شريعة ~~نبينا المصطفى عليه الصلاة والسلام حقا وكون صاحب الشريعة صادقا بل ما ~~حرفوه وغيروه وبدلوه إما تحريفا من حيث الكتابة والصورة وإما تحريفا من حيث ~~التفسير والتأويل # وأظهرها ذكر إبراهيم عليه السلام وابنه إسماعيل ودعاؤه في حقه وفي حق ~~ذريته وإجابة الرب تعالى إياه إني باركت على إسماعيل وأولاده وجعلت فيهم ~~الخير كله وسأظهرهم على الأمم كلها وسأبعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتي # واليهود معترفون بهذه القضية إلا أنهم يقولون : أجابه بالملك دون النبوة ~~والرسالة # وقد ألزمتهم أن الملك الذي سلمتم أهو ملك بعدل وحق أم لا ؟ # فإن لم يكن بعدل وحق فكيف يمن على إبراهيم عليه السلام بملك في ms145 أولاده ~~وهو جور وظلم ؟ # وإن سلمتم العدل والصدق من حيث الملك فالملك يجب أن يكون صادقا على الله ~~تعالى فيما ( 1 \ 212 ) يدعيه ويقوله وكيف يكون الكاذب على الله تعالى صاحب ~~عدل وحق إذ لا ظلم أشد من الكذب على الله تعالى ففي تكذيبه تجويره وفي ~~التجوير رفع المنة بالنعمة وذلك خلف # ومن العجب أن في التوراة أن الأسباط من بني إسرائيل كانوا يراجعون ~~القبائل من بني إسماعيل ويعلمون أن في ذلك الشعب علما لدنيا لم تشتمل ~~التوراة عليه # وورد في التواريخ أن أولاد إسماعيل عليه السلام كانوا يسمون آل الله وأهل ~~الله وأولاد إسرائيل آل يعقوب وآل موسى وآل هارون وذلك كسر عظيم # وقد ورد في التوراة أن الله تعالى جاء من طور سيناء وظهر بساعير وعلن بفاران # وساعير : جبال بيت المقدس التي كانت مظهر عيسى عليه السلام # وفاران : جبال مكة التي كانت مظهر المصطفى صلى الله عليه وسلم # ولما كانت الأسرار الإلهية والأنوار الربانية في الوحي والتنزيل ~~والمناجاة والتأويل على مراتب ثلاث : مبدأ ووسط وكمال والمجيء أشبه بالمبدأ ~~والظهور أشبه بالوسط والإعلان أشبه بالكمال عبرت التوراة عن طلوع صبح ~~الشريعة والتنزيل بالمجيء من طور سيناء وعن طلوع الشمس بالظهور على ساعير ~~وعن البلوغ إلى درجة الكمال بالاستواء والإعلان على فاران وفي هذه الكلمات ~~إثبات نبوة المسيح عليه السلام والمصطفي محمد صلى الله عليه وسلم # وقد قال المسيح في الإنجيل : ما جئت لأبطل التوراة بل جئت لأكملها قال ~~صاحب التوراة : النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن ~~والسن بالسن والجروح قصاص وأنا أقول إذا لطمك أخوك على خدك الأيمن فضع له ~~خدك الأيسر # والشريعة الأخيرة وردت بالأمرين جميعا : # أما القصاص ففي قوله تعالى : ( كتب ( 1 \ 213 ) عليكم القصاص في القتلى ) # وأما العفو ففي قوله تعالى : ( وإن تعفوا أقرب للتقوى ) # ففي أحكام التوراة أحكام السياسة الظاهرة العامة وفي الإنجيل أحكام ~~السياسة الباطنة الخاصة وفي القرآن أحكام السياستين جميعا : ( ولكم في ~~القصاص حياة ) إشارة إلى تحقيق السياسة الظاهرة وقوله تعالى ms146 : ( وإن تعفوا ~~أقرب للتقوى ) وقوله : ( خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ) إشارة ~~إلى تحقيق السياسة الباطنة # وقد قال عليه الصلاة والسلام : ( هو أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل ~~من قطعك ) # ومن العجب أن من رأى غيره يصدق ما عنده ويكمله برقيه من درجة إلى درجة ~~كيف يسوغ له تكذيبه ؟ # والنسخ في الحقيقة ليس إبطالا بل هو تكميل # وفي التوراة أحكام عامة وأحكام خاصة إما بأشخاص وإما بأزمان وإذا انتهى ~~الزمان لم يبقى ذلك لا محالة ولا يقال : إنه إبطال أو بداء كذلك هاهنا # وأما السبت : فلو أن اليهود عرفوا لم ورد التكليف بملازمة السبت وهو يوم ~~أي شخص من الأشخاص وفي مقابلة أية حالة من الأحوال وجزئي أي زمان عرفوا أن ~~الشريعة الأخيرة حق وأنها جاءت لتقرير السبت لا لإبطاله وهم الذين عدوا في ~~السبت حتى مسخوا قردة خاسئين وهم يعترفون بذلك وبأن موسى عليه السلام بنى ~~بيتا وصور فيه صورا وأشخاصا وبين مراتب الصور وأشار إلى تلك الرموز # ولكن لما فقدوا الباب باب حطة ولم يمكنهم التسور على سنن اللصوص تحيروا ~~تائهين وتاهو متحيرين فاختلفوا على إحدى وسبعين فرقة # ونحن نذكر منها أشهرها وأظهرها عندهم ونترك الباقي هملا والله الموفق # ( 1 \ 214 ) # العنانية # نسبوا إلى رجل يقال له عنان بن داود رأس الجالوت # يخالفون سائر اليهود في السبت والأعياد # وينهون عن أكل الطير والظباء والسمك والجراد ويذبحون الحيوان على القفا # ويصدقون عيسى عليه السلام في مواعظه وإشاراته # ويقولون : إنه لم يخالف التوراة البتة بل قررها ودعا الناس إليها وهو من ~~بني إسرائيل المتعبدين بالتوراة ومن المستجيبين لموسى عليه السلام إلا أنهم ~~لا يقولون بنبوته ورسالته # ومن هؤلاء من يقول : # إن عيسى عليه السلام لم يدع أنه نبي مرسل # وليس من بني إسرائيل # وليس هو صاحب شريعة ناسخة لشريعة موسى عليه السلام بل هو من أولياء الله ~~المخلصين العارفين بأحكام التوراة # وليس الإنجيل كتابا أنزل عليه وحيا من الله تعالى بل هو جمع أحواله من ~~مبدئه إلى ms147 كماله وإنما جمعه أربعة من أصحابه الحواريين فكيف يكون كتابا ~~منزلا ؟ # قالوا : واليهود ظلموه حيث كذبوه أولا ولم يعرفوا بعد دعواه وقتلوه آخرا ~~ولم يعلموا بعد محله ومغزاه # وقد ورد في التوراة ذكر المشيحا في مواضع كثيرة وذلك هو المسيح ولكن لم ~~ترد له النبوة ولا الشريعة الناسخة # وورد فارقليط وهو الرجل العالم # وكذلك ورد ذكره في الإنجيل فوجب حمله على ما وجد وعلى من ادعى غير ذلك ~~تحقيقه وحده PageV01P209 ### || AUTO العيسوية PageV01P214 ~~نسبوا إلى أبي عيسى إسحق بن يعقوب الأصفهاني # وقيل : إن اسمه عوفيد الوهيم أي عابد الله # كان في زمن المنصور وابتدأ دعوته في زمن آخر ملوك بني أمية مروان بن محمد ~~الحمار فاتبعه بشر كثير من اليهود وادعوا له آيات ومعجزات ( 1 \ 215 ) ~~وزعموا أنه لما حورب خط على أصحابه خطا بعود آس وقال : أقيموا في هذا الخط ~~فليس ينالكم عدو بسلاح فكان العدو يحملون عليهم حتى إذا بلغوا الخط رجعوا ~~عنهم خوفا من طلسم أو عزيمة ربما وضعها # ثم إن أبا عيسى خرج من الخط وحده على فرسه فقاتل وقتل من المسلمين كثيرا ~~وذهب إلى أصحاب موسى بن عمران الذين هم وراء النهر المرمل ليسمعهم كلام الله # وقيل : إنه لما حارب أصحاب المنصور بالري قتل وقتل أصحابه # زعم أبو عيسى أنه نبي وأنه رسول المسيح المنتظر # وزعم أن للمسيح خمسة من الرسل يأتون قبله واحدا بعد واحد # وزعم أن الله تعالى كلمه وكلفه أن يخلص بني إسرائيل من أيدي الأمم ~~العاصين والملوك الظالمين # وزعم أن المسيح أفضل ولد آدم وأنه أعلى منزلة من الأنبياء الماضين وإذ هو ~~رسوله فهو أفضل الكل أيضا # وكان يوجب تصديق المسيح ويعظم دعوة الداعي ويزعم أيضا أن الداعي هو المسيح # وحرم في كتابه الذبائح كلها ونهى على أكل كل ذي روح على الإطلاق طيرا كان ~~أو بهيمة وأوجب عشر صلوات وأمر أصحابها بإقامتها وذكر أوقاتها وخالف اليهود ~~في كثير من أحكام الشريعة الكثيرة المذكورة في التوراة # وتوراة الناس هي التي جمعها ثلاثون ms148 حبرا لبعض ملوك الروم حتى لا يتصرف ~~فيها كل جاهل بمواضع أحكامها والله الموفق PageV01P214 ### || AUTO المقاربة واليوذعانية PageV01P215 ~~نسبوا إلى يوذعان من همدان # وقيل : كان اسمه يهوذا # كان يحث على الزهد وتكثير الصلاة وينهى عن اللحوم والأنبذة # وفيما نقل عنه تعظيم أمر الداعي # وكان يزعم أن للتوراة ظاهرا وباطنا وتنزيلا وتأويلا وخالف بتأويلاته عامة اليهود # ( 1 \ 216 ) # وخالفهم في التشبيه ومال إلى القدر وأثبت الفعل حقيقة للعبد وقدر الثواب ~~والعقاب عليه وشدد في ذلك # ومنهم الموشكانية : أصحاب موشكان # كان على مذهب يوذعان غير أنه كان يوجب الخروج على مخالفيه ونصب القتال ~~معهم فخرج في تسعة عشر رجلا فقتل بناحية قم # وذكر عن جماعة من الموشكانية أنهم أثبتوا نبوة المصطفى محمد عليه الصلاة ~~والسلام إلى العرب وسائر الناس سوى اليهود لأنهم أهل ملة وكتاب # وزعمت فرقة من المقاربة أن الله تعالى خاطب الأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام بواسطة ملك اختاره وقدمه على جميع الخلائق واستخلفه عليهم وقالوا : ~~كل ما في التوراة وسائر الكتب من وصف الله تعالى فهو خبر عن ذلك الملك وإلا ~~فلا يجوز أن يوصف الله تعالى بوصف # قالوا : وإن الذي كلم موسى عليه السلام تكليما هو ذلك الملك والشجرة ~~المذكورة في التوراة هو ذلك الملك ويتعالى الرب تعالى أن يكلم بشرا تكليما # وحمل جميع ما ورد في التوراة من طلب الرؤية وشافهت الله وجاء الله وطلع ~~الله في السحاب وكتب التوراة بيده واستوى على العرش استقرارا وله صورة آدم ~~وشعر قطط ووفرة سوداء وأنه بكى على طوفان نوح حتى رمدت عيناه وأنه ضحك ~~الجبار حتى بدت نواجذه إلى غير ذلك على ذلك الملك # قال : ويجوز في العادة أن يبعث ملكا روحانيا من جملة خواصه ويلقي عليه ~~اسمه ويقول : هذا هو رسولي ومكانه فيكم مكاني وقوله قولي وأمره أمري وظهوره ~~عليكم ظهوري كذلك يكون حال ذلك الملك # وقيل : إن أريوس حيث قال في المسيح : إنه هو الله وأنه صفوة العالم أخذ ~~قوله من هؤلاء وكانوا قبل أريوس بأربعمائة سنة وهم أصحاب ms149 زهد وتقشف # وقيل : صاحب هذه المقالة هو بنيامين النهاوندي وقرر لهم هذا المذهب ~~وأعلمهم أن الآيات المتشابهات في التوراة كلها مؤولة وأنه تعالى لا يوصف ~~بأوصاف البشر ولا يشبه ( 1 \ 217 ) شيئا من المخلوقات ولا يشبه شيء منها ~~وأن المراد بهذه الكلمات الواردة في التوراة ذلك الملك العظيم # وهذا كما يحمل في القرآن المجيء والإتيان على إتيان ملك من الملائكة # وهو كما قال تعالى في حق مريم عليها السلام : ( فنفخنا فيها من روحنا ) ~~وفي موضع آخر : ( فنفخنا فيه من روحنا ) وإنما النافخ جبريل عليه السلام ~~حين تمثل لها بشرا سويا ليهب لها غلاما زكيا PageV01P215 ### || AUTO السامرة PageV01P217 ~~هؤلاء قوم يسكنون جبال بيت المقدس وقرايا من أعمال مصر # ويتقشفون في الطهارة أكثر من تقشف سائر اليهود # أثبتوا نبوة موسى وهارون ويوشع بن نون عليهم السلام وأنكروا نبوة من ~~بعدهم من الأنبياء إلا نبيا واحدا # وقالوا : التوراة ما بشرت إلا بنبي واحد يأتي من بعد موسى يصدق ما بين ~~يديه من التوراة ويحكم بحكمها ولا يخالفها البتة # وظهر في السامرة رجل يقال له : الألفان ادعى النبوة وزعم أنه هو الذي بشر ~~به موسى عليه السلام وأنه هو الكوكب الدري الذي ورد في التوراة أنه يضيء ~~ضوء القمر # وكان ظهوره قبل المسيح عليه السلام بقريب من مائة سنة # وافترقت السامرة إلى دوستانية وهم الألفانية وإلى كوستانية # والدوستانية معناها : الفرقة المتفرقة الكاذبة # والكوستانية معناها : الجماعة الصادقة وهم يقرون بالآخرة ( 1 \ 218 ) ~~والثواب والعقاب فيها # والدوستانية تزعم أن الثواب والعقاب في الدنيا # وبين الفريقين اختلاف في الأحكام والشرائع # وقبلة السامرة جبل يقال له : غريزيم بين بيت المقدس ونابلس # قالوا : إن الله تعالى أمر داود أن يبني بيت المقدس بجبل نابلس وهو الطور ~~الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام وتحول داود إلى إيلياء وبنى البيت ثمة ~~وخالف الأمر فظلم # والسامرة توجهوا إلى تلك القبلة دون سائر اليهود ولغتهم غير لغة اليهود # وزعموا أن التوراة كانت بلسانهم وهي قريبة من العبرانية فنقلت إلى ~~السريانية # فهذه أربع فرق ms150 هم الكبار وانشعبت منهم الفرق إلى إحدى وسبعين فرقة # وهم بأسرهم أجمعوا على أن في التوراة بشارة بواحد بعد موسى وإنما ~~افتراقهم إما في تعيين ذلك الواحد أو في الزيادة على ذلك الواحد # وذكر المشيحا وآثاره ظاهر في الأسفار # وخروج واحد في آخر الزمان هو الكوكب المضيء الذي تشرق الأرض بنوره أيضا ~~متفق عليه واليهود على انتظاره والسبت يوم ذلك الرجل وهو يوم الاستواء بعد الخلق # وقد اجتمعت اليهود عن آخرهم على أن الله تعالى لما فرغ من خلق السموات ~~والأرض استوى على عرشه مستلقيا على قفاه واضعا إحدى رجليه على الأخرى # وقالت فرقة منهم : إن ستة الأيام التي خلق الله تعالى فيها السموات ~~والأرض هي ستة آلاف سنة فإن يوما عند الله كألف سنة مما تعدون بالسير ~~القمري وذلك هو ما مضى من لدن آدم عليه السلام إلى يومنا هذا وبه يتم الخلق # ثم إذا بلغ الخلق إلى النهاية ابتدأ الأمر ومن ابتداء الأمر يكون ~~الاستواء على العرش والفراغ من الخلق وليس ذلك أمرا كان ومضى بل هو في ~~المستقبل إذا عددنا الأيام بالألوف # ( 1 \ 219 ) PageV01P217 ### || AUTO الفصل الثاني : النصارى PageV01P219 ~~النصارى أمة المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته عليه السلام # وهو المبعوث حقا بعد موسى عليه السلام المبشر به في التوراة وكانت له ~~آيات ظاهرة وبينات زاهرة ودلائل باهرة مثل إحياء الموتى وإبراء الأكمه ~~والأبرص # ونفس وجوده وفطرته آية كاملة على صدقه وذلك حصوله على غير نطفة سابقة ~~ونطقه البين من غير تعليم سالف # وجميع الأنبياء بلاغ وحيهم أربعون سنة وقد أوحى الله تعالى إليه انطلاقا ~~في المهد وأوحى إليه إبلاغا عند الثلاثين وكانت مدة دعوته ثلاث سنين وثلاثة ~~أشهر وثلاثة أيام # فلما رفع إلى السماء اختلف الحواريون وغيرهم فيه وإنما اختلافاتهم تعود ~~إلى أمرين : # أحدهما : كيفية نزوله واتصاله بأمه وتجسد الكلمة # والثاني : كيفية صعوده واتصاله بالملائكة وتوحد الكلمة # أما الأول : فإنهم قضوا بتجسد الكلمة ولهم في كيفية الاتحاد والتجسد كلام : # فمنهم من قال : أشرق على الجسد إشراق ms151 النور على الجسم المشف # ومنهم من قال : انطبع فيه انطباع النقش في الشمع # ومنهم من قال : ظهر به ظهور الروحاني بالجسماني # ومنهم من قال : تدرع اللاهوت بالناسوت # ومنهم من قال : مازجت الكلمة جسد المسيح ممازجة اللبن الماء والماء اللبن ~~وأثبتوا لله تعالى أقانيم ثلاثة قالوا : الباري تعالى جوهر واحد يعنون به ~~القائم بالنفس لا التحيز والحجمية فهو واحد بالجوهرية ثلاثة ( 1 \ 220 ) ~~بالأقنومية # ويعنون بالأقانيم : الصفات كالوجود والحياة والعلم وسموها الأب والابن ~~وروح القدس # وإنما العلم تدرع وتجسد دون سائر الأقانيم # وقالوا في الصعود : إنه قتل وصلب قتله اليهود حسدا وبغيا وإنكارا لنبوته ~~ودرجته ولكن القتل ما ورد على الجزء اللاهوتي وإنما ورد على الجزء الناسوتي # قالوا : وكمال الشخص الإنساني في ثلاثة أشياء : نبوة وإمامة وملكة # وغيره من الأنبياء كانوا موصوفين بهذه الصفات الثلاثة أو ببعضها والمسيح ~~عليه السلام درجته فوق ذلك لأنه الابن الوحيد فلا نظير له ولا قياس له إلى ~~غيره من الأنبياء وهو الذي به غفرت زلة آدم عليه السلام وهو الذي يحاسب الخلق # ولهم في النزول اختلاف : # فمنهم من يقول : ينزل قبل يوم القيامة كما قال أهل الإسلام # ومنهم من يقول : لا نزول له إلا يوم الحساب وهو بعد أن قتل وصلب نزل ورأى ~~شخصه شمعون الصفا وكلمه وأوصى إليه ثم فارق الدنيا وصعد إلى السماء # فكان وصية شمعون الصفا وهو أفضل الحواريين علما وزهدا وأدبا غير أن فولوس ~~شوش أمره وصير نفسه شريكا له وغير أوضاع كلامه وخلطه بكلام الفلاسفة ووساوس خاطره # ورأيت رسالة فولوس التي كتبها إلى اليونانيين : إنكم تظنون أن مكان عيسى ~~عليه السلام كمكان سائر الأنبياء وليس كذلك بل إنما مثله مثل ملكيز داق وهو ~~ملك السلام الذي كان إبراهيم عليه السلام يعطي إليه العشور وكان يبارك على ~~إبراهيم ويمسح رأسه # ومن العجب أنه نقل في الأناجيل أن الرب تعالى قال : إنك أنت الابن الوحيد ~~ومن كان وحيدا كيف يمثل بواحد من البشر # ثم إن أربعة من الحواريين اجتمعوا وجمع كل واحد ms152 منهم جمعا سماه الإنجيل ~~وهم : متى ولوقا ومرقس ويوحنا # وخاتمة إنجيل متى أنه قال : إني أرسلكم إلى الأمم كما أرسلني أبي إليكم ~~فاذهبوا وادعوا الأمم باسم الأب والابن وروح القدس # ( 1 \ 221 ) # وفاتحة إنجيل يوحنا : على القديم الأزلي كانت الكلمة وهو ذا الكلمة كانت ~~عند الله والله هو كان الكلمة وكل كان بيده # ثم افترقت النصارى اثنتين وسبعين فرقة وكبار فرقهم ثلاثة : الملكانية ~~والنسطورية واليعقوبية وانشعبت منها : الأليانية والبليارسية والمقدانوسية ~~والسبالية والبوطينوسية والبولية إلى سائر الفرق PageV01P219 ### || AUTO الملكانية PageV01P221 ~~أصحاب ملكا الذي ظهر بأرض الروم واستولى عليها ومعظم الروم ملكانية # قالوا : إن الكلمة اتحدت بجسد المسيح وتدرعت بناسوته # ويعنون بالكلمة : أقنوم العلم # ويعنون بروح القدس : أقنوم الحياة # ولا يسمون العلم قبل تدرعه ابنا بل المسيح مع ما تدرع به ابن # فقال بعضهم : إن الكلمة مازجت جسد المسيح كما يمازج الخمر أو الماء اللبن # وصرحت الملكانية أن الجوهر غير الأقانيم وذلك كالموصوف والصفة وعن هذا ~~صرحوا بإثبات التثليث # وأخبر عنهم القرآن : ( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ) # وقالت الملكانية : إن المسيح ناسوت كلي لا جزئي وهو قديم أزلي من قديم ~~أزلي وقد ولدت مريم عليها السلام إلها أزليا والقتل والصلب وقع على الناسوت ~~واللاهوت معا # وأطلقوا لفظ الأبوة والنبوة على الله عز وجل وعلى المسيح لما وجدوا في ~~الإنجيل حيث قال : إنك أنت الابن الوحيد وحيث قال له شمعون الصفا : إنك ابن ~~الله حقا # لعل ذلك من مجاز اللغة كما يقال لطلاب الدنيا أبناء الدنيا ولطلاب الآخرة ~~أبناء الآخرة # وقد قال المسيح عليه السلام للحواريين : أنا أقول لكم أحبوا أعداءكم ( 1 ~~\ 222 ) وباركوا على لاعنيكم وأحسنوا إلى مبغضيكم وصلوا لأجل من يؤذيكم لكي ~~تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماء الذي تشرق شمسه على الصالحين والفجرة ~~وينزل قطره على الأبرار والأئمة وتكونوا تامين كما أن أباكم الذي في السماء تام # وقال : انظروا صدقاتكم فلا تعطوها قدام الناس لتراءوهم فلا يكون لكم أجر ~~عند أبيكم الذي في السماء # وقال حين كان يصلب ms153 : أذهب إلى أبي وأبيكم # ولما قال أريوس : القديم هو الله والمسيح هو مخلوق اجتمعت البطارقة ~~والمطارنة والأساقفة في بلد قسطنطينية بمحضر من ملكهم وكانوا ثلاثمائة ~~وثمانية عشر رجلا واتفقوا على هذه الكلمة اعتقادا ودعوة وذلك قولهم : # نؤمن بالله الواحد الأب مالك كل شيء وصانع ما يرى وما لا يرى وبالابن ~~الواحد يسوع المسيح ابن الله الواحد بكر الخلائق كلها الذي ولد من أبيه قبل ~~العوالم كلها وليس بمصنوع إله حق من إله حق من جوهر أبيه الذي بيده أتقنت ~~العوالم وخلق كل شيء من أجلنا ومن أجل معشر الناس ومن أجل خلاصنا نزل من ~~السماء وتجسد من روح القدس وصار إنسانا وحبل به وولد من مريم البتول وقتل ~~وصلب أيام فيلاطوس ودفن ثم قام في اليوم الثالث وصعد إلى السماء وجلس عن ~~يمين أبيه وهو مستعد للمجيء تارة أخرى بين الأموات والأحياء # ونؤمن بروح القدس الواحد روح الحق الذي يخرج من أبيه وبمعمودية واحدة ~~لغفران الخطايا وبجماعة واحدة قدسية مسيحية جاثليقية وبقيام أبداننا ~~والحياة الدائمة أبد الآبدين # هذا هو الاتفاق الأول على هذه الكلمات وفيه إشارة على حشر الأبدان # وفي النصارى من قال بحشر الأرواح دون الأبدان # وقال : إن عاقبة الأشرار في القيامة غم وحزن الجهل وعاقبة الأخيار سرور ~~وفرح العلم # وأنكروا أن يكون في الجنة نكاح وأكل وشرب # وقال مار إسحق منهم : إن الله تعالى وعد المطيعين وتوعد العاصين ولا يجوز ~~أن ( 1 \ 223 ) يخلف الوعد لأنه لا يليق بالكريم ولكن يخلف الوعيد فلا يعذب ~~العصاة ويرجع الخلق إلى سرور وسعادة ونعيم وعمم هذا الكل إذ العقاب الأبدي ~~لا يليق بالجواد الحق تعالى PageV01P221 ### || AUTO النسطورية PageV01P223 ~~أصحاب نسطور الحكيم الذي ظهر في زمان المأمون # وتصرف في الأناجيل بحكم رأيه وإضافته إليهم إضافة المعتزلة إلى هذه ~~الشريعة # قال : إن الله تعالى واحد ذو أقانيم ثلاثة : الوجود والعلم والحياة # وهذه الأقانيم ليست زائدة على الذات ولا هي هو # واتحدت الكلمة بجسد عيسى عليه السلام لا على طريق الامتزاج كما قالت ~~الملكانية ولا ms154 على طريق الظهور به كما قالت اليعقوبية ولكن كإشراق الشمس في ~~كوة على بلورة وكظهور النقش في الشمع إذا طبع بالخاتم # وأشبه المذاهب بمذهب نسطور في الأقانيم أحوال أبي هاشم من المعتزلة فإنه ~~يثبت خواص مختلفة لشيء واحد ويعني بقوله واحد يعني الإله قال : هو واحد ~~بالجوهر أي ليس هو مركبا من جنسين بل هو بسيط وواحد # ويعني بالحياة والعلم أقنومين جوهرين أي أصلين مبدأين للعالم ثم فسر ~~العلم بالنطق والكلمة ويرجع منتهى كلامه إلى إثبات كونه تعالى موجودا حيا ~~ناطقا كما تقول الفلاسفة في حد الإنسان إلا أن هذه المعاني تتغاير في ~~الإنسان لكونه جوهرا مركبا وهو جوهر بسيط غير مركب # وبعضهم يثبت لله تعالى صفات أخر بمنزلة القدرة والإرادة ونحوهما ولم ~~يجعلوها أقانيم كما جعلوا الحياة والعلم أقنومين # ومنهم من أطلق القول بأن كل واحد من الأقانيم الثلاثة حي ناطق إله # وزعم الباقون أن اسم الإله لا يطلق على كل واحد من الأقانيم # وزعموا أن الابن لم يزل متولدا من الأب وإنما تجسد واتحد بجسد المسيح حين ولد # ( 1 \ 224 ) # والحدوث راجع إلى الجسد والناسوت فهو إله وإنسان اتحدا # وهما جوهران أقنومان طبيعتان : جوهر قديم وجوهر محدث إله تام وإنسان تام ~~ولم يبطل الاتحاد قدم القديم ولا حدوث المحدث لكنهما صارا مسيحا واحدا ~~طبيعة واحدة # وربما بدلوا العبارة : فوضع مكان الجوهر الطبيعة ومكان الأقنوم الشخص # وأما قولهم في القتل والصلب فيخالف قول الملكانية واليعقوبية # قالوا : إن القتل وقع على المسيح من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته لأن ~~الإله لا تحله الآلام # وبوطينوس وبولس الشمشاطي يقولان : إن الإله واحد وأن المسيح ابتدأ من ~~مريم عليها السلام وأنه عبد صالح مخلوق إلا أن الله تعالى شرفه وكرمه ~~لطاعته وسماه ابنا على التبني لا على الولادة والاتحاد # ومن النسطورية قوم يقال لهم المصلين قالوا في المسيح مثل ما قال نسطور ~~إلا أنهم قالوا : إذا اجتهد الرجل في العبادة وترك التغذي باللحم والدسم ~~ورفض الشهوات الحيوانية والنفسانية تصفى جوهره حتى يبلغ ms155 ملكوت السموات ويرى ~~الله تعالى جهرة وينكشف له ما في الغيب فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا ~~في السماء # ومن النسطورية من ينفي التشبيه ويثبت القول بالقدر خيره وشره من العبد ~~كما قالت القدرية PageV01P223 ### || AUTO اليعقوبية PageV01P224 ~~أصحاب يعقوب # قالوا بالأقانيم الثلاثة كما ذكرنا إلا أنهم قالوا : انقلبت الكلمة لحما ~~ودما فصار الإله هو المسيح وهو الظاهر بجسده بل هو هو # وعنهم أخبرنا القرآن الكريم : ( لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ~~ابن مريم ) # ( 1 \ 225 ) # فمنهم من قال : إن المسيح هو الله تعالى # ومنهم من قال : ظهر اللاهوت بالناسوت فصار الناسوت المسيح مظهر الجوهر لا ~~على طريق حلول جزء فيه ولا على سبيل اتحاد الكلمة التي هي في حكم الصفة بل ~~صار هو هو وهذا كما يقال : ظهر الملك بصورة إنسان أو ظهر الشيطان بصورة ~~حيوان وكما أخبر التنزيل عن جبريل عليه السلام فتمثل لها بشرا سويا # وزعم أكثر اليعقوبية أن المسيح جوهر واحد أقنوم واحد إلا أنه من جوهرين # وربما قالوا : طبيعة واحدة من طبيعتين فجوهر الإله القديم وجوهر الإنسان ~~المحدث تركبا تركيبا كما تركبت النفس والبدن فصارا جوهرا واحدا أقنوما ~~واحدا وهو إنسان كله وإله كله # فيقال : الإنسان صار إلها ولا ينعكس فلا يقال : الإله صار الإنسان # كالفحمة تطرح في النار فيقال : صارت الفحمة نارا ولا يقال صارت النار ~~فحمة وهي في الحقيقة لا نار مطلقة ولا فحمة مطلقة بل هي جمرة # وزعموا أن الكلمة اتحدت بالإنسان الجزئي لا الكلي # ولربما عبروا عن الاتحاد بالامتزاج والادراع والحلول كحلول صورة الإنسان ~~في المرآة المجلوة # وأجمع أصحاب التثليث كلهم على أن القديم لا يجوز أن يتحد بالمحدث إلا أن ~~الأقنوم الثاني الذي هو الكلمة اتحدت دون سائر الأقانيم # وأجمعوا كلهم على أن المسيح عليه السلام ولد من مريم عليها السلام وقتل ~~وصلب ثم اختلفوا في كيفية ذلك : # فقالت الملكانية واليعقوبية : إن الذي ولد من مريم هو الإله # فالملكانية لما اعتقدت أن المسيح ناسوت كلي أزلي قالوا : إن مريم ms156 إنسان ~~جزئي والجزئي لا يلد الكلي وإنما ولده الأقنوم القديم # واليعقوبية لما اعتقدت أن ( 1 \ 226 ) المسيح هو جوهر من جوهرين وهو إله ~~وهو المولود قالوا : إن مريم ولدت إلها تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا # وكذلك قالوا في القتل والصلب : إنه وقع على الجوهر الذي هو من جوهرين # قالوا : ولو وقع على أحدهما لبطل الاتحاد # وزعم بعضهم : أنا نثبت وجهين للجوهر القديم فالمسيح قديم من وجه محدث من وجه # وزعم قوم من اليعقوبية : إن الكلمة لم تأخذ من مريم شيئا ولكنها مرت بها ~~كالماء بالميزاب وما ظهر بها من شخص المسيح في الأعين فهو كالخيال والصورة ~~في المرآة وإلا فما كان جسما متجسما كثيفا في الحقيقة # وكذلك القتل والصلب : إنما وقع على الخيال والحسبان هؤلاء يقال لهم : ~~الأليانية وهم قوم بالشام واليمن وأرمينية # قالوا : وإنما صلب الإله من أجلنا حتى يخلصنا # وزعم بعضهم : أن الكلمة كانت تداخل جسم المسيح عليه السلام أحيانا فتصدر ~~عنه الآيات من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وتفارقه في بعض الأوقات ~~فترد عليه الآلام والأوجاع # ومنهم بليارس وأصحابه حكي عنه أنه كان يقول : إذا صار الناس إلى الملكوت ~~الأعلى أكلوا ألف سنة وشربوا وناكحوا ثم صاروا إلى النعم التي وعدهم آريوس ~~وكلها لذة وراحة وسرور وحبور لا أكل فيها ولا شرب ولا نكاح # وزعم مقدانيوس : إن الجوهر القديم أقنومان فحسب : آب وابن والروح مخلوق # وزعم سباليوس : إن القديم جوهر واحد أقنوم واحد له ثلاث خواص واتحد ~~بكليته بجسد عيسى ابن مريم عليهما السلام # وزعم آريوس : أن الله واحد سماه آبا وإن المسيح كلمة الله وابنه على طريق ~~الاصطفاء وهو مخلوق قبل خلق العالم وهو خالق الأشياء # وزعم أن الله تعالى روحا ( 1 \ 227 ) مخلوقة أكبر من سائر الأرواح وأنها ~~واسطة بين الأب والابن تؤدي إليه الوحي # وزعم أن المسيح ابتدأ جوهرا لطيفا روحانيا خالصا غير مركب ولا ممزوج بشيء ~~من الطبائع الأربع وإنما تدرع بالطبائع الأربع عند الاتحاد بالجسم المأخوذ ~~من مريم # وهذا آريوس قبل ms157 الفرق الثلاث فتبرءوا منه لمخالفتهم إياه في المذهب # ( 1 \ 228 ) PageV01P224 ### | AUTO الباب الثالث : من له شبهة كتاب PageV01P228 ~~قد بينا كيفية تحقيق الكتاب وميزنا بين حقيقة الكتاب وشبهة الكتاب وأن ~~الصحف التي كانت لإبراهيم عليه السلام كانت شبهة كتاب وفيها مناهج علمية ~~ومسالك عملية # أما العلميات : فتقرير كيفية الخلق والإبداع وتسوية المخلوقات على سنة ~~نظام وقوام تحصل منها حكمته الأزلية وتنفذ فيها مشيئته السرمدية ثم تقرير ~~التقدير والهداية عليها ليتقدر كل نوع وصنف بقدره المحكوم المحتوم ويقبل ~~هدايته السارية في العالم بقدر استعداده المعلوم # والعلم كل العلم لا يعدو هذين النوعين وذلك قوله تعالى : ( سبح اسم ربك ~~الأعلى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى ) # وقال عز وجل خبرا عن إبراهيم عليه السلام : ( الذي خلقني فهو يهدين ) # وخبرا عن موسى عليه السلام : ( الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ) # وأما العمليات : فتزكية النفوس عن درن الشبهات وذكر الله تعالى بإقامة ~~العبادات ورفض الشهوات الدنيوية وإيثار السعادات الأخروية ولن يحصل البلوغ ~~إلى كمال المعاد إلا بإقامة هذين الركنين أعني الطهارة والشهادة # والعمل كل العمل لا يعدو هذين ( 1 \ 229 ) النوعين وذلك قوله تعالى : ( ~~قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير ~~وأبقى ) # ثم قال عز من قائل : ( إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى ) # فبين أن الذي اشتملت عليه الصحف هو الذي اشتملت عليه هذه السورة ~~وبالحقيقة هذا هو الإعجاز الحقيقي # المجوس وأصحاب الاثنين والمانوية وسائر فرقهم : # المجوسية يقال لها : الدين الأكبر والملة العظمى إذ كانت دعوة الأنبياء ~~عليهم السلام بعد إبراهيم الخليل عليه السلام # لم تكن في العموم كالدعوة الخليلية # ولم يثبت لها من القوة والشوكة والملك والسيف مثل الملة الحنيفية إذ كانت ~~ملوك العجم كلها على ملة إبراهيم عليه السلام وجميع من كان في زمان كل واحد ~~منهم من الرعايا في البلاد على أديان ملوكهم # وكان لملوكهم مرجع هو موبذ موبذان يعني أعلم العلماء وأقدم الحكماء ~~يصدرون عن أمره ولا يخالفونه ولا يرجعون إلا ms158 إلى رأيه ويعظمونه تعظيم ~~السلاطين لخلفاء الوقت # وكانت دعوة بني إسرائيل أكثرها في بلاد الشام وما وراءها من المغرب وقل ~~ما سرى ذلك إلى بلاد العجم # وكانت الفرق في زمان إبراهيم الخليل عليه السلام راجعة إلى صنفين اثنين : # أحدهما : الصابئة # والثاني : الحنفاء # فالصابئة كانت تقول : إنا نحتاج في معرفة الله تعالى ومعرفة طاعته ~~وأوامره وأحكامه إلى متوسط لكن ذلك المتوسط يجب أن يكون روحانيا لا جسمانيا ~~وذلك لزكاء الروحانيات وطهارتها وقربها من رب الأرباب # والجسماني بشر مثلنا يأكل مما نأكل ويشرب ( 1 \ 230 ) مما نشرب يماثلنا ~~في المادة والصورة # قالوا : ( ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون ) # والحنفاء كانت تقول : إنا نحتاج في المعرفة والطاعة إلى متوسط من جنس ~~البشر تكون درجته في الطهارة والعصمة والتأييد والحكمة فوق الروحانيات ~~يماثلنا من حيث البشرية ويمايزنا من حيث الروحانية فيتلقى الوحي بطرف ~~الروحانية ويلقي إلى نوع الإنسان بطرف البشرية وذلك قوله تعالى : ( قل إنما ~~أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد ) # وقال عز ذكره : ( قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا ) # ثم لما لم يتطرق للصابئة الاقتصار على الروحانيات البحتة والتقرب إليها ~~بأعيانها والتلقي عنها بذواتها فزعت جماعة إلى هياكلها وهي السيارات السبع ~~وبعض الثوابت فصابئة النبط والفرس والروم مفزعها السيارات وصابئة الهند ~~مفزعها الثوابت # وسنذكر مذاهبهم على التفصيل على قدر الإمكان بتوفيق الله تعالى # وربما نزلوا عن الهياكل إلى الأشخاص التي لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عنهم شيئا # والفرقة الأولى : هم عبدة الكواكب # والثانية : هم عبدة الأصنام # ولما كان الخليل عليه السلام مكلفا بكسر المذهبين على الفرقتين وتقرير ~~الحنيفية السمحة السهلة احتج على عبدة الأصنام قولا وفعلا كسرا من حيث ~~القول وكسرا من حيث الفعل فقال لأبيه آزر : ( يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ~~ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ) الآيات حتى بلغ : ( فجعلهم جذاذا إلا كبيرا ~~لهم ) وذلك إلزام من ( 1 \ 231 ) حيث الفعل وإفحام من حيث الكسر # ففزع من ذلك كما قال الله تعالى ms159 : ( وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ~~نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم ) # وابتدأ بإبطال مذاهب عبدة الكواكب على صيغة الموافقة كما قال تعالى : ( ~~وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ) أي كما آتيناه الحجة كذلك نريه ~~المحجة فساق الإلزام على أصحاب الهياكل مساق الموافقة في المبدأ والمخالفة ~~في النهاية ليكون الإلزام أبلغ والإفحام أقوى وإلا فإبراهيم الخليل عليه ~~السلام لم يكن في قوله : ( هذا ربي ) مشركا كما لم يكن فيقوله : ( بل فعله ~~كبيرهم هذا ) كاذبا # وسوق الكلام من جهة الإلزام غبر سوقه على جهة الالتزام فلما أظهر الحجة ~~وبين المحجة وقرر الحنيفية التي هي الملة الكبرى والشريعة العظمى وذلك هو ~~الدين القيم # وكان الأنبياء من أولاده كلهم يقررون الحنيفية وبالخصوص صاحب شرعنا محمد ~~صلوات الله عليه كان في تقريرها قد بلغ النهاية القصوى وأصاب المرمى وأصمى # ومن العجب أن التوحيد من أخص أركان الحنيفية ولهذا يقترن نفي الشرك بكل ~~موضع ذكر الحنيفية : ( حنيفا وما كان من المشركين ) ( حنفاء لله غير مشركين به ) # ثم إن التثنية اختصت بالمجوس حتى أثبتوا أصلين اثنين مدبرين قديمين ~~يقتسمان الخير والشر والنفع والضر والصلاح والفساد يسمون أحدهما : النور ~~والآخر : الظلمة وبالفارسية : يزدان وأهرمن ولهم في ذلك تفصيل مذهب # ومسائل المجوس كلها تدور على قاعدتين اثنتين : # إحداهما : بيان سبب امتزاج النور بالظلمة # والثانية : بيان سبب خلاص النور من الظلمة وجعلوا الامتزاج مبدأ والخلاص ~~معادا . ( 1 \ 232 ) PageV01P228 ### || AUTO الفصل الأول المجوس PageV01P232 ~~أثبتوا أصلين كما ذكرنا إلا أن المجوس الأصلية زعموا أن الأصلين لا يجوز ~~أن يكونا قديمين أزليين بل النور أزلي والظلمة محدثة ثم لهم اختلاف في سبب ~~حدوثها : # أمن النور حدثت والنور لا يحدث شرا جزئيا فكيف يحدث أصل الشر ؟ # أم من شيء آخر ولا شيء يشرك النور في الإحداث والقدم # وبهذا يظهر خبط المجوس # وهؤلاء يقولون : المبدأ الأول من الأشخاص كيومرث وربما يقولون : زروان ~~الكبير والنبي الثاني زردشت # والكيومرثية يقولون : كيومرث هو آدم عليه السلام وتفسير كيومرث هو الحي الناطق # وقد ورد في تواريخ ms160 الهند والعجم أن كيومرث هو آدم عليه السلام ويخالفهم ~~سائر أصحاب التواريخ PageV01P232 ### || AUTO الكيومرثية PageV01P232 ~~أصحاب المقدم الأول كيومرث # أثبتوا أصلين : يزدان وأهرمن # وقالوا : يزدان أزلي قديم وأهرمن محدث مخلوق # وقالوا : إن سبب خلق أهرمن أن يزدان فكر في نفسه أنه لو كان لي منازع كيف ~~يكون وهذه الفكرة كانت رديئة غير مناسبة لطبيعة النور فحدث الظلام من هذه ~~الفكرة وسمي أهرمن وكان مطبوعا على الشر والفتنة والفساد والفسق والضرر ~~والإضرار فخرج على النور وخالفه طبيعة وفعلا وجرت محاربة بين عسكر النور ~~وعسكر الظلمة # ثم إن الملائكة توسطوا فصالحوا على أن ( 1 \ 233 ) يكون العالم السفلي ~~خالصا لأهرمن سبعة آلاف سنة ثم يخلي العالم ويسلمه إلى النور # والذين كانوا في الدنيا قبل الصلح أبادهم وأهلكهم ثم بدأ برجل يقال له : ~~كيومرث وحيوان يقال له : ثور فقتلهما # فنبت من مسقط ذلك الرجل ريباس وخرج من أصل ريباس رجل يسمى ميشة وامرأة ~~تسمى ميشانة وهما أبو البشر # ونبت من مسقط الثور الأنعام وسائر الحيوانات # وزعموا أن النور خير الناس وهم أرواح بلا أجساد : بين أن يرفعهم عن مواضع ~~أهرمن وبين أن يلبسهم الأجساد فيحاربون أهرمن فاختاروا لبس الأجساد ومحاربة ~~أهرمن على أن تكون لهم النصرة من عند النور والظفر بجنود أهرمن وحسن ~~العاقبة وعند الظفر به وإهلاك جنوده تكون القيامة # فذاك سبب الامتزاج وهذا سبب الخلاص PageV01P232 ### || AUTO الزروانية PageV01P233 ~~قالوا : إن النور أبدع أشخاصا من نور كلها روحانية نورانية ربانية ولكن ~~الشخص الأعظم الذي اسمه زروان شك في شيء من الأشياء فحدث أهرمن الشيطان ~~يعني إبليس من ذلك الشك # وقال بعضهم : لا بل إن زروان الكبير قام فزمزم تسعة آلاف وتسعمائة وتسعا ~~وتسعين سنة ليكون له ابن فلم يكن ثم حدث نفسه وفكر وقال : لعل هذا العلم ~~ليس بشيء فحدث أهرمن من ذلك الهم الواحد وحدث هرمز من ذلك العلم فكانا ~~جميعا في بطن واحد وكان هرمز أقرب من باب الخروج فاحتال أهرمن الشيطان حتى ~~شق بطن أمه فخرج قبله وأخذ الدنيا # وقيل : إنه ms161 لما مثل بين يدي زروان فأبصر ورأى ما فيه من الخبث والشرارة ~~والفساد أبغضه ولعنه وطرده فمضى واستولى على الدنيا # وأما هرمز فبقي زمانا لا يد له ( 1 \ 234 ) عليه وهو الذي اتخذه قوم ربا ~~وعبدوه لما وجدوا فيه من الخير والطهارة والصلاح وحسن الخلق # وزعم بعض الزروانية أنه لم يزل كان مع الله شيء رديء : إما فكرة رديئة ~~وإما عفونة رديئة وذلك هو مصدر الشيطان # وزعموا أن الدنيا كانت سليمة من الشرور والآفات والفتن وكان أهلها في خير ~~محض ونعيم خالص فلما حدث أهرمن حدثت الشرور والآفات والفتن والمحن وكان ~~بمعزل عن السماء فاحتال حتى خرق السماء وصعد # وقال بعضهم : كان هو في السماء والأرض خالية عنه فاحتال حتى خرق السماء ~~ونزل إلى الأرض بجنوده كلها فهرب النور بملائكته واتبعه الشيطان حتى حاصره ~~في جنته وحاربه ثلاثة آلاف سنة لا يصل الشيطان إلى الرب تعالى ثم توسط ~~الملائكة وتصالحا على أن يكون إبليس وجنوده في قرار الأرض تسعة آلاف سنة ~~بالثلاثة آلاف التي قاتله فيها ثم يخرج إلى موضعه # ورأى الرب - تعالى عن قولهم - الصلاح في احتمال المكروه من إبليس وجنوده ~~وأن لا ينقض الشرط حتى تنقضي المدة المضروبة للصلح فالناس في البلايا ~~والفتن والخزايا والمحن إلى انقضاء المدة ثم يعودون إلى النعيم الأول # وشرط إبليس عليه أن يمكنه من أشياء يفعلها ويطلقه في أفعال رديئة يباشرها ~~فلما فرغا من الشرط أشهد عليهما عدلين ودفعا سيفيهما إليهما وقالا لهما : ~~من نكث فاقتلاه بهذا السيف # ولست أظن عاقلا يعتقد هذا الرأي القائل ويرى هذا الاعتقاد المضمحل الباطل ~~ولعله كان رمزا إلى ما يتصور في العقل ومن عرف الله سبحانه وتعالى بجلاله ~~وكبريائه لم يسمح بهذه الترهات عقله ولم يسمع مثل هذه الترهات سمعه # وأقرب من هذا ما حكاه أبو حامد الزوزني أن المجوس زعمت أن إبليس كان لم ~~يزل في الظلمة والجو خلاء بمعزل عن سلطان الله ثم لم يزل يزحف ويقرب بحيله ~~حتى رأى النور ( 1 \ 235 ) فوثب وثبة ms162 فصار في سلطان الله في النور وأدخل ~~معه هذه الآفات والشرور فخلق الله تعالى هذا العالم شبكة فوقع فيها وصار ~~متعلقا بها لا يمكنه الرجوع إلى سلطانه فهو محبوس في هذا العالم مضطرب في ~~الحبس يرمي بالآفات والمحن والفتن إلى خلق الله تعالى فمن أحياه الله رماه ~~بالموت ومن أصحه رماه بالسقم ومن سره رماه بالحزن فلا يزال كذلك إلى يوم ~~القيامة # وفي كل يوم ينقص سلطانه حتى لا تبقى له قوة فإذا كانت القيامة ذهب سلطانه ~~وخمدت نيرانه وزالت قوته واضمحلت قدرته فيطرحه في الجو والجو ظلمة ليس لها ~~حد ولا منتهى ثم يجمع الله تعالى أهل الأديان فيحاسبهم ويجازيهم على طاعة ~~الشيطان وعصيانه # وأما المسخية فقالت : إن النور كان وحده نورا محضا ثم انمسخ بعضه فصار ظلمة # وكذلك الخرمدينية قالوا بأصلين ولهم ميل إلى التناسخ والحلول وهم لا ~~يقولون بأحكام وحلال وحرام # ولقد كان في كل أمة من الأمم قوم مثل الإباحية والمزدكية والزنادقة ~~والقرامطة كان تشويش ذلك الدين منهم وفتنة الناس مقصورة عليهم PageV01P233 ### || AUTO الزردشتية PageV01P235 ~~أولئك أصحاب زردشت بن يورشب الذي ظهر في زمان كشتاسب بن لهراسب الملك ~~وأبوه كان من أذربيجان وأمه من الري واسمها دغدوية # وزعموا أن لهم أنبياء وملوكا أولهم كيومرث وكان أول من ملك الأرض وكان ~~مقامه باصطخر # وبعده أوشنهك بن فراوك ونزل أرض الهند وكانت له دعوة ثمة # وبعده طمهودت وظهرت الصابئة في أول سنة من ملكه # وبعده أخوه جم الملك # ثم بعده أنبياء وملوك : # منهم منوجهر ونزل بابل وأقام بها # وزعموا أن موسى ( 1 \ 236 ) عليه السلام ظهر في زمانه حتى انتهى الملك ~~إلى كشتاسب بن لهراسب وظهر في زمانه زردشت الحكيم # وزعموا أن الله عز وجل خلق من وقت ما في الصحف الأولى والكتاب الأعلى من ~~ملكوته خلقا روحانيا فلما مضت ثلاثة آلاف سنة أنفذ مشيئته في صورة من نور ~~متلألئ على تركيب صورة الإنسان وأحف به سبعين من الملائكة المكرمين وخلق ~~الشمس والقمر والكواكب والأرض وبني آدم غير متحركة ms163 ثلاثة آلاف سنة # ثم جعل روح زردشت في شجرة أنشأها في أعلى عليين وأحف بها سبعين من ~~الملائكة المكرمين وغرسها في قلة جبل من جبال أذربيجان يعرف باسمو يذخر ثم ~~مازج شبح زردشت بلبن بقرة فشربه أبو زردشت فصار نطفة ثم مضغة في رحم أمه ~~فقصدها الشيطان وعيرها فسمعت أمه نداء من السماء فيه دلالة على برئها فبرئت # ثم لما ولد ضحك ضحكة تبينها من حضر فاحتالوا على زردشت حتى وضعوه بين ~~مدرجة البقر ومدرجة الخيل ومدرجة الذئب فكان ينهض كل واحد منهم لحمايته من جنسه # ونشأ بعد ذلك إلى أن بلغ ثلاثين سنة فبعثه الله تعالى نبيا ورسولا إلى ~~الخلق فدعا كشتاسب الملك فأجابه إلى دينه وكان دينه عبادة الله والكفر ~~بالشيطان والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر واجتناب الخبائث # وقال : النور والظلمة أصلان متضادان وكذلك يزدان وأهرمن وهما مبدأ ~~موجودات العالم وحصلت التراكيب من امتزاجهما وحدثت الصور من التراكيب ~~المختلفة # والباري تعالى خالق النور والظلمة ومبدعهما وهو واحد لا شريك له ولا ضد ~~ولا ند ولا يجوز أن ينسب إليه وجود الظلمة كما قالت الزروانية لكن الخير ~~والشر والصلاح والفساد والطهارة والخبث إنما حصلت من امتزاج النور والظلمة ~~ولو لم يمتزجا لما كان وجود العالم وهما يتقاومان ويتغالبان إلى أن يغلب ~~النور الظلمة والخير الشر ثم يتخلص الخير إلى عالمه والشر ينحط إلى عالمه ~~وذلك هو سبب الخلاص # والباري ( 1 \ 237 ) تعالى هو الذي مزجهما وخلطهما لحكمة رآها في ~~التراكيب وربما جعل النور أصلا وقال : وجوده وجود حقيقي وأما الظلمة فتبع ~~كالظل بالنسبة إلى الشخص فإنه يرى أنه موجود وليس بموجود حقيقة فأبدع النور ~~وحصل الظلام تبعا لأن من ضرورة الوجود التضاد فوجوده ضروري واقع في الخلق ~~لا بالقصد الأول كما ذكرنا في الشخص والظل # وله كتاب قد صنفه # وقيل : إن ذلك أنزل عليه وهو زند أوستا يقسم العالم قسمين : مينة وكيتي ~~يعني الروحاني والجسماني أو الروح والشخص # وكما قسم الخلق إلى عالمين يقول : إن ما في العالم ينقسم ms164 قسمين : بخشش ~~وكنش يريد به التقدير والفعل وكل واحد مقدر على الثاني # ثم يتكلم في موارد التكليف وهي حركات الإنسان فيقسمها ثلاثة أقسام : منش ~~وكويش وكنش يعني بذلك : الاعتقاد والقول والعمل وبالثلاثة يتم التكليف فإذا ~~قصر الإنسان فيها خرج عن الدين والطاعة وإذا جرى في هذه الحركات على مقتضى ~~الأمر والشريعة فاز الفوز الأكبر # وتدعي الزردشتية له معجزات كثيرة : # منها دخول قوائم فرس كشتاسب في بطنه وكان زردشت في الحبس فأطلقه فانطلقت ~~قوائم الفرس # ومنها أنه مر على أعمى بالدينور فقال : خذوا حشيشة وصفها لهم واعصروا ~~ماءها في عينه فإنه يبصر ففعلوا فأبصر الأعمى # وهذا من جملة معرفته بخاصية الحشيش وليس من المعجزات في شيء # ومن المجوس الزردشتية صنف يقال لهم السيسانية والبهافريدية رئيسهم رجل ~~يقال له سيسان من رستاق نيسابور من ناحية يقال لها خواف # خرج في أيام أبي مسلم صاحب الدولة وكان زمزميا في الأصل يعبد النيران ثم ~~ترك ذلك ودعا المجوس إلى ترك الزمزمة ورفض عبادة النيران ووضع لهم كتابا ~~أمرهم فيه بإرسال الشعور # وحرم عليهم الأمهات والبنات والأخوات وحرم عليهم الخمر # وأمرهم باستقبال الشمس عند السجود على ركبة واحدة # وهم يتخذون الرباطات ويتباذلون الأموال ولا يأكلون الميتة ولا يذبحون ( 1 ~~\ 238 ) الحيوان حتى يهرم # وهم أعدى خلق الله للمجوس الزمازمة ثم إن موبذ المجوس رفعه إلى أبي مسلم ~~فقتله على باب الجامع بنيسابور # وقال أصحابه : إنه صعد إلى السماء على برذون أصفر وأنه سينزل على البرذون ~~فينتقم من أعدائه # وهؤلاء قد أقروا بنبوة زردشت وعظموا الملوك الذين يعظمهم زردشت # ومما أخبر به زردشت في كتاب زند أوستا أنه قال : سيظهر في آخر الزمان رجل ~~اسمه أشيزريكا ومعناه الرجل العالم يزين العالم بالدين والعدل ثم يظهر في ~~زمانه بتياره فيوقع الآفة في أمره وملكه عشرين سنة # ثم يظهر بعد ذلك أشيزريكا على أهل العلم ويحيي العدل ويميت الجور ويرد ~~السنن المغيرة إلى أوضاعها الأول وتنقاد له الملوك وتتيسر له الأمور وينصر ~~الدين والحق ويحصل في زمانه الأمن ms165 والدعة وسكون الفتن وزوال المحن # مقالة زردشت في المبادئ # وقد أورد الجيهاني إحدى مقالات زردشت في المبادئ وهي : # إن دين زردشت هو الدعوة إلى دين مارسيان وإن معبوده أورمزد # والملائكة المتوسطون في رسالاته إليه : بهمن وأرديبهشت وشهريور ~~وأسفندارمز وخرداد ومرداد # وقد رآهم زردشت واستفاد منهم العلوم # وجرت مساءلات بينه وبين أورمزد من غير توسط : # أولها : قال زردشت : ما الشيء الذي كان ويكون وهو الآن موجود # قال أورمزد : أنا والدين والكلام # أما الدين : فعمل أورمزد وكلامه وإيمانه # وأما الكلام : فكلامه # والدين أفضل من الكلام إذ العمل أفضل من القول # وأول من أبدع من الملائكة بهمن وعلمه الدين وخصه بموضع النور مكانا ~~وأقنعه بذاته ذاتا فالمبادئ على هذا الرأي ثلاثة # ( 1 \ 239 ) # السؤال الثاني : قال : لم لم تخلق الأشياء كلها في زمان غير متناه إذ قد ~~جعلت الزمان نصفين نصفه متناه ونصفه غير متناه فلو خلقتها في زمان غير ~~متناه كان لا يستحيل شيء منها # قال أورمزد : فإن كان لا يمكن أن تفنى ثم آفات الأثيم إبليس # السؤال الثالث : قال مماذا خلقت هذا العالم ؟ # قال أورمزد : خلقت جميع هذا العالم من نفسي : # أما أنفس الأبرار فمن شعر رأسي # وأما السماء فمن أم رأسي # والظفر والمعاضد فمن جبهتي # والشمس فمن عيني # والقمر فمن أنفي # والكواكب فمن لساني # وسروس وسائر الملائكة فمن أذني # والأرض فمن عصب رجلي # وأريت هذا الدين أولا كيومرث فشعر به وحفظه من غير تعلم ولا مدارسة # قال زردشت : فلماذا أريت هذا الدين كيومرث بالوهم وألقيته إلي بالقول ؟ # قال أورمزد : لأنك تحتاج أن تتعلم هذا الدين وتعلمه غيرك وكيومرث لم يجد ~~من يقبله فأمسك عن التكلم وهذا خير لك لأني أقول وأنت تسمع وأنت تقول ~~والناس يسمعون ويقبلون # فقال زردشت لأورمزد : هل أريت هذا الدين أحدا قبلي غير كيومرث ؟ # قال : بلى أريت هذا الدين جم خمسين نجما مخمسا من أجل إنكاره الضحاك # قال : إذا كنت عالما أنه لا يقبله فلماذا أريته ؟ # قال : لو لم أره لما صار إليك وقد أريته أيضا ms166 أفريدون وكيكاوس وكيقباد ~~وكشتاسب # قال زردشت : خلقك العالم وترويجك الدين لأي شيء ؟ # قال : لأن فناء العفريت الأثيم لا يمكن إلا بخلق العالم وترويج الدين ولو ~~لم يتروج أمر الدين لما أمكن أن تتروج أمور العالم # فلما أخذ زردشت الدين من أورمزد الوهاب واستحكمه وعمل به وزمزم في بيت ~~أبيه ( 1 \ 240 ) عليه # غاظ ذلك كون الأثيم وأقلقه إذ كان شريرا ممتلئا موتا وظلمة وبلاء ومحنة ~~فدعا بشياطينه وأسماؤهم : # بري ديوانياخ ودويهمان زوش ونومربفنارديو وأمرهم جميعا بالمسير إلى زردشت وقتله # فعلم زردشت بذلك فقرأ وزمزم وأراق الماء على يدي مارسيان فانهزموا عنه ~~مقهورين # وجرت محاربات أخرى فهزمهم زردشت بإحدى وعشرين آية من كتابه أوستا وتوارت ~~الشياطين عن الناس # ولما بلغ زردشت مبلغ الكمال بأربعين سنة وتمت له المخاطبات في سبع عودات ~~إلى أورمزد وأكمل فيها معرفة شرائع دين الله وفرائضه وسننه أمره الله ~~بالمسير إلى كشتاسب الملك وإظهار ذكر الله واسمه # فنفذ لأمر الله ودعا ملكين كانا بذلك الصقع يقال لهما : فوربماراي ~~وبيويدست فدعاهما إلى دين الله والكفر بالشيطان وفعل الخير واجتناب الشر ~~فلم يقبلا قوله وأخذتهما العزة بالإثم فجاءتهما ريح فحملتها من الأرض ووقفت ~~بهما في الهواء واجتمع الناس ينظرون إليهما فغشيهما الطير من كل ناحية ~~وأتوا على لحومهما وسقطت عظامهما على الأرض # ولما بلغ كشتاسب لقي منه كل ما أنبأه به أورمزد من الحبس والبلاء حتى حدث ~~أمر الفرس الذي دخلت قوائمه في باطن بدنه حتى لم ير أثرها في جسده واستبهم ~~حاله على الناس وتحيروا وأخرجه كشتاسب من الحبس وسأله الحال # فقال : تلك آية من آيات صدقي الذي أخبرني به إلهي وخالقي وشارطهم على ~~الإيمان به إن هو دعا وأخرج قوائم الفرس وشرطوا ودعا باسم الله فخرجت قوائم ~~الفرس كما كانت # فآمن به كشتاسب وأمر بجمع علماء أهل زمانه من بابل وإيران شهر وأمرهم ~~بمحاورة زردشت فناظروه فاعترفوا له بالفضيلة # قال : ومما جاء به زردشت المصطفى من دين مارسيان : أن إلهه أورمزد لم يزل ~~ولم يزل معه شيء ms167 سماه أسنى أسنه وهو شيء مضيء حوله وهو فوق وأن إبليس لم ~~يزل معه شيء سماه : أستاه أستاه وهو مظلم حوله وهو أسفل . ( 1 \ 242 ) # وأول ما خلق الله من الملائكة بهمن ثم أرديبهشت ثم شهريور ثم أسفندارمز ~~ثم خرداد ثم مرداد # وخلق بعضهم من بعض كما يؤخذ السراج من السراج من غير أن ينقص من الأول شيء # وقال لهم : من ربكم وخالقكم ؟ # فقالوا : أنت ربنا وخالقنا # وعلم أورمزد أن إبليس سيتحرك من ظلمته فأعلم بذلك الملائكة وبدأ بإعداد ~~ما يورطه ويدفع شره وأذاه عن عالمه ويبطل إرادته فخلق السماء في خمسة ~~وأربعين يوما وسمى كاهينازي شورم ومعناه ظهور ضمائر أهل الدنيا إلى سائر ~~الكاهينازات المذكورات عندهم وخلق الأرض في خمسة وأربعين يوما # وأول من ابتعثه أورمزد إلى الأرض كيومرث وقد كان يستنشق النسيم ثلاثة ~~آلاف سنة ثم أخرجه في قامة ثلاثة رجال # ولما أن جاء وقت تحريك إبليس في ظلمته ارتفع ورأى النور وطمع في ~~الاستيلاء على أسنى أورمزد وتصييره مظلما ودخل السماء يكيد ثم لكيومرث ~~ثلاثين سنة وصارت نطفته ثلاثة أقسام قسم أمر الله الأرض أن تحفظه وقسم أمر ~~سروس الملك أن يحفظه وثلث اختطفته الشياطين # وأمر أورمزد بسد الثقوب التي صعد منها إبليس فبقي داخل السماء منقطعا عن ~~أصله وقوته فانتصب لمنابذة أورمزد ورام الصعود إلى الجنان فدفعه عن ذلك قدر ~~ثلاثة آلاف سنة ثم أعلمه أنه يسعى في الباطل والخسار ويروم ما لا يقدر عليه # واتفق الأمر بينهما على أن يبقى إبليس وجنوده في قرار الضوء تسعة آلاف ~~سنة ويروى سبعة آلاف سنة ثم يبطل ويحتمل خلقه الأذى في هذه السنين ويصبرون ~~عليه وعلى ما ينالهم من الفقر والبلاء والموت وسائر الآفات ليعوضهم منها ~~الحياة الدائمة في الجنان # واشترط إبليس لنفسه وشياطينه ثمانية عشر شرطا : # الأول منها : أن تصير معيشة خلقه من خلق الله # والثاني : أن يكون ممن خلقه على خلق الله # والثالث : أن يسلط خلقه على خلق الله # والرابع : أن يخلط جوهر خلقه بجوهر خلق ms168 الله # والخامس : أن يصير له السبيل إلى أن يأخذ الطين الذي في خلق الله # ( 1 \ 242 ) # والسادس : أن يصير له من النور الذي في خلق الله ما يريد # والسابع : أن يصير له من الرياح التي في خلق الله حاجته # والثامن : أن يصير له من الرطوبة التي في خلق الله # والتاسع : أن يصير له من النار التي في خلق الله # والعاشر : أن يصير له من المودة والمصاهرة التي في خلق الله ليخلط ~~الأشرار بالأخيار # والحادي عشر : أن يصير له من العقل والبصر الذي في خلق الله ليعرف خلقه ~~مسالك المنافع والمضار # والثاني عشر : أن يصير له من العدل الذي في خلق الله ليجعل للأشرار فيه نصيبا # والثالث عشر : أن تخفى على الناس معرفة عمل الصالحين والأشرار إلى يوم ~~القيامة والحساب # والرابع عشر : أن يصير له السبيل إلى أن يبلغ بأهل بيت الشرارة والخبث ~~غاية الغنى والدرجات ويصيرهم عند الناس صالحين # والخامس عشر : أن يصير له السبيل إلى أن يجعل كذب الأشرار مقبولا على ~~الأخيار # والسادس عشر : أن يصير له السبيل إلى أن يعمر من أهل الدنيا من أراد من ~~خلقه ألف سنة أو ثلاثة آلاف سنة ويصيرهم أغنياء أقوياء قادرين على ما ~~يريدون وأن يلهم الناس حتى يكونوا بإعطاء الأشرار أسخى منهم بإعطاء الأخيار ~~وأطيب نفسا # والسابع عشر : أن يصير له السبيل إلى إفناء أهل بيت الصالحين حتى لا يعرف ~~منهم أحد بعد ثلاثمائة وخمسين سنة # والثامن عشر : أن يملك أمر من يحيي الأموات ويبقي الأخيار وينفي الأشرار ~~إلى يوم القيامة # فتمت البيعة أقاما عليها ودفعا سيفيهما إلى عدلين على أن يقتلا من رجع عن شرطه # وأمر الله تعالى الشمس والقمر والكواكب أن تجري لمعرفة الأيام والشهور ~~والأعوام التي جعلها عدة الإنظار والإمهال # ومما نص عليه زردشت أن للعالم قوة إلهية هي المدبرة لجميع ما في العالم ~~المنتهية مبادئها إلى كمالاتها # وهذه القوة تسمى مشاسبند وهي : # على لسان الصابئة : المدبر الأقرب # وعلى لسان الفلاسفة : العقل الفعالي ومنه الفيض الإلهي والعناية الربانية ms169 # وعلى لسان المانوية : الأرواح الطيبة # وعلى لسان العرب : الملائكة # وعلى لسان الشرع والكتاب الإلهي : الروح : ( تنزل الملائكة والروح فيها ) # ( 1 \ 243 ) # وأثبت غيره منشاه ومنشايه ويعني بهما آدم وحواء في العالم الجسماني ~~والعقل والنفس في العالم الروحاني PageV01P235 ### || AUTO الفصل الثاني : الثنوية PageV01P243 ~~هؤلاء هم أصحاب الاثنين الأزليين # يزعمون أن النور والظلمة أزليان قديمان بخلاف المجوس فإنهم قالوا بحدوث ~~الظلام وذكروا سبب حدوثه # وهؤلاء قالوا بتساويها في القدم واختلافهما في الجوهر والطبع والفعل ~~والحيز والمكان والأجناس والأبدان والأرواح PageV01P243 ### || AUTO المانوية PageV01P243 ~~أصحاب ماني بن فاتك الحكيم الذي ظهر في زمان سابور بن أردشير وقتله بهرام ~~بن هرمز بن سابور وذلك بعد عيسى ابن مريم عليه السلام أحدث دينا بين ~~المجوسية والنصرانية # وكان يقول بنبوة المسيح عليه السلام ولا يقول بنبوة موسى عليه السلام # حكى محمد بن هارون المعروف بأبي عيسى الوراق وكان في الأصل مجوسيا عارفا ~~بمذاهب القوم : إن الحكيم ماني زعم أن العالم مصنوع مركب من أصلين قديمين : ~~أحدهما نور والآخر ظلمة وأنهما أزليان لم يزالا ولن يزالا وأنكر وجود شيء ~~إلا من أصل قديم # وزعم أنهما لم يزالا قويين حساسين دراكين سميعين بصيرين وهما مع ذلك في ~~النفس والصورة والفعل والتدبير متضادان وفى الحيز متحاذيان تحاذي الشخص والظل # وإنما تتبين جواهرهما وأفعالهما في هذا الجدول : ( 1 \ 245 ) الجوهر ~~النفس الفعل الحيز الأجناس الصفات # النور : # جوهره : حسن فاضل كريم صاف تقي طيب الريح حسن المنظر # نفسه : خيرة كريمة حكيمة نافعة عالمة # فعله : الخير والصلاح والنفع والسرور والترتيب والنظام والاتفاق # جهته : جهة فوق وأكثرهم على أنه مرتفع ناحية الشمال # وزعم بعضهم أنه يجنب الظلمة # أجناسه خمسة : أربعة منها أبدان والخامس روحه # فالأبدان هي : النار والنور والريح والماء # وروحها : النسيم وهي تتحرك في هذه الأبدان # الصفات : حية خيرة طاهرة زكية # وقال بعضهم : كون النور لم يزل على مثال هذا العالم له أرض وجو # فأرض النور : لم تزل لطيفة على غير صورة هذه الأرض بل هي على صورة جرم ~~الشمس وشعاعها كشعاع الشمس ورائحتها أطيب ms170 رائحة وألوانها ألوان قوس قزح # وقال بعضهم : لا شيء إلا الجسم والأجسام على ثلاثة أنواع : # أرض النور : وهي خمسة # وهناك جسم آخر ألطف منه وهو الجو وهو نفس النور # جسم آخر ألطف منه وهو النسيم وهو روح النور # قال : ولم يزل يولد النور ملائكة وآلهة وأولياء لا على سبيل المناكحة بل ~~كما تتولد الحكمة من الحكيم والمنطق الطيب من الناطق # قال : وملك ذلك العالم هو روحه ويجمع عالمه : الخير والحمد والنور # الظلمة : # جوهرها : قبيح ناقص لئيم كدر خبيث منتن الريح قبيح المنظر # نفسها : شريرة لئيمة سفيهة ضارة جاهلة # فعلها : الشر والفساد والضرر والغم والتشويش والتبتير والاختلاف # جهتها : جهة تحت وأكثرهم على أنها منحطة من ناحية الجنوب # وزعم بعضهم أنها بجنب النور # أجناسها خمسة : أربعة منها أبدان والخامس روحها # فالأبدان هي : الحريق والظلمة والسموم والضباب # وروحها : الدخان وتدعى الهامة وهي تتحرك في هذه الأبدان # الصفات : ميتة شريرة نجسة دنسة # وقال بعضهم : كون الظلمة لم تزل على مثال هذا العالم لها أرض وجو # فأرض ( 1 \ 245 ) الظلمة لم تزل كثيفة على غير صورة هذه الأرض بل هي أكثف ~~وأصلب ورائحتها كريهة أنتن الروائح وألوانها ألوان السواد # وقال بعضهم : لا شيء إلا الجسم والأجسام على ثلاثة أنواع : # أرض الظلمة # وجسم آخر أظلم منه وهو الجو # وجسم آخر أظلم منه وهو السموم # قال : ولم تزل تولد الظلمة شياطين وأراكنة وعفاريت لا على سبيل المناكحة ~~بل كما تتولد الحشرات من العفونات القذرة # قال : وملك ذلك العالم هو روحه ويجمع عالمه : الشر والذميمة والظلمة # ( 1 \ 246 ) # ثم اختلفت المانوية في المزاج وسببه والخلاص وسببه : # قال بعضهم : إن النور والظلام امتزجا بالخبط والاتفاق لا بالقصد ~~والاختيار # وقال أكثرهم : إن سبب المزاج أن أبدان الظلمة تشاغلت عن روحها بعض ~~التشاغل فنظرت الروح فرأت النور فبعثت الأبدان على ممازجة النور فأجابتها ~~لإسراعها إلى الشر فلما رأى ذلك ملك النور وجه إليها ملكا من ملائكته في ~~خمسة أجناس من أجناسها الخمسة فاختلطت الخمسة النورية بالخمسة الظلامية ~~فخالط الدخان النسيم وإنما ms171 الحياة والروح في هذا العالم من النسيم والهلاك ~~والآفات من الدخان # وخالط الحريق النار والنور الظلمة والسموم الريح والضباب الماء فما في ~~العالم من منفعة وخير وبركة فمن أجناس النور وما فيه من مضرة وشر وفساد فمن ~~أجناس الظلمة # فلما رأى ملك النور هذا الامتزاج أمر ملكا من ملائكته فخلق هذا العالم ~~على هذه الهيئة لتخلص أجناس النور من أجناس الظلمة # وإنما سارت الشمس والقمر وسائر النجوم والكواكب لاستصفاء أجزاء النور من ~~أجزاء الظلمة # فالشمس تستصفي النور الذي امتزج بشياطين الحر # والقمر يستصفى النور الذي امتزج بشياطين البرد # والنسيم الذي في الأرض لا يزال يرتفع لأن من شأنها الارتفاع إلى عالمها # وكذلك جميع أجزاء النور أبدا في الصعود والارتفاع وأجزاء الظلمة أبدا في ~~النزول والتسفل حتى تتخلص الأجزاء من الأجزاء ويبطل الامتزاج وتنحل ~~التراكيب ويصل كل إلى كله وعالمه وذلك هو القيامة والمعاد # قال : ومما يعين في التخليص والتمييز ورفع أجزاء النور التسبيح والتقديس ~~والكلام الطيب وأعمال البر فترتفع بذلك الأجزاء النورية في عمود الصبح إلى ~~فلك القمر ولا يزال القمر يقبل ذلك من أول الشهر إلى نصفه فيمتلئ فيصير ~~بدرا ثم يؤدي إلى الشمس إلى آخر الشهر # وتدفع الشمس إلى نور فوقها فيسري ذلك العالم إلى أن يصل إلى النور الأعلى ~~الخالص ولا يزال يفعل ذلك حتى لا يبقى من أجزاء النور شيء ( 1 \ 247 ) في ~~هذا العالم إلا قدر يسير منعقد لا تقدر الشمس والقمر على استصفائه فعند ذلك ~~يرتفع الملك الذي يحمل الأرض ويدع الملك الذي يجذب السماوات فيسقط الأعلى ~~على الأسفل ثم توقد نار حتى يضطرم الأعلى والأسفل ولا تزال تضطرم حتى يتحلل ~~ما فيها من النور وتكون مدة الاضطرام ألفا وأربعمائة وثمانيا وستين سنة # وذكر الحكيم ماني في باب الألف من الجبلة الأولى وفي أول الشابرقان : إن ~~ملك عالم النور في كل أرضه لا يخلو منه شيء وأنه ظاهر باطن وأنه لا نهاية ~~له إلا من حيث تناهي أرضه إلى أرض عدوه # وقال أيضا : إن ms172 ملك عالم النور في سرة أرضه # وذكر أن المزاج القديم هو امتزاج الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ~~والمزاج المحدث هو الخير والشر # وقد فرض ماني على أصحابه العشر في الأموال كلها والصلوات الأربع في اليوم ~~والليلة والدعاء إلى الحق وترك الكذب والقتل والسرقة والزنا والبخل والسحر ~~وعبادة الأوثان وأن يأتي على ذي روح ما يكره أن يؤتى إليه بمثله # واعتقاده في الشرائع والأنبياء أن أول من بعث الله تعالى بالعلم والحكمة ~~آدم أبو البشر ثم بعث شيثا بعده ثم نوحا بعده ثم إبراهيم بعده عليهم الصلاة ~~والسلام ثم بعث بالبددة إلى أرض الهند وزردشت إلى أرض فارس والمسيح كلمة ~~الله وروحه إلى أرض الروم والمغرب وبولس بعد المسيح إليهم ثم يأتي خاتم ~~النبيين إلى أرض العرب # وزعم أبو سعيد المانوي رئيس من رؤسائهم أن الذي مضى من المزاج إلى الوقت ~~الذي هو فيه - وهو سنة إحدى وسبعين ومائتين من الهجرة - أحد عشر ألفا ~~وسبعمائة سنة وأن الذي بقي إلى وقت الخلاص ثلاثمائة سنة # ( 1 \ 248 ) # وعلى مذهبه : مدة المزاج اثنا عشر ألف سنة فيكون قد بقي من المدة خمسون ~~سنة في زماننا هذا وهو إحدى وعشرون وخمسمائة هجرية # فنحن في آخر المزاج وبدء الخلاص فإلى الخلاص الكلي وانحلال التراكيب ~~خمسون سنة PageV01P243 ### || AUTO المزدكية PageV01P248 ~~أصحاب مزدك # ومزدك هو الذي ظهر في أيام قباذ والد أنوشروان ودعا قباذ إلى مذهبه ~~فأجابه واطلع أنوشروان على خزيه وافترائه فطلبه فوجده فقتله # حكى الوراق أن قول المزدكية كقول كثير من المانوية في الكونين والأصلين ~~إلا أن مزدك كان يقول : # إن النور يفعل بالقصد والاختيار والظلمة تفعل على الخبط والاتفاق # والنور عالم حساس والظلام جاهل أعمى # وأن المزاج كان على الاتفاق والخبط لا بالقصد والاختيار وكذلك الخلاص ~~إنما يقع بالاتفاق دون الاختيار # وكان مزدك ينهى الناس عن المخالفة والمباغضة والقتال ولما كان أكثر ذلك ~~إنما يقع بسبب النساء والأموال أحل النساء وأباح الأموال وجعل الناس شركة ~~فيهما كاشتراكهم في الماء والنار والكلأ # وحكي عنه أنه أمر بقتل ms173 الأنفس ليخلصها من الشر ومزاج الظلمة # ومذهبه في الأصول والأركان أنها ثلاثة : الماء والأرض والنار # ولما اختلطت حدث عنها مدبر الخير ومدبر الشر فما كان من صفوها فهو مدبر ~~الخير وما كان من كدرها فهو مدبر الشر # وروي عنه أن معبوده قاعد على كرسيه في العالم الأعلى على هيئة قعود خسرو ~~في العالم الأسفل وبين يديه أربع قوى : # قوة التمييز والفهم والحفظ والسرور # كما بين يدي خسرو أربعة أشخاص : # موبذ موبذان والهربد الأكبر والأصبهيد والرامشكر # ( 1 \ 249 ) # وتلك الأربع يدبرون أمر العالم بسبعة من ورائهم : سالار وبيشكار وبالون ~~وبراون وكازران ودستور وكوذك # وهذه السبعة تدور في اثني عشر روحانيين : خواننده ودهنده وستاننده وبرنده ~~خورننده ودونده وخيزنده وكشنده وزننده وكننده وأبنده وشونده وباينده # وكل إنسان اجتمعت له هذه القوى الأربع والسبع والاثنا عشر صار ربانيا في ~~العالم السفلي وارتفع عنه التكليف # قال : وإن خسرو العالم الأعلى إنما يدبر بالحروف التي مجموعها الاسم ~~الأعظم ومن تصور من تلك الحروف شيئا انفتح له السر الأكبر ومن حرم ذلك بقي ~~في عمى الجهل والنسيان والبلادة والغم في مقابلة القوى الأربع الروحانية # وهم فرق : الكوذية وأبو مسلمية والماهانية والاسبيدخامكية والكوذية ~~بنواحي الأهواز وفارس وشهرزور والأخر بنواحي سغد سمرقند والشاش وإيلاق PageV01P248 ### || AUTO الديصانية PageV01P249 ~~أصحاب ديصان # أثبتوا أصلين : نورا وظلاما # فالنور : يفعل الخير قصدا واختيارا # والظلام : يفعل الشر طبعا واضطرارا # فما كان من خير ونفع وطيب وحسن فمن النور # وما كان من شر وضرر ونتن وقبح فمن الظلام # وزعموا أن النور : حي عالم قادر حساس دراك ومنه تكون الحركة والحياة # والظلام : ميت جاهل عاجز جماد موات لا فعل له ولا تمييز # وزعموا أن الشر يقع منه طباعا وخرقا # وزعموا أن النور جنس واحد وكذلك الظلام جنس واحد # وأن إدراك النور إدراك متفق فإن سمعه وبصره وسائر حواسه شيء واحد ( 1 \ ~~250 ) فسمعه هو بصره وبصره هو حواسه وإنما قيل سميع بصير لاختلاف التركيب ~~لا لأنهما في نفسهما شيئان مختلفان # وزعموا أن اللون هو الطعم وهو الرائحة وهو ms174 المحسة وإنما وجدوه لونا لأن ~~الظلمة خالطته ضربا من المخالطة ووجده طعما لأنها خالطته بخلاف ذلك الضرب ~~وكذلك القول في لون الظلمة وطعمها ورائحتها ومحستها # وزعموا أن النور بياض كله وأن الظلام سواد كله # وزعموا أن النور لم يزل يلقى الظلمة بأسفل صفحة منه وأن الظلمة لم تزل ~~تلقاه بأعلى صفحة منها # واختلفوا في المزاج والخلاص : # فزعم بعضهم أن النور داخل الظلمة والظلمة تلقاه بخشونة وغلظ فتأذى بها ~~وأحب أن يرقصها ويلينها ثم يتخلص منها وليس ذلك لاختلاف جنسهما ولكن كما أن ~~المنشار جنسه حديد وصفحته لينه وأسنانه خشنة فاللين في النور والخشونة في ~~الظلمة وهما جنس واحد فتلطف النور بلينه حتى يدخل تلك الفرج فما أمكنه إلا ~~بتلك الخشونة فلا يتصور الوصول إلى كمال وجود إلا بلين وخشونة # وقال بعضهم : بل الظلام لما احتال حتى تشبث بالنور من أسفل صفحته فاجتهد ~~النور حتى يتخلص منه ويدفعه عن نفسه فاعتمد عليه فلجج فيه وذلك بمنزلة ~~الإنسان الذي يريد الخروج من وحل وقع فيه فيعتمد على رجله ليخرج فيزداد ~~لجوجا فيه فاحتاج النور إلى زمان ليعالج التخلص منه والتفرد بعالمه # وقال بعضهم : إن النور إنما دخل أجزاء الظلام اختيارا ليصلحها ويستخرج ~~منها أجزاء صالحة لعالمه فلما دخل تشبثت به زمانا فصار يفعل الجور والقبيح ~~اضطرارا لا اختيارا ولو انفرد في عالمه ما كان يحصل منه إلا الخير المحض ~~والحسن البحت # وفرق بين الفعل الاضطراري وبين الفعل الاختياري # ( 1 \ 251 ) PageV01P249 ### || AUTO المرقيونية PageV01P251 ~~أصحاب مرقيون # أثبتوا أصلين قديمين متضادين : أحدهما النور والثاني الظلمة # وأثبتوا أصلا ثالثا هو المعدل الجامع وهو سبب المزاج فان المتنافرين ~~المتضادين لا يمتزجان إلا بجامع # وقالوا : إن الجامع دون النور في المرتبة وفوق الظلمة وحصل من الاجتماع ~~والامتزاج هذا العالم # ومنهم من يقول : الامتزاج إنما حصل بين الظلمة والمعدل إذ هو أقرب منها ~~فامتزجت به لتطيب به وتلتذ بملاذه فبعث النور إلى العالم الممتزج روحا ~~مسيحية وهو روح الله وابنه تحننا على المعدل الجامع السليم الواقع في شبكة ~~الظلام ms175 الرجيم حتى يخلصه من حبائل الشياطين فمن اتبعه فلم يلامس النساء ولم ~~يقرب الزهومات أفلت ونجا ومن خالفه خسر وهلك # قالوا : وإنما أثبتنا المعدل لأن النور الذي هو الله تعالى لا يجوز عليه ~~مخالطة الشياطين وأيضا فإن الضدين يتنافران طبعا ويتمانعان ذاتا ونفسا فكيف ~~يجوز اجتماعهما وامتزاجهما ؟ فلا بد من معدل يكون بمنزلة دون النور وفوق ~~الظلام فيقع الامتزاج منه # وهذا على خلاف ما قالته المانوية وإن كان ديصان أقدم وإنما أخذ ماني منه ~~مذهبه وخالفه في المعدل كالحاكم على الخصمين الجامع بين المتضادين لا يجوز ~~أن يكون طبعه وجوهره من أحد الضدين وهو الله عز وجل الذي لا ضد له ولا ند # وحكى محمد بن شبيب عن الديصانية أنهم زعموا أن المعدل هو الإنسان الحساس ~~الدراك إذ هو ليس بنور محض ولا ظلام محض # وحكي عنهم أنهم يرون المناكحة وكل ما فيه منفعة لبدنه وروحه حراما ~~ويحترزون عن ذبح الحيوان لما فيه من الألم # ( 1 \ 252 ) # وحكي عن قوم من الثنوية أن النور والظلمة لم يزالا حيين إلا أن النور ~~حساس عالم والظلام جاهل أعمى # والنور يتحرك حركة مستوية مستقيمة والظلام يتحرك حركة عجرفية خرقاء معوجة # فبينا هما كذلك إذ هجم بعض هامات الظلام على حاشية من حواشي النور فابتلع ~~النور منه قطعة على الجهل لا على القصد والعلم وذلك كالطفل الذي لا يفصل ~~بين الجمرة والتمرة وكان ذلك سبب المزاج # ثم إن النور الأعظم دبر في الخلاص فبنى هذا العالم ليستخلص ما امتزج به ~~من النور ولم يمكنه استخلاصه إلا بهذا التدبير PageV01P251 ### || AUTO الكينوية والصيامية والتناسخية منهم PageV01P252 ~~حكى جماعة من المتكلمين أن الكينوية زعموا أن الأصول ثلاثة : النار والأرض والماء # وإنما حدثت هذه الموجودات من هذه الأصول دون الأصلين اللذين أثبتهما ~~الثنوية # قالوا : والنار بطبعها خيرة نورانية # والماء ضدها في الطبع # فما كان من خير في هذا العالم فمن النار وما كان من شر فمن الماء # والأرض متوسطة # وهؤلاء يتعصبون للنار شديدا من حيث أنها علوية نورانية لطيفة ms176 لا وجود إلا ~~بها ولا بقاء إلا بإمدادها # والماء يخالفها في الطبع فيخالفها في الفعل # والأرض متوسطة بينهما # فتركيب العالم من هذه الأصول # والصيامية منهم أمسكوا عن طيبات الرزق وتجردوا لعبادة الله وتوجهوا في ~~عباداتهم إلى النيران تعظيما لها # وأمسكوا أيضا عن النكاح والذبائح # والتناسخية منهم قالوا بتناسخ الأرواح في الأجساد والانتقال من شخص إلى ~~شخص وما يلقى الإنسان من الراحة والتعب والدعة والنصب فمرتب على ما أسفله ~~من قبل وهو في بدن آخر جزاء على ذلك # والإنسان أبدا في أحد أمرين : إما في فعل وإما في جزاء # وما هو فيه فإما مكافأة على عمل قدمه وإما عمل ينتظر ( 1 \ 253 ) ~~المكافأة عليه # والجنة والنار في هذه الأبدان وأعلى عليين درجة النبوة وأسفل السافلين ~~دركة الحية فلا وجود أعلى من درجة الرسالة ولا وجود أسفل من دركة الحية # ومنهم من يقول : الدرجة الأعلى درجة الملائكة والأسفل دركة الشياطين # ويخالفون بهذا المذهب سائر الثنوية فإنهم يعنون بأيام الخلاص رجوع أجزاء ~~النور إلى عالمه الشريف الحميد وبقاء أجزاء الظلام في عالمه الخسيس الذميم # وأما بيوت النيران للمجوس : # فأول بيت بناه أفريدون بيت نار بطوس # وآخر بمدينة بخارى هو بردسون # واتخذ بهمن بيتا بسجستان يدعى كركو # ولهم بيت نار آخر في نواحي بخارى يدعى قباذان # وبيت نار يسمى كويسه بين فارس وأصبهان بناه كيخسرو # وآخر بقومس يسمى جرير # وبيت نار يسمى كنكدر بناه سياوش في مشرق الصين # وآخر بأرجان من فارس اتخذه أرجان جد كشتاسب # وهذه البيوت كانت قبل زردشت # ثم جدد بيت نار بنيسابور # وآخر بنسا # وأمر كشتاسب أن يطلب نارا كان يعظمها جم فوجدها بمدينة خوارزم فنقلها إلى ~~دار بجرد وتسمى آذرخره والمجوس يعظمونها أكثر من غيرها وكيخسرو لما خرج إلى ~~غزو أفراسياب عظمها وسجد لها # ويقال : إن أنوشروان هو الذي نقلها إلى كآريان فتركوا بعضها وحملوا بعضها ~~إلى نسا # وفي بلاد الروم على أبواب قسطنطينية بيت نار اتخذه سابور بن أردشير فلم ~~يزل كذلك إلى أيام المهدي # وبيت نار بإستينيا ms177 على قرب مدينة السلام لبوران بنت كسرى # وكذلك بالهند والصين بيوت نيران # ( 1 \ 254 ) # وأما اليونانيون فكان لهم ثلاثة أبيات ليست فيها نار وقد ذكرناها # والمجوس إنما يعظمون النار لمعان فيها : # منها أنها جوهر شريف علوي # ومنها أنها ما أحرقت الخليل إبراهيم عليه السلام # ومنها ظنهم أن التعظيم لها ينجيهم في المعاد من عذاب النار # وبالجملة هي قبلة لهم ووسيلة وإشارة والله أعلم # تم الجزء الأول ويليه الجزء الثاني وأوله الباب الأول : أهل الأهواء والنحل # كتاب الملل والنحل أبي الفتح محمد بن عبد الكريم بن أبي بكر أحمد ~~الشهرستاني 479 - 548 # ( 2 \ 2 ) PageV01P252 ### | AUTO الباب الأول : أهل الأهواء والنحل PageV02P002 ~~من الصابئة والفلاسفة وآراء العرب في الجاهلية وآراء الهند وهؤلاء يقابلون ~~أرباب الديانات تقابل التضاد كما ذكرنا واعتمادهم على الفطر السليمة والعقل ~~الكامل والذهن الصافي # فمن معطل بطال لا يرد عليه فكره براد ولا يهديه عقله ونظره إلى اعتقاد ~~ولا يرشده فكره وذهنه إلى معاد قد ألف المحسوس وركن إليه وظن أنه لا عالم ~~سوى ما هو فيه من مطعم شهي ومنظر بهي ولا عالم وراء هذا المحسوس وهؤلاء هم ~~الطبيعيون الدهريون لا يثبتون معقولا # ومن محصل نوع تحصيل قد ترقى عن المحسوس وأثبت المعقول لكنه لا يقول بحدود ~~وأحكام وشريعة وإسلام ويظن أنه إذا حصل المعقول وأثبت للعالم مبدأ ومعادا ~~وصل إلى الكمال المطلوب من جنسه فتكون سعادته على قدر إحاطته وعلمه وشقاوته ~~بقدر سفاهته وجهله وعقله هو المستبد بتحصيل هذه السعادة ووضعه هو المستعد ~~لقبول تلك الشقاوة وهؤلاء هم الفلاسفة الإلهيون # قالوا : الشرائع وأصحابها : أمور مصلحية عامية # والحدود والأحكام والحلال والحرام : أمور وضعية # وأصحاب الشرائع ( 2 \ 3 ) : رجال لهم حكم عملية # وربما يؤيدون من عند واهب الصور بإثبات أحكام ووضع حلال وحرام : مصلحة ~~للعباد وعمارة للبلاد # وما يخبرون عنه من الأمور الكائنة في حال من أحوال عالم الروحانيين من ~~الملائكة والعرش والكرسي واللوح والقلم فإنما هي أمور معقولة لهم قد عبروا ~~عنها بصورة خيالية جسمانية # وكذلك ما يخبرون به ms178 من أحوال المعاد من الجنة والنار مثل قصور وأنهار ~~وطيور وثمار في الجنة فترغيبات للعوام بما تميل إليه طباعهم وسلاسل وأغلال ~~وخزي ونكال في النار فترهيبات للعوام بما تنزجر عنه طباعهم وإلا ففي العالم ~~العلوي لا يتصور أشكال جسمانية وصور جرمانية # وهذا أحسن ما يعتقدونه في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لست أعني بهم ~~الذين أخذوا علومهم من مشكاة النبوة وإنما أعني بهؤلاء الذين كانوا في ~~الزمن الأول دهرية وحشيشية وطبيعية وإلهية قد اغتروا بحكمهم واستقلوا ~~بأهوائهم وبدعهم # ثم يتلوهم ويقرب منهم قوم يقولون بحدود وأحكام عقلية وربما أخذوا أصولها ~~وقوانينها من مؤيد بالوحي إلا أنهم اقتصروا على الأول منهم وما نفذوا إلى ~~الآخر وهؤلاء هم الصابئة الأولى الذين قالوا بعاذيمون وهرمس وهما شيث ~~وإدريس عليهما السلام ولم يقولوا بغيرهما من الأنبياء عليهم السلام # والتقسيم الضابط أن نقول : PageV02P002 # 1 - من الناس من لا يقول بمحسوس ولا معقول وهم السوفسطائية PageV02P003 ~~2 - ومنهم من يقول بالمحسوس ولا يقول بالمعقول وهم الطبيعية PageV02P003 ~~3 - ومنهم من يقول بالمحسوس والمعقول ولا يقول بحدود وأحكام وهم الفلاسفة ~~الدهرية PageV02P003 ~~4 - ومنهم من يقول بالمحسوس والمعقول والحدود والأحكام ولا يقول بالشريعة ~~والإسلام وهم الصابئة # ( 2 \ 4 ) PageV02P003 ~~5 - ومنهم من يقول بهذه كلها وبشريعة ما وإسلام ولا يقول بشريعة نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم وهم المجوس واليهود والنصارى PageV02P004 ~~6 - ومنهم من يقول بهذه كلها وهم المسلمون # ونحن قد فرغنا عمن يقول بالشرائع والأديان فنتكلم الآن فيمن لا يقول بها ~~ويستبد برأيه وهواه في مقابلتهم PageV02P004 ### || AUTO الفصل الأول : الصابئة PageV02P004 ~~قد ذكرنا فيما تقدم أن الصبوة في مقابلة الحنيفية # وفي اللغة : صبأ الرجل إذا مال وزاغ فبحكم ميل هؤلاء عن سنن الحق وزيغهم ~~عن نهج الأنبياء قيل لهم : الصابئة # وقد يقال : صبأ الرجل إذا عشق وهوى # وهم يقولون : الصبوة هي الانحلال عن قيد الرجال # وإنما مدار مذهبهم على التعصب للروحانيين كما أن مدار مذهب الحنفاء هو ~~التعصب للبشر الجسمانيين # والصابئة تدعي أن مذهبها هو الاكتساب والحنفاء تدعي أن مذهبها هو الفطرة ms179 # فدعوة الصابئة إلى الاكتساب ودعوة الحنفاء إلى الفطرة # ( 2 \ 5 ) PageV02P004 ### || AUTO الفصل الثاني : أصحاب الروحانيات PageV02P005 ~~وفي العبارة لغتان : # روحاني : بالضم من الروح # وروحاني : بالفتح من الروح # والروح والروح متقاربان فكأن الروح جوهر والروح حالته الخاصة به PageV02P005 ### || AUTO 1 - مذهب أصحاب الروحانيات : PageV02P005 # ومذهب هؤلاء أن للعالم صانعا فاطرا حكيما مقدسا عن سمات الحدثان # والواجب علينا معرفة العجز عن الوصول إلى جلاله وإنما يتقرب إليه ~~بالمتوسطات المقربين لديه وهم الروحانيون المطهرون المقدسون جوهرا وفعلا وحالة # أما الجوهر : فهم المقدسون عن المواد الجسمانية المبرءون عن القوى ~~الجسدانية المنزهون عن الحركات المكانية والتغيرات الزمانية قد جبلوا على ~~الطهارة وفطروا على التقديس والتسبيح : ( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ~~ما يؤمرون ) # وإنما أرشدنا إليهم معلمنا الأول عاذيمون وهرمس فنحن نتقرب إليهم ونتوكل ~~عليهم وهم أربابنا وآلهتنا ووسائلنا وشفعاؤنا عند الله وهو رب الأرباب وإله ~~الآلهة رب كل شيء ومليكه # فالواجب علينا أن نطهر نفوسنا عن دنس الشهوات الطبيعية ونهذب أخلاقنا عن ~~علائق القوى الشهوانية والغضبية حتى تحصل مناسبة ما بيننا وبين الروحانيات ~~فحينئذ ( 2 \ 6 ) نسأل حاجاتنا منهم ونعرض أحوالنا عليهم ونصبو في جميع ~~أمورنا إليهم فيشفعون لنا إلى خالقنا وخالقهم ورازقنا ورازقهم وهذا التطهير ~~والتهذيب ليس يحصل إلا باكتسابنا ورياضتنا وفطامنا أنفسنا عن دنيات الشهوات ~~باستمداد من جهة الروحانيات والاستمداد هو التضرع والابتهال بالدعوات ~~وإقامة الصلوات وبذل الزكوات والصيام عن المطعومات والمشروبات وتقريب ~~القرابين والذبائح وتبخير البخورات وتعزيم العزائم فيحصل لنفوسنا استعداد ~~واستمداد من غير واسطة بل يكون حكمنا وحكم من يدعي الوحي على وتيرة واحدة # قالوا : والأنبياء أمثالنا في النوع وأشكالنا في الصورة يشاركوننا في ~~المادة يأكلون مما نأكل ويشربون مما نشرب ويساهموننا في الصورة أناس بشر ~~مثلنا فمن أين لنا طاعتهم وبأية مزية لهم لزمت متابعتهم ؟ ( ولئن أطعتم ~~بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون ) مقالتهم # وأما الفعل : فقالوا : الروحانيات هم الأسباب المتوسطون في الاختراع ~~والإيجاد وتصريف الأمور من حال إلى حال وتوجيه المخلوقات من مبدأ إلى كمال ~~يستمدون القوة من الحضرة القدسية ويفيضون ms180 الفيض على الموجودات السفلية # فمنها مدبرات الكواكب السبعة السيارة في أفلاكها وهي هياكلها فلكل روحاني ~~هيكل ولكل هيكل فلك ونسبة الروحاني إلى ذلك الهيكل الذي اختص به نسبة الروح ~~إلى الجسد فهو ربه ومدبره ومديره # وكانوا يسمون الهياكل أربابا وربما يسمونها آباء والعناصر أمهات ففعل ~~الروحانيات تحريكها على قدر مخصوص ليحصل من حركاتها انفعالات في الطبائع ~~والعناصر فيحصل من ذلك تركيبات وامتزاجات ( 2 \ 7 ) في المركبات فيتبعها ~~قوى جسمانية وتركب عليها نفوس روحانية مثل أنواع النبات وأنواع الحيوان ثم ~~قد تكون التأثيرات كلية صادرة عن روحاني كلي وقد تكون جزئية صادرة عن ~~روحاني جزئي فمع جنس المطر ملك ومع كل قطرة ملك # ومنها مدبرات الآثار العلوية الظاهرة في الجو : # مما يصعد من الأرض فينزل : مثل الأمطار والثلوج والبرد والرياح # ومما ينزل من السماء : مثل الصواعق والشهب # ومما يحدث في الجو : من الرعد والبرق والسحاب والضباب وقوس قزح وذوات ~~الأذناب والهالة والمجرة # ومما يحدث في الأرض : مثل الزلازل والمياه والأبخرة إلى غير ذلك # ومنها متوسطات القوى السارية في جميع الموجودات ومدبرات الهداية الشائعة ~~في جميع الكائنات حتى لا نرى موجودا ما خاليا عن قوة وهداية إذا كان قابلا لهما # قالوا : وأما الحالة : فأحوال الروحانيات من الروح والريحان والنعمة ~~واللذة والراحة والبهجة والسرور في جوار رب الأرباب كيفي يخفى # ثم طعامهم وشرابهم : التسبيح والتقديس والتهليل والتمجيد والتحميد وأنسهم ~~بذكر الله تعالى وطاعته فمن قائم ومن راكع ومن ساجد ومن قاعد لا يزيد تبديل ~~حالته لما هو فيه من البهجة واللذة ومن خاشع بصره لا يرفع ومن ناظر لا يغمض ~~ومن ساكن لا يتحرك ومن متحرك لا يسكن ومن كروبي في عالم القبض ومن روحاني ~~في عالم البسط ( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ) # ( 2 \ 8 ) PageV02P005 ### || AUTO 2 - مناظرات بين الصابئة والحنفاء : PageV02P008 # وقد جرت مناظرات ومحاورات بين الصابئة والحنفاء في المفاضلة بين الروحاني ~~المحض وبين البشرية النبوية # ونحن أردنا أن نوردها على شكل سؤال وجواب وفيها فوائد لا تحصى # قالت الصابئة ms181 : # الروحانيات أبدعت إبداعا لا من شيء لا مادة ولا هيولى وهي كلها جوهر واحد ~~على سنخ واحد وجواهرها أنوار محضة لا ظلام فيها وهي من شدة ضيائها لا ~~يدركها الحس ولا ينالها البصر ومن غاية لطافتها يحار فيها العقل ولا يجول ~~فيها الخيال # ونوع الإنسان مركب من العناصر الأربعة مؤلف من : مادة وصورة # والعناصر متضادة ومزدوجة بطباعها : اثنان منها مزدوجان واثنان منها ~~متضادان # ومن التضاد يصدر الاختلاف والهرج ومن الازدواج يحصل الفساد والمرج فما هو ~~مبدع لا من شيء لا يكون كمخترع من شيء # والمادة والهيولى سنخ الشر ومنبع الفساد فالمركب منها ومن الصورة كيف ~~يكون كمحض الصورة ؟ والظلام كيف يساوي النور ؟ والمحتاج إلى الازدواج ~~والمضطر في هوة الاختلاف كيف يرقى إلى درجة المستغنى عنهما ؟ # أجابت الحنفاء : # بأن قالت : بم عرفتم معاشر الصابئة وجود هذه الروحانيات ؟ والحس ما دلكم ~~عليه والدليل ما أرشدكم إليه ؟ # قالوا : عرفنا وجودها وتعرفنا أحوالها من عاذيمون وهرمس شيث وإدريس ~~عليهما السلام # ( 2 \ 9 ) # قالت الحنفاء : لقد ناقضتم وضع مذهبكم فإن غرضكم في ترجيح الروحاني على ~~الجسماني : نفي المتوسط البشري فصار نفيكم إثباتا وعاد إنكاركم إقرارا # ثم من الذي يسلم أن المبدع لا من شيء أشرف من المخترع من شيء بل وجانب ~~الروحاني أمر واحد وجانب الجسماني أمران : # أحدهما : نفسه وروحه # والثاني : حسه وجسده فهو من حيث الروح مبدع بأمر الله تعالى ومن حيث ~~الجسد مخترع بخلقه ففيه أثران : أمري وخلقي قولي وفعلي فساوى الروحاني بجهة ~~وفضله بجهة خصوصا إذا كانت جهته الخلقية ما نقصت الجهة الأخرى بل كملت وطهرت # وإنما الخطأ عرض لكم من وجهين : # أحدهما : أنكم فاضلتم بين الروحاني المجرد والجسماني المجرد فحكمتم بأن ~~الفضل للروحاني وصدقتم لكن المفاضلة بين الروحاني المجرد والجسماني ~~والروحاني المجتمع ولا يحكم عاقل بأن الفضل للروحاني المجرد فإنه بطرف ~~ساواه وبطرف سبقه والفرض فيما إذا لم يدنس بالمادة ولوازمها ولم تؤثر فيه ~~أحكام التضاد والازدواج بل كان مستخدما لها بحيث لا تنازعه في شيء يريده ~~ويرضاه بل صارت معينات ms182 له على الغرض الذي لأجله حصل التركيب وعطلت الوحدة ~~والبساطة وذلك تخليص النفوس التي تدنست بالمادة ولوازمها وصارت العلائق عوائق # وليت شعري ماذا يشين اللباس الحسن الشخص الجميل وكيف يزري اللفظ الرائق ~~بالمعنى المستقيم ؟ ونعم ما قيل : # إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل # وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل # هذا كمن خاير بين اللفظ المجرد والمعنى المجرد : اختار المعنى قيل له : ~~لا بل خاير ( 2 \ 10 ) بين المعنى المجرد والعبارة والمعنى حتى لا يشكل إذ ~~المعنى اللطيف في العبارة الرشيقة أشرف من المعنى المجرد # والوجه الثاني : أنكم ما تصورتم من النبوة إلا كمالا وتماما فحسب ولم يقع ~~بصركم على أنها كمال هو مكمل غيره ففاضلتم بين كمالين مطلقا وما حكمتم إلا ~~بالتساوي وترجيح جانب الروحاني # ونحن نقول : ما قولكم في كمالين : أحدهما : كامل والثاني : كامل ومكمل ~~عالما أيهما أفضل ؟ # قالت الصابئة : # نوع الإنسان ليس يخلو من قوتي الشهوة والغضب وهما ينزعان إلى البهيمية ~~والسبعية وينازعان النفس الإنسانية إلى طباعها فيثور من الشهوية : الحرص ~~والأمل ومن الغضبية : الكبر والحسد إلى غيرهما من الأخلاق الذميمة فكيف ~~يماثل من هذه صفته نوع الملائكة المطهرين عنهما وعن لوازمهما ولواحقهما : ~~صافية أوضاعهم عن النوازع الحيوانية كلها خالية طباعهم عن القواطع البشرية ~~بأسرها لم يحملهم الغضب على حب الجاه ولا حملتهم الشهوة على حب المال بل ~~طباعهم مجبولة على المحبة والموافقة وجواهرهم مفطورة على الألفة والاتحاد ؟ # أجابت الحنفاء : # بأن هذه المغالطة مثل الأولى حذو النعل بالنعل فإن في طرف البشرية نفسين : # نفس حيوانية لها قوتان : قوة الغضب وقوة الشهوة # ونفس إنسانية لها قوتان : قوة علمية وقوة عملية # وبتينك القوتين لها أن تجمع وتمنع وبهاتين القوتين لها أن تقسم الأمور ~~وتفصل الأحوال ثم تعرض الأقسام والأحوال على العقل فيختار العقل الذي هو ~~كالبصر النافذ له من العقائد الحق دون الباطل ومن الأقوال الصدق دون ( 2 \ ~~11 ) الكذب ومن الأفعال الخير دون الشر # ويختار بقوته العملية من ms183 لوازم القوة الغضبية : الشدة والشجاعة والحمية ~~دون الذلة والجبن والنذالة # ويختار بها أيضا من لوازم القوة الشهوية : التآلف والتودد والبذاذة دون ~~الشره والمهانة والخساسة # فيكون من أشد الناس حمية على خصمه وعدوه ومن أرحم الناس تذللا وتواضعا ~~لوليه وصديقه وإذا بلغ هذا الكمال فقد استخدم القوتين واستعملهما في جانب ~~الخير ثم يترقى منه إلى إرشاد الخلائق في تزكية النفوس عن العلائق وإطلاقها ~~عن قيد الشهوة والغضب وإبلاغها إلى حد الكمال # ومن المعلوم أن كل نفس شريفة عالية زكية هذه حالها لا تكون كنفس لا ~~تنازعها قوة أخرى على خلاف طباعها وحكم العنين العاجز في امتناعه عن تنفيذ ~~الشهوة لا يكون كحكم المتصون الزاهد المتورع في إمساكه عن قضاء الوطر مع ~~القدرة عليه # فإن الأول : مضطر عاجز والثاني : مختار قادر حسن الاختيار جميل التصرف ~~وليس الكمال والشرف في فقدان القوتين وإنما الكمال كله في استخدام القوتين # فنفس النبي عليه الصلاة والسلام كنفوس الروحانيين فطرة ووضعا وبذلك الوجه ~~وقعت الشركة وفضلها وتقدمها باستخدام القوتين اللتين دونها فلم تستخدمه ~~واستعمالها في جانب الخير والنظام فلم تستعمله وهو الكمال # قالت الصابئة : # الروحانيات صور مجردة عن المواد وإن قدر لها أشخاص تتعلق بها تصرفا ~~وتدبيرا لا ممازجة ولا مخالطة فأشخاصها نورانية أو هياكل كما ذكرنا # والفرض : أنها إذا كانت صورا مجردة كانت موجودات بالفعل لا بالقوة كاملة ~~لا ناقصة والمتوسط يجب أن يكون كاملا حتى يكمل غيره # وأما الموجودات البشرية فصور في مواد وإن قدر لها نفوس فنفوسها : إما ~~مزاجية وإما خارجة عن المزاج # والفرض : أنها إذا كانت صورا ( 2 \ 12 ) في مواد كانت موجودات بالقوة لا ~~بالفعل ناقصة لا كاملة والمخرج من القوة إلى الفعل يجب أن يكون أمرا بالفعل ~~ويجب أن يكون غير ذات ما يحتاج إلى الخروج فإن ما بالقوة لا يخرج بذاته من ~~القوة إلى الفعل بل بغيره # والروحانيات هي المحتاج إليها حتى تخرج الجسمانيات إلى الفعل والمحتاج ~~إليه كيف يساوي المحتاج ؟ # أجابت الحنفاء : # هذا الحكم الذي ذكرتموه : وهو كون الروحانيات ms184 موجودات بالفعل غير مسلم ~~على الإطلاق لأن من الروحانيات ما يكون وجوده بالقوة أو ما هو فيه وجود ~~بالقوة ويحتاج إلى ما وجوده بالفعل حتى يخرجه من القوة إلى الفعل فإن النفس ~~لها استعداد القبول من العقل عندكم والعقل له إعداد لكل شيء وفيض على كل ~~شيء وأحدهما بالقوة والآخر بالفعل وهذا لضرورة الترتب في الموجودات العلوية ~~فإن من لم يثبت الترتب فيها لم تتمش له قاعدة عقلية أصلا وإذا ثبت الترتب ~~فقد ثبت الكمال في جانب والنقصان في جانب فليس كل روحاني كاملا من كل وجه ~~ولا كل جسماني ناقصا من كل وجه فمن الجسمانيات أيضا ما وجوده كامل بالفعل ~~وسائر النفوس أيضا محتاجة إليه # وذلك أيضا لضرورة الترتب في الموجودات السفلية وإن من لم يثبت الترتب لم ~~تستمر له قاعدة عقلية أصلا وإذا ثبت الترتب فقد ثبت الكمال في جانب ~~والنقصان في جانب فليس كل جسماني ناقصا من كل وجه # قالت : وإذا سلمتم لنا أن هذا العالم الجسماني في مقابلة ذلك العالم ~~الروحاني وإنما يختلفان من حيث إن ما في هذا العالم من الأعيان فهو آثار ~~ذلك العالم وما في ذلك العالم من الصور فهو مثل هذا العالم والعالمان ~~متقابلان كالشخص والظل # وإذا أثبتم في ذلك العالم موجودا ما بالفعل كاملا تاما حتى تصدر عنه سائر ~~الموجودات وجودا ( 2 \ 13 ) ووصولا إلى الكمال فيجب أن تثبتوا في هذا ~~العالم أيضا موجودا ما بالفعل كاملا تاما حتى تصدر عنه سائر الموجودات ~~تعلما ووصولا إلى الكمال # قالوا : وإنما طريقنا إلى التعصب للرجال ونيابة الرسل في الصورة البشرية ~~طريقكم في إثبات الأرباب عندكم وهي الروحانيات السماوية وذلك احتياج كل ~~مربوب إلى رب يدبره ثم احتياج الأرباب إلى رب الأرباب # ومن العجب أن عند الصابئة أكثر الروحانيات قابلة منفعلة وإنما الفاعل ~~الكامل واحد وعن هذا صار بعضهم إلى أن الملائكة إناث وقد أخبر التنزيل عنهم ~~بذلك : ( وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا ) # وإذا كان الفاعل الكامل المطلق واحد فما سواه قابل ms185 محتاج إلى مخرج يخرج ~~ما فيه بالقوة إلى الفعل فكذلك نقول في الموجودات السفلية النفوس البشرية ~~كلها قابلة للوصول إلى الكمال بالعلم والعمل فتحتاج إلى مخرج يخرج ما فيهما ~~بالقوة إلى الفعل والمخرج هو النبي والرسول وما هو مخرج الشيء من القوة إلى ~~الفعل لا يجوز أن يكون أمرا بالقوة محتاجا فإن ما لم يتحقق بالفعل وجودا لا ~~يخرج غيره من القوة إلى الفعل فالبيض لا يخرج البيض من القوة إلى صورة ~~الطير بل الطير يخرج البيض # وهذا الجواب يماثل الجواب الأول من وجه وفيه فائدة أخرى من وجه آخر وهي ~~أن عند الحنفاء المعقول لا يكون معقولا حتى يثبت له مثال في المحسوس وإلا ~~كان متخيلا موهوما # والمحسوس لا يكون محسوسا حتى يثبت له مثال في المعقول وإلا كان سرابا معدوما # وإذا ثبتت هذه القاعدة فمن أثبت عالما روحانيا وأثبت فيه مدبرا كاملا من ~~جنسه : وجوده بالفعل وفعله إخراج الموجودات من القوة إلى الفعل بفيض الصور ~~عليها على قدر الاستحقاق فيلزمه ضرورة أن يثبت عالما جسمانيا ويثبت فيه ~~مدبرا كاملا من جنسه : وجوده بالفعل وفعله إخراج الموجودات من القوة إلى ~~الفعل بفيض الصور عليها ( 2 \ 14 ) على قدر الاستحقاق ويسمى المدبر في ذلك ~~العالم ( الروح الأول ) على مذهب الصابئة والمدبر في هذا العالم ( الرسول ) ~~على مذهب الحنفاء ثم يكون بين الرسول والروح مناسبة وملاقاة عقلية فيكون ~~الروح الأول مصدرا والرسول مظهرا ويكون بين الرسول وسائر البشر مناسبة ~~وملاقاة حسية فيكون الرسول مؤديا والبشر قابلا # قالت الصابئة : # الجسمانيات مركبة من مادة وصورة والمادة لها طبيعة عدمية وإذا بحثنا عن ~~أسباب الشر والفساد والسفه والجهل لم نجد لها سببا سوى المادة والعدم وهما ~~منبعا الشر # والروحانيات غير مركبة من المادة والصورة بل هي صورة مجردة والصورة لها ~~طبيعة وجودية وإذا بحثنا عن أسباب الخير والصلاح والحكمة والعلم لم نجد لها ~~سببا سوى الصورة وهي منبع الخير # فنقول : ما فيه أصل الخير أو ما هو أصل الخير كيف يماثل ما فيه أصل ms186 الشر ؟ # أجابت الحنفاء : # بأن ما ذكرتم في المادة أنها سبب الشر فغير مسلم فإن من المواد ما هو سبب ~~الصور كلها عند قوم وذلك هو الهيولى الأولى والعنصر الأول حتى صار كثير من ~~قدماء الفلاسفة إلى أن وجودها قبل وجود العقل # ثم إن سلم فالمركب من المادة والصورة كالمركب من الوجوب والجواز عندكم ~~فإن الجواز له طبيعة عدمية وما من وجود سوى وجود الباري تعالى إلا وجوده ~~جائز بذاته واجب بغيره فيجب أن يلازمه أصل الشر # قالوا : وإن سلم لكم أيضا تلك المقدمة فعندنا صور النفوس البشرية وخصوصا ~~( 2 \ 15 ) صور النفوس النبوية كانت موجودة قبل وجود المواد وهي المبادئ ~~الأولى حتى صار كثير من الحكماء إلى إثبات أناس سرمديين وهي الصورة المجردة ~~التي كانت موجودة قبل العقل كالظلال حول العرش ( يسبحون بحمد ربهم ) وكانت ~~هي أصل الخير ومبدأ الوجود ولكن لما ألبست الصور البشرية لباس المادة تشبثت ~~بالطبيعة وصارت المادة شبكة لها فساح عليها الواهب الأول فبعث إليها واحدا ~~من عالمه وألبسه لباس المادة ليخلص الصور عن الشبكة لا ليكون هو المتشبث ~~بها المنغمس فيها المتوسخ بأوضارها المتدنس بآثارها وإلى هذا المعنى أشار ~~حكماء الهند رمزا بالحمامة المطوقة والحمامات الواقعة في الشبكة # ثم قالوا : معاشر الصابئة أبدا تشنعون علينا بالمادة ولوازمها وما لم ~~نفصل القول فيها لم ننج من تشنيعكم # فنقول : النفوس البشرية وخصوصا النبوية من حيث إنها نفوس فهي مفارقة ~~للمادة مشاركة لتلك النفوس الروحانية : # إما مشاركة في النوع بحيث يكون التمييز بالأعراض والأمور العرضية # وإما مشاركة في الجنس بحيث يكون الفصل بالأمور الذاتية ثم زادت على تلك ~~النفوس باقترانها بالجسد أو بالمادة والجسد لم ينتقص منها بل كملت هي لوازم ~~الجسد وكملت بها حيث استفادت من الأمور الجسدانية ما تجسدت بها في ذلك ~~العالم من العلوم الجزئية والأعمال الخلقية والروحانيات فقدت هذه الأبدان ~~لفقدان هذا الاقتران فكان الاقتران خيرا لا شر فيه وصلاحا لا فساد معه ~~ونظاما لا فسخ له فكيف يلزمنا ما ذكرتموه ؟ # ( 2 \ 16 ) # قالت ms187 الصابئة : # الروحانيات : نورانية علوية لطيفة # والجسمانيات : ظلمانية سفلية كثيفة فكيف يتساويان والاعتبار في الشرف ~~والفضيلة بذوات الأشياء وصفاتها ومراكزها ومحالها ؟ # فعالم الروحانيات : العلو لغاية النور واللطافة وعالم الجسمانيات : السفل ~~لغاية الكثافة والظلمة والعالمان متقابلان والكمال للعلوي لا للسفلي ~~والصفتان متقابلتان والفضيلة للنور لا للظلمة # أجابت الحنفاء : # قالوا : لسنا نوافقكم - أولا - على أن الروحانيات كلها نورانية ولا ~~نساعدكم - ثانيا - أن الشرف للعلو ولا نساهلكم أصلا أن الاعتبار في الشرف ~~بذوات الأشياء # وعلينا بيان هذه المقدمات الثلاث فإن فيها فوائد كثيرة : # أما الأولى : فقالوا : حكمتم على الروحانيات حكم التساوي وما اعتبرتم ~~فيها التضاد والترتب وإذا كانت الموجودات كلها روحانيها وجسمانيها على قضية ~~التضاد والترتب فلم أغفلتم الحكمين ههنا ؟ # وذلك أن من قال : الروحاني هو ما ليس بجسماني فقد أدخل جواهر الشياطين ~~والأبالسة والأراكنة في جملة الروحانيات # وكذلك من أثبت الجن أثبتها روحانية لا جسمانية ثم من الجن من هو مسلم ~~ومنها من هو ظالم # ومن قال : الروحاني هو المخلوق روحا فمن الأرواح ما هو خير ومنها ما هو ~~شرير والأرواح الخبيثة أضداد الأرواح الطيبة فلا بد إذن من إثبات تضاد بين ~~الجنسين وتنافر بين الطرفين فلم تسلم دعواكم أنها كلها نورانية # بلى وعندنا معاشر الحنفاء الروح هو الحاصل بأمر الباري تعالى الباقي على ~~مقتضى أمره فمن كان لأمره تعالى أطوع وبرسالات رسله أصدق كانت الروحانية ~~فيه أكثر والروح عليه أغلب ومن كان لأمره تعالى أنكر وبشرائعه أكذب كانت ~~الشيطنة عليه أغلب # ( 2 \ 17 ) # هذه قاعدتنا في الروحانيات فلا روحاني أبلغ في الروحانية من ذوات ~~الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام # وأما قولكم : إن الشرف للعلو : # إن عنيتم به علو الجهة فلا شرف فيه فكم من عال جهة سافل رتبة وعلما وذاتا ~~وطبيعة وكم من سافل جهة عال على الأشياء كلها رتبة وفضيلة وذاتا وطبيعة # وأما قولكم : إن الاعتبار في الشرف بذوات الأشياء وصفاتها ومحالها ~~ومراكزها فليس بحق وهو مذهب اللعين الأول حيث نظر إلى ذاته وذات آدم عليه ~~السلام ففضل ذاته إذ هي ms188 مخلوقة من النار وهي علوية نورانية على ذات آدم وهو ~~مخلوق من الطين وهو سفلي ظلماني # بل عندنا الاعتبار في الشرف بالأمر وقبوله فمن كان أقبل لأمره وأطوع ~~لحكمه وأرضى بقدره فهو أشرف ومن كان على خلاف ذلك فهو أبعد وأخس وأخبث فأمر ~~الباري تعالى هو الذي يعطي الروح : ( قل الروح من أمر ربي ) وبالروح يحيا ~~الإنسان الحياة الحقيقية وبالحياة يستعد للعقل الغريزي وبالعقل يكتسب ~~الفضائل ويجتنب الرذائل ومن لم يقبل أمر الباري تعالى فلا روح له ولا حياة ~~ولا عقل له ولا فضيلة له ولا شرف عنده # قالت الصابئة : # الروحانيات فضلت الجسمانيات بقوتي العلم والعمل : # أما العلم : فلا ينكر إحاطتهم بمغيبات الأمور عنا وإطلاعهم على مستقبل ~~الأحوال الجارية علينا ولأن علومهم كلية وعلوم الجسمانيات جزئية وعلومهم ~~فعلية وعلوم ( 2 \ 18 ) الجسمانيات انفعالية وعلومهم فطرية وعلوم ~~الجسمانيات كسبية فمن هذه الوجوه تحقق لها الشرف على الجسمانيات # وأما العمل : فلا ينكر أيضا عكوفهم على العبادة ودوامهم على الطاعة : ( ~~يسبحون الليل والنهار لا يفترون ) لا يلحقهم كلال ولا سآمة ولا يرهقهم ملال ~~ولا ندامة فتحقق لها الشرف أيضا بهذا الطرف وكان أمر الجسمانيات بالخلاف من ذلك # أجابت الحنفاء عن هذا بجوابين : # أحدهما : التسوية بين الطرفين وإثبات زيادة في جانب الأنبياء عليهم السلام # والثاني : بيان ثبوت الشرف في غير العلم والعمل # أما الأول : فإنهم قالوا : علوم الأنبياء عليهم السلام كلية وجزئية ~~وفعلية وانفعالية وفطرية وكسبية فمن حيث تلاحظ عقولهم عالم الغيب منصرفة عن ~~عالم الشهادة تحصل لهم العلوم الكلية فطرة ودفعة واحدة ثم إذا لاحظوا عالم ~~الشهادة حصلت لهم العلوم الجزئية اكتسابا بالحواس على ترتيب وتدريج فكما أن ~~للإنسان علوما نظرية هي المعقولات وعلوما حاصلة بالحواس عن المحسوسات فعالم ~~المعقولات بالنسبة إلى الأنبياء كعالم المحسوسات بالنسبة إلى سائر الناس ~~فنظرياتنا فطرية لهم ونظرياتهم لا نصل إليها قط بل ومحسوساتنا مكتسبة لهم ~~ولنا بكواسب الجوارح جوارح الحواس فأمزجة الأنبياء عليهم السلام أمزجة ~~نفسانية ونفوسهم نفوس عقلية وعقولهم عقول أمرية فطرية ولو وقع حجاب في ms189 بعض ~~الأوقات فذاك لموافقتنا ومشاركتنا كي تزكى هذه العقول وتصفى هذه الأذهان ~~والنفوس وإلا فدرجاتهم وراء ما يقدر # وأما الثاني : فإنهم قالوا : من العجب أنهم لا يعجبون بهذه العلوم بل ~~ويؤثرون التسليم على البصيرة والعجز على القدرة والتبرؤ من الحول والقوة ~~على الاستقلال والفطرة على الاكتساب ( وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ) على ( ~~إنما أوتيته على علم عندي ) # ( 2 \ 19 ) # ويعلمون أن الملائكة والروحانيات بأسرها وإن علمت إلى غاية قوة نظرها ~~وإدراكها ما أحاطت بما أحاط به علم الباري تعالى بل لكل منهم مطرح نظر ~~ومسرح فكر ومجال عقل ومنتهى أمل ومطار وهم وخيال وأنهم إلى الحد الذي انتهى ~~نظرهم إليه مستبصرون ومن ذلك الحد إلى ما وراءه مما لا يتناهى مسلمون ~~مصدقون وإنما كمالهم في التسليم لما لا يعلمون والتصديق لما يجهلون ( ونحن ~~نسبح بحمدك ونقدس لك ) ليس كمال حالهم بل ( سبحانك لا علم لنا إلا ما ~~علمتنا ) هو الكمال فمن أين لكم معاشر الصابئة أن الكمال والشرف في العلم ~~والعمل لا في التسليم والتوكل ؟ # وإذا كانت غاية العلوم هذه الدرجة فجعلت نهاية أقدام الملائكة ~~والروحانيين بداية أقدام السالكين من الأنبياء والمرسلين ( قل لا يعلم من ~~في السموات والأرض الغيب إلا الله ) فعالم الروحانيات بالنسبة إليهم شهادة ~~وبالنسبة إلينا غيب وعالم البشر الجسمانيات بالنسبة إلينا شهادة وبالنسبة ~~إليهم غيب والله تعالى هو الذي ( يعلم السر وأخفى ) # قالت الحنفاء : # من علم أنه لا يعلم فقد أحاط بكل العلم ومن اعترف بالعجز عن أداء الشكر ~~فقد أدى كل الشكر # قالت الصابئة : # الروحانيات لهم قوة تصريف الأجسام وتقليب الأجرام والقوة التي لهم ليست ~~من جنس القوى المزاجية حتى يعرض لها كلال ولغوب فتنحسر ولكن القوى ~~الروحانية بالخواص الجسمانية أشبه وإنك لترى الخامة اللطيفة من النبات في ~~بدء نموها تفتق الحجر وتشق الصخر وما ذاك إلا لقوة نباتية فاضت عليها من ~~القوى السماوية ولو كانت هي ( 2 \ 20 ) قوى مزاجية لما بلغت إلى هذا ~~المنتهى فالروحانيات هي التي تتصرف في الأجسام تقليبا ms190 وتصريفا لا يثقلهم ~~حمل الثقيل ولا يستخفهم تحريك الخفيف فالرياح تهب بتحريكها والسحاب يعرض ~~ويزول بتصريفها وكذلك الزلازل تقع في الجبال بسبب من جهتها وكل هذه وإن ~~استندت إلى أسباب جزئية فإنها تستند في الآخرة إلى أسباب من جهتها # ومثل هذه القوة عديم الوجود في الجسمانيات # أجابت الحنفاء : # وقالوا : منا يقتبس تفصيل القوى وتجنيسها # فإن القوى تنقسم إلى : قوى معدنية وقوى نباتية وقوى حيوانية وقوى إنسانية ~~وقوى ملكية وقوى روحانية وقوى نبوية ربانية والإنسان مجمع القوى بجملتها ~~والإنسانية النبوية تفضلها بقوى ربانية ومعان إلهية # فنذكر أولا وجه تركيب الإنسان ووجه ترتيب القوى فيه ثم نذكر تركيب ~~البشرية النبوية وترتيب القوى فيها ثم نخاير بين الوضعين الروحاني منهما ~~والجسماني وإليك الاختيار # أما شخص الإنسان فمركب من الأركان الأربعة : التراب والماء والهواء ~~والنار التي لها الطبائع الأربعة : اليبوسة والرطوبة والحرارة والبرودة # ثم مركب فيه نفوس ثلاثة : # إحداها : نفس نباتية تنمو وتتغذى وتولد المثل # والثانية : نفس حيوانية تحس وتتحرك بالإرادة # والثالثة : نفس إنسانية بها يميز ويفكر ويعبر عما يفكر # ووجود النفس الأولى من الأركان وطبائعها وبقاؤها بها واستمدادها منها # ووجود النفس الثانية من الأفلاك وحركاتها وبقاؤها بها واستمدادها منها # ووجود النفس الثالثة من العقول البحتة والروحانيات الصرفة وبقاؤها بها ~~واستمدادها منها # ( 2 \ 21 ) # ثم إن النباتية تطلب الغذاء طبعا والحيوانية تطلب الغذاء حسا والإنسانية ~~تطلب الغذاء اختيارا وعقلا # ولكل نفس منها محل : # فمحل النباتية الكبد ومنه مبدأ النمو والنشوء وعن هذا جعل فيه عروق دقاق ~~ينفذ فيها الغذاء إلى الأطراف # ومحل الحيوانية القلب ومنه مبدأ تدبير الحس والحركة وعن هذا فتح منه عروق ~~إلى الدماغ فيصعد إلى الدماغ من حرارته ما يعدل تلك البرودة وينزل منه من ~~آثاره ما يدبر به الحركة # ومحل الإنسانية تصريفا وتدبيرا الدماغ ومنه مبدأ الفكر والتعبير عن الفكر ~~وعن هذا فتحت إليه أبواب الحواس مما يلي هذا العالم وفتحت إليه أبواب ~~المشاعر مما يلي ذلك العالم وههنا ثلاثة أعضاء ممدات لا بد منها : # المعدة التي تمد الكبد بالغذاء ms191 # والرئة التي تمد القلب بترويح الهواء # والعروق التي تمد الدماغ بالحرارة # فإذن التركيب الإنساني أشرف التراكيب فإن فيه جميع آثار العالم الجسماني ~~والروحاني وتركيب القوى فيه أكمل التراتيب فهو مجمع آثار الكونين والعالمين ~~فكل ما هو في العالم منتشر ففيه مجتمع وكل ما هو فيه من خواص الاجتماع فليس ~~للعالم البتة لأن للاجتماع والتركيب خاصية لا توجد في حال الافتراق ~~والانحلال واعتبر فيه حال السكر والخل وحال السكنجبين وكذلك الحكم في كل مزاج # هذا وجه تركيب البدن وترتيب القوى الخاصة به # وأما وجه اتصال النفس به وترتيب القوى الخاصة بها مما يلي هذا العالم ~~ومما يلي ذلك العالم : # فاعلم أن النفس الإنسانية جوهر هو أصل القوى المحركة والمدركة والحافظة ~~للمزاج تحرك الشخص بالإرادة لا في جهات ميله الطبيعي وتتصرف في أجزائه ثم ~~في جملته وتحفظ مزاجه عن الانحلال وتدرك بالمشاعر المركوزة فيه وهي الحواس ~~الخمس فبالقوة الباصرة تدرك الألوان والأشكال وبالقوة السامعة تدرك الأصوات ~~والكلمات وبالقوة الشامة تدرك الروائح وبالقوة الذائقة تدرك المطعومات ~~وبالقوة اللامسة تدرك ( 2 \ 22 ) الملموسات # وله فروع من قوى منبثة في أعضاء البدن حتى إذا أحس بشيء من أعضائه أو ~~تخيل أو توهم أو اشتهى أو غضب ألفى العلاقة التي بينه وبين تلك الفروع هيئة ~~فيه حتى يفعل وله إدراك وقوى تحريك # أما الإدراك : فهو أن يكون مثال حقيقة المدرك متمثلا مرتسما في ذات ~~المدرك غير مباين له ثم المثال قد يكون مثال صورة الشيء وقد يكون مثال ~~حقيقته ومثال صورة الشيء هو ما يكون محسوسا فيرتسم في القوة الباصرة وقد ~~غشيته غواش غريبة عن ماهيته لو أزيلت عنه لم تؤثر في كنه ماهيته مثل أين ~~وكيف ووضع وكم معينة لو توهم بدلها غيرها لم يؤثر في ماهية ذلك المدرك ~~والحس يناله من حيث هو مغمور في هذه العوارض التي تلحقه بسبب المادة لا ~~يجردها عنه ولا يناله إلا بعلاقة وضعية بين حسه ومادته # ثم الخيال الباطن يتخيله مع تلك العوارض التي لا يقدر على تجريده ms192 المطلق ~~عنها لكنه يجرده عن تلك العلائق الوضعية التي تعلق بها الحس فهو يتمثل صورة ~~مع غيبوبة حاملها وعنده مثال العوارض لا نفس العوارض ثم الفكر العقلي يجرده ~~عن تلك العوارض فيعرض ماهيته وحقيقته على العقل فيرتسم فيه مثال حقيقته حتى ~~كأنه عمل بالمحسوس عملا جعله معقولا # وأما ما هو بريء في ذاته عن الشوائب المادية منزه عن العوارض الغريبة فهو ~~معقول لذاته ليس يحتاج إلى عمل يعمل فيه فيعقله ما من شأنه أن يعقله فلا ~~مثال له يتمثل في العقل ولا ماهية له فيجرد له ولا وصول إليه بالإحاطة ~~والفكرة إلا أن البرهان يدلنا عليه ويرشدنا إليه # وكثيرا ما يلاحظ العقل الإنساني عالم العقل الفعال فيرتسم فيه من الصور ~~المجردة المعقولة ارتساما بريئا عن العلائق المادية والعوارض الغريبة ~~فيبتدر الخيال إلى تمثله فيمثله في صورة خيالية مما يناسب عالم الحس فينحدر ~~إلى الحس المشترك ذلك المثال فيبصره كأنه يراه معاينا مشاهدا يناجيه ~~ويشاهده حتى كأن العقل عمل بالمعقول عملا جعله محسوسا وذلك إنما يكون عند ~~اشتغال الحواس كلها عن أشغالها وسكون المشاعر عن حركاتها في النوم لجماعة ~~وفي اليقظة للأبرار ( 2 \ 23 ) يا عجبا كل العجب من تركيب على هذا النمط ~~ومن أين لغيره مثله ؟ # ونعود إلى ترتيب القوى وتعيين محالها : # أما القوى المتعلقة بالبدن التي ذكرناها : آلات ومشاعر للجوهر الإنساني # فالأولى منها : الحس المشترك المعروف ببنطاسيا الذي هو مجمع الحواس ومورد ~~المحسوسات وآلتها الروح المصبوب في مبادئ عصب الحس لا سيما في مقدم الدماغ # والثانية : الخيال والمصورة وآلتها الروح المصبوب في البطن المقدم من ~~الدماغ لا سيما في الجانب الآخر # والثالثة : الوهم الذي هو لكثير من الحيوان وهو ما به تدرك الشاة معنى في ~~الذئب فتفر منه وبه تدرك معنى في النوع فتنفر إليه وتزدوج به وآلته الدماغ ~~كله لكن الأخص منه هو التجويف الأوسط # والرابعة : المفكرة وهي قوة لها أن تركب وتفصل ما يليها من الصور ~~المأخوذة عن الحس المشترك والمعاني الوهمية المدركة بالوهم فتارة تجمع ~~وتارة ms193 تفصل وتارة تلاحظ العقل فتعرض عليه وتارة تلاحظ الحس فتأخذ منه ~~وسلطانها في الجزء الأول من وسط الدماغ وكأنها قوة ما للوهم وتتوسط بين ~~الوهم والعقل # والخامسة : القوة الحافظة وهي التي كالخزانة لهذه المدركات الحسية ~~والوهمية والخيالية دون العقلية الصرفة فإن المعقول البحت لا يرتسم في جسم ~~ولا في قوة جسم والحافظة قوة في جسم وآلتها الروح المصبوب في أول البطن ~~المؤخر من الدماغ # والسادسة : القوة الذاكرة وهي التي تستعرض ما في الخزانة على جانب العقل ~~أو على الخيال والوهم وآلتها الروح المصبوب في آخر البطن المؤخر من الدماغ # وأما المعقول الصرف المبرأ عن الشوائب المادية فلا يحل في قوة جسمانية ~~وآلة جسدانية حتى يقال : ينقسم بانقسامها ويتحقق لها وضع ومثال ولهذا لم ~~تكن القوة الحافظة خزانة ( 2 \ 24 ) لها بل المصدر الأول الذي أفاض عليها ~~تلك الصورة صار خازنا لها فحيثما طالعته النفس الإنسانية بقوتها العقلية ~~المناسبة لواهب الصور نوعا من المناسبة فاضت منه عليها تلك الصور المستحفظة ~~له حتى كأنه ذكرها بعد ما نسيت ووجدها بعد ما ضلت عنه # وغريزة النفس الصافية تنزع إلى جانب القدس في تذكار الأمور الغائبة عن ~~حضرة العقل نزاعا طبيعيا فتستحضر ما غاب عنها ولهذا السر أخبر الكتاب ~~الإلهي ( واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا ) حتى ~~صار كثير من الحكماء إلى أن العلوم كلها تذكار ذلك أن النفوس كانت في البدء ~~الأول في عالم الذكر ثم هبطت إلى عالم النسيان فاحتاجت إلى مذكرات لما قد ~~نسيت معيدات إلى ما كانت قد ابتدأت ( وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) ( ~~وذكرهم بأيام الله ) # ثم للنفس الإنسانية قوى عقلية لا جسمانية وكمالات نفسانية روحانية لا ~~جسدانية فمن قواها ما لها بحسب حاجتها إلى تدبير البدن وهي القوة التي تختص ~~باسم العقل العملي وذلك أن تستنبط الواجب فيما يجب أن يفعل ولا يفعل ومن ~~قواها ما لها بحسب حاجتها إلى تكميل جوهرها عقلا بالفعل وإنما يخرج من ~~القوة إلى الفعل بمخرج ms194 غير ذاتها لا محالة فيجب أن يكون لها قوة استعدادية ~~تسمى عقلا هيولانيا حتى يقبل من غيرها ما به يخرجها من الاستعداد إلى ~~الكمال فأول خروج لها إلى الفعل حصول قوة أخرى من واهب الصور يحصل لها عند ~~استحضارها المعقولات الأول فيتهيأ بها لاكتساب الثواني : إما بالفكر وإما ~~بالحدس فيتدرج قليلا قليلا إلى أن يحصل لها ما قدر لها من المعقولات ولكل ~~نفس استعداد إلى حد ما لا يتعداه ولكل عقل حد ما لا يتخطاه فيبلغ إلى كماله ~~المقدر له ويقتصر على قوته المركوزة فيه ولا يتبين ههنا وجود التضاد بين ~~النفوس والعقول ووجوب الترتب فيها ( 2 \ 25 ) وإنما يعرف مقادير العقول ~~ومراتب النفوس الأنبياء والمرسلون الذين اطلعوا على الموجودات كلها ~~روحانيتها وجسمانيتها معقولاتها ومحسوساتها كلياتها وجزئياتها علوياتها ~~وسفلياتها فعرفوا مقاديرها وعينوا موازينها ومعاييرها # وكل ما ذكرناه من القوى الإنسانية فهي حاصلة لهم مركبة فيهم منصرفة كلها ~~عن جانب الغرور إلى جانب القدس مستديمة الشروق بنور الحق فيها حتى كأن كل ~~قوة من القوى الجسدانية والنفسانية ملك روحاني موكل بحفظ ما وجه إليه ~~واستتمام ما رشح له بل ومجموع جسده ونفسه مجمع آثار العالمين من الروحانيات ~~والجسمانيات وزيادة أمرين : # أحدهما : ما حصل له من فائدة التركيب والترتيب كما بينا من مثال السكر والخل # والثاني : ما أشرق عليه من الأنوار القدسية وحيا وإلهاما ومناجاة وإكراما # فأين للروحاني هذه الدرجة الرفيعة والمقام المحمود والكمال الموجود ؟ # بل ومن أين للروحانيات كلها هذا التركيب الذي خص نوع الإنسان به وما ~~تعلقوا به من القوة البالغة على تحريك الأجسام وتصريف الأجرام فليس يقتضي ~~شرفا فإن ما يثبت لشيء ويثبت لهذه مثله لم يتضمن شرفا ومن المعلوم أن الجن ~~والشياطين قد ثبت لهم من القوة البالغة والقدرة الشاملة ما يعجز كثير من ~~الموجودات عن ذلك وليس ذلك مما يوجب شرفا وكمالا وإنما الشرف في استعمال كل ~~قوة فيما خلقت له وأمرت به وقدرت عليه # قالت الصابئة : # الروحانيات لها اختيارات صادرة من الأمر متوجهة إلى الخير مقصورة ms195 على ~~نظام العالم وقوام الكل لا يشوبها البتة شائبة الشر وشائبة الفساد بخلاف ~~اختيار البشر فإنه متردد بين طرفي الخير والشر لولا رحمة الله في حق البعض ~~وإلا فوضع اختيارهم ( 2 \ 26 ) كان ينزع إلى جانب الشر والفساد إذ كانت ~~الشهوة والغضب المركوزتان فيهم يجرانهم إلى جانبهما وأما الروحانيات فلا ~~ينازع اختيارهم إلا التوجه إلى وجه الله تعالى وطلب رضاه وامتثال أمره فلا ~~جرم كل اختيار هذا حاله لا يتعذر عليه ما يختاره فكما أراد واختار وجد ~~المراد وحصل المختار وكل اختيار ذلك حاله تعذر عليه ما يختاره فلا يوجد ~~المراد ولا يحصل المختار # أجابت الحنفاء بجوابين : # أحدهما : نيابة عن جنس البشر # والثاني : نيابة عن الأنبياء عليهم السلام # أما الأول : فنقول : اختيار الروحانيات إذا كان مقصورا على أحد الطرفين ~~محصورا كان وضعه مجبورا ولا شرف في الجبر واختيار البشر تردد بين طرفي ~~الخير والشر فمن جانب يرى آيات الرحمن ومن طرف يسمع وساوس الشيطان فتميل به ~~تارة دعوة الحق إلى امتثال الأمر وتميل به طورا داعية الشهوة إلى اتباع ~~الهوى فإذا أقر طوعا وطبعا بوحدانية الله تعالى واختار من غير جبر وإكراه ~~طاعته وصير اختياره المتردد بين الطرفين مجبورا تحت أمره تعالى باختيار من ~~جهته من غير إجبار صار هذا الاختيار أفضل وأشرف من الاختيار المجبور فطرة ~~كالمكره فعله كسبا الممنوع عما لا يجب جبرا ومن لا شهوة له فلا يميل إلى ~~المشتهى كيف يمدح عليه ؟ وإنما المدح كل المدح لمن زين له المشتهى فنهى ~~النفس عن الهوى فتبين أن اختيار البشر أفضل من اختيار الروحانيات # وأما الثاني : فنقول : إن اختيار الأنبياء عليهم السلام مع ما أنه ليس من ~~جنس اختيار البشر من وجه فهو متوجه إلى الخير مقصور على الصلاح الذي به ~~نظام العالم وقوام الكل صادر عن الأمر صائر إلى الأمر لا يتطرق إلى ~~اختيارهم ميل إلى الفساد بل ودرجتهم فوق ما يبتدر إلى الأوهام فإن العالي ~~لا يريد أمرا لأجل السافل من حيث ( 2 \ 27 ) هو سافل ms196 بل إنما يختار ما ~~يختار لنظام كلي وأمر أعلى من الجزئي ثم يتضمن ذلك حصول نظام في الجزئي ~~تبعا لا مقصودا وهذا الاختيار والإرادة على جهة سنة الله تعالى في اختياره ~~ومشيئته للكائنات لأن مشيئته تعالى كلية متعلقة بنظام الكل غير معللة بعلة ~~حتى لا يقال : إنما اختار هذا لكذا وإنما فعل هذا لكذا فلكل شيء علة ولا ~~علة لصنعه تعالى بل لا يريد إلا كما علم وذلك أيضا ليس بتعليل لكنه بيان أن ~~إرادته أعلى من أن تتعلق بشيء لعلة دونها وإلا لكان ذلك الشيء حاملا له على ~~ما يريد وخالق العلل والمعلولات لا يكون محمولا على شيء فاختياره لا يكون ~~معللا بشيء واختيار الرسول المبعوث من جهته ينوب عن اختياره كما أن أمره ~~ينوب عن أمره فيسلك سبل ربه ذللا ثم يخرج من قضية اختياره نظام حال وقوام ~~أمر مختلف ألوانه فيه شفاء للناس فمن أين للروحانيات هذه المنزلة وكيف ~~يصلون إلى هذه الدرجة ؟ # كيف وكل ما يذكرونه فموهوم وكل ما يذكره النبي فمحقق مشاهدة وعيانا بل ~~وكل ما يحكى عن الروحانيات من كمال علمهم وقدرتهم ونفوذ اختيارهم ~~واستطاعتهم فإنما أخبرنا بذلك الأنبياء والمرسلون عليهم السلام وإلا فأي ~~دليل أرشدنا إلى ذلك ونحن لم نشاهدهم ولم نستدل بفعل من أفعالهم على صفاتهم ~~وأحوالهم ؟ # قالت الصابئة : # الروحانيون متخصصون بالهياكل العلوية مثل زحل والمشتري والمريخ والشمس ~~والزهرة وعطارد والقمر وهذه السيارات كالأبدان والأشخاص بالنسبة إليها وكل ~~ما يحدث من الموجودات ويعرض من الحوادث فكلها مسببات هذه الأسباب وآثار هذه ~~العلويات فيفيض على هذه العلويات من الروحانيات تصريفات وتحريكات إلى جهات ~~الخير والنظام ويحصل من حركاتها واتصالاتها تركيبات وتأليفات في هذا العالم ~~ويحدث في المركبات أحوال ومناسبات فهم الأسباب الأول والكل مسبباتها ( 2 \ ~~28 ) والمسبب لا يساوي السبب والجسمانيون متشخصون بالأشخاص السفلية ~~والمتشخص كيف يماثل غير المتشخص ؟ # وإنما يجب على الأشخاص في أفعالهم وحركاتهم اقتفاء آثار الروحانيات في ~~أفعالها وحركاتها حتى يراعى أحوال الهياكل وحركات أفلاكها زمانا ومكانا ~~وجوهرا وهيئة ولباسا ms197 وبخورا وتعزيما وتنجيما ودعاء وحاجة خاصة بكل هيكل ~~فيكون تقربا إلى الهيكل تقربا إلى الروحاني الخاص به فيكون تقربا إلى رب ~~الأرباب ومسبب الأسباب حتى يقضي حاجته ويتم مسألته # وسيأتي تفصيل ما أجملوه من أمر الهياكل عند ذكر أصحابها إن شاء الله تعالى # أجابت الحنفاء : # بأن قالوا : الآن نزلتم عن نيابة الروحانيات الصرفة إلى نيابة هياكلها ~~وتركتم مذهب الصبوة الصرفة فإن الهياكل أشخاص الروحانيين والأشخاص هياكل ~~الربانيين غير أنكم أثبتم لكل روحاني هيكلا خاصا له فعل خاص لا يشاركه فيه غيره # ونحن نثبت أشخاصا رسلا كراما تقع أوضاعهم وأشخاصهم في مقابلة كل الكون ~~الروحاني منهم في مقابلة الروحاني منها والأشخاص منهم في مقابلة الهياكل ~~منها وحركاتهم في مقابلة حركات جميع الكواكب والأفلاك وشرائعهم مراعاة ~~حركات استندت إلى تأييد إلهي ووحي سماوي موزونة بميزان العدل مقدرة على ~~مقادير الكتاب الأول ( ليقوم الناس بالقسط ) ليست مستخرجة بالآراء المظلمة ~~ولا مستنبطة بالظنون الكاذبة إن طابقتها على المعقولات تطابقتا وإن وافقتها ~~بالمحسوسات توافقتا # كيف ونحن ندعي أن الدين الإلهي هو الموجود الأول والكائنات تقدرت عليه ( ~~2 \ 29 ) وأن المناهج التقديرية هي الأقدم ثم المسالك الخلقية والسنن ~~الطبيعية توجهت إلينا ولله تعالى سنتان في خلقه وأمره والسنة الأمرية أقدم ~~وأسبق من السنة الخلقية وقد أطلع خواص عباده من البشر على السنتين ( ولن ~~تجد لسنة الله تحويلا ) هذا من جهة الخلق ( ولن تجد لسنة الله تبديلا ) هذا ~~من جهة الأمر # فالأنبياء عليهم السلام متوسطون في تقرير سنة الأمر والملائكة متوسطون في ~~تقرير سنة الخلق والأمر أشرف من الخلق فمتوسط الأمر أشرف من متوسط الخلق ~~فالأنبياء عليهم السلام أفضل من الملائكة # وهذا عجب حيث صارت الروحانيات الأمرية متوسطات في الخلق وصارت الأشخاص ~~الخلقية متوسطين في الأمر ليعلم أن الشرف والكمال في التركيب لا في البساطة ~~واليد للجسماني لا للروحاني والتوجه إلى التراب أولى من التوجه إلى السماء ~~والسجود لآدم عليه السلام أفضل من التسبيح والتحميد والتقديس # وليعلم أن الكمال في إثبات الرجال لا في تعيين الهياكل والظلال ms198 وأنهم هم ~~الآخرون وجودا السابقون فضلا وأن آخر العمل أول الفكرة وأن الفطرة لمن له ~~الحجة وأن المخلوق بيديه لا يكون كالمكون بحرفيه قال عز وجل : ( فوعزتي ~~وجلالي لا أجعل من خلقته بيدي كمن قلت له كن فكان ) # قالت الصابئة : # الروحانيات مبادئ الموجودات وعالمها معاد الأرواح والمبادئ أشرف ذاتا ~~وأسبق وجودا وأعلى رتبة ودرجة من سائر الموجودات التي حصلت بتوسطها وكذلك ~~عالمها عالم المعاد والمعاد كمال فعالمها عالم الكمال # ( 2 \ 30 ) # فالمبدأ منها والمعاد إليها والمصدر عنها والمرجع إليها بخلاف الجسمانيات # وأيضا : فإن الأرواح إنما نزلت من عالمها حتى اتصلت بالأبدان فتوسخت ~~بأوضار الأجسام ثم تطهرت عنها بالأخلاق الزكية والأعمال المرضية حتى انفصلت ~~عنها فصعدت إلى عالمها الأول والنزول هو النشأة الأولى والصعود هو النشأة ~~الأخرى فعرف أنهم أصحاب الكمال لا أشخاص الرجال # أجابت الحنفاء : # قالوا : من أين سلمتم هذا التسليم : أن المبادئ هي الروحانيات وأي برهان ~~أقمتم ؟ وقد نقل عن كثير من قدماء الحكماء أن المبادئ هي الجسمانيات على ~~اختلاف منهم في الأول منها أنه نار أو هواء أو ماء أو أرض # واختلاف آخر : أنه مركب أو بسيط # واختلاف آخر : أنه إنسان أو غيره حتى صارت جماعة إلى إثبات أناس سرمديين # ثم منهم من يقول : إنهم كانوا كالظلال حول العرش ومنهم من يقول : إن ~~الآخر وجودا من حيث الشخص في هذا العالم هو الأول وجودا من حيث الروح في ~~ذلك العالم وعليه خرج أن أول الموجودات نور محمد عليه الصلاة والسلام فإذا ~~كان شخصه هو الآخر من جملة الأشخاص النبوية فروحه هو الأول من جملة الأرواح ~~الربانية وإنما حضر هذا العالم ليخلص الأرواح المدنسة بالأوضار الطبيعية ~~فيعيدها إلى مبدئها وإذا كان هو المبدأ فهو المعاد أيضا فهو النعمة والنعيم ~~وهو الرحمة وهو الرحيم # قالوا : ونحن إذا أثبتنا أن الكمال في التركيب لا في البساطة والتحليل ~~فيجب أن يكون المعاد بالأشخاص والأجساد لا بالنفوس والأرواح والمعاد كمال ~~لا محالة غير أن الفرق بين المبدأ والمعاد هو أن الأرواح في المبدأ ms199 مستورة ~~بالأجساد وأحكام الأجساد غالبة وأحوالها ظاهرة للحس والأجساد في المعاد ~~مغمورة بالأرواح وأحكام النفوس غالبة وأحوالها ظاهرة للعقل وإلا فلو كانت ~~الأجساد تبطل رأسا وتضمحل أصلا ( 2 \ 31 ) وتعود الأرواح إلى مبدئها الأول ~~ما كان للاتصال بالأبدان والعمل بالمشاركة فائدة ولبطل تقدير الثواب ~~والعقاب على فعل العباد ومن الدليل القاطع على ذلك أن النفوس الإنسانية في ~~حال اتصالها بالبدن اكتسبت أخلاقا نفسانية صارت هيئات متمكنة فيها تمكن ~~الملكات حتى قيل : إنها نزلت منزلة الفصول اللازمة التي تميزها عن غيرها ~~ولولاها لبطل التمييز وتلك الهيئات إنما حصلت بمشاركات من القوى الجسمانية ~~بحيث لن يتصور وجودها إلا مع تلك المشاركة وتلك القوى لن تتصور إلا في ~~أجسام مزاجية فإذا كانت النفوس لن تتصور إلا معها وهي المعينة المخصصة وتلك ~~لن تتصور إلا مع الأجسام فلا بد من حشر الأجسام والمعاد بالأجسام # قالت الصابئة : # طريقنا في التوسل إلى حضرة القدس ظاهر وشرعنا معقول فإن قدماءنا من ~~الزمان الأول لما أرادوا الوسيلة عملوا أشخاصا في مقابلة الهياكل العلوية ~~على نسب وإضافات راعوا فيها جوهرا وصورة وعلى أوقات وأحوال وهيئات أوجبوا ~~على من يتقرب بها إلى ما يقابلها من العلويات تختما ولباسا وتبخرا ودعاء ~~وتعزيما فتقربوا إلى الروحانيات فتقربوا إلى رب الأرباب ومسبب الأسباب وهو ~~طريق متبع وشرع ممهد لا يختلف بالأمصار والمدن ولا يتسخ بالأدوار والأكوار ~~ونحن تلقينا مبدأه من عاذيمون وهرمس العظيمين فعكفنا على ذلك دائمين # وأنتم معاشر الحنفاء : تعصبتم للرجال وقلتم بأن الوحي والرسالة ينزل ~~عليهم من عند الله تعالى بواسطة أو بغير واسطة فما الوحي أولا ؟ # وهل يجوز أن يكلم الله بشرا ؟ # وهل يكون كلامه من جنس كلامنا ؟ # وكيف ينزل ملك من السماء وهو ليس بجسماني أبصورته أم بصورة البشر ؟ # وما معنى تصوره بصورة الغير أفيخلع صورته ويلبس لباسا آخر أم يتبدل وضعه ~~وحقيقته ؟ # ثم ما البرهان أولا على جواز انبعاث الرسل في صورة البشر ؟ # ( 2 \ 32 ) # وما دليل كل مدع منهم أفنأخذ بمجرد دعواه أم لا بد من دليل ms200 خارق للعادة ؟ # وإن أظهر ذلك أفهو من خواص النفوس أم من خواص الأجسام أم من فعل الباري ~~تعالى ؟ # ثم ما الكتاب الذي جاء به أفهو كلام الباري تعالى وكيف يتصور في حقه كلام ~~أم هو كلام الروحاني ؟ # ثم هذه الحدود والأحكام أكثرها غير معقولة فكيف يسمح عقل الإنسان بقبول ~~أمر لا يعقله ؟ # وكيف تطاوعه نفسه بتقليد شخص هو مثله أبأن يريد أن يتفضل عليه ( ولو شاء ~~الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ) ؟ # أجابت الحنفاء : # بأن المتكلمين منا يكفوننا جواب هذا الفصل بطريقين : # أحدهما : الإلزام تعرضا لإبطال مذهبكم # والثاني : الحجة تعرضا لإثبات مذهبنا # أما الإلزام : فقالوا : إنكم ناقضتم مذهبكم حيث قلتم بتوسط عاذيمون وهرمس ~~وأخذتم طريقتكم منهما ومن أثبت المتوسط في إنكار المتوسط فقد ناقض كلامه ~~وتخلف مرامه # وزادوا هذا تقريرا بأنكم معاشر الصابئة أيضا متوسطون يحتاج إليكم في ~~التزام مذهبكم إذ من المعلوم أن كل من دب ودرج منكم ليس يعرف طريقتكم ولا ~~يقف على صنعتكم من علم وعمل : # أما العلم : فالإحاطة بحركات الكواكب والأفلاك وكيفية تصرف الروحانيات فيها # وأما العمل : فصنعة الأشخاص في مقابلة الهياكل على النسب بل قوم مخصوصون ~~أو واحد في كل زمان يحيط بذلك علما ويتيسر له عملا فقد أثبتم متوسطا عالما ~~من جنس البشر وقد ناقض آخر كلامكم أوله # ( 2 \ 33 ) # وزادوا هذا تقريرا آخر بإلزام الشرك عليهم : # إما الشرك في أفعال الباري تعالى # وإما الشرك في أوامره # أما الشرك في الأفعال : فهو إثبات تأثيرات الهياكل والأفلاك فإن عندهم ~~الإبداع الخاص بالرب تعالى هو اختراع الروحانيات ثم تفويض أمور العالم ~~العلوي إليها والفعل الخاص بالروحانيات هو تحريك الهياكل ثم تفويض أمور ~~العالم السفلي إليها كمن يبني معملة وينصب أركانا للعمل من الفاعل والمادة ~~والآلة والصورة ويفوض العمل إلى التلامذة فهؤلاء اعتقدوا أن الروحانيات ~~آلهة والهياكل أرباب والأصنام في مقابلة الهياكل باتخاذ وتصنع من كسبهم ~~وفعلهم فألزم أصحاب الأصنام أنكم تكلفتم كل التكلف حتى توقعوا حجرا جمادا ~~في مقابلة هيكل وما بلغت صنعتكم ms201 إلى إحداث حياة فيه وسمع وبصر ونطق وكلام ( ~~أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم أف لكم ولما تعبدون من ~~دون الله أفلا تعقلون ) أو ليست أوضاعكم الفطرية وأشخاصكم الخلقية أفضل ~~منها وأشرف أو ليست النسب والإضافات النجومية المرعية في خلقتكم أشرف وأكمل ~~مما راعيتموها في صنعتكم ( أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون ) أو ~~لستم تحتاجون إلى المتوسط المعمول لقضاء حاجة : إما جلب نفع أو دفع ضر فهذا ~~العامل الصانع أقدر إذ فيه من القوة العلمية والعملية ما يستعمل به الهياكل ~~العلوية ويستخدم الأشخاص الروحانية فهلا ادعى لنفسه ما يثبت بفعله في جماد ؟ # ولهذا الإلزام تفطن اللعين فرعون حيث ادعى الإلهية والربوبية لنفسه وكان ~~في الأصل على مذهب الصابئة فصبأ عن ذلك ودعا إلى نفسه فقال : ( أنا ربكم ~~الأعلى ) ( ما علمت لكم من إله غيري ) إذ رأى في نفسه قوة الاستعمال ~~والاستخدام ( 2 \ 34 ) واستظهر بوزيره ( هامان ) وكان صاحب الصنعة فقال : ( ~~يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى ~~) وكان يريد أن يبني صرحا مثل الرصد فيبلغ به إلى حركات الأفلاك والكواكب ~~وكيفية تركيبها وهيئاتها وكمية أدوارها وأكوارها فلربما يطلع على سر ~~التقدير في الصنعة ومآل الأمر في الخلقة والفطرة ومن أين له هذه القوة ~~والبصيرة ؟ ولكن اعتزاز بنوع فطنة وكياسة في جبلته واغترار بضرب إهمال في ~~مهلته فما تمت لهم الصنعة حتى ( أغرقوا فأدخلوا نارا ) # فحدث بعده السامري وقد نسج على منواله في الصنعة حتى أخذ قبضة من أثر ~~الروحاني وأراد أن يرقى الشخص الجمادي عن درجته إلى درجة الحيواني ( فأخرج ~~لهم عجلا جسدا له خوار ) وما أمكنه أن يحدث فيه ما هو أخص أوصاف المتوسط من ~~الكلام والهداية ( ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا ) فانحسر في ~~الطريق حتى كان من الأمر ما كان وقيل : ( لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا ) # ويا عجبا من هذا السر # حيث أغرق فرعون فأدخل النار مكافأة على دعوى الإلهية لنفسه وأحرق ms202 العجل ~~ثم نسف في اليم مكافأة على إثبات الإلهية له وما كان للنار والماء على ~~الحنفاء يد الاستيلاء ( قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم ) ( ~~فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك ) # هذه مراتب الشرك في الفعل والخلق # ( 2 \ 35 ) # ويشبه أن يكون دعوى اللعينين نمرود وفرعون أنهما إلهان أرضيان كالآلهة ~~السماوية الروحانية دعوى الإلهية من حيث الأمر لا من حيث الفعل والخلق وإلا ~~ففي زمان كل واحد منهما من هو أكبر منه سنا وأقدم في الوجود عليه فلما ظهر ~~من دعواهما أن الأمر كله لهما فقد ادعيا الإلهية لنفسهما # وهذا هو الشرك الذي ألزمه المتكلم على الصابئ فإنه لما ادعى أنه أثبت في ~~الأشخاص ما يقضي به حاجة الخلق فقد عاد بالتقدير إلى صنعته ووقف بالتدبير ~~إلى معاملته فكان الأمر بأن هذا الفعل واجب الإقدام عليه وهذا واجب الإحجام ~~عنه أمرا في مقابلة أمر الباري تعالى والمتوسط فيه متوسط الأمر وكان شركا ~~إذ لم ينزل الله به سلطانا ولا أقام عليه حجة وبرهانا # كيف وما يتمسك به من الأحكام مرتبة على هيئات فلكية لم تبلغ قوة البشر قط ~~إلى مراعاتها ولا يشك أن الفلك كله يتغير لحظة فلحظة بتغير جزء من أجزائه ~~تغير الوضع والهيئة بحيث لم يكن على تلك الهيئة فيما سبق ولا يرجع إلى تلك ~~الحالة فيما يستقبل ومتى يقف الحاكم على تغيرات الأوضاع حتى تكون صنعته في ~~الأشخاص والأصنام مستقيمة وإذا لم تستقم الصنعة فكيف تكون الحاجة مقضية ومن ~~رفع الحاجة إلى من لا ترفع الحوائج إليه فقد أشرك كل الشرك # وأما الطريق الثاني : فإقامة الحجة على إثبات المذهب ولمتكلمي الحنفاء ~~فيه مسلكان : # أحدهما : أن يسلك الطريق نزولا من أمر الباري تعالى إلى سد حاجات الخلق # والثاني : أن يسلك الطريق صعودا من حاجات الخلق إلى إثبات أمر الباري ~~تعالى ثم تخرج الإشكالات عليهما # أما الأول : فقال المتكلم الحنيف : قد قامت الحجة على أن الباري تعالى ~~خالق الخلائق ورازق العباد وأنه المالك الذي ms203 له الملك والملك # والمالك هو أن يكون له على عباده أمر ( 2 \ 36 ) وتصريف # وذلك أن حركات العباد قد انقسمت إلى اختيارية وغير اختيارية : # فما كان منها باختيار من جهتهم فيجب أن يكون للمالك فيها حكم وأمر # وما كان منها بلا اختيار فيجب أن يكون له فيها تصريف وتقدير # ومن المعلوم أن ليس كل أحد يعرف حكم الباري تعالى وأمره فلا بد إذن من ~~واحد يستأثره بتعريف حكمه وأمره في عباده وذلك الواحد يجب أن يكون من جنس ~~البشر حتى يعرفهم أحكامه وأوامره ويجب أن يكون مخصوصا من عند الله عز وجل ~~بآيات خلقية هي حركات تصريفية وتقديرية يجريها الله على يده عند التحدي بما ~~يدعيه تدل تلك الآيات على صدقه نازلة منزلة التصديق بالقول # ثم إذا ثبت صدقه وجب اتباعه في جميع ما يقول ويفعل وليس يجب الوقوف على ~~كل ما يأمر به وينهى عنه إذ ليس كل علم تبلغ إليه قوة البشر # ثم الوحي من عند الله العزيز يمد حركاته الفكرية والقولية والعملية بالحق ~~في الأفكار والصدق في الأقوال والخير في الأفعال فبطرف يماثل البشر وهو طرف ~~الصورة وبطرف يوحى إليه وهو طرف المعنى والحقيقة ( قل سبحان ربي هل كنت إلا ~~بشرا رسولا ) فبطرف يشابه نوع الإنسان وبطرف يماثل نوع الملائكة وبمجموعهما ~~يفضل النوعين حتى تكون بشريته فوق بشرية النوع مزاجا واستعدادا وملكيته فوق ~~ملكية النوع الآخر قبولا وأداء فلا يضل ولا يغوى بطرف البشرية ولا يزيغ ولا ~~يطغى بطرف الروحانية فيقرر أن أمر الباري تعالى واحد لا كثرة فيه ولا ~~انقسام له ( وما أمرنا إلا واحدة ) غير أنه يلبس تارة عبارة العربية وتارة ~~عبارة العبرية والمصدر يكون واحدا والمظهر متعددا # والوحي إلقاء الشيء إلى الشيء بسرعة فيلقي الروح الأمر إليه دفعة واحدة ~~بلا زمان ( كلمح بالبصر ) فيتصور في نفسه الصافية صورة الملقي كما يتمثل في ~~المرآة المجلوة ( 2 \ 37 ) صورة المقابل فيعبر عنه : # إما بعبارة قد اقترنت بنفس التصور وذلك هو آيات الكتاب # أو بعبارة نفسه وذلك ms204 هو أخبار النبوة وهذا كله بطرفه الروحاني # وقد يتمثل الملك الروحاني له بمثال صورة البشر تمثل المعنى الواحد ~~بالعبارات المختلفة أو تمثل الصورة الواحدة في المرايا المتعددة أو الظلال ~~المتكثرة للشخص الواحد فيكالمه مكالمة حسية ويشاهده مشاهدة عينية ويكون ذلك ~~بطرفه الجسماني # وإن انقطع الوحي عنه لم ينقطع عنه التأييد والعصمة حتى يقومه في أفكاره ~~ويسدده في أقواله ويوفقه في أفعاله # ولا تستبعدوا معاشر الصابئة تلقي الوحي على الوجه المذكور ونزول الملك ~~على النسق المعقود وعندكم أن هرمس العظيم صعد إلى العالم الروحاني فانخرط ~~في سلكهم فإذا تصور صعود البشر فلم لا يتصور نزول الملك ؟ وإذا تحقق أنه ~~خلع لباس البشرية فلم لا يجوز أن يلبس الملك لباس البشرية ؟ فالحنيفية ~~إثبات الكمال في هذا اللباس أعني لباس الناس والصبوة إثبات الكمال في خلع ~~كل لباس ثم لا يتطرق ذلك لهم حتى يثبتوا لباس الهياكل أولا ثم لباس الأشخاص ~~والأوثان ثانيا ولقد قال لهم رأس الحنفاء متبرئا عن الهياكل والأشخاص : ( ~~إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا ~~من المشركين ) # وأما الثاني : فهو الصعود من حاجة الناس إلى إثبات أمر الباري تعالى # قال المتكلم الحنيف : لما كان نوع الإنسان محتاجا إلى اجتماع على نظام ~~وذلك الاجتماع لن يتحقق إلا بحدود وأحكام في حركاته ومعاملاته يقف كل منهم ~~عند حده المقدر له لا يتعداه وجب أن يكون بين الناس شرع يفرضه شارع يبين ~~فيه أحكام الله تعالى في الحركات وحدوده في المعاملات فيرتفع به الاختلاف ~~والفرقة ويحصل به الاجتماع والألفة # وهذا ( 2 \ 38 ) الاحتياج لما كان لازما لنوع الإنسان ضرورة يجب أن يكون ~~المحتاج إليه قائما ضرورة بحيث تكون نسبته إليه نسبة الغني والفقير والمعطي ~~والسائل والملك والرعية فإن الناس لو كانوا كلهم ملوكا لم يكن ملك أصلا كما ~~لو كانوا كلهم رعايا لم تكن رعية أصلا ثم لا يبقى ذلك الشخص ببقاء الزمان ~~وعمره لا يساوي عمر العالم فينوب منابه علماء أمته ويرث علمه أمناء ms205 شريعته ~~فتبقى سنته ومنهاجه ويضيء على البرية مدى الدهر سراجه والعلم بالتوارث ~~وليست النبوة بالتوارث والشريعة تركة الأنبياء والعلماء ورثة الأنبياء # قالت الصابئة : # الناس متماثلة في حقيقة الإنسانية والبشرية ويشملهم حد واحد وهو الحيوان ~~الناطق المائت # والنفوس والعقول متساوية في الجوهرية : # فحد النفس : # بالمعنى الذي يشترك فيه الإنسان والحيوان والنبات : أنه كمال جسم طبيعي ~~آلي ذي حياة بالقوة # وبالمعنى الذي يشترك فيه الإنسان والملك : أنه جوهر غير جسم هو كمال ~~الجسم محرك له بالاختيار عن مبدأ نطقي أي عقلي بالفعل أو بالقوة فالذي ~~بالفعل هو خاصة النفس الملكية والذي بالقوة هو فصل النفس الإنسانية # وأما العقل : فقوة أو هيئة لهذه النفس مستعدة لقبول ماهيات الأشياء مجردة ~~عن المواد والناس في ذلك على استواء من القدم وإنما الاختلاف يرجع إلى أحد ~~أمرين : # أحدهما : اضطراري وذلك من حيث المزاج المستمد لقبول النفس # والثاني : اختياري وذلك من حيث الاجتهاد المؤثر في رفع الحجب المادية ~~وتصقيل النفس عن الصدأة المانعة لارتسام الصور المعقولة حتى لو بلغ ~~الاجتهاد إلى غاية الكمال تساوت الأقدام وتشابهت الأحكام فلا يتفضل بشر على ~~بشر بالنبوة ولا يتحكم أحد على أحد بالاستتباع # ( 2 \ 39 ) # أجابت الحنفاء : # بأن التماثل والتشابه في الصور البشرية والإنسانية مسلم لا مرية فيه ~~وإنما التنازع بيننا في النفس والعقل قائم فإن عندنا النفوس والعقول على ~~التضاد والترتب وعلينا بيان ذلك على مساق حدودكم ومساق أصولنا : # فقولكم : إن النفس جوهر غير جسم هو كمال الجسم محرك له بالاختيار وذلك ~~إذا أطلق النفس على الإنسان والملك وهو كمال جسم طبيعي آلي ذي حياة بالقوة ~~وإذا أطلق على الإنسان والحيوان فقد جعلتم لفظ النفس من الأسماء المشتركة ~~وميزتم بين النفس الحيواني والنفس الإنساني والنفس الملكي فهلا زدتم فيه ~~قسما ثالثا وهو النفس النبوي حتى يتميز عن الملكي كما تميز الملكي عن ~~الإنساني ؟ فإن عندكم المبدأ النطقي للإنسان بالقوة والمبدأ العقلي للملك ~~بالفعل فقد تغايرا من هذا الوجه ومن حيث إن الموت الطبيعي يطرأ على الإنسان ~~ولا يطرأ على الملك ms206 وذلك تمييز آخر فليكن في النفس النبوي مثل هذا الترتيب # وأما الكمال الذي تعرضتم له فإنما يكون كمالا للجسم إذا كان اختيار ~~المحرك محمودا فأما إذا كان اختياره مذموما من كل وجه صار الكمال نقصانا ~~وحينئذ يقع التضاد بين النفس الخيرة والنفس الشريرة حتى تكون إحداهما في ~~جانب الملكية والثانية في جانب الشيطانية فيحصل التضاد المذكور كما حصل ~~الترتب المذكور فإن الاختلاف بالقوة والفعل اختلاف بالترتب والاختلاف ~~بالكمال والنقص والخير والشر اختلاف بالتضاد فبطل التماثل # ولا تظنن أن الاختلاف بين النفسين الخيرة والشريرة اختلاف بالعوارض فإن ~~الاختلاف بين النفس الملكية والشيطانية بالنوع كما أن الاختلاف بين النفس ~~الإنسانية والملكية بالنوع وكيف لا يكون كذلك والاختلاف ههنا بالقوة والفعل ~~( 2 \ 40 ) والاختلاف ثم بالخير والشر ؟ وهذا لسر وهو أن الخير غريزة هي ~~هيئة متمكنة في النفس بأصل الفطرة وكذلك الشر طبيعة غريزية # لست أقول فعل الخير وفعل الشر فإن الغريزة غير الفعل المترتب عليها فتحقق ~~أن ههنا نفسا محركة للبدن اختيارا نحو الخير عن مبدأ عقلي إما بالقوة أو ~~بالفعل وهو كمال للجسم وليس بجسم وههنا نفسا محركة للبدن اختيارا نحو الشر ~~عن مبدأ نطقي إما بالقوة أو بالفعل وهو نقص للجسم وليس بجسم # ولا ينبون طبعك عن أمثال ما يورد عليك المتكلم الحنيف فإنما يغترفه من ~~بحر وليس ينحته من صخر فلربما لا يساعدك على أن الإنسان نوع الأنواع وأن ~~الاختلاف فيه يقع في العوارض واللوازم بل يثبت في النفوس الإنسانية اختلافا ~~جوهريا فيفصل بعضها على بعض بالفصول الذاتية لا باللوازم العرضية فكما أن ~~الاختلاف بالقوة والفعل في النفس الإنسانية والملكية اختلاف جوهري أوجب ~~اختلاف النوع والنوع وإن شملهما اسم النفس الناطقة # والفصل الذاتي هو القوة والفعل كذلك نقول في نفس لها قوة علم خاص وقوة ~~عمل خاص وقوة خير وقوة شر وكمال مطلق هو أصل الخير ونقص مطلق هو أصل الشر # وأما ما ذكره المتكلم الصابي من حد العقل : أنه قوة أو هيئة للنفس مستعدة ~~لقبول ماهيات الأشياء المجردة ms207 عن المواد فغير شامل لجميع العقول عنده ولا ~~عند الحنيف بل هو تعرض للعقل الهيولاني فقط فأين العقل النظري ؟ وحده : أنه ~~قوة للنفس تقبل ماهيات الأمور الكلية من جهة ما هي كلية # وأين العقل العملي ؟ وحده : أنه قوة للنفس هي مبدأ لتحريك القوة الشوقية ~~إلى ما يختار من الجزئيات لأجل غاية مظنونة # وأين العقل بالملكة ؟ وهو استكمال القوة الهيولانية حتى تصير قريبة من الفعل # وأين العقل بالفعل ؟ وهو استكمال النفس بصورة ما أو صورة معقولة حتى متى ~~شاء عقلها وأحضرها بالفعل # وأين العقل المستفاد ؟ وهو ماهية مجردة عن المادة مرتسمة في النفس على ~~سبيل الحصول من خارج # ( 2 \ 41 ) # وأين العقول المفارقة ؟ فإنها ماهيات مجردة عن المادة # وأين العقل الفعال ؟ فإنه من جهة ما هو عقل فإنه جوهري صوري ذاته ماهية ~~مجردة في ذاتها لا بتجريدها غيرها عن المادة وعن علائق المادة وهي ماهية كل ~~موجود ومن جهة ما هو فعال فإنه جوهر بالصفة المذكورة من شأنه أن يخرج العقل ~~الهيولاني من القوة إلى الفعل بإشراقة عليه ؟ # فقد تعرض لنوع واحد من العقول ولا خلاف أن هذه العقول قد اختلفت حدودها ~~وتباينت فصولها كما سمعت # فأخبرني أيها المتكلم الحكيم من أي عقل تعد عقلك أولا ؟ # وهل ترضى أن يقال لك : تساوت الأقدام في العقول حتى يكون عقلك بالفعل ~~والإفادة كعقل غيرك بالقوة والاستعداد بل واستعداد عقلك لقبول المعقولات ~~كاستعداد عقل غبي غوي لا يرد عليه الفكر برادة ولا ينفك الخيال عن عقله كما ~~لا ينفك الحس عن خياله ؟ وإذا كانت الأقدام متساوية فما هذا الترتيب في ~~الأقسام وإذا أثبت ترتبا في العقول فبالضرورة أن ترتقي في الصعود إلى درجة ~~الاستقلال والإفادة وتنزل في الهبوط إلى درجة الاستعداد والاستفادة # ثم هل في نوعه ما هو عديم الاستعداد أصلا حتى يشبه أن يكون عقلا وليس عقلا ؟ # وما النوع الذي تثبته الشياطين أهو من عداد ما ذكرنا أم خارج عن ذلك ؟ # فإنك إذا ذكرت حد الملك وأنه جوهر بسيط ذو حياة ونطق عقلي ms208 غير مائت هو ~~واسطة بين الباري تعالى والأجسام السماوية والأرضية وعددت أقسامه أن منه ما ~~هو عقلي وما هو نفسي ومنه ما هو حسي : # فيلزمك من حيث التضاد أن تذكر حد الشيطان على الضد مما ذكرته من حد الملك ~~وتعد أقسامه وأنواعه أيضا # ويلزمك من حيث الترتب أن تذكر حد الإنسان على التضاد مما ذكرته من حد ~~الملك وتعد أقسامه وأنواعه كذلك حتى يكون من الإنسان ما هو محسوس فقط ومنه ~~ما هو مع - كونه محسوسا - روحاني نفساني عقلي وذلك هو درجة النبوة فمن عقل ~~عمل من حس ومن حس عمل من عقل ومن نفس مزاجي ومن مزاج نفسي ومن روح جسماني ~~ومن جسم روحاني دع عنك كلام العامة ولا تظنن هذه الطامة . ( 2 \ 42 ) # قالت الصابئة : # لقد حصرتمونا بإبطال تساوي العقول والنفوس وإثبات الترتب والتضاد فيهما ~~ولا شك أن من سلم الترتب فقد لزمه الاتباع فأخبرونا ما رتبة الأنبياء ~~بالنسبة إلى نوع الإنسان ؟ وما رتبتهم بالإضافة إلى الملك والجن وسائر ~~الموجودات ؟ ثم ما مرتبة النبي عند الباري تعالى ؟ فإن عندنا الروحانيات ~~أعلى مرتبة من جميع الموجودات وهم المقربون في الحضرة الإلهية والمكرمون ~~لديه ونراكم تارة تقولون : إن النبي يتعلم من الروحاني ونراكم تارة تقولون ~~: إن الروحاني يتعلم من النبي # أجابت الحنفاء : # بأن الكلام في المراتب صعب ومن لم يصل إلى رتبة من المراتب كيف يمكنه أن ~~يستوفي بيانها ؟ # لكنا نعرف أن رتبته بالنسبة إلينا رتبتنا بالنسبة إلى من هو دوننا في ~~الجنس من الحيوان فكما أن نعرف أسامي الموجودات ولا يعرفها الحيوان كذلك هم ~~يعرفون خواص الأشياء وحقائقها ومنافعها ومضارها ووجوه المصالح في الحركات ~~وحدودها وأقسامها ونحن لا نعرفها # وكما أن نوع الإنسان ملك الحيوان بالتسخير فالأنبياء عليهم الصلاة ~~والسلام ملوك الناس بالتدبير وكما أن حركات الناس معجزات الحيوان كذلك ~~حركات الأنبياء معجزات الناس لأن الحيوانات لا يمكنها أن تبلغ إلى الحركات ~~الفكرية حتى تميز الحق من الباطل ولا أن تبلغ إلى الحركات القولية حتى تميز ~~الصدق من الكذب ms209 ولا أن تبلغ إلى الحركات الفعلية حتى تميز الخير من الشر ~~فلا التمييز العقلي لها بالوجود ولا مثل هذه الحركات لها بالفعل وكذلك ~~حركات الأنبياء لأن منتهى فكرهم لا غاية له وحركات أفكارهم ( 2 \ 43 ) في ~~مجالي القدس مما تعجز عنها قوة البشر حتى يسلم لهم : ( لي مع الله وقت لا ~~يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ) وكذلك حركاتهم القولية والفعلية لا تبلغ ~~إلى غاية انتظامها وجريانها على سنن الفطرة حركة كل البشر وهم في الرتبة ~~العليا والدرجة الأولى من درجات الموجودات كلها فقد أحاطوا علما بما أطلعهم ~~الرب تعالى على ذلك دون غيرهم من الملائكة والروحانيين ففي الأول تكون حاله ~~حال التعلم ( علمه شديد القوى ) وفي الأخير حاله حال التعليم وذلك في حق ~~آدم عليه السلام ( أنبئهم بأسمائهم ) حين كان الأمر على بدء الظهور والكشف ~~فانظر كيف تكون الحال في نهاية الظهور # وأما إضافتهم إلى جناب القدس فالعبودية الخاصة ( قل إن كان للرحمن ولد ~~فأنا أول العابدين ) قولوا : إنا عباد مربوبون وقولوا في فضلنا ما شئتم : ~~أحق الأسماء لهم وأخص الأحوال بهم ( عبده ورسوله ) لا جرم كان أخص ~~التعريفات لجلاله تعالى بأشخاصهم : إله إبراهيم إله إسماعيل وإسحاق إله ~~موسى وهارون إله عيسى إله محمد عليهم الصلاة والسلام فكما أن من العبودية ~~ما هو عام الإضافة ومنها ما هو خاص الإضافة كذلك التعريف إلى الخلق ~~بالإلهية والربوبية والتجلي للعباد بالخصوصية منه ما له عموم رب العالمين - ~~ومنه ما له خصوص - رب موسى وهارون # فهذه نهاية مذهبي الصابئة والحنفاء وفي الفصول التي جرت بين الفريقين ~~فوائد لا تحصى # وكان في الخاطر بعد زوايا نريد نمليها وفي القلم خفايا أكاد أخفيها فعدلت ~~عنها إلى ذكر حكم هرمس العظيم لا على أنه من حملة فرق الصابئة حاشاه بل على ~~أن حكمه مما تدل على تقرير مذهب الحنفاء في إثبات الكمال في الأشخاص ~~البشرية وإيجاب القول باتباع النواميس الإلهية على خلاف مذاهب الصابئة # ( 2 \ 44 ) PageV02P008 ### || AUTO 3 - حكم هرمس العظيم PageV02P044 ~~المحمودة آثاره المرضية ms210 أقواله وأفعاله الذي يعد من الأنبياء الكبار ويقال ~~: هو إدريس النبي عليه السلام وهو الذي وضع أسامي البروج والكواكب السيارة ~~ورتبها في بيوتها وأثبت لها الشرف والوبال والأوج والحضيض والمناظر ~~بالتثليث والتسديس والتربيع والمقابلة والمقارنة والرجعة والاستقامة وبين ~~تعديل الكواكب وتقويمها # وأما الأحكام المنسوبة إلى هذه الاتصالات فغير مبرهن عليها عند الجميع # وللهند والعرب طريقة أخرى في الأحكام أخذوها من خواص الكواكب لا من ~~طبائعها ورتبوها على الثوابت لا على السيارات # ويقال : إن عاذيمون وهرمس هما شيث وإدريس عليهما السلام ونقلت الفلاسفة ~~عن عاذيمون أنه قال : المبادئ الأول خمسة : # الباري تعالى والعقل والنفس والمكان والخلاء وبعدها وجود المركبات ولم ~~ينقل هذا عن هرمس # ومن حكم هرمس : # قوله : أول ما يجب على المرء الفاضل بطباعه المحمود بسنخه المرضي في ~~عادته المرجو في عاقبته تعظيم الله عز وجل وشكره على معرفته وبعد ذلك ~~فللناموس عليه حق الطاعة له والاعتراف بمنزلته وللسلطان عليه حق المناصحة ~~والانقياد ولنفسه عليه حق الاجتهاد والدأب في فتح باب السعادة ولخلصائه ~~عليه حق التحلي لهم بالود والتسارع إليهم بالبذل فإذا أحكم هذه الأسس لم ~~يبق عليه إلا كف الأذى عن العامة وحسن المعاشرة وسهولة الخلق # انظروا معاشر الصابئة كيف عظم أمر الرسالة حتى قرن طاعة الرسول الذي عبر ~~عنه بالناموس بمعرفة الله تعالى ولم يذكر ههنا تعظيم الروحانيات ولا تعرض ~~لها وإن كانت هي من الواجبات # ( 2 \ 45 ) # وسئل : بماذا يحسن رأي الناس في الإنسان ؟ # قال : بأن يكون لقاؤه لهم لقاء جميلا ومعاملته إياهم معاملة حسنة # وقال : مودة الإخوان أن لا تكون لرجاء منفعة أو لدفع مضرة ولكن لصلاح فيه ~~وطباع له # وقال : # أفضل ما في الإنسان من الخير : العقل # وأجدر الأشياء أن لا يندم عليه صاحبه : العمل الصالح # وأفضل ما يحتاج إليه في تدبير الأمور : الاجتهاد # وأظلم الظلمات : الجهل # وأوثق الإسار : الحرص # وقال : من أفضل البر ثلاثة : الصدق في الغضب والجود في العسرة والعفو عند ~~المقدرة # وقال : من لم يعرف عيب نفسه فلا قدر لنفسه عنده # وقال ms211 : الفصل بين العاقل والجاهل أن العاقل منطقه له والجاهل منطقه عليه # وقال : لا ينبغي للعاقل أن يستخف بثلاثة أقوام : السلطان والعلماء ~~والإخوان # فإن من استخف بالسلطان أفسد عليه عيشه # ومن استخف بالعلماء أفسد عليه دينه # ومن استخف بالإخوان أفسد عليه مروءته # وقال : الاستخفاف بالموت أحد فضائل النفس # وقال : المرء حقيق له أن يطلب الحكمة ويثبتها في نفسه أولا بأن لا يجزع ~~من المصائب التي تعم الأخيار ولا يأخذه الكبر فيما يبلغه من الشرف ولا يعير ~~أحدا بما هو فيه ولا يغيره الغنى والسلطان وأن يعدل بين نيته وقوله حتى لا ~~يتفاوت وتكون سنته : ما لا عيب فيه ودينه : ما لا يختلف فيه وحجته : ما لا ينتقض # وقال : أنفع الأمور للناس القناعة والرضى وأضرها الشره والسخط وإنما يكون ~~كل السرور بالقناعة والرضى وكل الحزن بالشره والسخط # ويحكى عنه فيما كتبه : إن أصل الضلال والهلكة لأهله أن يعد ما في العالم ~~من الخير ( 2 \ 46 ) من عطية الله عز وجل ومواهبه ولا يعد ما فيه من الشر ~~والفساد من عمل الشيطان ومكايده # ومن افترى على أخيه فرية لم يخلص من تبعتها حتى يجازى بها فكيف يخلص من ~~أعظم الفرية على الله عز وجل أن يجعله سببا للشرور وهو معدن الخير # وقال : الخير والشر واصلان إلى أهلهما لا محالة فطوبى لمن جرى وصول الخير ~~إليه وعلى يديه والويل لمن جرى وصول الشر إليه وعلى يديه # وقال : الإخاء الدائم الذي لا يقطعه شيء اثنان : # أحدهما : محبة المرء نفسه في أمر معاده وتهذيبه إياها في العلم الصحيح ~~والعمل الصالح # والآخر : مودته لأخيه في دين الحق فإن ذلك مصاحب أخاه في الدنيا بجسده ~~وفي الآخرة بروحه # وقال : الغضب سلطان الفظاظة والحرص سلطان الفاقة وهما منشأا كل سيئة ~~ومفسدا كل جسد ومهلكا كل روح # وقال : كل شيء يطاق تغييره إلا الطباع وكل شيء يقدر على إصلاحه غير الخلق ~~السوء وكل شيء يستطاع دفعه إلا القضاء # وقال : الجهل والحمق للنفس بمنزلة الجوع والعطش للبدن لأن هذين خلاء ~~النفس ms212 وهذين خلاء البدن # وقال أحمد : الأشياء عند أهل السماء والأرض : لسان صادق ناطق بالعدل ~~والحكمة والحق في الجماعة # وقال : أدحض الناس حجة من شهد على نفسه بدحوض حجته # وقال : من كان دينه السلامة والرحمة والكف عن الأذى فدينه دين الله عز ~~وجل وخصمه شاهد له بفلج حجته # ومن كان دينه الإهلاك والفظاظة والأذى فدينه دين الشيطان وهو بدحوض حجته ~~شاهد على نفسه # وقال : الملوك تحتمل الأشياء كلها إلا ثلاثة : قدح في الملك وإفشاء للسر ~~وتعرض للحرمة # ( 2 \ 47 ) # وقال : لا تكن أيها الإنسان : # كالصبي إذا جاع ضغا # ولا كالعبد إذا شبع طغى # ولا كالجاهل إذا ملك بغى # وقال : لا تشيرن على عدو ولا صديق إلا بالنصيحة : # فأما الصديق : فتقضي بذلك من واجبه حقه # وأما العدو : فإنه إذا عرف نصيحتك إياه هابك وحسدك وإن صح عقله استحى منك وراجعك # وقال : # يدل على غريزة الجود : السماحة عند العسرة # وعلى غريزة الورع : الصدق عند الشره # وعلى غريزة الحلم : العفو عند الغضب # وقال : من سره مودة الناس له ومعونتهم إياه وحسن القول منهم فيه حقيق بأن ~~يكون على مثل ذلك لهم # وقال : لا يستطيع أحد أن يحوز الخير والحكمة ولا أن يخلص نفسه من المعايب ~~إلا أن يكون له ثلاثة أشياء : # وزير وولي وصديق # فوزيره : عقله # ووليه : عفته # وصديقه : عمله الصالح # وقال : كل إنسان موكل بإصلاح قدر باع من الأرض فإنه إذا أصلح قدر ذلك ~~الباع صلحت له أموره كلها وإذا أضاعه أضاع الجميع وقدر ذلك نفسه # وقال : لا يمدح بكمال العقل من لا تكمل عفته ولا بكمال العلم من لا يكمل عقله # وقال : من أفضل أعمال العلماء ثلاثة أشياء : # أن يبدلوا العدو صديقا والجاهل عالما والفاجر برا # وقال : الصالح من خيره خير لكل أحد ومن يعد خير كل أحد لنفسه خيرا # وقال : ليس بحكيم ما لم يعاد الجهل ولا بنور ما لم يمحق الظلمة ولا بطيب ~~ما لم يدفع النتن ولا بصدق ما لم يدحض الكذب ولا بصالح ما لم يخالف الطالح PageV02P044 ### || AUTO ms213 الفصل الثالث : أصحاب الهياكل والأشخاص PageV02P047 ~~وهؤلاء من فرق الصابئة وقد أدرجنا مقالتهم في المناظرات جملة ونذكرها ههنا ~~تفصيلا : PageV02P047 ### || AUTO 1 - أصحاب الهياكل : PageV02P047 # اعلم أن أصحاب الروحانيات لما عرفوا أن لا بد للإنسان من متوسط ولا بد ~~للمتوسط من أن يرى فيتوجه إليه ويتقرب به ويستفاد منه فزعوا إلى الهياكل ~~التي هي السيارات السبع فتعرفوا : # أولا : بيوتها ومنازلها # وثانيا : مطالعها ومغاربها # وثالثا : اتصالاتها على أشكال الموافقة والمخالفة مرتبة على طبائعها # ورابعا : تقسيم الأيام والليالي والساعات عليها # وخامسا : تقدير الصور والأشخاص والأقاليم والأمصار عليها # فعملوا الخواتيم وتعلموا العزائم والدعوات # وعينوا ليوم زحل مثلا يوم السبت وراعوا فيه ساعته الأولى وتختموا بخاتمه ~~المعمول على صورته وهيئته وصنعته ولبسوا اللباس الخاص به وتبخروا ببخوره ~~الخاص ودعوا بدعواته الخاصة به وسألوا حاجتهم منه الحاجة التي تستدعى من ~~زحل من أفعاله وآثاره الخاصة به فكان يقضي حاجتهم ويحصل في الأكثر مرامهم # وكذلك رفع الحاجة التي تختص بالمشتري في يومه وساعته وجميع الإضافات التي ~~ذكرنا إليه # وكذلك سائر الحاجات إلى الكواكب وكانوا يسمونها أربابا آلهة والله تعالى ~~هو رب الأرباب وإله الآلهة # ومنهم من جعل الشمس إله الآلهة ورب الأرباب # ( 2 \ 49 ) # وكانوا يتقربون إلى الهياكل تقربا إلى الروحانيات ويتقربون إلى ~~الروحانيات تقربا إلى الباري تعالى لاعتقادهم بأن الهياكل أبدان الروحانيات ~~ونسبتها إلى الروحانيات نسبة أجسادنا إلى أرواحنا فهم الأحياء الناطقون ~~بحياة الروحانيات وهي تتصرف في أبدانها تدبيرا وتصريفا وتحريكا كما نتصرف ~~في أبداننا ولا شك أن من تقرب إلى شخص فقد تقرب إلى روحه # ثم استخرجوا من عجائب الحيل المرتبة على عمل الكواكب ما كان يقضي منهم ~~العجب وهذه الطلسمات المذكورة في الكتب والسحر والكهانة والتنجيم والتعزيم ~~والخواتيم والصور كلها من علومهم PageV02P047 ### || AUTO 2 - أصحاب الأشخاص : PageV02P049 # وأما أصحاب الأشخاص فقالوا : إذا كان لا بد من متوسط يتوسل به وشفيع يتشفع ~~إليه والروحانيات - وإن كانت هي الوسائل - لكنا إذا لم نرها بالأبصار ولم ~~نخاطبها بالألسن لم يتحقق التقرب إليها إلا بهياكلها ولكن الهياكل قد ترى ~~في وقت ms214 ولا ترى في وقت لأن لها طلوعا وأفولا وظهورا بالليل وخفاء بالنهار ~~فلم يصف لنا التقرب بها والتوجه إليها فلا بد لنا من صور وأشخاص موجودة ~~قائمة منصوبة نصب أعيننا نعكف عليها ونتوسل بها إلى الهياكل فنتقرب بها إلى ~~الروحانيات ونتقرب بالروحانيات إلى الله سبحانه وتعالى فنعبدهم ليقربونا ~~إلى الله زلفى # فاتخذوا أصناما أشخاصا على مثال الهياكل السبعة كل شخص في مقابلة هيكل ~~وراعوا في ذلك جوهر الهيكل أعني الجوهر الخاص به من الحديد وغيره وصوروه ~~بصورته على الهيئة التي تصدر أفعاله عنه وراعوا في ذلك الزمان والوقت ~~والساعة والدرجة والدقيقة وجميع الإضافات النجومية من اتصال محمود يؤثر في ~~نجاح المطالب التي تستدعي ( 2 \ 50 ) منه فتقربوا إليه في يومه وساعته ~~وتبخروا بالبخور الخاص به وتختموا بخاتمه ولبسوا لباسه وتضرعوا بدعائه ~~وعزموا بعزائمه وسألوا حاجتهم منه فيقولون : إنه كان يقضي حوائجهم بعد ~~رعاية هذه الإضافات كلها وذلك هو الذي أخبر التنزيل عنهم أنهم عبدة الكواكب ~~والأوثان # فأصحاب الهياكل : هم عبدة الكواكب إذ قالوا بإلهيتها كما شرحنا # وأصحاب الأشخاص : هم عبدة الأوثان إذ سموها آلهة في مقابلة الآلهة ~~السماوية وقالوا : هؤلاء شفعاؤنا عند الله PageV02P049 ~~3 - مناظرات إبراهيم الخليل لأصحاب الهياكل وأصحاب الأشخاص وكسره مذاهبهما : # وقد ناظر الخليل عليه السلام هؤلاء الفريقين : # فابتدأ بكسر مذاهب أصحاب الأشخاص وذلك قوله تعالى : ( وتلك حجتنا آتيناها ~~إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم ) وتلك الحجة أن ~~كسرهم قولا بقوله : ( أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون ) # ولما كان أبوه آزر هو أعلم القوم بعمل الأشخاص والأصنام ورعاية الإضافات ~~النجومية فيها حق الرعاية ولهذا كانوا يشترون منه الأصنام لا من غيره كان ~~أكثر الحجج معه وأقوى الإلزامات عليه إذ قال عليه السلام لأبيه آزر : ( ~~أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين ) وقال : ( يا أبت لم تعبد ~~ما لا يسمع ( 2 \ 51 ) ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا ) لأنك جهدت كل الجهد ~~واستعملت كل العلم حتى عملت أصناما في مقابلة الأجرام ms215 السماوية فما بلغت ~~قوتك العلمية والعملية إلى أن تحدث فيها سمعا وبصرا وأن تغني عنك وتضر ~~وتنفع وأنت بفطرتك وخلقتك أشرف درجة منها لأنك خلقت سميعا بصيرا نافعا ضارا ~~والآثار السماوية فيك أظهر منها في هذا المتخذ تكلفا والمعمول تصنعا فيا ~~لها من حيرة إذ صار المصنوع بيديك معبودا لك والصانع أشرف من المصنوع ( يا ~~أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا يا أبت إني أخاف أن يمسك ~~عذاب من الرحمن ) # ثم دعاه إلى الحنيفية الحقة قال : ( يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم ~~يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا ) ( قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم ) # فلم تقبل حجته القولية فعدل عليه السلام عن القول إلى الكسر للأصنام ~~بالفعل ( فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم ) ( فقالوا من فعل هذا بآلهتنا قال بل ~~فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم ~~أنتم الظالمون ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون ) فأفحمهم ~~بالفعل حيث أحال الفعل على كبيرهم كما أفحمهم حيث أحال الفعل منهم وكل ذلك ~~على طريق الإلزام عليهم وإلا فما كان الخليل كاذبا قط # ثم عدل إلى كسر مذاهب أصحاب الهياكل وكما أراه الله تعالى الحجة على قومه ~~قال : ( وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين ) ~~فأطلعه على ملكوت الكونين والعالمين تشريفا له على الروحانيات وهياكلها ~~وترجيحا لمذهب الحنفاء على مذهب الصابئة وتقريرا أن الكمال في الرجال فأقبل ~~على إبطال مذهب أصحاب الهياكل ( فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي ~~) على ( 2 \ 52 ) ميزان إلزامه على أصحاب الأصنام ( بل فعله كبيرهم هذا ) ~~وإلا فما كان الخليل عليه السلام كاذبا في هذا القول ولا مشركا في تلك ~~الإشارة # ثم استدل بالأفول : الزوال والتغير والانتقال على أنه لا يصلح أن يكون ~~ربا إلها فإن الإله القديم لا يتغير وإذا تغير احتاج إلى مغير هذا لو ~~اعتقدتموه ربا قديما وإلها أزليا ولو اعتقدتموه واسطة وقبلة وشفيعا ووسيلة ~~فإن الأفول - الزوال ms216 - يخرجه أيضا عن حد الكمال وعن هذا ما استدل عليهم ~~بالطلوع وإن كان الطلوع أقرب إلى الحدوث من الأفول فإنهم إنما انتقلوا إلى ~~عمل الأشخاص لما عراهم من التحير بالأفول فأتاهم الخليل عليه السلام من حيث ~~تحيرهم فاستدل عليهم بما اعترفوا بصحته وذلك أبلغ في الاحتجاج # ثم لما ( رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي ~~لأكونن من القوم الضالين ) فيا عجبا ممن لا يعرف ربا كيف يقول : ( لئن لم ~~يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ) ؟ رؤية الهداية من الرب تعالى غاية ~~التوحيد ونهاية المعرفة والواصل إلى الغاية والنهاية كيف يكون في مدارج ~~البداية ؟ # دع هذا كله خلف قاف وارجع بنا إلى ما هو شاف كاف فإن الموافقة في العبارة ~~على طريق الإلزام على الخصم من أبلغ الحجج وأوضح المناهج وعن هذا قال : ( ~~فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر ) لاعتقاد القوم أن الشمس ملك ~~الفلك هو رب الأرباب الذي يقتبسون منه الأنوار ويقبلون منه الآثار ( فلما ~~أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات ~~والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ) # قرر مذهب الحنفاء وأبطل مذاهب الصابئة وبين أن الفطرة هي الحنيفية وأن ~~الطهارة فيها وأن الشهادة بالتوحيد مقصورة عليها وأن النجاة والخلاص متعلقة ~~بها ( 2 \ 53 ) وأن الشرائع والأحكام مشارع ومناهج إليها وأن الأنبياء ~~والرسل مبعوثون لتقريرها وتقديرها وأن الفاتحة والخاتمة والمبدأ والكمال ~~منوطة بتحصيلها وتحريرها ( ذلك الدين القيم ) والصراط المستقيم والمنهج ~~الواضح والمسلك اللائح قال الله تعالى لنبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم : ~~( فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق ~~الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه واتقوه ~~وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ~~كل حزب بما لديهم فرحون ) PageV02P050 ### || AUTO الفصل الرابع : الحرنانية PageV02P053 ~~وهم جماعة من الصابئة : PageV02P053 ### || AUTO 1 - مقالات الحرنانية : PageV02P053 # قالوا : إن الصانع المعبود واحد وكثير : # أما واحد ms217 : ففي الذات والأول والأصل والأزل # وأما كثير : فلأنه يتكسر بالأشخاص في رأي العين وهي المدبرات السبعة ~~والأشخاص الأرضية الخيرة العالمة الفاضلة فإنه يظهر بها ويتشخص بأشخاصها ~~ولا تبطل وحدته في ذاته # وقالوا : هو أبدع الفلك وجميع ما فيه من الأجرام والكواكب وجعلها مدبرات ~~هذا العالم وهم الآباء والعناصر أمهات والمركبات مواليد والآباء أحياء ~~ناطقون ( 2 \ 54 ) يؤدون الآثار إلى العناصر فتقبلها العناصر في أرحامها ~~فيحصل من ذلك المواليد ثم من المواليد قد يتفق شخص مركب من صفوها دون كدرها ~~ويحصل له مزاج كامل الاستعداد فيتشخص الإله به في العالم # ثم إن طبيعة الكل تحدث في كل إقليم من الأقاليم المسكونة على رأس كل ستة ~~وثلاثين ألف سنة وأربعمائة وخمس وعشرين سنة زوجين من كل نوع من أجناس ~~الحيوانات ذكرا وأنثى من الإنسان وغيره فيبقى ذلك النوع تلك المدة ثم إذا ~~انقضى الدور بتمامه انقطعت الأنواع : نسلها وتوالدها فيبتدئ دور آخر ويحدث ~~قرن آخر من الإنسان والحيوان والنبات وكذلك أبد الدهر # قالوا : وهذه هي القيامة الموعودة على لسان الأنبياء عليهم السلام وإلا ~~فلا دار سوى هذه الدار ( وما يهلكنا إلا الدهر ) ولا يتصور إحياء الموتى ~~وبعث من في القبور ( أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون ~~هيهات هيهات لما توعدون ) # وهم الذين أخبر التنزيل عنهم بهذه المقالة PageV02P053 ### || AUTO 1 - نشأة التناسخ والحلول منهم : PageV02P054 # وإنما نشأ أصل التناسخ والحلول من هؤلاء القوم : # فإن التناسخ : هو أن تتكرر الأكوار والأدوار إلى ما لا نهاية له ويحدث في ~~كل دور مثل ما حدث في الأول والثواب والعقاب في هذه الدار لا في دار أخرى ~~لا عمل فيها # والأعمال التي نحن فيها إنما هي أجزية على أعمال سلفت منا في الأدوار ~~الماضية : # فالراحة والسرور والفرح والدعة التي نجدها هي مرتبة على أعمال البر التي ~~سلفت منا ( 2 \ 55 ) في الأدوار الماضية # والغم والحزن والضنك والكلفة التي نجدها هي مرتبة على أعمال الفجور التي ~~سبقت منا # وكذا كان في الأول وكذا يكون في الآخر ms218 والانصرام من كل وجه غير متصور من الحكيم # وأما الحلول : فهو التشخص الذي ذكرناه : # وربما يكون ذلك بحلول ذاته # وربما يكون بحلول جزء من ذاته على قدر استعداد مزاج الشخص # وربما قالوا : إنما تشخص بالهياكل السماوية كلها وهو واحد وإنما يظهر ~~فعله في واحد واحد بقدر آثاره فيه وتشخصه به # فكأن الهياكل السبعة أعضاؤها السبعة وكأن أعضاءنا السبعة هياكله السبعة ~~فيها يظهر فينطق بلساننا ويبصر بأعيننا ويسمع بآذاننا ويقبض ويبسط بأيدينا ~~ويجيء ويذهب بأرجلنا ويفعل بجوارحنا PageV02P054 ### || AUTO 3 - مزاعم الحرنانية PageV02P055 ~~وزعموا أن الله تعالى أجل من أن يخلق الشرور والقبائح والأقذار والخنافس ~~والحيات والعقارب بل هي كلها واقعة ضرورة عن اتصالات الكواكب سعادة ونحوسة ~~واجتماعات العناصر صفوة وكدورة : # فما كان من سعد وخير وصفو فهو المقصود من الفطرة فينسب إلى الباري تعالى # وما كان من نحوسة وشر وكدر فهو الواقع ضرورة فلا ينسب إليه بل هي : إما ~~اتفاقيات وضروريات وإما مستندة إلى أصل الشرور والاتصال المذموم # والحرنانية ينسبون مقالتهم إلى عاذيمون وهرمس وأعيانا وأواذي أربعة أنبياء # ( 2 \ 56 ) # ومنهم من ينتسب إلى سولون جد أفلاطون لأمه ويزعم أنه كان نبيا # وزعموا أن أواذي حرم عليهم البصل والكراث والباقلا # والصابئون كلهم يصلون ثلاث صلوات ويغتسلون من الجنابة ومن مس الميت # وحرموا أكل الجزور والخنزير والكلب ومن الطير كل ما له مخلب والحمام # ونهوا عن السكر في الشراب وعن الاختتان # وأمروا بالتزويج بولي وشهود ولا يجوزون الطلاق إلا بحكم حاكم ولا يجمعون ~~بين امرأتين # وأما الهياكل التي بناها الصابئة على أسماء الجواهر العقلية الروحانية ~~وأشكال الكواكب السماوية : # فمنها هيكل العلة الأولى ودونها هيكل العقل وهيكل السياسة وهيكل الصورة ~~وهيكل النفس مدورات الشكل # وهيكل زحل : مسدس # وهيكل المشتري : مثلث # وهيكل المريخ : مربع مستطيل # وهيكل الشمس : مربع # وهيكل الزهرة : مثلث في جوف مربع # وهيكل عطارد : مثلث في جوفه مربع مستطيل # وهيكل القمر : مثمن # ( 2 \ 57 ) PageV02P055 ### | AUTO الباب الثاني : الفلاسفة PageV02P057 ~~الفلسفة باليونانية : محبة الحكمة # والفيلسوف : هو فيلا وسوفا # وفيلا : هو المحب # وسوفا : الحكمة # أي هو ms219 محب الحكمة # والحكمة : قولية وفعلية # أما الحكمة القولية : وهي العقلية أيضا فهي كل ما يعقله العاقل : # بالحد وما يجري مجراه مثل الرسم # والبرهان وما يجري مجراه مثل الاستقراء فيعبر عنه بهما # وأما الحكمة الفعلية : فكل ما يفعله الحكيم لغاية كمالية # فالأول الأزلي : لما كان هو الغاية والكمال فلا يفعل فعلا لغاية دون ذاته ~~وإلا فيكون الغاية والكمال هو الحامل والأول محمول وذلك محال # فالحكمة في فعله وقعت تبعا لكمال ذاته وذلك هو الكمال المطلق في الحكمة ~~وفي فعل غيره من المتوسطات وقعت مقصودا للكمال المطلوب وكذلك في أفعالنا # ثم إن الفلاسفة اختلفوا في الحكمة القولية العقلية اختلافا لا يحصى كثرة ~~والمتأخرون منهم خالفوا الأوائل في أكثر المسائل وكانت مسائل الأولين ~~محصورة في الطبيعيات والإلهيات وذلك هو الكلام في الباري تعالى والعالم ثم ~~زادوا فيها الرياضيات # وقالوا : العلم ينقسم إلى ثلاثة أقسام : علم ما وعلم كيف وعلم كم # فالعلم الذي يطلب فيه ماهيات الأشياء هو العلم الإلهي # والعلم الذي يطلب فيه كيفيات الأشياء هو العلم ( 2 \ 58 ) الطبيعي # والعلم الذي يطلب فيه كميات الأشياء هو العلم الرياضي سواء كانت الكميات ~~مجردة عن المادة أو كانت مخالطة # فأحدث بعدهم أرسطوطاليس الحكيم علم المنطق وسماه تعليمات وإنما هو جرده ~~من كلام القدماء وإلا فلم تخل الحكمة عن قوانين المنطق قط وربما عدها آلة ~~العلوم لا من جملة العلوم فقال : # الموضوع في العلم الإلهي : هو الوجود المطلق # ومسائله : البحث عن أحوال الوجود من حيث هو وجود # والموضوع في العلم الطبيعي : هو الجسم # ومسائله : البحث عن أحوال الجسم من حيث هو جسم # والموضوع في العلم الرياضي : هو الأبعاد والمقادير وبالجملة الكمية من ~~حيث إنها مجردة عن المادة # ومسائله : البحث عن أحوال الكمية من حيث هي كمية # والموضوع في العلم المنطقي : هو المعاني التي في ذهن الإنسان من حيث ~~يتأدى بها إلى غيرها من العلوم # ومسائله : البحث عن أحوال تلك المعاني من حيث هي كذلك # قالت الفلاسفة : ولما كانت السعادة هي المطلوبة لذاتها وإنما يكدح ~~الإنسان ms220 لنيلها والوصول إليها وهي لا تنال إلا بالحكمة فالحكمة تطلب : إما ~~ليعمل بها وإما لتعلم فقط # فانقسمت الحكمة إلى قسمين : عملي وعلمي # ثم منهم من قدم العملي على العلمي # ومنهم من أخر كما سيأتي # فالقسم العملي : هو عمل الخير # والقسم العلمي : هو علم الحق # قالوا : وهذان القسمان مما يوصل إليه بالعقل الكامل والرأي الراجح غير أن ~~الاستعانة في القسم العملي منه بغيره أكثر والأنبياء عليهم السلام أيدوا ~~بأمداد روحانية تقريرا للقسم العملي ولطرف ما من القسم العلمي والحكماء ~~تعرضوا لأمداد عقلية تقريرا للقسم العلمي ولطرف ما من القسم العملي : # فغاية الحكيم : هو أن يتجلى لعقله كل الكون ويتشبه بالإله الحق تعالى ~~وتقدس بغاية الإمكان # وغاية النبي : أن يتجلى له نظام الكون فيقدر على ذلك مصالح العامة حتى ~~يبقى نظام العالم وتنتظم مصالح العباد وذلك لا يتأتى إلا بترغيب وترهيب ~~وتشكيل وتخييل # ( 2 \ 59 ) # فكل ما ورد به أصحاب الشرائع والملل مقدر على ما ذكرناه عند الفلاسفة إلا ~~من أخذ علمه من مشكاة النبوة فإنه ربما بلغ إلى حد التعظيم لهم وحسن ~~الاعتقاد في كمال درجتهم # فمن الفلاسفة : # حكماء الهند من البراهمة : لا يقولون بالنبوات أصلا # ومنهم حكماء العرب : وهم شرذمة قليلون لأن أكثر حكمهم فلتات الطبع وخطرات ~~الفكر وربما قالوا بالنبوات # ومنهم حكماء الروم : وهم منقسمون : # إلى القدماء الذين هم أساطين الحكمة # وإلى المتأخرين وهم المشاءون وأصحاب الرواق وأصحاب أرسطوطاليس # وإلى فلاسفة الإسلام : الذين هم حكماء العجم وإلا فلم ينقل عن العجم قبل ~~الإسلام مقالة في الفلسفة إذ حكمهم كلها كانت متلقاة من النبوات إما من ~~الملة القديمة وإما من سائر الملل # غير أن الصابئة كانوا يخلطون الحكمة بالصبوة # فنحن نذكر مذاهب الحكماء القدماء من الروم واليونانيين على الترتيب الذي ~~نقل في كتبهم ونعقب ذلك بذكر سائر الحكماء إن شاء الله تعالى # فإن الأصل في الفلسفة والمبدأ في الحكمة للروم وغيرهم كالعيال لهم # ( 2 \ 60 ) PageV02P057 ### || AUTO الفصل الأول : الحكماء السبعة PageV02P060 ~~الذين هم أساطين الحكمة من الملطية وساميا وأثينة وهي بلادهم ms221 # وأما أسماؤهم فهي : تاليس الملطي وأنكساغورس وأنكسيمانس وأنبادقليس ~~وفيثاغورس وسقراط وأفلاطون # وتبعهم جماعة من الحكماء : مثل فلوطرخيس وبقراط وديمقريطيس والشعراء ~~والنساك # وإنما يدور كلامهم في الفلسفة على ذكر وحدانية الباري تعالى وإحاطته علما ~~بالكائنات : كيف هي وفي الإبداع وتكوين العالم وأن المبادئ الأول : ما هي ~~وكم هي وأن المعاد : ما هو ومتى هو وربما تكلموا في الباري تعالى بنوع حركة وسكون # وقد أغفل المتأخرون من فلاسفة الإسلام ذكرهم وذكر مقالاتهم رأسا إلا نكتة ~~شاذة نادرة ربما اعترت على أبصارهم وأفكارهم وأشاروا إليها تزييفا ونحن ~~تتبعناها وتعقبناها نقدا وألقينا زمام الاختيار إليك في المطالعة والمناظرة ~~بين كلام الأوائل والأواخر PageV02P060 ### || AUTO 1 - رأي تاليس : PageV02P060 # وهو أول من تفلسف في ملطية # قال : إن للعالم مبدعا لا تدرك صفته العقول من جهة هويته وإنما يدرك من ~~جهة آثاره وهو الذي لا يعرف اسمه فضلا عن هويته إلا من نحو أفاعيله وإبداعه ~~وتكوينه الأشياء فلسنا ندرك له اسما من نحو ذاته بل من نحو ذاتنا # ( 2 \ 61 ) # ثم قال : إن القول الذي لا مرد له هو أن المبدع كان ولا شيء مبدع فأبدع ~~الذي أبدع ولا صورة له عنده في الذات لأن قبل الإبداع إنما هو فقط وإذا كان ~~هو فقط فليس يقال حينئذ : جهة وجهة حتى يكون هو وصورة أو حيث وحيث حتى يكون ~~هو وذو صورة والوحدة الخالصة تنافي هذين الوجهين # والإبداع : هو تأييس ما ليس بأيس وإذا كان هو مؤيس الأيسيات والتأييس لا ~~من شيء متقادم فمؤيس الأشياء لا يحتاج إلى أن يكون عنده صورة الأيس ~~بالأيسية وإلا فقد لزمه إن كانت الصورة عنده أن يكون منفردا عن الصورة التي ~~عنده فيكون هو وصورة وقد بينا أنه قبل الإبداع إنما هو فقط # وأيضا فلو كانت الصورة عنده : أكانت مطابقة للموجود الخارج أم غير مطابقة ؟ # فإن كانت مطابقة فلتتعدد الصور بعدد الموجودات ولتكن كلياتها مطابقة ~~للكليات وجزئياتها مطابقة للجزئيات ولتتغير بتغيرها كما تكترث بتكثرها وكل ~~ذلك محال لأنه ينافي الوحدة الخالصة # وإن لم ms222 تطابق الموجود الخارج فليست إذن صورة عنه بل إنما هي شيء آخر # وقال : لكنه أبدع العنصر الذي فيه صور الموجودات والمعلومات كلها فانبعث ~~من كل صورة موجود في العالم على المثال الذي في العنصر الأول فمحل الصور ~~ومنبع الموجودات كلها هو ذات العنصر # وما من موجود في العالم العقلي والعالم الحسي إلا وفي ذات العنصر صورة له ~~ومثال عنه # قال : ومن كمال ذات الأول الحق أنه أبدع مثل هذا العنصر فما يتصوره ~~العامة في ذاته تعالى أن فيها الصور يعني صور المعلومات فهو في مبدعه ~~ويتعالى الأول الحق بوحدانيته وهويته عن أن يوصف بما يوصف به مبدعه # ومن العجب أنه نقل عنه أن ( 2 \ 62 ) المبدع الأول هو الماء # قال : الماء قابل لكل صورة ومنه أبدع الجواهر كلها من السماء والأرض وما ~~بينهما وهو علة كل مبدع وعلة كل مركب من العنصر الجسماني فذكر أن من جمود ~~الماء تكونت الأرض ومن انحلاله تكون الهواء ومن صفوة الهواء تكونت النار ~~ومن الدخان والأبخرة تكونت السماء ومن الاشتعال الحاصل من الأثير تكونت ~~الكواكب فدارت حول المركز دوران المسبب على سببه بالشوق الحاصل إليه # قال : والماء ذكر والأرض أنثى وهما يكونان سفلا والنار ذكر والهواء أنثى ~~وهما يكونان علوا # وكان يقول : إن هذا العنصر الذي هو أول وهو آخر - أي هو المبدأ وهو ~~الكمال - هو عنصر الجسمانيات والجرميات لا أنه عنصر الروحانيات البسيطة # ثم إن هذا العنصر له صفو وكدر : # فما كان من صفوه فإنه يكون جسما # وما كان من كدره فإنه يكون جرما # فالجرم يدثر والجسم لا يدثر والجرم كثيف ظاهر والجسم لطيف باطن وفي ~~النشأة الثانية يظهر الجسم ويدثر الجرم ويكون الجسم اللطيف ظاهرا والجرم ~~الكثيف داثرا # وكان يقول : إن فوق السماء عوالم مبدعة لا يقدر المنطق أن يصف تلك ~~الأنوار ولا يقدر العقل أن يقف على إدراك ذلك الحس والبهاء وهي مبدعة من ~~عنصر لا يدرك غوره ولا يبصر نوره والمنطق والنفس والطبيعة تحته ودونه وهو ~~الدهر المحض من نحو ms223 آخره لا من نحو أوله وإليه تشتاق العقول والأنفس وهو ~~الذي سميناه الديمومة والسرمد والبقاء في حد النشأة الثانية # فظهر بهذه الإشارات أنه إنما أراد بقوله : الماء هو المبدع الأول أي هو ~~مبدأ التركيبات الجسمانية لا المبدأ الأول في الموجودات العلوية لكنه لما ~~اعتقد أن العنصر الأول هو قابل ( 2 \ 63 ) كل صورة أي منبع الصور كلها ~~فأثبت في العالم الجسماني له مثالا يوازيه في قبول الصور كلها ولم يجد ~~عنصرا على هذا النهج مثل الماء فجعله المبدع الأول في المركبات وأنشأ منه ~~الأجسام والأجرام السماوية والأرضية # وقال في التوراة في السفر الأول منها : إن مبدأ الخلق هو جوهر خلقه الله ~~تعالى ثم نظر إليه نظرة الهيبة فذابت أجزاؤه فصارت ماء ثم ثار من الماء ~~بخار مثل الدخان فخلق منه السموات وظهر على وجه الماء زبد مثل زبد البحر ~~فخلق منه الأرض ثم أرساها بالجبال # وكأن تاليس الملطي إنما تلقى مذهبه من هذه المشكاة النبوية # والذي أثبته من العنصر الأول الذي هو منبع الصور شديد الشبه باللوح ~~المحفوظ المذكور في الكتب الإلهية إذ فيه جميع أحكام المعلومات وصور جميع ~~الموجودات والخبر عن الكائنات # والماء على القول الثاني شديد الشبه بالماء الذي عليه العرش ( وكان عرشه ~~على الماء ) PageV02P060 ### || AUTO 2 - رأي أنكساغورس : PageV02P063 # وهو أيضا من أهل ملطية # رأى في الوحدانية مثل ما رأى تاليس وخالفه في المبدأ ( 2 \ 64 ) الأول # قال : إن مبدأ الموجودات هو جسم أول متشابه الأجزاء وهي أجزاء لطيفة لا ~~يدركها الحس ولا ينالها العقل منها كون الكون كله العلوي منه والسفلي لأن ~~المركبات مسبوقة بالبسائط والمختلفات أيضا مسبوقة بالمشابهات أليست ~~المركبات كلها إنما امتزجت وتركبت من العناصر وهي بسائط متشابهة الأجزاء ؟ ~~وأليس الحيوان والنبات وكل ما يغتذي فإنما يغتذي من أجزاء متشابهة أو غير ~~متشابهة فتجتمع في المعدة فتصير متشابهة ثم تجري في العروق والشرايين ~~فتستحيل أجزاء مختلفة مثل الدم واللحم والعظم ؟ # وحكي عنه أيضا أنه وافق سائر الحكماء في المبدأ الأول أنه العقل الفعال ~~غير أنه ms224 خالفهم في قوله : إن الأول : الحق تعالى ساكن غير متحرك وسنشرح ~~القول في السكون والحركة له تعالى ونبين اصطلاحهم في ذلك # وحكى فرفوريوس عنه أنه قال : إن أصل الأشياء جسم واحد موضوع الكل لا ~~نهاية له ولم نبين ما ذلك الجسم أهو من العناصر أم خارج عن ذلك ؟ # قال : ومنه تخرج جميع الأجسام والقوة الجسمانية والأنواع والأصناف # وهو أول من قال بالكمون والظهور حيث قدر الأشياء كلها كامنة في الجسم ~~الأول وإنما الوجود ظهورها من ذلك الجسم نوعا وصنفا ومقدارا وشكلا وتكاثفا ~~وتخلخلا كما تظهر السنبلة من الحبة الواحدة والنخلة الباسقة من النواة ~~الصغيرة والإنسان الكامل الصورة من النطفة المهينة والطير من البيض فكل ذلك ~~ظهور عن كمون وفعل عن قوة وصورة عن استعداد مادة وإنما الإبداع واحد ولم ~~يكن بشيء آخر سوى ذلك الجسم الأول # وحكي عنه أنه قال : كانت الأشياء ساكنة ثم إن العقل رتبها ترتيبا على ~~أحسن نظام فوضعها مواضعها من عال ومن سافل ومن متوسط ثم من متحرك ومن ساكن ~~ومن مستقيم في الحركة ومن دائر ومن أفلاك متحركة على الدوران ومن ( 2 \ 65 ~~) عناصر متحركة على الاستقامة وهذه كلها بهذا الترتيب مظهرات لما في الجسم ~~الأول من الموجودات # ويحكى عنه أن المرتب هو الطبيعة وربما يقول : المرتب هو الباري تعالى ~~وإذا كان المبدأ الأول عنده ذلك الجسم فمقتضى مذهبه أن يكون المعاد إلى ذلك ~~الجسم وإذا كانت النشأة الأولى هي الظهور فيقتضي أن تكون النشأة الثانية هي ~~الكمون وذلك قريب من مذهب من يقول بالهيولى الأولى التي حدثت فيها الصور ~~إلا أنه أثبت جسما غير متناه بالفعل هو متشابه الأجزاء وأصحاب الهيولى لا ~~يثبتون جسما بالفعل # وقد رد عليه الحكماء المتأخرون في إثباته جسما مطلقا لم يعين له صورة ~~سماوية أو عنصرية وفي نفيه النهاية عنه وفي قوله بالكمون والظهور وفي بيانه ~~سبب الترتيب وتعيينه المرتب وإنما عقب مذهبه برأي تاليس لأنهما من أهل ~~ملطية ومتقاربان في إثبات العنصر الأول والصور فيه متمثلة والجسم الأول ms225 ~~والموجودات فيه كامنة # وحكى أرسطوطاليس عنه أن الجسم الذي تكون منه الأشياء غير قابل للكثرة # قال : وأومأ إلى أن الكثرة جاءت من قبل الباري تعالى وتقدس PageV02P063 ~~3 - رأي أنكسيمانس : # وهو من الملطيين المعروف بالحكمة المذكور بالخير عندهم # قال : إن الباري تعالى أزلي لا أول له ولا آخر هو مبدأ الأشياء ولا بدء ~~له هو المدرك من خلقه أنه هو فقط وأنه لا هوية تشبهه وكل هوية فمبدعة منه ~~هو الواحد ليس كواحد الأعداد لأن واحد الأعداد يتكثر وهو لا يتكثر وكل مبدع ~~ظهرت صورته في حد الإبداع فقد كانت صورته في علمه الأول والصور عنده بلا نهاية # ( 2 \ 66 ) # قال : ولا يجوز في الباري تعالى إلا أحد قولين : # إما أن نقول : إنه أبدع ما في علمه # وإما أن نقول : إنما أبدع أشياء لا يعلمها # وهذا من القول المستشنع وإن قلنا : أبدع ما في علمه فالصور أزلية بأزليته ~~وليس تتكثر ذاته بتكثر المعلومات ولا تتغير بتغيرها # قال : أبدع بوحدانيته صورة العنصر ثم صورة العقل انبعث عنها ببدعة الباري ~~تعالى فرتب العنصر في العقل ألوان الصور على قدر ما فيها من طبقات الأنوار ~~وأصناف الآثار وصارت تلك الطبقات صورا كثيرة دفعة واحدة كما تحدث الصور في ~~المرآة الصقيلة بلا زمان ولا ترتيب بعض على بعض غير أن الهيولى لا تحمل ~~القبول دفعة واحدة إلا بترتيب وزمان فحدثت تلك الصور فيها على الترتيب ولم ~~يزل الأمر كذلك في العالم بعد العالم على قدر طبقات تلك العوالم حتى قلت : ~~أنوار الصور في الهيولى وقلت : الهيولى وصارت منها هذه الصورة الرذلة ~~الكثيفة التي لم تقبل نفسا روحانية ولا نفسا حيوانية ولا نباتية # وكل ما هو على قبول حياة وحس فهو يعد في آثار تلك الأنوار # وكان يقول : إن هذا العالم يدثر ويدخله الفساد والعدم من أجل أنه سفل تلك ~~العوالم وثقلها ونسبتها إليه نسبة اللب إلى القشر والقشر يرمى # قال : وإنما ثبات هذا العالم بقدر ما فيه من قليل نور ذلك العالم وإلا ~~لما ثبت ms226 طرفة عين ويبقى ثباته إلى أن يصفي العقل جزأه الممتزج به وإلى أن ~~تصفي النفس جزأها المختلط فيه فإذا صفي الجزآن عنه دثرت أجزاء هذا العالم ~~وفسدت وبقيت مظلمة قد عدمت ذلك القليل من النور فيها وبقيت الأنفس الدنسة ~~الخبيثة في هذه الظلمة بلا نور ولا سرور ولا روح ولا راحة ولا سكون ولا سلوة # ونقل عنه أيضا أن أول الأوائل من المبدعات هو الهواء ومنه تكون جميع ما ~~تكون في العالم من الأجرام العلوية والسفلية # قال : ما كون من صفو الهواء المحض : لطيف روحاني لا يدثر ولا يدخل عليه ~~الفساد ( 2 \ 67 ) ولا يقبل الدنس والخبث # وما كون من كدر الهواء : كثيف جسماني يدثر ويدخله الفساد ويقبل الدنس والخبث # فما فوق الهواء من العوالم فهو من صفوه وذلك عالم الروحانيات # وما دون الهواء من العوالم فهو من كدره وذلك عالم الجسمانيات وهو كثير ~~الأوساخ والأوضار يتشبث به من سكن إليه فيمنعه من أن يرتفع علوا ويتخلص منه ~~من لم يسكن إليه فيصعد إلى عالم كثير اللطافة دائم السرور # ولعله جعل الهواء أول الأوائل لموجودات العالم الجسماني كما جعل العنصر ~~أول الأوائل لموجودات العالم الروحاني # وهو على مثال مذهب تاليس إذ أثبت العنصر والماء في مقابلته وهو قد أثبت ~~العنصر والهواء في مقابلته ونزل العنصر منزلة القلم الأول والعقل منزلة ~~اللوح القابل لنقش الصور ورتب الموجودات على ذلك الترتيب # وهو أيضا من مشكاة النبوة اقتبس وبعبارات القوم التبس PageV02P065 ### || AUTO 4 - رأي أنبادقليس PageV02P067 ~~وهو من الكبار عند الجماعة دقيق النظر في العلوم رقيق الحال في الأعمال # وكان في زمن داود النبي عليه السلام مضى إليه وتلقى منه العلم # واختلف إلى لقمان الحكيم واقتبس منه الحكمة ثم عاد إلى يونان وأفاد # قال : إن الباري تعالى لم تزل هويته فقط وهو العلم المحض وهو الإرادة ~~المحضة وهو الجود والعزة والقدرة والعدل والخير والحق لا أن هناك قوى مسماة ~~بهذه الأسماء بل هي هو وهو هذه كلها مبدع فقط لا أنه أبدع من شيء ms227 ولا أن ~~شيئا كان معه فأبدع الشيء البسيط الذي هو أول البسائط المعقول وهو العنصر ~~الأول ثم كسر الأشياء المبسوطة من ذلك المبدع البسيط الواحد الأول ثم كون ~~المركبات من المبسوطات # وهو مبدع الشيء واللاشيء : العقلي والفكري والوهمي أي مبدع المتضادات ( 2 ~~\ 68 ) والمتقابلات : المعقولة والخيالية والحسية # وقال : إن الباري تعالى أبدع الصور لا بنوع إرادة مستأنفة بل بنوع أنه ~~علة فقط وهو العلم والإرادة # فإذا كان المبدع إنما أبدع الصور بنوع أنه علة لها فالعلة ولا معلول وإلا ~~فالمعلول مع العلة معية بالذات فإن جاز أن يقال : إن معلولا مع العلة ~~فالمعلول حينئذ ليس هو غير العلة وأن يكون المعلول ليس أولى بكونه معلولا ~~من العلة ولا العلة بكونها علة أولى من المعلول فالمعلول إذن تحت العلة ~~وبعدها والعلة علة العلل كلها أي علة كل معلول تحتها فلا محالة أن المعلول ~~لم يكن مع العلة بجهة من الجهات البتة وإلا فقد بطل اسم العلة والمعلول ~~فالمعلول الأول هو العنصر والمعلول الثاني هو بتوسطه العقل والثالث ~~بتوسطهما النفس وهذه بسائط ومتوسطات وما بعدها مركبات # وذكر أن المنطق لا يعبر عما عند العقل لأن العقل أكبر من المنطق من أجل ~~أنه بسيط والمنطق مركب والمنطق يتجزأ والعقل يتحد ويحد فيجمع المتجزئات ~~فليس للمنطق إذن أن يصف الباري تعالى إلا صفة واحدة وذلك أنه هو ولا شيء من ~~هذه العوالم بسيط ولا مركب فإذا كان هو ولا شيء فقد كان الشيء واللاشيء مبدعين # ثم قال أنبادقليس : العنصر الأول بسيط من نحو ذات العقل الذي هو دونه ~~وليس هو بسيطا مطلقا أي واحدا بحتا من نحو ذات العلة فلا معلول إلا وهو ~~مركب تركيبا عقليا أو حسيا فالعنصر في ذاته مركب من المحبة والغلبة وعنهما ~~أبدعت الجواهر البسيطة الروحانية والجواهر المركبة الجسمانية فصارت المحبة ~~والغلبة صفتين أو صورتين للعنصر مبدأين لجميع الموجودات فانطبعت الروحانيات ~~كلها على المحبة الخالصة والجسمانيات كلها على الغلبة والمركبات منهما على ~~طبيعتي المحبة والغلبة والازدواج والتضاد وبمقدارهما في المركبات ms228 تعرف ~~مقادير الروحانيات في الجسمانيات # قال : ولهذا المعنى ائتلفت المزدوجات بعضها ببعض نوعا بنوع وصنفا بصنف ~~واختلفت المتضادات فتنافر بعضها عن بعض نوعا عن نوع وصنفا عن صنف # فما كان فيها من الائتلاف والمحبة فمن الروحانيات وما كان فيها من ~~الاختلاف والغلبة فمن الجسمانيات وقد يجتمعان في نفس واحدة بإضافتين ~~مختلفتين # ( 2 \ 69 ) # وربما أضاف المحبة إلى المشتري والزهرة والغلبة إلى زحل والمريخ فكأنهما ~~تشخصتا بالسعدين والنحسين # ولكلام أنبادقليس مساق آخر قال : إن النفس النامية قشر للنفس البهيمية ~~الحيوانية والنفس الحيوانية قشر للنفس المنطقية والمنطقية قشر للعقلية وكل ~~ما هو أسفل فهو قشر لما هو أعلى والأعلى لبه # وربما يعبر عن القشر واللب بالجسد والروح فيجعل النفس النامية جسدا للنفس ~~الحيوانية وهذه روحا لها وعلى ذلك حتى ينتهي إلى العقل # قال : لما صور العنصر الأول في العقل ما عنده من الصور المعقولة ~~الروحانية وصور العقل في النفس ما استفاد من العنصر صورت النفس الكلية في ~~الطبيعة الكلية ما استفادت من العقل فحصلت قشور في الطبيعة لا تشبهها ولا ~~هي شبيهة بالعقل الروحاني اللطيف فلما نظر العقل إليها وأبصر الأرواح ~~واللبوب في الأجسام والقشور ساح عليها من الصور الحسنة الشريفة البهية وهي ~~صور النفوس المشاكلة للصور العقلية اللطيفة الروحانية حتى يدبرها ويتصرف ~~فيها بالتمييز بين القشور واللبوب فيصعد باللبوب إلى عالمها فكانت النفوس ~~الجزئية أجزاء للنفس الكلية كأجزاء الشمس المشرقة على منافذ البيت # والطبيعة الكلية معلولة للنفس وفرق بين الجزء وبين الطبيعة فالجزء غير ~~المعلول # ثم قال : وخاصية النفس الكلية المحبة لأنها لما نظرت إلى العقل وحسنه ~~وبهائه أحبته حب وامق عاشق لمعشوقه فطلبت الاتحاد به وتحركت نحوه # وخاصية الطبيعة الكلية الغلبة لأنها لما توحدت لم يكن لها نظر وبصر تدرك ~~بهما النفس والعقل وتعشقهما بل انبجست منهما قوى متضادة : # أما في بسائطها : فمتضادات الأركان # وأما في مركباتها : فمتضادات القوى المزاجية والطبيعية والنباتية ~~والحيوانية # والطبيعية تمردت عليها لبعدها من العلة بكونها معلولة عن كليتها وطاوعتها ~~الأجزاء النفسانية مغترة بعالمها الغرار الغدار ms229 فركنت إلى لذات حسية من ~~مطعم مري ومشرب هني وملبس طري ومنكح شهي ونسيت ما قد طبعت عليه من ذلك ~~البهاء والحسن والكمال ( 2 \ 70 ) الروحاني النفساني العقلي فلما رأت النفس ~~الكلية تمردها واغترارها أهبطت إليها جزءا من أجزائها هو أزكى وألطف وأشرف ~~من هاتين النفسين البهيمية والنباتية ومن تلك النفوس المغترة بهما فيكسر ~~النفسين عن تمردهما ويحبب إلى النفوس المغترة عالمها ويذكرها بما نسيت ~~ويعلمها ما جهلت ويطهرها مما تدنست فيه ويزكيها عما تنجست به وذلك الجزء ~~الشريف هو النبي المبعوث في كل دور من الأدوار فيجري على سنن العقل والعنصر ~~الأول من رعاية المحبة والغلبة فيتألف بعض النفوس بالحكمة والموعظة الحسنة ~~ويشدد على بعضها بالقهر والغلبة # فتارة يدعو باللسان من جهة المحبة لطفا وتارة يدعو بالسيف من جهة الغلبة ~~عنفا فيخلص النفوس الجزئية الشريفة التي اغترت بتمويهات النفسين المزاجيتين ~~عن التمويه الباطل والتسويل الزائل الفائل # وربما يكسو النفسين السافلتين كسوة النفس الشريفة فتنقلب الصفة الشهوية ~~إلى المحبة فتغلب محبة الخير والحق والصدق وتنقلب الصفة الغضبية إلى الغلبة ~~فتغلب الشر والباطل والكذب فتصعد النفس الجزئية الشريفة إلى عالم ~~الروحانيين بهما جميعا فيكونان جسدا لها في ذلك العالم كما كانتا جسدا لها ~~في هذا العالم # وقد قيل : إذا كانت الدولة والجد لأحد أحبه أشكاله فيغلب بمحبتهم له أضداده # ومما نقل عن أنبادقليس أنه قال : العالم مركب من الأسطقسات الأربعة فإنه ~~( 2 \ 71 ) ليس وراءها شيء أبسط منها وأن الأشياء كامنة بعضها في بعض # وأبطل الكون والاستحالة والنمو وقال : الهواء لا يستحيل نارا ولا الماء ~~هواء ولكن ذلك بتكاثف وتخلخل وبكمون وظهور وتركب وتحلل وإنما التركب في ~~المركبات بالمحبة يكون والتحلل في المتحللات بالغلبة يكون # ومما نقل عنه أيضا أنه تكلم في الباري تعالى بنوع حركة وسكون فقال : إنه ~~متحرك بنوع سكون لأن العقل والعنصر متحركان بنوع سكون وهو مبدعهما ولا ~~محالة أن المبدع أكبر لأنه علة كل متحرك وساكن # وشايعه على هذا الرأي فيثاغورس ومن بعده من الحكماء إلى أفلاطون ms230 وأما ~~زينون الأكبر وديمقريط والشاعريون فصاروا إلى أنه تعالى متحرك # وقد سبق النقل عن أنكساغورس أنه قال : هو ساكن لا يتحرك لأن الحركة لا ~~تكون إلا محدثة # ثم قال : إلا أن تقولوا : إن تلك الحركة فوق هذه الحركة كما أن ذلك ~~السكون فوق هذا السكون # وهؤلاء ما عنوا بالحركة والسكون النقلة عن مكان واللبث في مكان ولا ~~بالحركة التغير والاستحالة ولا بالسكون ثبات الجوهر والدوام على حالة واحدة ~~فإن الأزلية والقدم تنافي هذه المعاني كلها # ( 2 \ 72 ) # ومن يحترز ذلك الاحتراز عن التكثير فكيف يجازف هذه المجازفة في التغير ؟ # فأما الحركة والسكون في العقل والنفس فإنما عنوا بهما الفعل والانفعال ~~وذلك أن العقل لما كان موجودا كاملا بالفعل # قالوا : هو ساكن واحد مستغن عن حركة يصير بها فاعلا # والنفس لما كانت ناقصة متوجهة إلى الكمال قالوا : هي متحركة طالبة درجة العقل # ثم قالوا : العقل ساكن بنوع حركة أي هو في ذاته كامل بالفعل فاعل يخرج ~~النفس من القوة إلى الفعل والفعل نوع حركة في سكون والكمال نوع سكون في ~~حركة أي هو كامل ومكمل غيره فعلى هذا المعنى يجوز - على قضية مذهبهم - ~~إضافة الحركة والسكون إلى الباري تعالى # ومن العجب أن مثل هذا الاختلاف قد وجد في أرباب الملل : # حتى صار بعض إلى أنه تعالى مستقر في مكان ومستو على مكان وذلك إشارة إلى السكون # وصار بعض إلى أنه يجيء ويذهب وينزل ويصعد وذلك عبارة عن الحركة إلا أن ~~يحمل على معنى صحيح لائق بجناب القدس حقيق بجلال الحق # ومما نقل عن أبنادقليس في أمر المعاد أنه قال : يبقى هذا العالم على ~~الوجه الذي عهدناه من النفوس التي تشبثت بالطبائع والأرواح التي تعلقت ~~بالشباك حتى تستغيث في آخر الأمر إلى النفس الكلية التي هي كلها فتتضرع ~~النفس إلى العقل ويتضرع العقل إلى الباري تعالى فيسيح الباري تعالى على ~~العقل ويسيح العقل على النفس وتسيح النفس على هذا العالم بكل نورها فتستضيء ~~الأنفس الجزئية وتشرق الأرض بنور ربها حتى تعاين الجزئيات ms231 كلياتها فتتخلص ~~من الشبكة فتتصل بكلياتها وتستقر في عالمها مسرورة محبورة ( ومن لم يجعل ~~الله له نورا فماله من نور ) # ( 2 \ 73 ) PageV02P067 ### || AUTO 5 - رأي فيثاغورس : PageV02P073 # ابن منسارخس من أهل ساميا # وكان في زمان سليمان النبي بن داود عليهما السلام قد أخذ الحكمة من معدن ~~النبوة وهو الحكيم الفاضل ذو الرأي المتين والعقل الرصين # يدعي أنه شاهد العوالم العلوية بحسه وحدسه وبلغ في الرياضة إلى أن سمع ~~حفيف الفلك ووصل إلى مقام الملك # وقال : ما سمعت شيئا قط ألذ من حركاتها ولا رأيت أبهى من صورها وهيئاتها # قوله في الإلهيات : # قال : إن الباري تعالى واحد لا كالآحاد ولا يدخل في العدد ولا يدرك من ~~جهة العقل ولا من جهة النفس فلا الفكر العقلي يدركه ولا المنطق النفسي يصفه ~~فهو فوق الصفات الروحانية غير مدرك من نحو ذاته وإنما يدرك بآثاره وصنائعه ~~وأفعاله وكل عالم من العوالم يدركه بقدر الآثار التي تظهر فيه صنعته فينعته ~~ويصفه بذلك القدر الذي يخصه من صنعته # فالموجودات في العالم الروحاني قد خصت بآثار خاصة روحانية فتنعته من حيث ~~تلك الآثار # والموجودات في العالم الجسماني قد خصت بآثار خاصة جسمانية فتنعته من حيث ~~تلك الآثار # ولا نشك أن هداية الحيوان مقدرة على الآثار التي جبل الحيوان عليها ~~وهداية الإنسان مقدرة على الآثار التي فطر الإنسان عليها فكل يصفه من نحو ~~ذاته ويقدسه عن خصائص صفاته # ثم قال : الوحدة تنقسم : # إلى وحدة غير مستفادة من الغير وهي : # وحدة الباري تعالى # وحدة الإحاطة بكل شيء # وحدة الحكم على كل شيء # وحدة تصدر عنها الآحاد في الموجودات والكثرة فيها # وإلى وحدة مستفادة من الغير وذلك : وحدة المخلوقات # ( 2 \ 74 ) # وربما يقول : الوحدة على الإطلاق تنقسم إلى وحدة قبل الدهر ووحدة مع ~~الدهر ووحدة بعد الدهر وقبل الزمان ووحدة مع الزمان : # فالوحدة التي هي قبل الدهر : هي وحدة الباري تعالى # والوحدة التي هي مع الدهر : هي وحدة العقل الأول # والوحدة التي هي بعد الدهر وقبل الزمان : هي وحدة النفس # والوحدة ms232 التي هي مع الزمان : هي وحدة العناصر والمركبات # وربما يقسم الوحدة قسمة أخرى فيقول : الوحدة تنقسم إلى وحدة بالذات وإلى ~~وحدة بالعرض : # فالوحدة بالذات : ليست إلا للمبدع للكل الذي منه تصدر الوحدانيات في ~~العدد والمعدود # والوحدة بالعرض : تنقسم : # إلى ما هو مبدأ العدد وليس داخلا في العدد # وإلى ما هو مبدأ للعدد وهو داخل فيه # فالأول : كالواحدية للعقل الفعال لأنه لا يدخل في العدد والمعدود # والثاني : ينقسم : # إلى ما يدخل فيه كالجزء له فإن الاثنين إنما هو مركب من واحدين وكذلك كل ~~عدد فهو مركب من آحاد لا محالة وحيثما ارتقى العدد إلى أكثر نزلت نسبة ~~الوحدة إليه إلى أقل # وإلى ما يدخل فيه كاللازم له لا كالجزء فيه وذلك لأن كل عدد أو معدود لن ~~يخلو قط عن وحدة تلازمه فإن الاثنين والثلاثة في كونهما اثنين وثلاثة واحدة # وكذلك المعدودات من المركبات والبسائط واحدة : إما في الجنس أو في النوع ~~أو في الشخص كالجوهر في أنه جوهر على الإطلاق والإنسان في أنه إنسان والشخص ~~المعين مثل زيد في أنه ذلك الشخص بعينه واحد فلم تنفك الوحدة من الموجودات ~~قط وهذه وحدة مستفادة من وحدة الباري تعالى تلزم الموجودات كلها وإن كانت ~~في ذواتها متكثرة وإنما شرف كل موجود بغلبة الوحدة فيه فكل ما هو أبعد من ~~الكثرة فهو أشرف وأكمل # ثم إن لفيثاغورس رأيا في العدد والمعدود قد خالف فيه جميع الحكماء قبله ~~وخالفه فيه من بعده وهو أنه جرد العدد عن المعدود تجريد الصورة عن المادة ~~وتصوره موجودا محققا وجرد الصورة وتحققها # وقال : مبدأ الموجودات هو العدد وهو أول مبدع أبدعه ( 2 \ 75 ) الباري ~~تعالى فأول العدد هو الواحد وله اختلاف رأي في أنه هل يدخل في العدد أم لا ~~كما سبق ؟ وميله الأكثر إلى أنه لا يدخل في العدد فيبتدئ العدد من اثنين # ويقول : هو منقسم إلى زوج وفرد فالعدد البسيط الأول : اثنان والزوج ~~البسيط الأول : أربعة وهو المنقسم بمتساويين # ولم يجعل الاثنين زوجا فإنه لو انقسم ms233 لكان إلى واحدين وكان الواحد داخلا ~~في العدد ونحن ابتدأنا في العدد من اثنين والزوج قسم من أقسامه فكيف يكون نفسه ؟ # والفرد البسيط الأول : ثلاثة # قال : وتتم القسمة بذلك وما وراءه فهو قسمة القسمة فالأربعة هي نهاية ~~العدد وهي الكمال وعن هذا كان يقسم بالرباعية : لا وحق الرباعية التي هي ~~تدبر أنفسنا التي هي أصل الكمال وما وراء ذلك فهو زوج الفرد وزوج الزوج ~~وزوج الزوج والفرد # ويسمي الخمسة عددا دائرا فإنها إذا ضربتها في نفسها أبدا عادت الخمسة من الرأس # ويسمي الستة عددا تاما فإن أجزاءها مساوية لجملتها # والسبعة عددا كاملا فإنها مجموع الزوج والفرد وهي نهاية أخرى # والثمانية مبتدأة مركبة من زوجين # والتسعة من ثلاثة أفراد وهي نهاية أخرى # والعشرة من مجموع العدد من الواحد إلى الأربعة وهي نهاية أخرى # فللعدد أربع نهايات : أربعة وسبعة وتسعة وعشرة ثم يعود إلى الواحد فيقول ~~: أحد عشر . . . ويعد # والتركيبات فيما وراء الأربعة على أنحاء ستة : # فالخمسة : # على مذهب من لا يرى الواحد داخلا في العدد فهي مركبة من عدد وفرد # وعلى مذهب من يرى ذلك فهي مركبة من فرد وزوجين # وكذلك الستة : # على الأول فمركبة من فردين أو عدد وزوج # وعلى الثاني فمركبة من ثلاثة أزواج # والسبعة : # على الأول فمركبة من فرد وزوج # وعلى الثاني فمركبة من فرد وثلاثة أزواج # ( 2 \ 76 ) # والثمانية : # على الأول فمركبة من زوجين # وعلى الثاني فمركبة من أربعة أزواج # والتسعة : # على الأول فمركبة من ثلاثة أفراد # وعلى الثاني فمركبة من فرد وأربعة أزواج # والعشرة : # على الأول فمركبة من عدد وزوجين أو زوج وفردين # وعلى الثاني فما يحسب من الواحد إلى الأربعة وهو النهاية والكمال # ثم الأعداد الأخرى فقياسها هذا القياس # قال : وهذه هي أصول الموجودات # ثم إنه ركب العدد على المعدود والمقدار على المقدور فقال : # المعدود الذي فيه اثنينية وهو أصل المعدودات ومبدؤها هو العقل باعتبار أن ~~فيه اعتبارين : # اعتبارا من حيث ذاته وأنه ممكن الوجود بذاته # واعتبارا من حيث مبدعه وأنه واجب الوجود به فقابله ms234 الاثنان # والمعدود الذي فيه ثلاثية هو النفس إذ زاد على الاعتبارين اعتبارا ثالثا # والمعدود الذي فيه أربعية هو الطبيعة إذ زاد على الثلاثة رابعا وثم ~~النهاية أعني نهاية المبادئ وما بعدها المركبات # فما من موجود مركب إلا وفيه من العناصر والنفس والعقل شيء : إما عين أو ~~أثر حتى ينتهي إلى السبعة فيقدر المعدودات على ذلك وينتهي إلى العشرة ويعد ~~العقل والنفوس التسعة بأفلاكها التي هي أبدانها وعقولها المفارقة كالجوهر ~~وتسعة أعراض # وبالجملة : إنما يتعرف حال الموجودات من العدد والمقادير الأول ويقول : ~~الباري تعالى عالم بجميع المعلومات على طريق الإحاطة بالأسباب التي هي ~~الأعداد والمقادير وهي لا تختلف فعلمه لا يختلف # وربما يقول : المقابل للواحد هو العنصر الأول كما قال أنكسيمانس ويسميه ~~الهيولى الأولى وذلك هو الواحد المستفاد لا الواحد الذي هو كالآحاد وهو ~~واحد كل تصدر عنه كل كثرة وتستفيد الكثرة منه الوحدة التي تلازم الموجودات ~~ولا تفارقها البتة كما قررنا # وذكر أن العنصر انفرد بوحدته ثم أفاضها على الموجودات فلا يوجد موجود إلا ~~وفيه من وحدته حظ على قدر استعداده ثم من هداية العقل حظ على قدر قبوله ثم ~~من قوة النفس حظ على قدر تهيئه وعلى ذلك آثار المبادئ في المركبات فإن ( 2 ~~\ 77 ) كل مركب لا يخلو عن مزاج ما وكل مزاج لا يعرى عن اعتدال ما وكل ~~اعتدال عن كمال أو قوة كمال : # إما طبيعي آلي وهو مبدأ الحركة # وإما عن كمال نفساني هو مبدأ الحس فإذا بلغ المزاج الإنساني إلى حد قبول ~~هذا الكمال أفاض عليه العنصر وحدته والعقل هدايته والنفس نطقه وحكمته # قال : ولما كانت التأليفات الهندسية مرتبة على المعادلات العددية عددناها ~~أيضا من المبادئ فصارت طائفة من الفيثاغوريين إلى أن المبادئ هي التأليفات ~~الهندسية على مناسبات عددية ولهذا صارت المتحركات السماوية ذات حركات ~~متناسبة لحنية هي أشرف الحركات وألطف التأليفات # ثم تعدوا من ذلك إلى الأقوال حتى صارت طائفة منهم إلى أن المبادئ هي ~~الحروف والحدود المجردة عن المادة وأوقعوا الألف في مقابلة ms235 الواحد والباء ~~في مقابلة الاثنين إلى غير ذلك من المقابلات # ولست أدري على أي لسان ولغة قدروها فإن الألسن تختلف باختلاف الأمصار ~~والمدن أو على أي وجه من التركيب فإن التركيبات أيضا مختلفة فالبسائط من ~~الحروف مختلف فيها والمركبات كذلك ولا كذلك العدد فإنه لا يختلف أصلا # وصارت جماعة منهم إلى أن مبدأ الجسم هو الأبعاد الثلاثة والجسم مركب عنها ~~وأوقعوا النقطة في مقابلة الواحد والخط في مقابلة الاثنين والسطح في مقابلة ~~الثلاثة والجسم في مقابلة الأربعة وراعوا هذه المقابلات في تراكيب الأجسام ~~وتضاعيف الأعداد # ومما ينقل عن فيثاغورس : أن الطبائع أربعة والنفوس التي فينا أيضا أربعة ~~: العقل والعلم والرأي والحواس ثم ركب فيه العدد على المعدود والروحاني على ~~الجسماني # قال الرئيس أبو علي الحسين بن سينا : وأمثل ما يحمل عليه هذا القول أن ~~يقال : كون الشيء واحدا غير كونه موجودا أو إنسانا وهو في ذاته أقدم منهما ~~فالحيوان الواحد لا يحصل واحدا إلا وقد تقدمه معنى الوحدة الذي صار به ~~واحدا ولولاه لم يصح وجوده # ( 2 \ 78 ) # فإذن هو الأشرف الأبسط الأول وهذه صورة العقل فالعقل يجب أن يكون الواحد ~~من هذه الجهة والعلم دون ذلك في الرتبة لأنه بالعقل ومن العقل فهو كالاثنين ~~الذي يفتقر إلى الواحد ويصدر منه وكذلك العلم يئول إلى العقل # ومعنى الظن والرأي عدد السطح والحس عدد المصمت : أن السطح لكونه ذا ثلاث ~~جهات هو طبيعة الظن الذي هو أعم من العلم مرتبة وذلك لأن العلم يتعلق ~~بمعلوم معين والظن والرأي ينجذب إلى الشيء ونقيضه والحس أعم من الظن فهو ~~المصمت أي الجسم له أربع جهات # ومما نقل عن فيثاغورس : أن العالم إنما ألف من اللحون البسيطة الروحانية ~~ويذكر أن الأعداد الروحانية غير منقطعة بل أعداد متحدة تتجزأ من نحو العقل ~~ولا تتجزأ من نحو الحواس وعد عوالم كثيرة : # فمنه عالم هو سرور محض في أصل الإبداع وابتهاج وروح في وضع الفطرة # ومنه عالم هو دونه ومنطقها ليس مثل منطق العوالم العالية فإن المنطق ms236 قد ~~يكون باللحون الروحانية البسيطة وقد يكون باللحون الروحانية المركبة # والأول : يكون سرورها دائما غير منقطع ومن اللحون ما هو بعد ناقص في ~~التركيب لأن المنطق بعد لم يخرج إلى الفعل فلا يكون السرور بغاية الكمال ~~لأن اللحن ليس بغاية الاتفاق # وكل عالم فهو دون الأول بالرتبة وتتفاضل العوالم بالحسن والبهاء والرتبة ~~والأخير ثقل العوالم وثفلها وسفلها ولذلك لم يجتمع كل الاجتماع ولم تتحد ~~الصورة بالمادة كل الاتحاد وجاز على كل جزء منه الانفكاك عن الجزء الآخر ~~إلا أن فيه نورا قليلا من النور الأول فلذلك النور وجد فيه نوع ثبات ولولا ~~ذلك لم يثبت طرفة عين وذلك النور القليل جسم النفس والعقل الحامل لهما في ~~هذا العالم # وذكر أن الإنسان بحكم الفطرة واقع في مقابلة العالم كله وهو عالم صغير ~~والعالم إنسان كبير ولذلك صار حظه من النفس والعقل أوفر : # فمن أحسن تقويم نفسه وتهذيب أخلاقه وتزكية أحواله أمكنه أن يصل إلى معرفة ~~العالم وكيفية تأليفه # ومن ضيع نفسه ولم يقم ( 2 \ 79 ) بمصالحها من التهذيب والتقويم خرج من ~~عداد العدد والمعدود وانحل عن رباط القدر والمقدور وصار ضياعا هملا # وربما يقول : النفس الإنسانية تأليفات عددية أو لحنية ولهذا ناسبت النفس ~~مناسبات الألحان والتذت بسماعها وطاشت وتواجدت باستماعها وجاشت ولقد كانت ~~قبل اتصالها بالأبدان قد أبدعت من تلك التأليفات العددية الأولى ثم اتصلت ~~بالأبدان فإن كانت التهذيبات الخلقية على تناسب الفطرة وتجردت النفوس عن ~~المناسبات الخارجة اتصلت بعالمها وانخرطت في سلكها على هيئة أجمل وأكمل من ~~الأول فإن التأليفات الأولى قد كانت ناقصة من وجه حيث كانت بالقوة ~~وبالرياضة والمجاهدة في هذا العالم بلغت إلى حد الكمال خارجة من حد القوة ~~إلى حد الفعل # قال : والشرائع التي وردت بمقادير الصلوات والزكوات وسائر العبادات هي ~~لإيقاع هذه المناسبات في مقابلة تلك التأليفات الروحانية # وربما يبالغ في تقرير التأليف حتى يكاد يقول : ليس في العالم سوى التأليف ~~والأجسام والأعراض تأليفات والنفوس والعقول تأليفات # ويعسر كل العسر تقرير ذلك نعم تقدير التأليف ms237 على المؤلف والتقدير على ~~المقدر أمر يهتدى إليه ويعول عليه # وكان خرينوس وزينون الشاعر متابعين لفيثاغورس على رأيه في المبدع والمبدع ~~إلا أنهما قالا : الباري تعالى أبدع النفس والعقل دفعة واحدة ثم أبدع جميع ~~ما تحتهما بتوسطهما وفي بدء ما أبدعهما أبدعهما لا يموتان ولا يجوز عليهما ~~الدثور والفناء # وذكرا أن النفس إذا كانت طاهرة زكية من كل دنس صارت في العالم الأعلى إلى ~~مسكنها الذي يشاكلها ويجانسها وكان الجسم الذي هو من النار والهواء جسمها ~~في ذلك العالم مهذبا من كل ثقل وكدر # فأما الجرم الذي من الماء والأرض فإن ذلك يدثر ويفنى لأنه غير مشاكل ~~للجسم السماوي لأن الجسم السماوي لطيف لا وزن له ولا يلمس فالجسم في هذا ~~العالم مستبطن في الجرم لأنه أشد روحانية وهذا العالم لا يشاكل الجسم بل ~~الجرم يشاكله ( 2 \ 80 ) فكل ما هو مركب والأجزاء النارية والهوائية عليه ~~أغلب كانت الجسمية أغلب وكل ما هو مركب والأجزاء المائية والأرضية عليه ~~أغلب كانت الجرمية أغلب وهذا العالم عالم الجرم وذلك العالم عالم الجسم ~~فالنفس في ذلك العالم تحشر في بدن جسماني لا جرماني دائما لا يجوز عليه ~~الفناء والدثور ولذته تكون دائمة لا تملها الطباع والنفوس # وقيل لفيثاغورس : لم قلت بإبطال العالم ؟ # قال : لأنه يبلغ العلة التي من أجلها كان فإذا بلغها سكنت حركته وأكثر ~~اللذات العلوية هي التأليفات اللحنية وذلك كما يقال : التسبيح والتقديس ~~غذاء الروحانيين وغذاء كل موجود هو مما خلق منه ذلك الموجود # وأما هيراقليطس وأباسيس قد كانا من الفيثاغوريين وقالا : # إن مبدأ الموجودات هو النار # فما تكاثف منها وتحجر فهو الأرض # وما تحلل من الأرض بالنار صار ماء # وما تخلخل من الماء بالنار صار هواء # وما تخلخل من الهواء بحرارة النار صار نارا # فالنار مبدأ وبعدها الأرض وبعدها الماء وبعدها الهواء وبعدها النار ~~والنار هي المبدأ وإليها المنتهى فمنها التكون وإليها الفساد # وأما أبيقورس الذي تفلسف في أيام ديمقريطيس فكان يرى أن مبادئ الموجودات ~~أجسام تدرك عقلا وهي كانت ms238 تتحرك من الخلاء في الخلاء وزعم أن الخلاء لا ~~نهاية له وكذلك الأجسام لا نهاية لها إلا أن لها ثلاثة أشياء الشكل والعظم والثقل # وديمقريطيس كان يرى أن لها شيئين : الشكل والعظم فقط # وذكر أن تلك الأجسام لا تتجزأ أي لا تنفعل ولا تتكثر وهي معقولة أو ~~متوهمة غير محسوسة فاصطكت تلك الأجزاء في حركاتها اضطرارا واتفاقا فحصل من ~~اصطكاكها صور هذا العالم وأشكالها وتحركت على أنحاء من جهات التحرك وذلك هو ~~الذي يحكي عنهم أنهم قالوا بالاتفاق فلم يثبتوا لها صانعا أوجب الاصطكاك ~~وأوجد هذه الصور وهؤلاء ( 2 \ 81 ) قد أثبتوا الصانع وأثبتوا سبب حركات تلك ~~الجواهر # وأما اصطكاكها فقد قالوا فيها بالاتفاق فلزمهم حصول العالم بالاتفاق والخبط # وكان لفيثاغورس تلميذان رشيدان : # يدعى أحدهما : فلنكس ويعرف بمرزنوش قد دخل فارس ودعا الناس إلى حكمة ~~فيثاغورس وأضاف حكمته إلى مجوسية القوم # ويدعى الآخر قلانوس دخل الهند ودعا الناس إلى حكمة فيثاغورس أيضا وأضاف ~~حكمته إلى برهمية القوم إلا أن المجوس كما يقال : أخذوا جسمانية قوله ~~والهند أخذوا روحانية قوله # ومما أخبر عنه فيثاغورس وأوصى به قال : إني عاينت هذه العوالم العلوية ~~بالحس بعد الرياضة البالغة وارتفعت عن عالم الطبائع إلى عالم النفس وعالم ~~العقل فنظرت إلى ما فيها من الصور المجردة وما لها من الحسن والبهاء والنور ~~وسمعت ما لها من اللحون الشريفة والأصوات الشجية الروحانية # وقال : إن ما في هذا العالم يشتمل على مقدار يسير من الحسن لكونه معلول ~~الطبيعة وما فوقه من العوالم أبهى وأشرف وأحسن إلى أن يصل الوصف إلى عالم ~~النفس والعقل فيقف فلا يمكن المنطق وصف ما فيها من الشرف والكرم والحسن ~~والبهاء فليكن حرصكم واجتهادكم على الاتصال بذلك العالم حتى يكون بقاؤكم ~~ودوامكم طويلا بعدما نالكم من الفساد والدثور وتصيرون إلى عالم هو حسن كله ~~وبهاء كله وسرور كله وعز وحق كله ويكون سروركم ولذتكم دائمة غير منقطعة # وقال : من كانت الوسائط بينه وبين مولاه أكثر فهو في رتبة العبودية أنقص ~~وإذا كان البدن ms239 مفتقرا في مصالحه إلى تدبير الطبيعة وكانت الطبيعة مفتقرة ~~في تأدية أفعالها إلى تدبير النفس وكانت النفس مفتقرة في اختيارها الأفضل ~~إلى إرشاد العقل ولم يكن فوق العقل فاتح إلا الهداية الإلهية فبالحري أن ~~يكون المستعين بصريح العقل في كافة المصارف ( 2 \ 82 ) مشهودا له بفطنة ~~الاكتفاء بمولاه وأن يكون التابع لشهوة البدن المنقاد لدواعي الطبيعة ~~المواتي لهوى النفس بعيدا عن مولاه ناقصا في رتبته PageV02P073 ### || AUTO 6 - رأي سقراط : PageV02P082 # سقراط بن سفرنيسقوس الحكيم الفاضل الزاهد من أهل أثينة # وكان قد اقتبس الحكمة من فيثاغورس وأرسالاوس واقتصر من أصنافها على ~~الإلهيات والأخلاقيات # واشتغل بالزهد ورياضة النفس وتهذيب الأخلاق وأعرض عن ملذات الدنيا واعتزل ~~إلى الجبل وأقام في غاربه # ( 2 \ 83 ) # ونهى الرؤساء الذين كانوا في زمانه عن الشرك وعبادة الأوثان فثوروا عليه ~~الغاغة وألجئوا ملكهم إلى قتله فحبسه الملك ثم سقاه السم وقضيته معروفة # قال سقراط : إن الباري تعالى لم يزل هوية فقط وهو جوهر فقط وإذا رجعنا ~~إلى حقيقة الوصف والقول فيه وجدنا المنطق والعقل قاصرين عن اكتناه وصفه ~~وحقيقته وتسميته وإدراكه لأن الحقائق كلها من تلقاء جوهره فهو المدرك حقا ~~والواصف لكل شيء وصفا والمسمى لكل موجود اسما فكيف يقدر المسمى أن يسميه ~~اسما ؟ وكيف يقدر المحاط أن يحيط به وصفا ؟ فنرجع فنصفه من جهة آثاره ~~وأفعاله وهي أسماء وصفات إلا أنها ليست من الأسماء الواقعة على الجوهر ~~المخبرة عن حقيقته وذلك مثل قولنا : إله أي واضع كل شيء وخالق أي مقدر كل ~~شيء وعزيز أي ممتنع أن يضام وحكيم أي محكم أفعاله على النظام وكذلك سائر الصفات # وقال : إن علمه وقدرته وجوده وحكمته بلا نهاية ولا يبلغ العقل أن يصفها ~~ولو وصفها لكانت متناهية # فألزم عليه : إنك تقول : إنها بلا نهاية ولا غاية وقد نرى الموجودات ~~متناهية # فقال : إنما تناهيها بحسب احتمال القوابل لا بحسب القدرة والحكمة والجود ~~ولما كانت المادة لم تحتمل صورا بلا نهاية فتناهت الصور لا من جهة بخل في ~~الواهب بل لقصور في المادة ms240 وعن هذا اقتضت الحكمة الإلهية أنها وإن تناهت ~~ذاتا وصورة وحيزا ومكانا إلا أنها لا تتناهى زمانا في آخرها إلا من نحو ~~أولها وإن لم يتصور بقاء شخص فاقتضت الحكمة استبقاء الأشخاص ببقاء الأنواع ~~وذلك بتجدد أمثالها ليستحفظ الشخص ببقاء النوع ويستبقى النوع بتجدد الأشخاص ~~فلا تبلغ القدرة إلى حد النهاية ولا الحكمة تقف على غاية # ثم إن من مذهب سقراط أن أخص ما يوصف به الباري تعالى هو كونه حيا قيوما ~~لأن العلم والقدرة والجود والحكمة تندرج تحت كونه حيا والحياة صفة جامعة ~~للكل والبقاء والسرمد والدوام وحفظ النظام في العالم تندرج تحت كونه قيوما ~~والقيومية ( 2 \ 84 ) صفة جامعة للكل # وربما يقول : هو حي ناطق من جوهره أي من ذاته وحياتنا ونطقنا لا من ~~جوهرنا ولهذا يتطرق إلى حياتنا ونطقنا العدم والدثور والفساد ولا يتطرق إلى ~~حياته ونطقه تعالى وتقدس # وحكى فلوطرخيس في المبادئ أنه قال : أصول الأشياء ثلاثة وهي : العلة ~~الفاعلة والعنصر والصورة # فالله تعالى : هو الفاعل # والعنصر : هو الموضوع الأول للكون والفساد # والصورة : جوهر لا جسم # وقال : الطبيعة أمة للنفس والنفس أمة للعقل والعقل أمة للمبدع الأول من ~~أجل أن أول مبدع أبدعه المبدع الأول صورة العقل # وقال : المبدع لا غاية له ولا نهاية وما ليس له نهاية ليس له شخص وصورة # وقال : اللانهاية في سائر الموجودات لو تحققت لكان لها صورة واقعة ووضع وترتيب # وما تحقق له صورة ووضع وترتيب صار متناهيا فالموجودات ليست بلا نهاية ~~والمبدع الأول ليس بذي نهاية ليس على أنه ذاهب في الجهات بلا نهاية كما ~~يتخيله الخيال والوهم بل لا يرتقي إليه الخيال حتى يصفه بنهاية ولا نهاية ~~فلا نهاية له من جهة العقل إذ ليس يحده ولا من جهة الحس فليس يحده فهو ليس ~~له نهاية فليس له شخص وصورة خيالية أو وجودية حسية أو عقلية تعالى وتقدس # ومن مذهب سقراط أن النفوس الإنسانية كانت موجودة قبل وجود الأبدان على ~~نحو من أنحاء الوجود : إما متصلة بكلها وإما متمايزة ms241 بذواتها وخواصها ~~فاتصلت بالأبدان استكمالا واستدامة والأبدان قوالبها وآلاتها فتبطل الأبدان ~~وترجع النفوس إلى كليتها وعن هذا كان يخوف بالملك الذي حبسه أنه يريد قتله # قال : إن سقراط في حب والملك لا يقدر إلا على كسر الحب فالحب يكسر ويرجع ~~الماء إلى البحر # ولسقراط أقاويل في مسائل الحكمة العلمية والعملية # ( 2 \ 85 ) # ومما اختلف فيه فيثاغورث وسقراط : # أن الحكمة قبل الحق أم الحق قبل الحكمة ؟ # وأوضح القول فيه : # بأن الحق أعم من الحكمة إلا أنه قد يكون جليا وقد يكون خفيا # وأما الحكمة فهي أخص من الحق إلا أنها لا تكون إلا جلية # فإذن الحق مبسوط في العالم مشتمل على الحكمة المستفيضة في العالم # والحكمة موضحة للحق المبسوط في العالم # والحق ما به الشيء # والحكمة ما لأجله الشيء # ولسقراط أيضا ألغاز ورموز ألقاها إلى تلميذه أرسجانس وجلها في كتاب فاذن ~~ونحن نوردها مرسلة معقودة : # منها قوله : عندما فتشت عن علة الحياة ألفيت الموت وعندما وجدت الموت ~~ألفيت الحياة الدائمة # ومنها : اسكت عن الضوضاء التي في الهواء وتكلم بالليالي حيث لا تكون ~~أعشاش الخفافيش واسدد الخمس الكوى ليضيء مسكن العلة واملأ الوعاء طيبا ~~وأفرغ الحوض المثلث من القلال الفارغة واحبس على باب الكلام وأمسك مع الحذر ~~اللجام الرخو لئلا تغضب فترى نظام الكواكب ولا تؤكل الأسود الذئب ولا تجاوز ~~الميزان ولا تسوطن ( يسوط : يخلط ) النار بالسكين ولا تجلس على المكيال ولا ~~تشم التفاحة وأمت الحي تحيى بموته وكن قاتله بالسكين المزينة لوالديه واحذر ~~الأسود ذا الأربع ومن جهة العلة كن أرنبا وعند الموت لا تكن نملة وعندما ~~تذكر دوران الحياة أمت الميت لتكون ذاكرا وكن صديق مفضض ولا تكن صديق شرطي ~~ولا تكن مع أصدقائك قوسا ولا تنعس على أبواب أعدائك واثبت على ينبوع واحد ~~متكئا على يمينك # وينبغي أن تعلم أنه ليس زمان من الأزمنة يفقد فيه زمان الربيع وافحص عن ~~ثلاث سبل فإذا لم تجدها فارض بأن تنام لها نوم المستغرق واضرب الأترجة ~~بالرمانة واقتل العقرب بالصوم وإن أحببت ms242 أن تكون ملكا فكن حمار وحش وليست ~~السبعة بأكمل من الواحد وبالاثنى عشر اقتن اثنى عشر وازرع بالأسود واحصد ~~بالأبيض ولا تسلبن الإكليل ( 2 \ 86 ) ولا تهتكه ولا تقفن راضيا بعدمك ~~للخير وأنت موجود ذلك لك في أربعة وعشرين مكانا وإن سألك سائل أن تعطيه من ~~هذا الغذاء فميزه وإن كان مستحقا للغذاء المريء فأعطه وإن احتاج إلى غذاء ~~يمينك فاصنعه لأن اللون الذي يطلب كذلك من كمال الغذاء فهو للبالغين # وقال : يكفي من تأجج النار نورها # وقال له رجل : من أين لك أن هذا المشار إليه واحد ؟ # فقال : إني لا أعلم أن الواحد بالإطلاق غير محتاج إلى الثاني فمتى فرضته ~~قرينا للواحد كنت كواضع ما لا يحتاج إليه البتة إلى جانب ما لا بد منه البتة # وقال : الإنسان له مرتبة واحدة من جهة حده وثلاث مراتب من جهة هيئته # وقال : للقلب آفتان : الغم والهم : # فالغم : يعرض منه النوم # والهم : يعرض منه السهر # وقال : الحكمة إذا أقبلت خدمت الشهوات والعقول وإذا أدبرت خدمت العقول ~~الشهوات # وقال : لا تكرهوا أولادكم على آثاركم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم # وقال : ينبغي أن تغتم بالحياة وتفرح بالموت لأنا نحيا لنموت ونموت لنحيا # وقال : قلوب المغرقين في المعرفة بالحقائق منابر الملائكة وبطون ~~المتلذذين بالشهوات قبور الحيوانات الهالكة # وقال : للحياة حدان : # أحدهما : الأمل # والثاني : الأجل # فبالأول : بقاؤها وبالآخر : فناؤها # وقال : النفس الناطقة جوهر بسيط ذو سبع قوى يتحرك بها حركة مفردة وحركات مختلفة # فأما حركتها المفردة : فإذا تحركت نحو ذاتها ونحو العقل # وأما حركاتها المختلفة : فإذا تحركت نحو الحواس الخمس # ( 2 \ 87 ) # واليونانيون بنوا ثلاثة أبيات على طوالع مقبولة : # أحدها : بيت بأنطاكية على جبلها وكانوا يعظمونه ويقربون القرابين فيه وقد خرب # والثاني : من جملة الأهرام التي بمصر بيت كانت فيه أصنام تعبد وهي التي ~~نهاهم سقراط عن عبادتها # والثالث : بيت المقدس الذي بناه داود وأتمه سليمان عليهما السلام # ويقال : إن سليمان هو الذي بناه والمجوس يقولون : إن الضحاك بناه وقد ~~عظمه اليونانيون تعظيم أهل الكتاب إياه ms243 PageV02P082 ### || AUTO 7 - رأي أفلاطون الإلهي : PageV02P087 # أفلاطون بن أرسطن بن أرسطوقليس من أثينة وهو آخر المتقدمين الأوائل ~~الأساطين # معروف بالتوحيد والحكمة ولد في زمان أردشير بن دارا في سنة ست عشرة من ~~ملكه وفي سنة ست وعشرين من ملكه كان حدثا متعلما يتلمذ لسقراط # ولما اغتيل سقراط بالسم ومات قام مقامه وجلس على كرسيه # وقد أخذ العلم من سقراط وطيماوس والغريبين : غريب أثينة وغريب الناطس وضم ~~إليه العلوم الطبيعية والرياضية # وحكى عنه قوم ممن شاهده وتلمذ له مثل أرسطوطاليس وطيماوس وثاوفرسطيس أنه ~~قال : إن للعالم محدثا مبدعا أزليا واجبا بذاته عالما بجميع معلوماته على ~~نعت الأسباب الكلية كان في الأزل ولم يكن في الوجود رسم ولا طلل إلا مثالا ~~عند الباري تعالى # ربما يعبر عنه بالهيولى وربما يعبر عنه بالعنصر ولعله يشير إلى صور ~~المعلومات ( 2 \ 88 ) في علمه تعالى # قال : فأبدع العقل الأول وبتوسطه النفس الكلية وقد انبعث عن العقل انبعاث ~~الصورة في المرآة وبتوسطهما العنصر # ويحكى عنه أن الهيولى التي هي موضوع الصور الحسية غير ذلك العنصر # ويحكى عنه أنه أدرج الزمان في المبادئ وهو الدهر وأثبت لكل موجود مشخص في ~~العالم الحسي مثالا غير مشخص في العالم العقلي ويسمى ذلك : المثل ~~الأفلاطونية فالمبادئ الأول بسائط والمثل مبسوطات والأشخاص مركبات فالإنسان ~~المركب المحسوس جزئي ذلك الإنسان المبسوط المعقول وكذلك كل نوع من الحيوان ~~والنبات والمعادن # قال : والموجودات في هذا العالم آثار الموجودات في ذلك العالم ولا بد لكل ~~أثر من مؤثر يشابهه نوعا من المشابهة # قال : ولما كان العقل الإنساني من ذلك العالم أدرك من المحسوس مثالا ~~منتزعا من المادة معقولا يطابق المثال الذي في عالم العقل بكليته ويطابق ~~الموجود الذي في عالم الحس بجزئيته ولولا ذلك لما كان يدركه العقل مطابقا ~~مقابلا من خارج فما يكون مدركا لشيء يوافق إدراكه حقيقة المدرك # قال : والعالم عالمان : # عالم العقل : وفيه المثل العقلية والصور الروحانية # وعالم الحس : وفيه الأشخاص الحسية والصور الجسمانية كالمرآة المجلوة التي ~~تنطبع فيها صور المحسوسات فإن الصور ms244 فيها مثل الأشخاص وكذلك العنصر في ذلك ~~العالم مرآة لجميع صور هذا العالم يتمثل فيه جميع الصور كلها غير أن الفرق ~~المنطبع في المرآة الحسية صور خيالية يرى أنها موجودة تتحرك بحركة الشخص ~~وليس في الحقيقة كذلك وأن المتمثل في المرآة العقلية صور حقيقية روحانية هي ~~موجودة بالفعل تحرك الأشخاص ولا تتحرك فنسبة الأشخاص إليها كنسبة الصور في ~~المرآة إلى الأشخاص فلها الوجود الدائم ولها الثبات القائم وهي تتمايز في ~~حقائقها تمايز الأشخاص في ذواتها # قال : وإنما كانت هذه الصور موجودة كلية دائمة باقية لأن كل مبدع ظهرت ~~صورته في حد الإبداع فقد كانت صورته ( 2 \ 89 ) في علم الأول الحق والصور ~~عنده بلا نهاية ولو لم تكن الصور معه في أزليته في علمه لم تكن لتبقى ولو ~~لم تكن دائمة بدوامها لكانت تدثر بدثور الهيولى ولو كانت تدثر مع دثور ~~الهيولى لما كانت على رجاء ولا خوف ولكن لما صارت الصور الحسية على رجاء ~~وخوف استدل به على بقائها وإنما تبقى إذا كانت لها صور عقلية في ذلك العالم ~~ترجو اللحوق بها وتخاف التخلف عنها # قال : وإذا اتفقت العقلاء على أن هناك حسا ومحسوسا وعقلا ومعقولا وشاهدنا ~~بالحس جميع المحسوسات وهي محدودة ومحصورة بالزمان والمكان فيجب أن نشاهد ~~بالعقل جميع المعقولات وهي غير محدودة ومحصورة بالزمان والمكان فتكون مثلا عقلية # ومما يثبته أفلاطون موجودات محققة بهذا التقسيم # قال : إنا نجد النفس تدرك أمور البسائط والمركبات ومن المركبات أنواعها ~~وأشخاصها ومن البسائط ما هي هيولانية وهي التي تعرى عن الموضوع وهي رسوم ~~الجزئيات مثل : النقطة والخط والسطح والجسم التعليمي # قال : وهذه الأشياء أشياء موجودة بذواتها وكذلك توابع الجسم مفردة مثل ~~الحركة والزمان والمكان والأشكال فإنا نلحظها بأذهاننا بسائط مرة ومركبة ~~مرة أخرى ولها حقائق في ذواتها من غير حوامل ولا موضوعات ومن البسائط ما ~~ليست هي هيولانية مثل الوجود والوحدة والجوهر والعقل يدرك القسمين جميعا ~~متطابقين عالمين متقابلين : عالم العقل وفيه المثل العقلية التي تطابقها ~~الأشخاص الحسية وعالم الحس وفيه ms245 المتمثلات الحسية التي تطابقها المثل ~~العقلية فأعيان ذلك العالم آثار في هذا العالم وأعيان هذا العالم آثار في ~~ذلك العالم وعليه وضع الفطرة والتقدير ولهذا الفصل شرح وتقرير # وجماعة المشائين وأرسطوطاليس لا يخالفونه في إثبات هذا المعنى الكلي إلا ~~أنهم ( 2 \ 90 ) يقولون : هو معنى في العقل موجود في الذهن والكلي من حيث ~~هو كلي لا وجود له في الخارج عن الذهن إذ لا يتصور أن يكون شيء واحد ينطبق ~~على زيد وعلى عمرو وهو في نفسه واحد # وأفلاطون يقول : ذلك المعنى الذي أثبته في العقل يجب أن يكون له شيء ~~يطابقه في الخارج فينطبق عليه وذلك هو المثال الذي في العقل وهو جوهر لا ~~عرض إذ تصور وجوده لا في موضوع وهو متقدم على الأشخاص الجزئية تقدم العقل ~~على الحس وهو تقدم ذاتي وشرفي معا # وتلك المثل هي مبادئ الموجودات الحسية منها بدأت وإليها تعود # ويتفرع على ذلك أن النفوس الإنسانية التي هي متصلة بالأبدان اتصال تدبير ~~وتصرف كانت موجودة قبل وجود الأبدان وكان لها نحو من أنحاء الوجود العقلي ~~وتمايز بعضها عن بعض تمايز الصور المجردة عن المادة بعضها عن بعض # وخالفه في ذلك تلميذه أرسطوطاليس ومن بعده من الحكماء وقالوا : إن النفوس ~~حدثت مع حدوث الأبدان # وقد رأيت في كلام أرسطوطاليس - كما ستأتي حكايته - أنه ربما يميل إلى ~~مذهب أفلاطون في كون النفس موجودة قبل وجود الأبدان إلا أن نقل المتأخرين ~~ما قدمنا ذكره # وخالفه أيضا في حدوث العالم : إن أفلاطون يحيل وجود حوادث لا أول لها ~~لأنك إذا قلت : حادث فقد أثبت سبق الأزلية لكل واحد وما ثبت لكل واحد يجب ~~أن يثبت للكل # قال : وإن صورها لا بد وأن تكون حادثة لكن الكلام في هيولاها وعنصرها ~~فأثبت عنصرا قبل وجودها # فظن بعض العقلاء أنه حكم عليه بالأزلية والقدم وهو إذ أثبت واجب الوجود ~~لذاته وأطلق لفظ الإبداع على العنصر فقد أخرجه عن الأزلية بذاته بل يكون ~~وجوده بوجود واجب الوجود كسائر المبادئ التي ليست زمانية ms246 ( 2 \ 91 ) ولا ~~وجودها ولا حدوثها حدوث زماني فالبسائط حدوثها إبداعي غير زماني والمركبات ~~حدوثها بوسائط البسائط حدوث زماني # وقال : إن العالم لا يفسد فسادا كليا # ويحكى عنه في سؤاله عن طيماوس : # ما الشيء الذي لا حدوث له ؟ وما الشيء الحادث وليس بباق ؟ وما الشيء ~~الموجود بالفعل وهو أبدأ بحال واحدة ؟ # وإنما يعني بالأول : وجود الباري تعالى # وبالثاني : وجود الكائنات الفاسدات التي لا تثبت على حالة واحدة # وبالثالث : وجود المبادئ والبسائط التي لا تتغير # ومن أسئلته : ما الشيء الكائن ولا وجود له ؟ وما الشيء الموجود ولا كون له ؟ # وإنما يعني بالأول : الحركة المكانية والزمان لأنه لم يؤهله لاسم الوجود # ويعني بالثاني : الجواهر العقلية التي هي فوق الزمان والحركة والطبيعة ~~وحق لها اسم الوجود إذ لها السرمد والبقاء والدهر # ويحكى عنه أنه قال : إن الأسطقسات لم تزل تتحرك حركة مشوهة مضطربة غير ~~ذات نظام وأن الباري تعالى نظمها ورتبها فكان هذا العالم # وربما عبر عن الأسطقسات بالأجزاء اللطيفة # وقيل : إنه عنى بها الهيولى الأزلية العارية عن الصور حتى اتصلت الصور ~~والأشكال بها فترتبت وانتظمت # ورأيت في راموز له أنه قال : إن النفوس كانت في عالم الذكر مغتبطة مبتهجة ~~بعالمها وما فيه من الروح والبهجة والسرور فأهبطت إلى هذا العالم حتى تدرك ~~الجزئيات وتستفيد ما ليس لها بذاتها بواسطة القوى الحسية فسقطت رياشها قبل ~~الهبوط فهبطت حتى يستوي ريشها وتطير إلى عالمها بأجنحة مستفادة من هذا العالم # وحكى أرسطوطاليس عنه أنه أثبت المبادئ خمسة أجناس : الجوهر والاتفاق ~~والاختلاف والحركة والسكون # ثم فسر كلامه فقال : # أما الجوهر : فنعني به الوجود # وأما الاتفاق : فلأن الأشياء متفقة بأنها من الله تعالى # وأما الاختلاف : فلأنها مختلفة في صورها # وأما الحركة : فلأن لكل شيء من الأشياء فعلا خاصا # ( 2 \ 92 ) # وذلك نوع من الحركة لا حركة النقلة وإذا تحرك نحو العقل وفعل فله سكون ~~بعد ذلك لا محالة # قال : وأثبت البخت أيضا مبدأ سادسا وهو نطق عقلي وناموس لطبيعة الكل # وقال جرجيس : إنه قوة روحانية مدبرة للكل ms247 وبعض الناس يسميه جدا # وزعم الرواقيون : أنه نظام لعلل الأشياء وللأشياء المعلولة # وزعم بعضهم : أن علل الأشياء ثلاثة : المشتري والطبيعة والبخت # وقال أفلاطون : إن في العالم طبيعة عامة تجمع الكل وفي كل واحد من ~~المركبات طبيعة خاصة وحد الطبيعة بأنها مبدأ الحركة والسكون في الأشياء أي ~~مبدأ التغير وهي قوة سارية في الموجودات كلها تكون السكنات والحركات بها ~~فطبيعة الكل محركة للكل والمحرك الأول يجب أن يكون ساكنا وإلا تسلسل القول ~~فيه إلى ما لا نهاية له # وحكى أرسطوطاليس في مقالة الألف الكبرى من كتاب ما بعد الطبيعة أن ~~أفلاطون كان يختلف في حداثته إلى أقراطيلوس فكتب عنه ما روى عن هرقليطس أن ~~جميع الأشياء المحسوسة فاسدة وأن العلم لا يحيط بها ثم اختلف بعده إلى ~~سقراط وكان من مذهبه طلب الحدود دون النظر في طبائع المحسوسات وغيرها فظن ~~أفلاطون أن نظر سقراط في غير الأشياء المحسوسة لأن الحدود ليست للمحسوسات ~~لأنها إنما تقع على أشياء دائمة كلية أعني الأجناس والأنواع فعند ذلك سمى ~~أفلاطون الأشياء الكلية صورا لأنها واحدة ورأى أن المحسوسات لا تكون إلا ~~بمشاركة الصور # إذن كانت الصور رسوما ومثالات لها متقدمة عليها وإنما وضع سقراط الحدود ~~مطلقا لا باعتبار المحسوس وغير المحسوس # وأفلاطون ظن أنه وضعها لغير المحسوسات فأثبتها مثلا عامة # وقال أفلاطون في كتاب النواميس : إن الأشياء التي لا ينبغي للإنسان أن ~~يجهلها منها : أن له صانعا وأن صانعه يعلم أفعاله وذكر أن الله تعالى إنما ~~يعرف ( 2 \ 93 ) بالسلب أي لا شبيه له ولا مثال وأنه أبدع العالم من لا ~~نظام إلى نظام وأن كل مركب فهو إلى الانحلال وأنه لم يسبق العالم زمان ولم ~~يبدع عن شيء PageV02P087 ### || AUTO اختلاف الأوائل في الإبداع والمبدع والإرادة PageV02P093 ~~ثم إن الأوائل اختلفوا في الإبداع والمبدع هل هما عبارتان عن معبر واحد أم ~~للإبداع نسبة إلى المبدع ونسبة إلى المبدع ؟ وكذلك الإرادة إنها المراد أم ~~المريد ؟ على حسب اختلاف متكلمي الإسلام في الخلق والمخلوق والإرادة : إنها ~~خلق أم ms248 مخلوقة أم صفة في الخالق ؟ # قال أنكساغورس بمذهب فلوطرخيس : إن الإرادة ليست هي غير المراد ولا غير ~~المريد وكذلك الفعل لأنهما لا صورة لهما ذاتية وإنما يقومان بغيرهما ~~فالإرادة مرة تكون مستبطنة في المريد ومرة ظاهرة في المراد وكذلك الفعل # وأما أفلاطون وأرسطوطاليس فلا يقبلان هذا القول وقالا : إن صورة الإرادة ~~وصورة الفعل قائمتان وهما أبسط من صورة المراد كالقاطع للشيء وهو المؤثر ~~وأثره في الشيء والمقطوع هو المؤثر فيه القابل للأثر # فالأثر ليس هو المؤثر ولا المؤثر فيه وإلا انعكس حتى يكون المؤثر هو ~~الأثر والمؤثر فيه هو الأثر وهو محال فصورة المبدع فاعلة وصورة المبدع ~~مفعولة وصورة الإبداع متوسطة بين الفاعل والمفعول # فللفعل صورة وأثر فصورته : من جهة المبدع وأثره : من جهة المبدع والصورة ~~: من جهة المبدع في حق الباري تعالى ليست زائدة على ذاته حتى يقال : صورة ~~إرادة وصورة باري مفترقتان بل هي حقيقة واحدة # وأما برمنيدس الأصغر فإنه أجاز قولهم في الإرادة ولم يجزه في الفعل وقال ~~: إن الإرادة ( 2 \ 94 ) تكون بلا توسط من الباري تعالى فجائز ما وصفوه ~~وأما الفعل فيكون بتوسط منه وليس ما هو بلا توسط كالذي يكون بتوسط بل الفعل ~~قط لن يتحقق إلا بتوسط الإرادة ولا ينعكس # وأما الأولون مثل تاليس وأنبدقليس فقد قالوا : الإرادة من جهة المبدع هي ~~المبدع ومن جهة المبدع هي المبدع وفسروا هذا بأن الإرادة من جهة الصورة هي ~~المبدع ومن جهة الأثر هي المبدع ولا يجوز أن يقال : إنها من جهة الصورة هي ~~المبدع لأن صورة الإرادة عند المبدع قبل أن يبدع فغير جائز أن تكون ذات ~~صورة الشيء الفاعل هي المفعول بل من جهة أثر ذات الصورة هي المفعول # ومذهب أفلاطون وأرسطوطاليس هذا بعينه وفي الفصل انغلاق PageV02P093 ### || AUTO الفصل الثاني : الحكماء الأصول PageV02P094 ~~الحكماء الأصول الذين هم من القدماء : إلا أنا لم نجد لهم رأيا في المسائل ~~المذكورة غير حكم مرسلة عملية أوردناها لئلا تشذ مذاهبهم عن القسمة ولا ~~يخلو الكتاب عن تلك الفوائد # فمنهم ms249 الشعراء الذين يستدلون بشعرهم وليس شعرهم على وزن وقافية ولا الوزن ~~والقافية ركن في الشعر عندهم بل الركن في الشعر عندهم إيراد المقدمات ~~المخيلة فحسب ثم قد يكون الوزن والقافية معينين في التخيل فإن كانت المقدمة ~~التي توردها في القياس الشعري مخيلة فقط تمحض القياس شعريا وإن انضم إليها ~~قول إقناعي تركبت المقدمة من معنيين شعري وإقناعي وإن كان الضميم إليه قولا ~~يقينيا تركبت المقدمة من شعري وبرهاني # ( 2 \ 95 ) # ومنهم النساك : ونسكهم وعبادتهم عقلية لا شرعية ويقتصر ذلك على تهذيب نفس ~~عن الأخلاق الذميمة وسياسة المدينة الفاضلة التي هي الجنة الإنسانية # وربما وجدنا لبعضهم رأيا في بعض المسائل المذكورة أعني المبدع والإبداع ~~وأنه عالم وأن أول ما أبدعه ماذا ؟ وأن المبادئ كم هي ؟ وأن المعاد كيف ~~يكون ؟ وصاحب الرأي الموافق للأوائل المذكورين أوردنا اسمه وذكرنا مقالته ~~وإن كانت كالمكررة # نبتدئ بهم ونجعل فلوطرخيس مبدأ آخر PageV02P094 ### || AUTO 1 - رأي فلوطرخيس : PageV02P095 # قيل : إنه أول من شهر بالفلسفة ونسبت إليه الحكمة # تفلسف بمصر ثم سار إلى ملطية وأقام بها وقد يعد من الأساطين # قال : إن الباري تعالى لم يزل بالأزلية التي هي أزلية الأزليات وهو مبدع ~~فقط وكل مبدع ظهرت صورته في حد الإبداع فقد كانت صورته عنده أي كانت معلومة ~~له فالصور عنده بلا نهاية أي المعلومات بلا نهاية # قال : ولو لم تكن الصور عنده ومعه لما كان إبداع ولا بقاء للمبدع ولو لم ~~تكن باقية دائمة لكانت تدثر بدثور الهيولى ولو كان ذلك كذلك لارتفع الرجاء ~~والخوف ولكن لما كانت الصور باقية دائمة ولها الرجاء والخوف كان ذلك دليلا ~~على أنها لا تدثر ولما عدل عنها الدثور ولم يكن له قوة عليها كان ذلك دليلا ~~على أن الصورة أزلية في علمه تعالى # قال : ولا وجه إلا القول بأحد الأقوال : # إما أن يقال : الباري تعالى لا يعلم شيئا البتة وهذا من المحال الشنيع # وإما أن يقال : يعلم بعض الصور دون بعض وهذا من النقص الذي لا يليق بكمال الجلال # وإما أن ms250 يقال : يعلم بعض الصور دون بعض وهذا من النقص الذي لا يليق بكمال الجلال # وإما أن يقال : يعلم جميع الصور والمعلومات وهذا هو الرأي الصحيح # ثم قال : إن أصل المركبات هو الماء فإنه إذا تخلخل صافيا وجد نارا وإذا ~~تخلخل وفيه بعض الثقل صار هواء وإذا تكاثف تكاثفا مبسوطا بالغا صار أرضا # ( 2 \ 96 ) # وحكى فلوطرخيس أن هرقليطس زعم أن الأشياء إنما انتظمت بالبخت وجوهر البخت ~~هو نطق عقلي ينفذ في الجوهر الكلي والله سبحانه وتعالى أعلم PageV02P095 ### || AUTO 2 - رأي أكسنوفانس : PageV02P096 # كان يقول : إن المبدع الأول هو آنية أزلية دائمة ديمومة القدم لا تدرك ~~بنوع صفة منطقية ولا عقلية مبدع صور كل صفة وكل نعت نطقي وعقلي فإذا كان ~~هذا هكذا فقولنا : إن صور ما في العالم المبدعة لم تكن عنده أو كانت أو كيف ~~أبدع ؟ ولم أبدع ؟ محال لأن العقل مبدع والمبدع مسبوق بالمبدع والمسبوق لا ~~يدرك السابق أبدا فلا يجوز أن يصف المسبوق السابق بل نقول : إن المبدع أبدع ~~كيفما أحب وكيفما شاء فهو هو ولا شيء معه # قال : وهذه الكلمة أعني هو ولا شيء بسيطا ولا مركب معه وهو مجمع كل ما ~~نطلبه من العلم لأنك إذا قلت : ولا شيء معه فقد نفيت عنه أزلية الصورة ~~والهيولى وكل مبدع من صورة وهيولى وكل مبدع من صورة فقط # ومن قال : إن الصور أزلية مع آنيته فليس هو فقط بل هو وأشياء كثيرة فليس ~~هو مبدع للصور بل كل صورة إنما أظهرت ذاتها فعند إظهارها ذاتها ظهرت هذه ~~العوالم وهذا أشنع ما يكون من القول # وكان تيرس والقادميون يقولان : ليست أوائل البتة ولا معقول قبل المحسوس ~~بحال بل مثل بدعة الأشياء مثل الذي يفرخ من ذاته بلا حدث ولا فعل ظهر فلا ~~يزال يخرجه من القوة إلى الفعل حتى يوجد فيكمل فنحسه وندركه وليس شيء معقول ~~البتة والعالم دائم لا يزول ولا يفنى فإن المبدع لا يجوز أن يفعل فعلا يدثر ~~إلا وهو داثر مع دثور فعله وذلك محال ms251 # ( 2 \ 97 ) PageV02P096 ### || AUTO 3 - رأي زينون الأكبر : PageV02P097 # زينون الأكبر بن ماوس من أهل قنطس # كان يقول : إن المبدع الأول كان في علمه صورة إبداع كل جوهر وصورة دثور ~~كل جوهر فإن علمه غير متناه والصور التي فيه من حيث الإبداع غير متناهية ~~وكذلك صور الدثور غير متناهية فالعوالم تتجدد في كل حين وفي كل دهر فما كان ~~منها مشاكلا لنا أدركنا حدود وجوده ودثوره بالحواس والعقل وما كان غير ~~مشاكل لنا لم ندركه # إلا أنه ذكر وجه التجدد فقال : إن الموجودات باقية داثرة أما بقاؤها ~~فبتجدد صورها وأما دثورها فبدثور الصورة الأولى عند تجدد الأخرى # وذكر أن الدثور قد يلزم الصورة والهيولى معا # وقال أيضا : إن الشمس والقمر والكواكب تستمد القوة من جوهر السماء فإذا ~~تغيرت السماء تغيرت النجوم أيضا ثم هذه الصور كلها بقاؤها ودثورها في علم ~~الباري تعالى والعلم يقتضي بقاءها دائما وكذلك الحكمة تقتضي ذلك لأن بقاءها ~~على هذه الحال أفضل والباري تعالى قادر على أن يفني العوالم يوما ما إن ~~أراد وهذا الرأي قد مال إليه الحكماء المنطقيون الجدليون دون الإلهيين # وحكى فلوطرخيس أن زينون كان يزعم أن الأصول هي : الله عز وجل والعنصر فقط # فالله : هو العلة الفاعلة والعنصر : هو المنفعل # حكمه قال : أكثروا من الإخوان فإن بقاء النفوس ببقاء الإخوان كما أن شفاء ~~الأبدان بالأدوية # وقيل : رأى زينون فتى على شاطئ البحر محزونا يتلهف على الدنيا فقال له : ~~يا فتى ما يلهفك على الدنيا لو كنت في غاية الغنى وأنت راكب لجة البحر قد ~~انكسرت السفينة وأشرفت على الغرق كانت غاية مطلوبك النجاة وتفوت كل ما في يدك # قال : نعم # قال : ( 2 \ 98 ) لو كنت ملكا على الدنيا وأحاط بك من يريد قتلك كان ~~مرادك النجاة من يده وتفوت كل ملكك # قال : نعم # قال : فأنت الغني وأنت الملك الآن فتسلى الفتى # وقال لتلميذه : كن بما تأتي من الخير مسرورا وبما تجتنب من الشر محبورا # وقيل له : أي الملوك أفضل ملك اليونانيين أم ملك الفرس ms252 ؟ # قال : من ملك غضبه وشهوته # وسئل بعد أن هرم : ما حالك ؟ # قال : هو ذا أموت قليلا قليلا على مهل # وقيل له : إذا مت من يدفنك ؟ # قال : من يؤذيه نتن جيفتي # وسئل : ما الذي يهرم ؟ # قال : الغضب والحسد وأبلغ منهما الغم # وقال : الفلك تحت تدبيري # ونعى إليه ابنه فقال : ما ذهب ذلك علي إنما ولدت ولدا يموت وما ولدت ولدا ~~لا يموت # وقال : لا تخف موت البدن ولكن يجب عليك أن تخاف موت النفس # فقيل له : لم قلت خف موت النفس والنفس الناطقة عندك لا تموت ؟ # فقال : إذا انتقلت النفس الناطقة من حد النطق إلى حد البهيمية وإن كان ~~جوهرها لا يبطل فقد ماتت من العيش العقلي # وقال : أعط الحق من نفسك فإن الحق يخصمك إن لم تعطه حقه # وقال : محبة المال وتد الشر لأن سائر الآفات تتعلق بها ومحبة الشهوات وتد ~~العيوب لأن سائر العيوب متعلقة بها # وقال : أحسن مجاورة النعم فتنعم بها ولا تسيء بها فتسيء بك # وقال : إذا أدركت الدنيا الهارب منها جرحته وإذا أدركها الطالب لها قتلته # وقيل له وكان لا يقتني إلا قوت يومه : إن الملك يبغضك # فقال : وهل يحب الملك من هو أغنى منه ؟ # ( 2 \ 99 ) # وسئل : بأي شيء يخالف الناس في هذا الزمان البهائم ؟ # قال : بالشرور # قال : وما رأينا العقل قط إلا خادما للجهل وفي رواية للسجزي : إلا خادما ~~للجد والفرق بينهما ظاهر فإن الطبيعة ولوازمها إذا كانت مستولية على العقل ~~استخدمه الجهل وإذا كان ما قسم للإنسان من الخير والشر فوق تدبيره العقلي ~~كان الجد مستخدما للعقل ويعظم جد الإنسان ما يعقل وليس يعظم العقل ما يجد ~~ولهذا خيف على صاحب الجد ما لم يخف على صاحب العقل والجد أصم أخرس لا يفقه ~~ولا ينفه وإنما هو ريح تهب وبرق يلمع ونار تلوح وصحو يعرض وحلم يمتع وهذا ~~اللفظ أولى فإنه عم الحكم # فقال : ما رأينا العقل قط وقد يعرض للعقل أن يرى ولا يستخدمه الجهل وذلك ~~هو الأكثر # وقال زينون في الجرادة ms253 : خلقة سبعة جبابرة : رأسها رأس فرس وعنقها عنق ~~ثور وصدرها صدر أسد وجناحاها جناحا نسر ورجلاها رجلا جمل وبطنها بطن عقرب ~~وذنبها ذنب حية هكذا ذكره زينون PageV02P097 ### || AUTO 4 - رأي ديمقريطيس وشيعته : PageV02P099 # كان يقول في المبدع الأول : إنه ليس هو العنصر فقط ولا العقل فقط بل ~~الأخلاط الأربعة وهي الأسطقسات أوائل الموجودات كلها ومنا أبدعت الأشياء ~~البسيطة كلها دفعة واحدة وأما المركبة فإنها كونت دائمة داثرة إلا أن ~~ديمومتها بنوع ودثورها بنوع ثم إن العالم بجملته باق غير داثر لأنه ذكر أن ~~هذا العالم متصل بذلك العالم الأعلى كما أن عناصر هذه الأشياء متصلة بلطيف ~~أرواحها الساكنة فيها والعناصر وإن كانت تدثر في الظاهر فإن صفوها من الروح ~~البسيط الذي فيها فإذا كان كذلك فليس يدثر إلا من جهة الحواس # فأما من نحو العقل فإنه ليس يدثر فلا يدثر هذا العالم إذا كان صفوها فيه ~~وصفوه بالعوالم البسيطة وإنما شنع عليه الحكماء من جهة قوله إن أول ( 2 \ ~~100 ) مبدع هو العناصر وبعدها أبدعت البسائط الروحانية فهو يرتقي من الأسفل ~~إلى الأعلى ومن الأكدر إلى الأصفى # ومن شيعته فليوخوس : إلا أنه خالفه المبدع الأول وقال بقول سائر الحكماء ~~غير أنه قال : إن المبدع الأول هو مبدع الصورة فقط دون الهيولى فإنها لم ~~تزل مع المبدع # فأنكروا عليه وقالوا : إن الهيولى لو كانت أزلية قديمة لما قبلت الصور ~~ولما تغيرت من حال إلى حال ولما قبلت فعل غيرها إذ الأزلي لا يتغير وهذا ~~الرأي مما كان يعزى إلى أفلاطون الإلهي والرأي في نفسه مزيف والعزوة إليه ~~غير صحيحة # ومما نقل عن ديمقريطس وزينون الأكبر وفيثاغوروس أنهم كانوا يقولون : إن ~~الباري تعالى متحرك بحركة فوق هذه الحركة الزمانية وقد أشرنا إلى المذهبين ~~وبينا المراد بإضافة الحركة والسكون إلى الله تعالى ونزيده شرحا من احتجاج ~~كل فريق على صاحبه # قال أصحاب السكون : إن الحركة لا تكون أبدا إلا ضد السكون والحركة لا ~~تكون إلا بنوع زمان : أما ماض وإما مستقبل والحركة لا تكون ms254 إلا مكانية : ~~إما منتقلة وإما مستوية ومن المستوية تكون الحركة المستقيمة والحركة ~~المعوجة والمكانية تكون مع الزمان فلو كان الباري تعالى متحركا لكان داخلا ~~في الدهر والزمان # قال أصحاب الحركة : إن حركته أعلى من جميع ما ذكرتموه وهو مبدع الدهر ~~والمكان وإبداعه ذلك هو الذي يعنى بالحركة والله أعلم PageV02P099 ### || AUTO 5 - رأي فلاسفة أقاديما : PageV02P100 # كانوا يقولون : إن كل مركب ينحل ولا يجوز أن يكون مركبا من جوهرين متفقين ~~في جميع الجهات وإلا فليس بمركب فإذا كان هذا هكذا فلا محالة أنه إذا انحل ~~المركب رحل كل جوهر فاتصل بالأصل الذي كان منه فما كان منها بسيطا روحانيا ~~لحق بعالمه ( 2 \ 101 ) الروحاني البسيط والعالم الروحاني باق غير داثر وما ~~كان جاسيا غليظا لحق بعالمه أيضا وكل جاس إذا انحل فإنما يرجع حتى يصل إلى ~~ألطف من كل لطيف فإذا لم يبق من اللطافة شيء اتحد باللطيف الأول المتحد به ~~فيكونان متحدين إلى الأبد وإذا اتحدت الأواخر بالأوائل وكان الأول هو أول ~~مبدع ليس بينه وبين مبدعه جوهر آخر متوسط فلا محالة أن ذلك المبدع الأول ~~متعلق بنور مبدعه فيبقى خالدا دهر الدهور # وهذا الفصل أيضا قد نقل عنهم وهو يتعلق بالمعاد لا بالمبدأ وهؤلاء يسمون ~~مشائي أقاديما وأما المشاءون المطلق فهم أهل لوقيون # وكان أفلاطون يلقن الحكمة ماشيا تعظيما لها وتابعه على ذلك أرسطوطاليس ~~ويسمى هو وأصحابه المشائين # وأصحاب الرواق هم أهل المظال # وكان لأفلاطون تعليمان : # تعليم كليس وهو الروحاني الذي لا يدرك بالبصر ولكن بالفكر اللطيف # وتعليم كأيس وهو الهيولانيات والله الموفق للصواب PageV02P100 ### || AUTO 6 - رأي هرقل الحكيم : PageV02P101 # كان يقول : إن الباري تعالى هو النور الحق الذي لا يدرك من جهة عقولنا ~~لأنها أبدعت من ذلك النور الأول الحق وهو اسم الله حقا وهو اسم الله ~~باليونانية حقا # إنها تدل عليه أنه مبدع للكل وهذا الاسم عندهم شريف جدا # وكان يقول : إن بدء الخلق وأول شيء أبدع والذي هو أول لهذه العوالم هو ~~المحبة والمنازعة ووافق في هذا الرأي ms255 أنبادقليس حيث قال : الأول الذي أبدع ~~هو المحبة والغلبة # وقال هرقل : السماء كرة متحركة من ذاتها والأرض مستديرة ساكنة جامدة ~~بذاتها والشمس حللت كل ما فيها من الرطوبة فاجتمعت فيها فصار البحر والذي ~~حجرت الشمس ونفذت فيه حتى لم تذر فيه شيئا من الرطوبة صار منه الحصى ~~والحجارة والجبل وما لم تنفذ فيه الشمس أكثر ولم تنزع عنه الرطوبة كلها فهو التراب # ( 2 \ 102 ) # وكان يقول : إن السماء في النشأة الأخرى تصير بلا كواكب لأن الكواكب تهبط ~~سفلا حتى تحيط بالأرض وتلتهب فيصير متصلا بعضها ببعض حتى تكون كالدائرة حول ~~الأرض وإنما يهبط منها ما كان من أجزائها نارا محضة ويصعد منها ما كان نورا ~~محضا فتبقى النفوس الشريرة الدنسة الخبيثة في هذا العالم الذي أحاط به ~~النار إلى الأبد في عقاب السرمد وتصعد النفوس الشريفة الخالصة الطيبة إلى ~~العالم الذي تمحض نورا وبهاء وحسنا في ثواب السرمد وهناك الصور الحسان لذات ~~للبصر والألحان الشجية لذات للسمع ولأنها أبدعت بلا توسط مادة وتركب ~~أسطقسات فهي جواهر شريفة روحانية نورانية # وقال : إن الباري تعالى يمسح تلك الأنفس في كل دهر مسحة فيتجلى لها حتى ~~تنظر إلى نوره المحض الخارج من جوهره الحق فحينئذ يشتد عشقها وشوقها ونورها ~~ومجدها فلا تزال كذلك دائما أبد الأبد PageV02P101 ### || AUTO 7 - رأي أبيقورس : PageV02P102 # خالف الأوائل في الأوائل # قال : المبادئ اثنان : الخلاء والصورة # أما الخلاء : فمكان فارغ # وأما الصورة : فهي فوق المكان والخلاء ومنها أبدعت الموجودات وكل ما كون ~~منها فإنه ينحل إليها فمنها المبدأ وإليها المعاد # وربما يقول : الكل يفسد وليس بعد الفراق حساب ولا قضاء ولا مكافأة ولا ~~جزاء بل كلها تضمحل وتدثر والإنسان كالحيوان مرسل مهمل في هذا العالم # والحالات التي ترد على الأنفس في هذا العالم كلها من تلقائها على قدر ~~حركاتها وأفاعيلها فإن فعلت خيرا وحسنا فيرد عليها سرور وفرح وإن فعلت شرا ~~وقبيحا فيرد عليها حزن وترح وإنما سرور كل نفس بالأنفس الأخرى وكذا حزنها ~~مع الأنفس الأخرى بقدر ما يظهر ms256 لها من أفاعيلها # وتبعه جماعة من التناسخية على هذا الرأي # ( 2 \ 103 ) PageV02P102 ### || AUTO 8 - حكم سولون الشاعر : PageV02P103 # وكان عند الفلاسفة من الأنبياء العظام بعد هرمس وقبل سقراط وأجمعوا على ~~تقديمه والقول بفضائله # قال سولون لتلميذه : تزود من الخير وأنت مقبل خير لك من أن تتزود منه ~~وأنت مدبر # وقال : من فعل خيرا فليجتنب ما خالفه وإلا دعي شريرا # وقال : إن أمور الدنيا حق وقضاء فمن أسلف فليقض ومن قضى فقد وفى # وقال : إذا عرضت لك فكرة سوء فادفعها عن نفسك ولا ترجع باللائمة على غيرك ~~لكن لم رأيك بما أحدث عليك # وقال : إن فعل الجاهل في خطابه أن يذم غيره وفعل طالب الأدب أن يذم نفسه ~~وفعل الأديب أن لا يذم نفسه ولا غيره # وقال : إذا انكب الدن وأريق الشراب وانكسر الإناء فلا تغتم بل قل : كما ~~أن الأرباح لا تكون إلا فيما يباع ويشترى كذلك الخسرانات لا تكون إلا في ~~الموجودات فانف الغم والخسارة عنك فإن لكل ثمنا وليس يجيء بالمجان # وسئل : أيما أحمد في الصبا الحياء أم الخوف ؟ # قال : الحياء لأن الحياء يدل على العقل والخوف يدل على المقة والشهوة # وقال لابنه : دع المزاح فإن المزاح لقاح الضغائن # وسأله رجل فقال : هل ترى أن أتزوج أم أدع ؟ # قال : أي الأمرين فعلت ندمت عليه # وسئل : أي شيء أصعب على الإنسان ؟ # قال : أن يعرف عيب نفسه وأن يمسك عما لا ينبغي أن يتكلم به # ( 2 \ 104 ) # ورأى رجلا عثر فقال له : تعثر برجلك خير من أن تعثر بلسانك # وسئل : ما الكرم ؟ # فقال : النزاهة عن المساوئ # وسئل : ما الحياة ؟ # فقال : التمسك بأمر الله تعالى # وسئل : ما النوم ؟ # فقال : النوم موتة خفيفة والموت نومة طويلة # وقال : ليكن اختيارك من الأشياء حديثها ومن الإخوان أقدمهم # وقال : أنفع العلم ما أصابته الفكرة وأقله نفعا ما قلته بلسانك # وقال : ينبغي أن يكون المرء حسن الشكل في صغره وعفيفا عند إدراكه وعدلا ~~في شبابه وذا رأي في كهولته وحافظا للستر عند الفناء حتى لا تلحقه الندامة ms257 # وقال : ينبغي للشاب أن يستعد لشيخوخته مثل ما يستعد الإنسان للشتاء من ~~البرد الذي يهجم عليه # وقال : يا بني احفظ الأمانة تحفظك وصنها حتى تصان # وقال : جوعوا إلى الحكمة واعطشوا إلى عبادة الله تعالى قبل أن يأتيكم ~~المانع منها # وقال لتلامذته : لا تكرموا الجاهل فيستخف بكم ولا تتصلوا بالأشرار فتعدوا ~~فيهم ولا تعتمدوا الغنى إن كنتم تلامذة الصدق ولا تهملوا أمر أنفسكم في ~~أيامكم ولياليكم ولا تستخفوا بالمساكين في جميع أوقاتكم # وكتب إليه بعض الحكماء يستوصفه أمر عالمي العقل والحس فقال : # أما عالم العقل : فدار ثبات وثواب # وأما عالم الحس : فدار بوار وغرور # وسئل : ما فضل علمك على علم غيرك ؟ # فقال : معرفتي بأن علمي قليل # وقال : أخلاق محمودة وجدتها في الناس إلا أنها إنما توجد في قليل : صديق ~~يحب صديقه غائبا كمحبته حاضرا وكريم يكرم الفقراء كما يكرم الأغنياء ومقر ~~بعيوبه إذا ذكرت وذاكر يوم نعيمه في يوم بؤسه ويوم بؤسه في يوم نعيمه وحافظ ~~لسانه عند غضبه وآمر بالمعروف دائما . ( 2 \ 105 ) PageV02P103 ### || AUTO 9 - حكم أوميروس الشاعر : PageV02P105 # وهو من كبار القدماء الذي يجريه أفلاطون وأرسطوطاليس في أعلى المراتب ~~ويستدل بشعره لما كان يجمع فيه من إتقان المعرفة ومتانة الحكمة وجودة الرأي ~~وجزالة اللفظ # فمن ذلك قوله : لا خير في كثرة الرؤساء # وهذه كلمة وجيزة تحتها معان شريفة لما في كثرة الرؤساء من الاختلاف الذي ~~يأتي على حكمة الرئاسة بالإبطال ويستدل بها أيضا في التوحيد لما في كثرة ~~الآلهة من المخالفات التي تكر على حقيقة الإلهية بالإفساد وفي الحكمة : لو ~~كان أهل بلد كلهم رؤساء لما كان رئيس البتة ولو كان أهل بلد كلهم رعية لما ~~كانت رعية البتة # ومن حكمه قال : إني لا أعجب من الناس إذ كان يمكنهم الاقتداء بالله تعالى ~~فيدعون ذلك إلى الاقتداء بالبهائم # قال له تلميذه : لعل هذا إنما يكون لأنهم قد رأوا أنهم يموتون كما تموت ~~البهائم # فقال له : بهذا السبب يكثر تعجبي منهم من قبل أنهم يحسون بأنهم لابسون ~~بدنا ميتا ولا يحسبون ms258 أن في ذلك البدن نفسا غير ميتة # وقال : من يعلم أن الحياة لنا مستبعدة والموت معتق مطلق آثر الموت على الحياة # وقال : العقل نحوان : طبيعي وتجريبي وهما مثل الماء والأرض وكما أن النار ~~تذيب كل صامت وتخلصه وتمكن من العمل فيه كذلك العقل يذيب الأمور ويخلصها ~~ويفصلها ويعدها للعمل ومن لم يكن لهذين النحوين فيه موضع فإن خير أموره له ~~قصر العمر # وقال : إن الإنسان الخير أفضل من جميع ما على الأرض والإنسان الشرير أخس ~~وأوضع من جميع ما على الأرض # وقال : لن تنبل واحلم تعز ولا تكن معجبا فتمتهن واقهر شهوتك فإن الفقير ~~من انحط إلى شهوته # ( 2 \ 106 ) # وقال : الدنيا دار تجارة والويل لمن تزود عنها بالخسارة # وقال : الأمراض ثلاثة أشياء : الزيادة والنقصان في الطبائع الأربعة وما ~~تهيجه الأحزان # فشفاء الزائد والناقص في الطبائع الأدوية وشفاء ما تهيجه الأحزان كلام ~~الحكماء والإخوان # وقال : العمى خير من الجهل لأن أصعب ما يخاف من العمى التهور في بئر ينهد ~~منه الجسد والجهل يتوقع منه هلاك الأبد # وقال : مقدمة المحمودات الحياء ومقدمة المذمومات القحة # وقال إيراقليطس : إن أوميروس الشاعر لما رأى تضاد الموجودات دون فلك ~~القمر قال : يا ليته هلك التضاد من هذا العالم ومن الناس والسادة يعني ~~النجوم واختلاف طبائعها وأراد بذلك أن يبطل التضاد والاختلاف حتى يكون هذا ~~العالم المتحرك المنتقل داخلا في العالم الساكن الدائم الباقي # ومن مذهبه أن بهرام - يعني الريح - واقع الزهرة فتولدت من بينهما طبيعة ~~هذا العالم # وقال : إن الزهرة علة التوحيد والاجتماع وبهرام علة التفرق والاختلاف ~~والتوحد ضد التفرق فلذلك صارت الطبيعة ضدا تركب وتنقص وتوحد وتفرق # وقال : الحظ شيء أظهره العقل بوساطة العلم فلما قابل النفس عشقته بالعنصر # هذه حكمه # وأما مقطوعات أشعاره فمنها : # قال : ينبغي للإنسان أن يفهم الأمور الإنسانية # إن الأدب للإنسان ذخر لا يسلب # ارفع من عمرك ما يحزنك إن أمور العالم تعلمك العلم # إن كنت ميتا فلا تحقر عداوة من لا يموت # كل ما يمتار في وقته يفرح به ms259 # إن الزمان يبين الحق وينيره # اذكر نفسك أبدا أنك إنسان # إن كنت إنسانا فافهم كيف تضبط ( 2 \ 107 ) غضبك # إذا نالتك مضرة فاعلم أنك كنت أهلها # اطلب رضاء كل أحد لإرضاء نفسك فقط # إن الضحك في غير وقته هو ابن عم البكاء # إن الأرض تلد كل شيء ثم تسترده # إن الرأي من الجبان جبان # انتقم من الأعداء نقمة لا تضرك # كن حسن الجرأة ولا تكن متهورا # إن كنت ميتا فلا تذهب مذهب من لا يموت # إن أردت أن تحيا فلا تعمل عملا يوجب الموت # إن الطبيعة كونت الأشياء بإرادة الرب تعالى # من لا يفعل شيئا من الشر فهو إلهي آمن بالله فإنه يوفقك في أمورك # إن مساعدة الأشرار على أفعالهم كفر بالله # إن المغلوب من قاتل الله والبخت # اعرف الله واعقل الأمور الإنسانية # إذا أراد الله خلاصك عبرت البحر على البادية # إن العقل الذي يناطق الله لشريف # إن قوام السنة بالرئيس # إن لفيف الناس وإن كانت لهم قوة فليس لهم عقل # إن السنة توجب كرامة الوالدين مثل كرامة الإله رأيي أن والديك آلهة لك إن ~~الأب هو من ربى لا من ولد # إن الكلام في غير وقته يفسد العمر كله # إذا حضر البخت تمت الأمور # إن سنن الطبيعة لا تتعلم # إن اليد تغسل اليد والأصبع الأصبع # ليكن فرحك بما تدخره لنفسك دون ما تدخره لغيرك يعني بالمدخر لنفسه العلم ~~والحكمة وبالمدخر لغيره المال # وقال : الكرم يحمل ثلاثة عناقيد : عنقود الالتذاذ وعنقود الشكر وعنقود الشيم # خير أمور العالم الحسي أوساطها وخير أمور العالم العقلي أفضلها # وقيل : إن وجود الشعر في أمة يونان كان قبل الفلسفة وإنما أبدعه أوميروس ~~وتاليس كان بعده بثلاثمائة واثنتين وثمانين سنة وأول فيلسوف كان منهم في ~~سنة تسعمائة وإحدى وخمسين من وفاة موسى عليه السلام وهذا ما أخبر به كورفس ~~في كتابه # وذكر فورفوريوس أن تاليس ظهر في سنة ثلاث وعشرين ومائة من ملك بختنصر # ( 2 \ 108 ) PageV02P105 ### || AUTO 10 - حكم بقراط : PageV02P108 # بقراط واضع الطب الذي قال بفضله ms260 الأوائل والأواخر # وكان أكثر حكمته في الطب وشهرته به فبلغ خبره إلى بهمن بن أسفنديار بن ~~كشتاسب فكتب إلى فيلاطس ملك قوه - وهو بلد من بلاد اليونانيين - يأمر ~~بتوجيه بقراط إليه وأمر له بقناطير من الذهب فأبى ذلك وتأبى عن الخروج إليه ~~ضنا بوطنه وقومه # وكان لا يأخذ على المعالجة أجرة من الفقراء وأوساط الناس وقد شرط أن يأخذ ~~من الأغنياء أحد ثلاثة أشياء : طوقا أو إكليلا أو سوارا من ذهب # فمن حكمه أن قال : استهينوا بالموت فإن مرارته في خوفه # وقيل له : أي العيش خير ؟ # قال : الأمن مع الفقر خير من الغنى مع الخوف # وقال : الحيطان والبروج لا تحفظ المدن ولكن تحفظها آراء الرجال وتدبير ~~الحكماء # وقال : يداوى كل عليل بعقاقير أرضه فإن الطبيعة متطلعة إلى هوائها ونازعة ~~إلى غذائها # ولما حضرته الوفاة قال : خذوا جامع العلم مني : من كثر نومه ولانت طبيعته ~~ونديت جلدته طال عمره # وقال : الإقلال من الضار خير من الإكثار من النافع # وقال : لو خلق الإنسان من طبيعة واحدة لما مرض لأنه لم يكن هناك شيء ~~يضادها فيمرض # ودخل على عليل فقال له : أنا والعلة وأنت فإن أعنتني عليها بالقبول لما ~~تسمع مني صرنا اثنين وانفردت العلة فقوينا عليها والاثنان إذا اجتمعا على ~~واحد غلباه # وسئل : ما بال الإنسان أثور ما يكون بدنه إذا شرب الدواء ؟ # قال : مثل ذلك مثل البيت أكثر ما يكون غبارا إذا كنس # ( 2 \ 109 ) # وحديث ابن الملك أنه عشق جارية من حظايا أبيه فنهك بدنه واشتدت علته ~~فأحضر بقراط فجس نبضه ونظر إلى تفسرته فلم ير أثر علة فذاكره حديث العشق ~~فرآه يهش لذلك ويطرب فاستخبر الحال من حاضنته فلم يكن عندها خبر وقالت : ما ~~خرج قط من الدار # فقال بقراط للملك : مر رئيس الخصيان بطاعتي فأمره بذلك # فقال : أخرج علي النساء فخرجن وبقراط واضع إصبعه على نبض الفتى فلما خرجت ~~الحظية اضطرب عرقه وطار قلبه وحار طبعه فعلم بقراط أنها المعنية لهواه فصار ~~بقراط إلى الملك وقال له : ابن ms261 الملك قد عشق من الوصول إليها صعب # قال الملك : ومن ذاك ؟ # قال : هو يحب حليلتي # قال : انزل عنها ولك عنها بدل # فتخازن بقراط ووجم وقال : هل رأيت أحدا كلف أحدا طلاق امرأته ولا سيما ~~الملك في عدله ونصفته يأمرني بمفارقة حليلتي ومفارقتها مفارقة روحي ؟ # قال الملك : إني أوثر ولدي عليك وأعوضك من هو أحسن منها # فامتنع حتى بلغ الأمر إلى التهديد بالسيف # قال بقراط : إن الملك لا يسمى عدلا حتى ينتصف من نفسه ما ينتصف من غيره ~~أرأيت لو كانت العشيقة حظية الملك # قال : يا بقراط عقلك أتم من معرفتك ونزل عنها لابنه وبرئ الفتى من مرضه ذلك # وقال بقراط : إياك أن تأكل إلا ما تستمرئ وأما ما لا تستمرئ فإنه يأكلك # وقيل لبقراط : لم يثقل الميت ؟ # قال : لأنه كان اثنين : # أحدهما : خفيف رافع # والآخر : ثقيل واضع # فلما انصرف أحدهما وهو الخفيف الرافع ثقل الثقيل الواضع # وقال : الجسد يعالج جملة على خمسة أضرب : ما في الرأس بالغرغرة وما في ~~المعدة بالقيء وما في البدن بإسهال البطن وما بين الجلدين بالعرق وما في ~~العمق وداخل العروق بإرسال الدم # وقال : الصفراء بيتها المرارة وسلطانها في الكبد # والبلغم بيته المعدة وسلطانه ( 2 \ 110 ) في الصدر # والسوداء بيتها في الطحال وسلطانها في القلب # والدم بيته القلب وسلطانه في الرأس # وقال لتلميذ له : ليكن أفضل وسيلتك إلى الناس محبتك لهم والتفقد لأمورهم ~~ومعرفة حالهم واصطناع المعروف إليهم # ويحكى عن بقراط قوله المعروف : العمر قصير والصناعة طويلة والوقت ضيق ~~والزمان جديد والتجربة خطر والقضاء عسر # وقال لتلاميذه : اقسموا الليل والنهار ثلاثة أقسام فاطلبوا في القسم ~~الأول العقل الفاضل واعملوا في القسم الثاني بما أحرزتم من ذلك العقل ثم ~~عاملوا في القسم الثالث من لا عقل له وانهزموا من الشر ما استطعتم # وكان له ابن لا يقبل الأدب فقالت له امرأته : إن ابنك هو منك فأدبه # فقال لها : هو مني طبعا ومن غيري نفسا فما أصنع به # وقال : ما كان كثيرا فهو مضاد للطبيعة فلتكن الأطعمة والأشربة ms262 والنوم ~~والجماع والتعب قصدا # وقال : إن صحة البدن إذا كانت في الغاية كان أشد خطرا # وقال : إن الطب هو حفظ الصحة بما يوافق الأصحاء ودفع المرض بما يضاده # وقال : من سقى السم من الأطباء وألقى الجنين ومنع الحبل واجترأ على ~~المريض فليس من شيعتي وله أيمان معروفة على هذه الشرائط وكتب معروفة كثيرة ~~في الطب # وقال في الطبيعة : إنها القوة التي تدبر الجسم من الإنسان فتصوره من ~~النطفة إلى تمام الخلقة خدمة للنفس في إتمام هيكلها ولا تزال هي المدبرة له ~~غذاء من الثدي وبعده مما به قوامه من الأغذية ولها ثلاث قوى : المولدة ~~والمربية والحافظة # ويخدم الثلاث أربع قوى : الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة # ( 2 \ 111 ) PageV02P108 ### || AUTO 11 - حكم ديمقريطيس : PageV02P111 # وهو من الحكماء المعتبرين في زمان بهمن بن إسفندبار وهو وبقراط كانا في ~~زمان واحد قبل أفلاطون وله آراء في الفلسفة وخصوصا في مبادئ الكون والفساد # وكان أرسطوطاليس يؤثر قوله على قول أستاذه أفلاطون الإلهي وما أنصف # قال ديمقريطيس : إن الجمال الظاهر يشبه به المصورون بالأصباغ ولكن الجمال ~~الباطن لا يشبه به إلا من هو له بالحقيقة وهو مخترعه ومنشئه # وقال : ليس ينبغي أن تعد نفسك من الناس ما دام الغيظ يفسد رأيك ويتبع شهوتك # وقال : ليس ينبغي أن يمتحن الناس في وقت ذلتهم بل في وقت عزتهم وملكهم ~~وكما أن الكير يمتحن به الذهب كذلك الملك يمتحن به الإنسان فيتبين خيره وشره # وقال : ينبغي أن تأخذ في العلوم بعد أن تنفي عن نفسك العيوب وتعودها ~~الفضائل فإنك إن لم تفعل هذا لم تنتفع بشيء من العلوم # وقال : من أعطى أخاه المال فقد أعطاه خزائنه ومن أعطاه علمه ونصيحته فقد ~~وهب له نفسه # وقال : لا ينبغي أن تعد النفع الذي فيه الضرر العظيم نفعا ولا الضرر الذي ~~فيه النفع العظيم ضررا ولا الحياة التي لا تحمد أن تعد حياة # وقال : مثل من قنع بالاسم كمثل من قنع عن الطعام بالرائحة # وقال : عالم معاند خير من جاهل منصف # وقال : ثمرة الغرة ms263 التواني وثمرة التواني الشقاء وثمرة الشقاء ظهور ~~البطالة وثمرة البطالة السفه والعبث والندامة والحزن # وقال : يجب على الإنسان أن يطهر قلبه من المكر والخديعة كما يطهر بدنه من ~~أنواع الخبث # ( 2 \ 112 ) # وقال : لا تطمع أحدا أن يطأ عقبك اليوم فيطأك غدا # وقال : لا تكن حلوا جدا لئلا تبلع ولا مرا جدا لئلا تلفظ # وقال : ذنب الكلب يكسب له الطعام وفمه يكسب له الضرب # وكان بأثينية نقاش غير حاذق فأتى ديمقريطيس وقال : جصص بيتك فأصوره قال : ~~صوره أولا حتى أجصصه # وقال : مثل العلم مع من لا يقبل وإن قبل لا يعمل كمثل دواء مع سقيم وهو ~~لا يداوى به # وقيل له : لا تنظر فغمض عينيه # قيل له : لا تسمع فسد أذنيه # قيل له : لا تتكلم فوضع يده على شفتيه # قيل له : لا تعلم # قال : لا أقدر # وإنما أراد به أن البواطن لا تندرج تحت الاختيار فأشار إلى ضرورة السر ~~واختيار الظاهر # ولما كان الإنسان مضطر الحدوث كان معزول الولاية عن قلبه وهو بقلبه أكبر ~~منه بسائر جوارحه فلهذا لم يستطع أن يتصرف في أصله لاستحالة أن يكون فاعل أصله # ولهذا الكلام شرح آخر : وهو أنه أراد التمييز بين العقل والحس فإن ~~الإدراك العقلي لا يتصور الانفكاك عنه وإذا حصل لن يتصور نسيانه بالاختيار ~~والإعراض عنه بخلاف الإدراك الحسي وهذا يدل على أن العقل ليس من جنس الحس ~~ولا النفس من حيز البدن # وقد قيل : إن الاختيار في الإنسان مركب من انفعالين : # أحدهما : انفعال نقيصة # والثاني : انفعال تكامل وهو إلى الانفعال الأول أميل بحكم الطبيعة ~~والمزاج والآخر ضعيف فيه إلا إذا وصل إليه مدد من جهة العقل والتمييز والنص ~~فينشئ الرأي الثاقب ويحدث الحزم الصائب فيحب الحق ويكره الباطل فمتى وقف ~~هذا المدد من القوة الاختيارية كانت الغلبة للانفعال الآخر ولولا تركب ~~الاختيار عن هذين الانفعالين أو انقسامه إلى هذين الوجهين لتأتى للإنسان ~~جميع ما يقصده بالاختيار بلا مهلة ولا ترجح ولا هنية ولا تريح ولا استشارة ~~ولا استخارة # ( 2 \ 113 ms264 ) # وهذا الرأي الذي رآه هذا الحكيم لم أجد أحدا أبه له ولا عثر عليه أو حكم ~~به أو أومأ إليه والله سبحانه وتعالى أعلم PageV02P111 ### || AUTO 12 - حكم أوقليدس : PageV02P113 # وهو أول من تكلم في الرياضيات وأفرده علما نافعا في العلوم منقحا للخاطر ~~ملقحا للفكر وكتابه معروف باسمه وكذلك حكمته # وقد وجدنا له حكما متفرقة فأوردناها على سوق مرامنا وطرد كلامنا # فمن ذلك قوله : الخط هندسة روحانية ظهرت بآلة جسمانية # وقال له رجل يتهدده : إني لا آلو جهدا في أن أفقدك حياتك # قال أوقليدس : وأنا لا آلو جهدا في أن أفقدك غضبك # وقال : كل أمر تصرفنا فيه وكانت النفس الناطقة هي المقدرة له فهو داخل في ~~الأفعال الإنسانية وما لم تقدره النفس الناطقة فهو داخل في الأفعال ~~البهيمية # وقال : من أراد أن يكون محبوبه محبوبك وافقك على ما تحب فإذا اتفقتما على ~~محبوب واحد صرتما إلى الاتفاق # وقال : افزع إلى ما يشبه الرأي العام التدبيري العقلي واتهم ما سواه # وقال : كل ما أستطيع خلعه ولم يضطر إلى لزومه المرء فلم الإقامة على ~~مكروهه ؟ # وقال : الأمور جنسان : # أحدهما : يستطاع خلعه والمصير إلى غيره # والآخر : توجبه الضرورة فلا يستطاع الانتقال عنه # والاغتمام والأسف على كل واحد منهما غير سائغ في الرأي # وقال : إن كانت الكائنات من المضطرة فما الاهتمام بالمضطر إذ لا بد منه ~~وإن كانت غير مضطرة فلم الهم فيما يجاوز انتقال عنه ؟ # وقال : الصواب إذا كان عاما كان أفضل لأن الخاص يقع بالتحري وتلقاء أمر ما # ( 2 \ 114 ) # وقال : العمل على الإنصاف ترك الإقامة على المكروه # وقال : إذا لم يضطرك إلى الإقامة عليه شيء فإن أقمت رجعت باللائمة عليك # وقال : الحزم هو العمل على أن لا تثق بالأمور التي في الإمكان عسرها ويسرها # وقال : كل فائت وجدت في الأمور منه عوضا أو أمكنك اكتساب مثله فما الأسف ~~على فوته وإن لم يكن منه عوض ولا يصاب له مثل فما الأسف على ما لا سبيل إلى ~~مثله ولا إمكان في دفعه # وقال : لما ms265 علم العاقل أنه لا ثقة بشيء من أمر الدنيا ألقى منها ما منه ~~بد واقتصر على ما لا بد منه وعمل فيما يوثق به بأبلغ ما قدر عليه # وقال : إذا كان الأمر ممكنا فيه التصرف فوقع بحال ما تحب فاعتده ربحا وإن ~~وقع بحال ما تكره فلا تحزن فإنك قد كنت عجلت فيه على غير ثقة بوقوعه على ما تحب # وقال : لم أر أحدا إلا ذاما للدنيا وأمورها إذ هي على ما هي من التغير ~~والتنقل فالمستكثر منها يلحقه أن يكون أشد اتصالا بما يذم وإنما يذم ~~الإنسان ما يكره والمستقل منها مستقل مما يكره وإذا استقل مما يكره كان ذلك ~~أقرب إلى ما يحب # وقال : أسوأ الناس حالا من لا يثق بأحد لسوء ظنه ولا يثق به أحد لسوء فعله # وقال : الجشع بين شرين فالإعدام يخرجه إلى السفه والجدة تخرجه إلى الأشر # وقال : لا تعن أخاك على أخيك في خصومة فإنهما يصطلحان عن قليل وتكتسب المذمة # ( 2 \ 115 ) PageV02P113 ### || AUTO 13 - حكم بطلميوس : PageV02P115 # وهو صاحب المجسطي الذي تكلم في هيئات الفلك وأخرج علم الهندسة من القوة ~~إلى الفعل # فمن حكمه أنه قال : ما أحسن الإنسان أن يصبر عما يشتهي وأحسن منه أن لا ~~يشتهي إلا ما ينبغي # قال : الحليم الذي إذا صدق صبر لا الذي إذا قذف كظم # وقال : لمن يغني الناس ويسأل أشبه بالملوك ممن يستغني بغيره ويسأل # وقال : لأن يستغني الإنسان عن الملك أكرم له من أن يستغني به # وقال : موضع الحكمة من قلوب الجهال كموقع الذهب والجوهر من ظهر الحمار # وسمع جماعة من أصحابه وهم حول سرادقه يقعون فيه ويثلبونه فهز رمحا كان ~~بين يديه ليعلموا أنهم بمسمع منه وأن يتباعدوا عند قيد رمح ثم يقولوا ما أحبوا # وقال : العلم في موطنه كالذهب في معدنه لا يستنبط إلا بالدءوب والتعب ~~والكد والنصب ثم يجب تخليصه بالفكر كما يخلص الذهب بالنار # قال بطليموس : دلالة القمر في الأيام أقوى ودلالة الشمس والزهرة في ~~الشهور أقوى ودلالة المشتري وزحل في ms266 السنين أقوى # ومما نقل عنه أنه قال : نحن كائنون في الزمن الذي يأتي بعد وهذا رمز إلى ~~المعاد إذ الكون والوجود الحقيقي ذلك الكون والوجود في ذلك العالم # ( 2 \ 116 ) PageV02P115 ### || AUTO 14 - حكم أهل المظال : PageV02P116 # ومنهم خروسيبس وزينون # وقولهما الخالص : إن الباري تعالى المبدع الأول واحد محض هو هو إن فقط ~~أبدع العقل والنفس دفعة واحدة ثم أبدع جميع ما تحتهما بتوسطهما وفي بدء ما ~~أبدعهما أبدعهما جوهرين لا يجوز عليهما الدثور والفناء # وذكروا أن للنفس جرمين : جرم من النار والهواء وجرم من الماء والأرض ~~فالنفس متحدة بالجرم الذي من النار والهواء والجرم الذي من النار والهواء ~~متحد بالجرم الذي من الماء والأرض والنفس تظهر أفاعيلها في ذلك الجرم وذلك ~~الجرم ليس له طول ولا عرض ولا قدر مكاني وباصطلاحنا سميناه جسما وأفاعيل ~~النفس فيه نيرة بهية ومن الجسم إلى الجرم ينحدر النور والحسن والبهاء # ولما ظهرت أفاعيل النفس عندنا بمتوسطين كانت أظلم ولم يكن لها نور شديد # وذكروا أن النفس إذا كانت طاهرة زكية استخصت الأجزاء النارية والهوائية ~~وهي جسمها واستصحبت في ذلك العالم جسما روحانيا نورانيا علويا طاهرا مهذبا ~~من كل ثقل وكدر # وأما الجرم الذي من الماء والأرض فيدثر ويفنى لأنه غير مشاكل للجسم ~~السماوي لأن ذلك الجسم خفيف لطيف لا وزن له ولا يلمس وإنما يدرك من البصر ~~فقط كما تدرك الأشياء الروحانية من العقل فألطف ما يدرك الحس البصري من ~~الجواهر هي النفسانية وألطف ما يدرك من إبداع الباري تعالى الآثار التي عند العقل # وذكروا أن النفس إنما هي مستطيعة ما خلاها الباري تعالى أن تفعل وإذا ~~ربطها فليست بمستطيعة كالحيوان الذي إذا خلاه مدبره أعني الإنسان كان ~~مستطيعا في كل ما دعي إليه وتحرك إليه وإذا ربطه لم يقدر حينئذ أن يكون ~~مستطيعا # ( 2 \ 117 ) # وذكروا أن دنس النفس وأوساخ الجسد إنما تكون لازمة للإنسان من جهة ~~الأجزاء وأما التطهير والتهذيب فمن جهة الكل لأنه إذا انفصلت النفس الكلية ~~إلى النفس الجزئية والعقل الجزئي ms267 من العقل الكلي غلطت وصارت من حيز الجرم ~~لأنها كلما سفلت اتحدت بالجرم والجرم من حيز الماء والأرض وهما ثقيلان ~~يذهبان سفلا وكلما اتصلت النفس الجزئية بالنفس الكلية والعقل الجزئي بالعقل ~~الكلي ذهبت علوا لأنها تتحد بالجسم والجسم من حيز النار والهواء وكلاهما ~~لطيفان يذهبان علوا وهذان الجرمان مركبان وكل واحد منهما من جوهرين واجتماع ~~هذين الجرمين يوجب الاتحاد شيئا واحدا عند الحسن البصري فأما عند الحواس ~~الباطنة وعند العقل فليست شيئا واحدا فالجسم في هذا العالم مستبطن في الجرم ~~لأنه أشد روحانية ولأن هذا العلم ليس مشاكلا له ولا مجانسا له والجرم مشاكل ~~ومجانس لهذا العالم فصار الجرم أظهر من الجسم لمجانسة هذا العالم وتركيبه ~~وصار الجسم مستنبطنا في الجرم لأن هذا العالم غير مشاكل له وغير مجانس له ~~فأما في ذلك العالم فالجسم ظاهر على الجرم لأن ذلك العالم عالم الجسم لأنه ~~مجانس ومشاكل له ويكون لطيف الجرم الذي هو من لطيف الماء والأرض المشاكل ~~لجوهر النار والهواء مستنبطا في الجسم كما كان ذلك الجسم مستبطنا في هذا ~~العالم في الجرم فإذا كان هذا فيمن ذكروا هكذا كان ذلك الجسم باقيا دائما ~~لا يجوز عليه الدثور ولا الفناء ولذته دائمة لا تملها النفوس ولا العقول ~~ولا ينفذ ذلك السرور والحبور # ونقلوا عن أفلاطون أستاذهم : لما كان الواحد لا بدء له صار نهاية كل ~~متناه وإنما صار الواحد لا نهاية له لأنه لا بدء له لا أنه لا بدء له لأنه ~~لا نهاية له # وقال : ينبغي للمرء أن ينظر كل يوم إلى وجهه في المرآة فإن كان قبيحا لم ~~يفعل قبيحا فيجمع بين قبيحين وإن كان حسنا لم يشنه بقبيح # ( 2 \ 118 ) # وقال : إنك لن تجد الناس إلا أحد رجلين : # إما مؤخرا في نفسه قدمه حظه # أو مقدما في نفسه أخره دهره فارض بما أنت فيه اختيارا وإلا رضيت اضطرارا PageV02P116 ### || AUTO الفصل الثالث : متأخرو حكماء اليونان PageV02P118 ~~وهم الحكماء الذين تلوهم في الزمان وخالفوهم في الرأي مثل أرسطوطاليس ومن ~~تابعه ms268 على رأيه مثل الإسكندر الرومي والشيخ اليوناني وديوجانس الكلبي ~~وغيرهم وكلهم على رأي أرسطوطاليس في المسائل التي تفرد بها عن القدماء # ونحن نذكر من آرائه ما يتعلق بغرضنا من المسائل التي شرع فيها الأوائل ~~وخالفهم المتأخرون ونحصرها في ست عشرة مسألة وبالله التوفيق PageV02P118 ### || AUTO 1 - رأي أرسطوطاليس بن بيقوماخوس : PageV02P118 # من أهل أسطاخرا وهو المقدم المشهور والمعلم الأول والحكيم المطلق عندهم # وكان مولده في أول سنة من ملك أردشير بن دارا فلما أتت عليه سبع عشرة سنة ~~أسلمه أبوه إلى المؤدب أفلاطون فمكث عنده نيفا وعشرين سنة # وإنما سموه المعلم الأول لأنه واضع التعاليم المنطقية ومخرجها من القوة ~~إلى الفعل وحكمه حكم واضع النحو وواضع العروض فإن نسبة المنطق إلى المعاني ~~التي في الذهن كنسبة النحو إلى الكلام والعروض إلى الشعر وهو واضع لا بمعنى ~~أنه لم تكن المعاني مقومة بالمنطق قبله فقومها بل بمعنى أنه جرد آلته عن ~~المادة فقومها تقريبا إلى أذهان المتعلمين حتى يكون كالميزان عندهم يرجعون ~~إليه عند اشتباه الصواب بالخطأ والحق بالباطل إلا أنه أجمل القول فيه ( 2 \ ~~119 ) إجمال الممهدين وفصله المتأخرون تفصيل الشارحين وله حق السبق وفضيلة ~~التمهيد وكتبه في الطبيعيات والإلهيات والأخلاق معروفة ولها شروح كثيرة # ونحن اخترنا في نقل مذهبه شرح ثامسطيوس الذي اعتمده مقدم المتأخرين ~~ورئيسهم أبو علي بن سينا وأرودنا نكتا من كلامه في الإلهيات وأحلنا باقي ~~مقالاته في المسائل على نقل المتأخرين إذ لم يخالفوه في رأي ولا نازعوه في ~~حكم بل هم كالمقلدين له المتهالكين عليه وليس الأمر على ما مالت ظنونهم إليه # المسألة الأولى : في إثبات واجب الوجود الذي هو المحرك الأول # قال في كتاب أثولوجيا من حرف اللام : # إن الجوهر يقال على ثلاثة أضرب : اثنان طبيعيان وواحد غير متحرك # قال : إنا وجدنا المتحركات على اختلاف جهاتها وأوضاعها ولا بد لكل متحرك ~~من محرك فإما أن يكون المحرك متحركا فيتسلسل القول فيه ولا يتحصل وإلا ~~فيستند إلى محرك غير متحرك ولا يجوز أن يكون فيه معنى ما ms269 بالقوة فإنه يحتاج ~~إلى شيء آخر يخرجه من القوة إلى الفعل إذ هو لا يتحرك من ذاته من القوة إلى ~~الفعل فالفعل إذن أقدم من القوة وما بالفعل أقدم على ما بالقوة # وكل جائز وجوده ففي طبيعته معنى ما بالقوة وهو الإمكان والجواز فيحتاج ~~إلى واجب به يجب # وكذلك كل متحرك فيحتاج إلى محرك فواجب الوجود بذاته ذات وجودها غير ~~مستفاد من وجود غيره وكل موجود فوجوده مستفاد عنه بالفعل # وجائز الوجود له في نفسه وذاته الإمكان وذلك إذا أخذته بلا شرط وإذا ~~أخذته بشرط علته فله الوجوب وغذا أخذته بشرط لا عليه فله الامتناع # ( 2 \ 120 ) # المسألة الثانية : في أن واجب الوجود واحد # أخذ أرسطوطاليس يوضح أن المبدأ الأول واحد من حيث أن العالم واحد ويقول : ~~إن الكثرة بعد الاتفاق في الحد ليست إلا في كثرة العنصر وأما ما هو بالآنية ~~الأولى فليس له عنصر لأنه تمام قائم بالفعل لا يخالط القوة فإذن المحرك ~~الأول واحد بالكلمة والعدد أي بالاسم والذات # قال : فمحرك العالم واحد لأن العالم واحد # هذا نقل ثامسطيوس وأخذ من نصر مذهبه يوضح أن المبدأ الأول واحد من حيث ~~إنه واجب الوجود لذاته # قال : ولو كان كثيرا لحمل واجب الوجود عليه وعلى غيره بالتواطؤ فيشملها ~~جنسا وينفصل أحدهما عن الآخر نوعا فتتركب ذاته من جنس وفصل فتسبق أجزاء ~~المركب على المركب سبقا بالذات فلا يكون واجبا بذاته # ولأنه لو لم يكن هو بعينه واجب الوجود لذاته عنه بل لشيء عنه واجب بذاته ~~بل لأمر خارج عنه لكان واجب الوجود بذلك الأمر الخارج فلم يكن واجبا بذاته ~~هذا خلف # المسألة الثالثة : # في أن واجب الوجود لذاته عقل لذاته وعاقل ومعقول لذاته عقل من غيره أو لم يعقل # أما أنه عقل فلأنه مجرد عن المادة منزه عن اللوازم المادية فلا تحتجب ~~ذاته عن ذاته # وأما أنه عاقل لذاته فلأنه مجرد لذاته # وأما أنه معقول لذاته فلأنه غير محجوب عن ذاته بذاته أو بغيره # قال : الأول يعقل ذاته ثم ms270 من ذاته يعقل كل شيء فهو يعقل العالم العقلي ~~دفعة واحدة من غير احتياج إلى انتقال وتردد من معقول إلى معقول وأنه ليس ~~يعقل الأشياء ( 2 \ 121 ) على أنها أمور خارجة عنه فيعقلها منها كحالنا عند ~~المحسوسات بل يعقلها من ذاته وليس كونه عاقلا وعقلا بسبب وجود الأشياء ~~المعقولة حتى يكون وجودها قد جعله عقلا بل الأمر بالعكس أي عقله للأشياء ~~جعلها موجودة وليس للأول شيء يكمله فهو الكامل لذاته المكمل لغيره فلا ~~يستفيد وجوده كمالا # وأيضا فإنه لو كان يعقل الأشياء من الأشياء لكان وجودها متقدما على وجوده ~~ويكون جوهره في نفسه وفي قوامه وفي طباعه أن يقبل معقولات الأشياء من ~~الأشياء فيكون في طباعه ما هو بالقوة من حيث يكمل بما هو خارج عنه حتى يقال ~~: لولا ما هو خارج عنه لم يكن له ذلك المعنى وكان فيه عدمها فيكون الذي في ~~طباع نفسه وباعتبار نفسه من غير إضافة إلى غيره أن يكون عادما للمعقولات ~~ومن شأنه أن يكون له ذلك فيكون باعتبار نفسه مخالطا للإمكان والقوة وإذا ~~فرضنا أنه لم يزل ولا يزال موجودا بالفعل فيجب أن يكون له من ذاته الأمر ~~الأكمل الأفضل لا من غيره # وقال : وإذا عقل ذاته عقل ما يلزمها لذاتها بالفعل وعقل كونه مبدأ وعقل ~~كل ما يصدر عنه على ترتيب الصدور عنه وإلا فلم يعقل ذاته بكنهها # قال وإن كان ليس يعقل بالفعل فما الشيء الكريم الذي له وهو الكون الناقص ~~كماله ؟ فيكون حاله كحال النائم # وإن كان يعقل الأشياء من الأشياء فتكون الأشياء متقدمة عليه بتقدم ما ~~يقبله ذاته # وإن كان يعقل الأشياء من ذاته فهو المرام والمطلب # وقد يعبر عن هذا الغرض بعبارة أخرى تؤدي قريبا من هذا المعنى فيقول : إن ~~كان جوهره العقل وأن يعقل : فإما أن يعقل ذاته أو غيره : # فإن كان يعقل شيئا آخر فما هو في حد ذاته غير مضاف إلى ما يعقله وهل لهذا ~~المعتبر بنفسه فضل وجلال مناسب لأن يعقل بأن يكون بعض ms271 الأحوال أن يعقل له ~~أفضل من أن لا يعقل ؟ أو بأن لا يعقل يكون له أفضل من أن يعقل فإنه لا يمكن ~~القسم الآخر وهو أن يكون يعقل الشيء الآخر أفضل من الذي له ( 2 \ 122 ) في ~~ذاته من حيث هو في ذاته شيء يلزمه أن يعقل فيكون فضله وكماله بغيره وهذا محال # المسألة الرابعة : في أن واجب الوجود لا يعتريه تغير وتأثر من غيره بأن ~~يبدع أو يعقل # قال : الباري تعالى عظيم الرتبة جدا غير محتاج إلى غيره ولا متغير بسبب ~~من غيره سواء كان التغير زمانيا أو كان تغيرا بأن ذاته تقبل من غيره أثرا ~~وإن كان دائما في الزمان وإنما لا يجوز له أن يتغير كيفما كان لأن انتقاله ~~إنما يكون إلى الشر لا إلى الخير لأن كل رتبة غير رتبته فهي دون رتبته وكل ~~شيء يناله ويوصف به فهو دون نفسه # ولا يكون أيضا مناسبا للحركة خصوصا إن كانت بعدية زمانية وهذا معنى قوله ~~: إن التغير إلى الشيء الذي هو شر # وقد ألزم على كلامه أنه إذا كان الأول يعقل أبدا ذاته فإنه يتعب ويكل ~~ويتغير ويتأثر # وأجاب ثامسطيوس عن هذا بأنه إنما لا يتعب لأنه يعقل ذاته وكما لا يتعب من ~~أن يحب ذاته فإنه لا يتعب من أن يعقل ذاته # وقال أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا : ليست العلة أنه لذاته يعقل أو ~~لذاته يحب بل لأنه ليس مضادا لشيء في الجوهر العاقل فإن التعب هو أذى يعرض ~~لسبب خروج عن الطبيعة وإنما يكون ذلك إذا كانت الحركات التي تتوالى مضادة ~~لمطلوب الطبيعة فأما الشيء الملائم واللذيذ المحض الذي ليس فيه منافاة بوجه ~~فلم يجب أن يكون تكرره متعبا ؟ # ( 2 \ 123 ) # المسألة الخامسة : في أن واجب الوجود حي بذاته باق بذاته : # أي كامل في أن يكون بالفعل مدركا لكل شيء نافذ الأمر في كل شيء # وقال : إن الحياة التي عندنا يقترن بها من إدراك خسيس وتحريك خسيس وأما ~~هناك فالمشار إليه بلفظ ms272 الحياة هو كون العقل التام بالفعل الذي يتعقل من ~~ذاته كل شيء وهو باق الدهر أزلي فهو حي بذاته باق بذاته عالم بذاته وإنما ~~ترجع جميع صفاته إلى ما ذكرنا من غير تكثر ولا تغير في ذاته # المسألة السادسة : في أنه لا يصدر عن الواحد إلا واحد # قال : الصادر الأول هو العقل الفعال لأن الحركات إذا كانت كثيرة ولكل ~~متحرك محرك فيجب أن يكون عدد المحركات بحسب عدد المتحركات فلو كانت ~~المحركات والمتحركات تنسب إليه لا على ترتيب أول وثان بل جملة واحدة لتكثرت ~~جهات ذاته بالنسبة إلى محرك محرك ومتحرك متحرك فتتكثر ذاته وقد أقمنا ~~البرهان على أنه واحد من كل وجه فلن يصدر عن الواحد من كل وجه إلا واحد وهو ~~العقل الفعال وله في ذاته وباعتبار ذاته إمكان الوجود وباعتبار علته وجوب ~~الوجود فتكثر ذاته لا من جهة علته فيصدر عنه شيئان ثم يزيد التكثير في ~~الأسباب فتتكثر المسببات والكل ينسب إليه # ( 2 \ 124 ) # المسألة السابعة : في عدد المفارقات # قال : إذا كان عدد المتحركات مترتبا على عدد المحركات فتكون الجواهر ~~المفارقة كثيرة على ترتيب أول وثان فلكل كرة متحركة محرك مفارق غير متناهي ~~القوة يحرك كما يحرك المشتهي والمعشوق ومحرك آخر مزاول للحركة فيكون صورة ~~للجرم السماوي فالأول : عقل مفارق والثاني : نفس مزاول فالمحركات المفارقة ~~تحرك على أنها مشتهاة معشوقة والمحركات المزاولة تحرك على أنها مشتهية عاشقة # ثم يطلب عدد المحركات من عدد حركات الأكر وذلك شيء لم يكن ظاهرا في زمانه ~~وإنما ظهر بعد # والأكر : تسع لما دل الرصد عليها فالعقول المفارقة عشرة : # تسعة مدبرات النفوس التسعة المزاولة # وواحد هو العقل الفعال # المسألة الثامنة : في أن الأول مبتهج بذاته # قال أرسطوطاليس : # اللذة في المحسوسات : هو الشعور بالملائم وفي المعقولات : الشعور بالكمال ~~الواصل إليه من حيث يشعر به # فالأول : مغتبط بذاته ملتذ بها لأنه يعقل ذاته على كمال حقيقتها وشرفها ~~وإن جل عن أن ينسب إليه لذة انفعالية بل يجب أن يسمى ذلك بهجة وعلاء وبهاء ~~كيف ms273 ونحن نلتذ بإدراك الحق ونحن مصروفون عنه مردودون في قضاء حاجات خارجة ~~عما يناسب حقيقتنا التي نحن بها ناس وذلك لضعف عقولنا وقصورنا في المعقولات ~~وانغماسنا في الطبيعة البدنية لكنا نتوصل على سبيل الاختلاس فيظهر لنا ~~اتصال بالحق الأول فيكون كسعادة عجيبة في زمان قليل جدا وهذه الحال له أبدا ~~وهو لنا غير ممكن لأنا مذنبون ولا يمكننا أن نشيم تلك البارقة الإلهية إلا ~~خطفة وخلسة # ( 2 \ 125 ) # المسألة التاسعة : في صدور نظام الكل وترتيبه عنه # قال : قد بينا أن الجوهر يقال على ثلاثة أضرب : اثنان طبيعيان وواحد غير متحرك # وقد بينا القول في الواحد غير المتحرك وأما الاثنان الطبيعيان فهما ~~الهيولى والصورة أو العنصر والصورة وهما مبدأ الأجسام الطبيعية # وأما العدم فيعد من المبادئ بالعرض لا بالذات فالهيولى جوهر قابل للصورة ~~والصورة معنى ما يقترن بالجوهر فيصير به نوعا كالجزء المقوم له لا كالعرض ~~الحال فيه والعدم ما يقابل الصورة فإنا متى توهمنا أن الصورة لم تكن فيجب ~~أن يكون في الهيولى عدم الصورة والعدم المطلق مقابل للصورة المطلقة والعدم ~~الخاص مقابل للصورة الخاصة # قال : وأول الصورة التي تسبق إلى الهيولى هي الأبعاد الثلاثة فتصير جرما ~~ذا طول وعرض وعمق وهي الهيولى الثانية وليست بذات كيفية ثم تلحقها الكيفيات ~~لأربع التي هي : الحرارة والبرودة الفاعلتان والرطوبة واليبوسة المنفعلتان ~~فتصير الأركان والأسطقسات الأربعة التي هي : النار والهواء والماء والأرض ~~وهي الهيولى الثالثة ثم تتكون منها المركبات التي تلحقها الأعراض والكون ~~والفساد ويكون بعضها هيولى بعض # قال : وإنما رتبنا هذا الترتيب في العقل والوهم خاصة دون الحس وذلك أن ~~الهيولى عندنا لم تكن معراة عن الصورة قط فلم نقدر في الوجود جوهرا مطلقا ~~قابلا للأبعاد ثم لحقته الأبعاد ولاجسما عاريا عن هذه الكيفيات ثم عرض له ~~ذلك وإنما هو عند نظرنا فيما هو أقدم بالطبع وأبسط في الوهم والعقل # ثم أثبت طبيعة خامسة وراء هذه الطبائع لا تقبل الكون والفساد ولا يطرأ ~~عليها الاستحالة والتغير وهي طبيعة السماء # وليس يعني بالخامسة ms274 طبيعة من جنس هذه الطبائع بل معنى ذلك أن طبائعها ~~خارجة عن هذه # ثم هي كلها على تركيبات يختص كل تركيب خاص بطبيعة خاصة ويتحرك بحركة خاصة ~~ولكل متحرك محرك مزاول ومحرك ( 2 \ 126 ) مفارق # والمتحركات أحياء ناطقون والحيوانية والناطقية لها بمعنى آخر وإنما يحمل ~~ذلك عليها وعلى الإنسان بالاشتراك فترتيب العالم كله علويه وسفليه على نظام ~~واحد وصار النظام في الكل محفوظا بعناية المبدأ الأول على أحسن ترتيب وأحكم ~~قوام متوجها إلى الخير # وترتيب الموجودات كلها في طباع الكل على نوع نوع ليس على ترتيب المساواة ~~فليس حال السباع كحال الطير ولا حالها كحال النبات ولا حال النبات كحال ~~الحيوان # قال : وليس مع هذا التفاوت منقطعا بعضها عن بعض بحيث لا ينسب بعضها إلى ~~بعض بل هناك مع الاختلاف اتصال وإضافة جامعة للكل تجمع الكل إلى الأصل ~~الأول الذي هو المبدأ لفيض الجود والنظام في الوجود على ما يمكن في طباع ~~الكل أن يترتب عنه # قال : وترتيب الطباع في الكل كترتيب المنزل الواحد من الأرباب والأحرار ~~والعبيد والبهائم والسباع فقد جمعهم صاحب المنزل ورتب لكل واحد منهم مكانا ~~خاصا وقدر له عملا خاصا ليس قد أطلق لهم أن يعملوا ما شاءوا وأحبوا فإن ذلك ~~يؤدي إلى تشويش النظام فهم وإن اختلفوا في مراتبهم وانفصل بعضهم عن بعض ~~بأشكالهم وصورهم منتسبون إلى مبدأ واحد صادرون عن رأيه وأمره مصرفون تحت ~~حكمه وقدره # فكذلك تجري الحال في العالم بأن يكون هناك أجزاء أول مفردة متقدمة لها ~~أفعال مخصوصة مثل السماوات ومحركاتها ومدبراتها وما قبلها من العقل الفعال ~~وأجزاء مركبة متأخرة تجري أكثر أمورها على الاتفاق المخلوط بالطبع والإرادة ~~والجبر الممزوج بالاختيار ثم ينسب الكل إلى عناية الباري جلت عظمته # المسألة العاشرة : في أن النظام في الكل متوجه إلى الخير والشر واقع في ~~القدر بالعرض : # قال : لما اقتضت الحكمة الإلهية نظام العالم على أحسن إحكام وإتقان لا ~~لإرادة وقصد إلى أمر في السافل حتى يقال : إنما أبدع العقل مثلا لغرض في ~~السافل ms275 حتى يفيض ( 2 \ 127 ) مثلا على السافل فيضا لأمر أعلى من ذلك وهو أن ~~ذاته أبدع ما أبدع لذاته لا لعلة ولا لغرض فوجدت الموجودات كاللوازم ~~واللواحق ثم توجهت إلى الخير لأنها صادرة عن أصل الخير وكان المصير في كل ~~حال إلى رأس واحد # ثم ربما يقع شر وفساد من مصادمات في الأسباب السافلة دون العالية التي ~~كلها خير مثل المطر الذي لم يخلق إلا خيرا ونظاما للعالم فيتفق أن يخرب به ~~بيت عجوز فإن وقع كان ذلك واقعا بالعرض لا بالذات أو بأن لا يقع شر جزئي في ~~العالم لا تقتضي الحكمة أن لا يوجد خير كلي فإن فقدان المطر أصلا شر كلي ~~وتخريب بيت عجوز شر جزئي والعالم للنظام الكلي لا للجزئي فالشر إذن واقع في ~~القدر بالعرض # وقال : إن الهيولى قد لبست الصور على درجات ومراتب وإنما يكون لكل درجة ~~ما تحتمله في نفسها دون أن يكون في الفيض الأعلى إمساك عن بعض وإفاضة على ~~بعض فالدرجة الأولى احتمالها على نحو أفضل دون ذلك والذي عندنا من العناصر ~~دون الجميع لأن كل ماهية من ماهيات هذه الأشياء إنما تحتمل ما تستطيع أن ~~تلبس من الفيض على النحو الذي هيئت له ولذلك تقع العاهات والتشويهات في ~~الأبدان لما يلزم من ضرورة المادة الناقصة التي لا تقبل الصورة على كمالها ~~الأول والثاني # قال : إن لم نجر الأمور على هذا المنهاج ألجأتنا الضرورة إلى أن نقع في ~~محالات وقع فيها من قبلنا كالثنوية وغيرهم # المسألة الحادية عشرة : في كون الحركات سرمدية وأن الحوادث لم تزل : # قال : إن صدور الفعل عن الحق الأول إنما يتأخر لا بزمان بل بحسب الذات ~~والفعل ليس مسبوقا بعدم بل هو مسبوق بذات الفاعل فقط ولكن القدماء لما ~~أرادوا أن يعبروا عن العلية افتقروا إلى ذكر القبلية وكانت القبلية في ~~اللفظ تتناول الزمان ( 2 \ 128 ) وكذلك في المعنى عند من لم يتدرب فأوهمت ~~عباراتهم أن فعل الأول الحق فعل زماني وأن تقدمه تقدم زماني # قال : ونحن ms276 أثبتنا أن الحركات تحتاج إلى محرك غير متحرك # ثم نقول : الحركات لا تخلو : # إما أن تكون لم تزل # أو تكون قد حدثت بعد أن لم تكن وقد كان المحرك لها موجودا بالفعل قادرا ~~ليس يمانعه مانع من أن تكون عنه ولا حدث حادث في حال ما أحدثها فرغبه وحمله ~~على الفعل # إذن كان جميع ما يحدث إنما يحدث عنه وليس شيء غيره يعوقه أو يرغبه ولا ~~يمكن أن يقال : قد كان لا يقدر أن يكون عنه مقدور فقدر أو لم يرد فأراد أو ~~لم يعلم فعلم فإن ذلك كله يوجب الاستحالة ويوجب أن يكون شيء آخر غيره هو ~~الذي أحاله # وإن قلنا : إنه منعه مانع يلزم أن يكون السبب المانع أقوى والاستحالة ~~والتغير عن المانع حركة أخرى استدعت محركا وبالجملة كل سبب ينسب إليه ~~الحادث في زمان حدوثه بعد جوازه في زمان قبله وبعده فإن ذلك السبب جزئي خاص ~~أوجب حدوث تلك الحادثة التي لم تكن قبل ذلك وإلا فالإرادة الكلية والقدرة ~~الشاملة والعلم الواسع العام ليس يختص بزمان دون زمان بل نسبته إلى الأزمان ~~كلها نسبة واحدة فلا بد لكل حادث من سبب حادث ويتعالى عنه الواحد الحق الذي ~~لا يجوز عليه التغيير والاستحالة # قال : وإذا كان لابد من محرك للمحركات ومن حامل للحركات تبين أن المحرك ~~سرمدي والحركات سرمدية فالمتحركات سرمدية # فإن قيل : إن حامل الحركة وهو الجسم لم يحدث لكنه عن سكون وجب أن يعثر ~~على السبب الذي يغير من السكون إلى الحركة # فإن قلنا : إن ذلك الجسم حدث فقد تقدم حدوث الجسم حدوث الحركة فقد بان أن ~~الحركة والمتحرك والزمان الذي هو عاد للحركة أزلية سرمدية # والحركات : إما مستقيمة وإما مستديرة # والاتصال لا يكون إلا للمستديرة لأن المستقيم ينقطع والاتصال أمر ضروري ~~للأشياء الأزلية فإن الذي يسكن ليس بأزلي # ( 2 \ 129 ) # والزمان متصل لأنه لا يمكن أن يكون قطعا مبتورة فيجب من ذلك أن تكون ~~الحركة متصلة وإذا كانت المستديرة هي وحدها متصلة فيجب أن تكون ms277 هي أزلية ~~فيجب أن يكون محرك هذه الحركة المستديرة أيضا أزليا إذ لا يكون ما هو أخس ~~علة لما هو أفضل ولا فائدة في محركات ساكنة غير متحركة كالصور الأفلاطونية ~~فلا ينبغي أن يضع هذه الطبيعة بلا فعل فتكون متعطلة غير قادرة أن تحيل وتحرك # المسألة الثانية عشرة : في كيفية تركب العناصر : # حكى فرفريوس عنه أنه قال : كل موجود ففعله مثل طبيعته فما كانت طبيعته ~~بسيطة ففعله بسيط والله تعالى واحد بسيط ففعل الله تعالى واحد بسيط وكذلك ~~فعله الاجتلاب إلى الوجود فإنه لكن الجوهر لما كان وجوده بالحركة كان بقاؤه ~~أيضا بالحركة وذلك أنه ليس للجوهر أن يكون موجودا من ذاته بمنزلة الوجود ~~الأول الحق لكن من التشبه بذلك الأول الحق وكل حركة تكون إما أن تكون ~~مستقيمة أو مستديرة # فالحركة المستقيمة : يجب أن تكون متناهية والجوهر يتحرك في الأقطار ~~الثلاثة التي هي : الطول والعرض والعمق على خطوط مستقيمة حركة متناهية ~~فيصير بذلك جسما # وبقي عليه أن يتحرك بالاستدارة على الجهة التي يمكن فيها حركة بلا نهاية ~~ولا يسكن في وقت من الأوقات إلا أنه ليس يمكن أن يتحرك بأجمعه حركة على ~~الاستدارة وذلك أن الدائر يحتاج إلى شيء ساكن في وسط منه كالنقطة # فانقسم الجوهر فتحرك بعضه على الاستدارة وهو الفلك وسكن بعضه في الوسط # قال : وكل جسم يتحرك فيماس جسما ساكنا وفي طبيعته قبول التأثير منه أحدث ~~سخونة فيه وإذا سخن لطف وانحل وخف فكانت طبيعة النار تلي تلك الفلك المتحرك # والجسم الذي يلي النار يبعد عن الفلك ويتحرك بحركة النار فتكون حركته أقل ~~( 2 \ 130 ) فلا يتحرك بأجمعه لكن جزء منه فيسخن دون سخونة النار وهو الهواء # والجسم الذي يلي الهواء لا يتحرك لبعده عن المحرك له فهو بارد لسكونه ~~ورطب لمجاورة الهواء الحار الرطب ولذلك انحل قليلا وهو الماء # والجسم الذي في الوسط فإنه بعد في الغاية عن الفلك ولم يستفد من حركته ~~شيئا ولا قبل منه تأثيرا فيبس وبرد وهو الأرض # وإذا كانت هذه ms278 الأجسام تقبل التأثير بعضها من بعض وتختلط يتولد عنها ~~أجسام مركبة وهي المركبات المحسوسات التي هي : المعادن والنبات والحيوان ~~والإنسان # ثم يختص بكل نوع طبيعة خاصة تقبل فيضا خاصا على ما قدره الباري جلت قدرته # المسألة الثالثة عشرة : في الآثار العلوية : # قال أرسطوطاليس : الذي يتصاعد من الأجسام السفلية إلى الجو ينقسم قسمين : # أحدهما : أدخنة نارية بإسخان الشمس وغيرها # والثاني : أبخرة مائية فتصعد إلى الجو وقد صحبتها أجزاء أرضية فتتكاثف ~~وتجتمع بسبب ريح أو غيرها فتصير ضبابا أو سحابا فتصادفها برودة فتعصر ماء ~~وثلجا وبردا فتنزل إلى مركز الماء وذلك لاستحالة الأركان بعضها إلى بعض ~~فكما أن الماء يستحيل هواء فيصعد كذلك الهواء يستحيل ماء فينزل # ثم الرياح والأدخنة إذا اختفت في خلال السحاب واندفعت مرة سمع لها صوت ~~وهو الرعد ويلمع من اصطكاكها وشدة صمتها ضياء وهو البرق # وقد يكون من الأدخنة ما تكون الدهنية على مادتها أغلب فيشتعل فيصير شهابا ~~ثاقبا وهي الشهب # ومنها ما يحترق في الهواء فيتحجر فينزل حديدا أو حجرا # ومنها ما يحترق نارا فيدفعها دافع فينزل صاعقة # ومن المشتعلات ما يبقى فيه الاشتعال ووقف تحت كوكب ودارت به النار ~~الدائرة بدوران الفلك فكان ذنبا له # وربما كان عريضا فرئي كأنه لحية كوكب # وربما وقع على صقيل الظاهر من السحاب صور النيران وأضواؤها ( 2 \ 131 ) ~~كما يقع على المرائي والجدران الصقلية فيرى ذلك على أحوال مختلفة بحسب ~~اختلاف بعدها من النير وقربها وصفائها وكدورتها فيرى هالة وقوس قزح وشموس ~~وشهب والمجرة # وذكر أسباب كل واحد من هذه في كتابه المعروف " بالآثار العلوية والسماء ~~والعالم وغيرهما " # المسألة الرابعة عشرة : في النفس الإنسانية الناطقة واتصالها بالبدن : # قال : النفس الإنسانية ليست بجسم ولا قوة في جسم # وله في إثباتها مآخذ : # منها الاستدلال على وجودها بالحركات الإختيارية # ومنها الاستدلال عليها بالتصورات العلمية # أما الأول فقال : لا نشك أن الحيوان يتحرك إلى جهات مختلفة حركة اختيارية ~~إذ لو كانت حركاته طبيعية أو قسرية لتحرك إلى جهة واحدة لا تختلف البتة ~~فلما ms279 تحركت إلى جهات متضادة علم أن حركاته اختيارية والإنسان مع أنه مختار ~~في حركاته كالحيوان إلا أنه يتحرك لمصالح عقلية يراها في عاقبة كل أمر فلا ~~تصدر عنه حركاته إلا إلى غرض وكمال وهو في معرفته في عاقبة كل حال والحيوان ~~ليست حركاته بطبعه على هذا النهج فيجب أن يتميز الإنسان بنفس خاص كما تميز ~~الحيوان على سائر الموجودات بنفس خاص # وأما الثاني وهو المعول عليه قال : إنا لا نشك أن نعقل ونتصور أمرا ~~معقولا صرفا مثل المتصور من الإنسان أنه إنسان كلي يعم جميع أشخاص النوع ~~ومحل هذا المعقول جوهر ليس بجسم ولا قوة في جسم أو صورة لجسم فإنه إن كان جسما : # فإما أن يكون محل الصورة المعقولة منه طرفا منه لا ينقسم # أو جملته المنقسمة # وبطل أن يكون طرفا منه غير منقسم فإنه لو كان كذلك لكان المحل كالنقطة ~~التي لا تميز لها في الوضع عن الخط فإن الطرف نهاية الخط والنهاية لا يكون ~~لها نهاية أخرى وإلا تسلسل ( 2 \ 132 ) القول فيه فتكون النقط متشافعة ولكل ~~نهاية وذلك محال # وإن كان محل المعقول من الجسم شيئا ينقسم فيجب أن ينقسم المعقول بانقسام ~~محله ومن المعقولات ما لا ينقسم البتة فإن ما ينقسم يجب أن يكون شيئا ~~كالشكل والمقدار والإنسانية الكلية المتصورة في الذهن ليست كشكل قابل للقطع ~~ولا كمقدار قابل للفصل فتبين أن النفس ليست بجسم ولا قوة في جسم ولا صورة في جسم # المسألة الخامسة عشرة : في وجه اتصالها بالبدن ووقت اتصالها : # قال : إذا تحقق أنها ليست بجسم لم تتصل بالبدن اتصال انطباع فيه ولا حلول ~~فيه بل اتصلت به اتصال تدبير وتصرف وإنما حدثت مع حدوث البدن لا قبله ولا بعده # قال : لأنها لو كانت موجودة قبل وجود الأبدان لكانت إما متكثرة بذواتها ~~وإما متحدة # وبطل الأول فإن المتكثر : # إما أن يكون بالماهية والصورة وقد فرضناها متفقة في النوع لا اختلاف فيها ~~فلا تكثر ولا تحايز # وإما أن تكون متكثرة من جهة النسبة إلى ms280 العنصر والمادة المتكثرة بالأمكنة ~~والأزمنة وهذا محال أيضا فإنا إذا فرضناها قبل البدن ماهية مجردة لا نسبة ~~لها إلى مادة دون مادة وهي من حيث إنها ماهية لا اختلاف فيها وأن الأشياء ~~التي ذواتها معان تتكثر تنوعاتها بالحوامل والقوابل والمنفعلات عنها # وإذا كانت مجردة فمحال أن يكون بينها مغايرة ومكاثرة # ولعمري إنها تبقى بعد البدن متكثرة فإن الأنفس قد وجد كل منها ذاتا ~~منفردة باختلاف موادها التي كانت وباختلاف أزمنة حدوثها وباختلاف هيئات ~~وملكات حصلت عند الاتصال بالبدن فهي حادثة مع حدوث البدن تصيره نوعا كسائر ~~الفصول الذاتية وباقية بعد مفارقة البدن بعوارض معينة له لم توجد تلك ~~العوارض قبل اتصالها بالبدن وبهذا الدليل فارق أستاذه وفارق قدماءه # ( 2 \ 133 ) # وقد وجد في أثناء كلامه ما يدل على أنه يعتقد أن النفس كانت موجودة قبل ~~وجود الأبدان فحمل بعض مفسري كلامه قوله ذلك على أنه أراد به الفيض والصور ~~الموجودة بالقوة في واهب الصور كما يقال : إن النار موجودة في الحجر والشجر ~~أو الإنسان موجود في النطفة والنخلة موجودة في النواة والضياء موجود في الشمس # ومنهم من أجراه على ظاهره وحكم بالتمييز بين النفوس بالخواص التي لها ~~وقال : اختصت كل نفس إنسانية بخاصية لم يشاركها فيها غيرها فليست متفقة ~~بالنوع أعني النوع الأخير # ومنهم من حكم بالتمييز بالعوارض التي هي مهيأة نحوها وكما أنها تتمايز ~~بالأبدان والصنائع والأفعال واستعداد كل نفس لصنعة خاصة وعلم خاص فتنهض هذه ~~فصولا ذاتية أو عوارض لازمة لوجودها # المسألة السادسة عشرة : في بقائها بعد البدن وسعادتها في العالم العقلي : # قال : إن النفوس الإنسانية إذا استكملت قوتي العلم والعمل تشبهت بالإله ~~سبحانه وتعالى ووصلت إلى كمالها # وإنما هذا التشبه بقدر الطاقة يكون : # إما بحسب الاستعداد # وإما بحسب الاجتهاد # فإذا فارق البدن اتصل بالروحانيين وانخرط في سلك الملائكة المقربين ويتم ~~له الالتذاذ والابتهاج وليس كل اللذة فهي جسمانية فإن تلك اللذات لذات ~~نفسانية عقلية وهذه اللذة الجسمانية تنتهي إلى حد ويعرض للملتذ سآمة وكلال ~~وضعف وقصور إن ms281 تعدى عن الحد المحدود بخلاف اللذات العقلية فإنها حيثما ~~ازدادت ازداد الشوق والحرص والعشق إليها # وكذلك القول في الآلام النفسانية فإنها تقع بالضد مما ذكرنا # ولم يحقق المعاد إلا ( 2 \ 134 ) للأنفس ولم يثبت حشرا ولا نشرا ولا ~~انحلالا لهذا الرباط المحسوس من العالم ولا إبطالا لنظامه كما ذكره القدماء # فهذه نكت كلامه استخرجناها من مواضع مختلفة وأكثرها من شرح ثامسطيوس ~~وكلام الشيخ أبي علي بن سينا الذي يتعصب له وينصر مذهبه ولا يقول من ~~القدماء إلا به # وسنذكر طريقة ابن سينا عند ذكر فلاسفة الإسلام إن شاء الله تعالى # ونحن الآن ننقل كلمات حكمية لأصحاب أرسطوطاليس ومن نسج على منواله بعده ~~دون الآراء العلمية إذ لا خلاف بينهم في الآراء والعقائد # ووجدت كلمات وفصولا للحكيم أرسطوطاليس من كتب متفرقة فنقلتها على الوجه ~~الذي وجدت وإن كان في بعضها ما يدل على أن رأيه على خلاف ما نقله ثامسطيوس ~~واعتمده ابن سينا # ومنها في حدوث العالم قال : الأشياء المحمولة - أعني الصور المتضادة - ~~فليس يكون أحدهما من صاحبه بل يجب أن يكون بعد صاحبه فيتعاقبان على المادة ~~فقد بان أن الصورة تدثر وتبطل وإذا دثر معنى وجب أن يكون له بدء لأن الدثور ~~غاية وهو أحد الجانبين يدل على أن جائيا جاء به فقد صح أن الكون حادث لا من ~~شيء وأن الحامل لها غير ممتنع الذات من قبولها وحمله إياها - وهي ذات بدء ~~وغاية - يدل على أن حاملها ذو بدء وغاية وأنه حادث لا من شيء ويدل على محدث ~~لا بدء له ولا غاية لأن الدثور آخر والآخر ما كان له أول فلو كانت الجواهر ~~والصور لم يزالا فغير جائز استحالتهما لأن الاستحالة دثور الصورة التي بها ~~كان الشيء # وخروج الشيء من حد إلى حد ومن حال إلى حال يوجب دثور الكيفية وتردد ( 2 \ ~~135 ) المستحيل في الكون والفساد يدل على دثوره وحدوث أحواله يدل على ~~ابتدائه وابتداء جزئه يدل على بدء كله وواجب إن قبل بعض ما في العالم ms282 الكون ~~والفساد أن يكون كل العالم قابلا له وكان له بدء يقبل الفساد وآخر يستحيل ~~إلى كون فالبدء والغاية يدلان على المبدع # وقد سأل بعض الدهرية أرسطوطاليس وقال : إذا كان لم يزل ولا شيء غيره ثم ~~أحدث العالم فلم أحدثه ؟ # فقال له : لم غير جائزة عليه لأن لم تقتضي علة والعلة محمولة فيما هي علة ~~له من معل فوقه ولا علة فوقه وليس بمركب فتحتمل ذاته العلل فلم عنه منتفية ~~فإنما فعل ما فعل لأنه جواد # فقيل : فيجب أن يكون فاعلا لم يزل لأنه جوادا لم يزل # قال : معنى لم يزل : أن لا أول وفعل يقتضي أولا واجتماع ما لا أول له وذو ~~أول في القول والذات محال متناقض # قيل له : فهل يبطل هذا العالم ؟ # قال : نعم # قيل : فإذا أبطله بطل الجود # قال : سيبطله ليصوغ الصيغة التي لا تحتمل الفساد لأن هذه الصيغة تحتمل ~~الفساد . تم كلامه # ويعزى هذا الفصل إلى سقراطيس قاله لبقراطيس وهو بكلام القدماء أشبه # ومما نقل عن أرسطوطاليس تحديده العناصر الأربعة : # قال : الحار : ما خلط بعض ذوات الجنس ببعض وفرق بين بعض ذوات الجنس من بعض # وقال : البارد : ما جمع بين ذوات الجنس وغير ذوات الجنس لأن البرودة إذا ~~جمدت الماء حتى يصير جليدا اشتملت على الأجناس المختلفة من الماء والنبات وغيرها # قال : والرطب : العسير الانحصار من ذاته اليسير الانحصار من ذات غيره # واليابس : اليسير الانحصار من ذاته والعسير الانحصار من ذات غيره # والحدان الأولان يدلان على الفعل والآخران يدلان على الانفعال # ونقل أرسطوطاليس عن جماعة من الفلاسفة أن مبادئ الأشياء هي العناصر ~~الأربعة وعن بعضهم أن المبدأ الأول هو ظلمة وهاوية وفسره بقضاء وخلاء ~~وعماية وقد أثبت قوم من النصارى تلك الظلمة وسموها الظلمة الخارجة . ( 2 \ 136 ) # ومما خالف أرسطوطاليس أستاذه أفلاطون أن أفلاطون قال : من الناس من يكون ~~طبعه مهيأ لشيء لا يتعداه فخالفه وقال : إذا كان الطبع سليما صلح لكل شيء # وكان أفلاطون يعتقد أن النفوس الإنسانية أنواع يتهيأ كل نوع لشيء ما ms283 لا ~~يتعداه وأرسطوطاليس يعتقد أن النفوس الإنسانية نوع واحد وإذا تهيأ صنف لشيء ~~تهيأ له كل النوع والله الموفق PageV02P118 ### || AUTO 2 - حكم الإسكندر الرومي : PageV02P136 # وهو ذو القرنين الملك وليس هو المذكور في القرآن بل هو ابن فيلبوس الملك # وكان مولده في السنة الثالثة عشرة من ملك دارا الأكبر # سلمه أبوه إلى أرسطوطاليس الحكيم المقيم بمدينة إينياس فأقام عنده خمس ~~سنين يتعلم منه الحكمة والأدب حتى بلغ أحسن المبالغ ونال من الفلسفة ما لم ~~ينله سائر تلاميذه فاسترده والده حين استشعر من نفسه علة خاف منها فلما وصل ~~إليه جدد العهد له وأقبل عليه واستولت عليه العلة فتوفي واستقل الإسكندر ~~بأعباء الملك # فمن حكمه أنه سأله معلمه وهو في المكتب : إن أفضى إليك هذا الأمر يوما ما ~~فأين تضعني ؟ # قال : بحيث تضعك طاعتك في ذلك الوقت # وقيل له : إنك تعظم مؤدبك أكثر من تعظيمك والدك ؟ # قال : لأن أبي كان سبب حياتي الفانية ومؤدبي هو سبب حياتي الباقية # وفي رواية : لأن أبي كان سبب حياتي ومؤدبي سبب تجويد حياتي # وفي رواية : لأن أبي كان سبب كوني ومؤدبي كان سبب نطقي # وقال أبو زكريا الصيرمي : لو قيل لي هذا لقلت لأن أبي كان قضى وطرا ~~بالطبيعة التي اختلفت بالكون والفساد ومؤدبي أفادني العقل الذي به انطلقت ~~إلى ما ليس فيه كون ولا فساد # ( 2 \ 137 ) # وجلس الإسكندر يوما فلم يسأله أحد حاجة فقال لأصحابه : والله ما أعد هذا ~~اليوم من أيام عمري في ملكي # قيل : ولم أيها الملك ؟ # قال : لأن الملك لا يوجد التلذذ به إلا بالجود على السائل وإغاثة الملهوف ~~ومكافأة المحسن وإلا بإنالة الراغب وإسعاف الطالب # وكتب إليه أرسطوطاليس في كلام طويل : اجمع في سياستك بين بدار لا حدة فيه ~~وريث لا غفلة معه وامزج كل شكل بشكله حتى يزداد قوة وعزة عن ضده حتى يتميز ~~لك بصورته وصن وعدك عن الخلف فإنه شين وشب وعيدك بالعفو فإنه زين وكن عبدا ~~للحق فإن عبد الحق حر وليكن وكدك الإحسان إلى جميع ms284 الخلق ومن الإحسان وضع ~~الإساءة في موضعها وأظهر لأهلك أنك منهم ولأصحابك أنك بهم ولرعيتك أنك لهم # وتشاور الحكماء في أن يسجدوا له إجلالا وتعظيما فقال : لا سجود لغير بارئ ~~الكل بل يحق له السجود على من كساه بهجة الفضائل # وأغلظ له رجل من أهل أثينية فقام إليه بعض قواده ليقابله بالواجب # فقال له الإسكندر : دعه لا تنحط إلى دناءته ولكن ارفعه إلى شرفك # وقال الإسكندر : من كنت تحب الحياة لأجله فلا تستعظم الموت بسببه # وقيل له : إن " روشنك " امرأتك بنت دارا الملك وهي من أجمل النساء فلو ~~قربتها إلى نفسك # قال : أكره أن يقال : غلب الإسكندر دارا وغلبت " روشنك " الإسكندر # وقال : من الواجب على أهل الحكمة أن يسرعوا إلى قبول اعتذار المذنبين وأن ~~يبطئوا عن العقوبة # وقال : سلطان العقل على باطن العاقل أشد تحكما من سلطان السيف على ظاهر الأحمق # ( 2 \ 138 ) # وقال : ليس الموت بألم للنفس بل للجسد # وقال : الذي يريد أن ينظر إلى أفعال الله عز وجل مجردة فليعف عن الشهوات # وقال : إن نظم جميع ما في الأرض شبيهة بالنظم السماوي لأنها أمثال له بحق # وقال : العقل لا يألم في طلب معرفة الأشياء بل الجسد يألم ويسأم # وقال : النظر في المرآة يرى رسم الوجه وفي أقاويل الحكماء يرى رسم النفس # ووجدت في عضده صحيفة فيها : قلة الاسترسال إلى الدنيا أسلم والاتكال على ~~القدر أروح وعند حسن الظن تقر العين ولا ينفع مما هو واقع التوقي # وقال بعضهم عنه : إنه أخذ يوما تفاحة فقال : ما ألطف قبول هذه الهيولى ~~الشخصية لصورتها وانفعالها لما تؤثر الطبيعة فيها من الأصباغ الروحانية من ~~تركيب بسيط وبسيط مركب حسب تمثيل النفس لها كل ذلك دليل على إبداع مبدع ~~الكل وإله الكل # ولو قيل : وألطف منها قبول هذه النفس الإنسانية لصورتها العقلية ~~وانفعالها لما تؤثر النفس الكلية فيها من العلوم الروحانية من تركيب بسيط ~~وبسيط مركب حسب تمثيل العقل لها وكل ذلك دليل على إبداع مبدع الكل وإله الكل # وسأله أطوسايس الكلبي أن ms285 يعطيه ثلاث حبات # فقال الإسكندر : ليست هذه عطية ملك # فقال الكلبي : أعطني مائة رطل من الذهب # فقال : ولا هذه مسألة كلبي # وقال بعضهم : كنا عند شبر المنجم إذ وصل إلينا الإسكندر الملك فأقامنا في ~~جوف الليل وأدخلنا بستانا له ليرينا النجوم فجعل شبر يشير إليها بيده ويسير ~~حتى سقط في بئر فقال : من تعاطى علم ما فوقه بلي بجهل ما تحته # ( 2 \ 139 ) # وقال : السعيد من لا يعرفنا ولا نعرفه لأنا إذا عرفناه أطلنا يومه وأطرنا نومه # وقال : استقلل كثير ما تعطي واستكثر قليل ما تأخذ فإن قرة عين الكريم ~~فيما يعطي ومسرة اللئيم فيما يأخذ ولا تجعل الشحيح أمينا ولا الكذاب صفيا ~~فإنه لا عفة مع شح ولا أمانة مع كذب # وقال : الظفر بالحزم والحزم بإجالة الرأي وإجالة الرأي بتحصين الأسرار # ولما توفي الإسكندر برومية المدائن وضعوه في تابوت من ذهب وحملوه إلى ~~الإسكندرية وكان قد عاش اثنتين وثلاثين سنة وملك اثنتي عشرة سنة وندب جماعة ~~من الحكماء لندبته # فقال بليموس : هذا يوم عظيم العبرة أقبل من شره ما كان مدبرا وأدبر من ~~خيره ما كان مقبلا فمن كان باكيا على من قد زال ملكه فليبكه # وقال ميلاطوس : خرجنا إلى الدنيا جاهلين وأقمنا فيها غافلين وفارقناها كارهين # وقال زينون الأصغر : يا عظيم الشأن ما كنت إلا ظل سحاب اضمحل لما أظل فما ~~تحس لملكك أثرا ولا تعرف له خبرا # وقال أفلاطن الثاني : أيها الساعي المغتصب جمعت ما خذلك وتوليت ما تولى ~~عنك فلزمتك أوزاره وعاد على غيرك مهنؤه وثماره # وقال فوطس : ألا تتعجبون ممن لم يعظنا اختيارا حتى وعظنا بنفسه اضطرارا # وقال مسطورس : قد كنا بالأمس نقدر على الاستماع ولا نقدر على القول ~~واليوم نقدر على القول فهل نقدر على الاستماع ؟ # وقال ثاون : انظروا إلى حلم النائم كيف انقضى وإلى ظل الغمام كيف انجلى # وقال سوس : كم قد أمات هذا الشخص لئلا يموت فمات فكيف لم يدفع الموت عن ~~نفسه بالموت ؟ # وقال حكيم : طوى الأرض العريضة فلم يقنع حتى ms286 طوى منها في ذراعين # ( 2 \ 140 ) # وقال آخر : ما سافر الإسكندر سفرا بلا أعوان ولا آلة ولا عدة غير سفره هذا # وقال آخر : ما أرغبنا فيما فارقت وأغفلنا عما عانيت # وقال آخر : لم يؤدبنا بكلامه كما أدبنا بسكوته # وقال آخر : من ير هذا الشخص فليتق وليعلم أن الديون هكذا قضاؤها # وقال آخر : قد كان بالأمس طلعته علينا حياة واليوم النظر إليهم سقيم # وقال آخر : قد كان يسأل عما قبله ولا يسأل عما بعده # وقال آخر : من شدة حرصه على الارتفاع انحط كله # وقال آخر : الآن تضطرب الأقاليم لأن مسكنها قد سكن # وقال آخر : الآن وقت الانصراف لأن الأشخاص يتوجهون من دار إلى دار والله ~~تعالى يبقى ولا يفنى PageV02P136 ### || AUTO 3 - حكم ديوجانس الكلبي : PageV02P140 # وكان حكيما فاضلا متقشفا لا يقتني شيئا ولا يأوي إلى منزل # وكأنه من قدرية الفلاسفة لما يوجد في مدارج كلامه من الميل إلى القدر # قال : ليس الله تعالى علة الشرور بل الله تعالى علة الخيرات والفضائل ~~والجود والعقل جعلها بين خلقه فمن كسبها وتمسك بها نالها لأنه لا يدرك ~~الخيرات إلا بها # وسأله الإسكندر يوما فقال : بأي شيء يكتسب الثواب ؟ # قال : بأفعال الخيرات وإنك لتقدر أيها الملك أن تكتسب في يوم واحد ما لا ~~تقدر الرعية أن تكسبه في دهرها # وسأله عصبة من أهل الجهل : ما غذاؤك ؟ # قال : ما عفتم يعني الحكمة # قالوا : فما عفت ؟ # قال : مااستطبتم يعني الجهل # قالوا : كم عبدا لك ؟ # قال : أربابكم يعني الغضب والشهوة والأخلاق الرديئة الناشئة منهما # وقال له يوما : ما أقبح صورتك # قال : لم أملك الخلقة الذميمة فألام عليها ( 2 \ 141 ) ولا ملكتم الخلقة ~~الحسنة فتحمدوا عليها وأما ما صار في ملكي وأتى عليه تدبيري فقد استكملت ~~تزيينه وتحسينه بغاية الطوق وقاصية الجهد واستكملتم شين ما في ملككم # قالوا : فما الذي في الملك من التزيين والتهجين ؟ # قال : # أما التزيين : فعمارة الذهن بالحكمة وجلاء العقل بالأدب وقمع الشهوة ~~بالعفاف وردع الغضب بالحلم وقطع الحرص بالقنوع وإماتة الحسد بالزهد وتذليل ~~المرح بالسكون ورياضة ms287 النفس حتى تصير مطية قد ارتاضت فتصرفت حيث صرفها ~~فأرسها في طلب العليات وهجر الدنيات # ومن التهجين : تعطيل الذهن من الحكمة وتوسيخ العقل بضياع الأدب وإثارة ~~الشهوة باتباع الهوى وإضرام الغضب بالانتقام وإمداد الحرص بالطلب # وقدم إليه رجل طعاما وقال له : استكثر منه # فقال : عليك بتقديم الأكل وعلينا باستعمال العدل # وقال : زمام العافية بيد البلاء ورأس السلامة تحت جناح العطب وباب الأمن ~~مستور بالخوف فلا تكونن في حال من هذه الثلاث غير متوقع لضدها # وقيل له : مالك لا تغضب ؟ # قال : أما غضب الإنسانية فقد أغضبه وأما غضب البهيمية فقد تركته لترك ~~الشهوة البهيمية # واستدعاه الملك الإسكندر يوما إلى مجلسه فقال للرسول : قل له : إن الذي ~~منعك من المصير إلينا هو الذي منعنا من المصير إليك منعك استغناؤك عني ~~بسلطانك ومنعني استغنائي عنك بقناعتي # وعابته امرأة يونانية بقبح الوجه ودمامة الصورة فقال : منظر الرجال بعد ~~المخبر ومخبر النساء بعد المنظر فخجلت وتابت # ووقف عليه الإسكندر يوما فقال له : ما تخافي ؟ # قال : أنت خير أم شرير ؟ # قال : بل خير # قال : فما لخوفي من الخير معنى بل يجب علي رجاؤه # وكان لأهل مدينة من بلاد يونان صاحب جيش جبان وطبيب لم يعالج أحدا إلا ( ~~2 \ 142 ) قتله فظهر عليهم عدو ففزعوا إليه فقال : اجعلوا طبيبكم صاحب لقاء ~~العدو واجعلوا صاحب جيشكم طبيبكم # وقال : اعلم أنك ميت لا محالة فاجتهد أن تكون حيا بعد موتك لئلا تكون ~~لميتتك ميتة ثانية # وقال : كما أن الأجسام تعظم في العين في اليوم الضباب كذلك تعظم الذنوب ~~عند الإنسان في حال الغضب # وسئل عن العشق فقال : هو اختيار صادف نفسا فارغة # ورأى غلاما معه سراج فقال له : تعلم من أين تجيء هذه النار ؟ # فقال له الغلام : إن أخبرتني إلى أين تذهب أخبرتك من أين تجيء # فأعياه وأفحمه بعد أن لم يكن يقوى عليه أحد # ورأى امرأة قد حملها الماء فقال : على هذا المعنى جرى المثل : دع الشر ~~يغسله الشر # ورأى امرأة تحمل نارا فقال : نار على نار وحامل ms288 شر من محمول # ورأى امرأة متزينة في ملعب فقال : لم تخرج لترى ولكن لترى # ورأى نساء يتشاورن فقال : على هذا جرى المثل : هو ذا الثعبان يستقرض من ~~الأفاعي سما # ورأى جارية تتعلم الكتابة فقال : يسقى هذا السهم سما ليرمى به يوما ما # ورأى امرأة ضاحكة فقال : لو كنت تدرين الموت لما كنت ضاحكة أبدا # وقال للإسكندر يوما - وكان يقربه ويدنيه ويأنس بكلامه - : أيها الملك قد ~~أمنت الفقر فليكن غناك اقتناء الحمد وابتغاء المجد # ( 2 \ 143 ) PageV02P140 ### || AUTO 4 - حكم الشيخ اليوناني : PageV02P143 # وله رموز وأمثال : # منها قوله : إن أمك رءوم ولكنها فقيرة رعناء وإن أباك لحدث سكنه جواد مقدر # يعني بالأم : الهيولى # وبالأب : الصورة # وبالرءوم : انقيادها # وبالفقر : احتياجها إلى الصورة # وبالرعونة : قلة ثباتها على ما تحصل عليه # وأما حداثة الصورة : أي هي مشرقة لك بملابسة الهيولى # وأما وجودها : أي النقص لا يعتريها من قبل ذاتها فإنها جواد لكن من قبل ~~قبول الهيولى فإنها إنما تقبل على تقديرها وهذا ما فسر به رمزه ولغزه # وحمل الأم على الهيولى صحيح مطابق للمعنى وليس حمل الأب على الصورة بذلك ~~الوضوح بل حمله على العقل الفعال الجواد الواهب للصور على قدر استعدادات ~~القوابل أظهر # وقال : لك نسبان : نسب إلى أبيك ونسب إلى أمك أنت بأحدهما أشرف وبالآخر ~~أوضع فانتسب في ظاهرك وباطنك إلى من أنت به أشرف وتبرأ في باطنك وظاهرك ممن ~~أنت به أوضع فإن الولد الفسل يحب أمه أكثر مما يحب أباه وذلك دليل على دخل ~~العرق وفساد المحتد # قيل : أراد بذلك الهيولى والصورة أو البدن والنفس أو الهيولى والعقل الفعال # وقال : قد ارتفع إليك خصمان منك يتنازعان فيك : أحدهما محق والآخر مبطل ~~فاحذر أن تقضي بينهما بغير الحق فتهلك أنت # والخصمان : # أحدهما : العقل # والثاني : الطبيعة # وقال : كما أن البدن الخالي من النفس يفوح منه نتن الجيفة كذلك النفس ~~الخالية من الأدب يحس نقصها بالكلام والأفعال # وقال : الغائب المطلوب في طي الشاهد الحاضر # وقال أبو سليمان السجزي : مفهوم ( 2 \ 144 ) هذا الإطلاق أن كل ms289 ما هو ~~عندنا بالحس ههنا فهو بالعقل لنا هناك إلا أن الذي عندنا ظل ذاك ولأن من ~~شأن الظل أنه كما يريك الشيء الذي هو ظله مرة فاضلا عما هو عليه ومرة قالصا ~~عما هو به ومرة على قدره عرض الحسبان والتوهم وصارا مزاحمين لليقين ~~والتحقيق فينبغي أن تكون عنايتنا بطلب البقاء الأبدي والوجود السرمدي أتم ~~وأظهر وأبقى وأبلغ فبالحق ما كان الغائب طي الشاهد وبتصفح هذا الشاهد يصح ~~ذلك الغائب # وقال الشيخ اليوناني : النفس جوهر كريم شريف يشبه دائرة قد دارت على ~~مركزها غير أنها دائرة لا بعد لها ومركزها هو العقل # وكذلك العقل هو كدائرة قد استدارت على مركزها وهو الخير الأول المحض # غير أن النفس والعقل وإن كانا دائرتين لكن دائرة العقل لا تتحرك أبدا بل ~~هي ساكنة ذاتية شبيهة بمركزها # وأما دائرة النفس فإنها تتحرك على مركزها - وهو العقل - حركة الاستكمال # على أن دائرة العقل وإن كانت دائرة شبيهة بمركزها لكنها تتحرك حركة ~~الاشتياق لأنها تشتاق إلى مركزها وهو الخير الأول # وأما دائرة العالم السفلي فإنها تدور حول النفس وإليها تشتاق وإنها تتحرك ~~بهذه الحركة الذاتية شوقا إلى النفس كشوق النفس إلى العقل وشوق العقل إلى ~~الخير المحض الأول ولأن دائرة هذا العالم جرم والجرم يشتاق إلى الشيء ~~الخارج منه ويحرص على أن يصير إليه فيعانقه فلذلك يتحرك الجرم الأقصى ~~الشريف حركة مستديرة لأنه يطلب النفس من جميع النواحي لينالها فيستريح ~~إليها ويسكن عندها # وقال : ليس للمبدع الأول تعالى صورة ولا حلية مثل صور الأشياء العالية ~~ولا مثل صور الأشياء السافلة ولا له قوة مثل قواها لكنه فوق كل صورة وحلية ~~وقوة لأنه مبدعها بتوسط العقل # وقال : المبدع الحق ليس شيئا من الأشياء وهو جميع الأشياء لأن الأشياء ~~منه وقد صدق الأفاضل الأوائل في قولهم : مالك الأشياء كلها هو الأشياء كلها ~~إذ هو علة ( 2 \ 145 ) كونها بآنيته فقط وعلة شوقها إليه وهو خلاف الأشياء ~~كلها وليس فيه شيء مما أبدعه ولا يشبه شيئا منه ولو ms290 كان كذلك لما كان علة ~~الأشياء كلها وإذا كان العقل واحدا من الأشياء فليس فيه عقل ولا صورة ولا حلية # أبدع الأشياء بآنيته فقط وبآنيته يعلمها ويحفظها ويدبرها لا بصفة من ~~الصفات وإنما وصفناه بالحسنات والفضائل لأنه علتها وأنه الذي جعلها في ~~الصور فهو مبدعها # قال : وإنما تفاضلت الجواهر العالية العقلية لاختلاف قبولها من النور ~~الأول جل وعز فلذلك صارت ذوات مراتب شتى فمنها ما هو أول في المرتبة ومنها ~~ما هو ثان ومنها ما هو ثالث فاختلفت الأشياء بالمراتب والفصول لا بالمواضع ~~والأماكن وكذلك الحواس تختلف بأماكنها على أنها القوى الحاسة فإنها مما لا ~~يفترق بمفارقة الآلة # وقال : المبدع ليس بمتناه لا كأنه جثة بسيطة وإنما عظم جوهره بالقوة ~~والقدرة لا بالكمية والمقدار فليس للأول صورة ولا حلية ولا شكل فلذلك صار ~~محبوبا معشوقا تشتاقه الصور العالية والسافلة وإنما اشتاقت إليه جميع ~~الأشياء لأنه أبدعها وكساها من وجوده حلية الوجود # وهو قديم دائم على حاله لا يتغير والعاشق يحرص على أن يصير إليه ويكون ~~معه وللمعشوق الأول عشاق كثيرون وقد يفيض عليهم كلهم من نوره من غير أن ~~ينقص منه شيء لأنه ثابت قائم بذاته لا يتحرك # وأما المنطق الجزئي فإنه لا يعرف الشيء إلا معرفة جزئية وشوق العقل الأول ~~إلى المبدع الأول أشد من شوق سائر الأشياء لأن الأشياء كلها تحته وإذا ~~اشتاق إليه العقل لم يقل للعقل : لم صرت مشتاقا إلى الأول إذ العشق لا علة له # وأما المنطق الذي يختص بالنفس فيفحص عن ذلك ويقول : إن الأول هو المبدع ( ~~2 \ 146 ) الحق وهو الذي لا صورة له وهو مبدع الصور فالصور كلها تحتاج إليه ~~وتشتاق إليه وذلك أن كل صورة تطلب مصورها وتحن إليه # وقال : إن الفاعل الأول أبدع الأشياء كلها بغاية الحكمة لا يقدر أحد أن ~~ينال علل كونها ولم كانت على الحال التي هي الآن عليها ولا أن يعرفها كنه ~~معرفتها ولم صارت الأرض في الوسط ولم كانت مستديرة ولم تكن مستطيلة ولا ~~منحرفة ms291 إلا أن يقول : إن الباري صيرها كذلك وإنما كانت بغاية الحكمة ~~الواسعة لكل حكمة # وكل فاعل يفعل بروية وفكرة لا بآنيته فقط بل يفصل فيه فلذلك يكون فعله لا ~~بغاية الثقافة والإحكام والفاعل الأول لا يحتاج في إبداع الأشياء إلى روية ~~وفكر وذلك أنه ينال العلل بلا قياس بل يبدع الأشياء ويعلم عللها قبل الروية والفكر # والعلل والبرهان والعلم والقنوع وسائر ما أشبه ذلك إنما كانت أجزاء وهو ~~الذي أبدعها وكيف يستعين بها وهي لم تكن بعد ؟ PageV02P143 ### || AUTO 5 - حكم ثاوفرسطيس : PageV02P146 # كان هذا الرجل من كبار تلامذة أرسطوطاليس وكبار أصحابه # واستخلفه على كرسي حكمته بعد وفاته وكانت المتفلسفة في عهده تختلف إليه ~~وتقتبس منه وله كتب الشروح الكثيرة والتصانيف المعتبرة وبالخصوص في ~~الموسيقات # فما يؤثر عنه أنه قال : الإلهية لا تتحرك ومعناه لا تتغير ولا تتبدل لا ~~في الذات ولا في سنة الأفعال # وقال : السماء مسكن الكواكب والأرض مسكن الناس على أنهم مثل وشبه لما في ~~السماء فهم الآباء والمدبرون ولهم نفوس وعقول ليس لها أنفس نباتية فلذلك لا ~~تقبل الزيادة ولا النقصان # ( 2 \ 147 ) # وقال : الغناء فضيلة في المنطق أشكلت على النفس وقصرت عن تبيين كنهها ~~فأبرزتها لحونا وأثارت بها شجونا وأضمرت في عرضها فنونا وفتونا # وقال : الغناء شيء يخص النفس دون الجسد فيشغلها عن مصالحها كما أن لذة ~~المأكول والمشروب شيء يخص الجسم دون النفس # وقال : إن النفوس إلى اللحون إذا كانت محجبة أشد إصغاء منها إلى ما قد ~~تبين لها وظهر معناه عندها # وقال : إن العقل نحوان : أحدهما مطبوع والآخر مسموع # فالمطبوع منه : كالأرض # والمسموع منه : كالبذر والماء # فلا يخلص للعقل المطبوع عمل دون أن يرد عليه العقل المسموع فينبهه من ~~نومه ويطلقه من وثاقه ويقلقله من مكانه كما يستخرج البذر والماء ما في قعر الأرض # وقال : الحكمة غنى النفس والمال غنى البدن وطلب غنى النفس أولى لأنها إذا ~~غنيت بقيت والبدن إذا غني فني وغنى النفس ممدود وغنى البدن محدود # وقال : ينبغي للعاقل أن يداري الزمان ms292 مداراة رجل لا يسبح في الماء الجاري ~~إذا وقع # وقال : لا يغبطن بسلطان من غير عدل ولا بغنى من غير حسن تدبير ولا ببلاغة ~~من غير صدق منطق ولا بجود في غير إصابة موضع ولا بأدب من غير أصالة رأي ولا ~~بحسن عمل في غير حينه # ( 2 \ 148 ) PageV02P146 ### || AUTO 6 - شبه برقلس في قدم العالم : PageV02P148 # إن القول في قدم العالم وأزلية الحركات بعد إثبات الصانع والقول بالعلة ~~الأولى إنما شهر بعد أرسطوطاليس لأنه خالف القدماء صريحا وأبدع هذه المقالة ~~على قياسات ظنها حجة وبرهانا # فنسج على منواله من كان من تلامذته وصرحوا القول فيه : مثل الإسكندر ~~الأفروديسي وثامسطيوس وفورفوريوس # وصنف فورقلس - المنتسب إلى أفلاطون - في هذه المسألة كتابا وأورد فيه هذه ~~الشبه وإلا فالقدماء إنما أبدوا فيه ما نقلناه سالفا # الشبهة الأولى : قال : إن الباري تعالى جواد بذاته وعلة وجود العالم جوده ~~وجوده قديم لم يزل فيلزم أن يكون وجود العالم قديما لم يزل # قال : ولا يجوز أن يكون مرة جوادا ومرة غير جواد فإنه يوجب التغير في ~~ذاته فهو جواد لذاته لم يزل # قال : ولا مانع من فيض جوده إذ لو كان مانع لما كان من ذاته بل من غيره ~~وليس لواجب الوجود لذاته حامل على شيء ولا مانع من شيء # الشبهة الثانية : قال : ليس يخلو الصانع من أن يكون : لم يزل صانعا ~~بالفعل أو لم يزل صانعا بالقوة أي يقدر أن يفعل ولا يفعل # فإن كان الأول فالمصنوع معلول لم يزل # وإن كان الثاني فما بالقوة لا يخرج إلى الفعل إلا بمخرج ومخرج الشيء من ~~القوة إلى الفعل غير ذات الشيء فيجب أن يكون له مخرج من خارج يؤثر فيه وذلك ~~ينافي كونه صانعا مطلقا لا يتغير ولا يتأثر # الشبهة الثالثة : قال : كل علة لا يجوز عليها التحرك والاستحالة فإنما ~~تكون علة من جهة ذاتها لا من جهة الانتقال من غير فعل إلى فعل وكل علة من ~~جهة ذاتها فمعلولها من جهة ذاتها وإذا كانت ذاتها لم تزل ms293 فمعلولها لم يزل # ( 2 \ 149 ) # الشبهة الرابعة : قال : إن الزمان لا يكون موجودا إلا مع الفلك ولا الفلك ~~إلا مع الزمان لأن الزمان هو العاد لحركات الفلك # ثم لا يجوز أن يقال : متى وقبل إلا حين يكون الزمان ومتى وقبل أبدى ~~فالزمان أبدى فحركات الفلك أبدية فالفلك أبدي # الشبهة الخامسة : قال : إن العالم حسن النظام كامل القوام وصانعه جواد ~~خير ولا ينقص الجيد الحسن إلا شرير وصانعه ليس بشرير وليس يقدر على نقضه ~~غيره فليس ينتقض أبدا وما لا ينتقض أبدا كان سرمدا # الشبهة السادسة : قال : لما كان الكائن لا يفسد إلا بشيء غريب يعرض له ~~ولم يكن شيء غريب عن العالم خارجا منه يجوز أن يعرض فيفسد ثبت أنه لا يفسد ~~وما لا يتطرق إليه الفساد لا يتطرق إليه الكون والحدوث فإن كل كائن فاسد # الشبهة السابعة : قال : إن الأشياء التي هي في المكان الطبيعي لا تتغير ~~ولا تتكون ولا تفسد وإنما تتغير وتتكون وتفسد إذا كانت في أماكن غريبة ~~فتتجاذب إلى أماكنها كالنار التي في أجسادنا تحاول الانفصال إلى مركزها ~~فينحل الرباط فيفسد إذ الكون والفساد إنما يتطرق إلى المركبات لا إلى ~~البسائط التي هي أركان في أماكنها ولكنها هي بحالة واحدة وما هو بحال واحدة ~~فهو أزلي # الشبهة الثامنة : قال : العقل والنفس والأفلاك تتحرك على الاستدارة ~~والطبائع تتحرك : إما عن الوسط وإما إلى الوسط على الاستقامة وإذا كان كذلك ~~كان التفاسد في العناصر إنما هو لتضاد حركاتها والحركة الدورية لا ضد لها ~~فلم يقع فيها فساد # قال : وكليات العناصر إنما تتحرك على استدارة وإن كانت الأجزاء منها ~~تتحرك على الاستقامة فالفلك وكليات العناصر لا تفسد وإذا لم يجز أن يفسد ~~العالم لم يجز أن يتكون # وهذه الشبهات هي التي يمكن أن يقال عنها فتنقض وفي كل واحدة منها نوع ~~مغالطة وأكثرها تحكمات وقد أفردت لها كتابا أوردت فيه شبهات أرسطوطاليس ( 2 ~~\ 150 ) وهذه تقريرات أبي علي بن سينا ونقضها على قوانين منطقية فليطلب ذلك # ومن المتعصبين لبرقلس ms294 من مهد له عذرا في ذكر هذه الشبهات وقال : إنه كان ~~يناطق الناس منطقين : # أحدهما : روحاني بسيط # والآخر : جسماني مركب # وكان أهل زمانه الذين يناطقونه جسمانيين وإنما دعاه إلى ذكر هذه الأقوال ~~مقاومتهم إياه فخرج من طريق الحكمة والفلسفة من هذه الجهة لأن من الواجب ~~على الحكيم أن يظهر العلم على طرق كثيرة يتصرف فيها كل ناظر بحسب نظره ~~ويستفيد منها بحسب فكره واستعداده فلا يجدوا على قوله مسلخا ولا يصبوا ~~مقالا ولا مطعنا لأن برقلس لما كان يقول بدهر هذا العالم وأنه باق لا يدثر ~~وضع كتابا في هذا المعنى فطالعه من لم يعرف طريقته ففهموا منه جسمانية قوله ~~دون روحانيته فنقضوه على مذهب الدهرية # وفي هذا الكتاب يقول : لما اتصلت العوالم بعضها ببعض وحدثت القوى الواصلة ~~فيها وحدثت المركبات من العناصر حدثت قشور واستنبطت لبوب فالقشور دائرة ~~واللبوب قائمة دائمة لا يجوز الفساد عليها أنها بسيطة وحيدة القوى # فانقسم العالم إلى عالمين : عالم الصفوة واللب وعالم الكدورة والقشر ~~فاتصل بعضه ببعض وكان آخر هذا العالم من بدء ذلك العالم فمن وجه لم يكن ~~بينهما فرق فلم يكن هذا العالم داثرا إذ كان متصلا بما ليس يدثر ومن وجه ~~دثرت القشور وزالت الكدرة وكيف تكون القشور غير داثرة ولا مضمحلة ؟ وما لم ~~تزل القشور باقية كانت اللبوب خافية وأيضا فإن هذا العالم مركب والعالم ~~الأعلى بسيط وكل مركب ينحل حتى يرجع إلى البسيط الذي تركب منه وكل بسيط باق ~~دائما غير مضمحل ولا متغير # قال الذي يذب عن برقلس : هذا الذي نقل عنه هو المنقول عن مثله بل الذي ~~أضاف إليه هذا القول الأول لا يخلو من أحد أمرين : # إما أنه لم يقف على مرامه للعلة التي ذكرنا فيما سلف # وإما لأنه كان محسودا عند أهل زمانه لكونه بسيط الفكر واسع النظر ساير ~~القوى وكانوا أولئك أصحاب أوهام وخيالات # فإنه يقول في موضع من ( 2 \ 151 ) كتابه : إن الأوائل منها تكونت العوالم ~~وهي باقية لا تدثر ولا تضمحل وهي ms295 لازمة الدهر ماسكة له إلا أنها من أول ~~واحد لا يوصف بصفة ولا يدرك بنعت ونطق لأن صور الأشياء كلها منه وتحته وهي ~~الغاية والمنتهى التي ليس فوقها جوهر هو أعظم منها إلا الأول الواحد وهو ~~الأحد الذي قوته أخرجت هذه الأوائل وقدرته أبدعت هذه المبادئ # وقال أيضا : إن الحق لا يحتاج إلى أن يعرف ذاته لأنه حق حقا بلا حق وكل ~~حق حقا فهو تحته إنما هو حق حقا إذ حققه الموجب له الحق فالحق هو الجوهر ~~الممد للطباع الحياة والبقاء وهو أفاد هذا العالم بدءا وبقاء بعد دثور ~~قشوره وزكى البسيط الباطن من الدنس الذي كان فيه قد علق به # وقال : إن هذا العالم إذا اضمحلت قشوره وذهب دنسه وصار بسيطا روحانيا بقي ~~بما فيه من الجواهر الصافية النورانية في حد المراتب الروحانية مثل العوالم ~~العلوية التي بلا نهاية وكان هذا واحدا منها # وبقي جوهر كل قشر ودنس وخبث ويكون له أهل يلبسه لأنه غير جائز أن تكون ~~الأنفس الطاهرة التي لا تلبس الأدناس والقشور مع الأنفس الكثيرة القشور في ~~عالم واحد وإنما يذهب من هذا العالم ما ليس من جهة المتوسطات الروحانية وما ~~كان القشر والدنس عليه أغلب فأما ما كان من الباري تعالى بلا متوسط أو كان ~~من متوسط بلا قشر فإنه لا يضمحل # قال : وإنما يدخل القشر على الشيء من غير المتوسطات فيدخل عليه بالعرض لا ~~بالذات وذلك إذا كثرت المتوسطات وبعد الشيء عن الإبداع الأول لأنه حيثما ~~قلت المتوسطات في الشيء كان أنور وأقل قشورا ودنسا # وكلما قلت القشور والدنس كانت الجواهر أصفى والأشياء أرقى # ومما ينقل عن برقلس أنه قال : إن الباري تعالى عالم بالأشياء كلها : ~~أجناسها وأنواعها وأشخاصها # وخالف بذلك أرسطوطاليس فإنه قال : يعلم أجناسها وأنواعها دون أشخاصها ~~الكائنة الفاسدة فإن علمه يتعلق بالكليات دون الجزئيات كما ذكرنا # ( 2 \ 152 ) # ومما ينقل عنه في قدم العالم قوله : لن يتوهم حدوث العالم إلا بعد أن ~~يتوهم أنه لم يكن فأبدعه الباري تعالى في ms296 الحالة التي لم يكن وفي الحالة ~~التي لم يكن لا يخلو من حالات ثلاث : # إما أن الباري لم يكن قادرا فصار قادرا وذلك محال لأنه قادر لم يزل # وإما أنه لم يرد فأراد وذلك محال أيضا لأنه مريد لم يزل # وإما أنه لم تقتض الحكمة وجوده وذلك محال أيضا لأن الوجود أشرف من العدم ~~على الإطلاق # فإذا بطلت هذه الجهات الثلاث تشابها في الصفة الخاصة وهي القدم على أصل ~~المتكلم وكان القدم بالذات له دون غيره وإن كانا معا في الوجود والله الموفق PageV02P148 ### || AUTO 7 - رأي ثامسطيوس : PageV02P152 # وهو الشارح لكلام الحكيم أرسطوطاليس وإنما يعتمد شرحه إذ كان أهدى القوم ~~إلى إشاراته ورموزه وهو على رأي أرسطوطاليس في جميع ما ذكرنا من إثبات ~~العلة الأولى # واختار من المذاهب في المبادئ قول من قال : إن المبادئ ثلاثة : الصورة ~~والهيولى والعدم # وفرق بين العدم المطلق والعدم الخاص فإن عدم صورة بعينها عن مادة تقبلها ~~مثل عدم السيفية عن الحديد ليس كعدم السيفية عن الصوف فإن هذه المادة لا ~~تقبل هذه الصورة أصلا # وقال : إن الأفلاك حصلت من العناصر الأربعة لا أن العناصر حصلت من ~~الأفلاك ففيها نارية وهوائية ومائية وأرضية إلا أن الغالب على الأفلاك هو ~~النارية كما أن الغالب على المركبات السفلية هو الأرضية # والكواكب نيران مشتعلة حصلت تراكيبها على وجه لا يتطرق إليها الانحلال ~~لأنها لا تقبل الكون والفساد والتغير والاستحالة وإلا فالطبائع واحدة ~~والفرق يرجع إلى ما ذكرنا # ( 2 \ 153 ) # ونقل ثامسطيوس عن أرسطوطاليس وثاون وأفلاطون وثاوفرسطيس وفرفوريوس ~~وفلوطرخيس وهو رأيه : أن في العالم أجمع طبيعة واحدة عامة وكل نوع من أنواع ~~النبات والحيوان مختص بطبيعة خاصة # وحدوا الطبيعة العامة بأنها مبدأ الحركات في الأشياء والسكون فيها على ~~الأمر الأول من ذواتها وهي علة الحركة في المتحركات وعلة السكون في ~~الساكنات # وزعموا أن الطبيعة هي التي تدبر الأشياء كلها في العالم حيوانه ونباته ~~ومواته تدبيرا طبيعيا وليست هي حية ولا قادرة ولا مختارة ولكن لا تفعل إلا ~~حكمة وصوابا وعلى ms297 نظم صحيح وترتيب محكم # قال ثامسطيوس : قال أرسطوطاليس في مقالة اللام : إن الطبيعة تفعل ما تفعل ~~من الحكمة والصواب وإن لم تكن حيوانا لأنها ألهمت من سبب هو أكرم منها ~~وأومأ إلى أن السبب هو الله عز وجل # وقال أيضا : إن الطبيعة طبيعتان : # طبيعة هي مستعلية على الكون والفساد بكليتها وجزئيتها يعني الفلك ~~والنهيرات # وطبيعة يلحق جزئياتها الكون والفساد لا كلياتها يريد بالجزئيات الأشخاص ~~وبالكليات الأسطقسات PageV02P152 ### || AUTO 8 - رأي الإسكندر الأفروديسي : PageV02P153 # وهو من كبار الحكماء رأيا وعلما وكلامه أمتن ومقالته أرصن # وافق أرسطوطاليس في جميع آرائه وزاد عليه في الاحتجاج على أن الباري ~~تعالى عالم بالأشياء كلها كلياتها وجزئياتها على نسق واحد وهو عالم بما كان ~~وبما سيكون ولا يتغير علمه بتغير المعلوم ولا يتكثر بتكثره # ومما انفرد به أن قال : كل كوكب ذو نفس وطبع وحركة من جهة نفسه وطبعه ولا ~~يقبل التحريك من غيره أصلا بل إنما يتحرك بطبعه واختياره إلا أن حركاته لا ~~تختلف أبدا لأنها دورية # ( 2 \ 154 ) # وقال : لما كان الفلك محيطا بما دونه وكان الزمان جاريا عليه لأن الزمان ~~هو العاد للحركات أو هو عدد الحركات # ولما لم يكن يحيط بالفلك شيء آخر ولا كان الزمان جاريا عليه لم يجز أن ~~يفسد الفلك ويكون فلم يكن قابلا للكون والفساد وما لم يقبل الكون والفساد ~~كان قديما أزليا # وقال في كتابه " في النفس " : إن الصناعة تتقبل الطبيعة وإن الطبيعة لا ~~تتقبل الصناعة # وقال : للطبيعة لطف وقوة وإن أفعالها تفوق في البراعة واللطف كل أعجوبة ~~يتلطف فيها بصناعة من الصناعات # وقال في ذلك الكتاب : لا فعل للنفس دون مشاركة البدن حتى التصور بالعقل ~~فإنه مشترك بينهما # وأومأ إلى أنه لا يبقى للنفس بعد مفارقتها قوة أصلا حتى القوى العقلية # وخالف بذلك أستاذه أرسطوطاليس فإنه قال : الذي يبقى مع النفس من جميع ~~مالها من القوى هي القوى العقلية فقط ولذاتها في ذلك العالم مقصورة على ~~اللذات العقلية فقط إذ لا قوة لها دون ذلك فتحس وتلتذ بها ms298 # والمتأخرون يثبتون بقاءها على هيئات أخلاقية استفادتها من مشاركة البدن ~~لتستعد بها لقبول هيئات ملكية في ذلك العالم PageV02P153 ### || AUTO 9 - رأي فرفريوس : PageV02P154 # وهو أيضا على رأي أرسطوطاليس في جميع ما ذهب إليه وهو الشارح لكلام ~~أرسطوطاليس أيضا وإنما يعتمد شرحه إذ كان أهدى القوم إلى إشاراته وجميع ما ~~ذهب إليه # ويدعي أن الذي يحكي عن أفلاطون من القول بحدوث العالم غير صحيح قال في ~~رسالته إلى أبانوا : وأما ماقذف به أفلاطون عندكم من أنه يضع للعالم ابتداء ~~زمانيا فدعوى كاذبة وذلك أن أفلاطون ليس يرى أن للعالم ابتداء زمانيا لكن ~~ابتداء على جهة العلة ويزعم أن علة كونه ابتداؤه # ( 2 \ 155 ) # وقد أرى أن المتوهم عليه في قوله : إن العالم مخلوق وإنه حدث من لا شيء ~~وأنه خرج من لا نظام إلى نظام فقد أخطأ وغلط وذلك أنه لا يصح دائما أن كل ~~عدم أقدم من الوجود فيما علة وجود شيء آخر غيره ولا كل سوء نظام أقدم من النظام # وإنما يعني أفلاطون أن الخالق أظهر العالم من العدم إلى الوجود وإن وجد ~~أنه لم يكن من ذاته لكن سبب وجوده من الخالق # قال : وقال في الهيولى : إنها أمر قابل للصور وهي كبيرة وصغيرة وهما في ~~الموضوع والحد واحد ولم يبين العدم كما ذكره أرسطوطاليس إلا أنه قال : ~~الهيولى لا صورة لها فقد علم أن عدم الصورة في الهيولى # وقال : إن المركبات كلها إنما تتكون بالصور على سبيل التغير وتفسد بخلو ~~الصور عنها # وزعم فرفويوس أن من الأصول الثلاثة التي هي الهيولى والصورة والعدم أن كل ~~جسم إما ساكن وإما متحرك وههنا شيء يكون ما يتكون ويحرك الأجسام وكل ما كان ~~واحدا بسيطا ففعله واحد بسيط وكل ما كان كثيرا مركبا فأفعاله كثيرة مركبة ~~وكل موجود ففعله مثل طبيعته ففعل الله بذاته فعل واحد بسيط وباقي أفعاله ~~يفعلها بمتوسط مركب # قال : وكل ما كان موجودا فله فعل من الأفعال مطابق لطبيعته # ولما كان الباري تعالى موجودا ففعله الخاص هو الاجتلاب ms299 إلى الوجود ففعل ~~فعلا واحدا وحرك حركة واحدة وهو الاجتلاب إلى شبهه يعني الوجود # ثم إما أن يقال : كان المفعول معدوما يمكن أن يوجد وذلك هو طبيعة الهيولى ~~بعينها فيجب أن يسبق الوجود طبيعة ما قابلة للوجود # وإما أن يقال : لم يكن معدومات يمكن أن يوجد بل أوجده عن لا شيء وأبدع ~~وجوده من غير توهم شيء سبقه وهو ما يقوله الموحدون # قال : فأول فعل فعله هو الجوهر إلا أن كونه جوهرا وقع بالحركة فوجب أن ~~يكون بقاؤه جوهرا بالحركة وذلك أنه ليس للجوهر أن يكون بذاته بمنزلة الوجود ~~( 2 \ 156 ) الأول لكن من التشبه بذلك الأول وكل حركة تكون : فإما أن تكون ~~على خط مستقيم وإما على الاستدارة فتحرك الجوهر بهاتين الحركتين # ولما كان وجود الجوهر بالحركة وجب أن يتحرك الجوهر في جميع الجهات التي ~~يمكن فيها الحركة فيتحرك جميع الجوهر في جميع الجهات حركة مستقيمة على جميع ~~الخطوط وهي ثلاثة : الطول والعرض والعمق إلا أنه لم يكن له أن يتحرك على ~~هذه الخطوط بلا نهاية إذ ليس يمكن فيما هو بالفعل أن يكون بلا نهاية فتحرك ~~الجوهر في هذه الأقطار الثلاثة حركة متناهية على خطوط مستقيمة وصار بذلك ~~جسما وبقي عليه أن يتحرك بالاستدارة على الجهة التي يمكن فيها أن يتحرك ~~بأجمعه حركة على الاستدارة لأن الدائر يحتاج إلى شيء ساكن في وسط منه فعند ~~ذلك انقسم الجوهر فتحرك بعضه على الاستدارة وسكن بعضه في الوسط # قال : كل جسم يتحرك فيماس جسما ساكنا في طبيعته قبول التأثير منه حركة ~~معه وإذا حركه سخن وإذا سخن لطف وانحل وخف فكانت النار تلي الفلك # والجسم الذي يلي النار يبعد عن الفلك ويتحرك بحركة النار فتكون حركته أقل ~~فلا يتحرك لذلك بأجمعه لكن جزء منه فيسخن دون سخونة النار وهو الهواء # والجسم الذي يلي الهواء لا يتحرك لبعده عن المحرك فهو بارد لسكونه وحار ~~حرارة يسيرة بمجاورته الهواء ولذلك انحل قليلا وهو الماء # وأما الجسم الذي يلي الماء في الوسط فلأنه ms300 بعد في الغاية عن الفلك ولم ~~يستفد من حركته شيئا ولا قبل منه تأثيرا سكن وبرد وهذه هي الأرض # وإذا كانت هذه الأجسام تقبل التأثير بعضها من بعض اختلطت وتولد عنها ~~أجسام مركبة وهذه هي الأجسام المحسوسة # وقال : الطبيعة تفعل بغير فكر ولا عقل ولا إرادة ولكنها ليست تفعل بالبخت ~~والاتفاق والخبط بل لا تفعل إلا ماله نظم وترتيب وحكمة # وقد تفعل شيئا من أجل شيء كما تفعل البر لغذاء الإنسان وتهيء أعضاءه لما ~~يصلح له # ( 2 \ 157 ) # وقد قسم فرفريوس مقالة أرسطوطاليس في الطبيعة خمسة أقسام : # أحدها : العنصر # والثاني : الصورة # والثالث : المجتمع منها كالإنسان # والرابع : الحركة الجاذبة في الشيء بمنزلة حركة النار الكائنة الموجودة ~~فيها إلى فوق # والخامس : الطبيعة العامة للكل لأن الجزئيات لا يتحقق وجودها إلا عن كل يشملها # ثم اختلفوا في مركزها : # فمن الحكماء من صار إلى أنها فوق الكل # وقال آخرون : إنها دون الفلك قالوا : والدليل على وجودها أفعالها وقواها ~~المنبثة في العالم الموجبة للحركات والأفعال كذهاب النار والهواء إلى فوق ~~وذهاب الماء والأرض إلى تحت فعلم يقينا أنه لولا قوى فيها أوجبت تلك ~~الحركات وكانت مبدأ لها لم توجد فيها وكذلك ما يوجد النبات والحيوان من قوة ~~الغذاء وقوة النمو والنشوء PageV02P154 ### || AUTO الفصل الرابع : المتأخرون من فلاسفة الإسلام : PageV02P157 # مثل يعقوب بن إسحق الكندي وحنين بن إسحاق ويحيى النحوي وأبي الفرج المفسر ~~وأبي سليمان السجزي وأبي سليمان محمد بن معشر المقدسي وأبي بكر ثابت بن قرة ~~الحراني وأبي تمام يوسف بن محمد النيسابوري وأبي زيد بن سهل البلخي وأبي ~~محارب الحسن بن سهل بن محارب القمي وأحمد بن الطيب السرخسي وطلحة بن محمد ~~النسفي وأبي حامد أحمد بن محمد الاسفرايني وعيسى بن علي بن عيسى الوزير ~~وأبي علي أحمد بن محمد بن مسكويه وأبي زكريا يحيى بن عدي الصيمري وأبي ~~الحسن محمد بن يوسف العامري وأبي نصر محمد بن محمد بن طرخان الفارابي وغيرهم # وإنما علامة القوم أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا قد ms301 سلكوا كلهم ~~طريقة ( 2 \ 158 ) أرسطوطاليس في جميع ماذهب إليه وانفرد به سوى كلمات ~~يسيرة ربما رأوا فيها رأي أفلاطون والمتقدمين # ولما كانت طريقة ابن سينا أدق عند الجماعة ونظره في الحقائق أغوص اخترت ~~نقل طريقته من كتبه على إيجاز واختصار كأنها عيون كلامه ومتون مرامه وأعرضت ~~عن نقل طرق الباقين وكل الصيد في جوف الفرا PageV02P157 ### || AUTO 1 - ابن سينا : كلامه في المنطق : PageV02P158 # قال أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا : العلم : إما تصور وإما تصديق # أما التصور : فهو العلم الأول وهو أن تدرك أمرا ساذجا من غير أن تحكم ~~عليه بنفي أو إثبات مثل تصورنا ماهية الإنسان # وأما التصديق : فهو أن تدرك أمرا وأمكنك أن تحكم عليه بنفي أو إثبات مثل ~~تصديقنا بأن للكل مبدأ # وكل واحد من القسمين منه : ما هو أولى ومنه ما هو مكتسب # فالتصور المكتسب : إنما يستحصل بالحد وما يجري مجراه # والتصديق المكتسب : إنما يستحصل بالقياس وما يجري مجراه # فالحد والقياس آلتان بهما تحصل المعلومات التي لم تكن حاصلة فتصير معلومة ~~بالروية # وكل واحد منهما منه ما هو حقيقي ومنه ماهو دون الحقيقي ولكنه نافع منفعته ~~بحسبه ومنه ما هو باطل مشتبه بالحقيقي # والفطرة الإنسانية غير كافية في التمييز بين هذه الأصناف إلا أن تكون ~~مؤيدة من عند الله عزو جل فلا بد إذن للناظر من آلة قانونية تعصمه مراعاتها ~~عن أن يضل في فكره وذلك هو الغرض من المنطق # ثم إن كل واحد من الحد والقياس فمؤلف من معان معقولة بتأليف محدود فيكون ~~لها مادة منها ألفت وصورة بها التأليف والفساد قد يعرض من إحدى الجهتين وقد ~~يعرض من جهتيهما معا # فالمنطق : هو الذي نعرف به : # من أي المواد والصور يكون الحد الصحيح والقياس السديد الذي يوقع يقينا # ومن أيها ما يوقع عقدا شبيها باليقين # ومن أيها ما يوقع ظنا غالبا # ومن أيها ما يوقع مغالطة وجهلا # وهذه فائدة المنطق # ثم لما ( 2 \ 159 ) كانت المخاطبات النظرية بألفاظ مسموعة والأفكار ~~العقلية بأقوال عقلية ms302 فتلك المعاني التي في الذهن من حيث يتأدى بها إلى ~~غيرها كانت موضوعات المنطق ومعرفة أحوال تلك المعاني مسائل علم المنطق وكان ~~المنطق بالنسبة إلى المعقولات على مثال النحو بالنسبة إلى الكلام والعروض ~~إلى الشعر فوجب على المنطقي أن يتكلم في الألفاظ أيضا من حيث تدل على ~~المعاني # واللفظ يدل على المعنى من ثلاثة أوجه : # أحدها : بالمطابقة # والثاني : بالتضمن # والثالث : بالالتزام # وهو ينقسم إلى : مفرد ومركب # فالمفرد : ما يدل على معنى وجزء من أجزائه لا يدل على جزء من أجزاء ذلك ~~المعنى بالذات أي حين هو جزء له # والمركب هو الذي يدل على معنى وله أجزاء منها يلتئم مسموعه ومن معانيها ~~يلتئم معنى الجملة # والمفرد ينقسم إلى : كلي وجزئي # والكلي : هو الذي يدل على كثيرين بمعنى واحد متفق ولا يمنع مفهومه عن ~~الشركة فيه # والجزئي : هو ما يمنع نفس مفهومه ذلك # ثم الكلي ينقسم إلى : ذاتي وعرضي # والذاتي : هو الذي يقوم ماهية ما يقال عليه # والعرضي : هو الذي لا يقوم ماهية سواء كان غير مفارق في الوجود والوهم أو ~~مفارقا بين الوجود أو غير بين الوجود له # ثم الذاتي ينقسم : # إلى ما هو مقول في جواب : ما هو ؟ وهو اللفظ المفرد الذي يتضمن جميع ~~المعاني الذاتية التي يقوم الشيء بها # وفرق بين المقول في جواب : ما هو وبين الداخل في جواب : ما هو # وإلى ما هو مقول في جواب : أي شيء هو ؟ وهو الذي يدل على معنى تتميز به ~~أشياء مشتركة في معنى واحد تميزا ذاتيا # وأما العرضي : فقد يكون ملازما في الوجود والوهم وبه يقع تمييز أيضا لا ~~ذاتيا وقد يكون مفارقا # وفرق بين العرضي والعرض الذي هو قسيم الجوهر # وأما رسوم الألفاظ الخمسة التي هي : الجنس والنوع والفصل والخاصة والعرض العام # فالجنس : يرسم بأنه المقول على كثيرين مختلفين بالحقائق الذاتية في جواب ~~ما هو ؟ # ( 2 \ 160 ) # والنوع : يرسم بأنه المقول على كثيرين مختلفين بالعدد في جواب ما هو ؟ ~~إذا كان نوع الأنواع # وإذا كان نوعا متوسطا فهو المقول ms303 على كثيرين مختلفين في جواب ما هو ؟ ~~ويقال عليه قول آخر في جواب ما هو بالشركة # وينتهي الارتقاء إلى جنس لا جنس فوقه وإن قدر فوق الجنس أمر أعم منه ~~فيكون العموم بالتشكيك والنزول إلى نوع لا نوع تحته وإن قدر دون النوع صنف ~~أخص فيكون الخصوص بالعوارض # ويرسم الفصل : بأنه الكلي الذاتي الذي يقال به على نوع تحت جنسه بأنه أي ~~شيء هو ؟ # وترسم الخاصة : بأنها هي الكلي الدال على نوع واحد في جواب أي أي شيء هو ~~لا بالذات # ويرسم العرض العام : بأنه الكلي المفرد الغير الذاتي ويشترك في معناه كثيرون # ووقوع العرض على هذا وعلى الذي هو قسيم الجوهر وقوع بمعنيين مختلفين # في المركبات : الشيء إما عين موجودة وإما صورة مأخوذة عنه في الذهن ولا ~~يختلفان في النواحي والأمم # وإما لفظة تدل على الصورة التي في الذهن وإما كتابة دالة على اللفظ ~~ويختلفان في الأمم : فالكتابة : دالة على اللفظ واللفظ : دال على الصورة في ~~الذهن وتلك الصورة دالة على الأعيان الموجودة # ومبادئ القول : إما اسم وإما كلمة وإما أداة # فالاسم : لفظ مفرد يدل على معنى من غير أن يدل على زمان وجود ذلك المعنى # والكلمة : لفظ مفرد يدل على معنى وعلى الزمان الذي فيه ذلك المعنى لوضوح ~~ما غير معين # والأداة : لفظ مفرد إنما يدل على معنى يصح أن يوضع أو يحمل بعد أن يقترن ~~باسم أو كلمة # وإذا ركبت اللفظ تركيبا يؤدي إلى معنى فحينئذ يسمى قولا # ووجوه التركيبات مختلفة وإنما يحتاج المنطقي إلى تركيب خاص وهو أن يكون ~~بحيث يتطرق إليه التصديق والتكذيب # فالقضية : هي كل قول فيه نسبة بين شيئين بحيث يتبعه حكم صدق أو كذب # والحملية منها : كل قضية فيها النسبة المذكورة بين شيئين ليس في كل منهما ~~هذه النسبة إلا بحيث يمكن أن يدل على كل واحد منها بلفظ مفرد # والشرطية منها : كل قضية فيها هذه ( 2 \ 161 ) النسبة بين شيئين فيهما ~~هذه النسبة من حيث هي منفصلة # والمتصلة من الشرطية : هي ms304 التي توجب أو تسلب لزوم قضية لأخرى من القضايا ~~الشرطية # والمنفصلة منها : ما توجب أو تسلب عناد قضية لأخرى من القضايا الشرطية # والإيجاب : هو إيقاع هذه النسبة وإيجادها # وفي الحملية : هو الحكم بوجود محمول لموضوع # والسلب : هو رفع هذه النسبة الوجودية # وفي الحملية : هو الحكم بلا وجود محمول لموضوع # والمحمول : هو المحكوم به # والموضوع : هو المحكموم عليه # والمخصوصة : قضية حملية موضوعها شيء جزئي # والمهملة : قضية حملية موضوعها كلي ولكن لم يبين أن الحكم في كله أو في ~~بعضه ولابد أنه في البعض وشك في أنه في الكل فحكمه حكم الجزئي # والمحصورة : هي التي موضوعها كلي والحكم عليه مبين أنه في كله أو بعضه ~~وقد تكون موجبة وسالبة # والسور : هو اللفظ الذي يدل على مقدار الحصر ككل ولا واحد وبعض ولا كل # والقضيتان المتقابلتان : هما اللتان تختلفان بالسلب والإيجاب وموضوعهما ~~ومحمولهما واحد في المعنى والإضافة والقوة والفعل والجزء والكل والمكان ~~والزمان والشرط # والتناقض : هو التقابل بين قضيتين في الإيجاب والسلب تقابلا يجب عنه ~~لذاته أن يقتسما الصدق والكذب ويجب أن يراعى فيه الشرائط المذكورة # والقضية البسيطة : هي التي موضوعها ومحمولها اسم محصل # والمعدولة : هي التي موضوعها أو محمولها غير محصل كقولنا : زيد هو غير بصير # والعدمية : هي التي محمولها أخس المتقابلين أي دل على عدم شيء من شأنه أن ~~يكون للشيء أو لنوعه أو لجنسه مثل قولنا : زيد جائر # ومادة القضايا : هي حالة للمحمول بالقياس إلى الموضوع يجب بها لا محالة ~~أن يكون له دائما في كل وقت في إيجاب أو سلب أو غير دائم له في إيجاب ولا سلب # وجهات القضايا ثلاث : # واجب : ويدل على دوام الوجود # وممتنع : ويدل على دوام العدم # وممكن : ويدل على لا دوام وجود ولا عدم # والفرق بين الجهة والمادة : # أن الجهة : لفظ مصرح بها تدل على أحد هذه المعاني # ( 2 \ 162 ) # والمادة : حالة للقضية في ذاتها غير مصرح بها وربما تخالفا كقولك : زيد ~~يمكن أن يكون حيوانا فالمادة واجبة والجهة ممكنة # والممكن : يطلق على معنيين ms305 : # أحدهما : ما ليس بممتنع وعلى هذا الشيء : إما ممكن وإما ممتنع وهو الممكن العامي # والثاني : ما ليس بضروري في الحالتين أعني الوجود والعدم وعلى هذا الشيء ~~: إما واجب وإما ممتنع وإما ممكن وهو الممكن الخاصي # ثم إن الواجب والممتنع بينهما غاية الخلاف مع اتفاقهما في معنى الضرورة : # فإن الواجب : هو ضروري الوجود بحيث لو قدر عدمه لزم منه محال # والممتنع : ضروري العدم بحيث لو قدر وجوده لزم منه محال # والممكن الخاصي : هو ما ليس بضروري الوجود والعدم # والحمل الضروري على أوجه ستة تشترك كلها في الدوام : # الأول : أن يكون الحمل دائما لم يزل ولا يزال # الثاني : أن يكون الحمل دائما ما دامت ذات الموضوع موجودة لم تفسد # وهذان هما المستعملان والمرادان إذا قيل : إيجاب أو سلب ضروري # والثالث : أن يكون الحمل دائما ما دامت ذات الموضوع موصوفة بالصفة التي ~~جعلت موضوعة معها # والرابع : أن يكون الحمل موجودا وليس له ضرورة بلا هذا الشرط # والخامس : أن تكون الضرورة وقتا ما معينا لا بد منه # والسادس : أن تكون الضرورة وقتا ما غير معين # ثم إن ذوات الجهة : قد تتلازم طردا وعكسا وقد لا تتلازم فواجب أن يوجد ~~يلزمه ممتنع أن لا يوجد وليس يمكن بالمعنى العامي أن لا يوجد # ونقائض هذه متعاكسة وقس عليه سائر الطبقات # وكل قضية : فإما ضرورية وإما ممكنة وإما مطلقة # فالضرورية : مثل قولنا : كل ب ا بالضرورة أي كل واحد واحد مما يوصف بأنه ~~( 2 \ 163 ) ب ودائما أو غير دائم فلذلك الشيء دائما ما دامت عين ذاته ~~موجودة يوصف بأنه ا # والممكنة : فهي التي حكمها من إيجاب أو سلب غير ضروري # والمطلقة : فيها رأيان : # أحدهما : أنها التي لم يذكر فيها جهة ضرورة للحكم أو إمكان للحكم بل أطلق إطلاقا # والثاني : ما يكون الحكم فيها موجودا لا دائما بل وقتا ما # وذلك الوقت : إما ما دام الموضوع موصوفا بما وصف به أو ما دام المحمول ~~محكوما به أو في وقت معين ضروري أو في وقت ضروري غير معين ms306 # وأما العكس : فهو تصيير الموضوع محمولا والمحمول موضوعا مع بقاء السلب ~~والإيجاب بحالة والصدق والكذب بحالة # والسالبة الكلية تنعكس مثل نفسها # وأما السالبة الجزئية فلا تنعكس # والموجبة الكلية تنعكس موجبة جزئية # والموجبة الجزئية تنعكس مثل نفسها # في القياس ومبادئه وأشكاله ونتائجه : # المقدمة : قول يوجب شيئا لشيء أو يسلب شيئا عن شيء جعلت جزء قياس # والحد : ما تنحل إليه المقدمة من جهة ما هي مقدمة # والقياس : هو قول مؤلف من أقوال إذا وضعت لزم عنها بذاتها قول آخر غيرها ~~اضطرارا # وإذا كان بينا لزومه يسمى قياسا كاملا # وإذا احتاج إلى بيان فهو غير كامل # والقياس ينقسم إلى : اقتراني واستثنائي # والاقتراني : أن يكون ما يلزمه ليس هو ولا نقيضه مقولا فيه بالفعل بوجه ما # والاستثنائي : أن يكون ما يلزمه هو أو نقيضه مقولا فيه بالفعل # والاقتراني : إنما يكون عن مقدمتين يشتركان في حد ويفترقان في حدين فتكون ~~الحدود ثلاثة # ومن شأن المشترك فيه أن يزول عن الوسط ويربط ما بين الحدين الآخرين فيكون ~~ذلك هو اللازم ويسمى نتيجة # فالمكرر : يسمى حدا أوسط والباقيان : طرفين # والذي يريد أن يصير محمول اللازم يسمى الطرف الأكبر والذي يريد أن يكون ~~موضوع اللازم يسمى الطرف الأصغر # ( 2 \ 164 ) # والمقدمة التي فيها الطرف الأكبر تسمى الكبرى والتي فيها الطرف الأصغر ~~تسمى الصغرى # وتأليف الصغرى والكبرى يسمى قرينة # وهيئة الاقتران تسمى شكلا # والقرينة التي يلزم عنها لذاتها قول آخر : تسمى قياسا # واللازم : مادام لم يلزم بعد بل يساق إليه القياس : يسمى مطلوبا # وإذا لزم : يسمى نتيجة # والحد الأوسط : إن كان محمولا في مقدمة وموضوعا في الأخرى : يسمى ذلك ~~الاقتران شكلا أولا # وإن كان محمولا فيها : يسمى شكلا ثانيا # وإن كان موضوعا فيها : يسمى شكلا ثالثا # وتشترك الأشكال كلها في أنه لا قياس عن جزئيتين # وتشترك ما خلا الكائنة عن الممكنات في أنه لا قياس عن سالبتين ولا عن ~~صغرى سالبة كبراها جزئية # والنتيجة تتبع أخس المقدمتين في الكم والكيف # وشريطة الشكل الأول : أن تكون كبراه كلية وصغراه موجبة ms307 # وشريطة الشكل الثاني : أن تكون الكبرى فيه كلية وإحدى المقدمتين مخالفة ~~للأخرى في الكيف ولا ينتج إذا كانت المقدمتان ممكنتين أو مطلقتين الإطلاق ~~الذي ينعكس على نفسه كلتيهما # وشريطة الشكل الثالث : أن تكون الصغرى موجبة # ثم لا بد من كلية في كل شكل وليرجع في المختلطات إلى تصانيفه # وأما القياسات الشرطية بقضاياها : فاعلم أن الإيجاب والسلب ليس يختص ~~بالحمليات بل وفي الاتصال والانفصال فإنه كما أن الدلالة على وجود الحمل ~~إيجاب في الحمل كذلك الدلالة على وجود الاتصال إيجاب في المتصل والدلالة ~~على وجود الانفصال إيجاب في المنفصل وكذلك السلب وكل سلب فهو إبطال الإيجاب ~~ورفعه وكذلك يجري فيهما الحصر والإهمال # وقد تكون القضايا كثيرة والمقدمة واحدة والاقتران من المتصلات أن يجعل ~~مقدم أحدهما تالي الآخر فيشتركان في التالي أو يشتركان في المقدم وذلك على ~~قياس الأشكال الحملية والشرائط فيها واحدة # والنتيجة شرطية : تحصل من اجتماع المقدم والتالي اللذين هما كالطرفين ~~والاقترانيات من المنفصلات فلا تكون في جزء تام بل تكون في جزء غير تام وهو ~~جزء تال أو مقدم # والاستثنائية : مؤلفة من مقدمتين : إحداهما ( 2 \ 165 ) شرطية والأخرى ~~وضع أو رفع لأحد جرأيها ويجوز أن تكون حملية وشرطية وتسمى المستثناة # والمستثناة من قياس فيه شرطية متصلة : # إن كان الاستثناء من المقدم فيجب أن يكون عين المقدم لينتج عين التالي # وإن كان من التالي فيجب أن يكون نقيضه لينتج نقيض المقدم # واستثناء نقيض المقدم وعين التالي لا ينتج شيئا # وأما إذا كانت الشرطية منفصلة : # فإن كانت ذات جزأين فقط موجبتين فأيهما استثنيت عينه أنتج نقيض الباقي ~~وأيهما استثنيت نقيضه أنتج عين الباقي # وأما القياسات المركبة : فهي ما إذا حللت إلى أفرادها كان ما ينتج كل ~~واحد منها شيئا آخر إلا أن نتائج بعضها مقدمات لبعض وكل نتيجة فإنها تستتبع ~~عكسها وعكس نقيضها وجزأها وعكس جزئها إن كان لها عكس # والمقدمات الصادقة تنتج نتيجة صادقة ولا ينعكس فقد تنتج المقدمات الكاذبة ~~نتيجة صادقة # والدور : أن تأخذ النتيجة وعكس إحدى المقدمتين فتنتج ms308 المقدمة الثانية ~~وإنما يمكن إذا كانت الحدود في المقدمات متعاكسة متساوية # وعكس القياس : هو أن تأخذ مقابل النتيجة بالضد أو النقيض وتضيفه إلى إحدى ~~المقدمتين فينتج مقابل النتيجة الأخرى احتيالا في الجدل # وقياس الخلف : هو الذي يبين فيه المطلوب من جهة تكذيب نقيضه فيكون هو ~~بالحقيقة مركبا من قياس اقتراني وقياس استثنائي # والمصادرة على المطلوب الأول : هو أن يجعل المطلوب نفسه مقدمة في قياس ~~يراد فيه إنتاجه وربما تكون في قياس واحد وربما تبين في قياسات وحيثما كان ~~أبعد كان من القبول أقرب # والاستقراء : هو حكم على كلي لوجود ذلك الحكم في جزئيات ذلك الكلي : إما ~~كلها وإما أكثرها # والتمثيل : هو الحكم على شيء معين لوجود ذلك الحكم في شيء آخر معين أو ~~أشياء على أن ذلك الحكم كلي على المتشابه فيه فيكون المحكوم عليه هو ~~المطلوب والمنقول منه الحكم هو المثال والمعنى المتشابه فيه هو الجامع # وحكم الرأي : مقدمة محمودة كلية في أن كذا كائن أو غير كائن وصواب أم خطأ # والدليل : قياس إضماري حده الأوسط شيء إذا وجد للأصغر تبعه وجود شيء ( 2 ~~\ 166 ) آخر للأصغر دائما كيف كان ذلك التبع # والقياس الفراشي : شبيه بالدليل من وجه وبالتمثيل من وجه # في مقدمات القياس من جهة ذواتها وشرائط البرهان : # المحسوسات : هي أمور أوقع التصديق بها الحس # والمجربات : هي أمور أوقع التصديق بها الحس بشركة من القياس # والمقبولات : آراء أوقع التصديق بها قول من يوثق بصدقه فيما يقول : إما ~~لأمر سماوي يختص به أو لرأي وفكر قوي تميز به # والوهميات : آراء أوجب اعتقادها قوة الوهم التابعة للحس # والذائعات : آراء مشهورة محمودة أوجب التصديق بها شهادة الكل # والمظنونات : آراء يقع التصديق بها لا على الثبات بل يخطر إمكان نقيضها ~~بالبال ولكن الذهن يكون إليها أميل # والمتخيلات : هي مقدمات ليست تقال ليصدق بها بل لتخيل شيئا على أنه شيء ~~آخر على سبيل المحاكاة # والأوليات : هي قضايا تحدث في الإنسان من جهة العقلية من غير سبب أوجب ~~التصديق بها # والبرهان : قياس مؤلف من ms309 يقينيات لإنتاج يقيني # واليقينيات : إما أوليات وما جمع منها وإما تجريبات وإما محسوسات # وبرهان اللم : هو الذي يعطيك علة اجتماع طرفي النتيجة في الوجود والذهن جميعا # وبرهان الإن : هو الذي يعطيك علة اجتماع طرفي النتيجة عند الذهن والتصديق به # والمطالب أربعة : # هل مطلقا : وهو تعرف حال الشيء في الوجود أو العدم مطلقا # وهل مقيدا : وهو تعرف وجود الشيء على حال ما أو ليس ما يعرف التصور وهو : # إما بحسب الاسم : أي ما المراد باسم كذا ؟ وهذا يتقدم كل مطلب # وإما بحسب الذات : أي ما الشيء في وجوده وهو يعرف حقيقة الذات ويتقدمه ~~الهل المطلق لم يعرف العلة بجواب هل # وهو : إما علة التصديق فقط وإما علة نفس الوجود وأما أي فهو بالقوة داخل ~~في الهل المقيد # وإنما يطلب التمييز : إما بالصفات الذاتية وإما بالخواص # والأمور التي يلتئم منها أمر البراهين ثلاثة : موضوعات ومسائل ومقدمات # ( 2 \ 167 ) # فالموضوعات : يبرهن فيها # والمسائل : يبرهن عليها # والمقدمات : يبرهن بها ويجب أن تكون صادقة يقينية ذاتية وتنتهي إلى ~~مقدمات أولية مقولة على الكل كلية وقد تكون ضرورية إلا على الأمور المتغيرة ~~التي هي الأكثر على حكم ما فتكون أكثرية وتكون عللا لوجود النتيجة فتكون مناسبة # الحمل الذاتي يقال على وجهين : # أحدهما : أن يكون المحمول مأخوذا في حد الموضوع # والثاني : أن يكون الموضوع مأخوذا في حد المحمول # المقدمة الأولية على وجهين : # أحدهما : أن التصديق بها حاصل في أول العقل # والثاني : من جهة أن الإيجاب والسلب لا يقال على ما هو أعم من الموضوع ~~قولا كليا # المناسب : هو أن لا تكون المقدمات فيه من علم غريب # الموضوعات : هي التي توضع في العلوم فيبرهن على أعراضها الذاتية # المسائل : هي القضايا الخاصة بعلم علم المشكوك فيها المطلوب برهانها # والبرهان : يعطي حكم اليقين الدائم وليس في شيء من الفاسدات عقد دائم فلا ~~برهان عليها # ولا برهان أيضا على الحد لأنه لابد حينئذ من حد أوسط مساو للطرفين لأن ~~الحد والمحدود متساويان وذلك الأوسط لا يخلو : # إما أن يكون حدا آخر ms310 أو يكون رسما أو خاصة # فأما الحد الآخر : فإن السؤال في اكتسابه ثابت فإن اكتسب بحد ثالث فالأمر ~~ذاهب إلى غير نهاية وإن اكتسب بالحد الأول فذلك دور وإن اكتسب بوجه آخر غير ~~البرهان فلم لا يكتسب به هذا الحد على أنه لا يجوز أن يكون لشيء واحد حدان ~~تامان على ما سنوضح بعد # وإن كانت الواسطة غير حد فكيف صار ما ليس بحد أعرف وجودا للمحدود من ~~الأمر الذاتي المقوم له وهو الحد # وأيضا : فإن الحد لا يكتسب بالقسمة فإن القسمة تضع أقساما ولا تحمل من ~~الأقسام شيئا بعينه إلا أن يوضع وضعا من غير أن يكون للقسمة فيه مدخل # وأما استثناء نقيض قسم ليبقى القسم الداخل في الحد فهو إبانة الشيء بما ~~هو مثله أو أخفى منه # فإنك إذا قلت : لكن ليس للإنسان غير ناطق فهو ( 2 \ 168 ) إذن ناطق لم ~~تكن أخذت في الاستثناء شيئا أعرف من النتيجة # وأيضا فإن الحد لا يكتسب من حد الضد فليس الكل محدود ضد ولا أيضا حد أحد ~~الضدين أولى بذلك من حد الضد الآخر # والاستقراء : لا يفيد علما كليا فكيف يفيد الحد لكن الحد يقتنص بالتركيب ~~وذلك بأن تعمد إلى الأشخاص التي لا تنقسم وتنظر من أي جنس هي من العشرة ~~فتأخذ جميع المحمولات المقومة لها التي في ذلك الجنس وتجمع العدة منها بعد ~~أن تعرف أيها الأول وأيها الثاني فإذا جمعنا هذه المحمولات ووجدنا منها ~~شيئا مساويا للمحدود من وجهين فهو الحد أحدهما المساواة في الحمل والثاني ~~المساواة في المعنى وهو أن يكون دالا على كمال حقيقة ذاته لا يشذ منه شيء ~~فإن كثيرا مما يميز الذات يكون قد أخل ببعض الأجناس أو ببعض الفصول فيكون ~~مساويا في الحمل ولا يكون مساويا في المعنى وبالعكس # ولا يلتفت في الحد إلى أن يكون وجيزا بل ينبغي أن تضع الجنس القريب فيه ~~باسمه أو بحده ثم تأتي بجميع الفصول الذاتية فإنك إذا تركت بعض الفصول فقد ~~تركت بعض الذات # والحد عنوان ms311 للذات وبيان لها فيجب أن يقوم في النفس صورة معقولة مساوية ~~للصورة الموجودة بتمامها فحينئذ يعرض أن يتميز أيضا المحدود # ولا حد في الحقيقة لما لا وجود له وإنما ذلك قول يشرح الاسم # فالحد إذن : قول دال على الماهية والقسمة معينة في الحد خصوصا إذا كانت ~~بالذاتيات ولا يجوز تعريف الشيء بما هو أخفى منه ولا بما هو بمثله في ~~الجلاء والخفاء ولا بما لا يعرف الشيء إلا به # في الأجناس العشرة : # الجوهر : هو كل ما وجود ذاته ليس في موضوع أي في محل قريب قد قام بنفسه ~~دونه بالفعل لا بتقويمه # الكم : هو الذي يقبل لذاته المساواة واللامساواة والتجزؤ # وهو إما أن يكون متصلا إذ يوجد لأجزائه بالقوة حد مشترك تتلاقى عنده ~~وتتحد به كالنقطة للخط # وإما أن ( 2 \ 169 ) يكون منفصلا لا يوجد لأجزائه ذلك بالقوة ولا بالفعل كالعدد # والمتصل : قد يكون ذا وضع وقد يكون عديم الوضع # وذو الوضع : هو الذي يوجد لأجزائه ااتصال وثبات وإمكان أن يشار إلى كل ~~واحد منها أنه أين هو من الآخر : # فمن ذلك ما يقبل القسمة في جهة واحدة وهو الخط # ومنه ما يقبل في جهتين متقاطعتين على قوائم وهو السطح # ومنه ما يقبل في ثلاث جهات : : قائم بعضها على بعض وهو الجسم # والمكان أيضا ذو وضع لأنه السطح الباطن من الحاوي # وأما الزمان : فهو مقدار للحركة إذ أنه ليس له وضع إذ لا توجد أجزاؤه معا ~~وإن كان له اتصال إذ ماضيه ومستقبله يتحدان بطرف الآن # وأما العدد : فهو بالحقيقة الكم المنفصل # ومن المقولات العشرة : # الإضافة : وهو المعنى الذي وجوده بالقياس إلى شيء آخر وليس له وجود غيره ~~مثل الأبوة بالقياس إلى البنوة لا كالأب فإن له وجودا يخصه كالإنسانية # وأما الكيف : فهو كل هيئة قارة في جسم لا يوجب اعتبار وجودها فيه نسبة ~~للجسم إلى خارج ولا نسبة واقعة في أجزائه ولا لجملته اعتبارا يكون به ذا ~~جزء مثل البياض والسواد # وهو : إما يكون مختصا بالكم من جهة ما ms312 هو كم كالتربيع بالسطح والاستقامة ~~بالخط والفردية بالعدد # وإما أن لا يكون مختصا به # وغير المختص به : إما أن يكون محسوسا تنفعل عنه الحواس ويوجد بانفعال ~~الممتزجات : # فالراسخ منه مثل صفرة الذهب وحلاوة العسل يسمى كيفيات انفعاليات # وسريع الزوال منه وإن كان كيفية بالحقيقة فلا يسمى كيفية بل انفعالات ~~لسرعة استبدالها مثل حمرة الخجل وصفرة الوجل # ومنه ما لا يكون محسوسا : # فإما أن يكون استعدادات إنما تتصور في النفس بالقياس إلى كمالات : # فإن كان استعدادا للمقاومة وإباء للانفعال سمي قوة طبيعية كالمصحاحية ~~والصلابة # وإن كان استعدادا لسرعة الإذعان والانفعال سمي لا قوة طبيعية مثل ~~الممراضية واللين # وإما أن تكون في أنفسها كمالات لا يتصور أنها ( 2 \ 170 ) استعدادت ~~لكمالات أخرى وتكون مع ذلك غير محسوسة بذاتها : # فما كان ثابتا منها يسمى ملكه مثل العلم والصحة # وما كان سريع الزوال سمي حالا مثل غضب الحليم ومرض المصحاح وفرق بين ~~الصحة والمصحاحية فإن المصحاح قد لا يكون صحيحا والممراض قد يكون صحيحا # ومن جملة العشرة : # الأين : وهو كون الجوهر في مكانه الذي يكون فيه ككون زيد في السوق # ومتى : وهو كون الجوهر في زمانه الذي يكون فيه مثل كون هذا الأمر أمس # والوضع : وهو كون الجسم بحيث يكون لأجزائه بعضها إلى بعض نسبة في ~~الانحراف والموازرة والجهات وأجزاء المكان إن كان في مكان مثل القيام ~~والقعود وهو في المعنى غير الوضع المذكور في باب الكم # والملك : ولست أحصله ويشبه أن يكون كون الجوهر في جوهر يشمله وينتقل ~~بانتقاله مثل التلبس والتسلح والفعل وهو نسبة الجوهر إلى أمر موجود منه في ~~غيره غير قار الذات بل لا يزال يتجدد وينصرم كالتسخين والتبريد والانفعال ~~وهو نسبة الجوهر إلى حالة فيه بهذه الصفة مثل التقطع والتسخن # والعلل أربع : # يقال : علة للفاعل ومبدأ الحركة مثل النجار للكرسي # ويقال : علة للمادة وما يحتاج أن يكون حتى تكون ماهية الشيء مثل الخشب # ويقال : علة للصورة في كل شيء يكون فإنه ما لم تقترن الصورة بالمادة لم يتكون # ويقال ms313 : علة للغاية والشيء الذي نحوه ولأجله الشيء مثل الكن للبيت وكل ~~واحدة من هذه إما قريبة وإما بعيدة وإما بالقوة وإما بالفعل وإما بالذات ~~وإما بالعرض وإما خاصة وإما عامة # والعلل الأربع قد تقع حدودا وسطى في البراهين لإنتاج قضايا محمولاتها ~~أعراض ذاتية # وأما العلتان الفاعلية والقابلية : فلا يجب من وضعهما وضع المعلول ~~وإنتاجه ما لم يقترن بذلك ما يدل على صيرورتهما علة بالفعل والله الموفق # ( 2 \ 171 ) # في تفسير ألفاظ يحتاج إليها المنطقي : # الظن : الحق أنه رأى في شيء أنه كذا ويمكن أن لا يكون كذا # والعلم : اعتقاد بأن الشيء كذا وأنه لا يمكن أن لا يكون كذا بواسطة توجبه # والشيء كذلك في ذاته # وقد يقال : " علم " لتصور الماهية بتحديد # والعقل : اعتقاد بأن الشيء كذا وأنه لا يمكن أن لا يكون كذا طبعا بلا ~~واسطة كاعتقاد المبادئ الأولى للبراهين # وقد يقال : " عقل " لتصور الماهية بذاتها بلا تحديدها كتصور المبادئ ~~الأولى للحد # والذهن : قوة للنفس معدة نحو اكتساب العلم # والذكاء : قوة استعداد للحدس # والحدس : حركة النفس إلى إصابة الحد الأوسط إذا وضع المطلوب أو إصابة ~~الحد الأكبر إذا أصيب الأوسط وبالجملة سرعة انتقال الذهن من معلوم إلى مجهول # والحس : إنما يدرك الجزئيات الشخصية # والذكر والخيال : يحفظان ما يؤديه الحس على شخصيته # أما الخيال : فيحفظ الصورة # وأما الذكر : فيحفظ المعنى المأخوذ # وإذا تكرر الحس صار ذكرا وإذا تكرر الذكر كان تجربة # والفكر : حركة ذهن الإنسان نحو المبادئ ليصير منها إلى المطالب # والصناعة : ملكة نفسانية تصدر عنها أفعال إرادية بغير رؤية # والحكمة : خروج النفس الإنساني إلى كماله الممكن في جزأي العلم والعمل # أما في جانب العلم : فأن يكون متصورا للموجودات كما هي ومصدقا للقضايا كما هي # وأما في جانب العمل : فأن يكون قد حصل له الخلق الذي يسمى العدالة ~~والملكة الفاضلة # والفكر العقلي : ينال الكليات مجردة # والحس والخيال والذكر : تنال الجزئيات # فالحس يعرض على الخيال أمورا مختلطة والخيال على العقل ثم العقل يفعل ~~التمييز ولكل واحد من هذه المعاني معونة في صواحبها ms314 في قسمي التصور ~~والتصديق # ( 2 \ 172 ) PageV02P158 ### || AUTO 2 - في الإلهيات : PageV02P172 # يجب أن نحصر المسائل التي تختص بهذا العلم في عشر مسائل : # المسألة الأولى منها : في موضوع هذا العلم وجملة ما ينظر فيه والتنبيه ~~على الوجود وأقسامه : # إن لكل علم موضوعا ينظر فيه فيبحث عن أحواله وموضوع العلم الإلهي هو ~~الوجود المطلق ولواحقه التي له بذاته ومبادئه وينتهي في التفصيل إلى حيث ~~تبتدئ منه سائر العلوم وفيه بيان مبادئها # وجملة ما ينظر فيه هذا العلم هو أقسام وهي : الواحد والكثير ولواحقهما ~~والعلة والمعلول والقديم والحادث والتام والناقص والفعل والقوة وتحقيق ~~المقولات العشر # ويشبه أن يكون انقسام الوجود إلى المقولات انقساما بالفصول وانقسامه إلى ~~الوحدة والكثرة وأخواتهما انقساما بالأعراض # والوجود يشمل الكل شمولا بالتشكيك لا بالتواطؤ ولهذا لم يصلح أن يكون ~~جنسا فإنه في بعضها أولى وأول وفي بعضها لا أولى ولا أول وهو أشهر من أن ~~يحد أو يرسم ولا يمكن أن يشرح بغير الاسم لأنه مبدأ أول لكل شيء فلا شرح له ~~بل صورته تقوم في النفس بلا توسط شيء # وينقسم نوعا من القسمة : إلى واجب بذاته وممكن بذاته # والواجب بذاته : ما إذا اعتبر ذاته فقط وجب وجوده # والممكن بذاته : ما إذا اعتبر لذاته لم يجب وجوده وإذا فرض غير موجود لم ~~يلزم منه محال # ثم إذا عرض على القسمين عرضا حمليا الواحد والكثير كان الواحد أولى ~~بالواجب والكثير أولى بالجائز # وكذلك العلة والمعلول والقديم والحادث والتام والناقص والفعل والقوة ~~والغنى والفقر كان أحسن الأسماء أولى بالواجب بذاته # ولما لم تتطرق إليه الكثرة بوجه لم يتطرق إليه التقسيم بل توجه إلى ~~الممكن بذاته فانقسم إلى : جوهر وعرض وقد عرفناهما برسميهما # وأما نسبة أحدهما إلى الآخر فهو أن الجوهر محل مستغن في قوامه عن الحال ~~فيه والعرض حال فيه غير مستغن ( 2 \ 173 ) في قوامه عنه # فكل ذات لم تكن في موضوع ولا قوامها به فهو جوهر # وكل ذات قوامها في موضوع فهو عرض # وقد يكون الشيء في المحل ويكون مع ms315 ذلك جوهرا لا في موضوع إذا كان المحل ~~القريب الذي هو فيه متقوما به وليس متقوما بذاته ثم مقوما له ونسميه صورة ~~وهذا هو الفرق بينهما وبين العرض # وكل جوهر ليس في موضوع فلا يخلو : # إما أن لا يكون في محل أصلا # أو يكون في محل لا يستغنى في القوام عنه ذلك المحل # فإن كان في محل بهذه الصفة فإنا نسميه صورة مادية # وإن لم يكن في محل أصلا : # فإما أن يكون محلا بنفسه لا تركيب فيه # أو لا يكون # فإن كان محلا بنفسه فإنا نسميه الهيولى المطلقة # وإن لم يكن : # فإما أن يكون مركبا مثل أجسامنا المركبة من مادة وصورة جسمية # وإما أن لا يكون # وما ليس بمركب فلا يخلو : # إما أن يكون له تعلق ما بالأجسام # أو لم يكن له تعلق # فما له تعلق نسميه نفسا # وما ليس له تعلق فنسميه عقلا # وأما أقسام العرض فقد ذكرناها وحصرها بالقسمة الضرورية متعذر # المسألة الثانية : في تحقيق الجوهر الجسماني وما يتركب منه # وأن المادة الجسمانية لا تتعرى عن الصورة وأن الصورة متقدمة على المادة ~~في مرتبة الوجود : # اعلم أن الجسم ليس جسما بأن فيه أبعادا ثلاثة بالفعل فإنه ليس يجب أن ~~يكون في كل جسم نقط أو خطوط بالفعل # وأنت تعلم أن الكرة لا قطع فيها بالفعل والنقط والخطوط قطوع بل الجسم ~~إنما هو جسم لأنه بحيث يصلح أن يفرض فيه أبعاد ثلاثة كل واحد منها قائم على ~~الآخر ولا يمكن أن تكون فوق ثلاثة فالذي يفرض فيه أولا هو الطول والقائم ~~عليه العرض والقائم عليهما في الحد المشترك هو العمق وهذا المعنى منه صورة ~~الجسمية # وأما الأبعاد المحدودة التي تقع فيه فليست صورة له بل هي من باب الكم وهي ~~لواحق لا مقومات ولا يجب أن يثبت شيء منه له بل مع كل تشكيل يتجدد عليه ~~يبطل كل بعد متحدد كان فيه # وربما اتفق في بعض الأجسام أن تكون لازمة له لا تفارق ملازمة أشكالها ~~وكما أن الشكل لاحق ms316 فكذلك ما يتحدد بالشكل # ( 2 \ 174 ) # وكما أن الشكل لا يدخل في تحديد جسميته فكذلك الأبعاد المتحددة فالصورة ~~الجسمية موضوعة لصناعة الطبيعيين أو داخلة فيها # والأبعاد المتحددة موضوعة لصناعة التعاليميين أو داخلة فيها # ثم الصورة الجسمية طبيعية وراء الاتصال يلزمها الاتصال وهي بعينها قابلة ~~للانفصال # ومن المعلوم أن قابل الاتصال والانفصال أمر وراء الاتصال والانفصال فإن ~~القابل يبقى بطريان أحدهما والاتصال لا يبقى بعد طريان الانفصال # وظاهر أن هنا جوهرا غير الصورة الجسمية هو الهيولى التي يعرض لها ~~الانفصال والاتصال معا # وهي تقارن الصورة الجسمية فهي التي تقبل الإتحاد بالصورة الجسمية فتصير ~~جسما واحدا بما يقومها وذلك هو الهيولى أو المادة # والمادة لا يجوز أن تفارق الصورة الجسمية وتقوم موجودة بالفعل والدليل ~~عليه من وجهين : # أحدهما : أن لو قدرناها لا وضع لها ولا حيز ولا أنها تقبل الانقسام فإن ~~هذه كلها صور # ثم قدرنا أن الصورة صادفتها : # فإما أن تكون صادفتها دفعة أعني المقدار المحصل يحل فيها دفعة لا على تدريج # أو تحرك إليها المقدار والاتصال على تدريج # فإن حل فيها دفعة : ففي اتصال المقدار بها يكون قد صادفها حيث انضاف ~~إليها فيكون لا محالة صادفها وهو في الحيز الذي هو فيه فيكون ذلك الجوهر ~~متحيزا وقد فرض غير متحيز البتة وهذا خلف ولا يجوز أن يكون التحيز قد حصل ~~له دفعة واحدة مع قبول المقدار لأن المقدار يوافيه في حيز مخصوص # وإن حل فيها المقدار والاتصال على انبساط وتدريج وكل ما من شأنه أن ينبسط ~~فله جهات وكل ماله جهات فهو ذو وضع فيكون ذلك الجوهر ذا وضع وقد فرض غير ذي ~~وضع البتة وهذا خلف فتعين أن المادة لن تتعرى عن الصورة قط وأن الفصل ~~بينهما فصل بالعقل فقط # والدليل الثاني : أنا لو قدرنا للمادة وجودا خاصا متقوما غير ذي كم ولا ~~جزء باعتبار نفسه ثم يعرض عليه الكم فيكون ما هو متقوم بأنه لا جزء له ولا ~~كم يعرض أن يبطل ( 2 \ 175 ) عنه ما يتقوم به ms317 بالفعل لورود عارض عليه فيكون ~~حينئذ للمادة صورة عارضة بها تكون واحدة بالقوة والفعل وصورة أخرى بها تكون ~~غير واحدة بالفعل فيكون بين الأمرين شيء مشترك هو القابل للأمرين من شأنه ~~أن يصير مرة ليس في قوته أن ينقسم ومرة في قوته أن ينقسم # ولنفرض الآن أن هذا الجوهر قد صار بالفعل اثنين ثم صارا شيئا واحدا بأن ~~خلعا صورة الاثنينية فلا يخلو : # إما أن اتحدا وكل واحد منها موجودا فهما اثنان لا واحد # وإن اتحدا وأحدهما معدوم والآخر موجود فالمعدوم كيف يتحد بالموجود ؟ # وإن عدما جميعا بالاتحاد وحدث شيء واحد ثالث فهما غير متحدين بل فاسدان ~~وبينهما وبين الثالث مادة مشتركة وكلامنا في نفس المادة لا في شيء ذي مادة ~~فالمادة الجسمية لا توجد مفارقة للصورة وإنها إنما تقوم بالفعل بالصورة ولا ~~يجوز أن يقال : إن الصورة بنفسها موجودة بالقوة وإنما تصير بالفعل بالمادة ~~لأن جوهر الصورة هو الفعل وما بالقوة محلة المادة # والصورة وإن كانت لا تفارق الهيولى فليست تتقوم بالهيولى بل بالعلة ~~المفيدة إياها للهيولى وكيف يتصور أن تقوم الصورة بالهيولى وقد أثبت أنها ~~علتها والعلة لا تتقوم بالمعلول وفرق بين الذي يتقوم به الشيء وبين الذي لا ~~يفارقه فإن المعلول لا يفارق العلة وليس علة لها فما يقوم الصورة أمر مباين ~~لها مفيد الوجود وما يقوم الهيولى أمر ملاق لها وهو الصورة وأول الموجودات ~~في استحقاق الوجود الجوهر المفارق الغير المجسم الذي يعطي صورة الجسم وصورة ~~كل موجود ثم الصورة ثم الجسم ثم الهيولى وهي وإن كانت سببا للجسم فإنها ~~ليست بسبب يعطي الوجود بل سبب يقبل الوجود فإنه محل لنيل الوجود وللجسم ~~وجودها وزيادة وجود الصورة فيه التي هي أكمل منها ثم العرض أولى بالوجود ~~فإن أولى الأشياء بالوجود هو الجوهر ثم الأعراض وفي الأعراض ترتيب في ~~الوجود أيضا # المسألة الثالثة : في أقسام العلل وأحوالها # وفي القوة والفعل وفي إثبات الكيفيات في الكمية وأن الكيفيات أعراض لا ~~جواهر : # ( 2 \ 176 ) # قد بينا في المنطق أن ms318 العلل أربع وتحقيق وجودها ههنا أن نقول : المبدأ ~~والعلة يقال لكل ما يكون قد استتم له وجوده في نفسه ثم حصل منه وجود شيء ~~آخر وتقوم به # ثم لا يخلو ذلك : # إما أن يكون كالجزء لما هو معلول له وهذا على وجهين : # إما أن يكون جزءا ليس يجب عن حصوله بالفعل أن يكون ما هو معلول له موجودا ~~بالفعل وهذا هو العنصر ومثاله الخشب للسرير فإنك تتوهم الخشب موجودا ولا ~~يلزم من وجوده وحده أن يحصل السرير بالفعل بل المعلول موجود فيه بالقوة # وإما أن يكون جزءا يجب عن حصوله بالفعل وجود المعلول له بالفعل وهذا هو ~~الصورة ومثاله الشكل والتأليف للسرير # وإن لم يكن كالجزء لما هو معلول له : # فإما أن يكون مباينا # أو ملاقيا لذات المعلول # والملاقي : فإما أن ينعت به المعلول # وإما أن ينعت بالمعلول # وهذان هما في حكم الصورة والهيولى # وإن كان مباينا : فإما أن يكون الذي منه الوجود وليس الوجود لأجله وهو الفاعل # وإما أن لا يكون منه الوجود بل لأجله الوجود وهو الغاية والغاية تتأخر في ~~حصول الوجود وتتقدم سائر العلل في السببية وفرق بين السببية والوجود في ~~الأعيان فإن المعنى له وجود في الأعيان ووجود في النفس وأمر مشترك وذلك ~~الأمر المشترك هو السببية والغاية بما هي سبب فإنها تتقدم وهي علة العلل في ~~أنها علل وبما هي موجودة في الأعيان قد تتأخر وإذا لم تكن العلة الفاعلية ~~هي بعينها الغاية كان الفاعل متأخرا في السببية عن الغاية ويشبه أن يكون ~~الحاصل عند التمييز هو أن الفاعل الأول والمحرك الأول في كل شيء هو الغاية ~~وإن كانت العلة الفاعلية هي الغاية بعينها استغنى عن تحريك الغاية فكان نفس ~~ما هو فاعل نفس ما هو محرك من غير توسط # وأما سائر العلل : فإن الفاعل والقابل قد يتقدمان المعلول بالزمان وأما ~~الصورة فلا تتقدم بالزمان البتة بل بالرتبة والشرف لأن القابل أبدا مستفيد ~~والفاعل مفيد # وقد تكون العلة علة للشيء بالذات وقد تكون بالعرض وقد ms319 تكون علة قريبة وقد ~~تكون علة بعيدة وقد تكون علة لوجود الشيء فقط وقد تكون علة لوجوده ( 2 \ ~~177 ) ولدوام وجوده فإنه إنما يحتاج إلى الفاعل لوجوده وفي حال وجوده لا ~~لعدمه السابق وفي حال عدمه فيكون الموجد الذي هو موجد للوجود والموجود هو ~~الذي يوصف بأنه موجد فكما أنه في حال ما هو موجود يوصف بأنه موجد كذلك ~~الحال في كل حال فكل موجد محتاج إلى موجد مقيم لوجوده لولاه لعدم # وأما القوة والفعل : # فالقوة تقال لمبدأ التغير في آخر من حيث آخر # وهو إما في المنفعل : وهي القوة الانفعالية # وإما في الفاعل : وهي القوة الفعلية # وقوة المنفعل : قد تكون محدودة نحو شيء واحد كقوة الماء على قبول الشكل ~~دون قوة الحفظ وفي الشمع قوة عليهما جميعا وفي الهيولى الأولى قوة الجمع ~~ولكن بتوسط شيء دون شيء # وقوة الفاعل : قد تكون محدودة نحو شيء واحد كقوة النار على الإحراق فقط # وقد تكون على أشياء كثيرة كقوة المختارين # وقد يكون في الشيء قوة على شيء ولكن يتوسط شيء دون شيء # والقوة الفعلية المحدودة إذا لاقت القوة المنفعلة حصل منها الفعل ضرورة ~~وليس كذلك في غيرها مما يستوي فيه الأضداد # وهذه القوة ليست هي التي يقابلها لما بالفعل فإن هذه تبقى موجودة عندما يفعل # والثانية : إنما تكون موجودة مع عدم الفعل وكل جسم صدر عنه فعل ليس ~~بالعرض ولا بالقسر فإنه يفعل بقوة ما فيه # أما الذي بالإرادة والاختيار فظاهر # وأما الذي ليس بالاختيار فلا يخلو : # إما أن يصدر عن ذاته بما هو ذاته # أو عن قوة في ذاته # أو عن شيء مباين # فإن صدر من ذاته بما هو جسم فيجب أن تشاركه سائر الأجسام # وإذا تميز عنها بصدور ذلك الفعل عنه فلمعنى في ذاته زائد عن الجسمية # وإن صدر عن شيء مباين فلا يخلو : # إما أن يكون جسما # أو غير جسم # فإن كان جسما فالفعل عنه يقسر لا محالة وقد فرض بلا قسر هذا خلف # وإن لم يكن جسما فتأثر ms320 الجسم عن ذلك المفارق : # إما أن يكون لكونه جسما # أو لقوة فيه # ولا يجوز أن يكون لكونه جسما وقد أبطلناه فتعين أنه لقوة فيه هي مبدأ ~~صدور ذلك الفعل عنه وذلك هو الذي نسميه القوة الطبيعية وهي التي تصدر عنه ~~الأفاعيل الجسمانية ( 2 \ 178 ) من التحيزات إلى أماكنها والتشكيلات ~~الطبيعية وإذا خليت وطباعها لم يجز أن يحدث منها زوايا مختلفة بل ولا زاوية ~~فيجب أن تكون كرة وإذا صح وجود الكرة صح وجود الدائرة # المسألة الرابعة : في المتقدم والمتأخر والقديم والحادث وإثبات المادة ~~لكل متكون : # التقدم قد يقال بالطبع وهو أن يوجد الشيء وليس الآخر بموجود ولا يوجد ~~الآخر إلا وهو موجود كالواحد والاثنين # وقد يقال بالزمان كتقدم الأب على الابن # ويقال بالرتبة وهو الأقرب إلى المبدأ الذي عين كالمتقدم في الصف الأول أن ~~يكون أقرب إلى الأمام # ويقال بالكمال والشرف كتقدم العالم على الجاهل # ويقال بالعلية لأن للعلة استحقاقا للوجود قبل المعلول وهما بما هما ذاتان ~~ليس يلزم فيهما خاصية التقدم والتأخر ولا خاصية المعية ولكن بما هما ~~متضايقان وعلة ومعلول وأن أحدهما لم يستفد الوجود من الآخر والآخر استفاد ~~الوجود منه فلا محالة كان المفيد متقدما والمستفيد متأخرا بالذات وإذا رفعت ~~العلة ارتفع المعلول لا محالة وليس إذا ارتفع المعلول ارتفعت بارتفاعه ~~العلة بل إن صح فقد كانت العلة ارتفعت أولا بعلة أخرى حتى ارتفع المعلول # واعلم بأن الشيء كما يكون محدثا بحسب الزمان كذلك قد يكون محدثا بحسب ~~الذات فإن الشيء إذا كان له في ذاته أن لا يجب له وجود بل هو باعتبار ذاته ~~ممكن الوجود مستحق للعدم لولا علته والذي بالذات يجب وجوده قبل الذي من غير ~~الذات فيكون لكل معلول في ذاته أولا أنه ليس ثم عن العلة وثانيا أنه أيس ~~فيكون كل معلول محدثا أي مستفيدا الوجود من غيره وإن كان مثلا في جميع ~~الزمان موجودا مستفيدا لذلك الوجود عن موجد فهو محدث لأن وجوده من بعد لا ~~وجوده بعدية بالذات وليس حدوثه ms321 إنما هو آن من الزمان فقط بل هو محدث في ~~الدهر كله ولا يمكن أن يكون حادثا بعد ما لم يكن في زمان إلا وقد تقدمته ~~المادة فإنه قبل وجوده ممكن الوجود # ( 2 \ 179 ) # وإمكان الوجود : # إما أن يكون معنى معدوما # أو معنى موجودا # ومحال أن يكون معدوما فإن المعدوم قبل والمعدوم مع واحد وهو قد سبقه ~~الإمكان والقبل المعدوم موجود مع وجوده فهو إذن معنى الوجود وكل معنى فإما ~~قائم لا في موضوع أو قائم في موضوع وكل ما هو قائم لا في موضوع فله وجود ~~خاص لا يجب أن يكون به مضافا وإمكان الوجود إنما هو ما هو بالإضافة إلى ما ~~هو إمكان وجود له فهو إذن معنى في موضوع وعارض لموضوع ونحن نسميه قوة ~~الوجود ونسمي حامل قوة لا وجود الذي فيه قوة وجود الشيء موضوعا وهيولى ~~ومادة وغير ذلك فإذن كل حادث فقد تقدمته المادة كما تقدمه الزمان # المسألة الخامسة : في الكلي الواحد ولواحقهما : # قال : المعنى الكلي بما هو طبيعة ومعنى كالإنسان بما هو إنسان شيء وبما ~~هو واحد أو كثير خاص أو عام شيء آخر بل هذه المعاني عوارض تلزمه لا من حيث ~~هو إنسان بل من حيث هو في الذهن أو في الخارج # وإذ قد عرفت ذلك فقد يقال : كلي للإنسانية بل شرط وهو بهذا الاعتبار ~~موجود بالفعل في الأشياء وهو محمول على كل واحد لا على أنه واحد بالذات ولا ~~على أنه كثير # وقد يقال : كلي للإنسانية بشرط أنها مقولة على كثيرين وهو بهذا الاعتبار ~~ليس موجودا بالفعل في الأشياء فبين ظاهر أن الإنسان إذا اكتنفته الأعراض ~~المشخصة لم تكتنفه أعراض شخص آخر حتى يكون ذلك بعينه في شخص زيد وعمرو فلا ~~كلي عام في الوجود بل الكلي العام بالفعل إنما هو في العقل وهو الصورة التي ~~في العقل كنقش واحد تنطبق عليه صورة وصورة # ثم الواحد : يقال لما هو غير منقسم من الجهة التي قيل له منها إنه واحد : # ومنه ما لا ms322 ينقسم في الجنس # ومنه ما لا ينقسم في النوع # ومنه ما لا ينقسم بالعرض العام كالغراب والقار في السواد # ومنه ما لا ينقسم بالمناسبة كنسبة العقل إلى النفس # ومنه ما لا ينقسم في العدد # ومنه ما لا ينقسم في الحد # والواحد بالعدد : # إما أن يكون فيه كثرة بالفعل فيكون ( 2 \ 180 ) واحدا بالتركيب والاجتماع # وإما أن لا يكون ولكن فيه كثرة بالقوة فيكون واحدا بالاتصال وإن لم يكن ~~فيه ذلك فهو الواحد بالعدد على الإطلاق والكثير يكون على الإطلاق وهو العدد ~~الذي بإزاء الواحد كما ذكرنا # والكثير بالإضافة : هو الذي يترتب بإزائه القليل فأقل العدد اثنان # وأما لواحق الواحد : # فالمشابهة : وهي اتحاد في الكيفية # والمساواة : هي اتحاد في الكمية # والمجانسة : اتحاد في الجنس # والمشاكلة : اتحاد في النوع # والموازة : اتحاد في وضع الأجزاء # والمطابقة : اتحاد في الأطراف # والهو : هو حال بين اثنين جعلا اثنين في الوضع يصير بها بينهما اتحاد ~~بنوع ما ويقابل كل واحد منها باب الكثير مقابل # المسألة السادسة : في تعريف واجب بذاته # وأنه لا يكون بذاته وبغيره معا وأنه لا كثرة في ذاته بوجه وأنه خير محض ~~وحق محض وأنه واحد من وجوه شتى ولا يجوز أن يكون اثنان واجبي الوجود وفي ~~إثبات واجب الوجود بذاته : # قال : واجب الوجود : معناه ضروري الوجود # وممكن الوجود : معناه أنه ليس فيه ضرورة لا في وجوده ولا في عدمه # ثم إن واجب الوجود قد يكون بذاته وقد لا يكون بذاته # والقسم الأول : هو الذي وجوده لذاته لا لشيء آخر # والثاني : هو الذي وجوده لشيء آخر أي شيء كان ولو وضع ذلك الشيء صار واجب ~~الوجود مثل الأربعة واجبة الوجود لا بذاتها ولكن عند وضع اثنين واثنين # ولا يجوز أن يكون شيء واحد واجب الوجود بذاته وبغيره معا فإنه إن رفع ذلك ~~الغير لم يخل : # إما أن يبقى وجوب وجوده # أو لم يبق # فإن بقي فلا يكون واجبا بغيره # وإن لم يبق فلا يكون واجبا بذاته # فكل ما هو واجب الوجود بغيره فهو ms323 ممكن الوجود بذاته فإن وجوب وجوده تابع ~~لنسبة ما وهي اعبتار غير اعتبار نفس ذات الشيء فاعتبار الذات وحدها : # إما أن يكون مقتضيا ( 2 \ 181 ) لوجوب الوجود وقد أبطلناه # وإما أن يكون مقتضيا لامتناع الوجود وما امتنع بذاته لم يوجد بغيره # وإما أن يكون مقتضيا لامكان الوجود وهو الباقي وذلك إنما يجب وجوده بغيره ~~لأنه إن لم يجب كان بعد ممكن الوجود لم يترجح وجوده على عدمه ولا يكون بين ~~هذه الحالة والأولى فرق # فإن قيل : تجددت حالة فالسؤال عنها كذلك # ثم واجب الوجود بذاته لا يجوز أن يكون لذاته مبادئ تجتمع فيتقوم منها ~~واجب الوجود لا أجزاء كمية ولا أجزاء حد سواء كانت كالمادة والصورة أو كانت ~~على وجه آخر بأن تكون أجزاء القول الشارح لمعنى اسمه يدل كل واحد منها على ~~شيء هو في الوجود غير الآخر بذاته وذلك لأن كل ما هذا صفته فذات كل جزء منه ~~ليس هو ذات الآخر ولا ذات المجتمع وقد وضح أن الأجزاء بالذات أقدم من الكل ~~فتكون العلة الموجبة للوجود علة للأجزاء ثم للكل ولا يكون شيء منها بواجب الوجود # وليس يمكننا أن نقول : إن الكل أقدم بالذات من الأجزاء فهو إما متأخر ~~وإما معا فقد اتضح أن واجب الوجود ليس بجسم ولا مادة في جسم ولا صورة في ~~جسم ولا مادة معقولة لقبول صورة معقولة ولا صورة معقولة في مادة معقولة ولا ~~قسمة له لا في الكم ولا في المبادئ ولا في القول فهو واجب الوجود من جميع ~~جهاته إذ هو واحد من كل وجه فلا جهة وجهة # وأيضا : فإن قدر أن يكون واجبا من جهة ممكنا من جهة كان إمكانه متعلقا ~~بواجب فلم يكن واجب الوجود بذاته مطلقا فينبغي أن يتفطن من هذا لأن واجب ~~الوجود لا يتأخر عن وجوده وجود له منتظر بل كل ما هو ممكن له فهو واجب له ~~فلا له إرادة منتظرة ولا علم منتظر ولا طبيعة ولا صفة من الصفات التي تكون ~~لذاته منتظرة ms324 وهو خير محض وكمال محض والخير بالجملة هو ما يتشوقه كل شيء ~~ويتم به وجود كل شيء والشر لا ذات له بل هو إما عدم جوهر أو عدم صلاح حال ~~للجوهر فالوجود خيرية وكمال الوجود كمال الخيرية والوجود الذي لا يقارنه ~~عدم لا عدم جوهر ولا عدم حال للجوهر بل هو دائم بالفعل فهو خير محض والممكن ~~بذاته ليس خيرا محضا لأن ( 2 \ 182 ) ذاته تحتمل العدم وواجب الوجود هو حق ~~محض لأن حقيقة كل شيء خصوصية وجوده الذي يثبت له فلا أحق إذن من واجب الوجود # وقد يقال حق أيضا لما يكون الاعتقاد بوجوده صادقا فلا أحق بهذه الصفة مما ~~يكون الاعتقاد بوجوده صادقا ومع صدقه دائما ومع دوامه لذاته لا لغيره وهو ~~واحد محض لأنه لا يجوز أن يكون نوع واجب الوجود لغير ذاته لأن وجود نوعه له ~~بعينه : إما أن تقتضيه ذات نوعه أو لا تقتضيه ذات نوعه بل تقتضيه علة # فإن كان وجود نوعه مقتضى ذات نوعه لم يوجد إلا له وإن كان لعلة فهو معلول ~~فهو إذن تام في وحدانيته وواحد من جهة تمامية وجوده وواحد من جهة أن حده له ~~وواحد من جهة أنه لا ينقسم لا بالكم ولا بالمبادئ المقومة له ولا بأجزاء ~~الحد وواحد من جهة أن لكل شيء وحدة محضة وبها كمال حقيقته الذاتية وواحد من ~~جهة أن مرتبته من الوجود وهو وجوب الوجود ليس إلا له فلا يجوز أن يكون ~~اثنان كل واحد منهما واجب الوجود بذاته فيكون وجوب الوجود مشتركا فيه على ~~أن يكون جنسا أو عارضا ويقع الفصل بشيء آخر إذ يلزم التركيب في ذات كل واحد ~~منهما بل ولا تظن أنه موجود وله ماهية وراء الوجود كطبيعة الحيوان واللون ~~مثلا الجنسين اللذين يحتاجان إلى فصل وفصل حتى يتقررا في وجودهما لأن تلك ~~الطبائع حلولة وإنما يحتاجان لا في نفس الحيوانية واللونية المشتركة بل في ~~الوجود وههنا فوجوب الوجود هو الماهية وهو مكان الحيوانية واللونية ~~المشتركة بل في ms325 الوجود وههنا فوجوب الوجود هو الماهية وهو مكان الحيوانية ~~التي لا تحتاج إلى فصل في أن يكون حيوانا بل في أن يكون موجودا # ولا تظن أن واجبي الوجود لا يشتركان في شيء ما كيف وهما يشتركان في وجوب ~~الوجود ويشتركان في البراءة عن الموضوع فإن كان واجب الوجود يقال عليهما ~~بالاشتراك فكلامنا ليس في منع كثرة اللفظ والاسم بل في معنى واحد من معاني ~~ذلك الاسم # وإن كان بالتواطؤ فقد حصل معنى عام لازم أو عموم جنس وقد بينا استحالة ~~هذا ( 2 \ 183 ) وكيف يكون عموم وجوب الوجود لشيئين على سبيل اللوازم التي ~~تعرض من خارج واللوازم معلولة ؟ # وإما إثبات واجب الوجود فليس يمكن إلا ببرهان إن وهو الاستدلال بالممكن ~~على الواجب # فنقول : كل جملة من حيث إنها جملة سواء كانت متناهية أو غير متناهية إذا ~~كانت مركبة من ممكنات فإنها لا تخلو : # إما أن تكون واجبة بذاتها # أو ممكنة بذاتها # فإن كانت واجبة الوجود بذاتها وكل واحد منها ممكن الوجود يكون واجب ~~الوجود يتقوم بممكنات الوجود هذا خلف # وإن كانت ممكنة الوجود بذاتها فالجملة محتاجة في الوجود إلى مفيد للوجود : # فإما أن يكون المفيد خارجا عنها # أو داخلا فيها # فإن كان داخلا فيها فيكون واحد منها واجب الوجود وكان كل واحد منهما ممكن ~~الوجود هذا خلف فتعين أن المفيد يجب أن يكون خارجا عنها وذلك هو المطلوب # المسألة السابعة : في أن واجب الوجود عقل وعاقل ومعقول # وأنه يعقل ذاته والأشياء وصفاته الإيجابيه والسلبية لا توجب كثرة في ذاته ~~وكيفية صدور الأفعال عنه : # قال : العقل يقال على كل مجرد عن المادة وإذا كان مجردا بذاته عن المادة ~~فهو عقل لذاته وواجب الوجوب مجرد بذاته عن المادة فهو عقل لذاته # وبما يعتبر له أن هويته المجردة لذاته فهو معقول لذاته وبما يعتبر له أن ~~ذاته له هوية مجردة فهو عاقل لذاته وكونه عاقلا ومعقولا لا يوجب أن يكون ~~اثنين في الذات ولا اثنين في الاعتبار فإنه ليس تحصيل الأمرين إلا أنه ms326 له ~~ماهية مجردة وأنه ماهية مجردة ذاته له وهنا تقديم وتأخير في ترتيب المعاني ~~في عقولنا والغرض المحصل هو شيء واحد وكذلك عقلنا لذاتنا هو نفس الذات وإذا ~~عقلنا شيئا فلسنا نعقل أن نعقل بعقل آخر لأن ذلك يؤدي إلى التسلسل # ثم لما لم يكن جمال وبهاء فوق جمال وبهاء فوق جمال وبهاء لماهية عقلية ~~صرفة وخيرية محضة بريئة عن المواد وأنحاء النقص واحدة من كل جهة ولم يسلم ~~ذلك بكنهه إلا لواجب الوجود فهو الجمال ( 2 \ 184 ) المحض والبهاء المحض ~~وكل جمال وبهاء وملائم وخير فهو محبوب معشوق وكلما كان الإدراك أشد اكتناها ~~والمدرك أجمل ذاتا فحب القوة المدركة له وعشقها له والتذاذها به كان أشد ~~وأكثر فهو أفضل مدرك بأفضل إدراك لأفضل مدرك وهو عاشق لذاته ومعشوق لذاته ~~عشق من غيره أو لم يعشق # وأنت تعلم أن إدراك العقل للمعقول أقوى من إدراك الحس للمحسوس لأن العقل ~~إنما يدرك الأمر الباقي ويتحد به ويصير هو هو ويدركه بكنهه لا بظاهره ولا ~~كذلك الحس فاللذة التي لنا تعني بأن نعقل فوق اللذة التي لنا بأن نحس لكنه ~~قد يعرض أن تكون القوة الداركة لا تستلذ بالملائم لعوارض كالممرور يستمر ~~العسل لعارض # واعلم أن واجب الوجود ليس يجوز أن يعقل الأشياء من الأشياء وإلا فذاته ~~إما متقومة بما يعقل أو عارض لها أن يعقل وذلك محال بل كما أنه مبدأ كل ~~وجود فيعقل من ذاته ما هو مبدأ له وهو مبدأ للموجودات التامة بأعيانها # والموجودات الكائنة الفاسدة بأنواعها أولا وبتوسط ذلك بأشخاصها ولا يجوز ~~أن يكون عاقلا لهذه المتغيرات مع تغيرها حتى يكون تارة يعقل منها أنها ~~موجودة غير معدومة وتارة يعقل منها أنها معدومة غير موجودة ولكل واحد من ~~الأمرين صورة عقلية على حدة ولا واحد من الصورتين يبقى مع الثانية فيكون ~~واجب الوجود متغير الذات بل واجب الوجود إنما يعقل كل شيء على نحو فعلي كلي ~~ومع ذلك فلا يعزب عنه شيء شخصي ف ( لا يعزب عنه مثقال ms327 ذرة في السموات ولا ~~في الأرض ) # وأما كيفية ذلك : فلأنه إذا عقل ذاته وعقل مبدأ كل موجود عقل أوائل ~~الموجودات وما يتولد عنها ولا شيء من الأشياء يوجد إلا وقد صار من جهة ما ~~واجبا بسببه فتكون الأسباب بمصادماتها تتأذى إلى أن يوجد عنها الأمور ~~الجزئية فالأول يعلم الأسباب ومطابقاتها فيعلم ضرورة ما تتأدى إليه وما ~~بينها من الأزمنة وما لها من العودات فيكون مدركا للأمور الجزئية من حيث هي ~~كلية أعني من حيث لها صفات وإن تخصصت بها شخصا فبالإضافة إلى زمان متشخص أو ~~حال متشخصة # وكونه يعقل ذاته ونظام الخير الموجود في الكل ( 2 \ 185 ) ونفس مدركة من ~~الكل هو سبب لوجود الكل ومبدأ له وإبداع وإيجاد ولا يستبعد هذا فإن الصورة ~~المعقولة التي تحدت فينا تصير سببا للصورة الموجودة الصناعية ولو كانت بنفس ~~وجودها كافية لأن تتكون منها الصورة الصناعية دون آلات وأسباب لكان المعقول ~~عندنا هو بعينه الإرادة والقدرة وهو العقل المقتضي لوجوده فواجب الوجود ~~ليست إرادته وقدرته مغايرة لعلمه لكن القدرة التي له هو كون ذاته عاقلة ~~للكل عقلا هو مبدأ الكل لا مأخوذا عن الكل ومبدأ بذاته لا متوقفا على غرض ~~وذلك هو الإرادة وهو جواد بذاته وذلك هو بعينه قدرته وإرادته وعلمه فالصفات : # منها ما هو بهذه الصفة أي أنه موجود مع هذه الإضافة # ومنها ما له هذا الوجود مع سلب فمن لم يتحاش عن إطلاق لفظ الجوهر لم يعن ~~به إلا هذا الوجود مع سلب الكون في موضوع # وهو واحد أي مسلوب عنه القسمة بالكم أو القول أو مسلوب عنه الشريك وهو ~~عقل وعاقل ومعقول أي مسلوب عنه جواز مخالطة المادة وعلائقها مع اعتبار ~~إضافة ما # وهو أول أي مسلوب عنه الحدوث مع إضافة وجوده إلى الكل # وهو مريد أي واجب الوجود مع عقليته أي سلب المادة عنه مبدأ لنظام الخير كله # وهو جواد أي هو بهذه الصفة بزيادة سلب أي لا ينحو غرضا لذاته فصفاته إما ~~إضافية محضة وإما سلبية محضة ms328 وإما مؤلفة من إضافة وسلب وذلك لا يوجب تكثرا ~~في ذاته # قال : وإذا عرفت أنه واجب الوجود وأنه مبدأ لكل موجود فما يجوز عنه يجب ~~أن يوجد وذلك أن الجائز أن يوجد وأن لا يوجد إذا تخصص بالوجود منه احتاج ~~إلى مرجح لجانب الوجود # والمرجح إذا كان على الحال التي كان عليها قبل الترجيح ولم يعرض البتة ~~شيء فيه ولا مباين عنه يقتضي الترجيح في هذا الوقت دون وقت قبله أو بعده ~~وكان الأمر على ما كان عليه لم يكن مرجحا إذ كان التعطل عن الفعل والفعل ~~عنده بمثابة واحدة فلا بد وأن يعرض له شيء وذلك لا يخلو : # إما أن يعرض في ذاته وذلك يوجب التغير وقد قدمنا أن واجب الوجود لا يتغير ~~ولا يتكثر # وإما أن يعرض مباينا من ذاته والكلام ( 2 \ 186 ) في ذلك المباين كالكلام ~~في سائر الأفعال # قال : والعقل الصريح الذي لم يكذب يشهد أن الذات الواحدة إذا كانت من ~~جميع جهاتها واحدة وهي كما كانت وكان لا يوجد عنها شيء فيما قبل وهي الآن ~~كذلك فالآن لا يوجد عنها شيء فإذا صار الآن يوجد عنها شيء فقد حدث أمر لا ~~محالة من قصد أو إرادة أو طبع أو قدرة أو تمكن أو غرض ولأن الممكن أن يوجد ~~وأن لا يوجد لا يخرج إلى الفعل ولا يترجح له أن يوجد إلا بسلب وإذا كانت ~~هذه الذات موجودة ولا ترجح ولا يجب عنها الترجيح ثم رجح فلا بد من حادث ~~موجب الترجيح في هذه الذات وإلا كانت نسبتها إلى ذلك الممكن على ما كانت ~~قبل ولم تحدث لها نسبة أخرى فيكون الأمر بحاله ويكون الإمكان إمكانا صرفا بحاله # وإذا حدثت لها نسبة فقد حدث أمر ولا بد من أن يحدث في ذاته أو مباينا عن ~~ذاته وقد بينا استحالة ذلك # وبالجملة فإنا نطلب النسبة الموقعة لوجود كل حادث في ذاته أو مباين عن ~~ذاته ولا نسبة أصلا فيلزم أن لا يحدث شيء أصلا وقد حدث فعلم ms329 أنه إنما حدث ~~بإيجاب من ذاته وأنه سبقه لا بزمان ووقت ولا تقدير زمان بل سبقا ذاتيا من ~~حيث إنه هو الواجب لذاته وكل ممكن بذاته فهو محتاج إلى الواجب لذاته ~~فالممكن مسبوق بالواجب فقط والمبدع مسبوق بالمبدع فقط لا بالزمان # المسألة الثامنة : في أن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد # وفي ترتيب وجود العقول والنفوس والأجرام العلوية وأن المحرك القريب ~~للسماويات نفس والمبدأ الأعلى عقل وحال تكون الأسطقسات عن العلل : # إذا صح أن واجب الوجود بذاته واحد من جميع جهاته فلا يجوز أن يصدر عنه ~~إلا واحد ولو لزم عنه شيئان متباينان بالذات والحقيقة لزوما معا فإنما ~~يلزمان عن جهتين مختلفتين في ذاته ولو كانت الجهتان لازمتين لذاته فالسؤال ~~في لزومهما ثابت حتى يكونا من ذاته فتكون ذاته منقسمة بالمعنى وقد منعناه ~~وبينا فساده فتبين أن أول ( 2 \ 187 ) الموجودات عن الأول واحد بالعدد ~~وذاته وماهيته وحدة لا في مادة وقد بينا أن كل ذات لا في مادة فهي عقل # وأنت تعلم أن في الموجودات أجساما وكل جسم ممكن الوجود في حيز نفسه وأنه ~~يجب بغيره وعلمت أنه لا سبيل إلى أن يكون عن الأول بغير واسطة # وعلمت أن الواسطة واحدة فبالحري أن تكون عنها المبدعات الثانية والثالثة ~~وغيرها بسبب إثنينية فيها ضرورة فالمعلول الأول ممكن الوجود بذاته وواجب ~~الوجود بالأول ووجوب وجوده بأنه عقل وهو يعقل ذاته ويعقل الأول ضرورة وليست ~~هذه الكثرة له من الأول فإن إمكان وجوده له بذاته لا بسبب الأول بل له من ~~الأول وجوب وجوده ثم كثرة أنه يعقل الأول ويعقل ذاته كثرة لازمة لوجوب ~~وجوده عن الأول وهذه كثرة إضافية ليست في أول وجوده وداخلة في مبدأ قوامه ~~ولولا هذه الكثرة لكان لا يمكن أن يوجد منها إلا واحدة ولكان يتسلسل الوجود ~~من وحدات فقط فما كان يوجد جسم فالعقل الأول يلزم عنه بما يعقل الأول وجود ~~عقل تحته وبما يعقل ذاته وجود صورة الفلك وكماله وهي النفس وبطبيعة إمكان ~~الوجود الخاصية ms330 له المندرجة فيما يعقله لذاته وجود جرمية الفلك الأعلى ~~المندرجة في جملة ذات الفلك الأعلى بنوعه وهو الأمر المشارك للقوة فيما ~~يعقل الأول يلزم عنه عقل وبما يختص بذاته على جهتيه الكثرة الأولى بجزأيها ~~أعني المادة والصورة والمادة بتوسط الصورة أو بمشاركتها # كما أن إمكان الوجود يخرج إلى الفعل بالعقل الذي يحاذي صورة الفلك وكذلك ~~الحال في عقل عقل وفلك فلك إلى أن ينتهي العقل إلى العقل الفعال الذي يدبر أنفسنا # وليس يجب أن يذهب هذا المعنى إلى غير النهاية حتى يكون تحت كل مفارق ~~مفارق فإنه إن لزم كثرة عن العقول فبسبب المعاني التي فيها من الكثرة # وقولنا : هذا ليس ينعكس حتى يكون كل عقل فيه هذه الكثرة فتلزم كثرته هذه ~~المعلومات ولا هذه العقول متفقة الأنواع حتى يكون مقتضى معانيها متفقا ومن ~~المعلوم أن الأفلاك كثيرة فوق العدد الذي في المعلول الأول فليس يجوز أن ~~يكون مبدؤها واحدا هو المعلول الأول # ( 2 \ 188 ) # ولا أيضا يجوز أن يكون كل جرم متقدم منها علة للمتأخر لأن الجرم بما هو ~~جرم مركب من مادة وصورة فلو كان علة لجرم لكان بمشاركة المادة والمادة لها ~~طبيعة عدمية والعدم ليس مبدأ للوجود فلا يجوز أن يكون جرم مبدأ للوجود فلا ~~يجوز أن يكون جرم مبدأ لجرم # ولا يجوز أن يكون مبدؤها قوة نفسانية هي صورة الجرم وكماله إذ كل نفس لكل ~~فلك فهي كماله وصورته ليس جوهرا مفارقا وإلا كان عقلا وأنفس الأفلاك إنما ~~تصدر عنها أفعالها في أجسام أخرى بوساطة أجسامها ومشاركتها وقد بينا أن ~~الجسم من حيث هو جسم لا يكون مبدأ لجسم ولا يكون متوسطا بين نفس ونفس ولو ~~أن نفسا كانت مبدأ لنفس بغير توسط الجسم فلها انفراد قوام من دون الجسم ~~وليست النفس الفلكية كذلك فلا تفعل شيئا ولا تفعل جسما فإن النفس متقدمة ~~على الجسم في المرتبة والكمال فتعين أن للأفلاك مبادئ غير جرمانية وغير صور ~~للأجرام والجميع مشترك في مبدأ واحد وهو الذي نسميه المعلول ms331 الأول والعقل ~~المجرد ويختص كل فلك بمبدأ خاص فيه ويلزم دائما عقل من عقل حتى تتكون ~~الأفلاك بأجرامها ونفوسها وعقولها وينتهي بالفلك الأخير ويقف حيث يمكن أن ~~تحدث الجواهر العقلية منقسمة متكثرة بالعدد لتكثر الأسباب فكل عقل هو أعلى ~~في المرتبة فإنه لمعنى فيه وهو أنه بما يعقل الأول يجب عنه وجود عقل آخر ~~دونه وبما يعقل ذاته يجب عنه فلك بنفسه فأما جرم الفلك فمن حيث إنه يعقل ~~بذاته الممكن لذاته وأما نفس الفلك فمن حيث إنه يعقل ذاته الواجب بغيره ~~ويستبقي الجرم بتوسط النفس الفلكية فإن كل صورة فهي علة لكون مادتها بالفعل ~~والمادة بنفسها لا قوام لها كما أن الإمكان نفسه لا وجود له وإذا استوفت ~~الكرات السماوية عددها لزم بعدها وجود الأسطقسات ولما كانت الأجسام ~~الأسطقسية كائنة فاسدة وجب أن تكون مبادؤها متغيرة فلا يكون ما هو عقل محض ~~وحده سببا لوجودها # ولما كانت لها مادة مشتركة وصور مختلفة فيها وجب أن يكون اختلاف صورها ~~مما ( 2 \ 189 ) تعين فيه اختلاف في أحوال الأفلاك واتفاق مادتها مما تعين ~~فيه اتفاق في أحوال الأفلاك فالأفلاك لما اتفقت في طبيعة اقتضاء الحركة ~~المستديرة كما تبين كان مقتضاها وجود المادة # ولما اختلفت في أنواع الحركات كان مقتضاها تهيؤ المادة للصور المختلفة ثم ~~إن العقول المفارقة بل آخرها الذي يلينا هو الذي يفيض عنه بمشاركة الحركات ~~السماوية شيء فيه رسم صور العالم الأسفل من جهة الانفعال كما أن في ذلك ~~العقل رسم الصور على جهة الفعل ثم يفيض منه الصور فيها بالتخصيص بمشاركة ~~الأجرام السماوية فيكون إذا خصص هذا الشيء تأثير من التأثيرات السماوية بلا ~~واسطة جسم عنصري أو بواسطة تجعله على استعداد خاص بعد العام الذي كان في ~~جوهره فاض عن هذا المفارق صورة خاصة وارتسمت في تلك المادة وأن تعلم أن ~~الواحد لا يخصص الواحد من حيث كل واحد منهما واحد بأمر دون أمر يكون له إلا ~~أن يكون هناك مخصصات مختلفة وهي معدات المادة والمعد هو الذي ms332 يحدث منه في ~~المستعد أمر ما تصير مناسبته لشيء بعينه أولى من مناسبته لشيء آخر ويكون ~~هذا الإعداد مرجحا لوجود ما هو أولى منه من الأوائل الواهبة للصور # ولو كانت المادة على التهيؤ الأول تشابهت نسبتها إلى الضدين فلا يجب أن ~~يختص بصورة دون صورة # قال : والأشبه أن يقال : إن المادة التي تحدث بالشركة يفيض عليها من ~~الأجرام السماوية إما عن أربعة أجرام أو عن عدة منحصرة في أربع أو عن جرم ~~واحد تكون له نسب مختلفة انقساما من الأسباب منحصرة في أربع فتحدث منها ~~العناصر الأربعة وانقسمت بالخفة والثقل فما هو الخفيف المطلق فميله إلى ~~الفوق وما هو الثقيل المطلق فميله إلى الأسفل وما هو الخفيف والثقيل ~~بالإضافة فبينهما # وأما وجود المركبات من العناصر فبتوسط الحركات السماوية وسنذكر أقسامها ~~وتوابعها # وأما وجود الأنفس الإنسانية التي تحدث مع حدوث الأبدان ولا تفسد فإنها ~~كثير مع وحدة النوع والمعلول الأول الواحد بالذات فيه معان متكثرة بها تصدر ~~عنه العقول والنفوس كما ذكرنا ولا يجوز أن تكون تلك المعاني كثيرة متفقة ~~النوع والحقائق حتى تصدر عنها كثرة متفقة ( 2 \ 190 ) النوع فإنه يلزم أن ~~تكون فيه مادة يشترك فيها وصور تتخالف وتتكثر بل فيه معان مختلفة الحقائق ~~يقتضي كل معنى شيئا غير ما يقتضيه الآخر في النوع فلم يلزم كل واحد منهما ~~ما يلزم الآخر # فالنفوس الأرضية كائنة عن المعلول الأول بتوسط علة أو علل أخرى وأسباب من ~~الأمزجة والمواد وهي غاية ما ينتهي إليها في الإبداع # ونبتدئ القول في الحركات وأسبابها ولوازمها : # اعلم أن الحركة لا تكون طبيعية للجسم على حالته الطبيعية وكل حركة بالطبع ~~فلحالة مفارقة للطبع غير طبيعية إذ لو كان شيء من الحركات مقتضى طبيعة ~~الشيء لما كان باطل الذات مع بقاء الطبيعة بل الحركة إنما تقتضيها الطبيعة ~~لوجود حال غير طبيعية : إما في الكيف وإما في الكم وإما في المكان وإما في ~~الوضع وإما في مقولة أخرى والعلة في تجدد حركة بعد حركة تجدد الحال الغير ~~الطبيعية ms333 وتقدير البعد عن الغاية # فإذا كان الأمر كذلك لم تكن حركة مستديرة عن طبيعة وإلا كانت عن حال غير ~~طبيعية إلى حال طبيعية إذا وصلت إليها سكنت ولم يجز أن يكون فيها بعينها ~~قصد إلى تلك الحالة الغير الطبيعية لأن الطبيعية ليست تفعل باختيار بل على ~~سبيل التسخير # فإن كانت الطبيعية تحرك على الاستدارة فهي تحرك لا محالة : إما عن أين ~~طبيعي أو وضع غير طبيعي هربا طبيعيا عنه وكل هرب طبيعي عن شيء فمحال أن ~~يكون هو بعينه قصدا طبيعيا إليه # والحركة المستديرة ليست تهرب عن شيء إلا وتقصده فليست إذن طبيعية إلا ~~أنها قد تكون بالطبع وإن لم تكن قوة طبيعية كانت شيئا بالطبع وإنما تحرك ~~بتوسط الميل الذي إليه # ونقول : إن الحركة معنى متجدد السبب وكل شطر منه مختص بسبب فإنه لا ثبات ~~له ولا يجوز أن يكون عن معنى ثابت البتة وحده ولو كان فيجب أن ( 2 \ 191 ) ~~يلحقه ضرب من تبدل الأحوال فالثابت من جهة ما هو ثابت يكون عنه إلا ثابت ~~فالإرادة العقلية الواحدة لا توجب البتة حركة فإنها مجردة عن جميع أصناف ~~التغير والقوة العقلية حاضرة المعقول دائما ولا يفرض فيها الانتقال من ~~معقول إلى معقول إلا مشاركا للتخيل والحس فلابد للحركة من مبدأ قريب ~~والحركة المستديرة مبدؤها القريب نفس في الفلك تتجدد تصوراتها وإرادتها وهي ~~كمال جسم الفلك وصورته ولو كانت قائمة بنفسها من كل وجه لكانت عقلا محضا لا ~~يتغير ولا ينتقل ولا يخالط ما بالقوة بل نسبتها إلى الفلك نسبة النفس ~~الحيوانية التي لنا إليها إلا أن لها أن تعقل بوجه ما تعقلا مشوبا بالمادة # وبالجملة أوهامها أو ما يشبه الأوهام صادقة وتخيلاتها أو ما يشبه ~~التخيلات حقيقة كالفعل العقلي فينا والمحرك الأول لها غير مادي أصلا وإنما ~~تتحرك عن قوة غير متناهية والقوة التي للنفس متناهية لكنها بما تعقل الأول ~~فيسيح عليها نوره دائما صارت قوتها غير متناهية فكانت الحركات المستديرة ~~أيضا غير متناهية # والأجرام السماوية لما لم يبق ms334 في جوهرها أمر ما بالقوة أعني في كمها ~~وكيفها تركبت صورتها في مادتها على وجه لا يقبل التحليل ولكن عرض لها في ~~وضعها وأينها ما بالقوة إذ ليس شيء من أجزاء مدار فلكي أو كوكب أولى بأن ~~يكون ملاقيا له أو لجزئه من جزء آخر فمتى كان في جزء بالفعل فهو في جزء آخر ~~بالقوة والتشبه بالخير الأقصى يوجب البقاء على أكمل كمال ولم يكن هذا ممكنا ~~للجرم السماوي بالعدد فحفظ بالنوع والتعاقب فصارت الحركة حافظة لما يكون من ~~هذا الكمال ومبدؤها الشوق إلى التشبه بالخير الأقصى في البقاء على الكمال ~~ومبدأ الشوق هو ما يعقل منه فنفس الشوق إلى التشبه بالأول من حيث هو بالفعل ~~تصدر عنه الحركات الفلكية صدور الشيء عن التصور الموجب له وإن كان غير ~~مقصود في ذاته بالقصد الأول لأن ذلك تصور لما بالفعل فيحدث عنه طلب لما ~~بالفعل ولا يمكن لما بالشخص فيكون بالتعاقب ثم يتبع ذلك التصور تصورات ~~جزئية على سبيل الانبعاث إلى المقصود الأول وتتبع تلك التصورات ( 2 \ 192 ) ~~الحركات المنتقل بها في الأوضاع وهي كأنها عبادة ملكية أو فلكية # وليس من شرط الحركة الإرادية أن تكون مقصودة في نفسها بل إذا كانت القوة ~~الشوقية تشتاق نحو أمر يسيح منها تأثير تتحرك له الأعضاء فتارة على النحو ~~الذي يوصل به إلى الغرض وتارة على نحو آخر متشابه # وإذا بلغ الالتذاذ بتعقل المبدأ الأول وبما يدرك منه على نحو عقلي أو ~~نفساني شغل ذلك عن كل شيء ولكن ينبعث منه ما هو أدون منه في المرتبة وهو ~~الشوق إلى الأشبه به بقدر الإمكان # فقد عرفت أن الفلك متحرك بطبعه ومتحرك بالنفس ومتحرك بقوة عقلية غير ~~متناهية وتميزت عندك كل حركة عن صاحبتها # وعرفت أن المحرك الأول لجملة السماء واحد ولكل كرة من كرات السماء محرك ~~قريب يخصه ومتشوق معشوق يخصه فأول المفارقات الخاصة محرك الكرة الأولى وهي ~~على قول من تقدم بطليموس كرة الثوابت وعلى قول بطليموس كرة خارجة عنها ~~محيطة بها غير ms335 مكوكبة وبعد ذلك محرك الكرة التي تلي الأولى ولكل واحدة مبدأ ~~خاص وللكل مبدأ فلذلك تشترك الأفلاك في دوام الحركة وفي الاستدارة ولا يجوز ~~أن يكون شيء منها لأجل الكائنات السافلة لا قصد حركة ولا قصد جهة حركة ولا ~~تقدير سرعة وبطء بل ولا قصد فعل البتة لأجلها وذلك أن كل قصد فيكون من أجل ~~المقصود ويكون أنقص وجودا من المقصود لأن كل ما لأجله شيء آخر فهو أتم ~~وجودا من الآخر # ولا يجوز أن يستفاد الوجود الأكمل من الشيء الخس فلا يكون البتة إلى ~~معلول قصد صادق وإلا كان القصد معطيا ومفيدا لوجود ما هو أكمل إنما يقصد ~~بالواجب شيء يكون القصد مهيئا له ومفيد وجوده شيء آخر وكل قصد ليس عبثا ~~فإنه يفيد كمالا ما لقاصد لو لم يقصد لم يكن ذلك الكمال ومحال أن يكون ~~المعلول المستكمل وجوده بالعلة يفيد العلة كمالا لم يكن # فالعالي إذن لا يريد أمرا لأجل السافل وإنما يريده لما هو أعلى منه وهو ~~التشبه بالأول بقدر الإمكان # ولا يجوز أن يكون الغرض تشبها بجسم من ( 2 \ 193 ) الأجسام السماوية وإن ~~كان تشبه السافل بالعالي إذ لو كان كذلك لكانت الحركة من نوع حركة ذلك ~~الجسم ولم يكن مخالفا له وأسرع في كثير من المواضع # ولا يجوز أن يكون الغرض شيئا يوصل إليه بالحركة بل شيئا مباينا غير جواهر ~~الأفلاك من موادها وأنفسها # وبقي أن يكون لكل واحد من الأفلاك شوق تشبه بجوهر عقلي مفارق يخصه وتختلف ~~الحركات وأفعالها وأحوالها اختلافها الذي لها لأجل ذلك وإن كنا لا نعرف ~~كيفيتها وكميتها وتكون العلة الأولى متشوق الجميع بالاشتراك وهذا معنى قول ~~القدماء : إن للكل محركا واحدا معشوقا ولكل كرة محركا يخصها ومعشوقا يخصها ~~فيكون إذن لكل فلك نفس محركة تعقل الخير ولها بسبب الجسم تخيل أي تصور ~~للجزئيات وإرادة لها ثم يلزمها حركات ما دونها لزوما بالقصد الأول حتى ~~تنتهي إلى حركات الفلك الذي يلينا ومدبرها العقل الفعال ويلزم الحركات ~~السماوية حركات العناصر على ms336 مثال تناسب حركات الأفلاك وتعد تلك الحركات ~~موادها لقبول الفيض من العقل الفعال فيعطيها صورها على قدر استعدادتها كما ~~قررنا فقد تبين لك أسباب الحركات ولوازمها وستعلم بواقيها في الطبيعات # المسألة التاسعة : في العناية الأزلية وبيان دخول الشر في القضاء : # قال : العناية : هي كون الأول عالما لذاته بما عليه الوجود من نظام وعلة ~~لذاته للخير والكمال بحسب الإمكان وراضيا به على النحو المذكور فيعقل نظام ~~الخير على الوجه الأبلغ في الإمكان فيفيض منه ما يعقله نظاما وخيرا على ~~الوجه الأبلغ الذي يعقله فيضانا على أتم تأدية إلى النظام بحسب الإمكان ~~فهذا هو معنى العناية # والخير يدخل في القضاء الإلهي دخولا بالذات لا بالعرض # والشر بالعكس منه وهو على وجوه : # فيقال : شر لمثل الألم والغم # ويقال : شر لمثل الشرك والظلم والرياء # وبالجملة : الشر بالذات هو العدم ولا كل عدم بل عدم مقتضي طباع الشيء من ~~الكمالات الثابتة لنوعه وطبيعته # والشر بالعرض : هو المعدم والحابس للكمال عن مستحقه # والشر بالذات : ليس بأمر حاصل إلا أن ( 2 \ 194 ) يخبر عن لفظه ولو كان ~~له حصول ما لكان الشر العام وهذا الشر يقابله الوجود على كماله الأقصى بأن ~~يكون بالفعل وليس فيه ما بالقوة أصلا فلا يلحقه شر # وأما الشر بالعرض : فله وجود ما وإنما يلحق ما في طباعه أمر ما بالقوة ~~وذلك لأجل المادة فيلحقها لأمر يعرض لها في نفسها وأول وجودها هيئة من ~~الهيئات المانعة لاستعدادها الخاص للكمال الذي توجهت إليه فتجعلها أردأ ~~مزاجا وأعصى جوهرا لقبول التخطيط والتشكيل والتقويم فتشوهت الخلقة وانقضت ~~البينة لا لأن الفاعل قد حرم بل لأن المنفعل لم يقبل # وأما الأمر الطارئ من خارج فأحد شيئين : إما مانع للمكمل وإما مضاد ماحق للكمال # مثال الأول : وقوع سحب كثيرة وتراكمها وإظلال جبال شاهقة تمنع تأثير ~~الشمس في الثمار على الكمال # ومثال الثاني : حبس البرد للنبات المصبب لكماله في وقته حتى يفسد ~~الاستعداد الخاص # ويقال شر للأفعال المذمومة ويقال شر لمبادئها من الأخلاق # مثال الأول : الظلم والرياء # ومثال الثاني ms337 : الحقد والحسد # ويقال شر للآلام والغموم ويقال شر لنقصان كل شيء عن كماله # والضابط لكله : إما عدم وجود وإما عدم كمال # فنقول : الأمور إذا توهمت موجودة فإما تمتنع أن تكون إلا خيرا على ~~الإطلاق أو شرا على الإطلاق أو خيرا من وجه وشرا من وجه # وهذا القسم : إما أن يتساوى فيه الخير والشر أو الغالب فيه أحدهما أما ~~الخير المطلق الذي لا شر فيه فقد وجد في الطباع والخلقة وأما الشر المطلق ~~الذي لا خير فيه أو الغالب فيه أو المساوي فلا وجود له أصلا فبقي ما الغالب ~~في وجوده الخير وليس يخلو من الشر والأحرى به أن يوجد فإن لا كونه أعظم شرا ~~من كونه فواجب أن يفيض وجوده من حيث يفيض منه الوجود لئلا يفوت الخير الكلي ~~لوجود الشر الجزئي # وأيضا فلو امتنع وجود ذلك القدر من الشر امتنع وجود أسبابه التي تأدي إلى ~~الشر بالعرض وكان فيه أعظم خلل في نظام الخير الكلي بل وإن لم تلتفت إلى ~~ذلك وصيرنا التفاتنا إلى ما ينقسم إليه الإمكان في الوجود من أصناف ~~الموجودات المختلفة في أحوالها فكان الوجود المبرأ من الشر من كل وجه قد ~~حصل وبقي نمط من الوجود إنما يكون على سبيل أن لا يوجد إلا ويتبعه ضرر وشر # مثل النار فإن الكون إنما يتم بأن يكون فيه نار ولن يتصور ( 2 \ 195 ) ~~حصولها إلا على وجه تحرق وتسخن ولم يكن بد من المصادمات الحادثة أن تصادف ~~النار ثوب فقير ناسك فيحترق والأمر الدائم والأكثري حصول الخير من النار : # فأما الدائم فلأن أنواعا كثيرة لا تستحفظ على الدوام إلا بوجود النار # وأما الأكثر فلأن أكثر الأشخاص والأنواع في كنف السلامة من الاحتراق # فما كان يحسن أن تترك المنافع الأكثرية والدائمة لأعراض شرية أقلية ~~فأريدت الخيرات الكائنة عن مثل هذه الأشياء إرادة أولية على الوجه الذي ~~يصلح أن يقال : إن الله تعالى يريد الأشياء ويريد الشر أيضا على الوجه الذي ~~بالعرض فالخير مقتضى بالذات والشر مقتضى بالعرض وكل ms338 بقدر # والحاصل أن الكل إنما رتبت فيه القوى الفعالة والمنفعلة السماوية ~~والأرضية الطبيعية والنفسانية بحيث يؤدي إلى النظام الكلي مع استحالة أن ~~تكون هي على ما هي عليه ولا تؤدي إلى شرور فيلزم من أحوال العالم بعضها ~~بالقياس إلى بعض أن يحدث في نفس صورة اعتقاد رديء أو كفر أو شر آخر ويحدث ~~في بدن صورة قبيحة مشوهة ولو لم يكن كذلك بالضرورة # وقيل : خلقت هؤلاء للجنة ولا أبالي وخلقت هؤلاء للنار ولا أبالي وكل ميسر ~~لما خلق له # المسألة العاشرة : في المعاد وإثبات سعادات دائمة للنفوس # وإشارة إلى النبوة وكيفية الوحي والإلهام : # ولنقدم على الخوض فيها أصولا ثابتة # الأصل الأول : أن لكل قوة نفسانية لذة وخيرا يخصها وأذى وشرا يخصها ~~وحيثما كان المدرك أشد إدراكا وأفضل ذاتا والمدرك أكمل وجودا وأشرف ذاتا ~~وأدوم ثباتا فاللذة أبلغ وأوفر # الأصل الثاني : أنه قد يكون الخروج إلى الفعل في كمال ما بحيث يعلم أن ~~المدرك لذيذ ولكن لا يتصور كيفيته ولا يشعر به فلم يشتق إليه ولم يفزع نحوه ~~فيكون حال المدرك حال الأصم والأعمى الملتذين برطوبة اللحن وملاحة الوجه من ~~غير شعور وتصور إدراك # ( 2 \ 196 ) # الأصل الثالث : أن الكمال والأمر الملائم قد يتيسر للقوة الدراكة وهناك ~~مانع أو شاغل للنفس فتكرهه وتؤثر ضده أو تكون القوة ممنوعة بضد ما هو ~~كمالها فلا تحس به كالمريض والمحرور فإذا زال العائق عاد إلى واجبه في طبعه ~~فصدقت شهوته واشتهت طبيعته وحصل له كمال اللذة # فنقول بعد تمهيد الأصول : إن النفس الناطقة كمالها الخاص بها أن تصير ~~عالما عقليا مرتسما فيها صورة الكل والنظام المعقول في الكل والخير الفائض ~~من واهب الصور على الكل مبتدئا من المبدأ وسالكا إلى الجواهر الشريفة ~~الروحانية المطلقة ثم الروحانية المتعلقة نوعا ما بالأبدان ثم الأجسام ~~العلوية بهيئاتها وقواها ثم تستمر كذلك حتى تستوفي في نفسها هيئة الوجود ~~كله فتصير عالما معقولا موازيا للعالم الموجود كله مشاهدا لما هو الحسن ~~المطلق والخير والبهاء والحق ومتحدا به ومنتقشا بمثاله ms339 ومنخرطا في سلكه ~~وصائرا من جوهره وهذا الكمال لا يقاس بسائر الكمالات وجودا ودواما ولذة ~~وسعادة بل هذه اللذة أعلى من اللذات الحسية وأعلى من الكمالات الجسمانية بل ~~لا مناسبة بينهما في الشرف والكمال وهذه السعادة لا تتم له إلا بإصلاح ~~الجزء العملي من النفس وتهذيب الأخلاق # والخلق ملكة تصدر بها عن النفس أفعال ما بسهولة من غير تقدم روية وذلك ~~باستعمال التوسط بين الخلقتين المتضادتين لا بأن يفعل أفعال التوسط بل بأن ~~يحصل ملكة التوسط بين الخلقتين المتضادتين فيحصل في القوى الحيوانية هيئة ~~الإذعان وفي القوى الناطقة هيئة الاستعلاء ومعلوم أن ملكتي الإفراط ~~والتفريط هما من مقتضيات القوى الحيوانية فإذا قويت حدثت في النفس الناطقة ~~هيئة إذعانية قد رسخت فيها من شأنها أن تجعلها قوية العلاقة مع البدن شديدة ~~الانصراف إليه # وأما ملكة التوسط فهي من مقتضيات الناطقة فإذا قويت قطعت العلاقة من ~~البدن فسعدت السعادة الكبرى # ثم للنفوس مراتب في اكتساب هاتين القوتين أعني العلمية والعملية والتقصير فيهما # فكم ينبغي أن يحصل عند نفس الإنسان من تصور ( 2 \ 197 ) المعقولات ~~والتخلق بالأخلاق الحسنة حتى يجاوز الحد الذي في مثله يقع في الشقاوة ~~الأبدية وأي تصور وخلق يوجب له الشقاء المؤبد وأي تصور وخلق يوجب له الشقاء المؤقت # قال : فليس يمكنني أن أنص عليه إلا بالتقريب وليته سكت عنه وقد قيل : # فدع عنك الكتابة لست منها ... ولو سودت وجهك بالمداد # قال : وأظن أن ذلك أن يتصور نفس الإنسان المبادئ المفارقة تصورا حقيقيا ~~ويصدق بها تصديقا يقينيا لوجودها عنده بالبرهان ويعرف العلل الغائية للأمور ~~الواقعة في الحركات الكلية دون الجزئية التي لا تتناهى ويتقرر عنده هيئة ~~الكل ونسب أجزائه بعضها إلى بعض والنظام الآخذ من المبدأ الأول إلى أقصى ~~الموجودات الواقعة في ترتيبه ويتصور العناية وكيفيتها ويتحقق أن الذات ~~المتقدمة للكل أي وجود يخصها وأية وحدة تخصها وأنها كيف تعرف حتى لا يلحقها ~~تكثر وتغير بوجه وكيف ترتيب نسب الموجودات إليها وكلما ازداد استبصار ~~ازاداد للسعادة استعدادا وكأنه ليس يتبرأ ms340 الإنسان عن هذا العالم وعلائقه ~~إلا أن يكون قد أكد العلاقة مع ذلك العالم فصار له شوق وعشق إلى ما هناك ~~يصده عن الالتفات إلى ما خلفه جملة # ثم إن النفوس والقوى الساذجة التي لم تكتسب هذا الشوق ولا تصورت هذه ~~التصورات فإن كانت بقيت على ساذجيتها واستقرت فيها هيئات صحيحة إقناعية ~~وملكات حسنة خلقية سعدت بحسب ما اكتسبت # أما إذا كان الأمر بالضد من ذلك أو حصلت أوائل الملكية العلمية وحصل لها ~~شوق قد تبع رأيا مكتسبا إلى كمال حالها فصدها عن ذلك عائق مضاد فقد يبقى ~~الشقاء الأبدي # وهؤلاء إما مقصرون في السعي لتحصيل الكمال الإنساني وإما معاندون متعصبون ~~لآراء فاسدة مضادة للآراء الحقيقية # والجاحدون أسوأ حالا # والنفوس البله أدنى من الخلاص من فطانة بتراء لكن النفوس إذا فارقت وقد ~~رسخ فيها نحو من الاعتقاد في العاقبة على مثل ما يخاطب به العامة ولم يكن ~~لهم معنى جاذب إلى الجهة التي فوقهم لا كمال فتسعد تلك ( 2 \ 198 ) السعادة ~~ولا عدم كمال فتشقى تلك الشقاوة بل جميع هيئاتهم النفسانية متوجهة نحو ~~الأسفل منجذبة إلى الأجسام ولا بد لها من تخيل ولا بد للتخيل من أجسام # قال : فلا بد لها من أجرام سماوية تقوم بها القوة المتخيلة فتشاهد ما قيل ~~لها في الدنيا من أحوال القبر والبعث والخيرات الأخروية # وتكون الأنفس الرديئة أيضا تشاهد العقاب المصور لهم في الدنيا وتقاسيه ~~فإن الصورة الخيالية ليست تضعف عن الحسية بل تزداد تأثيرا كما تشاهد في ~~المنام وهذه هي السعادة والشقاوة بالقياس إلى الأنفس الخسيسة # وأما الأنفس المقدسة فإنها تبعد عن مثل هذه الأحوال وتتصل لكمالها بالذات ~~وتنغمس في اللذة الحقيقية ولو كان بقي فيها أثر من ذلك : اعتقادي أو خلقي ~~تأذت به وتخلفت عن درجة عليين إلى أن ينفسخ عنها # قال : والدرجة الأعلى فيما ذكرناه لمن له النبوة إذ في قواه النفسانية ~~خصائص ثلاث نذكرها في الطبيعيات فبها يسمع كلام الله تعالى ويرى ملائكته ~~المقربين وقد تحولت على صور يراها # وكما ms341 أن الكائنات ابتدأت من الأشرف فالأشرف حتى ترقت في الصعود إلى العقل ~~الأول ونزلت في الانحطاط إلى المادة وهي الأخس كذلك النفوس ابتدأت من الأخس ~~حتى بلغت النفس الناطقة وترقت إلى درجة النبوة # ومن المعلوم أن نوع الإنسان محتاج إلى اجتماع ومشاركة في ضروريات حاجاته ~~مكتفيا بآخر من نوعه يكون ذلك الآخر أيضا مكتفيا به ولا تتم تلك الشركة إلا ~~بمعاملة ومعاوضة يجريان بينهما يفرغ كل واحد منهما عن مهم لو تولاه بنفسه ~~لازدحم على الواحد كثير ولا بد في المعاملة من سنة وعدل ولا بد من سان ~~ومعدل ولا بد من أن يكون بحيث يخاطب الناس ويلزمهم السنة فلا بد من أن يكون ~~إنسانا ولا يجوز أن يترك الناس وآراءهم في ذلك فيختلفون ويرى كل واحد منهم ~~ماله عدلا وما عليه ظلما فالحاجة إلى هذا الإنسان في أن يبقى نوع الإنسان ~~أشد من الحاجات إلى إنبات الشعر على الأشفار والحاجبين فلا يجوز أن تكون ~~العناية الأولى تقتضي أمثال تلك المنافع ولا تقتضي هذه التي هي أسها ولا ~~يجوز أن يكون المبدأ الأول والملائكة بعده يعلم تلك ولا يعلم هذا ( 2 \ 199 ~~) ولا أن يكون ما يعلمه في نظام الأمر الممكن وجوده الضروري حصوله لتمهيد ~~نظام الخير لا يوجد بل كيف يجوز أن لا يوجد وما هو متعلق بوجوده ومبني على ~~وجوده موجود فلابد إذن من نبي هو إنسان متميز من بين سائر الناس بآيات تدل ~~على أنها من عند ربه تعالى يدعوهم إلى التوحيد ويمنعهم من الشرك ويسن لهم ~~الشرائع والأحكام ويحثهم على مكارم الأخلاق وينهاهم عن التباغض والتحاسد ~~ويرغبهم في الآخرة وثوابها ويضرب لهم للسعادة والشقاوة أمثالا تسكن إليها نفوسهم # وأما الحق فلا يلوح لهم منه إلا أمرا مجملا وهو أن ذلك شيء لا عين رأته ~~ولا أذن سمعته ثم تكريره عليهم العبادات ليحصل لهم بعده تذكر المعبود ~~بالتكرير # والمذكرات : إما حركات وإما إعدام حركات تقضي إلى حركات # فالحركات : كالصلوات وما في معناها # وإعدام الحركات : كالصيام ونحوه # وإن ms342 لم يكن لهم هذه المذكرات تناسوا جميع ما دعاهم إليه مع انقراض قرن أو قرنين # وينفعهم ذلك أيضا في المعاد منفعة عظيمة فإن السعادة في الآخرة بتنزيه ~~النفس عن الأخلاق الرديئة والملكات الفاسدة فيتقرر لها بذلك هيئة الانزعاج ~~عن البدن وتحصل لها ملكة التسلط عليه فلا تنفعل عنه وتستفيد منه ملكة ~~الالتفات إلى جهة الحق والإعراض عن الباطل وتصير شديدة الاستعداد للتخلص ~~إلى السعادة بعد المفارقة البدنية وهذه الأفعال لو فعلها فاعل ولم يعتقد ~~أنها فريضة من عند الله تعالى وكان مع اعتقاده ذلك يلزمه في كل فعل أن ~~يتذكر الله ويعرض عن غيره لكان جديرا بأن يفوز من هذا الذكاء بحظ فكيف إذا ~~استعملها من يعلم أن النبي من عند الله تعالى وبإرسال الله تعالى وواجب في ~~الحكمة الإلهية إرساله وأن جميع ما سنه فإنما هو ما وجب من عند الله أن ~~يسنه وأنه متميز عن سائر الناس بخصائص بالغة وواجب الطاعة وبآيات ومعجزات ~~دلت على صدقه # وسيأتي شرح ذلك في الطبيعيات لكنك تحدس مما سلف آنفا أن الله تعالى كيف ~~رتب النظام في الموجودات وكيف سخر الهيولى مطيعة للنفوس بإزالة صورة وإثبات ~~( 2 \ 200 ) صورة # وحيثما كانت النفوس الإنسانية أشد مناسبة للنفوس الفلكية بل وللعقل ~~الفعال كان تأثيرها في الهيولى أشد وأغرب وقد تصفو النفس صفاء شديدا ~~لاستعداد ما للاتصال بالعقول المفارقة فيفيض عليها من العلوم ما لا يصل ~~إليه من هو في نوعه بالفكر والقياس # فبالقوة الأولى يتصرف في الأجرام بالتقليب والإحالة من حال إلى حال # وبالقوة الثانية يخبر عن غيب ويكلمه ملك فيكون ما للأنبياء عليهم السلام ~~وحيا وما للأولياء إلهاما # وها نحن نبتدئ القول في الطبيعيات عن الشيخ الرئيس أبي علي بن سينا PageV02P172 ### || AUTO 3 - في الطبيعيات : PageV02P200 # قال أبو علي بن سينا : إن للعلم الطبيعي موضوعا ينظر فيه وفي لواحقه كسائر العلوم # وموضوعه : الأجسام الموجودة بما هي واقعة في التغير وبما هي موصوفة ~~بأنحاء الحركات والسكونات # وأما مبادئ هذا العلم : كمثل تركب الأجسام عن المادة ms343 والصورة والقول في ~~حقيقتهما ونسبة كل واحد منهما إلى الثاني فقد ذكرناها في العلم الإلهي # والذي يختص من ذلك التركب بالعلم الطبيعي هو أن تعلم أن الأجسام الطبيعية ~~منها أجسام مركبة من أجسام إما متشابهة الصور كالسرير وإما مختلفتها كبدن ~~الإنسان # ومنها أجسام مفردة # والأجسام المركبة لها أجزاء موجودة بالفعل متناهية وهي تلك الأجسام ~~المفردة التي منها تركبت # وأما الأجسام المفردة فليس لها في الحال جزء بالفعل وفي قوتها أن تتجزأ ~~أجزاء غير متناهية كل منها أصغر من الآخر # والتجزؤ : # إما بتفريق الاتصال # وإما باختصاص العرض ببعض منه # وإما بالتوهم # وإذا لم يكن أحد هذه الثلاثة فالجسم المفرد لا جزء له بالفعل # قال : ومن أثبت الجسم مركبا من أجزاء لا تتجزأ بالفعل فبطلانه بأن كل جزء ~~مس جزءا فقد شغله بالمس وكل ما شغل شيئا بالمس : فإما أن يدع فراغا عن شغله ~~لجهة ( 2 \ 201 ) أو لا يدع # فإن ترك فراغا فقد تجزأ المموس # وإن لم يترك فراغا فلا يتأتى أن يماسه آخر غير المماس الأول وقد ماسه آخر ~~هذا خلف # وكذلك في كل جزء موضوع على جزءين متصل وغيره من تركيب المربعات منها ~~لمساواة الأقطار والأضلاع ومن جهة مسامتات الظل والشمس دلائل على أن الجزء ~~الذي لا يتجزأ البتة محال وجوده # فنتكلم بعد هذه المقدمة في مسائل هذا العلم ونحصرها في ست مقالات : # المقالة الأولى : في لواحق الأجسام الطبيعية : # مثل الحركة والسكون والزمان والمكان والخلاء والتناهي والجهات والتماس ~~والالتحام والاتصال والتتالي # أما الحركة : فتقال على تبدل حال قارة في الجسم يسيرا يسيرا على سبيل ~~الاتجاه نحو شيء والوصول إليه هو بالقوة أو بالفعل فيجب أن تكون الحركة ~~مفارقة الحال ويجب أن يقبل التنقص والتزيد ويكون باقيا غير متشابه الحال في ~~نفسه وذلك مثل السواد والبياض والحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والطول ~~والقصر والقرب والبعد وكبر الحجم وصغره # فالجسم إذا كان في مكان فتحرك فقد حصل فيه كمال وفعل أول يتوصل به إلى ~~كمال وفعل ثان هو الوصول فهو في المكان ms344 الأول بالفعل وفي المكان الثاني ~~بالقوة فالحركة كمال أول لما بالقوة من جهة ما هو بالقوة ولا يكون وجودها ~~إلا في زمان بين القوة المحضة والفعل المحض وليست من الأمور التي تحصل ~~بالفعل حصولا قارا مستكملا وقد ظهر أنها في كل أمر يقبل التنقص والتزيد ~~وليس شيء من الجواهر كذلك فإذن لا شيء من الحركات في الجوهر # وكون الجوهر وفساده ليس بحركة بل هو أمر يكون دفعة # وأما الكمية فلأنها تقبل التزيد والتنقص فخليق أن ( 2 \ 202 ) يكون فيها ~~حركة كالنمو والذبول والتخلخل والتكاثف # وأما الكيفية فما يقبل منها التنقص والتزيد والاشتداد كالتبيض والتسود ~~فيوجد فيه الحركة # وأما المضاف فأبدا عارض لمقولة من البواقي في قبول التنقص والتزيد فإذا ~~أضيفت إليه حركة فذلك بالحقيقة لتلك المقولة # وأما الأين فإن وجود الحركة فيه ظاهر وهو النقلة # وأما متى فإن وجوده للجسم بتوسق الحركة فكيف يكون فيه الحركة ولو كان ذلك ~~لكان لمتى متى آخر # وأما الوضع فإن فيه حركة على رأينا خاصة كحركة الجسم المستدير على نفسه ~~إذ لو توهم المكان المطيف به معدوما لما امتنع كونه متحركا ولو قدر ذلك في ~~الحركة المكانية لامتنع # ومثاله في الموجودات الجرم الأقصى الذي ليس وراءه جسم # والوضع يقبل التنقص والاشتداد فيقال : أنصب وأنكس # وأما الملك فإن تبدل الحال فيه تبدل أولا في الأين فإذن الحركة فيه بالعرض # وأما أن يفعل فتبدل الحال فيه بالقوة أو العزيمة أو الآلة فكانت الحركة ~~في قوة الفاعل أو عزيمته أو آلته أولا # وفي الفعل بالعرض على أن الحركة إن كانت خروجا عن هيئة فهي عن هيئة قارة ~~وليس شيء من الأفعال كذلك فإذن لا حركة بالذات إلا في الكم والكيف والأين ~~والوضع وهو كون الشيء بحيث لا يجوز أن يكون على ما هو عليه من أينه وكمه ~~وكيفه ووضعه قبل ذلك ولا بعده # والسكون هو عدم هذه الصورة في ما من شأنه أن توجد فيه وهذا العدم له معنى ~~ما ويمكن أن يرسم # وفرق بين عدم القرنين ms345 في الإنسان وهو السلب المطلق عقدا وقولا وبين عدم ~~المشي له فهو في حالة مقابلة لمشي توجد عند ارتفاع علة المشي وله وجود ما ~~بنحو من الأنحاء وله علة بنحو والمشي علة بالعرض لذلك العدم فالعدم معلول ~~بالعرض موجود بالعرض # ثم اعلم أن كل حركة توجد في الجسم فإنما توجد لعلة محركة إذ لو تحرك ~~بذاته وبما هو جسم لكان كل جسم متحركا فيجب أن يكون المحرك معنى زائدا على ~~هيولى الجسمية ( 2 \ 203 ) وصورتها ولا يخلو : إما أن يكون ذلك المعنى في ~~الجسم وإما أن لا يكون # فإن كان المحرك مفارقا فلا بد لتحريكه من معنى في الجسم قابل لجهة ~~التحريك والتغيير ثم المتحرك لمعنى في ذاته يسمى متحركا بذاته وذلك إما أن ~~تكون العلة الموجودة فيه يصح عنها أن تحرك تارة ولا تحرك أخرى فيسمى متحركا ~~بالاختيار # وإما أن لا يصح فيسمى متحركا بالطبع والمتحرك بالطبع لا يجوز أن يتحرك ~~وهو على حالته الطبيعية لأن كل ما اقتضاه طبيعة الشيء لذاته ليس يمكن أن ~~يفارقه إلا والطبيعة قد فسدت # وكل حركة تتعين في الجسم فإنها يمكن أن تفارق والطبيعة لم تبطل لكن ~~الطبيعة إنما تقتضي الحركة للعود إلى حالتها الطبيعية فإذا عادت ارتفع ~~الموجب للحركة وامتنع أن يتحرك فيكون مقدار الحركة على مقدار البعد من ~~الحالة الطبيعية وهذه الحركة ينبغي أن تكون مستقيمة إن كانت في المكان ~~لأنها لا تكون إلا لميل طبيعي وكل ميل طبيعي فعلى أقرب المسافة وكل ما هو ~~على أقرب المسافة فهو على خط مستقيم فالحركة المكانية المستديرة ليست ~~طبيعية ولا الحركة الوضعية فإن كل حركة طبيعية فإنها تهرب عن حالة غير ~~طبيعية ولا يجوز أن يكون فيه قصد طبيعي بالعود إلى ما فارقه بالهرب إذ لا ~~اختيار لها وقد تحقق العود فهي إذن غير طبيعية فهي إذن عن اختيار وإرادة ~~ولو كانت عن قسر فلا بد أن ترجع إلى الطبع والاختيار # وأما الحركات في أنفسها فيتطرق إليها الشدة والضعف فيتطرق إليها السرعة ~~والبطء ms346 لا بتخلل سكنات وهي قد تكون واحدة بالجنس إذا وقعت في مقولة واحدة ~~أو في جنس واحد من الأجناس التي تحت تلك المقولة # وقد تكون واحدة بالنوع وذلك إذا كانت ذات جهة مفروضة عن جهة واحدة إلى ~~جهة واحدة في نوع واحد وفي زمان مساو مثل تبييض ما يتبيض # وقد تكون واحدة بالشخص وذلك إذا كانت عن متحرك واحد بالشخص في زمان واحد ~~ووحدتها بوجود الاتصال فيها # والحركات المتفقة في النوع لا تتضاد وأما تطابق الحركات فيعني بها التي ~~يجوز أن يقال لبعضها أسرع من بعض أو أبطأ أو مساو # والأسرع هو الذي يقطع شيئا مساويا لما يقطعه الآخر في زمان أقصر وضده ~~الأبطأ والمساوي معلوم # ( 2 \ 204 ) # وقد يكون التطابق بالقوة وقد يكون بالفعل وقد يكون بالتخيل # وأما تضاد الحركات : فإن الضدين هما اللذان موضوعهما واحد وهما ذاتان ~~يستحيل أن يجتمعا فيه وبينهما غاية الاختلاف # فتضاد الحركات ليس بتضاد المتحركين ولا بالزمان ولا بتضاد ما يتحرك فيه ~~بل تضادهما هو بتضاد الأطراف والجهات فعلى هذا لا تضاد بين الحركة ~~المستقيمة والحركة المستديرة المكانية لأنهما لا يتضادان في الجهات بل ~~المستديرة لا جهة فيها بالفعل لأنها متصل واحد فالتضاد في الحركات المكانية ~~المستقيمة يتصور فالهابطة ضد الصاعدة والمتيامنة ضد المتياسرة # وأما التقابل بين الحركة والسكون : فهو تقابل العدم والملكة # وقد بينا أن ليس كل عدم هو السكون بل هو عدم ما من شأنه أن يتحرك ويختص ~~ذلك بالمكان الذي تتأتى فيه الحركة والسكون في المكان المقابل إنما يقابل ~~الحركة عنه لا الحركة إليه بل ربما كان هذا السكون استكمالا لها # وإذا عرفت ما ذكرناه سهل عليك معرفة الزمان بأن تقول : # كل حركة تفرض في مسافة على مقدار من السرعة وأخرى معها على مقدارها ~~وابتدأنا معا فإنهما يقطعان المسافة معا # وإن ابتدأت إحداهما ولم تبتدئ الأخرى ولكن تركتا الحركة معا فإن إحداهما ~~تقطع دون ما تقطعه الأولى # وإن ابتدأ معه بطيء واتفقا في الأخذ والترك وجد البطيء قد قطع أقل ~~والسريع ms347 أكثر وكان بين أخذ السريع الأول وتركه إمكان قطع مسافة معينة بسرعة ~~معينة وأقل منها ببطء معين وبين أخذ السريع الثاني وتركه إمكان أقل من ذلك ~~بتلك السرعة المعينة يكون هذا الإمكان طابق جزءا من الأول ولم يطابق جزءا ~~مقتضيا وكان من شأن هذا الإمكان التقضي لأنه لو ثبت للحركات بحال واحدة ~~لكانت تقطع المتفقات في السرعة أي وقت ابتدأت وتركت مسافة واحدة بعينها ~~ولما كان إمكان أقل من إمكان فوجد في هذا الإمكان زيادة ونقصان يتعينان ~~فكان ذا مقدار مطابق للحركة فإذن ههنا مقدار للحركات مطابق ( 2 \ 205 ) لها ~~وكل ما طابق الحركات فهو متصل ويقتضي الاتصال تجدده وهو الذي نسميه الزمان # ثم هو لا بد وأن يكون في مادة ومادته الحركة فهو مقدار الحركة وإذا قدرت ~~وقوع حركتين مختلفتين في العدم كان هناك إمكانان مختلفان بل مقداران ~~مختلفان وقد سبق أن الإمكان والمقدار لا يتصور إلا في موضوع فليس الزمان ~~محدثا حدوثا زمانيا بحيث يسبقه زمان لأن كلامنا في ذلك الزمان بعينه وإنما ~~حدوثه حدوث إبداع لا يسبقه إلا مبدعه # وكذلك ما يتعلق به الزمان ويطابقه فالزمان متصل يتهيأ أن ينقسم بالتوهم ~~فإذا قسم ثبتت منه آنات وانقسم إلى الماضي والمستقبل وكونهما فيه ككون ~~أقسام العدد في العدد وكون الآن فيه كالوحدة في العدد وكون المتحركات فيه ~~ككون المعدودات في العدد # والدهر هو المحيط بالزمان وأقسام الزمان ما فصل منه بالتوهم كالساعات ~~والأيام والشهور والأعوام # وأما المكان : فيقال مكان لشيء يكون محيطا بالجسم # ويقال لشيء يعتمد عليه الجسم # والأول هو الذي يتكلم فيه الطبيعي وهو حاو للمتمكن مفارق له عند الحركة ~~ومساو له # وليس هو شيئا في المتمكن وكل هيولى وصورة فهو في المتمكن # فليس المكان إذن بهيولى ولا صورة ولا الأبعاد التي يدعى أنها مجردة عن ~~المادة قائمة بمكان الجسم المتمكن لا مع امتناع خلوها كما يراه قوم ولا مع ~~جواز خلوها كما يظنه مثبتو الخلاء # ونقول في نفي الخلاء : إن فرض خلاء خال فليس هو لا ms348 شيئا محضا بل هو ذات ~~ماله كم لأن كل خلاء يفرض فقد يوجد خلاء آخر أقل منه أو أكثر ويقبل التجزؤ ~~في ذاته والمعدوم واللاشيء ليس يوجد هكذا فليس الخلاء لا شيء فهو ذو كم وكل ~~كم : فإما متصل وإما منفصل # والمنفصل لذاته : عديم الحد المشترك بين أجزائه وقد تقرر في الخلاء حد ~~مشترك فهو إذن متصل الأجزاء منحازها في جهات فهو إذن كم ذو وضع قابل ~~للأبعاد الثلاثة كالجسم الذي يطابقه وكأنه جسم تعليمي مفارق للمادة # فنقول : الخلاء ( 2 \ 206 ) المقدر : إما أن يكون موضوعا لذلك المقدار أو ~~يكون الوضع والمقدار جزءين من الخلاء # والأول باطل فإنه إذا رفع المقدار في التوهم كان الخلاء وحده بلا مقدار ~~وقد فرض أنه ذو مقدار فهو خلف # وإن بقي متقدرا في نفسه فهو مقدار بنفسه لا لمقدار حله # وإن كان الخلاء مجموع مادة ومقدار فالخلاء إذن جسم فهو ملاء # وأيضا فإن كان كل شيء يقبل الاتصال والانفصال فهو ذو مادة مشتركة قابلة ~~لها كما بينا والخلاء لا مادة له فلا يجوز عليه الانفصال والاتصال # ونقول : إن التمانع محسوس بين الجسمين وليس التمانع من حيث المادة لأن ~~المادة من حيث إنها مادة لا انحياز لها عن الأجزاء وإنما ينحاز الجسم عن ~~الجسم لأجل صورة البعد فطباع الأبعاد تأبى التداخل وتوجب المقاومة والتنحي # وأيضا فإن بعدا لو دخل بعدا فإما أن يكونا جميعا موجودين أو معدومين أو ~~أحدهما موجودا والآخر معدوما # فإن وجدا جميعا فهما أزيد من الواحد وكل ما هو عظيم وهو أزيد فهو أعظم # وإن عدما جميعا أو وجد أحدهما وعدم الآخر فليس مداخلة # فإذا قيل : جسم في خلاء فيكون بعدا في بعد وهو محال # ونقول في نفي اللانهاية عن الجسم : إن كل موجود الذات ذا وضع وترتيب فهو ~~متناه إذ لو كان غير متناه من الأطراف كلها أو غير متناه من طرف فإن كان ~~غير متناه من طرف أمكن أن يفصل منه من الطرف المتناهي جزء بالتوهم فيوجد ~~ذلك المقدار مع ms349 ذلك الجزء شيئا على حدة وبانفراده شيئا على حدة # ثم يطبق بين الطرفين المتناهيين في التوهم فلا يخلو : # إما أن يكون بحيث يمتدان معا متطابقين في الامتداد فيكون الزائد والناقص ~~متساويين وهذا محال # وإما أن لا يمتد بل يقصر عنه فيكون متناهيا والفصل أيضا كان متناهيا ~~فيكون المجموع متناهيا فالأصل متناه # وأما إذا كان غير متناه من جميع الأطراف فلا يبعد أن يفرض ذا مقطع تتلاقى ~~عليه الأجزاء ويكون طرقا ونهاية ويكون الكلام في الأجزاء والجزأين كالكلام ~~( 2 \ 207 ) في الأول وبهذا يتأتى البرهان على أن العدد المترتب الذات ~~الموجود بالفعل متناه # وأن ما لا يتناهى بهذا الوجه هو الذي إذا وجد وفرض أنه يحتمل زيادة ~~ونقصانا وجب أن يلزم ذلك محال # وأما إذا كانت أجزاؤه لا تتناهى وليست معا وكانت في الماضي والمستقبل ~~فغير ممتنع وجودها واحدا قبل آخر أو بعده لاحقا أو كانت ذات عدد غير مرتب ~~في الوضع ولا الطبع فلا مانع عن وجوده معا وذلك أن ما لا ترتيب له في الوضع ~~أو الطبع فلن يحتمل الانطباق وما لا وجود له معا فهو فيه أبعد # ويقول في إثبات التناهي في القوى الجسمانية ونفي التناهي عن القوى غير ~~الجسمانية # قال : الأشياء التي يمتنع فيها وجود غير المتناهي بالفعل فليس يمتنع فيها ~~من جميع الوجوه فإن العدد لا يتناهى أي بالقوة وكذلك الحركات لا تتناهى ~~بالقوة لا القوة التي تخرج إلى الفعل بل بمعنى أن الأعداد يتأتى أن تتزايد ~~فلا تقف عند نهاية أخيرة # واعلم أن القوى تختلف في الزيادة والنقصان بالنسبة إلى شدة ظهور الفعل ~~عنها أو إلى عدة ما يظهر عنها أو إلى مدة بقاء الفعل وبينها فرقان بعيدان ~~فإن جل ما يكون زائدا بنوع الشدة يكون ناقصا بنوع المادة وكل قوة حركت أشد ~~فمدة حركتها أقصر وعدة حركتها أكثر # ولا يجوز أن تكون قوة غير متناهية بحسب إعتبار الشدة لأن ما يظهر من ~~الأحوال القابلة لها لا يخلو : # إما أن يقبل الزيادة على ما ظهر ms350 فيكون متناهيا يجوز عليه زيادة في آخره # وإما أن لا يقبل فهو النهاية في الشدة فكل قوة جسمانية متجزئة ومتناهية # وأما الكلام في الجهات : # فمن المعلوم أنا لو فرضنا خلاء فقط أو أبعادا أو جسما غير متناه فلا يمكن ~~للجهات المختلفة بالنوع وجود البتة فلا يكون فوق وسفل ويمين ويسار وقدام وخلف # فالجهات إنما تتصور في أجسام متناهية فتكون الجهات أيضا متناهية ولذلك ~~يتحقق إليها إشارة ولذاتها اختصاص وانفراد من جهة أخرى # وإذا كانت الأجسام كرية فيكون تحدد الجهات على سبيل المحيط والمحاط ~~والتضاد ( 2 \ 208 ) فيها على سبيل المركز والمحيط # وإذا كان الجسم المحدد محيطا كفى لتحديد الطرفين لأن الإحاطة تثبت المركز ~~فتثبت غاية البعد منه وغاية القرب من غير حاجة إلى جسم آخر # وأما إن فرض محاطا لم تتجدد به وحده الجهات لأن القرب يتحدد به والبعد ~~منه يتحدد بجسم آخر إذ لا خلاء وذلك ينتهي لا محالة إلى محيط # ويجب أن تكون الأجسام المستقيمة الحركة لا يتأخر عنها وجود الجهات ~~لأمكنتها وحركاتها بل الجهات تحصل بحركاتها فيجب أن يكون الجسم الذي تتحدد ~~الجهات إليه جسما متقدما عليه وتكون إحدى الجهات بالطبع غاية القرب منه وهو ~~الفوق ويقابله غاية البعد منه وهو السفل وهذان بالطبع وسائر الجهات لا تكون ~~واجبة في الأجسام بما هي أجسام بل بما هي حيوانات فتتميز فيها جهة القدام ~~الذي إليه الحركة الاختيارية واليمين الذي منه مبدأ القوة والفوق إما بقياس ~~فوق العالم وإما الذي إليه أول حركة النشوء ومقابلاتها الخلف واليسار ~~والسفل محدودان بطرفي البعد الذي الأولى أن يسمى طولا واليمين واليسار بما ~~الأولى أن يسمى عرضا والقدام والخلف بما الأولى أن يسمى عمقا # المقالة الثانية : في الأمور الطبيعية وغير الطبيعية للأجسام : # من المعلوم أن الأجسام تنقسم إلى بسيطة ومركبة وأن لكل جسم حيزا ما ضرورة ~~فلا يخلو : # إما أن يكون كل حيز له طبيعيا أو منافيا لطبيعته أو لا طبيعيا ولا منافيا ~~أو بعضه طبيعيا وبعضه منافيا # وبطل أن يكون كل حيز ms351 له طبيعيا لأنه يلزم منه أن يكون مفارقة كل مكان له ~~خارجا عن طبعه أو التوجه إلى كل مكان له ملائما لطبعه وليس الأمر كذلك فهو خلف # وبطل أن يكون كل حيز منافيا لطبعه لأنه يلزم منه أن لا يسكن جسم البتة ~~بالطبع ولا يتحرك أيضا وكيف يسكن أو يتحرك بالطبع وكل مكان مناف ( 2 \ 209 ~~) لطبعه # وبطل أن يكون كل مكان لا طبيعيا ولا منافيا لأنا إذا اعتبرنا الجسم على ~~حالته وقد ارتفع عنه القواسر والعوارض فحينئذ لا بد له من حيز يختص به ~~ويتحيز إليه وذلك هو حيزه الطبيعي فلا يزول عنه إلا بقسر قاسر # وتعين القسم الرابع : أن بعض الأحياز له طبيعي وبعضها غير طبيعي # وكذلك نقول في الشكل : إن لكل جسم شكلا ما بالضرورة لتناهي حدوده وكل شكل ~~: فإما طبيعي له أو بقسر قاسر # وإذا ارتفعت القواسر في التوهم واعتبرت الجسم من حيث هو جسم وكان في نفسه ~~متشابه الأجزاء فلا بد أن يكون شكله كريا لأن فعل الطبيعة في المادة واحد ~~متشابه فلا يمكن أن يفعل في جزء زاوية وفي جزء خطا مستقيما أو منحنيا ~~فينبغي أن يتشابه الأجزاء فيجب أن يكون الشكل كريا # وأما المركبات فقد تكون أشكالها غير كرية لاختلاف أجزائها # فالأجسام السماوية كلها كرية وإذا تشابهت أجزاؤها وقواها كان حيزها ~~الطبيعي وجهتها واحدة فلا يتصور أرضان في وسطين في عالمين ولا ناران في ~~أفقين بل لا يتصور عالمان لأنه قد ثبت أن العالم بأسره كري الشكل فلو قدر ~~كريان أحدهما بجنب الآخر كان بينهما خلاء ولا يتصلان إلا بجزء واحد لا ~~ينقسم وقد تقدم استحالة الخلاء # وأما الحركة فمن المعلوم أن كل جسم اعتبر ذاته من غير عارض بل من حيث هو ~~جسم في حيز فهو : إما أن يكون متحركا وإما أن يكون ساكنا وذلك ما نعنيه ~~بالحركة الطبيعية والسكون الطبيعي # فنقول : إن كان الجسم بسيطا كانت أجزاؤه متشابهة وأجزاء ما يلاقيه وأجزاء ~~مكانه كذلك فلم يكن بعض الأجزاء أولى بأن يختص ms352 ببعض أجزاء المكان من بعض ~~فلم يجب أن يكون شيء منها له طبيعيا فلا يمتنع أن يكون على غير ذلك الوضع ~~بل في طباعه أن يزول عن ذلك الوضع أو الأين بالقوة وكل جسم لا ميل له في ~~طبعه فلا يقبل الحركة عن سبب خارج فالبضرورة في طباعه حركة ما : إما لكله ~~وإما لأجزائه حتى يكون متحركا في الوضع بحركة الأجزاء # وإذن صح أن كل قابل تحريك فيه مبدأ ميل ثم لا يخلو : # إما أن يكون على الاستقامة أو على الاستدارة # ( 2 \ 210 ) # والأجسام السماوية لا تقبل الحركة المستقيمة كما سبق فهي متحركة على ~~الاستدارة # وقد بينا استناد حركاتها إلى مبادئها # وأما الكيف : فنقول أولا : إن الأجسام السماوية ليست موادها مشتركة بل هي ~~مختلفة بالطبع كما أن صورها مختلفة ومادة الواحدة منها لا يصلح أن تتصور ~~بصورة الأخرى ولو أمكن ذلك كذلك لقلبت الحركة المستقيمة وهو محال # فلها طبيعة خامسة مختلفة بالنوع بخلاف طبائع العناصر فإن مادتها مشتركة ~~وصورها مختلفة وهي تنقسم : # إلى حار يابس كالنار # وإلى حار رطب كالهواء # وإلى بارد رطب كالماء # وإلى بارد يابس كالأرض # وهذه أعراض فيها لا صور ويقبل الاستحالة بعضها إلى بعض ويقبل النمو ~~والذبول ويقبل الآثار من الأجسام السماوية # وأما الكيفيات : فالحرارة والبرودة فاعلتان : # فالحار : هو الذي يغير جسما آخر بالتحليل والخلخلة بحيث يألم الحاس منه # والبارد : هو الذي يغير جسما بالتعقيد والتكثيف بحيث يألم الحاس منه # وأما الرطوبة واليبوسة فمنفعلتان : # فالرطب : هو سهل القبول للتفريق والجمع والتشكيل والدفع # واليابس : هو عسر القبول لذلك # فبسائط الأجسام المركبة تختلف وتتمايز بهذه القوى الأربع ولا يوجد شيء ~~منها عديما لواحدة من هذه وليست هذه صورا مقومة للأجسام لكنها إذا تركت ~~وطباعها ولم يمنعها مانع من خارج ظهر منها في أجرامها حر أو برد ورطوبة أو ~~يبس كما أنها إذا تركت وطباعها ولم يمنعها مانع ظهر منها إما سكون أو ميل ~~وحركة فلذلك قيل : قوة طبيعية وقيل : النار حارة بالطبع والسماء متحركة ~~بالطبع فعرفت الأحياز الطبيعية ms353 والأشكال الطبيعية والحركات الطبيعية ~~والكيفيات الطبيعية وعرفت أن إطلاق الطبيعية عليها بأي وجه # فنقول بعد ذلك : إن العناصر قابلة للاستحالة والتغير وبينها مادة مشتركة ~~والاعتبار في ذلك بالمشاهدة فإنا نرى الماء العذب انعقد حجرا جلمدا والحجر ~~يكلس فيعود رمادا ويرام بالحيلة حتى يصير ماء فالمادة مشتركة بين الماء والأرض # ونشاهد هواء صحوا يغلظ دفعة فيستحيل أكثره أو كله ماء وبردا ( 2 \ 211 ) ~~وثلجا ونضع الجمد في كوز صفر فنجد من الماء المجتمع على سطحه كالقطر ولا ~~يمكن أن يكون ذلك بالرشح لأنه ربما كان ذلك حيث يماسه الجمد وكان فوق مكانه ~~ثم لا نجد مثله إذا كان حارا والكوز مملوءا ويجتمع مثل ذلك داخل الكوز حيث ~~لا يماسه الجمد وقد يدفن القدح في جمد محفور صفرا مهندما ويسد رأسه عليه ~~فيجتمع فيه ماء كثير وإن وضع في الماء الحار الذي يغلي مدة واستد رأسه لم ~~يجتمع شيء وليس ذلك إلا لأن الهواء الخارج أو الداخل قد استحال ماء فبين ~~الماء والهواء مادة مشتركة # وقد يستحيل الهواء نارا وهو ما نشاهد من آلات حاقنة مع تحريك شديد على ~~صورة المنافخ فيكون ذلك الهواء بحيث يشتعل في الخشب وغيره وليس ذلك على ~~طريق الانجذاب لأن النار لا تتحرك إلا على سبيل الاستقامة إلى العلو ولا ~~على طريق الكمون إذ من المستحيل أن يكون في ذلك الخشب من النار الكامنة ~~ماله ذلك القدر الذي في الجمرة ولا يحترق # والكمون أجمع لها والمنتشر أضعف تأثيرا من المجتمع فتعين أنه هواء اشتعل ~~نارا فبين النار والهواء مادة مشتركة # ونقول : إن العناصر قابلة للكبر والصغر والتكاثف والتخلخل فيصير جسم أكبر ~~من جسم من غير زيادة من خارج ويصير أصغر من غير نقصان فبين الكبير والصغير ~~مادة مشتركة إذ قد تحقق أن المقدار عرض في الهيولى والكبر والصغر أعراض في ~~الكميات وقد نشاهد ذلك إذا أغلى الماء انتفخ وتخلخل والخمر ينتفخ في الدن ~~حتى يتصعد عند الغليان وكذلك القمقمة الصياحة وهي إذا كانت مسدودة الرأس ~~مملوءة بالماء ms354 وأوقدت النار تحتها انكسرت وتصدعت ولا سبب له إلا أن الماء ~~صار أكثر مما كان ولا جائزا أن يقال : إنه كبر بدخول أجزاء النار فيها فإنه ~~كيف دخلت وما خرج جزء من الماء ولا خلاء فيه # ولا جائز أن يقال : إن النار طلبت جهة الفوق بطبعها فإنه كان ينبغي أن ~~ترفع الإناء وتطيره لا أن تكسره وإذا كان الإناء صلبا خفيفا كان رفعه أسهل ~~من كسره فتعين أن السبب انبساط الماء في جميع الجوانب ودفعه سطح الإناء إلى ~~الجوانب فيتفتق الموضع الذي كان أضعف وله أمثلة أخرى ( 2 \ 212 ) تدل على ~~أن المقدار يزيد وينقص # ونقول : إن العناصر قابلة للتأثيرات السماوية إما آثار محسوسة مثل نضج ~~الفواكه ومد البحار # وأظهرها الضوء والحرارة بواسطة الضوء والتحريك إلى فوق بتوسط الحرارة # والشمس ليست بحارة ولا متحركة إلى فوق وإنما تأثيراتها معدات للمادة في ~~قبول الصورة من واهب الصورة وقد يكون للقوى الفلكية تأثيرات خارجة من ~~العنصريات وإلا فكيف يبرد الأفيون أقوى مما يبرد الماء والجزء البارد فيه ~~مغلوب بالتركيب مع الأضداد ؟ وكيف يفعل ضوء الشمس في عيون العشى والنبات ~~بأدنى تسخين ما لا تفعله النار بتسخين يكون فوقه ؟ فتبين أن العناصر كيف ~~قبلت الاستحالة والتغير والتأثير # وتبين ما لها بالعنصر والجوهر # المقالة الثالثة : في المركبات والآثار العلوية : # قال ابن سينا : إن العناصر الأربعة عساها أن لا توجد كلياتها صرفة بل ~~يكون فيها اختلاط ويشبه أن تكون النار أبسطها في موضعها ثم الأرض # أما النار : فلأن ما يخالطها يستحيل إليها لقوتها # وأما الأرض : فلأن نفوذ قوى ما يحيط بها في كليتها بأسرها كالقليل وعسى ~~أن يكون باطنها القريب من المركز يقرب من البساطة # ثم الأرض على طبقات : # الطبقة الأولى : القريبة من المركز # والثانية : الطين # والثالثة : بعضها ماء وبعضها طين جففته الشمس وهو البر # والسبب في أن الماء غير محيط بالأرض : أن الأرض تنقلب ماء فتحصل وهدة ~~والماء يستحيل أرضا فتحصل ربوة # والأرض صلب وليس بسيال كالماء والهواء حتى ينصب بعض أجزائه إلى بعض ms355 ~~ويتشكل بالاستدارة # وأما الهواء : فهو أربع طبقات : # طبقة تلي الأرض : فيها مائية من البخارات وحرارة لأن الأرض تقبل الضوء من ~~الشمس فتحمى فتتعدى الحرارة إلى ما يجاورها # وطبقة لا تخلو عن رطوبة بخارية ولكن أقل حرارة # وطبقة هي هواء صرف صاف # وطبقة دخانية ( 2 \ 213 ) لأن الأدخنة ترتفع إلى الهواء وتقصد مركز النار ~~فتكون كالمنتشر في السطح الأعلى من الهواء إلى أن تتصعد فتحترق # وأما النار : فإنها طبقة واحدة ولا ضوء لها بل هي كالهواء المشف الذي لا ~~لون له وإن رئي لون للنار فهي بما يخالطها من الدخان صارت ذات لون # ثم فوق النار الأجرام العالية الفلكية والعناصر بطبقاتها طوعها والكائنات ~~الفاسدات تتولد من تأثيراتها # والفلك وإن لم يكن حارا ولا باردا فإنه ينبعث منه في الأجرام السفلية ~~حرارة وبرودة بقوى تفيض منه إليها ونشاهد هذا من إحراق شعاعه المنعكس على ~~المرائي ولو كان سبب الإحراق حرارة الشمس دون شعاعه لكان كل ما هو أقرب إلى ~~العلو أسخن بل سبب الإحراق التفاف الشعاع الشمسي المسخن لما يلتف به فيسخن الهواء # فالفلك إذا هيج بإسخانه الحرارة بخر من الأجسام المائية ودخن من الأجسام ~~الأرضية وأثار شيئا بين الغبار والدخان من الأجسام المائية الأرضية # والبخار أقل مسافة في صعوده من الدخان لأن الماء إذا سخن كان حارا رطبا ~~والأجزاء الأرضية إذا سخنت ولطفت كانت حارة يابسة والحار الرطب أقرب إلى ~~طبيعة الهواء والحار اليابس أقرب إلى طبيعة النار # والبخار لا يجاوز مركز الهواء بل إذا وافى منقطع تأثير الشعاع برد وكثف ~~والدخان يتعدى حيز الهواء حتى يوافي تخوم النار احتبسا فيها حدثت كائنات ~~أخر فالدخان إذا وافى حيز النار اشتعل وإذا اشتعل : # فربما سعى فيه الاشتعال فرئي كأنه كوكب يقذف به # وربما احترق وثبت فيه الاحتراق فرئيت العلامات الهائلة : الحمر والسود # وربما كان غليظا ممتدا وثبت فيه الاشتعال ووقف تحت كوكب ودارت به النار ~~بدوران الفلك وكان ذنبا له # وربما كان عريضا فرئي كأنه لحية كوكب # وربما حميت الأدخنة في برد ms356 الهواء للتعاقب فانضغطت مشتعلة # وإن بقي شيء من الدخان في تضاعيف الغيم وبرد صار ريحا وسط الغيم يتحرك ~~عنه بشدة يحصل منه صوت يسمى الرعد # وإن قويت حركته وتحريكه اشتعل من حرارة الحركة والهواء والدخان فصار نارا ~~مضيئة تسمى البرق # وإن كان المشتعل كثيفا ثقيلا محرفا اندفع بمصادمات ( 2 \ 214 ) الغيم إلى ~~جهة الأرض فيسمى صاعقة ولكنها نار لطيفة تنفذ في الثياب والأشياء الرخوة ~~وتنصدم بالأشياء الصلبة كالذهب والحديد فيذيبه حتى يذيب الذهب في الكيس ولا ~~يحرق الكيس ويذيب ذهب المراكب ولا يحرق السير # ولا يخلو برق عن رعد لأنهما جميعا عن الحركة ولكن البصر أحد فقد يرى ~~البرق ولا ينتهي صوت الرعد إلى السمع وقد يرى متقدما ويسمع متأخرا # وأما البخار الصاعد : # فمنه ما يلطف ويرتفع جدا ويتراكم ويكثر مدده في أقصى الهواء عند منقطع ~~الشعاع فيبرد فيكثف فيقطر فيكون المتكاثف منه سحابا والقاطر مطرا # ومنه ما يقصر لثقله عن الارتفاع بل يبرد سريعا وينزل كما لو يوافيه برد ~~الليل سريعا قبل أن يتراكم سحابا وهذا هو الطل # وربما جمد البخار المتراكم في الأعالي أعني السحاب فنزل وكان ثلجا # وربما جمد البخار غير المتراكم في الأعالي أعني مادة الطل فنزل وكان صقيعا # وربما جمد البخار بعد ما استحال قطرات ماء فكان بردا وإنما يكون جموده في ~~الشتاء وقد فارق السحاب وفي الربيع وهو داخل السحاب وذلك إذا سخن خارجه ~~فبطنت البرودة إلى داخله فتكالف داخله واستحال ماء وأجمده شدة البرودة # وربما تكاثف في الهواء نفسه لشدة البرد فاستحال سحابا واستحال مطرا # ثم ربما وقع على صقيل الظاهر من السحاب صور النيرات وأضواؤها كما يقع في ~~المرائي والجدران الثقيلة فيرى ذلك على أحوال مختلفة بحسب اختلاف بعدها من ~~النير وقربها وبعدها من المرئي وصفائها وكدورتها واستوائها ورعشتها وكثرتها ~~وقلتها فيرى هالة وقوس قزح وشموس وشهب # فالحالة تحدث عن انعكاس البصر عن الرش المطيف بالنير إلى النير حيث يكون ~~الغمام المتوسط لا يخفى النير فيرى دائرة كأنها منطقة محورها الخط الواصل ms357 ~~بين الناظر وبين النير وما في داخلها ينفذ عنه البصر إلى النير ونوره ~~الغالب على أجزاء الرش يجعله كأنه غير موجود وكأن الغيم هناك هواء شفاف # وأما القوس : فإن الغمام يكون في خلاف جهة النير ( 2 \ 215 ) فتنعكس ~~الزوايا عن الرش إلى النير لا بين الناظر والنير بل الناظر أقرب إلى النير ~~منه إلى المرآة فتقع الدائرة التي هي كالمنطقة أبعد من الناظر إلى النير : # فإن كانت الشمس على الأفق كان الخط المار بالناظر والنير على بسيط الأفق ~~وهو المحور فيجب أن يكون سطح الأفق يقسم المنطقة بنصفين فيرى القوس نصف دائرة # فإن ارتقت الشمس انخفض الخط المذكور فصار الظاهر من المنطقة الموهومة أقل ~~من نصف دائرة # وأما تحصيل الألوان على الجهة الشافية فإنه لم يستبن بعد # والسحب : # ربما تفرقت وذابت فصارت ضبابا # وربما اندفعت بعد التلطف إلى أسفل فصارت رياحا # وربما هاجت الرياح لاندفاع بعضها من جانب إلى جهة # وربما هاجت لانبساط الهواء بالتخلخل عند جهة واندفاعه إلى أخرى # وأكثر ما يهيج لبرد الدخان المتصعد المجتمع الكثير ونزوله فإن مبادئ ~~الرياح فوقانية # وربما عطفها مقاومة الحركة الدورية التي تتبع الهواء العالي فانعطفت رياحا # والسموم ما كان منها محترقا # وأما الأبخرة داخل الأرض فتميل إلى جهة فتبرد فتستحيل ماء فيصعد بالمد ~~فيخرج عيونا # وإن لم تدعها السخونة تبرد وكثرت وغلظت فلم تنفذ في مجاري مستحصفة ~~فاجتمعت واندفعت مرة فزلزلت الأرض فخسفت # وقد تحدث الزلزلة من تساقط أعالي وهدة في باطن الأرض فيموج بها الهواء ~~المحتقن # وإذا احتبست الأبخرة في باطن الجبال والكهوف فيتولد منها الجواهر إذا وصل ~~إليها من سخونة الشمس وتأثير الكواكب خط وذلك بحسب اختلاف المواضع والأزمان ~~والمواد # فمن الجواهر ما هو قابل للإذابة والطرق كالذهب والفضة ويكون قبل أن يصلب ~~زئبقا ونفطا وانطراقها لحياة رطوبتها ولعصيانها الجمود التام # ومنها ما لا يقبل ذلك وقد تتكون من العناصر أكوان بسبب القوى الفلكية إذا ~~امتزجت العناصر امتزاجا أكثر اعتدالا من المعادن فيحصل في المركب قوة غاذية ~~وقوة نامية وقوة ms358 مولدة وهذه القوى متمايزة بخصائصها # ( 2 \ 216 ) # المقالة الرابعة : في النفوس وقواها : # اعلم أن النفس كجنس واحد ينقسم إلى ثلاثة أقسام : # أحدها : النباتية : وهي الكمال الأول لجسم طبيعي آلي من جهة ما يتولد ~~ويربو ويغتذي والغذاء جسم من شأنه أن يتشبه بطبيعة الجسم الذي قيل : إنه ~~غذاؤه ويزيد فيه مقدار ما يتحلل أو أكثر أو أقل # والثاني : النفس الحيوانية : وهي الكمال الأول لجسم طبيعي آلي من جهة ما ~~يدرك الجزئيات ويتحرك بالإرادة # والثالث : النفس الإنسانية : وهي الكمال الأول لجسم طبيعي آلي من جهة ما ~~يفعل الأفعال الكائنة بالاختيار الفكري والاستنباط بالرأي ومن جهة ما يدرك ~~الأمور الكلية # وللنفس النباتية قوى ثلاث وهي : # القوى الغاذية : وهي القوة التي تحيل جسما آخر إلى مشاكلة الجسم الذي هي ~~فيه فتلصقه به بدل ما يتحلل عنه # والقوة المنمية : وهي قوة تزيد في الجسم الذي هي فيه بالجسم المتشبه به ~~زيادة في أقطاره طولا وعرضا وعمقا بقدر الواجب ليبلغ به كماله في النشوء # والقوة المولدة : وهي التي تأخذ من الجسم الذي هي فيه جزءا هو شبيه له ~~بالقوة فتفعل فيه باستمداد أجسام أخرى تتشابه به من التخليق والتمزيج ما ~~يصير شبيها به بالفعل فللنفس النباتية ثلاث قوى # وللنفس الحيوانية قوتان : محركة ومدركة # والمحركة على قسمين : # إما محركة ( 2 \ 217 ) بأنها باعثة # وإما محركة بأنها فاعلة # والباعثة : هي القوة النزوعية الشوقية وهي القوة التي إذا ارتسمت في ~~التخيل بعد صورة مطلوبة أو مهروب عنها حملت القوة التي تدركها على التحريك ~~ولها شعبتان : # شعبة تسمى شهوانية : وهي قوة تبعث على تحريك يقرب من الأشياء المتخيلة ~~ضرورة أو نافعة طلبا للذة # وشعبة تسمى غضبية : وهي قوة تبعث على تحريك تدفع به الشيء المتخيل ضارا ~~أو مفسدا طلبا للغلبة # وأما القوة المحركة على أنها فاعلة فهي قوة تنبعث في الأعصاب والعضلات من ~~شأنها أن تشنج العضلات فتجذب الأوتار والرباطات إلى جهة المبدأ أو ترخيها ~~أو تمدها طولا فتصير الأوتار والرباطات إلى خلاف جهة المبدأ # وأما القوة المدركة فتنقسم قسمين ms359 : # أحدهما : قوة تدرك من خارج وهي الحواس الخمس أو الثمانية # فمنها البصر : وهي قوة مرتبة في العصبة المجوفة # تدرك صورة ما ينطبع في الرطوبة الجليدية من أشباح الأجسام ذوات اللون ~~المتأدية في الأجسام الشفافة بالفعل إلى سطوح الأجسام الصقيلة # ومنها السمع : وهي قوة مرتبة في العصب المتفرق في سطح الصماخ # تدرك صورة ما يتأدى إليه بتموج الهواء المنضغط بين قارع ومقروع مقاوم له ~~انضغاطا بعنف يحدث منه تموج فاعل للصوت يتأدى إلى الهواء المحصور الراكد في ~~تجويف الصماخ ويموجه بشكل نفسه وتماس أمواج تلك الحركة العصبة فيسمع # ومنها الشم : وهي قوة مرتبة في زائدتي مقدم الدماغ الشبيهتين بحلمتي الثدي # تدرك ما يؤدي إليه الهواء المستنشق من الرائحة المخالطة لبخار الريح ~~والمنطبع بالاستحالة من جرم ذي رائحة # ومنها الذوق : وهي قوة مرتبة في العصب المفروش على جرم اللسان # تدرك الطعوم المتحللة من الأجسام المماسة المخالطة للرطوبة اللعابية التي ~~فيه فتحيله # ومنها اللمس : وهي قوة منبثة في جلد البدن كله ولحمه فاشية فيه # والأعصاب تدرك ما تماسه وتؤثر فيه بالمضادة وتغيره في المزاج أو الهيئة ~~ويشبه أن تكون هذه القوة لا نوعا بل جنسا لأربع قوى منبثة معا في الجلد كله # الواحدة : حاكمة في التضاد الذي بين الحار ( 2 \ 218 ) والبارد # والثانية : حاكمة في التضاد الذي بين الصلب واللين # والثالثة : حاكمة في التضاد الذي بين الرطب واليابس # والرابعة : حاكمة في التضاد الذي بين الخشن والأملس إلا أن اجتماعهما معا ~~في آلة واحدة يوهم تأحدها في الذات والمحسوسات كلها تتأدى إلى آلات الحس ~~فتنطبع فيها فتدركها القوة الحاسة # والقسم الثاني : قوى تدرك من باطن : # فمنها ما يدرك صور المحسوسات # ومنها ما يدرك معاني المحسوسات # والفرق بين القسمين : # هو أن الصورة : هو الشيء الذي تدركه النفس الناطقة والحس الظاهر معا ولكن ~~الحس يدركه أولا ويوديه إلى النفس مثل إدراك الشاة صورة الذئب # وأما المعنى : المضاد الذي تدركه النفس من المحسوس من غير أن يدركه الحس ~~أولا مثل إدراك الشاة المعنى المضاد في الذئب الموجب ms360 لخوفها إياه وهربها عنه # ومن المدركات الباطنة ما يدرك ويفعل # ومنها ما يدرك ولا يفعل # والفرق بين القسمين : # أن الفعل فيها : هو أن تركب الصور والمعاني المدركة بعضها مع بعض وتفصل ~~بعضها عن بعض فيكون إدراك وفعل أيضا فيما أدرك # والإدراك لا مع الفعل : هو أن تكون الصورة أو المعنى ترتسم في القوة فقط ~~من غير أن يكون لها فعل وتصرف فيه # ومن المدركات الباطنة ما يدرك أولا # ومنها ما يدرك ثانيا # والفرق بين القسمين : # أن الإدراك الأول : هو أن يكون حصول الصورة على نحو ما من الحصول قد وقع ~~للشيء من نفسه # والإدراك الثاني : هو أن يكون حصولها من جهة شيء آخر أدى إليها # ثم من القوى الباطنة المدركة الحيوانية قوة بنطاسيا : وهو الحس المشترك ~~وهي قوة مرتبة في التجويف الأول من مقدم الدماغ تقبل بذاتها جميع الصور ~~المنطبعة في الحواس الخمس متأدية إليه # ثم الخيال والمصورة : وهو قوة مرتبة في آخر التجويف المقدم من الدماغ ~~تحفظ ما قبله الحس المشترك من الحواس ويبقى فيها بعد غيبة المحسوسات # والقوة التي تبقى متخيلة بالقياس إلى النفس الحيوانية تسمى مفكرة بالقياس ~~إلى النفس الإنسانية فهي قوة مرتبة في التجويف الأوسط من الدماغ عند الدودة # من شأنها أن ( 2 \ 219 ) تركب بعض ما في الخيال مع بعض وتفصل بعضه عن بعض ~~بحسب الاختيار # ثم القوة الوهمية : وهي قوة مرتبة في نهاية التجويف الأوسط من الدماغ ~~تدرك المعاني غير المحسوسة الموجودة في المحسوسات الجزئية كالقوة الحاكمة ~~بأن الذئب مهروب عنه وأن الولد معطوف عليه # ثم القوة الحافظة الذاكرة : وهي قوة مرتبة في التجويف المؤخر من الدماغ ~~تحفظ ما تدركه القوة الوهمية من المعاني غير المحسوسة في المحسوسات # ونسبة الحافظة إلى الوهمية كنسبة الخيال إلى الحس المشترك إلا أن ذلك في ~~المعاني وهذا في الصورة فهذه خمس قوى حيوانية # وأما النفس الناطقة للإنسان فتنقسم قواها أيضا إلى : قوة عالمة وقوة ~~عاملة وكل واحد من القوتين يسمى عقلا باشتراك الاسم # فالعاملة : قوة هي مبدأ محرك ms361 لبدن الإنسان إلى الأفاعيل الجزئية الخاصة ~~بالروية على مقتضى آراء تخصها إصلاحية # ولا اعتبار بالقياس إلى القوة الحيوانية النزوعية # واعتبار بالقياس إلى القوة الحيوانية المتخيلة والمتوهمة واعتبار بالقياس ~~إلى نفسها # وقياسها إلى النزوعية أن تحدث عنها فيها هيئات تخص الإنسان تتهيأ بها ~~لسرعة فعل وانفعال مثل : الخجل والحياء والضحك والبكاء # وقياسها إلى المتخيلة والمتوهمة هو أن تستعملها في استنباط التدابير في ~~الأمور الكائنة والفاسدة واستنباط الصناعات الإنسانية # وقياسها إلى نفسها أن فيما بينها وبين العقل النظري تتولد الآراء الذائعة ~~المشهورة مثل : إن الكذب قبيح والصدق حسن وهذه القوة التي يجب أن تتسلط على ~~سائر قوى البدن على حسب ما توجبه أحكام القوة العاقلة حتى لا تنفعل عنه ~~البتة بل ينفعل عنها فلا يحدث فيها عن البدن هيئات انقيادية مستفادة من ~~الأمور الطبيعية وهي التي تسمى أخلاقا رذيلة بل تحدث في القوى البدنية ~~هيئات انقيادية لها وتكون متسلطة عليها # وأما القوة العالمة النظرية : فهي قوة من شأنها أن تنطبع بالصور الكلية ~~المجردة عن المادة فإن كانت مجردة بذاتها فذاك وإن لم تكن فإنها تصيرها ~~مجردة بتجريدها إياها حتى لا يبقى فيها من علائق المادة شيء ثم لها إلى هذه ~~الصورة نسب ( 2 \ 220 ) وذلك أن الشيء الذي من شأنه أن يقبل شيئا قد يكون ~~بالقوة قابلا له وقد يكون بالفعل # والقوة على ثلاثة أوجه : # قوة مطلقة هيولانية وهو الاستعداد المطلق من غير فعل ما كقوة الطفل على ~~الكتابة # وقوة ممكنة : وهو استعداد مع فعل ما كقوة الطفل بعد ما تعلم بسائط الحروف # وقوة تسمى ملكة : وهو قوة لهذا الاستعداد إذا تم بالآلة ويكون له أن يفعل ~~متى شاء بلا حاجة إلى اكتساب # فالقوة النظرية قد تكون نسبتها إلى الصور نسبة الاستعداد المطلق وتسمى ~~عقلا هيولانيا # وإذا حصل فيها من المعقولات الأولى التي يتوصل بها إلى المعقولات الثانية ~~تسمى عقلا بالفعل # وإذا حصلت فيها المعقولات الثانية المكتسبة وصارت مخزونة له بالفعل متى ~~شاء طالعها فإن كانت حاضرة عنده بالفعل تسمى عقلا مستفادا ms362 وإذا كانت مخزونة ~~تسمى عقلا بالملكة وههنا ينتهي النوع الإنساني ويتشبه بالمبادئ الأولى ~~للوجود كله وللناس مراتب في هذا الاستعداد فقد يكون عقل شديد الاستعداد حتى ~~لا يحتاج في أن يتصل بالعقل الفعال إلى كثير شيء من تخريج وتعليم حتى كأنه ~~يعرف كل شيء من نفسه لا تقليدا بل بترتيب يشتمل على حدود وسطى فيه : إما ~~دفعة في زمان واحد وإما دفعات في أزمنة شتى وهي القوة القدسية التي تناسب ~~روح القدس فيفيض عليها منه جميع المعقولات أو ما يحتاج إليه في تكميل القوة ~~العملية فالدرجة العليا منها النبوة فربما يفيض عليها وعلى المتخيلة من روح ~~القدس معقول تحاكيه المتخيلة بأمثلة محسوسة أو كلمات مسموعة فيعبر عن ~~الصورة بملك في صورة رجل وعن الكلام بوحي في صورة عبارة # ( 2 \ 221 ) # المقالة الخامسة : في أن النفس الإنسانية جوهر ليس بجسم ولا قائم بجسم # وأن إدراكها قد يكون بآلات وقد يكون بذاتها بغير آلات وأنها واحدة وقواها ~~كثير وأنها حادثة مع حدوث البدن وباقية بعد فناء البدن : # أما البرهان على أن النفس ليست بجسم : هو أنا نحس من ذواتنا إدراكا ~~معقولا مجردا عن المواد وعوارضها أعني الكم والأين والوضع : # إما لأن المدرك لذاته مجرد : كالعلم بالوحدة والعلم بالوجود مطلقا # وإما لأن العقل جرده عن العوارض كالإنسان مطلقا # فيجب أن ينظر في ذات هذه الصورة المجردة كيف هي في تجردها ؟ أبالقياس إلى ~~الشيء المأخوذ عنه أم بالقياس إلى مجرد الآخذ # ولا يشك أنها بالقياس إلى المأخوذ عنه ليست مجردة فبقي أنها مجردة من ~~الوضع والأين عند وجودها في العقل والجسم ذو وضع وأين وما لا وضع له لا يحل ~~ما له وضع وأين # وهذه الطريقة أقوى الطرق فإن الشيء المعقول الواحد الذات المتجرد عن ~~المادة لا يخلو : # إما أن يكون له نسبة إلى بعض الأجزاء دون البعض فيحل في جهة دون جهة حتى ~~يكون متيامنا أو متياسرا بالنسبة إلى المحل # أو تكون نسبته إلى الكل نسبة واحدة أو لا يكون لها نسبة إليه ms363 ولا له إلى ~~جميع الأجزاء # فإن ارتفعت النسبة من كل وجهة ارتفع الحلول في جملة الجسم أو في جزء من أجزائه # وإن تحققت النسبة من كل وجه ارتفع الحلول في جملة الجسم أو في جزء من أجزائه # وإن تحققت النسبة صار الشيء المعقول ذا وضع غير ذي وضع هذا خلف وبه يتبين ~~أن الصورة المنطبعة في المادة لا تكون إلا أشباحا لأمور جزئية منقسمة ولكل ~~جزء منها نسبة بالفعل أو بالقوة إلى جزء منها # وأيضا فإن الشيء المتكثر في أجزاء الحد له من جهة التمام وحدة هو بها لا ~~ينقسم فتلك الوحدة بما هي وحدة كيف ترتسم في منقسم # وأيضا من شأن القوة الناطقة أن تعقل بالفعل واحدا واحدا من المعقولات ( 2 ~~\ 222 ) غير متناهية بالقوة وليس واحد أولى من الآخر # وقد صح لنا أن الشيء الذي يقوى على أمور غير متناهية بالقوة لا يجوز أن ~~يكون محله جسما ولا قوة في جسم # ومن الدليل القاطع على أن محل المعقولات ليس بجسم : أن الجسم منقسم ~~بالقوة بالضرورة وما لا ينقسم لا يحل المنقسم والمعقول غير منقسم فلا يحل ~~المنقسم # أما أن الجسم منقسم فقد دللنا عليه # وأما أن المعقول المجرد لا ينقسم فقد فرغنا عنه # وأما أن ما لا ينقسم لا يحل منقسما فإنا لو قسمنا المحل فلا يخلو : # إما أن يبطل الحال فيه وهذا كذب # أو لا يبطل ولا يخلو : # إما أن يبقى حالا في بعضه كما كان حالا في كله وهذا محال فإنه يجب أن ~~يكون حكم البعض حكم الكل # وأما أن ينقسم بانقسام محله وقد فرض غير منقسم ثم لو فرض انقسام الحال ~~فيه فلا يخلو : # إما أن تكون أجزاؤه متشابهة كالشكل المعقول أو العدد وليس كل صورة معقولة بشكل # أو تكون الصورة المعقولة خيالية لا عقلية صرفة وأظهر من ذلك أنه ليس يمكن ~~أن يقال : إن كل واحد من الجزءين هو بعينه الكل في المعنى وإن كانا غير ~~متشابهين مثل أجزاء الحد من الجنس والفصل فيلزم ms364 منه محالات : # منها أن كل جزء من الجسم يقبل القسمة أيضا فيجب أن تكون الأجناس والفصول ~~غير متناهية وهذا باطل # وأيضا فإنه إن وقع الجنس في جانب والفصل في جانب ثم لو قسمنا الجسم لكان ~~يجب أن يقع نصف الجنس في جانب ونصف الفصل في جانب ثم لو قسمنا الجسم لكان ~~يجب أن يقع نصف الجنس في جانب ونصف الفصل في جانب وهو محال # ثم ليس أحد الجزءين أولى بقبول الجنس منه بقبول الفصل # وأيضا ليس كل معقول يمكن أن يقسم إلى معقولات أبسط فإن ههنا معقولات هي ~~أبسط المعقولات ومبادئ للتركيب في سائر المعقولات وليس لها أجناس ولا فصول ~~ولا انقسام في الكم ولا في المعنى فلا يتوهم فيها أجزاء متشابهة # فتبين بهذه الجملة أن محل المعقولات ليس بجسم ولا قوة في جسم فهو إذن ~~جوهر معقول علاقته مع البدن : لا علاقة حلول ولا علاقة انطباع بل علاقة ~~التدبير والتصرف # وعلاقته من جهة العلم الحواس الباطنة المذكورة وعلاقته من جهة العمل ~~القوى الحيوانية ( 2 \ 223 ) المذكورة فيتصرف في البدن وله فعل خاص يستغني ~~به عن البدن وقواه فإن من شأن هذا الجوهر أن يعقل ذاته ويعقل أنه عقل ذاته ~~وليس بينه وبين ذاته آلة ولا بينه وبين آلته آلة فإن إدراك الشيء لا يكون ~~إلا بحصول صورته فيه وما يقدر آلة من قلب أو دماغ لا يخلو : # إما أن تكون صورته بعينها حاصلة للعقل حاضرة # وإما أن تكون صورة غيرها بالعدد حاصلة # وباطل أن تكون صورة الآلة حاضرة بعينها فإنها في نفسها حاصلة أبدا فيجب ~~أن يكون إدراك النقل لها حاصلا أبدا وليس الأمر كذلك فإنه تارة يعقل وتارة ~~يعرض عن الإدراك # والإعراض عن الحاضر محال وباطل أن تكون الصور غير الآلة بالعدد فإنها : # إما أن تحل في نفس القوة من غير مشاركة الجسم فيدل على أنها قائمة بنفسها ~~وليست في الجسم # وإما بمشاركة الجسم حتى لا تكون هذه الصورة المغايرة في نفس القوة ~~العقلية وفي الجسم الذي هو ms365 الآلة فيؤدي إلى اجتماع صورتين متماثلتين في جسم ~~واحد وهو محال # والمغايرة بين أشياء تدخل في حد واحد : # إما لاختلاف المواد # إما لاختلاف ما بين الكلي والجزئي # وليس هذان الوجهان فثبت أنه لا يحرز أن يدرك المدرك آلة هي آلته في ~~الإدراك # ولا يختص ذلك بالعقل فإن الحس إنما يحس شيئا خارجا ولا يحس ذاته ولا آلته ~~ولا إحساسه وكذلك الخيال لا يتخيل ذاته ولا فعله ولا آلته ولهذا فإن القوى ~~الدراكة بانطباع الصور في الآلات يعرض لها الكلال من إدامة العمل والأمور ~~القوية والشاقة الإدراك توهنها وربما تفسدها كالضوء الشديد للبصر والرعد ~~القوي للسمع وكذلك عند إدراكها القوى لا يقوى على إدراك الضعيف والأمر في ~~القوة العقلية بالعكس فإن إدامتها للتعقل وتصورها الأمور الأقوى يكسبها قوة ~~وسهولة قبول وإن عرض لها كلال وملال فلاستعانة العقل بالخيال # على أن القوى الحيوانية ربما تعين النفس الناطقة في أشياء منها أن يورد ~~عليها الحس جزئيات الأمور فيحدث لها أمور أربعة : # ( 2 \ 224 ) # أحدها : انتزاع النفس الكليات المفردة عن الجزئيات على سبيل تجريد ~~لمعانيها عن المادة وعلائقها ولواحقها ومراعاة المشترك فيه والمتباين به ~~والذاتي وجوده والعرضي فيحدث للنفس من ذلك مبادئ التصور وذلك بمعاونة ~~استعمال الخيال والوهم # والثاني : إيقاع النفس مناسبات بين هذه الكليات المفردة على مثل سلب ~~وإيجاب فما كان التأليف منها بسلب وإيجاب بينا بنفسه أخذته وما كان ليس ~~كذلك تركته إلى أن يصادف الواسطة # والثالث : تحصيل المقدمات التجريبية بأن يوجد بالحس محمول لازم الحكم ~~لموضوع أو تال لازم لمقدم فيحصل له اعتقاد مستفاد من حس وقياس ما # والرابع : الأخبار التي يقع بها التصديق لشدة التواتر فالنفس الإنسانية ~~تستعين بالبدن لتحصيل هذه المبادئ للتصور والتصديق وأما إذا استكملت النفس ~~وقويت فإنها تنفرد بأفاعيلها على الإطلاق وتكون القوى الحسية والخيالية ~~وغيرها صارفة لها عن فعلها وربما تصير الوسائط والأسباب عوائق # قال : والدليل على أن النفس الإنسانية حادثة مع حدوث البدن أنها متفقة في ~~النوع والمعنى فإن وجدت قبل البدن : # فإما أن تكون ms366 متكثرة الذوات # أو تكون ذاتا واحدة # ومحال أن تكون متكثرة الذوات فإن تكثرها : # إما أن يكون من جهة الماهية والصورة # وإما أن يكون من جهة النسبة إلى العنصر والمادة # وبطل الأول لأن صورتها واحدة وهي متفقة في النوع والماهية لا تقبل ~~اختلافا ذاتيا # وبطل الثاني لأن البدن والعنصر فرض غير موجود # قال : ومحال أن تكون واحدة بالذات لأنه إذا حصل بدنان حصلت فيهما نفسان : # فإما أن يكونا قسمي تلك النفس الواحدة وهو محال لأن ما ليس له عظم وحجم ~~لا يكون منقسما # وإما أن تكون النفس الواحدة بالعدد في بدنين وهذا لا يحتاج إلى كثير تكلف ~~في إبطاله فقد صح أن النفس تحدث كلما حدث البدن الصالح لاستعمالها إياه ~~ويكون البدن الحادث مملكتها وآلتها ويكون في هيئة جوهر النفس الحادثة مع ( ~~2 \ 225 ) بدن ما ذلك البدن الذي استحقه نزاع طبيعي إلى الاشتغال به ~~واستعماله والاهتمام بأحواله والانجذاب إليه يخصها ويصرفها عن كل الأجسام ~~غيره بالطبع إلا بواسطته # وأما بعد مفارقة البدن فإن الأنفس قد وجد كل واحد منها ذاتا منفردة ~~باختلاف موادها التي كانت وباختلاف أزمنة حدوثها واختلاف هيئاتها التي بحسب ~~أبدانها المختلفة لا محالة بأحوالها وأنها لا تموت بموت البدن لأن كل شيء ~~يفسد بفساد شيء آخر فهو متعلق به نوعا من التعلق : # فإما أن يكون تعلقه به تعلق المكافئ في الوجود وكل واحد منهما جوهر قائم ~~بنفسه فلا تؤثر المكافأة في الوجود في فساد أحدهما بفساد الثاني لأنه أمر ~~إضافي وفساد أحدهما يبطل الإضافة لا الذات # وإما أن يكون تعلقه به تعلق المتأخر في الوجود فالبدن علة للنفس والعلل ~~أربع فلا يجوز أن يكون علة فاعلية فإن الجسم بما هو جسم لا يفعل شيئا إلا بقواه # والقوى الجسمانية : إما أعراض أو صور مادية # فمحال أن يفيد أمر قائم بالمادة وجود ذات قائمة بنفسها لا في مادة # ولا يجوز أن تكون علة قابلية فقد بينا أن النفس ليست منطبعة في البدن # ولا يجوز أن يكون علة صورية أو ms367 كمالية فإن الأولى أن يكون الأمر بالعكس ~~فإذن تعلق النفس بالبدن ليس تعلقا على أنه علة ذاتية لها # نعم البدن والمزاج علة بالعرض للنفس فإنه إذا حدث بدن يصلح أن يكون آلة ~~للنفس ومملكة لها أحدثت العلل المفارقة النفس الجزئية فإن إحداثها بلا سبب ~~يخصص إحداث واحد دون واحد يمنع عن وقوع الكثرة فيها بالعدد ولأن كل كائن ~~بعد مالم يكن يستدعي أن يتقدمه مادة يكون فيها تهيؤ قبوله أو تهيؤ نسبته ~~إليه كما تبين ولأنه لو كان يجوز أن تكون النفس الجزئية تحدث ولم تحدث لها ~~آلة بها تستكمل وتفعل لكانت معطلة الوجود ولا شيء معطل في الطبيعة ولكن إذا ~~حدث التهيؤ والاستعداد في الآلة حدث من العلل المفارقة شيء هو النفس وليس ~~إذا وجب حدوث شيء من حدوث شيء وجب أن يبطل مع بطلانه # ( 2 \ 226 ) # وأما القسم الثالث مما ذكرناه : وهو أن تعلق النفس بالجسم تعلق المتقدم ~~فالمتقدم إن كان بالزمان فيستحيل أن يتعلق وجوده به وقد تقدمه في الزمان # وإن كان بالذات فليس فرض عدم المتأخر يوجب عدم المتقدم على أن فساد البدن ~~بأمر يخصه من تغير المزاج والتركيب وليس ذلك مما يتعلق بالنفس فبطلان البدن ~~لا يقتضي بطلان النفس # ويقول : إن سببا آخر لا يفسد النفس أيضا بل هي في ذاتها لا تقبل الفساد ~~لأن كل شيء من شأنه أن يفسد بأمر ما ففيه قوة أن يفسد وقبل الفساد فيه فعل ~~أن يبقى # ومحال أن يكون من جهة واحدة في شيء واحد قوة أن يفسد وفعل أن يبقى فإن ~~تهيؤه للفساد شيء وفعله للبقاء شيء آخر فالأشياء المركبة يجوز أن يجتمع ~~فيها الأمران لوجهين أما البسيطة فلا يجوز أن يجتمعا فيها # ومن الدليل على ذلك أيضا أن كل شيء يبقى وله قوة أن يفسد فله قوة أن يبقى ~~أيضا لأن بقاءه ليس بواجب ضروري وإذا لم يكن واجبا كان ممكنا والإمكان هو ~~طبيعة القوة فإذن يكون له في جوهره قوة أن يبقى وفعل أن يبقى ms368 فيكون فعل أن ~~يبقى منه أمرا يعرض للشيء الذي له قوة أن يبقى فلذلك الشيء الذي له القوة ~~على البقاء وفعل البقاء أمر مشترك البقاء له كالصورة وقوة البقاء له ~~كالمادة فيكون مركبا من مادة وصورة وقد فرضناه واحدا فردا هذا خلف # فقد بان أن كل أمر بسيط فغير مركب فيه قوة أن يبقى وفعل أن يبقى بل ليس ~~فيه قوة أن يعدم باعتبار ذاته والفساد لا يتطرق إلا إلى المركبات # وإذا تقرر أن البدن إذا تهيأ واستعد استحق من واهب الصور نفسا تدبره ولا ~~يختص هذا ببدن دون بدن بل كل بدن حكمه كذلك فإذا استحق النفس وقارنته في ~~الوجود فلا يجوز أن تتعلق به نفس أخرى لأنه يؤدي إلى أن يكون لبدن واحد ~~نفسان وهو محال فالتناسخ إذن بطل # ( 2 \ 227 ) # المقالة السادسة : في وجه خروج العقل النظري من القوة إلى الفعل : # وأحوال خاصة بالنفس الإنسانية من الرؤيا الصادقة والكاذبة وإدراكهما علم ~~الغيب ومشاهدتها صورا لا وجود لها من خارج تلك الوجوه ومعنى النبوة ~~والمعجزات وخصائصها التي تتميز بها عن المخاريق : # أما الأول : فقد بينا أن النفس الإنسانية لها قوة هيولانية أي استعداد ~~لقبول المعقولات بالفعل وكل ما خرج من القوة إلى الفعل فلا بد له من سبب ~~يخرجه إلى الفعل وذلك السبب يجب أن يكون موجودا بالفعل فإنه لو كان موجودا ~~بالقوة لاحتاج إلى مخرج آخر فإما أن يتسلسل أو ينتهي إلى مخرج هو موجود ~~بالفعل لا قوة فيه فلا يجوز أن يكون ذلك جسما لأن الجسم مركب من مادة وصورة ~~والمادة أمر بالقوة فهو إذن جوهر مجرد من المادة وهو العقل الفعال وإنما ~~سمي فعالا بإزاء كون العقول الهيولانية منفعلة وقد سبق إثباته في الإلهيات ~~من وجه آخر وليس يختص فعله بالعقول والنفوس بل وكل صورة تحدث في العالم ~~فإنما هي من فيضه العام فيعطي كل قابل ما استعد له من الصور # واعلم أن الجسم وقوة في جسم لا يوجد شيئا فإن الجسم مركب من مادة ms369 وصورة ~~والمادة طبيعتها عدمية فلو أثر الجسم لأثر بمشاركة المادة وهي عدم والعدم ~~لا يؤثر في الوجود فالعقل الفعال هو المجرد عن المادة وعن كل قوة فهو ~~بالفعل من كل وجه # وأما الثاني : من الأحوال الخاصة بالنفس فالنوم والرؤيا # والنوم : غؤور القوى الظاهرة في أعماق البدن وانخناس الأرواح من الظاهر ~~إلى الباطن ونعني بالأرواح ههنا أجساما لطيفة مركبة من بخار الأخلاط التي ~~منبعها القلب وهي مراكب القوى النفسانية والحيوانية ولهذا إذا وقعت سدة في ~~مجاريها من الأعصاب المؤدية للحس بطل الحس وحصل الصرع ( 2 \ 228 ) والسكتة ~~فإذا ركدت الحواس ورفدت بسبب من الأسباب بقيت النفس فارغة عن شغل الحواس ~~لأنها لا تزال مشغولة بالفكر فيما تورد الحواس عليها فإذا وجدت فرصة الفراغ ~~وارتفع عنها المانع واستعدت للاتصال بالجواهر الروحانية الشريفة العقلية ~~التي فيها تفشت الموجودات كلها فانطبع في النفس ما في تلك الجواهر من صور ~~الأشياء لا سيما ما يناسب أغراض الرائي ويكون انطباع تلك الصور في النفس ~~كانطباع صورة مرآة من مرآة : # فإن كانت الصورة جزئين ووقفت من النفس في المصورة وحفظتها الحافظة على ~~وجهها من غير تصرف المتخيلة صدقت الرؤيا ولا تحتاج إلى تعبير # وإن وقعت في المتخيلة حاكت ما يناسبها من الصور المحسوسة وهذه تحتاج إلى ~~تعبير وتأويل ولما لم تكن تصرفات الخيال مضبوطة واختلفت باختلاف الأشخاص ~~والأحوال اختلف التعبير # وإذا تحركت المتخيلة منصرفة عن عالم العقل إلى عالم الحس واختلطت ~~تصرفاتها كانت الرؤيا أضغاث أحلام لا تعبير لها # وكذلك لو غلبت على المزاج إحدى الكيفيات الأربع رأى في المنام أحوالا مختلطة # وأما الثالث : في إدراك علم الغيب في اليقظة : إن بعض النفوس يقوى قوة لا ~~تشتغله الحواس ولا تمنعه بل يتسع بقوته للنظر إلى عالم العقل والحس جميعا ~~فيطلع إلى عالم الغيب فيظهر له بعض الأمور مثل البرق الخاطف وبقي المتصور ~~المدرك في الحافظة بعينه وكان ذلك وحيا صريحا # وإن وقع في المخيلة واشتغلت بطبيعة المحاكاة كان ذلك مفتقرا إلى التأويل # وأما الرابع : في مشاهدة النفس ms370 صورا محسوسة لا وجود لها : # وذلك أن النفس تدرك الأمور الغائبة إدراكا قويا فيبقى عين ما أدركته في ~~الحفظ وقد تقبله قبولا ضعيفا فتستولي عليه المتخيلة وتحاكيه بصورة محسوسة ~~واستتبعت الحس المشترك وانطبعت الصورة في الحس المشترك سراية إليه من ~~المتصورة والمتخيلة # والإبصار : هو وقوع صورة في الحس المشترك فسواء وقع فيه من خارج بواسطة ~~البصر أو وقع فيه أمر من داخل ( 2 \ 229 ) بواسطة الخيال كان ذلك محسوسا ~~فمنه ما يكون من قوة النفس وقوة آلات الإدراك ومنه ما يكون من ضعف النفس ~~والآلات # وأما الخامس : فالمعجزات والكرامات : # قال : خصائص المعجزات والكرامات ثلاثة : # خاصية في قوة النفس وجوهرها ليؤثر في هيولى العالم بإزالة صورة وإبعاد ~~صورة وذلك أن الهيولى منقادة لتأثير النفوس الشريفة المفارقة مطيعة لقواها ~~السارية في العلم # وقد تبلغ نفس إنسانية في الشرف إلى حد يناسب تلك النفوس فتفعل فعلها ~~وتقوى على ما قويت هي فتزيل جبلا عن مكانه وتذيب جوهرا فيستحيل ماء وتجمد ~~جسما سائلا فيستحيل حجرا # ونسبة هذه النفس إلى تلك النفوس كنسبة السراج إلى الشمس فكما أن الشمس ~~تؤثر في الأشياء تسخينا بالإضاءة كذلك السراج يؤثر بقدره # وأنت تعلم أن للنفس تأثيرات جزئية في البدن فإنه إذا حدث في النفس صورة ~~الغلبة والغضب حمى المزاج واحمر الوجه # وإذا حدثت صورة مشتهاة فيها حدثت في أوعية المني حرارة مبخرة مهيجة للريح ~~حتى تمتلئ به عروق آلة الوقاع فتستعد له والمؤثر ههنا مجرد التصور لا غير # والخاصية الثانية : أن تصفو النفس صفاء يكون شديد الاستعداد للاتصال ~~بالعقل الفعال حتى يفيض عليها العلوم فإنا قد ذكرنا حال القوة القدسية التي ~~تحصل لبعض النفوس حتى تستغني في أكثر أحوالها عن التفكر والتعلم فالشريف ~~البالغ منها يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور # والخاصية الثالثة للقوة المتخيلة : بأن تقوى النفس وتتصل في اليقظة بعالم ~~الغيب كما سبق وتحاكي المتخيلة ما أدركته النفس بصورة جميلة وأصوات منظومة ~~فترى في اليقظة وتسمع فتكون الصورة المحاكية للجوهر الشريف صورة ms371 عجيبة في ~~غاية الحسن وهو الملك الذي يراه النبي وتكون المعارف التي تتصل بالنفس من ~~اتصالها بالجواهر الشريفة تتمثل بالكلام الحسن المنظم الواقع في الحس ~~المشترك فيكون مسموعا # ( 2 \ 230 ) # قال : والنفوس وإن اتفقت في النوع إلا أنها تتمايز بخواص وتختلف أفاعيلها ~~اختلافات عجيبة # وفي الطبيعة أسرار ولاتصالات العلويات بالسفليات عجائب # وجل جناب الحق عن أن يكون شريعة لكل وارد وأن يرد عليه أي واحد بعد واحد # وبعد فإن ما يشتمل عليه هذا الفن ضحكة للمغفل عبرة للمحصل فمن سمعه ~~فاشمأز عنه فليتهم نفسه فإنها لا تناسبه وكل ميسر لما خلق له # تمت الطبيعيات بحمد الله # ( 2 \ 231 ) PageV02P200 ### | AUTO الباب الثالث : آراء العرب في الجاهلية PageV02P231 ~~قد ذكرنا في صدر هذا الكتاب أن العرب والهند يتقاربان على مذهب واحد ~~وأجملنا القول فيه حيث كانت المقارنة بين الفريقين والمقاربة بين الأمتين ~~مقصورة على اعتبار خواص الأشياء والحكم بأحكام الماهيات والغالب عليهم ~~الفطرة والطبع # وأن الروم والعجم يتقاربان على مذهب واحد حيث كانت المقاربة مقصورة على ~~اعتبار كيفيات الأشياء والحكم بأحكام الطبائع والغالب عليهم الاكتساب والجهد # والآن نذكر أقاويل العرب في الجاهلية ونعقبها بذكر أقاويل الهند وبها ~~نختم الكتاب # حكم البيت العتيق : # وقبل أن نشرع في ذكر مذاهبهم نريد أن نذكر حكم البيت العتيق حرسه الله ~~ونصل بذلك حكم البيوت في العالم فإن منها ما بني على الدين الحق قبلة للناس ~~ومنها ما بني على الرأي الباطل فتنة للناس # وقد ورد في التنزيل : ( إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى ~~للعالمين ) # وقد اختلفت الروايات في أول من بناه : # ( 2 \ 232 ) # قيل : إن آدم عليه السلام لما أهبط إلى الأرض وقع إلى سرنديب من أرض ~~الهند وكان يتردد في الأرض متحيرا بين فقدان زوجته ووجدان توبته حتى وافى ~~حواء بجبل الرحمة من عرفات وعرفها وصار إلى أرض مكة ودعا وتضرع إلى الله ~~تعالى حتى يأذن له في بناء بيت يكون قبلة لصلاته ومطافا لعبادته كما كان قد ~~عهد في السماء من البيت ms372 المعمور الذي هو مطاف الملائكة ومزار الروحانيين ~~فأنزل الله تعالى عليه مثال ذلك البيت على شكل سرادق من نور فوضعه مكان ~~البيت فكان يتوجه إليه ويطوف به # ثم لما توفي تولى وصيه شيث عليه السلام بناء البيت من الحجر والطين على ~~الشكل المذكور حذو القذة بالقذة # ثم لما خرب ذلك بطوفان نوح عليه السلام وامتد الزمان حتى غيض الماء وقضي ~~الأمر وانتهت النبوة إلى إبراهيم الخليل عليه السلام وحمله هاجر أم إسماعيل ~~ابنه إلى الموضع المبارك وولادة إسماعيل عليه السلام هناك ونشوؤه وتربيته ~~ثمة وعود إبراهيم إليه واجتماعه به في بناء البيت وذلك قوله تعالى : ( وإذ ~~يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ) فرفعا قواعد البيت على مقتضى ~~إشارة الوحي مرعيا فيه جميع المناسبات التي بينها وبين البيت المعمور وشرعا ~~المناسك والمشاعر محفوظا فيها جميع المناسبات التي بينها وبين الشرع الأخير ~~وتقبل الله تعالى ذلك منهما وبقي الشرف والتعظيم إلى زماننا وإلى يوم ~~القيامة دلالة على حسن القبول فاختلفت آراء العرب في ذلك # وأول من وضع فيه الأصنام عمرو بن لحي بن غالوثة بن عمرو بن عامر لما سار ~~قومه إلى مكة واستولى على أمر البيت ثم صار إلى مدينة البلقاء بالشام فرأى ~~هناك قوما يعبدون الأصنام فسألهم عنها فقالوا : هذه أرباب اتخذناها على شكل ~~الهياكل العلوية والأشخاص البشرية نستنصر بها فننصر ونستسقي بها فنسقى ~~ونستشفي بها فنشفى فأعجبه ذلك وطلب منهم صنما من أصنامهم فدفعوا إليه هبل ~~فسار به إلى مكة ووضعه في الكعبة وكان معه إساف ونائلة على شكل زوجين فدعا ~~الناس إلى تعظيمها والتقرب إليها والتوسل بها إلى الله تعالى وكان ذلك في ~~أول ملك شابور ذي الأكتاف إلى أن أظهر ( 2 \ 233 ) الله تعالى الإسلام ~~فأخرجت وأبطلت وبهذا يعرف كذب من قال : إن بيت الله الحرام إنما هو بيت زحل ~~بناه الباني الأول على طوالع معلومة واتصالات مقبولة وسماه بيت زحل # ولهذا المعنى اقترن الدوام به بقاء والتعظيم له لقاء لأن زحل يدل على ~~البقاء وطول العمر ms373 أكثر مما يدل عليه سائر الكواكب وهذا خطأ لأن الباني ~~الأول كان مستندا إلى الوحي على يدي أصحاب الوحي # البيوت المتخذة للعبادة : # ثم اعلم أن البيوت تنقسم : إلى بيوت الأصنام وإلى بيوت النيران # وقد ذكرنا المواضع التي كانت بيوت النيران ثم في مقالات المجوس # فأما بيوت الأصنام التي كانت للعرب والهند فهي البيوت السبعة المعروفة ~~المشهورة المبنية على السبع الكواكب فمنها ما كانت فيه أصنام فحولت إلى ~~النيران ومنها مالم تحول # ولقد كان بين أصحاب الأصنام وبين أصحاب النيران مخالفات كثيرة والأمر دول ~~فيما بينهم وكان كل من استولى وقهر غير البيت إلى مشاعر مذهبه ودينه : # فمنها بيت فارس على رأس جبل بأصفهان على ثلاثة فراسخ كانت فيه أصنام إلى ~~أن أخرجها كشتاسب الملك لما تمجس وجعله بيت نار # ومنها البيت الذي بمولتان من أرض الهند فيه أصنام لم تغير ولم تبدل # ومنها بيت سدوسان من أرض الهند فيه أصنام لم تغير ولم تبدل # ومنها بيت سدوسان من أرض الهند أيضا وفيه أصنام كبيرة كثيرة العجب # والهند يأتون البيتين في أوقات من السنة حجا وقصدا إليهما # ومنها النوبهار الذي بناه منوجهر بمدينة بلخ على اسم القمر فلما ظهر ~~الإسلام خربه أهل بلخ # ومنها بيت غمدان الذي بمدينة صنعاء اليمن بناه الضحاك على اسم الزهرة ~~وخربه عثمان بن عفان رضي الله عنه # ومنها بيت كاوسان بناه كاووس الملك بناء عجيبا على اسم الشمس بمدينة ~~فرغانة وخربه المعتصم # واعلم أن العرب أصناف شتى فمنهم معطلة ومنهم محصلة نوع تحصيل # ( 2 \ 234 ) PageV02P231 ### || AUTO الفصل الأول : معطلة العرب PageV02P234 ~~وهم أصناف : PageV02P234 ### || AUTO منكرو الخالق والبعث والإعادة : PageV02P234 # فصنف منهم أنكروا الخالق والبعث والإعادة وقالوا بالطبع المحي والدهر ~~المفني والذين أخبر عنهم القرآن المجيد ( وقالوا : ما هي إلا حياتنا الدنيا ~~نموت ونحيا ) إشارة إلى الطبائع المحسوسة في العالم السفلي وقصرا للحياة ~~والموت على تركبها وتحللها # فالجامع هو الطبع والمهلك هو الدهر ( وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك ~~من علم إن هم إلا يظنون ) فاستدل عليهم بضرورات ms374 فكرية وآيات فطرية في كم ~~آية وكم سورة فقال تعالى : ( أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا ~~نذير مبين أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض ) وقال : ( أو لم ينظروا ~~إلى ما خلق الله ) وقال : ( أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ) وقال ~~: ( ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ) فأثبت الدلالة الضرورية من ~~الخلق على الخالق وأنه قادر على الكمال ابتداء وإعادة PageV02P234 ### || AUTO منكرو البعث والإعادة : PageV02P234 # وصنف منهم أقروا بالخالق وابتداء الخلق والإبداع وأنكروا البعث والإعادة ~~وهم الذين أخبر عنهم القرآن ( وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام ~~( 2 \ 235 ) وهي رميم ) فاستدل عليهم بالنشأة إذ اعترفوا بالخلق الأول فقال ~~عز وجل : ( قل يحيها الذي أنشأها أول مرة ) وقال : ( أفعيينا بالخلق الأول ~~بل هم في لبس من خلق جديد ) PageV02P234 ### || AUTO منكرو الرسل عباد الأصنام : PageV02P235 # وصنف منهم أقروا بالخالق وابتداء الخلق ونوع من الإعادة وأنكروا الرسل ~~وعبدوا الأصنام وزعموا أنهم شفعاؤهم عند الله في الدار الآخرة وحجوا إليها ~~ونحروا لها الهدايا وقربوا القرابين وتقربوا إليها بالمناسك والمشاعر ~~وأحلوا وحرموا وهم الدهماء من العرب إلا شرذمة منهم نذكرهم وهم الذين أخبر ~~عنهم التنزيل : ( وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ) ~~إلى قوله ( إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ) فاستدل عليهم بأن المرسلين كلهم ~~كانوا كذلك قال الله تعالى : ( وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ~~ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ) PageV02P235 ### || AUTO شبهات العرب : PageV02P235 # وشبهات العرب كانت مقصورة على هاتين الشبهتين : # إحداهما : إنكار البعث بعث الأجسام # والثانية : جحد البعث بعث الرسل # فعلى الأولى : قالوا : ( أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون أو ~~آباؤنا الأولون ) إلى أمثالها من الآيات وعبروا عن ذلك في أشعارهم فقال ~~بعضهم : # حياة ثم موت ثم نشر ... حديث خرافة يا أم عمرو # ( 2 \ 236 ) # ولبعضم في مرثية أهل بدر من المشركين : # فماذا بالقليب قليب بدر ... من الشيزى تكلل بالسنام # يخبرنا الرسول بأن سنحيا ... وكيف حياة أصداء وهام # ومن العرب من يعتقد التناسخ فيقول : إذا ms375 مات الإنسان أو قتل اجتمع دم ~~الدماغ وأجزاء بنيته فانتصب طيرا هامة فيرجع إلى رأس القبر كل مائة سنة # وعن هذا أنكر عليهم الرسول عليه الصلاة والسلام فقال : ( لا هامة ولا ~~عدوى ولا صفر ) # وأما على الشبهة الثانية : فكان إنكارهم لبعث الرسول صلى الله عليه وسلم ~~في الصورة البشرية أشد وإصرارهم على ذلك أبلغ وأخبر التنزيل عنهم بقوله ~~تعالى : ( وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله ~~بشرا رسولا ) ( أبشر يهدوننا ) : # فمن كان يعترف بالملائكة كان يريد أن يأتي ملك من السماء ( وقالوا لولا ~~أنزل عليه ملك ) # ومن كان لا يعترف بهم كان يقول : الشفيع والوسيلة لنا إلى الله تعالى هم ~~الأصنام المنصوبة أما الأمر والشريعة من الله إلينا فهو المنكر PageV02P235 ### || AUTO أصنام العرب وميولهم : PageV02P236 # فيعبدون الأصنام التي هي الوسائل : ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا # وكان ود لكلب وهو بدومة الجندل # وسواع لهذيل وكانوا يحجون إليه وينحرون له # ويغوث لمذحج ولقبائل من اليمن # ويعوق لهمذان # ونسر لذي الكلاع بأرض حمير # وكانت اللات لثقيف بالطائف # والغرى لقريش وجميع بني كنانة وقوم من بني سليم # ومناة للأوس والخزرج وغسان # وهبل أعظم الأصنام عندهم وكان على ظهر الكعبة # وإساف ونائلة على الصفا والمروة وضعهما عمرو بن لحي وكان يذبح عليهما ~~تجاه الكعبة وزعموا أنهما كانا من جرهم : إساف بن عمرو ونائلة بنت سهل ~~تعاشقا ففجرا ( 2 \ 237 ) في الكعبة فمسخا جحرين # وقيل : لا بل كانا صنمين جاء بهما عمرو بن لحي فوضعهما على الصفا # وكان لبني ملكان من كنانة صنم يقال له سعد وهو الذي يقول فيه قائلهم : # أتينا إلى سعد ليجمع شملنا ... فشتتنا سعد فلا نحن من سعد # وهل سعد إلا صخرة بتنوفة ... من الأرض لا يدعو لغي ولا رشد # وكانت العرب إذا لبت وهللت قالت : # لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك ... إلا شريك هو لك تملكه وما ملك # ومن العرب من كان يميل إلى اليهودية # ومنهم من كان يميل إلى النصرانية # ومنهم من كان يصبو ms376 إلى الصابئة ويعتقد في الأنواء اعتقاد المنجمين في ~~السيارات حتى لا يتحرك ولا يسكن ولا يسافر ولا يقيم إلا بنوء من الأنواء ~~ويقول : مطرنا بنوء كذا # ومنهم من كان يصبو إلى الملائكة فيعبدهم بل كانوا يعبدون الجن ويعتقدون ~~فيهم أنهم بنات الله تعالى تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا PageV02P236 ### || AUTO الفصل الثاني : المحاصلة من العرب PageV02P237 ### || AUTO علومهم PageV02P237 ~~اعلم أن العرب في الجاهلية كانت على ثلاثة أنواع من العلوم : # أحدهما : علم الأنساب والتواريخ والأديان ويعدونه نوعا شريفا خصوصا معرفة ~~( 2 \ 238 ) أنساب أجداد النبي عليه الصلاة والسلام والاطلاع على ذلك النور ~~الوارد من صلب إبراهيم إلى إسماعيل عليهم السلام وتواصله في ذريته إلى أن ~~ظهر بعض الظهور في أسارير عبد المطلب : سيد الوادي شيبة الحمد وسجد له ~~الفيل الأعظم وعليه قصة أصحاب الفيل # وببركة ذلك النور دفع الله تعالى شر أبرهة وأرسل عليهم طيرا أبابيل # وببركة ذلك النور رأى تلك الرؤيا في تعريف موضع زمزم ووجدان الغزالة ~~والسيوف التي دفنتها جرهم # وببركة ذلك النور ألهم عبد المطلب النذر الذي نذر في ذبح العاشر من ~~أولاده وبه افتخر النبي عليه الصلاة والسلام حين قال : ( أنا ابن الذبيحين ) # أراد بالذبيح الأول : إسماعيل عليه السلام وهو أول من انحدر إليه النور فاختفى # وبالذبيح الثاني : عبد الله بن عبد المطلب وهو آخر من انحدر إليه النور ~~فظهر كل الظهور # وببركة ذلك النور كان عبد المطلب يأمر أولاده بترك الظلم والبغي ويحثهم ~~على مكارم الأخلاق وينهاهم عن دنيات الأمور # وببركة ذلك النور كان قد سلم إليه النظر في حكومات العرب والحكم بين ~~المتخاصمين فكان يوضع له وسادة عند الملتزم فيستند إلى الكعبة وينظر في ~~حكومات القوم # وببركة ذلك النور قال لأبرهة : إن لهذا البيت ربا يحفظه ويذب عنه وفيه ~~قال وقد صعد إلى جبل أبي قبيس : # لا هم إن المرء يم نع حله فامنع حلالك # لا يغلبن صليبهم ومحالهم غدرا محالك # إن كنت تاركهم وكع بتنا فأمر ما بدا لك # وببركة ذلك النور كان يقول في ms377 وصاياه : إنه لن يخرج من الدنيا ظلوم حتى ~~ينتقم ( 2 \ 239 ) الله منه وتصيبه عقوبة # إلى أن هلك رجل ظلوم حتف أنفه لم تصبه عقوبة فقيل لعبد المطلب ذلك ففكر ~~وقال : والله إن وراء هذا دارا يجزى فيها المحسن بإحسانه ويعاقب فيها ~~المسيء بإساءته # ومما يدل على إثباته المبدأ والمعاد أنه كان يضرب بالقداح على ابنه عبد ~~الله ويقول : # يا رب أنت المليك المحمود ... وأنت ربي المبدئ والمعيد # من عندك الطارف والتليد # ومما يدل على معرفته بحال الرسالة وشرف النبوة أن أهل مكة لما أصابهم ذلك ~~الجدب العظيم وأمسك السحاب عنهم سنتين أمر أبا طالب ابنه أن يحضر المصطفى ~~محمدا صلى الله عليه وسلم فأحضره وهو رضيع في قماط فوضعه في يديه واستقبل ~~الكعبة ورماه إلى السماء وقال : يا رب بحق هذا الغلام ورماه ثانيا وثالثا ~~وكان يقول : بحق هذا الغلام اسقنا غيثا مغيثا دائما هطلا فلم يلبث ساعة أن ~~طبق السحاب وجه السماء وأمطر حتى خافوا على المسجد # وأنشد أبو طالب ذلك الشعر اللامي منه : # وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل # بطيف به الهلاك من آل هاشم ... فهم عنده في نعمة وفواضل # كذبتم ورب البيت نبزى محمدا ... ولما نطاعن دونه ونناضل # ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل # وقال العباس بن عبد المطلب في النبي عليه الصلاة والسلام قصيدة منها : # من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودع حين يخصف الورق # ثم هبطت البلاد لا بشر ... أنت ولا مضغة ولا علق # بل نطفة تركب السفين وقد ... ألجم نسرا وأهله الغرق # ( 2 \ 240 ) # تنقل من صلب إلى رحم ... إذا مضى عالم بدا طبق # حتى احتوى بيتك المهيمن في ... خندف علياء تحتها النطق # وأنت لما ظهرت أشرقت الأ ... رض وضاء بنورك الأفق # فنحن في ذلك الضياء وفي الن ... ور وسبل الرشاد نخترق # وأما النوع الثاني من العلوم : فهو علم الرؤيا وكان أبو بكر الصديق رضي ~~الله عنه ممن يعبر الرؤيا في الجاهلية ويصيب فيرجعون إليه ويستخبرون عنه # وأما النوع ms378 الثالث : فهو علم الأنواء وذلك مما يتولاه الكهنة والقافة منهم # وعن هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من قال مطرنا بنوء كذا فقد كفر ~~بما أنزل على محمد ) PageV02P237 ### || AUTO معتقداتهم : PageV02P240 # ومن العرب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر وينتظر النبوة وكانت لهم سنن ~~وشرائع قد ذكرناها لأنها نوع تحصيل # فممن كان يعرف النور الظاهر والنسب الطاهر ويعتقد الدين الحنيفي وينتظر ~~المقدم النبوي : # زيد بن عمرو بن نفيل : كان يسند ظهره إلى الكعبة ويقول : أيها الناس ~~هلموا إلي فإنه لم يبق على دين إبراهيم أحد غيري # وسمع أمية بن أبي الصلت يوما ينشد : # كل دين يوم القيامة عند ... الله إلا دين الحنيفة زور # فقال له : صدقت # وقال زيد أيضا : # فلن تكون لنفس منك واقية يوم الحساب إذا ما يجمع البشر # ( 2 \ 241 ) # وممن كان يعتقد التوحيد ويؤمن بيوم الحساب : # قس بن ساعدة الإيادي : قال في مواعظه : كلا ورب الكعبة ليعودن ما باد ~~ولئن ذهب ليعودن يوما # وقال أيضا : # كلا بل هو الله إله واحد ... ليس بمولود ولا والد # أعاد وأبدى ... وإليه المآب غدا # وأنشد في معنى الإعادة : # يا باكي الموت والأموات في جدث عليهم من بقايا بزهم خرق # دعهم فإن لهم يوما يصاح بهم كما ينبه من نوماته الصعق # حتى يجيئوا بحال غير حالهم خلق مضى ثم هذا بعد ذا خلقوا # منهم عراة ومنهم في ثيابهم منها الجديد ومنها الأزرق الخلق # ومنهم عامر بن الظرب العدواني : وكان من شعراء العرب وخطبائهم وله وصية ~~طويلة يقول في آخرها : إني ما رأيت شيئا قط خلق نفسه ولا رأيت موضوعا إلا ~~مصنوعا ولا جائيا إلا ذاهبا ولو كان يميت الناس الداء لأحياهم الدواء # ثم قال : إني أرى أمورا شتى وحتى # قيل له : وما حتى ؟ # قال : حتى يرجع الميت حيا ويعود لا شيء شيئا ولذلك خلقت السموات والأرض ~~فتولوا عنه ذاهبين # وقال : ويل إنها نصيحة لو كان من يقبلها # وكان عامر قد حرم الخمر على نفسه فيمن حرمها وقال فيها : # إن أشرب الخمر أشربها ms379 للذتها ... وإن أدعها فإني ماقت قال # لولا اللذاذة والقينات لم أرها ... ولا رأتني إلا من مدى عالي # سألة للفتى ما ليس في يده ذهابة بعقول القوم والمال # ( 2 \ 242 ) # تورث القوم أضغانا بلا إحن ... مزرية بالفتى ذي النجدة الحالي # أقسمت بالله أسقيها وأشربها ... حتى يفرق ترب الأرض أوصالي # وممن كان قد حرم الخمر في الجاهلية قيس بن عاصم التميمي وصفوان بن أمية ~~بن محرث الكناني وعفيف بن معدي كرب الكندي وقالوا فيها أشعارا وقال الأسلوم ~~اليالي وقد حرم الخمر والزنا على نفسه : # سالمت قومي بعد طول مضاضة ... والسلم أبقى في الأمور وأعرف # وتركت شرب الراح وهي أثيرة ... والمومسات وترك ذلك أشرف # وعففت عنه يا أميم تكرما ... وكذاك يفعل ذو الحجى المتعفف # وممن كان يؤمن بالخالق تعالى وبخلق آدم عليه السلام : عبد لطابخة بن ثعلب ~~بن وبرة من قضاعة وقال فيه : # وأدعوك يا ربي بما أنت أهله ... دعاء غريق قد تشبث بالعصم # لأنك أهل الحمد والخير كله ... وذو الطول لم تعجل بسخط ولم تلم # وأنت الذي لم يحيه الدهر ثانيا ... ولم ير عبد منك في صالح وجم # وأنت القديم الأول الماجد الذي ... تبدأت خلق الناس في أكثم العدم # وأنت الذي أحللتني غيب ظلمة ... إلى ظلمة من صلب آدم في ظلم # ومن هؤلاء النابغة الذيباني : آمن بيوم الحساب فقال : # فعلتهم ذات الإله ودينهم ... قويم فما يرجون غير العواقب # وأراد بذلك الجزاء بالأعمال # ومن هؤلاء زهير بن أبي سلمى المزني : وكان يمر بالعضاة وقد أورقت بعد يبس ~~( 2 \ 243 ) فيقول : لولا أن تسبني العرب لآمنت أن الذي أحياك بعد يبس ~~سيحيي العظام وهي رميم ثم آمن بعد ذلك وقال في قصيدته التي أولها : # أمن أم أوفى دمنة لم تكلم ... وهي من السبعينات # يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم حساب أو يعجل فينقم # ومنهم علاف بن شهاب التميمي : كان يؤمن بالله وبيوم الحساب وفيه قال : # ولقد شهدت الخصم يوم رفاعة ... فأخذت منه خطة المقتال # وعلمت أن الله جاز عبده ... يوم الحساب بأحسن الأعمال # وكان ms380 بعض العرب إذا حضره الموت يقول لولده : ادفنوا معي راحلتي حتى أحشر ~~عليها فإن لم تفعلوا حشرت على رجلي قال جريبة بن الأشيم الأسدي في الجاهلية ~~وقد حضره الموت يوصي ابنه سعدا : # يا سعد إما أهلكن فإنني ... أوصيك إن أخا الوصاة الأقرب # لا تتركن أباك يعثر راجلا ... فى الحشر يصرع لليدين وينكب # واحمل أباك على بعير صالح ... وابغ المطية إنه هو أصوب # ولعل لي مما تركت مطية ... فى الحشر أركبها إذا قيل اركبوا # وقال عمرو بن زيد بن المتمني يوصي ابنه عند موته : # أبني زودني إذا فارقتني ... في القبر راحلة برحل قاتر # للبعث أركبها إذا قيل اظعنوا ... متساوقين معا لحشر الحاشر # من لا يوافيه على على عشرائه ... فألخلق بين مدفع أو عاثر # وكانوا يربطون الناقة معكوسة الرأس إلى مؤخرها مما يلي ظهرها أو مما يلي ~~كلكلها وبطنها ويأخذون ولية فيشدون وسطها ويقلدونها عنق الناقة ويتركونها ~~كذلك حتى تموت عند ( 2 \ 244 ) القبر ويسمون الناقة بلية والخيط الذي تشد ~~به ولية وقال بعضهم يشبه رجالا في بلية : كالبلايا في أعناقها الولايا PageV02P240 ### || AUTO تقاليد العرب التي أقرها الإسلام وبعض عاداتهم : PageV02P244 # قال محمد بن السائب الكلبي : كانت العرب في جاهليتها تحرم أشياء نزل ~~القرآن بتحريمها كانوا لا ينكحون الأمهات ولا البنات ولا الخالات ولا العمات # وكان أقبح ما يصنعون أن يجمع الرجل بين الأختين أو يختلف على امرأة أبيه ~~وكانوا يسمون من فعل ذلك الضيزن # قال أوس بن حجر التميمي يعير قوما من بني قيس بن ثعلبة تناوبوا على امرأة ~~أبيهم ثلاثة واحدا بعد الآخر : # والفارسية فيكم غير منكرة ... وكلكم لأبيه ضيزن سلف # نيكوا فكيهة وامشوا حول قبتها ... مشي الزرافة في آباطها الحجف # وكان أول من جمع بين الأختين من قريش أبو أحيحة سعد بن العاص جمع بين هند ~~وصفية ابنتي المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم # قال : وكان الرجل إذا مات عن المرأة أو طلقها قام أكبر بنيه فإن كان له ~~فيها حاجة طرح ثوبه عليها وإن لم يكن له ms381 فيها حاجة تزوجها بعض إخوته بمهر جديد # قال : وكانوا يخطبون المرأة إلى أبيها أو إلى أخيها أو عمها أو بعض بني عمها # وكان يخطب الكفء إلى الكفء # فإن كان أحدهما أشرف من الآخر في النسب رغب له في المال # وإن كان هجينا خطب إلى هجين فزوجه هجينة مثله # ويقول الخاطب إذا أتاهم : أنعموا صباحا ثم يقول : نحن أكفاؤكم ونظراؤكم ~~فإن زوجتمونا فقد أصبنا رغبة ( 2 \ 245 ) وأصبتمونا وكنا لصهركم حامدين وإن ~~رددتمونا لعلة نعرفها رجعنا عاذرين # فإن كان قريب القرابة من قومه قال أبوها أو أخوها : إذا حملت إليه وأيسرت ~~أذكرت ولا أنثت جعل الله منك عددا وعزا وخلدا أحسني خلقك وأكرمي زوجك وليكن ~~طيبك الماء # وإذا تزوجت في غربة قال لها : لا أيسرت ولا أذكرت فإنك تدنين البعداء ~~أوتلدين الأعداء أحسني خلقك وتحببي إلى أحمائك فإن لهم عينا ناظرة إليك ~~وأذنا سامعة وليكن طيبك الماء # وكانوا يطلقون ثلاثا على التفرقة قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما : ~~أول من طلق ثلاثا على التفرقة إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام وكان العرب ~~يفعلون ذلك فتطلقها واحدة وهو أحق الناس بها حتى إذا استوفى الثلاث انقطع ~~السبيل عنها # ومنه قول الأعشى ميمون بن قيس حين تزوج امرأة فرغب قومها عنه فأتاه قومها ~~فهددوه بالضرب أو يطلقها : # أيا جارتي بيني فإنك طالقه كذاك أمور الناس غاد وطارقه # قالوا : ثنه # فقال : # وبيني فإن البين خير من العصا وأن لا ترى لي فوق رأسك بارقه # قالوا : ثلث # فقال : # وبيني حصان الفرج غير ذميمة ... وموموقة قد كنت فينا ووامقه # قال : وكان أمر الجاهلية في نكاح النساء على أربع : # رجل يخطب فيتزوج # وامرأة يكون لها خليل يختلف إليها فإن ولدت قالت : هو لفلان فيتزوجها بعد هذا # وامرأة يختلف إليها النفر وكلهم يواقعها في طهر واحد فإذا ولدت ألزمت ~~الولد أحدهم وهذه تدعى المقسمة # وامرأة ذات راية يختلف إليها الكثير وكلهم يواقعها فإذا ولدت جمعوا لها ~~القافة فيلحقون الولد بشبيهه # ( 2 \ 246 ) # قال : وكانوا يحجون البيت ويعتمرون ms382 ويحرمون قال زهير : # وكم بالقيان من محل ومحرم # ويطوفون بالبيت سبعا ويمسحون بالحجر ويسعون بين الصفا والمروة قال أبو طالب : # وأشواط بين المروتين إلى الصفا وما فيهما من صور وتخايل # وكانوا يلبون إلا أن بعضهم كان يشرك في تلبيته في قوله : # إلا شريك هو لك ... تملكه وما ملك # ويقفون المواقف كلها قال العدوي : # فأقسم بالذي حجت قريش وموقف ذي الحجيج على اللآلي # وكانوا يهدون الهدايا ويرمون الجمار ويحرمون الأشهر الحرم فلا يغزون ولا ~~يقاتلون فيها إلا طي وخثعم وبعض بني الحارث بن كعب فإنهم كانوا لا يحجون ~~ولا يعتمرون ولا يحرمون الأشهر الحرم ولا البلد الحرام # وإنما سمت قريش الحرب التي كانت بينها وبين غيرها عام الفجار لأنها كانت ~~في أشهر الحرم حيث لا تقاتل فلما قاتلوا فيها قالوا : قد فجرنا فلذلك سموها ~~: حرب الفجار # وكانوا يكرهون الظلم في الحرم وقالت امرأة منهم تنهى ابنها عن الظلم : # أبني لا تظلم بمسك ... ة لا الصغير ولا الكبير أبني من بظلم بمك ... ة ~~يلق أطراف الشرور أبني قد جربتها ... فوجدت ظالمها يبور # أبني أمن طيرها ... والوحش تأمن في ثبير # ومنهم من كان ينسئ الشهور وكانوا يكسبوا في كل عامين شهرا وفي كل ثلاثة ~~أعوام شهرا وكانوا إذا حجوا في شهر من هذه السنة لم يخطئوا أن يجعلوا يوم ~~التروية ويوم عرفة ويوم النحر كهيئة ذلك في شهر ذي الحجة حتى يكون يوم ~~النحر اليوم العاشر من ذلك الشهر ويقيمون بمنى فلا يبيعون في يوم عرفة ولا ~~في أيام منى وفيهم أنزلت : ( إنما النسيء زيادة في الكفر ) # وكانوا إذا ذبحوا للأصنام لطخوها بدماء الهدايا يلتمسون بذلك الزيادة في ~~أموالهم # وكان قصي بن كلاب ينهى عن عبادة غير الله من الأصنام وهو القائل : # أربا واحدا أم ألف رب ... أدين إذا تقسمت الأمور # تركت اللات والعزى جميعا ... كذلك يفعل الرجل البصير # فلا العزى أدين ولا ابنتيها ... ولا صنمي بني غنم أزور # وقيل : هي لزيد بن عمرو بن نفيل فلقي في ذلك من قريش شرا حتى ms383 أخرجوه عن ~~الحرم فكان لا يدخله إلا ليلا # وقال القلمس بن أمية الكناني يخطب للعرب بفناء مكة : أطيعوني ترشدوا # قالوا : وما ذاك ؟ # قال : إنكم قد تفرقتم بآلهة شتى وإني لأعلم ما الله راض به وإن الله رب ~~هذه الآلهة وإنه ليجب أن يعبد وحده # قال : فتفرقت عنه العرب حين قال ذلك وتجنبت عنه طائفة أخرى وزعمت أنه على ~~دين بني تميم # قال : وكانوا بغتسلون من الجنابة ويغسلون موتاهم # قال الأفوه الأودي : # ألا عللاني واعلما أنني غرر ... فما قلت ينجيني الشقاق ولا الحذر # وما قلت يجديني ثيابي إذا بدت ... مفاصل أوصالي وقد شخص البصر # ( 2 \ 248 ) # وجاءوا بماء بارد يغسلونني ... فيالك من غسل سيتبعه كبر # قال : وكانوا يكفنون موتاهم ويصلون عليهم وكانت صلاتهم : إذا مات الرجل ~~حمل على سريره ثم يقوم وليه فيذكر محاسنه كلها ويثني عليه ثم يدفن ثم يقول ~~عليك رحمة الله وبركاته # وقال رجل من كلب في الجاهلية لابن ابن له : # أعمرو إن هلكت وكنت حيا ... فإني مكثر لك في صلاتي # وأجعل نصف مالي لابن سام ... حياتي إن حييت وفي مماتي # قال : وكانوا يداومون على طهارات الفطرة التي ابتلي بها إبراهيم عليه ~~السلام وهي الكلمات العشر فإنهن خمس في الرأس وخمس في الجسد : # فأما اللواتي في الرأس : فالمضمضة والاستنشاق وقص الشارب والفرق والسواك # وأما اللواتي في الجسد : فالاستنجاء وتقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق ~~العانة والختان # فلما جاء الإسلام قررها سنة من السنن # وكانوا يقطعون يد السارق اليمنى إذا سرق # وكان ملوك اليمن وملوك الحيرة يصلبون الرجل إذا قطع الطريق # وكانوا يوفون بالعهود ويكرمون الجار ويكرمون الضيف # قال حاتم الطائي : # إلهم ربي وربي إلهم ... فأقسمت لا أرسو ولا أتعذر # وقال أيضا : # لقد كان في البرايا الناس أسوة كأن لم يسبق جحش بعير ولا حمر # وكانوا أناسا موقنين بربهم بكل مكان فيهم عابد بكر # ( 2 \ 249 ) PageV02P244 ### | AUTO الباب الرابع : آراء الهند PageV02P249 ~~قد ذكرنا أن الهند أمة كبيرة وملة عظيمة وآراؤهم مختلفة : # فمنهم البراهمة : وهم المنكرون للنبوات أصلا # ومنهم من يميل ms384 إلى الدهر # ومنهم من يميل إلى مذهب الثنوية ويقول بملة إبراهيم عليه السلام # وأكثرهم على مذهب الصابئة ومناهجها فمن قائل بالروحانيات ومن قائل ~~بالهياكل ومن قائل بالأصنام إلا أنهم مختلفون في شكل الهياكل التي ابتدعوها ~~وكيفية أشكال وضعوها # ومنهم حكماء على طريق اليونانيين علما وعملا # فمن كانت طريقته على منهاج الدهرية والثنوية والصابئة فقد أغنانا حكاية ~~مذاهبهم قبل عن حكاية مذهبه # ومن انفرد عنهم بمقالة ورأي فهم خمس فرق : البراهمة وأصحاب الروحانيات ~~وأصحاب الهياكل وعبدة الأصنام والحكماء # ونحن نذكر مقالات هؤلاء كما قد وجدنا في كتبهم المشهورة PageV02P249 ### || AUTO الفصل الأول : البراهمة PageV02P249 ~~من الناس من يظن أنهم سموا براهمة لانتسابهم إلى إبراهيم عليه السلام وذلك ~~خطأ فإن هؤلاء هم المخصوصون بنفي النبوات أصلا ورأسا فكيف يقولون بإبراهيم ~~عليه السلام ؟ والقوم الذين اعتقدوا نبوة إبراهيم عليه السلام من أهل الهند ~~فهم الثنوية ( 2 \ 250 ) منهم القائلون بالنور والظلمة على رأي أصحاب ~~الاثنين وقد ذكرنا مذاهبهم # وهؤلاء البراهمة إنما انتسبوا إلى رجل منهم يقال له : براهم وقد مهد لهم ~~نفي النبوات أصلا وقرر استحالة ذلك في العقول بوجوه : # منها أن قال : إن الذي يأتي به الرسول لم يخل من أحد أمرين : # إما أن يكون معقولا # وإما أن لا يكون معقولا # فإن كان معقولا فقد كفانا العقل التام بإدراكه والوصول إليه فأي حاجة لنا ~~إلى الرسول # وإن لم يكن معقولا فلا يكون مقبولا إذ قبول ما ليس بمعقول خروج عن حد ~~الإنسانية ودخول في حريم البهيمية # ومنها أن قال : قد دل العقل على أن الله تعالى حكيم والحكيم لا يتعبد ~~الخلق إلا بما تدل عليه عقولهم وقد دلت الدلائل العقلية على أن للعالم ~~صانعا عالما قادرا حكيما وأنه أنعم على عباده نعما توجب الشكر فننظر في ~~آيات خلقه بعقولنا ونشكره بالآئه علينا وإذا عرفناه وشكرنا له استوجبنا ~~ثوابه وإذا أنكرناه وكفرنا به استوجبنا عقابه فما بالنا نتبع شرا مثلنا ~~فإنه إن كان يأمرنا بما يخالف ذلك كان قوله دليلا ظاهرا على كذبه # ومنها أن ms385 قال : قد دل العقل على أن العالم صانعا حكيما والحكيم لا يتعبد ~~الخلق بما يقبح في عقولهم وقد وردت أصحاب الشرائع بمستقبحات من حيث العقل ~~من التوجه إلى بيت مخصوص في العبادة والطواف حوله والسعي ورمي الجمار ~~والإحرام والتلبية وتقبيل الحجر الأصم وكذلك ذبح الحيوان وتحريم ما يمكن أن ~~يكون غذاء للإنسان وتحليل ما ينقص من بنيته وغير ذلك وكل هذه الأمور مخالفة ~~لقضايا العقول # ومنها أنه قال : إن أكبر الكبائر في الرسالة اتباع رجل هو مثلك في الصورة ~~والنفس والعقل يأكل مما تأكل ويشرب مما تشرب حتى تكون بالنسبة إليه كجماد ~~يتصرف فيك رفعا ووضعا أو كحيوان يصرفك أماما وخلفا أو كعبد يتقدم إليك أمرا ~~ونهيا ( 2 \ 251 ) فأي تميز له عليك ؟ وأية فضيلة أوجبت اسخدامك ؟ وما ~~دليله على صدق دعواه ؟ # فإن اغتررتم بمجرد قوله فلا تميز لقول على قول وإن انحسرتم بحجته ومعجزته ~~فعندنا من خصائص الجواهر والأجسام ما لا يحصى كثرة ومن المخبرين عن مغيبات ~~الأمور من ساوى خبره # ( قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من ~~عباده ) فإذا اعترفتم بأن للعالم صانعا وخالقا وحكيما فاعترفوا بأنه آمر ~~وناه حاكم على خلقه وله في جميع ما نأتي ونذر ونعمل ونفكر حكم وأمر وليس كل ~~عقل إنساني على استعداد ما يعقل عنه أمره ولا كل نفس بشرى بمثابة من يقبل ~~عنه حكمه بل أوجبت منته ترتيبا في العقول والنفوس واقتضت قسمته أن يرفع ( ~~بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون ) ~~فرحمة الله الكبرى هي النبوة والرسالة وذلك خير مما يجمعون بعقولهم ~~المختالة # ثم إن البراهمة تفرقوا أصنافا : # فمنهم أصحاب البددة # ومنهم أصحاب الفكرة # ومنهم أصحاب التناسخ PageV02P249 ### || AUTO أصحاب البددة : PageV02P251 # ومعنى البد عندهم : شخص في هذا العالم لا يولد ولا ينكح ولا يطعم ولا يشرب ~~ولا يهرم ولا يموت # وأول بد ظهر في العالم اسمه شاكمين وتفسيره : السيد الشريف ومن وقت ظهوره ~~إلى وقت الهجرة خمسة ms386 آلاف سنة # قالوا : ودون مرتبة البد مرتبة البوديسعية ومعناه : الإنسان الطالب سبيل ~~الحق وإنما يصل إلى تلك المرتبة : # بالصبر والعطية # وبالرغبة فيما يجب أن يرغب فيه # وبالامتناع والتخلي عن الدنيا والعزوف عن شهواتها ولذاتها والعفة عن ~~محارمها والرحمة على جميع الخلق . ( 2 \ 252 ) # وبالاجتناب عن الذنوب العشرة : # قتل كل ذي روح # واستحلال أموال الناس # والزنا # والكذب # والنميمة # والبذاء # والشتم # وشناعة الألقاب # والسفه # والجحد لجزاء الآخرة # وباستكمال عشرة خصال : # إحداها : الجود والكرم # والثانية : العفو عن المسيء ودفع الغضب بالحلم # والثالثة : التعفف عن الشهوات الدنيوية # والرابعة : الفكرة في التخلص إلى ذلك العالم الدائم الوجود من هذا العالم الفاني # والخامسة : رياضة العقل بالعلم والأدب وكثرة النظر إلى عواقب الأمور # والسادسة : القوة على تصريف النفس في طلب العليات # والسابعة : لين القلب وطيب الكلام مع كل أحد # والثامنة : حسن المعاشرة مع الإخوان بإيثار اختيارهم على اختيار نفسه # والتاسعة : الإعراض عن الخلق بالكلية والتوجه إلى الحق بالكلية # والعاشرة : بذل الروح شوقا إلى الحق ووصولا إلى جناب الحق # وزعموا أن البددة أتوهم على عدد الهياكل من نهر الكنك وأعطوهم العلوم ~~وظهروا لهم في أجناس وأشخاص شتى ولم يكونوا يظهرون إلا في بيوت الملوك لشرف ~~جواهرهم # قالوا : ولم يكن بينهم اختلاف فيما ذكر عنهم من أزلية العالم وقولهم في ~~الجزاء على ما ذكرنا وإنما اختص ظهور البددة بأرض الهند لكثرة ما فيها من ~~خصائص التربة والإقليم ومن فيها من أهل الرياضة والاجتهاد # وليس يشبه البد - على ما وصفوه إن صدقوا في ذلك - إلا بالخضر الذي يثبته ~~أهل الإسلام PageV02P251 ### || AUTO أصحاب الفكرة والوهم : PageV02P252 # وهؤلاء أعلم منهم بالفلك والنجوم وأحكامها المنسوبة إليهم # وللهند طريقة تخالف طريقة منجمي الروم والعجم وذلك أنهم يحكمون أكثر ~~الأحكام باتصالات الثوابت دون السيارات وينشئون الأحكام عن خصائص الكواكب ~~دون طبائعها ويعدون زحل السعد الأكبر وذلك لرفعة مكانه وعظم جرمه وهو الذي ~~يعطي العطايا الكلية من ( 2 \ 253 ) السعادة والجزئية من النحوسة # وكذلك سائر الكواكب لها طبائع وخواص فالروم يحكمون من الطبائع والهند ~~يحكمون من الخواص ms387 # وكذلك طبهم : فإنهم يعتبرون خواص الأدوية دون طبائعها والروم تخالفهم في ذلك # وهؤلاء أصحاب الفكرة يعظمون الفكر ويقولون : هو المتوسط بين المحسوس ~~والمعقول فالصور من المحسوسات ترد عليه والحقائق من المعقولات ترد عليه ~~أيضا فهو مورد العلمين من العالمين فيجتهدون كل الجهد حتى يصرفوا الوهم ~~والفكر عن المحسوسات بالرياضيات البليغة والاجتهادات المجهدة حتى إذا تجرد ~~الفكر عن هذا العالم تجلى له ذلك العالم فربما يخبر عن مغيبات الأحوال ~~وربما يقوى على حبس الأمطار وربما يوقع الوهم على رجل حي فيقتله في الحال ~~ولا يستعبد ذلك فإن للوهم أثرا عجيبا في تصريف الأجسام والتصرف في النفوس ~~أليس الاحتلام في النوم تصرف الوهم في الجسم ؟ أليست إصابة العين تصرف ~~الوهم في الشخص ؟ أليس الرجل يمشي على جدار مرتفع فيسقط في الحال ولا يأخذ ~~من عرض المسافة في خطواته سوى ما أخذه على الأرض المستوية ؟ # والوهم إذا تجرد عمل أعمالا عجيبة ولهذا كانت الهند تغمض عينها أياما ~~لئلا يشتغل الفكر والوهم بالمحسوسات ومع التجرد إذا اقترن به وهم آخر ~~اشتركا في العمل خصوصا إذا كانا متفقين غاية الاتفاق ولهذا كانت عادتهم إذا ~~دهمهم أمر أن يجتمع أربعون رجلا من المهذبين المخلصين المتفقين على رأي ~~واحد في الإصابة فيتجلى لهم المهم الذي يهضمهم حمله ويندفع عنهم البلاء ~~الملم الذي يكادهم ثقله # ومنهم البكرنتينية : يعني المصفدين بالحديد وسنتهم حلق الرءوس واللحى ~~وتعرية الأجسام ما خلا العورة وتصفيد البدن من أوساطهم إلى صدورهم لئلا ~~تنشق بطونهم من كثرة العلم وشدة الوهم وغلبة الفكر ولعلهم رأوا في الحديد ~~خاصية تناسب الأوهام وإلا فالحديد كيف يمنع انشقاق البطن وكثرة العلم كيف ~~توجب ذلك # ( 2 \ 254 ) PageV02P252 ### || AUTO أصحاب التناسخ : PageV02P254 # وقد ذكرنا مذاهب التناسخية وما من ملة من الملل إلا وللتناسخ فيها قدم ~~راسخ وإنما تختلف طرقهم في تقرير ذلك # فأما تناسخية الهند : فأشد اعتقادا لذلك لما عاينوا من طير يظهر في وقت ~~معلوم فيقع على شجرة معلومة فيبيض ويفرخ ثم إذا تم نوعه بفراخه حك بمنقاره ~~ومخالبه فتبرق منه ms388 نار تلتهب فيحترق الطير ويسيل منه دهن يجتمع في أصل ~~الشجرة في مغارة ثم إذا حال الحول وحان وقت ظهوره انخلق من هذا الدهن مثله ~~طير فيطير ويقع على الشجرة وهو أبدا كذلك # قالوا : فما مثل الدنيا وأهلها في الأدوار والأكوار إلا كذلك # قالوا : وإذا كانت حركات الأفلاك دروية فلا محالة يصل رأس الفرجار إلى ما ~~بدأ ودار دورة ثانية على الخط الأول أفاد - لا محالة - ما أفاد الدور الأول ~~إذ لا اختلاف بين الدورين حتى يتصور اختلاف بين الأثرين فإن المؤثرات عادت ~~كما بدأت والنجوم والأفلاك دارت على المركز الأول وما اختلفت أبعادها ~~واتصالاتها ومناظراتها ومناسباتها بوجه فيجب أن لا تختلف المتأثرات ~~الباديات منها بوجه وهذا هو تناسخ الأدوار والأكوار # ولهم اختلافات في الدورة الكبرى كم هي من السنين : # وأكثرهم على أنها ثلاثون ألف سنة # وبعضهم على أنها ثلاثمائة ألف سنة وستين ألف سنة # وإنما يعتبرون في تلك الأدوار سير الثوابت لا السيارات # وعند الهند أكثرهم أن الفلك مركب من الماء والنار والريح وأن الكواكب فيه ~~نارية هوائية فلم تعدم الموجودات العلوية إلا العنصر الأرضي فحسب # ( 2 \ 255 ) PageV02P254 ### || AUTO الفصل الثاني : أصحاب الروحانيات PageV02P255 ~~ومن أهل الهند جماعة أثبتوا متوسطات روحانية يأتونهم بالرسالة من عند الله ~~عز وجل في صورة البشر من غير كتاب فيأمرهم بأشياء وينهاهم عن أشياء ويسن ~~لهم الشرائع ويبين لهم الحدود # وإنما يعرفون صدقه بتنزهه عن حطام الدنيا واستغنائه عن الأكل والشرب ~~والبعال PageV02P255 ### || AUTO الباسنوية : PageV02P255 # زعموا أن رسولهم ملك روحاني نزل من السماء على صورة بشر : # فأمرهم بتعظيم النار وأن يتقربوا إليها بالعطر والطيب والأدهان والذبائح # ونهاهم عن القتل والذبح إلا ما كان للنار # وسن لهم أن يتوشحوا بخيط يعقدونه من مناكبهم الأيامن إلى تحت شمائلهم # ونهاهم أيضا عن الكذب وشرب الخمر وأن لا يأكلوا من أطعمة غير ملتهم ولا ~~من ذبائحهم وأباح لهم الزنا لئلا ينقطع النسل # وأمرهم أن يتخذوا على مثاله صنما يتقربون إليه ويعبدونه ويطوفون حوله كل ~~يوم ثلاث مرات بالمعازف والتبخير والغناء ms389 والرقص # وأمرهم بتعظيم البقرة والسجود لها حيث رأوها وأن يفزعوا في التوبة إلى ~~التمسح بها وأمرهم أن لا يجوزوا نهر كنك PageV02P255 ### || AUTO الباهودية : PageV02P255 # زعموا أن رسولهم ملك روحاني على صورة بشر اسمه باهود # أتاهم وهو راكب على ثور على رأسه إكليل مكلل بعظام الموتى من عظام الرءوس ~~ومتقلد من ذلك بقلادة وبإحدى يديه قحف إنسان وبالأخرى مرزاق ذو ثلاث شعب # ( 2 \ 256 ) # يأمرهم بعبادة الخالق عز وجل وبعبادته معه وأن يتخذوا على مثاله صنما ~~يعبدونه وأن لا يعافوا شيئا وأن تكون الأشياء كلها في طريقة واحدة لأنها ~~جميعا صنع الخالق عز وجل وأن يتخذوا من عظام الناس قلائد يتقلدونها وأكاليل ~~يضعونها على رءوسهم وأن يمسحوا أجسادهم ورءوسهم بالرماد # وحرم عليهم الذبائح والنكاح وجمع الأموال # وأمرهم برفض الدنيا ولا معاش لهم فيها إلا من الصدقة PageV02P255 ### || AUTO الكابلية : PageV02P256 # زعموا أن رسولهم ملك روحاني يقال له : شب # أتاهم في صورة بشر متمسح بالرماد على رأسه قلنسوة من لبود أحمر طولها ~~ثلاثة أشبار مخيط عليها صفائح من قحف الناس متقلد قلادة من أعظم ما يكون ~~متمنطق من ذلك بمنطقة متسور منها بسوار متخلخل منها بخلخال وهو عريان ~~فأمرهم أن يتزينوا بزينته ويتزيوا بزيه وسن لهم شرائع وحدودا PageV02P256 ### || AUTO البهادونية : PageV02P256 # قالوا : إن بهادون كان ملكا عظيما أتانا في صورة إنسان عظيم وكان له أخوان ~~قتلاه وعملا من جلدته الأرض ومن عظامه الجبال ومن دمه البحار # وقيل : هذا رمز وإلا فحال صورة الإنسان لا تبلغ إلى هذه الدرجة # وصورة بهادون راكب على دابة كثير شعر الرأس قد أسبله على وجهه وقد قسم ~~الشعر على جوانب رأسه قسمة مستوية وأسبله كذلك على نواحي الرأس قفا ووجها ~~وأمرهم أن يفعلوا كذلك # وسن لهم أن لا يشربوا الخمر وإذا رأوا امرأة هربوا منها وأن يحجوا إلى ~~جبل يدعى جورعن وعليه بيت عظيم فيه صورة بهادون ولذلك البيت سدنة لا يكون ~~المفتاح إلا بأيديهم فلا يدخلون إلا بإذنهم # وإذا فتحوا الباب سدوا أفواههم حتى لا تصل أنفاسهم إلى الصنم # ( 2 ms390 \ 257 ) # ويذبحون له الذبائح ويقربون له القرابين ويهدون له الهدايا # وإذا انصرفوا من حجهم لم يدخلوا العمران في طريقهم ولم ينظروا إلى محرم ~~ولم يصلوا إلى أحد بسوء وضرر من قول وفعل PageV02P256 ### || AUTO الفصل الثالث : عبدة الكواكب PageV02P257 ~~ولم ينقل للهند مذهب في عبادة الكواكب إلا فرقتان توجهتا إلى النيرين : ~~الشمس والقمر # ومذهبهم في ذلك مذهب الصابئة في توجههم إلى الهياكل السماوية دون قصر ~~الربوبية والإلهية عليها PageV02P257 ### || AUTO عبدة الشمس : PageV02P257 # زعموا أن الشمس ملك من الملائكة ولها نفس وعقل ومنها نور الكواكب وضياء ~~العالم وتكون الموجودات السفلية وهي ملك الفلك فتستحق التعظيم والسجود ~~والتبخير والدعاء # وهؤلاء يسمون الدينيكيتية أي عباد الشمس # ومن سنتهم أن اتخذوا لها صنما بيده جوهر على لون النار وله بيت خاص بنوه ~~باسمه ووقفوا عليه ضياعا وقربانا وله سدنة وقوام فيأتون البيت ويصلون ثلاث ~~كرات ويأتيه أصحاب العلل والأمراض فيصومون له ويصلون ويدعون ويستشفون به PageV02P257 ### || AUTO عبدة القمر : PageV02P257 # زعموا أن القمر ملك من الملائكة يستحق التعظيم والعبادة وإليه تدبير هذا ~~العالم السفلي والأمور الجزئية فيه ومنه نضج الأشياء المكتوبة وإيصالها إلى ~~كمالها وبزيادته ( 2 \ 258 ) ونقصانه تعرف الأزمان والساعات وهو تلو الشمس ~~وقرينها ومنها نوره وبالنظر إليها تكون زيادته ونقصانه # وهؤلاء يسمون الجندريكينية أي عباد القمر # ومن سنتهم أن اتخذوا له صنما على شكل عجل يجره أربعة وبيد الصنم جوهر # ومن دينهم أن يسجدوا له ويعبدوه وأن يصوموا النصف من كل شهر لا يفطروا ~~حتى يطلع القمر ثم يأتون صنمه بالطعام والشراب واللبن ثم يرغبون إليه ~~وينظرون إلى القمر ويسألونه حوائجهم # فإذا استهل الشهر علوا السطوح وأوقدوا الدخن ودعوا عند رؤيته ورغبوا إليه ~~ثم نزلوا عن السطوح إلى الطعام والشراب والفرح والسرور ولم ينظروا إليه إلا ~~على وجوه حسنة # وفي نصف الشهر إذا فرغوا من الإفطار أخذوا في الرقص واللعب بالمعازف بين ~~يدي الصنم والقمر PageV02P257 ### || AUTO الفصل الرابع : عبدة الأصنام PageV02P258 ~~اعلم أن الأصناف التي ذكرنا مذاهبهم يرجعون آخر الأمر إلى عبادة الأصنام ~~إذ كان لا يستمر لهم ms391 طريقة إلا بشخص حاضر ينظرون إليه ويعكفون عليه وعن هذا ~~اتخذت أصحاب الروحانيات والكواكب أصناما زعموا أنها على صورتها # وبالجملة وضع الأصنام حيث ما قدروه إنما هو على معبود غائب حتى يكون ~~الصنم المعمول على صورته وشكله وهيأته نائبا منابه وقائما مقامه وإلا فنعلم ~~قطعا أن عاقلا ما لا ينحت جسما بيده ويصور صورة ثم يعتقد أنه إلهه وخالقه ~~وإله الكل وخالق الكل إذ كان وجوده مسبوقا بوجوده صانعه وشكله يحدث بصنعته ناحته # لكن القوم لما عكفوا على التوجه إليها كان عكوفهم ذلك عبادة وطلبهم ~~الحوائج منها إثبات إلهية لها وعن هذا كانوا يقولون : ( ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا ( 2 \ 259 ) إلى الله زلفى ) فلو كانوا مقتصرين على صورها في ~~اعتقاد الربوبية والإلهية لما تعدوا عنها إلى رب الأرباب PageV02P258 ### || AUTO المهاكالية : PageV02P259 # لهم صنم يدعى مهاكال له أربع أيد كثير شعر الرأس سبطها # وبإحدى يديه ثعبان عظيم فاغر فاه وبالأخرى عصا وبالثالثة رأس إنسان ~~وباليد الرابعة قد دفعها # وفي أذنية حيتان كالقرطين وعلى جسده ثعبانان عظيمان قد التفا عليه وعلى ~~رأسه إكليل من عظام القحف وعليه من ذلك قلادة يزعمون أنه عفريت # يستحق العبادة لعظمة قدره واستجماعه الخصال المحمودة المحبوبة والمذمومة ~~من الإعطاء والمنع والإحسان والإساءة وأنه المفزع لهم في حاجاتهم # وله بيوت عظام بأرض الهند ينتابها أهل ملته في كل يوم ثلاث مرات يسجدون ~~له ويطوفون به # ولهم موضع يقال له : أختر فيه صنم عظيم على صورة هذا الصنم يأتونه من كل ~~موضع ويسجدون له هناك ويطلبون حاجات الدنيا حتى إن الرجل يقول له فيما يسأل ~~: زوجني فلانة وأعطني كذا # ومنهم من يأتيه فيقيم عنده الأيام والليالي لا يذوق شيئا يتضرع إليه ~~ويسأله الحاجة حتى إنه ربما ينفق PageV02P259 ### || AUTO البركسهيكية : PageV02P259 # ومن ذلك البركسهيكية # من سننهم أن يتخذوا لأنفسهم صنما يعبدونه ويقربون له الهدايا # وموضع متعبدهم له أن ينظروا إلى باسق الشجر وملتفه مثل الشجر الذي يكون ~~في الجبال فيلتمسون منها أحسنها وأطولها فيجعلون ذلك الموضع موضع متعبدهم ~~ثم يأخذون ذلك الصنم ms392 فيأتون شجرة عظيمة من ذلك الشجر فينقبون فيها موضعا ~~فيركبونه فيها فيكون سجودهم وطوافهم نحو تلك الشجرة # ( 2 \ 260 ) PageV02P259 ### || AUTO الدهكينية : PageV02P260 # ومن ذلك الدهكينية # من سننهم أن يتخذوا صنما على صورة امرأة وفوق رأسه تاج وله أيد كثيرة # ولهم عيد في يوم من أيام السنة عند استواء الليل والنهار ودخول الشمس ~~الميزان فيتخذونه في ذلك اليوم عريشا عظيما بين يدي ذلك الصنم ويقربون إليه ~~القرابين من الغنم وغيرها ولا يذبحونها ولكن يضربون أعناقهم بين يديه ~~بالسيوف # ويقتلون من أصابوا من الناس قربانا بالغيلة حتى ينقضي عيدهم وهم مسيئون ~~عند عامة الهند بسبب الغيلة PageV02P260 ### || AUTO الجلهكية أي عباد الماء : PageV02P260 # ومن ذلك الجلهكية أي عباد الماء # يزعمون أن الماء ملك ومعه ملائكة وأنه أصل كل شيء وبه كل ولادة ونمو ~~ونشوء وبقاء وطهارة وعمارة وما من عمل في الدنيا إلا وهو محتاج إلى الماء # فإذا أراد الرجل عبادته تجرد وستر عورته ثم دخل الماء إلى وسطه فيقيم ~~ساعة أو ساعتين أو أكثر ويأخذ ما أمكنه من الرياحين فيقطعها صغارا ويلقي ~~فيه بعضها بعد بعض وهو يسبح ويقرأ وإذا أراد الانصراف حرك الماء بيده ثم ~~أخذ منه فنقط به رأسه ووجهه وسائر جسده خارجا ثم سجد وانصرف PageV02P260 ### || AUTO الأكنواطرية أي عباد النار : PageV02P260 # ومن ذلك الأكنواطرية أي عباد النار # زعموا أن النار أعظم العناصر جرما وأوسعها حيزا وأعلاها مكانا وأشرفها ~~جوهرا وأنورها ضياء وإشراقا وألطفها جسما وكيانا # والاحتياج إليها من الاحتياج إلى سائر الطبائع ولا كون في العالم إلا بها ~~ولا حياة ولا نمو ولا انعقاد إلا بممازجتها # ( 2 \ 261 ) # وإنما عبادتهم لها أن يحفروا أخدودها مربعا في الأرض ويؤججوا النار فيه ~~ثم لا يدعون طعاما لذيذا ولا شرابا لطيفا ولا ثوبا فاخرا ولا عطرا فائحا ~~ولا جوهرا نقيا إلا طرحوه فيها تقربا إليها وتبركا بها # وحرموا إلقاء النفوس فيها وإحراق الأبدان بها خلافا لجماعة أخرى من زهاد الهند # وعلى هذا المذهب أكثر ملوك الهند وعظمائها يعظمون النار لجوهرها تعظيما ~~بالغا ويقدمونها على الموجودات ms393 كلها # ومنهم زهاد وعباد يجلسون حول النار صائمين يسدون منافسهم حتى لا يصل ~~إليها من أنفاسهم صدر عن صدر محرم # وسنتهم الحث على الأخلاق الحسنة والمنع من أضدادها وهي : الكذب والحسد ~~والحقد واللجاج والبغي والحرص والبطر فإذا تجرد الإنسان عنها قرب من النار ~~وتقرب إليها PageV02P260 ### || AUTO الفصل الخامس : حكماء الهند PageV02P261 ~~كان لفيثاغورس الحكيم اليوناني تلميذ قلانوس قد تلقى الحكمة منه وتلمذ له ~~ثم صار إلى مدينة من مدائن الهند وأشاع فيها مذهب فيثاغورس # وكان برخمنين رجلا جيد الذهن نافذ البصيرة صائب الفكر راغبا في معرفة ~~العوالم العلوية قد أخذ من قلانوس الحكيم حكمته واستفاد منه علمه وصنعته # فلما توفي قلانوس ترأس برخمنين على الهند كلهم فرغب الناس في تلطيف ~~الأبدان وتهذيب الأنفس # وكان يقول : أي امرئ هذب نفسه وأسرع الخروج عن هذا العالم الدنس وطهر ~~بدنه من أوساخه ظهر له كل شيء وعاين كل غائب وقدر على كل ( 2 \ 262 ) متعذر ~~وكان محبورا مسرورا ملتذا عاشقا لا يمل ولا يكل ولا يمسه نصب ولا لغوب # فلما نهج لهم الطريق واحتج عليهم بالحجج المقنعة اجتهدوا اجتهادا شديدا # وكان يقول أيضا : إن ترك لذات هذا العالم هو الذي يلحقكم بذلك العالم حتى ~~تتصلوا به وتنخرطوا في سلكه وتخلدوا في لذاته ونعيمه فدرس أهل الهند هذا ~~القول ورسخ في عقولهم PageV02P261 ### || AUTO اختلاف الهنود بعد وفاة برخمنين : PageV02P262 # ثم توفي عنهم برخمنين وقد تجسم القول في عقولهم لشدة الحرص والعجلة في ~~اللحاق بذلك العالم فافترقوا فرقتين : # فرقة قالت : إن التناسل في هذا العالم هو الخطأ الذي لا خطأ أبين منه إذ ~~هو نتيجة اللذة الجسدانية وثمرة النطفة الشهوانية فهو حرام وما يؤدي إليه ~~من الطعام اللذيذ والشراب الصافي وكل ما يهيج الشهوة واللذة الحيوانية ~~وينشط القوة البهيمية فهو حرام أيضا فاكتفوا بالقليل من الغذاء على قدر ما ~~تثبت به أبدانهم # ومنهم من كان لا يرى ذلك القليل أيضا ليكون لحاقه بالعالم الأعلى أسرع # ومنهم من إذا رأى عمره قد تنفس ألقى بنفسه في النار تزكية ms394 لنفسه وتطهيرا ~~لبدنه وتخليصا لروحه # ومنهم من يجمع ملاذ الدنيا من الطعام والشراب والكسوة فيمثلها نصب عينيه ~~لكي يراها البصر وتتحرك نفسه البهيمية إليها فتشتاقها وتشتهيها فيمنع نفسه ~~عنها بقوة النفس المنطقية حتى يذبل البدن وتضعف النفس وتفارق البدن لضعف ~~الرباط الذي كان يربطها به # وأما الفريق الآخر : فإنهم كانوا يرون التناسل والطعام والشراب وسائر ~~اللذات بالقدر الذي هو طريق الحق حلالا # وقليل منهم من يتعدى عن الطريق ويطلب الزيادة # ( 2 \ 263 ) # وكان قوم من الفريقين سلكوا مذهب فيثاغورس من الحكمة والعلم فتلطفوا حتى ~~صاروا يظهرون على ما في أنفس أصحابهم من الخير والشر ويحبرون بذلك فيزيدهم ~~ذلك حرصا على رياضة الفكر وقهر النفس الأمارة بالسوء واللحوق بما لحق به ~~أصحابهم # ومذهبهم في الباري تعالى أنه نور محض إلا أنه لابس جسدا ما يستتر به لئلا ~~يراه إلا من استأهل رؤيته واستحقها كالذي يلبس في هذا العالم جلد حيوان ~~فإذا خلعه نظر إليه من وقع بصره عليه وإذا لم يلبسه لم يقدر أحد من النظر إليه # ويزعمون أنهم كالسبايا في هذا العالم فإن من حارب النفس الشهوية حتى ~~منعها عن ملاذها فهو الناجي من دنيات العالم السفلي ومن لم يمنعها بقي ~~أسيرا في بدنها والذي يريد أن يحارب هذا أجمع فإنما يقدر على محاربتها بنفي ~~التجبر والعجب وتسكين الشهوة والحرص والبعد عما يدل عليها ويوصل إليها PageV02P262 ### || AUTO الإسكندر في الهند : PageV02P263 # ولما وصل الإسكندر إلى تلك الديار وأراد محاربتهم صعب عليه افتتاح مدينة ~~أحد الفريقين وهم الذين كانوا يرون استعمال اللذات في هذا العالم بقدر ~~القصد الذي لا يخرج إلى فساد البدن فجهد حتى فتحها وقتل منهم جماعة من أهل ~~الحكمة فكانوا يرون جثث قتلاهم مطروحة كأنها جثث السمك الصافية النقية التي ~~في الماء الصافي فلما رأوا ذلك ندموا على فعلهم ذلك بهم وأمسكوا عن الباقين # وأما الفريق الثاني : وهم الذين زعموا أن لا خير في اتخاذ النساء والرغبة ~~في النسل ولا في شيء من الشهوات الجسدانية كتبوا إلى الإسكندر كتابا ms395 مدحوه ~~فيه على حب الحكمة وملابسة العلم وتعظيم أهل الرأي والعقل والتمسوا منه ~~حكيما يناظرهم فنفذ إليهم واحدا من الحكماء فنضلوه بالنظر وفضلوه بالعمل ~~فانصرف الإسكندر عنهم ووصلهم بجوائز سنية وهدايا كريمة # فقالوا : إذا كانت الحكمة تفعل بالملوك هذا الفعل في هذا العالم ( 2 \ ~~264 ) فكيف إذا لبسناها على ما يجب لباسها واتصلت بنا غاية الاتصال ؟ # ومناظراتهم مذكورة في كتب أرسطوطاليس # ومن سنتهم إذا نظروا إلى الشمس قد أشرقت سجدوا لها وقالوا : ما أحسنك من ~~نور وما أبهاك وما أنورك لا تقدر الأبصار أن تلتذ بالنظر إليك فإن كنت أنت ~~النور الأول الذي لا نور فوقك فلك المجد والتسبيح وإياك نطلب وإليك نسعى ~~لندرك السكن بقربك وننظر إلى إبداعك الأعلى وإن كان فوقك وأعلى منك نور آخر ~~أنت معلول له فهذا التسبيح وهذا المجد له وإنما سعينا وتركنا جميع لذات هذا ~~العالم لنصير مثلك ونلحق بعالمك ونتصل بساكنك وإذا كان المعلول بهذا البهاء ~~والجلال فكيف يكون بهاء العلة وجلالها ومجدها وكمالها ؟ فحق لكل طالب أن ~~يهجر جميع اللذات فيظفر بالجوار بقربه ويدخل في غمار جنده وحزبه # هذا ما وجدته من مقالات أهل العلم ونقلته على ما وجدته فمن صادف فيه خللا ~~في النقل فأصلحه أصلح الله عز وجل - بفضله - حاله وسدد أقواله وأفعاله وهو ~~حسبنا ونعم الوكيل # والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيد المرسلين محمد المصطفى وآله ~~الطيبين الطاهرين وصحابته الأكرمين وسلم تسليما كثيرا # ( 2 \ 264 ) PageV02P263 ~~ ms396